######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0021720 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: 790هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 790 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الاعتصام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 2 (في ترقيم مسلسل واحد) #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0021720 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-21720 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/21720 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: سليم بن عيد الهلالي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1412هـ - 1992م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ابن عفان، السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [الاعتصام] # المؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي ~~(المتوفى: 790ه) # تحقيق: سليم بن عيد الهلالي # الناشر: دار ابن عفان، السعودية # الطبعة: الأولى، 1412ه - 1992م # عدد الأجزاء: 1 # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] # PageV00P000 ### | [مقدمة المؤلف] ### | [معنى حديث " بدأ الإسلام غريبا "] # الحمد لله المحمود على كل حال، الذي بحمده يستفتح كل أمر ذي بال، خالق ~~الخلق لما شاء، وميسرهم على وفق علمه وإرادته، لا على وفق أغراضهم لما سر ~~وساء، ومصرفهم بمقتضى القبضتين، فمنهم شقي وسعيد، وهداهم النجدين فمنهم ~~قريب وبعيد، ومسويهم على قبول الإلهامين ففاجر وتقي، كما قدر أرزاقهم ~~بالعدل على حكم الطرفين ففقير وغني، كل منهم جار على ذلك الأسلوب فلا ~~يعدوه، فلو تمالئوا على أن يسدوا ذلك الفتق لم يسدوه، أو يردوا ذلك الحكم ~~السابق لم ينسخوه ولم يردوه، فلا إطلاق لهم على تقييده ولا انفصال، {ولله ~~يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: ~~15]. # والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبي الرحمة، وكاشف الغمة، الذي ~~نسخت شريعته كل شريعة، وشملت دعوته كل أمة، فلم يبق لأحد حجة دون حجته، ولا ~~استقام لعاقل طريق سوى لاحب محجته، وجمعت تحت حكمتها كل معنى مؤتلف، فلا ~~يسمع بعد وضعها خلاف مخالف ولا قول مختلف، فالسالك سبيلها معدود في الفرقة ~~الناجية، # PageV01P017 # والناكب عنها مصدود إلى الفرق المقصرة أو الفرق الغالية. # صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بشمسه المنيرة، واقتفوا آثاره ~~اللائحة وأنواره الواضحة وضوح الظهيرة، وفرقوا بصوارم أيديهم وألسنتهم بين ~~كل نفس فاجرة ومبرورة، وبين كل حجة بالغة وحجة مبيرة، وعلى التابعين لهم ~~على ذلك السبيل، سائر المنتمين إلى ذلك القبيل، وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد: فإني أذكرك أيها الصديق الأوفى، والخالصة الأصفى، في مقدمة ~~ينبغي تقديمها قبل الشروع في المقصود، وهي معنى قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا، كما بدأ فطوبى للغرباء. # قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون عند فساد الناس. # PageV01P018 # وفي رواية: قيل: ومن ms001 الغرباء يا رسول الله؟ قال: النزاع من القبائل». # PageV01P020 # وهذا مجمل، ولكنه مبين في الرواية الأخرى. وجاء من طريق آخر: «بدأ ~~الإسلام غريبا، ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء حين ~~يفسد الناس». # وفي رواية لابن وهب قال عليه الصلاة والسلام: «طوبى للغرباء الذين يمسكون ~~بكتاب الله حين يترك، ويعملون بالسنة حين تطفى». # وفي رواية: «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى # PageV01P021 # للغرباء. قالوا: يا رسول الله كيف يكون غريبا؟ قال: كما يقال للرجل في حي ~~كذا وكذا: إنه لغريب». # وفي رواية: «أنه سئل عن الغرباء؟ قال: الذين يحيون ما أمات الناس من ~~سنتي». # PageV01P022 # وجملة المعنى فيه من جهة وصف الغربة ما ظهر بالعيان والمشاهدة في أول ~~الإسلام وآخره: # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى على حين فترة من ~~الرسل، وفي جاهلية جهلاء، لا تعرف من الحق رسما، ولا تقيم به في مقاطع ~~الحقوق حكما، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها، وما استحسنه أسلافها، من ~~الآراء المنحرفة، والنحل المخترعة، والمذاهب المبتدعة. # فحين قام فيهم صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا، فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر، وغيروا في وجه صوابه ~~بالإفك، ونسبوا إليه إذ خالفهم في الشرعة ونابذهم في النحلة كل محال، ورموه ~~بأنواع البهتان، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق، الذي لم يجربوا ~~عليه قط خبرا بخلاف مخبره، وآونة يتهمونه بالسحر وفي علمهم أنه لم يكن من ~~أهله ولا ممن يدعيه، وكرة يقولون: إنه مجنون مع تحققهم بكمال عقله وبراءته ~~من مس الشيطان وخبله. # PageV01P023 # وإذا دعاهم إلى عبادة المعبود بحق وحده لا شريك له، قالوا: {أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5]، مع الإقرار بمقتضى هذه الدعوة ~~الصادقة: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} [العنكبوت: 65]. # وإذا أنذرهم بطشة يوم القيامة، أنكروا ما يشاهدون من الأدلة على إمكانه، ~~(وقالوا {أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} [ق: 3]. # وإذا خوفهم نقمة ms002 الله، قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32]، اعتراضا على ~~صحة ما أخبرهم به مما هو كائن لا محالة. # وإذا جاءهم بآية خارقة; افترقوا في الضلالة على فرق، واخترقوا فيها بمجرد ~~العناد ما لا يقبله أهل التهدي إلى التفرقة بين الحق والباطل. # كل ذلك دعاء منهم إلى التأسي بهم والموافقة لهم على ما ينتحلون، إذ رأوا ~~خلاف المخالف لهم في باطلهم ردا لما هم عليه، ونبذا لما شدوا عليه يد ~~الظنة، واعتقدوا إذ لم يتمسكوا بدليل أن الخلاف يوهن الثقة ويقبح جهة ~~الاستحسان، وخصوصا حين اجتهدوا في الانتصار بعلم فلم يجدوا أكثر من تقليد ~~الآباء. # PageV01P024 # ولذلك أخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام في محاجة قومه: {ما تعبدون ~~- قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين - قال هل يسمعونكم إذ تدعون - أو ~~ينفعونكم أو يضرون - قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [الشعراء: 70 - ~~74] فحادوا كما ترى عن الجواب القاطع المورد مورد السؤال إلى الاستمساك ~~بتقليد الآباء. # وقال الله تعالى: {أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون - بل قالوا ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} [الزخرف: 21 - 22]. # فرجعوا عن جواب ما ألزموا إلى التقليد، فقال تعالى: {قال أولو جئتكم ~~بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} [الزخرف: 24]، فأجابوا بمجرد الإنكار، ركونا ~~إلى ما ذكروا من التقليد، لا بجواب السؤال. # فكذلك كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما ~~بأيديهم; لأنه خرج عن معتادهم، وأتى بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم. # حتى أرادوا أن يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم، ليوقعوا بينهم وبين ~~[ه] المؤالفة والموافقة ولو في بعض الأوقات، أو في بعض الأحوال أو على بعض ~~الوجوه، ويقنعوا منه بذلك; ليقف لهم بتلك الموافقة واهي بنائهم، فأبى عليه ~~الصلاة والسلام إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص الصواب، وأنزل ~~الله: # PageV01P025 # {قل ياأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} [الكافرون: 1] إلى آخر السورة. # فنصبوا ms003 له عند ذلك حرب العداوة، ورموه بسهام القطيعة، وصار أهل السلم ~~كلهم حربا عليه، [و] عاد الولي الحميم عليه كالعذاب الأليم، فأقربهم إليه ~~نسبا كان أبعد الناس عن موالاته، كأبي جهل وغيره، وألصقهم به رحما كانوا ~~أقسى قلوبا عليه. # فأي غربة توازي هذه الغربة؟! # ومع ذلك; فلم يكله الله إلى نفسه، ولا سلطهم على النيل من أذاه، إلا نيل ~~المصلوفين، بل حفظه وعصمه، وتولاه بالرعاية والكلاءة، حتى بلغ رسالة ربه. # ثم ما زالت الشريعة في أثناء نزولها، وعلى توالي تقريرها تبعد بين أهلها ~~وبين غيرهم، وتضع الحدود بين حقها وبين ما ابتدعوا، ولكن على وجه من الحكمة ~~عجيب، وهو التأليف بين أحكامها وبين أكابرهم في أصل الدين الأول الأصيل، ~~ففي العرب نسبتهم إلى أبيهم إبراهيم عليه السلام، وفي غيرهم لأنبيائهم ~~المبعوثين فيهم، كقوله تعالى بعد ذكر كثير من الأنبياء: {أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90]. # PageV01P026 # وقوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين} [الشورى: 13]. # وما زال عليه الصلاة والسلام يدعو لها، فيئوب إليه الواحد بعد الواحد على ~~حكم الاختفاء، خوفا من عادية الكفار زمان ظهورهم على دعوة الإسلام. # فلما اطلعوا على المخالفة أنفوا وقاموا وقعدوا: # فمن أهل الإسلام من لجأ إلى قبيله، فحموه على إغماض، أو على دفع العار في ~~الإخفار. # ومنهم من فر من الإذاية وخوف الغرة، هجرة إلى الله وحبا في الإسلام. # ومنهم من لم يكن له وزر يحميه، ولا ملجأ يركن إليه، فلقي منهم من الشدة ~~والغلظة والعذاب أو القتل ما هو معلوم، حتى زل منهم من زل فرجع أمره بسبب ~~الرجوع - إلى الموافقة، وبقي منهم من بقي صابرا محتسبا، إلى أن أنزل الله ~~تعالى الرخصة في النطق بكلمة الكفر على حكم الموافقة ظاهرا، ليحصل بينهم ~~وبين الناطق الموافقة وتزول المخالفة، فنزل إليها من نزل على حكم التقية، ~~ريثما يتنفس من كربه ويتروح من خناقه، وقلبه ms004 مطمئن بالإيمان. # وهذه غربة أيضا ظاهرة. # وإنما كان هذا جهلا منهم بمواقع الحكمة، وأن ما جاءهم به نبيهم # PageV01P027 # صلى الله عليه وسلم هو الحق ضد ما هم عليه، فمن جهل شيئا عاداه، فلو ~~علموا لحصل الوفاق، ولم يسمع الخلاف، ولكن سابق القدر حتم على الخلق ما هم ~~عليه قال الله تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} [هود: 118]. # ثم استمر مزيد الإسلام، واستقام طريقه على مدة حياة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ومن بعد موته، وأكثر قرن الصحابة رضي الله عنهم، إلى أن نبغت فيهم ~~نوابغ الخروج عن السنة، وأصغوا إلى البدع المضلة، كبدعة القدر، وبدعة ~~الخوارج، وهي التي نبه عليها الحديث بقوله: «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون ~~أهل الأوثان، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم» ; يعني: لا يتفقهون فيه، بل ~~يأخذونه على الظاهر; كما بينه حديث ابن عمر الآتي بحول الله. وهذا كله في ~~آخر عهد الصحابة. # ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق صلى الله عليه وسلم: # في قوله: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق ~~أمتي على ثلاث وسبعين فرقة». # PageV01P028 # وفي الحديث الآخر: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى ~~لو دخلوا في جحر ضب، لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ ~~قال: فمن؟» وهذا أعم من الأول، فإن الأول عند كثير من أهل العلم خاص بأهل ~~الأهواء، وهذا الثاني عام في المخالفات، ويدل على ذلك من الحديث قوله: حتى ~~لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم. # وكل صاحب مخالفة، فمن شأنه أن يدعو غيره إليها، ويخص سؤاله بل سواه ~~عليها، إذ التأسي في الأفعال والمذاهب موضوع طلبه في الجبلة، وبسببه تقع في ~~المخالف المخالفة وتحصل من الموافق المؤالفة، ومنه تنشأ العداوة والبغضاء ~~للمختلفين. # كان الإسلام في أوله وجدته مقاوما بل ظاهرا، وأهله غالبون، وسوادهم أعظم ~~الأسودة، فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياء الناصرين، فلم يكن ~~لغيرهم - ممن لم يسلك سبيلهم، أو سلكه ولكنه # PageV01P029 # ابتدع فيه - صولة يعظم موقعها، ولا ms005 قوة يضعف دونها حزب الله المفلحون، ~~فصار على استقامة، وجرى على اجتماع واتساق، فالشاذ مقهور مضطهد، إلى أن أخذ ~~اجتماعه في الافتراق الموعود، وقوته إلى الضعف المنتظر، والشاذ عنه تقوى ~~صولته ويكثر سواده، واقتضى سر التأسي المطالبة بالموافقة، ولا شك أن الغالب ~~أغلب، فتكالبت على سواد السنة البدع والأهواء، فتفرق أكثرهم شيعا. # وهذه سنة الله في الخلق; أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل، لقوله ~~تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103]، وقوله تعالى: ~~{وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13]، ولينجز الله ما وعد به نبيه صلى الله ~~عليه وسلم من عود وصف الغربة إليه، فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو ~~قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكرا والمنكر معروفا، وتصير السنة بدعة ~~والبدعة سنة، فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف، كما كان أولا يقام ~~على أهل البدعة; طمعا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال، ويأبى الله أن ~~تجتمع حتى تقوم الساعة، فلا تجتمع الفرق كلها على كثرتها على مخالفة السنة ~~عادة وسمعا، بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله، غير أنهم ~~لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء; استدعاء إلى ~~موافقتهم، لا يزالون في جهاد ونزاع، ومدافعة وقراع، آناء الليل والنهار، ~~وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم # PageV01P030 # الثواب العظيم. # فقد تلخص مما تقدم أن مطالبة المخالفة بالموافقة جار مع الأزمان، لا يختص ~~بزمان دون زمان، فمن وافق; فهو عند المطالب المصيب على أي حال كان، ومن ~~خالف; فهو المخطئ المصاب، ومن وافق; فهو المحمود السعيد، ومن خالف; فهو ~~المذموم المطرود، ومن وافق، فقد سلك سبيل الهداية، ومن خالف: فقد تاه في ~~طرق الضلالة والغواية. # وإنما قدمت هذه المقدمة لمعنى أذكره: # وذلك أني ولله الحمد لم أزل منذ فتق للفهم عقلي، ووجه شطر العلم طلبي ~~أنظر في عقلياته وشرعياته، وأصوله وفروعه، لم أقتصر منه على علم دون علم، ~~ولا أفردت عن أنواعه نوعا دون آخر، حسبما اقتضاه الزمان والمكان، وأعطته ms006 ~~المنة المخلوقة في أصل فطرتي، بل خضت في لججه خوض المحسن للسباحة، وأقدمت ~~في ميادينه إقدام الجريء، حتى كدت أتلف في بعض أعماقه، أو أنقطع في رفقتي ~~التي بالأنس بها تجاسرت على ما قدر لي، غائبا عن مقال القائل وعذل العاذل، ~~ومعرضا عن صد الصاد ولوم اللائم، إلى أن من علي الرب الكريم الرءوف الرحيم، ~~فشرح لي من معاني الشريعة ما لم يكن في حسابي، وألقى في نفسي القاصرة: أن ~~كتاب الله وسنة نبيه لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول ولا أبقيا ~~لغيرهما مجالا يعتد فيه، وأن الدين قد كمل، والسعادة الكبرى فيما وضع، ~~والطلبة فيما شرع، وما سوى ذلك فضلال وبهتان وإفك وخسران، وأن العاقد ~~عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى محصل لكلمتي الخير دنيا وأخرى، ~~وما # PageV01P031 # سواهما فأحلام وخيالات وأوهام، وقام لي على صحة ذلك البرهان الذي لا شبهة ~~تطرق حول حماه، ولا ترتمي نحو مرماه: {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [يوسف: 38]، والحمد لله والشكر كثيرا كما هو ~~أهله. # فمن هنالك قويت نفسي على المشي في طريقه بمقدار ما يسر الله فيه، فابتدأت ~~بأصول الدين عملا واعتقادا، ثم بفروعه المبنية على تلك الأصول، وفي خلال ~~ذلك أتبين ما هو من السنن أو من البدع، كما أتبين ما هو من الجائز وما هو ~~من الممتنع، وأعرض ذلك على علم الأصول الدينية والفقهية، ثم أطالب نفسي ~~بالمشي مع الجماعة التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسواد الأعظم ~~في الوصف الذي كان عليه هو وأصحابه، وترك البدع # PageV01P032 # التي نص عليها العلماء أنها بدع وأعمال مختلفة. # وكنت في أثناء ذلك قد دخلت في بعض خطط الجمهور من الخطابة والإمامة ~~ونحوها، فلما أردت الاستقامة على طريق; وجدت نفسي غريبا في جمهور أهل ~~الوقت; لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد، ودخلت على سننها الأصلية شوائب ~~من المحدثات الزوائد، ولم يكن ذلك بدعا في الأزمنة المتقدمة، فكيف في ~~زماننا هذا؟! فقد روي عن السلف ms007 الصالح من التنبيه على ذلك كثير: # كما روي عن أبي الدرداء أنه قال: لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عليكم ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة. # قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم؟ # قال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟ # وعن أم الدرداء قالت: دخل أبو الدراداء وهو غضبان، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: ~~والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا. # وعن أنس بن مالك ; قال: ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غير قولكم: لا إله إلا الله. قلنا: بلى يا أبا حمزة. قال: ~~قد صليتم حتى تغرب الشمس، أفكانت تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! # PageV01P033 # وعن أنس ; قال: لو أن رجلا أدرك السلف الأول، ثم بعث اليوم ما عرف من ~~الإسلام شيئا. قال: ووضع يده على خده، ثم قال: إلا هذه الصلاة. # ثم قال: أما والله - على ذلك - لمن عاش في النكر، ولم يدرك ذلك السلف ~~الصالح، فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه ~~الله من ذلك، وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح، يسأل عن سبلهم، ويقتص ~~آثارهم، ويتبع سبيلهم، ليعوض أجرا عظيما، وكذلك فكونوا إن شاء الله. # وعن ميمون بن مهران; قال: لو أن رجلا أنشر فيكم من السلف، ما عرف غير هذه ~~القبلة. # وعن سهل بن مالك عن أبيه، قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا ~~النداء بالصلاة. # إلى ما أشبه هذا من الآثار الدالة على أن المحدثات تدخل في المشروعات، ~~وأن ذلك قد كان قبل زماننا، وإنما تتكاثر على توالي الدهور إلى الآن. # فتردد النظر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس ; فلا بد ~~من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد، ولا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم ~~عليه هو السنة لا سواها، إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من ms008 الأجر ~~الجزيل، وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح، فأدخل تحت ~~ترجمة الضلال عائذا بالله من ذلك، إلا أني أوافق # PageV01P034 # المعتاد، وأعد من المؤالفين لا من المخالفين؟! # فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من ~~الله شيئا، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور، فقامت علي ~~القيامة، وتواترت علي الملامة، وفوق إلي العتاب سهامه، ونسبت إلى البدعة ~~والضلالة، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة. # وإني لو التمست لتلك المحدثات مخرجا; لوجدت؛ غير أن ضيق العطن والبعد عن ~~أهل الفطن رقى بي مرتقى صعبا وضيق علي مجالا رحبا، وهو كلام يشير بظاهره ~~إلى أن اتباع المتشابهات، لموافقات العادات، أولى من اتباع الواضحات، وإن ~~خالفت السلف الأول. # وربما ألموا في تقبيح ما وجهت إليه وجهتي بما تشمئز منه القلوب، أو خرجوا ~~بالنسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن السنة شهادة ستكتب ويسألون عنها يوم ~~القيامة: # فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه كما يعزى إلى بعض ~~الناس، بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة ~~الإمامة. وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء. # وتارة نسبت إلى الرفض وبغض الصحابة رضي الله عنهم، بسبب أني لم ألتزم ذكر ~~الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص، إذ لم يكن ذلك من شأن السلف ~~في خطبهم، ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب: # PageV01P035 # وقد سئل (أصبغ) عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين؟ فقال: هو بدعة ولا ~~ينبغي العمل به، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة. # قيل له: فدعاؤه للغزاة والمرابطين؟ قال: ما أرى به بأسا عند الحاجة إليه، ~~وأما أن يكون شيئا يصمد له في خطبته دائما، فإني أكره ذلك. # ونص أيضا عز الدين بن عبد السلام: على أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة ~~غير محبوبة. # وتارة أضيف إلي القول بجواز القيام على الأئمة، وما أضافوه إلا من عدم ~~ذكري لهم في الخطبة، وذكرهم فيه محدث لم ms009 يكن عليه من تقدم. # وتارة حمل علي التزام الحرج والتنطع في الدين، وإنما حملهم على ذلك أني ~~التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه، وهم ~~يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه، وإن كان شاذا في المذهب ~~الملتزم أو في غيره، وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك، وللمسألة بسط في كتاب ~~(الموافقات). # وتارة نسبت إلى معاداة أولياء الله، وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء ~~المبتدعين المخالفين للسنة المنتصبين بزعمهم لهداية الخلق، وتكلمت للجمهور ~~على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى # PageV01P036 # الصوفية ولم يتشبهوا بهم. # وتارة نسبت إلى مخالفة السنة والجماعة، بناء منهم على أن الجماعة التي ~~أمر باتباعها وهي الناجية ما عليه العموم، ولم يعلموا أن الجماعة ما كان ~~عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. وسيأتي بيان ~~ذلك بحول الله. # وكذبوا علي في جميع ذلك، أو وهموا، والحمد لله على كل حال. # فكنت على حالة تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة الحافظ مع أهل ~~زمانه إذ حكى عن نفسه فقال: # " عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين، والعارفين ~~والمنكرين، فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها ~~موافقا أو مخالفا، دعاني إلى متابعته على ما يقوله، وتصديق قوله، والشهادة ~~له، فإن كنت صدقت فيما يقول وأجزت له ذلك كما يفعله أهل هذا الزمان; سماني ~~موافقا، وإن وقفت في حرف من قوله أو في شيء من فعله سماني مخالفا، وإن ذكرت ~~في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد، سماني خارجيا، وإن قرأت ~~عليه حديثا في التوحيد، سماني مشبها، وإن كان في الرؤية; سماني سالميا، وإن ~~كان في الإيمان سماني مرجئا، وإن كان في الأعمال، سماني قدريا، وإن كان في ~~المعرفة سماني كراميا، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر، سماني ناصبيا، وإن ~~كان في فضائل أهل البيت سماني رافضيا، وإن سكت عن # PageV01P037 # تفسير آية أو حديث فلم أجب فيهما إلا ms010 بهما، سماني ظاهريا، وإن أجبت ~~بغيرهما، سماني باطنيا، وإن أجبت بتأويل، سماني أشعريا، وإن جحدتهما، سماني ~~معتزليا، وإن كان في السنن مثل القراءة، سماني شفعويا، وإن كان في القنوت ~~سماني حنفيا، وإن كان في القرآن، سماني حنبليا، وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل ~~واحد إليه من الأخبار إذ ليس في الحكم والحديث محاباة قالوا: طعن في ~~تزكيتهم. # ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرءون علي من أحاديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما يشتهون من هذه الأسامي، ومهما وافقت بعضهم; عاداني غيره، ~~وإن داهنت جماعتهم، أسخطت الله تبارك وتعالى، ولن يغنوا عني من الله شيئا. ~~وإني مستمسك بالكتاب والسنة وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور ~~الرحيم. # هذا تمام الحكاية، فكأنه رحمه الله تكلم على لسان الجميع، فقلما تجد ~~عالما مشهورا أو فاضلا مذكورا، إلا وقد نبذ بهذه الأمور أو بعضها، لأن ~~الهوى قد يداخل المخالف، بل سبب الخروج عن السنة الجهل بها والهوى المتبع ~~الغالب على أهل الخلاف، فإذا كان كذلك، حمل على صاحب السنة، أنه غير ~~صاحبها، ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله، # PageV01P038 # حتى ينسب هذه المناسب. # وقد نقل عن سيد العباد بعد الصحابة (أويس) القرني أنه قال: إن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا للمؤمن صديقا: نأمرهم بالمعروف، فيشتمون ~~أعراضنا، ويجدون في ذلك أعوانا من الفاسقين، حتى والله لقد رموني بالعظائم، ~~وايم الله، لا أدع أن أقوم فيهم بحقه. # فمن هذا الباب يرجع الإسلام غريبا كما بدأ، لأن المؤالف فيه على وصفه ~~الأول قليل، فصار المخالف هو الكثير، فاندرست رسوم السنة حتى مدت البدع ~~أعناقها، فأشكل مرماها على الجمهور، فظهر مصداق الحديث الصحيح. ### | [التحذير من البدع وبيان أنها ضلالة وخروج عن الجادة] # ولما وقع علي من الإنكار ما وقع مع ما هدى الله إليه وله الحمد، لم أزل ~~أتبع البدع التي نبه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذر منها، وبين ~~أنها ضلالة وخروج عن الجادة، وأشار العلماء إلى تمييزها والتعريف ms011 بجملة ~~منها، لعلي أجتنبها فيما استطعت، وأبحث عن السنن التي كادت تطفئ نورها تلك ~~المحدثات; لعلي أجلو بالعمل سناها، وأعد يوم القيامة فيمن أحياها، إذ ما من ~~بدعة تحدث إلا ويموت من السنن ما هو في مقابلتها، حسبما جاء عن السلف في ~~ذلك. # فعن ابن عباس ; قال: ما يأتي على الناس من عام، إلا أحدثوا فيه بدعة، ~~وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدعة، وتموت السنن. # وفي بعض الأخبار: لا يحدث رجل بدعة إلا ترك من السنة ما هو خير منها. # PageV01P039 # وعن لقمان بن أبي إدريس الخولاني: أنه كان يقول: ما أحدثت أمة في دينها ~~بدعة إلا رفع بها عنهم سنة. وعن حسان بن عطية قال: ما أحدث قوم بدعة في ~~دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة. # إلى غير ذلك مما جاء في هذا المعنى، وهو مشاهد معلوم حسبما يأتي بيانه إن ~~شاء الله تعالى. ### | [الترغيب في إحياء السنن] # وجاء من الترغيب في إحياء السنن ما جاء: # فقد خرج ابن وهب حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحيا ~~سنة من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له من الأجر مثل من عمل بها من الناس لا ~~ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله، فإن ~~عليه إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئا» # وخرجه الترمذي باختلاف في بعض الألفاظ مع اتفاق المعنى وقال فيه: حديث ~~حسن. # PageV01P040 # وفي الترمذي عن أنس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني ~~إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل ثم قال لي: يا بني وذلك ~~من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة» حديث حسن. # فرجوت بالنظر في هذا الموضع الانتظام في سلك من أحيا سنة وأمات بدعة. ### | [سبب تأليف كتاب الاعتصام] # وعلى طول العهد ودوام النظر اجتمع لي في البدع والسنن أصول ms012 قررت أحكامها ~~الشرعية، وفروع طالت أفنانها، لكنها تنتظمها تلك الأصول، وقلما توجد على ~~الترتيب الذي سنح في الخاطر، فمالت إلى بثها النفس، ورأت أنه من الأكيد ~~الطلب، لما فيه من رفع الالتباس الناشئ بين السنن والبدع، لأنه لما كثرت ~~البدع، وعم ضررها، واستطار شررها، ودام الإكباب على العمل بها، والسكوت من ~~المتأخرين عن الإنكار لها، وخلفت بعدهم خلوف جهلوا أو غفلوا عن القيام بفرض ~~القيام فيها، صارت كأنها سنن مقررات، وشرائع من صاحب الشرع محررات، فاختلط ~~المشروع بغيره، فعاد الراجع إلى محض السنة كالخارج عنها كما تقدم، فالتبس ~~بعضها ببعض، فتأكد الوجوب بالنسبة إلى من عنده فيها علم، وقلما صنف فيها ~~على الخصوص تصنيف، وما صنف فيها فغير كاف في هذه المواقف. # PageV01P041 # مع أن الداخل في هذا الأمر اليوم فاقد المساعد عديم المعين: فالموالي لم ~~يخلد به إلى الأرض، ويلقي له باليد إلى العجز عن بث الحق، بعد رسوخ العوائد ~~في القلوب، والمعادي يرميه بالأردبيس، ويروم أخذه بالعذاب البئيس، لأنه يرد ~~عوائده الراسخة في القلوب، المتداولة في الأعمال، دينا يتعبد به، وشريعة ~~يسلك عليها، لا حجة له إلا عمل الآباء والأجداد، مع بعض الأشياخ العالمين، ~~كانوا من أهل النظر في هذه الأمور أم لا. ولم يلتفتوا إلى أنهم عند ~~موافقتهم للآباء والأشياخ مخالفون للسلف الصالح. # فالمعترض لمثل هذا الأمر ينحو نحو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في ~~العمل، حيث قال: " ألا وإني أعالج أمرا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه ~~الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي، حتى ~~حسبوه دينا لا يرون الحق غيره. # وكذلك ما نحن بصدد الكلام عليه، غير أنه أمر لا سبيل إلى إهماله، ولا يسع ~~أحدا ممن له منة إلا الأخذ بالحزم والعزم في بثه، بعد تحصيله على كماله، ~~وإن كره المخالف فكراهيته لا حجة فيها على الحق إلا يرفع مناره، ولا تكشف ~~وتجلى أنواره. # فقد خرج أبو الطاهر السلفي بسنده إلى أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ms013 ~~وسلم قال له: " «يا أبا هريرة علم الناس القرآن وتعلمه، فإنك إن مت وأنت ~~كذلك; # PageV01P042 # زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق، وعلم الناس سنتي، وإن كرهوا ~~ذلك، وإن أحببت ألا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة; فلا تحدث في ~~دين الله حدثا برأيك». # PageV01P043 # قال أبو عبد الله بن القطان: " وقد جمع الله له ذلك كله، من إقراء كتاب ~~الله، والتحديث بالسنة، أحب الناس أم كرهوا، وترك الحدث حتى إنه كان لا ~~يتأول شيئا مما روى، تتميما للسلامة من الخطأ. # على أن أبا العرب التميمي حكى عن ابن فروخ: " أنه كتب إلى مالك بن أنس إن ~~بلدنا كثير البدع، وإنه ألف كلاما في الرد عليهم. # فكتب إليه مالك يقول له: إن ظننت ذلك بنفسك، خفت أن تزل فتهلك، لا يرد ~~عليهم إلا من كان ضابطا عارفا بما يقول لهم، لا يقدرون أن يعرجوا عليه، ~~فهذا لا بأس به، وأما غير ذلك، فإني أخاف أن يكلمهم فيخطئ فيمضوا على خطئه، ~~أو يظفروا منه بشيء فيطغوا ويزدادوا تماديا على ذلك، انتهى. # وهذا الكلام يقضي لمثلي بالإحجام دون الإقدام. وشياع هذا النكر، وفشو ~~العمل به، وتظاهر أصحابه; يقضي لمن له بهذا المقام منة بالإقدام دون ~~الإحجام، لأن البدع قد عمت وجرت أفراسها من غير مغير ملء أعنتها. # PageV01P044 # وحكى ابن وضاح عن غير واحد: أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: # " اعلم يا أخي أن ما حملني على الكتب إليك ما أنكر أهل بلادك من صالح ما ~~أعطاك الله، من إنصافك الناس، وحسن حالك مما أظهرت من السنة، وعيبك لأهل ~~البدع، وكثرة ذكرك لهم وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك، وشد بك ظهر أهل السنة، ~~وقواك عليهم بإظهار عيبهم، والطعن عليهم، وأذلهم الله بذلك، وصاروا ببدعتهم ~~مستترين. # فأبشر يا أخي بثواب الله، واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام ~~والحج والجهاد. وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله وإحياء سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟! وقد قال رسول ms014 الله صلى الله عليه وسلم: «ومن ~~أحيا شيئا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين وضم بين إصبعيه»، وقال: ~~«أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه، كان له مثل أجر من تبعه إلى يوم ~~القيامة»؟! فمن يدرك يا أخي هذا بشيء من عمله؟! وذكر أيضا: «إن لله عند كل ~~بدعة كيد بها الإسلام وليا لله يذب عنها، وينطق بعلامتها». # فاغتنم يا أخي هذا الفضل، وكن من أهله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لمعاذ # PageV01P045 # حين بعثه إلى اليمن فأوصاه وقال: " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك ~~من كذا وكذا، وأعظم القول فيه. # فاغتنم ذلك، وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك ~~إن حدث بك حدث، فيكونون أئمة بعدك، فيكون لك ثواب إلى يوم القيامة كما جاء ~~في الأثر. # فاعمل على بصيرة ونية حسنة، فيرد الله بك المبتدع والمفتون الزائغ ~~الحائر، فتكون خلفا من نبيك صلى الله عليه وسلم. # فأحي كتاب الله وسنة نبيه، فإنك لن تلقى الله بعمل يشبهه. # انتهى ما قصدت إيراده من كلام أسد رحمه الله. وهو مما يقوي جانب الإقدام، ~~مع ما روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: أنه خطب الناس، فكان من جملة ~~كلامه في خطبته أن قال: # " والله إني لولا أن أنعش سنة قد أميتت، أو أن أميت بدعة قد أحييت، لكرهت ~~أن أعيش فيكم فواقا ". # وخرج ابن وضاح في كتاب " القطعان " وحديث الأوزاعي: أنه بلغه عن الحسن ~~أنه قال: " لن يزال لله نصحاء في الأرض من عباده، يعرضون أعمال العباد على ~~كتاب الله، فإذا وافقوه، حمدوا الله، وإذا خالفوه، عرفوا بكتاب الله ضلالة ~~من ضل، وهدى من اهتدى، فأولئك خلفاء الله. # وفيه عن سفيان ; قال: اسلكوا سبيل الحق، ولا تستوحشوا من قلة # PageV01P046 # أهله. فوقع الترديد بين النظرين. # ثم إني أخذت في ذلك مع بعض الإخوان الذين أحللتهم من قلبي محل السويداء، ~~وقاموا لي في عامة أدواء نفسي مقام الدواء، فرأوا أنه من ms015 العمل الذي لا ~~شبهة في طلب الشرع نشره، ولا إشكال في أنه بحسب الوقت من أوجب الواجبات. # فاستخرت الله تعالى في وضع كتاب يشتمل على بيان البدع وأحكامها وما يتعلق ~~بها من المسائل أصولا وفروعا وسميته ب الاعتصام. # والله أسأل أن يجعله عملا خالصا، ويجعل ظل الفائدة به ممدودا لا قالصا، ~~والأجر على العناء فيه كاملا لا ناقصا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # وينحصر الكلام فيه بحسب الغرض المقصود في جملة أبواب، وفي كل باب منها ~~فصول اقتضاها بسط المسائل المنحصرة فيه، وما انجر معها من الفروع المتعلقة ~~به. # PageV01P047 ### | [الباب الأول تعريف البدع وبيان معناها وما اشتق منه لفظا] ### | [تعريف البدعة وبيان معناها] # وأصل المادة " بدع " للاختراع على غير مثال سابق، ومنه: # قول الله تعالى: {بديع السماوات والأرض} [البقرة: 117]، أي: مخترعها من ~~غير مثال سابق متقدم. # وقوله تعالى: {قل ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9] ; أي: ما كنت أول ~~من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل. # ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. وهذا أمر ~~بديع، يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدمه ~~ما هو مثله ولا ما يشبهه. # ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، ~~وهيئتها هي البدعة، وقد يسمى العلم المعمول على ذلك الوجه بدعة. # فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق ~~أخص منه في اللغة حسبما يذكر بحول الله. # PageV01P049 # ثبت في علم الأصول أن الأحكام المتعلقة بأفعال العباد وأقوالهم ثلاثة: ~~حكم يقتضيه معنى الأمر; كان للإيجاب أو الندب، وحكم يقتضيه معنى النهي، كان ~~للكراهة أو التحريم. وحكم يقتضيه معنى التخيير، وهو الإباحة. # فأفعال العباد وأقوالهم لا تعدو هذه الأقسام الثلاثة: مطلوب فعله، ومطلوب ~~تركه، ومأذون في فعله وتركه. # والمطلوب تركه لم يطلب تركه إلا لكونه مخالفا للقسمين الأخيرين، لكنه على ~~ضربين: # أحدهما: أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه ms016 مخالفة خاصة مع مجرد النظر عن غير ~~ذلك، وهو إن كان محرما; سمي فعلا معصية وإثما وسمي فاعله عاصيا وآثما، ~~وإلا، لم يسم بذلك، ودخل في حكم العفو; حسبما هو مبين في غير هذا الموضع، ~~ولا يسمى بحسب الفعل جائزا ولا مباحا، لأن الجمع بين الجواز والنهي جمع بين ~~متنافيين. # والثاني: أن يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفة لظاهر التشريع; من جهة ضرب ~~الحدود، وتعيين الكيفيات، والتزام الهيئات المعينة، أو الأزمنة المعينة مع ~~الدوام، ونحو ذلك، وهذا هو الابتداع والبدعة، ويسمى فاعله مبتدعا. # فالبدعة إذن عبارة عن: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية يقصد ~~بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه. # وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما # PageV01P050 # يخصها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة، ~~فيقول: # البدعة: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما ~~يقصد بالطريقة الشرعية. # ولا بد من بيان ألفاظ هذا الحد: # فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد، وهو ما رسم للسلوك عليه. # وإنما قيدت بالدين، لأنها فيه تخترع، وإليه يضيفها صاحبها، وأيضا; فلو ~~كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص، لم تسم بدعة; كإحداث الصنائع ~~والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم. # ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم، فمنها ما له أصل في الشريعة ومنها ما ~~ليس له أصل فيها، خص منها ما هو المقصود بالحد، وهو القسم المخترع، أي: ~~طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع، إذ البدعة إنما خاصتها أنها ~~خارجة عما رسمه الشارع. # وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترع مما هو متعلق ~~بالدين، كعلم النحو والتصريف، ومفردات اللغة، وأصول الفقه، وأصول الدين، ~~وسائر العلوم الخادمة للشريعة، فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول، فأصولها ~~موجودة في الشرع: # إذ الأمر بإعراب القرآن منقول. # وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة، فحقيقتها إذا # PageV01P051 # أنها: فقه التعبد بالألفاظ الشرعية الدالة على معانيها; كيف تؤخذ وتؤدى؟ # وأصول الفقه; إنما ms017 معناها استقراء كليات الأدلة، حتى تكون عند المجتهد ~~نصب عين وعند الطالب سهلة الملتمس. # وكذلك أصول الدين، وهو علم الكلام، إنما حاصله تقرير لأدلة القرآن والسنة ~~أو ما ينشأ عنها في التوحيد وما يتعلق به، كما كان الفقه تقريرا لأدلتها في ~~الفروع العبادية. # فإن قيل: فإن تصنيفها على ذلك الوجه مخترع؟ # فالجواب: أن له أصلا في الشرع، ففي الحديث ما يدل عليه، ولو سلم أنه ليس ~~في ذلك دليل على الخصوص، فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد من ~~قاعدة المصالح المرسلة، وسيأتي بسطها بحول الله: # فعلى القول بإثباتها أصلا شرعيا لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل ~~تحت أدلته التي ليست بمأخوذة من جزء واحد، فليست ببدعة ألبتة. # وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم ~~البدع؛ كانت قبيحة؛ لأن كل بدعة ضلالة من غير إشكال، كما يأتي بيانه إن شاء ~~الله، ويلزم من ذلك أن يكون كتب المصحف وجمع القرآن قبيحا، وهو باطل ~~بالإجماع، فليس إذا ببدعة. ويلزم أن يكون له دليل شرعي، وليس إلا هذا النوع ~~من الاستدلال، وهو المأخوذ من جملة # PageV01P052 # الشريعة، وإذا ثبت جزئي في المصالح المرسلة، ثبت مطلق المصالح المرسلة. # فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم ~~الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة، بدعة أصلا. # ومن سماه بدعة: فإما على المجاز; كما سمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~قيام الناس في ليالي رمضان بدعة، وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة، فلا يكون ~~قول من قال ذلك معتدا به ولا معتمدا عليه. # وقوله في الحد: " تضاهي الشرعية " ; يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية من ~~غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة: # منها: وضع الحدود; كالناذر للصيام قائما لا يقعد، ضاحيا لا يستظل، ~~والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون ~~صنف من غير علة. # ومنها: التزام الكيفيات والهيئات ms018 المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت ~~واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيدا، وما أشبه ذلك. # ومنها: التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين ~~في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته. # وثم أوجه تضاهي بها البدعة الأمور المشروعة، فلو كانت لا تضاهي الأمور ~~المشروعة لم تكن بدعة، لأنها تصير من باب الأفعال العادية. # وأيضا فإن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهي بها السنة حتى # PageV01P053 # يكون ملبسا بها على الغير أو تكون هي مما تلتبس عليه بالسنة، إذ الإنسان ~~لا يقصد الاستتباع بأمر لا يشابه المشروع، لأنه إذ ذاك لا يستجلب به في ذلك ~~الابتداع نفعا ولا يدفع به ضررا ولا يجيبه غيره إليه. # ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيل التشريع، ولو بدعوى الاقتداء ~~بفلان المعروف منصبه في أهل الخير. # فأنت ترى العرب الجاهلية في تغيير ملة إبراهيم عليه السلام كيف تأولوا ~~فيما أحدثوا احتجاجا منهم، كقولهم في أصل الإشراك {ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى الله زلفى} [الزمر: 3]، وكترك الحمس الوقوف بعرفة ; لقولهم: لا نخرج من ~~الحرم اعتدادا بحرمته، وطواف من طاف منهم بالبيت عريانا; قائلين: لا نطوف ~~بثياب عصينا الله فيها، وما أشبه ذلك مما وجهوه ليصيروه بالتوجيه كالمشروع. # فما ظنك بمن عد أو عد نفسه من خواص أهل الملة؟! فهم أحرى بذلك، وهم ~~المخطئون، وظنهم الإصابة، وإذا تبين هذا; ظهر أن مضاهاة الأمور المشروعة ~~ضرورية الأخذ في أجزاء الحد. # وقوله: " يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى " هو تمام ~~معنى البدعة، إذ هو المقصود بتشريعها، وذلك أن أصل الدخول فيها يحث على ~~الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك; لأن الله تعالى يقول: {وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، فكأن المبتدع رأى أن # PageV01P054 # المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين ~~والحدود كاف، فرأى من نفسه أنه لا بد لما أطلق الأمر فيه من قوانين منضبطة، ~~وأحوال مرتبطة، مع ما يداخل النفوس من ms019 حب الظهور أو عدم مظنته، فدخلت في ~~هذا الضبط شائبة البدعة. # وأيضا; فإن النفوس قد تمل وتسأم من الدوام على العبادات المرتبة، فإذا ~~جدد لها أمر لا تعهده، حصل بها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء على الأمر ~~الأول، ولذلك قالوا: لكل جديد لذة; بحكم هذا المعنى، كمن قال: كما تحدث ~~للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، فكذلك تحدث لهم مرغبات في الخير ~~بقدر ما حدث لهم من الفتور. # وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: فيوشك قائل أن يقول: ما هم بمتبعي ~~فيتبعوني وقد قرأت القرآن، فلا يتبعني حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ~~ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة. # PageV01P055 # وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات، فكل ما اخترع من الطرق ~~في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد; فقد خرج عن هذه التسمية، ~~كالمغارم الملزمة على الأموال وغيرها على نسبة مخصوصة وقدر مخصوص مما يشبه ~~فرض الزكوات ولم يكن إليها ضرورة، وكذلك اتخاذ المناخل، وغسل اليد ~~بالأشنان، وما أشبه ذلك من الأمور التي لم تكن قبل، فإنها لا تسمى بدعا على ~~إحدى الطريقتين. # وأما الحد على الطريقة الأخرى; فقد تبين معناه، إلا قوله: " يقصد بها ما ~~يقصد بالطريقة الشرعية "، ومعناه: أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في ~~عاجلتهم وآجلتهم; لتأتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده ~~المبتدع ببدعته، لأن البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات، فإن تعلقت ~~بالعبادات، فإنما أراد بها أن يأتي تعبده على أبلغ ما يكون في زعمه، ليفوز ~~بأتم المراتب في الآخرة في ظنه، وإن تعلقت بالعادات; فكذلك، لأنه إنما ~~وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها. # PageV01P056 # فمن يجعل المناخل في قسم البدع; فظاهر أن التمتع عنده بلذة الدقيق ~~المنخول أتم منه بغير المنخول، وكذلك البناءات المشيدة المحتفلة; التمتع ~~بها أبلغ منه بالحشوش والخرب، ومثله المصادرات في الأموال بالنسبة إلى أولي ~~الأمر، وقد أباحت الشريعة التوسع في التصرفات، فيعد المبتدع هذا من ذلك. # وقد ms020 ظهر معنى البدعة، وما هي في الشرع، والحمد لله. ### | [فصل البدعة التركية] # في الحد أيضا معنى آخر مما ينظر فيه، وهو أن البدعة من حيث قيل فيها: " ~~إنها طريقة في الدين مخترعة " إلى آخره، يدخل في عموم لفظها البدعة ~~التركية، كما يدخل فيه البدعة غير التركية. # فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريما للمتروك أو غير تحريم، فإن الفعل ~~مثلا يكون حلالا بالشرع، فيحرمه الإنسان على نفسه أو يقصد تركه قصدا. # فبهذا الترك; إما أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعا أو لا. # فإن كان لأمر يعتبر، فلا حرج فيه، إذ معناه أنه ترك ما يجوز تركه أو ما ~~يطلب بتركه، كالذي يحرم على نفسه الطعام الفلاني من جهة أنه يضره في جسمه ~~أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، فلا مانع هنا من الترك، بل إن قلنا بطلب ~~التداوي للمريض; فإن الترك هنا مطلوب، وإن قلنا بإباحة التداوي; فالترك ~~مباح. # فهذا راجع إلى العزم على الحمية من المضرات، وأصله قوله عليه # PageV01P057 # الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج» إلى أن ~~قال: ومن لم يستطع فعليه بالصوم الذي يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه ~~الشهوة، فيصير إلى العنت. # وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس; فذلك من أوصاف المتقين، ~~وكتارك المتشابه حذرا من الوقوع في الحرام، واستبراء للدين والعرض. # وإن كان الترك لغير ذلك; فإما أن يكون تدينا أو لا. # فإن لم يكن تدينا; فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك، ولا ~~يسمى هذا الترك بدعة، إذ لا يدخل تحت لفظ الحد; إلا على الطريقة الثانية ~~القائلة: إن البدعة تدخل في العادات، وأما على الطريقة الأولى; فلا تدخل، ~~لكن هذا التارك يصير عاصيا بتركه أو باعتقاده التحريم فيما أحل الله. # وأما إن كان الترك تدينا، فهو الابتداع في الدين على كلتا الطريقتين، إذ ~~قد فرضنا الفعل جائزا شرعا، فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع ~~التحليل. # وفي مثله نزل قول الله تعالى: ms021 {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما ~~أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87]، # PageV01P058 # فنهى أولا عن تحريم الحلال، ثم جاءت الآية تشعر بأن ذلك اعتداء، لا يحبه ~~الله. # وسيأتي للآية تقرير إن شاء الله. # لأن بعض الصحابة هم أن يحرم على نفسه النوم بالليل، وآخر الأكل بالنهار، ~~وآخر إتيان النساء، وبعضهم هم بالاختصاء، مبالغة في ترك شأن النساء، وفي ~~أمثال ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني». # فإذا كل من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي، فهو خارج عن ~~سنة النبي صلى الله عليه وسلم. والعامل بغير السنة تدينا، هو المبتدع ~~بعينه. # فإن قيل: فتارك المطلوبات الشرعية ندبا أو وجوبا، هل يسمى مبتدعا أم لا؟. # فالجواب: أن التارك للمطلوبات على ضربين: # أحدهما: أن يتركها لغير التدين: إما كسلا، أو تضييعا، أو ما أشبه ذلك من ~~الدواعي النفسية; فهذا الضرب راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في واجب ~~فمعصية; وإن كان في ندب، فليس بمعصية إذا كان الترك جزئيا، وإن كان كليا ~~فمعصية حسبما تبين في الأصول. # والثاني: أن يتركها تدينا; فهذا الضرب من قبيل البدع، حيث تدين # PageV01P059 # بضد ما شرع الله، ومثاله أهل الإباحة القائلون بإسقاط التكاليف إذا بلغ ~~السالك عندهم المبلغ الذي حدوه. # فإذا قوله في الحد: " طريقة مخترعة تضاهي الشرعية " ; يشمل البدعة ~~التركية، كما يشمل غيرها; لأن الطريقة الشرعية أيضا تنقسم إلى ترك وغيره. # وسواء علينا قلنا: إن الترك فعل، أم قلنا: إنه نفي الفعل، على الطريقتين ~~المذكورتين في أصول الفقه. # وكما يشمل الحد الترك يشمل أيضا ضد ذلك. # وهو ثلاثة أقسام: قسم الاعتقاد، وقسم القول، وقسم الفعل، فالجميع أربعة ~~أقسام. # وبالجملة، فكل ما يتعلق به الخطاب الشرعي، يتعلق به الابتداع. # PageV01P060 ### | [الباب الثاني في ذم البدع وسوء منقلب أصحابها] ### | [الأدلة من النظر على ذم البدع] # لا خفاء أن البدع من حيث تصورها يعلم العاقل ذمها، لأن اتباعها خروج عن ~~الصراط المستقيم ورمي ms022 في عماية. # وبيان ذلك: من جهة النظر، والنقل الشرعي العام. # أما النظر فمن وجوه: # أحدهما: أنه قد علم بالتجارب والخبرة السارية في العالم من أول الدنيا ~~إلى اليوم أن العقول غير مستقلة بمصالحها، استجلابا لها، أو مفاسدها، ~~استدفاعا لها. لأنها إما دنيوية أو أخروية. # فأما الدنيوية; فلا يستقل باستدراكها على التفصيل ألبتة، لا في ابتداء ~~وضعها أولا، ولا في استدراك ما عسى أن يعرض في طريقها، إما في السوابق، ~~وإما في اللواحق، لأن وضعها أولا لم يكن إلا بتعليم الله تعالى; لأن آدم ~~عليه السلام لما أنزل إلى الأرض علم كيف يستجلب مصالح دنياه، إذ لم يكن ذلك ~~من معلومه أولا، إلا على قول من قال: إن ذلك داخل تحت مقتضى قول الله ~~تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31]، وعند ذلك يكون تعليما غير ~~عقلي، ثم توارثته ذريته كذلك في الجملة، لكن # PageV01P061 # فرعت العقول من أصولها تفريعا تتوهم استقلالها به، ودخل في الأصول ~~الدواخل حسبما أظهرت ذلك أزمنة الفترات، إذ لم تجر مصالح الفترات على ~~استقامة; لوجود الفتن والهرج، وظهور أوجه الفساد. # فلولا أن من الله على الخلق ببعثة الأنبياء، لم تستقم لهم حياة، ولا جرت ~~أحوالهم على كمال مصالحهم، وهذا معلوم بالنظر في أخبار الأولين والآخرين. # وأما المصالح الأخروية، فأبعد عن مصالح المعقول من جهة وضع أسبابها، وهي ~~العبادات مثلا; فإن العقل لا يشعر بها على الجملة، فضلا عن العلم بها على ~~التفصيل. # ومن جهة تصور الدار الأخرى وكونها آتية، فلا بد وأنها دار جزاء على ~~الأعمال; فإن الذي يدرك العقل من ذلك مجرد الإمكان أن يشعر بها. # ولا يغترن ذو الحجى بأحوال الفلاسفة المدعين لإدراك الأحوال الأخروية ~~بمجرد العقل قبل النظر في الشرع، فإن دعواهم بألسنتهم في المسألة بخلاف ما ~~عليه الأمر في نفسه، لأن الشرائع لم تزل واردة على بني آدم من جهة الرسل، ~~والأنبياء أيضا لم يزالوا موجودين في العالم وهم أكثر، وكل ذلك من لدن آدم ~~عليه السلام إلى أن انتهت بهذه الشريعة المحمدية. # غير ms023 أن الشريعة كانت إذا أخذت في الدروس; بعث الله نبيا من أنبيائه يبين ~~للناس ما خلقوا لأجله، وهو التعبد لله، فلا بد أن يبقى من الشريعة ~~المفروضة، ما بين زمان أخذها في الاندراس وبين إنزال الشريعة # PageV01P062 # بعدها بعض الأصول المعلومة. # فأتى الفلاسفة إلى تلك الأصول، فتلقفوها أو تلقفوا منها، فأرادوا أن ~~يخرجوه على مقتضى عقولهم، وجعلوا ذلك عقليا لا شرعيا. # وليس الأمر كما زعموا، فالعقل غير مستقل ألبتة، ولا ينبني على غير أصل، ~~وإنما ينبني على أصل متقدم مسلم على الإطلاق، ولا يمكن في أحوال الآخرة ~~قبلهم أصل مسلم إلا من طريق الوحي، ولهذا المعنى بسط سيأتي إن شاء الله. # فعلى الجملة: العقول لا تستقل بإدراك مصالحها دون الوحي، فالابتداع مضاد ~~لهذا الأصل، لأنه ليس له مستند شرعي بالفرض، فلا يبقى إلا ما ادعوه من ~~العقل. # فالمبتدع ليس على ثقة من بدعته أن ينال بسبب العمل بها ما رام تحصيله من ~~جهتها، فصارت كالعبث. # هذا إن قلنا: إن الشرائع جاءت لمصالح العباد. # وأما على القول الآخر; فأحرى أن لا يكون صاحب البدعة على ثقة منها; لأنها ~~إذ ذاك مجرد تعبد وإلزام من جهة الآمر للمأمور، والعقل بمعزل عن هذه الخطة ~~حسبما تبين في علم الأصول. # وناهيك من نحلة ينتحلها صاحبها في أرفع مطالبة لا ثقة بها، ويلقي من يده ~~ما هو على ثقة منه. # والثاني: أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان: # PageV01P063 # لأن الله تعالى قال فيها: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3]. # وفي حديث العرباض بن سارية: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ~~ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله! إن هذه موعظة ~~مودع، فما تعهد إلينا؟ # قال: تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ~~ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الراشدين ~~من بعدي» الحديث. # وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أتى ms024 ببيان جميع ما يحتاج ~~إليه في أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة. # فإذا كان كذلك، فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله: إن ~~الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها; لأنه لو كان ~~معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه; لم يبتدع، ولا استدرك عليها، وقائل هذا ~~ضال عن الصراط المستقيم. # قال ابن الماجشون: سمعت مالكا يقول: " من ابتدع في الإسلام # PageV01P064 # بدعة يراها حسنة، زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله ~~يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3]، فما لم يكن يومئذ دينا، فلا ~~يكون اليوم دينا. # والثالث: أن المبتدع معاند للشرع، ومشاق له; لأن الشارع قد عين لمطالب ~~العبد طرقا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد ~~والوعيد، وأخبر أن الخير فيها، وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك، لأن الله ~~يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة ~~للعالمين. فالمبتدع راد لهذا كله، فإنه يزعم أن ثم طرقا أخر، ليس ما حصره ~~الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضا نعلم، بل ~~ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع، أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا ~~إن كان مقصودا للمبتدع; فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود; فهو ~~ضلال مبين. # وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، إذ كتب له عدي بن ~~أرطأة يستشيره في بعض القدرية؟ فكتب إليه: # أما بعد; فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته. # فعليك بلزوم السنة ; فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من ~~الخطأ والزلل والحمق والتعمق. # فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم; فإنهم على علم وقفوا، # PageV01P065 # وببصر نافذ قد كفوا وهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل كانوا فيه ~~أحرى. فلئن قلتم: أمر ms025 حدث بعدهم، ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سننهم، ~~ورغب بنفسه عنهم، إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ~~ما يشفي، فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسر، لقد قصر عنهم آخرون [فجفوا، وطمح ~~عنهم] فغلوا وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم. # ثم ختم الكتاب بحكم مسألته. # فقوله: " فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها " ; فهو مقصود ~~الاستشهاد. # والرابع: أن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع ; لأن الشارع وضع ~~الشرائع، وألزم الخلق الجري على سننها، وصار هو المنفرد بذلك، لأنه حكم بين ~~الخلق فيما كانوا فيه يختلفون، وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم ~~تنزل الشرائع، ولم يبق الخلاف بين الناس، ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم ~~السلام. # [ف] هذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه نظيرا ومضاهيا للشارع، حيث ~~شرع مع الشارع، وفتح للاختلاف بابا، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع، ~~وكفى بذلك. # PageV01P066 # والخامس: أنه اتباع للهوى; لأن العقل إذا لم يكن متبعا للشرع، لم يبق له ~~إلا الهوى والشهوة، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين. # ألا ترى قول الله تعالى: {ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} [ص: 26]. # فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده، وهو الحق والهوى، وعزل العقل ~~مجردا إذ لا يمكن في العادة إلا ذلك. # وقال: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} [الكهف: 28]، فجعل ~~الأمر محصورا بين أمرين: اتباع الذكر، واتباع الهوى. # وقال: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} [القصص: 50]. وهي مثل ما ~~قبلها. # وتأملوا هذه الآية; فإنها صريحة في أن من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه، ~~فلا أحد أضل منه. وهذا شأن المبتدع، فإنه اتبع هواه بغير هدى من الله. وهدى ~~الله هو القرآن. # وما بينته الشريعة وبينته الآية ms026 أن اتباع الهوى على ضربين: # أحدهما: أن يكون تابعا للأمر والنهي، فليس بمذموم ولا صاحبه # PageV01P067 # بضال، كيف وقد قدم الهدى فاستنار به في طريق هواه؟ وهو شأن المؤمن التقي. # والآخر: أن يكون هواه هو المقدم بالقصد الأول، كان الأمر والنهي تابعين ~~بالسنة إليه أو غير تابعين وهو المذموم. # والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى ربه، فكان أضل الناس، وهو يظن أنه على ~~هدى. # وقد انجر هنا معنى يتأكد التنبيه عليه، وهو أن الآية المذكورة عينت ~~للاتباع في الأحكام الشرعية طريقين: # أحدهما: الشريعة، ولا مرية في أنها علم وحق وهدى. # والآخر: الهوى، وهو المذموم; لأنه لم يذكر في القرآن إلا في مساق الذم. # ولم يجعل ثم طريقا ثالثا، ومن تتبع الآيات; ألفى ذلك كذلك. # ثم العلم الذي أحيل عليه والحق الذي حمد إنما هو القرآن وما نزل من عند ~~الله: # كقوله تعالى: {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} [الأنعام: 143]. # وقال بعد ذلك: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا ليضل الناس بغير علم} [الأنعام: 144] # PageV01P068 # وقال: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله ~~افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين} [الأنعام: 140]. وهذا كله ~~لاتباع أهوائهم في التشريع بغير هدى من الله. # وقال: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين ~~كفروا يفترون على الله الكذب} [المائدة: 103]، وهو اتباع الهوى في التشريع، ~~إذ حقيقته افتراء على الله. وقال: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله ~~على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله} ~~[الجاثية: 23] أي لا يهديه دون الله شيء. وذلك بالشرع لا بغيره، وهو الهدى. # وإذا ثبت هذا، وأن الأمر دائر بين الشرع والهوى، تزلزلت قاعدة حكم العقل ~~المجرد، فكأنه ليس للعقل في هذا الميدان مجال إلا من تحت نظر الهوى، فهو ~~إذا اتباع الهوى بعينه في تشريع ms027 الأحكام. # ودع النظر العقلي في المعقولات المحضة، فلا كلام فيه هنا، وإن كان أهله ~~قد زلوا أيضا بالابتداع; فإنما زلوا من حيث ورود الخطاب ومن حيث التشريع. # ولذلك عذر الجميع قبل إرسال الرسل، أعني: في خطئهم في التشريعات ~~والعقليات، حتى جاءت الرسل، فلم يبق لأحد حجة يستقيم # PageV01P069 # إليها {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ~~[النساء: 165] {فلله الحجة البالغة} [الأنعام: 149] # فهذه قاعدة ينبغي أن تكون من بال الناظر في هذا المقام، وإن كانت أصولية، ~~فهذه نكتتها مستنبطة من كتاب الله، انتهى. ### | [فصل الأدلة من النقل على ذم البدع] ### | [ما جاء في القرآن في ذم البدع وأهلها] # وأما النقل; فمن وجوه: # أحدهما: ما جاء في القرآن الكريم مما يدل على ذم من ابتدع في دين الله في ~~الجملة: # فمن ذلك قول الله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7]. # فهذه الآية أعظم الشواهد، وقد جاء في الحديث تفسيرها: # فصح من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن قوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7]؟ قال: فإذا رأيتهم فاعرفيهم». # وصح عنها أنها قالت: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: ~~{هو الذي أنزل عليك الكتاب} [آل عمران: 7] إلى آخر الآية فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # PageV01P070 # إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله; فاحذروهم». # وهذا التفسير مبهم. # ولكنه جاء في رواية عن عائشة أيضا، قالت: «تلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات} [آل عمران: 7] ~~الآية قال: فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم». # وهذا أبين، لأنه جعل علامة الزيغ الجدال في القرآن، وهذا ms028 الجدال مقيد ~~باتباع المتشابه. # فإذا، الذم إنما لحق من جادل فيه بترك المحكم - وهو أم الكتاب ومعظمه، ~~والتمسك بمتشابهه. # ولكنه بعد مفتقر إلى تفسير أظهر. # فجاء عن أبي غالب واسمه حزور قال: «كنت بالشام، فبعث المهلب سبعين رأسا ~~من الخوارج، فنصبوا على درج دمشق، فكنت على ظهر بيت لي فمر أبو أمامة فنزلت ~~فاتبعته، فلما وقف عليهم دمعت عيناه وقال: سبحان الله! ما يصنع السلطان ~~ببني آدم! قالها ثلاثا كلاب جهنم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء ثلاث ~~مرات، # PageV01P071 # خير قتلى من قتلوه، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه. # ثم التفت إلي، فقال: أبا غالب! إنك بأرض هم بها كثير، فأعاذك الله منهم. # قلت: رأيتك بكيت حين رأيتهم. # قال: بكيت رحمة حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام، هل تقرأ سورة آل عمران؟ ~~قلت: نعم. # فقرأ: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} [آل ~~عمران: 7] حتى بلغ: {وما يعلم تأويله إلا الله} [آل عمران: 7] وإن هؤلاء ~~كان في قلوبهم زيغ، فزيغ بهم. # ثم قرأ: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} ~~[آل عمران: 105] إلى قوله {ففي رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران: 107]. # قلت: هم هؤلاء يا أبا أمامة؟ # قال: نعم. # قلت: من قبلك تقول أو شيء سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم؟ # قال: إني إذا لجريء، بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا مرة، ~~ولا مرتين حتى عد سبعا. # PageV01P072 # ثم قال: إن بني إسرائيل تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة تزيد ~~عليها فرقة، كلها في النار; إلا السواد الأعظم. # قلت: يا أبا أمامة! ألا ترى ما فعلوا؟ # قال: {عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} [النور: 54] الآية». # خرجه إسماعيل القاضي وغيره. # وفي رواية; قال: قال: ألا ترى ما فيه السواد الأعظم وذلك في أول خلافة ~~عبد الملك والقتل يومئذ ظاهر؟ قال: {عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} [النور: ~~54]. # وخرجه الترمذي مختصرا، وقال فيه: " حديث حسن ". # وخرجه الطحاوي أيضا ms029 باختلاف في بعض الألفاظ وفيه: " فقيل له: يا أبا ~~أمامة! تقول لهم هذا القول ثم تبكي يعني قوله: شر قتلى إلى آخره؟! قال: ~~رحمة لهم; إنهم كانوا من أهل الإسلام، فخرجوا منه، ثم تلا: {هو الذي أنزل ~~عليك الكتاب} [آل عمران: 7] حتى ختمها، ثم قال: هم هؤلاء، ثم تلا هذه ~~الآية: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106] حتى ختمها. ثم قال: هم ~~هؤلاء. # وذكر الآجري عن طاوس ; قال: " ذكر لابن عباس الخوارج وما # PageV01P073 # يصيبهم عند قراءة القرآن، فقال: يؤمنون بمحكمه، ويضلون عند متشابهه. ~~وقرأ: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} [آل ~~عمران: 7]. # فقد ظهر بهذا التفسير أنهم أهل البدع; لأن أبا أمامة رضي الله عنه جعل ~~الخوارج داخلين في عموم الآية، وأنها تتنزل عليهم، وهم من أهل البدع عند ~~العلماء: إما على أنهم خرجوا ببدعتهم عن أهل الإسلام، وإما على أنهم من أهل ~~الإسلام لم يخرجوا عنهم; على اختلاف العلماء فيهم. وجعل هذه الطائفة ممن في ~~قلوبهم زيغ فزيغ بهم، وهذا الوصف موجود في أهل البدع كلهم. # مع أن لفظ الآية عام فيهم وفي غيرهم ممن كان على صفاتهم، ألا ترى أن صدر ~~هذه السورة إنما نزل في نصارى نجران ومناظرتهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في اعتقادهم في عيسى عليه السلام، حيث تأولوا عليه أنه الإله أو أنه ~~ابن الله أو أنه ثالث ثلاثة، بأوجه متشابهة، وتركوا ما هو الواضح في ~~عبوديته حسبما نقله أهل السير؟! # ثم تأوله العلماء من السلف الصالح على قضايا دخل أصحابها تحت حكم اللفظ; ~~كالخوارج فهي ظاهرة في العموم. # ثم تلا أبو أمامة الآية الأخرى، وهي قوله سبحانه: {ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} [آل عمران: 105] إلى قوله: {ففي ~~رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران: 107]، وفسرها بمعنى ما فسر به الآية ~~الأخرى، # PageV01P074 # فهي الوعيد والتهديد لمن تلك صفته، ونهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم. # ونقل عبيد عن حميد بن مهران قال: سألت الحسن ms030 كيف يصنع أهل هذه الأهواء ~~الخبيثة بهذه الآية في آل عمران: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جاءهم البينات} [آل عمران: 105] قال: نبذوها ورب الكعبة وراء ~~ظهورهم. # وعن أبي أمامة أيضا قال: هم الحرورية. # وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: ما آية في كتاب الله أشد على أهل ~~الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية: {يوم تبيض وجوه} [آل عمران: 106] ~~إلى قوله: {بما كنتم تكفرون} [آل عمران: 106] قال مالك: فأي كلام أبين من ~~هذا؟! فرأيته يتأولها لأهل الأهواء. # ورواه ابن القاسم، وزاد: قال لي مالك: إنما هذه الآية لأهل القبلة. # وما ذكره في الآية قد نقل عن غير واحد; كالذي تقدم للحسن. # وعن قتادة في قوله تعالى: {كالذين تفرقوا واختلفوا} [آل عمران: 105] يعني ~~أهل البدع. # وعن ابن عباس في قوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106] قال: ~~" تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة. # ومن الآيات قوله تعالى: # PageV01P075 # {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ~~ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: 153]. # فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي سبل ~~الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم، وهم أهل البدع، وليس المراد سبل ~~المعاصي; لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقا تسلك دائما على ~~مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات. # ويدل على هذا ما روى إسماعيل عن سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد ~~عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال: # «خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا طويلا، وخط لنا سليمان ~~خطا طويلا، وخط عن يمينه وعن يساره، فقال: هذا سبيل الله ثم خط لنا خطوطا ~~عن يمينه ويساره وقال: هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم تلا ~~هذه الآية: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} [الأنعام: ~~153] يعني الخطوط {فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153]». # قال بكر بن العلاء: " أحسبه أراد ms031 شيطانا من الإنس، وهي البدع، والله أعلم ~~". # وعن عمر بن سلمة الهمداني ; قال: " كنا جلوسا في حلقة # PageV01P076 # ابن مسعود في المسجد وهو بطحاء قبل أن يحصب، فقال له عبيد الله بن عمر بن ~~الخطاب، وكان أتى غازيا: ما الصراط المستقيم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هو ~~ورب الكعبة الذي ثبت عليه أبوك حتى دخل الجنة. # ثم حلف على ذلك ثلاث أيمان ولاء، ثم خط في البطحاء خطا بيده، وخط بجنبيه ~~خطوطا، وقال: ترككم نبيكم صلى الله عليه وسلم على طرفه، وطرفه الآخر في ~~الجنة، فمن ثبت عليه، دخل الجنة، ومن أخذ في هذه الخطوط هلك. # وفي رواية: " يا أبا عبد الرحمن! ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد وعن ~~يساره جواد، وعليها رجال يدعون من مر بهم: هلم لك! هلم لك! فمن أخذ منهم في ~~تلك الطرق; انتهت به إلى النار، ومن استقام إلى الطريق الأعظم; انتهى به ~~إلى الجنة، ثم تلا ابن مسعود: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} [الأنعام: ~~153] الآية كلها. # وعن مجاهد في قوله: {ولا تتبعوا السبل} [الأنعام: 153]، قال: البدع ~~والشبهات. # وعن عبد الرحمن بن مهدي: " قد سئل مالك بن أنس عن السنة؟ قال: هي ما لا ~~اسم له غير السنة، وتلا: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153]. # قال بكر بن العلاء: يريد إن شاء الله حديث ابن مسعود «أن النبي # PageV01P077 # صلى الله عليه وسلم خط له خطا»، وذكر الحديث. # فهذا التفسير يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع، لا تختص ببدعة دون ~~أخرى. # ومن الآيات قول الله تعالى: {وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء ~~لهداكم أجمعين} [النحل: 9]. # فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق; أي: عادل عنه، وهي ~~طرق البدع والضلالات، أعاذنا الله من سلوكها بفضله، وكفى بالجائر أن يحذر ~~منه، فالمساق يدل على التحذير والنهي. # وذكر ابن وضاح ; قال: " سئل عاصم بن ms032 بهدلة، وقيل له: أبا بكر!، هل رأيت ~~قول الله تعالى: {وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين} ~~[النحل: 9]؟ قال: حدثنا أبو وائل عن عبد الله بن مسعود ; قال: «خط عبد الله ~~خطا مستقيما، وخط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن شماله، فقال: خط رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هكذا، فقال للخط المستقيم: هذا سبيل الله، وللخطوط التي عن ~~يمينه وشماله: هذه سبل متفرقة، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ; والسبيل ~~مشتركة; قال الله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} [الأنعام: 153] ~~إلى آخرها». # عن التستري: {قصد السبيل} [النحل: 9]: طريق السنة، {ومنها جائر} [النحل: ~~9] ;يعني: إلى النار، وذلك الملل والبدع ". # وعن مجاهد: {قصد السبيل} [النحل: 9] ; أي المقتصد منها بين الغلو # PageV01P078 # والتقصير، وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر، وكلاهما من أوصاف ~~البدع. # وعن علي رضي الله عنه أنه كان يقرؤها: " فمنكم جائر " ; قالوا: يعني هذه ~~الأمة، فكأن هذه الآية مع الآية قبلها يتواردان على معنى واحد. # ومنها قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ~~إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} [الأنعام: 159]. # هذه الآية قد جاء تفسيرها في الحديث من طريق عائشة رضي الله عنها، قالت: # «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة {إن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا} [الأنعام: 159] من هم؟ # قلت: الله ورسوله أعلم. # قال: " هم أصحاب الأهواء، وأصحاب البدع، وأصحاب الضلالة; من هذه الأمة، ~~يا عائشة إن لكل ذنب توبة، ما خلا أصحاب الأهواء والبدع، ليس لهم توبة، ~~وأنا بريء منهم وهم مني برآء.»؟. # قال ابن عطية: " هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في # PageV01P079 # الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام، هذه كلها ~~عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد. # ويريد والله أعلم بأهل التعمق في الفروع ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في ~~فصل ذم الرأي من " كتاب العلم " له، وسيأتي ذكره بحول الله. # وحكى ابن بطال في شرح البخاري ms033 عن أبي حنيفة أنه قال: لقيت عطاء بن أبي ~~رباح بمكة، فسألته عن شيء؟ فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: أنت ~~من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا؟ قلت: نعم، قال: من أي ~~الأصناف أنت؟، قلت: ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر ولا يكفر أحدا بذنب، ~~فقال عطاء: عرفت فالزم. # وعن الحسن، قال: «خرج علينا عثمان بن عفان رضي الله عنه يوما يخطبنا، ~~فقطعوا عليه كلامه، فتراموا بالبطحاء، حتى جعلت ما أبصر أديم السماء. # قال: وسمعنا صوتا من بعض حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: هذا ~~صوت أم المؤمنين! # قال: فسمعتها وهي تقول: ألا إن نبيكم قد برئ ممن فرق دينه واحتزب، وتلت: ~~{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} [الأنعام: 159]». # قال القاضي إسماعيل: " أحسبه يعني بقوله: أم المؤمنين: أم سلمة، وأن ذلك ~~قد ذكر في بعض الحديث، وقد كانت عائشة في ذلك # PageV01P080 # الوقت حاجة. # وعن أبي هريرة أنها نزلت في هذه الأمة. # وعن أبي أمامة: هم الخوارج. # قال القاضي: " ظاهر القرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة من ~~الخوارج وغيرهم; فهو داخل في هذه الآية; لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا ~~وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعا. # ومنها قوله تعالى: {ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} [الروم: 31]. قرئ: " فارقوا دينهم ". # وفسر عن أبي هريرة أنهم الخوارج. ورواه أبو أمامة مرفوعا. # وقيل: هم أصحاب الأهواء والبدع. # قالوا: روته عائشة رضي الله عنها مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # وذلك لأن هذا شأن من ابتدع; حسبما قاله إسماعيل القاضي، وكما تقدم في ~~الآي الأخر. # ومنها قوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من ~~تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} [الأنعام: 65]. # PageV01P081 # فعن ابن عباس أن لبسكم شيعا هو الأهواء المختلفة. # ويكون على هذا قوله: {ويذيق بعضكم بأس بعض} [الأنعام: 65]: تكفير البعض ~~للبعض حتى يتقاتلوا، كما ms034 جرى للخوارج حين خرجوا على أهل السنة والجماعة. # وقيل: معنى {أو يلبسكم شيعا} [الأنعام: 65]: ما فيه إلباس من الاختلاف. # وقال مجاهد وأبو العالية: " إن الآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ". # قال أبو العالية: " هن أربع، ظهر اثنتان بعد وفاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم بخمس وعشرين سنة: فألبسوا شيعا، وأذيق بعضكم بأس بعض، وبقيت اثنتان، ~~فهما ولا بد واقعتان، الخسف من تحت أرجلكم، والمسخ من فوقكم ". # وهذا كله صريح في أن اختلاف الأهواء مكروه غير محبوب، ومذموم غير محمود. # وفيما نقل عن مجاهد في قول الله: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم} [هود: 118]: # قال في المختلفين: إنهم أهل الباطل. # {إلا من رحم ربك} [هود: 119] ; قال: " فإن أهل الحق ليس فيهم اختلاف ". # وروي عن مطرف بن الشخير: أنه قال: " لو كانت الأهواء كلها # PageV01P082 # واحدا; لقال القائل: لعل الحق فيه! فلما تشعبت وتفرقت; عرف كل ذي عقل أن ~~الحق لا يتفرق. # وعن عكرمة {ولا يزالون مختلفين} [هود: 118] يعني في الأهواء {إلا من رحم ~~ربك} [هود: 119] هم أهل السنة. # ونقل أبو بكر ثابت الخطيب عن منصور بن عبد الله بن عبد الرحمن ; قال: كنت ~~جالسا عند الحسن ورجل خلفي قاعد، فجعل يأمرني أن أسأله عن قول الله: {ولا ~~يزالون مختلفين} [هود: 118] قال: نعم {لا يزالون مختلفين} [هود: 118] على ~~أديان شتى {إلا من رحم ربك} [هود: 119]، فمن رحم غير مختلف. # وروى ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس: أن أهل الرحمة لا ~~يختلفون. # ولهذه الآية بسط يأتي بعد إن شاء الله. # وفي البخاري عن عمرو عن مصعب ; قال: " سألت أبي عن قوله تعالى: {قل هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعمالا} [الكهف: 103] ; هم الحرورية؟ قال: لا ; هم اليهود ~~والنصارى، أما اليهود ; فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى ~~فكذبوا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية {الذين ينقضون ~~عهد الله من بعد ميثاقه} [البقرة: 27]. # PageV01P083 # وكان شعبة يسميهم الفاسقين. # وفي تفسير سعيد بن منصور، عن مصعب بن سعد، قال: ms035 قلت لأبي: {الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 104] ; أهم ~~الحرورية؟ قال: لا! أولئك أصحاب الصوامع، ولكن الحرورية الذين قال الله ~~فيهم: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5]. # وخرج عبد بن حميد في (تفسيره) هذا المعنى بلفظ آخر عن مصعب بن سعد، فأتى ~~على هذه الآية: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} [الكهف: 103] إلى قوله: ~~{يحسنون صنعا} [الكهف: 104]، قلت: أهم الحرورية؟ قال: لا ; هم اليهود ~~والنصارى، أما اليهود فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى ; ~~فكفروا بالجنة، وقالوا: ليس فيها طعام ولا شراب، ولكن الحرورية: {الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض} [البقرة: 27] # فالأول: لأنهم خرجوا عن طريق الحق بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~لأنهم تأولوا التأويلات الفاسدة، وكذا فعل المبتدعة وهو بابهم الذي دخلوا ~~فيه. # والثاني: لأنهم تصرفوا في أحكام القرآن والسنة هذا التصرف. # فأهل حروراء وغيرهم من الخوارج قطعوا قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} ~~[الأنعام: 57] # PageV01P084 # عن قوله: {يحكم به ذوا عدل} [المائدة: 95] وغيرهما، وكذا فعل سائر ~~المبتدعة حسبما يأتيك بحول الله. # ومنه [ما] روى عمرو بن مهاجر ; قال: " بلغ عمر بن عبد العزيز رحمه الله ~~أن غيلان القدري يقول في القدر، فبعث إليه، فحجبه أياما، ثم أدخله عليه ~~فقال: يا غيلان! ما هذا الذي بلغني عنك؟ ". # قال عمرو بن مهاجر: " فأشرت إليه ألا يقول شيئا ". # قال: " فقال: نعم يا أمير المؤمنين: إن الله عز وجل يقول: {هل أتى على ~~الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا - إنا خلقنا الإنسان من نطفة ~~أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا - إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما ~~كفورا} [الإنسان: 1 - 3]. # قال عمر: اقرأ إلى آخر السورة: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان ~~عليما حكيما - يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما} ~~[الإنسان: 30 - 31]. # ثم قال: ما تقول يا غيلان؟ # قال أقول: قد كنت أعمى فبصرتني، وأصم فأسمعتني، وضالا ms036 فهديتني. # PageV01P085 # فقال عمر: اللهم إن كان عبدك غيلان صادقا، وإلا فاصلبه ". # قال فأمسك عن الكلام في القدر، فولاه عمر بن عبد العزيز دار الضرب بدمشق، ~~فلما مات عمر بن عبد العزيز وأفضت الخلافة إلى هشام ; تكلم في القدر، فبعث ~~إليه هشام، فقطع يده، فمر به رجل والذباب على يده، فقال: يا غيلان! هذا ~~قضاء وقدر. قال: كذبت - لعمر الله - ما هذا قضاء ولا قدر; فبعث إليه هشام ~~فصلبه ". # والثالث: لأن الحرورية جردوا السيوف على عباد الله، وهو غاية الفساد في ~~الأرض، وذلك كثير من أهل البدع شائع، وسائرهم يفسدون بوجوه من إيقاع ~~العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام. # وهذه الأوصاف الثلاثة تقتضيها الفرقة التي نبه عليها الكتاب والسنة: # كقوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} [آل عمران: 105] وقوله ~~تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} [الأنعام: 159]. # وأشباه ذلك. # وفي الحديث: " «إن الأمة تتفرق على بضع وسبعين فرقة» ". # وهذا التفسير في الرواية الأولى لمصعب بن سعد أيضا، فقد وافق أباه على ~~المعنى المذكور. # ثم فسر سعد بن أبي وقاص في رواية سعيد بن منصور: أن ذلك بسبب # PageV01P086 # الزيغ الحاصل فيهم، وذلك قوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} ~~[الصف: 5]، وهو راجع إلى آية آل عمران في قوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7]. الآية; فإنه رضي الله عنه أدخل ~~الحرورية في الآيتين بالمعنى، وهو الزيغ في إحداهما، والأوصاف المذكورة في ~~الأخرى; لأنها فيهم موجودة. # فآية الرعد تشمل [الحرورية] بلفظها; لأن اللفظ فيها يقتضي العموم لغة، ~~وإن حملناها على الكفار خصوصا; فهي تعطي أيضا فيهم حكما من جهة ترتيب ~~الجزاء على الأوصاف المذكورة حسبما هو مبين في الأصول. # وكذلك آية الصف; لأنها خاصة بقوم موسى عليه السلام، ومن هنا كان شعبة ~~يسميهم الفاسقين أعني: الحرورية لأن معنى الآية واقع عليهم، وقد جاء فيها: ~~{والله لا يهدي القوم الفاسقين} [المائدة: 108]، والزيغ أيضا كان موجودا ~~فيهم، فدخلوا في معنى قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5]، ومن ~~هنا يفهم أنها ms037 لا تختص من أهل البدعة بالحرورية، بل تعم كل من اتصف بتلك ~~الأوصاف التي أصلها الزيغ، وهو الميل عن الحق اتباعا للهوى. # وإنما فسرها سعد رضي الله عنه بالحرورية ; لأنه إنما سئل عنهم على ~~الخصوص، والله أعلم; لأنهم أول من ابتدع في دين الله، فلا يقتضي ذلك ~~تخصيصا. # PageV01P087 # وأما المسئول عنها أولا وهي آية الكهف فإن سعدا نفى أن تشمل الحرورية. # وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسر (الأخسرين أعمالا) ~~بالحرورية أيضا. # فروى عبد بن حميد عن أبي الطفيل ; قال: " قام ابن الكواء إلى علي، فقال: ~~يا أمير المؤمنين! من {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا} [الكهف: 104]؟ # قال: منهم أهل حروراء ". # وهو أيضا منقول في " تفسير سفيان الثوري ". # وفي " جامع ابن وهب ": " أنه سأله عن الآية؟ فقال له: ارق إلي أخبرك وكان ~~على المنبر فرقي إليه درجتين، فتناوله بعصا كانت في يده، فجعل يضربه بها، ~~ثم قال له علي: أنت وأصحابك ". # وخرج عبد بن حميد أيضا عن محمد بن جبير بن مطعم ; قال: أخبرني رجل من بني ~~أود: " أن عليا خطب الناس بالعراق وهو يسمع، فصاح به ابن الكواء من أقصى ~~المسجد، فقال: يا أمير المؤمنين! من (الأخسرين أعمالا)؟ قال: أنت، فقتل ابن ~~الكواء يوم الخوارج ". # ونقل بعض أهل التفسير: " أن ابن الكواء سأله؟ فقال: أنتم أهل حروراء، ~~وأهل الرياء، والذين يحبطون الصنيعة بالمنة ". # فالرواية الأولى تدل على أن أهل حروراء بعض من شملته الآية. # PageV01P088 # ولما قال سبحانه في وصفهم: {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} [الكهف: ~~104] ; وصفهم بالضلال مع ظن الاهتداء، دل على أنهم المبتدعون في أعمالهم ~~عموما، كانوا من أهل الكتاب أولا، من حيث قال النبي: «كل بدعة ضلالة» ~~وسيأتي شرح ذلك بعون الله. # فقد يجتمع التفسيران في الآية، تفسير سعد بأنهم اليهود والنصارى، وتفسير ~~علي بأنهم أهل البدعة; لأنهم قد اتفقوا على الابتداع، ولذلك فسر كفر ~~النصارى بأنهم تأولوا في الجنة غير ما هي عليه، وهو التأويل ms038 بالرأي. # فاجتمعت الآيات الثلاث على ذم البدعة وأهلها، وأشعر كلام سعد بن أبي وقاص ~~بأن كل آية اقتضت وصفا من أوصاف المبتدعة، فهم مقصدون بما فيها من الذم ~~والخزي وسوء الجزاء، إما بعموم اللفظ، وإما بمعنى الوصف. # وروى ابن وهب «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بكتاب في كتف فقال: " كفى ~~بقوم حمقا أو قال: ضلالا أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى غير نبيهم، أو ~~كتاب إلى غير كتابهم " فنزلت: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم} [العنكبوت: 51]». # وخرج عبد الحميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من # PageV01P089 # رغب عن سنتي فليس مني "، ثم تلا هذه الآية: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] إلى آخر الآية». # وخرج هو وغيره عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه في قول الله: {علمت نفس ~~ما قدمت وأخرت} [الانفطار: 5] ; قال: " ما قدمت من عمل خير أو شر، وما أخرت ~~من سنة يعمل بها من بعده ". # وهذا التفسير قد يحتاج إلى تفسير، فروي عن عبد الله ; قال: " ما قدمت من ~~خير، وما أخرت من سنة صالحة يعمل بها من بعدها، فإن له مثل أجر من عمل بها ~~لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، وما أخرت من سنة سيئة، كان عليه مثل وزر من ~~عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ". # خرجه ابن مبارك وغيره. # وجاء عن سفيان بن عيينة وأبي قلابة وغيرهما أنهم قالوا: " كل صاحب بدعة ~~أو فرية ذليل "، واستدلوا بقول الله تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم ~~غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} [الأعراف: 152]. # وخرج ابن وهب عن مجاهد في قول الله: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم} [يس: 12] ; يقول: " ما قدموا من خير، وآثارهم التي # PageV01P090 # أورثوا الناس بعدهم من الضلالة. # وخرج أيضا عن ابن عون، عن محمد بن سيرين أنه قال: إني أرى أسرع الناس ~~ردة، أصحاب الأهواء ". # قال ابن عون: " وكان ابن ms039 سيرين يرى أن هذه الآية في أصحاب الأهواء: {وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} ~~[الأنعام: 68]. # وذكر الآجري عن أبي الجوزاء أنه ذكر أصحاب الأهواء فقال: " والذي نفس أبي ~~الجوزاء بيده; لأن تمتلئ داري قردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني رجل ~~منهم، ولقد دخلوا في هذه الآية: {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ~~وتؤمنون بالكتاب كله} [آل عمران: 119] إلى قوله: {إن الله عليم بذات ~~الصدور} [آل عمران: 119]. # والآيات المصرحة والمشيرة إلى ذمهم والنهي عن ملابسة أحوالهم كثيرة، ~~فلنقتصر على ما ذكرنا، ففيه إن شاء الله الموعظة لمن اتعظ، والشفاء لما في ~~الصدور. ### | [فصل ما جاء من الأحاديث في ذم البدع وأهلها] # الوجه الثاني من النقل: ما جاء في الأحاديث المنقولة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # وهي كثيرة تكاد تفوت الحصر; إلا أنا نذكر منها ما تيسر مما يدل على # PageV01P091 # الباقي ونتحرى في ذلك بحول الله ما هو أقرب إلى الصحة. # فمن ذلك ما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه; فهو رد». وفي رواية ل ~~مسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا; فهو رد». # وهذا الحديث عده العلماء ثلث الإسلام، لأنه جمع وجه المخالفة لأمره عليه ~~السلام، ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية. # وخرج مسلم، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول في خطبته: " «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي ~~محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» ". # وفي رواية; قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، يحمد ~~الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل ~~فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور ~~محدثاتها، وكل محدثة بدعة». # وفي رواية للنسائي: " «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في ms040 النار» ". # وذكر أن عمر رضي الله عنه كان يخطب بهذه الخطبة. # PageV01P092 # وعن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا: أنه كان يقول: " «إنما هما اثنتان: ~~الكلام، والهدى، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدى هدى محمد، ألا وإياكم ~~ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، إن كل محدثة بدعة» ". # وفي لفظ: " «غير أنكم ستحدثون ويحدث لكم، فكل محدثة ضلالة، وكل ضلالة في ~~النار» ". # وكان ابن مسعود يخطب بهذا كل خميس. # وفي رواية أخرى عنه: " «إنما هما اثنتان: الهدى، والكلام، فأفضل الكلام ~~أو أصدق الكلام كلام الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل ~~محدثة بدعة، ألا لا يتطاولن عليكم الأمر فتقسو قلوبكم، ولا يلهينكم الأمل، ~~فإن كل ما هو آت قريب، ألا إن بعيدا ما ليس آتيا». # وفي رواية أخرى عنه: " «أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد، ~~وشر الأمور محدثاتها، و {إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين} [الأنعام: ~~134]»). # وروى ابن ماجه مرفوعا عن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وإن كل محدثة بدعة ~~وإن كل بدعة ضلالة». # PageV01P093 # والمشهور أنه موقوف على ابن مسعود. # وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«من دعا إلى الهدى; كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه لا ينقص ذلك من ~~أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه، لا ~~ينقص ذلك من آثامهم شيئا». # وفي الصحيح أيضا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من سن سنة خير فاتبع ~~عليها; فله أجره، ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئا ومن سن سنة ~~شر فاتبع عليها; كان عليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منقوص من أوزارهم ~~شيئا». # أخرجه الترمذي. # وروى الترمذي أيضا وصححه، وأبو داود وغيرهما عن العرباض بن سارية قال: ~~«صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة ~~بليغة ذرفت منها العيون ms041 ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله؟ كأن ~~هذا موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ # فقال: " أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدا # PageV01P094 # حبشيا; فإنه من يعيش منكم بعدي; فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ~~ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. # وروي على وجوه من طرق». # وفي الصحيح عن حذيفة: أنه قال: «يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: ~~" نعم; قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي ". # قال: فقلت: هل بعد ذلك الشر من شر؟ # قال: " نعم دعاة على نار جهنم، من أجابهم، قذفوه فيها ". # قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. # قال: " نعم; هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا ". # قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ # قال: " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ". # قلت: فإن لم يكن إمام ولا جماعة؟ # قال: " فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت ~~وأنت على ذلك» ". # وخرجه البخاري على نحو آخر. # PageV01P095 # وفي حديث الصحيفة: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثا، ~~أو آوى محدثا; فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه ~~يوم القيامة صرفا ولا عدلا» ". # وهذا الحديث في سياق العموم، فيشمل كل حدث أحدث فيها مما ينافي الشرع، ~~والبدع من أقبح الحدث، وقد استدل به مالك في مسألة تأتي في موضعها بحول ~~الله، وهو وإن كان مختصا بالمدينة ; فغيرها أيضا يدخل في المعنى. # وفي الموطأ من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى ~~المقبرة: فقال: " «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون» " الحديث إلى أن قال فيه «فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير ~~الضال، أناديهم ألا هلم، ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك. فأقول: فسحقا ~~فسحقا فسحقا». # حمله جماعة من العلماء على أنهم أهل البدع، وحمله آخرون على المرتدين عن ~~الإسلام. # PageV01P096 # والذي يدل على الأول ما خرجه خيثمة بن سليمان ms042 عن يزيد الرقاشي ; قال: ~~سألت أنس بن مالك، فقلت: إن هاهنا قوما يشهدون علينا بالكفر والشرك، ~~ويكذبون بالحوض والشفاعة، فهل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~شيئا؟ قال: نعم; سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بين العبد ~~والكفر أو الشرك ترك الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك، وحوضي كما بين أيلة إلى ~~مكة، أباريقه كنجوم السماء أو قال: كعدد نجوم السماء، له ميزابان من الجنة، ~~كلما نضب أمداه، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وسيرده أقوام ذابلة ~~شفاههم، فلا يطعمون منه قطرة واحدة. من كذب به اليوم، لم يصب منه الشراب ~~يومئذ». # فهذا الحديث على أنهم من أهل القبلة، فنسبتهم أهل الإسلام إلى الكفر من ~~أوصاف الخوارج، والتكذيب بالحوض من أوصاف أهل الاعتزال وغيرهم. # مع ما في حديث " الموطأ " من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ألا هلم لأنه ~~عرفهم بالغرة والتحجيل الذي جعله من خصائص أمته، وإلا; فلو لم يكونوا من ~~الأمة; لم يعرفهم بالعلامة المذكورة. # PageV01P097 # وصح من حديث ابن عباس رضي الله عنه، قال: قام فينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالموعظة، فقال: " «إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا، {كما ~~بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104]»). # قال: «أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإنه يستدعى برجال من أمتي، ~~فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما ~~دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد - إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 117 - ~~118]، فيقال: هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم» ". # ويحتمل هذا الحديث أن يراد به أهل البدع، كحديث " الموطأ "، ويحتمل أن ~~يراد به من ارتد بعد النبي صلى الله عليه وسلم. # وفي الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق ~~أمتي ms043 على ثلاث وسبعين فرقة». # حسن صحيح، وفي الحديث روايات أخر، سيأتي ذكرها والكلام عليها إن شاء ~~الله. ولكن الفرق فيها عند أكثر العلماء فرق أهل البدع. # وفي الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا # PageV01P098 # ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم ~~اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». # وهو آت على وجوه كثيرة في البخاري وغيره. # وفي مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «من سره أن يلقى الله غدا ~~مسلما; فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث ينادى بهن، فإن الله عز وجل شرع ~~لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم ~~في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته; لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم لضللتم» الحديث. # فتأملوا كيف جعل ترك السنة ضلالة! # وفي رواية: «لو تركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، لكفرتم»، وهو أشد في ~~التحذير. # وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «إني تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور» وفي رواية: ~~«فيه الهدى من استمسك به وأخذ به; كان على الهدى، ومن أخطأه; ضل» وفي ~~رواية: «من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة». # ومما جاء في هذا الباب أيضا ما خرج ابن وضاح ونحوه لابن وهب # PageV01P099 # عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم; قال: «سيكون في أمتي ~~دجالون كذابون، يأتونكم ببدع من الحديث، لم تسمعوه أنتم ولا آباؤكم، فإياكم ~~إياهم لا يفتنونكم». # وفي الترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت ~~بعدي، فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص ذلك من أجورهم ~~شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله، كان عليه مثل وزر من عمل ~~بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا»، حديث حسن. # ولابن ms044 وضاح وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها: من أتى صاحب بدعة ليوقره ~~فقد أعان على هدم الإسلام. # وعن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحببت أن لا توقف ~~على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة، فلا تحدث في دين الله حدثا برأيك». # وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من اقتدى بي، فهو مني، # PageV01P100 # ومن رغب عن سنتي; فليس مني». # وخرج الطحاوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ستة ألعنهم لعنهم الله ~~وكل نبي مجاب: الزائد في دين الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت ~~يذل به من أعز الله ويعز به من أذل الله، والتارك لسنتي، والمستحل لحرم ~~الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله». # وفي رواية أبي بكر بن ثابت الخطيب: «ستة لعنهم الله ولعنتهم، وفيه: ~~والراغب عن سنتي إلى بدع». # وفي الطحاوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكل عابد شرة، ~~ولكل شرة فترة، فإما إلى سنة وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنتي، فقد ~~اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك، فقد هلك». # PageV01P101 # وفي معجم البغوي عن مجاهد، قال: دخلت أنا وأبو يحيى بن جعدة على رجل من ~~الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم; قال: «ذكروا عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مولاة لبني عبد المطلب، فقالوا: إنها قامت الليل وصامت ~~النهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكني أنام وأصلي، وأصوم وأفطر، ~~فمن اقتدى بي فهو مني، ومن رغب عن سنتي، فليس مني، إن لكل عامل شرة ثم ~~فترة، فمن كانت فترته إلى بدعة، فقد ضل، ومن كانت فترته إلى سنة فقد ~~اهتدى». # وعن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ~~أشد الناس عذابا يوم القيامة: رجل قتل نبيا أو قتله نبي، وإمام ضلالة وممثل ~~من # PageV01P102 # الممثلين». # وفي " منتقى حديث خيثمة " عن سليمان، عن عبد الله: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «سيكون ms045 من بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فيحدثون ~~البدعة، قال عبد الله بن مسعود: فكيف أصنع إذا أدركتهم؟ قال: تسألني يا ابن ~~أم عبد الله كيف تصنع؟ لا طاعة لمن عصى الله». # وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«من أكل طيبا، وعمل في سنة، وأمن الناس بوائقه، دخل الجنة، فقال رجل: يا ~~رسول الله! إن هذا اليوم في الناس لكثير، قال: وسيكون في قرون بعدي»، حديث ~~غريب. # وفي كتاب الطحاوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول # PageV01P103 # الله صلى الله عليه وسلم قال: «كيف بكم وبزمان أو قال: يوشك أن يأتي زمان ~~يغربل الناس فيه غربلة، وتبقى حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم وأماناتهم، ~~اختلفوا فصارت هكذا وشبك بين أصابعه قالوا: وكيف بنا يا رسول الله؟ قال: ~~تأخذون بما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر ~~عامتكم». # وخرج ابن وهب مرسلا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم ~~والشعاب، قالوا: وما الشعاب يا رسول الله؟ قال: الأهواء». # وخرج أيضا: «إن الله ليدخل العبد الجنة بالسنة يتمسك بها». # وفي كتاب السنة للآجري من طريق الوليد بن مسلم عن معاذ بن جبل ; قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا حدث في أمتي البدع، وشتم أصحابي، ~~فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين». # قال عبد الله بن الحسن: فقلت للوليد بن مسلم: ما إظهار العلم؟ # PageV01P104 # قال: إظهار السنة. والأحاديث كثيرة. # وليعلم الموفق أن بعض ما ذكر من الأحاديث يقصر عن رتبة الصحيح، وإنما أتي ~~بها عملا بما أصله المحدثون في أحاديث الترغيب والترهيب، وإذ قد ثبت ذم ~~البدع وأهلها بالدليل القاطع القرآني والدليل السني الصحيح، فما زيد من ~~غيره، فلا حرج في الإتيان به إن شاء الله. ### | [فصل ما جاء عن السلف الصالح في ذم البدع وأهلها] # الوجه الثالث من النقل ما جاء عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضي ~~الله ms046 عنهم في ذم البدع وأهلها: # وهو كثير. # فما جاء عن الصحابة: # ما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه خطب الناس، فقال: " أيها ~~الناس! قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن ~~تضلوا بالناس يمينا وشمالا ". # وصفق بإحدى يديه على الأخرى، ثم قال: " إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن ~~يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورجمنا " إلى آخر الحديث. # وفي الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه: أنه قال: " يا معشر # PageV01P105 # القراء! استقيموا; فقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا، لقد ~~ضللتم ضلالا بعيدا. # وروي عنه من طريق آخر: أنه كان يدخل المسجد، فيقف على الحلق، فيقول: " يا ~~معشر القراء! اسلكوا الطريق، فلئن سلكتموها; لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن ~~أخذتم يمينا وشمالا، لقد ضللتم ضلالا بعيدا ". # وفي رواية ابن المبارك: فوالله لئن استقمتم; لقد سبقتم سبقا بعيدا. ~~الحديث # وعنه أيضا: " أخوف ما أخاف على الناس اثنتان: أن يؤثروا ما يرون على ما ~~يعملون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون ". قال سفيان: وهو صاحب البدعة. # وعنه أيضا: أنه أخذ حجرين، فوضع أحدهما على الآخر، ثم قال لأصحابه: " هل ~~ترون ما بين هذين الحجرين من النور "؟ قالوا: يا أبا عبد الله، ما نرى ~~بينهما من النور إلا قليلا. # قال: " والذي نفسي بيده; لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين ~~هذين الحجرين من النور، والله لتفشون البدع حتى إذا ترك منها شيء; قالوا: ~~تركت السنة ". # وعنه أنه قال: " أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، ~~ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليصلين نساؤكم وهن حيض، ولتسلكن طريق من ~~كان قبلكم حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقهم، ولا ~~تخطئ بكم، وحتى تبقى فرقتان من # PageV01P106 # فرق كثيرة تقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس؟، لقد ضل من كان قبلنا ~~إنما قال الله: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} [هود: 114]، لا ms047 ~~تصلون إلا ثلاثا. وتقول الأخرى: إنما المؤمنون بالله كإيمان الملائكة، ما ~~فيها كافر ولا منافق. حق على الله أن يحشرهما مع الدجال. # وهذا المعنى موافق لما ثبت من حديث أبي رافع عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: «لألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما ~~أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ; فإن ~~السنة جاءت مفسرة للكتاب، فمن أخذ بالكتاب من غير معرفة بالسنة ; زل عن ~~الكتاب كما زل عن السنة، فلذلك يقول القائل: " لقد ضل من كان قبلنا» " إلى ~~آخره. # وهذه الآثار عن حذيفة من تخريج ابن وضاح. # وخرج أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: " اتبعوا آثارنا ~~ولا تبتدعوا; فقد كفيتم ". # وخرج عنه ابن وهب أيضا: أنه قال: " عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه ~~بذهاب أهله. عليكم بالعلم; فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إلى ما عنده. ~~وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، ~~فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق، # PageV01P107 # وعليكم بالعتيق ". # وعنه أيضا: " ليس عام إلا والذي بعده شر منه، لا أقول: عام أمطر من عام، ~~ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب علمائكم وخياركم، ثم ~~يحدث قوم يقيسون الأمور بآرائهم، فيهدم الإسلام ويثلم. # وقال أيضا: " كيف أنتم إذا ألبستم فتنة، يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها ~~الصغير، تجري على الناس، يحدثونها سنة، وإذا غيرت، قيل: هذا منكر؟!. # وقال أيضا: " أيها الناس! لا تبتدعوا، ولا تنطعوا، ولا تعمقوا، وعليكم ~~بالعتيق، خذوا ما تعرفون، ودعوا ما تنكرون ". # وعنه أيضا: " القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة ". # وقد روي معناه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: عمل قليل في سنة خير ~~من عمل كثير في بدعة. # وعنه أيضا خرجه قاسم بن أصبغ أنه قال: أشد الناس عذابا يوم القيامة: إمام ~~ضال يضل الناس بغير ما أنزل الله، ومصور، ورجل قتل نبيا أو قتله ms048 نبي. # وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه; قال: " لست تاركا شيئا كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره # PageV01P108 # أن أزيغ ". # خرج ابن المبارك عن ابن عمر ; قال: " بلغ عمر بن الخطاب أن يزيد بن أبي ~~سفيان يأكل ألوان الطعام، فقال عمر لمولى له يقال له يرفأ: إذا علمت أنه قد ~~حضر عشاؤه فأعلمني، فلما حضر عشاؤه، أعلمه، فأتاه عمر، فسلم عليه، فاستأذن ~~فأذن له فدخل، فقرب عشاءه فجاء بثريد لحم، فأكل عمر معه منها، ثم قرب شواء، ~~فبسط يزيد يده، وكف عمر يده ثم قال: والله يا يزيد بن أبي سفيان، أطعام بعد ~~طعام؟! والذي نفس عمر بيده، لئن خالفتم عن سنتهم، ليخالفن بكم عن طريقهم. # وعن ابن عمر قال: " صلاة السفر ركعتان، من خالف السنة كفر ". # وخرج الآجري عن السائب بن يزيد; قال: " أتى عمر بن الخطاب [رجال]، ~~فقالوا: يا أمير المؤمنين! إنا لقينا رجلا يسأل عن تأويل القرآن، فقال: ~~اللهم أمكني منه ". # قال: " فبينما عمر ذات يوم يغدي الناس; إذ جاءه عليه ثياب وعمامة، فتغدى، ~~حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين {والذاريات ذروا - فالحاملات وقرا} ~~[الذاريات: 1 - 2] فقال عمر: أنت هو؟ فقام إليه محسرا عن ذراعيه فلم يزل ~~يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفسي بيده; لو وجدتك محلوقا; لضربت ~~رأسك. # ألبسوه ثيابه، واحملوه على قتب، ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلاده، # PageV01P109 # ثم ليقم خطيبا ثم ليقل: إن صبيغا طلب العلم، فأخطأ فلم يزل وضيعا في قومه ~~حتى هلك، وكان سيد قومه. # وخرج ابن المبارك وغيره عن أبي بن كعب: أنه قال: " عليكم بالسبيل والسنة، ~~فإنه ما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله، ففاضت عيناه من خشية ~~الله فيعذبه الله أبدا. وما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله ~~في نفسه، فاقشعر جلده من خشية الله، إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها، ~~فهي كذلك إذا أصابتها ريح ms049 شديدة، فتحات عنها ورقها; إلا حط الله عنه خطاياه ~~كما تحات عن الشجرة ورقها، فإن اقتصادا في سبيل الله وسنة خير من اجتهاد في ~~خلاف سبيل وسنة، وانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادا واقتصادا أن يكون ~~على منهاج الأنبياء وسنتهم. # وخرج ابن وضاح عن ابن عباس ; قال: " ما يأتي على الناس من عام; إلا ~~أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا سنة، حتى تحيا البدع، وتموت السنن ". # وعنه أنه قال: " عليكم بالاستفاضة والأثر، وإياكم والبدع ". # وخرج ابن وهب عنه أيضا; قال: " من أحدث رأيا ليس في كتاب الله، ولم تمض ~~به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم; لم يدر ما هو عليه إذا لقي الله ~~عز وجل. # وخرج أبو داود وغيره عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أنه قال # PageV01P110 # يوما: " إن من ورائكم فتنا، يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى ~~يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، ~~فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي ~~حتى أبتدع لهم غيره، وإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة ~~الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول ~~المنافق كلمة الحق. # قال الراوي: قلت لمعاذ: وما يدريني يرحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة ~~ضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ # قال: " بلى! اجتنب من كلام الحكيم (غير) المشتهرات التي يقال فيها: ما ~~هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن ~~على الحق نورا ". # وفي رواية مكان (المشتهرات): المشتبهات، وفسر بأنه ما تشابه عليك من قول، ~~حتى يقال: ما أراد بهذه الكلمة؟ # ويريد والله أعلم ما لم يشتمل ظاهره على مقتضى السنة، حتى تنكره القلوب، ~~ويقول الناس: ما هذه؟ وذلك راجع إلى ما يحذر من زلة العالم حسبما يأتي بحول ~~الله. # ومما جاء عمن بعد الصحابة رضي الله عنهم: # ما ذكر ابن وضاح عن الحسن ; قال: صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا - صياما ms050 ~~وصلاة - إلا ازداد من الله بعدا. # PageV01P111 # وخرج ابن وهب عن أبي إدريس الخولاني: أنه قال: " لأن أرى في المسجد نارا ~~لا أستطيع إطفاءها، أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها ". # وعن الفضيل بن عياض: " اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق ~~الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ". # وعن الحسن: " لا تجالس صاحب هوى فيقذف في قلبك ما تتبعه عليه فتهلك، أو ~~تخالفه فيمرض قلبك ". # وعنه أيضا في قول الله تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم} [البقرة: 183] ; قال: " كتب الله صيام رمضان على أهل الإسلام كما ~~كتبه على من كان قبلهم، فأما اليهود; فرفضوه، وأما النصارى; فشق عليهم ~~الصوم، فزادوا فيه عشرا، وأخروه إلى أخف ما يكون عليهم فيه الصوم من ~~الأزمنة ". # فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث; قال: " عمل قليل في سنة خير من عمل كثير ~~في بدعة ". # وعن أبي قلابة: " لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم; فإني لا آمن أن ~~يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون ". # قال أيوب: " وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب ". # وعنه أيضا: أنه كان يقول: " إن أهل الأهواء أهل ضلالة، ولا أرى مصيرهم ~~إلا إلى النار ". # PageV01P112 # وعن الحسن: " لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك ". # وعن أيوب السختياني أنه كان يقول: " ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا، إلا ~~ازداد من الله بعدا ". # وعن أبي قلابة: " ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف ". # وكان أيوب يسمي أصحاب البدع خوارج، ويقول: " إن الخوارج اختلفوا في ~~الاسم، واجتمعوا على السيف ". # وخرج ابن وهب عن سفيان، قال: " كان رجل فقيه يقول: ما أحب أني هديت الناس ~~كلهم وأضللت رجلا واحدا ". # وخرج عنه أنه كان يقول: " لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا ~~بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية، إلا موافقا للسنة ". # وذكر الآجري أن ابن سيرين كان يرى أسرع الناس ردة أهل الأهواء. # وعن إبراهيم: " ولا تكلموهم إني أخاف أن ترتد قلوبكم ". # وعن هشام بن حسان قال: ms051 " لا يقبل الله من صاحب بدعة صياما ولا صلاة ولا ~~حجا ولا جهادا ولا عمرة ولا صدقة ولا عتقا ولا صرفا ولا عدلا ". # زاد ابن وهب عنه: " وليأتين على الناس زمان يشتبه فيه الحق والباطل، فإذا ~~كان ذلك; لم ينفع فيه دعاء إلا كدعاء الغرق ". # وعن يحيى بن أبي كثير ; قال: " إذا لقيت صاحب بدعة # PageV01P113 # في طريق; فخذ في طريق آخر. # وعن بعض السلف: " من جالس صاحب بدعة، نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه. # وعن العوام بن حوشب: أنه كان يقول لابنه: " يا عيسى، أصلح قلبك وأقلل ~~مالك ". # وكان يقول: " والله لأن أرى عيسى في مجالس أصحاب البرابط والأشربة ~~والباطل أحب إلي من أن أراه يجالس أصحاب الخصومات ". # قال ابن وضاح: " يعني: أهل البدع ". # وقال رجال ل أبي بكر بن عياش: يا أبا بكر، من السني؟ [قال]: " الذي إذا ~~ذكرت الأهواء لم يغضب لشيء منها ". # وقال يونس بن عبيد: " إن الذي تعرض عليه السنة فيقبلها الغريب، وأغرب منه ~~صاحبها ". # وعن يحيى بن أبي عمر الشيباني ; قال: " كان يقال: يأبى الله لصاحب بدعة ~~بتوبة، وما انتقل صاحب بدعة إلا إلى شر منها ". # وعن أبي العالية: " تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه; فلا ترغبوا عنه، ~~وعليكم بالصراط المستقيم; فإنه الإسلام، ولا تحرفوا يمينا ولا شمالا، ~~وعليكم بسنة نبيكم وما كان عليه أصحابه من قبل أن يقتلوا صاحبهم ومن قبل أن ~~يفعلوا الذي فعلوا، قد قرأنا القرآن من قبل أن يقتلوا # PageV01P114 # صاحبهم ومن قبل أن يفعلوا الذي فعلوا، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين ~~الناس العداوة والبغضاء ". # فحدث الحسن بذلك فقال: " رحمه الله، صدق ونصح ". # خرجه ابن وضاح وغيره. # وكان مالك كثيرا ما ينشد: # وخير أمور الدين ما كان سنة ... وشر الأمور المحدثات البدائع # وعن مقاتل بن حيان؛ قال: " أهل هذه الأهواء آفة أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، إنهم يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، فيتصيدون بهذا ~~الذكر الحسن عند الجهال من الناس، فيقذفون بهم في المهالك، فما أشبههم بمن ~~يسقي الصبر ms052 باسم العسل، ومن يسقي السم القاتل باسم الترياق، فأبصرهم; فإنك ~~إن لا تكن أصبحت في بحر الماء، فقد أصبحت في بحر الأهواء الذي هو أعمق ~~غورا، وأشد اضطرابا، وأكثر صواعق، وأبعد مذهبا من البحر وما فيه، فتلك ~~مطيتك التي تقطع بها سفر الضلال، اتباع السنة ". # وعن ابن المبارك قال: " اعلم أي أخي أن الموت كرامة لكل مسلم لقي الله ~~على السنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإلى الله نشكو وحشتنا، وذهاب ~~الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع. وإلى الله نشكو # PageV01P115 # عظيم ما حل بهذه الأمة من ذهاب العلماء وأهل السنة وظهور البدع ". # وكان إبراهيم التيمي يقول: " اللهم اعصمني بدينك وبسنة نبيك، من الاختلاف ~~في الحق، ومن اتباع الهوى، ومن سبل الضلالة، ومن شبهات الأمور، ومن الزيغ ~~والخصومات ". # وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله: كان يكتب في كتبه: " إني أحذركم ما ~~مالت إليه الأهواء والزيغ البعيدة ". # ولما بايعه الناس; صعد على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " ~~أيها الناس! إنه ليس بعد نبيكم نبي، ولا بعد كتابكم كتاب، ولا بعد سنتكم ~~سنة، ولا بعد أمتكم أمة، ألا وإن الحلال ما أحل الله في كتابه على لسان ~~نبيه حلال إلى يوم القيامة، ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسان ~~نبيه حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بمبتدع ولكني متبع، ألا وإني لست ~~بقاض ولكني منفذ، ألا وإني لست بخازن ولكني أضع حيث أمرت، ألا وإني لست ~~بخيركم ولكني أثقلكم حملا. ألا ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". ثم نزل. # وفيه قال عروة بن أذينة عن أذينة يرثيه بها: # وأحييت في الإسلام علما وسنة ... ولم تبتدع حكما من الحكم أضجعا # ففي كل يوم كنت تهدم بدعة ... وتبني لنا من سنة ما تهدما # ومن كلامه الذي عني به ويحفظه العلماء وكان يعجب مالكا جدا، # PageV01P116 # وهو أن قال: " سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده ~~سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على ms053 دين ~~الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفه، من عمل بها ~~مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ~~ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا ". # وبحق ما كان يعجبهم; فإنه كلام مختصر، جمع أصولا حسنة من السنة: # منها ما نحن فيه; لأن قوله: " ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في ~~شيء خالفها "، قطع لمادة الابتداع جملة. # وقوله: " من عمل بها مهتد إلى آخر الكلام مدح لمتبع السنة، وذم لمن ~~خالفها بالدليل الدال على ذلك، وهو قول الله سبحانه وتعالى: {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115]. # ومنها ما سنه ولاة الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وسلم; فهو سنة; لا ~~بدعة فيه ألبتة، وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~نص عليه على الخصوص، فقد جاء ما يدل عليه في الجملة، وذلك نص حديث العرباض ~~بن سارية رضي الله عنه حيث قال فيه: # «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، # PageV01P117 # وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». # فقرن عليه السلام كما ترى سنة الخلفاء الراشدين بسنته، وإن من اتباع سنته ~~اتباع سنتهم، وإن المحدثات خلاف ذلك، ليست منها في شيء، لأنهم رضي الله ~~عنهم فيما سنوه: إما متبعون لسنة نبيهم عليه السلام نفسها، وإما متبعون لما ~~فهموا من سنته صلى الله عليه وسلم في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على ~~غيرهم مثله، لا زائد على ذلك. # وسيأتي بيانه بحول الله. # على أن أبا عبد الله الحاكم نقل عن يحيى بن آدم قول السلف الصالح: " سنة ~~أبي بكر وعمر رضي الله عنهما "، أن المعنى فيه: " أن يعلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم مات وهو على تلك السنة، وأنه لا يحتاج مع قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى قول أحد ". # وما قال صحيح في نفسه، فهو مما يحتمله حديث ms054 العرباض رضي الله عنه، فلا ~~زائد إذا على ما ثبت في السنة النبوية; إلا أنه قد يخاف أن تكون منسوخة ~~بسنة أخرى، فافتقر العلماء إلى النظر في عمل الخلفاء بعده، ليعلموا أن ذلك ~~هو الذي مات عليه النبي صلى الله عليه وسلم; من غير أن يكون له ناسخ، لأنهم ~~كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره. # وعلى هذا المعنى بنى مالك بن أنس في احتجاجه بالعمل، ورجوعه إليه عند ~~تعارض السنن. # PageV01P118 # ومن الأصول المضمنة في أثر عمر بن عبد العزيز: أن سنة ولاة الأمر وعملهم ~~تفسير لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لقوله: " الأخذ بها تصديق ~~لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله ". # وهو أصل مقرر في غير هذا الموضع، فقد جمع كلام عمر بن عبد العزيز رحمه ~~الله أصولا حسنة وفوائد مهمة. # ومما يعزى ل أبي إلياس الألباني: " ثلاث لو كتبن في ظفر; لوسعهن، وفيهن ~~خير الدنيا والآخرة: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، ومن ورع لا يتسع ". ~~والآثار هنا كثيرة. ### | [فصل ما جاء عن الصوفية في ذم البدع وأهلها] # الوجه الرابع من النقل ما جاء في ذم البدع وأهلها عن الصوفية المشهورين ~~عند الناس: # وإنما خصصنا هذا الموضع بالذكر، وإن كان فيما تقدم من النقل كفاية، لأن ~~كثيرا من الجهال يعتقدون فيهم أنهم متساهلون في الاتباع، وأن اختراع ~~العبادات والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه مما يقولون به ويعملون عليه، ~~وحاشاهم من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به، فأول شيء بنوا عليه طريقتهم: ~~اتباع السنة، واجتناب ما خالفها، حتى زعم مذكرهم، وحافظ مأخذهم، وعمود ~~نحلتهم، (أبو القاسم القشيري) أنهم إنما اختصوا باسم التصوف انفرادا به عن ~~أهل البدع، فذكر أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسم ~~أفاضلهم في # PageV01P119 # عصرهم باسم علم سوى الصحبة، إذ لا فضيلة فوقها، ثم سمي من يليهم ~~التابعين، ورأوا هذا الاسم أشرف الأسماء، ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين، ~~ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص ms055 الناس ممن له شدة عناية من ~~الدين: الزهاد والعباد. # قال: ثم ظهرت البدع، وادعى كل فريق أن فيهم زهادا وعبادا، فانفرد خواص ~~أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله الحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف. # هذا معنى كلامه، فقد عد هذا اللقب مخصوصا باتباع السنة ومباينة البدعة، ~~وفي ذلك ما يدل على خلاف ما يعتقده الجهال ومن لا عبرة به من المدعين ~~للعلم. # وفي غرضي إن فسح الله في المدة، وأعانني بفضله، ويسر لي الأسباب أن ألخص ~~في طريقة القوم أنموذجا يستدل به على صحتها وجريانها على الطريقة المثلى، ~~وأنه إنما داخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن ~~عهد ذلك السلف الصالح، وادعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم ~~لمقاصد أهلها، وتقولوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت في هذا الزمان ~~الأخير كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم. # PageV01P120 # وأعظم من ذلك أنهم يتساهلون في اتباع السنة، ويرون اختراع العبادات طريقا ~~للتعبد صحيحا، وطريقة القوم بريئة من هذا الخباط بحمد الله. # فقد قال الفضيل بن عياض: " من جلس مع صاحب بدعة، لم يعط الحكمة ". # وقيل ل إبراهيم بن أدهم: إن الله يقول في كتابه: {ادعوني أستجب لكم} ~~[غافر: 60]، ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا! فقال: ماتت قلوبكم في عشرة ~~أشياء: أولها: عرفتم الله فلم تؤدوا حقه، والثاني: قرأتم كتاب الله ولم ~~تعملوا به، والثالث: ادعيتم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته، ~~والرابع: ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، والخامس: قلتم نحب الجنة وما ~~تعملون لها. إلى آخر الحكاية. # وقال ذو النون المصري: " من علامة حب الله متابعة حبيب الله صلى الله ~~عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأمره وسنته ". # وقال: " إنما دخل الفساد على الخلق من ستة أشياء، الأول: ضعف النية بعمل ~~الآخرة، والثاني: صارت أبدانهم مهيئة لشهواتهم، والثالث: غلبهم طول الأمل ~~مع قصر الأجل، والرابع: آثروا رضاء المخلوقين على رضاء الله، والخامس: ~~اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم ms056 # PageV01P121 # صلى الله عليه وسلم، والسادس: جعلوا زلات السلف حجة لأنفسهم ودفنوا أكثر ~~مناقبهم. # وقال لرجل أوصاه: " ليكن آثر الأشياء عندك وأحبها إليك: إحكام ما افترض ~~الله عليك، واتقاء ما نهاك عنه، فإن ما تعبد الله به خير لك مما تختاره ~~لنفسك من أعمال البر التي [لا] تجب عليك، وأنت ترى أنها أبلغ لك فيما تريد، ~~كالذي يؤدب نفسه بالفقر والتقلل وما أشبه ذلك، وإنما للعبد أن يراعي أبدا ~~ما وجب عليه من فرض يحكمه على تمام حدوده، وينظر إلى ما نهي عنه فيتقيه على ~~إحكام ما ينبغي، فإن الذي قطع العباد عن ربهم، وقطعهم عن أن يذوقوا حلاوة ~~الإيمان، وأن يبلغوا حقائق الصدق، وحجب قلوبهم عن النظر إلى الآخرة: ~~تهاونهم بأحكام ما فرض عليهم في قلوبهم، وأسماعهم، وأبصارهم، وألسنتهم، ~~وأيديهم، وأرجلهم، وبطونهم وفروجهم، ولو وقفوا على هذه الأشياء وأحكموها; ~~لأدخل عليهم البر إدخالا تعجز أبدانهم وقلوبهم عن حمل ما رزقهم الله من حسن ~~معونته وفوائد كرامته، ولكن أكثر القراء والنساك حقروا محقرات الذنوب، ~~واستهانوا بالقليل مما هم فيه من العيوب، فحرموا ثواب لذة الصادقين في ~~العاجل ". # وقال بشر الحافي: " رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: ~~يا بشر! تدري لم رفعك الله بين أقرانك؟ قلت: لا يا رسول الله، قال: لاتباعك ~~سنتي، وحرمتك للصالحين، ونصيحتك لإخوانك، ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي؛ هو ~~الذي بلغك منازل الأبرار ". # وقال يحيى بن معاذ الرازي: " اختلاف الناس كلهم يرجع إلى ثلاثة أصول، ~~فلكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه، وقع في ضده: التوحيد # PageV01P122 # وضده الشرك، والسنة وضدها البدعة، والطاعة وضدها المعصية ". # وقال أبو بكر الدقاق وكان من أقران الجنيد: " كنت مارا في تيه بني ~~إسرائيل، فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة، فهتف بي هاتف: كل ~~حقيقة لا تتبعها الشريعة فهي كفر ". # وقال أبو علي الحسن بن علي الجوزجاني: " من علامات السعادة على العبد: ~~تيسير الطاعة عليه، وموافقة السنة في أفعاله، وصحبته لأهل الصلاح، وحسن ~~أخلاقه مع الإخوان، وبذل معروفه للخلق ms057 واهتمامه للمسلمين، ومراعاته لأوقاته ~~". # وسئل كيف الطريق إلى الله؟ فقال: " الطرق إلى الله كثيرة، وأوضح الطرق ~~وأبعدها عن الشبه: اتباع السنة قولا وفعلا وعزما وعقدا ونية، لأن الله ~~يقول: {وإن تطيعوه تهتدوا} [النور: 54]. # فقيل له: كيف الطريق إلى السنة؟ فقال: " مجانبة البدع، واتباع ما أجمع ~~عليه الصدر الأول من علماء الإسلام، والتباعد عن مجالس الكلام وأهله، ولزوم ~~طريقة الاقتداء، وبذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم} [النحل: 123]. # وقال أبو بكر الترمذي: " لم يجد أحد تمام الهمة بأوصافها إلا أهل المحبة، ~~وإنما أخذوا ذلك باتباع السنة ومجانبة البدعة، فإن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم كان أعلى الخلق كلهم همة، وأقربهم زلفى ". # PageV01P123 # وقال أبو الحسن الوراق: " لا يصل العبد إلى الله إلا بالله، وبموافقة ~~حبيبه صلى الله عليه وسلم في شرائعه، ومن جعل الطريق إلى الوصول في غير ~~الاقتداء، يضل من حيث أنه مهتد ". # وقال: " الصدق: استقامة الطريق في الدين، واتباع السنة في الشرع ". # وقال: " علامة محبة الله متابعة حبيبه صلى الله عليه وسلم ". # ومثله عن إبراهيم القمار، قال: " علامة محبة الله: إيثار طاعته، ومتابعة ~~نبيه ". # وقال أبو محمد بن عبد الوهاب الثقفي: " لا يقبل الله من الأعمال إلا ما ~~كان صوابا، ومن صوابها إلا ما كان خالصا، ومن خالصها إلا ما وافق السنة ". ~~وإبراهيم بن شيبان القرميسيني صحب أبا عبد الله المغربي وإبراهيم الخواص، ~~وكان شديدا على أهل البدع، متمسكا بالكتاب والسنة، لازما لطريق المشايخ ~~والأئمة، حتى قال فيه عبد الله بن منازل: إبراهيم بن شيبان حجة الله على ~~الفقراء وأهل الآداب والمعاملات. # وقال أبو بكر بن سعدان - وهو من أصحاب الجنيد - وغيره: الاعتصام بالله هو ~~الامتناع من الغفلة والمعاصي والبدع والضلالات. # وقال أبو عمر الزجاجي وهو من أصحاب الجنيد والثوري وغيرهما: " كان الناس ~~في الجاهلية يتبعون ما تستحسنه عقولهم # PageV01P124 # وطبائعهم، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فردهم إلى الشريعة والاتباع، ~~فالعقل الصحيح الذي يستحسن ما يستحسنه الشرع، ويستقبح ما يستقبحه ". # وقيل ms058 لإسماعيل بن محمد السلمي جد أبي عبد الرحمن السلمي، ولقي الجنيد ~~وغيره: ما الذي لا بد للعبد منه؟ فقال: " ملازمة العبودية على السنة، ودوام ~~المراقبة ". # وقال أبوعثمان المغربي التونسي: " هي الوقوف مع الحدود لا يقصر فيها ولا ~~يتعداها، قال الله تعالى: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} [الطلاق: 1]. # وقال أبو يزيد البسطامي: " عملت في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت شيئا ~~أشد من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لشقيت. واختلاف العلماء رحمة ~~إلا في تجريد التوحيد، ومتابعة العلم هي متابعة السنة لا غيرها ". # وروي عنه أنه قال: " قم بنا ننظر إلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه ~~بالولاية كان رجلا مقصودا مشهورا بالزهد ". # قال الراوي: " فمضينا، فلما خرج من بيته ودخل المسجد; رمى ببصاقه تجاه ~~القبلة، فانصرف أبو يزيد، ولم يسلم عليه، وقال: هذا غير مأمون على أدب من ~~آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه؟! # وهذا أصل أصله أبو يزيد رحمه الله للقوم، وهو أن الولاية لا # PageV01P125 # تحصل لتارك السنة، وإن كان ذلك جهلا منه، فما ظنك به إذا كان عاملا ~~بالبدعة كفاحا؟! # وقال: " هممت أن أسأل الله أن يكفيني مؤنة الأكل ومؤنة النساء، ثم قلت: ~~كيف يجوز أن أسأل الله هذا؟ ولم يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ~~أسأله، ثم إن الله سبحانه كفاني مؤنة النساء حتى لا أبالي استقبلتني امرأة ~~أم حائط ". # وقال: " لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء; فلا ~~تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود وآداب ~~الشريعة ". # وقال سهل التستري: " كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء: طاعة كان أو معصية، ~~فهو عيش النفس يعني: باتباع الهوى، وكل فعل يفعله العبد بالاقتداء; فهو ~~عتاب على النفس يعني لأنه لا هوى له فيه ". # واتباع الهوى هو المذموم، ومقصود القوم تركه ألبتة. # وقال: " أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأكل الحلال، وكف الأذى، ms059 واجتناب الآثام، والتوبة، ~~وأداء الحقوق ". # وقال: " قد أيس الخلق من هذه الخصال الثلاث: ملازمة التوبة، ومتابعة ~~السنة، وترك أذى الخلق ". # وسئل عن الفتوة؟ فقال: " اتباع السنة ". # وقال أبو سليمان الداراني: " ربما تقع في قلبي النكتة من نكت # PageV01P126 # القوم أياما، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة ". # وقال أحمد بن أبي الحواري: " من عمل عملا بلا اتباع سنة; فباطل عمله ". # وقال أبو حفص الحداد: " من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب ~~والسنة، ولم يتهم خواطره، فلا تعده في ديوان الرجال ". # وسئل عن البدعة؟ فقال: " التعدي في الأحكام، والتهاون في السنن، واتباع ~~الآراء والأهواء، وترك الاتباع والاقتداء ". # قال: " وما ظهرت حالة عالية; إلا من ملازمة أمر صحيح ". # وسئل حمدون القصار: متى يجوز للرجل أن يتكلم على الناس؟ فقال: " إذا تعين ~~عليه أداء فرض من فرائض الله في عمله، أو خاف هلاك إنسان في بدعة يرجو أن ~~ينجيه الله منها ". # وقال: " من نظر في سير السلف; عرف تقصيره، وتخلفه عن درجات الرجال ". # وهذه والله أعلم إشارة إلى المثابرة على الاقتداء بهم، فإنهم أهل السنة. # وقال أبو القاسم الجنيد لرجل ذكر المعرفة وقال: أهل المعرفة بالله يصلون ~~إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله فقال الجنيد: " إن هذا قول ~~قوم تكلموا بإسقاط الأعمال عن الله تعالى، وإليه يرجعون فيها ". # قال: ولو بقيت ألف عام; لم أنقص من أعمال البر ذرة، إلا أن # PageV01P127 # يحال بي دونها ". # وقال: " الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ". # وقال: " مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ". # وقال: " من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الأمر; لأن ~~علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ". # وقال: " هذا مشيد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # وقال أبو عثمان الجبري: " الصحبة مع الله تعالى بحسن الأدب ودوام الهيبة ~~والمراقبة، والصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته، ولزوم ~~ظاهر العلم، والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة ". إلى ms060 آخر ما قال. # ولما تغير عليه الحال، مزق ابنه أبو بكر قميصا على نفسه، ففتح أبو عثمان ~~عينيه وقال: " خلاف السنة يا بني في الظاهر، علامة رياء في الباطن ". # وقال: " من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا; نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى ~~على نفسه قولا وفعلا; نطق بالبدعة; قال الله تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا} ~~[النور: 54]. # قال أبو الحسين النووي: " من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد العلم ~~الشرعي، فلا تقربن منه ". # وقال محمد بن الفضل البلخي: " ذهاب الإسلام من أربعة: لا # PageV01P128 # يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما لا يعلمون، ~~ويمنعون الناس من التعلم. # هذا ما قال، وهو وصف صوفيتنا اليوم، عياذا بالله. # وقال: " أعرفهم بالله أشدهم مجاهدة في أوامره، وأتبعهم لسنة نبيه ". # وقال شاة الكرماني: " من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشبهات، ~~وعمر باطنه بدوام المراقبة وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل الحلال، لم ~~تخطئ له فراسة ". # وقال أبو سعيد الخراز: " كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل ". # وقال أبو العباس بن عطاء وهو من أقران الجنيد: " من ألزم نفسه آداب الله; ~~نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب صلى الله ~~عليه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه ". # وقال أيضا: " أعظم الغفلة: غفلة العبد عن ربه عز وجل، وغفلته عن أوامره، ~~وغفلته عن آداب معاملته ". # وقال إبراهيم الخواص: " ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العالم من اتبع ~~العلم، واستعمله، واقتدى بالسنن، وإن كان قليل العلم ". # وسئل عن العافية؟ فقال: " العافية أربعة أشياء: دين بلا بدعة، وعمل بلا ~~آفة، وقلب بلا شغل، ونفس بلا شهوة ". # وقال: " الصبر: الثبات على أحكام الكتاب والسنة ". # وقال بنان الحمال وسئل عن أصل أحوال الصوفية؟ فقال: # PageV01P129 # " الثقة بالمضمون، والقيام بالأوامر، ومراعاة السر، والتخلي عن الكونين ~~". # وقال أبو حمزة البغدادي: " من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه، ولا دليل ~~على الطريق إلى الله إلا متابعة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحواله ~~وأفعاله وأقواله. # وقال أبو ms061 إسحاق الرقاشي: " علامة محبة الله إيثار طاعته ومتابعة نبيه " ~~اه. # ودليله قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل ~~عمران: 31]. # وقال ممشاد الدينوري: " آداب المريد في: التزام حرمات المشايخ، وحرمة ~~الإخوان، والخروج عن الأسباب، وحفظ آداب الشرع على نفسه ". # وسئل أبو علي الروذباري عمن يسمع الملاهي ويقول: هي لي حلال لأني قد وصلت ~~إلى درجة لا يؤثر في اختلاف الأحوال. فقال: نعم، قد وصل، ولكن إلى سقر ". # وقال أبو محمد عبد الله بن منازل: " لم يضيع أحد فريضة من الفرائض; إلا ~~ابتلاه الله بتضييع السنن، ولم يبتل بتضييع السنن أحد; إلا يوشك أن يبتلى ~~بالبدع ". # وقال أبو يعقوب النهرجوري: " أفضل الأحوال ما قارن العلم ". # وقال أبو عمرو بن نجيد: " كل حال لا يكون عن نتيجة علم; فإن # PageV01P130 # ضرره على صاحبه أكثر من نفعه ". # وقال بندار بن الحسين: " صحبة أهل البدع تورث الإعراض عن الحق ". # وقال أبو بكر الطمستاني: " الطريق واضح، والكتاب والسنة قائمان بين ~~أظهرنا، وفضل الصحابة معلوم لسبقهم إلى الهجرة ولصحبتهم، فمن صحب منا ~~الكتاب والسنة، وتغرب عن نفسه والخلق، وهاجر بقلبه إلى الله، فهو الصادق ~~المصيب ". # وقال أبو القاسم النصراباذي: " أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك ~~البدع والأهواء، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، والمداومة على ~~الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات ". # وكلامهم في هذا الباب يطول، وقد نقلنا عن جملة ممن اشتهر منهم ينيف على ~~الأربعين شيخا، جميعهم يشير أو يصرح بأن الابتداع ضلال والسلوك عليه تيه، ~~واستعماله رمي في عماية، وأنه مناف لطلب النجاة، وصاحبه غير محفوظ، وموكول ~~إلى نفسه، ومطرود عن نيل الحكمة، وأن الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة; ~~مجمعون على تعظيم الشريعة، مقيمون على متابعة السنة، غير مخلين بشيء من ~~آدابها، أبعد الناس عن البدع وأهلها. # ولذلك لا نجد منهم من ينسب إلى فر‍ق من الفرق الضالة، ولا من يميل إلى ~~خلاف السنة. # وأكثر من ذكر منهم علماء وفقهاء ومحدثون وممن يؤخذ عنه الدين # PageV01P131 # أصولا وفروعا، ومن لم يكن كذلك، فلا بد ms062 من أن يكون فقيها في دينه بمقدار ~~كفايته. # وهم كانوا أهل الحقائق والمواجد والأذواق والأحوال والأسرار التوحيدية، ~~فهم الحجة لنا على كل من ينتسب إلى طريقهم ولا يجري على منهاجهم، بل يأتي ~~ببدع محدثات، وأهواء متبعات، وينسبها إليهم، تأويلا عليهم. من قول محتمل، ~~أو فعل من قضايا الأحوال، أو استمساكا بمصلحة شهد الشرع بإلغائها، أو ما ~~أشبه ذلك. # فكثيرا ما ترى المتأخرين ممن يتشبه بهم، يرتكب من الأعمال ما أجمع الناس ~~على فساده شرعا، ويحتج بحكايات هي قضايا أحوال، إن صحت; لم يكن فيها حجة، ~~لوجوه عدة، ويترك من كلامهم وأحوالهم ما هو واضح في الحق الصريح، والاتباع ~~الصحيح، شأن من اتبع من الأدلة الشرعية ما تشابه منها. # ولما كان أهل التصوف في طريقهم بالنسبة إلى إجماعهم على أمر كسائر أهل ~~العلوم في علومهم، أتيت من كلامهم بما يقوم منه دليل على (مدعي) السنة وذم ~~البدعة في طريقتهم، حتى يكون دليلا لنا من جهتهم على أهل البدع عموما، وعلى ~~المدعين في طريقهم خصوصا، وبالله التوفيق. # PageV01P132 ### | [فصل ما جاء في ذم الرأي المذموم] # الوجه الخامس من النقل ما جاء منه في ذم الرأي المذموم: # وهو المبني على غير أس، والمستند إلى غير أصل من كتاب ولا سنة، لكنه وجه ~~تشريعي، فصار نوعا من الابتداع، بل هو الجنس فيها; فإن جميع البدع إنما هي ~~رأي على غير أصل، ولذلك وصف بوصف الضلال. # ففي الصحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ; قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا ينتزع العلم من الناس بعد إذ أعطاهموه ~~انتزاعا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال، ~~يستفتون، فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون». # فإذا كان كذلك، فذم الرأي عائد على البدع بالذم لا محالة. # وخرج ابن المبارك وغيره، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة قوم يقيسون ~~الدين برأيهم، يحرمون به ما أحل الله، ويحلون ms063 به ما حرم.» # قال ابن عبد البر: " هذا هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين ~~بالتخرص والظن، ألا ترى إلى قوله في الحديث: " يحلون الحرام ويحرمون الحلال ~~"؟ ومعلوم أن الحلال ما في كتاب الله وسنة رسوله تحليله، والحرام ما كان في ~~كتاب الله وسنة رسوله تحريمه، فمن جهل # PageV01P133 # ذلك وقال فيما سئل عنه بغير علم، وقاس برأيه ما خرج (منه) عن السنة، فهذا ~~الذي قاس برأيه فضل وأضل، ومن رد الفروع في علمه إلى أصولها; فلم يقل برأيه ~~". # وخرج ابن المبارك حديثا: " «إن من أشراط الساعة ثلاثا، وإحداهن: " أن ~~يلتمس العلم عند الأصاغر» ". # قيل لابن المبارك: من الأصاغر؟ قال: " الذين يقولون برأيهم، فأما صغير ~~يروي عن كبير; فليس بصغير ". # وخرج ابن وهب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه قال: " أصبح أهل الرأي ~~أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها، وتفلتت منهم ". # قال سحنون: " يعني: البدع ". # PageV01P134 # وفي رواية: " إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن ~~يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا ". # وفي رواية ل ابن وهب: " إن أصحاب الرأي أعداء السنة، أعيتهم أن يحفظوها، ~~وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين يسألوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا ~~السنن برأيهم، فإياكم وإياكم ". # قال أبو بكر بن أبي داود: " أهل الرأي هم أهل البدع ". # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: " من أحدث رأيا ليس في كتاب الله، ولم ~~تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يدر ما هو عليه إذا لقي ~~الله عز وجل ". # وعن ابن مسعود رضي الله عنه: " قراؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤساء جهالا ~~يقيسون الأمور برأيهم ". # وخرج ابن وهب وغيره عن عمر بن الخطاب: أنه قال: " السنة ما سنه الله ~~ورسوله، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة ". # وخرج أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: " لم يزل أمر بني إسرائيل ~~مستقيما حتى أدرك فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم، فأخذوا فيهم بالرأي، ~~فأضلوا بني إسرائيل ". # وعن الشعبي: " إنما هلكتم حين تركتم الآثار وأخذتم ms064 بالمقاييس ". # وعن الحسن: " إنما هلك من كان قبلكم حين شعبت بهم السبل، وحادوا عن ~~الطريق فتركوا الآثار، وقالوا في الدين برأيهم، فضلوا # PageV01P135 # وأضلوا. # وعن دراج بن السمح قال: " يأتي على الناس زمان; يسمن الرجل راحلته حتى ~~تعقد شحما، ثم يسير عليها في الأمصار حتى تعود نقضا، يلتمس من يفتيه بسنة ~~قد عمل بها فلا يجد إلا من يفتيه بالظن ". # وقد اختلف العلماء في الرأي المقصود بهذه الأخبار والآثار: # فقد قالت طائفة: المراد به رأي أهل البدع المخالفين للسنن، لكن في ~~الاعتقاد كمذهب جهم وسائر مذاهب أهل الكلام، لأنهم استعملوا آراءهم في رد ~~الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل وفي رد ظواهر القرآن; ~~لغير سبب يوجب الرد ويقتضي التأويل، كما قالوا بنفي الرؤية نفيا للظاهر ~~بالمحتملات، ونفي عذاب القبر، ونفي الميزان والصراط. وكذلك ردوا أحاديث ~~الشفاعة والحوض إلى أشياء يطول ذكرها وهي مذكورة في كتب الكلام. # وقالت طائفة: إنما الرأي المذموم المعيب الرأي المبتدع، وما كان مثله من ~~ضروب البدع، فإن حقائق جميع البدع رجوع إلى الرأي، وخروج عن الشرع. # وهذا هو القول الأظهر، إذ الأدلة المتقدمة لا تقتضي بالقصد الأول من ~~البدع نوعا دون نوع، بل ظاهرها تقتضي العموم في كل بدعة، حدثت أو تحدث إلى ~~يوم القيامة، كانت من الأصول أو الفروع، كما قاله القاضي إسماعيل في قوله ~~تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} [الأنعام: 159] ~~; بعدما حكى أنها نزلت في الخوارج. # PageV01P136 # وكأن القائل بالتخصيص والله أعلم لم يقل به بالقصد الأول، بل أتى بمثال ~~مما تتضمنه الآية، كالمثال المذكور; فإنه موافق لما كان مشتهرا في ذلك ~~الزمان، فهو أول ما يمثل به، ويبقى ما عداه مسكوتا عن ذكره عند القائل به، ~~ولو سئل عن العموم لقال به. # وهكذا كل ما تقدم من الأقوال الخاصة ببعض أهل البدع إنما تحصل على ~~التفسير بحسب الحاجة، ألا ترى أن الآية الأولى من سورة آل عمران إنما أنزلت ~~في قصة نصارى نجران، ثم نزلت على ms065 الخوارج حسبما تقدم إلى غير ذلك مما يذكر ~~في التفسير، إنما يحملونه على ما يشمله الموضع بحسب الحاجة الحاضرة لا بحسب ~~ما يقتضيه اللفظ لغة. # وهكذا ينبغي أن تفهم أقوال المفسرين المتقدمين، وهو الأولى لمناصبهم في ~~العلم، ومراتبهم في فهم الكتاب والسنة. # ولهذا المعنى تقرير في غير هذا الموضع. # وقالت طائفة وهم فيما زعم ابن عبد البر جمهور أهل العلم: الرأي المذكور ~~في هذه الآثار هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، ~~والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، ورد الفروع والنوازل بعضها إلى بعض ~~قياسا دون ردها إلى أصولها والنظر في عللها واعتبارها، فاستعمل فيها الرأي ~~قبل أن تنزل، وفرعت قبل أن تقع، وتكلم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع ~~للظن. # قالوا: لأن في الاشتغال بهذا والاستغراق فيه: تعطيل السنن، والبعث على ~~جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها، ومن كتاب الله تعالى ~~ومعانيه. # PageV01P137 # واحتجوا على ذلك بأشياء، منها: أن عمر رضي الله عنه لعن من سأل عما لم ~~يكن، وما جاء من النهي عن الأغلوطات، وهي صعاب المسائل، وعن كثرة السؤال، ~~وأنه كره المسائل وعابها، وإن كثيرا من السلف لم يكن يجيب إلا عما نزل من ~~النوازل دون ما لم ينزل. # وهذا القول غير مخالف لما قبله، لأن من قال به; قد منع من الرأي وإن كان ~~غير مذموم، لأن الإكثار منه ذريعة إلى الرأي المذموم، وهو ترك النظر في ~~السنن اقتصارا على الرأي. # وإذا كان كذلك; اجتمع مع ما قبله، فإن من عادة الشرع أنه إذا نهى عن شيء ~~وشدد فيه; منع ما حواليه، وما دار به ورتع حول حماه، ألا ترى إلى قوله عليه ~~السلام: «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة»، وكذلك جاء في ~~الشرع أصل سد الذرائع، وهو منع الجائز; لأنه يجر إلى غير الجائز، وبحسب عظم ~~المفسدة في الممنوع يكون اتساع المنع في الذريعة وشدته. # وما تقدم من الأدلة يبين لك عظم المفسدة في الابتداع، فالحوم حول حماه ~~يتسع جدا، ولذلك تنصل العلماء ms066 من القول بالقياس وإن كان جاريا على الطريقة، ~~فامتنع جماعة من الفتيا به قبل نزول المسألة، وحكوا في ذلك حديثا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أنه قال: # «لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها فإنكم إن تفعلوا تشتت بكم الطرق # PageV01P138 # هاهنا وهاهنا». # وصح نهيه عليه السلام عن كثرة السؤال. # وقال: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد ~~حدودا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها». # وأحال بها جماعة على الأمراء، فلم يكونوا يفتون حتى يكون الأمير هو الذي ~~يتولى ذلك، ويسمونها: صوافي الأمراء. # وكان جماعة يفتون على الخروج عن العهدة، وأنه رأي ليس بعلم: كما قال أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه إذ سئل في الكلالة: " أقول فيها برأيي، فإن كان ~~صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان "، ثم أجاب. # وجاء رجل إلى سعيد بن المسيب، فسأله عن شيء فأملاه عليه، ثم سأله عن ~~رأيه، فأجابه، فكتب الرجل، فقال رجل من جلساء سعيد: أتكتب يا أبا محمد ~~رأيك؟ فقال سعيد للرجل: " ناولنيها "، فناوله # PageV01P139 # الصحيفة، فخرقها. # وسئل القاسم بن محمد عن شيء؟ فأجاب، فلما ولى الرجل; دعاه، فقال له: " لا ~~تقل: إن القاسم زعم أن هذا هو الحق، ولكن إن اضطررت إليه عملت به ". # وقال مالك بن أنس: " قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم هذا الأمر ~~واستكمل، فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نتبع ~~الرأي، فإنه متى اتبع الرأي; جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك فاتبعته، فأنت ~~كلما جاء رجل غلبك اتبعته، أرى هذا لا يتم ". # ثم ثبت أنه كان يقول برأيه، ولكن كثيرا ما كان يقول بعد أن يجتهد رأيه في ~~النازلة: {إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: 32]. # ولأجل الخوف على من كان يتعمق فيه، لم يزل يذمه ويذم من تعمق فيه، فقد ~~كان ينحى على أهل العراق، لكثرة تصرفهم به في الأحكام، فحكي عنه في ms067 ذلك ~~أشياء، من أخفها قوله: # " الاستحسان تسعة أعشار العلم، ولا يكاد المغرق في القياس إلا يفارق ~~السنة ". # والآثار المتقدمة ليست عند مالك مخصوصة بالرأي في الاعتقاد، فهذه كلها ~~تشديدات في الرأي، وإن كان جاريا على الأصول، حذرا من الوقوع في الرأي غير ~~الجاري على أصل. # ولابن عبد البر هنا كلام كثير كرهنا الإتيان به. # PageV01P140 # والحاصل من جميع ما تقدم: أن الرأي المذموم ما بني على الجهل واتباع ~~الهوى من غير أن يرجع إليه، وما كان منه ذريعة إليه، وإن كان في أصله ~~محمودا، وذلك راجع إلى أصل شرعي: # فالأول: داخل تحت حد البدعة، وتتنزل عليه أدلة الذم. # والثاني: خارج عنه، ولا يكون بدعة أبدا. ### | [فصل الأوصاف المحذورة والمعاني المذمومة في البدع] ### | [البدعة لا يقبل معها عبادة] # الوجه السادس: من النقل يذكر فيه بعض ما في البدع من الأوصاف المحذورة، ~~والمعاني المذمومة، وأنواع الشؤم: # وهو كالشرح لما تقدم أولا، وفيه زيادة بسط وبيان زائد على ما تقدم في ~~أثناء الأدلة، فلنتكلم على ما يسع ذكره بحسب الوقت والحال. # فاعلموا أن البدعة: لا يقبل معها عبادة من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا ~~غيرها من القربات، ومجالس صاحبها تنزع منه العصمة، ويوكل إلى نفسه، والماشي ~~إليه وموقره معين على هدم الإسلام، فما الظن بصاحبها؟ وهو ملعون على لسان ~~الشريعة، ويزداد من الله بعبادته بعدا، وهي مظنة إلقاء العداوة والبغضاء، ~~ومانعة من الشفاعة المحمدية، ورافعة للسنن التي تقابلها، وعلى مبتدعها إثم ~~من عمل بها، وليس له من توبة، وتلقى عليه الذلة والغضب من الله، ويبعد عن ~~حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويخاف عليه أن يكون معدودا في الكفار ~~الخارجين عن الملة، وسوء الخاتمة عند الخروج من الدنيا، ويسود وجهه في ~~الآخرة، [و] يعذب بنار جهنم، وقد تبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتبرأ منه المسلمون، ويخاف عليه الفتنة # PageV01P141 # في الدنيا زيادة إلى عذاب الآخرة. # فأما أن البدعة لا يقبل معها عمل: # فقد روي عن الأوزاعي: أنه قال: " كان بعض ms068 أهل العلم يقولون: لا يقبل الله ~~من ذي بدعة صلاة ولا صياما ولا صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا عمرة ولا صرفا ~~ولا عدلا ". # وفيما كتب به أسد بن موسى: " وإياك أن يكون لك من البدع أخ أو جليس أو ~~صاحب: # فإنه جاء الأثر: من جالس صاحب بدعة; نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن ~~مشى إلى صاحب بدعة، مشى إلى هدم الإسلام. # وجاء: ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى. # ووقعت اللعنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل البدع. # وإن الله لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا، ولا فريضة ولا تطوعا. # وكلما ازدادوا اجتهادا صوما وصلاة ازدادوا من الله بعدا. # فارفض مجالستهم، وأذلهم، وأبعدهم، كما أبعدهم وأذلهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأئمة الهدى بعده. # وكان أيوب السختياني يقول: " ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من ~~الله بعدا ". وقال هشام بن حسان: " لا يقبل الله من صاحب بدعة صلاة ولا # PageV01P142 # صياما ولا زكاة ولا حجا ولا جهادا ولا عمرة ولا صدقة ولا عتقا ولا صرفا ~~ولا عدلا ". # وخرج ابن وهب عن عبد الله بن عمر ; قال: " من كان يزعم أن مع الله قاضيا ~~أو رازقا أو يملك لنفسه ضرا أو نفعا أو موتا أو حياة أو نشورا، لقي الله، ~~فأدحض حجته، وأخرس لسانه، وجعل صلاته وصيامه هباء منثورا، وقطع به الأسباب، ~~وكبه في النار على وجهه ". # وهذه الأحاديث وما كان نحوها مما ذكرناه تتضمن عمدة صحتها كلها; فإن ~~المعنى المقرر فيها له في الشريعة أصل صحيح لا مطعن فيه. # أما أولا; فإنه قد جاء في بعضها ما يقتضي عدم القبول. # وهو في الصحيح كبدعة القدرية، حيث قال فيها عبد الله بن عمر: " إذا لقيت ~~أولئك، فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، فوالذي يحلف به عبد الله بن ~~عمر ; لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه; ما تقبله الله منه حتى يؤمن ~~بالقدر "، ثم استشهد بحديث جبريل المذكور ms069 في صحيح مسلم. # ومثله حديث الخوارج وقوله فيه: " «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية "، بعد قوله: تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم ~~مع أعمالهم» الحديث. # PageV01P143 # وإذا ثبت في بعضهم هذا لأجل بدعة; فكل مبتدع يخاف عليه مثل من ذكره. # وأما ثانيا: فإن كان المبتدع لا يقبل منه عمل: إما أن يراد أنه لا يقبل ~~له بإطلاق على أي وجه وقع من وفاق سنة أو خلافها، وإما أن يراد أنه لا يقبل ~~منه ما ابتدع فيه خاصة دون ما لم يبتدع فيه. # فأما الأول: فيمكن على أحد أوجه ثلاثة. # الأول: أن يكون على ظاهره; من أن كل مبتدع أي بدعة كانت فأعماله لا تقبل ~~معها داخلتها تلك البدعة أم لا. # ويشير إليه حديث ابن عمر المذكور آنفا. # ويدل عليه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه خطب الناس وعليه سيف ~~فيه صحيفة معلقة، فقال: " والله; ما عندنا كتاب نقرؤه; إلا كتاب الله وما ~~في هذه الصحيفة، فنشرها، فإذا فيها أسنان الإبل، وإذا فيها: المدينة حرم من ~~عير إلى كذا، من أحدث فيها حدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ~~لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ". # وذلك على رأي من فسر الصرف والعدل بالفريضة والنافلة. # وهذا شديد جدا على أهل الإحداث في الدين. # الثاني: أن تكون بدعته أصلا يتفرع عليه سائر الأعمال، كما إذا ذهب إلى ~~إنكار العمل بخبر الواحد بإطلاق، فإن عامة التكليف مبني عليه; لأن الأمر ~~إنما يرد على المكلف من كتاب الله أو من سنة رسوله. وما تفرع # PageV01P144 # منهما راجع إليهما: # فإن كان واردا من السنة، فمعظم نقل السنة بالآحاد، بل قد أعوز أن يوجد ~~حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترا. # وإن كان واردا من الكتاب، فإنما تبينه السنة، فكل ما لم يبين في القرآن; ~~فلا بد لمطرح نقل الآحاد أن يستعمل رأيه [فيه]، وهو الابتداع بعينه، فيكون ~~[كل] فرع ينبني على ذلك بدعة لا سنة، لا يقبل منه ms070 شيء، كما في الصحيح من ~~قوله عليه السلام: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد». # وكما إذا كانت البدعة التي ينبني عليها كل عمل، فإن الأعمال بالنيات، ~~وإنما لكل امرئ ما نوى. # ومن أمثلة ذلك قول من يقول: إن الأعمال إنما تلزم من لم يبلغ درجة ~~الأولياء المكاشفين بحقائق التوحيد، فأما من رفع له الحجاب وكوشف بحقيقة ما ~~هنالك، فقد ارتفع التكليف عنه، بناء منهم على أصل هو كفر صريح لا يليق في ~~هذا الموضع ذكره. # أمثلة ما ذهب إليه بعض المارقين من إنكار العمل بالأخبار النبوية جاءت ~~تواترا أو آحادا وأنه إنما يرجع إلى كتاب الله. # وفي الترمذي عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ألفين ~~أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه أمري فيما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ~~أدري! ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»! حديث حسن. # PageV01P145 # وفي رواية: «ألا هل عسى رجل يبلغه عني الحديث وهو متكئ على أريكته فيقول: ~~بيننا وبينكم كتاب الله (قال): فما وجدنا فيه حلالا حللناه وما وجدنا فيه ~~حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله». حديث حسن. # وإنما جاء هذا الحديث على الذم وإثبات أن سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في التحليل والتحريم ككتاب الله، فمن ترك ذلك، فقد بنى أعماله على ~~رأيه لا على كتاب الله، ولا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومن الأمثلة إذا كانت البدعة تخرج صاحبها عن الإسلام باتفاق أو باختلاف، ~~إذ للعلماء في تكفير أهل البدع قولان. # وفي الظواهر ما يدل على ذلك; كقوله عليه السلام في بعض روايات حديث ~~الخوارج حين ذكر السهم بصيغة الخوارج من الرمية بين الفرث والدم. # ومن الآيات قوله سبحانه وتعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: ~~106] الآية. # ونحو الظواهر المتقدمة. # الوجه الثالث: أن صاحب البدعة في بعض الأمور التعبدية أو غيرها قد يجره ~~اعتقاد بدعته الخاصة إلى التأويل الذي يصير اعتقاده في الشريعة ضعيفا، وذلك ~~يبطل ms071 عليه جميع عمله. # بيان ذلك أمثلة، # PageV01P146 # منها: أن يترك العقل مع الشرع في التشريع، وإنما يأتي الشرع كاشفا لما ~~اقتضاه العقل. # فيا ليت شعري! هل حكم هؤلاء في التعبد لله شرعه أم عقولهم؟ بل صار الشرع ~~في نحلتهم كالتابع المعين لا حاكما متبعا. # وهذا هو التشريع الذي لم يبق للشرع معه أصالة، فكل ما عمل هذا العامل ~~مبني على ما اقتضاه عقله، وإن شرك الشرع، فعلى حكم الشركة لا على إفراد ~~الشرع، فلا يصح بناء على الدليل الدال على إبطال التحسين والتقبيح ~~العقليين، إذ هو عند علماء الكلام من مشهور البدع، وكل بدعة ضلالة. # ومنها: أن المستحسن للبدع يلزمه عادة أن يكون الشرع عنده لم يكمل بعد، ~~فلا يكون لقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] ; معنى يعتبر ~~به عندهم، ومحسن الظن منهم يتأولها حتى يخرجها عن ظاهرها. # وذلك أن هؤلاء الفرق التي تبتدع العبادات أكثرها ممن يكثر الزهد ~~والانقطاع والانفراد عن الخلق، وإلى الاقتداء بهم يجري أغمار العوام، والذي ~~يلزم الجماعة وإن كان أتقى خلق الله لا يعدونه إلا من العامة، وأما الخاصة ~~فهم أهل تلك الزيادات. # ولذلك تجد كثيرا من المعتزين بهم، والمائلين إلى جهتهم، يزدرون بغيرهم ~~ممن لم ينتحل مثل ما انتحلوا، ويعدونهم من المحجوبين عن # PageV01P147 # أنوارهم، فكل من يعتقد هذا المعنى; يضعف في يده قانون الشرع الذي ضبطه ~~السلف الصالح، وبين حدوده الفقهاء الراسخون في العلم، إذ ليس هو عنده في ~~طريق السلوك بمنهض حتى يدخل مداخل خاصتهم، وعند ذلك لا يبقى لعمل في أيديهم ~~روح الاعتماد الحقيقي، وهو باب عدم القبول في تلك الأعمال، وإن كانت بحسب ~~ظاهر الأمر مشروعة، لأن الاعتقاد فيها أفسدها عليهم، فحقيق أن لا يقبل ممن ~~هذا شأنه صرف ولا عدل والعياذ بالله! # وأما الثاني: وهو أن يراد بعدم القبول لأعمالهم ما ابتدعوا فيه خاصة ~~فيظهر أيضا. # وعليه يدل الحديث المتقدم: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» والجميع من ~~قوله: «كل بدعة ضلالة»، أي: إن صاحبها ليس على الصراط المستقيم، ms072 وهو معنى ~~عدم القبول، وفاق قول الله: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ~~[الأنعام: 153]. # وصاحب البدعة لا يقتصر في الغالب على الصلاة دون الصيام، ولا على الصيام ~~دون الزكاة، ولا على الزكاة دون الحج، ولا على الحج دون الجهاد، إلى غير ~~ذلك من الأعمال، لأن الباعث له على ذلك حاضر معه في الجميع، وهو الهوى ~~والجهل بشريعة الله، كما سيأتي إن شاء الله. # وفي " المبسوطة " عن يحيى بن يحيى: أنه ذكر الأعراف وأهله، # PageV01P148 # فتوجع واسترجع، ثم قال: " قوم أرادوا وجها من الخير فلم يصيبوه ". # فقيل له: يا أبا محمد! أفيرجى لهم مع ذلك لسعيهم ثواب؟ # قال: " ليس في خلاف السنة رجاء ثواب ". ### | [صاحب البدعة تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه] # وأما أن صاحب البدعة تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه: # فقد تقدم نقله، ومعناه ظاهر جدا: # فإن الله تعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين حسبما ~~أخبر في كتابه، وقد كنا قبل طلوع ذلك النور الأعظم لا نهتدي سبيلا، ولا ~~نعرف من مصالحنا الدنيوية إلا قليلا على غير كمال، ولا من مصالحنا الأخروية ~~قليلا ولا كثيرا، بل كان كل أحد يركب هواه وإن كان فيه ما فيه، ويطرح هوى ~~غيره فلا يلتفت إليه. # فلا يزال الاختلاف بينهم والفساد فيهم يخص ويعم حتى بعث الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، لزوال الريب والالتباس، وارتفاع الخلاف الواقع بين الناس: # كما قال الله تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين} [البقرة: ~~213] إلى قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} ~~[البقرة: 213]. # وقوله: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين} [البقرة: 213]. # {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} [يونس: 19]. # PageV01P149 # ولم يكن حاكما بينهم فيما اختلفوا فيه; إلا وقد جاءهم بما ينتظم به ~~شملهم، وتجتمع به كلمتهم، وذلك راجع إلى الجهة التي من أجلها اختلفوا، وهو ~~ما يعود عليهم بالصلاح في العاجل والآجل، ويدرأ عنهم الفساد على الإطلاق، ~~فانخفضت الأديان والدماء والعقل والأنساب والأموال، من طرق يعرف ms073 مآخذها ~~العلماء، وذلك [من] القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قولا وعملا ~~وإقرارا، ولم يردوا إلى تدبير أنفسهم; للعلم بأنهم لا يستطيعون ذلك، ولا ~~يستقلون بدرك مصالحهم ولا تدبير أنفسهم. # فإذا ترك المبتدع هذه الهبات العظيمة والعطايا الجزيلة، وأخذ في استصلاح ~~نفسه أو دنياه بنفسه بما لم يجعل الشرع عليه دليلا، فكيف له بالعصمة ~~والدخول تحت هذه الرحمة؟ وقد حل يده من حبل العصمة إلى تدبير نفسه، فهو ~~حقيق بالبعد عن الرحمة. قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا} [آل عمران: 103] بعد قوله: {اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102]، ~~فأشعر أن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقا، وأن ما سوى ذلك تفرقة، ~~لقوله: {ولا تفرقوا} [آل عمران: 103]، والفرقة من أخس أوصاف المبتدعة، لأنه ~~خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام. # روى عبد بن حميد بن عبد الله: أن حبل الله الجماعة. # وعن قتادة: " حبل الله المتين: هذا القرآن وسننه، وعهده إلى عباده الذي ~~أمر أن يعتصم بما فيه من الخير، والثقة أن يتمسكوا به ويعتصموا # PageV01P150 # بحبله. . . " إلى آخر ما قال. # ومن ذلك قوله تعالى: {واعتصموا بالله هو مولاكم} [الحج: 78]. ### | [الماشي إلى المبتدع والموقر له معين على هدم الإسلام] # وأما أن الماشي إلى المبتدع والموقر له معين على هدم الإسلام: # فقد تقدم نقله. # وروي أيضا مرفوعا: «من أتى صاحب بدعة ليوقره، فقد أعان على هدم الإسلام». # وعن هشام بن عروة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وقر صاحب ~~بدعة فقد أعان على هدم الإسلام». # ويجامعها في المعنى ما صح من قوله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث حدثا أو ~~آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.» الحديث. # فإن الإيواء يجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر لأن المشي إليه والتوقير له ~~تعظيم له لأجل بدعته، وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما ~~هو أشد من هذا، كالضرب والقتل، فصار توقيره صدودا عن العمل بشرع الإسلام، ~~وإقبالا على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ms074 ينهدم إلا بترك العمل به، ~~والعمل بما ينافيه. # وأيضا فإن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان على # PageV01P151 # الإسلام بالهدم: # إحداهما: التفات الجهال والعامة إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في المبتدع ~~أنه أفضل الناس، وأن ما هو عليه خير مما عليه غيره، فيؤدي ذلك إلى اتباعه ~~على بدعته; دون اتباع أهل السنة على سنتهم. # والثانية: أنه إذا وقر من أجل بدعته; صار ذلك كالحادي المحرض له على ~~إنشاء الابتداع في كل شيء. # وعلى كل حال، فتحيا البدع، وتموت السنن، وهو هدم الإسلام بعينه. # وعلى ذلك دل حديث معاذ: " «فيوشك قائل أن يقول: ما لهم لا يتبعوني وقد ~~قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، وإياكم وما ابتدع، فإن ما ~~ابتدع ضلالة» ". # فهو يقتضي أن السنن تموت إذا أحييت البدع، وإذا ماتت [السنن] ; انهدم ~~الإسلام. # وعلى ذلك دل النقل عن السلف; زيادة إلى صحة الاعتبار، لأن الباطل إذا عمل ~~به لزم ترك العمل بالحق كما في العكس، لأن المحل الواحد لا يشتغل إلا بأحد ~~الضدين. # وأيضا; فمن السنة الثابتة ترك البدع، فمن عمل ببدعة واحدة; فقد ترك تلك ~~السنة. # فمما جاء من ذلك ما تقدم ذكره عن حذيفة رضي الله عنه: " أنه أخذ # PageV01P152 # حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين ~~الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله! ما نرى بينهما إلا قليلا، قال: ~~والذي نفسي بيده لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين ~~الحجرين من النور، والله لتفشون البدع حتى إذا ترك منها شيء، قالوا: تركت ~~السنة ". # وله آخر قد تقدم. # وعن أبي إدريس الخولاني: أنه كان يقول: " ما أحدثت أمة في دينها بدعة; ~~إلا رفع الله بها عنهم سنة ". # وعن حسان بن عطية; قال: " ما أحدث قوم بدعة في دينهم; إلا نزع الله من ~~سنتهم مثلها، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة ". # وعن بعض السلف يرفعه: «لا يحدث رجل في الإسلام بدعة; إلا ترك من السنة ما ms075 ~~هو خير منها». # وعن ابن عباس رضي الله عنه; قال: " ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا ~~فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع، وتموت السنن ". ### | [المبتدع ملعون على لسان الشريعة] # وأما أن صاحبها ملعون على لسان الشريعة: # فلقوله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين». # وعد من الإحداث: الاستنان بسنة سوء لم تكن. # وهذه اللعنة قد اشترك فيها صاحب البدعة مع من كفر بعد إيمانه وقد # PageV01P153 # شهد أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حق لا شك فيها، وجاءه الهدى من ~~الله والبيان الشافي، وذلك قول الله تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق} [آل عمران: 86] إلى قوله: {أولئك جزاؤهم أن ~~عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} [آل عمران: 87] إلى آخرها. # واشترك أيضا مع من كتم ما أنزل الله وبينه في كتابه، وذلك قوله تعالى: ~~{إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} [البقرة: 159] إلى آخرها. # فتأملوا المعنى الذي اشترك المبتدع فيه مع هاتين الفرقتين، وذلك مضادة ~~الشارع فيما شرع; لأن الله تعالى أنزل الكتاب وشرع الشرائع، وبين الطريق ~~للسالكين على غاية ما يمكن من البيان، فضادها الكافر بأن جحدها جحدا، ~~وضادها كاتمها بنفس الكتمان، لأن الشارع يبين ويظهر وهذا يكتم ويخفي، ~~وضادها المبتدع بأن وضع الوسيلة لترك ما بين وإخفاء ما أظهر، لأن من شأنه ~~أن يدخل الإشكال في الواضحات، من أجل اتباع المتشابهات، لأن الواضحات تهدم ~~له ما بنى عليه من المتشابهات، فهو آخذ في إدخال الإشكال على الواضح، حتى ~~يرتكب ما جاءت اللعنة في الابتداع به من الله والملائكة والناس أجمعين. # قال أبو مصعب صاحب مالك: " قدم علينا ابن مهدي يعني: المدينة فصلى ووضع ~~رداءه بين يدي الصف، فلما سلم الإمام; رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكا، ~~وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم; # PageV01P154 # قال: من هاهنا من الحرس؟ فجاءه ms076 نفسان، فقال: خذا صاحب هذا الثوب، ~~فاحبساه، فحبس، فقيل له: إنه ابن مهدي; فوجه إليه، وقال له: أما خفت الله ~~واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف، وشغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت ~~في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث ~~في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؟!» فبكى ابن مهدي، ~~وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبدا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~في غيره ". # وهذا غاية في التوقي والتحفظ في ترك إحداث ما لم يكن; خوفا من تلك ~~اللعنة، فما ظنك بما سوى وضع الثوب؟! # وتقدم حديث الطحاوي: " «ستة ألعنهم، لعنهم الله» "، فذكر فيهم التارك ~~لسنته عليه الصلاة والسلام أخذا بالبدعة. ### | [المبتدع يزداد من الله بعدا] # وأما أنه يزداد من الله بعدا: # فلما روي عن الحسن: أنه قال: " صاحب البدعة; ما يزداد من الله اجتهادا ~~صياما وصلاة، إلا ازداد من الله بعدا ". # وعن أيوب السختياني ; قال: " ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا، إلا ازداد من ~~الله بعدا ". # ويصحح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام ~~في الخوارج: يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقرون # PageV01P155 # صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم إلى أن قال: " «يمرقون من الدين كما ~~يمرق السهم من الرمية». # فبين أولا اجتهادهم، ثم بين آخرا بعدهم من الله تعالى. # وهو بين أيضا من جهة أنه لا يقبل منه صرف ولا عدل كما تقدم، فكل عمل ~~يعمله على البدعة، فكما لو لم يعمله. # ويزيد على تارك العمل بالعناد الذي تضمنه ابتداعه، والفساد الداخل على ~~الناس به في أصل الشريعة وفي فروع الأعمال والاعتقادات، وهو يظن مع ذلك أن ~~بدعته تقربه من الله وتوصله إلى الجنة. # وقد ثبت بالنقل (الصحيح الصريح) بأنه لا يقرب إلى الله إلا العمل بما ~~شرع، وعلى الوجه الذي شرع وهو تاركه، وأن البدع تحبط الأعمال وهو ينتحلها. ### | [البدع مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام] # وأما أن البدع ms077 مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام: # فلأنها تقتضي التفرق شيعا، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم; حسبما تقدم ~~في قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات} [آل عمران: 105]. # وقوله: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153]. # PageV01P156 # وقوله: {ولا تكونوا من المشركين - من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل ~~حزب بما لديهم فرحون} [الروم: 31 - 32]. # وقوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} [الأنعام: ~~159]. # وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى. # وقد بين عليه الصلاة والسلام أن فساد ذات البين هي الحالقة، وأنها تحلق ~~الدين، وجميع هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع ~~الابتداع. # وأول شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج، إذ عادوا أهل الإسلام حتى صاروا ~~يقتلونهم ويدعون الكفار; كما أخبر عنه [الحديث] الصحيح. # ثم يليهم كل من كان له صولة منهم بقرب الملوك; فإنهم تناولوا أهل السنة ~~بكل نكال وعذاب وقتل أيضا، حسبما بينه جميع أهل الأخبار. # ثم يليهم كل من ابتدع بدعة، فإن من شأنهم أن يثبطوا الناس عن اتباع ~~الشريعة، ويذمونهم، ويزعمون أنهم الأرجاس الأنجاس المكبين على الدنيا، ~~ويضعون عليهم شواهد الآيات في ذم الدنيا وذم المكبين عليها: # PageV01P157 # كما يروى عن عمرو بن عبيد: أنه قال: " لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة ~~والزبير على شراك نعل; ما أجزت شهادتهم ". # وعن معاذ بن معاذ; قال: قلت لعمرو بن عبيد: كيف حدث الحسن عن عثمان أنه ~~ورث امرأة عبد الرحمن بعد انقضاء عدتها؟ فقال: " إن فعل عثمان لم يكن سنة ~~". # وقيل له: كيف حدث الحسن عن سمرة في السكتتين؟ فقال: " ما تصنع بسمرة؟! ~~قبح الله سمرة " اه. # بل قبح الله عمرو بن عبيد. # وسئل يوما عن شيء؟ فأجاب فيه. قال الراوي: قلت: ليس هكذا يقول أصحابنا. ~~قال: " ومن أصحابك لا أبا لك؟ "، قلت: أيوب، ويونس، وابن عون، والتيمي. ~~قال: " أولئك أنجاس أرجاس، أموات غير أحياء ". # فهكذا أهل الضلال يسبون السلف الصالح; لعل بضاعتهم تنفق، {ويأبى الله ms078 إلا ~~أن يتم نوره} [التوبة: 32]. # وأصل هذا الفساد من قبل الخوارج، فهم أول من لعن السلف الصالح، وتكفير ~~الصحابة رضي الله عن الصحابة، ومثل هذا كله يورث العداوة والبغضاء. # وأيضا; فإن فرقة النجاة وهم أهل السنة مأمورون بعداوة أهل البدع، ~~والتشريد بهم، والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم بالقتل فما دونه، # PageV01P158 # وقد حذر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم حسبما تقدم، وذلك مظنة إلقاء ~~العداوة والبغضاء، لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة بما ~~أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين، لا على التعادي مطلقا. كيف ونحن مأمورون ~~بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة؟! ### | [البدع مانعة من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم] # وأما أنها مانعة من شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم: # فلما روي: أنه عليه السلام قال: «حلت شفاعتي لأمتي; إلا صاحب بدعة». # ويشير إلى صحة المعنى فيه ما في الصحيح; قال: «أول من يكسى يوم القيامة ~~إبراهيم، وأنه سيؤتى برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى قوله: فيقال: ~~لم يزالوا مرتدين على أعقابهم.» الحديث، وقد تقدم. # ففيه أنه لم يذكر لهم شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما قال: ~~«فأقول لهم: سحقا; كما قال العبد الصالح». # ويظهر من أول الحديث أن ذلك الارتداد لم يكن ارتداد كفر; لقوله: # PageV01P159 # «وإنه سيؤتى برجال من أمتي، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لما نسبوا إلى ~~أمته، ولأنه عليه السلام أتى بالآية، وفيها: {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم} [المائدة: 118]»، ولو علم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم خارجون عن ~~الإسلام جملة، لما ذكرها، لأن من مات على الكفر لا غفران له ألبتة، وإنما ~~يرجى الغفران لمن لم يخرجه عمله عن الإسلام; لقول الله تعالى: {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]. # ومثل هذا الحديث حديث (الموطأ) لقوله فيه: «فأقول فسحقا فسحقا». ### | [البدع رافعة للسنن التي تقابلها] # وأما أنها رافعة للسنن التي تقابلها: # فقد تقدم الاستشهاد عليه في أن الموقر لصاحبها معين ms079 على هدم الإسلام. ### | [على المبتدع إثم من عمل بالبدعة إلى يوم القيامة] # وأما أن على مبتدعها إثم من عمل بها إلى يوم القيامة: # فلقوله تعالى: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين ~~يضلونهم بغير علم} [النحل: 25]. # ولما في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: «من سن سنة سيئة كان عليه ~~وزرها ووزر من عمل بها» الحديث. # PageV01P160 # وإلى ذلك أشار الحديث الآخر: «ما من نفس تقتل ظلما; إلا كان على ابن آدم ~~الأول كفل منها، لأنه أول من سن القتل». # وهذا التعليل يشعر بمقتضى الحديث قبله، إذ علل تعليق الإثم على ابن آدم ~~لكونه أول من سن القتل، فدل على أن من سن ما لا يرضاه الله ورسوله، فهو ~~مثله، إذ لم يتعلق الإثم بمن سن القتل; لكونه قتلا دون غيره، بل لكونه سن ~~سنة سوء وجعلها طريقا مسلوكة. # ومثل هذا ما جاء في معناه مما تقدم أو يأتي كقوله: «ومن ابتدع بدعة ضلالة ~~لا ترضي الله ورسوله; كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار ~~الناس شيئا». # وغير ذلك من الأحاديث. # فليتق الله امرؤ ربه، ولينظر قبل الإحداث في أي مزلة يضع قدمه في مصون ~~أمره، [أم] يثق بعقله في التشريع، ويتهم ربه فيما شرع! ولا يدري المسكين ما ~~الذي يوضع له في ميزان سيئاته، مما ليس في حسابه، ولا شعر أنه من عمله. # فما من بدعة يبتدعها أحد فيعمل بها من بعده، إلا كتب عليه إثم ذلك ~~العامل، زيادة إلى إثم ابتداعه أولا، ثم عمله ثانيا. # وإذا ثبت أن كل بدعة تبتدع، فلا تزداد على طول الزمان إلا مضيا # PageV01P161 # حسبما تقدم واشتهارا وانتشارا، فعلى وزن ذلك يكون إثم المبتدع لها، كما ~~أن من سن سنة حسنة; كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. # وأيضا، فإذا كانت كل بدعة يلزمها إماتة سنة تقابلها; كان على المبتدع إثم ~~ذلك أيضا، فهو إثم زائد على إثم الابتداع، وذلك الإثم يتضاعف تضاعف إثم ~~البدعة بالعمل ms080 بها، لأنها كلما تجددت في قول أو عمل; تجددت في قول إماتة ~~السنة كذلك. # واعتبروا ذلك ببدعة الخوارج، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرفنا بأنهم: ~~«يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». . . . . الحديث إلى آخره، ~~ففيه بيان أنهم لم يبق لهم من الدين إلا ما إذا نظر فيه الناظر; شك فيه ~~وتمارى: هل هو موجود فيهم أم لا؟ وإنما سببه الابتداع في دين الله، وهو ~~الذي دل عليه قوله: «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان»، وقوله: ~~«يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم» فهذه بدع ثلاث، إعاذة بالله من ذلك ~~بفضله. ### | [المبتدع ليس له توبة] # وأما أن صاحبها ليس له من توبة: # فلما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله حجر التوبة على كل صاحب ~~بدعة». # وعن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، قال: " كان يقال: يأبى الله لصاحب بدعة ~~بتوبة، وما انتقل صاحب بدعة; إلا إلى أشر منها ". # ونحوه عن طريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه; قال: " ما كان رجل # PageV01P162 # على رأي من البدعة فتركه، إلا إلى ما هو شر منه ". # خرج هذه الآثار ابن وضاح. # وخرج ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يقول: " اثنان لا نعاتبهما: ~~صاحب طمع، وصاحب هوى، فإنهما لا ينزعان ". # وعن ابن شوذب; قال: " سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول: ما كان عبد على ~~هوى تركه; إلا إلى ما هو شر منه ". # قال: " فذكرت ذلك لبعض أصحابنا، فقال: تصديقه في حديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون إليه حتى ~~يرجع السهم على فوقه». # وعن أيوب; قال: " «كان رجل يرى رأيا، فرجع عنه، فأتيت محمدا فرحا بذلك ~~أخبره، فقلت: أشعرت أن فلانا ترك رأيه الذي كان يرى؟ فقال: انظر إلام ~~يتحول؟ إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله: يمرقون من الدين. . . . . . ثم لا ~~يعودون». # وهو حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيكون من أمتي قوم ~~يقرءون ms081 القرآن ولا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من ~~الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة». # فهذه شهادة الحديث الصحيح لمعنى هذه الآثار، وحاصلها: أن [لا] توبة لصاحب ~~البدعة عن بدعته، فإن خرج عنها; فإنما يخرج إلى ما هو شر منها; كما في حديث ~~أيوب، أو يكون ممن يظهر الخروج عنها وهو مصر # PageV01P163 # عليها بعد; كقصة غيلان مع عمر بن عبد العزيز. # ويدل على ذلك أيضا حديث الفرق إذ قال فيه: «وإنه سيخرج في أمتي أقوام ~~تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل ~~إلا دخله». # وهذا النفي يقتضي العموم بإطلاق، ولكنه قد يحمل على العموم العادي، إذ لا ~~يبعد أن يتوب عما رأى ويرجع إلى الحق، كما نقل عن عبد الله بن الحسن ~~العنبري، وما نقلوه في مناظرة ابن عباس الحرورية الخارجين على علي رضي الله ~~عنه، وفي مناظرة عمر بن عبد العزيز لبعضهم. # ولكن الغالب في الواقع الإصرار، ومن هنالك قلنا: يبعد أن يتوب بعضهم; لأن ~~الحديث يقتضي العموم بظاهره، وسيأتي بيان ذلك بأبسط من هذا إن شاء الله. # وسبب بعده عن التوبة: أن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على النفس; لأنه ~~أمر مخالف للهوى، وصاد عن سبيل الشهوات، فيثقل عليها جدا; لأن الحق ثقيل، ~~والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه، وكل بدعة فللهوى فيها ~~مدخل، لأنها راجعة إلى نظر مخترعها لا إلى نظر الشارع، [فإن تعلقت بحكم ~~الشارع] فعلى حكم التبع لا بحكم الأصل، مع ضميمة أخرى، وهي أن المبتدع لا ~~بد له من تعلق بشبهة دليل # PageV01P164 # ينسبها إلى الشارع، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع، فصار هواه مقصودا ~~بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكنه الخروج عن ذلك وداعي الهوى مستمسك بحسن ما ~~يتمسك به وهو الدليل الشرعي في الجملة؟!. # ومن الدليل على ذلك ما روي عن الأوزاعي; قال: " بلغني أن من ابتدع بدعة ~~ضلالة آلفه الشيطان العبادة، أو ألقى عليه الخشوع والبكاء; ms082 كي يصطاد به ". # وقال بعض الصحابة: " أشد الناس عبادة مفتون "، واحتج بقوله عليه الصلاة ~~والسلام: «يحقر أحدكم صلاته في صلاته وصيامه في صيامه» إلى آخر الحديث. # ويحقق ما قاله الواقع; كما نقل في الأخبار عن الخوارج وغيرهم. # فالمبتدع يزيد في الاجتهاد; لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه وغير ~~ذلك من أصناف الشهوات، بل التعظيم على شهوات الدنيا، ألا ترى إلى انقطاع ~~الرهبان في الصوامع والديارات عن جميع الملذوذات، ومقاساتهم في أصناف ~~العبادات والكف عن الشهوات، وهم مع ذلك خالدون في جهنم؟!. # قال الله: {وجوه يومئذ خاشعة - عاملة ناصبة - تصلى نارا حامية} [الغاشية: ~~2 - 4]. # PageV01P165 # وقال: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 103]. # وما ذاك إلا لخفة يجدونها في ذلك الالتزام، ونشاط بداخلهم; يستسهلون به ~~الصعب، بسبب ما داخل النفس من الهوى، فإذا بدا للمبتدع ما هو عليه، رآه ~~محبوبا عنده; لاستبعاده للشهوات وعمله من جملتها، ورآه موافقا للدليل عنده، ~~فما الذي يصده عن الاستمساك به والازدياد منه؟ وهو يرى أن أعماله أفضل من ~~أعمال غيره، واعتقاداته أوفق وأعلى؟! أفيفيد البرهان مطلبا؟ {كذلك يضل الله ~~من يشاء ويهدي من يشاء} [المدثر: 31]. ### | [المبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله تعالى] # وأما أن المبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله تعالى: # فلقوله تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في ~~الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين} [الأعراف: 152] ; حسبما جاء في تفسير ~~الآية عن بعض السلف، وقد تقدم، ووجهه ظاهر; لأن المتخذين للعجل إنما ضلوا ~~به حتى عبدوه، لما سمعوا من خواره، ولما ألقى إليهم السامري فيه، فكان في ~~حقهم شبهة خرجوا بها عن الحق الذي كان في أيديهم. # قال الله تعالى: {وكذلك نجزي المفترين} [الأعراف: 152] ; فهو عموم فيهم ~~وفيمن أشبههم، من حيث كانت البدع كلها افتراء على الله; حسبما أخبر في ~~كتابه في قوله تعالى: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما ~~رزقهم الله افتراء ms083 على الله} [الأنعام: 140]. # PageV01P166 # فإذا كل من ابتدع في دين الله، فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي ~~الرأي عزه وجبروته، فهم في أنفسهم أذلاء. # وأيضا فإن الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال، ألا ترى ~~أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟ حتى تلبسوا بالسلاطين، ~~ولاذوا بأهل الدنيا، ومن لم يقدر على ذلك; استخفى ببدعته، وهرب بها عن ~~مخالطة الجمهور، وعمل بأعمالها على التقية. # وقد أخبر الله أن هؤلاء الذين اتخذوا العجل سينالهم ما وعدهم، فأنجز الله ~~وعده، فقال: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله} [البقرة: ~~61]. # وصدق ذلك الواقع باليهود حيثما حلوا; في أي مكان وزمان كانوا، لا يزالون ~~أذلاء مقهورين: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [البقرة: 61]، ومن جملة ~~الاعتداء اتخاذهم العجل. # هذا بالنسبة إلى الذلة، وأما الغضب; فمضمون بصادق الأخبار، فيخاف أن يكون ~~المبتدع داخلا في حكم الغضب، والله الواقي بفضله. ### | [المبتدع بعيد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم] # وأما البعد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم: # فلحديث (الموطأ): «فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال». . ~~الحديث. # PageV01P167 # وفي البخاري، عن أسماء، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنا على ~~حوضي أنتظر من يرد علي، فيؤخذ بناس من دوني، فأقول: أمتي! فيقال: إنك لا ~~تدري، مشوا القهقرى». # وفي حديث عبد الله: «أنا فرطكم على الحوض، ليرفعن إلي رجال منكم، حتى إذا ~~تأهبت لأتناولهم، اختلجوا دوني، فأقول: أي رب! أصحابي، يقول: لا تدري ما ~~أحدثوه بعدك». # والأظهر أنهم من الداخلين في غمار هذه الأمة; لأجل ما دل على ذلك فيهم، ~~وهو الغرة والتحجيل، لأن ذلك لا يكون لأهل الكفر المحض، كان كفرهم أصلا أو ~~ارتدادا، ولقوله: قد بدلوا بعدك، ولو كان الكفر; لقال: قد كفروا بعدك، ~~وأقرب ما يحمل عليه تبديل السنة، وهو واقع على أهل البدع، ومن قال: إنه ~~النفاق; فذلك غير خارج عن مقصودنا، لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقية ~~لا تعبدا، فوضعوها في غير مواضعها، ms084 وهو عين الابتداع. # ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنة والعمل بها حيلة وذريعة إلى نيل حطام ~~الدنيا، لا على التعبد بها لله تعالى، لأنه تبديل لها، وإخراج لها عن وضعها ~~الشرعي. ### | [الخوف على المبتدع أن يكون كافرا] # وأما الخوف عليه من أن يكون كافرا: # فلأن العلماء من السلف الأول وغيرهم اختلفوا في تكفير كثير من فرقهم; ~~مثل: الخوارج، والقدرية، وغيرهم. # PageV01P168 # ودل على ذلك ظاهر قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء} [الأنعام: 159]. # وقوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106] الآية. # وقد حكم العلماء بكفر جملة منهم كالباطنية وسواهم، لأن مذهبهم راجع إلى ~~مذهب الحلولية القائلين بما يشبه قول النصارى في اللاهوت والناسوت. # والعلماء إذا اختلفوا في أمر: هل هو كفر أم لا؟ فكل عاقل يربأ بنفسه أن ~~ينسب إلى خطة خسف كهذه; بحيث يقال له: إن العلماء اختلفوا: هل أنت كافر أم ~~ضال غير كافر؟ أو يقال: إن جماعة من أهل العلم قالوا بكفرك، وأنت حلال ~~الدم. ### | [الخوف على المبتدع من سوء الخاتمة] # وأما أنه يخاف على صاحبها سوء الخاتمة والعياذ بالله: # فلأن صاحبها مرتكب إثما، وعاص لله تعالى حتما، ولا نقول الآن: هو عاص ~~بالكبائر أو بالصغائر، بل نقول: هو مصر على ما نهى الله عنه، والإصرار يعظم ~~الصغيرة إن كانت صغيرة حتى تصير كبيرة، وإن كانت كبيرة فأعظم. # ومن مات مصرا على المعصية; فيخاف عليه، فربما إذا كشف الغطاء، وعاين ~~علامات الآخرة استفزه الشيطان، وغلبه على قلبه، حتى يموت على التغيير ~~والتبديل، وخصوصا حين كان مطيعا له فيما تقدم من # PageV01P169 # زمانه، مع حب الدنيا المستولي عليه. # قال عبد الحق الإشبيلي: " إن سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ظاهره، وصلح ~~باطنه، ما سمع بهذا قط، ولا علم به، والحمد لله، وإنما يكون لمن كان له ~~فساد في العقد، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، أو لمن كان ~~مستقيما ثم تغيرت حاله وخرج عن سننه، وأخذ في طريق غير طريقه، فيكون عمله ms085 ~~ذلك سببا لسوء خاتمته وسوء عاقبته، والعياذ بالله ". # قال الله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ~~[الرعد: 11]. # وقد سمعت بقصة بلعام بن باعوراء حيث آتاه الله آياته {فانسلخ منها فأتبعه ~~الشيطان. . .} [الأعراف: 175] إلى آخر الآيات. # فهذا ظاهر إذا اغتر بالبدعة من حيث هي معصية، فإذا نظرنا إلى كونها بدعة، ~~فذلك أعظم، لأن المبتدع مع كونه مصرا على ما نهي عنه، يزيد على المصر بأنه ~~معارض للشريعة بعقله، غير مسلم لها في تحصيل أمره، معتقدا في المعصية أنها ~~طاعة، حيث حسن ما قبحه الشارع، وفي الطاعة أنها لا تكون طاعة إلا بضميمة ~~نظره فهو قد قبح ما حسنه الشارع، ومن كان هكذا، فحقيق بالقرب من سوء ~~الخاتمة إلا ما شاء الله. # وقد قال تعالى في جملة من ذم: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون} [الأعراف: 99]. # PageV01P170 # والمكر: جلب السوء من حيث لا يفطن له، وسوء الخاتمة من مكر الله، إذ يأتي ~~الإنسان من حيث لا يشعر به، اللهم إنا نسألك العفو والعافية. ### | [اسوداد وجه المبتدع في الآخرة] # وأما اسوداد وجهه في الآخرة: # فقد تقدم في ذلك معنى قوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106]. # وفيها أيضا الوعيد بالعذاب لقوله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} [آل ~~عمران: 106]، وقوله قبل ذلك: {وأولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران: 105]. # حكى عياض عن مالك من رواية ابن نافع عنه قال: " لو أن العبد ارتكب ~~الكبائر كلها، دون الإشراك بالله شيئا، ثم نجا من هذه الأهواء، لرجوت أن ~~يكون في أعلى جنات الفردوس، لأن كل كبيرة بين العبد وربه هو منها على رجاء، ~~وكل هوى ليس هو منه على رجاء; إنما يهوي بصاحبه في نار جهنم ". ### | [البراءة من المبتدع] # وأما البراءة منه: # ففي قوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} [الأنعام: ~~159]. # PageV01P171 # وفي الحديث: «أنا بريء منهم وهم براء مني». وقال ابن عمر رضي الله عنه في ~~أهل القدر: " إذا لقيت أولئك; فأخبرهم أني بريء ms086 منهم وأنهم براء مني ". # وجاء عن الحسن: " لا تجالس صاحب بدعة ; فإنه يمرض قلبك ". # وعن سفيان الثوري: " من جالس صاحب بدعة; لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن ~~يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع بقلبه شيء يزل به فيدخله النار، وإما أن ~~يقول: والله لا أبالي ما تكلموا به، وإني واثق بنفسي، فمن أمن الله طرفة ~~عين على دينه; سلبه إياه ". # وعن يحيى بن أبي كثير ; قال: " إذا لقيت صاحب بدعة في طريق; فخذ في طريق ~~آخر ". وعن أبي قلابة ; قال: " لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم; فإني ~~لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون ". وعن ~~إبراهيم ; قال: " لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تكلموهم; فإني أخاف أن ~~ترتد قلوبكم "، والآثار في ذلك كثيرة. # ويعضدها ما روي عنه عليه السلام أنه قال: «المرء على دين خليله، فلينظر ~~أحدكم من يخالل». # ووجه ذلك ظاهر منبه عليه في كلام أبي قلابة، إذ قد يكون المرء # PageV01P172 # على يقين من أمر من أمور السنة، فيلقي له صاحب الهوى فيه هوى مما يحتمله ~~اللفظ لا أصل له، أو يزيد له فيه قيدا من رأيه، فيقبله قلبه، فإذا رجع إلى ~~ما كان يعرفه; وجده مظلما; فإما أن يشعر به; فيرده بالعلم، أو لا يقدر على ~~رده، وإما أن لا يشعر به; فيمضي مع من هلك. # قال ابن وهب: " وسمعت مالكا إذ جاءه بعض أهل الأهواء يقول: أما أنا; فعلى ~~بينة من ربي، وأما أنت فشاك، فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه، ثم قرأ: {قل هذه ~~سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} [يوسف: 108] # . فهذا شأن من تقدم من عدم تمكين زائغ القلب أن يسمع كلامه. # ومثل رده بالعلم: جوابه لمن سأله في قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه: ~~5] كيف استوى؟ فقال له: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، ~~وأراك صاحب بدعة "، ثم أمر بإخراج السائل. # ومثل ما لا يقدر على رده: ما حكى الباجي ; قال: قال مالك: " كان يقال: لا ~~تمكن زائغ القلب من ms087 أذنك، فإنك لا تدري ما يعلقك من ذلك ". # ولقد سمع رجل من الأنصار من أهل المدينة شيئا من بعض أهل القدر، فعلق ~~قلبه، فكان يأتي إخوانه الذين يستنصحهم، فإذا نهوه; قال: " فكيف بما علق ~~قلبي لو علمت أن الله يرضى أن ألقي نفسي من فوق هذه المنارة; فعلت ". # ثم حكي أيضا عن مالك أنه قال: " لا تجالس القدري ولا تكلمه; # PageV01P173 # إلا أن تجلس إليه، فتغلظ عليه، لقوله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة: 22]، فلا توادوهم ". ### | [فتنة المبتدع] # وأما أنه يخشى عليه الفتنة: # فلما حكى عياض عن سفيان بن عيينة: أنه قال: " سألت مالكا عمن أحرم من ~~المدينة وراء الميقات؟ فقال: هذا مخالف لله ورسوله، أخشى عليه الفتنة في ~~الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة، أما سمعت قوله تعالى: {فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63]؟! وقد ~~«أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهل من المواقيت» ". # وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار، قال: " سمعت مالك بن أنس، وأتاه رجل، ~~فقال: يا أبا عبد الله! من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا ~~تفعل، قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل; فإني ~~أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة هذه؟! إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي ~~فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟! إني سمعت الله يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ~~أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63]. # وهذه الفتنة التي ذكرها مالك رحمه الله تفسير الآية هي شأن أهل البدع ~~وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنيانهم، فإنهم يرون أن ما ذكره الله في كتابه ~~وما سنه نبيه صلى الله عليه وسلم دون ما اهتدوا إليه بعقولهم. # PageV01P174 # وفي مثل ذلك قال ابن مسعود رضي الله ms088 عنه فيما روي عن ابن وضاح: " لقد ~~هديتم لما لم يهتد له نبيكم! وإنكم لتمسكون بذنب ضلالة " ; إذ مر بقوم كان ~~رجل يجمعهم، يقول: رحم الله من قال كذا وكذا مرة: سبحان الله، فيقول القوم. ~~ويقول: رحم الله من قال كذا وكذا مرة: الحمد لله فيقول القوم. # ثم إن ما استدل به مالك من الآيات الكريمة نزلت في شأن المنافقين حين أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، وهم الذين كانوا يتسللون لواذا. ~~وقد تقدم أن النفاق من أصله بدعة، لأنه وضع بدعة في الشريعة على غير ما ~~وضعها الله تعالى، ولذلك لما أخبر تعالى عن المنافقين; قال: {أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16]، فمن حيث كانت عامة في المخالفين عن ~~أمره يدخلون أيضا من باب أحرى. # فهذه جملة يستدل بها على ما بقي، إذ ما تقدم من الآيات والأحاديث فيها ~~مما يتعلق بهذا المعنى كثير، وبسط معانيها طويل، فلنقتصر على ما ذكرنا ~~وبالله التوفيق. ### | [فصل الفرق بين البدعة والمعصية] # وبقي مما هو محتاج إلى ذكره في هذا الموضع شرح معنى عام يتعلق بما تقدم، ~~وهو: أن البدع ضلالة، وأن المبتدع ضال ومضل: # والضلالة مذكورة في كثير من النقل المذكور، ويشير إليها في آيات الاختلاف ~~والتفرق شيعا وتفرق الطرق، بخلاف سائر المعاصي، فإنها لم # PageV01P175 # توصف في الغالب بوصف الضلالة; إلا أن تكون بدعة أو شبه البدعة، وكذلك ~~الخطأ الواقع في المشروعات وهو المعفو عنه لا يسمى ضلالا، ولا يطلق على ~~المخطئ اسم ضال، كما لا يطلق على المتعمد لسائر المعاصي. # وإنما ذلك والله أعلم لحكمة قصد التنبيه عليها، وذلك أن الضلال والضلالة ~~ضد الهدي والهدى، والعرب تطلق الهدى حقيقة في الظاهر المحسوس، فتقول: هديته ~~الطريق وهديته إلى الطريق، ومنه: نقل إلى طريق الخير والشر، قال تعالى: ~~{إنا هديناه السبيل} [الإنسان: 3]، {وهديناه النجدين} [البلد: 10]، {اهدنا ~~الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6]. # والصراط والطريق والسبيل; بمعنى واحد، فهو حقيقة في الطريق المحسوس، ~~ومجاز في الطريق المعنوي، وضده الضلال، وهو الخروج عن الطريق، ومنه ms089 البعير ~~الضال والشاة الضالة، ورجل ضل عن الطريق إذا خرج عنه. لأنه التبس عليه ~~الأمر ولم يكن له هاد يهديه، وهو الدليل. # فصاحب البدعة; لما غلب الهوى مع الجهل بطريق السنة; توهم أن ما ظهر له ~~بعقله هو الطريق القويم دون غيره، فمضى عليه، فحاد بسببه عن الطريق ~~المستقيم، فهو ضال من حيث ظن أنه راكب للجادة; كالمار بالليل على الجادة ~~وليس له دليل يهديه، يوشك أن يضل عنها، فيقع في متابعه، وإن كان بزعمه ~~يتحرى قصدها. # PageV01P176 # فالمبتدع من هذه الأمة; إنما ضل في أدلتها، حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة ~~لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله. # وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره، لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه، ~~وأخذ الأدلة بالتبع، ومن شأن الأدلة أنها جارية على كلام العرب، ومن شأن ~~كلامها الاحتراز فيه بالظواهر، فكما تجب فيه نصا لا يحتمل [التأويل; تجد ~~فيه ظاهرا يحتمل التأويل] حسبما قرره من تقدم في غير العلم، وكل ظاهر يمكن ~~فيه أن يصرف عن مقتضاه في الظاهر المقصود، ويتأول على غير ما قصد فيه، فإذا ~~انضم إلى ذلك الجهل بأصول الشريعة، وعدم الاضطلاع بمقاصدها، كان الأمر أشد ~~وأقرب إلى التحريف والخروج عن مقاصد الشرع، فكأن المدرك أغرق في الخروج عن ~~السنة، وأمكن في ضلال البدعة، فإذا غلب الهوى; أمكن انقياد ألفاظ الأدلة ~~إلى ما أراد منها. # والدليل على ذلك أنك لا تجد مبتدعا ممن ينسب إلى الملة إلا وهو يستشهد ~~على بدعته بدليل شرعي، فينزله على ما وافق عقله وشهوته، وهو أمر ثابت في ~~الحكمة الأزلية التي لا مرد لها، قال تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} ~~[البقرة: 26]، وقال: {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} [المدثر: 31]. # لكن; إنما ينساق لهم من الأدلة المتشابه منها لا الواضح، والقليل منها لا ~~الكثير، وهو أدل الدليل على اتباع الهوى، فإن المعظم والجمهور من # PageV01P177 # الأدلة إذا دل على أمر بظاهره، فهو الحق، فإن جاء على ما ظاهره الخلاف; ~~فهو النادر والقليل، فكان من حق ms090 الظاهر رد القليل إلى الكثير، والمتشابه ~~إلى الواضح. # غير أن الهوى زاغ بمن أراد الله زيغه، فهو في تيه من حيث يظن أنه على ~~الطريق; بخلاف غير المبتدع، فإنه إنما جعل الهداية إلى الحق أول مطالبه، ~~وأخر هواه إن كان فجعله بالتبع، فوجد جمهور الأدلة ومعظم الكتاب واضحا في ~~الطلب الذي بحث عنه، فوجد الجادة، وما شذ له عن ذلك; فإما أن يرده إليه، ~~وإما أن يكله إلى عالمه، ولا يتكلف البحث عن تأويله. # وفيصل القضية بينهما قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه} [آل عمران: 7]، إلى قوله: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به ~~كل من عند ربنا} [آل عمران: 7]. # فلا يصح أن يسمى من هذه حاله مبتدعا ولا ضالا، وإن حصل في الخلاف أو خفي ~~عليه. # أما أنه غير مبتدع; فلأنه اتبع الأدلة; ملقيا إليها حكمة الانقياد، باسطا ~~يد الافتقار، مؤخرا هواه، ومقدما لأمر الله. # وأما كونه غير ضال; فلأنه على الجادة سلك، وإليها لجأ، فإن خرج عنها يوما ~~فأخطأ، فلا حرج عليه، بل يكون مأجورا حسبما بينه الحديث الصحيح: " «إذا ~~اجتهد الحاكم فأخطأ; فله أجر، وإن أصاب; فله # PageV01P178 # أجران» " وإن خرج متعمدا; فليس على أن يجعل خروجه طريقا مسلوكا له أو ~~لغيره، وشرعا يدان به. # على أنه إذا وقع الذنب موقع الاقتداء قد يسمى استنانا فيعامل معاملة من ~~سنه كما جاء في الحديث: «من سن سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها». ~~. . . الحديث، وقوله عليه السلام: «ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن ~~آدم الأول كفل منها، لأنه أول من سن القتل»، فسمي القتل سنة بالنسبة إلى من ~~عمل به عملا يقتدى به فيه، لكنه لا يسمى بدعة; لأنه لم يوضع على أن يكون ~~تشريعا، ولا يسمى ضلالا; لأنه ليس في طريق المشروع أو في مضاهاته له. # وهذا تقرير واضح يشهد له الواقع في تسمية البدع ضلالات، ويشهد له أيضا ~~أحوال من تقدم قبل الإسلام، وفي زمان رسول الله صلى ms091 الله عليه وسلم: # فإن الله تعالى قال: {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين ~~كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} [يس: 47]. # فإن الكفار لما أمروا بالإنفاق، شحوا على أموالهم، وأرادوا أن يجعلوا ~~لذلك الشح مخرجا، فقالوا: {أنطعم من لو يشاء الله أطعمه} [يس: 47]؟) ومعلوم ~~أن الله لو شاء لم يحوج أحدا إلى أحد، لكنه ابتلى عباده لينظر كيف # PageV01P179 # يعملون؟ فقص هواهم على هذا الأصل العظيم، واتبعوا ما تشابه من الكتاب ~~بالنسبة إليه، فلذلك قيل لهم: {إن أنتم إلا في ضلال مبين} [يس: 47]. # وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء: 60]. # فكأن هؤلاء قد أقروا بالتحكيم، غير أنهم أرادوا أن يكون التحكيم على وفق ~~أغراضهم; زيغا عن الحق، وظنا منهم أن الجميع حكم، وأن ما يحكم به كعب بن ~~الأشرف أو غيره مثل ما يحكم به النبي صلى الله عليه وسلم، وجهلوا أن حكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم هو حكم الله الذي لا يرد، وأن حكم غيره معه مردود ~~إن لم يكن جاريا على حكم الله، فلذلك قال تعالى: {ويريد الشيطان أن يضلهم ~~ضلالا بعيدا} [النساء: 60] ; لأن ظاهر الآية يدل على أنها نزلت فيمن دخل في ~~الإسلام; لقوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون} [النساء: 60] كذا إلى آخره، ~~وجماعة من المفسرين قالوا: إنما نزلت في رجل من المنافقين، أو في رجل من ~~الأنصار. # وقال سبحانه: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} ~~[المائدة: 103]. # PageV01P180 # فهم شرعوا شرعة، وابتدعوا في ملة إبراهيم عليه السلام هذه البدعة، توهما ~~أن ذلك يقربهم من الله كما يقرب من الله ما جاء به إبراهيم عليه السلام من ~~الحق، فزلوا، وافتروا على الله الكذب، إذ زعموا أن هذا من ذلك، وتاهوا في ~~المشروع، فلذلك قال الله تعالى على إثر الآية: {ياأيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105]. # وقال سبحانه: {قد ms092 خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم ~~الله افتراء على الله} [الأنعام: 140]. # فهذه فذلكة لجملة بعد تفصيل تقدم، وهو قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ ~~من الحرث والأنعام نصيبا} [الأنعام: 136]. # الآية. فهذا تشريع كالمذكور قبل هذا. # ثم قال: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم ~~وليلبسوا عليهم دينهم} [الأنعام: 137]، وهو تشريع أيضا بالرأي مثل الأول. # ثم قال: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم} ~~[الأنعام: 138] إلى آخرها. # فحاصل الأمر أنهم قتلوا أولادهم بغير علم، وحرموا ما أعطاهم الله # PageV01P181 # من الرزق بالرأي على جهة التشريع، فلذلك قال تعالى: {قد ضلوا وما كانوا ~~مهتدين} [الأنعام: 140]. # ثم قال تعالى بعد تعزيرهم على هذه المحرمات التي حرموها وهي ما في قوله: ~~{قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء ~~إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ~~إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [الأنعام: 144]، وقوله: (لا يهدي) يعني ~~أنه يضله. # والآيات التي قرر فيها حال المشركين في إشراكهم أتى فيها بذكر الضلال; ~~لأن حقيقته أنه خروج عن الصراط المستقيم; لأنهم وضعوا آلهتهم لتقربهم إلى ~~الله زلفى في زعمهم، فقالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ~~[الزمر: 3]، فوضعوهم موضع من يتوسل به حتى عبدوهم من دون الله، إذ كان أول ~~وضعها فيما ذكر العلماء صورا لقوم يودونهم ويتبركون بهم، ثم عبدت، فأخذتها ~~العرب من غيرها على ذلك القصد، وهو الضلال المبين. # وقال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله ~~واحد} [المائدة: 73]. # فزعموا في الإله الحق ما زعموا من الباطل، بناء على دليل عندهم متشابه في ~~نفس الأمر حسبما ذكره أهل السير، فتاهوا بالشبهة عن الحق; # PageV01P182 # لتركهم الواضحات، وميلهم إلى المتشابهات; كما أخبر الله تعالى في آية آل ~~عمران: # فلذلك قال تعالى: {قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا ~~تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا ms093 من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} ~~[المائدة: 77]، وهم النصارى، ضلوا في عيسى عليه السلام. # ومن ثم قال تعالى بعد ذكر شواهد العبودية في عيسى: {ذلك عيسى ابن مريم ~~قول الحق الذي فيه يمترون} [مريم: 34]. # وبعد ذكر دلائل التوحيد وتقديس الواحد تبارك وتعالى عن اتخاذ الولد وذكر ~~اختلافهم في مقالاتهم الشنيعة، قال: {لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين} ~~[مريم: 38]. # وذكر الله المنافقين، وأنهم يخادعون الله والذين آمنوا، وذلك لكونهم ~~يدخلون معهم في أحوال التكاليف على كسل وتقية; أن ذلك يخلصهم، أو أنه يغني ~~عنهم شيئا، وهم في الحقيقة إنما يخادعون أنفسهم، وهذا هو الضلال بعينه، ~~لأنه إذا كان يفعل شيئا يظن أنه له، فإذا هو عليه، فليس على هدى من عمله، ~~ولا هو سالك على سبيله. # فلذلك قال: {إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} [النساء: 142]، إلى ~~قوله: {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} [النساء: 88]. # PageV01P183 # وقال تعالى حكاية عن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى: {أأتخذ من ~~دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} [يس: ~~23] ; معناه: كيف أعبد من دون الله ما لا يغني شيئا، وأترك إفراد الرب الذي ~~بيده الضر والنفع؟ هذا خروج عن طريق إلى غير طريق; {إني إذا لفي ضلال مبين} ~~[يس: 24]. # والأمثلة في تقرير هذا الأصل كثيرة، جميعها يشهد بأن الضلال في غالب ~~الأمر إنما يستعمل في موضوع يزل صاحبه لشبهة تعرض له، أو تقليد من عرضت له ~~الشبهة، فيتخذ ذلك الزلل شرعا ودينا يدين به، مع وجود واضحة الطريق الحق ~~ومحض الصواب. # ولما لم يكن الكفر في الواقع مقتصرا على هذا الطريق، بل ثم طريق آخر، وهو ~~الكفر بعد العرفان عنادا أو ظلما، ذكر الله تعالى الصنفين في السورة ~~الجامعة، وهي أم القرآن: # فقال: {اهدنا الصراط المستقيم - صراط الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 6 - ~~7]، فهذه هي الحجة العظمى التي دعا الأنبياء عليهم السلام إليها. # ثم قال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7]. # فالمغضوب عليهم هم اليهود; لأنهم كفروا ms094 بعد معرفتهم نبوة محمد # PageV01P184 # صلى الله عليه وسلم، ألا ترى إلى قول الله فيهم: {الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146]، يعني: اليهود. # والضالون: هم النصارى; لأنهم ضلوا في الحجة في عيسى عليه السلام، وعلى ~~هذا التفسير أكثر المفسرين، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. # ويلحق بهم في الضلال المشركون الذين أشركوا مع الله إلها غيره، لأنه قد ~~جاء في أثناء القرآن ما يدل على ذلك، لأن لفظ القرآن في قوله: {ولا ~~الضالين} [الفاتحة: 7] يعمهم وغيرهم، فكل من ضل عن سواء السبيل داخل فيه. # ولا يبعد أن يقال: إن " الضالين " يدخل فيه كل من ضل عن الصراط المستقيم; ~~كان من هذه الأمة أولا، إذ قد تقدم في الآيات المذكورة قبل هذا مثله، فقوله ~~تعالى: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] عام في كل ~~ضال، كان ضلاله كضلال الشرك أو النفاق، أو كضلال الفرق المعدودة في الملة ~~الإسلامية، وهو أبلغ وأعلى في قصد حصر أهل الضلال، وهو اللائق بكلية فاتحة ~~الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم. # وقد خرجنا عن المقصود بعض خروج، ولكنه عاضد لما نحن فيه، وبالله التوفيق. # PageV01P185 ### | [الباب الثالث ذم البدع والمحدثات والرد على شبه المبتدعة] ### | [ذم البدع والمحدثات عام] # في أن ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها ويدخل تحت هذه ~~الترجمة جملة من شبه المبتدعة التي احتجوا بها # فاعلموا رحمكم الله أن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه: # أحدها: أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها، لم يقع فيها استثناء ألبتة، ولم ~~يأت فيها ما يقتضي أن منها ما هو هدى، ولا جاء فيها: كل بدعة ضلالة إلا كذا ~~وكذا، ولا شيء من هذه المعاني. # فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة ~~بالمشروعات; لذكر ذلك في آية أو حديث، لكنه لا يوجد، فدل على أن تلك الأدلة ~~بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف ms095 عن مقتضاها فرد من ~~الأفراد. # والثاني: أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي ~~كلي، إذا تكررت في مواضيع كثيرة، وأتي بها شواهد على معان أصولية أو ~~فروعية، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكررها وإعادة تقررها، فذلك ~~دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم; كقوله تعالى: {ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى - وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. . . .} [النجم: 18 - 53] # PageV01P187 # وما أشبه ذلك، وبسط الاستدلال على ذلك هنالك. # فما نحن بصدده من هذا القبيل، إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في ~~أوقات شتى وبحسب الأحوال المختلفة: أن «كل بدعة ضلالة»، وأن «كل محدثة ~~بدعة». . . . وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة، ولم ~~يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية ~~فيها; فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها. # والثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها ~~كذلك، وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها، ولم يقع منهم في ذلك ~~توقف ولا مثنوية، فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت، فدل على أن كل بدعة ليست ~~بحق، بل هي من الباطل. # والرابع: أن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه، لأنه من باب مضادة الشارع ~~واطراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة، فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن ~~يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة ~~الشارع، وقد تقدم بسط هذا في أول الباب الثاني. # وأيضا; فلو فرض أنه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن ~~الذم، لم يتصور; لأن البدعة طريقة تضاهي المشروعة; من غير أن تكون كذلك. # PageV01P188 # وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها، إذ لو قال الشارع: المحدثة ~~الفلانية حسنة; لصارت مشروعة; كما أشاروا إليه في الاستحسان حسبما يأتي إن ~~شاء الله. # ولما ثبت ذمها، ثبت ذم صاحبها; لأنها ليست بمذمومة من حيث تصورها فقط، بل ~~من حيث ms096 اتصف بها المتصف، فهو إذا المذموم على الحقيقة، والذم خاص التأثيم، ~~فالمبتدع مذموم آثم، وذلك على الإطلاق والعموم. # ويدل على ذلك أربعة أوجه: # أحدهما: أن الأدلة المذكورة; إن جاءت فيهم نصا; فظاهر، كقوله تعالى: {إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} [الأنعام: 159]، وقوله: ~~{ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} [آل عمران: ~~105] إلى آخر الآية، وقوله عليه السلام: «فليذادن رجال عن حوضي». . . . ~~الحديث، إلى سائر ما نص فيه عليهم، وإن كانت نصا في البدعة; فراجعة المعنى ~~إلى المبتدع من غير إشكال، وإذا رجع الجميع إلى ذمهم، رجع الجميع إلى ~~تأثيمهم. # والثاني: أن الشرع قد دل على أن الهوى هو المتبع الأول في البدع، وهو ~~المقصود السابق في حقهم، ودليل الشرع كالتبع في حقهم، ولذلك تجدهم يتأولون ~~كل دليل خالف هواهم، ويتبعون كل شبهة وافقت # PageV01P189 # أغراضهم. # ألا ترى إلى قوله تعالى: («فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله»)، فأثبت لهم الزيغ أولا، وهو الميل عن ~~الصواب، ثم اتباع المتشابه وهو خلاف المحكم الواضح المعنى، الذي هو أم ~~الكتاب ومعظمه. ومتشابهه على هذا قليل، فتركوا اتباع المعظم إلى اتباع ~~الأقل المتشابه الذي لا يعطي مفهوما واضحا; ابتغاء تأويله، وطلبا لمعناه ~~الذي لا يعلمه إلا الله، أو يعلمه الله والراسخون في العلم، وليس إلا برده ~~إلى المحكم ولم يفعل المبتدعة ذلك، فانظروا كيف اتبعوا أهواءهم أولا في ~~مطالبة الشرع بشهادة الله. # وقال الله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم} [الأنعام: 159] الآية، فنسب ~~إليهم التفريق، ولو كان التفريق من مقتضى الدليل; لم ينسبه إليهم، ولا أتى ~~به فيمعرض الذم، وليس ذلك إلا باتباع الهوى. # وقال تعالى: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153]، فجعل ~~طريق الحق واضحا مستقيما، ونهى عن البنيات، والواضح من الطرق والبنيات; كل ~~ذلك معلوم بالعوائد الجارية، فإذا وقع التشبيه بها بطريق الحق مع البنيات ~~في الشرع، فواضح أيضا، فمن ترك الواضح واتبع غيره، فهو متبع لهواه لا ~~للشرع. ms097 # وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات} [آل عمران: 105] # PageV01P190 # فهذا دليل على مجيء البيان الشافي، وأن التفرق إنما حصل من جهة المتفرقين ~~لا من جهة الدليل، فهو إذا من تلقاء أنفسهم، وهو اتباع الهوى بعينه. # والأدلة على هذا كثيرة، تشير أو تصرح بأن كل مبتدع إنما يتبع هواه، وإذا ~~اتبع هواه كان مذموما وآثما، والأدلة عليه أيضا كثيرة: # كقوله (: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} [القصص: 50]. # وقوله:) {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله ~~لهم عذاب شديد} [ص: 26]. # وقوله:) {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} [الكهف: 28]. # وما أشبه ذلك، فإذا كل مبتدع مذموم آثم. # والثالث: أن عامة المبتدعة قائلة بالتحسين والتقبيح [العقلي]، فهو عمدتهم ~~الأولى، وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع، فهو المقدم في نحلهم، بحيث لا ~~يتهمون العقل، وقد يتهمون الأدلة إذا لم توافقهم في الظاهر، حتى يردوا ~~كثيرا من الأدلة الشرعية. # وقد علمت أيها الناظر أنه ليس كل ما يقضي به العقل يكون حقا، ولذلك تراهم ~~يرتضون اليوم مذهبا، ويرجعون عنه غدا، ثم يصيرون بعد غد # PageV01P191 # إلى رأي ثالث، ولو كان كل ما يقضي به حقا; لكفى في إصلاح معاش الخلق ~~ومعادهم، ولم يكن لبعثة الرسل عليهم السلام فائدة، ولكان على هذا الأصل تعد ~~الرسالة عبثا لا معنى له، وهو كله باطل، فما أدى إليه مثله. # فأنت ترى أنهم قدموا أهواءهم على الشرع، ولذلك سموا في بعض الأحاديث وفي ~~إشارة القرآن: أهل الأهواء، وذلك لغلبة الهوى على عقولهم، واشتهاره فيهم، ~~لأن التسمية بالمشتق إنما يطلق إطلاق اللقب إذا غلب ما اشتقت منه على ~~المسمى بها. # فإذا تأثيم من هذه صفته ظاهر; لأن مرجعه إلى اتباع الرأي، وهو اتباع ~~الهوى المذكور آنفا. # والرابع: أن كل راسخ لا يبتدع أبدا، وإنما يقع الابتداع ممن لم يتمكن من ~~العلم الذي ابتدع فيه، حسبما دل عليه الحديث، ويأتي تقريره بحول الله، ~~فإنما يؤتى الناس من قبل ms098 جهالهم الذين يحسبون أنهم علماء. # وإذا كان كذلك، فاجتهاد من اجتهد منهي عنه إذ لم يستكمل شروط الاجتهاد، ~~فهو على أصل العمومية، ولما كان العامي حراما عليه النظر في الأدلة ~~والاستنباط، كان المخضرم الذي بقي عليه كثير من الجهالات مثله في تحريم ~~الاستنباط والنظر المعمول به، فإذا أقدم على محرم عليه; كان آثما بإطلاق. # وبهذه الأوجه الأخيرة; ظهر وجه تأثيمه، وتبين الفرق بينه وبين المجتهد ~~المخطئ في اجتهاده، وسيأتي له تقرير أبسط من هذا إن شاء الله. # PageV01P192 # وحاصل ما ذكر هنا أن كل مبتدع آثم، ولو فرض عاملا بالبدعة المكروهة إن ~~ثبت فيها كراهة التنزيه، لأنه إما مستنبط لها، فاستنباطه على الترتيب ~~المذكور غير جائز، وإما نائب عن صاحبها، مناضل عنه فيها بما قدر عليه، وذلك ~~يجري مجرى المستنبط الأول لها، فهو آثم على كل تقدير. # لكن يبقى هنا نظر في المبتدع وصاحب الهوى; بحيث يتنزل دليل الشرع على ~~مدلول اللفظ في العرف الذي وقع التخاطب به، إذ يقع الغلط أو التساهل، فيسمى ~~من ليس بمبتدع مبتدعا، وبالعكس إن تصور، فلا بد من فضل اعتناء بهذا المطلب ~~حتى يتضح بحول الله، وبالله التوفيق. # ولنفرده في فصل، فنقول: ### | [فصل أقسام المنسوبين إلى البدعة] # لا يخلو المنسوب إلى البدعة أن يكون: مجتهدا فيها، أو مقلدا. # والمقلد: إما مقلد مع الإقرار بالدليل الذي زعمه المجتهد دليلا والأخذ ~~فيه بالنظر، وإما مقلد له فيه من غير نظر، كالعامي الصرف. # فهذه ثلاثة أقسام: # فالقسم الأول على ضربين: # أحدهما: أن يصح كونه مجتهدا، فالابتداع منه لا يقع إلا فلتة وبالعرض لا ~~بالذات، وإنما تسمى غلطة أو زلة; لأن صاحبها لم يقصد # PageV01P193 # اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويل الكتاب; أي: لم يتبع هواه، ~~ولا جعله عمدة، والدليل عليه أنه إذا ظهر له الحق; أذعن له وأقر به. # ومثاله ما يذكر عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أنه كان يقول ~~بالإرجاء، ثم رجع عنه، وقال: " وأول ما أفارق غير شاك أفارق ما يقول ~~المرجئون ". # وذكر ms099 مسلم عن يزيد بن صهيب الفقير; قال: " كنت قد شغفني رأي من رأي ~~الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج، ثم نخرج على الناس ". # قال: " فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم [وهو] جالس ~~إلى سارية - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال: " وإذا هو قد ذكر الجهنميين ". # قال: " فقلت له: يا صاحب رسول الله! ما هذا الذي تحدثون والله يقول: {إنك ~~من تدخل النار فقد أخزيته} [آل عمران: 192]، و {كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها} [السجدة: 20] فما هذا الذي تقولون؟! # قال: فقال: " أفتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد صلى ~~الله عليه وسلم؟ يعني: الذي يبعثه الله فيه، قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد # PageV01P194 # صلى الله عليه وسلم المحمود الذي يخرج الله به من يخرج ". # قال: " ثم نعت وضع الصراط ومرر الناس عليه ". # قال: " وأخاف ألا أكون أحفظ ذلك ". # قال: " غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها ". # قال: " يعني: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم، فيدخلون نهرا من أنهار الجنة، ~~فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا، وقلنا: ويحكم! أترون الشيخ ~~يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فرجعنا، فلا والله ما خرج منا غير ~~رجل واحد "، أو كما قال. # ويزيد الفقير من ثقات أهل الحديث، وثقه ابن معين وأبو زرعة، وقال أبو ~~حاتم: " صدوق "، وخرج عنه البخاري. # وعبيد الله بن الحسن العنبري كان من ثقة أهل الحديث، ومن كبار العلماء ~~العارفين بالسنة ; إلا أن الناس رموه بالبدعة بسبب قول حكي عنه من أنه كان ~~يقول بأن كل مجتهد من أهل الأديان مصيب، حتى كفره القاضي أبو بكر وغيره. # وحكى القتيبي عنه: كان يقول: " إن القرآن يدل على الاختلاف، فالقول ~~بالقدر صحيح وله أصل في الكتاب، والقول بالإجبار صحيح وله أصل في الكتاب، ~~ومن قال بهذا فهو مصيب; لأن الآية الواحدة ربما دلت على وجهين مختلفين ". # وسئل يوما عن أهل القدر وأهل الإجبار؟ قال: " كل مصيب، ms100 هؤلاء قوم عظموا ~~الله، وهؤلاء قوم نزهوا الله ". # PageV01P195 # قال: " وكذلك القول في الأسماء، فكل من سمى الزاني مؤمنا، فقد أصاب، ومن ~~سماه كافرا; فقد أصاب، ومن قال هو فاسق وليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب، ومن ~~قال هو كافر وليس بمشرك; فقد أصاب; لأن القرآن يدل على كل هذه المعاني ". # قال: " وكذلك السنن المختلفة، كالقول بالقرعة وخلافه، والقول بالسعاية ~~وخلافه، وقتل المؤمن بالكافر، ولا يقتل مؤمن بكافر، وبأي ذلك أخذ الفقيه ~~فهو مصيب ". # قال: " ولو قال قائل: إن القاتل في النار، كان مصيبا، ولو قال: في الجنة، ~~كان مصيبا، ولو وقف وأرجأ أمره; كان مصيبا، إذا كان إنما يريد بقوله إن ~~الله تعبده بذلك، وليس عليه علم الغيب ". # قال ابن أبي خيثمة: أخبرني سليمان بن أبي شيخ، قال: " كان عبيد الله بن ~~الحسن بن الحسين بن أبي الحريق العنبري البصري اتهم بأمر عظيم، وروي عنه ~~كلام رديء ". # قال بعض المتأخرين: هذا الذي ذكره ابن أبي شيخ عنه قد روي أنه رجع عنه ~~لما تبين له الصواب، وقال: " إذا أرجع وأنا من الأصاغر، ولأن أكون ذنبا في ~~الحق، أحب إلي أن أكون رأسا في الباطل ". اه. # فإن ثبت عنه ما قيل فيه; فهو على جهة الزلة من العالم، وقد رجع عنها رجوع ~~الأفاضل إلى الحق; لأنه بحسب ظاهر حاله فيما نقل عنه إنما اتبع ظواهر ~~الأدلة الشرعية فيما ذهب إليه، ولم يتبع عقله، ولا صادم الشرع بنظره، فهو ~~أقرب من مخالفة الهوى، ومن ذلك الطريق والله # PageV01P196 # أعلم وفق إلى الرجوع إلى الحق. # وكذلك يزيد الفقير فيما ذكره عنه، لا كما عارض الخوارج عبد الله بن عباس ~~رضي الله عنه، إذ طالبهم بالحجة، فقال بعضهم: لا تخاصموه; فإنه ممن قال ~~الله فيه: {بل هم قوم خصمون} [الزخرف: 58]، فرجحوا المتشابه على المحكم، ~~وناصبوا بالخلاف السواد الأعظم. # [الثاني:] وأما إن لم يصح بمسبار العلم أنه من المجتهدين ; فهو الحري ~~باستنباط ما خالف الشرع كما تقدم، إذ قد اجتمع له مع الجهل بقواعد الشرع ~~الهوى ms101 الباعث عليه في الأصل، وهو التبعية، إذ قد تحصل له مرتبة الإمامة ~~والاقتداء، وللنفس فيها من اللذة ما لا مزيد عليه، ولذلك يعسر خروج حب ~~الرئاسة من القلب إذا انفرد، حتى قال الصوفية: حب الرئاسة آخر ما يخرج من ~~قلوب الصديقين! فكيف إذا انضاف إليه الهوى من أصل، وانضاف إلى هذين الأمرين ~~دليل في ظنه شرعي على صحة ما ذهب إليه؟! فيتمكن الهوى من قلبه تمكنا لا ~~يمكن في العادة الانفكاك عنه، وجرى منه مجرى الكلب من صاحبه; كما جاء في ~~حديث الفرق، فهذا النوع ظاهر أنه آثم في ابتداعه إثم من سن سنة سيئة. # ومن أمثلته أن الإمامية من الشيعة تذهب إلى وضع خليفة دون النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وتزعم أنه مثل النبي صلى الله عليه وسلم في العصمة، بناء على ~~أصل متوهم، فوضعوه على أن الشريعة أبدا مفتقرة إلى شرح وبيان لجميع # PageV01P197 # المكلفين، إما بالمشافهة، أو بالنقل ممن شافه المعصوم، وإنما وضعوا ذلك ~~بحسب ما ظهر لهم بادي الرأي من غير دليل عقلي ولا نقلي، بل بشبهة زعموا ~~أنها عقلية، وشبه من النقل باطلة، إما في أصلها، وإما في تحقيق مناطها. # وتحقيق ما يدعون وما يرد عليهم به مذكور في كتب الأئمة، وهو يرجع في ~~الحقيقة إلى دعاو، وإذا طولبوا بالدليل عليها; سقط في أيديهم، إذ لا برهان ~~لهم من جهة من الجهات. # وأقوى شبههم مسألة اختلاف الأمة، وأنه لا بد من واحد يرتفع به الخلاف; ~~لأن الله يقول: {ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك} [هود: 118 - 119]، ~~ولا يكون كذلك إلا إذا أعطي العصمة كما أعطيها النبي صلى الله عليه وسلم، ~~لأنه وارث، وإلا فكل محق أو مبطل يدعي أنه المرحوم، وأنه الذي وصل إلى الحق ~~دون من سواه، فإن طولبوا بالدليل على العصمة; لم يأتوا بشيء. # غير أن لهم مذهبا يخفونه ولا يظهرونه إلا لخواصهم، لأنه كفر محض ودعوى ~~بغير برهان. # قال ابن العربي في كتاب " العواصم ": # " خرجت من بلادي على الفطرة، فلم ألق في ms102 طريقي إلا مهتديا، حيث بلغت هذه ~~الطائفة يعني: الإمامية والباطنية من فرق الشيعة فهي أول بدعة لقيت، ولو ~~فجأتني بدعة مشبهة، كالقول بالمخلوق، أو نفي # PageV01P198 # الصفات، أو الإرجاء; لم آمن، فلما رأيت حماقاتهم أقمت على حذر، وترددت ~~فيها على أقوام أهل عقائد سليمة، ولبثت بينهم ثمانية أشهر. # ثم خرجت إلى الشام، فوردت بيت المقدس، فألفيت فيها ثماني وعشرين حلقة ~~ومدرستين مدرسة الشافعية بباب الأسباط، وأخرى للحنفية وكان فيها من رءوس ~~العلماء ورءوس المبتدعة ومن أحبار اليهود والنصارى كثير، فوعيت العلم ~~وناظرت كل طائفة بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري وغيره من أهل السنة. # ثم نزلت إلى الساحل لأغراض، وكان مملوءا من هذه النحل الباطنية ~~والإمامية، فطفت في مدن الساحل لتلك الأغراض نحوا من خمسة أشهر، ونزلت عكا، ~~وكان رأس الإمامية بها حينئذ أبو الفتح العكي، وبها من أهل السنة شيخ يقال ~~له الفقيه الديبقي. # فاجتمعت بأبي الفتح في مجلسه وأنا ابن العشرين، فلما رآني صغير السن كثير ~~العلم متدربا، ولع بي، وفيهم لعمر الله، وإن كانوا على باطل انطباع وإنصاف ~~وإقرار بالفضل إذا ظهر، فكان لا يفارقني، ويساومني الجدال، ولا يفاترني، ~~فتكلمت على مذهب الإمامية والقول بالتعميم من المعصوم بما يطول ذكره. # ومن جملة ذلك أنهم يقولون: إن لله في عباده أسرارا وأحكاما، والعقل لا ~~يستقل بدركها، فلا يعرف ذلك إلا من قبل إمام معصوم! فقلت لهم: أمات الإمام ~~المبلغ عن الله لأول ما أمره بالتبليغ أم هو مخلد؟ فقال # PageV01P199 # لي: مات وليس هذا بمذهبه، ولكنه تستر معي. فقلت: هل خلفه أحد؟ فقال: خلفه ~~وصيه علي، قلت: فهل قضى بالحق وأنفذه؟ قال: لم يتمكن لغلبة المعاند، قلت: ~~فهل أنفذه حين قدر؟ قال: منعته التقية ولم تفارقه إلى الموت; إلا أنها كانت ~~تقوى تارة وتضعف أخرى، فلم يمكن إلا المدارة; لئلا تنفتح عليه أبواب ~~الاختلال، قلت: وهذه المدارة حق أم لا؟ فقال: باطل أباحته الضرورة، قلت: ~~فأين العصمة؟ [قال:] إنما تغني العصمة مع القدرة. قلت: فمن بعده إلى الآن ~~وجدوا القدرة أم ms103 لا؟ قال: لا. قلت: فالدين مهمل، والحق مجهول مخمل؟ قال: ~~سيظهر. قلت: بمن؟ قال: بالإمام المنتظر. قلت: لعله الدجال، فما بقي أحد إلا ~~ضحك. # وقطعنا الكلام على غرض مني; لأني خفت أن ألجمه فينتقم مني في بلاده. # ثم قلت: ومن أعجب ما في هذا الكلام: أن الإمام إذا أوعز إلى من لا قدرة ~~له; فقد ضيع; فلا عصمة له. # وأعجب منه أن الباري تعالى على مذهبه إذا علم أنه لا علم إلا بمعلم، ~~وأرسله عاجزا مضطربا لا يمكنه أن يقول ما علم، فكأنه ما علمه وما بعثه. ~~وهذا عجز منه وجور، لا سيما على مذهبهم!. # فرأوا من الكلام ما لم يمكنهم أن يقوموا معه بقائمة. # وشاع الحديث، فرأى رئيس الباطنية المسمين بالإسماعيلية أن يجتمع معي، ~~فجاءني أبو الفتح إلى مجلس الفقيه الديبقي، وقال: إن # PageV01P200 # رئيس الإسماعيلية رغب في الكلام معك، فقلت: أنا مشغول. فقال: هنا موضع ~~مرتب قد جاء إليه، وهو محرس الطبرانيين، مسجد في قصر على البحر، وتحامل ~~علي، فقمت ما بين حشمة وحسبة، ودخلت قصر المحرس، وطلعنا إليه، فوجدتهم قد ~~اجتمعوا في زاوية المحرس الشرقية، فرأيت النكر في وجوههم، فسلمت ثم قصدت ~~جهة المحراب، فركعت عنده ركعتين لا عمل لي فيهما إلا تدبير القول معهم ~~والخلاص منهم. # فلعمر الذي قضى علي بالإقبال إلى أن أحدثكم، إن كنت رجوت الخروج عن ذلك ~~المجلس أبدا، ولقد كنت أنظر في البحر يضرب في حجارة سود محددة تحت طاقات ~~المحرس، فأقول: هذا قبري الذي يدفنوني فيه، وأنشد في سري: # ألا هل إلى الدنيا معاد وهل لنا ... سوى البحر قبر أو سوى الماء أكفان # وهي كانت الشدة الرابعة من شدائد عمري الذي أنقذني الله منها. # فلما سلمت، استقبلتهم، وسألتهم عن أحوالهم عادة، وقد اجتمعت إلي نفسي، ~~وقلت: أشرف ميتة في أشرف موطن أناضل فيه عن الدين. # فقال لي أبو الفتح وأشار إلى فتى حسن الوجه: هذا سيد الطائفة ومقدمها، ~~فدعوت له، فسكت، فبادرني وقال: قد بلغتني مجالسك وأنهي إلي كلامك، وأنت ~~تقول: قال ms104 الله وفعل! فأي شيء هو الله الذي تدعو إليه؟! أخبرني واخرج عن ~~هذه المخرقة التي جازت لك على هذه الطائفة الضعيفة، وقد احتد نفسا، وامتلأ ~~غيظا، وجثا على ركبتيه، ولم أشك أنه # PageV01P201 # لا يتم الكلام إلا وقد اختطفني أصحابه قبل الجواب. # فعمدت بتوفيق الله إلى كنانتي، واستخرجت منها سهما أصاب حبة قلبه، فسقط ~~لليدين وللفم. # وشرح ذلك أن الإمام أبا بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الحافظ الجرجاني ~~قال: # كنت أبغض الناس فيمن يقرأ علم الكلام، فدخلت يوما إلى الري، ودخلت جامعها ~~أول دخولي، واستقبلت سارية أركع عندها، وإذا بجواري رجلان يتذاكران علم ~~الكلام، فتطيرت بهما، وقلت: أول ما دخلت هذا البلد سمعت فيه ما أكره، وجعلت ~~أخفف الصلاة حتى أبعد عنهما، فعلق بي من قولهما: إن هؤلاء الباطنية أسخف ~~خلق الله عقولا، وينبغي للنحرير أن لا يتكلف لهم دليلا، ولكن يطالبهم ب " ~~لم "، فلا قبل لهم بها، وسلمت مسرعا. # وشاء الله بعد ذلك أن كشف رجل من الإسماعيلية القناع في الإلحاد، وجعل ~~يكاتب وشمكير الأمير يدعوه إليه ويقول له: إني لا أقبل دين محمد إلا ~~بالمعجزة، فإن أظهرتموها; رجعنا إليكم. # وانجرت الحال إلى أن اختاروا منهم رجلا له دهاء ومنة، فورد على وشمكير ~~رسولا، فقال له: إنك أمير، ومن شأن الأمراء والملوك أن تتخصص عن العوام ولا ~~تقلد في عقيدتها، وإنما حقهم أن يفصحوا عن البراهين. # PageV01P202 # فقال وشمكير: اختر رجلا من أهل مملكتي، ولا أنتدب للمناظرة بنفسي، ~~فيناظرك بين يدي. فقال له الملحد: أختار أبا بكر الإسماعيلي. لعلمه بأنه ~~ليس من أهل علم التوحيد، وإنما كان إماما في الحديث، ولكن كان وشمكير ~~بعامية فيه (يعتقد) أنه أعلم أهل الأرض بأنواع العلوم فقال وشمكير: ذلك ~~مرادي، فإنه رجل جيد. # فأرسل إلى أبي بكر الإسماعيلي بجرجان ليرحل إليه إلى غزنة، فلم يبق من ~~العلماء أحد إلا يئس من الدين، وقال: سيبهت الإسماعيلي الكافر مذهبا ~~الإسماعيلي الحافظ مذهبا، ولم يمكنهم أن يقولوا للملك: إنه لا علم عنده ~~بذلك; لئلا يتهمهم، فلجئوا إلى الله ms105 في نصر دينه. # قال الإسماعيلي الحافظ: فلما جاءني البريد، وأخذت في المسير، وتدانت لي ~~الدار; قلت: إنا لله، وكيف أناظر فيما لا أدري؟! هل أتبرأ عند الملك وأرشده ~~إلى من يحسن الجدل ويعلم بحجج الله على دينه؟! ندمت على ما سلف من عمري إذ ~~لم أنظر في شيء من علم الكلام. # ثم أذكرني الله ما كنت سمعته من الرجلين بجامع الري، فقويت نفسي، وعولت ~~على أن أجعل ذلك عمدتي، وبلغت البلد، فتلقاني الملك، ثم جميع الخلق، وحضر ~~الإسماعيلي المذهب مع الإسماعيلي النسب، وقال الملك للباطني: أذكر قولك ~~يسمعه الإمام، فلما أخذ في ذكره واستوفاه; قال له الحافظ: لم؟ سمعها ~~الملحد; قال: هذا إمام قد عرف مقالتي; فبهت. # قال الإسماعيلي: فخرجت من ذلك الوقت، وأمرت بقراءة علم الكلام، وعلمت أنه ~~عمدة من عمد الإسلام. # PageV01P203 # قال ابن العربي: " وحين انتهى به الأمر إلى ذلك المقام; قلت: إن كان في ~~الأجل نفس، فهذا شبيه بيوم الإسماعيلي. # فوجهت إلى أبي الفتح الإمام، وقلت له: لقد كنت في لا شيء، ولو خرجت من ~~عكا قبل أن أجتمع بهذا العالم; ما رحلت إلا عريا عن نادرة الأيام; وانظر ~~إلى حذقه بالكلام ومعرفته، حيث قال لي: أي شيء هو الله؟ ولا يسأل بمثل هذا ~~إلا مثله، ولكن بقيت هاهنا نكتة لا بد من أن نأخذها اليوم عنه، وتكون ~~ضيافتنا عنده: لم قلت: أي شيء هو الله، فاقتصرت من حروف الاستفهام على أي، ~~وتركت الهمزة وهل وكيف وأنى وكم وما، هي أيضا من ثواني حروف الاستفهام، ~~وعدلت عن اللام من حروفه؟! وهذا سؤال ثان عن حكمة ثانية، وهو أن ل " أي " ~~معنيين في الاستفهام، فأي المعنيين قصدت بها؟ ولم سألت بحرف محتمل؟ ولم ~~تسأل بحرف مصرح بمعنى واحد؟ هل وقع ذلك بغير علم ولا قصد حكمة؟ أم بقصد ~~حكمة؟ فبينها لنا. # فما هو إلا أن افتتحت هذا الكلام، وانبسطت فيه، وهو يتغير; حتى اصفر آخرا ~~من الوجل، كما اسود أولا من الحقد. ورجع أحد أصحابه الذي كان عن ms106 يمينه إلى ~~آخر كان بجانبه، وقال له: ما هذا الصبي إلا بحر زاخر من العلم، ما رأينا ~~مثله قط، وهم ما رأوا واحدا به رمق (إلا أهلكوه)، لأن الدولة لهم، ولولا ~~مكاننا من رفعة دولة ملك الشام وأن والي عكا كان يحضرنا; ما تخلصت منهم في ~~العادة أبدا. # PageV01P204 # وحين سمعت تلك الكلمة من إعظامي، قلت: هذا مجلس عظيم، وكلام طويل، يفتقر ~~إلى تفصيل، ولكن نتواعد إلى يوم آخر، وقمت وخرجت، فقاموا كلهم معي، وقالوا: ~~لا بد أن تبقى قليلا. فقلت: لا. وأسرعت حافيا، وخرجت على الباب أعدو، حتى ~~أشرفت على قارعة الطريق، وبقيت هناك مبشرا نفسي بالحياة، حتى خرجوا بعدي، ~~وأخرجوا لي (لايكي)، ولبستها، ومشيت معهم متضاحكا، ووعدوني بمجلس آخر، فلم ~~أوف لهم، وخفت وفاتي في وفائي ". # قال ابن العربي: " وقد قال لي أصحابنا النصرية بالمسجد الأقصى: إن شيخنا ~~أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي اجتمع برئيس من الشيعة، فشكا إليه فساد ~~الخلق، وأن هذا الأمر لا يصلح إلا بخروج الإمام المنتظر، فقال نصر: هل ~~لخروجه ميقات أم لا؟ قال الشيعي: نعم، قال له أبو الفتح: ومعلوم هو أو ~~مجهول؟ قال: معلوم. قال نصر: ومتى يكون؟ قال: إذا فسد الخلق. قال أبو ~~الفتح: فهل تحبسونه عن الخلق وقد فسد جميعهم إلا أنتم، فلو فسدتم لخرج; ~~فأسرعوا به وأطلقوه من سجنه وعجلوا بالرجوع إلى مذهبنا; فبهت. # وأظنه سمعها عن شيخه أبي الفتح سليمان بن أيوب الرازي الزاهد. # انتهى ما حكاه ابن العربي وغيره، وفيه غنية لمن عرج عن تعرف أصولهم، وفي ~~أثناء الكتاب منه أمثلة كثيرة. # القسم الثاني: يتنوع أيضا: # PageV01P205 # وهو الذي لم يستنبط بنفسه، وإنما اتبع غيره من المستنبطين، لكن بحيث أقر ~~بالشبهة واستصوبها، وقام بالدعوة بها مقام متبوعه; لانقداحها في قلبه، فهو ~~مثل الأول، وإن لم يصر إلى تلك الحال، ولكنه تمكن حب المذهب من قلبه حتى ~~عادى عليه ووالى. # وصاحب هذا القسم لا يخلو من استدلال، ولو على أعم ما يكون، فقد يلحق بمن ~~نظر في الشبهة وإن ms107 كان عاميا، لأنه عرض للاستدلال وهو عالم أنه لا يعرف ~~النظر ولا ما ينظر فيه، ومع ذلك; فلا يبلغ من استدل بالدليل الجملي مبلغ من ~~استدل على التفصيل وفرق بينهما في التمثيل. # إن الأول: أخذ شبهات مبتدعة، فوقف وراءها، حتى إذا طولب فيها بالجريان ~~على مقتضى العلم، تبلد وانقطع، أو خرج إلى ما لا يعقل. # وأما الثاني: فحسن الظن بصاحب البدعة، فتبعه، ولم يكن له دليل على ~~التفصيل يتعلق به، إلا تحسين الظن بالمبتدع خاصة، وهذا القسم في العوام ~~كثير. # فمثال الأول حال حمدان بن قرمط المنسوب إليه القرامطة، إذ كان أحد دعاة ~~الباطنية، فاستجاب له جماعة نسبوا إليه. # وكان رجلا من أهل الكوفة مائلا إلى الزهد، فصادفه أحد دعاة الباطنية وهو ~~متوجه إلى قريته وبين يديه بقر يسوقه، فقال له حمدان وهو لا يعرفه: أراك ~~سافرت عن موضع بعيد فأين مقصدك؟ فذكر موضعا هو قرية حمدان، فقال له حمدان: ~~اركب بقرة من هذا البقر لتستريح # PageV01P206 # به عن تعب المشي، فلما رآه مائلا إلى الديانة، أتاه من ذلك الباب، وقال: ~~إني لم أومر بذلك، فقال له: وكأنك لا تعمل إلا بأمر؟ فقال: نعم، فقال ~~حمدان: وبأمر من تعمل؟ قال: بأمر مالكي ومالكك ومن له الدنيا والآخرة، قال: ~~ذلك هو رب العالمين، قال: صدقت، ولكن الله يهب ملكه من يشاء. قال: وما غرضك ~~في البقعة التي أنت متوجه إليها؟ فقال: أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى ~~العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة، وأن أستنقذهم من ~~ورطات الذل والفقر، وأملكهم ما يستغنون به عن الكد والتعب، فقال له حمدان: ~~أنقذني أنقذك الله، وأفض علي من العلم ما تحييني، فما أشد احتياجي لمثل ما ~~ذكرته! فقال له: وما أمرت أن أخرج السر المكنون إلى كل أحد إلا بعد الثقة ~~به والعهد إليه، فقال: فما عهدك؟ فاذكره فإني ملتزم له. فقال: أن تجعل لي ~~وللإمام عهد الله على نفسك وميثاقه ألا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك ولا ~~تفشي سري ms108 أيضا. # فالتزم حمدان عهده، ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهله، حتى استدرجه ~~واستغواه، واستجاب له في جميع ما ادعاه، ثم انتدب للدعوة، وصار أصلا من ~~أصول هذه البدعة، فسمي أتباعه القرامطة. # ومثال الثاني ما حكاه الله في قوله: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} [المائدة: 104]، ~~الآية، وقوله تعالى:) {قال هل يسمعونكم إذ تدعون - أو ينفعونكم أو يضرون - ~~قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [الشعراء: 72 - 74]. # PageV01P207 # وحكى المسعودي أنه كان في أعلى صعيد مصر رجل من القبط ممن يظهر دين ~~النصرانية، وكان يشار إليه بالعلم والفهم، فبلغ خبره أحمد بن طولون، ~~فاستحضره، وسأله عن أشياء كثيرة، من جملتها أنه أمر في بعض الأيام وقد حضر ~~مجلسه بعض أهل النظر ليسأله عن الدليل على صحة دين النصرانية، فسألوه عن ~~ذلك؟ # فقال: دليلي على صحتها وجود إياها متناقضة متنافية، تدفعها العقول، وتنفر ~~منها النفوس، لتباينها وتضادها، لا نظر يقويها، ولا جدل يصححها، ولا برهان ~~يعضدها من العقل والحس عند أهل التأمل لها والفحص عنها، ورأيت مع ذلك أمما ~~كثيرة وملوكا عظيمة ذوي معرفة وحسن سياسة وعقول راجحة قد انقادوا إليها ~~وتدينوا بها، مع ما ذكرت من تناقضها في العقل، فعلمت أنهم لم يقبلوها ولا ~~تدينوا بها، إلا بدلائل شاهدوها وآيات ومعجزات عرفوها، أوجب انقيادهم إليها ~~والتدين بها. # فقال له السائل: وما التضاد الذي فيها؟ # فقال: وهل يدرك ذلك أو تعلم غايته؟ منها قولهم بأن الثلاثة واحد وأن ~~الواحد ثلاثة. ووصفهم للأقانيم والجوهر، وهو الثالوثي، وهل الأقانيم في ~~أنفسها قادرة عالمة أم لا؟ وفي اتحاد ربهم القديم بالإنسان المحدث، وما جرى ~~في ولادته وصلبه وقتله، وهل في التشنيع أكبر وأفحش من إله صلب، وبصق في ~~وجهه، ووضع على رأسه إكليل الشوك، وضرب رأسه # PageV01P208 # بالقضيب؟ وسمرت قدماه، ونخز بالأسنة والخشب جنباه؟ وطلب (الماء) فسقي ~~الخل من بطيخ الحنظل؟ # فأمسكوا عن مناظرته، لما قد أعطاهم من تناقض مذهبه وفساده. اه. # والشاهد من الحكاية الاعتماد على ms109 الشيوخ والآباء من غير برهان ولا دليل. # القسم الثالث: يتنوع أيضا، وهو الذي قلد غيره على البراءة الأصلية، فلا ~~يخلو: # أن يكون ثم من هو أولى بالتقليد منه، بناء على التسامع الجاري بين الخلق ~~بالنسبة إلى الجم الغفير إليه في أمور دينهم من عالم وغيره، وتعظيمهم له ~~بخلاف الغير. # أو لا يكون ثم من هو أولى منه، لكن ليس في إقبال الخلق عليه وتعظيمهم له ~~ما يبلغ تلك الرتبة. # فإن كان هناك منتصبون، فتركهم هذا المقلد وقلد غيرهم; فهو آثم إذ لم يرجع ~~إلى من أمر بالرجوع إليه، بل تركه ورضي لنفسه بأخسر الصفقتين، فهو غير ~~معذور، إذ قلد في دينه من ليس بعارف بالدين في حكم الظاهر، فعمل بالبدعة ~~وهو يظن أنه على الصراط المستقيم. # وهذا حال من بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم تركوا دينهم ~~الحق ورجعوا إلى باطل آبائهم، ولم ينظروا نظر المستبصر حتى لم يفرقوا بين ~~الطريقين، وغطى الهوى على عقولهم دون أن يبصروا الطريق، فكذلك # PageV01P209 # أهل هذا النوع. # وقلما تجد من هذه صفته; إلا وهو يوالي فيما ارتكب ويعادي بمجرد التقليد. # خرج البغوي عن أبي الطفيل الكناني أن رجلا ولد له غلام على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا له بالبركة، ~~وأخذ بجبهته، فنبتت شعرة بجبهته كأنها هلبة فرس. قال: فشب الغلام، فلما كان ~~زمن الخوارج; أجابهم، فسقطت الشعرة عن جبهته، فأخذه أبوه، فقيده وحبسه، ~~مخافة أن يلحق بهم، قال: فدخلنا عليه، فوعظنا [ه] وقلنا له: ألم تر بركة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقعت؟ قال: فلم نزل به حتى رجع عن رأيهم، قال: ~~فرد الله عز وجل الشعرة في جبهته إذ تاب. # وإن لم يكن هناك منتصبون إلى هذا المقلد الخامل بين الناس، مع أنه قد نصب ~~نفسه منصب المستحقين، ففي تأثيمه نظر. ويحتمل أن يقال فيه: إنه آثم. # ونظيره مسألة أهل الفترات العاملين تبعا لآبائهم، واستقامة لما عليه أهل ~~عصرهم، من ms110 عبادة غير الله، وما أشبه ذلك; لأن العلماء يقولون في حكمهم: ~~إنهم على قسمين: # قسم غابت عليه الشريعة، ولم يدر ما يتقرب به إلى الله تعالى، فوقف عن ~~العمل بكل ما يتوهمه العقل أنه يقرب إلى الله، ورأى ما أهل عصره عاملون به ~~مما ليس لهم فيه مستند إلا استحسانهم، فلم يستفزه ذلك على الوقوف عنه، ~~وهؤلاء هم الداخلون حقيقة تحت عموم الآية الكريمة: # PageV01P210 # ) {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]. # وقسم لابس ما عليه أهل عصره من عبادة غير الله، والتحريم والتحليل بالرأي ~~ووافقوهم في اعتقاد ما اعتقدوا من الباطل، فهؤلاء نص العلماء على أنهم غير ~~معذورين، مشاركون لأهل عصرهم في المؤاخذة، لأنهم وافقوهم في العمل ~~والموالاة والمعاداة على تلك الشرعة، فصار [وا] من أهلها. فكذلك ما نحن في ~~الكلام عليه، إذ لا فرق بينهما. # ومن العلماء من يطلق العبارة ويقول: كيفما كان؛ لا يعذب أحد إلا بعد ~~الرسل وعدم القبول منهم. # وهذا إن ثبت قولا هكذا، فنظيره في مسألتنا أن يأتي عالم أعلم من ذلك ~~المنتصب يبين السنة من البدعة، فإن راجعه هذا المقلد في أحكام دينه ولم ~~يقتصر على الأول، فقد أخذ بالاحتياط الذي هو شأن العقلاء ورجاء السلامة، ~~وإن اقتصر على الأول ظهر عناده، لأنه مع هذا الفرض لم يرض بهذا الطارئ، ~~وإذا لم يرضه; كان ذلك لهوى داخله، وتعصب جرى في قلبه مجرى الكلب في صاحبه، ~~وهو إذا بلغ هذا المبلغ; لم يبعد أن ينتصر لمذهب صاحبه، ويحسنه، ويستدل ~~عليه بأقصى ما يقدر عليه في عموميته، وحكمه قد تقدم في القسم قبله. # فأنت ترى صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم حين بعث إلى أصحاب أهواء وبدع، ~~وقد استندوا إلى آبائهم وعظمائهم فيها، وردوا ما جاء به النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وغطى على قلوبهم رين الهوى، حتى التبست عليهم المعجزات بغيرها; # PageV01P211 # كيف صارت شريعته صلى الله عليه وسلم حجة عليهم على الإطلاق والعموم، وصار ~~الميت منهم مسوقا إلى النار على العموم، من غير تفرقة بين ms111 المعاند صراحا ~~وغيره، وما ذاك إلا لقيام الحجة عليهم، بمجرد بعثته وإرساله لهم مبينا للحق ~~الذي خالفوه. # فمسألتنا شبيهة بذلك، فمن أخذ بالحزم، فقد استبرأ لدينه، ومن تابع الهوى ~~خيف عليه الهلاك، وحسبنا الله. ### | [فصل لفظ أهل الأهواء وأهل البدع] # ولنزد هذا الموضع شيئا من البيان; فإنه أكيد، لأنه تحقيق مناط الكتاب وما ~~احتوى عليه من المسائل، فنقول وبالله التوفيق: # إن لفظ: " أهل الأهواء "، وعبارة: " أهل البدع " ; إنما تطلق حقيقة على ~~الذين ابتدعوها، وقدموا فيها شريعة الهوى; بالاستنباط، والنصر لها، ~~والاستدلال على صحتها في زعمهم، حتى عد خلافهم خلافا، وشبههم منظورا فيها، ~~ومحتاجا إلى ردها والجواب عنها; كما نقول في ألقاب الفرق من المعتزلة ~~والقدرية والمرجئة والخوارج والباطنية ومن أشبههم بأنها ألقاب لمن قام بتلك ~~النحل ما بين مستنبط لها وناصر لها وذاب عنها; كلفظ: " أهل السنة " ; إنما ~~يطلق على ناصريها، وعلى من استنبط على وفقها، والحامين لذمارها. # ويرشح (ذلك) أن قول الله تعالى:) {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} ~~[الأنعام: 159] ; يشعر بإطلاق اللفظ على من جعل ذلك الفعل الذي هو # PageV01P212 # التفريق، وليس إلا المخترع أو من قام مقامه، وكذلك قوله تعالى:) {ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} [آل عمران: 105]. # وقوله:) {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} [آل عمران: 7]، ~~فإن اتباع المتشابه مختص بمن انتصب منصب المجتهد لا بغيرهم. # وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى إذا لم يبق عالم; اتخذ الناس ~~رؤساء جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم»، لأنهم أقاموا أنفسهم مقام المستنبط ~~للأحكام الشرعية المقتدى به فيها. بخلاف العوام، فإنهم متبعون لما تقرر عند ~~علمائهم لأنه فرضهم، فليسوا بمتبعين للمتشابه حقيقة، ولا هم متبعون للهوى، ~~وإنما يتبعون ما يقال لهم كائنا ما كان، فلا يطلق على العوام لفظ أهل ~~الأهواء حتى يخوضوا بأنظارهم فيها ويحسنوا بنظرهم ويقبحوا. # وعند ذلك يتعين للفظ " أهل الأهواء " و " أهل البدع " مدلول واحد، وهو: ~~أنه من انتصب للابتداع ولترجيحه على غيره، وأما أهل الغفلة عن ذلك، ~~والسالكون سبل رؤسائهم بمجرد التقليد ms112 من غير نظر; فلا. # فحقيقة المسألة أنها تحتوي على قسمين: مبتدع ومقتد به. # فالمقتدي به; كأنه لم يدخل في العبارة بمجرد الاقتداء; لأنه في حكم ~~المتبع. # والمبتدع هو المخترع، أو المستدل على صحة ذلك الاختراع، وسواء علينا أكان ~~ذلك الاستدلال من قبيل الخاص بالنظر في العلم، أو كان # PageV01P213 # من قبيل الاستدلال العامي، فإن الله سبحانه ذم أقواما قالوا:) {إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23]، فكأنهم استدلوا إلى ~~دليل جملي، وهو الآباء إذ كانوا عندهم من أهل العقل، وقد كانوا على هذا ~~الدين، وليس إلا لأنه صواب، فنحن عليه; لأنه لو كان خطأ، لما ذهبوا إليه. # وهو نظير من يستدل على صحة البدعة بعمل الشيوخ ومن يشار إليه بالصلاح، ~~ولا ينظر إلى كونه من أهل الاجتهاد في الشريعة أو من أهل التقليد، ولا كونه ~~يعمل بعلم أو بجهل. # ولكن مثل هذا يعد استدلالا في الجملة; من حيث جعل عمدة في اتباع الهوى ~~واطراح ما سواه، فمن أخذ به، فهو آخذ بالبدعة بدليل مثله، ودخل في مسمى أهل ~~(الابتداع)، إذ كان من حق من كان هذا سبيله أن ينظر في الحق إن جاءه، ~~ويبحث، ويتأنى، ويسأل، حتى يتبين الحق له فيتبعه، أو الباطل فيجتنبه. # ولذلك قال تعالى ردا على المحتجين بما تقدم:) {قال أولو جئتكم بأهدى مما ~~وجدتم عليه آباءكم} [الزخرف: 24]، وفي الآية الأخرى:) {وإذا قيل لهم اتبعوا ~~ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} [البقرة: 170]، فقال ~~تعالى:) {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} [البقرة: 170]، وفي ~~الآية الأخرى:) {أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} [لقمان: 21]، ~~وأمثال ذلك كثيرة. # PageV01P214 # وعلامة من هذا شأنه أن يرد خلاف مذهبه بما عليه من شبهة دليل تفصيلي أو ~~إجمالي، ويتعصب لما هو عليه; غير ملتفت إلى غيره، وهو عين اتباع الهوى، فهو ~~المذموم حقا. وعليه يحصل الإثم، فإن من كان مسترشدا; مال إلى الحق حيث ~~وجده، ولم يرده، وهو المعتاد في طالب الحق، ولذلك بادر المحققون إلى ms113 اتباع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تبين لهم الحق. # فإن لم يجد سوى ما تقدم له من البدعة، ولم يدخل مع المتعاصين، لكنه عمل ~~بها: # فإن قلنا: إن أهل الفترة معذبون على الإطلاق إذا اتبعوا من اخترع منهم، ~~فالمتبعون للمبتدع إذا لم يجدوا محقا مؤاخذون أيضا. وإن قلنا: لا يعذبون ~~حتى يبعث لهم الرسول وإن عملوا بالكفر فهؤلاء لا يؤخذون ما لم يكن فيه محق، ~~فإذ ذاك يؤاخذون من حيث إنهم معه بين أحد أمرين: إما أن يتبعوه على طريق ~~الحق فيتركوا ما هم عليه. وإما أن لا يتبعوه فلا بد من عناد ما وتعصب ~~فيدخلون إذ ذاك تحت عبارة (أهل الأهواء) فيأثمون. # وكل من اتبع بيان سمعان في بدعته التي اشتهرت عند العلماء; مقلدا فيها ~~على حكم الرضاء بها ورد ما سواها; فهو في الإثم مع من اتبع، فقد زعم أن ~~معبوده في صورة الإنسان، وأنه يهلك كله إلا وجهه، ثم زعم # PageV01P215 # أن روح الإله حل في علي ثم في فلان، ثم في فلان. . . . . ثم في بيان ~~نفسه. # وكذلك من اتبع المغيرة بن سعيد العجلي الذي ادعى النبوة مدة وزعم أنه ~~يحيي الموتى بالاسم الأعظم، وأن لمعبوده أعضاء على حروف الهجاء، على كيفية ~~يشمئز منها قلب المؤمن. . . . . . إلى إلحادات أخر. # وكذلك من اتبع المهدي المغربي المنسوب إليه كثير من بدع المغرب، فهو في ~~الإثم والتسمية مع من اتبع إذا انتصب ناصرا لها ومحتجا عليها. # وقانا الله شر التعصب على غير بصيرة من الحق بفضله ورحمته. ### | [فصل إثم المبتدعين ليس على رتبة واحدة] ### | [الاختلاف من جهة وقوعها في الضروريات ومن جهة الإسرار والإعلان] # إذا ثبت أن المبتدع آثم; فليس الواقع عليه على رتبة واحدة، بل هو على ~~مراتب مختلفة، واختلافها يقع من جهات بحسب النظر الفقهي، فيختلف من جهة كون ~~صاحبها مدعيا للاجتهاد أو مقلدا، ومن جهة وقوعها في الضروريات أو غيرها، ~~ومن جهة كون صاحبها مستترا بها أو معلنا، ومن جهة كونه مع الدعاء إليها ~~خارجا على ms114 غيره أو غير خارج، ومن جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية، ومن جهة ~~كونها بينة أو مشكلة، ومن جهة كونها كفرا أو غير كفر، ومن جهة الإصرار ~~عليها أو عدمه، إلى غير ذلك من الوجوه التي يقطع معها بالتفاوت في عظم ~~الإثم وعدمه أو يغلب على الظن. # وهذا المعنى وإن لم يخف على العالم بالأصول; فلا ينبغي أن # PageV01P216 # يترك التنبيه على وجه التفاوت بقول جملي، فهو الأولى في هذا المقام. # فأما الاختلاف من جهة كون صاحبها مدعيا للاجتهاد أو مقلدا: # فظاهر، لأن الزيغ في قلب الناظر في المتشابهات ابتغاء تأويلها أمكن منه ~~في قلب المقلد، وإن ادعى النظر أيضا; لأن المقلد الناظر لا بد من استناده ~~إلى مقلده في بعض الأصول التي يبنى عليها، أو المقلد قد انفرد بها دونه، ~~فهو آخذ بخظ ما لم يأخذ فيه الآخر; إلا أن يكون هذا المقلد ناظرا لنفسه، ~~فحينئذ لا يدعي رتبة التقليد، فصار في درجة الأول، وزاد عليه الأول بأنه ~~أول من سن تلك السنة السيئة، فيكون عليه وزرها ووزر من عمل بها. وهذا ~~الثاني ممن عمل بها، فيكون على الأول من إثمه ما عينه الحديث الصحيح، فوزره ~~أعظم على كل تقدير، والثاني دونه; لأنه إن نظر وعاند الحق واحتج لرأيه، ~~فليس له [إلا] النظر في أدلة جملية لا تفصيلية، والفرق بينهما ظاهر; فإن ~~الأدلة التفصيلية أبلغ في الاحتجاج على عين المسألة من الأدلة الجملية، ~~فتكون المبالغة في الوزر بمقدار المبالغة في الاستدلال. # وأما الاختلاف من جهة وقوعها في الضروريات أو غيرها: # فالإشارة إليه ستأتي عند التكلم على أحكام البدع. # وأما الاختلاف من جهة الإسرار والإعلان: # فظاهر أن المسر بها ضرره مقصور عليه، لا يتعداه إلى غيره، فعلى # PageV01P217 # أي صورة فرضت البدعة من كونها كبيرة أو صغيرة أو مكروهة، هي باقية على ~~أصل حكمها. فإذا أعلن بها وإن لم يدع إليها فإعلانه بها ذريعة إلى الاقتداء ~~به. وسيأتي بحول الله أن الذريعة قد تجري مجرى المتذرع إليه أو تفارقه، ~~فانضم إلى وزر ms115 العمل بها وزر نصبها لمن يقتدي به فيها، والوزر في ذلك أعظم ~~بلا إشكال. # ومثاله ما حكى الطرطوشي في أصل القيام ليلة النصف من شعبان عن أبي محمد ~~المقدسي: # قال: " لم يكن عندنا ببيت المقدس صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب ~~وشعبان، وأول ما أحدثت عندنا في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، قدم علينا رجل ~~في بيت المقدس يعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام، فصلى في ~~المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث ~~ورابع، فما ختمها إلا وهو في جماعة كبيرة، ثم جاء في العام القابل، فصلى ~~معه خلق كثير، وشاعت في المسجد، وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى وبيوت ~~الناس ومنازلهم، ثم استمرت كأنها سنة إلى يومنا هذا ". # فقلت له: فرأيتك تصليها في جماعة؟ # قال: " نعم! وأستغفر الله منها ". ### | [الاختلاف من جهة الدعوة إليها وعدمها] # وأما الاختلاف من جهة الدعوة إليها وعدمها: # فظاهر أيضا; لأن غير الداعي وإن كان عرضة بالاقتداء فقد لا # PageV01P218 # يقتدى به، ويختلف الناس في توفر دواعيهم على الاقتداء به، إذ قد يكون ~~خامل الذكر، وقد يكون مشتهرا ولا يقتدى به، لشهرة من هو أعظم عند الناس ~~منزلة منه. # وأما إذا دعا إليها; فمظنة الاقتداء أقوى وأظهر، ولا سيما المبتدع اللسن ~~الفصيح الآخذ بمجامع القلوب، إذا أخذ في الترغيب والترهيب، وأدلى بشبهته ~~التي تداخل القلب بزخرفها، كما كان معبد الجهني يدعو الناس إلى ما هو عليه ~~من القول بالقدر، ويلوي بلسانه نسبته إلى الحسن البصري. # فروي عن سفيان بن عيينة: " أن عمرو بن عبيد سئل عن مسألة، فأجاب فيها، ~~وقال: هو من رأي الحسن، فقال له رجل: إنهم يروون عن الحسن خلاف هذا. فقال: ~~إنما قلت لك هذا من رأيي الحسن ; يريد نفسه ". # وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: " كان عمرو بن عبيد إذا سئل عن شيء; ~~قال: هذا من قول الحسن، فيوهم أنه الحسن بن أبي الحسن، وإنما هو قوله ". ### | [الاختلاف من جهة كونه خارجا على أهل السنة ms116 أو غير خارج] # وأما الاختلاف من جهة كونه خارجا على أهل السنة أو غير خارج؛: # فلأن غير الخارج لم يزد على الدعوة مفسدة أخرى يترتب عليه إثم، والخارج ~~زاد الخروج على الأئمة وهو موجب للقتل، والسعي في الأرض بالفساد، وإثارة ~~الفتن والحروب، إلى حصول العداوة والبغضاء بين أولئك # PageV01P219 # الفرق، فله من الإثم العظيم أوفر حظ. # ومثاله قصة الخوارج الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الدين كما يمرق السهم ~~من الرمية»، وأخبارهم شهيرة. # وقد لا يخرجون هذا الخروج، بل يقتصرون على الدعوة، لكن على وجه أدعى إلى ~~الإجابة، لأن فيه نوعا من الإكراه والإخافة، فلا هو مجرد دعوة، ولا هو شق ~~العصا من كل وجه، وذلك أن يستعين على دعوة بأولي الأمر من الولاة ~~والسلاطين; فإن الاقتداء هنا أقوى بسبب خوف الولاة في الإيقاع بالآبي سجنا ~~أو ضربا أو قتلا، كما اتفق لبشر المريسي في زمن المأمون، ولأحمد بن أبي ~~دؤاد في خلافة الواثق، وكما اتفق لعلماء المالكية بالأندلس، إذ صارت ~~ولايتها للمهديين، فمزقوا كتب المالكية، وسموها كتب الرأي، ونكلوا بجملة من ~~الفضلاء بسبب أخذهم في الشريعة بمذهب مالك. وكانوا هم مرتكبين للظاهرية ~~المحضة، التي هي عند العلماء بدعة ظهرت بعد المائتين من الهجرة، ويا ليتهم ~~وافقوا مذهب داود وأصحابه! لكنهم تعدوا ذلك إلى أن قالوا برأيهم، ووضعوا ~~للناس مذاهب لا عهد (لهم) بها في الشريعة، وحملوهم عليها طوعا أو كرها، حتى ~~عم داؤها في الناس، وثبتت زمانا طويلا، ثم ذهب منها جملة وبقيت أخرى إلى ~~اليوم، ولعل الزمان يتسع إلى ذكر جملة منها في أثناء الكتاب بحول الله. # فهذا الوجه، الوزر فيه أعظم من مجرد الدعوة من وجهين: # PageV01P220 # الأول: الإخافة والإكراه بالإسلام والقتل. # والآخر: كثرة الداخلين في الدعوة; لأن الإعذار والإنذار الأخروي قد لا ~~يقوم له كثير من النفوس، بخلاف الدنيوي، ولأجل ذلك شرعت الحدود والزواجر في ~~الشرع، و " إن (الله) يزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن "، فالمبتدع إذا ms117 لم ~~ينتصر بإجابة دعوته بمجرد الإعذار والإنذار الذي يعظ (به)، حاول الانتهاض ~~بأولي الأمر; ليكون ذلك أحرى بالإجابة. ### | [الاختلاف من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية] # وأما الاختلاف من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية: # فإن الحقيقية أعظم وزرا، لأنها التي باشرها المنتهي بغير واسطة، ولأنها ~~مخالفة محضة وخروج عن السنة ظاهر، كالقول بالقدر، والتحسين والتقبيح، ~~والقول بإنكار خبر الواحد، وإنكار الإجماع، وإنكار تحريم الخمر، والقول ~~بالإمام المعصوم. . . وما أشبه ذلك. # فإذا فرضت إضافية; فمعنى الإضافية أنها مشروعة من وجه ورأي مجرد من وجه، ~~إذ يدخلها من جهة المخترع رأي في بعض أحوالها، فلم تناف الأدلة من كل وجه. # هذا، وإن كانت تجري مجرى الحقيقة، ولكن الفرق بينهما ظاهر كما سيأتي إن ~~شاء الله، وبحسب ذلك الاختلاف يختلف الوزر. # ومثاله جعل المصاحف في المسجد للقراءة إثر الصلاة فيها. # قال مالك: " أول من جعل مصحفا الحجاج بن يوسف ". # PageV01P221 # يريد أنه أول من رتب القراءة في المصحف إثر صلاة الصبح في المسجد. # قال ابن رشد: " مثل ما يصنع عندنا إلى اليوم ". # فهذه محدثة أعني: وضعه في المسجد لأن القراءة في المسجد مشروعة في الجملة ~~معمول بها; إلا أن تخصيص المسجد بالقراءة على ذلك الوجه هو المحدث. # ومثله وضع المصاحف في زماننا للقراءة يوم الجمعة، وتحبيسها على ذلك ~~القصد. ### | [الاختلاف من جهة كون البدعة ظاهرة المأخذ أو مشكلة] # وأما الاختلاف من جهة كونها ظاهرة المأخذ أو مشكلة: # فلأن الظاهر عند الإقدام عليها محض مخالفة، فإن كانت مشكلة; فليست بمحض ~~مخالفة; لإمكان أن لا تكون بدعة، والإقدام على المحتمل أخفض رتبة من ~~الإقدام على الظاهر. # ولذلك عد العلماء ترك المتشابه من قبيل المندوب إليه في الجملة، ونبه ~~الحديث على أن ترك المتشابه لئلا يقع في الحرام، فهو حمى له، وأن واقع ~~المتشابه واقع في الحرام، وليس ترك الحرام في الجملة من قبيل المندوب، بل ~~من قبيل الواجب، فكذلك حكم الفعل المشتبه في البدعة، فالتفاوت بينهما بين. # وإن قلنا: إن ترك المتشابه من باب المندوب، ms118 وإن مواقعته من باب المكروه; ~~فالاختلاف أيضا واقع من هذه الجهة; فإن الإثم في المحرمة هو الظاهر، وأما ~~المكروهة; فلا إثم فيها في الجملة; ما لم يقترن بها ما # PageV01P222 # يوجبها، كالإصرار عليها، إذ الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، فكذلك ~~الإصرار على المكروه، فقد يصيره صغيرة، ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة في ~~مطلق التأثيم، وإن حصل الفرق من جهة أخرى; بخلاف المكروه مع الصغيرة. # والشأن في البدع وإن كانت مكروهة (في) الدوام عليها وإظهارها من المقتدى ~~بهم في مجامع الناس وفي المساجد، فقلما تقع منهم على أصلها من الكراهية إلا ~~ويقترن بها ما يدخلها في مطلق التأثيم; من إصرار، أو تعليم، أو إشاعة، أو ~~تعصب لها. . . . أو ما أشبه ذلك، فلا يكاد يوجد في البدع بحسب الوقوع مكروه ~~لا زائد فيه على الكراهية، والله أعلم. ### | [الاختلاف بحسب الإصرار على البدعة أو عدمه] # وأما الاختلاف بحسب الإصرار عليها أو عدمه: # فلأن الذنب قد يكون صغيرا فيعظم بالإصرار عليه، كذلك البدعة تكون صغيرة ~~فتعظم بالإصرار عليها، فإذا كانت قليلة; فهي أهون منها إذا داوم عليها. # ويلحق بهذا المعنى إذا تهاون بها المبتدع وسهل أمرها; نظير الذنب إذا ~~تهاون به، فالمتهاون أعظم وزرا من غيره. ### | [الاختلاف من جهة كون البدعة كفرا وعدمه] # وأما الاختلاف من جهة كونها كفرا وعدمه: # فظاهر أيضا; لأن ما هو كفر جزاؤه التخليد في العذاب - عافانا الله - وليس ~~كذلك ما لم يبلغ مبلغه; حكم سائر الكبائر مع الكفر في المعاصي، فلا بدعة ~~أعظم وزرا من بدعة تخرج عن الإسلام، كما أنه لا ذنب أعظم # PageV01P223 # من ذنب يخرج عن الإسلام، فبدعة الباطنية والزنادقة ليس كبدعة المعتزلة ~~والمرجئة وأشباههم. # ووجوه التفاوت كثيرة، ولظهورها عند العلماء; لم نبسط الكلام عليها، والله ~~المستعان بفضله. ### | [فصل أنواع الأحكام التي يقام على أهل البدع بها] # ويتعلق بهذا الفصل أمر آخر، وهو الحكم في القيام على أهل البدع من الخاصة ~~أو العامة. # وهذا باب كبير في الفقه تعلق بهم من جهة جنايتهم على الدين، وفسادهم في ~~الأرض، ms119 وخروجهم عن جادة الإسلام إلى بنيات الطريق التي نبه عليها قول الله ~~تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله} [الأنعام: 153]. # وهو فصل من تمام الكلام على التأثيم، لكنه مفتقر إلى النظر في شعب كثيرة; ~~منها ما تكلم عليه العلماء، ومنها ما لم يتكلموا عليه; لأن ذلك حدث بعد موت ~~المجتهدين وأهل الحماية للدين، فهو باب يكثر التفريع فيه بحيث يستدعي ~~تأليفا مستقلا. # فرأينا أن بسط ذلك يطول، مع أن العناء فيه قليل الجدوى في هذه الأزمنة ~~المتأخرة; لتكاسل الخاصة عن النظر فيما يصلح العامة، وغلبة الجهل على ~~العامة، حتى إنهم لا يفرقون بين السنة والبدعة، بل قد انقلب الحال إلى أن ~~عادت السنة بدعة والبدعة سنة، فقاموا في غير موضع القيام، # PageV01P224 # واستقاموا إلى غير مستقام، فعم الداء، وعدم الأطباء، حسبما جاءت به ~~الأخبار. # فرأينا أن لا نفرد هذا المعنى بباب يخصه، وأن لا نبسط القول فيه، وأن ~~نقتصر من ذلك على لمحة تكون خاتمة لهذا الباب، في الإشارة إلى أنواع ~~الأحكام التي يقام عليهم بها في الجملة لا في التفصيل، وبالله التوفيق. # فنقول: إن القيام عليهم: بالتثريب، أو التنكيل، أو الطرد، أو الإبعاد، أو ~~الإنكار; هو بحسب حال البدعة في نفسها; من كونها: عظيمة المفسدة في الدين، ~~أو لا، وكون صاحبها مشتهرا بها أو لا، وداعيا إليها أو لا، ومستظهرا ~~بالأتباع أو لا، وخارجا عن الناس أو لا، وكونه عاملا بها على جهة الجهل أو ~~لا. # وكل هذه الأقسام له حكم اجتهادي يخصه، إذ لم يأت في الشرع في البدعة حد ~~لا يزاد عليه ولا ينقص منه، كما جاء في كثير من المعاصي; كالسرقة، ~~والحرابة، والقتل، والقذف، والجراح، والخمر. . . . وغير ذلك. # لا جرم أن المجتهدين من الأمة نظروا فيها بحسب النوازل، وحكموا باجتهاد ~~الرأي; تفريعا على ما تقدم لهم في بعضها من النص; كما جاء في الخوارج من ~~الأثر بقتلهم، وما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صبيغ العراقي. # فخرج من ms120 مجموع ما تكلم فيه العلماء أنواع: # أحدها: الإرشاد، والتعليم، وإقامة الحجة ; كمسألة ابن عباس # PageV01P225 # حين ذهب إلى الخوارج، فكلمهم، حتى رجع منهم ألفان أو ثلاثة آلاف، ومسألة ~~عمر بن عبد العزيز مع غيلان، وشبه ذلك. # والثاني: الهجران، وترك الكلام والسلام; حسبما تقدم عن جملة من السلف في ~~هجرانهم لمن تلبس ببدعة، وما جاء عن عمر رضي الله عنه من قصة صبيغ. # والثالث: كما غرب عمر صبيغا، ويجري مجراه السجن، وهو: # الرابع: كما سجنوا الحلاج قبل قتله سنين عدة. # والخامس: ذكرهم بما هم عليه، وإشاعة بدعتهم ; كي يحذروا; ولئلا يغتر ~~بكلامهم; كما جاء عن كثير من السلف في ذلك. # السادس: القتل إذا ناصبوا المسلمين وخرجوا عليهم ; كما قاتل علي رضي الله ~~عنه الخوارج وغيره من خلفاء السنة. # والسابع: القتل إن لم يرجعوا من الاستتابة، وهو قد أظهر بدعته، وأما من ~~أسرها وكانت كفرا أو ما يرجع إليه; فالقتل بلا استتابة، وهو الثامن; لأنه ~~من باب النفاق، كالزنادقة. # والتاسع: تكفير من دل الدليل على كفره ; كما إذا كانت البدعة صريحة في ~~الكفر; كالإباحية، والقائلين بالحلول; كالباطنية، أو كانت المسألة في باب ~~التكفير بالمآل، فذهب المجتهد إلى التكفير; كابن الطيب في تكفيره جملة من ~~الفرق، فينبني على ذلك: # الوجه العاشر: وذلك أنه لا يرثهم ورثتهم من المسلمين، ولا يرثون أحدا ~~منهم، ولا يغسلون إذا ماتوا، ولا يصلون عليهم، ولا يدفنون في مقابر # PageV01P226 # المسلمين; ما لم يكن مستترا; فإن المستتر يحكم له بحكم الظاهر، وورثته ~~أعرف بالنسبة إلى الميراث. # والحادي عشر: الأمر بأن لا يناكحوا، وهو من ناحية الهجران، وعدم ~~المواصلة. # والثاني عشر: تجريحهم على الجملة، فلا تقبل شهادتهم ولا روايتهم، ولا ~~يكونون والين ولا قضاة، ولا ينصبون في مناصب العدالة من إمامة أو خطابة; ~~إلا أنه قد ثبت عن جملة من السلف رواية جماعة منهم، واختلفوا في الصلاة ~~خلفهم من باب الأدب ليرجعوا عما هم عليه. # والثالث عشر: ترك عيادة مرضاهم، وهو من باب الزجر والعقوبة. # والرابع عشر: ترك شهود جنائزهم كذلك. # والخامس ms121 عشر: الضرب كما ضرب عمر رضي الله عنه صبيغا. # وروي عن مالك رضي الله عنه في القائل بالمخلوق: " أنه يوجع ضربا ويسجن ~~حتى يموت ". # ورأيت في بعض تواريخ بغداد عن الشافعي: أنه قال: " حكم في أصحاب الكلام ~~أن يضربوا بالجرائد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ~~ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام; يعني: أهل البدع ". ### | [فصل شبه المبتدعة والرد عليهم] ### | [الرد على زعمهم أن من سن سنة خير فهو خير والأمة لا تجتمع على ضلالة] # فإن قيل: كيف هذا وقد ثبت في الشريعة ما يدل على تخصيص تلك # PageV01P227 # العمومات، وتقييد تلك المطلقات، وفرع العلماء منها كثيرا من المسائل، ~~وأصلوا منها أصولا يحتذى حذوها على وفق ما ثبت نقله، إذ الظواهر تخرج على ~~مقتضى ظهورها بالاجتهاد، وبالحري إن كان ما يستنبط بالاجتهاد مقيسا على محل ~~التخصيص، فلذلك قسم الناس البدع، ولم يقولوا بذمها على الإطلاق؟ # وحاصل ما ذكروا من ذلك يرجع إلى أوجه: # أحدها: ما في الصحيح: # من قوله صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة حسنة; كان له أجرها وأجر من عمل ~~بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة; كان عليه وزرها ووزر من ~~عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا». # وخرج الترمذي وصححه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دل على ~~خير; فله أجر فاعله». # وخرج أيضا عن جرير بن عبد الله ; قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«من سن سنة خير، فاتبع عليها، فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من ~~أجورهم شيئا، ومن سن سنة شر، فاتبع عليها; كان عليه وزرها ومثل أوزار من ~~اتبعه غير منقوص من أوزارهم شيئا» " ; حسن صحيح. # فهذه الأحاديث صريحة في أن من سن سنة خير; فذلك خير. # PageV01P228 # ودل على أنه فيمن ابتدع " «من سن» "، فنسب الاستنان إلى المكلف دون ~~الشارع، ولو كان المراد: " من عمل سنة ثابتة في الشرع " ; لما قال: " «من ~~سن» ". # ويدل ms122 على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ما «من نفس تقتل ظلما إلا كان على ~~ابن آدم كفل من دمها; لأنه أول من سن القتل»، ف " «سن» " هاهنا على حقيقته; ~~لأنه اختراع ما لم يكن قبل معمولا به في الأرض بعد وجود آدم عليه السلام. # فكذلك قوله: «من سن سنة حسنة» ; أي: من اخترعها من نفسه، لكن بشرط أن ~~تكون حسنة، فله من الأجر ما ذكر، فليس المراد: من عمل سنة ثابتة، وإنما ~~العبارة عن هذا المعنى أن يقال: «من عمل بسنتي أو سنة من سنتي». . . . وما ~~أشبه ذلك; كما خرج الترمذي: # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث: " «اعلم» "، قال: أعلم ~~يا رسول الله، قال: " «اعلم يا بلال»، قال: أعلم يا رسول الله، قال: " «إنه ~~من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي; فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير ~~أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله; ~~كان عليه مثل إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئا» " ; حديث ~~حسن. # وعن أنس رضي الله عنه; قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «يا ~~بني! إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل» "، ثم قال لي: # PageV01P229 # " «يا بني! وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي; فقد أحبني، ومن أحبني; كان معي ~~في الجنة» ; حديث حسن. # فقوله: «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي» ; واضح في العمل بما ثبت أنه ~~سنة، وكذلك قوله: «من أحيا سنتي; فقد أحبني» ; ظاهر في السنن الثابتة، ~~بخلاف قوله: " «من سن كذا» " ; فإنه في الاختراع أولا من غير أن يكون ثابتا ~~في السنة. # وأما قوله لبلال بن الحارث: «ومن ابتدع بدعة ضلالة» ; فظاهر أن البدعة لا ~~تذم بإطلاق، بل بشرط أن تكون ضلالة، وأن تكون لا يرضاها الله ورسوله، ~~فاقتضى (هذا كله) أن البدعة إذا لم تكن كذلك; لم يلحقها ذم، ولا تبع صاحبها ~~وزر، ms123 فعادت إلى أنها سنة حسنة، ودخلت تحت الوعد بالأجر. # والثاني: أن السلف الصالح رضي الله عنهم وأعلاهم الصحابة قد عملوا بما لم ~~يأت به كتاب ولا سنة مما رأوه حسنا وأجمعوا عليه، ولا تجتمع أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم على ضلالة، وإنما يجتمعون على هدى وما هو حسن. # فقد أجمعوا على جمع القرآن وكتبه في المصاحف، وعلى جمع الناس على المصاحف ~~العثمانية، واطراح ما سوى ذلك من القراءات التي كانت مستعملة في زمان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في ذلك قصر ولا حصر. # PageV01P230 # ثم اقتفى الناس أثرهم في ذلك الرأي الحسن، فجمعوا العلم ودونوه وكتبوه، ~~ومن سبقهم في ذلك مالك بن أنس، وقد كان من أشدهم اتباعا وأبعدهم من ~~الابتداع. # هذا، وإن كان قد نقل عنهم كراهية كتب العلم من الحديث وغيره; فإنما هو ~~محمول إما على الخوف من الاتكال على الكتب استغناء بها عن الحفظ والتحصيل، ~~وإما على ما كان رأيا دون ما كان نقلا من كتاب أو سنة. # ثم اتفق الناس بعد ذلك على تدوين الجميع لما ضعف الأمر، وقل المجتهدون في ~~التحصيل، فخافوا على الدين الدروس جملة. # قال اللخمي لما ذكر كلام مالك وغيره في كراهية بيع كتب العلم والإجارة ~~على تعليمه، وخرج عليه الإجارة على كتبه، وحكى الخلاف ; وقال: " لا أرى ~~اليوم أن يختلف في ذلك أنه جائز; لأن حفظ الناس وأفهامهم قد نقصت، وقد كان ~~كثير ممن تقدم ليست لهم كتب. # قال مالك: ولم يكن للقاسم ولا لسعيد كتب، وما كنت أقرأ على أحد يكتب في ~~هذه الألواح، ولقد قلت لابن شهاب: أكنت تكتب العلم؟ فقال: لا، فقلت: أكنت ~~تحب أن يقيدوا عليك الحديث؟ فقال: لا. # فهذا كان شأن الناس، فلو سار الناس لسيرتهم، لضاع العلم، ولم يكن بيننا ~~منه رسمه، وهكذا الناس اليوم يقرءون كتبهم، ثم هم في التقصير على ما هم ~~عليه ". # وأيضا; فإنه لا خلاف عندنا في مسائل الفروع: أن القول فيها بالاجتهاد ~~والقياس واجب، وإذا كان كذلك; ms124 كان إهمال كتبها وبيعها يؤدي # PageV01P231 # إلى التقصير في الاجتهاد، وأن لا يوضع مواضعه; لأن في معرفة أقوال ~~المتقدمين والترجيح بين أقاويلهم قوة وزيادة في وضع الاجتهاد مواضعه. # انتهى ما قاله اللخمي، وفيه إجازة العمل بما لم يكن عليه من تقدم ; لأن ~~له وجها صحيحا، فكذلك نقول: كل ما كان من المحدثات له وجه صحيح; فليس ~~بمذموم، بل هو محمود، وصاحبه الذي سنه ممدوح، فأين ذمها بإطلاق أو على ~~العموم؟! # وقد قال عمر بن عبد العزيز: " تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور ~~"، فأجاز كما ترى إحداث الأقضية واختراعها على قدر اختراع الفجار للفجور، ~~وإن لم يكن لتلك المحدثات أصل. # وقتل الجماعة بالواحد، وهو محكي عن عمر وعلي وابن عباس والمغيرة بن شعبة ~~رضي الله عنهم. # وأخذ مالك وأصحابه بقول الميت: دمي عند فلان، ولم يأت له في الموطأ بأصل ~~سماعي، وإنما علل بأمر مصطلحي، وفي مذهبه من ذلك مسائل كثيرة. # فإن كان ذلك جائزا مع أنه مخترع; فلم لا يجوز مثله وقد اجتمعا في العلة ~~لأن الجميع مصالح معتبرة في الجملة؟! وإن لم يكن شيء من ذلك جائزا; فلم ~~اجتمعوا على جملة منها، وفرع غيرهم على بعضها؟! ولا يبقى إلا أن يقال: إنهم ~~يتابعون على ما عمل هؤلاء دون غيره، وإن اجتمعا # PageV01P232 # في العلة المسوغة للقياس، وعند ذلك يصير الاقتصار تحكما، وهو باطل، فما ~~أدى إليه مثله، فثبت أن البدع تنقسم. # فالجواب، وبالله التوفيق، أن نقول: # أما الوجه الأول; فإن قوله صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة حسنة»، ~~الحديث. فليس المراد به الاختراع ألبتة، وإلا لزم من ذلك التعارض بين ~~الأدلة القطعية، إن زعم مورد السؤال أن ما ذكره من الدليل مقطوع به، فإن ~~زعم أنه مظنون; فما تقدم من الدليل على ذم البدع مقطوع به، فيلزم التعارض ~~بين القطعي والظني، والاتفاق من المحققين على تقديم القطعي. # ولكن فيه النظر من وجهين: # أحدهما: أنه يقال: إنه من قبيل المتعارضين، إذ تقدم أولا أن أدلة الذم ~~تكرر عمومها في ms125 أحاديث كثيرة من غير تخصيص، وإذا تعاضدت أدلة العموم من ~~[غير] تخصيص; لم يقبل بعد ذلك التخصيص. # والثاني: على التنزل لفقد التعارض، فليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى ~~الاختراع، وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية، وذلك لوجهين: # أحدهما: أن السبب الذي جاء لأجله الحديث هو الصدقة المشروعة; بدليل ما في ~~الصحيح من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنهما: # PageV01P233 # قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، فجاءه قوم ~~حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم مضر بل كلهم من ~~مضر. # فقمص وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رآهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج ~~فأمر بلالا، فأذن وأقام، فصلى، ثم خطب، فقال: {ياأيها الناس اتقوا ربكم ~~الذي خلقكم من نفس واحدة} [النساء: 1]. . . . . والآية التي في سورة الحشر: ~~{اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد} [الحشر: 18]». # " وبعد: تصدق رجل; من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع ~~تمره " حتى قال: " ولو بشق تمرة ". # قال: «فجاءه رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت. قال: ~~ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # من سن في الإسلام سنة حسنة; فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ~~ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة; كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من ~~غير أن ينقص من أوزارهم شيء». # فتأملوا أين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «من سن سنة حسنة» "، و ~~" «من سن سنة سيئة» "، تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر ~~عليه، حتى بتلك الصرة، فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، # PageV01P234 # فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال: «من سن في الإسلام سنة ~~حسنة. .». . . الحديث، فدل على أن السنة هاهنا مثل ما فعل ذلك ms126 الصحابي، وهو ~~العمل بما ثبت كونه سنة، وأن الحديث مطابق لقوله في الحديث الآخر: «من أحيا ~~سنة من سنتي قد أميتت بعدي» الحديث إلى قوله «ومن ابتدع بدعة ضلالة»، فجعل ~~مقابل تلك السنة الابتداع، فظهر أن السنة الحسنة ليست بمبتدعة، وكذلك قوله: ~~«ومن أحيا سنتي فقد أحبني.» # ووجه ذلك في الحديث الأول ظاهر; لأنه صلى الله عليه وسلم لما مضى على ~~الصدقة أولا ثم جاء ذلك الأنصاري بما جاء به فانثال بعده العطاء إلى ~~الكفاية، فكأنها كانت سنة أيقظها رضي الله تعالى عنه بفعله، فليس معناه: من ~~اخترع سنة وابتدعها ولم تكن ثابتة. # ونحو (هذا) الحديث في " رقائق ابن المبارك " مما يوضح معناه عن حذيفة: # قال: «قام سائل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل، فسكت القوم، ~~ثم إن رجلا أعطاه، فأعطاه القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ~~استن خيرا فاستن به; فله أجره ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا، ~~ومن استن شرا فاستن به; فعليه وزره ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من ~~أوزارهم شيئا.» # PageV01P235 # فإذا; قوله: «من سن سنة» ; معناه: من عمل بسنة، لا من اخترع سنة. # والوجه الثاني من وجهي الجواب: # أن قوله: من سن سنة حسنة، ومن سن سنة سيئة ; لا يمكن حمله على الاختراع ~~من أصل; لأن كونها حسنة أو سيئة لا يعرف إلا من جهة الشرع; لأن التحسين ~~والتقبيح مختص بالشرع لا مدخل للعقل فيه، وهو مذهب جماعة أهل السنة، وإنما ~~يقول به المبتدعة أعني: التحسين والتقبيح بالعقل فلزم أن تكون السنة في ~~الحديث إما حسنة في الشرع وإما قبيحة بالشرع، فلا يصدق إلا على مثل الصدقة ~~المذكورة وما أشبهها من السنن المشروعة، وتبقى السنة السيئة منزلة على ~~المعاصي التي ثبت بالشرع كونها معاصي; كالقتل المنبه عليه في حديث ابن آدم، ~~حيث قال عليه السلام: لأنه أول من سن القتل، وعلى البدع; لأنه قد ثبت ذمها ~~والنهي عنها بالشرع; كما تقدم. # وأما قوله: «من ابتدع بدعة ms127 ضلالة»، فهو على ظاهره; لأن سبب الحديث لم ~~يقيده بشيء، فلا بد من حمله على ظاهر اللفظ; كالعمومات المبتدأة التي لم ~~تثبت لها أسباب. # ويصح أن يحمل على نحو ذلك قوله: ومن سن سنة سيئة ; أي: من اخترعها، وشمل ~~ما كان منها مخترعا ابتداء من المعاصي; كالقتل من أحد ابني آدم، وما كان ~~مخترعا بحكم الحال، إذ كانت قبل مهملة متناساة، فأثارها عمل هذا العامل. # PageV01P236 # فقد عاد الحديث والحمد لله حجة على أهل البدع من جهة لفظه، وشرح الأحاديث ~~الأخر له. # وإنما يبقى النظر في قوله: ومن ابتدع بدعة ضلالة، وأن تقييد البدعة ~~بالضلالة يفيد مفهوما، والأمر فيه قريب; لأن الإضافة فيه لم تفد مفهوما; ~~وإن قلنا بالمفهوم على رأي طائفة من أهل الأصول; فإن الدليل دل على تعطيله ~~في هذا الموضع; كما دل دليل تحريم الربا قليله وكثيره على تعطيل المفهوم في ~~قول الله تعالى: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} [آل عمران: 130]، ولأن ~~الضلالة لازمة للبدعة بإطلاق، بالأدلة المتقدمة، فلا مفهوم أيضا. # والجواب عن الإشكال الثاني: أن جميع ما ذكر فيه من قبيل المصالح المرسلة، ~~لا من قبيل البدعة المحدثة، والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها السلف الصالح ~~من الصحابة ومن بعدهم، فهي من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل الأصول، وإن ~~كان فيها خلاف بينهم، ولكن لا يعد ذلك قدحا على ما نحن فيه. # أما جمع المصحف وقصر الناس عليه ; فهو على الحقيقة من هذا الباب، إذ أنزل ~~القرآن على سبعة أحرف، كلها شاف كاف; تسهيلا على العرب المختلفات اللغات، ~~فكانت المصلحة في ذلك ظاهرة. # إلا أنه عرض في إباحة ذلك بعد زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح ~~لباب الاختلاف في القرآن، حيث اختلفوا في القراءة حسبما يأتي بحول الله # PageV01P237 # تعالى، فخاف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم اختلاف الأمة في ينبوع ~~الملة، فقصروا الناس على ما ثبت منها في مصاحف عثمان رضي الله عنه، واطرحوا ~~ما سوى ذلك، علما بأن ما اطرحوه مضمن فيما أثبتوه، لأنه من قبيل ms128 القراءات ~~التي يؤدى بها القرآن. # ثم ضبطوا ذلك بالرواية حين فسدت الألسنة، ودخل في الإسلام أهل العجمة; ~~خوفا من فتح باب آخر من الفساد، وهو أن يدخل أهل الإلحاد في القرآن أو في ~~القراءات ما ليس منها، فيستعينوا بذلك في بث إلحادهم، ألا ترى أنه لما لم ~~يمكنهم الدخول من هذا الباب; دخلوا من جهة التأويل والدعوى في معاني القرآن ~~حسبما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى؟ # فحق ما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن له أصلا يشهد له في ~~الجملة، وهو الأمر بتبليغ الشريعة، وذلك لا خلاف فيه; لقوله تعالى: {ياأيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} [المائدة: 67]، وأمته مثله، وفي الحديث: # «ليبلغ الشاهد منكم الغائب»، وأشباهه. # والتبليغ كما لا يتقيد بكيفية معلومة; لأنه من قبيل المعقول المعنى، فيصح ~~بأي شيء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة وغيرها، وكذلك لا يتقيد حفظه عن ~~التحريف والزيغ بكيفية دون أخرى، إذا لم يعد على الأصل [ب] الإبطال; كمسألة ~~المصحف، ولذلك أجمع عليه السلف الصالح. # PageV01P238 # وأما ما سوى المصحف; فالأمر فيه أسهل، فقد ثبت في السنة كتابة العلم: # ففي الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه». # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه قال: " ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أكثر حديثا مني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عبد ~~الله بن عمرو; فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب ". # وذكر أهل السير أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب يكتبون له ~~الوحي وغيره; منهم: عثمان، وعلي، ومعاوية، والمغيرة بن شعبة، وأبي بن كعب، ~~وزيد بن ثابت، وغيرهم. # وأيضا; فإن الكتابة من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به إذا تعين لضعف الحفظ ~~وخوف اندراس العلم، كما خيف دروسه حينئذ، وهو الذي نبه عليه اللخمي فيما ~~تقدم. # وإنما كره المتقدمون كتب العلم لأمر آخر لا لكونه بدعة، فكل من سمى كتب ~~العلم بدعة; فإما متجوز، وإما غير عارف بموضع لفظ ms129 البدعة، فلا يصح ~~الاستدلال بهذه الأشياء على صحة العمل بالبدع. # وإن تعلق [وا] بما ورد من الخلاف في المصالح المرسلة، وأن البناء عليها ~~(غير) صحيح عند جماعة من الأصوليين; فالحجة عليهم إجماع الصحابة على المصحف ~~والرجوع إليه، وإذا ثبت اعتبارها في صورة; ثبت # PageV01P239 # اعتبارها مطلقا، ولا يبقى بين المختلفين نزاع إلا في الفروع. # وفي الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين; تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات ~~الأمور». # فأعطى الحديث كما ترى أن ما سنه الخلفاء الراشدون لاحق بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم; لأن ما سنوه لا يعدو أحد أمرين: إما أن يكون مقصودا ~~بدليل شرعي; فذلك سنة لا بدعة، وإما بغير دليل ومعاذ الله من ذلك ولكن هذا ~~الحديث دليل على إثباته سنة، إذ قد أثبته كذلك صاحب الشريعة، فدليلهم من ~~الشرع ثابت، فليس ببدعة، ولذلك أردف اتباعهم بالنهي عن البدع بإطلاق، ولو ~~كان عملهم ذلك بدعة; لوقع في الحديث التدافع. # وبذلك يجاب عن مسألة قتل الجماعة بالواحد; لأنه منقول عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، وهو أحد الخلفاء الراشدين. # (وتضمين الصناع)، وهو منقول عن الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم. # وأما ما يروى عن عمر بن عبد العزيز ; فلم أره ثابتا من طريق صحيح، وإن ~~سلم; فراجع إما لأصل المصالح المرسلة إن لم نقل: إن أصله قصة البقرة وإن ~~ثبت أن المصالح المرسلة مقول بها عند السلف مع أن القائلين بها يذمون البدع ~~وأهلها ويتبرؤن منهم; دل على أن البدع # PageV01P240 # مباينة لها، وليست منها في شيء، ولهذه المسألة باب تذكر فيه بعد إن شاء ~~الله. ### | [فصل الرد على زعمهم أن البدعة تنقسم خمسة أقسام] # ومما يورد في هذا الموضع: # أن العلماء قسموا البدع بأقسام أحكام الشريعة الخمسة، ولم يعدوها قسما ~~واحدا مذموما، فجعلوا منها ما هو واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم. # وبسط ذلك القرافي بسطا شافيا وأصل ما أتى به من ذلك شيخه عز الدين بن عبد ~~السلام، وها أنا ms130 آتي به على نصه، فقال: # " اعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع، نص على ذلك ابن أبي ~~زيد وغيره، والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام: # قسم واجب: وهو ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع; كتدوين القرآن ~~والشرائع إذا خيف عليها الضياع، فإن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب ~~إجماعا، وإهمال ذلك حرام إجماعا، فمثل هذا النوع لا ينبغي أن يختلف في ~~وجوبه. # القسم الثاني المحرم: وهو كل بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من ~~الشريعة، كالمكوس، والمحدثات من المظالم، والمحدثات المنافية لقواعد ~~الشريعة; كتقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشرعية من لا يصلح ~~بطريق التوريث، وجعل المستند في ذلك كون المنصب كان لأبيه، وهو في نفسه ليس ~~بأهل. # PageV01P241 # القسم الثالث أن من البدع ما هو مندوب إليه: وهو ما تناولته قواعد الندب ~~وأدلته; كصلاة التراويح، ولإقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور على خلاف ~~ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم; بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية ~~لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان الناس في زمن الصحابة رضي ~~الله عنهم معظم تعظيمهم إنما هو بالدين وسبق الهجرة، ثم اختل النظام، وذهب ~~ذلك القرن، وجد قرن آخر لا يعظمون إلا بالصور، فتعين تفخيم الصور حتى تحصل ~~المصالح. # وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأكل خبز الشعير والملح، ويفرض ~~لعامله نصف شاة كل يوم; لعلمه بأن الحالة التي هو عليها دون غيره لو عملها ~~غيره لهان في نفوس الناس ولم يحترموه، وتجاسروا عليه بالمخالفة، فاحتاج إلى ~~أن يضع غيره في صورة أخرى تحفظ النظام. # ولذلك لما قدم الشام; وجد معاوية بن أبي سفيان قد اتخذ الحجاب، واتخذ ~~المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية، وسلك ما سلكه الملوك، فسأله عن ~~ذلك؟ فقال: " إنا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا ". فقال له: " لا آمرك ولا ~~أنهاك "، ومعناه: أنت أعلم بحالك: هل أنت محتاج إلى هذا فيكون، أو غير ~~محتاج إليه؟ # فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف ms131 باختلاف ~~الأمصار والقرون وأحوال أهلها، فكذلك يحتاج إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن ~~قديمة، وربما وجبت في بعض الأحوال. # PageV01P242 # القسم الرابع: بدعة مكروهة: وهي ما تناولته أدلة الكراهة من الشريعة ~~وقواعدها; كتخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة. # ولذلك ورد في الصحيح [شاهد] خرجه مسلم وغيره: «أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام، أو ليلة بقيام.» # ومن هذا الباب الزيادة في المندوبات المحدودات; كما ورد في التسبيح عقب ~~الفريضة ثلاثا وثلاثين، فتفعل مائة، وورد صاع في زكاة الفطر، فيجعل - عشرة ~~أصوع ; بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع، وقلة أدب معه، بل ~~شأن العظماء إذا حددوا شيئا; وقف عنده وعد الخروج عنه قلة أدب. # والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع; لأنه يؤدي إلى أن يعتقد أن ~~الواجب هو الأصل والمزيد عليه. # ولذلك نهى مالك رضي الله عنه عن إيصال ستة أيام من شوال; لئلا يعتقد أنها ~~من رمضان. # وخرج أبو داود في " مسنده ": أن رجلا دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فصلى الفرض، وقام ليصلي ركعتين، «فقال له عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك، فهكذا من قبلنا. فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أصاب الله بك يا ابن الخطاب ; يريد عمر: إن من قبلنا ~~وصلوا النوافل بالفرائض، واعتقدوا الجميع واجبا، وذلك تغيير # PageV01P243 # للشرائع، وهو حرام إجماعا». # القسم الخامس: البدع المباحة: وهي ما تناولته أدلة الإباحة وقواعدها من ~~الشريعة، كاتخاذ المناخل للدقيق، ففي الآثار: أول شيء أحدثه الناس بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اتخاذ المناخل ; لأن تليين العيش وإصلاحه من ~~المباحات، فوسائله مباحة. # فالبدعة إذا عرضت تعرض على قواعد الشرع وأدلته، فأي شيء تناولها من ~~الأدلة والقواعد ألحقت به، من إيجاب أو تحريم أو غيرها، وإن نظر إليها من ~~حيث الجملة بالنظر إلى كونها بدعة مع قطع النظر فيما يتقاضاها; كرهت; فإن ~~الخير كله في الاتباع، والشر كله في ms132 الابتداع انتهى ما ذكره القرافي. # وذكر شيخه في " قواعده " في فصل البدع منها بعدما قسم أحكامها إلى ~~الخمسة: أن الطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن ~~دخلت في قواعد الإيجاب; فهي واجبة. . . . . . . # إلى أن قال: " وللبدع الواجبة أمثلة: # (أحدها): الاشتغال [ب] الذي يفهم به كلام الله تعالى وكلام رسوله، وذلك ~~واجب; لأن حفظ الشريعة واجب. # (والثاني): حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة. # (والثالث): تدوين أصول الفقه. # (والرابع): الكلام في الجرح والتعديل لتمييز الصحيح من السقيم. # PageV01P244 # ثم قال: " وللبدع المحرمة أمثال: (منها): مذهب القدرية ومذهب الجبرية ~~والمرجئة والمجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة. # قال: وللمندوب أمثلة: (منها:) إحداث الربط والمدارس وبناء القناطر، ~~(ومنها:) كل إحسان لم يعهد في الصدر الأول، (ومنها) الكلام في دقائق التصوف ~~والكلام في الجدل. (ومنها) جمع المحافل، للاستدلال في المسائل، إن قصد بذلك ~~وجهه تعالى. # قال: وللمكروهة؛ أمثلة: (ومنها:) زخرفة المساجد، وتزويق المصاحف، وأما ~~تلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي فالأصح أنه من البدع ~~المحرمة. # قال: " وللبدع المباحة أمثلة: (ومنها:) المصافحة عقب صلاة الصبح والعصر، ~~(ومنها:) التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب والملابس والمساكن ولبس ~~الطيالسة وتوسيع الأكمام، وقد اختلف في بعض ذلك، فجعله بعض العلماء من ~~البدع المكروهة، وجعله آخرون من السنن المفعولة على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فما بعده; كالاستعاذة والبسملة في الصلاة "، انتهى محصول ما قال. # وهو يصرح مع ما قبله بأن البدع تنقسم بأقسام الشريعة، فلا يصح أن تحمل ~~أدلة ذم البدع على العموم، بل لها مخصصات. # PageV01P245 # والجواب: # أن هذا التقسيم أمر مخترع، لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو نفسه متدافع; ~~لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي; لا من نصوص الشرع، ولا من ~~قواعده. # إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة; لما كان ثم ~~بدعة، ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، ~~فالجمع بين [كون] تلك الأشياء ms133 بدعا، وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ~~ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين. # أما المكروه منها والمحرم; فمسلم من جهة كونها بدعا لا من جهة أخرى، إذ ~~لو دل دليل على منع أمر أو كراهته; لم يثبت بذلك كونه بدعة; لإمكان أن يكون ~~معصية; كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم ~~ألبتة، إلا الكراهية والتحريم حسبما يذكر في بابه. # فما ذكر القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح، وما قسمه ~~فيها غير صحيح. # ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزمه في ~~خرق الإجماع. # وكأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخه من غير تأمل; فإن كلام ابن عبد ~~السلام ظاهر منه أنه سمى المصالح المرسلة بدعا; بناء والله أعلم على أنها ~~لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة، وإن كانت تلائم قواعد # PageV01P246 # الشرع فمن هنالك جعل القواعد هي الدالة على استحسانها بتسمية لها بلفظ " ~~البدع "، وهو من حيث فقدان الدليل المعين على المسألة واستحسانها من حيث ~~دخولها تحت القواعد، ولما بنى على اعتماد تلك القواعد; استوت عنده مع ~~الأعمال الداخلة تحت النصوص المعينة، وصار من القائلين بالمصالح المرسلة، ~~وسماها بدعا في اللفظ; كما سمى عمر رضي الله عنه الجمع في قيام رمضان في ~~المسجد بدعة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # أما القرافي; فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه، ولا على ~~مراد الناس; لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم، فصار مخالفا للإجماع. # ثم نقول: # أما قسم الواجب; فقد تقدم ما فيه آنفا، فلا نعيده. # وأما قسم التحريم; فليس فيه ما هو بدعة هكذا بإطلاق، بل ذلك كله مخالفة ~~للأمر المشروع، فلا يزيد على تحريم أكل المال بالباطل إلا من جهة كونه ~~موضوعا على ميزان الأحكام الشرعية اللازمة; كالزكوات المفروضة، والنفقات ~~المقدرة، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد تقدم في الباب ~~الأول منه طرف. # فإذا; لا يصح أن يطلق القول في هذا القسم ms134 بأنه بدعة أن يقسم الأمر كذلك. # وأما قسم المندوب; فليس من البدع بحال: # PageV01P247 # وتبين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثل لها بصلاة التراويح في رمضان جماعة ~~في المسجد، فقد قام بها النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، واجتمع الناس ~~خلفه. # فخرج أبو داود عن أبي ذر ; قال: «صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رمضان، فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث ~~الليل، فلما كانت السادسة; لم يقم بنا; فلما كانت الخامسة; قام بنا حتى ذهب ~~شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة؟ قال: فقال: " ~~إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة "، قال: فلما كانت ~~الرابعة; لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى ~~خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور». ثم لم يقم ~~بنا بقية الشهر. # ونحوه في الترمذي، وقال فيه حسن صحيح. # لكنه عليه السلام لما خاف افتراضه على الأمة; أمسك عن ذلك، ففي الصحيح عن ~~عائشة رضي الله عنها: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ~~ليلة، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا الليلة ~~الثالثة أو الرابعة; فلم يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح; ~~قال: " قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إلا أني # PageV01P248 # خشيت أن يفرض عليكم»، وذلك في رمضان. # وخرجه مالك في الموطأ. # فتأملوا; ففي هذا الحديث ما يدل على كونها سنة; فإن قيامه أولا بهم دليل ~~على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان، وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية ~~الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقا; لأن زمانه كان زمان وحي وتشريع، فيمكن ~~أن يوحى إليه إذا عمل به الناس بالإلزام، فلما زالت علة التشريع بموت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم; رجع الأمر إلى أصله، وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له. # وإنما لم يقم ذلك أبو ms135 بكر رضي الله عنه لأحد أمرين: إما لأنه رأى أن قيام ~~الناس آخر الليل وما هم به عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول ~~الليل، ذكره الطرطوشي، وإما لضيق زمانه رضي الله عنه عن النظر في هذه ~~الفروع، مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو آكد من صلاة التراويح. # فلما تمهد الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه، ورأى الناس في المسجد أوزاعا ~~كما جاء في الخبر قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل، فلما تم له ~~ذلك; نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل. # ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره، والأمة لا تجتمع على ضلالة. # PageV01P249 # وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي. # فإن قيل: فقد سماها عمر رضي الله عنه بدعة وحسنها بقوله: نعمت البدعة ~~هذه، وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع; ثبت مطلق الاستحسان في البدع. # فالجواب: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال; من حيث تركها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر رضي الله عنه، لا أنها ~~بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار; فلا مشاحة في الأسامي، وعند ~~ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه; لأنه ~~نوع من تحريف الكلم عن مواضعه: # فقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «إن كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به; خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم» ~~". # وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال; رحمة بالأمة; وقال: «إني ~~لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»، وواصل الناس بعده; لعلمهم ~~بوجه علة النهي حسبما يأتي إن شاء الله تعالى. # وذكر القرافي من جملة الأمثلة إقامة صور الأئمة والقضاة. . . . إلخ ما ~~قال، وليس ذلك من قبيل البدع بسبيل: # أما أولا; فإن التجمل بالنسبة إلى ذوي الهيئات والمناصب الرفيعة مطلوب، ~~وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم حلة يتجمل ms136 بها للوفود، ومن العلة في ذلك ~~ما قاله القرافي من أن ذلك أهيب وأوقع في النفوس التعظيم في الصدور، # PageV01P250 # ومثله التجمل للقاء العظماء; كما جاء في حديث أشج عبد القيس. # وأما ثانيا; فإن سلمنا أن لا دليل عليه بخصوصه; فهو من قبيل المصالح ~~المرسلة، وقد مر أنها ثابتة في الشرع. # وما قاله من أن عمر كان يأكل خبز الشعير ويفرض لعامله نصف شاة; فليس فيه ~~تفخيم صورة الإمام ولا عدمه، بل فرض له ما يحتاج إليه خاصة، وإلا فنصف شاة ~~لبعض العمال قد لا يكفيه; لكثرة عيال، وطروق ضيف، وسائر ما يحتاج إليه من ~~لباس وركوب وغيرهما، فذلك قريب من أكل الشعير في المعنى. # وأيضا; فإن ما يرجع إلى المأكول والمشروب لا تجمل فيه بالنسبة إلى الظهور ~~للناس. # وقوله: " فكذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديمة، وربما ~~وجبت في بعض الأحوال " ; مفتقر إلى التأمل، ففيه على الجملة أنه مناقض ~~لقوله في آخر الفصل: " الخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع "، مع ~~ما ذكره قبله. # فهذا كلام يقتضي أن الابتداع شر كله، فلا يمكن أن يجتمع مع فرض الوجوب، ~~وهو قد ذكر أن البدعة قد تجب، وإذا وجبت; لزم العمل بها، وهي لما فاتت ضمن ~~الشر كله; فقد اجتمع فيها الأمر بها والأمر بتركها، ولا يمكن فيهما ~~الانفكاك وإن كانا من جهتين ; لأن الوقوع يستلزم الاجتماع، وليسا كالصلاة ~~في الدار المغصوبة; لأن الانفكاك في # PageV01P251 # الوقوع ممكن، وهاهنا إذا وجبت فإنما تجب على الخصوص، وقد فرض أن الشر ~~فيها على الخصوص; فلزم التناقض، وأما على التفصيل; فإن تجديد الزخارف فيه ~~من الخطأ ما لا يخفى. # وأما السياسات; فإن كانت جارية على مقتضى الدليل الشرعي; فليست ببدع، وإن ~~خرجت عن ذلك; فكيف يندب إليها؟ وهي مسألة النزاع. # وذكر في قسم المكروه أشياء هي من قبيل البدع في الجملة، ولا كلام فيها، ~~أو من قبيل الاحتياط على العبادات المحضة أن لا يزاد فيها ولا ينقص منها، ~~وذلك صحيح; لأن الزيادة فيها ms137 والنقصان منها بدع منكرة، فحالتها وذرائعها ~~يحتاط بها في جانب النهي. # وذكر في قسم المباح مسألة المناخل، وليست في الحقيقة من البدع، بل هي من ~~باب التنعم، ولا يقال فيمن تنعم بمباح: إنه قد ابتدع، وإنما يرجع ذلك إذا ~~اعتبر إلى جهة الإسراف في المأكول; لأن الإسراف كما يكون في جهة الكمية، ~~كذلك يكون في جهة الكيفية، فالمناخل لا تعدو القسمين، فإن كان الإسراف من ~~ماله، فإن كره، وإلا اغتفر، مع أن الأصل الجواز. # ومما يحكيه أهل التذكير من الآثار أن أول ما أحدث الناس أربعة أشياء: ~~المناخل، والشبع، وغسل اليدين بالأشنان بعد الطعام، والأكل على الموائد. # وهذا كله إن ثبت نقلا ليس ببدعة، وإنما يرجع إلى أمر آخر # PageV01P252 # وإن سلم أنه بدعة؛ فلا نسلم أنها مباحة، بل هي ضلالة، ومنهي عنها، ولكنا ~~نقول بذلك. ### | [فصل الرد على ما قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام في تقسيم البدعة] # فصل # وأما ما قاله عز الدين؛ فالكلام فيه على ما تقدم: # فأمثلة الواجب منها من قبل ما لا يتم الواجب إلا به كما قال فلا يشترط أن ~~يكون معمولا به في السلف، ولا أن يكون له أصل في الشريعة على الخصوص. # ولأنه من باب المصالح المرسلة لا من البدع. # أما هذا الثاني فقد تقدم. # وأما الأول؛ لو كان ثم من يسير إلى فريضة الحج طيرانا في الهواء، أو مشيا ~~على الماء؛ لم يعد مبتدعا بمشيه كذلك؛ لأن المقصود إنما هو التوصل إلى مكة ~~لأداء الفرض، وقد حصل على الكمال، فكذلك هذا. # على أن هذه أشياء قد ذمها بعض من تقدم من المصنفين في طريقة التصوف، ~~وعدها من جملة ما ابتدع الناس، وذلك غير صحيح، ويكفي في رده إجماع الناس ~~قبله على خلاف ما قال. # على أنه نقل عن القاسم بن مخيمرة: أنه ذكرت العربية، فقال: " أولها كبر، ~~وآخرها بغي ". # وحكي أن بعض السلف قال: " النحو يذهب الخشوع من القلب، # PageV01P253 # (و) من أراد أن يزدري الناس كلهم؛ فلينظر في النحو ". # ونقل نحوا ms138 من هذه. # وهذه كلها لا دليل فيها على الذم؛ لأنه لم يذم النحو من حيث هو بدعة، بل ~~من حيث ما يكتسب به أمر زائد؛ كما يذم سائر علماء السوء؛ لا لأجل علومهم، ~~بل لأجل ما يحدث لهم بالعرض من الكبر به والعجب وغيرهما، ولا يلزم من ذلك ~~كون العلم بدعة. # فتسمية العلوم التي يكتسب بها أمر مذموم بدعا إما على المجاز المحض من ~~حيث لم يحتج إليها أولا ثم احتيج بعد، أو من عدم المعرفة بموضوع البدعة، إذ ~~من العلوم الشرعية ما يداخل صاحبها الكبر والزهو وغيرهما، ولا يعود ذلك ~~عليها بذم. # ومما حكى بعض هذه المتصوفة عن بعض علماء الخلف قال: " العلوم تسعة، أربعة ~~منها سنة معروفة من الصحابة والتابعين، وخمسة محدثة لم تكن تعرف فيما سلف، ~~فأما الأربعة المعروفة: فعلم الإيمان، وعلم القرآن، وعلم الآثار، والفتاوى، ~~وأما الخمسة المحدثة: فالنحو، والعروض، وعلم المقاييس، والجدل في الفقه، ~~وعلم المعقول بالنظر ". انتهى. # وهذا إن صح نقله فليس أولا كما قال؛ فإن أهل العربية يحكون عن أبي الأسود ~~الدؤلي: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي أشار عليه بوضع شيء في ~~النحو حين سمع أعرابيا قارئا يقرأ: أن الله بريء من المشركين ورسوله ؛ ~~بالجر. # PageV01P254 # وقد روي عن ابن مليكة: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن لا يقرأ ~~القرآن إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود، فوضع النحو. # والعروض من جنس النحو. # وإذا كانت الإشارة من واحد من الخلفاء الراشدين؛ صار النحو والنظر في ~~الكلام العربي من سنة الخلفاء الراشدين، وإن سلم أنه ليس كذلك؛ فقاعدة ~~المصالح تعم علوم العربية، (أي: تكون من) قبيل المشروع، فهي من جنس كتب ~~المصحف وتدوين الشرائع. # وما ذكر عن القاسم بن مخيمرة قد رجع عنه؛ فإن أحمد بن يحيى ثعلبا، قال: " ~~كان أحد الأئمة في الدين يعيب النحو، ويقول: أول تعلمه شغل، وآخره بغي، ~~يزدرى به الناس، فقرأ يوما: إنما يخشى الله من عباده العلماء؛ (برفع الله ~~ونصب العلماء) فقيل ms139 له: كفرت من حيث لا تعلم تجعل الله يخشى العلماء؟ فقال: ~~لا طعنت عن علم يؤول إلى معرفة هذا أبدا. # قال عثمان بن سعيد الداني: " الإمام الذي ذكره أحمد بن يحيى هو القاسم بن ~~مخيمرة ". # قال: " وقد جرى لعبد الله بن أبي إسحاق مع محمد بن سيرين كلام، وكان ابن ~~سيرين ينتقص النحويين، فاجتمعا في جنازة، فقرأ ابن سيرين إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء؛ برفع اسم الله، فقال له # PageV01P255 # ابن أبي إسحاق: كفرت يا أبا بكر تعيب على هؤلاء الذين يقيمون كتاب الله؟ ~~فقال ابن سيرين: إن كنت أخطأت؛ فأستغفر الله ". # وأما علم المقاييس فأصله في السنة، ثم في علم السلف بالقياس، ثم قد جاء ~~في ذم القياس أشياء حملوها على القياس الفاسد، وهو القياس على غير أصل، وهو ~~عمدة كل مبتدع. # - وأما الجدل في الفقه؛ فذلك من قبيل النظر في الأدلة، وقد كان السلف ~~الصالح يجتمعون للنظر في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها للتعاون على ~~استخراج الحق، فهو من قبيل التعاون على البر والتقوى، ومن قبيل المشاورة ~~المأمور بها، فكلاهما مأمور به. # - وأما علم المعقول بالنظر؛ فأصل ذلك في الكتاب والسنة؛ لأن الله تعالى ~~احتج في القرآن على المخالفين لدينه بالأدلة العقلية؛ كقوله: {لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]، وقوله: {هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء} [الروم: 40]، وقوله: {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك ~~في السماوات} [فاطر: 40] # وحكى عن إبراهيم عليه السلام محاجته للكفار بقوله: {فلما جن عليه الليل ~~رأى كوكبا قال هذا ربي} [الأنعام: 76] إلخ. # PageV01P256 # وفي الحديث حين ذكرت العدوى: «فمن أعدى الأول؟ ".» # إلى غير ذلك من الأدلة. # فكيف يقال: إنه من البدع؟ # - وقول عز الدين: " إن الرد على القدرية وكذا (غيرهم) من أهل البدع من ~~البدع الواجبة "، غير جار على الطريق الواضح، ولو سلم؛ فهو من المصالح ~~المرسلة. # وأما أمثلة البدع المحرمة؛ فظاهرة. # وأما أمثلة المندوبة؛ فذكر منها إحداث الربط والمدارس: # - فإن عنى بالربط ما بني من الحصون ms140 والقصور قصدا للرباط فيها؛ فلا شك أن ~~ذلك مشروع بشرعية الرباط ولا بدعة فيه. # وإن عنى بالربط ما بني لالتزام سكناها قصد الانقطاع إلى العبادة؛ فإن ~~إحداث الربط التي شأنها أن تبنى تدينا للمنقطعين للعبادة - في زعم المحدثين ~~- ويوقف عليها أوقاف يجري منها على الملازمين لها ما يقوم بهم في معاشهم من ~~طعام أو لباس وغيرهما؛ لا يخلو أن يكون لها أصل في الشريعة أم لا، فإن لم ~~يكن أصل؛ دخلت في الحكم تحت قاعدة البدع التي هي ضلالات؛ فضلا عن أن تكون ~~مباحة؛ فضلا عن أن تكون مندوبا إليها، وإن كان لها أصل؛ فليس ببدعة، ~~فإدخالها تحت جنس البدع غير صحيح. # PageV01P257 # ثم إن كثيرا ممن تكلم على هذه المسألة من المصنفين في التصوف تعلقوا ~~بالصفة التي كانت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع فيها فقراء ~~المهاجرين، وهم الذين نزل فيهم: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه} [الأنعام: 52] الآية، وقوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي} [الكهف: 28] الآية، فوصفهم (الله) بالتعبد ~~والانقطاع إلى الله بدعائه قصدا لله خالصا، فدل على أنهم انقطعوا لعبادة ~~الله، لا يشغلهم عن ذلك شاغل، فنحن إنما صنعنا صفة مثلها أو تقاربها، يجتمع ~~فيها من أراد أن ينقطع إلى الله ويلتزم العبادة، ويتجرد عن الدنيا والشغل ~~بها، وذلك كان شأن الأولياء أن ينقطعوا عن الناس، ويشتغلوا بإصلاح بواطنهم، ~~ويولوا وجوههم شطر الحق، فهم على سيرة من تقدم. # وإنما يسمى ذلك بدعة باعتبار ما، بل هي سنة، وأهلها متبعون للسنة، فهي ~~طريقة خاصة لأناس، ولذلك لما قيل لبعضهم: في كم تجب الزكاة؟ قال: على ~~مذهبنا أم على مذهبكم؟ ثم قال: أما على مذهبنا؛ فالكل لله، وأما على ~~مذهبكم؛ فكذا وكذا، أو كما قال. # وهذا كله من الأمور التي جرت عند كثير من الناس هكذا؛ غير محققة، ولا ~~منزلة على الدليل الشرعي، ولا على أحوال الصحابة والتابعين. # ولا بد من بسط طرف من الكلام في هذه المسألة - بحول الله ms141 - حتى يتبين ~~الحق فيها لمن أنصف ولم يغالط نفسه، وبالله التوفيق. # PageV01P258 # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة؛ كانت الهجرة ~~واجبة على كل مؤمن بالله ممن كان بمكة أو غيرها، فكان منهم من احتال على ~~نفسه، فهاجر بماله أو شيء منه، فاستعان به لما قدم المدينة في حرفته التي ~~كان يحترف من تجارة أو غيرها - كأبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ فإنه هاجر ~~بجميع ماله، وكان خمسة آلاف -، ومنهم من فر بنفسه، ولم يقدر على استخلاص ~~شيء من ماله، فقدم المدينة صفر اليدين. # وكان الغالب على أهل المدينة العمل في حوائطهم وأموالهم بأنفسهم، فلم يكن ~~لغيرهم معهم كبير فضل في العمل. # وكان من المهاجرين من أشركهم الأنصار في أموالهم، وهم الأكثرون؛ بدليل ~~قصة بني النضير؛ فإن ابن عباس رضي الله عنه؛ قال: # «لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير؛ قال للأنصار: " إن ~~شئتم قسمتها بين المهاجرين وتركتم نصيبكم فيها وخلى المهاجرون بينكم وبين ~~دوركم وأموالكم؛ فإنهم عيال عليكم "، فقالوا: نعم، ففعل ذلك نبي الله صلى ~~الله عليه وسلم؛ غير أنه أعطى أبا دجانة» وسهل بن حنيف، وذكر أنهم فقراء. # وقد قال المهاجرون أيضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم! يا رسول الله! ما ~~رأينا قوما أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل؛ من قوم نزلنا بين ~~أظهرهم - يعني: الأنصار -؛ لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد ~~خفنا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا؛ ما دعوتم ~~الله لهم وأثنيتم عليهم». # PageV01P259 # (ومنهم) من كان يلتقط نوى التمر، فيرضها، ويبيعها علفا للإبل، ويتقوت من ~~ذلك الوجه. # (ومنهم) من لم يجد وجها يكتسب به لقوت ولا لسكنى، فجمعهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم في صفة كانت في مسجده، وهي سقيفة كانت من جملته، إليها يأوون، ~~وفيها يقعدون، إذ لم يجدوا مالا ولا أهلا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحض الناس على إعانتهم، والإحسان إليهم. # وقد وصفهم أبو هريرة ms142 رضي الله عنه، إذ كان من جملتهم، وهو أعرف الناس ~~بهم؛ قال في الصحيح: " وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا ~~مال، ولا على أحد، إذا أتته - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - صدقة؛ بعث ~~بها إليهم، ولا يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية؛ أرسل إليهم، وأصاب منها، ~~وأشركهم فيها ". # فوصفهم بأنهم أضياف الإسلام، وحكم لهم - كما ترى - بحكم الأضياف، وإنما ~~وجبت الضيافة في الجملة؛ لأن من نزل بالبادية؛ لا يجد منزلا ولا طعاما ~~لشراء، إذ لم يكن لأهل الوبر أسواق ينال منها ما يحتاج إليه من طعام يشترى، ~~ولا خانات يأوى إليها، فصار الضيف مضطرا وإن كان ذا مال، فوجب على أهل ~~الموضع (ضيافته وإيواؤه) حتى يرتحل، فإن كان لا مال له؛ فذلك أحرى. # فكذلك أهل الصفة لما لم يجدوا منزلا آواهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~المسجد حتى يجدوا، كما أنهم حين لم يجدوا ما يقوتهم ندب النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى إعانتهم. # PageV01P260 # وفيهم نزل قول الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ~~ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] إلى قوله: {للفقراء الذين أحصروا ~~في سبيل الله} [البقرة: 273] الآية. # فوصفهم الله تعالى بأوصاف؛ منها: أنهم أحصروا في سبيل الله؛ أي: منعوا ~~وحبسوا حين قصدوا الجهاد مع نبيه صلى الله عليه وسلم، كأن العذر أحصرهم، ~~فلا يستطيعون ضربا في الأرض؛ لاتخاذ المسكن ولا للمعاش؛ لأن العدو قد كان ~~أحاط بالمدينة، فلا هم يقدرون على الجهاد حتى يكسبوا من غنائمه، ولا هم ~~يتفرغون للتجارة أو غيرها لخوفهم من الكفار ولضعفهم في أول الأمر، فلم ~~يجدوا سبيلا للكسب أصلا. # وقد قيل: إن قوله تعالى: {لا يستطيعون ضربا في الأرض} [البقرة: 273] أنهم ~~قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصاروا زمنى. # وفيهم أيضا نزل قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ~~وأموالهم} [الحشر: 8]. # ألا ترى كيف قال: أخرجوا، ولم يقل: خرجوا من ديارهم وأموالهم؟! فإنه قد ~~كان يحتمل أن يخرجوا اختيارا، ms143 فبان أنهم إنما خرجوا اضطرارا، ولو وجدوا ~~سبيلا (أن) لا يخرجوا؛ لفعلوا؟ ففيه ما يدل على أن الخروج من المال اختيارا ~~ليس بمقصود للشارع، وهو الذي تدل عليه أدلة الشريعة. # PageV01P261 # فلأجل ذلك بوأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفة، فكانوا في أثناء ~~ذلك ما بين طالب للقرآن والسنة - كأبي هريرة؛ فإنه قصر نفسه على ذلك، ألا ~~ترى إلى قوله في الحديث: " وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء ~~بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا؟ -، وكان منهم من يتفرغ إلى ذكر ~~الله وعبادته وقراءة القرآن، فإذا غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ غزا ~~معه، وإذا أقام؛ أقام معه. # حتى فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين، فصاروا إلى ما صار الناس إليه ~~غيرهم ممن كان له أهل ومال من طلب المعاش واتخاذ المسكن؛ لأن العذر الذي ~~حبسهم في الصفة قد زال، فرجعوا إلى الأصل لما زال العارض. # فالذي حصل: أن القعود في الصفة لم يكن مقصودا لنفسه، ولا بناء الصفة ~~للفقراء مقصودا؛ بحيث يقال: إن ذلك مندوب إليه لمن قدر عليه، ولا هي رتبة ~~شرعية تطلب؛ بحيث يقال: إن ترك الاكتساب والخروج عن المال والانقطاع إلى ~~الزوايا يشبه حالة أهل الصفة، وهي الرتبة العليا؛ لأنها تشبه بأهل صفة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذين وصفهم الله تعالى في القرآن بقوله: {ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم} [الأنعام: 52]. . . الآية، وقوله: {واصبر نفسك مع ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} [الكهف: 28] الآية؛ فإن ذلك لم يكن على ~~ما زعم هؤلاء، بل كان على ما تقدم. # PageV01P262 # والدليل على ذلك من العمل أن المقصود بالصفة لم يدم، ولم يثابر أهلها ولا ~~غيرهم على البقاء فيها، ولا عمرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان من ~~قصد الشارع ثبوت تلك الحالة؛ لكانوا هم أحق بفهمها أولا، ثم بإقامتها ~~والمكث فيها عن كل شغل، وأولى بتجديد معاهدها، لكنهم لم يفعلوا ذلك ألبتة. # فالتشبه بأهل الصفة إذا في إقامة ذلك المعنى واتخاذ الزوايا ms144 والربط لا ~~يصح، فليفهم الموفق هذا الموضع؛ فإنه مزلة قدم لمن لم يأخذ دينه عن السلف ~~الأقدمين والعلماء الراسخين. # ولا يظن العاقل أن القعود عن الكسب ولزوم الربط مباح أو مندوب إليه أو ~~أفضل من غيره، إذ ليس ذلك بصحيح، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان ~~عليه أولها. # ويكفي المسكين المغتر بعمل الشيوخ المتأخرين: أن صدور هذه الطائفة - ~~المتسمين بالصوفية - لم يتخذوا رباطا ولا زاوية، ولا بنوا بناء يضاهون به ~~الصفة للاجتماع على التعبد والانقطاع عن أسباب الدنيا؛ كالفضيل بن عياض، ~~وإبراهيم بن أدهم، والجنيد، وإبراهيم الخواص، والحارث المحاسبي، والشبلي. . ~~. وغيرهم ممن سابق في هذا الميدان. # وإنما محصول هؤلاء أنهم خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالفوا ~~السلف الصالح، وخالفوا شيوخ الطريقة التي انتسبوا إليها، ولا توفيق إلا ~~بالله. # - وأما المدارس؛ فلا يتعلق بها أمر تعبدي يقال في مثله: بدعة؛ # PageV01P263 # إلا على فرض أن يكون من السنة أن لا يقرأ العلم إلا بالمساجد، وهذا لا ~~يوجد، بل العلم كان في الزمان الأول يبث بكل مكان؛ من مسجد، أو منزل، أو ~~سفر، أو حضر، أو غير ذلك، حتى في الأسواق، فإذا أعد أحد من الناس مدرسة ~~يعين بإعدادها الطلبة؛ فلا يزيد ذلك على إعدادها لها منزلا من منازله، أو ~~حائطا من حوائطه، أو غير ذلك، فأين مدخل البدعة هاهنا؟! # وإن قيل: إن البدعة في تخصيص ذلك الموضع دون غيره، والتخصيص هاهنا ليس ~~بتخصيص تعبدي، وإنما هو تعيين بالحبس؛ كما تتعين سائر الأموال المحبسة، ~~وتخصيصها ليس ببدعة، فكذلك ما نحن فيه. # بخلاف الربط؛ فإنها خصت تشبيها بالصفة بهما للتعبد، فصارت تعبدية بالقصد ~~والعرف، حتى إن ساكنيها مباينون لغيرهم في النحلة والمذهب والزي والاعتقاد. # - وكذلك ما ذكر من بناء القناطر؛ فإنه راجع إلى إصلاح الطرق، وإزالة ~~المشقة عن سالكيها، وله أصل في شعب الإيمان، وهو إماطة الأذى عن الطريق، ~~فلا يصح أن يعد في البدع بحال. # - وقوله: " وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول " فيه تفصيل، فلا يخلو ~~الإحسان المفروض ms145 أن يفهم من الشريعة أنه مقيد بقيد تعبدي أولا. # فإن كان مقيدا بالتعبد الذي لا يعقل معناه؛ فلا يصح أن يعمل به إلا على ~~ذلك الوجه. # PageV01P264 # وإن كان غير مقيد في أصل التشريع بأمر تعبدي؛ فلا يقال: إنه غير بدعة على ~~أي وجه وقع؛ إلا على أحد ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يخرج أصلا شرعيا مثل الإحسان المتبع بالمن والأذى والصدقة من ~~المديان المضروب على يده، وما أشبه ذلك، (و) يكون إذ ذاك معصية. # والثاني: أن يلتزم على وجه لا يتعدى؛ بحيث يفهم منه الجاهل أنه لا يجوز ~~إلا على ذلك الوجه، فحينئذ يكون الالتزام المشار إليه بدعة مذمومة وضلالة، ~~وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله، فلا تكون إذا مستحبة. # والثالث: أن يجري على رأي من يرى المعقول المعنى وغيره بدعة مذمومة؛ كمن ~~كره تنخيل الدقيق في العقيقة، فلا تكون عنده البدعة مباحة ولا مستحبة. # - وصلاة التراويح تقدم الكلام عليها. # - وأما الكلام في دقائق التصوف؛ فليس ببدعة بإطلاق، ولا هو مما صح ~~بالدليل بإطلاق، بل الأمر ينقسم. # ولفظ التصوف لا بد من شرحه أولا حتى يقع الحكم على أمر مفهوم؛ لأنه أمر ~~مجمل عند هؤلاء المتأخرين، فلنرجع إلى ما قال فيه المتقدمون. # وحاصل ما يرجع إليه لفظ التصوف عندهم معنيان: # أحدهما: التخلق بكل خلق سني، والتجرد عن كل خلق دني. # PageV01P265 # والآخر: أنه الفناء عن نفسه، والبقاء لربه. # وهما في التحقيق إلى معنى واحد؛ إلا أن أحدهما يصلح التعبير به عن ~~البداية والآخر يصلح التعبير به عن النهاية، وكلاهما اتصاف؛ إلا أن الأول ~~لا يلزمه الحال والثاني يلزمه الحال، وقد يعتبر فيهما بلفظ آخر؛ فيكون ~~الأول عملا تكليفيا والثاني نتيجته، ويكون الأول اتصاف الظاهر والثاني ~~اتصاف الباطن، ومجموعهما هو التصوف. # وإذا ثبت هذا؛ فالتصوف بالمعنى الأول لا بدعة في الكلام فيه؛ لأنه إنما ~~يرجع إلى تفقه ينبني عليه: العمل، وتفصيل آفاته وعوارضه، وأوجه تلافي ~~الفساد الواقع فيه بالإصلاح، وهو فقه صحيح، وأصوله في الكتاب والسنة ظاهرة، ~~فلا يقال في مثله: بدعة؛ إلا ms146 إذا أطلق على فروع الفقه التي لم يلف مثلها في ~~السلف الصالح: أنها بدعة؛ كفروع أبواب السلم، والإجارات، والجراح، ومسائل ~~السهو، والرجوع عن الشهادات، وبيوع الآجال. . . . وما أشبه ذلك. # وليس من شأن العلماء إطلاق لفظ البدعة على الفروع المستنبطة التي لم تكن ~~فيما سلف، وإن دقت مسائلها، فكذلك لا يطلق على دقائق فروع الأخلاق الظاهرة ~~والباطنة: أنها بدعة؛ لأن الجميع يرجع إلى أصول شرعية. # وأما بالمعنى الثاني؛ فهو على أضرب: # أحدها: يرجع إلى العوارض الطارئة على السالكين إذا دخل عليهم نور التوحيد ~~الوجداني، فيتكلم فيها بحسب الوقت والحال، وما يحتاج إليه في النازلة ~~الخاصة؛ رجوعا إلى الشيخ المربي، وما بين له في تحقيق # PageV01P266 # مناطها بفراسته الصادقة في السالك بحسبه وبحسب العارض، فيداويه بما يليق ~~به من الوظائف الشرعية والأذكار الشرعية، أو بإصلاح مقصده إن عرض فيه ~~العارض، فقلما يطرأ العارض إلا عند الإخلال ببعض الأصول الشرعية التي بني ~~عليها في بدايته، فقد قالوا: إنما حرموا الوصول بتضييعهم الأصول. # فمثل هذا لا بدعة فيه؛ لرجوعه إلى أصل شرعي: # ففي الصحيح من حديث أبي هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه ناس من ~~أصحابه رضي الله عنهم، فقالوا: يا رسول الله! إنا نجد في أنفسنا الشيء يعظم ~~أن نتكلم به - أو الكلام به - ما نحب أن لنا وأنا تكلمنا به. قال: " أوقد ~~وجدتموه؟ "، قالوا: نعم، قال: " ذلك صريح الإيمان». # وعن ابن عباس؛ قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ~~رسول الله! إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء لأن يكون حممة أحب إليه من أن ~~يتكلم به. قال: " الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة». # وفي حديث آخر: «من وجد من ذلك شيئا؟ فليقل: آمنت بالله ".» # وعن ابن عباس في مثله: «إذا وجدت شيئا من ذلك؛ فقل: هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم». . . إلى أشباه # PageV01P267 # ذلك، وهو صحيح مليح. # والثاني: يرجع إلى النظر في الكرامات، وخوارق العادات، وما يتعلق بها مما ~~هو ms147 خارق في الحقيقة أو غير خارق، وما هو منها يرجع إلى أمر نفسي أو شيطاني، ~~أو ما أشبه ذلك من أحكامها. . . فهذا النظر ليس ببدعة، كما أنه ليس ببدعة ~~النظر في المعجزات وشروطها، والفرق بين النبي والمتنبي، وهو من علم الأصول، ~~فحكمه حكمه. # والثالث: ما يرجع إلى النظر في مدركات النفوس؛ من العالم الغائب، وأحكام ~~التجريد النفسي، والعلوم المتعلقة بعالم الأرواح، وذوات الملائكة ~~والشياطين، والنفوس الإنسانية والحيوانية. . . وما أشبه ذلك. # وهو بلا شك بدعة مذمومة إن وقع النظر فيه والكلام عليه بقصد جعله علما ~~ينظر فيه وفنا يشتغل بتحصيله بتعلم أو رياضة؛ فإنه لم يعهد مثله في السلف ~~الصالح، وهو في الحقيقة نظر فلسفي، إنما يشتغل باستجلابه والرياضة ~~لاستفادته أهل الفلسفة، الخارجون عن السنة، المعدودون في الفرق الضالة، فلا ~~يكون الكلام فيه مباحا؛ فضلا عن أن يكون مندوبا إليه. # نعم؛ قد يعرض مثله للسالك، فيتكلم فيه مع المربي، حتى يخرجه عن طريقه، ~~ويبعد بينه وبين فريقه؛ لما فيه من إمالة مقصد السالك إلى أن يعبد الله على ~~حرف؛ زيادة إلى الخروج عن الطريق المستقيم بتتبعه والالتفات إليه، إذ ~~الطريق مبني على الإخلاص التام بالتوجه الصادق، وتجريد التوحيد عن الالتفات ~~إلى الأغيار، وفتح باب الكلام في هذا الضرب مضاد لذلك كله. # PageV01P268 # والرابع: يرجع إلى النظر في حقيقة الفناء من حيث الدخول فيه، والاتصاف ~~بأوصافه، وقطع أطماع النفس عن كل جهة توصل إلى غير المطلوب وإن دقت؛ فإن ~~أهواء النفوس تدق وتسري مع السالك في المقامات، فلا يقطعها إلا من حسم ~~مادتها وبت طلاقها، وهو باب الفناء المذكور. # وهذا نوع من أنواع الفقه المتعلق بأهواء النفوس، ولا يعد من البدع؛ ~~لدخوله تحت جنس الفقه؛ لأنه - وإن دق - راجع إلى ما جل من الفقه، ودقته ~~وجلته إضافيان، والحقيقة واحدة. # وثم أقسام أخر؛ جميعها إما يرجع إلى فقه شرعي حسن في الشرع، وإما إلى ~~ابتداع ليس بشرعي وهو قبيح في الشرع. # وأما الجدل وجمع المحافل للاستدلال على المسائل؛ فقد مر الكلام فيه. # وأما أمثلة ms148 البدع المكروهة؛ فعد منها: زخرفة المساجد، وتزويق المصاحف، ~~وتلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي، فإن أراد مجرد الفعل من ~~غير اقتران أمر آخر؛ فغير مسلم، وإن أراد مع اقتران قصد التشريع؛ فصحيح ما ~~قال، إذ البدعة لا تكون بدعة إلا مع اقتران هذا القصد، فإن لم يقترن؛ فهي ~~منهي عنها غير بدع. # وأما أمثلة البدع المباحة؛ فعد منها المصافحة عقب صلاة الصبح والعصر، أما ~~أنها بدع؛ فمسلم، وأما أنها مباحة؛ فممنوع، إذ لا دليل في الشرع يدل على ~~تخصيص تلك الأوقات بها، بل هي مكروهة، إذ يخاف # PageV01P269 # بدوامها إلحاقها [ب] الصلوات المذكورة؛ كما خاف مالك وصل ستة أيام من ~~شوال برمضان لإمكان أن يعدها من رمضان، وكذلك وقع. # فقد قال القرافي: " قال لي الشيخ زكي الدين عبد العظيم المحدث: إن الذي ~~خشي منه مالك رضي الله عنه قد وقع بالعجم، فصاروا يتركون المسحرين على ~~عاداتهم والبواقين وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام، فحينئذ يظهرون شعائر ~~العيد. # قال: وكذلك شاع عند عامة مصر أن الصبح ركعتان؛ إلا في يوم الجمعة؛ فإنه ~~ثلاث ركعات؛ لأجل أنهم يرون الإمام يواظب على قراءة سورة السجدة يوم الجمعة ~~في صلاة الصبح ويسجد، فيعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة. # قال: " وسد هذه الذرائع متعين في الدين، وكان مالك رحمه الله شديد ~~المبالغة فيها ". # وعد ابن عبد السلام من البدع المباحة التوسع في الملذوذات، وقد تقدم ما ~~فيه. # والحاصل من جميع ما ذكر فيه قد وضح منه أن البدع لا تنقسم إلى ذلك ~~الانقسام، بل هي من قبيل المنهي عنه: إما كراهة، وإما تحريما؛ حسبما يأتي ~~إن شاء الله. ### | [فصل الرد على قولهم أن الصوفية هم المشهورون باتباع السنة المقتدون بأفعال السلف] # فصل # ومما يتعلق به بعض المتكلفين: أن الصوفية هم المشهورون باتباع السنة، ~~المقتدون بأفعال السلف، المثابرون في أفعالهم وأقوالهم # PageV01P270 # على الاقتداء التام والفرار عما يخالف ذلك، ولذلك جعلوا طريقتهم مبنية ~~على: أكل الحلال، واتباع السنة والإخلاص. # وهذا هو الحق، ولكنهم في كثير من ms149 الأمور يستحسنون أشياء؛ لم تأت في كتاب ~~ولا سنة، ولا عمل بأمثالها السلف، فيعملون بمقتضاها، ويثابرون عليها، ~~ويحكمونها طريقا لهم مهيعا وسنة لا تخلف، بل ربما أوجبوها في بعض الأحوال، ~~فلولا أن في ذلك رخصة؛ لم يصح لهم ما بنوا عليه. # فمن ذلك أنهم يعتمدون في كثير من الأحكام على: الكشف، والمعاينة، وخرق ~~العادة، فيحكمون بالحل والحرمة، ويثبتون على ذلك الإقدام والإحجام: # كما يحكى عن المحاسبي أنه كان إذا تناول طعاما في شبهة؛ ينبض له عرق في ~~إصبعه، فيمتنع منه. # وقال الشبلي: " اعتقدت وقتا أن لا آكل إلا من حلال، فكنت أدور في ~~البراري، فرأيت شجرة تين، فمددت يدي إليها لآكل، فنادتني الشجرة: احفظ عليك ~~عهدك، لا تأكل مني؛ فإني ليهودي ". # وقال إبراهيم الخواص: " دخلت خربة في بعض الأسفار في طريق مكة بالليل، ~~فإذا فيها سبع عظيم، فخفت، فهتف بي هاتف: اثبت! فإن حولك سبعين ألف ملك ~~يحفظونك ". # فمثل هذه الأشياء إذا عرضت على قواعد الشريعة؛ ظهر عدم البناء عليها، إذ ~~المكاشفة أو الهاتف المجهول أو تحريك بعض العروق لا يدل # PageV01P271 # على التحليل ولا التحريم؛ لإمكانه في نفسه، وإلا؛ لو حضر ذلك حاكم أو ~~غيره؛ لكان يجب عليه أو يندب البحث عنه حتى يستخرج من يد واضعه بين أيديهم ~~إلى مستحقه، ولو هتف هاتف بأن فلانا قتل المقتول الفلاني، أخذ مال فلان، أو ~~زنى، أو سرق؛ أكان يجب عليه العمل بقوله؟ ويكون شاهدا في بعض الأحكام؟ بل ~~لو تكلمت شجرة أو حجر بذلك أكان يحكم الحاكم به أو يبنى عليه حكم شرعي؟! ~~هذا مما لا يعهد في الشرع مثله. # ولذلك قال العلماء: لو أن نبيا من الأنبياء ادعى الرسالة، وقال: إنني إن ~~أدع هذه الشجرة فتكلمني، ثم دعاها، فأتت وكلمته وقالت: إنك كاذب؛ لكان ذلك ~~دليلا على صدقه، لا دليلا على كذبه؛ لأنه تحدى بأمر جاءه على وفق ما ادعاه، ~~وكون الكلام تصديقا أو تكذيبا أمر خارج عن مقتضى الدعوى لا حكم له. # فكذلك نقول في هذه المسألة: إذا فرضنا ms150 أن انقباض العرق لازم لكون الطعام ~~حراما؛ لا يدل ذلك على أن الحكم بالإمساك عنه إذا لم يدل عليه دليل معتبر ~~في الشرع معلوم، فكذلك مسألة الخواص؛ فإن التوقي من مظان المهلكات مشروع، ~~فخلافه يظهر أنه خلاف المشروع، وهو معتاد في أهل هذه الطريقة، وكذلك كلام ~~الشجرة للشبلي من جملة الخوارق، وبناء الحكم عليه غير معهود. # ومن ذلك أنهم يبنون طريقهم على اجتناب الرخص جملة، حتى إن شيخهم الذي مهد ~~لهم الطريقة أبا القاسم القشيري قال في باب وصية المريدين من رسالته: # PageV01P272 # " إن اختلف على المريد فتاوى الفقهاء؛ يأخذ بالأحوط، ويقصد أبدا الخروج ~~عن الخلاف؛ فإن الرخص في الشريعة للمستضعفين وأصحاب الحوائج والأشغال، ~~وهؤلاء الطائفة يعني: الصوفية ليس لهم شغل سوى القيام بحقه سبحانه، ولهذا ~~قيل: إذا انحط الفقير عن درجة الحقيقة إلى رخصة الشريعة؛ فقد فسخ عقده مع ~~الله، ونقض عهده فيما بينه وبين الله ". # فهذا الكلام ظاهر في أنه ليس من شأنهم الترخص في مواطن الترخص المشروع، ~~وهو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح من الصحابة ~~والتابعين. . . . فالتزام العزائم مع وجود مظان الرخص التي قال فيها رسول ~~الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه»، فيه ~~ما فيه، وظاهره أنه بدعة استحسنوها قمعا للنفس عن الاسترسال في الميل إلى ~~الراحة، وإيثارا إلى ما يبنى عليه من المجاهدة. # ومن ذلك أن القشيري جعل من جملة ما يبني عليه من أراد الدخول في طريقهم: ~~" الخروج عن المال؛ فإن ذلك الذي يميل إليه به عن الحق، ولم يوجد من يدخل ~~في هذا الأمر ومعه علاقة من الدنيا؛ إلا جرته تلك لعلاقة عن قريب إلى ما ~~منه خرج. . . " إلى آخر ما قال. # وهو في غاية الإشكال مع ظواهر الشريعة؛ لأنا نعرض ذلك على الحالة الأولى، ~~وفي حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الكرام، إذ لم يأمر أحدا ~~بالخروج عن ماله، ولا أمر صاحب صنعة بالخروج عن صنعته، ولا ms151 # PageV01P273 # صاحب تجارة بترك تجارته، وهم كانوا أولياء الله حقا، والطالبون لسلوك ~~طريق الحق صدقا، وإن سلك من بعدهم ألف سنة؛ لم يبلغ شأوهم، ولم يبلغ هداهم. # ثم إنه كما يكون المال شاغلا في الطريق عن بلوغ المراد؛ فكذلك يكون فراغ ~~اليد منه جملة شاغلا عنه، وليس أحد العارضين أولى بالاعتبار من الآخر. # فأنت ترى كيف جعل هذا النوع - الذي لم يوجد في السلف عهده - أصلا في سلوك ~~الطريق، وهو - كما ترى - محدث، فما ذلك إلا لأن الصوفية استحسنوه؛ لأنه ~~بلسان جميعهم ينطق. # ومن ذلك أنهم يقولون: إنه لا يصح للشيوخ التجاوز عن زلات المريدين؛ لأن ~~ذلك تضييع لحقوق الله تعالى. # وهذا النفي العام يستنكر في الحكم الشرعي، ألا ترى إلى ما جاء في الحديث ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: " «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، وذلك ~~فيما لم يكن حدا من حدود الله» "؟ فلو كان العفو غير صحيح؛ لكان مخالفا ~~لهذا الدليل، ولما جاء من فضل العفو. # وأيضا؛ فإن الله يحب الرفق ويرضى به ويعين عليه ما لا يعين على العنف، ~~ومن جملة الرفق شرعية التجاوز والإغضاء، إذ العبد لا بد له من زلة وتقصير، ~~ولا معصوم إلا من عصمه الله. # -[و] من ذلك أخذهم على المريد أن يقلل من غذائه، لكن # PageV01P274 # بالتدريج؛ شيئا بعد شيء لا مرة واحدة، وأن يديم الجوع والصيام، وأن يترك ~~التزويج ما دام في سلوكه بعد. # وذلك كله من مشكلات التشريع، بل هو شبيه بالتبتل الذي رده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على بعض أصحابه، حتى قال: " «من رغب عن سنتي فليس مني» ". # وإذا تأمل [المرء] ما ذكروه في شأن التدريج في ترك الغذاء؛ وجده غير ~~معهود في الزمان الأول والقرن الأفضل. # ومن ذلك أشياء ألزموها المريد حالة السماع؛ من طرح الخرق، وأن من حق ~~المريد أن لا يرجع في شيء خرج عنه ألبتة؛ إلا أن يشير عليه الشيخ بالرجوع ~~فيه، فليأخذه على نية العارية بقلبه، ثم يخرج عنه بعد ذلك؛ من غير ms152 أن يوحش ~~قلب الشيخ. . . إلى أشياء اخترعوها في ذلك، لم يعهد مثلها في الزمان الأول، ~~وذلك من نتائج مجالس السماع الذي اعتمدوه. # والسماع في طريقة التصوف ليس منها؛ لا بالأصل ولا بالتبع، ولا استعمله ~~أحد من السلف ممن يشار إليه حاذيا في طريق الخير، وإنما رأيته مأخوذا به في ~~ذلك وفي غيره عند الفلاسفة الآخذة للتكليف الشرعي بالتبع. # ولو تتبع هذا الباب؛ لكثرت مسائله وانتشرت، وظاهرها أنها استحسانات اتخذت ~~بعد أن لم تكن، والقوم - كما ترى - مستمسكون بالشرع، فلولا أن مثل هذه ~~الأمور لاحق بالمشروعات؛ لكانوا أبعد الناس # PageV01P275 # منها، ويدل على أن من البدع ما ليس بمذموم، بل أن منها ما هو ممدوح، وهو ~~المطلوب. # والجواب: # - أن نقول أولا: كل ما عمل به المتصوفة المعتبرون في هذا الشأن لا يخلو: ~~إما أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة أم لا: # فإن كان له أصل؛ فهم خلقاء به؛ كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلقاء ~~بذلك. # وإن لم يكن له أصل في الشريعة؛ فلا عمل عليه؛ لأن السنة حجة على جميع ~~الأمة، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة؛ لأن السنة معصومة عن الخطأ ~~وصاحبها معصوم، وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة؛ إلا مع إجماعهم خاصة، وإذا ~~اجتمعوا؛ تضمن اجتماعهم دليلا شرعيا كما تقدم التنبيه عليه. # فالصوفية كغيرهم ممن لم تثبت له العصمة، فيجوز عليهم الخطأ والنسيان ~~والمعصية كبيرتها وصغيرتها، فأعمالهم لا تعدو الأمرين. # ولذلك قال العلماء: كل كلام منه مأخوذ أو متروك إلا ما كان من كلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وقد قرر ذلك القشيري أحسن تقرير، فقال: " فإن قيل: فهل يكون الولي معصوما ~~(حتى لا يصر على الذنوب)؟ قيل: أما وجوبا كما يقال في الأنبياء؛ فلا، وأما ~~أن يكون محفوظا حتى لا يصر على الذنوب - وإن حصلت منهم آفات أو زلات -؛ فلا ~~يمتنع ذلك في وصفهم ". # PageV01P276 # قال: " لقد قيل للجنيد: العارف بربه يزني؟ فأطرق مليا، ثم رفع رأسه، ~~وقال: وكان أمر الله قدرا مقدورا. # فهذا كلام ms153 منصف، فكما يجوز على غيرهم المعاصي بالابتداع وغيره؛ كذلك يجوز ~~عليهم. # فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ، ونقف على ~~الاقتداء بمن لا يمتنع عليه الخطأ إذا ظهر في الاقتداء به إشكال، بل نعرض ~~ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة، فما قبلاه؛ قبلناه، وما لم يقبلاه؛ ~~تركناه ولا علينا، إذ قام لنا الدليل على اتباع الشرع ولم يقم لنا دليل على ~~اتباع أقوال الصوفية وأعمالهم إلا بعد عرضها، وبذلك وصى شيوخهم، وإن كان ما ~~جاء به صاحب الوجد والذوق من الأحوال والعلوم والفهوم؛ فليعرض على الكتاب ~~والسنة، فإن قبلاه؛ صح، وإلا؛ لم يصح، فكذلك ما رسموه من الأعمال وأوجه ~~المجاهدات وأنواع الالتزامات. # - ثم نقول ثانيا: إذا نظرنا في رسومهم التي حدوا، وأعمالهم التي امتازوا ~~بها عن غيرهم بحسب تحسين الظن والتماس أحسن المخارج ولم نعرف لها مخرجا؛ ~~فالواجب علينا التوقف عن الاقتداء والعمل [بها]، وإن كانوا من جنس من يقتدى ~~بهم، لا ردا لهم واعتراضا، بل لأنا لم نفهم وجه رجوعه إلى القواعد الشرعية؛ ~~كما فهمنا غيره، ألا ترى أنا نتوقف عن العمل بالأحاديث النبوية التي يشكل ~~علينا وجه الفقه فيها؟ فإن سنح بعد ذلك # PageV01P277 # للعمل بها وجه جار على الأدلة قبلناه، وإلا؛ فلسنا بمطلوبين بذلك، ولا ~~ضرر علينا في التوقف؛ لأنه توقف مسترشد، لا توقف راد مطرح، فالتوقف هنا ~~بترك العمل أولى وأحرى. # ثم نقول ثالثا: إن هذه المسائل وأشباهها قد صارت مع ظاهر الشريعة ~~كالمتدافعة، فيحمل كلام الصوفية وأعمالهم مثلا على أنها مستندة إلى دلائل ~~شرعية؛ إلا أنه عارضها في النقل أدلة أوضح في أفهام المتفقهين وأنظار ~~المجتهدين، وأجرى على المعهود في سائر أصناف العلماء، وأنظر في ألفاظ ~~الشارع مما ظنناه مستند القوم، وإذا تعارضت الأدلة ولم يظهر في بعضها نسخ؛ ~~فالواجب الترجيح، وهو إجماع من الأصوليين أو كالإجماع، وفي مذهب القوم ~~العمل بالاحتياط هو الواجب - كما أنه مذهب غيرهم -، فوجب بحسب الجريان على ~~آرائهم في السلوك أن لا يعمل بما رسموه مما فيه ms154 معارضة لأدلة الشرع، ونكون ~~في ذلك متبعين لآثارهم، مهتدين بأنوارهم؛ خلافا لمن يعرض عن الأدلة، ويصمم ~~على تقليدهم فيما لا يصح تقليدهم فيه على مذهبهم، فالأدلة والأنظار الفقهية ~~والرسوم الصوفية ترده وتذمه، وتحمد من تحرى واحتاط وتوقف عند الاشتباه ~~واستبرأ لدينه وعرضه. # وبقي الكلام على أعيان ما ذكر في السؤال من أقوالهم وعوائدهم، وما يتنزل ~~منها على مقتضى الأدلة، وكيف وجه تنزيلها؟ [و] لا حاجة لنا إليه في هذا ~~الموضع، وقد بسط الكلام على جملة منها في كتاب " الموافقات "، وإن فسح الله ~~في المدة، وأعان بفضله؛ بسطنا الكلام في هذا الباب في كتاب مذهب أهل ~~التصوف، وبيان ما أدخل فيه مما ليس # PageV01P278 # بطريق لهم، والله الموفق للصواب. # وقد تبين أن لا دليل في شيء مما يحتج به أهل البدع على بدعتهم، والحمد ~~لله، انتهى. # PageV01P279 ### | [الباب الرابع في مأخذ أهل البدع بالاستدلال] ### | [الراسخين لهم طريقا يسلكونها في اتباع الحق والزائغين على غير طريقهم] # كل خارج عن السنة ممن يدعي الدخول فيها والكون من أهلها لا بد له من تكلف ~~في الاستدلال بأدلتها على خصومات مسائلهم، وإلا كذب اطراحها دعواهم. # بل كل مبتدع من هذه الأمة: إما أن يدعي أنه هو صاحب السنة دون من خالفه ~~من الفرق، فلا يمكنه الرجوع إلى التعلق بشبهها، وإذا رجع إليها؛ كان الواجب ~~عليه أن يأخذ الاستدلال مأخذ أهله العارفين بكلام العرب وكليات الشريعة ~~ومقاصدها؛ كما كان السلف الأول يأخذونها. # إلا أن هؤلاء كما يتبين بعد لم يبلغوا مبلغ الناظرين فيها بإطلاق: إما ~~لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعلم بمقاصدها، وإما لعدم الرسوخ في ~~العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية، وإما لعدم ~~الأمرين جميعا، فبالحري أن تصير مآخذهم للأدلة مخالفة لمأخذ من تقدمهم من ~~المحققين للأمرين. # وإذا تقرر هذا؛ فلا بد من التنبيه على تلك المآخذ؛ لكي تحذر وتتقى؛ ~~وبالله التوفيق، فنقول: # قال الله سبحانه وتعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7] # PageV01P281 # وذلك ms155 أن هذه الآية شملت قسمين هما أصل المشي على طريق الصواب أو على طريق ~~الخطأ: # أحدهما: الراسخون في العلم، وهم الثابتو الأقدام في علم الشريعة، ولما ~~كان ذلك متعذرا إلا على من حصل الأمرين المتقدمين؛ لم يكن بد من المعرفة ~~بهما معا على حسب ما تعطيه المنة الإنسانية، وإذ ذاك يطلق عليه (أنه راسخ ~~في العلم) ومقتضى الآية مدحه، فهو إذا أهل للهداية والاستنباط. # وحين خص أهل الزيغ باتباع المتشابه؛ دل التخصيص على أن الراسخين لا ~~يتبعونه، فإذا؛ لا يتبعون إلا المحكم، وهو أم الكتاب ومعظمه. # فكل دليل خاص أو عام شهد له معظم الشريعة؛ فهو الدليل الصحيح، وما سواه ~~فاسد، إذ ليس بين الصحيح والفاسد واسطة في الأدلة يستند إليها، وإذ لو كان ~~ثم ثالث، لنصت عليه الآية. # ثم لما خص الزائغون بكونهم يتبعون المتشابه أيضا؛ علم أن الراسخين لا ~~يتبعونه: # فإن تأولوه؛ فبالرد إلى المحكم؛ بأن أمكن حمله على المحكم بمقتضى ~~القواعد، فهذا المتشابه الإضافي لا الحقيقي، وليس في الآية نص على حكمه ~~بالنسبة إلى الراسخين، فليرجع عندهم إلى المحكم # PageV01P282 # الذي هو أم الكتاب. # وإن لم يتأولوه؛ فبناء على أنه متشابه حقيقي، فيقابلونه بالتسليم وقولهم: ~~{آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7]، وهؤلاء هم أولو الألباب. # وكذلك ذكر في أهل الزيغ أنهم يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة، فهم يطلبون ~~به أهواءهم؛ لحصول الفتنة، فليس في نظرهم إذا في الدليل نظر المستبصر حتى ~~يكون هواه تحت حكمه، بل نظر من حكم بالهوى، ثم أتى بالدليل كالشاهد له، ولم ~~يذكر مثل ذلك في الراسخين، فهم إذن بضد هؤلاء، حيث وقفوا في المتشابه، فلم ~~يحكموا فيه ولا عليه سوى التسليم، وهذا المعنى خاص بمن طلب الحق من الأدلة، ~~لا يدخل فيه من طلب في الأدلة ما يصحح هواه السابق. # والقسم الثاني: من ليس براسخ في العلم، وهو الزائغ، فحصل له من الأدلة ~~وصفان: # أحدهما: بالنص، وهو الزيغ؛ لقوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} [آل ~~عمران: 7] والزيغ: هو الميل عن الصراط ms156 المستقيم، وهو ذم لهم. # والثاني: بالمعنى الذي أعطاه التقسيم، وهو عدم الرسوخ في العلم، وكل منفي ~~عنه الرسوخ؛ فإلى الجهل ما هو (مائل)، ومن جهة الجهل حصل له الزيغ؛ لأن من ~~نفي عنه طريق الاستنباط واتباع الأدلة لبعض الجهالات؛ لم يحل له أن يتبع ~~الأدلة المحكمة ولا المتشابهة. # ولو فرضنا أنه يتبع المحكم؛ لم يكن اتباعه مفيدا لحكمه؛ لإمكان # PageV01P283 # أن يتبعه على وجه واضح البطلان أو متشابه، فما ظنك به إذا اتبع ~~المتشابه؟!. # ثم اتباعه للمتشابه ولو كان من جهة الاسترشاد به لا للفتنة به ؛ لم يحصل ~~به مقصودا على حال، فما ظنك به إذا اتبع ابتغاء الفتنة؟!. # وهكذا المحكم إذا اتبعه ابتغاء الفتنة به، فكثيرا ما ترى الجهال يحتجون ~~لأنفسهم بأدلة فاسدة وبأدلة صحيحة؛ اقتصارا بالنظر على دليل ما، واطراحا ~~للنظر في غيره من الأدلة الأصولية والفروعية العاضدة لنظره أو المعارضة له. # وكثير ممن يدعي العلم يتخذ هذا الطريق مسلكا، وربما أفتى بمقتضاه وعمل ~~على وفقه إذا كان له فيه غرض. # وأعرض من عرض له غرض في الفتيا بجواز تنفيل الإمام الجيش جميع ما غنموا ~~على طريقة " من عز بز " لا طريقة الشرع؛ بناء على نقل بعض العلماء: " أنه ~~يجوز تنفيل السرية جميع ما غنمت "، ثم عزا ذلك وهو مالكي المذهب إلى مالك، ~~حيث قال في كلام روي عنه: " ما نفل الإمام فهو جائز "، فأخذ هذه العبارة ~~نصا على جواز تنفيل الإمام الجيش جميع ما غنم، ولم يلتفت في النفل إلى أن ~~السرية هي القطعة من الجيش المداخل لبلاد العدو لتغير على العدو ثم ترجع ~~إلى الجيش، لا أن السرية هي الجيش بعينه، ولا التفت إليه أيضا إلى أن النفل ~~عند مالك لا يكون إلا من الخمس، لا اختلاف عنه في ذلك أعلمه، ولا عن أحد من ~~أصحابه، فما نفل الإمام منه فهو جائز؛ لأنه محمول على الاجتهاد. # PageV01P284 # وكذلك الأمر في كل مسألة فيها الهوى أولا ثم يطلب لها المخرج من كلام ~~العلماء أو من أدلة الشرع وكلام العرب ms157 أبدا؛ لاتساعه وتصرفه، ويحتمل أنها ~~كثيرة، لكن يعلم الراسخون المراد منه؛ من أوله، وآخره، وفحواه، أو بساط ~~حاله، أو قرائنه، فمن لا يعتبره من أوله إلى آخره ويعتبر ما ابتنى عليه؛ زل ~~في فهمه، وهو شأن من يأخذ الأدلة من أطراف العبارة الشرعية ولا ينظر بعضها ~~ببعض، فيوشك أن يزل، وليس هذا من شأن الراسخين، وإنما هو من شأن من استعجل؛ ~~طلبا للمخرج في دعواه. # فقد حصل من الآية المذكورة أن الزيغ لا يجري على طريق الراسخ بغير حكم ~~الاتفاق، وأن الراسخ لا زيغ معه بالقصد ألبتة. ### | [فصل وجوه مخالفة طريق الحق] ### | [اعتمادهم على الأحاديث الواهية والمكذوبة] # فصل # إذا ثبت هذا؛ رجعنا منه إلى معنى آخر، فنقول: # إذا تبين أن للراسخين طريقا يسلكونها في اتباع الحق، وأن الزائغين على ~~غير طريقهم، فاحتجنا إلى بيان الطريق التي سلكها هؤلاء لنتجنبها، كما نبين ~~الطريق التي سلكها الراسخون لنسلكها، وقد بين ذلك أهل أصول الفقه، وبسطوا ~~القول فيه، ولم يبسطوا القول في طريق الزائغين، فهل يمكن حصر مآخذها أو لا؟ # فنظرنا في آية أخرى تتعلق بهم كما تتعلق بالراسخين، وهي قوله تعالى: {وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: ~~153] # PageV01P285 # فأفادت الآية أن طريق الحق واحدة، وأن للباطل طرقا متعددة لا واحدة، ~~وتعددها لم يحص بعدد مخصوص. # وهكذا الحديث المفسر للآية، وهو قول ابن مسعود: «خط لنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خطا، فقال: هذا سبيل الله مستقيما، ثم خط خطوطا عن يمينه ~~وعن يساره، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم تلا هذه ~~الآية. # ففي الحديث أنها خطوط متعددة غير محصورة بعدد، فلم يكن لنا سبيل إلى حصر ~~عددها من جهة النقل، ولا لنا أيضا سبيل إلى حصرها من جهة العقل أو ~~الاستقراء. # أما العقل؛ فإنه لا يقضي بعدد دون آخر؛ لأنه غير راجع إلى أمر محصور، ألا ~~ترى أن الزيغ راجع إلى الجهالات؟ ووجوه الجهل لا تنحصر، فصار طلب حصرها ~~عناء ms158 من غير فائدة. # وأما الاستقراء؛ فغير نافع أيضا في هذا المطلب؛ لأنا لما نظرنا في طرق ~~البدع من حين نبتت؛ وجدناها تزداد على الأيام، ولا يأتي زمان إلا وغريبة من ~~غرائب الاستنباط تحدث، إلى زماننا هذا، وإذا كان كذلك؛ فيمكن أن يحدث بعد ~~زماننا استدلالات أخر لا عهد لنا بها فيما تقدم، لا سيما عند كثرة الجهل، ~~وقلة العلم، وبعد الناظرين فيه عن درجة الاجتهاد، فلا يمكن إذا حصرها من ~~هذا الوجه. # ولا يقال: إنها ترجع إلى مخالفة طريق الحق؛ فإن وجوه المخالفات # PageV01P286 # لا تنحصر أيضا، فثبت أن تتبع هذا الوجه عناء، لكنا نذكر من ذلك أوجها ~~كلية يقاس عليها ما سواها. # فمنها: اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة والمكذوب فيها على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث في البناء ~~عليها: # كحديث الاكتحال يوم عاشوراء، وإكرام الديك الأبيض، وأكل الباذنجان بنية، ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم تواجد واهتز عند السماع حتى سقط الرداء عن ~~منكبيه. . . وما أشبه ذلك. # فإن أمثال هذه الأحاديث على ما هو معلوم لا يبنى عليها حكم، ولا تجعل ~~أصلا في التشريع أبدا، ومن جعلها كذلك؛ فهو جاهل أو مخطئ في نقل العلم، فلم ~~ينقل الأخذ بشيء منها عمن يعتمد به (في) طريقة العلم ولا طريقة السلوك. # وإنما أخذ بعض العلماء بالحديث الحسن؛ لإلحاقه عند المحدثين بالصحيح؛ لأن ~~سنده ليس فيه من يعاب بجرحه متفق عليها، وكذلك أخذ من أخذ منهم بالمرسل ليس ~~إلا من حيث ألحق بالصحيح في أن المتروك ذكره كالمذكور والمعدل، فأما ما دون ~~ذلك؛ فلا يؤخذ به بحال عند علماء الحديث. # ولو كان من شأن أهل الإسلام الذابين عنه الأخذ من الأحاديث بكل ما جاء عن ~~كل من جاء؛ لم يكن لانتصابهم للتعديل والتجريح معنى، # PageV01P287 # مع أنهم قد أجمعوا على ذلك، ولا كان لطلب الإسناد معنى يتحصل، فلذلك ~~جعلوا الإسناد من الدين، ولا يعنون: " حدثني فلان عن فلان " مجردا، بل ~~يريدون ذلك لما تضمنه من معرفة الرجال ms159 الذين يحدث عنهم، حتى لا يسند عن ~~مجهول ولا مجروح ولا منهم؛ إلا عمن تحصل الثقة بروايته؛ لأن روح المسألة أن ~~يغلب على الظن من غير ريبة أن ذلك الحديث قد قاله النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ لنعتمد عليه في الشريعة، ونسند إليه الأحكام. # والأحاديث الضعيفة الإسناد لا يغلب على الظن أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالها، فلا يمكن أن يسند إليها حكم، فما ظنك بالأحاديث المعروفة الكذب؟! ~~نعم؛ الحامل على اعتمادها في الغالب إنما هو ما تقدم من الهوى المتبع. # وهذا كله على فرض أن لا يعارض الحديث أصل من أصول الشريعة، وأما إذا كان ~~له معارض؛ فأحرى أن لا يؤخذ به؛ فهو هدم لأصل من أصول الشريعة، والإجماع ~~على منعه إذا كان صحيحا في الظاهر، وذلك دليل على الوهم من بعض الرواة أو ~~الغلط من بعض الرواة أو النسيان، فما الظن به إذا لم يصح؟ # على أنه قد روي عن أحمد بن حنبل: أنه قال: " الحديث الضعيف خير من القياس ~~"، وظاهره يقتضي العمل بالحديث غير الصحيح؛ لأنه قدمه على القياس المعمول ~~(به) عند جمهور المسلمين، بل هو إجماع السلف رضي الله عنهم، فدل على أنه ~~عنده أعلى رتبة من العمل بالقياس. # PageV01P288 # والجواب عن هذا: أنه كلام مجتهد يحتمل اجتهاده الخطأ والصواب، إذ ليس له ~~على ذلك دليل يقطع العذر، وإن سلم؛ فيمكن حمله على خلاف ظاهره؛ لإجماعهم ~~على طرح الضعيف الإسناد، فيجب تأويله على أن يكون أراد به الحسن السند وما ~~دار به على القول بإعماله، أو أراد: خير من القياس لو كان مأخوذا به، فكأنه ~~يرد القياس بذلك الكلام مبالغة في معارضة من اعتمده أصلا حتى رد به ~~الأحاديث، وقد كان رحمه الله تعالى يميل إلى نفي القياس، ولذلك قال: " ما ~~زلنا نلعن أهل الرأي ويلعنونا حتى جاء الشافعي فخرج بيننا "، أو أراد ~~بالقياس القياس الفاسد الذي لا أصل له من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ففضل ~~عليه الحديث الضعيف وإن لم يعمل به، وأيضا؛ فإذا ms160 أمكن أن يحمل كلام أحمد ~~على ما يسوغ؛ لم يصح الاعتماد عليه في معارضة كلام الأئمة. # فإن قيل: هذا كله رد على الأئمة الذين اعتمدوا على الأحاديث التي لم تبلغ ~~درجة الصحيح؛ فإنهم كما نصوا على اشتراط صحة الإسناد؛ كذلك نصوا أيضا على ~~أن أحاديث الترغيب والترهيب لا يشترط في نقلها للاعتماد صحة الإسناد، بل إن ~~كان ذلك؛ فبها ونعمت، وإلا؛ فلا حرج على من نقلها واستند إليها، فقد فعله ~~الأئمة ك مالك في الموطأ، وابن المبارك في " رقائقه "، وأحمد بن حنبل في " ~~رقائقه "، وسفيان في " جامع الخير "، وغيرهم. # فكل ما في هذا النوع من المنقولات راجع إلى الترغيب والترهيب، وإذا جاز ~~اعتماد مثله؛ جاز فيما كان نحوه مما يرجع إليه، كصلاة الرغائب، # PageV01P289 # والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وليلة أول جمعة من رجب، وصلاة الإيمان، ~~والأسبوع، وصلاة بر الوالدين، ويوم عاشوراء، وصيام رجب، والسابع وعشرين ~~منه. . . . وما أشبه ذلك؛ فإن جميعها راجع إلى الترغيب في العمل الصالح، ~~فالصلاة على الجملة ثابت أصلها، وكذلك الصيام وقيام الليل؛ كل ذلك راجع إلى ~~خير نقلت فضيلته على الخصوص. # وإذا ثبت هذا؛ فكل ما نقلت فضيلته في الأحاديث؛ فهو من باب الترغيب، فلا ~~يلزم فيه شهادة أهل الحديث بصحة الإسناد؛ بخلاف الأحكام. # فإذا؛ هذا الوجه من الاستدلال من طريق الراسخين لا من طريق الذين في ~~قلوبهم زيغ، حيث فرقوا بين أحاديث الأحكام فاشترطوا فيها الصحة، وبين ~~أحاديث الترغيب والترهيب فلم يشترطوا فيها ذلك. # فالجواب: أن ما ذكره علماء الحديث من التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب ~~لا ينتظم مع مسألتنا المفروضة، وبيانه: أن العمل المتكلم فيه إما أن يكون ~~منصوصا على أصله جملة وتفصيلا، أو لا يكون # PageV01P290 # منصوصا عليه لا جملة ولا تفصيلا، أو يكون منصوصا عليه جملة لا تفصيلا. # فالأول: لا إشكال في صحته؛ كالصلوات المفروضات، والنوافل المرتبة لأسباب ~~وغير أسباب، وكالصيام المفروض أو المندوب على الوجه المعروف؛ إذا فعلت على ~~الوجه الذي نص عليه من غير زيادة ولا نقصان؛ كصيام عاشوراء، أو يوم ms161 عرفة، ~~والوتر بعد نوافل الليل، وصلاة الكسوف. # فالنص جاء في هذه الأشياء صحيحا على ما شرطوا، فثبتت أحكامها من الفرض ~~والسنة والاستحباب، فإذا ورد في مثلها أحاديث ترغيب فيها أو تحذير من ترك ~~الفرض منها، وليست بالغة مبلغ الصحة، ولا هي أيضا من الضعف بحيث لا يقبلها ~~أحد أو كانت موضوعة لا يصح الاستشهاد بها؛ فلا بأس بذكرها، والتحذير بها ~~والترغيب؛ بعد ثبوت أصلها من طريق صحيح. # والثاني: ظاهر أنه غير صحيح، وهو عين البدعة؛ لأنه لا يرجع إلا لمجرد ~~الرأي المبني على الهوى، وهو أبدع البدع وأفحشها؛ كالرهبانية المنفية عن ~~الإسلام، والخصاء لمن خشي العنت، والتعبد بالقيام في الشمس، أو بالصمت من ~~غير كلام أحد، فالترغيب في مثل هذا لا يصح، إذ لا يوجد في الشرع، ولا أصل ~~له يرغب في مثله، أو يحذر من مخالفته. # والثالث: ربما يتوهم أنه كالأول، من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة في ~~الجملة؛ فيسهل في التفصيل نقله من طريق غير مشترط الصحة، فمطلق التنفل ~~بالصلاة مشروع، فإذا جاء ترغيب في صلاة ليلة النصف من # PageV01P291 # شعبان؛ فقد عضده أصل الترغيب في صلاة النافلة، وكذلك إذا ثبت أصل صيام؛ ~~ثبت صيام السابع والعشرين من رجب. . . . وما أشبه ذلك. # وليس كما توهموا؛ لأن الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في ~~التفصيل، فإذا ثبت مطلق الصلاة؛ لا يلزم منه إثبات الظهر والعصر أو الوتر ~~أو غيرها حتى ينص عليها على الخصوص، وكذلك إذا ثبت مطلق الصيام؛ لا يلزم ~~منه إثبات صوم رمضان أو عاشوراء أو شعبان أو غير ذلك، حتى يثبت بالتفصيل ~~بدليل صحيح، ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إلى ذلك ~~العمل الخاص الثابت بالدليل الصحيح. # وليس فيما ذكر في السؤال شيء من ذلك، إذ لا ملازمة بين ثبوت التنفل ~~الليلي والنهاري في الجملة وبين قيام ليلة النصف من شعبان بكذا وكذا ركعة ~~يقرأ في كل ركعة منها بسورة كذا على الخصوص كذا وكذا مرة، ومثله صيام اليوم ~~الفلاني من ms162 الشهر الفلاني، حتى تصير تلك العبادة مقصودة على الخصوص، ليس في ~~شيء من ذلك ما يقتضيه مطلق شرعية التنفل بالصلاة أو الصيام. # والدليل على ذلك أن تفضيل يوم من الأيام أو زمان من الأزمنة بعبادة ما ~~يتضمن حكما شرعيا فيه على الخصوص؛ كما ثبت لعاشوراء مثلا أو لعرفة أو ~~لشعبان مزية على مطلق التنفل بالصيام، فإنه ثبت له مزية على الصيام في مطلق ~~الأيام؛ فتلك المزية اقتضت مرتبة في الأحكام أعلى من غيرها، بحيث لا تفهم ~~من مطلق مشروعية صيام النافلة؛ لأن مطلق المشروعية يقتضي أن الحسنة بعشر ~~أمثالها إلى سبعمائة ضعف في الجملة، وصيام يوم عاشوراء يقتضي أنه يكفر ~~السنة التي قبله، فهو أمر زائد # PageV01P292 # على مطلق المشروعية، ومساقه يفيد له مزية في الرتبة، وذلك راجع إلى ~~الحكم. # فإذا؛ هذا الترغيب الخاص يقتضي مرتبة في نوع من المندوب خاصة، فلا بد من ~~رجوع إثبات الحكم إلى الأحاديث الصحيحة؛ بناء على قولهم: " إن الأحكام لا ~~تثبت إلا من طريق صحيح "، والبدع المستدل عليها بغير الصحيح لا بد فيها من ~~الزيادة على المشروعات؛ كالتقييد بزمان أو عدد أو كيفية ما، فليلزم أن تكون ~~أحكام تلك الزيادات ثابتة بغير الصحيح، وهو ناقض لما أسسه العلماء. # ولا يقال: إنهم يريدون أحكام الوجوب والتحريم فقط؛ لأنا نقول: هذا تحكم ~~من غير دليل، بل الأحكام خمسة، فكما لا يثبت الوجوب إلا بالصحيح؛ [فكذلك لا ~~يثبت الندب والكراهة والإباحة إلا بالصحيح]، فإذا ثبت الحكم فاستسهل أن ~~يثبت في أحاديث الترغيب والترهيب، ولا عليك. # فعلى كل تقدير: كل ما رغب فيه؛ إن ثبت حكمه ومرتبته في المشروعات من طريق ~~صحيح؛ فالترغيب فيه بغير الصحيح مغتفر، وإن لم يثبت إلا من حديث الترغيب؛ ~~فاشترط الصحة أبدا، وإلا؛ خرجت عن طريق القوم المعدودين في أهل الرسوخ، ~~فلقد غلط في المكان جماعة ممن ينسب إلى الفقه، ويتخصص عن العوام بدعوى رتبة ~~الخواص، وأصل هذا الغلط عدم فهم كلام المحدثين في الموضعين، وبالله ~~التوفيق. # PageV01P293 ### | [فصل ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة ms163 لأغراضهم ومذاهبهم] # فصل # ومنها ضد هذا، وهو ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ~~ويدعون أنها مخالفة للمعقول، وغير جارية على مقتضى الدليل، فيجب ردها: # كالمنكرين لعذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية الله عز وجل في الآخرة، ~~وكذلك حديث الذباب وقتله، وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وأنه يقدم ~~الذي فيه الداء، وحديث الذي أخذ أخاه بطنه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~بسقيه العسل. . . . وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول. # [و] ربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم ومن ~~اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم؛ كل ذلك ليردوا به على من ~~خالفهم في المذهب. # وربما ردوا فتاويهم وقبحوها في أسماع العامة؛ لينفروا الأمة عن أتباع ~~السنة وأهلها؛ كما روي عن (أبي) بكر بن حمدان: قال: قال: " عمرو بن عبيد: ~~لا يعفى عن اللص دون السلطان ". # قال: " فحدثته بحديث صفوان بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ~~قال: «فهلا قبل أن تأتيني به»، قال: أتحلف بالله أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قاله؟ قلت: أفتحلف بالله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله؟ فحدثت ~~به ابن عون قال فلما عظمت الحلقة قال: يا أبا بكر حدث ". # PageV01P294 # وقد جعلوا القول بإثبات الصراط والميزان والحوض قولا بما لا يعقل. # وقد سئل بعضهم: هل يكفر من قال برؤية الباري في الآخرة؟ فقال: " لا يكفر ~~لأنه قال ما لا يعقل، ومن قال ما لا يعقل؛ فليس بكافر "!. # وذهبت طائفة إلى نفي أخبار الآحاد جملة، والاقتصار على ما استحسنته ~~عقولهم في فهم القرآن، حتى أباحوا الخمر بقوله: {ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} [المائدة: 93] الآية. # ففي هؤلاء وأمثالهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ألفين أحدكم ~~متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ~~أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»، وهذا وعيد شديد تضمنه النهي لاحق ~~بمن ارتكب رد ms164 السنة. # ولما ردوها بتحكم العقول؛ كان الكلام معهم راجعا إلى أصل التحسين ~~والتقبيح، وهو مذكور في الأصول، وسيأتي له بيان إن شاء الله. # وقال عمر بن النضر: " سئل عمرو بن عبيد يوما عن شيء وأنا عنده فأجاب فيه، ~~فقلت له: ليس هكذا يقول أصحابنا، قال: ومن أصحابك لا أبا لك؟ قلت: أيوب، ~~ويونس، وابن عون، والتميمي، قال: أولئك أنجاس أرجاس، أموات غير أحياء ". # PageV01P295 # وقال ابن علية: حدثني اليسع؛ قال: تكلم واصل (يعني: ابن عطاء) يوما، قال: ~~فقال عمرو بن عبيد: ألا تسمعون؟ ما كلام الحسن وابن سيرين عندما تسمعون إلا ~~خرقة حيضة ملقاة. # كان واصل بن عطاء أول من تكلم في الاعتزال، فدخل معه في ذلك عمرو بن ~~عبيد، فأعجب به، فزوجه أخته، وقال (لها): زوجتك برجل ما يصلح إلا أن يكون ~~خليفة، ثم تجاوزوا الحد حتى ردوا القرآن بالتلويح والتصريح لرأيهم السوء. # فحكى عمرو بن علي أنه سمع ممن يثق به: أنه قال: كنت عند عمرو بن عبيد وهو ~~جالس على دكان عثمان الطويل فأتاه رجل، فقال: يا أبا عثمان! ما سمعت من ~~الحسن يقول في قول الله عز وجل: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم} [آل عمران: 154]؟ قال: تريد أن أخبرك برأي حسن. ~~قال: لا أريد إلا ما سمعت من الحسن. قال: سمعت الحسن يقول: كتب الله على ~~قوم القتل فلا يموتون إلا قتلا، وكتب على قوم الهدم فلا يموتون إلا هدما، ~~وكتب على قوم الغرق فلا يموتون إلا غرقا، وكتب على قوم الحريق فلا يموتون ~~إلا حرقا، فقال له عثمان الطويل: يا أبا عثمان! ليس هذا قولنا، قال عمرو: ~~قد قلت أريد أن أخبرك برأي الحسن، فأنا أكذب على الحسن. # وعن الأثرم عن أحمد بن حنبل؛ قال: حدثنا معاذ؛ قال: كنت عند عمرو بن ~~عبيد، فجاءه عثمان بن فلان، فقال: يا أبا عثمان! سمعت والله بالكفر. قال: ~~ما هو؟ لا تعجل بالكفر. قال: هاشم الأوقص، زعم # PageV01P296 # أن {تبت يدا أبي لهب} ms165 [المسد: 1] وقول الله عز وجل: {ذرني ومن خلقت ~~وحيدا} [المدثر: 11]؛ لم يكن هذا في أم الكتاب، والله تعالى يقول: {حم - ~~والكتاب المبين - إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون - وإنه في أم الكتاب ~~لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 1 - 4]، فما الكفر إلا هذا؟ فسكت ساعة، ثم تكلم ~~فقال: والله لو كان الأمر كما تقول؛ ما كان على أبي لهب من لوم، ولا كان ~~على الوحيد من لوم. قال عثمان في مجلسه : هذا والله الدين، قال معاذ: ثم ~~قال في آخره: فذكرته لوكيع، فقال: يستتاب قائلها فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. # ومثل هذا محكي، لكن (عن) بعض المرموقين من أئمة الحديث. # فروي عن علي ابن المديني، عن المؤمل، عن الحسن بن وهب الجمحي؛ قال: " ~~الذي كان بيني وبين فلان خاص، فانطلق بأهله إلى بئر ميمون، فأرسل إلي: أن ~~ائتني، فأتيته عشية، فبت عنده "، قال: فهو في فسطاط وأنا في فسطاط آخر، ~~فجعلت أسمع صوته الليل كله كأنه دوي النحل، قال: " فلما أصبحنا؛ جاء ~~بغدائه، فتغدينا "، قال: " ثم ذكر ما بيني وبينه من الإخاء والحق ". قال: ~~فقال لي: أدعوك إلى رأي الحسن. قال: وفتح لي شيئا من القدر. قال: فقمت من ~~عنده فما كلمته بكلمة حتى لقي الله. قال: " فأنا يوما خارج من الطريق في ~~الطواف وهو داخل، أو أنا داخل وهو خارج، فأخذ بيدي، فقال: يا أبا عمر! حتى ~~متى؟ حتى # PageV01P297 # متى؟ قال: " فلم أكلمه "، فقال: " ما لي؟ أرأيت لو أن رجلا قال: " إن تبت ~~يدا أبي لهب " ليست من القرآن؛ ما كنت تقول له؟ "، قال: " فنزعت يدي من يده ~~". # قال علي: " قال مؤمل: فحدثت به سفيان بن عيينة، فقال لي: ما كنت أرى أنه ~~بلغ هذا كله ". # قال علي: " وسمعته أنا وأحمد بن. # قال: حدثت أنا سفيان بن عيينة عن معلى الطحان ببعض حديثه، فقال: ما أحوج ~~صاحب هذا الرأي إلى أن يقتل!. # فانظروا إلى تجاسرهم على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم! ~~كل ذلك ترجيح لمذاهبهم على محض ms166 الحق، وأقربهم إلى هيبة الشريعة من يتطلب ~~بها المخرج، فيتأول لها الواضحات، ويتبع المتشابهات، وسيأتي، والجميع ~~داخلون تحت ذمها. # وربما احتج طائفة من نابتة المبتدعة على رد الأحاديث بأنها إنما تفيد ~~الظن، وقد ذم الظن في القرآن؛ كقوله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس} [النجم: 23]، وقال: {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا} [النجم: 28]،. . . . . وما جاء في معناه، حتى أحلوا أشياء مما حرمها ~~الله # PageV01P298 # تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس تحريمها في القرآن نصا، ~~وإنما قصدوا من ذلك أن يثبت لهم من أنظار عقولهم ما استحسنوا. # والظن المراد في الآية وفي الحديث أيضا غير ما زعموا، وقد وجدنا له محالا ~~ثلاثة: # أحدها: الظن في أصول الدين؛ فإنه لا يغني عند العلماء؛ لاحتماله النقيض ~~عند الظان؛ بخلاف الظن في الفروع؛ فإنه معمول به عند أهل الشريعة؛ للدليل ~~الدال على عمله، فكان الظن مذموما إلا ما تعلق بالفروع منه، وهذا صحيح ذكره ~~العلماء في هذا الموضع. # والثاني: أن الظن هنا هو ترجيح أحد النقيضين على الآخر من غير دليل مرجح، ~~ولا شك أنه مذموم هنا؛ لأنه من التحكم، ولذلك أتبع في الآية بهوى النفس في ~~قوله: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس فكأنهم مالوا إلى أمر بمجرد ~~الغرض والهوى، لا باتباع الهدى المنبه عليه بقوله: {ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى} [النجم: 23]، ولذلك أثبت ذمه؛ بخلاف الظن الذي أثاره دليل، فإنه غير ~~مذموم في الجملة؛ لأنه خارج عن اتباع الهوى، ولذلك أثبت وعمل بمقتضاه حيث ~~يليق العمل بمثله؛ كالفروع. # والثالث: أن الظن على ضربين: # ظن يستند إلى أصل قطعي، وهذه هي الظنون المعمول بها في الشريعة أينما ~~وقعت؛ لأنها استندت إلى أصل معلوم، فهي من قبيل المعلوم جنسه. # PageV01P299 # وظن لا يستند إلى قطعي، بل إما مستند إلى غير شيء أصلا، وهو مذموم كما ~~تقدم ، وإما مستند إلى ظن مثله، فلذلك الظن إن استند أيضا إلى قطعي؛ ~~فكالأول، أو إلى ظني، رجعنا إليه، فلا ms167 بد أن يستند إلى قطعي، وهو محمود، أو ~~إلى غير شيء، وهو مذموم. # فعلى كل تقدير؛ كل خبر واحد صح سنده، فلا بد من استناده إلى أصل في ~~الشريعة قطعي، فيجب قبوله، ومن هنا قبلناه مطلقا، كما أن ظنون الكفار غير ~~مستندة إلى شيء، فلا بد من ردها وعدم اعتبارها، وهذا الجواب الأخير مستمد ~~من أصل وقع بسطه في كتاب الموافقات والحمد لله. # ولقد بالغ بعض الضالين في رد الأحاديث، ورد قول من اعتمد على ما فيها، ~~حتى عدوا القول به مخالفا للعقل، والقائل به معدودا في المجانين. # فحكى أبو بكر بن العربي عن بعض من لقي بالمشرق من المنكرين للرؤية: أنه ~~قيل له: هل يكفر من يقول بإثبات رؤية الباري أم لا؟ فقال: " لا! لأنه قال ~~بما لا يعقل، ومن قال بما لا يعقل؛ لا يكفر "! # قال ابن العربي: " فهذه منزلتنا عندهم، فليعتبر الموفق بما يؤدي إليه ~~اتباع الهوى، أعاذنا الله من ذلك بفضله ". # وزل بعض المرموقين في زماننا في هذه المسألة، فزعم أن خبر الواحد كله ~~زعم، وهو ما حكي في الأثر: بئس مطية الرجل زعموا، # PageV01P300 # والأثر الآخر: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث»، وهذه من كلام هذا ~~المتأخر وهلة، عفا الله عنه. ### | [فصل تخرصهم على الكلام في القرآن والسنة العربيين مع العرو عن علم العربية] # فصل # ومنها: تخرصهم على الكلام في القرآن والسنة العربيين مع العرو عن علم ~~العربية الذي يفهم به عن الله ورسوله: # فيفتاتون على الشريعة بما فهموا، ويدينون به، ويخالفون الراسخين في ~~العلم، وإنما دخلوا ذلك من جهة تحسين الظن بأنفسهم، واعتقادهم أنهم من أهل ~~الاجتهاد والاستنباط، وليسوا كذلك: # كما حكي عن بعضهم: أنه سئل عن قول الله تعالى: {ريح فيها صر} [آل عمران: ~~117]؟ فقال: " هو هذا الصرصر "؛ يعني صرار الليل. # وعن النظام: أنه كان يقول: " إذا آلى (المرء) بغير اسم الله لم يكن ~~موليا؛ قال: " لأن الإيلاء مشتق من اسم الله ". # وقال بعضهم في قول الله تعالى: {وعصى آدم ربه فغوى} [طه: 121]، " لكثرة ms168 ~~أكله من الشجرة "، يذهبون إلى قول العرب، غوى الفصيل إذا أكثر من اللبن حتى ~~بشم، ولا يقال فيه: غوى، وإنما غوى من الغي. # وفي قوله سبحانه: {ولقد ذرأنا لجهنم} [الأعراف: 179]؛ أي: " ألقينا فيها ~~"؛ كأنه # PageV01P301 # عندهم من قول العرب: ذرته الريح، وذلك لا يجوز؛ لأن ذرأنا مهموز، وذرته ~~غير مهموز، وكذلك إذا كان من: أذرته الدابة عن ظهرها؛ لعدم الهمزة، ولكنه ~~رباعي، وذرأنا ثلاثي. # وحكى ابن قتيبة عن بشر المريسي: أنه كان يقول لجلسائه: قضى الله لكم ~~الحوائج على أحسن الوجوه وأهيئها، فسمع قاسم التمار قوما يضحكون، فقال: هذا ~~كما قال الشاعر: # إن سليمى والله يكلوها ... ضنت بشيء ما كان يرزوها # وبشر المريسي رأس في الرأي، وقاسم التمار رأس في أصحاب الكلام. # قال ابن قتيبة: " واحتجاجه لبشر أعجب من لحن بشر ". # واستدل بعضهم [على] تحليل شحم الخنزير بقول الله تعالى: {ولحم الخنزير} ~~[البقرة: 173]، فاقتصر على تحريم اللحم دون غيره، فدل على أنه حلال! # وربما سلم بعض العلماء ما قالوا، وزعم أن الشحم إنما حرم بالإجماع، ~~والأمر أيسر من ذلك؛ فإن اللحم يطلق على الشحم وغيره حقيقة، حتى إذا خص ~~بالذكر؛ قيل: شحم؛ كما يقال: عرق، وعصب، وجلد، ولو كان على ما قالوا؛ لزم ~~أن لا يكون العرق والعصب ولا الجلد ولا المخ ولا النخاع ولا غير ذلك مما خص ~~بالاسم محرما، وهو خروج عن # PageV01P302 # القول بتحريم الخنزير. # ويمكن أن يكون من خفي هذا الباب مذهب الخوارج في زعمهم أن لا تحكيم؛ ~~استدلالا بقوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} [الأنعام: 57]؛ فإنه مبني على أن ~~اللفظ ورد بصيغة العموم، فلا يلحقه تخصيص، فلذلك أعرضوا عن قول الله تعالى: ~~{فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35]، وقوله: {يحكم به ذوا ~~عدل منكم} [المائدة: 95]. # وإلا؛ فلو علموا تحقيقا قاعدة العرب في أن العموم يراد به الخصوص؛ لم ~~يسرعوا إلى الإنكار، ولقالوا في أنفسهم: هل هذا العام مخصوص؟ فيتأولون. # وفي الوضع وجه آخر مذكور في موضع غير هذا. # وكثيرا ما يوقع الجهل بكلام العرب في ms169 مجاز لا يرضى بها عاقل، أعاذنا الله ~~من الجهل والعمل به بفضله. # فمثل هذه الاستدلالات لا يعبأ بها، وتسقط مكالمة أهلها، ولا يعد خلاف ~~أمثالهم، وما استدلوا عليه من الأحكام الفروعية أو الأصولية؛ فهو عين ~~البدعة، إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى. # فحق ما حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث قال: # PageV01P303 # " إنما هذا القرآن كلام، فضعوه مواضعه، ولا تتبعوا به أهواءكم "؛ أي: ~~فضعوه على مواضع الكلام، ولا تخرجوه عن ذلك؛ فإنه خروج عن طريقه المستقيم ~~إلى اتباع الهوى. # وعنه أيضا: " إنما أخاف عليكم رجلين: رجل تأول القرآن على غير تأويله، ~~ورجل ينفس المال على أخيه ". # وعن الحسن: أنه قيل له: أرأيت الرجل يتعلم العربية ليقيم بها لسانه ويقيم ~~بها منطقه؟ قال: " نعم، فليتعلمها؛ فإن الرجل يقرأ بالآية، (فيعياه ~~توجيهها)، فيهلك. وعنه أيضا؛ قال: " أهلكتهم العجمة، يتأولون القرآن على ~~غير تأويله ". ### | [فصل انحرافهم عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات التي للعقول فيها مواقف] # فصل # ومنها: انحرافهم عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات التي للعقول ~~فيها مواقف، وطلب الأخذ بها تأويلا: # كما أخبر الله تعالى في كتابه إشارة إلى النصارى في قولهم بالثالوثي ~~بقوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7]. # وقد علم العلماء أن كل دليل فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل في الحقيقة، حتى ~~يتبين معناه ويظهر المراد منه، ويشترط في ذلك أن لا # PageV01P304 # يعارضه أصل قطعي، فإذا لم يظهر معناه لإجمال أو اشتراك، أو عارضه قطعي؛ ~~كظهور تشبيه؛ فليس بدليل؛ لأن حقيقة الدليل أن يكون ظاهرا في نفسه، ودالا ~~على غيره، وإلا؛ احتيج إلى دليل عليه، فإن دل الدليل على عدم صحته؛ فأحرى ~~أن لا يكون دليلا. # ولا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية؛ لأن الفروع الجزئية إن ~~لم تقتض عملا؛ فهي في محل التوقف، وإن اقتضت عملا؛ فالرجوع إلى الأصول هو ~~الصراط المستقيم. # ويتأول الجزئيات حتى ترجع إلى الكليات، فمن عكس الأمر؛ حاول ms170 شططا، ودخل ~~في حكم الذم؛ لأن متبع الشبهات مذموم، فكيف يعتد بالمتشابهات دليلا؟ أو ~~يبنى عليها حكم من الأحكام؟ وإذا لم تكن دليلا في نفس الأمر؛ فجعلها دليلا ~~بدعة محدثة هو الحق. # ومثاله في ملة الإسلام مذاهب الظاهرية في إثبات الجوارح للرب المنزه عن ~~النقائص ؛ من العين، واليد، والرجل، والوجه، والمحسوسات، والجهة. . . . . . ~~وغير ذلك من الثابت للمحدثات. # ومن الأمثلة أيضا أن جماعة زعموا أن القرآن مخلوق؛ تعلقا بالمتشابه، ~~والمتشابه الذي تعلقوا به على وجهين: عقلي في زعمهم وسمعي. # PageV01P305 # فالعقلي: أن صفة الكلام من جملة الصفات، وذات الله عندهم برئية من ~~التركيب جملة، وإثبات صفات الذات قول بتركيب الذات، وهو محال؛ لأنه واحد ~~على الإطلاق، فلا يمكن أن يكون متكلما بكلام قائم به، كما لا يكون قادرا ~~بقدرة قائمة به، أو عالما بعلم قائم به. . . . إلى سائر الصفات. # وأيضا؛ فالكلام لا يعقل إلا بأصوات وحروف، وكل ذلك من صفات المحدثات، ~~والباري منزه عنها. # وبعد هذا الأصل يرجعون إلى تأويل قوله سبحانه: {وكلم الله موسى تكليما} ~~[النساء: 164]، وأشباهه. # وأما السمعي؛ فنحو قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الرعد: 16]، والقرآن ~~إما أن يكون شيئا، أو لا شيء، ولا شيء عدم، والقرآن ثابت، هذا خلف، وإن كان ~~شيئا؛ فقد شملته الآية، فهو إذا مخلوق، وبهذا استدل المريسي على عبد العزيز ~~المكي رحمه الله. # وهاتان الشبهتان أخذ في التعلق بالمتشابهات؛ فإنهم قاسوا الباري على ~~البرية، ولم يعقلوا ما وراء ذلك، فتركوا معاني الخطاب وقاعدة العقول. # أما تركهم للقاعدة؛ فلم ينظروا في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: ~~11]، وهذه الآية نقلية لا عقلية؛ لأن المشابه للمخلوق في وجه ما # PageV01P306 # مخلوق مثله، إذ ما وجب للشيء؛ وجب لمثله، فكما تكون الآية دليلا على ~~المشبهة؛ تكون دليلا لهؤلاء؛ لأنهم عاملوه في التنزيه معاملة المخلوق، حيث ~~توهموا أن اتصاف ذاته بالصفات يقتضي التركيب في الذات. # وأما (تركهم) لمعاني الخطاب؛ فإن العرب لا تفهم من قوله: السميع البصير، ~~والسميع العليم، أو القدير،. . . . . وما أشبه ذلك إلا من له سمع وبصر ms171 وعلم ~~وقدرة اتصف بها، فإخراجها عن حقائق معانيها التي نزل القرآن بها خروج عن أم ~~الكتاب إلى اتباع ما تشابه منه من غير حاجة. # وحيث ردوا هذه الصفات إلى الأحوال التي هي العالمية والقادرية، فما ~~ألزموه في العلم والقدرة لازم لهم في العالمية والقادرية؛ لأنها إما ~~موجودة؛ فيلزم التركيب، أو معدومة؛ والعدم نفي محض. # وأما كون الكلام هو الأصوات والحروف؛ فبناء على عدم النظر في الكلام ~~النفسي، وهو مذكور في الأصول. # وأما الشبهة السمعية؛ فكأنها عندهم بالتبع؛ لأن العقول عندهم هي ~~المعتمدة؛ ولكنهم يلزمهم بذلك الدليل مثل ما فروا منه؛ لأن قوله: {الله ~~خالق كل شيء} [الرعد: 16]، إما أن يكون على عمومه لا يتخلف عنه شيء، أو لا، ~~فإن كان على عمومه؛ فتخصيصه إما بغير دليل؛ وهو التحكم، وإما بدليل؛ ~~فأبرزوه حتى ننظر فيه، ويلزم مثله في الإرادة إن ردوا الكلام إليها، وكذلك # PageV01P307 # غيرها من الصفات إن أقروا بها، أو الأحوال إن أنكروها، وهذا الكلام معهم ~~بحسب الوقت. # والذي يليق بالمسألة أنواع أخر من الأدلة التي تقتضي كون هذا المذهب بدعة ~~لا يلائم قواعد الشرع. # ومن أغرب ما يوضع هاهنا ما حكاه المسعودي وذكره الآجري في كتاب الشريعة ~~بأبسط مما ذكره المسعودي، واللفظ هنا للمسعودي مع إصلاح بعض الألفاظ، قال: # " ذكر صالح بن علي الهاشمي؛ قال: حضرت يوما من الأيام جلوس المهتدي ~~للمظالم، فرأيت من سهولة الوصول ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي فيما يتظلم به ~~إليه ما استحسنته، فأقبلت أرمقه ببصري إذا نظر في القصص، فإذا رفع طرفه ~~إلي؛ أطرقت. # فكأنه علم ما في نفسي، فقال لي: يا صالح! أحسب أن في نفسك شيئا تحب أن ~~تذكره، قال: فقلت: نعم يا أمير المؤمنين!. # فأمسك، فلما فرغ من جلوسه؛ أمر أن لا أبرح، ونهض، فجلست جلوسا طويلا، ~~فقمت إليه وهو على حصير الصلاة، فقال لي: يا صالح! أتحدثني بما في نفسك أم ~~أحدثك؟ فقلت: بل هو من أمير المؤمنين أحسن. فقال: كأنني بك وقد استحسنت من ~~مجلسنا، فقلت: أي خليفة خليفتنا ms172 إن لم يكن يقول بقول أبيه من القول بخلق ~~القرآن!. # فقال: قد كنت على ذلك برهة من الدهر، حتى قدم على الواثق شيخ من أهل ~~الفقه والحديث من (أذنة) من الثغر الشامي مقيدا، طوالا، # PageV01P308 # حسن الشيبة، فسلم غير هائب، ودعا فأوجز، فرأيت الحياء منه في حماليق عيني ~~الواثق والرحمة عليه. # فقال: يا شيخ! أجب أبا عبد الله أحمد بن أبي دؤاد عما يسألك عنه، فقال: ~~يا أمير المؤمنين! أحمد يصغر ويضعف ويقل عند المناظرة. # فرأيت الواثق وقد صار مكان الرحمة غضبا، فقال: أبو عبد الله يصغر ويضعف ~~ويقل عند مناظرتك؟! فقال: هون عليك يا أمير المؤمنين! أتأذن لي في كلامه؟ ~~فقال له الواثق: قد أذنت ذلك. # فأقبل الشيخ على أحمد، فقال: يا أحمد! إلام دعوت الناس؟ فقال أحمد: إلى ~~القول بخلق القرآن، فقال له الشيخ: مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها من ~~القول بخلق القرآن؛ أداخلة في الدين فلا يكون الدين تاما إلا بالقول بها؟ ~~قال: نعم، قال الشيخ: فرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إليها أم ~~تركهم؟، قال: لا. قال له: يعلمها أم لم يعلمها؟ قال: علمها، قال: فلم دعوت ~~الناس إلى ما لم يدعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وتركهم منه؟ ~~فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! هذه واحدة. # ثم قال له: أخبرني يا أحمد! قال الله تعالى في كتابه العزيز: {اليوم ~~أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3]، فقلت أنت: الدين لا يكون تاما إلا بمقالتك ~~بخلق القرآن، فالله تعالى عز وجل أصدق في تمامه وكماله أم أنت في نقصانك؟! ~~فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! وهذه ثانية!. # ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا أحمد!، قال الله عز وجل: # PageV01P309 # {ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} ~~[المائدة: 67]، فمقالتك هذه التي دعوت الناس إليها فيما بلغه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الأمة أم لا؟ فأمسك، فقال (الشيخ): يا أمير المؤمنين!، ~~وهذه ثالثة!. # ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا ms173 أحمد!. لما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها؛ اتسع له عن أن أمسك عنهم أم لا؟ قال ~~أحمد: بل اتسع له ذلك. فقال الشيخ: وكذلك لأبي بكر، وكذلك لعمر، وكذلك ~~لعثمان، وكذلك لعلي، رحمة الله عليهم؟ قال: نعم. # فصرف وجهه إلى الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين! إذا لم يتسع لنا ما اتسع ~~لرسول الله صلى الله عليه ولأصحابه؛ فلا وسع الله علينا، قال الواثق: نعم؛ ~~لا وسع الله علينا إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولأصحابه. # ثم قال الواثق: اقطعوا قيوده. فلما فكت؛ جاذب عليها. فقال الواثق: دعوه. ~~ثم قال: يا شيخ! لم جاذبت عليها؟ قال: لأني عقدت في نيتي أن أجاذب عليها، ~~فإذا أخذتها؛ أوصيت أن تجعل بين يدي وكفني حتى أقول: يا ربي! سل عبدك: لم ~~قيدني ظلما وارتاع في أهلي؟ فبكى الواثق وبكى الشيخ وكل من حضر. # ثم قال له الواثق: يا شيخ! اجعلني في حل. فقال: يا أمير المؤمنين! ما ~~خرجت من منزلي حتى جعلتك في حل إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولقرابتك منه. # فتهلل وجه الواثق، وسر، ثم قال له: أقم عندي آنس بك، فقال له: # PageV01P310 # مكاني في ذلك الثغر أنفع، وأنا شيخ كبير، ولي حاجة. قال: سل ما بدا لك. ~~قال: يأذن أمير المؤمنين في رجوعي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم. ~~قال: قد أذنت لك. وأمر له بجائزة، فلم يقبلها. # فرجعت من ذلك الوقت عن تلك المقالة، وأحسب أيضا أن الواثق رجع عنها. # فتأملوا هذه الحكاية، ففيها عبرة لأولي الألباب، وانظروا كيف مأخذ الخصوم ~~في إفحامهم لخصومهم بالرد عليهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. # ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، ~~وعدم ضم أطرافه بعضها ببعض؛ فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو ~~على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها ~~المرتبة ms174 عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ~~ومجملها المفسر ببينها. . . . إلى ما سوى ذلك من مناحيها، فإذا حصل للناظر ~~من جملتها حكم من الأحكام؛ فذلك الذي نظمت به حين استنبطت. # وما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوي، فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا ~~(حتى) يستنطق فلا ينطق؛ لا باليد وحدها، ولا بالرجل وحدها، ولا بالرأس ~~وحده، ولا باللسان وحده، بل بجملته التي سمي بها إنسانا. # كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها، لا من ~~دليل منها أي دليل كان، وإن ظهر لبادي الرأي نطق ذلك # PageV01P311 # الدليل؛ فإنما هو توهمي لا حقيقي؛ كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا ~~حقيقة؛ من حيث علمت أنها يد إنسان لا من حيث هي إنسان؛ لأنه محال. # فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان ~~إذا صورت صورة متحدة. # وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان عفوا وأخذا أوليا، وإن ~~كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي، فكأن العضو الواحد لا يعطى في مفهوم ~~أحكام الشريعة حكما حقيقيا، فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من في قلبه ~~زيغ، كما شهد الله به، {ومن أصدق من الله حديثا} [النساء: 87]؟. ### | [فصل الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها] # فصل # وعند ذلك نقول: # من اتباع المتشابهات الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها أو في ~~العمومات من غير تأمل؛ هل لها مخصصات أم لا؟ وكذلك العكس؛ بأن يكون النص ~~مقيدا فيطلق، أو خاصا فيعم بالرأي من غير دليل سواه: # فإن هذا المسلك رمي في عماية، واتباع للهوى في الدليل، وذلك أن المطلق ~~المنصوص على تقييده مشتبه إذا لم يقيد، فإذا قيد؛ صار واضحا، كما أن إطلاق ~~المقيد رأي في ذلك المقيد معارض للنص من غير دليل. # PageV01P312 # فمثال الأول: أن الشريعة قد ورد طلبها على المكلفين على الإطلاق والعموم، ~~ولا يرفعها عذر إلا العذر الرافع للخطاب رأسا، وهو زوال العقل، فلو بلغ ~~المكلف في مراتب الفضائل الدينية إلى أي ms175 رتبة بلغ؛ بقي التكليف عليه كذلك ~~إلى الموت. # ولا رتبة لأحد يبلغها في الدين كرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~رتبة أصحابه البررة، ولم يسقط عنهم من التكليف مثقال ذرة؛ إلا ما كان من ~~تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى الآحاد؛ كالزمن؛ لا يطالب بالجهاد، والمقعد؛ ~~لا يطالب بالصلاة بالقيام، والحائض؛ لا تطالب بالصلاة المخاطب بها في حال ~~حيضها. . . . ولا ما أشبه ذلك. # فمن رأى أن التكليف قد يرفعه البلوغ إلى مرتبة ما من مراتب الدين كما ~~يقوله أهل الإباحة ؛ كان قوله بدعة مخرجة عن الدين. # ومنه دعاوى أهل البدع على الأحاديث الصحيحة؛ مناقضتها للقرآن، أو مناقضة ~~بعضها بعضا، وفساد معانيها، أو مخالفتها للعقول؛ كما حكموا بذلك في قوله ~~صلى الله عليه وسلم للمتحاكمين إليه: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب ~~الله: مئة الشاة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، وعلى ~~امرأة هذه الرجم، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت؛ فارجمها، فغدا ~~عليها، فاعترفت، فرجمها». # قالوا: هذا مخالف لكتاب الله؛ لأنه قضى بالرجم والتغريب، وليس للرجم ولا ~~للتغريب في كتاب الله ذكر، فإن كان الحديث باطلا؛ فهو ما # PageV01P313 # أردنا، وإن كان حقا؛ فقد ناقض كتاب الله بزيادة الرجم والتغريب. # فهذا اتباع للمتشابه، لأن الكتاب في كلام العرب وفي الشرع على وجوه؛ ~~منها: الحكم والفرض؛ كقوله تعالى: {كتاب الله عليكم} [النساء: 24]، وقال ~~تعالى: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183]، {وقالوا ربنا لم كتبت علينا ~~القتال} [النساء: 77]، فكان المعنى: لأقضين بينكما بكتاب الله، أي بحكم ~~الله الذي شرع لنا، كما أن الكتاب يطلق على القرآن، فتخصيصهم الكتاب بأحد ~~المحامل من غير دليل اتباع لما تشابه من الأدلة. # وفي الحديث: «مثل أمتي كمطر؛ لا يدرى أوله خير أم آخره؟»؛ قالوا: فهذا ~~يقتضي أنه لم يثبت لأول هذه الأمة فضل على الخصوص دون آخرها ولا العكس. # ثم نقل: «أن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء»، ~~فهذا يقتضي تفضيل الأولين والآخرين على الوسط. # ثم نقل: «خير القرون ms176 قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، فاقتضى أن ~~الأولين أفضل على الإطلاق. # PageV01P314 # قالوا: فهذا تناقض! # وكذبوا؛ ليس ثم تناقض ولا اختلاف، وذلك أن التعارض إذا ظهر لبادي الرأي ~~في المقولات الشرعية: فإما أن لا يمكن الجمع بينهما أصلا، وإما أن يمكن: # فإن لم يمكن؛ فهذا الفرض بين قطعي وظني، أو بين ظنيين، فأما بين قطعيين؛ ~~فلا يقع في الشريعة، ولا يمكن وقوعه؛ لأن تعارض القطعيين محال. # فإن وقع بين قطعي وظني؛ بطل الظني. # وإن وقع بين ظنيين؛ فهاهنا للعلماء فيه الترجيح، والعمل بالأرجح متعين. # ، وإن أمكن الجمع؛ فقد اتفق النظار على إعمال وجه الجمع، وإن كان وجها ~~ضعيفا، فإن الجمع أولى عندهم، وإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها. # فهؤلاء المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأسا؛ إما جهلا به، أو عنادا. # فإذا ثبت هذا؛ فقوله: «خير القرون قرني»، هو الأصل في الباب، فلا يبلغ ~~أحدنا (مبلغ) الصحابة رضي الله عنهم. وما سواه يحتمل التأويل على حال أو ~~زمان أو في بعض الوجوه. # وأما قوله: «فطوبى للغرباء»؛ لا نص فيه على التفضيل المشار إليه، بل هو ~~دليل على جزاء حسن، ويبقى النظر في كونهم مثل جزاء الصحابة أو دونه أو فوقه ~~محتمل، فليس في الحديث عليه دليل، فلا بد من حمله الأصل ولا إشكال. # PageV01P315 # ومن ذلك قولهم بالتناقض في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على ~~يونس بن متى» "، و " «لا تخيروا بين الأنبياء وبيني»، وقوله: «أنا سيد ولد ~~آدم ولا فخر»، ووجه الجمع بينهما ظاهر. # ومنه أنهم قالوا في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من نومه؛ ~~فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت ~~يده»: إن هذا الحديث يفسد آخره أوله؛ فإن أوله صحيح لولا # PageV01P316 # قوله: فإن أحدكم لا يدري كذا. . . . "، فما منا أحد إلا درى أين باتت ~~يده، وأشد الأمور أن يكون مس بها فرجه، ولو أن رجلا فعل ذلك في اليقظة؛ لما ~~طلب بغسل يده، فكيف يطلب بالغسل ms177 ولا يدري هل مس فرجه أم لا؟! # وهذا الاعتراض من النمط (الذي) قبله، إذ النائم قد يمس فرجه فيصيبه شيء ~~من نجاسة في المحل لعدم استنجاء تقدم النوم، أو يكون استجمر فوق موضع ~~الاستجمار، وهو لو كان يقظان فمس لعلم بالنجاسة إذا علقت بيده، فيغسلها في ~~الإناء؛ لئلا يفسد الماء، وإذا أمكن هذا؛ لم يتوجه الاعتراض. # فجميع ما ذكر في هذا الفصل راجع إلى إسقاط الأحاديث بالرأي المذموم الذي ~~تقدم الاستشهاد عليه أنه من البدع المحدثات. ### | [فصل تحريف الأدلة عن مواضعها] # فصل # ومنها: تحريف الأدلة عن مواضعها: # بأن يرد الدليل على مناط، فيصرف عن ذلك المناط إلى أمر آخر؛ موهما أن ~~المناطين واحد، وهو من خفيات تحريف الكلم عن مواضعه والعياذ بالله. # ويغلب على الظن أن من أقر بالإسلام، و [بأنه] يذم تحريف الكلم عن مواضعه؛ ~~لا يلجأ إليه صراحا؛ إلا مع اشتباه يعرض له، أو جهل يصده عن الحق، مع هوى ~~يعميه عن أخذ الدليل مأخذه، فيكون بذلك السبب مبتدعا. # PageV01P317 # وبيان ذلك أن الدليل الشرعي إذا اقتضى أمرا في الجملة مما يتعلق ~~بالعبادات مثلا، فأتى به المكلف في الجملة أيضا، كذكر الله والدعاء ~~والنوافل المستحبات وما أشبهها مما يعلم من الشارع فيها التوسعة؛ كان ~~الدليل عاضدا لعلمه من جهتين: من جهة معناه، ومن جهة عمل السلف الصالح به. # فإن أتى المكلف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة، أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص ~~أو مقارنا لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلا أن الكيفية، أو ~~الزمان أو المكان مقصود شرعا من غير أن يدل الدليل عليه؛ كان الدليل بمعزل ~~عن ذلك المعنى المستدل عليه. # فإذا ندب الشرع مثلا إلى ذكر الله، فالتزم قوم الاجتماع عليه على لسان ~~واحد وبصوت، أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات؛ لم يكن في ندب الشرع ~~ما يدل على هذا التخصيص الملتزم، بل فيه ما يدل على خلافه؛ لأن التزام ~~الأمور غير اللازمة شرعا شأنها أن تفهم التشريع، وخصوصا مع من يقتدى به في ms178 ~~مجامع الناس كالمساجد؛ فإنها إذا ظهرت هذا الإظهار ووضعت في المساجد كسائر ~~الشعائر التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المساجد وما أشبهها ~~كالأذان وصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف ؛ فهم منها بلا شك أنها سنن، إذا ~~لم تفهم منها الفرضية، فأحرى أن لا يتناولها الدليل المستدل به، فصارت من ~~هذه الجهة بدعا محدثة بذلك. # (و) على ذلك ترك التزام السلف لتلك الأشياء أو عدم العمل بها، وهم كانوا ~~أحق بها وأهلها لو كانت مشروعة على مقتضى # PageV01P318 # القواعد؛ لأن الذكر قد ندب إليه الشرع ندبا في مواضع كثيرة، حتى إنه لم ~~يطلب في تكثير عبادة من العبادات ما طلب من التكثير من الذكر؛ كقوله تعالى: ~~{ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} [الأحزاب: 41] الآية، وقوله: ~~{وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} [الجمعة: 10]؛ ~~بخلاف سائر العبادات. # ومثل هذا الدعاء؛ فإنه ذكر الله، ومع ذلك؛ فلم يلتزموا فيه كيفيات، ولا ~~قيدوه بأوقات مخصوصة بحيث تشعر باختصاص التعبد بتلك الأوقات، إلا ما عينه ~~الدليل؛ كالغداة والعشي. ولا أظهروا منه إلا ما نص الشارع على إظهاره؛ ~~كالذكر في العيدين وشبهه، وما سوى ذلك؛ فكانوا مثابرين على إخفائه وسره، ~~ولذلك قال لهم [النبي صلى الله عليه وسلم] حين رفعوا أصواتهم: «أربعوا على ~~أنفسكم؛ إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا»، وأشباهه، ولم يظهروه في الجماعات. # فكل من خالف هذا الأصل؛ فقد خالف إطلاق الدليل أولا؛ لأنه قيد فيه ~~بالرأي، وخالف من كان أعرف منه بالشريعة وهم السلف الصالح رضي الله عنهم ، ~~بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك العمل وهو يحب أن يعمل به خوفا ~~أن يعمل به الناس فيفرض عليهم. # PageV01P319 # وفي فصل من الموافقات جملة من هذا، وهو مزلة قدم، فقد يتوهم أن إطلاق ~~اللفظ يشعر بجواز كل ما يمكن في مدلوله وقوعا، وليس كذلك؛ خصوصا في ~~العبادات؛ فإنها محمولة على التعبد على حسب ما تلقى النبي صلى الله عليه ~~وسلم والسلف الصالح؛ كالصلوات حين وضعت بعيدة عن مدارك العقول ms179 في أركانها ~~وترتيبها وأزمانها وكيفياتها ومقاديرها، وسائر ما كان مثلها حسبما يذكر في ~~باب المصالح المرسلة من هذا الكتاب إن شاء الله ، فلا يدخل العبادات الرأي ~~والاستحسان هكذا مطلقا؛ لأنه كالمنافي لوضعها، ولأن العقول لا تدرك معانيها ~~على التفصيل. # وكذلك حافظ العلماء على ترك إجراء القياس فيها؛ كمالك بن أنس رضي الله ~~عنه؛ فإنه حافظ على طرح الرأي جدا، ولم يعمل فيها من أنواع القياس إلا قياس ~~نفي الفارق، حيث اضطر إليه، وكذلك غيره من العلماء وإن تفاوتوا فهم محافظون ~~جميعا في العبادات على الاتباع لنصوصها ومنقولاتها؛ بخلاف غيرها، فبحسبها ~~لا مطلقا؛ فإن الإنسان قد أمر بذلك في الجملة مثلا . # فالمخصص كالمخالف لمفهوم التوسعة، وإن لم يفهم من ذلك توسعه؛ فلا بد من ~~الرجوع إلى أصل الوقف من المنقول؛ لأنا إن خرجنا عنه؛ شككنا في كون العبادة ~~على ذلك الوجه مشروعة؛ أو قطعنا بأنها ليست بمشروعة، على الطريقتين المنبه ~~عليهما في كتاب الموافقات، فيتعين الرجوع إلى المنقول وقوفا من غير زيادة ~~ولا نقصان. # PageV01P320 # ثم إذا فهمنا التوسعة؛ فلا بد من اعتبار أمر آخر، وهو أن يكون العمل بحيث ~~لا يوهم التخصيص زمانا دون غيره، أو مكانا دون غيره، أو كيفية دون غيرها، ~~أو يوهم انتقال الحكم من الاستحباب مثلا إلى السنة أو الفرض؛ لأنه قد يكون ~~الدوام عليه على كيفية ما في مجامع الناس أو مساجد الجماعات أو نحو ذلك ~~موهما لكونه سنة أو فرضا. . . . بل هو كذلك. # ألا ترى أن كل ما أظهره رسول الله صلى الله عليه وسلم وواظب عليه جماعة؛ ~~إذا لم يكن فرضا؛ فهو سنة عند العلماء؛ كصلاة العيدين والاستسقاء والكسوف ~~ونحو ذلك؟ بخلاف قيام الليل وسائر النوافل؛ فإنها مستحبات، وندب صلى الله ~~عليه وسلم إلى إخفائها، وإنما يضر إذا كانت تشاع ويعلن بها. # ومن أمثلة هذا الأصل التزام الدعاء بعد الصلوات بالهيئة الاجتماعية معلنا ~~بها في الجماعات، وسيأتي بسط ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. ### | [فصل بناء طائفة منهم الظواهر الشرعية على تأويلات لا ms180 تعقل] # فصل # ومنها بناء طائفة منهم الظواهر الشرعية على تأويلات لا تعقل يدعون فيها ~~أنها (هي) المقصود والمراد، لا ما يفهم العربي منها مسندة عندهم إلى أصل لا ~~يعقل: # وذلك أنهم فيما ذكره العلماء قوم أرادوا إبطال الشريعة جملة وتفصيلا، ~~وإلقاء ذلك فيما بين الناس؛ لينحل الدين في أيديهم، فلم يمكنهم إلقاء ذلك ~~صراحا؛ فيرد ذلك في وجوههم وتمتد إليهم أيدي # PageV01P321 # الحكام، فصرفوا أعناقهم إلى التحيل على ما قصدوا بأنواع من الحيل، من ~~جملتها صرف الهم من الظواهر؛ إحالة على أن لها بواطن هي المقصودة، وأن ~~الظواهر غير مرادة. # فقالوا: كل ما ورد في الشرع من الظواهر في التكاليف والحشر والنشر ~~والأمور الإلهية؛ فهي أمثلة ورموز إلى بواطن. # فمما زعموا في الشرعيات: أن الجنابة مبادرة الداعي للمستجيب بإفشاء سر ~~إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق، ومعنى الغسل تجديد العهد على من فعل ذلك، ~~ومعنى مجامعة البهيمة مقابحة من لا عهد له ولم يؤد شيئا من صدقة النجوى وهو ~~مئة وتسعة عشر درهما عندهم ؛ قالوا: فلذلك أوجب الشرع القتل على الفاعل ~~والمفعول بها، وإلا؛ فالبهيمة متى يجب القتل عليها؟! والاحتلام أن يسبق ~~لسانه إلى إفشاء السر في غير محله، فعليه الغسل؛ أي: تجديد المعاهدة، ~~والطهر هو التبرؤ من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام، والتيمم الأخذ من ~~المأذون إلى أن يسعد بمشاهدة الداعي والإمام، والصيام هو الإمساك عن كشف ~~السر. # ولهم من هذا الإفك كثير في الأمور الإلهية وأمور التكليف وأمور الآخرة، ~~وكله حوم على إبطال الشريعة جملة وتفصيلا، إذ هم ثنوية ودهرية وإباحية، ~~منكرون للنبوة والشرائع والحشر والنشر والجنة والنار والملائكة، بل هم ~~منكرون للربوبية، وهم المسمون بالباطنية. # وربما تمسكوا بالحروف والأعداد: بأن الثقب في رأس الآدمي # PageV01P322 # سبع، والكواكب السيارة سبع، وأيام الأسبوع سبع؛ فهذا يدل على أن دور ~~الأئمة سبعة، وبه يتم. وأن الطبائع أربع، وفصول السنة أربع، فدل على أن ~~أصول الأربعة هي السابق والتالي الإلهان عندهم والناطق والأساس وهما ~~الإمامان والبروج اثنا عشر يدل على أن الحجج ms181 اثنا عشر، وهم الدعاة. . . . ~~إلى أنواع من هذا القبيل. # وجميعها ليس فيه ما يقابل بالرد؛ لأن كل طائفة من المبتدعة سوى هؤلاء ~~ربما يتمسكون بشبهة تحتاج إلى النظر فيها معهم، أما هؤلاء؛ فقد خلعوا في ~~الهذيان الربقة، وصاروا عرضة للمز، وضحكة للعالمين، وإنما ينسبون هذه ~~الأباطيل إلى الإمام المعصوم الذي زعموه، وإبطال الإمامة معلوم في كتب ~~المتكلمين، ولكن لا بد من نكتة مختصرة في الرد عليهم. # فلا يخلو أن يكون ذلك عندهم: # إما من جهة دعوى الضرورة، وهو محال؛ لأن الضروري (هو) ما يشترك فيه ~~العقلاء علما وإدراكا، وهذا ليس كذلك. # وإما من جهة الإمام المعصوم؛ فسماعهم منه لتلك التأويلات. # (فنقول) لمن زعم ذلك: ما الذي دعاك إلى تصديق الإمام المعصوم دون محمد ~~عليه السلام مع المعجزة وليس لإمامك معجزة؟! فالقرآن يدل على أن المراد ~~ظاهره، لا ما زعمت. # فإن قال: ظاهر القرآن رموز إلى بواطن فهمها الإمام المعصوم ولم يفهمها ~~فتعلمناها منه. قيل لهم: من أي جهة تعلمتموها منه؟ # PageV01P323 # أبمشاهدة قلبه بالعين؟ أو بسماع منه؟ ولا بد من الاستناد إلى السماع ~~بالأذن، فيقال: فلعل لفظه ظاهر له باطن لم تفهمه ولم يطلعك عليه، فلا يوثق ~~بما فهمت من ظاهر لفظه! # فإن قال: صرح بالمعنى، وقال: ما ذكرته ظاهر لا رمز فيه، أو والمراد ~~ظاهره. قيل له: وبماذا عرفت قوله لك: أنه ظاهر؛ [أنه] لا رمز فيه، بل أنه ~~كما قال، إذ يمكن أن يكون له باطن لم تفهمه أيضا، فلا يزال الإمام يصرح ~~باللفظ والمذهب يدعو إلى أن له فيه رمزا. # ولو فرضنا أن الإمام أنكر الباطن؛ فلعل تحت إنكاره رمزا لم تفهمه أيضا، ~~حتى لو حلف بالطلاق الظاهر أنه لم يقصد إلا الظاهر؛ لاحتمل أن يكون في ~~طلاقه رمز وهو باطنه وليس مقتضى الظاهر. # فإن قال: ذلك يؤدي إلى حسم باب التفهيم، قيل له: فأنتم حسمتموه بالنسبة ~~إلى النبي عليه والسلام؛ فإن القرآن دائر على تقرير الوحدانية، والجنة، ~~والنار، والحشر، والنشر، والأنبياء، والوحي، والملائكة؛ مؤكدا ذلك كله ~~بالقسم، ms182 وأنتم تقولون: إن ظاهره غير مراد، وإن تحته رمزا! فإن جاز ذلك ~~عندكم بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لمصلحة وسر له في الرمز؛ جاز ~~بالنسبة إلى معصومكم أن يظهر لكم خلاف ما يضمره لمصلحة وسر له فيه، وهذا لا ~~محيص لهم عنه. # قال أبو حامد الغزالي رحمه الله: " ينبغي أن يعرف الإنسان أن رتبة هذه ~~الفرقة هي أخس من رتبة كل فرقة من فرق الضلال؛ إذ لا تجد فرقة تنقض مذهبها ~~بنفس المذهب سوى هذه التي هي الباطنية، إذ مذهبها إبطال النظر وتغيير ~~الألفاظ عن موضوعها بدعوى الرمز، وكل ما يتصور أن تنطق به # PageV01P324 # ألسنتهم، فإما نظر أو نقل، أما النظر؛ فقد جوزوا أن يراد باللفظ غير ~~موضوعه، فلا يبقى لهم معتصم، والتوفيق بيد الله. # وذكر ابن العربي في " العواصم " مأخذا آخر في الرد عليهم أسهل من هذا ~~وقال: " إنهم لا قبل لهم به " ، وهو أن يسلط عليهم في كل ما يدعونه السؤال ~~ب " لم "؟ خاصة، فكل من وجهت عليه منهم؛ سقط في يده، وحكى في ذلك حكاية ~~ظريفة يحسن موقعها هاهنا. # وتصور المذهب كاف في ظهور بطلانه؛ إلا أنه مع ظهور فساده وبعده عن الشرع ~~قد اعتمده طوائف وبنوا عليه بدعا فاحشة؛ (منها) مذهب المهدي المغربي؛ فإنه ~~عد نفسه الإمام المنتظر، وأنه معصوم، حتى أن من شك في عصمته، أو في أنه ~~المهدي المنتظر؛ كافر. # وقد زعم ذووه أنه ألف في الإمامة كتابا ذكر فيه أن الله استخلف آدم ونوحا ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا عليهم السلام، وأن مدة الخلافة ثلاثون سنة، ~~وبعد ذلك فرق وأهواء، وشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فلم ~~يزل الأمر على ذلك، والباطل ظاهر، والحق كامن، والعلم مرفوع كما أخبر عليه ~~الصلاة والسلام ، الجهل ظاهر، ولم يبق من الدين إلا اسمه، ولا من القرآن ~~إلا رسمه، حتى جاء الله بالإمام، فأعاد به الدين؛ كما قال عليه الصلاة ~~والسلام: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء». # وقال: إن طائفته ms183 هم الغرباء؛ زعما من غير برهان زائد على الدعوى. # PageV01P325 # وقال في ذلك الكتاب: جاء الله بالمهدي، وطاعته صافية نقية، لم ير مثلها ~~قبل ولا بعد، وأن به قامت السماوات والأرض به تقوم، ولا ضد له ولا مثل ولا ~~ند ولا كذب، تعالى الله عن قوله وهذا ، كما نزل أحاديث الترمذي وأبي داود ~~في الفاطمي على نفسه، وأنه هو بلا شك. # وأول إظهاره لذلك أنه قام في أصحابه خطيبا، فقال: الحمد لله الفعال لما ~~يريد، القاضي لما يشاء، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وصلى الله على النبي ~~المبشر بالمهدي يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا يبعثه الله إذا ~~نسخ الحق بالباطل، وأزيل العدل بالجور، مكانه بالمغرب الأقصى، وزمانه آخر ~~الأزمان، واسمه اسم النبي عليه السلام، ونسبه نسب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقد ظهر جور الأمراء، وامتلأت الأرض بالفساد، وهذا آخر الزمان، ~~والاسم الاسم، والنسب النسب والفعل الفعل. يشير إلى ما جاء في أحاديث ~~الفاطمي. # فلما فرغ؛ بادر إليه من أصحابه عشرة، فقالوا: هذه الصفة لا توجد إلا فيك، ~~فأنت المهدي، فبايعوه على ذلك. # وأحدث في دين الله أحداثا كثيرة؛ زيادة إلى الإقرار بأنه المهدي المعلوم، ~~والتخصيص بالعصمة، ثم وضع ذلك في الخطب، وضرب في السكك، بل كانت تلك الكلمة ~~عندهم ثالثة الشهادة، فمن لم يؤمن بها أو شك فيها؛ فهو كافر كسائر الكفار، ~~وشرع القتل في مواضع لم يضعه الشرع فيها، وهي نحو من ثمانية عشر موضعا؛ ~~كترك امتثال أمر من يستمع أمره، # PageV01P326 # وترك حضور مواعظه ثلاث مرات، والمداهنة إذا ظهرت في أحد قتل. . . . . ~~وأشياء كثيرة. # وكان مذهبه (البدعة) الظاهرية، ومع ذلك فابتدع أشياء؛ كوجوه من التثويب، ~~إذ كانوا ينادون عند الصلاة " بتاصاليت الإسلام " و " بقيام تاصاليت "، " ~~سودرين "، و " باردي " و " وأصبح ولله الحمد ". . . . وغيره، فجرى العمل ~~بجميعها في زمان الموحدين، وبقي أكثرها بعدما انقرضت دولتهم حتى إني أدركت ~~بنفسي في جامع غرناطة الأعظم الرضى عن الإمام المعصوم المهدي المعلوم، إلى ~~أن أزيلت وبقيت أشياء مثيرة غفل ms184 عنها أو أغفلت. # وقد كان السلطان أبو العلاء إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي ~~منهم ظهر له قبح ما هم عليه من هذه الابتداعات، فأمر حين استقر بمراكش ~~خليفته بإزالة جميع ما ابتدع من قبله، وكتب بذلك رسالة إلى الأقطار يأمر ~~فيها بتغيير تلك السنة، ويوصي بتقوى الله والاستعانة به والتوكل عليه، وأنه ~~قد نبذ الباطل وأظهر الحق، وأن لا مهدي إلا عيسى، وأن ما ادعوه أنه المهدي ~~بدعة أزالها وأسقط اسم من لا تثبت عصمته. # وذكر أن أباه المنصور هم بأن يصدع بما به صدع، وأن يرقع الحرف الذي رقع، ~~فلم يساعده الأجل لذلك، ثم لما مات واستخلف ابنه أبو محمد عبد الواحد ~~الملقب بالرشيد؛ وفد إليه جماعة من أهل المذهب المتسمين بالموحدين، فقبلوا ~~منه في الذروة والغارب، وضمنوا على # PageV01P327 # أنفسهم الدخول تحت طاعته، والوقوف على قدم الخدمة بين يديه، والمدافعة ~~عنه بما استطاعوا، لكن على شرط ذكر المهدي وتخصيصه بالعصمة في الخطبة ~~والمخاطبات، ونقش اسمه الخاص في السكك، وإعادة الدعاء بعد الصلاة، والنداء ~~عليها " بتاصاليت الإسلام " عند كمال الأذان، وبتقام تاصاليت "، وهي إقامة ~~الصلاة، وما أشبه ذلك من " سودرين "، و " باوري " و " أصبح ولله الحمد ". . ~~. . وغير ذلك. # وقد كان الرشيد استمر على العمل بما رسم أبوه من ترك ذلك كله، فلما انتدب ~~" الموحدون " إلى الطاعة؛ اشترطوا إعادته ما ترك، فأسعفوا فيه، فلما احتلوا ~~منازلهم أياما، ولم يعد شيء من تلك العوائد؛ ساءت ظنونهم، وتوقعوا انقطاع ~~ما هو عمدتهم في دينهم، وبلغ ذلك الرشيد، فجدد تأنيسهم بإعادتها. # قال المؤرخ: فيا لله! ماذا بلغ من سرورهم وما كانوا فيه من الارتياح ~~لسماع تلك الأمور، وانطلقت ألسنتهم بالدعاء لخليفتهم بالنصر والتأييد، ~~وشملت الأفراح فيهم الكبير والصغير، وهذا شأن صاحب البدعة أبدا، فلن يسر ~~بأعظم من انتشار بدعته وإظهارها، {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا} [المائدة: 41]، وهذا كله دائر على القول بالإمامة والعصمة الذي هو ~~رأي الشيعة. # PageV01P328 ### | [فصل المغالاة في تعظيم الشيوخ] # فصل # ومنها: ms185 رأي قوم تغالوا في تعظيم شيوخهم، حتى ألحقوهم بما لا يستحقونه: # فالمقتصد فيهم يزعم أنه لا ولي لله أعظم من فلان، وربما أغلقوا باب ~~الولاية دون سائر الأمة إلا هذا المذكور. # وهو باطل محض، وبدعة فاحشة؛ لأنه لا يمكن أن يبلغ المتأخرون أبدا مبالغ ~~المتقدمين، فخير القرون القرن الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وآمنوا به، ثم الذين يلونهم، وهكذا يكون الأمر أبدا إلى قيام الساعة، فأقوى ~~ما كان أهل الإسلام في دينهم وأعمالهم ويقينهم وأحوالهم في أول الإسلام، ثم ~~لا زال ينقص شيئا فشيئا إلى آخر الدنيا. # لكن لا يذهب الحق جملة، بل لا بد من طائفة تقوم به وتعتقده، وتعمل ~~بمقتضاه على حسبهم في إيمانهم، لا ما كان عليه الأولون من كل وجه، لأنه لو ~~أنفق أحد من المتأخرين وزن أحد ذهبا؛ ما بلغ مد أحد من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا نصيفه؛ حسبما أخبر عنه الصادق صلى الله عليه وسلم، وإذا ~~كان ذلك في المال؛ فكذلك في سائر شعب الإيمان؛ بشهادة التجربة العادية. # ولما تقدم أول الكتاب أنه لا يزال الدين في نقص؛ فهو أصلا لا شك فيه، وهو ~~عند أهل السنة والجماعة؛ فكيف يعتقد بعد ذلك في أنه ولي أهل الأرض؟! وليس ~~في الأمة ولي غيره!! لكن الجهل الغالب، والغلو في التعظيم، والتعصب للنحل، ~~يؤدي إلى مثله أو أعظم منه. # والمتوسط يزعم أنه مساو للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لا يأتيه ~~الوحي. # PageV01P329 # بلغني هذا عن طائفة من الغالين في شيخهم، الحاملين لطريقتهم في زعمهم؛ ~~نظير ما ادعاه بعض تلامذة الحلاج في شيخهم على الاقتصاد منهم فيه. # والغالي يزعم فيه أشنع من هذا، كما ادعى أصحاب الحلاج في الحلاج. # وقد حدثني بعض الشيوخ أهل العدالة والصدق في النقل أنه قال: " أقمت زمانا ~~في بعض القرى البادية، وفيها من هذه الطائفة المشار إليها كثير ". # قال: " فخرجت يوما من منزلي لبعض شأني، فرأيت رجلين منهم قاعدين يتحدثان، ~~فاتهمت أنهما يتحدثان في بعض ms186 فروع طريقتهم، فقربت منهما على استخفاء لأسمع ~~من كلامهم إذ من شأنهم الاستخفاء بأسرارهم ، فتحدثا في شيخهم وعظم منزلته، ~~وأنه لا أحد في الدنيا مثله، فقال أحدهما للآخر: أتحب الحق؟ هو النبي، قال: ~~نعم، وطربا لهذه المقابلة طربا عظيما، ثم قال أحدهما للآخر: أتحب الحق؟ هو ~~كذا، قال: نعم، هذا هو الحق ". قال المخبر لي: " فقمت من ذلك (المكان) فارا ~~أن يصيبني معهم قارعة. # وهذا نمط الشيعة الإمامية، ولولا الغلو في الدين، والتكالب على نصر ~~المذهب، والتهالك في محبة المبتدع؛ لما وسع ذلك عقل أحد، ولكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا # PageV01P330 # بذراع» الحديث. # فهؤلاء غلوا كما غلت النصارى في عيسى عليه السلام، حيث قالوا: {إن الله ~~هو المسيح ابن مريم} [المائدة: 17]، فقال الله تعالى: {قل ياأهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77]، وفي الحديث: «ولا تطروني كما أطرت ~~النصارى عيسى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله». # ومن تأمل هذه الأصناف؛ وجد لها من البدع في فروع الشريعة كثيرا؛ لأن ~~البدعة إذا دخلت في الأصل؛ سهلت مداخلتها الفروع. ### | [فصل أخذ الأعمال إلى المنامات] # فصل # وأضعف هؤلاء احتجاجا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات، وأقبلوا ~~وأعرضوا بسببها: # فيقولون: رأينا فلانا الرجل الصالح، فقال لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا. # ويتفق هذا كثيرا [ل] المترسمين برسم التصوف، وربما قال بعضهم: رأيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال لي كذا، وأمرني بكذا، فيعمل بها ويترك ~~بها؛ معرضا عن الحدود الموضوعة في الشريعة. # PageV01P331 # وهو خطأ، لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعا على حال؛ إلا أن ~~تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا؛ ~~وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، وأما ~~استفادة الأحكام؛ فلا. # كما يحكى عن الكتاني رحمه الله؛ قال: " رأيت النبي صلى الله عليه ms187 وسلم في ~~المنام، فقلت: ادع الله أن لا يميت قلبي، فقال: قل كل يوم أربعين مرة: يا ~~حي! يا قيوم! لا إله إلا أنت ". # فهذا كلام حسن لا إشكال في صحته، وكون الذكر يحيي القلب صحيح شرعا، ~~وفائدة الرؤيا التنبيه على الخير، وهو من ناحية البشارة، وإنما يبقى الكلام ~~في التحديد بالأربعين، وإذا لم يوجد على اللزوم استقام. # وعن أبي يزيد البسطامي؛ قال: رأيت ربي في المنام، فقلت: كيف الطريق إليك؟ ~~فقال: اترك نفسك وتعالى ". # وشأن هذا الكلام من الشرع موجود، فالعمل بمقتضاه صحيح؛ لأنه كالتنبيه ~~لموضع الدليل؛ لأن ترك النفس معناه ترك هواها بإطلاق، والوقوف على قدم ~~العبودية، والآيات تدل على هذا المعنى؛ كقوله تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى - فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: 40 - 41]،. . . . ~~وما أشبه ذلك. # فلو رأى في النوم قائلا يقول: إن فلانا سرق فاقطعه، أو عالم # PageV01P332 # فاسأله، أو اعمل بما يقول لك، أو فلان زنى فحده. . . وما أشبه ذلك؛ لم ~~يصح له العمل، حتى يقوم له الشاهد في اليقظة، وإلا؛ كان عاملا بغير شريعة، ~~إذ ليس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحي. # ولا يقال: إن الرؤيا من أجزاء النبوة فلا ينبغي أن تهمل، وأيضا؛ إن ~~المخبر في المنام قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قد قال: «من رآني ~~في النوم؛ فقد رآني حقا؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي»، وإذا كان. . . فإخباره ~~في النوم كإخباره في اليقظة. # لأنا نقول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة؛ فليست إلينا من كمال الوحي، ~~بل جزء من أجزائه، والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنما يقوم ~~مقامه في بعض الوجوه، وقد صرفت إلى جهة البشارة والنذارة، وفيها كاف. # وأيضا؛ فإن الرؤيا التي هي جزء من (أجزاء) النبوة؛ من شرطها أن تكون ~~صالحة من الرجل الصالح، وحصول الشروط مما ينظر فيه، فقد تتوفر وقد لا ~~تتوفر. # وأيضا؛ فهي منقسمة إلى الحلم وهو من الشيطان ، وإلى حديث النفس، وقد تكون ms188 ~~سبب هيجان بعض أخلاط، فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها ونترك غير ~~الصالحة؟!. # ويلزم أيضا على ذلك أن يكون تجديد وحي بحكم بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهو منهي عنه بالإجماع. # PageV01P333 # " يحكى أن شريك بن عبد الله القاضي دخل على المهدي، فلما رآه؛ قال: علي ~~بالسيف والنطع، قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت في منامي كأنك تطأ ~~بساطي وأنت معرض عني، فقصصت رؤياي على من عبرها، فقال لي: يظهر لك طاعة ~~ويضمر معصية. فقال له شريك: والله ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل عليه ~~السلام، ولا أن معبرك بيوسف الصديق عليه السلام، فبالأحلام الكاذبة تضرب ~~أعناق المؤمنين؟ فاستحيا المهدي، وقال: اخرج عني، ثم صرفه وأبعده. # وحكى الغزالي عن بعض الأئمة: " أنه أفتى بوجوب قتل رجل يقول بخلق القرآن، ~~فروجع فيه فاستدل بأن رجلا رأى في منامه إبليس قد اجتاز بباب المدينة ولم ~~يدخلها؟ فقيل: هل دخلتها؟ فقال: أغناني عن دخولها رجل يقول بخلق القرآن، ~~فقام ذلك الرجل، فقال: لو أفتى إبليس بوجوب قتلي في اليقظة؛ هل تقلدونه في ~~فتواه؟ فقالوا: لا! فقال: قوله في المنام لا يزيد على قوله في اليقظة ". # وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الرائي بالحكم؛ ~~فلا بد من النظر فيها أيضا؛ لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته؛ فالحكم بما ~~استقر، وإن أخبر بمخالف؛ فمحال؛ لأنه عليه السلام لا ينسخ بعد موته شريعته ~~المستقرة في حياته؛ لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي ~~النومية؛ لأن ذلك باطل بالإجماع، فمن رأى شيئا من ذلك فلا عمل عليه، وعند ~~ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة، إذ لو رآه حقا؛ لم يخبره بما يخالف الشرع. # لكن يبقى النظر في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «من رآني في النوم فقد # PageV01P334 # رآني» وفيه تأويلان: # أحدهما: ما ذكره ابن رشد، إذ سئل عن حاكم شهد عنده عدلان مشهوران ~~بالعدالة في قضية، فلما نام الحاكم؛ ذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال ms189 له: تحكم بهذه الشهادة؟! فإنها باطلة؟. # فأجاب بأنه لا يحل له أن يترك العمل بتلك الشهادة؛ لأن ذلك إبطال لأحكام ~~الشريعة بالرؤيا، وذلك باطل لا يصح أن يعتقد، إذ لا يعلم الغيب من ناحيتها ~~إلا الأنبياء الذين رؤياهم وحي، ومن سواهم؛ إنما رؤياهم جزء من ستة وأربعين ~~جزءا من النبوة. # ثم قال: وليس معنى قوله: «من رآني فقد رآني حقا»، أن كل من رأى في منامه ~~أنه رآه فقد رآه حقيقة، بدليل أن الرائي قد يراه مرات على صور مختلفة، ~~ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أخرى. ولا يجوز أن تختلف صور النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا صفاته، وإنما معنى الحديث: من رآني على صورتي التي ~~خلقت عليها. فقد رآني، إذ لا يتمثل الشيطان بي، إذ لم يقل: من رأى أنه رآني ~~فقد رآني؛ وإنما قال: «من رآني فقد رآني»، وأنى لهذا الرائي الذي رأى أنه ~~رآه على صورة أنه رآه عليها؟، وإن ظن أنه رآه، ما لم يعلم أن تلك الصورة ~~صورته بعينها؟!، وهذا ما لا طريق لأحد إلى معرفته. # فهذا ما نقل عن ابن رشد، وحاصله يرجع إلى أن المرئي قد يكون غير النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وإن اعتقد الرائي أنه هو. # الثاني: يقوله علماء التعبير: إن الشيطان قد يأتي النائم في صورة # PageV01P335 # ما من معارف الرائي وغيرهم، فيشير له إلى رجل آخر: هذا فلان النبي، وهذا ~~الملك الفلاني، أو من أشبه هؤلاء ممن لا يتمثل الشيطان به، فيوقف اللبس على ~~الرائي بذلك، وله علامة عندهم، وإذا كان كذلك؛ أمكن أن يكلمه المشار إليه ~~بالأمر والنهي غير الموافقين للشرع، فيظن الرائي أنه من قبل النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولا يكون كذلك، فلا يوثق بما يقول له أو يأمر أو ينهى. # وما أحرى هذا الضرب أن يكون الأمر أو النهي فيه مخالفا لكمال الأول، [وهو ~~لو كان من عند النبي صلى الله عليه وسلم] حقيقا بأن يكون فيه موافقا، وعند ~~ذلك لا يبقى في المسألة ms190 إشكال. # نعم؛ لا يحكم بمجرد الرؤيا حتى يعرضها على العلم؛ لإمكان اختلاط أحد ~~القسمين بالآخر وعلى الجملة، فلا يستدل (بالرؤيا) في الأحكام إلا ضعيف ~~المنة. # نعم؛ يأتي المرئي تأنيسا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها ~~حكما، ولا يبنون عليها أصلا، وهو الاعتدال في أخذها، حسبما فهم من الشرع ~~فيها، والله أعلم. ### | [فصل الاجتماع في بعض الليالي والأخذ بالذكر الجهري على صوت واحد] # فصل # وقد رأينا أن نختم الكلام في الباب بفصل جمع جملة من الاستدلالات ~~المتقدمة وغيرها في معناها، وفيه من نكت هذا الكتاب جملة أخرى، فهو مما ~~يحتاج إليه بحسب الوقت والحال، وإن كان فيه # PageV01P336 # طول، ولكنه يخدم ما نحن فيه إن شاء الله. # وذلك أنه وقع السؤال عن قوم يتسمون بالفقراء، يزعمون أنهم سلكوا طريق ~~الصوفية، فيجتمعون في بعض الليالي، ويأخذون في الذكر الجهري على صوت واحد، ~~ثم في الغناء والرقص إلى آخر الليل، ويحضر معهم بعض المتسمين بالفقهاء، ~~يترسمون برسم الشيوخ الهداة إلى سلوك ذلك الطريق؛ هل هذا العمل صحيح في ~~الشرع أم لا؟ # فوقع الجواب بأن ذلك كله من البدع المحدثات، المخالفة طريقة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وطريقة أصحابه والتابعين لهم بإحسان، فنفع بذلك من شاء ~~من خلقه. # ثم إن الجواب وصل إلى بعض البلدان، فقامت على العاملين بتلك البدع، ~~وخافوا اندراس طريقتهم وانقطاع أكلهم بها، فأرادوا الانتصار لأنفسهم، بعد ~~أن راموا ذلك بالانتساب بالسنة إلى شيوخ الصوفية الذين ثبتت فضيلتهم ~~واشتهرت في الانقطاع إلى الله والعمل بالسنة طريقتهم، فلم يستقر لهم ~~الاستدلال؛ لكونهم على ضد ما كان عليه القوم؛ فإنهم كانوا بنوا نحلتهم على ~~ثلاثة أصول: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال، وأكل ~~الحلال وإخلاص النية في جميع الأعمال، وهؤلاء قد خالفوهم في هذه الأصول، ~~فلا يمكنهم الدخول تحت ترجمتهم. # وكان من قدر الله أن بعض الناس سأل بعض شيوخ الوقت في مسألة تشبه هذه، ~~لكن حسن ظاهرها بحيث يكاد باطنها يخفى على غير المتأمل، فأجاب عفا الله عنه ms191 ~~على مقتضى ظاهرها؛ من غير تعرض إلى ما # PageV01P337 # هم عليه من البدع والضلالات. # ولما سمع بعضهم بهذا الجواب؛ أرسل به إلى بلدة أخرى، فأتى به، فرحل إلى ~~غير بلده، وشهر في شيعته أن بيده حجة لطريقتهم تقهر كل حجة، وأنه طالب ~~للمناظرة فيها، فدعي لذلك، فلم يقم فيه ولا قعد؛ غير أنه قال: (إن) هذه ~~حجتي، وألقى بالبطاقة التي بخط المجيب، وكان هو ومحبه وأشياعه يطيرون بها ~~فرحا. # فوصلت المسألة إلى غرناطة، وطلب من الجميع النظر فيها، فلم يسع أحدا له ~~قوة على النظر فيها؛ إلا أن يظهر وجه الصواب فيها الذي يدان الله به؛ لأنه ~~من النصيحة التي هي الدين القويم والصراط المستقيم. # ونص خلاصة السؤال: ما يقول الشيخ فلان في جماعة من المسلمين؛ يجتمعون في ~~رباط على ضفة البحر في الليالي الفاضلة، يقرؤن جزءا من القرآن، ويستمعون من ~~كتب الوعظ والرقائق ما أمكن في الوقت، ويذكرون الله بأنواع التهليل ~~والتسبيح والتقديس، ثم يقوم من بينهم قوال يذكر شيئا في مدح النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ويلقي من السماع ما تتوق النفس إليه وتشتاق سماعه من صفات ~~الصالحين، وذكر آلاء الله ونعمائه، ويشوقهم بذكر المنازل الحجازية والمعاهد ~~النبوية، فيتواجدون اشتياقا لذلك، ثم يأكلون ما حضر من الطعام، ويحمدون ~~الله سبحانه، ويرددون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويبتهلون ~~بالأدعية إلى الله في صلاح أمورهم، ويدعون للمسلمين ولإمامهم، ويفترقون؛ ~~فهل يجوز اجتماعهم على ما ذكر؟ أم يمنعون وينكر عليهم؟ ومن دعاهم من ~~المحبين إلى منزله بقصد التبرك؛ هل يجيبون دعوته ويجتمعون على الوجه ~~المذكور أم لا؟ # PageV01P338 # فأجاب بما محصوله: # مجالس تلاوة القرآن وذكر الله هي رياض الجنة، ثم أتى بالشواهد على طلب ~~ذكر الله. # وأما الإنشادات الشعرية؛ فإنما الشعر كلام؛ حسنه حسن، وقبيحه قبيح، وفي ~~القرآن في شعراء الإسلام: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله ~~كثيرا} [الشعراء: 227]، وذلك أن حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعبا ~~لما سمعوا قوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون} [الشعراء: 224]؛ بكوا عند ~~سماعها، ms192 فنزل الاستثناء، وقد أنشد الشعر بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ورقت نفسه الكريمة، وذرفت عيناه لأبيات أخت النضر؛ لما طبع عليه من ~~الرأفة والرحمة. # وأما التواجد عند السماع؛ فهو في الأصل رقد النفس، واضطراب القلب فيتأثر ~~الظاهر بتأثر الباطن؛ قال الله تعالى: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ~~[الأنفال: 2]؛ أي: اضطربت رغبا أو رهبا، وعن اضطراب القلب يحصل اضطراب ~~الجسم؛ قال الله تعالى: {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا} [الكهف: 18] ~~الآية، وقال: {ففروا إلى الله} [الذاريات: 50]. # فإنما التواجد رقة نفسية، وهزة قلبية، ونهضة روحانية، وهذا هو # PageV01P339 # التواجد عن وجد، ولا يسمع فيه نكير من الشرع، وذكر السلمي أنه كان يستدل ~~بهذه الآية على حركة الوجد في وقت السماع، (وهي): {وربطنا على قلوبهم إذ ~~قاموا فقالوا ربنا} [الكهف: 14] الآية، وكان يقول: إن القلوب مربوطة ~~بالملكوت، حركتها أنوار الأذكار، وما يرد عليها من فنون السماع. # ووراء هذا تواجد لا عن وجد، فهو مناط الذم؛ لمخالفة ما ظهر لما بطن، وقد ~~يعزب فيه الأمر عند القصد إلى استنهاض العزائم وإعمال الحركة في يقظة القلب ~~النائم: «يا أيها الناس! ابكوا، فإن لم تبكوا؛ فتباكوا». # ولكن شتان ما بينهما. # وأما من دعا طائفة إلى منزله؛ فتجاب دعوته، وله في ذلك قصده ونيته. # فهذا ما ظهر تقييده على مقتضى الظاهر، والله يتولى السرائر، وإنما ~~الأعمال بالنيات، انتهى ما قيده. # فكان مما ظهر لي في هذا الجواب: # أن ما ذكره في مجالس الذكر الصحيح إذا كان على حسب ما اجتمع عليه السلف ~~الصالح؛ فإنهم كانوا يجتمعون لتدارس القرآن فيما بينهم، حتى يتعلم بعضهم من ~~بعض ويأخذ بعضهم من بعض، فهو مجلس من مجالس الذكر التي جاء في مثلها من ~~حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم ~~في بيت من بيوت الله يتلون # PageV01P340 # كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، ~~وحفت بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده»، وهو الذي فهمه الصحابة رضي ~~الله تعالى ms193 عنهم من الاجتماع على تلاوة كلام الله. # وكذلك الاجتماع على الذكر؛ فإنه اجتماع على ذكر الله، ففي رواية أخرى: ~~أنه قال: «لا يقعد قوم يذكرون الله؛ إلا حفتهم الملائكة». . . . الحديث ~~المذكور، لا الاجتماع للذكر على صوت واحد. # وإذا اجتمع القوم على التذكر لنعم الله، أو التذاكر في العلم إن كانوا ~~علماء ، أو كان فيهم عالم فجلس إليه متعلمون، أو اجتمعوا يذكر بعضهم بعضا ~~بالعمل بطاعة الله والبعد عن معصيته. . . . وما أشبه ذلك مما كان يعمل به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، وعمل به الصحابة والتابعون؛ فهذه ~~المجالس كلها مجالس ذكر، وهي التي جاء فيها من الأجر ما جاء. # كما يحكى عن أبي ليلى أنه سئل عن القصص، فقال: " أدركت أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم يجلسون ويحدث هذا بما سمع وهذا بما سمع، فأما أن يجلسوا ~~خطيبا؛ فلا ". # وكالذي نراه معمولا به في المساجد من اجتماع الطلبة على معلم يقرئهم ~~القرآن، أو علما من العلوم الشرعية، أو تجتمع إليه العامة، فيعلمهم أمر ~~دينهم، ويذكرهم بالله، ويبين لهم سنة نبيهم ليعملوا بها، ويبين لهم ~~المحدثات التي هي ضلالة ليحذروا منها، ويتجنبوا مواطنها والعمل بها. # PageV01P341 # فهذه مجالس الذكر على الحقيقة، وهي التي حرمها الله أهل البدع من هؤلاء ~~الفقراء الذين زعموا أنهم سلكوا طريق التصوف. # فقلما تجد منهم من يحسن قراءة الفاتحة في الصلاة إلا على اللحن؛ فضلا عن ~~غيرها، ولا يعرف كيف يتعبد، ولا كيف يستنجي، أو يتوضأ، أو يغتسل من ~~الجنابة، وكيف يعلمون ذلك وهم قد حرموا مجالس الذكر التي تغشاها الرحمة، ~~وتنزل فيها السكينة، وتحف بها الملائكة؟!. # فبانطماس هذا النور عنهم ضلوا، فاقتدوا بجهال أمثالهم، وأخذوا يقرؤن ~~الأحاديث النبوية والآيات القرآنية فينزلونها على آرائهم لا على ما قال أهل ~~العلم فيها، فخرجوا عن الصراط المستقيم إلى أن يجتمعوا ويقرأ أحدهم شيئا من ~~القرآن يكون حسن الصوت طيب النغمة جيد التلحين تشبه قراءته الغناء المذموم، ~~ثم يقولون: تعالوا نذكر الله، فيرفعون أصواتهم؛ يمشون ذلك الذكر مداولة، ~~طائفة ms194 في جهة، وطائفة في جهة أخرى، على صوت واحد يشبه الغناء، ويزعمون أن ~~هذا من مجالس الذكر المندوب إليها. # وكذبوا؛ فإنه لو كان حقا؛ لكان السلف الصالح أولى بإدراكه وفهمه والعمل ~~به، وإلا؛ فأين في الكتاب أو في السنة الاجتماع للذكر على صوت واحد عاليا، ~~وقد قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: ~~55]؟!. # والمعتدون - في التفسير - هم الرافعون أصواتهم بالدعاء. # PageV01P342 # وعن أبي موسى؛ قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فجعل ~~الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أربعوا على أنفسكم؛ ~~إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا؛ إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم»، وهذا ~~الحديث من تمام تفسير الآية، ولم يكونوا رضي الله عنهم يكبرون على صوت ~~واحد، ولكنه نهاهم عن رفع الصوت؛ ليكونوا ممتثلين للآية. # وقد جاء عن السلف أيضا النهي عن الاجتماع على الذكر، والدعاء بالهيئة ~~التي يجتمع عليها هؤلاء المبتدعون، وجاء عنهم النهي عن المساجد المتخذة ~~لذلك، وهي الربط التي يسمونها بالصفة. ذكر من ذلك ابن وهب وابن وضاح ~~وغيرهما ما فيه كفاية لمن وفقه الله. # فالحاصل من هؤلاء أنهم حسنوا الظن بأنهم فيما هم عليه (مصيبون)، وأساءوا ~~الظن بالسلف الصالح أهل العمل الراجح الصريح وأهل الدين الصحيح، ثم لما ~~طالبهم لسان الحال بالحجة؛ أخذوا كلام المجيب وهم لا يعملون، وقولوه ما لا ~~يرضى به العلماء. # وقد بين ذلك في كلام آخر؛ إذ سئل عن ذكر فقراء زماننا؟ فأجاب بأن مجالس ~~الذكر المذكورة بين الأحاديث؛ أنها هي التي يتلى فيها القرآن، والتي يتعلم ~~فيها العلم والدين، والتي تعمر بالوعظ والتذكير بالآخرة والجنة والنار؛ ~~كمجالس سفيان الثوري، والحسن، وابن سيرين، وأضرابهم. # أما مجالس الذكر اللساني فقد صرح بها في حديث الملائكة السياحين، لكن لم ~~يذكر فيه جهرا بالكلمات، ولا رفع أصوات، وكذلك # PageV01P343 # غيره، لكن الأصل المشروع إعلان الفرائض وإخفاء النوافل، وأتى بالآية ~~وبقوله تعالى: {إذ نادى ربه نداء خفيا} [مريم: 3] وبحديث: «أربعوا على ~~أنفسكم». # قال: وفقراء الوقت قد ms195 تخيروا أوقاتا وتميزوا بأصوات هي إلى الاعتداء أقرب ~~منها إلى الاقتداء، وطريقتهم إلى اتخاذها مأكلة وصناعة أقرب منها إلى ~~اعتدادها قربة وطاعة. # انتهى معناه على اختصار أكثر الشواهد، وهي دليل على أن فتواه المحتج بها ~~ليس معناها ما رام هؤلاء المبتدعة؛ فإنه سئل في هذه عن فقراء الوقت، فأجاب ~~بذمهم، وأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم لا يتناول عملهم، وفي الأولى ~~إنما سئل عن قوم يجتمعون لقراءة القرآن أو لذكر الله، وهذا السؤال يصدق على ~~قوم يجتمعون مثلا في المسجد، فيذكرون الله، كل واحد منهم في نفسه، أو يتلو ~~القرآن لنفسه؛ كما يصدق على مجالس المعلمين والمتعلمين، وما أشبه ذلك مما ~~تقدم التنبيه عليه، فلا يسعه وغيره من العلماء إلا أن يذكر محاسن ذلك ~~والثواب عليه، فلما سئل عن أهل البدع في الذكر والتلاوة؛ بين ما ينبغي أن ~~يعتمد عليه الموفق، ولا توفيق إلا بالله (العلي العظيم). # PageV01P344 # وأما ما ذكره في الإنشادات الشعرية؛ فجائز للإنسان أن ينشد الشعر الذي لا ~~رفث فيه ولا يذكر بمعصية، وأن يسمعه من غيره إذا أنشد، على الحد الذي كان ~~ينشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عمل به الصحابة والتابعون ~~ومن يقتدى به من العلماء، وذلك أنه كان ينشد ويسمع لفوائد: # منها: المنافحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الإسلام وأهله، ~~ولذلك «كان حسان بن ثابت رضي الله عنه قد نصب له منبر في المسجد ينشد عليه ~~إذا وفدت الوفود، حتى يقولوا: خطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من ~~شاعرنا، ويقول له عليه السلام: اهجهم وجبريل معك» وهذا من باب الجهاد في ~~سبيل الله، فليس للفقراء من فضله في غنائهم بالشعر قليل ولا كثير. # ومنها: أنهم كانوا يتعرضون لحاجاتهم ويستشفعون بتقديم الأبيات بين يدي ~~طلباتهم؛ كما فعل ابن زهير رضي الله عنه، وأخت النضر بن الحارث؛ ومثل ما ~~يفعل الشعراء مع الكبراء؛ هذا لا حرج فيه ما لم يكن في الشعر ذكر ما لا ~~يجوز، ونظيره في سائر ms196 الأزمنة تقديم الشعراء للخلفاء والملوك ومن أشبههم ~~قطعا من أشعارهم بين يدي حاجاتهم؛ كما يفعله فقراء الوقت المجردون للسعاية ~~على الناس، مع القدرة على الاكتساب، وفي الحديث: «لا تصح الصدقة لغني، ولا ~~لذي مرة سوي»، فإنهم # PageV01P345 # ينشدون الأشعار التي فيها ذكر الله وذكر رسوله، وكثيرا ما يكون فيها ما ~~لا يجوز شرعا، ويتمندلون بذكر الله ورسوله في الأسواق والمواضع القذرة، ~~ويجعلون ذلك آلة الأخذ ما في أيدي الناس، لكن بأصوات مطربة؛ يخاف بسببها ~~على النساء ومن لا عقل له من الرجال. # ومنها: أنهم ربما أنشدوا الشعر في الأسفار الجهادية؛ تنشيطا لكلال ~~النفوس، وتنبيها للرواحل أن تنهض في أثقالها، وهذا حسن. # لكن العرب لم يكن لها من تحسين النغمات ما يجري مجرى ما الناس عليه ~~اليوم، بل كانوا ينشدون الشعر مطلقا من غير أن يتعلموا هذه الترجيعات التي ~~حدثت بعدهم، بل كانوا يرققون الصوت ويمططونه على وجه لا يليق بأمية العرب ~~الذين لم يعرفوا صنائع الموسيقى، فلم يكن فيه إلذاذ ولا إطراب يلهي، وإنما ~~كان لهم شيء من النشاط؛ كما «كان الحبشة وعبد الله بن رواحة يحدوان بين يدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما كان الأنصار يقولون عند حفر الخندق: # نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما حيينا أبدا # فيجيبهم صلى الله عليه وسلم (بقوله): # اللهم لا خير إلا خير الآخره. فاغفر للأنصار والمهاجره». # ومنها: أن يتمثل الرجل بالبيت أو الأبيات من الحكمة في نفسه؛ # PageV01P346 # ليعظ نفسه أو ينشطها أو يحركها لمقتضى معنى الشعر، أو يذكرها ذكرا مطلقا: # كما حكى أبو الحسن القرافي الصوفي عن الحسن: " أن قوما أتوا عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن لنا إماما إذا فرغ من ~~صلاته تغنى، فقال عمر: من هو؟ فذكر له الرجل. فقال: قوموا بنا إليه؛ فإنا ~~إن وجهنا إليه يظن أنا تجسسنا عليه أمره. قال: فقام عمر مع جماعة من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتوا الرجل وهو في المسجد، فلما أن نظر إلى ms197 ~~عمر قام فاستقبله فقال: يا أمير المؤمنين ما حاجتك؟ وما جاء بك؟ إن كانت ~~الحاجة لنا؛ كنا أحق بذلك منك أن نأتيك، وإن كانت الحاجة لك؛ فأحق من ~~عظمناه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له عمر: ويحك! بلغني عنك ~~أمر ساءني، قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: أتتمجن في عبادتك؟ قال: لا ~~يا أمير المؤمنين، لكنها عظة أعظ بها نفسي. قال عمر: قلها، فإن كان كلاما ~~حسنا قلته معك، وإن كان قبيحا نهيتك عنه. فقال: # وفؤاد كلما عاتبته ... في مدى الهجران يبغي تعبي # لا أراه الدهر إلا لاهيا ... في تماديه فقد برح بي # يا قرين السوء ما هذا الصبا ... فني العمر كذا في اللعب # وشباب بان عني فمضى ... قبل أن أقضي منه أربي # ما أرجي بعده إلا الفنا ... ضيق الشيب علي مطلبي # ويح نفسي لا أراها أبدا ... في جميل لا ولا في أدب # نفس لا كنت ولا كان الهوى ... راقبي المولى وخافي وارهبي # PageV01P347 # قال: فقال عمر رضي الله عنه: # نفس لا كنت ولا كان الهوى ... راقبي المولى وخافي وارهبي # ثم قال عمر: " على هذا فليغن من غنى ". # فتأملوا قوله: " بلغني أمر ساءني "، مع قوله: أتتمجن في عبادتك؛ فهو من ~~أشد ما يكون في الإنكار، حتى أعلمه أنه يردد لسانه أبيات حكمة فيها عظة، ~~فحينئذ أقره وسلم له. # هذا وما أشبهه كان فعل القوم، وهم مع ذلك؛ لم يقتصروا في التنشيط للنفوس ~~ولا الوعظ على مجرد الشعر، بل وعظوا أنفسهم بكل موعظة، ولا كانوا يستحضرون ~~لذكر الأشعار المغنين، إذ لم يكن ذلك من طلباتهم، ولا كان عندهم من الغناء ~~المستعمل في أزماننا شيء، وإنما دخل في الإسلام بعدهم حين خالط العجم ~~المسلمين. # وقد بين ذلك أبو الحسن القرافي فقال: " إن الماضين من الصدر الأول حجة ~~على من بعدهم، ولم يكونوا يلحنون الأشعار ولا ينغمونها بأحسن ما يكون من ~~النغم؛ إلا من وجه إرسال الشعر واتصال القوافي، فإن كان صوت أحدهم أشجن من ~~صاحبه؛ كان ذلك مردودا إلى ms198 أصل الخلقة، لا يتصنعون ولا يتكلفون ". # هذا ما قال، فلذلك نص العلماء على كراهية ذلك المحدث، وحتى سئل مالك بن ~~أنس رضي الله عنه عن الغناء الذي يستعمله أهل المدينة؟ فقال: " إنما يفعله ~~الفساق ". # ولا كان المتقدمون أيضا يعدون الغناء جزءا من أجزاء طريقة التعبد # PageV01P348 # وطلب رقة النفوس وخشوع القلوب، حتى يقصدونه قصدا، ويتعمدوا الليالي ~~الفاضلة فيجتمعوا لأجل الذكر الجهري والشطح والرقص والتغاشي والصياح وضرب ~~الأقدام على وزن إيقاع الكف أو الآلات وموافقة النغمات. # هل في كلام النبي صلى الله عنه وعمله المنقول في الصحاح أو عمل السلف ~~الصالح أو أحد من العلماء [في] ذلك أثر؟ أو في كلام المجيب ما يصرح بجواز ~~مثل هذا؟! # بل سئل عن إنشاد الأشعار بالصوامع كما يفعله المؤذنون اليوم في الدعاء ~~بالأسحار؟ فأجاب بأن ذلك بدعة مضافة إلى بدعة؛ لأن الدعاء بالصوامع بدعة، ~~وإنشاد (الشعر) والقصائد بدعة أخرى، إذ لم يكن ذلك في زمن السلف المقتدى ~~بهم. # كما أنه سئل عن الذكر الجهري أمام الجنازة؟ فأجاب بأن السنة في اتباع ~~الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار، وأن ذلك فعل السلف، واتباعهم سنة، ~~ومخالفتهم بدعة، وقد قال مالك: لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه ~~أولها. # وأما ما ذكره المجيب في التواجد عند السماع؛ من أنه أثر رقة النفس ~~واضطراب القلب؛ فإنه لم يبين ذلك الأثر ما هو؛ كما أنه لم يبين معنى الرقة، ~~ولا عرج عليها بتفسير يرشد إلى فهم التواجد عند الصوفية، وإنما في كلامه أن ~~ثم أثرا ظاهرا يظهر على جسم المتواجد، وذلك الأثر يحتاج إلى تفسير، ثم ~~التواجد (يحتاج) إلى شرح بحسب ما يظهر من كلامه فيه. # PageV01P349 # والذي يظهر في التواجد ما كان يبدو على جملة من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهو البكاء واقشعرار الجلد التابع للخوف الآخذ بمجامع القلوب، ~~وبذلك وصف الله عباده في كتابه، حيث قال: {الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله} ms199 [الزمر: 23]. # وقال تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~مما عرفوا من الحق} [المائدة: 83]. # وقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا} [الأنفال: 2]، إلى قوله: {أولئك هم المؤمنون حقا} ~~[الأنفال: 4]. # وعن عبد الله بن الخير (رضي الله عنه) قال: " «انتهيت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل» (يعني: من البكاء) ~~والأزيز صوت يشبه (صوت) غليان القدر. # وعن الحسن قال: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: {إن عذاب ربك لواقع - ما ~~له من دافع} [الطور: 7 - 8]، فربى لها ربوة عيد منها عشرين # PageV01P350 # يوما. # وعن عبيد الله بن عمر؛ قال: " صلى بنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) صلاة ~~الفجر، فافتتح سورة يوسف، فقرأها، حتى إذا بلغ: {وابيضت عيناه من الحزن فهو ~~كظيم} [يوسف: 84]؛ بكى حتى انقطع ". # وفي رواية: " لما انتهى إلى قوله: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} [يوسف: ~~86]؛ بكى حتى سمع نشيجه من وراء الصفوف. # وعن أبي صالح؛ قال: " لما قدم أهل اليمن في زمان أبي بكر رضي الله عنه؛ ~~سمعوا القرآن، فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر: هكذا كنا حتى قست قلوبنا ". # وعن ابن أبي ليلى: " أنه قرأ سورة مريم حتى انتهى إلى السجدة: {خروا سجدا ~~وبكيا} [مريم: 58]، فسجد بها، فلما رفع رأسه؛ قال: هذه السجدة قد سجدناها، ~~فأين البكاء؟. # إلى غير ذلك من الآثار الدالة على أن أثر الموعظة الذي يكون بغير تصنع ~~إنما هو على هذه الوجوه وما أشبهها. # ومثله ما استدل به بعض الناس من قوله تعالى: {وربطنا على قلوبهم إذ قاموا ~~فقالوا ربنا رب السماوات والأرض} [الكهف: 14]؛ ذكره بعض المفسرين: # PageV01P351 # وذلك أنه لما ألقى الله الإيمان في قلوبهم؛ حضروا عند ملكهم دقيانوس ~~الكافر، فتحركت فأرة أو هرة خاف لأجلها الملك، فنظر الفتية إلى بعض، ولم ~~يتمالكوا أن قاموا مصرحين بالتوحيد، معلنين بالدليل والبرهان، منكرين على ~~الملك نحلة الكفر، باذلين أنفسهم في ذات الله، فأوعدهم ثم أخلفهم، فتواعدوا ms200 ~~الخروج إلى الغار. . . إلى أن كان منهم ما حكى الله تعالى في كتابه. # فليس في ذلك صعق ولا صياح ولا شطح ولا تغاش مستعمل ولا شيء من ذلك، وهو ~~شأن فقرائنا اليوم. # وخرج سعيد بن منصور في " تفسيره " عن عبد الله بن عروة بن الزبير؛ قال: " ~~قلت لجدتي أسماء: كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرؤوا ~~القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله: تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم. قلت: إن ~~ناسا هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية. فقالت: أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم ". # وخرج أبو عبيد من أحاديث أبي حازم؛ قال: " مر ابن عمر برجل من أهل العراق ~~ساقط والناس حوله، فقال: ما هذا؟ فقالوا: إذا قرئ عليه القرآن أو سمع الله ~~يذكر؛ خر من خشية الله. قال ابن عمر: والله إنا لنخشى الله ولا نسقط! وهذا ~~إنكار. # وقيل لعائشة رضي الله عنها: إن قوما إذا سمعوا القرآن يغشى عليهم، فقالت: ~~" إن القرآن أكرم من أن تنزف عنه عقول الرجال، ولكنه كما قال الله تعالى: ~~{تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} ~~[الزمر: 23]. # PageV01P352 # وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه): أنه سئل عن القوم يقرأ عليهم القرآن ~~فيصعقون؟ فقال: " ذلك فعل الخوارج "!. # وخرج أبو نعيم عن جابر بن عبد الله (أن) ابن الزبير (رضي الله تعالى عنه) ~~قال: " جئت أبي، فقال: أين كنت؟، فقلت: وجدت أقواما يذكرون الله، فيرعد ~~أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله، فقعدت معهم، فقال: لا تقعد بعدها. فرآني ~~كأني لم يأخذ ذلك في، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو ~~القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن، فلا يصيبهم هذا، أفتراهم أخشع ~~لله من أبي بكر وعمر؟! فرأيت ذلك كذلك، فتركتهم ". # وهذا يشعر بأن ذلك كله تعمل وتكلف لا يرضى به أهل الدين. # وسئل محمد بن سيرين، عن الرجل يقرأ عنده فيصعق؟، فقال: " ميعاد ما بيننا ~~وبينه أن يجلس على حائط، ثم يقرأ عليه ms201 القرآن من أوله إلى آخره، فإن وقع؛ ~~فهو كما قال ". # وهذا الكلام حسن في المحق والمبطل؛ لأنه إنما كان عند الخوارج نوعا من ~~القحة في النفوس المائلة عن الصواب، وقد تغالط النفس فيه فتظنه انفعالا ~~صحيحا، وليس كذلك، والدليل عليه أنه لم يظهر على أحد من الصحابة لا هو ولا ~~ما يشبهه، فإن مبناهم كان على الحق، فلم يكونوا يستعملون في دين الله هذه ~~اللعب القبيحة المسقطة للأدب # PageV01P353 # والمروءة. # نعم؛ قد (لا) ينكر اتفاق الغشي ونحوه أو الموت لمن سمع الموعظة بحق، فضعف ~~عن مصابرة الرقة الحاصلة بسببها، فجعل ابن سيرين ذلك الضابط ميزانا للمحق ~~والمبطل، وهو ظاهر؛ فإن القحة لا تبقى مع خوف السقوط (من الحائط)، فقد اتفق ~~من ذلك بعض النوادر، وظهر فيها عذر التواجد. # فحكي عن أبي وائل؛ قال: " خرجنا مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ومعنا ~~الربيع بن خثيم، فمررنا على حداد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار، ~~فنظر الربيع إليها، فتمايل ليسقط، ثم إن عبد الله مضى كما هو حتى أتينا على ~~شاطئ الفرات على أتون، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه، قرأ هذه ~~الآية: {إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا} [الفرقان: 12]، ~~إلى قوله: {دعوا هنالك ثبورا} [الفرقان: 13]، فصعق الربيع؛ يعني: غشي عليه، ~~فاحتملناه، فأتينا به أهله. # قال: " ورابطه عبد الله إلى الظهر فلم يفق، فرابطه إلى المغرب فأفاق، ~~ورجع عبد الله إلى أهله ". # فهذه حالات طرأت لواحد من أفاضل التابعين بمحضر صحابي، ولم ينكر عليه؛ ~~لعلمه أن ذلك خارج عن طاقته، فصار بتلك الموعظة الحسنة كالمغمى عليه، فلا ~~حرج إذا. # وحكي أن شابا كان يصحب الجنيد (رضي الله عنه) إمام الصوفية # PageV01P354 # في وقته، فكان الشاب إذا سمع شيئا من الذكر يزعق، فقال له الجنيد يوما: " ~~إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني "، فكان إذا سمع شيئا يتغير ويضبط نفسه حتى ~~كان يقطر (العرق منه) بكل شعرة من بدنه قطرة، فيوما من الأيام صاح صيحة ~~تلفت ms202 نفسه. # فهذا الشاب قد ظهر فيه مصداق ما قاله السلف؛ لأنه لو كانت صيحته الأولى ~~غلبته لم يقدر على ضبط نفسه، وإن كان بشدة، كما لم يقدر على ضبط نفسه ~~الربيع بن خثيم، وعليه أدبه الشيخ حين أنكر عليه ووعده بالفرقة، إذ فهم منه ~~أن تلك الزعقة من بقايا رعونة النفس، فلما خرج الأمر عن كسبه بدليل موته ؛ ~~كانت صيحته عفوا لا حرج عليه فيها إن شاء الله. # بخلاف هؤلاء القوم الذين لم يشموا من أوصاف الفضلاء رائحة، فأخذوا ~~بالتشبه بهم، فأبرز لهم هواهم التشبه بالخوارج، ويا ليتهم وقفوا عند هذا ~~الحد المذموم، ولكن زادوا على ذلك الرقص والزمر والدوران والضرب على ~~الصدور، وبعضهم يضرب على رأسه. . . وما أشبه ذلك من العمل المضحك للحمقى؛ ~~لكونه من أعمال الصبيان والمجانين، المبكي للعقلاء رحمة لهم، ولم يتخذ مثل ~~هذا طريقا إلى الله وتشبها بالصالحين. # وقد صح من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه؛ قال: «وعظنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة؛ ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب». . ~~.، الحديث. # PageV01P355 # فقال الإمام الآجري العالم السني أبو بكر (رضي الله عنه): " ميزوا هذا ~~الكلام؛ فإنه لم يقل: صرخنا من موعظة، ولا زعقنا، ولا طرقنا على رؤوسنا، ~~ولا ضربنا على صدورنا، ولا زفنا، ولا رقصنا "؛ كما يفعل كثير من الجهال؛ ~~يصرخون عند المواعظ ويزعقون ويتغاشون. # قال: " وهذا كله من الشيطان يلعب بهم، وهذا كله بدعة وضلالة، ويقال لمن ~~فعل هذا: اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أصدق الناس موعظة، وأنصح الناس ~~لأمته، وأرق الناس قلبا، وخير الناس من جاء بعده لا يشك في ذلك عاقل ؛ ما ~~صرخوا عند موعظته ولا زعقوا ولا رقصوا ولا زفنوا، ولو كان هذا صحيحا؛ ~~لكانوا أحق الناس بهذا أن يفعلوه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولكنه بدعة وباطل ومنكر، فاعلم ذلك ". انتهى كلامه، وهو واضح فيما نحن فيه. # ولا بد من النظر في الأمر (كله) الموجب للتأثر الظاهر في السلف الأولين ~~مع هؤلاء المدعين، ms203 فوجدنا الأولين يظهر عليهم ذلك الأثر بسبب ذكر الله، ~~وبسبب سماع آية من كتاب الله، وبسبب رؤية اعتبارية؛ كما في قصة الربيع عند ~~رؤيته للحداد والأتون وهو موقد النار، ولسبب قراءة في صلاة أو غيرها، ولم ~~نجد أحدا منهم فيما نقل العلماء يستعملون الترنم بالأشعار لترق نفوسهم ~~فتتأثر ظواهرهم، وطائفة الفقراء على الضد منهم؛ فإنهم يستعملون القرآن ~~والحديث والوعظ والتذكير، فلا تتأثر ظواهرهم، فإذا قام المزمر؛ تسابقوا إلى ~~حركاتهم المعروفة لهم، فبالحري ألا يتأثروا على تلك الوجوه المكروهة ~~المبتدعة؛ لأن الحق لا ينتج إلا حقا؛ كما أن الباطل لا ينتج إلا باطلا. # PageV01P356 # وعلى هذا التقرير ينبني النظر في حقيقة الرقة المذكورة، وهي المحركة ~~للظاهر، وذلك أن الرقة ضد الغلظ، فنقول: هذا رقيق ليس بغليظ، ومكان رقيق ~~إذا كان لين التراب، وضده الغليظ، فإذا وصف بذلك القلب؛ فهو راجع إلى لينه ~~وتأثره، ضد القسوة. # ويشعر بذلك قوله تعالى: {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} [الزمر: ~~23]؛ لأن القلب الرقيق؛ إذا أوردت عليه الموعظة؛ خضع لها ولان وانقاد. # ولذلك قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ~~[الأنفال: 2]. # فإن الوجل تأثر ولين يحصل في القلب بسبب الموعظة، فترى الجلد من أجل ذلك ~~يقشعر، والعين تدمع، واللين إذا حل بالقلب وهو باطن الإنسان حل بالجلد ~~بشهادة الله وهو ظاهر الإنسان ؛ فقد حل الانفعال بمجموع الإنسان، وذلك ~~يقتضي السكون لا الحركة، والانزعاج والسكون لا الصياح، وهي حالة السلف ~~الأولين كما تقدم . # فإذا رأيت أحدا سمع موعظة أي موعظة كانت؛ فيظهر عليه من الأثر ما ظهر على ~~السلف الصالح؛ علمت أنها رقة هي أول الوجد، وأنها صحيحة لا اعتراض فيها. # وإذا رأيت أحدا سمع موعظة قرآنية أو سنية أو حكمية؛ فلم يظهر عليه من تلك ~~الآثار شيء، حتى يسمع شعرا مرنما أو غناء مطربا فتأثر؛ فإنه # PageV01P357 # لا يظهر عليه في الغالب من تلك الآثار شيء، وإنما يظهر عليه انزعاج بقيام ~~أو دوران أو شطح أو صياح أو ما يناسب ذلك. # وسببه أن الذي ms204 حل بباطنه ليس بالرقة المذكورة أولا، بل هو الطرب الذي ~~يناسب الغناء؛ لأن الرقة ضد القسوة كما تقدم والطرب ضد الخشوع كما يقوله ~~الصوفية ؛ والطرب مناسب للحركة؛ لأنه ثوران الطباع، ولذلك اشترك فيه مع ~~الإنسان الحيوان؛ كالإبل والنحل، ومن لا عقل له من الأطفال، وغير ذلك، ~~والخشوع ضده؛ لأنه راجع إلى السكون، وقد فسر به لغة؛ كما فسر الطرب بأنه ~~خفة تصحب الإنسان من حزن أو سرور. # قال الشاعر: # طرب الواله أو كالمختبل # والتطريب: مد الصوت وتحسينه. # وبيانه: أن الشعر المغنى به قد اشتمل على أمرين: # أحدهما: ما فيه (من) الحكمة والموعظة، وهذا مختص بالقلوب، ففيها تعمل، ~~وبها تنفعل، ومن هذه الجهة ينسب السماع إلى الأرواح. # والثاني: ما فيه من النغمات المرتبة على النسب التلحينية، وهو # PageV01P358 # المؤثر في الطباع، فيهيجها إلى ما يناسبها، وهي الحركات على اختلافها. # فكل تأثر في القلب من جهة السماع تحصل عنه آثار الكون والخضوع؛ فهو رقة، ~~وهو التواجد الذي أشار إليه كلام المجيب، ولا شك أنه محمود. # وكل تأثر يحصل عنه ضد السكون؛ فهو طرب لا رقة فيه ولا تواجد، ولا هو عند ~~شيوخ الصوفية محمود. # لكن هؤلاء الفقراء ليس لهم من التواجد - في الغالب - إلا الثاني المذموم، ~~فهم إذا متواجدون بالنغم واللحون، لا يدركون من معاني الحكمة شيئا، فقد ~~باؤوا إذا بأخسر الصفقتين، نعوذ بالله. # وإنما جاءهم الغلط من جهة اختلاط المناطين عليهم، ومن جهة أنهم استدلوا ~~بغير دليل، فقوله تعالى: {ففروا إلى الله} [الذاريات: 50]، وقوله: {لو ~~اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا} [الكهف: 18]؛ لا دليل فيه على المعنى، وكذلك ~~قوله (تعالى): {إذ قاموا فقالوا ربنا} [الكهف: 14]؛ أين فيه أنهم قاموا ~~يرقصون أو يزفنون أو يدورون على أقدامهم؟ ونحو ذلك، فهو من الاستدلال ~~الداخل تحت هذا الجواب. # ووقع في كلام المجيب لفظ السماع غير مفسر، [ف] فهم منه المحتج أنه الغناء ~~الذي تستعمله شيعته، وهو فهم عموم الناس، لا فهم الصوفية؛ فإنه عندهم يطلق ~~على كل صوت أفاد حكمة يخضع لها القلب، # PageV01P359 # ويلين لها الجلد، ms205 وهو الذي يتواجدون عنده التواجد المحمود، فسماع القرآن ~~عندهم سماع، وكذلك سماع السنة وكلام الحكماء والفضلاء حتى أصوات الطير ~~وخرير الماء وصرير الباب، ومنه سماع المنظور أيضا إذا أعطى حكمة، ولا ~~يستمعون هذا الأخير إلا في الفرط بعد الفرط، وعلى غير استعداد، وعلى غير ~~وجه الإلذاذ والإطراب، ولا هم ممن يدوم عليه أو يتخذه عادة؛ لأن ذلك كله ~~قادح في مقاصدهم التي بنوا عليها. # ولذلك قال الجنيد: " إذا رأيت المريد يحب السماع؛ فاعلم أن فيه بقية من ~~البطالة ". # وإنما لهم من سماعه إن اتفق وجه الحكمة إن كان فيه حكمة ، فاستوى عندهم ~~النظم والنثر، وإن أطلق أحد منهم السماع على الصوت الحسن المضاف إلى شعر أو ~~غيره؛ فمن حيث فهم الحكمة لا من حيث يلائم الطباع؛ لأن من سمعه من حيث ~~يستحسنه؛ فهو متعرض للفتنة، فيصير إلى ما صار إليه السماع الملذ المطرب. # ومن الدليل على أن السماع عندهم ما تقدم: # ما ذكر عن أبي عثمان المغربي: أنه قال: " من ادعى السماع ولم يسمع صوت ~~الطير وصرير الباب وتصفيق الرياح؛ فهو مفتر مبتدع ". # وقال الحصري: " أيش أعمل بسماع ينقطع ممن يسمع منه؟ ينبغي أن يكون سماعك ~~سماعا متصلا غير منقطع ". # وعن أحمد بن سالم؛ قال: " خدمت سهل بن عبد الله التستري سنين، فما رأيته ~~تغير عند سماع شيء يسمعه من الذكر أو القرآن أو غيره، # PageV01P360 # فلما كان في آخر عمره؛ قرئ بين يديه: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} ~~[الحديد: 15]، تغير وارتعد وكاد يسقط، فلما رجع إلى حال صحوه؛ سألته عن ~~ذلك؟ فقال: يا حبيبي ضعفنا ". # وقال السلمي: " دخلت على أبي عثمان المغربي وواحد يستقي الماء من البئر ~~على بكرة، فقال لي: يا أبا عبد الرحمن! تدري أيش تقول هذه البكرة؟ فقلت: ~~لا. فقال: تقول الله، الله. # فهذه الحكايات وأشباهها تدل على أن السماع عندهم كما تقدم، وأنهم لا ~~يؤثرون سماع الأشعار على غيرها؛ فضلا على أن يتصنعوا فيها بالأغاني ~~المطربة. # ولما طال الزمان، وبعدوا عن أحوال السلف الصالح؛ أخذ الهوى ms206 في التفريع في ~~السماع، حتى صار يستعمل منه المصنوع على قانون الألحان، فتعشقت به الطباع، ~~وكثر العمل به ودام وإن كان قصدهم به الراحة فقط ؛ فصار قذى في طريق ~~سلوكهم، فرجعوا به القهقرى، ثم طال الأمد حتى اعتقده الجهال في هذا الزمان ~~وما قاربه أنه قربة، وجزء من أجزاء طريقة التصوف، وهو الأدهى. # وقول المجيب: " وأما من دعا طائفة إلى منزله؛ فتجاب دعوته، وله (في ~~دعوته) قصده "؛ مطابق بحسب ما ذكر أولا: بأن من دعا قوما إلى منزله لتعلم ~~آية أو سورة من كتاب الله، أو سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ~~مذاكرة في علم أو في نعم الله، أو مؤانسة في شعر فيه حكمة ليس فيه غناء ~~مكروه ولا صحبه شطح ولا زفن ولا صياح، ولا غير ذلك من المنكرات، ثم ألقى # PageV01P361 # إليهم من الطعام على غير وجه التكلف والمباهاة، ولم يقصد بذلك بدعة ولا ~~امتيازا؛ لفرقة تخرج بأفعالها وأقوالها عن السنة؛ فلا شك في استحسان ذلك؛ ~~لأنه داخل في حكم المأدبة المقصود بها حسن العشرة بين الجيران والإخوان، ~~والتودد بين الأصحاب، وهي في حكم الاستحباب، فإن كان فيها تذاكر في علم أو ~~نحوه؛ فهي من باب التعاون على الخير. # ومثال ما يحكى عن محمد بن حنيف؛ قال: " دخلت يوما على القاضي علي بن ~~أحمد، فقال لي: يا أبا عبد الله! قلت: لبيك أيها القاضي، قال: هاهنا (أحكي) ~~لكم حكاية تحتاج (أن) تكتبها بماء الذهب، فقلت: أيها القاضي! أما الذهب؛ ~~فلا أجده، ولكني أكتبها بالحبر الجيد. # فقال: بلغني أنه قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إن الحارث المحاسبي ~~يتكلم في علوم الصوفية ويحتج عليه بالآي، فقال أحمد: أحب أن أسمع كلامه من ~~حيث لا يعلم، فقال رجل: أنا أجمعك معه، فاتخذ دعوة، ودعا الحارث وأصحابه ~~ودعا أحمد، فجلس بحيث يرى الحارث، فحضرت الصلاة، فتقدم وصلى بهم المغرب، ~~وأحضر الطعام، فجعل يأكل ويتحدث معهم، فقال أحمد: هذا من السنة. # فلما فرغوا من الطعام وغسلوا أيديهم؛ ms207 جلس الحارث وجلس أصحابه، فقال: من ~~أراد منكم أن يسأل شيئا؛ فليسأل، فسئل عن الإخلاص، وعن الرياء، ومسائل ~~كثيرة، فاستشهد بالآي والحديث، وأحمد يسمع لا ينكر شيئا من ذلك. # PageV01P362 # فلما مضى هدي من الليل؛ أمر الحارث قارئا يقرأ شيئا من القرآن على الحدو، ~~فقرأ، فبكى بعضهم، وانتخب آخرون، ثم سكت القارئ، فدعا الحارث بدعوات خفاف، ~~ثم قام إلى الصلاة. # فلما أصبحوا؛ قال أحمد: قد كان بلغني أن هاهنا مجالس للذكر يجتمعون ~~عليها، فإن كان هذا من تلك المجالس؛ فلا أنكر منها شيئا. # ففي هذه الحكاية أن أحوال الصوفية توزن بميزان الشرع، وأن مجالس الذكر ~~ليست ما زعم هؤلاء، بل ما تقدم لنا ذكره، وأما ما سوى ذلك مما اعتادوه؛ فهو ~~مما ينكر. # والحارث المحاسبي من كبار الصوفية المقتدى بهم. # فإذا؛ ليس في كلام المجيب ما يتعلق به هؤلاء المتأخرون، إذ باينوا ~~المتقدمين من كل وجه، وبالله التوفيق. # والأمثلة في الباب كثيرة، لو تتبعت؛ لخرجنا عن المقصود، وإنما ذكرنا ~~أمثلة تبين من استدلالاتهم الواهية ما يضاهيها، وحاصلها الخروج في ~~الاستدلال عن الطريق الذي أوضحه العلماء، وبينه الأئمة، وحصر أنواعه ~~الراسخون في العلم. # ومن نظر إلى طرق أهل البدع في الاستدلال؛ عرف أنها لا تنضبط؛ لأنها سيالة ~~لا تقف عند حد، وعلى (كل) وجه يصح لكل زائغ وكافر أن يستدل على زيغه وكفره ~~حتى ينسب النحلة التي التزمها إلى الشريعة. # فقد رأينا وسمعنا عن بعض الكفار أنه استدل على كفره بآيات القرآن، # PageV01P363 # كما استدل بعض النصارى على تشريك عيسى بقوله تعالى: {وكلمته ألقاها إلى ~~مريم وروح منه} [النساء: 171]. # واستدل على (أن الكفار من) أهل الجنة بإطلاق قوله تعالى: {إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 62]، ~~الآية. # واستدل بعض اليهود على تفضيلهم علينا بقوله سبحانه: {اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين} [البقرة: 47]. # وبعض الحلولية استدل على قوله تعالى: {ونفخت فيه من روحي} [الحجر: 29]. # والتناسخي استدل بقوله: {في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 8]. # وكذلك ms208 كل من اتبع المتشابهات، أو حرف المناطات، أو حمل الآيات ما لا ~~تحمله عند السلف الصالح، أو تمسك بالأحاديث الواهية، أو أخذ الأدلة ببادي ~~الرأي، (له) أن يستدل على كل فعل أو قول أو اعتقاد وافق غرضه بآية أو حديث ~~لا يفوز بذلك أصلا. # والدليل عليه استدلال كل فرقة شهرت بالبدعة على بدعتها بآية أو # PageV01P364 # حديث؛ من غير توقف حسبما تقدم ذكره وسيأتي له نظائر أيضا إن شاء الله. # فمن طلب خلاص نفسه؛ تثبت حتى يتضح له الطريق، ومن تساهل؛ رمته أيدي الهوى ~~في معاطب لا مخلص له منها إلا ما شاء الله. # PageV01P365 ### | [الباب الخامس في أحكام البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينهما] ### | [معنى البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية] # الباب الخامس في أحكام البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينها # ولا بد قبل النظر في ذلك من تفسير البدعة الحقيقية والإضافية فنقول ~~وبالله التوفيق: # إن البدعة الحقيقية: هي التي لم يدل عليها دليل شرعي؛ لا من كتاب، ولا ~~سنة، ولا إجماع، ولا قياس، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم؛ لا في الجملة ~~ولا في التفصيل، ولذلك سميت بدعة - كما تقدم ذكره -؛ لأنها شىء مخترع على ~~غير مثال سابق. # وإن كان المبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشرع، إذ هو مدع أنه داخل ~~بما استنبط تحت مقتضى الأدلة، لكن تلك الدعوى غير صحيحة، لا في نفس الأمر، ~~ولا بحسب الظاهر، أما بحسب نفس الأمر؛ فبالعرض، وأما بحسب الظاهر؛ فإن ~~أدلته شبه ليست بأدلة إن ثبت أنه استدل، وإلا فالأمر واضح. # وأما البدعة الإضافية؛ فهي التي لها شائبتان: # إحداهما: لها من الأدلة متعلق، فلا تكون من تلك الجهة بدعة. # والأخرى: ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية. # PageV01P367 # فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين؛ وضعنا له هذه ~~التسمية، وهي " البدعة الإضافية ". # أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة؛ لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة ~~إلى الجهة الأخرى بدعة؛ لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل، أو غير مستندة ~~إلى شيء. # والفرق بينهما ms209 من جهة المعنى: أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم، ومن ~~جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها، مع أنها محتاجة إليه؛ ~~لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العاديات المحضة؛ كما سيأتي ذكره إن ~~شاء الله. ### | [أقسام الإضافية ما يقرب من الحقيقة وما يبعد عنها] # ثم نقول بعد هذا: # إن الحقيقية لما كانت أكثر وأعم وأشهر في الناس ذكرا، وافترقت الفرق، ~~وكان الناس شيعا، وجرى من أمثلتها ما فيه الكفاية، وهي أسبق في فهم ~~العلماء؛ تركنا الكلام فيما يتعلق بها من الأحكام. # ومع ذلك؛ فقلما تختص بحكم دون الإضافية، بل هما معا يشتركان في أكثر ~~الأحكام التي هي مقصود هذا الكتاب أن تشرح فيه؛ بخلاف الإضافية، فإن لها ~~أحكاما خاصة وشرحا خاصا وهو المقصود في هذا الباب؛ إلا أن الإضافية أولا ~~على ضربين: # أحدهما: يقرب من الحقيقية، حتى تكاد البدعة تعد حقيقية. # والآخر: يبعد منها حتى (يكاد) يعد سنة محضة. # ولما انقسمت هذا الانقسام؛ صار من الأكيد على كل قسم # PageV01P368 # على حدته، فلنعقد في كل واحد منهما فصولا بحسب ما يقتضيه، وبالله ~~التوفيق. # فصل # قال الله سبحانه في شأن عيسى عليه السلام ومن اتبعه: {وجعلنا في قلوب ~~الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء ~~رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم ~~فاسقون} [الحديد: 27]. # فخرج عبد بن حميد وإسماعيل بن إسحاق القاضي وغيرهما عن عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه؛ قال: # «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل تدري أي الناس أعلم؟ ". # قلت: الله ورسوله أعلم. # قال: " أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصرا في ~~العمل، وإن كان يزحف على أليتيه واختلف من كان قبلنا على اثنتين وسبعين ~~فرقة، نجا منها ثلاث، وهلك سائرها: فرقة آزت الملوك وقاتلتهم على دين الله ~~ودين عيسى ابن مريم حتى قتلوا، وفرقة لم تكن لهم طاقة بمؤازاة الملوك، ~~فأقاموا على دين الله بين ظهراني قومهم، فدعوهم ms210 إلى دين الله ودين عيسى ابن ~~مريم، فأخذتهم الملوك، فقتلتهم وقطعتهم بالمناشير، وفرقة لم تكن لهم طاقة ~~بمؤازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهراني قومهم فيدعوهم إلى دين الله # PageV01P369 # ودين عيسى ابن مريم، فساحوا في الجبال، وترهبوا فيها، هم الذين قال الله ~~عز وجل (فيهم): {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ~~فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} ~~[الحديد: 27]. # فالمؤمنون الذين آمنوا بي وصدقوا بي والفاسقون الذين كذبوا وحجدوا». # وهذا الحديث من أحاديث الكوفيين. # والرهبانية فيه بمعنى اعتزال الخلق في السياحة، واطراح الدنيا ولذاتها من ~~النساء وغير ذلك، ومنه لزوم الصوامع والديارات على ما كان عليه النصارى قبل ~~الإسلام مع التزام العبادة، وعلى هذا التفسير جماعة من المفسرين. # ويحتمل أن يكون الاستثناء في قوله (تعالى): {إلا ابتغاء رضوان الله} ~~[الحديد: 27]، متصلا ومنفصلا: # فإذا بنينا على الاتصال، فكأنه يقول: ما كتبناها عليهم إلا على هذا الوجه ~~الذي هو العمل بها ابتغاء رضوان الله، فالمعنى أنها مما كتبت عليهم أي: مما ~~شرعت لهم لكن بشرط قصد الرضوان. # {فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27]؛ يريد أنهم تركوا رعايتها حين لم ~~يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول طائفة من المفسرين؛ لأن قصد ~~الرضوان إذا كان # PageV01P370 # شرطا في العمل بما شرع لهم؛ فمن حقهم أن يتبعوا ذلك القصد، فإلى أين سار ~~بهم؛ ساروا، وإنما شرع لهم على شرط أنه إذا نسخ بغيره؛ رجعوا إلى ما أحكم ~~وتركوا ما نسخ، وهو معنى ابتغاء الرضوان على الحقيقة، فإذا لم يفعلوا ~~وأصروا على الأول؛ كان ذلك اتباعا للهوى، لا اتباعا للمشروع، واتباع ~~المشروع هو الذي يحصل له الرضوان، وقصد الرضوان بذلك. # قال تعالى: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} [الحديد: ~~27]، فالذين آمنوا هم الذين اتبعوا الرهبانية ابتغاء رضوان الله، والفاسقون ~~هم الخارجون عن الدخول فيها بشرطها، إذ لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # إلا أن هذا التقرير يقتضي أن المشروع لهم يسمى ابتداعا، وهو ms211 خلاف ما دل ~~عليه حد البدعة. # والجواب: أنه يسمى بدعة من حيث أخلوا بشرط المشروع، إذ شرط عليهم فلم ~~يقوموا به، وإذا كانت العبادة مشروطة بشرط، فيعمل بها دون شرطها؛ لم تكن ~~عبادة على وجهها، وصارت بدعة؛ كالمخل قصدا بشرط من شروط الصلاة؛ مثل ~~استقبال القبلة أو الطهارة أو غيرها، فحيث عرف بذلك وعلمه؛ فلم يلتزمه، ~~ودأب على الصلاة دون شرطها؛ فذلك العمل من قبيل البدع، فيكون ترهب النصارى ~~صحيحا قبل بعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بعث؛ وجب الرجوع عن ~~ذلك كله إلى ملته، فالبقاء عليه مع نسخه بقاء على ما هو باطل بالشرع، وهو ~~عين البدعة. # PageV01P371 # وإذا بنينا على أن الاستثناء منقطع وهو قول فريق من المفسرين؛ فالمعنى: ~~ما كتبناها عليهم أصلا، ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فلم يعملوا بها ~~بشرطها، وهو الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ بعث إلى الناس ~~كافة. # وإنما سميت بدعة على هذا الوجه لأمرين: # أحدهما: يرجع إلى أنها بدعة حقيقية كما تقدم لأنها داخلة تحت حد البدعة. # والثاني: يرجع إلى أنها بدعة إضافية؛ لأن ظاهر القرآن دل على أنها لم تكن ~~مذمومة في حقهم بإطلاق، بل لأنهم أخلوا بشرطها، فمن لم يخل منهم بشرطها، ~~وعمل بها قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم، حصل له فيها أجر؛ حسبما دل ~~عليه قوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} [الحديد: 27]؛ أي: أن من عمل ~~بها في وقتها ثم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد بعثه؛ وفيناه أجره. # وإنما قلنا: إنها في هذا الوجه إضافية؛ لأنها لو كانت حقيقية؛ لخالفوا ~~بها شرعهم الذي كانوا عليه؛ لأن هذا حقيقة البدعة، فلم يكن لهم بها أجر، بل ~~كانوا يستحقون العقاب؛ لمخالفتهم لأوامر الله ونواهيه، فدل على أنهم فعلوا ~~ما كان جائزا لهم فعله، فلا تكون بدعتهم حقيقية، لكنه ينظر على أي معنى ~~أطلق عليها لفظ البدعة، وسيأتي بعد بحول الله. # وعلى كل تقدير؛ فهذا القول لا يتعلق بهذه الأمة منه حكم؛ لأنه # PageV01P372 # نسخ ms212 في شريعتنا، فلا رهبانية في الإسلام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«من رغب عن سنتي فليس مني». # على أن ابن العربي نقل في الآية أربعة أقوال: # الأول: ما تقدم. # والثاني: أن الرهبانية رفض النساء، وهو المنسوخ في شرعنا. # والثالث: أنها اتخاذ الصوامع للعزلة. # والرابع: السياحة. # قال: " وهو مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان ". # وظاهره يقتضي أنها بدعة؛ لأن الذين ترهبوا قبل الإسلام إنما فعلوا ذلك ~~فرارا منهم بدينهم، وسميت بدعة، والندب إليها يقتضي أن لا ابتداع فيها، ~~فكيف يجتمعان؟! # ولكن للمسألة فقه يذكر بحول الله. # وقيل: إن معنى قوله تعالى: {ورهبانية ابتدعوها} [الحديد: 27]؛ أنهم تركوا ~~الحق، وأكلوا لحوم الخنازير، وشربوا الخمر، ولم يغتسلوا من جنابة، وتركوا ~~الختان، {فما رعوها} [الحديد: 27]؛ يعني: الطاعة والملة {حق رعايتها} ~~[الحديد: 27]، فالهاء راجعة إلى غير مذكور، وهو الملة المفهوم معناها من ~~قوله: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} [الحديد: 27]؛ لأنه يفهم ~~منه أن ثم ملة # PageV01P373 # متبعة، كما دل قوله: {إذ عرض عليه بالعشي} [ص: 31] على الشمس حتى عاد ~~عليها الضمير في قوله: {توارت بالحجاب} [ص: 32]، وكان المعنى على هذا ~~القول: ما كتبناها عليهم على هذا الوجه الذي فعلوه، وإنما أمرناهم بالحق، ~~فالبدعة فيه إذا حقيقية لا إضافية. # وعلى كل تقدير؛ فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء، فلا نظر فيه ~~بالنسبة إلى هذه الأمة. # وخرج سعيد بن منصور وإسماعيل القاضي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ~~أنه قال: " أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، ~~فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه؛ فإن أناسا من بني إسرائيل ~~ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ابتغوا بها رضوان الله، فلم يرعوها حق ~~رعايتها، فعاتبهم الله بتركها، فقال: {ورهبانية ابتدعوها} [الحديد: 27]، ~~الآية. # وفي رواية: " فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضوان الله، ~~فلم يرعوها حق رعايتها، فعاتبهم الله بتركها، فتلا هذه الآية: {ورهبانية ~~ابتدعوها} [الحديد: 27]، إلى آخر الآية. # وهذا القول يقرب من قول بعض المفسرين في قوله: ms213 {فما رعوها حق رعايتها} ~~[الحديد: 27]؛ يريد أنهم قصروا فيها ولم يدوموا عليها. # قال بعض نقلة التفسير: " وفي هذا التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ بتطوع ~~ونفل، وأن يرعوه حق رعيه. # PageV01P374 # قال ابن العربي: " وقد زاغ عن منهج الصواب من يظن أنها رهبانية كتبت ~~عليهم بعد أن التزموها ". # قال: وليس يخرج هذا عن مضمون الكلام، ولا يعطيه أسلوبه ولا معناه، ولا ~~يكتب على أحد شيء إلا بشرع أو نذر. قال: وليس في هذا اختلاف بين أهل الملل، ~~والله أعلم. # وهذا القول محتاج إلى النظر والتأمل إذا بنينا العمل على وفقه، إذ أكثر ~~العلماء على القول الأول؛ فإن هذه الملة لا بدعة فيها، ولا تحتمل القول ~~بجواز الابتداع بحال؛ للقطع بالدليل أن كل بدعة ضلالة حسبما تقدم ، فالأصل ~~أن يتبع الدليل، ولا عمل على خلافه. # ومع ذلك؛ فلا نخلي بحول الله قول أبي أمامة رضي الله عنه من نظر صحيح على ~~وفق الدليل الشرعي، وإن كان فيه بعد بالنسبة إلى ظاهر الأمر، وذلك أنه عد ~~عمل عمر رضي الله عنه في جمع الناس في المسجد على قارئ واحد في رمضان بدعة ~~لقوله حين دخل المسجد وهم يصلون: " نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها ~~أفضل ". # وقد مر أنه إنما سماها باعتبار ما، وأن قيام الإمام بالناس في المسجد في ~~رمضان سنة عمل بها صاحب السنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما تركها ~~خوفا من الافتراض، فلما انقضى زمن الوحي؛ زالت العلة فعاد العمل بها إلى ~~نصابه؛ إلا أن ذلك لم يتأت لأبي بكر رضي الله عنه زمان خلافته؛ لمعارضة ما ~~هو أولى بالنظر فيه، وكذلك صدر خلافة عمر رضي الله عنه، حتى تأتى النظر، ~~فوقع منه، لكنه صار في ظاهر الأمر كأنه أمر لم # PageV01P375 # يجر به عمل من تقدمه دائما، فسماه بذلك الاسم، لا أنه أمر على خلاف ما ~~ثبت من السنة. # فكأن أبا أمامة اعتبر فيه نظر ذلك العمل به، فسماه إحداثا؛ موافقة لتسمية ~~عمر رضي الله عنه، ثم أمر بالمداومة ms214 عليه بناء على ما فهم من هذه الآية من ~~أن ترك الرعاية هو ترك دوامهم على التزام عمل ليس بمكتوب بل هو مندوب، فلم ~~يوفوا بمقتضى ما التزموه؛ لأن الأخذ في التطوعات غير اللازمة، ولا السنن ~~الراتبة يقع على وجهين: # أحدهما: أن تؤخذ على أصلها فيما استطاع الإنسان، فتارة ينشط لها وتارة لا ~~ينشط، أو يمكنه تارة بحسب العادة ولا يمكنه أخرى لمزاحمة أشغال ونحوها. . . ~~. وما أشبه ذلك؛ كالرجل يكون له اليوم ما يتصدق به فيتصدق، ولا يكون له ذلك ~~غدا، أو يكون له إلا أنه لا ينشط للعطاء، أو يرى إمساكه أصلح في عادته ~~الجارية له، أو غير ذلك من الأمور الطارئة للإنسان. # فهذا الوجه لا حرج على أحد ترك التطوعات كلها، ولا لوم عليه، إذ لو كان ~~ثم لوم أو عتب؛ لم يكن تطوعا، وهو خلاف الفرض. # والثاني: أن تأخذ مأخذ الملتزمات؛ كالرجل يتخذ لنفسه وظيفة راتبة من عمل ~~صالح في وقت من الأوقات، كالتزام قيام حظ من الليل مثلا، وصيام يوم بعينه ~~لفضل ثبت فيه على الخصوص؛ كعاشوراء وعرفة، أو يتخذ وظيفة من ذكر الله ~~بالغداة والعشي. . . . وما أشبه ذلك. # فهذا الوجه أخذت فيه التطوعات مأخذ الواجبات من وجه؛ أنه لما # PageV01P376 # نوى الدؤب عليها في الاستطاعة؛ أشبهت الواجبات والسنن الراتبة؛ كما أنه ~~لو كان ذلك الإيجاب غير لازم بالشرع؛ لم يصر واجبا؛ إذ تركه أصلا لا حرج ~~فيه في الجملة؛ أعني: ترك الالتزام، ونظيره عندنا النوافل الراتبة بعد ~~الصلوات؛ فإنها مستحبة في الأصل، ومن حيث صارت رواتب؛ أشبهت السنن ~~والواجبات. # وهذا المعنى هو المفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم في الركعتين بعد ~~العصر حين صلاهما فسئل عنهما فقال: «يا ابنة أبي أمية! سألت عن الركعتين ~~بعد العصر؟ أتى ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين ~~اللتين بعد الظهر، فهما هاتان»؛ لأنه سئل عن صلاته لهما بعد ما نهى عنهما، ~~فإنه صلى الله عليه وسلم كان يصليهما بعد الظهر كالنوافل الراتبة، فإما ~~فاتتاه؛ صلاهما ms215 بعد وقتهما كالقضاء لهما حسبما يقضي الواجب. # فصار حينئذ لهذا النوع حالة من التطوع بين حالتين؛ إلا أنه راجع إلى خيرة ~~المكلف بحسب ما فهمنا من الشرع. # وإذا كان كذلك؛ فقد فهمنا من مقصود الشرع أيضا الأخذ بالرفق والتيسير، ~~وأن لا يلزم المكلف ما لعله يعجز عنه، أو يحرج بالتزامه، فإن الالتزام؛ إن ~~لم يبلغ مبلغ القدر الذي يكره ابتداء؛ فهو يقرب من العهد الذي يجعله ~~الإنسان بينه وبين ربه، (والوفاء بالعهد مطلوب في الجملة، فصار الإخلال به ~~مكروها). # PageV01P377 # والدليل على صحة الأخذ بالرفق، وأنه الأولى والأحرى وإن كان الدوام على ~~العمل أيضا مطلوبا عتيدا في الكتاب والسنة: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو ~~يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} [الحجرات: 7]، على قول طائفة من المفسرين: ~~أن الكثير من الأمر واقع في التكاليف الإسلامية، ومعنى لعنتم لحرجتم، ~~ولدخلت عليكم المشقة، ودين الله لا حرج فيه، {ولكن الله حبب إليكم الإيمان} ~~[الحجرات: 7]؛ بالتسهيل والتيسير، {وزينه في قلوبكم} [الحجرات: 7] الآية. # وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ووضع الإصر ~~والأغلال التي كانت على غيرهم. # وقال الله تعالى في صفة نبيه عليه السلام: {عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128]. # وقال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]. # وقال: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} [النساء: 28]. # وسمى الله تعالى الأخذ بالتشديد على النفس اعتداء، فقال تعالى: {ياأيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا} [المائدة: 87]. # ومن الأحاديث كثير. # ؛ كمسألة الوصال، ففي الحديث عن عائشة # PageV01P378 # رضي الله عنها أنها قالت: «نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال ~~رحمة لهم، قالوا: إنك تواصل، قال: " إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي ~~يطعمني ويسقيني» «. # وعن» أنس؛ رضي الله عنه قال: «واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر ~~شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك، فقال: " لو مد لنا شهر ~~لواصلنا وصالا حتى يدع المتعمقون تعمقهم»، وهذا إنكار. # وعن ms216 أبي هريرة؛ قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقال ~~رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: وأيكم مثلي؟! إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا ~~عن الوصال؛ بهم يوما، ثم يوما، ثم رأوا الهلال، فقال: " لو تأخر الشهر ~~لزدتكم» "؛ كالمنكل، حين أبوا أن ينتهوا. # ومن ذلك مسألة قيام النبي صلى الله عليه وسلم بهم في رمضان؛ فإنه تركه ~~مخافة أن يفرض عليهم فيعجزوا عنه فيقعوا في الإثم والحرج، فكان ذلك رفقا ~~منه بهم. # قال القاضي أبو الطيب: " يحتمل أن يكون الله تعالى أوحى إليه أنه إن واصل ~~هذه الصلاة معهم؛ فرضت عليهم ". # وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: " «إن كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليدع # PageV01P379 # العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم». # وقد قيل هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تخصوا يوم الجمعة ~~بصيام». # قال المهلب: " وجهه: خشيت أن يستمر عليه فيفرض ". # وبهذا المعنى يجتمع النهي مع قول مالك رضي الله عنه في الموطأ، ولا يكون ~~فيه إشكال. # ومن ذلك حديث الحولاء بنت تويت؛ قالت عائشة رضي الله عنها: «دخل علي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعندي امرأة، فقال: " من هذه؟ "، فقلت: امرأة لا ~~تنام تصلي، فقال صلى الله عليه وسلم: " لا تنام الليل! خذوا من العمل ما ~~تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا. # فأعاد لفظ " لا تنام " منكرا عليها» والله أعلم ، غير راض فعلها؛ لما ~~خافه عليها من الكلل والسآمة أو تعطيل حق آكد. # ونحوه حديث أنس رضي الله عنه؛ قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المسجد وحبل ممدود بين ساريتين ، فقال: ما هذا؟ "، قالوا: حبل لزينب تصلي، ~~فإذا كسلت أو فترت؛ أمسكت به، فقال: " حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو ~~فتر؛ قعد. # وفي رواية: لا، حلوه». # PageV01P380 # وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: «بلغ النبي ms217 صلى الله عليه ~~وسلم أني أصوم أسرد، وأصلي الليل، فإما أرسل إلي وإما لقيته، فقال: " ألم ~~أخبر أنك تصوم لا تفطر وتصلي الليل؟! فلا تفعل؛ فإن لعينك حظا، ولنفسك حظا، ~~ولأهلك حظا، فصم وأفطر، وصل ونم. . .»، الحديث. # وفي رواية عن أبي سلمة؛ قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص؛ قال: «كنت ~~أصوم الدهر، وأقرأ القرآن كل ليلة، فإما ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وإما أرسل إلي فأتيته، فقال: " ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ~~ليلة؟!، فقلت: بلى يا رسول الله، ولم أر في ذلك إلا الخير، قال: " فإن كان ~~كذلك، أو قال: كذلك)؛ فحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام "، قلت: يا نبي ~~الله! إني أطيق أفضل من ذلك، قال: " فإن لزوجك عليك حقا، ولزوارك عليك حقا، ~~ولجسدك عليك حقا "، قال: فصم صوم داود نبي الله؛ فإنه كان أعبد الناس "، ~~قال: فقلت يا نبي الله وما صوم داود؟ قال: " كان يصوم يوما ويفطر يوما "، ~~قال: " واقرأ القرآن في كل شهر "، قال: فقلت يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ~~ذلك. قال: فاقرأه في كل عشرين، قال: قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ~~ذلك، قال: " فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك؛ فإن لزوجك عليك حقا، ولزوارك ~~عليك حقا، ولجسدك عليك حقا، قال: فشددت فشدد (الله) علي، قال: وقال لي ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر "، قال: فصرت ~~إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كبرت؛ وددت أني كنت # PageV01P381 # قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم». # وفي رواية قال: «صم يوما وأفطر يوما، وذلك صيام داود، وهو أعدل الصيام، ~~قال: قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ~~أفضل من ذلك، قال عبد الله بن عمرو: لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أهلي ومالي» # وفي الترمذي عن جابر رضي ms218 الله عنه؛ قال: «ذكر رجل عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعبادة واجتهاد، وذكر عنده آخر برعة، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: لا يعدل بالرعة»، والرعة: المراد بها هنا الرفق والتيسير. # قال فيه الترمذي: حسن غريب. # وعن أنس رضي الله عنه؛ قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا؛ ~~كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقد غفر ~~(الله) له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا؛ فإني أصلي ~~الليل أبدا، وقال الآخر: إني أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: إني أعتزل ~~النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أنتم ~~الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم ~~وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». # PageV01P382 # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي بجملتها تدل على الأخذ في التسهيل ~~والتيسير، وإنما يتصور ذلك على الوجه الأول من عدم الالتزام، وإن تصور مع ~~الالتزام؛ فعلى جهة ما لا يشق الدوام فيه حسبما نفسره الآن. ### | [فصل الأخذ في التسهيل والتيسير مع الالتزام على جهة ما لا يشق الدوام] # فصل # فأما إن التزم أحد ذلك التزاما؛ فعلى وجهين: # إما على جهة النذر، وذلك مكروه ابتداء: # ألا ترى إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: «أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يوما ينهانا عن النذر؛ يقول: " إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به ~~من الشحيح». # وفي رواية: «النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخره، وإنما يستخرج به من البخيل». # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ~~تنذروا؛ فإن النذر لا يغني من القدر شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل». # وإنما ورد هذا الحديث والله أعلم تنبيها على عادة العرب في أنها كانت ~~تنذر: إن شفى الله مريضي؛ فعلي صوم كذا، وإن ms219 قدم غائبي، أو إن أغناني الله؛ ~~فعلي صدقة كذا، فيقول: لا يغني من قدر الله شيئا، بل من قدر الله له الصحة ~~أو المرض أو الغنى أو الفقر أو غير ذلك؛ فالنذر لم # PageV01P383 # يوضع سببا لذلك، كما وضعت صلة الرحم سببا في الزيادة في العمر مثلا على ~~الوجه الذي ذكره العلماء، بل النذر وعدمه في ذلك سواء، ولكن الله يستخرج به ~~من البخيل؛ بشرعية الوفاء به؛ لقوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} ~~[النحل: 91]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وبه ~~قال جماعة من العلماء؛ كمالك والشافعي. # ووجه النهي أنه من باب التشديد على النفس، وهو الذي تقدم الاستشهاد على ~~كراهته. # وإما على جهة الالتزام غير النذري؛ فكأنه نوع من الوعد، والوفاء بالعهد ~~مطلوب، فكأنه أوجب على نفسه ما لم يوجبه عليه الشرع، فهو تشديد أيضا، وعليه ~~يأتي ما تقدم من، حديث الثلاثة الذين أتوا يسألون عن عبادة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، لقولهم: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم. . . . إلخ؟!، ~~وقال أحدهم: أما أنا فأفعل كذا. . . . إلخ. # ونحوه وقع في بعض الروايات: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن ~~عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: لأقومن الليل ولأصومن النهار ما ~~عشت»، وليس بمعنى النذر، إذ لو كان كذلك؛ لم يقل له: صم من الشهر ثلاثة ~~أيام، صم كذا، ولقال له: أوف بنذرك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر ~~أن يطيع الله فليطعه». # فأما الالتزام بالمعنى النذري؛ فلا بد من الوفاء به وجوبا لا ندبا، # PageV01P384 # على ما قاله العلماء، وجاء في الكتاب والسنة ما يدل عليه، وهو مذكور في ~~كتب الفقه، فلا نطيل به. # وأما المعنى الثاني؛ فالأدلة تقتضي الوفاء به في الجملة، ولكن لا تبلغ ~~مبلغ العتاب على الترك حسبما دلت عليه الأدلة في مأخذ أبي أمامة رضي الله ~~عنه للقيام في المسجد جماعة ؛ كان ذلك بصورة النوافل الراتبة المقتضية ~~للدوام في القصد الأول، فأمرهم بالدوام ms220 حتى لا يكونوا كمن عاهد ثم لم يوف ~~بعهده، فيصير معاتبا، لكن هذا القسم على وجهين: # الوجه الأول: أن يكون في نفسه مما لا يطاق، أو مما فيه حرج أو مشقة ~~فادحة، أو يؤدي إلى تضييع ما هو أولى؛ فهذه هي الرهبانية التي قال فيها ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي؛ فليس مني»، وسيأتي الكلام في ~~ذلك إن شاء الله. # والوجه الثاني: أن لا يكون في الدخول فيه مشقة ولا حرج، ولكنه عند الدوام ~~عليه تلحق بسببه المشقة والحرج، أو تضييع ما هو آكد، فهاهنا أيضا يقع النهي ~~ابتداء، وعليه دلت الأدلة المتقدمة. # وجاء في بعض روايات مسلم تفسير ذلك، حيث قال: " «فشددت فشدد علي "، " ~~وقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر». # فتأملوا كيف اعتبر في التزام ما لا يلزم ابتداء أن يكون بحيث لا يشق # PageV01P385 # الدوام عليه إلى الموت! # قال: " «فصرت إلى الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كبرت؛ ~~وددت أني قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم». # وعلى ذلك المعنى ينبغي أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ~~قتادة رضي الله عنه: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما؟ قال: " ويطيق أحد ~~ذلك؟! "، ثم قال في صوم يوم وإفطار يوم: " وددت أني طوقت ذلك "، فمعناه ~~والله أعلم وددت أني طوقت الدوام عليه، وإلا؛ فقد كان يواصل الصيام ويقول: ~~«إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني». # وفي الصحيح: «كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم». ### | [فصل الدخول في عمل على نية الالتزام له] # فصل # إذا ثبت هذا؛ فالدخول في عمل على نية الالتزام له، إذا ثبت هذا، فالدخول ~~في عمل على نية الالتزام له إن كان في المعتاد، بحيث إذا داوم عليه؛ أورث ~~مللا، ينبغي أن يعتقد أن هذا # PageV01P386 # الالتزام مكروه ابتداء، إذ هو مؤد إلى أمور جميعها منهي عنه: # أحدها: أن الله ورسوله أهدى في هذا ms221 الدين التسهيل والتيسير، وهذا الملتزم ~~يشبه من لم يقبل هديته، وذلك يضاهي ردها على مهديها، وهو غير لائق بالمملوك ~~مع سيده، فكيف يليق بالعبد مع ربه؟! # والثاني: خوف التقصير أو العجز عن القيام بما هو أولى وآكد في الشرع. # «وقال صلى الله عليه وسلم إخبارا عن داود عليه السلام: إنه كان يصوم يوما ~~ويفطر يوما»، ولا يفر إذا لاقى؛ تنبيها على أنه لم يضعفه الصيام عن لقاء ~~لعدو فيفر ويترك الجهاد في مواطن تكبده بسبب ضعفه. # وقيل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إنك لتقل الصوم، فقال: " إنه ~~يشغلني عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحب إلي منه ". # ولذلك كره مالك إحياء الليل كله، وقال: " لعله يصبح مغلوبا، وفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أسوة "، ثم قال: " لا بأس به؛ ما لم يضر بصلاة ~~الصبح ". # وقد جاء في: صيام يوم عرفة أنه يكفر سنتين، ثم إن الإفطار فيه للحاج ~~أفضل؛ لأنه قوة على الوقوف والدعاء، ولابن وهب في ذلك حكاية. # وقد جاء في الحديث: «إن لأهلك عليك حقا، ولزوارك عليك حقا، ولنفسك عليك ~~حقا»، فإذا انقطع إلى عبادة لا تلزمه في الأصل؛ فربما # PageV01P387 # أخل بشيء من هذه الحقوق. # وعن أبي جحيفة (رضي الله تعالى عنه)؛ قال: «آخر ما آخى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم ~~الدرداء متبذلة، فقال: ما شأنك متبذلة؟ قالت: إن أخاك أبا الدرداء ليست له ~~حاجة في الدنيا، قال: فلما جاء أبو الدرداء؛ قرب إليه طعاما، فقال: كل؛ ~~فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل؛ ذهب أبو ~~الدرداء ليقوم، فقال له سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال له: نم، فنام، ~~فلما كان عند الصبح؛ قال له سلمان: قم الآن، فقاما فصليا، فقال (سلمان): إن ~~لنفسك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولضيفك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط ~~لكل ذي حق حقه. فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك ms222 له، فقال: صدق ~~سلمان». # قال الترمذي: صحيح. # وهذا الحديث قد جمع التنبيه على حق الأهل بالوطء والاستمتاع وما يرجع ~~إليه، والضيف بالخدمة والتأنيس والمؤاكلة وغيرها، والولد بالقيام عليهم ~~بالاكتساب والخدمة، والنفس بترك إدخال المشقات عليها، وحق الرب سبحانه ~~بجميع ما تقدم وبوظائف أخر فرائض ونوافل آكد مما هو فيه، والواجب أن يعطي ~~لكل ذي حق حقه. # وإذا التزم الإنسان أمرا من الأمور المندوبة أو أمرين أو ثلاثة؛ فقد يصده ~~ذلك عن القيام بغيرها، أو عن كماله على وجهه، فيكون ملوما. # PageV01P388 # (والثالث): خوف كراهية النفس لذلك العمل الملتزم؛ لأنه قد فرض من جنس ما ~~يشق الدوام عليه، فتدخل المشقة، (بحيث) لا يقرب من وقت العمل؛ إلا والنفس ~~تشمئز منه، وتود لو لم تعمل، أو تتمنى لو لم تلتزم. # وإلى هذا المعنى يشير حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا لأنفسكم ~~عبادة الله؛ فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى». # PageV01P389 # فشبه الموغل بالعنف بالمنبت، وهو المنقطع في بعض الطريق؛ [لأنه عنف في ~~أوله] تعنيفا على الظهر وهو المركوب حتى وقف فلم يقدر على السير، ولو رفق ~~بدابته؛ لوصل إلى رأس المسافة. # فكذلك الإنسان؛ عمره مسافة، والغاية الموت، ودابته نفسه، فكما هو المطلوب ~~بالرفق على الدابة حتى يصل بها؛ فكذلك هو مطلوب بالرفق بنفسه حتى يسهل ~~عليها قطع مسافة العمر بحمل التكليف، فنهى في الحديث عن التسبب في تبغيض ~~العبادة للنفس، وما نهى الشرع عنه لا يكون حسنا. # وخرج الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: «لما نزلت: {ياأيها ~~النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا - وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا} [الأحزاب: 45 - 46]، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ومعاذا، ~~فقال: " انطلقا فبشرا ويسرا ولا تعسرا؛ فإني أنزلت علي: يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا». # وخرج مسلم عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن ms223 جده: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعثه ومعاذا إلى اليمن، فقال: " بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، ~~وتطاوعا ولا تختلفا». # PageV01P390 # وعنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض ~~أمره؛ قال: " بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا». # وهذا نهي عن التعسير الذي التزام الحرج في التعبد نوع منه. # وفي الطبري عن جابر بن عبد الله؛ قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم على ~~رجل يصلي على صخرة بمكة، فأتى ناحية مكة، فمكث مليا، ثم انصرف، فوجد الرجل ~~يصلي على حاله، فقال: أيها الناس! عليكم بالقصد والقسط ثلاثا؛ فإن الله لن ~~يمل حتى تملوا». # وعن بريدة الأسلمي: أن النبي صلى الله عليه وسلم «رأى رجلا يصلي، فقال: " ~~من # PageV01P391 # هذا؟، فقلت: هذا فلان، فذكرت من عبادته وصلاته، فقال: " إن خير دينكم ~~أيسره». # وهذا يشعر بعدم الرضا بتلك الحالة، وإنما ذلك مخافة الكراهية للعمل، ~~وكراهية العمل مظنة للترك الذي هو مكروه لمن ألزم نفسه لأجل نقض العهد، ~~(وهو الوجه الرابع). # وقد مر في الوجه الثالث ما يدل عليه؛ فإن قوله عليه السلام: «فإن المنبت ~~لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» "، ومع قوله: " «ولا تبغضوا إلى أنفسكم ~~العبادة»؛ يدل على أن بغض العمل وكراهيته مظنة الانقطاع، ولذلك مثل عليه ~~السلام بالمنبت، وهو المنقطع عن استيفاء المسافة، وهو الذي دل عليه قول ~~الله تعالى: {فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27]، على التفسير المذكور. # (والخامس): الخوف من الدخول تحت الغلو في الدين؛ فإن الغلو هو المبالغة ~~في الأمر، ومجاوزة الحد فيه إلى حيز الإسراف، وقد دل عليه مما تقدم أشياء: # حيث قال عليه السلام: «يا أيها الناس! عليكم بالقصد». . . . # PageV01P392 # الحديث. # وقال الله عز وجل: {ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} [النساء: 171]. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غداة العقبة: " اجمع لي حصيات من حصى الخذف "، فلما وضعتهن في يده؛ قال: " ~~بأمثال هؤلاء؛ إياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم ms224 بالغلو في ~~الدين». # فأشار إلى أن الآية في النهي عن الغلو يشتمل معناها على كل ما هو غلو ~~وإفراط، وأكثر هذه الأحاديث المقيدة آنفا خرجها الطبري. # وخرج أيضا عن يحيى بن جعدة؛ قال: " كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل ~~وأنت تحبه: عمل دائم وإن قل خير من عمل كثير منقطع ". # وأتى معاذا رجل، فقال: أوصني. قال: " أمطيعي أنت؟ "، قال: نعم، قال: " صل ~~ونم، وصم وأفطر، واكتسب ولا تأت الله إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة المظلوم. # PageV01P393 # وعن إسحاق بن سويد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد بن مطرف: " ~~«يا عبد الله! العلم أفضل من العمل، والحسنة بين السيئتين، وخير الأمور ~~أوسطها، وشر السير الحقحقة». # ومعنى قوله: إن «الحسنة بين السيئتين»: أن الحسنة هي القصد والعدل، ~~والسيئتين مجاوزة الحد والتقصير، وهو الذي دل على معناه قول الله تعالى: ~~{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] الآية، ~~وقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} [الفرقان: 67] الآية. # ومعنى الحقحقة: أرفع السير، وإتعاب الظهر، وهو راجع إلى الغلو والإفراط. # ونحوه عن يزيد بن مرة الجعفي؛ قال: " «العلم خير من العمل، والحسنة بين ~~السيئتين» ". # وعن كعب الأحبار: " «إن هذا الدين متين؛ فلا تبغض إليك دين الله، وأوغل ~~برفق؛ فإن المنبت لم يقطع بعدا ولم يسبق ظهرا، واعمل عمل المرء الذي يرى ~~أنه لا يموت إلا يوما، واحذر حذر المرء الذي يرى أنه # PageV01P394 # يموت غدا». # وخرج ابن وهب نحوه عن عبد الله بن عمرو بن العاص. # وهذه إشارة إلى الأخذ بالعمل الذي يقتضي المداومة عليه من غير حرج. # وعن عمر بن إسحاق؛ قال: " أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقل تشديدا منهم ". # وقال الحسن: " دين الله وضع فوق التقصير ودون الغلو ". # والأدلة في هذا المعنى كثيرة، جميعها راجع إلى أنه لا حرج في الدين. # والحرج كما ينطلق على الحرج الحالي كالشروع في عبادة شاقة في ms225 نفسها كذلك ~~ينطلق على الحرج المآلي، إذ كان الحرج لازما مع الدوام؛ كقصة عبد الله بن ~~عمرو رضي الله عنهما، وغير ذلك مما تقدم ، مع أن الدوام مطلوب حسبما اقتضاه ~~قول أبي أمامة رضي الله عنه في قوله تعالى: {فما رعوها حق رعايتها} ~~[الحديد: 27]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أحب العمل إلى الله ما داوم عليه ~~صاحبه» وإن قل، فلذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا أثبته، حتى قضى ~~ركعتي ما بين الظهر بعد العصر. # PageV01P395 # هذا؛ إن كان العامل لا ينوي الدوام فيه، فكيف إذا عقد في نيته أن لا ~~يتركه؟! فهو أحرى بطلب الدوام. # فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: " «يا عبد ~~الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل، فترك قيام الليل»، وهو حديث صحيح، ~~فنهاه عليه السلام أن يكون مثل فلان، وهو ظاهر في كراهية الترك من ذلك ~~الفلان وغيره. # فالحاصل أن هذا القسم الذي هو مظنة للمشقة عند الدوام مطلوب الترك لعلة ~~أكثرية، ففهم عند تقريره أنه إذا فقدت؛ زال طلب الترك، وإذا ارتفع طلب ~~الترك؛ رجع إلى أصل العمل، وهو طلب الفعل. # فالداخل فيه على التزام شرطه داخل في مكروه ابتداء من وجه؛ لإمكان عدم ~~الوفاء بالشرط، وفي المندوب إليه؛ حملا على ظاهر العزيمة على الوفاء، فمن ~~حيث الندب؛ أمره الشارع بالوفاء، ومن حيث الكراهية؛ كره له أن يدخل فيه. # وحين صارت الكراهة هي المقدمة؛ كان دخوله في العمل لقصد القربة يشبه ~~الدخول فيه بغير أمر، فأشبه المبتدع الداخل في عبادة غير مأمور بها، فقد ~~يستسهل بهذا الاعتبار إطلاق البدعة عليها كما استسهله أبو أمامة رضي الله ~~عنه. # ومن حيث كان العمل مأمورا به ابتداء قبل النظر في المآل، أو مع قطع النظر ~~عن المشقة، أو مع اعتقاد الوفاء بالشرط؛ أشبه صاحبه من دخل # PageV01P396 # في نافلة قصدا للتعبد بها، وذلك صحيح جار على مقتضى أدلة الندب. # ولذلك أمر بعد الدخول فيه بالوفاء، كان نذرا أو التزاما بالقلب ms226 غير نذر، ~~ولو كان بدعة داخلة في حد البدعة؛ لم يؤمر بالوفاء، ولكان عمله باطلا. # ولذلك جاء في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «رأى رجلا قائما ~~في الشمس، فقال: " ما بال هذا؟ "، فقالوا: نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا ~~يجلس ويصوم، فقال صلى الله عليه وسلم: " مروه فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم ~~صيامه». # فأنت ترى كيف أبطل عليه التبدع بما ليس بمشروع ألبتة، وأمره بالوفاء بما ~~هو مشروع في الأصل، فلولا [أن] للفرق بينهما معنى؛ لم يكن للتفرقة بينهما ~~معنى مفهوم. # وأيضا؛ فإذا كان الداخل مأمورا بالدوام؛ لزم من ذلك أن يكون الدخول طاعة، ~~بل لا بد؛ لأن المباح فضلا عن المكروه والمحرم لا يؤمر بالدوام عليه، ولا ~~نظير لذلك في الشريعة. # وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه». # ولأن الله مدح من أوفى بنذره في قوله سبحانه: {يوفون بالنذر} [الإنسان: ~~7] في معرض المدح وترتيب الجزاء الحسن. # PageV01P397 # وفي آية الحديد: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} [الحديد: 27]، ولا يكون ~~الأجر إلا على مطلوب شرعا. # فتأملوا هذا المعنى، فهو الذي يجري عليه عمل السلف الصالح رضي الله عنهم ~~بمقتضى الأدلة، وبه يرتفع إشكال التعارض الظاهر لبادي الرأي، حتى تنتظم ~~الآيات والأحاديث وسير من تقدم، والحمد لله. # غير أنه يبقى بعدها إشكالان قويان، وبالنظر في الجواب عنهما ينتظم معنى ~~المسألة على تمامه، فنعقد في كل إشكال فصلا. ### | [فصل الرد على إشكال أن الأدلة على كراهية الالتزامات التي يشق دوامها معارض بما دل على خلافه] # فصل # (الإشكال الأول): إن ما تقدم من الأدلة على كراهية الالتزامات التي يشق ~~دوامها معارض بما دل على خلافه: # فقد «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تورمت قدماه، فيقال له: ~~أو ليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبدا ~~شكورا؟!». # «ويظل اليوم الطويل في الحر الشديد صائما». # «وكان صلى الله عليه وسلم يواصل الصيام ويبيت عند ربه يطعمه ويسقيه». . . ~~. . # ونحو ms227 ذلك من اجتهاده في عبادة ربه. وفي رسول الله أسوة حسنة، ونحن ~~مأمورون بالتأسي. # PageV01P398 # فإن أبيتم هذا الدليل بسبب أنه صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بهذه ~~القضية ولذلك كان ربه يطعمه ويسقيه وكان يطيق من العمل ما لا تطيقه أمته؛ ~~فما قولكم فيما ثبت من ذلك عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين العارفين ~~بتلك الأدلة التي استدللتم بها على الكراهية: # حتى أن بعضهم قعد من رجليه من كثرة التبتل. # وصارت جبهة بعضهم كركبة البعير من كثرة السجود؟ # وجاء عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: " أنه كان إذا صلى العشاء أوتر ~~بركعة يقرأ فيها القرآن كله ". # وكم من رجل صلى الصبح بوضوء العشاء كذا كذا سنة، وسرد الصيام كذا وكذا ~~سنة، وكانوا هم العارفين بالسنة، لا يميلون عنها لحظة. # وروي عن ابن عمر وابن الزبير: أنهما كانا يواصلان الصيام. # وأجاز مالك وهو إمام في الاقتداء صيام الدهر؛ يعني: إذا أفطر أيام العيد. # ومما يحكى عن أويس القرني أنه كان يقوم ليله حتى يصبح، ويقول: " بلغني أن ~~لله عبادا سجودا أبدا. . . "؛ يريد أنه يتنفل بالصلاة، فتارة يطول فيها ~~القيام، وتارة الركوع، وتارة السجود. # وعن الأسود بن يزيد: أنه كان يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى يخضر جسده ~~ويصفر، فكان علقمة يقول له: ويحك! لم تعذب هذا الجسد؟ فيقول: " إن الأمر ~~جد، إن الأمر جد ". # وعن أنس بن مالك: أن امرأة مسروق قالت: " كان يصلي حتى # PageV01P399 # تورمت قدماه، فربما جلست خلفه أبكي مما أراه يصنع بنفسه. # وعن الشعبي؛ قال: " غشي على مسروق في يوم صائف وهو صائم، فقالت له ابنته: ~~أفطر، قال: ما أردت بي؟ قالت: الرفق، قال: يا بنية! إنما طلبت الرفق لتعبي ~~في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ". # وعن الربيع بن خثيم: أنه قال: " أتيت أويسا القرني، فوجدته قد صلى الصبح ~~وقعد، فقلت: لا أشغله عن التسبيح، فلما كان وقت الصلاة؛ قام فصلى إلى ~~الظهر، فلما صلى الظهر، صلى إلى العصر، فلما صلى العصر؛ قعد يذكر الله إلى ~~المغرب، ms228 فلما صلى المغرب؛ صلى إلى العشاء، فلما صلى العشاء؛ صلى إلى الصبح، ~~فلما صلى الصبح؛ جلس، فأخذته عينه، ثم انتبه، فسمعته يقول: " اللهم إني ~~أعوذ بك من عين نوامة، وبطن لا تشبع ". # والآثار في هذا المعنى كثيرة عن الأولين، وهي تدل على الأخذ بما هو شاق ~~في الدوام، ولم يعدهم أحد بذلك مخالفين للسنة، بل عدوهم من السابقين، جعلنا ~~الله منهم. # وأيضا؛ فإن النهي ليس عن العبادة المطلوبة، بل هو عن الغلو فيها غلوا ~~يدخل المشقة على العامل، فإذا فرضنا من فقدت في حقه تلك العلة؛ فلا ينتهض ~~النهي في حقه؛ كما إذا قال الشارع: لا يقضي القاضي وهو غضبان، وكانت علة ~~النهي تشويش الفكر عن استيفاء الحجج؛ اطرد النهي مع كل مشوش، وانتفى عند ~~انتفائه، حتى إنه منتف مع وجود الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء ~~الحجج، وهذا صحيح جار على الأصول. # PageV01P400 # وحال من فقدت في حقه العلة حال من يعمل بحكم غلبة الخوف أو الرجاء أو ~~المحبة؛ فإن الخوف سوط سائق، والرجاء حاد قائد، والمحبة سبيل حامل، فالخائف ~~إن وجد المشقة؛ فالخوف مما هو أشق يحمله على الصبر ما هو أهون وإن كان ~~العمل شاقا، والراجي يعمل وإن وجد المشقة؛ لأن رجاء الراحة التامة يحمله ~~على الصبر على بعض التعب، والمحب يعمل ببذل المجهود؛ شوقا إلى المحبوب، ~~فيسهل عليه الصعب، ويقرب عليه البعيد، فيوهن القوى، ولا يرى أنه أوفى بعهد ~~المحبة ولا قام بشكر النعمة، ويعصر الأنفاس ولا يرى أنه قضى نهمته. # وإذا كان كذلك؛ صح الجمع بين الأدلة، وجاز الدخول في العمل التزاما مع ~~الإيغال فيه: إما مطلقا، وإما مع ظن انتفاء العلة، وإن دخلت المشقة فيما ~~بعد؛ إذا صح مع العامل الدوام على العمل، ويكون ذلك جاريا على مقتضى الأدلة ~~وعمل السلف الصالح. # والجواب: أن ما تقدم من أدلة النهي صحيح صريح، وما نقل عن الأولين يحتمل ~~ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يحمل [على] أنهم إنما عملوا على التوسط الذي هو مظنة الدوام، ~~فلم يلزموا أنفسهم ms229 بما لعله يدخل عليهم المشقة حتى يتركوا بسببه ما هو ~~أولى، أو يتركوا العمل، أو يبغضوه لثقله على أنفسهم، بل التزموا ما كان على ~~النفوس سهلا في حقهم، فإنما طلبوا اليسر لا العسر، وهو الذي كان حال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وحال من تقدم النقل عنه من المتقدمين؛ بناء على ~~أنهم إنما عملوا بمحض السنة والطريقة العامة لجميع المكلفين، وهذه طريقة ~~الطبري في الجواب. # PageV01P401 # وما تقدم في السؤال مما يظهر منه خلاف ذلك؛ فقضايا أحوال يمكن حملها على ~~وجه صحيح إذا ثبت أن العامل ممن يقتدى به. # (والثاني): يحتمل أن يكونوا عملوا على المبالغة فيما استطاعوا، لكن لا ~~على جهة الالتزام، لا بنذر ولا غيره. # وقد يدخل الإنسان في أعمال يشق الدوام عليها ولا يشق في الحال، فيغتنم ~~نشاطه في حالة خاصة؛ غير ناظر فيها فيما يأتي، ويكون جاريا فيه على أصل رفع ~~الحرج، حتى إذا لم يستطعه؛ تركه، ولا حرج عليه؛ لأن المندوب لا حرج في تركه ~~في الجملة. # ويشعر بهذا المعنى ما في هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: «كان ~~رسول الله يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيته ~~استكمل صيام شهر قط إلا رمضان». . .، الحديث. # فتأملوا وجه اعتبار النشاط، والفراغ من الحقوق المتعلقة، أو القوة في ~~الأعمال. # وكذلك قول عبد الله بن عمرو في صيام يوم وإفطار يوم: " ليتني طوقت ذلك "؛ ~~إنما يريد المداومة؛ لأنه قد كان يوالي الصيام حتى يقولوا لا يفطر. # ولا يعترض [على] هذا المأخذ بقوله عليه السلام: «أحب العمل إلى الله ما ~~دام عليه صاحبه وإن قل»، وأن[ه] «كان عمله دائما»؛ لأنه # PageV01P402 # محمول على العمل الذي يشق فيه الدوام. # وأما ما نقل عنهم إدامة صلاة الصبح بوضوء العشاء وقيام جميع الليل، وصيام ~~الدهر. . . ونحوه؛ فيحتمل أن يكون على الشرط المذكور، وهو أن لا يلتزم ذلك، ~~وإنما يدخل في العمل حالا يغتنم نشاطه، فإذا أتى زمان آخر وجد فيه النشاط ~~أيضا وإذا لم يخل بما ms230 هو أولى؛ عمل كذلك، فيتفق أن يدوم له هذا النشاط ~~زمانا طويلا، وفي كل حالة هو في فسحة الترك، لكنه ينتهز الفرصة مع الأوقات، ~~فلا بعد في أن يصحبه النشاط إلى آخر العمر، فيظنه الظان التزاما وليس ~~بالتزام. # وهذا صحيح، ولا سيما مع سائق الخوف أو حادي الرجاء أو حامل المحبة، وهو ~~معنى قوله عليه السلام: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»، فلذلك «قام عليه ~~السلام حتى تورمت قدماه،» وامتثل أمر ربه في قوله تعالى {قم الليل إلا ~~قليلا} [المزمل: 2]، الآية. # (والثالث): أن دخول المشقة وعدمه على المكلف في الدوام أو غيره ليس أمرا ~~منضبطا، بل هو إضافي مختلف بحسب اختلاف الناس في قوة أجسامهم، أو في قوة ~~عزائمهم، أو في قوة يقينهم. . . . أو نحو ذلك من أوصاف أجسامهم وأنفاسهم، ~~فقد يختلف العمل الواحد بالنسبة إلى رجلين؛ لأن أحدهما أقوى جسما، أو أقوى ~~عزيمة، أو يقينا بالموعد، والمشقة قد تضعف بالنسبة إلى قوة هذه الأمور ~~وأشباهها، وتقوى مع # PageV01P403 # ضعفها. # فنحن نقول: كل عمل يشق الدوام على مثله بالنسبة إلى زيد؛ فهو منهي عنه، ~~ولا يشق على عمر؛ فلا ينهى عنه. # فنحن نحمل ما داوم عليه الأولون من الأعمال على أنه لم يكن شاقا عليهم، ~~وإن كان ما هو أقل منه شاقا علينا، فليس عمل مثلهم بما عملوا به حجة لنا أن ~~ندخل فيما دخلوا فيه؛ إلا بشرط أن يمتد مناط المسألة فيما بيننا وبينهم، ~~وهو أن يكون ذلك العمل لا يشق الدوام على مثله. # وليس كلامنا في هذا لمشاهدة الجميع، فإن التوسط والأخذ بالرفق هو ~~(الأولى) والأحرى بالجميع، وهو الذي دلت عليه الأدلة؛ دون الإيغال الذي لا ~~يسهل مثله على جميع الخلق ولا أكثرهم؛ إلا على القليل النادر منهم. # والشاهد لصحة هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إني لست كهيئتكم، إني ~~أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»؛ يريد عليه السلام: أنه لا يشق عليه الوصال، ~~ولا يمنعه عن قضاء حق الله وحقوق الخلق. # فعلى هذا؛ من رزق أنموذجا مما أعطيه عليه ms231 السلام، فصار يوغل في العمل مع ~~قوته ونشاطه وخفة العمل عليه؛ فلا حرج. # وأما رده عليه السلام على عبد الله بن عمرو؛ فيمكن أن يكون شهد بأنه لا ~~يطيق الدوام، ولذلك وقع له ما كان متوقعا، حتى قال: " ليتني قبلت رخصة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ". # PageV01P404 # ويكون عمل ابن الزبير وابن عمر وغيرهما في الوصال جاريا على أنهم أعطوا ~~حظا مما أعطيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا بناء على أصل مذكور في ~~كتاب الموافقات، والحمد لله. # وإذا كان كذلك؛ لم يكن في العمل المنقول عن السلف مخالفة لما سبق. ### | [فصل النظر في تعليل النهي وأنه يقتضي انتفاءه عند العلة] # فصل # لكن يبقى النظر في تعليل النهي، وأنه يقتضي انتفاءه عند العلة. # وما ذكروه فيه صحيح في الجملة، وفيه في التفصيل نظر، وذلك أن العلة راجعة ~~إلى أمرين: # أحدهما: الخوف من الانقطاع والترك إذا التزم فيما يشق فيه الدوام. # والآخر: الخوف من التقصير فيما هو الآكد من حق الله وحقوق الخلق. # أما الأول؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصل فيه أصلا راجعا إلى ~~قاعدة معلومة لا مظنونة، وهي بيان أن العمل المورث للحرج عند الدوام منفي ~~عن الشريعة؛ كما أن أصل الحرج منفي عنها، لأنه عليه السلام بعث بالحنيفية ~~السمحة، ولا سماح مع دخول الحرج؛ فكل من ألزم نفسه ما يلقى فيه الحرج؛ فقد ~~يخرج عن الاعتدال في حق نفسه، وصار إدخاله للحرج على نفسه من تلقاء نفسه لا ~~من الشارع؛ فإن دخل في العمل على شرط الوفاء؛ فإن وفى؛ فحسن بعد الوقوع، إذ ~~قد ظهر أن ذلك العمل: إما غير شاق؛ # PageV01P405 # لأنه قد أتى به بشرطه، وإما شاق صبر عليه فلم يوف النفس حقها من الرفق، ~~وسيأتي، وإن لم يوف؛ فكأنه نقض عهد الله، وهو شديد، فلو بقي على أصل براءة ~~الذمة من الالتزام؛ لم يدخل عليه ما يتقي منه. # لكن لقائل أن يقول: إن النهي هاهنا معلق بالرفق الراجع إلى العامل؛ كما ~~قالت ms232 عائشة رضي الله عنها: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة ~~لهم»، فكأنه قد اعتبر حظ النفس في التعبد، فقيل له: افعل واترك؛ أي: لا ~~تتكلف ما يشق عليك، كما لا تتكلف في الفرائض ما يشق عليك؛ لأن الله إنما ~~وضع الفرائض على العباد على وجه من التيسير مشترك للقوي والضعيف، والصغير ~~والكبير، والحر والعبد، والرجل والمرأة، حتى إذا كان بعض الفرائض يدخل ~~الحرج على المكلف؛ يسقط عنه جملة، أو عوض عنه ما لا حرج فيه، كذلك النوافل ~~المتكلم فيها. # وإذا روعي حظ النفس؛ فقد صار الأمر في الإيغال إلى العامل، فله أن لا ~~يمكنها من حظها، وأن يستعملها فيما قد يشق عليها بالدوام؛ بناء على القاعدة ~~المؤصلة في أصول الموافقات في إسقاط الحظوظ، فلا يكون إذا منهيا على ذلك ~~التقدير ، فكما يجب على الإنسان حق لغيره ما دام طالبا له، وله الخيرة في ~~ترك الطلب به، فيرتفع الوجوب؛ كذلك جاء النهي حفظا على حظوظ النفس، فإذا ~~أسقطها صاحبها؛ زال النهي، ورجع العمل إلى أصل الندب. # والجواب: أن حظوظ النفوس بالنسبة إلى الطلب بها قد يقال: إنه من حقوق ~~الله على العباد، وقد يقال: إنه من حقوق العباد، فلا ينهض # PageV01P406 # ما قلتم، إذ ليس للمكلف خيرة فيه. # فكما أنه متعبد بالرفق بغيره؛ كذلك هو مكلف بالرفق بنفسه: # ودل على ذلك قوله عليه السلام: «إن لنفسك عليك حقا. . .» إلى آخر الحديث، ~~فقرن حق النفس بحق الغير في الطلب في قوله: «فأعط كل ذي حق حقه»، ثم جعل ~~ذلك حقا من الحقوق، ولا يطلق هذا اللفظ إلا على ما كان لازما. # ويدل عليه أنه لا يحل للإنسان أن يبيح لنفسه ولا لغيره دمه، ولا قطع طرف ~~من أطرافه، ولا إيلامه بشيء من الآلام، ومن فعل ذلك؛ أثم واستحق العقاب، ~~وهو ظاهر. # وإن قلنا: إنه من حق العبد، وراجع إلى خيرته؛ فليس ذلك على الإطلاق، إذ ~~قد تبين في الأصول أن حقوق العباد ليست مجردة من حق الله. # والدليل على ذلك ms233 فيما نحن فيه أنه لو كان إلى خيرتنا بإطلاق؛ لم يقع ~~النهي فيه علينا، بل كنا نخير فيه ابتداء، وإلى ذلك [يشير قوله صلى الله ~~عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله؛ فليطعه»]؛ فإنه لو كان بخيرة المكلف ~~محضا؛ لجاز للناذر العبادة أن يتركها متى شاء، ويفعلها متى شاء، وقد اتفق ~~الأئمة على وجوب الوفاء بالنذر، فيجري ما أشبه مجراه. # وأيضا؛ فقد فهمنا من الشرع أنه حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، # PageV01P407 # ومن جملة التزيين تشريعه على وجه يستحسن الدخول فيه، ولا يكون هذا مع ~~شرعية المشقات، وإذا كان الإيغال في الأعمال من شأنه في العادة أن يورث ~~الكلل والكراهية والانقطاع الذي هو كالضد لتحبيب الإيمان وتزيينه في ~~القلوب؛ كان مكروها؛ لأنه على خلاف وضع الشريعة، فلم ينبغ أن يدخل فيه على ~~ذلك الوجه. # وأما الثاني: فإن الحقوق المتعلقة بالمكلف على أصناف كثيرة، وأحكامها ~~تختلف حسبما تعطيه أصول الأدلة. # ومن المعلوم أنه إذا تعارض على المكلف حقان، ولم يمكن الجمع بينهما؛ فلا ~~بد من تقديم ما هو آكد في مقتضى الدليل، فلو تعارض على المكلف واجب ومندوب؛ ~~لقدم الواجب على المندوب، وصار المندوب في ذلك الوقت غير مندوب، بل صار ~~واجب الترك عقلا أو شرعا، من " باب ما لا يتم الواجب إلا به "، وإذا صار ~~واجب الترك؛ فكيف يصير العامل به إذ ذاك متعبدا لله به؟! بل هو متعبد بما ~~هو مطلوب في أصول الأدلة؛ لأن دليل الندب عتيد، ولكنه مع ذلك بالنسبة إلى ~~هذا التعبد مانع من العمل به، وهو حضور الواجب، فإن عمل بالواجب؛ فلا حرج ~~في ترك المندوب على الجملة، إلا أنه غير مخلص من جهة ذلك الالتزام المتقدم، ~~وقد مر ما فيه، وإن عمل بالمندوب؛ عصى بترك الواجب. # وبقي النظر في المندوب: هل وقع موقعه في الندب أم لا؟ فإن قلنا: إن ترك ~~المندوب هنا واجب عقلا؛ فقد ينهض المندوب سببا للثواب مع ما فيه من كونه ~~مانعا من أداء الواجب، وإن قلنا: إنه واجب شرعا؛ ms234 بعد من انتهاضه سببا ~~للثواب؛ إلا على وجه ما، وفيه أيضا ما فيه. # PageV01P408 # فأنت ترى ما في التزام النوافل على كل تقدير [من الإخلال بالأمور ~~الواجبة، ومن هنا يصبح تركه] فرضا إذا كان مؤديا للحرج، وهذا كله إذا كان ~~الالتزام صادا عن الوفاء بالواجبات مباشرة، قصدا أو غير قصد. # ويدخل فيه ما في حديث سلمان مع أبي الدرداء رضي الله عنهما، إذ كان ~~التزام قيام الليل مانعا له من أداء حقوق الزوجة من الاستمتاع الواجب عليه ~~في الجملة وكذلك التزام صيام النهار. # ومثله لو كان التزام صلاة الضحى أو غيرها من النوافل مخلا بقيامه على ~~مريضه المشرف والقيام على إغاثة أهله بالقوت أو ما أشبه ذلك. # ويجري مجراه وإن لم يكن في رتبته أن لو كان ذلك الالتزام يفضي به إلى ضعف ~~بدنه، أو نهك قواه، حتى لا يقدر على الاكتساب لأهله، أو أداء فرائضه على ~~وجهها، أو الجهاد، أو طلب العلم؛ كما نبه عليه حديث داود عليه السلام: أنه: ~~" «كان يصوم يوما، ويفطر (يوما)، ولا يفر إذا لاقى». # وقد جاء في مفروض الصيام في السفر من التخيير ما جاء، ثم إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم «قال عام الفتح: إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى ~~لكم». # قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: " «فأصبحنا منا الصائم ومنا المفطر ". # قال: ثم سرنا، فنزلنا منزلا، فقال: إنكم تصبحون عدوكم، والفطر أقوى لكم، ~~فأفطروا». # PageV01P409 # قال: فكانت عزيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وهذه إشارة إلى أن الصيام ربما أضعف عن ملاقاة العدو وعمل الجهاد، فصيام ~~النفل أولى بهذا الحكم. # وعن جابر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يظلل عليه والزحام ~~عليه، فقال: ليس من البر الصيام في السفر؛» يعني: أن الصيام في السفر وإن ~~كان واجبا ليس برا في السفر إذا بلغ به الإنسان ذلك الحد، مع وجود الرخصة، ~~فالرخصة إذا مطلوبة في مثله، بحيث تصير به آكد من أداء الواجب، فما ليس ~~بواجب في أصله ms235 أولى. # فالحاصل أن كل من ألزم نفسه شيئا يشق عليه؛ فلم يأت طريق البر على حده. ### | [فصل الرد على إشكال أن التزام النوافل التي يشق التزامها مخالفة للدليل] # فصل # إذا ثبت ما تقدم؛ ورد الإشكال الثاني: # وهو أن التزام النوافل التي يشق التزامها مخالفة للدليل، وإذا خالفت؛ ~~فالمتعبد بها على ذاك التقدير متعبد بما لم يشرع، وهو عين البدعة، فإما أن ~~تنتظمها أدلة ذم البدعة أو لا: # فإن انتظمتها أدلة الذم؛ فهو غير صحيح؛ لأمرين: # PageV01P410 # (أحدهما): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كره لعبد الله بن عمرو ما ~~كره، وقال له: «إني أطيق أفضل من ذلك، فقال له عليه السلام: لا أفضل من ~~ذلك»؛ تركه بعد على التزامه، ولولا أن عبد الله فهم منه بعد نهيه الإقرار ~~عليه؛ لما التزمه وداوم عليه حتى قال: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم! فلو قلنا: إنها بدعة وقد ذم كل بدعة على العموم ؛ لكان مقرا له ~~على خطأ، وذلك لا يجوز. # كما أنه لا ينبغي أن يعتقد في الصحابي أنه خالف أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قصدا للتعبد بما نهاه عنه، فالصحابة رضي الله عنهم أتقى لله من ~~ذلك. # وكذلك ما ثبت عن غيره من وصال الصيام وأشباهه. # وإذا كان كذلك؛ لم يمكن أن يقال: إنها بدعة. # (الثاني): أن العامل بها دائما بشرط الوفاء؛ إن التزم الشرط، فأداها على ~~وجهها؛ فقد حصل مقصود الشارع، فارتفع النهي إذا، فلا مخالفة للدليل، فلا ~~ابتداع إذا. # وإن لم يلتزم أداءها، فإن كان باختيار؛ فلا إشكال في المخالفة المذكورة؛ ~~كالناذر يترك المندوب بغير عذر، ومع ذلك؛ فلا يسمى تركه بدعة، ولا عمله في ~~وقت العمل بدعة، ولا يسمى بالمجموع مبتدعا، وإن كان لعارض مرض أو غيره من ~~الأعذار؛ فلا نسلم أنه مخالف؛ كما لا [يكون] مخالفا في الواجب إذا عارضه ~~فيه عارض، كالصيام للمريض، والحج لغير المستطيع، فلا ابتداع إذا. # PageV01P411 # وأما إن لم تنتظمها أدلة الذم؛ فقد ثبت أن من ms236 أقسام البدع ما ليس بمنهي ~~عنه، بل هو مما يتعبد به، وليس من قبيل المصالح المرسلة ولا غيرها مما له ~~أصل على الجملة، وحينئذ يشمل هذا الأصل كل ملتزم تعبدي كان له أصل أم لا؟ ~~لكن فحيث يكون له أصل على الجملة لا على التفصيل؛ كتخصيص ليلة مولد النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالقيام فيها، ويومه بالصيام، أو بركعات مخصوصة، وقيام ~~ليلة أول جمعة من رجب، وليلة النصف من شعبان، والتزام الدعاء جهرا بآثار ~~الصلوات مع انتصاب الإمام، وما أشبه ذلك مما له أصل جلي، وعند ذلك ينخرم كل ~~ما تقدم تأصيله. # والجواب: # عن الأول: أن الإقرار صحيح، ولا يمتنع أن يجتمع مع النهي الإرشاد لأمر ~~خارجي؛ فإن النهي لم يكن لأجل خلل في نفس العبادة، ولا في ركن من أركانها، ~~وإنما كان لأجل الخوف من أمر متوقع؛ كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: " ~~إن النهي عن الوصال إنما كان رحمة للأمة "، وقد واصل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمن تبعه في الوصال كالمنكل بهم، ولو كان منهيا عنه بالنسبة ~~إليهم لما فعل. # فانظر كيف اجتمع في الشيء الواحد كونه عبادة ومنهيا عنه، لكن باعتبارين. # ونظيره في الفقهيات ما يقوله جماعة من المحققين في البيع بعد نداء ~~الجمعة؛ فإنه نهي عنه لا من جهة كونه بيعا، بل من جهة كونه مانعا من حضور ~~الجمعة، فيجيزون البيع بعد الوقوع، ويجعلونه فاسدا، وإن وجد # PageV01P412 # التصريح بالنهي فيه، للعلم بأن النهي ليس براجع إلى نفس البيع، بل إلى ~~أمر يجاوره، وبذلك يعلل جماعة ممن قال بفسخ البيع؛ لأنه زجر للمتبايعين، لا ~~لأجل النهي عنه، فليس عند هؤلاء ببيع فاسد أيضا، ولا النهي راجع إلى نفس ~~البيع. # فالأمر بالعبادة شيء، وكون المكلف يوفي بها أو لا شيء آخر، فإقرار النبي ~~صلى الله عليه وسلم لابن عمرو على ما التزم دليل على صحة ما التزم، ونهيه ~~إياه ابتداء لا يدل على الفساد، وإلا لزم التدافع، وهو محال. # إلا أن هاهنا نظرا آخر، وهو ms237 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صار في هذه ~~المسائل كالمرشد للمكلف وكالمتبرع بالنصيحة عند وجود مظنة الاستنصاح، فلما ~~اتكل المكلف على اجتهاده دون نصيحة الناصح الأعرف بعوارض النفوس؛ صار ~~كالمتبع لرأيه مع وجود النص، وإن كان بتأويل، فإن سمي في اللفظ بدعة؛ فبهذا ~~الاعتبار، وإلا؛ فهو متبع للدليل المنصوص من صاحب النصيحة، وهو الدال على ~~الانقطاع إلى الله تعالى بالعبادة. # ومن هنا قيل فيها: إنها بدعة إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية: أن ~~الدليل فيها مرجوح بالنسبة لمن يشق عليه الدوام عليها، وراجح بالنسبة إلى ~~من وفى بشرطها، ولذلك وفى بها عبد الله بن عمرو بعدما ضعف، وإن دخل عليه ~~فيها بعض الحرج حتى تمنى قبول الرخصة؛ بخلاف البدعة الحقيقية؛ فإن الدليل ~~عليها مفقود حقيقة؛ فضلا عن أن يكون مرجوحا. # فهذه المسألة تشبه مسألة خطأ المجتهد، فالقول فيهما متقارب، # PageV01P413 # وسيأتي الكلام فيهما إن شاء الله تعالى. # - وأما قول السائل في الإشكال: " إن التزم الشرط فأدى العبادة على وجهها. ~~. . " إلى آخره؛ فصحيح؛ إلا قوله: " فإن تركها لعارض؛ فلا حرج؛ كالمريض "؛ ~~فإن ما نحن فيه ليس كذلك، بل ثم قسم آخر، وهو أن يتركها بسبب تسبب هو فيه، ~~وإن ظهر أن ليس من سببه؛ فإن ترك الجهاد مثلا باختياره مخالفة ظاهرة، وتركه ~~لمرض أو نحوه لا مخالفة فيه، فإن عمل في سبب يلحقه عادة بالمريض حتى لا ~~يقدر على الجهاد؛ فهذه واسطة بين الطرفين، فمن حيث تسببه في المانع لا يكون ~~محمودا عليه، وهو نظير الإيغال في العمل الذي هو سبب في كراهية العمل أو في ~~التقصير على الواجب، وهذا المكلف قد خالف النهي، ومن حيث وقع له الحرج ~~المانع في العبادة من أدائها على وجهها؛ قد يكون معذورا، فصار هنا نظر بين ~~نظرين، لا يتخلص معه العمل إلى واحد منهما. # وأما قوله: " ثبت أن من أقسام البدع ما ليس بمنهي عنه "، فليس كما قال، ~~وذاك أن المندوب هو من حيث هو مندوب يشبه الواجب من جهة مطلق الأمر، ويشبه ms238 ~~المباح من جهة رفع الحرج على التارك، فهو واسطة بين الطرفين، لا يتخلى إلى ~~واحد منهما؛ إلا أن قواعد الشرع شرطت في ناحية العمل شرطا كما شرطت في ~~ناحية تركه شرطا: # فشرط العمل به: أن لا يدخل فيه مدخلا يؤديه إلى الحرج المؤدي إلى انخرام ~~الندب فيه رأسا، أو انخرام ما هو أولى منه، وما وراء هذا موكول إلى خيرة ~~المكلف. # PageV01P414 # فإذا دخل فيه؛ فلا يخلو أن يدخل فيه على قصد انخرام الشرط أو لا: # فإن كان كذلك؛ فهو القسم الذي يأتي إن شاء الله، وحاصله أن الشارع طالبه ~~برفع الحرج، وهو يطالب نفسه بوضعه وإدخاله على نفسه وتكليفها ما لا يستطاع، ~~مع زيادة الإخلال بكثير من الواجبات والسنن التي هي أولى مما دخل فيه، ~~ومعلوم أن هذه بدعة مذمومة. # وإن دخل على غير ذلك القصد؛ فلا يخلو أن يجري المندوب على مجراه أو لا: # فإن أجراه كذلك بأن يفعل منه ما استطاع إذا وجد نشاطا ولم يعارضه ما هو ~~أولى (مما دخل فيه)؛ فهو محض السنة التي لا مقال فيها؛ لاجتماع الأدلة على ~~صحة ذلك العمل، إذ قد أمر فهو غير تارك، ونهي عن الإيغال وإدخال الحرج فهو ~~متحرز، فلا إشكال في صحته، وهو كان شأن (السلف) الأول ومن بعدهم. # وإن لم يجره على مجراه، ولكنه أدخل فيه رأي الالتزام والدوام؛ فذلك الرأي ~~مكروه ابتداء، لكن فهم من الشرع أن الوفاء إن حصل فهو إن شاء الله كفارة ~~النهي، فلا يصدق عليه في هذا القسم معنى البدعة؛ لأن الله مدح الموفين ~~بالنذر والموفين بعهدهم إذا عاهدوا، وإن لم يحصل الوفاء؛ تمحض وجه النهي، ~~وربما أثم في الالتزام غير النذري. # ولأجل احتمال عدم الوفاء أطلق عليه لفظ البدعة، لا لأجل أنه عمل لا دليل ~~عليه، بل الدليل عليه قائم. # PageV01P415 # ولذلك؛ إذا التزم الإنسان بعض المندوبات التي يعلم أو يظن أن الدوام فيها ~~لا يوقع في حرج أصلا، وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة المنبه عليها، لم ~~يقع في نهي، بل ms239 في محض المندوبات؛ كالنوافل الرواتب مع الصلوات، والتسبيح ~~والتحميد والتكبير في آثارها، والذكر اللساني الملتزم بالعشي والإبكار. . . ~~وما أشبه ذلك مما لا يخل بما هو أولى، ولا يدخل حرجا بنفس العمل به ولا ~~بالدوام عليه. # وفي هذا القسم جاء التحريض على الدوام صريحا، ومنه كان جمع عمر رضي الله ~~عنه الناس في رمضان في المسجد، ومضى عليه الناس؛ لأنه كان أولا سنة ثابتة ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه أقام للناس بما كانوا قادرين عليه ~~ومحبين فيه، وفي شهر واحد من السنة لا دائما، وموكولا إلى اختيارهم؛ لأنه ~~قال: " والتي ينامون عنها أفضل "، وقد فهم السلف الصالح أن القيام في ~~البيوت أفضل، فكان كثير منهم ينصرفون فيقومون في منازلهم، ومع ذلك؛ فقد ~~قال: " نعمت البدعة هذه "، فأطلق عليها لفظ البدعة كما ترى نظرا والله أعلم ~~إلى اعتبار الدوام، وإن كان شهرا في السنة، وأنه لم يقع فيمن قبله عملا ~~دائما، أو أنه أظهره في المسجد الجامع مخالفا لسائر النوافل، وإن كان ذلك ~~في أصله واقعا كذلك، فلما كان الدليل على ذلك القيام على الخصوص واضحا؛ ~~قال: " نعمت البدعة هذه "، فحسنها بصيغة " نعم " التي تقتضي من المدح ما ~~تقتضيه صيغة التعجب لو قال: ما أحسنها من بدعة! وذلك يخرجها قطعا عن كونها ~~بدعة. # وعلى هذا المعنى جرى كلام أبي أمامة مستشهدا بالآية، حيث # PageV01P416 # قال: " أحدثتم قيام رمضان، ولم يكتب عليكم "؛ إنما معناه ما ذكرناه، ~~ولأجله قال: " فدوموا عليه "، ولو كان بدعة على الحقيقة؛ لنهى عنه. # ومن هذه الجهة أجرينا الكلام على ما نهى عليه السلام عنه من التعبد ~~المخوف الحرج في المآل، واستسهلنا وضع ذلك في قسم البدع الإضافية؛ تنبيها ~~على وجهها ووضعها في الشرع مواضعها، حتى لا يغتر بها مغتر، فيأخذها على غير ~~وجهها، ويحتج بها على العمل بالبدعة الحقيقية قياسا عليها، ولا يدري ما ~~عليه في ذلك، وإنما تجشمنا إطلاق اللفظ هنا، وكان ينبغي أن لا يفعل لولا ~~الضرورة، وبالله التوفيق. ### | [فصل تحريم ما أحل الله ms240 من الطيبات تدينا أو شبه التدين] # فصل # قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين - وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} [المائدة: 87 - 88]. # روي في سبب نزول هذه الآية أخبار جملتها تدور على معنى واحد، وهو تحريم ~~ما أحل الله من الطيبات؛ تدينا أو شبه التدين، والله نهى عن ذلك، وجعله ~~اعتداء، والله لا يحب المعتدين، ثم قرر الإباحة تقريرا زائدة على ما تقرر ~~بقوله: {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} [المائدة: 88]، ثم أمرهم ~~بالتقوى، وذلك مشعر بأن تحريم ما أحل الله خارج عن درجة التقوى. # فخرج إسماعيل القاضي من حديث أبي قلابة؛ قال: «أراد ناس من # PageV01P417 # أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا وتركوا النساء ~~وترهبوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغلظ فيهم المقالة، فقال: ~~إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك ~~بقاياهم في الديار والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا ~~واعتمروا، واستقيموا يستقم بكم. # قال: نزلت فيهم: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~[المائدة: 87]». # وفي الترمذي عن ابن عباس؛ قال: «إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: يا رسول الله! إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء، وأخذتني شهوتي ~~فحرمت علي اللحم، فأنزل الله الآية». # حديث حسن. # وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: «نزلت هذه الآية في رهط من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود ~~وعثمان بن مظعون والمقداد بن الأسود الكندي وسالم مولى أبي حذيفة، # PageV01P418 # اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون الجمحي، فتوافقوا أن يجبوا أنفسهم؛ بأن ~~يعتزلوا النساء، ولا يأكلوا لحما ولا دسما، وأن يلبسوا المسوح، ولا يأكلوا ~~من الطعام إلا قوتا، وأن يسيحوا في الأرض كهيئة الرهبان. # فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمرهم، فأتى ms241 عثمان بن مظعون في ~~منزله، فلم يجده فيه ولا إياهم، فقال لامرأة عثمان أم حكيم ابنة أبي أمية ~~بن حارثة السلمي: " أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ ". # قالت: ما هو يا رسول الله؟ # فأخبرها، فكرهت أن لا تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرهت أن تبدي ~~على زوجها، فقالت: إن كان أخبرك عثمان فقد صدق. # فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولي لزوجك وأصحابه إذا رجعوا: ~~إن رسول الله يقول لكم: إني آكل وأشرب، وآكل اللحم والدسم، وأنام وآتي ~~النساء، فمن رغب عن سنتي؛ فليس مني. # فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرتهم امرأته بما أمر به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالوا: لقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا فما أعجبه، ~~فذروا ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ونزل فيها: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~[المائدة: 87]» # PageV01P419 # قال: من الطعام والشراب والجماع، {ولا تعتدوا} [البقرة: 190]، قال: في ~~قطع المذاكير، {إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190]؛ قال: الحلال إلى ~~الحرام. # وفي الصحيح عن عبد الله؛ قال: «كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، فرخص لنا بعد ذلك أن ~~نتزوج المرأة بالثوب (إلى أجل)؛ يعني والله أعلم : نكاح المتعة المنسوخ. # ثم قرأ ابن مسعود: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~[المائدة: 87]» # وذكر إسماعيل عن يحيى بن يعمر: «أن عثمان بن مظعون هم بالسياحة وهو يصوم ~~النهار ويقوم الليل، وكانت امرأته امرأة عطرة، فتركت الكحل والخضاب، فقالت ~~لها امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: أشهيد أنت أم مغيب؟ فقالت: ~~بل شهيد؛ غير أن عثمان لا يريد النساء، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، فلقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: " أتؤمن بما نؤمن به؟ ~~"، قال: نعم، قال: " فاصنع مثل ما نصنع، {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~[المائدة: 87]». . . الآية. # وخرج سعيد ms242 بن منصور عن خضير عن أبي مالك؛ قال: " نزلت في عثمان بن مظعون ~~وأصحابه، كانوا حرموا عليهم كثيرا من الطعام والنساء، وهم بعضهم أن يقطع ~~ذكره، فأنزل (الله تعالى): {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا} [المائدة: 87] ~~الآية. # PageV01P420 # وعن قتادة؛ قال: " نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أرادوا أن يتخلوا عن الدنيا، وتركوا النساء، وترهبوا؛ منهم علي بن أبي طالب ~~وعثمان بن مظعون ". # وخرج ابن المبارك «أن عثمان بن مظعون أتى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: ائذن لي في الاختصاء. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس منا من خصى ولا اختصى؛ إن اختصاء ~~أمتي الصيام. # قال: يا رسول الله! ائذن لي في السياحة. # قال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله. # قال: يا رسول الله! ائذن لي في الترهب. # قال: إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة». # وفي الصحيح: «رد رسول الله صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن ~~مظعون، ولو أذن له؛ لاختصينا». # PageV01P421 # وهذا كله واضح في أن جميع هذه الأشياء تحريم لما هو حلال في الشرع، ~~وإهمال لما قصد الشارع إعماله وإن كان يقصد سلوك طريق الآخرة ؛ لأنه نوع من ~~الرهبانية في الإسلام. # وإلى منع تحريم الحلال ذهب الصحابة والتابعون ومن بعدهم؛ إلا أنه إذا كان ~~التحريم غير محلوف عليه؛ فلا كفارة، وإن كان محلوفا عليه؛ ففيه الكفارة، ~~ويعمل الحالف بما أحل الله له. # ومن ذلك ما ذكر إسماعيل القاضي عن معقل بن مقرن: " أنه سأل ابن مسعود، ~~فقال: إني حلفت أن لا أنام على فراشي سنة، فتلا عبد الله: {ياأيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا} [المائدة: 87] الآية، (ادن فكل) وكفر عن يمينك، ونم على ~~فراشك. # وفي رواية: " كان معقل يكثر الصوم والصلاة، فحلف أن لا ينام على فراشه، ~~فأتى ابن مسعود (رضي الله عنه)، فسأله عن ذلك؟ فقرأ عليه الآية. # وعن المغيرة؛ قال: " قلت لإبراهيم في هذه الآية: {لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم} [المائدة: 87]، أهو الرجل يحرم الشيء مما ms243 أحل الله له؟ قال: نعم. # وعن مسروق؛ قال: " أتي عبد الله بضرع، فقال للقوم: ادنوا، فأخذوا يطعمون، ~~فقال رجل: إني حرمت الضرع، فقال عبد الله: هذا # PageV01P422 # (من) خطوات الشيطان، {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم} [المائدة: 87]، ادن فكل وكفر عن يمينك. # وعلى ذلك جرت الفتيا في الإسلام؛ أن كل من حرم على نفسه شيئا مما أحل ~~الله؛ له فليس ذلك التحريم بشيء؛ فليأكل إن كان مأكولا، وليشرب إن كان ~~مشروبا، وليلبس إن كان ملبوسا، وليملك إن كان مملوكا، وكأنه إجماع منهم ~~منقول عن مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم، واختلفوا في الزوجة، ومذهب مالك ~~أن التحريم طلاق كالطلاق الثلاث، وما سوى ذلك فهو باطل؛ لأن القرآن شهد ~~بكونه اعتداء، حتى إنه إن حرم على نفسه وطء أمة غيره قاصدا به العتق؛ ~~فوطؤها حلال، وكذلك سائر الأشياء من اللباس والمسكن والصمت والاستظلال ~~والاستضحاء. . . # وقد تقدم الحديث في الناذر للصوم قائما في الشمس ساكتا؛ فإنه تحريم ~~للجلوس والاستظلال والكلام، والنبي صلى الله عليه وسلم أمره بالجلوس ~~والتكلم والاستظلال. # قال مالك: " أمره ليتم ما كان له فيه طاعة، ويترك ما كان عليه فيه معصية ~~". # فتأملوا كيف جعل مالك ترك الحلال معصية! وهو مقتضى الآية في قوله تعالى: ~~{ولا تعتدوا} [البقرة: 190] الآية، ومقتضى قول ابن مسعود رضي الله عنه ~~لصاحب الضرع: " هذا من خطوات الشيطان ". # وقد ضعف ابن رشد الحفيد الاستدلال من المالكية بالحديث، # PageV01P423 # وتفسير مالك له، وذكر أن قوله في الحديث: " ويترك ما كان عليه فيه معصية ~~" ليس بالظاهر أن ترك الكلام معصية، وقد أخبر الله تعالى أنه نذر مريم. # قال: " وكذلك يشبه أن يكون القيام للشمس ليس معصية؛ إلا ما يتعلق من جهة ~~تعب الجسم والنفس، وقد يستحب للحاج أن لا يستظل، فإن قيل: فيه معصية؛ ~~فالقياس على ما نهي عنه من التعب لا بالنص، والأصل فيه أنه من المباحات ". # وما قاله ابن رشد غير ظاهر، ولم يقل مالك في الحديث ما قال استنباطا منه، ~~بل الظاهر أنه استدل ms244 بالآية المتكلم فيها، وحمل الحديث عليها، فترك الكلام، ~~وإن كان في الشرائع الأولى مشروعا؛ فهو منسوخ بهذه الشريعة، فهو عمل في ~~مشروع بغير مشروع، وكذلك القيام في الشمس زيادة من باب تحريم الحلال، وإن ~~استحب في موضع؛ فلا يلزم استحبابه في آخر. ### | [فصل تحريم الحلال وما أشبه ذلك يتصور في أوجه] # فصل # ويتعلق بهذا الموضع مسائل: # إحداها: أن تحريم الحلال وما أشبه ذلك يتصور في أوجه: # (الأول): التحريم الحقيقي، وهو الواقع من الكفار؛ كالبحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحامي، وجميع ما ذكر الله تعالى تحريمه عن الكفار بالرأي المحض، ~~ومنه قوله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ~~لتفتروا على الله الكذب} [النحل: 116]، وما أشبهه من التحريم # PageV01P424 # الواقع في الإسلام رأيا مجردا. # (الثاني): أن يكون مجرد ترك، لا لغرض، بل لأن النفس تكرهه بطبعها، أو لا ~~تكرهه حتى تستعمله، أو لا تجد ثمنه، أو تشتغل بما هو آكد. . . وما أشبه ~~ذلك، ومنه ترك النبي صلى الله عليه وسلم لأكل الضب؛ لقوله فيه: «إنه لم يكن ~~بأرض قومي فأجدني أعافه»، ولا يسمى مثل هذا تحريما؛ لأن التحريم يستلزم ~~القصد إليه، وهذا ليس كذلك. # (الثالث): أن يمتنع لنذره التحريم، أو ما يجري مجرى النذر من العزيمة ~~القاطعة للعذر؛ كتحريم النوم على الفراش سنة، وتحريم الضرع وتحريم الادخار ~~لغد، وتحريم اللين من الطعام واللباس، وتحريم الوطء والاستلذاذ بالنساء في ~~الجملة. . . وما أشبه ذلك. # (الرابع): أن يحلف على بعض الحلال أن لا يفعله، ومثله قد يسمى تحريما. # قال إسماعيل القاضي: " إذا قال الرجل لأمته: والله لا أقربك؛ فقد حرمها ~~على نفسه باليمين، فإذا غشيها، وجبت عليه كفارة اليمين "، وأتى بمسألة ابن ~~مقرن في سؤاله ابن مسعود (رضي الله عنه)؛ إذ قال: " إني حلفت أن لا أنام ~~على فراشي سنة. . . قال: فتلا عبد الله: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] الآية، (وقال له): كفر عن يمينك، ونم ~~على فراشك. # PageV01P425 # فأمره أن لا يحرم ما أحل الله له، وأن ms245 يكفر من أجل اليمين. # فهذا الإطلاق يقتضي أنه نوع من التحريم، وله وجه ظاهر، فقد أشار إسماعيل ~~إلى أن الرجل كان إذا حلف أن لا يفعل شيئا من الحلال؛ لم يجز له أن يفعله، ~~حتى نزلت كفارة اليمين، فلأجل ما كان قبل من التحريم ولما وردت الكفارة؛ ~~سمي تحريما، ومن ثم والله أعلم سميت كفارة. # (الثانية): أن الآية التي نحن بصددها ينظر فيها على أي معنى يطلق التحريم ~~من تلك المعاني: # أما الأول: فلا مدخل له هاهنا؛ لأن التحريم تشريع كالتحليل، والتشريع ليس ~~إلا لصاحب الشرع، اللهم إلا أن يدخل مبتدع رأيا كان من أهل الجاهلية أو من ~~أهل الإسلام؛ فهذا أمر آخر يجل السلف الصالح عن مثله، فضلا عن أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على الخصوص. # وقد وقع للمهلب في شرح البخاري ما قد يشعر بأن المراد في الآية التحريم ~~بالمعنى الأول، فقال: " التحريم إنما هو لله ولرسوله، فلا يحل لأحد أن يحرم ~~شيئا، وقد وبخ الله من فعل ذلك، فقال: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~ولا تعتدوا} [المائدة: 87]، فجعل ذلك من الاعتداء، وقال: {ولا تقولوا لما ~~تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} [النحل: ~~116]؛ قال: فهذا كله حجة في أن تحريم الناس ليس بشيء. # وما قاله المهلب يرده السبب في نزول الآية، وليس كما تقرر، ولذلك # PageV01P426 # لم يعد المحرم الحكم لغيره كما هو شأن التحريم بالمعنى الأول، فصار ~~مقصورا على المحرم دون غيره. # وأما التحريم بالمعنى الثاني؛ فلا حرج فيه في الجملة؛ لأن بواعث النفوس ~~على الشيء أو صوارفها عنه لا تنضبط بقانون معلوم، فقد يمتنع الإنسان من ~~الحلال لأمر يجده في استعماله، ككثير ممن يمتنع من شرب العسل لوجع يعتريه ~~به، حتى يحرمه على نفسه، لا بمعنى التحريم الأول، ولا الثالث، بل بمعنى ~~التوقي منه؛ كما تتوقى سائر المؤلمات. # ويدخل هاهنا بالمعنى امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من أكل الثوم؛ لأنه ~~كان يناجي الملائكة، وهي تتأذى من رائحتها، ms246 وكذلك كل ما تكره رائحته. # ولعل هذا المحل أولى من قول من قال: إن الثوم ونحوه كانت محرمة عليه ~~بالمعنى المختص بالشارع. # والمعنيان متقاربان، وكلاهما غير داخل في معنى الآية. # وأما التحريم بالمعنى [الثالث و] الرابع؛ فيحتمل أن يدخل في عبارة ~~التحريم، فيكون قوله (تعالى): {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: ~~87]، قد شمل التحريم بالنذر والتحريم باليمين، والدليل على ذلك ذكر # PageV01P427 # الكفارة بعدها بقوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89]. ~~. . إلخ، وما تقدم من أنه كان تحريما مجردا قبل نزول الكفارة، وأن جماعة من ~~المفسرين قالوا في قوله تعالى: {ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ~~[التحريم: 1]: إن التحريم كان باليمين حين حلف النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~لا يشرب العسل، وسيأتي ذكر ذلك بحول الله. # فإن قيل: هل يكون قول الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إني إذا ~~أصبت اللحم انتشرت للنساء». . . الحديث؛ من قبيل التحريم الثاني لا من ~~الثالث؛ لأن الرجل قد يحرم الشيء للضرر الحاصل به، وقد تقدم آنفا أنه ليس ~~بتحريم في الحقيقة، فكذلك هاهنا لا يريد بالتحريم النذر، بل يريد به ~~التوقي، أي: إني أخاف على نفسي العنت، وكان هذا المعنى والله أعلم هو مقصود ~~الصحابي رضي الله عنه. # فالجواب: أن من يلحقه الضرر وقتما يتناول شيئا؛ يمكنه أن يمسك عنه من غير ~~تحريم، والتارك لأمر لا يلزمه أن يكون محرما له، فكم من رجل ترك الطعام ~~الفلاني أو النكاح؛ لأنه في [ذلك] الوقت لا يشتهيه، أو لغير ذلك من ~~الأعذار، حتى إذا زال عذره؛ تناول منه، وقد ترك عليه السلام أكل الضب، ولم ~~يكن تركه موجبا لتحريمه. # والدليل على أن المراد بالتحريم الظاهر، وأنه لا يصح وإن كان لعذر: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رد عليه بالآية، فلو كان وجود مثل تلك الأعذار ~~مبيحا للتحريم بالمعنى الثالث؛ لوقع التفصيل في الآية بالنسبة إلى من حرم ~~لعذر # PageV01P428 # أو غير عذر. # وأيضا؛ فإن الانتشار للنساء ليس بمذموم؛ فإن النبي صلى ms247 الله عليه وسلم ~~قال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج». . . الحديث، فإذا أحب الإنسان قضاء ~~الشهوة؛ تزوج فحصل له ما في الحديث؛ زيادة إلى النسل المطلوب في الملة، ~~فكأن محرم ما يحصل به الانتشار ساع في التشبه بالرهبانية، وكان ذلك منتفيا ~~عن الإسلام كسائر ما ذكر في الآية. # (والثالثة): أن هذه الآية يشكل معناها مع قوله تعالى: {كل الطعام كان حلا ~~لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} [آل ~~عمران: 93] الآية؛ فإن الله أخبر عن نبي من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام ~~أنه حرم على نفسه حلالا، ففيه دليل لجواز مثله. # والجواب: أنه لا دليل في الآية؛ لأن ما تقدم يقرر: أن لا تحريم في ~~الإسلام، فيبقى ما كان شرعا لغيرنا منفيا عن شرعنا؛ كما تقرر في الأصول. # خرج القاضي إسماعيل وغيره عن ابن عباس (رضي الله عنهما): " أن إسرائيل ~~النبي يعقوب عليه السلام أخذه عرق النسا، فكان يبيت وعليه زق، فجعل عليه إن ~~شفاه الله؛ ليحرمن العروق، وذلك قبل نزول التوراة ". # قالوا: " فلذلك نسل اليهود لا يأكلونها ". # وفي رواية: " جعل على نفسه أن لا يأكل لحوم الإبل "؛ قال: # PageV01P429 # فحرمته اليهود. # وعن الكلبي: أن يعقوب عليه السلام قال: " إن الله شفاني لأحرمن أطيب ~~الطعام والشراب أو قال: أحب الطعام أو الشراب إلي، فحرم لحوم الإبل ~~وألبانها " # قال القاضي: " الذي نحسب والله أعلم أن إسرائيل حين حرم على نفسه من ~~الحلال ما حرم؛ لم يكن في ذلك الوقت منهيا عن ذلك، وأنهم كانوا إذا حرموا ~~على أنفسهم شيئا من الحلال؛ لم يجز لهم أن يفعلوه حتى نزلت كفارة اليمين، ~~قال الله تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2]، والحالف إذا ~~حلف على شيء ولم يقل: إن شاء الله؛ كان بالخيار، إن شاء فعل وكفر، وإن شاء ~~لم يفعل. # قال: " وهذه الأشياء وما أشبهها من الشرائع يكون فيها الناسخ والمنسوخ، ~~فكان الناسخ في هذا قوله (تعالى): {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما ~~أحل الله لكم} [المائدة: ms248 87]. # قال: " فلما وقع النهي؛ لم يجز للإنسان أن يقول: الطعام علي حرام. . . . ~~وما أشبه ذلك من الحلال، فإن قال إنسان شيئا من ذلك؛ كان قوله باطلا، وإن ~~حلف على ذلك بالله؛ كان له أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه ". # PageV01P430 # (الرابعة): أن نقول: مما يسأل عنه قوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما ~~أحل الله لك} [التحريم: 1]، الآية؛ فإن فيها إخبارا بأنه عليه الصلاة ~~والسلام حرم على نفسه ما أحله الله، وقد نزل عليه: {لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا} [المائدة: 87]، ومثل هذا يجل (مقام) النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن مقتضى الظاهر فيه، وأن يكون منهيا عنه ابتداء ثم يأتيه، حتى ~~يقال له فيه: لم تفعل؟ فلا بد من النظر في هذه المصارف. # والجواب: # أن آية التحريم إن كانت هي السابقة على آية العقود؛ فظاهر أنها مختصة ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم: # إذ لو أريد الأمة على قول من قال من الأصوليين ؛ لقال: لم تحرمون ما أحل ~~الله لكم؟ كما قال: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1]. . .، ~~الآية، وهو بين؛ لأن سورة التحريم قبل آية الأحزاب، لذلك لما آلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم من نسائه شهرا بسبب هذه القصة؛ نزل عليه في سورة الأحزاب: ~~{ياأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن} [الأحزاب: 28]. . . .، إلخ. # وأيضا فيحتمل التحريم بمعنى الحلف على أن لا يفعل، والحلف إذا وقع؛ ~~فصاحبه مخير بين أن يترك المحلوف عليه وبين أن يفعله # PageV01P431 # ويكفر، وقد جاء في آية التحريم: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} ~~[التحريم: 2]، فدل على أنه كان يمينا حلف عليه السلام بها. # وذلك أن الناس اختلفوا في هذا التحريم: # فقال جماعة: إن [ما] كان تحريما لأم ولده مارية القبطية؛ بناء على أن ~~الآية نزلت في شأنها، وممن قال به الحسن وقتادة والشعبي ونافع مولى ابن ~~عمر. # أو كان تحريما لعسل زينب، وهو قول عطاء وعبد الله بن عتبة. # وقال جماعة: إنما كان تحريما بيمين. # قال إسماعيل بن إسحاق: " يمكن ms249 أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم حرمها ~~يعني: جاريته بيمين الله؛ لأن الرجل إذا قال لأمته: والله لا أقربك؛ فقد ~~حرمها على نفسه باليمين، فإذا غشيها؛ وجبت عليه كفارة اليمين "، ثم أتى ~~بمسألة ابن مقرن. # ويمكن أن يكون السبب شرب العسل، وهو الذي وقع في البخاري من طريق هشام عن ~~ابن جريج قال فيه: " شربت عسلا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له، وقد حلفت، ~~فلا تخبري بذلك أحدا "، وإذا كان كذلك؛ فلم يبق في المسألة إشكال، ولا فرق ~~بين الجارية والعسل في الحكم؛ لأن تحريم الجارية كيف (ما) كان بمنزلة تحريم ~~ما يؤكل ويشرب. # وأما إن فرضنا أن آية العقود هي السابقة على آية التحريم؛ # PageV01P432 # فيحتمل وجهين كالأول: # (أحدهما): أن يكون التحريم في سورة التحريم بمعنى الحلف. # (والثاني): أن تكون آية العقود غير متناولة للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأن قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا} [المائدة: 87] لا يدخل ~~فيه؛ بناء على قول من قال بذلك من الأصوليين، وعند ذلك لا يبقى في القضية ~~ما ينظر فيه، ولا يكون للمحتج بالآية متعلق، والله أعلم. ### | [فصل العمل بغير شريعة أو العمل بشرع منسوخ] # فصل # إذا ثبت هذا؛ فكل من عمل على هذا القصد؛ فعمله غير صحيح؛ لأنه عامل: إما ~~بغير شريعة؛ لأنه لم يتبع أدلتها، وإما عامل بشرع منسوخ، والعمل بالمنسوخ ~~مع العلم بالناسخ باطل بلا خلاف؛ لأن الترهب والامتناع من اللذات والنساء. ~~. . وغير ذلك؛ إن كان مشروعا؛ ففيما قبل هذه الشريعة من الشرائع، وقد تقدم ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج ~~النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، وهو معنى البدعة. # فإن قيل: فقد تقدم من نقل ابن العربي في الرهبانية أنها السياحة واتخاذ ~~الصوامع للعزلة؛ قال: " وذلك مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان ". # PageV01P433 # وقد بسط الغزالي هذا الفصل في " الإحياء " عند ذكر العزلة، وذكر في كتاب ~~آداب النكاح من ذلك ما فيه كفاية. # وحاصله أن ذلك مشروع، بل هو ms250 الأولى عند عروض العوارض، وعندما يصير النكاح ~~ومخالطة الناس وبالا على الإنسان، ومؤديا إلى اكتساب الحرام والدخول فيما ~~لا يجوز؛ كما جاء في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير ~~مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال، ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن». . ~~. وسائر ما جاء في هذا المعنى. # وأيضا؛ فإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {واذكر اسم ربك ~~وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: 8]، والتبتل على ما قاله زيد بن أسلم رفض ~~الدنيا؛ من قولهم: بتلت الحبل بتلا؛ إذا قطعته، ومعناه: القطع من كل شيء ~~إلا منه. # وقال الحسن وغيره: " بتل إليه نفسه واجتهد ". # وقال ابن زيد: " تفرغ لعبادته ". # هذا إلى ما جاء عن السلف الصالح من الانقطاع إلى عبادة الله، ورفض أسباب ~~الدنيا، والتخلي عن الحواضر إلى البوادي، واتخاذ الخلوات في الجبال ~~والبراري، حتى إن بعض الجبال الشامية قد خصها الله بالأولياء والمنقطعين ~~إلى لبنان ونحوه. # فما وجه ذلك؟ # PageV01P434 # فالجواب: أن الرهبانية إن كانت بالمعنى المقرر في شرائع الأول فلا نسلم ~~أنها في شرعنا؛ لما تقدم من الأدلة على نسخها، كانت لعارض أو لغير عارض، إذ ~~لا رهبانية في الإسلام، وقد رد صلى الله عليه وسلم التبتل حسبما تقدم. # وإن كانت بمعنى الانقطاع إلى الله حسبما شرع وعلى حد ما انقطع إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وهو المخاطب بقوله: {وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: ~~8]؛ فهذا هو الذي نحن في تقريره، وأنه السنة المتبعة والهدي الصالح والصراط ~~المستقيم. # وليس في كلام زيد بن أسلم وغيره في معنى التبتل ما يناقض هذا المعنى؛ لأن ~~رفض الدنيا ليس بمعنى طرح اتخاذها جملة وترك الاستمتاع بها، بل بمعنى ترك ~~الشغل بها عما كلف الإنسان به من الوظائف الشرعية. # واجعل سير السلف الصالح مرآة لك تنظر فيها معنى التبتل على وجه الاقتداء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقد كانوا (رضي الله تعالى عنهم) مكتسبين ~~للمال به فيما أبيح لهم، منفقين له حيث ندبوا، لم يتعلق بقلوبهم ms251 منه شيء، ~~إذا عن لهم أمر أو نهي، بل قدموا أمر الله ونهيه على حظوظ أنفسهم العاجلة ~~على وجه لم يخل بحظوظهم فيه، وهو التوسط الذي تقدم ذكره. # ثم ندبهم الشارع إلى اتخاذ الأهل والولد، فبادروا إلى الامتثال، ولم ~~يقولوا: هو شاغل لنا عما أمرنا به؛ لأن هذا القول مشعر بالغفلة عن معنى ~~التكليف به؛ فإن الأصل الشرعي أن كل مطلوب هو من جملة ما يتعبد به # PageV01P435 # إلى الله تعالى ويتقرب به إليه، فالعبادات المحضة ظاهر فيها ذلك، ~~والعادات كلها إذا قصد بها امتثال أمر الله عبادات؛ إلا أنه إذا لم يقصد ~~بها ذلك القصد، ويجيء بها نحو الحظ مجردا، فإذ ذاك؛ لا تقع متعبدا بها، ولا ~~مثابا عليها، وإن صح وقوعها شرعا. # فالصحابة رضي الله تعالى عنهم قد فهموا هذا المعنى، ولا يمكن مع فهمه أن ~~تتعارض الأوامر في حقهم ولا في حق من فهم منها ما فهموا (منها). # فالتبتل على هذا الوجه صحيح أصيل في الجريان على السنة، وكذلك كلام الحسن ~~وغيره في تفسير الآية صحيح إذا أخذ هذا المأخذ؛ أي: اتبع الهدى واتبع أمر ~~ربك؛ فإنه العليم بما يصلح لك، والقائم على تدبيرك، ولذلك قال على أثرها: ~~{رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 9]؛ أي: فكما أنه ~~وكيل لك بالنسبة إلى ما ليس من كسبك؛ فكذلك هو وكيل على ما هو داخل تحت ~~كسبك، مما هو تكليف في حقك، ومن جملة ما توكل لك فيه أن لا تدخل نفسك في ~~عمل تحرج بسببه حالا ومآلا. # وقد فسر التبتل بأنه الإخلاص، وهو قول مجاهد والضحاك. # وقال قتادة: " أخلص له العبادة والدعوة ". # فعلى هذا؛ لا متعلق فيها لمورد السؤال. # PageV01P436 # فإذا تقرر هذا؛ فالفرار من العوارض بالسياحة، واتخاذ الصوامع، وسكنى ~~الجبال والكهوف؛ إن كان على شرط أن لا يحرموا ما أحل الله من الأمور التي ~~حرمها الرهبان، بل على حد ما كانوا عليه في الحواضر ومجامع الناس؛ لا ~~يشددون على أنفسهم بمقدار ما يشق عليهم؛ فلا إشكال ms252 في صحة هذه الرهبانية؛ ~~غير أنها لا تسمى رهبانية إلا بنوع من المجاز، أو النقل العرفي الذي لم يجر ~~عليه معتاد اللغة، فلا تدخل في مقتضى قوله تعالى: {ورهبانية ابتدعوها} ~~[الحديد: 27]؛ لا في الاسم ولا في المعنى. # وإن كان على التزام ما التزمه الرهبان؛ فلا نسلم أنه في هذه الشريعة ~~مندوب إليه ولا مباح؛ لأنه كالشرع بغير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا ~~ينتظمه معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي؛ فليس مني». # وأما ما ذكره الغزالي وغيره من تفضيله العزلة على المخالطة، وترجيح ~~الغربة على اتخاذ أهل؛ عند اعتوار العوارض؛ فذلك يستمد من أصل آخر لا من ~~هنا. # وبيانه أن المطلوبات الشرعية لا تخلو أن يكون المكلف قادرا على الامتثال ~~فيها مع سلامته عند العمل لها من وقوعه في منهي عنه أو لا: # فإن كان قادرا في مجاري العادات بحيث لا يعارضه مكروه أو محرم؛ فلا إشكال ~~في كون الطلب متوجها عليه بقدر استطاعته على حد ما كان السلف الصالح عليه ~~قبل وقوع الفتن. # PageV01P437 # وإن لم يقدر على ذلك إلا بوقوعه في مكروه أو محرم؛ ففي بقاء الطلب هنا ~~تفصيل بحسب ما يظهر من كلام أبي حامد رحمه الله (تعالى) ، إذ يكون المطلوب ~~مندوبا، لكنه لا يعمل به إلا بوقوعه في ممنوع: # فالمندوب ساقط عنه بلا إشكال؛ كالمندوب للصدقة على المحتاج لا (مال) بيده ~~إلا مال الغير، فلا يجوز له العمل بالندب؛ لأنه يقع بسببه في التصرف في مال ~~الغير بغير إذنه، لا يجوز، فهو كالفاقد لما يتصدق به، وكالقادم على مريضه ~~المشرف، أو دفن ميت يخاف تغييره بتركه، ثم يقوم يصلي نافلة، والمتزوج لا ~~يجد إلا مالا حراما. . . وأشباه ذلك. # وقد يكون المطلوب واجبا؛ إلا أن وقوعه فيه يدخله في مكروه، وهذا غير معتد ~~به؛ لأن القيام بالواجب آكد، أو يوقعه في ممنوع؛ فهذا هو الذي يتعارض على ~~الحقيقة. # إلا أن الواجبات ليست على وزان واحد، كما أن المحرمات كذلك، فلا بد من ~~الموازنة؛ ms253 فإن ترجح جانب الواجب؛ صار المحرم في حكم العفو، أو حكم التلافي ~~إن كان مما تتلافى مفسدته ، وإن ترجح جانب المحرم؛ سقط حكم الواجب أو طلب ~~بالتلافي، وإن تعادلا في نظر المجتهد فهو مجال نظر المجتهدين، والأولى عند ~~جماعة رعاية جانب المحرم؛ لأن درء المفاسد آكد من جلب المصالح. # فإذا كانت العزلة مؤدية إلى السلامة؛ فهي الأولى في أزمنة الفتن، والفتن ~~لا تختص بفتن الحروب فقط، فهي جارية في الجاه والمال وغيرهما من مكتسبات ~~الدنيا، وضابطها ما صد عن طاعة الله. # PageV01P438 # ومثل هذا ما يجري بين المندوب والمكروه وبين المكروهين. # وإن كانت العزلة مؤدية إلى ترك الجمعات، والجماعات، والتعاون على ~~الطاعات. . . وأشباه ذلك؛ فإنها [موقعة في المحرم من جهة، و] أيضا سلامة من ~~جهة أخرى، ويقع التوازن بين المأمورات والمنهيات. # وكذلك النكاح، إذا أدى إلى العمل بالمعاصي، ولم يكن في تركه معصية؛ كان ~~تركه أولى. # ومن أمثلة ذلك غير أنه مشكل ما ذكره الوليد بن مسلم بسنده إلى حبيب بن ~~مسلمة: أنه قال ل معن بن ثور: هل تدري لم اتخذت النصارى الديارات؟ قال معن: ~~ولم؟ قال: إنه لما أحدث الملوك البدع، وضيعوا أمر النبيين، وأكلوا ~~الخنازير؛ اعتزلوهم في الديارات، وتركوهم وما ابتدعوا، فتخلوا للعبادة، قال ~~حبيب ل معن: فهل لك؟ قال: ليس بيوم ذلك. # فاقتضى أن مثل ما فعلته النصارى مشروع في ديننا كذلك، ومراده أن اعتزال ~~الناس عند اشتهارهم بالبدع وغلبة الأهواء على حد ما شرع في ديننا مشروع، لا ~~أن نفس ما فعلت النصارى في رهبانيتها مشروع لنا؛ لما ثبت من نسخه. # فعلى هذه الأحرف جرى كلام الإمام أبي حامد وغيره ممن نقل هو عنهم واحتج ~~بهم، ويدل على ذلك أن جماعة ممن نقل عنهم الترغيب في العزلة كانوا متزوجين، ~~ولم يكن ذلك مانعا من البقاء على ما هم عليه؛ بناء منهم على التحري في ~~الموازنة بين ما يلحقهم بسبب التزوج. # فلا إشكال إذا على هذا التقرير في كلام الغزالي ولا غيره ممن سلك # PageV01P439 # مسلكه؛ لأنهم بنوا ms254 على أصل قطعي في الشرع، محكم لا ينسخه شيء، وليس من ~~مسألتنا بسبيل. # ولكن ثم تحقيق زائد لا يسع إيراده هاهنا، وأصله مأخوذ من كتاب الموافقات ~~من تمرن فيه حقق هذا المعنى على التمام، وبالله تعالى التوفيق. # والحاصل أن مضمون هذا الفصل يقتضي أن العمل على الرهبانية المنفية في ~~الآية بدعة من البدع الحقيقية لا الإضافية، لرد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لها أصلا وفرعا. ### | [فصل الخروج عن السنة إلى البدعة الحقيقية أو الإضافية] # فصل # ثبت بمضمون هذه الفصول المتقدمة آنفا أن الحرج منفي عن الدين جملة ~~وتفصيلا وإن كان قد ثبت أيضا في الأصول الفقهية على وجه من البرهان أبلغ ؛ ~~فلنبن عليه فنقول: # قد فهم قوم من السلف الصالح وأهل الانقطاع إلى الله ممن ثبت ولايتهم: ~~أنهم كانوا يشددون على أنفسهم، ويلزمون غيرهم الشدة أيضا والتزام الحرج ~~ديدنا في سلوك طريق الآخرة، وعدوا من لم يدخل تحت هذا الالتزام مقصرا ~~مطرودا ومحروما، وربما فهموا ذلك من بعض الإطلاقات الشرعية، فرشحوا بذلك ما ~~التزموه، فأفضى الأمر بهم إلى الخروج عن السنة إلى البدعة الحقيقية أو ~~الإضافية. # فمن ذلك أن يكون للمكلف طريقان في سلوكه للآخرة: أحدهما سهل، والآخر صعب، ~~وكلاهما في التوصل إلى المطلوب على حد واحد، # PageV01P440 # فيأخذ بعض المتشددين بالطريق الأصعب الذي يشق على المكلف مثله، ويترك ~~الطريق الأسهل؛ بناء على التشديد على النفس. # كالذي يجد للطهارة ماءين: سخنا وباردا فيتحرى البارد الشاق استعماله، ~~ويترك الآخر، فهذا لم يعط النفس حقها الذي طلبه الشارع منه، وخالف دليل رفع ~~الحرج من غير معنى زائد، فالشارع لم يرض بشرعية مثله، وقد قال (الله) ~~تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء: 29]، فصار ~~متبعا لهواه. # ولا حجة له في قوله عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به ~~الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء عند الكريهات». . . الحديث؛ من حيث ~~كان الإسباغ مع كراهية النفس سببا لمحو الخطايا ورفع الدرجات، ففيه دليل ~~على أن للإنسان أن يسعى في ms255 تحصيل هذا الأجر بإكراه النفس، ولا يكون إلا ~~بتحري إدخال الكراهية عليها؛ لأنا نقول: لا دليل في الحديث على ما قلتم، ~~وإنما فيه أن الإسباغ مع وجود الكراهية، ففيه أمر زائد؛ كالرجل يجد ماء ~~باردا في زمان الشتاء ولا يجده سخنا فلا يمنعه شدة برده عن كمال الإسباغ، ~~وأما القصد إلى الكراهية؛ فليس في الحديث ما يقتضيه، بل في الأدلة المتقدمة ~~ما يدل على أنه مرفوع عن العباد، ولو سلم أن الحديث يقتضيه؛ لكانت أدلة رفع ~~الحرج تعارضه، وهي قطعية، وخبر الواحد ظني، فلا تعارض بينهما؛ للاتفاق على ~~تقديم القطعي. # PageV01P441 # ومثل الحديث قول الله تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة} [التوبة: 120]. . .، الآية. # ومن ذلك الاقتصار من المأكول على أخشنه وأفظعه لمجرد التشديد لا لغرض ~~سواه، فهو من النمط المذكور فوقه؛ لأن الشرع لم يقصد إلى تعذيب النفس في ~~التكليف، وهو أيضا مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن لنفسك عليك حقا»؛ ~~وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم: يأكل الطيب إذا وجده، وكان يحب الحلواء ~~والعسل، ويعجبه لحم الذراع، ويستعذب له الماء، فأين التشديد من هذا؟. # ولا يدخل الاستعمال المباح في قوله تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا} [الأحقاف: 20]، لأن المراد به الإسراف الخارج عن حد المباح؛ بدليل ~~ما تقدم. # فإذا؛ الاقتصار على البشيع في المأكل من غير عذر تنطع، وقد مر ما فيه ~~قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~[المائدة: 87] الآية. # ومن ذلك الاقتصار في الملبس على الخشن من غير ضرورة؛ فإنه من قبيل ~~التشديد والتنطع المذموم، وفيه أيضا من قصد الشهرة ما فيه. # وقد روي عن الربيع بن زياد الحارثي: " أنه قال لعلي بن أبي طالب # PageV01P442 # رضي الله عنه: اغد بي على أخي عاصم، قال: ما باله؟ قال: لبس العباء يريد ~~النسك، فقال علي رضي الله عنه: علي به. # فأتي به مؤتزرا بعباءة، مرتديا بالأخرى، شعث الرأس واللحية، فعبس في ~~وجهه، وقال: ويحك! أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ms256 ولدك؟ أترى الله أباح لك ~~الطيبات وهو يكره أن تنال منها شيئا؟ بل أنت أهون على الله من ذلك، أما ~~سمعت الله يقول في كتابه: {والأرض وضعها للأنام} [الرحمن: 10]. . . . إلى ~~قوله: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22]؟، أفترى الله أباح هذه ~~لعباده إلا ليبتذلوه ويحمدوا الله عليه، فيثبتهم عليه؟ وإن ابتذالك نعم ~~الله بالفعل خير منه بالقول. # قال عاصم: فما بالك في خشونة مأكلك وخشونة ملبسك، قال: ويحك! إن الله فرض ~~على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس. # فتأملوا كيف لم يطالب الله العباد بترك الملذوذات! وإنما طالبهم بالشكر ~~عليها إذا تناولوها، فالمتحري للامتناع من تناول ما أباحه الله من غير موجب ~~شرعي مفتات على الشارع. # وكل ما جاء عن المتقدمين من الامتناع عن بعض المتناولات من هذه الجهة، ~~وإنما امتنعوا منه لعارض شرعي يشهد الدليل باعتباره؛ كالامتناع من التوسع ~~لضيق الحال في يده، أو لأن المتناول ذريعة إلى ما يكره أو يمنع، أو لأن في ~~المتناول وجه شبهة تفطن إليه التارك ولم يتفطن إليه غيره ممن علم بامتناعه، ~~وقضايا الأحوال لا تعارض الأدلة بمجردها؛ # PageV01P443 # لاحتمالها في أنفسها. # وهذه المسألة مذكورة على وجهها في كتاب الموافقات. # ومن ذلك الاقتصار في الأفعال والأحوال على ما يخالف محبة النفوس وحملها ~~على ذلك في كل شيء؛ من غير استثناء. # فهو من قبيل التشديد، ألا ترى أن الشارع أباح أشياء مما فيه قضاء نهمة ~~النفس وتمتعها واستلذاذها؟ فلو كانت مخالفتها برا؛ لشرع، ولندب الناس إلى ~~تركه، فلم يكن مباحا، بل مندوب الترك أو مكروه الفعل. # وأيضا؛ فإن الله تعالى وضع في الأمور المتناولة إيجابا أو ندبا أشياء من ~~المستلذات الحاملة على تناول تلك الأمور؛ لتكون تلك اللذات كالحادي إلى ~~القيام بتلك الأمور؛ كما جعل في الأوامر إذا امتثلت وفي النواهي إذا اجتنبت ~~أجورا منتظرة، ولو شاء لم يفعل، وجعل في الأوامر إذا تركت والنواهي إذا ~~ارتكبت جزاء على خلاف الأول؛ ليكون جميع ذلك منهضا لعزائم المكلفين في ~~الامتثال، حتى إنه وضع لأهل الامتثال المثابرين ms257 على المبايعة في أنفس ~~التكاليف أنواعا من اللذات العاجلة والأنوار الشارحة للصدور ما لا يعدله من ~~لذات الدنيا شيء، حتى يكون سببا لاستلذاذ الطاعة والفرار إليها وتفضيلها ~~على غيرها، فيخف على العامل العمل، حتى يتحمل منه ما لم يكن قادرا قبل ~~(على) تحمله إلا بالمشقة المنهي عنها، فإذا سقطت؛ سقط النهي. # بل تأملوا كيف وضع للأطعمة على اختلافها لذات مختلفات الألوان، وللأشربة ~~كذلك، وللوقاع الموضوع سببا لاكتساب العيال وهو # PageV01P444 # أشد تعبا عن النفس لذة أعلى من لذة المطعم والمشرب. . . . إلى غير ذلك من ~~الأمور الخارجية عن نفس المتناول؛ كوضع القبول في الأرض، وترفيع المنازل، ~~والتقدم على سائر الناس في الأمور العظائم، وهي أيضا تقتضي لذات تستصغر ~~جنبها لذات الدنيا. # وإذا كان كذلك؛ فأين هذا الموضوع الكريم من الرب اللطيف الخبير؟! # فمن يأتي متعبدا بزعمه بخلاف ما وضع الشارع له من الرفق والتيسير ~~والأسباب الموصلة إلى محبته، فيأخذ بالأشق والأصعب، ويجعله هو السلم الموصل ~~والطريق الأخص؛ هل هذا كله إلا غاية في الجهالة، وتلف في تيه الضلالة؟ ~~عافانا الله من ذلك بفضله. # فإذا سمعتم بحكاية تقتضي تشديدا على هذا السبيل، أو يظهر منها تنطع أو ~~تكلف؛ فإما أن يكون صاحبها ممن يعتبر؛ كالسلف الصالح، أو من غيرهم ممن لا ~~يعرف ولا ثبت اعتباره عند أهل الحل والعقد من العلماء، فإن كان الأول؛ فلا ~~بد أن يكون على خلاف ما ظهر لبادي الرأي كما تقدم ؛ وإن كان الثاني؛ فلا ~~حجة فيه، وإنما الحجة في المقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم. # فهذه خمسة في التشديد في سلوك طريق الآخرة يقاس عليها ما سواها. ### | [فصل أصل العمل مشروعا ولكنه يصير جاريا مجرى البدعة] # فصل # قد يكون أصل العمل مشروعا، ولكنه يصير جاريا مجرى البدعة من # PageV01P445 # باب الذرائع، ولكن على غير الوجه الذي فرغنا من ذكره. # وبيانه: أن العمل يكون مندوبا إليه مثلا ، فيعمل به العامل في خاصة نفسه ~~على وضعه الأول من الندبية، فلو اقتصر العامل على هذا المقدار لم يكن به ~~بأس، ms258 ويجري مجراه إذا دام عليه في خاصيته غير مظهر له دائما، بل إذا أظهره ~~لم يظهره على حكم الملتزمات من السنن الرواتب والفرائض اللوازم، فهذا صحيح ~~لا إشكال فيه، وأصله ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإخفاء النوافل ~~والعمل بها في البيوت، وقوله: «أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا ~~المكتوبة»، فاقتصر في الإظهار على المكتوبات كما ترى ، وإن كان ذلك في ~~مسجده عليه السلام أو في المسجد الحرام أو (في) مسجد بيت المقدس، حيث ~~قالوا: إن النافلة في البيت أفضل منها في أحد هذه المساجد الثلاثة بما ~~اقتضاه ظاهر الحديث، وجرى مجرى الفرائض في الإظهار السنن؛ كالعيدين، ~~والخسوف، والاستسقاء. . . . وشبه ذلك، فبقي ما سوى ذلك حكمه الإخفاء، ومن ~~هنا ثابر السلف الصالح رضي الله عنهم على إخفاء الأعمال فيما استطاعوا أو ~~خف عليهم الاقتداء بالحديث وبفعله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه القدوة ~~والأسوة. # ومع ذلك؛ فلم يثبت فيها إذا عمل بها في البيوت دائما أن يقام جماعة في ~~المساجد ألبتة، ما عدا رمضان حسبما تقدم ولا في البيوت دائما، وإن وقع ذلك ~~في الزمان الأول في الفرط؛ كقيام ابن عباس رضي # PageV01P446 # الله عنهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بات عند خالته ميمونة، ~~وما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: «قوموا فلأصل لكم»، وما في الموطأ من ~~صلاة يرفأ مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقت الضحى. # فمن فعله في بيته وقتا ما؛ فلا حرج، ونص العلماء على جواز ذلك بهذا القيد ~~المذكور، وإن كان الجواز قد وقع في " المدونة " مطلقا، فما ذكره تقييد له، ~~وأظن ابن حبيب نقل [ه] عن مالك مقيدا. # فإذا اجتمع في النافلة أن يلتزم السنن الرواتب إما دائما وإما في أوقات ~~محدودة وعلى وجه محدود، وأقيمت في الجماعة في المساجد التي تقام فيها ~~الفرائض، أو المواضع التي تقام فيها السنن الرواتب؛ فذلك ابتداع. # والدليل عليه أنه لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ~~ولا عن التابعين لهم ms259 بإحسان فعل هذا المجموع هكذا مجموعا، وإن أتى مطلقا من ~~غير تلك التقييدات، مشروعا في التقييد في المطلقات التي لم تثبت بدليل ~~الشرع تقييدها رأي في التشريع، فكيف إذا عارضه الدليل، وهو الأمر بإخفاء ~~النوافل مثلا؟!. # ووجه دخول الابتداع هنا: أن كل ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من النوافل وأظهره في الجماعات؛ فهو سنة، فالعمل بالنافلة التي ليست ~~بسنة على طريق العمل بالسنة إخراج للنافلة عن مكانها المخصوص بها شرعا، # PageV01P447 # ثم يلزم من ذلك اعتقاد العوام فيها ومن لا علم عنده أنها سنة، وهذا فساد ~~عظيم؛ لأن اعتقاد ما ليس بسنة سنة، والعمل بها على حد العمل بالسنة؛ نحو من ~~تبديل الشريعة؛ كما لو اعتقد في الفرض أنه ليس بفرض، أو بما ليس بفرض أنه ~~فرض، ثم عمل وفق اعتقاده؛ فإنه فاسد، فهب العمل في الأصل صحيحا؛ فإخراجه عن ~~بابه اعتقادا وعملا من باب إفساد الأحكام الشرعية. # ومن هنا ظهر عذر السلف الصالح في تركهم سننا قصدا؛ لئلا يعتقد الجاهل ~~أنها من الفرائض؛ كالأضحية وغيرها؛ كما تقدم ذلك. # ولأجله أيضا نهى أكثرهم عن اتباع الآثار؛ كما خرج الطحاوي وابن وضاح ~~وغيرهما عن معرور بن سويد الأسدي؛ قال: # " وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما ~~انصرفنا إلى المدينة؛ انصرفت معه، فلما صلى لنا صلاة الغداة فقرأ فيها: ~~{ألم تر كيف فعل ربك} [الفيل: 1]، و {لإيلاف قريش} [قريش: 1]، ثم رأى ناسا ~~يذهبون مذهبا، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قالوا: يأتون مسجدا هاهنا صلى فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا؛ يتبعون ~~آثار أنبيائهم، فاتخذوها كنائس وبيعا، من أدركته الصلاة في شيء من هذه ~~المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فليصل فيها، وإلا؛ ~~فلا يتعمدها. # وقال ابن وضاح: " سمعت عيسى بن يونس مفتي أهل طرسوس # PageV01P448 # يقول: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقطعها؛ ms260 لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف ~~عليهم الفتنة. # قال ابن وضاح: " وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان ~~تلك المساجد وتلك الآثار للنبي صلى الله عليه وسلم ما عدا قباء وحده ". # وقال: " وسمعتهم يذكرون أن سفيان دخل مسجد بيت المقدس، فصلى فيه، ولم ~~يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضا ممن يقتدى به، وقدم ~~وكيع أيضا مسجد بيت المقدس، فلم يعد فعل سفيان. # قال ابن وضاح: " فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من ~~مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرا عند من مضى؟ ". # وقد كان مالك يكره كل بدعة وإن كانت في خير. # وجميع هذا ذريعة لئلا يتخذ سنة ما ليس بسنة، أو يعد مشروعا ما ليس ~~معروفا. # وقد كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس؛ خيفة أن يتخذ ذلك سنة، وكان ~~يكره مجيء قبور الشهداء، ويكره مجيء قباء؛ خوفا من ذلك، مع ما جاء في ~~الآثار من الترغيب فيه، ولكن؛ لما خاف العلماء عاقبة ذلك؛ تركوه. # وقال ابن كنانة وأشهب: " سمعنا مالكا يقول لما أتاه سعد بن أبي # PageV01P449 # وقاص قال: وددت أن رجلي تكسرت وأني لم أفعل ". # وسئل ابن كنانة عن الآثار التي تركوا بالمدينة، فقال: " أثبت ما في ذلك ~~عندنا قباء، إلا أن مالكا كان يكره مجيئها، خوفا من أن يتخذ سنة ". # وقال سعيد بن حسان: " كنت أقرأ على ابن نافع، فلما مررت بحديث التوسعة ~~ليلة عاشوراء؛ قال لي: حرق عليه، قلت: ولم ذلك يا أبا محمد؟ قال: خوفا من ~~أن يتخذ سنة ". # فهذه أمور جائزة أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفا من البدعة؛ لأن ~~اتخاذها سنة إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا شأن السنة، ~~وإذا جرت مجرى السنن؛ صارت من البدع بلا شك. # فإن قيل: كيف صارت هذه الأشياء من البدع الإضافية والظاهر منها أنها بدع ~~حقيقية؛ لأن تلك الأشياء إذا عمل بها على اعتقاد أنها سنة فهي ms261 حقيقية، إذ ~~لم يضعها صاحب السنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوجه، فصارت ~~مثل ما إذا صلى الظهر على أنها غير واجبة، واعتقدها عبادة؛ فإنها بدعة من ~~غير إشكال، هذا إذا نظرنا إليها بمآلها، وإذا نظرنا إليها أولا؛ فهي مشروعة ~~من غير نسبة إلى بدعة أصلا؟!. # فالجواب: أن السؤال صحيح؛ إلا أن لوضعها أولا نظرين: # أحدهما: من حيث هي مشروعة، فلا كلام فيها. # والثاني: من حيث صارت كالسبب الموضوع لاعتقاد البدعة أو # PageV01P450 # للعمل بها على غير السنة؛ فهي من هذا الوجه غير مشروعة؛ لأن وضع الأسباب ~~للشارع لا للمكلف، والشارع لم يضع الصلاة في مسجد قباء أو بيت المقدس مثلا ~~سببا لأن تتخذ سنة، فوضع المكلف لها كذلك رأي غير مستند إلى الشرع، فكان ~~ابتداعا. # وهذا معنى كونها بدعة إضافية، أما إذا استقر السبب، وظهر عنه مسببه الذي ~~هو اعتقاد العمل سنة والعمل على وفقه؛ فذلك بدعة حقيقية لا إضافية. # ولهذا الأصل أمثلة كثيرة وقعت الإشارة إليها في أثناء الكلام، فلا معنى ~~للتكرار. # وإذا ثبت في الأمور المشروعة أنها قد تعد بدعا بالإضافة؛ فما ظنك بالبدع ~~الحقيقية؛ فإنها قد تجتمع فيها أن تكون حقيقية وإضافية معا، لكن من جهتين؟! # فإذا بدعة " أصبح ولله الحمد " في نداء الصبح ظاهرة، ثم لما عمل بها في ~~المساجد والجماعات مواظبا عليها لا تترك كما لا تترك الواجبات وما أشبهها؛ ~~كان تشريعا أولا يلزمه أن يعتقد فيه الوجوب أو السنة، وهذا ابتداع ثان ~~إضافي، ثم إذا اعتقد فيها ثانيا السنية أو الفرضية؛ صارت بدعة من ثلاثة ~~أوجه. # ومثله يلزم في كل بدعة أظهرت والتزمت، وأما إذا خفيت واختص بها صاحبها؛ ~~فالأمر عليه أخف، فيا لله ويا للمسلمين! ماذا يجني المبتدع على نفسه مما لا ~~يكون في حسابه؟ وقانا الله شرور أنفسنا بفضله. # PageV01P451 ### | [فصل الدعاء بإثر الصلاة بهيئة الاجتماع دائما] # فصل من تمام ما قبله # وذلك أنه وقعت نازلة: إمام مسجد ترك ما عليه الناس بالأندلس من الدعاء ~~للناس بآثار الصلوات بالهيئة الاجتماعية ms262 على الدوام، وهو أيضا معهود في ~~أكثر البلاد؛ فإن الإمام إذا سلم من الصلاة يدعو للناس ويؤمن الحاضرون، ~~وزعم التارك أن تركه بناء منه على أنه لم يكن من فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا فعل الأئمة حسبما نقله العلماء في دواوينهم عن السلف ~~والفقهاء. # أما أنه لم يكن من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فظاهر: # لأن حاله عليه السلام في أدبار الصلوات مكتوبات أو نوافل كانت بين أمرين: # إما أن يذكر الله تعالى ذكرا هو في العرف غير دعاء؛ فليس للجماعة منه حظ؛ ~~إلا أن يقولوا مثل قوله أو نحوا من قوله؛ كما في غير أدبار الصلوات: # كما جاء: أنه كان يقول في دبر كل صلاة: «لا إله إلا الله وحده، لا شريك ~~له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ~~ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». # وقوله: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا # PageV01P452 # الجلال والإكرام». # وقوله: «سبحان ربك رب العزة عما يصفون». . .