######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0036558 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: 790هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 790 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الاعتصام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0036558 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-36558 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/36558 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1429 هـ - 2008 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # رسائل جامعية (67) ### | [الاعتصام] # المؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي ~~(المتوفى: 790ه) # تحقيق ودراسة: # الجزء الأول: د. محمد بن عبد الرحمن الشقير # الجزء الثاني: د سعد بن عبد الله آل حميد # الجزء الثالث: د هشام بن إسماعيل الصيني # الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية # الطبعة: الأولى، 1429 ه - 2008 م # عدد الأجزاء: 3 # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # أصل هذا الكتاب رسالة جامعية مقدمة من الطالب محمد بن عبد الرحمن الشقير ~~حصل بها على درجة الماجستير بتقدير ممتاز وذلك في عام 1414 ه # PageV00P000 # الاعتصام # PageV00P000 # حقوق الطبع محفوظة لدار ابن الجوزي # الطبعة الأولى # محرم 1429 ه - 2008 م # حقوق الطبع محفوظة 1429 ه, لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه ~~بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إليكتروني يمكن ~~استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من ~~الناشر. # PageV00P000 ### | المقدمة # إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ~~وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102)} [آل ~~عمران: 102]، {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها ~~زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ~~إن الله كان عليكم رقيبا (1)} [النساء: 1]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع ~~الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71)} [الأحزاب: 70، 71]. # أما بعد: فقد حذر الله عز وجل من التفرق والاختلاف بعد الائتلاف، فقال ~~سبحانه وتعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم (105)} [آل عمران: 105]، وقال سبحانه وتعالى: ~~{وما كان الناس ms001 إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~فيما فيه يختلفون (19)} [يونس: 19]. # وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما ~~أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (159)} [الأنعام: 159]. # وقال تعالى: {ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32)} [الروم: 31، 32]. # وذكر الله عز وجل اختلاف بني إسرائيل في التوراة، فقال سبحانه # PageV00P000 # وتعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي ~~بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (110)} [هود: 110]. # والاختلاف واقع في هذه الأمة أكثر من غيرها من الأمم. # فعن عوف بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في ~~النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار ~~وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، ~~واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار". قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: ~~"الجماعة" (1). # وقد أمرنا الله عز وجل أن نعتصم بحبله جميعا ولا نتفرق، فقال سبحانه ~~وتعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103]، وبين قبل ~~ذلك أن مفتاح الاعتصام وعدم الفرقة هو تقوى الله حق تقاته، فأمر به قبل ~~الأمر بالاعتصام، فقال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق ~~تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا}. # والذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ليسوا من الذين اتقوا الله حق تقاته، بل ~~هم من الذين اتبعوا أهواءهم، وامتلأت قلوبهم بالبغي والحسد والكبر والهوى ~~وغير ذلك مما ينافي تقوى الله. # وقد بين الله عز وجل هؤلاء في مواطن من كتابه، وبين السبب الذي لأجله ~~اختلفوا وتفرقوا، فقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم ms002 البينات بغيا بينهم فهدى ~~الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم (213)} [البقرة: 213]. PageV00P000 # فبين سبحانه وتعالى أن الناس كانوا أمة واحدة، فاختلفوا، وأن سبب ~~الاختلاف بينهم هو البغي والظلم. # وقال سبحانه وتعالى: {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله ~~سريع الحساب (19)} [آل عمران: 19]. # وبين سبحانه وتعالى أن من أسباب البغي والظلم الموقع في الاختلاف: الحسد ~~الذي يجعل الحاسد يرفض الحق وهو يعرفه، ويجادل عن الباطل، فقال سبحانه ~~وتعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من ~~عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن ~~الله على كل شيء قدير (109)} [البقرة: 109]. # ثم بين أن فريقا من الناس يعرفون سبيل الرشد ولا يتخذونه سبيلا؛ استكبارا ~~وعنادا، وهذا من الظلم والبغي، وإن يروا سبيل الغي والضلال يتخذوه سبيلا، ~~ولذلك صرفهم الله عن طريق الحق جزاء وفاقا، فقال سبحانه وتعالى: {سأصرف عن ~~آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن ~~يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك ~~بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146)} [الأعر اف: 146]. # كما بين الله عز وجل أن من سننه في خلقه أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء ~~إذا تركوا شيئا من شرعه ولم يعملوا به، فقال سبحانه وتعالى عن النصارى: ~~{ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ~~(14)} [المائدة: 14]. # وقد اختلفت هذه الأمة كما اختلف من قبلها من الأمم؛ مصداقا لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (1)، وظهرت فيها الفرق التي ~~أخبر PageV00P000 # عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الافتراق، وادعت كل فرقة أنها ~~على الحق وما عداها على الباطل. ms003 # ولكن مع وجود هذا الاختلاف والتفرق، فلا يزال في الأمة طائفة منصورة ~~قائمة بالحق، داعية إليه، لا يضرها من خالفها، ولا من خذلها، إلى أن يأتي ~~أمر الله وهم على ذلك. # ولذلك اهتم سلف هذه الأمة بالدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة، والتحذير ~~من البدع والأهواء، وكثرت أقوالهم ومؤلفاتهم في هذه المسألة. # فكتبت كتب كثيرة في السنة وبيان منهج السلف الصالح، وفي الرد على أهل ~~الأهواء والبدع. # ومن هذه الكتب الكثيرة، كتاب الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "الرد على ~~الجهمية"، وكتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب "خلق ~~أفعال العباد" للبخاري، وكتاب "السنة" لابن أبي عاصم، وكتاب "السنة" لمحمد ~~بن نصر المروزي، وكتاب "الشريعة" للآجري، و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة ~~والجماعة" للالكائي، وغير ذلك من كتب السلف رضوان الله عليهم. # وبعض هذه الكتب، عني فيها مؤلفوها بالكتابة في التحذير من الأهواء ~~والبدع، فألف ابن وضاح القرطبي كتابه "البدع والنهي عنها"، وألف أبو بكر ~~الطرطوشي كتابه "الحوادث والبدع"، وألف أبو شامة كتاب "الباعث على إنكار ~~البدع والحوادث"، ولكن اقتصرت هذه الكتب -في الغالب- على النقل المجرد ~~للنصوص الواردة في التحذير من البدع والنهي عنها، دون تحليل لمعانيها، ~~وتحقيق مسائلها، مما جعل الإمام الشاطبي يقوم بتصنيف كتابه الفذ ~~"الاعتصام"، الذي أشار رحمه الله تعالى فيه إلى هذه الكتب السابقة، ومأخذه ~~عليها، فقال: "وإذا استقام هذا الأصل -أي كتب العلم لحفظ الدين- فاحمل عليه ~~كتب العلم من السنن وغيرها إذا خيف عليها الاندراس، زيادة على ما جاء في ~~الأحاديث؛ من الأمر بكتب العلم، وأنا # PageV00P000 # أرجو أن يكون كتب هذا الكتاب الذي وضعت يدي فيه من هذا القبيل؛ لأني رأيت ~~باب البدع في كلام العلماء مغفلا جدا إلا من النقل الجلي؛ كما نقل ابن ~~وضاح، أو يؤتى بأطراف من الكلام لا يشفي الغليل بالتفقه فيه كما ينبغي، ولم ~~أجده على شدة بحثي عنه، إلا ما وضع فيه أبو بكر الطرطوشي، وهو يسير في جنب ~~ما يحتاج إليه فيه، وإلا ما وضع الناس في ms004 الفرق الثنتين والسبعين، وهو فصل ~~من فصول الباب وجزء من أجزائه، فأخذت نفسي بالعناء فيه، عسى أن ينتفع ~~واضعه، وقارئه، وناشره، وكاتبه، والمنتفع به، وجميع المسلمين، إنه ولي ذلك ~~ومسديه بسعة رحمته" (1). # انتهي كلامه رحمه الله تعالى. # ويمتاز كتاب الشاطبي من غيره من الكتب الأخرى التي ألفت في البدع بميزات ~~عدة، أهمها: ### | 1 - # دراسته للآيات والأحاديث والآثار الواردة في معنى البدعة، والتحذير منها، ~~والأمر بلزوم السنة دراسة تحليلية، قائمة على الاستنباط والدقة في الفهم، ~~والتحقيق العلمي للمسائل التي يطرقها. ### | 2 - # الترتيب العلمي والتسلسلي لموضوعات الكتاب، مما يساعد القارئ على استيعاب ~~موضوعاته، وفهمها. ### | 3 - # قوة الشاطبي العلمية، والعقلية، ورصانة أسلوبه، ودقة عباراته وألفاظه. ### | 4 - # شمولية الكتاب لموضوعه، وجمعه لأطراف القضية التي تصدى لها، فقد عرف ~~البدعة، والمسائل المتعلقة بها، وأسبابها، وذم البدع، وبين سوء منقلب ~~أصحابها، وأن البدع كلها مذمومة، ثم بين مأخذ أهل البدع في الاستدلال، وحكم ~~البدع الحقيقية والإضافية، وبين أن البدع ليست على مرتبة واحدة، وناقش ~~مسألة: هل البدع تدخل في الأمور العادية أو هي خاصة بالأمور العبادية فقط، ~~وعقد فصلا مهما عن الفرق بين البدع PageV00P000 # والمصالح المرسلة والاستحسان، ثم درس حديث الافتراق دراسة وافية من حيث ~~معناه، وما يندرج تحته من مسائل مهمة، وأخيرا عقد بابا لبيان الصراط ~~المستقيم الذي ينبغي للمسلم سلوكه، وهذا ترتيب دقيق، يدل على عظم فقه صاحبه ~~رحمه الله تعالى. ### | 5 - # مناقشته للشبه التي تمسك بها أهل البدع، وجعلوها أدلة لبدعهم، وقيامه ~~بنقضها وبيان خطأ الاستدلال بها، وأنها لا تخفي على الراسخين. # وقد طبع الكتاب عدة طبعات، معظمها مليئة بالسقط والتصحيف والأخطاء (1)، ~~لا يزال معها الكتاب بحاجة إلى خدمة؛ من ضبط نص، وتخريج أحاديث وآثار، ~~وتعليق على ما لا بد منه، وغير ذلك؛ مما دفعنا إلى إعادة تحقيقه، والتعليق ~~عليه، فقام الدكتور محمد بن عبد الرحمن الشقير بكتابة قسم الدراسة من ~~بدايته إلى نهاية المبحث الخامس: (قيمة الكتاب العلمية)، وتحقيق الأبواب ~~الثلاثة الأولى. # وقام الدكتور سعد بن عبد الله آل حميد بتحقيق الباب ms005 الرابع والخامس ~~والسادس والسابع. # وقام الدكتور هشام بن إسماعيل الصيني بتحقيق الباب الثامن والتاسع ~~والعاشر، وكتابة الملحق الخاص بالفرق في نهاية الكتاب. # وما سوى ذلك فهو عمل مشترك بين المحققين. # وأصل هذا العمل كان رسائل علمية بجامعة أم القرى، فالقسم الأول هو أطروحه ~~الدكتور محمد الشقير للماجستير، وقد نوقشت بتاريخ 1415 ه، والقسم الثالث هو ~~أطروحة الدكتور هشام الصيني للماجستير أيضا، وقد نوقشت بتاريخ 1413 ه. # وأما القسم الثاني فلم يتم الاتفاق بين دار ابن الجوزي وبين الطالب ~~PageV00P000 # الذي قام بتحقيقه، فقام الدكتور سعد الحميد بتحقيقه، وكان هذا من أسباب ~~تأخير صدور هذه الطبعة. # وفيما يلي وصف لخطة العمل في هذا الكتاب: # فقد قسمنا الكتاب إلى قسمين، تعقبها الفهارس. # * القسم الأول: الدراسة، وفيه بابان: # - الباب الأول: التعريف بالمؤلف، وفيه ثلاثة فصول: # الفصل الأول: عصر المؤلف، وفيه ثلاثة مباحث: # المبحث الأول: الحالة السياسية. # المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية. # المبحث الثالث: الحالة العلمية. # الفصل الثاني: حياة المؤلف الشخصية، وفيه أربعة مباحث: # المبحث الأول: اسمه وكنيته ونسبه ونسبته. # المبحث الثاني: مولده ونشأته وموطنه. # المبحث الثالث: محنته وما اتهم به. # المبحث الرابع: وفاته. # الفصل الثالث: حياة المؤلف العلمية، وفيه خمسة مباحث: # المبحث الأول: طلبه للعلم وشيوخه. # المبحث الثاني: تلاميذه. # المبحث الثالث: ثقافته ومؤلفاته. # المبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه. # المبحث الخامس: عقيدته. # - الباب الثاني: التعريف بالكتاب وطبعاته ونسخه الخطية، وفي فصلان: # PageV00P000 # الفصل الأول: التعريف بالكتاب، وفيه خمس مباحث: # المبحث الأول: اسم الكتاب. # المبحث الثاني: موضوعه. # المبحث الثالث: سبب تأليفه. # المبحث الرابع: توثيق نسبته إلى مؤلفه. # المبحث الخامس: قيمته العلمية. # الفصل الثاني: التعريف بطبعات الكتاب، ونسخه الخطية، وفيه مبحثان: # المبحث الأول: التعريف بطبعات الكتاب. # المبحث الثاني: التعريف بنسخ الكتاب الخطية. # * القسم الثاني: النص المحقق. ### | منهجنا في تحقيق الكتاب ### | أولا: المقابلة بين النسخ: # قمنا بالمقابلة بين النسخ، واتبعنا طريقة اختيار النص الصحيح، وذلك لعدم ~~توفر نسخة يمكن الاعتماد عليها وجعلها أصلا، مع ملاحظة ما يلي: # أ- لا نشير إلى الفروق في لفظ الصلاة على النبي - صلى الله ms006 عليه وسلم -، ~~والترضي عن الصحابة رضي الله عنهم، بل نثبت أكمل صيغة وردت في المخطوطات. # ب- لا نشير إلى الفروق بين النسخ في: # (قال الله تعالى) و (قال تعالى)، بل نثبت أكمل صيغة وردت في المخطوطات. # ج- بالنسبة إلى الفروق بين نسخ الاعتصام والكتب التي نقل منها الشاطبي، ~~لا نشير إلا إلى الفروق المهمة بينهما. # د- إذا أجمعت النسخ على كلمة أو جملة يظهر -من غير جزم- أنها # PageV00P000 # خطأ أو فيها سقط، فنثبت ما وجدناه في النسخ في الأغلب، ونشير في الهامش ~~إلى الكلمة أو الجملة التي نظن أنها أقرب إلى الصواب. # أما إذا أجمعت النسخ على خطأ أو سقط جزما، وكان الخطأ في نقل نقله ~~الشاطبي عن بعض الكتب، ووجدنا الصواب في الكتب التي نقل منها، فنثبت الصواب ~~ونشير إلى ذلك في الهامش. ### | ثانيا: التعليق: # علقنا على المسائل المهمة التي يحتاج إليها في فهم النص، أو قد تشكل على ~~بعض القراء، ولم نعلق على كل مسألة ترد خشية إثقال الحواشي بالتعليقات التي ~~لا يحتاج إليها -في الغالب- معظم طلبة العلم. ### | ثالثا: الآيات القرآنية: # قمنا بمراجعة الآيات القرآنية، وعزوها إلى سورها، مع ذكر أرقام الآيات. ### | رابعا: الأحاديث والآثار: # خرجنا الأحاديث والآثار من الكتب المشهورة كالصحيحين والسنن والمسانيد، ~~وأما بالنسبة إلى صحة الحديث، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما، ~~اكتفينا بذلك، وإن كان في غير الصحيحين، ذكرنا حكم العلماء عليه -إن وجد- ~~بالصحة أو الضعف، سواء من العلماء السابقين أو المعاصرين، وقد نجتهد في ~~الحكم على الحديث والأثر أحيانا. ### | خامسا: عزو الأقوال والنصوص: # قمنا بعزو النصوص -التي نقلها الشاطبي- إلى الكتب المطبوعة حسب ~~الاستطاعة. ### | سادسا: ترجمة الأعلام: # ترجمنا ترجمة مختصرة للأعلام غير المشهورين. # PageV00P000 ### | سابعا: شرح الكلمة الغريبة: # قمنا بشرح الكلمات الغريبة من معاجم اللغة، وضبطنا بالشكل الكلمات التي ~~تحتاج إلى ضبط. ### | ثامنا: التعريف بالفرق: # عرفنا بالفرق من خلال كتب الفرق المشهورة، وذكرنا التعريف في هامش النص، ~~ما عدا الفرق التي سردها الشاطبي أثناء كلامه على مسألة تعيين الفرق في ~~الباب التاسع، وهي أكثر من اثنتين وسبعين فرقة، ms007 فقد أفرد لها محقق الباب ~~التاسع ملحقا خاصا في نهاية البحث. ### | تاسعا: التعريف بالبلدان والأماكن: # قمنا بالتعريف بالبلدان والأماكن غير المشهورة، من خلال كتب معاجم ~~البلدان. ### | عاشرا: الفهارس: # قمنا بوضع فهارس علمية تساعد الباحث في الكشف عن مسائل الكتاب، وهي: ### | 1 - # فهرس الآيات القرآنية. ### | 2 - # فهرس الأحاديث النبوية. ### | 3 - # فهرس الآثار. ### | 4 - # فهرس الأعلام. ### | 5 - # فهرس الفرق. ### | 6 - # فهرس الأماكن والبقاع. ### | 7 - # فهرس موضوعات الكتاب. # وبعد: فهذا ما استطعنا من جهد، فما كان فيه من صواب فهو بتوفيق # PageV00P000 # من الله عز وجل، وما كان من خطأ فهو من قصور البشر وعجزهم، ولا نقول إلا ~~كما قال الشاطبي رحمه الله: "فالإنسان -وإن زعم في الأمر أنه أدركه وقتله ~~علما- لا يأتي عليه الزمان إلا وقد عقل فيه ما لم يكن عقل، وأدرك من علمه ~~ما لم يكن أدرك قبل ذلك، كل أحد يشاهد ذلك من نفسه عيانا، ولا يختص ذلك ~~عنده بمعلوم دون معلوم، ولا بذات دون صفة، ولا فعل دون حكم" (1). # و"المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه" (2). # وأخيرا، فإنا نحمد الله عز وجل ونشكره على توفيقه لنا في إتمام هذا ~~العمل. # ثم إنا نشكر كل من ساعدنا في إتمام هذا الجهد، ونسأل الله عز وجل أن يكتب ~~لهم الأجر ويحط عنهم الوزر، وأن يتقبل عملنا خالصا لوجهه، ويغفر لنا خطأنا ~~وتقصيرنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # المحققون PageV00P000 # القسم الأول ### | الدراسة # * وفيه بابان: ### | الباب الأول: التعريف بالمؤلف. # الباب الثاني: التعريف بالكتاب وطبعاته ونسخه الخطية. # PageV00P000 ### | الباب الأول التعريف بالمؤلف # * وفيه ثلاثة فصول: ### | الفصل الأول: عصر المؤلف. # الفصل الثاني: حياة المؤلف الشخصية. # الفصل الثالث: حياة المؤلف العلمية. # PageV00P000 ### | الفصل الأول عصر المؤلف # * وفيه ثلاثة مباحث: ### | المبحث الأول: الحالة السياسية. # المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية. # المبحث الثالث: الحالة العلمية. # PageV00P000 ### | المبحث الأول الحالة السياسية # عاش الإمام الشاطبي رحمه الله في القرن الثامن الهجري، وكانت حياته في ~~مدينة غرناطة (1) الأندلسية، والتي كان يحكمها في ذلك الوقت ملوك بني نصر، ~~ويسمون كذلك ملوك ms008 بني الأحمر، ويعود نسبهم إلى الصحابي الجليل سعد بن عبادة ~~الأنصاري - رضي الله عنه - (2). وقد حكمت هذه الدولة مملكة غرناطة ما يزيد ~~على قرنين ونصف، حيث نشأت مملكتهم عام 635 ه على يد مؤسس الدولة الغالب ~~بالله أبي عبد الله محمد بن يوسف بن محمد بن نصر بن قيس الخزرجي الأنصاري، ~~وانتهت عام 897 ه على أيدي نصارى إسبانيا (3). # وقد عاشت هذه الدولة اضطرابات سياسية بين ملوكها، بعد مؤسسها الأول، فها ~~هو لسان الدين ابن الخطيب (4) أحد وزراء الدولة المقربين يصور لنا ما وقع ~~بين ملوكها بعد مؤسسها الأول فيقول: " ... وولي بعده ولده PageV00P000 # وسميه السلطان -ثاني ملوكها وعظيمها- أبو عبد الله، وطالت مدته إلى أن ~~توفي عام احد وسبع مئة، وولي بعده ولده وسميه أبو عبد الله محمد، وخلع يوم ~~الفطر من عام ثمانية وسبع مئة، وتوفي في شوال عام أحد عشر وسبع مئة، وولي ~~بعده خالعه أخوه نصر أبو الجيوش، وارتبك أمره، وطلب الأمر ابن عم أبيه ~~السلطان أبو الوليد إسماعيل بن الفرج بن إسماعيل صنو الأمير الغالب بالله ~~أول ملوكهم، فتغلب على دار الإمارة في ثاني ذي القعدة من عام ثلاثة عشر ~~وسبع مئة، وانتقل نصر مخلوعا إلى مدينة وادي آشي، وتوفي عام اثنين وعشرين ~~وسبع مئة، وتمادى ملك السلطان أبي الوليد إلى الثالث والعشرين من رجب عام ~~خمسة وعشرين وسبع مئة، ووثب عليه ابن عمه في طائفة من قرابته فقتلوه ببابه، ~~وخاب فيما أملوه سعيهم، فقتلوا كلهم يومئذ، وتولى أمره ولده محمد، واستمر ~~إلى ذي الحجة من عام أربعة وثلاثين وسبع مئة، وقتل بظاهر جبل الفتح بأيدي ~~جنده من المغاربة، وتولى الأمر بعده أخوه أبو الحجاج يوسف، ودام ملكه إلى ~~يوم عيد الفطر من عام خمسة وخمسين وسبع مئة، وترامى عليه في صلاته ممرور ~~بمدية في يده فقتله، وقدم لأمره الأكبر من أولاده ... " (1). # وابنه هذا هو محمد بن أبي الحجاج، وقد سلب منه ملكه ثم عاد إليه عام 763 ~~ه، "واستمر ملكه إلى أن توفي عام 793 ه، ms009 ودامت فتن داخلية حتى سقطت مملكتهم ~~عام 897 ه على أيدي نصارى إسبانيا" (2). # ولا يخفي ما يصوره نص ابن الخطيب السابق من الاضطرابات السياسية الداخلية ~~بين ملوك هذه الدولة. # وقد عانت هذه الدولة من العدو الخارجي، وهم النصارى الإسبان الذين كانوا ~~يتربصون بهم، ولا يفترون عن مهاجمتهم إلا إذا انشغلوا بالقتال فيما بينهم، ~~وجهاد هذه الدولة ضد النصارى من أروع حسناتها، حيث PageV00P000 # واجهت النصارى ما يزيد على قرنين، مع إحاطة العدو بها، ومع بعدها عن ديار ~~المسلمين. # وكان من حسنات هذه الدولة إيواؤها للمسلمين الذين كانت تسقط مدنهم في ~~أيدي النصارى. # وقد كان للعلماء دور هام في الساحة السياسية، ويبرز ذلك في توعيتهم ~~للناس، وتحذيرهم من هذا العدو، وتحريك حمياتهم. قال في أزهار الرياض: "لما ~~تقلص الإسلام بالجزيرة، واسترد الكفار أكثر أمصارها وقراها على وجه العنوة ~~والصلح والاستسلام، لم يزل العلماء والكتاب والوزراء يحركون حميات ذوي ~~البصائر والأبصار، ويستنهضون عزماتهم في كل الأمصار" (1). # ولم يقتصر علماء الأندلس على الجهاد باللسان والقلم، بل شاركوا بأنفسهم ~~في المعارك ضد النصارى، ومن ذلك معركة طريف (2) وغيرها. # وقد عاصر الإمام الشاطبي رحمه الله ما يقارب أربعة ملوك من ملوك هذه ~~الدولة بداية من السلطان أبي الوليد إسماعل بن فرج 722 - 725 ه، ونهاية ~~بمحمد بن يوسف بن إسماعيل 755 - 793 ه. # ولا يظهر من ترجمة الإمام الشاطبي أنه كان ذا عناية بما يدور في الواقع ~~السياسي، وإنما كان شغله العلم والتعليم، والدعوة إلى السنة والنهي عن ~~البدع، والاجتهاد في الإصلاح. ولا شك أن ذلك من أعظم أسباب قيام الدول ~~وبقائها. PageV00P000 ### | المبحث الثاني الحالة الاجتماعية # لقد صور لنا لسان الدين ابن الخطيب الحالة الاجتماعية في مملكة غرناطة ~~تصويرا حسنا، ولا سيما أنه كان من أهلها. فقد تكلم عن سكان مملكة غرناطة من ~~حيث قوتهم، وعملتهم، وملابسهم، وحلي نسائهم، وأجناسهم البشرية، وتعداد ~~قراهم، وأحوالهم الدينية، بل حتى أوصافهم الخلقية. # فعن أقواتهم قال رحمه الله: "وقوتهم الغالب البر الطيب عامة العام ... ، ~~وفواكههم اليابسة عامة العام متعددة، يدخرون ms010 العنب سليما من الفساد إلى شطر ~~العام، إلى غير ذلك من التين والزبيب والتفاح .. ، إلى غير ذلك مما لا ينفد ~~ولا ينقطع مدده إلا في الفصل الذي يزهد في استعماله" (1). # ويقول رحمه الله عن عملتهم: "وصرفهم فضة خالصة، وذهب إبريز طيب محفوظ" ~~(2). # وعن خيرات بلادهم قال رحمه الله: "ولها معادن جوهرية من ذهب وفضة ورصاص ~~وحديد .. ، وقال بعض المؤرخين: ومن كرم أرضنا أنها لا تعدم زريعة بعد ~~زريعة، ورعيا بعد رعي طول العام، وفي عمالتها المعادن الجوهرية .. " (3)، ~~ثم ذكر خيراتها المتعددة. # وقال عن قرى هذه المملكة: "وتنيف أسماؤها على ثلاث مئة قرية ما ~~PageV00P000 # عدا ما يجاور الحضرة من كثير من قرى الإقليم، أو ما استضافته الحصون ~~المجاورة" (1). ثم شرع في ذكرها. # وقال في موضع آخر: "وقد ذكرنا أن أكثر هذه القرى أمصار فيها ما يناهز ~~خمسين خطبة، تنصب فيها لله المنابر، وترفع الأيدي، وتتوجه الوجوه" (2). # وقال عن ألسنتهم وأجناسهم: "وألسنتهم فصيحة عربية، ويتخللها غرب كثير، ~~وتغلب عليهم الإمالة، وأخلاقهم أبية في معاني المنازعات، وأنسابهم عربية، ~~وفيهم من البربر والمهاجرة كثير" (3). # ولقد جمعت مملكة غرناطة كثيرا من مسلمي الأندلس الذين كانوا يأوون إليها ~~بسبب احتلال النصارى لبلادهم مما أدى إلى استثمار ما في هذه البلاد من ~~خيرات وافرة. # وأما تجارة غرناطة فقد كانت تجارة واسعة بسبب الثغور الجنوبية البحرية، ~~لا سيما مالقة (4) والمرية (5)، فهي من أغنى الثغور الأندلسية وأزخرها ~~بالحركة التجارية، فاستطاعت غرناطة أن تربط صلات اقتصادية تجارية مع دول ~~أخرى" (6). # ويبدو أن الوضع الاقتصادي في زمن الإمام الشاطبي قد اعتراه الضعف حتى إن ~~بيت المال أصبح عاجزا عن تجديد بناء أسوار الحصون، واختلف PageV00P000 # الفقهاء هل يجوز توظيف ذلك على الأهالي؟ وكان الإمام الشاطبي ممن أفتى ~~بالجواز اعتمادا على مبدأ المصلحة المرسلة (1). # ومن مظاهر الضعف المالي: استفتاء بعضهم للإمام الشاطبي: "هل يباح لأهل ~~الأندلس بيع الأشياء التي منع العلماء بيعها من أهل الحرب كالسلاح وغيره، ~~لكونهم محتاجين إلى النصارى في أشياء أخرى من المأكول والملبوس وغير ذلك؟ ~~أم لا فرق بين ms011 أهل الأندلس وغيرهم من أرض الإسلام؟ ... " (2). # ولعل سبب ما وقع فيه أهل الأندلس من الضيق: بعدهم عن الله والإسراف في ~~التنعم، فقد وصفهم ابن الخطيب بالعناية البالغة بالتزين، كما ذكر فشو ~~الغناء في بلادهم؛ حيث قال عن نسائهم: "وقد بلغن من التفنن في الزينة لهذا ~~العهد، والمظاهرة بين المصبغات، والتنفيس بالذهبيات والديباجيات، والتماجن ~~في أشكال الحلي، إلى غاية نسأل الله أن يغض عنهن فيها عين الدهر، ويكفكف ~~الخطب، ولا يجعلها من قبيل الابتلاء والفتنة، وأن يعامل جميع من بها بستره، ~~ولا يسلبهم خفي لطفه بعزته وقدرته" (3). # وقال عن فشو الغناء عندهم: "والغناء بمدينتهم فاش حتى في الدكاكين التي ~~تجمع صنائعها كثيرا من الأحداث ... " (4). # وكانت البدع فاشية أيضا في هذا المجتمع، فقد قال الإمام الشاطبي في مقدمة ~~هذا الكتاب: " .. لأنه لما كثرت البدع وعم ضررها، واستطار شررها، ودام ~~الإكباب على العمل بها، والسكوت من المتأخرين على الإنكار لها، وخلفت بعدهم ~~خلوف جهلوا أو غفلوا عن القيام بفرض القيام PageV00P000 # فيها، صارت كأنها سنن مقررات، وشرائع من صاحب الشرع محررات، فاختلط ~~المشروع بغيره، فعاد الراجع إلى محض السنة كالخارج عنها كما تقدم، فالتبس ~~بعضها ببعض ... " (1). # ولا شك أن فشو المعاصي والبدع، وركون الناس إلى الدنيا سبب في زوال ~~النعم، وقد كانت هذه الأمور سببا في ذهاب دولة المسلمين بالأندلس. ~~PageV00P000 ### | المبحث الثالث الحالة العلمية # لقد كان الزمن الذي عاش فيه الإمام الشاطبي من أفضل الأزمنة العلمية، ~~سواء في المشرق أو في المغرب، فقد عاش الإمام الشاطبي في القرن الثامن ~~الهجري، وهو قرن حافل بشخصيات علمية ومؤلفات رائعة في جميع الفنون. # ففي المشرق كان زمن الإمام ابن القيم، والحافظ الذهبي، والإمام ابن كثير، ~~والإمام ابن رجب، وأمثال هؤلاء العلماء الكبار. # وفي المغرب أيضا كان المستوى العلمي في أروع مراحله، إذ نجد العلماء ~~الكبار، والفنون المتعددة، والمناظرات العلمية، واهتمام الأمراء بالعلم، ~~وغير ذلك من صور الرقي العلمي. # يقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: "وكان العلماء من سائر الفنون ~~متوافرين في بلاد الأندلس. وهذه طائفة كانت في ms012 عصر واحد أواخر القرن ~~الثامن، من سنة 772 حتى 800 ما منها إلا إمام يعنى إليه ويعتمد في علمه ~~عليه؛ مثل ابن جزي وابن لب وابن الفخار وابن الجياب وابن عاصم في الفقهاء، ~~وأبي حيان وابن الصايغ في النحاة، والشاطبي في الأصول وفلسفة الشريعة، وابن ~~الخطيب وابن زمرك والوزير ابن عاصم في رجال القلم والسياسة، وابن هذيل ~~الحكيم في الفلسفة. إنما كان القضاء الأخير على العلم بالأندلس في القرن ~~التاسع" (1). # وقد كان لاهتمام أمراء الدولة النصرية بالعلم وتشجيعهم لأهله دور ~~PageV00P000 # هام في رفع المستوى العلمي في مملكتهم، خاصة في عهد السلطان أبي الحجاج ~~يوسف بن إسماعيل النصري المتوفي سنة 755 ه، فقد كان عالما أديبا شغوفا ~~بالعلوم (1). # واشتهر الأمير أبو الوليد إسماعيل بن السلطان يوسف الثاني المتوفي سنة ~~805 ه بحبه للأدباء والعلماء، وله في الأدب كتاب "نثير الجمان في شعر من ~~نظمني وإياه الزمان"، وقد ترجم فيه لأعلام عصره في الشعر والأدب. # وأما عن المراكز العلمية في مملكة غرناطة، فاشتهر منها مركزان: # الأول: الجامع الأعظم، وقد كان مقصدا لطلاب العلم، كما كان مقصدا للعباد. ~~ومن أشهر مدرسيه: أبو سعيد فرج بن لب، وأبو بكر أحمد بن جزي. # الثاني: المدرسة النصرية، وقد أنشئت هذه المدرسة في عهد السلطان يوسف أبي ~~الحجاج المتوفي سنة 755 ه، وقد قال عنها لسان الدين ابن الخطيب: "جاءت ~~نسيجة وحدها بهجة وصدرا وظرفا وفخامة" (2). # وممن قام بالتدريس فيها محمد بن علي بن أحمد الخولاني المعروف بابن ~~الفخار المتوفي سنة 754 ه (3)، وفرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي المتوفي ~~سنة 783 ه (4). # وقد كان من أسباب هذه النهضة العلمية في غرناطة: تجمع مسلمي الأندلس فيها ~~بسب استيلاء النصارى على مدنهم، فاجتمعت في غرناطة ثقافات عديدة، وقدرات ~~علمية متنوعة. # وأما المذهب السائد عند أهل الأندلس فهو مذهب الإمام مالك رحمه الله (5)، ~~فقد كان هو العمدة في الفتوى والقضاء (6). PageV00P000 ### | الفصل الثاني حياة المؤلف الشخصية # * وفيه أربعة مباحث: ### | المبحث الأول: اسمه، وكنيته، ونسبه. # المبحث الثاني: مولده، ونشأته، ms013 وموطنه. # المبحث الثالث: محنته، وما ابتلي به، واتهامه من خصومه. # المبحث الرابع: وفاته. # PageV00P000 ### | المبحث الأول اسمه، وكنيته، ونسبه # أجمع من ترجم للإمام الشاطبي على أن اسمه: إبراهيم بن موسى بن محمد. ولم ~~يزيدوا على هذا الاسم أحدا. # أما كنيته: فقد أجمعوا أيضا على أن كنيته: أبو إسحاق. # وأما نسبه: فهو من قبيلة لخم، وهي قبيلة من قبائل اليمن، ومنهم كانت ملوك ~~العرب في الجاهلية، وهم آل عمرو بن عدي بن نصر اللخمي (1). # وأما نسبته: فهو الغرناطي الشاطبي. # فأما الغرناطي فنسبة إلى مملكة غرناطة التي عاش بها، وتقدم الكلام عليها. # وأما الشاطبي فنسبة إلى مدينة شاطبة، وهي مدينة في شرق الأندلس (2). # ولا نعلم سبب نسبته إلى شاطبة، فلعلها كانت مهاجر أسرته قبل غرناطة. ~~PageV00P000 ### | المبحث الثاني مولده، ونشأته، وموطنه # أما مولده: فلم يذكر أحد ممن ترجم له سنة ولادته ولا مكانها، بل إن منهم ~~من نص على أنه لم يقف عليها، كما قال أحمد بابا التنبكتي (1) -مع سعة ~~ترجمته-: "ولم أقف على مولده رحمه الله" (2). # وقد اجتهد الشيخ محمد أبو الأجفان في تقدير سنة ولادته فقال: "لم يعين ~~المترجمون لأبي إسحاق .. الشاطبي سنة ولادته، ويمكننا أن نقدر الفترة التي ~~ولد فيها، استنتاجا من تاريخ وفاة شيخه أبي جعفر أحمد بن الزيات الذي كان ~~أسبق شيوخه وفاة، فقد كانت وفاته سنة 728 ه، وهي السنة التي يكون فيها ~~مترجمنا يافعا، وذلك مما يجعلنا نرجح أن ولادته كانت قبيل سنة 720 ه" (3). # وأما نشأته وموطنه: فقد كانت في غرناطة آخر مملكة للمسلمين بالأندلس، ~~فبها نشأ، وبها طلب العلم، وفيها أصبح عالما مفتيا. ولم يذكر الذين ترجموا ~~له المسائل الدقيقة في نشأته، ولا ذكروا أسرته، وإنما ركزوا على ذكر شيوخه ~~وسماعاته رحمه الله. # ولم يذكر عن الإمام الشاطبي أنه رحل من غرناطة. PageV00P000 ### | المبحث الثالث محنته، وما ابتلي به، واتهامه من خصومه # كان لتصدي الإمام الشاطبي لأنواع من البدع التي ألفها الناس واعتادوها ~~أثره في المواجهة، ليس مع العامة والدهماء، بل ومع بعض العلماء، ومنهم من ms014 ~~كان من شيوخه، وكان مما اتهم به رحمه الله: ### $ 1 - القول بأن الدعاء لا ينفع وأنه لا فائدة فيه (1): # وسبب هذه التهمة أن الإمام الشاطبي لم يلتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في ~~أدبار الصلاة حالة الإمامة (2)، وقد كان الناس في الأندلس يلتزمونه في ذلك ~~الزمن. # وممن رمى الإمام الشاطبي بهذه التهمة شيخه أبو سعيد ابن لب (3). ~~PageV00P000 # وقد رد الإمام الشاطبي على أصحاب هذا القول، وبين أنه لم يكن من فعل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا من قوله ولا إقراره، كما لم يفعله أحد من ~~السلف (1). # ورأي الإمام الشاطبي في هذه المسألة هو الصواب، إذ إن هذا العمل من ~~المحدثات، وسبقه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الحكم ببدعية هذا العمل حيث ~~قال: "أما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقيب الصلوات فهو بدعة" (2). ### $ 2 - اتهم رحمه الله بالرفض وبغض الصحابة رضي الله عنهم: # وسبب هذه التهمة أن الإمام الشاطبي لم يلتزم ذكر الخلفاء الراشدين في ~~الخطبة على الخصوص، واحتج بأن ذلك لم يكن من شأن السلف في خطبهم، ولا ذكره ~~أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب (3). # وليس في موقف الإمام الشاطبي من هذه المسألة ما يدل على بغضه للصحابة رضي ~~الله عنهم، ثم إن له سلفا فيما ذهب إليه، فقد عزا هذا القول إلى أصبغ (4)، ~~والعز بن عبد السلام (5) كما سيأتي في المقدمة. # وإذا نظرنا إلى أن ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة كان ملتزما به في بيئة ~~الإمام الشاطبي، بل يعد تاركه مبتدعا، فلا شك أن كسر هذه القاعدة أمر ~~مطلوب، لأن ذكر الخلفاء الراشدين في الخطبة ليس ركنا فيها ولا واجبا. # والمسألة من المسائل الخلافية، ولشيخ الإسلام ابن تيمية تفصيل فيها؛ حيث ~~ذكر أن من أهل السنة من يفعله ومنهم من يتركه، إلا أنه قد يكون مأمورا به ~~إذا كان فيه تحصيل لمقصد شرعي؛ كالرد على الخوارج الذين PageV00P000 # يبغضون عليا وعثمان ويكفرونهما (1). # والذي رمى الشاطبي بذلك هو شيخه أبو سعيد ابن لب (2). ### $ 3 - اتهم الإمام الشاطبي رحمه الله بالقول بجواز ms015 القيام على الأئمة حيث قال: # "وتارة أضيف إلي القول بجواز القيام على الأئمة، وما أضافوه إلا من عدم ~~ذكري لهم في الخطبة، وذكرهم فيها محدث لم يكن عليه من تقدم" (3). # وهذه المسألة من جنس المسألة التي قبلها، وليس في موقف الشاطبي منها ما ~~يدل على هذه التهمة، بل له سلف فيما ذهب إليه، فإن ترك الدعاء لأحد في ~~الخطبة هو رأي الإمام الشافعي في كتابه "الأم" (1/ 202 - 203)، والإمام ~~البيهقي في "السنن الكبرى" (3/ 217)، والعز بن عبد السلام في "فتاويه"، ~~فتوى رقم (16). # وهناك من أجاز الدعاء للسلطان في الخطبة؛ كالطحطاوي في "حاشيته على مراقي ~~الفلاح" (ص 422)، والإمام النووي في "روضة الطالبين" (4/ 527)، والإمام ابن ~~قدامة في "المغني" (2/ 157). ### $ 4 - اتهم الإمام الشاطبي رحمه الله بالتزام الحرج والتنطع في الدين: # وسبب هذا كما قال الشاطبي: "وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف ~~والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه، وهم يتعدونه ويفتون بما ~~يسهل على السائل ويوافق هواه، وإن كان شاذا في المذهب الملتزم أو في غيره، ~~وأئمة العلم على خلاف ذلك ... " (4). # وليس في موقف الشاطبي أي تنطع، وانما أراد إغلاق باب تتبع PageV00P000 # الرخص، وتحكيم الهوى في اختيار الفتوى. وقد تكلم الإمام الشاطبي عن هذه ~~المسألة بشكل أوسع في كتابه الموافقات (1). # والصواب أن الفتوى ينبغي أن تكون بالقول الراجح الذي يعضده الدليل، سواء ~~كان في المذهب أو في غيره من المذاهب الأخرى. ### $ 5 - اتهم أيضا بمعاداة أولياء الله: # قال رحمه الله: "وسبب ذلك أني عاديت بعض الفقراء المبتدعين المخالفين ~~للسنة، المنتصبين -بزعمهم- لهداية الخلق، وتكلمت للجمهور على جملة من أحوال ~~هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الصوفية ولم يتشبهوا بهم" (2). # وقد وصف الإمام الشاطبي طريقة هؤلاء الصوفية في زمنه بقوله: "حتى صارت في ~~هذا الزمان الأخير كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -" (3). # ولا شك أن هؤلاء تجب معاداتهم في الله. ### $ 6 - اتهم رحمه الله بأنه مخالف للسنة والجماعة، حيث قال: # "وتارة نسبت إلى مخالفة السنة والجماعة، بناء منهم على ms016 أن الجماعة التي ~~أمر باتباعها وهي الناجية، ما عليه العموم، ولم يعلموا أن الجماعة ما كان ~~عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعون لهم بإحسان" (4). # وقد تكلم الإمام الشاطبي عن المراد بالجماعة الواردة في الحديث بشكل أوسع ~~في الباب التاسع من الكتاب (5). # وقد رد الإمام الشاطبي هذه الافتراءات بقوله: "وكذبوا علي في جميع ~~PageV00P000 # ذلك، أو وهموا (1)، والحمد لله على كل حال" (2). # ولا شك أن الإمام الشاطبي كان بريئا من هذه التهم الزائفة التي لا مستند ~~لها إلا الجهل والتعصب واتباع الهوى، فلم نجد في شيء من كتب الإمام الشاطبي ~~ما يشهد لشيء من هذه المزاعم الكاذبة. # وقد كان لهذه المزاعم تأثير بالغ في نفس الإمام الشاطبي كما هو واضح من ~~مقدمته للاعتصام، إلا أن ذلك لم يثنه عن الحق، بل ازداد ثباتا على ما ~~اعتقده وكان من ثمرات ما ابتلي به الإمام الشاطبي اعتناؤه بموضوع البدع ~~والتأليف فيه. PageV00P000 ### | المبحث الرابع وفاته # توفي الإمام الشاطبي رحمه الله في يوم الثلاثاء الثامن من شعبان سنة 790 ~~ه في مدينة غرناطة. # ولم يقع خلاف في تاريخ وفاته رحمه الله (1). PageV00P000 ### | الفصل الثالث حياة المؤلف العلمية # * وفيه خمسة مباحث: ### | المبحث الأول: طلبه للعلم وشيوخه. # المبحث الثاني: تلاميذه. # المبحث الثالث: ثقافته ومؤلفاته. # المبحث الرابع: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه. # المبحث الخامس: عقيدته. # PageV00P000 ### | المبحث الأول طلبه للعلم وشيوخه # لقد اشتغل الإمام الشاطبي بالعلم منذ صباه، وسلك في طلبه مسلكا تربويا ~~حسنا، حيث بدأ بأصول الدين عملا واعتقادا، ثم بفروعه المبنية على تلك ~~الأصول، وقد امتاز طلبه للعلم بالشمولية حيث لم يقتصر من العلوم على علم ~~دون علم، ولا أفرد عن أنواعه نوعا دون آخر، ولم يزل كذلك إلى أن من الله ~~عليه، فشرح له من معاني الشريعة ما لم يكن في حسابه، وسيأتي نص كلامه عن ~~طلبه للعلم (1). # وقد أخذ الإمام الشاطبي العلم عن علماء كبار، كان لهم الفضل بعد الله في ~~نبوغه وتقدمه في العلم، وقد أجازه بعضهم في ما أخذ عنهم من العلوم، وقد ms017 أخذ ~~عن بعضهم العلوم بأسانيدها، وفيما يلي ذكرهم مع إشارة يسيرة لتراجمهم: ### $ 1 - أبو عبد الله محمد بن الفخار (2) (ت 754 ه): # قال عنه في نفح الطيب: "الإمام المجمع على إمامته في فن العربية، المفتوح ~~عليه من الله تعالى فيها حفظا واطلاعا واضطلاعا ونقلا وتوجيها، بما لا مطمع ~~فيه لسواه" (3). وقد قرأ عليه الإمام الشاطبي القرآن بالقراءات السبع في ~~سبع ختمات، وأكثر عليه في التفقه في العربية وغيرها (4)، ولازمه إلى أن مات ~~(5). PageV00P000 ### $ 2 - أبو سعيد فرج بن قاسم بن أحمد بن لب التغلبي (1) (ت 782 ه): # كان مفتي غرناطة، وخطيب الجامع الأعظم، والمدرس بالمدرسة النصرية. # قال عنه المقري: "قل من لم يأخذ عنه في الأندلس في وقته" (2)، وقد عرض ~~عليه الإمام الشاطبي مختصر ابن الحاجب في الأصول في مجلس واحد، وأجاز له أن ~~يروي عنه (3)، وقد ناظره الإمام الشاطبي في مسألة دعاء الإمام بعد الصلاة ~~على الهيئة الاجتماعية (4). ### $ 3 - أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد المقري (5) (الجد) (ت 759 ه): # إمام علامة، كان قاضي الجماعة بفاس، ومن كتبه: كتاب القواعد، وكتاب الطرف ~~والتحف، وكتاب اختصار المحصل وغيرها. # وقد تفقه به الإمام الشاطبي، وسمع عليه بعضا من كتابه المسمى بتكميل ~~التعقيب على صاحب التهذيب، وبعض لمحة العارض تكملة ألفية ابن الفارض من ~~نظمه، وبعض اختصاره لجمل الخونجي، وتمهيد القواعد له أيضا. # وسمع عليه جميع كتاب الحقائق والرقائق من تأليفه، وأجازه به وبجميع ~~ثلاثيات البخاري (6). PageV00P000 ### $ 4 - أبو علي منصور بن عبد الله الزواوي (1): # له مشاركة في كثير من العلوم العقلية والنقلية، ونظر في الأصول والمنطق ~~والكلام .. ، قدم الأندلس عام 753 ه، وكان حيا بعد عام 770 ه. قرأ عليه ~~الإمام الشاطبي مختصر منتهي السول والأمل في علمي الأصول والجدل للإمام أبي ~~عمرو بن الحاجب من أول مبادئ اللغة إلى آخره بلفظه إلا يسيرا منه سمعه ~~بقراءة غيره، وكل ذلك قراءة تفقه ونظر، وأجازه إجازة عامة بشرطها (2). ### $ 5 - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق الخطيب التلمساني (3) (ت 781 ه): ms018 # رحل مع والده للشرق سنة (718 ه)، وأخذ في رحلته عن نحو ألفي شيخ من أهل ~~المشرق والمغرب، وبرع في الطب والرواية، ومن تصانيفه شرح العمدة في الحديث ~~(خمس مجلدات)، وشرح الشفا في التعريف بحقوق المصطفي لم يكمل، وشرح الأحكام ~~الصغرى لعبد الحق. # وقد سمع عليه الإمام الشاطبي جميع الجامع الصحيح للبخاري، بقراءة غيره ~~عليه، وموطأ الإمام مالك بن أنس برواية يحيى بن يحيى، وذلك بالمدرسة ~~النصرية، وأجازه بهما بجميع ما يحمل إجازة عامة بشرطها (4). ### $ 6 - أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسني السبتي (5) (ت 760 ه): # رئيس العلوم اللسانية بالأندلس، ولي ديوان الإنشاء بغرناطة، PageV00P000 # ثم القضاء والخطابة فيها، له شروح في الأدب والنحو. # وقد ذكره التنبكتي ضمن شيوخ الشاطبي (1)، ونقل عنه الشاطبي بعض الفوائد ~~(2). ### $ 7 - أبو عبد الله محمد بن أحمد الشريف التلمساني (3) (ت 771 ه): # من أعلام المالكية، انتهت إليه إمامتهم بالمغرب، من كتبه المفتاح في أصول ~~الفقه، وشرح جمل الخونجي. بنيت له مدرسة فقام يدرس بها إلى أن مات، ذكره ~~أحمد بابا التنبكتي ضمن شيوخ الشاطبي (4)، ونقل عنه الشاطبي بعض الشعر (5). ### $ 8 - أبو عبد الله محمد بن أبي الحجاج يوسف بن عبد الله بن محمد اليحصبي اللوشي (6) (ت 752 ه): # اشتهر بالأدب الجيد، وكان خطيبا بالمسجد الجامع بغرناطة، تزهد في آخر ~~حياته. # وقد استجازه الإمام الشاطبي فأجازه إجازة عامة (7). ### $ 9 - أبو عبد الله محمد بن علي بن أحمد البلنسي الأوسي (8) (ت 782 ه): # من علماء غرناطة. لازم شيخ الجماعة ابن الفخار وانتفع به، وكان ~~PageV00P000 # قائما على العربية والبيان متقنا، ألف كتابا في تفسير القرآن متعدد ~~الأسفار، واستدرك على السهيلي في أعلام القرآن كتابا نبيلا. # وقد ذكره التنبكتي ضمن شيوخ الشاطبي (1)، ونقل عنه الشاطبي في الإفادات ~~(2). ### $ 10 - أبو جعفر أحمد بن الحسن الكلاعي المعروف بابن الزيات (3) (ت 728 ه): # قال عنه ابن الخطيب: "كان جليل القدر، كثير العبادة، عظيم الوقار، حسن ~~الخلق" (4). # تصانيفه كثيرة، منها: تلخيص الدلالة في تلخيص الرسالة، والمعارف الربانية ~~واللطائف الروحانية. # وقد نقل الإمام الشاطبي ms019 عنه قوله: "لو كان لي بيت مال لأنفقته على طلاب ~~العلم، لأنهم قدوتنا وسادتنا ... " (5). ### $ 11 - أبو جعفر أحمد بن آدم الشقوري (6): # فقيه، نحوي، فرضي، كان يدرس بغرناطة كتاب سيبويه، وقوانين ابن أبي ~~الربيع، وألفية ابن مالك، والمدونة الكبرى. # ذكره التنبكتي ضمن شيوخ الإمام الشاطبي (7). PageV00P000 ### | المبحث الثاني: تلاميذه # أخذ عن الإمام الشاطبي عدد من طلاب العلم النجباء، وكان منهم: ### | 1 - # أبو يحيى محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عاصم الغرناطي الإمام العالم ~~المحقق البليغ، صحب الإمام الشاطبي وأخذ عنه وانتفع به، له تأليف كبير في ~~الانتصار للإمام الشاطبي، رد فيه على شيخه أبي سعيد ابن لب في مسألة الدعاء ~~بعد الصلاة، استشهد سنة (813 ه) (1). ### | 2 - # أبو بكر محمد بن محمد بن عاصم الغرناطي الفقيه الأصولي المحدث، أخذ عن ~~أعلام منهم الإمام الشاطبي، وله تآليف كثيرة منها التحفة، وله أرجوزة في ~~الأصول، واختصار الموافقات، توفي سنة (829 ه) (2). ### | 3 - # الشيخ أبو عبد الله محمد البياني، تتلمذ على الإمام الشاطبي، وأخذ عنه ~~خلق كثير مثل أبي يحيى بن عاصم وعبد الله بن جزي وغيرهم (3). ### | 4 - # أبو جعفر أحمد القصار الأندلسي الغرناطي، تتلمذ على الإمام الشاطبي، وقد ~~قال إن الإمام الشاطبي كان يطالعه ببعض المسائل حين PageV00P000 # تصنيفه الموافقات، ويباحثه فيها، وبعد ذلك يضعها في الكتاب على عادة ~~الفضلاء ذوي الانصاف (1). ### | 5 - # أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي بن عبد الواحد المجاري الأندلسي له ~~مؤلف ترجم فيه لشيوخه، ومنهم الإمام الشاطبي، وغالب ترجمته تعداد ما قرأ ~~عليه وذكر شيوخه. توفي سنة 862 ه (2). ### | 6 - # أبو عبد الله محمد بن علي بن أشرص العالم الجليل الإمام الفقيه، أخذ عن ~~جماعة من العلماء منهم ابن رشيد وأبي جعفر الزيات وابن الفخار وأبي إسحاق ~~الشاطبي. توفي سنة 848 ه (3). # هؤلاء هم أشهر تلاميذ الإمام الشاطبي رحمه الله. PageV00P000 ### | المبحث الثالث ثقافته ومؤلفاته # كان الإمام الشاطبي رحمه الله يتمتع بثقافة واسعة، فقد جمع علوما شتى، ~~ومعارف عديدة، وقد نص في مقدمة الكتاب على أنه نظر ms020 في عقليات العلم ~~وشرعياته، وأنه لم يقتصر منه على علم دون علم (1). # وإذا نظرنا إلى ما تلقاه من العلوم عن شيوخه، أدركنا سعة ما جمع من ~~الفنون. فنجد أن له باعا في القراءات واللغة والنحو والفقه والأصول والحديث ~~وغيرها، إلا أن تفوقه في علم الأصول ومقاصد الشريعة هو أبرز سماته العلمية. # والناظر في كتب الشاطبي يجد فيها خير شاهد على سعة اطلاعه وغزارة علمه، ~~مع الدقة والتحقيق لما يقرره رحمه الله. # وله بعض المشاركات الشعرية، ومن ذلك: قصيدته التي قالها بمناسبة تأليف ~~شيخه أبي عبد الله بن مرزوق (2) لكتاب في شرح الشفا للقاضي عياض (3)، حين ~~طلب شيخه من علماء الأندلس نظم قصائد تتضمن مدح الشفا ليجعلها في طالعة ~~شرحه عليه، فقال الشاطبي: # يا من سما لمراقي المجد مقصده ... فنفسه بنفيس العلم قد كلفت # هذي رياض يروق العلم مخبرها ... هي الشفا لنفوس الخلق إن دنفت # يجنى بها زهر التقديم أو ثمر ال ... تعظيم والفوز للأيدي التي اقتطفت # أبدت لنا من سناها كل واضحة ... حسانه دونها الأطماع قد وقفت PageV00P000 # وشيد العقد أركان مؤكدة ... بها على متن أهل الشرع قد وقعت # قوت القلوب وميزان العقول متى ... حادت عن الحجة الكبرى أو انحرفت # فيا أبا الفضل حزت الفضل في عرض ... بها أقرت لك الأعلام واعترفت # وكنت بحر علوم ضل ساحله ... منه استمدت عيون العلم واغترفت # زارته من نسمات القدس باسمة ... فحركت منه مدح الفكر حين وفت # حتى إذا طفئت أرجاؤه قذفت ... لنا بدرتها الحسناء وانصرفت # إن العناية لا يحظى بنائلها ... حريصها بل على التخصيص قد وقفت (1) # ومن شعره رحمه الله لما ابتلي بالبدع: # بليت يا قوم والبلوى منوعة ... بمن أداريه حتى كاد يرديني # دفع المضرة لا جلب لمصلحة ... فحسبي الله في عقلي وفي ديني (2) # وأما مؤلفات الإمام الشاطبي، فقد ألف رحمه الله كتبا نافعة، قال عنها ~~التنبكتي في نيل الابتهاج: "ألف تآليف نفيسة، اشتملت على تحريرات للقواعد ~~وتحقيقات لمهمات الفوائد" (3). # وهذه الكتب منها المطبوع، ومنها ما لم يطبع، وبعضها لا نعلم عنها شيئا. ### | فأما ms021 كتبه المطبوعة فهي: ### $ 1 - الموافقات في أصول الشريعة: # وهذا الكتاب من أحسن ما ألفه الإمام الشاطبي من الكتب، بل من أحسن ما ألف ~~في موضوعه، وهو في أصول الفقه، إلا أن المؤلف ركز فيه على مقاصد الشريعة ~~وأسرار التكليف، فجاء هذا الكتاب متميزا على ما قبله من الكتب في هذا ~~الموضوع. # ولقد وجد هذا الكتاب قبولا وثناء من كثير من العلماء، سواء PageV00P000 # المتقدمين أو المتأخرين، فقد قال عنه التنبكتي في نيل الابتهاج: "وكتاب ~~الموافقات في أصول الفقه كتاب جليل القدر جدا، لا نظير له، يدل على إمامته ~~وبعد شأوه في العلوم سيما علم الأصول، قال الإمام الحفيد ابن مرزوق: كتاب ~~الموافقات المذكور من أقبل الكتب ... " (1). # وقال عنه الشيخ عبد الله دراز في مقدمته على الكتاب: "لم تقف به الهمة في ~~التجديد والعمارة لهذا الفن عند حد تأصيل القواعد، وتأسيس الكليات المتضمنة ~~لمقاصد الشارع في وضع الشريعة، بل جال في تفاصيل مباحث الكتاب أوسع مجال، ~~وتوصل باستقرائها إلى استخراج درر غوال لها أوثق صلة بروح الشريعة ... " ~~(2). # والكتاب ينحصر في خمسة أقسام كما قال الإمام الشاطبي في مقدمته: # الأول: في المقدمات العلمية المحتاج إليها في تمهيد المقصود. # والثاني: في الأحكام وما يتعلق بها من حيث تصورها والحكم بها أو عليها، ~~كانت من خطاب الوضع أو من خطاب التكليف. # والثالث: في المقاصد الشرعية في الشريعة وما يتعلق بها من الأحكام. # والرابع: في حصر الأدلة الشرعية، وبيان ما ينضاف إلى ذلك فيها على الجملة ~~وعلى التفصيل، وذكر مآخذها، وعلى أي وجه يحكم بها على أفعال المكلفين. # والخامس: في أحكام الاجتهاد والتقليد، والمتصفين بكل واحد منهما (3). # والكتاب مطبوع عدة طبعات، منها طبعة محققة بعناية الشيخ مشهور حسن سلمان ~~جزاه الله خيرا. PageV00P000 ### $ 2 - الاعتصام: # وهو كتابنا الذي بين أيدينا، وسيأتي الكلام عليه. ### | 3 - # الإفادات والإنشادات: # وهذا الكتاب عبارة عن فوائد وطرف وملح وإنشادات نقلها الإمام الشاطبي عن ~~بعض شيوخه، وعن بعض من التقى بهم من العلماء. # قال في نيل الابتهاج: "وكتاب ### | الإفادات والإنشادات # في كراسين، فيه ms022 طرف وتحف وملح أدبيات وإنشادات" (1). # وقد حققه الدكتور محمد أبو الأجفان، وطبعته مؤسسة الرسالة سنة 1403 ه. ### $ 4 - فتاوى الإمام الشاطبي: # وهذا الكتاب لم يؤلفه الشاطبي، وإنما جمعه الدكتور محمد أبو الأجفان من ~~كتب مخطوطة ومطبوعة للشاطبي. # وقد بلغت هذه الفتاوى ستين فتوى في الفقه والحديث والعقيدة ومسائل البدع. # وقد طبع هذا الكتاب سنة 1405 ه بمطبعة الكواكب بتونس. ### | وأما كتبه التي لم تطبع بعد، فمنها: ### $ 1 - شرح جليل على الخلاصة في النحو: (في أربعة أسفار): # قال عنه أحمد بابا التنبكتي في النيل: "لم يؤلف عليه مثله بحثا وتحقيقا ~~فيما أعلم" (2). ### $ 2 - كتاب المجالس: # قال في النيل: "شرح فيه كتاب البيوع من صحيح البخاري، فيه من PageV00P000 # الفوائد والتحقيقات ما لا يعلمه إلا الله" (1). ### $ 3 - شرح رجز ابن مالك في النحو (الألفية) (2): # وقد قام بتحقيقه عدد من أساتذة جامعة أم القرى، ولم يطبع بعد. ### $ 4 - عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق. ### $ 5 - أصول النحو. # والكتابان الأخيران ذكر أحمد بابا أنهما أتلفا في حياته (3). PageV00P000 ### | المبحث الرابع مكانته العلمية وثناء العلماء عليه # للإمام الشاطبي رحمه الله مكانة علمية رفيعة، وتبرز مكانته العلمية من ~~خلال ثناء العلماء عليه وعلى كتبه الرائعة. # فقد أثنى عليه كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين، وسوف أذكر شيئا من ~~كلامهم على وجه الإجمال: # فمن ذلك ما ذكره أحمد بابا في ترجمته حيث قال: " ... الإمام العلامة ~~المحقق القدوة الحافظ الجليل المجتهد، كان أصوليا، مفسرا، فقيها، محدثا، ~~لغويا، بيانيا، نظارا، ثبتا، ورعا، صالحا، زاهدا، سنيا، إماما مطلقا، بحاثا ~~مدققا، جدليا، بارعا في العلوم، من أفراد العلماء المحققين الأثبات، وأكابر ~~الأئمة المتفننين الثقات، له القدم الراسخ والإمامة العظمى في الفنون فقها ~~وأصولا وتفسيرا وحديثا وعربية وغيرها، مع التحري والتحقيق، له استنباطات ~~جليلة، ودقائق منيفة، وفوائد لطيفة، وأبحاث شريفة، وقواعد محررة محققة، على ~~قدم راسخ من الصلاح # والعفة والتحري والورع، حريصا على اتباع السنة، مجانبا للبدع والشبهة، ~~ساعيا في ذلك، مع تثبت تام، منحرف عن كل ما ينحو للبدع وأهلها ... " (1). # وقال عنه الإمام الحفيد ابن ms023 مرزوق فيما نقل عنه في النيل: "الإمام المحقق ~~العلامة الصالح أبو إسحاق" (2). # وقال عنه تلميذه عبد الله المجاري: "الإمام العلامة الشهير، نسيج ~~PageV00P000 # وحده، وفريد عصره، أبو إسحاق ... " (1). # وهذا بعض ما أثنى عليه به المتقدمون، وأما ثناء المتأخرين عليه فهو كثير، ~~وأكتفي بذكر شيء من كلام الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله في مقدمته على ~~الاعتصام، حيث قال: "لولا أن هذا الكتاب ألف في عصر ضعف العلم والدين في ~~المسلمين، لكان مبدأ نهضة جديدة لإحياء السنة، وإصلاح شؤون الأخلاق ~~والاجتماع، ولكان المصنف بهذا الكتاب وبصنوه كتاب "الموافقات" -الذي لم ~~يسبق إلى مثله سابق أيضا- من أعظم المجددين في الإسلام، فمثله كمثل الحكيم ~~الاجتماعي عبد الرحمن بن خلدون، كل منهما جاء بما لم يسبق إلى مثله، ولم ~~تنتفع الأمة كما كان يجب بعلمه" (2). # هذا بعض من ثناء العلماء عليه رحمه الله. # ومن أهم الأسباب التي جعلته يحتل هذه المكانة، وينال هذا الذكر الحسن: ما ~~كان يتحلى به من الصدق مع الله تعالى، وتحري الحق، وتطلبه ولزومه، والثبات ~~عليه، وإن خالفه أكثر الناس. وهذا أمر واضح لمن نظر في سيرته، وقرأ كلامه، ~~سيما مقدمته للاعتصام، حيث صدع بالحق، ونهى عن البدع وثبت على موقفه صابرا ~~محتسبا، مع كثرة الاتهامات والافتراءات التي وجهت إليه بسبب ذلك. وكان من ~~نتيجة ذلك عنايته بموضوع البدع وتصنيفه فيه. PageV00P000 ### | المبحث الخامس عقيدته # (1) # ليس للإمام الشاطبي رحمه الله مؤلف مستقل في أبواب العقيدة حتى يمكن ~~الباحث معرفة رأيه في كل مسألة على وجه الدقة، ولكن كتبه لا تخلو من الكلام ~~على بعض المسائل العقدية التي تأتي عرضا في كلامه. # ومن خلال النظر في هذه المسائل نجد أن للمؤلف ميلا إلى المذهب الأشعري. ~~وقبل ذكر أمثلة من المسائل التي مال فيها الإمام الشاطبي إلى مذهب ~~الأشاعرة، تجدر الإشارة إلى بعض الأفكار المنهجية عند المؤلف في مسائل ~~العقيدة، ومن أهمها: ### | 1 - # يرى الإمام الشاطبي أن خبر الآحاد دليل ظني، وأنه لا يؤخذ به في الأمور ~~القطعية، إلا إذا شهد له أصل قطعي ms024 كآية قرآنية أو سنة متواترة. # وهذا الرأي للإمام الشاطبي هو مضمون كلامه في عدة مواضع من كتبه، ومن ذلك ~~قوله أثناء رده على المبتدعة الذين يردون أحاديث الآحاد جملة: " .. فعلى كل ~~تقدير خبر واحد صح سنده، فلا بد من استناده إلى أصل في الشريعة قطعي فيجب ~~قبوله، ومن هنا قبلناه مطلقا ... " (2). # وقال في معرض رده على المبتدعة الذين يستحسنون بعض البدع، ويحتجون على ~~ذلك بحديث: "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله PageV00P000 # حسن" (1)، قال: "والثاني أنه خبر واحد في مسألة قطعية فلا يسمع" (2). # وقال في موطن آخر: "كل دليل شرعي إما أن يكون قطعيا أو ظنيا، فإن كان ~~قطعيا، فلا إشكال في اعتباره، وإن كان ظنيا، فإما أن يرجع إلى أصل قطعي أو ~~لا، فإن رجع إلى قطعي فهو معتبر أيضا، وإن لم يرجع وجب التثبت فيه ولم يصح ~~إطلاق القول بقبوله ... " (3). # وقد تكلم الإمام الشاطبي في المسألة في مواطن أخرى (4)، إلا أنها تدور ~~حول ما تقدم. # وهذا الرأي للإمام الشاطبي متأثر برأي بعض الأشاعرة في المسألة (5)، وهو ~~رأي مخالف لقول أهل السنة الذين يرون أن خبر الآحاد يفيد العلم إذا احتفت ~~به القرائن، وتلقته الأمة بالقبول، وينبني على ذلك الاحتجاج به في المسائل ~~القطعية وغيرها، دون تفريق بين مسائل الاعتقاد أو غيرها. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "مذهب أصحابنا أن أخبار الآحاد المتلقاة ~~بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات" (6). # وقال الإمام ابن القيم نقلا عن شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما القسم ~~الثاني من الأخبار فهو ما لا يرويه إلا الواحد العدل ونحوه، ولم يتواتر ~~لفظه ولا معناه، ولكن تلقته الأمة بالقبول عملا به أو تصديقا له .. ، فهذا ~~يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من الأولين ~~والآخرين" (7). PageV00P000 # وقال في موضع آخر: "وأما الجزم بصحته فإنه يحتف به من القرائن ما يوجب ~~العلم، إذ القرائن المجردة قد تفيد العلم بمضمونها، فكيف إذا احتفت بالخبر ~~.. " (1). # وقال الإمام ابن أبي العز: "وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، عملا ~~به، ms025 وتصديقا له، يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد مسمى ~~التواتر، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع" (2). ### | 2 - # جعل الإمام الشاطبي نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، ~~وهذا القول خلاف قول أهل السنة الذين يجعلونها من المحكم (3)، فيؤمنون بما ~~دلت عليه من المعاني التي تليق به سبحانه، ويفوضون كيفيتها إلى الله ~~سبحانه، فإن علم كيفيتها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. # ومما يدل على ذلك من كلامه: قوله: "والثاني: أنه إذا وجد في الشرع أخبارا ~~تقتضي ظاهرا خرق العادة الجارية المعتادة، فلا ينبغي له أن يقدم بين يديه ~~الإنكار بإطلاق، بل له سعة في أحد أمرين: إما أن يصدق به على حسب ما جاء، ~~ويكل علمه إلى عالمه، وهو ظاهر قوله تعالى: {والراسخون في العلم يقولون ~~آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] يعني الواضح المحكم، والمتشابه ~~المجمل، إذ لا يلزمه العلم به، ولو لزم العلم به لجعل له طريق إلى معرفته، ~~وإلا كان تكليفا بما لا يطاق، وإما أن يتأوله على ما يمكن حمله عليه مع ~~الإقرار بمقتضى الظاهر، لأن إنكاره إنكار لخرق العادة فيه. # وعلى هذا السبيل يجري حكم الصفات التي وصف الباري بها نفسه، لأن من نفاها ~~نفى شبه صفات المخلوقين، وهذا منفي عند الجمهور، فبقي الخلاف في نفي عين ~~الصفة أو إثباتها، فالمثبت أثبتها صفة على شرط نفي PageV00P000 # التشبيه، والمنكر لأن يكون ثم صفة غير شبيهة بصفات المخلوقين منكر لأن ~~يثبت أمر إلا على وفق المعتاد" (1). # وقال في موضع آخر ضمن كلامه على انحراف المبتدعة واتباعهم للمتشابه: ~~"ومثاله في ملة الإسلام: مذهب الظاهرية في إثبات الجوارح للرب المنزه عن ~~النقائص؛ من العين واليد والرجل والوجه المحسوسات، والجهة، وغير ذلك من ~~الثابت للمحدثات" (2). ### | 3 - # يذهب الإمام الشاطبي إلى القول بتأويل بعض الصفات إذا احتيج إلى التأويل، ~~ويرى أن هناك سعة لمن يأخذ به عند الحاجة. # وقد تقدم كلامه في الفقرة السابقة (3)، وهو رأي الأشاعرة في هذه المسألة. ### | 4 - # يرى الإمام ms026 الشاطبي رحمه الله أن الخلاف الواقع بين أهل السنة وبين أهل ~~البدع في الصفات خلاف في الفروع، لا في الأصول، ولا سيما إذا وقع ذلك منهم ~~بقصد حسن. # قال رحمه الله وهو يتحدث عن عدم تكفير المبتدعة، وأن منهم من ليس بمتبع ~~للهوى بإطلاق: "وأيضا فقد ظهر منهم اتحاد القصد مع أهل السنة على الجماعة ~~من مطلب واحد، وهو الانتساب إلى الشريعة. ومن أشد مسائل الخلاف -مثلا- ~~مسألة إثبات الصفات؛ حيث نفاها من نفاها، فإنا إذا نظرنا إلى مقاصد ~~الفريقين وجدنا كل واحد منهما حائما حول حمى التنزيه ونفي النقائص وسمات ~~الحدوث، وهو مطلوب الأدلة. وإنما وقع اختلافهم في الطريق، وذلك لا يخل بهذا ~~القصد في الطرفين معا، فحصل في هذا الخلاف أشبه الواقع بينه وبين الخلاف ~~والواقع في الفروع" (4). ### | 5 - # نص الإمام الشاطبي على أن مذهب السلف هو الصواب وأنه PageV00P000 # أسلم، إلا أنه ظن أن مذهب السلف في الصفات هو مجرد التصديق والتفويض ~~المطلق. والسلف إنما فوضوا الكيفية وأثبتوا المعنى. # يقول الشاطبي: "وأما مسائل الخلاف وإن كثرت، فليست من المتشابهات بإطلاق، ~~بل فيها ما هو منها وهو نادر كالخلاف الواقع فيما أمسك عنه السلف الصالح ~~فلم يتكلموا فيه بغير التسليم له والإيمان بغيبة المحجوب أمره عن العباد؛ ~~كمسائل الاستواء والنزول وأشباه ذلك. وحين سلك الأولون فيها مسلك التسليم ~~وترك الخوض في معانيها دل على أن ذلك هو الحكم عندهم فيها، وهو ظاهر ~~القرآن" (1). # وقال بعد ذكره لما ذهب إليه بعض المتأخرين من تأويل الصفات: "وهي مسألة ~~اجتهادية، ولكن الصواب من ذلك ما كان عليه السلف" (2). # ويتضح من آراء الشاطبي المتقدمة أنه متأثر بالأشاعرة في الصفات كما يتضح ~~أنه لم يكن متعصبا لهذا المذهب. # ولا يبدو موقف الشاطبي واضحا أمام مسائل الصفات، فنجد أنه أثنى على مذهب ~~السلف وعده أصوب، كما نجد أنه عذر من تأولها، وعد الجميع مجتهدين. # ولعل سبب هذا الموقف للشاطبي ظنه بأن مذهب السلف تفويض معاني هذه الصفات، ~~وأنه لا يفهم منها شيء، وإلا لو أنه ذهب ms027 فيها مذهب أهل السنة والجماعة من ~~إثبات معانيها على الوجه الذي يليق به سبحانه، وتفويض كيفيتها إليه سبحانه، ~~لما وسعه إعذار من تأولها وصرفها عن ظاهرها. # وأيضا هناك سبب آخر لموقف الإمام الشاطبي وهو أنه عد الخلاف في هذه ~~المسائل شبه الخلاف الواقع في الفروع، فهو مسألة اجتهادية. # والصواب أن الخلاف في هذه المسائل العقدية ليس كالخلاف في PageV00P000 # مسائل الفروع الاجتهادية، فالخلاف في مسائل الفروع مستساغ، ولكنه في ~~مسائل العقيدة مذموم، ولا يعذر أحد في ترك الحق الذي سار عليه أهل السنة ~~والجماعة الذين أثبتوا معاني هذه الصفات على ما يليق بجلال الله سبحانه، ~~وفوضوا كيفيتها إلى الله تعالى، ويجب توضيح الحق لمن خالف منهجهم ورد هذه ~~الصفات أو صرفها عن ظاهرها لتقوم عليه الحجة ويقطع عذره أمام الله تعالى. # ومما ينبغي التنبيه عليه أن الإمام الشاطبي رغم تأثره بالفكر الأشعري إلا ~~أنا نجده يقدم النقل على العقل، ويعد الدليل حاكما على العقل بإطلاق (1)، ~~ويذم طريقة الفلاسفة ومنهجهم (2). # وأين هذا الموقف من موقف متعصبي الأشاعرة الذين يرون تقديم العقل على ~~النقل عند التعارض (3). # وسوف أذكر الآن موقف الشاطبي من بعض المسائل العقدية التي تأثر فيها ~~بعقيدة الأشاعرة وذلك من خلال كلامه رحمه الله: ### | أولا: مسألة كلام الله تعالى: # قال الشاطبي رحمه الله في معرض رده على المعتزلة (4) الذين كان من شبههم ~~في نفي صفة الكلام عن الله تعالى قولهم: فالكلام لا يعقل إلا بأصوات وحروف، ~~وكل ذلك من صفات المحدثات .. ، قال: "وأما كون الكلام هو الأصوات والحروف، ~~فبناء على عدم النظر في الكلام النفسي، وهو مذكور في الأصول" (5). ~~PageV00P000 # فالمؤلف يرى أن في قول الأشاعرة بالكلام النفسي مخرجا من هذا الإشكال ~~الذي أورده المعتزلة. # وقال أيضا: "وهل للقرآن مأخذ في النظر على أن جميع سوره كلام واحد بحسب ~~خطاب العباد، لا بحسبه في نفسه؟ فإن كلام الله في نفسه كلام واحد لا تعدد ~~فيه بوجه ولا باعتبار حسبما تبين في علم الكلام" (1). # وقال أيضا: "كتاب الله هو أصل الأصول والغاية التي ms028 تنتهي إليها أنظار ~~النظار، ومدارك أهل الاجتهاد، وليس وراءه مرمى، لأنه كلام الله القديم" ~~(2). # وهذا الكلام للشاطبي موافق لقول الأشاعرة في المسألة (3). ### | ثانيا: مسألة رؤية الله تعالى يوم القيامة: # قال الإمام الشاطبي في معرض رده على الذين أنكروا خوارق العادات ~~"والسابع: رؤية الله في الآخرة جائزة، إذ لا دليل في العقل يدل على أنه لا ~~رؤية إلا على الوجه المعتاد عندنا، إذ يمكن أن تصح الرؤية على أوجه صحيحة ~~ليس فيها اتصال أشعة، ولا مقابلة ولا تصور جهة ولا فضل جسم شفاف، ولا غير ~~ذلك، والعقل لا يجزم بامتناع ذلك بديهة، وهو إلى القصور في النظر أميل، ~~والشرع قد جاء بإثباتها، فلا معدل عن التصديق" (4). # وهذا النص واضح في إثبات الإمام الشاطبي للرؤية على طريقة PageV00P000 # الأشاعرة الذين ينفون رؤية الله في جهة، بناء على نفيهم العلو والفوقية ~~له سبحانه (1). # قال الإمام ابن أبي العز (2): "ومن قال: يرى لا في جهة فليراجع عقله، ~~فإما أن يكون مكابرا لعقله وفي عقله شيء، وإلا فإذا قال يرى لا أمام ~~الرائي، ولا خلفه، ولا عن يمينه، ولا عن يساره، ولا فوقه، ولا تحته؛ رد ~~عليه كل من سمعه بفطرته السليمة، ولهذا ألزم المعتزلة من نفي العلو بالذات ~~بنفي الرؤية، وقالوا كيف تعقل رؤية بلا مقابلة بغير جهة ... ". ### | ثالثا: مسألة الاستواء: # قال رحمه الله أثناء حديثه عن المتشابهات: "وأما مسائل الخلاف وإن كثرت، ~~فليست من المتشابهات بإطلاق، بل فيها ما هو منها، وهو نادر، كالخلاف الواقع ~~فيما أمسك عنه السلف الصالح، فلم يتكلموا فيه بغير التسليم له والإيمان ~~بغيبه المحجوب أمره عن العباد؛ كمسائل الاستواء وأشباه ذلك، وحين سلك ~~الأولون فيها مسلك التسليم، وترك الخوض في معانيها، دل على أن ذلك هو الحكم ~~عندهم فيها، وهو ظاهر القرآن، لأن الكلام فيما لا يحاط به جهل، ولا تكليف ~~يتعلق بمعناها" (3). # وقال في موضع آخر -مبينا لقوله: لا تكليف يتعلق بمعناها-: "المراد أن ~~يتعلق تكليف بمعناه المراد عند الله تعالى، وقد يتعلق به التكليف من حيث هو ms029 ~~مجمل، وذلك بأن يؤمن أنه من عند الله، وبأن يجتنب فعله إن كان أفعال ~~العباد، ويجتنب النظر فيه إن كان غير أفعال العباد كقوله: PageV00P000 # {الرحمن على العرش استوى (5)} [طه: 5] وأشباه ذلك، هذا معنى أنه لا يتعلق ~~به تكليف، وإلا فالتكليف متعلق بكل موجود، من حيث يعتقد على ما هو عليه، أو ~~يتصرف فيه إن صح تصرف العباد فيه، إلى غير ذلك من وجوه النظر" (1). # وفي هذه العبارات يذكر المؤلف أن السلف لم يخوضوا في معنى هذه الصفة ~~ونحوها من الصفات، بل ينهي عن النظر في معناها كما في النص الأخير. # وهذا الكلام للإمام الشاطبي في هذه الصفة موافق لقول بعض الأشاعرة الذين ~~يفوضون معنى الاستواء إلى الله، ويدعون أنه غير معلوم، ظنا منهم أن ذلك ~~مذهب السلف، ومنهم من ذهب إلى تأويل الاستواء بالاستيلاء (2). ### | رابعا: مسألة علو الله تعالى: # قال الإمام الشاطبي متحدثا عما يلزم مفسر القرآن معرفته: "ومن ذلك معرفة ~~عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن ~~ثم سبب خاص لا بد لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشبه ~~والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة، ولا بد من ذكر أمثلة ~~تعين على فهم المراد، وإن كان مفهوما: قوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} ~~[النحل: 50]، {أأمنتم من في السماء} [الملك: 16] وأشباه ذلك، إنما جرى على ~~معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض، وإن كانوا مقرين بإلهية الواحد الحق، ~~فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه PageV00P000 # تنبيها على نفي ما ادعوه في الأرض، فلا يكون فيه دليل على إثبات جهة ~~البتة، ولذلك قال تعالى: {فخر عليهم السقف من فوقهم} [النحل: 26]، فتأمله، ~~واجر على هذا المجرى في سائر الآيات والأحاديث" (1). # ومن كلامه أيضا: قوله عند تقسيمه للبدع إلى مكفرة وغير مكفرة: "لا شك في ~~أن البدع يصح أن يكون منها ما هو كفر، كاتخاذ الأصنام لتقربهم إلى الله ~~زلفى، ومنها ما ليس بكفر كالقول بالجهة عند جماعة" (2). # ولفظ الجهة وإن كان من الألفاظ المحدثة ms030 التي ينبغي أن يسأل عنها لمعرفة ~~المراد بها، لاحتمالها الحق والباطل، إلا أنا إذا نظرنا إلى النص الأول ~~تبين لنا أن مراد الشاطبي نفي صفة العلو، وهو مذهب الأشاعرة، وهو مخالف ~~لمذاهب أهل السنة الذين يثبتون علو الله تعالى وفوقيته سبحانه بأدلة الكتاب ~~والسنة (3). ### | خامسا: بقية الصفات السمعية: # (النزول - الضحك - اليد - القدم - الوجه - العين). # ذهب الإمام الشاطبي في هذه الصفات إلى ما ذهب إليه في صفة الاستواء من ~~القول بتفويض معناها، وأن ظاهرها غير مراد، وهو قول بعض الأشاعرة (4). # وأوضح عبارات الشاطبي في ذلك: ما ذكره في الاعتصام ذاما لأهل PageV00P000 # البدع الذين يتبعون المتشابهات، فقال: "ومثاله في ملة الإسلام مذهب ~~الظاهرية في إثبات الجوارح للرب المنزه عن النقائص: من العين والرجل والوجه ~~المحسوسات، والجهة وغير ذلك من الثابت للمحدثات" (1). # وقال أيضا في سياق كلامه على المتشابه الإضافي: # "وأما مسائل الخلاف وإن كثرت فليست من المتشابهات بإطلاق، بل فيها ما هو ~~منها وهو نادر، كالخلاف الواقع فيما أمسك عنه السلف الصالح، فلم يتكلموا ~~فيه بغير التسليم له، والإيمان بغيبه المحجوب أمره عن العباد، كمسائل ~~الاستواء والنزول والضحك واليد والقدم والوجه وأشباه ذلك، وحين سلك الأولون ~~فيها مسلك التسليم وترك الخوض في معانيها دل على أن ذلك هو الحكم عندهم ~~فيها، وهو ظاهر القرآن، لأن الكلام فيما لا يحاط به جهل، ولا تكليف يتعلق ~~بمعناها" (2). # وقال في موضع آخر: "وإن سلم فالمراد أن لا يتعلق تكليف بمعناه المراد عند ~~الله تعالى، وقد يتعلق به التكليف من حيث هو مجمل، وذلك بأن يؤمن أنه من ~~عند الله، وبأن يجتنب فعله إن كان من أفعال العباد، ويجتنب النظر فيه إن ~~كان من غير أفعال العباد" (3). # وفي هذه النصوص ما يكفي لبيان موقف الشاطبي من هذه الصفات، وهو خلاف قول ~~أهل السنة فيها، حيث أثبتوا معانيها على الوجه الذي يليق به سبحانه، وفوضوا ~~كيفيتها إلى الله (4). PageV00P000 ### | الباب الثاني التعريف بالكتاب وطبعاته ونسخه الخطية: # * وفيه فصلان: ### | الفصل الأول: التعريف بالكتاب. # الفصل الثاني: التعريف بطبعات الكتاب ونسخه ms031 الخطية. # PageV00P000 ### | الفصل الأول التعريف بالكتاب # * وفيه خمسة مباحث: ### | المبحث الأول: اسم الكتاب. # المبحث الثاني: موضوع الكتاب. # المبحث الثالث: سبب تأليف الكتاب. # المبحث الرابع: توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه. # المبحث الخامس: قيمة الكتاب العلمية. # PageV00P000 ### | المبحث الأول اسم الكتاب # لقد نص المؤلف في المقدمة على أن اسم كتابه هذا "الاعتصام"، حيث قال (1): ~~"فاستخرت الله تعالى في وضع كتاب يشتمل على بيان البدع وأحكامها وما يتعلق ~~بها من المسائل أصولا وفروعا، وسميته بالاعتصام ... ". # وجاءت هذه التسمية صراحة على الصفحة الأولى من النسخة المدنية المرموز ~~لها ب (م)، والنسخة المصرية المرموز لها ب (خ) والنسخة التونسية الثانية ~~المرموز لها ب (ت)، غير أن اسمه في (م) و (خ) هكذا: "هذا كتاب الاعتصام في ~~ذم البدع". # وأما النسخة المغربية الأولى المرموز لها ب (ر)، فلم يذكر اسم الكتاب ~~فيها في مقدمة الشاطبي، بل جاء في موضعه بياض بعد قوله: "وسميته"، ومثلها ~~المغربية الثانية المرموز لها ب (غ)، وجاء اسم الكتاب على غلاف المغربية ~~الأولى (ر) هكذا: "كتاب الحوادث والبدع في الحض على اتباع أهل السنة ~~واجتناب أهل البدع"، ومن المفترض أن يذكر هذا الاسم أيضا على المغربية ~~الثانية (غ)؛ لأنها منسوخة عنها كما سيأتي، غير أنه جاء في موضع التسمية ~~فيها بياض، فلا ندري أهكذا جاء في الأصل، أو هو تصرف ممن قام بالتصوير؟!. # ونص جميع الذين ترجموا للمؤلف على أن اسم كتابه: "الاعتصام"، إلا تلميذه ~~عبد الله المجاري (2)؛ فإنه سماه (3) "كتاب الحوادث والبدع"، PageV00P000 # فلعله وقعت له النسخة المغربية (ر)، أو نسخة أخرى شبيهة بها، والله أعلم. # ولا شك بأن هذه التسمية غير صحيحة؛ لأن صاحب البيت أدرى بما فيه، وليس ~~بعد تصريح المؤلف باسمه ما يدعو للخلاف، وأما "كتاب الحوادث والبدع"، ~~فالمعروف بهذا الاسم هو كتاب أبي بكر الطرطوشي رحمه الله، فلعل الذي سمى ~~كتاب الشاطبي بهذا الاسم نظر إلى موضوع الكتاب، وربطه بشهرة كتاب الطرطوشي ~~رحمه الله، ولم يرد في نسخته ما ذكره المؤلف في المقدمة، أو لم يتنبه له، ~~والله أعلم. # PageV00P000 ### | المبحث ms032 الثاني موضوع الكتاب # لقد نص الإمام الشاطبي على موضوع كتابه في المقدمة حيث قال: "فاستخرت ~~الله تعالى في وضع كتاب يشتمل على بيان البدع وأحكامها، وما يتعلق بها من ~~المسائل أصولا وفروعا ... " (1). # وقد جعل المؤلف هذا الكتاب في مقدمة وعشرة أبواب. # فأما المقدمة فتحدث فيها المؤلف عن غربة الإسلام يوم بدأ، وأنه سيعود ~~غريبا كما بدأ، مبينا ذلك بحال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي ~~الله عنهم، وما كانوا فيه من القلة والضعف في أول الإسلام، ثم ما من الله ~~به عليهم من القوة والنصر واكتمال الدين، وأن الأمر بقي على هذا الحال حتى ~~عاد الإسلام غريبا كما بدأ، وذلك بسبب فشو البدع، وظهور الفرق الضالة، وقلة ~~المنكرين لها. # وقد ذكر المؤلف أنه اتبع الكتاب والسنة وصبر على ذلك، مع كثرة المخالفين، ~~ومع كثرة اتهاماتهم له ... ، وأنه تتبع البدع لعله يجتنبها، والسنن لعلها ~~يظهرها بالعمل. # ثم ذكر أنه استشار واستخار في وضع كتاب في هذا الموضوع لأهميته وشدة ~~الحاجة إليه. # وأما أبواب الكتاب العشرة فنسوقها إليك باختصار. # فالباب الأول: في تعريف البدعة وشرح التعريف. PageV00P000 # والباب الثاني: في ذم البدع وسوء منقلب أهلها من القرآن والسنة وكلام ~~الصحابة والتابعين وغيرهم. # والباب الثالث: في أن ذم البدع عام من غير تخصيص، وبيان أقسام المبتدعة ~~من حيث الاجتهاد والتقليد، والرد على من ذهب إلى تقسيم البدع إلى حسن ~~وقبيح، أو إلى واجب ومندوب ومباح وحرام ومكروه. # والباب الرابع: في مأخذ أهل البدع في الاستدلال، ومناهجهم في الاحتجاج ~~على بدعهم. # والباب الخامس: في أحكام البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينهما. # والباب السادس: في أحكام البدع، وأنها ليست على رتبة واحدة، بل هي ~~متفاوتة، فمنها المحرم ومنها المكروه، والمحرم ليس على رتبة واحدة .. ، ~~ومنها الكبيرة ومنها الصغيرة. # والباب السابع: في الابتداع، هل يدخل في الأمور العادية؟ أم يختص بالأمور ~~العبادية؟. # والباب الثامن: في الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان. # والباب التاسع: في السبب الذي من أجله افترقت فرق المبتدعة عن جماعة ~~المسلمين. وقد ذكر المؤلف ms033 فيه أحاديث الافتراق وبسط الكلام في مسائلها. # والباب العاشر: في بيان معنى الصراط المستقيم الذي انحرفت عنه سبل أهل ~~الابتداع فضلت عن الهدى بعد البيان، ولم يتم المؤلف هذا الباب، وكل جل ما ~~فيه عن الجهات التي يقع منها الابتداع، وهي الجهل بأدوات الفهم، والجهل ~~بمقاصد الشريعة، وتحسين الظن بالعقل، واتباع الهوى. # PageV00P000 ### | المبحث الثالث سبب تأليف الكتاب # ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب سبب تأليفه، وهو ظهور البدع، وانكباب الناس ~~على العمل بها، وسكوت المتأخرين عن الإنكار لها، مع أن هذه البدع قد فشت ~~حتى التبست عند الكثير بالسنة (1). # وذكر أيضا رحمه الله أنه كان قد اجتمع له في البدع والسنن أصول وفروع، ~~فمالت إلى بثها النفس (2). # ولعل من أهم أسباب تأليف الكتاب: ما ذكره المؤلف من أنه قلما صنف في هذا ~~الموضوع على الخصوص تصنيف، وأن ما صنف فيها غير كاف (3). # وقال المؤلف رحمه الله في تقرير هذا المعنى: " ... وأنا أرجو أن يكون كتب ~~هذا الكتاب الذي وضعت يدي فيه من هذا القبيل، لأني رأيت باب البدع في كلام ~~العلماء مغفلا جدا، إلا من النقل الجلى؛ كما نقل ابن وضاح (4)، أو يؤتى ~~بأطراف من الكلام لا يشفي الغليل بالتفقه فيه كما ينبغي، ولم أجد على شدة ~~بحثي عنه إلا ما وضع فيه أبو بكر الطرطوشي (5)، وهو يسير في جانب ما يحتاج ~~إليه فيه، وإلا ما وضع الناس في الفرق الثنتين والسبعين، وهو فصل من فصول ~~الباب وجزء من أجزائه، فأخذت نفسي بالعناء فيه، عسى أن ينتفع به واضعه ~~وقارئه وناشره PageV00P000 # وكاتبه والمنتفع به وجميع المسلمين، إنه ولي ذلك ومسديه بسعة رحمته (1). # هذه هي الأسباب التي دفعت المؤلف إلى تأليف هذا الكتاب. PageV00P000 ### | المبحث الرابع توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه # لم تخل نسخة من نسخ الكتاب الخطية من نسبة هذا الكتاب إلى الإمام الشاطبي ~~رحمه الله. # وقد ذكره ضمن تصانيف المؤلف تلميذه عبد الله المجاري (1) في كتابه ~~"برنامج المجاري" (2). # وذكره أيضا أحمد بابا التنبكتي في نيل الابتهاج ضمن تصانيفه رحمه الله ~~(3). # وذكره ms034 محمد بن مخلوف في شجرة النور الزكية ضمن مؤلفاته (4)، والكتاني في ~~فهرس الفهارس (5)، وسركيس في معجم المطبوعات العربية (6)، ورضا كحالة في ~~معجم المؤلفين (7). # ومما يؤكد نسبة هذا الكتاب إلى الإمام الشاطبي: إحالاته فيه إلى كتابه ~~الموافقات، ومن ذلك ما في المقدمة (ص 25)، والباب الثالث (ص 401)، والباب ~~الثامن (2/ 135)، والباب التاسع (2/ 224). # ويؤكد هذه النسبة أيضا أسلوب المؤلف في هذا الكتاب، فهو أسلوبه في ~~الموافقات. PageV00P000 ### | المبحث الخامس قيمة الكتاب العلمية # يعد كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي أحسن ما ألف في التحذير من البدع وبيان ~~أحكامها، فلا نكاد نجد كتابا تناول البدعة وأحكامها كما تناولها هذا ~~الكتاب، وأغلب من ألف في هذا الموضوع بعد الإمام الشاطبي استفاد منه وتأثر ~~به تأثرا واضحا. # وتقدم ذكر كلام المؤلف في إشارته إلى من سبقه ممن كتب في هذا الموضوع، ~~وبين أنها قليلة وغير كافية في هذا الموضوع (1). # وقد فاق هذا الكتاب غيره من الكتب في هذا الموضوع بأمور عدة، من أهمها: ### | 1 - # دقة المؤلف في تعريف البدعة، حيث عرفها بتعريف دقيق، ثم شرح التعريف شرحا ~~وافيا حدد به معنى البدعة على وجه الدقة، وأزال به ما يقع للكثير من اللبس ~~وعدم التفريق بين البدع والمحرمات بل والمباحات. ### | 2 - # سعة جمعه للأدلة في الحث على السنة والنهي عن البدعة، سواء من الآيات أو ~~الأحاديث أو الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، ودراسة ~~هذه الأدلة والنقول دراسة دقيقة تنبئ عن دقة في الاستنباط، وبراعة في ~~الفهم. ### | 3 - # حسن ترتيب المؤلف لموضوعات الكتاب، وتقسيمه له على أبواب وفصول ومسائل، ~~وتدرجه في ترتيب هذه الأبواب بحسب موضوعاتها مما يعين القارئ على الفهم ~~والاستيعاب. PageV00P000 ### | 4 - # سعة البحث وطول النفس مع الجودة والإتقان في تحرير المسائل والأحكام ~~المتعلقة بالبدع، وهذه منقبة واضحة لهذا الكتاب جعلته يفوق غيره مما ألف في ~~هذا الباب. ### | 5 - # تركيز المؤلف على المسائل التي تلتبس على كثير من الناس، ويتخذها ~~المبتدعة وسيلة لترويج بعض البدع، حيث حرر المؤلف القول فيها، وأزال عنها ~~الاشتباه، وذلك كمسألة تقسيم البدعة ms035 إلى حسنة وقبيحة، أو تقسيمها بأقسام ~~أحكام الشريعة الخمسة (1)، وكمسألة التفريق بين البدع والمصالح المرسلة ~~والاستحسان (2)، ونحوها من المسائل. ### | 6 - # قوة المؤلف العلمية، وتأهله لخوض هذا الموضوع، فقد اجتمع له علوم أهلته ~~لهذه المهمة، من علم بالعربية، والأصول، ومقاصد الشريعة ونصوصها، مع قوة في ~~الاستنباط، ورصانة في العبارة. # ومزايا هذا الكتاب تفوت الحصر، نسأل الله أن يجزي مؤلفه خير الجزاء. ~~PageV00P000 ### | الفصل الثاني التعريف بطبعات الكتاب ونسخه الخطية # * وفيه مبحثان: ### | المبحث الأول: التعريف بطبعات الكتاب. # المبحث الثاني: التعريف بنسخ الكتاب الخطية. # PageV00P000 ### | المبحث الأول التعريف بطبعات الكتاب # طبع كتاب "الاعتصام" للشاطبي عدة طبعات، أهمها طبعات ثلاث، وهي: ### | 1 - # الطبعة الأولى: بتعليق وتصحيح الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: # وهي أول طبعة تخرج للكتاب، وقد طبعت الطبعة الأولى منها في مطبعة المنار ~~بمصر سنة 1331 ه. # وذكر الشيخ رشيد رضا في مقدمته أن اعتماده كان على "نسخة بخط مغربي في ~~كتب الشيخ محمد محمود الشنقيطي، المحفوظة في دار الكتاب الخديوية" (1). # وهذه النسخة هي إحدى النسخ التي اعتمدناها في طبعتنا هذه، ورمزنا لها ~~بالرمز (خ)، وسيأتي وصفها. # وقد طبعت هذه الطبعة مرتين: # المرة الأولى: في ثلاثة أجزاء: الجزء الأول من أول الكتاب إلى نهاية ~~الباب الرابع، ويقع في 388 صفحة. # الجزء الثاني: من أول الباب الخامس إلى نهاية الثامن، ويقع في 356 صفحة. # الجزء الثالث: من أول الباب التاسع إلى نهاية الكتاب، ويقع في 279 صفحة. ~~PageV00P000 # وفي نهاية الكتاب جدول بالأخطاء المطبعية يقع في 8 صفحات. # وقد قدم الشيخ رشيد رضا رحمه الله لهذه الطبعة بمقدمة أثنى فيها على ~~الشاطبي، وبين فيها أهمية الكتاب، ومنجهه في التعليق والتصحيح، واعتذر عن ~~التقصير بسبب كثر مشاغله في تلك الفترة، وأنه لم يتسن له وقت كافي للتعليق ~~وتخريج أحاديث الكتاب، وظهر من عبارته أنه لم يحقق نص الكتاب، وإنما حققه ~~شخص آخر، وأعطيت النسخة لرشيد رضا لمراجعة النص والتعليق عليه. ويظهر أن ~~المحقق للنص تصرف -اجتهادا- في بعض المواضع، كما أن التحقيق تم على نسخة ~~واحدة، مما أدى ms036 إلى ظهور خلل بين في النص. # ولا يوجد تخريج للأحاديث والآثار في هذه النسخة إلا حديث: "بدأ الإسلام ~~غريبا" في بداية الكتاب. # ولكثرة فوائد هذه التعليقات التي سطرها يراع رشيد رضا تم نقلها بتمامها ~~في بعض المواضع من الكتاب. # وهذه الطبعة نادرة الوجود لقدمها. # المرة الثانية: ثم أعيد طبع الكتاب في جزئين، أصلحت فيها الأخطاء ~~المطبعية، وطبعته المكتبة التجارية الكبرى في مصر. # ينتهي الجزء الأول من هذه الطبعة بنهاية منتصف الباب الخامس، ويقع في 368 ~~صفحة. # ويبدأ الجزء الثاني من منتصف الباب الخامس إلى نهاية الكتاب، ويقع في 362 ~~صفحة. # وهذه الطبعة هي الطبعة المشهورة والمتداولة بين الناس، وهي التي تم ~~الاعتماد عليها في هذا التحقيق في نقل أقوال رشيد رضا، وبيان فروقها في بعض ~~أجزاء الكتاب، ورمزنا لها بالرمز (ط). ### | 2 - # الطبعة الثانية: طبعة دار ابن عفان بتحقيق الشيخ سليم الهلالي: # PageV00P000 # وقد تمت طباعتها سنة 1412 ه، نشرتها دار ابن عفان في الخبر في المملكة ~~العربية السعودية. # ويقع الكتاب في جزئين: الجزء الأول من بداية الكتاب إلى نهاية الباب ~~الخامس، في 514 صفحة. # والجزء الثاني من بداية الباب السادس إلى نهاية الكتاب، في 365 صفحة. # وقد حقق الكتاب على مخطوط واحد، وهي النسخة المدنية، وسيأتي التعريف بها. # ولكثرة الملاحظات على هذه الطبعة أطال الشيخ مشهور (1) في نقدها؛ بحيث ~~استغرق نقده لها (60) صفحة تقريبا. ### | 3 - # الطبعة الثالثة: طبعة مكتبة التوحيد بتحقيق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان: # وكانت طباعتها سنة 1421 ه، وصدرت عن مكتبة التوحيد بالمنامة - البحرين، ~~وهي أحسن طبعات الكتاب السابقة، وقد صدرت في أربعة مجلدات مع الفهارس، وكان ~~الاعتماد في تحقيقها على طبعة الشيخ رشيد رضا، بالإضافة لنسختين خطيتين، ~~هما: نسخة المدينة النبوية التي رمزنا لها بالرمز (م)، وإحدى النسخ ~~المغربية، وهي التي رمزنا لها بالرمز (ر). # وكان من دواعي نشر طبعتنا هذه -مع وجود طبعة الشيخ مشهور- ثلاثة أمور: # أولا: أن هذا العمل كان موجودا وشبه مكتمل وشرع في طباعته وتكميله قبل ~~خروج عمل الشيخ مشهور، فأصله ms037 -كما تقدم- رسائل جامعية نوقشت في سنتي (1413 ~~ه- 1415 ه)، ومن المعلوم أنه يعز على المرء ذهاب جهده الذي أفنى فيه بعض ~~عمره، وكم من الأعمال الموجودة PageV00P000 # في مكتبات العالم الإسلامي بتحقيقات متعددة، ومنها: الكتب الستة وغيرها. # ثانيا: وجود بعض الاختلاف بين طبعتنا هذه وطبعة الشيخ مشهور، في مواضع من ~~نص كتاب الشاطبي والتعليق عليه، وهو اختلاف له فائدته لطالب العلم ولا شك، ~~ولا نرى ما يستدعي ذكره، فضلا عن عيب عمل الشيخ وتتبع أخطائه (1)، فالساحة ~~العلمية تستوعب العملين وزيادة، وأهل العلم سيستفيدون من كلا العملين إن ~~شاء الله، فكل منهما يكمل الآخر. # علما بأن هناك مقالة نشرت في ملتقى أهل الحديث بعنوان: "ملحوظات على ~~تحقيق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان لكتاب الاعتصام للشاطبي"، كتبها أبو ~~زرعة التميمي النجدي في 22/ 6/1424 ه، ولم يعتمد في ملاحظاته على نسخة ~~خطية، ولا يعني ذكرنا لهذه المقالة موافقة الكاتب، مع أنه كان يصحبه الأدب ~~فيما كتب -جزاه الله خيرا- ولكن من الملاحظات ما قد يوافق عليه، ومنها ما ~~هو اختلاف في وجهات النظر، أو هكذا وقع للشيخ مشهور في ما بين يديه من ~~النسخ، والتفصيل في ذلك ليس من مقصودنا. # ثالثا: توفر ست نسخ خطية عندنا اعتمدناها في التحقيق -كما سيأتي- منها ~~أربع نسخ زائدة على النسخ التي اعتمدها الشيخ مشهور، إحداها الأصل الذي ~~طبعت عليه نسخة رشيد رضا رحمه الله. PageV00P000 ### | المبحث الثاني التعريف بنسخ الكتاب الخطية # توفر لدينا ست نسخ خطية لكتاب الاعتصام، وفيما يلي وصفها: ### | النسخة الأولى: # النسخة المغربية الأولى المحفوظة في الخزانة العامة بالرباط تحت رقم ~~(1693)، وتقع في (155) ورقة، في كل ورقة صفحتان، في الصفحة (31) سطرا، في ~~السطر (17) كلمة تقريبا. # وهي بخط مغربي جيد ومتقن ومشكول في بعض المواضع، وقد لحق بعض صفحاتها شيء ~~من التلف الذي ذهب ببعض الجمل، بل والأسطر أحيانا. # وهي أجود النسخ وأكملها، وبها يستقيم نص الكتاب، وينتفي كثير مما قيل عن ~~صعوبة أسلوب الشاطبي الذي كان بسبب سقط وتصحيف وقع في طبعات الكتاب ~~السابقة. # على أن هذه ms038 النسخة لا تخلو من بعض السقط والخطأ، ولكنه قليل في جانب كثير ~~صوابها. # ولم يذكر عليها اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ، غير أنه يغلب على الظن أنها ~~أقدم النسخ كما يظهر من خطها، بخلاف باقي النسخ التي ذكر تاريخ نسخها، ~~فجميعها متأخرة بعد المئتين وألف للهجرة. # وكتب اسم الكتاب على غلافها هكذا: "كتاب الحوادث والبدع في الحض على ~~اتباع أهل السنة واجتناب أهل البدع، تأليف الشيخ الفقيه الإمام # PageV00P000 # العالم العلامة المحدث الناقد الراوية الأستاذ النحوي الخطيب البليغ أبي ~~إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى ورضي عنه بمنه ويمنه". # وهذا يخالف التسمية المعروفة التي نص عليها المصنف في مقدمة الكتاب: ~~"الاعتصام"، فإما أن تكون النسخة ... (وتقدمت مناقشة تسمية الكتاب) فالذي ~~يظهر أن المكتوب على غلاف الكتاب ليس بخط الناسخ، فلعل التلف ذهب بالغلاف، ~~ثم اجتهد أحد المطالعين بعد أن رأى موضوع الكتاب يتعلق بالحث على اتباع ~~السنن واجتناب البدع، ولا يعرف عنوان كتاب الشاطبي، وكان مستحضرا لعنوان ~~كتاب أبي بكر الطرطوشي "الحوادث والبدع "، فأثبته عليه، ولم يقرأ مقدمة ~~الكتاب التي نص فيها الشاطبي رحمه الله على تسمية كتابه هذا ب "الاعتصام"، ~~والله أعلم. # وقد رمزنا لها بالرمز (ر). ### | النسخة الثانية: # هي النسخة المغربية الثانية، وهي من محفوظات القصر الملكي بالرباط، ~~وأصلها من مكتبة جامع علي بن يوسف بمراكش، وتقع في (459) صفحة حسب الترقيم ~~المكتوب على صفحاتها، وهو غير صحيح (مع ملاحظة أن ترقيم الصفحات فيه خطأ ~~حيث جاء بعد (ص 257) صفحة رقم (268) ولا يوجد في الحقيقة سقط، بل الكلام ~~متصل ومستقيم). # ويوجد في كل صفحة (25) سطرا. # في كل سطر من (12 إلى 15) كلمة تقريبا. # وخطها مغربي. # ولم يذكر اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ. # وقد رمزنا لها بالرمز (غ). # ونكاد نجزم بأنها منسوخة عن النسخة المغربية السابقة (ر)؛ لأن ناسخها ~~يبيض المواضع التي لحقها التلف في نسخة (ر)، وهي أكثر النسخ # PageV00P000 # موافقة لها في فروقها، ولم نجد في بداية مصورتها ذكرا لاسم الكتاب، وإنما ~~كتب على غلافها ما نصه: "تأليف الشيخ الفقيه الإمام ms039 العالم العلامة المحدث ~~الناقد الراوية الأستاذ النحوي الخطيب البليغ أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله ~~تعالى ورضي عنه"، وهي نفس العبارة التي على نسخة (ر)، سوى عنوان الكتاب، ~~فإنه لم يظهر على مصورتها، فإما أن يكون الناسخ رأى أن العنوان خطأ فتركه، ~~أو يكون كتبه ولكنه طمس فلم يظهر في المصورة، والله أعلم. ### | النسخة الثالثة: # النسخة المدنية المحفوظة في مكتبة المسجد النبوي تحت رقم (29/ 214)، ~~وعنها نسخة مصورة في مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى برقم (339). # تقع هذه النسخة في (265) ورقة، في الورقة صفحتان، وفي الصفحة (25) سطرا، ~~في كل سطر ما بين (10) إلى (12) كلمة تقريبا. # وقد كتبت بخط مغربي، سنة (1248 ه)، ولم يذكر اسم ناسخها، وقد كتب في أعلى ~~الغلاف ما نصه: "ملك محمد بن عاشور غفر الله له". # ثم في أسفل منه: "هذا كتاب الاعتصام في ذم البدع للإمام أبي إسحاق ~~الشاطبي، تملكه فقير ربه المعتمد على مولاه الأكرم محمد بن ( ### | ...... # ... ) في ثاني الجمادين سنة 1248". ثم أسفل منه: "ملك الهمام الفاضل ~~الشيخ سيدي محمد بن عاشور المالكي مذهبا، غفر الله له ولمشايخه ولوالديه ~~والمسلمين آمين". # وفي بدايتها تعريف موجز بالكتاب وصاحبه وثناء عليهما، ثم فهرس لمحتويات ~~الكتاب. # وقد رمزنا لها بالرمز (م). ### | النسخة الرابعة: # النسخة المصرية التي اعتمد عليها رشيد رضا في تحقيقه لهذا الكتاب، # PageV00P000 # وهي محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (32 فقه مالكي). # ومسطرتها 32×21 سم تقريبا. # وتقع في جزئين: الجزء الأول في 274 صفحة، والجزء الثاني في 256 صفحة. # في كل صفحة 23 سطرا. # في كل سطر ما بين 9 إلى 12 كلمة. # وكتبت بخط مغربي. # ناسخها هو: حسن بن محمد الشلبي (أو: الشبلي). # تاريخ نسخها: سنة 1295 ه. # وقد جاء في طرتها ما نصه: # "هذا كتاب الاعتصام في ذم البدع؛ للإمام أبي إسحاق الشاطبي برد الله ~~ثراه، وجعل الجنة مأواه، آمين يا الله". # ثم في أسفل هذا العنوان هبة هذه النسخة من صاحبها لشيخه محمد محمود، ثم ~~وقفية الشيخ هذا الكتاب، وهذا نص الهبة والوقفية: "الحمد ms040 لله، وصلى الله ~~وسلم على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم، اللذين من اعتصم بهم هدي إلى ~~الصراط المستقيم، وبعد فيقول راقم هذه الحروف: إني وهبت هذا الكتاب المسمى ~~بالاعتصام لشيخنا وأستاذنا العالم العلامة سيدي محمد محمود، جعلنا الله ~~وإياه من الفائزين في اليوم الموعود، كتبه فقير ربه محمد العربي زروق، في ~~19 شوال المبارك، سنة 1303. # الحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده. ثم وقفه مالكه محمد محمود ~~بن التلاميد التركزي في 19 شوال سنة 1303 على عصبته بعده وقفا مؤبدا، فمن ~~بدله فإثمه عليه، وكتبه محمد محمود لطف الله به، في 19 شوال سنة 1303". # PageV00P000 # وفي آخر النسخة ما نصه: # "انتهى القدر الذي وجد من هذا التأليف، ولم يكمله المؤلف رحمه الله ~~تعالى، والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وصلى الله على من لا نبي ~~بعده، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. تم نسخ الجزء الثاني من الاعتصام ~~للإمام الشاطبي في 25 المحرم الحرام، فاتح شهور سنة 1295، جعله الله مباركا ~~علينا وعلى المسلمين أجمعين، على يد كاتبه العبد الفقير الذليل المعترف ~~بالذنب والتقصير: حسن بن محمد الشلبي (أو: الشبلي) الشريف الأمين ( ... ) ~~كان رحمه الله ورحم المسلمين أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم، فهو حسبي ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله ~~وصحبه وسلم تسليما تسليما كثيرا. انتهي". # وقد رمزنا لهذه النسخة بالرمز (خ). ### | النسخة الخامسة: # هي النسخة التونسية الأولى المحفوظة في دار الكتب الوطنية بتونس، تحت رقم ~~(544). # وتقع في () صفحة. # في كل صفحة قرابة (34) سطرا. # في كل سطر قرابة (14) كلمة. # الناسخ: علي الطوسي. # تاريخ النسخ: 1281 ه. # وقد جاء في آخر النسخة ما نصه: "انتهي القدر الذي وجد من هذا الكتاب، ~~وهذا التأليف الجليل، رحمة الله على مؤلفه، ورضي عنه، على يد كاتبه: علي ~~الطوسي، ختم الله له بخير في 10 من ثاني الجمادين عام 1281". # PageV00P000 # ولم يتم تصوير هذه النسخة بشكل يمكن معه الاستفادة منها؛ فقد جاء كثير من ~~أوراقها سوداء ms041 لا تمكن قراءتها، وأولها أفضل بكثير من آخرها، بالإضافة إلى ~~أنه ليس فيها فروق تستحق من يعتني بها، ولأننا لم نعثر على الجزء الأول من ~~النسخة التونسية الآتية، فقد تم الاستفادة من هذه النسخة في تحقيق الأبواب ~~الثلاثة الأولى، ورمز لها محقق القسم الأول بالرمز (ت)، وهو عين الرمز ~~للنسخة التونسية التالية في باقي الكتاب. ### | النسخة السادسة: # النسخة التونسية الثانية المحفوظة في دار الكتب الوطنية بتونس تحت رقم ~~(496) وتقع في جزئين، الجزء الأول مفقود حتى لدى الناسخ؛ كما يتضح من ~~بدايتها والفهرس الذي ذكر في أولها، وأما الجزء الثاني فهو الذي اعتمدناه ~~في هذا التحقيق، ويقع في 316 صفحة، ويبدأ بالباب السابع، إلى آخر ما وجد من ~~الكتاب. # وعدد الأسطر في كل صفحة: 22 سطرا. # وفي كل سطر: 7 إلى 12 كلمة تقريبا. # ناسخها: عبده الحاج حموده بوس. # تاريخ النسخ: 1284 ه. # وخطها مغربي يصاحبه الشكل لبعض الكلمات. # وفي بدايتها ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ~~ومولانا محمد النبي المصطفي الأكرم الكريم، وعلى آله وصحبه وسلم"، ثم تعريف ~~موجز بالكتاب وصاحبه وثناء عليهما، ثم فهرس لمحتويات هذا الجزء الذي وجد من ~~الكتاب، ثم في صفحة الغلاف ما نصه: "هذا النصف الثاني من كتاب الاعتصام"، ~~ثم في بداية النسخة ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا ~~ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال العلامة النحرير، ناصر السنة، ~~ولسان الدين، النظار المحقق، الشيخ أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى ~~آمين". # PageV00P000 # وجاء في آخرها ما نصه: # "انتهى القدر الذي وجد من هذا التأليف، ولم يكمله المؤلف رحمه الله ~~تعالى، ووافق الفراغ من نسخ هذا المقدار الموجود على يد كاتبه الفقير إلى ~~ربه المحسن عبده الحاج حموده بوس، كان الله له، وختم بالحسنى عمله، وبلغه ~~فيما يرجوه من ربه أمله. آمين. # بحمد الله وتوفيقه وحسن عونه صبيحة يوم الجمعة رابع شهر ذي الحجة الحرام ~~كمال عام 1284 أربع وثمانين ومائتين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها ~~أفضل ms042 الصلاة وأزكى التحية، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله بكرة ~~وعشية، ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين، وعن التابعين وتابع ~~التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ~~آمين آمين آمين". # وبالهامش تصحيحات وفروق تدل على أنها قوبلت على نسخة أخرى، ولكن يكثر ~~فيها السقط والبياض، بحيث يصل السقط فيها أحيانا قرابة الصفحتين، وأما ~~البياض فهو كثير يصل أحيانا إلى سطرين، وقد استفدنا منها في تحقيق الباب ~~السابع، إلى آخر الكتاب، ورمزنا لها بالرمز (ت). # PageV00P000 ### | نماذج للمخطوطات # PageV00P000 # صورة غلاف النسخة المغربية الأولى المرموز لها ب (ر) # PageV00P000 # الورقة الأولي من نسخة (ر) # PageV00P000 # نهاية الكتاب في نسخة (ر) # PageV00P000 # الورقة الأخيرة من نسخة (ر) # PageV00P000 # صورة غلاف النسخة المغربية الثانية المرموز لها بالرمز (غ) # PageV00P000 # الورقة الأولى من نسخة (غ) # PageV00P000 # الورقة الأخيرة من نسخة (غ) # PageV00P000 # صورة غلاف النسخة المدنية المرموز لها بالرمز (م) # PageV00P000 # الورقة التي بعد الغلاف من نسخة (م) # PageV00P000 # أول النسخة (م)، وفيها تعريف بالكتاب ومؤلفه وبداية فهرسته # PageV00P000 # نهاية فهرسة الكتاب الواقعة في بداية النسخة (م) # PageV00P000 # بداية الكتاب في النسخة (م) # PageV00P000 # نهاية الكتاب في النسخة (م) # PageV00P000 # صورة غلاف النسخة المصرية المرموز لها بالرمز (خ) وهي التي اعتمدها رشيد ~~رضا في طبعته # PageV00P000 # بداية النسخة المصرية (خ) # PageV00P000 # نهاية النسخة المصرية (خ) # PageV00P000 # صورة الصفحة الأولي من المخطوطة التونسية الأولى المرموز لها ب (ت) وهي ~~المعتمدة في أول الكتاب في الأبواب الثلاثة الأولى # PageV00P000 # صورة الصفحة الأخيرة للمخطوطة التونسية الأولى (ت) # PageV00P000 # صورة بداية الموجود (وهي النصف الثاني) من النسخة التونسية الثانية ~~المرموز لها بالرمز (ت)، والمعتمدة في الباب السابع وما بعده إلى نهاية ~~الكتاب وفيها تعريف بالكتاب ومؤلفه وفهرس لمحتويات هذا القسم # PageV00P000 # نهاية الفهرس في بداية النسخة التونسية الثانية (ت) # PageV00P000 # غلاف بداية النصف الثاني من النسخة التونسية الثانية (ت) # PageV00P000 # بداية النصف الثاني (وهو الموجود) من النسخة التونسية الثانية (ت) # PageV00P000 # نهاية الكتاب في النسخة التونسية الثانية (ت) # PageV00P000 # نهاية النسخة التونسية الثانية (ت) # PageV00P000 # القسم الثاني النص المحقق # PageV00P000 # الاعتصام # PageV00P000 # حقوق الطبع محفوظة لدار ابن ms043 الجوزي # الطبعة الأولى # محرم 1429 ه - 2008 م # حقوق الطبع محفوظة 1429 ه، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه ~~بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من ~~استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من ~~الناشر. # دار ابن الجوزي # للنشر والتوزيع # المملكة العربية السعودية: الدمام -شارع الملك فهد- ت: 8428146 - ~~8467593، ص ب: 2982 - الرمز البربدي: 31461 - فاكس: 8412100 - الرياض -حي ~~الفلاح- مقابل جامعة الإمام - تلفاكس: 2742855 - جوال: 0503857988 - ~~الإحساء- ت: 5883122 - جدة- ت: 6341973 - 6813706 - الخبر- ت: 8999356 - ~~فاكس: 8999357 - بيروت- هاتف: 869600/ 03 - فاكس: 641801/ 01 - القاهرة-ج. ~~م. ع- محمول: 0106823783 - تلفاكس: 0244344970 # البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله المحمود على كل حال، الذي بحمده يستفتح كل أمر ذي بال، خالق ~~الخلق لما شاء، وميسرهم (1) على وفق علمه وإرادته لا على وفق أغراضهم لما ~~سر وساء، ومصرفهم بمقتضى القبضتين فمنهم شقي وسعيد (2)، وهاديهم (3) ~~النجدين (4)، فمنهم قريب وبعيد، ومسويهم على قبول الإلهامين (5) ففاجر ~~وتقي، كما قدر أرزاقهم بالعدل على حكم الطرفين، ففقير وغني، كل منهم جار ~~على ذلك الأسلوب فلا يعدوه، فلو تمالؤوا (6) على أن يسدوا ذلك البثق (7) لم ~~يسدوه، أو يردوا ذلك (8) الحكم السابق لم ينسخوه ولم يردوه، فلا إطلاق لهم ~~على تقييده ولا انفصال {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال} (9). # والصلاة والسلام على (سيدنا ومولانا) (10) محمد نبي الرحمة، PageV01P005 # وكاشف الغمة (1)، الذي نسخت شريعته كل شريعة، وشملت دعوته كل أمة، فلم ~~يبق لأحد حجة دون حجته، ولا استقام لعاقل طريق سوى لاحب (2) محجته (3)، ~~وجمعت تحت حكمتها كل معنى مؤتلف، فلا يسمع بعد وضعها خلاف مخالف، ولا قول ~~مختلف، فالسالك سبيلها معدود في الفرقة الناجية، والناكب (4) عنها مصدود ~~إلى الفرق المقصرة أو الفرق الغالية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه (5) ~~الذين اهتدوا بشمسه المنيرة، واقتفوا آثاره اللائحة، وأنواره الواضحة وضوح ~~الظهيرة، وفرقوا بصوارم أيديهم وألسنتهم بين كل نفس فاجرة ومبرورة، وبين كل ~~حجة ms044 بالغة وحجة مبيرة (6)، وعلى التابعين لهم على ذلك السبيل، وسائر ~~المنتمين إلى ذلك القبيل (7)، (وسلم تسليما كثيرا) (8). # أما بعد فإني أذاكرك (9) أيها الصديق الأوفى، والخالصة الأصفى، في مقدمة ~~ينبغي تقديمها قبل الشروع في المقصود، وهي معنى قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "بدأ (10) الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى (11) ~~PageV01P006 # للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون عند فساد ~~الناس (1) " (2). # وفي رواية: قيل: ومن الغرباء (3)؟ قال: "النزاع (4) من القبائل" (5)، ~~PageV01P007 # وهذا مجمل، ولكنه (1) مبين في الرواية الأخرى. وجاء من طريق آخر: "بدأ ~~(2) الإسلام غريبا، ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبا كما بدأ (3)، فطوبى ~~للغرباء حين يفسد الناس" (4). # وفي رواية لابن وهب (5) قال عليه الصلاة (6) والسلام: "طوبى للغرباء ~~الذين يمسكون بكتاب الله حين يترك (7)، ويعملون بالسنة حين تطفى" (8). # وفي رواية: "إن الإسلام بدأ (9) غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى ~~PageV01P008 # للغرباء"، قالوا (1): يا رسول الله كيف يكون غريبا؟ قال: "كما يقال للرجل ~~في حي كذا وكذا (2): إنه لغريب" (3). # وفي رواية أنه سئل عن الغرباء: قال (4): "الذين يحيون ما أمات الناس من ~~سنتي" (5). # وجملة (6) المعنى فيه من جهة وصف الغربة ما ظهر بالعيان والمشاهدة في أول ~~الإسلام وآخره، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى على ~~حين فترة من الرسل، وفي جاهلية جهلاء، لا تعرف من الحق رسما (7)، ولا تقيم ~~له (8) في مقاطع الحقوق حكما، بل كانت تنتحل (9) ما وجدت عليه آباءها، وما ~~استحسنته أسلافها، من الآراء المنحرفة، والنحل المخترعة، والمذاهب ~~المبتدعة. PageV01P009 # فحين قام فيهم صلى الله عليه وسلم بشيرا، ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، ~~وسراجا منيرا، سرعان (1) ما عارضوا معروفه بالنكر، وغيروا (2) في (3) وجه ~~صوابه بالإفك (4)، ونسبوا إليه إذ خالفهم في الشرعة (5)، ونابذهم في النحلة ~~كل محال، ورموه بأنواع البهتان، فتارة (6) يرمونه بالكذب وهو الصادق ~~المصدوق، الذي لم يجربوا عليه قط خبرا بخلاف مخبره، وآونة يتهمونه بالسحر، ~~وفي علمهم أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه، وكرة يقولون: إنه مجنون مع ~~تحققهم (7) بكمال عقله، ms045 وبراءته من مس الشيطان وخبله. # وإذا (8) دعاهم إلى عبادة المعبود بحق وحده لا شريك له، قالوا: {أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب *} (9) مع الإقرار (10) بمقتضى هذه ~~الدعوة (11) الصادقة (12): {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين} (13). # وإذا أنذرهم بطشة يوم القيامة، أنكروا ما يشاهدون من (14) الأدلة على ~~إمكانه، وقالوا: {أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد} (15). # وإذا خوفهم نقمة الله، قالوا: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} (16)، اعتراضا على صحة ما ~~أخبرهم به (17) مما هو كائن لا محالة. PageV01P010 # وإذا جاءهم بآية خارقة افترقوا في الضلالة على فرق، واخترقوا (1) فيها ~~بمجرد العناد ما لا يقبله أهل التهدي إلى التفرقة بين الحق والباطل، كل ذلك ~~دعاء منهم إلى التأسي بهم والموافقة لهم على ما ينتحلون، إذ (2) رأوا خلاف ~~المخالف لهم في باطلهم ردا لما هم عليه، ونبذا لما شدوا عليه يد الظنة (3)، ~~واعتقدوا إذ لم يتمسكوا بدليل أن الخلاف يوهن الثقة، ويقبح جهة الاستحسان، ~~وخصوصا حين اجتهدوا في الانتصار بعلم، فلم يجدوا أكثر من تقليد الآباء. # ولذلك أخبر الله تعالى عن (4) إبراهيم عليه السلام في محاجة قومه: # {ما تعبدون (70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم ~~إذ تدعون (72) أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون} (5)، فحادوا كما ترى عن الجواب القاطع المورد مورد السؤال إلى ~~الاستمساك بتقليد الآباء. # وقال الله تعالى: {أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون *} (6)، ~~فرجعوا عن جواب ما ألزموا إلى التقليد، فقال تعالى: {قال أولو جئتكم بأهدى ~~مما وجدتم عليه آباءكم} (7)، فأجابوا بمجرد الإنكار، ركونا إلى ما ذكروا من ~~التقليد، لا بجواب السؤال. # فكذلك كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما ~~بأيديهم، لأنه خرج عن معتادهم، وأتى بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم، ~~حتى أرادوا أن يستزلوه (8) على وجه السياسة في زعمهم، ليوقعوا بينهم ~~PageV01P011 # وبينه (1) المؤالفة والموافقة ولو في بعض الأوقات، ms046 أو في بعض الأحوال، أو ~~على بعض الوجوه، ويقنعوا منه بذلك، ليقف لهم بتلك الموافقة واهي بنائهم، ~~فأبى عليه الصلاة والسلام إلا الثبوت على محض الحق، والمحافظة على خالص (2) ~~الصواب، وأنزل الله {قل ياأيها الكافرون *لا أعبد ما تعبدون *} (3) إلى آخر ~~السورة، فنصبوا له عند ذلك حرب (4) العداوة، ورموه بسهام القطيعة، وصار أهل ~~السلم كلهم حربا (5) عليه (6) وعاد (7) الولي الحميم عليه كالعذاب الأليم ~~(8)، فأقربهم إليه (9) نسبا كان أبعد الناس عن موالاته، كأبي جهل وغيره، ~~وألصقهم به رحما، كانوا (10) أقسى قلوبا عليه، فأي غربة توازي هذه الغربة؟ ~~ومع ذلك فلم يكله الله إلى نفسه، ولا سلطهم على النيل من أذاه، إلا (11) ~~نيل المضعوفين (12)، بل حفظه وعصمه، وتولاه بالرعاية والكلاءة، حتى بلغ ~~رسالة ربه. # ثم ما زالت الشريعة في أثناء نزولها، وعلى توالي تقريرها، تبعد بين (13) ~~أهلها وبين غيرهم (14)، وتضع الحدود بين حقها وبين ما ابتدعوا، لكن (15) ~~على وجه من الحكمة عجيب (16)، وهو التأليف بين أحكامها وبين أكابرهم في أصل ~~الدين الأول والأصيل، ففي العرب نسبتهم (17) إلى أبيهم PageV01P012 # إبراهيم عليه السلام، وفي غيرهم لأنبيائهم المبعوثين فيهم؛ كقوله تعالى ~~بعد ذكر كثير من الأنبياء عليهم السلام: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده} (1)، وقوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ... } (2). # وما زال عليه السلام يدعو إليها (3)، فيؤوب إليه الواحد بعد الواحد على ~~حكم الاختفاء؛ خوفا من عادية الكفار زمان (4) ظهورهم على دعوة الإسلام، ~~فلما اطلعوا على المخالفة أنفوا، وقاموا وقعدوا، فمن أهل الإسلام من لجأ ~~إلى قبيله فحموه على إغماض (5)، أو على دفع العار في الإخفار (6)، ومنهم من ~~فر من الإذاية وخوف الغرة (7)، هجرة إلى الله وحبا في الإسلام. # ومنهم من لم يكن له (8) وزر (9) يحميه، ولا ملجأ يركن إليه (10)، فلقي ~~منهم من الشدة والغلظة والعذاب أو القتل ما هو معلوم، حتى زل منهم من زل ~~(11) فروجع (12) أمره بسبب الرجوع إلى الموافقة، وبقي منهم ms047 من بقي صابرا ~~محتسبا، إلى أن أنزل الله تعالى الرخصة في النطق بكلمة الكفر على حكم ~~الموافقة (ظاهرا، ليحصل بينهم وبين الناطق PageV01P013 # الموافقة (1)) (2)، وتزول المخالفة، فنزل إليها من نزل على حكم التقية، ~~ريثما يتنفس (3) من كربه، ويتروح (4) من خناقه، وقلبه مطمئن بالإيمان، وهذه ~~غربة أيضا ظاهرة. # وإنما كان هذا كله (5) جهلا منهم بمواقع الحكمة، وأن ما جاءهم به نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم هو الحق ضد ما هم عليه، فمن جهل شيئا عاداه، فلو علموا ~~لحصل الوفاق، ولم يسمع (6) الخلاف (7)، ولكن سابق القدر حتم على الخلق ما ~~هم عليه (8)، قال الله تعالى: {ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم} (9). # ثم استمر مزيد (10) الإسلام، واستقام طريقه على (11) مدة حياة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ومن (12) بعد موته، وأكثر قرن الصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم، إلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة، وأصغوا (13) إلى البدع ~~المضلة: كبدعة القدر (14)، PageV01P014 # وبدعة الخوارج (1)، وهي التي نبه عليها الحديث بقوله: "يقتلون أهل ~~الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم (2) " (3)، ~~يعني لا يتفقهون (4) فيه، بل يأخذونه على الظاهر (5)، كما بينه حديث ابن ~~عمر (6) رضي الله عنهما الآتي بحول الله، وهذا كله في آخر عهد الصحابة رضي ~~الله عنهم. # ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما (7) وعد به الصادق صلى الله عليه وسلم، في ~~قوله: "افترقت اليهود على إحدى (8) وسبعين فرقة، (والنصارى مثل ذلك، وتفترق ~~أمتي على ثلاث وسبعين فرقة (9) " (10). PageV01P015 # وفي (1)) الحديث الآخر: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا ~~بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب (2) لاتبعتموهم". قلنا: يا رسول الله اليهود ~~والنصارى؟ قال: "فمن" (3)، وهذا (الحديث (4) أعم من الأول) (5)، فإن الأول ~~عند كثير من أهل العلم خاص بأهل الأهواء (6)، وهذا الثاني عام في ~~المخالفات، ويدل على ذلك من الحديث قوله: "حتى لو دخلوا في جحر ضب (7) ~~لاتبعتموهم". وكل صاحب مخالفة (8) فمن شأنه أن PageV01P016 # يدعو غيره إليها، ويحض سواه عليها (1)، إذ التأسي في الأفعال والمذاهب ~~موضوع طلبه في الجبلة (2) (3)، وبسببه تقع من ms048 المخالف المخالفة، وتحصل من ~~الموافق المؤالفة، ومنه تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين (4). # وكان (5) الإسلام في أوله وجدته (6) (مقاوما بل) (7) ظاهرا، وأهله غالبين ~~(8)، وسوادهم أعظم الأسودة، فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياء ~~الناصرين، فلم يكن لغيرهم ممن لم يسلك سبيلهم، أو سلكه ولكنه ابتدع فيه ~~صولة يعظم موقعها، ولا قوة يضعف دونها حزب الله المفلحون، فسار (9) على ~~استقامة، وجرى على اجتماع واتساق، فالشاذ مقهور مضطهد، إلى أن أخذ اجتماعه ~~في الافتراق الموعود، وقوته إلى الضعف المنتظر، والشاذ عنه تقوى صولته، ~~ويكثر سواده. # واقتضى (10) سر التأسي المطالبة بالموافقة، ولا شك أن الغالب أغلب، ~~فتكالبت على سواد السنة البدع والأهواء (11)، فتفرق أكثرهم شيعا. # وهذه سنة الله في الخلق: أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل؛ لقوله ~~تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين *} (12)، وقوله: PageV01P017 # {وقليل من عبادي الشكور} (1)، ولينجز (2) الله ما وعد به نبيه صلى الله ~~عليه وسلم من عود وصف الغربة إليه، فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل أو ~~قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكرا، والمنكر معروفا، وتصير السنة بدعة، ~~والبدعة سنة، فيقام على أهل السنة بالتثريب (3) والتعنيف، كما كان أولا ~~يقام على أهل البدعة، طمعا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال، ويأبى الله أن ~~تجتمع حتى تقوم الساعة، فلا تجتمع الفرق كلها على كثرتها على مخالفة السنة ~~عادة وسمعا، بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله (4)، غير ~~أنهم لكثرة ما (5) تناوشهم (6) الفرق الضالة، وتناصبهم (7) العداوة ~~والبغضاء، استدعاء إلى موافقتهم لا يزالون في جهاد ونزاع، ومدافعة وقراع ~~(8)، آناء الليل والنهار، وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل، ويثيبهم ~~الثواب العظيم. # فقد تلخص مما تقدم أن مطالبة المخالف (9) بالموافقة جار مع الأزمان لا ~~يختص بزمان دون زمان، فمن وافق فهو عند المطالب المصيب (10) على أي حال ~~كان، ومن خالف فهو المخطئ المصاب، ومن وافق فهو المحمود السعيد، ومن خالف ~~فهو المذموم المطرود (11)، ومن وافق فقد سلك سبيل الهداية، ومن خالف فقد ~~تاه في طرق (12) الضلالة (13) والغواية. ms049 PageV01P018 # وإنما قدمت هذه المقدمة لمعنى أذكره: وذلك أني ولله الحمد لم أزل منذ فتق ~~للفهم عقلي، ووجه شطر (1) العلم طلبي، أنظر في عقلياته وشرعياته، وأصوله ~~وفروعه، لم أقتصر منه على (2) علم (دون علم) (3)، ولا أفردت من (4) أنواعه ~~نوعا دون آخر، حسبما اقتضاه الزمان والإمكان، وأعطته المنة (5) المخلوقة في ~~أصل فطرتي، بل خضت في لججه (6) خوض المحسن للسباحة، وأقدمت في ميادينه ~~إقدام الجريء، حتى كدت أتلف في بعض أعماقه، أو أنقطع (7) من (8) رفقتي التي ~~بالأنس بها تجاسرت على ما قدر لي، غائبا عن مقال القائل، وعذل العاذل، ~~ومعرضا عن صد الصاد، ولوم اللائم، إلى أن من علي الرب الكريم الرؤوف ~~الرحيم، فشرح لي من معاني الشريعة ما لم يكن في حسابي، وألقى في نفسي إلقاء ~~بصيرة (9) أن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لم يتركا في سبيل ~~الهداية لقائل ما يقول، ولا أبقيا لغيرهما مجالا يعتد به (10) فيه، وأن ~~الدين قد كمل، والسعادة الكبرى فيما وضع، والطلبة (11) فيما شرع، وما سوى ~~ذلك فضلال وبهتان، وإفك وخسران، وأن العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك ~~بالعروة الوثقى، ومحصل (12) لكلية (13) الخير دنيا وأخرى، وما سواهما ~~فأحلام وخيالات وأوهام، وقام لي على صحة ذلك البرهان الذي لا شبهة تطرق ~~(14) حول PageV01P019 # حماه، ولا ترتمي نحو مرماه {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون} (1)، والحمد لله والشكر كثيرا كما هو (أهله. # فمن) (2) هنالك قصرت (3) نفسي على المشي في طريقه بمقدار ما يسر الله ~~فيه، فابتدأت بأصول الدين عملا واعتقادا، ثم بفروعه المبنية على تلك ~~الأصول، وفي خلال ذلك أتبين (4) ما هو من السنن أو من البدع، كما أتبين (5) ~~ما هو من الجائز وما هو من الممتنع، وأعرض كل (6) ذلك على علم الأصول ~~الدينية والفقهية، ثم أطلب نفسي بالمشي مع الجماعة التي سماها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالسواد الأعظم (7)، في الوصف الذي كان عليه هو وأصحابه ~~(8)، وترك البدع التي نص عليها العلماء أنها بدع مضلة (9)، وأعمال مختلقة ~~(10). # وكنت في أثناء ms050 ذلك قد دخلت في بعض خطط الجمهور من الخطابة والإمامة (11) ~~ونحوهما (12)، فلما أردت الاستقامة على الطريق (13)، وجدت نفسي غريبا في ~~جمهور أهل الوقت، لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد، ودخلت على سننها (14) ~~الأصلية (15) شوائب من المحدثات الزوائد، ولم يكن ذلك بدعا في الأزمنة ~~المتقدمة، فكيف في زماننا هذا؟ فقد روي عن السلف PageV01P020 # الصالح من التنبيه على ذلك كثير، كما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه ~~أنه قال: "لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم (1) ما عرف شيئا مما ~~كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة" (2). قال الأوزاعي (3): فكيف لو كان ~~اليوم؟ قال عيسى بن يونس (4): فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟ # وعن أم الدرداء (5) قالت: "دخل أبو الدرداء وهو غضبان، فقلت: ما أغضبك؟ ~~فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد (ص) (6)، إلا أنهم يصلون جميعا" ~~(7). PageV01P021 # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قولكم: لا إله إلا الله"، قلنا: بلى يا ~~أبا حمزة؟ قال: "قد صليتم حتى تغرب الشمس، أفكانت تلك صلاة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم"؟ (1). # وعن الحسن (2) قال (3): "لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما ~~عرف من الإسلام شيئا"، قال: ووضع يده على خده ثم قال: "إلا هذه الصلاة"، ثم ~~قال: "أما والله على ذلك لمن عاش في هذه (4) النكراء (5) ولم (6) يدرك ذلك ~~(7) السلف الصالح، فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته (8)، ورأى صاحب (9) دنيا ~~يدعو إلى دنياه، فعصمه الله عن (10) ذلك، وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف ~~الصالح، يسأل عن سبلهم، ويقتص آثارهم، ويتبع سبيلهم، ليعوضن (11) أجرا ~~عظيما، PageV01P022 # فكذلك (1) فكونوا (2) إن شاء الله" (3). # وعن ميمون بن مهران (4) قال: "لو أن رجلا أنشر (5) فيكم من (6) السلف ما ~~عرف فيكم (7) غير هذه القبلة" (8). # وعن (أبي) سهيل (9) بن مالك (10) عن أبيه (11) قال: "ما أعرف شيئا مما ~~أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة" (12). PageV01P023 # إلى ما أشبه هذا من الآثار الدالة ms051 على أن المحدثات تدخل في المشروعات، ~~وأن ذلك قد كان قبل زماننا، وأنها (1) تتكاثر على توالي الدهور إلى الآن. # فتردد النظر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس، فلا بد من ~~حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد، لا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه ~~هو السنة لا سواها، إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل، ~~(وبين أن أتبعهم) (2) على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح، فأدخل تحت ترجمة ~~الضلال، عائذا بالله من ذلك، إلا أني أوافق المعتاد، وأعد من المؤالفين (3) ~~لا من المخالفين، فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن ~~يغنوا عني من الله شيئا، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور، ~~فقامت علي القيامة، وتواترت (4) الملامة، وفوق (5) إلي العتاب سهامه، ونسبت ~~إلى البدعة والضلالة، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة، وإني لو التمست ~~لتلك المحدثات مخرجا لوجدت، غير أن ضيق العطن (6)، والبعد عن أهل الفطن، ~~رقى بي (7) مرتقى صعبا، وضيق علي مجالا رحبا، وهو كلام يشير (8) بظاهره إلى ~~أن اتباع PageV01P024 # المتشابهات، لموافقات العادات، أولى من اتباع الواضحات، وإن خالفت السلف ~~الأول. # وربما ألموا في تقبيح ما وجهت إليه وجهتي بما تشمئز منه القلوب، أو صرحوا ~~(1) بالنسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن السنة شهادة ستكتب ويسألون عنها يوم ~~القيامة. # فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع، ولا فائدة فيه كما يعزى إلى ~~بعض الناس (2) بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة ~~حالة الإمامة، وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء ~~(3). # وتارة نسبت إلى الرفض (4) وبغض الصحابة رضي الله عنهم ، بسبب أني لم ~~ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص، إذ لم (5) يكن ذلك ~~من شأن (6) السلف في خطبهم، ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين PageV01P025 # في أجزاء الخطب. وقد سئل أصبغ (1) عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين ~~فقال: "هو بدعة ولا ينبغي العمل به (2)، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة"، ~~قيل ms052 له (3): فدعاؤه للغزاة والمرابطين؟ قال: "ما أرى (4) به بأسا عند ~~الحاجة إليه، وأما (5) أن يكون شيئا (يصمد) (6) له في خطبته دائما فإني ~~أكره ذلك" (7). # ونص أيضا عز الدين بن عبد السلام (8) على أن الدعاء للخلفاء (9) في ~~الخطبة بدعة غير محبوبة (10). PageV01P026 # وتارة أضيف (1) إلي القول بجواز القيام على الأئمة، وما أضافوه إلا من ~~عدم ذكرهم (2) في الخطبة، وذكرهم فيها محدث لم يكن عليه من تقدم. # وتارة أحمل (3) علي التزام الحرج، والتنطع في الدين، وإنما حملهم على ذلك ~~أني التزمت في التكليف والفتيا الحمل على مشهور المذهب الملتزم، لا أتعداه، ~~وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه، وإن كان شاذا في ~~المذهب الملتزم أو في غيره. وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك وللمسألة بسط في ~~كتاب الموافقات (4). # وتارة نسبت إلى معاداة أولياء الله تعالى، وسبب ذلك أني عاديت بعض ~~الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة، المنتصبين بزعمهم لهداية الخلق، وتكلمت ~~للجمهور على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الصوفية ولم ~~يتشبهوا بهم (5). # وتارة نسبت إلى مخالفة السنة والجماعة، بناء منهم على أن الجماعة ~~PageV01P027 # التي أمر (1) باتباعها وهي الناجية ما عليه العموم [وجماعة الناس في كل ~~زمان وإن خالف السلف الصالح] (2)، ولم يعلموا أن الجماعة ما كان عليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، وسيأتي بيان ذلك بحول ~~الله (3). # وكذبوا علي في جميع ذلك (4)، أو وهموا، والحمد لله على كل حال. # فكنت (على حالة) (5) تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة (6) ~~الحافظ مع أهل زمانه، إذ حكى عن نفسه فقال: "عجبت من حالي في سفري وحضري ~~(7) مع الأقربين مني والأبعدين، والعارفين والمنكرين، فإني وجدت بمكة ~~وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقا أو مخالفا دعاني إلى ~~متابعته على ما يقوله، وتصديق قوله، والشهادة له، فإن كنت صدقته (8) فيما ~~يقول وأجزت له ذلك كما يفعله أهل هذا الزمان سماني موافقا، وإن وقفت في حرف ~~من قوله، أو في (9) شيء من فعله سماني مخالفا، وإن ذكرت في ms053 واحد منها أن ~~الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد (10)، سماني خارجيا (11)، وإن قرئ علي حديث ~~(12) في التوحيد سماني PageV01P028 # مشبها (1)، وإن كان في الرؤية سماني سالميا (2)، وإن كان في الإيمان ~~سماني مرجئيا (3)، (وإن كان في الأعمال، سماني قدريا (4)) (5)، وإن كان في ~~المعرفة سماني كراميا (6)، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر سماني ناصبيا ~~(7)، وإن PageV01P029 # كان في فضائل أهل البيت سماني رافضيا (1)، وإن سكت (2) عن تفسير آية أو ~~حديث، فلم أجب فيهما [إلا بهما] (3)، سماني ظاهريا (4)، وإن أجبت (5) ~~بغيرهما سماني باطنيا (6)، وإن أجبت بتأويل سماني أشعريا (7)، وإن جحدتهما ~~(8) سماني معتزليا (9)، PageV01P030 # وإن كان في السنن مثل القراءة سماني شفعويا، وإن كان في القنوت سماني ~~حنفيا (1)، وإن كان في القرآن سماني حنبليا (2)، وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل ~~واحد منهم (3) إليه من الأخبار إذ ليس في الحكم والحديث محاباة قالوا: طعن ~~[في تزكيتهم] (4). # ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرؤون علي من أحاديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما (5) يشتهون من هذه الأسامي، ومهما وافقت بعضهم عاداني ~~غيره، وإن داهنت جماعتهم أسخطت الله (6) تبارك وتعالى، ولن يغنوا عني من ~~الله شيئا. وأنا (7) مستمسك (8) بالكتاب والسنة، وأستغفر الله الذي لا إله ~~إلا هو وهو الغفور الرحيم" (9). # هذا تمام الحكاية، فكأنه رحمه الله تكلم على لسان الجميع، فقلما ~~PageV01P031 # تجد عالما مشهورا، أو فاضلا مذكورا، إلا وقد نبز (1) بهذه الأمور أو ~~بعضها، لأن الهوى قد يداخل المخالف، بل سبب الخروج عن السنة الجهل بها، ~~والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف، فإذا كان كذلك حمل على صاحب السنة ~~أنه غير صاحبها، ورجع (2) بالتشنيع عليه، والتقبيح لقوله وفعله، حتى ينسب ~~هذه المناسب. # وقد نقل عن سيد العباد بعد الصحابة أويس القرني (3) أنه قال: "إن الأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر لم يدع (4) للمؤمن صديقا، نأمرهم بالمعروف ~~فيشتمون أعراضنا، ويجدون على ذلك أعوانا من الفاسقين، حتى والله لقد رموني ~~بالعظائم، وايم الله لا أدع أن أقوم فيهم بحقه" (5). # فمن هذا الباب يرجع الإسلام غريبا كما بدأ، لأن المؤالف فيه على ms054 وصفه ~~الأول قليل، فصار المخالف هو الكثير، فاندرست رسوم السنة حين (6) مدت البدع ~~أعناقها، فأشكل مرماها (7) على الجمهور، فظهر مصداق الحديث الصحيح. # ولما وقع علي (8) من الإنكار (9) ما وقع مع ما هدى الله إليه وله ~~PageV01P032 # الحمد لم أزل أتتبع (1) البدع التي نبه عليها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وحذر منها، وبين (2) أنها ضلالة، وخروج عن الجادة (3)، وأشار العلماء ~~إلى تمييزها، والتعريف بجملة منها، لعلي أجتنبها (4) فيما استطعت، وأبحث عن ~~السنن (5) التي كادت تطفئ نورها تلك المحدثات، لعلي أجلو بالعمل سناها (6)، ~~وأعد يوم القيامة فيمن أحياها؛ إذ ما من بدعة تحدث إلا ويموت من السنن ما ~~هو في مقابلتها، حسبما جاء عن السلف في ذلك. # فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما يأتي على الناس من عام، إلا أحدثوا ~~فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع (7)، وتموت السنن" (8). # وفي بعض الأخبار: "لا يحدث رجل (9) بدعة إلا ترك من السنة ما هو خير ~~منها" (10). # وعن لقمان (عن) (11) أبي إدريس الخولاني (12) أنه كان يقول: "ما ~~PageV01P033 # أحدثت أمة في دينها بدعة، إلا رفع بها عنهم (1) سنة" (2). # وعن حسان بن عطية (3) قال: "ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله (4) ~~من سنتهم مثلها، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة" (5)، إلى غير ذلك مما ~~جاء في هذا المعنى، وهو مشاهد معلوم حسبما يأتي بيانه إن شاء الله (6). # وجاء من الترغيب في إحياء السنن ما جاء، فقد خرج ابن وهب (7) حديثا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي، ~~فإن له من الأجر مثل من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك (8) من أجورهم ~~PageV01P034 # شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله، فإن عليه إثم من عمل ~~بها لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئا"، وخرجه (1) الترمذي [باختلاف في بعض ~~الألفاظ مع اتفاق المعنى، وقال فيه: حديث حسن (2). # وفي الترمذي] (3) عن أنس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه ms055 وسلم: "يا بني إن قدرت أن (4) تصبح وتمسي ليس (5) في قلبك غش لأحد، ~~فافعل"، ثم قال لي: "يا بني وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن ~~أحبني كان معي في الجنة" حديث حسن (6). PageV01P035 # فرجوت بالنظر في هذا الموضع (1) الانتظام في سلك من أحيا سنة، وأمات ~~بدعة. # وعلى طول (2) العهد (3)، ودوام النظر اجتمع لي في البدع والسنن أصول قررت ~~(4) أحكامها الشريعة، [وفروع طالت أفنانها (5)، لكنها تنتظمها تلك الأصول، ~~وقلما توجد على الترتيب الذي سنح في الخاطر، فمالت إلى بثها النفس، ورأت ~~أنه من الأكيد الطلب؛ لما فيه من رفع الالتباس الناشئ بين السنن والبدع ~~(6)، لأنه لما كثرت البدع وعم ضررها، واستطار شررها، ودام الإكباب (7) على ~~العمل بها، والسكوت (8) من المتأخرين عن الإنكار لها، وخلفت بعدهم خلوف ~~جهلوا (9) أو غفلوا عن القيام بفرض القيام فيها، صارت كأنها سنن مقررات، ~~وشرائع من صاحب الشرع (10) محررات، فاختلط المشروع بغيره، فعاد الراجع إلى ~~محض السنة كالخارج عنها كما تقدم، فالتبس بعضها ببعض، فتأكد الوجوب بالنسبة ~~إلى من عنده فيها علم، وقلما صنف فيها على الخصوص تصنيف، وما صنف فيها فغير ~~كاف في هذه المواقف، مع أن الداخل في هذا الأمر اليوم فاقد المساعد، عديم ~~المعين، فالموالي له (11) يخلد به إلى الأرض، ويلقي له باليد إلى العجز عن ~~بث الحق، بعد رسوخ العوائد في القلوب، والمعادي (12) يرميه (13) بالدردبيس ~~(14)، ويروم (15) أخذه بالعذاب البئيس، لأنه يرد (16) عوائده PageV01P036 # الراسخة في القلوب، المتداولة في (الأعمال) (1)، دينا يتعبد به، وشريعة ~~يسلك عليها، لا حجة له عليها (2) (إلا عمل (3)) (4) الآباء والأجداد، مع ~~بعض الأشياخ المعلمين (5)، كانوا من أهل النظر في هذه الأمور أم لا، ولم ~~يلتفتوا إلى أنهم عند موافقتهم للآباء والأشياخ مخالفون للسلف الصالح. # فالمتعرض لمثل هذا الأمر بالقول (6) ينحو نحو (7) عمر بن عبد العزيز رضي ~~الله عنه في العمل، حيث قال: "ألا وإني أعالج أمرا لا يعين عليه إلا الله، ~~قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه ~~الأعرابي، حتى حسبوه دينا لا يرون ms056 الحق غيره" (8). # وكذلك ما نحن (9) بصدد الكلام عليه، غير أنه أمر لا سبيل إلى إهماله ولا ~~يسع أحدا ممن له منة فيه (10) إلا الأخذ بالحزم والعزم في بثه، بعد تحصيله ~~على كماله، وإن كره المخالف فكراهيته لا حجة فيها على الحق إلا يرفع مناره، ~~ولا تخسف أنواره (11)، فقد خرج أبو الطاهر السلفي (12) بسنده إلى أبي هريرة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "يا أبا هريرة علم الناس القرآن ~~وتعلمه، فإنك إن مت وأنت كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق، ~~وعلم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت ألا توقف على الصراط طرفة ~~PageV01P037 # عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله حدثا برأيك" (1). # قال أبو عبد الله بن القطان (2): "وقد جمع الله له ذلك كله، من إقراء ~~كتاب الله، والتحديث بالسنة، أحب الناس أم كرهوا، وترك الحدث، حتى إنه (3) ~~كان لا يتأول شيئا مما روى، تتميما للسلامة من الخطأ". # على أن أبا العرب التميمي (4) حكى عن ابن فروخ (5) أنه كتب إلى ~~PageV01P038 # مالك بن أنس (رضي الله عنه) (1): أن بلدنا كثير البدع، وأنه ألف لهم (2) ~~كلاما (3) في الرد عليهم. فكتب إليه مالك يقول له: "إن ظننت ذلك بنفسك خفت ~~أن تزل فتهلك، لا يرد عليهم إلا من كان ضابطا عارفا بما يقول لهم لا يقدرون ~~(4) أن يعرجوا عليه، فهذا لا بأس به وأما غير ذلك فإني أخاف أن يكلمهم ~~فيخطئ فيمضوا على خطئه أو يظفروا منه بشيء، فيطغوا ويزدادوا تماديا على ~~ذلك" (5)، انتهى (6). # وهذا الكلام يقضي لمثلي بالإحجام دون الإقدام، وشياع هذا المنكر (7)، ~~وفشو العمل به، وتظاهر أصحابه يقضي لمن له (بهذا (8) المقام منة) (9) ~~بالإقدام دون الإحجام؛ لأن البدع قد عمت، وجرت أفراسها من غير مغير (10) ~~ملء أعنتها. # وحكى (ابن وضاح (11) عن غير واحد: أن) (12) أسد بن موسى (13) PageV01P039 # كتب إلى أسد بن الفرات (1): "اعلم يا أخي أن ما حملني على الكتب إليك ما ~~أنكر (أهل بلادك من صالح ما) (2) أعطاك الله من إنصافك الناس، وحسن حالك ~~مما ms057 أظهرت من السنة، وعيبك (لأهل البدع، (وكثرة ذكرك لهم) (3)) (4)، وطعنك ~~عليهم، فقمعهم الله بك (5)، وشد بك ظهر أهل السنة، وقواك عليهم بإظهار ~~عيبهم، والطعن عليهم، وأذلهم الله بذلك، وصاروا ببدعتهم مستترين. فأبشر أي ~~أخي (6) بثواب الله (7)، واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج ~~والجهاد. وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله، وإحياء سنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم؟! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحيا شيئا من ~~سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين" وضم بين إصبعيه (8)، وقال: "أيما داع ~~(9) دعا إلى هدى (10) فاتبع عليه كان له مثل أجر من تبعه إلى يوم القيامة" ~~(11). PageV01P040 # فمن يدرك يا أخي هذا بشيء من عمله؟! # وذكر أيضا: "إن (1) عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا لله يذب عنها، ~~وينطق بعلامتها" (2). فاغتنم يا أخي هذا الفضل وكن من أهله، فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فأوصاه، وقال: "لأن يهدي الله ~~بك رجلا (3) خير لك من كذا وكذا" (4). وأعظم القول فيه، فاغتنم ذلك، وادع ~~إلى السنة حتى يكون لك في ذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث (5)، ~~فيكونون أئمة بعدك، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء الأثر (6). ~~PageV01P041 # فاعمل على بصيرة، ونية (1) وحسبة (2)، فيرد الله بك المبتدع والمفتون ~~الزائغ الحائر، فتكون خلفا من نبيك صلى الله عليه وسلم، فأحي كتاب الله ~~وسنة نبيه، فإنك لن تلقى الله بعمل يشبهه" (3). # انتهى ما قصدت إيراده من كلام أسد رحمه الله، وهو مما يقوي (4) جانب ~~الإقدام، مع ما روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، أنه خطب الناس فكان ~~من جملة كلامه في خطبته، أن قال: "والله إني (5) لولا أن أنعش (6) سنة قد ~~أميتت، أو أميت (7) بدعة قد أحييت، ما أحببت (8) أن أعيش فيكم فواقا (9) " ~~(10). # وخرج ابن وضاح في كتاب القطعان (11) من حديث (12) الأوزاعي (13) أنه بلغه ~~عن الحسن، أنه قال: "لن يزال لله نصحاء في الأرض من عباده يعرضون أعمال ms058 ~~العباد على كتاب الله فإذا وافقوه حمدوا الله، وإذا خالفوه عرفوا بكتاب ~~الله ضلالة من ضل، وهدى من اهتدى، فأولئك خلفاء الله" (14). PageV01P042 # وفيه عن سفيان (1) قال: "اسلكوا سبيل الحق، ولا تستوحشوا من قلة أهله" ~~(2). # فوقع التردد (3) بين النظرين. # ثم إني أخذت في ذلك مع بعض الإخوان الذين أحللتهم من قلبي محل السويداء ~~(4)، وقاموا لي في عامة أدواء نفسي مقام الدواء، فرأوا أنه من العمل الذي ~~لا شبهة في طلب الشرع نشره، ولا إشكال في أنه بحسب الوقت من أوجب الواجبات، ~~فاستخرت الله تعالى في وضع كتاب يشتمل على بيان البدع وأحكامها، وما يتعلق ~~بها من المسائل أصولا وفروعا، وسميته (5) بالاعتصام (6)، والله أسأل (7) أن ~~يجعله عملا خالصا، ويجعل ظل الفائدة به ممدودا لا قالصا، والأجر على العناء ~~فيه كاملا لا ناقصا (8)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وينحصر الكلام فيه بحسب الغرض المقصود في عشرة (9) أبواب، وفي كل باب ~~منها فصول اقتضاها بسط المسائل المنحصرة فيه، وما انجر معها من الفروع ~~المتعلقة به (10). PageV01P043 ### | الباب (1) الأول # في تعريف البدع وبيان معناها وما اشتق منه لفظا # (2) # وأصل مادة بدع للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى: {بديع ~~السماوات والأرض} (3)، أي مخترعهما من غير مثال سابق (4) متقدم، وقوله ~~تعالى: {قل ما كنت بدعا من الرسل} (5)، أي ما كنت أول (6) من جاء بالرسالة ~~من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل. ويقال: ابتدع فلان (بدعة ~~يعني ابتدأ) (7) طريقة لم يسبقه إليها سابق. وهذا أمر بديع، يقال في الشيء ~~المستحسن (الذي لا مثال له في الحسن) (8)، فكأنه لم يتقدمه ما هو مثله ولا ~~ما يشبهه. # ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، ~~وهيئتها (9) هي البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة. ~~PageV01P045 # فمن (1) هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو ~~إطلاق أخص (2) منه في اللغة حسبما يذكر بحول الله. # فنقول (3): ثبت في علم الأصول أن الأحكام المتعلقة بأفعال العباد ~~وأقوالهم ثلاثة: ms059 حكم يقتضيه معنى الأمر، كان للإيجاب أو الندب (4)، وحكم ~~يقتضيه معنى النهي، كان للكراهة أو التحريم، وحكم يقتضيه معنى التخيير، وهو ~~الإباحة. # فأفعال العباد وأقوالهم لا تعدو هذه الأقسام الثلاثة: مطلوب فعله، ومطلوب ~~تركه، ومأذون في فعله وتركه. # والمطلوب تركه لم يطلب تركه إلا لكونه مخالفا للقسمين الآخرين (5)، لكنه ~~على ضربين: # أحدهما: أن يطلب تركه، وينهى عنه لكونه مخالفة خاصة، مع تجرد (6) النظر ~~عن غير ذلك، وهو إن كان محرما سمى فعله (7) معصية وإثما وسمي (8) فاعله ~~عاصيا وآثما، وإلا لم يسم بذلك، ودخل في حكم العفو حسبما هو مبين في غير ~~هذا الموضع (9). ولا يسمى بحسب الفعل جائزا ولا مباحا، لأن الجمع بين ~~الجواز والنهي جمع بين متنافيين (10). # والثاني: أن يطلب تركه، وينهى عنه لكونه مخالفة تضاهي (11) التشريع، من ~~جهة ضرب الحدود، وتعيين الكيفيات، والتزام الهيئات المعينة، أو الأزمنة ~~المعينة، مع الدوام ونحو ذلك. وهذا هو الابتداع والبدعة، ويسمى فاعله ~~مبتدعا. PageV01P046 # فالبدعة إذن عبارة عن: "طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد ~~بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه". # وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى (1) البدعة، وإنما يخصها ~~بالعبادات (2)، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة ~~فيقول: "البدعة طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية (3)، يقصد بالسلوك ~~عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية. # ولا بد من بيان ألفاظ هذا الحد، فالطريقة والطريق والسبيل والسنن واحد ~~(4)، وهو ما رسم للسلوك عليه، وإنما قيدت بالدين، لأنها فيه تخترع، وإليه ~~يضيفها (5) صاحبها. وأيضا فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم ~~تسم بدعة، كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم. # ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم فمنها: ما له أصل في الشريعة ومنها ما ~~ليس له أصل فيها خص منها ما هو المقصود بالحد، وهو القسم المخترع، أي ~~ابتدعت (6) على غير مثال تقدمها من الشارع؛ إذ البدعة إنما خاصتها أنها ~~خارجة عما رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادي الرأي أنه ~~مخترع، مما ms060 هو متعلق بالدين، كعلم النحو، والتصريف، ومفردات اللغة، وأصول ~~الفقه، وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة، فإنها وإن لم توجد في ~~الزمان الأول، فأصولها موجودة PageV01P047 # في الشرع؛ إذ الأمر بإعراب القرآن منقول (1)، وعلوم اللسان (2) هادية ~~للصواب في الكتاب والسنة، فحقيقتها إذا أنها فقه التعبد بالألفاظ الشرعية ~~الدالة على معانيها كيف تؤخذ وتؤدى. وأصول الفقه إنما معناها استقراء كليات ~~الأدلة، حتى تكون عند المجتهد نصب عين، وعند الطالب سهلة الملتمس (3). # وكذلك أصول الدين، وهو علم الكلام، إنما حاصله تقرير لأدلة القرآن ~~والسنة، أو ما ينشأ عنها في التوحيد وما يتعلق به، كما كان الفقه تقريرا ~~لأدلتها في الفروع العملية (4) (5). PageV01P048 # فإن قيل: فإن تصنيفها على ذلك الوجه مخترع. # فالجواب: أن له أصلا في الشرع، ففي (1) الحديث ما يدل عليه (2)، ولو سلم ~~أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص، فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد ~~من قاعدة المصالح المرسلة، وسيأتي بسطها بحول الله (3). # فعلى القول بإثباتها أصلا شرعيا لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل ~~تحت أدلته التي ليست بمأخوذة من جزئي واحد، فليس (4) ببدعة ألبتة. # وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في قسم ~~(5) البدع كانت قبيحة؛ لأن كل بدعة ضلالة من غير استثناء (6)، كما يأتي (7) ~~بيانه (8) إن شاء الله (9). # ويلزم من ذلك أن يكون كتب المصحف، وجمع القرآن قبيحا، وهو باطل بالإجماع، ~~فليس إذا ببدعة (10). PageV01P049 # ويلزم أيضا (1) أن يكون له دليل شرعي، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، ~~وهو المأخوذ من جملة الشريعة. # وإذا ثبت جزئي في المصالح المرسلة، (ثبت مطلق المصالح المرسلة) (2). # فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو، أو غيره من علوم اللسان، أو علم ~~الأصول، أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعة أصلا. # ومن سماه بدعة، فإما على المجاز كما سمى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيام ~~الناس (في المسجد) (3) في ليالي رمضان بدعة (4)، وإما جهلا بمواقع السنة ~~والبدعة، فلا يكون قول من قال ذلك معتدا ms061 به، ولا معتمدا عليه. # وقوله في الحد: (تضاهي الشرعية)، يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير ~~أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها، (وبيان مشابها) (5) من أوجه ~~متعددة: # منها: وضع الحدود كالناذر للصيام قائما لا يقعد، ضاحيا لا يستظل، ~~PageV01P050 # والاختصاء (1) في الانقطاع للعبادة، والاقتصار من المأكل أو الملبس (2) ~~على صنف دون صنف (3) من غير علة. # ومنها: التزام الكيفيات والهيئات المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت ~~واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيدا، وما أشبه ذلك. # ومنها: التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين ~~في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته. # وثم (4) أوجه أخر (5) تضاهي بها البدعة الأمور المشروعة (6)، فلو كانت لا ~~تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعة، لأنها تصير من باب الأفعال العادية. # وأيضا فإن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهي بها السنة حتى يكون ملبسا بها ~~على الغير، أو تكون هي مما تلتبس عليه بالسنة، إذ الإنسان لا يقصد الاستنان ~~(7) بأمر لا يشابه المشروع؛ لأنه إذ ذاك لا يستجلب به في ذلك الابتداع ~~نفعا، ولا يدفع به ضررا، ولا يجيبه غيره إليه. # ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيل التشريع، ولو بدعوى الاقتداء ~~بفلان المعروف منصبه في أهل الخير. # فأنت ترى العرب الجاهلية في تغيير ملة إبراهيم عليه السلام كيف تأولوا ~~فيما أحدثوه احتجاجا منهم له (8)؛ كقولهم في أصل الإشراك: {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} (9)، وكترك الحمس (10) الوقوف بعرفة PageV01P051 # لقولهم: لا نخرج من الحرم اعتدادا بحرمته (1)، وطواف من طاف منهم بالبيت ~~عريانا (2) قائلين: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، وما أشبه ذلك مما وجهوه ~~ليصيروه (3) بالتوجيه كالمشروع، فما ظنك (4) بمن عد أو عد نفسه من خواص أهل ~~الملة؟ فهم أحرى بذلك، وهم المخطئون وظنهم الإصابة، وإذا تبين هذا ظهر أن ~~مضاهاة الأمور المشروعة ضرورية الأخذ في أجزاء الحد. # وقوله: (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى)، هو تمام معنى ~~البدعة؛ إذ هو المقصود بتشريعها. # وذلك ms062 أن أصل الدخول فيها الحث (5) على الانقطاع إلى العبادة، والترغيب في ~~ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون *} (6)، فكأن ~~المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من ~~القوانين والحدود كاف، فرأى (7) من نفسه أنه لا بد (8) لما أطلق الأمر فيه ~~من قوانين منضبطة، وأحوال مرتبطة، مع ما يداخل (9) النفوس من حب الظهور ~~[والذكر بالمناقب التي ينفرد بها الأفراد، واستنباط الفوائد التي لا عهد ~~بها، إذ الدخول في غمار الخلق يميت الهوى، لعدم الظهور] (10)، أو عدم ~~مظنته، فدخلت في هذا الضبط شائبة البدعة. PageV01P052 # وأيضا، فإن النفوس قد تمل وتسأم من الدوام على العبادات (المشتركة) (1)، ~~فإذا جدد لها أمر لا تعهده حصل (2) لها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء على ~~الأمر الأول، ولذلك قالوا: لكل جديد لذة، فحكم (3) هذا المعنى، قول (4) من ~~(5) قال: "كما تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور (6)، (فكذلك تحدث ~~لهم مرغبات في الخير بقدر (ما حدث لهم من الفتور) (7)) (8) " (9). # وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: "فيوشك قائل أن يقول: ما هم بمتبعي ~~فيتبعوني وقد قرأت (10) القرآن، فلا يتبعني (11) حتى أبتدع لهم غيره (12)، ~~فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة" (13). PageV01P053 # وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات (1)، فكل ما اخترع من ~~الطرق في الدين مما يضاهي المشروع، ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه ~~التسمية، كالمغارم الملزمة (2) على الأموال وغيرها على نسبة مخصوصة، وقدر ~~مخصوص مما يشبه فرض الزكوات (3)، ولم يكن إليها ضرورة (4)، وكذلك اتخاذ ~~المناخل، وغسل اليد بالأشنان (5)، وما أشبه ذلك من الأمور التي لم تكن (6) ~~قبل، فإنها لا تسمى بدعا على إحدى الطريقتين. PageV01P054 # وأما الحد على الطريقة الأخرى، فقد تبين معناه إلا قوله: (يقصد بها ما ~~يقصد بالطريقة الشرعية). # ومعناه أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم، لتأتيهم ~~في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده (1) المبتدع ببدعته (2)؛ لأن ~~البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات ms063 (3)، فإن تعلقت بالعبادات فإنما ~~أراد بها أن يأتي تعبده على أبلغ ما يكون في زعمه، ليفوز بأتم المراتب في ~~الآخرة في ظنه، وإن تعلقت بالعادات فكذلك؛ لأنه إنما وضعها لتأتي أمور ~~دنياه على تمام المصلحة فيها. فمن يجعل المناخل في قسم البدع فظاهر أن ~~التمتع عنده بلذة الدقيق المنخول أتم منه بغير المنخول، وكذلك البناءات ~~المشيدة المحتفلة (4) التمتع بها أبلغ منه بالحشوش (5) والخرب (6)، ومثله ~~المصادرات في الأموال بالنسبة إلى أولي الأمر وقد أباحت الشريعة التوسع في ~~التصرفات، فيعد المبتدع هذا من ذلك. # وقد ظهر معنى البدعة، وما هي في الشرع والحمد لله. PageV01P055 ### | فصل # وفي الحد أيضا معنى آخر مما ينظر فيه (1)، وهو أن البدعة من حيث قيل ~~فيها: إنها طريقة في الدين مخترعة إلى آخره يدخل في عموم لفظها البدعة ~~التركية، كما يدخل فيه البدعة غير التركية، فقد يقع الابتداع بنفس الترك ~~تحريما للمتروك (2) أو غير تحريم، فإن الفعل مثلا (3) قد يكون حلالا بالشرع ~~فيحرمه الإنسان على نفسه، أو يقصد تركه قصدا. فهذا (4) الترك، إما أن يكون ~~لأمر يعتبر مثله شرعا أو لا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، إذ معناه أنه ~~ترك ما يجوز تركه، أو (5) ما يطلب بتركه، كالذي يحرم على نفسه الطعام ~~الفلاني من جهة أنه يضره في جسمه أو عقله أو دينه، وما أشبه ذلك، فلا مانع ~~هنا من الترك، بل إن قلنا بطلب التداوي للمريض كان (6) الترك هنا مطلوبا، ~~وإن قلنا بإباحة التداوي فالترك مباح (7). # فهذا راجع إلى العزم على الحمية من المضرات، وأصله قوله عليه الصلاة ~~السلام: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة (8) فليتزوج"، (إلى ~~PageV01P056 # أن قال) (1): "ومن لم يستطع فعليه بالصوم، [فإنه له وجاء" (2) فأمر عليه ~~الصلاة والسلام بالصوم] (3) الذي يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه ~~الشهوة، فيصير إلى العنت (4). # وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذرا مما (5) به البأس، فذلك من أوصاف ~~المتقين، وكتارك المتشابه حذرا من الوقوع في الحرام، واستبراء للدين ~~والعرض. # وإن كان الترك (6) لغير ms064 ذلك، فإما أن يكون تدينا أو لا، فإن لم يكن تدينا ~~فالتارك عابث بتحريمه الفعل، أو بعزيمته على الترك. ولا يسمى هذا الترك ~~بدعة؛ إذ لا يدخل تحت لفظ الحد إلا على الطريقة الثانية القائلة إن (7) ~~البدعة تدخل في (8) العادات. وأما على الطريقة الأولى، فلا يدخل (9). لكن ~~هذا (10) التارك يصير عاصيا بتركه أو باعتقاده التحريم فيما أحل الله. ~~PageV01P057 # وأما إن كان الترك (1) تدينا، فهو الابتداع في الدين على كلتا الطريقتين، ~~إذ قد فرضنا الفعل جائزا شرعا (2) فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع ~~التحليل (3). وفي مثله نزل قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين *} (4)، فنهى ~~أولا عن تحريم الحلال، ثم جاءت الآية تشعر بأن ذلك اعتداء، (وأن من اعتدى) ~~(5) لا يحبه الله، وسيأتي للآية تقرير إن شاء الله (6). # لأن بعض الصحابة هم أن يحرم على نفسه النوم بالليل، وآخر (7) الأكل ~~بالنهار، وآخر إتيان النساء، وبعضهم هم بالاختصاء (8)، مبالغة في ترك شأن ~~(9) النساء. وفي أمثال ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من رغب عن سنتي ~~فليس مني" (10). # فإذا كل من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي فهو خارج عن ~~سنة النبي صلى الله عليه وسلم، (والعامل بغير السنة تدينا هو المبتدع ~~بعينه) (11). # فإن قيل: فتارك المطلوبات الشرعية ندبا أو وجوبا هل يسمى PageV01P058 # مبتدعا أم لا؟ فالجواب: أن التارك للمطلوبات على ضربين: # أحدهما: أن يتركها لغير التدين، إما كسلا، أو تضييعا، أو ما أشبه ذلك من ~~الدواعي النفسية، فهذا الضرب راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في واجب ~~فمعصية، وإن كان في ندب فليس بمعصية إذا كان الترك جزئيا، وإن كان (1) كليا ~~فمعصية حسبما تبين في الأصول (2). # والثاني: أن يتركها تدينا، فهذا الضرب من قبيل البدع حيث تدين بضد ما شرع ~~الله، ومثاله أهل الإباحة القائلون بإسقاط التكليف (3) إذا بلغ السالك ~~عندهم المبلغ الذي حدوه (4). # فإذا قوله في الحد: (طريقة [في الدين] ms065 (5) مخترعة تضاهي الشرعية)، يشمل ~~(6) البدعة التركية كما يشمل غيرها (7)؛ لأن الطريقة الشرعية أيضا تنقسم ~~إلى ترك وغيره. # وسواء علينا قلنا: إن الترك فعل، أم قلنا: إنه نفي الفعل، على (8) ~~الطريقتين المذكورتين في أصول الفقه (9). PageV01P059 # وكما يشمل الحد الترك يشمل أيضا ضد ذلك، وهو ثلاثة أقسام: قسم الاعتقاد، ~~وقسم القول، وقسم الفعل، فالجميع أربعة أقسام. # وبالجملة، فكل ما يتعلق به الخطاب الشرعي يتعلق به الابتداع، (والله ~~أعلم) (1). PageV01P060 ### | الباب الثاني # في ذم البدع (1) وسوء منقلب أصحابها # لا خفاء أن البدع (1) من حيث تصورها يعلم العاقل ذمها؛ لأن اتباعها خروج ~~عن الصراط المستقسم ورمي في عماية. # وبيان ذلك من جهة النظر، والنقل الشرعي العام (2): # أما النظر فمن وجوه: # أحدها: أنه قد علم بالتجارب (3) والخبرة (4) السارية في العالم (5) من ~~أول الدنيا إلى اليوم أن العقول غير مستقلة بمصالحها، استجلابا لها، أو ~~مفاسدها، استدفاعا لها، لأنها إما دنيوية أو أخروية. # (فأما الدنيوية) (6) فلا يستقل باستدراكها على التفصيل ألبتة، لا في ~~ابتداء وضعها أولا، ولا في استدراك ما عسى أن يعرض في طريقها، إما في ~~السوابق، وإما في اللواحق، لأن وضعها أولا لم يكن إلا بتعليم الله تعالى، ~~لأن آدم عليه السلام لما أنزل إلى (7) الأرض علم كيف يستجلب مصالح دنياه؛ ~~إذ لم يكن ذلك من معلومه أولا، إلا على قول من قال: إن PageV01P061 # ذلك داخل تحت مقتضى قول الله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} (1)، وعند ~~ذلك يكون تعليما غير عقلي، ثم توارثته ذريته كذلك في الجملة، لكن فرعت ~~العقول من أصولها تفريعا تتوهم استقلالها به. # ودخل (2) في الأصول الدواخل حسبما أظهرت ذلك أزمنة الفترات؛ إذ لم تجر ~~مصالح أهل (3) الفترات على استقامة، لوجود الفتن والهرج (4)، وظهور أوجه ~~الفساد (5). # فلولا أن الله تعالى من (6) على الخلق ببعثة الأنبياء عليهم السلام لم ~~تستقم (7) لهم حياة، ولا جرت أحوالهم على كمال مصالحهم، وهذا معلوم بالنظر ~~(8) في أخبار الأولين والآخرين. # وأما المصالح الأخروية، فأبعد عن مجاري (9) العقول (10) من جهة وضع ~~أسبابها، وهي العبادات مثلا، فإن العقل لا يشعر بها ms066 على الجملة فضلا عن ~~العلم بها على التفصيل، ومن جهة تصور الدار الأخرى وكونها آتية، فلا بد ~~وأنها (11) دار جزاء على الأعمال، فإن الذي يدرك العقل من ذلك مجرد الإمكان ~~أن يشعر به (12). PageV01P062 # ولا يغترن ذو الحجى بأحوال الفلاسفة المدعين لإدراك الأحوال الأخروية ~~بمجرد العقل، قبل النظر في الشرع، فإن دعواهم بألسنتهم في المسألة بخلاف ما ~~عليه الأمر في نفسه؛ لأن الشرائع لم تزل واردة على بني آدم من جهة (1) ~~الرسل، والأنبياء أيضا لم يزالوا موجودين في العالم، وهم أكثر، كل ذلك من ~~لدن آدم عليه السلام إلى أن انتهت بهذه الشريعة المحمدية (2)، غير أن ~~الشريعة كانت إذا أخذت في الدروس (3) بعث الله نبيا من أنبيائه يبين (4) ~~للناس ما خلقوا لأجله، وهو التعبد لله. # فلا بد أن يبقى من الشريعة المفروضة ما بين زمان أخذها في الاندراس وبين ~~إنزال الشريعة بعدها بعض الأصول معلومة (5)، فأتى الفلاسفة إلى تلك الأصول ~~فتلقفوها، أو تلقفوا منها، ما أرادوا (6) أن يخرجوه على مقتضى عقولهم، ~~وجعلوا ذلك عقليا لا شرعيا، وليس الأمر كما زعموا، فالعقل غير مستقل ألبتة، ~~ولا ينبني على غير أصل، وإنما (7) ينبني على أصل متقدم مسلم على الإطلاق ~~ولا يمكن في أحوال الآخرة تصور (8) أصل مسلم إلا من طريق الوحي، ولهذا ~~المعنى بسط سيأتي إن شاء الله تعالى (9). # فعلى الجملة، العقول لا تستقل بإدراك مصالحها دون الوحي. # فالابتداع مضاد لهذا الأصل، لأنه ليس له (10) مستند شرعي بالفرض، فلا ~~يبقى إلا ما ادعوه من العقل. PageV01P063 # فالمبتدع ليس على ثقة من بدعته أن ينال بسبب العمل بها ما رام تحصيله من ~~جهتها، فصارت كالعبث. # هذا إن قلنا (1): إن الشرائع جاءت لمصالح العباد. # وأما على القول الآخر، فأحرى أن لا يكون صاحب البدعة على ثقة منها؛ لأنها ~~إذ ذاك مجرد تعبد وإلزام من جهة الآمر للمأمور، والعقل بمعزل عن هذه الخطة ~~حسبما تبين في علم الأصول (2). # وناهيك من نحلة ينتحلها صاحبها في أرفع مطالبة لا ثقة بها، ويلقي من يده ~~ما هو على ثقة منه: ms067 # والثاني (3): أن الشريعة جاءت كاملة تامة (4) لا تحتمل الزيادة ولا ~~النقصان؛ لأن الله تعالى قال فيها: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (5). # وفي حديث العرباض بن سارية (6): وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~موعظة (7) PageV01P064 # ذرفت منها الأعين، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إن هذه موعظة ~~مودع، فما تعهد إلينا؟ قال: "تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، ولا يزيغ ~~عنها (1) بعدي إلا هالك، من (2) يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما ~~عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين (3) من بعدي" (4) الحديث. # وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج ~~إليه في أمر (5) الدين والدنيا، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة. # فإذا كان كذلك، فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو (6) مقاله: إن ~~الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها (7)، لأنه لو ~~كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه، لم يبتدع (8)، ولا استدرك عليها، ~~وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم. # قال ابن الماجشون (9): سمعت مالكا يقول: "من ابتدع في الإسلام ~~PageV01P065 # بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن ~~الله يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم} (1)، فما لم يكن يومئذ دينا، فلا يكون ~~اليوم دينا" (2). # والثالث: أن المبتدع معاند للشرع ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب ~~العبد طرقا خاصة، على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي، والوعد ~~والوعيد، وأخبر أن الخير فيها، وأن الشر في تعديها، إلى غيرها (3)؛ لأن ~~الله يعلم، ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة ~~للعالمين. # فالمبتدع راد (4) لهذا كله، فإنه يزعم أن ثم طرقا أخر، ليس (5) ما حصره ~~الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، وأن (6) الشارع يعلم ونحن أيضا نعلم، ~~بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع، أنه علم ما لم يعلمه الشارع. # وهذا إن كان مقصودا للمبتدع، فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير ~~مقصود، فهو ms068 ضلال مبين. # وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، إذ كتب له عدي بن ~~أرطأة (7) يستشيره في بعض القدرية (8)، فكتب إليه: PageV01P066 # "أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون مما (1) قد جرت سنته (2)، وكفوا ~~مؤنته، فعليك بلزوم السنة، فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من ~~الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما (3) رضي به القوم (4) ~~لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوا، ولهم (5) كانوا على كشف ~~الأمور أقوى، وبفضل لو كان (6) فيه أحرى، فلئن قلتم: أمر حدث بعدهم، ما ~~أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سننهم، ورغب بنفسه عنهم، إنهم لهم السابقون ~~(7)، فقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصر، وما ~~فوقهم محسر (8)، لقد قصر عنهم (أقوام فجفوا، وطمح عنهم) (9) آخرون فغلوا ~~(10)، وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم" (11). PageV01P067 # ثم ختم الكتاب بحكم مسألته (1): # فقوله: "فإن (2) السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها" هو (3) مقصود ~~الاستشهاد. # والرابع: أن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع؛ لأن الشارع وضع ~~الشرائع وألزم الخلق الجري على سننها، وصار هو المنفرد بذلك، لأنه حكم بين ~~الخلق فيما كانوا فيه يختلفون، وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم ~~(4) تنزل (5) الشرائع، ولم يبق (6) الخلاف بين الناس، ولا احتيج إلى بعث ~~الرسل عليهم السلام. # فهذا (7) الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه نظيرا ومضاهيا، حيث شرع مع ~~الشارع، وفتح للاختلاف بابا، ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع، وكفى ~~بذلك شرا (8). # والخامس: أنه اتباع للهوى، لأن العقل (9) إذا لم يكن متبعا للشرع، لم يبق ~~له إلا الهوى والشهوة (10)، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى، وأنه ضلال مبين، ~~ألا ترى قول (11) الله تعالى: {يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم ~~بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد ms069 بما نسوا يوم الحساب *} (12)، فحصر الحكم في أمرين لا ~~ثالث لهما عنده، وهو الحق والهوى، وعزل العقل مجردا إذ لا يمكن في العادة ~~إلا ذلك. PageV01P068 # وقال: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} (1)، فجعل الأمر ~~محصورا بين أمرين: اتباع الذكر، واتباع الهوى. # وقال: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} (2)، وهي مثل ما قبلها، ~~وتأملوا هذه الآية، فإنها صريحة في أن من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه، ~~فلا أحد أضل منه. # وهذا شأن المبتدع، فإنه اتبع هواه بغير هدى من الله، وهدى الله هو ~~القرآن. # وما بينته الشريعة (3)، وبينته الآية أن اتباع الهوى (4) على ضربين: # أحدهما: أن يكون تابعا للأمر والنهي، فليس بمذموم، ولا صاحبه بضال، كيف ~~وقد قدم الهدى (5) فاستنار به في طريق هواه، وهو شأن المؤمن التقي (6). # والآخر أن يكون هواه هو (7) المقدم بالقصد الأول، كان الأمر والنهي ~~تابعين بالنسبة إليه أو غير تابعين، وهو المذموم. # والمبتدع قدم هوى نفسه على هدى (8) ربه (9)، فكان أضل الناس، وهو يظن أنه ~~على هدى. # وقد انجر هنا معنى يتأكد التنبيه عليه، وهو أن الآيات (10) المذكورة عينت ~~للاتباع في الأحكام الشرعية طريقين: # أحدهما: الشريعة، ولا مرية في أنها علم وحق وهدى، والآخر الهوى، وهو ~~المذموم؛ لأنه لم يذكر في القرآن إلا في سياق (11) الذم، ولم يجعل ثم طريقا ~~ثالثا، ومن تتبع الآيات ألفى ذلك كذلك. # ثم العلم الذي أحيل عليه، والحق الذي حمد إنما هو القرآن وما نزل من عند ~~الله؛ كقوله تعالى: {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام ~~الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} (12). PageV01P069 # وقال بعد ذلك: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا ليضل الناس بغير علم} (1). # وقال: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله ~~افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين *} (2). # وهذا كله لاتباع أهوائهم في التشريع بغير هدى من الله. # وقال: {ما جعل الله من بحيرة ms070 ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين ~~كفروا يفترون على الله الكذب} (3). # وهو اتباع الهوى في التشريع، إذ حقيقته افتراء على الله. # وقال: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه ~~وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله} (4)، أي: لا يهديه دون الله ~~شيء، وذلك بالشرع لا بغيره وهو الهدى (5). # وإذا ثبت هذا، وأن الأمر دائر بين الشرع والهوى تزلزلت قاعدة حكم العقل ~~المجرد، فكأنه ليس للعقل في هذا الميدان مجال إلا من تحت نظر الهوى، فهو ~~إذا اتباع الهوى بعينه في تشريع الأحكام. ودع النظر العقلي في المعقولات ~~المحضة، فلا كلام فيه هنا، وأن أهله قد زلوا أيضا بالابتداع، فإنما زلوا من ~~حيث ورود الخطاب، ومن حيث التشريع، ولذلك عذر الجميع قبل إرسال الرسل، أعني ~~في خطئهم في التشريعات والعقليات، حتى جاءت الرسل فلم يبق لأحد حجة يستقيم ~~إليها {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} (6)، ~~ولله الحجة البالغة. # فهذه قاعدة ينبغي أن تكون من بال الناظر في هذا المقام، وإن كانت أصولية، ~~فهذه نكتتها (7) مستنبطة من كتاب الله، (وبالله التوفيق) (8)، انتهى. ~~PageV01P070 ### | ### | فصل # (1) # وأما النقل فمن وجوه: # أحدها: ما جاء في القرآن الكريم (2) مما يدل على ذم من ابتدع في دين الله ~~تعالى في الجملة. # فمن ذلك قول الله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله} (3)، فهذه الآية ~~من أعظم الشواهد، وقد جاء في الحديث تفسيرها، فصح من حديث عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {فأما الذين ~~في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} (4)، ~~قال: "فإذا رأيتهم فاعرفيهم (5) " (6). # وصح عنها أنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم (عن هذه الآية) ~~(7) {هو PageV01P071 # الذي أنزل عليك الكتاب} إلى ms071 آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا (رأيتم) (1) الذين يتبعون ما تشابه منه (2) فأولئك الذين سمى ~~الله فاحذروهم (3) " (4). # وهذا التفسير مبهم (5)، ولكنه جاء في رواية عن عائشة أيضا قالت: تلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات} الآية، قال: "فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى (6) الله ~~فاحذروهم" (7)، وهذا أبين لأنه جعل علامة الزيغ الجدال في القرآن، وهذا ~~الجدال مقيد باتباع المتشابه. # فإذا الذم إنما لحق من جادل فيه بترك المحكم وهو أم الكتاب ومعظمه ~~والتمسك بمتشابهه (8). # ولكنه بعد مفتقر إلى تفسير أظهر، فجاء عن أبي غالب واسمه حزور (9) قال: ~~كنت بالشام، فبعث المهلب (10) سبعين رأسا من PageV01P072 # الخوارج (1)، فنصبوا على درج دمشق، فكنت على ظهر بيت لي (2)، فمر أبو ~~أمامة رضي الله عنه، فنزلت فاتبعته، فلما وقف عليهم دمعت عيناه وقال: ~~"سبحان الله! ما يصنع الشيطان (3) ببني آدم! قالها ثلاثا، كلاب جهنم، كلاب ~~جهنم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء ثلاث مرات خير قتلى من قتلوه، طوبى ~~لمن قتلهم أو قتلوه"، ثم التفت إلي فقال: "يا (4) أبا غالب إنك بأرض هم بها ~~كثير فأعاذك الله منهم"، قلت: رأيتك بكيت حين رأيتهم، قال: "بكيت رحمة حين ~~رأيتهم كانوا من أهل الإسلام، هل تقرأ سورة آل عمران"؟ قلت: نعم، فقرأ: {هو ~~الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب} حتى بلغ {وما يعلم ~~تأويله إلا الله} (5)، وإن هؤلاء كان في قلوبهم زيغ فزيغ (6) بهم، ثم قرأ ~~{ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} إلى قوله: ~~{ففي رحمة الله هم فيها خالدون} (7)، قلت: هم هؤلاء يا أبا أمامة؟ قال: ~~"نعم"، قلت: من قبلك تقول أو شيء سمعته (8) من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ قال: "إني إذا لجريء، بل سمعته (من رسول الله صلى الله عليه وسلم) ~~(9) لا مرة ولا مرتين"، حتى عد سبعا، ثم قال: "إن بني إسرائيل تفرقوا على ~~(10) إحدى وسبعين فرقة، ms072 وإن هذه الأمة تزيد عليها فرقة، كلها في النار إلا ~~السواد الأعظم"، قلت: يا أبا أمامة ألا ترى ما فعلوا؟ (11) قال: عليهم ما ~~حملوا {وعليكم ما حملتم} (12) الآية. PageV01P073 # خرجه إسماعيل القاضي (1) وغيره (2). # وفي رواية قال (3): "ألا ترى ما فيه (4) السواد الأعظم" وذلك في أول ~~خلافة عبد الملك (5)، والقتل (6) يومئذ ظاهر، قال: "عليهم ما حملوا {وعليكم ~~ما حملتم} (7) ". PageV01P074 # وخرجه الترمذي مختصرا، وقال فيه: "حديث حسن" (1). # وخرجه الطحاوي (2) أيضا (3) باختلاف في بعض الروايات (4) والألفاظ، وفيه ~~فقيل له: يا أبا أمامة، تقول لهم هذا القول ثم تبكي! يعني قوله: "شر قتلى" ~~إلى آخره قال: "رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام فخرجوا منه"، ثم تلا: ~~{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات} (5) حتى ختمها، ثم قال: "هم هؤلاء"، ~~ثم تلا هذه الآية: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ... } (6) حتى ختمها، ثم قال: ~~"هم هؤلاء" (7). # وذكر الآجري (8) عن طاوس (9) قال: ذكر لابن عباس رضي الله عنهما الخوارج ~~وما يصيبهم عند قراءة القرآن، فقال: "يؤمنون بمحكمه، ويضلون PageV01P075 # عند متشابهه"، وقرأ: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ~~يقولون آمنا به} (1) (2). # فقد ظهر بهذا التفسير أنهم أهل البدع؛ لأن أبا أمامة رضي الله عنه جعل ~~الخوارج (3) داخلين في عموم الآية، وأنها (4) تتنزل (5) عليهم. وهم من أهل ~~البدع عند العلماء، إما على معنى (6) أنهم خرجوا ببدعتهم (7) عن أهل ~~الإسلام، وإما على أنهم من أهل الإسلام لم يخرجوا عنهم، على اختلاف العلماء ~~فيهم (8). PageV01P076 # وجعل هذه الطائفة ممن في قلوبهم زيغ فزيغ بهم. # وهذا الوصف موجود في أهل البدع كلهم، مع أن لفظ الآية عام فيهم (1) وفي ~~غيرهم، ممن كان على وصفهم (2). # ألا ترى أن صدر هذه السورة (3) إنما نزل في نصارى نجران (4)، ومناظرتهم ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اعتقادهم في عيسى عليه السلام، حيث ~~تأولوا عليه أنه الإله، أو أنه ابن الله، أو أنه ثالث ثلاثة بأوجه متشابهة، ~~وتركوا ما هو الواضح في عبوديته (5)، حسبما نقله أهل السير (6). ~~PageV01P077 # ثم تأوله العلماء من السلف الصالح على قضايا ms073 دخل أصحابها تحت حكم اللفظ ~~كالخوارج، فهي ظاهرة في العموم. # ثم تلا أبو أمامة الآية الأخرى وهي قوله سبحانه: {ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} إلى قوله: {ففي رحمة الله هم ~~فيها خالدون} (1)، وفسرها بمعنى (2) ما فسر به الآية (3) الأولى (4)، فهي ~~تقتضي (5) الوعيد والتهديد (6) لمن تلك صفته، ونهى المؤمنين أن يكونوا ~~مثلهم. # ونقل عبد بن حميد (7) عن حميد بن مهران (8) قال: سألت (9) الحسن: كيف ~~يصنع أهل (10) هذه (الأهواء الخبيثة) (11) بهذه الآية في آل عمران: {ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} (12)، قال: ~~"نبذوها ورب الكعبة وراء ظهورهم" (13). PageV01P078 # وعن أبي أمامة رضي الله عنه أيضا قال: "هم الحرورية" (1). # وقال ابن وهب (2): سمعت مالكا رضي الله عنه يقول: "ما آية في كتاب الله ~~أشد على أهل الاختلاف من أهل الأهواء من هذه الآية {يوم تبيض وجوه} إلى ~~قوله: {بما كنتم تكفرون} (3)، قال مالك: فأي كلام أبين من هذا؟ "، فرأيته ~~يتأولها (4) لأهل الأهواء (5). # ورواه ابن القاسم (6)، وزاد: قال لي مالك: "إنما هذه الآية لأهل الأهواء" ~~(7) (8). # وما ذكره مالك (9) في الآية قد نقل عن غير واحد كالذي تقدم للحسن (10). # وعن قتادة (11) في قوله: {كالذين تفرقوا واختلفوا} (12) يعني أهل البدع ~~(13). PageV01P079 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} (1)، ~~قال: "تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة" (2). # ومن الآيات قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون *} (3)، فالصراط المستقيم هو ~~سبيل الله الذي دعا إليه، وهو السنة، والسبل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين ~~(4) عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع. # وليس (5) المراد سبل المعاصي، لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد ~~طريقا (6) تسلك دائما على مضاهاة التشريع، وإنما هذا الوصف خاص بالبدع ~~المحدثات. # ويدل على هذا (7) ما روى إسماعيل (8) عن (9) سليمان بن حرب (10)، قال: ~~حدثنا حماد بن زيد (11) عن عاصم بن بهدلة (12) PageV01P080 # عن أبي وائل (1) عن عبد الله (2) قال: خط لنا ms074 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوما، وخط لنا سليمان خطا طويلا (3)، وخط عن يمينه وعن يساره، فقال: ~~((هذه (4) سبيل الله)، ثم خط لنا خطوطا عن يمينه ويساره) (5)، وقال: "هذه ~~سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"، ثم تلا هذه الآية: {وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} يعني الخطوط {فتفرق بكم عن سبيله} ~~(6) (7). PageV01P081 # قال بكر (1) بن العلاء (2): أحسبه أراد شيطانا من الإنس، وهي البدع، ~~والله أعلم (3). # والحديث مخرج من طرق. # وعن عمرو (4) بن سلمة الهمداني (5) قال: كنا جلوسا في حلقة ابن مسعود رضي ~~الله عنه في المسجد، وهو بطحاء قبل أن يحصب (6)، فقال له عبيد الله (7) بن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وكان أتى غازيا : "ما الصراط المستقيم يا أبا ~~عبد الرحمن؟ " قال: "هو ورب الكعبة (8) الذي (9) ثبت عليه أبوك حتى دخل ~~الجنة"، ثم حلف على ذلك ثلاث أيمان ولاء، ثم خط في البطحاء خطا بيده، وخط ~~بجنبيه (10) (خطوطا) (11)، وقال: PageV01P082 # ترككم نبيكم صلى الله عليه وسلم على طرفه، وطرفه الآخر في الجنة، فمن ثبت ~~عليه دخل الجنة، ومن أخذ في هذه الخطوط هلك (1). # وفي رواية: يا أبا (2) عبد الرحمن، ما الصراط المستقيم؟ قال: "تركنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد (3)، وعن ~~يساره جواد، وعليها (4) رجال يدعون من مر بهم: هلم لك هلم لك، فمن أخذ منهم ~~في تلك الطرق انتهت به إلى النار، ومن استقام إلى الطريق الأعظم انتهى به ~~إلى الجنة"، ثم تلا (5) ابن مسعود: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} (6) ~~الآية كلها" (7). # وعن مجاهد (8) في قوله: {ولا تتبعوا السبل} (9) قال: "البدع والشبهات" ~~(10). PageV01P083 # وعن عبد الرحمن بن مهدي (1) قال (2): سئل مالك بن أنس رضي الله عنه عن ~~السنة؟ قال: "هي ما لا اسم له غير السنة، وتلا {وأن هذا صراطي مستقيما ~~فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (3) " (4). # قال بكر بن العلاء (5): يريد إن شاء الله حديث ابن مسعود أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خط له ms075 خطا (6)، وذكر الحديث. # فهذا التفسير (7) يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع، لا تختص ببدعة دون ~~أخرى. # ومن الآيات قول الله تعالى: {وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء ~~لهداكم أجمعين *} (8)، فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه (من الطرق) ~~(9) جائر عن الحق، أي عادل عنه، وهي طرق البدع والضلالات، أعاذنا (10) الله ~~من سلوكها بفضله، وكفى بالجائر أن يحذر منه، فالمساق يدل على التحذير ~~والنهي. PageV01P084 # وذكر (1) ابن وضاح (2) قال: سئل عاصم بن بهدلة (3) وقيل له (4): يا أبا ~~بكر، أرأيت (5) قول الله تعالى: {وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء ~~لهداكم أجمعين *} (6)؟ قال: حدثنا أبو وائل (7) عن عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه قال: "خط عبد الله (8) خطا مستقيما، وخط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن ~~شماله، فقال: "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا، فقال للخط المستقيم ~~(هذا سبيل الله)، وللخطوط التي عن يمينه وشماله (9) (هذه سبل متفرقة (10)، ~~على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)، والسبيل مشتركة"، قال الله تعالى: {وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه} (11) إلى آخرها (12). # وعن (13) التستري (14): {قصد السبيل} طريق السنة (15)، {ومنها جائر} (16) ~~يعني إلى النار، وذلك الملل والبدع (17). # وعن مجاهد {قصد السبيل}: "أي (18) المقتصد منها بين الغلو PageV01P085 # والتقصير" (1)، وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر، وكلاهما من ~~أوصاف البدع. # وعن علي رضي الله عنه أنه كان يقرؤها: "فمنكم جائر" (2)، قالوا: يعني هذه ~~الأمة، فكأن هذه الآية مع الآية قبلها يتواردان على معنى واحد. # ومنها قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ~~إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون *} (3). # هذه الآية قد جاء تفسيرها في الحديث (4) من طريق عائشة رضي الله تعالى ~~عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة {إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا} من هم؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "هم أصحاب ~~الأهواء، وأصحاب البدع، وأصحاب الضلالة من هذه الأمة. يا عائشة، إن لكل ذنب ~~توبة ما خلا أصحاب الأهواء والبدع، ms076 ليس لهم توبة، وأنا بريء منهم وهم مني ~~براء" (5). PageV01P086 # قال (1) ابن عطية (2): "هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في ~~الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال، والخوض في الكلام، هذه كلها ~~عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد" (3). # ويريد والله أعلم بأهل التعمق في الفروع ما ذكره أبو عمر بن عبد البر (4) ~~في فصل ذم الرأي من كتاب العلم له (5)، وسيأتي ذكره بحول الله (6). # وحكى ابن بطال (7) في شرح البخاري عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه ~~PageV01P087 # قال: "لقيت عطاء بن أبي (1) رباح (2) بمكة فسألته عن شيء، فقال: من أين ~~أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: أنت من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا؟ قلت: نعم، قال: فمن (3) أي الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف، ~~ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدا بذنب، فقال عطاء: عرفت فالزم" (4). # وعن الحسن قال: خرج علينا عثمان بن عفان رضي الله عنه يوما يخطبنا، ~~فقطعوا عليه كلامه، فتراموا بالبطحاء، حتى جعلت ما أبصر أديم السماء، قال: ~~وسمعنا صوتا من بعض حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: هذا صوت أم ~~المؤمنين، قال: فسمعتها وهي تقول: "ألا إن نبيكم قد برئ (5) ممن فرق دينه ~~واحتزب" (6)، وتلت: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} ~~(7). # قال القاضي إسماعيل (8): "أحسبه يعني بقوله: "أم المؤمنين" أم سلمة، وأن ~~ذلك قد ذكر في بعض الحديث، وقد كانت عائشة في ذلك الوقت حاجة" (9). ~~PageV01P088 # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنها نزلت في هذه الأمة (1). # وعن أبي أمامة رضي الله عنه: "هم الخوارج" (2). # قال القاضي (3): "ظاهر القرآن يدل (4) على أن كل من ابتدع في الدين بدعة ~~من الخوارج وغيرهم فهو داخل في هذه الآية، لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا ~~وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعا [{كل حزب بما لديهم فرحون}] (5) " (6). # ومنها قوله: {ولا تكونوا من المشركين *من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~كل حزب بما لديهم فرحون *} (7). قرئ {فارقوا دينهم} (8)، وفسر عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه: أنهم الخوارج (9). PageV01P089 # ورواه أبو ms077 أمامة رضي الله عنه مرفوعا (1). # وقيل: هم أصحاب الأهواء والبدع، قالوا: روته عائشة رضي الله عنها مرفوعا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم (2). # وذلك لأن هذا شأن من ابتدع حسبما قاله إسماعيل القاضي (3)، وكما تقدم في ~~(4) الآي الأخر (5). # ومنها قوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من ~~تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} (6). # فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن لبسكم (7) شيعا: هو الأهواء المختلفة ~~(8). # ويكون على هذا قوله: {ويذيق بعضكم بأس بعض} تكفير البعض للبعض حتى ~~يتقاتلوا (9)، كما جرى للخوارج حين خرجوا على أهل السنة والجماعة. ~~PageV01P090 # وقيل: معنى {أو يلبسكم شيعا} ما فيه إلباس من الاختلاف (1). # وقال مجاهد (2) وأبو العالية (3): "إن الآية لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم" (4). # قال أبو العالية: "هن أربع، ظهر اثنتان (5) بعد (6) وفاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، فألبسوا شيعا، وأذيق بعضهم (7) بأس بعض، وبقيت ~~اثنتان، فهما ولا بد واقعتان: الخسف من تحت أرجلكم، والرجم (8) والمسخ من ~~فوقكم" (9). PageV01P091 # وهذا كله صريح في أن اختلاف الأهواء مكروه غير محبوب، ومذموم غير محمود. # وفيما نقل عن مجاهد في قول الله: {ولا يزالون مختلفين} {إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم} (1)، قال في المختلفين: "إنهم أهل الباطل، {إلا من رحم ربك} ~~قال: أهل (2) الحق ليس بينهم اختلاف" (3). # وروي (4) عن مطرف بن الشخير (5) أنه قال: "لو كانت الأهواء كلها (6) ~~واحدا لقال القائل: لعل الحق فيه، فلما تشعبت وتفرقت عرف كل ذي عقل أن الحق ~~لا يتفرق" (7). # وعن عكرمة (8): {ولا يزالون مختلفين} يعني في الأهواء، {إلا من رحم ربك} ~~هم أهل السنة" (9). PageV01P092 # ونقل أبو بكر بن ثابت الخطيب (1)، عن منصور بن عبد الرحمن (2) قال: كنت ~~جالسا عند الحسن ورجل خلفي قاعد، فجعل يأمرني أن أسأله عن قول الله: {ولا ~~يزالون مختلفين} ({إلا من رحم ربك} (3)، قال: نعم {ولا يزالون مختلفين} (4) ~~على أديان شتى، {إلا من رحم ربك} فمن رحم غير مختلف" (5). # وروى ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز ms078 ومالك بن أنس رضي الله عنهما أن أهل ~~الرحمة لا يختلفون (6). # ولهذه الآية بسط يأتي بعد هذا (7)، إن شاء الله (8). # وفي البخاري عن عمرو (9) عن (10) مصعب (11) قال: سألت PageV01P093 # أبي (1) {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} (2) هم الحرورية (3)؟ قال: لا، ~~هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأما ~~النصارى فكذبوا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية {الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} (4)، وكان (سعد) (5) يسميهم الفاسقين (6). # وفي تفسير سعيد بن منصور (7) عن مصعب بن سعد قال: "قلت لأبي {الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا *} (8) أهم الحرورية؟ ~~قال: لا، أولئك أصحاب الصوامع. ولكن الحرورية الذين قال الله (9): {فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم} (10) " (11). PageV01P094 # وخرج عبد (1) بن حميد في تفسيره هذا المعنى بلفظ آخر عن مصعب بن سعد، ~~فأتى على هذه الآية {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} إلى قوله: {يحسنون ~~صنعا} قلت: أهم (2) الحرورية؟ قال: "لا (3)، هم اليهود والنصارى. أما ~~اليهود فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة، ~~وقالوا: ليس فيها طعام ولا شراب، ولكن الحرورية {الذين ينقضون عهد الله من ~~بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض} (4) " (5). # [ففي هذه الروايات عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن قوله تعالى: ~~{الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} الآية، يشمل أهل البدعة؛ لأن أهل ~~حروراء اجتمعت فيهم هذه الأوصاف التي هي نقض عهد الله وقطع ما أمر الله به ~~أن يوصل، والإفساد في الأرض] (6). # فالأول (7): لأنهم خرجوا عن طريق الحق بشهادة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، لأنهم تأولوا فيه (8) التأويلات الفاسدة، وكذا فعل المبتدعة، وهو ~~بابهم الذي دخلوا منه (9). PageV01P095 # والثاني (1): لأنهم تصرفوا في أحكام القرآن والسنة هذا التصرف. # فأهل حروراء (2) وغيرهم من الخوارج قطعوا قوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} ~~(3) عن قوله: {يحكم به ذوا عدل منكم} (4) وغيرها (5). # وكذا فعل سائر المبتدعة حسبما يأتيك بحول الله (6). # ومنه (7): ما (8) روي عن عمرو بن مهاجر ms079 (9) قال: (بلغ عمر بن PageV01P096 # عبد العزيز رحمه الله أن غيلان القدري (1) يقول في القدر، فبعث إليه ~~فحجبه أياما، ثم أدخله عليه فقال: يا غيلان، ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال ~~عمرو بن مهاجر: فأشرت إليه ألا يقول شيئا، قال: فقال: نعم يا أمير ~~المؤمنين، إن الله عز وجل يقول: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن ~~شيئا مذكورا *إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ~~*إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا *} (2)، قال عمر: اقرأ إلى (3) ~~آخر السورة: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما *يدخل ~~من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما *} (4)، ثم قال: ما تقول ~~يا غيلان؟ قال: أقول: قد كنت أعمى فبصرتني، وأصم فأسمعتني، (وضالا فهديتني) ~~(5). فقال عمر: اللهم إن كان عبدك غيلان صادقا وإلا فاصلبه (6). قال: فأمسك ~~عن الكلام في القدر، فولاه عمر بن عبد العزيز دار الضرب بدمشق. فلما مات ~~عمر بن عبد العزيز، وأفضت الخلافة إلى هشام (7) تكلم في القدر، فبعث إليه ~~هشام فقطع يده، فمر به رجل والذباب على يده، فقال: يا غيلان، هذا قضاء ~~وقدر. قال: كذبت لعمر الله ما هذا قضاء ولا قدر، فبعث إليه هشام فصلبه" ~~(8). PageV01P097 # والثالث (1): لأن الحرورية جردوا السيوف على عباد الله، وهو غاية الفساد ~~في الأرض، وذلك كثير (2) من أهل البدع شائع، وسائرهم يفسدون بوجوه من إيقاع ~~العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام. # وهذه الأوصاف الثلاثة تقتضيها الفرقة التي نبه عليها الكتاب والسنة، ~~كقوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} (3)، وقوله تعالى: {إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} (4)، وأشباه ذلك. # وفي الحديث: (إن الأمة تتفرق على بضع وسبعين فرقة) (5). # وهذا التفسير في الرواية الأولى لمصعب بن سعد (6) أيضا، فقد وافق أباه ~~على المعنى المذكور (7). # ثم فسر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في رواية سعيد بن منصور (8) أن ذلك ~~بسبب الزيغ الحاصل فيهم، وذلك قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} (9)، ~~وهو راجع إلى آية آل عمران ms080 في قوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه} (10) الآية. # فإنه (11) رضي الله عنه أدخل (12) الحرورية في الآيتين بالمعنى، وهو ~~الزيغ PageV01P098 # في إحداهما (1)، والأوصاف المذكورة في الأخرى (2) لأنها فيهم موجودة. # فآية الرعد (3) تشمل (4) بلفظها، لأن اللفظ فيها يقتضي العموم لغة، وإن ~~حملناها على الكفار خصوصا فهي تعطي أيضا فيهم (5) حكما من جهة ترتيب الجزاء ~~(6) على الأوصاف المذكورة (7) حسبما هو مبين في الأوصول (8). # وكذلك آية الصف، لأنها خاصة بقوم موسى عليه السلام ومن هنا كان (سعد) (9) ~~يسميهم الفاسقين أعني الحرورية ، لأن معنى الآية واقع عليهم. وقد جاء فيها: ~~{والله لا يهدي القوم الفاسقين} (10) والزيغ أيضا كان موجودا فيهم، فدخلوا ~~في معنى قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} (11). # ومن هنا يفهم (12) أنها لا تختص من أهل البدعة بالحرورية، بل تعم ~~PageV01P099 # كل من اتصف بتلك الأوصاف التي أصلها الزيغ، وهو الميل عن الحق اتباعا ~~للهوى. # وإنما فسرها سعد رضي الله عنه بالحرورية، لأنه إنما سئل عنهم، (وإنما سئل ~~عنهم) (1) على الخصوص والله أعلم، لأنهم من (2) أول من ابتدع في دين الله، ~~فلا يقتضى ذلك تخصيصا. # وأما الآية (3) المسؤول عنها أولا، وهي آية الكهف (4)، فإن سعدا نفى أن ~~تشمل الحرورية. # وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسر الأخسرين أعمالا ~~بالحرورية أيضا. فروى عبد بن حميد (5) عن أبي (6) الطفيل (7) قال: (قام (8) ~~ابن الكواء (9) إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، من {الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا PageV01P100 # وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا *} (1)؟ قال: منهم أهل حروراء) (2). # وهو أيضا منقول في تفسير سفيان الثوري (3). # وفي جامع ابن وهب أنه سأله عن الآية، فقال له: (ارق إلي أخبرك) وكان على ~~المنبر، فرقي إلى درجتين، فتناوله بعصا كانت في يده، فجعل يضربه بها، ثم ~~قال له (4) علي رضي الله عنه: (أنت وأصحابك) (5). # وخرج عبد (بن حميد) (6) أيضا عن محمد بن جبير بن مطعم (7) قال: أخبرني ~~رجل من بني أود (8) أن عليا رضي الله عنه خطب الناس بالعراق وهو يسمع، فصاح ~~به ابن ms081 الكواء من أقصى المسجد، فقال: يا أمير المؤمنين، من PageV01P101 # الأخسرين أعمالا؟ قال: "أنت وأصحابك (1) ". فقتل ابن الكواء يوم الخوارج ~~(2). # ونقل بعض أهل التفسير أن ابن الكواء سأله (3) فقال: (أنتم أهل حروراء، ~~وأهل الرياء، والذين يحبطون الصنيعة بالمنة (4). # فالرواية الأولى (5) تدل على أن أهل حروراء بعض من شملته الآية ولما قال ~~سبحانه في وصفهم: {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا} (6)، فوصفهم (7) ~~بالضلال مع ظن الاهتداء، دل على أنهم المبتدعون في أعمالهم عموما، كانوا من ~~أهل الكتاب أو لا (8)، من حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ~~ضلالة" (9). وسيأتي شرح ذلك بعون الله (10). # فقد يجتمع التفسيران في الآية، تفسير سعد رضي الله عنه بأنهم اليهود ~~والنصارى، وتفسير علي رضي الله عنه بأنهم أهل البدعة، لأنهم قد اتفقوا على ~~الابتداع. ولذلك فسر سعد (11) كفر النصارى بأنهم تأولوا في الجنة غير ما هي ~~عليه، وهو التأويل بالرأي (12). # فاجتمعت الآيات الثلاث (13) على (14) ذم البدعة وأهلها (15)، وأشعر ~~PageV01P102 # كلام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بأن كل آية اقتضت وصفا من أوصاف ~~المبتدعة فهم مقصودون بما فيها من الذم والخزي وسوء الجزاء، إما بعموم ~~اللفظ (1)، وإما بمعنى الوصف (2). # وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى (3) بكتاب في كتف فقال: ~~(كفى بقوم حمقا، أو (4) قال ضلالا، أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى غير ~~نبيهم، أو كتاب إلى غير كتابهم)، فنزلت: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك ~~الكتاب يتلى عليهم} (5) الآية (6). # وخرج (7) عبد بن حميد (8) عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من رغب عن سنتي فليس مني" (9)، ثم تلا هذه الآية: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} (10) إلى آخر الآية (11). # وخرج هو وغيره عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قول الله: ~~PageV01P103 # {علمت نفس ما قدمت وأخرت *} (1) قال: (ما قدمت من عمل خير أو شر، وما ~~أخرت من سنة يعمل بها من بعدها (2) " (3). # وهذا التفسير قد يحتاج إلى تفسير، فروي عن عبد الله (4) قال: (ما ms082 قدمت من ~~خير، وما أخرت من سنة صالحة يعمل بها (5)، فإن له مثل أجر من عمل بها، لا ~~ينقص ذلك من أجورهم شيئا، وما أخرت من سنة سيئة كان عليه مثل وزر من عمل ~~بها لا ينقص ذلك (6) من أوزارهم شيئا) (7). خرجه ابن المبارك (8) وغيره ~~(9). # وجاء عن سفيان بن عيينة (10) وأبي قلابة (11) وغيرهما أنهم قالوا: (كل ~~صاحب بدعة أو فرية ذليل". واستدلوا بقول الله تعالى: {إن الذين اتخذوا ~~PageV01P104 # العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين *} ~~(1) " (2). # وخرج ابن وهب عن مجاهد في قول الله: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم} (3) (يقول: (ما قدموا من خير، وآثارهم) (4) التي أورثوا الناس ~~بعدهم من الضلالة) (5). # وخرج أيضا عن ابن عون (6) عن محمد بن سيرين (7) أنه قال: إني PageV01P105 # أرى أسرع الناس ردة (1) أصحاب الأهواء. قال ابن عون: وكان ابن سيرين يرى ~~أن هذه الآية في أصحاب الأهواء (2): {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} (3) الآية (4). # وذكر الآجري (5) عن أبي الجوزاء (6) أنه ذكر أصحاب الأهواء فقال: (والذي ~~نفس أبي الجوزاء بيده لأن تمتلئ داري قردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني ~~رجل منهم، ولقد دخلوا في هذه الآية: {ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ~~وتؤمنون بالكتاب كله} إلى قوله: {إن الله عليم بذات الصدور} (7)) (8). # والآيات المصرحة والمشيرة إلى ذمهم والنهي عن ملابسة أحوالهم كثيرة. ~~فلنقتصر على ما ذكرنا، ففيه إن شاء الله الموعظة لمن اتعظ، والشفاء لما في ~~الصدور. PageV01P106 ### | ### | فصل # # الوجه الثاني من النقل: ما جاء في الأحاديث المنقولة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وهي كثيرة تكاد تفوت الحصر، إلا أنا نذكر منها ما تيسر مما يدل على ~~الباقي، ونتحرى في ذلك بحول الله ما هو أقرب إلى الصحة. # فمن ذلك ما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "من أحدث في أمرنا (1) ما ليس منه فهو رد" (2)، وفي رواية ~~لمسلم: (من ms083 عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) (3). # وهذا الحديث عده العلماء ثلث الإسلام (4)، (لأنه جمع وجوه المخالفة لأمره ~~عليه السلام) (5). PageV01P107 # ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية. # وخرج مسلم عن جابر بن (1) عبد الله (2) رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: "أما بعد فإن (خير الحديث) (3) كتاب ~~الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (4)) (5). # وفي (6) رواية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، يحمد ~~(الله ويثني) (7) عليه بما هو أهله، ثم يقول: (من يهده الله فلامضل له، ومن ~~يضلل الله فلا هادي (8) له، وخير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، ~~وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة) (9). # وفي رواية للنسائي (10): (وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في النار) (11). ~~PageV01P108 # وذكر أن عمر رضي الله عنه كان يخطب بهذه الخطبة (1). # وعن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفا ومرفوعا أنه كان يقول: "إنما هما ~~اثنتان، الكلام والهدى، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدى هدى محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، إن كل ~~محدثة بدعة" (2). # وفي لفظ: (غير أنكم ستحدثون ويحدث لكم، فكل محدثة ضلالة، وكل ضلالة في ~~النار) (3). # وكان ابن مسعود يخطب بها (4) كل خميس (5). # وفي رواية أخرى عنه (6): (إنما هما اثنتان، الهدى والكلام، فأفضل الكلام ~~أو أصدق الكلام كلام الله، وأحسن الهدى هدى محمد (7)، وشر الأمور محدثاتها، ~~ألا (8) وكل (9) محدثة بدعة، ألا لا يتطاولن (10) عليكم PageV01P109 # الأمر فتقسو قلوبكم، ولا يلهينكم الأمل، فإن كل ما هو آت قريب، ألا إن ~~بعيدا ما ليس آتيا) (1). # وفي رواية أخرى عنه: (أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد، وشر ~~الأمور محدثاتها، و {إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين *} (2)) (3). # وروى ابن ماجه مرفوعا عن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وإن كل محدثة بدعة، ~~وإن كل بدعة ضلالة" (4). # والمشهور أنه موقوف على ابن ms084 مسعود (5). PageV01P110 # وفي الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من دعا إلى هدى (1) كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه لا ينقص ذلك من ~~أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم (2) مثل آثام من يتبعه، ~~لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا) (3). # وفي الصحيح أيضا عنه عليه السلام أنه قال: (من سن سنة خير فاتبع عليها ~~فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيئا، ومن سن سنة شر ~~فاتبع عليها كان عليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منقوص من أوزارهم ~~شيئا). خرجه الترمذي (4). # وروى الترمذي أيضا وصححه، وأبو داود وغيرهما عن العرباض بن سارية رضي ~~الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا ~~فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا ~~رسول الله، كأن هذا موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال (5): (أوصيكم بتقوى ~~الله والسمع (6) والطاعة (7)، وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش (8) منكم ~~PageV01P111 # بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، ~~تمسكوا بها، (وعضوا عليها) (1) بالنواجذ (2)، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن ~~كل محدثة بدعة، (وكل بدعة ضلالة) (3)). وروي على وجوه من طرق (4). # وفي الصحيح عن حذيفة (5) (أنه قال) (6): يا رسول الله، هل بعد هذا الخير ~~شر؟ قال: (نعم، قوم (يستنون بغير سنتي) (7)، ويهتدون بغير هديي) (8)، وقال: ~~فقلت: هل بعد ذلك [الخير] (9) من شر؟ قال: ((نعم، دعاة على نار) (10) جهنم ~~من أجابهم إليها (11) قذفوه فيها)، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا قال: ((نعم ~~هم من) (12) جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا). قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ ~~قال (13): (تلزم جماعة المسلمين (14) وإمامهم). قلت: فإن لم يكن لهم (15) ~~إمام ولا جماعة؟ قال: (فاعتزل تلك الفرق كلها ولو (أن تعض) (16) بأصل شجرة ~~حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) (17). وخرجه البخاري على نحو آخر (18). ~~PageV01P112 # وفي حديث الصحيفة: (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور (1). من أحدث فيها ~~حدثا أو آوى ms085 محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله ~~منه (2) يوم القيامة صرفا ولا عدلا (3)) (4). # وهذا الحديث في سياق العموم، فيشمل كل حدث أحدث فيها مما ينافي الشرع، ~~والبدع من أقبح الحدث. # وقد استدل مالك رضي الله عنه به (5) في مسألة تأتي في موضعها بحول الله ~~(6). # وهو وإن (7) كان مختصا بالمدينة فغيرها أيضا يدخل في المعنى. PageV01P113 # وفي الموطأ من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى ~~المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون) الحديث، إلى أن قال فيه: (فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير ~~الضال، أناديهم: ألا هلم، ألا هلم، (ألا هلم) (1)، فيقال: إنهم قد بدلوا ~~بعدك. فأقول: فسحقا، فسحقا، فسحقا (2)) (3). # حمله جماعة من العلماء على (4) أنهم أهل البدع، وحمله آخرون على المرتدين ~~عن الإسلام (5). # والذي يدل على الأول ما خرجه خيثمة بن سليمان (6) عن يزيد الرقاشي (7) ~~قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه فقلت (8): إن ها هنا قوما يشهدون علينا ~~بالكفر والشرك، ويكذبون بالحوض والشفاعة، فهل PageV01P114 # سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا؟ قال: نعم، سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بين العبد وبين (1) الكفر أو الشرك ترك ~~الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك، وحوضي كما بين أيلة (2) إلى مكة، أباريقه ~~كنجوم السماء، أو قال: كعدد نجوم السماء. له ميزابان من الجنة، كلما نضب ~~أمداه، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وسيرده أقوام ذابلة شفاههم، ~~فلا يطعمون منه (3) قطرة واحدة. من كذب به اليوم لم يصب منه الشراب يومئذ) ~~(4). # فهذا الحديث يدل (5) على أنهم من أهل القبلة. # فنسبتهم أهل الإسلام إلى الكفر من أوصاف الخوارج (6)، والتكذيب بالحوض من ~~أوصاف أهل الاعتزال (7) وغيرهم. مع ما PageV01P115 # جاء (1) في حديث الموطأ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا هلم" لأنه ~~عرفهم بالغرة (2) والتحجيل (3) الذي جعله من خصائص أمته (4)، وإلا فلو لم ~~يكونوا من الأمة لم يعرفهم بالعلامة المذكورة (5). # وصح من ms086 حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالموعظة فقال: (إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا (6) {كما ~~بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} (7)، قال: أول من (8) يكسى ~~يوم القيامة إبراهيم، وأنه سيؤتى (9) برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، ~~فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني ~~كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن ~~تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم*} (10)، فيقال: هؤلاء لم يزالوا مرتدين ~~على أعقابهم منذ فارقتهم) (11). PageV01P116 # ويحتمل هذا الحديث أن يراد به أهل البدع كحديث الموطأ (1)، ويحتمل أن ~~يراد به من ارتد بعد النبي صلى الله عليه وسلم. # وفي الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي ~~على ثلاث وسبعين فرقة". حسن صحيح (2). # وفي الحديث روايات أخر سيأتي ذكرها والكلام عليها إن شاء الله (3)، ولكن ~~الفرق فيها عند أكثر العلماء فرق أهل البدع (4). # وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ~~ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ ~~الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" (5). وهو آت على ~~وجوه كثيرة في البخاري وغيره. # وفي مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (من سره أن يلقى الله غدا ~~مسلما فليحافظ (6) على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله عز وجل شرع ~~لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من PageV01P117 # سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته ~~لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم لضللتم (1) " ~~(2) الحديث. # فتأملوا كيف جعل ترك السنة ضلالة! وفي رواية: "لو (3) تركتم سنة نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم لكفرتم" (4). وهو أشد في التحذير. # وفيه أن النبي ms087 صلى الله عليه وسلم قال: "إني تارك فيكم (5) ثقلين أولهما ~~كتاب الله، فيه الهدى والنور"، وفي رواية "فيه الهدى"، "من استمسك به وأخذ ~~به كان على الهدى، ومن أخطأه ضل"، وفي رواية: (من اتبعه كان على الهدى ومن ~~تركه كان على ضلالة) (6). # ومما جاء في هذا الباب أيضا ما خرج ابن وضاح ونحوه لابن وهب عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سيكون في أمتي دجالون ~~كذابون يأتونكم ببدع من الحديث لم تسمعوه أنتم ولا آباؤكم (7)، فإياكم ~~وإياهم (8) لا يفتنونكم) (9). PageV01P118 # وفي الترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "من أحيا سنة من سنتي قد أميتت ~~بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص (1) من أجورهم ~~شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل (2) وزر من ~~عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار (3) الناس شيئا" (4). حديث حسن. # ولابن وضاح وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها: (من أتى صاحب بدعة ليوقره ~~فقد أعان على هدم الإسلام) (5). (وفي رواية (من وقر صاحب بدعة فقد أعان على ~~هدم الإسلام)) (6). # وعن الحسن رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ("أبى الله ~~لصاحب بدعة بتوبة" وفي رواية: (إن الله حجز التوبة عن كل صاحب بدعة)، وقد ~~تقدم حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم) (7): ~~"أن أحببت PageV01P119 # أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله ~~حدثا برأيك" (1). # وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "من اقتدى بي فهو مني ومن رغب عن سنتي ~~فليس مني" (2). # وخرج الطحاوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (3): "ستة ألعنهم لعنهم ~~الله وكل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله (4)، والمكذب بقدر الله، والمتسلط ~~بالجبروت يذل به من أعز الله ويعز به (5) من أذل (6) الله، والتارك لسنتي، ~~والمستحل لحرم الله، والمستحل من عترتي (7) ما حرم الله" (8). # وفي رواية أبي ms088 بكر بن ثابت الخطيب (9): (ستة لعنهم الله ولعنتهم) وفيه: ~~(والراغب عن سنتي إلى بدعة) (10). PageV01P120 # وفي الطحاوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن (1) لكل عابد شرة ~~(2)، (ولكل شرة) (3) فترة، فإما إلى سنة وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى ~~سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك" (4). # وفي معجم البغوي (5) عن مجاهد قال: دخلت أنا وأبو يحيى بن جعدة (6) على ~~رجل من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذكروا عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مولاة لبني عبد المطلب فقالوا: إنها قامت الليل، ~~وصامت النهار (7)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكني أنام وأصلي، ~~وأصوم (8) وأفطر، فمن اقتدى بي فهو مني، ومن رغب عن سنتي فليس مني، إن لكل ~~عامل شرة ثم فترة، فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل، ومن كانت فترته إلى سنة ~~فقد اهتدى" (9). PageV01P121 # وعن أبي (1) وائل (2) عن عبد الله (3) رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله ~~نبي، وإمام ضلالة، وممثل (4) من (الممثلين) (5)) (6). # وفي منتقى حديث خيثمة بن (7) سليمان (8) عن عبد الله (9) رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سيكون من بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن ~~مواقيتها، فيحدثون البدعة"، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: فكيف أصنع ~~إذا أدركتهم؟ قال: "تسألني يابن أم عبد (10) كيف تصنع. لا طاعة لمن عصى ~~الله" (11). # وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال PageV01P122 # رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكل طيبا، وعمل في سنة، وأمن الناس ~~بوائقه (1) دخل الجنة"، فقال رجل: يا رسول الله، إن هذا اليوم في الناس ~~لكثير، قال: "وسيكون في قرون بعدي". حديث غريب (2). # وفي كتاب الطحاوي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "كيف بكم وبزمان أو قال: يوشك أن ms089 يأتي زمان ~~يغربل (3) الناس فيه غربلة، وتبقى حثالة من الناس قد مرجت (4) عهودهم ~~وأماناتهم، اختلفوا فصاروا (5) هكذا" وشبك بين أصابعه، قالوا: كيف (6) بنا ~~يا رسول الله؟ قال: "تأخذون بما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر ~~خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم" (7). PageV01P123 # وخرج ابن وهب مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم ~~والشعاب" قالوا: وما الشعاب يا رسول الله؟ قال: "الأهواء" (1). # وخرج أيضا: (إن الله ليدخل العبد الجنة بالسنة يتمسك بها) (2). # وفي كتاب السنة للآجري من طريق الوليد بن مسلم (3) عن معاذ بن جبل رضي ~~الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حدث في أمتي ~~البدع، وشتم أصحابي، فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل (ذلك منهم) (4) فعليه ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (5). # قال عبد الله بن الحسن (6): فقلت للوليد بن مسلم: ما إظهار العلم؟ قال: ~~(إظهار السنة) (7) والأحاديث كثيرة. PageV01P124 # وليعلم الموفق أن بعض ما ذكر من الأحاديث تقصر (1) عن (2) رتبة الصحيح، ~~وإنما أوتي (3) بها عملا بما أصله المحدثون في أحاديث الترغيب والترهيب، إذ ~~قد ثبت ذم البدع وأهلها بالدليل القاطع القرآني والدليل السني الصحيح، فما ~~زيد من غيره فلا حرج في الإتيان به إن شاء الله (4). PageV01P125 ### | ### | فصل # # الوجه الثالث من النقل ما جاء عن السلف الصالح (1) من الصحابة والتابعين ~~رضي الله عنهم في ذم البدع وأهلها، وهو كثير. # فمما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ما صح عن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه أنه خطب الناس فقال: (أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم ~~الفرائض، وتركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وصفق ~~بإحدى يديه على الأخرى ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: ~~لا نجد حدين في كتاب الله، فقد (2) رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ورجمنا) (3). إلى آخر الحديث. # وفي الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه قال: "يا معشر القراء استقيموا فقد ~~سبقتم سبقا بعيدا، وإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ms090 ضلالا بعيدا". ~~PageV01P126 # وروي عنه من طريق آخر أنه كان يدخل المسجد فيقف على الحلق (1) فيقول: (يا ~~معشر القراء، اسلكوا الطريق، فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن ~~أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا". # وفي رواية لابن (2) المبارك: (فوالله لئن استقمتم (لقد سبقتم) (3) سبقا ~~بعيدا) (4) الحديث. # وعنه أيضا: (أخوف ما أخاف على الناس اثنتان: أن يؤثروا ما يرون على ما ~~يعلمون، وأن يضلوا وهم لا يشعرون). قال سفيان: (وهو صاحب البدعة) (5). # وعنه أيضا أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: (هل ترون ~~ما بين هذين الحجرين من النور؟) قالوا: يا أبا عبد الله، ما نرى بينهما من ~~النور إلا قليلا. قال: (والذي نفسي بيده لتظهرن البدع حتى لا يرى (6) من ~~الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشون البدع حتى إذا ~~ترك منها شيء قالوا: تركت السنة) (7). PageV01P127 # وعنه أنه قال: (أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، ~~ولتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، وليصلين (1) نساؤكم (2) وهن (3) حيض، ~~ولتسلكن طريق من كان قبلكم حذو القذة (4) بالقذة وحذو النعل بالنعل (5)، لا ~~تخطئون طريقهم، ولا تخطئ بكم، وحتى تبقى فرقتان من فرق (6) كثيرة، تقول ~~إحداهما: ما بال الصلوات الخمس؟ لقد ضل من كان قبلنا، إنما قال الله: {وأقم ~~الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} (7) لا يصلون إلا ثلاثا، وتقول الأخرى: ~~إنما المؤمنون بالله كإيمان الملائكة، ما فينا (8) كافر ولا منافق، حق على ~~الله أن يحشرهما مع الدجال) (9). # وهذا المعنى موافق لما ثبت من حديث أبي رافع (10) رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لألفين أحدكم متكئا على أريكته (11) يأتيه ~~الأمر من PageV01P128 # أمري مما أمرت (1) به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري (2)، ما وجدنا في كتاب ~~الله اتبعناه" (3). # فإن السنة جاءت مفسرة للكتاب، فمن أخذ بالكتاب من غير معرفة بالسنة زل عن ~~الكتاب كما زل عن السنة، فلذلك (4) يقول القائل: "لقد ضل من كان قبلنا" إلى ~~آخره. # وهذه الآثار عن حذيفة رضي ms091 الله عنه من تخريج ابن وضاح (5). # وخرج أيضا عن (6) عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: (اتبعوا ~~آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم) (7). # وخرج عنه ابن وهب أيضا أنه قال: (عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه بذهاب ~~أهله. عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إلى ما عنده، وستجدون ~~أقواما يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم ~~بالعلم وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق) (8). PageV01P129 # وعنه أيضا: (ليس عام إلا والذي (1) بعده شر منه. لا أقول: عام أمطر من ~~عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب علمائكم ~~وخياركم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور بآرائهم فيهدم الإسلام ويثلم) (2). # وقال أيضا: (كيف أنتم إذا ألبستكم (3) فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ فيها ~~الصغير، تجرى (4) على الناس يحدثونها سنة، إذا غيرت قيل: هذا منكر" (5). # وقال أيضا: (أيها الناس، لا تبتدعوا ولا تنطعوا ولا تعمقوا، وعليكم ~~بالعتيق، خذوا ما تعرفون، ودعوا ما تنكرون) (6). # وعنه أيضا: (القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة) (7). PageV01P130 # وقد روي معناه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "عمل قليل في سنة ~~خير من عمل كثير (1) في بدعة" (2). # وعنه أيضا خرجه قاسم بن أصبغ (3) أنه قال: "أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~إمام ضال يضل (4) الناس بغير ما أنزل الله، ومصور، ورجل قتل نبيا أو قتله ~~نبي" (5). # وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه (6) قال: (لست تاركا شيئا كان ~~رسول الله (صلى الله) (7) عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت ~~شيئا من أمره أن أزيغ) (8). PageV01P131 # وخرج (1) ابن المبارك عن (ابن عمر رضي الله عنهما قال: بلغ) (2) عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه إن يزيد بن أبي سفيان (3) يأكل ألوان الطعام، فقال عمر ~~رضي الله عنه لمولى له يقال له (4): يرفأ: "إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه ~~فأعلمني"، فلما حضر عشاؤه أعلمه، فأتاه عمر رضي الله عنه فسلم عليه، ~~فاستأذن فأذن له، فدخل، فقرب ms092 عشاؤه، فجاء بثريد (5) لحم، فأكل عمر معه منها ~~(6)، ثم قرب شواء فبسط يزيد يده، وكف عمر رضي الله عنه يده، ثم قال: (والله ~~يا يزيد بن أبي سفيان أطعام بعد طعام؟ والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم (7) ~~عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم" (8). # وعن ابن عمر رضي الله عنهما: (صلاة السفر ركعتان، من خالف السنة كفر) ~~(9). PageV01P132 # وخرج (1) الآجري عن السائب بن يزيد (2) قال: أتى (3) عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا لقينا رجلا يسأل عن تأويل القرآن، ~~فقال: اللهم أمكني منه، قال: فبينما عمر (4) رضي الله عنه ذات يوم يغدي ~~الناس (إذ جاءه) (5) عليه ثياب وعمامة فتغدى، حتى (6) إذا فرغ قال: يا أمير ~~المؤمنين، {والذاريات ذروا *فالحاملات وقرا *} (7)، فقال عمر: أنت هو؟ فقام ~~إليه محسرا عن ذراعيه، فلم يزل (8) يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي ~~نفسي بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك (9)، ألبسوه ثيابه واحملوه على قتب ~~(10)، ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلاده، ثم ليقم خطيبا، ثم ليقل: إن صبيغا ~~(11) طلب العلم فأخطأ. فلم يزل وضيعا في قومه حتى هلك، وكان سيد قومه) ~~(12). PageV01P133 # وخرج ابن المبارك وغيره عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال (1): (عليكم ~~بالسبيل والسنة، فإنه ما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله ~~ففاضت عيناه من خشية الله (2) فيعذبه الله أبدا، وما على الأرض من عبد على ~~السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله ~~كمثل شجرة قد يبس ورقها فهي كذلك (إذ) (3) أصابتها ريح شديدة فتحات عنها ~~ورقها إلا حط الله عنه خطاياه كما تحات عن الشجرة ورقها، فإن اقتصادا في ~~سبيل (4) وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل (5) وسنة، وانظروا أن يكون عملكم ~~إن كان اجتهادا واقتصادا أن يكون على منهاج الأنبياء وسنتهم (6)) (7). # وخرج ابن وضاح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (ما يأتي على الناس من ~~عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه (8) سنة، حتى تحيا البدع وتموت ~~السنن" ms093 (9). # وعنه أنه قال: (عليكم (بالاستقامة) (10) والأثر، وإياكم والبدع) (11). ~~PageV01P134 # وخرج ابن وهب عنه أيضا قال: (من أحدث رأيا ليس في كتاب الله، ولم تمض به ~~سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدر ما هو عليه إذا لقي الله عز ~~وجل) (1). # وخرج أبو داود وغيره عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال يوما: (إن من ~~ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها (2) القرآن، حتى يأخذه (3) المؤمن ~~والمنافق، والرجل (4) والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل ~~أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟! ما هم بمتبعي حتى أبتدع ~~لهم غيره، وإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن ~~الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة ~~الحق). # قال الراوي: قلت (5) لمعاذ رضي الله عنه: وما (6) يدريني يرحمك الله أن ~~الحكيم قد يقول كلمة الضلالة (7)، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: ~~"بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات (8) التي يقال فيها (9): ما هذه؟ ولا ~~يثنينك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق ~~نورا" (10). # وفي رواية مكان "المشتهرات" "المشتبهات" (11)، وفسر بأنه ما تشابه عليك ~~من قول حتى يقال: ما أراد بهذه الكلمة؟. PageV01P135 # ويريد والله أعلم (1) ما لم يشتهر (2) ظاهره على مقتضى السنة حتى تنكره ~~القلوب، ويقول الناس: ما هذه؟ وذلك راجع إلى ما يحذر من زلة العالم حسبما ~~يأتي بحول الله (3). # ومما جاء عمن بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما ذكر ابن وضاح عن الحسن ~~قال: (صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا، صياما وصلاة، إلا ازداد من الله بعدا" ~~(4). # وخرج ابن وهب عن أبي إدريس الخولاني (5) أنه قال: (لأن أرى في المسجد ~~نارا لا أستطيع إطفاءها أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها) ~~(6). # وعن الفضيل بن عياض (7): (اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك ~~وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين (8)) (9). # وعن الحسن: (لا تجالس صاحب هوى (10) فيقذف في قلبك ما تتبعه ms094 عليه فتهلك، ~~أو تخالفه فيمرض قلبك) (11). PageV01P136 # وعنه أيضا في قول الله تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم} (1). قال: (كتب الله صيام رمضان على أهل الإسلام كما كتبه على من ~~كان قبلهم (2)، فأما اليهود فرفضوه، وأما النصارى فشق عليهم الصوم فزادوا ~~فيه عشرا، وأخروه إلى أخف ما يكون عليهم فيه الصوم من (3) الأزمنة) (4). # فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث قال: (عمل قليل في سنة خير من كثير (5) ~~في بدعة) (6). # وعن أبي قلابة (7): (لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن ~~أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون) (8). # قال أيوب (9): (وكان والله من الفقهاء ذوي (10) الألباب) (11). ~~PageV01P137 # وعنه (1) أيضا أنه كان يقول: (وإن أهل الأهواء أهل ضلالة، ولا أرى مصيرهم ~~إلا إلى النار) (2). # وعن الحسن: "لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك" (3). # وعن أيوب السختياني أنه كان يقول: (ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد ~~من الله بعدا) (4). # وعن أبي قلابة: (ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف) (5). # وكان أيوب يسمي أصحاب البدع خوارج، ويقول: (إن الخوارج اختلفوا في الاسم ~~واجتمعوا على السيف) (6). # وخرج ابن وهب عن سفيان قال: (كان رجل فقيه) يقول: (ما أحب أني هديت الناس ~~كلهم، وأضللت رجلا واحدا) (7). # وخرج عنه أنه كان يقول (8): (لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا قول ~~PageV01P138 # وعمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولانية إلا (1) موافقا للسنة) (2). # وذكر الآجري أن ابن سيرين (3) كان يرى أسرع الناس ردة أهل الأهواء (4). # وعن إبراهيم (5): ((لا تجالسوا أصحاب الأهواء) (6) ولا تكلموهم، فإني (7) ~~أخاف أن ترتد قلوبكم) (8). # وعن هشام بن حسان (9) قال: (لا يقبل الله من صاحب بدعة صياما ولا صلاة ~~ولا حجا ولا جهادا ولا عمرة ولا صدقة (10) ولا عتقا ولا صرفا ولا عدلا" ~~(11)، زاد ابن وهب عنه: (وليأتين على الناس زمان يشتبه فيه PageV01P139 # الحق والباطل، فإذا كان ذلك لم ينفع فيه دعاء إلا كدعاء الغرق) (1). # وعن يحيى بن أبي كثير (2): (إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في طريق آخر) ~~(3). # وعن ms095 بعض السلف: (من جالس (4) صاحب بدعة نزعت (5) منه العصمة، ووكل إلى ~~نفسه) (6). # وعن العوام بن حوشب (7) أنه كان يقول لابنه: (يا عيسى، أصلح الله (8) ~~قلبك (9)، وأقلل (10) مالك، وكان يقول: والله لأن أرى عيسى في مجالس ~~PageV01P140 # أصحاب البرابط (1) والأشربة والباطل أحب إلي من أن أراه يجالس أصحاب ~~الخصومات) (2). # قال ابن وضاح: (يعنى أهل البدع) (3). # وقال رجال (4) لأبي بكر بن عياش (5): يا أبا بكر، من السني؟ (قال: ~~(السني) (6) الذي إذا (7) ذكرت الأهواء لم يغضب لشيء منها) (8). # وقال يونس بن عبيد (9): (إن الذي تعرض (10) عليه السنة فيقبلها لغريب ~~(11)، وأغرب منه صاحبها) (12). PageV01P141 # وعن يحيى بن أبي (1) (عمرو) (2) (السيباني) (3) قال: (كان يقال: يأبى ~~الله لصاحب بدعة بتوبة، وما انتقل صاحب بدعة إلا إلى شر منها) (4). # وعن أبي العالية (5): (تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، ~~وعليكم بالصراط المستقيم فإنه الإسلام، ولا تحرفوا يمينا ولا شمالا، وعليكم ~~بسنة نبيكم وما كان عليه (6) أصحابه من قبل أن يقتلوا صاحبهم (7)، ومن قبل ~~أن يفعلوا الذي فعلوا. (قد قرأنا القرآن من قبل أن يقتلوا صاحبهم، ومن قبل ~~أن يفعلوا الذي فعلوا) (8)، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس ~~العداوة والبغضاء)، فحدث الحسن بذلك فقال رحمه الله: صدق ونصح. خرجه ابن ~~وضاح وغيره (9). # وكان مالك رضي الله عنه كثيرا ما ينشد: # وخير أمور الدين ما كان سنة # وشر الأمور المحدثات البدائع (10) PageV01P142 # وعن مقاتل بن حيان (1) قال: (أهل هذه الأهواء آفة أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، إنهم يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته فيتصيدون بهذا الذكر ~~الحسن الجهال (2) من الناس، فيقذفون بهم في المهالك، فما أشبههم بمن يسقي ~~الصبر (3) باسم العسل، ومن يسقي السم القاتل باسم الترياق (4)، فأبصرهم ~~(5)، فإنك إن لا تكن أصبحت في بحر الماء فقد أصبحت في بحر الأهواء الذي هو ~~أعمق غورا، وأشد اضطرابا، وأكثر صواعق، وأبعد مذهبا من البحر وما فيه، فتلك ~~(6) مطيتك التي تقطع بها سفر الضلال اتباع السنة) (7). # وعن ابن المبارك قال: (اعلم أي أخي أن الموت اليوم (8) كرامة لكل مسلم ~~لقي ms096 الله على السنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإلى الله نشكو وحشتنا، ~~وذهاب الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى الله نشكو عظيم ما حل بهذه ~~الأمة من ذهاب العلماء وأهل السنة وظهور البدع) (9). # وكان إبراهيم التيمي (10) يقول: (اللهم اعصمني بدينك، وبسنة نبيك من ~~الاختلاف في الحق، ومن اتباع الهوى، ومن سبل الضلالة، ومن PageV01P143 # شبهات الأمور، ومن الزيغ والخصومات) (1). # وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه (2) كان يكتب في كتبه: (إني أحذركم ~~ما مالت إليه الأهواء والزيغ البعيدة) (3). # ولما بايعه الناس صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أيها ~~الناس، إنه ليس بعد نبيكم نبي، ولا بعد كتابكم كتاب، ولا بعد سنتكم سنة ولا ~~بعد أمتكم أمة، ألا وإن الحلال ما أحل الله في كتابه على لسان نبيه حلال ~~إلى يوم القيامة، ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسان نبيه حرام ~~إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بمبتدع ولكني متبع، ألا وإني لست بقاض ولكني ~~منفذ، ألا وإني لست بخازن ولكني أضع حيث أمرت، ألا وإني لست بخيركم ولكني ~~أثقلكم حملا (4)، ألا ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (5)، ثم نزل. # وفيه قال عروة بن أذينة (6) من (7) قصيدة (8) يرثيه بها: # وأحييت في الإسلام علما وسنة # ولم تبتدع حكما من الحكم أضجما (9) PageV01P144 # ففي كل يوم كنت تهدم بدعة # وتبني لنا من سنة ما تهدما (1) # ومن كلامه الذي عني به، ويحفظه العلماء، وكان يعجب مالكا جدا (2)، وهو أن ~~قال: (سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ ~~بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد ~~تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها. من عمل بها مهتد، ومن ~~انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، ~~وأصلاه جهنم وساءت مصيرا) (3). # وبحق (4) ما كان (5) يعجبهم، فإنه كلام مختصر جمع أصولا حسنة من السنة، ~~منها ما نحن فيه، لأن قوله: (ليس لأحد تغييرها، ولا تبديلها، ولا ms097 النظر في ~~شيء خالفها) (6)، قطع لمادة الابتداع جملة. # وقوله: (من عمل بها مهتد) إلى آخر الكلام، مدح لمتبع السنة، وذم لمن ~~خالفها (7) بالدليل الدال على ذلك، وهو قول الله سبحانه وتعالى: {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وساءت مصيرا *} (8). PageV01P145 # ومنها: أن (1) ماسنه ولاة الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهو ~~سنة، لا بدعة فيه ألبتة، وإن (2) لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم نص عليه على الخصوص. فقد جاء ما يدل عليه في الجملة، وذلك ~~نص حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه حيث قال فيه: (فعليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين (3)، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ (4)، ~~وإياكم ومحدثات الأمور) (5). # فقرن عليه السلام كما ترى سنة الخلفاء الراشدين بسنته. # وإن من اتباع سنته اتباع سنتهم، وإن المحدثات خلاف ذلك ليست منها في شيء، ~~لأنهم رضي الله عنهم فيما سنوه، إما متبعون لسنة نبيهم عليه السلام نفسها، ~~وإما متبعون لما فهموا من سنته في الجملة أو (6) في (7) التفصيل، على وجه ~~يخفى على غيرهم مثله (8)، لا زائد على ذلك. وسيأتي بيانه (9) بحول الله. # على أن أبا عبد الله الحاكم (10) نقل عن يحيى بن آدم (11) في (12) قول ~~PageV01P146 # السلف الصالح: (سنة أبي بكر وعمر (1) رضي الله عنهما) أن المعنى فيه: أن ~~يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وهو على تلك السنة، وأنه لا يحتاج مع ~~(قول النبي صلى الله عليه وسلم إلى) (2) قول أحد (3). # وما قاله (4) صحيح في نفسه، فهو مما يحتمله حديث العرباض رضي الله عنه، ~~فلا زائد إذا على ما ثبت في السنة النبوية، إلا أنه قد يخاف أن تكون منسوخة ~~بسنة أخرى، فافتقر العلماء إلى النظر في عمل الخلفاء بعده (5)، ليعلموا أن ~~ذلك هو (6) الذي مات عليه النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يكون له ~~ناسخ، لأنهم كانوا يأخذون (7) بالأحدث فالأحدث (8) من أمره. # وعلى هذا المعنى عول (9) مالك ms098 بن أنس رضي الله عنه في احتجاجه بالعمل، ~~ورجوعه إليه عند تعارض السنن (10). # ومن الأصول (11) المضمنة (12) في أثر عمر بن عبد العزيز أن سنة ولاة ~~PageV01P147 # الأمر (1) وعملهم تفسير لكتاب الله وسنة رسوله (2) صلى الله عليه وسلم ~~لقوله: "الأخذ بها تصديق لكتاب الله (3)، واستكمال لطاعة الله، وقوة على ~~دين الله". وهو أصل مقرر في غير هذا الموضع (4). # فقد جمع كلام عمر (5) رحمه الله أصولا حسنة وفوائد مهمة. # ومما يعزى لأبي العباس (6) الإبياني (7): (ثلاث لو كتبن في ظفر لوسعهن، ~~وفيهن خير الدنيا والآخرة: اتبع لا (8) تبتدع، اتضع لا ترتفع، من (9) ورع ~~لا يتسع) (10). # والآثار هنا كثيرة. PageV01P148 ### | ### | فصل # # الوجه الرابع من النقل ما جاء في ذم البدع وأهلها عن الصوفية المشهورين ~~عند الناس (1). # وإنما خصصنا هذا الموضع بالذكر وإن كان فيما تقدم من النقل كفاية لأن ~~كثيرا من الجهال يعتقدون فيهم أنهم متساهلون في الاتباع، وأن اختراع ~~العبادات، والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه، مما يقولون به ويعملون ~~عليه، وحاشاهم من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به، فأول شيء بنوا عليه طريقتهم ~~اتباع السنة واجتناب ما خالفها، حتى زعم مذكرهم، وحافظ مأخذهم، وعمود (2) ~~نحلتهم، أبو القاسم القشيري (3) أنهم إنما اختصوا باسم التصوف انفرادا به ~~عن أهل البدع، فذكر (أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P149 # لم يتسم (1) أفاضلهم (2) في عصرهم باسم علم (3) سوى الصحبة، إذ لافضيلة ~~فوقها، ثم سمي (4) من يليهم التابعين ورأوا هذا الاسم أشرف الأسماء، ثم قيل ~~لمن بعدهم أتباع التابعين، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص ~~الناس ممن له شدة عناية بأمر الدين (5): الزهاد والعباد. # قال: ثم ظهرت البدع، وادعى (6) كل فريق أن فيهم زهادا وعبادا، فانفرد ~~خواص (7) أهل السنة، المراعون أنفاسهم (8) مع الله، الحافظون قلوبهم عن ~~الغفلة باسم التصوف (9). # هذا معنى كلامه، فقد عد هذا اللقب (10) لهم مخصوصا باتباع السنة ومباينة ~~البدعة. وفي ذلك ما يدل على خلاف ما يعتقده الجهال ومن لا عبرة به من ~~المدعين للعلم. # وفي غرضي إن فسح الله في ms099 المدة، وأعانني بفضله، ويسر لي الأسباب أن ألخص ~~في طريق القوم أنموذجا يستدل به على صحتها وجريانها PageV01P150 # على الطريقة المثلى (1)، وأنه إنما داخلتها المفاسد (2)، وتطرقت إليها ~~البدع من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح، وادعوا الدخول ~~فيها من غير سلوك شرعي، ولا فهم لمقاصد أهلها، وتقولوا عليهم ما لم يقولوا ~~به، حتى صارت في هذا الزمان الأخير كأنها شريعة أخرى غير ما أتى بها محمد ~~صلى الله عليه وسلم (3). # وأعظم (4) ذلك أنهم يتساهلون في اتباع السنة، ويرون اختراع العبادات ~~طريقا للتعبد صحيحا. وطريقة القوم بريئة من هذا الخباط بحمد الله. # فقد قال الفضيل بن عياض (5): (من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة) (6). # وقيل لإبراهيم بن أدهم (7): إن الله يقول في كتابه {ادعوني أستجب لكم} ~~(8) ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجب لنا! فقال: ماتت قلوبكم في عشرة أشياء: ~~أولها: عرفتم الله ولم (9) تؤدوا حقه. والثاني: قرأتم كتاب الله ولم تعملوا ~~به. والثالث: ادعيتم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته. ~~والرابع: PageV01P151 # ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه. والخامس: قلتم نحب الجنة وما تعملون لها ~~(1) إلى آخر الحكاية. # وقال ذو النون المصري (2): (من علامات (3) المحب (4) لله متابعة حبيب ~~الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأوامره (5) وسننه (6)) (7). # وقال: إنما دخل الفساد على الخلق من ستة أشياء: الأول: ضعف النية بعمل ~~الآخرة. والثاني: صارت: أبدانهم رهينة (8) لشهواتهم. والثالث غلبهم طول ~~الأمل مع قصر الأجل. والرابع: آثروا رضى (9) المخلوقين على رضى الله. ~~والخامس: اتبعوا أهواءهم، ونبذوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، والسادس: ~~جعلوا زلات السلف حجة لأنفسهم، ودفنوا أكثر مناقبهم) (10). # وقال لرجل أوصاه: "ليكن آثر الأشياء عندك وأحبها إليك إحكام ما افترض ~~الله عليك، واتقاء مانهاك عنه، فإن ما تعبدك (11) الله به خير لك مما ~~تختاره لنفسك من أعمال البر التي لم (12) تجب عليك، وأنت ترى أنها أبلغ لك ~~فيما تريد، كالذي يؤدب نفسه بالفقر والتقلل وما أشبه ذلك، وإنما ~~PageV01P152 # للعبد أن يراعي أبدا ما وجب عليه من ms100 فرض يحكمه على تمام حدوده، وينظر إلى ~~ما نهي عنه فيتقيه على إحكام ما ينبغي، فإن الذي قطع العباد عن ربهم، ~~وقطعهم عن أن يذوقوا حلاوة الإيمان، وأن يبلغوا حقائق الصدق، وحجب قلوبهم ~~عن النظر إلى الآخرة، تهاونهم بأحكام ما فرض عليهم في قلوبهم وأسماعهم ~~وأبصارهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم وبطونهم وفروجهم. ولو وقفوا على هذه ~~الأشياء وأحكموها لأدخل عليهم البر إدخالا تعجز أبدانهم وقلوبهم عن حمل ما ~~ورثهم (1) الله من حسن معونته، وفوائد كرامته، ولكن أكثر القراء والنساك ~~حقروا محقرات الذنوب، وتهاونوا بالقليل مما هم فيه من العيوب، فحرموا لذة ~~ثواب (2) الصادقين في العاجل) (3). # وقال بشر الحافي (4): (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي ~~يابشر، تدري (5) لم رفعك الله (6) من (7) بين أقرانك؟) قلت: لا يا رسول ~~الله، قال: (لا تباعك لسنتي (8)، وحرمتك (9) للصالحين (10)، ونصيحتك ~~لإخوانك، ومحبتك لأصحابي وأهل بيتي، هو الذي بلغك منازل الأبرار) (11). ~~PageV01P153 # وقال يحيى بن معاذ (1) الرازي (2): (اختلاف الناس كلهم يرجع إلى ثلاثة ~~أصول، فلكل واحد منها ضد، فمن سقط عنه وقع في ضده: التوحيد وضده الشرك، ~~والسنة وضدها البدعة، والطاعة وضدها المعصية) (3). # وقال أبو بكر الزقاق (4) وكان من أقران الجنيد: (كنت (5) مارا في (6) تيه ~~(7) بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين لعلم الشريعة، فهتف بي ~~هاتف: كل حقيقة لاتتبعها الشريعة فهي كفر) (8). # وقال أبو علي الحسن بن علي الجوزجاني (9): (من علامات السعادة (10) على ~~العبد تيسير الطاعة عليه، وموافقة السنة في أفعاله، وصحبته لأهل الصلاح، ~~وحسن أخلاقه مع الإخوان، وبذل معروفه للخلق، واهتمامه للمسلمين، ومراعاته ~~لأوقاته) (11). PageV01P154 # وسئل كيف الطريق إلى الله؟ فقال: (الطرق إلى الله كثيرة (1)، وأوضح (2) ~~الطرق، وأبعدها عن الشبه اتباع السنة قولا وفعلا وعزما وعقدا ونية، لأن ~~الله يقول: {وإن تطيعوه تهتدوا} (3)) فقيل له (4): كيف الطريق إلى السنة؟ ~~فقال: (مجانبة البدع، واتباع ما أجمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام، ~~والتباعد عن مجالس الكلام وأهله، ولزوم طريقة الاقتداء، وبذلك أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ms101 ملة إبراهيم ~~حنيفا} (5)) (6). # وقال أبو بكر الترمذي (7): (لم يجد أحد تمام الهمة بأوصافها إلا أهل ~~المحبة، وإنما أخذوا في ذلك من اتباع (8) السنة ومجانبة البدعة، فإن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم كان أعلى الخلق (9) همة، وأقربهم زلفى (10)) (11). # وقال أبو الحسين (12) الوراق (13): (لا يصل العبد إلى الله إلا بالله، ~~PageV01P155 # وبموافقة حبيبه صلى الله عليه وسلم في شرائعه ومن جعل الطريق إلى الوصول ~~في غير الاقتداء يضل من حيث يظن (1) أنه مهتدي (2)) (3). # وقال: "الصدق استقامة الطريق في الدين، واتباع السنة في الشرع" (4). # وقال: (علامة محبة الله متابعة حبيبه صلى الله عليه وسلم) (5). # ومثله عن إبراهيم القصار (6) قال: (علامة محبة الله إيثار طاعته، ومتابعة ~~نبيه) (7). # وقال أبو (على) (8) محمد بن عبد الوهاب (9) الثقفي (10): (لا يقبل الله ~~من الأعمال إلا ما كان صوابا، ومن صوابها إلا ما كان خالصا، ومن خالصها إلا ~~ما وافق السنة" (11). PageV01P156 # وإبراهيم بن شيبان القرميسيني (1) صحب أبا عبد الله المغربي (2) وإبراهيم ~~الخواص (3)، وكان شديدا على أهل البدع، متمسكا بالكتاب والسنة، لازما لطريق ~~المشايخ والأئمة، حتى قال فيه عبد الله بن منازل (4): "إبراهيم بن شيبان ~~حجة الله على الفقراء وأهل الآداب والمعاملات) (5). # وقال أبو بكر بن سعدان (6)، وهو من أصحاب الجنيد (7) وغيره: PageV01P157 # (الاعتصام بالله هو الامتناع من الغفلة والمعاصي والبدع والضلالات) (1). # وقال أبو عمر الزجاجي (2) وهو من أصحاب الجنيد و (النوري) (3) وغيرهما: ~~(كان الناس في الجاهلية يتبعون ما تستحسنه عقولهم وطبائعهم، فجاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم فردهم إلى الشريعة والاتباع، فالعقل الصحيح الذي يستحسن ما ~~يستحسنه الشرع، ويستقبح ما يستقبحه) (4). # وقيل لإسماعيل بن (نجيد) (5) السلمي (6) جد أبي عبد الرحمن السلمي (7) ~~ولقي الجنيد وغيره : ما الذي لا بد للعبد منه؟ فقال: (ملازمة PageV01P158 # العبودية على السنة، ودوام المراقبة) (1). # وقال أبو عثمان المغربي (2): "التقوى (3) هي الوقوف مع الحدود، لا يقصر ~~فيها ولا يتعداها، قال الله تعالى: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} (4)) ~~(5). # وقال أبو يزيد البسطامي (6): (عملت في المجاهدة ثلاثين سنة، فما وجدت ~~شيئا أشد من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لشقيت ms102 (7)، واختلاف ~~العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد) (8). # ومتابعة العلم هي متابعة السنة لا غيرها. PageV01P159 # وروى عنه أنه قال: "قم بنا حتى (1) ننظر إلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه ~~بالولاية وكان رجلا مقصودا، مشهورا بالزهد قال الراوي: فمضينا، فلما خرج من ~~بيته ودخل المسجد رمى ببصاقه تجاه القبلة (2)، فانصرف أبو يزيد ولم يسلم ~~عليه، وقال: (هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكيف (3) يكون مأمونا على ما يدعيه؟) (4). # وهذا أصل أصله أبو يزيد رحمه الله للقوم، وهو أن الولاية لا تحصل لتارك ~~السنة، وإن كان ذلك (5) جهلا منه، فما ظنك به إذا كان عاملا بالبدعة كفاحا؟ # وقال: (لقد (6) هممت أن أسأل الله أن يكفيني مؤنة الأكل ومؤنة النساء، ثم ~~قلت: كيف يجوز أن أسأل الله هذا ولم يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فلم أسأله. ثم إن الله سبحانه كفاني مؤنة النساء حتى لا أبالي استقبلتني ~~امرأة أم حائط) (7). # وقال: (لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء (8) فلا ~~تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحدود، وآداب (9) ~~الشريعة) (10). # وقال سهل التستري (11): (كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء طاعة ~~PageV01P160 # كان أو معصية فهو عيش النفس (يعني باتباع الهوى) (1)، وكل فعل يفعله ~~العبد بالاقتداء فهو عتاب (2) على النفس) (3) يعني لأنه لا هوى له فيه ~~واتباع الهوى هو المذموم، ومقصود القوم تركه ألبتة. # وقال: (أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول الله، ~~وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق) (4). # وقال: (قد أيس (5) الخلق (6) من هذه الخصال (7) الثلاث: ملازمة التوبة، ~~ومتابعة السنة (وترك أذى الخلق) (8)) (9). # (وسئل عن الفتوة (10) فقال: (اتباع السنة) (11)) (12). # وقال أبو سليمان الداراني (13): (ربما تقع في قلبي النكتة من نكت (14) ~~القوم أياما، فلا أقبل منه (15) إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة) (16). ~~PageV01P161 # وقال أحمد بن أبي الحواري (1): (من عمل عملا بلا اتباع سنة فباطل عمله) ~~(2). # وقال (3) أبو حفص الحداد (4): (من لم يزن أفعاله وأحواله في كل ms103 وقت ~~بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال) (5). # وسئل عن البدعة فقال: (التعدي في الأحكام، والتهاون في السنن، واتباع ~~الآراء والأهواء، وترك الاتباع والاقتداء) (6). # قال: (وما ظهرت حالة عالية إلا من ملازمة أمر صحيح) (7). PageV01P162 # وسئل حمدون القصار (1): متى (2) يجوز للرجل أن يتكلم على (3) الناس؟ فقال ~~(4): (إذا تعين عليه أداء فرض من فرائض الله في علمه، أو خاف هلاك إنسان في ~~بدعة يرجو أن ينجيه الله منها (5)) (6). # وقال: (من نظر في سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عن درجات الرجال) (7). # وهذه والله أعلم إشارة إلى المثابرة على الاقتداء بهم فإنهم أهل السنة. # وقال أبو القاسم الجنيد (8) لرجل ذكر المعرفة وقال: أهل المعرفة بالله ~~يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله، فقال الجنيد: (إن هذا ~~قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، (والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول ~~هذا، وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال) (9) عن الله تعالى وإليه يرجعون ~~فيها). قال: (ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة، إلا أن يحال بي ~~دونها) (10). PageV01P163 # وقال: (الطرق كلها مسدودة على الخلق (1) إلا على من اقتفى أثر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم) (2). # وقال: (مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة) (3). # وقال: (من لم يحفظ القرآن، ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن ~~(4) علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة) (5). وقال: (علمنا (6) هذا مشيد بحديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم) (7). # وقال أبو عثمان (الحيري) (8): (الصحبة مع الله تعالى بحسن الأدب، ودوام ~~الهيبة والمراقبة، والصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته، ~~ولزوم ظاهر العلم، والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة) (9) إلى آخر ~~ما قال. # ولما تغير عليه الحال (10) مزق ابنه أبو بكر قميصا على نفسه، ففتح أبو ~~عثمان عينيه وقال: (خلاف السنة يا بني في الظاهر (11) علامة رياء في ~~الباطن) (12). PageV01P164 # وقال: (من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا (1) نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى ~~على نفسه قولا وفعلا (2) نطق بالبدعة. قال الله تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا} ~~(3)) (4). # وقال أبو ms104 الحسين (5) (النوري) (6): (من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن ~~حد العلم الشرعي فلا تقربن منه) (7). # وقال محمد بن الفضل البلخي (8): (ذهاب الإسلام من أربعة: (أولها) (9) لا ~~يعملون بما يعلمون، (والثاني) يعملون بما لا يعلمون، (والثالث) لا يتعلمون ~~ما لا يعلمون، (والرابع) يمنعون الناس من التعلم) (10). PageV01P165 # هذا ما قال، وهو وصف صوفيتنا اليوم، عياذا بالله. # وقال: (أعرفهم بالله أشدهم مجاهدة في أوامره، وأتبعهم لسنة نبيه) (1). # وقال شاة الكرماني (2): (من غض بصره عن المحارم (3)، وأمسك نفسه عن ~~الشبهات (4)، وعمر باطنه بدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه ~~أكل الحلال، لم تخطئ (5) له فراسة) (6). # وقال أبو سعيد الخراز (7): (كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل) (8). # وقال أبو العباس بن عطاء (9) وهو من أقران الجنيد : (من ألزم PageV01P166 # نفسه آداب السنة (1) نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام ~~متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم في أوامره وأفعاله وأخلاقه) (2). # وقال أيضا: (أعظم الغفلة غفلة العبد عن ربه عز وجل، وغفلته عن أوامره ~~(3)، وغفلته عن آداب معاملته) (4). # وقال إبراهيم الخواص (5): (ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العالم من ~~اتبع العلم، واستعمله، واقتدى بالسنن، وإن كان قليل العلم) (6). # وسئل عن العافية فقال: (العافية أربعة أشياء: دين بلا بدعة، وعمل بلا ~~آفة، وقلب بلا شغل ونفس بلا شهوة) (7). # وقال: (الصبر: الثبات على أحكام الكتاب والسنة) (8). # وقال: بنان الحمال (9) وسئل عن أصل (10) أحوال الصوفية فقال : (الثقة ~~بالمضمون، والقيام بالأوامر، ومراعاة السر، والتخلي من الكونين) (11). ~~PageV01P167 # وقال أبو حمزة البغدادي (1): (من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه ولا دليل ~~على الطريق إلى الله إلا متابعة سنة (2) الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~أحواله وأفعاله وأقواله) (3). # وقال أبو إسحاق الرقى (4): (علامة محبة الله إيثار طاعته ومتابعة (5) ~~نبيه) (6). انتهى. # ودليله قوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} (7) ~~الآية. # وقال ممشاد الدينوري (8): (آداب المريد في التزام حرمات المشايخ، وخدمة ~~(9) الإخوان، والخروج عن الأسباب، وحفظ آداب الشرع على نفسه) (10). ~~PageV01P168 # وسئل أبو علي الروذباري (1) عمن يسمع الملاهي (2) ويقول: هي لي حلال، ~~لأني ms105 قد وصلت إلى درجة لا يؤثر في اختلاف (3) الأحوال. فقال: (نعم قد وصل، ~~ولكن (4) إلى سقر) (5). # وقال أبو محمد عبد الله بن منازل (6): (لم يضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ~~ابتلاه الله بتضييع السنن، (ولم يبتل أحد بتضييع السنن) (7) إلا يوشك أن ~~يبتلى بالبدع) (8). # وقال أبو يعقوب النهرجوري (9): (أفضل الأحوال ما قارن العلم) (10). ~~PageV01P169 # وقال أبو عمرو (1) بن نجيد (2): (كل حال لا يكون عن نتيجة علم (3) فإن ~~ضرره على صاحبه أكثر من نفعه) (4). # وقال بندار (5) بن الحسين (6): (صحبة أهل البدع تورث الإعراض عن الحق) ~~(7). # وقال أبو بكر الطمستاني (8): (الطريق واضح، والكتاب والسنة قائم (9) بين ~~أظهرنا، وفضل الصحابة معلوم لسبقهم إلى الهجرة ولصحبتهم. فمن صحب منا (10) ~~الكتاب والسنة، وتغرب عن نفسه والخلق، وهاجر بقلبه إلى الله، فهو الصادق ~~المصيب) (11). PageV01P170 # وقال أبو القاسم (1) النصراباذي (2): (أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، ~~وترك الأهواء والبدع (3)، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، ~~والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص (4) والتأويلات) (5). # وكلامهم في هذا الباب يطول (6). # وقد نقلنا عن جملة ممن اشتهر منهم ينيف (7) على الأربعين شيخا، جميعهم ~~يشير أو يصرح (8) بأن الابتداع ضلال، والسلوك عليه تيه، واستعماله (9) رمي ~~في عماية، وأنه مناف لطلب النجاة، وصاحبه غير محفوظ وموكول إلى نفسه (10)، ~~ومطرود عن نيل الحكمة. # وأن الصوفية الذين نسبت إليهم الطريقة مجمعون على تعظيم الشريعة مقيمون ~~على متابعة السنة، غير مخلين بشيء من آدابها، أبعد الناس عن البدع وأهلها، ~~ولذلك لا نجد (11) منهم من ينسب (12) إلى فرقة (13) من الفرق الضالة ولا من ~~يميل إلى خلاف السنة، وأكثر من ذكر منهم علماء وفقهاء ومحدثون، وممن يؤخذ ~~عنه الدين أصولا وفروعا، ومن لم يكن PageV01P171 # كذلك فلا بد له من أن يكون فقيها في دينه بمقدار كفايته (1). # وهم كانوا أهل الحقائق (2) والمواجد، والأذواق والأحوال والأسرار (3) ~~التوحيدية. # فهم الحجة لنا على كل من ينتسب إلى طريقتهم، ولا يجري على مناهجهم (4)، ~~بل يأتي ببدع محدثات، وأهواء متبعات، وينسبها إليهم، تأويلا عليهم، من قول ~~محتمل، أو فعل من قضايا الأحوال، أو (5) استمساكا بمصلحة شهد الشرع ms106 ~~بإلغائها أو ما أشبه ذلك. # فكثيرا ما ترى المتأخرين ممن يتشبه بهم يرتكب من الأعمال ما أجمع الناس ~~على فساده شرعا، ويحتج بحكايات هي قضايا أحوال، وإن صحت لم يكن فيها حجة ~~لوجوه عدة، ويترك من كلامهم وأحوالهم ما هو أوضح (6) في الحق الصريح، ~~والاتباع الصحيح، شأن من اتبع من الأدلة الشرعية ما تشابه منها (7). # ولما كان أهل التصوف في طريقهم بالنسبة إلى إجماعهم على أمر كسائر أهل ~~العلوم في علومهم، أتيت من كلامهم بما يقوم منه دليل على مدح (8) السنة وذم ~~البدعة في طريقتهم (9)، حتى يكون دليلا لنا (10) من جهتهم على أهل البدع ~~عموما، وعلى المدعين في طريقهم خصوصا. وبالله التوفيق. PageV01P172 ### | ### | فصل # # الوجه (1) الخامس من النقل ما جاء منه في ذم الرأي المذموم (2)، وهو ~~المبني على غير أس، والمستند إلى غير أصل من كتاب ولا سنة، لكنه وجه تشريعي ~~فصار نوعا من الابتداع، بل هو الجنس فيها، فإن جميع البدع إنما هي رأي على ~~غير أصل، ولذلك وصف بوصف الضلال. # ففي الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "إن الله لا ينتزع العلم من الناس بعد إذ أعطاهموه ~~انتزاعا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس (3) جهال ~~(يستفتون فيفتون برأيهم) (4) فيضلون ويضلون" (5). # فإذا كان كذلك فذم الرأي عائد على البدع بالذم لا محالة. # وخرج (6) ابن المبارك وغيره، عن عوف بن مالك الأشجعي (7) قال: ~~PageV01P173 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، ~~أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم، يحرمون به ما أحل الله، ويحلون به ما ~~حرم الله" (1). # قال ابن عبد البر (2): (هذا هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين ~~بالتخرص والظن، ألا ترى إلى قوله في الحديث: "يحلون الحرام، ويحرمون ~~الحلال"، ومعلوم أن الحلال ما في كتاب الله وسنة رسوله تحليله، والحرام ما ~~كان (3) في كتاب الله وسنة رسوله تحريمه، فمن جهل PageV01P174 # ذلك وقال فيما سئل عنه بغير علم، وقاس ms107 برأيه ما خرج منه عن السنة، فهذا ~~هو (1) الذي قاس الأمور (2) برأيه فضل وأضل، ومن رد الفروع في علمه إلى ~~أصولها فلم يقل برأيه) (3). # وخرج ابن المبارك حديثا (4): (إن من أشراط الساعة ثلاثا)، وإحداهن: (أن ~~يلتمس العلم عند الأصاغر) (5)، قيل لابن المبارك: من الأصاغر؟ قال: (الذين ~~يقولون برأيهم. فأما صغير يروي عن كبير فليس بصغير) (6). # وخرج ابن وهب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أصبح أهل الرأي ~~أعداء السنن، أعيتهم (7) الأحاديث أن يعوها، وتفلتت منهم (أن يرووها، ~~فاشتقوها بالرأي، وعنه أيضا: "اتقوا الرأي في دينكم") (8). PageV01P175 # قال سحنون (1): (يعني البدع) (2). # وفي رواية: (إياكم وأصحاب الرأي فإنهم (أعداء السنن) (3)، أعيتهم ~~الأحاديث (4) أن يحفظوها (فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا) (5)) (6). # (وفي رواية لابن وهب: (إن أصحاب الرأي أعداء السنن (7)، أعيتهم أن ~~يحفظوها) (8)، وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا (9) أن يقولوا: لا ~~نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم) (10). # قال أبو بكر بن أبي داود (11): (أهل الرأي هم أهل البدع) (12). ~~PageV01P176 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (من أحدث رأيا ليس في كتاب الله، ولم ~~تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يدر ما هو عليه إذا لقي ~~الله عز وجل) (1). # وعن ابن مسعود رضي الله عنه: (قراؤكم وعلماؤكم (2) يذهبون، ويتخذ الناس ~~رؤوسا (3) جهالا يقيسون الأمور برأيهم) (4). # وخرج ابن وهب وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (السنة ما ~~سنه الله ورسوله، لا تجعلوا خطأ (5) الرأي سنة للأمة) (6). # وخرج أيضا عن هشام بن عروة (7) عن أبيه قال: (لم يزل أمر بني إسرائيل ~~مستقيما حتى أدرك فيهم المولدون، أبناء سبايا الأمم، فأخذوا فيهم بالرأي ~~فأضلوا بني إسرائيل (8)). PageV01P177 # وعن الشعبي (1): (إنما هلكتم حين تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس) (2). # وعن الحسن: (إنما هلك من كان قبلكم حين (3) تشعبت (4) بهم (5) السبل، ~~وحادوا عن الطريق فتركوا الآثار، وقالوا في الدين برأيهم، فضلوا وأضلوا" ~~(6). # وعن دراج أبي السمح (7)، قال: (يأتي على الناس زمان يسمن الرجل ~~PageV01P178 # راحلته حتى تعقد شحما، ثم يسير عليها في ms108 الأمصار حتى تعود نقضا (1)، ~~يلتمس من يفتيه بسنة قد عمل بها، فلا يجد إلا من يفتيه بالظن) (2). # وقد اختلف العلماء في الرأي المقصود بهذه الأخبار والآثار. # فقد (3) قالت طائفة: المراد به رأي أهل البدع المخالفين للسنن، لكن في ~~الاعتقاد كمذهب جهم (4) وسائر مذاهب أهل الكلام، لأنهم استعملوا آراءهم في ~~رد الأحاديث الثابتة عن (5) النبي صلى الله عليه وسلم، بل وفي رد ظواهر ~~القرآن لغير سبب يوجب الرد ويقتضي التأويل، كما قالوا بنفي الرؤية ردا (6) ~~للظاهر (7) بالمحتملات (8)، ونفي PageV01P179 # عذاب القبر (1)، ونفي الميزان (2)، والصراط (3)، وكذلك ردوا أحاديث ~~الشفاعة (4) والحوض (5) إلى أشياء يطول ذكرها، وهي مذكورة في كتب الكلام ~~(6). PageV01P180 # وقالت طائفة: إنما الرأي المذموم المعيب الرأي المبتدع وما كان مثله من ~~ضروب البدع، فإن حقائق جميع البدع رجوع إلى الرأي، وخروج عن الشرع (1). ~~وهذا هو القول الأظهر، إذ الأدلة المتقدمة لا تقتضي بالقصد الأول من البدع ~~نوعا دون (2) نوع، بل ظاهرها يقتضي (3) العموم في كل بدعة حدثت أو تحدث إلى ~~يوم القيامة، كانت من (4) الأصول أو الفروع (5)، كما قاله القاضي إسماعيل ~~(6) في قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} ~~(7) بعد ما حكى أنها نزلت في الخوارج (8). # وكأن القائل بالتخصيص والله أعلم لم يقل به (9) بالقصد الأول، بل أتى ~~بمثال مما تتضمنه (10) الآية، كالمثال المذكور، فإنه موافق لما كان (11) ~~مشتهرا في ذلك الزمان، فهو أولى ما يمثل به، ويبقى ما عداه مسكوتا عن ذكره ~~عند القائل به، ولو سئل عن العموم لقال به. # وهكذا كل ما تقدم من الأقوال الخاصة ببعض أهل البدع إنما تحصل على ~~التفسير بحسب الحاجة، ألا ترى أن الآية الأولى من سورة آل عمران إنما نزلت ~~في قصة نصارى نجران؟ ثم نزلت على الخوارج حسبما تقدم (12)، إلى غير ذلك مما ~~يذكر في التفسير، إنما يحملونه على ما يشمله PageV01P181 # الموضع بحسب الحاجة الحاضرة لا بحسب ما يقتضيه اللفظ لغة. # وهكذا ينبغي أن تفهم أقوال المفسرين المتقدمين، وهو الأولى بمناصبهم (1) ~~في العلم، ومراتبهم في فهم الكتاب والسنة، ms109 ولهذا المعنى تقرير في غير هذا ~~الموضع (2). # وقالت طائفة وهم فيما زعم ابن عبد البر جمهور أهل العلم (3) : الرأي ~~المذكور في هذه الآثار هو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، ~~والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات (4)، ورد الفروع والنوازل (5) بعضها ~~إلى بعض قياسا، دون ردها إلى أصولها والنظر في عللها واعتبارها، فاستعمل ~~فيها الرأي قبل أن تنزل، وفرعت قبل أن تقع، وتكلم فيها قبل أن تكون بالرأي ~~المضارع (6) للظن. # قالوا: لأن في الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن والبعث على ~~جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها ومن كتاب الله تعالى ~~ومعانيه. # واحتجوا على ذلك بأشياء منها (7): أن عمر رضي الله عنه لعن من سأل عما لم ~~يكن (8)، وما جاء من النهي عن الأغلوطات (9) وهي صعاب PageV01P182 # المسائل ، وعن كثرة السؤال، وأنه كره المسائل وعابها (1)، وإن كثيرا من ~~السلف لم يكن يجيب إلا عما نزل من النوازل دون ما لم ينزل (2). # وهذا القول غير مخالف لما قبله، لأن من قال به قد منع من الرأي وإن كان ~~غير مذموم، لأن الإكثار منه ذريعة إلى الرأي المذموم، وهو ترك النظر في ~~السنن اقتصارا على الرأي. # وإذا (3) كان كذلك اجتمع مع ما قبله، فإن من عادة الشرع أنه إذا نهى عن ~~شيء وشدد فيه منع ما حواليه وما دار به ورتع حول حماه. ألا ترى إلى قوله ~~عليه السلام: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة" (4)؟ وكذلك ~~PageV01P183 # جاء في الشرع أصل سد الذرائع، وهو منع الجائز لأنه يجر إلى غير الجائز. # وبحسب عظم المفسدة في الممنوع يكون اتساع المنع في الذريعة وشدته. # وما تقدم من الأدلة يبين لك عظم المفسدة في الابتداع، فالحوم حول حماه ~~يتسع جدا، ولذلك تنصل العلماء من القول بالقياس وإن كان جاريا على الطريقة، ~~فامتنع جماعة من الفتيا به قبل نزول المسألة، وحكوا في ذلك حديثا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها، فإنكم إن لا ~~تفعلوا (1) تشتتت (2) بكم الطرق هاهنا وهاهنا" ms110 (3). # وصح نهيه عليه السلام عن كثرة السؤال (4) وقال: "إن الله فرض فرائض فلا ~~تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودا فلا تعتدوها وعفا عن (5) ~~أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها" (6). PageV01P184 # وأحال بها جماعة على الأمراء فلم يكونوا يفتون حتى يكون الأمير هو الذي ~~يتولى ذلك، ويسمونها صوافي الأمراء (1). # وكان جماعة يفتون على الخروج عن العهدة، وأنه رأي وليس (2) بعلم كما قال ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذ سئل في الكلالة (3): (أقول (4) فيها برأيي ~~(5)، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان) (6). ثم أجاب. # وجاء رجل إلى سعيد بن المسيب (7) فسأله عن شيء فأملاه (8) عليه، ~~PageV01P185 # ثم سأله عن رأيه فأجابه، فكتب الرجل، فقال رجل من جلساء (1) سعيد أنكتب ~~(2) يا أبا (3) محمد رأيك؟ فقال سعيد للرجل: ناولنيها، فناوله (4) الصحيفة ~~فخرقها (5). # وسئل (6) القاسم بن محمد (7) عن شيء فأجاب، فلما ولى الرجل دعاه فقال له: ~~لا تقل إن القاسم زعم أن هذا هو الحق، ولكن إن اضطررت (8) إليه عملت به ~~(9). # وقال مالك بن أنس: (قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم هذا الأمر ~~واستكمل، فإنما ينبغي أن نتبع (10) آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~نتبع (11) الرأي، فإنه متى اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك ~~فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته، أرى هذا لا يتم) (12). ثم ثبت أنه ~~كان يقول برأيه، ولكن كثيرا ما كان يقول بعد أن يجتهد رأيه في النازلة: {إن ~~نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} (13) (14)، ولأجل الخوف على من كان يتعمق ~~فيه لم يزل PageV01P186 # يذمه، ويذم من تعمق فيه، فقد كان ينحى (1) على (2) أهل العراق لكثرة ~~تصرفهم به في الأحكام، فحكي عنه في ذلك أشياء من أخفها قوله: "الاستحسان ~~تسعة أعشار العلم، ولا يكاد المغرق (3) في القياس إلا يفارق السنة" (4). # والآثار المتقدمة ليست عند مالك مخصوصة بالرأي في الاعتقاد. فهذه كلها ~~تشديدات في الرأي وإن كان جاريا على الأصول حذرا من الوقوع في الرأي غير ms111 ~~الجاري على أصل. # ولابن عبد البر هنا كلام كثير كرهنا الإتيان به (5). # والحاصل من جميع ما تقدم أن الرأي المذموم ما بني على الجهل واتباع الهوى ~~من غير أصل (6) يرجع إليه، وما كان منه ذريعة إليه وإن كان في أصله محمودا، ~~وذلك (عند الإكثار منه والاشتغال به عن النظر في الأصول، وما سواه فهو ~~محمود لأنه) (7) راجع إلى أصل شرعي، فالأول داخل تحت حد البدعة، وتتنزل ~~عليه أدلة الذم، والثاني خارج عنه ولا يكون بدعة أبدا. PageV01P187 ### | ### | فصل # # الوجه السادس يذكر فيه بعض ما في البدع من الأوصاف المحذورة، والمعاني ~~المذمومة، وأنواع الشؤم، وهو كالشرح لما تقدم أولا، وفيه زيادة بسط، وبيان ~~زائد (1) على ما تقدم في أثناء الأدلة. فلنتكلم على ما يسع ذكره بحسب الوقت ~~والحال (2). # فاعلموا أن البدعة لا يقبل معها عبادة من صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا ~~غيرها من القربات. ومجالس صاحبها تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه، والماشي ~~إليه وموقره معين على هدم الإسلام، فما الظن بصاحبها؟ وهو ملعون على لسان ~~الشريعة، ويزداد (3) من الله بعبادته بعدا، وهي (4) مظنة إلقاء العداوة ~~والبغضاء، ومانعة من الشفاعة المحمدية، ورافعة للسنن التي تقابلها، وعلى ~~مبتدعها إثم (5) من عمل بها، وليس له من توبة، وتلقى عليه الذلة (في ~~الدنيا) (6) والغضب من الله، ويبعد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ويخاف عليه أن يكون معدودا في الكفار الخارجين عن الملة، وسؤ (7) الخاتمة ~~عند الخروج من الدنيا، ويسود وجهه في الآخرة، ويعذب بنار جهنم، وقد تبرأ ~~منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ منه المسلمون، ويخاف عليه الفتنة ~~في الدنيا زيادة إلى عذاب الآخرة. PageV01P188 # فأما (1) أن البدعة لا يقبل معها عمل، فقد روي عن الأوزاعي (2) أنه قال: ~~(كان بعض أهل العلم يقول: لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صياما ولا صدقة ~~ولا جهادا ولا حجا (3) ولا عمرة ولا صرفا ولا عدلا) (4). # وفيما كتب به أسد بن موسى (5): (وإياك أن يكون لك من أهل (6) البدع أخ أو ms112 ~~جليس أو صاحب، فإنه جاء الأثر (من (7) جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ~~ووكل إلى نفسه) (8)، و (من مشى إلى صاحب بدعة مشى في (9) هدم الإسلام) ~~(10)، وجاء: (ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى) (11)، ~~ووقعت اللعنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل البدع، وإن الله لا ~~يقبل منهم صرفا ولا عدلا فريضة (12) ولا تطوعا (13)، وكلما ازدادوا اجتهادا ~~صوما وصلاة ازدادوا من الله بعدا. فارفض مجالستهم (14)، وأذلهم وأبعدهم كما ~~أبعدهم الله (15) وأذلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأئمة الهدى بعده" ~~(16). PageV01P189 # وكان أيوب السختياني (1) يقول: (ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من ~~الله بعدا) (2). # وقال هشام بن حسان (3): (لا يقبل الله (4) من صاحب بدعة صلاة ولا صياما ~~ولا زكاة ولا حجا ولا جهادا ولا عمرة ولا صدقة ولا عتقا ولا صرفا ولا عدلا) ~~(5). # وخرج ابن وهب عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (من كان يزعم أن مع ~~الله قاضيا أو رازقا أو يملك لنفسه ضرا أو نفعا أو موتا أو حياة أو نشورا، ~~لقي الله (6) فأدحض حجته، وأخرس (7) لسانه، وجعل صلاته وصيامه هباء منثورا ~~(8)، وقطع به الأسباب، وكبه في النار على وجهه) (9). # وهذه الأحاديث وما كان نحوها مما ذكرناه أو لم نذكره (وإن لم) (10) نتضمن ~~(11) عهدة (12) صحتها كلها، فإن المعنى المقرر فيها له في الشريعة أصل صحيح ~~لا مطعن فيه. # أما أولا: فإنه قد (13) جاء في بعضها ما يقتضي عدم القبول، وهو في الصحيح ~~كبدعة القدرية (14) حيث قال فيها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (إذا ~~لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، فوالذي PageV01P190 # يحلف به عبد الله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما تقبله ~~الله منه حتى يؤمن بالقدر" (1). ثم استشهد بحديث جبريل المذكور في صحيح ~~مسلم (2). # ومثله حديث الخوارج وقوله فيه: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية)، بعد قوله: (تحقرون صلاتكم (مع صلاتهم) (3) وصيامكم مع صيامهم ~~وأعمالكم ms113 مع أعمالهم) (4). الحديث. # وإذا ثبت في بعضهم هذا لأجل بدعته (5)، فكل مبتدع يخاف عليه (أن يكون) ~~(6) مثل من ذكر (7). # وأما ثانيا: فإن كون (8) المبتدع لا يقبل منه عمل، إما أن يراد أنه لا ~~يقبل له بإطلاق على أي وجه وقع من وفاق سنة أو خلافها، وإما أن يراد (9) ~~أنه لا يقبل منه ما ابتدع فيه خاصة دون ما لم يبتدع فيه. # فأما الأول: فيمكن على أحد أوجه ثلاثة: # الأول: أن يكون على ظاهره من أن كل مبتدع أي بدعة كانت، فأعماله لا تقبل ~~معها، داخلتها تلك البدعة أم لا. ويشير إليه حديث ابن عمر المذكور آنفا ~~(10)، ويدل عليه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب الناس وعليه ~~سيف فيه صحيفة معلقة، فقال: والله ما عندنا PageV01P191 # كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة، فنشرها فإذا فيها أسنان ~~الإبل، وإذا فيها: (المدينة حرم من عير (1) إلى كذا. من أحدث فيها حدثا ~~فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه (2) صرفا ولا ~~عدلا) (3). وذلك على رأي من فسر الصرف والعدل بالفريضة والنافلة (4). وهذا ~~شديد جدا على أهل الإحداث في الدين. # الثاني (5): أن تكون (6) بدعته أصلا يتفرع عليه سائر الأعمال، كما إذا ~~(7) ذهب إلى إنكار العمل بخبر الواحد بإطلاق (8)، فإن عامة (9) التكليف ~~مبني عليه، لأن الأمر إنما يرد على المكلف من (10) كتاب الله أو من سنة ~~رسوله، وما تفرع منهما (11) راجع إليهما. PageV01P192 # فإن كان واردا من السنة فمعظم نقل السنة بالآحاد، بل قد أعوز أن يوجد ~~حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) متواترا (2). # وإن كان واردا من الكتاب فإنما تبينه السنة. # فكل ما لم يبين في القرآن فلا بد لمطرح نقل الآحاد أن يستعمل فيه (3) ~~رأيه، وهو الابتداع بعينه. # فيكون كل (4) فرع ينبني على ذلك بدعة (5)، لا (6) يقبل منه شيء (7)، كما ~~في الصحيح من قوله عليه السلام: (كل عمل ليس عليه (8) أمرنا فهو رد) (9)، ~~وكما إذا كانت البدعة (في النية) (10) التي ينبني عليها كل عمل، ms114 فإن ~~الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. # ومن أمثلة ذلك قول من يقول: إن الأعمال إنما تلزم من لم يبلغ درجة ~~الأولياء المكاشفين بحقائق التوحيد، فأما من رفع له الحجاب وكوشف ~~PageV01P193 # بحقيقة ما هنالك، فقد ارتفع التكليف عنه، بناء منهم على أصل هو كفر صريح ~~لا يليق في هذا الموضع ذكره (1). # ومثله (2) ما ذهب إليه (3) بعض المارقين من إنكار العمل بالأخبار النبوية ~~جاءت تواترا أو آحادا، وأنه إنما يرجع إلى كتاب الله (4). # وفي الترمذي عن أبي رافع (5) رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال (6): "لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته (7) يأتيه أمري مما (8) ~~أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري! ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". ~~حديث حسن (9). # وفي رواية: "ألا هل عسى رجل يبلغه عني الحديث (10) وهو متكئ على أريكته ~~فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، قال: فما وجدنا فيه حلالا حللناه (11)، وما ~~وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله" حديث حسن ~~(12). PageV01P194 # وإنما جاء هذا الحديث على الذم، وإثبات أن سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في التحليل والتحريم ككتاب الله، فمن ترك ذلك فقد بنى أعماله على رأيه ~~لا على كتاب الله (1) ولا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومن الأمثلة: ما (2) إذا كانت البدعة تخرج صاحبها عن الإسلام باتفاق أو ~~باختلاف، إذ للعلماء في تكفير أهل البدع قولان (3). وفي الظواهر (4) ما يدل ~~على ذلك كقوله عليه السلام في بعض روايات حديث الخوارج حين ذكر السهم بصفة ~~(5) الخروج (6) من الرمية سبق (7) الفرث والدم (8). # ومن الآيات قوله سبحانه: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} (9) الآية ونحو (ذلك من) (10) الظواهر ~~المتقدمة. # الوجه الثالث (11): أن صاحب البدعة في بعض الأمور التعبدية أو غيرها قد ~~يجره اعتقاد بدعته الخاصة إلى التأويل الذي يصير اعتقاده في الشريعة ضعيفا، ~~وذلك يبطل عليه جميع عمله. PageV01P195 # بيان ذلك بأمثلة (1): # منها أن يشرك (2) العقل مع الشرع في التشريع ms115 (وهي طريقة أهل التحسين ~~والتقبيح، ولذلك يقولون إن العقل يستقل بالتشريع) (3)، وإنما يأتي الشرع ~~(4) كاشفا لما اقتضاه العقل، فيا ليت شعري هل حكم هؤلاء في التعبد لله شرعه ~~أم عقولهم؟ بل صار الشرع في نحلتهم كالتابع المعين (5)، لا حاكما متبعا، ~~وهذا هو التشريع الذي لم يبق للشرع معه أصالة، فكل ما عمل هذا العامل مبني ~~على ما اقتضاه عقله، وإن شرك الشرع فعلى حكم الشركة، لا على إفراد الشرع، ~~فلا يصح بناء على الدليل (6) الدال على إبطال التحسين والتقبيح العقليين، ~~إذ هو عند علماء الكلام (7) من مشهور البدع، وكل بدعة ضلالة (8). ~~PageV01P196 # ومنها أن (1) المستحسن للبدع يلزمه عادة أن يكون الشرع عنده لم يكمل بعد، ~~فلا يكون لقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} (2) معنى يعتبر به (3) ~~عندهم، ومحسن الظن منهم يتأولها حتى يخرجها عن ظاهرها. وذلك أن هؤلاء الفرق ~~التي تبتدع العبادات أكثرها ممن يكثر الزهد والانقطاع والانفراد عن الخلق، ~~وإلى الاقتداء بهم يجري أغمار (4) العوام، والذي يلزم الجماعة وإن كان أتقى ~~خلق الله لا يعدونه إلا من العامة. وأما الخاصة فهم أهل تلك الزيادات، ~~ولذلك تجد كثيرا من المغترين بهم، والمائلين إلى جهتهم، يزدرون بغيرهم ممن ~~(5) لم ينتحل مثل ما انتحلوا، ويعدونهم من المحجوبين عن أنوارهم، فكل من ~~يعتقد هذا المعنى يضعف في يده قانون الشرع الذي ضبطه السلف الصالح، وبين ~~حدوده الفقهاء الراسخون في العلم، إذ ليس هو عنده في طريق السلوك بمنهض حتى ~~يدخل مداخل PageV01P197 # خاصتهم، وعند ذلك لا يبقى للعمل (1) في أيديهم روح الاعتماد الحقيقي، وهو ~~باب عدم القبول في (تلك) (2) الأعمال، وإن كانت بحسب ظاهر الأمر مشروعة، ~~لأن الاعتقاد فيها أفسدها عليهم، فحقيق أن (3) لا يقبل ممن (4) هذا شأنه ~~صرف ولا عدل، والعياذ بالله. # وأما الثاني (5): وهو أن يراد بعدم القبول لأعمالهم ما ابتدعوا فيه خاصة، ~~فيظهر أيضا، وعليه يدل الحديث المتقدم: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) ~~(6). وجميع (7) (ما جاء) (8) من قوله: (كل بدعة ضلالة) (9)، أي إن صاحبها ~~ليس على الصراط المستقيم، وهو معنى ms116 عدم القبول، وفاق قول الله تعالى: {ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (10). # وصاحب البدعة لا يقتصر في الغالب على الصلاة دون الصيام، ولا على الصيام ~~دون الزكاة، ولا على الزكاة دون الحج، ولا على الحج دون الجهاد، إلى غير ~~ذلك من الأعمال، لأن الباعث له على ذلك حاضر معه في الجميع، وهو الهوى ~~والجهل بشريعة الله، كما سيأتي إن شاء الله (11). # وفي المبسوطة (12) عن يحيى بن يحيى (13) أنه ذكر الأعراف وأهله ~~PageV01P198 # فتوجع واسترجع، ثم قال: (قوم أرادوا وجها من الخير فلم يصيبوه)، فقيل له: ~~يا أبا محمد، أفيرجى لهم مع ذلك لسعيهم ثواب؟ قال (1): (ليس في خلاف السنة ~~رجاء ثواب) (2). # وأما أن صاحب البدعة تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه فقد تقدم نقله (3)، ~~ومعناه ظاهر جدا، فإن الله بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة ~~للعالمين حسبما أخبر في كتابه، وقد كنا قبل طلوع ذلك النور الأعظم لا نهتدي ~~سبيلا، ولا نعرف من مصالحنا الدنيوية إلا قليلا على غير كمال، ولا من ~~مصالحنا الأخروية قليلا ولا كثيرا، بل كان كل أحد يركب هواه وإن كان فيه ~~(ما فيه) (4)، ويطرح هوى غيره فلا يلتفت إليه، فلا يزال الاختلاف بينهم ~~والفساد فيهم يخص ويعم، حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم لزوال الريب ~~والالتباس، وارتفاع الخلاف الواقع بين الناس، كما قال الله تعالى: {كان ~~الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين} إلى قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه} (5)، وقوله: ({كان الناس أمة واحدة} معناه: ~~فاختلفوا فبعث الله النبيين كما قال) (6) {وما كان الناس إلا أمة واحدة ~~فاختلفوا} (7). PageV01P199 # ولم يكن حاكما بينهم فيما اختلفوا فيه، إلا وقد جاءهم بما ينتظم به ~~شملهم، وتجتمع به كلمتهم، وذلك راجع إلى الجهة التي من أجلها اختلفوا، وهو ~~ما يعود عليهم بالصلاح في العاجل والآجل، ويدرأ عنهم الفساد على الإطلاق، ~~فانحفظت الأديان والدماء والعقول (1) والأنساب والأموال من طرق يعرف مآخذها ~~العلماء، وذلك القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ms117 (المبين بسنته) ~~(2) قولا وعملا وإقرارا، ولم يردوا إلى تدبير أنفسهم، للعلم بأنهم لا ~~يستطيعون ذلك، ولا يستقلون بدرك مصالحهم، ولا تدبير أنفسهم. # فإذا ترك المبتدع هذه الهبات العظيمة، والعطايا الجزيلة، وأخذ في استصلاح ~~آخرته (3) أو دنياه بنفسه بما لم يجعل الشرع عليه دليلا، فكيف له بالعصمة ~~والدخول تحت هذه الرحمة (4)؟ وقد حل يده من حبل العصمة إلى تدبير نفسه، فهو ~~حقيق بالبعد عن الرحمة. # قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} (5) بعد قوله: ~~{اتقوا الله حق تقاته} (6)، فأشعر أن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقا ~~وأن ما سوى ذلك تفرقة لقوله: {ولا تفرقوا}، والفرقة من أخص (7) أوصاف ~~المبتدعة، لأنه خرج عن حكم الله، وباين جماعة أهل الإسلام. # روى عبد (8) بن حميد (9) عن عبد الله (10): (أن حبل الله الجماعة) (11). ~~PageV01P200 # وعن قتادة (1): (حبل الله المتين هذا القرآن وسننه (2)، وعهده إلى عباده ~~الذي أمر أن يعتصم به (3)، فيه الخير (4)، والثقة أن يتمسكوا به، ويعتصموا ~~بحبله) إلى آخر ما قال (5). # ومن ذلك قوله تعالى: {واعتصموا بالله هو مولاكم} (6). # وأما أن الماشي إليه والموقر (7) له معين على هدم الإسلام فقد تقدم من ~~نقله (8). # وروي أيضا مرفوعا: (من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام) ~~(9). # وعن هشام بن عروة (10) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وقر ~~صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام) (11). # ويجامعها في المعنى ما صح من قوله عليه السلام: "من أحدث حدثا أو آوى ~~محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" الحديث (12). # فإن الإيواء يجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر، لأن المشي إليه والتوقير له ~~تعظيم له لأجل بدعته، وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما ~~هو أشد من هذا، كالضرب والقتل (13)، فصار توقيره صدودا عن العمل ~~PageV01P201 # بشرع الإسلام، وإقبالا على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك ~~العمل به، والعمل بما ينافيه. # وأيضا فإن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان على الإسلام بالهدم: # إحداهما: التفات الجهال والعامة إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في ms118 المبتدع ~~أنه أفضل الناس، وأن ما هو عليه خير مما عليه غيره، فيؤدي ذلك إلى اتباعه ~~على بدعته دون اتباع أهل السنة على سنتهم. # والثانية: أنه إذا وقر من أجل بدعته صار ذلك كالحادي المحرض له على إنشاء ~~الابتداع في كل شيء. # وعلى كل حال (1) فتحيا البدع، وتموت السنن، وهو هدم الإسلام بعينه. # وعلى ذلك دل حديث معاذ: (فيوشك قائل أن يقول: ما لهم لا يتبعوني وقد قرأت ~~القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، وإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ~~ضلالة) (2)، فهو يقتضي أن السنن تموت إذا أحييت البدع، وإذا ماتت انهدم ~~الإسلام. # وعلى ذلك دل النقل عن السلف الصالح (3) زيادة إلى صحة الاعتبار، لأن ~~الباطل إذا عمل به لزم ترك العمل بالحق كما في العكس، لأن المحل الواحد لا ~~يشتغل (4) إلا بأحد الضدين. # وأيضا فمن السنة الثابتة ترك البدع. فمن عمل ببدعة واحدة فقد ترك تلك ~~السنة. # فمما جاء من ذلك ما تقدم ذكره عن حذيقة رضي الله عنه أنه أخذ حجرين فوضع ~~أحدهما على الآخر، ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين PageV01P202 # هذين الحجرين (1) من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله، ما نرى بينهما (من ~~النور) (2) إلا قليلا، قال: والذي نفسي بيده لتظهرن (3) البدع حتى لا يرى ~~من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشون البدع حتى إذا ~~ترك منها شيء قالوا: تركت السنة) (4). وله أثر آخر قد (5) تقدم (6). # وعن أبي إدريس الخولاني (7) أنه كان يقول: (ما أحدثت أمة في دينها بدعة ~~إلا رفع الله بها عنهم سنة (8)) (9). # وعن حسان بن عطية (10) قال: (ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من ~~سنتهم مثلها، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة" (11). # وعن بعض السلف يرفعه: (لا يحدث رجل في الإسلام بدعة إلا ترك من السنة ما ~~هو خير منها) (12). # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا ~~فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا ms119 البدع، وتموت (13) السنن" (14). # وأما أن صاحبها ملعون على لسان الشريعة، فلقوله عليه الصلاة والسلام: "من ~~أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (15). ~~PageV01P203 # وعد من الإحداث الاستنان (بسنة) (1) سوء لم تكن. # وهذه اللعنة قد اشترك فيها صاحب البدعة مع من كفر بعد إيمانه، وقد شهد أن ~~بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حق لا شك فيها، وجاءه الهدى من الله والبيان ~~الشافي، وذلك قول الله تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ~~وشهدوا أن الرسول حق} إلى قوله: {أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين *} (2) إلى آخرها. # واشترك أيضا مع من كتم ما أنزل الله وبينه (3) في كتابه. وذلك قوله ~~تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ~~للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون *} (4) إلى آخرها. # فتأملوا المعنى الذي اشترك المبتدع فيه (5) مع هاتين الفرقتين، وذلك ~~مضادة الشارع فيما شرع، لأن الله تعالى أنزل الكتاب وشرع الشرائع، وبين ~~الطريق للسالكين على غاية ما يمكن من البيان، فضادها الكافر بأن جحدها جحدا ~~(6)، وضادها كاتمها بنفس الكتمان، لأن الشارع يبين ويظهر، وهذا يكتم ويخفي، ~~وضادها المبتدع بأن وضع الوسيلة لترك ما بين وإخفاء (7) ما أظهر، لأن من ~~شأنه أن يدخل الإشكال في الواضحات، (من أجل اتباع المتشابهات، لأن ~~الواضحات) (8) تهدم له ما بنى عليه في المتشابهات، فهو آخذ في إدخال ~~الإشكال على الواضح، حتى يترك (9)، فبحق (10) ما جاءت اللعنة في الابتداع ~~(11) من الله والملائكة والناس أجمعين. # قال أبو مصعب (12) صاحب مالك رضي الله عنه: قدم علينا ابن PageV01P204 # مهدي (1) يعني المدينة فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف، فلما (2) سلم (3) ~~الإمام رمقه الناس بأبصارهم، ورمقوا مالكا، وكان قد صلى خلف الإمام، فلما ~~سلم قال: من هاهنا من الحرس (4)؟ فجاءه نفسان، فقال: خذا صاحب هذا الثوب ~~فاحبساه فحبس، فقيل له: إنه ابن مهدي، فوجه إليه، وقال له: أما خفت الله ~~(5) واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف، وشغلت المصلين بالنظر إليه، ms120 ~~وأحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ~~أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (6)، فبكى ~~ابن مهدي وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبدا في مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا في غيره (7). # وهذا غاية التوقي والتحفظ في ترك إحداث ما لم يكن خوفا من تلك اللعنة، ~~فما ظنك بما سوى وضع الثوب؟ # وتقدم حديث الطحاوي (8) (ستة ألعنهم، لعنهم الله) (9)، فذكر فيهم التارك ~~لسنته عليه الصلاة والسلام أخذا بالبدعة. # وأما أنه يزداد (10) من الله بعدا، فلما روي عن الحسن أنه قال: (صاحب ~~البدعة ما يزداد (11) اجتهادا (12)، صياما وصلاة (13)، إلا ازداد من الله ~~بعدا) (14). PageV01P205 # وعن أيوب السختياني (1) قال: "ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من ~~الله بعدا) (2). # ويصحح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام ~~في (3) الخوارج: "يخرج من ضئضيء (4) هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ~~وصيامكم مع صيامهم (5) " إلى أن قال: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من ~~الرمية" (6). # فبين أولا اجتهادهم، ثم بين آخرا بعدهم من الله تعالى. # وهو بين (أيضا (7) من) (8) جهة أنه لا يقبل منه صرف ولا عدل كما تقدم ~~(9)، فكل (10) عمل يعمله على البدعة فكما لو لم يعمله، ويزيد (11) على تارك ~~العمل بالعناد الذي تضمنه ابتداعه، والفساد الداخل على الناس به في أصل ~~الشريعة، وفي فروع الأعمال والاعتقادات، وهو يظن مع ذلك أن PageV01P206 # بدعته تقربه من الله، وتوصله إلى الجنة، وقد ثبت النقل (1) بأنه (2) لا ~~يقرب (3) إلى الله إلا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذي شرع وهو تاركه ، وأن ~~البدع تحبط الأعمال وهو ينتحلها. # وأما أن البدع مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل (4) الإسلام، فلأنها ~~تقتضي التفرق شيعا. # وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم حسبما تقدم في قوله تعالى: {ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} (5)، وقوله: {ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله} (6)، وقوله: {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~كل حزب بما ms121 لديهم فرحون *} (7)، وقوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~لست منهم في شيء} (8)، وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى. # وقد بين عليه الصلاة والسلام أن فساد ذات البين هي الحالقة، وأنها تحلق ~~الدين (9). # وجميع (10) هذه الشواهد تدل (11) على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع ~~الابتداع. PageV01P207 # وأول شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج إذ (1) عادوا أهل الإسلام حتى ~~صاروا يقتلونهم، ويدعون الكفار كما أخبر عنه الحديث (2) الصحيح (3). # ثم يليهم كل من كان (4) له صولة منهم، وقرب (5) من (6) الملوك، فإنهم ~~تناولوا (7) أهل السنة بكل نكال وعذاب وقتل أيضا، حسبما بينه أهل (8) ~~الأخبار (9). # ثم يليهم كل من ابتدع بدعة، فإن من شأنهم أن يثبطوا الناس عن اتباع أهل ~~(10) الشريعة، ويذمونهم، ويزعمون أنهم الأرجاس (11) الأنجاس، المكبون على ~~الدنيا، ويضعون عليهم شواهد الآيات في ذم الدنيا وذم المكبين عليها، كما ~~يروى عن (عمرو) (12) بن عبيد (13) أنه قال: (لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة ~~والزبير على شراك نعل ما أجزت شهادتهم" (14). PageV01P208 # وعن معاذ بن معاذ (1) قال: قلت لعمرو بن عبيد: كيف حدث (2) الحسن عن ~~عثمان أنه ورث امرأة عبد الرحمن بعد انقضاء عدتها؟ فقال: (إن (3) عثمان لم ~~يكن سنة) (4). # وقيل له: كيف حدث (5) الحسن عن سمرة في السكتتين؟ (6) فقال: (ما تصنع ~~بسمرة؟ قبح الله سمرة) (7). انتهى. بل قبح الله عمرو بن عبيد. # وسئل يوما عن شيء فأجاب فيه. قال الراوي: قلت (8): ليس هكذا يقول ~~أصحابنا. قال: ومن أصحابك لا أبا لك؟ قلت: أيوب، ويونس، وابن عون، والتيمي. ~~قال: (أولئك أنجاس أرجاس، أموات غير أحياء" (9). PageV01P209 # فهكذا أهل الضلال يسبون السلف الصالح لعل بضاعتهم تنفق، {ويأبى الله إلا ~~أن يتم نوره} (1). # وأصل هذا الفساد من قبل الخوارج، فهم أول من أفشا (2) لعن السلف الصالح، ~~وتكفير الصحابة رضي الله عن الصحابة، ومثل هذا كله يورث العداوة والبغضاء. # وأيضا فإن فرقة النجاة وهم أهل السنة مأمورون بعداوة أهل البدع (3)، ~~والتشريد بهم، والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم بالقتل فما دونه، وقد حذر ~~العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم حسبما تقدم (4). وذلك مظنة ms122 إلقاء العداوة ~~والبغضاء، لكن الدرك فيها على من تسبب في الخروج عن الجماعة بما أحدثه من ~~اتباع غير سبيل المؤمنين، لا على التعادي مطلقا. كيف ونحن مأمورون ~~بمعاداتهم، وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة؟ # وأما أنها مانعة من شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فلما روي أنه عليه ~~السلام قال: "حلت (5) شفاعتي لأمتي إلا صاحب بدعة" (6). # ويشير إلى صحة المعنى فيه ما في الصحيح قال: "أول من يكسى يوم القيامة ~~إبراهيم، وأنه سيؤتى برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال إلى PageV01P210 # قوله فيقال: هؤلاء (1) لم يزالوا مرتدين على أعقابهم". الحديث، وقد تقدم ~~(2). # ففيه أنه لم يذكر لهم شفاعة من النبي (3) صلى الله عليه وسلم، وإنما قال: ~~"فأقول (4) كما قال العبد الصالح"، ويظهر من أول الحديث أن ذلك الارتداد لم ~~يكن ارتداد كفر لقوله: "وإنه سيؤتى برجال من أمتي" ولو كانوا مرتدين عن (5) ~~الإسلام لما نسبوا إلى أمته، ولأنه عليه السلام أتى بالآية وفيها: {وإن ~~تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} (6)، ولو علم النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنهم خارجون عن الإسلام جملة لما ذكرها، لأن من مات على الكفر لا غفران له ~~ألبتة، وإنما يرجى الغفران لمن لم يخرجه عمله عن الإسلام (7)، لقول الله ~~تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (8). # ومثل هذا الحديث حديث الموطأ لقوله فيه: (فأقول (9) فسحقا فسحقا فسحقا ~~(10)) (11). # وأما أنها رافعة للسنن التي تقابلها، فقد تقدم الاستشهاد عليه في أن ~~الموقر (12) لصاحبها معين على هدم الإسلام (13). PageV01P211 # وأما (1) أن على مبتدعها إثم من عمل بها إلى يوم القيامة، فلقوله تعالى: ~~{ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} ~~(2)، ولما في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: "من سن سنة سيئة كان ~~عليه وزرها ووزر من عمل بها (إلى يوم القيامة) (3)) (4) الحديث. # وإلى ذلك أشار الحديث الآخر: "ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم ~~الأول كفل منها، لأنه أول من سن القتل" (5). # وهذا التعليل يشعر ms123 بمقتضى الحديث قبله، إذ علل تعليق (6) الإثم على ابن ~~آدم لكونه (7) أول من سن القتل، فدل على أن من سن ما لا يرضاه الله ورسوله ~~فهو مثله، إذ لم يتعلق الإثم بمن سن القتل لكونه قتلا دون غيره، بل لكونه ~~سن سنة سوء (لم تكن) (8)، وجعلها طريقا مسلوكة (9). # ومثل هذا ما جاء في معناه مما تقدم أو يأتي كقوله: "من ابتدع بدعة ضلالة ~~لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار ~~الناس شيئا" (10). وغير ذلك من الأحاديث. فليتق (11) امرؤ ربه، ولينظر قبل ~~الإحداث (في أي) (12) مزلة يضع قدمه فإنه (13) في PageV01P212 # محصول (1) أمره (2)، يثق (3) بعقله في التشريع، ويتهم ربه فيما شرع، ولا ~~يدري المسكين ما الذي يوضع له في ميزان سيئاته، مما ليس في حسابه، ولا شعر ~~أنه من عمله، فما من بدعة يبتدعها أحد فيعمل بها من بعده، إلا كتب عليه إثم ~~ذلك العامل، زيادة إلى إثم ابتداعه أولا (4)، ثم عمله ثانيا. وإذا ثبت أن ~~كل بدعة تبتدع فلا تزداد على طول الزمان إلا مضيا حسبما تقدم واشتهارا ~~وانتشارا، فعلى وزان ذلك يكون إثم المبتدع لها، كما أن من سن سنة حسنة كان ~~له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. # وأيضا فإذا كانت كل بدعة (5) يلزمها إماتة سنة تقابلها، كان على المبتدع ~~إثم ذلك أيضا. # فهو إثم زائد على إثم الابتداع وذلك الإثم يتضاعف تضاعف إثم البدعة ~~بالعمل بها، لأنها كلما (6) تجددت في قول أو عمل تجددت إماتة السنة كذلك. # واعتبروا ذلك ببدعة الخوارج، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرفنا بأنهم: ~~"يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" (7) الحديث إلى آخره. ففيه ~~بيان أنهم لم يبق لهم من الدين إلا ما إذا نظر فيه الناظر شك فيه وتمارى: ~~هل هو موجود فيهم أم لا؟ وإنما سببه الابتداع في دين الله، وهو الذي دل ~~عليه قوله: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان"، وقوله: "يقرأون ~~القرآن لا يتجاوز تراقيهم" (8). فهذه ms124 بدع ثلاث، أعاذنا الله (9) من ذلك ~~بفضله. PageV01P213 # وأما أن صاحبها ليس له من توبة (1)، فلما جاء من قوله عليه الصلاة ~~والسلام: "إن الله (2) حجز (3) التوبة على كل صاحب بدعة" (4). # وعن يحيى بن أبي (5) عمرو السيباني (6) قال (7): (كان يقال: يأبى الله ~~لصاحب بدعة بتوبة، وما انتقل صاحب بدعة إلا إلى أشر (8) منها) (9). ونحوه ~~عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (ما كان رجل على رأي PageV01P214 # من البدعة فتركه إلا إلى ما هو شر منه) (1). # خرج هذه الآثار ابن وضاح (2). # وخرج ابن وهب (3) عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه كان يقول: ~~(اثنان لا تعاتبهما (4)، صاحب طمع وصاحب هوى (5)، فإنهما لا ينزعان) (6). # وعن ابن شوذب (7) قال: سمعت عبد الله بن القاسم (8) وهو يقول: (ما كان ~~عبد على هوى فتركه (9) إلا إلى ما هو شر منه)، قال: فذكرت ذلك لبعض أصحابنا ~~فقال: (تصديقه في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يمرقون من الدين مروق ~~السهم من الرمية، ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم على فوقه (10) " (11). ~~PageV01P215 # وعن أيوب (1) قال: كان رجل يرى رأيا فرجع عنه، فأتيت محمدا (2) فرحا بذلك ~~أخبره، فقلت: أشعرت أن فلانا ترك رأيه الذي كان يرى؟ فقال: "انظروا (3) إلى ~~ما (4) يتحول؟ إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله (5) " (يمرقون من الدين، ثم ~~(6) لا يعودون) " (7). وهو حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "سيكون من أمتي قوم يقرأون القرآن لا (8) يجاوز حلاقيمهم، ~~يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق ~~والخليقة) (9). # فهذه شهادة الحديث الصحيح لمعنى هذه الآثار، وحاصلها أنه لا (10) توبة ~~لصاحب البدعة عن بدعته، فإن خرج عنها فإنما يخرج إلى ما (11) هو شر منها ~~كما في حديث أيوب، أو يكون ممن يظهر الخروج عنها وهو مصر عليها بعد، كقصة ~~غيلان (12) مع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه (13). PageV01P216 # ويدل عليه (1) أيضا حديث الفرق إذ قال فيه: "وإنه سيخرج في أمتي أقوام ms125 ~~تتجارى بهم تلك الأهواء (2) كما يتجارى الكلب (3) بصاحبه، لا يبقى منه عرق ~~ولا مفصل إلا دخله" (4)، وهذا النفي يقتضي العموم بإطلاق، ولكنه قد يحمل ~~على العموم العادي، إذ لا يبعد أن يتوب بعضهم (5) عما رأى، ويرجع إلى الحق، ~~كما نقل عن عبيد الله بن الحسن العنبري (6)، وما نقلوه في مناظرة ابن عباس ~~رضي الله عنهما الحرورية الخارجين على علي رضي الله عنه (7)، وفي مناظرة ~~عمر بن عبد العزيز PageV01P217 # لبعضهم (1)، ولكن الغالب في الواقع الإصرار. # ومن هنالك (2) قلنا: يبعد أن يتوب بعضهم لأن الحديث يقتضي العموم بظاهره، ~~وسيأتي بيان ذلك بأبسط من هذا إن شاء الله (3). # وسبب ذلك (4) بعد السماع (5) أن الدخول تحت تكاليف الشريعة صعب على ~~النفس، لأنه أمر مخالف للهوى، وصاد عن سبيل الشهوات، فيثقل عليها جدا، لأن ~~الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها لا بما يخالفه، وكل بدعة ~~فللهوى فيها مدخل، لأنها راجعة إلى نظر (6) مخترعها لا إلى نظر الشارع، ~~(فإن أدخل فيها نظر الشارع) (7) فعلى حكم التبع لا بحكم الأصل، مع ضميمة ~~أخرى، وهي أن المبتدع لا بد له من تعلق بشبهة (8) دليل ينسبها إلى الشارع، ~~ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع، فصار هواه مقصودا بدليل شرعي في زعمه، ~~فكيف يمكنه الخروج (9) عن ذلك وداعي الهوى مستمسك بجنس (10) ما يتمسك به؟ ~~وهو الدليل الشرعي في الجملة. PageV01P218 # ومن الدليل على ذلك ما روي عن الأوزاعي (1) قال: (بلغني أن من ابتدع بدعة ~~خلاه (2) الشيطان والعبادة، وألقى (3) عليه الخشوع والبكاء كي يصطاد به) ~~(4). # وقال بعض الصحابة: (أشد الناس عبادة مفتون) (5)، واحتج بقوله عليه الصلاة ~~والسلام: "يحقر أحدكم صلاته في صلاته وصيامه في صيامه" (6) إلى آخر الحديث ~~(7). # ويحقق ما قاله الواقع كما نقل في الأخبار عن الخوارج وغيرهم. فالمبتدع ~~يزيد في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيم والجاه والمال (8) وغير ذلك من ~~أصناف الشهوات، بل التعظيم أعلى (9) شهوات الدنيا، ألا (10) ترى إلى انقطاع ~~الرهبان في الصوامع والديارات عن جميع الملذوذات، ومقاساتهم في أصناف ~~العبادات، والكف عن الشهوات؟! وهم مع ms126 ذلك خالدون في جهنم، قال الله تعالى: ~~{وجوه يومئذ خاشعة *عاملة PageV01P219 # ناصبة *تصلى نارا حامية *} (1) وقال: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ~~*الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا *} (2)، وما ~~(3) ذاك إلا لخفة يجدونها في ذلك الالتزام، ونشاط يداخلهم، يستسهلون (4) به ~~الصعب، بسبب ما داخل النفس من الهوى، فإذا بدا للمبتدع ما هو عليه، رآه ~~محبوبا عنده لاستعباده (5) للشهوات وعمله من جملتها (6) ورآه موافقا للدليل ~~عنده، فما الذي يصده عن الاستمساك به، والازدياد منه، وهو يرى أن أعماله ~~أفضل من أعمال غيره، واعتقاداته أوفق وأعلى؟! أفبعد البرهان مطلب؟ (7) ~~{كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} (8). # وأما أن المبتدع يلقى عليه الذل في الدنيا والغضب من الله تعالى، فلقوله ~~تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ~~وكذلك نجزي المفترين *} (9) حسبما جاء في تفسير الآية عن بعض السلف، وقد ~~تقدم (10)، ووجهه ظاهر، لأن المتخذين للعجل إنما ضلوا به حتى (11) عبدوه، ~~لما سمعوا من خواره، ولما (ألقى) (12) إليهم السامري فيه، فكان في حقهم ~~شبهة خرجوا بها عن الحق الذي كان في أيديهم، ثم (13) قال الله تعالى: ~~{وكذلك نجزي المفترين}، فهو عموم فيهم وفيمن أشبههم، من حيث كانت البدع ~~كلها افتراء على الله حسبما أخبر في كتابه في قوله: {قد خسر الذين قتلوا ~~أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله} (14). ~~PageV01P220 # فإذا كل من ابتدع في دين الله فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادى ~~الرأي عزه (1) وجبريته، فهم في أنفسهم أذلاء. # وأيضا فإن الذلة الحاضرة في الدنيا (2) موجودة في غالب الأحوال. ألا ترى ~~أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟ حتى تلبسوا (3) بالسلاطين ~~(4)، ولاذوا بأهل الدنيا (5)، ومن لم يقدر على ذلك استخفى ببدعته، وهرب بها ~~عن مخالطة الجمهور، وعمل بأعمالها على التقية. # وقد (6) أخبر الله أن هؤلاء الذين اتخذوا العجل أن (7) سينالهم ما وعدهم، ~~فأنجز الله وعده، فقال: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله} ~~(8). # وصدق (9) ذلك ms127 الواقع باليهود حيثما حلوا، وفي (10) أي زمان (11) كانوا، ~~لا يزالوان أذلاء مقهورين {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}، ومن جملة الاعتداء ~~(12) اتخاذهم العجل، هذا بالنسبة إلى الذلة، وأما (13) الغضب فمضمون بصادق ~~الأخبار، فيخاف أن يكون المبتدع داخلا في حكم الغضب والله الواقي بفضله. # وأما البعد عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلحديث الموطأ: ~~(فليذادن PageV01P221 # رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال (1)) (2) الحديث. # وفي البخاري عن أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا على ~~حوضي أنتظر من يرد علي، فيؤخذ بناس من دوني، فأقول: أمتي، فيقال: إنك لا ~~تدري مشوا القهقرى) (3). # وفي حديث عبد الله (4): (أنا فرطكم (5) على الحوض، ليرفعن إلي رجال منكم ~~حتى إذا تأهبت (6) لأتناولهم (7) اختلجوا (8) دوني، فأقول: أي رب (9)، ~~أصحابي، يقول: لا تدري ما أحدثوا (10) بعدك) (11). # والأظهر أنهم من الداخلين في غمار (12) هذه الأمة لأجل ما دل على ذلك ~~فيهم، وهو الغرة والتحجيل (13)، لأن ذلك لا يكون لأهل الكفر PageV01P222 # المحض، كان كفرهم أصلا أو ارتدادا، ولقوله: "قد بدلوا بعدك" (1)، ولو كان ~~الكفر، لقال: قد كفروا بعدك، وأقرب ما يحمل (2) عليه تبديل السنة، وهو واقع ~~على أهل البدع (3). ومن قال: إنهم (4) أهل (5) النفاق فذلك غير خارج عن ~~مقصودنا، لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقية لا تعبدا، فوضعوها غير ~~مواضعها وهو عين الابتداع. ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنة والعمل بها ~~حيلة (6) وذريعة إلى نيل حطام الدنيا، لا على التعبد بها لله تعالى، لأنه ~~تبديل لها، وإخراج لها عن وضعها الشرعي. # وأما الخوف عليه من أن يكون كافرا، فلأن العلماء من السلف الأول وغيرهم ~~اختلفوا في تكفير (7) كثير من فرقهم مثل الخوارج (8)، والقدرية (9) وغيرهم ~~(10)، ودل على ذلك ظاهر قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء} (11)، وقوله: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} (12) الآية. # وقد حكم (13) العلماء بكفر جملة منهم كالباطنية (14) وسواهم، لأن مذهبهم ~~راجع إلى مذهب الحلولية (15) القائلين بما يشبه قول النصارى في PageV01P223 # اللاهوت والناسوت (1). # والعلماء إذا اختلفوا في أمر ms128 هل هو كفر أم لا؟ فكل عاقل يربأ (2) بنفسه ~~أن ينسب إلى خطة خسف كهذه، بحيث يقال له: إن العلماء اختلفوا هل أنت كافر ~~أم ضال غير كافر؟ أو يقال (3): إن جماعة من أهل العلم قالوا بكفرك، وأنت ~~(4) حلال الدم. # وأما أنه يخاف على صاحبها سوء الخاتمة والعياذ بالله، فلأن (5) صاحبها ~~مرتكب إثما، وعاص لله تعالى حتما، ولا نقول الآن: هو عاص بالكبائر أو ~~بالصغائر، بل نقول: هو مصر على ما نهى الله عنه، والإصرار يعظم الصغيرة إن ~~كانت صغيرة حتى تصير كبيرة، وإن (6) كانت كبيرة فأعظم. ومن مات مصرا على ~~المعصية فيخاف عليه، فربما إذا كشف الغطاء، وعاين علامات الآخرة، استفزه ~~الشيطان وغلبه على قلبه، حتى يموت على التغيير والتبديل، وخصوصا حين كان ~~مطيعا له (7) فيما تقدم من زمانه، مع حب الدنيا المستولي عليه. # قال عبد (8) الحق الإشبيلي (9): (إن سوء الخاتمة لا يكون لمن استقام ~~PageV01P224 # ظاهره، وصلح باطنه، ما سمع بهذا (1) قط، ولا علم به والحمد لله، وإنما ~~يكون لمن كان (2) له فساد في (3) العقل (4)، أو إصرار على الكبائر، وإقدام ~~على العظائم، أو لمن كان مستقيما ثم تغيرت حاله، وخرج عن سننه، وأخذ في غير ~~طريقه (5)، فيكون عمله ذلك سببا لسوء خاتمته، وسوء عاقبته والعياذ بالله، ~~قال الله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (6)). # وقد سمعت بقصة بلعام بن باعوراء (7) حيث آتاه الله آياته فانسلخ منها ~~فأتبعه الشيطان، إلى آخر الآية (8). # فهذا ظاهر إذا اعتبرنا البدعة (9) من حيث هي معصية، فإن (10) نظرنا إلى ~~كونها بدعة، فذلك أعظم، لأن المبتدع مع كونه مصرا على ما نهي عنه يزيد على ~~المصر بأنه معارض للشريعة بعقله، غير مسلم لها في تحصيل أمره، معتقدا في ~~المعصية أنها طاعة، حيث حسن ما قبحه الشارع، وفي الطاعة أنها لا تكون طاعة ~~إلا بضميمة نظره، فهو قد قبح ما حسنه الشارع، ومن كان هكذا فحقيق بالقرب من ~~سوء الخاتمة إلا ما شاء الله. وقد قال تعالى في جملة من (11) ذم: {أفأمنوا ms129 ~~مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون *} (12)، والمكر جلب السوء ~~من PageV01P225 # حيث لا يفطن له، وسوء الخاتمة من مكر الله، إذ يأتي الإنسان من حيث لا ~~يشعر به (1). اللهم إنا نسألك (2) العفو والعافية. # وأما اسوداد وجهه في الآخرة فقد تقدم (3) في ذلك معنى قوله: {يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه} (4)، وفيها أيضا الوعيد بالعذاب لقوله: {فذوقوا العذاب ~~بما كنتم تكفرون} (5)، وقوله قبل ذلك: {وأولئك لهم عذاب عظيم} (6). # حكى عياض (7) عن مالك، من رواية ابن نافع (8) عنه قال: (لو أن العبد ~~ارتكب الكبائر كلها بعد أن لا يشرك (9) بالله شيئا، ثم نجا من هذه (10) ~~الأهواء لرجوت أن يكون في أعلى جنات (11) الفردوس، لأن كل كبيرة بين العبد ~~وربه هو منها على رجاء، وكل هوى ليس هو منه على رجاء، إنما يهوي بصاحبه في ~~نار جهنم) (12). PageV01P226 # وأما البراءة منه ففي قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء} (1). # وفي الحديث: "أنا بريء منهم وهم براء مني" (2). # قال ابن عمر رضي الله عنهما في أهل القدر: (إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني ~~بريء منهم وأنهم براء مني) (3). # وجاء عن الحسن: (لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك) (4). # وعن سفيان الثوري (5): (من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن ~~يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع بقلبه شيء يزل به فيدخله النار، وإما أن ~~يقول: والله لا أبالي (6) ما تكلموا به، وإني واثق بنفسي (7) (فمن أمن (8) ~~الله طرفة عين على دينه سلبه إياه) (9) " (10). # وعن يحيى بن (11) أبي كثير (12) قال: "إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في ~~طريق آخر" (13). # وعن أبي قلابة (14) قال: (لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا ~~آمن أن يغمروكم (15) في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون) (16). ~~PageV01P227 # وعن إبراهيم (1) قال: (لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تكلموهم، فإني (2) ~~أخاف أن (3) ترتد قلوبكم) (4). # والآثار في ذلك كثيرة. ويعضدها ما روي عنه عليه السلام أنه قال: "المرء ~~على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" (5). # ووجه ذلك ظاهر ms130 منبه عليه في كلام أبي قلابة، إذ قد يكون المرء على يقين ~~(6) من أمر من أمور السنة، فيلقي له صاحب الهوى فيه (7) هوى مما يحتمله ~~اللفظ لا أصل له، أو يزيد له فيه قيدا من رأيه فيقبله قلبه، فإذا رجع إلى ~~ما كان يعرفه، وجده مظلما، فإما أن يشعر به فيرده بالعلم، أو لا يقدر على ~~رده، وإما أن لا يشعر به فيمضي مع من هلك. # قال ابن وهب: سمعت (8) مالكا إذ جاءه بعض أهل الأهواء يقول: "أما أنا ~~فعلى بينة من ربي، وأما (9) أنت فشاك، فاذهب إلى شاك مثلك فخاصمه، ثم قرأ: ~~{قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} (10) الآية" (11). # فهذا شأن من تقدم، من عدم تمكين زائغ القلب أن يسمع كلامه. PageV01P228 # ومثال (1) رده بالعلم جوابه لمن سأله في قوله: {على العرش استوى} (2) كيف ~~استوى؟ فقال له: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه (3) بدعة، ~~وأراك (4) صاحب بدعة"، ثم أمر بإخراج السائل (5). # ومثال (6) ما لا يقدر على رده ما حكى الباجي (7) قال: قال مالك: "كان ~~يقال: لا تمكن زائغ القلب من أذنك، فإنك لا تدري ما يعلقك من ذلك" (8). # ولقد سمع رجل من الأنصار من أهل المدينة شيئا من بعض أهل القدر، فعلق ~~قلبه، فكان يأتي إخوانه الذين يستنصحهم، فإذا نهوه قال (9): "فكيف بما علق ~~قلبي، لو علمت أن الله يرضى (10) أن ألقي نفسي من فوق هذه المنارة فعلت" ~~(11). # ثم حكي أيضا عن مالك أنه قال: "لا تجالس القدري ولا تكلمه إلا أن تجلس ~~إليه فتغلظ عليه، لقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~PageV01P229 # الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله} (1) فلا توادوهم (2) " (3). # وأما أنه يخشى عليه الفتنة. فلما حكى عياض (4) عن سفيان بن عيينة (5) أنه ~~قال: سألت مالكا عمن أحرم من المدينة وراء الميقات، فقال: "هذا مخالف لله ~~ورسوله، أخشى عليه الفتنة في (6) الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة. أما ~~سمعت قوله تعالى: {الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم} (7)، وقد أمر النبي صلى الله ms131 عليه وسلم أن يهل من المواقيت" (8). # وحكى ابن العربي (9) عن الزبير بن بكار (10) قال (11) سمعت مالك بن أنس ~~وأتاه رجل فقال يا أبا (12) عبد الله من أين أحرم؟ قال (13): "من ذي ~~PageV01P230 # الحليفة من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم". فقال: (إني (1) أريد ~~أن أحرم من المسجد، فقال: "لا تفعل") (2)، قال: فإني (3) أريد أن أحرم من ~~المسجد من عند القبر، قال: "لا تفعل، فإني أخشى عليك (4) الفتنة" (5)، فقال ~~وأي فتنة في (6) هذه؟ (7) إنما هي أميال أزيدها، قال: "وأي فتنة أعظم من أن ~~ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إني سمعت ~~الله يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم} (8) " (9). # وهذه الفتنة التي ذكرها مالك رحمه الله تفسير الآية (10) هي شأن أهل ~~البدع، وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنيانهم، فإنهم يرون أن ما ذكره الله في ~~كتابه، وما سنه نبيه صلى الله عليه وسلم، دون ما اهتدوا إليه بعقولهم. # وفي مثل ذلك قال (11) ابن مسعود رضي الله عنه فيما روي عنه (12) ابن ~~وضاح: "لقد هديتم لما لم يهتد له نبيكم، [أو] (13) إنكم لتمسكون بذنب ~~ضلالة"، إذ مر بقوم كان رجل يجمعهم فيقول (14): رحم الله من قال كذا وكذا ~~(15) مرة "سبحان الله"، فيقول القوم، ويقول رحم الله من قال كذا وكذا مرة ~~"الحمد لله"، فيقول القوم (16). PageV01P231 # ثم إن ما استدل به مالك من الآيات الكريمة نزلت في شأن المنافقين حين أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، وهم (1) الذين كانوا يتسللون ~~(2) لواذا (3). # وقد تقدم أن النفاق من أصله بدعة، لأنه وضع (4) في الشريعة على غير ما ~~وضعها الله تعالى، ولذلك لما أخبر تعالى عن المنافقين قال: {أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى} (5)، فمن حيث (نزلت آية النور في المنافقين شملت كل ~~من اتصف بذلك والوصف الذي هو مظنة الفتنة، فمن حيث) (6) كانت عامة في ~~المخالفين عن أمره يدخلون أيضا من باب أحرى. # فهذه جملة يستدل بها على ما بقي، ms132 إذ ما تقدم من الآيات والأحاديث فيها ~~مما يتعلق بهذا المعنى كثير، وبسط معانيها طويل، فلنقتصر على ما ذكرنا ~~وبالله التوفيق. PageV01P232 ### | فصل # وبقي مما هو محتاج إلى ذكره في هذا الموضع شرح معنى عام يتعلق بما تقدم. ~~وهو أن البدع ضلالة، وأن المبتدع ضال ومضل، والضلالة مذكورة في كثير من ~~النقل المذكور، ويشير إليها في الآيات الاختلاف، والتفرق شيعا، وتفرق ~~الطرق، بخلاف سائر المعاصي، فإنها لم توصف في الغالب بوصف الضلالة إلا أن ~~تكون بدعة أو شبه (1) البدعة. وكذلك الخطأ الواقع في المشروعات وهو المعفو ~~عنه (2) لا يسمى ضلالا، ولا يطلق على المخطئ اسم ضال، كما لا يطلق على ~~المتعمد لسائر المعاصي (اسم الضال) (3). # وإنما ذلك والله أعلم لحكمة قصد التنبيه عليها، وذلك أن الضلال والضلالة ~~ضد الهدي والهداية (4)، والعرب تطلق الهدى حقيقة في الظاهر (5) المحسوس، ~~فتقول: هديته الطريق، وهديته إلى الطريق. ومنه نقل إلى طريق الخير والشر، ~~قال تعالى: {إنا هديناه السبيل} (6)، {وهديناه النجدين *} (7)، {اهدنا ~~الصراط المستقيم *}، والصراط والطريق والسبيل بمعنى واحد (8)، فهو حقيقة في ~~الطريق المحسوس، ومجاز في الطريق المعنوي، وضده الضلال (9)، وهو الخروج عن ~~الطريق، ومنه البعير PageV01P233 # الضال، والشاة الضالة. ورجل ضل عن الطريق إذا خرج عنه، لأنه التبس عليه ~~الأمر، ولم يكن له هاد يهديه، وهو الدليل. # فصاحب البدعة لما غلب عليه الهوى مع الجهل بطريق السنة، توهم أن ما ظهر ~~له بعقله هو الطريق القويم دون غيره، فمضى عليه، فحاد بسببه عن الطريق ~~المستقيم، فهو ضال من حيث ظن أنه راكب للجادة (1)، كالمار بالليل على ~~الجادة وليس له دليل يهديه، يوشك أن يضل عنها، فيقع في متلفة (2)، وإن كان ~~بزعمه يتحرى قصدها. # فالمبتدع من هذه الأمة إنما ضل في أدلتها حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة، ~~لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله. وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره، لأن ~~المبتدع جعل الهوى أول مطالبه، وأخذ (3) الأدلة بالتبع، ومن شأن الأدلة ~~أنها جارية على كلام العرب، ومن شأن كلامها الاحتراز فيه بالظواهر، فقلما ~~تجد (4) فيه نصا لا ms133 يحتمل حسبما قرره من تقدم في غير هذا العلم، وكل ظاهر ~~يمكن (5) فيه أن يصرف عن مقتضاه في الظاهر (6) المقصود، ويتأول على غير ما ~~قصد فيه. فإذا انضم إلى ذلك الجهل بأصول الشريعة وعدم الاضطلاع بمقاصدها، ~~كان الأمر أشد وأقرب إلى التحريف والخروج عن مقاصد الشرع. فكان المدرك أعرق ~~(7) في الخروج عن السنة، وأمكن في ضلال البدعة، فإذا غلب الهوى أمكن انقياد ~~ألفاظ الأدلة إلى ما أراد منها. # والدليل على ذلك أنك لا تجد مبتدعا (8) ممن ينسب إلى الملة PageV01P234 # إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي، فينزله على ما وافق عقله وشهوته، ~~وهو أمر ثابت في الحكمة الأزلية التي لا مرد لها، قال تعالى: {يضل به كثيرا ~~ويهدي به كثيرا} (1)، وقال: {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} (2)، ~~لكن إنما ينساق لهم من الأدلة المتشابه منها لا الواضح، والقليل منها لا ~~الكثير (3)، وهو أدل الدليل على اتباع الهوى، فإن المعظم والجمهور من ~~الأدلة إذا دل على أمر بظاهره فهو الحق، فإن جاء ما (4) ظاهره الخلاف فهو ~~النادر والقليل، فكان من حق الناظر (5) رد القليل إلى الكثير، والمتشابه ~~إلى الواضح، غير أن الهوى زاغ بمن أراد الله زيغه، فهو في تيه، من حيث يظن ~~أنه على الطريق، بخلاف غير المبتدع فإنه إنما جعل الهداية إلى الحق أول ~~مطالبه، وأخر هواه إن كان فجعله بالتبع، فوجد جمهور الأدلة ومعظم الكتاب ~~واضحا في المطلب (6) الذي بحث عنه، فركب (7) الجادة إليه (8)، وما شذ له عن ~~(9) ذلك، فإما أن يرده إليه، وإما أن يكله إلى عالمه (10)، ولا يتكلف البحث ~~عن تأويله. # وفيصل القضية بينهما قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه} إلى قوله: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} ~~(11)، فلا يصح أن يسمى من هذه حاله مبتدعا ولا ضالا، وإن حصل في الخلاف أو ~~خفي عليه. # أما أنه غير مبتدع فلأنه اتبع الأدلة ملقيا إليها حكمة (12) الانقياد، ~~باسطا يد الافتقار، مؤخرا هواه، ومقدما لأمر الله. PageV01P235 # وأما ms134 كونه غير ضال فلأنه على الجادة سلك، وإليها (1) لجأ، فإن خرج عنها ~~يوما فأخطأ فلا حرج عليه (2)، بل يكون مأجورا حسبما بينه الحديث الصحيح: ~~"إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران" (3)، وإن خرج متعمدا ~~فليس على أن يجعل خروجه طريقا مسلوكا له أو لغيره، وشرعا يدان به. # على أنه إذا وقع الذنب موقع الاقتداء قد يسمى استنانا، فيعامل معاملة من ~~سنه كما جاء في الحديث: "من سن سنة سيئة كان عليها وزرها ووزر من عمل بها" ~~(4) الحديث، وقوله عليه الصلاة والسلام: "ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ~~ابن آدم الأول (5) كفل منها لأنه أول من سن القتل" (6)، فسمي القتل سنة ~~بالنسبة إلى من عمل به عملا يقتدى به فيه، لكنه لا يسمى بدعة لأنه لم يوضع ~~على أن يكون تشريعا، ولا يسمى ضلالا لأنه ليس في طريق (7) المشروع أو في ~~مضاهاته له. وهذا تقرير واضح يشهد له الواقع في تسمية (8) البدع ضلالات، ~~ويشهد له أيضا أحوال من تقدم قبل PageV01P236 # الإسلام، وفي زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى قال: ~~{وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من ~~لو يشاء الله أطعمه} (1)، (فإن الكفار لما أمروا بالإنفاق شحوا على ~~أموالهم، وأرادوا أن يجعلوا لذلك الشح مخرجا، فقالوا أنطعم من لو شاء الله ~~أطعمه؟) (2) ومعلوم أن الله لو شاء لم يحوج أحدا إلى أحد، لكنه ابتلى عباده ~~لينظر كيف يعملون، فغطى (3) هواهم على هذا الأصل العظيم، واتبعوا ما تشابه ~~من الكتاب بالنسبة إليه، فلذلك قيل لهم: {إن أنتم إلا في ضلال مبين} (4). # وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} (5)، فكأن هؤلاء قد أقروا ~~بالتحكيم، غير أنهم أرادوا أن يكون التحكيم على وفق أغراضهم زيغا عن الحق، ~~وظنا منهم أن الجميع حكم، وأن ما يحكم به كعب بن الأشرف (6) أو غيره مثل ما ~~يحكم به ms135 النبي صلى الله عليه وسلم، وجهلوا أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم ~~هو حكم الله الذي لا يرد، وأن حكم غيره معه مردود إن لم يكن جاريا على حكم ~~الله، فلذلك قال تعالى: {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} (7)، لأن ~~ظاهر الآية يدل على أنها نزلت فيمن دخل في الإسلام (8)، PageV01P237 # لقوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون} كذا إلى آخره. وجماعة من المفسرين ~~قالوا: إنها (1) نزلت في رجل من المنافقين، أو في رجل من الأنصار (2). # وقال سبحانه: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} (3) ~~فهم (4) (شرعوا) (5) شرعة، وابتدعوا في ملة إبراهيم عليه السلام هذه ~~البدعة، توهما أن ذلك يقربهم من الله كما يقرب من الله ما جاء به إبراهيم ~~عليه السلام من الحق، فزلوا وافتروا على الله الكذب إذ زعموا أن هذا من ذلك ~~وتاهوا في المشروع، فلذلك قال تعالى على إثر الآية: {ياأيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} (6)، وقال سبحانه: {قد خسر الذين ~~قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله} (7)، ~~فهذه فذلكة مجملة (8) بعد تفصيل تقدم، وهو قوله تعالى: PageV01P238 # {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} (1) الآية. فهذا تشريع ~~كالمذكور قبل (2) هذا، ثم قال: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم ~~شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم} (3) الآية، وهو تشريع أيضا بالرأي ~~مثل الأول، ثم قال: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء ~~بزعمهم} (4) إلى آخرها. # فحاصل الأمر أنهم قتلوا أولادهم بغير علم، وحرموا ما أعطاهم الله من ~~الرزق بالرأي على جهة التشريع، فلذلك قال تعالى: {قد ضلوا وما كانوا ~~مهتدين} (5). # ثم قال تعالى بعد تعزيرهم على هذه المحرمات التي حرموها (6)، وهي ما في ~~قوله: {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني} ~~(7) : (8) {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين} (9). # وقوله لا يهدي يعني أنه يضله. # والآيات التي قرر ms136 فيها حال المشركين في إشراكهم أتى فيها بذكر الضلال، ~~لأن حقيقته أنه (10) خروج عن الصراط المستقيم، لأنهم وضعوا آلهتهم لتقربهم ~~إلى الله زلفى (في زعمهم، فقالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ~~(11)) (12)، فوضعوهم موضع من يتوسل به حتى عبدوهم من دون الله، إذ كان أول ~~وضعها فيما ذكر العلماء صورا لقوم يودونهم PageV01P239 # ويتبركون بهم، ثم عبدت فأخذتها العرب من (1) غيرها على ذلك القصد، وهو ~~الضلال المبين. # وقال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله ~~واحد} (2)، فزعموا في الإله الحق ما زعموا من الباطل، بناء منهم (3) على ~~دليل عندهم متشابه في نفس (4) الأمر، حسبما ذكره أهل السير (5)، فتاهوا ~~بالشبهة عن الحق، لتركهم الواضحات، وميلهم إلى المتشابهات، كما أخبر الله ~~تعالى في آية آل عمران (6)، فلذلك قال تعالى: {قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن ~~سواء السبيل *} (7). # وهم النصارى، ضلوا في عيسى عليه السلام، ومن ثم قال تعالى بعد ذكر شواهد ~~العبودية في عيسى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون *} (8). # وبعد ذكر دلائل التوحيد وتقديس الواحد تبارك وتعالى عن اتخاذ الولد، وذكر ~~اختلافهم في مقالاتهم الشنيعة (قال) (9): {لكن الظالمون اليوم في ضلال ~~مبين} (10). # وذكر الله (11) المنافقين وأنهم يخادعون الله والذين آمنوا، وذلك بكونهم ~~(12) يدخلون معهم في أحوال التكاليف على كسل وتقية، أن ذلك PageV01P240 # يخلصهم (1)، أو أنه (2) يغني عنهم شيئا، وهم في الحقيقة إنما يخادعون ~~أنفسهم، وهذا هو الضلال بعينه، لأنه إذا كان يفعل شيئا يظن أنه له، فإذا هو ~~عليه، فليس على هدى من عمله، ولا هو سالك على سبيله، فلذلك قال: {إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم} إلى قوله: {ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا} (3). # وقال تعالى حكاية عن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى: {أأتخذ من ~~دونه آلهة إن يردن الرحمان بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون *} (4). # معناه كيف أعبد من ms137 دون الله ما لا يغني شيئا، وأترك إفراد الرب الذي بيده ~~الضر والنفع؟ هذا خروج عن طريق الحق (5) إلى غير طريق {إني إذا لفي ضلال ~~مبين *} (6). # والأمثلة في تقرير (7) هذا الأصل كثيرة، جميعها يشهد بأن الضلال في غالب ~~الأمر إنما يستعمل في موضع (8) يزل صاحبه لشبهة تعرض له، أو تقليد من عرضت ~~له الشبهة، فيتخذ ذلك الزلل شرعا ودينا يدين به، مع وجود واضحة الطريق الحق ~~ومحض الصواب. # ولما لم يكن الكفر في الواقع مقتصرا (9) على هذا الطريق، بل ثم طريق آخر، ~~وهو الكفر بعد العرفان عنادا أو ظلما، ذكر الله تعالى الصنفين في السورة ~~الجامعة، وهي أم القرآن، فقال: {اهدنا الصراط المستقيم *} {صراط الذين ~~أنعمت عليهم}. PageV01P241 # فهذه هي المحجة (1) العظمى التي دعا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~إليها. # ثم قال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، فالمغضوب عليهم هم اليهود، ~~لأنهم كفروا بعد معرفتهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ألا ترى إلى قول ~~الله فيهم: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} (2) يعني ~~اليهود. # والضالون هم النصارى، لأنهم ضلوا في الحجة في عيسى عليه السلام وعلى هذا ~~التفسير أكثر المفسرين، وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم (3). # ويلحق بهم في الضلال المشركون الذين أشركوا مع الله إلها غيره، لأنه قد ~~جاء في أثناء القرآن ما يدل على ذلك، ولأن لفظ القرآن في قوله: {ولا ~~الضالين} يعمهم وغيرهم، فكل من ضل عن سواء السبيل داخل فيه. # ولا يبعد أن يقال: إن الضالين يدخل فيه كل من ضل عن الصراط المستقيم، كان ~~من هذه الأمة أولا، إذ قد (4) تقدم في الآيات المذكورة قبل هذا مثله. ~~PageV01P242 # فقوله تعالى: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (1) عام في كل ضال، ~~كان ضلاله كضلال أهل (2) الشرك (3) والنفاق (4)، أو كضلال الفرق المعدودة ~~في الملة الإسلامية، وهو أبلغ وأعلى في قصد حصر أهل الضلال، وهو اللائق ~~بكلية فاتحة الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وقد خرجنا عن المقصود بعض الخروج، ms138 ولكنه عاضد لما نحن فيه وبالله ~~التوفيق. PageV01P243 ### | الباب الثالث # في أن ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة (1) دون غيرها # ويدخل تحت هذه الترجمة (النظر في) (2) جملة من شبه المبتدعة (3) التي ~~احتجوا بها. # فاعلموا رحمكم الله أن ما تقدم من الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه: # أحدها: أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها. لم يقع فيها استثناء ألبتة ولم ~~يأت فيها شيء (4) مما يقتضي أن منها ما هو هدى، ولا جاء فيها: كل بدعة ~~ضلالة إلا كذا وكذا، ولا شيء من هذه المعاني. فلو كان هنالك (5) محدثة ~~يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان، أو أنها لاحقة بالمشروعات، لذكر ذلك في ~~آية أو حديث، لكنه لا يوجد، فدل على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها ~~(6) من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد. # والثاني: أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية، أو دليل شرعي ~~كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة، وأتي بها شواهد على معان أصولية أو فروعية، ~~ولم (7) يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكررها، وإعادة تقريرها (8)، فذلك ~~دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم، كقوله تعالى: {ولا تزر وازرة ~~وزر أخرى} (9)، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى *} (10) وما أشبه ذلك، ~~PageV01P245 # وبسط الاستدلال على ذلك هنالك (1). # فما نحن بصدده من هذا القبيل، إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في ~~أوقات شتى، وبحسب الأحوال المختلفة أن كل بدعة ضلالة، وأن كل محدثة بدعة، ~~وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة. # ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص، ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر ~~الكلية فيها. فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها. # والثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها ~~كذلك (2)، وتقبيحها والهروب عنها، وعمن اتسم (3) بشيء منها ولم يقع منهم في ~~ذلك توقف ولا مثنوية (4). فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت، فدل (5) على أن ~~كل بدعة ليست بحق، بل هي من الباطل. # والرابع: ms139 أن (6) متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه، لأنه من باب مضادة ~~الشارع، واطراح الشرع. وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن ~~وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول ~~استحسان مشاقة الشارع. وقد تقدم بسط هذا في أول الباب الثاني (7). # وأيضا فلو فرض أنه جاء في النقل استحسان بعض البدع، أو استثناء بعضها عن ~~الذم لم يتصور، لأن البدعة طريقة تضاهي المشروعة (8) من غير PageV01P246 # أن تكون كذلك. وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها، إذ لو قال ~~الشارع: المحدثة الفلانية حسنة لصارت مشروعة، كما أشاروا إليه في الاستحسان ~~حسبما يأتي إن شاء الله (1). # ولما ثبت ذمها ثبت ذم صاحبها، لأنها ليست بمذمومة من حيث تصورها فقط، بل ~~من حيث اتصف بها المتصف، فهو إذا المذموم على الحقيقة، والذم خاصة التأثيم، ~~فالمبتدع مذموم آثم، وذلك على الإطلاق والعموم. ويدل على ذلك أوجه (2): # أحدها: أن الأدلة المذكورة إن جاءت فيهم نصا فظاهر، كقوله تعالى: {إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} (3)، وقوله: {ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} (4) إلى آخر الآية، وقوله ~~عليه السلام: "فليذادن رجال عن حوضي" (5) الحديث إلى سائر ما نص فيه عليهم ~~(6)، وإن كانت نصا في البدعة فراجعة المعنى إلى المبتدع (من غير إشكال) ~~(7)، وإذا رجع الجميع إلى ذمهم رجع الجميع إلى تأثيمهم. # والثاني: أن الشرع قد دل على أن الهوى هو المتبع الأول في البدع وهو ~~المقصود السابق في حقهم، ودليل الشرع كالتبع في حقهم. # ولذلك تجدهم يتأولون كل دليل خالف هواهم، ويتبعون كل شبهة وافقت أغراضهم. ~~ألا ترى إلى قوله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله} (8)؟ فأثبت لهم الزيغ أولا، وهو الميل PageV01P247 # عن الصواب، ثم اتباع المتشابه، وهو خلاف المحكم، والمحكم (1) الواضح ~~المعنى هو (2) أم الكتاب ومعظمه. ومتشابهه على هذا قليل، فتركوا اتباع ~~المعظم إلى اتباع الأقل المتشابه الذي لا يعطي مفهوما واضحا، ابتغاء ms140 تأويله ~~وطلبا لمعناه الذي لا يعلمه إلا الله، أو يعلمه الله ويعلمه (3) الراسخون ~~في العلم (4)، وليس ذلك (5) إلا برده إلى المحكم، ولم يفعل المبتدعة ذلك. # فانظروا كيف اتبعوا أهواءهم أولا في مطالب (6) الشرع، بشهادة الله. # وقال الله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم} (7) الآية. فنسب إليهم التفريق، ~~ولو كان التفريق من مقتضى الدليل لم ينسبه إليهم، ولا أتى به في معرض الذم، ~~وليس ذلك إلا باتباع الهوى. # وقال تعالى: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (8)، فجعل طريق الحق ~~واضحا مستقيما، ونهى عن البنيات (9). والواضح من الطرق والبنيات (10)، كل ~~ذلك معلوم بالعوائد الجارية، فإذا وقع التشبيه بها بطريق PageV01P248 # الحق مع البنيات في الشرع فواضح (1) أيضا. فمن ترك الواضح واتبع غيره (2) ~~فهو متبع لهواه لا للشرع. # وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات} (3)، فهذا دليل على مجيء البيان (4) الشافي، وأن التفرق إنما حصل ~~من جهة المتفرقين لا من (5) جهة الدليل. (فهو إذا) (6) من تلقاء أنفسهم، ~~وهو اتباع الهوى بعينه. # والأدلة على هذا (كثيرة، تشير) (7) أو تصرح بأن كل (8) مبتدع إنما يتبع ~~هواه، وإذا اتبع هواه كان مذموما وآثما. والأدلة عليه أيضا (9) كثيرة، ~~كقوله: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} (10)، وقوله: {ولا تتبع ~~الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد} ~~(11)، وقوله: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} (12) وما أشبه ~~ذلك، فإذا كل مبتدع مذموم آثم (13). # والثالث: أن عامة المبتدعة قائلة (14) بالتحسين والتقبيح (15)، فهو ~~عمدتهم الأولى، وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع، فهو المقدم في نحلهم، ~~بحيث لا يتهمون العقل، وقد يتهمون الأدلة إذا (16) لم توافقهم في الظاهر ~~(17)، حتى يردوا كثيرا من الأدلة الشرعية (بسببه، ولا يرد قضية من قضايا ~~العقل بحسب معارضة الدليل الشرعي) (18). PageV01P249 # وقد علمت أيها الناظر أنه ليس كل ما يقضي به العقل يكون حقا (1)، ولذلك ~~تراهم يرتضون اليوم مذهبا، ويرجعون عنه (2) غدا، (ثم يصيرون بعد غد) (3) ~~إلى رأي ثالث. ولو كان كل ما ms141 يقضي به حقا (4) لكفى في إصلاح معاش الخلق ~~ومعادهم، ولم يكن لبعثة الرسل عليهم (السلام فائدة، ولكان (5) على هذا ~~الأصل تعد (6)) (7) الرسالة (8) عبثا لا معنى له، وهو كله باطل، فما (9) ~~أدى إليه مثله. # فأنت ترى أنهم قدموا أهواءهم على الشرع، ولذلك سموا في بعض الأحاديث، وفي ~~إشارة القرآن أهل الأهواء (10)، وذلك لغلبة الهوى على عقولهم واشتهاره ~~فيهم، لأن التسمية بالمشتق إنما تطلق (11) إطلاق اللقب إذا غلب ما اشتقت ~~منه على المسمى بها، فإذا تأثيم من هذه صفته ظاهر، لأن مرجعه إلى اتباع ~~الرأي، وهو اتباع الهوى المذكور آنفا. # والرابع: أن كل راسخ لا يبتدع أبدا، وإنما يقع الابتداع ممن لم يتمكن في ~~(12) العلم الذي ابتدع فيه، حسبما دل عليه الحديث (13)، ويأتي تقريره بحول ~~الله (14). PageV01P250 # فإنما يؤتى الناس من قبل جهالهم الذين يحسبون أنهم علماء، وإذا كان كذلك ~~فاجتهاد من اجتهد منهم (1) منهي عنه إذ لم يستكمل (2) شروط الاجتهاد، فهو ~~على أصل العمومية. ولما كان العامي حراما عليه النظر في الأدلة والاستنباط، ~~(كان المخضرم الذي بقي عليه كثير من الجهالات (3) مثله في تحريم الاستنباط) ~~(4) والنظر المعمول به، فإذا أقدم على محرم عليه كان آثما بإطلاق. # وبهذه الأوجه الأخيرة ظهر وجه تأثيمه، وتبين الفرق بينه وبين المجتهد ~~المخطئ في اجتهاده، وسيأتي له تقرير أبسط من هذا إن شاء الله (5). # وحاصل ما ذكر هنا أن كل مبتدع آثم، ولو فرض عاملا بالبدعة المكروهة إن ~~ثبت فيها كراهة التنزيه (6) ، لأنه: إما مستنبط لها فاستنباطه على الترتيب ~~المذكور غير جائز، وإما: نائب عن صاحبها مناضل عنه فيها بما قدر عليه، وذلك ~~يجري مجرى المستنبط الأول لها، فهو آثم على كل تقدير. # لكن يبقى هنا نظر في المبتدع وصاحب الهوى، بحيث يتنزل دليل الشرع على ~~مدلول اللفظ في العرف الذي وقع التخاطب به، إذ قد (7) يقع الغلط أو التساهل ~~(8)، فيسمى من ليس بمبتدع مبتدعا، وبالعكس إن تصور، فلا بد من فضل (9) ~~اعتناء بهذا المطلب حتى يتضح بحول الله، وبالله التوفيق. # ولنفرده في فصل منعزل (10): PageV01P251 ### | ### | فصل # ms142 # لا يخلو المنسوب إلى البدعة أن يكون مجتهدا فيها أو مقلدا. والمقلد إما ~~مقلد مع الإقرار بالدليل الذي زعمه المجتهد دليلا، والأخذ فيه بالنظر، وإما ~~مقلد له فيه من غير نظر كالعامي الصرف، فهذه ثلاثة أقسام: # فالقسم الأول على ضربين: # أحدهما أن يصح كونه مجتهدا، فالابتداع منه لا يقع إلا فلتة، وبالعرض لا ~~بالذات، وإنما تسمى غلطة أو زلة، لأن صاحبها لم يقصد اتباع المتشابه ابتغاء ~~الفتنة، وابتغاء تأويل الكتاب، أي لم يتبع هواه، ولا جعله عمدة (1). ~~والدليل عليه أنه إذا ظهر له الحق أذعن له، وأقر به. # ومثاله: ما يذكر عن عون بن عبد الله بن عتبة (2) بن مسعود (3) أنه كان ~~يقول بالإرجاء (4) ثم رجع عنه، وقال: # وأول ما أفارق غير شك (5) # أفارق ما يقول المرجئونا (6) PageV01P252 # وذكر مسلم (1) عن يزيد بن صهيب الفقير (2) قال: كنت قد شغفني رأي من رأي ~~الخوارج، فخرجنا (3) في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج، ثم نخرج على الناس. ~~قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم جالس (4) إلى ~~سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وإذا هو قد ذكر الجهنميين ~~(5)، قال: فقلت له (6): يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تحدثون؟ والله ~~يقول: {إنك من تدخل النار فقد أخزيته} (7)، و {كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها} (8)، فما هذا الذي تقولون (9)؟ قال: (فقال: أفتقرأ) (10) ~~القرآن؟ قلت: نعم، قال (11): فهل سمعت بمقام محمد ((ص)؟ يعني الذي يبعثه ~~الله) (12) فيه قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد صلى الله (عليه وسلم المحمود ~~الذي يخرج الله به من يخرج) (13). # قال: ثم نعت وضع الصراط، ومر الناس عليه. قال: وأخاف ألا أكون أحفظ ذلك ~~(14). قال (15): غير أنه قد زعم (16) أن قوما يخرجون من النار بعد ~~PageV01P253 # أن يكونوا (1) فيها. قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم (2)، فيدخلون ~~نهرا من أنهار الجنة، فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس (3). # فرجعنا وقلنا (4): ويحكم! أترون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟! فرجعنا فلا والله ما خرج (5) منا غير ms143 رجل واحد، أو كما قال (6). # ويزيد الفقير من ثقات أهل الحديث، وثقه ابن معين (7)، وأبو زرعة (8)، ~~وقال أبو حاتم (9): صدوق (10)، وخرج عنه البخاري. PageV01P254 # وعبيد الله بن الحسن العنبري (1) كان من ثقات (2) أهل الحديث، ومن كبار ~~العلماء العارفين بالسنة، إلا أن الناس رموه بالبدعة بسبب قول حكي عنه، من ~~أنه كان يقول: بأن كل مجتهد من أهل الأديان مصيب، حتى كفره القاضي أبو بكر ~~(3) وغيره. وحكى القتيبي (4) عنه (5) كان يقول: "إن القرآن يدل على ~~الاختلاف، فالقول بالقدر صحيح وله أصل في الكتاب والقول بالإجبار صحيح وله ~~أصل في الكتاب، ومن قال بهذا فهو مصيب (6)، لأن الآية الواحدة ربما دلت على ~~وجهين مختلفين (7) " (8). # وسئل يوما عن أهل القدر وأهل الإجبار، فقال (9): "كل مصيب، هؤلاء قوم ~~عظموا الله، وهؤلاء قوم نزهوا الله". قال: "وكذلك القول في الأسماء، فكل من ~~سمى الزاني مؤمنا فقد أصاب، ومن سماه كافرا فقد PageV01P255 # أصاب، ومن قال: هو فاسق وليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب (1)، ومن قال: هو ~~كافر وليس بمشرك فقد أصاب (2)، لأن القرآن يدل على كل هذه المعاني". # قال: "وكذلك السنن المختلفة، كالقول بالقرعة وخلافه، والقول بالسعاية ~~وخلافه، وقتل المؤمن بالكافر، ولا يقتل مؤمن بكافر، وبأي ذلك أخذ الفقيه ~~فهو مصيب". قال: "ولو قال قائل: إن القاتل في النار كان مصيبا، (ولو قال: ~~في الجنة كان مصيبا) (3)، ولو وقف فيه (4) وأرجأ أمره كان مصيبا إذا (5) ~~كان إنما (6) يريد بقوله إن الله تعبده بذلك وليس عليه علم المغيب (7) " ~~(8). # قال ابن أبي خيثمة (9): أخبرني سليمان بن أبي شيخ (10)، قال: "كان عبيد ~~الله بن الحسن بن الحصين (11) بن أبي الحر يعني (12) العنبري البصري ~~PageV01P256 # اتهم بأمر عظيم، روي عنه كلام رديء" (1). # قال بعض المتأخرين: هذا الكلام (2) الذي ذكره (3) ابن أبي شيخ عنه قد روي ~~أنه رجع عنه لما تبين له الصواب، وقال: "إذا أرجع وأنا صاغر (4)، ولأن (5) ~~أكون ذنبا في الحق، أحب إلي من (6) أن أكون (7) رأسا في الباطل" (8). ~~انتهى. # فإن ثبت عنه ما قيل فيه، فهو على جهة الزلة من ms144 العالم، وقد رجع عنها رجوع ~~الأفاضل إلى الحق، لأنه بحسب ظاهر حاله فيما نقل عنه إنما اتبع ظواهر ~~الأدلة الشرعية فيما ذهب إليه، ولم (9) يتبع عقله، ولا صادم الشرع بنظره، ~~فهو أقرب إلى (10) مخالفة الهوى. ومن ذلك الطريق والله أعلم وفق للرجوع ~~(11) إلى الحق. # وكذلك يزيد الفقير (12) فيما ذكر عنه، لا كما عارض الخوارج عبد الله ابن ~~عباس رضي الله عنه، إذ طالبهم بالحجة، فقال بعضهم: "لا تخاصموه فإنه ممن ~~قال الله (13) فيه: {بل هم قوم خصمون} (14) " (15)، PageV01P257 # فرجحوا المتشابه على المحكم، وناصبوا بالخلاف السواد الأعظم. # وأما إن لم يصح بمسبار (1) العلم أنه من المجتهدين، فهو الحري باستنباط ~~ما خالف الشرع كما تقدم، إذ قد اجتمع له مع الجهل بقواعد الشرع الهوى ~~الباعث عليه في الأصل، وهوى (2) التبعية، إذ قد (3) تحصل له مرتبة الإمامة ~~والاقتداء، وللنفس (4) فيها من اللذة ما لا مزيد عليه، ولذلك يعسر خروج حب ~~الرئاسة من القلب إذا انفرد، حتى قال الصوفية: (حب الرئاسة آخر ما يخرج من ~~رؤوس (5) الصديقين)، فكيف (6) إذا انضاف إليه الهوى من أصل، وانضاف إلى ~~هذين الأمرين دليل في ظنه شرعي على صحة ما ذهب إليه، فيتمكن (7) الهوى من ~~القلب (8) (9) تمكنا لا يمكن في العادة الانفكاك عنه، وجرى منه مجرى الكلب ~~(10) من صاحبه كما جاء في حديث الفرق (11). فهذا النوع ظاهر أنه آثم في ~~ابتداعه إثم من سن سنة سيئة. # ومن أمثلته أن الإمامية من الشيعة (12) تذهب إلى وضع خليفة دون النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وتزعم أنه مثل النبي في العصمة، بناء على أصل لهم متوهم، ~~PageV01P258 # فوضعوه على أن الشريعة أبدا مفتقرة إلى شرح (1) وبيان لجميع المكلفين، ~~إما بالمشافهة أو بالنقل ممن شافه المعصوم (2). # وإنما وضعوا ذلك بحسب ما ظهر لهم بادي الرأي من غير دليل عقلي ولا نقلي، ~~بل (3) بشبهة زعموا أنها عقلية، وشبه من النقل باطلة، إما في أصلها، وإما ~~في تحقيق مناطها. وتحقيق ما يدعون وما يرد عليهم به (4) مذكور في كتب ~~الأئمة (5)، وهو يرجع في الحقيقة إلى دعاو إذا ms145 (6) طولبوا بالدليل عليها ~~سقط في أيديهم، إذ لا برهان لهم من جهة من الجهات. وأقوى شبههم مسألة ~~اختلاف الأمة (7)، وأنه لا بد من واحد يرتفع به الخلاف، لأن الله يقول: ~~{ولا يزالون مختلفين *إلا من رحم ربك} (8)، ولا يكون كذلك إلا إذا أعطي ~~العصمة كما أعطيها النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه وارثه (9)، وإلا فكل محق ~~ومبطل (10) يدعي أنه المرحوم، وأنه الذي وصل إلى الحق دون من سواه، فإن ~~طولبوا (11) بالدليل على العصمة لم يأتوا بشيء، غير أن لهم مذهبا يخفونه، ~~ولا يظهرونه إلا لخواصهم، لأنه كفر محض ودعوى بغير برهان (12). PageV01P259 # قال ابن العربي (1) في كتاب العواصم (2): (خرجت من بلادي على الفطرة (3)، ~~فلم ألق في طريقي إلا مهتديا، حتى بلغت هذه الطائفة يعني (4) الإمامية ~~والباطنية (5) من فرق الشيعة فهي أول بدعة لقيت، فلو (6) فجأتني بدعة ~~مشتبهة (7) كالقول بالمخلوق (8)، أو نفي الصفات (9)، أو الإرجاء (10) لم ~~آمن الشيطان. فلما رأيت حماقاتهم أقمت على حذر، وترددت فيها (11) على أقوام ~~أهل عقائد سليمة، ولبثت بينهم ثمانية أشهر (12)، ثم خرجت إلى الشام فوردت ~~بيت المقدس، فألفيت فيها (13) ثماني وعشرين حلقة ومدرستين، مدرسة للشافعية ~~(14) بباب الأسباط وأخرى للحنفية، وكان PageV01P260 # فيه (1) من رؤوس العلماء، ورؤوس المبتدعة (2)، ومن أحبار اليهود والنصارى ~~كثير، فوعيت العلم، وناظرت (3) كل طائفة بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري (4) ~~وغيره من أهل السنة. # ثم نزلت إلى الساحل لأغراض (5)، وكان مملؤا من هذه النحل الباطنية ~~والإمامية، فطفت في مدن الساحل لتلك الأغراض (6) نحوا من (7) خمسة أشهر، ~~ونزلت عكا (8)، وكان رأس الإمامية بها حينئذ (9) أبو الفتح العكي، وبها من ~~أهل السنة شيخ يقال له: الفقيه الدبيقي (10)، فاجتمعت بأبي الفتح في مجلسه ~~وأنا ابن العشرين، فلما رآني صغير السن، كثير العلم، متدربا (11)، ولع بي، ~~وفيهم لعمر الله، وإن كانوا على باطل انطباع وإنصاف وإقرار بالفضل إذا ظهر ~~(12)، فكان لا يفارقني، ويساومني (13) PageV01P261 # الجدال ولا يفاترني (1)، فتكلمت على إبطال (2) مذهب الإمامية، والقول ~~بالتعليم (3) من المعصوم بما يطول ذكره. # ومن جملة ذلك أنهم يقولون: إن لله في عباده أسرارا وأحكاما، والعقل ms146 لا ~~يستقل بدركها، فلا يعرف ذلك إلا من قبل إمام معصوم (4) فقلت لهم: أمات ~~الإمام المبلغ عن الله لأول ما أمره بالتبليغ أم هو مخلد؟ فقال لي (5): ~~"مات"، وليس هذا بمذهبه، ولكنه تستر معي (6)، فقلت: هل خلفه أحد؟ فقال: ~~خلفه وصيه علي (7)، قلت: فهل قضى بالحق وأنفذه؟ قال: لم يتمكن لغلبة (8) ~~المعاند، قلت: فهل أنفذه حين قدر؟ قال: منعته التقية (9) ولم تفارقه إلى ~~الموت (10)، إلا أنها كانت تقوى تارة، وتضعف أخرى (11)، فلم يمكن إلا ~~المداراة (12) لئلا تنفتح (13) عليه أبواب الاختلال، PageV01P262 # قلت وهذه المداراة (1) حق أم لا؟ فقال: باطل أباحته الضرورة. قلت: فأين ~~العصمة؟ قال (2): إنما تغني (3) العصمة مع القدرة، قلت: فمن بعده إلى الآن ~~وجدوا القدرة أم لا؟ قال: لا، قلت: فالدين مهمل، والحق مجهول مخمل (4)؟ ~~قال: سيظهر، قلت: بمن؟ قال: بالإمام المنتظر، قلت: لعله الدجال، فما بقي ~~أحد إلا ضحك، وقطعنا الكلام على غرض مني لأني خفت أن أفحمه (5) فينتقم مني ~~في بلاده. # ثم قلت: ومن أعجب ما في هذا الكلام أن الإمام إذا أوعز (6) إلى من لا ~~قدرة له فقد ضيع فلا عصمة له. وأعجب منه أن الباري تعالى على مذهبه إذا علم ~~أنه لا علم إلا بمعلم، وأرسله عاجزا (7) مضعوفا (8)، لا يمكنه أن يقول ما ~~علم، فكأنه ما علمه وما بعثه. وهذا عجز منه وجور، لا سيما على مذهبهم (9). ~~فرأوا من الكلام ما لا يمكنهم أن يقوموا معه بقائمة (10)، وشاع الحديث، ~~فرأى رئيس الباطنية المسمين بالإسماعيلية (11) أن يجتمع معي، فجاءني أبو ~~الفتح إلى مجلس الفقيه الدبيقي، وقال لي (12): إن رئيس الإسماعيلية رغب في ~~الكلام معك، فقلت أنا مشغول، فقال: هاهنا (13) موضع مرتب (14) قد جاء إليه، ~~وهو محرس الطبرانيين، مسجد في قصر على البحر، وتحامل علي، فقمت ما بين حشمة ~~وحسبة، ودخلت PageV01P263 # قصر المحرس، وصعدنا (1) إليه فوجدتهم قد اجتمعوا في زاوية المحرس ~~الشرقية، فرأيت النكر في وجوههم، فسلمت، ثم قصدت جهة المحراب، فركعت عنده ~~ركعتين، لا عمل لي فيهما إلا تدبير القول معهم، والخلاص منهم. فلعمر (2) ~~الذي قضى ms147 علي بالإقبال إلى أن أحدثكم، إن (3) كنت رجوت الخروج من (4) ذلك ~~المجلس أبدا، ولقد كنت أنظر في البحر يضرب في حجارة سود محددة تحت طاقات ~~المحرس، فأقول: هذا قبري الذي يدفنوني فيه، وأنشد في سري: # ألا هل إلى الدنيا معاد؟ وهل لنا ... سوى البحر قبر؟ أو سوى (5) الماء ~~أكفان؟ # وهي كانت الشدة الرابعة من شدائد عمري التي أنقذني الله منها. فلما سلمت ~~استقبلتهم وسألتهم عن أحوالهم عادة (6)، وقد اجتمعت إلي نفسي، وقلت: أشرف ~~ميتة في أشرف موطن أناضل فيه عن الدين. فقال لي أبو الفتح وأشار إلى فتى ~~حسن الوجه : هذا سيد الطائفة ومقدمها، فدعوت له فسكت، فبدرني وقال: قد ~~بلغتني مجالسك (7)، وانتهى (8) إلي كلامك، وأنت تقول (9): قال الله وفعل ~~الله (10)، فأي شيء هو الله الذي تدعو إليه؟! أخبرني واخرج عن هذه المخرقة ~~(11) التي جازت لك على هذه الطائفة (12) الضعيفة (وقد احتد نفسا، وامتلأ ~~غيظا، وجثا على ركبتيه، ولم أشك أنه لا يتم (13) الكلام إلا) (14) وقد ~~اختطفني أصحابه قبل الجواب PageV01P264 # فعمدت بتوفيق الله إلى كنانتي، واستخرجت منها سهما أصاب حبة قلبه فسقط ~~لليدين وللفم. # وشرح (1) ذلك (2): أن الإمام أبا بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الحافظ ~~الجرجاني (3) قال: كنت (4) أبغض الناس فيمن يقرأ علم الكلام، فدخلت يوما ~~إلى الري (5)، فدخلت (6) جامعها أول دخولي، واستقبلت سارية أركع عندها، ~~وإذا (7) بجواري رجلان يتذاكران علم الكلام، فتطيرت بهما (8)، وقلت: أول ما ~~دخلت هذا (9) البلد سمعت فيه ما أكره، وجعلت أخفف الصلاة حتى أبعد عنهما، ~~فعلق بي من قولهما: إن هؤلاء الباطنية أسخف خلق الله عقولا، وينبغي للنحرير ~~ألا يتكلف لهم دليلا، ولكن (10) PageV01P265 # يطالبهم "بلم" فلا قبل لهم بها. وسلمت مسرعا. # وشاء الله بعد ذلك أن كشف رجل من الإسماعيلية القناع في الإلحاد، وجعل ~~يكاتب وشمكير (1) الأمير يدعوه إليه (2)، ويقول له: إني لا أقبل دين محمد ~~إلا بالمعجزة، فإن أظهرتموها رجعنا إليكم (3)، وانجرت الحال إلى أن اختاروا ~~منهم رجلا له دهاء ومنة (4)، فورد على وشمكير رسولا، فقال له: إنك أمير، ~~ومن شأن الأمراء والملوك أن ms148 تتخصص عن العوام، ولا تقلد أحدا (5) في عقيدتها ~~(6)، وإنما حقهم أن يفحصوا (7) عن البراهين. فقال وشمكير: اختر (8) رجلا من ~~أهل مملكتي، ولا أنتدب للمناظرة بنفسي، فيناظرك بين يدي. فقال له الملحد: ~~أختار (9) أبا بكر الإسماعيلي، لعلمه بأنه (10) ليس من أهل علم التوحيد ~~(11)، وإنما كان إماما في الحديث، ولكن كان وشمكير (12) بعاميته (13) يعتقد ~~(14) أنه أعلم أهل الأرض بأنواع العلوم. PageV01P266 # فقال وشمكير: ذلك مرادي، فإنه (1) رجل جيد، فأرسل إلى أبي بكر الإسماعيلي ~~بجرجان (2)، ليرحل إليه إلى غزنة (3)، فلم يبق أحد من العلماء (4) إلا يئس ~~من الدين، وقال: سيبهت الإسماعيلي الكافر مذهبا الإسماعيلي الحافظ [نسبا] ~~(5)، ولم يمكنهم أن يقولوا للملك: إنه لا علم عنده بذلك لئلا يتهمهم (6). ~~فلجأوا (7) إلى الله في نصر دينه. # قال الإسماعيلي الحافظ (8): فلما جاءني البريد، وأخذت في المسير، وتدانت ~~بي (9) الدار قلت: إنا لله. وكيف أناظر فيما لا أدري؟ هل أتبرأ عند الملك ~~وأرشده إلى من يحسن الجدل، ويعلم حجج (10) الله على دينه؟ (11) وندمت (12) ~~على ما سلف من عمري ولم أنظر في شيء من علم الكلام، ثم أذكرني الله ما كنت ~~سمعته من الرجلين بجامع الري، فقويت نفسي، وعولت على أن أجعل ذلك عمدتي، ~~وبلغت البلد، فتلقاني الملك ثم جميع الخلق، وحضر الإسماعيلي المذهب مع ~~الإسماعيلي النسب، وقال الملك للباطني (13): أذكر قولك يسمعه الإمام. فلما ~~أخذ في ذكره واستوفاه، قال له الحافظ: "لم"؟ فلما سمعها الملحد قال: هذا ~~إمام قد عرف مقالتي، فبهت (14). PageV01P267 # قال الإسماعيلي: فخرجت من ذلك الوقت (1)، وأمرت بقراءة علم الكلام، وعلمت ~~أنه عمدة من عمد الإسلام (2). # قال ابن العربي: وحين (3) انتهى بي الأمر إلى ذلك المقام (4) قلت: إن كان ~~في الأجل نساء (5) فهذا شبيه بيوم الإسماعيلي، فوجهت (6) إلى أبي الفتح ~~الإمامي (7)، وقلت له: لقد كنت في لا شيء، ولو خرجت من عكا قبل أن أجتمع ~~بهذا العالم ما رحلت إلا عريا عن نادرة الأيام، انظر (8) إلى حذقه بالكلام ~~ومعرفته حيث (9) قال لي: أي شيء هو الله؟ ولا يسأل بمثل هذا إلا مثله. ولكن ~~بقيت ها هنا ms149 نكتة، لا بد من أن نأخذها اليوم عنه، وتكون ضيافتنا عنده. لم ~~قلت: (أي شيء هو الله؟)، فاقتصرت من حروف الاستفهام على "أي"، وتركت الهمزة ~~وهل وكيف وأين (10) وكم وما، وهي (11) أيضا من ثواني حروف الاستفهام، وعدلت ~~عن اللام (12) من حروفه (13)، فهذا (14) سؤال ثان عن حكمة ثانية، ولأي ~~معنيان (15) في PageV01P268 # الاستفهام. فأي المعنيين قصدت بها؟ ولم سألت بحرف محتمل؟ ولم تسأل بحرف ~~مصرح بمعنى واحد؟ هل وقع ذلك منك (1) بغير علم ولا قصد حكمة؟ أم بقصد حكمة؟ ~~فبينها لنا. # فما هو إلا أن افتتحت هذا الكلام، وانبسطت فيه، وهو يتغير، حتى اصفر آخرا ~~من الوجل، كما اسود أولا من الحقد، ورجع أحد أصحابه الذي كان عن (2) يمينه ~~إلى آخر كان بجانبه، وقال له: ما هذا الصبي إلا بحر زاخر من العلم، ما ~~رأينا مثله قط، وهم ما (3) رأوا أحدا (4) به رمق (إلا أهلكوه) (5)، لأن ~~الدولة لهم، ولولا مكاننا من رفعة دولة (6) ملك الشام، وأن (7) والي عكا ~~(8) كان يحظينا (9)، ما تخلصت منهم في العادة أبدا. # وحين سمعت تلك الكلمة من إعظامي قلت: هذا مجلس عظيم، وكلام طويل، يفتقر ~~إلى تفصيل، ولكن نتواعد (10) إلى يوم آخر، وقمت وخرجت فقاموا كلهم معي، ~~وقالوا: لا بد أن تبقى قليلا، فقلت: لا، وأسرعت حافيا وخرجت على الباب أعدو ~~(11) حتى أشرفت على قارعة الطريق وبقيت هنالك (12) مبشرا نفسي بالحياة، حتى ~~خرجوا (بعدي وأخرجوا) (13) لي لا لكي (14)، PageV01P269 # ولبستها (1) ومشيت معهم متضاحكا، ووعدوني بمجلس آخر فلم أوف لهم، وخفت ~~وفاتي في وفائي (2). # قال ابن العربي: وقد كان (3) قال لي أصحابنا النصرية (4) بالمسجد الأقصى: ~~إن شيخنا أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي (5) اجتمع برئيس من الشيعة ~~الإمامية (6)، فشكا إليه فساد الخلق، وأن هذا الأمر لا يصلح إلا بخروج ~~الإمام المنتظر، فقال له (7) نصر: هل لخروجه ميقات أم لا؟ فقال الشيعي: ~~نعم، قال له أبو الفتح: ومعلوم هو أو مجهول؟ قال: معلوم. قال نصر: ومتى ~~يكون؟ قال: إذا فسد الخلق. قال أبو الفتح: فلم (8) تحبسونه عن الخلق وقد ~~(9) فسد جميعهم ms150 إلا أنتم، فلو فسدتم لخرج، فأسرعوا به وأطلقوه من سجنه، ~~وعجلوا بالرجوع إلى مذهبنا، فبهت. قال (10) وأظن أنه (11) سمعها عن شيخه ~~أبي الفتح سليمان بن أيوب الرازي (12) الزاهد (13). انتهى ما PageV01P270 # حكاه ابن (1) العربي وغيره، وفيه غنية لمن عرج على (2) تعرف أصولهم، وفي ~~أثناء الكتاب منه أمثلة كثيرة. # القسم (3) الثاني: يتنوع أيضا، وهو الذي لم يستنبط بنفسه، وإنما اتبع ~~غيره من المستنبطين، لكن بحيث أقر بالشبهة واستصوبها، وقام بالدعوة بها ~~مقام متبوعه، لانقداحها في قلبه، فهو مثل الأول، وإن لم يصر إلى تلك الحال، ~~ولكنه تمكن حب المذهب من قلبه حتى عادى عليه ووالى. # وصاحب هذا القسم لا يخلو من استدلال ولو على أعم ما يكون. فقد يلحق بمن ~~نظر في الشبهة وإن كان عاميا، لأنه (4) عرض نفسه (5) للاستدلال، وهو عالم ~~أنه لا يعرف النظر، ولا ما ينظر فيه، ومع ذلك فلا يبلغ من استدل (6) ~~بالدليل الجملي مبلغ من استدل على التفصيل،، وفرق ما (7) بينهما في ~~التمثيل: إن الأول أخذ شبهات متبوعة (8) فوقف وراءها، حتى إذا طولب فيها ~~بالجريان على مقتضى العلم تبلد وانقطع، أو خرج إلى ما لا يعقل، وأما الثاني ~~فحسن الظن بصاحب البدعة فتبعه، ولم يكن له دليل على التفصيل يتعلق به، إلا ~~تحسين الظن بالمتبوع (9) خاصة. وهذا القسم في العوام كثير. # فمثال الأول: حال حمدان (10) بن (11) قرمط المنسوب إليه القرامطة (12)، ~~PageV01P271 # إذ كان أحد دعاة الباطنية القرامطة (1) فاستجاب له جماعة نسبوا إليه، ~~وكان رجلا من أهل الكوفة مائلا إلى الزهد فصادفه (2) أحد دعاة الباطنية (في ~~طريق) (3) وهو متوجه إلى قريته، وبين يديه بقر (4) يسوقها (5)، فقال له ~~حمدان وهو لا يعرفه ولا يعرف حاله (6) : أراك سافرت عن موضع بعيد، فأين ~~مقصدك؟ فذكر موضعا هو قرية حمدان، فقال له حمدان: اركب بقرة من هذه (7) ~~البقر لتستريح به عن تعب المشي، فلما رآه مائلا إلى الديانة أتاه من ذلك ~~الباب وقال: إني لم أومر (8) بذلك، فقال له (9): وكأنك لا تعمل إلا بأمر، ~~فقال: نعم، فقال (10) حمدان: وبأمر من تعمل؟ قال: بأمر ms151 مالكي ومالكك ومن له ~~الدنيا والآخرة، قال: ذلك إذا (11) هو رب العالمين، قال: قد (12) صدقت ~~(13)، ولكن الله يهب ملكه من يشاء، قال: وما غرضك في البقعة التي أنت متوجه ~~إليها؟ قال (14) أمرت أن أدعو (15) أهلها من الجهل إلى العلم، ومن الضلال ~~إلى الهدى، ومن الشقاوة إلى السعادة، وأن أستنقذهم من (16) ورطات الذل ~~والفقر، وأملكهم بما يستغنون به عن الكد (17) والتعب، فقال له حمدان: ~~أنقذني أنقذك الله، وأفض على PageV01P272 # من العلم ما تحييني (1) به، فما أشد احتياجي إلى مثل (2) ما (ذكرته (3)، ~~فقال له (4): وما أمرت) (5) أن أخرج السر المكنون إلى كل (6) أحد إلا بعد ~~الثقة به، والعهد (إليه، فقال) (7): فما (8) عهدك؟ فاذكره فإني ملتزم له. # فقال: أن تجعل لي وللإمام عهد الله على (9) نفسك (10) وميثاقه (11) ألا ~~تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك، ولا تفشي سري أيضا، فالتزم حمدان عهده، ثم ~~اندفع (12) الداعي في تعليمه فنون جهله، حتى استدرجه واستغواه، واستجاب ~~(13) له في جميع ما ادعاه، ثم انتدب للدعوة، وصار أصلا (14) من أصول هذه ~~البدعة، فسمي أتباعه القرامطة (15). # ومثال الثاني ما حكاه الله تعالى (عن الكفار) (16) في قوله: {وإذا قيل ~~لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ~~.. } (17)، وقوله تعالى: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون *أو ينفعونكم أو يضرون ~~*قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون *} (18). # وحكى المسعودي (19): أنه كان في أعلى صعيد مصر رجل من القبط PageV01P273 # ممن يظهر دين النصرانية (ورأي اليعقوبية) (1)، وكان يشار إليه بالعلم ~~والفهم، فبلغ خبره أحمد بن طولون (2)، فاستحضره وسأله عن أشياء كثيرة، من ~~جملتها: أنه أمر في بعض الأيام وقد أحضر مجلسه بعض أهل النظر ليسأله (3) عن ~~الدليل على صحة دين النصرانية، فسألوه عن ذلك، فقال: دليلي على صحتها وجودي ~~إياها متناقضة متنافية، تدفعها العقول، وتنفر منها (4) النفوس، لتباينها ~~وتضادها، لا نظر يقويها، ولا جدل يصححها، ولا برهان يعضدها من العقل والحس ~~عند أهل التأمل فيها (5)، والفحص عنها، ورأيت مع ذلك أمما كثيرة، وملوكا ~~عظيمة، ذوي معرفة، وحسن سياسة، وعقول راجحة، ms152 قد انقادوا إليها، وتدينوا ~~بها، مع ما ذكرت من تناقضها في العقل، فعلمت أنهم لم يقبلوها، ولا تدينوا ~~بها، إلا لدلائل (6) شاهدوها، وآيات علموها (7)، ومعجزات عرفوها، أوجب ~~انقيادهم إليها، والتدين بها. # فقال له السائل: وما (8) التضاد الذي فيها؟ (9) فقال: وهل يدرك ذلك أو ~~تعلم غايته؟ منها: قولهم بأن الثلاثة واحد، وأن الواحد ثلاثة، ووصفهم ~~للأقانيم والجوهر وهو الثالوثي (10)، وهل الأقانيم في أنفسها قادرة عالمة ~~أم PageV01P274 # لا؟ وفي اتحاد ربهم القديم بالإنسان المحدث، وما جرى في ولادته (1) وصلبه ~~وقتله. وهل في التشنيع أكبر وأفحش من إله قد (2) صلب وبصق في (3) وجهه، ~~ووضع على رأسه إكليل الشوك، وضرب رأسه بالقضيب، وسمرت قدماه، ونخس (4) ~~بالأسنة والخشب جنباه. وطلب (5) الماء (6) فسقي الخل من بطيخ الحنظل؟ ~~فأمسكوا عن مناظرته، لما قد أعطاهم من تناقض مذهبه وفساده (7). انتهى. # والشاهد من الحكاية الاعتماد على الشيوخ والآباء من غير برهان ولا دليل، ~~(ولا شبهة دليل) (8). # القسم الثالث: يتنوع أيضا وهو الذي قلد غيره على البراءة الأصلية فلا ~~يخلو أن يكون ثم من هو أولى بالتقليد منه، بناء على التسامع الجاري بين ~~الخلق بالنسبة إلى رجوع (9) الجم (10) الغفير إليه في أمور دينهم من عالم ~~وغيره، وتعظيمهم له بخلاف ذلك (11) الغير، أو لا يكون ثم من هو أولى منه، ~~لكنه ليس في إقبال الخلق عليه وتعظيمهم له ما يبلغ تلك الرتبة، فإن ~~PageV01P275 # كان هناك (1) منتصبون، فتركهم هذا المقلد، وقلد غيرهم فهو آثم، إذ لم ~~يرجع إلى من أمر بالرجوع إليه، بل تركه ورضي لنفسه بأخسر (2) الصفقتين، فهو ~~غير معذور، إذ قلد دينه (3) من ليس بعارف بالدين في حكم الظاهر (4)، فعمل ~~بالبدعة (وهو يظن) (5) أنه على الصراط (6) المستقيم. # وهذا (7) حال من بعث فيهم (رسول الله صلى الله) (8) عليه وسلم، فإنهم ~~تركوا دينه (9) الحق، ورجعوا إلى باطل (آبائهم، ولم ينظروا) (10) نظر ~~المستبصر حتى يفرقوا (11) بين الطريقين، وغطى الهوى على عقولهم دون (12) أن ~~يبصروا الطريق، فكذلك أهل هذا النوع. # وقل ما تجد من هذه صفته إلا وهو يوالي فيما ارتكب ويعادي بمجرد التقليد. ms153 # خرج البغوي (في معجمه) (13) عن أبي الطفيل الكناني (14) أن رجلا ولد له ~~غلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتي به النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فدعا له بالبركة، وأخذ بجبهته فنبتت شعرة بجبهته (15) كأنها هلبة ~~(16) فرس، قال فشب الغلام، فلما كان زمن الخوارج أجابهم فسقطت الشعرة عن ~~جبهته، فأخذه PageV01P276 # أبوه فقيده وحبسه مخافة أن يلحق بهم (1)، قال فدخلنا عليه فوعظناه وقلنا ~~له: ألم تر بركة النبي صلى الله عليه وسلم وقعت؟ قال: فلم نزل (2) به (3) ~~حتى رجع عن رأيهم، قال: فرد الله عز وجل الشعرة في جبهته إذ تاب (4). # وإن لم يكن هناك منتصبون إلا (5) هذا المقلد الخامل بين الناس، مع أنه قد ~~نصب نفسه منصب المستحقين، ففي تأثيمه نظر. # ويحتمل أن يقال فيه: إنه آثم. ونظيره مسألة أهل الفترات (6)، العاملين ~~تبعا لآبائهم، واستقامة (7) لما عليه أهل عصرهم، من عبادة غير الله، وما ~~أشبه ذلك، لأن العلماء يقولون في حكمهم: إنهم على قسمين: قسم غابت ~~PageV01P277 # عليه (1) الشريعة، ولم يدر ما (2) يتقرب به (3) إلى الله تعالى، (فوقف عن ~~العمل) (4) بكل ما يتوهمه العقل (5) أنه يقرب (6) إلى الله، ورأى ما أهل ~~عصره عاملون به، مما ليس لهم فيه مستند إلا استحسانهم، فلم يستفزه (7) ذلك ~~على (8) الوقوف عنه، وهؤلاء هم الداخلون حقيقة تحت عموم الآية الكريمة: ~~{وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} (9). # وقسم لابس ما عليه أهل عصره من عبادة غير الله، والتحريم والتحليل (10) ~~بالرأي، ووافقهم (11) في اعتقاد ما اعتقدوه من الباطل، فهؤلاء قد (12) نص ~~العلماء على أنهم غير معذورين، وأنهم (13) مشاركون لأهل عصرهم في المؤاخذة، ~~لأنهم وافقوهم في العمل والموالاة والمعادات على تلك الشرعة (14)، فصاروا ~~(15) من أهلها، فكذلك ما نحن في الكلام عليه، إذ لا فرق بينهما (16). # ومن العلماء من يطلق العبارة ويقول (17): كيفما كان لا يعذب أحد إلا بعد ~~مجيء (18) الرسل وعدم القبول منهم، وهذا إن ثبت قولا هكذا، فنظيره في ~~مسألتنا أن يأتي عالم أعلم من ذلك المنتصب يبين السنة من البدعة، فإن راجعه ~~هذا المقلد في ms154 أحكام دينه، ولم يقتصر على الأول، فقد أخذ بالاحتياط الذي هو ~~شأن العقلاء ورجاء (19) السلامة، وإن اقتصر على الأول PageV01P278 # ظهر عناده، لأنه مع هذا الفرق لم يرض بهذا الطارئ، وإذا لم يرضه كان (1) ~~ذلك لهوى داخله، وتعصب جرى في قلبه مجرى الكلب (2) في صاحبه، وهو إذا بلغ ~~هذا المبلغ لم يبعد (3) أن ينتصر لمذهب صاحبه، ويحسنه (4)، ويستدل عليه ~~بأقصى ما يقدر عليه في عموميته. وحكمه قد تقدم في القسم قبله. # فأنت ترى صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم حين بعث إلى أصحاب (5) أهواء ~~(6) وبدع قد (7) استندوا إلى آبائهم وعظمائهم فيها، وردوا ما جاء (به ~~النبي) (8) صلى الله عليه وسلم، وغطى على قلوبهم رين الهوى حتى (التبست ~~عليهم المعجزات) (9) بغيرها كيف صارت شريعته صلى الله عليه وسلم حجة عليهم ~~على الإطلاق (10) والعموم، وصار الميت منهم مسوقا (11) إلى النار (على ~~العموم) (12)، من غير تفرقة بين المعاند صراحا وغيره، وما (13) ذاك إلا ~~لقيام الحجة عليهم، بمجرد بعثته (14) وإرساله لهم مبينا للحق الذي خالفوه. ~~فمسألتنا شبيهة بذلك، فمن أخذ بالحزم فقد استبرأ لدينه، ومن تابع الهوى خيف ~~عليه الهلاك، وحسبنا الله. PageV01P279 ### | ### | فصل # # ولنزد هذا الموضع شيئا من البيان فإنه أكيد، لأنه (1) تحقيق مناط (2) ~~الكتاب وما احتوى عليه من المسائل. فنقول وبالله التوفيق: # إن لفظ "أهل الأهواء"، وعبارة "أهل البدع" إنما تطلق حقيقة على الذين ~~ابتدعوها، وقدموا (3) فيها شريعة (4) الهوى، بالاستنباط والنصر لها، ~~والاستدلال على صحتها في زعمهم، حتى عد خلافهم خلافا، وشبههم منظورا فيها، ~~ومحتاجا إلى ردها والجواب عنها، كما تقول في ألقاب الفرق من المعتزلة (5) ~~والقدرية (6) والمرجئة (7) والخوارج (8) والباطنية (9) ومن أشبههم فإنها ~~(10) ألقاب لمن قام بتلك النحل، ما بين مستنبط لها، وناصر لها، وذاب عنها، ~~كلفظ "أهل (11) السنة"، إنما يطلق على ناصريها (12)، وعلى من استنبط على ~~وفقها، والحامين (13) لذمارها (14). PageV01P280 # ويرشح ذلك (1) أن قول الله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} ~~(2) يشعر بإطلاق اللفظ على من فعل (3) ذلك الفعل الذي هو التفريق، وليس إلا ~~المخترع أو من قام مقامه. وكذلك قوله تعالى: ms155 {ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا} (4)، وقوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه} (5)، فإن اتباع المتشابه مختص بمن انتصب منصب المجتهد (6) لا بغيرهم ~~(7). # وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس ~~رؤوسا (8) جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم" (9)، فأقاموا (10) أنفسهم مقام ~~المستنبط للأحكام الشرعية، المقتدى (11) به فيها، بخلاف العوام، فإنهم ~~متبعون لما تقرر عند علمائهم، لأنه (12) فرضهم، فليسوا بمتبعين للمتشابه ~~حقيقة، ولا هم متبعون للهوى. وإنما يتبعون ما يقال لهم كائنا ما كان، فلا ~~يطلق على العوام لفظ "أهل الأهواء" حتى يخوضوا بأنظارهم فيها، ويحسنوا بها ~~(13) ويقبحوا. وعند ذلك يتعين للفظ "أهل الأهواء" و"أهل البدع" مدلول واحد، ~~وهو من (14) انتصب للابتداع ولترجيحه على غيره. # أما (15) أهل الغفلة عن ذلك، والسالكون سبيل (16) رؤسائهم (17) بمجرد ~~التقليد من غير نظر، فلا (18). PageV01P281 # فحقيقة المسألة أنها تحتوي على قسمين: مبتدع ومقتد به. # فالمقتدي به كأنه لم يدخل في العبارة بمجرد الاقتداء، لأنه في حكم التبع ~~(1)، والمبتدع هو المخترع، أو المستدل على صحة ذلك الاختراع، وسواء علينا ~~أكان ذلك الاستدلال من قبيل الخاص (2) بالنظر (3) في العلم، أو كان من قبيل ~~الاستدلال العامي، فإن الله سبحانه ذم أقواما قالوا: {إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا على آثارهم مهتدون} (4)، فكأنهم استندوا (5) إلى دليل جملي، وهو ~~الآباء إذ (6) كانوا عندهم (7) من أهل العقل والنظر (8)، وقد كانوا على هذا ~~الدين، وليس إلا لأنه صواب، فنحن عليه، لأنه لو كان خطأ لما ذهبوا إليه. # وهو نظير استدلال (9) من يستدل على صحة البدعة بعمل الشيوخ ومن يشار إليه ~~بالصلاح، ولا ينظر إلى كونه من أهل الاجتهاد في الشريعة أو من أهل التقليد، ~~ولا إلى (10) كونه يعمل بعلم أو بجهل (11)، ولكن مثل هذا يعد استدلالا في ~~الجملة، من حيث جعل عمدة في اتباع الهوى، واطراح ما سواه. فمن أخذ به فهو ~~آخذ بالبدعة (12) بدليل مثله، ودخل في مسمى أهل الابتداع (13)، إذ كان من ~~حق من (14) هذا (15) سبيله أن ينظر في الحق إذ (16) جاءه، ويبحث عنه ms156 (17)، ~~ويتأنى ويسأل حتى يتبين له الحق (18) فيتبعه، أو الباطل (19) فيجتنبه. ~~PageV01P282 # ولذلك قال تعالى ردا على المحتجين بما (1) تقدم: {قال أولو جئتكم بأهدى ~~مما وجدتم عليه آباءكم} (2)، وفي الآية الأخرى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما ~~أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} (3)، فقال تعالى: {أولو ~~كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} (4)، وفي الآية الأخرى: {أولو كان ~~الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} (5)، وأمثال ذلك كثير. # وعلامة من هذا شأنه أن يرد خلاف مذهبه بما قدر (6) عليه من شبهة دليل ~~تفصيلي أو إجمالي، ويتعصب لما هو عليه، غير ملتفت إلى غيره، وهو عين اتباع ~~الهوى، (وإذا ظهر اتباع الهوى) (7) فهو المذموم حقا، وعليه يحصل الإثم، فإن ~~كان (8) مسترشدا مال إلى الحق حيثما (9) وجده، ولم يرده. وهو (10) المعتاد ~~في طالب الحق، ولذلك بادر المحقون (11) إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين تبين لهم الحق. فإن لم يجد سوى ما تقدم له من البدعة، ولم يدخل مع ~~المتعصبين (12)، لكنه عمل بها، فإن قلنا: إن أهل الفترة معذبون على الإطلاق ~~إذا اتبعوا من اخترع منهم، فالمتبعون للمبتدع إذا (13) لم يجدوا محقا ~~مؤاخذون أيضا، وإن قلنا: لا يعذبون حتى يبعث لهم الرسول (14) وإن عملوا ~~بالكفر، فهؤلاء لا يؤاخذون ما لم يكن فيهم (15) محق (16)، فإذ ذاك ~~PageV01P283 # يؤاخذون من حيث إنهم (1) معه بين (2) أحد أمرين: إما أن يتبعوه على طريق ~~الحق فيتركوا ما هم عليه، وإما ألا يتبعوه، فلا بد من عناد ما وتعصب، ~~فيدخلون إذ ذاك تحت عبارة "أهل الأهواء" فيأثمون. # وكل (3) من (4) اتبع بيان بن (5) سمعان (6) في بدعته التي اشتهرت (7) عند ~~العلماء، مقلدا لها (8) على حكم الرضى (9) بها، ورد ما سواها، فهو في الإثم ~~مع من اتبع، فقد زعم أن معبوده في صورة إنسان (10)، وأنه (11) يهلك كله إلا ~~وجهه (12)، ثم زعم أن روح الإله حل في علي، ثم في فلان، ثم في بيان نفسه ~~(13). # وكذلك من اتبع المغيرة (14) بن (سعيد) (15) العجلي (16) الذي ادعى ~~PageV01P284 # النبوة مدة، وزعم أنه يحيي الموتى بالاسم الأعظم، وأن ms157 لمعبوده أعضاء على ~~حروف الهجاء، على كيفية يشمئز منها قلب المؤمن، إلى إلحادات أخر (1). # وكذلك من اتبع المهدي المغربي (2) المنسوب إليه كثير من بدع المغرب، فهو ~~في التسمية والإثم (3) مع من اتبع، إذا انتصب ناصرا لها، ومحتجا عليها. # وقانا الله شر التعصب على غير بصيرة من الحق بفضله ورحمته. PageV01P285 ### | ### | فصل # # وإذا (1) ثبت أن المبتدع آثم، فليس (2) الإثم الواقع عليه على رتبة ~~واحدة، بل هو على مراتب مختلفة، (واختلافها يقع من جهات بحسب النظر الفقهي، ~~فيختلف) (3) من جهة كون صاحبها (مدعيا للاجتهاد فيها أو مقلدا أو من جهة ~~وقوعها في الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات، وكل مرتبة منها لها في ~~نفسها مراتب، ومن جهة كون صاحبها) (4) مستترا بها أو معلنا، (ومن جهة كونه ~~داعيا لها أو غير داع لها، ومن جهة كونه مع الدعاء إليها خارجا على غيره أو ~~غير خارج) (5)، ومن جهة كون البدعة حقيقية (6) أو إضافية، ومن جهة كونها ~~بينة أو مشكلة، ومن جهة كونها كفرا أو غير كفر، ومن جهة الإصرار عليها أو ~~عدمه، إلى غير ذلك من الوجوه التي (7) يقطع معها بالتفاوت في عظم الإثم ~~وعدمه، أو يغلب على الظن. # وهذا المعنى، وإن لم يخف على العالم بالأصول، فلا (ينبغي أن) (8) يترك ~~التنبيه على وجه التفاوت بقول جملي، فهو الأولى في هذا المقام. # فأما الاختلاف من جهة كون صاحبها مدعيا للاجتهاد أو مقلدا فظاهر، لأن ~~الزيغ في قلب الناظر في المتشابهات ابتغاء تأويلها أمكن منه (9) في قلب ~~PageV01P286 # المقلد، وإن ادعى النظر أيضا، لأن المقلد الناظر لا بد من استناده إلى ~~مقلده في بعض الأصول التي يبني عليها، والمقلد (1) قد انفرد بها دونه، فهو ~~آخذ بحظ لم (2) يأخذ فيه الآخر، إلا أن يكون هذا المقلد ناظرا لنفسه، ~~فحينئذ (3) لا يدعي رتبة التقليد، فصار في درجة الأول، وزاد عليه الأول ~~بأنه أول من سن تلك السنة السيئة، فيكون عليه وزرها ووزر من عمل بها. وهذا ~~الثاني قد (4) عمل بها، فيكون على الأول من إثمه ما عينه الحديث الصحيح، ms158 ~~فوزره أعظم على كل تقدير. # والثاني دونه، لأنه إن نظر وعاند (5) الحق، واحتج لرأيه، فليس له النظر ~~(6) إلا في (7) أدلة جملية لا تفصيلية. والفرق بينهما ظاهر، فإن الأدلة ~~التفصيلية أبلغ في الاحتجاج على عين (8) المسألة من الأدلة الجملية، فتكون ~~المبالغة في الوزر (9) بمقدار المبالغة في الاستدلال. # وأما الاختلاف من جهة وقوعها في الضروريات (10) أو غيرها فالإشارة إليه ~~ستأتي عند التكلم على أحكام البدع (11). # وأما الاختلاف من جهة الإسرار (12) والإعلان، فظاهر أن المسر (13) لها ~~(14) ضرره (15) مقصور عليه، لا يتعداه إلى غيره، فعلى أي صورة فرضت البدعة، ~~من كونها كبيرة أو صغيرة أو مكروهة (16)، هي باقية على PageV01P287 # أصل حكمها. فإذا أعلن بها وإن لم يدع إليها فإعلانه بها (1) ذريعة إلى ~~الاقتداء به. # وسيأتي بحول الله أن الذريعة قد تجري مجرى المتذرع إليه (2) أو تقاربه ~~(3)، فانضم إلى وزر العمل بها وزر نصبها لمن يقتدى به فيها، فالوزر (4) في ~~ذلك أعظم بلا إشكال. # ومثاله ما حكى الطرطوشي (5) في أصل القيام ليلة النصف من شعبان عن أبي ~~محمد المقدسي (6) قال: "لم يكن عندنا ببيت المقدس صلاة الرغائب هذه التي ~~تصلى في رجب وشعبان (7). وأول ما أحدثت (8) عندنا في سنة ثمان وأربعين ~~وأربعمئة، قدم علينا في بيت المقدس رجل (9) يعرف بابن أبي الحمراء، وكان ~~حسن التلاوة، فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه ~~رجل، ثم انضاف إليهما ثالث ورابع، فما ختمها إلا وهو (10) في جماعة كبيرة، ~~ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد، وانتشرت ~~الصلاة في المسجد الأقصى وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استمرت (11) كأنها سنة ~~إلى يومنا هذا (12) ". PageV01P288 # فقلت له: فأنا (1) رأيتك (2) تصليها في جماعة، قال: "نعم! وأستغفر الله ~~منها" (3). # وأما الاختلاف من جهة الدعوة إليها وعدمها (4)، فظاهر أيضا، لأن غير ~~الداعي، وإن كان عرضه للاقتداء (5)، فقد لا يقتدى به، ويختلف الناس في توفر ~~دواعيهم (6) على الاقتداء به، إذ قد يكون خامل الذكر، وقد يكون مشتهرا ولا ~~يقتدى به لشهرة من هو أعظم عند الناس منزلة منه. ms159 # وأما (7) الداعي (8) إذا دعى إليها فمظنة الاقتداء أحرى (9) وأظهر، ولا ~~سيما (10) المبتدع اللسن (11) الفصيح الآخذ بمجامع القلوب، إذا أخذ في ~~الترغيب والترهيب، وأدلى بشبهته (12) التي تداخل القلب بزخرفها (13)، كما ~~كان معبد الجهني (14) يدعو الناس إلى ما هو عليه من القول بالقدر، ويلوي ~~بلسانه نسبته إلى الحسن البصري (15). PageV01P289 # فروي عن سفيان بن عيينة (1): أن عمرو بن عبيد (2) سئل عن مسألة فأجاب ~~فيها، وقال: (هو من رأي الحسن) فقال له الرجل: إنهم (3) يروون عن الحسن ~~خلاف هذا، فقال: ((إنما قلت) (4) لك: هذا من رأيي (5) الحسن) يريد نفسه ~~(6). # وقال محمد بن عبد الله الأنصاري (7): كان عمرو بن عبيد إذا سئل عن شيء ~~قال: (هذا من قول (8) الحسن)، فيوهم أنه الحسن بن أبي الحسن، وإنما هو قوله ~~(9). # وأما الاختلاف من جهة كونه خارجا على أهل السنة أو غير خارج، فلأن غير ~~الخارج لم يزد على الدعوة مفسدة أخرى يترتب عليها إثم، والخارج زاد الخروج ~~على الأئمة وهو موجب للقتل والسعي في الأرض بالفساد (10)، وإثارة الفتن ~~والحروب (11)، زيادة (12) إلى حصول PageV01P290 # العداوة والبغضاء بين أولئك الفرق، فله من الإثم العظيم أوفر حظ. # ومثاله قصة الخوارج (1) الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الدين كما يمرق السهم ~~من الرمية) (2) وأخبارهم شهيرة. # وقد لا يخرجون هذا الخروج، بل يقتصرون على الدعوة، لكن على وجه أدعى إلى ~~الإجابة، لأن فيه (3) نوعا من الإكراه والإخافة، فلا هو مجرد دعوة، ولا هو ~~شق للعصا (4) من كل وجه. وذلك أن يستعين على دعوته (5) بأولي الأمر من ~~الولاة والسلاطين، فإن الاقتداء هنا أقوى بسبب (6) خوف الولاة في الإيقاع ~~بالآبي سجنا أو ضربا أو قتلا، كما اتفق لبشر المريسي (7) في زمان (8) ~~المأمون (9)، ولأحمد بن أبي (دؤاد) (10) في خلافة PageV01P291 # الواثق (1)، وكما اتفق لعلماء المالكية بالأندلس إذ صارت ولايتها ~~للمهدويين (2)، فمزقوا (3) كتب المالكية، وسموها كتب الرأي، ونكلوا بجملة ~~من الفضلاء بسبب أخذهم في الشريعة بمذهب مالك، وكانوا هم مرتكبين للظاهرية ~~(4) المحضة، التي هي عند العلماء بدعة ms160 ظهرت بعد المئتين من الهجرة (5)، ويا ~~ليتهم وقفوا (6) على (7) مذهب داود (8) وأصحابه، لكنهم (9) تعدوا ذلك إلى ~~أن قالوا برأيهم، ووضعوا للناس مذاهب لا عهد لهم (10) بها في الشريعة، ~~وحملوهم عليها طوعا أو كرها، حتى عم داؤها في الناس، وثبتت (11) زمانا ~~طويلا، ثم ذهب منها جملة، وبقيت أخرى إلى اليوم. PageV01P292 # ولعل الزمان يتسع إلى ذكر جملة منها في أثناء الكتاب بحول الله (1). # فهذا (2) الوجه الوزر فيه أعظم (3) من مجرد الدعوة (4) من وجهين: # الأول: الإخافة والإكراه بالإيلام (5) والقتل. # والآخر: كثرة الداخلين في الدعوة، لأن الإعذار والإنذار الأخروي قد لا ~~يقوم له كثير (من النفوس) (6)، بخلاف الدنيوي، ولأجل ذلك شرعت الحدود ~~والزواجر في الشرع، و (إن الله (7) يزع (8) بالسلطان ما لا يزعه (9) ~~بالقرآن) (10)، فالمبتدع إذا (11) لم ينتهض (12) لإجابة (13) دعوته بمجرد ~~الإعذار والإنذار الذي يعظ (14) به (15)، حاول الانتهاض بأولي الأمر، ليكون ~~(16) ذلك أحرى بالإجابة. # وأما الاختلاف من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية، فإن الحقيقية أعظم ~~وزرا، لأنها التي باشرها النهي (17) بغير واسطة، ولأنها (18) مخالفة محضة، ~~وخروج عن السنة ظاهر، كالقول بالقدر (19)، والقول (20) بالتحسين ~~PageV01P293 # والتقبيح (1)، والقول بإنكار خبر الواحد (2)، وإنكار الإجماع (3)، وإنكار ~~(4) تحريم الخمر (5)، والقول بالإمام المعصوم (6)، وما أشبه ذلك. # فإذا فرضت إضافية، فمعنى الإضافية أنها مشروعة من وجه، ورأي مجرد من وجه، ~~إذ يدخلها من جهة المخترع رأي في بعض أحوالها (7)، فلم تناف الأدلة من كل ~~وجه. هذا وإن كانت تجري مجرى الحقيقية (8)، ولكن الفرق بينهما ظاهر كما ~~سيأتي إن شاء الله (9). # وبحسب ذلك الاختلاف يختلف الوزر. ومثاله جعل المصاحف في المساجد (10) ~~للقراءة (11) (إثر (12) صلاة (13) الصبح) (14). # قال مالك: (أول من جعل مصحفا الحجاج بن يوسف) (15). يريد (أنه) (16) أول ~~من رتب القراءة في المصحف إثر صلاة الصبح في المسجد. PageV01P294 # قال ابن رشد (1): مثل ما يصنع عندنا إلى اليوم (2). # فهذه (3) محدثة (4) أعني وضعه في المسجد لأن القراءة في المسجد مشروعة ~~(5) في الجملة، معمول به، إلا أن تخصيص المسجد بالقراءة على ذلك الوجه هو ~~(6) المحدث. # ومثله وضع المصاحف في زماننا للقراءة فيها (7) يوم الجمعة وتحبيسها على ms161 ~~ذلك القصد. # وأما الاختلاف من جهة كونها ظاهرة المأخذ أو مشكلة، فلأن الظاهرة عند ~~الإقدام عليها محض مخالفة، فإن كانت مشكلة فليست بمحض مخالفة، لإمكان ألا ~~تكون بدعة، والإقدام على المحتمل أخفض رتبة من الإقدام على الظاهر (8)، ~~ولذلك عد العلماء ترك المتشابه من قبيل المندوب إليه في الجملة، ونبه ~~الحديث (9) على أن ترك المتشابه لئلا يقع في الحرام، فهو حمى له، وأن من ~~(10) واقع (11) المتشابه وقع (12) في الحرام، وليس (13) ترك الحرام في ~~الجملة من قبيل المندوب، بل من قبيل الواجب، فكذلك حكم الفعل المشتبه في ~~البدعة، فالتفاوت بينهما بين. PageV01P295 # وإن قلنا: إن ترك المتشابه من باب المندوب، وإن مواقعته من باب المكروه، ~~فالاختلاف أيضا واقع من هذه الجهة، فإن الإثم في المحرمة هو الظاهر (1)، ~~وأما المكروهة فلا إثم فيها في الجملة، ما لم يقترن بها (2) ما يوجبه (3)، ~~كالإصرار عليها، إذ الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، فكذلك الإصرار على ~~المكروه فقد يصيره صغيرة، ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة في مطلق التأثيم، ~~وإن حصل الفرق من جهة أخرى، بخلاف المكروه مع الصغيرة (4). # والشأن في البدع وإن كانت مكروهة الدوام (5) عليها، وإظهارها من المقتدى ~~بهم في مجامع الناس وفي المساجد، فقلما تقع (6) منهم على أصلها من الكراهية ~~إلا ويقترن بها ما يدخلها في مطلق التأثيم، من إصرار أو تعليم (7) أو إشاعة ~~أو تعصب لها أو ما أشبه ذلك. # فلا يكاد يوجد في البدع بحسب الوقوع مكروه لا زائد فيه على الكراهية. ~~والله أعلم. # وأما الاختلاف بحسب الإصرار عليها أو عدمه، فلأن الذنب قد يكون صغيرا ~~فيعظم بالإصرار عليه. كذلك البدعة تكون صغيرة فتعظم بالإصرار (8) عليها ~~(9). فإذا كانت (10) فلتة فهي أهون منها إذا داوم عليها. ويلحق بهذا المعنى ~~إذا (11) تهاون بها المبتدع وسهل أمرها، نظير الذنب إذا تهاون به، ~~فالمتهاون أعظم وزرا من غيره. # وأما الاختلاف من جهة كونها كفرا وعدمه فظاهر أيضا؛ لأن ما هو ~~PageV01P296 # كفر جزاؤه التخليد في العذاب عافانا الله وليس كذلك ما لم يبلغ مبلغه ~~(1)، حكم سائر الكبائر مع الكفر ms162 في المعاصي. # فلا بدعة أعظم وزرا من بدعة تخرج عن الإسلام، كما أنه لا ذنب أعظم من (2) ~~ذنب يخرج عن الإسلام، فبدعة الباطنية (3) والزنادقة ليست كبدعة المعتزلة ~~(4) والمرجئة (5) وأشباههم. # ووجوه التفاوت كثيرة، ولظهورها عند العلماء لم نبسط الكلام عليها والله ~~المستعان بفضله (6). PageV01P297 ### | ### | فصل # # ويتعلق بهذا الفصل أمر آخر، وهو الحكم في القيام على أهل البدع من الخاصة ~~أو العامة. # وهذا (1) باب كبير في الفقه، تعلق بهم من جهة جنايتهم على الدين، وفسادهم ~~في الأرض، وخروجهم عن جادة الإسلام إلى بنيات الطريق (2) التي نبه عليها ~~قول الله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله} (3). وهو فصل من تمام الكلام على التأثيم (4)، لكنه مفتقر ~~إلى النظر في شعب كثيرة، منها ما تكلم عليه العلماء، ومنها ما (5) لم ~~يتكلموا عليه، لأن ذلك حدث بعد موت المجتهدين وأهل الحماية للدين، فهو باب ~~يكثر التفريع فيه بحيث يستدعي تأليفا مستقلا. # فرأينا أن بسط ذلك يطول (6)، مع أن العناء فيه قليل الجدوى في هذه ~~الأزمنة المتأخرة، لتكاسل الخاصة عن النظر فيما يصلح العامة، وغلبة الجهل ~~على العامة، حتى إنهم لا يفرقون بين السنة والبدعة، بل قد انقلب الحال إلى ~~أن عادت (7) السنة بدعة، (والبدعة سنة) (8)، فقاموا في غير PageV01P298 # موضع القيام، واستقاموا إلى غير مستقام (1)، فعم الداء، وعدم الأطباء، ~~حسبما جاءت به الأخبار. # فرأينا أن لانفرد هذا المعنى بباب يخصه، وأن لانبسط القول فيه، وأن نقتصر ~~من ذلك على لمحة تكون خاتمة لهذا الباب، في الإشارة إلى أنواع الأحكام التي ~~يقام عليهم بها (2) في الجملة لا في التفصيل، وبالله التوفيق. # فنقول: إن القيام عليهم بالتثريب أو التنكيل أو الطرد أو الإبعاد أو ~~الإنكار هو بحسب حال البدعة في نفسها، من كونها عظيمة المفسدة في الدين أو ~~لا (3)، وكون صاحبها مشتهرا بها أو لا، وداعيا إليها أو لا، ومستظهرا ~~بالأتباع (أولا) (4)، وخارجا على (5) الناس أو لا، وكونه (6) عاملا بها على ~~جهة الجهل بها (7) أو لا. # وكل من (8) هذه الأقسام له اجتهاد ms163 (9) يخصه، إذ لم يأت في الشرع في ~~البدعة (10) حد (11) لا يزاد عليه، ولا ينقص منه، كما جاء في كثير من ~~المعاصي، كالسرقة والحرابة والقتل والقذف والجراح والخمر وغير ذلك. لا جرم ~~أن المجتهدين من الأمة نظروا فيها بحسب النوازل، وحكموا باجتهاد الرأي، ~~تفريعا على ما تقدم لهم في بعضها من النص، كما جاء في الخوارج (12) من ~~الأمر (13) بقتلهم (14)، وما جاء عن عمر بن الخطاب PageV01P299 # رضي الله عنه في صبيغ العراقي (1). # فخرج من مجموع ما تكلم فيه العلماء أنواع: # أحدها: الإرشاد والتعليم وإقامة الحجة، كمسألة ابن عباس رضي الله عنهما ~~حين ذهب إلى الخوارج فكلمهم حتى رجع منهم ألفان أو ثلاثة آلاف (2)، (ومسألة ~~عمر بن عبد العزيز مع غيلان (3)، وشبه ذلك) (4). # والثاني: الهجران، وترك الكلام والسلام، حسبما تقدم عن جملة من السلف في ~~هجرانهم لمن تلبس ببدعة، وما جاء عن عمر رضي الله عنه في (5) قصة صبيغ ~~العراقي (6). # والثالث: التغريب (7) كما غرب عمر (بن الخطاب) (8) صبيغا، ويجري مجراه ~~السجن وهو: # الرابع: كما سجنوا الحلاج (9) قبل قتله سنين عدة (10). PageV01P300 # والخامس (1): ذكرهم بما (2) هم عليه، وإشاعة بدعتهم كي يحذروا لئلا (3) ~~يغتر بكلامهم، كما جاء عن كثير من السلف في ذلك (4). # والسادس: القتال إذا ناصبوا المسلمين، وخرجوا عليهم، كما قاتل علي رضي ~~الله عنه الخوارج وغيره من خلفاء السنة. # والسابع: القتل إن لم يرجعوا مع الاستتابة، في من (5) أظهر بدعته، وأما ~~من أسرها، وكانت (6) كفرا أو ما يرجع (7) إليه، فالقتل بلا استتابة (8) ~~وهو: # الثامن: لأنه من باب النفاق كالزندقة (9). # والتاسع: تكفير (10) من دل الدليل على كفره، كما إذا كانت البدعة صريحة ~~في الكفر، كالإباحية (11)، والقائلين بالحلول PageV01P301 # كالباطنية (1)، أو كانت المسألة من (2) باب التكفير بالمآل (3)، فذهب ~~المجتهد إلى التكفير، كابن الطيب (4) في تكفيره جملة من الفرق. وينبني (5) ~~على ذلك: # (الوجه العاشر) (6): وذلك أنه لا يرثهم ورثتهم من المسلمين، ولا يرثون ~~أحدا منهم، ولا يغسلون إذا ماتوا، ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون في مقابر ~~المسلمين، ما لم يكن مستترا (7)، فإن المستتر يحكم له بحكم الظاهر (8)، ~~وورثته ms164 أعرف به (9) بالنسبة إلى الميراث. # والحادي عشر: الأمر بأن لا يناكحوا، وهو من ناحية الهجران، وعدم ~~المواصلة. # والثاني عشر: تجريحهم على الجملة، فلا تقبل شهادتهم (10)، ولا ~~PageV01P302 # روايتهم (1)، ولا يكونون ولاة (2) ولا قضاة، ولا ينصبون في مناصب العدالة ~~من إمامة أو خطابة، إلا أنه قد ثبت عن جملة من السلف رواية جماعة منهم، ~~واختلفوا في الصلاة (خلف أهل البدع بالجواز والكراهة والمنع، ومنهم من جعل ~~ترك الصلاة) (3) خلفهم من باب الأدب ليرجعوا عما هم عليه. PageV01P303 # والثالث عشر: ترك عيادة مرضاهم، وهو من باب الزجر والعقوبة. # والرابع عشر: ترك شهود جنائزهم كذلك. # والخامس عشر: الضرب، كما ضرب عمر رضي الله عنه صبيغا. # وروي عن مالك رضي الله عنه في القائل بالمخلوق (1): (أنه يوجع ضربا، ~~ويسجن حتى يتوب (2)) (3). # ورأيت في بعض تواريخ بغداد عن الشافعي أنه قال: (حكمي (4) في أصحاب ~~الكلام أن يضربوا بالجرائد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر ~~والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام) (5)، ~~يعني أهل البدع. PageV01P304 ### | ### | فصل # (1) # فإن قيل: كيف هذا؟ وقد ثبت في الشريعة ما يدل على تخصيص تلك العمومات، ~~وتقييد تلك المطلقات، وفرع العلماء منها كثيرا من المسائل، وأصلوا منها ~~أصولا يحتذى حذوها، على وفق ما ثبت نقله، إذ الظواهر تخرج على (2) مقتضى ~~ظهورها بالاجتهاد، وبالحري إن كان ما يستنبط بالاجتهاد مقيسا على محل ~~التخصيص، فلذلك قسم الناس البدع، ولم يقولوا بذمها على الإطلاق. # وحاصل ما ذكروا من ذلك يرجع إلى أوجه: # أحدها: ما في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة كان له ~~أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة كان ~~عليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا" (3). # وخرج الترمذي وصححه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دل على خير ~~PageV01P305 # فله مثل (1) أجر فاعله" (2). # وخرج أيضا عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من ms165 سن سنة خير فاتبع عليها فله أجره ومثل أجور (3) من اتبعه غير منقوص (4) ~~من أجورهم شيئا، ومن سن سنة شر فاتبع عليها كان عليه وزره (5) ومثل أوزار ~~من اتبعه غير منقوص (6) من أوزارهم شيئا" حسن صحيح (7). # فهذه الأحاديث صريحة في (8) أن من سن سنة خير فذلك خير، ودل على أنه فيمن ~~ابتدع قوله (9): "من سن"، فنسب الاستنان إلى المكلف دون الشارع، ولو كان ~~المراد: من عمل سنة ثابتة في الشرع، لما قال: "من سن"، ويدل على ذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم كفل من ~~دمها، لأنه (10) أول من سن القتل" (11). "فسن" هاهنا على حقيقته (12)، لأنه ~~اختراع (13) لم يكن قبل معمولا به في الأرض بعد وجود آدم عليه السلام. # فكذلك قوله: "من سن سنة حسنة" أي من اخترعها من نفسه، لكن بشرط أن تكون ~~حسنة، فله من الأجر ما ذكر، فليس المراد من عمل سنة ثابتة، وإنما العبارة ~~عن هذا المعنى أن يقال: من عمل بسنتي أو بسنة (14) من سنتي، وما أشبه (15) ~~ذلك. PageV01P306 # كما خرج الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث (1): ~~"اعلم" قال: [ما] (2) أعلم يا رسول الله؟ قال: "اعلم يا بلال" قال: [ما] ~~أعلم يا رسول الله. قال: "إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له ~~من الأجر مثل من عمل بها، من غير أن ينقص (3) من أجورهم شيئا، ومن ابتدع ~~بدعة ضلالة، لا ترضي الله ورسوله، كان عليه مثل آثام (4) من عمل بها، لا ~~ينقص ذلك من أوزار (5) الناس شيئا" حديث حسن (6). # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا ~~بني، إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل" ثم قال لي: "يا ~~بني، وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة". ~~حديث حسن (7). # فقوله: "من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي" واضح في ms166 العمل بما ثبت أنه ~~سنة، وكذلك قوله: "من أحيا سنتي فقد أحبني" ظاهر في السنن الثابتة، بخلاف ~~قوله: من سن كذا، فإنه ظاهر في الاختراع أولا، من غير أن يكون ثابتا في ~~السنة. # وأما قوله لبلال بن الحارث: "ومن ابتدع بدعة ضلالة"، فظاهر في (8) أن (9) ~~البدعة لا تذم بإطلاق، بل بشرط أن تكون ضلالة، وأن تكون لا يرضاها الله ~~ورسوله. # فاقتضى (هذا كله) (10) أن البدعة إذا لم تكن كذلك لم يلحقها ذم، ~~PageV01P307 # ولا تبع صاحبها وزر، فعادت إلى أنها سنة حسنة، ودخلت تحت الوعد بالأجر. # والثاني (1): أن السلف الصالح رضي الله عنهم وأعلاهم الصحابة قد عملوا ~~بما لم يأت به كتاب ولا سنة، مما رأوه حسنا، وأجمعوا عليه، ولا تجتمع أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، وإنما يجتمعون على هدى (2) وما هو حسن. # فقد أجمعوا على جمع القرآن وكتبه في المصاحف، وعلى جمع الناس على المصاحف ~~العثمانية، واطراح ما سوى ذلك من القراءات التي كانت مستعملة في زمان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في ذلك (3) نص ولا حظر (4)، ثم اقتفى ~~الناس أثرهم في ذلك الرأي الحسن، فجمعوا العلم، ودونوه، وكتبوه، ومن سباقهم ~~في ذلك مالك بن أنس رضي الله عنه، وقد كان من أشدهم اتباعا، وأبعدهم من ~~الابتداع. # هذا وإن كانوا (5) قد نقل عنهم كراهية كتب العلم من الحديث وغيره فإنما ~~هو محمول: إما على الخوف من الاتكال على الكتب استغناء به عن الحفظ ~~والتحصيل، وإما على ما كان رأيا دون ما كان نقلا من كتاب أو سنة ثم اتفق ~~الناس بعد ذلك على تدوين الجميع لما ضعف الأمر، وقل المجتهدون في التحصيل، ~~فخافوا على الدين الدروس (6) جملة. # قال اللخمي (7) لما ذكر كلام مالك وغيره في كراهية بيع كتب العلم ~~PageV01P308 # والإجارة على تعليمه، وخرج عليه الإجارة على كتبه، وحكى الخلاف قال (1): ~~(ولا (2) أرى أن يختلف اليوم (3) في ذلك أنه جائز، لأن حفظ الناس وأفهامهم ~~قد نقصت، وقد كان كثير ممن تقدم ليست لهم كتب". # قال ms167 مالك: ولم يكن للقاسم (4) ولا لسعيد (5) كتب، وما كنت أقرأ العلم (6) ~~على أحد يكتب (7) في هذه الألواح، ولقد قلت لابن شهاب (8): (أكنت تكتب ~~العلم؟)