، ونحو ذلك. . . . # فإنما كان يقول [ه] في خاصة نفسه كسائر الأذكار، فمن قال مثل قوله؛ فحسن، ~~ولا يمكن في هذا كله هيئة اجتماع. # وإن كان دعا؛ فعامة ما جاء من دعائه عليه السلام بعد الصلاة مما سمع منه ~~إنما كان يخص به نفسه دون الحاضرين: # كما في الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، «عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه: كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة رفع يديه». . الحديث، إلى ~~قوله: «ويقول عند انصرافه من الصلاة: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما ~~أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت»، حسن صحيح. # وفي رواية أبي داود: " «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من ~~الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما ~~أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا ms263 إله إلا أنت» حسن ~~صحيح. # وخرج أبو داود: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول دبر كل صلاة: ~~اللهم ربنا # PageV01P453 # ورب كل شيء، أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء! أنا ~~شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء! اجعلني مخلصا لك وأهلي ~~في كل ساعة في الدنيا والآخرة، يا ذا الجلال والإكرام! اسمع واستجب، الله ~~أكبر الله أكبر، الله نور السماوات والأرض، الله أكبر، الله أكبر، حسبي ~~الله ونعم الوكيل». # ول أبي داود في رواية: «رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، ~~وأمكن لي ولا تمكن علي، واهدني ويسر هداي إلي، وانصرني على من بغى علي». . ~~. إلى آخر الحديث. # وفي النسائي: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول في دبر الفجر إذا صلى: ~~«اللهم إني أسألك علما نافعا، وعملا متقبلا، ورزقا طيبا». # وعن بعض الأنصار؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر ~~الصلاة: «اللهم! اغفر لي، وتب علي؛ إنك أنت التواب الغفور، حتى يبلغ مائة ~~مرة». # وفي رواية: أن هذه الصلاة كانت صلاة الضحى. # فتأملوا سياق هذه الأدعية كلها مساق تخصيص نفسه بها دون الناس! فيكون مثل ~~هذا حجة لفعل الناس اليوم؟! # PageV01P454 # إلا أن يقال: قد جاء الدعاء للناس في مواطن؛ كما في الخطبة التي استسقى ~~فيها، ونحو ذلك. # فيقال: نعم؛ فأين التزام ذلك جهرا للحاضرين في دبر كل صلاة؟!. # ثم نقول: إن العلماء يقولون في مثل الدعاء والذكر الوارد على أثر الصلاة: ~~إنه مستحب، لا سنة ولا واجب، وهو دليل على أمرين: # أحدهما: أن هذه الأدعية لم تكن منه عليه والسلام على الدوام. # والثاني: أنه لم يكن يجهر بها دائما، ولا يظهرها للناس في غير مواطن ~~التعليم، إذ لو كانت على الدوام وعلى الإظهار؛ لكانت سنة، ولم يسع العلماء ~~أن يقولوا فيها بغير السنة، إذ خاصيته حسبما ذكروه الدوام والإظهار في ~~مجامع الناس. # ولا يقال: لو كان دعاؤه عليه السلام سرا؛ لم يؤخذ عنه. # لأنا نقول: ms264 من كانت عادته الإسرار؛ فلا بد أن يظهر منه [الجهر] ولو مرة، ~~إما بحكم العادة، [وإما] بقصد التنبيه على التشريع. # فإن قيل: ظواهر الأحاديث تدل على الدوام [حاصل]؛ بقول الرواة: " كان يفعل ~~"؛ فإنه يدل على الدوام؛ كقولهم: " كان حاتم يكرم الضيفان ". # قلنا: ليس كذلك، بل يطلق على الدوام وعلى الكثير والتكرار على الجملة: # كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: «أنه عليه الصلاة والسلام: # PageV01P455 # كان إذا أراد أن ينام وهو جنب؛ توضأ وضوءه للصلاة». # وروت أيضا أنه: «كان عليه الصلاة والسلام ينام وهو جنب؛ من غير أن يمس ~~ماء». # بل قد يأتي في بعض الأحاديث: " كان يفعل " فيما لم يفعله إلا مرة واحدة، ~~نص عليه أهل الحديث. # ولو كان يداوم المداومة التامة؛ للحق بالسنن؛ كالوتر وغيره، ولو سلم؛ ~~فأين هيئة الاجتماع؟. # فقد حصل أن الدعاء بهيئة الاجتماع دائما لم يكن من فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؛ كما لم يكن [من] قوله ولا إقراره. # وروى البخاري من حديث أم سلمة: " «أنه صلى الله عليه وسلم: كان يمكث إذا ~~سلم يسيرا». # قال ابن شهاب: " حتى ينصرف الناس فيما نرى ". # وفي مسلم عن عائشة (رضي الله عنها): «أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان ~~إذا سلم؛ لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم! أنت السلام، ومنك السلام، ~~تباركت يا ذا الجلال والإكرام». # وأما فعل الأئمة بعده: # PageV01P456 # فقد نقل الفقهاء من حديث أنس في غير كتب الصحيح: " «صليت خلف النبي عليه ~~السلام، فكان إذا سلم يقوم، وصليت خلف أبي بكر رضي الله عنه؛ فكان إذا سلم ~~وثب كأنه على رضفة» (يعني: الحجر المحمى). # ونقل ابن يونس الصقلي عن ابن وهب عن خارجة: " أنه كان يعيب على الأئمة ~~قعودهم بعد السلام، وقال: إنما كانت الأئمة ساعة تسلم تقوم ". # وقال ابن عمر: " جلوسه بدعة ". # وعن ابن مسعود (رضي الله عنه)؛ قال: " لأن يجلس على الرضف خير له من ذلك ~~". # وقال مالك في " المدونة ": " إذا سلم؛ فليقم، ولا يقعد؛ إلا أن يكون في ~~سفر ms265 أو في فنائه ". # وعد الفقهاء إسراع القيام ساعة يسلم من فضائل الصلاة، ووجهوا ذلك بأن ~~جلوسه هنالك يدخل عليه فيه كبر وترفع على الجماعة، وانفراده بموضوع عنهم ~~يرى به الداخل أنه إمامهم، وأما انفراده به حال الصلاة؛ فضروري. # قال بعض شيوخنا الذين استفدنا بهم: " وإذا كان هذا في انفراده في # PageV01P457 # الموضع، فكيف بما انضاف إليه من تقدمه أمامهم في التوسل به بالدعاء ~~والرغبة وتأمينهم على دعائه جهرا؟! # قال: " ولو كان هذا حسنا؛ لفعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه (رضي ~~الله عنهم)، ولم ينقل ذلك أحد من العلماء، مع تواطئهم على نقل جميع أموره، ~~حتى: هل كان ينصرف من الصلاة عن اليمين أو عن الشمال؟! وقد نقل ابن بطال عن ~~علماء السلف إنكار ذلك والتشديد فيه على من فعله بما فيه كفاية ". # هذا ما نقله الشيخ بعد أن جعل الدعاء بإثر الصلاة بهيئة الاجتماع دائما ~~بدعة قبيحة، واستدل على عدم ذلك في الزمان الأول بسرعة القيام والانصراف؛ ~~لأنه مناف للدعاء لهم وتأمينهم على دعائه؛ بخلاف الذكر ودعاء الإنسان ~~لنفسه؛ فإن الانصراف وذهاب الإنسان لحاجته غير مناف لهما. # فبلغت الكائنة بعض شيوخ العصر، فرد على ذلك الإمام ردا أقذع فيه على خلاف ~~ما عليه الراسخون، وبلغ من الرد بزعمه إلى أقصى غاية ما قدر عليه، واستدل ~~بأمور إذا تأملها الفطن؛ عرف ما فيها: # كالأمر بالدعاء إثر الصلاة قرآنا وسنة، وهو كما تقدم لا دليل فيه. # ثم ضم إلى ذلك جواز الدعاء بهيئة الاجتماع في الجملة؛ # PageV01P458 # إلا في أدبار الصلوات، ولا دليل فيه أيضا كما تقدم لاختلاف المتأصلين. # وأما في التفصيل؛ فزعم أنه ما زال معمولا به في جميع أقطار الأرض أو في ~~جلها من الأئمة في مساجد الجماعات من غير نكير إلا نكير أبي عبد الله ~~الباروني، ثم أخذ في ذمه. # وهذا النقل تهور بلا شك؛ لأنه نقل إجماع يجب على الناظر فيه والمحتج به ~~قبل التزام عهدته أن يبحث عنه بحث أصل عن الإجماع؛ لأنه لا بد من النقل عن ms266 ~~جميع المجتهدين من هذه الأمة من أول زمان الصحابة (رضي الله عنهم) إلى ~~الآن، هذا أمر مقطوع به، ولا خلاف أنه لا اعتبار بإجماع العوام، وإن ادعوا ~~الإمامة. # وقوله: " من غير نكير " تجوز، بل ما زال الإنكار عليهم من الأئمة، فقد ~~نقل الطرطوشي عن مالك في ذلك أشياء تخدم المسألة، فحصل إنكار مالك لها في ~~زمانه، وإنكار الإمام الطرطوشي في زمانه، واتبع هذا أصحابه وهذا أصحابه، ثم ~~القرافي قد عد ذلك من البدع المكروهة على مذهب مالك، وسلم، ولم ينكره عليه ~~أهل زمانه فيما نعلمه مع زعمه أن من البدع ما هو حسن، ثم الشيوخ الذين ~~كانوا بالأندلس حين دخلتها هذه البدعة حسبما يذكر بحول الله وقد أنكروها، ~~وكان من معتقدهم في ذلك أنه مذهب مالك، وكان أبو عبد الله بن مجاهد وتلميذه ~~أبو عمران الميرتلي رحمهما الله ملتزمين لتركها، حتى اتفق للشيخ أبي عبد ~~الله في ذلك ما سنذكره إن شاء الله. # قال بعض شيوخنا رادا على بعض من نصر هذا العمل [قائلا:] فإنا # PageV01P459 # قد شاهدنا الأئمة الفقهاء الصلحاء المتبعين للسنة المتحفظين بأمور دينهم ~~يفعلون ذلك أئمة ومأمومين، ولم نر من ترك ذلك؛ إلا من شذ في أحواله. # فقال: " وأما احتجاج منكر ذلك بأن هذا لم يزل الناس يفعلونه؛ فلم يأت ~~بشيء؛ لأن الناس الذين يقتدى بهم ثبت أنهم لم يكونوا يفعلونه ". # قال: " ولما كانت البدع والمخالفات وتواطؤ الناس عليها؛ صار الجاهل يقول: ~~لو كان هذا منكرا؛ لما فعله الناس ". # ثم حكى أثر الموطأ: " ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء ~~بالصلاة ". # قال: " فإذا كان هذا في عهد التابعين يقول: كثرت الإحداثات؛ فكيف ~~بزماننا؟!. # ثم هذا الإجماع لو ثبت؛ لزم منه محظور؛ لأنه مخالف لما نقل عن الأولين من ~~تركه، فصار نسخ إجماع بإجماع، وهذا محال في الأصول. # وأيضا؛ فلا تكون مخالفة المتأخرين لإجماع المتقدمين على سنة حجة على تلك ~~السنة أبدا. # فما أشبه هذه المسألة بما حكي عن أبي علي بشاذان بسند يرفعه إلى أبي عبد ms267 ~~الله بن إسحاق الجعفري، قال: # " كان عبد الله بن الحسن يعني: ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنهم يكثر الجلوس إلى ربيعة، فتذاكروا يوما، فقال رجل كان # PageV01P460 # في المجلس: ليس العمل على هذا فقال عبد الله: أرأيت إن كثر الجهال حتى ~~يكونوا هم الحكام، أفهم الحجة على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام ~~أبناء الأنبياء " انتهى. # إلا أني أقول: أرأيت إن كثر المقلدون ثم أحدثوا بآرائهم فحكموا بها، أفهم ~~الحجة على السنة؟ ولا كرامة. # ثم عضد ما ادعاه بأشياء من جملتها قوله: " ومن أمثال الناس: أخطئ مع ~~الناس ولا تصب وحدك؛ أي: أن خطأهم هو الصواب، وصوابك هو الخطأ ". # قال: " ومعنى ما جاء في حديث: «عليك بالجماعة؛ فإنما يأكل [الذئب من ~~الغنم] القاصية». # فجعل تارك الدعاء على الكيفية المذكورة مخالفا للإجماع كما ترى، وحض على ~~اتباع الناس وترك المخالفة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تختلفوا فتختلف ~~قلوبكم»، وكل ذلك مبني على الإجماع الذي ذكروا أن الجماعة هم جماعة الناس ~~كيف كانوا!!. # PageV01P461 # وسيأتي معنى الجماعة المذكورة في حديث الفرق، وأنها المتبعة للسنة، وإن ~~كانت رجلا واحدا في العالم. # قال بعض الحنابلة: " لا تعبأ بما يعرض من المسائل ويدعى فيها الصحة بمجرد ~~التهويل أو بدعوى أن لا خلاف في ذلك، وقائل ذلك لا يعلم أحدا قال فيها ~~بالصحة؛ فضلا عن نفي الخلاف فيها، وليس الحكم فيها من الجليات التي لا يعذر ~~المخالف ". # قال: " وفي مثل هذه المسائل قال الإمام أحمد بن حنبل: من ادعى الإجماع ~~فهو كاذب، وإنما هذه دعوى بشر وابن علية، يريدون أن يبطلوا السنن بذلك؛ ~~يعني أحمد: أن المتكلمين في الفقه على أهل البدع؛ إذا ناظرتهم بالسنن ~~والآثار؛ قالوا: هذا خلاف (الإجماع)، وذلك القول الذي يخالف ذلك الحديث لا ~~يحفظونه إلا عن بعض فقهاء المدينة أو فقهاء الكوفة مثلا، فيدعون الإجماع من ~~قلة معرفتهم بأقاويل العلماء، واجترائهم على رد السنن بالآراء، حتى كان ~~بعضهم يسرد عليه الأحاديث الصحيحة في خيار المجلس ونحوه من الأحكام؛ فلا ms268 ~~يجد لها معتصما إلا أن يقول: هذا لم يقل به أحد من العلماء، وهو لا يعرف ~~إلا [أن] أبا حنيفة ومالكا لم يقولوا بذلك، ولو كان له علم؛ لرأى من ~~الصحابة والتابعين وتابعيهم ممن قال بذلك خلقا كثيرا ". # ففي هذا الكلام إرشاد لمعنى ما نحن فيه، وأنه لا ينبغي أن ينقل حكم شرعي ~~عن أحد من أهل العلم إلا بعد تحققه والتثبت؛ لأنه مخبر عن حكم الله، فإياكم ~~والتساهل؛ فإنه مظنة الخروج عن الطريق الواضح إلى السيئات. # PageV01P462 # ثم عد من المفاسد في مخالفة الجمهور: أنه يرميهم بالتجهيل والتضليل، وهذا ~~دعوى من خالفه فيما قال، وعلى تسليمها؛ فليست بمفسدة على فرض اتباع السنة، ~~وقد جاء عن السلف الحض على العمل بالحق وعدم الاستيحاش من قلة أهله. # وأيضا؛ فمن شنع على المبتدع بلفظ الابتداع، فأطلق العبارة بالنسبة إلى ~~المجتمعين يوم عرفة بعد العصر للدعاء في غير عرفة. . . . إلى نظائرها؛ ~~فتشنيعه حق كما يقول بالنسبة إلى بشر المريسي ومعبد الجهني وفلان وفلان، ~~ولا يدخل بذلك إن شاء الله في حديث: «من قال: هلك الناس؛ فهو أهلكهم»؛ لأن ~~المراد أن يقول ذلك ترفعا على الناس واستحقارا، وأما إن قاله تحزنا وتحسرا؛ ~~فلا بأس. قال [ه] بعضهم. # ونحن نرجو أن نعرج على ذلك إن شاء الله فالاستدلال به ليس على وجهه. # وعد من المفاسد الخوف من فساد نيته بما يدخل عليه من العجب والشهرة ~~المنهي عنها!! فكأنه يقول: اترك اتباع السنة في زمان الغربة خوف الشهرة ~~ودخول العجب!!. # وهذا شديد من القول، وهو معارض بمثله؛ فإن انتصابه لأن يكون داعيا للناس ~~بأثر صلواتهم دائما مظنة لفساد نيته بما يدخل عليه من العجب والشهرة، وهو ~~تعليل القرافي، وهو أولى؛ في طريق الاتباع، فصار تركه للدعاء لهم مقرونا ~~بالاقتداء بخلاف الداعي؛ فإنه في غير طريق من تقدم، فهو أقرب # PageV01P463 # إلى فساد النية. # وعد منها ما يظن به من القول برأي أهل البدع القائلين بأن الدعاء غير ~~نافع، وهذا كالذي قبله؛ لأنه يقول للناس: اتركوا اتباع النبي صلى ms269 الله عليه ~~وسلم في ترك الدعاء بهيئة الاجتماع بعد الصلوات؛ لئلا يظن بك [م] الابتداع، ~~وهذا كما ترى. # قال ابن العربي: " ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع ~~وعند رفع الرأس منه، وهو مذهب مالك والشافعي، وتفعله الشيعة ". # قال: " فحضر عندي يوما في محرس أبي الشعراء بالثغر موضع تدريسي عند صلاة ~~الظهر، ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم إلى الصف الأول وأنا في مؤخره ~~قاعد على طاقات البحر أتنسم الريح من شدة الحر، ومعي في صف واحد أبو ثمنة ~~رئيس البحر وقائده في نفر من أصحابه ينتظر الصلاة ويتطلع على مراكب المنار، ~~فلما رفع الشيخ الفهري يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه؛ قال أبو ثمنة ~~وأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا؟ قوموا إليه فاقتلوه ~~وارموا به في البحر فلا يراكم أحد، فطار قلبي من بين جوانحي، وقلت: سبحان ~~الله! هذا الطرطوشي فقيه الوقت! فقالوا لي: ولم يرفع يديه؟ فقلت: كذلك كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة، وجعلت ~~أسكنهم وأسكنهم حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى المسكن من المحرس، ورأى ~~تغير وجهي فأنكر، وسألني فأعلمته فضحك، وقال: من أين لي أن أقتل على سنة؟ ~~فقلت له: ويحل لك هذا؛ فإنك بين قوم إن # PageV01P464 # قمت بها قاموا عليك، وربما ذهب دمك؟! فقال: دع هذا الكلام وخذ في غيره ". # فتأملوا في هذه القصة ففيها الشفاء، إذ لا مفسدة في الدنيا توازي مفسدة ~~إماتة السنة، وقد حصلت النسبة إلى البدعة، ولكن الطرطوشي رحمه الله [كان ~~لا] يرى ذلك شيئا. # فكلامه للاتباع أولى من كلام هذا الراد، إذ بينهما في العلم ما بينهما. # وأيضا؛ فلو اعتبر ما قال؛ لزم اعتباره بمثله في كل من أنكر الدعاء بهيئة ~~الاجتماع يوم عرفة في غير عرفة، ومنهم نافع مولى ابن عمر ومالك والليث ~~وغيرهم من السلف، ولما كان ذلك غير لازم؛ فمسألتنا كذلك. # ثم ختم هذا الاستدلال الإجماعي بقوله: وقد اجتمع أئمة ms270 الإسلام في مساجد ~~الجماعات في هذه الأعصار وفي جميع الأقطار على الدعاء أدبار الصلاة، فيشبه ~~أن يدخل ذلك مدخل حجة إجماعية عصرية. # فإن أراد الدعاء على هيئة الاجتماع دائما لا يترك كما يفعل بالسنن، وهي ~~مسألتنا المفروضة، فقد تقدم ما فيه. ### | [فصل سكوت الشارع عن الحكم في مسألة ما] # فصل # ثم أتى بمأخذ آخر من الاستدلال على صحة ما زعم، وهو أن الدعاء على ذلك ~~الوجه؛ لم يرد في الشرع نهي عنه، مع وجود الترغيب فيه على الجملة، ووجود ~~العمل به، فإن صح أن السلف لم يعملوا به؛ فالترك ليس # PageV01P465 # بموجب لحكم في المتروك؛ إلا جواز الترك وانتفاء الحرج خاصة، لا تحريم ولا ~~كراهية. # وجميع ما قاله مشكل على قواعد العلم، وخصوصا في العبادات التي هي مسألتنا ~~، إذ ليس لأحد من خلق الله أن يخترع في الشريعة من رأيه أمرا لا يدخل عليه ~~منها دليل؛ لأنه عين البدعة، وهذا كذلك، إذ لا دليل فيها على اتخاذ الدعاء ~~جهرا للحاضرين في آثار الصلوات دائما، على حد ما تقام السنن، بحيث يعد ~~الخارج عنه خارجا عن جماعة أهل الإسلام، متحيزا ومتميزا. . . إلى سائر ما ~~ذكر، وكل ما لا يدل عليه دليل فهو البدعة. # وإلى هذا؛ فإن ذلك الكلام يوهم أن اتباع المتأخرين المقلدين خير من اتباع ~~الصالحين من السلف! ولو كان [هذا] في أحد جائزين [لما قبل]؛ فكيف إذا كان ~~أمرين أحدهما متيقن أنه صحيح والآخر مشكوك فيه؟ فيتبع المشكوك في صحته، ~~ويترك ما لا مرية في صحته، ويؤلب من يتبعه؟!. # ثم إطلاقه القول بأن الترك لا يوجب حكما في المتروك إلا جواز الترك، غير ~~جار على أصول الشرع الثابتة. # فنقول إن هنا أصلا لهذه المسألة، لعل الله ينفع به من أنصف في نفسه: # وذلك أن سكوت الشارع عن الحكم في مسألة أو تركه لأمر ما على ضربين: # PageV01P466 # أحدهما: - أن يسكت عنه أو يتركه؛ لأنه لا داعية له تقتضيه، ولا موجب يقرر ~~لأجله، ولا وقع سبب تقريره؛ كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي ms271 صلى الله عليه ~~وسلم؛ فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، ~~فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تبين في الكليات التي ~~كمل بها الدين. # وإلى هذا الضرب يرجع جميع ما نظر فيه السلف الصالح مما لم يسنه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الخصوص مما هو معقول المعنى؛ كتضمين الصناع، ومسألة ~~الحرام، والجد مع الأخوة، وعول الفرائض، ومنه جمع المصحف، ثم تدوين ~~الشرائع. . وما أشبه ذلك مما لم يحتج في زمانه عليه السلام إلى تقريره، ~~لتقديم كلياته التي تستنبط (بها) منها إذا لم تقع أسباب الحكم فيها ولا ~~الفتوى بها منه عليه السلام، فلم يذكر لها حكم مخصوص. # فهذا الضرب إذا حدثت أسبابه فلا بد من النظر فيه وإجرائه على أصوله إن ~~كان من العاديات أو من العبادات التي لا يمكن الاقتصار فيها على ما سمع؛ ~~كمسائل السهو والنسيان في أجزاء العبادات. # ولا إشكال في هذا الضرب؛ لأن أصول الشرع عتيدة، وأسباب تلك الأحكام لم ~~تكن في زمان الوحي، فالسكوت عنها على الخصوص ليس بحكم يقتضي جواز الترك أو ~~غير ذلك، بل إذا عرضت النوازل؛ روجع بها أصولها، فوجدت فيها، ولا يجدها من ~~ليس بمجتهد، وإنما يجدها المجتهدون الموصوفون في علم أصول الفقه. # PageV01P467 # والضرب الثاني: أن يسكت الشارع عن الحكم الخاص أو يترك أمرا ما من الأمور ~~وموجبه المقتضى له قائم وسببه في زمان الوحي وفيما بعده موجود ثابت؛ إلا ~~أنه لم يحدد فيه أمر زائد على ما كان من الحكم العام في أمثاله ولا ينقص ~~منه؛ لأنه لما كان المعنى الموجب لشرعية الحكم العقلي الخاص موجودا، ثم لم ~~يشرع ولا نبه على السبطا؛ كان صريحا في أن الزائد على ما ثبت هنالك بدعة ~~زائدة ومخالفة لقصد الشارع، إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا ~~الزيادة عليه ولا النقصان منه. # ولذلك مثال فيما نقل عن مالك بن أنس في سماع أشهب وابن نافع هو غاية فيما ~~نحن ms272 فيه، وذلك أن مذهبه في سجود الشكر الكراهية، وأنه ليس بمشروع، وعليه ~~بنى كلامه. # قال في " العتبية ": " وسئل مالك عن الرجل يأتيه الأمر يحبه فيسجد لله عز ~~وجل شكرا؟ فقال: لا يفعل هذا مما مضى من أمر الناس، قيل له: إن أبا بكر ~~الصديق (رضي الله عنه) فيما يذكرون سجد يوم اليمامة شكرا لله، أفسمعت ذلك؟ ~~قال: ما سمعت ذلك، وأنا أرى أنهم قد كذبوا على أبي بكر، وهذا من الضلال أن ~~يسمع المرء الشيء فيقول: هذا لم تسمعه مني، قد فتح الله على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى المسلمين بعده، أفسمعت أن أحدا منهم فعل مثل هذا؟ إذ ~~ما قد كان في الناس وجرى على أيديهم؛ سمع عنهم فيه شيء، فعليك بذلك؛ فإنه ~~لو كان لذكر؛ لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم، فهل سمعت أن أحدا منهم ~~سجد؟ فهذا إجماع، وإذا جاءك أمر لا تعرفه؛ فدعه. . . تمام الرواية. # PageV01P468 # وقد احتوت على فرض سؤال والجواب بما تقدم. # وتقرير السؤال أن يقال في البدعة مثلا : إنها فعل سكت الشارع عن حكمه في ~~الفعل والترك، فلم يحكم عليه بحكم على الخصوص، فالأصل جواز فعله كما أن ~~الأصل جواز تركه، إذ هو معنى الجائز، فإن كان له أصل جملي، فأحرى أن يجوز ~~فعله حتى يقوم الدليل على منعه أو كراهته، وإذا كان كذلك؛ فليس هنا مخالفة ~~لقصد الشارع، ولا ثم دليل خالفه هذا النظر، بل حقيقة ما نحن فيه أنه أمر ~~مسكوت عنه عند الشارع، والسكوت عند الشارع لا يقتضي مخالفة ولا موافقة، ولا ~~يعين الشارع قصدا ما دون ضده وخلافه، وإذا ثبت هذا؛ فالعمل به ليس بمخالف ~~إذ لم يثبت في الشريعة نهي عنه. # وتقرير الجواب: معنى ما ذكره مالك رحمه الله، وهو أن السكوت عن حكم الفعل ~~أو الترك هنا إذا وجد المعنى المقتضي له إجماع من كل ساكت على أن لا زائد ~~على ما كان، إذ لو كان ذلك لائقا شرعا أو سائغا؛ لفعلوه، فهم كانوا ms273 أحق ~~بإدراكه والسبق إلى العمل به، وذلك إذا نظرنا إلى المصلحة؛ فإنه لا يخلو ~~إما أن يكون في هذه الأحداث مصلحة أو لا، والثاني لا يقول به أحد، والأول ~~إما أن تكون تلك المصلحة الحادثة آكد من المصلحة الموجودة في زمان التكليف ~~أو لا، ولا يمكن أن يكون [آكد] مع كون المحدثة زيادة تكليف ونقصه عن المكلف ~~أحرى بالأزمنة المتأخرة؛ لما يعلم من قصور الهمم واستيلاء الكسل، ولأنه ~~خلاف بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحنفية السمحة، ورفع الحرج عن الأمة، ~~وذلك في تكليف العبادات؛ لأن العادات أمر آخر كما سيأتي وقد مر منه ، فلم ~~يبق إلا أن # PageV01P469 # تكون المصلحة الظاهرة الآن مساوية للمصلحة الموجودة في زمان التشريع أو ~~أضعف منها، وعند ذلك تصير الأحداث عبثا أو استدراكا على الشارع؛ لأن تلك ~~المصلحة الموجودة في زمان التشريع؛ إن حصلت للأولين من غير هذا الإحداث؛ ~~[فالإحداث] إذا عبث، إذ لا يصح أن يحصل للأولين دون الآخرين، فقد صارت هذه ~~الزيادة تشريعا بعد الشارع بسبب للآخرين ما فات الأولين، فلم يكمل الدين ~~إذا دونها، ومعاذ الله من هذا المأخذ. # وقد ظهر من العادات الجارية فيما نحن فيه أن ترك الأولين لأمر ما من غير ~~أن يعينوا فيه وجها مع احتماله في الأدلة الجملية ووجود المظنة: دليل على ~~أن ذلك الأمر لا يعمل به، وأنه إجماع منهم على تركه. # قال ابن رشد في " شرح مسألة العتبية ": " الوجه في ذلك أنه لم يرد مما ~~شرع في الدين يعني: سجود الشكر فرضا ولا نفلا، إذ لم يأمر بذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ولا فعله، ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله، والشرائع لا ~~تثبت إلا من أحد هذه الأمور ". # قال: " واستدلاله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولا ~~المسلمون بعده، بأن ذلك لو كان لنقل: صحيح، إذ لا يصح أن تتوفر الدواعي على ~~ترك نقل شريعة من شرائع الدين، وقد أمر بالتبليغ ". # قال: " وهذا أصل من الأصول، وعليه يأتي إسقاط ms274 الزكاة من الخضر والبقول، ~~مع وجود الزكاة فيها، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت ~~السماء والعيون والبعل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر»، لأنا نزلنا ترك # PageV01P470 # نقل أخذ النبي عليه السلام الزكاة منها كالسنة القائمة في أن لا زكاة ~~فيها، فكذلك نزل ترك نقل السجود عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشكر ~~كالسنة القائمة في أن لا سجود فيها "، ثم حكى خلاف الشافعي والكلام عليه. # والمقصود من المسألة توجيه مالك لها من حيث إنها بدعة، لا توجيه أنها ~~بدعة على الإطلاق. # وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل، وأنه بدعة منكرة؛ من حيث ~~وجد في زمانه عليه السلام المعنى المقتضي للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة ~~التحليل ليتراجعا كما كان أول مرة، وأنه لما لم يشرع ذلك، مع حرص امرأة ~~رفاعة على رجوعها إليه؛ دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها. # وهو أصل صحيح، إذا اعتبر وضح به ما نحن بصدده؛ لأن التزام الدعاء بآثار ~~الصلوات جهرا للحاضرين في مساجد الجماعات لو كان صحيحا شرعا أو جائزا؛ لكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم أولى بذلك أن يفعله. # وقد علل المنكر هذا الموضع بعلل تقتضي المشروعية، وبنى على فرض أنه لم ~~يأت ما يخالفه، وأن الأصل الجواز في كل مسكوت عنه. # أما أن الأصل الجواز؛ فيمتنع؛ لأن طائفة من العلماء يذهبون إلى أن ~~الأشياء قبل وجود الشرع على المنع دون الإباحة، فما الدليل على ما قال من ~~الجواز؟ # وإن سلمنا له ما قال؛ فهل هو على الإطلاق أم لا؟ أما في العاديات # PageV01P471 # فمسلم، ولا نسلم أن ما نحن فيه من العاديات، بل من العبادات، ولا يصح أن ~~يقال فيما فيه تعبد: إنه مختلف فيه على قولين: هل هو على المنع أم هو على ~~الإباحة؟ بل هو أمر زائد على المنع؛ لأن التعبديات إنما وضعها للشارع، فلا ~~يقال في صلاة سادسة مثلا إنها على الإباحة، فللمكلف وضعها على أحد القولين ~~ليتعبد بها لله؛ لأنه باطل بإطلاق، ms275 وهو أصل كل مبتدع يريد أن يستدرك على ~~الشارع. # ولو سلم أنه من قبيل العاديات أو من قبيل ما يعقل معناه؛ فلا يصح العمل ~~به أيضا؛ لأن ترك العمل به من النبي صلى الله عليه وسلم في جميع عمره، وترك ~~السلف الصالح له على توالي أزمنتهم؛ قد تقدم أنه نص في الترك، وإجماع من كل ~~من ترك؛ لأن عمل الإجماع كنصه؛ كما أشار مالك في كلامه. # وأيضا؛ فما يعلل له لا يصح التعليل به: # وقد أتى الراد بأوجه منه: # (أحدها): أن الدعاء بتلك الهيئة ليظهر وجه التشريع في الدعاء وأنه بآثار ~~الصلوات مطلوب: # وما قاله يقتضي أن يكون سنة بسبب الدوام والإظهار في الجماعات والمساجد، ~~وليس بسنة اتفاقا منا ومنه، فانقلب إذا وجه التشريع. # وأيضا؛ فإن إظهار التشريع كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أولى، ~~فكانت تلك الكيفية المتكلم فيها أولى للإظهار، ولما لم يفعله عليه الصلاة ~~والسلام؛ دل على ترك مع وجود المعنى المقتضي، فلا يمكن بعد زمانه في تلك # PageV01P472 # الكيفية إلا الترك. # (والثاني): أن الإمام يجمعهم على الدعاء ليكون باجتماعهم أقرب إلى ~~الإجابة. # وهذه العلة كانت في زمانه عليه السلام؛ لأنه لا يكون أحد أسرع إجابة ~~لدعائه منه، إذ كان مجاب الدعوة بلا إشكال، بخلاف غيره، وإن عظم قدره في ~~الدين؛ فلا يبلغ رتبته، فهو كان أحق بأن يزيدهم الدعاء لهم خمس مرات في ~~اليوم والليلة زيادة إلى دعائهم لأنفسهم. # وأيضا؛ فإن قصد الاجتماع على الدعاء لا يكون بعد زمانه أبلغ في البركة من ~~اجتماع يكون فيه سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكانوا بالتنبيه ~~لهذه المنقبة أولى. # (والثالث): قصد التعليم للدعاء ليأخذوا من دعائه ما يدعون به لأنفسهم ~~لئلا يدعوا بما لا يجوز عقلا أو شرعا: # وهذا التعليل لا ينهض؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان المعلم الأول، ~~ومنه تلقينا ألفاظ الأدعية ومعانيها، وقد كان من العرب من يجهل قدر ~~الربوبية فيقول: # رب العباد ما لنا وما لك ... أنزل علينا الغيث لا أبا ms276 لك # وقال الآخر: # لاهم إن كنت الذي بعهدي ... ولم تغيرك الأمور بعدي # وقال الآخر: # PageV01P473 # أبني ليتي لا أحبكم ... وجد الإله بكم كما أجد # وهي ألفاظ يفتقر أصحابها إلى التعليم، وكانوا أقرب عهد بجاهلية تعامل ~~الأصنام معاملة الرب الواحد سبحانه ولا تنزهه كما يليق بجلاله، فلم يشرع ~~لهم دعاء بهيئة الاجتماع في آثار الصلوات دائما ليعلمهم أو يعينهم على ~~التعلم إذا صلوا معه، بل علم في مجالس التعليم، ودعا لنفسه إثر الصلاة حين ~~بدا له ذلك، ولم يلتفت إذ ذاك إلى النظر للجماعة، وهو كان أولى الخلق بذلك. # (والرابع): أن في الاجتماع على الدعاء تعاونا على البر والتقوى، وهو ~~مأمور به. # وهذا الاجتماع ضعيف؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أنزل عليه: ~~{وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2]، وكذلك فعل، ولو كان الاجتماع ~~للدعاء إثر الصلاة جهرا للحاضرين من باب البر والتقوى؛ لكان أول سابق إليه، ~~لكنه لم يفعله أصلا، ولا أحد بعده، حتى حدث ما حدث، فدل على أنه ليس على ~~ذلك الوجه بر ولا تقوى. # (والخامس): أن عامة الناس لا علم لهم باللسان العربي، فربما لحن، فيكون ~~اللحن سبب عدم الإجابة، وحكي عن الأصمعي في ذلك حكاية شعرية لا فقهية. # وهذا الاجتماع إلى اللعب أقرب منه إلى الجد، وأقرب ما فيه أن أحدا من ~~العلماء لا يشترط في الدعاء أن لا يلحن؛ كما يشترط الإخلاص؛ # PageV01P474 # وصدق التوجيه؛ وعزم المسألة. . . . وغير ذلك من الشروط. # وتعلم اللسان العربي لإصلاح الألفاظ في الدعاء وإن كان الإمام أعرف به هو ~~كسائر ما يحتاج إليه الإنسان من أمر دينه، فإن كان الدعاء مستحبا؛ فالقراءة ~~واجبة، والفقه في الصلاة كذلك، فإن كان تعليم الدعاء إثر الصلاة مطلوبا؛ ~~فتعليم فقه الصلاة آكد، فكان من حقه أن يجعل ذلك من وظائف آثار الصلاة. # فإن قيل بموجبه في المحرف المتعارف؛ فهذه القاعدة تجتث أصله؛ لأن السلف ~~الصالح كانوا أحق بالسبق إلى فضله؛ لجميع ما ذكر فيه من الفوائد، ولذلك قال ~~مالك فيها: " أترى الناس اليوم كانوا أرغب ms277 في الخير ممن مضى؟ "، وهو إشارة ~~إلى الأصل المذكور، وهو أن المعنى المقتضى للإحداث وهو الرغبة في الخير كان ~~أتم في السلف الصالح، وهم لم يفعلوه، فدل على أنه لا يفعل. # وأما ما ذكر من آداب الدعاء؛ فكله لا يتعين له إثر الصلاة؛ بدليل أن رسول ~~الله عليه وسلم علم منها جملة كافية ولم يعلم منها شيئا إثر الصلاة، ولا ~~تركهم دون تعليم ليأخذوا ذلك منه في آخر الصلاة، أو ليستغنوا بدعائه عن ~~تعليم ذلك، ومع أن الحاضرين للدعاء لا يحصل لهم في الإمام في ذلك كبير شيء، ~~وإن حصل فلمن كان قريبا منه دون من بعد. ### | [فصل الرد على قوله عمل السلف بما لم يعمل به من قبلهم] # فصل # ثم استدل المستنصر بالقياس، فقال: وإن صح أن السلف لم # PageV01P475 # يعملوا به؛ فقد عمل السلف بما لم يعمل به من قبلهم مما هو خير. # ثم قال بعد: قد قال عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه): تحدث للناس أقضية ~~بقدر ما أحدثوا من الفجور، فكذلك تحدث لهم مرغبات في الخير بقدر ما أحدثوا ~~من الفتور. # وهذا الاستدلال غير جار على الأصول: # أما أولا: فإنه في مقابلة النص، وهو ما أشار إليه مالك في مسألة العتبية، ~~فذلك من باب فساد الاعتبار. # وأما ثانيا: فإنه قياس على نص لم يثبت بعد من طريق مرضي، وهذا ليس كذلك. # وأما ثالثا: فإن كلام عمر بن عبد العزيز فرع اجتهادي جاء عن رجل مجتهد ~~يمكن أن يخطئ فيه كما يمكن أن يصيب، وإنما حقيقة الأصل أن يأتي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو عن أهل الإجماع، وهذا ليس عن واحد منهما. # وأما رابعا: فإنه قياس بغير معنى جامع، أو بمعنى جامع غير طردي، ولكن ~~الكلام فيه سيأتي إن شاء الله في الفرق بين المصالح المرسلة والبدع. # وقوله: " إن السلف عملوا بما لم يعمل به من قبلهم "؛ حاش لله أن يكونوا ~~ممن يدخل تحت هذه الترجمة. # وقوله: " مما هو خير "؛ أما بالنسبة إلى السلف فما ms278 عملوا خير، وأما فرعه ~~المقيس [عليه]؛ فكونه خيرا دعوى؛ لأن كون الشيء خيرا أو شرا لا # PageV01P476 # يثبت إلا بالشرع، وأما العقل؛ فبمعزل عن ذلك، فليثبت أولا لأن الدعاء على ~~تلك الهيئة خير شرعا. # وأما قياسه على قوله: " تحدث للناس أقضية "؛ فمما تقدم فيه أمر آخر، وهو ~~التصريح بأن إحداث العبادات جائز قياسا على قول عمر، وإنما كلام عمر بعد ~~تسليم القياس عليه في معنى عادي يختلف فيه مناط الحكم الثابت فيما تقدم؛ ~~كتضمين الصناع، أو الظنة في توجيه الأيمان؛ دون مجرد الدعاوى. # فيقول: إن الأولين توجهت عليهم بعض الأحكام؛ لصحة الأمانة والديانة ~~والفضيلة، فلما حدثت أضدادها؛ اختلف المناط، فوجب اختلاف الحكم، وهو حكم ~~رادع أهل الباطل عن باطلهم. # فأثر هذا المعنى ظاهر مناسب؛ بخلاف ما نحن فيه؛ فإنه على الضد من ذلك، ~~ألا ترى أن الناس إذا وقع فيهم الفتور عن الفرائض فضلا عن النوافل وهي ما ~~هي من القلة والسهولة ؛ فما ظنك بهم إذا زيد عليهم أشياء أخر يرغبون فيها ~~ويرخصون على استعمالها، فلا شك أن الوظائف تتكاثر، حتى يؤدي إلى أعظم من ~~الكسل الأول، وإلى ترك الجميع، فإن حدث للعامل بالبدعة هو في بدعته أو لمن ~~شايعه فيها؛ فلا بد من كسله مما هو أولى. # فنحن نعلم أن ساهر ليلة النصف من شعبان لتلك الصلاة المحدثة لا يأتيه ~~الصبح إلا وهو نائم أو في غاية الكسل، فيخل بصلاة الصبح، # PageV01P477 # وكذلك سائر المحدثات، فصارت هذه الزيادة عائدة على ما هو أولى منها ~~بالإبطال أو الإخلال، وقد مر أن ما من بدعة تحدث إلا ويموت من السنة ما هو ~~خير منها. # وأيضا؛ فإن هذا القياس مخالف لأصل شرعي وهو طلب النبي صلى الله عليه وسلم ~~السهولة والرفق والتيسير وعدم التشديد ، وزيادة وظيفة لم تشرع فتظهر ويعمل ~~بها دائما في مواطن السنن؛ فهو تشديد بلا شك. # وإن سلمنا ما قال؛ فقد وجد كل مبتدع من العامة السبيل إلى إحداث البدع، ~~وأخذ هذا الكلام بيده حجة وبرهانا على صحة ما يحدثه كائنا ms279 ما كان، وهو مرمى ~~بعيد. # ثم استدل على جواز الدعاء إثر الصلاة في الجملة، ونقل في ذلك عن مالك ~~وغيره أنواعا من الكلام، وليس [هذا] محل النزاع، بل جعل الأدلة شاملة لتلك ~~الكيفية المذكورة. # وعقب ذلك بقوله: " وقد تظاهرت الأحاديث والآثار وعمل الناس وكلام العلماء ~~على هذا المعنى؛ كما قد ظهر "، قال: " ومن المعلوم أنه عليه السلام كان ~~الإمام في الصلوات، وأنه لم يكن ليخص نفسه بتلك الدعوات، إذ قد جاء من ~~سنته: «لا يحل لرجل أن يؤم قوما إلا بإذنهم، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم، فإن ~~فعل فقد خانهم». # فتأملوا يا أولي الألباب! فإن عامة النصوص فيما سمع من أدعيته # PageV01P478 # في أدبار الصلوات إنما كان دعاء لنفسه، وهذا الكلام يقول فيه: إنه لم يكن ~~ليخص نفسه بالدعاء دون الجماعة، وهذا تناقض، الله نسأل التوفيق. # وإنما حمل الناس الحديث على دعاء الإمام في نفس الصلاة من السجود وغيره، ~~لا فيما حمله عليه هذا المتأول، ولما لم يصح العمل بذلك الحديث عند مالك؛ ~~أجاز للإمام أن يخص نفسه بالدعاء دون المأمومين، ذكره في " النوادر ". # ولما اعترضه كلام العلماء وكلام السلف مما تقدم ذكره؛ أخذ يتأول ويوجه ~~كلامهم على طريقته المرتبكة، ووقع له في [ذلك] كلام على غير تأمل لا يسلم ~~ظاهره من التناقض والتدافع لوضوح أمره، وكذلك في تأويل الأحاديث التي ~~نقلها، لكن تركت هنا استيفاء الكلام عليها لطوله، وقد ذكرته في غير هذا ~~الموضع، والحمد لله على ذلك. ### | [فصل من البدع الإضافية كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين أهو بدعة أم غير بدعة] # فصل # ويمكن أن يدخل في البدع الإضافية كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين: أهو بدعة ~~فينهى عنه؟ أم غير بدعة فيعمل به؟ فإنا إذا اختبرناه بالأحكام الشرعية؛ ~~وجدناه من المشتبهات التي قد ندبنا إلى تركها؛ حذرا من الوقوع في المحظور، ~~والمحظور هنا هو العمل بالبدعة، فإذا؛ العامل به لا يقطع أنه عمل ببدعة، ~~كما أنه لا يقطع أنه عمل بسنة، فصار من جهة هذا التردد غير عامل ms280 ببدعة ~~حقيقية، ولا يقال أيضا: إنه خارج عن العمل بها جملة. # وبيان ذلك أن النهي الوارد في المشتبهات إنما هو حماية أن يقع في # PageV01P479 # ذلك الممنوع الواقع فيه الاشتباه: # فإذا اختلطت الميتة بالذكية؛ نهيناه عن الإقدام، فإن أقدم؛ أمكن عندنا أن ~~يكون آكلا للميتة في الاشتباه، فالنهي الأخف إذا منصرف نحو الميتة في ~~الاشتباه؛ كما انصرف إليها النهي الأشد في التحقق. # وكذلك اختلاط الرضيعة بالأجنبية؛ النهي في الاشتباه منصرف إلى الرضيعة؛ ~~كما انصرف إليها في التحقق. # وكذلك سائر المشتبهات؛ إنما ينصرف نهي الإقدام على المشتبه إلى خصوص ~~الممنوع المشتبه. # فإذا؛ الفعل الدائر بين كونه سنة أو بدعة؛ إذا نهي عنه في باب الاشتباه؛ ~~نهي عن البدعة في الجملة، فمن أقدم عن العمل، فقد أقدم على منهي عنه في باب ~~البدعة؛ لأنه محتمل أن يكون بدعة في نفس الأمر، فصار من هذا الوجه كالعامل ~~بالبدعة المنهي عنها، وقد مر أن البدعة الإضافية هي الواقعة ذات وجهين، ~~فلذلك قيل: إن هذا القسم من قبيل البدع الإضافية. # ولهذا النوع أمثلة: # (أحدهما): إذا تعارضت الأدلة على المجتهد في أن العمل الفلاني مشروع ~~يتعبد به أو غير مشروع فلا يتعبد به، ولم يتبين له جمع بين الدليلين، أو ~~إسقاط أحدهما بنسخ أو ترجيح أو غيرهما؛ فقد ثبت في الأصول أن فرضه التوقف، ~~فلو عمل بمقتضى دليل التشريع من غير مرجح؛ لكان عاملا بمتشابه؛ لإمكان صحة ~~الدليل بعدم المشروعية، # PageV01P480 # فالصواب الوقوف عن الحكم رأسا، وهو الفرض في حقه. # (والثاني): إذا تعارضت الأقوال على المقلد في المسألة بعينها، فقال بعض ~~العلماء: يكون العمل بدعة، وقال بعضهم: ليس ببدعة، ولم يتبين له الأرجح من ~~العالمين بأعلمية أو غيرها؛ فحقه الوقوف والسؤال عنهما حتى يتبين له ~~الأرجح، فيميل إلى تقليده دون الآخر، فإن أقدم على تقليد أحدهما من غير ~~مرجح؛ كان حكمه حكم المجتهد إذا أقدم على العمل بأحد الدليلين من غير ~~ترجيح، فالمثالان في المعنى واحد. # (والثالث): أنه ثبت في الصحاح عن الصحابة رضي الله عنهم [كانوا] يتبركون ms281 ~~بأشياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ففي البخاري عن أبي جحيفة (رضي الله عنه) قال: «خرج علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالهاجرة، فأتي بوضوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل ~~وضوئه فيتمسحون به. . . الحديث. # وفيه: " كان إذا توضأ يقتتلون على وضوئه» ". # وعن المسور (رضي الله عنه) في حديث الحديبية: «وما انتخم النبي صلى الله ~~عليه وسلم نخامة؛ إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده». # وخرج غيره من ذلك كثيرا في التبرك بشعره وثوبه وغيرهما، حتى # PageV01P481 # أنه مس بإصبعه أحدهم بيده، فلم يحلق ذلك الشعر الذي مسه عليه السلام حتى ~~مات. # وبالغ بعضهم في ذلك، حتى شرب دم حجامته. . . إلى أشياء كهذا كثيرة. # فالظاهر في مثل هذا النوع أن يكون مشروعا في حق من ثبتت ولايته واتباعه ~~لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يتبرك بفضل وضوئه، ويتدلك بنخامته، ~~ويستشفى بآثاره كلها، ويرجى نحو مما كان في آثار المتبوع الأعظم صلى الله ~~عليه وسلم. # إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه، مشكل في تنزيله، وهو أن ~~الصحابة رضي الله عنهم بعد موته عليه السلام لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك ~~بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم بعده في الأمة ~~أفضل من أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، فهو كان خليفته، ولم يفعل به شيء ~~من ذلك، ولا عمر (رضي الله عنهما)، وهو كان في الأمة بعده، ثم كذلك عثمان، ~~ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت ~~لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو ~~نحوها، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا ~~فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فهو إذا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء ~~كلها. # PageV01P482 # وبقي النظر في وجه ترك ما تركوا منه، ويحتمل وجهين: # (أحدهما): أن يعتقدوا فيه الاختصاص، وأن مرتبة ms282 النبوة يسع فيها ذلك كله؛ ~~للقطع بوجود ما التمسوا من البركة والخير؛ لأنه عليه السلام كان نورا كله ~~في ظاهره وباطنه، فمن التمس منه نورا؛ وجده على أي جهة التمسه؛ بخلاف غيره ~~من الأمة؛ فإنه وإن حصل له من نور الاقتداء به والاهتداء بهديه ما شاء الله ~~لا يبلغ مبلغه على حال توازيه في مرتبته، ولا يقاربه فصار هذا النوع مختصا ~~به؛ كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع، وإحلال بضع الواهبة نفسها له، وعدم ~~وجوب القسم على الزوجات. . . وشبه ذلك. # فعلى هذا المأخذ؛ لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك ~~الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة، كما كان الاقتداء به في ~~الزيادة على أربع نسوة بدعة. # (الثاني): أن لا يعتقدوا الاختصاص، ولكنهم تركوا ذلك من باب الذرائع؛ ~~خوفا من أن يجعل ذلك سنة؛ كما تقدم ذكره في اتباع الآثار والنهي عن ذلك، أو ~~لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد، بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ بجهلها ~~في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد، فربما ~~اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة، ولأجله قطع ~~عمر رضي الله عنه الشجرة التي بويع تحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ~~هو كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية حسبما ذكره أهل السير ، فخاف ~~عمر (رضي الله عنه) أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة حتى تعبد من ~~دون الله، فكذلك يتفق عند التوغل # PageV01P483 # في التعظيم. # ولقد حكى الفرغاني مذيل " تاريخ الطبري " عن الحلاج: أن أصحابه بالغوا في ~~التبرك به، حتى كانوا يتمسحون ببوله، ويتبخرون بعذرته، حتى ادعوا فيه ~~الإلهية، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. # ولأن الولاية؛ وإن ظهر لها في الظاهر آثار؛ فقد يخفى أمرها؛ لأنها في ~~الحقيقة راجعة إلى أمر باطن لا يعلمه إلا الله، فربما ادعيت الولاية لمن ~~ليس بولي، أو ادعاها هو لنفسه، أو أظهر خارقة من خوارق العادات هي ms283 من باب ~~الشعوذة لا من باب الكرامة، أو من باب السحر، أو الخواص أو غير ذلك، ~~والجمهور لا يعرف الفرق بين الكرامة والسحر، فيعظمون من ليس بعظيم، ويقتدون ~~بمن لا قدوة فيه، وهو الضلال البعيد، إلى غير ذلك من المفاسد، فتركوا العمل ~~بما تقدم وإن كان له أصل ؛ لما يلزم عليه من الفساد في الدين. # وقد يظهر بأول وهلة أن هذا الوجه الثاني أرجح؛ لما ثبت في الأصول ~~العلمية: أن كل مزية أعطيها النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن لأمته أنموذجا ~~منها، ما لم يدل دليل على الاختصاص. # إلا أن الوجه الأول راجح من جهة أخرى، وهو إطباقهم على الترك، إذ لو كان ~~اعتقادهم التشريع؛ لعمل بعضهم بعده، أو عملوا به ولو في بعض الأحوال: إما ~~وقوفا مع أصل المشروعية، وإما بناء على اعتقاد انتفاء العلة الموجبة ~~للامتناع. # PageV01P484 # وقد خرج ابن وهب في " جامعه " من حديث يونس بن يزيد، عن ابن شهاب؛ قال: ~~حدثني رجل من الأنصار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان إذا توضأ أو ~~تنخم؛ ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته، فشربوه، ومسحوا به جلودهم، ~~فلما رآهم يصنعون ذلك؛ سألهم: " لم تفعلون هذا؟ "، قالوا: نلتمس الطهور ~~والبركة بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كان منكم يحب الله ~~ورسوله؛ فليصدق الحديث، وليؤد الأمانة، ولا يؤذ جاره». # فإن صح هذا النقل؛ فهو مشعر بأن الأولى تركه، وأن يتحرى ما هو الآكد ~~والأحرى من وظائف التكليف، ولا يلزم الإنسان في خاصة نفسه. # ولم يثبت من ذلك كله إلا ما كان من قبيل الرقية وما يتبعها، أو دعاء ~~الرجل لغيره على وجه سيأتي بحول الله. # فقد صارت المسألة من أصلها دائرة بين أمرين: أن تكون مشروعة، وأن تكون ~~بدعة، فدخلت تحت حكم المتشابه، والله أعلم. ### | [فصل من البدع الإضافية إخراج العبادة عن حدها الشرعي] # فصل # ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية: أن يكون أصل العبادة # PageV01P485 # مشروعا؛ إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل توهما ms284 أنها باقية على ~~أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، أو يطلق تقييدها، ~~وبالجملة؛ فتخرج عن حدها الذي حد لها. # ومثال ذلك أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه؛ لم يخصه الشارع بوقت ~~دون وقت، ولا حد فيه زمانا دون زمان، ما عدا ما نهي عن صيامه على الخصوص؛ ~~كالعيدين، وندب إليه على الخصوص؛ كعرفة وعاشوراء بقول، فإذا خص منه يوما من ~~الجمعة بعينه، أو أياما من الشهر بأعيانها لا من جهة ما عينه الشارع ؛ فإن ~~ذلك ظاهر بأنه من جهة اختيار المكلف؛ كيوم الأربعاء مثلا في الجمعة، ~~والسابع والثامن في الشهر. . . وما أشبه ذلك؛ بحيث لا يقصد بذلك وجها بعينه ~~مما لا ينثني عنه، فإذا قيل له: لم خصصت تلك الأيام دون غيرها؟ لم يكن له ~~بذلك حجة غير التصميم، أو يقول: إن الشيخ الفلاني مات فيه. . . أو ما أشبه ~~ذلك؛ فلا شك أنه رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع أياما بأعيانها ~~دون غيرها، فصار التخصيص من المكلف بدعة، إذ هي تشريع بغير مستند. # ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها ~~تخصيصا؛ كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو ~~الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة، أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك ~~فإن ذلك التخصيص والعمل به؛ إذا لم يكن بحكم الوفاق، أو بقصد يقصد مثله أهل ~~العقل والفراغ والنشاط؛ كان تشريعا زائدا. # PageV01P486 # ولا حجة له في أن يقول: إن هذا الزمان ثبت فضله على غيره، فيحسن فيه ~~إيقاع العبادات؛ لأنا نقول: هذا الحسن؛ هل ثبت له أصل أم لا؟ فإن ثبت ~~فمسألتنا؛ كما ثبت الفضل في قيام ليالي رمضان، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ~~وصيام الاثنين والخميس، فإن لم يثبت؛ فما مستندك فيه والعقل لا يحسن ولا ~~يقبح، ولا شرع يستند إليه؟ فلم يبق إلا أنه ابتداع في التخصيص؛ كإحداث ~~الخطب، وتحري ختم القرآن في بعض ليالي رمضان. # ومن ذلك التحدث ms285 مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل مغزاه؛ فإنه من باب وضع ~~الحكمة غير موضعها، فسامعها؛ إما أن يفهمها على غير وجهها، وهو الغالب، وهو ~~فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق، وإلى العمل بالباطل، وإما لا يفهم منها شيئا، ~~وهو أسلم، ولكن المحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون، بل صار التحدث بها ~~كالعابث بنعمة الله، ثم إن ألقاها لمن لا يعقلها في معرض الانتفاع بعد ~~تعقلها؛ كان من باب التكليف بما لا يطاق. # وقد جاء النهي عن ذلك، فخرج أبو داود حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«أنه نهى عن الأغلوطات، قالوا: وهي صعاب المسائل، أو شرار # PageV01P487 # المسائل». # وفي الترمذي أو غيره : «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ~~رسول الله! أتيتك لتعلمني من غرائب العلم، فقال عليه السلام: " ما صنعت في ~~رأس العلم؟ " قال: وما رأس العلم؟ قال: " هل عرفت الرب؟ " قال: نعم، قال: ~~فما صنعت في حقه؟ قال: ما شاء الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اذهب فأحكم ما هنالك، ثم تعال أعلمك من غرائب العلم». # وهذا المعنى هو مقتضى الحكمة، لا تعلم الغرائب إلا بعد إحكام # PageV01P488 # الأصول، وإلا دخلت الفتنة. # وقد قالوا في العالم الرباني: إنه الذي يربي بصغار العلم قبل كباره. # وهذه الجملة شاهدها في الحديث الصحيح مشهور، وقد ترجم على ذلك البخاري، ~~فقال: باب: من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا. # ثم أسند عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه قال: حدثوا (الناس) بما ~~يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟. # ثم ذكر حديث معاذ الذي أخبر به عند موته تأثما، وإنما لم يذكره إلا عند ~~موته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن له في ذلك؛ لما خشي من تنزيله ~~غير منزلته، وعلمه معاذا لأنه من أهله. # وفي مسلم عن ابن مسعود (رضي الله عنه)؛ قال: " ما أنت بمحدث قوما حديثا ~~لا تبلغه عقولهم؛ إلا كان لبعضهم فتنة ". # قال ابن وهب: وذلك أن ms286 يتأولوه غير تأويله، ويحملوه على غير وجهه. # وخرج شعبة عن كثير بن مرة الحضرمي أنه قال: إن عليك في علمك حقا كما أن ~~عليك في مالك حقا، لا تحدث بالعلم غير أهله فتجهل، ولا تمنع العلم أهله ~~فتأثم، ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك، ولا # PageV01P489 # تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتوك. # وقد ذكر العلماء هذا المعنى في كتبهم، وبسطوه بسطا شافيا والحمد لله، ~~وإنما نبهنا عليه؛ لأن كثيرا ممن لا يقدر قدر هذا الموضع يزل فيه فيحدث ~~الناس بما لا تبلغه عقولهم، وهو على خلاف الشرع، وما كان عليه سلف هذه ~~الأمة. # ومن ذلك أيضا جميع ما تقدم في فضل السنة التي يكون العمل بها ذريعة إلى ~~البدعة، من حيث إنها عمل بها ولم يعمل بها سلف هذه الأمة. # ومنه تكرار السورة الواحدة في التلاوة أو في الركعة الواحدة؛ فإن التلاوة ~~لم تشرع على ذلك الوجه، ولا أن يخص من القرآن شيء دون شيء؛ لا في صلاة، ولا ~~في غيرها، فصار المخصص لها عاملا برأيه في التعبد لله. # وخرج ابن وضاح عن مصعب، قال: سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة: {قل هو الله ~~أحد} [الإخلاص: 1]؛ لا يقرأ غيرها كما يقرؤها؟ فكرهه، وقال: إنما أنتم ~~متبعون، فاتبعوا الأولين، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا، وإنما أنزل القرآن ~~ليقرأ، ولا يخص شيء دون شيء. # وخرج أيضا وهو في " العتبية " من سماع ابن القاسم عن مالك (رحمه الله) ~~أنه سئل على قراءة {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1]، مرارا في الركعة # PageV01P490 # الواحدة؟ فكره ذلك، وقال: هذا من محدثات الأمور التي أحدثوا. # ومحمل هذا عند ابن رشد من باب الذريعة، ولأجل ذلك لم يأت مثله عن السلف، ~~وإن كانت تعدل ثلث القرآن كما في الصحيح وهو صحيح؛ فتأمله في الشرح. # وفي الحديث أيضا ما يشعر بأن التكرار كذلك عمل محدث في مشروع الأصل؛ بناء ~~على ما قاله ابن رشد فيه. # ومن ذلك قراءة القرآن بهيئة الاجتماع عشية عرفة في المسجد للدعاء تشبها ~~بأهل عرفة. # ونقل الأذان يوم ms287 الجمعة من المنار وجعله قدام الإمام. # ففي " سماع ابن القاسم "، وسئل عن القرى التي لا يكون فيها إمام إذا صلى ~~بهم رجل منهم الجمعة: أيخطب بهم؟ قال: نعم! لا تكون الجمعة إلا بخطبة، فقيل ~~له: أفيؤذن قدامه؟ قال: لا، واحتج على ذلك بفعل أهل المدينة. # قال ابن رشد: الأذان بين يدي الإمام في الجمعة مكروه؛ لأنه محدث. # قال: وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك، وإنما «كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # PageV01P491 # إذا زالت الشمس وخرج؛ رقى المنبر، فإذا رآه المؤذنون وكانوا ثلاثة ؛ ~~قاموا، وأذنوا في المشرفة واحدا بعد واحد كما يؤذن في غير الجمعة، فإذا ~~فرغوا؛ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته»، ثم تلاه أبو بكر وعمر ~~(رضي الله عنهما)، فزاده عثمان (رضي الله عنه) لما كثر الناس أذانا ~~بالزوراء عند زوال الشمس، يؤذن الناس فيه بذلك أن الصلاة قد حضرت، وترك ~~الأذان في المشرفة بعد جلوسه على المنبر على ما كان عليه، فاستمر الأمر على ~~ذلك إلى زمان هشام، فنقل الأذان الذي كان بالزوراء إلى المشرفة، ونقل ~~الأذان الذي كان بالمشرفة بين يديه، وأمرهم أن يؤذنوا صفا، وتلاه على ذلك ~~من بعده من الخلفاء إلى زماننا هذا. # قال ابن رشد: وهو بدعة. # قال: والذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون بعده هو ~~السنة. # وذكر ابن حبيب ما كان فعله عليه السلام وفعل الخلفاء بعده كما ذكر ابن ~~رشد، وكأنه نقله من كتابه، وذكر قصة هشام، ثم قال: والذي كان يفعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هي السنة، وقد حدثني أسد بن موسى، عن يحيى بن ~~سليم، عن جعفر بن محمد بن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال في خطبته: " «أفضل الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ~~ضلالة» ". . # وما قاله ابن حبيب من أن الأذان عند صعود الإمام على المنبر كان باقيا في ~~زمن عثمان رضي الله عنه موافق لما نقله أرباب النقل ms288 الصحيح، # PageV01P492 # وأن عثمان لم يزد على ما كان قبله إلا الأذان على الزوراء، فصار إذا نقل ~~هشام الأذان المشروع في المنار إلى ما بين يديه بدعة في ذلك المشروع. # فإن قيل: فكذلك أذان الزوراء محدث أيضا، بل هو محدث من أصله، غير منقول ~~من موضعه، فالذي يقال هنا يقال مثله في أذان هشام، بل هو أخف منه. # فالجواب: أن أذان الزوراء وضع هنالك على أصله من الإعلام بوقت الصلاة، ~~وجعله بذلك الموضع لأنه لم يكن ليسمع إذا وضع بالمسجد كما كان في زمان من ~~قبله، فصارت كائنة أخرى لم تكن فيما تقدم، فاجتهد لها كسائر مسائل ~~الاجتهاد، وحين كان مقصود الأذان الإعلام؛ فهو باق كما كان، فليس وضعه ~~هنالك بمناف، إذ لم تخترع فيه أقاويل محدثة، ولا ثبت أن الأذان بالمنار أو ~~في سطح المسجد تعبد غير معقول المعنى، فهو الملائم من أقسام المناسب؛ بخلاف ~~نقله من المنار إلى ما بين يدي الإمام؛ فإنه قد أخرج بذلك أولا عن أصله من ~~الإعلام، إذ لم يشرع لأهل المسجد إعلام بالصلاة إلا بالإقامة، وأذان جمع ~~الصلاتين موقوف على محله، ثم أذانهم على صوت واحد زيادة في الكيفية، فالفرق ~~بين الموضعين واضح، ولا اعتراض بأحدهما على الآخر. # ومن ذلك الأذان والإقامة في العيدين؛ فقد نقل ابن عبد البر اتفاق الفقهاء ~~على أن لا أذان ولا إقامة فيهما، ولا في شيء من الصلوات المسنونات ~~والنوافل، وإنما الأذان للمكتوبات، وعلى هذا مضى عمل الخلفاء: أبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي، وجماعة الصحابة رضي الله عنهم، وعلماء التابعين، وفقهاء ~~الأمصار، وأول من أحدث الأذان والإقامة في # PageV01P493 # العيدين فيما ذكر ابن حبيب هشام بن عبد الملك، أراد أن يؤذن الناس ~~بالأذان بمجيء الإمام، ثم بدأ بالخطبة قبل الصلاة كما بدأ بها مروان، ثم ~~أمر بالإقامة بعد فراغه من الخطبة؛ ليؤذن الناس بفراغه من الخطبة ودخوله في ~~الصلاة؛ لبعدهم عنه. # (قال): ولم يرد مروان وهشام [إلا] الاجتهاد فيما رأيا؛ إلا أنه لا يجوز ~~اجتهاد في خلاف رسول الله صلى ms289 الله عليه وسلم. # (قال): وقد حدثني ابن الماجشون: أنه سمع مالكا يقول: من أحدث في هذه ~~الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها؛ فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خان الرسالة؛ لأن الله يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3]، فما لم يكن يومئذ دينا؛ فلا يكون ~~اليوم دينا. # وقد روي أن الذي أحدث الأذان معاوية، وقيل: زياد، وأن ابن الزبير فعله ~~آخر إمارته، والناس على خلاف هذا النقل. # ولقائل أن يقول: إن الأذان هنا نظير أذان الزوراء لعثمان رضي الله عنه، ~~فما تقدم فيه من التوجيه الاجتهادي جار هنا، ولا يكون بسبب ذلك مخالفا ~~للسنة؛ لأن قصة هشام نازلة لا عهد بها فيما تقدم؛ لأن الأذان إعلام بمجيء ~~الإمام؛ لخفاء مجيئه عن الناس؛ لبعدهم عنه، ثم الإقامة للإعلام بالصلاة، إذ ~~لولا هي؛ لم يعرفوا دخوله في الصلاة، فصار ذلك أمرا لا بد منه؛ كأذان ~~الزوراء. # PageV01P494 # والجواب: أن مجيء الإمام لم يشرع فيه الأذان، وإن خفي على بعض الناس؛ ~~لبعده بكثرة الناس؛ فكذلك لا يشرع فيما بعد؛ لأن العلة كانت موجودة، ثم لم ~~تشرع، إذ لا يصح أن تكون العلة غير مؤثرة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ~~والخلفاء بعده ثم تصير مؤثرة. # وأيضا؛ فإحداث الأذان والإقامة انبنى على إحداث تقديم الخطبة على الصلاة، ~~وما انبنى على المحدث محدث. # ولأنه لما لم يشرع في النوافل أذان ولا إقامة على حال؛ فهمنا من الشرع ~~التفرقة بين النفل والفرض؛ لئلا تكون النوافل كالفرائض في الدعاء إليها، ~~فكان إحداث الدعاء إلى النوافل لم يصادف محلا. # وبهذه الأوجه الثلاثة يحصل الفرق بين أذان الزوراء وبين ما نحن فيه، فلا ~~يصح أن يقاس أحدهما على الآخر، والأمثلة في هذا المعنى كثيرة. # ومن نوادرها التي لا ينبغي أن تغفل ما جرى به عمل جملة ممن ينتمي إلى ~~طريقة الصوفية من تربصهم ببعض العبادات أوقاتا مخصوصة غير ما وقته الشرع ~~فيها، فيضعون نوعا من العبادات المشروعة في زمن ms290 الربيع، ونوعا آخر في زمن ~~الصيف، ونوعا آخر في زمن الخريف، ونوعا آخر في زمن الشتاء. . . . وربما ~~وضعوا لأنواع من العبادات لباسا مخصوصا وطيبا مخصوصا. . . . وأشباه ذلك من ~~الأوضاع الفلسفية يضعونها [على مقاصد] شرعية؛ أي: متقربا بها إلى الحضرة ~~الإلهية في زعمهم، وربما وضعوها على مقاصد غير شرعية؛ كأهل التصريف ~~بالأذكار والدعوات؛ ليستجلبوا # PageV01P495 # بها الدنيا من المال والجاه والحظوة ورفعة المنزلة، بل ليقتلوا بها إن ~~شاؤوا أو يمرضوا أو يتصرفوا وفق أغراضهم. # فهذه كلها بدع محدثات، بعضها أشد من بعض؛ لبعد هذه الأغراض عن مقاصد ~~الشريعة الإسلامية الموضوعة مبرأة عن مقاصد المتخرصين، مطهرة لمن تمسك بها ~~عن أوضار اتباع الهوى، إذ كل متدين بها عارف بمقاصدها ينزهها عن أمثال هذه ~~المقاصد الواهية، فالاستدلال على بطلان دعاويهم فيها من باب شغل الزمان ~~بغير ما هو أولى، وقد تقرر بحول الله في أصل المقاصد من كتاب الموافقات ما ~~يؤخذ منه حكم هذا النمط والبرهان على بطلانه، لكن على وجه كلي مفيد، وبالله ~~التوفيق. # وهذا كله إن فرضنا أصل العبادة مشروعا، فإن كان أصلها غير مشروع؛ فهي ~~بدعة حقيقية مركبة؛ كالأذكار والأدعية [التي] يزعم العلماء أنها مبنية على ~~علم الحروف، وهو الذي اعتنى به البوني وغيره ممن حذا حذوه أو قاربه. فإن ~~ذلك العلم فلسفة ألطف من فلسفة معلمهم الأول، وهو أرسطا طاليس، فردوها إلى ~~أوضاع الحروف، وجعلوها هي الحاكمة في العالم، وربما أشاروا عند العمل ~~بمقتضى تلك الأذكار وما قصد بها إلى تحري الأوقات والأحوال الملائمة لطبائع ~~الكواكب؛ ليحصل التأثير عندهم وحيا. # فحكموا العقول والطبائع كما ترى ، وتوجهوا شطرها، وأعرضوا عن رب العقل ~~والطبائع، وإن ظنوا أنهم يقصدونه اعتقادا في استدلالهم لصحة ما انتحلوا على ~~وقوع الأمر وفق ما يقصدون، فإذا توجهوا بالذكر # PageV01P496 # والدعاء المفروض على الغرض المطلوب حصل، سواء عليهم أنفعا (كان) أو ضرا، ~~وخيرا كان أم شرا، ويبنون على ذلك اعتقاد بلوغ النهاية في إجابة الدعاء، أو ~~حصل نوع من كرامات الأولياء، كلا! ليس طريق ذلك التأثير من مرادهم، ولا ms291 ~~كرامات الأولياء أو إجابة الدعاء من نتائج أورادهم، فلا تلاقي بين الأرض ~~والسماء، ولا مناسبة بين النار والماء. # فإن قلت: فلم يحصل التأثير حسبما قصدوا؟ # فالجواب: إن ذلك في الأصل من قبيل الفتنة التي اقتضاها في الخلق: {ذلك ~~تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96]، فالنظر إلى وضع الأسباب والمسببات ~~أحكام وضعها الباري تعالى في النفوس، يظهر عندها ما شاء الله من التأثيرات، ~~على نحو ما يظهر على المعين عند الإصابة، وعلى المسحور عند عمل السحر، بل ~~هو بالسحر أشبه؛ لاستمدادهما من أصل واحد. # وشاهده ما جاء في الصحيح خرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " «إن الله يقول: أنا عند ظن عبدي بي، ~~وأنا معه إذا دعاني (وفي بعض الروايات: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما ~~شاء»، وشرح هذه المعاني لا يليق بما نحن فيه. # والحاصل: أن وضع الأذكار والدعوات، على نحو ما تقدم من البدع المحدثات، ~~لكن تارة تكون البدعة فيها إضافية، باعتبار أصل المشروعية، # PageV01P497 # وتارة تكون حقيقية. ### | [فصل البدع الإضافية هل يعتد بها عبادات يتقرب بها إلى الله] # فصل # فإن قيل: فالبدع الإضافية هل يعتد بها عبادات حتى تكون من تلك الجهة ~~متقربا بها إلى الله تعالى أم لا تكون كذلك؟ فإن كان الأول؛ فلا تأثير إذا ~~لكونها بدعة، ولا فائدة في ذكره، إذ لا يخلو من أحد الأمرين: إما أن لا ~~يعتبر بجهة الابتداع في العبادة المفروضة، فتقع مشروعة يثاب عليها، فتصير ~~جهة الابتداع مغتفرة، فلا على المبتدع فيها أن يبتدع، وإما أن يعتبر بجهة ~~الابتداع؛ فقد صار للابتداع أثر في ترتب الثواب، فلا يصح أن يكون منفيا عنه ~~بإطلاق، وهو خلاف ما تقرر من عموم الذم فيه، وإن كان الثاني؛ فقد اتحدت ~~البدعة الإضافية مع الحقيقية بالتقسيم الذي انبنى عليه الباب الذي نحن في ~~شرحه، [و] ولا فائدة فيه. # فالجواب: أن حاصل البدعة الإضافية أنها لا تنحاز إلى جانب مخصوص في ~~الجملة، بل ينحاز بها الأصلان ms292 أصل السنة وأصل البدعة ، لكن من وجهين. # وإذا كان كذلك؛ اقتضى النظر السابق للذهن أن يثاب العامل بها من جهة ما ~~هو مشروع، ويعاتب من جهة ما هو غير مشروع. # إلا أن هذا النظر لا يتحصل؛ لأنه مجمل، والذي ينبغي أن يقال في جهة ~~البدعة في العمل: لا يخلو أن تنفرد أو تلتصق، وإن التصقت؛ فلا تخلو: أن ~~تصير وصفا للمشروع غير منفك إما بالقصد أو بالوضع الشرعي العادي أو لا تصير ~~وصفا، وإن لم تصر وصفا؛ فإما أن يكون وضعها # PageV01P498 # إلى أن تصير وصفا أو لا. # فهذه أربعة أقسام لا بد من بيانها في تحصيل هذا المطلوب بحول الله: # فأما القسم الأول: وهو أن تنفرد البدعة عن العمل المشروع ؛ فالكلام فيه ~~ظاهر مما تقدم؛ إلا أنه [إن] كان وضعه على جهة التعبد؛ فبدعة حقيقية، وإلا ~~فهو فعل من جملة الأفعال العادية، لا مدخل له فيما نحن فيه، فالعبادة ~~سالمة، والعمل العادي خارج من كل وجه. # مثاله: الرجل يريد القيام إلى الصلاة، فيتنحنح مثلا، أو يتمخط، أو يمشي ~~خطوات، أو يفعل شيئا، ولا يقصد بذا وجها راجعا إلى الصلاة، وإنما يفعل ذلك ~~عادة أو تقززا؛ فمثل هذا لا حرج فيه في نفسه ولا بالنسبة إلى الصلاة، وهو ~~من جملة العادات الجائزة؛ إلا أنه يشترط فيه أيضا أن لا يكون بحيث يفهم منه ~~الانضمام إلى الصلاة عملا أو قصدا؛ فإنه إذ ذاك يصير بدعة، وسيأتي بيانه إن ~~شاء الله. # وكذلك أيضا؛ إذا فرضنا أنه فعل فعلا قصد التقرب مما لم يشرع أصلا، ثم قام ~~بعده إلى الصلاة المشروعة، ولم يقصد فعله لأجل الصلاة، ولا كان مظنة لأن ~~يفهم منه انضمامه إليها، فلا يقدح في الصلاة، وإنما يرجع الذم فيه إلى ~~العمل به على الانفراد. # ومثله لو أراد القيام إلى العبادة، ففعل عبادة مشروعة من غير قصد ~~الانضمام، ولا جعله عرضة لقصد انضمامه، فتلك العبادتان على # PageV01P499 # أصالتهما. # وكقول الرجل عند الذبح أو العتق: اللهم منك وإليك، على غير التزام ولا ~~قصد الانضمام. ms293 # وكقراءة القرآن في الطواف لا بقصد الطواف ولا على الالتزام. # فكل عبادة هنا منفردة عن صاحبتها؛ فلا حرج فيها. # وعلى ذلك نقول: لو فرضنا أن الدعاء بهيئة الاجتماع وقع من أئمة المساجد ~~في بعض الأوقات للأمر يحدث عن قحط أو خوف من ملم؛ لكان جائزا؛ لأنه على ~~الشرط المذكور، إذ لم يقع ذلك على وجه يخاف منه مشروعية الانضمام، ولا كونه ~~سنة تقام في الجماعات ويعلن به في المساجد؛ كما دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دعاء الاستسقاء بهيئة الاجتماع وهو يخطب، وكما أنه دعا أيضا في ~~غير أعقاب الصلوات على هيئة الاجتماع، لكن في الفرط وفي بعض الأحايين؛ ~~كسائر المستحبات التي لا يتربص بها وقتا بعينه وكيفية بعينها. # وخرج الطبري عن أبي سعيد مولى أسيد. . . قال: كان عمر (رضي الله عنه) إذا ~~صلى العشاء؛ أخرج الناس من المسجد، فتخلف ليلة مع قوم يذكرون الله، فأتى ~~عليهم، فعرفهم، فألقى درته وجلس معهم، فجعل يقول: يا فلان! ادع الله لنا، ~~يا فلان! ادع الله لنا، حتى صار الدعاء إلى غير، فكانوا يقولون: عمر فظ ~~غليظ! فلم أر أحدا من الناس تلك الساعة أرق من عمر (رضي الله عنه) لا ثكلى ~~ولا أحدا. # وعن سلم العلوي؛ قال: قال رجل لأنس (رضي الله عنه) يوما: يا # PageV01P500 # أبا حمزة! لو دعوت لنا بدعوات. . . فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة، قال: فأعادها مرارا ثلاثا، فقال يا أبا حمزة! لو دعوت. . . ~~فقال مثل ذلك لا يزيد عليه. # فإذا كان الأمر على هذا؛ فلا إنكار فيه، حتى إذا دخل فيه أمر زائد؛ صار ~~الدعاء (فيه) بتلك الزيادة مخالفا للسنة؛ فقد جاء في دعاء الإنسان لغيره ~~الكراهية عن السلف، لا على حكم الأصالة، بل بسبب ما ينضم إليه من الأمور ~~المخرجة عن الأصل، ولنذكره هنا لاجتماع أطراف المسألة في التنبيه على ~~الدعاء بهيئة الاجتماع بآثار الصلوات في الجماعات دائما. # فخرج الطبري عن مدرك بن عمران؛ قال: كتب رجل إلى عمر (رضي الله عنه): ~~فادع ms294 الله لي، فكتب إليه عمر: إني لست بنبي، ولكن إذا أقيمت الصلاة؛ ~~فاستغفر الله لذنبك. # فإباية عمر رضي الله عنه في هذا الموضع ليس من جهة أصل الدعاء، ولكن من ~~جهة أخرى، وإلا تعارض كلامه مع ما تقدم، فكأنه فهم من السائل أمرا زائدا ~~على الدعاء، فلذلك قال: لست بنبي. # ويدلك على هذا ما روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنه لما قدم ~~الشام؛ أتاه رجل، فقال: استغفر لي، فقال: غفر الله لك، ثم أتاه آخر، فقال: ~~استغفر لي، فقال: لا غفر الله لك ولا لذاك، أنبي أنا؟! # فهذا أوضح في أنه فهم من السائل أمرا زائدا، وهو أن يعتقد فيه أنه مثل ~~النبي، أو أنه وسيلة إلى أن يعتقد ذلك، أو يعتقد أنه سنة تلزم، أو يجري في ~~الناس مجرى السنن الملتزمة. # PageV01P501 # ونحوه عن زيد بن وهب: أن رجلا قال لحذيفة رضي الله عنه: استغفر لي، فقال: ~~لا غفر الله لك، ثم قال: هذا يذهب إلى نسائه، فيقول: استغفر لي حذيفة، ~~أترضين أن أدعو الله أن تكن مثل حذيفة؟ # فدل هذا على أنه وقع في قلبه أمر زائد يكون الدعاء له ذريعة حتى يخرج عن ~~أصله؛ لقوله بعد ما دعا على الرجل: هذا يذهب إلى نسائه فيقول كذا؛ أي: ~~فيأتي نساؤه لمثلها، ويشتهر الأمر حتى يتخذ سنة، ويعتقد في حذيفة ما لا ~~يحبه هو لنفسه، وذلك يخرج المشروع عن كونه مشروعا، ويؤدي إلى التشيع ~~واعتقاد أكثر مما يحتاج إليه. # وقد تبين هذا المعنى بحديث رواه ابن علية عن ابن عون؛ قال: جاء رجل إلى ~~إبراهيم، فقال: يا أبا عمران! ادع الله أن يشفيني، فكره ذلك إبراهيم، وقطب، ~~وقال: جاء رجل إلى حذيفة، فقال: ادع الله أن يغفر لي، فقال: لا غفر الله ~~لك، فتنحى الرجل فجلس، فلما كان بعد ذلك؛ قال: فأدخلك الله مدخل حذيفة، أقد ~~رضيت؟ الآن يأتي أحدكم الرجل كأنه قد أحصر شأنه، ثم ذكر إبراهيم السنة فرغب ~~فيها، وذكر ما أحدث الناس فكرهه. ms295 # وروى منصور عن إبراهيم؛ قال: كانوا يجتمعون فيتذاكرون فلا يقول بعضهم ~~لبعض: استغفر لنا. . . # فتأملوا يا أولي الألباب ما ذكره من هذه الضمائم المنضمة إلى الدعاء، حتى ~~كرهوا الدعاء إذا انضم إليه ما لم يكن عليه سلف الأمة، فقس بعقلك ماذا ~~كانوا يقولون في دعائنا بآثار الصلاة، بل في كثير من # PageV01P502 # المواطن، وانظروا إلى استنارة إبراهيم ترغيبه في السنة وكراهية ما أحدث ~~الناس، بعد تقرير ما تقدم. # وهذه الآثار من تخريج الطبري في " تهذيب الآثار " له. # وعلى هذا ينبني ما خرجه ابن وهب عن الحارث بن نبهان عن أيوب عن أبي قلابة ~~عن أبي الدرداء (رضي الله عنه): أن ناسا من أهل الكوفة يقرءون عليك السلام، ~~ويأمرونك أن تدعو لهم وتوصيهم، فقال: اقرءوا عليهم السلام، ومروهم أن يعطوا ~~القرآن حقه؛ فإنه يحملهم أو يأخذ بهم على القصد والسهولة، ويجنبهم الجور ~~والحزونة، ولم يذكر أنه دعا لهم. # وأما القسم الثاني: وهو أن يصير العمل العادي أو غيره كالوصف للعمل ~~المشروع؛ إلا أن الدليل على أن العمل المشروع لم يتصف في الشرع بذلك الوصف: ~~فظاهر الأمر انقلاب العمل المشروع غير مشروع، ويبين ذلك من الأدلة عموم ~~قوله عليه السلام: «كل عمل ليس عليه أمرنا؛ فهو رد». # وهذا العمل عند اتصافه بالوصف المذكور عمل ليس عليه أمره عليه الصلاة ~~والسلام، فهو إذا رد؛ كصلاة الفرض مثلا إذا صلاها القادر الصحيح قاعدا، أو ~~سبح في موضع القراءة، أو قرأ في موضع التسبيح. . . . وما أشبه ذلك. # PageV01P503 # وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، ونهى عن ~~الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، فبالغ كثير من العلماء في تعميم النهي، حتى ~~عدوا صلاة الفرض في ذلك الوقت داخلا تحت النهي، فباشر النهي الصلاة لأجل ~~اتصافها بأنها واقعة في زمان مخصوص، كما اعتبر فيها الزمان باتفاق في ~~الفرض؛ فلا تصلى الظهر قبل الزوال، ولا المغرب قبل الغروب. # ونهى عليه الصلاة والسلام عن صيام الفطر والأضحى، والاتفاق على بطلان ~~الحج في غير أشهر الحج. # فكل من ms296 تعبد لله تعالى بشيء من هذه العبادات الواقعة في غير أزمانها؛ ~~تعبد ببدعة حقيقية لا إضافية، فلا جهة لها إلى المشروع، بل غلبت عليها جهة ~~الابتداع، فلا ثواب فيها على ذلك التقدير. # فلو فرضنا قائلا يقول بصحة الصلاة الواقعة في وقت الكراهية، أو صحة الصوم ~~الواقع يوم العيد؛ فعلى فرض أن النهي راجع إلى أمر لم يصر للعبادة كالوصف، ~~بل الأمر منفك منفرد حسبما تبين بحول الله. # ويدخل في هذا القسم ما جرى به العمل في بعض الناس؛ كالذي حكى القرافي عن ~~العجم في اعتقاد كون صلاة الصبح يوم الجمعة ثلاث ركعات، فإن قراءة سورة ~~السجدة لما التزمت فيها وحوفظ عليها؛ اعتقدوا فيها الركنية، فعدوها ركعة ~~ثالثة، فصارت السجدة إذا وصفا لازما وجزءا من صلاة صبح الجمعة، فوجب أن ~~تبطل. # PageV01P504 # وعلى هذا الترتيب ينبغي أن تجري العبادات المشروعة إذا خصت بأزمان مخصوصة ~~بالرأي المجرد، من حيث فهمنا تلبسا بالأعمال على الجملة، فصيرورة ذلك ~~الزائد وصفا فيه مخرج له عن أصله، وذلك أن الصفة مع الموصوف من حيث هي صفة ~~له لا تفارقه هي من جملته، وذلك لأنا نقول: إن الصفة هي عين الموصوف إذا ~~كانت لازمة له حقيقة أو اعتبارا، ولو فرضنا ارتفاعها عنه؛ لارتفع الموصوف ~~من حيث هو موصوف بها؛ كارتفاع الإنسان بارتفاع الناطق أو الضاحك، فإذا كانت ~~الصفة الزائدة على المشروع على هذه النسبة؛ صار المجموع منهما غير مشروع، ~~فارتفع اعتبار المشروع الأصلي. # ومن أمثلة ذلك أيضا قراءة القرآن بالإدارة على صوت واحد؛ فإن تلك الهيئة ~~زائدة على مشروعية القراءة، وكذلك الجهر الذي اعتاده أرباب الزوايا. # وربما لطف اعتبار الصفة، فيشك في بطلان المشروعية؛ كما وقع في " العتبية ~~" عن مالك في مسألة الاعتماد في الصلاة لا يحرك رجليه، وأن أول من أحدثه ~~رجل قد عرف، قال: وقد كان مساء (أي: يساء الثناء عليه)، فقيل له: أفعيب؟ ~~قال: قد عيب عليه ذلك، وهذا مكروه من الفعل، ولم يذكر فيها أن الصلاة ~~باطلة، وذلك لضعف وصف الاعتماد أن يؤثر في ms297 الصلاة، ولطفه بالنسبة إلى كمال ~~هيئتها. # وهكذا ينبغي أن يكون النظر في المسألة بالنسبة إلى اتصاف العمل بما يؤثر ~~فيه أو لا يؤثر فيه، فإذا غلب الوصف على العمل؛ كان أقرب إلى الفساد، وإذا ~~لم يغلب؛ لم يكن أقرب، وبقي في حكم النظر، فيدخل # PageV01P505 # هاهنا نظر الاحتياط للعبادة إذا صار العمل في الاعتبار من المتشابهات. # واعلموا أنه حيث قلنا: إن العمل الزائد على المشروع يصير وصفا لها أو ~~كالوصف؛ فإنما يعتبر بأحد أمور ثلاثة: إما بالقصد، وإما بالعادة، وإما ~~بالشرع. # أما بالقصد فظاهر؛ بل هو أصل التشريع في المشروعات بالزيادة أو النقصان. # وأما بالعادة؛ فكالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان؛ ~~فإن بينه وبين الذكر المشروع بونا بعيدا، إذ هما كالمتضادين عادة، وكالذي ~~حكى ابن وضاح عن الأعمش عن بعض أصحابه، قال: مر عبد الله برجل يقص في ~~المسجد على أصحابه وهو يقول: سبحوا عشرا، وهللوا عشرا: فقال عبد الله: إنكم ~~لأهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو أضل، بل هذه (يعني أضل)، وفي ~~رواية عنه: أن رجلا كان يجمع الناس، فيقول: رحم الله من قال كذا وكذا مرة ~~سبحان الله، قال: فيقول القوم، ويقول: رحم الله من قال كذا وكذا مرة الحمد ~~لله، قال: فيقول القوم، قال: فمر بهم عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه)، ~~فقال لهم: هديتم لما لم يهد نبيكم! وإنكم لتمسكون بذنب ضلالة. # وذكر له أن ناسا بالكوفة يسبحون بالحصى في المسجد، فأتاهم وقد كوم كل رجل ~~منهم بين يديه كوما من حصى؛ قال: فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من ~~المسجد، ويقول: لقد أحدثتم بدعة وظلما، وقد فضلتم أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم علما. # PageV01P506 # فهذه أمور أخرجت الذكر [عن وصفه] المشروع؛ كالذي تقدم من النهي عن الصلاة ~~في الأوقات المكروهة، أو الصلوات المفروضة إذا صليت قبل أوقاتها؛ فإنا قد ~~فهمنا من الشرع القصد إلى النهي عنها، والمنهي عنه لا يكون متعبدا [به]، ~~وكذلك صيام يوم العيد. # وخرج ابن وضاح من ms298 حديث أبان بن أبي عباس؛ قال: لقيت طلحة بن عبيد الله ~~الخزاعي، فقلت له: قوم من إخوانك من أهل السنة والجماعة، لا يطعنون على أحد ~~من المسلمين، يجتمعون في بيت هذا يوما وفي بيت هذا يوما، ويجتمعون يوم ~~النيروز والمهرجان، ويصومونها، فقال طلحة: بدعة من أشد البدع، والله لهم ~~أشد تعظيما للنيروز والمهرجان من عيدهم، ثم استيقظ أنس بن مالك (رضي الله ~~عنه)، فرقيت إليه، وسألته كما سألت طلحة، فرد علي مثل قول طلحة؛ كأنهما كان ~~على ميعاد، فجعل صوم تلك الأيام من تعظيم ما تعظمه النصارى، وذاك القصد لو ~~كان أفسد للعبادة؛ فكذلك ما كان نحوه. # وعن يونس بن عبيد: أن رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد! ما ترى في مجلسنا ~~هذا؟ قوم من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على أحد، نجتمع في بيت هذا يوما، ~~وفي بيت هذا يوما، فنقرأ كتاب الله، وندعو لأنفسنا ولعامة المسلمين؟ قال: ~~فنهى الحسن عن ذلك أشد النهي. # والنقل في هذا المعنى كثير، فلو لم يبلغ العمل الزائد ذلك المبلغ؛ كان ~~أخف، وانفرد العمل بحكمه والعمل المشروع بحكمه؛ كما حكى ابن وضاح عن عبد ~~الرحمن بن أبي بكرة؛ قال: كنت جالسا عند الأسود بن # PageV01P507 # سريع، وكان مجلسه في مؤخر المسجد الجامع، فافتتح سورة بني إسرائيل حتى ~~بلغ: {وكبره تكبيرا} [الإسراء: 111]، فرفع أصواتهم الذين كانوا حوله جلوسا، ~~فجاء مجالد بن مسعود متوكئا على عصاه، فلما رآه القوم؛ قالوا: مرحبا، اجلس، ~~قال: ما كنت لأجلس إليكم، وإن كان مجلسكم حسنا، ولكنكم صنعتم قبلي شيئا ~~أنكره المسلمون، فإياكم وما أنكر المسلمون. # فتحسينه المجلس كان لقراءة القرآن، وأما رفع الصوت؛ فكان خارجا عن ذلك، ~~فلم ينضم إلى العمل الحسن، حتى إذا انضم إليه؛ صار المجموع غير مشروع. # ويشبه هذا ما في " سماع ابن القاسم عن مالك في القوم يجتمعون جميعا، ~~فيقرءون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية؟ فكره ذلك، وأنكر أن ~~يكون من عمل الناس. # وسئل ابن القاسم أيضا عن نحو ذلك؟ فحكى الكراهية عن ms299 مالك، ونهى عنها، ~~ورآها بدعة. # وقال في رواية أخرى عن مالك: وسئل عن القراءة بالمسجد؟ فقال: لم يكن ~~بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان ~~عليه أولها، والقرآن حسن. # قال ابن رشد: يريد التزام القراءة في المسجد بإثر صلاة من الصلوات على ~~وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك كله سنة؛ مثل ما بجامع قرطبة إثر صلاة الصبح، ~~قال: فرأى ذلك بدعة. # PageV01P508 # فقوله في الرواية: " والقرآن حسن "؛ يحتمل أن يقال: إنه يعني أن تلك ~~الزيادة من الاجتماع وجعله في المسجد منفصل لا يقدح في حسن قراءة القرآن، ~~ويحتمل وهو الظاهر أنه يقول: قراءة القرآن حسن على غير الوجه، بدليل قوله ~~في موضع آخر: ما يعجبني أن يقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد، لا في ~~الأسواق والطرق، فيريد أنه لا يقرأ إلا على النحو الذي يقرؤه السلف، وذلك ~~يدل على أن قراءة الإدارة مكروهة عنده، فلا تفعل أصلا، وتحرز بقوله: " ~~والقرآن حسن "؛ من توهم أنه يكره قراءة القرآن مطلقا، فلا يكون في كلام ~~مالك دليل على انفكاك الاجتماع من القراءة، والله أعلم. # وأما القسم الثالث: وهو أن يصير الوصف عرضة لأن ينضم إلى العبادة، حتى ~~يعتقد فيه أنه من أوصافها أو جزء منها: فهذا القسم ينظر فيه من جهة النهي ~~عن الذرائع، وهو إن كان في الجملة متفقا عليه؛ ففيه في التفصيل نزاع بين ~~العلماء، إذ ليس كل ما هو ذريعة إلى ممنوع يمنع؛ بدليل الخلاف الواقع في ~~بيوع الآجال وما كان نحوها؛ غير أن أبا بكر الطرطوشي يحكي الاتفاق في هذا ~~النوع استقراء من مسائل وقعت للعلماء منعوها سدا للذريعة، وإذا ثبت الخلاف ~~في بعض التفاصيل؛ لم ينكر أن يقول به قائل في بعض ما نحن فيه، ولنمثله أولا ~~ثم نتكلم على حكمه بحول الله. # فمن ذلك ما جاء في حديث من «نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتقدم ~~شهر رمضان بصيام يوم أو يومين»، وجه ذلك عند العلماء مخافة أن يعد ms300 ذلك # PageV01P509 # من جملة رمضان. # ومنه ما ثبت عن عثمان رضي الله عنه: أنه كان لا يقصر في السفر، فيقال له: ~~ألست قصرت مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: بلى! ولكني إمام الناس ~~فينظر إلي الأعراب وأهل البادية أصلي الركعتين، فيقول: هكذا فرضت، فالقصر ~~في السفر سنة أو واجب، ومع ذلك تركه؛ خوف أن يتذرع به لأمر حادث في الدين ~~غير مشروع. # ومنه قصة عمر رضي الله عنه في غسله من الاحتلام حتى أسفر، وقوله لمن ~~راجعه في ذلك، وأن يأخذ من أثوابهم ما يصلي به، ثم يغسل ثوبه على السعة: لو ~~فعلته؛ لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت، وأنضح ما لم أر. # وقال حذيفة بن أسيد: شهدت أبا بكر وعمر (رضي الله عنهما)، وكانا لا ~~يضحيان مخافة أن يرى أنها واجبة. # ونحو ذلك عن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: إني لأترك أضحيتي وإني لمن ~~أيسركم ؛ مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة. # وكثير من هذا عن السلف الصالح. # وقد كره مالك إتباع رمضان بست من شوال، ووافقه أبو حنيفة، فقال: لا ~~أستحبها، مع ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح، وأخبر # PageV01P510 # مالك عن غيره ممن يقتدى به أنهم كانوا لا يصومونها ويخافون بدعتها. # ومنه ما تقدم في اتباع الآثار؛ كمجيء قباء، ونحو ذلك. # وبالجملة؛ فكل عمل أصله ثابت شرعا؛ إلا أن في إظهار العمل به والمداومة ~~عليه ما يخاف أن يعتقد أنه سنة؛ فتركه مطلوب في الجملة أيضا من باب سد ~~الذرائع. # ولذلك كره مالك دعاء التوجه بعد الإحرام وقبل القراءة، وكره غسل اليد قبل ~~الطعام، وأنكر على من جعل ثوبه في المسجد أمامه في الصف. # ولنرجع إلى ما كنا فيه. # فاعلموا أنه إن ذهب مجتهد إلى عدم سد الذريعة في غير محل النص مما يتضمنه ~~هذا الباب؛ فلا شك أن العمل الواقع عنده مشروع، ويكون لصاحبه أجره، ومن ذهب ~~إلى سدها ويظهر ذلك من كثير من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم ؛ فلا شك ~~أن ذلك العمل ممنوع، ومنعه ms301 يقتضي بظاهره أنه ملوم عليه، وموجب للذم؛ إلا أن ~~يذهب إلى أن النهي فيه راجع إلى أمر مجاور؛ فهو محل نظر واشتباه ربما يتوهم ~~فيه انفكاك الأمرين بحيث يصح أن يكون العمل مأمورا به من جهة نفسه، ومنهيا ~~عنه من جهة مآله. # ولنا فيه مسلكان: # (أحدهما): التمسك بمجرد النهي في أصل المسألة؛ كقوله تعالى: {ياأيها ~~الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} [البقرة: 104] # PageV01P511 # وقوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم} [الأنعام: 108]. # وفي الحديث: أنه عليه السلام: «نهى عن أن يجمع بين المتفرق، ويفرق ~~المجتمع، خشية الصدقة، ونهى عن بيع السلف»، وعلله العلماء بالربا المتذرع ~~إليه في ضمن السلف ، «ونهى عن الخلوة بالأجنبيات»، وعن «سفر المرأة مع غير ~~ذي محرم»، وأمر النساء بالاحتجاب عن أبصار الرجال، والرجال بغض الأبصار. . ~~. . إلى أشباه ذلك مما عللوا الأمر فيه والنهي بالتذرع لا بغيره. # والنهي أصله أن يقع على المنهي عنه وإن كان معللا، وصرفه إلى أمر مجاور ~~خلاف أصل الدليل، فلا يعدل عن الأصل إلا بدليل، فكل عبادة نهي عنها؛ فليست ~~بعبادة؛ إذ لو كانت عبادة؛ لم ينه عنها، فالعامل بها عامل بغير مشروع، فإذا ~~اعتقد فيها التعبد مع هذا النهي؛ كان مبتدعا بها. # لا يقال: إن نفس التعليل يشعر بالمجاورة، وإن الذي نهي عنه غير # PageV01P512 # الذي أمر به، وانفكاكهما متصور؛ لأنا نقول: قد تقرر أن المجاور؛ إذا صار ~~كالوصف اللازم؛ انتهض النهي عن الجملة لا عن نفس الوصف بانفراده، وهو مبين ~~في القسم الثاني. # (المسلك الثاني): ما دل في بعض مسائل الذرائع على أن الذرائع في الحكم ~~بمنزلة المتذرع إليه. # ومنه ما ثبت في الصحيح من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أكبر ~~الكبائر أن يسب الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله! وهل يسب الرجل والديه؟! ~~قال: " نعم؛ يسب أبا الرجل فيسب أباه وأمه»، فجعل سب الرجل لوالدي غيره ~~بمنزلة سبه لوالديه نفسه، حتى ترجمه عنها بقوله: أن يسب الرجل والديه، ولم ~~يقل: أن يسب الرجل ms302 والدي من يسب والديه، أو نحو ذلك، وهو غاية معنى ما نحن ~~فيه. # ومثله حديث عائشة (رضي الله عنها) مع أم ولد زيد بن أرقم (رضي الله عنه)، ~~وقولها: أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن لم يتب، وإنما يكون هذا الوعيد فيمن فعل ما لا يحل له. . . . . # PageV01P513 # لا مما فعله كبيرة حتى نزعت آخرا بالآية: {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ~~فله ما سلف} [البقرة: 275]، وهي نازلة في غير العمل بالربا، فعدت العمل بما ~~يتذرع به إلى الربا بمنزلة العمل بالربا، مع أنا نقطع أن زيد بن أرقم وأم ~~ولده لم يقصدوا قصد الربا، كما لا يمكن ذا عقل أن يقصد والديه بالسب. # وإذا ثبت هذا المعنى في بعض الذرائع؛ ثبت في الجميع، إذ لا فرق فيما لم ~~يدع مما لم ينص عليه، إلا ألزم الخصم مثله في المنصوص عليه، فلا عبادة أو ~~مباحا يتصور فيه أن يكون ذريعة إلى غير جائز؛ إلا وهو غير عبادة ولا مباح. # لكن هذا القسم إنما يكون النهي [فيه] بحسب ما يصير وسيلة إليه في مراتب ~~النهي، [ف] إن كانت البدعة من قبيل الكبائر؛ فالوسيلة كذلك، أو من قبيل ~~الصغائر؛ فهي كذلك، والكلام في هذه المسألة يتسع، ولكن هذه الإشارة كافية ~~فيها، وبالله التوفيق. # PageV01P514 ### | [الباب السادس في أحكام البدع وأنها ليست على رتبة واحدة] ### | [أحكام البدع] # اعلم أنا إذا بنينا على أن البدع منقسمة إلى الأحكام الخمسة فلا إشكال في ~~اختلاف رتبتها، لأن النهي من جهة انقسامه إلى نهي الكراهية، ونهي التحريم ~~يستلزم أن أحدهما أشد في النهي من الآخر، فإذا انضم إليهما قسم الإباحة ظهر ~~الاختلاف في الأقسام، فإذا اجتمع إليها قسم الندب وقسم الوجوب كان الاختلاف ~~فيها أوضح وقد مر من أمثلتها أشياء كثيرة لكنا لا نبسط القول في هذا ~~التقسيم ولا بيان رتبه بالأشد والأضعف، لأنه إما أن يكون حقيقيا فالكلام ~~فيه عناء، وإن كان (غير) حقيقي فقد تقدم أنه غير ms303 صحيح، فلا فائدة في ~~التفريع على ما لا يصح، وإن عرض في ذلك نظر أو تفريع فإنما يذكر بحكم التبع ~~بحول (الله). # فإذا خرج عن هذا التقسيم ثلاثة أقسام: قسم الوجوب، وقسم الندب، وقسم ~~الإباحة، انحصر النظر فيما بقي وهو الذي ثبت من التقسيم، غير أنه ورد النهي ~~عنها على وجه واحد، ونسبته إلى الضلالة واحدة، في قوله: # «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» وهذا عام ~~في كل بدعة، # PageV02P515 # فيقع السؤال: هل لها حكم واحد أم لا؟ فنقول: ثبت في الأصول أن الأحكام ~~الشرعية خمسة، نخرج عنها الثلاثة، فيبقى حكم الكراهية وحكم التحريم، فاقتضى ~~النظر انقسام البدع إلى القسمين، فمنها بدعة محرمة، ومنها بدعة مكروهة، ~~وذلك أنها داخلة تحت جنس المنهيات وهي لا تعدو الكراهة والتحريم، فالبدع ~~كذلك، هذا وجه. # ووجه ثان: أن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت رتبتها متفاوتة، فمنها ما هو ~~كفر صراح، كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن، كقوله تعالى: {وجعلوا لله ~~مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} ~~[الأنعام: 136]، وقوله تعالى: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} [الأنعام: 139] ~~وقوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} ~~[المائدة: 103]، وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس ~~والمال، وما أشبه ذلك مما يشك أنه كفر صراح. # ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر أو يختلف؛ هل هي كفر أم لا؟ كبدعة ~~الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة. # - ومنها ما هو معصية، ويتفق عليها، وليست بكفر كبدعة التبتل، # PageV02P516 # والصيام قائما في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع. # - ومنها، ما هو مكروه كما يقول مالك في إتباع رمضان بست من شوال، وقراءة ~~القرآن بالإدارة، والاجتماع للدعاء عشية عرفة، وذكر السلاطين في خطبة ~~الجمعة على ما قاله ابن عبد السلام الشافعي وما أشبه ذلك. # فمعلوم أن هذه البدع ليست في رتبة ms304 واحدة فلا يصح مع هذا أن يقال: إنها ~~على حكم واحد، هو الكراهة فقط، أو التحريم فقط. # ووجه ثالث: أن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر، ويعرف ذلك بكونها واقعة ~~في الضروريات أو الحاجيات أو التكميليات، فإن كانت في الضروريات فهي أعظم ~~الكبائر، وإن وقعت في التحسينات فهي أدنى رتبة بلا إشكال، وإن وقعت في ~~الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين. # ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل، ولا يمكن في المكمل أن يكون في ~~رتبة المكمل، فإن (المكمل مع المكمل) في نسبة الوسيلة مع المقصد، ولا تبلغ ~~الوسيلة رتبة المقصد، فقد ظهر تفاوت رتب المعاصي والمخالفات. # وأيضا، فإن من الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه: # فليست مرتبة النفس كمرتبة الدين، وليس تستصغر حرمة النفس في جنب حرمة ~~الدين، فيبيح الكفر الدم، والمحافظة على الدين مبيح لتعريض النفس للقتل ~~والإتلاف، في الأمر بمجاهدة الكفار والمارقين عن الدين. # PageV02P517 # ومرتبة العقل والمال ليست كمرتبة النفس، ألا ترى أن قتل النفس مبيح ~~للقصاص؟ فالقتل بخلاف العقل والمال، وكذلك سائر ما بقي. # وإذا نظرت في مرتبة النفس تباينت المراتب، فليس قطع العضو كالذبح، ولا ~~الخدش كقطع العضو وهذا كله محل بيانه الأصول. ### | [فصل تفاوت البدع] ### | [مثال لوقوع البدع في الدين] # وإذا كان كذلك: فالبدع من جملة المعاصي، وقد ثبت التفاوت في المعاصي، ~~فكذلك يتصور مثله في البدع. فمنها ما يقع في الضروريات (أي أنه إخلال بها)، ~~ومنها ما يقع في رتبة الحاجيات، ومنها ما يقع في رتبة التحسينات، وما يقع ~~في رتبة الضروريات، منه ما يقع في الدين أو النفس أو النسل أو العقل أو ~~المال. # فمثال وقوعه في الدين ما تقدم من اختراع الكفار وتغييرهم ملة إبراهيم ~~عليه السلام، من نحو قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا ~~وصيلة ولا حام} [المائدة: 103] فروي عن المفسرين فيها أقوال كثيرة، وفيها ~~عن ابن المسيب أن البحيرة من الإبل هي التي يمنح درها للطواغيت، والسائبة ~~هي التي يسيبونها لطواغيتهم، والوصيلة هي ms305 الناقة تبكر بالأنثى ثم تثني ~~بالأنثى، يقولون: وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر، فيجدعونها لطواغيتهم، ~~والحامي هو الفحل من الإبل كان يضرب الضراب المعدودة، فإذا بلغ ذلك قالوا: # PageV02P518 # حمي ظهره، فيترك فيسمونه الحامي. # وروى إسماعيل القاضي عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # «إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير عهد إبراهيم عليه السلام. ~~قال: قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: عمرو بن لحي أبو بني كعب، لقد رأيته ~~يجر قصبه في النار، يؤذي ريحه أهل النار، وإني لأعرف أول من بحر البحائر، ~~قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: رجل من بني مدلج، وكانت له ناقتان، فجدع ~~أذنيهما وحرم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك، فلقد رأيته في النار هو ~~وهما يعضانه بأفواههما ويخبطانه بأخفافهما». # وحاصل ما في هذه الآية تحريم ما أحل الله على نية التقرب به إليه، مع ~~كونه حلالا بحكم الشريعة المتقدمة. ولقد هم بعض أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يحرموا على أنفسهم ما أحل الله، وإنما كان قصدهم بذلك ~~الانقطاع إلى الله عن الدنيا وأسبابها وشواغلها، فرد ذلك عليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87]. # PageV02P519 # وسيأتي شرح هذه الآية في الباب السابع إن شاء الله تعالى وهو دليل على أن ~~تحريم ما أحل الله وإن كان بقصد سلوك طريق الآخرة منهي عنه، وليس فيه ~~اعتراض على الشرع، ولا تغيير له، ولا قصد فيه الابتداع، فما ظنك به إذا قصد ~~به التغيير والتبديل كما فعل الكفار، أو قصد فيه الابتداع في الشريعة، ~~وتمهيد سبيل الضلالة؟! ### | [فصل مثال لوقوع البدع في النفس] # ومثال ما يقع في النفس: # ما ذكر من نحل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع، والتمثيل، ~~والقتل بالأصناف التي تفزع منها القلوب وتقشعر منها الجلود، كل ذلك على جهة ~~استعجال الموت لنيل ms306 الدرجات العلى في زعمهم والفوز بالنعيم الأكمل، بعد ~~الخروج عن هذه الدار العاجلة، ومبني على أصول لهم فاسدة اعتقدوها وبنوا ~~عليها أعمالهم. حكى المسعودي وغيره من ذلك أشياء فطالعها من هنالك. # وقد وقع القتل في العرب الجاهلية ولكن على غير هذه الجهة، وهو قتل ~~الأولاد لشيئين: # أحدهما خوف الإملاق. # والآخر دفع العار الذي كان لاحقا لهم بولادة الإناث. # حتى أنزل الله في ذلك قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم} [الإسراء: 31]، وقوله تعالى: {وإذا الموءودة سئلت} ~~[التكوير: 8]. # PageV02P520 # {بأي ذنب قتلت} [التكوير: 9]. وقوله: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ~~مسودا} [النحل: 58] الآية. # وهذا القتل محتمل أن يكون دينا وشرعة ابتدعوها، ويحتمل أن يكون عادة ~~تعودوها، بحيث لم يتخذوها شرعة، إلا أن الله تعالى ذمهم عليها فلا يحكم ~~عليها بالبدعة بل بمجرد المعصية، فنظرنا هل نجد لأحد المحتملين عاضدا يكون ~~هو الأولى في حمل الآيات عليه؟ فوجدنا قوله سبحانه وتعالى: {وكذلك زين ~~لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم} ~~[الأنعام: 137] فإن الآية صرحت أن لهذا التزيين سببين: # أحدهما الإرداء وهو الإهلاك. # والآخر لبس الدين، وهو قوله: {وليلبسوا عليهم دينهم} [الأنعام: 137] ولا ~~يكون ذلك إلا بتغييره وتبديله أو الزيادة فيه أو النقصان منه، وهو الابتداع ~~بلا إشكال، وإنما كان دينهم أولا دين أبيهم (إبراهيم) فصار ذلك من جملة ما ~~بدلوا فيه، كالبحيرة والسائبة ونصب الأصنام وغيرها، حتى عد من جملة دينهم ~~الذي يدينون به. # ويعضده قوله تعالى بعد: {فذرهم وما يفترون} [الأنعام: 112] فنسبهم إلى ~~الافتراء كما ترى والعصيان من حيث هو عصيان لا يكون افتراء، وإنما يقع ~~الافتراء في نفس التشريع في أن هذا القتل من جملة ما جاء من الدين. # PageV02P521 # ولذلك قال تعالى على إثر ذلك: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم ~~وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا} [الأنعام: 140] فجعل قتل ~~الأولاد مع تحريم ما أحل الله من جملة الافتراء، ثم ختم بقوله: (قد ضلوا) ~~وهذه خاصية البدعة كما تقدم فإذا ms307 ما فعلت الهند نحو ما فعلت الجاهلية، ~~وسيأتي مذهب المهدي المغربي في شرعية القتل. # على أن بعض المفسرين قال في قوله تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين ~~قتل أولادهم شركاؤهم} [الأنعام: 137] أنه قتل الأولاد على جهة النذر ~~والتقرب به إلى الله، كما فعل عبد المطلب في ابنه عبد الله أبي النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وهذا القتل قد يشكل، إذ يقال لعل ذلك من جملة ما اقتدوا فيه بأبيهم ~~إبراهيم عليه السلام، لأن الله أمره بذبح ابنه، فلا يكون ذلك اختراعا ~~وافتراء لرجوعها إلى أصل صحيح وهو عمل أبيهم عليه السلام، وإن صح هذا القول ~~وتؤول فعل إبراهيم عليه السلام على أنه لم يكن شريعة لمن بعده من طريقته ~~فوجه اختراعه دينا ظاهر، لا سيما عند عروض شبهة الذبح، وهو شأن أهل البدع، ~~إذ لا بد لهم من شبهة يتعلقون بها كما تقدم التنبيه عليه. # وكون ما تفعل أهل الهند من هذا القبيل ظاهر جدا. # ويجري مجرى إتلاف النفس إتلاف بعضها، كقطع عضو من الأعضاء، أو تعطيل ~~منفعة من منافعه بقصد التقرب إلى الله بذلك، فهو من جملة البدع، وعليه يدل ~~الحديث حيث قال: # «رد رسول الله صلى الله عليه وسلم التبتل # PageV02P522 # على عثمان بن مظعون ولو أذن له لاختصينا»، فالخصاء بقصد التبتل وترك ~~الاشتغال بملابسة النساء واكتساب الأهل والولد مردود مذموم، وصاحبه معتد ~~غير محبوب عند الله، حسبما نبه قوله تعالى: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين} [المائدة: 87] وكذلك فقء العين لئلا ينظر إلى ما لا يحل له. ### | [فصل مثال لوقوع البدع في النسل] # ومثال ما يقع في النسل: ما ذكر من أنكحة الجاهلية التي كانت معهودة فيها ~~ومعمولا بها، ومتخذة فيها كالدين المنتسب والملة الجارية التي لا عهد بها ~~في شريعة إبراهيم عليه السلام ولا غيره، بل كانت من جملة ما اخترعوا ~~وابتدعوا، وهو على أنواع: # فجاء عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النكاح في الجاهلية كان على ~~أربعة أنحاء: # الأول منها: نكاح الناس اليوم، ms308 يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته ~~فيصدقها ثم ينكحها. # والثاني: نكاح الاستبضاع، كالرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي ~~إلى فلان فاستبضعي منه. ويعتزلها زوجها ولا يمسها # PageV02P523 # أبدا حتى حملها من ذلك الرجل الذي يستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها ~~زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح ~~الاستبضاع. # والثالث: أن يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدلون على المرأة كلهم يصيبها، ~~فإذا حملت ووضعت ومرت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع منهم ~~رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ~~ولدت فهو ابنك يا فلان، فتسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها فلا يستطيع أن ~~يمتنع منه الرجل. # والرابع: أن يجتمع الناس الكثيرون فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها ~~وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن ~~فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لها القافة، ثم ألحقوا ولدها ~~بالذي يرون، فالتاط به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك، فلما بعث الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية إلا نكاح الناس اليوم. وهذا الحديث ~~في البخاري مذكور. # وكان لهم أيضا سنن أخر في النكاح خارجة عن المشروع كوراثة النساء كرها، ~~وكنكاح ما نكح الأب، وأشباه ذلك، جاهلية جارية مجرى المشروعات عندهم، فمحا ~~الإسلام ذلك كله والحمد لله. # PageV02P524 # ثم أتى بعض من نسب إلى الفرق ممن حرف التأويل في كتاب الله، فأجاز نكاح ~~أكثر من أربع نسوة، إما اقتداء في زعمه بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث أحل ~~له أكثر من ذلك أن يجمع بينهن، ولم يلتفت إلى إجماع المسلمين أن ذلك خاص به ~~عليه السلام، وإما تحريفا لقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع} [النساء: 3]. # فأجاز الجمع بين تسع نسوة، ذلك، ولم يفهم المراد من الراوي ولا من قوله: ~~{مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] فأتى ببدعة أجراها في هذه الأمة ms309 لا دليل ~~عليها ولا مستند فيها. # ويحكى عن الشيعة أنها تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عن أهل بيته ~~ومن دان بحبهم جميع الأعمال، وأنهم غير مكلفين إلا بما تطوعوا، وأن ~~المحظورات مباحة لهم كالخنزير والزنا والخمر وسائر الفواحش، وعندهم نساء ~~يسمين النوابات يتصدقن بفروجهن على المحتاجين رغبة في الأجر، وينكحون ما ~~شاءوا من الأخوات والبنات والأمهات، لا حرج عليهم في ذلك ولا في تكثير ~~النساء. وهؤلاء العبيدية الذين ملكوا مصر وإفريقية. # ومما يحكى عنهم في ذلك أنه يكون للمرأة ثلاثة أزواج وأكثر في بيت واحد ~~يستدلونها وتنسب الولد لكل واحد منهم، ويهنأ به كل واحد منهم، كما التزمت ~~الإباحية خرق هذا الحجاب بإطلاق، وزعمت أن # PageV02P525 # الأحكام الشرعية إنما هي خاصة بالعوام، وأما الخواص منهم فقد ترقوا عن ~~تلك المرتبة، فالنساء بإطلاق حلال لهم، كما أن جميع ما في الكون من رطب ~~ويابس حلال لهم أيضا، مستدلين على ذلك بخرافات عجائز لا يرضاها ذو عقل: ~~{قاتلهم الله أنى يؤفكون} [التوبة: 30] فصاروا أضر على الدين من متبوعهم ~~إبليس لعنهم الله، كقوله: # وكنت امرأ من جند إبليس فانتهى ... بي الفسق حتى صار إبليس من جندي! # فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي! ### | [فصل مثال لوقوع البدع في العقل] # ومثال ما يقع في العقل، أن الشريعة بينت أن حكم الله على العباد لا يكون ~~إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله، ولذلك قال تعالى: {وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] وقال: {إن الحكم إلا لله} [الأنعام: ~~57] وأشباه ذلك من الآيات والأحاديث. # PageV02P526 # فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في التشريع، وأنه محسن ~~ومقبح، فابتدعوا في دين الله ما ليس فيه. # ومن ذلك أن الخمر لما حرمت، ونزل من القرآن في شأن من مات قبل التحريم ~~وهو ويشربها قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا} [المائدة: 93]. الآية. ms310 تأولها قوم فيما ذكر على أن الخمر حلال، ~~وأنها داخلة تحت قوله: فيما طعموا. # فذكر إسماعيل بن إسحاق عن علي رضي الله عنه ، قال: شرب نفر من أهل الشام ~~الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، فقالوا: هي لنا حلال. وتأولوا هذه الآية: ~~{ليس على الذين آمنوا} [المائدة: 93] الآية. قال فكتب فيهم إلى عمر. # قال: فكتب عمر إليه: أن ابعث بهم إلي قبل أن يفسدوا من قبلك، فلما قدموا ~~إلى عمر استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين! نرى أنهم قد كذبوا ~~على الله وشرعوا في دينه ما لم يأذن به فاضرب أعناقهم، وعلي رضي الله عنه ~~ساكت، قال: فما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أن تستتيبهم فإن تابوا جلدتهم ~~ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، فإنهم قد كذبوا على الله ~~وشرعوا في دين الله ما لم يأذن به. # فهؤلاء استحلوا بالتأويل ما حرم الله بنص الكتاب، وشهد فيهم علي رضي الله ~~عنه ، وغيره من الصحابة، بأنهم شرعوا في دين الله، وهذه هي # PageV02P527 # البدعة بعينها، فهذا وجه. # وأيضا ; فإن بعض الفلاسفة الإسلاميين تأول فيها غير هذا، وأنه إنما ~~يشربها للنفع لا للهو، وعاهد الله على ذلك، فكأنها عندهم من الأدوية أو ~~غذاء صالح يصلح لحفظ الصحة. ويحكى هذا العهد عن ابن سينا. # ورأيت في بعض كلام الناس ممن عرف عنه أنه كان يستعين في سهره للعلم ~~والتصنيف والنظر بالخمر، فإذا رأى من نفسه كسلا أو فترة شرب منها قدر ما ~~ينشطه وينفي عنه الكسل، بل ذكروا فيها أن لها حرارة خاصة تفعل أفعالا كثيرة ~~تطيب النفس، وتصير الإنسان محبا للحكمة، وتجعله حسن الحركة، والذهن، ~~والمعرفة، فإذا استعملها على الاعتدال عرف الأشياء، وفهمها، وتذكرها بعد ~~النسيان. # فلهذا والله أعلم كان ابن سينا لا يترك استعمالها على ما ذكر عنه وهو كله ~~ضلال مبين، عياذا بالله من ذلك. # ولا يقال: إن هذا داخل تحت مسألة التداوي بها. وفيها خلاف شهير، لأنا ~~نقول: إنما ثبت عن ابن سينا أنه كان يستعملها ms311 استعمال الأمور المنشطة من ~~الكسل والحفظ للصحة، والقوة على القيام بوظائف الأعمال، أو ما يناسب ذلك، ~~لا في الأمراض المؤثرة في الأجسام. وإنما الخلاف في استعمالها في الأمراض ~~لا في غير ذلك، فهو ومن وافقه على ذلك متقولون على شريعة الله مبتدعون ~~فيها، وقد تقدم رأي أهل الإباحة في الخمر وغيرها، ولا توفيق إلا بالله. ### | [فصل مثال لوقوع البدع في المال] # ومثال ما يقع في المال: # PageV02P528 # أن الكفار قالوا: {إنما البيع مثل الربا} [البقرة: 275] # فإنهم لما استحلوا العمل به واحتجوا بقياس فاسد، فقالوا: إذا فسخ العشرة ~~التي اشترى بها إلى شهر في خمسة عشر إلى شهرين، فهو كما لو باع بخمسة عشر ~~إلى شهرين، فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم، فقال: {ذلك بأنهم قالوا إنما ~~البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] أي: ليس البيع ~~مثل الربا، فهذه محدثة أخذوا بها مستندين إلى رأي فاسد، فكان من جملة ~~المحدثات، كسائر ما أحدثوا في البيوع الجارية بينهم المبنية على الخطر ~~والغرر. # وكانت الجاهلية قد شرعت أيضا أشياء في الأموال كالحظوظ التي كانوا ~~يخرجونها للأمير من الغنيمة، حتى قال شاعرهم: # لك المرباع فيها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول # فالمرباع: ربع المغنم يأخذه الرئيس. والصفايا: جمع صفي. وهو ما يصطفيه ~~الرئيس لنفسه من المغنم، والنشيطة: ما يغنمه الغزاة في الطريق قبل بلوغهم ~~إلى الموضع الذي قصدوه، فكان يختص به الرئيس دون غيره. والفضول: ما يفضل من ~~الغنيمة عند القسمة. # وكانت تتخذ الأرضين تحميها عن الناس أن لا يدخلوها ولا يرعوها، فلما نزل ~~القرآن بقسمة الغنيمة في قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} ~~[الأنفال: 41] الآية، ارتفع حكم هذه البدعة إلا بعض من جرى في الإسلام على ~~حكم الجاهلية، فعمل بأحكام الشيطان، ولم يستقم على # PageV02P529 # العمل بأحكام الله تعالى. # وكذلك جاء في الحديث: # «لا حمى إلا حمى الله ورسوله» ثم جرى بعض الناس ممن آثر الدنيا على طاعة ~~الله، على سبيل حكم الجاهلية {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} ~~[المائدة: 50] ولكن الآية والحديث ms312 وما كان في معناهما أثبت أصلا في الشريعة ~~مطردا لا ينخرم، وعاما لا يتخصص، ومطلقا لا يتقيد. وهو أن الصغير من ~~المكلفين والكبير، والشريف والدنيء، والرفيع والوضيع في أحكام الشريعة ~~سواء، فكل من خرج عن مقتضى هذا الأصل خرج من السنة إلى البدعة، ومن ~~الاستقامة إلى الاعوجاج. # وتحت هذا الرمز تفاصيل عظيمة الموقع، لعلها تذكر فيما بعد إن شاء الله، ~~وقد أشير إلى جملة منها. ### | [فصل كل بدعة ضلالة] # إذا تقرر أن البدع ليست في الذم ولا في النهي على رتبة واحدة، وأن منها ~~ما هو مكروه، كما أن منها ما هو محرم، فوصف الضلالة لازم لها وشامل ~~لأنواعها لما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة». # لكن يبقى هاهنا إشكال، وهو أن الضلالة ضد الهدى لقوله تعالى: {أولئك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] وقوله # PageV02P530 # {ومن يضلل الله فما له من هاد - ومن يهد الله فما له من مضل} [الزمر: 36 ~~- 37] وأشباه ذلك مما قوبل فيه بين الهدى والضلال. فإنه يقتضي أنهما ضدان ~~وليس بينهما واسطة تعتبر في الشرع، فدل على أن البدع المكروهة خروج عن ~~الهدى. # ونظيره في المخالفات التي ليست ببدع، المكروهة من الأفعال، كالالتفات ~~اليسير في الصلاة من غير حاجة، والصلاة وهو يدافعه الأخبثان وما أشبه ذلك. # ونظيره في الحديث: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يحرم علينا» فالمرتكب ~~للمكروه لا يصح أن يقال فيه مخالف ولا عاص، مع أن الطاعة ضدها المعصية. ~~وفاعل المندوب مطيع لأنه فاعل أمر به. فإذا اعتبرت الضد لزم أن يكون فاعل ~~المكروه عاصيا لأنه فاعل ما نهي عنه، لكن ذلك غير صحيح، إذ لا يطلق عليه ~~عاص، فكذلك لا يكون فاعل البدعة المكروهة ضالا، وإلا فلا فرق بين اعتبار ~~الضد في الطاعة واعتباره في الهدى، فكما يطلق على البدعة المكروهة لفظ ~~الضلالة فكذلك يطلق على الفعل المكروه لفظ المعصية، # PageV02P531 # وإلا فلا يطلق على البدعة المكروهة لفظ الضلالة، كما لا يطلق على الفعل ~~المكروه لفظ المعصية. # إلا أنه قد تقدم ms313 عموم لفظ الضلالة لكل بدعة، فليعم لفظ المعصية لكل فعل ~~مكروه، لكن هذا باطل، فما لزم عنه كذلك. والجواب: أن عموم لفظ الضلالة لكل ~~بدعة # والجواب: أن عموم لفظ الضلالة لكل بدعة ثابت كما تقدم بسطه وما التزمتم ~~في الفعل المكروه غير لازم، فإنه لا يلزم في الأفعال أن تجري على الضدية ~~المذكورة إلا بعد استقراء الشرع، ولما استقرينا موارد الأحكام الشرعية ~~وجدنا للطاعة والمعصية واسطة متفقا عليها أو كالمتفق عليها وهي المباح، ~~وحقيقته أنه ليس بطاعة من حيث هو مباح. # فالأمر والنهي ضدان بينهما واسطة لا يتعلق بها أمر ولا نهي، وإنما يتعلق ~~بها التخيير. # وإذا تأملنا المكروه حسبما قرره الأصوليون وجدناه ذا طرفين: # طرف من حيث هو منهي عنه، فيستوي مع المحرم في مطلق النهي، فربما يتوهم أن ~~مخالفة نهي الكراهية معصية من حيث اشترك مع المحرم في مطلق المخالفة. # غير أنه يصد عن هذا الإطلاق الطرف الآخر، وهو أن يعتبر من حيث لا يترتب ~~على فاعله ذم شرعي ولا إثم ولا عقاب، فخالف المحرم من هذا الوجه وشارك ~~المباح فيه، لأن المباح لا ذم على فاعله ولا إثم ولا عقاب، فتحاموا أن ~~يطلقوا على ما هذا شأنه عبارة المعصية. # وإذا ثبت هذا ووجدنا بين الطاعة والمعصية واسطة يصح أن ينسب إليها ~~المكروه من البدع، وقد قال الله تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} [يونس: ~~32] فليس إلا حق، وهو الهدى، وضلال وهو الباطل، فالبدع # PageV02P532 # المكروهة ضلال. # وأما ثانيا: فإن إثبات قسم الكراهة في البدع على الحقيقة مما ينظر فيه، ~~فلا يغتر المغتر بإطلاق المتقدمين من الفقهاء لفظ المكروه على بعض البدع، ~~وإنما حقيقة المسألة أن البدع ليست على رتبة واحدة في الذم كما تقدم بيانه ~~وأما تعيين الكراهة التي معناها نفي إثم فاعلها وارتفاع الحرج البتة، فهذا ~~مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع ولا من كلام الأئمة على الخصوص. # أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رد على ms314 من قال: «أما أنا فأقوم الليل ولا أنام»، وقال الآخر: «أما أنا فلا ~~أنكح النساء» إلى آخر ما قالوا، فرد عليهم ذلك صلى الله عليه وسلم وقال: ~~«من رغب عن سنتي فليس مني». # وهذه العبارة أشد شيء في الإنكار، ولم يكن ما التزموا إلا فعل مندوب أو ~~ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر، وكذلك ما في الحديث «أنه عليه السلام رأى ~~رجلا قائما في الشمس فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ~~ولا يجلس ويصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مره فليجلس وليستظل ~~وليتم صومه» قال مالك: أمره أن يتم ما كان لله عليه فيه طاعة، ويترك ما كان ~~عليه فيه معصية. # ويعضد هذا الذي قاله مالك ما في البخاري عن قيس بن أبي حازم، # PageV02P533 # قال دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تتكلم، فقال: ~~ما لها فقال حجت مصمتة قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل ~~الجاهلية فتكلمت الحديث إلخ. # وقال مالك أيضا في قوله عليه الصلاة والسلام: «من نذر أن يعصي الله فلا ~~يعصه» إن ذلك أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام وإلى مصر وأشباه ذلك مما ليس ~~فيه طاعة، أو أن لا أكلم فلانا، فليس عليه في ذلك شيء إن هو كلمه لأنه ليس ~~لله في هذه الأشياء طاعة، وإنما يوفي لله بكل نذر فيه طاعة من مشي إلى بيت ~~الله أو صيام أو صدقة أو صلاة، فكل ما لله فيه طاعة فهو واجب على من نذره. # فتأمل كيف جعل القيام في الشمس وترك الكلام ونذر المشي إلى الشام أو مصر ~~معاصي، حتى فسر فيها الحديث المشهور، مع أنها في أنفسها أشياء مباحات، لكنه ~~لما أجراها مجرى ما يتشرع به ويدان لله به صارت عند مالك معاصي لله، وكلية ~~قوله: «كل بدعة ضلالة» شاهدة لهذا المعنى، والجميع يقتضي التأثيم والتهديد ~~والوعيد، وهي خاصية المحرم. # وقد مر ما «روى الزبير بن بكار وأتاه ms315 رجل فقال: يا أبا عبد الله! من أين ~~أحرم؟ قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ~~إني أريد أن أحرم من المسجد: فقال: لا تفعل. قال: غني أريد أن أحرم من ~~المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. قال: وأي فتنة ~~في هذا؟ إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى ~~فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إني سمعت الله # PageV02P534 # تعالى يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم} [النور: 63]». # فأنت ترى أنه خشي عليه الفتنة في الإحرام من موضع فاضل لا بقعة أشرف منه، ~~وهو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضع قبره، لكنه أبعد من الميقات ~~فهو زيادة في التعب قصدا لرضا الله ورسوله، فبين أن ما استسهله من ذلك ~~الأمر اليسير في بادئ الرأي يخاف على صاحبه الفتنة في الدنيا والعذاب في ~~الآخرة، واستدل بالآية. فكل ما كان مثل ذلك داخل عند مالك في معنى الآية، ~~فأين كراهية التنزيه في هذه الأمور التي يظهر بأول النظر أنها سهلة ~~ويسيرة؟. # وقال ابن حبيب: أخبرني ابن الماجشون أنه سمع مالكا يقول: التثويب ضلال؟ ~~قال مالك: ومن أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خان الدين، لأن الله تعالى يقول: {اليوم أكملت لكم ~~دينكم} [المائدة: 3] فما لم يكن يومئذ دينا، لا يكون اليوم دينا. # وإنما التثويب الذي كرهه أن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس قال بين ~~الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح وهو قول ~~إسحاق ابن راهويه أنه التثويب المحدث. # قال الترمذي لما نقل هذا عن سحنون: وهذا الذي قال إسحاق هو التثويب الذي ~~قد كرهه أهل العلم، والذي أحدثوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا # PageV02P535 # اعتبر هذا اللفظ في نفسه فكل أحد يستسهله في بادئ ms316 الرأي إذ ليس فيه زيادة ~~على التذكير بالصلاة. # وقصة صبيغ العراقي ظاهرة في هذا المعنى، فحكى ابن وهب قال: حدثنا مالك بن ~~أنس قال: جعل صبيغ يطوف بكتاب الله معه، ويقول: من يتفقه يفقهه الله، من ~~يتعلم يعلمه الله، فأخذه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فضربه بالجريد الرطب، ~~ثم سجنه حتى إذا خف الذي به أخرجه فضربه، فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت ~~تريد قتلي فأجهز علي، وإلا فقد شفيتني شفاك الله فخلاه عمر. # قال ابن وهب: قال مالك، وقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه صبيغا حين ~~بلغه ما يسأل عنه من القرآن وغير ذلك اه. # وهذا الضرب إنما كان لسؤاله عن أمور من القرآن لا ينبني عليها عمل وربما ~~نقل عنه أنه كان يسأل عن السابحات سبحا، والمرسلات عرفا وأشباه ذلك، والضرب ~~إنما يكون لجناية أربت على كراهية التنزيه، إذ لا يستباح دم امرئ مسلم، ولا ~~عرضه بمكروه كراهية تنزيه، ضربه إياه خوف الابتداع في الدين أن يشتغل منه ~~بما لا ينبني عليه عمل، وأن يكون ذلك ذريعة، لئلا يبحث عن المتشابهات ~~القرآنية ولذلك لما قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه : {وفاكهة وأبا} [عبس: ~~31] قال: هذه الفاكهة، فما الأب! ثم قال: ما أمرنا بهذا. # PageV02P536 # وفي رواية: نهينا عن التكلف. # وجاء في قصة صبيغ من رواية ابن وهب عن الليث أنه ضربه مرتين ثم أراد أن ~~يضربه الثالثة فقال له صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، وإن كنت ~~تريد أن تداويني فقد والله برئت. فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبى موسى ~~الأشعري رضي الله عنه أن لا يجالسه أحد من المسلمين، فاشتد ذلك على الرجل، ~~فكتب أبو موسى إلى عمر أن قد حسنت سيئته، فكتب إليه عمر أن يأذن للناس ~~بمجالسته. والشواهد في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على أن الهين عند الناس ~~من البدع شديد وليس بهين {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} [النور: 15]. # وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في ms317 الأمور المنهي عنها لا ~~يعنون بها كراهية التنزيه فقط، وإنما هذا اصطلاح للمتأخرين حين أرادوا أن ~~يفرقوا بين القبلتين. فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط، ويخصون ~~كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع، وأشباه ذلك. # وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحا أن ~~يقولوا: هذا حلال وهذا حرام. ويتحامون هذه العبارة خوفا مما في الآية من ~~قوله: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على ~~الله الكذب} [النحل: 116] وحكى مالك عمن تقدمه هذا المعنى. فإذا وجدت في ~~كلامهم في البدعة أو غيرها: أكره هذا، ولا # PageV02P537 # أحب هذا، وهذا مكروه. وما أشبه ذلك، فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه ~~فقط، فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن أين يعد فيها ما ~~هو مكروه كراهية التنزيه؟ اللهم إلا أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له ~~أصل في الشرع، ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله، لا لأنه ~~بدعة مكروهة، على تفصيل يذكر في موضعه. # وأما ثالثا: فإنا إذا تأملنا حقيقة البدعة دقت أو جلت وجدناها مخالفة ~~للمكروه من المنهيات المخالفة التامة. وبيان ذلك من أوجه: # أحدها: أن مرتكب المكروه إنما قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة متكلا على ~~العفو اللازم فيه، ورفع الحرج الثابت في الشريعة، فهو إلى الطمع في رحمة ~~الله أقرب. وأيضا فليس عقده الإيماني بمتزحزح، لأنه يعتقد المكروه مكروها ~~كما يعتقد الحرام حراما وإن ارتكبه، فهو يخاف الله ويرجوه، والخوف والرجاء ~~شعبتان من شعب الإيمان. # فكذلك مرتكب المكروه يرى أن الترك أولى في حقه من الفعل، وأن نفسه ~~الأمارة زينت له الدخول فيه. ويود لو لم يفعل، وأيضا فلا يزال إذا تذكر ~~منكسر القلب طامعا في الإقلاع سواء عليه أخذ في أسباب الإقلاع أم لا. # ومرتكب أدنى البدع يكاد يكون على ضد هذه الأحوال، فإنه يعد ما دخل فيه ~~حسنا، بل يراه أولى بما حد له الشارع، فأين مع هذه خوفه أو رجاؤه؟ ms318 وهو يزعم ~~أن طريقه أهدى سبيلا، ونحلته أولى بالاتباع. # PageV02P538 # هذا وإن كان زعمه شبهة عرضت فقد شهد الشرع بالآيات والأحاديث أنه متبع ~~للهوى. وسيأتي لذلك تقرير إن شاء الله. # وقد مر في أول الباب الثاني تقرير لجملة من المعاني التي تعظم أمر البدع ~~على الإطلاق، وكذلك مر في آخر الباب أيضا أمور ظاهرة في بعد ما بينهما وبين ~~كراهية التنزيه فراجعها هنالك يتبين لك مصداق ما أشير إليه هاهنا، وبالله ~~التوفيق. # والحاصل أن النسبة بين المكروه من الأعمال وبين أدنى البدع بعيد الملتمس. ### | [فصل هل في البدع صغائر وكبائر] # إذا ثبت هذا انتقلنا منه إلى معنى آخر: وهو أن المحرم ينقسم في الشرع إلى ~~ما هو صغيرة وإلى ما هو كبيرة حسبما تبين في علم الأصول الدينية فكذلك يقال ~~في البدع المحرمة: إنها تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة اعتبارا بتفاوت درجاتها ~~كما تقدم وهذا على القول بأن المعاصي تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة. ولقد ~~اختلفوا في الفرق بينهما على أوجه وجميع ما قالوه لعله لا يوفي بذلك ~~المقصود على الكمال فلنترك التفريع عليه. # وأقرب وجه يلتمس لهذا المطلب ما تقرر في كتاب الموافقات أن الكبائر ~~منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة. وهي الدين والنفس والنسل ~~والعقل والمال، وكل ما نص عليه راجع إليها، وما لم ينص عليه جرت في ~~الاعتبار والنظر مجراها، وهو الذي يجمع # PageV02P539 # أشتات ما ذكره العلماء وما لم يذكروه مما هو في معناه. # فكذلك نقول في كبائر البدع: ما أخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو ~~كبيرة، وما لا، فهو صغيرة. وقد تقدمت لذلك أمثلة أول الباب. فكما انحصرت ~~كبائر المعاصي أحسن انحصار حسبما أشير إليه في ذلك الكتاب كذلك تنحصر كبائر ~~البدع أيضا، وعند ذلك يعترض في المسألة إشكال عظيم على أهل البدع يعسر ~~التخلص عنه في إثبات الصغائر فيها. وذلك أن جميع البدع راجعة إلى الإخلال ~~بالدين إما أصلا وإما فرعا، لأنها إنما أحدثت لتلحق بالمشروع زيادة فيه أو ~~نقصانا منه أو تغييرا لقوافيه، أو ms319 ما يرجع إلى ذلك وليس ذلك بمختص ~~بالعبادات دون العادات، وإن قلنا بدخولها في العادات، بل تمنع في الجميع. ~~وإذا كانت بكليتها إخلالا بالدين فهي إذا إخلال بأول الضروريات وهو الدين، ~~وقد أثبت الحديث الصحيح «أن كل بدعة ضلالة»، وقال في الفرق: «كلها في النار ~~إلا واحدة» وهذا وعيد أيضا للجميع على التفصيل. # وهذا وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين فليس ذلك بمخرج لها عن أن ~~تكون كبائر، كما أن القواعد الخمس أركان الدين وهي متفاوتة في الترتيب، ~~فليس الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة، ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال ~~بالزكاة، ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان، وكذلك سائرها مع الإخلال، ~~فكل منها كبيرة. فقد آل النظر إلى أن كل بدعة كبيرة. # PageV02P540 # ويجاب عنه بأن هذا النظر يدل على ما ذكره، ففي النظر ما يدل من جهة أخرى ~~على إثبات الصغيرة من أوجه: # أحدها: أنا نقول: الإخلال بضرورة النفس كبيرة بلا إشكال، ولكنها على ~~مراتب أدناها لا يسمى كبيرة، فالقتل كبيرة، وقطع الأعضاء من غير إجهاز ~~كبيرة دونها، وقطع عضو واحد كبيرة دونها، وهلم جرا إلى أن تنتهي إلى ~~اللطمة، ثم إلى أقل خدش يتصور، فلا يصح أن يقال في مثله كبيرة، كما قال ~~العلماء في السرقة: إنها كبيرة لأنها إخلال بضرورة المال. فإن كانت السرقة ~~في لقمة أو تطفيف بحبة فقد عدوه من الصغائر. وهذا في ضرورة الدين أيضا. # فقد جاء في بعض الأحاديث عن حذيفة رضي الله عنه قال: # «أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، ولتنقضن عرى ~~الإيمان عروة عروة، وليصلين نساء وهن حيض ثم قال حتى تبقى فرقتان من فرق ~~كثيرة تقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس؟ لقد ضل من كان قبلنا، إنما قال ~~الله: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} [هود: 114] لا تصلن إلا ~~ثلاثا. وتقول أخرى: إنا لنؤمن بالله إيمان الملائكة، ما فينا كافر، حق على ~~الله أن يحشرهما مع الدجال» # PageV02P541 # فهذا الأثر وإن لم تلتزم عهدة صحته مثال من أمثلة المسألة. # فقد نبه ms320 على أن في آخر الزمان من يرى أن الصلوات المفروضة ثلاث لا خمس، ~~وبين أن من النساء من يصلين وهن حيض. كأنه يعنى بسبب التعمق وطلب الاحتياط ~~بالوساوس الخارج عن السنة. فهذه مرتبة دون الأولى. # وحكى ابن حزم أن بعض الناس زعم أن الظهر خمس ركعات لا أربع ركعات، ثم وقع ~~في العتبية. قال ابن القاسم: وسمعت مالكا يقول: أول من أحدث الاعتماد في ~~الصلاة حتى لا يحرك رجليه رجل قد عرف وسمي إلا أني لا أحب أن أذكره، وقد ~~كان مساء (أي يساء الثناء عليه) قال: قد عيب ذلك عليه، وهذا مكروه من ~~الفعل. قالوا: ومساء أي يساء الثناء عليه. # قال ابن رشد: جائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة، قاله في ~~المدونة، وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون الأخرى، لأن ~~ذلك ليس من حدود الصلاة إذ لم يأت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن ~~أحد من السلف والصحابة المرضيين، وهو من محدثات الأمور انتهى. # فمثل هذا إن كان يعده فاعله من محاسن الصلاة وإن لم يأت به أثر فيقال في ~~مثله: إنه من كبار البدع. كما يقال ذلك في الركعة # PageV02P542 # الخامسة في الظهر ونحوها، بل إنما يعد مثله من صغائر البدع إن سلمنا أن ~~لفظ الكراهية فيه ما يراد به التنزيه، وإذا ثبت ذلك في بعض الأمثلة في ~~قاعدة الدين، فمثله يتصور في سائر البدع المختلفة المراتب، فالصغائر في ~~البدع ثابتة كما أنها في المعاصي ثابتة. # والثاني: أن البدع تنقسم إلى ما هي كلية في الشريعة وإلى جزئية، ومعنى ~~ذلك أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كليا في الشريعة، كبدعة التحسين ~~والتقبيح العقليين، وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارا على القرآن، وبدعة ~~الخوارج في قولهم: لا حكم إلا لله. وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص ~~فرعا من فروع الشريعة دون فرع، بل ستجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع ~~الجزئية، أو يكون الخلل الواقع جزئيا إنما يأتي في ms321 بعض الفروع دون بعض ~~كبدعة التثويب بالصلاة الذي قال فيه مالك: التثويب ضلال، وبدعة الأذان ~~والإقامة في العيدين، وبدعة الاعتماد في الصلاة على إحدى الرجلين، وما أشبه ~~ذلك. فهذا القسم لا تتعدى فيه البدعة محلها، ولا تنتظم تحتها غيرها حتى ~~تكون أصلا لها. # فالقسم الأول إذا عد من الكبائر اتضح مغزاه وأمكن أن يكون منحصرا داخلا ~~تحت عموم الثنتين والسبعين فرقة، ويكون الوعيد الآتي في الكتاب والسنة ~~مخصوصا به لا عاما فيه وفي غيره، ويكون ما عدا ذلك من قبيل اللمم المرجو ~~فيه العفو الذي لا ينحصر إلى ذلك العدد، فلا قطع على أن جميعها من واحد، ~~وقد ظهر وجه انقسامها. # والثالث: أن المعاصي قد ثبت انقسامها إلى الصغائر والكبائر، ولا شك أن ~~البدع من جملة المعاصي على مقتضى الأدلة المتقدمة ونوع # PageV02P543 # من أنواعها، فاقتضى إطلاق التقسيم أن البدع تنقسم أيضا، ولا يخصص وجوها ~~بتعميم الدخول في الكبائر، لأن ذلك تخصيص من غير مخصص، ولو كان ذلك معتبرا ~~لاستثني من تقدم من العلماء القائلين بالتقسيم، قسم البدع، فكانوا ينصون ~~على أن المعاصي ما عدا البدع تنقسم إلى الصغائر والكبائر، إلا أنهم لم ~~يلتفتوا إلى الاستثناء وأطلقوا القول بالانقسام، فظهر أنه شامل لجميع ~~أنواعها. # فإن قيل: إن ذلك التفاوت لا دليل فيه على إثبات الصغيرة مطلقا، وإنما يدل ~~ذلك على أنها تتفاضل، فمنها ثقيل وأثقل ومنها خفيف وأخف، والخفة هل تنتهي ~~إلى حد تعد البدعة فيه من قبيل اللمم؟ هذا فيه نظر، وقد ظهر معنى الكبيرة ~~والصغيرة في المعاصي غير البدع. # وأما في البدع فثبت لها أمران: # أحدهما: أنها مضادة للشارع ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه نصب ~~المستدرك على الشريعة، لا نصب المكتفي بما حد له. # والثاني: أن كل بدعة وإن قلت تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، ~~وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقا بما هو مشروع، فيكون قادحا ~~في المشروع. ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدا الكفر، إذ الزيادة ~~والنقصان فيها ms322 أو التغيير قل أو كثر كفر، فلا فرق بين ما قل منه وما كثر. ~~فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد أو # PageV02P544 # برأي غالط رآه، أو ألحقه بالمشروع إذا لم تكفره لم يكن في حكمه فرق بين ~~ما قل منه وما كثر، لأن الجميع جناية لا تحملها الشريعة بقليل ولا بكثير. # ويعضد هذا النظر عموم الأدلة في ذم البدع من غير استثناء، فالفرق بين ~~بدعة جزئية وبدعة كلية، وقد حصل الجواب عن السؤال الأول والثاني. # وأما الثالث: فلا حجة فيه لأن قوله عليه السلام: «كل بدعة ضلالة» وما ~~تقدم من كلام السلف يدل على عموم الذم فيها. وظهر أنها مع المعاصي لا تنقسم ~~ذلك الانقسام، بل إنما ينقسم ما سواها من المعاصي. واعتبر بما تقدم ذكره في ~~الباب الثاني يتبين لك عدم الفرق فيها. وأقرب منها عبارة تناسب هذا التقرير ~~أن يقال: كل بدعة كبيرة عظيمة بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع، إلا ~~أنها وإن عظمت لما ذكرناه، فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبتها فيكون ~~منها صغار وكبار، إما باعتبار أن بعضها أشد عقابا من بعض، فالأشد عقابا ~~أكبر مما دونه، وإما باعتبار فوت المطلوب في المفسدة، فكما انقسمت الطاعة ~~باتباع السنة إلى الفاضل والأفضل، لانقسام مصالحها إلى الكامل والأكمل، ~~انقسمت البدع لانقسام مفاسدها إلى الرذل والأرذل، والصغر والكبر، من باب ~~النسب والإضافات، فقد يكون الشيء كبيرا في نفسه لكنه صغير بالنسبة # PageV02P545 # إلى ما هو أكبر منه. # وهذه العبارة قد سبق إليها إمام الحرمين لكن في انقسام المعاصي إلى ~~الكبائر والصغائر فقال: المرضي عندنا أن كل ذنب كبير وعظيم بالإضافة إلى ~~مخالفة الله، ولذلك يقال: معصية الله أكبر من معصية العباد، قولا مطلقا، ~~إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه، فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبها. ثم ~~ذكر معنى ما تقدم، ولم يوافقه غيره على ما قال وإن كان له وجه في النظر ~~وقعت الإشارة إليه في كتاب الموافقات. ولكن الظاهر يأبى ذلك حسبما ذكره ~~غيره من العلماء والظواهر في ms323 البدع لا تأبى كلام الإمام إذا نزل عليها ~~حسبما تقدم فصار اعتقاد الصغائر فيها يكاد يكون من المتشابهات، كما صار ~~اعتقاد نفي الكراهية التنزيه عنها من الواضحات. # فليتأمل هذا الموضع أشد التأمل ويعط من الإنصاف حقه، ولا ينظر إلى خفة ~~الأمر في البدعة بالنسبة إلى صورتها وإن دقت، بل ينظر إلى مصادمتها للشريعة ~~ورميها لها بالنقص والاستدراك، وأنها لم تكمل بعد حتى يوضع فيها، بخلاف ~~سائر المعاصي فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها، بل صاحب ~~المعصية متنصل منها، مقر لله بمخالفته لحكمها. # وحاصل المعصية أنها مخالفة في فعل المكلف لما يعتقد صحته من الشريعة. ~~والبدعة حاصلها مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة، ولذلك قال # PageV02P546 # مالك بن أنس: من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول: {اليوم أكملت ~~لكم دينكم} [المائدة: 3] إلى آخر الحكاية. وقد تقدمت. # ومثلها جوابه لمن أراد أن يحرم من المدينة وقال: أي فتنة فيها؟ إنما هي ~~أميال أزيدها. فقال: وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك فعلت فعلا قصر عنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، إلى آخر الحكاية، وقد تقدمت أيضا، فإذا يصح أن ~~يكون في البدع ما هو صغيرة. # فالجواب: أن ذلك يصح بطريقة يظهر إن شاء الله أنها تحقيق في تشقيق هذه ~~المسألة. # وذلك أن صاحب البدعة يتصور أن يكون عالما بكونها بدعة وأن يكون غير عالم ~~بذلك. وغير العالم بكونها بدعة على ضربين، وهما المجتهد في استنباطها ~~وتشريعها، والمقلد له فيها. وعلى كل تقدير فالتأويل يصاحبه فيها ولا يفارقه ~~إذا حكمنا له بحكم أهل الإسلام، لأنه مصادم للشارع مراغم للشرع بالزيادة ~~فيه أو النقصان منه أو التحريف له، فلا بد له من تأويل كقوله: هي بدعة ~~ولكنها مستحسنة أو يقول: إنها بدعة ولكني رأيت فلانا الفاضل يعمل بها أو ~~يقر بها ولكنه يفعلها لحظ عاجل، كفاعل الذنب لقضاء حظه العاجل خوفا على ~~حظه، أو ms324 فرارا من خوف على حظه، أو فرارا من الاعتراض عليه في اتباع السنة، # PageV02P547 # كما هو الشأن اليوم في كثير ممن يشار إليه، وما أشبه ذلك. # وأما غير العالم وهو الواضع لها، لأنه لا يمكن أن يعتقدها بدعة، بل هي ~~عنده مما يلحق المشروعات، كقول من جعل يوم الإثنين يصام لأنه يوم مولد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل الثاني عشر من ربيع الأول ملحقا بأيام ~~الأعياد لأنه عليه السلام ولد فيه، وكمن عد السماع والغناء مما يتقرب به ~~إلى الله بناء على أنه يجلب الأحوال السنية، أو رغب في الدعاء بهيئة ~~الاجتماع في أدبار الصلوات دائما بناء على ما جاء في ذلك حالة الواحدة، أو ~~زاد في الشريعة أحاديث مكذوبة لينصر في زعمه سنة محمد صلى الله عليه وسلم. ~~فلما قيل له: إنك تكذب عليه وقد قال: # «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» قال: لم أكذب عليه وإنما ~~كذبت له. أو نقص منها تأويلا عليها لقوله تعالى في ذم الكفار: {إن يتبعون ~~إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} [النجم: 28] فأسقط اعتبار ~~الأحاديث المنقولة بالآحاد لذلك ولما أشبه، لأن خبر الواحد ظني، فهذه كلها ~~من قبل التأويل. # وأما المقلد فكذلك أيضا لأنه يقول: فلان المقتدى به يعمل بهذا العمل ~~ويثني عليه، كاتخاذ الغناء جزءا من أجزاء طريقة التصوف بناء على أن شيوخ ~~التصوف قد سمعوه وتواجدوا عليه، ومنهم من مات بسببه، وكتمزيق الثياب عند ~~التواجد بالرقص وسواه لأنهم قد فعلوه، وأكثر ما يقع مثل هذا في هؤلاء ~~المنتمين إلى التصوف. # وربما احتجوا على بدعتهم بالجنيد والبسطامي والشبلي وغيرهم فيما صح عندهم ~~أو لم يصح، ويتركون أن يحتجوا بسنة الله ورسوله وهي التي # PageV02P548 # لا شائبة فيها إذا نقلها العدول وفسرها أهلها المكبون على فهمها وتعلمها. ~~ولكنهم مع ذلك لا يقرون بالخلاف للسنة بحثا، بل يدخلون تحت أذيال التأويل، ~~إذ لا يرضى منتم إلى الإسلام بإبداء صفحة الخلاف للسنة أصلا. # وإذا كان كذلك فقول مالك: من أحدث في ms325 هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها ~~فقد زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم خان الرسالة. وقوله لمن أراد أن يحرم ~~من المدينة: أي فتنة أعظم من أن تظن أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ إلى آخر الحكاية، إنها إلزام للخصم على عادة أهل ~~النظر، كأنه يقول: يلزمك في هذا القول كذا. لأنه يقول: قصدت إليه قصدا، ~~لأنه لا يقصد إلى ذلك مسلم، ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا؟ هي مسألة ~~مختلف فيها بين أهل الأصول، والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ~~ويرون أنه رأي المحققين أيضا: أن لازم المذهب ليس بمذهب، فلذلك إذا قرر على ~~الخصم أنكره غاية الإنكار، فإذا اعتبار ذلك المعنى على التحقيق لا ينهض، ~~وعند ذلك تستوي البدعة مع المعصية صغائر وكبائر، فكذلك البدع. # ثم إن البدع على ضربين: كلية وجزئية، فأما الكلية فهي السارية فيما لا ~~ينحصر من فروع الشريعة، ومثالها بدع الفرق الثلاث والسبعين، فإنها مختصة ~~بالكليات منها دون الجزئيات، # PageV02P549 # حسبما يتبين بعد إن شاء الله. # وأما الجزئية فهي الواقعة في الفروع الجزئية، ولا يتحقق دخول هذا الضرب ~~من البدع تحت الوعيد بالنار، وإن دخلت تحت الوصف بالضلال، كما لا يتحقق ذلك ~~في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة، وإن كان داخلا تحت وصف السرقة، بل المتحقق ~~دخول عظائمها وكلياتها كالنصاب في السرقة فلا تكون تلك الأدلة واضحة الشمول ~~لها، ألا ترى أن خواص البدع غير ظاهرة في أهل البدع الجزئية غالبا كالفرقة، ~~والخروج عن الجماعة وإنما تقع الجزئيات في الغالب كالزلة، والفلتة ولذلك لا ~~يكون اتباع الهوى فيها مع حصول التأويل في فرد من أفراد الفروع، ولا ~~المفسدة الحاصلة بالجزئية كالمفسدة الحاصلة بالكلية. فعلى هذا ; إذا اجتمع ~~في البدعة وصفان، كونها جزئية، وكونها بالتأويل صح أن تكون صغيرة والله ~~أعلم ومثاله، مسألة من نذر أن يصوم قائما لا يجلس، وضاحيا يستظل، ومن حرم ~~على نفسه شيئا مما أحل الله من النوم أو لذيذ الطعام أو ms326 النساء أو الأكل ~~بالنهار. . . وما أشبه ذلك مما تقدم ذكره ويأتي. غير أن الكلية والجزئية قد ~~تكون ظاهرة، وقد تكون خفية كما أن التأويل قد يقرب مأخذه، وقد يبعد فيقع ~~الإشكال في كثير من أمثلة هذا الفصل فيعد كبيرة ما هو من الصغائر، وبالعكس ~~فيوكل النظر فيه إلى الاجتهاد # PageV02P550 ### | [فصل شروط كون البدعة صغيرة] ### | [أن لا يداوم على البدعة] # وإذا قلنا: إن من البدع ما يكون صغيرة، فذلك بشروط: # أحدها: أن لا يداوم عليها، فإن الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر ~~بالنسبة إليه، لأن ذلك ناشئ عن الإصرار عليها، والإصرار على الصغيرة يصيرها ~~كبيرة، ولذلك قالوا: " لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار " فكذلك ~~البدعة من غير فرق، إلا أن المعاصي من شأنها في الواقع أنها قد يصر عليها، ~~وقد لا يصر عليها، وعلى ذلك ينبني طرح الشهادة وسخطة الشاهد بها أو عدمه، ~~بخلاف البدعة فإن شأنها في المداومة والحرص على أن لا تزال من موضعها وأن ~~تقوم على تاركها القيامة، وتنطلق عليه ألسنة الملامة، ويرمى بالتسفيه ~~والتجهيل، وينبز بالتبديع والتضليل، ضد ما كان عليه سلف هذه # PageV02P551 # الأمة، والمقتدى بهم من الأئمة، والدليل على ذلك الاعتبار والنقل، فإن ~~أهل البدع كان من شأنهم القيام بالنكير على أهل السنة إن كان لهم عصبة، أو ~~لصقوا بسلطان تجري أحكامه في الناس وتنفذ أوامره في الأقطار، ومن طالع سير ~~المتقدمين، وجد من ذلك ما لا يخفى. # وأما النقل، فما ذكره السلف من أن البدعة إذا أحدثت لا تزيد إلا مضيا، ~~وليست كذلك المعاصي، فقد يتوب صاحبها وينيب إلى الله، بل قد جاء ما يشد ذلك ~~في حديث الفرق، حيث جاء في بعض الروايات: # تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه ومن هنا جزم السلف بأن ~~المبتدع لا توبة له منها حسبما تقدم. ### | [أن لا يدعو إلى البدعة] # والشرط الثاني: أن لا يدعو إليها، فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة، ثم ~~يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها فيكون إثم ms327 ذلك كله عليه، ~~فإنه الذي أثارها، وسبب كثرة وقوعها والعمل بها، فإن الحديث الصحيح قد ~~أثبت: # «أن كل من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من ~~أوزارهم شيئا» والصغيرة مع الكبيرة إنما تفاوتها بحسب كثرة الإثم وقلته، ~~فربما تساوي الصغيرة من هذا الوجه الكبيرة أو تربي عليها. # PageV02P552 # فمن حق المبتدع إذا ابتلي بالبدعة أن يقتصر على نفسه ولا يحمل مع وزره ~~وزر غيره. وفي هذا الوجه قد يتعذر الخروج، فإن المعصية فيما بين العبد وربه ~~يرجو فيها من التوبة والغفران ما يتعذر عليه مع الدعاء إليها، وقد مر في ~~باب ذم البدع وباقي الكلام في المسألة سيأتي إن شاء الله. ### | [أن لا تفعل البدعة في مجتمعات الناس أو في مواضع إقامة السنن] # والشرط الثالث: أن لا تفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس، أو المواضع ~~التي تقام فيها السنن، وتظهر فيها أعلام الشريعة، فأما إظهارها في ~~المجتمعات ممن يقتدى به أو بمن يحسن به الظن فذلك من أضر الأشياء على سنة ~~الإسلام، فإنها لا تعدو أمرين: إما أن يقتدى بصاحبها فيها، فإن العوام ~~أتباع كل ناعق، لا سيما البدع التي وكل الشيطان بتحسينها للناس، والتي ~~للنفوس في تحسينها هوى، وإذا اقتدي بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة ~~إليه، لأن كل من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، فعلى حسب ~~كثرة الأتباع يعظم عليه الوزر. # وهذا بعينه موجود في صغائر المعاصي، فإن العالم مثلا إذا أظهر المعصية ~~وإن صغرت سهل على الناس ارتكابها، فإن الجاهل يقول: لو كان هذا الفعل كما ~~قال من أنه ذنب، لم يرتكبه، وإنما ارتكبه لأمر علمه دوننا. فكذلك البدعة ~~إذا أظهرها العالم المقتدى فيها، لا محالة، فإنها في مظنة التقرب في ظن ~~الجاهل، لأن العالم يفعلها على ذلك الوجه، بل البدعة أشد في هذا المعنى، إذ ~~الذنب قد لا يتبع عليه، بخلاف البدعة # PageV02P553 # فلا يتحاشى أحد عن اتباعه إلا من كان عالما بأنها بدعة مذمومة، فحينئذ ms328 ~~يصير في درجة الذنب، فإذا كانت كذلك صارت كبيرة بلا شك، فإن كان داعيا ~~إليها فهو أشد، وإن كان الإظهار باعثا على الاتباع، فبالدعاء يصير أدعى ~~إليه. # وقد روي عن الحسن أن رجلا من بني إسرائيل ابتدع بدعة فدعا الناس إليها ~~فاتبع، وأنه لما عرف ذنبه عمد إلى ترقوته فنقبها فأدخل فيها حلقة ثم جعل ~~فيها سلسلة ثم أوثقها في شجرة فيجعل يبكي ويعج إلى ربه، فأوحى الله إلى نبي ~~تلك الأمة أن لا توبة له قد غفر له الذي أصاب. فكيف بمن ضل فصار من أهل ~~النار؟ # وأما اتخاذها في المواضع التي تقام فيها السنن فهو كالدعاء إليها ~~بالتصريح، لأن عمل إظهار الشرائع الإسلامية يوهم أن كل ما أظهر فيها فهو من ~~الشعائر، فكأن المظهر لها يقول: هذه سنة فاتبعوها. # قال أبو مصعب: قدم علينا ابن مهدي فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف، فلما ~~سلم الإمام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكا وكان قد صلى خلف الإمام فلما ~~سلم قال: من هاهنا من الحرس؟ فجاءه نفسان فقال: خذا صاحب هذا الثوب ~~فاحبساه: فحبس، فقيل له: إنه ابن مهدي فوجه إليه وقال له: ما خفت الله ~~واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف، وشغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت ~~في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # «من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» فبكى ~~ابن مهدي وآلى على نفسه # PageV02P554 # أن لا يفعل ذلك أبدا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في غيره. # وفي رواية عن ابن مهدي قال: فقال: يا عبد الرحمن! تصلي مستلبا؟ فقلت: يا ~~أبا عبد الله، إنه كان يوما حارا كما رأيت، فثقل ردائي علي. فقال: آلله ما ~~أردت بذلك الطعن على من مضى والخلاف عليه؟ قلت: آلله، قال: خلياه. # وحكى ابن وضاح قال: ثوب المؤذن بالمدينة في زمان مالك، فأرسل إليه مالك ~~فجاءه، فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف ms329 الناس طلوع ~~الفجر فيقومون. فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا شيئا لم يكن فيه، ~~قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر ~~وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه، فكف المؤذن عن ~~ذلك وأقام زمانا، ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر، فأرسل إليه مالك ~~فقال له: ما الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر. فقال له: ألم ~~أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن؟ فقال: إنما نهيتني عن التثويب. فقال له: ~~لا تفعل. فكف زمانا. ثم جعل يضرب الأبواب، فأرسل إليه مالك فقال: ما هذا ~~الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر. فقال له مالك: لا تفعل، ~~لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. # قال ابن وضاح: وكان مالك يكره التثويب قال وإنما أحدث هذا بالعراق. قيل ل ~~ابن وضاح: فهل كان يعمل به بمكة أو المدينة أو مصر أو # PageV02P555 # غيرها من الأمصار؟ فقال: ما سمعته إلا عند بعض الكوفيين والإباضيين. # فتأمل كيف منع مالك من إحداث أمر يخف شأنه عند الناظر فيه ببادئ الرأي ~~وجعله أمرا محدثا، وقد قال في التثويب: إنه ضلال، وهو بين، لأن: # «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» ولم يسامح للمؤذن في التنحنح ولا في ضرب ~~الأبواب، لأن ذلك جدير بأن يتخذ سنة، كما منع من وضع رداء عبد الرحمن بن ~~مهدي خوف أن يكون حدثا أحدثه. # وقد أحدث بالمغرب المتسمى بالمهدي تثويبا عند طلوع الفجر وهو قولهم أصبح ~~ولله الحمد إشعارا بأن الفجر قد طلع، لإلزام الطاعة، ولحضور الجماعة، وللغد ~~ولكل ما يؤمرون به. فيخصه هؤلاء المتأخرون تثويبا بالصلاة كالأذان. ونقل ~~أيضا إلى أهل المغرب الحزب المحدث بالإسكندرية، وهو المعتاد في جوامع ~~الأندلس وغيرها، فصار ذلك كله سنة في المساجد إلى الآن، فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون. # وقد فسر التثويب الذي أشار إليه مالك بأن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس ms330 ~~قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح. ~~وهذا نظير قولهم عندنا: الصلاة رحمكم الله. # وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه دخل مسجدا أراد أن يصلي فيه، فثوب ~~المؤذن، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد، وقال: اخرج بنا من عند هذا ~~المبتدع ولم يصل فيه. قال ابن رشد: وهذا نحو مما كان يفعل عندنا بجامع ~~قرطبة من أن # PageV02P556 # يفرد المؤذن بعد أذانه قبل الفجر النداء عند الفجر بقوله: حي على الصلاة: ~~ثم قال وقيل: إنما عنى بذلك قول المؤذن في أذانه: حي على خير العمل. لأنها ~~كلمة زادها في الأذان من خالف السنة من الشيعة. ووقع في المجموعة أن من سمع ~~التثويب وهو في المسجد خرج عنه، كفعل ابن عمر رضي الله عنهما . # وفي المسألة كلام، المقصود منه التثويب المكروه الذي قال فيه مالك: إنه ~~ضلال، والكلام يدل على التشديد في الأمور المحدثة أن تكون في مواضع ~~الجماعة، أو في المواطن التي تقام فيها السنن، والمحافظة على المشروعات أشد ~~المحافظة، لأنها إذا أقيمت هنالك أخذها الناس وعملوا بها، فكان وزر ذلك ~~عائدا على الفاعل أولا، فيكثر وزره ويعظم خطر بدعته. ### | [أن لا يستصغر البدعة ولا يستحقرها] # والشرط الرابع: أن لا يستصغرها ولا يستحقرها وإن فرضناها صغيرة فإن ذلك ~~استهانة بها، والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب، فكان ذلك سببا لعظم ما هو ~~صغير، وذلك أن الذنب له نظران: نظر من جهة رتبته في الشرط، ونظر من جهة ~~مخالفة الرب العظيم به، فأما النظر الأول فمن ذلك الوجه يعد صغيرا إذا ~~فهمنا من الشرع أنه صغير، لأنا نضعه حيث وضعه الشرع، وأما الآخر فهو راجع ~~إلى اعتقادنا في العمل به حيث نستحرم جهة الرب سبحانه بالمخالفة، والذي كان ~~يجب في حقنا أن نستعظم # PageV02P557 # ذلك جدا، إذ لا فرق في التحقيق بين المواجهتين المواجهة بالكبيرة، ~~والمواجهة بالصغيرة. # والمعصية من حيث هي معصية لا يفارقها النظران في الواقع أصلا، لأن تصورها ~~موقوف عليهما، فالاستعظام لوقوعها مع ms331 كونها يعتقد فيها أنها صغيرة لا ~~يتنافيان، لأنهما اعتباران من جهتين: فالعاصي وإن كان يعمل المعصية لم يقصد ~~بتعمده الاستهانة بالجانب العلي الرباني، وإنما قصد اتباع شهوته مثلا فيما ~~جعله الشارع صغيرا أو كبيرا، فيقع الإثم على حسبه، كما أن البدعة لم يقصد ~~بها صاحبها منازعة الشارع ولا التهاون بالشرع، وإنما قصد الجري على مقتضاه، ~~لكن بتأويل زاده ورجحه على غيره، بخلاف ما إذا تهاون بصغرها في الشرع فإنه ~~إنما تهاون بمخالفة الملك الحق، لأن النهي حاصل ومخالفته حاصلة، والتهاون ~~بها عظيم، ولذلك يقال: لا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى عظمة من واجهته ~~بها. # وفي الصحيح «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: أي يوم ~~هذا؟ قالوا: يوم الحج الأكبر، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم ~~حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني ~~جان على ولده ولا مولود على والده، ألا وإن الشيطان قد يئس أن يعبد في ~~بلدكم هذا أبدا، ولا تكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به»، ~~فقوله عليه الصلاة والسلام: فسيرضى به دليل على عظم الخطب فيما # PageV02P558 # يستحقر. # وهذا الشرط مما اعتبره الغزالي في هذا المقام، فإنه ذكر في الإحياء أن ~~مما تعظم به الصغيرة أن يستصغرها. (قال): فإن الذنب كلما استعظمه العبد من ~~نفسه صغر عند الله، وكلما استصغره كبر عند الله. ثم بين ذلك وبسطه. # فإذا تحصلت هذه الشروط فإذ ذاك يرجى أن تكون صغيرتها صغيرة، فإن تخلف شرط ~~منها أو أكثر صارت كبيرة، أو خيف أن تصير كبيرة، كما أن المعاصي كذلك، ~~والله أعلم. # PageV02P559 ### | [الباب السابع في الابتداع هل يدخل في الأمور العادية أم يختص بالأمور العبادية] ### | [الابتداع في الأمور العبادية] # قد تقدم في حد البدعة ما يقتضي الخلاف فيه: هل يدخل في الأمور العادية أم ~~لا؟ # أما العبادية فلا إشكال في دخوله فيها، وهي عامة الباب، إذ الأمور ~~العبادية إما أعمال قلبية وأمور اعتقادية، وإما أعمال جوارح ms332 من قول أو فعل، ~~وكلا القسمين قد دخل فيه الابتداع كمذهب القدرية والمرجئة، والخوارج ~~والمعتزلة، وكذلك مذهب الإباحة واختراع العبادات على غير مثال سابق ولا أصل ~~مرجوع إليه. ### | [الابتداع في الأمور العادية] # وأما العادية فاقتضى النظر وقوع الخلاف فيها وأمثلتها ظاهرة مما تقدم في ~~تقسيم البدع، كالمكوس، والمحدثة من المظالم، وتقديم الجهال على العلماء في ~~الولايات العلمية، وتولية المناصب الشريفة من ليس لها بأهل بطريق الوراثة، ~~وإقامة صور الأئمة وولاة الأمور والقضاة، واتخاذ المناخل وغسل اليد ~~بالأشنان ولبس الطيالس وتوسيع الأكمام. . . وأشباه ذلك من الأمور التي لم ~~تكن في الزمن الفاضل والسلف الصالح؛ فإنها أمور جرت في الناس وكثر العمل ~~بها، وشاعت وذاعت؛ فلحقت بالبدع، وصارت كالعبادات المخترعة # PageV02P561 # الجارية في الأمة، وهذا من الأدلة الدالة على ما قلنا، وإليه مال القرافي ~~وشيخه ابن عبد السلام، وذهب إليه بعض السلف. # فروى أبو نعيم الحافظ، عن محمد بن أسلم أنه ولد له ولد قال محمد بن ~~القاسم الطوسي فقال لي: اشتر كبشين عظيمين، ودفع إلي دراهم، فاشتريت له، ~~وأعطاني عشرة أخرى، وقال لي: اشتر بها دقيقا ولا تنخله واخبزه، قال: فنخلت ~~الدقيق وخبزته ثم جئت به، فقال: نخلت هذا؟ وأعطاني عشرة أخرى وقال: اشتر به ~~دقيقا ولا تنخله واخبزه. فخبزته وحملته إليه، فقال لي: يا أبا عبد الله ~~العقيقة سنة، ونخل الدقيق بدعة، ولا ينبغي أن يكون في السنة بدعة، ولم أحب ~~أن يكون ذلك الخبز في بيتي بعد أن كان بدعة. # ومحمد بن أسلم هذا هو الذي فسر به الحديث إسحاق ابن راهويه حيث سئل عن ~~السواد الأعظم في قوله عليه الصلاة والسلام: # «عليكم بالسواد الأعظم» فقال: محمد بن أسلم وأصحابه، حسبما يأتي إن شاء ~~الله في موضعه من هذا الكتاب. # - وأيضا، فإن تصور في العبادات وقوع الابتداع وقع في العادات لأنه لا فرق ~~بينهما فالأمور المشروعة تارة تكون عبادية وتارة عادية، فكلاهما مشروع من ~~قبل الشارع، فكما تقع المخالفة بالابتداع في أحدهما تقع في الآخر. # ووجه ثالث، وهو أن الشرع ms333 جاء بالوعد بأشياء تكون في آخر # PageV02P562 # الزمان هي خارجة عن سنته، فتدخل فيما تقدم تمثيله، لأنها من جنس واحد. # ففي الصحيح عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها. قالوا: فما تأمرنا يا رسول ~~الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم»، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «من كره من أميره شيئا فليصبر» # وفي رواية «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق ~~الجماعة شبرا فمات، مات ميتة جاهلية». # وفي الصحيح أيضا: # «إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة». # وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يتقارب ~~الزمان، ويقبض العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج. قال: يا رسول ~~الله! أيما هو؟ قال: القتل القتل». # وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # «إن بين يدي الساعة # PageV02P563 # لأياما ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج ~~القتل». # وعن حذيفة رضي الله عنه . قال: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر. حدثنا: أن الأمانة نزلت في جدر قلوب ~~الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة وحدثنا عن رفعها ثم قال: ~~ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة ~~فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفض فتراه ينتثر ~~وليس فيه شيء، ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة. فيقال: إن ~~في بني فلان رجلا أمينا. ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما ~~في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان» الحديث. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة: ~~دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، ms334 كلهم يزعم أنه ~~رسول، وحتى يقبض العلم، ثم قال: وحتى يتطاول الناس في البنيان» إلى آخر ~~الحديث. # PageV02P564 # وعن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «تخرج في آخر الزمان أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرءون القرآن، لا ~~يجاوز تراقيهم، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم ~~من الرمية.» # ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «بادروا ~~بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا يبيع دينه ~~بعرض الدنيا» # ، وفسر ذلك الحسن قال: يصبح محرما لدم أخيه وعرضه وماله، ويمسي مستحلا ~~له، كأنه تأوله على الحديث الآخر. # «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، والله أعلم. # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويشرب الخمر، ~~وتكثر النساء، ويقل الرجال، حتى يكون للخمسين امرأة قيم واحد». # PageV02P565 # ومن غريب حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # «إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء. قيل: وما هي يا رسول الله؟ ~~قال: إذا صار المغنم دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وأطاع الرجل ~~زوجته وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان ~~زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت الخمور، ولبس الحرير، ~~واتخذت القيان والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها. فليرتقبوا عند ذلك ريحا ~~حمراء، وزلزلة وخسفا، أو مسخا وقذفا». # وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه قريب من هذا. # وفيه: «ساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم» وفيه: «ظهرت القيان ~~والمعازف»، وفي آخره: «فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، وزلزلة، وخسفا، ~~ومسخا، وقذفا، وآيات تتابع، كنظام بال قطع سلكه فتتابع». # فهذه الأحاديث وأمثالها مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون ~~في هذه الأمة بعده إنما هو في الحقيقة تبديل الأعمال التي ms335 كانوا أحق بالعمل ~~بها، # PageV02P566 # فلما عوضوا منها غيرها، وفشا فيها كأنه من المعمول به تشريعا، كان من ~~جملة الحوادث الطارئة على نحو ما بين في العبادات. # والذين ذهبوا إلى أنه مختص بالعبادات لا يسلمون جميع الأولون. # أما ما تقدم عن القرافي وشيخه، فقد مر الجواب عنه، فإنها معاص في الجملة، ~~ومخالفات للمشروع، كالمكوس والمظالم وتقديم الجهال على العلماء. . . وغير ~~ذلك. # والمباح منها كالمناخل، إن فرض مباحا كما قالوا فإنما إباحته بدليل شرعي ~~فلا ابتداع فيه. وإن فرض مكروها كما أشار إليه محمد بن أسلم فوجه الكراهية ~~عنده كونها عدت من المحدثات، إذ في الأمر: أول ما أحدث بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المناخل أو كما قال فأخذ بظاهر اللفظ من أخذ به، كمحمد بن ~~أسلم. # وظاهره أن ذلك من ناحية السرف والتنعم الذي أشار إلى كراهيته قوله تعالى: ~~{أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} [الأحقاف: 20] الآية، لا من جهة أنه ~~بدعة. # وقولهم: كما يتصور ذلك في العبادات يتصور في العادات مسلم، وليس كلامنا ~~في الجواز العقلي، وإنما الكلام في الوقوع، وفيه # PageV02P567 # النزاع. # - وأما ما احتجوا به من الأحاديث فليس فيها على المسألة دليل واحد، إذ لم ~~ينص على أنها بدع أو محدثات، أو ما يشير إلى ذلك المعنى. # - وأيضا إن عدوا كل محدث العادات بدعة، فليعدوا جميع ما لم يكن فيهم من ~~المآكل والمشارب والملابس والكلام والمسائل النازلة التي لا عهد بها في ~~الزمان الأول بدعا، وهذا شنيع، فإن من العوائد ما تختلف بحسب الأزمان ~~والأمكنة والاسم، فيكون كل من خالف العرب الذين أدركوا الصحابة واعتادوا ~~مثل عوائدهم غير متبعين لهم، هذا من المستنكر جدا. # نعم؛ لا بد من المحافظة في العوائد المختلفة على الحدود الشرعية ~~والقوانين الجارية على مقتضى الكتاب والسنة. # - وأيضا، فقد يكون التزام الزي الواحد والحالة الواحدة أو العادة الواحدة ~~تعبا ومشقة لاختلاف الأخلاق والأزمنة والأحوال، والشريعة تأبى التضييق ~~والحرج فيما دل الشرع على جوازه ولم يكن ثم معارض. # وإنما جعل الشارع ما تقدم في الأحاديث ms336 المذكورة من فساد الزمان وأشراط ~~الساعة لظهورها وفحشها (بالنسبة) إلى متقدم الزمان، فإن الخير كان أظهر، ~~والشر كان أخفى وأقل، بخلاف آخر الزمان فإن الأمر فيه على العكس، والشر فيه ~~أظهر والخير أخفى وأقل. # وأما كون تلك الأشياء بدعا؛ فغير مفهوم على الطريقتين في حد # PageV02P568 # البدعة، فراجع النظر فيها تجده كذلك. # والصواب في المسألة طريقة أخرى وهي تجمع شتات النظرين، وتحقق المقصود في ~~الطريقتين، وهو الذي بني عليه ترجمة هذا الباب، فلنفرده في فصل على حدته ~~والله الموفق للصواب. ### | [فصل أفعال المكلفين التي تكون من قبيل العادات هل يدخل فيها البدع] # أفعال المكلفين بحسب النظر الشرعي فيها على ضربين: أحدهما: أن تكون من ~~قبيل التعبدات. والثاني: أن تكون من قبيل العادات. # فأما الأول: فلا نظر فيه هاهنا. # وأما الثاني: وهو العادي فظاهر النقل عن السلف الأولين أن المسألة تختلف ~~فيها، فمنهم من يرشد كلامه إلى أن العاديات كالعباديات، فكما أنا مأمورون ~~في العبادات بأن لا نحدث فيها، فكذلك العاديات، وهو ظاهر كلام محمد بن ~~أسلم، حيث كره في سنة العقيقة مخالفة من قبله في أمر عادي، وهو استعمال ~~المناخل، مع العلم بأنه معقول المعنى نظرا منه والله أعلم إلى أن الأمر ~~باتباع الأولين على العموم غلب عليه جهة التعبد، ويظهر أيضا من كلام من ~~قال: أول ما أحدث الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المناخل. # ويحكى عن الربيع بن أبي راشد أنه قال: لولا أني أخاف من كان قبلي لكانت ~~الجبانة مسكني إلى أن أموت. والسكنى أمر عادي بلا إشكال. # PageV02P569 # وعلى هذا الترتيب يكون قسم العاديات داخلا في قسم العباديات، فدخول ~~الابتداع فيه ظاهر، والأكثرون على خلاف هذا. # وعليه نبني الكلام فنقول: ثبت في الأصول الشرعية أنه لا بد في كل عادي من ~~شائبة التعبد، لأن ما لم يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي ~~عنه؛ فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو ~~المراد بالعادي، فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع ms337 ~~والنكاح والشراء والطلاق والإجارات والجنايات كلها عادي، لأن أحكامها ~~معقولة المعنى، ولا بد فيها من التعبد، إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة ~~للمكلف فيها؛ كانت اقتضاء أو تخييرا؛ فإن التخيير في التعبدات إلزام، كما ~~أن الاقتضاء إلزام حسبما تقرر برهانه في كتاب " الموافقات " وإذا كان كذلك ~~- فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأمور ~~العادية من ذلك الوجه؛ صح دخوله في العاديات كالعباديات، وإلا فلا. # وهذه هي النكتة التي يدور عليها حكم الباب، ويتبين ذلك بالأمثلة: # فمما أتى به القرافي وضع المكوس في معاملات الناس، فلا يخلو هذا الوضع ~~المحرم أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتا ما، أو في حالة ما، لنيل حطام ~~الدنيا، على هئية غصب الغاصب، وسرقة السارق، وقطع القاطع للطريق. . .، وما ~~أشبه ذلك، أو يكون على قصد وضعه على الناس؛ كالدين الموضوع والأمر المحتوم ~~عليهم دائما، أو في أوقات محدودة، على كيفيات مضروبة، بحيث تضاهي المشروع ~~الدائم # PageV02P570 # الذي يحمل عليه العامة ويؤخذون به وتوجه على الممتنع منه العقوبة، كما في ~~أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك. # فأما الثاني فظاهر أنه بدعة، إذ هو تشريع زائد، وإلزام للمكلفين يضاهي ~~إلزامهم الزكاة المفروضة، والديات المضروبة، والغرامات المحكوم بها في ~~أموال الغصاب والمعتدين، بل صار في حقهم كالعبادات المفروضة، واللوازم ~~المحتومة، أو ما أشبه ذلك، فمن هذه الجهة يصير بدعة بلا شك، لأنه شرع ~~مستدرك وسنن في التكليف مهيع. # فتصير المكوس - على هذا الفرض - لها نظران: نظر من جهة كونها محرمة على ~~الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم، ونظر من جهة كونها اختراعا لتشريع ~~يؤخذ به الناس إلى الموت كما يؤخذون بسائر التكاليف، فاجتمع فيها نهيان: ~~نهي عن المعصية، ونهي عن البدعة، وليس ذلك موجودا في البدع في القسم الأول، ~~وإنما يوجد به النهي من جهة كونها تشريعا موضوعا على الناس أمر وجوب أو ~~ندب، إذ ليس فيه جهة أخرى يكون بها معصية، بل نفس التشريع هو نفس الممنوع. # - وكذلك تقديم الجهال على ms338 العلماء، وتولية المناصب الشريفة من لا يصلح ~~بطريق التوريث، هو من قبيل ما تقدم، فإن جعل الجاهل في موضع العالم حتى ~~يصير مفتيا في الدين، ومعمولا بقوله في الأموال والدماء والأبضاع وغيرها، ~~محرم في الدين، وكون ذلك يتخذ ديدنا حتى يصير الابن مستحقا لرتبة الأب وإن ~~لم يبلغ رتبة الأب في ذلك المنصب بطريق الوراثة أو غير ذلك، بحيث يشيع هذا ~~العمل ويطرد ويرده الناس؛ كالشرع الذي لا يخالف؛ بدعة بلا إشكال، زيادة إلى ~~القول بالرأي غير # PageV02P571 # الجاري على العلم، وهو بدعة أو سبب البدعة كما سيأتي تفسيره إن شاء الله، ~~وهو الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم ~~فضلوا وأضلوا» وإنما ضلوا لأنهم أفتوا بالرأي إذ ليس عندهم علم. # وأما إقامة الأئمة والقضاة وولاة الأمر على خلاف ما كان عليه السلف فقد ~~تقدم أن البدعة لا تتصور هنا، وذلك صحيح، فإن تكلف أحد فيها ذلك فيبعد جدا، ~~وذلك بفرض أن يعتقد في ذلك العمل أنه مما يطلب به الأئمة على الخصوص تشريعا ~~خارجا عن قبيل المصالح المرسلة، بحيث يعد من الدين الذي يدين به هؤلاء ~~المطلوبون به، أو يكون ذلك مما يعد خاصا بالأئمة دون غيرهم، كما يزعم ~~بعضهم: أن خاتم # PageV02P572 # الذهب جائز لذوي السلطان، أو يقول: إن الحرير جائز لهم لبسه دون غيرهم، ~~وهذا أقرب من الأول في تصور البدعة في حق هذا القسم. # ويشبهه على قرب زخرفة المساجد، إذ كثير من الناس يعتقد أنها من قبيل ~~ترفيع بيوت الله، وكذلك تعليق الثريات الخطيرة الأثمان، حتى يعد الإنفاق في ~~ذلك إنفاقا في سبيل الله، وكذلك إذا اعتقد في زخارف الملوك وإقامة صورهم ~~أنها من جملة ترفيع الإسلام وإظهار معالمه وشعائره، أو قصد ذلك في فعله ~~أولا بأنه ترفيع للإسلام لما لم يأذن الله به، وليس ما حكاه القرافي عن ~~معاوية من قبيل هذه الزخارف، بل من قبيل المعتاد في اللباس والاحتياط في ~~الحجاب مخافة ms339 من انخراق خرق يتسع فلا يرفع هذا إن صح ما قال، وإلا، فلا ~~يعول على نقل المؤرخين ومن لا يعتبر من المؤلفين، وأحرى ألا ينبني عليه ~~حكم. # - وأما مسألة المناخل فقد مر ما فيها، والمعتاد فيها أنه لا يلحقها أحد ~~بالدين، ولا بتدبير الدنيا بحيث لا ينفك عنه كالتشريع، فلا نطول به. # وعلى ذلك الترتيب ينظر فيما قاله ابن عبد السلام من غير فرق، فتبين مجال ~~البدعة في العاديات من مجال غيرها، وقد تقدم أيضا فيها كلام فراجعه إن ~~احتجت إليه. # وأما وجه النظر في أمثلة الوجه الثالث من أوجه دخول الابتداع في # PageV02P573 # العادات على ما أريد تحقيقه، فنقول: إن مدارك تلك الأحاديث على بضع عشرة ~~خصلة، يمكن ردها إلى أصول هي كلها أو غالبها بدع، وهي قلة العلم وظهور ~~الجهل، والشح وقبض الأمانة، وتحليل الدماء والزنا والحرير والغناء والربا ~~والخمر، وكون المغنم دولا، والزكاة مغرما، وارتفاع الأصوات في المساجد، ~~وتقديم الأحداث، ولعن آخر الأمة أولها، وخروج الدجالين، ومفارقة الجماعة. # - أما قلة العلم وظهور الجهل فبسبب التفقه للدنيا، وهذا إخبار بمقدمة ~~أنتجتها الفتيا بغير علم حسبما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله لا يقبض ~~العلم انتزاعا ينتزعه من الناس» إلى آخره وذلك أن الناس لا بد لهم من قائد ~~يقودهم في الدين بجرائمهم، وإلا؛ وقع الهرج وفسد النظام، فيضطرون إلى ~~الخروج إلى من انتصب لهم منصب الهداية، وهو الذي يسمونه عالما، فلا بد أن ~~يحملهم على رأيه في الدين؛ لأن الفرض أنه جاهل، فيضلهم عن الصراط المستقيم؛ ~~كما أنه ضال عنه، وهذا عين الابتداع، لأنه التشريع بغير أصل من كتاب ولا ~~سنة. ودل هذا الحديث على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل العلماء، وإنما يؤتون ~~من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم فيؤتى الناس من قبله، وسيأتي ~~لهذا المعنى بسط أوسع من هذا إن شاء الله. # وأما الشح؛ فإنه مقدمة لبدعة الاحتيال على تحليل الحرام، وذلك أن الناس ~~يشحون بأموالهم فلا يسمحون بتصريفها في مكارم الأخلاق ms340 ومحاسن الشيم؛ ~~كالإحسان بالصدقات والهبات والمواساة والإيثار # PageV02P574 # على النفس. ويليه أنواع القرض الجائز، ويليه التجاوز في المعاملات بإنظار ~~المعسر، وبالإسقاط كما قال: {وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة: ~~280]، وهذا كان شأن من تقدم من السلف الصالح. ثم نقص الإحسان بالوجوه ~~الأول. فتسامح الناس بالقرض. ثم نقص ذلك حتى صار الموسر لا يسمح بما في ~~يديه فيضطر المعسر إلى أن يدخل في المعاملات التي ظاهرها الجواز وباطنها ~~المنع؛ كالربا والسلف الذي يجر النفع، فيجعل بيعا في الظاهر، ويجري في ~~الناس شرعا شائعا، ويدين به العامة، وينصبون هذه المعاملات متاجر، وأصلها ~~الشح بالأموال وحب الزخارف الدنيوية والشهوات العاجلة، فإذا كان كذلك؛ ~~فالحري أن يصير ذلك ابتداعا في الدين، وأن يجعل من أشراط الساعة. # فإن قيل: هذا انتجاع من مكان بعيد، وتكلف لا دليل عليه. فالجواب: أنه ~~لولا أن ذلك مفهوم من الشرع لما قيل به، فقد روى أحمد في مسنده من حديث ابن ~~عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، ~~وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا ~~دينهم». # ورواه أبو داود أيضا وقال فيه: # «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، ~~سلط الله عليكم ذلا لا ينتزعه حتى ترجعوا إلى دينكم.» # PageV02P575 # فتأمل كيف قرن التبايع بالعينة بضنة الناس، فأشعر بأن التبايع بالعينة ~~يكون عن الشح بالأموال، وهو معقول في نفسه، فإن الرجل لا يتبايع أبدا هذا ~~التبايع وهو يجد من يسلفه أو من يعينه في حاجته، إلا أن يكون سفيها لا عقل ~~له. # ويشهد لهذا المعنى ما خرجه أبو داود أيضا عن علي رضي الله عنه قال: # سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده، ولم يؤمر بذلك. قال ~~الله تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [سبأ: 39]، ~~وينهد شرار خلق الله يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطر ms341 حرام ; المسلم أخو ~~المسلم لا يظلمه ولا يخونه، إن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده ~~هلاكا إلى هلاكه. # وهذه الأحاديث الثلاثة وإن كانت أسانيدها ليست هناك مما يعضد بعضه بعضا، ~~وهو خبر حق في نفسه يشهد له الواقع. # قال بعضهم: عامة العينة إنما تقع من رجل يضطر إلى نفقة يضن # PageV02P576 # عليه الموسر بالقرض إلى أن يربحه في المائة ما أحب، فيبيعها ثمن المائة ~~بضعفها أو نحو ذلك، ففسر بيع المضطر ببيع العينة، وبيع العينة إنما هو ~~العين بأكثر منها إلى أجل حسبما هو مبسوط في الفقهيات فقد صار الشح إذا ~~سببا في دخول هذه المفاسد في البيوع. # فإن قيل: كلامنا في البدعة في فساد المعصية، لأن هذه الأشياء بيوع فاسدة ~~فصارت من باب آخر لا كلام لنا فيه. # فالجواب: أن مدخل البدعة هاهنا من باب الاحتيال الذي أجازه بعض الناس، ~~فقد عده العلماء من البدع المحدثات، حتى قال ابن المبارك في كتاب وضع في ~~الحيل: من وضع هذا فهو كافر، ومن سمع به فرضي به فهو كافر، ومن حمله من ~~كورة إلى كورة فهو كافر، ومن كان عنده فرضي به فهو كافر، وذلك أنه وقع فيه ~~الاحتيالات بأشياء منكرة، حتى احتال على فراق الزوجة زوجها بأن ترتد. # وقال إسحاق ابن راهويه، عن سفيان بن عبد الملك: أن ابن المبارك قال في ~~قصة بنت أبي روح حيث أمرت بالارتداد، وذلك في أيام أبي غسان: فذكر شيئا. ثم ~~قال ابن المبارك وهو مغضب: أحدثوا في الإسلام، ومن كان أمر بهذا فهو كافر. ~~ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به أو صوبه ولم يأمر به فهو ~~كافر، ثم قال ابن المبارك: ما أرى الشيطان يحسن مثل هذا، حتى جاء هؤلاء ~~فأفادها منهم فأشاعها حينئذ، ولو كان يحسنها لم يجد من يمضيها فيهم، حتى ~~جاء هؤلاء. # وإنما وضع هذا الكتاب وأمثاله ليكون حجة على زعمهم في أن يحتالوا للحرام ~~حتى يصير حلالا، وللواجب حتى يكون غير واجب. وما ms342 # PageV02P577 # أشبه ذلك من الأمور الخارجة عن نظام الدين، كما أجازوا نكاح المحلل، وهو ~~احتيال على رد المطلقة ثلاثا لمن طلقها، وأجازوا إسقاط فرض الزكاة بالهبة ~~المستعارة، وأشباه ذلك؛ فقد ظهر وجه الإشارة في الأحاديث المتقدمة المذكور ~~فيها الشح، وأنها تتضمن ابتداعا كما تتضمن معاصي جمة. # وأما قبض الأمانة فعبارة عن شيوع الخيانة، وهي من سمات أهل النفاق، ولكن ~~قد صار في الناس بعض أنواعها تشريعا، وحكيت عن قوم ممن ينتمي إلى العلم كما ~~حكيت عن كثير من الأمراء، فإن أهل الحيل المشار إليهم إنما بنوا في بيع ~~العينة على إخفاء ما لو أظهروه لكان البيع فاسدا، فأخفوه لتظهر صحته، فإن ~~بيعه الثوب بمائة وخمسين إلى أجل، لكنهما أظهرا وساطة الثوب، وأنه هو ~~المبيع والمشترى، وليس كذلك، بدليل الواقع. # وكذلك يهب ماله عند رأس الحول قائلا بلسان حاله ومقاله: أنا غير محتاج ~~إلى هذا المال وأنت أحوج إليه مني، ثم يهبه، فإذا جاء الحول الآخر قال ~~الموهوب له للواهب مثل المقالة الأولى، والجميع في الحالين، - بل في ~~الحولين - في تصريف المال سواء، أليس هذا خلاف الأمانة؟! والتكليف من أصله ~~أمانة فيما بين العبد وربه، فالعمل بخلافه خيانة. # ومن ذلك أن بعض الناس كان يحقر الزينة ويرد من الكذب، ومعنى الزينة ~~التدليس بالعيوب، وهذا خلاف الأمانة والنصح لكل مسلم. # وأيضا فإن كثيرا من الأمراء يحتاجون أموال الناس اعتقادا منهم أنها لهم ~~دون المسلمين. ومنهم من يعتقد نوعا من ذلك في الغنائم المأخوذة # PageV02P578 # عنوة من الكفار، فيجعلونها في بيت المال، ويحرمون الغانمين من حظوظهم ~~منها تأويلا على الشريعة بالعقول. فوجه البدعة ها هنا ظاهر. # وقد تقدم التنبيه على ذلك في تمثيل البدع الداخلة في الضروريات في الباب ~~قبل هذا. # ويدخل تحت هذا النمط كون الغنائم تصير دولا، وقوله: # «سترون بعدي أثرة وأمراء تنكرونها، ثم قال: أدوا إليهم حقهم وسلوا الله ~~حقكم.» # وأما تحليل الدماء والربا والحرير والغناء والخمر، فخرج أبو داود وأحمد ~~وغيرهما عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه سمع رسول ms343 الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» زاد ابن ماجه «يعزف على ~~رءوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة ~~والخنازير» # PageV02P579 # وخرجه البخاري، عن أبي عامر وأبي مالك الأشعري قال فيه: # «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن ~~أقوام إلى جنب علم، تروح عليهم سارحة لهم يأتيهم رجل لحاجة فيقولون: ارجع ~~إلينا غدا، فيبيتهم الله ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم ~~القيامة.» وفي سنن أبي داود: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير» ~~وقال في آخره «يمسخ منهم آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة». # والخز هنا نوع من الحرير ليس الخز المأذون فيها المنسوج من حرير وغيره. ~~وقوله في الحديث: «ولينزلن أقوام» يعني والله أعلم من هؤلاء المستحلين، ~~والمعنى إن هؤلاء المستحلين ينزل منهم أقوام إلى جنب علم، وهو الجبل، ~~فيواعدهم إلى الغد، فيبيتهم الله وهو أخذ العذاب ليلا ويمسخ منهم آخرين؛ ~~كما في حديث أبي داود كما في الحديث حيث قال: «يخسف الله بهم الأرض ويمسخ ~~منهم قردة وخنازير». وكأن الخسف هاهنا التبييت المذكور في الآخر. # PageV02P580 # وهذا نص في أن هؤلاء الذين استحلوا هذه المحارم كانوا متأولين فيها حيث ~~زعموا أن الشراب الذي شربوه ليس هو الخمر، وإنما له اسم آخر، إما النبيذ أو ~~غيره، وإنما الخمر عصير العنب النيء، وهذا رأي طائفة من الكوفيين وقد ثبت ~~أن كل مسكر خمر. # قال بعضهم: وإنما أتى على هؤلاء حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء ~~الاسم، ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته. قال: وهذه بعينها شبهة ~~اليهود في استحلالهم أخذ الحيتان يوم الأحد بما أوقعوها به يوم السبت في ~~الشباك والحفائر من فعلهم يوم الجمعة حيث قالوا: ليس هذا بصيد ولا عمل يوم ~~السبت، وليس هذا باستباحة السبت. # بل الذي يستحل الخمر زاعما (أنه) ليس خمرا مع علمه بأن معناه الخمر ~~ومقصوده مقصود الخمر، أفسد تأويلا من جهة أن أهل الكوفة من أكثر الناس ~~قياسا، ms344 فلئن كان من القياس ما هو حق، فإن قياس الخمر المنبوذة على الخمر ~~العصيرة من القياس في معنى الأصل. وهو من القياس الجلي. إذ ليس بينهما من ~~الفرق ما يتوهم أنه مؤثر في التحريم. # فإذا كان هؤلاء المذكورون في الحديث إنما شربوا الخمر استحلالا لها لما ~~ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع عليه اللفظ، وظنوا أن لفظ الخمر لا يقع على غير ~~عصير العنب النيء فشبهتهم في استحلال الحرير والمعازف أظهر بأنه أبيح ~~الحرير للنساء مطلقا، وللرجال في بعض الأحوال، فكذلك الغناء والدف قد أبيح ~~في العرس ونحوه، وأبيح منه # PageV02P581 # الحداء وغيره، وليس في هذا النوع من دلائل التحريم ما في الخمر، فظهر ذم ~~الذين يخسف بهم ويمسخون، إنما فعل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد الذي ~~استحلوا به المحارم بطريق الحيلة وأعرضوا عن مقصود الشارع وحكمته في تحريم ~~هذه الأشياء. # وقد خرج ابن بطة عن الأوزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يأتي على ~~الناس زمان يستحلون فيه الربا بالبيع» قال بعضهم: يعني العينة. # وروي في استحلال الربا حديث رواه إبراهيم الحربي عن أبي ثعلبة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض يستحل فيه الحرير ~~والحر» يريد استحلال الفروج الحرام، والحر بكسر الحاء المهملة والراء ~~المخففة الفرج، قالوا: ويشبه والله أعلم أن يراد بذلك ظهور استحلال نكاح ~~المحلل ونحو ذلك مما يوجب استحلال الفروج المحرمة، فإن الأمة لم يستحل أحد ~~منها الزنا الصريح، ولم يرد بالاستحلال مجرد الفعل، فإن هذا لم يزل معمولا ~~في الناس، ثم لفظ الاستحلال إنما يستعمل في الأصل فيمن اعتقد الشيء حلالا، ~~والواقع كذلك؛ فإن هذا الملك العضوض # PageV02P582 # الذي كان بعد الملك والجبرية قد كان في أواخر عصر التابعين، في تلك ~~الأزمان صار في أولي الأمر من يفتي بنكاح المحلل ونحوه، ولم يكن قبل ذلك من ~~يفتي به أصلا. # ويؤيد ذلك أنه في حديث ابن مسعود رضي الله عنه المشهور أن رسول الله صلى ms345 ~~الله عليه وسلم: «لعن آكل الربا وشاهديه وكاتبه والمحلل والمحلل له». # وروى أحمد، عن ابن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله» فهذا يشعر ~~بأن التحليل من الزنا، كما يشعر أن العينة من الربا. وقد جاء عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما موقوفا قال: يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء: ~~يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها، والسحت بالهدية، والقتل بالرهبة، والزنا ~~بالنكاح، والربا بالبيع، فإن الثلاثة المذكورة أولا قد سنت، وأما السحت ~~الذي هو العطية للوالي والحاكم ونحوهما باسم الهدية فهو ظاهر، واستحلال ~~القتل باسم الإرهاب الذي يسميه ولاة الظلم سياسة وأبهة الملك ونحو ذلك، ~~فظاهر أيضا، وهو نوع من أنواع شريعة القتل المخترعة. # PageV02P583 # وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بهذا النوع من الخصال فقال: ~~«إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يتجاوز حناجرهم، يقتلون أهل ~~الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». # ولعل هؤلاء المرادون بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه : # «يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا» الحديث. يدل عليه تفسير الحسن قال: يصبح ~~محرما لدم أخيه وعرضه ويمسي مستحلا، إلى آخره. # وقد وضع القتل شرعا معمولا به على غير سنة الله وسنة رسوله المتسمي ~~بالمهدي المغربي الذي زعم أنه المبشر به في الأحاديث، فجعل القتل عقابا في ~~ثمانية عشر صنفا، ذكروا منها: الكذب، والمداهنة، وأخذهم أيضا بالقتل في ترك ~~امتثال أمر من يستمع أمره وبايعوه على ذلك، وكان يعظهم في كل وقت ويذكرهم، ~~ومن لم يحضر أدب، فإن تمادى قتل، وكل من لم يتأدب بما أدب به ضرب بالسوط ~~المرة والمرتين، فإن ظهر منه عناد في ترك امتثال الأوامر قتل، ومن داهن على ~~أخيه أو أبيه أو من يكرم عليه أو المقدم عليه قتل. وكل من شك في عصمته قتل ~~أو شك في أنه المهدي المبشر به، وكل من خالف ms346 أمره، أمر الصحابة # PageV02P584 # فعروه، فكان أكثر تأديبه القتل كما ترى . كما أنه كان من رأيه أن لا يصلي ~~خلف إمام أو خطيب يأخذ أجرا على الإمامة أو الخطابة، وكذلك لبس الثياب ~~الرفيعة وإن كانت حلالا فقد حكوا عنه قبل أن يستفحل أمره أنه ترك الصلاة ~~خلف خطيب أغمات بذلك السبب، فقدم خطيب آخر في ثياب حفيلة تباين التواضع ~~بزعمهم فترك الصلاة خلفه. # وكان من رأيه ترك الرأي واتباع مذاهب الظاهرية، قال العلماء: وهو بدعة ~~ظهرت في الشريعة بعد المائتين، ومن رأيه أن التمادي على ذرة من الباطل ~~كالتمادي على الباطل كله. # وذكر في كتاب " الإمامة " أنه هو الإمام، وأصحابه هم الغرباء الذين قيل ~~فيهم: # «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء»، وقال في الكتاب ~~المذكور: جاء الله بالمهدي، وطاعته صافية نقية لم ير مثلها قبل ولا بعد، ~~وأن به قامت السموات والأرض، وبه تقوم، ولا ضد له ولا مثل ولا ند، انتهى. ~~وكذب، فالمهدي عيسى عليه السلام. # وكان يأمرهم بلزوم الحزب بعد صلاة الصبح، وبعد المغرب، فأمر المؤذنين إذا ~~طلع الفجر أن ينادوا: " أصبح ولله الحمد " إشعارا زعموا بأن الفجر قد طلع ~~لإلزام الطاعة، ولحضور الجماعة، وللغدو لكل ما يؤمرون به. # PageV02P585 # وله اختراعات وابتداعات غير ما ذكرنا، وجميع ذلك إلى أنه قائل برأيه في ~~العبادات والعادات، مع زعمه أنه قائل بالرأي. وهو التناقض بعينه. فقد ظهر ~~إذن جريان تلك الأشياء على الابتداع. # وأما كون الزكاة مغرما، فالمغرم ما يلزم أداؤه من الديون والغرامات، كان ~~الولاة يلزمونها الناس بشيء معلوم من غير نظر إلى قلة مال الزكاة أو كثرته ~~أو قصوره عن النصاب أو عدم قصوره، بل يأخذونهم بها على كل حال إلى الموت، ~~وكون هذا بدعة، ظاهر. # وأما ارتفاع الأصوات في المساجد فناشئ عن بدعة الجدال في الدين، فإن من ~~عادة قراءة العلم وإقرائه وسماعه أن يكون في المساجد، ومن آدابه أن لا ترفع ~~فيه الأصوات في غير المساجد، فما ظنك به في المساجد؟ فالجدال فيه زيادة ~~الهوى، فإنه ms347 غير مشروع في الأصل. فقد جعل العلماء من عقائد الإسلام ترك ~~المراء والجدال في الدين. وهو الكلام فيما لم يؤذن في الكلام فيه. كالكلام ~~في المتشابهات من الصفات والأفعال وغيرهما. وكمتشابهات القرآن. ولأجل ذلك ~~جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «تلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات} [آل ~~عمران: 7] قال: فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» # PageV02P586 # وفي الحديث: # «ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل»، وجاء عنه عليه السلام أنه قال: «لا ~~تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر» وعنه عليه السلام أنه قال: «إن ~~القرآن يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض ما علمتم منه فاقبلوه وما لم ~~تعلموه فكلوه إلى عالمه»، وقال عليه السلام: «اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه ~~قلوبكم. فإذا اختلفتم فيه فقوموا عنه»، وخرج ابن وهب، عن معاوية بن قرة ~~قال: إياكم والخصومات في الدين فإنها تحبط الأعمال. # وقال النخعي في قوله تعالى: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء} [المائدة: ~~64] قال: الجدال والخصومات في الدين. # وقال معن بن عيسى: انصرف مالك يوما إلى المسجد وهو متكئ # PageV02P587 # على يدي، فلحقه رجل يقال له أبو الجديرة يتهم بالإرجاء. فقال: يا أبا عبد ~~الله! اسمع مني شيئا أكلمك به وأحاجك برأيي. فقال له: احذر أن أشهد عليك. ~~قال: والله ما أريد إلا الحق، اسمع مني فإن كان صوابا فقل به أو فتكلم. ~~قال: فإن غلبتني؟ قال: اتبعني. قال: فإن غلبتك؟ قال: اتبعتك. قال: فإن جاء ~~رجل فكلمناه فغلبناه؟ قال: اتبعنا. فقال له مالك: يا عبد الله! بعث الله ~~محمدا بدين واحد وأراك تنتقل. # وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه عرضا للخصومات أكثر التنقل. # وقال مالك: ليس الجدال في الدين بشيء. # والكلام في ذم الجدال كثير. فإذا كان مذموما فمن جعله محمودا وعده من ~~العلوم النافعة بإطلاق فقد ابتدع في الدين. ولما كان اتباع الهوى أصل ~~الابتداع لم يعدم صاحب الجدال ms348 أن يماري ويطلب الغلبة، وذلك مظنة رفع ~~الأصوات. # فإن قيل: عددت رفع الأصوات من فروع الجدال وخواصه وليس كذلك، فرفع ~~الأصوات قد يكون في العلم، ولذلك كره رفع الأصوات في المسجد، وإن كان في ~~العلم أو في غير العلم. # قال ابن القاسم في المبسوط: رأيت مالكا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم في ~~المسجد. # وعلل ذلك محمد بن مسلمة بعلتين: إحداهما: أنه يحب أن ينزه المسجد عن مثل ~~هذا لأنه أمر # PageV02P588 # بتعظيمه وتوقيره. # والثانية: أنه مبني للصلاة، وقد أمرنا أن نأتيها وعلينا السكينة والوقار، ~~فأن يلزم ذلك في موضعها المتخذ لها أولى. # وروى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنى رحبة بين ناحية المسجد تسمى ~~البطيحاء وقال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى ~~هذه الرحبة. فإذا كان كذلك، فمن أين يدل ذم رفع الصوت في المسجد على الجدل ~~المنهي عنه؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن رفع الصوت من خواص الجدل المذموم، أعني: في أكثر الأمر دون ~~الفلتات؛ لأن رفع الصوت والخروج عن الاعتدال فيه ناشئ عن الهوى في الشيء ~~المتكلم فيه، وأقرب الكلام الخاص بالمسجد إلى رفع الصوت، الكلام فيما لم ~~يؤذن فيه، وهو الجدال الذي نبه عليه الحديث المتقدم. # وأيضا؛ لم يكثر الكلام جدا في نوع من أنواع العلم في الزمان المتقدم إلا ~~في علم الكلام، وإلى غرضه تصوبت سهام النقد والذم، فهو إذا هوى. وقد روي عن ~~عميرة بن أبي ناجية المصري أنه رأى قوما يتعارون في المسجد وقد علت أصواتهم ~~فقال: هؤلاء قوم قد ملوا العبادة، وأقبلوا # PageV02P589 # على الكلام، اللهم أمت عميرة، فمات من عامه ذلك في الحج، فرأى رجل في ~~النوم قائلا يقول: مات في هذه الليلة نصف الناس فعرفت تلك الليلة، فجاء موت ~~عميرة هذا. # والثاني: أنا لو سلمنا أن مجرد رفع الأصوات يدل على ما قلنا لكان أيضا من ~~البدع إذا عد كأنه من الجائز في جميع أنواع العلم فصار معمولا به لا نفي ~~ولا يكف ms349 عنه فجرى مجرى البدع المحدثات. # وأما تقديم الأحداث على غيرهم، فمن قبيل ما تقدم في كثرة الجهال وقلة ~~العلم، كان ذلك التقديم في ريب العلم أو غيره، لأن الحدث أبدا أو في غالب ~~الأمر غر لم يتحنك، ولم يرتض في صناعة رياضة تبلغه مبالغ الراسخين الأقدام ~~في تلك الصناعة، ولذلك قالوا في المثل: # وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس # هذا إن حملنا على حداثة السن، وهو نص في ابن مسعود رضي الله عنه ، فإن ~~حملناه على حدثان العهد بالصناعة، ويحتمله قوله: «وكان زعيم القوم أرذلهم» ~~وقوله: «وساد القبيلة فاسقهم» وقوله: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله» ~~فالمعنى فيها واحد، فإن الحديث العهد بالشيء لا يبلغ مبالغ القديم العهد ~~فيه. # ولذلك يحكى عن الشيخ أبي مدين أنه سئل عن الأحداث الذين نهى شيوخ الصوفية ~~عنهم، فقال: الحدث الذي لم يستكمل الأمر بعد، # PageV02P590 # وإن كان ابن ثمانين سنة. # فإذا تقديم الأحداث على غيرهم، من باب تقديم الجهال على غيرهم، ولذلك قال ~~فيهم: سفهاء الأحلام وقال: «يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم» إلى آخره، وهو ~~منزل على الحديث الآخر في الخوارج: # «إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم» إلى آخر الحديث، ~~يعني أنهم لم يتفقهوا فيه، فهو في ألسنتهم لا في قلوبهم. # وأما لعن آخر هذه الأمة أولها، فظاهر مما ذكر العلماء عن بعض الفرق ~~الضالة، فإن الكاملية من الشيعة كفرت الصحابة رضي الله عنهم ، حين لم ~~يصرفوا الخلافة إلى علي رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكفرت عليا رضي الله عنه حين لم يأخذ بحقه فيها. # قال مصعب الزبيري وابن نافع: دخل هارون (يعني الرشيد) المسجد فركع، ثم ~~أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، ثم أتى مجلس مالك فقال: ~~السلام عليك ورحمة الله وبركاته، ثم قال ل مالك: هل لمن سب أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الفيء حق؟ قال: لا! ولا كرامة ولا مسرة، ms350 قال: من أين ~~قلت ذلك؟ قال: قال الله عز وجل: {ليغيظ بهم الكفار} [الفتح: 29] فمن عابهم ~~فهو كافر، ولا حق لكافر في الفيء. # PageV02P591 # واحتج مرة أخرى في ذلك بقوله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم وأموالهم} [الحشر: 8] إلى آخر الآيات الثلاث قال: فيهم أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا معه، وأنصاره {والذين جاءوا من بعدهم ~~يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر: 10] فمن ~~عدا هؤلاء فلا حق لهم فيه، وفي فعل خواص الفرق من هذا المعنى كثير. # وأما بعث الدجالين، فقد كان ذلك جملة، منهم من تقدم في زمان بني العباس ~~وغيرهم. ومنهم معد من العبيدية الذين ملكوا إفريقية، فقد حكى عنه أنه جعل ~~المؤذن يقول: أشهد أن معدا رسول الله، عوضا من كلمة الحق أشهد أن محمدا ~~رسول الله فهم المسلمون بقتله ثم رفعوه إلى معد ليروا هل هذا عن أمره؟ فلما ~~انتهى كلامهم إليه، قال: أردد عليهم أذانهم لعنهم الله. # ومن يدعي لنفسه العصمة، فهو شبه من يدعي النبوة، ومن يزعم أنه به قامت ~~السموات والأرض، فقد جاوز دعوى النبوة، وهو المغربي المتسمى بالمهدي. # وقد كان في الزمان القريب رجل يقال له الفازازي ادعى النبوة، واستظهر ~~عليها بأمور موهمة للكرامات، والإخبار بالمغيبات، ومخيلة # PageV02P592 # لخوارق العادات، تبعه على ذلك من العوام جملة، ولقد سمعت بعض طلبة ذلك ~~البلد الذي احتله هذا البائس وهو مالقة آخذا ينظر في قوله تعالى: {وخاتم ~~النبيين} [الأحزاب: 40] وهل يمكن تأويله؟ وجعل يطرق إليه الاحتمالات، ليسوغ ~~إمكان بعث نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وكان مقتل هذا المفتري على يد ~~شيخ شيوخنا أبي جعفر بن الزبير رحمه الله. # ولقد حكى بعض مؤلفي الوقت قال: حدثني شيخنا أبو الحسن بن الجياب قال: لما ~~أمر بالتأهب يوم قتله وهو في السجن الذي أخرج منه إلى مصرعه جهر بتلاوة ~~سورة يس، فقال أحد الزعرة ممن جمع السجن بينهما: اقرأ قرآنك، لأي شيء تنفصل ~~على قرآننا اليوم؟ أو في معنى هذا، فتركها ms351 مثلا بلوذعيته. # وأما مفارقة الجماعة، فبدعتها ظاهرة، ولذلك يجازي مفارقتها بالميتة ~~الجاهلية. # وقد ظهر في الخوارج وغيرهم ممن سلك مسلكهم كالعبيدية وأشباههم. # فهذه أيضا من جملة ما اشتملت عليه تلك الأحاديث. وباقي الخصال المذكورة ~~عائد إلى نحو آخر، ككثرة النساء وقلة الرجال، وتطاول الناس في البنيان، ~~وتقارب الزمان. # فالحاصل أن أكثر الحوادث التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم من أنها ~~تقع وتظهر وتنتشر أمور مبتدعة على مضاهاة التشريع، لكن من جهة التعبد، لا ~~من جهة كونها عادية، وهو الفرق بين المعصية التي هي بدعة، # PageV02P593 # والمعصية التي هي ليست ببدعة. # وأن العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبد بها أو توضع ~~وضع التعبد تدخلها البدعة، وحصل بذلك اتفاق القولين، وصار المذهبان مذهبا ~~واحدا، وبالله التوفيق. ### | [فصل فشو المعاصي والمنكرات والمكروهات والعمل بها هل يعد بدعة] # فإن قيل: أما الابتداع، بمعنى أنه نوع من التشريع على وجه التعبد في ~~العاديات من حيث هو توقيت معلوم معقول، فإيجابه أو إجازته بالرأي كما تقدم ~~من أمثلة بدع الخوارج ومن داناهم من الفرق الخارجية عن الجادة فظاهر. # ومن ذلك، القول بالتحسين والتقبيح العقلي، والقول بترك العمل بخبر ~~الواحد، وما أشبه ذلك. # فالقول بأنه بدعة قد تبين وجهه واتضح مغزاه، وإنما يبقى وجه آخر يشبهه ~~وليس به، وهو أن المعاصي والمنكرات والمكروهات قد تظهر وتفشو، ويجري العمل ~~بها بين الناس على وجه لا يقع لها إنكار من خاص ولا عام، فما كان منها هذا ~~شأنه: هل يعد مثله بدعة أم لا؟ # فالجواب: أن مثل هذه المسألة لها نظران: # أحدهما: نظر من حيث وقوعها واعتقادا في الأصل، فلا شك أنها مخالفة لا ~~بدعة، إذ ليس من شرط كون الممنوع والمكروه غير بدعة أن لا ينشرها ولا ~~يظهرها أنه ليس من شرط أن تنشر، بل لا تزول المخالفة ظهرت أو لا، واشتهرت ~~أم لا، وكذلك دوام العمل أو عدم دوامه لا يؤثر في واحدة منهما، والمبتدع قد ~~يقام عن بدعة، والمخالف قد ms352 يدوم على # PageV02P594 # مخالفته إلى الموت، عياذا بالله. # والثاني: نظر من جهة ما يقترن بها من خارج، فالقرائن قد تقترن، فتكون ~~سببا في مفسدة حالية، وفي مفسدة مالية، كلاهما راجع إلى اعتقاد البدعة. # أما الحالية فبأمرين: # الأول: أن يعمل بها الخواص من الناس عموما، وخاصة العلماء خصوصا، وتظهر ~~من جهتهم. وهذه مفسدة في الإسلام ينشأ عنها عادة من جهة العوام استسهالها ~~واستجازتها، لأن العالم المنتصب مفتيا للناس بعمله كما هو مفت بقوله. فإذا ~~نظر إليه الناس يعمل ما يأمر هو بمخالفته حصل في اعتقادهم جوازه، ويقولون: ~~لو كان ممنوعا أو مكروها لامتنع منه العالم. # هذا، وإن نص على منعه أو كراهته، فإن عمله معارض لقوله، فإما أن يقول ~~العامي: إن العالم خالف بذلك، ويجوز عليه مثل ذلك، وهم عقلاء الناس، وهم ~~الأقلون. # وإما أن يقول: أنه وجد فيه رخصة، فإنه لو كان كما قال لم يأت به فيرجح ~~بين قوله وفعله. والفعل أغلب من القول في جهة التأسي كما تبين في كتاب " ~~الموافقات " فيعمل العامي بعمل العالم، تحسينا للظن به، فيعتقده جائزا، ~~وهؤلاء هم الأكثرون. # فقد صار عمل العالم عند العامي حجة، كما كان قوله حجة على الإطلاق ~~والعموم في الفتيا، فاجتمع على العامي العمل مع اعتقاد الجواز بشبهة دليل، ~~وهذا عين البدعة. # PageV02P595 # بل لقد وقع مثل هذا في طائفة ممن تتميز عن العامة بانتصاب في رتبة ~~العلماء، فجعلوا العمل ببدعة الدعاء بهيئة الاجتماع في آثار الصلوات، ~~وقراءة الحزب حجة في جواز العمل بالبدع في الجملة، وأن منها ما هو حسن، ~~وكان منهم من ارتسم في طريقة التصوف فأجاز التعبد لله بالعبادات المبتدعة، ~~واحتج بالحزب والدعاء بعد الصلاة، كما تقدم. # ومنهم من اعتقد أنه ما عمل به إلا لمستند، فوضعه في كتاب وجعله فقها كبعض ~~أماريد الرس ممن قيد على الأمة ابن زيد. # وأصل جميع ذلك سكوت الخواص عن البيان، والعمل به على الغفلة، ومن هنا ~~تستشنع زلة العالم، فقد قالوا: ثلاث تهدم الدين: زلة العالم، وجدال منافق ~~بالقرآن، وأئمة ضالون. ms353 # وكل ذلك عائد وباله على العالم، وزلله المذكور عند العلماء يحتمل وجهين: # أحدهما: زلله في النظر حتى يفتي بما خالف الكتاب والسنة فيتابع عليه وذلك ~~الفتيا بالقول. # PageV02P596 # والثاني من قسمي المفسدة الحالية: أن يعمل بها العوام وتشيع فيهم وتظهر ~~فلا ينكرها الخواص ولا يرفعون لها رءوسهم وهم قادرون على الإنكار فلم ~~يفعلوا، فالعامي من شأنه إذا رأى أمرا يجهل حكمه يعمل العامل به فلا ينكرها ~~عليه، اعتقد أنه جائز وأنه حسن، أو أنه مشروع بخلاف ما إذا أنكر عليه فإنه ~~يعتقد أنه عيب، أو أنه غير مشروع، أو أنه ليس من فعل المسلمين. هذا أمر ~~يلزم من ليس بعالم بالشريعة، لأن مستنده الخواص والعلماء في الجائز أو غير ~~الجائز. # فإذا عدم الإنكار ممن شأنه الإنكار، مع ظهور العمل وانتشاره وعدم خوف ~~المنكر ووجود القدرة عليه، فلم يفعل، دل عند العوام على أنه فعل جائز لا ~~حرج فيه، فنشأ فيه هذا الاعتقاد الفاسد بتأويل يقنع بمثله من كان من العوام ~~فصارت المخالفة بدعة، كما في القسم الأول. # وقد ثبت في الأصول أن العالم في الناس قائم مقام النبي عليه الصلاة ~~والسلام، والعلماء ورثة الأنبياء، فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم يدل ~~على الأحكام بقوله وفعله وإقراره، كذلك وارثه يدل على الأحكام بقوله وفعله ~~وإقراره. واعتبر ذلك ببعض ما أحدث في المساجد من الأمور المنهي عنها فلم ~~ينكرها العلماء، أو عملوا بها فصارت بعد سننا ومشروعات، كزيادتهم مع ~~الآذان: أصبح ولله الحمد، والوضوء للصلاة # PageV02P597 # وتأهبوا، ودعاء المؤذنين بالليل في الصوامع، وربما احتجوا على ذلك بما ~~يفعله بعض الناس وبما وضع في نوازل ابن سهل غفلة عما أخذ عليه فيه، وقد ~~قيدنا في ذلك جزءا مفردا فمن أراد الشفاء في المسألة فعليه به، وبالله ~~التوفيق. # وخرج أبو داود عن [أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، قال]: # «اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل: انصب ~~راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها أذن بعضهم بعضا. فلم ms354 يعجبه ذلك قال فذكر ~~له القنع، يعني الشبور، وفي رواية شبور اليهود فلم يعجبه، وقال: هو من أمر ~~اليهود، قال: فذكر له الناقوس، فقال: هو من أمر النصارى، فانصرف عبد الله ~~بن زيد بن عبد ربه وهو مهتم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأري الأذان ~~في منامه» إلى آخر الحديث. # وفي مسلم عن أنس بن مالك أنه قال: # «ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن ينوروا نارا، أو ~~يضربوا ناقوسا فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة». والقنع والشبور هو ~~البوق وهو القرن الذي وقع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما . # فأنت ترى كيف كره النبي صلى الله عليه وسلم شأن الكفار فلم يعمل على ~~موافقته. فكان ينبغي لمن اتسم بسمة العلم أن ينكر ما أحدث من ذلك في ~~المساجد إعلاما بالأوقات أو غير إعلام بها، # PageV02P598 # أما الراية فقد وضعت إعلاما بالأوقات، وذلك شائع في بلاد المغرب، حتى إن ~~الأذان معها قد صار في حكم التبع. # وأما البوق، فهو العلم في رمضان على غروب الشمس ودخول وقت الإفطار، ثم هو ~~علم أيضا بالمغرب والأندلس على وقت السحور ابتداء وانتهاء، والحديث قد جعل ~~علما لانتهاء نداء ابن أم مكتوم. قال ابن شهاب: وكان ابن أم مكتوم رجلا ~~أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت. # وفي مسلم وأبي داود: # «لا يمنعن أحدكم نداء بلال من سحوره فإنه يؤذن ليرجع قائمكم ويوقظ ~~نائمكم» الحديث. فقد جعل أذان بلال لأن ينتبه النائم لما يحتاج إليه من ~~سحوره وغيره، فالبوق، ما شأنه؟ وقد كرهه عليه الصلاة والسلام، ومثله النار ~~التي ترفع دائما في أوقات الليل وبالعشاء والصبح في رمضان أيضا، إعلاما ~~بدخوله، فتوقد في داخل المسجد ثم في وقت السحور، ثم ترفع في المنار إعلاما ~~بالوقت، والنار شعار المجوس في الأصل. # قال ابن العربي: أول من اتخذ البخور في المسجد بنو برمك يحيى بن خالد ~~ومحمد بن خالد ملكهما الوالي أمر الدين فكان # PageV02P599 # محمد بن خالد حاجبا ويحيى وزيرا ms355 ثم ابنه جعفر بن يحيى قال وكانوا باطنية ~~يعتقدون آراء الفلاسفة، فأحيوا المجوسية، واتخذوا البخور في المساجد وإنما ~~تطيب بالخلوق فزادوا التجمير ويعمرونها بالنار منقولة حتى يجعلوها عند ~~الأندلس ببخورها ثابتة. انتهى. # وحاصله أن النار ليس إيقادها في المساجد من شأن السلف الصالح، ولا كانت ~~مما تزين بها المساجد ألبتة، ثم أحدث التزيين بها حتى صارت من جملة ما يعظم ~~به رمضان، واعتقد العامة هذا كما اعتقدوا طلب البوق في رمضان في المساجد، ~~حتى لقد سأل بعض عنه: أهو سنة أم لا؟ ولا يشك أحد أن غالب العوام يعتقدون ~~أن مثل هذه الأمور مشروعة على الجملة في المساجد، وذلك بسبب ترك الخواص ~~الإنكار عليهم. # وكذلك أيضا لما لم يتخذ الناقوس للإعلام، حاول الشيطان فيه بمكيدة أخرى ~~فعلق بالمساجد واعتد به في جملة الالآت التي توقد عليها النيران وتزخرف بها ~~المساجد، زيادة إلى زخرفتها بغير ذلك، كما تزخرف الكنائس والبيع. # ومثله إيقاد الشمع بعرفة ليلة الثامن، ذكر النووي أنها من البدع القبيحة، ~~وأنها ضلالة فاحشة جمع فيها أنواع من القبائح. منها إضاعة المال في غير ~~وجهه، ومنها إظهار شعائر المجوس، ومنها اختلاط الرجال والنساء والشمع بينهم ~~ووجوههم بارزة، ومنها تقديم دخول عرفة قبل وقتها المشروع. اه. # PageV02P600 # وقد ذكر الطرطوشي في إيقاد المساجد في رمضان بعض هذه الأمور وذكر أيضا ~~قبائح سواها. فأين هذا كله من إنكار مالك لتنحنح المؤذن أو ضربه الباب ~~ليعلم بالفجر، أو وضع الرداء؟ وهو أقرب مراما وأيسر خطبا من أن تنشأ بدع ~~محدثات، يعتقدها العوام سننا بسبب سكوت العلماء والخواص عن الإنكار وسبب ~~عملهم بها.؟! # وأما المفسدة المالية فهي على فرض أن يكون الناس عاملين بحكم المخالفة، ~~وأنها قد ينشأ الصغير على رؤيتها وظهورها، ويدخل في الإسلام أحد ممن يراها ~~شائعة ذائعة فيعتقدونها جائزة أو مشروعة. لأن المخالفة إذا فشا في الناس ~~فعلها من غير إنكار، لم يكن عند الجاهل بها فرق بينها وبين سائر المباحات ~~أو الطاعات. # وعندنا كراهية العلماء أن يكون الكفار صيارفة في أسواق ms356 المسلمين لعملهم ~~بالربا، فكل من يراهم من العامة صيارف وتجارا في أسواقنا من غير إنكار ~~يعتقد أن ذلك جائز كذلك. # وأنت ترى مذهب مالك المعروف في بلادنا أن الحلي المصنوع من الذهب والفضة ~~لا يجوز بيعه بجنسه إلا وزنا بوزن، ولا اعتبار بقيمة الصياغة أصلا، والصاغة ~~عندنا كلهم أو غالبهم يتبايعون على ذلك أن يستفضلوا قيمة الصياغة أو ~~إجارتها، ويعتقدون أن ذلك جائز لهم‍! # PageV02P601 # ولم يزل العلماء من السلف الصالح ومن بعدهم يتحفظون من أمثال هذه ~~الأشياء، حتى كانوا يتركون السنن، خوفا من اعتقاد العوام أمرا هو أشد من ~~ترك السنن، وأولى أن يتركوا المباحات أن لا يعتقد فيها أمر ليس بمشروع، وقد ~~مر بيان هذا في باب البيان من كتاب الموافقات. # فقد ذكروا أن عثمان رضي الله عنه كان لا يقصر في السفر فيقال له: أليس قد ~~قصرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: بلى ولكني إمام الناس فينظر ~~إلي الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولون: هكذا فرضت. # قال الطرطوشي: تأملوا رحمكم الله! فإن في القصر قولين لأهل الإسلام: منهم ~~من يقول: فريضة، ومن أتم فإنما يتم ويعيد أبدا، ومنهم من يقول: سنة، يعيد ~~من أتم في الوقت، ثم اقتحم عثمان ترك الفرض أو السنة لما خاف من سوء ~~العاقبة أن يعتقد الناس أن الفرض ركعتان. # وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يضحون (يعني أنهم لا يلتزمون الأضحية). # قال حذيفة بن أسد: شهدت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لا يضحيان مخافة أن ~~يرى أنها واجبة. # وقال بلال: لا أبالي أن أضحي بكبشين أو بديك. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يشتري لحما بدرهم يوم الأضحى، ويقول ~~لعكرمة: من سألك فقل هذه أضحية ابن عباس. # وقال ابن مسعود: إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم مخافة أن يظن أنها ~~واجبة. # PageV02P602 # وقال طاوس: ما رأيت بيتا أكثر لحما وخبزا وعلما من بيت ابن عباس، يذبح ~~وينحر كل يوم، ثم لا يذبح يوم العيد. وإنما يفعل ذلك لئلا ms357 يظن الناس أنها ~~واجبة. وكان إماما يقتدى به. # قال الطرطوشي: والقول في هذا كالذي قبله، وإن لأهل الإسلام قولين في ~~الأضحية. أحدهما سنة، والثاني واجبة، ثم اقتحمت الصحابة ترك السنة حذرا من ~~أن يضع الناس الأمر على غير وجهه فيعتقدونها فريضة. # قال مالك في الموطأ في صيام ستة بعد الفطر من رمضان: أنه لم ير أحدا من ~~أهل العلم والفقه يصومها. # قال: ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون ~~بدعته، وأن يلحق أهل الجهالة والجفاء برمضان ما ليس منه لو رأوا في ذلك ~~رخصة من أهل العلم، ورأوهم يقولون ذلك. # فكلام مالك هنا ليس فيه دليل على أنه لم يحفظ الحديث كما توهم بعضهم، بل ~~لعل كلامه مشعر بأنه يعلمه، لكنه لم ير العمل عليه وإن كان مستحبا في ~~الأصل، لئلا يكون ذريعة لما قال، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في ~~الأضحية، وعثمان في الإتمام في السفر. # وحكى الماوردي ما هو أغرب من هذا وإن كان هو الأصل، فذكر أن الناس كانوا ~~إذا صلوا في الصحن من جامع البصرة أو الطرقة ورفعوا من السجود مسحوا جباههم ~~من التراب، لأنه كان مفروشا، فأمر زياد بإلقاء الحصا في صحن المسجد، وقال: ~~لست آمن من أن يطول # PageV02P603 # الزمان فيظن الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود سنة في الصلاة، ~~وهذا في مباح، فكيف به في المكروه أو الممنوع؟ # ولقد بلغني في هذا الزمان عن بعض من هو حديث عهد بالإسلام أنه قال في ~~الخمر: ليست بحرام ولا عيب فيها، وإنما العيب أن يفعل بها ما لا يصلح ~~كالقتل وشبهه. # وهذا الاعتقاد لو كان ممن نشأ في الإسلام كان كفرا، لأنه إنكار لما علم ~~من دين الأمة ضرورة. # وسبب ذلك ترك الإنكار من الولاة على شاربها، والتخلية بينهم وبين ~~اقتنائها، وشهرته بحارة أهل الذمة فيها، وأشباه ذلك. # ولا معنى للبدعة إلا أن يكون الفعل في اعتقاد المبتدع مشروعا وليس ~~بمشروع. # وهذا الحال متوقع أو واقع، ms358 فقد حكى القرافي عن العجم ما يقتضي أن الستة ~~الأيام من شوال ملحقة عندهم برمضان، لإبقائهم حالة رمضان الخاصة به كما هي ~~إلى تمام الستة الأيام، وكذلك وقع عندنا مثله، وقد مر في الباب الأول. # وجميع هذا منوط إثمه بمن يترك الإنكار من العلماء أو غيرهم، أو من يعمل ~~ببعضها بمرأى من الناس أو في مواقعهم، فإنهم الأصل في انتشار هذه ~~الاعتقادات في المعاصي أو غيرها. ### | [نشوء البدع] # وإذا تقرر هذا فالبدعة تنشأ عن أربعة أوجه. # PageV02P604 # أحدها: وهو أظهر الأقسام أن يخترعها المبتدع. # والثاني: أن يعمل بها العالم على وجه المخالفة، فيفهمها الجاهل مشروعة. # والثالث: أن يعمل بها الجاهل مع سكوت العالم عن الإنكار، وهو قادر عليه، ~~فيفهم الجاهل أنها ليست بمخالفة. # والرابع: من باب الذرائع، وهي أن يكون العمل في أصله معروفا، إلا أنه ~~يتبدل الاعتقاد فيه مع طول العهد بالذكرى. # إلا أن هذه الأقسام ليست على وزان واحد، ولا يقع اسم البدعة عليها ~~بالتواطؤ، بل هي في القرب والبعد على تفاوت: # - فالأول هو الحقيق باسم البدعة، فإنها تؤخذ علة بالنص عليها. # - ويليه القسم الثاني، فإن العمل يشبهه التنصيص بالقول، بل قد يكون أبلغ ~~منه في مواضع كما تبين في الأصول غير أنه لا ينزل هاهنا من كل وجه منزلة ~~الدليل، إذ العالم قد يعمل وينص على قبح عمله، ولذلك قالوا: لا تنظر إلى ~~عمل العالم، ولكن سله يصدقك. وقال الخليل بن أحمد أو غيره: # اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري # ويليه القسم الثالث: فإن ترك الإنكار مع أن رتبة المنكر رتبة من يعد ذلك ~~منه إقرارا يقتضي أن الفعل غير منكر، ولكن يتنزل منزلة ما قبله، لأن ~~الصوارف للقدرة كثيرة، قد يكون الترك لعذر بخلاف الفعل، فإنه لا عذر في فعل ~~الإنسان بالمخالفة مع علمه بكونه مخالفة. # PageV02P605 # ويليه القسم الرابع، لأن المحظور الحالي فيما تقدم غير واقع فيه بالعرض، ~~فلا تبلغ المفسدة المتوقعة أن تعدى رتبة الواقعة أصلا، فلذلك كانت من باب ~~الذرائع، ms359 فهي إذا لم تبلغ أن تكون في الحال بدعة، فلا تدخل بهذا النظر تحت ~~حقيقة البدعة. # وأما القسم الثاني والثالث؛ فالمخالفة فيه بالذات، والبدعة من خارج، إلا ~~أنها لازمة لزوما عاديا، ولزوم الثاني أقوى من لزوم الثالث، والله أعلم. # PageV02P606 ### | [الباب الثامن في الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان] ### | [كثيرا من الناس عدوا أكثر المصالح المرسلة بدعا ونسبوها إلى الصحابة والتابعين] # هذا الباب يضطر إلى الكلام فيه عند النظر فيما هو بدعة وما ليس ببدعة فإن ~~كثيرا من الناس عدوا أكثر المصالح المرسلة بدعا، ونسبوها إلى الصحابة ~~والتابعين، وجعلوها حجة فيما ذهبوا إليه من اختراع العبادات. وقوم جعلوا ~~البدع تنقسم بأقسام أحكام الشريعة، فقالوا: إن منها ما هو واجب ومندوب، ~~وعدوا من الواجب كتب المصحف وغيره، ومن المندوب الاجتماع في قيام رمضان على ~~قارئ واحد. # وأيضا؛ فإن المصالح المرسلة يرجع معناها إلى اعتبار المناسب الذي لا يشهد ~~له أصل معين، فليس له على هذا شاهد شرعي على الخصوص، ولا كونه قياسا بحيث ~~إذا عرض على العقول تلقته بالقبول. وهذا بعينه موجود في البدع المستحسنة، ~~فإنها راجعة إلى أمور في الدين مصلحية في زعم واضعيها في الشرع على الخصوص # وإذا ثبت هذا، فإن كان اعتبار المصالح المرسلة حقا، فاعتبار البدع ~~المستحسنة حق، لأنهما يجريان من واد واحد. وإن لم يكن اعتبار البدع # PageV02P607 # حقا، لم يصح اعتبار المصالح المرسلة. # وأيضا؛ فإن القول بالمصالح المرسلة ليس متفقا عليه، بل قد اختلف فيه أهل ~~الأصول على أربعة أقوال. فذهب القاضي وطائفة من الأصوليين إلى رده، وأن ~~المعنى لا يعتبر ما لم يستند إلى أصل. وذهب مالك إلى اعتبار ذلك، وبنى ~~الأحكام عليه على الإطلاق، وذهب الشافعي ومعظم الحنفية إلى التمسك بالمعنى ~~الذي لم يستند إلى أصل صحيح، لكن بشرط قربه من معاني الأصول الثابتة هذا ما ~~حكى الإمام الجويني. # وذهب الغزالي إلى أن المناسب إن وقع في رتبة التحسين والتزيين لم يعتبر ~~حتى يشهد له أصل معين، وإن وقع في رتبة الضروري فميله إلى قبوله، ms360 لكن بشرط. # قال: ولا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد. واختلف قوله في الرتبة ~~المتوسطة، وهي رتبة الحاجي، فرده في " المستصفى " وهو آخر قوليه، وقبله في ~~" شفاء العليل " كما قبل ما قبله. # وإذا اعتبر من الغزالي اختلاف قوله، فالأقوال خمسة، فإذا الراد لاعتبارها ~~لا يبقى له في الوقائع الصحابية مستند إلا أنها بدعة مستحسنة كما قال عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه في الاجتماع # PageV02P608 # لقيام رمضان: نعمت البدعة هذه إذ لا يمكنهم ردها، لاجتماعهم عليها. # وكذلك القول في الاستحسان؛ فإنه على ما ذهب إليه المتقدمون راجع إلى ~~الحكم بغير دليل، والنافي له لا يعد الاستحسان سببا؛ فلا يعتبر في الأحكام ~~ألبتة، فصار كالمصالح المرسلة إذا قيل بردها. # فلما كان هذا الموضع مزلة قدم، لأهل البدع أن يستدلوا على بدعتهم من ~~جهته؛ كان الحق المتعين النظر في مناط الغلط الواقع لهؤلاء، حتى يتبين أن ~~المصالح المرسلة ليست من البدع في ورد ولا صدر، بحول الله، والله الموفق. # فنقول: ### | [أقسام المعنى المناسب الذي يربط به الحكم] # المعنى المناسب الذي يربط به الحكم لا يخلو من ثلاثة أقسام: # أحدها: أن يشهد الشرع بقبوله، فلا إشكال في صحته، ولا خلاف في إعماله، ~~وإلا كان مناقضة للشريعة، كشريعة القصاص حفظا للنفوس والأطراف وغيرها. # والثاني: ما شهد الشرع برده فلا سبيل إلى قبوله، إذ المناسبة لا تقتضي ~~الحكم لنفسها، وإنما ذلك مذهب أهل التحسين العقلي، بل إذا ظهر المعنى ~~وفهمنا من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام، فحينئذ نقبله، فإن المراد ~~بالمصلحة عندنا ما فهم رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على ~~وجه لا يستقل العقل بدركه على حال، فإذا لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى، ~~بل [شهد] برده، كان مردودا باتفاق # PageV02P609 # المسلمين. # ومثال [ذلك] ما حكى الغزالي عن بعض أكابر العلماء أنه دخل على بعض ~~السلاطين فسأله عن الوقاع في نهار رمضان، فقال: عليك صيام شهرين متتابعين. ~~فلما خرج راجعه بعض الفقهاء وقالوا له: القادر على إعتاق الرقبة كيف يعدل ~~به إلى الصوم ms361 والصوم وظيفة المعسرين، وهذا الملك يملك عبيدا غير محصورين؟ ~~فقال لهم: لو قلت له عليك إعتاق رقبة لاستحقر ذلك وأعتق عبيدا مرارا، فلا ~~يزجره إعتاق الرقبة ويزجره صوم شهرين متتابعين. # فهذا المعنى مناسب، لأن الكفارة، مقصود الشرع منها الزجر، والملك لا ~~يزجره الإعتاق ويزجره الصيام. # وهذه الفتيا باطلة لأن العلماء بين قائلين: قائل بالتخيير، وقائل ~~بالترتيب، فيقدم العتق على الصيام، فتقديم الصيام بالنسبة إلى الغني لا ~~قائل به. # على أنه قد جاء عن مالك شيء يشبه هذا، لكنه على صريح الفقه. # قال يحيى بن بكير: حنث الرشيد في يمين فجمع العلماء فأجمعوا أن عليه عتق ~~رقبة. فسأل مالكا. فقال: صيام ثلاثة أيام. واتبعه على ذلك إسحاق بن إبراهيم ~~من فقهاء قرطبة. # حكى ابن بشكوال أن الحكم أمير المؤمنين أرسل في الفقهاء وشاورهم في مسألة ~~نزلت به، فذكر لهم عن نفسه أنه عمد إلى إحدى كرائمه ووطئها في رمضان، ~~فأفتوا بالإطعام، وإسحاق بن إبراهيم ساكت. # PageV02P610 # فقال له أمير المؤمنين: ما يقول الشيخ في فتوى أصحابه؟ فقال له: لا أقول ~~بقولهم، وأقول بالصيام. فقيل له: أليس مذهب مالك الإطعام؟ فقال لهم: تحفظون ~~مذهب مالك، إلا إن كنتم تريدون مصانعة أمير المؤمنين. إنما أمر بالإطعام ~~لمن له مال، وأمير المؤمنين لا مال له، إنما هو بيت مال المسلمين، فأخذ ~~بقوله أمير المؤمنين وشكر له عليه اه. وهذا صحيح. # نعم حكى ابن بشكوال أنه اتفق لعبد الرحمن بن الحكم مثل هذا في رمضان، ~~فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك وكفارته. فقال يحيى بن يحيى: يكفر ذلك صيام ~~شهرين متتابعين. فلما برز ذلك من يحيى سكت سائر الفقهاء حتى خرجوا من عنده، ~~فقالوا ليحيى: ما لك لم تفته بمذهبنا عن مالك من أنه مخير بين العتق ~~والطعام والصيام؟ فقال لهم: لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ~~ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود. # فإن صح هذا عن يحيى بن يحيى رحمه الله، وكان كلامه على ظاهره، كان مخالفا ms362 ~~للإجماع. # (الثالث): ما سكتت عنه الشواهد الخاصة، فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه. ~~فهذا على وجهين: # أحدهما: أن يرد نص على وفق ذلك المعنى، كتعليل منع القتل للميراث، ~~فالمعاملة بنقيض المقصود على تقدير أن لم يرد نص على وفقه؛ فإن هذه العلة ~~لا عهد بها في تصرفات الشرع بالفرض ولا بملائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر، ~~فلا يصح التعليل بها، ولا بناء الحكم عليها باتفاق، # PageV02P611 # ومثل هذا تشريع من القائل به فلا يمكن قبوله. # والثاني: أن يلائم تصرفات الشرع، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره ~~الشارع في الجملة بغير دليل معين، وهو الاستدلال المرسل، المسمى بالمصالح ~~المرسلة ولا بد من بسطه بالأمثلة حتى يتبين وجهه بحول الله. ### | [أمثلة توضح الوجه العملي في المصالح المرسلة] ### | [جمع القرآن] # ولنقتصر على عشرة أمثلة للمصالح المرسلة أحدها: أن أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اتفقوا على جمع المصحف، وليس ثم نص على جمعه وكتبه أيضا، بل ~~قد قال بعضهم: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فروي ~~عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إلي أبو بكر رضي الله عنه مقتل ~~(أهل) اليمامة، وإذا عنده عمر رضي الله عنه قال أبو بكر: (إن عمر أتاني ~~فقال): إن القتل قد استحر بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحر ~~القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع ~~القرآن. قال: فقلت له: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال لي: هو والله خير. # فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري له، ورأيت فيه الذي رأى ~~عمر. # قال زيد: فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. قال زيد: فوالله لو ~~كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي # PageV02P612 # من ذلك. فقلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه ms363 وسلم؟ ~~فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري ~~للذي شرح صدريهما فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاق والعسب واللخاف، ومن صدور ~~الرجال. # فهذا عمل لم ينقل فيه خلاف عن أحد من الصحابة. # ثم روي عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان كان يغازي أهل الشام وأهل ~~العراق في فتح أرمينية وأذربيجان، فأفزعه اختلافهم في القرآن، فقال لعثمان: ~~يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلفت ~~اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلي إلي بالصحف ننسخها في ~~المصاحف ثم نردها عليك، فأرسلت حفصة بها إلى عثمان، فأرسل عثمان إلى زيد بن ~~ثابت، وإلى عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن ~~هشام، فأمرهم أن ينسخوا الصحف في المصاحف، ثم قال للرهط القرشيين الثلاثة: ~~ما اختلفتم فيه أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش، فإنه نزل بلسانهم. # قال: ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، بعث عثمان في كل أفق بمصحف ~~من تلك المصاحف التي نسخوها، ثم أمر بما سوى ذلك من القراءة في كل صحيفة أو ~~مصحف أن يحرق. # فهذا أيضا إجماع آخر في كتبه وجمع الناس على قراءة لم يحصل # PageV02P613 # فيها في الغالب اختلاف. لأنهم لم يختلفوا إلا في القراءات حسبما نقله ~~العلماء المعتنون بهذا الشأن فلم يخالف في المسألة إلا عبد الله بن مسعود ~~فإنه امتنع من طرح ما عنده من القراءة المخالفة لمصاحف عثمان، وقال: يا أهل ~~العراق! ويا أهل الكوفة: اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها، فإن الله يقول: ~~{ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] وألقوا إليه بالمصاحف. # فتأمل كلامه فإنه لم يخالف في جمعه، وإنما خالف أمرا آخر؛ ومع ذلك فقد ~~قال ابن هشام: بلغني أنه كره ذلك من قول ابن مسعود رجال من أفاضل أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولم يرد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما صنعوا من ذلك، ولكنهم رأوه ms364 ~~مصلحة تناسب تصرفات الشرع قطعا، فإن ذلك راجع إلى حفظ الشريعة، والأمر ~~بحفظها معلوم، وإلى منع الذريعة للاختلاف في أصلها الذي هو القرآن، وقد علم ~~النهي عن الاختلاف في ذلك بما لا مزيد عليه. # وإذا استقام هذا الأصل فاحمل عليه كتب العلم من السنن وغيرها، إذا خيف ~~عليها الاندراس، زيادة على ما جاء في الأحاديث من الأمر بكتب العلم. # وأنا أرجو أن يكون كتب هذا الكتاب الذي وضعت يدي فيه من هذا القبيل، لأني ~~رأيت باب البدع في كلام العلماء مغفلا جدا؛ إلا من النقل # PageV02P614 # الجلي؛ كما نقل ابن وضاح، أو يؤتى بأطراف من الكلام لا يشفي الغليل ~~بالتفقه فيه كما ينبغي، ولم أجد على شدة بحثي عنه إلا ما وضع فيه أبو بكر ~~الطرطوشي، وهو يسير في جنب ما يحتاج إليه فيه، وإلا ما وضع الناس في الفرق ~~الثنتين والسبعين، وهو فصل من فصول الباب وجزء من أجزائه، فأخذت نفسي ~~بالعناء فيه، عسى أن ينتفع به واضعه، وقارؤه، وناشره، وكاتبه، والمنتفع به، ~~وجميع المسلمين. إنه ولي ذلك ومسديه بسعة رحمته. ### | [اتفاق الصحابة على حد شارب الخمر] # المثال الثاني: اتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حد شارب ~~الخمر # اتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حد شارب الخمر ثمانين، ~~وإنما مستندهم فيه الرجوع إلى المصالح والتمسك بالاستدلال المرسل، قال ~~العلماء: لم يكن فيه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حد مقدر، وإنما ~~جرى الزجر فيه مجرى التعزير، ولما انتهى الأمر إلى أبي بكر رضي الله عنه ~~قرره على طريق النظر بأربعين، ثم انتهى الأمر إلى عثمان رضي الله عنه ~~فتتابع الناس فجمع الصحابة رضي الله عنهم فاستشارهم، فقال علي رضي الله عنه ~~: من سكر هذى ومن هذى افترى، فأرى عليه حد المفتري. # ووجه إجراء المسألة على الاستدلال المرسل أن الصحابة أو الشرع يقيم ~~الأسباب في بعض المواضع مقام المسببات، والمظنة مقام الحكمة، فقد جعل ~~الإيلاج في أحكام كثيرة يجري مجرى الإنزال، وجعل الحافر ms365 للبئر في محل ~~العدوان - وإن لم يكن ثم مردى كالمردي نفسه، # PageV02P615 # وحرم الخلوة بالأجنبية حذرا من الذريعة إلى الفساد، إلى غير ذلك من ~~الفساد، فرأوا الشرب ذريعة إلى الافتراء الذي تقتضيه كثرة الهذيان، فإنه ~~أول سابق إلى السكران قالوا فهذا من أوضح الأدلة على إسناد الأحكام إلى ~~المعاني التي لا أصول لها (يعني: على الخصوص به) وهو مقطوع من الصحابة رضي ~~الله عنهم . ### | [قضاء الخلفاء الراشدين بتضمين الصناع] # المثال الثالث: إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع # إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع. قال علي رضي الله عنه : لا يصلح ~~الناس إلا ذاك، ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون ~~عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم ~~يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ~~ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك ~~بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، ~~فكانت المصلحة التضمين. # هذا معنى قوله: لا يصلح الناس إلا ذاك. # ولا يقال: إن هذا نوع من الفساد وهو تضمين البريء. إذ لعله ما أفسد، ولا ~~فرط، فالتضمين مع ذلك كان نوعا من الفساد. لأنا نقول: إذا تقابلت المصلحة ~~والمضرة فشأن العقلاء النظر إلى التفاوت ووقع التلف من الصناع من غير تسبب ~~ولا تفريط بعيد، والغالب الفوت فوت الأموال، وأنها لا تستند إلى التلف ~~السماوي، بل ترجع إلى صنع العباد على المباشرة أو التفريط. # وفي الحديث: # «لا ضرر ولا ضرار» # PageV02P616 # تشهد له الأصول من حيث الجملة، فإن «النبي صلى الله عليه وسلم نهى (عن) ~~أن يبيع حاضر لباد»، وقال: # «دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض» وقال: «لا تلقوا الركبان بالبيع حتى ~~يهبط بالسلع (إلى) الأسواق» وهو من باب ترجيح المصلحة العامة على المصلحة ~~الخاصة، فتضمين الصناع من ذلك القبيل. ### | [اختلاف العلماء في الضرب بالتهم] # المثال الرابع: أن العلماء اختلفوا في الضرب بالتهم # إن العلماء اختلفوا في الضرب بالتهم. وذهب ms366 مالك إلى جواز السجن في التهم، ~~وإن كان السجن نوعا من العذاب، ونص أصحابه على جواز الضرب، وهو عند الشيوخ ~~من قبيل تضمين الصناع، فإنه لو لم يكن الضرب والسجن بالتهم لتعذر استخلاص ~~الأموال من أيدي السراق والغصاب، إذ قد يتعذر إقامة البينة، فكانت المصلحة ~~في التعذيب وسيلة إلى التحصيل بالتعيين والإقرار. # فإن قيل: هذا فتح باب تعذيب البريء! قيل: ففي الإعراض عنه إبطال استرجاع ~~الأموال. بل الإضراب عن التعذيب أشد ضررا، إذ لا يعذب أحد لمجرد الدعوى، بل ~~مع اقتران قرينة تحيك في النفس، وتؤثر في القلب نوعا من الظن. فالتعذيب في ~~الغالب لا يصادف البريء، وإن أمكن مصادفته فتغتفر؛ كما اغتفرت في تضمين ~~الصناع. # PageV02P617 # فإن قيل: لا فائدة في الضرب، وهو لو أقر لم يقبل إقراره في تلك الحال. # فالجواب إن له فائدتين: # (إحداهما): أن يعين المتاع فتشهد عليه البينة لربه، وهي فائدة ظاهرة. # والثانية: أن غيره قد يزدجر حتى لا يكثر الإقدام. فتقل أنواع هذا الفساد. # وقد عد له سحنون فائدة ثالثة وهو الإقرار حالة التعذيب بأنه يؤخذ عنده ~~بما أقر في تلك الحال. # قالوا: وهو ضعيف. فقد قال الله تعالى: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] ~~ولكن نزله سحنون على من أكره بطريق غير مشروع كما إذا أكره على طلاق زوجته، ~~أما إذا أكره بطريق صحيح فإنه يؤخذ به. فالكافر يسلم تحت ظلال السيوف فإنه ~~مأخوذ به، وقد تتفق له بهذه الفائدة على مذهب غير سحنون إذا أقر حالة ~~التعذيب ثم تمادى على الإقرار بعد أمنه فيؤخذ به. # قال الغزالي بعدما حكى عن الشافعي: أنه لا يقول بذلك، وعلى الجملة ~~فالمسألة في محل الاجتهاد. # قال: ولسنا نحكم بمذهب مالك على القطع، فإذا وقع النظر في تعارض المصالح، ~~كان ذلك قريبا من النظر في تعارض الأقيسة المؤثرة. # PageV02P618 ### | [توظيف الإمام على الأغنياء عند الحاجة] # المثال الخامس: # إنا إذا قررنا إماما مطاعا مفتقرا إلى تكثير الجنود لسد الثغور وحماية ~~الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال وارتفعت حاجات الجند إلى ما ms367 لا ~~يكفيهم، فللإمام - إذا كان عدلا - أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم ~~في الحال، إلى أن يظهر مال بيت المال، ثم إليه النظر في توظيف ذلك على ~~الغلات والثمار أو غير ذلك، كيلا يؤدي تخصيص الناس به (إلى) إيحاش القلوب، ~~وذلك يقع قليلا من كثير بحيث لا يحجف بأحد ويحصل الغرض المقصود. # وإنما لم ينقل مثل هذا عن الأولين لاتساع مال بيت المال في زمانهم بخلاف ~~زماننا، فإن القضية فيه أحرى، ووجه المصلحة هنا ظاهر، فإنه لو لم يفعل ~~الإمام ذلك النظام بطلت شوكة الإمام، وصارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار. # وإنما نظام ذلك كله شوكة الإمام بعدله، فالذين يحذرون من الدواهي لو ~~انقطع عنهم الشوكة، يستحقرون بالإضافة إليها أموالهم كلها، فضلا عن اليسير ~~منها. # فإذا عورض هذا الضرر العظيم بالضرر اللاحق لهم بأخذ البعض من أموالهم، ~~فلا يتمارى في ترجيح الثاني عن الأول. وهو مما يعلم من مقصود الشرع قبل ~~النظر في الشواهد. # والملاءمة الأخرى، أن الأب في طفله، أو الوصي في يتيمه، أو الكافل فيمن ~~يكفله، مأمور برعاية الأصلح له، وهو يصرف ماله إلى وجوه من النفقات أو ~~المؤن المحتاج إليها. وكل ما يراه سببا لزيادة ماله أو حراسته من التلف جاز ~~له بذل المال في تحصيله، ومصلحة الإسلام عامة لا # PageV02P619 # تتقاصر عن مصلحة طفل، ولا نظر إمام المسلمين يتقاعد عن نظر واحد من ~~الآحاد في حق محجوره. # ولو وطئ الكفار أرض الإسلام لوجب القيام بالنصرة، وإذا دعاهم الإمام وجبت ~~الإجابة، وفيه إتعاب النفوس وتعريضها إلى الهلكة، زيادة إلى إنفاق المال. ~~وليس ذلك إلا لحماية الدين، ومصلحة المسلمين. # فإذا قدرنا هجومهم واستشعر الإمام في الشوكة ضعفا وجب على الكافة ~~إمدادهم، كيف والجهاد في كل سنة واجب على الخلق؟! وإنما يسقط باشتغال ~~المرتزقة به، فلا يتمارى في بذل المال لمثل ذلك. # وإذا قدرنا انعدام الكفار الذين يخاف من جهتهم، فلا يؤمن (من) انفتاح باب ~~الفتن بين المسلمين، فالمسألة على حالها كما كانت، وتوقع الفساد عتيد، فلا ~~بد من ms368 الحراس. # فهذه ملاءمة صحيحة، إلا أنها في محل ضرورة، فتقدر بقدرها، فلا يصح هذا ~~الحكم إلا مع وجودها. والاستقراض في الأزمات إنما يكون حيث يرجى لبيت المال ~~دخل ينتظر أو يرتجى، وأما إذا لم ينتظر شيء وضعفت وجوه الدخل بحيث لا يغني ~~كبير شيء، فلا بد من جريان حكم التوظيف. # وهذه المسألة نص عليها الغزالي في مواضع من كتابه، وتلاه في تصحيحها ابن ~~العربي في " أحكام القرآن له "، وشرط جواز ذلك كله عندهم عدالة الإمام، ~~وإيقاع التصرف في أخذ المال وإعطائه على الوجه المشروع. # PageV02P620 ### | [معاقبة الإمام بأخذ المال على بعض الجنايات] # المثال السادس: # أن الإمام لو أراد أن يعاقب بأخذ المال على بعض الجنايات [فهل له ذلك؟] # فاختلف العلماء في ذلك حسبما ذكره الغزالي. # على أن الطحاوي حكى، أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ فأجمع العلماء على ~~منعه. # فأما الغزالي فزعم أن ذلك من قبيل الغريب الذي لا عهد به في الإسلام، ولا ~~يلائم تصرفات الشرع، مع أن هذه العقوبة الخاصة لم تتعين، لشرعية العقوبات ~~البدنية بالسجن والضرب وغيرهما. # قال: فإن قيل: فقد روي أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) شاطر خالد بن ~~الوليد في ماله، حتى أخذ رسوله فرد نعله وشطر عمامته. قلنا: المظنون من عمر ~~أنه لم يبتدع العقاب بأخذ المال على خلاف المألوف من الشرع، وإنما ذلك لعلم ~~عمر باختلاط ماله بالمال المستفاد من الولاية وإحاطته بتوسعته، فلعله ضمن ~~المال فرأى شطر ماله من فوائد الولاية فيكون استرجاعا للحق لا عقوبة في ~~المال، لأن هذا من الغريب الذي لا يلائم قواعد الشرع. # هذا ما قاله. ولما فعل عمر رضي الله عنه وجه آخر غير هذا، ولكنه لا دليل ~~فيه على العقوبة بالمال كما قال الغزالي. # وأما مذهب مالك فإن العقوبة في المال عنده ضربان: # (أحدهما): كما صوره الغزالي، فلا مرية في أنه غير صحيح، على أن ابن ~~العطار في " رقائقه " صغى إلى إجازة ذلك، فقال: في # PageV02P621 # إجازة أعوان القاضي إذا لم يكن بيت مال. ms369 إنها على الطالب، فإن أدى ~~المطلوب كانت الإجازة عليه. # ومال إليه ابن رشد. ورده عليه ابن النجار القرطبي، وقال: إن ذلك من باب ~~العقوبة في المال، وذلك لا يجوز على حال. # (والثاني): أن تكون جناية الجاني في نفس ذلك المال أو في عوضه، فالعقوبة ~~فيه عنده ثابتة. فإنه قال في الزعفران المغشوش إذا وجد بيد الذي غشه: إنه ~~يتصدق به على المساكين، قل أو كثر. # وذهب ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون إلى أنه يتصدق بما قل منه دون ما ~~كثر، وذلك محكي عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وأنه أراق اللبن المغشوش ~~بالماء، ووجه ذلك التأديب للغاش. وهذا التأديب لا نص يشهد له لكنه من باب ~~الحكم على الخاصة لأجل العامة. وقد تقدم نظيره في مسألة تضمين الصناع. # على أن أبا الحسن اللخمي قد وضع له أصلا شرعيا، وذلك: «أنه عليه السلام ~~أمر بإكفاء القدور التي أغليت بلحوم الحمر قبل أن تقسم»، وحديث العتق ~~بالمثلة أيضا من ذلك. # ومن مسائل مالك في المسألة: إذا اشترى مسلم من نصراني خمرا فإنه يكسر على ~~المسلم، ويتصدق بالثمن أدبا للنصراني إن كان النصراني لم يقبضه. وعلى هذا ~~المعنى فرع أصحابه في مذهبه، وهو كله من العقوبة في المال، إلا أن وجهه ما ~~تقدم. # PageV02P622 ### | [طبق الحرام الأرض وانسدت طرق المكاسب الطيبة ومست الحاجة إلى الزيادة على سد الرمق] # المثال السابع: # أنه لو طبق الحرام الأرض، أو ناحية من الأرض يعسر الانتقال منها وانسدت ~~طرق المكاسب الطيبة، ومست الحاجة إلى الزيادة على سد الرمق فإن ذلك سائغ أن ~~يزيد على قدر الضرورة، ويرتقي إلى قدر الحاجة في القوت والملبس والمسكن، إذ ~~لو اقتصر على سد الرمق لتعطلت المكاسب والأشغال، ولم يزل الناس في مقاساة ~~ذلك إلى أن يهلكوا، وفي ذلك خراب الدين. لكنه لا ينتهي إلى الترفه والتنعم، ~~كما لا يقتصر على مقدار الضرورة. # وهذا ملائم لتصرفات الشرع وإن لم ينص على عينه؛ فإنه قد أجاز أكل الميتة ~~للمضطر، والدم ولحم الخنزير. . . وغير ذلك ms370 من الخبائث المحرمات. # وحكى ابن العربي الاتفاق على جواز الشبع عند توالي المخمصة، وإنما ~~اختلفوا إذا لم تتوال. هل يجوز له الشبع أم لا؟ وأيضا فقد أجازوا أخذ مال ~~الغير عند الضرورة أيضا. فما نحن فيه لا يقصر عن ذلك. # وقد بسط الغزالي هذه المسألة في " الإحياء " بسطا شافيا جدا، وذكرها في ~~كتبه الأصولية ك " المنخول " و " شفاء الغليل ". ### | [قتل الجماعة بالواحد] # المثال الثامن: # أنه يجوز قتل الجماعة بالواحد. والمستند فيه المصلحة المرسلة، إذ لا نص ~~على عين المسألة ولكنه منقول عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وهو مذهب ~~مالك والشافعي. # ووجه المصلحة أن [دم] القتيل معصوم، وقد قتل عمدا، فإهداره داع أنه إلى ~~خرم أصل القصاص، واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى # PageV02P623 # السعي بالقتل إذا علم أنه لا قصاص فيه. # وليس أصله قتل المنفرد فإنه قاتل تحقيقا، والمشترك ليس بقاتل تحقيقا. # فإن قيل: هذا أمر بديع في الشرع وهو قتل غير القاتل، قلنا: ليس كذلك، بل ~~لم يقتل إلا القاتل، وهم الجماعة من حيث الاجتماع عند مالك والشافعي، فهو ~~مضاف إليهم تحقيقا إضافته إلى الشخص الواحد، وإنما التعيين في تنزيل ~~الأشخاص منزلة الشخص الواحد، وقد دعت إليه المصلحة فلم يكن مبتدعا مع ما ~~فيه من حفظ مقاصد الشرع في حقن الدماء. # وعليه يجري عند مالك قطع الأيدي باليد الواحدة، وقطع الأيدي في النصاب ~~الواجب. ### | [خلو الزمان عن مجتهد يظهر بين الناس والحاجة إلى إمام يقدم لجريان الأحكام] # المثال التاسع: # إن العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال ~~رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع، كما أنهم اتفقوا أيضا أو كادوا أن ~~يتفقوا على أن القضاء بين الناس لا يحصل إلا لمن رقي (في) رتبة الاجتهاد. ~~وهذا صحيح على الجملة، ولكن إذا فرض خلو الزمان عن مجتهد يظهر بين الناس، ~~وافتقروا إلى إمام يقدمونه لجريان الأحكام وتسكين ثورة الثائرين، والحياطة ~~على دماء المسلمين وأموالهم، فلا بد من إقامة الأمثل ممن ليس بمجتهد، لأنا ~~بين أمرين، إما ms371 أن يترك الناس فوضى، وهو عين الفساد والهرج. وإما أن يقدموه ~~فيزول الفساد بتة، ولا يبقى إلا فوت الاجتهاد، والتقليد كاف بحسبه # PageV02P624 # وإذا ثبت هذا فهو نظر مصلحي يشهد له وضع أصل الإمامة، وهو مقطوع به بحيث ~~لا يفتقر في صحته وملاءمته إلى شاهد. # هذا، وإن كان ظاهره مخالفا، لما نقلوا من الإجماع في الحقيقة، إنما انعقد ~~على فرض أن لا يخلو الزمان من مجتهد، فصار مثل هذه المسألة مما لم ينص ~~عليه، فصح الاعتماد فيه على المصلحة. ### | [إذا خيف عند خلع غير المستحق وإقامة المستحق أن تقع فتنة وما لا يصلح فالمصلحة في الترك] # المثال العاشر: # إن الغزالي قال في بيعة المفضول مع وجود الأفضل: إن رددنا في مبدأ ~~التولية بين مجتهد في علوم الشرائع وبين متقاصر عنها، فيتعين تقديم ~~المجتهد. لأن اتباع الناظر علم نفسه له مزية على اتباع علم غيره بالتقليد ~~والمزايا لا سبيل إلى إهمالها مع القدرة على مراعاتها. # أما إذا انعقدت الإمامة بالبيعة أو تولية العهد لمنفك عن رتبة الاجتهاد، ~~وقامت له الشوكة، وأذعنت له الرقاب، بأن خلا الزمان عن قرشي مجتهد مستجمع ~~جميع الشرائط، وجب الاستمرار. # وإن قدر حضور قرشي مجتهد مستجمع للفروع والكفاية، وجميع شرائط الإمامة ~~واحتاج المسلمون في خلع الأول إلى تعرضه لإثارة فتن واضطراب أمور، لم يجز ~~لهم خلعه والاستبدال به، بل تجب عليهم الطاعة له، والحكم بنفوذ ولايته، ~~وصحة إمامته، لأنا نعلم أن العلم مزية روعيت في الإمامة تحصيلا لمزيد ~~المصلحة في الاستقلال بالنظر والاستغناء عن التقليد، وأن الثمرة المطلوبة ~~من الإمام تطفئة الفتن الثائرة من تفرق الآراء المتنافرة، فكيف يستجيز ~~العاقل تحريك الفتنة، وتشويش النظام، وتفويت # PageV02P625 # أصل المصلحة في الحال؟ تشوفا إلى مزيد دقيقة في الفرق بين النظر ~~والتقليد. # قال: وعند هذا ينبغي أن يقيس الإنسان ما ينال الخلق من الضرر بسبب عدول ~~الإمام عن النظر إلى التقليد، بما ينالهم لو تعرضوا لخلعه والاستبدال به، ~~أو حكموا بأن إمامته غير منعقدة. # هذا ما قال، وهو متجه بحسب النظر المصلحي، ms372 وهو ملائم لتصرفات الشرع، وإن ~~لم يعضده نص على التعيين. # وما قرره هو أصل مذهب مالك. # : قيل ليحيى بن يحيى: البيعة مكروهة؟ قال: لا. قيل له: فإن كانوا أئمة ~~جور؟ فقال: قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذ الملك. ~~أخبرني بذلك مالك عنه أنه كتب إليه وأمر له بالسمع والطاعة على كتاب الله ~~وسنة نبيه. # قال يحيى: والبيعة خير من الفرقة. # قال: ولقد أتى مالكا العمري فقال له: يا أبا عبد الله، بايعني أهل ~~الحرمين، وأنت ترى سيرة أبي جعفر، فما ترى؟ فقال له مالك: أتدري ما الذي ~~منع عمر بن عبد العزيز أن يولي رجلا صالحا؟ فقال العمري: لا أدري، قال مالك ~~لكني أنا أدري، إنما كانت البيعة ليزيد بعده، فخاف عمر إن ولى رجلا صالحا ~~أن لا يكون ليزيد بد من القيام، فتقوم هجمة فيفسد ما لا يصلح، فصدر رأي هذا ~~العمري على رأي مالك. # PageV02P626 # فظاهر هذه الرواية أنه إذا خيف عند خلع غير المستحق وإقامة المستحق أن ~~تقع فتنة وما لا يصلح؛ فالمصلحة الترك. # وروى البخاري عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن ~~عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # «ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة» وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة ~~الله ورسوله، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت ~~الفيصل بيني وبينه. # قال ابن العربي: وقد قال ابن الخياط: إن بيعة عبد الله ليزيد كانت كرها، ~~وأين يزيد من ابن عمر؟ ولكن رأى بدينه وعلمه التسليم لأمر الله والفرار عن ~~التعرض لفتنة فيها من ذهاب الأموال والأنفس ما لا يخفى. فخلع يزيد لو تحقق ~~أن الأمر يعود في نصابه [فيه تعرض لفتنة عظيمة] فكيف ولا يعلم ذلك؟ وهذا ~~أصل عظيم فتفهموه والزموه ترشدوا إن شاء الله. ### | [فصل الأمور المعتبرة في المصالح المرسلة] # فصل # فهذه أمثلة عشرة توضح لك الوجه العملي في المصالح المرسلة، وتبين ms373 لك ~~اعتبار أمور: # (أحدها): الملاءمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا دليلا ~~من دلائله. # والثاني: أن عامة النظر فيها إنما هو فيما غفل معناه وجرى على # PageV02P627 # ذوق المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، فلا ~~مدخل لها في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية، لأن عامة ~~التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل، كالوضوء والصلاة والصيام في زمان ~~مخصوص دون غيره، والحج. . . ونحو ذلك. # فيتأمل الناظر الموفق كيف وضعت على التحكم المحض المنافي للمناسبات ~~التفصيلية. # ألا ترى أن الطهارات على اختلاف أنواعها قد اختص كل نوع منها بتعبد مخالف ~~جدا لما يظهر لبادي الرأي؟ # فإن البول والغائط خارجان نجسان يجب بهما تطهير أعضاء الوضوء دون ~~المخرجين فقط، ودون جميع الجسد، فإذا خرج المني أو دم الحيض وجب غسل جميع ~~الجسد دون دم المخرج فقط، ودون أعضاء الوضوء. # ثم إن التطهير واجب مع نظافة الأعضاء [إذا أحدث]، وغير واجب مع قذارتها ~~بالأوساخ والأدران إذا فرض أنه لم يحدث. # ثم التراب ومن شأنه التلويث يقوم مقام الماء الذي من شأنه التنظيف. # ثم نظرنا في أوقات الصلوات فلم نجد فيها مناسبة لإقامة الصلوات فيها، ~~لاستواء الأوقات في ذلك. # وشرع للإعلام بها أذكار مخصوصة لا يزاد فيها ولا ينقص منها، فإذا أقيمت ~~ابتدأت إقامتها بأذكار أيضا، # PageV02P628 # ثم شرعت ركعاتها مختلفة باختلاف الأوقات، وكل ركعة لها ركوع واحد وسجودان ~~دون العكس، إلا صلاة خسوف الشمس فإنها على غير ذلك، ثم كانت خمس صلوات دون ~~أربع أو ست وغير ذلك من الأعداد، فإذا دخل المتطهر المسجد أمر بتحيته ~~بركعتين دون واحدة كالموتر، أو أربع كالظهر، فإذا سها في صلاة سجد سجدتين ~~دون سجدة واحدة، فإذا قرأ [آية] سجدة سجد واحدة دون اثنتين. # ثم أمر بصلاة النوافل ونهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة، وعلل النهي بأمر ~~غير معقول المعنى. # ثم شرعت الجماعة في بعض النوافل كالعيدين والخسوف والاستسقاء، دون صلاة ~~الليل ورواتب النوافل. # فإذا صرنا إلى غسل الميت وجدناه لا ms374 معنى له معقولا، فإنه غير مكلف، ثم ~~أمرنا بالصلاة عليه بالتكبير دون ركوع أو سجود أو تشهد، والتكبير أربع ~~تكبيرات دون اثنتين أو ست أو سبع أو غيرها من الأعداد. # فإذا صرنا إلى الصيام وجدنا فيه من التعبدات غير المعقولة كثيرا كإمساك ~~النهار دون الليل، والإمساك عن المأكولات والمشروبات، دون الملبوسات ~~والمركوبات، والنظر والمشي والكلام، وأشباه ذلك، وكان الجماع وهو راجع إلى ~~الإخراج كالمأكول وهو راجع إلى الضد، # PageV02P629 # وكان شهر رمضان وإن كان قد أنزل فيه القرآن ولم يكن أيام الجمع، وإن كانت ~~خير أيام طلعت عليها الشمس، أو كان الصيام أكثر من شهر أو أقل. ثم الحج ~~أكثر تعبدا من الجميع. # وهكذا تجد عامة التعبدات في كل باب من أبواب الفقه. فاعلموا أن في هذا ~~الاستقراء معنى يعلم من مقاصد الشرع أنه قصد قصده ونحا نحوه واعتبرت جهته، ~~وهو أن ما كان من التكاليف من هذا القبيل فإن قصد الشارع أن يوقف عنده ~~ويعزل عنه النظر الاجتهادي جملة، وأن يوكل إلى واضعه ويسلم له فيه، وسواء ~~علينا أقلنا: إن التكاليف معللة بمصالح العباد، أم لم نقله: اللهم إلا ~~قليلا من مسائلها ظهر فيها معنى فهمناه من الشرع فاعتبرنا به أو شهدنا في ~~بعضها بعدم الفرق بين المنصوص عليه، والمسكوت عنه، فلا حرج حينئذ فإن أشكل ~~الأمر، فلا بد من الرجوع إلى ذلك الأصل، فهو العروة الوثقى للمتفقه في ~~الشريعة والوزر الأحمى. # ومن أجل ذلك قال حذيفة رضي الله عنه : كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا، ~~فاتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا بطريق من كان قبلكم ونحوه لابن مسعود ~~أيضا، وقد تقدم من ذلك كثير. # ولذلك التزم مالك في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني وإن # PageV02P630 # ظهرت لبادي الرأي، وقوفا مع ما فهم من مقصود الشارع فيها من التسليم على ~~ما هي عليه، فلم يلتفت في إزالة الأخباث، ورفع الأحداث، إلى مطلق النظافة ~~التي اعتبرها غيره، حتى اشترط ms375 في رفع الأحداث النية، ولم يقم غير الماء ~~مقامه عنده وإن حصلت النظافة حتى يكون بالماء المطلق، وامتنع من إقامة غير ~~التكبير والتسليم والقراءة بالعربية مقامها في التحريم والتحليل والإجزاء، ~~ومنع من إخراج القيم في الزكاة، واقتصر في الكفارات على مراعاة العدد، وما ~~أشبه ذلك. # ودورانه في ذلك كله على الوقوف مع ما حده الشارع دون ما يقتضيه معنى ~~مناسب إن تصور لقلة ذلك في التعبدات وندوره، بخلاف قسم العادات الذي هو جار ~~على المعنى المناسب الظاهر للعقول، فإنه استرسل فيه استرسال المدل العريق ~~في فهم المعاني المصلحية، نعم مع مراعاة مقصود الشارع أن لا يخرج عنه ولا ~~يناقض أصلا من أصوله، حتى لقد استشنع العلماء كثيرا من وجوه استرساله ~~زاعمين أنه خلع الربقة، وفتح باب التشريع، وهيهات ما أبعده من ذلك! رحمه ~~الله، بل هو الذي رضي لنفسه في فقهه بالاتباع، بحيث يخيل لبعض أنه مقلد لمن ~~قبله، بل هو صاحب البصيرة في دين الله حسبما بين أصحابه في كتاب سيره . # بل حكي عن أحمد بن حنبل أنه قال: إذا رأيت الرجل يبغض مالكا فاعلم أنه ~~مبتدع، وهذه غاية في الشهادة بالاتباع. # وقال أبو داود: أخشى عليه البدعة (يعني المبغض ل مالك). # PageV02P631 # وقال ابن المهدي: إذا رأيت الحجازي يحب مالك بن أنس فاعلم أنه صاحب سنة، ~~وإذا رأيت أحدا يتناوله فاعلم أنه على خلاف السنة. # وقال إبراهيم بن يحيى بن هشام: ما سمعت أبا داود لعن أحدا قط إلا رجلين: ~~أحدهما: رجل ذكر له أنه لعن مالكا، والآخر: بشر المريسي. # وعلى الجملة فغير مالك أيضا موافق له في أن أصل العبادات عدم معقولية ~~المعنى، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، فالأصل متفق عليه عند الأمة، ما عدا ~~الظاهرية، فإنهم لا يفرقون بين العبادات والعادات، بل الكل غير معقول ~~المعنى، فهم أحرى بأن لا يقولوا بأصل المصالح فضلا عن أن يعتقدوا المصالح ~~المرسلة. # والثالث: أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري، ورفع حرج لازم ~~في الدين، وأيضا مرجعها إلى ms376 حفظ الضروري من باب ما لا يتم الواجب إلا به. . ~~. فهي إذا من الوسائل لا من المقاصد، ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى باب ~~التخفيف لا إلى التشديد. # أما رجوعها إلى ضروري فقد ظهر من الأمثلة المذكورة. # وكذلك رجوعها إلى رفع حرج لازم، وهو إما لاحق بالضروري، وإما من الحاجي، ~~وعلى كل تقدير فليس فيها ما يرجع إلى التقبيح والتزيين البتة، فإن جاء من ~~ذلك شيء: فإما من باب آخر منها، كقيام رمضان في المساجد جماعة حسبما تقدم ~~وإما معدود # PageV02P632 # من قبيل البدع التي أنكرها السلف الصالح كزخرفة المساجد والتثويب بالصلاة ~~وهو من قبيل ما يلائم. # وأما كونها في الضروري من قبيل الوسائل وما لا يتم الواجب إلا به: # إن نص على اشتراطه، فهو شرط شرعي فلا مدخل له في هذا الباب، لأن نص ~~الشارع فيه قد كفانا مؤنة النظر فيه. # وإن لم ينص على اشتراطه فهو إما عقلي أو عادي، فلا يلزم أن يكون شرعيا، ~~كما أنه لا يلزم أن يكون على كيفية معلومة، فإنا لو فرضنا حفظ القرآن ~~والعلم بغير كتب عاديا مطردا؛ لصح ذلك، وكذلك سائر المصالح الضرورية يصح ~~لنا حفظها، كما أنا لو فرضنا حصول مصلحة الإمامة الكبرى بغير إمام على ~~تقدير عدم النص بها لصح ذلك،، وكذلك سائر المصالح الضرورية إذا ثبت هذا لم ~~يصح أن يستنبط من بابها شيء من المقاصد الدينية التي ليست بوسائل. # وأما كونها في الحاجي من باب التخفيف فظاهر أيضا، وهو أقوى في الدليل ~~الرافع للحرج، فليس فيه ما يدل على تشديد ولا زيادة تكليف، والأمثلة مبينة ~~لهذا الأصل أيضا. # إذا تقررت هذه الشروط علم أن البدع كالمضادة للمصالح المرسلة: # لأن موضوع المصالح المرسلة ما عقل معناه على التفصيل، والتعبدات من ~~حقيقتها أن لا يعقل معناها على التفصيل. # وقد مر أن العادات إذا دخل فيها الابتداع فإنما يدخلها من جهة ما # PageV02P633 # فيها من التعبد لا بإطلاق. # وأيضا، فإن البدع في عامة أمرها لا تلائم مقاصد الشرع. بل إنما تتصور على ms377 ~~أحد وجهين: إما مناقضة لمقصوده كما تقدم في مسألة المفتي للملك بصيام شهرين ~~متتابعين وإما مسكوتا عنها فيه؛ كحرمان القاتل ومعاملته بنقيض مقصوده على ~~تقدير عدم النص به، وقد تقدم نقل الإجماع على اطراح القسمين وعدم ~~اعتبارهما. # ولا يقال: إن المسكوت عنه يلحق بالمأذون فيه. إذ يلزم من ذلك خرق ~~الإجماع؛ لعدم الملاءمة. ولأن العبادات ليس حكمها حكم العادات في أن ~~المسكوت عنه كالمأذون فيه، إن قيل بذلك، فهي تفارقها. إذ لا يقدم على ~~استنباط عبادة لا أصل لها؛ لأنها مخصوصة بحكم الإذن المصرح به؛ بخلاف ~~العادات، والفرق بينهما ما تقدم من اهتداء العقول للعاديات في الجملة. وعدم ~~اهتدائها لوجوه التقربات إلى الله تعالى. وقد أشير إلى هذا المعنى في كتاب ~~الموافقات وإلى هذا. # فإذا ثبت أن المصالح المرسلة ترجع إلى حفظ ضروري من باب الوسائل أو إلى ~~التخفيف، فلا يمكن إحداث البدع من جهتها ولا الزيادة في المندوبات، لأن ~~البدع من باب الوسائل؛ لأنها متعبد بها بالفرض. ولأنها زيادة في التكليف ~~وهو مضادة للتخفيف. # فحصل من هذا كله أن لا تعلق للمبتدع بباب المصالح المرسلة إلا القسم ~~الملغى باتفاق العلماء. وحسبك به متعلقا. والله الموفق. # وبذلك كله يعلم من قصد الشارع أنه لم يكل شيئا من التعبدات إلى # PageV02P634 # آراء العباد فلم يبق إلا الوقوف عند ما حده. والزيادة عليه بدعة، كما أن ~~النقصان منه بدعة. وقد مر لهما أمثلة كثيرة وسيأتي أخيرا في أثناء الكتاب ~~بحول الله. ### | [فصل الاستحسان لا يكون إلا بمستحسن وهو إما العقل أو الشرع] # وأما الاستحسان، فلأن لأهل البدع أيضا تعلقا به، فإن الاستحسان لا يكون ~~إلا بمستحسن، وهو إما العقل أو الشرع. # أما الشرع فاستحسانه واستقباحه قد فرغ منهما، لأن الأدلة اقتضت ذلك فلا ~~فائدة لتسميته استحسانا، ولا لوضع ترجمة له زائدة على الكتاب والسنة ~~والإجماع، وما ينشأ عنها من القياس والاستدلال. # فلم يبق إلا العقل هو المستحسن، فإن كان بدليل فلا فائدة لهذه التسمية؛ ~~لرجوعه إلى الأدلة لا إلى غيرها. # وإن كان بغير ms378 دليل فذلك هو البدعة التي تستحسن. # ويشهد لذلك قول من قال في الاستحسان: أنه ما يستحسنه المجتهد بعقله، ~~ويميل إليه برأيه. # قالوا: وهو عند هؤلاء من جنس ما يستحسن في العوائد، وتميل إليه الطباع ~~فيجوز الحكم بمقتضاه إذا لم يوجد في الشرع ما ينافي هذا الكلام ما بين أن ~~ثم من التعبدات ما لا يكون عليه دليل، وهو الذي يسمى بالبدعة، فلا بد أن ~~ينقسم إلى حسن وقبيح، إذ ليس كل استحسان حقا. # PageV02P635 # وأيضا، فقد يجري على التأويل الثاني للأصوليين في الاستحسان. وهو أن ~~المراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه ولا يقدر على ~~إظهاره. # وهذا التأويل؛ فالاستحسان يساعده لبعده لأنه يبعد في مجاري العادات أن ~~يبتدع أحد بدعة من غير شبهة دليل ينقدح له. بل عامة البدع لا بد لصاحبها من ~~متعلق دليل شرعي. لكن قد يمكنه إظهاره وقد لا يمكنه وهو الأغلب فهذا مما ~~يحتجون به. # وربما ينقدح لهذا المعنى وجه بالأدلة التي استدل بها أهل التأويل ~~الأولون، وقد أتوا بثلاثة أدلة: # أحدها: قول الله سبحانه: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} [الزمر: ~~55] وقوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث} [الزمر: 23] وقوله تعالى: {فبشر ~~عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر: 17] هو ما تستحسنه ~~عقولهم. # والثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله ~~حسن» وإنما يعني بذلك ما رأوه بعقولهم، وإلا لو كان حسنه بالدليل الشرعي لم ~~يكن من حسن ما يرون، إذ لا مجال للعقول في التشريع على # PageV02P636 # ما زعمتم، فلم يكن للحديث فائدة، فدل على أن المراد ما رأوه برأيهم. # والثالث: أن الأمة قد استحسنت دخول الحمام من غير تقدير أجرة ولا تقدير ~~مدة اللبث ولا تقدير الماء المستعمل، ولا سبب لذلك إلا أن المشاحة في مثله ~~قبيحة في العادة، فاستحسن الناس تركه، مع أنا نقطع أن الإجارة المجهولة، أو ~~مدة الاستئجار أو مقدار المشترى إذا جهل فإنه ممنوع، وقد استحسنت إجارته مع ~~مخالفة الدليل، فأولى أن يجوز ms379 إذا لم يخالف دليلا. # فأنت ترى أن هذا الموضع مزلة قدم أيضا لمن أراد أن يبتدع، فله أن يقول: ~~إن استحسنت كذا وكذا فغيري من العلماء قد استحسن. وإذا كان كذلك فلا بد من ~~فضل اعتناء بهذا الفصل، حتى لا يغتر به جاهل أو زاعم أنه عالم، وبالله ~~التوفيق، # فنقول: إن الاستحسان يراه معتبرا في الأحكام مالك وأبو حنيفة، بخلاف ~~الشافعي فإنه منكر له جدا حتى قال: من استحسن فقد شرع. # والذي يستقرأ من مذهبهما أنه يرجع إلى العمل بأقوى الدليلين. هكذا قال ~~ابن العربي # قال فالعموم إذا استمر، والقياس إذا اطرد، فإن مالكا وأبا حنيفة يريان ~~تخصيص العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى قال ويستحسن مالك أن يخص ~~بالمصلحة، ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف ~~القياس # PageV02P637 # قال ويريان معا تخصيص القياس ونقص العلة، ولا يرى الشافعي لعلة الشرع إذا ~~ثبت تخصيصا. # هذا ما قال ابن العربي. ويشعر بذلك تفسير الكرخي للاستحسان أنه العدول عن ~~الحكم في المسألة بحكم نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى. # وقال بعض الحنفية: أنه القياس الذي يجب العمل به، لأن العلة كانت علة ~~بأثرها: سموا الضعيف الأثر قياسا والقوي الأثر استحسانا، أي قياسا مستحسنا، ~~وكأنه نوع من العمل بأقوى القياسين، وهو يظهر من استقراء مسائلهم في ~~الاستحسان بحسب النوازل الفقهية. # بل قد جاء عن مالك أن الاستحسان تسعة أعشار العلم. رواه أصبغ عن ابن ~~القاسم عن مالك، # قال أصبغ في الاستحسان: قد يكون أغلب من القياس. # وجاء عن مالك: إن المفرق في القياس يكاد يفارق السنة. # وهذا الكلام لا يمكن أن يكون بالمعنى الذي تقدم قبل، وأنه ما يستحسنه ~~المجتهد بعقله، أو أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد؛ تعسر عبارته عنه، فإن ~~مثل هذا لا يكون تسعة أعشار العلم، ولا أغلب من القياس الذي هو أحد الأدلة. # وقال ابن العربي في موضع آخر: الاستحسان إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق ~~الاستثناء والترخص، لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته. ms380 وقسمه أقساما عد ~~منها أربعة أقسام، وهي ترك الدليل للعرف، وتركه للمصلحة، وتركه لليسير، ~~وتركه لرفع المشقة، وإيثار التوسعة. # PageV02P638 # وحده غير ابن العربي من أهل المذهب بأنه عند مالك: استعمال مصلحة جزئية ~~في مقابلة قياس كلي قال فهو تقديم الاستدلال المرسل على القياس. # وعرفه ابن رشد فقال: الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من ~~القياس هو أن يكون طردا لقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، فيعدل ~~عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع. # وهذه تعريفات، قريب بعضها من بعض. # وإذا كان هذا معناه عن مالك وأبي حنيفة فليس بخارج عن الأدلة البتة، لأن ~~الأدلة يقيد بعضها ويخصص بعضها بعضا، كما في الأدلة السنية مع القرآنية. ~~ولا يرد الشافعي مثل هذا أصلا. فلا حجة في تسميته استحسانا لمبتدع على حال. # ولا بد من الإتيان بأمثلة تبين المقصود بحول الله، ونقتصر على عشرة ~~أمثلة: # أحدها: أن يعدل بالمسألة عن نظائرها بدليل الكتاب. كقوله تعالى: {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] فظاهر اللفظ العموم في ~~جميع ما يتمول به، وهو مخصوص في الشرع بالأموال الزكوية خاصة، فلو قال ~~قائل: ما لي صدقة. فظاهر لفظه يعم كل مال، ولكنا نحمله على مال الزكاة، ~~لكونه ثبت الحمل عليه في الكتاب. # PageV02P639 # قال العلماء: وكأن هذا يرجع إلى تخصيص العموم بعادة فهم خطاب القرآن. # وهذا المثال أورده الكرخي تمثيلا لما قاله في الاستحسان. # والثاني: أن يقول الحنفي: سؤر سباع الطير نجس، قياسا على سباع البهائم. ~~وهذا ظاهر الأثر، ولكنه ظاهر استحسانا، لأن السبع ليس بنجس العين، ولكن ~~لضرورة تحريم لحمه، فثبتت نجاسته بمجاورة رطوبات لعابه وإذا كان كذلك فارقه ~~الطير؛ لأنه يشرب بمنقاره وهو طاهر بنفسه، فوجب الحكم بطهارة سؤره، لأن هذا ~~أثر قوي وإن خفي، فترجع على الأول، وإن كان أمره جليا، والأخذ بأقوى ~~القياسين متفق عليه. # والثالث: أن أبا حنيفة قال: إذا شهد أربعة على رجل بالزنا ولكن عين كل ~~واحد غير الجهة التي عينها ms381 (الآخر)، فالقياس أن لا يحد، ولكن استحسن حده. ~~ووجه ذلك أنه لا يحد إلا من شهد عليه أربعة، فإذا عين كل واحد دارا، فلم ~~يأت على كل مرتبة بأربعة. لامتناع اجتماعهم على رتبة واحدة. فإذا عين كل ~~واحد زاوية فالظاهر تعدد الفعل، ويمكن التزاحف. # فإذا قال: القياس أن لا يحد، فمعناه أن الظاهر أنه لم يجتمع الأربعة على ~~زنا واحد، ولكنه يؤول في المصير إلى الأمر الظاهر تفسيق العدول، فإنه إن لم ~~يكن محدودا صار الشهود فسقة، ولا سبيل إلى ذلك # PageV02P640 # ما وجدنا إلى العدول عنه سبيلا فيكون حمل الشهود على مقتضى العدالة عند ~~الإمكان يجر ذلك الإمكان البعيد، فليس هذا حكما بالقياس، وإنما هو تمسك ~~باحتمال تلقي الحكم من القرآن، وهذا يرجع في الحقيقة إلى تحقيق مناطه. # والرابع: أن مالك بن أنس من مذهبه أن يترك الدليل للعرف، فإنه رد الأيمان ~~إلى العرف، مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها غير ما يقتضيه العرف، كقوله: ~~والله لا دخلت مع فلان بيتا: فهو يحنث بدخول كل موضع يسمى بيتا في اللغة، ~~والمسجد يسمى بيتا فيحنث على ذلك، إلا أن عرف الناس أن لا يطلقوا هذا اللفظ ~~عليه، فخرج بالعرف عن مقتضى اللفظ فلا يحنث. # والخامس: ترك الدليل لمصلحة، كما في تضمين الأجير المشترك وإن لم يكن ~~صانعا، فإن مذهب مالك في هذه المسألة على قولين، كتضمين صاحب الحمام ~~الثياب، وتضمين صاحب السفينة، وتضمين السماسرة المشتركين، وكذلك حمال ~~الطعام على رأي مالك فإنه ضامن، ولاحق عنده بالصناع. والسبب في ذلك بعد ~~السبب في تضمين الصناع. # فإن قيل: فهذا من باب المصالح المرسلة لا من باب الاستحسان، قلنا: نعم! ~~إلا أنهم صوروا الاستحسان بصورة الاستثناء من القواعد. بخلاف المصالح ~~المرسلة. ومثل ذلك يتصور في مسألة التضمين. فإن الأجراء مؤتمنون بالدليل لا ~~بالبراءة الأصلية. فصار تضمينهم في حيز # PageV02P641 # المستثنى من ذلك الدليل. فدخلت تحت معنى الاستحسان بذلك النظر. # والسادس: أنهم يحكمون بالإجماع على إيجاب الغرم على من قطع ذنب بغلة ~~القاضي. يريدون غرم قيمة ms382 الدابة لا قيمة النقص الحاصل فيها. ووجه ذلك ظاهر. ~~فإن بغلة القاضي لا يحتاج إليها إلا للركوب. وقد امتنع ركوبه لها بسبب فحش ~~ذلك العيب. حتى صارت بالنسبة إلى ركوب مثله في حكم العدم. فألزموا الفاعل ~~غرم قيمة الجميع. # وهو متجه بحسب الغرض الخاص. وكان الأصل أن لا يغرم إلا قيمة ما نقصها ~~القطع خاصة. لكن استحسنوا ما تقدم. # وهذا الإجماع مما ينظر فيه. فإن المسألة ذات قولين في المذهب وغيره، ولكن ~~الأشهر في المذهب المالكي ما تقدم حسبما نص عليه القاضي عبد الوهاب. # والسابع: ترك مقتضى الدليل في اليسير لتفاهته ونزارته لرفع المشقة. ~~وإيثار التوسعة على الخلق. فقد أجازوا التفاضل اليسير في المراطلة الكثيرة. ~~وأجازوا البيع بالصرف إذا كان أحدهما تابعا للآخر. وأجازوا بدل الدرهم ~~الناقص بالوازن لنزارة ما بينهما. والأصل المنع في الجميع، لما في الحديث ~~من أن الفضة بالفضة والذهب بالذهب مثلا بمثل سواء بسواء، ولأن من زاد أو ~~ازداد فقد أربى. ووجه ذلك أن التافه في حكم العدم، ولذلك لا تنصرف إليه ~~الأغراض في الغالب، وأن المشاحة في اليسير قد تؤدي إلى الحرج والمشقة، وهما ~~مرفوعان عن المكلف. # PageV02P642 # والثامن: أن في " العتبية " من سماع أصبغ في الشريكين يطآن الأمة في طهر ~~واحد فتأتي بولد فينكر أحدهما الولد دون الآخر، أنه يكشف منكر الولد عن ~~وطئه الذي أقر به؛ فإن كان في صفته ما يمكن معه الإنزال لم يلتفت إلى ~~إنكاره، وكان كما لو اشتركا فيه، وإن كان يدعي العزل من الوطء الذي أقر به، ~~فقال أصبغ: إني أستحسن هاهنا أن ألحقه بالآخر، والقياس أن يكونا سواء، ~~فلعله غلب ولا يدري. # وقد قال عمرو بن العاص في نحو هذا: إن الوكاء قد ينقلب. قال: والاستحسان ~~هاهنا أن ألحقه بالآخر، والقياس أن يكونا في العلم، قد يكون أغلب من ~~القياس. ثم حكى عن مالك ما تقدم. # ووجه ذلك ابن رشد بأن الأصل: من وطئ أمته فعزل عنها وأتت بولد لحق به وإن ~~كان له منكرا، وجب على قياس ms383 ذلك إذا كانت بين رجلين فوطئاها جميعا في طهر ~~واحد وعزل أحدهما عنها فأنكر الولد وادعاه الآخر الذي لم يعزل عنها أن يكون ~~الحكم في ذلك بمنزلة ما إذا كانا جميعا يعزلان أو ينزلان. # والاستحسان كما قال أن يلحق الولد بالذي ادعاه وأقر أنه كان ينزل، وتبرأ ~~منه الذي أنكره وادعى أنه كان يعزل، لأن الولد يكون مع الإنزال غالبا ولا ~~يكون مع العزل إلا نادرا، فيغلب على الظن أن الولد إنما هو للذي ادعاه وكان ~~ينزل، لا الذي أنكره وهو يعزل، والحكم بغلبة الظن أصل في الأحكام، وله في ~~هذا الحكم تأثير، فوجب أن يصار إليه استحسانا كما قال أصبغ # وهو ظاهر فيما نحن فيه. # PageV02P643 # والتاسع: ما تقدم أولا من أن الأمة استسحنت دخول الحمام من غير تقدير ~~أجرة ولا تقدير مدة اللبث ولا تقدير الماء المستعمل. والأصل في هذا المنع ~~إلا أنهم أجازوا، لا كما قال المحتجون على البدع، بل لأمر آخر هو من هذا ~~القبيل الذي ليس بخارج عن الأدلة. # فأما تقدير العوض فالعرف هو الذي قدره فلا حاجة إلى التقدير. # وأما مدة اللبث وقدر الماء المستعمل فإن لم يكن ذلك مقدرا بالعرف أيضا ~~فإنه يسقط للضرورة إليه. وذلك لقاعدة فقهية، وهي أن نفي جميع الغرر في ~~العقود لا يقدر عليه، وهو يضيق أبواب المعاملات، وهو تحسيم أبواب ~~المفاوضات، ونفي الضرر إنما يطلب تكميلا ورفعا لما عسى أن يقع من نزاع، فهو ~~من الأمور المكملة، والتكميلات إذا أفضى اعتبارها إلى إبطال المكملات سقطت ~~جملة، تحصيلا للمهم حسبما تبين في الأصول فوجب أن يسامح في بعض أنواع الغرر ~~التي لا ينفك عنها، إذ يشق طلب الانفكاك عنها، فسومح المكلف بيسير الغرر، ~~لضيق الاحتراز مع تفاهة ما يحصل من الغرر، ولم يسامح في كثيره إذ ليس في ~~محل الضرورة، ولعظيم ما يترتب عليه من الخطر، لكن الفرق بين القليل والكثير ~~غير منصوص عليه في جميع الأمور، وإنما نهي عن بعض أنواعه مما يعظم فيه ~~الغرر، فجعلت أصولا يقاس عليها ms384 غير القليل أصلا في عدم الاعتبار وفي ~~الجواز، وصار الكثير في حكم المنع ودار في الأصلين فروع يتجاذب العلماء ~~النظر فيها، فإذا # PageV02P644 # قل الغرر وسهل الأمر وقل النزاع ومست الحاجة إلى المسامحة فلا بد من ~~القول بها، ومن هذا القبيل مسألة التقدير في ماء الحمام ومدة اللبث. # قال العلماء: ولقد بالغ مالك في هذا الباب وأمعن فيه، فيجوز أن يستأجر ~~الأجير بطعامه وإن كان لا ينضبط مقدار أكله ليسار أمره وخفة خطبه وعدم ~~المشاحة، وفرق بين تطرق يسير الغرر إلى الأجل فأجازه، وبين تطرقه للثمن ~~فمنعه، فقال: يجوز للإنسان أن يشتري سلعة إلى الحصاد أو إلى الجذاذ، وإن ~~كان اليوم بعينه لا ينضبط، ولو باع سلعة بدرهم أو ما يقاربه لم يجز، والسبب ~~في التفرقة، المضايقة في تعيين الأثمان وتقديرها ليست في العرف، ولا مضايقة ~~في الأجل. إذ قد يسامح البائع في التقاضي الأيام. ولا يسامح في مقدار الثمن ~~على حال. # ويعضده ما روى عمرو بن العاص رضي الله عنه «أن النبي عليه الصلاة والسلام ~~أمر بشراء الإبل إلى خروج المصدق». وذلك لا يضبط يومه ولا يعين ساعته. ~~ولكنه على التقريب والتسهيل. # فتأملوا كيف وجه الاستثناء من الأصول الثابتة بالحرج والمشقة. # وأين هذا من زعم الزاعم أنه استحسان العقل بحسب العوائد فقط؟ فتبين لك ~~بون ما بين المنزلتين. # العاشر: أنهم قالوا: إن من جملة أنواع الاستحسان مراعاة خلاف # PageV02P645 # العلماء. وهو أصل في مذهب مالك ينبني عليه مسائل كثيرة. # منها: أن الماء اليسير إذا حلت فيه النجاسة اليسيرة ولم تغير أحد أوصافه ~~أنه لا يتوضأ به بل يتيمم ويتركه. فإن توضأ به وصلى أعاد ما دام في الوقت. ~~ولم يعد بعد الوقت. وإنما قال: " يعيد في الوقت " مراعاة لقول من يقول: إنه ~~طاهر مطهر، ويروى جواز الوضوء به ابتداء. وكان قياس هذا القول أن يعيد ~~أبدا. إذ لم يتوضأ إلا بماء يصح له تركه والانتقال عنه إلى التيمم. # ومنها: قولهم في النكاح الفاسد الذي يجب فسخه: إن لم يتفق على فساده ms385 ~~فيفسخ بطلاق. ويكون فيه الميراث. ويلزم فيه الطلاق على حده في النكاح ~~الصحيح. فإن اتفق العلماء على فساده فسخ بغير طلاق. ولا يكون فيه ميراث ولا ~~يلزم فيه طلاق. # ومنها: مسألة من نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع وكان مع الإمام وجب أن ~~يتمادى. لقول من قال: إن ذلك يجزئه. فإذا سلم الإمام أعاد هذا المأموم. # وهذا المعنى كثير جدا في المذهب ووجهه أنه راعى دليل المخالف في بعض ~~الأحوال، لأنه ترجح عنده، ولم يترجح عنده في بعضها فلم يراعه. # ولقد كتبت في مسألة مراعاة الخلاف إلى بلاد المغرب وإلى بلاد أفريقية ~~لإشكال عرض فيها من وجهين: أحدهما مما يخص هذا الموضع على فرض صحتها، وهو: ~~ما # PageV02P646 # أصلها من الشريعة؟ وعلام تبنى من قواعد أصول الفقه؟ فإن الذي يظهر الآن ~~أن الدليل هو المتبع فحيثما صار صير إليه، ومتى رجح للمجتهد أحد الدليلين ~~على الآخر ولو بأدنى وجوه الترجيح وجب التعويل عليه وإلغاء ما سواه على ما ~~هو مقرر في الأصول، فإذا رجوعه أعني المجتهد إلى قول الغير إعمال لدليله ~~المرجوح عنده، وإهمال للدليل الراجح عنده الواجب عليه اتباعه وذلك على خلاف ~~القواعد. # فأجابني بعضهم بأجوبة منها الأقرب والأبعد، إلا أني راجعت بعضهم بالبحث، ~~وهو أخي ومفيدي أبو العباس بن القباب رحمة الله عليه، فكتب إلي بما نصه: # وتضمن الكتاب المذكور عودة السؤال في مسألة مراعاة الخلاف، وقلتم إن ~~رجحان إحدى الأمارتين على الأخرى أن تقديمها على الأخرى اقتضى ذلك عدم ~~المرجوحة مطلقا، واستشنعتم أن يقول المفتي هذا لا يجوز ابتداء، وبعد الوقوع ~~يقول بجوازه، لأنه يصير الممنوع إذا فعل جائزا. وقلتم: أنه إنما يتصور ~~الجمع في هذا النحو في منع التنزيه لا منع التحريم، إلى غير ذلك مما أوردتم ~~في المسألة. # وكلها إيرادات شديدة صادرة عن قريحة قياسية منكرة لطريقة الاستحسان، وإلى ~~هذه الطريقة ميل فحول من الأئمة والنظار، حتى قال الإمام أبو عبد الله ~~الشافعي: من استحسن فقد شرع. # ولقد ضاقت العبارة عن معنى أصل الاستحسان كما في علمكم ms386 حتى قالوا: أصح ~~عبارة فيه أنه معنى ينقدح في نفس المجتهد تعسر العبارة # PageV02P647 # عنه، فإذا كان هذا أصله الذي ترجع فروعه إليه، فكيف ما يبنى عليه؟ فلا بد ~~أن تكون العبارة عنها أضيق. # ولقد كنت أقول بمثل ما قال هؤلاء الأعلام في طرح الاستحسان وما بني عليه، ~~لولا أنه اعتضد وتقوى لوجدانه كثيرا في فتاوى الخلفاء وأعلام الصحابة ~~وجمهورهم مع عدم النكير، فتقوي ذلك عندي غاية. وسكنت إليه النفس، وانشرح ~~إليه الصدر، ووثق به القلب، للأمر باتباعهم والاقتداء بهم، رضي الله عنهم . # فمن ذلك المرأة يتزوجها رجلان ولا يعلم الآخر بتقدم نكاح غيره إلا بعد ~~البناء، فأبانها عليه بذلك عمر ومعاوية والحسن رضي الله عنهم . وكل ما ~~أوردتم في قضية السؤال وارد عليه، فإنه إذا تحقق أن الذي لم يبن هو الأول، ~~فدخول الثاني بها دخول بزوج غيره؛ فكيف يكون غلطه على زوج غيره مبيحا على ~~الدوام، ومصححا لعقده الذي لم يصادف محلا، ومبطلا لعقد نكاح مجمع على صحته، ~~لوقوعه على وفق الكتاب والسنة ظاهرا وباطنا؟ وإنما المناسب أن الغلط يرفع ~~عن الغالط الإثم والعقوبة. لا إباحة زوج غيره دائما، ومنع زوجها منها. # ومثل ذلك ما قاله العلماء في مسألة امرأة المفقود: أنه إن قدم المفقود ~~قبل نكاحها فهو أحق بها، وإن كان بعد نكاحها والدخول بها بانت، وإن كان بعد ~~العقد وقبل البناء فقولان، فإنه يقال: الحكم لها بالعدة من الأول إن كان ~~قطعا لعصمته فلا حق له فيها، ولو قدم قبل تزوجها، أو ليس بقاطع للعصمة، ~~فكيف تباح لغيره في عصمة المفقود؟ # PageV02P648 # وما روي عن عمر وعثمان في ذلك أغرب وهو أنهما قالا: إذا قدم المفقود يخير ~~بين امرأته أو صداقها، فإن اختار صداقها بقيت للثاني، فأين هذا من القياس؟ ~~وقد صحح ابن عبد البر هذا النقل عن الخليفتين عمر وعثمان رضي الله عنهما ، ~~ونقل عن علي رضي الله عنه أنه قال بمثل ذلك، أو أمضى الحكم به، وإن كان ~~الأشهر عنه خلافه. # ومثله في قضايا الصحابة كثير ms387 من ذلك: # قال ابن المعدل لو أن رجلين حضرهما وقت الصلاة، فقام أحدهما فأوقع الصلاة ~~بثوب نجس مجانا، وقعد الآخر حتى خرج الوقت ولا يقاربه، مع نقل غير واحد من ~~الأشياخ الإجماع على وجوب النجاسة عامدا جمع الناس أنه لا يساوي مؤخرها على ~~وجوب النجاسة حال الصلاة، وممن نقله اللخمي، والمازري، وصححه الباجي، وعليه ~~مضى عبد الوهاب في تلقينه. # وعلى الطريقة التي أوردتم، أن المنهي عنه ابتداء غير معتبر أحرى بكون أمر ~~هذين الرجلين بعكس ما قال ابن المعدل، لأن الذي صلى بعد الوقت قضى ما فرط ~~فيه، والآخر لم يعمل كما أمر، ولا قضى شيئا. وليس كل منهي عنه ابتداء غير ~~معتبر بعد وقوعه. # PageV02P649 # وقد صحح الدارقطني حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية ~~هي التي تزوج نفسها» # PageV02P650 # وأخرج أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها : «أيما امرأة نكحت بغير إذن ~~مواليها فنكاحها باطل ثلاث مرات فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها». ~~فحكم أولا ببطلان العقد، وأكده بالتكرار ثلاثا، وسماه زنا. وأقل مقتضياته ~~عدم اعتبار هذا العقد جملة. لكنه صلى الله عليه وسلم عقبه بما اقتضى ~~اعتباره بعد الوقوع بقوله: ولها مهرها بما أصاب منها ومهر البغي حرام. # وقد قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} [المائدة: 2]. ~~فعلل النهي عن استحلاله بابتغائهم فضل الله ورضوانه مع كفرهم بالله تعالى، ~~الذي لا يصح معه عبادة، ولا يقبل عمل، وإن كان هذا الحكم الآن منسوخا، فذلك ~~لا يمنع الاستدلال به في هذا المعنى. # ومن ذلك قول الصديق رضي الله عنه : وستجد أقواما زعموا أنهم # PageV02P651 # حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له. ولهذا لا يسبى ~~الراهب ويترك ماله أو ما قل منه، على الخلاف في ذلك، وغيره ممن لا يقاتل ~~يسبى ويملك، وإنما ذلك لما زعم أنه حبس نفسه له، وهي عبادة الله تعالى، وإن ~~كانت عبادته أبطل ms388 الباطل، فكيف يستبعد اعتبار عبادة مسلم على وفق دليل شرعي ~~لا يقطع بخطأ فيه، وإن كان يظن ذلك ظنا. وتتبع مثل هذا يطول. # وقد اختلف فيما تحقق فيه نهي من الشارع: هل يقتضي فساد المنهي عنه؟ وفيه ~~بين الفقهاء والأصوليين ما لا يخفى عليكم، فكيف بهذا؟. # وإذا خرجت المسألة المختلف فيها إلى أصل مختلف فيه، فقد خرجت عن حيز ~~الإشكال، ولم يبق إلا الترجيح لبعض تلك المذاهب، ويرجح كل أحد ما ظهر له ~~بحسب ما وفق له. ولنكتف بهذا القدر في هذه المسألة. # انتهى ما كتب لي به وهو بسط أدلة شاهدة لأصل الاستحسان، فلا يمكن مع هذا ~~التقرير كله أن يتمسك به من أراد أن يستحسن بغير دليل أصلا. ### | [فصل رد حجج المبتدعة في الاستحسان] # فإذا تقرر هذا فلنرجع إلى ما احتجوا به أولا: فأما من حد الاستحسان بأنه: ~~ما يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه، فكان هؤلاء يرون هذا النوع من ~~جملة أدلة الأحكام، ولا شك # PageV02P652 # أن العقل يجوز أن يرد الشرع بذلك، بل يجوز أن يرد بأن ما سبق إلى أوهام ~~العوام مثلا فهو حكم الله عليهم، فيلزمهم العمل بمقتضاه، ولكن لم يقع مثل ~~هذا ولم يعرف التعبد به لا بضرورة ولا بنظر ولا بدليل من الشرع قاطع ولا ~~مظنون، فلا يجوز إسناده لحكم الله لأنه ابتداء تشريع من جهة العقل. # وأيضا؛ فإنا نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم حصروا نظرهم في الوقائع التي ~~لا نصوص فيها في الاستنباط والرد إلى ما فهموه من الأصول الثابتة. ولم يقل ~~أحد منهم: إني حكمت في هذا بكذا لأن طبعي مال إليه، أو لأنه يوافق محبتي ~~ورضائي، ولو قال ذلك لاشتد عليه النكير، وقيل له: من أين لك أن تحكم على ~~عبادة الله بمحض ميل النفس وهوى القلب؟ هذا مقطوع ببطلانه. # بل كانوا يتناظرون ويعترض بعضهم بعضا على مأخذ بعض، وينحصرون إلى ضوابط ~~الشرع. # وأيضا، فلو رجع الحكم إلى مجرد الاستحسان لم يكن للمناظرة فائدة؛ لأن ~~الناس تختلف أهواؤهم وأغراضهم ms389 في الأطعمة والأشربة واللباس وغير ذلك ولا ~~يحتاجون إلى مناظرة بعضهم بعضا: لم كان هذا الماء أشهى عندك من الآخر؟ ~~والشريعة ليست كذلك. # على أن أرباب البدع العملية أكثرهم لا يحبون أن يناظروا أحدا. ولا ~~يفاتحون عالما ولا غيره فيما يتبعون، خوفا من الفضيحة أن لا يجدوا مستندا ~~شرعيا، وإنما شأنهم إذا وجدوا عالما أو لقوه أن يصانعوا، وإذا وجدوا جاهلا # PageV02P653 # عاميا ألقوا عليه في الشريعة الطاهرة إشكالات، حتى يزلزلوهم ويخلطوا ~~عليهم، ويلبسوا دينهم، فإذا عرفوا منهم الحيرة والالتباس. ألقوا إليهم من ~~بدعهم على التدريج شيئا فشيئا، وذموا أهل العلم بأنهم أهل الدنيا المكبون ~~عليها، وأن هذه الطائفة هم أهل الله وخاصته. وربما أوردوا عليهم من كلام ~~غلاة الصوفية شواهد على ما يلقون إليهم، حتى يهووا بهم في نار جهنم، وأما ~~أن يأتوا الأمر من بابه ويناظروا عليه العلماء الراسخين فلا. # وتأمل ما نقله الغزالي في استدراج الباطنية غيرهم إلى مذهبهم، تجدهم لا ~~يعتمدون إلا على خديعة الناس من غير تقرير علم، والتحيل عليهم بأنواع ~~الحيل، حتى يخرجوهم من السنة، أو عن الدين جملة. ولولا الإطالة لأتيت ~~بكلامه، فطالعه في كتاب " فضائح الباطنية ". # وأما الحد الثاني، فقد رد بأنه لو فتح هذا الباب لبطلت الحجج وادعى كل من ~~شاء ما شاء، واكتفى بمجرد القول، فألجأ الخصم إلى الإبطال. وهذا يجر فسادا ~~لا خفاء له. وإن سلم فذلك الدليل إن كان فاسدا فلا عبرة به، وإن كان صحيحا ~~فهو راجع إلى الأدلة الشرعية فلا ضرر فيه. # - وأما الدليل الأول، فلا متعلق به، فإن أحسن الاتباع إلينا اتباع الأدلة ~~الشرعية، وخصوصا القرآن، فإن الله تعالى يقول: {الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها} [الزمر: 23] الآية، وجاء في صحيح الحديث خرجه مسلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم «قال في خطبته: أما بعد، فأحسن الحديث كتاب الله» # PageV02P654 # فيفتقر أصحاب الدليل أن يبينوا أن ميل الطباع أو أهواء النفوس مما أنزل ~~إلينا، فضلا عن أن يقول من أحسنه. # وقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} ms390 [الزمر: 18] الآية. ~~يحتاج إلى بيان أن ميل النفوس يسمى قولا. وحينئذ ينظر إلى كونه أحسن القول ~~كما تقدم وهذا كله فاسد. # ثم إنا نعارض هذا الاستحسان بأن عقولنا تميل إلى إبطاله، وأنه ليس بحجة، ~~وإنما الحجة الأدلة الشرعية المتلقاة من الشرع. # وأيضا، فيلزم عليه استحسان العوام ومن ليس من أهل النظر، إذا فرض أن ~~الحكم يتبع مجرد ميل النفوس وهوى الطباع، وذلك محال، للعلم بأن ذلك مضاد ~~للشريعة، فضلا عن أن يكون من أدلتها. # وأما الدليل الثاني، فلا حجة فيه من أوجه: # أحدها: أن ظاهره يدل على أن «ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن»، والأمة لا ~~تجتمع على باطل. فاجتماعهم على حسن شيء يدل على حسنه شرعا، لأن الاجتماع ~~يتضمن دليلا شرعيا، فالحديث دليل عليكم لا لكم. # والثاني: أنه خبر واحد في مسألة قطعية فلا يسمع. # والثالث: أنه إذا لم يرد به أهل الإجماع وأريد بعضهم فيلزم عليه استحسان ~~العوام، وهو باطل بإجماع. لا يقال: إن المراد استحسان أهل الاجتهاد، لأنا ~~نقول: هذا ترك للظاهر، فيبطل الاستدلال. # PageV02P655 # ثم إنه لا فائدة في اشتراط الاجتهاد، لأن المستحسن بالفرض لا ينحصر في ~~الأدلة، فأي حاجة إلى اشتراط الاجتهاد؟ # فإن قيل: إنما يشترط حذرا من مخالفة الأدلة فإن العامي لا يعرفها. قيل: ~~بل المراد استحسان ينشأ عن الأدلة، بدليل أن الصحابة رضي الله عنهم قصروا ~~أحكامهم على اتباع الأدلة وفهم مقاصد الشرع. # فالحاصل أن تعلق المبتدعة بمثل هذه الأمور تعلق بما لا يغنيهم ولا ينفعهم ~~البتة، لكن ربما يتعلقون في آحاد بدعتهم بآحاد شبه ستذكر في مواضعها إن شاء ~~الله، ومنها ما قد مضى. ### | [فصل رد شبهة استفتاء القلب] # فإن قيل: أفليس في الأحاديث ما يدل على الرجوع إلى ما يقع في القلب ويحيك ~~في النفس، وإن لم يكن ثم دليل صريح على حكم من أحكام الشرع، ولا غير صريح؟ ~~فقد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «دع ما ~~يريبك، إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة ms391 والكذب ريبة». # وخرج مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: «سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في ~~صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه»، وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: «قال رجل ~~يا رسول الله # PageV02P656 # ما الإيمان؟. . . . . . . قال: إذا حاك شيء في صدرك فدعه». # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وعن وابصة رضي الله عنه قال: «سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: يا وابصة! استفت قلبك، ~~واستفت نفسك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك ~~في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك» وخرج البغوي في معجمه عن ~~عبد الرحمن بن معاوية: # «أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما يحل ~~لي مما يحرم علي؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد عليه ثلاث مرات، ~~كل ذلك يسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أين السائل؟ فقال: أنا ~~ذا يا رسول الله. فقال: ونقر # PageV02P657 # بإصبعه : ما أنكر قلبك فدعه». # وعن عبد الله قال: الإثم حواز القلوب، فما حاك من شيء في قلبك فدعه، وكل ~~شيء فيه نظرة فإن للشيطان فيه مطمعا، وقال أيضا: «الحلال بين والحرام بين ~~وبينهما أمور مشتبهات»، «فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وعن أبي الدرداء ~~رضي الله عنه : أن الخير طمأنينة، وأن الشر ريبة، فدع ما يريبك إلى ما لا ~~يريبك، وقال شريح: دع ما يريبك إلى لا ما يريبك، فوالله ما وجدت فقد شيء ~~تركته ابتغاء وجه الله. # فهذه أدلة ظهر من معناها الرجوع في جملة من الأحكام الشرعية إلى ما يقع ~~بالقلب ويهجس بالنفس ويعرض بالخاطر، وأنه إذا اطمأنت النفس إليه فالإقدام ~~عليه صحيح، وإذا توقفت أو ارتابت فالإقدام عليه محظور، وهو عين ما ms392 وقع ~~إنكاره من الرجوع إلى الاستحسان الذي يقع بالقلب ويميل إليه الخاطر، وإن لم ~~يكن ثم دليل شرعي فإنه لو كان هنالك دليل شرعي أو كان هذا التقرير مقيدا ~~بالأدلة الشرعية لم يحل به على ما في النفوس ولا على ما يقع بالقلوب، مع ~~أنه عندكم عبث وغير مفيد، كمن يحيل بالأحكام الشرعية على الأمور الوفاقية، ~~أو الأفعال التي لا ارتباط بينها وبين شرعية الأحكام. فدل ذلك على أن ~~لاستحسان العقول # PageV02P658 # وميل النفوس أثرا في شرعية الأحكام، وهو المطلوب. # والجواب: أن هذه الأحاديث وما كان في معناها قد زعم الطبري في " تهذيب ~~الآثار " أن جماعة من السلف قالوا بتصحيحها، والعمل بما دل عليه ظاهرها. ~~وأتى بالآثار المتقدمة عن عمر وابن مسعود وغيرهما، ثم ذكر عن آخرين القول ~~بتوهينها وتضعيفها وإحالة معانيها. # وكلامه وترتيبه بالنسبة إلى ما نحن فيه لائق أن يؤتى به على وجهه، فأتيت ~~به على تحري معناه دون لفظه لطوله، فحكى عن جماعة أنهم قالوا: لا شيء من ~~أمر الدين إلا وقد بينه الله تعالى بنص عليه أو بمعناه، فإن كان حلالا فعلى ~~العامل به إذا كان عالما تحليله، أو حراما فعليه تحريمه، أو مكروها غير ~~حرام فعليه اعتقاد التحليل أو الترك تنزيها. # فأما العامل بحديث النفس والعارض في القلب فلا، فإن الله حظر ذلك على ~~نبيه فقال: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} ~~[النساء: 105] فأمره بالحكم بما أراه الله لا بما رآه وحدثته به نفسه، ~~فغيره من الشرك أولى أن يكون ذلك محظورا عليه. وأما إن كان جاهلا فعليه ~~مسألة العلماء دون ما حدثته نفسه. # ونقل عن عمر رضي الله عنه أنه خطب فقال: أيها الناس! قد سنت لكم السنن، ~~وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا. # PageV02P659 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما كان في القرآن من حلال أو حرام فهو ~~كذلك، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه. # وقال مالك: قبض رسول الله صلى الله عليه ms393 وسلم وقد تم هذا الأمر واستكمل، ~~فينبغي أن تتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولا يتبع الرأي، ~~فإنه متى ما اتبع الرأي جاءه رجل آخر أقوى في الرأي منه فاتبعه، فكلما غلبه ~~رجل اتبعه، أرى أن هذا بعد لم يتم. # واعملوا من الآثار بما روي عن جابر رضي الله عنه . أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إذا اعتصمتم به: كتاب الله ~~وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض». # وروي عن عمرو بن [شعيب عن أبيه عن جده] «خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما وهم يجادلون في القرآن، فخرج ووجهه أحمر كالدم فقال: يا قوم! على ~~هذا هلك من كان قبلكم جادلوا في القرآن وضربوا بعضه ببعض، فما كان من حلال ~~فاعملوا به، وما كان من حرام فانتهوا عنه، وما كان من متشابه فآمنوا به». # وعن أبي الدرداء رضي الله عنه يرفعه قال: «ما أحل الله في كتابه فهو ~~حلال، وما حرم فيه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله ~~عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا: {وما كان ربك # PageV02P660 # نسيا} [مريم: 64]». قالوا: فهذه الأخبار وردت بالعمل بما في كتاب الله، ~~والإعلام بأن العامل به لن يضل، ولم يأذن لأحد في العمل بمعنى ثالث غير ما ~~في الكتاب والسنة، ولو كان ثم ثالث لم يدع بيانه، فدل على أن لا ثالث، ومن ~~ادعاه فهو مبطل. # قالوا: فإن قيل: فإنه عليه السلام قد سن لأمته وجها ثالثا وهو قوله: ~~«استفت قلبك» وقوله: «الإثم حواز القلوب» إلى غير ذلك، قلنا: لو صحت هذه ~~الأخبار لكان ذلك إبطالا لأمره بالعمل بالكتاب والسنة إذ صحا معا، لأن ~~أحكام الله ورسوله لم ترد بما استحسنته النفوس واستقبحته، وإنما كان يكون ~~وجها ثالثا لو خرج شيء من الدين عنهما، وليس بخارج، فلا ثالث يجب العمل به. # فإن قيل: قد يكون قوله: «استفت قلبك» ونحوه أمرا لمن ليس في مسألته نص من ms394 ~~كتاب ولا سنة، واختلفت فيه الأمة، فيعد وجها ثالثا. قلنا: لا يجوز ذلك ~~لأمور: # PageV02P661 # أحدها: أن كل ما لا نص فيه بعينه قد نصبت على حكمه دلالة، فلو كان فتوى ~~القلب ونحوه دليلا لم يكن لنصب الدلالة الشرعية عليه معنى، فيكون عبثا، وهو ~~باطل. # والثاني: أن الله تعالى قال: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} [النساء: 59]. فأمر المتنازعين بالرجوع إلى الله والرسول دون حديث ~~النفوس وفتيا القلوب. # والثالث: أن الله تعالى قال: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} ~~[النحل: 43]. فأمرهم بمسألة أهل الذكر ليخبروهم بالحق فيما اختلفوا فيه من ~~أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرهم أن يستفتوا في ذلك أنفسهم. # والرابع: أن الله تعالى قال لنبيه احتجاجا على من أنكر وحدانيته: {أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} [الغاشية: 17]. إلى آخرها. فأمرهم بالاعتبار ~~بعبرته، والاستدلال بأدلته على صحة ما جاءهم به، ولم يأمرهم أن يستفتوا فيه ~~نفوسهم، ويصدوا عما اطمأنت إليه قلوبهم، وقد وضع الأعلام والأدلة، فالواجب ~~في كل ما وضع الله عليه الدلالة أن يستدل بأدلته على ما دلت، دون فتوى ~~النفوس وسكون القلوب من أهل الجهل بأحكام الله. # وهذا ما حكاه الطبري عمن تقدم، ثم اختار إعمال تلك # PageV02P662 # الأحاديث، إما لأنها صحت عنده أو صح منها عنده ما تدل عليه معانيها، ~~كحديث: # «الحلال بين والحرام بين» إلى آخر الحديث، فإنه صحيح خرجه الإمامان. ~~ولكنه لم يعملها في كل من أبواب الفقه، إذ لا يمكن ذلك في تشريع الأعمال ~~وإحداث التعبدات، فلا يقال بالنسبة إلى إحداث الأعمال: إذا اطمأنت نفسك إلى ~~هذا العمل فهو بر، أو: استفت قلبك في إحداث هذا العمل، فإن اطمأنت إليه ~~نفسك فاعمل به وإلا فلا. # وكذلك في النسبة إلى التشريع التركي، لا يتأتى تنزيل معاني الأحاديث عليه ~~بأن يقال: إن اطمأنت نفسك إلى ترك العمل الفلاني فاتركه، وإلا فدعه. أي فدع ~~الترك واعمل به. وإنما يستقيم إعمال الأحاديث المذكورة فيما أعمل فيه قوله ~~عليه الصلاة والسلام: «الحلال بين والحرام بين.» ms395 الحديث. # وما كان من قبيل العادات من استعمال الماء والطعام والشراب والنكاح ~~واللباس، وغير ذلك مما في هذا المعنى، فمنه ما هو بين الحلية وما هو بين ~~التحريم، وما فيه إشكال، وهو الأمر المشتبه الذي لا يدرى أحلال هو أم حرام؟ ~~فإن ترك الإقدام أولى من الإقدام مع جهلة بحاله، نظير قوله عليه السلام: ~~«إني لأجد التمرة ساقطة على فراشي، فلولا أني أخشى أن تكون من الصدقة ~~لأكلتها»، فهذه التمرة لا شك أنها لم تخرج من إحدى الحالين: إما من الصدقة ~~وهي حرام عليه، وإما من غيرها وهي حلال له، فترك أكلها حذرا من أن تكون من ~~الصدقة في نفس الأمر. # PageV02P663 # قال الطبري: فكذلك حق الله على العبد فيما اشتبه عليه مما هو في سعة من ~~تركه والعمل به، أو مما هو غير واجب أن يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، إذ ~~يزول بذلك عن نفسه الشك، كمن يريد خطبة امرأة فتخبره امرأة أنها قد أرضعته ~~وإياها ولا يعلم صدقها من كذبها، فإن تركها أزال عن نفسه الريبة اللاحقة له ~~بسبب إخبار المرأة، وليس تزوجه إياها بواجب، بخلاف ما لو أقدم، فإن النفس ~~لا تطمئن إلى حلية تلك الزوجة. # وكذلك قول عمر إنما هو فيما أشكل أمره في البيوع فلم يدر أحلال هو أم ~~حرام؟ ففي تركه سكون النفس وطمأنينة القلب، كما في الإقدام شك: هل هو آثم ~~أم لا؟ وهو معنى قوله عليه السلام للنواس ووابصة رضي الله عنهما . ودل على ~~ذلك حديث المشتبهات، لا ما ظن أولئك من أنه أمر للجهال أن يعلموا بما رأته ~~أنفسهم، ويتركوا ما استقبحوه دون أن يسألوا علماءهم. # قال الطبري، فإن قيل: إذا قال الرجل لامرأته: أنت علي حرام. فسأل العلماء ~~فاختلفوا عليه. فقال بعضهم: قد بانت منك بالثلاث: وقال بعضهم: إنها حلال ~~غير أن عليك كفارة يمين. وقال بعضهم: ذلك إلى نيته إن أراد الطلاق فهو ~~طلاق. أو الظهار فهو ظهار. أو يمينا فهو يمين. وإن لم ينو شيئا فليس بشيء: ms396 ~~أيكون هذا اختلافا في الحكم كإخبار المرأة بالرضاع فيؤمر هنا بالفراق، كما ~~يؤمر هناك أن لا يتزوجها خوفا من الوقوع في المحظور أو لا؟ قيل: حكمه في ~~مسألة العلماء أن يبحث عن أحوالهم وأمانتهم ونصيحتهم ثم يقلد الأرجح. فهذا ~~ممكن، والحزازة مرتفعة بهذا البحث. # PageV02P664 # بخلاف ما إذا بحث مثلا عن أحوال المرأة فإن الحزازة لا تزول وإن أظهر ~~البحث أن أحوالها غير حميدة، فهما على هذا مختلفان. وقد يتفقان في الحكم ~~إذا بحث عن العلماء فاستوت أحوالهم عنده، لم يثبت له ترجيح لأحدهم، فيكون ~~العمل المأمور به من الاجتناب كالمعمول به في مسألة المخبرة بالرضاع سواء، ~~إذ لا فرق بينهما على هذا التقدير. انتهى معنى كلام الطبري. # وقد أثبت في مسألة اختلاف العلماء على المستفتي أنه غير مخير، بل حكمه ~~حكم من التبس عليه الأمر فلم يدر أحلال هو أم حرام؟ فلا خلاص له من الشبهة ~~إلا باتباع أفضلها والعمل بما أفتى به. وإلا فالترك. إذ لا تطمئن النفس إلا ~~بذلك حسبما اقتضته الأدلة المتقدمة. ### | [فصل فتاوى القلوب وما اطمأنت إليه النفوس هل هي معتبرة في الأحكام الشرعية] # ثم يبقى في هذا الفصل الذي فرغنا منه إشكال على كل من اختار استفتاء ~~القلب مطلقا أو بقيد، وهو الذي رآه الطبري. وذك أن حاصل الأمر يقتضي أن ~~فتاوى القلوب وما اطمأنت إليه النفوس معتبر في الأحكام الشرعية، وهو ~~التشريع بعينه، فإن طمأنينة النفس القلب مجردا عن الدليل، إما أن تكون ~~معتبرة أو غير معتبرة شرعا، فإن لم تكن معتبرة فهو خلاف ما دلت عليه تلك ~~الأخبار، وقد تقدم أنها معتبرة بتلك الأدلة وإن كانت معتبرة فقد صار ثم قسم ~~ثالث غير الكتاب والسنة، وهو غير ما نفاه الطبري وغيره. # وإن قيل: إنها تعتبر في الإحجام دون الإقدام. لم تخرج تلك عن # PageV02P665 # الإشكال الأول، لأن كل واحد من الإقدام والإحجام فعل لا بد أن يتعلق به ~~حكم شرعي، وهو الجواز وعدمه، وقد علق ذلك بطمأنينة النفس أو عدم طمأنينتها. ~~فإن كان ذلك ms397 عن دليل، فهو ذلك الأول بعينه، باق على كل تقدير. # والجواب: أن الكلام الأول صحيح. وإنما النظر في تحقيقه. # فاعلم أن كل مسألة تفتقر إلى نظرين: نظر في دليل الحكم، ونظر في مناطه، ~~فأما النظر في دليل الحكم لا يمكن أن يكون إلا من الكتاب والسنة، أو ما ~~يرجع إليهما من إجماع أو قياس أو غيرهما، ولا يعتبر فيه طمأنينة النفس، ولا ~~نفي ريب القلب، إلا من جهة اعتقاد كون الدليل دليلا أو غير دليل. ولا يقول ~~أحد (غير ذلك) إلا أهل البدع الذين يستحسنون الأمر بأشياء لا دليل (عليها)، ~~أو يستقبحون كذلك من غير دليل إلا طمأنينة النفس أن الأمر كما زعموا، وهو ~~مخالف لإجماع المسلمين. أ # وأما النظر في مناط الحكم، فإن المناط لا يلزم منه أن يكون ثابتا بدليل ~~شرعي فقط، بل يثبت بدليل غير شرعي أو بغير دليل، فلا يشترط فيه بلوغ درجة ~~الاجتهاد، بل لا يشترط فيه العلم فضلا: عن درجة الاجتهاد: ألا ترى أن ~~العامي إذا سأل عن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إذا فعله المصلي: هل تبطل ~~به الصلاة أم لا؟ فقال العامي: إن كان يسيرا فمغتفر، وإن كان كثيرا فمبطل، ~~لم يغتفر في السير إلى أن يحققه له العالم. بل العاقل يفرق بين الفعل ~~اليسير والكثير. فقد انبنى هاهنا الحكم وهو البطلان أو عدمه على ما يقع ~~بنفس # العامي، وليس واحدا # PageV02P666 # من الكتاب أو السنة، لأنه ليس ما وقع بقلبه دليلا على الحكم، وإنما هو ~~مناط الحكم، فإذا تحقق له المناط بأي وجه تحقق، فهو المطلوب فيقع عليه ~~الحكم بدليله الشرعي. # وكذلك إذا قلنا بوجوب الفور في الطهارة، وفرقنا بين اليسير والكثير في ~~التفريق الحاصل أثناء الطهارة، فقد يكتفي العامي بذلك حسبما يشهد قلبه في ~~اليسير أو الكثير، فتبطل طهارته أو تصح بناء على ذلك الواقع في القلب، لأنه ~~نظر في مناط الحكم. # فإذا ثبت هذا فمن ملك لحم شاة ذكية حل له أكله، لأن حليته ظاهرة عنده إذا ~~حصل له ms398 شرط الحلية لتحقيق مناطها بالنسبة إليه: أو ملك لحم شاة ميتة لم يحل ~~له أكله، لأن تحريمه ظاهر من جهة فقده شرط الحلية، فتحقق مناطها بالنسبة ~~إليه. وكل واحد من المناطين راجع إلى ما وقع بقلبه، واطمأنت إليه نفسه، لا ~~بحسب الأمر في نفسه. ألا ترى أن اللحم قد يكون واحدا بعينه فيعتقد واحد ~~حليته بناء على ما تحقق له من مناطه بحسبه، ويعتقد آخر تحريمه بناء على ما ~~تحقق له من مناطه بحسبه، فيأكل أحدهما حلالا ويجب على الآخر الاجتناب، لأنه ~~حرام؟ ولو كان ما يقع بالقلب يشترط فيه أن يدل عليه دليل شرعي لم يصح هذا ~~المثال وكان محالا، لأن أدلة الشرع لا تتناقض أبدا. فإذا فرضنا لحما أشكل ~~على المالك تحقيق مناطه لم ينصرف إلى إحدى الجهتين، كاختلاط الميتة ~~بالذكية، واختلاط الزوجة بالأجنبية. # فهاهنا قد وقع الريب والشك والإشكال والشبهة. # وهذا المناط محتاج إلى دليل شرعي يبين حكمه، وهي تلك الأحاديث المتقدمة، ~~كقوله: # PageV02P667 # «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وقوله: «البر ما اطمأنت إليه النفس، ~~والإثم ما حاك في صدرك» كأنه يقول: إذا اعتبرنا باصطلاحنا ما تحققت مناطه ~~في الحلية أو الحرمة، فالحكم فيه من الشرع بين. # وما أشكل عليك تحقيقه فاتركه وإياك والتلبس به. وهو معنى قوله إن صح : ~~«استفت قلبك وإن أفتوك» فإن تحقيقك لمناط مسألتك أخص بك من تحقيق غيرك له ~~إذا كان مثلك. # ويظهر ذلك فيما إذا أشكل عليك المناط ولم يشكل على غيرك، لأنه لم يعرض له ~~ما عرض لك. # وليس المراد بقوله: «وإن أفتوك» أي إن نقلوا إليك الحكم الشرعي فاتركه ~~وانظر ما يفتيك به قلبك، فإن هذا باطل، وتقول على التشريع الحق. وإنما ~~المراد ما يرجع إلى تحقيق المناط. # نعم قد لا يكون لك دربة أو أنس لك فيحققه لك غيرك، وتقلده فيه، وهذه ~~الصورة خارجة عن الحديث، كما أنه قد يكون تحقيق المناط أيضا موقوفا على ~~تعريف الشارع، كحد الغنى الموجب للزكاة، فإنه يختلف باختلاف الأحوال، فحققه ~~الشارع ms399 بعشرين دينارا أو مائتي درهم وأشباه ذلك، وإنما النظر هنا فيما وكل ~~تحقيقه إلى المكلف. # فقد ظهر معنى المسألة وأن الأحاديث لم تتعرض لاقتناص الأحكام الشرعية من ~~طمأنينة النفس أو ميل القلب كما أورده السائل المستشكل، وهو تحقيق بالغ. ~~والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. # PageV02P668 ### | [الباب التاسع في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة المسلمين] ### | [سبب الاختلاف إما راجع لسابق القدر وإما كسبي] # فاعلموا رحمكم الله أن الآيات الدالة على ذم البدعة وكثيرا من الأحاديث ~~أشعرت بوصف لأهل البدعة، وهو الفرقة الحاصلة، حتى يكونوا بسببها شيعا ~~متفرقة، لا ينتظم شملهم بالإسلام، وإن كانوا من أهله، وحكم لهم بحكمه. # ألا ترى أن قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في ~~شيء} [الأنعام: 159] وقوله تعالى: {ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا} [الروم: 31] الآية، وقوله: {وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] إلى غير ذلك ~~من الآيات الدالة على وصف التفرق؟ # وفي الحديث: # «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» والتفرق ناشئ عن الاختلاف في ~~المذاهب والآراء؛ إن جعلنا التفرق معناه بالأبدان وهو الحقيقة وإن جعلنا ~~معنى التفرق في المذاهب، فهو # PageV02P669 # الاختلاف كقوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} [آل عمران: 105]. ~~للاختلاف سببان: كسبي، وغير كسبي # فلا بد من النظر في هذا الاختلاف ما سببه؟ وله سببان: # (أحدهما): لا كسب للعبادة فيه، وهو الراجع إلى سابق القدر، والآخر هو ~~الكسبي وهو المقصود بالكلام عليه في هذا الباب، إلا أن نجعل السبب الأول ~~مقدمة، فإن فيها معنى أصيلا يجب التثبت له على من أراد التفقه في البدع. ~~فنقول والله الموفق للصواب: قال الله تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118] فأخبر ~~سبحانه أنهم لا يزالون مختلفين أبدا، مع أنه لو أراد أن يجعلهم متفقين لكان ~~على ذلك قديرا لكن سبق العلم القديم أنه إنما خلقهم للاختلاف، وهو قول ~~جماعة من ms400 المفسرين في الآية، وأن قوله: {ولذلك خلقهم} [هود: 119] معناه: ~~وللاختلاف خلقهم. وهو مروي عن مالك بن أنس قال: خلقهم ليكونوا فريقا في ~~الجنة وفريقا في السعير. ونحوه عن الحسن فالضمير في خلقهم عائد على الناس، ~~فلا يمكن أن يقع منهم إلا ما سبق في العلم، وليس المراد هاهنا الاختلاف في ~~الصور كالحسن والقبيح # PageV02P670 # والطويل والقصير، ولا في الألوان كالأحمر والأسود، ولا في أصل الخلقة ~~كالتام الخلق والناقص الخلق والأعمى والبصير، والأصم والسميع، ولا في الخلق ~~كالشجاع والجبان، والجواد والبخيل، ولا فيما أشبه ذلك من الأوصاف التي هم ~~مختلفون فيها. # وإنما المراد اختلاف آخر وهو الاختلاف الذي بعث الله النبيين ليحكموا فيه ~~بين المختلفين، كما قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~وما اختلف فيه} [البقرة: 213] الآية، وذلك الاختلاف في الآراء والنحل ~~والأديان والمعتقدات المتعلقة بما يسعد الإنسان به أو يشقى في الآخرة ~~والدنيا. ### | [من أسباب الخلاف الاختلاف في أصل النحلة] # هذا هو المراد من الآيات التي ذكر فيها الاختلاف الحاصل بين الخلق، أن ~~هذا الاختلاف الواقع بينهم على أوجه: # أحدها: الاختلاف في أصل النحلة # وهو قول جماعة من المفسرين، منهم عطاء قال: {ولا يزالون مختلفين إلا من ~~رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118] قال قال: اليهود والنصارى والمجوس، ~~والحنيفية وهم الذين رحم ربك الحنيفية، خرجه ابن وهب وهو الذي يظهر لبادي ~~الرأي في الآية المذكورة. # وأصل هذا الاختلاف هو في التوحيد والتوجه للواحد الحق سبحانه، فإن الناس ~~في عامة الأمر لم يختلفوا في أن لهم مدبرا يدبرهم وخالقا # PageV02P671 # أوجدهم، إلا أنهم اختلفوا في تعيينه على آراء مختلفة. من قائل بالاثنين ~~وبالخمسة، وبالطبيعة أو الدهر، أو بالكواكب، إلى أن قالوا بالآدميين والشجر ~~والحجارة وما ينحتون بأيديهم. # ومنهم من أقر بواجب الوجود الحق لكن على آراء مختلفة أيضا. إلى أن بعث ~~الله الأنبياء مبينين لأممهم حق ما اختلفوا فيه من باطله، فعرفوا بالحق على ~~ما ينبغي، ونزهوا رب الأرباب ms401 عما لا يليق بجلاله من نسبة الشركاء والأنداد، ~~وإضافة الصاحبة والأولاد، فأقر بذلك من أقر به، وهم الداخلون تحت مقتضى ~~قوله: {إلا من رحم ربك} [هود: 119] وأنكر من أنكر، فصار إلى مقتضى قوله: ~~{وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [هود: 119] وإنما دخل ~~الأولون تحت وصف الرحمة لأنهم خرجوا عن وصف الاختلاف إلى وصف الوفاق ~~والألفة، وهو قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] ~~وهو منقول عن جماعة من المفسرين. # وخرج ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز أنه قال في قوله: {ولذلك خلقهم} [هود: ~~119] خلق أهل الرحمة أن لا يختلفوا. وهو معنى ما نقل عن مالك وطاوس في ~~جامعه، وبقي الآخرون على وصف الاختلاف، إذ خالفوا الحق الصريح، ونبذوا ~~الدين الصحيح. # وعن مالك أيضا قال: الذين رحمهم لم يختلفوا. وقول الله تعالى: {كان الناس ~~أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} [البقرة: 213] # PageV02P672 # إلى قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} ~~[البقرة: 213] ومعنى ذلك: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين ~~فأخبر في الآية أنهم اختلفوا ولم يتفقوا، فبعث النبيين ليحكموا بينهم فيما ~~اختلفوا فيه من الحق، وأن الذين آمنوا هداهم الله للحق من ذلك الاختلاف. # وفي الحديث الصحيح: # «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ~~وأوتيناه من بعدهم، هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا ~~الله له، فالناس لنا فيه تبع، فاليهود غدا والنصارى بعد غد». # وخرج ابن وهب عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {كان الناس أمة واحدة} ~~[البقرة: 213] فهذا يوم أخذ ميثاقهم لم يكونوا أمة واحدة غير ذلك اليوم. ~~{فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} [البقرة: 213] إلى قوله: {فهدى الله ~~الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه} [البقرة: 213]. # واختلفوا في يوم الجمعة فاتخذ اليهود يوم السبت واتخذ النصارى يوم الأحد ~~فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة. # واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق، واستقبلت اليهود بيت ~~المقدس، وهدى ms402 الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للقبلة. # واختلفوا في الصلاة فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد # PageV02P673 # ولا يركع ومنهم من يصلي ولا يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، وهدى الله ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. # واختلفوا في إبراهيم عليه السلام، فقالت اليهود كان يهوديا، وقالت ~~النصارى نصرانيا، وجعله الله حنيفا مسلما، فهدى الله أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم للحق من ذلك. # واختلفوا في عيسى عليه السلام فكفرت به اليهود وقالوا لأمه بهتانا عظيما ~~وجعلته النصارى إلها وولدا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. # والثاني ثم إن هؤلاء المتفقين قد يعرض لهم الاختلاف بحسب القصد الثاني لا ~~القصد الأول، فإن الله تعالى حكيم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة ~~للأنظار ومجالا للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق ~~فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف، لكن في الفروع دون الأصول ~~وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف. # وقد نقل المفسرون عن الحسن في هذه الآية أنه قال: أما أهل رحمة الله ~~فإنهم لا يختلفون اختلافا يضرهم. يعني لأنه في مسائل الاجتهاد التي لا نص ~~فيها بقطع العذر، بل لهم فيه أعظم العذر، ومع أن الشارع لما علم أن هذا ~~النوع من الاختلاف واقع، # PageV02P674 # أتى فيه بأصل يرجع إليه، وهو قول الله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول} [النساء: 59] الآية، فكل اختلاف من هذا القبيل حكم الله ~~فيه أن يرد إلى الله، وذلك رده إلى كتابه، وإلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وذلك رده إليه إذا كان حيا وإلى سنته بعد موته، وكذلك فعل العلماء ~~رضي الله عنهم . # إلا أن لقائل أن يقول: هل هم داخلون تحت قوله تعالى: {ولا يزالون ~~مختلفين} [هود: 118] أم لا؟ والجواب: أنه لا يصح أن يدخل تحت مقتضاها أهل ~~هذا الاختلاف من أوجه. # أحدها: أن الآية اقتضت أن أهل الاختلاف ms403 المذكورين مباينون لأهل الرحمة ~~لقوله: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} [هود: 118] فإنها اقتضت قسمين: ~~أهل الاختلاف، والمرحومين، فظاهر التقسيم أن أهل الرحمة ليسوا من أهل ~~الاختلاف وإلا كان قسم الشيء قسيما له، ولم يستقم معنى الاستثناء. # والثاني: أنه قال فيها: {ولا يزالون مختلفين} [هود: 118] فظاهر هذا أن ~~وصف الاختلاف لازم لهم، حتى أطلق عليهم لفظ اسم الفاعل المشعر بالثبوت، ~~وأهل الرحمة مبرءون من ذلك، لأن وصف الرحمة ينافي الثبوت على المخالفة، بل ~~إن خالف أحدهم في مسألة فإنما يخالف فيها تحريا لقصد الشارع فيها، حتى إذا ~~تبين له الخطأ فيها راجع نفسه وتلافى # PageV02P675 # أمره، فخلافه في المسألة بالعرض لا بالقصد الأول، فلم يكن وصف الاختلاف ~~لازما ولا ثابتا، فكان التعبير عنه بالفعل الذي يقتضي العلاج والانقطاع ~~أليق في الموضع. # والثالث: أنا نقطع بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع ممن حصل له محض ~~الرحمة، وهم الصحابة ومن اتبعهم بإحسان رضي الله عنهم ، بحيث لا يصح ~~إدخالهم في قسم المختلفين بوجه، فلو كان المخالف منهم في بعض المسائل ~~معدودا من أهل الاختلاف ولو بوجه ما لم يصح إطلاق القول في حقه: أنه من أهل ~~الرحمة. وذلك باطل بإجماع أهل السنة. # والرابع: أن جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة في الفروع ضربا من ~~ضروب الرحمة، وإذا كان من جملة الرحمة، فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجا من ~~قسم أهل الرحمة. # وبيان كون الاختلاف المذكور رحمة ما روي عن القاسم بن محمد قال: لقد نفع ~~الله باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل، لا يعمل العامل ~~بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة. وعن ضمرة بن رجاء قال: اجتمع عمر بن عبد ~~العزيز والقاسم بن محمد فجعلا يتذاكران الحديث قال فجعل عمر يجيء بالشيء ~~يخالف فيه القاسم قال وجعل القاسم يشق ذلك عليه حتى يتبين ذلك فيه فقال له ~~عمر: لا تفعل! فما يسرني باختلافهم حمر النعم. # PageV02P676 # وروى ابن وهب عن القاسم أيضا قال: لقد أعجبني قول ms404 عمر بن عبد العزيز: ما ~~أحب أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يختلفون، لأنه لو كان قولا واحدا ~~لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سعة. # ومعنى هذا أنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه، لأنهم لو ~~لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق، لأن مجال الاجتهاد ومجالات الظنون لا ~~تتفق عادة كما تقدم فيصير أهل الاجتهاد مع تكليفهم باتباع ما غلب على ~~ظنونهم مكلفين باتباع خلافه، وهو نوع من تكليف ما لا يطاق، وذلك من أعظم ~~الضيق. فوسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم، فكان فتح باب للأمة ~~للدخول في هذه الرحمة، فكيف لا يدخلون في قسم من (رحم ربك)؟! فاختلافهم في ~~الفروع كاتفاقهم فيها، والحمد لله. # وبين هذين الطريقين واسطة أدنى من الرتبة الأولى وأعلى من الرتبة ~~الثانية، وهي أن يقع الاتفاق في أصل الدين، ويقع الاختلاف في بعض قواعده ~~الكلية، وهو المؤدي إلى التفرق شيعا. # فيمكن أن تكون الآية تنتظم هذا القسم من الاختلاف، ولذلك صح عنه صلى الله ~~عليه وسلم: «أن أمته تفترق على بضع وسبعين فرقة»، وأخبر: # «أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع»، وشمل ذلك ~~الاختلاف الواقع في الأمم قبلنا، ويرشحه وصف أهل البدع بالضلالة وإيعادهم ~~بالنار، وذلك بعيد من # PageV02P677 # تمام الرحمة. # ولقد كان عليه الصلاة والسلام حريصا على ألفتنا وهدايتنا، حتى ثبت من ~~حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما حضر النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم فقال: «هلم أكتب لكم ~~كتابا لن تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، ~~وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله، واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: ~~قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من ~~يقول كما قال عمر، فلما كثر اللغط والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم ms405 ~~قال: قوموا عني فكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم». # فكان ذلك والله أعلم وحيا أوحى الله إليه أنه إن كتب لهم ذلك الكتاب لم ~~يضلوا بعده البتة، فتخرج الأمة عن مقتضى قوله: {ولا يزالون مختلفين} [هود: ~~118] بدخولها تحت قوله: {إلا من رحم ربك} [هود: 119] فأبى الله إلا ما سبق ~~به علمه من اختلافهم كما اختلف غيرهم. رضينا بقضاء الله وقدره، ونسأله أن ~~يثبتنا على الكتاب والسنة، ويميتنا على ذلك بفضله. # وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد بالمختلفين في الآية أهل البدع، ~~وأن من رحم ربك أهل السنة، # PageV02P678 # ولكن لهذا الكتاب أصل يرجع إلى سابق القدر لا مطلقا، بل مع إنزال القرآن ~~محتمل العبارة للتأويل، وهذا لا بد من بسطه. # فاعلموا أن الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العاديات الجارية ~~بين المتبحرين في علم الشريعة الخائضين في لجتها العظمى، العالمين بمواردها ~~ومصادرها. # والدليل على ذلك اتفاق العصر الأول وعامة العصر الثاني على ذلك، وإنما ~~وقع اختلافهم في القسم المفروغ منه آنفا، بل كل على الوصف المذكور وقع بعد ~~ذلك فله أسباب ثلاثة قد تجتمع وقد تفترق: # أحدها: أن يعتقد الإنسان في نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم ~~والاجتهاد في الدين ولم يبلغ تلك الدرجة فيعمل على ذلك، ويعد رأيه رأيا ~~وخلافه خلافا، ولكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع، وتارة يكون في ~~كل أصل من أصول الدين كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية فتارة ~~آخذا ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها، حتى يصير منها ما ظهر له بادي ~~رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها، وهذا هو المبتدع، ~~وعليه نبه الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: # «لا يقبض الله العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض ~~العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء ms406 جهالا فسئلوا # PageV02P679 # فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». # قال بعض أهل العلم: تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من ~~قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم. ~~فيؤتى الناس من قبله، وقد صرف هذا المعنى تصريفا، فقيل: ما خان أمين قط ~~ولكنه ائتمن غير أمين فخان. قال ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتي ~~من ليس بعالم. # قال مالك بن أنس: بكى ربيعة يوما بكاء شديدا، فقيل له: مصيبة نزلت بك؟ ~~فقال لا! ولكن استفتي من لا علم عنده. # وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «قبل الساعة سنون خداعا، يصدق فيهن الكاذب، ويكذب فيهن الصادق، ويخون ~~فيهن الأمين، ويؤتمن الخائن، وينطق فيهن الرويبضة» # PageV02P680 # قالوا: هو الرجل التافة الحقير ينطق في أمور العامة، كأنه ليس بأهل أن ~~يتكلم في أمور العامة فيتكلم. # PageV02P681 # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قد علمت متى يهلك الناس! إذا جاء ~~الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير ~~تابعه الصغير فاهتديا. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم من ~~أكابرهم، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم هلكوا. # واختلف العلماء فيما أراد عمر بالصغار، فقال ابن المبارك: هم أهل البدع، ~~وهو موافق، لأن أهل البدع أصاغر في العلم، ولأجل ذلك صاروا أهل بدع. # وقال الباجي: يحتمل أن يكون الأصاغر من لا علم عنده. قال: وقد كان عمر ~~يستشير الصغار، وكان القراء أهل مشاورته كهولا وشبانا. قال: ويحتمل أن يريد ~~بالأصاغر من لا قدر له ولا حال، ولا يكون ذلك إلا بنبذ الدين والمروءة. ~~فأما من التزمهما فلا بد أن يسمو أمره، ويعظم قدره. # ومما يوضح هذا التأويل ما خرجه ابن وهب بسند مقطوع عن الحسن قال: العامل ~~على غير علم كالسائر على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما ~~يصلح، فاطلبوا العلم ms407 طلبا لا يضر بترك العبادة، فاطلبوا العبادة طلبا لا ~~يضر بترك العلم، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم # PageV02P682 # حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو طلبوا العلم لم ~~يدلهم على ما فعلوا يعني الخوارج والله أعلم، لأنهم قرؤوا القرآن ولم ~~يتفقهوا فيه حسبما أشار إليه الحديث. # «يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم». # وروي عن مكحول أنه قال: تفقه الرعاع فساد الدين والدنيا، وتفقه السفلة ~~فساد الدين. # وقال الفريابي: كان سفيان الثوري إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون العلم تغير ~~وجهه، فقلت: يا أبا عبد الله! أراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك. ~~قال: كان العلم في العرب وفي سادات الناس، وإذا خرج عنهم وصار إلى هؤلاء ~~النبط والسفلة غير الدين. # وهذه الآثار أيضا إذا حملت على التأويل المتقدم اشتدت واستقامت، لأن ~~ظواهرها مشكلة، ولعلك إذا استقريت أهل البدع من المتكلمين، أو أكثرهم ~~وجدتهم من أبناء سبايا الأمم، ومن ليس له أصالة في اللسان العربي، فعما ~~قريب يفهم كتاب الله على غير وجهه، كما أن من لم يتفقه في مقاصد الشريعة ~~فهمها على غير وجهها. ### | [من أسباب الخلاف اتباع الهوى] # والثاني من أسباب الخلاف اتباع الهوى # ولذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة ~~الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بل قدموا ~~أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورا فيها من ~~وراء ذلك، # PageV02P683 # وأكثر هؤلاء هم أهل التحسين والتقبيح، ومن مال إلى الفلاسفة وغيرهم، ~~ويدخل في غمارهم من كان منهم يخشى السلاطين لنيل ما عندهم، أو طلبا ~~للرياسة، فلا بد أن يميل مع الناس بهواهم، ويتأول عليهم فيما أرادوا، حسبما ~~ذكره العلماء ونقله من مصاحبي السلاطين. # فالأولون ردوا كثيرا من الأحاديث الصحيحة بعقولهم، وأساؤوا الظن بما صح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحسنوا ظنهم بآرائهم الفاسدة، حتى ردوا كثيرا ~~من أمور الآخرة وأحوالها من الصراط والميزان، وحشر الأجساد، والنعيم ~~والعذاب الجسميين، وأنكروا رؤية الباري، وأشباه ذلك، بل صيروا ms408 العقل شارعا ~~جاء الشرع أو لا، بل إن جاء فهو كاشف لمقتضى ما حكم به العقل، إلى غير ذلك ~~من الشناعات. # والآخرون خرجوا عن الجادة إلى البنيات، وإن كانت مخالفة لطلب الشريعة، ~~حرصا على أن يغلب عدوه، أو يفيد وليه، أو يجر إلى نفسه نفعا، كما ذكروا عن ~~محمد بن يحيى بن لبابة أخي الشيخ ابن لبابة المشهور، فإنه عزل عن قضاء ~~البيرة ثم عزل عن الشورى لأشياء نقمت عليه، وسجل بسخطته القاضي حبيب بن ~~زيادة، وأمر بإسقاط عدالته وإلزامه بيته، وأن لا يفتي أحدا. # ثم إن الناصر احتاج إلى شراء مجشر من أحباس المرضى بقرطبة بعدوة النهر، ~~فشكا إلى القاضي ابن بقي ضرورته إليه لمقابلتهم منزهه، # PageV02P684 # وتأذيه برؤيتهم أوان تطلعه من علاليه. فقال له ابن بقي: لا حيلة عندي ~~فيه، وهو أولى أن يحاط بحرمة الحبس فقال له: تكلم مع الفقهاء فيه وعرفهم ~~رغبتي، وما أجزله من أضعاف القيمة فيه. فلعلهم أن يجدوا لي في ذلك رخصة. ~~فتكلم ابن بقي معهم فلم يجدوا إليه سبيلا، فغضب الناصر عليهم وأمر الوزراء ~~بالتوجيه فيهم إلى القصر، وتوبيخهم، فجرت بينهم وبين بعض الوزراء مكالمة، ~~ولم يصل الناصر معهم إلى مقصوده. # وبلغ ابن لبابة هذا الخبر فدفع إلى الناصر بعضا من أصحابه الفقهاء ويقول: ~~إنهم حجروا عليه واسعا. ولو كان حاضرا لأفتاه بجواز المعارضة، وتقلد حقا ~~وناظر أصحابه فيها. فوقع الأمر بنفس الناصر، وأمر بإعادة محمد بن لبابة إلى ~~الشورى على حالته الأولى، ثم أمر القاضي بإعادة المشورة في المسألة. فاجتمع ~~القاضي والفقهاء وجاء ابن لبابة آخرهم. وعرفهم القاضي ابن بقي بالمسألة ~~التي جمعهم من أجلها وغبطة المعاوضة فيها. # فقال جميعهم بقولهم الأول من المنع من تغيير الحبس عن وجهه وابن لبابة ~~ساكت فقال له القاضي: ما تقول أنت يا أبا عبد الله؟ قال: أما قول إمامنا ~~مالك بن أنس فالذي قاله أصحابنا الفقهاء. وأما أهل العراق فإنهم لا يجيزون ~~الحبس أصلا، وهم علماء أعلام يقتدي بهم أكثر الأمة، وإذا بأمير المؤمنين من ms409 ~~الحاجة إلى هذا المجشر ما به، فما ينبغي أن يرد عنه، وله في السنة فسحة، ~~وأنا أقول بقول أهل العراق، وأتقلد ذلك رأيا. # فقال له الفقهاء: سبحان الله! تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا ومضوا ~~عليه واعتقدناه بعدهم وأفتينا به لا نحيد عنهم بوجه، وهو رأي أمير المؤمنين # PageV02P685 # ورأي الأئمة آبائه؟ فقال لهم محمد بن يحيى: ناشدتكم الله العظيم! ألم ~~تنزل بأحد منكم ملمة بلغت بكم أن أخذتم فيها بغير قول مالك في خاصة أنفسكم. ~~وأرخصتم لأنفسكم في ذلك؟ قالوا: بلى! قال: فأمير المؤمنين أولى بذلك، فخذوا ~~به مأخذكم، وتعلقوا بقول من يوافقه من العلماء فكلهم قدوة. فسكتوا. فقال ~~للقاضي: أنه إلى أمير المؤمنين فتياي. # فكتب القاضي إلى أمير المؤمنين بصورة المجلس، وبقي مع أصحابه بمكانهم إلى ~~أن أتى الجواب بأن يؤخذ له بفتيا محمد بن لبابة، وينفذ ذلك ويعوض المرضى من ~~هذا المجشر بأملاك ثمينة عجب، وكانت عظيمة القدر جدا، تزيد أضعافا على ~~المجشر. ثم جيء بكتاب من عند أمير المؤمنين منه إلى ابن لبابة بولاية خطة ~~الوثائق ليكون هو المتولي لعقد هذه المعاوضة، فهنئ بالولاية، وأمضى القاضي ~~الحكم بفتواه وأشهد عليه وانصرفوا، فلم يزل ابن لبابة يتقلد خطة الوثائق ~~والشورى إلى أن مات سنة 336 ست وثلاثين وثلاثمائة. # قال القاضي عياض: ذاكرت بعض مشايخنا مرة بهذا الخبر، فقال: ينبغي أن يضاف ~~هذا الخبر الذي حل سجل السخطة إلى سجل السخطة، فهو أولى وأشد في السخطة مما ~~تضمنه أو كما قال. # فتأملوا كيف اتباع الهوى، وأولى أن ينتهي بصاحبه فشأن مثل هذا لا يحل ~~أصلا من وجهين: # أحدهما: أنه لم يتحقق المذهب الذي حكم به، لأن أهل العراق لا يبطلون ~~الإحباس هكذا على الإطلاق، ومن حكى عنهم ذلك، فإما على # PageV02P686 # غير تثبيت، وإما أنه كان قولا لهم رجعوا عنه، بل مذهبهم يقرب من مذهب ~~مالك حسبما هو مذكور في كتب الحنفية. # والثاني: أنه إن سلمنا صحته فلا يصح للحاكم أن يرجع في حكمه في أحد ~~القولين بالصحبة والإمارة ms410 أو قضاء الحاجة، إنما الترجيح بالوجوه المعتبرة ~~شرعا، وهذا متفق عليه بين العلماء، فكل من اعتمد على تقليد قول غير محقق، ~~أو رجح بغير معنى معتبر فقد خلع الربقة واستند إلى غير شرع، عافانا الله من ~~ذلك بفضله. # فهذه الطريقة في الفتيا من جملة البدع المحدثات في دين الله تعالى، كما ~~أن تحكيم العقل على الدين مطلقا محدث، وسيأتي بيان ذلك بعد، إن شاء الله. # وقد ثبت بهذا وجه اتباع الهوى، وهو أصل الزيغ عن الصراط المستقيم. قال ~~الله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ} [آل عمران: 7] أي ميل عن الحق {فيتبعون ~~ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران: 7] وقد تقدم معنى ~~الآية، فمن شأنهم أن يتركوا الواضح ويتبعوا المتشابه، عكس ما عليه الحق في ~~نفسه. # وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وذكرت الخوارج عنده وما يلقون في ~~القرآن فقال: يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه، وقرأ ابن عباس الآية. ~~خرجه ابن وهب. # PageV02P687 # وقد دل على ذمة القرآن في قوله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: ~~23] الآية، ولم يأت في القرآن ذكر الهوى إلا في معرض الذم. حكى ابن وهب عن ~~طاوس أنه قال: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه، وقال: {ومن أضل ممن اتبع ~~هواه بغير هدى من الله} [القصص: 50] إلى غير ذلك من الآيات. وحكى أيضا عن ~~عبد الرحمن بن مهدي أن رجلا سأل إبراهيم النخعي عن الأهواء: أيها خير؟ ~~فقال: ما جعل الله في شيء منها مثقال ذرة من خير وما هي إلا زينة الشيطان ~~وما الأمر إلا الأمر الأول. يعني ما كان عليه السلف الصالح. # وخرج عن الثوري أن رجلا أتى ابن عباس رضي الله عنهما ، فقال: أنا على ~~هواك. فقال له ابن عباس: الهوى كله ضلالة: أي شيء أنا على هواك؟. ### | [من أسباب الخلاف التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت] # والثالث من أسباب الخلاف التصميم على اتباع ms411 العوائد وإن فسدت أو كانت ~~مخالفة للحق # وهو اتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ، وأشباه ذلك، وهو التقليد ~~المذموم، فإن الله ذم بذلك في كتابه بقوله: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} ~~[الزخرف: 22] الآية. ثم قال: {قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ~~قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون} [الزخرف: 24] # PageV02P688 # وقوله: {هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون} [الشعراء: 72] ~~فنبههم على وجه الدليل الواضح فاستمسكوا بمجرد تقليد الآباء، فقالوا: {بل ~~وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} [الشعراء: 74] وهو مقتضى الحديث المتقدم أيضا في ~~قوله: # «اتخذ الناس رؤساء جهالا» إلى آخره، فإنه يشير إلى الاستنان بالرجال كيف ~~كان. # وفيما يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إياكم والاستنان بالرجال، ~~فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل ~~النار فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب ~~لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لا ~~بد فاعلين، فبالأموات لا بالأحياء. فهو إشارة إلى الأخذ بالاحتياط في ~~الدين، وأن الإنسان لا ينبغي له أن يعتمد على عمل أحد البتة، حتى يثبت فيه ~~ويسأل عن حكمه، إذ لعل المعتمد على عمله يعمل على خلاف السنة. ولذلك قيل: ~~لا تنظر إلى عمل العالم. ولكن سله يصدقك. وقالوا: ضعف الروية أن يكون رأى ~~فلانا يعمل مثله. ولعله فعله ساهيا. وليس من هذا القبيل عمل أهل المدينة. ~~وما أشبه ذلك. لأنه دليل ثابت عند جماعة من العلماء على وجه ليس مما نحن ~~فيه. # PageV02P689 # وقول علي رضي الله عنه : فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات نكتة في ~~الموضع. # يعني الصحابة، ومن جرى مجراهم ممن يؤخذ بقوله ويعتمد على فتواه. وأما ~~غيرهم ممن لم يحل ذلك المحل فلا. كأن يرى الإنسان رجلا يحسن اعتقاده فيه ~~يفعل فعلا محتملا أن يكون مشروعا أو غير مشروع فيقتدي به على الإطلاق ~~ويعتمد عليه في التعبد. ويجعله حجة في دين الله، فهذا هو الضلال بعينه. ms412 وما ~~لم يتثبت بالسؤال والبحث عن حكم الفعل ممن هو أهل الفتوى. # وهذا الوجه هو الذي مال بأكثر المتأخرين من عوام المبتدعة، إذا اتفق أن ~~ينضاف إلى شيخ جاهل أو لم يبلغ مبلغ العلماء، فيراه يعمل عملا فيظنه عبادة ~~فيقتدي به. كائنا ما كان ذلك العمل. موافقا للشرع أو مخالفا. ويحتج به على ~~من يرشده ويقول: كان الشيخ فلان من الأولياء وكان يفعله وهو أولى أن يقتدى ~~به من علماء أهل الظاهر. فهو في الحقيقة راجع إلى تقليد من حسن ظنه فيه ~~أخطأ أو أصاب. كالذين قلدوا آباءهم سواء. وإنما قصارى هؤلاء أن يقولوا: إن ~~آباءنا أو شيوخنا لم يكونوا ينتحلون مثل هذه الأمور سدى. # وما هي إلا مقصودة بالدلائل والبراهين مع أنهم يرون ويرون أن لا دليل ~~عليها. ولا برهان يقود إلى القول بها. ### | [فصل أسباب الخلاف راجعة إلى الجهل بمقاصد الشريعة والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت] # هذه الأسباب الثلاثة راجعة في التحصيل إلى وجه واحد: وهو الجهل بمقاصد ~~الشريعة والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت، أو الأخذ فيها بالنظر ~~الأول، ولا يكون ذلك من راسخ في العلم. # PageV02P690 # ألا ترى إلى أن الخوارج كيف خرجوا عن الدين كما يخرج السهم من الصيد ~~المرمي؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم: # «بأنهم يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم»، يعني والله أعلم أنهم لا يتفقهون ~~به حتى يصل إلى قلوبهم لأن الفهم راجع إلى القلب، فإذا لم يصل إلى القلب لم ~~يحصل فيه فهم على حال، وإنما يقف عند محل الأصوات والحروف المسموعة فقط، ~~وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم، وما تقدم أيضا من قوله عليه ~~الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا» إلى آخره. # وقد وقع لابن عباس تفسير ذلك على معنى ما نحن فيه، فخرج أبو عبيد في ~~فضائل القرآن، وسعيد بن منصور في تفسيره عن إبراهيم التميمي قال: خلا عمر ~~رضي الله عنه ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه ms413 الأمة ونبيها واحد؟ ~~فأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد ~~وقبلتها واحدة زاد سعيد وكتابها واحد قال، فقال ابن عباس: يا أمير ~~المؤمنين: إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيما أنزل، وأنه سيكون ~~بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإن كان ~~لهم فيه رأي اختلفوا، وقال سعيد: فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان كذلك ~~اختلفوا، وقال سعيد فيكون لكل قوم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا. ~~قال: فزجره عمر وانتهره علي فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال فعرفه، ~~فأرسل إليه وقال: أعد علي ما قلته. فأعاد عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه. # PageV02P691 # وما قاله ابن عباس رضي الله عنهما هو الحق، فإنه إذا عرف الرجل فيما نزلت ~~الآية أو السورة عرف مخرجها وتأويلها وما قصد بها، فلم يتعد ذلك فيها، وإذا ~~جهل فيما أنزلت احتمل النظر فيها أوجها. فذهب كل إنسان مذهبا لا يذهب إليه ~~الآخر، وليس عندهم من الرسوخ في العلم ما يهديهم إلى الصواب، أو يقف بهم ~~دون اقتحام حمى المشكلات، فلم يكن بد من الأخذ ببادي الرأي، أو التأويل ~~بالتخرص الذي لا يغني من الحق شيئا، إذ لا دليل عليه من الشريعة، فضلوا ~~وأضلوا. # ومما يوضح ذلك ما خرجه ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعا: كيف رأي ابن عمر ~~في الحرورية؟ قال: يراهم شرار خلق الله إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في ~~الكفار فجعلوها على المؤمنين. فسر سعيد بن جبير من ذلك، فقال: مما يتبع ~~الحرورية من المتشابه قول الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الكافرون} [المائدة: 44] ويقرنون معها: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} ~~[الأنعام: 1] فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل ~~بربه ومن عدل بربه فقد أشرك، فهذه الأمة مشركون فيخرجون فيقتلون ما رأيت، ~~لأنهم يتأولون هذه الآية. فهذا معنى الرأي الذي نبه عليه ابن عباس، وهو ~~الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي ms414 نزل القرآن فيه. # وقال نافع: إن ابن عمر كان إذا سئل عن الحرورية؟ قال: يكفرون # PageV02P692 # المسلمين، ويستحلون دماءهم وأموالهم، وينكحون النساء في عددهن، وتأتيهم ~~المرأة فينكحها الرجل منهم ولها زوج، فلا أعلم أحدا أحق بالقتال منهم. فإن ~~قيل: فرضت الاختلاف المتكلم فيه في واسطة بين طرفين. فكان من الواجب أن ~~تردد النظر فيه عليهما. فلم تفعل. بل رددته إلى الطرف الأول في الذم ~~والضلال. ولم تعتبره بجانب الاختلاف الذي لا يضير، وهو الاختلاف في الفروع. # فالجواب عن ذلك: أن كون ذلك القسم واسطة بين الطرفين لا يحتاج إلى بيانه ~~إلا من الجهة التي ذكرنا. أما الجهة الأخرى، فإن عدم ذكرهم في هذه الأمة ~~وإدخالهم فيها أوضح أن هذا الاختلاف لم يلحقهم بالقسم الأول، وإلا فلو كان ~~ملحقا لهم به لم يقع في الأمة اختلاف ولا فرقة. ولا أخبر الشارع به. ولا ~~نبه السلف الصالح عليه فكما أنه لو فرضنا اتفاق الخلق على الملة بعد [ما] ~~كانوا مفارقين لها لم نقل: اتفقت الأمة بعد اختلافها. كذلك لا نقول: اختلفت ~~الأمة أو افترقت الأمة بعد اتفاقها. أو خرج بعضهم إلى الكفر بعد الإسلام. ~~وإنما يقال: افترقت وتفترق الأمة. إذا كان الافتراق واقعا فيها مع بقاء اسم ~~الأمة هذا هو الحقيقة. ولذلك «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الخوارج: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» ثم قال: «وتتمارى في ~~الفوق» وفي رواية: # «فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة: هل علق ~~بها من الدم # PageV02P693 # شيء» والتماري في الفوق فيه هل فيه فرث ودم أم لا؟ شك بحسب التمثيل: هل ~~خرجوا من الإسلام حقيقة؟ وهذه العبارة لا يعبر بها عمن خرج من الإسلام ~~بالارتداد مثلا. # وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى. ولكن الذي ~~يقوى في النظر وبحسب الأثر عدم القطع بتكفيرهم. والدليل عليه عمل السلف ~~الصالح فيهم، ألا ترى إلى صنع علي رضي الله عنه في الخوارج؟ وكونه عاملهم ~~في قتالهم معاملة ms415 أهل الإسلام على مقتضى قول الله تعالى: {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9]، فإنه لما اجتمعت الحرورية ~~وفارقت الجماعة لم يهيجهم علي ولا قاتلهم، ولو كانوا بخروجهم مرتدين لم ~~يتركهم، لقوله عليه الصلاة والسلام: # «من بدل دينه فاقتلوه،» ولأن أبا بكر رضي الله عنه خرج لقتال أهل الردة ~~ولم يتركهم، فدل ذلك على اختلاف ما بين المسألتين. # وأيضا، فحين ظهر معبد الجهني وغيره من أهل القدر لم يكن من السلف الصالح ~~لهم إلا الطرد والإبعاد والعداوة والهجران، ولو كانوا خرجوا إلى كفر محض ~~لأقاموا عليهم الحد المقام على المرتدين. وعمر بن عبد العزيز أيضا لما خرج ~~في زمانه الحرورية بالموصل أمر بالكف عنهم على حد ما أمر به علي رضي الله ~~عنه ، ولم يعاملهم # PageV02P694 # معاملة المرتدين. # ومن جهة المعنى! إنا وإن قلنا: إنهم متبعون للهوى، ولما تشابه من الكتاب ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فإنهم ليسوا بمتبعين للهوى بإطلاق، ولا ~~متبعين لما تشابه من الكتاب من كل وجه، ولو فرضنا أنهم كذلك لكانوا كفارا، ~~إذ لا يتأتى ذلك من أحد في الشريعة إلا مع رد محكماتها عنادا، وهو كفر. ~~وأما من صدق بالشريعة ومن جاء بها، وبلغ فيها مبلغا يظن به أنه متبع للدليل ~~بمثله، لا يقال: أنه صاحب هوى بإطلاق. بل هو متبع للشرع في نظره لكن بحيث ~~يمازجه الهوى في مطالبه من جهة إدخال الشبه في المحكمات بسبب اعتبار ~~المتشابهات، فشارك أهل الهوى في دخول الهوى في نحلته، وشارك أهل الحق في ~~أنه لا يقبل إلا ما دل عليه الدليل على الجملة. # وأيضا، فقد ظهر منهم اتحاد القصد مع أهل السنة على الجملة من مطلب واحد، ~~وهو الانتساب إلى الشريعة. ومن أشد مسائل الخلاف مثلا مسألة إثبات الصفات ~~حيث نفاها من نفاها، فإنا إذا نظرنا إلى مقاصد الفريقين وجدنا كل واحد ~~منهما حائما حول حمى التنزيه ونفي النقائص وسمات الحدوث، وهو مطلوب الأدلة. ~~وإنما وقع اختلافهم في الطريق، وذلك لا يخل بهذا القصد في الطرفين معا، ~~فحصل ms416 في هذا الخلاف أشبه الواقع بينه وبين الخلاف الواقع في الفروع؟ # وأيضا، فقد يعرض الدليل على المخالف منهم فيرجع إلى الوفاق لظهوره عنده، ~~كما رجع من الحرورية الخارجين على علي رضي الله عنه ألفان، وإن كان الغالب ~~عدم الرجوع، كما تقدم في أن المبتدع # PageV02P695 # ليس له توبة. # حكى ابن عبد البر بسند يرفعه إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما ~~اجتمعت (الحرورية يخرجون على علي، قال) جعل يأتيه الرجل فيقول: يا أمير ~~المؤمنين (إن) القوم خارجون عليك، قال: (دعهم) # حتى يخرجوا. فلما كان ذات (يوم) قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فلا ~~تفتني حتى آتي القوم قال فدخلت عليهم وهم قائلون، فإذا هم مسهمة / وجوههم ~~من السهر، قد أثر السجود في جباههم، كأن أيديهم ثفن الإبل، عليهم قمص مرحضة ~~فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس؟ وما هذه الحلة عليك؟ (قال): قلت: ما تعيبون ~~من ذلك؟ فلقد رأيت (رسول) الله صلى الله عليه وسلم (وعليه حلة) أحسن ما ~~يكون من (الثياب اليمنية) قال / ثم قرأت هذه الآية: {قل من حرم زينة الله ~~التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}، فقالوا: ما جاء بك؟ (قلت): جئتكم من ~~عند (أصحاب) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ~~ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله، ~~(جئت) لأبلغكم عنهم وأبلغهم عنكم، فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشا فإن الله ~~يقول: {بل هم قوم خصمون} فقال بعضهم: بلى (فلنكلمه). قال: فكلمني منهم ~~رجلان، أو ثلاثة، قال: قلت: ماذا نقمتم عليه؟ قالوا: ثلاثا. # فقلت: ما هن؟ قالوا: حكم الرجال في أمر الله وقال الله تعالى: {إن الحكم ~~إلا لله}، قال: (قلت): هذه واحدة، وماذا # PageV02P696 # أيضا؟ / قالوا: فإنه قاتل فلم يسب ولم يغنم، (فلئن) كانوا مؤمنين ما حل ~~قتالهم، (ولئن) # كانوا كافرين لقد حل/ قتالهم (وسبيهم)، قال: قلت: وماذا أيضا؟ قالوا: ~~ومحا نفسه من إمرة المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين ~~قال: قلت: ms417 أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله بما ينقض قولكم/ هذا، ~~أترجعون؟ قالوا: وما لنا لا نرجع؟ # قال: قلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله، فإن الله قال في كتابه: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم}، وقال في المرأة وزوجها: ~~{وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} فصير الله ذلك ~~إلى حكم الرجال، فناشدتكم (الله) أتعلمون (أن) حكم الرجال في (حقن) دماء ~~المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم أفضل أو في (دم أرنب ثمنه) ربع درهم؟ وفي ~~(بضع) امرأة؟ قالوا: (بل)، هذا أفضل. قال: (أخرجتم) من هذه؟ قالوا: نعم! ~~قال: وأما/ قولكم: قاتل (ولم يسب) ولم يغنم (أتسبون) أمكم عائشة؟ فإن ~~قلتم:/ نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها، فقد كفرتم، (وإن قلتم ليست ~~بأمنا فقد كفرتم)، فأنتم (ترددون) بين/ ضلالتين، (أخرجتم) من هذه؟ قالوا: ~~بلى، (قال): وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، ~~إن نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو، # PageV02P697 # «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد ~~رسول الله فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم أنك رسول الله، ولو نعلم ~~أنك رسول الله ما قاتلناك. قال رسول الله: اللهم إنك تعلم أني رسولك، يا ~~علي اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو ~~قال: فرجع منهم ألفان وبقي بقيتهم فخرجوا فقتلوا أجمعون». ### | [فصل مسائل في حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة] ### | [حقيقة افتراق الأمة] # حديث تفرق الأمة # صح من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي ~~على ثلاث وسبعين فرقة» وخرجه الترمذي هكذا. # وفي رواية أبي داود قال: # «افترق اليهود 73 على ms418 إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وفرقت النصارى على ~~إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة». # وفي الترمذي تفسير هذا، ولكن بإسناد غريب عن غير أبي هريرة - رضي الله ~~عنه -، فقال في حديث: # «وإن بني إسرائيل افترقت على اثنتين # PageV02P698 # وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة ~~واحدة قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي». # وفي سنن أبي داود: # «وأن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعين في النار وواحدة ~~في الجنة وهي الجماعة» وهي بمعنى الرواية التي قبلها، إلا أن هنا زيادة في ~~بعض الروايات: «وأنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى ~~الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله». # وفي رواية عن ابن أبي غالب موقوفا عليه: # إن بني إسرائيل تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة تزيد عليهم ~~فرقة، كلها في النار إلا السواد الأعظم وفي رواية مرفوعا: # «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور ~~برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال». # وهذا الحديث بهذه الرواية الأخيرة قدح فيه ابن عبد البر لأن ابن # PageV02P699 # معين قال: إنه حديث باطل لا أصل له شبه فيه على نعيم بن حماد، قال بعض ~~المتأخرين: إن الحديث قد روي عن جماعة من الثقات، ثم تكلم في إسناده بما ~~يقتضي أنه ليس كما قال ابن عبد البر، ثم قال: وفي الجملة فإسناده في الظاهر ~~جيد إلا أن يكون - يعني ابن معين - قد اطلع منه على علة خفية. # وأغرب من هذا كله رواية رأيتها في جامع ابن وهب. # «إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وثمانين ملة وستفترق أمتي على اثنتين وثمانين ~~ملة، كلها في النار إلا واحدة قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: - ~~الجماعة». # فإذا تقرر هذا تصدى النظر في الحديث في مسائل: المسألة الأولى في حقيقة ~~هذا الافتراق # وهو يحتمل أن يكون افتراقا على ما يعطيه مقتضى اللفظ، ويحتمل أن ms419 يكون مع ~~زيادة قيد لا يقتضيه اللفظ بإطلاقه ولكن يحتمله، كما كان لفظ الرقبة ~~بمطلقها لا يشعر بكونها مؤمنة أو غير مؤمنة، لكن اللفظ يقبله فلا يصح أن ~~يراد مطلق الافتراق، بحيث يطلق صور لفظ الاختلاف على معنى واحد، لأنه يلزم ~~أن يكون المختلفون في مسائل الفروع داخلين تحت إطلاق اللفظ، وذلك باطل ~~بالإجماع، فإن الخلاف من زمان الصحابة إلى الآن واقع في المسائل ~~الاجتهادية، وأول ما وقع الخلاف في زمان الخلفاء الراشدين المهديين، ثم في ~~سائر الصحابة، ثم التابعين ولم يعب أحد ذلك منهم، وبالصحابة اقتدى من بعدهم ~~في توسيع الخلاف. فكيف أن يكون الافتراق في المذاهب مما يقتضيه الحديث؟! # PageV02P700 # وإنما يراد افتراق مقيد، وإن لم يكن في الحديث نص عليه، ففي الآيات مما ~~يدل عليه، قوله تعالى: {ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} [الروم: 31] وقوله تعالى: {إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} [الأنعام: 159] وما أشبه تلك ~~الآيات الدالة على التفرق الذي صاروا به شيعا، ومعنى صاروا شيعا أي جماعات ~~بعضهم قد فارق البعض، ليسوا على تآلف ولا تعاضد ولا تناصر، بل على ضد ذلك، ~~فإن الإسلام واحد وأمره واحد، فاقتضى أن يكون حكمه على الائتلاف التام لا ~~على الاختلاف. # وهذه الفرقة مشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء، ولذلك قال: # {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] فبين أن التأليف ~~إنما يحصل عند الائتلاف على التعلق بمعنى واحد، وأما إذا تعلقت كل شيعة ~~بحبل غير ما تعلقت به الأخرى فلا بد من التفرق، وهو معنى قوله تعالى: {وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: ~~153]. # وإذا ثبت هذا نزل عليه لفظ الحديث واستقام معناه والله أعلم. # PageV02P701 ### | [سبب الفرقة قد يكون راجعا إلى معصية] # المسألة الثانية # إن هذه الفرق إن كانت افترقت بسبب موقع في العدواة والبغضاء، فإما أن ~~يكون راجعا إلى أمر هو معصية غير بدعة، ومثاله أن يقع بين ms420 أهل الإسلام ~~افتراق بسبب دنيوي، كما يختلف مثلا أهل قرية مع قرية أخرى بسبب تعد في مال ~~أو دم، حتى تقع بينهم العدواة فيصيروا حزبين، أو يختلفون في تقديم وال أو ~~غير ذلك فيفترقون، ومثل هذا محتمل، وقد يشعر به. # من فارق الجماعة قيد شبر فميتته جاهلية وفي مثل هذا جاء في الحديث: # «إذا بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر منهما» وجاء في القرآن الكريم: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9] إلى آخر القصة. # وأما أن يرجع إلى أمر هو بدعة، كما افترق الخوارج من الأمة ببدعهم التي ~~بنوا عليها في الفرقة، وكالمهدي المغربي الخارج عن الأمة نصرا للحق في ~~زعمه، فابتدع أمورا سياسية وغيرها خرج بها عن السنة - كما تقدمت الإشارة ~~إليه قبل - وهذا هو الذي تشير إليه الآيات المتقدمة والأحاديث، لمطابقتها ~~لمعنى الحديث. وإما أن يراد المعنيان معا. # PageV02P702 # فأما الأول، فلا أعلم قائلا به، وإن كان ممكنا في نفسه، إذ لم أر أحدا خص ~~هذه بما إذا افترقت الأمة بسبب أمر دنيوي لا بسبب بدعة، وليس ثم دليل يدل ~~على التخصيص، لأن قوله عليه الصلاة والسلام: «من فارق الجماعة قيد شبر» ~~الحديث، لا يدل على الحصر. وكذلك: «إذ بويع الخليفتان فاقتلوا الآخر ~~منهما»، وقد اختلفت الفرق في المراد بالجماعة المذكورة في الحديث حسبما ~~يأتي، فلم يكن منهم قائل بأن الفرقة المضادة للجماعة هي فرقة المعاصي غير ~~البدع على الخصوص. # وأما الثاني: وهو أن يراد المعنيان معا، فذلك أيضا ممكن، إذ الفرقة ~~المنبه عليها قد تحصل بسبب أمر دنيوي لا مدخل فيها للبدع، وإنما هي معاص ~~ومخالفات كسائر المعاصي، وإلى هذا المعنى يرشد قول الطبري في تفسير الجماعة ~~- حسبما يأتي بحول الله - ويعضده حديث الترمذي: # «ليأتين على أمتي من يصنع ذلك» (؟) فجعل الغاية في اتباعهم ما هو معصية ~~كما ترى. # وكذلك في الحديث الآخر: # «لتتبعن سنن من كان قبلكم - إلى قوله - حتى لو دخلوا جحر ضب خرب ~~لاتبعتموهم» فجعل الغاية ما ليس ببدعة. # PageV02P703 # وفي معجم البغوي عن جابر - رضي ms421 الله عنه - «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لكعب بن عجرة - رضي الله عنه -: أعاذك الله يا كعب بن عجرة من إمارة ~~السفهاء - قال: وما إمارة السفهاء؟ - قال أمراء يكونون بعدي لا يهتدون ~~بهديي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ~~ليسوا مني، ولست منهم، ولا يردون علي الحوض، ومن لم يصدقهم على كذبهم ولم ~~يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم، ويردون علي الحوض» الحديث. # وكل من لم يهتد بهديه ولا يستن بسنته فإما إلى بدعة أو معصية. فلا اختصاص ~~بأحدهما، غير أن الأكثر في نقل أرباب الكلام وغيرهم أن الفرقة المذكورة ~~إنما هي بسبب الابتداع في الشرع على الخصوص، وعلى ذلك حمل الحديث # PageV02P704 # من تكلم عليه من العلماء، ولم يعدوا منها المفترقين بسبب المعاصي التي ~~ليست بدعا، وعلى ذلك يقع التفريع إن شاء الله. ### | [هذه الفرق يحتمل من جهة النظر أن يكونوا خارجين عن الملة] # المسألة الثالثة: # إن هذه الفرقة يحتمل من جهة النظر أن يكونوا خارجين عن الملة بسبب ما ~~أحدثوا. # فهم قد فارقوا أهل الإسلام بإطلاق، وليس ذلك إلا لكفر، إذ ليس بين ~~المنزلتين منزلة ثالثة تتصور. # ويدل على هذا الاحتمال ظواهر من القرآن والسنة، كقوله تعالى: {إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} [الأنعام: 159] وهي آية نزلت - ~~عند المفسرين - في أهل البدع، ويوضحه من قرأ: {إن الذين فرقوا دينهم} ~~[الأنعام: 159] والمفارقة للدين بحسب الظاهر إنما هي الخروج عنه، وقوله: ~~{فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} [آل عمران: 106] الآية وهي ~~عند العلماء منزلة في أهل القبلة وهم أهل البدع، وهذا كالنص، إلى غير ذلك ~~من الآيات. # وأما الحديث فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب ~~بعضكم رقاب بعض» # PageV02P705 # وهذا نص في كفر من قيل ذلك فيه، وفسره الحسن بما تقدم في قوله # «ويصبح مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا» الحديث، «وقوله عليه ~~الصلاة والسلام في الخوارج: # دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ms422 وصيامه مع صيامهم، يقرؤون ~~القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ~~ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ~~ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء - وهو القدح - ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد ~~فيه شيء من الفرث والدم» فانظر إلى قوله: من الفرث والدم فهو الشاهد على ~~أنهم دخلوا في الإسلام فلا يتعلق بهم منه شيء. # وفي رواية أبي ذر - رضي الله عنه -: # «سيكون بعدي من أمتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من ~~الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة» ~~إلى غير ذلك من الأحاديث، إنما هي في قوم بأعيانهم، فلا حجة فيها على ~~غيرهم، لأن العلماء استدلوا بها على جميع أهل الأهواء، كما استدلوا ~~بالآيات. # PageV02P706 # وأيضا، فالآيات إن دلت بصيغ عمومها فالأحاديث تدل بمعانيها لاجتماع ~~الجميع في العلة. # فإن قيل: الحكم بالكفر والإيمان راجع إلى حكم الآخرة، والقياس لا يجري ~~فيها. فالجواب: إن كلامنا في الأحكام الدنيوية، وهل يحكم لهم بحكم المرتدين ~~أم لا؟ وإنما أمر الآخرة لله، لقوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} ~~[الأنعام: 159]. # ويحتمل أن لا يكونوا خارجين عن الإسلام جملة، وإن كانوا قد خرجوا عن جملة ~~من شرائعه وأصوله. # ويدل على ذلك جميع ما تقدم فيما قبل هذا الفصل، فلا فائدة في الإعادة. # ويحتمل وجها ثالثا، وهو أن يكون منهم من فارق الإسلام لكن مقالته كفر ~~وتؤدي معنى الكفر الصريح، ومنهم من لم يفارقه، بل انسحب عليه حكم الإسلام ~~وإن عظم مقاله وشنع مذهبه، لكنه لم يبلغ به مبلغ الخروج إلى الكفر المحض ~~والتبديل الصريح. # ويدل على ذلك الدليل بحسب كل نازلة، وبحسب كل بدعة، إذ لا شك في أن البدع ~~يصح أن يكون منها ما هو كفر كاتخاذ الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، ومنها ~~ما ليس بكفر ms423 كالقول بالجهة عند جماعة وإنكار الإجماع وإنكار القياس وما ~~أشبه ذلك. # PageV02P707 # ولقد فصل بعض المتأخرين في التكفير تفصيلا في هذه الفرق، فقال: ما كان من ~~البدع راجعا إلى اعتقاد وجود إله مع الله، كقول السبئية في علي - رضي الله ~~عنه - أنه إله، أو خلق الإله في بعض أشخاص الناس كقول الجناحية: إن الله ~~تعالى له روح يحل في بعض بني آدم، ويتوارث، أو إنكار رسالة محمد صلى الله ~~عليه وسلم كقول الغرابية: إن جبريل غلط في الرسالة فأداها إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وعلي كان صاحبها، أو استباحة المحرمات وإسقاط الواجبات، ~~وإنكار ما جاء به الرسول كأكثر الغلاة من الشيعة، مما لا يختلف المسلمون في ~~التكفير به، وما سوى ذلك من المقالات فلا يبعد أن يكون معتقدها غير كافر. # واستدل على ذلك بأمور كثيرة لا حاجة إلى إيرادها ولكن الذي كنا نسمعه من ~~الشيوخ أن مذهب المحققين من أهل الأصول أن الكفر بالمآل، ليس بكفر في ~~الحال، كيف والكافر ينكر ذلك المآل أشد الإنكار ويرمي مخالفه به، [ولو] ~~تبين له وجه لزوم الكفر من مقالته لم يقل بها على حال. # وإذا تقرر نقل الخلاف فلنرجع إلى ما يقتضيه الحديث الذي نحن بصدده من هذه ~~المقالات. # أما ما صح منه فلا دليل على شيء، لأنه ليس فيه إلا تعديد الفرق الخاصة. ~~وأما على رواية من قال في حديثه: # «كلها في النار إلا واحدة» فإنما # PageV02P708 # يقتضي إنفاذ الوعيد ظاهرا، ويبقى الخلود وعدمه مسكوتا عنه، فلا دليل فيه ~~على شيء مما أردنا، إذ الوعيد بالنار قد يتعلق بعصاة المؤمنين كما يتعلق ~~بالكفار على الجملة، وإن تباينا في التخليد وعدمه. ### | [تخصيص الفرق المذكورة بالمبتدعة، وإشارة القرآن والحديث تدل على عدم الخصوص] # المسألة الرابعة: # إن هذه الأقوال المذكورة آنفا مبنية على أن الفرق المذكورة في الحديث هي ~~المبتدعة في قواعد العقائد على الخصوص، كالجبرية والقدرية، والمرجئة وغيرها ~~وهو مما ينظر فيه. فإن إشارة القرآن والحديث تدل على عدم الخصوص، وهو رأي ~~الطرطوشي، أفلا ترى ms424 إلى قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} [آل عمران: ~~7] وما في قوله تعالى {ما تشابه} [آل عمران: 7] لا تعطي خصوصا في اتباع ~~المتشابه لا في قواعد العقائد ولا في غيرها، بل الصيغة تشمل ذلك كله، ~~فالتخصيص تحكم. # وكذلك قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} ~~[الأنعام: 159] فجعل ذلك التفريق في الدين، ولفظ الدين يشمل العقائد ~~وغيرها، وقوله: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله} [الأنعام: 153] فالصراط المستقيم هو الشريعة على العموم، وشبه ما ~~تقدم في السورة من تحريم ما ذبح لغير الله وتحريم الميتة والدم ولحم # PageV02P709 # الخنزير وغيره، وإيجاب الزكاة، كل ذلك على أبدع نظم وأحسن سياق. # ثم قال تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} ~~[الأنعام: 151] فذكر أشياء من القواعد وغيرها، فابتدأ بالنهي عن الاشتراك، ~~ثم الأمر ببر الوالدين، ثم النهي عن قتل الأولاد، ثم عن الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن، ثم عن قتل النفس بإطلاق، ثم عن أكل مال اليتيم، ثم الأمر ~~بتوفية الكيل والوزن، ثم العدل في القول، ثم الوفاء بالعهد. # ثم ختم ذلك بقوله: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153]. # فأشار إلى ما تقدم ذكره من أصول الشريعة وقواعدها الضرورية، ولم يخص ذلك ~~بالعقائد، فدل على أن إشارة الحديث لا تختص بها دون غيرها. # وفي حديث الخوارج ما يدل عليه أيضا فإنه ذمهم بعد أن ذكر أعمالهم، وقال ~~في جملة ما ذمهم به: # «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» فذمهم بترك التدبر والأخذ بظواهر ~~المتشابهات، كما قالوا: حكم الرجال في دين الله، والله يقول: {إن الحكم إلا ~~لله} [الأنعام: 57]. # وقال أيضا: # «ويقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» فذمهم بعكس ما عليه الشرع، لأن ~~الشريعة جاءت بقتل الكفار والكف عن المسلمين، وكلا الأمرين غير مخصوص ~~بالعقائد. # فدل على أن الأمر على العموم لا على الخصوص فيما رواه نعيم بن # PageV02P710 # حماد في هذا الحديث: # «أعظمها ms425 فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال» ~~وهذا نص في أن ذلك العدد لا يختص بما قالوا من العقائد. # واستدل الطرطوشي على أن البدع لا تختص بالعقائد بما جاء عن الصحابة ~~والتابعين وسار العلماء من تسميتهم الأقوال والأفعال بدعا إذا خالفت ~~الشريعة، ثم أتى بآثار كثيرة كالذي رواه مالك عن عمه أبي سهيل عن أبيه أنه ~~قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة يعني بالناس ~~الصحابة، وذلك أنه أنكر أكثر أفعال عصره، ورآها مخالفة لأفعال الصحابة. # وكذلك أبو الدرداء سأله رجل فقال: رحمك الله، لو أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين أظهرنا هل ينكر شيئا مما نحن عليه؟ فغضب واشتد غضبه، ثم قال: ~~وهل يعرف شيئا مما أنتم عليه؟ # وفي البخاري عن أم الدرداء قالت: دخل أبو الدرداء مغضبا فقلت له: ما لك؟ ~~فقال: والله ما أعرف منهم من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا. وذكر جملة من ~~أقاويلهم في هذا المعنى مما يدل على أن مخالفة السنة في الأفعال قد ظهرت. # وفي مسلم قال مجاهد: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن ~~عمر مستند إلى حجرة عائشة، وإذا ناس في المسجد يصلون الضحى، فقلنا: ما هذه ~~الصلاة؟ فقال: بدعة. # PageV02P711 # قال الطرطوشي: فحمله عندنا على أحد وجهين: إما أنهم يصلونها جماعة، وإما ~~أفذاذا على هيئة النوافل في أعقاب الفرائض. وذكر أشياء من البدع القولية ~~مما نص العلماء على أنها بدع. فصح أن البدع لا تختص بالعقائد. وقد تقررت ~~هذه المسألة في كتاب الموافقات بنوع آخر من التقرير. ### | [الفرق إنما تصير فرقا لخلافها للفرقة الناجية] # نعم ثم معنى آخر ينبغي أن يذكر هنا. وهو: المسألة الخامسة # وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في ~~الدين وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي والفرع ~~الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعا، وإنما ينشأ التفرق عند ~~وقوع المخالفة في الأمور ms426 الكلية، لأن الكليات تقتضي عددا من الجزئيات غير ~~قليل، وشاذها في الغالب أن لا يختص بمحل دون محل ولا بباب دون باب. # واعتبر ذلك بمسألة التحسين العقلي، فإن المخالفة فيها أنشأت بين ~~المخالفين خلافا في فروع لا تنحصر، ما بين فروع عقائد وفروع أعمال. # ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء ~~الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، كما تصير القاعدة ~~الكلية معارضة أيضا، وأما الجزئي فبخلاف ذلك، بل يعد وقوع ذلك من المبتدع ~~له # PageV02P712 # كالزلة والفلتة، وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين، حيث قال عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه -: ثلاث يهدمن الدين: زلة العالم، وجدال منافق ~~بالقرآن، وأئمة مضلون. ولكن إذا قرب موقع الزلة لم يحصل بسببها تفرق في ~~الغالب ولا هدم للدين. بخلاف الكليات. # فأنت ترى موقع اتباع المتشابهات كيف هو في الدين إذا كان اتباعا مخلا ~~بالواضحات. وهي أم الكتاب. وكذلك عدم تفهم القرآن موقع في الإخلال بكلياته ~~وجزئياته. # وقد ثبت أيضا للكفار بدع فرعية. ولكنها في الضروريات وما قاربها. كجعلهم ~~لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ولشركائهم نصيبا، ثم فرعوا عليه أن ما ~~كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله وصل إلى شركائهم. وتحريمهم ~~البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقتلهم أولادهم سفها بغير علم، وترك ~~العدل في القصاص والميراث، والحيف في النكاح والطلاق، وأكل مال اليتيم على ~~نوع من الحيل، إلى أشباه ذلك مما نبه عليه الشرع وذكره العلماء، حتى صار ~~التشريع ديدنا لهم، وتغيير ملة إبراهيم عليه السلام سهلا عليهم، فأنشأ ذلك ~~أصلا مضافا إليهم وقاعدة رضوا بها، وهي التشريع المطلق لا الهوى، ولذلك لما ~~نبههم الله تعالى على إقامة الحجة عليهم بقوله تعالى: {قل آلذكرين حرم أم ~~الأنثيين} [الأنعام: 143] قال فيها: {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} ~~[الأنعام: 143] فطالبهم بالعلم الذي شأنه أن لا يشرع إلا حقا وهو علم # PageV02P713 # الشريعة لا غيره، ثم قال تعالى: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} ~~[الأنعام: 144] تنبيها ms427 لهم على أن هذا ليس مما شرعه في ملة إبراهيم: ثم ~~قال: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم} [الأنعام: ~~144] فثبت أن هذه الفرق إنما افترقت بحسب أمور كلية اختلفوا فيها والله ~~أعلم. ### | [إذا قلنا هذه الفرق كفار فكيف يعدون من الأمة] # المسألة السادسة # إنا إذا قلنا بأن هذه الفرق كفار - على قول من قال به - أو ينقسمون إلى ~~كافر وغيره فكيف يعدون من الأمة؟ وظاهر الحديث يقتضي أن ذلك الافتراق إنما ~~هو مع كونهم من الأمة، وإلا فلو خرجوا من الأمة إلى الكفر لم يعدوا منها ~~ألبتة - كما تبين: - # وكذلك الظاهر في فرق اليهود والنصارى، أن التفرق فيهم حاصل مع كونهم هودا ~~ونصارى؟ # فيقال في الجواب عن هذا السؤال: إنه يحتمل أمرين: # أحدهما: أنا نأخذ الحديث على ظاهره في كون هذه الفرق من الأمة، ومن أهل ~~القبلة، ومن قيل بكفره منهم، فإما أن يسلم فيهم هذا القول فلا يجعلهم من ~~الأمة أصلا ولا # PageV02P714 # أنهم مما يعدون في الفرق، وإنما نعد منهم من لا تخرجه بدعته إلى كفر، فإن ~~قال بتكفيرهم جميعا، فلا يسلم أنهم المرادون بالحديث على ذلك التقدير، وليس ~~في حديث الخوارج نص على أنهم من الفرق الداخلة في الحديث، بل نقول: المراد ~~بالحديث فرق لا تخرجهم بدعهم عن الإسلام، فليبحث عنهم. # وإما أن لا نتبع المكفر في إطلاق القول بالتكفير، ونفصل الأمر إلى نحو ~~مما فصله صاحب القول الثالث، ويخرج من العدد من حكمنا بكفره، ولا يدخل تحت ~~عمومه إلا ما سواه مع غيره ممن لم يذكر في تلك العدة. # والاحتمال الثاني: أن نعدهم من الأمة على طريقة لعلها تتمشى في المواضع، ~~وذلك أن كل فرقة تدعي الشريعة، وأنها على صوابها، وأنها المتبعة للمتبعة ~~لها، وتتمسك بأدلتها، وتعمل على ما ظهر لها من طريقها! وهي تناصب العداوة ~~من نسبتها إلى الخروج عنها، وترمى بالجهل وعدم العلم من ناقضها. لأنها تدعي ~~أن ما ذهبت إليه هو الصراط المستقيم دون غيره. وبذلك يخالفون من خرج ms428 عن ~~الإسلام، لأن المرتد إذا نسبته إلى الارتداد أقر به ورضيه ولم يسخطه، ولم ~~يعادل لتلك النسبة، كسائر اليهود والنصارى، وأرباب النحل المخالفة للإسلام. # بخلاف هؤلاء الفرق فإنهم مدعون الموالفة للشارع والرسوخ في اتباع شريعة ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنما وقعت العداوة بينهم وبين أهل ~~السنة بسبب ادعاء بعضهم على بعض الخروج عن السنة، ولذلك تجدهم مبالغين في ~~العمل والعبادة، حتى بعض أشد الناس عبادة مفتون. # PageV02P715 # والشاهد لهذا كله - مع اعتبار الواقع - حديث الخوارج، فإنه قال عليه ~~الصلاة والسلام: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع ~~أعمالهم»، وفي رواية: # «يخرج من أمتي قوم يقرؤون القرآن، ليست قراءتكم من قراءتهم بشيء ولا ~~صلاتكم من صلاتهم بشيء» وهذه شدة المثابرة على العمل به، ومن ذلك قولهم كيف ~~يحكم الرجال والله يقول: {إن الحكم إلا لله} [الأنعام: 57]؟ ففي ظنهم أن ~~الرجال لا يحكمون بهذا الدليل، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «يقرؤون ~~القرآن، يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم». # فقوله عليه الصلاة والسلام: يحسبون أنه لهم واضح فيما قلنا، ثم إنهم ~~يطلبون اتباعه بتلك الأعمال ليكونوا من أهله، وليكون حجة لهم، فحين ابتغوا ~~تأويله وخرجوا عن الجادة كان عليهم لا لهم. # وفي معنى ذلك من قول ابن مسعود قال: وستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعون ~~إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، عليكم بالعلم وإياكم والبدع والتعمق، ~~عليكم بالعتيق فقوله: يزعمون كذا. دليل على أنهم على الشرع فيما يزعمون. # ومن الشواهد أيضا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «أن رسول # PageV02P716 # الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم ~~مؤمنين! وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا - قالوا: ~~يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ - قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم ~~يأتوا بعد، وأنا فرطكم على الحوض قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي ~~بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لأحدكم خيل غر محجلة في خيل دهم بهم، ms429 ألا ~~يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرا ~~محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد ~~البعير الضال، أناديهم: ألا هلم! ألا هلم! فيقال، قد بدلوا بعدك. فأقول: ~~فسحقا فسحقا فسحقا». # فوجه الدليل من الحديث أن قوله: «فليذادن رجال عن حوضي» إلى قوله: ~~«أناديهم ألا هلم» مشعر بأنهم من أمته. وأنه عرفهم، وقد بين أنهم يعرفون ~~بالغرر والتحجيل، فدل على أن هؤلاء الذين دعاهم وقد كانوا بدلوا ذوو غرر ~~وتحجيل، وذلك من خاصية هذه الأمة. فبان أنهم معدودون من الأمة، ولو حكم لهم ~~بالخروج من الأمة لم يعرفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة أو تحجيل ~~لعدمه عندهم. # ولا علينا أقلنا: إنهم خرجوا ببدعتهم عن الأمة أو لا، إذ أثبتنا لهم وصف ~~الانحياش إليها. # وفي الحديث الآخر: # «فيؤخذ بقوم منكم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي! قال: فيقال: لا تدري ~~ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت ~~فيهم} [المائدة: 117] إلى قوله: # PageV02P717 # {العزيز الحكيم} [المائدة: 118]- قال - فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا ~~بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم». # فإن كان المراد بالصحابة الأمة، فالحديث موافق لما قبله: # «بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد» فلابد من تأويله على أن ~~الأصحاب يعني بهم من آمن بي في حياته وإن لم يره، ويصدق لفظ المرتدين على ~~أعقابهم بعد موته، أو مانعي الزكاة تأويلا على أن أخذها إنما كان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحده، فإن عامة أصحابه الذين رأوه وأخذوا عنه ~~براءة من ذلك. ### | [تعيين هذه الفرق] # المسألة السابعة في تعيين هذه الفرق # وهي مسألة - كما قال الطرطوشي - طاشت فيها أحلام الخلق، فكثير ممن تقدم ~~وتأخر من العلماء عينوها، لكن في الطوائف التي خالفت في مسائل العقائد ~~فمنهم من عد أصولها ثمانية، فقال: كبار الفرق الإسلامية ثمانية: (1) ~~المعتزلة و (2) الشيعة، و (3) الخوارج، و (4) المرجئة، و (5) النجارية، و ~~(6) الجبرية و (7) المشبهة، ms430 و (8) الناجية. # فأما المعتزلة فافترقوا إلى عشرين فرقة وهم: الواصلية، # PageV02P718 # والعمرية، والهذيلية، والنظامية، والأسوارية، والإسكافية، والجعفرية، ~~والبشرية، والمزدارية، والهشامية، والصالحية، والخطابية، والحدبية، ~~والمعمرية، والثمامية، والخياطية، والجاحظية، والكعبية، والجبائية، ~~والبهشمية. # وأما الشيعة فانقسموا أولا ثلاث فرق: غلاة. وزيدية، وإمامية. # فالغلاة ثمان عشرة فرقة وهم: السبئية، والكاملية، والبيانية، والمغيرية، ~~والجناحية، والمنصورية، والخطابية، والغرابية، والذمية، والهشامية، ~~والزرارية، واليونسية، والشيطانية، والرزامية، والمفوضة، والبدائية، ~~والنصيرية، والإسماعيلية وهم: الباطنية، والقرمطية، والخرمية، والسبعية، ~~والبابكية، والحمدية. # وأما الزيدية فهم ثلاث فرق: الجارودية، والسليمانية، والبتيرية. # وأما الإمامية ففرقة واحدة، فالجميع اثنتان وأربعون فرقة. # وأما الخوارج فسبع فرق، وهم: المحكمة، والبيهسية، والأزارقة، والنجدات. ~~والعبدية، والإباضية وهم أربع فرق: الحفصية، واليزيدية، والحارثية، ~~والمطيعية. # وأما العجاردة فإحدى عشرة فرقة وهم: الميمونة، والشعيبية، والحازمية، ~~والحمزية، والمعلومية، والمجهولية، والصلتية، والثعلبية أربع فرق وهم: ~~الأخنسية، والمعبدية، والشيبانية، والمكرمية، فالجميع اثنتان وستون. # وأما المرجئة فخمس وهم: العبيدية، واليونسية، والغسانية، # PageV02P719 # والثوبانية، والتومنية. # وأما النجارية فثلاث فرق وهم: البرغوثية، والزعفرانية، والمستدركة. # وأما الجبرية ففرقة واحدة، وكذلك المشبهة. # فالجميع اثنتان وسبعون فرقة، فإذا أضيفت الفرقة الناجية إلى عدد الفرق ~~صار الجميع ثلاثا وسبعين فرقة. # وهذا التعديد بحسب ما أعطته المنة في تكليف المطابقة للحديث الصحيح، لا ~~على القطع بأنه المراد، إذ ليس على ذلك دليل شرعي، ولا دل العقل أيضا على ~~انحصار ما ذكر في تلك العدة من غير زيادة ولا نقصان، كما أنه لا دليل على ~~اختصاص تلك البدع بالعقائد، وقال جماعة من العلماء: أصول البدع أربعة، ~~وسائر الثنتين والسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا، وهم: الخوارج، والروافض، ~~والقدرية، والمرجئة. # قال يوسف بن أسباط: ثم تشعبت كل فرقة ثمان عشرة فرقة: فتلك اثنتان وسبعون ~~فرقة، والثالثة والسبعون هي الناجية. # وهذا التقدير نحو الأول، ويرد عليه من الإشكال ما ورد على الأول. # فشرح ذلك الشيخ أبو بكر الطرطوشي رحمه الله شرحا يقرب الأمر، فقال: لم ~~يرد علماؤنا بهذا التقدير أن أصل كل بدعة من هذه الأربع # PageV02P720 # تفرقت وتشعبت على مقتضى أصل البدع حتى تحملت تلك العدة، لأن ذلك لعله لم ms431 ~~يدخل في الوجود إلى الآن. # قال: وإنما أرادوا أن كل بدعة ضلالة لا تكاد توجد إلا في هذه الفرق ~~الأربع، وإن لم تكن البدعة الثانية فرعا للأولى ولا شعبة من شعبها، بل هي ~~بدعة مستقلة بنفسها ليست من الأولى بسبيل. # ثم بين ذلك بالمثال بأن التقدير أصل من أصول البدع، ثم اختلف أهله في ~~مسائل من شعب القدر، وفي مسائل لا تعلق لها بالقدر، فجميعهم متفقون على أن ~~أفعال العباد مخلوقة لهم من دون الله تعالى. # ثم اختلفوا في فرع من فروع القدر. فقال أكثرهم: لا يكون فعل بين فعلين ~~مخلوقين على التولد، وأحال مثله بين القديم والمحدث. # ثم اختلفوا فيما لا يعود إلى القدر في مسائل كثيرة. كاختلافهم في الصلاح ~~والأصلح: فقال البغداديون منهم: يجب على الله تعالى فعل الصلاح لعباده في ~~دينهم. # ويجب عليه ابتداء الخلق الذين علم أنه يكلفهم. ويجب عليه إكمال عقولهم ~~وأقدارهم وإزاحة عللهم. # وقال البصريون منهم: لا يجب على الله إكمال عقولهم ولا أن يؤتيهم أسباب ~~التكليف. # وقال البغداديون منهم: يجب على الله - تعالى عن قولهم - عقاب # PageV02P721 # العصاة إذا لم يتوبوا، والمغفرة من غير توبة سفه من الغافر. # وأما المصريون منهم ذلك. # وابتدع جعفر بن مبشر من استصر امرأة ليتزوجها فوثب عليها فوطئها بلا ولي ~~ولا شهود ولا رضى ولا عقد حل له ذلك. وخالفه في ذلك سلفه. # وقال ثمامة بن أشرس: إن الله يصير الكفار والملحدين وأطفال المشركين ~~والمؤمنين والمجانين ترابا يوم القيامة لا يعذبهم ولا يرضيهم. # وهكذا ابتدعت كل فرقة من هذه الفرق بدعا تتعلق بأصل بدعتها التي هي ~~معروفة بها. وبدعا لا تعلق لها بها. # فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بتفرق أمته أصول البدع التي ~~تجري مجرى الأجناس للأنواع. والمعاقد للفروع لعلهم - والعلم عند الله - ما ~~بلغوا هذا العدد إلى الآن. غير أن الزمان باق والتكليف قائم والخطرات ~~متوقعة. وهل قرن أو عصر يخلو إلا وتحدث فيه البدع؟ # وإن كان أراد بالتفرق كل بدعة حدثت في دين ms432 الإسلام مما لا يلائم أصول ~~الإسلام ولا تقبلها قواعده من غير التفات إلى التقسيم الذي ذكرنا كانت ~~البدع أنواعا لأجناس، أو كانت متغايرة الأصول والمباني. # فهذا هو الذي أراده عليه الصلاة والسلام - والعلم عند الله - فقد وجد من ~~ذلك عدد أكثر من اثنتين وسبعين. # ووجه تصحيح الحديث على هذا، أن يخرج من الحساب غلاة أهل البدع، ولا يعدون ~~من الأمة ولا في أهل القبلة، كنفاة الأعراض من القدرية # PageV02P722 # لأنه لا طريق إلى معرفة حدوث العالم وإثبات الصانع إلا بثبوت الأعراض، ~~وكالحلولية والنصيرية وأشباههم من الغلاة. # هذا ما قال الطرطوشي رحمه الله تعالى، وهو حسن من التقرير، غير أنه يبقى ~~للنظر في كلامه مجالان: # أحدهما: أن ما اختار من أنه ليس المراد الأجناس ; فإن كان مراده أعيان ~~البدع وقد ارتضى اعتبار البدع القولية والعملية ; فمشكل، لأنا إذا اعتبرنا ~~كل بدعة دقت أو جلت فكل من ابتدع بدعا كيف كانت لزم أن يكون هو ومن تابعه ~~عليها فرقة، فلا تقف في مائة ولا مائتين، فضلا عن وقوعها في اثنتين وسبعين، ~~وأن البدع - كما قال - لا تزال تحدث مع مرور الأزمنة إلى قيام الساعة. # وقد مر من النقل ما يشعر بهذا المعنى، وهو قول ابن عباس: ما من عام إلا ~~والناس يحيون فيه بدعة ويميتون فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن. وهذا ~~موجود في الواقع، فإن البدع قد نشأت إلى الآن ولا تزال تكثر، وإن فرضنا ~~إزالة بدع الزائغين في العقائد كلها لكان الذي يبقى أكثر من اثنتين وسبعين ~~فما قاله - والله أعلم - غير مخلص. # والثاني: أن حاصل كلامه أن هذه الفرق لم تتعين بعد، بخلاف القول المتقدم، ~~وهو أصح في النظر، لأن ذلك التعيين ليس عليه دليل، والعقل لا يقتضيه. وأيضا ~~فالمنازع له أن يتكلف من مسائل الخلاف التي بين الأشعرية # PageV02P723 # في قواعد العقائد فرقا يسميها ويبرئ نفسه وفرقته عن ذلك المحظور. فالأولى ~~ما قاله من عدم التعيين. وإن سلمنا أن الدليل قام له على ذلك فلا ينبغي ~~التعيين. # أما أولا: ms433 فإن الشريعة قد فهمنا منها أنها تشير إلى أوصافهم من غير تصريح ~~ليحذر منها، ويبقى الأمر في تعيين الداخلين في مقتضى الحديث مرجى، وإنما ~~ورد التعيين في النادر كما قال عليه الصلاة والسلام في الخوارج: # «إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» الحديث، مع أنه ~~عليه الصلاة والسلام لم يعرف أنهم ممن شملهم حديث الفرق. وهذا الفصل مبسوط ~~في كتاب الموافقات والحمد لله. # وأما ثانيا: فلأن عدم التعيين هو الذي ينبغي أن يلتزم ليكون سترا على ~~الأمة كما سترت عليهم قبائحهم فلم يفضحوا في الدنيا في الغالب، وأمرنا ~~بالستر على المؤمنين ما لم تبد لنا صفحة الخلاف، ليس كما ذكر عن بني ~~إسرائيل أنهم كانوا إذا أذنب أحدهم ليلا أصبح وعلى بابه معصية مكتوبة، ~~وكذلك في شأن قربانهم: فإنهم كانوا إذا قربوا لله قربانا فإن كان مقبولا ~~عند الله نزلت نار من السماء فأكلته، وإن لم يكن مقبولا لم تأكله النار، ~~وفي ذلك افتضاح المذنب. ومثل ذلك في الغنائم أيضا، فكثير من هذه الأشياء ~~خصت هذه الأمة بالستر فيها. # وأيضا، فللستر حكمة أخرى، وهي أنها لو أظهرت مع أن أصحابها من الأمة لكان ~~في ذلك داع إلى الفرقة وعدم الألفة التي أمر الله ورسوله # PageV02P724 # بها، حيث قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: ~~103] وقال تعالى: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} [الأنفال: 1] وقال ~~تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} [آل ~~عمران: 105] وفي الحديث: # «لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا»، «وأمر ~~عليه الصلاة والسلام بإصلاح ذات البين»، وأخبر أن فساد ذات البين هي ~~الحالقة التي تحلق الدين. # فإذا كان من مقتضى العادة أن التعريف بهم على التعيين يورث العداوة بينهم ~~والفرقة، لزم من ذلك أن يكون منهيا عنه، إلا أن تكون البدعة فاحشة جدا ~~كبدعة الخوارج، وذكرهم بعلامتهم حتى يعرفوا، ويلحق بذلك ما هو مثله في ~~الشناعة أو قريب منه بحسب نظر المجتهد، وما عدا ذلك فالسكوت ms434 عنه أولى. # وخرج أبو داود عن عمرو بن أبي قرة قال: # كان حذيفة بالمدائن فكان يذكر أشياء قالها رسول الله لأناس من أصحابه في ~~الغضب، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة ~~فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول فيرجعون إلى حذيفة # PageV02P725 # فيقولون له: قد ذكرنا قولك إلى سلمان فما صدقك ولا كذبك. فأتى حذيفة ~~سلمان وهو في مبقلة فقال: يا سلمان! ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضب ~~فيقول لناس من أصحابه ويرضى فيقول في الرضى: أما تنتهي حتى تورث رجالا حب ~~رجال ورجالا بغض رجال. وحتى توقع اختلافا وفرقة؟ ولقد علمت أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خطب فقال: «أيما رجل سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي ~~فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني الله رحمة للعالمين ~~أجعلها عليهم صلاة يوم القيامة». فوالله لتنتهين أو أكتبن إلى عمر. # فتأملوا ما أحسن هذا الفقه من سلمان - رضي الله عنه -! وهو جار في ~~مسألتنا، فمن هنا لا ينبغي للراسخ في العلم أن يقول: هؤلاء الفرق هم بنو ~~فلان وبنو فلان! وإن كان يعرفهم بعلامتهم بحسب اجتهاده، اللهم إلا في ~~موطنين: # أحدهما: حيث نبه الشرع على تعيينهم كالخوارج، فإنه ظهر من استقرائه أنهم ~~متمكنون تحت حديث الفرق، ويجري مجراهم من سلك سبيلهم، فإن أقرب الناس إليهم ~~شيعة المهدي المغربي، فإنه ظهر فيهم # PageV02P726 # الأمران اللذان عرف النبي صلى الله عليه وسلم بهما في الخوارج من أنهم ~~يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وأنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل ~~الأوثان، فإنهم أخذوا أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه حتى ابتدعوا فيه ثم لم ~~يتفقهوا فيه، ولا عرفوا مقاصده. ولذلك طرحوا كتب العلماء وسموها كتب الرأي ~~وخرقوها ومزقوا أدمها، مع أن الفقهاء هم الذين بينوا في كتبهم معاني الكتاب ~~والسنة على الوجه الذي ينبغي، وأخذوا في قتال أهل الإسلام بتأويل فاسد، ms435 ~~زعموا عليهم أنهم مجسمون وأنهم غير موحدين، وتركوا الانفراد بقتال أهل ~~الكفر من النصارى والمجاورين لهم وغيرهم. # فقد اشتهر في الأخبار والآثار ما كان من خروجهم على علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - وعلى من بعده كعمر بن عبد العزيز رحمه الله وغيرهم، حتى لقد ~~روي في حديث خرجه البغوي في معجمه عن حميد بن هلال «أن عبادة بن قرط غزا ~~فمكث في غزاته تلك ما شاء الله، ثم رجع مع المسلمين منذ زمان فقصد نحو ~~الأذان يريد الصلاة فإذا هو بالأزارقة - صنف من الخوارج - فلما رأوه قالوا: ~~ما جاء بك يا عدو الله؟ قال: ما أنتم يا إخوتي؟ قالوا: أنت أخو الشيطان، ~~لنقتلنك. قال. ما ترضون مني بما رضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~قالوا: وأي شيء رضي به منك؟ قال: أتيته وأنا كافر فشهدت أن لا إله إلا الله ~~وأنه رسول الله فخلى عني - قال - فأخذوه فقتلوه». # وأما عدم فهمهم للقرآن فقد تقدم بيانه، وقد جاء في القدرية حديث خرجه أبو ~~داود عن ابن عمرو - رضي الله عنهما -، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن # PageV02P727 # ماتوا فلا تشهدوهم». # وعن حذيفة - رضي الله عنه - أنه عليه الصلاة والسلام قال: # «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا ~~تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوه، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن ~~يلحقهم بالدجال» وهذا الحديث غير صحيح عند أهل النقل. قال صاحب المغني: لم ~~يصح في ذلك شيء. نعم قول ابن عمر ليحيى بن يعمر حين أخبره أن القول بالقدر ~~قد ظهر: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وهم برآء مني، ثم استدل ~~بحديث جبريل - صحيح لا إشكال في صحته. # خرج أبو داود أيضا من حديث عمر - رضي الله عنه -، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم» # PageV02P728 # ولم يصح أيضا. # وخرج ابن وهب عن ms436 زيد بن علي قال: # «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صنفان من أمتي لا سهم لهم في الإسلام ~~يوم القيامة: المرجئة والقدرية»، و «عن معاذ بن جبل وغيره يرفعه قال: لعنت ~~القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبيا آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم». وعن ~~مجاهد بن جبر: # «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سيكون من أمتي قدرية وزنديقية ~~أولئك مجوس». # وعن نافع قال: بينما نحن عند عبد الله بن عمر نعوده إذ جاء رجل فقال: إن ~~فلانا يقرأ عليك السلام - لرجل من أهل الشام - فقال عبد الله: بلغني أنه قد ~~أحدث حدثا، فإن كان كذلك فلا تقرأن عليه السلام. سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «سيكون في أمتي مسخ وخسف وهو في الزنديقية». # وعن ابن الديلمي قال: أتينا أبي بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من ~~القدر فحدثني لعل الله يذهبه من قلبي فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته ~~وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من ~~أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل # PageV02P729 # الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما ~~أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار. قال: ثم أتيت عبد ~~الله بن مسعود فقال لي مثل ذلك. قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ~~ذلك. وفي بعض الحديث: # «لا تكلموا في القدر فإنه سر الله» وهذا كله أيضا غير صحيح. # وجاء في المرجئة والجهمية شيء لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فلا تعديل عليه. # نعم نقل المفسرون أن قوله تعالى: {يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا ~~مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 48] نزل في أهل القدر. فروى عبد بن ~~حميد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: # «أتى مشركوا قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت ~~الآية». وروى مجاهد وغيره ms437 أنها نزلت في المكذبين بالقدر، ولكن إن صح ففيه ~~دليل، وإلا فليس في الآية ما يعين أنهم من الفرق، وكلامنا فيه. # والثاني: حيث تكون الفرقة تدعو إلى ضلالتها وتزيينها في قلوب العوام ومن ~~لا علم عنده، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس، # PageV02P730 # وهم من شياطين الإنس، فلابد من التصريح بأنهم من أهل البدعة والضلالة، ~~ونسبتهم إلى الفرق إذا قامت له الشهود على أنهم منهم. كما اشتهر عن عمرو بن ~~عبيد وغيره. فروى عاصم الأحول. قال: جلست إلى قتادة فذكر عمرو بن عبيد فوقع ~~فيه ونال منه. فقلت: أبا الخطاب: ألا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض؟ فقال: ~~يا أحول أولا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة فينبغي لها أن تذكر حتى تحذر؟ ~~فجئت من عند قتادة وأنا مغتم بما سمعت من قتادة في عمرو بن عبيد، وما رأيت ~~من نسكه وهديه، فوضعت رأسي نصف النهار وإذا عمرو بن عبيد والمصحف في حجره ~~وهو يحك آية من كتاب الله. فقلت: سبحان الله! تحك آية من كتاب الله؟ قال ~~إني سأعيدها. قال: فتركته حتى حكها. فقلت له: أعدها. فقال: لا أستطيع. # فمثل هؤلاء لابد من ذكرهم والتشريد بهم، لأن ما يعود على المسلمين من ~~ضررهم إذا تركوا، أعظم من الضرر الحاصل بذكرهم والتنفير عنهم إذا كان سبب ~~ترك التعيين الخوف من التفرق والعدواة. ولا شك أن التفريق بين المسلمين ~~وبين الداعين للبدعة وحدهم - إذا أقيم - عليهم أسهل من التفرق بين المسلمين ~~وبين الداعين ومن شايعهم واتبعهم، وإذا تعارض الضرران يرتكب أخفهما ~~وأسهلهما، وبعض الشر أهون من جميعه، كقطع اليد المتآكلة، إتلافها أسهل من ~~إتلاف النفس. وهذا شأن الشرع أبدا: يطرح حكم الأخف وقاية من الأثقل. # فإذا فقد الأمران فلا ينبغي أن يذكروا ولا أن يعينوا إن وجدوا، لأن ذلك ~~أول مثير للشر وإلقاء العداوة والبغضاء، ومتى حصل باليد منهم أحد # PageV02P731 # ذاكره برفق، ولم يره أنه خارج من السنة، بل يريه أنه مخالف للدليل ~~الشرعي، وأن الصواب الموافق للسنة كذا وكذا. فإن ms438 فعل ذلك من غير تعصب ولا ~~إظهار غلبة فهو الحج، وبهذه الطريقة دعي الخلق أولا إلى الله تعالى، حتى ~~[إذا] عاندوا وأشاعوا الخلاف وأظهروا الفرقة قوبلوا بحسب ذلك. # قال الغزالي في بعض كتبه: أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب ~~جماعة من جهال أهل الحق، أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلال ونظروا إلى ~~ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة ~~والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على العلماء ~~المتلطفين محوها مع ظهور فسادها، حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا ~~أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة. ولولا ~~استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء، لما وجد مثل هذا الاعتقاد ~~مستنفرا في قلب مجنون فضلا عن قلب عاقل. # هذا ما قال. وهو الحق الذي تشهد له العوائد الجارية فالواجب تسكين ~~الثائرة ما قدر على ذلك. والله أعلم. ### | [العلامات والخواص التي تعرف بها هذه الفرق] # المسألة الثامنة: أنه لما تبين أنهم لا يتعينون فلهم خواص وعلامات يعرفون ~~بها، وهي على قسمين: # علامات إجمالية، وعلامات تفصيلية. # فأما العلامات الإجمالية فثلاثة. # PageV02P732 # إحداها: الفرقة التي نبه عليها قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} [آل عمران: 105] وقوله تعالى: {وألقينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} [المائدة: 64] روى ابن وهب عن ~~إبراهيم النخعي أنه قال: هي الجدال والخصومات في الدين، وقوله تعالى: ~~{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] وفي الصحيح عن أبي ~~هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ~~يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ~~وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وصدق الحديث». # وهذا التفريق - كما تقدم - إنما هو الذي يصير الفرقة الواحدة فرقا ~~والشيعة الواحدة شيعا. # قال بعض العلماء: صاروا فرقا لاتباع أهوائهم. وبمفارقة الدين تشتت ~~أهواؤهم فافترقوا، وهو قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} ~~[الأنعام: 159] ثم برأه الله ms439 منهم بقوله: # {لست منهم في شيء} [الأنعام: 159] وهم # PageV02P733 # أصحاب البدع وأصحاب الضلالات، والكلام فيما لم يأذن الله فيه ولا رسوله. # قال: ووجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده قد اختلفوا في ~~أحكام الدين ولم يتفرقوا، ولا صاروا شيعا لأنهم لم يفارقوا الدين، وإنما ~~اختلفوا فيما أذن لهم من اجتهاد الرأي، والاستنباط من الكتاب والسنة فيما ~~لم يجدوا فيه نصا، واختلفت في ذلك أقوالهم فصاروا محمودين لأنهم اجتهدوا ~~فيما أمروا به كاختلاف أبي بكر وعمر وعلي، وزيد في الجد مع الأم، وقول عمر ~~وعلي في أمهات الأولاد، وخلافهم في الفريضة المشتركة، وخلافهم في الطلاق ~~قبل النكاح، وفي البيوع وغير ذلك فقد اختلفوا فيه وكانوا مع هذا أهل مودة ~~وتناصح، وأخوة الإسلام فيما بينهم قائمة، فلما حدثت الأهواء المردية، التي ~~حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهرت العداوات وتحزب أهلها فصاروا ~~شيعا، دل على أنه إنما حدث ذلك من المسائل المحدثة التي ألقاها الشيطان على ~~أفواه أوليائه. # قال: كل مسألة حدثت في الإسلام واختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف ~~بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة، علمنا أنها من مسائل الإسلام. وكل مسألة ~~حدثت وطرأت فأوجبت العداوة والبغضاء والتدابر والقطيعة، علمنا أنها ليست من ~~أمر الدين في شيء، وأنها التي عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير ~~الآية. # وذلك ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: يا عائشة {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} [الأنعام: 159] من ~~هم؟ - # PageV02P734 # قلت: الله ورسوله أعلم. قال: هم أصحاب الأهواء وأصحاب البدع وأصحاب ~~الضلالة من هذه الأمة» الحديث الذي تقدم ذكره. # قال: فيجب على كل ذي عقل ودين أن يجتنبها، ودليل ذلك قوله تعالى: ~~{واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا} [آل عمران: 103] فإذا اختلفوا وتعاطوا ذلك، كان لحدث أحدثوه من ~~اتباع الهوى. # هذا ما قاله. وهو ظاهر في أن الإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم ~~والتعاطف، ms440 فكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين. وهذه الخاصية قد دل ~~عليها الحديث المتكلم عليه، وهي موجودة في كل فرقة من الفرق المتضمنة في ~~الحديث. # ألا ترى كيف كانت ظاهرة في الخوارج الذين أخبر بهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان»: وأي فرقة توازي ~~هذه الفرقة التي بين أهل الإسلام وأهل الكفر؟ وهي موجودة في سائر من عرف من ~~الفرق أو ادعي ذلك فيهم، إلا أن الفرقة لا تعتبر على أي وجه كانت، لأنها ~~تختلف بالقوة والضعف. # وحيث ثبت أن مخالفة هذه الفرق في الفروع الجزئية، فإن الفرقة لابد أضعف، ~~فيجب النظر في هذا كله. # والخاصية الثانية هي التي نبه عليها قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون} [آل عمران: 7] الآية # PageV02P735 # هي التي نبه عليها قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه} [آل عمران: 7] الآية. فبينت الآية أن أهل الزيغ يتبعون متشابهات ~~القرآن، وجعلوا ممن شأنه أن يتبع المتشابه لا المحكم. ومعنى المتشابه: ما ~~أشكل معناه، ولم يبين مغزاه، سواء كان من المتشابه الحقيقي - كالمجمل من ~~الألفاظ وما يظهر من التشبيه - أو من المتشابه الإضافي، وهو ما يحتاج في ~~بيان معناه الحقيقي إلى دليل خارجي، وإن كان في نفسه ظاهر المعنى لبادي ~~الرأي، كاستشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقوله: {إن الحكم إلا لله} ~~[الأنعام: 57] فإن ظاهر الآية صحيح على الجملة، وأما على التفصيل فمحتاج ~~إلى البيان، وهو ما تقدم ذكره لابن عباس - رضي الله عنهما -، لأنه بين أن ~~الحكم لله تارة بغير تحكيم لأنه إذا أمرنا بالتحكيم فالحكم به حكم الله. # وكذلك قولهم: " قاتل ولم يسب " فإنهم حصروا التحكيم في القسمين وتركوا ~~قسما ثالثا وهو الذي نبه عليه قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي} ~~[الحجرات: 9] الآية. فهذا قتال من غير سبي، لكن ابن عباس نبههم على وجه ~~أظهر وهو أن السباء إذا حصل فلابد من ms441 وقوع بعض المقاتلين على أم المؤمنين، ~~وعند ذلك يكون حكمها حكم السبايا في الانتفاع بها كالسبايا، فيخالفون ~~القرآن الذي ادعوا التمسك به. # PageV02P736 # وكذلك في محو الاسم من إمارة المؤمنين، اقتضى عندهم أنه إثبات لإمارة ~~الكافرين، وذلك غير صحيح لأن نفي الاسم منها لا يقتضي نفي المسمى. # وأيضا: فإن فرضنا أنه يقتضي نفي المسمى لم يقتض إثبات إمارة أخرى. ~~فعارضهم ابن عباس بمحو النبي صلى الله عليه وسلم اسم الرسالة من الصحيفة ~~معارضة لا قبل لهم بها. ولذلك رجع منهم ألفان - أو من رجع منهم -. # فتأملوا وجه اتباع المتشابهات، وكيف أدى إلى الضلال والخروج عن الجماعة، ~~ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «فإذا رأيتم الذي يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». # والخاصية الثالثة: اتباع الهوى، وهو الذي نبه عليه قوله تعالى: {فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ} [آل عمران: 7] والزيغ هو الميل عن الحق اتباعا للهوى، ~~وكذلك قوله تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} [القصص: 50] ~~وقوله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم} [الجاثية: 23]. # وليس في حديث الفرق ما يدل على هذه الخاصية ولا على التي قبلها. إلا أن ~~هذه الخاصية راجعة في المعرفة بها إلى كل أحد في خاصة نفسه، لأن اتباع ~~الهوى أمر باطني فلا يعرفه غير صاحبه إذا لم يغالط نفسه، إلا أن يكون عليها ~~دليل خارجي. # PageV02P737 # وقد مر أن أصل حدوث الفرق إنما هو الجهل بمواقع السنة، وهو الذي نبه عليه ~~الحديث بقوله: # «اتخذ الناس رؤساء جهالا». فكل أحد عالم بنفسه هل بلغ في العلم مبلغ ~~المفتين أم لا؟ وعالم [إذا] راجع النظر فيما سئل عنه: هل هو قائل بعلم واضح ~~من غير إشكال أم بغير علم؟ أم هو على شك فيه؟ والعالم إذا لم يشهد له ~~العلماء فهو في الحكم باق على الأصل من عدم العلم حتى يشهد فيه غيره ويعلم ~~هو من نفسه ما شهد له به، وإلا فهو على يقين من عدم العلم أو ms442 على شك، ~~فاختيار الإقدام في هاتين الحالتين على الإحجام لا يكون إلا باتباع الهوى. ~~إذ كان ينبغي له أن يستفتي في نفسه غيره ولم يفعل، وكان من حقه أن لا يقدم ~~إلا أن يقدمه غيره، ولم يفعل هذا. # قال العقلاء: رأي المستشار أنفع لأنه بريء من الهوى، بخلاف من لم يستشر ~~فإنه غير بريء، ولاسيما في الدخول في المناصب العلية والرتب الشرعية كرتب ~~العلم. # فهذا أنموذج ينبه صاحب الهوى في هواه ويضبطه إلى أصل يعرف به؛ هل هو في ~~تصدره إلى فتوى الناس متبع للهوى، أم هو متبع للشرع؟. # وأما الخاصية الثانية فراجعة إلى العلماء الراسخين في العلم؛ لأن معرفة ~~المحكم والمتشابه راجع إليهم يعرفونها ويعرفون أهلها، فهم المرجوع إليهم في ~~بيان من هو متبع للمحكم فيقلد في الدين، ومن هو المتبع للمتشابه فلا يقلد ~~أصلا. # PageV02P738 # ولكن له علامة ظاهرة أيضا نبه عليها الحديث الذي فسرت الآية به، قال فيه: # فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله فاحذروهم، خرجه القاضي ~~إسماعيل بن إسحاق، وقد تقدم أول الكتاب. # فجعل من شأن المتبع للمتشابه أنه يجادل فيه ويقيم النزاع على الإيمان، ~~وسبب ذلك أن الزائغ المتبع لما تشابه من الدليل لا يزال في ريب وشك، إذ ~~المتشابه لا يعطى بيانا شافيا، ولا يقف منه متبعه على حقيقة، فاتباع الهوى ~~يلجئه إلى التمسك به، والنظر فيه لا يتخلص له، فهو على شك أبدا، وبذلك ~~يفارق الراسخ في العلم، لأن جداله إن افتقر إليه فهو في مواقع الإشكال ~~العارض طلبا لإزالته، فسرعان ما يزول إذا بين له موضع النظر. # وأما ذو الزيغ فإن هواه لا يخليه إلى طرح المتشابه. فلا يزال في جدال ~~عليه وطلب لتأويله. # ويدل على ذلك أن الآية نزلت في شأن نصارى نجران، وقصدهم أن يناظروا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في عيسى ابن مريم عليهما السلام، وأنه الله، أو ~~أنه ثالث ثلاثة، مستدلين بأمور متشابهات من قوله: فعلنا وخلقنا وهذا كلام ~~جماعة. ومن أنه يبرئ الأكمه والأبرص ms443 ويحيي الموتى وهو كلام طائفة أخرى، ولم ~~ينظروا إلى أصله ونشأته بعد أن لم يكن، وكونه كسائر بني آدم يأكل ويشرب ~~وتلحقه الآفات والأمراض. والخبر مذكور في السير. # والحاصل: أنهم إنما أتوا لمناظرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجادلته ~~لا # PageV02P739 # يقصدوا اتباع الحق. # والجدال على هذا الوجه لا ينقطع، ولذلك لما بين لهم الحق ولم يرجعوا عنه ~~دعوا إلى أمر آخر خافوا منه الهلكة فكفوا عنه؛ وهو المباهلة. وهو قوله ~~تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} [آل عمران: 61]. الآية، وشأن ~~هذا الجدال أنه شاغل عن ذكر الله وعن الصلاة، كالنرد والشطرنج وغيرهما. # وقد نقل عن حماد بن زيد أنه قال: جلس عمرو بن عبيد وشبيب بن شيبة ليلة ~~يتخاصمون إلى طلوع الفجر. # قال: فلما صلوا جعل عمرو يقول: هيه أبا معمر! هيه أبا معمر! فإذا رأيتم ~~أحدا شأنه أبدا الجدال في المسائل مع كل أحد من أهل العلم، ثم لا يرجع ولا ~~يرعوي، فاعلموا أنه زائغ القلب متبع للمتشابه فاحذروه. # وأما ما يرجع للأول فعامة لجميع العقلاء من أهل الإسلام، لأن التواصل ~~والتقاطع معروف عند الناس كلهم، وبمعرفته يعرف أهله. وهو الذي نبه عليه ~~حديث الفرق إذ أشار إلى الافتراق شيعا بقوله: # «وستفترق هذه الأمة على كذا» ولكن هذا الافتراق إنما يعرف بعد الملابسة ~~والمداخلة، وأما قبل ذلك فلا يعرفه كل أحد، فله علامات تتضمن الدلالة على ~~التفرق، أولا: مفاتحة الكلام، وذلك إلقاء المخالف لمن لقيه ذم المتقدمين ~~ممن اشتهر علمهم وصلاحهم واقتداء الخلف بهم، # PageV02P740 # ويختص بالمدح من لم يثبت له ذلك من شاذ مخالف لهم، وما أشبه ذلك. # وأصل هذه العلامة في الاعتبار تكفير الخوارج - لعنهم الله - الصحابة ~~الكرام - رضي الله عنهم -، فإنهم ذموا من مدحه الله ورسوله واتفق السلف ~~الصالح على مدحهم والثناء عليهم، ومدحوا من اتفق السلف الصالح على ذمه كعبد ~~الرحمن بن ملجم قاتل علي - رضي الله عنه -، وصوبوا قتله إياه، وقالوا: ms444 إن ~~في شأنه نزل قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} ~~[البقرة: 207] وأما التي قبلها وهي قوله: {ومن الناس من يعجبك قوله في ~~الحياة الدنيا} [البقرة: 204]، فإنها نزلت في شأن علي - رضي الله عنه -، ~~وكذبوا - قاتلهم الله - وقال عمران بن حطان في مدحه لابن ملجم. # يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا # إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا. # وكذب - لعنه الله - فإذا رأيت من يجري على هذا الطريق، فهو من الفرق ~~المخالفة، وبالله التوفيق. # وروي عن إسماعيل ابن علية، قال: حدثني اليسع، قال: تكلم واصل بن عطاء ~~يوما - يعني المعتزلي - فقال عمرو بن عبيد: ألا تسمعون؟ ما كلام الحسن وابن ~~سيرين - عندما تسمعون - إلا خرقة حيض ملقاة. # PageV02P741 # وروي أن زعيما من زعماء أهل البدعة كان يريد تفضيل الكلام على الفقه، ~~فكان يقول: إن علم الشافعي وأبي حنيفة، جملته لا يخرج من سراويل امرأة. # هذا كلام هؤلاء الزائغين، قاتلهم الله. # و [أما] العلامة التفصيلية في كل فرقة فقد نبه عليها وأشير إلى جملة منها ~~في الكتاب والسنة، وفي ظني أن من تأملها في كتاب الله وجدها منبها عليها ~~ومشارا إليها، ولولا أنا فهمنا من الشرع الستر عليها لكان في الكلام في ~~تعيينها مجال متسع مدلول عليه بالدليل الشرعي، وقد كنا هممنا بذلك في ماضي ~~الزمان. فغلبنا عليه ما دلنا على أن الأولى خلاف ذلك. # فأنت ترى أن الحديث الذي تعرضنا لشرحه لم يعين في الرواية الصحيحة واحدة ~~منها، لهذا المعنى المذكور، والله أعلم - وإنما نبه عليه في الجملة لتحذر ~~مظانها، وعين في الحديث المحتاج إليه منها، وهي الفرقة الناجية ليتحراها ~~المكلف، وسكت عن ذلك في الرواية الصحيحة، لأن ذكرها في الجملة يفيد الأمة ~~الخوف من الوقوع فيها، وذكر في الرواية الأخرى فرقة من الفرق الهالكة لأنها ~~- كما قال - أشد الفرق على الأمة. وبيان كونها أشد فتنة من غيرها سيأتي ~~آخرا إن شاء الله. ### | ### | [التوفيق بين روايات حديث الفرق] # ms445 # المسألة التاسعة: # إن الرواية الصحيحة في الحديث أن افتراق اليهود كافتراق النصارى على إحدى ~~وسبعين، # PageV02P742 # وهي في رواية أبي داود على الشك! إحدى وسبعين؟ أو ثنتين وسبعين؟ وأثبت في ~~الترمذي في الرواية الغريبة لبني إسرائيل الثنتين والسبعين لأنه لم يذكر في ~~الحديث افتراق النصارى، وذلك - والله أعلم - لأجل أنه إنما أجرى في الحديث ~~ذكر بني إسرائيل فقط، لأنه ذكر فيه عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - ~~قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليأتين على أمتي ما أتى على بني ~~إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي ~~من يصنع ذلك. وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي» ~~الحديث. وفي أبي داود، اليهود والنصارى معا إثبات الثنتين والسبعين من غير ~~شك. # وخرج الطبري وغيره الحديث على أن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين ~~ملة، وافترقت هذه الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. # فإن بنينا على إثبات إحدى الروايتين فلا إشكال، لكن في رواية الإحدى ~~والسبعين تزيد هذه الأمة فرقتين، وعلى رواية الاثنتين والسبعين تزيد فرقة ~~واحدة، وثبت في بعض كتب الكلام في نقل الحديث أن اليهود افترقت على إحدى ~~وسبعين، وأن النصارى افترقت على اثنتين وسبعين فرقة، ووافقت سائر # PageV02P743 # الروايات في افتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة. ولم أر هذه الرواية ~~هكذا فيما رأيته من كتب الحديث، إلا ما وقع في جامع ابن وهب من حديث علي - ~~رضي الله عنه - وسيأتي. # وإن بنينا على إعمال الروايات. فيمكن أن تكون رواية الإحدى والسبعين وقت ~~أعلم بذلك، ثم أعلم بزيادة فرقة، إما أنها كانت فيهم ولم يعلم بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم [إلا] في وقت آخر، وإما أن تكون جملة الفرق في الملتين ~~ذلك المقدار فأخبر به، ثم حدثت الثانية والسبعون فيهما فأخبر بذلك عليه ~~الصلاة والسلام. # وعلى الجملة فيمكن أن يكون الاختلاف بحسب التعريف بها أو الحدوث، والله ~~أعلم بحقيقة الأمر. ### | [التوفيق ms446 بين روايات حديث الفرق] # المسألة العاشرة: # هذه الأمة ظهر أن فيها فرقة زائدة على الفرق الأخرى اليهود والنصارى، ~~فالثنتان والسبعون من الهالكين المتوعدين بالنار، والواحدة في الجنة. فإذا ~~انقسمت هذه الأمة بحسب هذا الافتراق قسمين: قسم في النار، وقسم في الجنة، ~~ولم يبين ذلك في فرق اليهود ولا في فرق النصارى، إذ لم يبين الحديث أن لا ~~تقسيم لهذه الأمة، فيبقى النظر: هل في اليهود والنصارى فرقة ناجية أم لا؟ ~~وينبني على ذلك نظران: هل زادت هذه الأمة فرقة هالكة: أم لا؟ # PageV02P744 # وهذا النظر وإن كان لا ينبني عليه. . . ولكنه من تمام الكلام في الحديث. # فظاهر النقل في مواضع من الشريعة أن كل طائفة من اليهود والنصارى لابد أن ~~يوجد فيها من آمن بكتابه وعمل بسنته، كقوله تعالى: {ولا يكونوا كالذين ~~أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} ~~[الحديد: 16] ففيه إشارة إلى أن منهم من لم يفسق، وقال تعالى: {فآتينا ~~الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 27] وقال تعالى: {ومن ~~قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 159] وقال تعالى: {منهم ~~أمة مقتصدة} [المائدة: 66] وهذا كالنص. # وفي الحديث الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «أيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران» فهذا يدل بإشارته ~~على العمل بما جاء به نبيه. وخرج عبد الله بن عمر، «عن ابن مسعود قال: قال ~~رسول الله # PageV02P745 # صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله بن مسعود: - قلت: لبيك رسول الله قال - ~~أتدري أي عرى الإيمان أوثق؟ - قال - قلت: الله ورسوله أعلم. قال: الولاية ~~في الله، والحب في الله، والبغض فيه - ثم قال: يا عبد الله بن مسعود! - ~~قلت: لبيك رسول الله! ثلاث مرات، قال - أتدري أي الناس أفضل؟ قلت: الله ~~ورسوله أعلم. قال - فإن أفضل الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم - ثم ~~قال - يا عبد الله بن مسعود! - قلت لبيك يا رسول الله! ثلاث مرات. قال - هل ~~تدري ms447 أي الناس أعلم؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أعلم الناس أبصرهم للحق ~~إذا اختلف الناس، وإن كان مقصرا في العمل، وإن كان يزحف على استه، واختلف ~~من قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة نجا منهم ثلاث وهلك سائرها، فرقة آذت ~~الملوك وقاتلتهم على دين عيسى ابن مريم حتى قتلوا، وفرقة لم يكن لهم طاقة ~~بمؤاذاة الملوك، فأقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ~~ابن مريم، فأخذتهم الملوك وقطعتهم بالمناشير، وفرقة لم يكن لهم طاقة ~~بمؤاذاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهراني قومهم فيدعوهم إلى دين الله ودين ~~عيسى ابن مريم، فساحوا في الجبال وهربوا فيها، فهم الذين قال الله عز وجل ~~فيهم: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما ~~رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} ~~[الحديد: 27]. فالمؤمنون الذين آمنوا بي وصدقوا بي، والفاسقون الذين كذبوا ~~بي وجحدوا بي،» # PageV02P746 # فأخبر أن فرقا ثلاثا نجت من تلك الفرق المعدودة والباقية هلكت. # وخرج ابن وهب من حديث علي - رضي الله عنه - أنه دعا رأس الجالوت وأسقف ~~النصارى فقال: إني سائلكما عن أمر وأنا أعلم به منكما فلا تكتما، # PageV02P747 # يا رأس جالوت! أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، وأطعمكم المن ~~والسلوى، وضرب لكم في البحر طريقا يبسا، وجعل لكم الحجر الطوري يخرج لكم ~~منه اثنتي عشرة عينا لكل سبط من بني إسرائيل عين! إلا ما أخبرتني على كم ~~افترقت اليهود من فرقة بعد موسى؟ فقال له: ولا فرقة واحدة. فقال له علي: ~~كذبت والذي لا إله إلا هو، لقد افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار ~~إلا فرقة واحدة. # ثم دعا الأسقف، فقال: أنشدك الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وجعل على ~~رجله البركة، وأراكم العبرة، فأبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى، وصنع لكم ~~من الطين طيورا وأنبأكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم. فقال: دون هذا ~~الصدق يا أمير المؤمنين. فقال له علي - رضي الله عنه -. كم افترقت النصارى ~~بعد عيسى ابن ms448 مريم من فرقة؟ قال: لا. والله ولا فرقة. فقال ثلاث مرات: كذبت ~~والله الذي لا إله إلا الله. لقد افترقت على اثنتين وسبعين فرقة كلها في ~~النار إلا واحدة، فقال: أما أنت يا يهودي! فإن الله يقول: {ومن قوم موسى ~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 159] فهي التي تنجو، وأما نحن فيقول ~~الله فينا: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 181] فهذه ~~التي تنجو من هذه الأمة. # PageV02P748 # ففي هذا أيضا دليل. # وخرجه الآجري أيضا من طريق أنس بمعنى حديث علي - رضي الله عنه -: إن ~~واحدة من فرق اليهود ومن فرق النصارى في الجنة. # وخرج سعيد بن منصور في تفسيره من حديث عبد الله: أن بني إسرائيل لما طال ~~عليهم الأمد فقست قلوبهم اخترعوا كتابا من عند أنفسهم استهوته قلوبهم ~~واستحلته ألسنتهم، وكان الحق يحول بين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب ~~الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، فقالوا: اعرضوا هذا الكتاب على بني ~~إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، قالوا: لا! بل أرسلوا ~~إلى فلان - رجل من علمائهم - فاعرضوا عليه هذا الكتاب فإن تابعكم فلن ~~يخالفكم أحد بعده، وإن خالفكم فاقتلوه؛ فلن يختلف عليكم بعده أحد، فأرسلوا ~~إليه فأخذ ورقة فكتب فيها الكتاب ثم جعلها في قرنه، ثم علقها في عنقه، ثم ~~لبس عليها الثياب، ثم أتاهم فعرضوا عليه الكتاب، فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأومأ ~~إلى صدره فقال: آمنت بهذا، وما لي لا أومن بهذا؟ (يعني الكتاب الذي في ~~القرن) فخلوا سبيله، وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات نبشوه فوجدوا القرن ~~ووجدوا الكتاب، فقالوا: ألا ترون قوله: آمنت بهذا، وما لي لا أومن بهذا؟ ~~وإنما عنى هذا الكتاب. فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم ~~أصحاب ذلك القرن - قال عبد الله -: وإن من بقي منكم سيرى منكرا بحسب أمره، ~~يرى # PageV02P749 # منكرا لا يستطيع أن يغيره، إن يعلم الله من قلبه خيرا كاره. # فهذا الخبر يدل على أن في بني إسرائيل فرقة كانت على الحق الصريح في ~~زمانهم، ms449 لكن لا أضمن عهدة صحته ولا صحة ما قبله. # وإذا ثبت أن في اليهود والنصارى فرقة ناجية لزم من ذلك أن يكون في هذه ~~الأمة فرقة ناجية زائدة على رواية الثنتين والسبعين، أو فرقتين بناء على ~~رواية الإحدى والسبعين، فيكون لها نوع من التفرق لم يكن لمن تقدم من أهل ~~الكتاب، لأن الحديث المتقدم أثبت أن هذه الأمة تبعث من قبلها من أهل ~~الكتابين في أعيان مخالفتها، فثبت أنها تبعتها في أمثال بدعتها، وهذه هي: ### | [اتباع الأمة سنن من قبلها] # المسألة الحادية عشرة # فإن الحديث الصحيح قال: # «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ~~ضب لاتبعتموهم - قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ - قال فمن؟» زيادة ~~إلى حديث الترمذي الغريب، فدل ضرب المثال في التعيين على أن الاتباع في ~~أعيان أفعالهم. # PageV02P750 # وفي الصحيح «عن أبي واقد الليثي - رضي الله عنه -: خرجنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل خيبر ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون ~~حولها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط فقلنا: يا رسول الله! اجعل ~~لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~الله أكبر " هذا كما قالت بنو إسرائيل {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} ~~[الأعراف: 138] لتركبن سنن من كان قبلكم» وصار حديث الفرق بهذا التفسير ~~صادقا على أمثال البدع التي تقدمت لليهود والنصارى، وأن هذه الأمة تبتدع في ~~دين الله مثل تلك البدع وتزيد عليها ببدعة لم تتقدمها واحدة من الطائفتين، ~~ولكن هذه البدعة الزائدة إنما تعرف بعد معرفة البدع الأخر، وقد مر أن ذلك ~~لا يعرف، أو لا يسوغ التعريف به وإن عرف، فكذلك لا تتعين البدعة الزائدة، ~~والله أعلم. # وفي الحديث أيضا عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها ~~شبرا بشبر وذراعا بذراع، فقال رجل: يا رسول الله! كما فعلت فارس ms450 والروم؟ ~~قال: وهل الناس إلا أولئك» وهو بمعنى الأول، إلا أنه ليس فيه ضرب مثل، ~~فقوله: «حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها» يدل على أنها تأخذ بمثل ما ~~أخذوا به، إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في ~~أعيانها وتتبعها في أشباهها، # PageV02P751 # فالذي يدل على الأول قوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» الحديث، فإنه قال ~~فيه: «حتى لو دخلوا في جحر ضب خرب لاتبعتموهم». # والذي يدل على الثاني قوله: «فقلنا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط، ~~فقال عليه السلام: هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلها». . . " ~~الحديث. فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنه هو ~~بنفسه فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه ما لم ينص عليه مثله من كل ~~وجه، والله أعلم. ### | [كفر الفرق وفسقها ونفوذ الوعيد أو جعله في المشيئة] # المسألة الثانية عشرة # أنه عليه الصلاة والسلام أخبر أنها «كلها في النار»، وهذا وعيد يدل على ~~أن تلك الفرق قد ارتكبت كل واحدة منها معصية كبيرة أو ذنبا عظيما، إذ قد ~~تقرر في الأصول أن ما يتوعد الشر عليه فخصوصيته كبيرة. إذ لم يقل: «كلها في ~~النار». إلا من جهة الوصف (الذي) افترقت بسببه عن السواد الأعظم وعن ~~جماعته، وليس ذلك إلا [ل] لبدعة المفرقة. # إلا أنه ينظر في هذا الوعيد؛ هل هو أبدي أم لا؟ وإذا قلنا: إنه غير أبدي: ~~هل هو نافذ أم في المشيئة. # أما المطلب الأول: فينبني على أن بعض البدع مخرجة من الإسلام، أو ليست ~~مخرجة، والخلاف في الخوارج وغيرهم من المخالفين في العقائد موجود - وقد ~~تقدم ذكره قبل هذه - فحيث نقول بالتكفير لزم منه تأبيد التحريم على القاعدة ~~إن # PageV02P752 # الكفر والشرك لا يغفره الله سبحانه. يحتمل عدم التكفير أمران أحدهما نفوذ ~~الوعيد # وإذا قلنا بعدم التكفير فيحتمل - على مذهب أهل السنة - أمرين: # أحدهما: نفوذ الوعيد من غير غفران، ويدل على ذلك ظواهر الأحاديث. # وقوله هنا: «كلها في النار» أي ms451 مستقرة ثابتة فيها. والأمر الثاني من ~~احتمال التكفير أن يكون مقيدا بالمشيئة # فإن قيل: ليس إنفاذ الوعيد بمذهب أهل السنة. قيل: بلى؛ قد قال به طائفة ~~منهم في بعض الكبائر في مشيئة الله تعالى، لكن دلهم الدليل في خصوص كبائر ~~على أنها خارجة عن ذلك الحكم، ولابد من ذلك، فإن المتبع هو الدليل، فكما ~~دلهم على أن أهل الكبائر على الجملة في المشيئة، كذلك دلهم على تخصيص ذلك ~~العموم الذي في قوله تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] فإن ~~الله تعالى قال: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: 93]. فأخبر ~~أولا أن جزاءه جهنم، وبالغ في ذلك بقوله تعالى: " {خالدا فيها} [النساء: ~~93] " عبارة عن طول المكث فيها، ثم عطف بالغضب، ثم بلعنته، ثم ختم ذلك ~~بقوله تعالى: {وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93] والإعداد قبل البلوغ إلى ~~المعد مما يدل على حصوله للمعد له، ولأن القتل اجتمع فيه حق الله وحق ~~المخلوق وهو المقتول. # قال ابن رشد: ومن شرط صحة التوبة من مظالم العباد تحللهم أو رد التباعات ~~إليهم، وهذا مما لا سبيل إلى القاتل إليه إلا بأن يدرك المقتول حيا فيعفو # PageV02P753 # عنه بطيب نفسه. # وأولى من هذه العبارة أن نقول: ومن شرط خروجه من تباعة القتل مع التوبة ~~استدراك ما فات على المجني عليه: إما ببذل القيمة له، وهو أمر لا يمكن بعد ~~فوت المقتول. فكذلك لا يمكن في صاحب البدعة من جهة الأدلة، فراجع ما تقدم ~~في الباب الثاني تجد فيه كثيرا من التهديد والوعيد المخوف جدا. # وانظر في قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران: 105] فهذا وعيد، ثم قال ~~تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106] وتسويد الوجوه علامة ~~الخزي ودخول النار، ثم قال تعالى: {أكفرتم بعد إيمانكم} [آل عمران: 106] ~~وهو تقريع وتوبيخ، ثم قال تعالى: {فذوقوا العذاب} [آل عمران: 106] وهو ~~تأكيد آخر. # وكل هذا التقرير بناء على أن المراد بالآيات أهل القبلة من ms452 أهل البدع. # لأن المبتدع إذا اتبع في بدعته لم يمكنه التلافي - غالبا - فيها، ولم يزل ~~أثرها في الأرض يستطيل إلى قيام الساعة، وذلك كله بسببه، فهي أدهى من قتل ~~النفس. # قال مالك رحمة الله عليه: إن العبد لو ارتكب جميع الكبائر بعد أن لا يشرك ~~بالله شيئا وجبت له أرفع المنازل، لأن كل ذنب بين العبد وربه هو منه على ~~رجاء، وصاحب البدعة ليس هو منها على رجاء، إنما يهوى به في نار جهنم فهذا ~~منه نص في إنفاذ الوعيد. # PageV02P754 # والثاني: أن يكون مقيدا بأن يشاء الله تعالى إصلاءهم في النار، وإنما حمل ~~قوله: «كلها في النار» أي هي ممن يستحق النار، كما قالت الطائفة الأخرى في ~~قوله تعالى: {فجزاؤه جهنم خالدا فيها} [النساء: 93] أي ذلك جزاؤه إن لم يعف ~~الله عنه، فإن عفا عنه فله العفو إن شاء الله، لقوله تعالى: {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] فكما ذهبت طائفة ~~من الصحابة ومن بعدهم إلى أن القاتل في المشيئة، وإن لم يكن الاستدراك، ~~كذلك يصح أن يقال هنا بمثله. ### | [قوله عليه الصلاة والسلام " إلا واحدة " أعطى بنصه أن الحق واحد لا يختلف] # المسألة الثالثة عشرة # إن قوله عليه الصلاة والسلام: إلا واحدة قد أعطى بنصه أن الحق واحد لا ~~يختلف، إذ لو كان للحق فرق أيضا لم يقل إلا واحدة ولأن الاختلاف منفي عن ~~الشريعة بإطلاق، لأنها الحاكمة بين المختلفين، لقوله تعالى: {فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] إذ رد التنازع إلى الشريعة، ~~فلو كانت الشريعة تقتضي الخلاف لم يكن في الرد إليها فائدة. وقوله: في شيء ~~نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة من صيغ العموم. فتنتظم كل تنازع على العموم، ~~فالرد فيها لا يكون إلا لأمر واحد فلا يسع أن يكون أهل الحق فرقا. وقال ~~تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} [الأنعام: 153] # PageV02P755 # وهو نص فيما نحن فيه، فإن السبيل الواحد لا يقتضي الافتراق، بخلاف ms453 السبل ~~المختلفة. # فإن قيل: فقد تقدم في المسألة العاشرة في حديث ابن مسعود: # «واختلف من كان قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث وهلك سائرها» ~~إلى آخر الحديث، فلو لزم ما قلت لم يجعل أولئك الفرق ثلاثا، وكانوا فرقة ~~واحدة، وحين بينوا ظهر كلهم على الحق والصواب. فكذلك يجوز أن تكون الفرق في ~~هذه الأمة، لولا أن الحديث أخبر أن الناجية واحدة. # فالجواب أولا: أن ذلك الحديث لم نشترط الصحة في نقله، إذ لم نجده في ~~الكتب التي لدينا المشترط فيها الصحة. # وثانيا: أن تلك الفرق إن عدت هنا ثلاثا فإنما عدت هناك واحدة لعدم ~~الاختلاف بينهم في أصل الاتباع، وإنما الاختلاف في القدرة على الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر أو عدمها، وفي كيفية الأمر والنهي خاصة. # فهذه الفرق لا تنافي صحة الجمع بينهما، فنحن نعلم أن المخاطبين في ملتنا ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب: فمنهم من يقدر على ذلك باليد ~~وهم الملوك والحكام ومن أشبههم، ومنهم من يقدر باللسان كالعلماء ومن قام ~~مقامهم، ومنهم من لا يقدر إلا بالقلب - # PageV02P756 # إما مع البقاء بين ظهرانيهم إذ لم يقدر على الهجرة أو مع الهجرة إن قدر ~~عليها - وجميع ذلك خطة واحدة من خصال الإيمان، ولذلك جاء في الحديث قوله ~~عليه الصلاة والسلام: «ليس بعد ذلك من الإيمان حبة خردل». # فإذا كان كذلك فلا يضرنا عد الناجية في بعض الأحاديث ثلاثا باعتبار، ~~وعدها واحدة باعتبار آخر، وإنما يبقى النظر في عدها اثنتين وسبعين، فتصير ~~بهذا الاعتبار سبعين، وهو معارض لما تقدم من جهة الجمع بين فرق هذه الأمة ~~وفرق غيرها، مع قوله: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع». # ويمكن أن يكون في الجواب أحد أمرين: إما أن يترك الكلام في هذا رأسا إذا ~~خالف الحديث الصحيح، لأنه ثبت فيه إحدى وسبعين، وفي حديث ابن مسعود: ثنتين ~~وسبعين. # وإما أن يتأول أن الثلاثة التي نجت ليست فرقا ثلاثا، وإنما هي فرقة واحدة ~~انقسمت إلى المراتب الثلاث، لأن ms454 الرواية الواقعة في تفسير عبد بن حميد هي ~~قوله نجا منها ثلاث ولم يفسرها بثلاث فرق وإن كان هو ظاهر المساق. ولكن قصد ~~الجمع بين الروايات ومعاني الحديث ألجأ إلى ذلك والله أعلم بما أراد رسوله ~~من ذلك. # وقوله عليه الصلاة والسلام: «كلها في النار إلا واحدة» ظاهر في العموم، ~~لأن كلا من صيغ العموم، # PageV02P757 # وفسره الحديث الآخر: «ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة» وهذا نص لا ~~يحتمل التأويل. ### | [النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين من الفرق إلا فرقة واحدة] # المسألة الرابعة عشرة # أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين من الفرق إلا فرقة واحدة، وإنما ~~تعرض لعدها خاصة، وأشار إلى الفرق الناجية حين سئل عنها، وإنما وقع ذلك ~~كذلك ولم يكن الأمر بالعكس لأمور: # أحدها: أن تعيين الفرقة الناجية هو الآكد في البيان بالنسبة إلى تعبد ~~المكلف والأحق بالذكر، إذ لا يلزم تعيين الفرق الباقية إذا عينت الواحدة. ~~وأيضا لو عينت الفرق كلها إلا هذه الأمة لم يكن بد من بيانها، لأن الكلام ~~فيها يقتضي ترك أمور، وهي البدع. والترك للشيء لا يقتضي فعل شيء آخر لا ضدا ~~ولا خلافا، فذكر الواحدة هو المفيد على الإطلاق. أسباب تعيين النبي صلى ~~الله عليه وسلم الفرقة الناجية فقط وهي ثلاثة أحدها أن تعيين الفرقة ~~الناجية هو الآكد في البيان والثاني أن ذلك أوجز. # والثاني: أن ذلك أوجز لأنه إذا ذكرت نحلة الفرقة الناجية علم على البديهة ~~أن ما سواها مما يخالفها ليس بناج، وحصل التعيين بالاجتهاد، بخلاف ما إذا ~~ذكرت الفرق إلا الناجية فإنه يقتضي شرحا كثيرا، ولا يقتضي في الفرقة ~~الناجية اجتهاد، لأن إثبات العبادات التي تكون مخالفتها بدعا لا حظ للعقل ~~في الاجتهاد فيها. السبب الثاني أنه أحرى بالستر كما تقدم بيانه # والثالث: أن ذلك أحرى بالستر، كما تقدم بيانه في مسألة الفرق، ولو فسرت ~~لناقض ذلك قصد الستر، ففسر ما يحتاج إليه وترك ما لا يحتاج إليه إلا من جهة ~~المخالفة، فللعقل وراء ذلك مرمى ms455 تحت أذيال # PageV02P758 # الستر، والحمد لله، فبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله ما أنا عليه ~~وأصحابي، ووقع ذلك جوابا للسؤال الذي سألوه إذ قالوا: من هي يا رسول الله؟ ~~فأجاب بأن الفرقة الناجية من اتصف بأوصافه عليه الصلاة والسلام وأوصاف ~~أصحابه. وكان ذلك معلوما عندهم غير خفي فاكتفوا به. وربما يحتاج إلى تفسير ~~بالنسبة إلى من بعد تلك الأزمان. # وحاصل الأمر أن أصحابه كانوا مقتدين به مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في ~~القرآن الكريم وأثنى على متبوعهم محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما خلقه صلى ~~الله عليه وسلم القرآن، فقال تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4] ~~فالقرآن إنما هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السنة مبينة له، فالمتبع للسنة ~~متبع للقرآن. والصحابة كانوا أولى الناس بذلك، فكل من اقتدى بهم فهو من ~~الفرقة الناجية الداخلة للجنة بفضل الله، وهو معنى قوله عليه الصلاة ~~والسلام: ما أنا عليه وأصحابي. الكتاب والسنة هما الصراط المستقيم وغيرهما ~~تابع لهما # فالكتاب والسنة هو الطريق المستقيم، وما سواهما من الإجماع وغيره فناشئ ~~عنهما، هذا هو الوصف الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو ~~معنى ما جاء في الرواية الأخرى من قوله: وهي الجماعة لأن الجماعة في وقت ~~الإخبار كانوا على ذلك الوصف، إلا أن في لفظ الجماعة معنى تراه بعد إن شاء ~~الله. # ثم إن في هذا التعريف نظرا لابد من الكلام عليه فيه، وذلك أن # PageV02P759 # " كل " داخل تحت راية الإسلام من سني أو مبتدع مدع أنه هو الذي نال رتبة ~~النجاة ودخل في غمار تلك الفرقة، إذ لا يدعي (خلاف) ذلك إلا من خلع ربقة ~~الإسلام، وانحاز إلى فئة الكفر، كاليهود والنصارى، وفي معناهم من دخل ~~بظاهره وهو معتقد غيره كالمنافقين. وأما من لم يرض لنفسه إلا بوصف الإسلام ~~وقاتل سائر الملل على هذه الملة، فلا يمكن أن يرضى لنفسه بأخس مراتبها - ~~وهو مدع أحسنها - وهو المعلم فلو علم المبتدع أنه مبتدع لم يبق على تلك ~~الحالة ولم يصاحب أهلها، فضلا ms456 عن أن يتخذها دينا يدين به لله، وهو أمر ~~مركوز في الفطرة لا يخالف فيه عاقل. تنازع الفرق وتعبير كل منها عن نفسها # فإذا كان كذلك فكل فرقة تنازع صاحبتها في فرقة النجاة. ألا ترى أن ~~المبتدع آخذ أبدا في تحسين حالتيه شرعا وتقبيح حالة غيره؟ فالظاهر يدعي أنه ~~المتبع للسنة. # والغاش يدعي أنه الذي فهم الشريعة، وصاحب نفي الصفات يدعي أنه الموحد. # والقائل باستقلال العبد [يدعي] أنه صاحب العدل، وكذلك سمى المعتزلة ~~أنفسهم أهل العدل والتوحيد. # والمشبه يدعي أنه المثبت لذات الباري وصفاته، لأن نفي التشبيه عنده نفي ~~محض، وهو العدم. # وكذلك كل طائفة من الطوائف التي ثبت لها اتباع الشريعة أو لم يثبت لها. # وإذا رجعنا إلى الاستدلالات القرآنية أو السنية على الخصوص، فكل طائفة ~~تتعلق بذلك أيضا. # PageV02P760 # فالخوارج تحتج بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ~~على الحق حتى يأتي أمر الله» وفي رواية: # «لا يضرهم خلاف من خالفهم، ومن قتل منهم دون ماله فهو شهيد». # والقاعد يحتج بقوله: # «عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن فارق الجماعة قيد شبر فقد ~~خلع ربقة الإسلام من عنقه» وقوله: «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله # PageV02P761 # القاتل». # والمرجئ يحتج بقوله: «من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه فهو في الجنة ~~وإن زنى وإن سرق». # والمخالف له محتج بقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». # والقدري يحتج بقوله تعالى: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30] ~~وبحديث: «كل مولود يولد على الفطرة» الحديث. # والمفوض يحتج بقوله تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} ~~[الشمس: 7] وبحديث: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». # PageV02P762 # والرافضة تحتج بقوله عليه الصلاة والسلام: «ليردن الحوض أقوام ثم ليتخلفن ~~دوني، فأقول: يا رب أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، ثم لم ~~يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم» ويحتجون في تقديم علي - رضي الله ~~عنه - ب: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي» و: ms457 «من كنت ~~مولاه فعلي مولاه» ومخالفوهم يحتجون في تقديم أبي بكر وعمر - رضي الله ~~عنهما - بقوله: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ويأبى الله والمسلمون ~~إلا أبا بكر» إلى أشباه ذلك، مما يرجع إلى معناه. # والجميع محومون - في زعمهم - على الانتظام في سلك الفرقة الناجية، وإذا ~~كان كذلك أشكل على المبتدع في النظر ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه، ولا يمكن أن يكون مذهبهم مقتضى هذه الظواهر، فإنها متدافعة ~~متناقضة. وإنما يمكن الجمع فيها إذا جعل بعضها أصلا. فيرد البعض الآخر إلى ~~ذلك الأصل بالتأويل. # وكذلك فعل كل واحدة من تلك الفرق تستمسك ببعض تلك # PageV02P763 # الأدلة وترد ما سواها إليها، أو تهمل اعتبارها بالترجيح، إن كان الموضع ~~من الظنيات التي يسوغ فيها الترجيح، أو تدعي أن أصلها الذي ترجع إليه قطعي ~~والمعارض له ظني فلا يتعارضان. # وإنما كانت طريقة الصحابة ظاهرة في الأزمنة المتقدمة، أما وقد استقرت ~~مآخذ الخلاف فمحال، وهذا الموضع مما يتضمنه قول الله تعالى: {ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118]. # فتأملوا - رحمكم الله - كيف صار الاتفاق محالا في العادة ليصدق العقل ~~بصحة ما أخبر الله به. # والحاصل، أن تعيين هذه الفرقة الناجية في مثل زماننا صعب، ومع ذلك فلابد ~~من النظر فيه، وهو نكتة هذا الكتاب، فليقع به فضل اعتناء ما هيأه الله، ~~وبالله التوفيق. # ولما كان ذلك يقتضي كلاما كثيرا أرجأنا القول فيه إلى باب آخر، وذكره فيه ~~على حدته، إذ ليس هذا موضع ذكره، والله المستعان. ### | [هل يدخل في الهالكة المبتدع في الجزيئات كالمبتدع في الكليات] # المسألة الخامسة عشرة # أنه قال عليه الصلاة والسلام: «كلها في النار إلا واحدة» وحتم ذلك. وقد ~~تقدم أنه لا يعد من الفرق إلا المخالف في أمر كلي وقاعدة عامة، ولم ينتظم ~~الحديث - على الخصوص - إلا أهل البدع المخالفين للقواعد، وأما من ابتدع في ~~الدين لكنه لم يبتدع ما ينقض أمرا كليا، أو يخرم أصلا من # PageV02P764 # الشرع عاما، فلا دخول له في ms458 النص المذكور، فينظر في حكمه: هل يلحق بمن ~~ذكر أو لا؟. # والذي يظهر في المسألة أحد أمرين: إما أن نقول: إن الحديث لم يتعرض لتلك ~~الواسطة بلفظ ولا معنى، إلا أن ذلك يؤخذ من عموم الأدلة المتقدمة، كقوله: # «كل بدعة ضلالة» وما أشبه ذلك. وإما أن نقول: إن الحديث وإن لم يكن في ~~لفظه دلالة، ففي معناه ما يدل على قصده في الجملة، وبيان أنه تعرض لذكر ~~الطرفين الواضحين. # أحدهما: طرف السلامة والنجدة من غير داخلة شبهة ولا إلمام بدعة، وهو ~~قوله: # ما أنا عليه وأصحابي. # والثاني: طرف الإغراق في البدعة، وهو الذي تكون فيه البدعة كلية أو تخرم ~~أصلا كليا، جريا على عادة الله في كتابه العزيز، لأنه تعالى لما ذكر أهل ~~الخير وأهل الشر ذكر كل فريق منهم بأعلى ما يحمل من خير أو شر، ليبقى ~~المؤمن فيها بين الطرفين خائفا راجيا، إذ جعل التنبيه بالطرفين الواضحين، ~~فإن الخير على مراتب بعضها أعلى من بعض، والشر على مراتب بعضها أشد من بعض، ~~فإذا ذكر أهل الخير الذين في أعلى الدرجات خاف أهل الخير الذين دونهم أن لا ~~يلحقوا بهم، أو رجوا أن يلحقوا بهم، وإذا ذكر أهل الشر الذين في أسفل ~~المراتب خاف أهل الشر الذين دونهم أن يلحقوا بهم، أو رجوا أن لا يلحقوا ~~بهم. # وهذا المعنى معلوم بالاستقراء، وذلك الاستقراء - إذ تم - يدل على # PageV02P765 # قصد الشارع إلى ذلك المعنى، ويقويه ما روى سعيد بن منصور في تفسيره عن ~~عبد الرحمن بن سابط قال: لما بلغ الناس أن أبا بكر يريد أن يستخلف عمر ~~قالوا: ماذا يقول لربه إذا لقيه؟ استخلف علينا فظا غليظا وهو لا يقدر على ~~شيء فكيف لو قدر. فبلغ ذلك أبا بكر فقال: أبربي تخوفوني؟ أقول: استخلفت خير ~~خلقك. ثم أرسل إلى عمر فقال. إن لله عملا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا ~~بالنهار لا يقبله بالليل، واعلم أنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، ألم ~~تر أن الله ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم! ms459 وذلك أنه رد عليهم حسنة فلم يقبل ~~منهم حتى يقول القائل: عملي خير من هذا، ألم تر أن الله أنزل الرغبة ~~والرهبة لكي يرغب المؤمن فيعمل ويرهب، فلا يلقي بيده إلى التهلكة؟ ألم تر ~~أنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وتركهم الباطل فثقل عملهم؟ ~~وحق الميزان لا يوضع فيه إلا حق أن يثقل؟ ألم تر أنما خفت موزاين من خفت ~~موازينه باتباعهم الباطل وتركهم الحق؟ وحق الميزان لا يوضع فيه إلا الباطل ~~أن يخف. # ثم قال: أما إن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من الموت، وأنت لابد ~~لاقيه، وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولا تعجزه. # وهذا الحديث وإن لم يكن هنالك، ولكن معناه صحيح يشهد له الاستقراء لمن ~~تتبع آيات القرآن الكريم، # PageV02P766 # ويشهد لما تقدم من أن هذا المعنى مقصود استشهاد عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - بمثله، إذ رأى بعض أصحابه وقد اشترى لحما بدرهم: أين تذهب بكم هذه ~~الآية: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} [الأحقاف: 20]. ~~والآية إنما نزلت في الكفار، لقوله تعالى: {ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار أذهبتم} [الأحقاف: 20] الآية إلى أن قال تعالى: {فاليوم تجزون عذاب ~~الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} [الأحقاف: ~~20] ولم يمنعه - رضي الله عنه - إنزالها في الكفار من الاستشهاد بها في ~~مواضع اعتبارا بما تقدم، وهو أصل شرعي تبين في كتاب الموافقات. # فالحاصل، أن من عد الفرق من المبتدعة الابتداع الجزئي لا يبلغ مبلغ أهل ~~البدع في الكليات، في الذم والتصريح بالوعيد بالنار، ولكنهم اشتركوا في ~~المعنى المقتضي للذم والوعيد، كما اشترك في اللفظ صاحب اللحم - حين تناول ~~بعض الطيبات على وجه فيه كراهية ما في اجتهاد عمر - مع من أذهب طيباته في ~~حياته الدنيا من الكفار، وإن كان ما بينهما من البون البعيد، والقرب والبعد ~~من العارف المذموم بحسب ما يظهر من الأدلة للمجتهد. وقد تقدم بسط ذلك في ~~بابه، والحمد لله. ### | [من روى في ms460 تفسير الفرق الناجية هي الجماعة محتاجة إلى التفسير] # المسألة السادسة عشرة # أن رواية من روى في تفسير الفرق الناجية وهي الجماعة محتاجة إلى التفسير ~~لأنه إن كان معناه بينا من جهة تفسير الرواية الأخرى - # PageV02P767 # وهي قوله: ما أنا عليه وأصحابي - فمعنى لفظ: الجماعة من حيث المراد به في ~~إطلاق الشرع محتاج إلى التفسير. # فقد جاء في أحاديث كثيرة منها الحديث الذي نحن في تفسيره، ومنها ما صح عن ~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شيئا ~~فمات مات ميتة جاهلية». # وصح من حديث «حذيفة، قال: قلت يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر ~~فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ~~ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير ~~سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ ~~قال: نعم: دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول ~~الله! صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن ~~أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ~~ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك ~~الموت وأنت على ذلك». # وخرج الترمذي والطبري «عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - # PageV02P768 # بالجابية فقال: إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا. ~~فقال: أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب ~~حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، عليكم بالجماعة، وإياكم ~~والفرقة، لا يخلون رجل بامرأة، فإنه لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما ~~الشيطان، الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة ~~فليلزم الجماعة، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فذلك هو المؤمن». # وفي الترمذي عن ابن عباس ms461 - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ ~~شذ إلى النار»، # PageV02P769 # وخرج أبو داود عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه». # وعن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيكون في أمتي ~~هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جميع فاضربوه بالسيف كائنا ~~من كان». # فاختلف الناس في معنى الجماعة المرادة في هذه الأحاديث على خمسة أقوال: ~~اختلف الناس في معنى الجماعة المرادة في هذه الأحاديث على خمسة أقوال ~~أحدها: أنها السواد الأعظم # أحدها: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام وهو الذي يدل عليه كلام أبي ~~غالب: إن السواد الأعظم هم الناجون من الفرق، فما كانوا عليه من أمر دينهم ~~فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو ~~في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق. # وممن قال بهذا أبو مسعود الأنصاري وابن مسعود، فروى أنه لما قتل عثمان ~~سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة، فقال: عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ~~ليجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، واصبر حتى تستريح أو يستراح ~~من فاجر. وقال: إياك والفرقة فإن الفرقة هي الضلالة. وقال ابن مسعود بالسمع ~~والطاعة فإنها حبل الله الذي أمر # PageV02P770 # به. ثم قبض يده وقال: إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذين تحبون في ~~الفرقة. # وعن الحسين قيل له: أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ~~أي والذي لا إله إلا هو، ما كان الله ليجمع أمة محمد على ضلالة. # فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة ~~العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم، ~~فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم نهبة الشيطان ويدخل في هؤلاء ~~جميع أهل البدع لأنهم ms462 مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم ~~بحال. الثاني أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين # والثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج مما عليه علماء ~~الأمة مات ميتة جاهلية، لأن جماعة الله العلماء، جعلهم الله حجة على ~~العالمين، وهم المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله لن يجمع أمتي ~~على ضلالة» وذلك أن العامة عنها تأخذ دينها، وإليها تفزع من النوازل، وهي ~~تبع لها. فمعنى قوله: لن تجتمع أمتي لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة. # وممن قال بهذا عبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وجماعة من السلف ~~وهو رأي الأصوليين، فقيل ل عبد الله بن المبارك: من الجماعة الذين ينبغي أن ~~يقتدى بهم؟ قال: أبو بكر وعمر - فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت ~~والحسين بن واقد - فقيل: هؤلاء ماتوا: فمن الأحياء؟ قال أبو حمزة السكري. # PageV02P771 # وعن المسيب بن رافع قال: كانوا إذا جاءهم شيء من القضاء ليس في كتاب الله ~~ولا سنة رسول الله سموه " صوافي الأمراء " فجمعوا له أهل العلم، فما أجمع ~~رأيهم عليه فهو الحق، وعن إسحاق بن راهويه نحو مما قال ابن المبارك. # فعلى هذا القول لا مدخل في السؤال لمن ليس بعالم مجتهد، لأنه داخل في أهل ~~التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية، ولا يدخل ~~أيضا أحد من المبتدعين، لأن العالم أولا لا يبتدع، وإنما يبتدع من ادعى ~~لنفسه العلم وليس كذلك، ولأن البدعة قد أخرجته عن نمط من يعتد بأقواله، ~~وهذا بناء على القول بأن المبتدع لا يعتد به في الإجماع، وإن قيل بالاعتداد ~~به فيه ففي غير مسألة التي ابتدع فيها، لأنهم في نفس البدعة مخالفون ~~للإجماع: والثالث: أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا ~~عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلا، وقد يمكن ~~فيمن سواهم ذلك، ألا ترى قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا تقوم الساعة على ~~أحد يقول: الله الله» وقوله: «لا تقوم الساعة إلا على شرار ms463 الناس»، فقد ~~أخبر عليه # PageV02P772 # السلام أن من الأزمان أزمانا يجتمعون فيها على ضلالة وكفر. قالوا، وممن ~~قال بهذا القول عمر بن عبد العزيز، فروى ابن وهب عن مالك قال: كان عمر بن ~~عبد العزيز يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده ~~سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين ~~الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيها! من اهتدى بها مهتد، ~~ومن استنصر بها منصور، ومن خافها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما ~~تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. فقال مالك: فأعجبني عزم عمر على ذلك. # فعلى هذا القول فلفظ الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله عليه الصلاة ~~والسلام: ما أنا عليه وأصحابي فكأنه راجع إلى ما قالوه وما سنوه، وما ~~اجتهدوا فيه حجة على الإطلاق، وبشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ~~بذلك خصوصا في قوله: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» وأشباهه، أو ~~لأنهم المتقلدون لكلام النبوة، المهتدون للشريعة، الذين فهموا أمر دين الله ~~بالتلقي من نبيه مشافهة، على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال، ~~بخلاف غيرهم: فإذا كل ما سنوه فهو سنة من غير نظير فيه، بخلاف غيرهم، فإن ~~فيه لأهل الاجتهاد مجالا للنظر ردا وقبولا، فأهل البدع إذا غير داخلين في ~~الجماعة قطعا على هذا القول. # والرابع: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر فواجب على ~~غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضمن الله لنبيه عليه الصلاة والسلام ~~أن لا يجمعهم على ضلالة، فإن وقع بينهم اختلاف # PageV02P773 # فواجب تعرف الصواب فيما اختلفوا فيه. # قال الشافعي: الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله، ولا سنة ولا ~~قياس، وإنما تكون الغفلة في الفرقة. # وكأن هذا القول يرجع إلى الثاني وهو يقتضي أيضا ما يقتضيه، أو يرجع إلى ~~القول الأول وهو الأظهر، وفيه من المعنى ما في الأول من أنه لابد من كون ~~المجتهدين فيهم، وعند ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا ms464 القول بدعة أصلا، ~~فهم - إذا - الفرقة الناجية. # والخامس: ما اختاره الطبري الإمام من أن الجماعة جماعة المسلمين إذا ~~اجتمعوا على أمير، فأمر عليه الصلاة والسلام بلزومه ونهى عن فراق الأمة ~~فيما اجتمعوا عليه من تقديمه عليهم، لأن فراقهم لا يعدو إحدى حالتين، إما ~~للنكير عليهم في طاعة أميرهم والطعن عليه في سيرته المرضية لغير موجب، بل ~~بالتأويل في إحداث بدعة في الدين، كالحرورية التي أمرت الأمة بقتالها ~~وسماها النبي صلى الله عليه وسلم مارقة من الدين، وإما لطلب إمارة من ~~انعقاد البيعة لأمير الجماعة، فإنه نكث عهد ونقض عهد بعد وجوبه. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم فاضربوا ~~عنقه كائنا من كان». قال الطبري: فهذا معنى الأمر بلزوم الجماعة. # قال: وأما الجماعة التي إذا اجتمعت على الرضى بتقديم أمير كان المفارق ~~لها ميتا ميتة جاهلية، فهي الجماعة التي وصفها أبو مسعود # PageV02P774 # الأنصاري، وهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم، وهم ~~السواد الأعظم. # قال: وقد بين ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فروي عن عمر بن ميمون ~~الأودي قال: قال عمر حين طعن لصهيب: صل بالناس ثلاثا وليدخل علي عثمان وعلي ~~وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، وليدخل ابن عمر في جانب البيت وليس له من ~~الأمر شيء، فقم يا صهيب على رؤوسهم بالسيف فإن بايع خمسة ونكص واحد فاجلد ~~رأسه بالسيف، وإن بايع أربعة ونكص رجلان فاجلد رأسيهما حتى يستوثقوا على ~~رجل. # قال: فالجماعة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزومها وسمى ~~المنفرد عنها مفارقا لها نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت ~~عليه، وأمر صهيبا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف. فهم في معنى كثرة العدد ~~المجتمع على بيعته وقلة العدد المنفرد عنهم. # قال: وأما الخبر الذي ذكر فيه أن لا تجتمع الأمة على ضلالة فمعناه أن لا ~~يجمعهم على إضلال الحق فيما نابهم من أمر دينهم حتى يضل جميعهم عن العلم ~~ويخطئوه، وذلك لا يكون في الأمة. # هذا ms465 تمام كلامه وهو منقول بالمعنى وتحر في أكثر اللفظ. # وحاصله: أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة ~~وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكور في ~~الأحاديث المذكورة، كالخوارج ومن جرى # PageV02P775 # مجراهم. ### | [الاعتبار بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم] # فهذه خمسة أقوال دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع، وأنهم المرادون ~~بالأحاديث، فلنأخذ ذلك أصلا ويبنى عليه معنى آخر، وهي: المسألة السابعة ~~عشرة # وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد، سواء ضموا إليهم ~~العوام أم لا، فإن لم يضموا إليهم فلا إشكال أن الاعتبار إنما هو بالسواد ~~الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم، فمن شذ عنهم فمات فميتته جاهلية، وإن ~~ضموا إليهم العوام فبحكم التبع لأنهم غير عارفين بالشريعة، فلابد من رجوعهم ~~في دينهم إلى العلماء، فإنهم لو تمالئوا على مخالفة العلماء فيما حدوا لهم ~~لكانوا هم الغالب والسواد الأعظم في ظاهر الأمر، لقلة العلماء وكثرة ~~الجهال، فلا يقول أحد: إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب، وإن العلماء هم ~~المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث. بل الأمر بالعكس، وأن العلماء هم ~~السواد الأعظم وإن قلوا، والعوام هم المفارقون للجماعة إن خالفوا، فإن ~~وافقوا فهو الواجب عليهم. # ومن هنا لما سئل ابن المبارك عن الجماعة الذين يقتدى بهم أجاب بأن قال: ~~أبو بكر وعمر - قال - فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين بن ~~واقد، قيل: فهؤلاء ماتوا! فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري وهو محمد بن ~~ميمون المروزي، فلا يمكن أن يعتبر العوام في هذه المعاني بإطلاق، # PageV02P776 # وعلى هذا لو فرضنا خلو الزمان عن مجتهد لم يكن اتباع العوام لأمثالهم، ~~ولا عد سوادهم أنه السواد الأعظم المنبه عليه في الحديث الذي من خالفه ~~فميتته جاهلية، بل يتنزل النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين، فالذي ~~يلزم العوام مع وجود المجتهدين هو الذي يلزم أهل الزمان المفروض الخالي عن ~~المجتهد. # وأيضا، فاتباع نظر من لا نظر له واجتهاد من لا اجتهاد له محض ms466 ضلالة، ورمي ~~في عماية، وهو مقتضى الحديث الصحيح: # «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا» الحديث # روى أبو نعيم عن محمد بن القاسم الطوسي قال: سمعت إسحاق بن راهويه وذكر ~~في حديث رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لم يكن ليجمع أمة ~~محمد على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم»، فقال رجل يا ~~أبا يعقوب! من السواد الأعظم؟ فقال محمد بن أسلم وأصحابه ومن تبعهم، ثم ~~قال: سأل رجل ابن المبارك: من السواد الأعظم؟ قال: أبو حمزة السكري، ثم قال ~~إسحاق: في ذلك الزمان (يعني أبا حمزة) وفي زماننا محمد بن أسلم، ومن تبعه، ~~ثم قال إسحاق: لو سألت الجهال عن السواد الأعظم لقالوا: جماعة الناس. ولا ~~يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه، فمن # PageV02P777 # كان معه وتبعه فهو الجماعة، ثم قال إسحاق: لم أسمع عالما منذ خمسين سنة ~~كان أشد تمسكا بأثر النبي صلى الله عليه وسلم من محمد بن أسلم. # فانظر في حكايته تتبين غلط من ظن أن الجماعة هي جماعة الناس، وإن لم يكن ~~فيهم عالم، وهو وهم العوام، لا فهم العلماء. فليثبت الموفق في هذه المزلة ~~قدمه لئلا يضل عن سواء السبيل، ولا توفيق إلا بالله. ### | [معنى قوله صلى الله عليه وسلم " وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء. . . "] # المسألة الثامنة عشرة # في بيان معنى رواية أبي داود وهي قوله عليه الصلاة والسلام: «وإنه سيخرج ~~في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه ~~عرق ولا مفصل إلا دخله». # وذلك أن معنى هذه الرواية أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بما سيكون في ~~أمته من هذه الأهواء التي افترقوا فيها إلى تلك الفرق، وأنه يكون فيهم ~~أقوام تداخل تلك الأهواء قلوبهم حتى لا يمكن في العادة انفصالها عنها ~~وتوبتهم منها، على حد ما يداخل داء الكلب جسم صاحبه فلا يبقى من ذلك الجسم ~~جزء من أجزائه ولا مفصل ولا غيرهما إلا ms467 دخله ذلك الداء، وهو جريان لا يقبل ~~العلاج ولا ينفع فيه الدواء، فكذلك صاحب الهوى إذا دخل قلبه، وأشرب حبه، لا ~~تعمل فيه الموعظة ولا يقبل البرهان، ولا يكترث بمن خالفه. # PageV02P778 # واعتبر ذلك بالمتقدمين من أهل الأهواء كمعبد الجهني وعمرو بن عبيد ~~وسواهما، فإنهم كانوا حيث لقوا مطرودين من كل جهة، محجوبين عن كل لسان، ~~مبعدين عند كل مسلم، ثم مع ذلك لم يزدادوا إلا تماديا على ضلالهم، ومداومة ~~على ما هم عليه {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} [المائدة: ~~41]. # وحاصل ما عولوا عليه تحكيم العقول المجردة، فشركوها مع الشرع في التحسين ~~والتقبيح. ثم قصروا أفعال الله على ما ظهر لهم ووجهوا عليها أحكام العقل ~~فقالوا: يجب على الله كذا ولا يجوز أن يفعل كذا. فجعلوه محكوما عليه كسائر ~~المكلفين. ومنهم من لم يبلغ هذا المقدار، بل استحسن شيئا يفعله واستقبح آخر ~~وألحقها بالمشروعات، ولكن الجميع بقوا على تحكيم العقول، ولو وقفوا هنالك ~~لكانت الداهية على عظمها أيسر، ولكنهم تجاوزوا هذه الحدود كلها إلى أن ~~نصبوا المحاربة لله ورسوله، باعتراضهم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم، وادعائهم عليهما من التناقض والاختلاف ومنافاة العقول وفساد ~~النظم ما هم له أهل. # قال العتبي: وقد اعترض على كتاب الله تعالى بالطعن ملحدون، ولغوا وهجروا، ~~واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، بأفهام كليلة، وأبصار ~~عليلة، ونظر مدخول، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وعدلوا به عن سبيله، ثم قضوا ~~عليه بالتناقض والاستحالة واللحن، وفساد النظم والاختلاف، وأدلوا بذلك بعلل ~~ربما أمالت الضعيف الغمر، والحديث الغر، # PageV02P779 # واعترضت بالشبهة في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور، قال: ولو كان ما ~~لحنوا إليه على تقريرهم وتأويلهم لسبق إلى الطعن فيه من لم يزل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يحتج بالقرآن عليهم، ويجعله علم نبوته، والدليل على ~~صدقه، ويتحداهم في مواطن على أن يأتوا بسورة من مثله، وهم الفصحاء ~~والبلغاء، والخطباء والشعراء، والمخصوصون من بين جميع الأنام، وبالألسنة ~~الحداد واللدد في ms468 الخصام، مع اللب والنهى وأصالة الرأي. فقد وصفهم الله ~~بذلك في غير موضع من الكتاب. وكانوا يقولون مرة: هو سحر، ومرة: هو شعر، ~~ومرة: هو قول الكهنة، ومرة: أساطير الأولين. ولم يحك الله عنهم الاعتراض ~~على الأحاديث ودعوى التناقض والاختلاف فيها، وحكي عنهم، لأجل ذلك القدح في ~~خير أمة أخرجت للناس وهم الصحابة - رضي الله عنهم -، واتبعوهم بالحدس قالوا ~~ما شان، أو جروا في الطعن على الحديث جري من لا يرى عليه محتسبا في الدنيا ~~ولا محاسبا في الآخرة. # وقد بسط الكلام في الرد عليهم والجواب عما اعترضوا فيه أبو محمد بن قتيبة ~~في كتابين صنفهما لهذا المعنى، وهما من محاسن كتبه رحمه الله. # PageV02P780 # ولم أرد قص تلك الاعتراضات تعزيزا للمعترض فيه، لم أعن بردها لأن غيري - ~~والحمد لله - قد تجرد له، ولكن أردت بالحكاية عنهم على الجملة بيان معنى ~~قوله: «تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه» وقبل وبعد فأهل ~~الأهواء إذا استحكمت فيهم أهواؤهم لم يبالوا بشيء، ولم يعدوا خلاف أنظارهم ~~شيئا، ولا راجعوا عقولهم مراجعة من يتهم نفسه ويتوقف في موارد الإشكال (وهو ~~شأن المعتبرين من أهل العقول) وهؤلاء صنف من أصناف من اتبع هواه، ولم يعبأ ~~بعذل العاذل فيه، ثم [هناك] أصناف أخر تجمعهم مع هؤلاء إشراب الهوى في ~~قلوبهم، حتى لا يبالوا بغير ما هو عليه. # فإذا تقرر معنى الرواية بالتمثيل، صرنا منه إلى معنى آخر، وهي ### | [قوله تتجارى بهم تلك الأهواء فيه الإشارة بتلك فلا تكون إشارة إلى غير مذكور ولا محال بها] # المسألة التاسعة عشرة # إن قوله: «تتجارى بهم تلك الأهواء» فيه الإشارة ب " تلك " فلا تكون إشارة ~~إلى غير مذكور، ولا محالا بها على غير معلوم، بل لابد لها من متقدم ترجع ~~إليه، وليس إلا الأحوال التي كانت السبب في الافتراق، فجاءت الزيادة في ~~الحديث مبينة أنها الأهواء، وذلك قوله: «تتجارى بهم تلك الأهواء» فدل على ~~أن كل خارج عما هو عليه وأصحابه إنما خرج باتباع الهوى عن الشرع وقد مر ms469 ~~بيان هذا قبل فلا نعيده. # PageV02P781 ### | [معنى قوله عليه الصلاة والسلام " أنه سيخرج من أمتي أقوام على وصف كذا "] # المسألة العشرون # أن قوله عليه الصلاة والسلام: «إنه سيخرج من أمتي أقوام» على وصف كذا، ~~يحتمل أمرين أحدهما: من يجري فيه هواه مجرى الكلب بصاحبه فلا يرجع عنه. ~~والثاني: من يكون عند دخوله في البدعة مشرب القلب بها # إن قوله عليه الصلاة والسلام: «وأنه سيخرج في أمتي أقوام» على وصف كذا، ~~يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يريد أن كل من دخل من أمته في هوى من تلك الأهواء ورآها وذهب ~~إليها، فإن هواه يجري فيه مجرى الكلب بصاحبه فلا يرجع أبدا عن هواه ولا ~~يتوب من بدعته. # والثاني: أن يريد أن أمته من يكون عند دخوله في البدعة مشرب القلب بها ~~فلا يمكنه التوبة ومنهم من لا يكون كذلك، فيمكنه التوبة منها والرجوع عنها. # والذي يدل على صحة الأول هو النقل المقتضي الحجر للتوبة عن صاحب البدعة ~~على العموم، كقوله عليه الصلاة والسلام: # «يمرقون من الدين ثم لا يعودون حتى يعود السهم على فوقه» وقوله: «إن الله ~~حجر التوبة عن صاحب البدعة»، وما أشبه ذلك، ويشهد له الواقع، فإنه قلما تجد ~~صاحب بدعة ارتضاها لنفسه يخرج عنها أو يتوب منها، بل هو يزداد بضلالتها ~~بصيرة. # روي عن الشافعي أنه قال: مثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون ~~الذي عولج حتى برئ، فأعقل ما يكون قد هاج. # ويدل على صحة الثاني أن ما تقدم من النقل لا يدل على أن لا توبة # PageV02P782 # له أصلا، لأن العقل يجوز ذلك، والشرع إن يشأ على ما ظاهره العموم فعمومه ~~إنما يعتبر عاديا، والعادة إنما تقتضي في العموم الأكثرية، لا نحتاج الشمول ~~الذي يجزم به العقل إلا بحكم الاتفاق، وهذا مبين في الأصول. # والدليل على ذلك أنا وجدنا من كان عاملا ببدع ثم تاب منها وراجع نفسه ~~بالرجوع عنها، كما رجع من الخوارج من رجع حين ناظرهم ابن عباس - رضي الله ~~عنهما -، وكما رجع المهتدي ms470 والواثق وغيرهم ممن كان قد خرج عن السنة ثم رجع ~~إليها، وإذا جعل تخصيص بفرد لم يبق اللفظ عاما وحصل الانقسام. # وهذا الثاني هو الظاهر، لأن الحديث أعطى أوله أن الأمة تفترق ذلك ~~الافتراق من غير إشعار بإشراب أو عدمه، ثم بين أن في أمته المفترقين عن ~~الجماعة من يشرب تلك الأهواء، فدل أن فيهم من لا يشربها، وإن كان من أهلها. # ويبعد أن يريد أن في مطلق الأمة من يشرب تلك الأهواء، إذ كان يكون في ~~الكلام نوع من التداخل الذي لا فائدة فيه، فإذا بين أن المعنى أنه يخرج في ~~الأمة المفترقة بسبب الهوى من يتجارى به ذلك الهوى استقام الكلام واتسق، ~~وعند ذلك يتصور الانقسام. وذلك بأن يكون في الفرقة من يتجارى به الهوى ~~كتجاري الكلب، ومن لا يتجارى به ذلك المقدار، لأنه يصح أن يختلف التجاري، ~~فمنه ما يكون في الغاية حتى يخرج إلى الكفر أو يكاد، ومنه ما لا يكون كذلك. # فمن القسم الأول الخوارج بشهادة الصادق المصدوق رسول الله # PageV02P783 # صلى الله عليه وسلم حيث قال: # «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، ومنه هؤلاء الذين أغرقوا في ~~البدعة حتى اعترضوا على كتاب الله وسنة نبيه، وهم بالتكفير أحق من غيرهم ~~ممن لم يبلغ مبلغهم. # ومن القسم الثاني أهل التحسين والتقبيح على الجملة، إذا لم يؤدهم عقلهم ~~إلى ما تقدم. # ومنه ما ذهب إليه الظاهرية - على رأي من عدها من البدع - وما أشبه ذلك. ~~وذلك أنه يقول: من خرج عن الفرق ببدعته وإن كانت جزئية فلا يخلو صاحبها من ~~تجاريها في قلبه وإشرابها له، لكن على قدرها، وبذلك أيضا تدخل تحت ما تقدم ~~من الأدلة على أن لا توبة له، لكن التجاري المشبه بالكلب لا يبلغه كل صاحب ~~بدعة، إلا أنه يبقى وجه التفرقة بين من أشرب قلبه بدعة من البدع ذلك ~~الإشراب، وبين من لم يبلغ ممن هو معدود في الفرق، فإن الجميع متصفون بوصف ~~الفرقة التي هي نتيجة العداوة والبغضاء. # وسبب التفريق ms471 بينهما - والله أعلم - أمران: إما أن يقال: إن الذي أشربها ~~من شأنه أن يدعو إلى بدعته، فيظهر بسببها المعاداة، والذي لم يشربها لا ~~يدعو إليها ولا ينتصب للدعاء إليها، ووجه ذلك أن الأول لم يدع إليها إلا ~~وهي وقد بلغت من قلبه مبلغا عظيما بحيث يطرح ما سواها في جنبها، حتى صار ذا ~~بصيرة فيها لا ينثني عنها، وقد أعمت بصره وأصمت سمعه واستولت على كليته وهي ~~غاية # PageV02P784 # المحبة. ومن أحب شيئا من هذا النوع من المحبة والى بسببه وعادى، ولم يبال ~~بما لقي في طريقه، بخلاف من لم يبلغ ذلك المبلغ، فإنما هي عنده بمنزلة ~~مسألة علمية حصلها، ونكتة اهتدى إليها فهي مدخرة في خزانة حفظه يحكم بها ~~على من وافق وخالف، لكن بحيث يقدر على إمساك نفسه عن الإظهار مخافة النكال ~~والقيام عليه بأنواع الإضرار، ومعلوم أن كل من داهن على نفسه في شيء وهو ~~قادر على إظهاره لم يبلغ منه ذلك الشيء مبلغ الاستيلاء، فكذلك البدعة إذا ~~استخفى بها صاحبها. # وإما أن يقال: إن من أشربها ناصب عليها بالدعوة المقترنة بالخروج عن ~~الجماعة والسواد الأعظم، وهي الخاصية التي ظهرت في الخوارج وسائر من كان ~~على رأيهم. # ومثل ما حكى ابن العربي في العواصم قال: أخبرني جماعة من أهل السنة ~~بمدينة السلام: أنه ورد بها الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوران ~~القشيري الصوفي من نيسابور فعقد مجلسا للذكر، وحضر فيه كافة الخلق، وقرأ ~~القارئ: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] قال لي أخصهم: من أنت - يعني ~~الحنابلة - يقومون في أثناء المجلس ويقولون قاعد! قاعد! بأرفع صوت وأبعده ~~مدى، وثار إليهم أهل السنة من أصحاب القشيري ومن أهل الحضرة، وتثاور ~~الفئتان وغلبت العامة، فأحجروهم إلى مدرسة النظامية وحصروهم فيها ورموهم ~~بالنشاب، فمات منهم قوم، وركب زعيم الكفاة وبعض الدارية فسكنوا ثورتهم. # PageV02P785 # فهذا أيضا ممن أشرب قلبه حب البدعة حتى أداه ذلك إلى القتل، فكل من بلغ ~~هذا المبلغ حقيق أن يوصف بالوصف الذي وصف به رسول الله صلى الله ms472 عليه وسلم، ~~وإن بلغ من ذلك الحرب. # وكذلك هؤلاء الذين داخلوا الملوك فأدلوا إليهم بالحجة الواهية، وصغروا في ~~أنفسهم حملة السنة وحماة الملة، حتى وقفوهم مواقف البلوى، وأذاقوهم مرارة ~~البأساء والضراء، وانتهى بأقوام إلى القتل، حسبما وقعت المحنة به زمان بشر ~~المريسي في حضرة المأمون وابن أبي دؤاد وغيرهما. # فإن لم تبلغ البدعة بصاحبها هذه المناصبة فهو غير مشرب حبها في قلبه ~~كالمثال في الحديث، وكم من أهل بدعة لم يقوموا ببدعتهم قيام الخوارج ~~وغيرهم، بل استتروا بها جدا، ولم يتعرضوا للدعاء إليها جهارا، كما فعل ~~غيرهم، ومنهم من يعد في العلماء والرواة وأهل العدالة بسبب عدم شهرتهم بما ~~انتحلوه. # فهذا الوجه يظهر أنه أولى الوجوه بالصواب، وبالله التوفيق. ### | [الإشراب المشار إليه هل يختص ببعض البدع دون بعض أم لا يختص] # المسألة الحادية والعشرون # أن هذا الإشراب المشار إليه هل يختص ببعض البدع دون بعض أم لا يختص؟ وذلك ~~أنه يمكن أن بعض البدع من شأنها أن تشرب قلب صاحبها جدا، ومنها ما لا يكون ~~كذلك، فالبدعة الفلانية مثلا من شأنها أن تتجارى بصاحبها كما يتجارى الكلب ~~بصاحبه والبدعة الفلانية ليست # PageV02P786 # كذلك، فبدعة الخوارج مثلا في طرف الإشراب كبدعة المنكرين للقياس في ~~الفروع الملتزمين الظاهر في الطرف الآخر، ويمكن أن يتجارى ذلك في كل بدعة ~~على العموم فيكون من أهلها من تجارت به كما يتجارى الكلب بصاحبه، كعمرو بن ~~عبيد، حسبما تقدم النقل عنه أنه أنكر بسبب القول به سورة {تبت يدا أبي لهب} ~~[المسد: 1] وقوله تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدا} [المدثر: 11] ومنهم من لم ~~يبلغ به الحال إلى هذا النحو كجملة من علماء المسلمين، كالفارسي النحوي ~~وابن جني. # والثاني: بدعة الظاهرية فإنها تجارت بقوم حتى قالوا عند ذكر قوله تعالى: ~~{على العرش استوى} [طه: 5] قاعد! قاعد! وأعلنوا بذلك وتقاتلوا عليه، ولم ~~يبلغ بقوم آخرين ذلك المقدار، كداود بن علي في الفروع وأشباهه. # والثالث: بدعة التزام الدعاء بإثر الصلوات دائما على الهيئة الاجتماعية، ~~فإنها بلغت بأصحابها إلى أن كان الترك ms473 لها موجبا للقتل عنده، فحكى القاضي ~~أبو الخطاب بن خليل حكاية عن أبي عبد الله بن مجاهد العابد: أن رجلا من ~~عظماء الدولة وأهل الوجاهة فيها - وكان موصوفا بشدة السطو وبسط اليد - نزل ~~في جوار ابن مجاهد وصلى في مسجده الذي كان يؤم فيه، وكان لا يدعو في أخريات ~~الصلوات تصميما في ذلك # PageV02P787 # على المذهب (يعني مذهب مالك) لأنه مكروه في مذهبه. وكان ابن مجاهد محافظا ~~عليه. فكره ذلك الرجل منه ترك الدعاء وأمره أن يدعو فأبى، وبقي على عادته ~~في تركه في أعقاب الصلوات، فلما كان في بعض الليالي صلى ذلك الرجل العتمة ~~في المسجد، فلما انقضت وخرج ذلك الرجل إلى داره قال لمن حضره من أهل ~~المسجد: قد قلنا لهذا الرجل يدعو إثر الصلوات فأبى، فإذا كان في غدوة غد ~~أضرب رقبته بهذا السيف وأشار في يده فخافوا على ابن مجاهد من قوله لما ~~علموا منه، فرجعت الجماعة بجملتها إلى دار ابن مجاهد، فخرج إليهم وقال: ما ~~شأنكم؟ فقال لهم: والله لقد خفنا من هذا الرجل، وقد اشتد الآن غضبه عليك في ~~تركك الدعاء. فقال لهم: لا أخرج عن عادتي، فأخبروه بالقصة. فقال لهم - وهو ~~مبتسم -: انصرفوا ولا تخافوا فهو الذي تضرب رقبته في غدوة غد بذلك السيف ~~بحول الله، ودخل داره، وانصرفت الجماعة على ذعر من قول ذلك الرجل. فلما كان ~~مع الصبح وصل إلى دار الرجل قوم من أهل المسجد ومن علم حال البارحة حتى ~~وصلوا إليه إلى دار الإمامة بباب جوهر من إشبيلية، وهناك أمر بضرب رقبته ~~بسيفه، فكان ذلك تحقيقا للإجابة وإثباتا للكرامة. # وقد روى بعض الإشبيليين الحكاية بمعنى هذه لكن على نحو آخر. # ولما رد ولد ابن الصقر على الخطيب في خطبته وذلك حين فاه باسم المهدي ~~وعصمته، أراد المرتضى من ذرية عبد المؤمن - وهو إذ ذاك # PageV02P788 # خليفة - أن يسجنه على قوله، فأبى الأشياخ والوزراء من فرقة الموحدين إلا ~~قتله، فغلبوا على أمره فقتلوه خوفا أن يقول ذلك غيره. فتختل عليهم القاعدة ~~التي ms474 بنوا دينهم عليها. # وقد لا تبلغ البدعة في الإشراب ذلك المقدار فلا يتفق الخلاف فيها بما ~~يؤدي إلى مثل ذلك. # فهذه الأمثلة بينت بالواقع مراد الحديث - على فرض صحته - فإن أخبار النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما تكون ابتناء على وفق مخبره من غير تخلف ألبتة. # ويشهد لهذا التفسير استقراء أحوال الخلق من انقسامها إلى الأعلى والأدنى ~~والأوسط، كالعلم والجهل، والشجاعة والجبن، والعدل والجور، والجود والبخل، ~~والغنى والفقر، والعز والذل، وغير ذلك من الأحوال والأوصاف، فإنها تتردد ما ~~بين الطرفين: فعالم في أعلى درجات العلم، وآخر في أدنى درجاته، وجاهل كذلك، ~~وشجاع كذلك، إلى سائرها. # فكذلك سقوط البدع بالنفوس، إلا أن في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها ~~فائدة أخرى، وهي التحذير من مقاربتها ومقاربة أصحابها وهي: ### | [داء الكلب فيه ما يشبه العدوى وكذلك البدع] # المسألة الثانية والعشرون أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى وكذلك البدع # وبيان ذلك أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى، فإن أصل الكلب واقع بالكلب. ~~ثم إذا عض ذلك الكلب أحدا صار مثله ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب ~~إلا بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله فقلما يسلم من # PageV02P789 # غائلته، بل إما أن يقع معه في مذهبه ويصير من شيعته، وإما أن يثبت في ~~قلبه شكا يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر. # هذا بخلاف سائر المعاصي فإن صاحبها لا يضاره ولا يدخله فيها غالبا إلا مع ~~طول الصحبة والأنس به، والاعتياد لحضور معصيته. وقد أتى في الآثار ما يدل ~~على هذا المعنى. فإن السلف الصالح نهوا عن مجالستهم ومكالمتهم وكلام ~~مكالمهم، وأغلظوا في ذلك، وقد تقدم منه في الباب الثاني آثار جمة. # ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود قال: من أحب أن يكرم دينه فليعتزل مخالطة ~~الشيطان ومجالسة أصحاب الأهواء فإن مجالستهم ألصق من الجرب. # وعن حميد الأعرج قال: قدم غيلان مكة يجاور بها، فأتى غيلان مجاهدا فقال: ~~يا أبا الحجاج، بلغني أنك تنهى الناس عني وتذكرني، وأنه ms475 بلغك عني شيء لا ~~أقوله؟ إنما أقول كذا، فجاء بشيء لا ينكر، فلما قام قال مجاهد: لا تجالسوه ~~فإنه قدري. قال حميد: فإني لما كنت ذات يوم في الطواف لحقني غيلان من خلفي ~~يجذب ردائي، فالتفت فقال: كيف يقول مجاهد خرف وكذا؟ فأخبرته، فمشى معي، ~~فبصر بي مجاهد معه، فأتيته فجعلت أكلمه فلا يرد علي، وأسأله فلا يجيبني # PageV02P790 # فقال - فغدوت إليه فوجدته على تلك الحال، فقلت: يا أبا الحجاج! أبلغك عني ~~شيء؟ ما أحدثت حدثا، ما لي! قال: ألم أرك مع غيلان وقد نهيتكم أن تكلموه أو ~~تجالسوه؟ قال، قلت: يا أبا الحجاج ما أنكرت قولك، وما بدأته، وهو بدأني. ~~قال: والله يا حميد لولا أنك عندي مصدق ما نظرت لي في وجه منبسط ما عشت، ~~ولئن عدت لا تنظر لي في وجه منبسط ما عشت. # وعن أيوب قال: كنت يوما عند محمد بن سيرين إذ جاء عمرو بن عبيد فدخل فلما ~~جلس وضع محمد يده في بطنه وقام، فقلت لعمرو: انطلق بنا - قال - فخرجنا فلما ~~مضى عمرو رجعت فقلت: يا أبا بكر؟ قد فطنت إلى ما صنعت. قال: أقد فطنت؟ قلت: ~~نعم! قال: أما إنه لم يكن ليضمني معه سقف بيت. # وعن بعضهم قال: كنت أمشي مع عمرو بن عبيد فرآني ابن عون فأعرض عني. وقيل: ~~دخل ابن عبيد دار ابن عون فسكت ابن عون لما رآه، وسكت عمرو عنه فلم يسأله ~~عن شيء - فمكثت هنيهة ثم قال ابن عون: بم استحل أن دخل داري بغير إذني؟ - ~~مرارا يرددها - أما إنه لو تكلم. . . # وعن مؤمل بن إسماعيل، أنه قال: قال بعض أصحابنا لحماد بن زيد: ما لك لم ~~ترو عن عبد الكريم إلا حديثا واحدا؟ قال: ما أتيته إلا مرة واحدة لما ساقه ~~في هذا الحديث، وما أحب أن أيوب علم بإتياني إليه وأن لي كذا # PageV02P791 # وكذا، وإني لأظنه لو علم لكانت الفيصل بيني وبينه. # وعن إبراهيم، أنه قال لمحمد بن السائب: لا تقربنا ما دمت على رأيك هذا. ms476 ~~وكان مرجئا. # وعن حماد بن زيد قال: لقيني سعيد بن جبير فقال: ألم أرك مع طلق؟ قلت: ~~بلى! فما له؟ قال: لا تجالسه فإنه مرجئ. # وعن محمد بن واسع قال: رأيت صفوان بن محرز وقريب منه شيبة، فرآهما ~~يتجادلان، فرأيته قائما ينفض ثيابه ويقول: إنما أنتم جرب. # وعن أيوب قال: دخل رجل على ابن سيرين فقال: يا أبا بكر! أقرأ عليك آية من ~~كتاب الله لا أزيد أن أقرأها ثم أخرج؟ فوضع إصبعيه في أذنيه ثم قال: أعزم ~~عليك إن كنت مسلما إلا خرجت من بيتي - قال - فقال - يا أبا بكر! لا أزيد ~~على أن أقرأ (آية) ثم أخرج. فقام لإزاره يشده وتهيأ للقيام فأقبلنا على ~~الرجل، فقلنا: قد عزم عليك إلا خرجت، أفيحل لك أن تخرج رجلا من بيته؟ قال: ~~فخرج، فقلنا: يا أبا بكر! ما عليك لو قرأ آية ثم خرج؟ قال: إني والله لو ~~ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكن خفت أن يلقي في ~~قلبي شيئا أجهد في إخراجه من قلبي فلا أستطيع. # وعن الأوزاعي قال: لا تكلموا صاحب بدعة من جدل فيورث قلوبكم من فتنته. # فهذه آثار تنبهك على ما تقدمت إشارة الحديث إليه إن كان مقصودا والله ~~أعلم. # PageV02P792 # تأثير كلام صاحب البدعة في القلوب معلوم. ### | [التنبيه على السبب في بعد صاحب البدعة عن التوبة] # وثم معنى آخر قد يكون من فوائد تنبيه الحديث بمثال داء الكلب وهي: ~~المسألة الثالثة والعشرون # وهو التنبيه على السبب في بعد صاحب البدعة عن التوبة، إذ كان مثل المعاصي ~~الواقعة بأعمال العباد قولا أو فعلا أو اعتقادا، كمثل الأمراض النازلة ~~بجسمه أو روحه، فأدوية الأمراض البدنية معلومة، وأدوية الأمراض العملية ~~التوبة والأعمال الصالحة، وكما أن من الأمراض البدنية ما يمكن فيه التداوي، ~~ومنه ما لا يمكن فيه التداوي أو يعسر، كذلك الكلب الذي في أمراض الأعمال، ~~فمنها ما يمكن فيه التوبة عادة، ومنها ما لا يمكن. # فالمعاصي كلها - غير البدع - يمكن فيها التوبة ms477 من أعلاها، وهي الكبائر - ~~إلى أدناها - وهي اللمم - والبدع أخبرنا فيها إخبارين كلاهما يفيد أن لا ~~توبة منها. # الإخبار الأول: ما تقدم في ذم البدع من أن المبتدع لا توبة له، من غير ~~تخصيص. # والآخر: ما نحن في تفسيره، وهو تشبيه البدع بما لا نجح فيه من الأمراض ~~كالكلب، فأفاد أن لا نجح من ذنب البدع في الجملة من غير اقتضاء عموم، بل ~~اقتضى أن عدم التوبة مخصوص بمن تجارى به الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه، ~~وقد مر أن من أولئك من يتجارى به الهوى على ذلك الوجه وتبين الشاهد عليه. ~~ونشأ من ذلك معنى زائد هو من فوائد الحديث، وهي: # PageV02P793 ### | [من تلك الفرق من لا يشرب هوى البدعة ذلك الإشراب] # المسألة الرابعة والعشرون # وهو أن من تلك الفرق من لا يشرب هوى البدعة ذلك الإشراب، فإذا يمكن فيه ~~التوبة، وإذا أمكن في أهل الفرق أمكن فيمن خرج عنهم، وهم أهل البدع ~~الجزئية. # فإما أن يرجح ما تقدم من الأخبار على هذا الحديث، لأن هذه الرواية في ~~إسنادها شيء، وأعلى ما يجرى في الحسان، وفي الأحاديث الأخر ما هو صحيح، ~~كقوله: # «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون كما يعود السهم ~~على فوقه» وما أشبه. # وأما أن يجمع بينهما، فتجعل النقل الأول عمدة في عموم قبول التوبة، ويكون ~~هذا الإخبار أمرا زائدا على ذلك، إذ لا يتنافيان بسبب أن من شأن البدع ~~مصاحبة الهوى، وغلبة الهوى للإنسان في الشيء المفعول أو المتروك له أبدا ~~أثر فيه، والبدع كلها تصاحب الهوى، ولذلك سمي أصحابها أهل الأهواء، فوقعت ~~التسمية بها، وهو الغالب عليهم، إذ يصاحبه دليل شرعي إنما نشأ عن الهوى مع ~~شبهة دليل، لا عن الدليل بالعرض فصار هوى يصاحبه دليل شرعي في الظاهر، فكان ~~أجرى في البدع من القلب موقع السويداء فأشرب حبه، ثم إنه يتفاوت، إذ ليس في ~~رتبة واحدة ولكنه تشريع كله، واستحق صاحبه أن لا توبة له، عافانا الله من ~~النار بفضله ومنه. ms478 # وإما أن يعمل هذا الحديث مع الأحاديث الأول - على فرض العمل به - ونقول: ~~إن ما تقدم من الأخبار عامة، وهذا يفيد الخصوص كما تفيده، أو يفيد معنى ~~يفهم منه الخصوص، وهو الإشراب في أعلى # PageV02P794 # المراتب مسوقا مساق التبغيض، لقوله: # «وإنه سيخرج في أمتي أقوام» إلى آخره، فدل أن ثم أقواما أخر لا تتجارى ~~بهم تلك الأهواء على ما قال، بل هي أدنى من ذلك، وقد لا تتجارى بهم ذلك. # وهذا التفسير بحسب ما أعطاه الموضع، وتمام المسألة قد مر في الباب الثاني ~~والحمد لله. لكن على وجه لا يكون في الأحاديث كلها تخصيص، وبالله التوفيق. ### | [جاء في بعض روايات الحديث " أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم "] # المسألة الخامسة والعشرون # أنه جاء في بعض روايات الحديث: «أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم، ~~فيحلون الحرام ويحرمون الحلال» فجعل أعظم تلك الفرق فتنة على الأمة أهل ~~القياس، ولا كل قياس، بل القياس على غير أصل، فإن أهل القياس متفقون على ~~أنه على غير أصل يصح، وإنما يكون على أصل من كتاب أو سنة صحيحة أو إجماع ~~معتبر، فإذا لم يكن للقياس أصل - وهو القياس الفاسد - فهو الذي لا يصح أن ~~يوضع في الدين - فإنه يؤدي إلى مخالفة الشرع وأن يصير الحلال بالشرع حراما ~~بذلك القياس، والحرام حلالا، فإن الرأي من حيث هو رأي لا ينضبط إلى قانون ~~شرعي إذا لم يكن له أصل شرعي، فإن العقول تستحسن ما لا يستحسن شرعا، ~~وتستقبح ما لا يستقبح شرعا. وإذا كان كذلك صار القياس على غير أصل فتنة على ~~الناس. # ثم أخبر في الحديث أن المعلمين لهذا القياس أضر على الناس من # PageV02P795 # سائر أهل الفرق، وأشد فتنة. وبيانه أن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت ~~الأحاديث التي تردها واستفاضت، وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند ~~الخاصة والعامة، بخلاف الفتيا، فإن أدلتها من الكتاب والسنة لا يعرفها إلا ~~الأفراد، ولا يميز ضعيفها من قويها إلا الخاصة، وقد ينتصب للفتيا والقضاء ~~ممن يخالفها كثير. # وقد جاء مثل معناه ms479 محفوظا من حديث ابن مسعود أنه قال: ليس عام إلا والذي ~~بعده شر منه لا أقول: عام أمطر من عام، وعام أخصب من عام، ولا أمير خير من ~~أمير. ولكن: ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيهدم ~~الإسلام ويثلم. # وهذا الذي في حديث ابن مسعود موجود في الحديث الصحيح، حيث قال عليه ~~الصلاة والسلام: «ولكن ينزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال ~~يستفتون برأيهم، فيضلون ويضلون». # وقد تقدم في ذم الرأي آثار مشهورة عن الصحابة - رضي الله عنهم - ~~والتابعين تبين فيها أن الأخذ بالرأي يحل الحرام ويحرم الحلال. # ومعلوم أن هذه الآثار الذامة للرأي لا يمكن أن يكون المقصود بها ذم ~~الاجتهاد على الأصول في نازلة لم توجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع، ممن يعرف ~~الأشباه والنظائر، ويفهم معاني الأحكام فيقيس قياس تشبيه وتعليل، قياسا لم ~~يعارضه ما هو أولى منه، فإن هذا ليس فيه تحليل وتحريم # PageV02P796 # ولا العكس، وإنما القياس الهادم ما عارض الكتاب والسنة، أو ما عليه سلف ~~الأمة، أو معانيها المعتبرة. # ثم إن مخالفة هذه الأصول على قسمين: # أحدهما: أن يخالف أصلا مخالفة ظاهرة من غير استمساك بأصل آخر، فهذا لا ~~يقع من مفت مشهور؛ إلا إذا كان الأصل لم يبلغه، كما وقع لكثير من الأئمة ~~حيث لم يبلغهم بعض السنن فخالفوها خطأ، وأما الأصول المشهورة فلا يخالفها ~~مسلم خلافا ظاهرا من غير معارضة بأصل آخر، فضلا عن أن يخالفها بعض ~~المشهورين بالفتيا. الثاني أن يخالف الأصل بنوع من التأويل # والثاني: أن يخالف الأصل بنوع من التأويل هو فيه مخطئ، بأن يضع الاسم على ~~غير موضعه أو على بعض مواضعه، أو يراعي فيه مجرد اللفظ دون اعتبار المقصود، ~~أو غير ذلك من أنواع التأويل. # والدليل على أن هذا هو المراد بالحديث وما في معناه أن تحليل الشيء إذا ~~كان مشهورا فحرمه بغير تأويل، أو التحريم مشهورا فحلله بغير تأويل كان كفرا ~~وعنادا، ومثل هذا لا تتخذه الأمة رأسا قط، إلا أن ms480 تكون الأمة قد كفرت، ~~والأمة لا تكفر أبدا. # وإذا بعث الله ريحا تقبض أرواح المؤمنين لم يبق حينئذ من يسأل عن حرام أو ~~حلال. وإذا كان التحليل أو التحريم غير مشهور فخالفه مخالف لم يبلغه دليله، ~~فمثل هذا لم يزل موجودا من لدن زمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~هذا إنما يكون في آحاد المسائل، فلا تضل الأمة ولا ينهدم الإسلام ولا يقال ~~لهذا: إنه محدث عند قبض العلماء. # PageV02P797 # فظهر أن المراد إنما هو استحلال المحرمات الظاهرة أو المعلومة عنده بنوع ~~تأويل، وهذا بين في المبتدعة الذين تركوا معظم الكتاب والذي تضافرت عليه ~~أدلته، وتواطأت على معناه شواهده، وأخذوا في اتباع بعض المتشابهات وترك أم ~~الكتاب. # فإذا هذا - كما قال الله تعالى - «زيغ وميل عن الصراط المستقيم»، فإن ~~تقدم أئمة يفتون ويقتدى بهم بأقوالهم وأعمالهم سكنت إليهم الدهماء ظنا أنهم ~~بالغوا لهم في الاحتياط على الدين، وهم يضلون بغير علم، ولا شيء أعظم على ~~الإنسان من داهية تقع به من حيث لا يحتسب، فإنه لو علم طريقها لتوقاها ما ~~استطاع، فإذا جاءته على غرة فهي أدهى وأعظم على من وقعت به، وهو ظاهر، ~~فكذلك البدعة إذا جاءت العامي من طريق الفتيا، لأنه يستند في دينه إلى من ~~ظهر في رتبة أهل العلم، فيضل من حيث يطلب الهداية: اللهم اهدنا الصراط ~~المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم. ### | [جواب النبي عن الفرقة الناجية فيه انصراف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع وهو ما كان عليه هو وأصحابه] # المسألة السادسة والعشرون # إن هاهنا نظرا لفظيا في الحديث هو من تمام الكلام فيه، وذلك أنه لما أخبر ~~عليه الصلاة والسلام أن جميع الفرق في النار إلا فرقة واحدة، وهي الجماعة ~~المفسرة في الحديث الآخر، فجاء في الرواية الأخرى السؤال عنها - سؤال ~~التعيين - فقالوا: من هي يا رسول الله؟ فأصل الجواب أن يقال: أنا وأصحابي، ~~ومن عمل مثل عملنا. أو ما أشبه ذلك مما يعطي تعيين الفرقة، إما بالإشارة أو ~~بوصف من أوصافها. إلا ms481 أن # PageV02P798 # ذلك لم يقع، وإنما وقع في الجواب تعيين الوصف لا تعيين الموصوف، فلذلك ~~أتى بما أتى، فظاهرها الوقوع على غير العاقل من الأوصاف وغيرها، والمراد ~~هنا الأوصاف التي هو عليها صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضي الله عنهم - ~~فلم يطابق السؤال الجواب في اللفظ. والعذر عن هذا أن العرب لا تلتزم ذلك ~~النوع إذا فهم المعنى، لأنهم لما سألوا عن تعيين الفرقة الناجية بين لهم ~~الوصف الذي به صارت ناجية، فقال: «ما أنا عليه وأصحابي». # ومما جاء غير مطابق في الظاهر وهو في المعنى مطابق قول الله تعالى: {قل ~~أؤنبئكم بخير من ذلكم} [آل عمران: 15]؟ فإن هذا الكلام معناه: هل أخبركم ~~بما هو أفضل من متاع الدنيا؟ فكأنه قيل: نعم! أخبرنا، فقال الله تعالى: ~~{للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} [آل عمران: 15] الآية. ~~أي للذين اتقوا استقر لهم {عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} [آل ~~عمران: 15] الآية. فأعطى مضمون الكلام معنى الجواب على غير لفظه. وهذا ~~التقرير على قول جماعة من المفسرين. # وقال تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار} [محمد: 15] الآية. ~~فقوله: مثل الجنة يقتضي المثل لا الممثل، كما قال تعالى: {مثلهم كمثل الذي ~~استوقد نارا} [البقرة: 17] ولأنه كلما كان المقصود الممثل جاء به بعينه. # ويمكن أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الفرق وذكر أن فيها ~~فرقة ناجية، كان الأولى السؤال عن أعمال الفرقة الناجية، لا عن نفس الفرقة. # PageV02P799 # لأن التعريف فيها من حيث هي لا فائدة فيه إلا من جهة أعمالها التي نجت ~~بها. فالمتقدم في الاعتبار هو العمل لا العامل، فلو سألوا: ما وصفها؟ أو ما ~~عملها؟ أو ما أشبه ذلك لكان أشد مطابقة في اللفظ والمعنى، فلما فهم عليه ~~الصلاة والسلام منهم ما قصدوا أجابهم على ذلك. # ونقول: لما تركوا السؤال عما كان الأولى في حقهم، أتى به جوابا عن ~~سؤالهم، حرصا منه عليه الصلاة والسلام على تعليمهم ما ينبغي لهم تعلمه ~~والسؤال عنه. # ويمكن أن ms482 يقال: إن ما سألوا عنه لا يتعين، إذ لا تختص النجاة بمن تقدم ~~دون من تأخر، إذ كانوا قد اتصفوا بوصف التأخير. # ومن شأن هذا السؤال التعيين، وعدم انحصارهم بزمان أو مكان لا يقتضي ~~التعيين، وانصرف القصد إلى تعيين الوصف الضابط للجميع، وهو ما كان عليه هو ~~وأصحابه. # وهذا الجواب بالنسبة إلينا كالمبهم، وهو بالنسبة إلى السائل معين، لأن ~~أعمالهم كانت للحاضرين معهم رأي عين، فلم يحتج إلى أكثر من ذلك، لأنه غاية ~~التعيين اللائق بمن حضر، فأما غيرهم ممن لم يشاهد أحوالهم ولم ينظر أعمالهم ~~فليس مثلهم، ولا يخرج الجواب بذلك عن التعيين المقصود. والله أعلم. انتهى. # PageV02P800 ### | [الباب العاشر بيان معنى الصراط المستقيم الذي انحرفت عنه سبل أهل الابتداع] ### | [التعيين للفرقة الناجية اجتهادي لا ينقطع الخلاف فيه] # في بيان معنى الصراط المستقيم الذي انحرفت عنه سبل أهل الابتداع فضلت عن ~~الهدى بعد البيان # قد تقدم قبل هذا أن كل فرقة وكل طائفة تدعي أنها على الصراط المستقيم وأن ~~ما سواها منحرف عن الجادة وراكب بنيات الطريق. فوقع بينهم الاختلاف إذا في ~~تعيينه وبيانه، حتى أشكلت المسألة على كل من نظر فيها، حتى قال من قال: كل ~~مجتهد في العقليات أو النقليات مصيب. فعدد الأقوال في تعيين هذا المطلب على ~~عدد الفرق، وذلك من أعظم الاختلاف، إذ لا تكاد تجد في الشريعة مسألة يختلف ~~العلماء فيها على بضع وسبعين قولا إلا هذه المسألة، فتحرير النظر حتى تتضح ~~الفرقة الناجية التي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أغمض ~~المسائل. # ووجه ثان: أن الصراط المستقيم لو تعين بالنسبة إلى من بعد الصحابة لم يقع ~~اختلاف أصلا، لأن الاختلاف مع تعيين محله محال، والفرض أن الخلاف ليس بقصد ~~العناد، لأنه على ذلك الوجه مخرج عن الإسلام، وكلامنا في الفرق. # ووجه ثالث: أنه قد تقدم أن البدع لا تقع من راسخ في العلم، وإنما تقع ممن ~~لم يبلغ مبلغ أهل الشريعة المتصرفين في أدلتها. والشهادة # PageV02P801 # بأن فلانا راسخ في العلم وفلانا ms483 غير راسخ، في غاية الصعوبة، فإن كل من ~~خالف وانحاز إلى فرقة يزعم أنه الراسخ، وغير قاصر النظر، فإن فرض على ذلك ~~المطلب علامة وقع النزاع إما في العلامة، وإما في مناطها. # ومثال ذلك أن علامة الخروج من الجماعة الفرقة المنبه عليها بقوله تعالى: ~~{ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} [آل عمران: 105] والفرقة - بشهادة ~~الجميع -[حقيقية] وإضافية فكل طائفة تزعم أنها هي الجماعة ومن سواها مفارق ~~للجماعة. # ومن العلامات اتباع ما تشابه من الأدلة، وكل طائفة ترمي صاحبتها بذلك ~~وأنها هي التي اتبعت أم الكتاب دون الأخرى فتجعل دليلها عمدة وترد إليه ~~سائر المواضع بالتأويل على عكس الأخرى. # ومنها اتباع الهوى الذي ترمي به كل فرقة صاحبتها وتبرئ نفسها منه، فلا ~~يمكن في الظاهر مع هذا أن يتفقوا على مناط هذه العلامات، وإذا لم يتفقوا ~~عليها لم يمكن ضبطهم بها بحيث يشير إليهم بتلك العلامات، وأنهم في التحصيل ~~متفقون عليها، وبذلك صارت علامات، فكيف يمكن مع اختلافهم في المناط الضبط ~~بالعلامات. # ووجه رابع: وهو ما تقدم من فهمنا من مقاصد الشرع في الستر على هذه الأمة ~~وإن حصل التعيين بالاجتهاد، فالاجتهاد لا يقتضي الاتفاق على محله. # ألا ترى أن العلماء جزموا القول بأن النظرين لا يمكن الاتفاق عليهما # PageV02P802 # عادة؟ فلو تعينوا بالنص لم يبق إشكال. بل أمر الخوارج على ما كانوا عليه، ~~وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عينهم وعين علامتهم في المخدج حيث ~~قال: «آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، ومثل البضعة تدردر» ~~الحديث. وهم الذين قاتلهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، إذ لم يرجعوا ~~عما كانوا عليه ولم ينتهوا، فما الظن بمن ليس له في القتل تعيين؟ # ووجه خامس: وهو ما تقدم تقريره في قوله سبحانه وتعالى: {ولو شاء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: ~~118] الآية - يشعر في هذا المطلوب أن الخلاف لا يرتفع، مع ما يعضده من ~~الحديث الذي فرغنا من بيانه، وهو ms484 حديث الفرق إذ الآية لا تشعر بخصوص مواضع ~~الخلاف، لإمكان أن يبقى الخلاف في الأديان دون دين الإسلام، لكن الحديث بين ~~أنه واقع في الأمة أيضا، فانتظمته الآية بلا إشكال # فإذا تقرر هذا ظهر به أن التعيين للفرقة الناجية بالنسبة إليها اجتهادي ~~لا ينقطع الخلاف فيه، وإن ادعي فيه القطع دون الظن فهو نظري لا ضروري، ~~ولكنا مع ذلك نسلك في المسألة - بحول الله - مسلكا وسطا يذعن إلى قبوله عقل ~~الموفق، ويقر بصحنه العالم بكليات الشريعة وجزئياتها، والله الموفق للصواب. # PageV02P803 # فنقول: # لابد من تقديم مقدمة قبل الشروع في المطلوب، وذلك أن الإحداث في الشريعة ~~إنما يقع من جهة الجهل، وإما من جهة تحسين الظن بالعقل، وإما من جهة اتباع ~~الهوى في طلب الحق، وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب والسنة، وقد مر في ~~ذلك ما يؤخذ منه شواهد المسألة، إلا أن الجهات الثلاث قد تنفرد وقد تجتمع، ~~فإذا اجتمعت فتارة تجتمع منها اثنتان وتارة تجتمع الثلاث، فأما جهة الجهل ~~فتارة تتعلق بالأدوات التي بها تفهم المقاصد، وتارة تتعلق بالمقاصد، وأما ~~جهة تحسين الظن فتارة يشرك في التشريع مع الشرع، وتارة يقدم عليه، وهذان ~~النوعان يرجعان إلى نوع واحد، وأما جهة اتباع الهوى، فمن شأنه أن يغلب ~~الفهم حتى يغلب صاحبه الأدلة أو يستند إلى غير دليل، وهذان النوعان يرجعان ~~إلى نوع واحد، فالجميع أربعة أنواع: وهي الجهل بأدوات الفهم، والجهل ~~بالمقاصد، وتحسين الظن بالعقل، واتباع الهوى. فلنتكلم على كل واحد منها ~~وبالله التوفيق. ### | [فصل إن الله عز وجل أنزل القرآن وجاء في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب] # النوع الأول # إن الله عز وجل أنزل القرآن عربيا لا عجمة فيه، بمعنى أنه جاء في ألفاظه ~~ومعانيه وأساليبه على لسان العرب، قال الله تعالى: {إنا جعلناه قرآنا ~~عربيا} [الزخرف: 3] # PageV02P804 # وقال تعالى: {قرآنا عربيا غير ذي عوج} [الزمر: 28] وقال تعالى: {نزل به ~~الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} [الشعراء: 193] ~~وكان المنزل عليه القرآن عربيا أفصح من نطق بالضاد ms485 وهو محمد بن عبد الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان الذين بعث فيهم عربا أيضا، فجرى الخطاب به على ~~معتادهم في لسانهم، فليس فيه شيء من الألفاظ والمعاني إلا وهو جار على ما ~~اعتادوه، ولم يداخله شيء بل نفى عنه أن يكون فيه شيء أعجمي فقال تعالى: ~~{ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين} [النحل: 103]. # وقال تعالى في موضع آخر: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته} [فصلت: 44]. # هذا وإن كان بعث للناس كافة فإن الله جعل جميع الأمم وعامة الألسنة في ~~هذا الأمر تبعا للسان العرب، وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله تعالى إلا ~~من الطريق الذي نزل عليه وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها. # PageV02P805 # أما ألفاظها فظاهرة للعيان، وأما معانيها وأساليبها فكان مما يعرف من ~~معانيها اتساع لسانها، وأن تخاطب بالشيء منه عاما ظاهرا يراد به الظاهر، ~~ويستغنى بأوله عن آخره، وعاما ظاهرا يراد به العام ويدخله الخاص، ويستدل ~~إلى هذا ببعض الكلام، وعاما ظاهرا يراد به الخاص، وظاهرا يعرف في سياقه أن ~~المراد به غير ذلك الظاهر، والعلم بهذا كله موجود في أول الكلام أو وسطه أو ~~آخره. # وتبتدئ الشيء من كلامها بين أول اللفظ فيه عن آخره، أو بين آخره عن أوله، ~~ويتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون اللفظ كما تعرف بالإشارة، وهذا عندها من ~~أفصح كلامها، لانفرادها بعلمه دون غيرها ممن يجهله، وتسمي الشيء الواحد ~~بالأسماء الكثيرة، وتوقع اللفظ الواحد للمعاني الكثيرة. # فهذه كلها معروفة عندها وتستنكر عند غيرها، إلى غير ذلك من التصرفات التي ~~يعرفها من زاول كلامهم وكانت له به معرفة، وثبت رسوخه في علم ذلك. # فمثال ذلك أن الله تعالى خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، وقال تعالى: ~~{وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] فهذا من العام الظاهر ~~الذي لا خصوص فيه فإن كل شيء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك فالله ~~خالقه، وكل دابة ms486 على الله رزقها، {ويعلم مستقرها ومستودعها} [هود: 6]. # وقال الله تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ~~عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} [التوبة: 120] # PageV02P806 # فقوله: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول ~~الله} [التوبة: 120] إنما أريد به من أطاق ومن لم يطق فهو عام المعنى، ~~وقوله: {ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} [التوبة: 120] عام فيمن أطاق ومن لم ~~يطق، فهو عام المعنى. # وقوله تعالى: {حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما} ~~[الكهف: 77] فهذا من العام المراد به الخاص، لأنهما لم يستطعما جميع أهل ~~القرية. # وقال تعالى: {ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا} [الحجرات: 13] فهذا عام لم يخرج عنه أحد من الناس. وقال ~~إثر هذا: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] فهذا خاص، لأن التقوى ~~إنما تكون على من عقلها من البالغين. # وقال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} [آل ~~عمران: 173] فالمراد بالناس الثاني الخصوص لا العموم. وإلا فالمجموع لهم ~~الناس ناس أيضا وهم قد خرجوا. لكن لفظ الناس يقع على ثلاثة منهم. وعلى جميع ~~الناس، وعلى ما بين ذلك. فيصح أن # PageV02P807 # يقال: إن الناس قد جمعوا لكم. والناس الأول القائلون كانوا أربعة نفر. # وقال تعالى: {ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له} [الحج: 73] فالمراد ~~بالناس هنا الذين اتخذوا من دون الله إلها، دون الأطفال والمجانين ~~والمؤمنين. # وقال تعالى: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} [الأعراف: 163] ~~فظاهر السؤال عن القرية نفسها، وسياق قوله تعالى: {إذ يعدون في السبت} ~~[الأعراف: 163] إلى آخر الآية يدل على أن المراد أهلها لأن القرية لا تعدو ~~ولا تفسق. # وكذلك قوله تعالى: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة} [الأنبياء: 11] الآية، ~~فإنه لما قال كانت ظالمة دل على أن المراد أهلها. # وقال تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها} [يوسف: 82] الآية، فالمعنى بين ~~أن المراد أهل القرية، ولا يختلف أهل العلم باللسان في ذلك، لأن القرية ~~والعير ms487 لا يخبران بصدقهم. # هذا كله معنى تقرير الشافعي رحمه الله في هذه التصرفات الثابتة للعرب وهو ~~بالجملة مبين أن القرآن لا يفهم إلا عليه، وإنما أتى الشافعي بالنوع الأغمض ~~من طرائق العرب، لأن سائر أنواع التصرفات العربية قد بسطها أهلها، وهم أهل ~~النحو والتصريف، وأهل المعاني والبيان، وأهل # PageV02P808 # الاشتقاق وشرح مفردات اللغة، وأهل الأخبار المنقولة عن العرب لمقتضيات ~~الأحوال، فجميعه نزل به القرآن. ولذلك أطلق عليه عبارة العربي. # فإذا ثبت هذا فعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولا وفروعا أمران # أحدهما: أن لا يتكلم في شيء من ذلك حتى يكون عربيا أو كالعربي في كونه ~~عارفا بلسان العرب، بالغا فيه مبالغ العرب. أو مبالغ الأئمة المتقدمين ~~كالخليل وسيبويه والكسائي والفراء ومن أشبههم وداناهم. وليس المراد أن يكون ~~حافظا كحفظهم وجامعا كجمعهم، وإنما المراد أن يصير فهمه عربيا في الجملة. ~~وبذلك امتاز المتقدمون من علماء العربية على المتأخرين. إذ بهذا المعنى ~~أخذوا أنفسهم حتى صاروا أئمة، فإن لم يبلغ ذلك فحسبه في فهم معاني القرآن ~~التقليد، ولا يحسن ظنه بفهمه دون أن يسأل فيه أهل العلم به. # قال الشافعي لما قرر معنى ما تقدم: فمن جهل هذا من لسانها يعني لسان ~~العرب - وبلسانها نزل القرآن وجاءت السنة به - فتكلف القول في علمها تكلف ~~ما يجهل لفظه، ومن تكلف ما جهل وما لم يثبته معرفة، كانت موافقته للصواب - ~~إن وافقه - من حيث لا يعرفه غير محمودة، وكان في تخطئته غير معذور، إذ نظر ~~فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الصواب والخطإ فيه. # وما قاله حق، فإن القول في القرآن والسنة بغير علم تكلف - وقد نهينا عن ~~التكلف - ودخول تحت معنى الحديث، حيث قال عليه الصلاة # PageV02P809 # والسلام: # «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا» الحديث، لأنهم إذا لم يكن ~~لهم لسان عربي يرجعون إليه في كتاب الله وسنة نبيه رجع الأعجمي إلى فهمه ~~وعقله المجرد عن التمسك بدليل يضل عن الجادة. # وقد خرج ابن وهب عن الحسن أنه قيل له: أرأيت ms488 الرجل يتعلم العربية ليقيم ~~بها لسانه، ويصلح بها منطقه؟ قال: نعم! فليتعلمها، فإن الرجل يقرأ فيعيا ~~بوجهها فيهلك. # وعن الحسن قال: أهلكتهم العجمة، يتأولون على غير تأويله. . # والأمر الثاني: أنه إذا أشكل عليه في الكتاب أو في السنة لفظ أو معنى فلا ~~يقدم على القول فيه دون أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية، فقد يكون ~~إماما فيها، ولكنه يخفى عليه الأمر في بعض الأوقات. فالأولى في حقه ~~الاحتياط، إذ قد يذهب على العربي المحض بعض المعاني الخاصة حتى يسأل عنها. ~~. . وقد نقل شيء من هذا. . . عن الصحابة - وهم العرب - فكيف بغيرهم. # نقل عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: كنت لا أدري ما فاطر ~~السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر. فقال أحدهما: أنا ~~فطرتها. أي أنا ابتدأتها. # وفيما يروى عن عمر - رضي الله عنه - أنه سأل وهو على المنبر عن معنى قوله ~~تعالى: {أو يأخذهم على تخوف} [النحل: 47] فأخبره رجل من هذيل # PageV02P810 # أن التخوف عندهم هو التنقص وأشباه ذلك كثيرة. كلام الشافعي في فقه ~~العربية وخفاء بعض العربية على بعض العرب # قال الشافعي: لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا. # قال: ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي. ولكنه لا يذهب منه شيء ~~على عامته حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه - قال - والعلم به عند العرب ~~كالعلم بالسنة عند أهل العلم لا نعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه ~~شيء، فإذا جمع (علم) عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق كل واحد ~~منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودا عند غيره ممن ~~كان في طبقته وأهل علمه قال: وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها لا يذهب ~~منه شيء عليها ولا يطلب عند غيرها، ولا يعلمه إلا من نقله عنها، ولا يشركها ~~فيه إلا من اتبعها في تعلمه منها، ومن قبله منها فهو من أهل لسانها، وإنما ~~صار غيرهم من غير أهله لتركه، فإذا صار إليه صار ms489 من أهله. # هذا ما قال ولا يخالف فيه أحد، فإذا كان الأمر على هذا لزم كل من أراد أن ~~ينظر في الكتاب والسنة أن يتعلم الكلام الذي به أديت، وأن لا يحسن ظنه ~~بنفسه قبل الشهادة له من أهل علم العربية بأنه يستحق النظر، وأن لا يستقل ~~بنفسه في المسائل المشكلة التي لم يحط بها علمه دون أن يسأل عنها من هو من ~~أهلها، فإن ثبت على هذه الوصاة كان - إن شاء الله - موافقا لما كان عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام. # PageV02P811 # روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: «قلنا يا رسول الله. ~~من خير الناس؟ قال: ذو القلب المهموم، واللسان الصادق، قلنا: قد عرفنا ~~اللسان الصادق، فما ذو القلب المهموم؟ قال: هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ~~ولا حسد، قلنا فمن على أثره؟ قال: الذي ينسى الدنيا ويحب الآخرة. قلنا: ما ~~نعرف هذا فينا إلا رافعا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: فمن على ~~أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن، قلنا: أما هذا فإنه فينا.» # ويروى: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول الله! ~~أيدالك الرجل امرأته؟ قال: نعم إذا كان ملفجا فقال له أبو بكر - رضي الله ~~عنه -: ما قلت وما قال لك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم؟ فقال: قال: ~~أيماطل الرجل امرأته؟ قلت: نعم إذا كان فقيرا، فقال أبو بكر: ما رأيت الذي ~~هو أفصح منك يا رسول الله فقال: كيف لا وأنا من قريش، وأرضعت في بني سعد؟». # فهذه أدلة تدل على أن بعض اللغة يعزب عن علم بعض العرب، فالواجب السؤال ~~كما سألوا فيكون على ما كانوا عليه، وإلا زل فقال في الشريعة برأيه لا ~~بلسانها. # PageV02P812 # ولنذكر لذلك ستة أمثلة: # أحدها: قول جابر الجعفي في قوله تعالى: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي} ~~[يوسف: 80] أن تأويل هذه الآية لم يجئ بعد - وكذب - فإنه أراد بذلك مذهب ~~الرافضة، ms490 فإنها تقول إن عليا في السحاب فلا يخرج مع من خرج من ولده حتى ~~ينادي علي من السماء: اخرجوا مع فلان فهذا معنى قوله تعالى: {فلن أبرح ~~الأرض حتى يأذن لي أبي} [يوسف: 80] الآية، عند جابر حسبما فسره سفيان من ~~قوله: لم يجئ بعد. # بل هذه الآية كانت في إخوة يوسف، وقع ذلك في مقدمة كتاب مسلم، ومن كان ذا ~~عقل فلا يرتاب في أن سياق القرآن دال على ما قال سفيان، وأن ما قاله جابر ~~لا ينساق. # والثاني: قول من زعم أنه يجوز للرجل نكاح تسع من الحلائل مستدلا بقوله ~~تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] لأن ~~أربعا إلى ثلاث إلى اثنتين تسع، ولم يشعر بمعنى فعال ومفعل في كلام العرب، ~~وأن معنى الآية، فانكحوا إن شئتم اثنتين اثنتين أو ثلاثا ثلاثا أو أربعا ~~على التفصيل لا على ما قالوا. # والثالث: قول من زعم أن المحرم من الخنزير إنما هو اللحم، وأما الشحم ~~فحلال لأن القرآن إنما حرم اللحم دون الشحم، ولو عرف أن اللحم يطلق على ~~الشحم أيضا بخلاف الشحم فإنه لا يطلق على # PageV02P813 # اللحم لم يقل ما قال. # والرابع: قول من قال: إن كل شيء فان حتى ذات الباري - تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا - ما عدا الوجه، بدليل {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: ~~88] وإنما المراد بالوجه هنا غير ما قال، فإن للمفسرين فيه تأويلات، وقصد ~~هذا القائل ما لا يتجه لغة ولا معنى. وأقرب قول لقصد هذا المسكين أن يراد ~~به ذو الوجه كما تقول: فعلت هذا لوجه فلان: أي لفلان، فكان معنى الآية: كل ~~شيء هالك إلا هو. وقوله تعالى: {إنما نطعمكم لوجه الله} [الإنسان: 9] ومثله ~~قوله تعالى: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: ~~26]. # والخامس: قول من زعم أن لله سبحانه وتعالى جنبا، مستدلا بقوله: {أن تقول ~~نفس ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] وهذا لا معنى للجنب فيه ~~لا حقيقة ولا ms491 مجازا، لأن العرب تقول: هذا الأمر يصغر في جنب هذا، أي يصغر ~~بالإضافة إلى آخر، فكذلك الآية معناها: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ~~أي فيما بيني وبين الله، إذ أضفت تفريطي إلى أمره ونهيه إياي. # والسادس: قول من قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الدهر ~~فإن الله هو الدهر» إن هذا الذي في الحديث هو مذهب الدهرية، ولم # PageV02P814 # يعرف أن المعنى: لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصائب، ولا تنسبوها إليه، ~~فإن الله هو الذي أصابكم بذلك لا الدهر، فإنكم إذا سببتم الدهر وقع السب ~~على الفاعل لا على الدهر، لأن العرب كان من عادتها في الجاهلية أن تنسب ~~الأفعال إلى الدهر فتقول: أصابه الدهر في ماله، ونابته قوارع الدهر ~~ومصائبه. فينسبون إلى كل شيء تجري به أقدار الله تعالى عليهم إلى الدهر، ~~فيقولون: لعن الله الدهر، ومحا الله الدهر. وأشباه ذلك وإنما يسبونه لأجل ~~الفعال المنسوبة إليه، فكأنهم إنما سبوا الفاعل، والفاعل هو الله وحده، ~~فكأنهم يسبونه سبحانه وتعالى. # فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ في العربية في كلام الله سبحانه ~~وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك يؤدي إلى تحريف الكلم عن ~~مواضعه، والصحابة رضوان الله عليهم برآء من ذلك. لأنهم عرب لم يحتاجوا في ~~فهم كلام الله تعالى إلى أدوات ولا تعلم، ثم من جاء بعدهم ممن ليس بعربي ~~اللسان تكلف ذلك حتى علمه، وحينئذ داخل القوم في فهم الشريعة وتنزيلها على ~~ما ينبغي فيها كسلمان الفارسي وغيره، فكل من اقتدى بهم في تنزيل الكتاب ~~والسنة على العربية - إن أراد أن يكون من # PageV02P815 # أهل الاجتهاد فهو - إن شاء الله - داخل في سوادهم الأعظم، كائن على ما ~~كانوا عليه، فانتظم في سلك الناجية. ### | [فصل الله تعالى أنزل الشريعة فيها تبيان كل شيء] # فصل (النوع الثاني) # إن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله صلى الله عليه وسلم فيها تبيان كل ~~شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها، وتعبداتهم ms492 التي طوقوها ~~في أعناقهم، ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كمل الدين بشهادة ~~الله تعالى بذلك؛ حيث قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] فكل من زعم أنه بقي في الدين ~~شيء لم يكمل فقد كذب بقوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3]. # فلا يقال: قد وجدنا من النوازل والوقائع المتجددة ما لم يكن في الكتاب ~~ولا في السنة نص عليه، ولا عموم ينتظمه، وأن مسائل الجد في الفرائض، ~~والحرام في الطلاق، ومسألة الساقط على جريح محفوف بجرحى، وسائر المسائل ~~الاجتهادية التي لا نص فيها من كتاب ولا سنة فأين الكلام فيها؟ # فيقال في الجواب: أولا إن قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: ~~3] إن اعتبرت فيها الجزئيات من المسائل والنوازل فهو كما أوردتم، ولكن ~~المراد كلياتها، فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات ~~أو التكميليات إلا وقد بينت غاية البيان، # PageV02P816 # نعم يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولا إلى نظر المجتهد، فإن ~~قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة، فلابد من إعمالها. ولا يسع ~~الناس تركها، وإذا ثبت في الشريعة أشعرت بأن ثم مجالا للاجتهاد، ولا يوجد ~~ذلك إلا فيما لا نص فيه. ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات ~~بالفعل، فالجزئيات لا نهاية لها، فلا تنحصر بمرسوم، وقد نص العلماء على هذا ~~المعنى، فإنما المراد الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد التي يجري ~~عليها ما لا نهاية له من النوازل. # ثم نقول ثانيا: إن النظر في كمالها بحسب خصوص الجزئيات يؤدي إلى الإشكال ~~والالتباس، وإلا فهو الذي أدى إلى إيراد هذا السؤال، إذ لو نظر السائل إلى ~~الحالة التي وضعت عليها الشريعة، وهي حالة الكلية لم يورد سؤاله، لأنها ~~موضوعة على الأبدية، وإن وضعت الدنيا على الزوال والنهاية. # وأما الجزئية فموضوعة على النهاية المؤدية إلى الحصر في التفصيل، وإذ ذاك ~~قد يتوهم أنها لم تكمل فيكون خلافا لقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} ~~[المائدة: 3] وقوله ms493 تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: ~~89] الآية، ولا شك أن كلام الله هو الصادق، وما خالفه فهو المخالف. فظاهر ~~إذ ذاك أن الآية على عمومها وإطلاقها، وأن النوازل التي لا عهد بها لا تؤثر ~~في صحة هذا الكمال لأنها إما محتاج إليها وإما غير محتاج إليها، فإن كانت ~~محتاجا إليها فهي مسائل الاجتهاد # PageV02P817 # الجارية على الأصول الشرعية فأحكامها قد تقدمت، ولم يبق إلا منظر المجتهد ~~إلى أي دليل يستند خاصة وإن كانت غير محتاج إليها، فهي البدع المحدثات، إذ ~~لو كانت محتاجا إليها لما سكت عنها في الشرع، لكنها مسكوت عنها بالفرض ولا ~~دليل عليها فيه كما تقدم، فليست بمحتاج إليها. فعلى كل تقدير قد كمل الدين ~~والحمد لله. # ومن الدليل على أن هذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة - رضي الله عنهم -، ~~أنهم لم يسمع عنهم قط إيراد ذلك السؤال، ولا قال أحد منهم: لم لم ينص على ~~حكم الجد مع الإخوة؟ وعلى حكم من قال لزوجته: أنت علي حرام؟ وأشباه ذلك مما ~~لم يجدوا فيه عن الشارع نصا، بل قالوا فيها وحكموا بالاجتهاد، واعتبروا ~~بمعان شرعية ترجع في التحصيل إلى الكتاب والسنة، وإن لم يكن بالنص فإنه ~~بالمعنى. فقد ظهر إذا وجه كمال الدين على أتم الوجوه. # وننتقل منه إلى معنى آخر، وهو أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن مبرأ عن ~~الاختلاف والتضاد، ليحصل فيه كمال التدبر والاعتبار، فقال سبحانه وتعالى: ~~{أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ~~[النساء: 82] فدل معنى الآية على أنه بريء من الاختلاف، فهو يصدق بعضه ~~بعضا، ويعضد بعضه بعضا، من جهة اللفظ ومن جهة المعنى. # فأما جهة اللفظ فإن الفصاحة فيه متواترة مطردة بخلاف كلام المخلوق. # فإنك تراه إلى الاختلاف ما هو فيأتي بالفصل من الكلام # PageV02P818 # الجزل الفصيح فلا يكاد يختمه إلا وقد عرض له في أثنائه ما نقص من منصب ~~فصاحته، وهكذا تجد القصيدة الواحدة، منها ما يكون على نسق الفصاحة اللائقة، ~~ومنها ما لا ms494 يكون كذلك. # وأما جهة المعنى، فإن معاني القرآن على كثرتها أو على تكرارها بحسب ~~مقتضيات الأحوال على حفظ وبلوغ غاية في إيصالها إلى غايتها، من غير إخلال ~~بشيء منها، ولا تضاد ولا تعارض، على وجه لا سبيل إلى البشر أن يدانوه، ~~ولذلك لما سمعته أهل البلاغة الأولى والفصاحة الأصلية - وهم العرب - لم ~~يعارضوه، ولم يغيروا في وجه إعجازه بشيء مما نفى الله تعالى عنه، وهم أحرص ~~ما كانوا على الاعتراض فيه والغض من جانبه، ثم لما أسلموا وعاينوا معانيه ~~وتفكروا في غرائبه، لم يزدهم البحث إلا بصيرة في أنه لا اختلاف فيه ولا ~~تعارض، والذي نقل من ذلك يسير توقفوا فيه توقف المسترشد حتى يرشدوا إلى وجه ~~الصواب، أو توقف المتثبت في الطريق. # وقد صح أن سهل بن حنيف قال يوم صفين وحكم الحكمين: يا أيها الناس اتهموا ~~رأيكم، فلقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أبي جندل ولو ~~نستطيع أن نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددناه، وايم الله ~~ما وضعنا سيوفنا من على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا أمر ~~نعرفه الحديث. # فوجه الشاهد منه أمران: قوله اتهموا الرأي فإن معارضة الظواهر في غالب ~~الأمر رأي غير مبني على أصل يرجع إليه. # PageV02P819 # وقوله في الحديث - وهو النكتة في الباب -: «والله ما وضعنا سيوفنا» إلى ~~آخره، فإن معناه: أن كل ما ورد عليهم في شرع الله مما يصادم الرأي فإنه حق ~~يتبين على التدريج حتى يظهر فساد ذلك الرأي، وأنه كان شبهة عرضت وإشكالا ~~ينبغي أن لا يلتفت إليه، بل يتهم أولا ويعتمد على ما جاء في الشرع، فإنه إن ~~لم يتبين اليوم تبين غدا، ولو فرض أنه لا يتبين أبدا فلا حرج، فإنه متمسك ~~بالعروة الوثقى. # وفي الصحيح عن عمر - رضي الله عنه - قال: «سمعت هشام بن حكيم بن حزام ~~يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته، ~~فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم ms495 يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فكدت أساوره في الصلاة، فصبرت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه ~~السورة التي سمعتك تقرأ؟. . . فقال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقلت: كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ~~ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني ~~سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أرسله. اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذلك أنزلت - ثم قال - اقرأ يا عمر فقرأت ~~القراءة التي أقرأني فقال - كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، ~~فاقرؤوا ما تيسر منه». # وهذه المسألة إنما هي إشكال وقع لبعض الصحابة في نقل الشرع بين لهم جوابه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك دليلا على أن فيه اختلافا، فإن # PageV02P820 # الاختلاف بين المكلفين في بعض معانيه أو مسائله لا يستلزم أن يكون فيه ~~نفسه اختلاف، فقد اختلفت الأمم في النبوات ولم يكن ذلك دليلا على وقوع ~~الاختلاف في نفس النبوات. واختلفت في مسائل كثيرة من علوم التوحيد ولم يكن ~~اختلافهم دليلا على وقوع الاختلاف فيما اختلفوا فيه، فكذلك ما نحن فيه. # وإذا ثبت هذا صح منه أن القرآن في نفسه لا اختلاف فيه، ثم نبني على هذا ~~معنى آخر، وهو أنه لما تبين تنزهه عن الاختلاف، صح أن يكون حكما بين جميع ~~المختلفين، لأنه إنما يقرر معنى هو الحق، والحق لا يختلف في نفسه، فكل ~~اختلاف صدر من مكلف فالقرآن هو المهيمن عليه، قال الله تعالى: {فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} [النساء: 59] فهذه الآية وما أشبهها صريحة في الرد إلى كتاب ~~الله تعالى وإلى سنة نبيه، لأن السنة بيان الكتاب، وهو دليل على أن الحق ~~فيه واضح، وأن البيان فيه شاف، لا ms496 شيء بعده يقوم مقامه، وهكذا فعل الصحابة ~~- رضي الله عنهم -، لأنهم كانوا إذا اختلفوا في مسألة ردوها إلى الكتاب ~~والسنة، وقضاياهم شاهدة بهذا المعنى، لا يجهلها من زاول الفقه، فلا فائدة ~~في جلبها إلى هذا الموضع لشهرتها، فهو إذا مما كان عليه الصحابة. # PageV02P821 # فإذا تقرر هذا فعلى الناظر في الشريعة بحسب هذه المقدمة أمران: # أحدهما: أن ينظر إليها بعين الكمال لا بعين النقصان، ويعتبرها اعتبارا ~~كليا في العبادات والعادات، ولا يخرج عنها البتة، لأن الخروج عنها تيه ~~وضلال ورمي في عماية، كيف وقد ثبت كمالها وتمامها؟ فالزائد والناقص في ~~جهتها هو المبتدع بإطلاق، والمنحرف عن الجادة إلى بنيات الطرق. # والثاني: أن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية ~~ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جار على مهيع واحد ومنتظم إلى معنى ~~واحد، فإذا أداه بادئ الرأي إلى ظاهر اختلاف فواجب عليه أن يعتقد انتفاء ~~الاختلاف، لأن الله قد شهد له أن لا اختلاف فيه. فليقف وقوف المضطر السائل ~~عن وجه الجمع، أو المسلم من غير اعتراض، فإن كان الموضع مما يتعلق به حكم ~~عملي فليلتمس المخرج حتى يقف على الحق اليقين، أو ليبق باحثا إلى الموت ولا ~~عليه من ذلك، فإذا اتضح له المغزى وتبينت له الواضحة. فلابد له من أن ~~يجعلها حاكمة في كل ما يعرض له من النظر فيها. ويضعها نصب عينيه في كل مطلب ~~ديني، كما فعل من تقدمنا ممن أثنى الله عليهم. # فأما الأمر الأول: فهو الذي أغفله المبتدعون فدخل عليهم بسبب ذلك ~~الاستدراك على الشرع، وإليه مال كل من كان يكذب على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيقال له ذلك، ويحذر ما في الكذب عليه من الوعيد. فيقول: # PageV02P822 # لم أكذب عليه وإنما كذبت له. # وحكي عن محمد بن سعيد المعروف بالأردني أنه قال: إذا كان الكلام حسنا لم ~~أر بأسا أن أجعل له إسنادا. فلذلك كان يحدث بالموضوعات، وقد قتل في الزندقة ~~وصلب. # وقد تقدم لهذا القسم أمثلة كثيرة. # وأما ms497 الأمر الثاني: فإن قوما أغفلوه أيضا ولم يمعنوا النظر حتى اختلف ~~عليهم الفهم في القرآن والسنة، فأحالوا بالاختلاف عليها تحسينا للظن بالنظر ~~الأول، وهذا هو الذي عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حال الخوارج حيث ~~قال: «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» فوصفهم بعدم الفهم للقرآن، وعند ذلك ~~خرجوا على أهل الإسلام، إذ قالوا: لا حكم إلا لله، وقد حكم الرجال في دين ~~الله، حتى بين لهم حبر القرآن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - معنى ~~قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} [الأنعام: 57] على وجه أذعن بسببه منهم ~~ألفان، أو من رجع منهم إلى الحق، وتمادى الباقون على ما كانوا عليه، ~~اعتقادا - والله أعلم - على قول من قال منهم: لا تناظروه ولا تخاصموه فإنه ~~من الذين قال الله فيهم: {بل هم قوم خصمون} [الزخرف: 58]. # فتأملوا رحمكم الله كيف كان فهمهم في القرآن. ثم لم يزل هذا الإشكال ~~يعتري أقواما حتى اختلفت عليهم الآيات والأحاديث، وتدافعت على أفهامهم ~~فجعجعوا به قبل إمعان النظر. عشرة أمثلة لمن اختلفت عليهم الآيات والأحاديث ~~فظنوا أن في الشريعة تناقضا أحدها تناقض آية فأقبل بعضهم على بعض مع آية ~~فإذا نفخ في الصور # PageV02P823 # ولنذكر من ذلك عشرة أمثلة: # أحدها: قول من قال: إن قوله تعالى: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} ~~[الصافات: 27] يتناقض مع قوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم ~~يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101]. # والثاني: قول من قال في قوله تعالى: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا ~~جان} [الرحمن: 39] مضاد لقوله: {وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} ~~[العنكبوت: 13] وقوله تعالى: {ولتسألن عما كنتم تعملون} [النحل: 93]. # والثالث: قول من قال في قوله تعالى: {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض ~~في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين} [فصلت: 9] إلى قوله تعالى: ~~{ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين} [فصلت: 11] إن هذا صريح في أن ~~الأرض مخلوقة قبل السماء، ms498 وفي الآية الأخرى: {أأنتم أشد خلقا أم السماء ~~بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها} ~~[النازعات: 27] فصرح بأن الأرض مخلوقة بعد السماء. # PageV02P824 # ومن هذه الأسئلة ما أورده نافع بن الأزرق - أو غيره على ابن عباس - رضي ~~الله عنهما -، فخرج البخاري في المعلقات عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن ~~عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي وهي قوله تعالى: {فلا أنساب بينهم ~~يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101]، {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} ~~[الصافات: 27]، {ولا يكتمون الله حديثا} [النساء: 42]، {والله ربنا ما كنا ~~مشركين} [الأنعام: 23] فقد كتموا في هذه الآية: {أم السماء بناها رفع سمكها ~~فسواها} [النازعات: 27] إلى قوله تعالى: {والأرض بعد ذلك دحاها} [النازعات: ~~30] فذكر خلق السماء قبل الأرض ثم قال: {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين} [فصلت: 9] إلى قوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} [فصلت: 11] إلى ~~قوله {طائعين} [فصلت: 11] فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، وقال: # PageV02P825 # {وكان الله غفورا رحيما - عزيزا حكيما - سميعا بصيرا} [النساء: 96 - 58] ~~فكأنه كان ثم مضى فقال - يعني ابن عباس: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون} [المؤمنون: 101] في النفخة الأولى {ونفخ في الصور فصعق من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} [الزمر: 68] فلا أنساب بينهم عند ~~ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الأخرى أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. # وأما قوله: {ما كنا مشركين - ولا يكتمون الله حديثا} [النساء: 23 - 42] ~~فإن الله عز وجل يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون تعالوا نقول: لم ~~نكن مشركين. فختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرفوا أن الله لا ~~يكتم حديثا، وعنده، {يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض} ~~[النساء: 42]. # وقوله عز وجل: {خلق الأرض في يومين - ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع ~~سماوات} [البقرة: 9 - 29] في يومين آخرين ثم دحا # PageV02P826 # الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى. وخلق الجبال والآكام وما ~~بينهما في يومين آخرين فذلك قوله: دحاها وقوله تعالى: {خلق الأرض في ms499 يومين} ~~[فصلت: 9] فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السموات في ~~يومين. {وكان الله غفورا رحيما} [النساء: 96] سمى نفسه بذلك، وذلك (قوله) ~~أي لم يزل كذلك، فإن الله عز وجل لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد، فلا ~~يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله. # والرابع: قول من قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لما ~~خلق آدم مسح ظهره بيمينه فأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم» قالوا بلى الحديث كما وقع مخالف لقول الله تعالى: {وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا ~~بلى} [الأعراف: 172]! فالحديث أنه أخذهم من ظهر آدم، والكتاب يخبر أنه أخذ ~~من ظهور بني آدم، وهذا إذا تؤمل لا خلاف فيه؛ لأنه يمكن الجمع بينهما، بأن ~~يخرجوا من صلب آدم عليه الصلاة والسلام دفعة واحدة على وجه لو خرجوا على ~~الترتيب كما أخرجوا إلى الدنيا، ولا محال في هذا بأن يتفطر في تلك الآخذة ~~الأبناء عن الأبناء من غير ترتيب زمان، وتكون النسبتان معا # PageV02P827 # صحيحتين في الحقيقة لا على المجاز. # والخامس: قول من قال فيما جاء في الحديث: «أن رجلا قال: يا رسول الله ~~نشدتك الله! إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فقال خصمه - وكان أفقه منه -: ~~صدق اقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي في أن أتكلم، ثم أتى بالحديث. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، ~~أما الوليدة والغنم فرد عليك، وعلى ابنك هذا جلد مائة وتغريب عام، وعلى ~~امرأة هذا الرجم إلى آخر الحديث. هو مخالف لكتاب الله، لأنه قد قال: لأقضين ~~بينكما بكتاب الله حسبما سأله السائل، ثم قضى بالرجم والتغريب»، وليس لهما ~~ذكر في كتاب الله. # الجواب: إن الذي أوجب الإشكال في المسألة اللفظ المشترك في كتاب الله ~~فكما يطلق على القرآن يطلق على ما كتب الله تعالى عنده مما هو حكمه وفرضه ms500 ~~على العباد، كان مسطورا في القرآن أولا، كما قال تعالى: {كتاب الله عليكم} ~~[النساء: 24] أي حكم الله فرضه، وكل ما جاء في القرآن من قوله: {كتاب الله ~~عليكم} [النساء: 24] فمعناه فرضه وحكم به، ولا يلزم أن يوجد هذا الحكم في ~~القرآن. # والسادس: قول من زعم أن قوله تعالى في الإماء: # PageV02P828 # {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] لا ~~يعقل مع ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ورجمت الأئمة ~~بعده، لأنه يقتضي أن الرجم ينتصف وهذا غير معقول، فكيف يكون نصفه على ~~الإماء؟ ذهابا منهم إلى أن المحصنات هن ذوات الأزواج، وليس كذلك، بل ~~المحصنات هنا المراد بهن الحرائر، بدليل قوله أول الآية: {ومن لم يستطع ~~منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات} [النساء: 25] وليس المراد هنا إلا الحرائر، لأن ذوات الأزواج لا ~~تنكح. # والسابع: قولهم: إن الحديث: «جاء بأن المرأة لا تنكح على عمتها، ولا على ~~خالتها، وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» والله تعالى لما ذكر ~~المحرمات لم يذكر من الرضاع إلا الأم والأخت، ومن الجمع إلا الجمع بين ~~الأختين، وقال بعد ذلك: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] فاقتضى أن ~~المرأة تنكح على عمتها وعلى خالتها، وإن كانت رضاعته سوى الأم والأخت ~~حلالا. # وهذه الأشياء من باب تخصيص العموم لا تعارض فيه على حال. # والثامن: قول من قال: إن قوله عليه الصلاة والسلام: «غسل الجمعة واجب على ~~كل محتلم» مخالف. # لقوله: «من توضأ يوم # PageV02P829 # الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل». # والمراد بالوجوب هنا التأكيد خاصة، بحيث لا يكون تركا للفرض، وبه يتفق ~~معنى الحديثين فلا اختلاف. # والتاسع: قولهم جاء في الحديث: # «صلة الرحم تزيد العمر» والله تعالى يقول: {إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون} [يونس: 49] فكيف تزيد صلة الرحم في أجل لا يؤخر ولا ~~يقدم ألبتة. # وأجيب عنه بأجوبة. (منها): أن يكون في علم الله أن هذا الرجل ms501 إن وصل رحمه ~~عاش مائة سنة، وإلا عاش ثمانين سنة، مع أن في علمه أنه يفعل بلا بد، أو أنه ~~لا يفعل أصلا. # وعلى كلا الوجهين إذا جاء أجله لا يستأخر ساعة ولا يستقدم. قاله ابن ~~قتيبة وتبعه عليه القرافي. والعاشر: قال في الحديث: «أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة»، ثم فيه: «كان ~~عليه الصلاة والسلام ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء»، وهذا تدافع # PageV02P830 # والحديثان معا لعائشة - رضي الله عنها -. # والجواب سهل؛ فالحديثان يدلان على أن الأمرين موسع فيهما، لأنه إذا فعل ~~أحد الأمرين وأكثر منه، وفعل الآخر أيضا وأكثر منه على ما تقتضيه " كان ~~يفعل " حصل منهما أنه كان يفعل ويترك، وهذا شأن المستحب فلا تعارض بينهما. # فهذه عشرة أمثلة تبين لك مواقع الإشكال، وإني رتبتها مع ثلج اليقين، فإن ~~الذي عليه كل موقن بالشريعة أنه لا تناقض فيها ولا اختلاف. فمن توهم ذلك ~~فيها فهو لم يمعن النظر ولا أعطى وحي الله حقه. ولذلك قال الله تعالى: ~~{أفلا يتدبرون القرآن} [النساء: 82] فحضهم على التدبر أولا، ثم أعقبه: {ولو ~~كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82] فبين أنه لا ~~اختلاف فيه وأن التدبر يعين على تصديق ما أخبر به. ### | [فصل أن الله جعل للعقول في إدراكها حدا تنتهي إليه لا تتعداه] # النوع الثالث: # أن الله جعل للعقول في إدراكها حدا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها ~~سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب. ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في ~~إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون، إذ لو كان كيف كان يكون، فمعلومات ~~الله لا تتناهى. ومعلومات العبد متناهية. والمتناهي لا يساوي ما لا يتناهى. # PageV02P831 # وقد دخل في هذه الكلية ذوات الأشياء جملة وتفصيلا، وصفاتها وأحوالها ~~وأفعالها وأحكامها جملة وتفصيلا، فالشيء الواحد من جملة الأشياء يعلمه ~~الباري تعالى على التمام والكمال، بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في ~~ذاته ولا ms502 في صفاته ولا في أحواله ولا في أحكامه، بخلاف العبد فإن علمه بذلك ~~الشيء قاصر ناقص، سواء كان في تعقل ذاته أو صفاته أو أحواله أو أحكامه، وهو ~~في الإنسان أمر مشاهد محسوس لا يرتاب فيه عاقل تخرجه التجربة إذا اعتبرها ~~الإنسان في نفسه. # وأيضا: فأنت ترى المعلومات عند العلماء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: # قسم ضروري لا يمكن التشكيك فيه، كعلم الإنسان بوجوده، وعلمه بأن الاثنين ~~أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان. # وقسم لا يعلمه ألبتة، إلا أن يعلم به أو يجعل له طريق إلى العلم به، وذلك ~~كعلم المغيبات عنه، كانت من قبيل ما يعتاد علم العبد به أو لا، كعلمه بما ~~تحت رجليه، إلا أنه مغيب عنه تحت الأرض بمقدار شبر. وعلمه بالبلد القاصي ~~عنه الذي لم يتقدم له به عهد. فضلا عن علمه بما في السماوات وما في البحار ~~وما في الجنة أو النار على التفصيل. فعلمه لما لم يجعل له عليه دليل غير ~~ممكن. # وقسم نظري يمكن العلم به ويمكن أن لا يعلم به - وهي # PageV02P832 # النظريات - وذلك القسم النظري هو الممكنات التي تعلم بواسطة لا بأنفسها. ~~إلا أن يعلم بها إخبارا. # وقد زعم أهل العقول أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة لاختلاف ~~القرائح والأنظار. فإذا وقع الاختلاف فيها لم يكن بد من مخبر بحقيقتها في ~~أنفسها إن احتيج إليها، لأنه لو لم تفتقر إلى الإخبار لم يصح العلم بها لأن ~~المعلومات لا تختلف باختلاف الأنظار لأنها حقائق في أنفسها. فلا يمكن أن ~~يكون كل مجتهد فيها مصيبا - كما هو معلوم في الأصول - وإنما المصيب فيها ~~واحد. وهو لا يتعين إلا بالدليل. # وقد تعارضت الأدلة في نظر الناظر. فنحن نقطع بأن أحد الدليلين دليل ~~حقيقة. والآخر شبهة ولا يعين. فلابد من إخبار بالتعيين. # ولا يقال: إن هذا قول الإمامية: لأنا نقول: بل هو يلزم الجميع، فإن القول ~~بالمعصوم غير النبي صلى الله عليه وسلم يفتقر إلى دليل، لأنه لم ينص عليه ~~الشارع نصا يقطع العذر. ms503 # فالقول بإثباته نظري، فهو مما وقع الخلاف فيه. فكيف يخرج عن الخلاف بأمر ~~فيه خلاف؟ هذا لا يمكن. # فإذا ثبت هذا رجعنا إلى مسألتنا فنقول: الأحكام الشرعية من حيث تقع على ~~أفعال المكلفين من قبيل الضروريات في الجملة. وإن اختلفوا في بعض التفاصيل ~~فلنتحاشها. # ونرجع إلى ما بقي من الأقسام فإنهم قد أقروا في الجملة - أعني القائلين ~~بالتشريع العقلي - أن منه نظريا، ومنه ما لا يعلم بضرورة ولا نظر، وهما ~~القسمان الباقيان مما لا يعلم له أصل إلا من جهة الإخبار، فلابد فيه # PageV02P833 # من الإخبار لأن العقل غير مستقل فيه، وهذا إذا راعينا قولهم وساعدناهم ~~عليه، فإنا إن لم نلتزم ذلك على مذاهب أهل السنة فعندنا أن لا نحكم العقل ~~أصلا، فضلا عن أن يكون له قسم لا حكم له، وعندهم أنه لابد من حكم، فلأجل ~~ذلك نقول: لابد من الافتقار إلى الخبر، وحينئذ يكون العقل غير مستقل ~~بالتفريع. فإن قالوا: بل هو مستقل، لأن ما لم يقض فيه فإما أن يقولوا فيه ~~بالوقف - كما هو مذهب بعضهم - أو بأنه على الحظر أو الإباحة - كما ذهب إليه ~~آخرون. # فإن قالوا: بالثاني فهو مستقل، وإن قالوا بالأول فكذلك أيضا، لأنه قد ثبت ~~استقلاله بالبعض فافتقاره في بعض الأشياء لا يدل على افتقاره مطلقا. قلنا: ~~بل هو مفتقر على الإطلاق، لأن القائلين بالوقف اعترفوا بعدم استقلاله في ~~البعض، وإذا ثبت الافتقار في صورة، ثبت مطلقا، إذ ما وقف فيه العقل قد ثبت ~~فيه ذلك، وما لم يقف فيه فإنه نظري: فيرجع إلى ما تقدم في النظر، وقد مر ~~أنه لابد من حكم ولا يمكن إلا من جهة الإخبار. # وأما القائلون بعدم الوقف فراجعة أقوالهم أيضا إليه أن المسألة نظرية ~~فلابد من الإخبار، وذلك معنى كون العقل لا يستقل بإدراك الأحكام حتى يأتي ~~المصدق للعقل أو المكذب له. # فإن قالوا: فقد ثبت قسم ضروري فيثبت الاستقلال. قلنا: إن ساعدناكم على ~~ذلك فلا يضرنا في دعوى الافتقار، لأن الأخبار قد تأتي بما يدركه الإنسان ms504 ~~بعقله تنبيها لغافل أو إرشادا لقاصر، # PageV02P834 # أو إيقاظا لمغمور بالعوائد يغفل عن كونه ضروريا، فهو إذا محتاج إليه، ~~ولابد للعقل من التنبيه من خارج. وهي فائدة بعث الرسل، فإنكم تقولون: إن ~~حسن الصدق النافع والإيمان، وقبح الكذب أيضا والكفران، معلوم ضرورة، وقد ~~جاء الشرع بمدح هذا وذم ذلك. وأمر بهذا ونهى عن ذلك. # فلو كان العقل غير مفتقر إلى التنبيه لزم المحال وهو الإخبار بما لا ~~فائدة فيه، لكنه أتى بذلك فدلنا على أنه نبه على أمر يفتقر العقل إلى ~~التنبيه عليه. هذا وجه. # ووجه آخر: وهو أن العقل لما ثبت أنه قاصر الإدراك في علمه، فما ادعى علمه ~~لم يخرج عن تلك الأحكام الشرعية التي زعم أنه أدركها، لإمكان أن يدركها من ~~وجه دون وجه، وعلى حال دون حال، والبرهان على ذلك أحوال أهل الفترات، فإنهم ~~وضعوا أحكاما على العباد بمقتضى السياسات لا تجد فيها أصلا منتظما وقاعدة ~~مطردة على الشرع بعد ما جاء، بل استحسنوا أمورا تجد العقول بعد تنويرها ~~بالشرع تنكرها، وترميها بالجهل والضلال والبهتان والحمق، مع الاعتراف بأنهم ~~أدركوا بعقولهم أشياء قد وافقت وجاء الشرع بإقرارها وتصحيحها، ومع أنهم ~~كانوا أهل عقول باهرة وأنظار صافية وتدبيرات لدنياهم غامضة، لكنها بالنسبة ~~إلى ما يصيبوا فيه قليلة، فلأجل هذا كله وقع الإعذار والإنذار، وبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولله ~~الحجة البالغة، والنعمة السابغة. # فالإنسان وإن زعم في الأمر أنه أدركه وقتله علما - لا يأتي عليه الزمان ~~إلا وقد عقل فيه ما لم يكن عقل، وأدرك من علمه ما لم يكن أدرك # PageV02P835 # قبل ذلك، كل أحد يشاهد ذلك من نفسه عيانا، ولا يختص ذلك عنده بمعلوم دون ~~معلوم، ولا بذات دون ذات ولا بصفة دون صفة، ولا فعل دون حكم فكيف يصح دعوى ~~الاستقلال في الأحكام الشرعية، وهي نوع من أنواع ما يتعلق به علم العبد لا ~~سبيل له إلى دعوى الاستقلال ألبتة حتى يستظهر في مسألته بالشرع - إن كانت ~~شرعية ms505 - لأن أوصاف الشارع لا تختلف فيها ألبتة، ولا قصور ولا نقص، بل ~~مبادئها موضوعة على وفق الغايات، وهي من الحكمة. # ووجه ثالث: وهو أن ما ندعي علمه في الحياة ينقسم - كما تقدم - إلى ~~البديهي الضروري وغيره، إلا من طريق ضروري إما بواسطة أو بغير واسطة، إذ قد ~~اعترف الجميع أن العلوم المكتسبة لابد في تحصيلها من توسيط مقدمتين معترف ~~بهما، فإن كانتا ضروريتين فذاك، وإن كانت مكتسبتين فلابد في اكتساب كل ~~واحدة منهما من مقدمتين، وينظر فيهما كما تقدم، وكذلك إن كانت واحدة ضرورية ~~وأخرى مكتسبة فلابد للمكتسبة من مقدمتين، فإن انتهينا إلى ضروريتين فهو ~~المطلوب، وإلا لزم التسلسل أو الدور، وكلاهما محال، فإذا لا يمكن أن نعرف ~~غير الضروري إلا بالضروري. # وحاصل الأمر أنه لابد من معرفتها بمقدمتين، حصلت لنا كل واحدة منهما مما ~~عقلناه وعلمناه من مشاهد باطنة، كالألم واللذة أو بديهي للعقل كعلمنا ~~بوجودنا وبأن الاثنين أكثر من الواحد، وبأن الضدين لا يمكن اجتماعهما وما ~~أشبه ذلك مما هو لنا معتاد في هذه الدار، فإنا لم يتقدم لنا علم إلا بما هو ~~معتاد في هذا الدار، وأما ما ليس بمعتاد فقبل # PageV02P836 # النبوات لم يتقدم لنا به معرفة، فلو بقينا على ذلك لم نحل ما لم نعرف إلا ~~على ما عرفنا، وأنكرنا من ادعى جواز قلب الشجر حيوانا والحيوان حجرا، وما ~~أشبه ذلك، لأن الذي نعرفه من المعتادات المتقدمة خلاف هذه الدعوى. # فلما جاءت النبوات بخوارق العادات أنكرها من أصر على الأمور العادية ~~واعتقدها سحرا أو غير ذلك، كقلب العصا ثعبانا، وفرق البحر، وإحياء الموتى، ~~وإبراء الأكمه والأبرص، ونبع الماء من بين أصابع اليد، وتكليم الحجر ~~والشجر، وانشقاق القمر، إلى غير ذلك مما تبين به أن تلك العوائد اللازمة في ~~العادات ليست بعقلية بحيث لا يمكن تخلفها، بل يمكن أن تتخلف، كما يجوز على ~~كل مخلوق أن يصير من الوجود إلى العدم، كما خرج من العدم إلى الوجود. # فمجاري العادات إذا يمكن عقلا تخلفها. إذ لو كان عدم ms506 التخلف لها عقليا لم ~~يمكن أن تتخلف لا لنبي ولا لغيره، ولذلك لم يدع أحد من الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام الجمع بين النقيضين، ولا تحدى أحدا بكون الاثنين أكثر من ~~الواحد، مع أن الجميع فعل الله تعالى. وهو متفق عليه بين أهل الإسلام. وإذا ~~أمكن في العصا والبحر والأكمه والأبرص والأصابع والشجر وغير ذلك، أمكن في ~~جميع الممكنات، لأن ما وجب للشيء وجب لمثله. # وأيضا، فقد جاءنا الشرع بأوصاف من أهل الجنة وأهل النار خارجة عن المعتاد ~~الذي عندنا، # PageV02P837 # فإن كون الإنسان في الجنة يأكل ويشرب ثم لا يغوط ولا يبول غير معتاد، ~~وكون عرقه كرائحة المسك غير معتاد، وكون الأزواج مطهرة من الحيض مع كونهن ~~في حالة الصبا وسن من يحيض غير معتاد، وكون الإنسان فيها لا ينام ولا يصيبه ~~جوع ولا عطش وإن فرض أنه لا يأكل ولا يشرب أبد الدهر غير معتاد، وكون الثمر ~~فيها إذا قطف أخلف في الحال ويتدانى إلى يد القاطف إذا اشتهاه غير معتاد، ~~وكون اللبن والخمر والعسل فيها أنهارا من غير حلاب ولا عصر ولا نحل، وكون ~~الخمر لا تسكر غير معتاد، وكون ذلك كله بحيث لو استعمله الإنسان دائما لا ~~يمتلئ ولا يصيبه كظة ولا تخمة ولا يخرج من جسده لا من أذنه ولا أنفه ولا ~~أرفاغه ولا سائر جسده أوساخ ولا أقذار غير معتاد، وكون أحد من أهل الجنة لا ~~يهرم ولا يشيخ ولا يموت ولا يمرض غير معتاد. # وكذلك إذا نظرت أهل النار - عياذا بالله - وجدت من ذلك كثيرا، ككون النار ~~لا تأتي عليه حتى يموت، كما قال تعالى: {لا يموت فيها ولا يحيا} [طه: 74] ~~وسائر أنواع الأحوال التي هم عليها، كلها خارق للعادة. # فهذان نوعان شاهدان لتلك العوائد وأشباهها بأنها ليست بعقلية، وإنما هي ~~وضعية يمكن تخلفها. وإنما لم نحتج بالكرامات لأن أكثر المعتزلة ينكرونها ~~رأسا وقد أقر بها بعضهم. وإن ملنا إلى التعريف فلو اعتبر الناظر في هذا ~~العالم لوجد لذلك نظائر جارية على غير معتاد. # واسمع ms507 في ذلك أثرا غريبا حكاه ابن وهب من طريق إبراهيم بن نشيط: # قال: سمعت شعيب بن أبي سعيد يحدث: أن راهبا كان بالشام # PageV02P838 # من علمائهم وكان ينزل مرة في السنة فتجتمع إليه الرهبان ليعلمهم ما أشكل ~~عليهم من دينهم فأتاه خالد بن يزيد بن معاوية فيمن جاءه. فقال له الراهب: ~~أمن علمائهم أنت؟ قال خالد: إن فيهم لمن هو أعلم مني. قال الراهب: أليس ~~تقولون: إنكم تأكلون في الجنة وتشربون ثم لا يخرج منكم أذى؟ قال خالد: بلى! ~~قال الراهب: أفلهذا مثل تعرفونه في الدنيا؟ قال: نعم! الصبي يأكل في بطن ~~أمه من طعامها. ويشرب من شرابها ثم لا يخرج منه أذى. قال الراهب لخالد: ~~أليس تقول إنك لست من علمائهم؟ قال خالد: إن فيهم لمن هو أعلم مني: قال: ~~أفليس تقولون: إن في الجنة فواكه تأكلون منها لا ينقص منها شيء؟ قال خالد: ~~بلى! أفلهذا مثل في الدنيا تعرفونه؟ قال خالد: نعم! الكتاب يكتب منه كل شيء ~~أحد ثم لا ينقص منه شيء، قال الراهب: أليس تقول: إنك لست من علمائهم؟ قال ~~خالد: إن فيهم لمن هو أعلم مني. قال خالد: فتمعر وجهه ثم قال: إن هذا من ~~أمة بسط لها في الحسنات ما لم يبسط لأحد. انتهى المقصود من الخبر. # وهو ينبه على أن ذلك الأصل الذي يظهر من أول الأمر أنه غير معتاد له أصل ~~في المعتاد، وهو تنزل للمنكر غير لازم، ولكنه مقرب لفهم من قصر فهمه عن ~~إدراك الحقائق الواضحات. # فعلى هذا يصح قضاء العقل في عادي بانخراقه، مع أن كون العادي عاديا مطردا ~~غير صحيح أيضا، فكل عادي يفرض العقل فيه خرق العادة فليس للعقل فيه إنكار، ~~إذ قد ثبت في بعض الأنواع التي اختص الباري باختراعها، والعقل لا يفرق بين ~~خلق وخلق، فلا يمكن إلا الحكم بذلك الإمكان على كل مخلوق، ولذلك قال بعض ~~المحققين من أهل # PageV02P839 # الاعتبار: سبحان من ربط الأسباب بمسبباتها وخرق العوائد ليتفطن العارفون ~~تنبيها على هذا المعنى المقرر. # فهو ms508 أصل اقتضى للعاقل أمرين: # أحدهما: أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو ~~الشرع، بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه التقديم - وهو الشرع - ويؤخر ما حقه ~~التأخير - وهو نظر العقل - لأنه لا يصح تقديم الناقص حاكما على الكامل، ~~لأنه خلاف المعقول والمنقول، بل ضد القضية هو الموافق للأدلة فلا معدل عنه، ~~ولذلك قال: اجعل الشرع في يمينك والعقل في يسارك، تنبيها على تقدم الشرع ~~على العقل. # والثاني: أنه إذا وجد في الشرع أخبارا تقتضي ظاهرا خرق العادة الجارية ~~المعتادة، فلا ينبغي له أن يقدم بين يديه الإنكار بإطلاق، بل له سعة في أحد ~~أمرين: إما أن يصدق به على حسب ما جاء ويكل علمه إلى عالمه. وهو ظاهر قوله ~~تعالى: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] ~~يعني الواضح المحكم، والمتشابه المجمل، إذ لا يلزمه العلم به، ولو لزم ~~العلم به لجعل له طريق إلى معرفته، وإلا كان تكليفا بما لا يطاق. وإما أن ~~يتأوله على ما يمكن حمله عليه مع الإقرار بمقتضى الظاهر، لأن إنكاره إنكار ~~لخرق العادة فيه. # PageV02P840 # وعلى هذا السبيل يجري حكم الصفات التي وصف الباري بها نفسه، لأن من نفاها ~~نفى شبه صفات المخلوقين، وهذا منفي عند الجمهور، فبقي الخلاف في نفي عين ~~الصفة أو إثباتها، فالمثبت أثبتها على شرط نفي التشبيه، والمنكر لأن يكون ~~ثم صفة غير شبيهة بصفات المخلوقين منكر لأن يثبت أمر إلا على وفق المعتاد. # فإن قالوا: هذا لازم فيما تنكره العقول بديهة، كقوله: # «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، فإن الجميع أنكروا ~~ظاهره، إذ العقل والحس يشهدان بأنها غير مرفوعة، وأنت تقول: اعتقدوا أنها ~~مرفوعة، وتأولوا الكلام. # قيل: لم نعن ما هو منكر ببداهة العقول، وإنما عنينا ما للنظر فيه شك ~~وارتياب، كما نقول: إن الصراط ثابت، والجواز عليه قد أخبر الشارع به، فنحن ~~نصدق به لأنه إن كان كحد السيف وشبهه لا يمكن استقرار الإنسان فوقه عادة ~~فكيف ms509 يمشي عليه؟ فالعادة قد تخرق حتى يمكن المشي والاستقرار، والذين ~~ينكرونه يقفون مع العوائد وينكرون أصل الصراط ولا يلتفتون إلى إمكان انخراق ~~العوائد، فإن فرقوا صار ذلك تحكما. لأنه ترجيح في أحد المثلين دون الآخر من ~~غير مرجح عقلي، وقد صادفهم النقل، فالحق الإقرار دون الإنكار. # ولنشرح هذا المطلب بأمثلة عشرة: (أحدها) مسألة الصراط وقد تقدمت # PageV02P841 # والثاني: مسألة الميزان، إذ يمكن إثباته ميزانا صحيحا على ما يليق بالدار ~~الآخرة، وتوزن فيه الأعمال على وجه غير عادي، نعم يقر العقل بأن أنفس ~~الأعراض - وهي الأعمال - لا توزن وزن الموزونات عندنا في العادات - وهي ~~الأجسام، ولم يأت في النقل ما يعين أنه كميزاننا من كل وجه، أو أنه عبارة ~~عن الثقل أو أنفس الأعمال توزن بعينها. فالأخلق الحمل إما على التسليم، ~~وهذه طريقة الصحابة - رضي الله عنهم -، إذ لم يثبت عنهم إلا مجرد التصديق ~~من غير بحث عن نفس الميزان أو كيفية الوزن. كما أنه لم يثبت عنهم في الصراط ~~إلا ما ثبت عنهم في الميزان. فعليك به فهو مذهب الصحابة - رضي الله عنهم -. # فإن قيل: فالتأويل إذا خارج عن طريقتهم، فأصحاب التأويل على هذا من الفرق ~~الخارجة. # قيل: لا لأن الأصل في ذلك التصديق بما جاء: التسليم محضا، أو مع التأويل ~~نظر لا يبعد: إذ قد يحتاج إليه في بعض المواضع، بخلاف من جعل أصله في تلك ~~الأمور التكذيب بها؛ فإنه مخالف لهم. سلك في الأحاديث مسلك التأويل أولا، ~~فالتأويل أو عدمه لا أثر له؛ لأنه تابع على كلتا الطريقتين، لأن التسليم ~~أسلم. # والثالث: مسألة عذاب القبر، وهي أسهل. ولا بعد ولا نكير في كون الميت ~~يعذب برد الروح إليه عارية. ثم تعذيبه على وجه لا يقدر البشر # PageV02P842 # على رؤيته كذلك ولا سماعه، فنحن نرى الميت يعالج سكرات الموت ويخبر بآلام ~~لا مزيد عليها. ولا نرى عليه من ذلك أثرا. وكذلك أهل الأمراض المؤلمة، ~~وأشباه ذلك مما نحن فيه مثلها. فلماذا يجعل استبعاد العقل صادا في وجه ~~التصديق بأقوال رسول الله ms510 صلى الله عليه وسلم؟ # والرابع: مسألة سؤال الملكين للميت وإقعاده في قبره، فإنه إنما يشكل إذا ~~حكمنا المعتاد في الدنيا. وقد تقدم أن تحكيمه بإطلاق غير صحيح لقصوره، ~~وإمكان خرق العوائد، إما بفتح القبر حتى يمكن إقعاده، أو بغير ذلك من ~~الأمور التي لا تحيط بمعرفتها العقول. # والخامس: مسألة تطاير الصحف وقراءة من لم يقرأ قط، وقراءته إياه وهو خلف ~~ظهره، كل ذلك يمكن فيه خرق العوائد، فيتصوره العقل على وجه منها. # والسادس: مسألة إنطاق الجوارح شاهدة على صاحبها لا فرق بينها وبين ~~الأحجار والأشجار التي شهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة. # والسابع: رؤية الله في الآخرة جائزة، إذ لا دليل في العقل يدل على أنه لا ~~رؤية إلا على الوجه المعتاد عندنا، إذ يمكن أن تصح الرؤية على أوجه صحيحة ~~ليس فيها اتصال أشعة ولا مقابلة ولا تصور جهة ولا فضل جسم شفاف ولا غير ~~ذلك، والعقل لا يجزم بامتناع ذلك بديهة، وهو إلى القصور في النظر أميل، ~~والشرع قد جاء بإثباتها فلا معدل عن التصديق. # والثامن: كلام الباري تعالى إنما نفاه من نفاه وقوفا مع الكلام # PageV02P843 # الملازم للصوت والحرف، وهو في حق الباري محال، ولم يقف مع إمكان أن يكون ~~كلامه تعالى خارجا عن مشابهة المعتاد على وجه صحيح لائق بالرب، إذ لا ينحصر ~~الكلام فيه عقلا، ولا يجزم العقل بأن الكلام إذا كان على غير الوجه المعتاد ~~محال، فكان من حقه الوقوف مع ظاهر الأخبار مجردا. # والتاسع: إثبات الصفات كالكلام، إنما نفاه من نفاه للزوم التركيب عنده في ~~ذات الباري تعالى - على القول بإثباتها - فلا يمكن أن يكون واحدا مع ~~إثباتها. وهذا قطع من العقل الذي ثبت قصور إدراكه في المخلوقات، فكيف لا ~~يثبت قصوره في إدراكه إذا دعي من التركيب بالنسبة إلى صفات الباري؟ فكان من ~~الصواب في حقه أن يثبت من الصفات ما أثبته الله لنفسه، ويقر مع ذلك ~~بالوحدانية له على الإطلاق والعموم. # والعاشر: تحكيم العقل على الله تعالى، بحيث يقول: يجب ms511 عليه بعثة الرسل، ~~ويجب عليه الصلاح والأصلح، ويجب عليه اللطف، ويجب عليه كذا - إلى آخر ما ~~ينطق به في تلك الأشياء - وهذا إنما نشأ من ذلك الأصل المتقدم، وهو ~~الاعتياد في الإيجاب على العباد. ومن أجل الباري وعظمه لم يجترئ على إطلاق ~~هذه العبارة، ولا ألم بمعناها في حقه، لأن ذلك المعتاد إنما حسن في المخلوق ~~من حيث هو عبد محصور ممنوع، والله تعالى ما يمنعه شيء، ولا يعارض أحكامه ~~حكم، فالواجب الوقوف مع قوله: {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم ~~أجمعين} [الأنعام: 149] # PageV02P844 # وقوله تعالى: {يفعل ما يشاء} [آل عمران: 40] وقوله تعالى: {إن الله يحكم ~~ما يريد - والله يحكم لا معقب لحكمه - ذو العرش المجيد فعال لما يريد} ~~[البروج: 1 - 15]. # فالحاصل من هذه القصة أنه لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع، فإنه ~~من التقدم بين يدي الله ورسوله، بل يكون ملبيا من وراء وراء. # ثم نقول: إن هذا هو المذهب للصحابة - رضي الله عنهم - وعليه دأبوا، وإياه ~~اتخذوا طريقا إلى الجنة فوصلوا. ودل على ذلك من سيرهم أشياء: # منها: أنه لم ينكر أحد منهم ما جاء من ذلك، بل أقروا وأذعنوا لكلام الله ~~وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يصادموه ولا عارضوه بإشكال. ولو كان ~~شيء من ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر سيرهم وما جرى بينهم من القضايا ~~والمناظرات في الأحكام الشرعية، فلما لم ينقل إلينا شيء من ذلك، دل على ~~أنهم آمنوا به وأقروه، كما جاء من غير بحث ولا نظر. # كان مالك بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه ~~وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر، وكل ما أشبه ذلك. # PageV02P845 # ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل. فأما الكلام في الدين وفي الله عز وجل ~~فالسكوت أحب إلي، لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما ~~تحته عمل. # قال ابن عبد البر: قد بين مالك رحمه الله أن الكلام فيما تحته عمل هو ms512 ~~مباح عنده وعند أهل بلده - يعني العلماء منهم، وأخبر أن الكلام في الدين ~~نحو القول في صفات الله وأسمائه، وضرب مثلا نحو رأي جهم والقدر - قال - ~~والذي قاله مالك عليه جماعة الفقهاء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى، ~~وإنما خالف في ذلك أهل البدع - وأما الجماعة فعلى ما قال مالك رحمه الله. ~~إلا أن يضطر أحد إلى الكلام، فلا يسعه السكوت إذا طمع في درء الباطل وصرف ~~صاحبه عن مذهبه، وخشي ضلالة عامة، أو نحو هذا. # وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يوم ناظره حفص الفرد قال لي: يا ~~أبا موسى! لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء ~~من الكلام، لقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه. # وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر في ~~المسائل إلا وفي قلبه دغل. # (وقال) عن الحسن بن زياد اللؤلئي - وقال له رجل في زفر بن # PageV02P846 # الهذيل - أكان ينظر في الكلام؟ فقال: سبحان الله ما أحمقك! ما أدركت ~~مشيختنا زفر وأبا يوسف وأبا حنيفة ومن جالسنا وأخذنا عنهم - همهم غير الفقه ~~والاقتداء بمن تقدمهم. # وقال ابن عبد البر: أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار أن أهل ~~الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في الأمصار في جميع طبقات ~~العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالاتفاق ~~والميز والفهم. # وعن أبي الزناد أنه قال: وايم الله إن كنا لنلتقط السنن من أهل الفقه ~~والثقة، ونتعلمها شبيها بتعلمنا آي القرآن، وما برح من أدركنا من أهل الفقه ~~والفضل من خيار أولية الناس، يعيبون أهل الجدل والتنقيب والأخذ بالرأي ~~وينهون عن لقائهم ومجالستهم، ويحذروننا مقاربتهم أشد التحذير، ويخبرون أنهم ~~أهل ضلال وتحريف لتأويل كتاب الله وسنن رسوله، وما توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى كره المسائل وناحية التنقيب والبحث وزجر عن ذلك، وحذره ~~المسلمين في غير موطن حتى كان من قوله كراهية لذلك: «ذروني ms513 ما تركتكم فإنما ~~هلك الذين من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء ~~فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم». # وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: اتقوا الله في دينكم. قال ~~سحنون: يعني الانتهاء عن الجدل فيه، # PageV02P847 # وخرج ابن وهب عن عمر أيضا: إن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن ~~يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم ~~فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم. قال أبو بكر بن أبي داود: أهل الرأي ~~هم أهل البدع. وهو القائل في قصيدته في السنة: # ودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح # وعن الحسن قال: إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل، وحادوا عن ~~الطريق، فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا وأضلوا. # وعن مسروق قال: من رغب برأيه عن أمر الله يضل. وعن هشام بن عروة عن أبيه ~~أنه كان يقول: السنن السنن، إن السنن قوام الدين، وعن هشام بن عروة قال: إن ~~بني إسرائيل لم يزل أمرهم معتدلا حتى نشأ فيهم مولدون أبناء سبايا الأمم، ~~فأخذوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا. # فهذه الآثار وأشباهها تشير إلى ذم إيثار نظر العقل على آثار النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد بالرأي المذموم في هذه الأخبار ~~البدع المحدثة في الاعتقاد. كرأي جهم وغيره من أهل الكلام. لأنهم قوم ~~استعملوا قياسهم وآراءهم في رد الأحاديث. فقالوا: لا يجوز أن # PageV02P848 # يرى الله في الآخرة لأنه تعالى يقول: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ~~وهو اللطيف} [الأنعام: 103] الآية. # فردوا قوله عليه الصلاة والسلام: «إنكم ترون ربكم يوم القيامة» وتأولوا ~~قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22] وقالوا: ~~لا يجوز أن يسأل الميت في قبره. لقول الله تعالى: {أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين} [غافر: 11] فردوا الأحاديث المتواترة في عذاب القبر وفتنته، وردوا ~~الأحاديث في الشفاعة على تواترها، وقالوا: لن يخرج من النار من دخل فيها: ~~وقالوا: لا نعرف حوضا ms514 ولا ميزانا، ولا نعقل ما هذا. وردوا السنن في ذلك كله ~~- برأيهم وقياسهم - إلى أشياء يطول ذكرها من كلامهم في صفة الباري، وقالوا: ~~العلم محدث في حال حدوث المعلوم لأنه لا يقع علم إلا على معلوم، فرارا من ~~قدم العالم - في زعمهم -. # وقال جماعة: الرأي المذموم المراد به الرأي المبتدع وشبهه من ضروب البدع. ~~وهذا القول أعم من الأول، لأن الأول خاص بالاعتقاد، وهذا عام في العمليات ~~وغيرها. # وقال آخرون - قال ابن عبد البر: وهم الجمهور - إن المراد به # PageV02P849 # القول في الشرع بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات، ورد الفروع ~~بعضها إلى بعض دون ردها إلى أصولها، فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنزل، ~~قالوا: وفي الاشتغال بهذا تعطيل السنن والتذرع إلى جهلها. # وهذا القول غير خارج عما تقدم. وإنما الفرق بينهما أن هذا منهي عنه ~~للذريعة إلى الرأي المذموم. وهو معارضة المنصوص. لأنه إذا لم يبحث عن السنن ~~جهلها فاحتاج إلى الرأي. فلحق بالأولين الذين عارضوا السنن حقيقة. فجميع ~~ذلك راجع إلى معنى واحد. وهو إعمال النظر العقلي مع طرح السنن. إما قصدا أو ~~غلطا وجهلا، والرأي إذا عارض السنة فهو بدعة وضلالة. # فالحاصل من مجموع ما تقدم أن الصحابة ومن بعدهم لم يعارضوا ما جاء في ~~السنن بآرائهم، علموا معناه أو جهلوه، جرى لهم على معهودهم أو لا، وهو ~~المطلوب من نقله، وليعتبر فيه من قدم الناقص - وهو العقل - على الكامل - ~~وهو الشرع - ورحم الله الربيع بن خثيم حيث يقول: يا عبد الله! ما علمك الله ~~في كتابه من علم فاحمد الله، وما استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه، لا ~~تتكلف، فإن الله يقول لنبيه: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من ~~المتكلفين} [ص: 86]. # وعن معمر بن سليمان، عن جعفر، عن رجل من علماء أهل المدينة، # PageV02P850 # قال: إن الله علم علما علمه العباد، وعلم علما لم يعلمه العباد، فمن تكلف ~~العلم الذي لم يعلمه العباد لم يزدد منه إلا بعدا. قال: والقدر منه. # وقال الأوزاعي: كان ms515 مكحول والزهري يقولان: أمروا هذه الأحاديث كما جاءت ~~ولا تتناظروا فيها: ومثله عن مالك، والأوزاعي، وسفيان بن سعيد، وسفيان بن ~~عيينة، ومعمر بن راشد، في الأحاديث في الصفات أنهم أمروها كما جاءت. . . . ~~نحو حديث النزول، وخلق آدم على صورته، وشبههما، وحديث مالك في السؤال عن ~~الاستواء مشهور. # وجميع ما قالوه مستمد من معنى قول الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} [آل عمران: 7] الآية. ثم قال: ~~{والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] فإنها ~~صريحة في هذا الذي قررناه، فإن كل ما لم يجر على المعتاد في الفهم متشابه، ~~فالوقوف عنه هو الأحرى بما كان عليه الصحابة المتبعون لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، إذ لو كان من شأنهم اتباع الرأي لم يذموه ولم ينهوا عنه، لأن ~~أحدا لا يرتضي طريقا ثم ينهى عن سلوكه. كيف وهم قدوة الأمة باتفاق ~~المسلمين!. # PageV02P851 # وروي أن الحسن كان في مجلس فذكر فيه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم ~~الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فإنهم - ~~ورب الكعبة - على الهدى المستقيم. # وعن حذيفة أنه كان يقول: اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان ~~قبلكم، فلعمري لئن اتبعتموه لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن تركتموه يمينا أو ~~شمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا. # وعن ابن مسعود: من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، ~~وأقومها هديا، وأحسنها خلالا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا ~~على الهدى المستقيم. # والآثار في هذا المعنى كثيرة جميعها يدل على الاقتداء بهم والاتباع ~~لطريقهم على كل حال، وهو طريق النجاة حسبما نبه عليه حديث الفرق في قوله: ~~«ما أنا عليه وأصحابي». ### | [فصل اتباع الهوى] # النوع الرابع: ms516 # إن الشريعة موضوعة لإخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدا لله. وهذا ~~أصل قد تقرر في قسم المقاصد من كتاب الموافقات. لكن على وجه كلي يليق ~~بالأصول. فمن أراد الإطلاع عليه فليطالعه من هنالك. # PageV02P852 # ولما كانت طرق الحق متشعبة لم يمكن أن يؤتى عليها بالاستيفاء. فلنذكر ~~منها شعبة واحدة تكون كالطريق لمعرفة ما سواها. # فاعلموا أن الله تعالى وضع هذه الشريعة حجة على الخلق كبيرهم وصغيرهم ~~مطيعهم وعاصيهم. برهم وفاجرهم. لم يختص بها أحدا دون أحد، وكذلك سائر ~~الشرائع إنما وضعت لتكون حجة على جميع الأمم التي تنزل فيهم تلك الشريعة. ~~حتى إن المرسلين بها صلوات الله عليهم داخلون تحت أحكامها. # فأنت ترى أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم مخاطب بها في جميع أحواله ~~وتقلباته. مما اختص به دون أمته. أو كان عاما له ولأمته كقوله تعالى: ~~{ياأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك} ~~[الأحزاب: 50] إلى قوله تعالى: {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] ~~إلى قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} ~~[الأحزاب: 52] وقوله تعالى: {ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي ~~مرضاة أزواجك والله غفور رحيم} [التحريم: 1] وقوله تعالى: {ياأيها النبي ~~إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] إلى سائر التكاليف التي وردت ~~على كل مكلف والنبي فيهم. فالشريعة هي الحاكمة على الإطلاق والعموم عليه ~~وعلى جميع # PageV02P853 # المكلفين. وهي الطريق الموصل والهادي الأعظم. # ألا ترى إلى قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ~~ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} ~~[الشورى: 52] فهو عليه الصلاة والسلام أول من هداه الله بالكتاب والإيمان. ~~ثم من اتبعه فيه. والكتاب هو الهادي. والوحي المنزل عليه مرشد ومبين لذلك ~~الهدي، والخلق مهتدون بالجميع. # ولما استنار قلبه وجوارحه - عليه الصلاة والسلام - وباطنه وظاهره بنور ~~الحق علما وعملا، صار هو الهادي الأول لهذه الأمة والمرشد الأعظم، حيث خصه ~~الله دون الخلق ms517 بإنزال ذلك النور عليه، واصطفاه من جملة من كان مثله في ~~الخلقة البشرية اصطفاء أوليا، لا من جهة كونه بشرا عاقلا - مثلا - لاشتراكه ~~مع غيره في هذه الأوصاف، ولا لكونه من قريش - مثلا - دون غيرهم، وإلا لزم ~~ذلك في كل قرشي، ولا لكونه من بني عبد المطلب، ولا لكونه عربيا، ولا لغير ~~ذلك، بل من جهة اختصاصه بالوحي الذي استنار به قلبه وجوارحه فصار خلقه ~~القرآن، حتى نزل فيه: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: 4] وإنما «كان خلقه ~~القرآن» لأنه حكم الوحي على نفسه. حتى صار في علمه وعمله على وفقه. فكان ~~الوحي حاكما وافقا قائلا، وكان هو عليه الصلاة والسلام مذعنا ملبيا نداءه ~~واقفا عند حكمه، وهذه الخاصية كانت من أعظم الأدلة على صدقه فيما جاء به. ~~إذ قد جاء بالأمر وهو مؤتمر. وبالنهي وهو منته. وبالوعظ وهو متعظ # PageV02P854 # وبالتخويف وهو أول الخائفين. وبالترجية وهو سائق دابة الراجين. # وحقيقة ذلك كله جعله الشريعة المنزلة عليه حجة حاكمة عليه ودلالة له على ~~الصراط المستقيم الذي سار عليه السلام. ولذلك صار عبد الله حقا. وهو أشرف ~~اسم تسمى به العباد. فقال الله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا - تبارك ~~الذي نزل الفرقان على عبده - وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} ~~[البقرة: 1 - 23] وما أشبه ذلك من الآيات التي وقع مدحه فيها بصحة عبوديته. # وإذا كان كذلك فسائر الخلق حريون بأن تكون الشريعة حجة حاكمة عليهم ~~ومنارا يهتدون بها إلى الحق، وشرفهم إنما يثبت بحسب ما اتصفوا به من الدخول ~~تحت أحكامها والعمل بها قولا واعتقادا وعملا، لا بحسب عقولهم فقط، ولا بحسب ~~شرفهم في قومهم فقط، لأن الله تعالى إنما أثبت الشرف لا غيره لقوله تعالى: ~~{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] فمن كان أشد محافظة على اتباع ~~الشريعة فهو أولى بالشرف والكرم، ومن كان دون ذلك لم يمكن أن يبلغ في الشرف ~~مبلغ الأعلى في اتباعها، فالشرف إذا إنما هو بحسب المبالغة في تحكيم ~~الشريعة. تفضيل علوم الشريعة على ms518 سائر العلوم # ثم نقول بعد هذا: إن الله سبحانه شرف أهل العلم ورفع # PageV02P855 # أقدارهم، وعظم مقدارهم، ودل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، بل قد اتفق ~~العقلاء على فضيلة العلم وأهله، وأنهم المستحقون شرف المنازل، وهو مما لا ~~ينازع فيه عاقل. # واتفق أهل الشرائع على أن علوم الشريعة أفضل العلوم وأعظمها أجرا عند ~~الله يوم القيامة، ولا علينا أسامحنا بعض الفرق في تعيين العلوم - أعني ~~العلوم التي نبه الشارع على مزيتها وفضيلتها - أم لم نسامحهم، بعد الاتفاق ~~على الأفضلية، وإثبات الحرية؟. # وأيضا، فإن علوم الشريعة منها ما يجري مجرى الوسائل بالنسبة إلى السعادة ~~الأخروية، ومنها ما يجري مجرى المقاصد، والذي يجري منها مجرى المقاصد أعلى ~~مما ليس كذلك - بلا نزاع بين العقلاء أيضا - كعلم العربية بالنسبة إلى علم ~~الفقه، فإنه كالوسيلة، فعلم الفقه أعلى. # وإذا ثبت هذا فأهل العلم أشرف الناس وأعظم منزلة بلا إشكال ولا نزاع ~~وإنما وقع الثناء في الشريعة على أهل العلم من حيث اتصافهم بالعلم لا من ~~جهة أخرى، ودل على ذلك وقوع الثناء عليهم مقيدا بالاتصاف به، فهو إذا العلة ~~في الثناء، ولولا ذلك الاتصاف لم يكن لهم مزية على غيرهم، # PageV02P856 # ومن أجل ذلك صار العلماء حكاما على الخلائق أجمعين قضاء أو فتيا أو ~~إرشادا، لأنهم اتصفوا بالعلم الشرعي الذي هو حاكم بإطلاق، فليسوا بحكام من ~~جهة ما اتصفوا بوصف يشتركون فيه مع غيرهم كالقدرة والإرادة والعقل وغير ~~ذلك، إذ لا مزية في ذلك من حيث القدر المشترك، لاشتراك الجميع فيها، وإنما ~~صاروا حكاما على الخلق مرجوعا إليهم بسبب حملهم للعلم الحاكم، فلزم من ذلك ~~أنهم لا يكونون حكاما على الخلق إلا من ذلك، كما أنهم ممدوحون من ذلك الوجه ~~أيضا، فلا يمكن أن يتصفوا بوصف الحكم مع فرض خروجهم عن صوت العلم الحاكم، ~~إذ ليسوا حجة إلا من جهته، فإذا خرجوا عن جهته فكيف يتصور أن يكونوا حكاما؟ ~~هذا محال. # وكما أنه لا يقال في العالم بالعربية: مهندس، ولا في العالم بالهندسة: ~~عربي، فكذلك لا ms519 يقال في الزائغ عن الحكم الشرعي: حاكم بالشرع، بل يطلق عليه ~~أنه حاكم بعقله أو برأيه أو نحو ذلك، فلا يصح أن يجعل حجة في العلم الحاكم، ~~لأن العلم الحاكم يكذبه ويرد عليه، وهذا المعنى أيضا في الجملة متفق عليه ~~لا يخالف فيه أحد من العقلاء. # ثم نصير من هذا إلى معنى آخر مرتب عليه، وهو أن العالم بالشريعة إذا اتبع ~~في قوله، وانقاد إليه الناس في حكمه، فإنما اتبع من حيث هو عالم وحاكم بها ~~وحاكم بمقتضاها، لا من جهة أخرى، فهو في الحقيقة مبلغ عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، المبلغ عن الله عز وجل، فيتلقى منه ما بلغ على العلم بأنه ~~بلغ، أو على غلبة الظن بأنه بلغ لا من جهة كونه منتصب للحكم مطلقا، إذ لا ~~يثبت ذلك لأحد على الحقيقة. وإنما هو # PageV02P857 # ثابت للشريعة المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وثبت ذلك له ~~عليه الصلاة والسلام وحده دون الخلق من جهة دليل العصمة. والبرهان أن جميع ~~ما يقوله أو يفعله حق. فإن الرسالة المقترنة بالمعجزة على ذلك دلت. فغيره ~~لم يثبت له عصمة بالمعجزة بحيث يحكم بمقتضاها حتى يساوي النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الانتصاب للحكم بإطلاق، بل إنما يكون منتصبا على شرط الحكم ~~بمقتضى الشريعة. بحيث إذا وجد الحكم في الشرع بخلاف ما حكم لم يكن حاكما. ~~إذ كان - بالفرض - خارجا عن مقتضى الشريعة الحاكمة، وهو أمر متفق عليه بين ~~العلماء، ولذلك إذا وقع النزاع في مسألة شرعية وجب ردها إلى الشريعة حيث ~~يثبت الحق فيها لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ~~[النساء: 59] الآية. # فإذا؛ المكلف بأحكامها لا يخلو من أحد أمور ثلاثة: # أحدها: أن يكون مجتهدا فيها، فحكمه ما أداه إليه اجتهاده فيها، لأن ~~اجتهاده في الأمور التي ليست دلالتها واضحة إنما يقع موقعه على فرض أن يكون ~~ما ظهر له هو الأقرب إلى قصد الشارع والأولى بأدلة الشريعة؛ دون ما ظهر ~~لغيره من المجتهدين. ms520 فيجب عليه اتباع ما هو الأقرب. بدليل أنه لا يسعه فيما ~~اتضح فيه الدليل إلا اتباع الدليل، دون ما # PageV02P858 # أداه إليه اجتهاده. ويعد ما ظهر له لغوا كالعدم؛ لأنه على غير صوب ~~الشريعة الحاكمة. فإذا؛ ليس قوله بشيء يعتد به في الحكم. # والثاني: أن يكون مقلدا صرفا خليا من العلم الحاكم جملة. فلابد له من ~~قائد يقوده. وحاكم يحكم عليه. وعالم يقتدي به. ومعلوم أنه لا يقتدى به إلا ~~من حيث هو عالم بالعلم الحاكم. والدليل على ذلك أنه لو علم أو غلب على ظنه ~~أنه ليس من أهل ذلك العلم لم يحل له اتباعه ولا الانقياد لحكمه. بل لا يصح ~~أن يخطر بخاطر العامي ولا غيره تقليد الغير في أمر مع علمه بأنه ليس من أهل ~~ذلك الأمر. كما أنه لا يمكن أن يسلم المريض نفسه إلى أحد يعلم أنه ليس ~~بطبيب إلا أن يكون فاقد العقل. وإذا كان كذلك فإنما ينقاد إلى المفتي من ~~جهة ما هو عالم بالعلم الذي يجب الانقياد إليه. لا من جهة كونه فلانا أيضا. ~~وهذه الجملة أيضا لا يسع الخلاف فيها عقلا ولا شرعا. # والثالث: أن يكون غير بالغ مبلغ المجتهدين. لكنه يفهم الدليل وموقعه. ~~ويصلح فهمه للترجيح بالمرجحات المعتبرة في تحقيق المناط ونحوه. فلا يخلو: ~~إما أن يعتبر ترجيحه أو نظره، أو لا فإن اعتبرناه صار مثل المجتهد في ذلك ~~الوجه. والمجتهد إنما هو تابع للعلم الحاكم ناظر نحوه. متوجه شطره: فالذي ~~يشبهه كذلك وإن لم نعتبره فلابد من رجوعه إلى درجة العامي. والعامي إنما ~~اتبع المجتهد من جهة توجهه إلى صوب العلم الحاكم. فكذلك من نزل منزلته. # PageV02P859 # ثم نقول: إن هذا مذهب الصحابة: أما النبي صلى الله عليه وسلم فاتباعه ~~للوحي أشهر من أن يذكر. وأما أصحابه فاتباعهم له في ذلك من غير اعتبار ~~بمؤالف أو مخالف شهير عنهم، فلا نطيل الاستدلال عليه. # فعلى كل تقدير لا يتبع أحد من العلماء إلا من حيث هو متوجه نحو الشريعة، ~~قائم بحجتها، حاكم ms521 بأحكامها جملة وتفصيلا، وأنه من وجد متوجها غير تلك ~~الوجهة في جزئية من الجزئيات أو فرع من الفروع لم يكن حاكما ولا استقام أن ~~يكون مقتدى به فيما حاد فيه عن صوب الشريعة ألبتة. # فيجب إذا على الناظر في هذا الموضع أمران إذا كان غير مجتهد: # أحدهما: أن لا يتبع العالم إلا من جهة ما هو عالم بالعلم المحتاج إليه، ~~ومن حيث هو طريق إلى استفادة ذلك العلم، إذ ليس لصاحبه منه إلا كونه مودعا ~~له، ومأخوذا بأداء تلك الأمانة، حتى إذا علم أو غلب على الظن أنه مخطئ فيما ~~يلقي، أو تارك لإلقاء تلك الوديعة على ما هي عليه، أو منحرف عن صوبها بوجه ~~من وجوه الانحراف، توقف ولم يصر على الاتباع إلا بعد التبيين، إذ ليس كل ما ~~يلقيه العالم يكون حقا على الإطلاق، لإمكان الزلل والخطإ وغلبة الظن في بعض ~~الأمور، وما أشبه ذلك. # أما إذا كان هذا المتبع ناظرا في العلم ومتبصرا فيما يلقي إليه كأهل ~~العلم في زماننا، فإن توصله إلى الحق سهل، لأن المنقولات في الكتب إما تحت ~~حفظه، وإما معدة لأن يحققها بالمطالعة أو المذاكرة. اجتهاد العامي في ~~اختيار من يقلد # وأما إن كان عاميا صرفا فيظهر له الإشكال عندما يرى الاختلاف # PageV02P860 # بين الناقلين للشريعة، فلابد له هاهنا من الرجوع آخرا إلى تقليد بعضهم، ~~إذ لا يمكن في المسألة الواحدة تقليد مختلفين في زمان واحد، لأنه محال وخرق ~~للإجماع، فلا يخلو أن يمكنه الجمع بينهما في العمل أو لا يمكنه، فإن لم ~~يمكنه بهما كان عمله بهما معا محالا، وإن أمكنه صار عمله ليس على قول واحد ~~منهما. بل هو قول ثالث لا قائل به. ويعضد ذلك أنه لا نجد صورة ذلك العمل ~~معمولا بها في المتقدمين من السلف الصالح فهو مخالف للإجماع. # وإذا ثبت أنه لا يقلد إلا واحدا، فكل واحد منهما يدعي أنه أقرب إلى الحق ~~من صاحبه، ولذلك خالفه، وإلا لم يخالفه، والعامي جاهل بمواقع الاجتهاد، ~~فلابد له ممن يرشده ms522 إلى من هو أقرب منهما. وذلك إنما يثبت للعامي بطريق ~~إجمالي، وهو ترجيح أحدهما على الآخر بالأعلمية والأفضلية. ويظهر ذلك من ~~جمهور العلماء، والطالبون لا يخفى عليهم مثل ذلك، لأن الأعلمية تغلب على ظن ~~العامي أن صاحبها أقرب إلى صوب العلم الحاكم لا من جهة أخرى، فإذا؛ لا يقلد ~~إلا باعتبار كونه حاكما بالعلم الحاكم. # والأمر الثاني: أن لا يصمم على تقليد من تبين له في تقليده الخطأ شرعا ~~وذلك أن العامي ومن جرى مجراه قد يكون متبعا لبعض العلماء، إما لكونه أرجح ~~من غيره، أو عند أهل قطره، وإما لأنه هو الذي اعتمده أهل قطره في التفقه في ~~مذهبه دون مذهب غيره. # وعلى كل تقدير فإذا تبين له في بعض مسائل متنوعة الخطأ والخروج عن صوب ~~العلم الحاكم فلا يتعصب لمتبوعه بالتمادي على # PageV02P861 # اتباعه فيما ظهر فيه خطؤه، لأن تعصبه يؤدي إلى مخالفة الشرع أولا، ثم إلى ~~مخالفة متبوعه، أما خلافه للشرع فبالعرض، وأما خلافه لمتبوعه فلخروجه عن ~~شرط الاتباع، لأن كل عالم يصرح أو يعرض بأن اتباعه إنما يكون على شرط أنه ~~حاكم بالشريعة لا بغيرها، فإذا ظهر أنه حاكم بخلاف الشريعة خرج عن شرط ~~متبوعه بالتصميم على تقليده. ومن معنى كلام مالك رحمه الله: ما كان من ~~كلامي موافقا للكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق فاتركوه. هذا معنى ~~كلامه دون لفظه. # ومن كلام الشافعي رحمه الله: الحديث مذهبي فما خالفه فاضربوا به الحائط ~~أو كما قال، قال العلماء: وهذا لسان حال الجميع. ومعناه أن كل ما تتكلمون ~~به على تحر أنه طابق الشريعة الحاكمة، فإن كان كذلك فبها ونعمت، وما لا ~~فليس بمنسوب إلى الشريعة ولا هم أيضا ممن يرضى أن تنسب إليهم مخالفتها. # لكن يتصور في هذا المقام وجهان: أن يكون المتبوع مجتهدا، فالرجوع في ~~التخطئة والتصويب إلى ما اجتهد فيه، وهو الشريعة، وأن يكون مقلدا لبعض ~~العلماء، كالمتأخرين الذين من شأنهم تقليد المتقدمين بالنقل من كتبهم ~~والتفقه في مذاهبهم، فالرجوع في التخطئة # PageV02P862 # والتصويب إلى ms523 صحة النقل عمن نقلوا عنه وموافقتهم لمن قلدوا، أو خلاف ذلك، ~~لأن هذا القسم مقلدون بالعرض، فلا يسعهم الاجتهاد في استنباط الأحكام، إذ ~~لم يبلغوا درجته، فلا يصح تعرضهم للاجتهاد في الشريعة مع قصورهم عن درجته. ~~فإن فرض انتصابه للاجتهاد فهو مخطئ آثم، أصاب أم لم يصب؛ لأنه أتى الأمر من ~~غير بابه، وانتهك حرمة الدرجة وقفا ما ليس له به علم، فإصابته - إن أصاب - ~~من حيث لا يدري، وخطؤه هو المعتاد، فلا يصح اتباعه كسائر العوام إذا راموا ~~الاجتهاد في أحكام الله، ولا خلاف في أن مثل هذا الاجتهاد غير معتبر، وأن ~~مخالفة العامي كالعدم، وأنه في مخالفته لأهل العلم آثم مخطئ، فكيف يصح - مع ~~هذا التقرير - تقليد غير مجتهد في مسألة أتى فيها باجتهاده؟ # ولقد زل - بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال - أقوام خرجوا ~~بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين واتبعوا أهواءهم بغير علم فضلوا عن ~~سواء السبيل. # ولنذكر عشرة أمثلة: # أحدها: وهو أشدها، قول من جعل اتباع الآباء في أصل الدين هو المرجوع إليه ~~دون غيره، حتى ردوا بذلك براهين الرسالة، وحجة القرآن ودليل العقل فقالوا: ~~{إنا وجدنا آباءنا على أمة} [الزخرف: 22]. فحين نبهوا على وجه الحجة بقوله ~~تعالى: {قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} [الزخرف: 24] # PageV02P863 # لم يكن لهم جواب إلا الإنكار، اعتمادا على اتباع الآباء واطراحا لما ~~سواه، ولم يزل مثل هذا مذموما في الشرائع، كما حكى الله عن قوم نوح عليه ~~السلام بقوله: {ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا ~~الأولين} [المؤمنون: 24] وعن قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى: ~~{قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا ~~كذلك يفعلون} [الشعراء: 72] إلى آخر ذلك مما في معناه، فكان الجميع مذمومين ~~حين اعتبروا واعتقدوا أن الحق تابع لهم ولم يلتفتوا إلى أن الحق هو المقدم. # والثاني: رأي الإمامية في اتباع الإمام المعصوم - في زعمهم - وإن خالف ما ~~جاء به النبي المعصوم حقا، وهو محمد صلى ms524 الله عليه وسلم، فحكموا الرجال على ~~الشريعة ولم يحكموا الشريعة على الرجال، وإنما أنزل الكتاب ليكون حكما على ~~الخلق على الإطلاق والعموم. # والثالث: لاحق بالثاني، وهو مذهب الفرقة المهدوية التي جعلت أفعال مهديهم ~~حجة، وافقت حكم الشريعة أو خالفت، بل جعلوا أكثر ذلك أنفحة في عقد إيمانهم ~~من خالفها كفروه وجعلوا حكمه حكم الكافر الأصلي، وقد تقدم من ذلك أمثلة. # والرابع: رأي المقلدة لمذهب إمام يزعمون أن إمامهم هو # PageV02P864 # الشريعة، بحيث يأنفون أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم، حتى ~~إذا جاءهم من بلغ درجة الاجتهاد وتكلم في المسائل ولم يرتبط إلى إمامهم ~~رموه بالنكير، وفوقوا إليه سهام النقد، وعدوه من الخارجين عن الجادة، ~~والمفارقين للجماعة من غير استدلال منهم بدليل، بل بمجرد الاعتياد العامي. # ولقد لقي الإمام بقي بن مخلد حين دخل الأندلس آتيا من المشرق من هذا ~~الصنف الأمرين، حتى أصاروه مهجور الفناء، مهتضم الجانب، لأنه من العلم بما ~~لا يدي لهم به، إذ لقي بالمشرق الإمام أحمد بن حنبل وأخذ عنه مصنفه وتفقه ~~عليه، ولقي أيضا غيره، حتى صنف المسند المصنف الذي لم يصنف في الإسلام ~~مثله، وكان هؤلاء المقلدة قد صمموا على مذهب مالك، بحيث أنكروا ما عداه، ~~وهذا تحكيم الرجال على الحق، والغلو في محبة المذهب، وعين الإنصاف ترى أن ~~الجميع أئمة فضلاء، فمن كان متبعا لمذهب مجتهد لكونه لم يبلغ درجة الاجتهاد ~~فلا يضره مخالفة غير إمامه لإمامه، لأن الجميع سالك على الطريق المكلف به، ~~فقد يؤدي التغالي في التقليد إلى إنكار لما أجمع الناس على ترك إنكاره. # والخامس: رأي نابتة متأخرة الزمان ممن يدعي التخلق بخلق أهل التصوف ~~المتقدمين، أو يروم الدخول فيهم، يعمدون إلى ما نقل عنهم في الكتب من ~~الأحوال الجارية عليهم أو الأقوال الصادرة عنهم، فيتخذونها دينا وشريعة ~~لأهل الطريقة، وإن كانت مخالفة للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، أو مخالفة ~~لما جاء عن السلف الصالح، لا يلتفتون إلى فتيا # PageV02P865 # مفت ولا نظر عالم، بل يقولون: إن صاحب هذا ms525 الكلام ثبتت ولايته، فكل ما ~~يفعله أو يقوله حق، وإن كان مخالفا فهو أيضا ممن يقتدى به، والفقه للعموم، ~~وهذه طريقة الخصوص! # فتراهم يحسنون الظن بتلك الأقوال والأفعال ولا يحسنون الظن بشريعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وهو عين اتباع الرجال وترك الحق، مع أن أولئك المتصوفة ~~الذين ينقل عنهم لم يثبت أن ما نقل عنهم كان في النهاية دون البداية، ولا ~~علم أنهم كانوا مقرين بصحة ما صدر عنهم أم لا، وأيضا فقد يكون من أئمة ~~التصوف وغيرهم من زل زلة يجب سترها عليه، فينقلها عنه من لا يعلم حاله ممن ~~لم يتأدب بطريق القوم كل التأدب. # وقد حذر السلف الصالح من زلة العالم، وجعلوها من الأمور التي تهدم الدين، ~~فإنه ربما ظهرت فتطير في الناس كل مطار، فيعدونها دينا، وهي ضد الدين، ~~فتكون الزلة حجة في الدين. # فكذلك أهل التصوف لابد في الاقتداء بالصوفي من عرض أقواله وأفعاله على ~~حاكم يحكم عليها: هل هي من جملة ما يتخذ دينا أم لا؟ والحاكم هو الشرع ~~وأقوال العالم تعرض على الشرع أيضا، وأقل ذلك في الصوفي أن نسأله عن تلك ~~الأعمال إن كان عالما بالفقه، كالجنيد وغيره رحمهم الله. # ولكن هؤلاء الرجال النابتة لا يفعلون ذلك، فصاروا متبعين الرجال من حيث ~~هم رجال لا من حيث هم راجحون بالحاكم الحق، وهو خلاف ما عليه السلف الصالح ~~وما عليه المتصوفة أيضا، إذ قال إمامهم سهل بن عبد الله التستري: مذهبنا ~~مبني على ثلاثة أصول: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في # PageV02P866 # الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال. ولم ~~يثبت في طريقهم اتباع الرجال على انحراف، وحاشاهم من ذلك، بل اتباع الرجال، ~~شأن أهل الضلال. # والسادس: رأي نابتة في هذه الأزمنة أعرضوا عن النظر في العلم الذي هم ~~أرادوا الكلام فيه والعمل بحسبه. ثم رجعوا إلى تقليد بعض الشيوخ الذين ~~أخذوا عنهم في زمان الصبا الذي هو مظنة لعدم التثبت من الآخذ أو التغافل من ~~المأخوذ عنه. ثم ms526 جعلوا أولئك الشيوخ في أعلى درجات الكمال، ونسبوا إليهم ما ~~نسبوا به من خطإ، أو فهموا عنهم على غير تثبت ولا سؤال عن تحقيق المسألة ~~المروية، وردوا جميع ما نقل عن الأولين مما هو الحق والصواب، كمسألة " ~~الباء " الواقعة في هذه الأزمنة؛ فإن طائفة ممن تظاهر بالانتصاب للإقراء ~~زعم أنها الرخوة التي اتفق القراء - وهم أهل صناعة الأداء، والنحويون أيضا ~~- وهم الناقلون عن العرب - على أنها لم تأت إلا في لغة مرذولة لا يؤخذ بها ~~ولا يقرأ بها القرآن، ولا نقلت القراءة بها عن أحد من العلماء بذلك الشأن، ~~وإنما الباء التي يقرأ بها - وهي الموجودة في كل لغة فصيحة - الباء ~~الشديدة، فأبى هؤلاء من القراءة والإقراء بها، بناء على أن التي قرؤوا بها ~~على الشيوخ الذين لقوهم هي تلك لا هذه، محتجين بأنهم كانوا علماء وفضلاء، ~~فلو كانت خطأ لردوها علينا. وأسقطوا النظر والبحث عن أقوال المتقدمين فيها ~~رأسا؛ تحسين ظن بالرجال، وتهمة للعلم، فصارت بدعة جارية - أعني القراءة ~~بالباء الرخوة - مصرحا بأنها الحق الصريح، فنعوذ بالله من المخالفة. # PageV02P867 # ولقد لج بعضهم حين وجهوا بالنصيحة فلم يرجعوا، فكان القرشي المقرئ أقرب ~~مراما منهم. # حكي عن يوسف بن عبد الله بن مغيث أنه قال: أدركت بقرطبة مقرئا يعرف ~~بالقرشي، وكان لا يحسن النحو فقرأ عليه قارئ يوما: {وجاءت سكرة الموت بالحق ~~ذلك ما كنت منه تحيد} [ق: 19] فرد عليه القرشي " تحيد " بالتنوين، فراجعه ~~القارئ - وكان يحسن النحو - فلج عليه المقرئ وثبت على التنوين. فانتشر ~~الخبر إلى أن بلغ يحيى بن مجاهد الألبيري الزاهد - وكان صديقا لهذا المقرئ ~~- فنهض إليه، فلما سلم عليه وسأله عن حاله قال له ابن مجاهد: أنه بعد عهدي ~~بقراءة القرآن على مقرئ فأردت تجديد ذلك عليك فأجابه إليه، فقال: أريد أن ~~أبتدئ بالمفصل فهو الذي يتردد في الصلوات، فقال المقرئ: ما شئت. فقرأ عليه ~~من أول المفصل فلما بلغ الآية المذكورة ردها عليه المقرئ بالتنوين، فقال له ~~ابن مجاهد: لا تفعل، ما هي إلا غير منونة ms527 بلا شك. فلج المقرئ، فلما رأى ابن ~~مجاهد تصميمه قال له: يا أخي إني لم يحملني على القراءة عليك إلا لتراجع ~~الحق في لطف، وهذه عظيمة أوقعك فيها قلة علمك بالنحو، فإن الأفعال لا ~~يدخلها التنوين، فتحير المقرئ، إلا أنه لم يقنع بهذا، فقال له ابن مجاهد: ~~بيني وبينك المصحف. فأحضر منه جملة فوجدوها مشكولة بغير تنوين، فرجع # PageV02P868 # المقرئ إلى الحق. انتهت الحكاية. ويا ليت مسألتنا مثل هذه. ولكنهم عفا ~~الله عنهم أبوا الانقياد إلى الصواب. # والسابع: رأي نابتة أيضا يرون أن عمل الجمهور اليوم - من التزام الدعاء ~~بهيئة الاجتماع بإثر الصلوات، والتزام المؤذنين التثويب بعد الآذان - صحيح ~~بإطلاق، من غير اعتبار بمخالفة الشريعة أو موافقتها، وأن من خالفهم بدليل ~~شرعي اجتهادي أو تقليدي خارج عن سنة المسلمين، بناء منهم على أمور تخبطوا ~~فيها من غير دليل معتبر. فمنهم من يميل إلى أن هذا العمل المعمول به في ~~الجمهور ثابت عن فضلاء وصالحين علماء. # فلو كان خطأ لم يعملوا به. # وهذا مما نحن فيه اليوم، تتهم الأدلة وأقوال العلماء المتقدمين، ويحسن ~~الظن بمن تأخر، وربما نوزع بأقوال من تقدم، فيرميها الرامي بالظنون واحتمال ~~الخطإ، ولا يرمي بذلك المتأخرين، الذين هم أولى به بإجماع المسلمين. وإذا ~~سئل عن أصل هذا العمل المتأخر: هل عليه دليل من الشريعة؟ لم يأت بشيء أو ~~يأتي بأدلة محتملة لا علم له بتفصيلها، كقوله هذا خير أو حسن، وقد قال ~~تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18] أو يقول: هذا بر، ~~وقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] فإذا سئل عن أصل ~~كونه خيرا أو برا وقف، وميله إلى أنه ظهر له بعقله أنه خير وبر، فجعل ~~التحسين عقليا، وهو مذهب أهل الزيغ، وثابت عند أهل السنة أنه من البدع ~~المحدثات. # PageV02P869 # ومنهم من طالع كلام القرافي وابن عبد السلام في أن البدع خمسة أقسام. ~~فنقول: هذا من المحدث المستحسن. وربما رشح ذلك بما جاء في الحديث: # «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» وقد مر ms528 ما فيه. وأما الحديث ~~فإنما معناه عند العلماء أن علماء الإسلام إذا نظروا في مسألة مجتهد فيها ~~فما رأوه فيها حسنا فهو عند الله حسن، لأنه جار على أصول الشريعة. والدليل ~~على ذلك الاتفاق. على أن العوام لو نظروا فأداهم اجتهادهم إلى استحسان حكم ~~شرعي لم يكن عند الله حسنا حتى يوافق الشريعة. والذين نتكلم معهم في هذه ~~المسألة ليسوا من المجتهدين باتفاق منا ومنهم، فلا اعتبار بالاحتجاج ~~بالحديث على استحسان شيء واستقباحه بغير دليل شرعي. # ومنهم من ترقى في الدعوى حتى يدعي فيها الإجماع من أهل الأقطار، وهو لم ~~يبرح من قطره، ولا بحث عن علماء أهل الأقطار، ولا عن تبيانهم فيما عليه ~~الجمهور، ولا عرف من أخبار الأقطار خبرا، فهو ممن يسأل عن ذلك يوم القيامة. # وهذا الاضطراب كله منشؤه تحسين الظن بأعمال المتأخرين - وإن جاءت الشريعة ~~بخلاف ذلك - والوقوف مع الرجال دون التحري للحق. # والثامن: رأي قوم ممن تقدم زماننا هذا - فضلا عن زماننا - اتخذوا الرجال ~~ذريعة لأهوائهم وأهواء من داناهم، ومن رغب إليهم في ذلك، فإذا # PageV02P870 # عرفوا غرض بعض هؤلاء في حكم حاكم أو فتيا تعبد وغير ذلك، بحثوا عن أقوال ~~العلماء في المسألة المسؤول عنها حتى يجدوا القول الموافق للسائل فأفتوا ~~به، زاعمين أن الحجة في ذلك لهم قول من قال: اختلاف العلماء رحمة. ثم ما ~~زال هذا الشر يستطير في الأتباع وأتباعهم، حتى لقد حكى الخطابي عن بعضهم ~~أنه يقول: كل مسألة ثبت لأحد من العلماء فيها القول بالجواز - شذ عن ~~الجماعة أو لا - فالمسألة جائزة، وقد تقررت هذه المسألة على وجهها في كتاب ~~الموافقات، والحمد لله. # والتاسع: ما حكى الله عن الأحبار والرهبان قوله: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] فخرج الترمذي عن عدي بن حاتم ~~قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم - وفي عنقي صليب من ذهب - فقال: يا ~~عدي، اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة: {ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم} [الأعراف: 9] قال: أما إنهم ms529 لم يكونوا ~~يعبدونهم، ولكن إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه» ~~حديث غريب. # وفي تفسير سعيد بن منصور قيل لحذيفة، أرأيت قول الله تعالى: {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31]؟ قال حذيفة: أما إنهم ~~لم يصلوا لهم، ولكنهم كانوا ما أحلوا لهم من حرام استحلوه، وما حرموا عليهم ~~من حلال حرموه، فتلك ربوبيتهم. # PageV02P871 # وحكى عنه الطبري عن عدي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول ~~ابن عباس أيضا وأبي العالية. # فتأملوا يا أولي الألباب! كيف حال الاعتقاد في الفتوى على الرجال من غير ~~تحر للدليل الشرعي، بل لمجرد العرض العاجل، عافانا الله من ذلك بفضله. # والعاشر: رأي أهل التحسين والتقبيح العقليين، فإن محصول مذهبهم تحكيم ~~عقول الرجال دون الشرع، وهو أصل من الأصول التي بنى عليها أهل الابتداع في ~~الدين، بحيث إن الشرع إن وافق آراءهم قبلوه، وإلا ردوه. # فالحاصل مما تقدم أن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم ~~الشرعي المطلوب شرعا ضلال، وما توفيقي إلا بالله، وإن الحجة القاطعة ~~والحاكم الأعلى هو الشرع لا غير. # ثم نقول: إن هذا مذهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن رأى سيرهم ~~والنقل عنهم وطالع أحوالهم علم ذلك علما يقينا. ألا ترى أصحاب السقيفة لما ~~تنازعوا في الإمارة، حتى قال بعض الأنصار منا أمير ومنكم أمير، فأتى الخبر ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن «الأئمة من قريش» أذعنوا لطاعة الله ~~ورسوله ولم يعبؤوا برأي من رأى غير ذلك، لعلمهم بأن الحق هو المقدم على ~~آراء الرجال. # PageV02P872 # ولما أراد أبو بكر - رضي الله عنه - قتال مانعي الزكاة احتجوا عليه ~~بالحديث المشهور، فرد عليهم ما استدلوا به بغير ما استدلوا به وذلك قوله: ~~إلا بحقها فقال: الزكاة حق المال، ثم قال: والله لو منعوني عقالا أو عناقا ~~كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه # فتأملوا هذا المعنى فإن فيه نكتتين مما نحن فيه: # إحداهما: أنه لم يجعل ms530 لأحد سبيلا إلى جريان الأمر في زمانه على غير ما ~~كان يجري في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان بتأويل، لأن من لم ~~يرتد من المانعين إنما منع تأويلا، وفي هذا القسم وقع النزاع بين الصحابة ~~لا فيمن ارتد رأسا، ولكن أبا بكر لم يعذر بالتأويل والجهل، ونظر إلى حقيقة ~~ما كان الأمر عليه فطلبه إلى أقصاه حتى قال: والله لو منعوني عقالا. . . ~~إلى آخره، مع أن الذين أشاروا عليه بترك قتالهم إنما أشاروا عليه بأمر ~~مصلحي ظاهر تعضده مسائل شرعية، وقواعد أصولية، لكن الدليل الشرعي الصريح ~~كان عنده ظاهرا، فلم تقو عنده آراء الرجال أن تعارض الدليل الظاهر، ~~فالتزمه، ثم رجع المشيرون عليه بالترك إلى صحة دليله تقديما للحاكم الحق، ~~وهو الشرع. # والثانية: أن أبا بكر - رضي الله عنه - لم يلتفت إلى ما يلقى هو ~~والمسلمون في طريق طلب الزكاة من مانعيها من المشقة إذ لما امتنعوا صار ~~مظنة للقتال وهلاك من شاء من الفرقتين، ودخول المشقة على المسلمين في ~~الأنفس والأموال والأولاد، ولكنه - رضي الله عنه - لم يعتبر إلا # PageV02P873 # إقامة الملة على حسب ما كانت قبل، فكان ذلك أصلا في أنه لا يعتبر العوارض ~~الطارئة في إقامة الدين وشعائر الإسلام، نظير ما قال الله تعالى: {إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله} [التوبة: 28] فإن الله لم يعذرهم في ترك منع المشركين ~~خوف العيلة، فكذلك لم يعد أبو بكر ما يلقى المسلمون من المشقة عذرا يترك به ~~المطالبة بإقامة شعائر الدين حسبما كانت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم. # وجاء في القصة أن الصحابة أشاروا عليه برد البعث الذي بعثه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مع أسامة بن زيد - ولم يكونوا بعد مضوا لوجهتهم - ليكونوا ~~معه عونا على قتال أهل الردة فأبى من ذلك، وقال: ما كنت لأرد بعثا أنفذه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. فوقف مع شرع الله ولم يحكم غيره. ms531 # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني أخاف على أمتي من بعدي من ~~أعمال ثلاثة، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: أخاف عليكم من زلة العالم، ~~ومن حكم جائر، ومن هوى متبع». # وإنما زلة العالم بأن يخرج عن طريق الشرع، فإذا كان ممن يخرج عنه فكيف ~~يجعل حجة على الشرع؟ هذا مضاد لذلك. # PageV02P874 # ولقد كان كافيا من ذلك خطاب الله لنبيه وأصحابه: {فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59] الآية، مع أنه قال تعالى: {أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] وقوله تعالى: {وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} ~~[الأحزاب: 36]، ولذلك قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ثلاث يهدمن ~~الدين: زلة العالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يقول: اغد عالما أو متعلما، ولا ~~تغد إمعة فيما بين ذلك. قال ابن وهب: فسألت سفيان عن الإمعة فقال: الإمعة ~~في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره، وهو فيكم اليوم المحقب ~~دينه الرجال. # وعن كميل بن زياد أن عليا - رضي الله عنه - قال: يا كميل: إن هذه القلوب ~~أوعية فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل ~~نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ~~ركن وثيق. . . . . . . الحديث. # إلى أن قال فيه: أف لحامل حق لا بصيرة له، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض ~~من شبهة لا يدري أين الحق، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم # PageV02P875 # يدر، مشغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن فتن به، وإن من الخير كله ~~من عرف الله دينه، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف دينه. # وعن علي رضي الله عنه قال إياكم والاستنان بالرجال؛ فإن الرجل ليعمل بعمل ~~أهل الجنة، ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعلم ~~الله، فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل ms532 النار، ثم ينقلب ~~لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة، فينقلب لعلم الله، فيموت وهو من أهل ~~الجنة، فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات لا بالأحياء. وأشار إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، وهو جائز في كل زمان يعدم فيه ~~المجتهدون. # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا، إن آمن ~~آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر. وهذا الكلام من ابن مسعود بين ~~مراد ما تقدم ذكره من كلام السلف، وهو النهي عن اتباع السلف من غير التفات ~~إلى غير ذلك. # وفي الصحيح عن أبي وائل قال: جلست إلى شيبة في هذا المسجد قال: جلس إلي ~~عمر في مجلسك هذا قال: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين ~~المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل. قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك. قال: هما ~~المرءان أهتدي بهما. يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر - رضي الله ~~عنه -. # PageV02P876 # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في حديث عيينة بن حصن حين استؤذن له على ~~عمر، قال فيه: فلما دخل قال: يابن الخطاب! والله ما تعطينا الجزل، وما تحكم ~~بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم بأن يقع فيه، فقال الحر بن قيس: يا أمير ~~المؤمنين: إن الله قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: {خذ العفو وأمر بالعرف ~~وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] فوالله ما جاوز عمر حين تلاها عليه، ~~وكان وقافا عند كتاب الله. # وحديث فتنة القبور حيث قال عليه الصلاة والسلام: «فأما المؤمن - أو ~~المسلم - فيقول: محمد جاءنا بالبينات فأجبناه وآمنا، فيقال: نم صالحا قد ~~علمنا أنك موقن. وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري، سمعت الناس ~~يقولون شيئا فقلته». # وحديث «مخاصمة علي والعباس عمر في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله لرهط الحاضرين: هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ~~نورث، ما تركناه صدقة فأقروا بذلك - إلى أن قال لعلي والعباس: أفتلتمسان ~~مني قضاء غير ms533 ذلك؟ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء ~~غير ذلك حتى تقوم الساعة» - إلى آخر الحديث، # وترجم البخاري في هذا المعنى ترجمة تقتضي أن حكم الشارع # PageV02P877 # إذا وقع وظهر فلا خيرة للرجال ولا اعتبار بهم، وأن المشاورة إنما تكون ~~قبل التبيين. فقال: باب قول الله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم - وشاورهم في ~~الأمر} [آل عمران: 38 - 159] وأن المشاورة قبل العزم والتبيين لقوله تعالى: ~~{فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159] فإذا عزم الرسول لم يكن لبشر ~~التقدم على الله ورسوله. وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في ~~المقام والخروج، فرأوا له الخروج، فلما لبس لأمته قالوا أقم، فلم يمل إليهم ~~بعد العزم، وقال: «لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله». وشاور ~~عليا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة - رضي الله عنها -، (فسمع منهما) ~~حتى نزل القرآن فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره ~~الله. # وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل ~~العلم في # PageV02P878 # الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وقع في الكتاب والسنة، لم يتعدوه ~~إلى غيره، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ورأى أبو بكر قتال من منع ~~الزكاة فقال عمر: كيف تقاتل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا: (لا إله ~~إلا الله) عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»؟ فقال ~~أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم تابعه بعد عمر. فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة، إذ كان عنده حكم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثابتا في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل ~~الدين وأحكامه وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» وكان ~~القراء أصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبانا، وكان وقافا عند كتاب الله. # هذا جملة ما قال في جملة تلك ms534 الترجمة مما يليق بهذا الموضع، مما يدل على ~~أن الصحابة لم يأخذوا أقوال الرجال في طريق الحق إلا من حيث هم وسائل ~~للتوصل إلى شرع الله، لا من حيث هم أصحاب رتب أو كذا أو كذا أو كذا وهو ما ~~تقدم. # وذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار، عن ابن القاسم، عن مالك أنه # PageV02P879 # قال: ليس كل ما قال رجل قولا - وإن كان له فضل - يتبع عليه؛ لقول الله عز ~~وجل: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18]. ### | [فصل خاتمة] # إذا ثبت أن الحق هو المعتبر دون الرجال، فالحق أيضا لا يعرف دون وسائطهم ~~بل بهم يتوصل إليه، وهم الأدلاء على طريقه. # انتهى القدر الذي وجد من هذا التأليف ولم يكمله المؤلف رحمه الله تعالى # . هذا ما جاء في آخر النسخة المخطوطة التي وجدت في مكتبة الشنقيطي، وقد ~~تم نسخها في 25 المحرم سنة 1295 من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. ~~PageV02P880 ms535