، فقال: (لا)، فقلت: (أكنت تسألهم (9) أن يعيدوا (10) عليك الحديث؟) ~~فقال: (لا) (11). # فهذا كان شأن الناس، فلو سار (12) الناس اليوم (13) بسيرتهم (14)، لضاع ~~العلم (15)، ولم يكن يبقى (16) منه رسمه (17)، وهذا الناس اليوم يقرأون ~~كتبهم، ثم هم في التقصير على ما هم عليه. PageV01P309 # وأيضا فإنه لا خلاف عندنا في مسائر الفروع أن القول فيها بالاجتهاد ~~والقياس واجب، وإذا كان كذلك كان إهمال كتابة (1) كتبها (2) وبيعها يؤدي ~~إلى التقصير في الاجتهاد، وأن لا يوضع مواضعه، لأن في (3) معرفة أقوال ~~المتقدمين والترجيح بين أقاويلهم قوة وزيادة في وضع الاجتهاد مواضعه) (4). # انتهى ما قاله اللخمي. وفيه إجازة العمل بما لم يكن عليه من تقدم، لأن له ~~وجها صحيحا. # فكذلك نقول: كل ما كان من المحدثات له وجه صحيح فليس بمذموم، بل هو ~~محمود، وصاحبه الذي سنه ممدوح، فأين ذمها بإطلاق، أو على العموم؟! # وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: (تحدث للناس أقضية بقدر ما ~~أحدثوا من الفجور) (5). # فأجاز كما ترى إحداث الأقضية واختراعها على قدر اختراع الفجار للفجور، ~~وإن لم يكن لتلك المحدثات أصل. # (ومن ذلك تضمين الصناع (6)، وهو محكي عن الخلفاء رضي الله عنهم) (7)، ~~وقتل الجماعة بالواحد، وهو محكي عن عمر وعلي وابن عباس والمغيرة بن شعبة ~~رضي الله عنهم (8). # وأخذ مالك وأصحابه بقول الميت: دمي عند فلان، ولم يأت له في PageV01P310 # الموطأ بأصل سماعي، وإنما علل بأمر مصلحي (1)، وفي مذهبه من ذلك مسائل ~~كثيرة (2). # فإن كان ذلك جائزا، مع أنه مخترع، فلم لا يجوز مثله وقد اجتمعا في العلة؟ ~~لأن الجميع مصالح معتبرة في الجملة، وإن لم يكن شيء من ذلك جائزا، فلم ~~اجتمعوا على جملة منها (3)، وفرع غيرهم على بعضها (4)؟ ولا يبقى إلا أن ~~يقال: إنهم يتابعون على ما عمل به (5) هؤلاء منها (6) دون غيره (7)، وإن ~~اجتمعا في العلة المسوغة للقياس. وعند ذلك يصير الاقتصار تحكما، ms168 وهو باطل، ~~فما أدى إليه مثله، فثبت أن البدع تنقسم (8). # "فالجواب" وبالله التوفيق أن نقول: # أما الوجه الأول، فإن (9) قوله صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة" ~~الحديث، ليس المراد به الاختراع ألبتة، وإلا لزم من ذلك التعارض بين الأدلة ~~القطعية، إن زعم مورد السؤال أن ما ذكره من الدليل مقطوع به، فإن زعم أنه ~~مظنون فما تقدم من الدليل على ذم البدع مقطوع به، فيلزم منه (10) التعارض ~~بين القطعي والظني، والاتفاق من المحققين (أن لا تعارض بينهما لسقوط الظني ~~وعدم اعتباره، فلم يبق إلا أن يقال إنه من قبيل العام والخاص، ولا تعارض ~~بينهما عند المحققين) (11) ولكن لا دليل (12) فيه من وجهين: PageV01P311 # أحدهما: أن (1) يقال: إنه من قبيل المتعارضين إذ تقدم (2) أولا أن أدلة ~~الذم تكرر عمومها في أحاديث كثيرة من غير تخصيص (3)، وإذا (4) تعاضدت (5) ~~أدلة العموم من غير (6) تخصيص، لم يقبل (7) بعد ذلك التخصيص. # والثاني: على التنزل (8) بفقد (9) التعارض، فليس المراد بالحديث الاستنان ~~بمعنى الاختراع، وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية، وذلك من ~~وجهين (10): # أحدهما: أن السبب الذي لأجله جاء (11) الحديث هو الصدقة المشروعة، بدليل ~~ما في الصحيح من حديث (جرير) (12) بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي ~~النمار (13) أو العباء (14) متقلدي السيوف، عامتهم من (15) مضر، بل كلهم من ~~مضر، فتمعر (16) وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم (17) من ~~الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب، فقال: " {يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} (18) الآية، PageV01P312 # والآية التي في سورة الحشر: {اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد} (1)، ~~تصدق (2) رجل من (3) ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، ~~حتى قال: ولو بشق تمرة" قال: فجاء (4) رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز ~~عنها، بل قد عجزت. قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام ms169 وثياب، حتى ~~رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل (5) كأنه مذهبة (6)، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر ~~من عمل بها (7) بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن سنة سيئة، كان ~~عليه وزرها ووزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" (8). # فتأملوا أين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ("من سن سنة حسنة" و) (9) ~~"من سن سنة سيئة"، تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر ~~عليه، حيث (10) أتى (11) بتلك الصرة، فانفتح بسببه (12) باب الصدقة على ~~الوجه الأبلغ، فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال: "من سن في ~~الإسلام سنة حسنة" الحديث، فدل (13) على أن السنة هاهنا مثل ما فعل ذلك ~~الصحابي، وهو العمل بما ثبت كونه سنة، وأن الحديث مطابق لقوله في الحديث ~~الآخر: "من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي" الحديث إلى PageV01P313 # قوله: "ومن ابتدع بدعة ضلالة" (1)، فجعل مقابل تلك السنة الابتداع، فظهر ~~أن السنة الحسنة ليست بمبتدعة، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "ومن أحيا ~~سنتي فقد أحبني" (2). # ووجه ذلك في الحديث الأول ظاهر، لأنه صلى الله عليه وسلم لما حض (3) على ~~الصدقة أولا، ثم جاء ذلك الأنصاري بما جاء به، فانثال (4) بعده العطاء إلى ~~الكفاية، فكأنها كانت سنة أيقظها رضي الله تعالى عنه بفعله، فليس معناه من ~~اخترع سنة وابتدعها ولم تكن ثابتة. # ونحو هذا (5) الحديث في رقائق ابن المبارك، مما يوضح معناه، عن حذيفة رضي ~~الله تعالى عنه، قال: قام سائل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل، ~~فسكت القوم، ثم إن رجلا أعطاه، فأعطاه القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من استن خيرا فاستن به، فله أجره ومثل أجور من تبعه، غير منتقص من ~~أجورهم شيئا، ومن استن شرا فاستن به، فعليه وزره ومثل أوزار من تبعه، غير ~~منتقص من أوزارهم شيئا (6) " (7). # فإذن قوله: "من سن ms170 سنة" معناه من عمل بسنة، لا من اخترع سنة (8). # والوجه (9) الثاني من وجهي الجواب (10): أن قوله: "من سن سنة PageV01P314 # حسنة" و"من سن سنة سيئة" لا يمكن حمله على الاختراع من أصل، لأن كونها ~~حسنة أو سيئة لا يعرف إلا من جهة الشرع، لأن التحسين والتقبيح مختص بالشرع، ~~لا مدخل للعقل فيه، وهو مذهب جماعة أهل السنة (1). وإنما يقول به المبتدعة، ~~أعني التحسين والتقبيح بالعقل، فلزم أن تكون (2) السنة في الحديث إما حسنة ~~بالشرع (3)، وإما قبيحة بالشرع، فلا تصدق (4) إلا على مثل الصدقة المذكورة ~~وما أشبهها من السنن المشروعة، وتبقى السنة السيئة منزلة على المعاصي التي ~~ثبت بالشرع كونها معاصي، كالقتل المنبه عليه في حديث ابن آدم، حيث قال عليه ~~السلام: "لأنه أول من سن القتل" (5)، وعلى البدع، لأنه قد ثبت ذمها، والنهي ~~عنها بالشرع كما تقدم. # وأما قوله: "ومن (6) ابتدع بدعة ضلالة"، فهو على ظاهره، لأن سبب الحديث ~~لم يقيده بشيء، فلا بد من حمله على ظاهر اللفظ كالعمومات المبتدأة التي لم ~~يثبت (7) لها أسباب. # ويصح أن يحمل على نحو ذلك قوله: "ومن سن سنة سيئة" أي من اخترعها، وشمل ~~(8) ما كان منها مخترعا ابتداء من المعاصي، كالقتل من أحد ابني آدم، وما ~~كان مخترعا بحكم الحال، إذ (9) كانت قبل مهملة متناساة فأثارها عمل هذا ~~العامل. # فقد عاد الحديث والحمد لله حجة على أهل البدع من جهة لفظه، وشرح الأحاديث ~~الأخر له. # وإنما يبقى النظر في قوله: "ومن ابتدع بدعة ضلالة"، وأن تقييد ~~PageV01P315 # البدعة بالضلالة يفيد مفهوما (1)، والأمر فيه قريب، لأن الإضافة فيه لم ~~تفد مفهوما. # وإن قلنا بالمفهوم على رأي طائفة من أهل الأصول (2)، فإن (3) الدليل دل ~~على تعطيله في هذا الموضع، كما دل دليل تحريم الربا قليله وكثيره على تعطيل ~~المفهوم في قول الله تعالى: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} (4) (5)، ولأن ~~الضلالة لازمة للبدعة (6) بإطلاق، بالأدلة المتقدمة، فلا مفهوم أيضا. # والجواب (7) عن الإشكال الثاني (8): أن جميع ما ذكر فيه من قبيل المصالح ~~المرسلة، لا من قبيل البدعة المحدثة. ms171 والمصالح المرسلة قد عمل بمقتضاها ~~السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، فهي من الأصول الفقهية الثابتة عند أهل ~~الأصول، وإن كان فيها خلاف بينهم (9)، ولكن لا يعود (10) ذلك بقدح (11) على ~~ما نحن فيه. PageV01P316 # أما جمع المصحف، وقصر الناس عليه، فهو على الحقيقة من هذا الباب، إذ أنزل ~~(1) القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف، تسهيلا على العرب المختلفات اللغات ~~(2)، فكانت المصلحة في ذلك ظاهرة، إلا أنه عرض في إباحة ذلك بعد زمان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فتح لباب الاختلاف في القرآن، حيث (3) اختلفوا في ~~القراءة (4) حسبما يأتي بحول الله تعالى (5)، فخاف الصحابة رضوان الله ~~تعالى عليهم اختلاف الأمة في ينبوع الملة، فقصروا الناس على ما ثبت منها في ~~مصاحف عثمان رضي الله تعالى عنه، واطرحوا ما سوى ذلك، علما بأن ما اطرحوه ~~مضمن فيما أثبتوه، لأنه من قبيل القراءات التي يؤدى بها القرآن. # ثم ضبطوا ذلك أيضا (6) بالرواية حين فسدت الألسنة، ودخل في الإسلام أهل ~~العجمة، خوفا من فتح باب آخر من الفساد، وهو أن يدخل أهل الإلحاد في القرآن ~~أو في القراءات ما ليس منها، فيستعينوا بذلك في بث إلحادهم. ألا ترى أنه ~~(7) لما لم يمكنهم الدخول من هذا الباب دخلوا من جهة التأويل والدعوى في ~~معاني القرآن، حسبما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى (8). # فحق ما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن له أصلا يشهد له في ~~الجملة، وهو الأمر بتبليغ الشريعة، وذلك لا خلاف فيه، لقوله تعالى: {ياأيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} (9)، وأمته مثله، وفي الحديث: (ليبلغ ~~الشاهد منكم الغائب) (10) وأشباهه. PageV01P317 # والتبليغ كما لا يتقيد بكيفية معلومة، لأنه من قبيل المعقول المعنى، فيصح ~~بأي شيء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة (1) وغيرها، كذلك لا يتقيد حفظه ~~عن التحريف والزيغ بكيفية دون أخرى إذا لم يعد على الأصل بالإبطال (2)، ~~كمسألة المصحف، ولذلك أجمع عليه السلف الصالح. # وأما ما سوى المصحف فالأمر فيه أسهل، فقد ثبت في السنة أصل (3) كتابة ~~العلم، ففي ms172 الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لأبي (4) شاه" (5)، ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أكثر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مني (6)، إلا عبد ~~الله بن عمرو (7)، فإنه كان يكتب، وكنت لا أكتب) (8). # وذكر أهل السير أنه كان لرسول الله (9) صلى الله عليه وسلم كتاب يكتبون ~~له الوحي PageV01P318 # وغيره، منهم عثمان وعلي ومعاوية والمغيرة بن شعبة وأبي بن كعب وزيد بن ~~ثابت وغيرهم (1). # وأيضا فإن الكتابة من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به إذا تعين لضعف الحفظ، ~~وخوف اندراس العلم، كما خيف (على القرآن في زمان أبي بكر رضي الله عنه، ~~فدليل كتب العلم إذا خيف) (2) دروسه عتيد (3). وهو الذي نبه عليه اللخمي ~~فيما تقدم (4) وإنما كره (5) المتقدمون كتب العلم لأمر آخر (6)، لا لكونه ~~بدعة، فكل من سمى كتب العلم بدعة فإما متجوز، وإما غير عارف بوضع (7) لفظ ~~البدعة. فلا يصح الاستدلال بهذه الأشياء على صحة العمل بالبدع. # وإن تعلق بما ورد من الخلاف في المصالح المرسلة، وأن البناء عليها غير ~~(8) صحيح عند جماعة من الأصوليين (9)، (فالحجة عليهم) (10) إجماع الصحابة ~~على المصحف والرجوع إليه، وإذا ثبت اعتبارها (11) في صورة ثبت اعتبارها ~~مطلقا، ولا يبقى بين المختلفين نزاع إلا في الفروع. # وفي الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات ~~الأمور" (12)، فأعطى الحديث كما ترى أن ما سنه الخلفاء الراشدون ~~PageV01P319 # لاحق بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن ما سنوه لا يعدو أحد أمرين: ~~إما أن يكون مقصودا بدليل شرعي، فذلك سنة لا بدعة، وإما بغير دليل، ومعاذ ~~الله من ذلك، ولكن هذا الحديث دليل على إثباته سنة، إذ قد أثبته كذلك صاحب ~~الشريعة صلى الله عليه وسلم. # فدليله من الشرع ثابت، فليس ببدعة، ولذلك أردف الأمر (1) باتباعهم (2) ~~بالنهي عن البدع بإطلاق، ولو كان عملهم ذلك بدعة لوقع في الحديث التدافع. # وبذلك يجاب ms173 عن مسألة قتل الجماعة بالواحد (3)، لأنه منقول عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، وهو أحد الخلفاء الراشدين، وتضمين الصناع (4)، وهو ~~منقول عن الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم. # وأما ما يروى عن عمر بن عبد العزيز فلم أره ثابتا من طريق صحيح (5)، وإن ~~سلم فراجع: إما لأصل المصالح المرسلة (وإما لباب تحقيق المناط، وكذلك الأخذ ~~بقول الميت دمي عند فلان من باب المصالح المرسلة) (6) إن لم نقل: إن أصله ~~قصة البقرة (7) ، وإن (8) ثبت أن المصالح المرسلة مقول بها عند السلف مع أن ~~القائلين بها يذمون البدع وأهلها، ويتبرأون منهم دل على أن البدع مباينة ~~لها، وليست منها في شيء، ولهذه المسألة باب تذكر فيه (بعد إن شاء الله) (9) ~~(10). PageV01P320 ### | ### | فصل # (1) # ومما يورد في هذا الموضع أن العلماء قسموا البدع بأقسام أحكام الشريعة ~~الخمسة، ولم يعدوها قسما واحدا مذموما، فجعلوا منها ما هو واجب ومندوب ~~ومباح ومكروه ومحرم. # وبسط ذلك القرافي (2) بسطا شافيا (3)، وأصل ما أتى به من ذلك لشيخه (4) ~~عز الدين بن عبد السلام (5)، وها أنا آتي به على نصه، فقال: "اعلم أن ~~الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع، نص على ذلك ابن أبي زيد (6) ~~وغيره (7)، والحق التفصيل، وأنها خمسة أقسام: قسم واجب، وهو ما تناولته ~~قواعد الوجوب وأدلته من الشرع، كتدوين القرآن PageV01P321 # والشرائع إذا (1) خيف عليها الضياع، فإن (2) التبليغ لمن بعدنا من القرون ~~واجب إجماعا وإهمال ذلك حرام إجماعا، فمثل هذا النوع لا ينبغي أن يختلف في ~~وجوبه. # القسم الثاني: المحرم، وهو كل بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من ~~الشريعة، كالمكوس، والمحدثات من المظالم، والمحدثات المنافية لقواعد ~~الشريعة، كتقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشرعية من لا يصلح ~~لها (3) بطريق (4) التوريث، وجعل المستند في ذلك كون المنصب كان لأبيه، وهو ~~في نفسه ليس بأهل. # القسم الثالث من (5) البدع مندوب (6) إليه، وهو ما تناولته قواعد الندب ~~وأدلته، كصلاة التراويح، وإقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور (7) على ~~خلاف ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم بسبب أن المصالح والمقاصد ~~الشرعية ms174 لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس، وكان الناس في زمان (8) ~~الصحابة رضوان الله عليهم معظم تعظيمهم إنما هو بالدين وسبق الهجرة، ثم ~~اختل النظام، وذهب ذلك القرن، وحدث قرن آخر لا يعظمون إلا بالصور، فتعين ~~تفخيم الصور حتى تحصل المصالح. # وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأكل خبز الشعير والملح، ويفرض ~~لعامله نصف شاة في (9) كل يوم، لعلمه بأن الحالة التي هو عليها لو عملها ~~(10) غيره لهان في نفوس الناس، ولم يحترموه، وتجاسروا عليه PageV01P322 # بالمخالفة، فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى تحفظ النظام. # ولذلك (1) لما قدم الشام وجد معاوية بن أبي سفيان قد اتخذ الحجاب، واتخذ ~~المراكب النفيسة، والثياب الهائلة العلية (2)، وسلك ما سلكه الملوك، فسأله ~~عن ذلك، فقال له (3): إنا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا، فقال له: لا آمرك ~~ولا أنهاك، ومعناه أنت أعلم بحالك هل أنت محتاج إلى هذا (4) (فيكون حسنا ~~(5)، أو غير محتاج إليه) (6)، فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأئمة ~~وولاة الأمور تختلف باختلاف الأمصار والأعصار (7) والقرون والأحوال. # فكذلك يحتاج (8) إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديمة، وربما وجبت في ~~بعض الأحوال. # القسم الرابع: بدع (9) مكروهة، وهي ما تناولته أدلة الكراهة من الشريعة ~~وقواعدها، كتخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة، ولذلك جاء (10) ~~في الصحيح، خرجه مسلم وغيره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص ~~يوم الجمعة بصيام، أو ليلته (11) بقيام (12). # ومن هذا الباب الزيادة في المندوبات المحدودات، كما ورد في PageV01P323 # التسبيح عقب (1) الفريضة ثلاثا وثلاثين، فتفعل مئة، وورد (2) صاع في زكاة ~~الفطر، فيجعل عشرة أصوع (3)، بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على ~~الشارع، وقلة أدب معه، بل شأن العظماء إذا حددوا شيئا وقف عنده، وعد الخروج ~~عنه قلة أدب. # والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع، لأنه يؤدي إلى أن يعتقد أن ~~الواجب هو الأصل والمزيد عليه، ولذلك نهى مالك رضي الله عنه عن إيصال صيام ~~(4) ستة أيام من شوال، لئلا يعتقد ms175 أنها من رمضان (5). # وخرج أبو داود في (سننه) (6) أن رجلا دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فصلى الفرض، وقام (7) ليصلي ركعتين، فقال له عمر (بن الخطاب) ~~(8): (اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك، فبهذا (9) هلك من قبلنا)، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب" (10)، يريد عمر إن ~~من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض واعتقدوا الجميع واجبا، وذلك تغيير ~~للشرائع، وهو حرام إجماعا. # القسم الخامس: البدع المباحة، وهي ما تناولته أدلة الإباحة PageV01P324 # وقواعدها من الشريعة، كاتخاذ المناخل للدقيق، ففي الآثار: (أول شيء أحدثه ~~الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخاذ المناخل)، لأن تليين العيش ~~وإصلاحه من المباحات، فوسائله مباحة. # فالبدعة إذا عرضت تعرض على قواعد الشرع وأدلته، فأي شيء تناولها من ~~الأدلة والقواعد ألحقت به، من إيجاب أو تحريم أو غيرهما، وإن نظر إليها من ~~حيث الجملة بالنظر إلى كونها بدعة مع قطع النظر فيما يتقاضاها كرهت. فإن ~~الخير (1) كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع (2). (انتهى ما ذكره ~~القرافي) (3). # وذكر شيخه (4) في قواعده (5)، في فصل البدع منها بعد ما قسم أحكامها إلى ~~الخمسة أن الطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت ~~في قواعد الإيجاب فهي واجبة، إلى أن قال: وللبدع الواجبة أمثلة: # أحدها: الاشتغال (بعلم النحو) (6) الذي (7) يفهم به كلام الله تعالى، ~~وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك واجب، لأن حفظ الشريعة واجب، [ولا ~~يتأتى حفظها إلا بمعرفة ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب] (8). # والثاني: حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة. # والثالث: تدوين أصول الفقه. PageV01P325 # والرابع: الكلام في الجرح والتعديل، لتمييز (1) الصحيح من السقيم. # ثم قال: وللبدع المحرمة أمثلة: # منها (2) مذهب القدرية (3)، ومذهب الجبرية (4)، والمرجئة (5)، والمجسمة ~~(6)، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة. # قال: وللمندوب أمثلة: منها إحداث (7) الربط، والمدارس، وبناء القناطر ~~(8)، ومنها كل إحسان لم يعهد (9) في العصر (10) الأول، (ومنها صلاة ~~التراويح) (11)، (ومنها الكلام في دقائق التصوف، والكلام في الجدل) (12)، ~~ومنها جمع ms176 المحافل (13) للاستدلال في المسائل، إن قصد بذلك وجهه تعالى. # قال (14): وللمكروهة (15) أمثلة: منها زخرفة المساجد، وتزويق (16) ~~المصاحف. PageV01P326 # وأما تلحين القرآن بحيث تتغير (1) ألفاظه عن الوضع العربي، فالأصح أنه من ~~البدع المحرمة. # قال: وللبدع المباحة (2) أمثلة: منها المصافحة عقيب (3) صلاة الصبح ~~والعصر، ومنها التوسع في اللذيذ من المأكل (4) والمشرب (5) والملابس ~~والمساكن، ولبس الطيالسة (6)، وتوسيع الأكمام. # وقد اختلف (7) في بعض ذلك، فجعله بعض العلماء من البدع المكروهة، وجعله ~~(8) آخرون من السنن المفعولة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ~~بعده، كالاستعاذة والبسملة في الصلاة (9). انتهى محصول ما قال. # وهو يصرح مع ما قبله (10) بأن البدع تنقسم بأقسام الشريعة، فلا يصح أن ~~تحمل أدلة ذم البدع على العموم، بل لها مخصصات. # والجواب (11): أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في ~~نفسه متدافع، لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص ~~الشرع، ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو ~~إباحة لما كان ثم بدعة، ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها، أو ~~المخير فيها. PageV01P327 # فالجمع بين كون (1) تلك الأشياء بدعا، وبين (2) كون الأدلة تدل على ~~وجوبها أو ندبها أو إباحتها، جمع بين متنافيين. # أما المكروه منها والمحرم (3) فمسلم من جهة كونها بدعا، لا من جهة أخرى، ~~إذ لو دل الدليل على منع أمر ما (4)، أو كراهته (5)، لم يثبت بذلك (6) كونه ~~بدعة، لإمكان أن يكون (7) معصية، كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها. فلا ~~بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم ألبتة، إلا الكراهية والتحريم، حسبما يذكر في ~~بابه (8) (إن شاء الله) (9). # فما ذكره القرافي (10) عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح، وما ~~قسمه فيها غير صحيح. # ومن العجب حكايته (11) الاتفاق مع (12) المصادمة بالخلاف، ومع (13) ~~معرفته بما يلزمه في خرق الإجماع، وكأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخه من ~~غير تأمل، فإن ابن عبد السلام ظاهر منه أنه سمى المصالح المرسلة بدعا، بناء ~~والله أعلم على ms177 أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة، وإن كانت تلائم ~~قواعد الشرع، فمن هنالك جعل القواعد هي الدالة على استحسانها، فتسميته (14) ~~لها بلفظ البدع هو (15) من حيث فقدان الدليل المعين على المسألة المعينة ~~(16) واستحسانها من حيث دخولها تحت PageV01P328 # القواعد، ولما بنى على اعتماد تلك القواعد استوت عنده مع الأعمال الداخلة ~~تحت النصوص المعينة، وصار من القائلين بالمصالح المرسلة، وسماها بدعا في ~~اللفظ، كما سمى عمر رضي الله عنه الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة (1)، ~~كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # أما القرافي فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه ولا على ~~مراد الناس، لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم فصار مخالفا للإجماع (2). # ثم نقول: أما قسم الواجب فقد تقدم ما فيه آنفا فلا نعيده (3)، وأما قسم ~~التحريم فليس فيه ما هو بدعة هكذا بإطلاق، بل ذلك كله مخالفة للأمر ~~المشروع، فلا يزيد على تحريم أكل المال بالباطل إلا من جهة كونه موضوعا على ~~وزان الأحكام الشرعية اللازمة، كالزكوات المفروضة، والنفقات المقدرة، ~~وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى (4)، وقد تقدم في الباب الأول ~~منه طرف (5). # فإذن لا يصح أن يطلق القول في هذا القسم بأنه بدعة دون أن يقسم الأمر في ~~ذلك. # وأما قسم المندوب فليس من البدع بحال، ويتبين (6) ذلك بالنظر في الأمثلة ~~التي مثل لها (7) فصلاة (8) التراويح في رمضان جماعة في المسجد، قد (9) قام ~~بها رسول الله (10) صلى الله عليه وسلم في المسجد، واجتمع الناس خلفه. ~~PageV01P329 # فخرج أبو داود عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ~~رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ~~فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر ~~الليل، فقلنا (2): يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة، قال: فقال: "إن ~~الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة"، قال: فلما كانت ~~الرابعة لم يقم، ms178 فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه، والناس، فقام بنا حتى ~~خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور (3)، ثم لم يقم ~~بنا بقية الشهر. ونحوه في الترمذي قال (4) فيه: حسن صحيح (5). # لكنه صلى الله عليه وسلم لما خاف افتراضه (6) على الأمة أمسك عن (7) ذلك، ~~ففي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله (8) صلى الله عليه ~~وسلم صلى في المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى القابلة فكثر الناس، ~~ثم اجتمعوا من (9) الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ~~(10) صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: "قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني ~~من الخروج إلا أني PageV01P330 # خشيت أن يفرض (1) عليكم" (2)، وذلك في رمضان، وخرجه (3) مالك في الموطأ. ~~فتأملوا، ففي هذا (4) الحديث ما يدل على كونها سنة، فإن قيامه أولا (5) بهم ~~دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان، وامتناعه بعد ذلك من الخروج ~~خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقا، لأن زمانه كان زمان وحي وتشريع، ~~فيمكن أن يوحى إليه إذا عمل به الناس بالإلزام، فلما زالت علة التشريع بموت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع الأمر إلى أصله، وقد ثبت الجواز، فلا ~~ناسخ له. وإنما لم يقم ذلك أبو بكر رضي الله عنه لأحد أمرين: # إما لأنه رأى من (6) قيام الناس في (7) آخر الليل، وقوتهم (8) عليه ما ~~(9) كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل. ذكره الطرطوشي (10). # وإما لضيق زمانه رضي الله عنه عن النظر في هذه الفروع، مع شغله بأهل ~~الردة (11)، وغير ذلك مما هو أوكد (12) من صلاة التراويح. PageV01P331 # فلما تمهد الإسلام في زمان (1) عمر رضي الله عنه، ورأى الناس في المسجد ~~أوزاعا (2) كما جاء في الخبر، قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل، ~~فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل، ثم اتفق السلف على صحة ~~ذلك وإقراره (3)، والأمة لا تجتمع على ضلالة. # وقد نص الأصوليون على (4) أن الإجماع لا يكون إلا ms179 عن دليل شرعي (5) (6). # فإن قيل: فقد سماها عمر رضي الله عنه بدعة، وحسنها بقوله: (نعمت البدعة ~~هذه) (7)، وإذا ثبتت (8) بدعة ما (9) مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان ~~في البدع (10). # فالجواب (11): أنه (12) إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال، من حيث ~~تركها رسول (الله صلى) (13) الله عليه وسلم، واتفق أن لم تقع في زمان أبي ~~بكر رضي الله عنه، لا أنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار ~~فلا مشاحة في الأسامي، وعند ذلك لا (14) يجوز (15) أن (16) يستدل بها على ~~جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه، لأنه نوع من تحريف PageV01P332 # الكلم (1) عن مواضعه. فقد (2) قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن ~~يعمل به الناس فيفرض عليهم) (4) (5). # وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن الوصال (6) رحمة بالأمة، وقال: "إني لست ~~كهيئتكم، إني (7) أبيت (8) عند ربي يطعمني ويسقيني" (9). # وواصل الناس بعده لعلمهم بوجه العلة (10) في (11) النهي (12) حسبما يأتي ~~إن شاء الله تعالى. PageV01P333 # وذكر القرافي من (1) جملة الأمثلة: إقامة صور الأئمة والقضاة، إلى آخر ما ~~قال، وليس ذلك (2) من قبيل البدع بسبيل: # أما أولا: فإن التجمل بالنسبة إلى ذوي الهيئات والمناصب الرفيعة مطلوب، ~~وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم حلة يتجمل بها للوفود، ومن العلة في ذلك ~~ما قاله القرافي من أن ذلك أهيب وأوقع في النفوس، (وأحرى بحصول) (3) ~~(التعظيم في الصدور) (4)، ومثله التجمل للقاء (5) العظماء، كما جاء في حديث ~~أشج (6) عبد القيس (7). # وأما ثانيا: فإن سلمنا أن لا دليل عليه بخصوصه، فهو من (8) قبيل المصالح ~~المرسلة، وقد مر أنها ثابتة في الشرع (9). # وما قاله من أن عمر كان يأكل خبز الشعير، ويفرض لعامله نصف شاة، فليس فيه ~~تفخيم صورة الإمام ولا عدمه، بل فرض له ما يحتاج إليه خاصة، وإلا فنصف شاة ~~لبعض العمال قد لا يكفيه لكثرة عيال، وطروق PageV01P334 # ضيف، وسائر ما يحتاج إليه من لباس وركوب وغيرهما، فذلك قريب من أكل ~~الشعير في المعنى، وأيضا ms180 فإن ما يرجع إلى المأكول والمشروب لا تجمل فيه (1) ~~بالنسبة إلى الظهور للناس. # وقوله: (فكذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديمة، وربما وجبت ~~في بعض الأحوال (2)) مفتقر إلى التأمل، ففيه على الجملة أنه مناقض لقوله في ~~(3) آخر الفصل (الخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع) مع ما ذكر ~~قبله. # فإن هذا (4) كلام يقتضي أن الابتداع شر كله، فلا يمكن أن يجتمع مع فرض ~~الوجوب، وهو قد ذكر أن البدعة قد تجب، وإذا وجبت لزم العمل بها، وهي كما ~~قال تتضمن (5) الشر كله، فقد اجتمع فيها الأمر بها، والأمر بتركها، ولا ~~يمكن فيها (6) الانفكاك وإن كانا من جهتين لأن الوقوع يستلزم الاجتماع (7)، ~~وليسا كالصلاة في الدار المغصوبة (8)، لأن الانفكاك في الوقوع ممكن، وهاهنا ~~إذا وجبت فإنما تجب على (9) الخصوص، وقد فرض أن الشر فيها على الخصوص فلزم ~~التناقض. # وأما على التفصيل، فإن تجديد الزخارف فيه من الخطأ ما لا يخفى. وأما ~~السياسات، فإن كانت جارية على مقتضى الدليل الشرعي فليست ببدع، وإن خرجت عن ~~ذلك فكيف يندب إليها (10)؟ وهي مسألة النزاع. # وذكر في قسم (11) المكروه أشياء هي من قبيل (البدع في) (12) الجملة ~~PageV01P335 # ولا كلام فيها، أو من قبيل الاحتياط على العبادات المحضة (أن لا) (1) ~~يزاد فيها، ولا ينقص منها (2)، وذلك صحيح، لأن الزيادة فيها (3)، والنقصان ~~منها (4) بدع منكرة، ممآلاتها (5) وذرائعها يحتاط بها في جانب النهي. # وذكر في قسم المباح مسألة المناخل، وليست في الحقيقة من البدع بل هي من ~~باب التنعم، ولا يقال فيمن تنعم بمباح: إنه قد ابتدع، وإنما يرجع ذلك إذا ~~اعتبر إلى جهة الإسراف في المأكول، لأن الإسراف كما يكون في جهة الكمية، ~~كذلك (6) يكون في جهة الكيفية، فالمناخل لا تعدو (7) القسمين، فإن كان ~~الإسراف مما له (8) بال (9) كره (10)، وإلا اغتفر، مع أن الأصل الجواز. # ومما يحكيه أهل التذكير من الآثار أن (11) أول ما أحدث الناس أربعة ~~أشياء: المناخل، والشبع، وغسل اليد (12) بالأشنان (13) بعد الطعام، والأكل ~~على الموائد. # وهذا كله إن ثبت نقلا ليس ببدعة، ms181 وإنما يرجع إلى أمر آخر، وإن سلم أنه ~~بدعة فلا نسلم (14) أنها مباحة، بل هي ضلالة ومنهي عنها، ولكنا لا نقول ~~(15) بذلك. PageV01P336 ### | ### | فصل # # وأما ما قاله عز الدين (1)، فالكلام فيه على ما تقدم، فأمثلة الواجب منها ~~من قبيل (2) ما لا يتم الواجب إلا به كما قال ، فلا يشترط أن يكون معمولا ~~به في السلف، ولا أن يكون له أصل في الشريعة على الخصوص، لأنه (3) من باب ~~المصالح المرسلة لا من (4) البدع (5). # أما هذا الثاني فقد تقدم (6)، وأما الأول (7)، فلأنه لو كان ثم من يسير ~~إلى فريضة الحج طيرانا في الهواء (8)، أو مشيا على الماء، لم (9) يعد ~~مبتدعا بمشيه كذلك، لأن المقصود إنما هو التوصل إلى مكة لأداء الفرض، وقد ~~حصل على الكمال، فكذلك هذا. # على أن هذه الأشياء (10) قد ذمها بعض من تقدم من المصنفين في طريقة ~~التصوف، وعدها من جملة ما ابتدع الناس، وذلك غير صحيح، ويكفي في رده إجماع ~~الناس قبله على خلاف ما قال. # على أنه نقل عن القاسم بن مخيمرة (11) أنه ذكرت عنده (12) العربية، ~~PageV01P337 # فقال: (أولها كبر وآخرها (1) بغي) (2). # وحكي أن بعض السلف قال: "النحو يذهب الخشوع من القلب، ومن (3) أراد أن ~~يزدري الناس كلهم فلينظر في النحو"، ونقل نحوا (4) من هذا (5). # وهذه كلها لا دليل فيها على الذم، لأنه لم يذم النحو من حيث هو بدعة، بل ~~من حيث ما يكتسب به أمر زائد، كما يذم سائر علماء السوء، لا لأجل علومهم، ~~بل لأجل ما يحدث لهم بالعرض من الكبر به والعجب وغيرهما، ولا يلزم من ذلك ~~كون العلم بدعة، فتسمية العلوم التي يكتسب بها أمر مذموم بدعا، إما على ~~المجاز المحض، من حيث لم يحتج إليها أولا، ثم احتيج إليها (6) بعد، أو من ~~عدم المعرفة بموضوع البدعة، إذ من العلوم الشرعية ما يداخل صاحبها الكبر ~~والزهو وغيرهما، ولا يعود ذلك عليها بذم. # ومما حكى هذا (7) المتصوفة (8) عن بعض علماء الخلف، قال: (العلوم تسعة، ~~أربعة منها سنة معروفة من الصحابة والتابعين، وخمسة محدثة لم ms182 تكن تعرف فيما ~~سلف، قال (9): فأما الأربعة المعروفة: فعلم الإيمان وعلم القرآن، وعلم ~~الآثار، والفتاوى، وأما الخمسة المحدثة: فالنحو، والعروض، وعلم المقاييس ~~(10)، والجدل في الفقه، وعلم المعقول بالنظر). انتهى (11). # وهذا إن صح نقله فليس أولا كما قال، فإن أهل العربية يحكون PageV01P338 # عن أبي الأسود الدؤلي (1) أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي أشار ~~عليه بوضع شيء في النحو، حين سمع الأعرابي (2) قارئا يقرأ (3): {أن الله ~~بريء من المشركين ورسوله} (4) بالجر، (فقال برئت مما برئ الله منه، فبلغت ~~عليا رضي الله عنه، فأشار على أبي الأسود فوضع النحو) (5). # وقد روى عن ابن أبي مليكة (6) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن لا ~~يقرئ (7) القرآن إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود فوضع النحو. والعروض من ~~جنس النحو، وإذا كانت الإشارة من واحد من الخلفاء الراشدين صار النحو ~~والنظر في الكلام (8) العربي (9) من سنة الخلفاء الراشدين، وإن سلم أنه ليس ~~(10) كذلك، فقاعدة المصالح تعم (11) علوم العربية، أي (12) (تكون من) (13) ~~قبيل المشروع، فهي من جنس كتب المصحف، وتدوين الشرائع. # وما ذكر عن القاسم بن مخيمرة قد رجع عنه، فإن (14) أحمد بن يحيى ~~PageV01P339 # ثعلبا (1) قال: كان أحد الأئمة في الدين يعيب النحو، ويقول: (أول تعلمه ~~شغل، وآخره بغي (2) يزدري العالم به الناس)، فقرأ يوما: {إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء} (3) (برفع الله، ونصب العلماء) (4)، فقيل له: كفرت من حيث ~~لم (5) تعلم. تجعل الله يخشى العلماء؟ فقال: (لا طعنت (6) على (7) علم يؤول ~~(8) بي (9) إلى معرفة هذا أبدا). # قال عثمان بن سعيد الداني (10): الإمام الذي ذكره أحمد بن يحيى هو القاسم ~~بن مخيمرة (11). قال: وقد جرى لعبد الله بن أبي إسحاق مع محمد بن سيرين ~~كلام، وكان ابن سيرين ينتقص النحويين، فاجتمعا في جنازة فقرأ ابن سيرين: ~~{إنما يخشى الله من عباده العلماء} برفع اسم الله، فقال له ابن أبي إسحاق: ~~كفرت يا أبا بكر، تعيب على هؤلاء الذين يقيمون كتاب الله؟ فقال ابن سيرين: ~~إن كنت أخطأت فأستغفر الله. # وأما علم ms183 المقاييس فأصله في السنة، ثم في علم السلف بالقياس، نعم (12) قد ~~جاء في ذم القياس أشياء حملوها على القياس الفاسد، (وهو القياس على غير ~~أصل، وهو عمدة كل مبتدع؛ وأما الجدل في PageV01P340 # الفقه) (1)، فذلك من قبيل النظر في الأدلة، وقد كان السلف الصالح يجتمعون ~~للنظر في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها للتعاون على استخراج الحق، ~~فهو من قبيل التعاون على البر والتقوى، ومن قبيل المشاورة المأمور بها (2)، ~~فكلاهما مأمور به. # وأما علم المعقول بالنظر، فأصل ذلك في الكتاب والسنة، لأن الله تعالى ~~احتج في القرآن على المخالفين لدينه بالأدلة العقلية، كقوله: {لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا} (3)، وقوله: {هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء} ~~(4)، وقوله: {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات} (5). # وحكى عن إبراهيم عليه السلام محاجته للكفار بقوله: {فلما جن عليه الليل ~~رأى كوكبا قال هذا ربي} (6) إلى آخرها. # وفي الحديث حين ذكرت العدوى: (فمن أعدى الأول؟) (7) إلى غير ذلك من ~~الأدلة، فكيف يقال: إنه من البدع؟ # وقول عز الدين: (إن الرد على القدرية (8)، وكذا ((غيرهم) (9) من أهل (10) ~~البدع) (11) من البدع الواجبة) غير جار على الطريق الواضح، ولو سلم فهو من ~~المصالح المرسلة. PageV01P341 # (وأما أمثلة البدع المحرمة فظاهرة) (1). # وأما أمثلة البدع (2) المندوبة: فذكر منها إحداث الربط والمدارس، فإن عنى ~~بالربط ما بني من الحصون والقصور قصدا للرباط (3) فيها، فلا شك أن ذلك ~~مشروع بشرعية (4) الرباط، ولا بدعة فيه، وإن عنى بالربط ما بني لالتزام ~~سكناها قصدا (5) للانقطاع (6) للعبادة (7)، فإن (8) إحداث الربط التي شأنها ~~أن تبنى تدينا للمنقطعين للعبادة في زعم المحدثين ويوقف (9) عليها أوقاف ~~يجري منها على الملازمين لها ما يقوم بهم في معاشهم من طعام ولباس (10) ~~وغيرهما، لا يخلو أن يكون لها (11) أصل في الشريعة أم لا، فإن لم يكن لها ~~(12) أصل دخلت في الحكم تحت قاعدة البدع التي هي ضلالات، فضلا عن أن تكون ~~مباحة، فضلا عن أن تكون مندوبا إليها، وإن كان لها أصل فليست ببدعة ~~فإدخالها ms184 تحت جنس البدع غير صحيح. # ثم إن كثيرا ممن تكلم على هذه المسألة من المصنفين في التصوف تعلقوا ~~بالصفة (13) التي كانت في مسجد (14) رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع ~~فيها فقراء المهاجرين، وهم الذين نزل فيهم: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي ... } (15) الآية، وقوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} (16) الآية، فوصفهم (17) بالتعبد ~~والانقطاع إلى الله بدعائه قصدا لله خالصا، فدل على أنهم انقطعوا لعبادة ~~الله (18)، لا يشغلهم عن ذلك شاغل، فنحن إنما صنعنا صفة مثلها أو تقاربها ~~PageV01P342 # ليجتمع (1) فيها من أراد أن ينقطع (2) إلى الله، ويلتزم العبادة، ويتجرد ~~عن الدنيا والشغل بها، وذلك كان شأن الأولياء أن (3) ينقطعوا (4) عن الناس، ~~ويشتغلوا (5) بإصلاح بواطنهم، ويولوا (6) وجوههم شطر الحق، فهم على سيرة من ~~تقدم. وإنما يسمى ذلك بدعة باعتبار ما، بل هي سنة، وأهلها متبعون للسنة، ~~فهي طريقة خاصة لأناس خاصة (7)، ولذلك لما قيل لبعضهم: في (8) كم تجب ~~الزكاة؟ قال (9): على مذهبنا أم على مذهبكم؟ ثم قال: (أما على مذهبنا فالكل ~~لله، وأما على مذهبكم فكذا وكذا، أو كما قال. وهذا كله من الأمور التي جرت ~~عند كثير من الناس هكذا غير محققة، ولا منزلة على الدليل الشرعي، ولا على ~~أحوال الصحابة والتابعين. # ولا بد من بسط طرف من الكلام في هذه المسألة بحول الله، حتى يتبين الحق ~~فيها لمن أنصف، ولم يغالط نفسه، وبالله التوفيق. # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة كانت الهجرة ~~واجبة على كل مؤمن بالله (10)، ممن كان بمكة (11) أو غيرها، فكان منهم من ~~احتال على نفسه، فهاجر بماله أو بشيء (12) منه، فاستعان به لما قدم المدينة ~~في حرفته التي كان يحترف من تجارة أو غيرها، كأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ~~فإنه هاجر بجميع ماله، وكان خمسة آلاف (أو ستة آلاف) (13). PageV01P343 # ومنهم من فر بنفسه ولم يقدر على استخلاص شيء من ماله، فقدم المدينة صفر ~~اليدين. # وكان الغالب على أهل المدينة العمل في حوائطهم ms185 وأموالهم بأنفسهم، فلم يكن ~~لغيرهم معهم كبير فضل في العمل. # فكان (1) من المهاجرين من أشركهم الأنصار في أموالهم، وهم الأكثرون، ~~بدليل قصة بني (2) النضير، فإن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما افتتح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير قال للأنصار: "إن شئتم قسمتها بين ~~المهاجرين، وتركتم نصيبكم فيها (3)، وخلى المهاجرون (4) بينكم وبين دوركم ~~وأموالكم، فإنهم عيال عليكم"، فقالوا: نعم، ففعل ذلك نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم، غير أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف، وذكر أنهم (5) فقراء) ~~(6). # وقد قال المهاجرون أيضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله ما ~~رأينا قوما أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل، من قوم نزلنا بين ~~أظهرهم يعني الأنصار لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خفنا ~~أن يذهبوا بالأجر كله)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا (7)، ما دعوتم ~~الله لهم، وأثنيتم عليهم" (8). PageV01P344 # ومنهم من كان يلتقط نوى التمر فيرضخها (1)، ويبيعها علفا للإبل، ويتقوت ~~من ذلك الوجه. # ومنهم من لم يجد وجها يكتسب به لقوت ولا سكنى (2)، فجمعهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم في صفة كانت في مسجده، وهي سقيفة كانت من جملته (3)، إليها ~~يأوون، وفيها (4) يقعدون، إذ لم يجدوا (منزلا، كما لم يجدوا) (5) مالا ولا ~~أهلا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحض الناس على إعانتهم (6) والإحسان ~~إليهم، وقد وصفهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه إذ كان من جملتهم، وهو أعرف ~~الناس بهم، قال في الصحيح: (وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ~~ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته يعني النبي صلى الله عليه وسلم صدقة بعث ~~بها إليهم، ولا يتناول (7) منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب ~~منها، وأشركهم فيها) (8). # فوصفهم بأنهم أضياف الإسلام، وحكم لهم كما ترى بحكم الأضياف (9)، وإنما ~~وجبت الضيافة في الجملة، لأن من نزل بالبادية لا يجد منزلا ولا طعاما ~~لشراء، إذ لم يكن (10) لأهل الوبر أسواق ينال منها ما يحتاج إليه، من طعام ~~يشترى، ms186 ولا خانات يؤوى (11) إليها، فصار الضيف مضطرا، وإن كان ذا مال، فوجب ~~على أهل الموضع ضيافته (12) وإيواؤه (13) حتى يرتحل، فإن كان لا مال له ~~فذلك أحرى. PageV01P345 # فكذلك أهل الصفة لما لم يجدوا منزلا آواهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~المسجد حتى يجدوا، كما أنهم حين لم يجدوا ما يقوتهم ندب النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى إعانتهم. # وفيهم نزل قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض}، إلى قوله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل ~~الله} (1) الآية، فوصفهم الله تعالى بأوصاف منها أنهم أحصروا في سبيل الله، ~~أي منعوا وحبسوا حين قصدوا الجهاد مع نبيه صلى الله عليه وسلم كأن العدو ~~(2) أحصرهم، فلا يستطيعون ضربا في الأرض، لا (3) لاتخاذ المسكن ولا للمعاش، ~~لأن (4) العدو قد كان (5) أحاط بالمدينة، فلا هم يقدرون على الجهاد حتى ~~يكسبوا من غنائمه، ولا هم يتصرفون (6) للتجارة (7) أو غيرها لخوفهم (8) من ~~الكفار، ولضعفهم في أول الأمر، فلم يجدوا سبيلا للكسب أصلا. # وقد قيل: في (9) قوله تعالى: {لا يستطيعون ضربا في الأرض} (10) أنهم قوم ~~أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصاروا زمنى (11). # وفيهم أيضا نزل (قوله تعالى) (12): {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~PageV01P346 # ديارهم وأموالهم} (1)، ألا ترى كيف قال: {أخرجوا}، ولم يقل خرجوا (من ~~ديارهم) (2) وأموالهم (3)، فإنه (4) قد كان يحتمل أن يخرجوا اختيارا، فبان ~~أنهم إنما خرجوا منها اضطرارا، ولو وجدوا سبيلا أن لا يخرجوا (5) لفعلوا ~~(6)، ففيه دليل (7) على أن الخروج عن (8) المال اختيارا ليس بمقصود للشارع، ~~وهو الذي تدل عليه أدلة (9) الشريعة، فلأجل ذلك بوأهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الصفة. # فكانوا في أثناء ذلك ما بين طالب للقرآن والسنة، كأبي هريرة، فإنه (10) ~~قصر (11) نفسه على ذلك، ألا ترى إلى قوله في الحديث: "وكنت ألزم رسول (12) ~~(الله صلى الله) (13) عليه وسلم على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا ~~نسوا" (14). # وكان (15) منهم (16) من يتفرغ إلى ذكر الله وعبادته وقراءة القرآن، فإذا ~~غزا رسول الله ms187 (صلى الله) (17) عليه وسلم غزا معه، وإذا أقام أقام معه، حتى ~~فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين، فصاروا إلى ما صار إليه PageV01P347 # غيرهم (1)، ممن كان له (2) أهل ومال، من طلب (3) المعاش (4) واتخاذ ~~المسكن (5)، لأن العذر الذي حبسهم في الصفة قد زال، فرجعوا (6) إلى الأصل ~~لما زال العارض. # فالذي تحصل (7) أن القعود في الصفة لم يكن مقصودا لنفسه، ولا بناء الصفة ~~للفقراء مقصودا بحيث يقال: إن ذلك مندوب إليه لمن قدر عليه، ولا هي رتبة ~~(8) شرعية تطلب بحيث يقال: إن ترك الاكتساب، والخروج عن المال، والانقطاع ~~إلى الزوايا يشبه حالة أهل الصفة، وهي الرتبة (9) العليا، لأنها (10) تشبه ~~بأهل صفة رسول الله (صلى الله) (11) عليه وسلم الذين (12) وصفهم الله تعالى ~~في القرآن بقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} (13) الآية (14)، وقوله: ~~{واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} (15) الآية، فإن ذلك لم ~~يكن على ما زعم هؤلاء، بل كان على ما تقدم. # والدليل (على ذلك) (16) من العمل أن القعود (17) بالصفة لم يدم، ولم ~~يثابر أهلها ولا غيرهم على البقاء فيها، ولا عمرت بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولو كان من قصد الشارع ثبوت تلك الحالة، لكانوا هم أحق بفهمها أولا، ~~ثم بإقامتها والمكث فيها عن كل شغل، وأولى بتجديد معاهدها، لكنهم لم يفعلوا ~~ذلك البتة. PageV01P348 # فالتشبه (1) بأهل الصفة إذا في إقامة ذلك المعنى، واتخاذ الزوايا والربط ~~لا يصح (2). # فليفهم الموفق هذا الموضع، فإنه مزلة قدم لمن لم يأخذ دينه عن السلف ~~الأقدمين، والعلماء الراسخين. # ولا يظن العاقل أن القعود عن الكسب، ولزوم الربط مباح، أو مندوب إليه، أو ~~(3) أفضل من غيره، إذ ليس (4) ذلك بصحيح، ولن يأتي (5) آخر هذه الأمة بأهدى ~~مما (6) كان عليه أولها. # ويكفي (7) المسكين المغتر بعمل (8) الشيوخ (9) المتأخرين أن (10) صدور ~~هذه الطائفة المتصفين (11) بالصوفية (12) لم يتخذوا (13) رباطا (14) ولا ~~زاوية، ولا بنوا بناء يضاهون به الصفة للاجتماع على التعبد والانقطاع (15) ~~عن أسباب الدنيا كالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، والجنيد، وإبراهيم ~~الخواص، والحارث المحاسبي (16). والشبلي (17)، وغيرهم ممن سابق في ms188 هذا ~~الميدان. PageV01P349 # وإنما محصول هؤلاء (1) أنهم خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وخالفوا السلف الصالح، وخالفوا شيوخ الطريقة التي انتسبوا إليها، ولا توفيق ~~إلا بالله. # وأما المدارس: فلا (2) يتعلق (3) بها أمر تعبدي يقال في (4) مثله (5) ~~بدعة إلا على فرض أن يكون من السنة أن لا يقرأ العلم إلا بالمساجد (6)، ~~وهذا (7) لا يوجد، بل العلم كان في الزمان الأول يبث بكل (8) مكان من مسجد ~~أو منزل، أو سفر، أو حضر، أو غير ذلك، حتى في الأسواق. # فإذا أعد أحد من الناس (لقراءة العلم) (9) مدرسة يعين (10) بإعدادها ~~الطلبة، فلا يزيد ذلك على إعداده (11) له (12) منزلا من منازله، أو حائطا ~~من حوائطه، أو غير ذلك، فأين مدخل البدعة هاهنا؟ # وإن قيل: إن البدعة في تخصيص ذلك الموضع (13) دون غيره، فالتخصيص (14) ~~هاهنا ليس بتخصيص تعبدي، وإنما هو (15) تعيين بالحبس، كما تتعين سائر ~~الأموال (16) المحبسة، وتخصيصها ليس ببدعة، فكذلك ما نحن فيه، بخلاف الربط، ~~فإنها خصت تشبيها بالصفة، فهما (17) للتعبد، فصارت تعبدية بالقصد والعرف، ~~حتى إن ساكنيها مباينون لغيرهم في النحلة والمذهب والزي والاعتقاد. ~~PageV01P350 # وكذلك ما ذكر من بناء القناطر (1): فإنه راجع إلى إصلاح الطرق، وإزالة ~~المشقة عن سالكيها، وله أصل في شعب الإيمان، وهو إماطة الأذى عن الطريق، ~~فلا يصح أن يعد في البدع بحال. # وقوله: (وكذلك (2) كل (3) إحسان لم (4) يعهد (5) في العصر الأول)، فيه ~~تفصيل، فلا يخلو (6) الإحسان المفروض (7) أن يفهم من الشريعة أنه مقيد بقيد ~~تعبدي أو لا، فإن كان مقيدا بالتعبد الذي لا يعقل معناه، فلا يصح أن يعمل ~~به إلا على ذلك الوجه، وإن كان غير مقيد في أصل التشريع بأمر (8) تعبدي، ~~فلا يقال (9): إنه غير بدعة (10) على أي وجه وقع إلا على أحد ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يخرم (11) أصلا شرعيا، مثل الإحسان المتبع بالمن والأذى، ~~والصدقة من المديان المضروب على يده، وما أشبه ذلك، ويكون (12) إذ ذاك ~~معصية. # والثاني: أن يلتزم على وجه لا يتعدى، بحيث يفهم منه الجاهل أنه لا يجوز ~~إلا على ذلك الوجه، فحينئذ (13) يكون ms189 الالتزام المشار إليه (14) بدعة ~~مذمومة وضلالة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى (15)، فلا تكون إذا ~~مستحبة. PageV01P351 # والثالث: أن يجري على رأي من يرى (1) المعقول المعنى وغيره بدعة مذمومة، ~~كمن كره تنخيل الدقيق في العقيقة (2)، فلا تكون عنده البدعة مباحة ولا ~~مستحبة. # وصلاة التراويح تقدم الكلام عليها (3). # (وأما الكلام في دقائق التصوف) فليس ببدعة بإطلاق، ولا هو مما صح بالدليل ~~بإطلاق، بل الأمر ينقسم، ولفظ التصوف لا بد من شرحه أولا حتى يقع الحكم على ~~أمر مفهوم، لأنه أمر مجمل عند هؤلاء (4) المتأخرين، فلنرجع إلى ما قال فيه ~~المتقدمون. # وحاصل ما يرجع إليه (5) لفظ التصوف عندهم معنيان: # أحدهما: أنه (6) التخلق بكل خلق سني، والتجرد عن كل خلق (7) دني (8). # والآخر: أنه الفناء عن نفسه، والبقاء بربه (9). # وهما في التحقيق (10) يرجعان (11) إلى معنى واحد، إلا أن أحدهما يصلح ~~التعبير به عن (البداية، والآخر يصلح التعبير به عن) (12) النهاية، وكلاهما ~~اتصاف، إلا أن الأول لا يلزمه الحال (13)، والثاني يلزمه الحال. ~~PageV01P352 # وقد يعتبر (1) فيهما بلحظ آخر، فيكون الأول عملا تكليفيا، والثاني ~~نتيجته، ويكون الأول اتصاف الظاهر (2)، والثاني اتصاف الباطن، ومجموعهما هو ~~التصوف. # وإذا ثبت هذا فالتصوف بالمعنى الأول لا بدعة في الكلام فيه، لأنه إنما ~~يرجع (3) إلى التفقه (4) الذي (5) ينبني عليه العمل، وتفصيل آفاته وعوارضه، ~~وأوجه تلافي الفساد الواقع فيه بالإصلاح، وهو فقه صحيح، وأصوله (6) في ~~الكتاب والسنة ظاهرة، فلا يقال في مثله بدعة، إلا إذا أطلق على فروع الفقه ~~التي لم يؤلف (7) مثلها في السلف الصالح، أنها بدعة، كفروع أبواب السلم، ~~والإجارات، والجراح، ومسائل السهو، والرجوع عن الشهادات، وبيوع الآجال، وما ~~أشبه ذلك. # وليس من شأن العلماء إطلاق لفظ البدعة على الفروع المستنبطة التي لم تكن ~~فيما سلف، وإن دقت مسائلها، فكذلك لا يطلق على دقائق فروع الأخلاق الظاهرة ~~والباطنة أنها بدعة، لأن الجميع يرجع إلى أصول شرعية (8). # وأما بالمعنى الثاني (9) فهو على أضرب: # أحدها: يرجع إلى العوارض الطارئة على السالكين، إذا دخل عليهم نور ~~التوحيد الوجداني، فيتكلم فيها بحسب الوقت والحال، وما ms190 يحتاج إليه في ~~النازلة الخاصة، رجوعا إلى الشيخ المربي، وما تبين (10) له في تحقيق ~~PageV01P353 # مناطها بفراسته الصادقة في السالك بحسبه وبحسب (1) العارض، فيداويه بما ~~يليق به من الوظائف الشرعية، والأذكار الشرعية، أو بإصلاح مقصده إن عرض فيه ~~العارض، فقلما يطرأ العارض (2) إلا عند الإخلال ببعض الأصول الشرعية التي ~~بني عليها في بدايته، فقد قالوا: (إنما حرموا الوصول بتضييعهم الأصول) (3). # فمثل هذا لا بدعة فيه لرجوعه إلى أصل شرعي، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه ناس من أصحابه رضي الله ~~عنهم، فقالوا (4): يا رسول الله، إنا (5) نجد في أنفسنا الشيء يعظم (6) أن ~~نتكلم به، أو الكلام به، ما نحب أن لنا وأنا تكلمنا به، قال: (أو قد ~~وجدتموه؟) قالوا: نعم، قال: (ذلك صريح الإيمان (7)) (8). # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه، يعرض بالشيء، لأن يكون حممة (9) ~~أحب إليه من أن يتكلم به، قال: (الله أكبر (10)، الله أكبر، الله أكبر، ~~الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) (11). PageV01P354 # وفي حديث آخر: (من وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله) (1). # وعن ابن عباس رضي الله عنهما في مثله: (إذا وجدت (2) شيئا من ذلك فقل: ~~{هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم *} (3)) (4)، إلى أشباه ~~ذلك وهو أصل (5) صحيح مليح. # والثاني: يرجع إلى النظر في الكرامات، وخوارق العادات، وما يتعلق بهما ~~(6)، مما هو خارق (7) في الحقيقة أو غير خارق، وما هو منها يرجع إلى أمر ~~نفسي أو (8) شيطاني، أو ما أشبه ذلك من أحكامها، فهذا النظر (9) ليس ببدعة ~~(كما أنه ليس ببدعة) (10) النظر في المعجزات وشروطها، والفرق بين النبي ~~والمتنبي، وهو فن (11) من علم الأصول فحكمه حكمه. # والضرب (12) الثالث: ما يرجع إلى النظر في مدركات النفوس من العالم ~~الغائب، وأحكام التجريد النفسي، والعلوم المتعلقة بعالم الأرواح، ~~PageV01P355 # وذوات الملائكة والشياطين، والنفوس الإنسانية والحيوانية، وما أشبه ذلك، ~~وهو بلا ms191 شك بدعة مذمومة إن وقع النظر فيه، والكلام عليه بقصد جعله علما ~~ينظر فيه، وفنا يشتغل بتحصيله بتعلم أو رياضة، فإنه لم يعهد مثله في السلف ~~الصالح. # وهو في الحقيقة نظر فلسفي، إنما يشتغل باستجلابه، والرياضة لاستفادته أهل ~~الفلسفة الخارجون عن السنة، المعدودون (1) في الفرق الضالة، فلا يكون ~~الكلام فيه مباحا، فضلا عن أن يكون مندوبا إليه. # نعم قد يعرض مثله (2) للسالك، فيتكلم فيه مع المربي حتى يخرجه عن طريقه، ~~ويبعد بينه وبين فريقه، لما فيه من إمالة مقصد (3) السالك إلى أن يعبد الله ~~على حرف، زيادة إلى الخروج عن الطريق المستقيم بتتبعه والالتفات إليه، إذ ~~الطريق مبني على الإخلاص التام بالتوجه الصادق، وتجريد التوحيد عن الالتفات ~~(4) إلى (5) الأغيار، وفتح باب الكلام (6) في هذا الضرب مضاد لذلك كله. # والضرب (7) الرابع: يرجع إلى النظر في حقيقة الفناء، من حيث الدخول فيه، ~~والاتصاف بأوصافه، وقطع أطماع النفس عن كل جهة (8) توصل إلى غير المطلوب، ~~وإن دقت، فإن أهواء النفوس تدق وتسري مع السالك في المقامات، فلا يقطعها ~~إلا من حسم مادتها، وبت طلاقها، وهو باب الفناء المذكور. # وهذا نوع من أنواع الفقه المتعلق بأهواء النفوس، ولا يعد من البدع ~~PageV01P356 # لدخوله تحت جنس الفقه، لأنه وإن دق راجع إلى ما جل من الفقه، ودقته وجلته ~~إضافيان، والحقيقة واحدة. # وثم أقسام أخر، جميعها يرجع: إما (1) إلى فقه شرعي حسن في الشرع، وإما ~~إلى ابتداع ليس بشرعي، وهو قبيح في الشرع. # وأما الجدل وجمع المحافل للاستدلال على المسائل فقد مر الكلام فيه (2). # وأما أمثلة البدع المكروهة فعد منها زخرفة المساجد، وتزويق المصاحف، ~~وتلحين القرآن بحيث تتغير (3) ألفاظه عن الوضع العربي (4)، فإن أراد مجرد ~~الفعل من غير اقتران أمر آخر فغير مسلم، وإن أراد مع اقتران قصد (5) ~~التشريع فصحيح ما قال، إذ (6) البدعة لا تكون بدعة إلا مع اقتران هذا ~~القصد، فإن لم يقترن فهي منهي عنها غير بدع. # وأما أمثلة البدع المباحة: فعد منها المصافحة عقيب (7) صلاة الصبح ~~والعصر، أما أنها بدع فمسلم، وأما أنها ms192 مباحة فممنوع، إذ لا دليل في الشرع ~~يدل على تخصيص تلك الأوقات بها، بل هي مكروهة، إذ يخاف بدوامها إلحاقها ~~بالصلوات (8) المذكورة، كما خاف مالك رحمه الله وصل ستة أيام (9) من شوال ~~برمضان لإمكان أن يعدها من رمضان، وكذلك وقع. # فقد قال القرافي (10): (قال لي (11) الشيخ (12) زكي الدين عبد العظيم ~~(13) PageV01P357 # المحدث: إن الذي خشي منه مالك رضي الله تعالى عنه قد وقع بالعجم، فصاروا ~~يتركون المسحرين على عادتهم (1)، والبواقين وشعائر رمضان إلى آخر الستة (2) ~~الأيام، فحينئذ (3) يظهرون شعائر العيد، قال: وكذلك شاع عند عوام (4) مصر ~~أن الصبح ركعتان إلا في يوم الجمعة، فإنه ثلاث ركعات لأجل أنهم يرون الإمام ~~يواظب على قراءة سورة (5) السجدة يوم الجمعة (في صلاة الصبح) (6)، ويسجد ~~فيها (7)، فيعتقدون أن تلك ركعة أخرى واجبة قال: وسد هذه الذرائع متعين في ~~الدين، وكان مالك رحمه الله شديد المبالغة في (8) سد الذرائع (9)). # وعد ابن عبد السلام من البدع المباحة التوسع في الملذوذات، وقد تقدم ما ~~فيه (10). # والحاصل من جميع ما ذكر فيه قد (11) وضح (12) منه أن البدع لا تنقسم إلى ~~ذلك الانقسام، بل هي من قبيل المنهي عنه، إما كراهة (13)، وإما (14) ~~تحريما، حسبما يأتي إن شاء الله تعالى (15). PageV01P358 # فصل (1) # ومما يتعلق به بعض المتكلفين (2) أن الصوفية هم المشهورون باتباع السنة، ~~المقتدون بأفعال السلف الصالح (3)، المثابرون في أقوالهم وأفعالهم (4) على ~~الاقتداء التام، والفرار عما يخالف ذلك، ولذلك جعلوا طريقتهم مبنية على أكل ~~الحلال، واتباع السنة، والإخلاص، وهذا هو الحق (5)، ولكنهم في كثير من ~~الأمور يستحسنون أشياء لم تأت في كتاب ولا سنة، ولا عمل بأمثالها السلف ~~الصالح (6)، فيعملون بمقتضاها، ويثابرون عليها (7)، ويحكمونها طريقا لهم ~~مهيعا (8)، وسنة لا تخالف (9)، بل ربما (10) أوجبوها في PageV01P359 # بعض الأحوال، فلولا أن في ذلك رخصة لم يصح لهم ما بنوا عليه. # فمن ذلك أنهم يعتمدون في كثير من الأحكام على الكشف والمعاينة، وخرق ~~العادة، فيحكمون بالحل والحرمة، ويبنون (1) على ذلك الإقدام والإحجام (2)، ~~كما يحكى عن المحاسبي (3) أنه كان إذا تناول طعاما فيه شبهة ينبض (4) له ~~عرق ms193 في إصبعه فيمتنع منه (5). # وقال (6) الشبلي (7): (اعتقدت وقتا أن (8) لا آكل إلا (9) من حلال (10)، ~~فكنت أدور في البراري، فرأيت شجرة تين، فمددت يدي إليها لآكل، فنادتني ~~الشجرة: احفظ عليك (11) عهدك (12)، لا تأكل مني فإني ليهودي (13)) (14). # وقال إبراهيم الخواص (15) [رحمه الله] (16): (دخلت خربة في بعض الأسفار ~~في طريق مكة بالليل، فإذا فيها سبع عظيم، فخفت، فهتف بي هاتف اثبت، فإن ~~حولك سبعين ألف ملك يحفظونك) (17). # فمثل هذه الأشياء إذا عرضت على قواعد الشريعة ظهر عدم البناء عليها (18)، ~~إذ المكاشفة، أو الهاتف المجهول، أو تحرك (19) بعض العروق لا يدل على ~~التحليل ولا التحريم (20) لإمكانه في نفسه (21)، وإلا PageV01P360 # لو (1) حضر ذلك الطعام (2) حاكم أو غيره أكان (3) يجب عليه أو يندب إلى ~~(4) البحث عنه حتى يستخرج من يد واضعه بين أيديهم إلى مستحقه؟ # ولو (5) هتف هاتف بأن (6) فلانا قتل المقتول الفلاني، أو (7) أخذ مال ~~فلان، أو زنى، أو سرق، أكان يجب عليه العمل بقوله؟ أو يكون شاهدا في بعض ~~تلك (8) الأحكام؟ بل لو تكلمت شجرة أو حجر بذلك، أكان يحكم الحاكم به؟ أو ~~يبنى (9) عليه حكم شرعي؟ هذا مما لا يعهد في الشرع مثله. ولذلك قال ~~العلماء: لو أن نبيا من الأنبياء ادعى الرسالة، وقال: آيتي (10) أن أدعو ~~(11) هذه الشجرة فتكلمني، ثم دعاها فأتت وكلمته (12)، وقالت: إنك كاذب، ~~لكان ذلك دليلا على صدقه، لا دليلا على كذبه، لأنه تحدى (13) بأمر جاء (14) ~~على وفق ما ادعاه، وكون الكلام تصديقا أو تكذيبا أمر خارج عن (15) مقتضى ~~الدعوى، لا حكم له. # فكذلك نقول في هذه المسألة: إذا فرضنا أن انباض (16) العرق لازم لكون ~~الطعام حراما، لا يدل ذلك على الحكم (17) بالإمساك عنه (18)، إذ (19) لم ~~يدل عليه دليل معتبر في الشرع معلوم. PageV01P361 # وكذلك مسألة الخواص، فإن التوقي من مظان المهلكات (1) مشروع، فخلافه يظهر ~~أنه خلاف المشروع، وهو معتاد في أهل هذه (2) الطريقة. # وكذلك كلام الشجرة للشبلي (3) من جملة الخوارق، وبناء الحكم عليه غير ~~معهود. # ومن ذلك أنهم يبنون طريقهم على اجتناب الرخص جملة، حتى إن شيخهم المصنف ~~(4) الذي ms194 مهد لهم الطريقة أبا القاسم القشيري (5)، قال في باب وصية ~~المريدين من رسالته: "إن اختلفت (6) على المريد فتاوى الفقهاء يأخذ ~~بالأحوط، ويقصد أبدا الخروج عن (7) الخلاف، فإن الرخص في الشريعة ~~للمستضعفين، وأصحاب الحوائج والأشغال، وهؤلاء الطائفة يعني الصوفية ليس لهم ~~شغل سوى القيام بحقه سبحانه، ولهذا قيل: إذا انحط الفقير عن (8) درجة ~~الحقيقة إلى رخصة الشريعة، فقد فسخ عقده (مع الله) (9)، ونقض عهده فيما ~~بينه وبين الله" (10). # فهذا الكلام ظاهر في أنه ليس من شأنهم الترخص في مواطن الترخص المشروع، ~~وهو خلاف (11) ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسلف الصالح من ~~الصحابة والتابعين. # فالتزام العزائم مع وجود مظان (12) الرخص التي قال فيها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إن الله (13) يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" ~~(14) فيه ما فيه. PageV01P362 # وظاهره أنه بدعة استحسنوها قمعا للنفس عن الاسترسال في الميل إلى الراحة، ~~وإيثارا إلى (1) ما يبنى (2) عليه من المجاهدة. # ومن ذلك أن القشيري جعل من جملة ما يبني عليه من أراد الدخول في طريقهم ~~(الخروج (3) عن المال، فإن ذلك الذي (4) يميل به (5) عن الحق، ولم يوجد ~~مريد دخل (6) في هذا الأمر ومعه علاقة من الدنيا إلا جرته تلك العلاقة (7) ~~عن قريب إلى ما منه خرج .. ) (8) إلى آخر ما قال. # وهو في غاية الإشكال مع ظواهر الشريعة، لأنا نعرض ذلك على الحالة الأولى، ~~وهي حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه الكرام، إذ لم يأمر أحدا ~~بالخروج عن ماله، ولا أمر صاحب صنعة (9) بالخروج عن صنعته، ولا صاحب تجارة ~~بترك (10) تجارته، وهم كانوا أولياء الله حقا، والطالبون لسلوك طريق الحق ~~صدقا، وإن سلك من بعدهم ألف سنة، لم يدرك (11) شأوهم، ولم يبلغ هداهم (12). # ثم إنه كما يكون المال شاغلا في الطريق عن بلوغ المراد، فكذلك يكون فراغ ~~اليد منه جملة شاغلا عنه، وليس (أحد PageV01P363 # العارضين) (1) أولى بالاعتبار من الآخر، فأنت ترى كيف جعل هذا النوع الذي ~~لم يوجد في السلف عمدة (2) وأصلا (3) في سلوك ms195 الطريق، وهو كما ترى محدث، ~~فما ذاك (4) إلا لأن الصوفية استحسنوه، لأنه بلسان جميعهم ينطق. # ومن ذلك أنهم يقولون: إنه لا يصح للشيوخ التجاوز عن زلات المريدين، لأن ~~ذلك تضييع لحقوق الله تعالى (5)، وهذا النفي (6) العام يستنكر في الحكم ~~الشرعي، ألا ترى إلى (7) ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~قوله: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، وذلك فيما لم يكن حدا من حدود الله" ~~(8)، فلو كان العفو غير صحيح لكان مخالفا لهذا الدليل، ولما جاء من فضل ~~العفو، وأيضا فإن الله يحب الرفق (9)، (ويرضى به) (10)، ويعين عليه ما لا ~~يعين على العنف، ومن جملة الرفق شرعية التجاوز والإغضاء، إذ العبد لا بد له ~~من زلة وتقصير، ولا معصوم إلا من عصمه (11) الله. PageV01P364 # ومن ذلك أخذهم على المريد أن يقلل من غذائه، لكن بالتدريج شيئا بعد شيء ~~(1)، لا مرة (2) واحدة (3)، وأن يديم الجوع والصيام، وأن يترك التزوج (4) ~~ما دام في سلوكه، ويعد (5) ذلك (6) كله من مشكلات التشريع، بل هو شبيه ~~بالتبتل الذي رده رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض أصحابه، حتى قال: ~~"من رغب عن سنتي فليس مني" (7). # وإذا تؤمل (8) ما ذكروه في شأن التدريج في ترك الغذاء (9) وجد (10) غير ~~معهود في الزمان الأول، والقرن الأفضل. # ومن ذلك أشياء ألزموها المريد حالة السماع، من طرح الخرق، وأن من حق ~~المريد أن لا يرجع في شيء خرج عنه (11)، ألبتة، إلا أن يشير عليه الشيخ ~~بالرجوع فيه، فليأخذه (12) على نية العارية بقلبه، ثم يخرج عنه بعد ذلك، من ~~غير أن يوحش قلب الشيخ (13)، إلى أشياء اخترعوها في ذلك لم يعهد مثلها في ~~الزمان الأول، وذلك من نتائج مجالس (14) السماع الذي اعتادوه (15). # والسماع في طريقة التصوف ليس منها، لا بالأصل ولا بالتبع، ولا استعمله ~~أحد من السلف ممن يشار إليه حاذيا (16) في طريق الخير، وإنما PageV01P365 # رأيته مأخوذا به في ذلك وفي غيره عند الفلاسفة الآخذة للتكليف الشرعي ~~بالتبع (1). # ولو تتبع هذا الباب لكثرت مسائله وانتشرت، وظاهرها أنها استحسانات (2) ~~اتخذت ms196 بعد أن لم تكن، والقوم كما ترى مستمسكون بالشرع، فلولا أن مثل هذه ~~الأمور لاحق بالمشروعات، لكانوا أبعد الناس منها، فدل (3) على أن من البدع ~~(4) ما ليس بمذموم، بل إن منها ما هو محمود (5) وهو المطلوب. # (والجواب) (6) أن نقول أولا : كل ما عمل به المتصوفة المعتبرون في هذا ~~الشأن لا يخلو: إما (7) أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة أو (8) لا، فإن ~~كان له أصل فهم خلقاء به، كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلقاء بذلك، ~~وإن لم يكن له أصل في الشريعة فلا عمل عليه، لأن السنة حجة على جميع الأمة، ~~وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة، لأن السنة معصومة عن الخطأ، وصاحبها ~~معصوم، وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة إلا (9) مع إجماعهم خاصة، وإذا ~~اجتمعوا تضمن إجماعهم دليلا شرعيا، كما تقدم التنبيه عليه. # فالصوفية كغيرهم ممن لم تثبت له العصمة، فيجوز عليهم الخطأ والنسيان ~~والمعصية كبيرتها وصغيرتها، فأعمالهم لا تعدو الأمرين، ولذلك قال العلماء: ~~كل كلام منه (10) مأخوذ ومتروك (11)، إلا ما كان من كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم. PageV01P366 # وقد قرر ذلك القشيري أحسن (1) تقرير، فقال: (فإن قيل: فهل يكون الولي ~~معصوما؟ (2) قيل: أما وجوبا كما يقال في الأنبياء فلا (3)، وأما أن يكون ~~محفوظا حتى لا يصر على الذنوب وإن حصلت منهم (4) آفات أو زلات فلا يمتنع ~~ذلك في وصفهم، قال: ولقد (5) قيل للجنيد (6): العارف يزني؟ (7) فأطرق مليا، ~~ثم رفع رأسه وقال: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} (8)) (9). # فهذا كلام منصف، فكما يجوز على غيرهم المعاصي، فالابتداع وغيره كذلك يجوز ~~عليهم، فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ، ونقف عن ~~(10) الاقتداء بمن لا يمتنع عليه الخطأ، إذا ظهر في الاقتداء به إشكال، بل ~~نعرض ما جاء عن الأئمة على (11) الكتاب والسنة، فما قبلاه قبلناه، وما لم ~~يقبلاه تركناه، ولا علينا إذا قام لنا الدليل على اتباع الشرع، ولم يقم لنا ~~دليل على اتباع (12) أقوال الصوفية وأعمالهم إلا بعد عرضها، وبذلك وصى ~~شيوخهم، وإن ms197 كل (13) ما جاء به صاحب الوجد والذوق من الأحوال والعلوم ~~والفهوم، فليعرض على الكتاب والسنة، فإن قبلاه صح، وإلا لم يصح، فكذلك ما ~~رسموه من الأعمال، وأوجه المجاهدات، وأنواع الالتزامات (14). PageV01P367 # ثم نقول ثانيا : إذا نظرنا في رسومهم التي حدوا، وأعمالهم التي امتازوا ~~بها عن غيرهم، بحسب تحسين الظن، والتماس أحسن المخارج، ولم نعرف لها مخرجا، ~~فالواجب علينا (1) التوقف عن الاقتداء والعمل، وإن كانوا من جنس من يقتدى ~~بهم (2)، لا ردا له (3) واعتراضا (4)، بل لأنا لم نفهم وجه رجوعه إلى ~~القواعد الشرعية، كما فهمنا غيره، ألا ترى أنا نتوقف عن (5) العمل ~~بالأحاديث النبوية التي يشكل علينا وجه الفقه فيها (6)؟ فإن سنح بعد ذلك ~~للعمل بها وجه جار على الأدلة قبلناه، وإلا فلسنا مطلوبين (7) بذلك، ولا ~~ضرر علينا في هذا (8) التوقف، لأنه توقف مسترشد، لا توقف راد مطرح (9)، ~~فالتوقف هنا بترك العمل أولى وأحرى (10). # ثم نقول ثالثا : إن هذه المسائل وأشباهها قد صارت مع ظاهر (11) الشريعة ~~كالمتدافعة، فيحمل كلام الصوفية وأعمالهم مثلا على أنها مستندة إلى دلائل ~~شرعية، إلا أنه (12) عارضها في النقل أدلة أوضح منها (13) في أفهام ~~المتفقهين (14)، وأنظار المجتهدين، وأجرى على المعهود في سائر PageV01P368 # أصناف العلماء، وأنص (1) في ألفاظ الشارع مما ظنناه مستند القوم. # وإذا تعارضت الأدلة، ولم يظهر في بعضها نسخ، فالواجب الترجيح، وهو إجماع ~~من الأصوليين أو كالإجماع (2). # وفي مذهب القوم العمل بالاحتياط هو الواجب، كما أنه مذهب غيرهم، فوجب ~~بحسب الجريان على آرائهم في السلوك أن لا يعمل بما رسموه مما فيه معارضة ~~لأدلة الشرع، ونكون (3) في ذلك متبعين لآثارهم، مهتدين بأنوارهم، خلافا لمن ~~يعرض عن الأدلة، ويصمم على تقليدهم فيما لا يصح تقليدهم فيه على مذهبهم، ~~فالأدلة الشرعية (4)، والأنظار الفقهية، والرسوم الصوفية (5) ترده وتذمه، ~~وتحمد من تحرى واحتاط، وتوقف عند الاشتباه، واستبرأ لدينه وعرضه. # وبقي الكلام على أعيان ما ذكر في السؤال، من أقوالهم وقواعدهم (6)، وما ~~يتنزل منها على مقتضى الأدلة، وكيف وجه تنزيلها، لا حاجة لنا (7) إليه في ~~هذا الموضع، وقد بسط الكلام على جملة ms198 منها (8) في كتاب الموافقات (9)، وإن ~~فسح الله في المدة، وأعان بفضله بسطنا (10) الكلام في هذا الباب في كتاب ~~شرح (11) مذهب أهل التصوف (12)، وبيان ما أدخل فيه مما ليس بطريق لهم، ~~والله الموفق للصواب. PageV01P369 # وقد تبين (مما تقدم) (1) أن لا دليل في شيء مما يحتج (2) به (أهل البدع) ~~(3) على بدعهم (4) والحمد لله. انتهى (5) PageV01P370 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | الباب الرابع # في مأخذ أهل البدع في الاستدلال # كل خارج عن السنة ممن يدعي الدخول فيها، والكون من أهلها، لا بد له من ~~تكلف الاستدلال بأدلتها على خصوصات مسائلهم، وإلا كذب اطراحها دعواهم، بل ~~كل مبتدع من هذه الأمة إنما (1) يدعي أنه (2) هو صاحب السنة دون (3) من ~~خالفه من الفرق، فلا يمكنه إلا (4) الرجوع إلى التعلق بشبهها (5)، وإذا رجع ~~إليها كان الواجب عليه أن يأخذ الاستدلال مأخذ أهله العارفين (6) بكلام ~~العرب وكليات الشريعة ومقاصدها، كما كان السلف الأول يأخذونها. إلا أن ~~هؤلاء (7) كما يتبين بعد لم يبلغوا مبلغ الناظرين فيها بإطلاق (8)، إما ~~لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعلم بمقاصدها، وإما (9) لعدم الرسوخ في ~~العلم بقواعد الأصول؛ التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية، وإما للأمرين ~~(10) جميعا، فبالحري أن تصير مآخذهم للأدلة مخالفة لمأخذ من تقدمهم من ~~المحققين للأمرين. # وإذا تقرر هذا فلا بد من التنبيه على تلك المآخذ؛ لكي تحذر وتتقى، وبالله ~~التوفيق (11). PageV02P005 # فنقول: قال الله سبحانه وتعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} (1)، وذلك أن هذه الآية شملت ~~قسمين هما أصل المشي على طريق الصواب، أو على طريق الخطأ: # أحدهما: الراسخون في العلم، وهم الثابتو الأقدام في علم الشريعة. ولما ~~كان ذلك متعذرا إلا على من حصل الأمرين المتقدمين، لم يكن بد من المعرفة ~~بهما معا على حسب ما تعطيه المنة (2) الإنسانية، وإذ ذاك يطلق عليه أنه ~~راسخ في العلم. ومقتضى الآية مدحه، فهو إذا أهل للهداية والاستنباط. وحين ~~خص أهل الزيغ باتباع المتشابه، دل التخصيص على أن الراسخين لا يتبعونه، ~~فإذا؛ لا يتبعون إلا المحكم، ms199 وهو أم الكتاب ومعظمه. # فكل دليل خاص أو عام شهد له معظم الشريعة فهو الدليل الصحيح، وما سواه ~~فاسد، إذ ليس بين الدليل (3) الصحيح والفاسد واسطة في الأدلة يستند إليها؛ ~~إذ لو كان ثم ثالث لنصت عليه الآية. # ثم لما خص الزائغون بكونهم يتبعون المتشابه، ولم يوصف الراسخون بذلك؛ دل ~~على (4) أنهم لا يتبعون تأويله؛ أي: مآله؛ يريد طلب معناه؛ ليحكموا به على ~~مقتضى أهوائهم في طلب الفتنة (5) أيضا (6). فإن تأولوه فبالرد إلى المحكم، ~~فإن (7) أمكن حمله على المحكم بمقتضى القواعد؛ فهو (8) المتشابه الإضافي لا ~~الحقيقي، وليس في الآية نص على حكمه بالنسبة إلى الراسخين، فليرجع عندهم ~~إلى المحكم الذي هو أم الكتاب. وإن لم يتأولوه فبناء على أنه متشابه حقيقي، ~~فيقابلونه بالتسليم PageV02P006 # وقولهم: {آمنا به كل من عند ربنا}، وهؤلاء هم أولو الألباب. # وكذلك ذكر في أهل الزيغ أنهم يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة، فهم يطلبون ~~به أهواءهم لحصول الفتنة، فليس نظرهم إذا في الدليل نظر المستبصر حتى يكون ~~هواه تحت حكمه، بل نظر من حكم بالهوى، ثم أتى بالدليل كالشاهد له، ولم يذكر ~~مثل ذلك في الراسخين، فهم إذن بضد (1) هؤلاء؛ حيث وقفوا في المتشابه فلم ~~يحكموا فيه ولا عليه بشيء (2) سوى التسليم. وهذا المعنى خاص بمن طلب الحق ~~من الأدلة، لا يدخل فيه من طلب في الأدلة ما يصحح هواه السابق. # والقسم الثاني: من ليس براسخ في العلم، وهو الزائغ، فحصل له في الآية ~~وصفان: # أحدهما: بالنص، وهو الزيغ؛ لقوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ}، ~~والزيغ هو: الميل عن الصراط المستقيم. وهو ذم لهم. # والوصف (3) الثاني بالمعنى الذي أعطاه التقسيم: وهو عدم الرسوخ في العلم، ~~وكل منفي عنه الرسوخ فإلى الجهل ما هو (4)، ومن جهة الجهل حصل له الزيغ؛ ~~لأن من بقي عليه في (5) طريق الاستنباط واتباع الأدلة بعض (6) الجهالات، لم ~~يحل أن يتبع الأدلة المحكمة (7) ولا المتشابهة. فلو (8) فرضنا أنه يتبع ~~المحكم؛ لم يكن اتباعه مفيدا لحكمه؛ لإمكان (9) أن يتبعه على وجه واضح ~~البطلان، أو متشابه، ms200 فما ظنك به إذا اتبع نفس (10) المتشابه؟ # ثم اتباعه للمتشابه لو (11) كان من جهة الاسترشاد به لا للفتنة به ~~PageV02P007 # لم يحصل به مقصود على حال، فما ظنك به إذا اتبعه (1) ابتغاء الفتنة؟ ~~وهكذا المحكم إذا اتبعه ابتغاء الفتنة به. فكثيرا ما ترى الجهال يحتجون ~~لأنفسهم بأدلة فاسدة، وبأدلة صحيحة اقتصارا بالنظر على دليل ما، واطراحا ~~للنظر في غيره من الأدلة الأصولية، أو الفروعية (2) العاضدة لنظره، أو ~~المعارضة له. # وكثير ممن يدعي العلم يتخذ هذا الطريق مسلكا، وربما أفتى بمقتضاه، وعمل ~~على وفقه إذا كان له فيه غرض (3). # وأعرف من عرض له غرض (4) في الفتيا؛ بجواز (5) تنفيل الإمام الجيش جميع ~~ما غنموا على طريقة "من عز بز" (6)، لا طريقة الشرع، بناء على نقل عن (7) ~~بعض العلماء: "أنه يجيز (8) تنفيل السرية جميع ما غنمت" (9) ثم عزا ذلك وهو ~~مالكي المذهب إلى مالك؛ حيث قال في كلام روي عنه (10): "ما نفل الإمام فهو ~~جائز"، فأخذ هذه العبارة نصا على جواز تنفيل الإمام الجيش جميع ما غنم، ولم ~~يلتفت في النقل (11) إلى أن السرية هي القطعة من الجيش الداخل (12) لبلاد ~~العدو تغير (13) على العدو، PageV02P008 # ثم ترجع إلى الجيش، لا أن (1) السرية هي الجيش بعينه، ولا التفت (2) أيضا ~~إلى أن (3) النفل عند مالك لا يكون إلا من الخمس (4)، لا اختلاف عنه في ذلك ~~أعلمه، ولا عن أحد من أصحابه، فما نفل الإمام منه فهو جائز؛ لأنه محمول على ~~الاجتهاد. # وكذلك الأمر أبدا (5) في كل مسألة يتبع فيها الهوى أولا، ثم يطلب لها ~~المخرج من كلام العلماء، أو من أدلة الشرع. وكلام العرب أبدا لاتساعه ~~وتصرفه يحتمل أنحاء (6) كثيرة، لكن يعلم الراسخون المراد منه من أوله، أو ~~(7) آخره، أو فحواه (8)، أو بساط حاله، أو قرائنه. فمن لا يعتبره من أوله ~~إلى آخره ويعتبر ما ابتنى (9) عليه زل في فهمه. وهو شأن من يأخذ الأدلة من ~~أطراف العبارة الشرعية ولا ينظر بعضها ببعض، فيوشك أن يزل. وليس هذا من شأن ~~الراسخين، وإنما هو من شأن من استعجل ms201 (10) طلبا للمخرج في دعواه. # فقد حصل من الآية المذكورة: أن الزيغ (11) لا يجري على طريق الراسخ بغير ~~حكم الاتفاق، وأن الراسخ لا زيغ معه بالقصد البتة. PageV02P009 ### | ### | فصل # # إذا ثبت هذا رجعنا منه إلى معنى آخر فنقول: # إذا تبين (1) أن للراسخين طريقا يسلكونها في اتباع الحق، وأن الزائغين ~~على طريق (2) غير طريقهم؛ احتجنا (3) إلى بيان الطريق التي سلكها هؤلاء ~~لنجتنبها (4)، كما بين (5) الطريق التي سلكها الراسخون لنسلكها، وقد بين ~~ذلك أهل أصول الفقه وبسطوا القول فيه، ولم يبسطوا القول في طريق الزائغين، ~~فهل يمكن حصر مآخذها أو (6) لا؟ فنظرنا في آية أخرى تتعلق بهم كما تتعلق ~~بالراسخين، وهي (7) قول الله تعالى (8): {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ~~ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (9)، فأفادت الآية أن طريق الحق ~~واحدة، وأن للباطل طرقا متعددة لا واحدة، وتعددها لم ينحصر بعدد مخصوص. ~~وهكذا الحديث المفسر للآية، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه: خط لنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوما (10) خطا؛ فقال: "هذا سبيل الله"، ثم خط لنا ~~خطوطا عن يمينه ويساره وقال: "هذه سبل، على (11) كل (12) سبيل منها شيطان ~~(13) يدعو PageV02P010 # إليه"، ثم تلا هذه الآية (1). # ففي الحديث أنها خطوط متعددة غير محصورة بعدد، فلم يكن لنا سبيل إلى حصر ~~عددها من جهة النقل، ولا لنا أيضا سبيل إلى حصرها من جهة العقل أو ~~الاستقراء. # أما العقل؛ فإنه لا يقضي (2) بعدد دون آخر؛ لأنه غير راجع إلى أمر محصور. ~~ألا ترى أن الزيغ راجع إلى الجهالات؟ ووجوه الجهل لا تنحصر، فصار طلب حصرها ~~عناء من غير فائدة. # وأما الاستقراء؛ فغير نافع أيضا في هذا المطلب؛ لأنا لما نظرنا في ~~PageV02P011 # طرق البدع من حين نبغت، وجدناها تزداد على الأيام، ولا يأتي زمان إلا ~~وغريبة من غرائب الاستنباط تحدث، إلى زماننا هذا. # وإذا كان كذلك فيمكن أن يحدث بعد زماننا استدلالات أخر لا عهد لنا بها ~~فيما تقدم، لا سيما عند كثرة الجهل، وقلة العلم، وبعد الناظرين فيه عن درجة ~~الاجتهاد، فلا ms202 يمكن إذا حصرها من هذا الوجه. ولا يقال: إنها ترجع إلى ~~مخالفة الطريق (1) الحق؛ فإن وجوه المخالفات (2) لا تنحصر أيضا. # فثبت أن تتبع هذا الوجه عناء، لكنا نذكر من ذلك أوجها كلية يقاس عليها ما ~~سواها. # فمنها: اعتمادهم على الأحاديث الواهية الضعيفة، والمكذوب فيها على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والتي لا يقبلها أهل صناعة الحديث (3) في البناء ~~عليها؛ كحديث الاكتحال يوم عاشوراء (4)، وإكرام الديك PageV02P012 # الأبيض (1)، وأكل الباذنجان بنية (2)، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تواجد واهتز PageV02P013 # عند السماع حتى سقط الرداء عن منكبيه (1)، وما أشبه ذلك، فإن أمثال هذه ~~الأحاديث على ما هو معلوم لا يبنى عيها حكم، ولا تجعل أصلا في PageV02P014 # التشريع أبدا، ومن جعلها كذلك فهو جاهل أو مخطئ (1) في نقل العلم، فلم ~~ينقل الأخد بشيء منها عمن يعتد به في طريقة (2) العلم، ولا طريقة السلوك. # وإنما أخذ بعض العلماء بالحديث الحسن؛ لإلحاقه (3) عند بعض (4) المحدثين ~~بالصحيح؛ لأن سنده ليس فيه من يعاب بجرحة متفق عليها. وكذلك أخذ من أخذ ~~منهم بالمرسل، ليس إلا من حيث لحق (5) بالصحيح في أن المتروك (6) ذكره ~~كالمذكور المعدل (7)، فأما (8) ما دون ذلك فلا يؤخذ به بحال عند علماء ~~الحديث. # ولو كان من شأن أهل الإسلام الذابين (9) عنه الأخذ من الأحاديث بكل ما ~~جاء عن كل من جاء، لم يكن لانتصابهم للتعديل والتجريح معنى مع أنهم قد ~~أجمعوا على ذلك ، ولا كان لطلب الإسناد معنى يتحصل، فلذلك جعلوا الإسناد من ~~الدين (10)، ولا يعنون: "حدثني فلان عن فلان" مجردا، بل يريدون ذلك لما ~~تضمنه من معرفة الرجال الذين يحدث عنهم، حتى لا يسند عن مجهول، ولا مجرح، ~~ولا متهم (11)، ولا عمن لا تحصل (12) الثقة بروايته؛ لأن روح المسألة أن ~~يغلب على الظن من غير ريبة أن ذلك الحديث قد قاله النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ لنعتمد (13) عليه في الشريعة، ونسند (14) إليه الأحكام. PageV02P015 # والأحاديث الضعيفة الإسناد لا يغلب على الظن أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قالها، فلا يمكن أن يسند إليها حكم، ms203 فما ظنك بالأحاديث المعروفة الكذب؟ # نعم؛ الحامل على اعتمادها في الغالب إنما هو ما تقدم من الهوى المتبع، ~~وهذا كله (1) على فرض أن لا يعارض الحديث أصل من أصول الشريعة، وأما إذا ~~كان له معارض فأحرى أن لا يؤخذ به؛ لأن الأخذ به (2) هدم لأصل من أصول ~~الشريعة، والإجماع على منعه إذا كان صحيحا في الظاهر، وذلك دليل على الوهم ~~من بعض الرواة، أو الغلط (3)، أو النسيان، فما الظن به إذا لم يصح؟ على أنه ~~قد روي عن أحمد بن حنبل أنه قال: الحديث الضعيف خير من القياس (4). وظاهره ~~يقتضي العمل PageV02P016 # بالحديث غير الصحيح؛ لأنه قدمه على القياس المعمول به (1) عند جمهور ~~المسلمين، بل هو إجماع السلف رضي الله عنهم. فدل على أنه عنده أعلى رتبة في ~~العمل من القياس. # والجواب عن هذا: أنه كلام مجتهد يحتمل في (2) اجتهاده الخطأ والصواب، إذ ~~ليس له على ذلك دليل يقطع العذر، وإن سلم فيمكن حمله على خلاف ظاهره؛ ~~لإجماعهم على طرح الضعيف الإسناد؛ فيجب تأويله على أن يكون أراد به الحسن ~~السند وما دار به (3) على القول بإعماله . أو أراد أنه (4) "خير من القياس" ~~لو كان مأخوذا به، فكأنه يرد القياس بذلك الكلام مبالغة في معارضة من ~~اعتمده أصلا حتى رد به الأحاديث. وقد كان رحمه الله تعالى يميل إلى نفي ~~القياس، ولذلك قال: ما زلنا نلعن أهل الرأي ويلعنوننا (5)، حتى جاء الشافعي ~~فمزج (6) بيننا. أو أراد بالقياس القياس الفاسد الذي لا أصل له من كتاب ولا ~~سنة ولا إجماع، ففضل عليه الحديث الضعيف وإن لم يعمل به أيضا (7). فإذا ~~أمكن أن يحمل كلام أحمد على ما يسوغ، لم يصح الاعتماد عليه في معارضة كلام ~~الأئمة رضي الله تعالى عنهم. PageV02P017 # فإن قيل: هذاكله رد على الأئمة الذي اعتمدوا على الأحاديث التي لم تبلغ ~~درجة الصحيح، فإنهم كما نصوا على اشتراط صحة الإسناد، كذلك نصوا أيضا (1) ~~على أن أحاديث الترغيب والترهيب لا يشترط في نقلها للاعتماد عليها (2) صحة ~~الإسناد، بل إن كان كذلك ms204 (3) فبها ونعمت، وإلا فلا حرج على من نقلها واستند ~~إليها، فقد فعله الأئمة كمالك في "الموطأ"، وابن المبارك في "رقائقه" (4)، ~~وأحمد بن حنبل في "رقائقه" وسفيان (5) في "جامع الخير"، وغيرهم. # فكل ما في هذا النوع من المنقولات راجع إلى الترغيب والترهيب، وإذا جاز ~~اعتماد مثله، جاز فيما كان نحوه مما يرجع إليه؛ كصلاة الرغائب (6)، ~~PageV02P018 # والمعراج (1)، PageV02P019 # وليلة النصف من شعبان (1)، PageV02P020 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P021 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P022 # وليلة أول جمعة من رجب (1)، وصلاة الإيمان (2) والأسبوع (3)، وصلاة بر ~~PageV02P023 # الوالدين (1) ويوم عاشوراء (2)، وصيام رجب (3)، PageV02P024 # والسابع والعشرين منه (1)، وما أشبه ذلك، فإن جميعها راجع إلى الترغيب في ~~العمل الصالح، فالصلاة على الجملة ثابت أصلها، وكذلك الصيام وقيام الليل، ~~كل ذلك راجع إلى خير نقلت فضيلته على الخصوص. # وإذا ثبت هذا فكل ما نقلت فضيلته في الأحاديث فهو من باب الترغيب، فلا ~~يلزم فيه بشهادة (2) أهل الحديث صحة (3) الإسناد، بخلاف أحاديث (4) ~~الأحكام. PageV02P025 # فإذا هذا الوجه من الاستدلال من طرق (1) الراسخين، لا من طرق (1) الذين ~~في قلوبهم زيغ، حيث فرقوا (2) بين أحاديث الأحكام فاشترطوا فيها الصحة، ~~وبين أحاديث الترغيب والترهيب فلم يشترطوا فيها ذلك. # فالجواب: أن ما ذكره علماء الحديث من التساهل في أحاديث الترغيب والترهيب ~~(3) لا ينتظم مسألتنا (4) المفروضة، بيانه (5): أن العمل المتكلم فيه إما ~~أن يكون منصوصا على أصله جملة وتفصيلا، أو لا يكون منصوصا عليه لا جملة (6) ~~ولا تفصيلا، أو يكون منصوصا عليه جملة لا تفصيلا. # فالأول: لا إشكال في صحته، كالصلوات المفروضات (7)، والنوافل المرتبة ~~لأسباب وغير أسباب (8)، وكالصيام المفروض (9)، أو المندوب على الوجه ~~المعروف، إذا فعلت على الوجه الذي نص عليه من غير زيادة ولا PageV02P026 # نقصان؛ كصيام عاشوراء (1)، أو يوم (2) عرفة (3)، والوتر بعد نوافل الليل ~~(4)، وصلاة الكسوف (5). فالنص جاء في هذه الأشياء صحيحا على ما شرطوا، ~~فثبتت (6) أحكامها من الفرض والسنة والاستحباب، فإذا ورد في مثلها أحاديث ~~ترغب (7) فيها، أو تحذر (8) من ترك الفرض منها، وليست بالغة مبلغ الصحة، ~~ولا هي أيضا من الضعف بحيث لا يقبلها أحد، أو كانت موضوعة لا يصح الاستشهاد ~~بها، فلا بأس بذكرها والتحذير ms205 بها والترغيب، بعد ثبوت أصلها من طريق صحيح. # والثاني: ظاهر أنه غير صحيح، وهو عين البدعة؛ لأنه لا يرجع إلا إلى مجرد ~~(9) الرأي المبني على الهوى، وهو أبعد (10) البدع وأفحشها؛ PageV02P027 # كالرهبانية المنفية عن الإسلام (1)، والخصاء لمن خشي العنت (2)، والتعبد ~~بالقيام في الشمس (3)، أو بالصمت من غير كلام أحد (4)، فالترغيب في مثل هذا ~~لا يصح؛ إذ لا يوجد في الشرع، ولا أصل له يرغب في مثله، أو يحذر من ~~مخالفته. PageV02P028 # والثالث: ربما يتوهم أنه كالأول؛ من جهة أنه إذا ثبت أصل عبادة في ~~الجملة، فيستسهل (1) في التفصيل نقله من طريق غير مشترط الصحة. فمطلق ~~التنفل (2) بالصلاة مشروع، فإذا جاء ترغيب في صلاة ليلة النصف من شعبان (3) ~~فقد عضده أصل الترغيب في صلاة النافلة. وكذلك إذا ثبت أصل صيام النافلة ~~(4)، ثبت صيام السابع والعشرين من رجب (5)، وما أشبه ذلك. وليس كما توهموا؛ ~~لأن الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في التفصيل، فإذا ثبت مطلق ~~الصلاة لا يلزم منه إثبات الظهر أو العصر (6) أو الوتر أو غيرها حتى ينص ~~عليها على الخصوص، وكذلك إذا ثبت مطلق الصيام لا يلزم منه إثبات صوم رمضان ~~أو عاشوراء أو شعبان أو غير ذلك، حتى يثبت التفصيل (7) بدليل صحيح، ثم ينظر ~~بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص الثابت ~~بالدليل الصحيح. # وليس فيما ذكر في السؤال شيء من ذلك، إذ لا ملازمة بين ثبوت التنفل ~~الليلي أو النهاري (8) في الجملة، وبين قيام ليلة النصف من شعبان بكذا وكذا ~~ركعة، يقرأ في كل ركعة منها بسورة (9) كذا على الخصوص كذا وكذا مرة. ومثله ~~صيام اليوم الفلاني من الشهر الفلاني، حتى تصير تلك العبادة مقصودة على ~~الخصوص، ليس في شيء من ذلك ما يقتضيه مطلق شرعية التنفل بالصلاة أو الصيام. # والدليل على ذلك: أن تفضيل يوم من الأيام أو زمان من الأزمنة بعبادة ما ~~يتضمن حكما شرعيا فيه على الخصوص، كما ثبت لعاشوراء مثلا PageV02P029 # أو لعرفة (1)، أو لشعبان (2) مزية على مطلق التنفل بالصيام، ms206 فإنه ثبت له ~~(3) مزية على الصيام في مطلق الأيام. فتلك المزية اقتضت مرتبة في الأحكام ~~أعلى من غيرها، بحيث (4) لا تفهم (5) من مطلق مشروعية الصيام (6) النافلة؛ ~~لأن مطلق المشروعية يقتضي أن الحسنة فيه (7) بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف ~~(8) في الجملة، وصيام يوم عاشوراء يقتضي أنه يكفر السنة التي قبله (9)، فهو ~~(10) أمر زائد على مطلق المشروعية، ومساقه يفيد له مزية في الرتبة، وذلك ~~راجع إلى الحكم. # فإذا هذا الترغيب الخاص يقتضي مرتبة في نوع المندوب (11) خاصة، فلا بد من ~~رجوع إثبات الحكم إلى الأحاديث الصحيحة بناء عل قولهم: "إن الأحكام لا تثبت ~~إلا من طريق صحيح" (12)، والبدع المستدل عليها بغير الصحيح لا بد فيها من ~~زيادة (13) على المشروعات؛ كالتقييد بزمان ما، PageV02P030 # أو عدد ما، أو كيفية ما (1)، فيلزم أن تكون (2) أحكام تلك الزيادة (3) ~~ثابتة بغير الصحيح، وهو ناقض لما أسسه (4) العلماء. # ولا يقال: إنهم يريدون أحكام الوجوب والتحريم فقط؛ لأنا (5) نقول: هذا ~~تحكم من غير دليل، بل الأحكام خمسة. فكما لا يثبت الوجوب إلا بالصحيح، كذلك ~~الندب (6) والإباحة وغيرهما (7) لا تثبت (8) إلا بالصحيح (9)، فإذا ثبت ~~الحكم فاستسهل (10) أن يثبت في أحاديث الترغيب والترهيب، ولا عليك. # فعلى كل تقدير: كل ما رغب (11) فيه إن ثبت حكمه أو مرتبته في المشروعات ~~من طريق صحيح، فالترغيب (12) بغير الصحيح مغتفر، وإن لم يثبت إلا من حديث ~~الترغيب، فاشترط الصحة أبدا، وإلا (13) خرجت عن طريق القوم المعدودين في ~~أهل الرسوخ. فلقد غلط في هذا المكان جماعة ممن ينسب إلى الفقه، ويتخصص عن ~~العوام بدعوى رتبة الخواص. وأصل هذا الغلط: عدم فهم معنى (14) كلام ~~المحدثين في الموضعين، وبالله التوفيق. PageV02P031 ### | ### | فصل # # ومنها ضد هذا؛ وهو ردهم للأحاديث التي جاءت (1) غير موافقة لأغراضهم ~~ومذاهبم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول (2)، وغير جارية على مقتضى الدليل، ~~فيجب ردها؛ كالمنكرين لعذاب القبر (3)، والصراط (4)، والميزان (5)، ~~PageV02P032 # ورؤية الله عز وجل في الآخرة (1). وكذلك حديث الذباب ومقله، وأن في أحد ~~جناحيه داء وفي الآخر دواء، وأنه يقدم الذي فيه الداء (2). وحديث الذي أخذ ~~أخاه بطنه ms207 فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بسقيه العسل (3)، وما أشبه ذلك ~~من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول. # وربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم وحاشاهم ~~(4) ، ومن (5) اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم، كل ذلك ~~ليردوا به على من خالفهم في المذهب، وربما ردوا فتاويهم وقبحوها في أسماع ~~العامة؛ لينفروا الأمة (6) عن أتباع السنة وأهلها، كما روي (7) عن بكر بن ~~حمران قال: قال عمرو (8) بن عبيد: لا يعفى عن اللص PageV02P033 # دون السلطان. قال: فحدثته بحديث صفوان بن أمية عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حيث قال: "فهلا (1) قبل أن تأتيني به؟ " (2) قال: أتحلف بالله أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P034 # قاله؟ قلت: أفتحلف أنت بالله أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله؟ قال: ~~فحلف بالله PageV02P035 # الذي لا إله إلا هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله (1). فحدثت به ~~ابن عون. قال: فلما عظمت الحلقة قال (2): [يا بكر] (3) حدث القوم (4). # وقد جعلوا القول بإثبات الصراط والميزان والحوض قولا بما لا يعقل. وقد ~~سئل بعضهم: هل يكفر من قال برؤية الباري في الآخرة؟ فقال: لا يكفر؛ لأنه ~~قال ما لا يعقل، ومن قال ما لا يعقل فليس بكافر (5). # وذهبت طائفة إلى نفي أخبار الآحاد جملة (6)، والاقتصار على ما استحسنته ~~(7) عقولهم في فهم القرآن، حتى أباحوا الخمر بقوله: {ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية (8). ففي هؤلاء وأمثالهم قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من ~~أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في PageV02P036 # كتاب الله اتبعناه (1) (2). PageV02P037 # وهذا وعيد شديد تضمنه النهي اللاحق (1) بمن ارتكب رد السنة. # ولما ردوها بتحكيم (2) العقول؛ كان الكلام معهم راجعا إلى أصل التحسين ~~والتقبيح، وهو مذكور في الأصول، وسيأتي له بيان إن شاء الله. # وقال عمر بن النضر: سئل عمرو (3) بن عبيد يوما عن شيء وأنا عنده ، فأجاب ~~فيه (4). فقلت له: ليس هكذا يقول أصحابنا. ms208 قال: ومن أصحابك لا أبا لك؟! ~~قلت: أيوب، ويونس، وابن عون، والتيمي. قال: أولئك أنجاس أرجاس أموات غير ~~أحياء (5) (6). # وقال ابن علية: حدثني اليسع؛ قال: تكلم واصل يعني ابن عطاء PageV02P038 # يوما، قال: فقال عمرو (1) بن عبيد: ألا تسمعون؟ ما كلام الحسن وابن سيرين ~~عند ما تسمعون إلا خرقة حيضة ملقاة. # وكان واصل بن عطاء أول من تكلم في الاعتزال، فدخل معه في ذلك عمرو (1) بن ~~عبيد فأعجب به، فزوجه أخته، وقال لها (2): زوجتك برجل ما يصلح إلا أن يكون ~~خليفة (3). # ثم تجاوزوا الحد حتى ردوا القرآن بالتلويح والتصريح لرأيهم السوء. # فحكى عمرو بن علي: أنه سمع ممن يثق به؛ أنه قال: كنت عند عمرو (4) بن ~~عبيد وهو جالس على دكان عثمان الطويل ، فأتاه رجل فقال: يا أبا عثمان! ما ~~سمعت من الحسن يقول في قول الله عز وجل: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين ~~كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} (5)؟ قال: تريد أن (6) أخبرك برأي حسن؟ قال: ~~لا أريد إلا ما سمعت من الحسن. قال: سمعت الحسن يقول: كتب الله على قوم ~~القتل فلا يموتون إلا قتلا، وكتب على قوم الهدم فلا يموتون إلا هدما، وكتب ~~على قوم الغرق فلا يموتون إلا غرقا، وكتب على قوم الحريق فلا يموتون إلا ~~حرقا. فقال له عثمان الطويل: يا أبا عثمان! ليس هذا قولنا. قال عمرو (7): ~~قد قلت: أتريد (8) أن أخبرك (9) برأي الحسن (10)، فأبى، PageV02P039 # أفأكذب (1) على الحسن (2)؟ # وعن الأثرم، عن أحمد بن حنبل؛ قال: حدثنا معاذ؛ قال: كنت عند عمرو (2) بن ~~عبيد، فجاءه عثمان بن فلان، فقال: يا أبا عثمان! سمعت والله بالكفر! قال: ~~ما هو؟ لا تعجل بالكفر؛ قال: هاشم الأوقص زعم أن {تبت يدا أبي لهب وتب *} ~~(3)، وقول الله عز وجل: {ذرني ومن خلقت وحيدا *} (4): لم يكن هذا في أم ~~الكتاب، والله تعالى يقول: {حم *والكتاب المبين *إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون *وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم *} (5)، فما الكفر إلا ~~هذا؟ فسكت ساعة ثم تكلم فقال: والله! لو ms209 كان الأمر كما تقول ما كان على أبي ~~لهب من لوم، ولا كان على الوحيد من لوم. قال عثمان في مجلسه : هذا والله ~~الدين. قال معاذ: ثم قال في آخره: فذكرته لوكيع، فقال: يستتاب قائلها فإن ~~تاب، وإلا ضربت عنقه (6). PageV02P040 # ومثل هذا محكي، لكن (1) عن (2) بعض المرموقين من أئمة الحديث (3). # فروي عن علي بن المديني (4)، عن مؤمل، عن الحسن بن وهب الجمحي؛ قال: كان ~~الذي (5) بيني وبين فلان (6) خاص، فانطلق بأهله إلى بئر ميمون، فأرسل إلي: ~~أن ائتني، فأتيته عشية فبت عنده. قال: فهو في فسطاط وأنا في فسطاط آخر، ~~فجعلت أسمع صوته الليل كله كأنه دوي النحل. قال: فلما أصبحنا جاء بغدائه ~~فتغدينا. قال: ثم ذكر (7) ما بيني وبينه من الإخاء والحق. قال (8): فقال ~~لي: أدعوك إلى رأي الحسن (9). قال: وفتح لي شيئا من القدر. قال: فقمت من ~~عنده فما كلمته بكلمة حتى لقي الله. قال: فإني (10) يوما خارج من الطواف ~~(11) وهو داخل أو أنا (12) داخل وهو خارج ، فأخذ بيدي فقال: يا أبا عمرو! ~~(13) حتى متى؟ حتى متى؟ قال (14): فلم أكلمه، فقال (15) لي (16): أرأيت لو ~~أن رجلا قال: إن (17) {تبت يدا أبي لهب} ليست من القرآن، ما كنت قائلا (18) ~~له؟ قال (19): فنزعت يدي من يده. قال علي: قال مؤمل: فحدثت به سفيان بن ~~عيينة، فقال (20): ما PageV02P041 # كنت (1) أرى بلغ (2) هذا كله (3). # قال علي: وسمعت [أبا] (4) أحمد (5) [يعني الزبيري] (6) ؛ قال: حدثني أنا ~~(7) سفيان بن عيينة عن معلى الطحان ببعض حديثه (8)، فقال: ما أحوج صاحب (9) ~~هذا (10) إلى أن يقتل؟ (11). # فانظروا إلى تجاسرهم على كتاب الله تعالى وسنة نبيه (ص)! كل ذلك ترجيح ~~لمذاهبهم على محض الحق، وأقربهم إلى هيئة (12) الشريعة من يتطلب لها ~~المخرج، فيتأول لها (13) الواضحات، ويتبع المتشابهات، PageV02P042 # وسيأتي. والجميع داخلون تحت ذمها. # وربما احتج طائفة من نابغة المبتدعة على رد الأحاديث بأنها إنما تفيد ~~الظن (1)، وقد ذم الظن في القرآن؛ كقوله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس} (2)، وقال: {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من ms210 الحق ~~شيئا} (3)، وما جاء في معناه، حتى أحلوا أشياء مما حرمها الله تعالى على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس تحريمها في القرآن نصا، وإنما قصدوا ~~بذلك (4) أن يثبت لهم من أنظار عقولهم ما استحسنوا. # والظن المراد في الآيات (5) وفي الحديث (6) أيضا غير ما زعموا، وقد وجدنا ~~له (7) محامل (8) ثلاثة: # أحدها: أنه (9) الظن في أصول الدين، فإنه لا يغني عند العلماء؛ لاحتماله ~~النقيض عند الظان، بخلاف الظن في الفروع فإنه معمول به عند أهل الشريعة ~~للدليل الدال على إعماله، فكأن الظن مذموم (10)، إلا ما تعلق بالفروع منه ~~(11)، وهذا صحيح ذكره العلماء في الموضع (12). # والثاني: أن الظن هنا هو ترجيح أحد النقيضين على الآخر من غير دليل مرجح، ~~ولا شك أنه مذموم هنا؛ لأنه من التحكم، ولذلك أتبع في الآية بهوى النفس في ~~قوله: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس}، فكأنهم مالوا إلى أمر بمجرد ~~(13) الغرض والهوى، لا باتباع الهدى المنبه PageV02P043 # عليه بقوله: {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} (1)، ولذلك أثبت ذمه (2)، بخلاف ~~الظن الذي أثاره دليل، فإنه غير مذموم في الجملة؛ لأنه خارج عن اتباع ~~الهوى، ولذلك أثبت وعمل بمقتضاه حيث يليق العمل بمثله؛ كالفروع. # والثالث: أن الظن على ضربين: # 1 ظن يستند إلى أصل قطعي، وهذه (3) هي الظنون المعمول بها في الشريعة ~~أينما وقعت؛ لأنها إذا (4) استندت إلى أصل معلوم، فهي من قبيل المعلوم، ومن ~~جنسه (5). # 2 وظن لا يستند إلى قطعي، بل إما مستند إلى غير شيء (6) أصلا، وهو مذموم ~~كما تقدم ، وإما مستند إلى ظن مثله، فذلك الظن إن استند أيضا إلى قطعي، ~~فكالأول، أو إلى ظني (7)، رجعنا إليه، فلا بد أن يستند إلى قطعي، وهو ~~محمود، أو إلى غير شيء، وهو مذموم. # فعلى كل تقدير: كل خبر واحد صح سنده، فلا بد من استناده إلى أصل في ~~الشريعة قطعي، فيجب قبوله، ومن هنا قبلناه مطلقا (8)، كما أن ظنون الكفار ~~غير مستندة إلى شيء، فلا بد من ردها وعدم اعتبارها، وهذا الجواب الأخير ~~مستمد من أصل ms211 وقع بسطه في كتاب "الموافقات" (9) والحمد لله. # ولقد بالغ بعض الغالين (10) في رد الأحاديث، ورد قول من اعتمد على ما ~~فيها (11)، حتى عدوا القول به مخالفا للعقل، والقائل به معدودا (12) في ~~المجانين. PageV02P044 # فحكى أبو بكر (1) ابن العربي (2) عن بعض من لقي بالمشرق من المنكرين ~~للرؤية أنه قيل له: هل يكفر من يقول بإثبات رؤية الباري أم لا؟ فقال (3): ~~لا! لأنه قال بما (4) لا يعقل، ومن قال بما لا يعقل فلا (5) يكفر. قال ابن ~~العربي: فهذه منزلتنا عندهم، فليعتبر الموفق فيما يؤدي إليه اتباع الهوى، ~~أعاذنا الله من ذلك بفضله. # وزل بعض المرموقين في زماننا في هذه المسألة، فزعم أن خبر الواحد زعم كله ~~(6)، بعد ما حكى الأثر (7): "بئس مطية الرجل زعموا" (8)، PageV02P045 # والأثر الآخر: "إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث" (1)، وهذه من كلام ~~هذا المتأخر وهلة (2)، عفا الله عنه. PageV02P046 ### | ### | فصل # # ومنها تخرصهم على الكلام في القرآن والسنة العربيين، مع العرو (1) عن علم ~~العربية الذي به يفهم (2) عن الله ورسوله، فيفتاتون على الشريعة بما فهموا، ~~ويدينون به، ويخالفون الراسخين في العلم، وإنما دخلوا في ذلك من جهة تحسين ~~الظن بأنفسهم، واعتقادهم أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط، وليسوا كذلك، ~~كما حكي عن بعضهم أنه سئل عن قول الله تعالى: {ريح فيها صر} (3)، فقال: هو ~~هذا الصرصر؛ يعني صرار الليل (4)، وعن النظام أنه كان يقول: إذا آلى المرء ~~(5) بغير اسم الله لم يكن موليا. قال: لأن الإيلاء مشتق من اسم الله (6). # وقال بعضهم في قول الله تعالى: {وعصى آدم ربه فغوى} (7): إنه أتخم من أكل ~~الشجرة (8)، يذهبون إلى قول العرب: "غوي الفصيل": إذا أكثر من اللبن حتى ~~بشم (9)، ولا يقال فيه غوى وإنما غوى من الغي (10). PageV02P047 # وفي قوله سبحانه: {ولقد ذرأنا لجهنم} (1): أي ألقينا فيها، كأنه عندهم من ~~قول العرب: "ذرته الريح" وذلك لا يجوز؛ لأن (2) ذرأنا مهموز، وذرته غير ~~مهموز، وكذلك لا يكون (3) من "أذرته الدابة عن ظهرها"؛ لعدم الهمز (4)، ~~ولكنه رباعي، وذرأنا ثلاثي. # وحكى ابن قتيبة (5) عن بشر المريسي أنه كان ms212 يقول لجلسائه (6): قضى الله ~~لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهيؤها (7)، فسمع قاسم التمار قوما يضحكون، ~~فقال: هذا كما قال الشاعر: # إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها # وبشر المريسي (8) رأس في الرأي، وقاسم التمار رأس في أصحاب الكلام (9). # قال ابن قتيبة (10): واحتجاجه لبشر (11) أعجب من لحن بشر. # واستدل بعضهم على تحليل شحم الخنزير بقول الله تعالى: {ولحم الخنزير} ~~(12)، فاقتصر على تحريم اللحم دون غيره (13)، فدل على أنه حلال. # وربما سلم بعض العلماء ما قالوا، وزعم أن الشحم إنما حرم بالإجماع، ~~والأمر أيسر من ذلك، فإن اللحم يطلق (14) على الشحم وغيره PageV02P048 # حقيقة، حتى إذا خص بالذكر قيل: شحم؛ كما قيل (1): عرق، وعصب، وجلد. ~~ولوكان على ما قالوا؛ لزم أن لا يكون العرق ولا العصب (2) ولا الجلد ولا ~~المخ ولا النخاع ولا غير ذلك مما خص بالاسم محرما، وهو خروج عن القول ~~بتحريم الخنزير. # ويمكن أن يكون من خفي هذا الباب: مذهب الخوارج في زعمهم أنه (3) لا تحكيم ~~للرجال (4)؛ استدلالا بقوله تعالى: {إن الحكم إلا لله} (5)، فإنه مبني على ~~أن اللفظ ورد بصيغة العموم، فلا يلحقه تخصيص، فلذلك أعرضوا عن قول الله ~~تعالى: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} (6)، وقوله: {يحكم به ذوا ~~عدل منكم} (7)، وإلا فلو علموا تحقيقا قاعدة العرب في (8) أن العموم يراد ~~به الخصوص (9)؛ لم يسرعوا (10) إلى الإنكار، ولقالوا في أنفسهم: لعل (11) ~~هذا العام مخصوص! فيتأولون. # وفي (12) الموضع وجه آخر مذكور في موضع غير هذا. # وكثيرا ما يوقع (13) الجهل بكلام العرب في مخاز (14) لا يرضى بها عاقل، ~~أعاذنا الله من الجهل والعمل به بفضله. # فمثل هذه الاستدلالات لا يعبأ بها، وتسقط مكالمة أصحابها (15)، ~~PageV02P049 # ولا يعد خلاف أمثالهم خلافا. فكل (1) ما استدلوا (2) عليه من الأحكام ~~الفروعية أو الأصولية فهو عين البدعة، إذ هو (3) خروج عن طريقة كلام العرب ~~إلى اتباع الهوى. # فحق ما حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث قال: "إنما هذا القرآن ~~كلام [الله] (4)، فضعوه على (5) مواضعه، ولا تتبعوا فيه (6) أهواءكم" (7)؛ ~~أي: فضعوه ms213 على مواضع الكلام، ولا تخرجوه عن PageV02P050 # ذلك، فإنه خروج عن طريقه المستقيم إلى اتباع الهوى. # وعنه أيضا: "إنما أخاف عليكم رجلين: رجل تأول القرآن على غير تأويله، ~~ورجل ينفس المال على أخيه" (1). # وعن الحسن رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: أرأيت الرجل يتعلم العربية ~~ليقيم بها لسانه ويقيم بها منطقه؟ قال: نعم، فليتعلمها، فإن الرجل ~~PageV02P051 # يقرأ بالآية فيعيا بوجهها (1) فيهلك (2). # وعنه أيضا قال: أهلكتهم (3) العجمة (4)، يتأولون (5) القرآن على غير ~~تأويله (6). PageV02P052 ### | ### | فصل # # ومنها: انحرافهم عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات التي للعقول ~~فيها مواقف، وطلب الأخذ بها تأويلا كما أخبر الله تعالى في كتابه إشارة إلى ~~النصارى في قولهم بالثالوثي؛ بقوله (1): {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ~~ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} (2). وقد علم العلماء أن كل ~~دليل فيه اشتباه وإشكال ليس بدليل في الحقيقة، حتى يتبين معناه ويظهر ~~المراد منه. ويشترط في ذلك أن لا يعارضه أصل قطعي. فإذا لم يظهر معناه ~~لإجمال أو اشتراك، أو عارضه قطعي؛ كظهور تشبيه، فليس بدليل؛ لأن حقيقة ~~الدليل أن يكون ظاهرا في نفسه، ودالا على غيره، وإلا احتيج إلى دليل عليه ~~(3)، فإن دل الدليل على عدم صحته فأحرى أن لا يكون دليلا (4). # ولا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية؛ لأن الفروع الجزئية إن ~~لم تقتض عملا، فهي في محل التوقف، وإن اقتضت عملا فالرجوع إلى الأصول هو ~~الصراط المستقيم، وتتأول (5) الجزئيات حتى PageV02P053 # ترجع (1) إلى الكليات، فمن عكس الأمر حاول شططا، ودخل في حكم الذم؛ لأن ~~متبع المتشابهات (2) مذموم، فكيف يعتد بالمتشابهات دليلا؟ أو يبنى (3) ~~عليها حكم من الأحكام؟ وإذا لم تكن دليلا في نفس الأمر، فجعلها دليلا (4) ~~بدعة محدثة (5). # ومثاله في ملة الإسلام: مذاهب (6) الظاهرية في إثبات الجوارح (7) للرب ~~المنزه عن النقائص ؛ من العين واليد والرجل والوجه المحسوسات، والجهة، وغير ~~ذلك من الثابت للمحدثات (8). # ومن الأمثلة أيضا: أن جماعة زعموا أن القرآن مخلوق؛ تعلقا بالمتشابه (9)، ~~والمتشابه الذي تعلقوا به على وجهين: عقلي في زعمهم ، وسمعي. PageV02P054 # فالعقلي: أن صفة ms214 الكلام من جملة الصفات، وذات الله تعالى عندهم بريئة من ~~التركيب جملة، وإثبات صفات للذات (1) قول بتركيب الذات، وهو محال؛ لأنه ~~واحد على الإطلاق، فلا يمكن أن يكون متكلما بكلام قائم به، كما لا يكون ~~قادرا بقدرة قائمة به، أو عالما بعلم قائم به، إلى سائر الصفات. # وأيضا فالكلام لا يعقل إلا بأصوات وحروف، وكل ذلك من صفات المحدثات، ~~والباري منزه عنها. # وبعد هذا الأصل يرجعون إلى تأويل قوله سبحانه: {وكلم الله موسى تكليما} ~~(2) وأشباهه. # وأما السمعي (3): فنحو قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} (4)، والقرآن إما ~~(5) أن يكون شيئا، أو لا شيء، ولا شيء عدم، والقرآن ثابت، هذا خلف. وإن كان ~~شيئا فقد شملته الآية، فهو إذا مخلوق، وبهذا استدل المريسي على عبد العزيز ~~المكي رحمه الله تعالى (6). # وهاتان الشبهتان أخذ في التعلق بالمتشابهات، فإنهم قاسوا (7) الباري على ~~البرية، ولم يعقلوا ما وراء ذلك، فتركوا معاني الخطاب، وقاعدة العقول. # أما تركهم للقاعدة: فلم ينظروا في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} (8)، وهذه ~~الآية نقلية عقلية؛ لأن المشابه (9) للمخلوق في وجه ما مخلوق مثله؛ إذ ما ~~وجب للشيء وجب لمثله، فكما تكون الآية دليلا على PageV02P055 # المشبهة (1)، تكون دليلا على هؤلاء (2)؛ لأنهم عاملوه في التنزيه معاملة ~~المخلوق؛ حيث توهموا أن اتصاف ذاته بالصفات يقتضي التركيب في الذات (3). # وأما تركهم لمعاني الخطاب (4): فإن العرب لا تفهم من قوله: "السميع ~~البصير"، أو "السميع (5) العليم"، أو "القدير" وما أشبه ذلك إلا من له سمع ~~وبصر وعلم وقدرة اتصف بها، فإخراجها عن (6) حقائق معانيها التي نزل القرآن ~~بها خروج عن أم الكتاب إلى اتباع ما تشابه منه من غير حاجة؛ حيث (7) ردوا ~~هذه الصفات إلى الأحوال التي هي العالمية والقادرية، فما ألزموه في العلم ~~والقدرة لازم لهم في العالمية والقادرية؛ لأنها إما موجودة، فيلزم التركيب، ~~أو معدومة، والعدم نفي محض. # وأما كون الكلام هو الأصوات والحروف، فبناء على النظر في كلام النفس (8)، ~~وهو مذكور في الأصول (9). # وأما الشبهة السمعية: فكأنها عندهم بالتبع؛ لأن العقول عندهم هي المعتمدة ms215 ~~(10)، ولكنهم يلزمهم بذلك الدليل مثل ما فروا منه؛ لأن قوله PageV02P056 # تعالى: {الله (1) خالق كل شيء} إما أن يكون على عمومه لا يتخلف عنه شيء، ~~أو لا؟ فإن كان على عمومه لزمهم في ذاته وأحوالها التي أثبتوها عوضا من ~~الصفات، وإن لم يكن على عمومه (2)، فتخصيصه إما بغير دليل وهو التحكم ، ~~وإما بدليل، فأبرزوه حتى ننظر (3) فيه، ويلزم مثله في الإرادة إن ردوا ~~الكلام إليها، وكذلك غيرها من الصفات إن أقروا بها، أو الأحوال إن أنكروها، ~~وهذا الكلام معهم بحسب الوقت. # والذي يليق بموضوع المسألة (4) أنواع أخر من الأدلة التي تقتضي كون هذا ~~المذهب بدعة لا يلائم قواعد الشرع (5). # ومن أغرب (6) ما يوضع ههنا: ما حكاه المسعودي (7) وذكره الآجري في كتاب ~~"الشريعة" (8) PageV02P057 # بأبسط (1) مما ذكره المسعودي، واللفظ هنا للمسعودي مع إصلاح بعض الألفاظ ~~؛ قال: ذكر صالح بن علي الهاشمي قال: حضرت يوما من الأيام جلوس المهتدي ~~للمظالم، فرأيت من سهولة الوصول [إليه] (2)، ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي ~~فيما يتظلم به إليه ما استحسنته، فأقبلت أرمقه ببصري، إذا نظر في القصص، ~~فإذا رفع طرفه إلي أطرقت، فكأنه علم ما في نفسي. # فقال لي: يا صالح! أحسب أن في نفسك شيئا تحب أن تذكره قال فقلت: نعم يا ~~أمير المؤمنين! فأمسك. فلما فرغ من جلوسه أمر أن لا أبرح، ونهض، فجلست ~~جلوسا طويلا، ثم دعاني (3)، فقمت إليه وهو على حصير الصلاة، فقال لي: يا ~~صالح! أتحدثني بما في نفسك؟ أم أحدثك؟ فقلت: بل هو من أمير المؤمنين أحسن. ~~PageV02P058 # فقال: كأني (1) بك وقد استحسنت ما رأيت (2) من مجلسنا، فقلت: أي خليفة ~~خليفتنا! إن لم يكن يقول (3) بقول أبيه من القول بخلق القرآن. [فقلت: نعم] ~~(4). فقال: قد كنت على ذلك برهة من الدهر، حتى أقدم (5) على الواثق (6) شيخ ~~(7) من أهل الفقه والحديث من "أذنة" (8)؛ من الثغر الشامي، مقيد طوال (9)، ~~حسن الشيبة، فسلم غير هائب، ودعا فأوجز، فرأيت الحياء منه في حماليق عيني ~~الواثق والرحمة عليه. # فقال: يا شيخ (10)! أجب أبا عبد الله أحمد بن أبي ms216 دؤاد (11) عما يسألك ~~عنه. فقال: يا أمير المؤمنين! أحمد يصغر ويضعف ويقل عند المناظرة. فرأيت ~~الواثق وقد (12) صار مكان الرحمة عليه والرقة له غضبا (13)، فقال: أبو عبد ~~الله يصغر ويضعف ويقل (14) عند مناظرتك؟ فقال: هون عليك يا أمير المؤمنين! ~~أتأذن (15) في كلامه؟ فقال له الواثق: قد أذنت (16) لك. # فأقبل الشيخ على أحمد، فقال: يا أحمد! إلام دعوت الناس؟ فقال أحمد: إلى ~~القول بخلق القرآن، فقال (17) له الشيخ: مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها ~~من القول بخلق القرآن، أداخلة في الدين فلا يكون PageV02P059 # الدين تاما إلا بالقول بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: فرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دعا الناس إليها أم تركهم؟ قال: تركهم (1). قال له: فعلمها (2) ~~أم لم يعلمها؟ قال: علمها. قال: فلم دعوت الناس إلى ما لم يدعهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إليه (3) وتركهم منه؟ فأمسك. فقال الشيخ: يا أمير ~~المؤمنين! هذه واحدة. # ثم قال له: أخبرني يا أحمد! قال الله تعالى في كتابه العزيز: {اليوم ~~أكملت لكم دينكم} (4) الآية؛ فقلت أنت: إن (5) الدين لا يكون تاما إلا ~~بمقالتك بخلق القرآن، فالله عز وجل أصدق (6) في تمامه وكماله أم أنت في ~~نقصانك (7)؟ فأمسك. فقال الشيخ (8): يا أمير المؤمنين! وهذه ثانية. # ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا أحمد! قال الله عز وجل: {يا أيها الرسول بلغ ~~ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته} (9)، فمقالتك هذه التي ~~دعوت الناس إليها فيما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأمة أم لا؟ ~~فأمسك. فقال (10) الشيخ (11): يا أمير المؤمنين! وهذه ثالثة. # ثم قال له (12) بعد ساعة: أخبرني يا أحمد! لما علم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مقالتك هذه التي دعوت الناس إلى القول بها (13): اتسع له أن (14) ~~أمسك عنهم أم لا؟ قال أحمد: بل اتسع له ذلك. فقال الشيخ: وكذلك لأبي بكر؟ ~~وكذلك لعمر؟ وكذلك لعثمان؟ وكذلك لعلي رحمة الله عليهم ؟ قال: نعم. فصرف ~~وجهه إلى الواثق وقال: يا أمير المؤمنين! إذا لم (15) يتسع ms217 لنا ما اتسع ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه فلا وسع الله علينا. فقال الواثق: ~~نعم! لا وسع الله علينا إذا لم PageV02P060 # يتسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه (1). ثم قال ~~الواثق: اقطعوا قيوده. فلما فكت جاذب عليها، فقال الواثق: دعوه! ثم قال: يا ~~شيخ! لم جاذبت عليها؟ قال: لأني عقدت في نيتي أن أجاذب عليها، فإذا أخذتها ~~أوصيت أن تجعل بين بدني وكفني حتى (2) أقول: يا رب! سل عبدك: لم قيدني ظلما ~~وأراع (3) في أهلي؟ فبكى الواثق، وبكى (4) الشيخ، وبكى (4) كل من حضر (5). ~~ثم قال له الواثق: يا شيخ! اجعلني في حل، فقال: يا أمير المؤمنين! ما خرجت ~~من منزلي حتى جعلتك في حل إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولقرابتك ~~منه. فتهلل وجه الواثق وسر، ثم قال له (6): أقم عندي آنس بك (7)، فقال له: ~~مكاني في ذلك الثغر أنفع، وأنا شيخ كبير، ولي حاجة، قال: سل ما بدا لك. ~~قال: يأذن أمير المؤمنين في الرجوع (8) إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا ~~الظالم (9). قال: قد أذنت لك، وأمر له بجائزة فلم يقبلها، فرجعت من ذلك ~~الوقت عن (10) تلك المقالة، وأحسب أيضا أن الواثق رجع عنها. # فتأملوا هذه الحكاية ففيها عبرة لأولي الألباب، وانظروا كيف مأخذ (11) ~~الخصوم في إفحامهم (12) لخصومهم، بالرد عليهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم. # ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد؛ إنما هو (13) ~~PageV02P061 # الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها إلى بعض (1)؛ فإن مأخذ الأدلة ~~عند الأئمة الراسخين إنما هي (2) على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ~~ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها؛ ~~ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بمبينها (3)، إلى ما سوى ذلك ~~من مناحيها (4). فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام فذلك هو الذي ~~نطقت (5) به حين استنطقت (6). # وما مثلها إلا مثل الإنسان الصحيح السوي، فكما أن الإنسان لا يكون إنسانا ~~يستنطق فينطق (7) باليد وحدها، ولا بالرجل ms218 وحدها (8)، ولا بالرأس وحده، ولا ~~باللسان وحده، بل بجملته التي سمي بها إنسانا، كذلك الشريعة لا يطلب منها ~~الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها، لا من دليل منها أي دليل كان، وإن ~~ظهر لبادي الرأي نطق ذلك الدليل، فإنما هو توهمي لا حقيقي؛ كاليد إذا ~~استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة، من حيث علمت أنها يد إنسان، لا من حيث ~~هي إنسان؛ لأنه محال. # فشأن الراسخين تصور (9) الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضا؛ كأعضاء ~~الإنسان إذا صورت صورة متحدة. # وشأن متبعي (10) المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان، عفوا وأخذا أوليا، ~~وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي، فكما أن (11) العضو الواحد لا يعطى ~~في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا، فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من ~~في قلبه زيغ كما شهد الله به، {ومن أصدق من الله حديثا} (12). PageV02P062 ### | ### | فصل # # وعند ذلك نقول: # من اتباع المتشابهات: الأخذ (1) بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها، أو ~~بالعمومات (2) من غير تأمل: هل لها مخصصات أم لا؟ وكذلك العكس؛ بأن (3) ~~يكون النص مقيدا فيطلق، أو خاصا فيعم بالرأي من غير دليل سواه، فإن هذا ~~المسلك رمي في عماية، واتباع للهوى في الدليل، وذلك أن المطلق المنصوص على ~~تقييده مشتبه إذا لم يقيد، فإذا قيد صار واضحا، كما أن إطلاق المقيد رأي في ~~ذلك المقيد معارض للنص من غير دليل. # فمثال الأول: أن الشريعة قد ورد طلبها على المكلفين على الإطلاق والعموم، ~~ولا يرفعها عذر إلا العذر الرافع للخطاب رأسا، وهو زوال العقل، فلو بلغ ~~المكلف في مراتب الفضائل الدينية إلى أي رتبة بلغ؛ بقي التكليف عليه كذلك ~~إلى الموت، ولا رتبة لأحد يبلغها في الدين (4) كرتبة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ثم رتبة أصحابه البررة، ولم يسقط عنهم من التكليف مثقال (5) ~~ذرة، إلا ما كان من تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى الآحاد، كالزمن لا يطالب ~~بالجهاد، والمقعد لا يطالب (6) في الصلاة (7) بالقيام (8)، PageV02P063 # والحائض لا تطلب بالصلاة المخاطب بها في حال ms219 حيضها، ولا ما أشبه ذلك. # فمن رأى أن التكليف قد يرفعه البلوغ إلى مرتبة ما من مراتب الدين كما ~~يقوله أهل الإباحة ، كان قوله بدعة مخرجة عن الدين (1). # ومنه دعاوى أهل البدع على الأحاديث الصحيحة مناقضتها للقرآن، أو مناقضة ~~بعضها بعضا، وفساد معانيها، أو مخالفتها للعقول، كما حكموا بذلك في قوله ~~صلى الله عليه وسلم للمتحاكمين إليه: "والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما ~~بكتاب الله: مائة الشاة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، ~~وعلى امرأة هذا (2) الرجم، واغد يا أنيس (3)! على امرأة هذا، فإن اعترفت ~~فارجمها"، فغدا عليها فاعترفت، فرجمها (4). # قالوا: هذا مخالف لكتاب الله؛ لأنه قضى بالرجم وبالتغريب، وليس للرجم ولا ~~للتغريب في كتاب الله ذكر، فإن كان الحديث باطلا فهو ما أردنا، وإن كان حقا ~~فقد ناقض كتاب الله بزيادة الرجم والتغريب. # فهذا اتباع للمتشابه (5)؛ لأن الكتاب في كلام العرب وفي الشرع أيضا (6) ~~يتصرف على وجوه: منها الحكم والفرض؛ كقوله تعالى: {كتاب الله عليكم} (7)، ~~وقال تعالى: {كتب عليكم الصيام} (8)، {وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال} ~~(9)، فكان المعنى: لأقضين بينكما بكتاب الله؛ أي: بحكم الله الذي شرع لنا، ~~كما أن الكتاب يطلق على القرآن، فتخصيصهم PageV02P064 # الكتاب بأحد المحملين (1) من غير دليل اتباع لما تشابه من الأدلة. # وفي الحديث: "مثل أمتي كمثل المطر (2)، لا يدرى أوله خير أم آخره" (3). ~~قالوا: فهذا يقتضي أنه لم يثبت لأول هذه الأمة فضل على الخصوص دون آخرها، ~~ولا العكس، ثم نقل: "إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى ~~للغرباء" (4). فهذا يقتضي تفضيل الأولي PageV02P065 # ن والآخرين على الوسط، ثم نقل: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم ~~الذين يلونهم" (1)، فاقتضى أن الأولين أفضل على الإطلاق. # قالوا: فهذا تناقض، وكذبوا! ليس ثم تناقض ولا اختلاف. # وذلك أن التعارض إذا ظهر لبادي الرأي في المنقولات الشرعية، فإما أن (2) ~~لا يمكن الجمع بينهما أصلا، وإما أن يمكن، فإن لم يمكن فهذا الفرض يفرض (3) ~~بين قطعي وظني، أو بين ظنيين، فأما بين قطعيين فلا يقع ms220 في الشريعة (4)، ولا ~~يمكن وقوعه؛ لأن تعارض القطعيين محال. فإن وقع بين قطعي وظني بطل الظني، ~~وإن وقع بين ظنيين فههنا للعلماء فيه الترجيح، والعمل بالأرجح متعين، وإن ~~أمكن الجمع، فقد اتفق النظار على إعمال وجه الجمع، وإن كان له وجه ضعيف ~~(5)، فإن الجمع أولى عندهم، وإعمال الأدلة أولى من إهمال بعضها، فهؤلاء ~~المبتدعة لم يرفعوا بهذا الأصل رأسا، إما جهلا به، وإما (6) عنادا. # فإذا ثبت هذا فقوله: "خير القرون قرني" هو الأصل في الباب، فلا يبلغ أحد ~~شأو الصحابة (7) رضي الله عنهم. وما سواه يحتمل التأويل على حال أو زمان أو ~~في بعض الوجوه. # وأما قوله: "فطوبى للغرباء": لا نص فيه على التفضيل المشار إليه، بل هو ~~دليل على جزاء حسن، ويبقى النظر في كونه مثل جزاء الصحابة، PageV02P066 # أو دونه، أو فوقه محتملا (1)، فليس في الحديث عليه دليل، فلا بد من حمله ~~على محكم الأصل الأول ولا إشكال. # ومن ذلك: قولهم بالتناقض بين (2) قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تفضلوني ~~على يونس بن متى" (3)، و"لا تخيروا ين الأنبياء" (4)، وبين قوله (5): "أنا ~~سيد ولد (6) آدم" (7)، ونحوه. # ووجه الجمع بينهما ظاهر (8). PageV02P067 # ومنه: أنهم قالوا في قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من نومه ~~فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" ~~(1): إن هذا الحديث يفسد (2) آخره أوله، فإن أوله صحيح لولا قوله: "فإن ~~أحدكم لا يدري" كذ، فما منا أحد إلا وقد (3) درى أن يده باتت حيث بات بدنه ~~(4). وأشد الأمور أن يكون مس بها فرجه، ولو أن رجلا فعل ذلك في اليقظة لما ~~طلب بغسل يده، فكيف يطلب بالغسل (5) ولا يدري هل مس فرجه أم لا؟ # وهذا الاعتراض من النمط الذي (6) قبله، إذ النائم قد يمس (7) فرجه فيصيبه ~~شيء من نجاسة بقيت (8) في المحل؛ لعدم استنجاء تقدم النوم، أو لكونه استجمر ~~فعرق (9) موضع الاستجمار، وهو لو كان يقظان فمس لعلم بالنجاسة إذا علقت ~~بيده، فيغسلها قبل غمسها في الإناء لئلا يفسد ms221 الماء، وإذا أمكن هذا لم ~~يتوجه الاعتراض. # فجميع ما ذكر في هذا الفصل راجع إلى إسقاط الأحاديث بالرأي المذموم الذي ~~تقدم الاستشهاد (10) عليه أنه من البدع المحدثات. PageV02P068 ### | ### | فصل # # ومنها: تحريف الأدلة عن مواضعها؛ بأن يرد الدليل على مناط، فيصرف عن ذلك ~~المناط إلى أمر آخر موهما أن المناطين واحد، وهو من خفيات تحريف الكلم عن ~~مواضعه والعياذ بالله. ويغلب على الظن أن من أقر بالإسلام، ويذم تحريف ~~الكلم عن مواضعه، لا يلجأ إليه صراحا (1) إلا مع اشتباه يعرض له، أو جهل ~~يصده عن الحق، مع هوى يعميه عن أخذ الدليل مأخذه، فيكون بذلك السبب مبتدعا. # وبيان ذلك: أن الدليل الشرعي إذا اقتضى أمرا في الجملة مما يتعلق ~~بالعبادات مثلا، فأتى به المكلف في الجملة أيضا؛ كذكر الله، والدعاء، ~~والنوافل المستحبات، وما أشبهها مما يعلم من الشارع فيها التوسعة؛ كان ~~الدليل عاضدا لعمله (2) من جهتين: من جهة معناه، ومن جهة عمل السلف الصالح ~~به. فإن أتى المكلف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة، أو زمان مخصوص، أو مكان ~~مخصوص، مقارنا (3) لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلا (4) أن ~~الكيفية، أو الزمان، أو المكان مقصود شرعا من غير أن يدل الدليل عليه؛ كان ~~الدليل بمعزل عن ذلك المعنى المستدل عليه. # فإذا ندب الشرع مثلا إلى ذكر الله، فالتزم قوم الاجتماع عليه على لسان ~~واحد، أو صوت واحد (5)، أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر PageV02P069 # الأوقات، لم يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم، بل فيه ما ~~يدل على خلافه؛ لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعا شأنها أن تفهم التشريع، ~~وخصوصا مع من يقتدى به، وفي (1) مجامع الناس؛ كالمساجد، فإنها إذا أظهرت ~~(2) هذا الإظهار، ووضعت في المساجد كسائر الشعائر التي وضعها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المساجد وما أشبهها؛ كالأذان، وصلاة العيدين، ~~والاستسقاء، والكسوف؛ فهم منها بلا شك أنها سنن، إن لم يفهم منها الفريضة ~~(3)، فأحرى أن لا يتناولها الدليل المستدل به، فصارت من هذه الجهة بدعا ~~محدثة، ms222 يدلك (4) على (5) ذلك: ترك التزام السلف الصالح لتلك الأشياء، أو ~~عدم (6) العمل بها، وهم كانوا أحق بها وأهلها لو كانت مشروعة على مقتضى ~~القواعد؛ لأن الذكر قد ندب إليه الشرع ندبا في مواضع كثيرة، حتى إنه لم ~~يطلب فيه تكثير من عبادة (7) من العبادات ما طلب من التكثير من الذكر؛ ~~كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * ... } الآية ~~(8)، وقوله: {وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} (9)، ~~وقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون *} (10) بخلاف سائر العبادات. # ومثل ذلك (11): الدعاء، فإنه ذكر الله، ومع ذلك فلم يلتزموا فيه كيفيات، ~~ولا قيدوه بأوقات مخصوصة بحيث يشعر (12) باختصاص التعبد بتلك الأوقات، إلا ~~ما عينه الدليل؛ كالغداة والعشي، ولا أظهروا منه إلا PageV02P070 # ما نص (1) الشارع على إظهاره؛ كالذكر في العيدين (2) وشبهه، وما سوى ذلك ~~فكانوا مثابرين على إخفائه وستره (3). ولذلك قال لهم حين رفعوا أصواتهم: ~~"أربعوا (4) على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا" (5) وأشباهه، فلم ~~يظهروه (6) في الجماعات. # فكل من خالف هذا الأصل فقد خالف إطلاق الدليل أولا؛ لأنه قيد فيه بالرأي، ~~وخالف من كان أعرف منه بالشريعة، وهم السلف الصالح رضي الله عنهم، بل قد ~~(7) كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك العمل وهو عليه السلام يحب أن يعمل ~~به خشية (8) أن يعمل به (9) الناس فيفرض عليهم (10). # وفي فصل البيان (11) من كتاب "الموافقات" (12) جملة من هذا، وهو مزلة ~~قدم. فقد يتوهم أن إطلاق اللفظ يشعر بجواز كل ما يمكن أن يفرض (13) في ~~مدلوله وقوعا، وليس كذلك، وخصوصا (14) في العبادات؛ PageV02P071 # فإنها محمولة على التعبد على (1) حسب ما تلقي عن (2) النبي صلى الله عليه ~~وسلم والسلف الصالح؛ كالصلوات حين وضعت بعيدة عن مدارك العقول في أركانها ~~وترتيبها وأزمانها وكيفياتها ومقاديرها، وسائر ما كان مثلها حسبما يذكر في ~~باب المصالح المرسلة من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى ، فلا يدخل العبادات ~~الرأي والاستحسان هكذا مطلقا؛ لأنه كالمنافي لوضعها؛ لأن (3) العقول لا ~~تدرك معانيها ms223 على التفصيل. # ولذلك (4) حافظ العلماء على ترك إجراء القياس فيها؛ كمالك بن أنس رضي ~~الله عنه، فإنه حافظ على طرح الرأي جدا، ولم يعمل فيها من أنواع القياس إلا ~~قياس نفي الفارق، حيث اضطر (5) إليه، وكذلك غيره من العلماء وإن تفاوتوا، ~~هم (6) محافظون جميعا في العبادات على الاتباع لنصوصها ومنقولاتها، بخلاف ~~غيرها من العادات، فإنهم قد اتبعوا فيها المعاني، حتى قال مالك فيها ~~بالمصالح المرسلة والاستحسان، مع بعد قاعدتها عن التعبديات اتباعا للمعاني ~~المفهومة من الشرع على التفصيل، ولم ير أشد محافظة على الاتباع للسلف ~~الصالح منه، حسبما قاله العلماء عنه، غير أن العبادات كالذكر والدعاء ~~ونوافل الصلوات والصدقات إن فهم فيها توسعة عمل عليها (7) بحسبها (8) لا ~~مطلقا، فإن الإنسان قد أمر بذلك في الجملة مثلا . فالمخصص (9) كالمخالف ~~لمفهوم التوسعة، وإن لم يفهم من ذلك توسعه فلا بد من الرجوع إلى أصل الوقوف ~~(10) مع PageV02P072 # المنقول؛ لأنا إن خرجنا عنه شككنا في كون العبادة على ذلك الوجه مشروعة، ~~أو قطعنا بأنها ليست بمشروعة (1) على الطريقتين المنبه عليهما (2) في كتاب ~~"الموافقات"، فيتعين الرجوع إلى المنقول وقوفا معه من غير زيادة ولا نقصان. # ثم إذا فهمنا التوسعة؛ فلا بد من اعتبار أمر آخر؛ وهو أن يكون العمل بحيث ~~لا يوهم التخصيص بزمان (3) دون غيره، أو مكان (4) دون غيره، أو كيفية دون ~~غيرها، أو يوهم انتقال الحكم من الاستحباب مثلا إلى السنة أو الفرض، لأنه ~~قد يكون الدوام عليه على كيفية ما في مجامع الناس، أو مساجد (5) الجماعات، ~~أو نحو ذلك؛ موهما لكونه سنة أو فرضا، بل هو كذلك. # ألا ترى أن كل ما أظهره رسول الله صلى الله عليه وسلم وواظب عليه في ~~جماعة إذا لم يكن فرضا فهو سنة عند العلماء؛ كصلاة العيدين والاستسقاء ~~والكسوف ونحو ذلك؟ بخلاف قيام الليل وسائر النوافل، فإنها مستحبات، وندب ~~صلى الله عليه وسلم إلى إخفائها، وكان يخفيها، وإن أظهرها فيوما ما من غير ~~إكثار، ولا يضر الدوام على النوافل (6) مع إخفائها (7)، وإنما يضر إذا كانت ~~تشاع ms224 ويعلن بها. # ومن أمثلة هذا الأصل: التزام الدعاء بعد الصلوات بالهيئة الاجتماعية ~~معلنا بها في الجماعات، وسيأتي بسط ذلك في بابه إن شاء الله تعالى. ~~PageV02P073 ### | ### | فصل # # ومنها: بناء (1) طائفة منهم الظواهر الشرعية على تأويلات لا تعقل يدعون ~~فيها أنها هي (2) المقصود والمراد، لا ما يفهم العربي منها (3)، مسندة (4) ~~عندهم إلى أصل لا يعقل، وذلك أنهم فيما ذكر العلماء: قوم أرادوا إبطال ~~الشريعة (5)، جملة وتفصيلا، وإلقاء ذلك فيما بين المسلمين (6) لينحل الدين ~~في أيديهم، فلم يمكنهم إلقاء ذلك صراحا، فيرد ذلك في وجوههم، وتمتد (7) ~~إليهم أيدي الحكام، فصرفوا عنايتهم (8) إلى التحيل على ما قصدوا بأنواع من ~~الحيل، من جملتها: صرف الهمم (9) عن (10) الظواهر، إحالة على أن لها بواطن ~~هي المقصودة، وأن الظواهر غير مرادة. فقالوا: كل ما ورد في الشرع من ~~الظواهر في الكتاليف والحشر والنشر والأمور الإلهية، فهي أمثلة ورموز إلى ~~بواطن. # فمما زعموا في الشرعيات: أن الجنابة مبادرة الداعي للمستجيب (11) بإفشاء ~~سر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق. ومعنى (12) الغسل: تجديد العهد على من ~~فعل ذلك. ومعنى مجامعة البهيمة مفاتحة (13) من لا عهد له PageV02P074 # ولم يؤد شيئا من صدقة النجوى وهي مائة وتسعة عشر درهما عندهم . قالوا: ~~فلذلك أوجب الشرع القتل على الفاعل والمفعول بها (1)، وإلا فالبهيمة متى ~~يجب القتل عليها؟ # والاحتلام (2): أن يسبق لسانه إلى إفشاء السر في غير محله، فعليه الغسل؛ ~~أي: تجديد المعاهدة، والطهور (3): هو التبرؤ من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة ~~الإمام. والتيمم: الأخذ من المأذون إلى أن يسعد (4) بمشاهدة (5) الداعي ~~والإمام (6). والصيام: هو الإمساك عن كشف السر. # ولهم من هذا الإفك كثير من الأمور الإلهية، وأمور التكليف، وأمور الآخرة، ~~وكله (7) حوم على إبطال الشريعة جملة وتفصيلا، إذ هم ثنوية ودهرية وإباحية، ~~منكرون للنبوة (8) والشرائع والحشر والنشر والجنة والنار والملائكة، بل هم ~~منكرون للربوبية (9)، وهم المسمون بالباطنية (10). # وربما تمسكوا بالحروف والأعداد؛ كقولهم (11): إن (12) الثقب (13) في (14) ~~رأس الآدمي سبع، والنجوم (15) السيارة سبعة (16)، وأيام الأسبوع سبعة (15)، ~~فهذا يدل على أن دور الأئمة سبعة سبعة (17)، وبه يتم. ms225 وأن PageV02P075 # الطبائع أربع، وفصول السنة أربعة (1)، فدل على أن الأصول (2) الأربعة هي ~~(3): السابق والتالي الإلهان (4) عندهم ، والناطق والأساس وهما الإمامان . ~~والبروج اثنا عشر، فدل (5) على الحجج الاثني عشر (6)، وهم الدعاة إلى أنواع ~~من هذا القبيل، وجميعها ليس فيه ما يقابل بالرد؛ لأن كل طائفة من المبتدعة ~~سوى هؤلاء ربما (7) يتمسكون بشبهة تحتاج (8) إلى النظر فيها معهم، أما ~~هؤلاء فقد خلعوا في الهذيان الربقة، وصاروا (9) عرضة للمز، وضحكة للعالمين. ~~وإنما ينسبون (10) هذه الأباطيل إلى الإمام المعصوم الذي زعموه، وإبطال هذه ~~الإمامة (11) معلوم في كتب المتكلمين، ولكن لا بد من نكتة مختصرة في الرد ~~عليهم. # فلا يخلو أن يكون ذلك عندهم إما من جهة دعوى بالضرورة وهو محال (12)؛ لأن ~~الضروري هو (13) ما يشترك فيه العقلاء علما وإدراكا، وهذا ليس كذلك. # وإما من جهة الإمام المعصوم بسماعهم منه لتلك التأويلات، فيقال (14) لمن ~~زعم ذلك: ما الذي دعاك إلى تصديق الإمام المعصوم دون (15) تصديق محمد صلى ~~الله عليه وسلم مع (16) المعجزة، وليس لإمامك معجزة؟ والقرآن (17) يدل على ~~أن المراد ظاهره، لا ما زعمت. فإن قال: ظاهر القرآن رموز إلى بواطن فهمها ~~الإمام (18) المعصوم، ولم يفهمها الناس، PageV02P076 # فتعلمناها منه. قيل لهم: من أي جهة تعلمتموها منه (1)؟ أبمشاهدة قلبه ~~بالعين؟ أم (2) بسماع منه؟ فلا بد (3) من الاستناد إلى السماع بالأذن. ~~فيقال: فلعل لفظه ظاهر له باطن لم تفهمه، ولم يطلعك عليه، فلا يوثق بما ~~فهمت من ظاهر لفظه. فإن قال: صرح بالمعنى (4)، وقال: ما ذكرته ظاهر لا رمز ~~فيه، والمراد ظاهره. قيل له (5): وبماذا عرفت قوله لك (6): إنه ظاهر لا رمز ~~فيه، أنه (7) كما قال؟ إذ يمكن أن يكون له باطن لم تفهمه أيضا (8)، فلا ~~يزال الإمام يصرح باللفظ والمذهب يدعو إلى أن له فيه رمزا. ولو (9) فرضنا ~~أن الإمام أنكر الباطن، فلعل تحت إنكاره رمزا (10) لم تفهمه أيضا (11)، حتى ~~لو حلف بالطلاق الظاهر على (12) أنه لم يقصد إلا الظاهر، لاحتمل أن يكون في ~~طلاقه رمز هو باطنه، وليس مقتضى الظاهر. فإن قال: ذلك يؤدي إلى ms226 حسم باب ~~التفهيم. قيل له (13): فأنتم حسمتموه بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فإن القرآن دائر على تقرير الوحدانية، والجنة، والنار، والحشر، ~~والنشر، والأنبياء، والوحي، والملائكة، مؤكدا ذلك كله بالقسم، وأنتم ~~تقولون: إن ظاهره غير مراد، وإن تحته رمزا. فإن جاز ذلك عندكم بالنسبة إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم لمصلحة وسر له في الرمز؛ جاز بالنسبة إلى معصومكم ~~أن يظهر لكم خلاف ما يضمره لمصلحة وسر له فيه، وهذا لا محيص لهم عنه. # قال أبو حامد الغزالي (14) رحمه الله (15): ينبغي أن يعرف الإنسان أن ~~رتبة هذه الفرقة هي (16) أخس من رتبة كل فرقة من فرق الضلال؛ إذ لا ~~PageV02P077 # تجد (1) فرقة تنقض مذهبها بنفس المذهب سوى هذه الفرقة (2) التي هي ~~الباطنية؛ إذ مذهبها إبطال النظر، وتغيير الألفاظ عن موضوعاتها (3) بدعوى ~~الرمز، وكل ما يتصور أن تنطق به ألسنتهم فإما نظر أو نقل، أما النظر فقد ~~أبطلوه، وأما النقل فقد جوزوا أن يراد باللفظ غير موضوعه، فلا يبقى لهم ~~معتصم (4)، والتوفيق بيد الله. # وذكر ابن العربي في "العواصم" (5) مأخذا آخر في الرد عليهم أسهل من هذا ~~وقال: إنهم (6) لا قبل لهم به ، وهو أن يسلط عليهم في كل ما يدعونه السؤال ~~ب"لم؟ " خاصة، فكل من وجهت عليه منهم سقط في يده، وحكى في ذلك حكاية ظريفة ~~يحسن موقعها هاهنا (7). # قال ابن العربي (8): خرجت من بلادي على الفطرة، فلم ألق في طريقي إلا ~~مهتديا، حتى بلغت هذه الطائفة يعني الإمامية والباطنية من فرق الشيعة ، فهي ~~أول بدعة لقيت، فلو فجأتني بدعة مشتبهة كالقول بخلق القرآن، أو نفي الصفات، ~~أو الإرجاء؛ لم آمن الشيطان. فلما رأيت حماقاتهم أقمت على حذر، وترددت فيها ~~على أقوام أهل عقائد سليمة، ولبثت بينهم ثمانية أشهر، ثم خرجت إلى الشام ~~فوردت بيت المقدس، فألفيت فيها ثمانيا وعشرين حلقة ومدرستين: مدرسة ~~للشافعية بباب الأسباط، وأخرى للحنفية، وكان فيه من رؤوس العلماء، ورؤوس ~~المبتدعة، ومن أحبار اليهود والنصارى كثير، فوعيت العلم، وناظرت كل طائفة ~~بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري ms227 وغيره من أهل السنة. PageV02P078 # ثم نزلت إلى الساحل لأغراض، وكان مملوءا من هذه النحل الباطنية ~~والإمامية، فطفت في مدن الساحل لتلك الأغراض نحوا من خمسة أشهر، ونزلت عكا ~~(1)، وكان رأس الإمامية بها حينئذ أبو الفتح العكي، وبها من أهل السنة شيخ ~~يقال له: الفقيه الدبيقي، فاجتمعت بأبي الفتح في مجلسه وأنا ابن العشرين، ~~فلما رآني صغير السن، كثير العلم، متدربا، ولع بي، وفيهم لعمر الله! وإن ~~كانوا على باطل انطباع وإنصاف وإقرار بالفضل إذا ظهر، فكان لا يفارقني، ~~ويساومني في الجدال ولا يفاترني، فتكلمت على إبطال مذهب الإمامية، والقول ~~بالتعليم من المعصوم بما يطول ذكره. # ومن جملة ذلك أنهم يقولون: إن لله في عباده أسرارا وأحكاما، والعقل لا ~~يستقل بإدراكها، فلا يعرف ذلك إلا من قبل إمام معصوم. فقلت لهم: أمات ~~الإمام المبلغ عن الله لأول ما أمره بالتبليغ أم هو مخلد؟ فقال لي: "مات"، ~~وليس هذا بمذهبه، ولكنه تستر معي. فقلت: هل خلفه أحد؟ فقال: خلفه وصيه علي. ~~فقلت: فهل قضى بالحق وأنفذه؟ أم لا؟ قال: لم يتمكن بغلبة المعاند. قلت: فهل ~~أنفذه حين قدر؟ قال: منعته التقية ولم تفارقه إلى الموت، إلا أنها كانت ~~تقوى تارة، وتضعف أخرى، فلم يمكن إلا المداراة لئلا تنفتح عليه أبواب ~~الاختلال. قلت: وهذه المداراة حق أم لا؟ قال: باطل أباحته الضرورة. قلت: ~~فأين العصمة؟ قال: إنما تغني العصمة مع القدرة، قلت: فمن بعده إلى الآن ~~وجدوا القدرة أم لا؟ قال: لا. قلت: فالدين مهمل، والحق خامل؟ قال: سيظهر. ~~قلت: بمن؟ قال: بالإمام المنتظر. قلت: لعله الدجال؟ فما بقي أحد إلا ضحك، ~~وقطعنا الكلام على غرض مني لأني خفت أن أفحمه فينتقم مني في بلاده. # ثم قلت: ومن أعجب ما في هذا الكلام: أن الإمام إذا أوعز إلى من لا قدرة ~~له فقد ضيع فلا عصمة له. وأعجب منه: أن الباري تعالى PageV02P079 # على مذهبه إذا علم أنه لا علم إلا بمعلم، وأرسله عاجزا مضعوفا، لا يمكنه ~~أن يقول ما علم، فكأنه ما علمه ms228 وما بعثه. وهذا عجز منه وجور، لا سيما على ~~مذهبهم. فرأوا من الكلام ما لم يمكنهم أن يقوموا معه بقائمة، وشاع الحديث، ~~فرأى رئيس الباطنية المسمين بالإسماعيلية أن يجتمع معي. فجاءني أبو الفتح ~~إلى مجلس الفقيه الدبيقي، وقال لي: إن رئيس الإسماعيلية رغب في الكلام معك، ~~فقلت: أنا مشغول، فقال: هاهنا موضع مرتب قد جاء إليه، وهو محرس الطبرانيين ~~مسجد في قصر على البحر ، وتحامل علي، فقمت ما بين حشمة وحسبة، ودخلنا قصر ~~المحرس، وصعدنا إليه، فوجدتهم قد اجتمعوا في زاوية المحرس المشرقية، فرأيت ~~النكراء في وجوههم، فسلمت، ثم قصدت جهة المحراب، فركعت عنده ركعتين، لا عمل ~~لي فيهما إلا تدبير القول معهم، والخلاص منهم. فلعمر الذي (1) قضى علي ~~بالإقبال إلى أن أحدثكم، إن كنت رجوت الخروج عن ذلك المجلس أبدا، ولقد كنت ~~أنظر إلى البحر يضرب في حجارة سود محددة تحت طاقات المحرس، فأقول: هذا قبري ~~الذي يدفنوني فيه، وأنشد في سري: # ألا هل إلى الدنيا معاد؟ وهل لنا ... سوى البحر قبر؟ أو سوى الماء أكفان # وهي (2) كانت الشدة الرابعة من شدائد عمري التي أنقذني الله منها، فلما ~~سلمت استقبلتهم وسألتهم عن أحوالهم عادة، وقد اجتمعت إلي نفسي، وقلت: أشرف ~~ميتة في أشرف موطن أناضل فيه عن الدين. فقال لي أبو الفتح وأشار إلى فتى ~~حسن الوجه : هذا سيد الطائفة ومقدمها، فدعوت له وسكت، فبدرني وقال لي: قد ~~بلغتني مجالسك، وانتهى إلي كلامك، وأنت تقول: قال الله وفعل الله، فأي شيء ~~هو الله الذي تدعو إليه؟! أخبرني واخرج عن هذه المخرقة (3) التي جازت لك ~~على هذه PageV02P080 # الطائفة الضعيفة وقد احتد نفسا، وامتلأ غيظا، وجثا على ركبتيه، ولم أشك ~~أنه لا يتم الكلام إلا وقد اختطفني أصحابه قبل الجواب. فعمدت بتوفيق الله ~~إلى كنانتي، واستخرجت منها سهما أصاب حبة قلبه فسقط لليدين وللفم. # وشرح ذلك: أن الإمام أبا بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الحافظ الجرجاني ~~قال: كنت أبغض الناس فيمن يقرأ علم الكلام، فدخلت يوما إلى الري (1)، فدخلت ~~جامعها أول ms229 دخولي، واستقبلت سارية أركع عندها، وإذا بجواري رجلان يتذاكران ~~علم الكلام، فتطيرت بهما، وقلت: أول ما دخلت هذا البلد سمعت فيه ما أكره، ~~وجعلت أخفف الصلاة حتى أبعد عنهما، فعلق بي من (2) قولهما: إن هؤلاء ~~الباطنية أسخف خلق الله عقولا، وينبغي للنحرير ألا يتكلف لهم دليلا، ولكن ~~يطالبهم ب"لم؟ " فلا قبل لهم بها، وسلمت مسرعا. # وشاء الله بعد ذلك أن كشف رجل من الإسماعيلية القناع في الإلحاد، وجعل ~~يكاتب وشمكير الأمير يدعوه إليه ويقول له: إني لا أقبل دين محمد إلا ~~بالمعجزة، فإن أظهرتموها رجعنا إليكم، وانجرت الحال إلى أن اختاروا منهم ~~جلا له دهاء ومنة (3)، فورد على وشمكير رسولا، فقال له: إنك أمير، ومن شأن ~~الأمراء والملوك أن تتخصص عن العوام، ولا تقلد في عقيدتها، وإنما حقهم أن ~~يفحصوا عن البراهين. فقال له وشمكير: اختر رجلا من أهل مملكتي، ولا أنتدب ~~للمناظرة بنفسي، فيناظرك بين يدي. فقال له الملحد: أختار أبا بكر ~~الإسماعيلي؛ لعلمه بأنه ليس من أهل علم التوحيد، وإنما كان إماما في ~~الحديث، ولكن كان PageV02P081 # وشمكير بعاميته يعتقد فيه أنه أعلم وجه الأرض (1) بأنواع العلوم. # فقال وشمكير: ذلك مرادي، رجل جيد. فأرسل إلى أبي بكر الإسماعيلي بجرجان ~~(2) ليرحل إليه إلى غزنة (3). فلم يبق أحد من العلماء إلا أيس من الدين، ~~وقال: سيبهت الإسماعيلي الكافر مذهبا الإسماعيلي الحافظ نسبا، ولم يمكنهم ~~أن يقولوا للملك: إنه لا علم عنده بذلك لئلا يتهمهم، فلجأوا إلى الله في ~~نصر دينه. # قال الإسماعيلي: فلما جاءني البريد، وأخذت في المسير، وتدانت بي الدار؛ ~~قلت: إنا لله! وكيف أناظر فيما لا أدري؟ هل أتبرأ عند الملك وأرشده إلى من ~~يحسن الجدل، ويعلم حجج الله على دينه؟ وندمت على ما سلف من عمري ولم أنظر ~~في شيء من علم الكلام، ثم أذكرني الله ما كنت سمعته من الرجلين بجامع الري، ~~فقويت نفسي، وعولت على أن أجعل ذلك عمدتي، وبلغت البلد، فتلقاني الملك ثم ~~جمع الخلق، وحضر الإسماعيلي المذهب مع الإسماعيلي النسب، وقال الملك ~~للباطني: أذكر ms230 قولك يسمعه الإمام. فلما أخذ في ذكره واستوفاه، قال له ~~الحافظ: "لم"؟ فلما سمعها الملحد قال: هذا إمام قد عرف مقالتي، فبهت. # قال الإسماعيلي: فخرجت من ذلك، وأمرت بقراءة علم الكلام، وعلمت أنه عمدة ~~من عمد الإسلام (4). # قال ابن العربي: وحين انتهى بي الأمر إلى ذلك المقام قلت: إن كان في ~~الأجل نساء فهذا شبيه بيوم الإسماعيلي، فوجهت إلى أبي الفتح الإمامي، وقلت ~~له: لقد كنت في لا شيء، ولو خرجت من عكا قبل أن PageV02P082 # أجتمع بهذا العالم ما رحلت إلا عريا عن نادرة الأيام، انظر إلى حذفه ~~بالكلام ومعرفته؛ قال لي: أي شيء هو الله؟ ولا يسأل مثل هذا إلا مثله. ولكن ~~بقيت هاهنا نكتة لا بد أن نأخذها اليوم عنه، وتكون ضيافتنا عنده. لم قلت: ~~"أي شيء هو الله"؟ فاقتصرت من حروف الاستفهام على "أي"، وتركت الهمزة وهل ~~وكيف وأين وكم وما، وهي أيضا من ثواني حروف الاستفهام، وعدلت عن اللام (1) ~~من حروفه، فهذا سؤال ثاني عن حكمة ثانية، ولأي معنيان في الاستفهام، فأي ~~المعنيين قصدت بها؟ ولم سألت بحرف محتمل (2)؟ ولم تسأل بحرف مصرح بمعنى ~~واحد؟ هل وقع ذلك منك بغير علم ولا قصد حكمة؟ أم بقصد حكمة؟ فبينها لنا. # فما هو إلا أن افتتحت هذا الكلام، وانبسطت فيه، وهو يتغير، حتى اصفر آخرا ~~من الوجل، كما اسود أولا من الحقد، ورجع أحد أصحابه الذي كان عن يمينه إلى ~~آخر كان بجانبه، وقال له: ما هذا الصبي إلا بحر زاخر من العلم، ما رأينا ~~مثله قط، وهم ما رأوا أحدا به رمق؛ لأن الدولة لهم، ولولا مكاننا من رفعة ~~الدولة ملك الشام، وأن والي عكا كان يحظينا، ما تخلصت منهم في العادة (3) ~~أبدا. # وحين سمعت تلك الكلمة من إعظامي؛ قلت: هذا مجلس عظيم، وكلام طويل، يفتقر ~~إلى تفصيل، ولكن يتواعد إلى يوم آخر، وقمت وخرجت فقاموا كلهم معي، وقالوا: ~~لا بد أن تبقى قليلا، فقلت: لا، وأسرعت حافيا وخرجت على الباب أغدو حتى ~~أشرفت على قارعة الطريق، ms231 وبقيت هنالك مبشرا نفسي بالحياة، حتى خرجوا بعدي، ~~وأخرجوا لي [لالكي] (4)، ولبستها، ومشيت معهم متضاحكا، ووعدوني بمجلس آخر ~~فلم أوف لهم، وخفت وفاتي في وفائي. PageV02P083 # قال ابن العربي: وقد كان قال لي أصحابنا النصرية بالمسجد الأقصى: إن ~~شيخنا أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي اجتمع برئيس من الشيعة، فشكا إليه ~~فساد الخلق، وأن هذا الأمر لا يصلح إلا بخروج الإمام المنتظر، فقال له نصر: ~~هل لخروجه ميقات معلوم أم لا؟ قال الشيعي: نعم، قال له أبو الفتح: ومعلوم ~~هو أم مجهول؟ قال: معلوم. قال نصر: ومتى يكون؟ قال: إذا فسد الخلق. قال أبو ~~الفتح: فلم تحبسونه عن الخلق قد فسد جميعهم إلا أنتم، فلو فسدتم لخرج، ~~فأسرعوا به وأطلقوه من سجنه، وعجلوا بالرجوع إلى مذهبنا، فبهت. وأظن أنه ~~سمعها عن شيخه أبي الفتح سليمان بن أيوب الرازي الزاهد. انتهى ما حكاه ابن ~~العربي عن نفسه وغيره، وفيه غنية في هذا المقام. # وتصور المذهب كاف في ظهور بطلانه، إلا أنه مع ظهور فساده وبعده عن الشرع ~~قد اعتمده طوائف، وبنوا عليه بدعا فاحشة، منها: مذهب المهدي المغربي، فإنه ~~عد نفسه الإمام المنتظر، وأنه معصوم، حتى أن من شك في عصمته، أو في (1) أنه ~~المهدي المنتظر فهو كافر. # وقد زعم ذووه أنه ألف في الإمامة كتابا ذكر فيه أن الله استخلف آدم ونوحا ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا عليهم السلام، وأن مدة الخلافة PageV02P084 # ثلاثون سنة، وبعد ذلك فرق وأهواء، وشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي ~~برأيه، فلم يزل الأمر على ذلك، والباطل ظاهر والحق كامن، والعلم مرفوع كما ~~أخبر عليه الصلاة والسلام والجهل ظاهر، لم يبق من الدين إلا اسمه، ولا من ~~القرآن إلا رسمه، حتى جاء الله بالإمام، فأعاد الله به الدين كما قال عليه ~~الصلاة والسلام : "بدأ الإسلام (1) غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى ~~للغرباء" (2)، وقال: إن طائفته هم الغرباء، زعما من غير برهان زائد على ~~الدعوى، وقال في ذلك الكتاب: جاء الله بالمهدي وطاعته صافية نقية، لم ير ms232 ~~(3) مثلها قبل ولا بعد، وأن به قامت (4) السموات والأرض، وبه (5) تقوم، ولا ~~ضد له (6)، ولا مثل، ولا ند (7)، وكذب! تعالى الله عن قوله، وهذا كما نزل ~~أحاديث الترمذي وأبي داود في الفاطمي (8) على نفسه وأنه هو PageV02P085 # بلا (1) شك. # وأول إظهاره لذلك: أنه قام في أصحابه خطيبا، فقال: الحمد لله الفعال لما ~~يريد، القاضي بما يشاء، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وصلى الله على النبي ~~المبشر بالمهدي الذي (2) يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، يبعثه ~~الله إذا نسخ الحق بالباطل، وأزيل العدل بالجور، مكانه المغرب (3) الأقصى، ~~وزمانه آخر الزمان (4)، واسمه اسم النبي عليه الصلاة والسلام، ونسبه نسب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ظهر جور الأمراء، وامتلأت الأرض بالفساد، ~~وهذا آخر الزمان، والاسم الاسم، والنسب النسب، والفعل الفعل، يشير إلى ما ~~جاء في أحاديث الفاطمي. # فلما فرغ من كلامه (5) بادر (6) إليه من أصحابه عشرة، فقالوا: هذه الصفة ~~لا توجد إلا فيك، فأنت المهدي، فبايعوه على ذلك، وأحدث في دين الله أحداثا ~~كثيرة زيادة إلى الإقرار بأنه المهدي المعلوم، والتخصيص PageV02P086 # بالعصمة، ثم وضع ذلك في الخطب، وضرب في السكك، بل كانت تلك الكلمة عندهم ~~ثالثة الشهادتين (1)، فمن لم يؤمن بها، أو شك فيها، فهو كافر كسائر الكفار. ~~وشرع القتل في مواضع لم يضعه الشرع فيها، وهي نحو من ثمانية عشر موضعا؛ ~~كترك امتثال أمر من يستمع أمره، وترك حضور مواعظه ثلاث مرات، والمداهنة إذا ~~ظهرت في أحد قتل، وأشياء كثيرة. # وكان مذهبه الظاهرية (2)، ومع ذلك فابتدع أشياء؛ كوجوه من التثويب؛ إذ ~~كانوا ينادون عند الصلاة ب"تاصاليت (3) الإسلام" و"بتقام (4) تاصاليت" (2) ~~و"سودرتن" (5) و"باردي" (6) و"أصبح ولله الحمد" (7) وغيره (8)، فجرى العمل ~~بجميعها في زمان الموحدين، وبقي أكثرها بعدما انقرضت دولتهم، حتى إني أدركت ~~بنفسي في جامع غرناطة الأعظم الرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، إلى ~~أن أزيلت وبقيت أشياء كثيرة غفل عنها أو أغفلت (9). # وقد كان السلطان أبو العلى (10) إدريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن ~~علي منهم، ظهر له قبح ms233 ما هم عليه من هذه الابتداعات، فأمر حين استقر بمراكش ~~خليفة (11) بإزالة جميع ما ابتدع PageV02P087 # من قبله، وكتب بذلك رسالة إلى الأقطار يأمر (1) فيها بتغيير تلك السير ~~(2)، ويوصي بتقوى الله والاستعانة به، والتوكل عليه، وأنه قد نبذ الباطل ~~وأظهر الحق، وأن لا مهدي إلا عيسى (3)، وأن ما ادعوا من أنه (4) المهدي ~~بدعة أزالها، وأسقط اسم من لا تثبت عصمته. # وذكر أن أباه المنصور هم بأن (5) يصدع بما به صدع، وأن يرقع الخرق الذي ~~رقع، فلم يساعده الأجل لذلك، ثم لما مات واستخلف ابنه أبو محمد عبد الواحد ~~الملقب بالرشيد، وفد إليه جماعة (6) من أهل ذلك المذهب المتسمين بالموحدين، ~~ففتلوا منه في الذروة والغارب، وضمنوا على (7) أنفسهم الدخول تحت طاعته، ~~والوقوف على قدم الخدمة بين يديه، والمدافعة عنه بما استطاعوا، لكن على شرط ~~ذكر المهدي وتخصيصه بالعصمة في الخطبة والمخاطبات، ونقش اسمه الخاص في ~~السكك، وإعادة الدعاء بعد الصلاة، والنداء عليها ب"تاصاليت (8) الإسلام" ~~عند كمال الأذان، و"بتقام (9) تاصاليت" (8)، وهي إقامة الصلاة، وما أشبه ~~ذلك من PageV02P088 # "سودرتن" (1)، و"قادري" (2)، و"أصبح ولله الحمد"، وغير ذلك. # وقد كان الرشيد استمر على العمل بما رسم أبوه من ترك ذلك كله، فلما انتدب ~~الموحدون إلى الطاعة اشترطوا إعادة ما ترك، فأسعفوا فيه، فلما احتلوا ~~منازلهم أياما ولم يعد شيء من تلك العوائد، ساءت ظنونهم، وتوقعوا انقطاع ما ~~هو عمدتهم في دينهم، وبلغ ذلك الرشيد، فجدد تأنيسهم بإعادتها. # قال المؤرخ: فيالله! ماذا (3) بلغ من سرورهم (4)! وما كانوا فيه من ~~الارتياح لسماع تلك الأمور، وانطلقت ألسنتهم بالدعاء لخليفتهم بالنصر ~~والتأييد، وشملت الأفراح الكبير منهم والصغير (5)، وهذا (6) شأن صاحب ~~البدعة أبدا (7)، فلن يسر بأعظم (8) من انتشار بدعته وإظهارها، {ومن يرد ~~الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} (9)، وهذا كله دائر على القول ~~بالإمامة والعصمة الذي هو رأي الشيعة. PageV02P089 # فصل (1) # ومنها: رأي قوم تغالوا (2) في تعظيم شيوخهم، حتى ألحقوهم بما لا يستحقونه ~~(3). فالمقتصد (4) فيهم (5) يزعم أنه لا ولي (6) لله أعظم من فلان، وربما ~~أغلقوا باب الولاية دون سائر الأمة إلا ms234 هذا المذكور، وهو باطل محض، وبدعة ~~فاحشة؛ لأنه لا يمكن أن يبلغ المتأخرون أبدا مبالغ المتقدمين، فخير القرون ~~القرن (7) الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، ثم الذين ~~يلونهم، ثم الذين يلونهم (8)، وهكذا يكون الأمر أبدا إلى قيام الساعة. ~~فأقوى ما كان أهل الإسلام في دينهم وأعمالهم ويقينهم وأحوالهم في أول ~~الإسلام، ثم لا يزال (9) ينقص شيئا فشيئا إلى آخر الدنيا، لكن لا يذهب الحق ~~جملة، بل لا بد من طائفة تقوم به وتعتقده، وتعمل بمقتضاه على حسبهم في ~~زمانهم (10)، لا على (11) ما كان عليه الأولون من كل وجه؛ لأنه لو أنفق أحد ~~من المتأخرين وزن أحد ذهبا ما بلغ مد أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا نصيفه حسبما أخبر عنه الصادق صلى الله عليه وسلم (12). وإذا ~~PageV02P090 # كان ذلك في المال، فكذلك في (1) سائر شعب الإيمان، بشهادة التجربة ~~العادية. # ولما تقدم أول الكتاب من (2) أنه لا يزال الدين في نقص فهو أصل (3) لا شك ~~فيه، وهو عقد (4) أهل السنة والجماعة، فكيف يعتقد بعد ذلك في أحد (5) أنه ~~ولي أهل الأرض ليس (6) في الأمة ولي غيره؟ لكن الجهل الغالب، والغلو في ~~التعظيم، والتعصب للنحل، يؤدي إلى مثله أو أعظم منه. # والمتوسط يزعم أنه مساو للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لا يأتيه ~~الوحي (7). بلغني هذا عن طائفة من الغالين في شيخهم، الحاملين لطريقته (8) ~~في زعمهم، نظير ما ادعاه بعض تلامذة الحلاج في شيخهم، على الاقتصاد منهم ~~فيه، والغالي (9) يزعم فيه أشنع من هذا، كما ادعى أصحاب الحلاج في الحلاج. # وقد حدثني بعض الشيوخ أهل العدالة والصدق في النقل أنه قال: أقمت زمانا ~~في بعض قرى (10) البادية، وفيها من هذه الطائفة المشار إليها كثير. قال: ~~فخرجت يوما من منزلي لبعض شأني، فرأيت رجلين منهم قاعدين يتحدثان (11)، ~~فاتهمت (12) أنهما يتحدثان في بعض فروع طريقتهم، فقربت منهما على استخفاء ~~لأسمع من كلامهم إذ من شأنهم الاستخفاء PageV02P091 # بأسرارهم ، فتحدثا (1) في شيخهم وعظم منزلته، وأنه لا أحد (2) في ms235 الدنيا ~~مثله، فقال أحدهما للآخر: أتحب الحق هو النبي، قال: نعم (3)، وطربا لهذا ~~المقالة طربا عظيما، ثم قال أحدهما للآخر: أتحب (4) الحق؟ هو كذا (5)، قال: ~~نعم، هذا هو الحق. قال المخبر لي (6): فقمت من ذلك الموضع (7) فارا أن ~~تصيبني معهم قارعة. # وهذا نمط من نمط (8) الشيعة الإمامية، ولولا الغلو في الدين والتكالب على ~~نصر المذهب، والتهالك في محبة المبتدع، لما وسع ذلك عقل أحد، ولكن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا ~~بذراع" (9)، الحديث. فهؤلاء غلوا كما غلت النصارى في عيسى عليه السلام؛ حيث ~~قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، فقال الله تعالى: {قل ياأهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل *} (10)، وفي الحديث: "لا تطروني كما أطرت النصارى ~~عيسى ابن مريم (11)، ولكن قولوا (12): عبد الله ورسوله" (13). # ومن تأمل هذه الأصناف وجد لها من البدع في فروع الشريعة كثيرا؛ لأن ~~البدعة إذا دخلت (14) في (15) الأصل سهلت مداخلتها الفروع. PageV02P092 ### | ### | فصل # # وأضعف هؤلاء احتجاجا: قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات، وأقبلوا ~~وأعرضوا بسببها، فيقولون: رأينا فلانا الرجل الصالح في النوم (1)، فقال ~~لنا: اتركوا كذا، واعملوا كذا. ويتفق مثل هذا كثيرا للمترسمين (2) برسم ~~التصوف، وربما قال بعضهم: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال لي ~~كذا، وأمرني بكذا؛ فيعمل بها، ويترك بها (3)، معرضا عن الحدود الموضوعة في ~~الشريعة، وهو خطأ؛ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعا على حال، ~~إلا أن نعرضها على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل ~~بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة والنذارة ~~(4) خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا، كما يحكى عن الكتاني رحمه الله قال: ~~رأيت النبي صلى الله عليه وسلم من المنام، فقلت: ادع الله أن لا يميت قلبي، ~~فقال: قل كل يوم أربعين مرة: "ياحي يا قيوم! لا إله إلا أنت" (5)، فهذا ~~كلام حسن ms236 لا إشكال في صحته، وكون الذكر يحيي القلب صحيح شرعا، وفائدة ~~الرؤيا التنبيه على الخير، وهي (6) من PageV02P093 # ناحية البشارة، وإنما يبقى الكلام في التحديد بالأربعين، وإذا لم يؤخذ ~~(1) على اللزوم استقام. # وعن أبي يزيد البسطامي رحمه الله؛ قال: رأيت ربي في المنام، فقلت: كيف ~~الطريق إليك؟ فقال: اترك نفسك وتعال (2). # وشاهد (3) هذا الكلام من الشرع موجود، فالعمل بمقتضاه صحيح؛ لأنه ~~كالتنبيه لموضع (4) الدليل؛ لأن ترك النفس معناه ترك هواها بإطلاق، والوقوف ~~على قدم العبودية، والآيات تدل على هذا المعنى؛ كقوله تعالى: {وأما من خاف ~~مقام ربه ونهى النفس عن الهوى *فإن الجنة هي المأوى *} (5)، وما أشبه ذلك. ~~فلو رأى في النوم قائلا يقول له (6): إن فلانا سرق فاقطعه، أو عالم فاسأله، ~~أو اعمل بما يقول لك، أو فلان زنى فحده، أو ما (7) أشبه ذلك؛ لم يصح له ~~العمل حتى يقوم له الشاهد في اليقظة، وإلا كان عاملا بغير شريعة؛ إذ ليس ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحي. # ولا يقال: إن الرؤيا من أجزاء النبوة (8)، فلا ينبغي أن تهمل، وأيضا فإن ~~(9) المخبر في المنام قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قد قال: "من ~~رآني في النوم فقد رآني (10)، فإن الشيطان لا يتمثل بي" (11). وإذا كان ~~كذلك (12)؛ فإخباره له (13) في النوم كإخباره في اليقظة. PageV02P094 # لأنا نقول: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة، فليست بالنسبة (1) إلينا من ~~كمال الوحي، بل جزءا من أجزائه، والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، ~~بل إنما يقوم مقامه من (2) بعض الوجوه، وقد صرفت إلى جهة البشارة والنذارة، ~~وفيها كاف (3). # وأيضا فإن الرؤيا التي هي جزء من النبوة (4) من شرطها أن تكون صالحة، ومن ~~(5) الرجل الصالح، وحصول الشروط مما ينظر فيه، فقد تتوفر، وقد لا تتوفر. # وأيضا فهي منقسمة إلى الحلم، وهو من الشيطان، وإلى حديث النفس، وقد تكون ~~بسبب هيجان بعض الأخلاط (6)، فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها، وتترك غير ~~الصالحة؟. # ويلزم أيضا على ذلك أن يكون تجديد وحي بحكم بعد النبي ms237 صلى الله عليه ~~وسلم، وهو منفي (7) بالإجماع. # يحكى أن شريك بن عبد الله القاضي دخل يوما (8) على المهدي، فلما رآه قال: ~~علي بالسيف والنطع! قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت في منامي كأنك ~~تطأ بساطي وأنت معرض عني، فقصصت رؤياي على من عبرها. فقال لي: يظهر لك طاعة ~~ويضمر معصية. فقال له شريك: والله! ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل عليه ~~السلام، ولا معبرك (9) بيوسف (10) الصديق عليه السلام، أفبالأحلام (11) ~~الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين؟ فاستحيى المهدي، وقال له (12): اخرج عني، ثم ~~صرفه وأبعده. PageV02P095 # وحكى الغزالي عن بعض الأئمة أنه أفتى بوجوب قتل رجل يقول بخلق القرآن، ~~فروجع فيه، فاستدل بأن رجلا رأى في منامه إبليس قد اجتاز بباب هذه (1) ~~المدينة ولم يدخلها؟ فقيل له (2): هلا (3) دخلتها؟ فقال: أغناني عن دخولها ~~رجل يقول بخلق القرآن، فقام ذلك الرجل فقال: لو أفتى إبليس بوجوب قتلي في ~~اليقظة هل تقلدونه في فتواه؟ فقالوا: لا! قال (4): فقوله في المنام لا يزيد ~~على قوله في اليقظة. # وأما الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الرائي بالحكم، ~~فلا بد من النظر فيها أيضا؛ لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته، فالعمل (5) ~~بما استقر من شريعته (6)، وإن أخبر بمخالف، فمحال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ~~لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته؛ لأن الدين لا يتوقف استقراره ~~بعد موته على حصول المرائي النومية؛ لأن ذلك باطل بالإجماع. فمن رأى شيئا ~~من ذلك فلا عمل عليه، وعند ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحة؛ إذ لو رآه حقا لم ~~يخبره بما يخالف الشرع. # لكن يبقى النظر في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "من رآني في النوم فقد ~~رآني"، وفيه تأويلان: # أحدهما: ما ذكره ابن رشد (7) إذ سئل عن حاكم شهد عنده عدلان مشهوران ~~بالعدالة في قضية، فلما نام (8) الحاكم ذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقال (9) له: لا تحكم (10) بهذه الشهادة، فإنها باطلة (11). فأجاب ~~بأنه لا PageV02P096 # يحل له أن يترك العمل بتلك الشهادة؛ لأن ms238 ذلك إبطال لأحكام الشريعة ~~بالرؤيا، وذلك باطل لا يصح أن يعتقد، إذ لا يعلم الغيب من ناحيتها إلا ~~الأنبياء الذين رؤياهم وحي، ومن سواهم إنما رؤياهم جزء من ستة وأربعين جزءا ~~من النبوة (1). # ثم قال: وليس معنى قوله: "من رآني فقد رآني حقا (2) ": أن كل من رأى في ~~منامه أنه رآه فقد رآه حقيقة؛ بدليل أن الرائي قد يراه مرات على صور ~~مختلفة، ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أخرى. ولا يجوز أن تختلف صورة ~~(3) النبي صلى الله عليه وسلم ولا صفاته، وإنما معنى الحديث: "من رآني على ~~صورتي التي خلقت عليها، فقد رآني، إذ لا يتمثل الشيطان بي"، إذ لم يقل: من ~~رأى أنه رآني، فقد رآني، وإنما قال: من رآني فقد رآني. وأنى لهذا الرائي ~~الذي رأى أنه رآه على صورته أنه رآه عليها وإن ظن أنه رآه؟ ما لم يعلم أن ~~تلك الصورة (4) صورته (5) بعينها، هذا (6) ما لا طريق لأحد إلى معرفته. # فهذا ما نقل ابن (7) رشد، وحاصله يرجع إلى أن المرئي قد يكون غير النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وإن اعتقد الرائي أنه هو. # والتأويل (8) الثاني: يقوله علماء التعبير: إن الشيطان قد يأتي النائم في ~~صورة ما من معارف الرائي وغيرهم، فيشير له إلى رجل ويقول (9): هذا فلان ~~النبي، أو هذا (10) الملك الفلاني، أو من (11) أشبه هؤلاء ممن لا يتمثل ~~الشيطان به، فيوقع اللبس على الرائي بذلك، وله علامة عندهم. وإذا كان كذلك ~~أمكن أن يكلمه ذلك (12) المشار إليه بالأمر والنهي غير PageV02P097 # الموافقين للشرع، فيظن الرائي أنه من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ~~يكون كذلك، فلا يوثق بما يقول له (1) أو يأمر (2) أو ينهى. # وما أحرى هذا الضرب أن (3) يكون الأمر أو النهي فيه مخالفا (4)، كما أن ~~(5) الأول حقيق بأن يكون فيه موافقا، وعند ذلك لا يبقى في المسألة إشكال. ~~نعم لا يحكم بمجرد الرؤيا حتى يعرضها على العلم؛ لإمكان اختلاط أحد القسمين ~~بالآخر. وعلى الجملة فلا يستدل بالرؤيا (6) في الأحكام إلا ضعيف ms239 المنة (7). ~~نعم يأتي العلماء (8) بالمرائي (9) تأنيسا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا ~~يقطعون بمقتضاها حكما، ولا يبنون عليها أصلا، وهو الاعتدال في أخذها، حسبما ~~فهم من الشرع فيها، والله أعلم. PageV02P098 # فصل # وقد رأينا أن نختم الكلام في الباب ب ### | فصل # جمع جملة من الاستدلالات المتقدمة، وغيرها مما (1) في معناها، وفيه من ~~نكت هذا الكتاب جملة أخرى، فهو مما يحتاج إليه بحسب الوقت والحال، وإن كان ~~فيه طول، ولكنه يخدم ما نحن فيه إن شاء الله تعالى. # وذلك أنه وقع السؤال عن قوم يتسمون بالفقراء، يزعمون أنهم سلكوا طريق ~~الصوفية، فيجتمعون في بعض الليالي، ويأخذون في الذكر الجهري (2) على صوت ~~واحد، ثم في الغناء والرقص إلى آخر الليل، ويحضر معهم بعض المتسمين ~~بالفقهاء، يترسمون برسم الشيوخ الهداة إلى سلوك ذلك الطريق: هل هذا العمل ~~صحيح في الشرع أم لا؟. # فوقع الجواب بأن ذلك كله من البدع المحدثات، المخالفة طريقة (3) رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وطريقة أصحابه والتابعين لهم بإحسان، فنفع الله ~~بذلك من شاء من خلقه. # ثم إن الجواب وصل (4) إلى بعض البلدان، فقامت القيامة على العاملين بتلك ~~البدع، وخافوا اندراس طريقتهم، وانقطاع أكلهم بها، فأرادوا الانتصار ~~لأنفسهم، بعد أن راموا ذلك بالانتساب إلى شيوخ الصوفية الذين ثبتت فضيلتهم، ~~واشتهرت في الانقطاع إلى الله، والعمل بالسنة طريقتهم، فلم يستقم (5) لهم ~~الاستدلال؛ لكونهم على ضد ما كان عليه القوم، فإنهم PageV02P099 # كانوا قد بنوا نحلتهم على ثلاثة أصول: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم في الأخلاق والأفعال، وأكل الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال، ~~وهؤلاء قد خالفوهم في جميع (1) هذه الأصول، فلم يمكنهم الدخول تحت ترجمتهم. # وكان من قدر الله أن بعض الناس سأل بعض شيوخ الوقت في مسألة تشبه هذه، ~~ولكن (2) حسن ظاهرها بحيث يكاد باطنها يخفى على غير المتأمل، فأجاب عفا ~~الله عنه على مقتضى ظاهرها من غير تعرض إلى ما هم عليه من البدع والضلالات، ~~ولما سمع بعضهم بهذا الجواب أرسل به (3) إلى بلدة أخرى، فأتي به، فرحل إلى ~~غير ms240 بلده وشهر في شيعته أن بيده حجة لطريقتهم تقهر كل حجة، وأنه طالب ~~للمناظرة فيها، فدعي لذلك، فلم يقم فيه ولا قعد، غير أنه قال: هذه (4) ~~حجتي، وألقى بالبطاقة التي بخط المجيب، وكان هو وأشياعه (5) يطيرون بها ~~فرحا، فوصلت المسألة إلى غرناطة، وطلب من الجميع النظر فيها، فلم يسع أحدا ~~(6) له قوة على النظر فيها إلا (7) أن يظهر وجه الصواب فيها (8) الذي يدان ~~الله به؛ لأنه من النصيحة التي هي الدين القويم، والصراط المستقيم. # ونص خلاصة السؤال: ما يقول الشيخ فلان في جماعة من المسلمين يجتمعون في ~~رباط على ضفة البحر في الليالي الفاضلة، يقرؤون جزءا من القرآن، ويستمعون ~~من كتب الوعظ والرقائق ما أمكن في الوقت، ويذكرون الله بأنواع التهليل ~~والتسبيح والتقديس، ثم يقوم من بينهم قوال يذكر شيئا في مدح النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ويلقي من السماع ما تتوق النفس إليه (9) وتشتاق سماعه؛ من ~~PageV02P100 # صفات (1) الصالحين، وذكر آلاء الله ونعمائه، ويشوقهم بذكر المنازل ~~الحجازية، والمعاهد النبوية، فيتواجدون اشتياقا لذلك، ثم يأكلون ما حضر من ~~الطعام، ويحمدون الله تعالى، ويرددون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ويبتهلون بالأدعية (2) إلى الله في صلاح أمورهم، ويدعون للمسلمين ولإمامهم ~~ويفترقون. # فهل يجوز اجتماعهم على ما ذكر؟ أم يمنعون وينكر عليهم؟ ومن دعاهم من ~~المحبين إلى منزله بقصد التبرك، هل (3) يجيبون دعوته ويجتمعون على الوجه ~~(4) المذكور أم لا؟. # فأجاب بما محصوله: مجالس تلاوة القرآن وذكر الله هي رياض الجنة، ثم أتى ~~بالشواهد على طلب ذكر الله. وأما الإنشادات الشعرية؛ فإنما الشعر كلام، ~~حسنه حسن، وقبيحه قبيح، وفي القرآن في شعراء الإسلام: {إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا} (5)؛ وذلك أن حسان بن ثابت، وعبد الله ~~(6) بن رواحة، وكعبا لما سمعوا قوله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون *} ~~(7) الآيات، بكوا عند سماعها، فنزل الاستثناء (8). PageV02P101 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P102 # وقد أنشد الشعر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، ورقت نفسه ~~الكريمة، وذرفت عيناه لأبيات أخت النضر؛ لما طبع عليه من الرأفة والرحمة ~~(2). PageV02P103 # وأما (1) التواجد عند السماع، ms241 فهو في الأصل أثر (2) رقة النفس، واضطراب ~~القلب، فيتأثر الظاهر بتأثر الباطن. قال الله تعالى: {الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم} (3)؛ أي: اضطربت رغبا أو رهبا (4). وعن اضطراب القلب يحصل ~~اضطراب الجسم، قال الله تعالى: {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا} (5) ~~{ولملئت منهم رعبا} (6). وقال: {ففروا إلى الله} (7). فإنما التواجد رقة ~~نفسية، وهزة قلبية، ونهضة روحانية. وهذا هو التواجد عن وجد، ولا يسع (8) ~~فيه نكير من الشرع. وذكر السلمي (9) أنه كان يستدل بهذه الآية في (10) حركة ~~الواجد (11) في وقت السماع؛ وهي (12): {وربطنا على قلوبهم إذ قاموا} (13) ~~{فقالوا ربنا} (14) الآية. وكان يقول: إن القلوب PageV02P104 # مربوطة بالملكوت، حركتها (1) أنوار الأذكار، وما يرد عليها من فنون ~~السماع. # ووراء هذا تواجد لا عن وجد، فهو مناط الذم؛ لمخالفة ما ظهر لما بطن، وقد ~~يغرب (2) فيه الأمر عند القصد إلى استنهاض العزائم، وإعمال الحركة في يقظة ~~القلب النائم. يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا (3)، ولكن (4) ~~شتان ما بينهما (5). # وأما من دعا طائفة إلى منزله؛ فتجاب دعوته، وله في ذلك قصده ونيته، فهذا ~~ما ظهر تقييده على مقتضى الظاهر، والله يتولى السرائر، وإنما الأعمال ~~بالنيات. انتهى ما قيده. PageV02P105 # فكان مما (1) ظهر لي في بيان (2) هذا الجواب: أن ما ذكره (3) في مجالس ~~الذكر صحيح إذا كان على حسب ما اجتمع عليه السلف الصالح، فإنهم كانوا ~~يجتمعون لتدارس القرآن فيما بينهم، حتى يتعلم بعضهم من بعض، ويأخذ بعضهم من ~~بعض، فهو مجلس من مجالس الذكر التي جاء في مثلها من حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه، عنه عليه السلام (4): "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون ~~كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفت ~~بهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" (5)، وهو الذي فهمه الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم من الاجتماع على تلاوة كتاب (6) الله. # وكذلك الاجتماع على الذكر، فإنه اجتماع على ذكر الله، ففي رواية أخرى (7) ~~أنه قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله، إلا حفتهم الملائكة ... "، الحديث ~~المذكور، لا الاجتماع للذكر ms242 على صوت واحد. وإذا اجتمع القوم على التذكر ~~لنعم الله، أو التذاكر في العلم إن كانوا علماء، أو كان فيهم عالم فجلس ~~إليه متعلمون، أو اجتمعوا يذكر (8) بعضهم بعضا بالعمل بطاعة الله، والبعد ~~عن معصيته وما أشبه ذلك مما كان يعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أصحابه، وعمل به الصحابة والتابعون ، فهذه المجالس كلها مجالس ذكر (9)، وهي ~~التي جاء فيها من الأجر ما جاء. # كما يحكى عن ابن (10) أبي ليلى أنه سئل عن القصص، فقال: أدركت أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم يجلسون (11) ويحدث هذا بما سمع، ويحدث PageV02P106 # هذا (1) بما سمع، فأما أن يجلسوا خطيبا فلا (2). # وكالذي (3) نراه (4) معمولا به في المساجد؛ من اجتماع الطلبة على معلم ~~يقرئهم القرآن، أو علما من العلوم الشرعية، أو يجتمع (5) إليه العامة، ~~فيعلمهم أمر دينهم، ويذكرهم بالله، ويبين لهم سنة نبيهم ليعملوا بها، ويبين ~~لهم المحدثات التي هي ضلالة ليحذروا منها، ويجتنبوا (6) مواطنها والعمل ~~بها. # فهذه مجالس الذكر على الحقيقة، وهي التي حرمها (7) الله أهل البدع من ~~هؤلاء الفقراء الذين زعموا أنهم سلكوا طريق (8) التصوف، فقلما (9) تجد منهم ~~من يحسن قراءة الفاتحة في الصلاة إلا على اللحن، فضلا عن غيرها، ولا يعرف ~~كيف يتعبد، ولا كيف يستنجي أو يتوضأ أو يغتسل من الجنابة، وكيف يعلمون (10) ~~ذلك وهم قد حرموا مجالس الذكر التي تغشاها الرحمة، وتنزل فيها السكينة، ~~وتحف بها الملائكة؟ فبانطماس هذا النور عنهم ضلوا، فاقتدوا بجهال أمثالهم، ~~وأخذوا يقرؤون الأحاديث النبوية والآيات القرآنية فينزلونها على آرائهم، لا ~~على ما قال أهل العلم فيها. فخرجوا عن الصراط المستقيم إلى أن يجتمعوا، ~~ويقرأ أحدهم شيئا من القرآن يكون حسن الصوت، طيب النغمة، جيد التلحين، تشبه ~~قراءته الغناء المذموم، ثم يقولون: تعالوا نذكر (11) الله! فيرفعون أصواتهم ~~ويمشون (12) PageV02P107 # ذلك الذكر مداولة، طائفة في جهة، وطائفة في جهة أخرى، على صوت واحد يشبه ~~الغناء، ويزعمون أن هذا من مجالس الذكر المندوب إليها، وكذبوا! فإنه لو كان ~~حقا لكان السلف الصالح أولى بإدراكه وفهمه والعمل به، ms243 وإلا فأين في الكتاب ~~أو في السنة الاجتماع للذكر على صوت واحد جهرا عاليا؟ وقد قال تعالى: ~~{ادعوا ربكم تضرعا وخفية (1) إنه لا يحب المعتدين} (2). والمعتدون في ~~التفسير: هم الرافعون أصواتهم بالدعاء. # وعن أبي موسى قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فجعل ~~الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس (3)! ~~أربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، ~~وهو معكم" (4). وهذا الحديث من تمام تفسير الآية. ولم يكونوا رضي الله عنهم ~~يكبرون على صوت واحد، ولكنه نهاهم عن رفع الصوت ليكونوا ممتثلين للآية. وقد ~~جاء عن السلف أيضا النهي عن الاجتماع على الذكر والدعاء بالهيئة التي يجتمع ~~عليها هؤلاء المبتدعون (5)، وجاء عنهم النهي عن المساجد المتخذة لذلك، وهي ~~الربط التي يشبهونها (6) بالصفة. ذكر من ذلك ابن وهب وابن وضاح (7) وغيرهما ~~ما فيه كفاية لمن وفقه الله. # فالحاصل من هؤلاء أنهم حسنوا الظن بأنفسهم (8) فيما هم عليه (9)، وأساؤوا ~~الظن بالسلف الصالح أهل العمل (10) الراجح الصريح (11)، وأهل الدين ~~PageV02P108 # الصحيح. ثم لما طالبهم (1) لسان الحال بالحجة، أخذوا كلام المجيب وهم لا ~~يعلمونه (2)، وقولوه ما لا يرضى به العلماء، وقد بين ذلك في كلام آخر؛ إذ ~~سئل عن ذكر فقراء زماننا، فأجاب بأن الغالب في (3) مجالس الذكر المذكورة في ~~الأحاديث أنها هي (4) التي يتلى (5) فيها القرآن، والتي يتعلم فيها العلم ~~والدين، والتي تعمر بالوعظ (6) والتذكير بالآخرة والجنة والنار؛ كمجالس (7) ~~سفيان الثوري، والحسن، وابن سيرين، وأضرابهم. # وأما (8) مجالس الذكر اللساني: فقد صرح بها في (9) حديث الملائكة ~~السياحين (10)، لكن لم يذكر فيه جهر (11) بالكلمات، ولا رفع أصوات، وكذلك ~~غيره. لكن الأصل المشروع إعلان الفرائض وإخفاء النوافل، وأتى بالآية، ~~وبقوله تعالى: {إذ نادى ربه نداء خفيا *} (12)، وبحديث: "أربعوا على ~~أنفسكم" (13). قال: وفقراء الوقت قد تحيزوا (14) بآيات (15)، PageV02P109 # وتميزوا بأصوات، هي إلى الاعتداء أقرب منها إلى الاقتداء، وطريقتهم إلى ~~اتخاذها مأكلة وصناعة أقرب منها إلى اعتدادها قربة وطاعة. انتهى معناه على ~~اختصار أكثر الشواهد. # وهي دليل ms244 على أن فتواه المحتج بها ليس معناها ما رام هؤلاء المبتدعة، ~~فإنه سئل في هذه عن فقراء الوقت، فأجاب بذمهم، وأن حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يتناول عملهم. وفي الأولى إنما سئل عن قوم يجتمعون لقراءة ~~كتاب الله (1)، أو لذكر الله. وهذا السؤال يصدق على قوم يجتمعون مثلا في ~~المسجد، فيذكرون الله، كل واحد منهم في نفسه، أو يتلو القرآن لنفسه (2)، ~~كما يصدق على مجالس المعلمين والمتعلمين، وما أشبه ذلك مما تقدم التنبيه ~~عليه، فلا يسعه ولا غيره (3) من العلماء إلا أن يذكر محاسن ذلك والثواب ~~عليه، فلما سئل عن أهل الابتداع (4) في الذكر والتلاوة، بين ما ينبغي أن ~~يعتمد عليه الموفق، ولا توفيق إلا بالله العلي العظيم (5). # وأما ما ذكره في الإنشادات الشعرية، فجائز للإنسان أن ينشد الشعر الذي لا ~~رفث فيه، ولا يذكر بمعصية، وأن يسمعه من غيره إذا أنشد، على الحد الذي كان ~~ينشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عمل به (6) الصحابة ~~والتابعون ومن يقتدى به من العلماء؛ وذلك أنه كان ينشد ويسمع لفوائد (7)، ~~منها: المنافحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن الإسلام وأهله، ~~فكانوا في زمانه يعارضون به الكفار في أشعارهم التي يذمون فيها الإسلام ~~وأهله، ويمدحون بها الكفر وأهله (8)، ولذلك كان حسان بن ثابت رضي الله عنه ~~قد نصب له منبر في المسجد ينشد عليه إذا وفدت الوفود؛ حتى يقولوا: ~~PageV02P110 # خطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، ويقول له صلى الله عليه ~~وسلم: "اهجهم وجبريل معك" (1)، وهذا من باب الجهاد في سبيل الله، ليس ~~للفقراء من فضله في غنائهم بالشعر قليل ولا كثير. # ومنها: أنهم كانوا يتعرضون لحاجاتهم، ويستشفعون بتقديم الأبيات بين يدي ~~طلباتهم؛ كما فعل كعب (2) بن زهير رضي الله عنه (3)، وأخت PageV02P111 # النضر بن الحارث (1)، مثل ما يفعل (2) الشعراء مع الكبراء، هذا لا حرج ~~فيه ما لم يكن في الشعر ذكر ما لا يجوز. ونظيره في سائر الأزمنة تقديم ~~الشعراء (3) للخلفاء والملوك ومن (4) أشبههم قطعا ms245 من أشعارهم بين يدي ~~حاجاتهم؛ لا كما (5) يفعله فقراء (6) الوقت المتجردون (7) للسعاية على ~~الناس، مع القدرة على الاكتساب. وفي الحديث: "لا تحل (8) الصدقة لغني، ولا ~~لذي مرة سوي" (9)، فإنهم ينشدون الأشعار التي فيها ذكر الله وذكر ~~PageV02P112 # رسوله؛ وكثيرا ما يكون فيها ما لا يجوز شرعا، ويتمندلون (1) بذكر الله ~~ورسوله في الأسواق والمواضع القذرة، ويجعلون ذلك آلة لأخذ (2) ما في أيدي ~~الناس، لكن بأصوات مطربة يخاف بسببها الفتنة (3) على النساء ومن لا عقل له ~~من الرجال. # ومنها: أنهم ربما أنشدوا الشعر في الأسفار الجهادية تنشيطا لكلال ~~PageV02P113 # النفوس، وتنبيها للرواحل أن تنهض بأثقالها (1)، وهذا حسن، لكن العرب لم ~~يكن لها من تحسين النغمات ما يجري مجرى ما الناس عليه اليوم، بل كانوا ~~ينشدون الشعر مطلقا من غير أن يعتملوا (2) هذه الترجيعات التي حدثت بعدهم، ~~بل كانوا يرققون الصوت ويمططونه على وجه يليق بأمية (3) العرب الذين لم ~~يعرفوا صنائع الموسيقى (4)، فلم يكن فيه إلذاذ (5) ولا إطراب يلهي، وإنما ~~كان لهم فيه (6) شيء من النشاط؛ كما كان أنجشة (7) وعبد الله بن رواحة ~~يحدوان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (8)، وكما كان الأنصار يقولون ~~عند حفر (9) الخندق: # نحن الذين (10) بايعوا محمدا ... على الجهاد ما حيينا أبدا # فيجيبهم رسول الله (11) صلى الله عليه وسلم بقوله (12): اللهم لا خير إلا ~~خير الآخره، فاغفر للأنصار والمهاجره (13) ". # ومنها: أن يتمثل الرجل بالبيت أو الأبيات من الحكمة في نفسه ليعظ نفسه، ~~أو ينشطها، أو يحركها لمقتضى معنى الشعر، أو يذكرها لغيره (14) ذكرا مطلقا؛ ~~كما حكى أبو الحسن القرافي الصوفي عن الحسن: أن قوما PageV02P114 # أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين! إن لنا ~~إماما إذا فرغ من صلاته تغنى، فقال عمر: من هو؟ فذكر له (1) الرجل، فقال: ~~قوموا بنا إليه، فإنا إن وجهنا إليه يظن أنا تجسسنا عليه أمره. قال: فقام ~~عمر مع جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتوا الرجل وهو في ~~المسجد، فلما أن نظر إلى عمر قام فاستقبله، فقال: ms246 يا أمير المؤمنين! ما ~~حاجتك؟ وما جاء بك؟ إن كانت الحاجة لنا كنا أحق بذلك منك أن نأتيك، وإن ~~كانت الحاجة لك فأحق من عظمناه خليفة خليفة (2) رسول صلى الله عليه وسلم. ~~قال له عمر: ويحك! بلغني عنك (3) أمر ساءني! قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ ~~فإني أعينك من نفسي، قال له عمر: بلغني أنك إذا صليت تغنيت. قال: نعم يا ~~أمير المؤمنين (4)! فقال (5) عمر (6): أتتمجن (7) في عبادتك؟ قال: لا يا ~~أمير المؤمنين، ولكنها (8) عظة أعظ بها نفسي. فقال (9) عمر: قلها، فإن كان ~~كلاما حسنا قلته (10) معك، وإن كان قبيحا نهيتك عنه. فقال: # وفؤاد كلما عاتبته ... عاد في (11) الهجران يبغي تعبي (12) # لا أراه الدهر إلا لاهيا ... في تماديه فقد برح بي # يا قرين السوء ما هذا الصبا ... فني العمر كذا في اللعب (13) # وشباب بان (14) عني فمضى ... قبل أن أقضي منه أربي # ما أرجي (15) بعده إلا الفنا ... ضيق الشيب علي مطلبي PageV02P115 # ويح نفسي! لا أراها أبدا ... في جميل لا، ولا في (1) أدب # نفس لا كنت ولا كان الهوى ... راقبي المولى وخافي وارهبي # قال (2): فقال عمر رضي الله تعالى عنه: # نفس لا كنت ولا كان الهوى ... راقبي المولى وخافي وارهبي # ثم قال عمر (3): على هذا فليغن من غنى (4). # فتأملوا قوله: "بلغني عنك أمر ساءني"، مع قوله: "أتتمجن في عبادتك"، فهو ~~من أشد ما يكون في الإنكار، حتى (5) أعلمه أنه يردد على (6) لسانه أبيات ~~حكمة فيها عظة (7)، فحينئذ (8) أقره وسلم له. # هذا وما أشبهه كان فعل القوم، وهم مع ذلك لم يقتصروا في التنشيط للنفوس ~~ولا الوعظ على مجرد الشعر، بل وعظوا أنفسهم بكل موعظة، ولا كانوا يستحضرون ~~لذكر الأشعار المغنين، إذ لم يكن ذلك من طلباتهم، ولا كان عندهم من الغناء ~~المستعمل في أزماننا (9) شيء، وإنما دخل في الإسلام بعدهم حين خالط العجم ~~المسلمين. # وقد بين ذلك أبو الحسن القرافي، فقال: إن (10) الماضين من الصدر الأول ~~حجة على من بعدهم، ولم يكونوا يلحنون الأشعار ولا ينغمونها PageV02P116 # بأحسن (1) ما يكون من النغم، إلا ms247 من وجه إرسال الشعر واتصال القوافي. فإن ~~كان صوت أحدهم أشجى (2) من صاحبه كان ذلك مردودا إلى أصل الخلقة لا يتصنعون ~~ولا يتكلفون. # هذا ما قال (3). فلذلك نص العلماء على كراهية ذلك المحدث، وحتى سئل مالك ~~بن أنس رضي الله عنه عن الغناء الذي يستعمله (4) أهل المدينة، فقال: إنما ~~يفعله عندنا (5) الفساق (6). ولا كان (7) المتقدمون أيضا يعدون الغناء جزءا ~~من أجزاء طريقة التعبد، وطلب رقة النفوس، وخشوع القلوب، حتى يقصدوه قصدا، ~~ويتعمدوا الليالي الفاضلة، فيجتمعوا لأجل الذكر الجهري، ثم الغناء (8)، ~~والشطح، والرقص، والتغاشي، والصياح، وضرب الأقدام على وزن إيقاع الأكف (9) ~~أو الآلات، وموافقة (10) النغمات. هل في كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~عمله (11) المنقول في الصحاح (12)، أو عمل السلف الصالح، أو أحد من العلماء ~~من ذلك (13) أثر؟ أو في كلام المجيب ما يصرح بجواز مثل هذا؟. # بل سئل عن إنشاد الأشعار بالصوامع كما يفعله المؤذنون اليوم في الدعاء ~~بالأسحار؟ فأجاب بأن ذلك بدعة مضافة إلى بدعة؛ لأن الدعاء بالصوامع بدعة، ~~وإنشاد الشعر والقصائد (14) بدعة أخرى، إذ لم يكن ذلك PageV02P117 # في زمن (1) السلف المقتدى بهم. # كما أنه سئل عن الذكر الجهري أمام الجنازة، فأجاب بأن السنة في اتباع (2) ~~الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار، وأن ذلك فعل السلف. قال (3): واتباعهم ~~سنة، ومخالفتهم بدعة، وقد قال مالك: لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان ~~عليه أولها (4). # وأما ما ذكره (5) المجيب في التواجد عند السماع من أنه أثر رقة النفس ~~واضطراب القلب، فإنه لم يبين ذلك الأثر ما هو، كما أنه لم يبين معنى الرقة، ~~ولا عرج عليها بتفسير يرشد إلى معنى (6) التواجد عند الصوفية، وإنما في ~~كلامه أن ثم أثرا ظاهرا يظهر على جسم المتواجد، وذلك الأثر يحتاج إلى ~~تفسير. ثم التواجد يحتاج إلى شرح بحسب ما يظهر من كلامه فيه (7). # والذي يظهر في التواجد (8) ما كان يبدو على جملة من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وهو البكاء، واقشعرار الجلد التابع للخوف، الآخذ (9) ~~بمجامع القلوب، وبذلك وصف الله عباده في ms248 كتابه حيث قال: {الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين ~~PageV02P118 # جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} (1)، وقال تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى ~~الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} (2)، وقال: {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا}، إلى قوله: {أولئك هم المؤمنون حقا} (3). # وعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه؛ قال: انتهيت إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل؛ يعني من البكاء (4). # والأزيز: صوت يشبه غليان القدر. # وعن الحسن؛ قال: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: {إن عذاب ربك لواقع *ما ~~له من دافع *} (5)، فربى لها ربوة، عيد منها عشرين يوما (6). # وعن عبيد (7) بن [عمير] (8)؛ قال: صلى بنا عمر بن الخطاب PageV02P119 # رضي الله عنه صلاة الفجر، فافتتح سورة يوسف فقرأها، حتى إذا (1) بلغ: ~~{وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} (2) بكى (3) حتى انقطع، فركع (4). # وفي رواية: لما انتهى إلى قوله: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} (5) بكى ~~حتى سمع نشيجه من وراء الصفوف (6). # وعن أبي صالح؛ قال: لما قدم أهل اليمن في زمان (7) أبي بكر رضي الله عنه؛ ~~سمعوا القرآن، فجعلوا يبكون، فقال أبو بكر: هكذا كنا ثم قست القلوب (8). ~~PageV02P120 # وعن ابن أبي ليلى: أنه قرأ سورة مريم حتى انتهى إلى السجدة: {خروا سجدا ~~وبكيا} (1)، فسجد بها، فلما رفع رأسه قال: هذه السجدة قد سجدناها، فأين ~~البكاء؟ (2). # إلى غير ذلك من الآثار الدالة على أن أثر الموعظة الذي يكون بغير تصنع ~~إنما هو على هذه الوجوه وما أشبهها. # ومثله ما استدل به بعض الناس من قوله تعالى: {وربطنا على قلوبهم إذ قاموا ~~فقالوا ربنا رب السماوات والأرض} (3) ذكره بعض المفسرين ، وذلك أنهم (4) ~~لما ألقى الله الإيمان في قلوبهم؛ حضروا عند ملكهم دقيانوس الكافر، فتحركت ~~فأرة أو هرة خاف لأجلها الملك، فنظر الفتية بعضهم إلى بعض، ولم يتمالكوا أن ~~(5) قاموا مصرحين بالتوحيد، معلنين بالدليل والبرهان، منكرين ms249 على الملك (6) ~~نحلة الكفر، باذلين أنفسهم في ذات الله، فأوعدهم، ثم أجلهم (7)، فتواعدوا ~~الخروج إلى الغار، إلى أن كان منهم ما حكى الله تعالى في كتابه. فليس في ~~شيء من (8) ذلك صعق ولا صياح (9)، ولا شطح، ولا تغاش مستعمل، ولا شيء من ~~ذلك، وهو شأن فقرائنا اليوم. PageV02P121 # وخرج (1) سعيد بن منصور في "تفسيره" (2) عن عبد الله بن (3) عروة بن ~~الزبير؛ قال: قلت لجدتي أسماء: كيف كان يصنع (4) أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا قرؤوا القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله: تدمع أعينهم، ~~وتقشعر جلودهم. قلت: إن ناسا (5) هاهنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم عليه غشية. ~~فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. # وخرج أبو (6) عبيد (7) من حديث أبي حازم؛ قال: مر ابن عمر برجل من أهل ~~العراق ساقط والناس حوله، فقال: ما هذا؟ فقالوا (8): إذا قرئ عليه القرآن، ~~أو سمع الله يذكر خر من خشية الله. قال ابن عمر: والله إنا لنخشى الله وما ~~(9) نسقط. وهذا إنكار. PageV02P122 # وقيل لعائشة رضي الله عنها (1): إن قوما إذا سمعوا القرآن صعقوا (2)! ~~فقالت: إن (3) القرآن أكرم من أن (4) تنزف عنه عقول الرجال، ولكنه كما قال ~~الله تعالى: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله} (5). # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه سئل عن القوم يقرأ عليهم القرآن ~~فيصعقون، فقال: ذلك فعل الخوارج (6). # وخرج أبو نعيم (7) PageV02P123 # عن عامر (1) بن عبد الله بن الزبير (2)؛ قال: جئت أبي، فقال: أين كنت؟ ~~فقلت: وجدت أقواما يذكرون الله فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله ~~(3)، فقعدت معهم. فقال: لا تقعد معهم (4) بعدها. فرآني كأنه لم يأخذ ذلك ~~في، فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر ~~وعمر يتلوان القرآن (5)، فلا يصيبهم هذا، أفتراهم أخشع لله من أبي بكر ~~وعمر؟ فرأيت أن ذلك كذلك، فتركتهم. انتهى (6). # وهذا يشعر (7) بأن ذلك كله تعمل وتكلف لا يرضى به أهل الدين. # وسئل محمد بن سيرين عن الرجل يقرأ عنده القرآن ms250 (8) فيصعق؛ فقال: ميعاد ما ~~بيننا وبينه أن يجلس على حائط، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن ~~وقع فهو كما قال (9). PageV02P124 # وهذا الكلام أصل (1) حسن في الفرق بين (2) المحق والمبطل؛ لأنه إنما كان ~~عند الخوارج نوعا من القحة (3) في النفوس المائلة عن الصواب، وقد تغالط ~~النفس فيه فتظنه انفعالا صحيحا وليس كذلك. والدليل عليه: أنه لم يظهر على ~~(4) أحد من الصحابة هو (5) ولا ما يشبهه، فإن مبناهم كان على الحق، فلم ~~يكونوا ليستعملوا (6) في دين الله (7) هذه اللعب القبيحة المسقطة للأدب ~~والمروءة. # نعم قد لا ينكر اتفاق الغشي ونحوه، أو الموت لمن سمع الموعظة بحق فضعف عن ~~مصابرة الرقة الحاصلة بسببها، فجعل ابن سيرين ذلك الضابط ميزانا للمحق ~~والمبطل، وهو ظاهر؛ فإن القحة لا تبقى مع خوف السقوط من الحائط (8)، فقد ~~اتفق من ذلك بعض النوادر ظهر (9) فيها (10) عذر المتواجد (11). # فحكي عن أبي (12) وائل؛ قال: خرجنا مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~ومعنا الربيع بن خثيم (13)، فمررنا على حداد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة ~~في النار، فنظر الربيع إليها فتمايل ليسقط. ثم إن عبد الله مضى كما هو حتى ~~أتينا على شاطئ الفرات على أتون (14)، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في ~~جوفه قرأ هذه الآية: {إذا رأتهم من مكان بعيد PageV02P125 # سمعوا لها تغيظا وزفيرا *}، إلى قوله: {دعوا هنالك ثبورا} (1)؛ قال (2): ~~فصعق الربيع يعني غشي عليه ، فاحتملناه فأتينا به أهله. قال: ورابطه عبد ~~الله إلى الظهر فلم يفق؛ فرابطه إلى المغرب فأفاق؛ ورجع عبد الله إلى أهله ~~(3). # فهذه حالة (4) طرأت لواحد (5) من أفاضل التابعين بمحضر صحابي، ولم ينكر ~~عليه لعلمه بأن (6) ذلك خارج عن طاقته، فصار بتلك الموعظة الحسنة كالمغمى ~~عليه، فلا حرج إذا. # وحكي أن شابا كان يصحب الجنيد إمام الصوفية في وقته (7)، فكان الشاب إذا ~~سمع شيئا من الذكر يزعق، فقال له الجنيد يوما: إن فعلت PageV02P126 # ذلك مرة أخرى لم تصحبني. فكان إذا سمع شيئا يتغير، ويضبط نفسه حتى كان ~~يقطر كل شعرة ms251 من بدنه بقطرة (1)، فيوما من الأيام صاح صيحة تلفت نفسه (2). # فهذا الشاب قد ظهر فيه مصداق ما قاله السلف؛ لأنه لو كانت صيحته الأولى ~~غلبة (3) لم يقدر على ضبط نفسه، وإن كان بشدة، كما لم يقدر على ضبط نفسه ~~الربيع بن خثيم (4)، وعليه أدبه الشيخ (5) حين أنكر عليه وأوعده (6) ~~بالفرقة، إذ فهم منه أن تلك الزعقة من بقايا رعونة النفس، فلما خرج الأمر ~~عن كسبه (7) بدليل موته ، كانت صيحته عفوا لا حرج عليه فيها إن شاء الله. # بخلاف هؤلاء القوم (8) الذين لم يشموا من أوصاف الفضلاء رائحة، فأخذوا في ~~التشبه (9) بهم، فأبرز لهم هواهم التشبه بالخوارج، وياليتهم وقفوا عند هذا ~~الحد المذموم، ولكنهم (10) زادوا على ذلك الرقص والزفن (11) والدوران ~~والضرب على الصدور، وبعضهم يضرب على رأسه، وما أشبه ذلك من العمل المضحك ~~للحمقى، لكونه من أعمال الصبيان PageV02P127 # والمجانين، المبكي للعقلاء، رحمة لمن يتخذ (1) مثل هذا طريقا إلى الله، ~~وتشبها (2) بالصالحين. # وقد صح من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه؛ أنه (3) قال: وعظنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب ~~... ، الحديث (4). PageV02P128 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P129 # فقال الإمام العالم السني أبو بكر الآجري (1) رضي الله عنه (2): ميزوا ~~هذا الكلام؛ فإنه (3) لم يقل (4): صرخنا من موعظته، ولا زعقنا (5)، ولا ~~طرقنا على رؤوسنا، ولا ضربنا على صدورنا، ولا زفنا، ولا رقصنا كما يفعل ~~كثير من الجهال؛ يصرخون عند المواعظ ويزعقون، ويتغاشون (6) . قال: وهذا (7) ~~كله من الشيطان يلعب بهم، وهذا كله بدعة وضلالة، ويقال (8) لمن فعل هذا: # اعلم (9) أن النبي صلى الله عليه وسلم أصدق الناس موعظة، وأنصح الناس ~~لأمته، وأرق الناس قلبا، وخير الناس: من (10) جاء بعده ولا يشك في ذلك عاقل ~~، ما صرخوا عند موعظته، ولا زعقوا، ولا رقصوا، ولا زفنوا، ولو كان هذا ~~صحيحا لكانوا أحق الناس بهذا (11) أن يفعلوه بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولكنه بدعة وباطل ومنكر فاعلم ذلك. انتهى كلامه، وهو واضح فيما ~~نحن فيه. # ولا بد من النظر في الأمر (12) الموجب ms252 للتأثر الظاهر في السلف الأولين مع ~~هؤلاء المدعين، فوجدنا الأولين يظهر عليهم ذلك الأثر بسبب سماع (13) ذكر ~~الله تعالى، وبسبب سماع (14) آية من كتاب الله (15)، وبسبب رؤية اعتبارية؛ ~~كما في قصة الربيع عند رؤيته للحداد وللأتون (16) وهو موقد النار ، ولسبب ~~قراءة في صلاة أو غيرها، ولم نجد أحدا PageV02P130 # منهم فيما نقل العلماء يستعملون الترنم بالأشعار لترق نفوسهم، فتتأثر ~~ظواهرهم، وطائفة الفقراء على الضد منهم؛ فإنهم يسمعون (1) القرآن والحديث ~~والوعظ والتذكير فلا تتأثر ظواهرهم (2)، فإذا قام المزمزم (3) تسابقوا (4) ~~إلى حركاتهم المعروفة لهم، فبالحري أن لا يتأثروا إلا (5) على تلك الوجوه ~~المكروهة المبتدعة؛ لأن الحق لا ينتج إلا حقا، كما أن الباطل لا ينتج إلا ~~باطلا. # وعلى هذا التقرير ينبني النظر في حقيقة الرقة المذكورة، وهي المحركة ~~للظاهر. وذلك أن الرقة ضد الغلظ، فتقول: هذا رقيق ليس بغليظ، ومكان رقيق: ~~إذا كان لين التراب، ضده (6) الغليظ، فإذ وصف بذلك القلب (7) فهو راجع إلى ~~لينه وتأثره ضد القسوة، ويشعر بذلك قوله تعالى: {ثم تلين جلودهم وقلوبهم ~~إلى ذكر الله} (8)؛ لأن القلب الرقيق إذا وردت عليه الموعظة خضع لها ولان ~~وانقاد، ولذلك قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ~~(9)؛ فإن الوجل تأثر ولين يحصل في القلب بسبب الموعظة، فترى الجلد من أجل ~~ذلك يقشعر، والعين تدمع، واللين إذا حل بالقلب وهو باطن الإنسان ، وحل (10) ~~بالجلد بشهادة الله وهو ظاهر الإنسان ، فقد حل الانفعال بمجموع الإنسان، ~~وذلك يقتضي السكون لا الحركة والانزعاج، والسكوت لا الصياح، PageV02P131 # وهي (1) حالة السلف الأولين كما تقدم . فإذا رأيت أحدا سمع موعظة أي ~~موعظة كانت ؛ فظهر (2) عليه من الأثر ما ظهر على السلف الصالح؛ علمت أنها ~~رقة هي أول الوجد، وأنها صحيحة لا اعتراض فيها. # وإذا رأيت أحدا سمع موعظة قرآنية أو سنية أو حكمية فلم يظهر عليه من تلك ~~الآثار شيء، حتى يسمع شعرا مترنما (3) به (4)، أو غناء مطربا فتأثر؛ فإنه ~~لا يظهر عليه في الغالب من تلك الآثار شيء، وإنما يظهر عليه انزعاج بقيام، ~~أو دوران، ms253 أو شطح، أو صياح، أو ما يناسب ذلك. وسببه: أن الذي حل بباطنه ليس ~~بالرقة المذكورة أولا، بل هو الطرب الذي يناسب الغناء؛ لأن الرقة ضد القسوة ~~كما تقدم ، والطرب ضد الخشوع كما يقوله الصوفية ، والطرب مناسب للحركة؛ ~~لأنه ثوران الطباع، ولذلك اشترك مع الإنسان فيه الحيوان (5)؛ كالإبل والخيل ~~(6)؛ ومن لا عقل له من الأطفال، وغير ذلك. والخشوع ضده؛ لأنه راجع إلى ~~السكون، وقد فسر به لغة، كما فسر الطرب بأنه خفة تصيب (7) الإنسان من حزن، ~~أو سرور. # قال (8) الشاعر (9): # طرب الواله (10) أو كالمختبل (11) PageV02P132 # والتطريب: مد الصوت وتحسينه. # وبيانه: أن الشعر المغنى به قد اشتمل على أمرين: # أحدهما: ما فيه من (1) الحكمة والموعظة، وهذا مختص بالقلوب، ففيها تعمل ~~وبها تنفعل، ومن هذه الجهة ينسب السماع إلى الأرواح. # والثاني: ما فيه من النغمات المرتبة على النسب التلحينية، وهو المؤثر في ~~الطباع (2) فيهيجها (3) إلى ما يناسبها، وهي الحركات على اختلافها، فكل ~~تأثر في القلب من جهة السماع يحصل (4) عنه آثار السكون والخضوع فهو رقة، ~~وهو التواجد الذي أشار إليه كلام المجيب، ولا شك أنه محمود. وكل تأثر يحصل ~~عنه ضد السكون؛ فهو طرب لا رقة فيه (5) ولا تواجد، ولا هو عند شيوخ الصوفية ~~محمود، لكن هؤلاء الفقراء ليس لهم من التواجد في الغالب إلا الثاني ~~المذموم. فهم إذا متواجدون بالنغم واللحون، لا يدركون من معاني الحكمة شيئا ~~(6)، فقد باؤوا (7) إذا بأخسر الصفقتين، نعوذ بالله. # وإنما جاءهم الغلط من جهة اختلاط المناطين عليهم، ومن جهة أنهم استدلوا ~~بغير دليل. فقوله تعالى: {ففروا إلى الله} (8)، وقوله: {لو اطلعت عليهم ~~لوليت منهم فرارا} (9): لا دليل فيه على هذا المعنى. وكذلك (10) قوله ~~تعالى: {إذ قاموا فقالوا ربنا} (11): كذا (12) أين فيه أنهم قاموا ~~PageV02P133 # يرقصون؟ أو يزفنون؟ أو يدورون على أقدامهم؟ أو نحو (1) ذلك؟ فهو من ~~الاستدلال الداخل تحت هذا الباب (2). # ووقع في كلام المجيب لفظ السماع غير مفسر، ففهم منه المحتج أنه الغناء ~~الذي تستعمله (3) شيعته، وهو فهم عموم الناس، لا فهم الصوفية، فإنه (4) ~~عندهم ينطلق (5) على ms254 كل صوت أفاد حكمة يخضع لها القلب، ويلين لها الجلد، ~~وهو الذي يجدون فيه (6) ويتواجدون عنده (7) التواجد المحمود، فسماع القرآن ~~عندهم سماع، وكذلك سماع السنة، وكلام الحكماء والفضلاء، حتى أصوات الطير ~~وخرير الماء، وصرير الباب. ومنه سماع المنظوم أيضا إذا أعطى حكمة، ولا ~~يستمعون هذا الأخير إلا في الفرط بعد الفرط (8)، وعلى غير استعداد، وعلى ~~غير وجه الإلذاذ (9) والإطراب، ولا هم ممن يداوم (10) عليه أو يتخذه عادة؛ ~~لأن ذلك كله قادح في مقاصدهم التي بنوا عليها. # ولذلك (11) قال الجنيد رحمه الله: إذا رأيت المريد يحب السماع فاعلم أن ~~فيه بقية من البطالة (12). # وإنما لهم من سماعه إن اتفق: وجه الحكمة إن كان فيه حكمة ، PageV02P134 # فاستوى عندهم النظم والنثر. وإن أطلق أحد منهم السماع على الصوت الحسن ~~المضاف إلى شعر أو غيره (1)، فمن حيث فهم منه (2) الحكمة لا من حيث يلائم ~~الطباع؛ لأن من سمعه منهم من حيث يستحسنه فهو متعرض للفتنة، فيصير إلى ما ~~صار إليه أهل (3) السماع الملذ المطرب. # ومن الدليل على أن السماع عندهم ما تقدم: ما ذكر (4) عن أبي عثمان ~~المغربي أنه قال: من ادعى السماع ولم يسمع صوت الطيور (5) وصرير الباب ~~وتصفيق الرياح فهو مفتر مدع (6). وقال الحصري: أيش أعمل بسماع ينقطع إذا ~~انقطع (7) من (8) يسمع منه؟ ينبغي (9) أن يكون سماعك سماعا متصلا غير منقطع ~~(10). # وعن أحمد بن سالم (11) قال: خدمت سهل بن عبد الله التستري PageV02P135 # سنين، فما رأيته تغير عند سماع شيء يسمعه من الذكر أو القرآن أو غيره، ~~فلما كان في آخر عمره قرئ بين يديه: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من ~~الذين كفروا} (1): رأيته (2) تغير وارتعد وكاد يسقط، فلما رجع إلى حال صحوه ~~سألته عن ذلك؟ فقال: يا حبيبي! ضعفنا. # وقال السلمى: دخلت على أبي عثمان المغربي وواحد يستقي الماء من البئر على ~~بكرة، فقال لي: يا أبا عبد الرحمن! تدري أيش تقول هذه البكرة؟ فقلت: لا. ~~فقال: تقول: الله الله (3). # فهذه الحكايات وأشباهها تدل على أن السماع عندهم كما تقدم، وأنهم ms255 لا ~~يؤثرون سماع الأشعار على غيرها، فضلا عن (4) أن يتصنعوا فيها بالأغاني ~~المطربة. ولما طال الزمان وبعدوا عن أحوال السلف الصالح، أخذ الهوى في ~~التفريع في السماع حتى صار يستعمل منه المصنوع على قانون الألحان؛ فتعشقت ~~به الطباع، وكثر العمل به ودام وإن كان قصدهم به الراحة فقط ، فصار قذى (5) ~~في طريق سلوكهم فرجعوا به القهقرى، ثم طال الأمد حتى اعتقده الجهال من أهل ~~(6) هذا (7) الزمان (8) وما قاربه قربة (9)، وجزءا (10) من أجزاء طريقة ~~التصوف، وهو الأدهى والأمر (11). # وقول المجيب: وأما من دعا طائفة إلى منزله فتجاب دعوته، وله في ~~PageV02P136 # دعوته (1) قصده: مطابق بحسب ما ذكر أو لا؛ فإن من (2) دعا قوما إلى منزله ~~لتعلم آية أو سورة من كتاب الله (3)، أو سنة من سنن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، أو مذاكرة في علم، أو في نعم الله، أو مؤانسة بشعر (4) فيه حكمة ~~ليس فيه غناء مكروه ولا صحبه شطح ولا زفن ولا صياح، ولا غير ذلك من ~~المنكرات، ثم ألقى إليهم شيئا من الطعام (5) على غير وجه التكلف والمباهاة، ~~ولم يقصد بذلك بدعة، ولا امتيازا بفرقة تخرج بأفعالها وأقوالها عن السنة ~~(6)، فلا شك في استحسان ذلك؛ لأنه داخل في حكم المأدبة المقصود بها حسن ~~العشرة بين الجيران (7) والإخوان، والتودد بين الأصحاب، وهي في حكم ~~الاستحباب، فإن كان فيها تذاكر في علم أو نحوه، فهي من باب التعاون على ~~الخير. # ومثاله ما يحكى عن محمد بن خفيف؛ قال: دخلت يوما على القاضي علي بن أحمد، ~~فقال لي: يا أبا (8) عبد الله! قلت (9): لبيك أيها القاضي، فقال (10): ~~هاهنا أحكي (11) لكم حكاية تحتاج أن (12) تكتبها بماء الذهب. فقلت: أيها ~~القاضي! أما الذهب فلا أجده، ولكني أكتبها بالحبر الجيد. فقال: بلغني أنه ~~قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إن الحارث المحاسبي يتكلم في علوم ~~الصوفية، ويحتج عليه بالآي، فقال أحمد: أحب أن أسمع كلامه من حيث لا يعلم. ~~فقال رجل: أنا أجمعك معه. فاتخذ دعوة، ودعا الحارث وأصحابه، ودعا أحمد. ~~فجلس أحمد ms256 (13) بحيث يرى الحارث، فحضرت الصلاة، فتقدم وصلى بهم المغرب، ~~وأحضر الطعام، فجعل يأكل ويتحدث معهم، فقال أحمد: هذا من السنة. ~~PageV02P137 # فلما فرغوا من الطعام وغسلوا أيديهم جلس الحارث وجلس أصحابه، فقال: من ~~أراد منكم أن يسأل شيئا فليسأل، فسئل عن الإخلاص، وعن الرياء، ومسائل كثيرة ~~فأجاب عنها (1)، واستشهد بالآي والحديث، وأحمد يسمع لا ينكر شيئا من ذلك. ~~فلما مر (2) هوي من الليل أمر الحارث قارئا يقرأ شيئا من القرآن على الحدر ~~(3)، فقرأ، فبكى بعضهم وانتحب آخرون، ثم سكت القارئ، فدعا الحارث بدعوات ~~خفاف، ثم قام إلى الصلاة. فلما أصبحوا قال أحمد: قد كان بلغني (4) أن ها ~~هنا مجالس للذكر يجتمعون عليها، فإن كان هذا من تلك المجالس فلا أنكر منها ~~شيئا (5). # ففي هذه الحكاية أن أحوال الصوفية توزن بميزان الشرع، وأن مجالس الذكر ~~ليست ما زعم هؤلاء، بل ما تقدم لنا ذكره، وأما (6) ما سوى ذلك مما اعتادوه ~~فهو مما ينكر. PageV02P138 # والحارث المحاسبي من كبار الصوفية المقتدى بهم (1)، فإذا ليس في كلام ~~المجيب ما يتعلق به هؤلاء المتأخرون (2)؛ إذ باينوا المتقدمين من كل وجه، ~~وبالله التوفيق. # والأمثلة في الباب كثيرة لو تتبعت لخرجنا عن المقصود، وإنما ذكرنا أمثلة ~~تبين من استدلالاتهم الواهية ما يضاهيها، وحاصلها الخروج في الاستدلال عن ~~الطريق الذي أوضحه العلماء، وبينه الأئمة، وحصر أنواعه الراسخون في العلم. # ومن نظر إلى طرق (3) أهل البدع في الاستدلال عرف أنها لا تنضبط؛ لأنها ~~سيالة لا تقف عند حد، وعلى (4) وجه يصح لكل زائغ وكافر أن يستدل على زيغه ~~وكفره؛ حتى ينسب النحلة التي التزمها إلى الشريعة. # فقد رأينا وسمعنا عن بعض الكفار أنه استدل على كفره بآيات القرآن؛ كما ~~استدل بعض النصارى على تشريك (5) عيسى مع الله في الربوبية (6) بقوله ~~تعالى: {وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} (7)، واستدل PageV02P139 # على كونهم (1) من (2) أهل الجنة بإطلاق قوله (3) تعالى: {إن الذين آمنوا ~~والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر} (4) الآية. ~~واستدل بعض اليهود على تفضيلهم علينا بقوله سبحانه: {اذكروا نعمتي التي ms257 ~~أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين} (5). وبعض الحلولية استدل على قوله ~~بقول الله تعالى: {ونفخت فيه من روحي} (6). والتناسخي استدل بقوله: {في أي ~~صورة ما شاء ركبك *} (7). # وكذلك يمكن (8) كل من اتبع المتشابهات، أو حرف المناطات، أو حمل الآيات ~~مالا تحتمله عند السلف الصالح، أو تمسك بالواهية من (9) الأحاديث، أو أخذ ~~(10) الأدلة (11) ببادي الرأي: أن (12) يستدل على كل فعل أو قول أو اعتقاد ~~وافق غرضه بآية أو حديث لا يعوز ذلك (13) أصلا، والدليل عليه استدلال كل ~~فرقة شهرت بالبدعة على بدعتها بآية أو حديث من غير توقف حسبما تقدم ذكره ، ~~وسيأتي له نظائر أيضا إن شاء الله. فمن طلب خلاص نفسه تثبت حتى يتضح له ~~الطريق، ومن تساهل رمته أيدي الهوى في معاطب لا مخلص له منها، إلا ما شاء ~~الله. PageV02P140 ### | الباب الخامس # في أحكام البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينهما # ولا بد قبل النظر في ذلك من تفسير البدعة الحقيقية والإضافية (1)، فنقول ~~وبالله التوفيق: # إن البدعة الحقيقية هي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب، ولا سنة، ~~ولا إجماع، ولا قياس (2)، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم، لا في الجملة، ~~ولا في التفصيل، ولذلك سميت بدعة كما تقدم ذكره ؛ لأنها شيء مخترع على غير ~~مثال سابق، وإن (3) كان المبتدع يأبى أن (4) ينسب إليه الخروج عن الشرع، إذ ~~هو مدع أنه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلة، لكن تلك الدعوى غير صحيحة لا ~~في نفس الأمر ولا بحسب الظاهر. أما بحسب ما في (5) نفس الأمر فبالفرض (6)، ~~وأما بحسب الظاهر فإن أدلته شبه ليست بأدلة إن ثبت (7) أنه استدل، وإلا ~~فالأمر واضح (8). # وأما البدعة الإضافية فهي التي لها شائبتان: إحداهما (9) لها من الأدلة ~~متعلق، فلا تكون من تلك الجهة بدعة. والأخرى ليس لها متعلق إلا مثل ما (10) ~~للبدعة الحقيقية. فلما كان العمل الذي له شائبتان لم PageV02P141 # يتخلص لأحد الطرفين؛ وضعنا له هذه التسمية؛ وهي: "البدعة الإضافية"؛ أي: ~~أنها بالنسبة إلى إحدى (1) الجهتين سنة؛ لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة ~~إلى الجهة ms258 الأخرى بدعة؛ لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل، أو غير مستندة ~~إلى شيء. # والفرق بينهما من جهة المعنى: أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم، ومن ~~جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل أو الأوقات (2) لم يقم عليها (3) دليل ~~(4)، مع أنها محتاجة إليه؛ لأن الغالب وقوعها في التعبديات، لا في العاديات ~~(5) المحضة؛ كما سيأتي ذكره (6) إن شاء الله. # ثم نقول بعد هذا: إن الحقيقية لما كانت أكثر وأعم وأشهر في الناس ذكرا، ~~وبها (7) افترقت الفرق، وكان الناس شيعا، وجرى من أمثلتها ما فيه الكفاية ~~وهي أسبق في فهم العلماء ؛ تركنا الكلام فيما يتعلق بها من الأحكام، ومع ~~ذلك فقلما تختص بحكم دون الإضافية، بل هما معا تشتركان (8) في أكثر الأحكام ~~التي هي مقصود هذا الكتاب أن تشرح (9) فيه، بخلاف الإضافية، فإن لها أحكاما ~~خاصة وشرحا خاصا وهو المقصود في هذا الباب ، إلا أن الإضافية أولا على ~~ضربين: أحدهما يقرب من الحقيقية حتى تكاد البدعة تعد حقيقية، والآخر يبعد ~~منها حتى تكاد تكون (10) سنة محضة. # ولما انقسمت هذا الانقسام (11)؛ صار من الأكيد الكلام على كل قسم على ~~حدته، فلنعقد في كل واحد منهما فصولا بحسب ما يقتضيه الوقت والحال (12)، ~~وبالله التوفيق. PageV02P142 ### | ### | فصل # # قال الله سبحانه في شأن عيسى عليه السلام ومن اتبعه: {وجعلنا في قلوب ~~الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء ~~رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم ~~فاسقون} (1). # فخرج عبد (2) بن حميد وإسماعيل بن إسحاق القاضي وغيرهما (3) عن ~~PageV02P143 # عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "هل تدري أي الناس أعلم؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "أعلم الناس ~~أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصرا في العمل، وإن كان يزحف على ~~استه (1) واختلف من كان قبلنا على ثنتين (2) وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث ~~وهلك سائرها: فرقة آزت (3) الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى ابن ~~مريم عليهما السلام حتى ms259 قتلوا، وفرقة لم تكن لهم طاقة بمؤازاة الملوك، ~~فأقاموا على دين الله بين ظهراني (4) قومهم، فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ~~ابن مريم فأخذتهم الملوك (5)، فقتلتهم، وقطعتهم بالمناشير. وفرقة لم تكن ~~لهم طاقة (6) بمؤازاة الملوك، ولا بأن يقيموا بين ظهراني قومهم فيدعوهم إلى ~~دين الله ودين عيسى ابن مريم (7)، فساحوا في الجبال وترهبوا فيها، هم الذين ~~قال الله عز وجل فيهم (8): {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء ~~رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم ~~فاسقون}. فالمؤمنون الذين آمنوا بي PageV02P144 # وصدقوا بي، والفاسقون الذين كذبوا بي (1) وجحدوا بي" (2). # وهذا الحديث من أحاديث الكوفيين، والرهبانية فيه بمعنى اعتزال الخلق ~~بالسياحة (3) في الجبال (4)، واطراح الدنيا ولذاتها من النساء وغير ذلك. ~~ومنه: لزوم الصوامع والديارات (5) على ما كان عليه كثير من النصارى (6) قبل ~~الإسلام ، مع التزام العبادة، وعلى هذا التفسير جماعة من المفسرين. # ويحتمل أن يكون الاستثناء في قوله تعالى: {إلا ابتغاء رضوان الله} متصلا ~~ومنفصلا. فإذا بنينا على الاتصال، فكأنه يقول: ما كتبناها عليهم إلا على ~~هذا الوجه الذي هو العمل بها ابتغاء رضوان الله. فالمعنى: أنها مما كتبت ~~عليهم (7)؛ أي: مما شرعت (8) لهم، لكن بشرط قصد الرضوان، فما رعوها حق ~~رعايتها؛ يريد أنهم تركوا رعايتها حين لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو قول طائفة من المفسرين؛ لأن قصد الرضوان إذا كان شرطا في العمل ~~بما شرع لهم؛ فمن حقهم أن يتبعوا ذلك القصد، فإلى أين سار (9) بهم ساروا، ~~وإنما شرع لهم على شرط أنه إذا نسخ بغيره رجعوا إلى ما أحكم وتركوا ما نسخ، ~~وهو معنى ابتغاء الرضوان على الحقيقة، فإذا لم يفعلوا وأصروا على الأول كان ~~ذلك اتباعا للهوى لا اتباعا للمشروع، واتباع المشروع هو الذي يحصل به ~~الرضوان، وقصد الرضوان؛ فلذلك قال الله تعالى (10): {فآتينا الذين آمنوا ~~منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون}. فالذين آمنوا هم الذين اتبعوا الرهبانية ~~ابتغاء رضوان الله، والفاسقون هم الخارجون عن الدخول فيها بشرطها؛ إذ لم ms260 ~~يؤمنوا برسول الله (ص). PageV02P145 # إلا أن هذا التقرير يقتضي أن المشروع لهم يسمى (1) ابتداعا، وهو خلاف ما ~~دل عليه حد البدعة. # والجواب أنه يسمى (2) بدعة من حيث أخلوا بشرط المشروع، إذ شرط عليهم فيه ~~شرط (3) فلم يقوموا به. وإذا كانت العبادة مشروطة بشرط فعمل (4) بها دون ~~شرطها لم تكن عبادة على وجهها وصارت بدعة، كالمخل قصدا بشرط من شروط ~~الصلاة؛ مثل استقبال القبلة، أو الطهارة، أو غيرها، بحيث (5) عرف بذلك ~~وعلمه فلم يلتزمه، ودأب على الصلاة دون شرطها، فذلك العمل من قبيل البدع. ~~فيكون ترهب النصارى صحيحا قبل بعث محمد رسول الله (6) صلى الله عليه وسلم، ~~فلما بعث وجب الرجوع عن ذلك كله إلى ملته، فالبقاء عليه مع نسخه بقاء على ~~ما هو باطل بالشرع، وهو عين البدعة. # وإذا بنينا على أن الاستثناء منقطع وهو قول فريق من المفسرين ، فالمعنى: ~~ما كتبناها عليهم أصلا؛ ولكنهم (7) ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فلم يعملوا ~~بها بشرطها، وهو الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ بعث إلى الناس ~~كافة. # وإنما سميت بدعة على هذا الوجه لأمرين: # أحدهما: يرجع إلى أنها بدعة حقيقية كما تقدم ؛ لأنها داخلة تحت حد ~~البدعة. # والثاني: يرجع إلى أنها بدعة إضافية؛ لأن ظاهر القرآن دل على أنها لم تكن ~~مذمومة في حقهم بإطلاق، بل لأنهم أخلوا بشرطها، فمن لم يخل منهم بشرطها، ~~وعمل (8) بها قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم حصل له فيها أجر، ~~PageV02P146 # حسبما دل عليه قوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم}؛ أي: أن من عمل بها ~~(1) في وقتها ثم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد بعثه وفيناه أجره. # وإنما قلنا: إنها في هذا الوجه إضافية؛ لأنها لو كانت حقيقية لخالفوا بها ~~شرعهم الذي كانوا عليه؛ لأن هذا حقيقة البدعة، فلم يكن لهم بها أجر، بل ~~كانوا يستحقون بها (2) العقاب لمخالفتهم لأوامر الله ونواهيه، فدل على أنهم ~~إنما (3) فعلوا ما كان جائزا لهم فعله، وعند ذلك تكون بدعتهم جائزا لهم ~~فعلها (4)، فلا تكون بدعتهم حقيقية، لكنه ms261 ينظر على أي معنى أطلق عليها لفظ ~~البدعة، وسيأتي بعد (5) بحول الله. # وعلى كل تقدير فهذا القول لا يتعلق بهذه الأمة منه حكم؛ لأنه قد (6) نسخ ~~في شريعتنا، فلا رهبانية في الإسلام (7)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"من رغب عن سنتي فليس مني" (8). # على أن ابن العربي (9) نقل في الآية أربعة أقوال: الأول: ما تقدم (10). ~~والثاني: أن الرهبانية رفض النساء، وهو المنسوخ في شرعنا (11). والثالث: ~~أنها (12) اتخاذ الصوامع للعزلة. والرابع: أنها (13) PageV02P147 # السياحة. قال: وهو مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان (1). # وظاهره يقتضي (2) أنها بدعة؛ لأن الذين ترهبوا قبل الإسلام إنما فعلوا ~~ذلك فرارا منهم بدينهم، ثم سميت (3) بدعة، والندب إليها يقتضي أن لا ابتداع ~~(4) فيها، فكيف يجتمعان؟ ولكن للمسألة فقه (5) يذكر بحول الله. # وقيل: إن قوله (6) تعالى: {ورهبانية ابتدعوها} معناه (7): أنهم تركوا ~~الحق، وأكلوا لحوم الخنازير، وشربوا الخمر، ولم يغتسلوا من جنابة، وتركوا ~~الختان، {فما رعوها} يعني: الطاعة والملة {حق رعايتها}، فالهاء راجعة إلى ~~غير مذكور، وهو الملة المفهوم (8) معناها من قوله: {وجعلنا في قلوب الذين ~~اتبعوه رأفة ورحمة}؛ لأنه يفهم منه أن ثم ملة متبعة؛ كما دل (9) قوله: {إذ ~~عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد *} (10) على معنى (11) الشمس، حتى عاد ~~عليها (12) الضمير في قوله تعالى: {حتى (13) توارت بالحجاب} (14)، وكان ~~المعنى على هذا القول: ما كتبناها عليهم على هذا (15) الوجه الذي فعلوه، ~~وإنما أمرناهم بالحق، فالبدعة فيه إذا حقيقية لا إضافية، وعلى كل تقدير، ~~فهذا الوجه هو الذي قال به أكثر العلماء، فلا نظر فيه بالنسبة إلى هذه ~~الأمة. PageV02P148 ### | ### | فصل # (1) # وخرج سعيد بن منصور (2) وإسماعيل القاضي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله ~~عنه أنه قال: أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم ~~الصيام، فدوموا على القيام إذ (3) فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناسا (4) من بني ~~إسرائيل (5) ابتدعوا بدعا لم يكتبها الله عليهم ابتغوا بها رضوان الله، فلم ~~يرعوها (6) حق رعايتها، فعاتبهم الله بتركها فقال: {ورهبانية ابتدعوها} إلى ~~آخر (7) الآية. # وفي رواية سعيد (8): فإن ناسا من بني ms262 إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضوان ~~الله، فلم يرعوها حق رعايتها، فعاتبهم الله بتركها، فتلا (9) هذه ~~PageV02P149 # الآية: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} (1) إلى آخر (2) الآية. # وهذا القول يقرب من قول بعض المفسرين في قوله: {فما رعوها حق رعايتها} ~~يريد أنهم قصروا فيها ولم يدوموا عليها. # قال بعض نقلة التفسير: وفي (3) هذا التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ ~~بتطوع ونفل، وأنه يلزمه (4) أن يرعاه (5) حق رعيه (6). # قال ابن العربي (7): وقد زاغ قوم (8) عن منهج الصواب، فظنوا (9) أنها ~~رهبانية كتبت (10) عليهم بعد أن التزموها. قال: وليس يخرج هذا من (11) ~~مضمون الكلام، ولا يعطيه أسلوبه ولا معناه، ولا يكتب على أحد شيء إلا بشرع ~~أو نذر. قال: وليس في هذا اختلاف بين أهل الملل، والله أعلم (12). # وهذا القول محتاج إلى النظر والتأمل إذا بنينا على (13) العمل على وفقه، ~~إذ أكثر العلماء على القول الأول، فإن هذه الملة لا بدعة فيها، ولا تحتمل ~~القول بجواز الابتداع بحال؛ للقطع بالدليل؛ إذ كل (14) بدعة ضلالة حسبما ~~تقدم (15) ، فالأصل أن يتبع الدليل، ولا عمل على خلافه. # ومع ذلك فلا نخلي بحول الله قول أبي أمامة رضي الله عنه من نظر صحيح (16) ~~على وفق الدليل الشرعي، وإن كان فيه بعد بالنسبة إلى ظاهر الأمر، وذلك أنه ~~عد عمل عمر رضي الله عنه في جمع الناس في PageV02P150 # المسجد (1) على قارئ واحد في رمضان بدعة؛ لقوله حين دخل المسجد وهم ~~يصلون: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل (2). # وقد مر أنه إنما سماها بدعة باعتبار ما، وأن قيام الإمام بالناس في ~~المسجد في رمضان سنة، عمل بها صاحب السنة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وإنما تركها خوفا من الافتراض (3)، فلما انقضى زمن الوحي زالت العلة فعاد ~~(4) العمل بها إلى نصابه، إلا أن ذلك لم يتأت لأبي بكر رضي الله تعالى عنه ~~زمان (5) خلافته؛ لمعارضة ما هو أولى بالنظر فيه، وكذلك صدر خلافة عمر رضي ~~الله عنه، حتى تأتى النظر فوقع منه ما علم (6)، لكنه صار في ظاهر الأمر ~~كأنه أمر ms263 لم يجر عليه (7) عمل من تقدمه دائما، فسماه بذلك الاسم، لا أنه ~~أمر على خلاف ما ثبت من السنة. # فكأن أبا أمامة رضي الله عنه اعتبر فيه نظر ترك (8) العمل به، فسماه ~~إحداثا، موافقة لتسمية عمر رضي الله عنه، ثم أمر بالمداومة عليه بناء على ~~ما فهم من هذه الآية من أن ترك الرعاية هو ترك الدوام، وأنهم قصدوا إلى (9) ~~التزام عمل ليس بمكتوب، بل هو مندوب، فلم يوفوا بمقتضى ما التزموه؛ لأن ~~الأخذ في التطوعات غير (10) اللازمة، ولا السنن الراتبة، يقع (11) على ~~وجهين: أحدهما أن تؤخذ على أصلها فيما استطاع الإنسان، فتارة ينشط لها ~~(12)، وتارة لا ينشط، أو يمكنه تارة بحسب العادة ولا يمكنه أخرى لمزاحمة ~~أشغال ونحوها، وما أشبه ذلك؛ كالرجل يكون PageV02P151 # له اليوم ما يتصدق به فيتصدق ولا يكون له ذلك غدا، أو يكون له إلا أنه لا ~~ينشط للعطاء، أو يرى إمساكه أصلح في عادته الجارية له، أو غير ذلك من ~~الأمور الطارئة للإنسان. فهذا الوجه لا حرج على أحد في ترك (1) التطوعات ~~كلها (2)، ولا عتب (3) ولا لوم عليه (4)، إذ لو كان ثم لوم أو عتب لم يكن ~~تطوعا، وهو خلاف الفرض. # والثاني: أن تؤخذ مأخذ الملتزمات، كالرجل يتخذ لنفسه وظيفة راتبة من عمل ~~صالح في وقت من الأوقات، كالتزام قيام حظ من الليل مثلا، أو صيام (5) يوم ~~بعينه لفضل ثبت فيه على الخصوص؛ كعاشوراء وعرفة (6)، أو يتخذ وظيفة من ذكر ~~الله بالغداة والعشي (7)، وما أشبه ذلك. فهذا الوجه أخذت فيه التطوعات مأخذ ~~الواجبات من وجه؛ لأنه لما نوى الدؤوب عليها في الاستطاعة، أشبهت الواجبات ~~أو السنن (8) الراتبة، كما أنه لما (9) كان ذلك الإيجاب غير لازم بالشرع لم ~~يصر واجبا؛ إذ تركه أصلا لا حرج فيه في الجملة؛ أعني ترك الالتزام. ونظيره ~~عندنا النوافل الراتبة بعد الصلوات، فإنها مستحبة في الأصل، ومن حيث صارت ~~رواتب أشبهت السنن والواجبات. # وهذا المعنى هو المفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم في الركعتين بعد ~~العصر حين (10) صلاهما فسئل عنهما، ms264 فقال: "يا ابنة أبي أمية! سألت عن ~~PageV02P152 # الركعتين بعد العصر؟ إنه (1) أتى ناس من عبد القيس (2) بالإسلام من ~~قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان" (3)؛ لأنه سئل ~~عن صلاته لهما بعد ما نهى عنهما، لأنه (4) صلى الله عليه وسلم كان يصليهما ~~بعد الظهر كالنوافل الراتبة، فلما فاتتاه صلاهما بعد وقتهما، كالقضاء لهما ~~حسبما يقضى الواجب. # فصار إذا (5) لهذا النوع من التطوع حالة بين حالتين، إلا أنه راجع إلى ~~خيرة المكلف، بحسب ما فهمنا من الشرع. وإذا كان كذلك فقد فهمنا من مقصود ~~الشرع أيضا الأخذ بالرفق والتيسير، وأن لا يلتزم (6) المكلف ما لعله يعجز ~~عنه أو يحرج (7) بالتزامه، فإن الالتزام (8) إن لم يبلغ مبلغ النذر (9) ~~الذي يكره ابتداء، فهو يقرب من العهد الذي يجعله الإنسان بينه وبين ربه، ~~والوفاء بالعهد مطلوب في الجملة، فصار الإخلال به مكروها. # والدليل على صحة الأخذ بالرفق والتيسير (10)، وأنه الأولى والأحرى وإن ~~كان الدوام على العمل أيضا مطلوبا عتيدا (11) في الكتاب والسنة (12): ~~{واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} (13) على ~~قول طائفة من المفسرين: أن (14) الكثير من الأمر واقع في التكاليف ~~الإسلامية. ومعنى PageV02P153 # "لعنتم": لحرجتم، ولدخلت عليكم المشقة، ودين الله لا حرج فيه: {ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان} بالتسهيل والتيسير {وزينه في قلوبكم} الآية. # وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة (1)، ووضع الإصر ~~والأغلال التي كانت على غيرهم (2). وقال الله تعالى في صفة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم: {عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (3)، وقال ~~تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (4)، وقال: {يريد الله أن ~~يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا *} (5). وسمى الله تعالى الأخذ بالتشديد على ~~النفس اعتداء، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا} (6) {إن الله لا يحب المعتدين} (7). PageV02P154 # ومن الأحاديث كثير؛ كمسألة الوصال. # ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نهاهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن الوصال ms265 رحمة لهم، قالوا: إنك تواصل! قال: "إني لست كهيئتكم، إني ~~أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" (1). # وعن أنس رضي الله عنه قال: واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر شهر ~~رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك فقال: "لو مد لنا الشهر لواصلنا ~~وصالا يدع (2) المتعمقون تعمقهم" (3). وهذا إنكار. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل! فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "وأيكم مثلي؟ إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" (4). ~~فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما، ثم يوما، ثم رأوا الهلال، ~~فقال: "لو تأخر الشهر لزدتكم"؛ كالمنكل حين أبوا أن ينتهوا (5). # ومن ذلك: مسألة قيام النبي صلى الله عليه وسلم بهم في رمضان (6)، فإنه ~~تركه مخافة (7) أن يفرض عليهم، فيعجزوا (8) عنه، فيقعوا في الإثم والحرج، ~~فكان ذلك رفقا منه بهم. # قال القاضي ابن الطيب (9): يحتمل أن يكون الله تعالى أوحى إليه أنه ~~PageV02P155 # إن واصل هذه الصلاة معهم فرضت (1) عليهم. # وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم (2). # وقد قيل: هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تخصوا يوم الجمعة ~~بصيام" (3). # وقال (4) المهلب (5): "وجهه: خشية أن يستمر عليه فيفرض". # وبهذا المعنى يجتمع النهي مع قول مالك رضي الله عنه في "الموطأ" (6)، ولا ~~يكون فيه إشكال. # ومن ذلك حديث الحولاء بنت تويت (7)؛ قالت عائشة رضي الله عنها: دخل علي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي امرأة، فقال: "من هذه؟ " فقلت: امرأة ~~لا تنام تصلي، فقال: "عليكم من الأعمال ما تطيقون" (8). # وفي لفظ (9): هذه الحولاء بنت تويت (10)، زعموا أنها لا تنام الليل (11)، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تنام الليل! خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله ~~لا يسأم الله حتى تسأموا". PageV02P156 # فأعاد لفظ: "لا تنام الليل" (1) منكرا ms266 عليها والله أعلم ، غير راض فعلها؛ ~~لما خافه عليها من الملل (2) والسآمة، أو تعطيل حق آكد (3). # ونحوه حديث أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المسجد وحبل ممدود بين ساريتين ، فقال: "ما هذا"؟! قالوا: حبل لزينب تصلي، ~~فإذا كسلت أو فترت أمسكت به. فقال: "حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو ~~فتر قعد". وفي رواية قال (4): "لا، حلوه" (5). # وعن عبد الله بن عمرو (6) رضي الله عنهما قال: بلغ النبي صلى الله عليه ~~وسلم أني أصوم أسرد، وأصلي الليل، فإما أرسل إلي، وإما لقيته، فقال: "ألم ~~أخبر أنك تصوم لا تفطر، وتصلي الليل؟ فلا تفعل؛ فإن لعينك حظا، ولنفسك حظا، ~~ولأهلك حظا، فصم وأفطر، وصل ونم ... "، الحديث (7). # وفي رواية (8) عن أبي سلمة (9) قال: حدثني عبد الله بن عمرو (10) بن ~~العاص رضي الله عنهما؛ قال: كنت أصوم الدهر، وأقرأ القرآن كل ليلة، قال ~~(11): فإما ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، وإما أرسل إلي، فأتيته فقال: ~~"ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة؟ " فقلت (12): بلى يا رسول ~~الله! ولم أرد بذلك (13) إلا الخير، قال: "فإن بحسبك (14) أن تصوم كل شهر ~~ثلاثة أيام"، فقلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك. قال: "فإن لزوجك ~~عليك حقا، ولزورك (15) عليك حقا، ولجسدك عليك حقا". قال: "فصم صوم داود نبي ~~الله، فإنه كان أعبد الناس". قال: فقلت: يا نبي الله! وما صوم داود؟ قال: ~~"كان يصوم يوما ويفطر يوما". قال: "واقرأ القرآن في كل شهر". قال: فقلت ~~(16): يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك. قال: "فاقرأه في كل عشرين". قال: ~~قلت: يا نبي الله! إني أطيق أفضل من ذلك. قال: (17) "فاقرأه في سبع، ولا ~~تزد على ذلك؛ فإن لزوجك عليك حقا، PageV02P157 # ولزورك (1) عليك حقا، ولجسدك عليك حقا". قال: فشددت فشدد (2) علي. قال: ~~وقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر". قال: ~~فصرت إلى الذي قال لي النبي صلى الله عليه وسلم. فلما ms267 كبرت وددت أني كنت ~~قبلت رخصة نبي الله صلى الله عليه وسلم. # وفي رواية (3) قال: "صم يوما وأفطر يوما، وذلك صيام داود، وهو أعدل ~~الصيام". قال: فقلت (4): فإني (5) أطيق أفضل من ذلك. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "لا أفضل من ذلك". قال عبد الله بن عمرو: لأن أكون قبلت ~~الثلاثة الأيام التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أهلي ~~ومالي. # وفي الترمذي (6) عن جابر رضي الله عنه قال: ذكر رجل عند PageV02P158 # رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة واجتهاد، وذكر عنده آخر بدعة (1)، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يعدل (2) بالدعة" (1). # والدعة (1) هنا: المراد بها (3): الرفق والتيسير. قال فيه الترمذي: "حسن ~~غريب" (4). # وعن أنس رضي الله عنه قال (5): جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا ~~كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد (6) غفر ~~الله له (7) ما تقدم من ذنبه (8) وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي ~~الليل أبدا، وقال الآخر: إني أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: إني أعتزل ~~النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أنتم ~~الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم ~~وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (9). # والأحاديث في هذا (10) المعنى كثيرة، وهي بجملتها تدل على الأخذ في ~~الأعمال بالتسهيل (11) والتيسير، وإنما يتصور ذلك على الوجه الأول من عدم ~~الالتزام، وإن تصور مع الالتزام فعلى جهة ما لا يشق الدوام فيه حسبما نفسره ~~(12) الآن. PageV02P159 ### | ### | فصل # # فأما إن التزم أحد ذلك (1) التزاما، فعلى أحد (2) وجهين: إما على جهة ~~النذر، وذلك مكروه ابتداء. ألا ترى إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ~~أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما (3) ينهانا عن النذر؛ يقول: "إنه لا ~~يرد شيئا، وإنما يستخرج به من الشحيح" (4). وفي ms268 رواية (5): "النذر لا يقدم ~~شيئا ولا يؤخره، وإنما يستخرج به من البخيل". وفي رواية (6) أخرى: أنه عليه ~~السلام نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" ~~(7)؟ # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (8): ~~"لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل" ~~(9). # وإنما ورد هذا الحديث والله أعلم تنبيها على عادة العرب في أنها كانت ~~تنذر: إن شفى الله مريضي فعلي صوم كذا، أو إن (10) قدم غائبي، أو إن أغناني ~~الله (11) فعلي صدقة كذا، فيقول: لا يغني من قدر الله PageV02P160 # شيئا، بل من قدر الله له المرض أو الصحة (1)، أو الغنى أو الفقر، أو غير ~~ذلك، فالنذر لا يوضع (2) سببا لغير ذلك (3)؛ كما وضعت صلة الرحم سببا في ~~الزيادة في العمر مثلا على الوجه الذي ذكره (4) العلماء، بل النذر وعدمه في ~~ذلك سواء، ولكن الله (5) يستخرج به من البخيل؛ بشرعية الوفاء به (6)؛ لقوله ~~تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} (7)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من ~~نذر أن يطيع الله فليطعه" (8)، وبه قال جماعة من العلماء، كمالك والشافعي ~~(9). # ووجه النهي: أنه من باب التشديد على النفس، وهو الذي تقدم الاستشهاد على ~~كراهيته. # وأما (10) على جهة الالتزام غير النذري (11)؛ فكأنه نوع من الوعد، ~~والوفاء بالعهد (12) مطلوب، فكأنه أوجب على نفسه ما لم يوجبه عليه الشرع، ~~فهو تشديد أيضا، وعليه يأتي ما تقدم في (13) حديث الثلاثة الذين أتوا ~~يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقولهم (14): أين نحن من النبي ~~صلى الله عليه وسلم؟ ... إلخ، وقال أحدهم (15): أما أنا (16) فأفعل كذا ... ~~إلى آخره (17). # ونحوه وقع في بعض الروايات: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: لأقومن الليل ولأصومن النهار ما عشت ~~(18). PageV02P161 # وليس بمعنى النذر؛ إذ لو كان كذلك لم يقل له: "صم من الشهر ثلاثة أيام"، ~~صم كذا، صم كذا (1)، ولقال له: أوف بنذرك؛ لأنه ms269 صلى الله عليه وسلم يقول ~~(2): "من نذر أن يطيع الله فليطعه" (3). # فأما الالتزام بالمعنى النذري، فلا بد من الوفاء به وجوبا لا ندبا على ما ~~قاله العلماء ، وجاء في الكتاب والسنة ما يدل عليه، وهو مذكور في كتب ~~الفقه، فلا نطول (4) به. # وأما بالمعنى الثاني: فالأدلة تقتضي الوفاء به في الجملة، ولكن لا تبلغ ~~مبلغ الإيجاب وإن بلغت (5) مبلغ العتاب على الترك (6)، حسبما دلت عليه ~~الآية (7) في مأخذ أبي أمامة (8) رضي الله عنه، فإنه لما نظر إلى ترتيب عمر ~~رضي الله عنه (9) للقيام في المسجد جماعة؛ كان ذلك بصورة النوافل (10) ~~الراتبة (11) المقتضية للدوام في القصد الأول، فأمرهم بالدوام (12) حتى لا ~~يكونوا كمن عاهد ثم لم يوف بعهده فيصير معاتبا، لكن هذا القسم على وجهين ~~(13): # الوجه (14) الأول: أن يكون في نفسه مما لا يطاق، أو مما فيه حرج ومشقة ~~(15) فادحة، أو يؤدي (16) إلى تضييع ما هو أولى، فهذه هي الرهبانية ~~PageV02P162 # التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: "من رغب عن سنتي فليس مني" (1)، ~~وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله. # والوجه (2) الثاني (3): أن لا يكون في الدخول فيه مشقة ولا حرج، ولكنه ~~عند الدوام عليه تلحق بسببه المشقة والحرج، أو تضييع ما هو آكد (4)، فهاهنا ~~أيضا يقع النهي ابتداء، وعليه دلت الأدلة المتقدمة، وجاء في بعض روايات ~~مسلم (5) تفسير ذلك حيث قال: فشددت فشدد علي، وقال لي النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر". # فتأملوا كيف اعتبر في التزام ما لا يلزم ابتداء: أن يكون بحيث لا يشق ~~عليه الدوام (6) إلى الموت! قال: فصرت إلى الذي قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلما كبرت وددت أني (7) كنت (8) قبلت رخصة نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وعلى ذلك المعنى (9) ينبغي أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ~~قتادة (10) رضي الله عنه: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما؟ قال: "ويطيق ذلك ~~أحد"؟ ثم قال في صيام (11) يوم (12) وإفطار يومين: "وددت أني طوقت ذلك". ms270 ~~فمعناه والله أعلم : "وددت أني طوقت الدوام عليه"، وإلا فقد كان يواصل ~~الصيام ويقول: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" (13). # وفي الصحيح: "كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم" ~~(14). PageV02P163 ### | ### | فصل # # إذا ثبت هذا: فالدخول في عمل على نية الالتزام له إن كان في المعتاد بحيث ~~إذا داوم عليه أورث ما لا ينبغي (1)، فلا ينبغي اعتقاد (2) هذا الالتزام؛ ~~لأنه (3) مكروه ابتداء، إذ هو مؤد إلى أمور جميعها منهي عنه: # أحدها: أن الله ورسوله أهدى إليه (4) في هذا الدين التسهيل والتيسير، ~~وهذا الملتزم يشبه من لم يقبل هديته، وذلك يضاهي ردها على مهديها، وهو غير ~~لائق بالمملوك مع سيده، فكيف يليق بالعبد مع ربه؟. # والثاني: خوف التقصير أو العجز عن القيام بما هو أولى وآكد في الشرع، وقد ~~قال (5) صلى الله عليه وسلم (6) إخبارا عن داود عليه السلام: "كان (7) يصوم ~~يوما ويفطر يوما، ولا يفر (8) إذا لاقى"، تنبيها على أنه لم يضعفه الصيام ~~عن لقاء العدو، فيفر أو يترك (9) الجهاد في مظان (10) تأكيده (11) بسبب ~~ضعفه. PageV02P164 # وقيل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إنك لتقل الصوم! فقال: إنه يشغلني ~~عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحب إلي منه (1). # ولذلك (2) كره مالك إحياء الليل كله، وقال: لعله يصبح مغلوبا، وفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أسوة (3). ثم قال: لا بأس به ما لم يضر بصلاة ~~الصبح (4). # وقد جاء في صيام (5) يوم عرفة أنه يكفر سنتين (6)، ثم إن الإفطار فيه ~~للحاج أفضل؛ لأنه قوة على الوقوف والدعاء، ولابن وهب في ذلك حكاية (7). ~~PageV02P165 # وقد جاء في الحديث: "إن لأهلك عليك حقا، ولزورك (1) عليك حقا، ولنفسك ~~عليك حقا" (2)، فإذا انقطع إلى عبادة لا تلزمه في الأصل، فربما أخل بشيء من ~~هذه الحقوق. # وعن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه؛ قال: آخى (3) رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء (4)، فرأى أم الدرداء ~~متبذلة، فقال: ما شأنك متبذلة؟ قالت: إن أخاك أبا الدرداء ms271 ليس (5) له حاجة ~~في الدنيا. قال: فلما جاء أبو الدرداء قرب إليه طعاما، فقال (6): كل فإني ~~صائم؛ قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو ~~الدرداء ليقوم، فقال له سلمان: نم، فنام ثم ذهب يقوم، فقال له: نم، فنام ~~(7)، فلما كان عند الصبح قال له سلمان: قم الآن، فقاما (8) فصليا، فقال ~~(9): إن لنفسك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولضيفك عليك حقا، وإن لأهلك (10) ~~عليك حقا، فأعط لكل ذي حق حقه. فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك ~~له، فقال: "صدق سلمان". قال الترمذي (11): "صحيح". # وهذا الحديث قد جمع التنبيه على حق الأهل بالوطء والاستمتاع، وما يرجع ~~إليه، والضيف بالخدمة والتأنيس والمواكلة وغيرها، والولد بالقيام عليهم ~~بالاكتساب والخدمة، والنفس بترك إدخال المشقات عليها، وحق الرب سبحانه ~~بجميع ما تقدم، وبوظائف أخر؛ فرائض ونوافل آكد مما هو فيه. PageV02P166 # والواجب أن يعطى كل (1) ذي حق حقه، وإذا التزم الإنسان أمرا من الأمور ~~المندوبة، أو أمرين، أو ثلاثة، فقد يصده ذلك عن القيام بغيرها، أو عن ~~إكماله (2) على وجهه، فيكون ملوما. # والثالث: خوف كراهية النفس لذلك العمل الملتزم؛ لأنه قد فرض (3) من جنس ~~ما يشق الدوام عليه، فبدخول (4) المشقة لا يقرب (5) من وقت العمل إلا ~~والنفس تشمئز منه، وتود لو لم تعمل، أو تتمنى لو لم تلتزم، وإلى هذا المعنى ~~يشير حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم (6) ~~عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" (7). فشبه الموغل ~~بالعنف بالمنبت؛ وهو المنقطع في بعض الطريق تعنيفا على الظهر وهو المركوب ~~حتى وقف فلم يقدر على السير، ولو رفق بدابته (8) لوصل إلى رأس المسافة. ~~PageV02P167 # فكذلك الإنسان عمره مسافة، والغاية الموت، ودابته نفسه، فكما هو مطلوب ~~بالرفق على الدابة حتى يصل بها، فكذلك هو مطلوب بالرفق (1) بنفسه حتى يسهل ~~عليها قطع مسافة العمر؛ بحمل التكليف، فنهى في الحديث عن التسبب ms272 في تبغيض ~~العبادة للنفس، وما نهى الشرع عنه لا يكون حسنا. # وخرج الطبري (2) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {يا ~~أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا *} {وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا *}: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ومعاذا فقال: ~~"انطلقا فبشرا، ويسرا ولا تعسرا، فإني قد أنزلت علي: {يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا *وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا *}. # وخرج مسلم (3) عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، عن جده: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعثه ومعاذا إلى اليمن، فقال: "بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، ~~وتطاوعا ولا تختلفا". # وعنه (4): أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث أحدا من أصحابه في ~~بعض أمره قال: "بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا"، وهذا نهي عن التعسير ~~الذي التزام (5) الحرج في التعبد نوع منه. PageV02P168 # وفي الطبري (1) عن جابر بن عبد الله (2) قال: مر النبي صلى الله عليه ~~وسلم على رجل يصلي على صخرة بمكة، فأتى ناحية مكة، فمكث مليا، ثم انصرف ~~فوجد الرجل يصلي على حاله، فقال: "يا أيها (3) الناس! عليكم بالقصد والقسط ~~ثلاثا ، فإن الله لا يمل (4) حتى تملوا". # وعن بريدة الأسلمي (5): أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي، ~~فقال: "من PageV02P169 # هذا؟ " فقلت: هذا فلان، فذكرت من عبادته وصلاته، فقال: "إن خير دينكم ~~أيسره" (1). # وهذا مشعر بعدم الرضا بتلك الحالة، وإنما ذلك مخافة الكراهية للعمل، ~~وكراهية العمل مظنة الترك (2) الذي هو مكروه لمن ألزم نفسه لأجل نقض العهد، ~~وهو الوجه الرابع. # وقد مر في الوجه الثالث ما يدل عليه، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن ~~المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى" مع قوله: "ولا تبغضوا إلى أنفسكم (3) ~~عبادة الله (4) " يدل على أن بغض العمل وكراهيته مظنة الانقطاع، ولذلك مثل ~~صلى الله عليه وسلم بالمنبت وهو المنقطع (5) عن استيفاء المسافة ، وهو الذي ~~دل عليه قول الله تعالى: {فما رعوها حق رعايتها} على التفسير المذكور. # والخامس: ms273 الخوف من الدخول تحت الغلو في الدين، فإن الغلو هو المبالغة في ~~الأمر، ومجاوزة الحد فيه إلى حيز الإسراف، وقد دل عليه مما تقدم أشياء، حيث ~~قال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس! عليكم بالقصد (6) ... "، الحديث ~~(7). # وقال الله عز وجل: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} (8). # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله (ص) غداة العقبة: ~~"القط (9) لي حصيات (10) من حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده (11) قال: ~~"بأمثال هؤلاء (12)، إياكم والغلو في الدين! فإنما هلك من PageV02P170 # كان قبلكم بالغلو في الدين (1) ". # فأشار إلى أن الآية في النهي عن الغلو يشتمل معناها على كل ما هو (2) غلو ~~وإفراط، وأكثر هذه الأحاديث المقيدة آنفا، خرجها (3) الطبري (4). # وخرج أيضا (5) عن يحيى بن جعدة؛ قال: "كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع ~~العمل وأنت تحبه، عمل دائم وإن قل (6) ". # وأتى معاذا رجل فقال: أوصني؛ قال: أمطيعني أنت؟ قال: نعم؛ قال (7): صل ~~ونم، وصم وأفطر (8)، واكتسب، ولا تأت الله إلا وأنت مسلم، وإياك ودعوة ~~المظلوم! (9). PageV02P171 # وعن إسحاق بن سويد (1) قال: تعبد عبد الله (2) بن مطرف، فقال له مطرف ~~(3): "يا عبد الله! العلم أفضل من العمل، والحسنة بين السيئتين، وخير ~~الأمور أوسطها، وشر السير الحقحقة (4) ". # ومعنى قوله: "الحسنة بين السيئتين": أن الحسنة هي القصد والعدل، ~~والسيئتان (5): مجاوزة الحد والتقصير، وهو الذي دل على معناه قول الله ~~تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ... } الآية ~~(6)، وقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ... } الآية (7). ~~ومعنى الحقحقة: أرفع السير، وأتعبه للظهر (8)، وهو راجع إلى الغلو ~~والإفراط. PageV02P172 # ونحوه عن يزيد بن مرة الجعفي قال: "العلم خير من العمل، والحسنة بين ~~السيئتين" (1). # وعن كعب الأحبار (2): إن هذا الدين متين فلا تقذر (3) إليك دين الله، ~~وأوغل برفق، فإن المنبت لم يقطع بعدا ولم يستبق ظهرا، اعمل (4) عمل المرء ~~الذي يرى أنه لا يموت إلا هرما (5)، واحذر حذر المرء الذي يرى أنه يموت ~~غدا. # وخرج ابن وهب نحوه عن عبد الله بن عمرو ms274 (6) بن العاص (7). PageV02P173 # وهذه إشارة إلى الأخذ بالعمل الذي يقتضي المداومة عليه من غير حرج. # وعن عمير (1) بن إسحاق قال (2): لمن (3) أدركت من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قوما أيسر سيرة، ولا أقل ~~تشديدا منهم (4). # وقال الحسن: دين الله وضع فوق التقصير ودون الغلو (5). # والأدلة في هذا المعنى كثيرة (6)، جميعها راجع إلى أنه لا حرج في الدين. ~~والحرج كما ينطلق على الحرج الحالي كالشروع في عبادة شاقة في نفسها ، كذلك ~~ينطلق على الحرج المآلي (7)؛ إذا (8) كان الحرج لازما مع الدوام؛ كقصة عبد ~~الله بن عمرو (9) رضي الله عنهما، وغير ذلك (10) مما تقدم. مع أن الدوام ~~مطلوب حسبما اقتضاه قول أبي أمامة (11) PageV02P174 # رضي الله عنه في قوله تعالى: {فما رعوها حق رعايتها}، وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "أحب العمل إلى الله ما داوم (1) عليه صاحبه وإن قل (2) ". ~~فلذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا أثبته (3)، حتى قضى ركعتي (4) ~~ما بعد الظهر (5) بعد العصر (6). # هذا وإن (7) كان العامل لا ينوي الدوام فيه، فكيف به (8) إذا عقد في نيته ~~أن لا يتركه؟ فهو أحرى بطلب الدوام، فلذلك (9) قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعبد الله بن عمرو (10): "يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم ~~الليل فترك قيام الليل"، وهو حديث صحيح (11). فنهاه صلى الله عليه وسلم أن ~~يكون مثل فلان، وهو ظاهر في كراهيته للترك (12) من ذلك الفلان (13) وغيره. # فالحاصل: أن هذا القسم الذي هو مظنة للمشقة عند الدوام: مطلوب الترك لعلة ~~أكثرية يفهم (14) عند تقريرها (15) أنها إذا فقدت زال طلب الترك، وإذا ~~ارتفع طلب الترك رجع إلى أصل العمل؛ وهو طلب الفعل. # فالداخل فيه على التزام شرطه داخل في مكروه ابتداء من وجه؛ لإمكان عدم ~~الوفاء بالشرط، وفي مندوب (16) إليه حملا على ظاهر العزيمة على الوفاء. # فمن حيث الندب أمره الشارع بالوفاء؛ ومن حيث الكراهية كره له أن يدخل ~~فيه. PageV02P175 # وحين صارت الكراهية (1) هي المقدمة كان دخوله في العمل بقصد ms275 (2) القربة ~~يشبه الدخول فيه بغير أمر، فأشبه المبتدع الداخل في عبادة غير مأمور بها. ~~فقد يستسهل بهذا (3) الاعتبار إطلاق البدعة عليها كما استسهله أبو أمامة ~~رضي الله عنه (4). # ومن حيث كان العمل مأمورا به ابتداء قبل النظر في المآل، أو مع قطع النظر ~~عن المشقة، أو مع اعتقاد الوفاء بالشرط: أشبه صاحبه من دخل في نافلة قصدا ~~للتعبد بها، وذلك صحيح جار على مقتضى أدلة الندب، ولذلك أمر بعد الدخول فيه ~~بالوفاء، كان نذرا أو التزاما بالقلب غير نذر، ولو كان بدعة داخلة في حد ~~البدعة لم يؤمر بالوفاء، ولكان عمله باطلا. # ولذلك جاء في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في ~~الشمس، فقال: "ما بال هذا؟ " فقالوا: نذر أن لا يستظل، ولا يتكلم، ولا ~~يجلس، ويصوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مره (5) فليجلس وليتكلم ~~ويستظل (6)، وليتم صيامه" (7). # فأنت ترى كيف أبطل عليه التعبد (8) بما ليس بمشروع البتة (9)، وأمره ~~بالوفاء بما هو مشروع في الأصل، فلولا أن للفرق (10) بينهما معنى لم يكن ~~للتفرقة بينهما معنى مفهوم. وأيضا فإذا كان الداخل مأمورا بالدوام لزم من ~~ذلك أن يكون الدخول طاعة، بلا بد (11)؛ لأن المباح فضلا عن المكروه والمحرم ~~لا يؤمر بالدوام عليه، ولا نظير لذلك في الشريعة. وعليه PageV02P176 # يدل (1) قوله صلى الله عليه وسلم: "من نذر أن يطيع الله فليطعه (2) "، ~~ولأن الله مدح من أوفى بنذره في قوله سبحانه: {يوفون بالنذر} (3) في معرض ~~المدح وترتيب (4) الجزاء الحسن، وفي آية الحديد: {فآتينا الذين آمنوا منهم ~~أجرهم} (5)، ولا يكون الأجر إلا على مطلوب شرعا. # فتأملوا هذا المعنى فهو الذي يجري عليه عمل السلف الصالح رضي الله عنهم ~~بمقتضى الأدلة، وبه يرتفع إشكال التعارض الظاهر لبادي الرأي، حتى تنتظم ~~الآيات والأحاديث وسير من تقدم، والحمد لله. # غير أنه يبقى بعد هذا (6) إشكالان قويان، بالنظر (7) في الجواب عنهما ~~ينتظم معنى المسألة على تمامه بحول الله (8)، فلنعقد في كل إشكال فصلا. ~~PageV02P177 ### | ### | فصل # # الإشكال الأول # إن ما تقدم من ms276 الأدلة على كراهية الالتزامات التي يشق دوامها معارض بما ~~دل على خلافه. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تورمت قدماه، ~~فيقال له: أو ليس قد غفر الله لك (1) ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: ~~"أفلا أكون عبدا شكورا (2)؟ " ويظل في (3) اليوم الطويل في الحر الشديد ~~صائما (4)، وكان صلى الله عليه وسلم يواصل الصيام ويبيت عند ربه يطعمه ~~ويسقيه (5)، ونحو ذلك من اجتهاده في عبادة ربه. وفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أسوة حسنة، ونحن مأمورون بالتأسي به. # فإن أبيتم هذا الدليل بسبب أنه صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بهذه ~~القضية، ولذلك كان ربه يطعمه ويسقيه، وكان يطيق من العمل ما لا تطيقه أمته، ~~فما قولكم فيما ثبت من ذلك عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين العارفين ~~بتلك الأدلة التي استدللتم بها على الكراهية؟ حتى إن بعضهم قعد من رجليه ~~(6) من كثرة التنفل (7)، وصارت جبهة بعضهم كركبة PageV02P178 # البعير (1) من كثرة السجود. # وجاء عن عثمان بن عفان (2) رضي الله عنه أنه كان إذا صلى العشاء أوتر ~~بركعة يقرأ فيها القرآن كله (3)، وكم من رجل صلى الصبح بوضوء العشاء كذا ~~وكذا (4) سنة؟! وسرد الصيام (5) كذا وكذا (6) سنة (7)؟! وكانوا هم العارفين ~~بالسنة لا يميلون عنها لحظة. # وروي عن ابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم أنهما كانا يواصلان (8) ~~الصيام (9)، PageV02P179 # وأجاز مالك (1) وهو إمام في الاقتداء صيام الدهر (2)؛ يعني إذا أفطر أيام ~~الأضحى والفطر، وحمل النهي في ذلك على أن المراد إذا لم يفطر أيام (3) ~~العيد. # ومما (4) يحكى عن أويس القرني رضي الله عنه: أنه كان يقوم ليله حتى يصبح، ~~ويقول: بلغني أن لله عبادا قياما أبدا، ثم يركع أخرى حتى يصبح، ثم يقول: ~~بلغني أن لله عبادا ركوعا أبدا، ثم يسجد ليله حتى يصبح، ويقول: بلغني أن ~~لله عبادا (5) سجودا أبدا (6)، PageV02P180 # ويريد (1) أنه يتنفل بالصلاة، فتارة يطول فيها القيام، وتارة الركوع، ~~وتارة السجود. # وعن الأسود بن يزيد أنه كان يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى يخضر جسده ~~ويصفر، ms277 فكان علقمة يقول له: ويحك! لم تعذب هذا الجسد؟ فيقول: إن الأمر جد، ~~إن الأمر (2) جد (3). PageV02P181 # وعن أنس بن سيرين (1): أن امرأة مسروق قالت: كان يصلي حتى تورمت قدماه، ~~فربما جلست خلفه أبكي مما أراه يصنع بنفسه (2). # وعن الشعبي (3)؛ قال: غشي على مسروق في يوم صائف وهو PageV02P182 # صائم، فقالت له ابنته: أفطر؛ قال: ما أردت بي؟ قالت: الرفق؛ قال: يا ~~بنية! إنما طلبت الرفق لنفسي (1) في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (2). # وعن الربيع بن خثيم أنه قال: أتيت أويسا (3) القرني فوجدته قد صلى الصبح ~~وقعد، فقلت: لا أشغله عن التسبيح، فلما كان وقت الصلاة قام فصلى إلى الظهر، ~~فلما صلى الظهر صلى إلى العصر، فلما صلى العصر قعد يذكر الله إلى المغرب، ~~فلما صلى المغرب صلى إلى العشاء، فلما صلى العشاء صلى إلى الصبح، فلما صلى ~~الصبح جلس فأخذته عينه، ثم انتبه (4) فسمعته يقول: اللهم إني أعوذ بك من ~~عين نوامة، وبطن لا يشبع (5) (6). # والآثار في هذا (7) المعنى كثيرة عن الأولين، وهي تدل على الأخذ بما هو ~~شاق في الدوام، ولم يعدهم أحد بذلك مخالفين للسنة، بل عدوهم من السابقين، ~~جعلنا الله منهم. PageV02P183 # وأيضا فإن النهي ليس عن العبادة المطلوبة، بل هو (1) عن الغلو فيها غلوا ~~يدخل المشقة على العامل، فإذا فرضنا من فقدت في حقه تلك العلة، فلا ينتهض ~~النهي في حقه، كما إذا قال الشارع: لا يقض القاضي وهو غضبان (2) وكانت علة ~~النهي تشويش الفكر عن استيفاء الحجج ، اطرد النهي مع كل مشوش، وانتفى عند ~~انتفائه، حتى إنه منتف مع وجود الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء ~~الحجج. وهذا صحيح جار على الأصول. # وحال من فقدت في حقه العلة حال من يعمل بحكم غلبة الخوف أو الرجاء أو ~~المحبة، فإن الخوف سوط سائق (3)، والرجاء حاد قائد، والمحبة سيل (4) حامل. ~~فالخائف إن وجد المشقة فالخوف مما هو أشق يحمله على الصبر على ما هو أهون، ~~وإن كان العمل (5) شاقا. والراجي يعمل وإن (6) وجد المشقة؛ لأن رجاء الراحة ms278 ~~التامة يحمله على الصبر على بعض التعب. والمحب يعمل ببذل المجهود شوقا إلى ~~المحبوب، فيسهل عليه الصعب، ويقرب عليه البعيد، ويفنى القوى (7)، ولا يرى ~~أنه أوفى بعهد المحبة، ولا قام بشكر النعمة، ويعمر الأنفاس ولا يرى أنه قضى ~~نهمته (8). # وإذا كان كذلك صح الجمع بين الأدلة، وجاز الدخول في العمل التزاما مع ~~الإيغال فيه، إما مطلقا، وإما مع ظن انتفاء العلة، وإن دخلت المشقة فيما ~~بعد، إذا صح من (9) العامل الدوام على العمل، ويكون ذلك PageV02P184 # جاريا على مقتضى الأدلة وعمل السلف الصالح رضي الله عنهم. # والجواب: أن ما تقدم من أدلة النهي صحيح صريح، وما نقل عن الأولين من ~~الإيغال (1) يحتمل ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يحمل على (2) أنهم إنما عملوا على التوسط، الذي هو مظنة ~~الدوام، فلم يلزموا أنفسهم ما لعله (3) يدخل عليهم المشقة حتى يتركوا بسببه ~~ما هو أولى، أو يتركوا العمل، أو يبغضوه لثقله على أنفسهم، بل التزموا ما ~~كان على النفوس سهلا في حقهم، فإنما طلبوا اليسر لا العسر، وهو الذي كان ~~حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحال من تقدم النقل عنه من المتقدمين ~~بناء على أنهم إنما عملوا بمحض السنة والطريقة العامة لجميع المكلفين، وهذه ~~طريقة الطبري في الجواب. وما تقدم في السؤال مما يظهر منه خلاف ذلك فقضايا ~~أحوال يمكن حملها على وجه صحيح، إذا ثبت أن العامل ممن يقتدى به. # والثاني: يحتمل أن يكونوا (4) عملوا على المبالغة فيما استطاعوا، لكن على ~~غير جهة (5) الالتزام، لا بنذر ولا غيره، وقد يدخل الإنسان في أعمال (6) ~~يشق الدوام عليها (7)، ولا يشق في الحال، فيغتنم نشاطه في حاله خاصة، غير ~~ناظر فيها (8) فيما يأتي، ويكون فيه جاريا (9) على أصل رفع الحرج، حتى إذا ~~لم يستطعه تركه ولا حرج عليه؛ لأن المندوب لا حرج في تركه في الجملة. # ويشعر بهذا المعنى: ما في الحديث (10) عن عائشة رضي الله عنها ~~PageV02P185 # قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر ~~حتى نقول: لا يصوم، ms279 وما رأيته استكمل صيام شهر قط إلا رمضان ... ، الحديث ~~(1). # فتأملوا وجه اعتبار النشاط والفراغ (2) من الحقوق المتعلقة، أو القوة في ~~الأعمال. وكذلك قوله (3) في صيام يوم وإفطار يومين : "ليتني طوقت ذلك" (4): ~~إنما يريد والله أعلم (5) المداومة؛ لأنه قد (6) كان يوالي الصيام حتى ~~يقولوا: لا يفطر. # ولا يعترض هذا المأخذ بقوله صلى الله عليه وسلم: "أحب العمل إلى الله ما ~~داوم (7) عليه صاحبه وإن قل" (8)، وأنه (9) كان عمله ديمة (10)؛ لأنه محمول ~~على العمل الذي يشق (11) فيه الدوام. # وأما ما نقل عنهم من إدامة (12) صلاة الصبح بوضوء العشاء، وقيام جميع ~~الليل، وصيام الدهر، ونحوه، فيحتمل أن يكون على الشرط المذكور، وهو أن لا ~~يلتزم ذلك. وإنما يدخل في العمل حالا يغتنم نشاطه، فإذا أتى زمان آخر وجد ~~فيه النشاط أيضا، ولم (13) يخل بما هو أولى، عمل به (14) كذلك، فيتفق أن ~~يدوم له (15) هذا النشاط زمانا طويلا، وفي كل حالة هو في فسحة الترك، لكنه ~~ينتهز (16) الفرصة مع الأوقات، فلا بعد في أن يصحبه النشاط إلى آخر العمر، ~~فيظنه (17) الظان التزاما PageV02P186 # وليس بالتزام. وهذا (1) صحيح، ولاسيما (2) مع سائق (3) الخوف، أو حادي ~~الرجاء، أو حامل المحبة، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "وجعلت قرة ~~عيني في الصلاة" (4). PageV02P187 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P188 # فلذلك (1) قام صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه (2)، وامتثل أمر ربه ~~في قوله تعالى: PageV02P189 # {قم الليل إلا قليلا *} (1) الآية، والله أعلم (2). # والثالث: أن دخول المشقة وعدمه على المكلف في الدوام أو غيره ليس أمرا ~~منضبطا، بل هو إضافي يختلف (3) بحسب اختلاف الناس في قوة أجسامهم، أو في ~~(4) قوة عزائمهم، أو في قوة يقينهم، أو نحو ذلك من أوصاف أجسامهم وأنفسهم ~~(5)، فقد يختلف العمل الواحد بالنسبة إلى رجلين؛ لأن أحدهما أقوى جسما، أو ~~أقوى عزيمة، أو يقينا بالموعود، والمشقة قد تضعف بالنسبة إلى قوة هذه ~~الأمور وأشباهها، وتقوى (6) مع ضعفها. # فنحن نقول: كل عمل يشق الدوام على مثله (7) بالنسبة إلى زيد فهو منهي ~~عنه، ولا يشق على عمرو فلا ينهى عنه. فنحن نحمل ما داوم عليه ms280 الأولون من ~~الأعمال على أنه لم يكن شاقا عليهم؛ وإن كان ما هو أقل منه شاقا علينا، ~~فليس عمل مثلهم بما عملوا به حجة لنا أن ندخل فيما دخلوا فيه، إلا بشرط أن ~~يتحد (8) مناط المسألة فيما بيننا وبينهم، وهو أن يكون ذلك العمل لا يشق ~~الدوام على مثله علينا (9). # وليس كلامنا في هذا لمشاهدة (10) الجميع، فإن التوسط والأخذ بالرفق (11) ~~هو الأحرى (12) بالجميع، وهو الذي دلت عليه الأدلة، دون الإيغال الذي لا ~~يسهل مثله على جميع الخلق ولا أكثرهم، بل (13) على القليل النادر منهم. ~~PageV02P190 # والشاهد لصحة هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إني لست كهيئتكم، إني ~~أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" (1)، يريد صلى الله عليه وسلم: أنه لا يشق ~~عليه الوصال، ولا يمنعه عن قضاء حق الله وحقوق الخلق. فعلى هذا: من رزق ~~أنموذجا مما أعطيه صلى الله عليه وسلم فصار يوغل في العمل مع قوته ونشاطه ~~وخفة العمل عليه، فلا حرج. # وأما رده صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن عمرو (2): فيمكن أن يكون ~~شهد بأنه لا يطيق الدوام، ولذلك وقع له ما كان متوقعا، حتى قال: ليتني قبلت ~~رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون عمل ابن الزبير وابن عمر (3) ~~وغيرهما في الوصال جاريا على أنهم أعطوا حظا مما أعطيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا بناء على أصل مذكور في كتاب "الموافقات" (4) والحمد لله. ~~وإذا كان كذلك لم يكن في العمل المنقول عن السلف مخالفة لما سبق. ~~PageV02P191 ### | ### | فصل # # لكن يبقى النظر في تعليل النهي، وأنه يقتضي انتفاءه عند انتفاء العلة، ~~وما ذكروه فيه صحيح في الجملة، وفيه في التفصيل نظر. وذلك أن العلة راجعة ~~إلى أمرين: أحدهما: الخوف من الانقطاع والترك إذا التزم الدوام (1) فيما ~~يشق فيه الدوام، والآخر: الخوف (2) من التقصير فيما هو آكد (3) من حق الله ~~وحقوق الخلق. # أما الأول: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصل فيه أصلا راجعا إلى ~~قاعدة معلومة لا مظنونة، وهي (4): بيان أن ms281 العمل المورث للحرج عند الدوام ~~منفي عن الشريعة، كما أن أصل الحرج منفي عنها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم بعث ~~بالحنيفية السمحة (5)، ولا سماح مع دخول الحرج. فكل من ألزم نفسه ما يلقاه ~~(6) فيه الحرج فقد خرج (7) عن الاعتدال في حق نفسه، وصار إدخاله للحرج على ~~نفسه من تلقاء نفسه، لا من الشارع؛ فإن دخل في العمل على شرط الوفاء؛ فإن ~~وفى (8) فحسن بعد الوقوع، إذ قد ظهر أن ذلك العمل إما غير شاق؛ لأنه قد أتى ~~به بشرطه، وإما شاق صبر عليه فلم يوف النفس حقها من الرفق، وسيأتي. # وإن لم يوف، فكأنه نقض عهد الله وهو شديد، فلو بقي على أصل براءة الذمة ~~من الالتزام لم يدخل عليه ما يتقى منه. PageV02P192 # لكن لقائل أن يقول: إن النهي هاهنا معلل (1) بالرفق الراجع إلى العامل؛ ~~كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الوصال رحمة بهم" (2)، فكأنه قد اعتبر حظ النفس في التعبد، فقيل له: افعل ~~واترك؛ أي: لا تتكلف ما يشق عليك، كما لم تكلف (3) في الفرائض ما يشق عليك؛ ~~لأن الله إنما وضع الفرائض على العباد على وجه من التيسير مشترك للقوي (4) ~~والضعيف، والصغير والكبير، والحر والعبد، والرجل والمرأة، حتى إذا كان بعض ~~الفرائض يدخل الحرج على المكلف أسقط (5) عنه جملة أو عوض (6) عنه ما لا حرج ~~فيه، كذلك النوافل المتكلم فيها. # وإذا روعي حظ النفس: فقد صار الأمر في الإيغال إلى العامل، فله أن لا ~~يمكنها من حظها، وأن (7) يستعملها (8) فيما قد يشق عليها بالدوام، بناء على ~~القاعدة المؤصلة في أصول "الموافقات" (9) في إسقاط الحظوظ، فلا يكون إذا ~~منهيا على ذلك التقدير . فكما يجب على الإنسان حق لغيره ما دام طالبا له، ~~وله الخيرة في ترك الطلب به فيرتفع الوجوب، كذلك جاء النهي حفظا على حظوظ ~~النفوس (10)، فإذا أسقطها صاحبها زال النهي، ورجع العمل إلى أصل الندب. # والجواب: أن حظوظ النفوس بالنسبة إلى الطلب بها قد يقال: إنه من حقوق ms282 ~~الله على العباد، وقد يقال: إنه من حقوق العباد. فإن قلنا: إنه PageV02P193 # من حقوق الله (1) فلا ينهض ما قلتم؛ إذ ليس للمكلف خيرة فيه. فكما أنه ~~متعبد بالرفق بغيره، كذلك هو مكلف بالرفق بنفسه، ودل على ذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم (2): "إن لنفسك عليك حقا ... " (3)، إلى آخر الحديث. فقرن حق ~~النفس بحق الغير في الطلب في (4) قوله: "فأعط كل ذي حق حقه"، ثم جعل ذلك ~~حقا من الحقوق. # ولا يطلق هذا اللفظ إلا على ما كان لازما. ويدل عليه: أنه لا يحل للإنسان ~~أن يبيح لنفسه ولا لغيره دمه، ولا قطع طرف من أطرافه، ولا إيلامه بشيء من ~~الآلام. ومن فعل ذلك أثم واستحق العقاب، وهو ظاهر. # وإن قلنا: إنه من حق العبد وراجع إلى خيرته، فليس ذلك على الإطلاق؛ إذ قد ~~تبين في الأصول أن حقوق العباد ليست مجردة من حق الله. # والدليل على ذلك فيما نحن فيه : أنه لو كان إلى خيرتنا بإطلاق لم يقع ~~النهي فيه علينا، بل كنا نخير فيه ابتداء، وإلى ذلك؛ فإنه لو كان لخيرة (5) ~~المكلف محضا؛ لجاز للناذر لعبادة (6) أن يتركها متى شاء ويفعلها متى شاء. # وقد اتفق الأئمة على وجوب الوفاء بالنذر، فيجري ما أشبهه (7) مجراه. ~~وأيضا فقد فهمنا من الشرع أنه حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، ومن جملة ~~التزيين: تشريعه على وجه يستحسن الدخول فيه، ولا يكون هذا مع شرعية ~~المشقات. وإذا كان الإيغال في الأعمال من شأنه في العادة أن يورث الكلل (8) ~~والكراهية والانقطاع الذي هو كالضد لتحبيب الإيمان PageV02P194 # وتزيينه في القلوب (1) ، كان مكروها؛ لأنه على خلاف وضع الشريعة، فلم ~~ينبغ أن يدخل فيه على ذلك الوجه. # وأما (2) الثاني: فإن الحقوق المتعلقة بالمكلف على أصناف كثيرة، وأحكامها ~~تختلف حسبما تعطيه أصول الأدلة، ومن المعلوم أنه إذا تعارض على المكلف حقان ~~ولم يمكن الجمع بينهما، فلا بد من تقديم ما هو آكد في مقتضى الدليل. فلو ~~تعارض على المكلف واجب ومندوب لقدم الواجب على المندوب، وصار المندوب في ~~ذلك ms283 الوقت غير مندوب، بل صار واجب الترك عقلا أو شرعا؛ من باب "ما لا يتم ~~الواجب إلا به". # وإذا صار واجب الترك، فكيف يصير العامل به إذ ذاك متعبدا لله (3) به، بل ~~هو متعبد بمطلوب الترك في الجملة، فأشبه التعبد بالبدعة من هذا الوجه، ~~ولكنه مع ذلك متعبد (4) بما هو مطلوب في أصول الأدلة؛ لأن دليل الندب عتيد، ~~ولكنه عرض فيه (5) بالنسبة إلى هذا المتعبد (6) مانع من العمل به، وهو حضور ~~الواجب، فإن عمل بالواجب فلا حرج في ترك المندوب على الجملة، إلا أنه غير ~~مخلص من جهة ذلك الالتزام المتقدم، وقد مر ما فيه. وإن عمل بالمندوب عصى ~~بترك الواجب. # ويبقى (7) النظر في المندوب: هل وقع موقعه من الندب أم لا؟ فإن قلنا (8): ~~إن ترك المندوب هنا واجب عقلا، فقد ينهض المندوب سببا للثواب مع ما فيه؛ من ~~كونه مانعا من أداء الواجب. وإن قلنا (9): إنه واجب شرعا، بعد من انتهاضه ~~سببا للثواب إلا على وجه ما، وفيه أيضا ما فيه. # فأنت ترى ما في التزام النوافل على كل تقدير فرض (10) إذا كان ~~PageV02P195 # مؤديا للحرج (1)، وهذا كله إذا كان الالتزام صادا عن الوفاء بالواجبات ~~مباشرة، قصدا أو غير قصد، ويدخل فيه ما في حديث سلمان مع أبي الدرداء رضي ~~الله عنهما (2)، إذ كان التزام قيام الليل مانعا له من أداء حق (3) الزوجة؛ ~~من الاستمتاع الواجب عليه في الجملة، وكذلك التزام صيام النهار. # ومثله لو كان التزام صلاة الضحى أو غيرها من النوافل مخلا بقيامه على ~~مريضه المشرف، أو القيام (4) على إعانة أهله بالقوت، أو ما أشبه (5) ذلك. ~~ويجري مجراه وإن لم يكن في رتبته : أن لو كان ذلك الالتزام يفضي به إلى ضعف ~~بدنه، أو نهك (6) قواه، حتى لا يقدر على الاكتساب على أهله (7)، أو أداء ~~فرائضه على وجهها، أو الجهاد، أو طلب العلم، كما نبه عليه حديث داود عليه ~~السلام (8): أنه كان يصوم يوما ويفطر يوما (9)، ولا يفر إذا لاقى. # وقد جاء في مفروض الصيام في السفر من ms284 التخيير ما جاء، ثم إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: "إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى ~~لكم". قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: فأصبحنا منا الصائم ومنا المفطر. ~~قال: ثم سرنا فنزلنا منزلا، فقال: "إنكم تصبحون عدوكم والفطر أقوى لكم، ~~فأفطروا". قال: فكانت عزيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم (10). # وهذه إشارة إلى أن الصيام ربما أضعف عن ملاقاة العدو وعمل الجهاد، فصيام ~~النفل أولى بهذا الحكم. PageV02P196 # وعن (1) جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يظلل ~~عليه، والزحام عليه، فقال: "ليس من البر الصيام في السفر" (2)؛ يعني: أن ~~الصيام في السفر وإن كان واجبا، ليس برا (3)، إذا بلغ به الإنسان إلى (4) ~~ذلك الحد، مع وجود الرخصة. فالرخصة إذا مطلوبة في مثله، بحيث تصير به (5) ~~آكد من أداء الواجب، فما ليس بواجب في أصله أولى. # فالحاصل (6) أن كل (7) من ألزم نفسه شيئا يشق عليه (8)، فلم يأت طريق ~~البر على حده. PageV02P197 ### | ### | فصل # # إذا ثبت ما تقدم ورد الإشكال الثاني: وهو أن التزام النوافل التي يشق ~~التزامها مخالفة للدليل، وإذا خالفت فالمتعبد بها على ذلك التقدير متعبد ~~بما لم يشرع، وهو عين البدعة. فإما أن تنتظمها أدلة ذم البدعة، أو لا؟ فإن ~~انتظمتها أدلة الذم، فهو غير صحيح لأمرين: # أحدهما: أن رسول الله (ص) لما كره لعبد الله بن عمرو (1) ما كره فقال (2) ~~له (3): إني أطيق أفضل من ذلك، فقال (4) صلى الله عليه وسلم: "لا أفضل من ~~ذلك"، تركه بعد على التزامه. ولولا أن عبد الله بن عمرو (5) فهم منه بعد ~~نهيه الإقرار عليه لما التزمه وداوم (6) عليه، حتى قال: ليتني قبلت رخصة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم! فلو قلنا: إنها (7) بدعة وقد ذم كل بدعة على ~~العموم ، لكان مقرا له على خطإ، وذلك لا يجوز، كما أنه لا ينبغي أن يعتقد ~~في الصحابي أنه خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قصدا للتعبد بما ~~نهاه عنه. فالصحابة ms285 رضي الله عنهم أتقى لله من ذلك. وكذلك ما ثبت عن غيره ~~(8) من وصال الصيام وأشباهه. وإذا كان كذلك لم يمكن أن يقال: إنها بدعة. # والثاني (9): أن العامل بها دائما بشرط الوفاء إن التزم الشرط فأداها ~~PageV02P198 # على وجهها فقد حصل مقصود الشارع، فارتفع النهي إذا، فلا مخالفة للدليل، ~~فلا ابتداع. وإن لم يلتزم أداءها، فإن كان باختياره (1) فلا إشكال في ~~المخالفة المذكورة؛ كالناذر (2) يترك المنذور (3) من غير (4) عذر، ومع (5) ~~ذلك فلا يسمى تركه بدعة، ولا عمله في وقت العمل بدعة، فلا (6) يسمى ~~بالمجموع (7) مبتدعا. وإن كان لعارض (8) مرض أو غيره من الأعذار ، فلا نسلم ~~(9) أنه مخالف، كما لا يكون مخالفا في الواجب إذا عارضه فيه عارض؛ كالصيام ~~للمريض، والحج لغير المستطيع، فلا ابتداع إذا. # وأما إن لم تنتظمها (10) أدلة الذم، فقد ثبت أن من أقسام البدع ما ليس ~~بمنهي عنه (11)، بل هو مما يتعبد به، وليس من قبيل المصالح المرسلة ولا ~~غيرها مما له أصل على الجملة. وحينئذ يشمل هذا الأصل كل ملتزم تعبدي، كان ~~له أصل أم لا؟ لكن بحيث (12) يكون له أصل على الجملة، لا على التفصيل؛ ~~كتخصيص ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام فيها، ويومه بالصيام، ~~أو بركعات مخصوصة، وقيام ليلة أول جمعة من رجب، وليلة النصف من شعبان، ~~والتزام الدعاء جهرا بآثار الصلوات مع انتصاب الإمام لذلك (13)، وما أشبه ~~ذلك مما له أصل جملي (14)، وعند ذلك ينخرم كل ما تقدم تأصيله. # والجواب عن الأول أي (15) الإقرار (16) : صحيح، ولا يمتنع أن يجتمع (17) ~~مع نهي (18) الإرشاد لأمر خارجي؛ فإن النهي لم يكن لأجل PageV02P199 # خلل في نفس العبادة، ولا في ركن من أركانها، وإنما كان لأجل الخوف من أمر ~~متوقع؛ كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إن النهي عن الوصال إنما كان ~~رحمة بالأمة، وقد واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن تبعه في الوصال ~~(1) كالمنكل (2) بهم (3)، ولو كان منهيا عنه بالنسبة إليهم لما فعل (4). # فانظروا (5) كيف اجتمع في الشيء الواحد كونه عبادة ومنهيا عنه، ms286 لكن ~~باعتبارين. ونظيره في الفقهيات: ما يقوله جماعة من المحققين في البيع بعد ~~نداء الجمعة، فإنه نهي عنه (6)، لا من جهة كونه بيعا، بل من جهة كونه مانعا ~~من حضور الجمعة، فيجيزون البيع بعد الوقوع، ولا يجعلونه (7) فاسدا، وإن وجد ~~التصريح بالنهي فيه، للعلم بأن النهي ليس براجع إلى نفس البيع، بل إلى أمر ~~يجاوره، ولذلك يعلل جماعة ممن قال (8) بفسخ البيع بأنه (9) زجر للمتبايعين، ~~لا لأجل النهي عنه، فليس عند هؤلاء ببيع فاسد أيضا، ولا النهي راجع إلى نفس ~~البيع. # فالأمر بالعبادة شيء، وكون المكلف يوفي بها أو لا شيء آخر. فإقرار النبي ~~صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو (10) رضي الله عنهما على ما التزم ~~دليل على صحة ما التزم (11)، ونهيه إياه ابتداء لا يدل على الفساد، وإلا ~~لزم التدافع، وهو محال. إلا أن هاهنا نظرا (12) آخر، وهو: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صار في هذه المسائل كالمرشد للمكلف، وكالمتبرع (13) ~~بالنصيحة عند PageV02P200 # وجود مظنة الاستنصاح، فلما اتكل (1) المكلف على اجتهاده دون نصيحة الناصح ~~الأعرف بعوارض النفوس، صار كالمتبع لرأيه مع وجود النص، وإن كان (2) ~~بتأويل، فإن سمي في اللفظ بدعة فبهذا الاعتبار، وإلا فهو متبع للدليل ~~المنصوص من صاحب النصيحة، وهو الدال على الانقطاع إلى الله تعالى بالعبادة. # ومن هنا قيل فيها: إنها بدعة إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية: أن ~~الدليل فيها مرجوح بالنسبة إلى من (3) يشق عليه الدوام (4) عليها، وراجح ~~بالنسبة إلى من وفى (5) بشرطها، ولذلك وفى (5) بها عبد الله بن عمرو (6) ~~رضي الله عنهما بعد ما ضعف، وإن دخل عليه فيها بعض الحرج، حتى تمنى قبول ~~الرخصة، بخلاف البدعة الحقيقية، فإن الدليل عليها مفقود حقيقة، فضلا عن أن ~~يكون مرجوحا. فهذه المسألة تشبه مسألة خطإ المجتهد، فالقول فيهما (7) ~~متقارب، وسيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى. # وأما قول السائل في الإشكال: إن التزم الشرط فأدى العبادة على وجهها ... ~~، إلى آخره، فصحيح، إلا (8) قوله (9): "إن (10) تركها لعارض فلا حرج ~~كالمريض"، فإن ما نحن ms287 فيه ليس كذلك، بل ثم قسم آخر، وهو: أن يتركها بسبب ~~تسبب هو فيه، وإن ظهر أنه ليس من سببه. فإن تارك الجهاد مثلا باختياره ~~مخالفة ظاهرة، وتركه لمرض ونحوه (11) لا مخالفة فيه. فإن عمل في سبب يلحقه ~~عادة بالمرضى، حتى لا يقدر على الجهاد، فهذه واسطة بين الطرفين؛ فمن حيث ~~تسببه في المانع لا يكون PageV02P201 # محمودا عليه، وهو نظير الإيغال في العمل الذي هو سبب في كراهية العمل، أو ~~في (1) التقصير عن (2) الواجب، وهذا المكلف قد خالف النهي. ومن حيث وقع له ~~الحرج المانع في العادة (3) من أداء العبادة (4) على وجهها قد يكون معذورا. ~~فصار هنا نظر بين نظرين لا يتخلص معه العمل إلى واحد منهما. # وأما قوله: ثبت أن من أقسام البدع ما ليس بمنهي (5) عنه، فليس كما قال؛ ~~وذلك أن المندوب من حيث هو مندوب يشبه الواجب من جهة مطلق الأمر، ويشبه ~~المباح من جهة رفع الحرج عن (6) التارك، فهو واسطة بين الطرفين لا يتخلص ~~(7) إلى واحد منهما، إلا أن قواعد الشرع شرطت في ناحية العمل شرطا، كما ~~شرطت في ناحية تركه شرطا، فشرط العمل به أن لا يدخل فيه مدخلا يؤديه إلى ~~الحرج المؤدي إلى انخرام الندب فيه رأسا، أو انخرام ما هو أولى منه، وما ~~وراء هذا موكول إلى خيرة المكلف، فإذا دخل فيه فلا يخلو أن يدخل فيه على ~~قصد انخرام الشرط أو لا، فإن كان كذلك، فهو القسم الذي يأتي إن شاء الله، ~~وحاصله أن الشارع طلبه (8) برفع الحرج، وهو يطالب نفسه بوضعه، وإدخاله على ~~نفسه، وتكليفها ما لا يستطاع، مع زيادة الإخلال بكثير من الواجبات والسنن ~~التي هي أولى مما دخل فيه، ومعلوم أن هذه (9) بدعة مذمومة. # وإن دخل على غير ذلك القصد، فلا يخلو أن يجري المندوب على مجراه أو لا، ~~فإن أجراه كذلك بأن يفعل منه (10) ما استطاع إذا وجد نشاطا، ولم يعارضه ما ~~هو أولى مما دخل فيه (11)، فهذا هو (12) محض PageV02P202 # السنة التي لا مقال فيها؛ لاجتماع الأدلة على ms288 صحة ذلك العمل، إذ قد أمر، ~~فهو غير تارك، ونهي عن الإيغال وإدخال الحرج، فهو متحرز، فلا إشكال في ~~صحته، وهو كان (1) شأن القرن (2) الأول وما بعده (3)، وإن لم يجره على ~~مجراه، ولكنه أدخل فيه رأي الالتزام والدوام، فذلك الرأي مكروه ابتداء. # لكن فهم من الشرع أن الوفاء إن حصل فهو إن شاء الله كفارة النهي، فلا ~~يصدق عليه في هذا القسم معنى البدعة؛ لأن الله تعالى مدح الموفين بالنذر ~~(4) والموفين بعهدهم إذا عاهدوا (5)، وإن لم يحصل الوفاء تمحض وجه النهي، ~~وربما أثم في الالتزام النذري (6)، ولأجل احتمال عدم الوفاء أطلق عليه لفظ ~~البدعة، لا لأجل أنه عمل لا دليل عليه، بل الدليل عليه قائم. # ولذلك إذا التزم الإنسان بعض المندوبات التي يعلم أو يظن أن الدوام فيها ~~لا يوقع في حرج أصلا وهو (7) الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة المنبه عليها ~~لم يقع في نهي، بل في محض المندوب (8)؛ كالنوافل الرواتب مع الصلوات، ~~والتسبيح والتحميد والتكبير في آثارها، وذكر اللسان (9) الملتزم بالعشي ~~والإبكار، وما أشبه ذلك مما لا يخل بما هو أولى، ولا يدخل حرجا بنفس العمل ~~به ولا بالدوام عليه. PageV02P203 # وفي هذا القسم جاء التحريض على الدوام صريحا، ومنه كان جمع عمر رضي الله ~~عنه الناس في رمضان في المسجد (1)، ومضى عليه الناس؛ لأنه كان أولا سنة ~~ثابتة من رسول الله صلى الله عليه وسلم (2)، ثم إنه أقام للناس بما كانوا ~~قادرين عليه ومحبين فيه، وفي شهر واحد من السنة لا دائما، وموكولا إلى ~~اختيارهم؛ لأنه قال: والتي ينامون عنها أفضل. # وقد فهم السلف الصالح أن القيام في البيوت أفضل، فكان كثير منهم (3) ~~ينصرفون فيقومون في منازلهم، ومع ذلك فقد قال: "نعمت البدعة هذه! "، فأطلق ~~عليها لفظ البدعة كما ترى نظرا والله أعلم إلى اعتبار الدوام، وإن كان شهرا ~~في السنة، أو أنه (4) لم يقع فيمن قبله عملا دائما، أو أنه أظهره في المسجد ~~الجامع مخالفا لسائر النوافل، وإن كان ذلك في أصله واقعا (5) كذلك، فلما ~~كان الدليل على ms289 ذلك القيام على الخصوص واضحا قال: "نعمت البدعة هذه! "، ~~فحسنها بصيغة "نعم" التي تقتضي من المدح ما تقتضيه (6) صيغة التعجب؛ لو ~~قال: ما أحسنها من بدعة! وذلك يخرجها قطعا عن كونها بدعة. # وعلى هذا المعنى جرى كلام أبي أمامة رضي الله عنه (7) مستشهدا ~~PageV02P204 # بالآية حيث قال: أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، إنما معناه ما ~~ذكرناه، ولأجله قال: فدوموا عليه، ولو كان بدعة على الحقيقة لنهى عنه، ومن ~~هذه الجهة أجرينا الكلام على ما نهى صلى الله عليه وسلم عنه من التعبد ~~المخوف الحرج في المآل؛ واستسهلنا وضع ذلك في قسم البدع الإضافية؛ تنبيها ~~على وجهها ووضعها في الشرع مواضعها، حتى لا يغتر بها مغتر فيأخذها على غير ~~وجهها، ويحتج بها على العمل بالبدعة الحقيقية قياسا عليها، ولا يدري ما ~~عليه في ذلك. وإنما تجشمنا إطلاق اللفظ هنا؛ وكان ينبغي أن لا نفعل (1) ~~لولا الضرورة؛ وبالله التوفيق. PageV02P205 ### | ### | فصل # # قال الله تبارك (1) وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين *وكلوا مما رزقكم الله حلالا ~~طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون *} (2). روي (3) في سبب نزول هذه ~~الآية أخبار (4) جملتها تدور على معنى واحد، وهو تحريم ما أحل الله من ~~الطيبات تدينا، أو شبه التدين، وأن (5) الله (6) نهى عن ذلك وجعله اعتداء، ~~والله لا يحب المعتدين. ثم قرر الإباحة تقريرا زائدا على ما تقرر بقوله ~~(7): {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا}، ثم أمرهم بالتقوى، وذلك مشعر بأن ~~تحريم ما أحل الله خارج عن درجة التقوى. # فخرج إسماعيل القاضي من حديث أبي قلابة رضي الله عنه قال: أراد ناس من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا، ويتركوا (8) النساء، ~~ويترهبوا (9)، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم المقالة، فقال: ~~"إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد؛ شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم (10)، ~~فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ~~وحجوا، واعتمروا، واستقيموا ms290 يستقم (11) بكم" (12). قال: ونزلت فيهم: {يا ~~أيها الذين PageV02P206 # آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} (1). PageV02P207 # وفي الترمذي (1) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رجلا أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله! إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء ~~وأخذتني شهوتي، فحرمت علي اللحم"، فأنزل الله الآية. حديث حسن (2). # وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في رهط من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم: أبو بكر وعمر وعلي وعبد الله بن ~~مسعود (3) وعثمان بن مظعون والمقداد بن الأسود الكندي وسالم مولى أبي حذيفة ~~رضي الله عنهم؛ اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون الجمحي، فتوافقوا أن يجبوا ~~(4) أنفسهم، وأن (5) يعتزلوا النساء، ولا يأكلوا لحما ولا دسما، وأن يلبسوا ~~المسوح (6)، ولا يأكلوا من الطعام إلا قوتا، وأن يسيحوا في الأرض كهيئة ~~الرهبان، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمرهم، PageV02P208 # فأتى عثمان بن مظعون في منزله فلم يجده في منزله (1)، ولا إياهم، فقال ~~لامرأة عثمان أم حكيم ابنة أبي أمية بن حارثة السلمي : "أحق ما بلغني عن ~~زوجك وأصحابه؟ " قالت: ما هو يا رسول الله؟ فأخبرها، فكرهت أن لا تحدث (2) ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها (3)، وكرهت أن تبدي على زوجها، ~~فقالت: يا رسول الله! (4) إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك (5). فقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "قولي لزوجك وأصحابه إذا رجعوا: إن رسول الله ~~يقول لكم: إني آكل وأشرب، وآكل اللحم والدسم، وأنام، وآتي النساء، فمن رغب ~~عن سنتي فليس مني". فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرته (6) امرأته بما أمر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لقد بلغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمرنا فما أعجبه، فذروا ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل ~~فيهم (7): {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} قال: من ~~الطعام والشراب والجماع {ولا تعتدوا} قال: في قطع المذاكير {إن الله ms291 لا يحب ~~المعتدين}؛ قال: الحلال (8) إلى الحرام (9). PageV02P209 # وفي الصحيح (1) عن عبد الله قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك؛ فرخص لنا بعد ذلك أن ~~نتزوج المرأة بالثوب (2) يعني والله أعلم: نكاح المتعة (3) المنسوخ ، ثم ~~قرأ (4) ابن مسعود: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم}. # وذكر إسماعيل عن يحيى بن يعمر: أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه هم ~~بالسياحة، وهو يصوم (5) النهار، ويقوم (6) الليل، وكانت امرأته امرأة عطرة، ~~فتركت الكحل والخضاب، فقالت لها امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أمشهد (7) أنت أم مغيب (8)؟ فقالت: بل مشهد (9)، غير أن عثمان لا يريد ~~النساء. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال له (10): "يا عثمان (11)! أتؤمن بما نؤمن (12) به؟ " قال: ~~نعم. قال: "فاصنع مثل ما نصنع" (13)، {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ~~الآية (14). PageV02P210 # وخرج سعيد بن منصور (1) عن حصين (2)، عن أبي مالك (3)؛ قال: نزلت في ~~عثمان بن مظعون وأصحابه؛ كانوا حرموا عليهم كثيرا من الطعام والنساء، وهم ~~بعضهم أن يقطع ذكره، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات} الآية. # وعن عكرمة (4): قال: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا ~~بترك النساء واللحم والخصاء، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ~~... } الآية (5). # وعن قتادة: قال: نزلت في ناس من أصحاب رسول الله (ص) أرادوا أن يتخلوا من ~~الدنيا (6)، وتركوا (7) النساء وترهبوا (8)، منهم علي بن أبي طالب (9) ~~وعثمان بن مظعون (10). PageV02P211 # وخرج ابن المبارك (1) أن عثمان بن مظعون أتى النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~فقال: ائذن لنا (2) في الاختصاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس منا ~~من خصى ولا اختصى (3)، إن خصاء (4) أمتي الصيام". قال: يا رسول الله! ائذن ~~لنا في السياحة، قال: "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله". قال: يا رسول ~~الله! ائذن لنا في الترهب (5)، قال: "إن ms292 ترهب أمتي الجلوس في المساجد (6) ~~لانتظار الصلاة". # وفي الصحيح (7): رد رسول الله صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن ~~مظعون، ولو أذن له لاختصينا (8). # وهذا كله واضح في أن جميع هذه الأشياء تحريم لما هو حلال في الشرع، ~~وإهمال لما قصد الشارع إعماله وإن كان يقصد سلوك طريق الآخرة ؛ لأنه نوع من ~~الرهبانية، ولا رهبانية (9) في الإسلام (10). PageV02P212 # وإلى منع تحريم الحلال (1) ذهب الصحابة والتابعون ومن بعدهم؛ إلا أنه إذا ~~كان التحريم غير محلوف عليه فلا كفارة فيه (2)، وإن كان محلوفا عليه، ففيه ~~الكفارة، ويعمل (3) الحالف بما أحل الله له. # ومن ذلك ما ذكر إسماعيل القاضي عن معقل بن مقرن (4): أنه سأل ابن مسعود ~~رضي الله عنه فقال: إني حلفت على (5) أن لا أنام على فراشي سنة (6)، قال ~~(7): فتلا عبد الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ... } الآية (8)، ادن ~~فكل (9)، وكفر (10) عن يمينك، ونم على فراشك. # وفي (11) رواية: أن معقلا كان (12) يكثر الصوم والصلاة، فحلف أن ~~PageV02P213 # لا ينام على فراشه، فأتى عبد الله بن مسعود (1) رضي الله عنه فسأله عن ~~ذلك؟ فقرأ عليه الآية (2). # وعن مغيرة؛ قال: قلت لإبراهيم في هذه الآية: {لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم} : أهو الرجل يحرم الشيء مما أحل الله له؟ قال: نعم (3). # وعن مسروق؛ قال: أتي عبد الله (4) بضرع (5)، فقال للقوم: ادنوا، فأخذوا ~~يطعمون، فقال رجل: إني حرمت الضرع (6). فقال عبد الله: هذا من (7) خطوات ~~الشيطان: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات (8) ما أحل الله لكم} الآية ~~(9)، ادن فكل، وكفر عن يمينك (10). # وعلى ذلك جرت الفتيا في الإسلام: أن كل من حرم على نفسه شيئا مما أحل ~~الله له فليس ذلك التحريم بشيء، فليأكل إن كان مأكولا، PageV02P214 # وليشرب إن كان مشروبا، وليلبس إن كان ملبوسا، وليملك إن كان مملوكا. ~~وكأنه إجماع منهم منقول عن مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم. # واختلفوا في الزوجة. ومذهب مالك: أن التحريم طلاق كطلاق الثلاث، وما سوى ~~ذلك فهو (1) باطل (2)؛ لأن القرآن شهد بكونه اعتداء، حتى إنه إن ms293 حرم على ~~نفسه وطء أمته غير قاصد (3) به العتق، فوطؤها حلال. وكذلك سائر الأشياء: من ~~اللباس والمسكن (4) والكلام (5) والصمت والاستظلال والاستضحاء. وقد تقدم ~~(6) الحديث في الناذر للصوم قائما في الشمس ساكتا، فإنه تحريم للجلوس، ~~والاستظلال، والكلام (7)، والنبي صلى الله عليه وسلم أمره بالجلوس والتكلم ~~والاستظلال. قال مالك (8): أمره أن يتم ما كان لله (9) فيه طاعة، ويترك ما ~~كان عليه فيه معصية. # فتأملوا كيف جعل مالك ترك الحلال معصية! وهو مقتضى الآية في قوله تعالى: ~~{ولا تعتدوا} الآية، ومقتضى قول ابن مسعود (10) رضي الله عنه لصاحب الضرع: ~~هذا من خطوات الشيطان. # وقد ضعف ابن رشد الحفيد (11) الاستدلال من المالكية بالحديث، وتفسير مالك ~~له، وذكر أن قوله في الحديث: "ويترك ما كان عليه فيه معصية" ليس بالظاهر أن ~~ترك الكلام معصية، وقد أخبر الله تعالى أنه نذر مريم (12). قال: وكذلك يشبه ~~أن يكون القيام [في الشمس] (13) ليس PageV02P215 # بمعصية (1)، إلا ما يتعلق بذلك (2) من جهة تعب الجسم والنفس، وقد يستحب ~~للحاج أن لا يستظل (3). فإن قيل: فيه معصية، فبالقياس على ما نهي عنه من ~~التعب، لا بالنص، والأصل فيه أنه من المباحات. # وما قاله ابن رشد غير ظاهر، ولم يقل مالك في الحديث ما قال استنباطا منه، ~~بل الظاهر أنه استدل بالآية المتكلم فيها، وحمل الحديث عليها، فترك الكلام ~~وإن كان في الشرائع الأول مشروعا ، فهو منسوخ بهذه الشريعة، فهو عمل في ~~مشروع بغير مشروع. وكذلك القيام في الشمس زيادة في العبادة (4) من باب ~~تحريم الحلال، وإن استحب في موضع، فلا يلزم استحبابه في آخر. PageV02P216 ### | ### | فصل # # ويتعلق بهذا الموضع مسائل # إحداها (1): أن تحريم الحلال وما أشبه ذلك يتصور على (2) أوجه: # الأول: التحريم الحقيقي، وهو الواقع من الكفار، كالبحيرة، والسائبة، ~~والوصيلة، والحامي، وجميع ما ذكر الله تعالى تحريمه عن الكفار بالرأي ~~المحض. ومنه قول الله تبارك وتعالى (3): {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ~~هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} (4)، وما أشبهه من التحريم ~~الواقع في الإسلام رأيا مجردا. # والثاني (5): أن يكون ms294 مجرد ترك لا لغرض؛ بل لأن النفس تكرهه بطبعها، أو ~~لا تتذكره (6) حتى تستعمله، أو لا تجد ثمنه، أو تشتغل بما هو آكد منه (7)، ~~أو ما (8) أشبه ذلك. ومنه ترك النبي صلى الله عليه وسلم لأكل الضب لقوله ~~فيه: "إنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه" (9)، ولا يسمى مثل هذا تحريما؛ ~~لأن التحريم يستلزم القصد إليه، وهذا ليس كذلك. # والثالث (10): أن يمتنع لنذره التحريم، أو ما يجري مجرى النذر من ~~PageV02P217 # العزيمة القاطعة للعذر، كتحريم النوم على الفراش سنة، وتحريم الضرع، ~~وتحريم الادخار لغد، وتحريم اللين من الطعام واللباس، وتحريم الوطء أو (1) ~~الاستلذاذ بالنساء في الجملة، وما أشبه ذلك. # والرابع (2): أن يحلف على بعض الحلال أن لا يفعله؛ ومثله قد يسمى تحريما. ~~قال إسماعيل القاضي: إذا قال الرجل لأمته (3): والله لا أقربك (4)! فقد ~~حرمها على نفسه باليمين، فإذا غشيها وجبت عليه كفارة اليمين. وأتى بمسألة ~~ابن مقرن في سؤاله ابن مسعود رضي الله عنه إذ قال: إني حلفت أن لا أنام على ~~فراشي سنة. قال: فتلا عبد الله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما ~~أحل الله لكم} (5) الآية، وقال له (6): كفر عن يمينك، ونم على فراشك (7). # فأمره أن لا يحرم ما أحل الله له (8)، وأن يكفر من أجل اليمين. # فهذا الإطلاق يقتضي أنه نوع من التحريم، وله وجه ظاهر؛ فقد أشار إسماعيل ~~(9) إلى أن الرجل كان إذا حلف أن لا يفعل شيئا من الحلال؛ لم يجز له أن ~~يفعله، حتى نزلت كفارة اليمين، فلأجل (10) ما كان قبل من التحريم وإن (11) ~~وردت الكفارة يسمى (12) تحريما، ومن ثم والله أعلم سميت كفارة. # المسألة (13) الثانية (14): أن الآية التي نحن بصددها ينظر فيها على أي ~~معنى يطلق التحريم من تلك المعاني (15). PageV02P218 # أما الأول: فلا مدخل له ها هنا؛ لأن التحريم تشريع كالتحليل، والتشريع ~~ليس إلا لصاحب الشرع، اللهم إلا أن يدخل مبتدع رأيا كان من أهل الجاهلية، ~~أو من أهل الإسلام؛ فهذا أمر آخر يجل السلف الصالح عن مثله؛ فضلا عن أصحاب ~~رسول ms295 الله صلى الله عليه وسلم على الخصوص. # وقد وقع للمهلب (1) في شرح البخاري ما قد يشعر بأن المراد في الآية ~~التحريم بالمعنى الأول، فقال: التحريم إنما هو لله ولرسوله صلى الله عليه ~~وسلم، فلا (2) يحل لأحد أن يحرم شيئا، وقد وبخ الله من فعل ذلك، فقال: {لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا} (3)، فجعل ذلك من الاعتداء. ~~وقال: {ولا تقولوا لما (4) تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا ~~على الله الكذب} (5). قال: فهذا كله حجة في أن تحريم الناس ليس بشيء. # وما قاله المهلب يرده السبب في نزول الآية، وليس فيه ما يشعر بهذا ~~المعنى، وإنما نصت الأسباب على التحريم بالمعنى الثالث (6) كما تقرر، ولذلك ~~لم يعد المحرم الحكم لغيره كما هو شأن التحريم بالمعنى الأول، فصار مقصورا ~~على المحرم دون غيره. # وأما التحريم بالمعنى الثاني: فلا حرج فيه في الجملة؛ لأن بواعث النفوس ~~على الشيء أو صوارفها (7) عنه لا تنضبط لقانون (8) معلوم، فقد يمتنع ~~الإنسان من الحلال لألم (9) يجده في استعماله، ككثير ممن يمتنع من شرب ~~العسل لوجع يعتريه به، حتى يحرمه على نفسه، لا بمعنى التحريم PageV02P219 # الأول، ولا الثالث، بل بمعنى التوقي منه كما يتوقى (1) سائر المؤلمات. # ويدخل ها هنا بالمعنى امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من أكل الثوم؛ ~~لأنه كان يناجي الملائكة (2)، وهي تتأذى من رائحته (3)، وكذلك كل ما تكره ~~(4) رائحته. # ولعل هذا المحمل (5) أولى من قول من قال: إن الثوم ونحوه (6) كانت محرمة ~~عليه (7) بالمعنى المختص بالشارع، والمعنيان متقاربان، وكلاهما غير داخل في ~~معنى الآية (8). # وأما التحريم بالمعنى الرابع فيحتمل أن يدخل في عبارة التحريم، فيكون ~~قوله تعالى: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} (9) قد (10) شمل التحريم ~~بالنذر، والتحريم باليمين، والدليل على ذلك: ذكر الكفارة (11) بعدها بقوله ~~تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} (12) إلى آخرها. # وما تقدم من أنه كان تحريما مجردا قبل نزول الكفارة، وأن جماعة من ~~المفسرين قالوا في قوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ms296 ~~(13): إن التحريم كان باليمين حين حلف النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يشرب ~~العسل (14)، وسيأتي ذكر ذلك بحول الله تعالى. # فإن قيل: هل يكون قول الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني إذا أصبت ~~اللحم انتشرت للنساء (15) ... ، الحديث: من قبيل التحريم الثاني لا من ~~PageV02P220 # الثالث؛ لأن الرجل قد يحرم الشيء للضرر الحاصل به، وقد تقدم آنفا أنه ليس ~~بتحريم في الحقيقة (1)، فكذلك ها هنا لا يريد بالتحريم النذر (2)، بل يريد ~~به التوقي خاصة (3)؛ أي: إني أخاف على نفسي العنت، وكان هذا المعنى والله ~~أعلم هو مقصود الصحابي رضي الله عنه. # فالجواب: أن من يلحقه الضرر وقتا ما بتناول شيء (4)، يمكنه أن يمسك عنه ~~من غير تحريم؛ إذ التارك (5) لأمر لا يلزمه أن يكون محرما له، فكم من رجل ~~ترك (6) الطعام الفلاني، أو النكاح لأنه في الوقت (7) لا يشتهيه، أو لغير ~~ذلك من الأعذار، حتى إذا زال عذره تناول منه، وقد ترك صلى الله عليه وسلم ~~أكل الضب (8)، ولم يكن تركه موجبا لتحريمه له (9). # والدليل على أن المراد بالتحريم الظاهر، وأنه لا يصح وإن كان لعذر (10): ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم رد عليه بالآية، فلو كان وجود مثل تلك الأعذار ~~مبيحا للتحريم بالمعنى الثالث لوقع التفصيل في الآية بالنسبة إلى من حرم ~~لعذر أو لغير عذر. # وأيضا فإن الانتشار للنساء ليس بمذموم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج" (11) الحديث؛ فإذا أحب الإنسان قضاء ~~الشهوة تزوج فحصل له ما في الحديث زيادة إلى النسل المطلوب في الملة؛ فكأن ~~محرم ما يحصل به الانتشار ساع في التشبه بالرهبانية، فكان (12) ذلك منتفيا ~~(13) عن الإسلام كسائر ما ذكر في الآية. PageV02P221 # والمسألة (1) الثالثة (2): أن هذه الآية يشكل معناها مع قوله تعالى: {كل ~~الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة} (3) الآية، فإن الله أخبر عن نبي من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام ~~أنه حرم على نفسه حلالا، ففيه دليل لجواز ms297 (4) مثله. # والجواب: أنه لا دليل في الآية؛ لأن ما تقدم يقرر أن لا تحريم في ~~الإسلام، فيبقى ما كان شرعا لغيرنا منفيا، عن شرعنا كما تقرر في الأصول. # خرج القاضي إسماعيل وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن إسرائيل وهو ~~يعقوب النبي (5) عليه السلام أخذه عرق النسا (6)، فكان يبيت وله (7) زقاء ~~(8)، فجعل عليه إن شفاه الله ليحرمن عليه العروق، وذلك قبل نزول التوراة. ~~قالوا: فلذلك تسل (9) اليهود العروق (10)؛ أن (11) لا يأكلوها (12). # وفي رواية: جعل على نفسه أن لا يأكل لحوم الإبل. قال (13): فحرمته اليهود ~~(14). PageV02P222 # وعن الكلبي (1): أن يعقوب عليه السلام قال: إن الله شفاني لأحرمن أطيب ~~الطعام والشراب أو قال: أحب الطعام والشراب (2) إلي. فحرم لحوم الإبل ~~وألبانها. # قال القاضي: الذي نحسب والله أعلم : أن إسرائيل حين حرم على نفسه ما حرم ~~من الحلال (3) لم يكن في ذلك الوقت منهيا عن ذلك، وأنهم كانوا إذا حرموا ~~على أنفسهم شيئا من الحلال حرم عليهم، كما كان الحالف إذا حلف ألا يفعل ~~شيئا من الحلال (4) لم يجز له (5) أن يفعله (6)، حتى نزلت كفارة اليمين؛ ~~قال الله تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} (7). والحالف إذا حلف على ~~شيء ولم يقل: "إن شاء الله" كان بالخيار، إن شاء فعل وكفر، وإن شاء لم ~~يفعل. قال: وهذه الأشياء (8) وما أشبهها من الشرائع يكون فيها الناسخ ~~والمنسوخ، فكان الناسخ في هذا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم} (9). قال: فلما وقع النهي لم يجز للإنسان أن يقول: ~~الطعام علي حرام، وما أشبه ذلك من الحلال. فإن قال إنسان شيئا من ذلك كان ~~قوله باطلا، وإن حلف على ذلك بالله كان له أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن ~~يمينه. # والمسألة (10) الرابعة (11): أن نقول: مما يسأل عنه: قوله تعالى: ~~PageV02P223 # {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} (1) الآية؛ لأن (2) فيها (3) ~~إخبارا (4) بأنه عليه الصلاة والسلام حرم على نفسه ما أحله الله (5)؛ وقد ~~نزل (6) عليه: {لا تحرموا طيبات ما ms298 أحل الله لكم ولا تعتدوا} (7). ومثل هذا ~~يجل مقام النبي صلى الله عليه وسلم عن مقتضى الظاهر فيه، وأن يكون منهيا عن ~~شيء (8) هو اعتداء (9) ثم يأتيه، حتى يقال له فيه: لم تفعل؟ فلا بد من ~~النظر في هذا (10) المعارض (11). # والجواب: أن آية التحريم إن كانت هي السابقة على آية العقود، فظاهر أنها ~~مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذ لو أريد: الأمة على قول من قال به ~~(12) من الأصوليين لقال: لم تحرمون ما أحل الله لكم؟ كما قال: {يا أيها ~~النبي إذا طلقتم النساء} (13) الآية، وهو بين؛ لأن سورة التحريم قبل آية ~~الأحزاب، ولذلك لما آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه شهرا بسبب هذه ~~القصة نزل عليه في سورة الأحزاب: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن (14) ~~تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا *} (15) ~~إلى آخرها (16). وأيضا فيحتمل أن يكون التحريم بمعنى الحلف على أن لا ~~PageV02P224 # يفعل، والحلف إذا وقع فصاحبه مخير بين أن يترك المحلوف عليه، وبين أن ~~يفعله ويكفر. وقد جاء في آية التحريم: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} (1)، ~~فدل على أنه كان يمينا حلف صلى الله عليه وسلم بها. # وذلك أن الناس اختلفوا في هذا التحريم، فقال جماعة: إنه كان تحريما لأم ~~ولده مارية القبطية (2) بناء على أن الآية نزلت في شأنها، PageV02P225 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P226 # وممن قال به: الحسن، وقتادة، والشعبي، ونافع مولى ابن عمر ، أو كان ~~تحريما لعسل زينب (1) وهو قول عطاء، وعبد الله بن عتبة . وقال جماعة: إنما ~~كان تحريما بيمين. # قال إسماعيل بن إسحاق: يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم حرمها يعني ~~جاريته بيمين بالله (2)؛ لأن الرجل إذا قال لأمته: والله! لا أقربك، فقد ~~حرمها على نفسه باليمين، فإذا غشيها وجبت عليه كفارة اليمين، ثم أتى بمسألة ~~ابن مقرن (3). # ويمكن أن يكون السبب شرب العسل، وهو الذي وقع في البخاري (4) من طريق ~~هشام، عن ابن جريج؛ قال فيه: "بل (5) شربت عسلا عند زينب بنت جحش، فلن أعود ~~له؛ وقد ms299 حلفت، فلا تخبري بذلك أحدا". وإذا كان كذلك، فلم يبق في المسألة ~~إشكال. ولا فرق بين الجارية والعسل في الحكم؛ لأن تحريم الجارية كيف ما (6) ~~كان؛ بمنزلة تحريم ما يؤكل ويشرب. PageV02P227 # وأما إن فرضنا أن آية العقود هي السابقة على آية التحريم: فيحتمل وجهين ~~كالأول: # أحدهما: أن يكون التحريم في سورة التحريم بمعنى الحلف. # والثاني: أن تكون آية العقود غير متناولة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن ~~قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا} (1) لا يدخل (2) فيه؛ بناء ~~على قول من قال بذلك من الأصوليين، وعند ذلك لا يبقى في القضية ما ينظر ~~فيه، ولا يكون للمحتج بالآية متعلق، والله أعلم. PageV02P228 ### | ### | فصل # # إذا ثبت هذا، فكل من عمل على هذا القصد (1) فعمله غير صحيح؛ لأنه عامل ~~إما بغير شريعة؛ لأنه لم يتبع أدلتها (2)، وإما عامل بشرع منسوخ، والعمل ~~بالمنسوخ مع العلم بالناسخ باطل بلا خلاف؛ لأن الترهب والامتناع من اللذات ~~(3) والنساء (4) وغير ذلك إن كان مشروعا ففيما قبل هذه الشريعة من الشرائع، ~~وقد تقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لكني أصوم وأفطر، وأصلي (5) وأرقد ~~(6)، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (7)، وهو معنى البدعة. # فإن قيل: فقد تقدم (8) من نقل ابن العربي في الرهبانية: أنها السياحة ~~واتخاذ الصوامع للعزلة. قال: وذلك مندوب إليه في ديننا عند فساد الزمان. # وقد بسط الغزالي هذا الفصل في "الإحياء" (9) حين (10) ذكر العزلة، وذكر ~~في كتاب "آداب النكاح" (11) من ذلك ما فيه كفاية. وحاصله: أن ذلك مشروع، بل ~~هو الأولى عند عروض العوارض، وعندما يصير النكاح ومخالطة الناس وبالا على ~~الإنسان، ومؤديا إلى اكتساب الحرام والدخول PageV02P229 # فيما لا يجوز، كما جاء في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن ~~يكون خير مال المسلم غنم (1) يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه ~~من الفتن" (2). وسائر ما جاء في هذا المعنى. # وأيضا فإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {واذكر اسم ربك ~~وتبتل إليه تبتيلا *} (3). والتبتل على ما ms300 قاله زيد بن أسلم : رفض الدنيا؛ ~~من قولهم: بتلت الحبل بتلا: إذا قطعته، ومعناه: انقطع من كل شيء إلا منه. # وقال الحسن (4) وغيره: بتل إليه نفسك واجتهد. وقال ابن زيد (5): تفرغ ~~لعبادته. هذا إلى ما جاء عن السلف الصالح من الانقطاع إلى عبادة الله، ورفض ~~أسباب الدنيا، والتخلي عن الحواضر إلى البوادي، واتخاذ الخلوات في الجبال ~~والبراري، حتى إن بعض الجبال الشامية قد خصها الله بالأولياء والمنقطعين؛ ~~كجبل (6) لبنان ونحوه. # فما وجه ذلك (7)؟ # فالجواب: أن الرهبانية إن كانت بالمعنى (8) المقرر في الشرائع (9) الأول، ~~فلا نسلم أنها في شرعنا؛ لما تقدم من الأدلة الدالة (10) على نسخها، كانت ~~لعارض أو لغير عارض، إذ لا رهبانية في الإسلام (11)، PageV02P230 # وقد رد رسول الله (ص) (1) التبتل (2) حسبما تقدم (3). # وإن كانت بمعنى الانقطاع إلى الله حسبما شرع، وعلى (4) حد ما انقطع إليه ~~(5) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المخاطب بقوله: {وتبتل إليه تبتيلا} ~~(6)، فهذا هو الذي نحن في تقريره: أنه (7) السنة المتبعة، والهدي الصالح، ~~والصراط المستقيم. وليس في كلام زيد بن أسلم وغيره في معنى التبتل ما ينافر ~~(8) هذا المعنى؛ لأن رفض الدنيا ليس بمعنى طرح اتخاذها جملة، وترك ~~الاستمتاع بها، بل بمعنى ترك الشغل بها عما كلف الإنسان به من الوظائف ~~الشرعية. # واجعل سير السلف الصالح فيها (9) مرآة لك تنظر فيها معنى التبتل على وجهه ~~(10)؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. فلقد كانوا رضي الله تعالى ~~عنهم مكتسبين للمال، متمتعين (11) به فيما أبيح لهم، منفقين له حيث ندبوا، ~~لم يتعلق بقلوبهم منه شيء، إذا عن لهم أمر أو نهي، بل قدموا أمر الله ونهيه ~~على حظوظ أنفسهم العاجلة (12) على وجه لم يخل بحظوظهم فيه، وهو التوسط الذي ~~تقدم تقريره (13). # ثم ندبهم الشارع إلى اتخاذ الأهل والولد، فبادروا إلى الامتثال، ولم ~~يقولوا: هو شاغل لنا عما أمرنا به؛ لأن هذا القول مشعر بالغفلة عن معنى ~~التكليف به، فإن الأصل الشرعي: أن كل مطلوب هو من جملة ما يتعبد به إلى ~~الله تعالى، ويتقرب به ms301 إليه. فالعبادات (14) المحضة ظاهر فيها ذلك، ~~والعادات (15) كلها إذا قصد بها امتثال أمر الله عبادات؛ إلا أنه إذا ~~PageV02P231 # لم (1) يقصد بها ذلك القصد (2)، ونحى (3) بها نحو الحظ مجردا، فإذ ذاك لا ~~تقع متعبدا بها، ولا مثابا عليها، وإن صح وقوعها شرعا. # فالصحابة رضي الله تعالى تعالى عنهم قد فهموا هذا المعنى، ولا يمكن مع ~~فهمه أن تتعارض (4) الأوامر في حقهم، ولا في حق من فهم منها ما فهموا (5)، ~~فالتبتل على هذا الوجه صحيح أصيل في الجريان على السنة، وكذلك كلام الحسن ~~وغيره في تفسير الآية صحيح إذا "أخذ هذا المأخذ؛ أي: لا تتبع الهوى (6) ~~واتبع أمر ربك؛ فإنه العليم بما يصلح لك، والقائم على تدبيرك، ولذلك قال ~~على أثرها: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا *} (7)؛ أي: ~~فكما أنه (8) وكيل لك بالنسبة إلى ما ليس من كسبك، فكذلك هو وكيل على ما هو ~~داخل تحت كسبك؛ مما هو (9) تكليف في حقك. ومن جملة ما توكل لك فيه: أن لا ~~تدخل نفسك في عمل تحرج بسببه حالا أو مآلا. # وقد فسر التبتل بأنه الإخلاص، وهو قول مجاهد (10) والضحاك (11). ~~PageV02P232 # وقال قتادة: أخلص له العبادة والدعوة (1). # فعلى هذا التفسير لا متعلق (2) فيها لمورد السؤال. # وإذا تقرر هذا فالفرار من العوارض بالسياحة (3)، واتخاذ الصوامع، وسكنى ~~الجبال والكهوف؛ إن كان على شرط أن لا يحرموا ما أحل الله من الأمور التي ~~حرمها الرهبان، بل على حد ما كانوا عليه (4) في الحواضر (5) ومجامع الناس، ~~لا يشددون على أنفسهم بمقدار ما يشق عليهم، فلا إشكال في صحة هذه ~~الرهبانية، غير أنها لا تسمى رهبانية إلا بنوع من المجاز، أو النقل العرفي ~~الذي لم يجر عليه معتاد اللغة، فلا تدخل في مقتضى قوله تعالى: {ورهبانية ~~(6) ابتدعوها} (7)، لا في الاسم، ولا في المعنى. # وإن كان على التزام ما التزمه الرهبان المتقدمون (8)، فلا نسلم أنه في ~~هذه الشريعة مندوب إليه ولا مباح، بل هو مما لا يجوز؛ لأنه كالتشريع (9) ~~بغير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا ينتظمه ms302 معنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال، ومواقع ~~القطر، يفر بدينه من الفتن" (10)، وإنما ينتظمه معنى قوله عليه السلام ~~(11): "من رغب عن سنتي فليس مني" (12). # وأما ما ذكره الغزالي وغيره من تفضيله العزلة على المخالطة، وترجيح ~~العزبة على اتخاذ الأهل (13) عند اعتوار (14) العوارض، فذلك (15) يستمد من ~~أصل آخر، لا من هنا. PageV02P233 # وبيانه: أن المطلوبات الشرعية لا تخلو (1) أن يكون المكلف قادرا على ~~الامتثال فيها، مع سلامته عند العمل بها من (2) وقوعه في وجه (3) منهي عنه ~~أو لا؟ فإن كان قادرا في مجاري العادات بحيث لا يعارضه مكروه أو محرم، فلا ~~إشكال في كون الطلب متوجها عليه بقدر استطاعته، على حد ما كان السلف الصالح ~~عليه قبل وقوع الفتن، وإن لم يقدر على ذلك إلا بوقوعه في مكروه أو محرم، ~~ففي بقاء الطلب هنا تفصيل بحسب ما يظهر من كلام أبي حامد رحمه الله تعالى ؛ ~~إذ يكون المطلوب مندوبا، لكنه لا يعمل به إلا بوقوعه في ممنوع، فالمندوب ~~ساقط عنه بلا إشكال، كالمندوب للصدقة على المحتاج لا يجد (4) بيده إلا مال ~~الغير، فلا يجوز له العمل بالندب؛ لأنه يقع بسببه في التصرف في مال الغير ~~بغير إذنه، وذلك لا يجوز (5)، فهو كالفاقد لما يتصدق به. وكالقائم على ~~مريضه المشرف (6)، أو دفن ميت يخاف عليه (7) تغيره (8) بتركه، ثم يقوم يصلي ~~نافلة، والمتزوج لا يجد إلا مالا حراما، وأشباه ذلك. # وقد يكون المطلوب واجبا، إلا أن وقوعه فيه يدخله في مكروه وهذا غير معتد ~~به؛ لأن القيام بالواجب آكد ، أو يوقعه في ممنوع، فهذا هو الذي يتعارض على ~~الحقيقة، إلا أن الواجبات ليست على وزان واحد، كما أن المحرمات كذلك، فلا ~~بد من الموازنة، فإن ترجح جانب الواجب صار المحرم في حكم العفو، أو في حكم ~~التلافي إن كان مما تتلافى مفسدته، وإن ترجح جانب المحرم سقط حكم الواجب، ~~أو طلب بالتلافي، وإن تعادلا (9) PageV02P234 # في نظر المجتهد، فهو مجال نظر المجتهدين، والأولى عند ms303 جماعة رعاية جانب ~~المحرم؛ لأن درء المفاسد آكد من جلب المصالح. # فإذا كانت العزلة مؤدية إلى السلامة، فهي الأولى في أزمنة الفتن، والفتن ~~لا تختص بفتن الحروب فقط؛ بل (1) هي (2) جارية في الجاه والمال وغيرهما من ~~مكتسبات الدنيا، وضابطها: ما صد عن طاعة الله، ومثل هذا النظر (3) يجري بين ~~المندوب والمكروه، وبين المكروهين. # وإن كانت العزلة مؤدية إلى ترك الجمعات، والجماعات، والتعاون على ~~الطاعات، وأشباه ذلك؛ فإنها أيضا سلامة (4) من جهة أخرى (5)، ويقع التوازن ~~بين المأمورات والمنهيات. وكذلك النكاح، إذا أدى إلى العمل بالمعاصي، ولم ~~يكن في تركه معصية كان تركه أولى. # ومن أمثلة ذلك غير أنه مشكل : ما ذكره (6) الوليد بن مسلم بسنده إلى حبيب ~~بن مسلمة أنه قال لمعن بن ثور السلمي (7): هل تدري لم اتخذت النصارى ~~الديارات؟ قال معن: ولم؟ قال: إنه لما أحدثت (8) الملوك في دينها (9) ~~البدع، وضيعوا أمر النبيين، وأكلوا الخنزير (10)، اعتزلوهم في الديارات، ~~وتركوهم وما ابتدعوا، فتخلوا للعبادة. قال حبيب لمعن: فهل لك؟ قال: ليس ~~بيوم ذلك (11). PageV02P235 # فاقتضى أن مثل ما فعلته (1) النصارى مشروع في ديننا، وليس (2) كذلك، ~~ومراده: أن اعتزال الناس عند اشتهارهم بالبدع وغلبة الأهواء على حد ما شرع ~~في ديننا مشروع (3)، لا أن نفس ما فعلت النصارى في رهبانيتها يشرع (4) لنا؛ ~~لما ثبت من نسخه. # فعلى هذه الأحرف جرى كلام الإمام أبي حامد وغيره ممن نقل هو عنهم، واحتج ~~بهم. ويدل عى ذلك: أن جماعة ممن نقل عنهم الترغيب في العزبة (5) كانوا ~~متزوجين، ولم يكن ذلك مانعا لهم (6) من البقاء على ما هم عليه، بناء منهم ~~على التحري في الموازنة بين ما يلحقهم بسبب التزوج؛ فلا إشكال إذا على هذا ~~التقرير في كلام الغزالي ولا غيره (7) ممن سلك مسلكه؛ لأنهم بنوا على أصل ~~قطعي في الشرع، محكم لا ينسخه شيء؛ وليس من مسألتنا بسبيل، ولكن ثم تحقيق ~~زائد لا يسع إيراده هاهنا، وأصله مأخوذ من كتاب "الموافقات"، من تمرن فيه ~~حقق هذا المعنى على التمام، وبالله تعالى التوفيق. # والحاصل: أن مضمون ms304 هذا الفصل يقتضي أن العمل على الرهبانية المنفية في ~~الآية قصدا (8) بدعة من البدع الحقيقية لا الإضافية، لرد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لها أصلا وفرعا. PageV02P236 ### | ### | فصل # # ثبت بمضمون هذه الفصول المتقدمة آنفا أن الحرج منفي عن الدين جملة ~~وتفصيلا؛ وإن كان قد ثبت أيضا في الأصول الفقهية على وجه من البرهان أبلغ، ~~فلنبن عليه فنقول: # قد فهم قوم من أحوال (1) السلف الصالح وأهل الانقطاع إلى الله ممن ثبتت ~~ولايتهم أنهم كانوا يشددون على أنفسهم، ويلزمون غيرهم الشدة أيضا، فأقر ~~هؤلاء الشدة (2) والتزام (3) الحرج ديدنا في سلوك طريق الآخرة، وعدوا (4) ~~من لم يدخل تحت هذا الالتزام (5) مقصرا مطرودا (6) ومحروما وربما فهموا ذلك ~~من بعض الإطلاقات الشرعية، فرشحوا (7) بذلك ما التزموه، فأفضى الأمر بهم ~~إلى الخروج عن السنة إلى البدعة الحقيقية أو الإضافية. # فمن ذلك: أن يكون للمكلف طريقان في سلوكه للآخرة: أحدهما: سهل، والآخر ~~صعب، وكلاهما في التوصل إلى المطلوب على حد واحد؛ فيأخذ بعض المتشددين ~~بالطريق الأصعب الذي يشق على المكلف مثله، ويترك الطريق الأسهل؛ بناء على ~~التشديد على النفس، كالذي يجد للطهارة PageV02P237 # ماءين: سخن وبارد، فيتحرى البارد الشاق استعماله، ويترك الآخر؛ فهذا لم ~~يعط النفس حقها الذي طلبه الشارع منه، وخالف دليل رفع الحرج من غير معنى ~~زائد، فالشارع لم يرض بشرعية مثله، وقد قال الله تعالى (1): {ولا تقتلوا ~~أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} (2)، فصار متبعا لهواه، ولا حجة له في قوله ~~عليه الصلاة والسلام: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به ~~الدرجات؟: إسباغ الوضوء عند الكريهات ... " (3) الحديث؛ من حيث كان الإسباغ ~~مع كراهية النفس سببا لمحو الخطايا ورفع الدرجات، ففيه دليل على أن للإنسان ~~أن يسعى في تحصيل هذا الأجر، وذلك (4) بإكراه النفس، ولا يكون إلا بتحري ~~إدخال الكراهية عليها؛ لأنا نقول: لا دليل في الحديث على ما قلتم، وإنما ~~فيه أن الإسباغ مع وجود الكراهية، ففيه أمر زائد؛ كالرجل يجد ماء باردا في ~~زمان الشتاء، ولا يجده سخنا، فلا يمنعه ms305 شدة برده عن كمال الإسباغ. # وأما القصد إلى الكراهية فليس في الحديث ما يقتضيه، بل في الأدلة ~~المتقدمة ما يدل على أنه مرفوع عن العباد، ولو سلم أن الحديث يقتضيه؛ لكانت ~~أدلة رفع الحرج تعارضه، وهي قطعية (5)، وخبر الواحد ظني (6)؛ PageV02P238 # فلا تعارض بينهما؛ للاتفاق على تقديم القطعي، ومثل الحديث قول الله ~~تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله} الآية ~~(1). # ومن ذلك: الاقتصار من المأكول على أخشنه (2) وأفظعه لمجرد التشديد، لا ~~لغرض سواه، فهو من النمط المذكور فوقه؛ لأن الشرع لم يقصد إلى تعذيب النفس ~~في التكليف (3)، وهو أيضا مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام: "إن لنفسك عليك ~~حقا" (4). وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الطيب إذا وجده (5) وكان ~~يحب الحلواء والعسل (6)، ويعجبه لحم الذراع (7)، ويستعذب له الماء (8)، ~~فأين التشديد من هذا؟ PageV02P239 # ولا يدخل الاستعمال المباح في قوله تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا} (1)؛ لأن المراد به الإسراف الخارج عن حد المباح، بدليل ما تقدم. ~~PageV02P240 # فإذا الاقتصار على البشيع في المأكول من غير عذر تنطع، وقد مر ما في (1) ~~قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} (2) ~~الآية (3). # ومن ذلك: الاقتصار في الملبس على الخشن من غير ضرورة، فإنه من قبيل ~~التشديد والتنطع المذموم، وفيه أيضا من قصد الشهرة ما فيه. # وقد روي عن الربيع بن زياد الحارثي أنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: اعدني (4) على أخي عاصم. قال: ما باله؟ قال: لبس العباء يريد النسك. ~~فقال علي رضي الله عنه: علي به. فأتي به مؤتزرا (5) بعباءة (6)، مرتديا ~~بالأخرى (7)، شعث الرأس واللحية، فعبس في وجهه وقال: ويحك! أما استحييت من ~~أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح لك الطيبات وهو يكره أن تنال منها ~~شيئا؟ بل أنت أهون على الله من ذلك (8)! أما سمعت الله يقول في كتابه: ~~{والأرض وضعها للأنام *} إلى قوله: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان *} (9)؟ ~~أفترى الله أباح هذه لعباده إلا ليبتذلوه (10) ويحمدوا الله ms306 عليه؛ فيثيبهم ~~عليه؟ وإن ابتذالك نعم الله بالفعل خير منه بالقول. قال عاصم: فما بالك في ~~خشونة مأكلك وخشونة ملبسك؟ قال: ويحك! إن الله فرض على أئمة الحق أن يقدروا ~~أنفسهم بضعفة الناس (11). PageV02P241 # فتأملوا كيف لم يطالب الله العباد بترك الملذوذات؛ وإنما طالبهم بالشكر ~~عليها إذا تناولوها. فالمتحري للامتناع من تناول ما أباحه الله من غير موجب ~~شرعي مفتئت على الشارع (1)، وكل ما جاء عن المتقدمين من الامتناع عن بعض ~~المتناولات ليس (2) من هذه الجهة، وإنما امتنعوا منه لعارض شرعي يشهد ~~الدليل باعتباره، كالامتناع من التوسع لضيق الحلال (3) في يده، أو لأن ~~التناول (4) ذريعة (5) إلى ما يكره أو يمنع، أو لأن في المتناول وجه شبهة ~~تفطن إليه التارك ولم يتفطن إليه غيره ممن علم بامتناعه. وقضايا الأحوال لا ~~تعارض الأدلة بمجردها؛ لاحتمالها في أنفسها. وهذه المسألة مذكورة على وجهها ~~في كتاب "الموافقات" (6)، والحمد لله (7). # ومن ذلك الاقتصار في الأفعال والأحوال (8) على ما يخالف محبة النفوس، ~~وحملها على ذلك في كل شيء من غير استثناء، فهو من قبيل التشديد. ألا ترى أن ~~الشارع أباح أشياء مما فيه قضاء نهمة النفس وتمتعها واستلذاذها؟ فلو كانت ~~مخالفتها برا لشرع، ولندب الناس إلى تركه، فلم يكن مباحا، بل مندوب الترك، ~~أو مكروه الفعل. # وأيضا فإن الله تعالى وضع في الأمور المتناولة إيجابا أو ندبا أشياء من ~~المستلذات الحاملة على تناول تلك الأمور، لتكون تلك اللذات كالحادي إلى ~~القيام بتلك الأمور، كما جعل في الأوامر إذا امتثلت، وفي النواهي إذا ~~اجتنبت أجورا (9). منتظرة؛ ولو شاء لم يفعل، وجعل في PageV02P242 # الأوامر إذا تركت والنواهي إذا ارتكبت جزاء على خلاف الأول؛ ليكون جميع ~~ذلك منهضا لعزائم المكلفين في الامتثال، حتى إنه وضع لأهل الامتثال ~~المثابرين على المتابعة (1) في أنفس التكاليف أنواعا من اللذات العاجلة، ~~والأنوار الشارحة للصدور، ما لا يعدله من لذات الدنيا شيء، حتى يكون سببا ~~لاستلذاذ الطاعة، والفرار إليها، وتفضيلها على غيرها، فيخف على العامل ~~العمل، حتى يتحمل منه ما لم يكن قادرا قبل على ms307 (2) تحمله إلا بالمشقة (3) ~~المنهي عنها؛ فإذا سقطت سقط النهي. # بل تأملوا كيف وضع للأطعمة على اختلافها (4) لذات مختلفات الألوان، ~~وللأشربة (5) كذلك، وللوقاع (6) الموضوع سببا لاكتساب العيال وهو أشد تعبا ~~(7) على النفس لذة أعلى من لذة المطعم والمشرب، إلى غير ذلك من الأمور ~~الخارجة عن نفس المتناول (8)، كوضع القبول في الأرض، وترفيع المنازل، ~~والتقدم (9) على سائر الناس في الأمور العظام (10)، وهي أيضا تقتضي لذات ~~تستصغر في جنبها لذات الدنيا. # وإذا كان كذلك، فأين هذا الوضع (11) الكريم من الرب اللطيف الخبير؟ فمن ~~يأتي متعبدا بزعمه بخلاف ما وضع الشارع له من الرفق والتيسير والأسباب ~~الموصلة إلى محبته، فيأخذ بالأشق والأصعب، ويجعله PageV02P243 # هو السلم الموصل والطريق الأخص؛ هل هذا كله إلا غاية في الجهالة وتلف في ~~تيه (1) الضلالة؟ عافانا الله من ذلك بفضله. # فإذا سمعتم بحكاية تقتضي تشديدا على هذا السبيل، أو (2) يظهر منها تنطع ~~أو تكلف، فإما أن يكون صاحبها ممن يعتبر كالسلف الصالح رضي الله عنهم، أو ~~من غيرهم ممن لا يعرف ولا ثبت اعتباره عند أهل الحل والعقد من العلماء، فإن ~~كان الأول فلا بد أن يكون على خلاف ما ظهر لبادي الرأي كما تقدم ، وإن كان ~~الثاني فلا حجة فيه، وإنما الحجة في المقتدين برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فهذه أمثلة (3) خمسة في التشديد على النفس (4) في سلوك طريق الآخرة ~~يقاس عليها ما سواها. PageV02P244 ### | ### | فصل # # قد يكون أصل العمل مشروعا، ولكنه يصير جاريا مجرى البدعة من باب الذرائع، ~~ولكن على غير الوجه الذي فرغنا من ذكره. # وبيانه: أن العمل يكون مندوبا إليه مثلا فيعمل به العامل في خاصة نفسه ~~على وضعه الأول من الندبية، فلو اقتصر العامل على هذا المقدار لم يكن به ~~بأس، ويجري مجراه إذا دام عليه في خاصيته (1) غير مظهر له دائما، بل إذا ~~أظهره لم يظهره على حكم الملتزمات من السنن الرواتب والفرائض اللوازم، فهذا ~~صحيح لا إشكال فيه. وأصله ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإخفاء النوافل ~~والعمل بها في البيوت، ms308 وقوله: "أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة" ~~(2). فاقتصر في الإظهار على المكتوبات كما ترى ؛ وإن كان ذلك في مسجده عليه ~~السلام، أو في المسجد الحرام، أو في مسجد بيت المقدس، حتى قالوا: إن ~~النافلة في البيت أفضل منها في أحد هذه المساجد الثلاثة، بما اقتضاه ظاهر ~~الحديث. وجرى مجرى الفرائض في الإظهار: السنن (3)؛ كالعيدين والخسوف ~~والاستسقاء وشبه ذلك، فبقي ما سوى ذلك حكمه الإخفاء، ومن هنا ثابر السلف ~~الصالح رضي الله عنهم على إخفاء الأعمال فيما استطاعوا وخف (4) عليهم ~~الاقتداء (5) بالحديث، وبفعله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه القدوة والأسوة. ~~PageV02P245 # ومع ذلك فلم يثبت فيها إذا عمل بها في البيوت دائما (1) أن تقام (2) ~~جماعة في المساجد البتة، ما عدا رمضان حسبما (3) تقدم ، ولا في البيوت ~~دائما، وإن وقع (4) ذلك في الزمان الأول في الفرط (5)؛ كقيام ابن عباس رضي ~~الله عنهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بات عند خالته ميمونة ~~(6)، وما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: "قوموا (7) فلأصل لكم" (8). # وما في "الموطإ" (9) من صلاة يرفأ (10) مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وقت الضحى، فمن فعله في بيته وقتا ما، فلا حرج، وقد نص (11) العلماء على ~~جواز ذلك بهذا القيد المذكور وإن كان الجواز قد وقع في "المدونة" (12) ~~مطلقا ، فما ذكره تقييد له، وأظن ابن حبيب نقله (13) عن مالك مقيدا، فإذا ~~اجتمع في النافلة أن تلتزم (14) التزام السنن الرواتب، إما دائما، وإما في ~~أوقات محدودة وعلى وجه محدود، وأقيمت في الجماعة، وكان ذلك (15) في المساجد ~~التي تقام فيها الفرائض، أو المواضع التي تقام PageV02P246 # فيها السنن الرواتب؛ فذلك ابتداع (1). # والدليل عليه: أنه لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد ~~من (2) أصحابه، ولا التابعين لهم بإحسان (3) فعل هذا المجموع هكذا مجموعا، ~~وإن أتى مطلقا من غير تلك التقييدات مشروعا (4). فالتقييد في المطلقات التي ~~لم يثبت (5) بدليل الشرع تقييدها رأي (6) في التشريع، كما أن إطلاق ~~المقيدات شرعا رأي في التشريع (7)، فكيف إذا عارضه الدليل؛ وهو الأمر ms309 ~~بإخفاء النوافل مثلا؟ # ووجه دخول الابتداع هنا: أن كل ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من النوافل وأظهره في الجماعات فهو سنة، فالعمل بالنافلة التي (8) ~~ليست بسنة على طريق العمل بالسنة إخراج للنافلة عن مكانها المخصوص بها ~~شرعا. ثم يلزم من ذلك اعتقاد العوام فيها، ومن لا علم عنده أنها سنة، وهذا ~~فساد عظيم لأن اعتقاد ما ليس بسنة سنة (9)، والعمل بها على حد العمل ~~بالسنة: نحو من تبديل الشريعة (10)، كما لو اعتقد في الفرض أنه ليس بفرض، ~~أو فيما (11) ليس بفرض أنه فرض، ثم عمل على وفق اعتقاده، فإنه فاسد، فهب ~~العمل في الأصل صحيحا، فإخراجه عن بابه اعتقادا وعملا من باب إفساد الأحكام ~~الشرعية، ومن هنا ظهر عذر السلف الصالح رضي الله عنهم في تركهم سننا قصدا؛ ~~لئلا يعتقد الجاهل أنها من الفرائض؛ كالأضحية وغيرها؛ كما تقدم ذكره (12). ~~PageV02P247 # ولأجله أيضا نهى أكثرهم عن اتباع الآثار؛ كما خرج الطحاوي وابن وضاح ~~وغيرهما عن معرور (1) بن سويد الأسدي قال: وافيت الموسم مع أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما انصرف (2) إلى المدينة انصرفت معه، فلما ~~صلى لنا صلاة الغداة فقرأ فيها: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل *} (3) و ~~{لإيلاف قريش *} (4)، ثم رأى ناسا يذهبون مذهبا، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ ~~قالوا: يأتون مسجدا هاهنا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال (5): ~~إنما هلك من كان قبلكم بهذا، يتبعون آثار أنبيائهم، فاتخذوها كنائس وبيعا، ~~من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فليصل فيها، وإلا فلا يتعمدها (6). # وقال ابن وضاح (7): سمعت عيسى بن يونس مفتي أهل طرسوس يقول: أمر عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقطعها؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة ~~(8). PageV02P248 # قال ابن وضاح (1): وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان ~~تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي صلى الله ms310 عليه وسلم، ما عدا قباء وحده (2). # قال: وسمعتهم يذكرون أن سفيان (3) دخل مسجد بيت المقدس، فصلى فيه، ولم ~~يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة (4) فيها. وكذلك فعل غيره أيضا ممن يقتدى به. # وقدم وكيع أيضا مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان. # قال ابن وضاح (5): فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض ~~من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرا عند من مضى؟ # وقد كان مالك يكره كل بدعة وإن كانت في خير (6). # وجميع هذا ذريعة لئلا يتخذ سنة ما ليس بسنة، أو يعد مشروعا ما ليس بمشروع ~~(7). # وقد كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة، وكان ~~يكره مجيء قبور الشهداء (8)، ويكره مجيء قباء خوفا من ذلك، مع ما جاء في ~~الآثار من الترغيب فيه (9). PageV02P249 # ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك تركوه. # وقال ابن كنانة وأشهب: سمعنا مالكا يقول لما أتاها (1) سعد (2) بن أبي ~~وقاص؛ قال: وددت أن رجلي تكسرت وأني لم أفعل (3) (4). # وسئل ابن كنانة عن الآثار التي تركوا بالمدينة، فقال: أثبت ما في ذلك ~~عندنا قباء (5)، إلا أن مالكا كان يكره مجيئها خوفا من أن تتخذ (6) سنة ~~(7). # وقال سعيد بن حسان (8): كنت أقرأ على ابن نافع، فلما مررت بحديث التوسعة ~~ليلة عاشوراء (9) PageV02P250 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P251 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P252 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P253 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P254 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P255 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P256 # قال لي: حوق (1) عليه، قلت: ولم ذلك يا أبا محمد؟ قال: خوفا من أن يتخذ ~~سنة. PageV02P257 # فهذه أمور جائزة أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفا من البدعة؛ لأن ~~اتخاذها سنة إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا شأن السنة، ~~وإذا جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شك. # فإن قيل: فكيف (1) صارت هذه الأشياء من البدع الإضافية، والظاهر منها ~~أنها بدع حقيقية؛ لأن تلك الأشياء إذا عمل بها على اعتقاد أنها سنة، فهي ~~حقيقية إذ لم يضعها صاحب السنة؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا ~~الوجه (2)، فصارت (3) مثل ما إذا صلى الظهر على أنها غير واجبة واعتقدها ~~عبادة، فإنها بدعة ms311 من غير إشكال، هذا إذا نظرنا إليها بمآلها، وإذا نظرنا ~~إليها أولا فهي مشروعة من غير نسبة إلى بدعة أصلا؟ # فالجواب: أن السؤال صحيح، إلا أن لوضعها أولا نظرين: # أحدهما: من حيث هي مشروعة؛ فلا كلام فيها. # والثاني: من حيث صارت كالسبب الموضوع لاعتقاد البدعة أو للعمل بها على ~~غير السنة، فهي من هذا الوجه (4) غير مشروعة؛ لأن وضع الأسباب للشارع لا ~~للمكلف، والشارع لم يضع الصلاة في مسجد قباء أو بيت المقدس مثلا سببا لأن ~~تتخذ سنة، فوضع المكلف لها كذلك رأي غير مستند إلى الشرع، فكان ابتداعا. ~~PageV02P258 # وهذا معنى كونها بدعة إضافية. # أما إذا استقر السبب وظهر عنه مسببه الذي هو اعتقاد العمل سنة، والعمل ~~على وفقه، فذلك بدعة حقيقية لا إضافية، ولهذا الأصل أمثلة كثيرة وقعت ~~الإشارة إليها في أثناء (1) الكلام، معنى للتكرار. # وإذا ثبت في الأمور المشروعة أنها قد تعد بدعا بالإضافة، فما ظنك بالبدع ~~الحقيقية؛ فإنها قد يجتمع (2) فيها أن تكون حقيقية وإضافية معا لكن من ~~جهتين، فإن (3) بدعة "أصبح ولله الحمد" (4) في نداء الصبح ظاهرة، ثم لما ~~عمل بها في المساجد والجماعات، مواظبا عليها، لا تترك كما لا تترك الواجبات ~~وما أشبهها، كان تشريعها (5) أولا يلزمه أن يعتقد فيها الوجوب أو السنة، ~~وهذا ابتداع ثان إضافي. ثم إذا اعتقد فيها ثانيا السنية (6) أو الفرضية ~~صارت بدعة من ثلاثة أوجه، ومثله يلزم في كل بدعة أظهرت والتزمت. وأما إذا ~~خفيت واختص بها صاحبها فالأمر عليه أخف، فيالله ويا للمسلمين! ماذا يجني ~~المبتدع على نفسه مما لا يكون في حسابه؟ وقانا الله شرور أنفسنا بفضله. ~~PageV02P259 ### | ### | فصل # # من تمام ما قبله # وذلك أنه وقعت نازلة بإمام (1) مسجد ترك ما عليه الناس بالأندلس؛ من ~~الدعاء للناس بآثار الصلوات بالهيئة الاجتماعية على الدوام وهو أيضا معهود ~~في أكثر البلاد، فإن الإمام إذا سلم من الصلاة يدعو للناس ويؤمن الحاضرون ، ~~وزعم التارك أن تركه بناء منه على أنه لم يكن من (2) فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولا ms312 فعل الأئمة بعده؛ حسبما نقله العلماء في دواوينهم عن ~~السلف والفقهاء. # أما أنه لم يكن من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فظاهر؛ لأن حاله ~~عليه السلام في أدبار الصلوات مكتوبات أو نوافل كان بين أمرين: إما أن يذكر ~~الله تعالى ذكرا هو في العرف غير دعاء، فليس للجماعة منه حظ، إلا أن يقولوا ~~مثل قوله، أو نحوا من قوله؛ كما في غير أدبار الصلوات؛ كما جاء أنه كان (3) ~~يقول في دبر كل صلاة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله ~~الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (4). # وقوله: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام تباركت ذا (5) الجلال PageV02P260 # والإكرام" (1). # وقوله: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * (2) وسلام على المرسلين *} ~~{والحمد لله رب العالمين} (3)، ونحو ذلك، فإنما كان يقوله في خاصة نفسه ~~كسائر الأذكار، فمن قال مثل قوله فحسن، ولا يمكن في هذا كله هيئة اجتماع. # وإن كان دعاء فعامة ما جاء من دعائه عليه السلام بعد الصلاة مما سمع منه ~~إنما كان يخص به نفسه دون الحاضرين، كما في الترمذي (4) عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة ~~المكتوبة رفع يديه ... ، الحديث، إلى قوله: ويقول عند انصرافه من الصلاة: ~~"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي (5) لا ~~إله إلا أنت". حسن صحيح (6). PageV02P261 # وفي رواية أبي داود (1): كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من ~~الصلاة قال: "اللهم! اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما ~~أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت". # وخرج أبو داود (2): كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول دبر صلاته ~~(3): "اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد [أنك أنت الرب وحدك لا شريك لك، ~~اللهم ربنا ms313 ورب كل شيء، أنا شهيد] (4) أن محمدا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ~~ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل (5) شيء ~~اجعلني مخلصا لك وأهلي في كل ساعة في الدنيا والآخرة، يا ذا الجلال ~~والإكرام، اسمع واستجب، الله أكبر الأكبر (6)، الله نور السموات والأرض، ~~الله أكبر الأكبر (7)، حسبي الله ونعم الوكيل". # ولأبي داود في الباب (8): "رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي ~~(9)، وامكر لي ولا تمكر (10) علي، واهدني ويسر هداي إلي، PageV02P262 # وانصرني على من بغى علي ... " إلى آخر الحديث (1). # وفي النسائي (2) أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول في دبر الفجر إذا ~~PageV02P263 # صلى: "اللهم إني (1) أسألك علما نافعا، وعملا متقبلا، ورزقا طيبا". # وعن بعض الأنصار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر ~~الصلاة: "اللهم! اغفر لي، وتب علي إنك أنت التواب الغفور (2) ... "، حتى ~~بلغ (3) مائة مرة. وفي رواية: أن هذه الصلاة كانت صلاة الضحى (4). # فتأملوا سياق هذه الأدعية كلها مساق تخصيص نفسه بها دون الناس، أفيكون ~~(5) مثل هذا حجة لفعل الناس اليوم؟! إلا أن يقال: قد جاء الدعاء للناس في ~~مواطن، كما في الخطبة التي استسقى فيها للناس (6)، ونحو ذلك. فيقال: نعم! ~~فأين التزام ذلك جهرا للحاضرين في دبر كل صلاة؟ PageV02P264 # ثم نقول: إن العلماء يقولون في مثل الدعاء والذكر الوارد على إثر الصلاة: ~~إنه مستحب، لا سنة ولا واجب، وهو دليل على أمرين: # أحدهما: أن هذه الأدعية لم تكن منه عليه السلام على الدوام. # والثاني: أنه لم يكن يجهر بها دائما، ولا يظهرها للناس في غير مواطن ~~التعليم، إذ لو كانت على الدوام وعلى الإظهار لكانت سنة، ولم يسع العلماء ~~أن يقولوا فيها بغير السنة، إذ خاصية السنة (1) حسبما ذكروه : الدوام ~~والإظهار في مجامع الناس. ولا يقال: لو كان دعاؤه عليه السلام سرا لم يؤخذ ~~عنه، لأنا نقول: من كانت عادته الإسرار فلا بد أن يظهر منه، أو يظهر منه ~~ولو مرة، إما بحكم العادة، وإما (2) بقصد التنبيه على التشريع. ms314 # فإن قيل: ظواهر الأحاديث (3) تدل على الدوام (4)؛ بقول الرواة: "كان ~~يفعل"، فإنه يدل على الدوام؛ كقولهم: "كان حاتم يكرم الضيفان". قلنا: ليس ~~كذلك، بل تطلق (5) على الدوام، وعلى الكثرة (6) والتكرار على الجملة، كما ~~جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن ~~ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة (7). # وروت أيضا أنه كان عليه الصلاة والسلام ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء ~~(8). PageV02P265 # بل قد تأتي (1) في بعض الأحاديث: "كان يفعل" فيما لم يفعله إلا مرة ~~واحدة، نص عليه أهل الحديث (2). # ولو كان يداوم (3) المداومة التامة للحق بالسنن؛ كالوتر وغيره، ولو سلم، ~~فأين هيئة الاجتماع؟ # فقد حصل أن الدعاء بهيئة الاجتماع دائما لم يكن من فعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، كما لم يكن من (4) قوله، ولا من (3) إقراره. # وروى البخاري (5) من حديث أم سلمة: أنه صلى الله عليه وسلم كان يمكث إذا ~~سلم يسيرا. قال ابن شهاب: حتى ينصرف النساء (6) فيما نرى. # وفي مسلم (7) عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم (8) ~~كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "اللهم أنت (9) السلام ومنك السلام ~~تباركت ذا (10) الجلال والإكرام". # وأما فعل الأئمة بعده: فقد نقل الفقهاء من حديث أنس في غير كتب الصحيح : ~~صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا سلم (11) يقوم، وصليت خلف أبي ~~بكر رضي الله عنه، فكان إذا سلم وثب كأنه على رضفة (12)؛ يعني: الحجر ~~المحمى. PageV02P266 # ونقل ابن يونس الصقلي عن ابن وهب، عن خارجة: أنه كان يعيب على الأئمة ~~قعودهم بعد السلام، وقال: إنما كانت الأئمة ساعة تسلم (1) تقوم (2). # وقال ابن عمر: جلوسه بدعة (3). PageV02P267 # وعن ابن مسعود (1) رضي الله عنه قال: لأن يجلس على الرضف (2) خير له من ~~ذلك. # وقال مالك في "المدونة" (3): إذا سلم فليقم ولا يقعد، إلا أن يكون في سفر ~~أو في فنائه. # وعد الفقهاء إسراع القيام ساعة يسلم من فضائل الصلاة، ووجهوا ذلك بأن ~~جلوسه هنالك يدخل عليه ms315 فيه كبر وترفع على الجماعة، وانفراده بموضع عنهم يرى ~~به الداخل أنه إمامهم، وأما انفراده به حال (4) الصلاة فضرورة (5). # قال بعض شيوخنا الذين استفدنا بهم (6): وإذا كان هذا في انفراده في ~~الموضع، فكيف بما انضاف إليه من تقدمه أمامهم في التوسل به بالدعاء ~~والرغبة، وتأمينهم على دعائه جهرا؟ قال: ولو كان هذا حسنا لفعله النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ولم ينقل ذلك (7) أحد من العلماء، ~~مع تواطئهم (8) على نقل جميع أموره، حتى: هل كان ينصرف من الصلاة عن ~~اليمين؟ أو عن (9) الشمال؟ # وقد نقل ابن بطال (10) عن علماء السلف إنكار ذلك، والتشديد فيه على من ~~فعله بما فيه كفاية. PageV02P268 # هذا ما نقله الشيخ بعد أن جعل الدعاء بإثر الصلاة بهيئة الاجتماع دائما ~~بدعة قبيحة، واستدل على عدم ذلك في الزمان الأول بسرعة القيام للانصراف ~~(1)؛ لأنه مناف للدعاء لهم وتأمينهم على دعائه، بخلاف الذكر، ودعاء الإنسان ~~لنفسه، فإن الانصراف وذهاب الإنسان لحاجته غير مناف لهما. # فبلغت الكائنة (2) بعض شيوخ العصر فرد على ذلك الإمام ردا أقذع (3) فيه، ~~على خلاف ما عليه (4) الراسخون، وبلغ من الرد بزعمه (5) إلى أقصى غاية ما ~~قدر عليه، واستدل بأمور إذا تأملها الفطن عرف ما فيها، كالأمر بالدعاء إثر ~~الصلاة قرآنا وسنة، وهو كما تقدم لا دليل فيه، ثم ضم إلى ذلك جواز الدعاء ~~بهيئة الاجتماع في الجملة، لا في (6) أدبار الصلوات، ولا دليل فيه أيضا كما ~~تقدم ؛ لاختلاف المناطين (7). # وأما في التفصيل: فزعم أنه ما زال (8) معمولا به في جميع أقطار الأرض أو ~~في جلها (9) من الأئمة في مساجد الجماعات من غير نكير، إلا نكير أبي عبد ~~الله الباروني (10)، ثم أخذ في ذمه. PageV02P269 # وهذا النقل تجوز (1) بلا شك؛ لأنه نقل إجماع يجب على الناظر فيه والمحتج ~~به (2) قبل التزام عهدته أن يبحث عنه بحث أهل العلم (3) عن الإجماع؛ لأنه ~~لا بد من النقل عن جميع المجتهدين من هذه الأمة، من أول زمان الصحابة رضي ~~الله عنهم إلى الآن، هذا أمر مقطوع به. ms316 ولا خلاف أنه لا اعتبار بإجماع ~~العوام وإن ادعوا الإمامة. # وقوله: "من غير نكير": تجوز، بل ما زال الإنكار عليهم من الأئمة. فقد نقل ~~الطرطوشي (4) عن مالك في ذلك أشياء تخدم المسألة، فحصل إنكار مالك لما في ~~زمانه، وإنكار الإمام الطرطوشي في زمانه، واتبع هذا أصحابه، وهذا أصحابه. ~~ثم القرافي (5) قد عد ذلك من البدع المكروهة على مذهب مالك، وسلمه ولم ~~ينكره (6) عليه أهل زمانه فيما نعلمه ، مع زعمه أن من البدع ما هو حسن. # ثم الشيوخ الذين كانوا بالأندلس حين دخلتها هذه البدعة حسبما يذكر بحول ~~الله قد أنكروها، وكان من معتقدهم في تركها (7): أنه مذهب مالك. وكان ~~الزاهد أبو عبد الله ابن مجاهد (8) وتلميذه أبو عمران الميرتلي (9) رحمهما ~~الله ملتزمين لتركها، حتى اتفق للشيخ أبي عبد الله في ذلك ما سيذكر (10) إن ~~شاء الله (11). PageV02P270 # قال بعض شيوخنا رادا على بعض من نصر هذا العمل: بأنا (1) قد شاهدنا ~~الأئمة (2) الفقهاء الصلحاء، المتبعين للسنة، المتحفظين بأمور دينهم يفعلون ~~(3) ذلك أئمة ومأمومين، ولم نر من ترك ذلك إلا من شذ في أحواله ، فقال (4): ~~وأما احتجاج (5) منكر ذلك بأن هذا لم يزل الناس يفعلونه، فلم يأت بشيء؛ لأن ~~الناس الذين يقتدى بهم ثبت أنهم لم يكونوا يفعلونه. قال: ولما كثرت (6) ~~البدع والمخالفات، وتواطأ الناس عليها؛ صار الجاهل (7) يقول: لو كان هذا ~~منكرا لما فعله الناس. ثم حكى أثر "الموطأ" (8): "ما أعرف شيئا مما أدركت ~~عليه الناس إلا النداء بالصلاة". قال: فإذا كان هذا في عهد التابعين يقول: ~~كثرت الإحداثات، فكيف بزماننا؟! ثم هذا الإجماع لو ثبت لزم منه محظور؛ لأنه ~~مخالف لما نقل عن الأولين من تركه، فصار نسخ إجماع بإجماع، وهذا محال في ~~الأصول. # وأيضا فلا يكون (9) مخالفة المتأخرين لإجماع المتقدمين على سنة حجة على ~~تلك السنة أبدا، فما أشبه هذه المسألة بما حكي عن أبي علي بن شاذان (10) ~~PageV02P271 # بسند يرفعه إلى عبد الله (1) بن إسحاق الجعفري؛ قال: كان عبد الله بن ~~الحسن يعني ابن الحسن بن علي بن أبي طالب ms317 رضي الله عنهم يكثر الجلوس إلى ~~ربيعة (2)، فتذاكروا (3) يوما [السنن] (4)، فقال رجل كان في المجلس: ليس ~~العمل على (5) هذا، فقال عبد الله: أرأيت إن كثر الجهال حتى يكونوا هم ~~الحكام، أفهم الحجة على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أبناء ~~الأنبياء. انتهى. # إلا أني لا أقول الجهال، بل (6) أقول: أرأيت إن كثر المقلدون، ثم أحدثوا ~~بآرائهم فحكموا بها، أفهم الحجة على السنة؟ لا (7) ولا كرامة! # ثم عضد ما ادعاه بأشياء من جملتها: قوله: ومن أمثال الناس: "أخطئ مع ~~الناس ولا تصب وحدك"؛ أي: إن خطأهم هو الصواب، وصوابك هو الخطأ. # قال: وهو معنى (8) ما جاء في الحديث (9): "عليك بالجماعة، فإنما يأكل ~~الذئب (10) القاصية" (11). فجعل تارك الدعاء على الكيفية المذكورة ~~PageV02P272 # مخالفا للإجماع كما ترى ، وحض على اتباع الناس وترك المخالفة؛ لقوله عليه ~~الصلاة والسلام: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (1)، وكل ذلك مبني على الإجماع ~~الذي ذكروا (2): أن الجماعة هم جماعة الناس كيف كانوا، وسيأتي (3) بيان (4) ~~معنى الجماعة المذكورة في حديث الفرق، وأنها المتبعة للسنة وإن كانت رجلا ~~واحدا في العالم. # قال بعض الحنابلة (5): "لا تعبأ بما يفرض (6) من المسائل، ويدعى فيها ~~الصحة بمجرد التهويل، أو بدعوى أن لا خلاف في ذلك، وقائل ذلك لا يعلم أحدا ~~قال فيها بالصحة فضلا عن نفي الخلاف فيها، وليس الحكم فيها من الجليات التي ~~لا يعذر (7) المخالف فيها (8). # قال: وفي مثل هذه المسائل قال الإمام أحمد بن حنبل (9): "من PageV02P273 # ادعى الإجماع فهو كاذب، وإنما هذه دعوى بشر (1)، وابن علية (2)، يريدون ~~أن يبطلوا السنن بذلك". يعني أحمد: أن المتكلمين في الفقه من (3) أهل البدع ~~إذا ناظرتهم بالسنن والآثار قالوا: هذا خلاف الإجماع (4)، وذلك القول الذي ~~يخالف ذلك الحديث لا يحفظونه إلا عن بعض فقهاء أهل (5) المدينة أو فقهاء ~~(6) الكوفة مثلا ، فيدعون الإجماع من قلة معرفتهم بأقاويل العلماء، ~~واجترائهم على رد السنن بالآراء، حتى كان بعضهم تسرد عليه الأحاديث الصحيحة ~~في خيار المجلس ونحوه من الأحكام فلا يجد له (7) معتصما إلا أن يقول: هذا ~~لم يقل به ms318 أحد من العلماء، وهو لا يعرف إلا أبا حنيفة أو مالكا (8) ~~[وأصحابهما] (9)، لم يقولوا بذلك، ولو كان له علم لرأى من الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم ممن (10) قال بذلك خلقا كثيرا" (11). # ففي هذا الكلام إرشاد لمعنى ما نحن فيه، وأنه لا ينبغي أن ينقل حكم شرعي ~~عن أحد من أهل العلم إلا بعد تحققه والتثبت؛ لأنه مخبر عن حكم الله، فإياكم ~~والتساهل! فإنه مظنة (12) الخروج عن الطريق الواضح إلى البنيات (13). ~~PageV02P274 # ثم عد من المفاسد في (1) مخالفة الجمهور: أنه يرميهم بالتجهيل أو التضليل ~~(2)، وهذه (3) دعوى على (4) من خالفه فيما قال، وعلى تسليمها، فليست بمفسدة ~~على فرض اتباع السنة، وقد جاء عن السلف الحض على العمل بالحق، وعدم (5) ~~الاستيحاش من قلة أهله (6). # وأيضا فمن شنع على المبتدع بلفظ الابتداع، فأطلق العبارة بالنسبة إلى ~~المجتمعين يوم عرفة بعد العصر للدعاء (7) في غير عرفة ... ، إلى نظائرها، ~~فتشنيعه حق كما نقوله (8) بالنسبة إلى بشر المريسي ومعبد الجهني وفلان ~~وفلان، ولا ندخل (9) بذلك إن شاء الله في حديث: "من قال: هلك الناس، فهو ~~أهلكهم" (10)؛ لأن المراد أن يقول ذلك ترفعا على الناس واستحقارا، وأما إن ~~قاله تحزنا وتحسرا عليهم (11) فلا بأس. # قال بعضهم: ونحن نرجو أن نؤجر (12) على ذلك إن شاء الله. # فالاستدلال به ليس على وجهه (13). PageV02P275 # وعد من المفاسد: الخوف من فساد نيته بما يدخل عليه من العجب والشهرة ~~المنهي عنها، فكأنه يقول: اترك اتباع السنة في زمان الغربة خوف الشهرة ~~ودخول العجب. وهذا شديد من القول، وهو معارض (1) بمثله، فإن انتصابه لأن ~~يكون داعيا للناس بإثر (2) صلواتهم دائما مظنة لفساد نيته بما يدخل عليه من ~~العجب والشهرة، وهو تعليل القرافي (3)، وهو أولى؛ لأنه (4) في طريق ~~الاتباع، فصار تركه للدعاء لهم مقرونا بالاقتداء (5)، بخلاف الداعي، فإنه ~~في غير طريق من تقدم؛ فهو أقرب إلى فساد النية. # وعد منها ما يظن به من (6) القول برأي أهل البدع القائلين بأن الدعاء غير ~~نافع، وهذا كالذي قبله؛ لأنه يقول للناس: اتركوا اتباع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ترك الدعاء ms319 بهيئة الاجتماع بعد الصلوات لئلا يظن بك (7) الابتداع، ~~وهذا كما ترى. # قال ابن العربي (8): ولقد كان شيخنا أبو بكر الفهري (9) يرفع يديه عند ~~الركوع، وعند رفع الرأس منه، وهو مذهب مالك والشافعي، وتفعله الشيعة. قال: ~~فحضر عندي يوما في محرس ابن الشواء (10) بالثغر موضع تدريسي عند صلاة ~~الظهر، ودخل المسجد من المحرس المذكور، فتقدم إلى الصف الأول وأنا في مؤخره ~~قاعد على طاقات البحر، أتنسم الريح PageV02P276 # من شدة الحر، ومعي في صف واحد أبو ثمنة رايس (1) البحر وقائده مع نفر (2) ~~من أصحابه ينتظر الصلاة، ويتطلع على مراكب المنار (3)، فلما رفع الشيخ ~~الفهري يديه في الركوع وفي رفع الرأس منه؛ قال أبو ثمنة وأصحابه: ألا ترون ~~إلى هذا المشرقي كيف دخل مسجدنا؟ قوموا إليه فاقتلوه، وارموا به في البحر؛ ~~فلا يراكم أحد. فطار قلبي من بين جوانحي، وقلت: سبحان الله! هذا الطرطوشي ~~فقيه الوقت! فقالوا لي (4): ولم يرفع يديه؟ فقلت: كذلك كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يفعل (5)، وهو مذهب مالك (6) في رواية أهل المدينة عنه، وجعلت ~~أسكنهم وأسكتهم (7) حتى فرغ من صلاته، وقمت معه إلى المسكن من المحرس، ورأى ~~تغير (8) وجهي فأنكره، وسألني فأعلمته، فضحك، وقال: ومن (9) أين لي أن أقتل ~~على سنة؟ فقلت له: ويحل لك هذا؟! فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك، ~~وربما ذهب دمك، فقال: دع هذا الكلام وخذ في غيره. # فتأملوا هذه (10) القصة ففيها الشفاء؛ إذ لا مفسدة في الدنيا توازي ~~PageV02P277 # مفسدة إماتة النفس (1)، وقد حصلت النسبة إلى البدعة، ولكن الطرطوشي رحمه ~~الله لم (2) ير ذلك شيئا، فكلامه للاتباع أولى من كلام هذا الراد، إذ ~~بينهما في العلم ما بينهما. # وأيضا فلو اعتبر ما قال لزم اعتبار مثله (3) في كل من أنكر الدعاء بهيئة ~~الاجتماع يوم عرفة في غير عرفة، ومنهم: نافع مولى ابن عمر (4)، ومالك (5)، ~~PageV02P278 # والليث (1)، وعطاء (2)، وغيرهم من السلف (3)، ولما كان ذلك غير لازم ~~فمسألتنا كذلك. # ثم ختم هذا الاستدلال الإجماعي بقوله: وقد اجتمع أئمة الإسلام في مساجد ~~الجماعات في هذه الأعصار ms320 في (4) جميع الأقطار على الدعاء أدبار الصلوات ~~(5)، فيشبه أن يدخل ذلك مدخل حجة إجماعية عصرية. # فإن أراد الدعاء على هيئة الاجتماع دائما لا يترك كما يفعل بالسنن وهي ~~مسألتنا المفروضة ، فقد تقدم ما فيه. PageV02P279 ### | ### | فصل # # ثم أتى بمأخذ آخر من الاستدلال على صحة ما زعم، وهو أن الدعاء على ذلك ~~الوجه لم يرد في الشرع نهي عنه، مع وجود الترغيب فيه على الجملة، ووجود ~~العمل به، فإن صح أن السلف لم يعملوا به، فالترك ليس بموجب لحكم في ~~المتروك؛ إلا جواز الترك وانتفاء الحرج خاصة، لا تحريم ولا كراهية. # وجميع ما قاله مشكل على قواعد العلم، وخصوصا في العبادات التي هي مسألتنا ~~، إذ ليس لأحد من خلق الله أن يخترع في الشريعة من رأيه أمرا لا يدل (1) ~~عليه منها دليل؛ لأنه عين البدعة، وهذا كذلك، إذ لا دليل فيها على اتخاذ ~~الدعاء جهرا للحاضرين في آثار الصلوات دائما، على حد ما تقام السنن (2)، ~~بحيث يعد الخارج عنها (3) خارجا عن جماعة أهل الإسلام، متحيزا (4) ومتميزا ~~إلى سائر ما ذكر. وكل ما لا دليل (5) عليه فهو البدعة. # وإلى هذا (6): فإن ذلك الكلام يوهم أن اتباع المتأخرين المقلدين خير من ~~اتباع السلف الصالحين (7)، ولو كان في أحد جائزين، فكيف إذا كان في أمرين ~~أحدهما متيقن أنه صحيح، والآخر مشكوك فيه؟ فيتبع PageV02P280 # المشكوك في صحته، ويترك ما لا مرية في صحته، ويؤنب (1) من يتبعه. # ثم إطلاقه القول بأن الترك لا يوجب حكما في المتروك إلا جواز الترك، غير ~~جار على أصول الشرع الثابتة. فلنقرر (2) هنا أصلا لهذه المسألة لعل الله ~~ينفع به من أنصف من نفسه: # وذلك أن سكوت الشارع عن الحكم في مسألة ما، أو تركه لأمر ما على ضربين: # أحدهما: أن يسكت عنه أو يتركه لأنه لا داعية له تقتضيه، ولا موجب يقرر ~~لأجله، ولا وقع سبب تقريره؛ كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها، وإنما حدثت بعد ذلك، ~~فاحتاج ms321 أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تبين في الكليات التي ~~كمل بها الدين، وإلى هذا الضرب يرجع جميع ما نظر فيه السلف الصالح مما لم ~~(3) يبينه (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخصوص مما هو معقول ~~المعنى؛ كتضمين الصناع، ومسألة الحرام (5)، والجد مع الإخوة، وعول الفرائض، ~~ومنه: جمع المصحف، ثم تدوين الشرائع، وما أشبه ذلك مما لم يحتج في زمانه ~~عليه السلام إلى تقريره؛ لتقديم (6) كلياته التي تستنبط منها، إذا (7) لم ~~تقع أسباب الحكم فيها، ولا الفتوى بها منه عليه الصلاة والسلام، فلم يذكر ~~لها حكم مخصوص. # فهذا الضرب إذا حدثت أسبابه فلا بد من النظر فيه وإجرائه على PageV02P281 # أصوله إن كان من العاديات، أو من العباديات (1) التي لا يمكن الاقتصار ~~فيها على ما سمع، كمسائل السهو والنسيان في أجزاء (2) العبادات. ولا إشكال ~~في هذا الضرب؛ لأن أصول الشرع عتيدة، وأسباب تلك (3) الأحكام لم تكن في ~~زمان الوحي، فالسكوت عنها على الخصوص ليس بحكم يقتضي جواز الترك أو غير ~~ذلك، بل إذا عرضت النوازل روجع بها أصولها فوجدت فيها، ولا يجدها من ليس ~~بمجتهد، وإنما يجدها المجتهدون الموصوفون في علم أصول الفقه. # والضرب الثاني: أن يسكت الشارع عن الحكم الخاص، أو يترك أمرا ما من ~~الأمور (4)، وموجبه المقتضي له قائم، وسببه في زمان الوحي وفيما بعده موجود ~~ثابت، إلا أنه لم يحدد فيه أمر زائد على ما كان في ذلك الوقت، فالسكوت في ~~هذا الضرب كالنص على أن القصد الشرعي فيه أن لا يزاد فيه على ما كان (5) من ~~الحكم العام في أمثاله، ولا ينقص منه؛ لأنه لما كان المعنى الموجب لشرعية ~~الحكم العملي (6) الخاص موجودا، ثم لم يشرع، ولا نبه على استنباطه (7)؛ كان ~~صريحا في أن الزائد على ما ثبت هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لقصد الشارع؛ إذ ~~فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك، لا الزيادة عليه، ولا النقصان منه. # ولذلك مثال فيما نقل عن مالك بن أنس في سماع أشهب وابن نافع هو غاية ms322 فيما ~~نحن فيه، وذلك أن مذهبه في سجود الشكر الكراهية، وأنه ليس بمشروع، وعليه ~~بنى كلامه. # قال في "العتبية" (8): وسئل مالك عن الرجل يأتيه الأمر يحبه PageV02P282 # فيسجد لله عز وجل شكرا؟ فقال: لا يفعل! ليس (1) هذا مما مضى من أمر ~~الناس. قيل له: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه فيما يذكرون سجد يوم ~~اليمامة شكرا لله (2)، أفسمعت ذلك؟ قال: ما سمعت ذلك، وأنا أرى أن (3) قد ~~كذبوا على (4) أبي بكر، وهذا من الضلال أن يسمع المرء الشيء فيقول: هذا شيء ~~(5) لم أسمع له خلافا. فقيل له: إنما نسألك لنعلم رأيك فنرد ذلك به. فقال: ~~نأتيك بشيء آخر أيضا (6) لم تسمعه مني: قد فتح على رسول الله (7) صلى الله ~~عليه وسلم وعلى المسلمين بعده، أفسمعت أن أحدا منهم فعل مثل هذا؟ إذا جاءك ~~مثل هذا (8) مما قد كان في الناس وجرى على أيديهم لا يسمع (9) عنهم فيه ~~شيء، فعليك بذلك، فإنه لو كان لذكر؛ لأنه من أمر PageV02P283 # الناس الذي قد كان فيهم، فهل سمعت أن أحدا منهم سجد؟ فهذا إجماع، إذا (1) ~~جاءك أمر لا تعرفه فدعه. # هذا (2) تمام الرواية. وقد احتوت على فرض سؤال والجواب عنه (3) بما تقدم. # وتقرير السؤال أن يقال في البدعة مثلا : إنها فعل سكت الشارع عن حكمه في ~~الفعل والترك، فلم يحكم عليه بحكم على الخصوص، فالأصل جواز فعله، كما أن ~~الأصل (4) جواز تركه، إذ هو في (5) معنى الجائز، فإن كان له أصل جملي فأحرى ~~أن يجوز فعله حتى يقوم الدليل على منعه أو كراهته (6)، وإذا كان كذلك، فليس ~~هنا مخالفة لقصد الشارع، ولا ثم دليل خالفه هذا النظر، بل حقيقة ما نحن فيه ~~أنه (7) أمر مسكوت عنه عند الشارع، والسكوت من الشارع لا يقتضي مخالفة ولا ~~موافقة، ولا يعين الشارع قصدا ما دون ضده وخلافه، وإذا ثبت هذا فالعمل به ~~ليس بمخالف؛ إذ لم يثبت في الشريعة نهي عنه. # وتقرير الجواب: معنى ما ذكره مالك رحمه الله، وهو أن السكوت (8) عن حكم ~~الفعل أو الترك ms323 هنا إذا وجد المعنى المقتضي له إجماع من كل ساكت على أن لا ~~زائد على ما كان؛ إذ لو كان ذلك لائقا شرعا أو سائغا لفعلوه، فهم كانوا أحق ~~بإدراكه والسبق إلى العمل به، وذلك إذا نظرنا إلى المصالح (9)؛ فإنه لا ~~يخلو: إما (10) أن يكون في هذا (11) الأحداث مصلحة أو لا. والثاني لا يقول ~~به أحد. والأول إما أن تكون تلك المصلحة الحادثة آكد (12) من المصلحة ~~الموجودة في زمان التشريع (13) أو لا. ولا يمكن أن تكون (14) PageV02P284 # آكد (1) مع كون المحدثة زيادة؛ لأنها زيادة (2) تكليف، ونقصه (3) عن ~~المكلف أحرى بالأزمنة المتأخرة؛ لما يعلم من قصور الهمم واستيلاء الكسل، ~~ولأنه خلاف بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة (4)، ورفع الحرج ~~عن الأمة، وذلك في تكليف العبادات؛ لأن العادات أمر آخر كما سيأتي وقد مر ~~منه (5)، فلم يبق إلا أن تكون (6) المصلحة الظاهرة الآن مساوية للمصلحة ~~الموجودة في زمان التشريع، أو أضعف منها. وعند ذلك يصير هذا (7) الإحداث ~~عبثا، أو استدراكا على الشارع؛ لأن تلك المصلحة الموجودة في زمان التشريع ~~إن حصلت للأولين من غير هذا الإحداث، فالإحداث (8) إذا عبث، إذ لا يصح أن ~~يحصل للأولين دون الآخرين، مع فرض التزام العمل بما عمل به الأولون من ترك ~~الزيادة، وإن لم تحصل للأولين وحصلت للآخرين (9)، فقد صارت هذه الزيادة ~~تشريعا بعد الشارع يسبب (10) للآخرين (11) ما فات للأولين (12)، فلم يكمل ~~(13) الدين إذا دونها، ومعاذ الله من هذا المأخذ. PageV02P285 # وقد ظهر من العادات الجارية فيما نحن فيه: أن ترك الأولين لأمر ما من غير ~~أن يعينوا فيه وجها مع احتماله في الأدلة الجملية، ووجود المظنة (1)، دليل ~~على أن ذلك الأمر لا يعمل به، وأنه إجماع منهم على تركه. # قال ابن رشد (2) في شرح مسألة "العتبية": الوجه في ذلك أنه (3) لم يره ~~مما شرع في الدين يعني سجود الشكر فرضا ولا نفلا، إذ لم يأمر (4) بذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا فعله، ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله، ~~والشرائع لا تثبت إلا من أحد ms324 هذه الوجوه (5). قال: واستدلاله على أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده: بأن ذلك لو كان ~~لنقل: صحيح (6)؛ إذ لا يصح أن تتوفر دواعي المسلمين (7) على ترك نقل شريعة ~~من شرائع الدين، وقد أمروا بالتبليغ. # قال: وهذا أصل من الأصول (8)، وعليه يأتي إسقاط الزكاة من الخضر والبقول ~~مع وجوب (9) الزكاة فيها بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت ~~السماء والعيون والبعل: العشر، وفيما سقي بالنضح: نصف العشر" (10) ؛ لأنا ~~لو أنزلنا (11) ترك نقل أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة منها كالسنة ~~القائمة في أن لا زكاة فيها، فكذلك ننزل (12) ترك نقل السجود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الشكر كالسنة القائمة في أن لا سجود فيها. ثم حكى (13) ~~PageV02P286 # خلاف الشافعي والكلام عليه. والمقصود من المسألة: توجيه مالك لها من حيث ~~إنها بدعة، لا توجيه أنها بدعة على الإطلاق (1). # وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل، وأنه بدعة منكرة؛ من حيث ~~وجد في زمانه عليه السلام المعنى المقتضي للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة ~~التحليل ليتراجعا كما كانا أول مرة، وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة ~~رفاعة (2) على رجوعها إليه؛ دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها. ~~وهو أصل صحيح، إذا اعتبر؛ وضح به ما نحن بصدده؛ لأن التزام الدعاء بآثار ~~الصلوات جهرا للحاضرين في مساجد الجماعات لو كان مستحسنا (3) شرعا أو جائزا ~~؛ لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بذلك (4) أن يفعله. # وقد علل المنكر هذا الموضع بعلل تقتضي المشروعية، وبنى على فرض أنه لم ~~يأت ما يخالفه، وأن الأصل الجواز في كل مسكوت عنه. # أما أن الأصل الجواز فيمنع (5)؛ لأن طائفة من العلماء يذهبون إلى أن ~~الأشياء قبل وجود الشرع على المنع دون الإباحة، فما الدليل على ما قال من ~~الجواز؟ وإن سلمنا له ما قال، فهل هو على الإطلاق أم لا؟ أما في العاديات ~~فمسلم، ولا نسلم أن ما نحن فيه من العاديات، بل من ms325 العباديات، ولا يصح أن ~~يقال فيما فيه تعبد: إنه مختلف فيه على قولين: هل هو على المنع، أم هو على ~~الإباحة؟ بل هو أبدا (6) على المنع؛ لأن PageV02P287 # التعبديات (1) إنما وضعها (2) للشارع، فلا يقال في صلاة سادسة مثلا : ~~إنها على الإباحة، فللمكلف وضعها على أحد القولين ليتعبد بها لله؛ لأنه ~~باطل بإطلاق، وهو أصل كل مبتدع يريد أن يستدرك على الشارع. ولو سلم أنه من ~~قبيل العاديات، أو من قبيل ما يعقل معناه، فلا يصح العمل به أيضا؛ لأن ترك ~~العمل به من النبي صلى الله عليه وسلم في جميع عمره، وترك السلف الصالح له ~~على توالي أزمنتهم قد تقدم أنه نص في الترك، وإجماع من كل من ترك؛ لأن عمل ~~الإجماع كنصه، كما أشار إليه مالك في كلامه (3). # وأيضا فما يعلل به (4) لا يصح التعليل به، وقد أتى الراد بأوجه منه: # أحدها: أن الدعاء بتلك الهيئة ليظهر وجه التشريع في الدعاء، وأنه بآثار ~~الصلوات مطلوب. # وما قاله يقتضي أن يكون سنة بسبب الدوام والإظهار في الجماعات والمساجد، ~~وليس بسنة اتفاقا (5) منا ومنه، فانقلب إذا وجه التشريع. # وأيضا فإن إظهار التشريع كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أولى، ~~فكانت تلك الكيفية المتكلم فيها أولى بالإظهار (6)، ولما (7) لم يفعله عليه ~~الصلاة والسلام؛ دل على الترك مع وجود المعنى المقتضي، فلا يمكن بعد زمانه ~~في تلك الكيفية إلا الترك. # والثاني: أن الإمام يجمعهم على الدعاء ليكون باجتماعهم أقرب إلى الإجابة. # وهذه العلة كانت موجودة (8) في زمانه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يكون ~~أحد أسرع إجابة لدعائه منه؛ إذ كان مجاب الدعوة بلا إشكال، بخلاف غيره وإن ~~عظم قدره في الدين ، فلا يبلغ رتبته، فهو كان أحق بأن يزيدهم الدعاء لهم ~~خمس مرات في اليوم والليلة زيادة إلى دعائهم لأنفسهم. PageV02P288 # وأيضا: فإن قصد الاجتماع على الدعاء لا يكون بعد زمانه أبلغ في البركة من ~~اجتماع يكون فيه سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكانوا بالتنبه ~~(1) لهذه المنقبة أولى. # والثالث: قصد التعليم ms326 للدعاء؛ ليأخذوا من دعائه ما يدعون به لأنفسهم؛ ~~لئلا يدعوا بما لا يجوز عقلا أو شرعا. # وهذا التعليل لا ينهض؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان المعلم الأول، ~~ومنه تلقينا ألفاظ الأدعية ومعانيها، وقد كان من العرب من يجهل قدر ~~الربوبية فيقول (2): # رب العباد ما لنا وما لكا (3) ... أنزل علينا الغيث لا أبالكا (4) # وقال الآخر (5): # لا هم إن كنت الذي بعهدي ... ولم تغيرك الأمور بعدي # وقال الآخر: # أبني ليتي (6) لا أحبكم ... وجد الإله بكم كما أجد PageV02P289 # وهي ألفاظ يفتقر أصحابها إلى التعليم، وكانوا قريبي (1) عهد بجاهلية، ~~تعامل الأصنام معاملة الرب الواحد سبحانه، ولا تنزهه كما يليق بجلاله، فلم ~~يشرع لهم دعاء بهيئة الاجتماع في آثار الصلوات دائما ليعلمهم أو يغنيهم عن ~~(2) التعلم (3) إذا صلوا معه، بل علم في مجالس التعليم، ودعا لنفسه إثر ~~الصلاة حين بدا له ذلك؛ ولم يلتفت إذ ذاك إلى النظر للجماعة، وهو كان أولى ~~الخلق بذلك. # والرابع: أن في الاجتماع على الدعاء تعاونا على البر والتقوى، وهو مأمور ~~به. # وهذا الاحتجاج (4) ضعيف؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أنزل ~~عليه: {وتعاونوا على البر والتقوى} (5)، وكذلك فعل، ولو كان الاجتماع ~~للدعاء إثر الصلاة جهرا للحاضرين من باب البر والتقوى؛ لكان أول سابق إليه، ~~لكنه لم يفعله أصلا، ولا أحد بعده حتى حدث ما حدث، فدل على أنه ليس على ذلك ~~الوجه ببر (6) ولا تقوى. # والخامس: أن عامة الناس لا علم لهم باللسان العربي، فربما لحن، فيكون ~~اللحن سبب عدم الإجابة. وحكى عن الأصمعي في ذلك حكاية شعرية لا فقهية (7). ~~PageV02P290 # وهذا الاحتجاج (1) إلى اللعب أقرب منه إلى الجد، وأقرب ما فيه أن أحدا من ~~العلماء لا يشترط في الدعاء أن لا يلحن كما يشترط الإخلاص وصدق التوجه (2)، ~~وعزم المسألة، وغير ذلك من الشروط. وتعلم (3) اللسان العربي لإصلاح الألفاظ ~~في الدعاء وإن كان الإمام أعرف به ؛ هو كسائر ما يحتاج إليه الإنسان من أمر ~~دينه. فإن كان الدعاء مستحبا، فالقراءة واجبة، والفقه في الصلاة كذلك، فإن ms327 ~~كان تعليم (4) الدعاء إثر الصلاة مطلوبا، فتعليم (5) فقه الصلاة آكد، فكان ~~من حقه أن يجعل ذلك من وظائف آثار الصلوات (6). # فإن قال (7) بموجبه في الحزب (8) المتعارف، فهذه القاعدة تجتث أصله؛ لأن ~~السلف الصالح كانوا أحق بالسبق إلى فضله؛ لجميع ما ذكر فيه من الفوائد، ~~ولذلك قال مالك بن أنس (9) فيها: أترى الناس اليوم كانوا أرغب في الخير ممن ~~مضى؟ وهو إشارة إلى الأصل المذكور، وهو أن المعنى المقتضي للإحداث وهو ~~الرغبة في الخير كان أتم في السلف الصالح، وهم لم يفعلوه، فدل أنه لا يفعل. # وأما ما ذكر من آداب (10) الدعاء: فكله مما لا يتعين له (11) إثر الصلاة، ~~بدليل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم منها جملة كافية، ولم يعلم ~~منها شيئا إثر الصلاة، ولا تركهم دون تعليم ليأخذوا ذلك منه في آخر الصلاة، ~~أو ليستغنوا بدعائه (12) عن تعليم ذلك، ومع أن الحاضرين للدعاء لا يحصل لهم ~~من الإمام في ذلك كبير شيء، وإن حصل فلمن كان قريبا منه دون من بعد. ~~PageV02P291 ### | ### | فصل # # ثم استدل المستنصر (1) بالقياس، فقال: وإن صح أن السلف لم يعملوا به؛ فقد ~~عمل السلف بما لم يعمل به من قبلهم مما (2) هو خير. ثم قال بعد: قد قال عمر ~~بن عبد العزيز رضي الله عنه: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" ~~(3)، فكذلك تحدث لهم مرغبات في (4) الخير بقدر ما أحدثوا من الفتور. # وهذا الاستدلال غير جار على الأصول: أما أولا: فإنه في مقابلة النص، وهو ~~ما أشار إليه مالك في مسألة "العتبية" (5)، فذلك من باب فساد الاعتبار. ~~PageV02P292 # وأما ثانيا: فإنه قياس على نص لم يثبت بعد من طريق صحيح؛ إذ من الناس من ~~طعن فيه، ومن شرط الأصل المقيس عليه أن يثبت النقل فيه من طريق (1) مرضي، ~~وهذا ليس كذلك. # وأما ثالثا: فإن كلام عمر بن عبد العزيز فرع اجتهادي جاء عن رجل مجتهد ~~يمكن أن يخطىء فيه؛ كما يمكن أن يصيب، وإنما حقيقة الأصل أن يأتي عن النبي ~~صلى الله ms328 عليه وسلم، أو عن أهل الإجماع، وهذا ليس عن (2) واحد (3) منهما. # وأما رابعا: فإنه قياس بغير معنى جامع، أو بمعنى جامع طردي (4)، ولكن ~~الكلام فيه سيأتي إن شاء الله في الفرق بين المصالح المرسلة والبدع. # وقوله: "إن السلف عملوا بما لم يعمل به من قبلهم": حاشا لله أن يكونوا ~~ممن يدخل تحت هذه الترجمة. # وقوله: "مما هو خير": أما بالنسبة إلى السلف فما عملوا به (5) خير، وأما ~~فرعه المقيس فكونه خيرا دعوى؛ لأن كون الشيء خيرا أو شرا لا يثبت إلا ~~بالشرع، وأما العقل فبمعزل عن ذلك، فليثبت (6) أولا أن (7) الدعاء على تلك ~~الهيئة خير شرعا. # وأما قياسه على قوله: "تحدث للناس أقضية": فمما تقدم (8). وفيه ~~PageV02P293 # أمر آخر، وهو التصريح بأن إحداث العبادات جائز قياسا على قول عمر، وإنما ~~كلام عمر بعد تسليم القياس عليه في معنى عادي يختلف فيه مناط الحكم الثابت ~~فيما تقدم؛ كتضمين الصناع واشتراط الخلطة (1)، أو الظنة في توجيه الأيمان، ~~دون مجرد الدعاوى، فيقول: إن الأولين توجهت عليهم بعض الأحكام لصحة الأمانة ~~والديانة والفضيلة، فلما حدثت (2) أضدادها اختلف المناط فوجب اختلاف الحكم، ~~وهو حكم رادع أهل الباطل عن باطلهم، فأثر هذا المعنى ظاهر مناسب، بخلاف ما ~~نحن فيه؛ فإنه على الضد من ذلك، ألا ترى أن الناس قد (3) وقع فيهم الفتور ~~عن الفرائض فضلا عن النوافل وهي ما هي في (4) القلة والسهولة ؟ فما ظنك بهم ~~إذا زيد عليهم أشياء أخر يرغبون فيها، ويحرضون (5) على استعمالها، فلا شك ~~أن الوظائف تتكاثر حتى يؤدي إلى أعظم من الكسل الأول، أو إلى (6) ترك ~~الجميع، فإن حدث للعامل بالبدعة هوى (7) في بدعته، أو لمن شايعه فيها، فلا ~~بد من كسله عما (8) هو أولى (9). # فنحن نعلم أن ساهر ليلة النصف من شعبان (10) لتلك الصلاة المحدثة لا ~~يأتيه الصبح إلا وهو نائم، أو في غاية الكسل، فيخل PageV02P294 # بصلاة الصبح، وكذلك سائر المحدثات، فصارت هذه الزيادة عائدة على ما هو ~~أولى منها بالإبطال أو الإخلال. وقد مر في النقل (1) أن بدعة لا تحدث ms329 (2) ~~إلا ويموت من السنة ما هو خير منها. # وأيضا فإن هذا القياس مخالف لأصل شرعي، وهو طلب النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالسهولة والرفق والتيسير وعدم التشديد (3)، وزيادة وظيفة لم تشرع، فتظهر ~~ويعمل بها دائما في مواطن السنن، فهو تشديد بلا شك. وإن سلمنا ما قال، فقد ~~وجد كل مبتدع من العامة السبيل إلى إحداث البدع، وأخذ هذا الكلام بيده حجة ~~وبرهانا على صحة ما يحدثه كائنا ما كان، وهو مرمى بعيد. # ثم استدل على جواز الدعاء إثر الصلاة في الجملة، ونقل في ذلك PageV02P295 # عن مالك وغيره أنواعا من الكلام، وليس محل النزاع (1)، بل جعل الأدلة ~~شاملة لتلك الكيفية المذكورة، وعقب ذلك بقوله: وقد تظاهرت الأحاديث والآثار ~~وعمل الناس وكلام العلماء على هذا المعنى كما قد ظهر. قال: ومن المعلوم أنه ~~عليه السلام كان الإمام في الصلوات، وأنه لم يكن ليخص نفسه بتلك الدعوات، ~~إذ قد جاء من سنته: "لا يحل لرجل أن يؤم قوما إلا بإذنهم، ولا يخص نفسه ~~بدعوة دونهم؛ فإن فعل فقد خانهم" (2). فتأملوا يا أولي الألباب! فإن عامة ~~النصوص فيما سمع من أدعيته في أدبار الصلوات إنما كان دعاء لنفسه، وهذا ~~الكلام يقول فيه: إنه لم يكن ليخص نفسه بالدعاء دون الجماعة، وهذا تناقض، ~~والله (3) نسأل التوفيق. PageV02P296 # وإنما حمل الناس الحديث على دعاء الإمام في نفس الصلاة من السجود وغيره، ~~لا فيما حمله عليه هذا المتأول، ولما لم يصح العمل بذلك الحديث عند مالك؛ ~~أجاز للإمام أن يخص نفسه بالدعاء دون المأمومين، ذكره في "النوادر" (1). # ولما اعترضه كلام العلماء وكلام السلف مما تقدم ذكره، أخذ يتأول ويوجه ~~كلامهم على طريقته المرتكبة (2)، ووقع له فيه (3) كلام على غير تأمل لا ~~يسلم ظاهره من التناقض والتدافع لوضوح أمره، وكذلك في تأويل الأحاديث التي ~~نقلها، لكن تركت هنا استيفاء الكلام عليها لطوله، وقد ذكرته في غير هذا ~~الموضع، والحمد لله على ذلك (4). PageV02P297 # فصل (1) # ويمكن أن يدخل في البدع الإضافية كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين: أهو بدعة ~~فينهى عنه؟ ms330 أم غير بدعة فيعمل به؟ فإنا إذا اعتبرناه بالأحكام الشرعية ~~وجدناه من المشتبهات التي ندبنا (2) إلى تركها حذرا من الوقوع في المحظور ~~(3)، والمحظور هنا هو العمل بالبدعة. فإذا العامل به لا يقطع أنه عمل ~~ببدعة، كما أنه (4) لا يقطع أنه عمل بسنة، فصار من جهة هذا التردد غير عامل ~~ببدعة حقيقية، ولا يقال أيضا: إنه خارج عن العمل بها جملة. # وبيان ذلك: أن النهي الوارد في المشتبهات (5) إنما هو حماية أن يوقع (6) ~~في ذلك الممنوع الواقع فيه الاشتباه، فإذا اختلطت الميتة بالذكية نهيناه عن ~~الإقدام، فإن أقدم أمكن عندنا أن يكون آكلا للميتة (7) في الاشتباه (8)؛ ~~فالنهي الأخف إذا منصرف نحو الميتة في الاشتباه، كما انصرف إليها النهي ~~الأشد في التحقق. PageV02P298 # وكذلك اختلاط الرضيعة بالأجنبية: النهي في الاشتباه منصرف إلى الرضيعة ~~كما انصرف إليها في التحقق، وكذلك سائر المشتبهات، إنما ينصرف نهي الإقدام ~~على المشتبه إلى خصوص الممنوع المشتبه، فإذا الفعل الدائر بين كونه سنة أو ~~بدعة إذا نهي عنه؛ من (1) باب الاشتباه، فالنهي منصرف إلى العمل بالبدعة؛ ~~كما انصرف إليه عند تعينها، فهو إذا في الاشتباه (2) نهي عن البدعة في ~~الجملة، فمن أقدم على العمل فقد أقدم على (3) منهي عنه في باب البدعة؛ لأنه ~~محتمل أن يكون بدعة في نفس الأمر، فصار من هذا الوجه كالعامل بالبدعة ~~المنهي عنها. وقد مر أن البدعة الإضافية هي الواقعة ذات وجهين، فلذلك قيل: ~~إن هذا القسم من قبيل البدع الإضافية، ولهذا النوع أمثلة: # أحدها: إذا تعارضت الأدلة على المجتهد في أن العمل الفلاني مشروع يتعبد ~~به، أو غير مشروع فلا يتعبد به (4)، ولم يتبين له جمع بين الدليلين (5)، ~~ولا إسقاط (6) أحدهما (7) بنسخ أو ترجيح أو غيرهما؛ فقد ثبت في الأصول أن ~~فرضه التوقف. فلو عمل بمقتضى دليل التشريع من غير مرجح لكان عاملا بمتشابه؛ ~~لإمكان صحة الدليل بعدم المشروعية. وقد نهى الشرع عن الإقدام على ~~المتشابهات، كما أنه لو أعمل دليل عدم المشروعية من غير مرجح، لكان عاملا ~~بمتشابه (8)، فالصواب الوقوف عن الحكم ms331 رأسا، وهو الفرض في حقه. PageV02P299 # والثاني: إذا تعارضت الأقوال على المقلد في المسألة بعينها، فقال بعض ~~العلماء: يكون العمل بدعة، وقال بعضهم: ليس ببدعة، ولم يتبين له الأرجح من ~~العالمين بأعلمية أو غيرها؛ فحقه الوقوف والسؤال عنهما حتى يتبين له ~~الأرجح، فيميل إلى تقليده دون الآخر، فإن أقدم على تقليد أحدهما من غير (1) ~~مرجح؛ كان حكمه حكم المجتهد إذا أقدم على العمل بأحد الدليلين من غير ~~ترجيح، فالمثالان في المعنى واحد. # والثالث: أنه ثبت في الصحاح (2) عن الصحابة رضي الله عنهم: أنهم كانوا ~~(3) يتبركون (4) بأشياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ففي البخاري (5) عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالهاجرة، فأتي بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل ~~وضوئه فيتمسحون به ... ، الحديث، وفيه: كان إذا توضأ يقتتلون على وضوئه. # وعن المسور رضي الله عنه (6) في حديث الحديبية : "وما تنخم (7) النبي صلى ~~الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده". # وخرج غيره من ذلك كثيرا؛ في التبرك بشعره، (8) وثوبه، (9) PageV02P300 # وغيرهما (1)، حتى إنه صلى الله عليه وسلم (2) مس ناصية (3) أحدهم بيده، ~~فلم يحلق ذلك الشعر (4) الذي مسه عليه السلام حتى مات (5). # وبالغ بعضهم في ذلك حتى شرب دم حجامته (6)، إلى أشياء PageV02P301 # لهذا (1) كثيرة. فالظاهر في مثل هذا النوع أن يكون مشروعا في حق كل (2) ~~من ثبتت ولايته واتباعه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يتبرك بفضل ~~وضوئه، ويتدلك بنخامته، ويستشفى بآثاره كلها، ويرجى فيها (3) نحو مما كان ~~يرجى (4) في آثار المتبوع الأعظم (5) صلى الله عليه وسلم (6). # إلا أنه عارضنا (7) في ذلك أصل مقطوع به في متنه، مشكل في تنزيله، وهو أن ~~الصحابة رضي الله عنهم بعد موته صلى الله عليه وسلم لم يقع من أحد منهم شيء ~~من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم بعده في ~~الأمة أفضل من أبي بكر الصديق (8) رضي الله عنه، فهو كان ms332 خليفته، ولم يفعل ~~به شيء من ذلك (9)، ولا عمر بن الخطاب (10)، وهو كان أفضل الأمة بعده، ثم ~~كذلك عثمان بن عفان (11)، ثم علي بن أبي طالب (12)، ثم (13) سائر (14) ~~الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم (15) لم يثبت لواحد منهم من ~~طريق صحيح معروف أن متبركا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها، بل ~~اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا ~~PageV02P302 # فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فهو إذا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء ~~كلها. # وبقي النظر في وجه ترك ما تركوا منه، وهو يحتمل (1) وجهين: # أحدهما: أن يعتقدوا فيه (2) الاختصاص، وأن مرتبة (3) النبوة يسع فيها ذلك ~~كله؛ للقطع بوجود ما التمسوا (4) من البركة والخير؛ لأنه صلى الله عليه ~~وسلم كان نورا كله في ظاهره وباطنه (5)، فمن التمس منه نورا وجده على أي ~~جهة التمسه، بخلاف غيره من الأمة، فإنه (6) وإن حصل له من نور الاقتداء به ~~والاهتداء بهديه ما شاء الله؛ لا يبلغ مبلغه على حال، ولا يوازيه (7) في ~~مرتبته، ولا يقاربه (8)، فصار هذا النوع مختصا به كاختصاصه بنكاح ما زاد ~~على الأربع (9)، وإحلال بضع الواهبة نفسها له (10)، وعدم PageV02P303 # وجوب القسم على الزوجات (1) وشبه ذلك. فعلى هذا المأخذ: لا يصح لمن بعده ~~الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان ~~اقتداؤه بدعة، كما كان الاقتداء به في الزيادة على أربع نسوة بدعة. # والثاني (2): أن لا يعتقدوا الاختصاص، ولكنهم تركوا ذلك من باب الذرائع ~~خوفا من أن يجعل ذلك سنة كما تقدم ذكره في اتباع الآثار والنهي عن ذلك ، أو ~~لأن (3) العامة لا تقتصر في ذلك على حد، بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ (4) ~~بجهلها في التماس البركة؛ حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج (5) به عن ~~الحد، فربما اعتقدت (6) في المتبرك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل ~~العبادة، ولأجله قطع عمر بن الخطاب (7) رضي الله عنه الشجرة التي بويع ~~تحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم (8)، بل هو كان ms333 أصل عبادة الأوثان في ~~الأمم الخالية حسبما ذكره أهل السير (9) ، فخاف عمر PageV02P304 # رضي الله عنه أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة حتى تعبد من دون ~~الله، فكذلك يتفق عند التوغل في التعظيم. # ولقد حكى الفرغاني مذيل "تاريخ الطبري" عن الحلاج أن أصحابه بالغوا في ~~التبرك به حتى كانوا يتمسحون ببوله، ويتبخرون بعذرته، حتى ادعوا فيه ~~الإلهية، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا (1). # ولأن الولاية وإن ظهر لها في الظاهر آثار، فقد يخفى أمرها؛ لأنها في ~~الحقيقة راجعة إلى أمر باطن لا يعلمه إلا الله، فربما ادعيت الولاية لمن ~~ليس بولي، أو ادعاها (2) هو لنفسه، أو أظهر (3) خارقة من خوارق العادات هي ~~من باب الشعوذة، لا من باب الكرامة، أو من باب السيمياء (4)، أو الخواص، أو ~~غير ذلك. والجمهور (5) لا يعرفون الفرق بين (6) الكرامة والسحر، فيعظمون من ~~ليس بعظيم، ويقتدون بمن لا قدوة فيه وهو الضلال البعيد ، إلى غير ذلك من ~~المفاسد. فترك الصحابة رضي الله عنهم (7) العمل بما تقدم وإن كان له أصل ؛ ~~لما يلزم عليه من الفساد في الدين. PageV02P305 # وقد يظهر بأول وهلة (1) أن هذا الوجه الثاني أرجح؛ لما ثبت في الأصول ~~العلمية: أن كل مزية (2) أعطيها النبي صلى الله عليه وسلم فإن لأمته ~~أنموذجا منها، مالم يدل دليل على الاختصاص؛ كما ثبت أن كل ما عمل به عليه ~~السلام فإن اقتداء الأمة به مشروع، مالم يدل دليل على الاختصاص (3). # إلا أن الوجه الأول أيضا راجح (4) من جهة أخرى، وهو إطباقهم على الترك ~~(5)؛ إذ لو كان اعتقادهم التشريع لعمل به بعضهم بعده، أو عملوا به ولو في ~~بعض الأحوال، إما وقوفا مع أصل المشروعية، وإما بناء على اعتقاد انتفاء ~~العلة الموجبة للامتناع. # وقد خرج ابن وهب في "جامعه" (6) من حديث يونس بن يزيد، عن PageV02P306 # ابن شهاب؛ قال: حدثني رجل من الأنصار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا توضأ أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته فشربوه ~~ومسحوا به جلودهم، فلما رآهم يصنعون ms334 ذلك سألهم: "لم تفعلون هذا؟ " قالوا: ~~نلتمس الطهور والبركة بذلك، فقال لهم (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم "من ~~كان منكم يحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث، وليؤد الأمانة، ولا يؤذ ~~جاره". # فإن صح هذا النقل فهو مشعر بأن الأولى تركه (2)، وأن يتحرى ما ~~PageV02P307 # هو الآكد والأحرى (1) من وظائف التكليف، وما يلزم (2) الإنسان في خاصة ~~نفسه، ولم يثبت من ذلك كله إلا ما كان من قبيل الرقية وما يتبعها، أو دعاء ~~الرجل لغيره على وجه سيأتي بحول الله. # فقد صارت المسألة من أصلها دائرة بين أمرين: أن تكون مشروعة، وأن تكون ~~بدعة (3)، فدخلت تحت حكم المتشابه، والله أعلم. PageV02P308 ### | ### | فصل # # ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية (1): أن يكون أصل العبادة ~~مشروعا، إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل، توهما أنها باقية على ~~أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي، أو يطلق تقييدها، ~~وبالجملة فتخرج عن حدها الذي حد لها. # ومثال ذلك أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشارع (2) ~~بوقت دون وقت، ولا حد فيه زمانا (3) دون زمان، ما عدا ما نهي عن صيامه على ~~الخصوص كالعيدين (4)، أو ندب (5) إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء (6). يقول ~~(7): فأنا أخص (8) منه يوما من الجمعة (9) بعينه، أو أياما من الشهر ~~بأعيانها، لا من جهة ما عينه الشارع، فإن ذلك ظاهر، بل (10) من جهة اختيار ~~المكلف؛ كيوم الأربعاء مثلا في الجمعة، والسابع والثامن في الشهر، وما أشبه ~~ذلك، بحيث لا يقصد بذلك وجها بعينه مما يقصده العاقل؛ كفراغه في ذلك الوقت ~~من الأشغال المانعة من الصوم، أو تحري أيام النشاط والقوة، بل يصمم على تلك ~~PageV02P309 # الأيام تصميما (1) لا ينثني عنه. فإذا قيل له: لم خصصت تلك الأيام دون ~~غيرها؟ لم يكن له بذلك حجة غير التصميم، أو يقول: إن الشيخ الفلاني مات ~~فيه، أو ما أشبه ذلك. فلا شك أنه رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع ~~أياما بأعيانها (2) دون غيرها، فصار ذلك (3) التخصيص من المكلف ms335 بدعة؛ إذ هي ~~تشريع بغير مستند. # ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها ~~تخصيصا؛ كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو ~~الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة، أو بختم القرآن فيها، أو ما أشبه ذلك ~~(4)، فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق، أو بقصد يقصد مثله ~~أهل العقل؛ كالفراغ (5) والنشاط، كان تشريعا زائدا. # ولا حجة له في أن يقول: إن هذا الزمان (6) ثبت فضله على غيره، فيحسن فيه ~~إيقاع العبادات؛ لأنا نقول: هذا الحسن هل ثبت له أصل أم لا؟ فإن ثبت فليست ~~مسألتنا (7)؛ كما ثبت الفضل في قيام ليالي رمضان (8)، وصيام ثلاثة أيام من ~~كل شهر (9)، وصيام الإثنين (10) PageV02P310 # والخميس (1)، وإن (2) لم يثبت فما مستندك فيه والعقل لا يحسن ولا يقبح، ~~ولا شرع يستند إليه؟ فلم يبق إلا أنه ابتداع في التخصيص؛ كإحداث الخطب، ~~وتحري ختم القرآن في بعض ليالي رمضان. # ومن ذلك: التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل مغزاه (3)، فإنه من باب ~~وضع الحكمة غير موضعها، فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها وهو الغالب ، ~~وذلك (4) فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق، أو إلى (5) العمل بالباطل. وإما أن ~~لا يفهم منها شيئا، وهو أسلم، ولكن المحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون، بل ~~صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله. PageV02P311 # ثم إن ألقاها (1) لمن لا يعقلها (2) في معرض الانتفاع بها (3) بعد ~~تعقلها؛ كان من باب التكليف بما لا يطاق، وقد جاء النهي عن ذلك. # فخرج أبو داود (4) حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن ~~الغلوطات (5). قالوا: وهي صعاب (6) المسائل، أو شرار المسائل. # وفي الترمذي أو غيره (7) : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا PageV02P312 # رسول الله! أتيتك لتعلمني من غرائب العلم، فقال رسول الله (1) صلى الله ~~عليه وسلم: "ما صنعت في رأس العلم؟ " قال: وما رأس العلم؟ قال: "هل عرفت ~~الرب؟ " قال: نعم. قال: "فما صنعت في حقه؟ " قال: ما ms336 شاء الله، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "اذهب فأحكم ما هنالك، ثم تعال أعلمك من غرائب ~~العلم". # وهذا المعنى هو مقتضى الحكمة: ألا تعلم (2) الغرائب إلا بعد إحكام ~~الأصول، وإلا دخلت الفتنة. وقد قالوا في العالم الرباني: إنه الذي يربي ~~بصغار العلم قبل كباره (3). # وهذه الجملة شاهدها في الحديث الصحيح مشهور. وقد ترجم على ذلك البخاري ~~(4)، فقال: "باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية (5) أن لا يفهموا"، ثم ~~أسند (6) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "حدثوا الناس بما ~~يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ " (7)، ثم ذكر (8) حديث معاذ الذي ~~أخبر به عند موته تأثما، وإنما لم يذكره إلا عند موته؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يأذن له في ذلك لما خشي من تنزيله غير منزلته، وعلمه معاذا ~~لأنه من أهله. PageV02P313 # وفي مسلم (1) موقوفا (2) على (3) ابن مسعود رضي الله عنه قال: "ما أنت ~~بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". # قال ابن وهب (4): وذلك أن يتأولوه غير تأويله، ويحملوه على غير وجهه. # وخرج شعبة (5) عن كثير بن مرة الحضرمي أنه قال: إن عليك في علمك حقا، كما ~~أن عليك في مالك حقا، لا تحدث بالعلم غير أهله فتجهل، ولا تمنع العلم أهله ~~فتأثم، ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك (6)، ولا تحدث بالباطل عند ~~الحكماء فيمقتوك. # وقد ذكر العلماء هذا المعنى في كتبهم وبسطوه بسطا شافيا والحمد لله. ~~وإنما نبهنا عليه لأن كثيرا ممن لا يقدر قدر هذا الموضع يزل فيه، فيحدث ~~الناس بما لا تبلغه عقولهم، وهو على خلاف الشرع وما كان عليه سلف هذه ~~الأمة. # ومن ذلك أيضا: جميع ما تقدم في فصل: السنة التي يكون العمل بها ذريعة إلى ~~البدعة (7)؛ من حيث إنها أنواع (8) عمل بها لم (9) يعمل PageV02P314 # بها (1) سلف هذه (2) الأمة. # ومنه: تكرار السورة الواحدة في التلاوة أو في الركعة الواحدة، فإن ~~التلاوة لم تشرع على ذلك الوجه، ولا أن يخص من القرآن شيء (3) دون شيء، ms337 لا ~~في صلاة ولا في غيرها، فصار المخصص لها عاملا برأيه في التعبد لله. # وخرج ابن وضاح (4) عن مصعب قال: سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة: {قل هو ~~الله أحد *}، لا يقرأ غيرها كما يقرؤها، فكرهه وقال: إنما أنتم متبعون، ~~فاتبعوا الأولين، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا، وإنما أنزل القرآن ليقرأ ولا ~~يخص شيء دون شيء. # وخرج أيضا (5) وهو في "العتبية" (6) من سماع ابن القاسم عن مالك رحمه ~~الله: أنه سئل عن قراءة: {قل هو الله أحد *} مرارا في ركعة واحدة (7)، فكره ~~ذلك، وقال: هذا من محدثات الأمور التي أحدثوا. # ومحمل هذا عند ابن رشد (8) من باب الذريعة، ولأجل ذلك لم يأت مثله عن ~~السلف (9)، وإن كانت تعدل ثلث القرآن؛ كما في "الصحيح" (10)، وهو صحيح من ~~التأويل (11)، فتأمله في الشرح (12). PageV02P315 # وفي الحديث أيضا ما يشعر بأن التكرار كذلك عمل محدث في مشروع الأصل بناء ~~على ما قاله ابن رشد فيه. # ومن ذلك قراءة القرآن بهيئة الاجتماع، وكذلك الاجتماع (1) عشية عرفة في ~~المسجد للدعاء؛ تشبها بأهل عرفة (2)، ونقل الأذان يوم الجمة من المنار ~~وجعله قدام الإمام. # ففي سماع ابن القاسم (3): وسئل (4) عن القرى التي لا يكون فيها إمام إذا ~~صلى بهم رجل منهم الجمعة: أيخطب بهم؟ قال: نعم! لا تكون الجمعة إلا بخطبة. ~~فقيل له: أفيؤذن قدامه؟ قال: لا، واحتج على ذلك بفعل أهل المدينة. # قال ابن رشد (5): الأذان بين يدي الإمام في الجمعة مكروه؛ لأنه محدث. ~~قال: وأول من أحدثه هشام بن عبد الملك، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا زالت (6) الشمس وخرج؛ رقى المنبر، فإذا رآه المؤذنون وكانوا ثلاثة ~~قاموا فأذنوا في المشربة (7) واحدا بعد واحد كما يؤذنون (8) في غير الجمعة، ~~فإذا فرغوا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته (9). PageV02P316 # ثم تلاه على ذلك (1) أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فزاد عثمان رضي الله ~~عنه لما كثر الناس أذانا بالزوراء (2) عند زوال الشمس، يؤذن الناس فيه بذلك ~~أن الصلاة قد حضرت، وترك الأذان في ms338 المشربة (3) بعد جلوسه على المنبر على ~~ما كان عليه، فاستمر الأمر على ذلك إلى زمان هشام بن عبد الملك (4)، فنقل ~~الأذان الذي كان بالزوراء إلى المشربة (3)، ونقل الأذان الذي كان بالمشربة ~~(3) بين يديه، وأمرهم أن يؤذنوا صفا (5). وتلاه على ذلك من بعده من الخلفاء ~~إلى زماننا هذا. قال ابن رشد: وهو بدعة. قال: والذي فعله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون بعده هو السنة. # وذكر ابن حبيب ما كان من (6) فعله عليه السلام وفعل (7) الخلفاء ~~PageV02P317 # بعده كما ذكره (1) ابن رشد وكأنه (2) نقله من كتابه ، وذكر قصة هشام، ثم ~~قال: والذي كان من (3) فعل (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم هو (5) السنة. # وقد حدثني أسد بن موسى، عن يحيى بن سليم، عن جعفر بن محمد، عن جابر بن ~~عبد الله (6): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: "أفضل الهدي ~~هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (7). # وما قاله ابن حبيب من أن (8) الأذان عند صعود الإمام على المنبر كان ~~باقيا في زمان عثمان رضي الله عنه موافق لما نقله أرباب النقل الصحيح، وأن ~~عثمان لم يزد على ما كان قبله إلا الأذان على الزوراء، فصار إذا نقل هشام ~~الأذان المشروع في المنار إلى ما بين يديه بدعة في ذلك المشروع. # فإن قيل: فكذلك أذان الزوراء محدث أيضا، بل هو محدث من أصله، غير منقول ~~من موضعه، فالذي يقال هنا يقال مثله في أذان هشام، بل هو أخف منه. ~~PageV02P318 # فالجواب: أن أذان الزوراء وضع هنالك على أصله؛ من الإعلام بوقت الصلاة، ~~وجعله بذلك الموضع؛ لأنه لم يكن ليسمع إذا وضع بالمسجد كما كان في زمان من ~~قبله، فصارت كائنة أخرى لم تكن فيما تقدم، فاجتهد لها كسائر مسائل ~~الاجتهاد. وحين كان مقصود الأذان الإعلام فهو باق كما كان، فليس وضعه هنالك ~~بمناف؛ إذ لم تخترع فيه أقاويل محدثة، ولا ثبت أن الأذان بالمنار أو في سطح ~~المسجد تعبد (1) غير معقول المعنى، فهو من (2) الملائم من أقسام ms339 المناسب، ~~بخلاف نقله (3) من (4) المنار إلى ما بين يدي الإمام، فإنه قد أخرج بذلك ~~أولا عن أصله من الإعلام؛ إذ لم يشرع لأهل المسجد إعلام بالصلاة إلا ~~بالإقامة، وأذان جمع الصلاتين موقوف على محله، ثم أذانهم على صوت واحد ~~زيادة في الكيفية، فالفرق بين الموضعين واضح، ولا اعتراض بأحدهما على ~~الآخر. # ومن ذلك الأذان والإقامة في العيدين، فقد نقل ابن عبد البر (5) اتفاق ~~الفقهاء على أن لا أذان ولا إقامة فيهما (6)، ولا في شيء من الصلوات ~~المسنونات والنوافل، وإنما الأذان للمكتوبات، وعلى هذا مضى عمل الخلفاء: ~~أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وجماعة الصحابة رضي الله عنهم، وعلماء التابعين، ~~وفقهاء الأمصار. وأول من أحدث الأذان والإقامة في العيدين فيما ذكر ابن ~~حبيب : هشام بن عبد الملك؛ أراد أن يؤذن الناس بالأذان بمجيء (7) الإمام، ~~ثم بدأ بالخطبة قبل الصلاة كما بدأ بها مروان (8)، PageV02P319 # ثم أمر بالإقامة بعد فراغه من الخطبة ليؤذن الناس (1) بفراغه من الخطبة ~~(2) ودخوله في الصلاة لبعدهم عنه. قال: وذلك حين كثر الناس فكان يخفى عليهم ~~مجيء إمامهم وفراغه من الخطبة ودخوله في الصلاة لبعدهم عنه (3). قال: ولم ~~يرد مروان وهشام إلا الاجتهاد (4) فيما رأيا (5)، إلا أنه لا يجوز اجتهاد ~~في خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وقد حدثني ابن الماجشون: أنه ~~سمع مالكا يقول: من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله يقول: {اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (6)، فما لم يكن ~~يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا (7). # وقد روي أن الذي أحدث الأذان معاوية (8) رضي الله عنه، وقيل: زياد، وأن ~~ابن الزبير فعله آخر إمارته (9)، والناس على خلاف هذا النقل. # ولقائل أن يقول: إن الأذان هنا نظير أذان الزوراء لعثمان PageV02P320 # رضي الله عنه، فما (1) تقدم فيه من التوجيه الاجتهادي جار هنا. ولا يكون ~~بسبب ذلك مخالفا للسنة؛ لأن قصة هشام نازلة لا عهد بها فيما تقدم؛ ms340 لأن ~~الأذان إعلام بمجيء الإمام لخفاء مجيئه عن الناس لبعدهم عنه، ثم الإقامة ~~للإعلام (2) بالصلاة، إذ لولا هي لم يعرفوا دخوله في الصلاة، فصار ذلك أمرا ~~لا بد منه كأذان الزوراء. # والجواب: أن مجيء الإمام لما (3) لم يشرع فيه أذان (4) وإن خفي على بعض ~~الناس لبعده بكثرة الناس ، فكذلك لا يشرع فيما بعد؛ لأن العلة كانت موجودة ~~ثم لم يشرع (5)، إذ لا يصح أن تكون العلة غير مؤثرة في زمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم والخلفاء بعده ثم تصير مؤثرة. # وأيضا: فإحداث الأذان والإقامة انبنى على إحداث تقديم الخطبة على الصلاة، ~~وما انبنى على المحدث محدث. # ولأنه لما لم يشرع في النوافل أذان ولا إقامة على حال؛ فهمنا من الشرع ~~التفرقة بين النفل والفرض لئلا تكون (6) النوافل كالفرائض في الدعاء إليها، ~~فكان إحداث الدعاء إلى النوافل لم يصادف محلا. # وبهذه الأوجه الثلاثة يحصل الفرق بين أذان الزوراء وبين ما نحن فيه، فلا ~~يصح أن يقاس أحدهما على الآخر، والأمثلة في هذا المعنى كثيرة. # ومن نوادرها التي لا ينبغي (7) أن تغفل: ما جرى به عمل جملة ممن ينتمي ~~إلى طريقة (8) الصوفية؛ من تربصهم (9) ببعض العبادات أوقاتا معلومة (10) ~~غير ما وقته الشرع فيها، فيضعون نوعا من العبادات المشروعة PageV02P321 # في زمن (1) الربيع، ونوعا آخر في زمن (1) الصيف، ونوعا آخر في زمن (1) ~~الخريف، ونوعا آخر في زمن (1) الشتاء. # وربما وضعوا لأنواع (2) من العبادات لباسا مخصوصا، وطيبا مخصوصا (3)، ~~وأشباه ذلك من الأوضاع الفلسفية، يضعونها شرعية؛ أي متقربا بها إلى الحضرة ~~الإلهية في زعمهم، وربما وضعوها على مقاصد غير شرعية؛ كأهل التصريف ~~بالأذكار (4) والدعوات ليستجلبوا بها الدنيا من المال والجاه والحظوة ورفعة ~~المنزلة، بل ليقتلوا بها إن شاؤوا أو يمرضوا، أو يتصرفوا وفق أغراضهم، فهذه ~~كلها بدع محدثات بعضها أشد من بعض؛ لبعد هذه الأغراض عن (5) مقاصد الشريعة ~~الأمية (6) الموضوعة (7)، مبرأة (8) عن مقاصد المتخرصين (9)، مطهرة لمن ~~تمسك بها عن أوضار اتباع الهوى، إذ كل متدين (10) بها، عارف بمقاصدها؛ ~~ينزهها عن أمثال هذه المقاصد الواهية. فالاستدلال على ms341 بطلان دعاويهم فيها ~~من باب شغل الزمان بغير ما هو أولى. وقد تقرر بحول الله في أصل المقاصد من ~~كتاب "الموافقات" (11) ما يؤخذ منه حكم هذا النمط والبرهان على بطلانه، لكن ~~(12) على وجه كلي مفيد، وبالله التوفيق. # وهذا كله إن فرضنا أصل العبادة مشروعا، فإن كان أصلها غير مشروع؛ فهي ~~بدعة حقيقية مركبة؛ كالأذكار والأدعية التي يزعم (13) PageV02P322 # أهلها أنها مبنية على علم الحروف (1)، وهو الذي اعتنى به البوني (2) ~~وغيره ممن حذا حذوه أو قاربه، فإن ذلك العلم فلسفة ألطف من فلسفة معلمهم ~~الأول؛ وهو أرسطاطاليس (3)، فردوها إلى أوضاع الحروف المعجمة (4)، وجعلوها ~~هي الحاكمة في العالم، وربما أشاروا عند العمل بمقتضى تلك الأذكار وما قصد ~~بها إلى تحري الأوقات والأحوال الملائمة لطبائع الكواكب؛ ليحصل التأثير ~~عندهم وحيا، فحكموا العقول والطبائع كما ترى ، وتوجهوا شطرها، وأعرضوا ~~PageV02P323 # عن رب العقل والطبائع، وإن ظنوا أنهم يقصدونه اعتقادا (1) في استدلالهم ~~لصحة ما انتحلوا على وقوع الأمر وفق ما يقصدون. فإذا توجهوا بالذكر والدعاء ~~(2) المفروض على الغرض المطلوب حصل، سواء عليهم أنفعا كان (3) أم ضرا، ~~وخيرا كان أم شرا، ويبنون على ذلك اعتقاد بلوغ النهاية في إجابة الدعاء، أو ~~حصول (4) نوع من كرامات الأولياء، كلا! ليس طريق الحق (5) من مرادهم، ولا ~~كرامات الأولياء أو إجابة الدعاء من نتائج أورادهم، فلا تلاقي بين الأرض ~~والسماء، ولا مناسبة بين النار والماء. # فإن قلت: فلم يحصل التأثير حسبما قصدوا؟ فالجواب: أن ذلك في الأصل من ~~قبيل الفتنة التي اقتضاها في الخلق: {ذلك} (6) {تقدير العزيز العليم} (7) ~~فالنظر (8) إلى وضع الأسباب والمسببات أحكام وضعها الباري تعالى في النفوس ~~يظهر عندها ما شاء الله من التأثيرات (9)، على نحو ما PageV02P324 # يظهر على المعين (1) عند الإصابة بالعين (2)، وعلى المسحور عند عمل ~~السحر، بل هو بالسحر أشبه؛ لاستمدادهما من أصل واحد. وشاهده: ما جاء في ~~الصحيح خرجه مسلم (3) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن الله يقول: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ~~دعاني". ms342 وفي بعض الروايات (4): "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء"، ~~وشرح هذه المعاني لا يليق بما نحن فيه. # والحاصل: أن وضع الأذكار والدعوات على نحو ما تقدم: من البدع المحدثات، ~~لكن تارة تكون البدعة فيها إضافية؛ باعتبار أصل المشروعية، وتارة تكون ~~حقيقية (5). PageV02P325 ### | فصل # فإن قيل: فالبدع الإضافية هل يعتد بها عبادات حتى تكون من تلك الجهة ~~متقربا بها إلى الله تعالى، أم لا تكون كذلك؟ # فإن كان الأول فلا تأثير إذا لكونها بدعة، ولا فائدة في ذكره، إذ لا يخلو ~~(1) من أحد الأمرين (2): إما أن لا يعتبر بجهة الابتداع في العبادة ~~المفروضة، فتقع مشروعة يثاب عليها، فتصير جهة الابتداع مغتفرة، فلا على ~~المبتدع (3) فيها أن يبتدع. وإما أن يعتبر بجهة الابتداع، فقد صار للابتداع ~~أثر في ترتب الثواب، فلا يصح أن يكون منهيا (4) عنه بإطلاق، وهو خلاف ما ~~تقرر من عموم الذم فيه. وإن كان الثاني: فقد اتحدت البدعة الإضافية مع ~~الحقيقية؛ فالتقسيم (5) الذي انبنى عليه الباب الذي نحن في شرحه لا فائدة ~~فيه. # فالجواب: أن حاصل البدعة الإضافية أنها لا تنحاز إلى جانب مخصوص في ~~الجملة، بل يتجاذبها الأصلان أصل السنة وأصل البدعة ، لكن من وجهين. وإذا ~~كان كذلك اقتضى النظر السابق للذهن أن يثاب العامل بها من جهة ما هو مشروع، ~~ويعاتب من جهة ما هو غير مشروع، إلا أن هذا النظر لا يتحصل؛ لأنه مجمل. ~~PageV02P326 # والذي ينبغي أن يقال: إن (1) جهة البدعة في العمل لا تخلو (2) أن تنفرد ~~أو تلتصق، وإن التصقت فلا تخلو أن تصير وصفا للمشروع غير منفك؛ إما بالقصد، ~~أو بالوضع الشرعي، أو (3) العادي، أو لا (4) تصير وصفا. وإن لم تصر وصفا، ~~فإما أن يكون وضعها ذريعة (5) إلى أن تصير وصفا أو لا. # فهذه أربعة أقسام لا بد من بيانها في تحصيل هذا المطلوب بحول الله تعالى: # فأما القسم الأول وهو أن تنفرد البدعة عن العمل المشروع : فالكلام فيه ~~ظاهر مما تقدم، إلا أنه إن كان وضعه على جهة التعبد فبدعة حقيقية، ms343 وإلا فهو ~~فعل من جملة الأفعال العادية، لا مدخل له فيما نحن فيه. فالعبادة سالمة ~~والعمل العادي خارج (6) من كل وجه. # مثاله: الرجل يريد القيام إلى الصلاة فيتنحنح مثلا، أو يمتخط (7)، أو ~~يمشي خطوات، أو يفعل شيئا ولا يقصد بذلك (8) وجها راجعا إلى الصلاة، وإنما ~~يفعل ذلك عادة أو تعززا (9)، فمثل هذا لا حرج فيه في نفسه، ولا بالنسبة إلى ~~الصلاة، وهو من جملة العادات الجائزة، إلا أنه يشترط فيه أيضا أن لا يكون ~~بحيث يفهم منه الانضمام إلى الصلاة (10) عملا أو قصدا، فإنه إذ ذاك يصير ~~بدعة. وسيأتي بيانه إن شاء الله. # وكذلك أيضا إذا فرضنا أنه فعل فعلا قصد التقرب مما لم يشرع PageV02P327 # أصلا، ثم قام بعده إلى الصلاة المشروعة، ولم يقصد فعله لأجل الصلاة، ولا ~~كان مظنة لأن (1) يفهم منه انضمامه إليها، فلا يقدح في الصلاة، وإنما يرجع ~~الذم فيه إلى العمل به على الانفراد. # ومثله: لو أراد القيام إلى العبادة، ففعل عبادة مشروعة من غير قصد ~~الانضمام، ولا جعله (2) عرضة لقصد انضمامه، فتلك العبادتان على أصالتهما ~~(3). وكقول الرجل عند الذبح أو العتق: اللهم منك وإليك، على غير التزام (4) ~~ولا قصد الانضمام، وكقراءة القرآن في الطواف لا بقصد الطواف ولا على ~~الالتزام، فكل عبادة هنا منفردة عن صاحبتها؛ فلا حرج فيها (5). # وعلى ذلك نقول: لو فرضنا (6) أن الدعاء بهيئة الاجتماع وقع من أئمة ~~الصلوات في (7) المساجد في بعض الأوقات للأمر يحدث؛ من قحط، أو خوف، ونحوه ~~(8) من ملم؛ لكان جائزا (9)؛ لأنه (10) على الشرط المذكور، إذ لم يقع ذلك ~~على وجه يخاف منه مشروعية الانضمام، ولا كونه سنة تقام في الجماعات ويعلن ~~به في المساجد، كما (11) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء الاستسقاء ~~بهيئة (12) الاجتماع وهو يخطب (13)، وكما أنه دعا أيضا (14) في غير أعقاب ~~PageV02P328 # الصلوات على هيئة الاجتماع (1)، لكن في الفرط، وفي بعض الأحايين كسائر ~~المستحبات التي لا يتربص بها وقت (2) بعينه، وكيفية بعينها. # وخرج الطبري (3) عن أبي سعيد مولى [أبي] (4) أسيد؛ قال: كان عمر رضي ms344 الله ~~عنه إذا صلى العشاء أخرج الناس من المسجد، فتخلف ليلة مع قوم يذكرون الله، ~~فأتى عليهم (5) فعرفهم، فألقى درته وجلس معهم، فجعل يقول: يا فلان! ادع ~~الله لنا، يا فلان! ادع الله لنا، حتى صار الدعاء إلى عمر (6)، فكانوا ~~يقولون: عمر فظ غليظ، فلم أر أحدا من الناس تلك الساعة أرق من عمر رضي الله ~~عنه؛ لا ثكلى ولا أحدا (7). PageV02P329 # وعن سلم (1) العلوي (2) قال: قال رجل لأنس رضي الله عنه يوما: يا ~~PageV02P330 # أبا حمزة! لو دعوت لنا بدعوات، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي ~~الآخرة حسنة قال: فأعادها مرارا ثلاثا ، فقال: يا أبا حمزة! لو دعوت لنا ~~(1)، فقال مثل ذلك لا يزيد عليه. # فإذا كان الأمر على هذا فلا إنكار فيه، حتى إذا دخل فيه أمر زائد صار ~~الدعاء بتلك (2) الزيادة مخالفا للسنة. فقد جاء في دعاء الإنسان لغيره (3) ~~الكراهية عن السلف (4)، لا على حكم الأصالة، بل بسبب ما ينضم إليه من ~~الأمور المخرجة عن الأصل. ولنذكره هنا لاجتماع أطراف المسألة في التنبيه ~~(5) على الدعاء بهيئة الاجتماع بآثار الصلوات في الجماعات دائما. # فخرج الطبري (6) عن مدرك بن عمران؛ قال: كتب رجل إلى عمر رضي الله عنه: ~~إني أصبت ذنبا (7) فادع الله لي. فكتب إليه عمر: إني لست بنبي، ولكن إذا ~~أقيمت الصلاة فاستغفر الله لذنبك. # فإباية عمر رضي الله عنه في هذا الموضع ليس من جهة أصل الدعاء، ولكن من ~~جهة أخرى، وإلا تعارض كلامه مع ما تقدم، فكأنه فهم PageV02P331 # من السائل أمرا زائدا على التماس (1) الدعاء، فلذلك قال: لست بنبي. # ويدلك على هذا: ما روي (2) عن سعد (3) بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنه لما ~~قدم الشام أتاه رجل فقال: استغفر لي (4)، فقال: غفر الله لك، ثم أتاه آخر ~~فقال: استغفر لي، فقال: لا غفر الله لك ولا لذاك (5)، أنبي أنا؟!. # فهذا أوضح في أنه فهم من السائل (6) أمرا زائدا، وهو أن يعتقد فيه أنه ~~مثل النبي، أو أنه وسيلة إلى أن يعتقد ذلك، أو يعتقد أنه ms345 سنة تلتزم (7)، أو ~~تجري (8) في الناس مجرى السنن الملتزمة (9). # ونحوه (10) عن زيد بن وهب: أن رجلا قال لحذيفة رضي الله عنه: استغفر لي. ~~فقال: لا غفر الله لك! ثم قال: هذا يذهب إلى نسائه فيقول: استغفر لي حذيفة، ~~أترضى أن أدعو الله أن يجعلك (11) مثل حذيفة؟ فدل هذا على أنه وقع في قلبه ~~أمر زائد يكون الدعاء له ذريعة حتى يخرج عن أصله؛ لقوله بعد ما دعا (12) ~~على الرجل (13): هذا يذهب إلى نسائه فيقول كذا؛ أي: فيأتي نساؤه (14) أيضا ~~(15) لمثلها، ويشتهر الأمر حتى يتخذ سنة، ويعتقد في حذيفة ما لا يدعيه هو ~~لنفسه، وذلك يخرج المشروع عن كونه مشروعا، ويؤدي إلى التشيع واعتقاد أكثر ~~مما يحتاج إليه. PageV02P332 # وقد تبين هذا المعنى بحديث رواه ابن علية، عن ابن عون؛ قال: جاء رجل إلى ~~إبراهيم فقال: يا أبا عمران! ادع الله أن يشفيني. فكره ذلك إبراهيم وقطب ~~(1)، وقال: جاء رجل إلى حذيفة فقال: ادع الله أن يغفر لي. فقال: لا غفر ~~الله لك! فتنحى الرجل فجلس، فلما كان بعد ذلك؛ قال: فأدخلك الله مدخل ~~حذيفة، أقد رضيت الآن؟ يأتي أحدكم الرجل كأنه قد أحصى شأنه، كأنه (2). ثم ~~ذكر إبراهيم السنة، فرغب فيها، وذكر ما أحدث الناس؛ فكرهه (3). # وروى منصور، عن إبراهيم قال: كانوا يجتمعون فيتذاكرون فلا يقول بعضهم ~~لبعض: استغفر لنا (4). # فتأملوا يا أولي الألباب ماذا كره (5) العلماء من هذه الضمائم (6) ~~المنضمة إلى الدعاء، حتى كرهوا الدعاء إذا انضم إليه ما لم يكن عليه سلف ~~الأمة. فقس بعقلك (7) ماذا كانوا يقولون في دعائنا اليوم بآثار الصلوات ~~(8)، بل في كثير من المواطن، وانظروا إلى إشارة (9) إبراهيم بترغيبه (10) ~~في السنة وكراهية (11) ما أحدث الناس؛ بعد تقرير ما تقدم. # وهذه الآثار من تخريج الطبري في "تهذيب (12) الآثار" (13) له. ~~PageV02P333 # وعلى هذا ينبغي (1) أن يحمل (2) ما خرجه ابن وهب، عن الحارث بن نبهان، عن ~~أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أنا ناسا من أهل الكوفة ~~قالوا (3): إن إخوانك (4) من أهل الكوفة (5) يقرؤون عليك ms346 السلام، ويأمرونك ~~أن تدعو لهم وتوصيهم. فقال: اقرؤوا (6) عليهم السلام، ومروهم أن يعطوا ~~القرآن [بخزائمهم] (7)، فإنه يحملهم أو يأخذ بهم على القصد والسهولة، ~~ويجنبهم الجور والحزونة (8)، ولم يذكر أنه دعا لهم. # وأما القسم الثاني وهو أن يصير العمل العادي أو غيره كالوصف للعمل ~~المشروع، إلا أن الدليل دل (9) على أن العمل المشروع لم يتصف في الشرع بذلك ~~الوصف : فظاهر (10) الأمر انقلاب العمل المشروع غير PageV02P334 # مشروع. ويبين (1) ذلك من الأدلة: عموم قوله عليه الصلاة والسلام: "كل عمل ~~ليس عليه أمرنا فهو رد" (2). وهذا العمل عند اتصافه بالوصف المذكور عمل ليس ~~عليه أمره عليه الصلاة والسلام؛ فهو إذا رد؛ كصلاة (3) الفرض مثلا إذا ~~صلاها القادر الصحيح قاعدا، أو سبح في موضع القراءة، أو قرأ (4) في موضع ~~التسبيح، وما أشبه ذلك. # وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر (5)، ونهى ~~عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها (6)، فبالغ كثير من العلماء في تعميم ~~النهي، حتى عدوا صلاة الفرض في ذلك الوقت داخلا تحت النهي، فباشر النهي ~~الصلاة لأجل اتصافها بأنها واقعة في زمان مخصوص، كما اعتبر فيها الزمان ~~باتفاق في الفرض، فلا تصلى الظهر قبل الزوال، ولا المغرب قبل الغروب. # ونهى عليه الصلاة والسلام عن صيام الفطر والأضحى (7)، والاتفاق على بطلان ~~الحج في غير أشهر الحج. فكل من تعبد لله تعالى بشيء من هذه العبادات ~~الواقعة في غير أزمانها فقد تعبد ببدعة حقيقية لا إضافية، فلا جهة لها إلى ~~(8) المشروع، بل غلبت عليها جهة الابتداع، فلا ثواب فيها على ذلك التقدير. # فلو فرضنا قائلا يقول بصحة الصلاة الواقعة في وقت الكراهية، أو ~~PageV02P335 # صحة (1) الصوم الواقع يوم (2) العيد. فعلى فرض (3) أن النهي راجع إلى أمر ~~لم يصر للعبادة كالوصف (4)، بل لأمر (5) منفك منفرد حسبما تبين بحول الله. # ويدخل في هذا القسم: ما جرى به العمل في بعض الناس؛ كالذي حكى القرافي ~~(6) عن العجم في اعتقاد كون صلاة الصبح يوم الجمعة ثلاث ركعات، فإن قراءة ~~سورة السجدة لما التزمت فيها وحوفظ عليها؛ اعتقدوا ms347 فيها الركنية، فعدوها ~~ركعة ثالثة، فصارت السجدة إذا وصفا (7) لازما، أو جزءا (8) من صلاة صبح ~~الجمعة، فوجب أن تبطل. # وعلى هذا (9) الترتيب: ينبغي أن تجري العبادات المشروعة إذا خصت بأزمان ~~مخصوصة بالرأي المجرد، من حيث فهمنا أن للزمان تلبسا بالأعمال. وعلى الجملة ~~(10): فصيرورة ذلك الزائد وصفا للمزيد فيه مخرج له عن أصله، وذلك أن الصفة ~~مع الموصوف من حيث (11) هي صفة له لا تفارقه هي من جملته. # ولذلك لا نقول (12): إن الصفة غير الموصوف (13) إذا كانت لازمة له ~~PageV02P336 # حقيقة أو اعتبارا، ولو فرضنا (1) ارتفاعها عنه لارتفع الموصوف من حيث هو ~~موصوف بها؛ كارتفاع الإنسان بارتفاع الناطق أو الضاحك. فإذا كانت الصفة ~~الزائدة على المشروع على هذه النسبة؛ صار المجموع منهما غير مشروع، فارتفع ~~اعتبار المشروع الأصل (2). # ومن أمثلة ذلك أيضا (3): قراءة القرآن بالإدارة على صوت واحد، فإن تلك ~~الهيئة زائدة على مشروعية القراءة، وكذلك الذكر (4) الجهري (5) الذي اعتاده ~~أرباب الزوايا. # وربما لطف اعتبار الصفة فيشك في بطلان المشروعية، كما وقع في "العتبية" ~~(6) عن مالك؛ في مسألة الاعتماد في الصلاة حتى (7) لا يحرك رجليه، وأن أول ~~من أحدثه رجل قد عرف. قال: وقد كان مساء (8) أي: يساء الثناء (9) عليه ، ~~فقيل له: أفعيب ذلك عليه (10)؟ قال: قد عيب ذلك عليه (11)، هذا مكروه من ~~الفعل. ولم يذكر فيها أن الصلاة باطلة، وذلك لضعف وصف الاعتماد أن يؤثر في ~~الصلاة، ولطفه بالنسبة إلى كمال هيئتها. # وهكذا ينبغي أن يكون النظر في المسألة بالنسبة إلى اتصاف العمل بما يؤثر ~~فيه، أو لا يؤثر فيه. فإذا غلب الوصف على العمل؛ كان أقرب PageV02P337 # إلى الفساد، وإذا لم يغلب لم يكن أقرب، وبقي في حكم النظر، فيدخل ها هنا ~~نظر الاحتياط للعبادة إذا (1) صار العمل في الاعتبار من المتشابهات. # واعلموا أنه (2) حيث قلنا: إن العمل الزائد على المشروع (3) يصير وصفا له ~~(4) أو كالوصف فإنما يعتبر بأحد أمور ثلاثة: إما بالقصد، وإما بالعادة، ~~وإما بالشرع. # أما بالقصد: فظاهر (5)، بل هو أصل التغيير (6) في المشروعات بالزيادة (7) ~~أو النقصان (8). # وأما (9) بالعادة ms348 (10): فكالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة ~~الزمان؛ فإن بينه وبين الذكر المشروع بونا بعيدا؛ إذ هما كالمتضادين عادة. # وكالذي حكى ابن وضاح، عن الأعمش، عن بعض أصحابه؛ قال: مر عبد الله برجل ~~يقص في المسجد على أصحابه وهو يقول: سبحوا (11) عشرا، وهللوا عشرا، فقال ~~عبد الله: إنكم لأهدى من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو أضل؛ بل هذه ~~(12)؛ يعني: أضل (13). PageV02P338 # وفي رواية عنه: أن رجلا كان يجمع الناس فيقول: رحم الله من قال كذا وكذا ~~مرة: سبحان الله! قال: فيقول القوم، ويقول: رحم الله من قال كذا وكذا مرة: ~~الحمد لله. قال: فيقول القوم. قال: فمر بهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~فقال لهم: لقد (1) هديتم لما لم يهد له (2) نبيكم! وإنكم لتمسكون بذنب ~~ضلالة (3). # وذكر له: أن أناسا بالكوفة يسبحون بالحصى في المسجد، فأتاهم وقد كوم كل ~~رجل (4) منهم بين يديه كومة (5) من حصى. قال: فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى ~~أخرجهم من المسجد، ويقول: لقد أحدثتم بدعة وظلما، وقد فضلتم أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم علما (6)!. PageV02P339 # فهذه أمور أخرجت الذكر (1) المشروع عن وصفه المعتبر شرعا إلى وصف آخر، ~~فلذلك جعله بدعة، والله أعلم. # وأما الشرع (2): فكالذي (3) تقدم من النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة ~~(4)، أو الصلوات المفروضة إذا صليت قبل أوقاتها، فإنا قد فهمنا من الشرع ~~القصد إلى النهي عنها، والمنهي عنه لا يكون متعبدا به (5). وكذلك صيام يوم ~~العيد (6). # وخرج ابن وضاح (7) من حديث أبان بن أبي عياش (8)؛ قال: لقيت طلحة بن عبيد ~~الله الخزاعي، فقلت له: قوم من إخوانك من أهل السنة والجماعة لا يطعنون على ~~أحد من المسلمين، يجتمعون في بيت هذا يوما وفي بيت هذا يوما، ويجتمعون يوم ~~النيروز والمهرجان ويصومونهما؟ فقال طلحة: بدعة من أشد (9) البدع، والله ~~لهم أشد تعظيما للنيروز والمهرجان من عيدهم (10). ثم استيقظ أنس بن مالك ~~رضي الله عنه، فرقيت إليه وسألته كما سألت طلحة، فرد علي مثل قول طلحة، ~~كأنهما كانا على ميعاد. PageV02P340 # فجعل صوم ms349 تلك الأيام من تعظيم ما تعظمه النصارى (1)، وذلك (2) القصد لو ~~كان (3)؛ أفسد (4) العبادة، فكذلك ما كان نحوه. # وعن يونس بن عبيد: أن رجلا قال للحسن (5): يا أبا سعيد! ما ترى في مجلسنا ~~هذا؟ قوم من أهل السنة والجماعة، لا يطعنون على أحد نجتمع (6) في بيت هذا ~~يوما، وفي بيت هذا يوما، فنقرأ كتاب الله وندعو ربنا، ونصلي على النبي صلى ~~الله عليه وسلم (7)، وندعو لأنفسنا ولعامة المسلمين؟ قال: فنهى الحسن عن ~~ذلك أشد النهي (8). # والنقل في هذا المعنى كثير، فلو لم يبلغ؛ العمل الزائد ذلك المبلغ كان ~~أخف، وانفرد العمل بحكمه، والعمل المشروع بحكمه، كما حكى ابن وضاح عن عبد ~~الرحمن بن أبي بكرة؛ قال: كنت جالسا عند الأسود بن سريع، وكان مجلسه في ~~مؤخر المسجد الجامع، فافتتح سورة بني إسرائيل حتى بلغ {وكبره تكبيرا} (9)، ~~فرفع أصواتهم الذين كانوا حوله جلوسا، فجاء مجالد بن مسعود متوكئا (10) على ~~عصاه، فلما رآه القوم قالوا: مرحبا، مرحبا (11) اجلس. قال: ما كنت لأجلس ~~إليكم، وإن كان PageV02P341 # مجلسكم حسنا، ولكنكم (1) صنعتم (2) قبيل (3) شيئا أنكر المسلمون، فإياكم ~~وما أنكر المسلمون (4)!. # فتحسينه المجلس كان لقراءة القرآن، وأما رفع الصوت فكان خارجا عن ذلك، ~~فلم ينضم إلى العمل الحسن، حتى إذا انضم إليه صار المجموع غير مشروع. # ويشبه هذا (5) ما في سماع ابن القاسم (6)، عن مالك في القوم يجتمعون ~~جميعا فيقرؤون في السورة الواحدة، مثل ما يفعل أهل الإسكندرية، فكره ذلك، ~~وأنكر أن يكون هذا (7) من عمل الناس (8). # وسئل ابن القاسم أيضا عن نحو ذلك، فحكى الكراهية عن مالك، ونهى عنها، ~~ورآها بدعة (9). # وقال في رواية أخرى عن مالك (10): وسئل عن القراءة في المسجد (11)، فقال: ~~لم يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أحدث (12). قال: (13) ولم يأت آخر هذه ~~الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، والقرآن حسن. PageV02P342 # قال ابن رشد (1): يريد التزام (2) القراءة في المسجد بإثر صلاة من ~~الصلوات على (3) وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك كله (4) سنة، مثل ما بجامع (5) ~~قرطبة إثر صلاة الصبح. قال: فرأى ذلك بدعة. ms350 # فقوله في الرواية: "والقرآن حسن" يحتمل أن يقال: إنه يعني أن تلك الزيادة ~~من الاجتماع، وجعله في المسجد منفصل لا يقدح في حسن قراءة القرآن، ويحتمل ~~وهو الظاهر أنه يقول: قراءة (6) القرآن (7) حسن على غير هذا (8) الوجه، لا ~~على هذا الوجه (9)؛ بدليل قوله في موضع آخر (10): "ما يعجبني أن يقرأ ~~القرآن إلا في الصلاة والمساجد، لا في الأسواق والطرق"، فيريد أنه لا يقرأ ~~إلا على النحو الذي كان يقرؤه السلف، وذلك يدل على أن قراءة الإدارة مكروهة ~~عنده فلا تفعل أصلا، وتحرز بقوله: "والقرآن حسن" من توهم متوهم (11) أنه ~~يكره قراءة القرآن مطلقا، فلا يكون في كلام مالك دليل على انفكاك الاجتماع ~~من القراءة، والله أعلم. # وأما القسم الثالث وهو أن يصير الوصف عرضة لأن ينضم إلى العبادة حتى ~~يعتقد فيه أنه من أوصافها أو جزء منها : فهذا القسم ينظر فيه من جهة النهي ~~عن الذرائع، وهو وإن كان في الجملة متفقا عليه، ففيه في التفصيل نزاع بين ~~العلماء؛ إذ ليس كل ما هو ذريعة إلى ممنوع يمنع، PageV02P343 # بدليل الخلاف الواقع في أصل (1) بيوع الآجال، وما كان نحوها، غير أن أبا ~~بكر الطرطوشي يحكي الاتفاق في هذا النوع استقراء من مسائل وقعت للعلماء ~~منعوها سدا للذريعة، وإذا ثبت الخلاف في بعض التفاصيل لم ينكر أن يقول به ~~قائل في بعض ما نحن (2) فيه، ولنمثله أولا، ثم نتكلم على حكمه بحول الله. # فمن ذلك: ما جاء في الحديث من نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتقدم ~~شهر رمضان بصيام يوم أو يومين (3). ووجه ذلك عند العلماء: مخافة أن يعد ذلك ~~من جملة رمضان. # ومنه: ما ثبت عن عثمان بن عفان (4) رضي الله عنه: أنه كان لا يقصر في ~~السفر (5)، فيقال له: ألست (6) قصرت مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: ~~بلى! ولكني إمام الناس، فينظر إلي الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين، ~~فيقولون: هكذا فرضت (7). PageV02P344 # فالقصر في السفر سنة أو واجب، ومع ذلك تركه (1) خوفا أن يتذرع به لأمر ~~(2) حادث ms351 في الدين غير مشروع. # ومنه قصة عمر بن الخطاب (3) رضي الله عنه في غسله الاحتلام (4) من ثوبه ~~(5) حتى أسفر (6)، وقوله لمن راجعه في ذلك، وأن يأخذ من أثوابهم ما يصلي ~~به، ثم يغسل ثوبه على السعة: لو فعلته لكانت سنة، بل أغسل ما رأيت، وأنضح ~~مالم أر (7). PageV02P345 # وقال حذيفة بن أسيد: شهدت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وكانا لا يضحيان؛ ~~مخافة أن يرى أنها واجبة (1). # ونحو ذلك عن [أبي] (2) مسعود رضي الله عنه قال: إني لأترك أضحيتي وإني ~~(3) لمن أيسركم مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة (4). PageV02P346 # وكثير من هذا عن السلف الصالح. # وقد كره (1) مالك (2) إتباع رمضان بست من شوال، ووافقه أبو حنيفة، فقال: ~~لا أستحبها، مع ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح (3)، وأخبر مالك (4) عن ~~غيره ممن يقتدى به (5): أنهم كانوا لا يصومونها ويخافون بدعتها. # ومنه: ما تقدم (6) في اتباع الآثار (7)؛ كمجيء "قبا" (8)، ونحو ذلك. # وبالجملة: فكل عمل أصله ثابت شرعا، إلا أن في إظهار (9) العمل به ~~والمداومة (10) عليه ما يخاف أن يعتقد أنه سنة، فتركه مطلوب في الجملة ~~أيضا، من باب سد الذرائع، ولذلك كره مالك دعاء التوجه بعد الإحرام، وقبل ~~القراءة (11)، وكره غسل اليد قبل الطعام (12)، وأنكر على PageV02P347 # من جعل ثوبه في المسجد أمامه في الصف (1). # فلنرجع (2) إلى ما كنا فيه: فاعلموا أنه إن ذهب مجتهد إلى عدم سد الذريعة ~~في غير محل النص مما يتضمنه (3) هذا الباب، فلا شك أن العمل الواقع عنده ~~مشروع، ويكون لصاحبه أجره. ومن ذهب إلى سدها ويظهر (4) ذلك من كثير من ~~السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم ، فلا شك أن ذلك العمل ممنوع، ومنعه ~~يقتضي بظاهره أنه ملوم عليه، وموجب للذم، إلا أن يذهب ذاهب (5) إلى أن ~~النهي فيه راجع إلى أمر مجاور، فهو محل نظر واشتباه ربما يتوهم فيه انفكاك ~~الأمرين، بحيث يصح أن يكون العمل مأمورا به من جهة نفسه، ومنهيا عنه من جهة ~~مآله. ولنا فيه مسلكان: # أحدهما: التمسك بمجرد النهي في أصل المسألة؛ كقوله تعالى: {يا ms352 أيها الذين ~~آمنوا لا تقولوا راعنا} (6)، وقوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} (7). وفي الحديث: أنه عليه الصلاة والسلام ~~نهى أن يجمع بين المتفرق (8)، ويفرق بين (9) PageV02P348 # المجتمع خشية الصدقة (1). ونهى عن البيع والسلف (2)، وعلله العلماء ~~بالربا المتذرع إليه في ضمن السلف. ونهى عن الخلوة بالأجنبيات، وعن سفر ~~المرأة مع غير ذي محرم (3)، وأمر النساء بالاحتجاب عن أبصار الرجال (4)، ~~والرجال بغض الأبصار (5)، إلى أشباه ذلك مما عللوا الأمر فيه والنهي ~~بالتذرع لا بغيره. # والنهي أصله أن يقع على المنهي عنه وإن كان معللا، وصرفه إلى أمر مجاور ~~(6) خلاف أصل الدليل، فلا يعدل عن الأصل إلا بدليل. فكل عبادة نهي عنها ~~فليست بعبادة؛ إذ لو كانت عبادة لم ينه عنها، فالعامل بها عامل بغير مشروع، ~~فإذا اعتقد فيها التعبد مع هذا النهي كان مبتدعا بها. # لا يقال: إن نفس التعليل يشعر بالمجاورة، وإن الذي نهي عنه غير الذي أمر ~~به، وانفكاكها متصور؛ لأنا نقول: قد تقرر أن المجاور إذا صار كالوصف اللازم ~~انتهض النهي عن الجملة، لا عن نفس الوصف بانفراده، وهو مبين في القسم ~~الثاني. PageV02P349 # والمسلك (1) الثاني: ما دل في بعض مسائل الذرائع على أن الذريعة (2) في ~~الحكم بمنزلة المتذرع إليه، ومنه: ما ثبت في الصحيح (3) من قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن (4) من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه". قالوا: ~~يا رسول الله! وهل يسب الرجل والديه (5)؟! قال: "نعم (6)؛ يسب أبا الرجل ~~فيسب أباه (7)، ويسب أمه فيسب أمه" (8). فجعل سب الرجل لوالدي (9) غيره ~~بمنزلة سبه لوالدي (10) نفسه، حتى عدها (11) ترجمه عنها بقوله: "أن يسب ~~الرجل والديه"، ولم يقل: أن يسب الرجل والدي من يسب والديه، أو نحو ذلك. ~~وهو غاية في معنى ما نحن فيه. # ومثله حديث عائشة رضي الله عنها مع أم ولد زيد بن أرقم رضي الله عنه، ~~وقولها: أبلغي (12) زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن لم يتب (13). وإنما يكون ms353 هذا الوعيد فيمن فعل ما لا يحل له، ~~لا PageV02P350 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P351 # مما (1) فعله كبيرة، حتى نزعت (2) آخرا بالآية: {فمن جاءه موعظة من ربه ~~فانتهى فله ما سلف} (3)، وهي نازلة في عين (4) العمل بالربا، فعدت العمل ~~بما يتذرع به إلى الربا (5) بمنزلة العمل بالربا، مع أنا نقطع أن زيد بن ~~أرقم وأم ولده لم يقصدا قصد الربا، كما لا يمكن ذا عقل أن يقصد والديه ~~بالسب. # وإذا ثبت هذا المعنى في بعض الذرائع؛ ثبت في الجميع، إذ لا فرق يدعى (6) ~~فيما (7) لم ينص عليه، إلا ألزم (8) الخصم مثله في المنصوص عليه. فلا عبادة ~~أو مباحا يتصور فيه أن يكون ذريعة إلى غير جائز، إلا وهو غير عبادة ولا ~~مباح. # لكن هذا القسم إنما يكون النهي عنه (9) بحسب ما يصير وسيلة إليه في مراتب ~~النهي، إن كانت البدعة من قبيل الكبائر، فالوسيلة كذلك، أو من (10) قبيل ~~الصغائر، فهي كذلك، أو من قبيل المكروهات فهي كذلك (11)، والكلام في هذه ~~المسألة يتسع، ولكن هذه الإشارة كافية فيها، وبالله التوفيق. PageV02P352 ### | الباب السادس # في أحكام البدع وأنها ليست على رتبة واحدة # اعلم أنا (1) إذا بنينا على أن البدع منقسمة إلى الأحكام الخمسة؛ فلا ~~إشكال في اختلاف رتبها (2)؛ لأن النهي من جهة انقسامه إلى نهي الكراهية ~~ونهي التحريم يستلزم (3) أن أحدهما أشد في النهي من الآخر، فإذا انضم ~~إليهما (4) قسم الإباحة؛ ظهر الاختلاف في الأقسام، فإذا اجتمع إليها قسم ~~الندب وقسم الوجوب؛ كان الاختلاف فيها أوضح، وقد مر من أمثلتها أشياء ~~كثيرة؛ لكنا لا نبسط القول في هذا التقسيم، ولا بيان رتبه بالأشد والأضعف؛ ~~لأنه إما أن يكون تقسيما حقيقيا أو لا، فإن لم يكن (5) حقيقيا فالكلام فيه ~~عناء، وإن كان حقيقيا (6) فقد تقدم أنه غير صحيح، فلا فائدة في التفريع على ~~ما لا يصح، وإن عرض في ذلك نظر أو تفريع فإنما يذكر بحكم التبع بحول الله ~~(7). # فإذا خرج عن هذا التقسيم ثلاثة أقسام: قسم الوجوب، وقسم الندب، وقسم ~~الإباحة؛ انحصر النظر فيما بقي، وهو الذي يثبت (8) من ms354 التقسيم، غير أنه ورد ~~النهي عنها على وجه واحد، ونسبة (9) إلى الضلالة واحدة؛ في قوله: "إياكم ~~ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، PageV02P353 # وكل (1) بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (2) " (3). وهذا عام في كل بدعة. # فيقع السؤال: هل لها حكم واحد أم لا (4)؟ # فنقول: ثبت في الأصول أن الأحكام الشرعية خمسة، يخرج عنها الثلاثة، فيبقى ~~حكم الكراهية وحكم التحريم، فاقتضى النظر انقسام البدع إلى القسمين؛ فمنها ~~بدعة محرمة، ومنها بدعة مكروهة، وذلك أنها داخلة تحت جنس المنهيات؛ ~~والمنهيات (5) لا تعدو الكراهة أو التحريم، فالبدع كذلك. هذا وجه. # ووجه ثان: أن (6) البدع إذا تؤمل معقولها وجدت رتبها متفاوتة. # فمنها ما هو كفر صراح؛ كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن؛ كقوله ~~تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم ~~وهذا لشركائنا} (7) الآية، وقوله تعالى: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام ~~خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء} (8) وقوله ~~تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} (9)، وكذلك ~~بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال (10)، وما أشبه ~~ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح. # ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر، أو يختلف (11): هل هي كفر أم لا! ~~كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن (12) أشبههم من الفرق الضالة. ~~PageV02P354 # ومنها ما هو معصية ويتفق على أنها (1) ليست بكفر؛ كبدعة التبتل (2)، ~~والصيام قائما في الشمس (3)، والخصاء (4) بقصد قطع شهوة الجماع (5). # ومنها ما هو مكروه كما يقول مالك في إتباع رمضان بست من شوال (6)، وقراءة ~~القرآن بالإدارة (7)، والاجتماع للدعاء عشية عرفة (8)، وذكر السلاطين في ~~خطبة الجمعة على ما قاله ابن عبد السلام الشافعي (9) ، وما أشبه ذلك (10). # فمعلوم أن هذه البدع ليست في رتبة واحدة، ولا على نسبة واحدة (11)، فلا ~~يصح على (12) هذا أن يقال: إنها على حكم واحد، هو (13) الكراهة فقط، أو ~~التحريم (14) فقط. # ووجه (15) ثالث: أن المعاصي منها صغائر، ومنها كبائر، ويعرف ذلك بكونها ~~واقعة في الضروريات، أو الحاجيات، أو التكميليات ms355 (16)، فإن كانت في ~~الضروريات فهي أعظم الكبائر، وإن وقعت في التحسينيات فهي أدنى رتبة بلا ~~إشكال، وإن وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين. PageV02P355 # ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل، ولا يمكن في المكمل أن يكون في ~~رتبة المكمل؛ فإن المكمل (1) مع المكمل (2) في نسبة الوسيلة مع المقصد، ولا ~~تبلغ الوسيلة رتبة المقصد، فقد ظهر تفاوت رتب المعاصي والمخالفات. # وأيضا فإن الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه، فليست ~~مرتبة النفس كمرتبة الدين، ولذلك (3) تستصغر حرمة النفس في جنب حرمة الدين، ~~فيبيح الكفر الدم (4)، والمحافظة على الدين مبيح لتعريض النفس للقتل ~~والإتلاف (5)؛ في الأمر بمجاهدة (6) الكفار والمارقين عن الدين (7). # ومرتبة العقل والمال (8) ليست كمرتبة النفس، ألا ترى أن قتل النفس يبيح ~~القصاص (9) بالقتل، بخلاف العقل (10) والمال (11)؟ وكذلك سائر ما بقي (12). # وإذا نظر في مرتبة النفس (13) تباينت المراتب، فليس قطع العضو كالذبح، ~~ولا الخدش كقطع العضو، وهذا كله محل بيانه الأصول. PageV02P356 ### | ### | فصل # # وإذا كان كذلك: فالبدع من جملة المعاصي، وقد ثبت التفاوت في المعاصي، ~~فكذلك يتصور مثله في البدع. فمنها (1): ما يقع في رتبة (2) الضروريات؛ أي: ~~أنه إخلال بها، ومنها: ما يقع في رتبة الحاجيات، ومنها: ما يقع في رتبة ~~التحسينيات، وما يقع في رتبة الضروريات: منه (3) ما يقع في الدين، أو ~~النفس، أو النسل، أو العقل، أو المال. # فمثال وقوعه في الدين: ما تقدم من اختراع الكفار وتغييرهم (4) ملة ~~إبراهيم عليه السلام، في نحو قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ~~ولا وصيلة ولا حام} (5). # فروي عن المفسرين فيها أقوال كثيرة، وفيها عن ابن المسيب (6): أن البحيرة ~~من الإبل: هي التي يمنع (7) درها للطواغيت، والسائبة: هي التي PageV02P357 # يسيبونها لطواغيتهم، والوصيلة: هي الناقة تبكر بالأنثى، ثم تثني بالأنثى؛ ~~يقولون: وصلت أنثيين (1) ليس بينهما ذكر، فيجدعونها لطواغيتهم. والحامي: هو ~~الفحل من الإبل، كان يضرب الضراب المعدودة؛ فإذا بلغ ذلك قالوا: حمي ظهره، ~~فيترك، فيسمونه: الحامي. # وروى إسماعيل القاضي عن زيد بن أسلم قال: قال رسول ms356 الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إني لأعلم أو إني (2) لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير عهد ~~إبراهيم عليه السلام". قالوا (3): من هو يا رسول الله؟ قال: عمرو (4) بن ~~لحي أبو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار، يؤذي ريحه أهل النار، وإني ~~لأعرف أول من بحر البحائر. قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: رجل من بني ~~مدلج، وكانت له ناقتان فجدع (5) أذنيهما (6) وحرم ألبانهما، ثم شرب ~~ألبانهما بعد ذلك، فلقد رأيته في النار هو وهما يعضانه بأفواههما، ويخبطانه ~~(7) بأخفافهما" (8). PageV02P358 # وحاصل ما في هذه الآية: تحريم ما أحل الله على نية التقرب به إليه، مع ~~كونه حلالا بحكم (1) الشريعة المتقدمة. # ولقد هم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرموا على أنفسهم ~~بعض (2) ما أحل الله لهم (3)، وإنما كان قصدهم بذلك الانقطاع إلى الله عن ~~الدنيا وأسبابها وشواغلها، فرد ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين *} (4). # وسيأتي شرح هذه الآية في الباب السابع إن شاء الله تعالى. وهو دليل على ~~أن تحريم ما أحل الله وإن كان بقصد سلوك طريق الآخرة منهي عنه، وليس فيه ~~اعتراض على الشرع ولا تغيير له، ولا قصد فيه الابتداع، فما ظنك به (5) إذا ~~قصد به التغيير والتبديل كما فعل الكفار؛ أو قصد به الابتداع في الشريعة، ~~وتمهيد سبيل الضلالة؟ PageV02P359 ### | ### | فصل # # ومثال ما يقع في النفس: ما ذكر من نحل الهند في تعذيبها (1) أنفسها ~~بأنواع العذاب الشنيع، والتمثيل الفظيع، والقتل بالأصناف التي تفزع منها ~~القلوب، وتقشعر منها الجلود، كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات ~~العلى (2) في زعمهم ، والفوز بالنعيم الأكمل، بعد الخروج عن هذه الدار ~~العاجلة، ومبني على (3) أصول لهم فاسدة اعتقدوها، وبنوا عليها أعمالهم، حتى ~~(4) حكى المسعودي (5) وغيره من ذلك أشياء فطالعها من هنالك. # وقد وقع القتل في العرب الجاهلية، ولكن على غير ms357 هذه الجهة، وهو قتل ~~الأولاد لسببين (6): أحدهما: خوف الإملاق، والآخر: دفع العار الذي كان ~~لاحقا لهم بولادة الإناث، حتى أنزل الله في ذلك قوله تعالى: {ولا تقتلوا ~~أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم} (7)، وقوله تعالى: {وإذا الموءودة ~~سئلت *بأي ذنب قتلت *} (8)، وقوله {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم *يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في ~~التراب ألا ساء ما يحكمون *} (9). PageV02P360 # وهذا القتل محتمل (1) أن يكون دينا وشرعة ابتدعوها، ويحتمل أن يكون عادة ~~تعودوها (2)، بحيث لم يتخذوها شرعة، إلا أن الله تعالى (3) ذمهم عليها، فلا ~~يحكم عليها بالبدعة بل بمجرد المعصية، فنظرنا هل نجد لأحد المحتملين عاضدا ~~يكون هو الأولى (4) في حمل الآيات عليه؟ فوجدنا قوله سبحانه وتعالى: {وكذلك ~~زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم} ~~(5)، فإن الآية صرحت أن لهذا التزيين سببين: أحدهما: الإرداء وهو الإهلاك، ~~والآخر: لبس الدين، وهو قوله: {وليلبسوا عليهم دينهم}، ولا يكون ذلك إلا ~~بتغييره وتبديله، أو الزيادة فيه، أو النقصان منه، وهو الابتداع بلا إشكال، ~~وإنما كان دينهم أولا دين أبيهم إبراهيم (6)؛ فصار ذلك من جملة ما بدلوا ~~فيه، كالبحيرة، والسائبة، ونصب الأصنام، وغيرها، حتى عد من جملة دينهم الذي ~~يدينون به. # ويعضده قوله تعالى بعد: {فذرهم وما يفترون}، فنسبهم إلى الافتراء كما ترى ~~، والعصيان من حيث هو عصيان لا يكون افتراءا، وإنما يقع الافتراء في نفس ~~التشريع، وفي أن هذا القتل من جملة ما جاء من الدين. ولذلك قال تعالى على ~~إثر ذلك: {قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله ~~افتراء على الله قد ضلوا} (7)، فجعل قتل الأولاد مع تحريم ما أحل الله من ~~جملة الافتراء، ثم ختم بقوله: {قد ضلوا}، وهذه خاصية البدعة كما تقدم ، ~~فإذا ما فعلت الهند نحو مما فعلت الجاهلية. وسيأتي ذكر (8) مذهب المهدي ~~المغربي في شرعية القتل. # على (9) أن بعض المفسرين قال في قوله تعالى: {وكذلك زين PageV02P361 # لكثير من المشركين ms358 قتل أولادهم شركاؤهم}: أنه (1) قتل الأولاد (2) على ~~جهة النذر والتقرب به إلى الله، كما فعل عبد المطلب في ابنه عبد الله أبي ~~النبي صلى الله عليه وسلم (3). PageV02P362 # وهذا القول (1) قد يشكل؛ إذ يقال: لعل ذلك من جملة ما اقتدوا فيه بأبيهم ~~إبراهيم عليه السلام؛ لأن الله أمره بذبح ابنه، فلا يكون ذلك اختراعا ~~وافتراءا؛ لرجوعه (2) إلى أصل صحيح، وهو عمل أبيهم إبراهيم (3) عليه ~~السلام. وإن صح هذا القول تؤول (4) فعل إبراهيم عليه السلام على أنه لم يكن ~~شريعة لمن بعده من ذريته، فوجه اختراعه دينا ظاهر، لاسيما عند عروض شبهة ~~الذبح، وهو شأن أهل البدع، إذ لا بد لهم من شبهة يتعلقون بها؛ كما تقدم ~~التنبيه عليه. # وكون ما يفعل (5) أهل الهند من هذا القبيل ظاهر جدا. # ويجري مجرى إتلاف النفس: إتلاف بعضها؛ كقطع عضو من الأعضاء، أو تعطيل ~~منفعة من منافعه بقصد التقرب إلى الله بذلك، فهو من PageV02P363 # جملة البدع، وعليه يدل الحديث حيث قال: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~التبتل [على] (1) عثمان بن مظعون، ولو أذن له لاختصينا (2). # فالخصاء بقصد (3) التبتل وترك الاشتغال بملابسة النساء واكتساب الأهل ~~والولد مردود مذموم، وصاحبه معتد غير محبوب عند الله، حسبما بينه (4) قوله ~~تعالى: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} (5)، وكذلك فقؤ العينين (6) ~~لئلا ينظر إلى مالا يحل له، أو ما أشبه ذلك (7). PageV02P364 ### | ### | فصل # # ومثال ما يقع في النسل: ما ذكر من أنكحة الجاهلية التي كانت معهودة فيهم ~~(1)، ومعمولا بها، ومتخذة (2) فيها (3) كالدين المستتب (4)، والملة الجارية ~~التي لا عهد بها في شريعة إبراهيم عليه السلام ولا غيره، بل كانت من جملة ~~ما اخترعوا وابتدعوا، وهو على أنواع: # فجاء عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أن النكاح في الجاهلية كان على ~~أربعة أنحاء: # الأول منها: نكاح الناس اليوم؛ يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته (5) ~~فيصدقها ثم ينكحها. # والثاني: نكاح الاستبضاع؛ كالرجل يقول لامرأته إذا طهرت من (6) طمثها: ~~أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدا ms359 حتى يتبين ~~حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع (7) منه، فإذا تبين حملها؛ أصابها زوجها ~~إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح ~~الاستبضاع. # والثالث: أن يجتمع (8) الرهط ما دون العشرة، فيدخلون (9) على PageV02P365 # المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعته، ومرت ليال بعد أن تضع حملها؛ ~~أرسلت إليهم، فلم يستطع منهم رجل (1) أن يمتنع؛ حتى يجتمعوا عندها، تقول: ~~قد عرفتم (2) الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان! تسمي (3) من ~~أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، فلا يستطيع أن يمتنع منه الرجل. # والرابع: أن يجتمع الناس الكثير (4) فيدخلون على المرأة لا تمنع من ~~جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل ~~عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها؛ جمعوا لها ودعوا لها (5) القافة، ثم ~~ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط (6) به ودعي ابنه، لا يمتنع (7) من ذلك. ~~فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالحق؛ هدم نكاح الجاهلية، إلا نكاح ~~الناس اليوم. وهذا الحديث في البخاري (8) مذكور (9). # وكان لهم أيضا سنن أخر في النكاح (10) خارجة (11) عن مقتضى (12) المشروع؛ ~~كوراثة النساء كرها (13)، وكنكاح ما نكح الأب (14)، وأشباه ذلك، كلها (15) ~~جاهلية جارية (16) مجرى المشروعات عندهم، فمحا الإسلام ذلك كله والحمد لله. ~~PageV02P366 # ثم أتى بعض من نسب إلى الفرق ممن حرف التأويل في كتاب الله، فأجاز نكاح ~~أكثر من أربع نسوة (1)، إما اقتداء في زعمه بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث ~~أحل له أكثر من ذلك أن يجمع بينهن، ولم يلتفت إلى إجماع المسلمين: أن ذلك ~~خاص به عليه السلام (2)، وإما تحريفا (3) لقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء مثنى وثلاث ورباع} (4)؛ فأجاز الجمع بين تسع نسوة في ملك (5)، ~~ولم يفهم المراد من الواو (6)، ولا من قوله: {مثنى وثلاث ورباع}، فأتى ~~ببدعة أجراها في هذه الأمة لا دليل عليها ولا مستند فيها. # ويحكى عن الشيعة (7) أنها تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عن أهل ~~بيته ومن دان بحبهم جميع الأعمال، وأنهم غير ms360 مكلفين إلا بما تطوعوا به (8)، ~~وأن المحظورات مباحة لهم؛ كالخنزير، والزنا، والخمر، وسائر الفواحش، وعندهم ~~نساء يسمين: النوابات (9) يتصدقن بفروجهن على المحتاجين رغبة في الأجر، ~~وينكحون ما شاؤوا من الأخوات والبنات PageV02P367 # والأمهات، لا حرج عليهم (1)، ولا في تكثير النساء. ومن هؤلاء هم (2) ~~العبيدية الذين ملكوا مصر وإفريقية (3). # ومما يحكى عنهم في ذلك: أنه يكون للمرأة منهم (4) ثلاثة (5) أزواج وأكثر ~~في بيت واحد يستولدونها، وتنسب (6) الولد لكل (7) واحد منهم، ويهنأ به كل ~~واحد منهم، كما التزمت الإباحية خرق هذا الحجاب بإطلاق، وزعمت أن الأحكام ~~الشرعية إنما هي خاصة بالعوام، وأما الخواص عندهم (8) فقد ترقوا عن تلك ~~المرتبة، فالنساء بإطلاق حلال لهم، كما أن جميع ما في الكون من رطب ويابس ~~حلال لهم أيضا، مستدلين (9) على ذلك بخرافات عجائز لا يرضاها ذو عقل ~~{قاتلهم الله أنى يؤفكون} (10)، فصاروا أضر على الدين من متبوعهم إبليس، ~~وكأن الشاعر إنما كنى عنهم (11) لعنهم الله بقوله (12): # وكنت امرءا من جند إبليس فانتهى ... بي الفسق حتى صار إبليس من جندي # فلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي PageV02P368 ### | ### | فصل # # ومثال ما يقع في العقل: أن الشريعة بينت أن حكم الله على العباد لا يكون ~~إلا بما شرع في دينه على ألسنة أنبيائه ورسله، ولذلك قال تعالى: {وما كنا ~~معذبين حتى نبعث رسولا} (1)، وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ~~الله والرسول (2) إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} (3) وقال: {إن الحكم ~~إلا لله} (4)، وأشباه ذلك من الآيات والأحاديث. # فخرجت عن هذا الأصل فرقة زعمت أن العقل له مجال في التشريع، وأنه محسن ~~ومقبح، فابتدعوا في دين الله ما ليس فيه. # ومن ذلك: أن الخمر لما حرمت، ونزل من القرآن في شأن من مات قبل التحريم ~~وهو يشربها (5) قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا إذا ما اتقوا} (6) الآية؛ تأولها قوم فيما ذكر على أن الخمر ~~حلال، وأنها داخلة تحت قوله: {فيما طعموا} (7). # فذكر إسماعيل بن إسحاق، عن علي بن ms361 أبي طالب (8) رضي الله عنه، قال: شرب ~~نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، PageV02P369 # فقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية: {ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح فيما طعموا ... }، الآية. قال: فكتب فيهم إلى عمر. قال: فكتب ~~عمر إليه: أن ابعث بهم إلي قبل أن يفسدوا من قبلك. فلما قدموا على (1) عمر؛ ~~استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين! نرى أنهم قد كذبوا على الله، ~~[وشرعوا] (2) في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم، وعلي رضي الله عنه ~~ساكت؛ قال: فما تقول يا أبا الحسن؟! فقال: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا ~~جلدتهم ثمانين ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، فإنهم قد ~~(3) كذبوا على الله [وشرعوا] (3) في دين الله ما لم يأذن به الله (4). ~~فاستتابهم (5)، فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين (6). PageV02P370 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P371 # فهؤلاء استحلوا بالتأويل ما حرم الله بنص (1) الكتاب، وشهد فيهم علي رضي ~~الله عنه، وغيره من الصحابة؛ بأنهم شرعوا (2) في دين الله، وهذه هي البدعة ~~بعينها، فهذا وجه. # وأيضا فإن بعض الفلاسفة الإسلاميين تأول فيها غير هذا (3)، وأنه إنما ~~يشربها للنفع لا للهو، وعاهد الله على ذلك، فكأنها عندهم (4) دواء (5) من ~~الأدوية، أو غذاء صالح يصلح لحفظ الصحة، ويحكى هذا العهد عن ابن سينا (6). # ورأيت في كلام بعض (7) الناس ممن عرف به أنه كان يستعين في سهره للعلم ~~والتصنيف والنظر بالخمر، فإذا رأى من نفسه كسلا أو فترة؛ شرب منها قدر ما ~~ينشطه وينفي عنه الكسل. بل ذكروا فيها (8) أن لها حرارة خاصة (9) تفعل ~~أفعالا (10) كثيرة: تطيب (11) النفس، وتصير الإنسان محبا للحكمة، وتجعله ~~حسن الحركة، والذهن، والمعرفة؛ فإذا استعملها على الاعتدال عرف الأشياء، ~~وفهمها، وتذكرها بعد النسيان (12). PageV02P372 # فلهذا والله أعلم كان ابن سينا لا يترك استعمالها على ما ذكر عنه ، وهو ~~كله ضلال مبين، عياذا (1) بالله من ذلك. # ولا يقال: إن هذا داخل تحت مسألة التداوي بها، وفيها خلاف شهير؛ لأنا ~~نقول: إنما ثبت عن ابن سينا أنه كان يستعملها استعمال الأمور المنشطة من ~~الكسل، والحافظة ms362 (2) للصحة، والقوة على القيام بوظائف الأعمال، أو ما يناسب ~~ذلك، لا في الأمراض المؤثرة في الأجسام. وإنما الخلاف في استعمالها في ~~الأمراض لا في غير ذلك، فهو ومن وافقه على ذلك متقولون على شريعة الله، ~~مبتدعون فيها، وقد تقدم رأي أهل الإباحة في الخمر وغيرها، ولا توفيق إلا ~~بالله. PageV02P373 ### | ### | فصل # # ومثال ما يقع في المال (1): أن الكفار قالوا: {إنما البيع مثل الربا} ~~(2)، فإنهم لما استحلوا العمل به؛ احتجوا بقياس فاسد، فقالوا: إذا فسخ ~~العشرة التي اشترى بها إلى شهر في خمسة عشر إلى شهرين، فهو كما لو باع ~~بخمسة عشر إلى شهرين، فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم، فقال: {ذلك بأنهم ~~قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا}؛ أي (3): ليس ~~البيع مثل الربا. فهذه محدثة أخذوا بها مستندين إلى رأي فاسد، فكان من جملة ~~المحدثات؛ كسائر ما أحدثوا في البيوع الجارية بينهم، المبنية على الخطر (4) ~~والغرر. # وكانت الجاهلية قد شرعت أيضا أشياء في الأموال؛ كالحظوظ التي (5) كانوا ~~يخرجونها للأمير من الغنيمة، حتى قال شاعرهم (6): PageV02P374 # لك المرباع فيها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول # فالمرباع: ربع المغنم يأخذه الرئيس. والصفايا: جمع صفي (1)، وهو ما ~~يصطفيه الرئيس لنفسه من المغنم. والحكم: ما يحكم (2) فيه من المغنم (3). ~~والنشيطة: ما يغنمه الغزاة في الطريق، قبل بلوغهم إلى الموضع الذي قصدوه، ~~فكان (4) يختص به الرئيس دون غيره. والفضول: ما يفضل من الغنيمة عند ~~القسمة. # وكانت تتخذ الأرضين تحميها عن الناس أن لا يدخلوها ولا يرعوها، فلما نزل ~~القرآن بقسمة الغنيمة في قوله تعالى: {(5) عع {واعلموا أنما غنمتم من شيء ~~فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ... } (6) إلى آخر ~~الآية (7)؛ ارتفع حكم هذه البدعة، إلا بعض من جرى في الإسلام على حكم ~~الجاهلية، فعمل بأحكام الشيطان، ولم يستقم على العمل بأحكام الله تعالى. # وكذلك جاء (8): "لا حمى إلا لله (9) ورسوله (10) "، ثم جرى بعض الناس ~~(11) ممن (12) آثر الدنيا على طاعة الله على سبيل حكم الجاهلية (13)، {ومن ~~أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} (14). ولكن الآية PageV02P375 # والحديث ms363 وما كان في معناهما أثبتت (1) أصلا في الشريعة مطردا لا ينخرم، ~~وعاما لا يتخصص، ومطلقا لا يتقيد (2)؛ وهو أن الصغير من المكلفين والكبير، ~~والشريف والدنيء، والرفيع والوضيع؛ في أحكام الشريعة سواء، فكل من خرج عن ~~مقتضى هذا الأصل خرج من السنة إلى البدعة، ومن الاستقامة إلى الاعوجاج. # وتحت هذا الرمز تفاصيل عظيمة الموقع، لعلها تذكر فيما (3) بعد إن شاء ~~الله تعالى، وقد أشير إلى جملة منها (4). PageV02P376 ### | ### | فصل # # إذا تقرر أن البدع ليست في الذم ولا في النهي على رتبة (1) واحدة، وأن ~~منها ما هو مكروه، كما أن منها ما هو محرم، فوصف الضلالة لازم لها، وشامل ~~لأنواعها؛ لما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة" (2). # لكن يبقى هاهنا إشكال، وهو: أن الضلالة ضد الهدى؛ لقوله تعالى: {أولئك ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى} (3)، وقوله: {ومن يضلل الله فما له من هاد} ~~{ومن يهد الله فما له من مضل} (4)، وأشباه ذلك مما قوبل فيه (5) بين الهدى ~~والضلال، فإنه يقتضي أنهما ضدان، وليس بينهما واسطة تعتبر في الشرع، فدل ~~على أن البدع المكروهة خروج عن الهدى. # ونظيره في المخالفات التي ليست ببدع: المكروه (6) من الأفعال؛ كالالتفات ~~اليسير في الصلاة من غير حاجة (7)، والصلاة وهو يدافعه PageV02P377 # الأخبثان (1)، وما أشبه ذلك. # ونظيره في الحديث: "نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم (2) علينا" (3). # فالمرتكب للمكروه لا يصح أن يقال فيه: مخالف (4) ولا عاص، مع أن الطاعة ~~ضدها المعصية، وفاعل المندوب مطيع لأنه فاعل ما أمر به، فإذا اعتبرت الضد؛ ~~لزم أن يكون فاعل المكروه عاصيا؛ لأنه فاعل ما نهي عنه، لكن ذلك غير صحيح؛ ~~إذ لا يطلق عليه عاص، فكذلك لا يكون فاعل البدعة المكروهة ضالا (5)، وإلا ~~فلا فرق بين اعتبار الضد في الطاعة واعتباره في الهدى، فكما يطلق على ~~البدعة المكروهة لفظ الضلالة، فكذلك يطلق على الفعل المكروه لفظ المعصية، ~~وإلا فلا يطلق على البدعة المكروهة لفظ الضلالة، كما لا يطلق على الفعل ~~المكروه لفظ المعصية. # إلا أنه قد تقدم عموم لفظ الضلالة ms364 لكل بدعة، فليعم لفظ المعصية لكل فعل ~~مكروه، لكن (6) هذا باطل، فما لزم عنه كذلك. # والجواب: أن عموم لفظ الضلالة لكل بدعة ثابت كما تقدم بسطه ، وما ألزمتم ~~(7) في الفعل المكروه غير لازم. أما أولا (8): فإنه لا يلزم في الأفعال أن ~~تجرى على الضدية المذكورة إلا بعد استقراء الشرع، ولما استقرأنا موارد ~~الأحكام الشرعية؛ وجدنا بين الطاعة (9) والمعصية واسطة متفقا عليها أو ~~كالمتفق عليها ؛ وهي المباح، وحقيقته: أنه ليس بطاعة ولا معصية (10) من حيث ~~هو مباح. PageV02P378 # فالأمر والنهي ضدان، بينهما واسطة لا يتعلق بها أمر ولا نهي، وإنما يتعلق ~~بها التخيير. # وإذا تأملنا المكروه حسبما قرره الأصوليون ؛ وجدناه ذا طرفين: # طرف من حيث هو منهي عنه، فيستوي مع المحرم في مطلق النهي، فربما يتوهم أن ~~مخالفة نهي الكراهية معصية من حيث اشترك مع المحرم في مطلق المخالفة. # غير أنه يصد عن هذا الإطلاق الطرف الآخر، وهو أن يعتبر من حيث لا يترتب ~~على فاعله ذم شرعي، ولا إثم ولا عقاب (1)، فخالف المحرم من هذا الوجه، ~~وشارك المباح فيه؛ لأن المباح لا ذم على فاعله، ولا إثم ولا عقاب (2)، ~~فتحاموا أن يطلقوا (3) على ما هذا شأنه عبارة المعصية. # وإذا ثبت هذا ووجدنا بين الطاعة والمعصية واسطة يصح أن يدخل تحتها ~~المكروه؛ لم يصح أن يتناوله ضد الطاعة، فلا يطلق عليه لفظ المعصية، بخلاف ~~الهدى والضلال؛ فإنه لا واسطة بينهما في الشرع يصح أن (4) ينسب إليها لفظ ~~(5) المكروه من البدع، وقد قال الله تعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} ~~(6). فليس إلا حق، وهو الهدى، أو الضلال (7)، وهو باطل (8)، فالبدع ~~المكروهة ضلال. PageV02P379 # وأما ثانيا: فإن إثبات قسم الكراهة في البدع على الحقيقة مما ينظر (1) ~~فيه، فلا يغتر (2) المغتر بإطلاق المتقدمين من الفقهاء لفظ المكروه على بعض ~~البدع (3)، وإنما حقيقة المسألة: أن البدع ليست على رتبة واحدة في الذم كما ~~تقدم بيانه ، وأما تعيين الكراهة (4) التي معناها نفي إثم فاعلها، وارتفاع ~~الحرج عنه (5) البتة، فهذا مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع، ولا ms365 من ~~كلام الأئمة على الخصوص. # أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رد على من قال: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر (6): أما أنا فلا ~~أنكح النساء ... ، إلى آخر ما قالوا، فرد عليهم ذلك صلى الله عليه وسلم ~~وقال: "من رغب عن سنتي فليس مني" (7). # وهذه العبارة من (8) أشد شيء في الإنكار، ولم يكن ما التزموا إلا فعل ~~مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر، وكذلك ما في الحديث: أنه صلى الله ~~عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فقال: "ما بال هذا؟ " فقالوا (9): نذر ~~أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"مره (10) فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه" (11). قال مالك (12): "أمره ~~أن يتم ما كان لله عليه فيه طاعة، ويترك ما كان عليه فيه معصية". # ويعضد هذا الذي قاله مالك: ما في البخاري (13) عن قيس بن أبي PageV02P380 # حازم قال: دخل أبو بكر (1) على امرأة من قيس (2) يقال لها: زينب، فرآها ~~لا تتكلم، فقال: مالها لا تتكلم (3)؟ قالوا (4): حجت مصمتة (5). قال لها: ~~تكلمي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت ... ، الحديث إلى آخره ~~(6). # وقال مالك أيضا (7) في قوله عليه الصلاة والسلام: "من نذر أن يعصي الله ~~فلا يعصه" (8) : إن ذلك أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام، أو إلى مصر، أو ~~أشباه ذلك (9) مما ليس لله (10) فيه طاعة، إن كلم فلانا (11)، فليس عليه في ~~ذلك شيء إن هو (12) كلمه؛ لأنه (13) ليس لله في هذه الأشياء طاعة (14)، ~~وإنما يوفي لله بكل نذر له (15) فيه طاعة؛ من مشي إلى بيت الله، أو صيام، ~~أو صدقة، أو صلاة، فكل ما كان لله (16) فيه طاعة؛ فهو واجب على من نذره. ~~PageV02P381 # فتأمل (1) كيف جعل القيام [في الشمس] (2)، وترك الكلام، ونذر المشي إلى ~~الشام أو مصر معاصي، حتى فسر بها (3) الحديث المشهور، مع أنها في أنفسها ~~أشياء مباحات (4)، لكنه لما أجراها مجرى ما يتشرع (5) به، ويدان ms366 الله به؛ ~~صارت عند مالك معاصي لله، وكلية قوله: "كل بدعة ضلالة" شاهدة لهذا المعنى، ~~والجميع يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد، وهي خاصية المحرم. # وقد مر (6) ما روى الزبير بن بكار عن مالك (7) وأتاه (8) رجل فقال: يا ~~أبا عبد الله! من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة؛ من حيث أحرم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل. قال: ~~إني أريد أن أحرم من المسجد من (9) عند القبر (10): قال: لا تفعل؛ فإني ~~أخشى عليك الفتنة. قال: وأي فتنة في هذا؟ إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي ~~فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ إني سمعت الله تعالى يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (11). # فأنت ترى أنه خشي عليه الفتنة في الإحرام من موضع فاضل لا بقعة أشرف منه ~~(12)، PageV02P382 # وهو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضع قبره (1)، لكنه أبعد من ~~الميقات، فهو زيادة في التعب قصدا لرضا الله ورسوله، فبين أن ما استسهله من ~~ذلك الأمر اليسير في بادي الرأي يخاف على صاحبه الفتنة في الدنيا، والعذاب ~~في الآخرة، واستدل بالآية (2). فكل ما كان مثل (3) ذلك داخل عند مالك في ~~معنى الآية؛ فأين كراهية (4) التنزيه في هذه الأمور التي يظهر بأول النظر ~~أنها سهلة ويسيرة (5)؟ # وقال ابن حبيب: أخبرني ابن الماجشون: أنه سمع مالكا يقول: التثويب (6) ~~ضلال. قال مالك: ومن أحدث في هذه الأمة شيئا (7) لم يكن PageV02P383 # عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة (1)؛ ~~لأن الله تعالى يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم} (2)، فما لم يكن يومئذ دينا؛ ~~لا يكون اليوم دينا (3). # وإنما التثويب الذي كرهه: أن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ الناس؛ قال بين ~~الأذان والإقامة: "قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح" (4)، وهو ~~قول إسحاق بن راهويه: أنه التثويب المحدث. # قال الترمذي (5) لما نقل هذا عن ms367 إسحاق (6) : "وهذا الذي قال (7) إسحاق هو ~~التثويب الذي قد كرهه أهل العلم، والذي أحدثوه بعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم". # وإذا اعتبر هذا اللفظ في نفسه فكل أحد يستسهله في بادي الرأي؛ إذ ليس فيه ~~زيادة على التذكير بالصلاة. # وقصة صبيغ العراقي ظاهرة في هذا المعنى. # فحكى ابن وهب؛ قال: حدثنا مالك بن أنس؛ قال: جعل صبيغ يطوف بكتاب الله ~~(8) معه، ويقول: من يتفقه يفقهه الله، من يتعلم يعلمه الله؛ فأخذه عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فضربه بالجريد الرطب، ثم سجنه حتى إذا خف الذي به؛ ~~أخرجه فضربه، فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد قتلي فأجهز علي، وإلا ~~فقد شفيتني شفاك الله، فخلاه عمر بن الخطاب (9). PageV02P384 # قال ابن وهب: قال لي (1) مالك: وقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه صبيغا ~~حين بلغه ما يسأل عنه من القرآن، وغير ذلك (2). انتهى. # وهذا الضرب إنما كان لسؤاله عن أمور من القرآن لا ينبني عليها عمل، وربما ~~نقل عنه أنه كان يسأل عن السابحات سبحا، والمرسلات عرفا وأشباه ذلك، والضرب ~~إنما يكون لجناية أربت (3) على كراهية التنزيه؛ إذ لا يستباح دم (4) امرئ ~~(5) مسلم، ولا عرضه بمكروه كراهية تنزيه (6)، ووجه ضربه إياه: خوف الابتداع ~~في الدين؛ أن يشتغل منه (7) بما لا ينبني عليه عمل، أو أن (8) يكون ذلك ~~ذريعة لئلا يبحث عن المتشابهات القرآنية (9)، ولذلك لما قرأ عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: {وفاكهة وأبا *} (10)؛ قال: هذه الفاكهة، فما الأب؟ ثم قال ~~(11): ما أمرنا بهذا. PageV02P385 # وفي رواية: نهينا عن التكلف (1) (2). # وجاء في قصة صبيغ من رواية ابن وهب عن الليث: أنه ضربه مرتين، ثم أراد أن ~~يضربه الثالثة، فقال له صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، وإن ~~كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت. فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنه: أن لا يجالسه أحد من المسلمين، فاشتد ذلك على الرجل، ~~فكتب أبو موسى إلى عمر: أن قد حسنت هيئته (3)، فكتب عمر: أن يأذن ms368 للناس ~~بمجالسته (4). # والشواهد في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على أن الهين عند الناس من البدع ~~شديد وليس بهين، {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} (5). # وأما كلام العلماء: فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهي عنها؛ لا ~~يعنون بها كراهية (6) التنزيه فقط، وإنما هذا اصطلاح للمتأخرين (7) حين ~~أرادوا أن يفرقوا بين القبيلين، فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه ~~فقط، ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم، أو المنع، وأشباه ذلك. # وأما المتقدمون من السلف: فإنه لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحا أن ~~يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، ويتحامون هذه العبارة خوفا مما في الآية من ~~قوله: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال PageV02P386 # وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} (1)، وحكى مالك عمن تقدمه هذا المعنى ~~(2). # فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها "أكره هذا، ولا أحب هذا، وهذا ~~مكروه" وما أشبه ذلك، فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط فإنه إذا دل ~~الدليل في (3) جميع البدع على أنها (4) ضلالة فمن أين يعد فيها ما هو مكروه ~~كراهية التنزيه (5)؟ اللهم إلا أن يطلقوا لفظ الكراهية على ما يكون له أصل ~~في الشرع، ولكن يعارضه أمر آخر معتبر في الشرع فيكره لأجله، لا لأنه بدعة ~~مكروهة؛ على تفصيل يذكر في موضعه إن شاء الله (6). # وأما ثالثا: فإنا إذا تأملنا حقيقة البدعة دقت أوجلت وجدناها (7) مخالفة ~~للمكروه من المنهيات المخالفة التامة. وبيان ذلك من أوجه: # أحدها: أن مرتكب المكروه إنما قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة متكلا على ~~العفو اللازم فيه، ورفع الحرج الثابت في الشريعة، فهو إلى الطمع في رحمة ~~الله أقرب. # وأيضا: فليس عقده الإيماني بمتزحزح، لأنه يعتقد المكروه مكروها كما يعتقد ~~الحرام حراما وإن ارتكبه، فهو يخاف الله ويرجوه، والخوف والرجاء شعبتان من ~~شعب الإيمان. # فكذلك مرتكب المكروه يرى أن الترك أولى في حقه من الفعل، وأن PageV02P387 # نفسه الأمارة زينت له الدخول فيه. ويود لو لم يفعل، وأيضا فلا يزال إذا ~~تذكر منكسر القلب؛ طامعا في الإقلاع، سواء ms369 عليه أخذ في أسباب الإقلاع أم ~~لا. # ومرتكب أدنى البدع يكاد يكون على ضد هذه الأحوال، فإنه يعد ما دخل فيه ~~حسنا، بل يراه أولى مما (1) حد له الشارع، فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه، وهو ~~يزعم أن طريقه أهدى سبيلا، ونحلته أولى بالاتباع؟ # هذا وإن كان زعمه لشبهة (2) عرضت فقد شهد الشرع بالآيات والأحاديث أنه ~~متبع للهوى. وسيأتي لذلك تقرير إن شاء الله. # وقد مر في أول الباب الثاني تقرير لجملة من المعاني التي تعظم أمر البدع ~~على الإطلاق، وكذلك مر في آخر الباب أيضا أمور ظاهرة في بعد ما بينها (3) ~~وبين كراهية التنزيه، فراجعها هنالك يتبين لك مصداق ما أشير إليه هاهنا، ~~وبالله التوفيق. # والحاصل: أن النسبة بين المكروه من الأعمال وبين أدنى البدع (4) بعيد ~~الملتمس. PageV02P388 ### | ### | فصل # # إذا (1) ثبت هذا انتقلنا منه إلى معنى آخر # وهو أن المحرم ينقسم في الشرع إلى ما هو صغيرة، وإلى ما هو كبيرة حسبما ~~تبين في علم الأصول الدينية ، فكذلك يقال في البدع المحرمة: إنها تنقسم إلى ~~الصغيرة والكبيرة اعتبارا بتفاوت درجاتها كما تقدم، وهذا على القول بأن ~~المعاصي تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة. ولقد اختلفوا في الفرق بينهما على ~~أوجه وجميع ما قالوه لعله لا يوفي بذلك المقصود على الكمال فلنترك التفريع ~~عليه. # وأقرب وجه (2) يلتمس لهذا المطلب ما تقرر في كتاب "الموافقات" (3) أن ~~الكبائر منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة، وهي: الدين، ~~والنفس، والنسل، والعقل، والمال، وكل ما نص عليه منها (4) راجع إليها، وما ~~لم ينص عليه جرت في الاعتبار النظري (5) مجراها، وهو الذي يجمع أشتات ما ~~ذكره العلماء وما لم يذكروه مما هو في معناه. # فكذلك نقول في كبائر البدع: ما أخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو ~~كبيرة، وما لا، فهي صغيرة (6)، وقد تقدمت لذلك أمثلة أول الباب. # فكما انحصرت كبائر المعاصي أحسن انحصار حسبما أشير إليه في ذلك الكتاب ؛ ~~كذلك تنحصر كبائر البدع أيضا، وعند ذلك يعترض (7) في PageV02P389 # المسألة إشكال عظيم على أهل البدع يعسر ms370 التخلص منه (1) في إثبات الصغائر ~~فيها. وذلك أن جميع البدع راجعة إلى الإخلال بالدين، إما أصلا، وإما فرعا؛ ~~لأنها إنما أحدثت لتلحق بالمشروع؛ زيادة فيه، أو نقصانا (2) منه، أو تغييرا ~~لقوانينه (3)، أو ما يرجع إلى ذلك، وليس ذلك بمختص بالعبادات دون العادات ~~إن قلنا بدخولها في العادات (4) ، بل تشمل (5) الجميع (6). # وإذا كانت بكليتها إخلالا بالدين؛ فهي إذا إخلال بأول الضروريات، وهو ~~الدين، وقد أثبت الحديث الصحيح (7) أن كل بدعة ضلالة، وقال في الفرق: "كلها ~~في النار إلا واحدة" (8)، وهذا (9) وعيد أيضا (10) للجميع على التفصيل. # هذا وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين فليس ذلك بمخرج لها عن أن تكون ~~كبائر، كما أن القواعد الخمس أركان الدين، وهي متفاوتة في الترتيب، فليس ~~الإخلال بالشهادتين (11) كالإخلال بالصلاة، ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال ~~بالزكاة، ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان، وكذلك سائرها، مع أن (12) ~~الإخلال بكل واحد (13) منها كبيرة، فقد آل النظر (14) إلى أن كل بدعة ~~كبيرة. PageV02P390 # ويجاب عنه بأنه إن كان (1) هذا النظر (2) يدل على ما ذكر؛ ففي (3) النظر ~~ما يدل من جهة أخرى على إثبات الصغيرة من أوجه: # أحدها: أنا نقول: الإخلال بضرورة النفس كبيرة بلا إشكال، ولكنها على ~~مراتب، أدناها لا يسمى كبيرة، فالقتل كبيرة، وقطع الأعضاء من غير إجهاز (4) ~~كبيرة دونها، وقطع عضو واحد فقط (5) كبيرة دونها، وهلم جرا إلى أن تنتهي ~~(6) إلى اللطمة، ثم إلى أقل خدش يتصور، فلا يصح أن يقال في مثله كبيرة، كما ~~قال (7) العلماء في السرقة: إنها كبيرة؛ لأنها إخلال بضرورة المال. فإن ~~كانت السرقة في لقمة، أو تطفيف بحبة (8)، فقد عدوه من الصغائر، وهكذا (9) ~~في ضرورة الدين أيضا. # فقد جاء في بعض الأحاديث عن حذيفة رضي الله عنه قال: "أول ما تفقدون من ~~دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة، ولتنقضن عرى الإسلام (10) عروة عروة ~~(11)، وليصلين نساء وهن حيض"، ثم قال: "وحتى (12) تبقى فرقتان من فرق كثيرة ~~تقول إحداهما: ما بال الصلوات الخمس؟ لقد ضل من كان قبلنا، إنما قال الله: ~~{وأقم (13) الصلاة طرفي النهار وزلفا من ms371 الليل} (14)، لا تصلون إلا ثلاثا. ~~وتقول الأخرى (15): إنا لمؤمنون (16) بالله إيمان الملائكة، ما فينا كافر، ~~حق على الله أن يحشرهما مع الدجال" (17). PageV02P391 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P392 # فهذا الأثر وإن لم نلتزم (1) عهدة صحته مثال من أمثلة (2) المسألة. # فقد نبه على أن في آخر الزمان من (3) يرى أن الصلوات المفروضة ثلاث (4) ~~لا خمس، وبين أن من النساء من يصلين وهن حيض، كأنه يعنى بسبب التعمق وطلب ~~الاحتياط بالوسواس الخارج عن السنة، فهذه مرتبة دون الأولى. # وحكى ابن حزم (5) أن بعض الناس زعم أن الظهر خمس ركعات لا أربع ركعات. # ثم وقع في "العتبية" (6): قال ابن القاسم: وسمعت (7) مالكا يقول: أول من ~~أحدث الاعتماد في الصلاة حتى لا يحرك رجليه رجل قد عرف وسمي، إلا أني لا ~~أحب أن أذكره، وقد كان مساء (8). فقيل له: أفعيب ذلك عليه (9)؟ قال (10): ~~قد عيب ذلك عليه، وهذا مكروه من الفعل. قالوا: ومعنى (11) مساء (12)؛ أي: ~~يساء الثناء عليه. PageV02P393 # قال ابن رشد (1): جائز عند مالك أن يروح (2) الرجل قدميه في الصلاة، قاله ~~في "المدونة" (3)، وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون ~~الأخرى، لأن ذلك ليس من حدود الصلاة، إذ لم يأت ذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولا عن أحد من السلف، والصحابة المرضيين الكرام (4)، وهو من محدثات ~~الأمور. انتهى. # فمثل هذا إن كان يعده فاعله من محاسن الصلاة وإن لم يأت به أثر أفيقال ~~(5) في مثله: إنه من كبائر البدع، كما يقال ذلك في الركعة الخامسة في الظهر ~~أو نحوها؟! (6) بل إنما يعد مثله من صغائر البدع؛ إن سلمنا أن لفظ الكراهية ~~فيه ما لا يراد (7) به (8) التنزيه، وإذا ثبت ذلك في بعض الأمثلة في قاعدة ~~الدين، فمثله يتصور في سائر البدع المختلفة المراتب، فالصغائر في البدع ~~ثابتة؛ كما أنها في المعاصي ثابتة. # والثاني: أن البدع تنقسم إلى ما هي كلية في الشريعة، وإلى جزئية، ومعنى ~~ذلك أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كليا في الشريعة، كبدعة التحسين ~~والتقبيح العقليين، وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارا على ms372 القرآن، وبدعة ~~الخوارج في قولهم: لا حكم إلا لله، وما أشبه ذلك من البدع التي لا تخص فرعا ~~من فروع الشريعة دون فرع، بل تجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية، ~~أو يكون الخلل الواقع جزئيا إنما يأتي في بعض الفروع دون بعض، كبدعة ~~التثويب بالصلاة الذي قال فيه مالك: التثويب ضلال (9)، وبدعة الأذان ~~والإقامة في PageV02P394 # العيدين (1)، وبدعة (2) الاعتماد في الصلاة على إحدى (3) الرجلين (4)، ~~وما أشبه ذلك. فهذا القسم لا تتعدى فيه البدعة محلها، ولا تنتظم (5) تحتها ~~غيرها حتى تكون أصلا لها. # فالقسم الأول إذا عد من الكبائر اتضح مغزاه، وأمكن أن يكون منحصرا داخلا ~~تحت عموم الثنتين والسبعين فرقة، ويكون الوعيد الآتي في الكتاب والسنة ~~مخصوصا به لاعاما فيه وفي غيره، ويكون ما عدا ذلك وهو القسم الثاني (6) من ~~قبيل اللمم المرجو فيه العفو الذي لا ينحصر إلى ذلك العدد، فلا قطع على أن ~~جميعها من قبيل الكبائر (7)، وقد ظهر وجه انقسامها. # والثالث: أن المعاصي قد ثبت انقسامها إلى الصغائر والكبائر، ولا شك أن ~~البدع من جملة المعاصي على مقتضى الأدلة المتقدمة ، ونوع من أنواعها، ~~فاقتضى إطلاق التقسيم أن البدع تنقسم أيضا، ولا تخص وحدها (8) بتعميم ~~الدخول في الكبائر، لأن ذلك تخصيص من غير مخصص، ولو كان ذلك معتبرا لاستثني ~~من تقدم من العلماء القائلين (9) بالتقسيم قسم البدع، فكانوا ينصون على أن ~~المعاصي ما عدا البدع تنقسم إلى الصغائر والكبائر، إلا أنهم لم يلتفتوا إلى ~~الاستثناء، وأطلقوا القول بالانقسام، فظهر أنه شامل لجميع أنواعها. # فإن (10) قيل: إن ذلك التفاوت لا دليل فيه على إثبات الصغيرة مطلقا، ~~وإنما يدل ذلك على أنها تتفاضل، فمنها ثقيل وأثقل، ومنها خفيف PageV02P395 # وأخف، والخفة هل تنتهي إلى حد تعد البدعة فيه من قبيل اللمم؟ هذا فيه ~~نظر، وقد ظهر معنى الكبيرة والصغيرة في المعاصي غير البدع. # وأما في البدع فثبت (1) لها أمران: # أحدهما: أنها مضادة للشارع (2) ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه نصب ~~المستدرك على الشريعة، لا نصب المكتفي بما حد له. # والثاني: ms373 أن كل بدعة وإن قلت تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، ~~وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقا بما هو مشروع، فيكون قادحا ~~في المشروع. ولو فعل أحد مثل هذا في نفس (3) الشريعة عامدا لكفر، إذ ~~الزيادة والنقصان فيها أو التغيير قل أو كثر كفر، فلا فرق بين ما قل منه ~~وما كثر (4)، فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد، أو برأي (5) غالط رآه، وألحقه ~~(6) بالمشروع، إذا لم نكفره (7)؛ لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه (8) وما ~~كثر، لأن الجميع جناية لا تحتملها (9) الشريعة بقليل ولا بكثير. # ويعضد هذا النظر: عموم الأدلة في ذم البدع من غير استثناء، فلا فرق إذا ~~(10) بين بدعة جزئية، وبدعة كلية، وقد حصل الجواب عن السؤال الأول والثاني. # وأما الثالث: فلا حجة فيه؛ لأن قوله عليه السلام: "كل بدعة ضلالة" (11)، ~~وما تقدم من كلام السلف الصالح رضي الله عنهم (12)؛ يدل PageV02P396 # على عموم الذم فيها. وظهر أنها مع المعاصي لا تنقسم ذلك الانقسام، بل ~~إنما ينقسم ما سواها من المعاصي، واعتبر بما تقدم ذكره في الباب الثاني ~~يتبين لك عدم الفرق فيها. وأقرب (1) عبارة تناسب هذا التقرير أن يقال: كل ~~بدعة كبيرة عظيمة (2)، بالإضافة (3) إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع، إلا ~~أنها وإن عظمت لما ذكرناه، فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبها (4)، فيكون ~~منها صغار وكبار (5)، إما باعتبار أن بعضها أشد عقابا من بعض، فالأشد عقابا ~~أكبر مما دونه، وإما باعتبار فوت المطلوب في المفسدة، فكما انقسمت الطاعة ~~باتباع السنة إلى الفاضل والأفضل، لانقسام مصالحها إلى الكامل، والأكمل، ~~انقسمت البدع لانقسام مفاسدها إلى الرذل والأرذل، والصغر والكبر، من باب ~~النسب والإضافات، فقد يكون الشيء كبيرا في نفسه، لكنه صغير (6) بالنسبة إلى ~~ما هو أكبر منه، كما يكون كبيرا بالنسبة إلى ما هو (7) أصغر منه (8). # وهذه العبارة قد سبق إليها إمام الحرمين (9) لكن في انقسام المعاصي إلى ~~الكبائر والصغائر فقال: المرضي عندنا أن كل ذنب كبيرة وعظيم بالإضافة إلى ~~مخالفة الله، ولذلك ms374 يقال: معصية الله أكبر من معصية العباد قولا مطلقا، إلا ~~(10) أنها وإن عظمت لما ذكرناه، فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبها، ثم ~~ذكر معنى ما تقدم. ولم يوافقه غيره على ما قال، وإن كان له وجه في النظر ~~وقعت الإشارة إليه في كتاب "الموافقات" (11). PageV02P397 # ولكن الظواهر تأبى (1) ذلك حسبما ذكره غيره من العلماء ، والظواهر في ~~البدع لا تأبى كلام الإمام إذا نزل عليها حسبما تقدم فصار اعتقاد الصغائر ~~فيها يكاد يكون من المتشابهات، كما صار اعتقاد نفي كراهة التنزيه (2) عنها ~~من الواضحات. # فليتأمل هذا الموضع أشد التأمل، وليعط من الإنصاف حقه، ولا ينظر إلى خفة ~~الأمر في البدعة بالنسبة إلى صورتها وإن دقت، بل ينظر إلى مصادمتها ~~للشريعة، ورميها لها بالنقص والاستدراك، وأنها لم تكمل بعد حتى يوضع فيها، ~~بخلاف سائر المعاصي فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها، بل ~~صاحب المعصية متنصل منها، مقر لله بمخالفته لمحكمها (3). # وحاصل المعصية أنها مخالفة في فعل المكلف لما يعتقد صحته من الشريعة، ~~والبدعة حاصلها مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة، ولذلك قال مالك بن أنس: من ~~أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله تعالى يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم} (4) ~~... ، إلى آخر الحكاية، وقد تقدمت (5). # ومثلها جوابه لمن أراد أن يحرم من المدينة وقال: أي فتنة في هذا (6)؟ ~~إنما هي أميال أزيدها. فقال: وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك فعلت فعلا قصر ~~عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ... ، إلى آخر الحكاية، وقد تقدمت أيضا ~~(7). PageV02P398 # فإذا لا (1) يصح أن يكون في البدع ما هو صغيرة ولا كبيرة (2). # فالجواب: أن ذلك يصح بطريقة يظهر إن شاء الله أنها تحقيق في تشعيب (3) ~~هذه المسألة. # وذلك أن صاحب البدعة يتصور أن يكون عالما بكونها بدعة، وأن يكون غير عالم ~~بذلك، وغير العالم بكونها بدعة على ضربين، وهما: المجتهد (4) في استنباطها ~~وتشريعها، والمقلد له فيها. وعلى كل تقدير ms375 فالتأويل يصاحبه فيها ولا يفارقه ~~إذا حكمنا له بحكم أهل الإسلام، فأما العالم بها فإنه لو لم يتأول لم يصح ~~أن ينسب إلى أهل الإسلام (5)، لأنه مصادم للشارع مراغم للشرع بالزيادة فيه، ~~أو النقصان منه، أو التحريف له، فلا بد له من تأويل كقوله: هي بدعة، ولكنها ~~مستحسنة، أو يقول: إنها بدعة، ولكني رأيت فلانا الفاضل يعمل بها، أو يأمر ~~بها (6)، أو يقر بها، ولكنه يفعلها لحظ عاجل؛ كفاعل الذنب (7) لقضاء حظه ~~(8) العاجل من خوف (9) على حظه (10)، أو فرارا من الاعتراض عليه في اتباع ~~السنة، كما هو الشأن اليوم في كثير ممن يشار إليه، وما أشبه ذلك (11). # وأما غير العالم بها (12)، وهو (13) الواضع لها: فإنه لا يمكن أن ~~PageV02P399 # يعتقدها (1) بدعة، بل هي عنده مما يلحق بالمشروعات، كقول من جعل يوم ~~الإثنين يصام لأنه يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل الثاني عشر من ~~ربيع الأول ملحقا بأيام الأعياد لأنه عليه السلام ولد فيه، وكمن عد السماع ~~والغناء مما يتقرب به إلى الله بناء على أنه يجلب الأحوال السنية، أو رغب ~~في الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلوات دائما بناء على ما جاء في ذلك ~~حالة الوحدة، أو زاد في الشريعة أحاديث مكذوبة لينصر في زعمه سنة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فلما قيل له: إنك تكذب عليه، وقد قال: "من كذب علي متعمدا ~~فليتبوأ مقعده من النار" (2)؛ قال: لم أكذب عليه، وإنما كذبت له. # أو نقص منها تأويلا عليها لقوله تعالى في ذم الكفار: {إن يتبعون إلا الظن ~~وإن الظن لا يغني من الحق شيئا} (3)، فأسقط اعتبار الأحاديث المنقولة ~~بالآحاد لذلك، ولما أشبهه (4)؛ لأن خبر الواحد ظني (5)، فهذا كله من قبيل ~~التأويل. # وأما المقلد: فكذلك أيضا؛ لأنه يقول: فلان المقتدى به يعمل بهذا العمل، ~~أو يفتي به (6)؛ كاتخاذ الغناء جزءا من أجزاء طريقة التصوف بناء منهم على ~~أن شيوخ التصوف قد سمعوه وتواجدوا عليه، ومنهم من مات بسببه، وكتمزيق ~~الثياب عند التواجد بالرقص وسواه لأنهم قد فعلوه، وأكثر ما ms376 يقع مثل هذا في ~~هؤلاء المنتمين إلى التصوف. # وربما احتجوا على بدعهم (7) بالجنيد، والبسطامي، والشبلي، PageV02P400 # وغيرهم؛ فيما صح عنهم (1)، أو لم يصح، ويتركون أن يحتجوا (2) بسنة الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهي التي لا شائبة في هداها (3)، إذا نقلها ~~العدول، وفسرها أهلها المكبون على فهمها وتعلمها (4)، ولكنهم مع ذلك لا ~~يقرون بالخلاف للسنة بحتا (5)، بل يدخلون تحت أذيال التأويل، إذ لا يرضى ~~منتم إلى الإسلام بإبداء صفحة الخلاف للسنة (6) أصلا. # وإذا كان كذلك فقول مالك: من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها ~~فقد زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم خان الرسالة (7)، وقوله لمن أراد أن ~~يحرم من المدينة: أي فتنة أعظم من أن تظن (8) أنك سبقت إلى (9) فضيلة قصر ~~عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ... ، إلى آخر الحكاية وقد تقدم (10) ~~ذكر (11) ذلك (12) : إنما (13) هو (14) إلزام للخصم (15) على عادة أهل ~~النظر، كأنه يقول له (16): يلزمك في هذا القول كذا، لا أنه (17) يقول له ~~(18): قصدت إليه قصدا؛ لأنه لا يقصد إلى ذلك مسلم. # ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا؟ هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول، ~~والذي كان يقول (19) به شيوخنا البجائيون (20) والمغربيون PageV02P401 # ويرون أنه رأي المحققين أيضا: أن لازم المذهب ليس بمذهب، فلذلك (1) إذا ~~قرر عليه (2) الخصم أنكره غاية الإنكار، فإذا اعتبار ذلك المعنى على ~~التحقيق لا ينهض، وعند ذلك تستوي البدعة مع المعصية، فكما أن المعاصي (3) ~~صغائر وكبائر (4)، فكذلك البدع. # ثم إن البدع على ضربين: كلية وجزئية: # فأما الكلية: فهي السائرة (5) فيما لا ينحصر من فروع (6) الشريعة، ~~ومثالها: بدع الفرق الثلاث والسبعين، فإنها مختصة بالكليات منها دون ~~الجزئيات، حسبما يتبين (7) بعد إن شاء الله تعالى. # وأما الجزئية: فهي الواقعة (8) في الفروع الجزئية، ولا يتحقق دخول هذا ~~الضرب من البدع تحت الوعيد بالنار، وإن دخل (9) تحت وصف الضلال (10)، كما ~~لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة، أو التطفيف بحبة، وإن كان داخلا تحت وصف ~~السرقة، بل المتحقق دخول عظائمها وكلياتها كالنصاب في السرقة، فلا تكون ms377 تلك ~~الأدلة واضحة الشمول لها، ألا ترى أن خواص البدع (11) غير ظاهرة في أهل ~~البدع الجزئية غالبا؟ كالفرقة والخروج عن الجماعة، وإنما تقع الجزئيات في ~~الغالب كالزلة والفلتة، ولذلك لا يكون اتباع الهوى فيها مع حصول التأويل في ~~فرد من أفراد الفروع، ولا المفسدة الحاصلة بالجزئية كالمفسدة الحاصلة ~~بالكلية. PageV02P402 # فعلى هذا: إذا اجتمع في البدعة وصفان: كونها جزئية، وكونها بالتأويل (1)؛ ~~صح أن تكون صغيرة، والله أعلم. # ومثاله: مسألة من نذر أن يصوم قائما لا يجلس، وضاحيا لا يستظل (2)، ومن ~~حرم على نفسه شيئا مما أحل الله؛ من النوم، أو لذيذ الطعام، أو النساء، أو ~~الأكل (3) بالنهار، وما أشبه ذلك مما تقدم ذكره (4)، أو يأتي. # غير أن الكلية والجزئية قد تكون ظاهرة، وقد تكون خفية، كما أن التأويل قد ~~يقرب مأخذه وقد يبعد، فيقع الإشكال في كثير من أمثلة هذا الفصل، فيعد كبيرة ~~ما هو من الصغائر، وبالعكس، فيوكل النظر فيه إلى الاجتهاد، وبالله التوفيق ~~(5). انتهى (6). PageV02P403 ### | فصل # وإذا سلمنا (1): إن من البدع ما يكون صغيرة؛ فذلك بشروط: # أحدها: أن لا يداوم عليها، فإن الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر ~~بالنسبة إليه؛ لأن ذلك ناشئ عن (2) الإصرار عليها، والإصرار على الصغيرة ~~يصيرها كبيرة، ولذلك قالوا: "لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار" ~~(3)، فكذلك البدعة من غير فرق، إلا أن المعاصي من شأنها في الواقع (4) أنها ~~قد يصر عليها، وقد لا يصر عليها، وعلى ذلك ينبني طرح الشهادة، وسخطة الشاهد ~~بها أو عدمه، بخلاف البدعة فإن شأنها في الواقع المداومة عليها (5)، والحرص ~~على أن لا تزال (6) من موضعها، وأن تقوم على تاركها القيامة، وتنطلق عليه ~~ألسنة الملامة، ويرمى بالتسفيه والتجهيل، وينبز بالتبديع والتبديل (7)، ضد ~~ما كان عليه سلف هذه الأمة، والمقتدى بهم من الأئمة. # والدليل على ذلك: الاعتبار والنقل. PageV02P404 # أما الاعتبار (1): فإن أهل البدع كان من شأنهم القيام بالنكير على أهل ~~السنة إن كان لهم عصبة، أو لصقوا بسلطان تجري أحكامه في الناس، وتنفذ ~~أوامره في الأقطار، ومن طالع سير المتقدمين، ms378 وجد من ذلك ما لا يخفى. # وأما النقل: فما ذكره السلف من أن البدعة إذا أحدثت، لا تزيد إلا مضيا، ~~وليست (2) كذلك المعاصي، فقد يتوب صاحبها وينيب إلى الله، بل قد جاء ما يشد ~~(3) ذلك في حديث الفرق، حيث جاء في بعض الروايات: "تتجارى (4) بهم تلك ~~الأهواء كما يتجارى (5) الكلب بصاحبه" (6). ومن هنا جزم السلف بأن المبتدع ~~لا توبة له منها حسبما تقدم. # والشرط الثاني: أن لا يدعو (7) إليها، فإن البدعة قد تكون صغيرة ~~بالإضافة، ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها، والعمل بمقتضاها (8)، فيكون إثم ~~ذلك كله عليه؛ فإنه الذي (9) أثارها، وبسببه كثر (10) وقوعها والعمل بها؛ ~~فإن الحديث الصحيح (11) قد أثبت (12) أن كل من سن سنة سيئة؛ كان عليه وزرها ~~ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا، والصغيرة مع الكبيرة إنما ~~تفاوتهما (13) بحسب كثرة الإثم وقلته، فربما تساوي الصغيرة من هذا الوجه ~~الكبيرة، أو تربي عليها. # فمن حق المبتدع إذا ابتلي بالبدعة أن يقتصر بها (14) على نفسه، ولا يحمل ~~مع وزره وزر غيره. PageV02P405 # وفي هذا الوجه قد يتعذر الخروج عنه (1)؛ فإن المعصية فيما بين العبد وربه ~~يرجو فيها من التوبة والغفران ما يتعذر عليه مع الدعاء إليها، وقد مر من ~~ذلك (2) في باب ذم البدع، وباقي الكلام في المسألة سيأتى إن شاء الله. # والشرط الثالث: أن لا تفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس، أو المواضع ~~التي تقام فيها السنن، وتظهر فيها أعلام الشريعة؛ فأما إظهارها في ~~المجتمعات ممن يقتدى به، أو ممن يحسن (3) به الظن؛ فذلك من أضر الأشياء على ~~سنة الإسلام، فإنها لا تعدو أحد (4) أمرين: إما أن يقتدى بصاحبها فيها، فإن ~~العوام أتباع كل ناعق؛ لا سيما البدع التي وكل الشيطان بتحسينها (5) للناس، ~~والتي للنفوس فيها هوى (6)، وإذا اقتدي بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة ~~إليه، لأن كل من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، فعلى حسب ~~(7) كثرة الأتباع يعظم عليه الوزر. # وهذا بعينه موجود في صغائر المعاصي، فإن العالم مثلا ms379 إذا أظهر المعصية ~~وإن صغرت ؛ سهل على الناس ارتكابها، فإن الجاهل يقول: لو كان هذا الفعل كما ~~قال (8) من أنه ذنب، لم يرتكبه، وإنما ارتكبه لأمر علمه دوننا، فكذلك ~~البدعة إذا أظهرها العالم، اقتدي (9) به (10) فيها لا محالة (11)؛ فإنها ~~مظنة (12) التقرب في ظن الجاهل؛ لأن العالم يفعلها على ذلك الوجه، بل ~~البدعة أشد في هذا المعنى؛ إذ الذنب قد لا يتبع عليه، بخلاف البدعة، فلا ~~يتحاشى أحد عن اتباعه، إلا من كان عالما بأنها بدعة PageV02P406 # مذمومة، فحينئذ تصير (1) في درجة الذنب، فإذا كانت (2) كذلك صارت كبيرة ~~بلا شك، فإن كان داعيا إليها فهو (3) أشد، وإن كان الإظهار باعثا على ~~الاتباع؛ فبالدعاء يصير (4) أدعى إليه. # وقد روي عن الحسن: أن رجلا من بني إسرائيل ابتدع بدعة فدعا الناس إليها ~~فاتبع، وأنه لما عرف (5) ذنبه عمد إلى ترقوته فنقبها، فأدخل (6) فيها حلقة، ~~ثم جعل فيها سلسلة، ثم أوثقها في شجرة؛ فجعل يبكي ويعج إلى ربه، فأوحى الله ~~إلى نبي تلك الأمة: أن لا توبة له (7)، قد غفر له الذي أصاب؛ فكيف بمن أضل ~~(8) من الناس (9)، فصار من أهل (10) النار (11) (12)؟!. # وأما اتخاذها في المواضع التي تقام فيها السنن: فهو كالدعاء إليها ~~بالتصريح؛ لأن محل (13) إظهار الشعائر (14) الإسلامية يوهم (15) أن كل ما ~~PageV02P407 # أظهر فيها فهو من الشعائر، فكأن المظهر لها يقول: هذه سنة فاتبعوها. # قال أبو مصعب (1): قدم علينا ابن مهدي، فصلى، ووضع رداءه بين يدي الصف، ~~فلما سلم الإمام رمقه (2) الناس بأبصارهم، ورمقوا مالكا وكان قد صلى خلف ~~الإمام ، فلما سلم قال: من هاهنا من الحرس؟ فجاءه نفسان، فقال: خذا صاحب ~~هذا الثوب فاحبساه، فحبس، فقيل له: إنه ابن مهدي، فوجه إليه وقال له (3): ~~أما خفت (4) الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف، وشغلت المصلين ~~بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئا ما كنا نعرفه، وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين" (5)؟ فبكى ابن مهدي، وآلى على نفسه أن لا يفعل ms380 ذلك أبدا في مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في غيره. # وفي رواية عن ابن مهدي (6) قال: فقلت للحرسيين: تذهبان بي إلى أبي (7) ~~عبد الله؟ قالا: إن شئت، فذهبا (8) بي (9) إليه، فقال: يا عبد الرحمن! تصلي ~~مستلبا (10)؟! فقلت: يا أبا عبد الله! إنه كان يوما حارا كما PageV02P408 # رأيت ، فثقل ردائي علي، فقال: آلله! ما أردت بذلك (1) الطعن على من مضى ~~والخلاف عليه (2)؟ قلت: آلله (3)! قال: خلياه. # وحكى ابن وضاح (4) قال: ثوب المؤذن بالمدينة في زمان مالك، فأرسل إليه ~~مالك فجاءه، فقال له مالك: ما هذا الذي (5) تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس ~~طلوع الفجر فيقوموا، فقال له مالك: لا تفعل! لا تحدث (6) في بلدنا شيئا لم ~~يكن فيه! قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا البلد عشر سنين، وأبو ~~بكر، وعمر، وعثمان، فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه! فكف ~~المؤذن عن ذلك، وأقام زمانا، ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر، ~~فأرسل إليه مالك، فقال له: ما هذا (7) الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس ~~طلوع الفجر، فقال له: ألم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن؟ فقال: إنما ~~نهيتني عن التثويب (8)! فقال له مالك (9): لا تفعل! فكف أيضا (10) زمانا، ~~ثم جعل يضرب الأبواب، فأرسل إليه مالك (11)، فقال له (12): ما هذا الذي ~~تفعل؟ فقال (13): أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له مالك: لا تفعل! ~~لا تحدث (14) في بلدنا ما لم يكن فيه!. PageV02P409 # قال ابن وضاح: وكان مالك يكره التثويب. قال (1): وإنما أحدث هذا بالعراق. # قيل لابن وضاح: فهل كان يعمل به بمكة (2)، أو المدينة، أو مصر، أو غيرها ~~من الأمصار؟ فقال: ما سمعته إلا عند بعض الكوفيين والإباضيين (3). # فتأمل كيف منع مالك من إحداث أمر يخف شأنه عند الناظر فيه ببادي الرأي، ~~وجعله أمرا محدثا، وقد قال في التثويب: إنه ضلال (4). وهو بين؛ لأن كل ~~محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ولم يسامح المؤذن (5) في التنحنح، ولا في ضرب ~~الأبواب؛ ms381 لأن ذلك جدير بأن يتخذ سنة، كما منع من وضع الرداء (6) عبد الرحمن ~~بن مهدي خوفا (7) أن يكون حدثا أحدثه. # وقد أحدث بالمغرب المتسمي (8) بالمهدي (9) تثويبا عند طلوع الفجر، وهو ~~قولهم: "أصبح ولله الحمد"؛ إشعارا بأن الفجر قد طلع، لإلزام الطاعة، ولحضور ~~الجماعة، وللغدو (10) لكل (11) ما يؤمرون به، فمحضه (12) هؤلاء المتأخرون ~~تثويبا بالصلاة كالأذان. # ونقل أيضا إلى أهل المغرب الحزب المحدث بالإسكندرية، وهو المعتاد في ~~جوامع الأندلس وغيرها، فصار ذلك كله سنة في المساجد إلى الآن، فإنا لله ~~وإنا إليه راجعون!. PageV02P410 # وقد فسر التثويب الذي أشار إليه مالك: بأن المؤذن كان إذا أذن فأبطأ ~~الناس؛ قال بين الأذان والإقامة: "قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على ~~الفلاح" (1)، وهذا نظير قولهم عندنا: الصلاة، رحمكم الله!. # وروي عن عبد الله (2) بن عمر رضي الله عنهما أنه دخل مسجدا يريد (3) أن ~~يصلي فيه، فثوب المؤذن، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد، وقال: اخرج بنا ~~(4) من عند هذا المبتدع! ولم يصل فيه (5). # قال ابن رشد (6): وهو (7) نحو مما كان يفعل عندنا بجامع قرطبة؛ من أن ~~يفرد (8) المؤذن بعد أذانه قبل الفجر النداء عند الفجر بقوله: حي على ~~الصلاة، ثم ترك. قال: وقيل: إنما عنى بذلك قول المؤذن في أذانه: حي على خير ~~العمل؛ لأنها كلمة زادها في الأذان من خالف السنة من الشيعة. PageV02P411 # ووقع في المجموعة (1): أن من سمع التثويب وهو (2) في المسجد خرج عنه، ~~كفعل ابن عمر رضي الله عنهما. # وفي المسألة كلام، والمقصود (3) منه التثويب المكروه الذي قال فيه مالك: ~~إنه ضلال، والكلام يدل على التشديد في الأمور المحدثة أن تكون في مواضع ~~الجماعة (4)، أو في المواطن التي تقام فيها السنن، ويحافظ فيها (5) على ~~المشروعات أشد المحافظة، لأنها إذا أقيمت هنالك أخذها الناس وعملوا بها، ~~فكان وزر ذلك عائدا على الفاعل أولا، فيكثر (6) وزره، ويعظم خطر بدعته. # والشرط الرابع: أن لا يستصغرها ولا يستحقرها وإن فرضناها صغيرة ، فإن ذلك ~~استهانة بها، والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب، فكان ذلك سببا لعظم ms382 ما هو ~~صغير. وذلك أن الذنب له نظران: نظر (7) من جهة رتبته في الشرع (8)، ونظر من ~~جهة مخالفة الرب العظيم به. # فأما النظر الأول: فمن ذلك الوجه يعد صغيرا إذا (9) فهمنا من الشرع أنه ~~صغير، لأنا نضعه حيث وضعه الشرع. # وأما النظر (10) الآخر: فهو راجع إلى اعتقادنا في العمل به؛ حيث نستحقر ~~مواجهة (11) الرب سبحانه بالمخالفة، والذي كان يجب في حقنا أن نستعظم ذلك ~~جدا، إذ لا فرق في التحقيق بين المواجهتين: المواجهة بالكبيرة، والمواجهة ~~بالصغيرة. PageV02P412 # والمعصية من حيث هي معصية لا يفارقها (1) النظران في الواقع أصلا؛ لأن ~~تصورها (2) موقوف عليهما (3)، فالاستعظام لوقوعها مع كونها يعتقد فيها أنها ~~صغيرة لا يتنافيان، لأنهما اعتباران من جهتين: فالعاصي وإن تعمد (4) ~~المعصية لم يقصد بتعمده الاستهانة بالجانب العلي الرباني، وإنما قصد اتباع ~~شهوته مثلا فيما جعله الشارع صغيرا أو كبيرا، فيقع الإثم على حسبه، كما أن ~~البدعة لم يقصد بها صاحبها منازعة الشارع ولا التهاون بالشرع، وإنما قصد ~~الجري على مقتضاه، لكن بتأويل زاده ورجحه على غيره، بخلاف ما إذا تهاون ~~بصغرها في الشرع فإنه إنما تهاون بمخالفة الملك الحق، لأن النهي حاصل، ~~ومخالفته حاصلة، والتهاون بها عظيم، ولذلك يقال: "لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ~~وانظر إلى عظمة من واجهته (5) بها" (6). PageV02P413 # وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع: "أي يوم ~~هذا؟ "، قالوا: يوم الحج الأكبر، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم ~~حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، ألا (1) لا يجني جان إلا على نفسه، ~~ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده، ألا وإن الشيطان قد أيس ~~(2) أن يعبد (3) في بلدكم هذا (4) أبدا، ولكن ستكون (5) له طاعة فيما ~~تحتقرون (6) من أعمالكم، فسيرضى به" (7). PageV02P414 # فقوله عليه الصلاة والسلام: "فسيرضى به": دليل على عظم الخطب فيما ~~يستحقر. # وهذا الشرط مما اعتبره الغزالي في هذا المقام، فإنه ذكر في "الإحياء" ~~(1): أن مما تعظم به الصغيرة: أن يستصغرها. قال: فإن الذنب كلما استعظمه ~~العبد من نفسه صغر عند ms383 الله، وكلما استصغره كبر عند الله: ثم بين ذلك ~~وبسطه. # فإذا تحصلت هذه الشروط؛ فإذ ذاك يرجى أن تكون صغيرتها صغيرة (2)، فإن ~~تخلف شرط منها أو أكثر؛ صارت كبيرة، أو خيف أن تصير كبيرة (3)، كما (4) أن ~~المعاصي كذلك، والله أعلم. PageV02P415 ### | الباب السابع # في الابتداع (1) هل يدخل في الأمور (2) العادية؟ أم يختص بالأمور ~~العبادية؟ # قد تقدم في حد البدعة ما يقتضي الخلاف فيه: هل يدخل في الأمور العادية؟ ~~أم لا؟ # أما العبادية: فلا إشكال في دخوله (3) فيها، وهي عامة (4) الباب، إذ ~~الأمور العبادية إما أعمال قلبية وأمور اعتقادية، وإما أعمال جوارح من قول، ~~أو فعل، وكلا القسمين قد دخل فيه الابتداع؛ كمذهب القدرية، والمرجئة، ~~والخوارج، والمعتزلة، وكذلك مذهب (5) الإباحة (6)، واختراع العبادات على ~~غير مثال سابق، ولا أصل مرجوع إليه. # وأما العادية (7): فاقتضى النظر وقوع الخلاف فيها، وأمثلتها ظاهرة مما ~~تقدم في تقسيم البدع، كالمكوس، والمحدثات (8) من المظالم (9)، وتقديم ~~الجهال على العلماء في الولايات العلمية، وتولية المناصب الشريفة (10) من ~~PageV02P416 # ليس لها بأهل؛ بل (1) بطريق الوراثة، وإقامة صور الأئمة وولاة الأمور ~~والقضاة، واتخاذ المناخل، وغسل اليد بالأشنان، ولبس الطيالس (2)، وتوسيع ~~الأكمام (3)، وأشباه ذلك من الأمور التي لم تكن في الزمن (4) الفاضل، ~~والسلف الصالح، فإنها أمور جرت في الناس، وكثر العمل بها، وشاعت وذاعت، ~~فلحقت بالبدع، وصارت كالعبادات المخترعة الجارية في الأمة، وهذا من الأدلة ~~الدالة على ما قلنا، وإليه مال القرافي (5) وشيخه ابن عبد السلام (6)، وذهب ~~إليه بعض السلف. # فروى أبو نعيم الحافظ (7) عن محمد بن أسلم أنه ولد له ولد قال محمد بن ~~القاسم الطوسي فقال لي (8): اشتر كبشين (9) عظيمين. ودفع إلي دراهم، ~~فاشتريت له، وأعطاني عشرة دراهم، فقال (10) لي: PageV02P417 # اشتر (1) بها (2) دقيقا واخبزه (3). قال: فنخلت الدقيق، وخبزته، ثم جئت ~~به، فقال: نخلت هذا؟ وأعطاني عشرة أخرى وقال (4): اشتر به دقيقا ولا تنخله ~~واخبزه، فخبزته وحملته إليه، فقال لي: يا أبا عبد الله! العقيقة سنة، ونخل ~~الدقيق بدعة، ولا ينبغي أن يكون في السنة بدعة، ولم أحب أن يكون ذلك الخبز ~~في ms384 بيتي بعد أن يكون (5) بدعة. # ومحمد بن أسلم هذا: هو الذي فسر به الحديث إسحاق بن راهويه (6) حيث سئل ~~عن السواد الأعظم في قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالسواد الأعظم" (7)؟ ~~، PageV02P418 # فقال: محمد بن أسلم (1) وأصحابه، حسبما يأتي إن شاء الله تعالى في موضعه ~~من هذا الكتاب (2). # وأيضا فإن تصور في العبادات (3) وقوع الابتداع (4)؛ تصور (5) في العادات؛ ~~لأنه لا فرق بينهما، فالأمور المشروعة تارة تكون عبادية وتارة عادية، ~~فكلاهما مشروع من قبل الشارع (6)، فكما تقع المخالفة بالابتداع في أحدهما؛ ~~تقع في الآخر. # ووجه ثالث: وهو أن الشرع جاء بالوعد بأشياء تكون في آخر الزمان هي خارجة ~~عن سنته، فتدخل فيما تقدم تمثيله؛ لأنها من جنس واحد. # ففي الصحيح (7) عن عبد الله (8) رضي الله عنه قال: قال لنا (9) رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا (10) تنكرونها"، قالوا: ~~فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله (11) حقكم". # وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ~~كره من أميره شيئا فليصبر". وفي رواية: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر ~~PageV02P419 # عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، مات ميتة جاهلية" (1). # وفي الصحيح (2) أيضا: "إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة". # وعن أبي هريرة (3) رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"يتقارب الزمان، وينقص (4) العلم، ويلقى الشح (5)، وتظهر الفتن، ويكثر ~~الهرج". قالوا (6): يا رسول الله! أيما (7) هو؟ قال: "القتل القتل". # وعن أبي موسى (8) رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ~~بين يدي الساعة (9) لأياما (10) ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم، ويكثر ~~فيها الهرج". والهرج: القتل. # وعن حذيفة (11) رضي الله عنه؛ قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حديثين، رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب ~~الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها؛ قال: ~~"ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل ms385 أثرها مثل الوكت (12)، ثم ~~PageV02P420 # ينام النومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل أثر (1) المجل (2)، كجمر دحرجته (3) ~~على رجلك فنفط (4)، فتراه منتبرا (5) وليس فيه شيء، ويصبح الناس (6) ~~يتبايعون، ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، ~~ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة من ~~(7) خردل من إيمان ... "، الحديث. # وعن أبي هريرة (8) رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون (9) بينهما مقتلة عظيمة، ~~دعواهما واحدة، وحتى (10) يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم ~~(11) أنه رسول، وحتى يقبض العلم، ثم قال: وحتى يتطاول الناس في البنيان" ~~... ، إلى آخر الحديث. # وعن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخرج ~~(12) في آخر الزمان قوم (13) أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرؤون القرآن، ~~لا يجاوز تراقيهم، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق ~~PageV02P421 # السهم من الرمية" (1). # ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (2): ~~"بادروا بالأعمال فتنا (3) كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي ~~كافرا، ويمسي مؤمنا، ويصبح كافرا (4)؛ يبيع (5) دينه بعرض من (6) الدنيا" ~~(7). # وفسر ذلك الحسن (8)؛ قال: "يصبح محرما لدم أخيه وعرضه وماله، ويمسي ~~مستحلا له، ويمسي محرما لدم أخيه وعرضه وماله، ويصبح مستحلا له" (9)؛ كأنه ~~تأوله على الحديث الآخر: "لا ترجعوا بعدي كفارا PageV02P422 # يضرب بعضكم رقاب بعض" (1)، والله أعلم. # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، وتشرب (2) ~~الخمر، ويكثر (3) النساء، ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين (4) امرأة قيم ~~واحد" (5). # ومن غريب حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إذا فعلت أمتي خمس عشرة (6) خصلة حل بها البلاء. قيل: وما هن ~~(7) يا رسول الله؟ قال: إذا كان (8) المغنم دولا، والأمانة مغنما (9)، ~~والزكاة مغرما، وأطاع الرجل ms386 زوجته وعق أمه، وبر صديقه، وجفا أباه، وارتفعت ~~الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وشربت ~~(10) الخمور، ولبس الحرير، واتخذت القيان والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة ~~أولها، فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، أو خسفا، أو مسخا" (11). PageV02P423 # وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه قريب من هذا، وفيه: "وتعلم لغير ~~الدين" (1). # وفيه: "وساد (2) القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم". # وفيه: "وظهرت (3) القينات والمعازف". # وفي آخره: "فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء، وزلزلة، وخسفا، ومسخا، وقذفا، ~~وآيات تتابع، كنظام بال (4) قطع سلكه فتتابع" (5). PageV02P424 # فهذه الأحاديث وأمثالها مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون ~~في هذه الأمة بعده: إنما هو في الحقيقة تبديل للأعمال (1) التي كانوا أحق ~~بالعمل بها، فلما عوضوا منها غيرها، وفشا فيها حتى (2) كأنه من المعمول به ~~تشريعا، كان من جملة الحوادث الطارئة على نحو ما بين القرافي (3) ومن ذهب ~~مذهبه، فأكثرها جار في العادات، لا في العبادات؛ فليكن الابتداع ثابتا في ~~العادات كما اتفق على جريانه (4) في العبادات. # والذين ذهبوا إلى أنه مختص بالعبادات لا يسلمون جميع ما ذكره (5) الأولون ~~(6). # أما ما تقدم عن القرافي وشيخه (7): فقد مر الجواب عنه (8)، فإنها (9) ~~معاص في الجملة، ومخالفات للمشروع، كالمكوس، والمظالم، وتقديم الجهال على ~~العلماء، وغير ذلك. # والمباح منها (10) كالمناخل، إن فرض مباحا كما قالوا : فإنما إباحته ~~بدليل شرعي، فلا ابتداع (11) فيه. # وإن فرض مكروها كما أشار إليه كلام (12) محمد بن أسلم (13): PageV02P425 # فوجه الكراهية عنده كونها عدت من المحدثات؛ إذ في الأثر (1): "أول ما ~~أحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المناخل" (2)، أو كما قال، فأخذ (3) ~~بظاهر اللفظ من أخذ به، كمحمد بن أسلم. وظاهر (4) أن ذلك من ناحية السرف ~~والتنعم الذي أشار إلى كراهيته قوله تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا} (5) الآية، لا من جهة أنه بدعة. # وقولهم: كما يتصور ذلك في العبادات يتصور في العادات: مسلم، وليس كلامنا ~~في الجواز العقلي، وإنما كلامنا (6) في الوقوع، وفيه النزاع. # وأما ما احتجوا به من ms387 الأحاديث: فليس فيها على المسألة دليل واحد، إذ لم ~~ينص على أنها بدع أو محدثات، أو ما يشير إلى ذلك المعنى. وأيضا إن عدوا كل ~~محدث من (7) العادات بدعة، فليعدوا جميع ما لم يكن فيهم من المآكل والمشارب ~~والملابس والكلام والمسائل النازلة التي لا عهد بها (8) في الزمان الأول ~~بدعا، وهذا شنيع، فإن من العوائد (9) ما يختلف (10) بحسب الأزمان والأمكنة ~~والاسم، أفيكون (11) كل من خالف العرب الذين أدركوا الصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم واعتادوا مثل عوائدهم PageV02P426 # غير متبعين لهم؟! هذا من (1) المستنكر جدا!!. # نعم لا بد من المحافظة في العوائد المختلفة على الحدود (2) الشرعية، ~~والقوانين الجارية على مقتضى الكتاب والسنة. # وأيضا: فقد يكون التزام الزي (3) الواحد، أو الحالة (4) الواحدة، أو ~~العادة الواحدة تعبا (5) ومشقة؛ لاختلاف الأخلاق والأزمنة والبقاع ~~والأحوال، والشريعة تأبى التضييق (6) والحرج في كل ما دل (7) الشرع على ~~جوازه، ولم يكن ثم معارض. # وإنما جعل الشارع ما تقدم في الأحاديث المذكورة من فساد الزمان وأشراط ~~الساعة: لظهورها وفحشها بالنسبة (8) إلى متقدم الزمان، فإن الخير كان أظهر، ~~والشر كان أخفى وأقل، بخلاف آخر الزمان فإن الأمر فيه على العكس، فالشر (9) ~~فيه أظهر، والخير أخفى وأقل (10). # وأما كون تلك الأشياء بدعا: فغير مفهوم على الطريقتين في حد البدعة، ~~فراجع النظر فيها (11) تجده كذلك. # والصواب في المسألة طريقة أخرى وهي (12) تجمع (13) شتات النظرين، وتحقق ~~المقصود في الطريقتين، وهو الذي بني عليه ترجمة هذا الباب، فلنفرده في فصل ~~على حدته، والله الموفق للصواب. PageV02P427 ### | ### | فصل # # أفعال المكلفين بحسب النظر الشرعي فيها على ضربين: # أحدهما: أن تكون من قبيل التعبدات. # والثاني: أن تكون من قبيل العادات. # فأما الأول: فلا نظر فيه هاهنا. # وأما الثاني وهو العادي : فظاهر النقل عن السلف الأولين أن المسألة مختلف ~~فيها، فمنهم من يرشد كلامه إلى أن العاديات كالعباديات، فكما أنا مأمورون ~~في العبادات بأن لا نحدث فيها، فكذلك في (1) العاديات، وهو ظاهر كلام محمد ~~بن أسلم (2)، حيث كره في سنة العقيقة مخالفة من قبله في أمر عادي، وهو ~~استعمال ms388 المناخل، مع العلم (3) بأنه معقول المعنى، نظرا منه والله أعلم إلى ~~أن الأمر باتباع (4) الأولين على العموم غلب عليه جهة التعبد، ويظهر أيضا ~~من كلام من قال: أول ما أحدث الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المناخل (5). # ويحكى عن الربيع بن أبي (6) راشد أنه قال: لولا أن أخالف (7) من كان ~~قبلي؛ لكانت الجبانة (8) مسكني إلى أن أموت (9). PageV02P428 # والسكنى (1) عادي بلا (2) إشكال. # وعلى هذا الترتيب يكون قسم العاديات داخلا في قسم العباديات، فدخول ~~الابتداع فيه ظاهر، والأكثرون على خلاف هذا، وعليه نبني الكلام فنقول: # ثبت في الأصول الشرعية أنه لا بد في كل عادي من شائبة التعبد؛ لأن ما لم ~~يعقل معناه على التفصيل من المأمور به، أو المنهي عنه (3) فهو المراد ~~بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت (4) مصلحته أو مفسدته على التفصيل (5) فهو ~~المراد بالعادي. فالطهارات والصلوات والصيام والحج PageV02P429 # كلها تعبدي، والبيع والشراء والنكاح والطلاق (1) والإجارات والجنايات ~~كلها عادي؛ لأن أحكامها معقولة المعنى. ومع أنها معقولة المعنى (2) لا بد ~~(3) فيها من التعبد، إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها، كانت ~~اقتضاء أو تخييرا، فإن التخيير في التعبدات إلزام؛ كما أن الاقتضاء إلزام ~~حسبما تقرر برهانه في كتاب "الموافقات" (4) . وإذا كان كذلك؛ فقد ظهر ~~اشتراك القسمين في معنى التعبد. فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من ذلك ~~الوجه، صح دخوله في العاديات كالعباديات، وإلا فلا. # وهذه هي النكتة التي يدور عليها حكم الباب، ويتبين ذلك ببسط الأمثلة (5): ~~فمما أتى به القرافي (6): وضع المكوس في معاملات الناس، فلا يخلو هذا الوضع ~~المحرم أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتا ما، أو في حالة ما، لنيل حطام ~~الدنيا، على هيئة غصب الغاصب، وسرقة السارق، وقطع القاطع للطريق، وما (7) ~~أشبه ذلك، أو يكون على قصد وضعه على الناس (8)؛ كالدين الموضوع، والأمر ~~المحتوم (9) عليهم دائما، PageV02P430 # أو في أوقات محدودة، وعلى (1) كيفيات مضروبة، بحيث تضاهي التشريع (2) ~~الدائم الذي يحمل عليه العامة، ويؤخذون به، وتوجه على الممتنع منه العقوبة ~~(3)، كما في أخذ زكاة المواشي ms389 والحرث وما أشبه ذلك. # فأما الأول: فلا إشكال أنه مجرد معصية إذا كان ظلما وتعديا من غير سبب ~~ظاهر، ولا يقال في هذا: إنه بدعة؛ لخروجه عن حد البدعة (4). # وأما (5) الثاني: فظاهر أنه بدعة، إذ هو تشريع زائد، وإلزام للمكلفين ~~يضاهي إلزامهم الزكاة (6) المفروضة، والديات المضروبة، والغرامات المحكوم ~~بها في أموال الغصاب والمتعدين، بل صار في حقهم كالعبادات المفروضة، ~~واللوازم (7) المحتومة، أو ما أشبه ذلك. فمن هذه الجهة يصير بدعة بلا شك؛ ~~لأنه شرع مستدرك، وسنن (8) في التكليف مهيع (9)، فتصير المكوس على هذا ~~الفرض لها نظران: # نظر من جهة كونها محرمة على الفاعل أن يفعلها، كسائر أنواع الظلم. # ونظر من جهة كونها اختراعا لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت (10) كما ~~يؤخذون بسائر التكاليف. فاجتمع فيها نهيان: نهي عن المعصية، ونهي عن ~~البدعة، وليس ذلك بموجود (11) في البدع في القسم الأول، PageV02P431 # وإنما يوجد فيه (1) النهي من جهة كونه (2) تشريعا موضوعا على الناس أمر ~~وجوب أو ندب، إذ ليس فيه جهة أخرى يكون بها معصية؛ بل نفس التشريع هو نفس ~~الممنوع. # وكذلك تقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشرعية (3) من لا يصلح ~~(4) بطريق التوريث، هو من قبيل ما تقدم، فإن جعل الجاهل (5) في موضع العالم ~~حتى يصير مفتيا في الدين، ومعمولا بقوله في الأموال والدماء والأبضاع ~~وغيرها محرم في الدين، وكون ذلك يتخذ (6) ديدنا حتى يصير (7) الابن مستحقا ~~لرتبة الأب وإن لم يبلغ رتبة الأب في ذلك المنصب بطريق الوراثة أو غير ذلك، ~~بحيث يشيع هذا العمل ويطرد، ويعده (8) الناس كالشرع الذي لا يخالف؛ بدعة ~~(9) بلا إشكال، زيادة إلى القول بالرأي غير الجاري على العلم، وهو بدعة، أو ~~سبب البدعة كما سيأتي تفسيره إن شاء الله، وهو الذي بينه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: "حتى إذا لم يبق عالم؛ اتخذ الناس رؤساء (10) جهالا، ~~فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (11)، وإنما ضلوا وأضلوا؛ لأنهم ~~أفتوا بالرأي؛ إذ ليس عندهم علم. # وأما إقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور (12) على خلاف ما كان ~~PageV02P432 # عليه ms390 السلف: فقد تقدم أن البدعة لا تتصور هنا، وذلك صحيح (1)؛ فإن تكلف ~~أحد فيها ذلك فيبعد جدا، وذلك بفرض أن يعتقد في ذلك العمل أنه مما يطلب به ~~الأئمة على الخصوص تشريعا خارجا عن قبيل المصالح المرسلة، بحيث يعد من ~~الدين الذي يدين به هؤلاء المطلوبون به، أو يكون ذلك مما يعد خاصا بالأئمة ~~دون غيرهم، كما يزعم بعضهم أن خاتم الذهب جائز لذوي (2) السلطان، أو يقول: ~~إن الحرير جائز لهم لبسه دون غيرهم، وهذا أقرب من الأول في تصور البدعة في ~~حق هذا القسم. # ويشبهه على قرب: زخرفة المساجد، إذ كثير من الناس يعتقد أنها من قبيل ~~ترفيع بيوت الله، وكذلك تعليق الثريات (3) الخطيرة الأثمان، حتى يعد ~~الإنفاق في ذلك إنفاقا في سبيل الله، وكذلك إذا اعتقد في زخارف الملوك ~~وإقامة صورهم أنها من جملة ترفيع الإسلام، وإظهار (4) معالمه وشعائره، أو ~~قصد ذلك في فعله أولا فإنه (5) ترفيع للإسلام بما (6) لم يأذن الله به. ~~وليس ما حكاه القرافي عن معاوية رضي الله عنه (7) من قبيل هذه الزخارف، بل ~~من قبيل المعتاد في اللباس، والاحتياط (8) في الحجاب مخافة من انخراق خرق ~~يتسع (9) فلا يرقع، هذا إن صح ما قال، وإلا فلا يعول (10) على نقل المؤرخين ~~ومن لا يعتبر من المؤلفين، وأحرى ألا (11) ينبني عليه حكم. # وأما مسألة المناخل: فقد مر ما فيها، والمعتاد فيها أنه (12) لا يلحقها ~~أحد بالدين ولا بتدبير الدنيا، بحيث لا ينفك عنه؛ كالتشريع، فلا نطول به. ~~PageV02P433 # وعلى ذلك الترتيب ينظر فيما قاله ابن عبد السلام (1) من غير فرق، فيتبين ~~(2) مجال البدعة في العاديات (3) من مجال غيرها، وقد تقدم أيضا (4) فيها ~~كلام فراجعه إن احتجت إليه (5). # وأما وجه النظر في أمثلة الوجه الثالث (6) من أوجه دخول الابتداع في ~~العادات (7) على ما أريد تحقيقه: فنقول: إن مدار (8) تلك الأحاديث على بضع ~~عشرة (9) خصلة، يمكن ردها إلى أصول هي كلها أو غالبها بدع، وهي: قلة العلم، ~~وظهور الجهل، والشح، وقبض الأمانة، وتحليل الدماء، والزنا، والحرير، ~~والغناء، والربا والخمر، وكون ms391 المغنم دولا، والزكاة مغرما، وارتفاع الأصوات ~~في المساجد، وتقديم الأحداث، ولعن آخر الأمة أولها، وخروج الدجالين، ~~ومفارقة الجماعة (10). # أما قلة العلم، وظهور الجهل: فبسبب التفقه للدنيا (11)، وهذا إخبار ~~بمقدمة نتيجتها (12): الفتيا بغير علم؛ حسبما جاء في الحديث الصحيح: "إن ~~الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ... " (13)، إلى آخره (14)، ~~وذلك أن الناس لا بد لهم من قائد يقودهم في الدين بخزائمهم (15)، وإلا ~~PageV02P434 # وقع الهرج (1)، وفسد النظام، فيضطرون إلى الرجوع (2) إلى من انتصب لهم ~~منصب الهداية، وهو الذي يسمونه عالما، فلا بد أن يحملهم على رأيه في الدين، ~~لأن الفرض أنه جاهل، فيضلهم عن الصراط المستقيم؛ كما أنه ضال (3) عنه، وهذا ~~عين الابتداع؛ لأنه التشريع بغير (4) أصل من كتاب ولا سنة. ودل هذا الحديث ~~على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل (5) علمائهم (6)؛ وإنما يؤتون من قبل أنه ~~إذا مات علماؤهم؛ أفتى من ليس بعالم، فيؤتى (7) الناس من قبله؛ وسيأتي (8) ~~لهذا المعنى بسط أوسع من هذا إن شاء الله. # وأما الشح: فإنه مقدمة لبدعة الاحتيال على تحليل الحرام؛ وذلك أن الناس ~~يشحون بأموالهم، فلا يسمحون بتصريفها في مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم؛ ~~كالإحسان بالصدقات، والهبات، والمواساة، والإيثار على النفس، ويليه أنواع ~~القرض الجائز، ويليه التجاوز في المعاملات بإنظار المعسر، أو بالإسقاط (9)؛ ~~كما قال تعالى (10): {وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} (11)؛ وهذا كان ~~شأن من تقدم من السلف الصالح، ثم نقص الإحسان بالوجوه الأول؛ فتسامح الناس ~~بالقرض، ثم نقص (12) ذلك؛ حتى صار الموسر لا يسمح بما في يديه، فيضطر ~~المعسر PageV02P435 # إلى أن يدخل في المعاملات التي ظاهرها الجواز، وباطنها المنع؛ كالربا، ~~والسلف الذي يجر النفع (1)، فيجعل بيعا في الظاهر، ويجري في الناس شرعا ~~شائعا، ويدين (2) به العامة، وينصبون هذه المعاملات متاجر، وأصلها الشح ~~بالأموال، وحب الزخارف الدنيوية، والشهوات العاجلة، فإذا كان كذلك؛ فبالحري ~~(3) أن يصير ذلك ابتداعا في الدين، وأن يجعل من أشراط الساعة. # فإن قيل: هذا انتجاع (4) من مكان بعيد، وتكلف لا دليل عليه. # فالجواب: أنه لولا أن (5) ذلك مفهوم من ms392 الشرع لما قيل به. # فقد روى أحمد في "مسنده" (6) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما PageV02P436 # قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ضن الناس بالدينار ~~والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل ~~الله، أنزل الله بهم بلاءا، فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم". PageV02P437 # ورواه أبو داود أيضا (1)، وقال فيه: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم ~~PageV02P438 # أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه ~~حتى ترجعوا إلى دينكم". # فتأمل كيف قرن التبايع بالعينة بضنة الناس (1)؟ فأشعر بأن (2) التبايع ~~بالعينة يكون عن الشح بالأموال، وهو معقول في نفسه، فإن الرجل لا يتبايع ~~أبدا هذا التبايع وهو يجد من يسلفه، أو من يعينه في حاجته، إلا أن يكون ~~سفيها لا عقل له. # ويشهد لهذا المعنى ما خرجه أبو داود أيضا (3) عن علي رضي الله عنه قال: ~~"سيأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك؛ ~~قال الله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} (4)، ويبايع المضطرون، وقد نهى ~~عليه السلام عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمر قبل أن يدرك. # وخرجه أحمد بن حنبل وسعيد بن منصور (5). PageV02P439 # وخرج سعيد (1) عن حذيفة في معنى الحديث (2) أنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إن بعد زمانكم هذا زمانا عضوضا، يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر ~~بذلك؛ قال الله تعالى (3): {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} ~~(4)، وينهد (5) شرار خلق الله يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطر حرام، ~~المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخونه، إن كان عندك خير فعد به على أخيك، ~~ولا تزده (6) هلاكا إلى هلاكه". # وهذه الأحاديث الثلاثة وإن كانت أسانيدها ليست هناك : فهي (7) مما يعضد ~~(8) بعضه بعضا، وهو خبر حق في نفسه يشهد له الواقع. PageV02P440 # قال بعضهم (1): عامة العينة (2) إنما تقع من رجل يضطر إلى نفقة يضن عليه ~~الموسر بالقرض، إلا أن يربحه في المائة ما أحب (3)، فيبيعه ثمن المائة ~~بضعفها أو نحو ذلك، ففسر بيع المضطر ms393 ببيع العينة، وبيع العينة إنما هو ~~العين (4) بأكثر منها إلى أجل حسبما هو مبسوط في الفقهيات ، فقد صار الشح ~~إذا سببا في دخول هذه المفاسد في البيوع. # فإن قيل: كلامنا في البدعة، لا في فساد (5) المعصية؛ لأن هذه الأشياء ~~بيوع فاسدة، فصارت من باب آخر لا كلام لنا فيه. # فالجواب: أن مدخل البدعة هاهنا من باب الاحتيال الذي أجازه بعض الناس، ~~فقد عده العلماء من البدع المحدثات، حتى قال ابن المبارك في كتاب (6) وضع ~~في الحيل (7): "من وضع هذا الكتاب (8) فهو كافر، ومن سمع به فرضي به فهو ~~كافر، ومن حمله من كورة إلى كورة (9) فهو كافر، ومن كان عنده فرضي به فهو ~~كافر. # وذلك أنه وقع (10) فيه احتيالات (11) بأشياء منكرة، حتى احتال على فراق ~~الزوجة زوجها بأن ترتد". PageV02P441 # وقال إسحاق بن راهويه عن سفيان (1) بن عبد الملك: أن ابن المبارك قال في ~~قصة بنت (2) أبي روح حيث أمرت بالارتداد، وذلك في أيام أبي غسان (3)، فذكر ~~شيئا، ثم قال ابن المبارك وهو مغضب (4): "أحدثوا في الإسلام، ومن كان أمر ~~بهذا فهو كافر، ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به أو صوبه (5) ~~ولم يأمر به فهو (6) كافر". ثم قال ابن المبارك: "ما أرى الشيطان كان (7) ~~يحسن مثل هذا، حتى جاء هؤلاء فأفادها منهم فأشاعها حينئذ، أو كان (8) ~~يحسنها ولم يجد (9) من يمضيها فيهم، حتى جاء هؤلاء" (10). # وإنما وضع هذا الكتاب وأمثاله ليكون حجة على زعمهم في أن يحتالوا للحرام ~~حتى يصير حلالا (11)، وللواجب حتى يصير (12) غير واجب، وما أشبه ذلك من ~~الأمور الخارجة عن نظام الدين، كما أجازوا نكاح المحلل، وهو احتيال على رد ~~المطلقة ثلاثا لمن طلقها، وأجازوا إسقاط فرض الزكاة بالهبة المستعارة (13) ~~(14)، وأشباه ذلك فقد ظهر وجه PageV02P442 # الإشارة في الأحاديث المتقدمة المذكور (1) فيها الشح، وأنها (2) تتضمن ~~ابتداعا كما تتضمن معاصي جملة (3). # وأما قبض الأمانة فعبارة عن شياع الخيانة، وهي من سمات أهل النفاق، ولكن ~~قد سار (4) في الناس بعض أنواعها تشريعا، وحكيت عن قوم ممن ينتمي ms394 إلى ~~العلم، كما حكيت عن كثير من الأمراء، فإن أهل الحيل المشار إليهم إنما بنوا ~~في بيع العينة على إخفاء ما لو أظهروه لكان البيع فاسدا، فأخفوه ليظهر (5) ~~صحته، فإن بيعه الثوب بمئة وخمسين إلى أجل (6) لكنهما (7) أظهرا وساطة ~~الثوب، وأنه هو المبيع والمشترى، وليس كذلك، بدليل الواقع. # وكالذي (8) يهب ماله عند رأس الحول قائلا بلسان حاله أو مقاله (9): أنا ~~غير محتاج إلى هذا (10) المال، وأنت أحوج إليه مني، ثم يهبه، فإذا جاء ~~الحول الآخر قال الموهوب (11) له للواهب مثل المقالة الأولى، والجميع في ~~الحولين (12) في تصريف المال سواء، أليس هذا خلاف PageV02P443 # الأمانة؟ والتكليف من أصله أمانة فيما بين العبد وربه، فالعمل بخلافها ~~(1) خيانة. # ومن ذلك أن بعض الناس كان يجيز (2) الزينة، ويرد من الكذب، ومعنى الزينة ~~التدليس بالعيوب، وهذا خلاف الأمانة والنصح لكل مسلم. # وأيضا فإن كثيرا من الأمراء يحتجنون (3) أموال المسلمين لأنفسهم (4) ~~اعتقادا منهم أنها لهم دون المسلمين. ومنهم من يعتقد نوعا من ذلك في ~~الغنائم المأخوذة عنوة من الكفار، فيجعلونها في بيت المال، ويحرمون ~~الغانمين (5) من (6) حظوظهم منها تأويلا على الشريعة بالعقول، فوجه البدعة ~~ها هنا ظاهر. # وقد تقدم التنبيه على ذلك في تمثيل البدع الداخلة في الضروريات في الباب ~~قبل هذا. # ويدخل تحت هذا النمط (7): كون الغنائم تصير (8) دولا (9)، وقوله: "سترون ~~بعدي أثرة وأمورا (10) تنكرونها"، ثم قال: "أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله ~~حقكم" (11) (12). PageV02P444 # وأما تحليل الدماء والزنى (1) والحرير والغناء والربا (2) والخمر: فخرج ~~أبو داود وأحمد وغيرهما عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه: أنه سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول (3): "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير ~~اسمها". زاد ابن ماجه: "يعزف على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم ~~الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير" (4). # وخرجه البخاري عن أبي عامر أو أبي مالك (5) الأشعري؛ قال فيه: "ليكونن من ~~أمتي أقوام (6) يستحلون الخز (7)، والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلن ~~أقوام إلى جنب علم (8)، تروح عليهم سارحة (9) لهم، يأتيهم رجل لحاجة ~~فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ms395 PageV02P445 # ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة" (1). # وفي "سنن أبي داود" (2): "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير"، ~~وقال في آخره: "يمسخ منهم آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة". # والخز هنا: نوع من الحرير، ليس الخز المأذون فيه (3) المنسوج من حرير (4) ~~وغيره. # وقوله في الحديث: "ولينزلن (5) أقوام": يعني والله أعلم من هؤلاء ~~المستحلين، والمعنى: إن هؤلاء المستحلين ينزل منهم أقوام إلى جنب علم وهو ~~(6) الجبل ، فيواعدهم رجل (7) إلى الغد؛ فيبيتهم الله PageV02P446 # وهو أخذ العذاب ليلا ، ويمسخ منهم آخرين؛ كما في حديث أبي داود، وكما (1) ~~في الحديث قبل (2)؛ حيث قال (3): يخسف الله بهم الأرض، ويمسخ منهم قردة ~~وخنازير. وكأن الخسف ها هنا (4) هو التبييت المذكور في الآخر. # وهذا نص في أن هؤلاء الذين استحلوا هذه المحارم كانوا متأولين فيها؛ حيث ~~زعموا [أن] (5) الشراب الذي شربوه ليس هو الخمر، وإنما له اسم آخر، إما ~~النبيذ أو غيره، وإنما الخمر عصير العنب النيء، وهذا رأي طائفة من ~~الكوفيين، وقد ثبت أن كل مسكر خمر (6). # قال بعضهم (7): وإنما أتى (8) على هؤلاء حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه ~~من انتفاء الاسم، ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته. قال: وهذه ~~بعينها شبهة (9) اليهود في استحلالهم بيع الشحم بعد جمله (10)، PageV02P447 # واستحلال (1) أخذ الحيتان يوم الأحد (2) بما أوقعوها به يوم السبت في ~~الشباك والحفائر من فعلهم يوم الجمعة؛ حيث قالوا: ليس هذا بصيد، ولا عمل في ~~(3) يوم السبت، وليس هذا باستباحة الشحم (4) (5). PageV02P448 # بل الذي يستحل الخمر زاعما أنه (1) ليس خمرا، مع علمه (2) بأن معناه معنى ~~الخمر، ومقصوده مقصود الخمر، أفسد (3) تأويلا؛ من جهة أن أهل الكوفة من ~~أكثر (4) الناس قياسا (5)؛ فلئن كان من القياس ما هو حق، فإن قياس الخمر ~~المنبوذة على الخمر العصيرة من القياس في معنى الأصل، وهو من القياس الجلي؛ ~~إذ ليس بينهما من الفرق ما يتوهم أنه مؤثر في التحريم. # فإذا كان هؤلاء المذكورون في الحديث إنما شربوا الخمر استحلالا لها؛ لما ~~ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع عليه اللفظ، وظنوا أن لفظ الخمر ms396 لا يقع على غير ~~عصير العنب النيء، فشبهتهم في استحلال الحرير والمعازف أظهر، فإنه قد (6) ~~أبيح الحرير للنساء (7) مطلقا (8)، PageV02P449 # وللرجال (1) في بعض الأحوال (2)، فكذلك (3) الغناء والدف قد أبيح في ~~العرس ونحوه (4)، وأبيح منه الحداء (5) وغيره، وليس في هذا النوع من دلائل ~~التحريم ما في الخمر (6)، فظهر أن القوم الذين (7) يخسف بهم ويمسخون (8)، ~~إنما فعل (9) ذلك بهم (10) من جهة التأويل الفاسد الذي PageV02P450 # استحلوا به المحارم بطريق الحيلة، وأعرضوا (1) عن مقصود الشارع وحكمته في ~~تحريم هذه الأشياء. # وقد خرج ابن بطة (2) عن الأوزاعي: أن (3) النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"يأتي على الناس زمان يستحلون الربا (4) بالبيع". قال بعضهم: يعني العينة. # وروي في استحلال الزنا (5) حديث رواه إبراهيم الحربي، عن أبي ثعلبة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال (6): "أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة ~~(7)، ثم ملك وجبرية، ثم ملك عضوض يستحل فيه الحر والحرير" (8)؛ يريد ~~PageV02P451 # استحلال الفروج الحرام. والحر بكسر الحاء المهملة، والراء المخففة (1) : ~~الفرج. # قالوا: ويشبه والله أعلم أن يراد بذلك: ظهور استحلال نكاح المحلل، ونحو ~~ذلك مما يوجب استحلال الفروج المحرمة، فإن الأمة لم يستحل أحد منها الزنا ~~الصريح، ولم يرد بالاستحلال مجرد الفعل، فإن هذا لم يزل موجودا (2) في ~~الناس، ثم لفظ الاستحلال إنما يستعمل في الأصل فيمن اعتقد الشيء حلالا، ~~والواقع كذلك، فإن هذا الملك العضوض الذي كان بعد الملك والجبرية (3) قد ~~كان في أواخر عصر التابعين، وفي تلك الأزمان صار في أولي الأمر من يفتي ~~بنكاح المحلل ونحوه، ولم يكن قبل ذلك من يفتي به أصلا. PageV02P452 # ويؤيد ذلك: أن (1) في حديث ابن مسعود رضي الله عنه المشهور: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا، وموكله (2)، وشاهديه، وكاتبه، والمحلل، ~~والمحلل له (3). # وروى أحمد (4) عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "ما PageV02P453 # ظهر في قوم الربا والزنى (1) إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله". # فهذا يشعر بأن التحليل من الزنا؛ كما يشعر بأن (2) العينة من الربا. # وقد جاء عن ابن ms397 عباس رضي الله عنهما موقوفا ومرفوعا قال: "يأتي على الناس ~~زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء (3): يستحلون الخمر بأسماء يسمونها ~~بها، والسحت بالهدية، والقتل بالرهبة، والزنا بالنكاح، والربا بالبيع" (4)، ~~فإن الثلاثة (5) المذكورة أولا قد بينت (6)، وأما استحلال (7) السحت الذي ~~هو العطية للوالي والحاكم ونحوهما باسم PageV02P454 # الهدية: فهو ظاهر، وأما واستحلال (1) القتل باسم الإرهاب الذي يسميه (2) ~~ولاة الظلم سياسة، وأبهة الملك، ونحو ذلك: فظاهر أيضا (3)؛ وهو نوع من ~~أنواع شريعة (4) القتل المخترعة. # وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بهذا النوع من الخصال (5)، ~~فقال: "إن من ضئضئ هذا قوما (6) يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون ~~أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الدين (7) كما يمرق السهم من ~~الرمية" (8). # ولعل هؤلاء المرادون (9) بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه: "يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ... " (10)، الحديث (11)؛ يدل ~~عليه تفسير الحسن قال: يصبح محرما لدم أخيه وعرضه، ويمسي مستحلا ... ، إلى ~~آخره (12). # وقد وضع القتل أيضا (13) شرعا معمولا به على غير (14) سنة الله، وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم: المتسمي بالمهدي المغربي (15) الذي زعم أنه ~~المبشر به في الأحاديث، فجعل القتل عقابا في ثمانية عشر صنفا، ذكروا منها: ~~الكذب، والمداهنة، وأخذهم أيضا بالقتل في ترك امتثال أمر من يستمع ~~PageV02P455 # أمره، وبايعوه على ذلك، وكان يعظهم (1) في كل وقت ويذكرهم، ومن لم يحضر ~~أدب، فإن تمادى قتل، وكل من لم (2) يتأدب بما أدب به ضرب بالسوط المرة ~~والمرتين، فإن ظهر منه عناد في ترك امتثال الأوامر قتل، ومن داهن على أخيه، ~~أو أبيه، أو ابنه (3)، أو من يكرم عليه (4)، أو المقدم عليه (5)؛ قتل، وكل ~~من شك (6) في عصمته قتل، أو شك في (7) أنه المهدي المبشر به، وكل من خالف ~~أمره؛ أمر أصحابه فعروه (8)، فكان أكثر تأديبه القتل كما ترى ، كما أنه كان ~~من رأيه أن لا يصلى خلف إمام أو خطيب يأخذ أجرا على الإمامة أو الخطابة، ~~وكذلك لبس الثياب الرفيعة وإن كانت حلالا ، فقد حكوا عنه قبل أن يستفحل ms398 ~~أمره (9) أنه ترك الصلاة خلف خطيب أغمات (10) بذلك السبب، فقدم خطيب آخر ~~فجاء (11) في ثياب حفيلة (12) تباين التواضع زعموا (13) ، فترك الصلاة خلفه ~~أيضا (14). # وكان من رأيه: ترك الرأي، واتباع مذاهب (15) الظاهرية. قال PageV02P456 # العلماء (1): وهو (2) بدعة ظهرت في الشريعة بعد المائتين (3). ومن رأيه: ~~أن التمادي على ذرة من الباطل كالتمادي على الباطل كله. # وذكر في كتاب "الإمامة" أنه هو الإمام، وأصحابه هم الغرباء الذين قيل (4) ~~فيهم: "بدأ الإسلام (5) غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ (6)، فطوبى للغرباء" ~~(7). # وقال في الكتاب المذكور: "جاء الله بالمهدي، وطاعته صافية نقية، لم ير ~~مثلها قبل ولا بعد، وأن به قامت السموات والأرض، وبه تقوم، ولا ضد له، ولا ~~(8) مثل، ولا ند". انتهى (9). # وكذب (10)! فالمهدي: عيسى ابن مريم (11) عليه السلام (12). # وكان يأمرهم بلزوم الحزب بعد صلاة الصبح، وبعد المغرب (13)، وأمر (14) ~~المؤذنين إذا طلع الفجر أن ينادوا: "أصبح ولله الحمد" (15)، إشعارا زعموا ~~بأن الفجر قد طلع لإلزام الطاعة، ولحضور الجماعة، وللغدو لكل ما يؤمرون به. ~~PageV02P457 # وله (1) اختراعات وابتداعات غير ما ذكرنا، وجميع ذلك راجع (2) إلى أنه ~~قائل (3) برأيه في العبادات والعادات، مع زعمه أنه غير قائل بالرأي؛ وهو ~~التناقض بعينه، فقد ظهر إذا (4) جريان تلك الأشياء على الابتداع. # وأما كون الزكاة مغرما: فالمغرم ما (5) يلزم أداؤه من الديون والغرامات، ~~كان (6) الولاة يلزمونها الناس بشيء معلوم من غير نظر إلى قلة مال الزكاة ~~أو كثرته، أو قصوره عن النصاب أو عدم قصوره، بل يأخذونهم بها على كل حال ~~إلى الموت، وكون هذا بدعة ظاهر. # وأما ارتفاع الأصوات في المساجد: فناشئ عن بدعة الجدال في الدين، فإن من ~~عادة قراءة العلم وإقرائه، وسماعه وإسماعه (7) أن يكون في المساجد، ومن ~~آدابه (8) أن لا ترفع فيه الأصوات في غير المساجد، فما ظنك به في المساجد؟ ~~فالجدال فيه زيادة الهوى؛ فإنه غير مشروع في الأصل. فقد جعل العلماء من ~~عقائد الإسلام: ترك المراء والجدال في الدين، وهو الكلام فيما لم يؤذن (9) ~~في الكلام فيه؛ كالكلام في المتشابهات من الصفات والأفعال وغيرهما (10)، ~~وكمتشابهات القرآن. ولأجل ms399 (11) ذلك جاء (12) في الحديث عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هو الذي ~~أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ... } (13) الآية، PageV02P458 # قال: "فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله، فاحذروهم" (1). # وفي الحديث: "ما ضل قوم بعد (2) هدى إلا أوتوا الجدل" (3). # وجاء عنه عليه السلام أنه قال: "لا تماروا في القرآن، فإن المراء (4) فيه ~~كفر" (5). PageV02P459 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P460 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P461 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P462 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P463 # وعنه عليه السلام أنه قال: "إن القرآن يصدق بعضه بعضا (1)، فلا تكذبوا ~~بعضه (2) ببعض، ما علمتم منه فاقبلوه، وما لم تعلموا منه فكلوه إلى عالمه" ~~(3). PageV02P464 # وقال عليه السلام: "اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم ~~فيه فقوموا عنه" (1). # وخرج ابن وهب عن معاوية بن قرة قال: إياكم والخصومات في الدين! فإنها ~~تحبط الأعمال (2). # وقال النخعي في قوله تعالى: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء} (3) قال: ~~الجدال والخصومات في الدين (4). PageV02P465 # وقال معن بن عيسى (1): انصرف مالك يوما إلى المسجد وهو متكئ على يدي، ~~فلحقه رجل يقال له: أبو الجويرة (2) يتهم بالإرجاء، فقال: يا أبا عبد الله! ~~اسمع مني شيئا أكلمك به، وأحاجك، وأخبرك برأيي. فقال له: احذر أن أشهد ~~عليك! قال: والله! ما أريد إلا الحق، اسمع مني (3)، فإن كان صوابا فقل به، ~~أو فتكلم. قال (4): فإن غلبتني؟ قال: اتبعني. قال: فإن غلبتك؟ قال اتبعتك ~~(5). قال (4): فإن جاء رجل فكلمناه فغلبنا؟ قال: اتبعناه. فقال له مالك: يا ~~عبد الله! بعث الله محمدا بدين واحد، وأراك تنتقل. # وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل (6). # وقال مالك: ليس الجدال في الدين بشيء (7). PageV02P466 # والكلام في ذم الجدال (1) كثير، فإذا كان مذموما؛ فمن جعله محمودا وعده ~~(2) من العلوم النافعة بإطلاق فقد ابتدع في الدين. ولما كان اتباع الهوى ~~أصل الابتداع؛ لم يعدم صاحب الجدال أن يماري ويطلب الغلبة، وذلك مظنة رفع ~~الأصوات. # فإن قيل: عددت رفع الأصوات من فروع الجدل وخواصه، وليس كذلك، فرفع ~~الأصوات قد يكون في العلم، ولذلك كره رفع الصوت (3) في المسجد (4)، وإن كان ms400 ~~في العلم أو في غير العلم. # قال ابن القاسم في "المبسوط": رأيت مالكا يعيب على أصحابه رفع (5) ~~أصواتهم في المسجد (6). # وعلل ذلك محمد بن مسلمة بعلتين: # إحداهما: أنه يجب أن ينزه المسجد عن مثل هذا؛ لأنه مما أمر بتعظيمه ~~وتوقيره. # والثانية: أنه مبني للصلاة، وقد أمرنا أن نأتيها وعلينا السكينة ~~PageV02P467 # والوقار، فأن (1) يلزم ذلك في موضعها المتخذ لها أولى (2). # وروى مالك: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى ~~البطيحاء (3)، وقال: من كان يريد أن يلغط، أو ينشد شعرا، أو يرفع صوته؛ ~~فليخرج إلى هذه الرحبة (4). # فإذا كان كذلك، فمن أين يدل ذم رفع (5) الصوت في المسجد على الجدل المنهي ~~عنه؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن رفع (6) الصوت من خواص الجدل المذموم، أعني في أكثر الأمر دون ~~الفلتات؛ لأن رفع الصوت (7) والخروج عن الاعتدال فيه ناشئ عن الهوى في ~~الشيء المتكلم فيه، وأقرب الكلام الخاص بالمسجد إلى رفع الصوت: الكلام فيما ~~لم يؤذن فيه، وهو الجدال (8) الذي نبه عليه الحديث المتقدم. PageV02P468 # وأيضا: لم يكثر الكلام جدا في نوع من أنواع العلم في الزمان المتقدم إلا ~~في علم الكلام، وإلى غرضه تصوبت (1) سهام النقد والذم، فهو إذا هو. # وقد روي عن عميرة (2) بن أبي ناجية المصري أنه رأى قوما يتمارون (3) في ~~المسجد وقد علت أصواتهم، فقال: هؤلاء قوم قد ملوا العبادة، وأقبلوا على ~~الكلام، اللهم! أمت عميرة، فمات من عامه ذلك في الحج، فرأى رجل (4) في ~~النوم قائلا يقول له (5): مات هذه الليلة نصف الناس، فعرف (6) تلك الليلة، ~~فجاء فيها (7) موت عميرة هذا (8). # والثاني: أنا لو سلمنا أن مجرد رفع الصوت لا يدل (9) على ما قلنا؛ لكان ~~أيضا من البدع إذا عد كأنه من الجائز في جميع أنواع العلم، فصار معمولا به ~~لا يتقى (10)، ولا يكف عنه، فجرى (11) مجرى البدع المحدثات. # وأما تقديم الأحداث على غيرهم: فمن (12) قبيل ما تقدم في كثرة الجهل ~~(13)، وقلة العلم، كان ذلك التقديم في رتب العلم أو غيره، لأن PageV02P469 # الحدث أبدا ms401 أو في غالب الأمر غر لم يتحنك، ولم يرتض في صناعته (1) رياضة ~~تبلغه مبالغ الشيوخ الراسخي (2) الأقدام في تلك الصناعة، ولذلك قالوا في ~~المثل: # وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس (3) # هذا إن حملنا الحدث على حداثة السن، وهو نص في (4) حديث ابن مسعود رضي ~~الله عنه، فإن حملناه (5) على حدثان العهد بالصناعة، ويحتمله قوله في ~~الحديث (6): "وكان زعيم القوم أرذلهم" (7)، وقوله: "وساد القبيلة فاسقهم" ~~(8) وقوله: "إذا أسند الأمر إلى غير أهله" (9)، فالمعنى فيها واحد، فإن ~~الحديث العهد بالشيء لا يبلغ مبالغ القديم العهد فيه. # ولذلك يحكى عن الشيخ أبي مدين (10) رحمه الله: أنه سئل عن PageV02P470 # الأحداث الذين نهى شيوخ الصوفية عن صحبتهم (1)؟ فقال: الحدث: الذي لم ~~يستكمل الأمر بعد، وإن كان ابن ثمانين سنة. # فإذا: تقديم الأحداث على غيرهم من باب تقديم الجهال (2) على غيرهم، ولذلك ~~قال فيهم: "سفهاء الأحلام" (3)، وقال (3): "يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ~~... "، إلى آخره، وهو منزل على الحديث الآخر في الخوارج: "إن (4) من ضئضئ ~~هذا (5) قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ... " (6)، إلى آخر الحديث؛ ~~يعني: أنهم لم يتفقهوا (7) فيه، فهو في ألسنتهم لا في قلوبهم. # وأما لعن آخر هذه (8) الأمة أولها: فظاهر مما ذكره (9) العلماء عن بعض ~~الفرق الضالة، فإن الكاملية (10) من الشيعة كفرت الصحابة رضي الله عنهم؛ ~~حين لم يصرفوا الخلافة إلى علي رضي الله عنه (11) بعد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وكفرت عليا رضي الله عنه حين لم يأخذ بحقه فيها. # وأما ما دون (12) ذلك مما يوقف فيه عند السبب (13): فمنقول موجود (14) في ~~الكتب (15)، وإنما فعلوا ذلك لمذاهب سوء لهم رأوها، PageV02P471 # فبنوا عليها ما يضاهيها من السوء والفحشاء، فلذلك عدوا من فرق أهل البدع. # قال مصعب الزبيري (1) وابن نافع: دخل هارون يعني الرشيد المسجد (2) فركع، ~~ثم أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، ثم أتى مجلس (3) مالك ~~فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، قال له مالك: وعليك السلام يا أمير ~~المؤمنين ورحمة الله وبركاته (4). ثم ms402 قال لمالك: هل لمن سب أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الفيء حق؟ قال: لا! ولا كرامة ولا مسرة! قال: من أين ~~قلت ذلك؟ قال: قال الله عز وجل: {ليغيظ بهم الكفار} (5)، فمن عابهم (6) فهو ~~كافر، ولا حق لكافر (7) في الفيء. # واحتج مرة أخرى في ذلك بقوله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم} {وأموالهم} (8)} (9)، إلى آخر الآيات الثلاث، قال: فهم أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا معه، وأنصاره، {والذين جاءوا من ~~بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} (10)، فمن ~~عدا هؤلاء، فلا حق لهم فيه (11). PageV02P472 # وفي فعل خواص الفرق من هذا المعنى كثير (1). # وأما بعث الدجالين (2): فقد كان من (3) ذلك جملة، منهم من تقدم في زمان ~~بني العباس وغيرهم. # ومنهم معد من (4) العبيدية (5) الذين ملكوا إفريقية، فقد حكي عنه أنه جعل ~~المؤذن يقول: أشهد أن معدا رسول الله، عوضا من كلمة الحق: "أشهد أن محمدا ~~رسول الله"، ففعل المؤذن (6)، فهم المسلمون بقتله، ثم رأوا (7) رفعه (8) ~~إلى معد ليروا هل هذا عن أمره؟ فلما انتهى كلامهم إليه، قال: اردد عليهم ~~أذانهم لعنهم الله. PageV02P473 # ومن يدعي لنفسه العصمة، فهو يشبه من يدعي النبوة، ومن يزعم أنه به قامت ~~السموات والأرض، فقد جاوز دعوى النبوة، وهو المغربي المتسمي بالمهدي (1). # وقد كان في الزمان القريب رجل يقال له: الفازازي ادعى النبوة، واستظهر ~~عليها بأمور موهمة للكرامات، والإخبار بالمغيبات، ومخيلة لخوارق العادات، ~~تبعه على ذلك من العوام جملة، ولقد سمعت أن (2) بعض طلبة ذلك البلد الذي ~~احتله (3) هذا البائس (4) وهو (5) مالقة (6) أخذ (7) ينظر في قوله تعالى: ~~{وخاتم النبيين} (8)، وهل (9) يمكن تأويله؟ وجعل يطرق إليه الاحتمالات ~~(10)، ليسوغ إمكان بعث نبي بعد (11) محمد صلى الله عليه وسلم، وكان مقتل ~~هذا المفتري على يدي (12) شيخ شيوخنا الأستاذ (13) أبي جعفر ابن الزبير ~~رحمه الله (14). PageV02P474 # ولقد حكى بعض مؤلفي الوقت؛ قال: حدثني شيخنا أبو الحسن بن الجياب رحمه ~~الله (1)؛ قال: لما أمر بالتأهب يوم قتله وهو في السجن الذي أخرج منه إلى ms403 ~~مصرعه؛ جهر بتلاوة سورة {يس *}، فقال له أحد الدعرة (2) ممن جمع السجن ~~بينهما: واقرأ (3) قرآنك، لأي شيء تتطفل (4) على قرآننا (5) اليوم (6)؟ أو ~~ما (7) في معنى هذا، فتركها مثلا بلوذعيته (8). # وأما مفارقة الجماعة: فبدعتها ظاهرة، ولذلك يجازى (9) بالميتة الجاهلية ~~(10)، وقد ظهر هذا (11) في الخوارج وغيرهم ممن سلك مسلكهم؛ كالعبيدية ~~وأشباههم. # فهذا أيضا من جملة ما اشتملت عليه تلك الأحاديث، وباقي PageV02P475 # الخصال المذكورة عائد إلى نحو آخر؛ ككثرة النساء، وقلة الرجال (1)، ~~وتطاول (2) الناس في البنيان (3)، وتقارب الزمان (4). # فالحاصل: أن أكثر هذه (5) الحوادث التي أخبر بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم من أنها تقع وتظهر وتنتشر (6) في الأمة (7) أمور مبتدعة على مضاهاة ~~التشريع، لكن من جهة التعبد، لا من جهة كونها عادية، وهو الفرق بين المعصية ~~التي هي بدعة، والمعصية التي ليست (8) ببدعة. # وإن العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبد بها أو توضع ~~وضع التعبد تدخلها البدعة، وحصل بذلك اتفاق القولين، وصار المذهبان مذهبا ~~واحدا، وبالله التوفيق. PageV02P476 ### | فصل # فإن قيل: أما الابتداع؛ بمعنى أنه نوع من التشريع على وجه التعبد في ~~العاديات من حيث هو (1) توقيت معلوم مقول (2) بإيجابه (3) أو إجازته (4) ~~بالرأي كما تقدم من أمثلة بدع الخوارج ومن داناهم من الفرق الخارجة عن ~~الجادة : فظاهر (5). # ومن (6) ذلك: القول بالتحسين والتقبيح العقلي، والقول بترك العمل بخبر ~~الواحد، وما أشبه ذلك. # فالقول بأنه بدعة قد تبين وجهه واتضح مغزاه، وإنما يبقى وجه آخر يشبهه ~~وليس به، وهو أن المعاصي والمنكرات والمكروهات قد تظهر وتفشو (7)، ويجري ~~العمل بها بين الناس على وجه لا يقع لها إنكار من خاص ولا عام، فما كان ~~منها هذا شأنه: هل يعد مثله بدعة أم لا؟ # فالجواب: أن مثل هذه المسألة لها نظران: PageV02P477 # أحدهما: نظر من حيث وقوعها عملا واعتقادا في الأصل، فلا شك أنها مخالفة ~~لا بدعة، إذ ليس من شرط كون الممنوع أو المكروه غير بدعة أن لا ينتشر ولا ~~يظهر (1)، كما (2) أنه ليس من شرط (3) البدعة (4) أن تشتهر (5) ولا تسر ~~(6)، بل المخالفة ms404 (7) مخالفة (8)؛ ظهرت (9) أم لا (10)، واشتهرت (11) أم ~~لا، والبدعة بدعة؛ ظهرت أم لا، واشتهرت أم لا (12)، وكذلك دوام العمل بها ~~(13) أو عدم دوامه: لا يؤثر في واحدة منهما، فالمبتدع (14) قد يقلع عن ~~بدعته، والمخالف قد يدوم على مخالفته إلى الموت، عياذا بالله!. # والثاني: نظر من جهة ما يقترن بها من خارج، فالقرائن قد تقترن، فتكون ~~سببا في مفسدة حالية، وفي مفسدة مآلية، كلاهما راجع إلى اعتقاد البدعة. # أما الحالية فبأمرين: # الأول: أن يعمل بها الخواص من الناس عموما، وخاصة العلماء خصوصا، وتظهر ~~من جهتهم، وهذه مفسدة في الإسلام ينشأ عنها عادة من جهة العوام استسهالها ~~واستجازتها؛ لأن العالم المنتصب مفت (15) PageV02P478 # للناس (1) بعمله (2) كما هو مفت بقوله (3)، فإذا نظر الناس إليه وهو يعمل ~~بأمر هو مخالفة (4)؛ حصل في اعتقادهم جوازه، ويقولون: لو كان ممنوعا أو ~~مكروها لامتنع منه العالم. # هذا، وإن نص على منعه أو كراهته (5)، فإن عمله معارض لقوله، فإما أن يقول ~~العامي: إن العالم خالف بذلك، ويجوز عليه (6) مثل ذلك، وهم عقلاء الناس، ~~وهم الأقلون. # وإما أن يقول: إنه وجد فيه رخصة، فإنه لو كان كما قال؛ لم يعمل (7) به، ~~فيرجح (8) بين قوله وفعله، والفعل أبلغ (9) من القول في جهة التأسي كما ~~تبين في كتاب "الموافقات" (10) ، فيعمل العامي بعمل العالم؛ تحسينا للظن ~~به، فيعتقده جائزا، وهؤلاء هم الأكثرون. # فقد صار عمل العالم عند العامي حجة، كما كان قوله حجة على الإطلاق ~~والعموم في الفتيا، فاجتمع على العامي العمل مع اعتقاد الجواز بشبهة دليل، ~~وهذا هو (11) عين البدعة. # بل قد وقع مثل هذا في طائفة ممن تميز عن العامة بانتصاب في رتبة ~~PageV02P479 # العلماء، فجعلوا العمل ببدعة الدعاء بهيئة الاجتماع في آثار الصلوات، ~~وقراءة الحزب حجة في جواز العمل بالبدع في الجملة، وأن منها ما هو حسن، ~~وكان منهم من ارتسم في طريقة التصوف، فأجاز التعبد لله بالعبادات المبتدعة، ~~واحتج بالحزب والدعاء بعد الصلاة؛ كما تقدم. # ومنهم من اعتقد أنه ما عمل به إلا لمستند، فوضعه في كتاب، وجعله فقها؛ ~~كبعض أماريد ms405 (1) البربر (2) ممن قيد على رسالة ابن أبي زيد (3). # وأصل جميع ذلك (4): سكوت الخواص عن البيان، أو العمل (5) به على الغفلة، ~~ومن هنا تستشنع زلة العالم؛ فقد قالوا (6): ثلاث يهدمن (7) الدين: زلة ~~العالم (8)، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون (9). PageV02P480 # وكل ذلك عائد وباله (1) على العالم (2). وزلله المذكور عند العلماء يحتمل ~~وجهين: # أحدهما: زلله (3) في النظر، حتى يفتي بما خالف الكتاب والسنة فيتابع ~~عليه، وذلك الفتيا بالقول. # والثاني: زلله في العمل بالمخالفات، فيتابع أيضا عليها على التأويل ~~المذكور، وهو في الاعتبار قائم مقام الفتيا بالقول؛ إذ قد علم أنه متبع ~~ومنظور إليه، وهو مع ذلك يظهر بفعله (4) ما ينهى عنه الشارع، فكأنه مفت به؛ ~~على ما تقرر في الأصول. # والثاني: من قسمي المفسدة الحالية: أن يعمل بها العوام، وتشيع فيهم، ~~وتظهر فيما بينهم (5)، فلا ينكرها الخواص، ولا يرفعون لها رأسا (6)، وهم ~~(7) قادرون على الإنكار، فلم يفعلوا، فالعامي من شأنه إذا رأى أمرا يجهل ~~حكمه يعمل العامل به فلا ينكر عليه، اعتقد أنه جائز، وأنه حسن، أو أنه ~~مشروع، بخلاف ما إذا أنكر عليه (8)، فإنه يعتقد أنه عيب، أو أنه غير مشروع، ~~أو (9) أنه ليس من فعل المسلمين. # هذا أمر يلزم من ليس بعالم (10) بالشريعة؛ لأن مستنده الخواص والعلماء في ~~الجائز مع غير الجائز. # فإذا عدم الإنكار ممن شأنه الإنكار، مع ظهور العمل وانتشاره، وعدم خوف ~~المنكر، ووجود القدرة عليه، فلم يفعل (11)، دل عند العوام PageV02P481 # أنه فعل جائز لا حرج فيه (1)، فنشأ فيه هذا الاعتقاد الفاسد بتأويل يقنع ~~بمثله من العوام (2)، فصارت المخالفة بدعة؛ كما في القسم الأول. # وقد ثبت في الأصول أن العالم في الناس قائم مقام النبي عليه الصلاة ~~والسلام، والعلماء ورثة الأنبياء (3)، فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يدل على الأحكام بقوله وفعله وإقراره، كذلك وارثه يدل على الأحكام بقوله ~~وفعله وإقراره. واعتبر ذلك ببعض ما أحدث في المساجد من الأمور المنهي عنها ~~فلم ينكرها (4) العلماء، أو عملوا بها فصارت بعد (5) سننا ومشروعات؛ ~~كزيادتهم مع الأذان: "أصبح ولله الحمد"، و"الوضوء ms406 للصلاة"، و"تأهبوا للصلاة ~~(6) "، ودعاء المؤذنين بالليل في الصوامع؛ PageV02P482 # وربما احتج (1) على صحة (2) ذلك (3) بعض الناس بما وقع (4) في "نوازل ابن ~~سهل" (5) غفلة منه (6) عما عليه فيه (7)، وقد قيدنا في ذلك جزءا مفردا، فمن ~~أراد الشفاء في المسألة فعليه به، وبالله التوفيق. # وخرج أبو داود (8) قال: اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع ~~الناس لها، فقيل له (9): انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها أذن بعضهم ~~بعضا، فلم يعجبه ذلك. قال: فذكر له القنع (10) يعني الشبور، وفي رواية: ~~شبور اليهود ، فلم يعجبه ذلك (11)، وقال: "هو من أمر اليهود". قال: فذكر له ~~الناقوس، فقال: "هو من أمر النصارى". فانصرف عبد الله بن زيد (12) بن عبد ~~ربه وهو مهتم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأري الأذان في منامه ... ~~، إلى آخر الحديث. # وفي مسلم (13) عن أنس (14) بن مالك أنه قال: ذكروا أن يعلموا (15) ~~PageV02P483 # وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن ينوروا نارا، أو يضربوا ناقوسا، فأمر ~~بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. # والقنع والشبور: هو (1) البوق، وهو القرن الذي وقع في حديث ابن عمر رضي ~~الله عنهما (2). # فأنت ترى كيف كره النبي صلى الله عليه وسلم شأن الكفار، فلم يعمل على ~~موافقته. فكان ينبغي لمن ارتسم (3) بسمة العلم أن ينكر ما أحدث من ذلك في ~~المساجد إعلاما بالأوقات، أو غير إعلام بها. # أما الراية: فقد وضعت إعلاما بالأوقات، وذلك شائع في بلاد المغرب، حتى إن ~~الأذان معها قد صار في حكم التبع (4). # وأما البوق: فهو العلم عندنا (5) في رمضان على غروب الشمس ودخول وقت ~~الإفطار، ثم هو علم أيضا بالمغرب والأندلس على وقت السحور ابتداء وانتهاء. # والحديث قد جعل علما على الانتهاء (6): نداء ابن أم مكتوم؛ لقوله عليه ~~السلام (7): "إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم ~~PageV02P484 # مكتوم" (1). قال ابن شهاب (2): وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى ~~يقال له: أصبحت أصبحت. # وفي مسلم وأبي داود: "لا يمنعن أحدكم نداء (3) بلال من سحوره (4)؛ فإنه ~~يؤذن ليرجع قائمكم، ms407 ويوقظ نائمكم ... " (5)، الحديث. فقد جعل أذان بلال لأن ~~ينبه (6) النائم لما يحتاج إليه من سحوره وغيره. # فالبوق ما شأنه وقد كرهه عليه الصلاة والسلام؟ ومثله النار التي ترفع ~~دائما في أوقات الليل، وبالعشاء (7)، والصبح (8)، وفي (9) رمضان أيضا، ~~إعلاما بدخوله، فتوقد (10) في داخل المسجد، ثم في وقت السحور ترفع (11) في ~~المنار إعلاما بالوقت (12)، والنار شعار (13) المجوس في الأصل. # قال ابن العربي (14): أول من اتخذ البخور في المساجد (15) بنو برمك: يحيى ~~بن خالد، ومحمد بن خالد، ملكهما الوالي أمر الدين (16)، PageV02P485 # فكان محمد بن خالد، حاجبا، ويحيى وزيرا، ثم ابنه جعفر بن يحيى. قال: ~~وكانوا باطنية؛ يعتقدون آراء الفلاسفة، فأحيوا المجوسية، واتخذوا البخور في ~~المساجد وإنما كانت (1) تطيب بالخلوق ، فزادوا التجمير ليعمروها (2) بالنار ~~منقولة؛ حتى يجعلوها عند الأنس (3) ببخورها ثابتة. انتهى (4). # وحاصله أن النار ليس إيقادها في المساجد من شأن السلف الصالح، ولا كانت ~~مما تزين بها المساجد البتة، ثم أحدث التزيين (5) بها حتى صارت من جملة ما ~~يعظم به رمضان، واعتقد العامة هذا كما اعتقدوا طلب البوق في رمضان في ~~المساجد، حتى لقد سأل بعض الناس (6) عنه: PageV02P486 # أهو سنة أم لا؟ ولا يشك أحد (1) أن غالب العوام يعتقدون أن مثل هذه ~~الأمور مشروعة على الجملة في المساجد، وذلك بسبب ترك الخواص الإنكار عليهم. # وكذلك أيضا: لما لم يتخذ الناقوس للإعلام، حاول الشيطان فيه بمكيدة أخرى؛ ~~فعلق بالمساجد، واعتد به في جملة الالآت التي توقد عليها النيران، وتزخرف ~~بها المساجد، زيادة إلى زخرفتها بغير ذلك، كما تزخرف الكنائس والبيع. # ومثله: إيقاد الشمع بجبل عرفة (2) ليلة الثامن (3)، ذكر (4) النووي أنها ~~من البدع القبيحة، وأنها ضلالة فاحشة جمع فيها أنواع من القبائح؛ منها: ~~إضاعة المال في غير وجهه، ومنها: إظهار شعائر المجوس، ومنها: اختلاط الرجال ~~والنساء، والشمع بينهم، ووجوههم بارزة، ومنها: تقديم دخول عرفة قبل وقتها ~~المشروع (5). انتهى. # وقد ذكر الطرطوشي (6) في إيقاد المساجد في رمضان بعض هذه الأمور، وذكر ~~أيضا قبائح سواها. # فأين هذا كله من إنكار مالك تنحنح (7) المؤذن، أو ضربه الباب ليعلم ms408 ~~بالفجر، أو وضع الرداء (8)، وهو أقرب مراما وأيسر خطبا؟ فمن هنا ~~PageV02P487 # تنشأ (1) بدع محدثات، يعتقدها العوام سننا بسبب سكوت العلماء والخواص عن ~~الإنكار، أو بسبب (2) عملهم بها. # وأما المفسدة المالية: فهي على فرض (3) أن يكون الناس عالمين (4) بحكم ~~المخالفة، وأنها مخالفة (5) قد ينشأ الصغير على رؤيتها وظهورها، أو يدخل في ~~الإسلام أحد ممن يراها شائعة ذائعة فيعتقدونها جائزة أو مشروعة؛ لأن ~~المخالفة إذا فشا في الناس فعلها من غير إنكار؛ لم يكن عند الجاهل بها فرق ~~بينها وبين سائر المباحات أو الطاعات (6). # وعندنا (7): كراهية العلماء أن يكون الكفار صيارفة في أسواق المسلمين؛ ~~لعملهم (8) بالربا، فكل من يراهم من العامة؛ صيارفة وتجارا في أسواقنا من ~~غير إنكار؛ يعتقد أن ذلك جائز؛ كذلك المعصية (9). # وأنت ترى مذهب مالك المعروف في بلادنا: أن الحلي المصوغ (10) من الذهب ~~والفضة (11) لا يجوز بيعه بجنسه إلا وزنا بوزن، ولا اعتبار بقيمة الصياغة ~~أصلا (12)، والصاغة عندنا كلهم أو غالبهم إنما يتبايعون ذلك PageV02P488 # على (1) أن يستفضلوا (2) قيمة الصياغة أو إجارتها (3)، ويعتقدون أن ذلك ~~جائز لهم، ولم يزل العلماء من السلف الصالح ومن بعدهم يتحفظون من أمثال هذه ~~الأشياء، حتى كانوا يتركون السنن خوفا من اعتقاد العوام أمرا هو أشد من ترك ~~السنن، وأولى أن يتركوا المباحات أن لا (4) يعتقد فيها أمر (5) ليس بمشروع، ~~وقد مر بيان هذا في باب البيان من كتاب "الموافقات" (6) .. # فقد ذكروا أن عثمان رضي الله عنه كان لا يقصر في السفر، فيقال له: أليس ~~قد قصرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: بلى! ولكني إمام الناس، ~~فينظر إلي الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولون: هكذا فرضت الصلاة (7) ~~(8). # قال الطرطوشي (9): تأملوا رحمكم الله! فإن في القصر قولين لأهل الإسلام: # منهم من يقول: فريضة، ومن أتم فإنه يأثم (10) ويعيد أبدا. # ومنهم من يقول: سنة، يعيد من أتم في الوقت؛ ثم اقتحم عثمان ترك الفرض أو ~~السنة (11)؛ لما خاف من سوء العاقبة، وأن (12) يعتقد الناس أن الفرض ~~ركعتان. PageV02P489 # وكان الصحابة رضي الله عنهم لا يضحون؛ ms409 يعني أنهم لا يلتزمون ذلك (1). # قال حذيفة بن أسيد: شهدت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وكانا (2) لا ~~يضحيان مخافة أن يرى أنها واجبة (3). # وقال بلال: لا أبالي أن أضحي بكبش (4) أو بديك (5). # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان يشتري لحما بدرهم يوم الأضحى، ~~ويقول لعكرمة: من سألك فقل: هذه أضحية ابن عباس (6). PageV02P490 # وقال [أبو] (1) مسعود: إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم مخافة أن يظن ~~الجيران أنها واجبة (2). # وقال طاوس (3): ما رأيت بيتا أكثر لحما وخبزا وعلما (4) من بيت ابن عباس، ~~يذبح وينحر كل يوم، ثم لا يذبح يوم العيد! وإنما كان يفعل ذلك لئلا يظن ~~الناس أنها واجبة، وكان إماما يقتدى به. # قال الطرطوشي (5): والقول في هذا كالذي قبله، وإن لأهل الإسلام قولين في ~~الأضحية. # أحدهما: سنة. # والثاني: واجبة، ثم اقتحمت الصحابة ترك السنة حذرا من أن يضع الناس الأمر ~~على غير وجهه، فيعتقدونها (6) فريضة. # وقال (7) مالك في "الموطأ" (8) في صيام ستة أيام (9) بعد الفطر من رمضان: ~~"إنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها". قال: "ولم يبلغني ذلك عن أحد ~~من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق أهل الجهالة ~~والجفاء برمضان ما ليس منه لو رأوا في ذلك رخصة من أهل العلم، ورأوهم ~~يفعلون (10) ذلك (11) ". PageV02P491 # فكلام مالك هنا ليس فيه دليل على أنه لم يحفظ الحديث (1) كما توهم بعضهم، ~~بل لعل كلامه مشعر بأنه يعلمه، لكنه (2) لم ير العمل عليه وإن كان مستحبا ~~في الأصل؛ لئلا يكون ذريعة لما قال، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في ~~الأضحية، وعثمان في الإتمام في السفر (3). # وحكى الماوردي ما هو أغرب من هذا وإن كان هو الأصل ، فذكر: أن الناس ~~كانوا إذا صلوا في الصحن من جامع البصرة أو الكوفة، ورفعوا من السجود؛ ~~مسحوا جباههم من التراب؛ كأنه (4) كان مفروشا بالتراب، فأمر زياد بإلقاء ~~الحصى في صحن المسجد، وقال: لست آمن أن يطول (5) الزمان، فيظن الصغير إذا ~~نشأ أن مسح الجبهة من أثر السجود ms410 سنة في الصلاة. # وهذا في مباح، فكيف به في المكروه أو الممنوع؟ # ولقد بلغني في هذا الزمان عن بعض من هو حديث عهد بالإسلام أنه قال في ~~الخمر: إنها (6) ليست بحرام، ولا عيب فيها، وإنما العيب أن يفعل بها ما لا ~~يصلح؛ كالقتل وشبهه. # وهذا الاعتقاد لو كان ممن نشأ في الإسلام لكان (7) كفرا، لأنه إنكار لما ~~(8) علم من دين الأمة ضرورة، وسبب ذلك: ترك الإنكار من الولاة على شاربها، ~~والتخلية بينهم وبين اقتنائها، وشهرة تجارة (9) أهل الذمة فيها، وأشباه ~~ذلك. PageV02P492 # ولا معنى للبدعة، إلا أن يكون الفعل في اعتقاد المعتقد (1) مشروعا، وليس ~~بمشروع (2). وهذا المآل متوقع أو واقع؛ فقد حكى القرافي (3) عن العجم ما ~~يقتضي أن ستة الأيام من شوال ملحقة عندهم برمضان؛ لإبقائهم حالة رمضان ~~الخاصة به كما (4) هي إلى تمام الستة الأيام، وكذلك وقع عندنا مثله، وقد مر ~~منه (5) في الباب الأول (6). # وجميع هذا منوط إثمه بمن يترك الإنكار من العلماء أو غيرهم، أو من (7) ~~يعمل ببعضها بمرأى من الناس، أو في جوامعهم (8)، فإنهم الأصل في انتشاء (9) ~~هذه الاعتقادات في المعاصي أو غيرها. # وإذا تقرر هذا: فالبدعة تنشأ عن (10) أربعة أوجه: # أحدها وهو أظهر الأقسام : أن يخترعها المبتدع. # والثاني: أن يعمل بها العالم على وجه المخالفة، فيفهمها الجاهل مشروعة. ~~PageV02P493 # والثالث: أن يعمل بها الجاهل مع سكوت العالم عن الإنكار، وهو قادر عليه، ~~فيفهم الجاهل أنها ليست بمخالفة. # والرابع: من باب الذرائع، وهو (1): أن يكون العمل في أصله معروفا، إلا ~~أنه يتبدل الاعتقاد فيه مع طول العهد بالذكرى (2). # إلا أن هذه الأقسام ليست على وزان واحد، ولا يقع اسم البدعة عليها ~~بالتواطؤ، بل هي في القرب والبعد على تفاوت: # فالأول: هو الحقيق باسم البدعة، فإنها تؤخذ عنه (3) بالنص عليها. # ويليه القسم الثاني: فإن العمل يشبه (4) التنصيص بالقول، بل قد يكون أبلغ ~~منه في مواضع كما تبين في الأصول ، غير أنه لا يتنزل (5) هاهنا من كل وجه ~~منزلته؛ بدليل (6): أن العالم قد يعمل وينص على قبح عمله، ولذلك قالوا ms411 (7): ~~لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سله يصدقك، وقال الخليل بن أحمد أو غيره: # اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي ... ينفعك علمي ولا يضررك (8) تقصيري (9) ~~PageV02P494 # ويليه القسم الثالث: فإن ترك الإنكار مع أن رتبة المنكر رتبة من يعد (1) ~~ذلك منه إقرارا يقتضي أن الفعل غير منكر، ولكن لا يتنزل (2) منزلة ما قبله؛ ~~لأن الصوارف للقدرة كثيرة، فقد (3) يكون الترك لعذر؛ بخلاف الفعل، فإنه لا ~~عذر في فعل الإنسان بالمخالفة، مع علمه بكونها مخالفة. # ويليه القسم الرابع: لأن المحظور الحالي فيما تقدم غير واقع (4) فيه ~~بالفرض، فلا تبلغ المفسدة المتوقعة أن تعد في رتبة (5) الواقعة أصلا، فلذلك ~~كانت من باب الذرائع، فهي إذا لم تبلغ أن تكون في الحال بدعة، فلا تدخل ~~بهذا النظر تحت حقيقة البدعة. # وأما القسم الثاني والثالث: فالمخالفة فيه بالذات، والبدعة من خارج، إلا ~~أنها لازمة لزوما عاديا، ولزوم الثاني أقوى من لزوم الثالث، والله أعلم. ~~PageV02P495 ### | الباب الثامن # في الفرق بين البدع والمصالح المرسلة والاستحسان # هذا الباب يضطر إلى الكلام فيه عند النظر فيما هو/ بدعة وما ليس ببدعة؛ ~~فإن كثيرا من الناس عدوا أكثر (صور) (1) المصالح/ المرسلة (2) بدعا، ~~ونسبوها إلى الصحابة والتابعين، وجعلوها حجة فيما ذهبوا إليه (من) (3) ~~اختراع العبادات. # وقوم جعلوا البدع تنقسم بأقسام أحكام الشريعة؛ فقالوا: إن منها ما هو ~~واجب ومندوب، وعدوا من الواجب كتب المصحف وغيره، ومن المندوب الاجتماع في ~~قيام رمضان على قارئ واحد. # وأيضا فإن المصالح المرسلة يرجع معناها إلى اعتبار المناسب (4) الذي لا ~~يشهد له أصل معين، فليس له على هذا شاهد شرعي على الخصوص، PageV03P005 # ولا كونه (مناسبا) (1) بحيث إذا عرض على العقول تلقته بالقبول. وهذا ~~بعينه موجود في البدع المستحسنة؛ فإنها راجعة إلى أمور في الدين مصلحية في ~~زعم واضعيها في الشرع على الخصوص. # وإذا ثبت هذا، فإن كان اعتبار المصالح المرسلة حقا، فاعتبار البدع ~~المستحسنة حق، لأنهما يجريان من واد واحد. # /وإن لم يكن اعتبار البدع حقا، لم يصح اعتبار المصالح المرسلة. # وأيضا فإن القول بالمصالح المرسلة ms412 ليس متفقا عليه، بل قد اختلف فيه أهل ~~الأصول على أربعة أقوال: # فذهب القاضي (2) وطائفة من الأصوليين إلى رده، وأن المعنى لا يعتبر ما لم ~~يستند إلى أصل، وذهب مالك (3) إلى اعتبار ذلك (وبنى) (4) الأحكام عليه على ~~الإطلاق، وذهب الشافعي ومعظم الحنفية إلى التمسك بالمعنى/ الذي لم يستند ~~إلى أصل صحيح، لكن بشرط قربه من معاني الأصول الثابتة، هذا ما حكى الإمام ~~الجويني (5). # وذهب الغزالي إلى أن المناسب إن وقع في رتبة التحسين والتزيين لم يعتبر ~~حتى يشهد له أصل لمعين، وإن/ وقع في رتبة الضروري فميله إلى قبوله، لكن ~~(بشرط) (6). قال: ولا يبعد أن يؤدي إليه اجتهاد/ مجتهد. PageV03P006 # واختلف (قوله) (1) في الرتبة المتوسطة، وهي رتبة الحاجي (2)، فرده في/ ~~المستصفى (3) وهو آخر قوليه، وقبله في شفاء الغليل (4) كما قبل ما قبله. # وإذا اعتبر من الغزالي اختلاف قوله، فالأقوال خمسة، فإذا الراد لاعتبارها ~~لا يبقى له في الوقائع (5) الصحابية مستند إلا أنها (بدع) (6) / مستحسنة ~~كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الاجتماع لقيام رمضان: نعمت البدعة ~~هذه إذ لا يمكنهم ردها لإجماعهم عليها. # وكذلك القول في الاستحسان فإنه على ما (بينه) (7) المتقدمون راجع إلى ~~الحكم بغير دليل، والنافي له لا يعد الاستحسان سببا، فلا يعتبر في الأحكام ~~(الحكمة) (8) البتة، فصار كالمصالح المرسلة (إذ) (9) قيل بردها. # فلما كان هذا الموضع مزلة قدم لأهل البدع أن يستدلوا على بدعتهم من جهته، ~~كان (من) (10) الحق المتعين النظر في مناط الغلط الواقع لهؤلاء، حتى ~~(يتبين) (11) أن المصالح المرسلة ليست من البدع في ورد ولا صدر، بحول الله، ~~والله الموفق. # فنقول:/ المعنى المناسب (12) الذي يربط به الحكم لا يخلو من ثلاثة أقسام: ~~PageV03P007 # أحدها: أن يشهد الشرع بقبوله، فلا إشكال في صحته، ولا خلاف في إعماله، ~~وإلا كان مناقضة للشريعة/ (كشرعية) (1) القصاص حفظا للنفوس والأطراف ~~وغيرها. # والثاني: ما شهد الشرع برده فلا سبيل إلى قبوله، إذ المناسبة لا تقتضي ~~الحكم لنفسها، وإنما ذلك مذهب أهل التحسين (والتقبيح) (2) العقلي (3)، بل ~~(إذا) (4) ظهر المعنى وفهمنا من الشرع ms413 اعتباره في اقتضاء الأحكام، فحينئذ ~~نقبله، فإن المراد بالمصلحة عندنا:/ ما (فهم) (5) رعايته في حق الخلق من ~~جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بدركه على حال، فإذا لم ~~يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى، بل (برده) (6) كان مردودا باتفاق المسلمين. # (ومثاله) (7) ما حكى الغزالي عن بعض أكابر العلماء أنه دخل على ~~PageV03P008 # بعض السلاطين فسأله عن الوقاع في نهار رمضان، فقال: عليك صيام شهرين ~~متتابعين، فلما خرج راجعه بعض الفقهاء (وقالوا له) (1): القادر على إعتاق ~~الرقبة كيف يعدل به إلى الصوم، والصوم وظيفة المعسرين، وهذا الملك يملك ~~عبيدا غير محصورين؟ فقال (لهم) (2): لو قلت له عليك إعتاق رقبة لاستحقر ذلك ~~وأعتق عبيدا مرارا، فلا يزجره إعتاق الرقبة، ويزجره صوم شهرين متتابعين. # فهذا المعنى مناسب؛ لأن الكفارة مقصود الشرع منها الزجر، والملك لا يزجره ~~الإعتاق، ويزجره الصيام. وهذه الفتيا باطلة/ لأن العلماء/ بين قائلين: قائل ~~بالتخيير، وقائل بالترتيب، فيقدم العتق على الصيام، فتقديم الصيام بالنسبة ~~(للغني) (3) لا قائل به، على أنه قد جاء عن مالك شيء يشبه هذا، لكنه على ~~صريح الفقه. # قال يحيى بن بكير (4): "حنث الرشيد في يمين فجمع العلماء فأجمعوا (على) ~~(5) أن عليه/ عتق رقبة. فسأل مالكا، فقال: صيام ثلاثة أيام. (فقال: ثم أنا ~~معدم؟ وقال الله تعالى: {فمن لم يجد} فأقمتني مقام المعدم؟ فقال: نعم يا ~~أمير المؤمنين كل ما في يديك ليس لك فعليك صيام ثلاثة أيام) (6). واتبعه ~~على ذلك إسحاق بن إبراهيم من فقهاء قرطبة (7). PageV03P009 # (حكى) (1) ابن بشكوال (2) أن الحكم أمير المؤمنين (3) أرسل (للفقهاء) (4) ~~وشاورهم في مسألة نزلت به، (فذكر) (5) لهم عن نفسه أنه عمد إلى إحدى كرائمه ~~(6) ووطئها في رمضان؛ فأفتوا بالإطعام، وإسحاق بن إبراهيم ساكت. فقال له ~~أمير المؤمنين: ما يقول الشيخ في فتوى أصحابه؟ / فقال له (إسحاق) (7): لا ~~أقول بقولهم، وأقول بالصيام./ فقيل له: أليس مذهب مالك الإطعام؟ فقال لهم: ~~(لم تحفظوا) (8) مذهب مالك، (إلا إن كنتم) (9) تريدون مصانعة أمير المؤمنين ~~(10)،/ إنما أمر مالك بالإطعام لمن له مال، وأمير المؤمنين لا ms414 مال له، إنما ~~هو (مال بيت) (11) المسلمين. فأخذ بقوله أمير المؤمنين (وشكره) (12) عليه. ~~انتهى. # وهذا صحيح، نعم حكى ابن بشكوال أنه اتفق لعبد الرحمن بن الحكم مثل هذا في ~~رمضان، فسأل الفقهاء عن توبته من ذلك PageV03P010 # (وكفارته) (1). فقال يحيى بن يحيى (2): يكفر ذلك صيام شهرين متتابعين. ~~فلما (برز) (3) ذلك من يحيى سكت سائر الفقهاء حتى خرجوا من عنده، فقالوا ~~ليحيى: ما لك لم تفته بمذهبنا عن مالك (من) (4) أنه مخير بين العتق ~~(والإطعام) (5) والصيام؟ فقال لهم: لو فتحنا (له) (6) هذا الباب سهل عليه ~~أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة، ولكن حملته على أصعب الأمور لئلا يعود (7). # فإن صح هذا عن يحيى بن يحيى رحمه الله، وكان كلامه على ظاهره، كان مخالفا ~~للإجماع. # (القسم) (8) الثالث: ما سكتت عنه الشواهد الخاصة، فلم تشهد باعتباره ولا ~~بإلغائه، فهذا على وجهين: # /أحدهما: (أن) (9) يرد نص على وفق ذلك المعنى، كتعليل منع (القاتل ~~الميراث بالمعاملة) (10) بنقيض المقصود (على) (11) تقدير أن لم يرد نص على ~~وفقه، (فإن) (12) هذه العلة لا عهد بها في تصرفات الشرع بالفرض/ ولا ~~(تلائمها) (13) بحيث يوجد لها جنس معتبر، فلا يصح التعليل بها، ولا بناء ~~الحكم عليها باتفاق، ومثل هذا تشريع من القائل به/ فلا يمكن قبوله. ~~PageV03P011 # والثاني: أن يلائم تصرفات الشرع، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره ~~(الشارع) (1) في الجملة بغير دليل معين، وهو الاستدلال المرسل (2) المسمى ~~بالمصالح المرسلة/ ولا بد من بسطه بالأمثلة حتى يتبين وجهه بحول الله ~~تعالى. # ولنقتصر على عشرة أمثلة: # (أحدها) (3): أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا على جمع ~~(القرآن في) (4) المصحف، وليس ثم نص على جمعه وكتبه أيضا، بل قد قال بعضهم: ~~كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول/ الله صلى الله عليه وسلم؟ فروي عن زيد بن ~~ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إلي أبو بكر رضي الله عنه مقتل (أهل) (5) ~~اليمامة، وإذا عنده عمر رضي الله عنه فقال أبو بكر: (إن عمر أتاني فقال) ~~(5): إن القتل قد استحر بقراء القرآن يوم ms415 اليمامة، وإني أخشى أن يستحر ~~القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع ~~القرآن قال: فقلت له: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال لي: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله ~~صدري له، ورأيت فيه الذي رأى عمر./ قال زيد: فقال أبو بكر: إنك رجل شاب ~~عاقل لا (نتهمك) (6)، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فتتبع القرآن فاجمعه. # قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي من ~~PageV03P012 # ذلك. فقلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال ~~أبو بكر: هو والله خير. فلم يزل يراجعني في ذلك أبو بكر (وعمر) (1) حتى شرح ~~الله صدري للذي شرح (صدورهما له) (2) فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب ~~(3) واللخاف (4) ومن صدور (الرجال) (5). (فوجدت آخر سورة براءة مع حذيفة بن ~~ثابت {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} حتى ختم السورة) (6). # فهذا عمل لم ينقل فيه خلاف عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم. # ثم روي عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان كان يغازي أهل الشام (مع أهل) ~~(7) العراق في فتح أرمينية (8) وأذربيجان (9)، فأفزعه اختلافهم/ في القرآن، ~~فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب ~~كما اختلفت اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: (أن) (10) PageV03P013 # أرسلي (إلي بالصحف) (1) / ننسخها/ في المصاحف ثم نردها عليك. فأرسلت حفصة ~~(به) (2) إلى عثمان، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وإلى عبد الله بن الزبير، ~~وسعيد بن العاصي (3) وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (4) فأمرهم أن ينسخوا ~~(الصحف) (5) في المصاحف، ثم قال للرهط القرشيين الثلاثة:/ ما اختلفتم فيه ~~(أنتم) (6) وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنه نزل بلسانهم. # قال: ففعلوا، حتى (إذا) (7) نسخوا (الصحف) (8) في المصاحف، بعث عثمان في ~~كل أفق بمصحف من تلك المصاحف/ التي نسخوها، ثم أمر بما سوى ذلك من القراءة ~~في كل صحيفة ms416 أو مصحف أن يحرق (9). # فهذا أيضا إجماع آخر في كتبه، وجمع الناس على قراءة (لا) (10) ~~PageV03P014 # يحصل منها في الغالب اختلاف؛ لأنهم لم يختلفوا إلا في القراءات حسبما ~~نقله العلماء المعتنون بهذا الشأن. فلم يخالف في المسألة إلا عبد الله بن ~~مسعود، فإنه امتنع من طرح ما عنده من القراءة المخالفة لمصاحف عثمان، وقال: ~~يا أهل العراق، ويا أهل الكوفة اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها؛ فإن الله ~~يقول: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} (1)، (فالقوا الله بالمصاحف) (2). # فتأمل كلامه فإنه لم يخالف في جمعه، وإنما خالف (أمرا) (3) آخر، ومع ذلك ~~فقد قال ابن (شهاب) (4): بلغني أنه كره ذلك من قول ابن مسعود رجال من أفاضل ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (5). # ولم يرد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما صنعوا من ذلك، ولكنهم رأوه ~~مصلحة تناسب تصرفات الشرع قطعا؛ فإن ذلك راجع إلى حفظ الشريعة/ والأمر ~~بحفظها معلوم، وإلى منع الذريعة للاختلاف في أصلها الذي هو القرآن، وقد علم ~~النهي عن الاختلاف في ذلك بما لا مزيد عليه. # وإذا استقام هذا الأصل فاحمل عليه كتب العلم من السنن وغيرها، إذا خيف ~~عليها الاندراس، زيادة على ما جاء في الأحاديث من الأمر بكتب العلم. # وأنا أرجو أن يكون كتب هذا الكتاب الذي وضعت يدي فيه من هذا القبيل؛ لأني ~~رأيت باب البدع في كلام العلماء مغفلا جدا إلا من النقل (الجملي) (6) / كما ~~(نقل) (7) ابن وضاح (8)، أو يؤتى (فيه) (9) بأطراف من PageV03P015 # الكلام لا (يشفي) (1) الغليل بالتفقه فيه/ كما ينبغي، ولم (أجده) (2) على ~~شدة بحثي عنه إلا ما وضع فيه أبو بكر الطرطوشي (3)، وهو يسير في جنب ما ~~يحتاج إليه فيه، وإلا ما وضع الناس في الفرق الثنتين والسبعين، وهو فصل من ~~فصول الباب وجزء من أجزائه، فأخذت نفسي بالعناء فيه، عسى (الله أن ينفع) ~~(4) به واضعه، وقارئه، وناشره، وكاتبه، والمنتفع به، وجميع (المسلمين) (5)، ~~إنه ولي ذلك ومسديه (بسعة) (6) رحمته. # /المثال الثاني: # اتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ms417 على حد شارب الخمر ثمانين (7)، ~~وإنما مستندهم فيه الرجوع إلى المصالح والتمسك بالاستدلال المرسل. # قال العلماء: لم يكن فيه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حد مقدر، ~~وإنما جرى الزجر فيه مجرى التعزير، ولما انتهى الأمر إلى أبي بكر رضي الله ~~عنه (قدره) (8) على طريق النظر بأربعين، ثم/ انتهى الأمر إلى (عمر) (9) رضي ~~الله عنه فتتابع الناس، فجمع الصحابة رضي الله عنهم فاستشارهم؛ فقال علي ~~رضي الله عنه/ PageV03P016 # من سكر (هذى) (1) ومن (هذى) (13) افترى، فأرى عليه حد المفتري (2). # ووجه إجراء المسألة على الاستدلال المرسل (3) أن الصحابة (رأوا) (4) ~~الشرع (يقيم) (5) الأسباب في بعض المواضع مقام المسببات، والمظنة مقام ~~الحكمة، فقد جعل الإيلاج/ في أحكام كثيرة يجري مجرى الإنزال، وجعل الحافر ~~للبئر في محل العدوان وإن لم يكن ثم مرد كالمردي نفسه، وحرم الخلوة ~~بالأجنبية حذرا من الذريعة إلى الفساد، إلى غير ذلك من (المسائل) (6)، ~~فرأوا الشرب ذريعة إلى الافتراء الذي تقتضيه (كثرة) (7) الهذيان (عند ~~السكر) (8) فإنه (أول) (9) سابق إلى السكران. PageV03P017 # قالوا: فهذا من/ أوضح الأدلة على (إسناد) (1) الأحكام إلى المعاني التي ~~(لا أصول) (2) لها يعني على (الخصوص) (3) وهو مقطوع (به) (4) من الصحابة ~~رضي الله عنهم. # المثال الثالث: # إن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم قضوا بتضمين الصناع. قال علي رضي الله ~~عنه: لا يصلح الناس إلا ذاك (5). # ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة ~~في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط، وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم ~~مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع ~~بالكلية، وذلك شاق على/ الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا (عند دعواهم) (6) ~~الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت ~~المصلحة (في) (7) التضمين، هذا معنى قوله: لا يصلح الناس إلا (ذاك) (8). # /ولا يقال: إن هذا (نوع) (9) من الفساد؛ وهو تضمين البريء، إذ ~~PageV03P018 # لعله ما أفسد ولا فرط؛ فالتضمين مع/ (هذا) (1) (الإمكان نوع) (2) من ~~الفساد؛ لأنا نقول: إذا تقابلت المصلحة والمضرة فشأن العقلاء النظر إلى ms418 ~~التفاوت، ووقوع التلف من الصناع من غير تسبب ولا تفريط بعيد، (والغالب) (3) ~~(عند فوات) (4) الأموال (أنها) (5) لا تستند إلى التلف السماوي، بل ترجع ~~إلى صنع العباد على (وجه) (6) المباشرة أو التفريط. # وفي الحديث: (لا ضرر ولا ضرار) (7)، وتشهد له الأصول من حيث الجملة، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم (نهى) (8) أن يبيع حاضر لباد، وقال: (دع الناس ~~(9) يرزق الله بعضهم من بعض) (10)، وقال: (لا تلقوا الركبان بالبيع، حتى ~~يهبط PageV03P019 # بالسلع (إلى) (1) الأسواق) (2) وهو من باب ترجيح المصلحة العامة على ~~المصلحة الخاصة، فتضمين الصناع من ذلك القبيل. # /المثال الرابع: # أن العلماء اختلفوا في الضرب بالتهم (3)، وذهب مالك إلى جواز السجن في ~~التهم (4)، وإن كان السجن نوعا من العذاب/، ونص أصحابه على جواز الضرب (5)، ~~وهو عند الشيوخ من قبيل تضمين الصناع؛ فإنه لو PageV03P020 # لم (يكن) (1) (الضرب والسجن) (2) بالتهم لتعذر استخلاص الأموال من أيدي ~~السراق، والغصاب، إذ قد يتعذر إقامة البينة، فكانت المصلحة في التعذيب ~~وسيلة إلى التحصيل بالتعيين (أو) (3) الإقرار. # فإن قيل: هذا فتح باب (تعذيب) (4) البريء. (قيل) (5): (ففي) (6) الإعراض ~~عنه إبطال استرجاع الأموال، بل الإضراب عن التعذيب أشد ضررا، إذ لا يعذب ~~أحد (لمجرد) (7) الدعوى، بل مع اقتران (قرينة) (8) تحيك في النفس، وتؤثر في ~~القلب نوعا من الظن؛ فالتعذيب في الغالب لا يصادف البريء، وإن أمكن مصادفته ~~(فمغتفر) (9)، كما اغتفر في تضمين الصناع. # فإن قيل:/ لا فائدة (في الضرب) (10)، وهو لو أقر لم يقبل إقراره في تلك ~~الحال. # فالجواب: إن له فائدتين (11): # أحدهما: أن يعين المتاع، فتشهد عليه البينة لربه، وهي/ فائدة ظاهرة. # والثانية: أن غيره قد يزدجر حتى لا يكثر الإقدام/ فتقل أنواع هذا الفساد. # /وقد عد له سحنون (12) فائدة ثالثة: وهو الإقرار حالة التعذيب؛ ~~PageV03P021 # (فإنه) (1) يؤخذ عنده بما (أقر) (2) (به) (3) في تلك الحال. قالوا: وهو ~~ضعيف. فقد قال الله تعالى: {لا إكراه في الدين} (4) (ولكن) (5) / نزله ~~سحنون على من أكره بطريق غير مشروع، كما إذا أكره على طلاق زوجته، أما إذا ~~أكره بطريق صحيح فإنه يؤخذ به كالكافر يسلم ms419 تحت ظلال السيوف فإنه مأخوذ به، ~~وقد تتفق له (هذه) (6) الفائدة على مذهب غير سحنون إذا أقر حالة التعذيب ثم ~~تمادى على الإقرار بعد أمنه، فيؤخذ به. # قال الغزالي بعد ما حكى عن الشافعي أنه لا يقول بذلك : وعلى الجملة ~~فالمسألة في محل الاجتهاد قال : ولسنا نحكم (ببطلان مذهب) (7) مالك على ~~القطع، فإذا وقع النظر في تعارض المصالح، كان ذلك قريبا من النظر في تعارض ~~الأقيسة المؤثرة. # المثال الخامس: # إنا إذا (قدرنا) (8) إماما مطاعا (مفتقرا) (9) إلى تكثير الجنود لسد ~~الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال (عن المال) (10)، ~~(وارتفعت) (11) حاجات الجند إلى ما (لا) (12) يكفيهم، فللإمام إذا كان عدلا ~~أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم في الحال، إلى أن يظهر مال (في) ~~(13) بيت المال، ثم إليه النظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار (أو) (14) ~~غير ذلك، كيلا يؤدي تخصيص الناس به (إلى) (15) إيحاش القلوب، وذلك يقع ~~قليلا من كثير، بحيث لا يجحف بأحد ويحصل PageV03P022 # (الغرض) (1) المقصود. # /وإنما لم ينقل مثل (هذا) (2) عن الأولين لاتساع (مال) (3) بيت المال في ~~زمانهم بخلاف زماننا؛ فإن القضية فيه (أخرى) (4)، ووجه المصلحة هنا/ ظاهر؛ ~~فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك (لانحل) (5) النظام (وبطلت) (6) شوكة الإمام، ~~وصارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار. # وإنما نظام ذلك كله شوكة الإمام (بعدته) (7) (فالذين يحذرون) (8) من ~~الدواهي لو (تنقطع) (9) عنهم الشوكة، (يستحقرون) (10) بالإضافة إليها ~~أموالهم كلها، فضلا عن اليسير/ منها، فإذا عورض هذا الضرر العظيم بالضرر ~~اللاحق لهم بأخذ البعض من أموالهم، فلا يتمارى في ترجيح الثاني (على) (11) ~~الأول/ وهو مما يعلم من مقصود الشرع قبل النظر في الشواهد (والملاءمة) (12) ~~(ألا ترى) (13) أن الأب/ في طفله، أو الوصي في يتيمه، أو الكافل فيمن ~~يكفله، مأمور برعاية الأصلح له، وهو يصرف ماله إلى وجوه من النفقات أو ~~المؤن المحتاج إليها، وكل ما يراه سببا لزيادة ماله أو حراسته من التلف جاز ~~له بذل المال في تحصيله، ومصلحة الإسلام عامة لا تتقاصر عن مصلحة طفل، ولا ~~نظر (إمام) (14) المسلمين (يتقاعد) ms420 (15) عن نظر واحد من الآحاد في حق ~~محجوره. PageV03P023 # ولو وطئ الكفار أرض الإسلام لوجب (على الكافة) (1) بالنصرة، وإذا دعاهم ~~الإمام وجبت الإجابة، وفيه (إتعاب) (2) النفوس وتعريضها إلى الهلكة، زيادة ~~إلى إنفاق المال، وليس ذلك إلا لحماية الدين، ومصلحة المسلمين. # فإذا قدرنا هجومهم، واستشعر الإمام في الشوكة ضعفا وجب على الكافة ~~إمدادهم، كيف والجهاد في كل سنة واجب على الخلق (3). # وإنما يسقط (باشتغال) (4) المرتزقة (به) (5)، فلا يتمارى في بذل المال ~~لمثل ذلك. (وإذا) (6) قدرنا انعدام الكفار الذين/ (يخاف) (7) من جهتهم، فلا ~~يؤمن (من) (8) انفتاح باب الفتن بين المسلمين، فالمسألة على حالها كما ~~كانت، وتوقع الفساد عتيد، فلا بد من الحراس. فهذه ملاءمة صحيحة، إلا أنها ~~في محل ضرورة، فتقدر بقدرها، فلا يصح هذا الحكم إلا مع وجودها، والاستقراض ~~في (الأزمات) (9) إنما يكون حيث (يرجى) (10) / لبيت المال دخل ينتظر أو ~~يرتجى، وأما إذا لم ينتظر شيء وضعفت وجوه الدخل (بحيث) (11) لا يغني كبير ~~شيء، فلا بد من جريان حكم التوظيف. PageV03P024 # وهذه المسألة نص عليها الغزالي في مواضع من كتبه (1)، وتلاه في تصحيحها ~~ابن العربي في أحكام القرآن (2) له، وشرط جواز/ ذلك كله عندهم عدالة ~~الإمام، وإيقاع التصرف في أخذ المال (وإعطائه) (3) على الوجه المشروع ~~(والله أعلم) (4). # المثال السادس: # أن الإمام لو أراد أن يعاقب بأخذ المال على بعض الجنايات (5)، فاختلف ~~العلماء في ذلك، حسبما ذكره الغزالي (6). # على أن الطحاوي حكى أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ فأجمع العلماء على ~~منعه (7). # فأما الغزالي فزعم أن ذلك من/ قبيل الغريب الذي لا عهد به/ في الإسلام، ~~ولا يلائم تصرفات الشرع، مع أن هذه العقوبة الخاصة لم تتعين، لشرعية ~~العقوبات البدنية بالسجن والضرب (وغيرهما) (8). # قال:/ فإن قيل: فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاطر خالد بن ~~الوليد في ماله، حتى أخذ رسوله (فرد) (9) نعله وشطر عمامته (10). # قلنا: المظنون من عمر أنه لم يبتدع العقاب بأخذ المال على خلاف المألوف ~~من الشرع، وإنما ذلك لعلم عمر (باختلاط ماله) (11) بالمال/ المستفاد من ms421 ~~الولاية وإحطاته بتوسعته (ولعله سبر) (12) المال فرأى شطر ماله PageV03P025 # من فوائد الولاية، فيكون استرجاعا للحق لا عقوبة في المال، لأن هذا من ~~الغريب الذي لا يلائم قواعد الشرع هذا ما قال. # (ولما فعل) (1) عمر رضي الله عنه وجه آخر غير هذا، ولكنه لا دليل فيه على ~~العقوبة (بالمال) (2)، كما قال الغزالي. # /وأما مذهب مالك رحمه الله (3)، فإن العقوبة في المال عنده (ضربان) (4): # أحدهما: كما صوره الغزالي، فلا مرية في أنه غير صحيح، على أن ابن العطار ~~(5) في (وثائقه) (6) صغى إلى إجازة ذلك، فقال: في (إجارة) (7) أعوان القاضي ~~إذا لم يكن بيت مال، أنها على الطالب، فإن (أدين) (8) المطلوب كانت الإجارة ~~عليه. # ومال إليه ابن رشد (9)، ورده عليه (ابن الفخار) (10) القرطبي وقال: إن ~~PageV03P026 # ذلك من باب العقوبة في المال، وذلك لا يجوز على حال. # والثاني: أن تكون جناية الجاني في نفس ذلك المال أو في عوضه، فالعقوبة ~~فيه عنده ثابتة، فإنه قال في الزعفران المغشوش إذا وجد بيد الذي غشه: إنه ~~يتصدق به على المساكين، قل أو كثر. # (وذهب) (1) ابن القاسم (2)، ومطرف (3)، وابن الماجشون (4) إلى أنه يتصدق ~~بما قل منه دون ما كثر. # وذلك محكي (نحوه) (5) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنه أراق اللبن ~~المغشوش بالماء (6)، ووجه ذلك التأديب للغاش، وهذا التأديب لا نص يشهد له ~~(ولكنه) (7) من باب الحكم على الخاصة لأجل العامة، وقد تقدم نظيره، في ~~مسألة تضمين الصناع (8). PageV03P027 # على أن أبا الحسن اللخمي (1)، قد وضع له أصلا شرعيا، وذلك أنه/ صلى الله ~~عليه وسلم أمر بإكفاء القدور التي (أغليت) (2) بلحوم الحمر قبل أن تقسم ~~(3)، وحديث العتق بالمثلة (4) (أيضا من ذلك) (5). # ومن مسائل مالك في المسألة: (إذا) (6) اشترى مسلم/ من نصراني خمرا (فإنها ~~تكسر) (7) على المسلم، ويتصدق بالثمن أدبا للنصراني/ إن كان النصراني لم ~~يقبضه، وعلى هذا المعنى فرع أصحابه في مذهبه، وهو كله من العقوبة في المال، ~~إلا أن وجهه ما تقدم. # /المثال السابع: # أنه لو طبق الحرام الأرض، أو ناحية من الأرض يعسر الانتقال (منها) ms422 (8) ~~وانسدت طرق المكاسب (الطيبة) (9)، ومست الحاجة إلى الزيادة PageV03P028 # على سد الرمق، فإن ذلك سائغ أن يزيد على قدر الضرورة، ويرتقي إلى قدر ~~الحاجة في الوقت والملبس والمسكن، إذ لو (اقتصروا) (1) على سد الرمق لتعطلت ~~المكاسب والأشغال/، ولم يزل الناس في مقاساة ذلك إلى أن يهلكوا، وفي ذلك ~~خراب الدين، لكنه لا ينتهي إلى (مقدار) (2) الترفه والتنعم، كما لا يقتصر ~~على مقدار الضرورة. # وهذا ملائم لتصرفات الشرع، وإن لم ينص على عينه، فإنه قد أجاز أكل/ ~~الميتة (للمضطر) (3)، والدم ولحم الخنزير، وغير ذلك من الخبائث المحرمات. # وحكى ابن العربي الاتفاق على جواز الشبع عند توالي المخمصة (4)، وإنما ~~اختلفوا إذا لم (تتوال) (5) هل يجوز له الشبع أم لا؟ وأيضا فقد أجازوا أخذ ~~مال الغير عند الضرورة أيضا، فما نحن فيه لا يقصر عن ذلك. # وقد بسط الغزالي هذه المسألة في الإحياء بسطا شافيا جدا (6)، وذكرها ~~(أيضا) (7) في كتبه الأصولية كالمنخول (8)، وشفاء (الغليل) (9). # المثال الثامن: # أنه يجوز قتل الجماعة بالواحد، والمستند فيه المصلحة المرسلة؛ إذ لا نص ~~على عين المسألة، ولكنه (منقول) (10) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (11)، ~~PageV03P029 # وهو مذهب مالك والشافعي (1). # ووجه/ المصلحة أن القتيل معصوم، وقد قتل عمدا، فإهداره داع إلى خرم أصل ~~القصاص، واتخاذ الاستعانة والاشتراك ذريعة إلى (التشفي) (2) بالقتل إذا علم ~~أنه لا قصاص فيه، وليس أصله قتل/ المنفرد فإنه قاتل تحقيقا، والمشترك ليس ~~بقاتل تحقيقا. # /فإن قيل: هذا أمر بديع في الشرع، وهو قتل غير القاتل؟ # قلنا: ليس كذلك، بل لم يقتل إلا القاتل، وهم الجماعة من حيث الاجتماع عند ~~مالك والشافعي، فهو مضاف إليهم تحقيقا إضافته/ إلى الشخص الواحد، وإنما ~~التعيين في تنزيل الأشخاص منزلة الشخص الواحد؛ وقد دعت إليه المصلحة، فلم ~~يكن مبتدعا مع ما فيه من حفظ مقاصد الشرع في حقن الدماء، وعليه يجري عند ~~مالك قطع الأيدي باليد الواحدة، وقطع الأيدي في النصاب (الواحد) (3). ~~PageV03P030 # المثال التاسع: # إن العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال ~~رتبة الاجتهاد والفتوى في ms423 علوم الشرع (1)، كما أنهم اتفقوا أيضا أو كادوا ~~أن يتفقوا على أن القضاء بين الناس لا يحصل إلا لمن رقي (رتبة) (2) ~~الاجتهاد (3)، وهذا صحيح على الجملة، ولكن إذا فرض خلو الزمان عن مجتهد ~~يظهر بين الناس، وافتقروا إلى إمام يقدمونه لجريان الأحكام وتسكين ثورة ~~الثائرين، والحياطة على دماء المسلمين وأموالهم، فلا بد من إقامة الأمثل ~~ممن ليس بمجتهد (4)، لأنا بين أمرين، إما أن يترك الناس فوضى، وهو عين ~~الفساد والهرج، وإما أن يقدموه فيزول الفساد بتة، ولا يبقى إلا فوت ~~الاجتهاد، والتقليد كاف بحسبه. # وإذا ثبت/ هذا فهو نظر مصلحي يشهد له وضع أصل الإمامة (بل هو) (5) مقطوع/ ~~به بحيث لا يفتقر في صحته وملاءمته إلى شاهد. # هذا وإن كان ظاهره (مخالفا) (6) لما نقلوا من الإجماع (فإن PageV03P031 # الإجماع) (1) (في) (2) الحقيقة إنما انعقد/ على فرض أن لا يخلو الزمان ~~(من) (3) مجتهد، فصار مثل هذه المسألة مما لم ينص عليه، فصح الاعتماد فيه ~~على المصلحة. # المثال العاشر: # إن الغزالي قال في بيعة المفضول مع وجود الأفضل: إن رددنا في مبدأ ~~التولية بين مجتهد في علوم (الشريعة) (4) وبين متقاصر عنها، فيتعين تقديم ~~المجتهد؛ لأن اتباع/ الناظر علم نفسه له مزية على (صاحب) (5) اتباع علم ~~غيره (بالتقليد) (6) والمزايا لا سبيل إلى إهمالها مع القدرة على مراعاتها. # أما إذا انعقدت الإمامة (بالبيعة) (7) أو تولية العهد لمنفك عن رتبة ~~الاجتهاد، وقامت له الشوكة، وأذعنت له الرقاب، بأن خلا الزمان عن قرشي ~~مجتهد مستجمع جميع الشرائط، وجب الاستمرار. # وإن قدر حضور قرشي (8) مجتهد مستجمع (للورع) (9) والكفاية وجميع شرائط ~~الإمامة، واحتاج/ المسلمون في خلع الأول إلى (تعرض) (10) لإثارة فتن ~~واضطراب أمور،/ لم يجز لهم خلعه والاستبدال به، بل تجب عليهم PageV03P032 # الطاعة له، والحكم بنفوذ ولايته، وصحة إمامته، لأنا نعلم أن (العلم) (1) ~~مزية روعيت في الإمامة تحصيلا لمزيد المصلحة في الاستقلال بالنظر ~~والاستغناء عن التقليد، وأن الثمرة المطلوبة من (الإمامة) (2) تطفئة الفتن ~~الثائرة من تفرق الآراء المتنافرة، فكيف (يستجيز) (3) العاقل تحريك الفتنة، ~~وتشويش النظام، وتفويت أصل المصلحة في الحال، ms424 تشوفا إلى مزيد دقيقة في ~~الفرق بين النظر والتقليد؟. # /قال: وعند هذا ينبغي أن يقيس الإنسان ما ينال الخلق من الضرر بسبب عدول ~~الإمام عن النظر إلى التقليد بما ينالهم لو تعرضوا لخلعه والاستبدال به، أو ~~حكموا بأن إمامته غير منعقدة (4). # هذا ما قال، وهو متجه بحسب النظر المصلحي، وهو ملائم لتصرفات الشرع، وإن ~~لم يعضده نص على التعيين. # وما قرره هو أصل مذهب مالك؛ قيل ليحيى بن يحيى: البيعة مكروهة؟ قال: لا. ~~قيل له: فإن كانوا أئمة جور؟ فقال: قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان، ~~وبالسيف أخذ الملك. أخبرني بذلك مالك عنه أنه كتب إليه، وأمر له بالسمع ~~والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. # قال يحيى: والبيعة خير من الفرقة. # قال: ولقد أتى مالكا العمري (5) فقال له: يا أبا عبد الله، بايعني أهل ~~الحرمين، وأنت ترى سيرة أبي جعفر، فما ترى؟ فقال له مالك: أتدري ما الذي ~~منع عمر بن عبد العزيز رحمه الله/ أن يولي رجلا صالحا؟ فقال/ PageV03P033 # العمري: لا أدري، فقال مالك: لكني أنا أدري، إنما كانت البيعة ليزيد ~~بعده، فخاف عمر إن ولى رجلا صالحا أن لا يكون ليزيد بد من القيام، فتقوم ~~هجمة، فيفسد ما لا يصلح، فصدر رأي هذا العمري (على رأي) (1) مالك. # فظاهر هذه الرواية أنه إذا خيف عند خلع غير المستحق، وإقامة المستحق أن ~~تقع فتنة وما لا يصلح، فالمصلحة في الترك. # وروى البخاري عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن ~~عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ينصب ~~لكل غادر لواء يوم/ القيامة) وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة/ الله ~~ورسوله، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا تابع/ في هذا الأمر إلا كانت ~~الفيصل بيني وبينه (2). # (قال) (3) ابن العربي: وقد قال ابن الخياط: إن بيعة عبد الله ليزيد كانت ~~كرها، وأين يزيد من ابن عمر، ولكن رأى بدينه وعلمه التسليم لأمر ms425 الله ~~والفرار عن التعرض لفتنة فيها من ذهاب الأموال والأنفس ما لا يخفى، (بخلع) ~~(4) يزيد، (لو) (5) تحقق أن الأمر يعود في نصابه، فكيف ولا يعلم ذلك؟ (قال) ~~(6): وهذا أصل عظيم فتفهموه (والزموه) (7) ترشدوا إن شاء الله. PageV03P034 ### | ### | فصل # # فهذه (أمثلة عشرة) (1) توضح لك (الوجه العملي) (2) في المصالح المرسلة، ~~وتبين لك اعتبار أمور: # أحدها: الملاءمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله، ولا دليلا من ~~(أدلته) (3). # والثاني: أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل (معناه) (4) وجرى على ~~(ذوق) (5) المناسبات المعقولة (المعنى) (6) التي إذا عرضت على العقول ~~تلقتها بالقبول، فلا مدخل لها في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور ~~الشرعية، لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل (7)، كالوضوء ~~والصلاة والصيام في زمان مخصوص دون غيره، والحج، ونحو ذلك (8). # فليتأمل/ الناظر الموفق كيف وضعت على التحكم المحض المنافي للمناسبات ~~التفصيلية (9). PageV03P035 # ألا ترى/ أن الطهارات على اختلاف/ أنواعها قد اختص كل نوع منها بتعبد ~~مخالف جدا لما يظهر (لبادي) (1) الرأي؟ # فإن البول والغائط خارجان نجسان يجب بهما تطهير أعضاء الوضوء دون ~~المخرجين فقط، ودون جميع الجسد، فإذا خرج المني أو دم الحيض وجب غسل جميع ~~الجسد دون المخرج فقط، ودون أعضاء الوضوء. # ثم (ذلك) (2) التطهير واجب مع نظافة/ الأعضاء، وغير واجب مع قذارتها ~~بالأوساخ والأدران، إذا فرض أنه لم يحدث. # ثم التراب ومن شأنه التلويث يقوم مقام الماء الذي من شأنه التنظيف، ثم ~~نظرنا في أوقات الصلوات فلم نجد فيها مناسبة لإقامة الصلوات فيها، لاستواء ~~الأوقات في ذلك. # وشرع للإعلام بها أذكار مخصوصة/ لا يزاد فيها ولا ينقص منها/، فإذا أقيمت ~~ابتدأت إقامتها بأذكار أيضا، ثم شرعت (ركعاتها) (3) مختلفة باختلاف ~~الأوقات، وكل ركعة لها ركوع واحد وسجودان دون العكس، إلا صلاة (خسوف/ ~~الشمس) (4) فإنها على غير ذلك، ثم كانت خمس صلوات دون أربع أو ست أو غير ~~ذلك من الأعداد، فإذا دخل المتطهر المسجد أمر بتحيته بركعتين دون واحدة ~~(كالوتر) (5)، أو أربع كالظهر، فإذا سها في صلاة سجد سجدتين ms426 دون سجدة ~~واحدة، وإذا قرأ سجدة، سجد واحدة دون اثنتين. # ثم أمر بصلاة النوافل، ونهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة، وعلل النهي بأمر ~~غير معقول المعنى. PageV03P036 # ثم شرعت الجماعة في بعض النوافل، كالعيدين، والخسوف، والاستسقاء، دون ~~صلاة الليل (1)، ورواتب النوافل. # فإذا صرنا إلى غسل الميت وجدناه لا معنى له معقولا، لأنه غير مكلف، ثم ~~أمرنا بالصلاة عليه بالتكبير دون ركوع أو سجود أو تشهد والتكبير (عليه) (2) ~~أربع تكبيرات دون اثنتين أو ست أو سبع أو غيرها من الأعداد (3). # فإذا صرنا إلى الصيام وجدنا فيه من التعبدات غير المعقولة (المعنى) (4) ~~كثيرا (أيضا) (5)، كإمساك النهار دون الليل، والإمساك عن المأكولات ~~والمشروبات، دون الملبوسات والمركوبات، والنظر/ والمشي/ والكلام، وأشباه ~~ذلك، وكان (الإمساك عن) (6) الجماع (وهو) (7) راجع إلى الإخراج كالمأكول ~~وهو راجع إلى الضد . # وكان شهر رمضان وإن كان قد أنزل فيه القرآن ولم يكن أيام الجمع، وإن كانت ~~خير أيام طلعت عليها الشمس، أو كان الصيام أكثر من شهر أو أقل، ثم الحج ~~أكثر تعبدا من الجميع. # وهكذا تجد عامة التعبدات في كل باب من أبواب الفقه. # (فاعلموا) (8) أن في هذا الاستقراء معنى يعلم من مقاصد الشرع أنه قصد ~~قصده، ونحى نحوه،/ (واعتبرت جهته) (9)؛ وهو أن ما كان من PageV03P037 # التكاليف من هذا القبيل، فإن قصد الشارع (فيه) (1) أن يوقف (عنده) (2) ~~ويعزل عنه النظر الاجتهادي جملة، وأن يوكل إلى واضعه ويسلم له فيه، سواء ~~علينا أقلنا: إن التكاليف معللة بمصالح العباد، أم لم نقله، اللهم إلا ~~قليلا من مسائلها/ ظهر فيها معنى فهمناه من الشرع، فاعتبرنا به أو شهدنا في ~~بعضها بعدم الفرق بين المنصوص عليه، والمسكوت عنه، فلا حرج حينئذ، فإن أشكل ~~الأمر فلا بد من الرجوع إلى ذلك الأصل، فهو العروة الوثقى للمتفقه في ~~الشريعة والوزر (3) الأحمى. # ومن أجل ذلك قال حذيفة رضي الله عنه: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلا تعبدوها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالا، ~~فاتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا بطريق من ms427 كان قبلكم)، ونحوه لابن مسعود ~~أيضا (4). PageV03P038 # وقد تقدم من ذلك كثير. # ولذلك التزم مالك في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني وإن ظهرت/ لبادي ~~الرأي، وقوفا مع ما فهم من مقصود الشارع فيها من التسليم (لها) (1) على ما ~~هي عليه، فلم يلتفت/ في إزالة الأخباث/ ورفع الأحداث، إلى مطلق النظافة ~~التي اعتبرها غيره، حتى اشترط في رفع الأحداث النية، ولم يقم غير الماء ~~مقامه عنده وإن حصلت النظافة، حتى يكون بالماء المطلق، وامتنع من إقامة غير ~~التكبير والتسليم والقراءة بالعربية مقامها في التحريم والتحليل/ والإجزاء، ~~ومنع من إخراج القيم في الزكاة، (واقتصر) (2) في الكفارات على مراعاة ~~العدد، وما أشبه ذلك. # ودورانه في ذلك كله على الوقوف مع ما حده الشارع دون ما يقتضيه معنى ~~مناسب إن تصور لقلة ذلك في التعبدات وندوره، بخلاف قسم العادات الذي هو جار ~~على المعنى المناسب الظاهر للعقول؛ فإنه استرسل فيه استرسال المدل العريق/ ~~في فهم المعاني المصلحية، نعم (مع) (3) مراعاة مقصود الشارع أن لا يخرج ~~عنه، ولا يناقض أصلا من أصوله، حتى لقد استشنع العلماء كثيرا من وجوه ~~استرساله زاعمين أنه خلع الربقة (4)، وفتح باب التشريع، وهيهات ما أبعده من ~~ذلك رحمه الله بل هو الذي رضي لنفسه في فقهه بالاتباع، بحيث يخيل لبعض ~~(الناس) (5) أنه مقلد لمن قبله، بل هو صاحب البصيرة في دين الله حسبما بين ~~(ذلك) (6) أصحابه في (كتب) (7) سيره. # بل حكي عن أحمد بن حنبل أنه قال: إذا رأيت الرجل يبغض مالكا PageV03P039 # فاعلم أنه مبتدع (1). # وهذه غاية/ في الشهادة بالاتباع. # وقال أبو داود: أخشى عليه البدعة يعني المبغض لمالك (2) . # وقال ابن مهدي (3): إذا رأيت الحجازي يحب مالك بن أنس فاعلم أنه صاحب ~~سنة، وإذا رأيت أحدا يتناوله فاعلم أنه على خلاف (السنة) (4). # وقال إبراهيم بن يحيى (بن هشام) (5): ما سمعت أبا داود لعن أحدا قط إلا/ ~~رجلين: أحدهما رجل ذكر له أنه لعن مالكا، والآخر بشر المريسي (6). # وعلى الجملة فغير مالك أيضا موافق له في أن أصل العبادات عدم معقولية ~~المعنى، ms428 وإن اختلفوا في بعض التفاصيل، فالأصل متفق عليه (بين) (7) الأمة، ~~ما عدا الظاهرية؛ فإنهم لا يفرقون بين العبادات والعادات، بل الكل تعبد غير ~~معقول المعنى، فهم أحرى بأن لا يقولوا بأصل المصالح، فضلا عن أن يعتقدوا ~~المصالح المرسلة. # والثالث: أن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري، ورفع حرج لازم ~~في الدين، وأيضا (فرجوعها) (8) إلى حفظ الضروري من PageV03P040 # باب ما (لا) (1) يتم الواجب إلا به/ فهي إذا من الوسائل لا من المقاصد، ~~ورجوعها إلى رفع الحرج راجع إلى باب التخفيف لا إلى التشديد. # /أما رجوعها إلى ضروري (فقد ظهر) (2) من الأمثلة المذكورة. # وكذلك رجوعها إلى رفع حرج لازم، وهو إما لاحق بالضروري، وإما من الحاجي، ~~وعلى كل تقدير فليس فيها ما يرجع إلى (التحسين) (3) والتزيين البتة، فإن ~~جاء من ذلك شيء، فإما من باب آخر (لا) (4) منها،/ كقيام رمضان في المساجد ~~جماعة حسبما تقدم (5) وإما معدود من قبيل البدع التي أنكرها السلف الصالح ~~كزخرفة المساجد والتثويب بالصلاة (6)، وهو من قبيل ما (لا) (7) يلائم. # وأما كونها في الضروري من قبيل الوسائل، وما لا يتم الواجب إلا به (فظاهر ~~من الأمثلة المذكورة وأشباهها، وحقيقة ما لا يتم الواجب إلا به) (8)، إن نص ~~على اشتراطه، فهو شرط شرعي فلا مدخل له في هذا الباب؛ لأن نص الشارع فيه قد ~~كفانا مؤنة النظر فيه. # وإن لم ينص/ على اشتراطه، فهو إما عقلي أو عادي؛ فلا يلزم أن يكون شرعيا، ~~كما أنه لا يلزم أن يكون على كيفية معلومة؛ فإنا لو فرضنا حفظ/ القرآن ~~والعلم بغير (الكتب عاديا) (9) مطردا لصح (لنا حفظه به) (10) PageV03P041 # كما أنا لو فرضنا حصول مصلحة الإمامة الكبرى بغير إمام على تقدير عدم ~~النص بها لصح ذلك، وكذلك سائر المصالح الضرورية، وإذا ثبت هذا، لم يصح أن ~~يستنبط من بابها شيء من المقاصد الدينية التي ليست بوسائل. # وأما كونها في الحاجي من باب التخفيف فظاهر أيضا، وهو أقوى في الدليل ~~(الرافع للحرج) (1)؛ فليس فيه ما يدل على تشديد ولا زيادة تكليف، ms429 والأمثلة ~~مبينة لهذا الأصل أيضا. # إذا تقررت هذه الشروط، علم أن البدع كالمضادة للمصالح المرسلة، لأن موضوع ~~المصالح المرسلة ما عقل معناه على التفصيل، والتعبدات من حقيقتها أن لا ~~يعقل معناها على التفصيل، وقد مر أن العادات إذا دخل فيها الابتداع فإنما ~~يدخلها من جهة ما فيها من التعبد لا بإطلاق. # /وأيضا، فإن البدع في عامة أمرها لا تلائم مقاصد الشرع، بل إنما/ تتصور ~~على أحد وجهين: إما مناقضة لمقصوده كما تقدم في مسألة المفتي للملك بصيام ~~شهرين متتابعين وإما مسكوتا (عنها) (2) فيه، كحرمان القاتل ومعاملته بنقيض ~~مقصوده على تقدير عدم النص به. # وقد تقدم (3) نقل الإجماع على اطراح القسمين وعدم اعتبارهما، ولا يقال: ~~إن المسكوت عنه يلحق بالمأذون فيه، إذ يلزم من ذلك خرق الإجماع لعدم ~~الملاءمة، ولأن العبادات ليس حكمها حكم العادات في أن المسكوت عنه كالمأذون ~~فيه، إن قيل بذلك (بل هي) (4) تفارقها. إذ لا يقدم على استنباط عبادة لا ~~أصل لها؛ لأنها/ مخصوصة بحكم الإذن المصرح به، بخلاف العادات، والفرق ~~بينهما ما تقدم من اهتداء العقول للعاديات في الجملة، وعدم اهتدائها لوجوه ~~التقربات إلى الله تعالى، وقد أشير إلى هذا PageV03P042 # المعنى في كتاب الموافقات (1) وإلى هذا (2). # / (فإذا) (3) ثبت أن المصالح المرسلة ترجع إما إلى حفظ ضروري من باب ~~الوسائل أو إلى التخفيف، فلا يمكن إحداث البدع من جهتها ولا الزيادة في ~~المندوبات، لأن البدع من باب/ (المقاصد لا من باب الوسائل) (4)، لأنها ~~متعبد (بها) (5) بالفرض، ولأنها زيادة في التكليف، وهو مضاد للتخفيف. # فحصل من هذا كله أن لا تعلق (للمبتدع) (6) بباب المصالح المرسلة إلا ~~القسم الملغى باتفاق العلماء، وحسبك به متعلقا، والله الموفق. # وبذلك كله (يعلم) (7) من قصد الشارع أنه لم يكل شيئا من التعبدات إلى ~~آراء العباد فلم يبق إلا الوقوف عند ما حده، والزيادة عليه بدعة؛ كما أن ~~النقصان منه بدعة، وقد مر لهما أمثلة كثيرة (وستأتي أخر) (8)، في أثناء ~~الكتاب بحول الله. PageV03P043 ### | ### | فصل # # وأما الاستحسان (1)، فلأن لأهل البدع أيضا تعلقا به؛ فإن ms430 الاستحسان لا ~~يكون إلا (بمستحسن) (2)، وهو إما العقل أو الشرع. # أما الشرع فاستحسانه واستقباحه قد فرغ منهما، لأن الأدلة اقتضت ذلك، فلا ~~فائدة لتسميته استحسانا، ولا لوضع ترجمة له زائدة على الكتاب والسنة/ ~~والإجماع، وما ينشأ (عنهما) (3) من القياس والاستدلال؛ فلم يبق إلا العقل ~~هو المستحسن، فإن كان بدليل فلا فائدة لهذه التسمية، لرجوعه إلى الأدلة لا ~~إلى غيرها، وإن/ كان بغير دليل/ فذلك هو البدعة التي تستحسن. # (ويشبهه) (4) قول من قال في الاستحسان: أنه (ما يستحسنه) (5) المجتهد ~~بعقله، ويميل إليه برأيه (6). PageV03P044 # قالوا: وهو عند هؤلاء من جنس ما يستحسن في العوائد، وتميل إليه الطباع؛ ~~فيجوز الحكم بمقتضاه إذا لم يوجد في الشرع (ما ينافيه، ففي هذا) (1) الكلام ~~ما بين أن ثم من التعبدات ما لا يكون عليه دليل، وهو الذي يسمى بالبدعة، ~~فلا بد أن ينقسم إلى حسن وقبيح، إذ ليس كل استحسان (باطلا، كما أنه ليس كل ~~استحسان) (2) حقا. # وأيضا فقد يجري على التأويل الثاني للأصوليين في الاستحسان، وهو أن ~~المراد به: دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه، ولا يقدر على ~~إظهاره (3)، وهذا التأويل (للاستحسان يساعد البدعة) (4) لأنه يبعد في مجاري ~~العادات أن يبتدع أحد بدعة من غير شبهة دليل (تنقدح) (5) له، بل عامة البدع ~~لا بد لصاحبها من متعلق دليل شرعي، لكن قد يمكنه إظهاره وقد لا يمكنه وهو ~~الأغلب فهذا مما يحتجون به. # وربما/ ينقدح لهذا المعنى وجه بالأدلة التي استدل بها أهل التأويل ~~الأولون، وقد أتوا بثلاثة أدلة: # أحدها: قول الله سبحانه: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم/ من ربكم} (6)، ~~وقوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث} (7)، وقوله تعالى: {فبشر عباد *الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (8)، (فأحسنه) (9) هو ما تستحسنه عقولهم. # والثاني: (قوله) (10) عليه الصلاة والسلام: "ما رآه المسلمون حسنا فهو ~~PageV03P045 # عند الله حسن" (1). # وإنما (يعني) (2) بذلك ما رأوه بعقولهم، وإلا (فلو) (3) كان حسنه بالدليل ~~الشرعي، لم يكن من حسن ما يرون، إذ لا مجال للعقول في التشريع على ما ~~زعمتم، فلم يكن للحديث ms431 فائدة، فدل على أن المراد ما (رأوه) (4) برأيهم. # والثالث: أن الأمة قد استحسنت دخول الحمام من غير تقدير/ أجرة، ولا تقدير ~~مدة اللبث ولا تقدير الماء المستعمل، ولا سبب لذلك إلا أن المشاحة في مثله ~~(قبيحة) (5) في العادة، فاستحسن الناس/ تركه، مع أنا نقطع (بأن) (6) ~~الإجارة المجهولة، أو مدة الاستئجار أو مقدار المشترى إذا جهل فإنه ممنوع، ~~وقد استحسنت إجارته مع مخالفة الدليل، فأولى أن يجوز إذا لم يخالف دليلا. ~~PageV03P046 # فأنت ترى أن هذا الموضع مزلة قدم أيضا لمن أراد أن يبتدع فله أن يقول: إن ~~استحسنت كذا وكذا فغيري من العلماء قد استحسن، وإذا كان كذلك فلا (بد) (1) ~~من فضل اعتناء بهذا الفصل، حتى لا يغتر به جاهل أو زاعم أنه عالم، وبالله ~~التوفيق، فنقول: # إن الاستحسان يراه معتبرا في الأحكام مالك وأبو حنيفة، بخلاف الشافعي (2) ~~فإنه منكر له جدا حتى قال: من استحسن فقد شرع (3). والذي يستقرى من/ ~~مذهبهما أنه يرجع إلى العمل بأقوى الدليلين، (هكذا) (4) قال ابن العربي، ~~قال: فالعموم إذا استمر، والقياس إذا اطرد، فإن مالكا وأبا حنيفة يريان ~~تخصيص العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى قال ويستحسن مالك أن يخص ~~بالمصلحة، ويستحسن أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف ~~القياس قال : ويريان معا تخصيص القياس ونقض العلة، ولا يرى الشافعي لعلة ~~الشرع/ إذا ثبت تخصيصا. # هذا ما قال ابن العربي. ويشعر بذلك تفسير الكرخي (5): أنه العدول عن ~~الحكم في المسألة بحكم نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى (6). # وقال بعض الحنفية: أنه القياس الذي يجب العمل به؛ لأن العلة (لما) (7) ~~كانت علة بأثرها، سموا الضعيف الأثر قياسا، والقوي الأثر PageV03P047 # استحسانا، أي قياسا مستحسنا، وكأنه/ نوع من العمل بأقوى القياسين، وهو ~~يظهر من استقراء مسائلهم في الاستحسان بحسب النوازل الفقهية. # بل قد جاء عن مالك أن/ الاستحسان تسعة أعشار العلم (1). ورواه أصبغ (2) ~~عن ابن القاسم عن مالك. # قال أصبغ في الاستحسان: قد يكون أغلب من القياس (3). # وجاء عن مالك: إن المغرق في/ القياس ms432 يكاد يفارق السنة (4). # وهذا الكلام لا يمكن أن يكون بالمعنى الذي تقدم قبل، وأنه ما يستحسنه ~~المجتهد بعقله/ أو أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد تعسر عبارته عنه، فإن مثل ~~هذا لا يكون تسعة أعشار العلم، ولا أغلب من القياس الذي هو أحد الأدلة. # /وقال ابن العربي في موضع آخر: الاستحسان إيثار ترك مقتضى الدليل على ~~طريق الاستثناء والترخص، (لمعارضة) (5) ما يعارض به في بعض مقتضياته، وقسمه ~~أقساما عد منها أربعة أقسام، وهي: ترك الدليل للعرف، وتركه للمصلحة، (وتركه ~~للإجماع) (6)، وتركه (في اليسير) (7) لرفع المشقة (وإيثار التوسعة) (8). # وحده غير ابن العربي من أهل المذهب بأنه عند مالك: استعمال مصلحة جزئية ~~في مقابلة قياس كلي. قال: فهو تقديم الاستدلال المرسل على القياس. # وعرفه ابن رشد فقال: الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون PageV03P048 # أعم من القياس هو: أن يكون (طرد القياس) (1) يؤدي إلى غلو في الحكم ~~ومبالغة فيه، فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنى يؤثر في الحكم يختص به ذلك ~~الموضع. # وهذه تعريفات قريب بعضها من بعض. # وإذا كان هذا معناه (عند) (2) مالك وأبي حنيفة فليس بخارج عن الأدلة ~~البتة؛ لأن الأدلة يقيد بعضها ويخصص بعضها بعضا كما في الأدلة/ السنية/ مع ~~القرآنية، ولا يرد الشافعي مثل هذا أصلا، فلا حجة في تسميته استحسانا ~~لمبتدع على حال. # ولا بد من الإتيان بأمثلة تبين المقصود بحول الله، ونقتصر على عشرة ~~أمثلة: # أحدها: أن يعدل بالمسألة عن نظائرها بدليل الكتاب، كقوله تعالى: {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} (3) فظاهر اللفظ العموم في جميع/ ما ~~(يتمول) (4) به، وهو مخصوص في الشرع بالأموال الزكوية خاصة، فلو قال قائل: ~~مالي صدقة. فظاهر لفظه يعم كل مال، ولكنا نحمله على مال الزكاة، لكونه ثبت ~~الحمل عليه في الكتاب. # قال العلماء: وكأن هذا يرجع إلى تخصيص العموم بعادة فهم خطاب القرآن. ~~وهذا المثال أورده الكرخي تمثيلا لما قاله في/ الاستحسان. # والثاني: أن يقول الحنفي: سؤر سباع الطير نجس، قياسا على سباع البهائم. ~~وهذا ظاهر الأثر، ولكنه ظاهر استحسانا، ms433 لأن السبع ليس بنجس العين، ولكن ~~لضرورة تحريم لحمه، فثبتت نجاسته (لمجاورة) (5) رطوبات لعابه، وإذا كان ~~كذلك فارقه الطير، لأنه يشرب بمنقاره وهو طاهر بنفسه، فوجب الحكم بطهارة ~~سؤره، لأن هذا أثر قوي وإن خفي، فترجح على PageV03P049 # الأول، وإن كان أمره جليا، والأخذ بأقوى القياسين متفق عليه. # والثالث: أن أبا حنيفة قال: إذا/ شهد أربعة على رجل بالزنا، ولكن عين كل ~~واحد (جهة) (1) غير الجهة التي عينها (غيره) (2)، فالقياس أن لا يحد، ولكن ~~استحسن حده، ووجه ذلك أنه لا يحد إلا من شهد عليه أربعة، فإذا عين كل واحد ~~((منهم) (3) دارا، فلم يأت على كل مرتبة بأربعة؛ لامتناع/ اجتماعهم على ~~رتبة واحدة، فإذا عين كل واحد) (4) زاوية فالظاهر تعدد الفعل، ويمكن ~~التزاحف. # فإذا قيل: القياس أن لا يحد، فمعناه أن الظاهر أنه لم يجتمع الأربعة على ~~زنا واحد، ولكنه (يقول) (5) في المصير إلى الأمر الظاهر تفسيق (العدول) ~~(6)؛ فإنه إن لم يكن محدودا صار الشهود فسقة، ولا سبيل إلى (ذلك) (7) ما ~~وجدنا إلى/ العدول عنه سبيلا، فيكون حمل الشهود على مقتضى العدالة عند/ ~~الإمكان يجر ذلك الإمكان البعيد، فليس هذا حكما بالقياس، وإنما/ تمسك ~~باحتمال تلقي الحكم من (القرآن) (8)، وهذا يرجع في الحقيقة إلى تحقيق ~~(مناطه) (9). # والرابع: أن مالك بن أنس من مذهبه أن يترك الدليل (للعرف) (10)، فإنه رد ~~الأيمان (إلى العرف) (11)، مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها غير ما ~~PageV03P050 # يقتضيه العرف، كقوله: والله لا دخلت مع فلان بيتا. فلا يحنث (بدخوله) (1) ~~(معه المسجد وما أشبه ذلك ووجهه أن اللفظ يقتضي الحنث بدخول) (2) كل موضع ~~يسمى بيتا (في اللغة) (3) والمسجد يسمى بيتا فيحنث على ذلك، إلا أن عرف ~~الناس أن لا يطلقوا هذا اللفظ عليه، فخرج بالعرف (عن) (4) مقتضى اللفظ، فلا ~~يحنث. # /والخامس: ترك الدليل للمصلحة، كما في تضمين الأجير المشترك (5)، وإن لم ~~يكن صانعا، فإن مذهب مالك في هذه المسألة على قولين، كتضمين صاحب الحمام ~~الثياب، وتضمين صاحب السفينة، وتضمين السماسرة المشتركين، وكذلك حمال ~~الطعام على رأي مالك فإنه ضامن، ms434 ولاحق عنده بالصناع، والسبب في ذلك (عين) ~~(6) السبب في تضمين الصناع. # فإن قيل: فهذا من باب المصالح المرسلة لا من باب الاستحسان. # قلنا: نعم، إلا أنهم (صوروا الاستحسان تصور الاستثناء من القواعد) (7) ~~بخلاف المصالح المرسلة، ومثل ذلك يتصور في مسألة التضمين، فإن/ الأجراء ~~مؤتمنون بالدليل/ لا بالبراءة الأصلية، فصار تضمينهم في حيز (المستثنى) (8) ~~من ذلك الدليل، فدخلت تحت معنى PageV03P051 # الاستحسان (بذلك) (1) (النظر) (2). # والسادس: أنهم يحكون الإجماع على إيجاب الغرم على من (قطع) (3) ذنب بغلة ~~القاضي، يريدون غرم قيمة الدابة لا قيمة النقص الحاصل فيها، ووجه ذلك ظاهر، ~~فإن (مثل) (4) بغلة القاضي لا يحتاج إليها إلا للركوب، وقد امتنع ركوبه لها ~~بسبب فحش ذلك العيب، حتى صارت بالنسبة إلى (ركوبه أو) (5) ركوب مثله في حكم ~~العدم، فألزموا الفاعل غرم قيمة الجميع، وهو/ متجه بحسب الغرض الخاص، وكان ~~الأصل أن لا يغرم إلا قيمة ما نقصها القطع خاصة، لكن استحسنوا/ ما تقدم. # وهذا الإجماع مما ينظر فيه، فإن المسألة ذات قولين في المذهب وغيره، ولكن ~~الأشهر في المذهب المالكي ما تقدم حسبما نص عليه القاضي عبد الوهاب (6). # والسابع: ترك مقتضى الدليل في اليسير لتفاهته ونزارته لرفع المشقة، ~~وإيثار التوسعة على الخلق، فقد أجازوا التفاضل اليسير في المراطلة (7) ~~الكثيرة، وأجازوا البيع (والصرف) (8) إذا كان أحدهما تابعا للآخر، وأجازوا ~~بدل الدرهم الناقص بالوازن (9) لنزارة ما بينهما، والأصل المنع في الجميع، ~~لما في الحديث من أن/ الفضة بالفضة، والذهب بالذهب مثلا بمثل سواء بسواء، ~~وأن من زاد أو ازداد فقد أربى (10)، ووجه ذلك أن التافه في حكم PageV03P052 # العدم، ولذلك لا تنصرف إليه الأغراض في الغالب، وأن المشاحة في اليسير قد ~~تؤدي إلى الحرج والمشقة، وهما مرفوعان عن المكلف. # والثامن: أن في العتبية (1) من سماع أصبغ (2) في الشريكين يطآن الأمة في ~~طهر واحد، فتأتي بولد فينكر أحدهما الولد دون الآخر: أنه/ يكشف منكر الولد ~~عن/ وطئه الذي أقر به، (فإن كان في صفته ما يمكن معه الإنزال لم يلتفت إلى ~~إنكاره، وكان كما لو اشتركا فيه، ms435 وإن كان يدعي العزل من الوطء الذي أقر به) ~~(3) فقال أصبغ: إني أستحسن ها هنا أن ألحقه بالآخر، والقياس أن يكونا سواء، ~~فلعله غلب ولا يدري. # وقد قال عمرو بن العاص رضي الله عنه في (نحو) (4) هذا: إن الوكاء قد ~~ينقلب قال : (والاستحسان في العلم) (5)، قد يكون أغلب من القياس،/ ثم حكى ~~عن مالك ما تقدم (ووجه) (6) ذلك ابن رشد بأن الأصل: (أن) (7) من وطئ أمته ~~فعزل عنها وأتت بولد لحق به وإن كان له منكرا، ووجب على قياس ذلك إذا كانت ~~(أمة) (8) بين رجلين (فوطئاها) (9) جميعا PageV03P053 # في طهر واحد وعزل أحدهما (عنها) (1) (فأنكر) (2) الولد وادعاه الآخر الذي ~~لم يعزل عنها، أن يكون الحكم في ذلك بمنزلة ما إذا كانا جميعا يعزلان أو ~~ينزلان، والاستحسان كما قال أن (يلحق) (3) الولد بالذي ادعاه وأقر أنه كان ~~ينزل، (ويبرأ) (4) منه الذي أنكره وادعى أنه كان يعزل، لأن الولد يكون/ مع ~~الإنزال غالبا، ولا يكون مع العزل إلا نادرا، فيغلب على الظن أن الولد إنما ~~هو للذي ادعاه وكان ينزل، لا الذي أنكره وهو يعزل، والحكم (بغلبة) (5) الظن ~~أصل في الأحكام، وله في هذا الحكم (تأثير) (6)، فوجب أن يصار إليه استحسانا ~~كما قال أصبغ. (انتهى) (7)، وهو ظاهر فيما نحن فيه. # والتاسع: ما تقدم أولا من أن الأمة استحسنت دخول الحمام من غير تقدير ~~أجرة، ولا تقدير مدة/ اللبث، ولا تقدير الماء المستعمل، والأصل في هذا ~~المنع إلا أنهم (أجازوه) (8) لا (لما) (9) قال المحتجون على البدع، بل لأمر ~~آخر هو من هذا القبيل/ الذي ليس بخارج عن الأدلة، فأما تقدير العوض فالعرف ~~هو الذي قدره فلا/ حاجة إلى التقدير، وأما مدة اللبث وقدر الماء المستعمل ~~فإن لم يكن ذلك مقدرا بالعرف أيضا، فإنه يسقط للضرورة إليه، وذلك لقاعدة ~~فقهية، وهي: أن نفي/ جميع الغرر في العقود لا يقدر عليه، وهو يضيق أبواب ~~المعاملات (ويحسم) (10) أبواب (المعاوضات) (11). # ونفي (الغرر) (12) إنما يطلب تكميلا ورفعا لما عسى أن يقع من نزاع، ~~PageV03P054 # فهو من الأمور المكملة، والتكميلات إذا ms436 أفضى اعتبارها إلى إبطال المكملات ~~سقطت جملة؛ تحصيلا للمهم حسبما تبين في الأصول فوجب أن يسامح في بعض أنواع ~~الغرر التي (لا) (1) ينفك عنها، إذ يشق طلب الانفكاك عنها، فسومح المكلف ~~بيسير الغرر، لضيق الاحتراز مع تفاهة ما يحصل من (الغرر) (2)، ولم يسامح في ~~كثيره إذ ليس في محل الضرورة، ولعظيم ما يترتب عليه من الخطر، لكن الفرق ~~بين القليل والكثير، غير منصوص عليه في جميع الأمور، وإنما نهي عن بعض ~~(أنواعه) (3) مما يعظم فيه الغرر، فجعلت أصولا يقاس عليها (غيرها) (4) ~~(فصار) (5) القليل أصلا في عدم الاعتبار وفي الجواز، (وصار) (6) الكثير ~~(أصلا) (7) في المنع، ودار في الأصلين فروع تجاذب العلماء النظر فيها، فإذا ~~(قل الغرر) (8) وسهل الأمر، وقل النزاع، ومست الحاجة إلى المسامحة فلا بد ~~من القول بها، ومن هذا القبيل مسألة التقدير في ماء الحمام، ومدة اللبث. # قال العلماء: ولقد/ بالغ مالك رحمه الله في هذا الباب وأمعن فيه، فجوز أن ~~يستأجر الأجير بطعامه، وإن كان لا ينضبط مقدار أكله، ليسار أمره وخفة خطبه، ~~وعدم المشاحة، وفرق/ (بين تطرق) (9) يسير الغرر إلى الأجل فأجازه، وبين ~~تطرقه/ للثمن فمنعه، فقال: يجوز للإنسان أن يشتري سلعة إلى الحصاد أو (إلى) ~~(10) الجذاذ، وإن كان اليوم بعينه لا ينضبط، ولو باع سلعة بدرهم أو ما ~~يقاربه لم يجز، والسبب في التفرقة (أن) (11) المضايقة في تعيين الأثمان ~~وتقديرها ليست في العرف (كالمضايقة) (12) في الأجل، إذ قد يسامح البائع في ~~التقاضي الأيام، ولا يسامح في مقدار الثمن على حال. PageV03P055 # /ويعضده ما روى عمرو بن العاص (1) رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمر بشراء الإبل إلى خروج المصدق (2) وذلك لا (ينضبط) (3) يومه ولا ~~(تعين) (4) / ساعته، ولكنه على التقريب والتسهيل. # فتأملوا كيف وجه الاستثناء من الأصول الثابتة (بالحرج) (5) والمشقة، وأين ~~هذا من زعم الزاعم (أنه) (6) استحسان العقل بحسب العوائد فقط، (يتبين لكم) ~~(7) (بون) (8) ما بين المنزلتين. # العاشر: أنهم قالوا: إن من جملة أنواع الاستحسان مراعاة خلاف العلماء (9) ~~وهو أصل في مذهب مالك، ينبني عليه ms437 مسائل كثيرة. # منها: أن الماء اليسير إذا حلت فيه النجاسة اليسيرة ولم تغير أحد/ أوصافه ~~أنه لا يتوضأ به بل يتيمم ويتركه، فإن توضأ (به) (10) وصلى، أعاد ما دام في ~~الوقت، ولم يعد بعد الوقت، وإنما قال: يعيد في الوقت، مراعاة لقول من يقول: ~~إنه طاهر مطهر (ويرى) (11) جواز الوضوء به ابتداء، وكان قياس هذا القول أن ~~يعيد أبدا إذ لم (يتوضأ) (12) إلا بماء يصح له تركه، والانتقال عنه إلى ~~التيمم. PageV03P056 # ومنها: قولهم في النكاح الفاسد الذي يجب فسخه: إن لم يتفق/ /على فساده ~~فيفسخ بطلاق، ويكون فيه الميراث، ويلزم فيه الطلاق على حده في النكاح ~~الصحيح، فإن اتفق العلماء على فساده، فسخ بغير طلاق، ولا يكون فيه ميراث، ~~ولا يلزم فيه طلاق. # ومنها: (من) (1) نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع، وكان مع الإمام (أنه) ~~(2) يتمادى (مراعاة) (3) لقول من قال: إن ذلك يجزئه، فإذا سلم/ الإمام/ ~~أعاد هذا المأموم. # /وهذا المعنى كثير جدا في المذهب، ووجهه أنه راعى دليل المخالف في بعض ~~الأحوال، لأنه ترجح عنده (فيها) (4)، ولم يترجح عنده في بعضها فلم يراعه. # ولقد كتبت في مسألة مراعاة الخلاف (5) (سؤالا) (6) إلى بلاد المغرب، وإلى ~~بلاد أفريقية لإشكال عرض فيها من وجهين: # أحدهما: مما يخص هذا الموضع على فرض صحتها، وهو ما أصلها من الشريعة ~~(وعلام) (7) تبنى من قواعد أصول الفقه، فإن الذي يظهر الآن أن الدليل هو ~~المتبع فحيثما صار صير إليه، ومتى (ما ترجح) (8) للمجتهد أحد الدليلين على ~~الآخر ولو بأدنى وجوه الترجيح وجب التعويل عليه وإلغاء ما سواه، على ما هو ~~مقرر في الأصول، فإذن رجوعه أعني المجتهد إلى قول الغير إعمال لدليله ~~المرجوح (عنده) (9)، وإهمال PageV03P057 # (للدليل) (1) الراجح عنده، الواجب عليه اتباعه (وذلك) (2) على خلاف ~~القواعد. # فأجابني (بعضهم) (3) بأجوبة، منها الأقرب والأبعد، إلا أني راجعت بعضهم ~~بالبحث، وهو أخي ومفيدي أبو العباس بن القباب (4) رحمة الله عليه، فكتب إلي ~~بما (أردت أن أثبته ها هنا لأن فيه شرحا لما نحن فيه، وذلك أنه كتب إلي ما) ~~(5) نصه: (وتضمن ms438 الكتاب المذكور عودة السؤال في مسألة مراعاة الخلاف، ~~وقلتم: إن رجحان إحدى الأمارتين على الأخرى إن (اقتضى) (6) / تقديمها على ~~الأخرى، اقتضى ذلك عدم (اعتبار) (7) (المرجوحة) (8) مطلقا، واستشنعتم أن ~~(يقول المفتي: هذا لا يجوز ابتداء) (9)، وبعد الوقوع يقول بجوازه، لأنه ~~يصير الممنوع إذا فعل جائزا. وقلتم: إنه إنما يتصور الجمع في (مثل) (10) ~~هذا النحو في منع التنزيه لا (في) (11) منع التحريم، إلى غير ذلك مما ~~(أوردتم) (12) في المسألة. # وكلها إيرادات (سديدة) (13) صادرة عن قريحة قياسية منكرة/ لطريقة ~~الاستحسان،/ وإلى هذه الطريقة ميل فحول (من) (14) الأئمة والنظار، حتى ~~PageV03P058 # قال الإمام أبو عبد الله الشافعي (رحمه الله) : من استحسن فقد شرع. # ولقد ضاقت العبارة عن معنى أصل الاستحسان / كما في (كريم) (1) علمكم حتى ~~قالوا: أصح عبارة فيه أنه معنى ينقدح في نفس المجتهد تعسر العبارة عنه. ~~فإذا كان هذا أصله الذي (ترجع) (2) / فروعه إليه، فكيف (ما) (3) يبنى/ ~~عليه؟ (لا بد) (4) أن تكون العبارة عنها أضيق. # ولقد كنت أقول: (بمثل ما قال) (5) هؤلاء الأعلام في طرح الاستحسان، وما ~~بني عليه، لولا أنه اعتضد وتقوى (بوجدانه) (6) كثيرا في فتاوى الخلفاء ~~وأعلام الصحابة (بمحضر جمهورهم) (7) مع عدم النكير، فتقوي ذلك عندي غاية، ~~وسكنت إليه النفس، وانشرح إليه الصدر، ووثق به القلب، للأمر باتباعهم، ~~والاقتداء بهم، رضي الله عنهم. # فمن ذلك، المرأة يتزوجها رجلان ولا يعلم الآخر بتقدم نكاح غيره (عليه) ~~(8) إلا بعد البناء، (فأبانها عليه) (9) بذلك عمر (10) ومعاوية (11) ~~PageV03P059 # والحسن (1) (رضي الله تعالى عنهم جميعهم، ونسب مثله أيضا لعلي بن أبي ~~طالب (2)) (3) رضي الله عنه، وكل ما (أوردتم) (4) في قضية السؤال وارد ~~عليه، فإنه إذا تحقق أن الذي لم يبن هو الأول، فدخول الثاني بها دخول بزوج ~~غيره، وكيف يكون غلطه على زوج (غيره) (5) / مبيحا (لوطئها) (6) على الدوام، ~~ومصححا لعقده الذي لم يصادف محلا، (ومبطلا) (7) لعقد نكاح مجمع على صحته ~~(ولزومه) (8)، لوقوعه على وفق الكتاب والسنة ظاهرا وباطنا؟ وإنما (المناسب) ~~(9) أن الغلط يرفع عن الغالط الإثم والعقوبة، لا إباحة زوج غيره دائما، ~~ومنع زوجها منها. # ومثل (ذلك) ms439 (10) ما قاله العلماء في مسألة امرأة المفقود: أنه إن قدم ~~المفقود قبل نكاحها فهو أحق بها، وإن كان بعد نكاحها والدخول بها (بانت) ~~(11)، وإن (كان) (12) بعد العقد، وقبل البناء فقولان؛ فإنه يقال: الحكم لها ~~بالعدة من الأول إن كان/ قطعا (لعصمته) (13) فلا حق له فيها PageV03P060 # ولو قدم قبل تزوجها، أو ليس بقاطع للعصمة، فكيف تباح لغيره وهي في عصمة ~~المفقود؟. # وما روي عن عمر وعثمان (1) في ذلك أغرب وهو أنهما قالا: إذا قدم المفقود ~~يخير بين امرأته أو صداقها، فإن (اختارها بقيت له، وإن) (2) اختار صداقها ~~بقيت للثاني، (فأين) (3) هذا من القياس؟ # وقد صحح ابن عبد البر هذا النقل عن الخليفتين عمر وعثمان رضي الله عنهما، ~~ونقل/ عن علي رضي الله عنه أنه قال بمثل ذلك أو أمضى الحكم به، وإن كان ~~الأشهر عنه خلافه، ومثله في قضايا الصحابة كثير (من) (4) ذلك (رضي الله عن ~~جميعهم) (5). # (قال ابن المعذل) (6): لو أن رجلين حضرهما وقت الصلاة، فقام أحدهما فأوقع ~~الصلاة/ بثوب نجس (مجانا) (7)، وقعد الآخر حتى خرج الوقت ((ثم صلاها) (8) ~~بثوب طاهر ما استوت (حالتهما) (9) عند مسلم، ولا تقاربت. يعني/ أن الذي صلى ~~في الوقت بالنجاسة عامدا أجمع الناس أنه لا يساويه مؤخرها حتى خرج الوقت) ~~(10) (ولا يقاربه) (11) مع نقل غير واحد PageV03P061 # من الأشياخ الإجماع على وجوب (الإعادة على من صلى بالنجاسة عامدا ووجوب ~~الطهارة من) (1) النجاسة (2) حال الصلاة، وممن نقله اللخمي، والمازري (3) ~~وصححه الباجي (4)، وعليه مضى عبد الوهاب (5) في تلقينه. # وعلى الطريقة التي أوردتم، أن المنهي/ عنه ابتداء غير معتبر، أحرى (أن ~~يكون) (6) أمر هذين الرجلين بعكس ما قال (ابن معذل) (7)؛ لأن الذي صلى بعد ~~الوقت قضى ما فرط فيه؛ والآخر لم (يصل) (8) كما أمر، ولا قضى شيئا، وليس كل ~~منهي عنه ابتداء غير معتبر بعد وقوعه. # وقد صحح الدارقطني (9) حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن ~~الزانية هي التي تزوج نفسها) (10). PageV03P062 # وأخرج أيضا ms440 من حديث عائشة رضي الله عنها: (أيما امرأة نكحت بغير إذن ~~(وليها) (1) فنكاحها باطل ثلاث مرات فإن دخل بها، فالمهر لها بما (أصاب) ~~(2) منها) (3)، فحكم أولا ببطلان العقد، وأكده بالتكرار ثلاثا،/ وسماه زنا، ~~وأقل (مقتضياته) (4) عدم اعتبار هذا العقد جملة، لكنه صلى الله عليه وسلم ~~عقبه بما اقتضى اعتباره بعد الوقوع بقوله: ولها مهرها بما أصاب منها. ومهر ~~البغي حرام (5). # وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} (6)، (فعلل) ~~(7) النهي عن استحلالهم (8) بابتغائهم فضل الله ورضوانه مع كفرهم بالله ~~تعالى، PageV03P063 # الذي لا يصح معه عبادة، ولا يقبل عمل، وإن كان هذا الحكم الآن منسوخا، ~~فذلك لا يمنع (الاستدلال به) (1) في هذا المعنى. # ومن ذلك قول الصديق رضي الله عنه: وستجد (أقواما) (2) (زعموا أنهم) (3) ~~حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له (4). # ولهذا/ (لا) (5) يسبى الراهب (ويترك) (6) له ماله (أو) (7) ما قل منه، ~~على خلاف في ذلك، وغيره ممن لا يقاتل يسبى ويملك، وإنما ذلك لما زعم أنه ~~حبس نفسه له، وهي عبادة الله تعالى، وإن كانت عبادته أبطل الباطل/ فكيف ~~يستبعد اعتبار عبادة (المسلم) (8) على (وفق) (9) / دليل شرعي لا يقطع بخطأ ~~فيه، وإن كان يظن ذلك ظنا، وتتبع (مثل هذا) (10) يطول. # وقد اختلف فيما تحقق فيه نهي من الشارع: هل يقتضي فساد المنهي عنه؟ وفيه ~~بين الفقهاء والأصوليين ما لا يخفى عليكم، فكيف بهذا؟ PageV03P064 # وإذا خرجت المسألة (المختلف فيها) (1) إلى أصل مختلف فيه، فقد خرجت عن ~~حيز الإشكال، ولم يبق إلا الترجيح لبعض تلك (المسائل) (2)، ويرجح كل أحد ما ~~ظهر له بحسب ما وفق له، ولنكتف بهذا القدر في هذه المسألة. # /انتهى ما كتب لي به، وهو بسط أدلة شاهدة لأصل الاستحسان، فلا/ يمكن مع ~~هذا التقرير كله أن يتمسك به من أراد أن يستحسن بغير دليل (شرعي) (3) أصلا. ~~PageV03P065 ### | ### | فصل # # فإذا تقرر هذا فلنرجع إلى ما احتجوا به أولا، فأما من حد الاستحسان بأنه: ~~ما يستحسنه المجتهد بعقله، ويميل إليه برأيه. فكان هؤلاء يرون ms441 هذا النوع من ~~جملة أدلة الأحكام، ولا شك أن العقل يجوز أن يرد الشرع بذلك، بل يجوز أن ~~يرد بأن ما سبق إلى أوهام العوام مثلا فهو حكم الله عليهم، فيلزمهم العمل ~~بمقتضاه، ولكن لم يقع مثل (هذا) (1)، ولم (يعرف) (2) التعبد به، لا بضرورة، ~~ولا بنظر، ولا بدليل من الشرع قاطع ولا مظنون، فلا يجوز (إسناده لحكم الله) ~~(3) لأنه ابتداء تشريع من جهة العقل. # وأيضا فإنا نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم حصروا نظرهم في الوقائع التي ~~لا نصوص فيها في الاستنباط، والرد إلى ما فهموه من الأصول الثابتة، ولم يقل ~~أحد منهم (قط) (4): إني حكمت في هذا بكذا/ لأن طبعي مال إليه، أو لأنه ~~يوافق محبتي/ ورضائي. ولو قال ذلك لاشتد عليه النكير، وقيل له من أين لك أن ~~تحكم على عباد الله بمحض ميل النفس وهوى القلب؟ هذا مقطوع ببطلانه. # بل كانوا يتناظرون ويعترض بعضهم (5) على مأخذ بعض، (وينحصرون إلى) (6) ~~ضوابط الشرع. PageV03P066 # وأيضا فلو رجع الحكم إلى مجرد الاستحسان لم يكن للمناظرة فائدة، لأن ~~الناس تختلف أهواؤهم/ وأغراضهم في الأطعمة، والأشربة واللباس وغير ذلك. # /ولا يحتاجون إلى مناظرة بعضهم بعضا، لم كان هذا الماء (أشهى) (1) عندك ~~من الآخر؟ والشريعة ليست كذلك. # على أن أرباب البدع العملية أكثرهم لا يحبون أن يناظروا أحدا، ولا ~~يفاتحون عالما ولا غيره فيما (يبتدعون) (2)، خوفا من الفضيحة أن لا يجدوا ~~مستندا شرعيا، وإنما شأنهم/ إذا وجدوا عالما أو لقوه أن يصانعوا، وإذا ~~وجدوا جاهلا عاميا ألقوا عليه في الشريعة الطاهرة إشكالات، حتى (يزلزلوه) ~~(3) ويخلطوا (عليه) (3)، (ويلبسوا) (4) (دينه) (3)، فإذا عرفوا (منه) (3) ~~الحيرة والالتباس ألقوا إليه من بدعهم على التدريج شيئا فشيئا، وذموا أهل ~~العلم بأنهم أهل الدنيا المكبون عليها، وأن هذه الطائفة هم أهل الله ~~وخاصته، وربما أوردوا عليهم من كلام غلاة الصوفية شواهد على ما يلقون ~~(إليهم) (3)، حتى يهووا (بهم) (3) في نار جهنم، وأما أن يأتوا الأمر من ~~بابه ويناظروا عليه العلماء الراسخين فلا. # وتأمل ما نقله الغزالي في استدراج الباطنية غيرهم إلى ms442 مذهبهم، تجدهم لا ~~يعتمدون إلا على خديعة الناس من غير تقرير علم، والتحيل/ عليهم بأنواع ~~الحيل، حتى يخرجوهم (عن) (5) السنة، أو عن الدين جملة، ولولا الإطالة لأتيت ~~بكلامه، فطالعه في كتابه:/ (فضائح) (6) الباطنية (7). # وأما الحد الثاني (8) فقد رد بأنه لو فتح هذا الباب لبطلت الحجج وادعى كل ~~من شاء ما شاء، واكتفى بمجرد القول؛ فألجأ الخصم إلى الإبطال، وهذا ~~PageV03P067 # يجر فسادا لا خفاء (به) (1)، وإن سلم فذلك الدليل إن كان فاسدا فلا عبرة/ ~~به، وإن كان صحيحا فهو راجع إلى الأدلة الشرعية فلا ضرر فيه. # وأما الدليل الأول فلا متعلق (فيه) (2)، فإن (أحسن الاتباع إلينا) (3) ~~اتباع الأدلة (الشرعية) (4)، وخصوصا القرآن، فإن الله تعالى يقول: {الله ~~نزل أحسن الحديث/ كتابا متشابها} (5)، وجاء في صحيح الحديث خرجه مسلم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: "أما بعد، فأحسن الحديث كتاب الله" ~~(6)، فيفتقر أصحاب/ الدليل أن يبينوا أن ميل الطباع أو أهواء النفوس مما ~~أنزل إلينا، فضلا عن أن (يكون) (7) من أحسنه. # وقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (8) يحتاج إلى بيان أن ~~ميل النفوس يسمى قولا، وحينئذ ينظر إلى (كونه) (9) أحسن القول كما تقدم، ~~وهذا كله فاسد. # ثم إنا نعارض هذا الاستحسان بأن عقولنا تميل إلى إبطاله، وأنه ليس بحجة، ~~وإنما الحجة الأدلة (الشرعية) (10) المتلقاة من الشرع. # وأيضا فيلزم عليه استحسان العوام ومن ليس من أهل النظر، إذا فرض أن الحكم ~~يتبع مجرد ميل (النفوس) (11) وهوى الطباع، وذلك محال، PageV03P068 # للعلم بأن ذلك مضاد للشريعة، فضلا عن أن يكون من أدلتها. # وأما الدليل الثاني، فلا حجة فيه من أوجه: # أحدها: أن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون (بجملتهم) (1) حسنا فهو حسن، ~~والأمة لا تجتمع على باطل، فاجتماعهم على حسن شيء يدل على حسنه شرعا، لأن ~~الإجماع يتضمن دليلا شرعيا؛ فالحديث/ دليل عليكم لا لكم (2). # والثاني: أنه خبر واحد في مسألة قطعية فلا يسمع (3) # والثالث: أنه إذا لم يرد به أهل الإجماع، وأريد (به) (4) بعضهم فيلزم ~~عليه استحسان العوام، وهو باطل ms443 بإجماع، لا يقال: إن المراد استحسان أهل ~~الاجتهاد، لأنا نقول: هذا ترك للظاهر، فيبطل الاستدلال، ثم إنه لا فائدة في ~~اشتراط الاجتهاد؛ لأن المستحسن بالفرض (لا ينحو إلى الأدلة) (5) فأي حاجة ~~إلى اشتراط الاجتهاد؟. # فإن قيل: إنما يشترط حذرا من مخالفة الأدلة/ فإن العامي لا يعرفها. قيل:/ ~~بل المراد استحسان ينشأ عن الأدلة، بدليل أن الصحابة رضي الله عنهم قصروا ~~أحكامهم على اتباع الأدلة، وفهم مقاصد الشرع. # (فالحاصل) (6) أن تعلق المبتدعة بمثل هذه الأمور تعلق بما لا يغنيهم ولا ~~ينفعهم البتة،/ لكن/ ربما يتعلقون في آحاد (بدعهم) (7) بآحاد شبه ستذكر في ~~مواضعها إن شاء الله، ومنها ما قد قضى. PageV03P069 ### | ### | فصل # # فإن قيل: أفليس في (بعض) (1) الأحاديث ما يدل على الرجوع إلى ما يقع في ~~القلب (ويحيك) (2) في النفس، وإن لم/ يكن ثم دليل صريح على حكم من أحكام ~~الشرع ولا غير صريح؟ فقد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة" ~~(3). # وخرج مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن البر والإثم فقال: "البر (حسن) (4) الخلق، والإثم ما حاك في ~~صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه" (5). PageV03P070 # وعن أبي أمامة (1) رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله/ ما الإيمان؟ ~~قال: "إذا سرتك (حسناتك) (2) وساءتك (سيئاتك) (3) فأنت مؤمن قال: يا رسول ~~الله، فما الإثم؟ قال: إذا حاك شيء في صدرك فدعه" (4). # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (5). # وعن وابصة (6) رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~البر والإثم فقال: "يا وابصة، استفت قلبك، واستفت نفسك، البر ما اطمأنت ~~إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن ~~أفتاك الناس وأفتوك" (7). # وخرج البغوي في معجمه عن عبد الرحمن ms444 بن معاوية أن رجلا سأل PageV03P071 # رسول الله صلى الله عليه وسلم/ فقال: يا رسول الله، ما يحل لي مما يحرم ~~علي؟ فسكت رسول الله/ صلى الله عليه وسلم، فرد عليه ثلاث مرات، كل ذلك يسكت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أين السائل؟ فقال: أنا ذا يا رسول ~~الله، فقال ونقر بإصبعه : "ما أنكر قلبك فدعه" (1). # وعن عبد الله قال: الإثم (حواز) (2) القلوب، فما حاك من شيء في قلبك ~~فدعه، وكل شيء فيه نظرة فإن للشيطان فيه مطمعا (3). # وقال أيضا: الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فدع ما يريبك ~~إلى ما لا يريبك (4). # وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن الخير طمأنينة، وأن الشر ريبة، فدع ما ~~يريبك إلى ما لا يريبك (5). PageV03P072 # وقال شريح: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فوالله ما وجدت فقد شيء تركته ~~ابتغاء وجه الله (1). # فهذه (الأحاديث والآثار) (2) ظهر من معناها الرجوع في جملة من الأحكام ~~الشرعية إلى ما يقع بالقلب/ ويهجس بالنفس ويعرض بالخاطر، وأنه إذا اطمأنت ~~النفس/ إليه فالإقدام عليه صحيح، وإذا توقفت أو ارتابت فالإقدام عليه ~~محظور، وهو عين ما وقع إنكاره من الرجوع إلى الاستحسان/ الذي يقع بالقلب ~~ويميل إليه الخاطر، وإن لم يكن ثم دليل شرعي فإنه لو كان هنالك دليل شرعي ~~أو كان هذا (التقرير) (3) مقيدا بالأدلة الشرعية لم يحل به على ما في ~~النفوس ولا على ما يقع بالقلوب، مع أنه عندكم عبث وغير مفيد، كمن يحيل ~~بالأحكام الشرعية على الأمور الوفاقية، أو (الأفعال) (4) التي لا ارتباط ~~بينها وبين شرعية الأحكام، فدل ذلك على أن (لاستحسان) (5) العقول وميل ~~النفوس أثرا في شرعية الأحكام، وهو المطلوب. # والجواب: أن هذه الأحاديث وما كان في معناها قد زعم الطبري في تهذيب ~~الآثار (6) أن جماعة من السلف قالوا بتصحيحها، والعمل بما دل عليه (ظاهرها) ~~(7)، وأتى بالآثار المتقدمة عن عمر وابن مسعود وغيرهما، ثم ذكر عن آخرين ~~القول بتوهينها وتضعيفها، وإحالة معانيها. PageV03P073 # / (ورأيت كلامه) (1) وترتيبه بالنسبة إلى ما نحن فيه/ ms445 (لائقا) (2) # أن/ يؤتى به على وجهه، فأتيت به على تحري معناه دون (لفظه) (3) لطوله، ~~فحكى عن جماعة أنهم قالوا: لا شيء من أمر الدين إلا وقد بينه الله تعالى ~~بنص عليه أو بمعناه، فإن كان حلالا فعلى العامل به إذا كان عالما تحليله، ~~أو حراما فعليه تحريمه، أو مكروها غير حرام، فعليه اعتقاد التحليل أو الترك ~~(تنزيها) (4). # فأما العمل بحديث النفس والعارض في القلب فلا، فإن الله حظر ذلك على نبيه ~~فقال: {إنا أنزلنا إليك الكتاب/ بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} (5) ~~فأمره بالحكم بما أراه (الله) (6) لا بما رآه، وحدثته (به) (7) نفسه، ~~(فغيره) (8) من البشر أولى أن يكون ذلك محظورا عليه، وأما إن كان جاهلا ~~فعليه مسألة العلماء دون ما حدثته نفسه (9). # ونقل عن عمر رضي الله عنه أنه خطب (الناس) (10) فقال: أيها الناس، قد سنت ~~لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، (إلا) (11) أن تضلوا ~~(بالناس) (12) يمينا وشمالا (13). # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما كان في القرآن من حلال أو PageV03P074 # حرام (بين) (1) فهو كذلك، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه (2). # /وقال مالك: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم هذا الأمر واستكمل ~~(فينبغي) (3) أن تتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولا تتبع ~~الرأي، فإنه (من اتبع) (4) الرأي (جاءه) (5) رجل آخر أقوى في الرأي (منه ~~فاتبعه) (6)، (فكلما غلبه رجل اتبعه أري أن هذا الأمر بعد لم يتم) (7). # / (واعملوا) (8) من الآثار بما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: (قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إذا اعتصمتم به، كتاب ~~الله) (9). # (وفي حديث أبي هريرة: (إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي أبدا ما ~~أخذتم بهما، وعملتم بما فيهما: كتاب الله) (10) وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا ~~علي (الحوض) (11)) (12). PageV03P075 # وروي عن عمرو بن (شعيب) (1) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وهم ~~يجادلون في القرآن، فخرج وجهه أحمر كالدم فقال: (يا قوم، على هذا ms446 هلك من ~~كان قبلكم، جادلوا في القرآن وضربوا بعضه ببعض، فما كان من حلال فاعملوا ~~به، وما كان من حرام فانتهوا عنه، وما كان من متشابه فآمنوا به) (2). # وعن أبي الدرداء رضي الله عنه يرفعه/ قال: (ما أحل الله في كتابه فهو ~~حلال، وما حرم فيه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله ~~عافيته، فإن الله/ لم يكن (لينسى) (3) شيئا {وما كان ربك نسيا} (4)) (5). ~~PageV03P076 # /قالوا: فهذه الأخبار وردت بالعمل بما في كتاب الله، والإعلام بأن العامل ~~به لن يضل، ولم يأذن (لأحد) (1) في العمل بمعنى ثالث غير ما في الكتاب ~~والسنة، ولو كان ثم ثالث لم يدع بيانه، (فدل) (2) على (أنه) (3) لا ثالث، و ~~(أن) (4) من ادعاه فهو مبطل. # قالوا: فإن قيل: فإنه صلى الله عليه وسلم قد سن لأمته وجها ثالثا وهو ~~قوله: (استفت قلبك) (5)، وقوله: (الإثم حواز) (6) القلوب) (7) إلى غير ذلك. # قلنا: لو صحت هذه الأخبار لكان ذلك إبطالا لأمره بالعمل بالكتاب والسنة ~~إذا صحا معا؛ لأن أحكام الله ورسوله لم ترد بما استحسنته النفوس واستقبحته، ~~وإنما كان يكون وجها ثالثا لو خرج شيء من الدين عنهما، (وليس) (8) بخارج، ~~فلا ثالث يجب العمل به. # فإن قيل: قد يكون قوله: (استفت قلبك) ونحوه أمرا لمن ليس في مسألته نص من ~~كتاب ولا سنة، واختلفت فيه الأمة، فيعد وجها ثالثا. # قلنا: (لا يجوز) (9) ذلك لأمور: # أحدها: أن كل ما لا نص فيه بعينه قد نصبت على حكمه دلالة، فلو كان فتوى/ ~~القلب، ونحوه دليلا لم يكن (لنصب) (10) الدلالة الشرعية عليه معنى، فيكون/ ~~عبثا، وهو باطل. PageV03P077 # والثاني: أن الله تعالى قال: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} (1)، فأمر المتنازعين بالرجوع إلى الله والرسول دون حديث النفوس ~~وفتيا القلوب. # والثالث: أن الله تعالى قال: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (2)، ~~فأمرهم بمسألة أهل الذكر ليخبروهم بالحق فيما اختلفوا فيه من أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ولم يأمرهم أن يستفتوا في ذلك أنفسهم. # والرابع: أن الله ms447 تعالى قال/ لنبيه احتجاجا على من أنكر وحدانيته: {ت ث ج ~~ح خ د} (3) إلى آخرها، فأمرهم بالاعتبار (بعبرته) (4) / والاستدلال بأدلته ~~على صحة ما جاءهم به، ولم يأمرهم أن يستفتوا فيه نفوسهم ويصدروا عما اطمأنت ~~إليه قلوبهم، وقد وضع الأعلام والأدلة، فالواجب/ في كل ما وضع الله عليه ~~الدلالة أن يستدل بأدلته على ما دلت (عليه) (5) دون فتوى النفوس، وسكون ~~القلوب/ من أهل الجهل بأحكام الله. # هذا ما حكاه الطبري عمن تقدم، ثم (اختار) (6) إعمال تلك الأحاديث، إما ~~لأنها صحت عنده (أو صح) (7) منها عنده ما تدل عليه معانيها؛ كحديث: "الحلال ~~بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات" (8) إلى آخر الحديث، فإنه صحيح خرجه ~~الإمامان، ولكنه لم يعملها في كل (شيء) (9) من أبواب الفقه، إذ لا يمكن ذلك ~~في تشريع الأعمال وإحداث التعبدات، فلا يقال بالنسبة إلى إحداث الأعمال: ~~إذا اطمأنت نفسك إلى هذا العمل فهو بر، أو استفت قلبك في إحداث هذا العمل، ~~فإن اطمأنت إليه نفسك فاعمل به وإلا فلا. PageV03P078 # وكذلك (بالنسبة) (1) إلى التشريع التركي، لا يتأتى تنزيل معاني الأحاديث ~~عليه بأن يقال: إن اطمأنت نفسك إلى ترك العمل الفلاني فاتركه، وإلا فدعه، ~~أي فدع الترك واعمل به، وإنما يستقيم إعمال الأحاديث المذكورة فيما أعمل ~~فيه قوله عليه الصلاة والسلام: "الحلال بين والحرام بين" الحديث. # وما كان من قبيل العادات من استعمال الماء والطعام والشراب والنكاح ~~واللباس، وغير ذلك مما في هذا المعنى، فمنه ما هو بين الحلية وما هو بين ~~التحريم/ وما فيه إشكال، وهو الأمر المشتبه الذي لا يدرى أحلال/ هو أم ~~حرام؟ (فإن ترك الإقدام أولى من الإقدام مع جهلة بحاله، نظير قوله عليه ~~السلام: "إني لأجد التمرة ساقطة على فراشي، (فلولا) (2) أني أخشى أن تكون ~~من الصدقة لأكلتها" (3). # فهذه التمرة لا شك أنها لم تخرج من إحدى (الحالتين) (4): إما من الصدقة ~~وهي حرام عليه/ وإما من غيرها وهي حلال له، فترك أكلها حذرا من أن تكون من ~~الصدقة في نفس الأمر. # قال الطبري: فكذلك حق ms448 الله تعالى على العبد فيما اشتبه عليه مما هو في ~~سعة من تركه والعمل به، أو مما هو غير واجب (عليه) (5) أن يدع ما يريبه فيه ~~إلى ما لا يريبه، إذ يزول بذلك عن نفسه الشك، كمن يريد PageV03P079 # خطبة امرأة فتخبره امرأة أنها قد أرضعته وإياها، ولا يعلم صدقها من ~~كذبها، فإن تركها/ أزال عن نفسه الريبة اللاحقة له بسبب إخبار المرأة، وليس ~~(تزوجه) (1) إياها بواجب، بخلاف ما لو أقدم، فإن النفس لا تطمئن إلى حلية ~~تلك (الزوجة) (2). # وكذلك قول عمر إنما هو فيما أشكل أمره في البيوع فلم يدر (أحلال) (3) هو ~~أم (حرام) (4)؟ ففي تركه سكون النفس وطمأنينة القلب، كما في الإقدام شك، هل ~~هو آثم أم لا؟ وهو معنى قوله عليه السلام للنواس ووابصة رضي الله عنهما، ~~ودل على ذلك حديث المشتبهات، لا ما ظن أولئك من أنه أمر للجهال أن يعملوا ~~بما رأته أنفسهم، ويتركوا ما/ استقبحوه دون أن يسألوا علماءهم. # قال الطبري: فإن قيل: إذا قال الرجل لامرأته: أنت علي حرام، فسأل/ ~~العلماء فاختلفوا عليه، فقال بعضهم: قد بانت (منك) (5) بالثلاث، وقال ~~بعضهم: إنها حلال غير أن عليك كفارة يمين. وقال بعضهم: ذلك إلى نيته إن ~~أراد الطلاق فهو طلاق، أو الظهار فهو ظهار، أو يمينا فهو يمين، وإن لم ينو ~~شيئا فليس بشيء. # أيكون هذا اختلافا في الحكم كإخبار المرأة بالرضاع فيؤمر هنا بالفراق، ~~كما يؤمر هناك أن لا يتزوجها خوفا من الوقوع في المحظور (أو لا) (6)؟ # قيل: حكمه في مسألة العلماء أن يبحث عن أحوالهم، وأمانتهم ونصيحتهم، ثم ~~يقلد/ الأرجح. فهذا ممكن، (والحزازة) (7) مرتفعة بهذا PageV03P080 # البحث، بخلاف ما إذا بحث مثلا عن أحوال المرأة فإن (الحزازة) (1) لا ~~تزول، وإن أظهر البحث أن أحوالها غير حميدة، فهما على (هذا) (2) مختلفان، ~~وقد يتفقان في الحكم إذا بحث عن العلماء فاستوت أحوالهم عنده، (بحيث) (3) ~~لم يثبت له ترجيح لأحدهم، فيكون العمل المأمور به من الاجتناب كالمعمول به ~~في مسألة المخبرة بالرضاع سواء، إذ لا فرق بينهما على ms449 هذا التقدير. انتهى ~~معنى كلام الطبري. # وقد أثبت في مسألة اختلاف العلماء على المستفتي أنه غير مخير، بل حكمه ~~حكم من التبس عليه الأمر فلم يدر أحلال هو أو حرام) (4)، فلا خلاص له من ~~الشبهة إلا باتباع أفضلهم والعمل بما (أفتى) (5) به، وإلا (فالترك) (6) إذ ~~لا تطمئن النفس إلا بذلك حسبما اقتضته الأدلة المتقدمة. PageV03P081 ### | فصل # ثم يبقى في هذا الفصل الذي فرغنا منه إشكال على كل من اختار استفتاء ~~القلب مطلقا أو بقيد، وهو الذي رآه الطبري، وذلك أن حاصل الأمر يقتضي أن ~~فتاوى القلوب وما اطمأنت إليه النفوس معتبر في الأحكام الشرعية، وهو ~~التشريع بعينه، فإن طمأنينة النفس (وسكون) (1) القلب مجردا عن الدليل إما ~~أن تكون معتبرة أو غير معتبرة شرعا، فإن لم تكن معتبرة فهو خلاف ما دلت ~~عليه (تلك) (2) الأخبار، وقد تقدم أنها معتبرة (بتلك) (3) الأدلة، وإن كانت ~~معتبرة فقد صار ثم قسم ثالث غير الكتاب والسنة، وهو (عين) (4) ما نفاه ~~الطبري وغيره. # وإن قيل: إنها تعتبر في الإحجام دون الإقدام، لم (تخرج) (5) (بذلك) (6) ~~عن الإشكال الأول، لأن كل واحد من الإقدام والإحجام فعل لا بد أن يتعلق به ~~حكم شرعي، وهو الجواز أو عدمه، وقد علق ذلك بطمأنينة النفس أو عدم ~~طمأنينتها، فإن كان ذلك عن دليل: (فالحكم مبني على الدليل لا على نفس ~~الطمأنينة أو عدمها وإن لم يكن عن دليل) (7) فهو ذلك الأول بعينه ~~(فالإشكال) (8) باق على كل تقدير. # والجواب: / أن الكلام الأول صحيح، وإنما النظر في تحقيقه. PageV03P082 # /فاعلم أن كل مسألة تفتقر إلى نظرين، نظر في دليل الحكم، ونظر في مناطه ~~(1)، فأما النظر في دليل الحكم (فإن الدليل) (2) لا يمكن أن يكون إلا من ~~الكتاب (أو السنة) (3) أو ما يرجع إليهما (من) (4) إجماع أو قياس أو ~~غيرهما، ولا يعتبر فيه طمأنينة النفس، ولا نفي ريب القلب إلا من/ جهة ~~اعتقاد كون الدليل/ دليلا أو غير دليل، ولا يقول (بذلك) (5) أحد إلا أهل ~~البدع الذين يستحسنون (الأمر) (6) بأشياء لا دليل (عليها) (7)، أو يستقبحون ~~كذلك ms450 من غير دليل إلا طمأنينة النفس أن الأمر كما زعموا، وهو مخالف لإجماع ~~المسلمين. # وأما النظر (الثاني الذي هو) (8) في مناط الحكم، فإن المناط لا يلزم منه ~~أن يكون ثابتا/ بدليل شرعي فقط، بل (قد) (9) (يثبت) (10) بدليل غير شرعي، ~~أو بغير دليل، فلا يشترط (في تحقيقه) (11) بلوغ درجة الاجتهاد، بل لا يشترط ~~فيه العلم فضلا عن درجة الاجتهاد، ألا ترى أن العامي إذا سأل عن الفعل الذي ~~ليس من جنس/ الصلاة إذا فعله المصلي هل تبطل به الصلاة أم لا؟ فقال (له) ~~(12) (العالم) (13): إن كان يسيرا فمغتفر، وإن كان كثيرا فمبطل. (لم يفتقر) ~~(14) في اليسير إلى أن يحققه (له) (15) العالم، بل العاقل يفرق بين الفعل ~~اليسير والكثير، فقد انبنى ها هنا الحكم وهو البطلان أو عدمه على ما يقع ~~بنفس العامي، وليس واحدا من الكتاب أو PageV03P083 # السنة، لأنه ليس ما وقع بقلبه دليلا على حكم، وإنما هو (تحقيق) (1) مناط ~~الحكم، فإذا تحقق له المناط بأي وجه تحقق، فهو المطلوب فيقع عليه الحكم ~~بدليله الشرعي. # وكذلك إذا قلنا بوجوب الفور في الطهارة، وفرقنا بين اليسير والكثير في ~~التفريق الحاصل أثناء الطهارة (2)، فقد يكتفي العامي بذلك حسبما يشهد قلبه ~~في اليسير أو الكثير، فتبطل طهارته أو تصح بناء على ذلك الواقع في القلب، ~~لأنه نظر في مناط الحكم. # /فإذا ثبت هذا فمن ملك لحم شاة ذكية حل له أكله، لأن حليته ظاهرة عنده، ~~(إذ) (3) حصل له شرط الحلية (فتحقق) (4) مناطها بالنسبة إليه، أو ملك لحم ~~شاة ميتة لم يحل له أكله، لأن تحريمه ظاهر من جهة/ فقده شرط الحلية (وهو ~~الذكاة) (5) فتحقق (مناطه) (6) بالنسبة إليه، وكل واحد من (هذين) (7) ~~المناطين راجع إلى ما وقع بقلبه، واطمأنت إليه نفسه، لا بحسب الأمر في ~~نفسه، ألا ترى أن اللحم قد يكون واحدا بعينه فيعتقد واحد حليته بناء على ما ~~تحقق له من (مناطه) (8) بحسبه، ويعتقد آخر تحريمه بناء على ما تحقق له من ~~مناطه بحسبه، فيأكل أحدهما حلالا ويجب على الآخر الاجتناب لأنه حرام،/ ms451 ولو ~~كان ما يقع بالقلب يشترط فيه أن يدل عليه دليل شرعي لم يصح هذا المثال، ~~وكان محالا (شرعا) (9)، لأن (أدلة) (10) الشرع لا (تتناقض) (11) / أبدا. ~~PageV03P084 # فإذا فرضنا لحما أشكل على المالك تحقيق مناطه (لم) (1) ينصرف إلى إحدى ~~الجهتين، كاختلاط الميتة (بالذكية) (2)، واختلاط الزوجة بالأجنبية. # فها هنا قد وقع الريب والشك والإشكال والشبهة. # وهذا المناط محتاج إلى دليل شرعي يبين حكمه، (وهو) (3) تلك الأحاديث/ ~~المتقدمة، كقوله: "دع ما يريبك إلا ما لا يريبك"، وقوله: "البر ما اطمأنت ~~إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك" (4)، كأنه يقول: إذا (اعتبرت) (5) ~~باصطلاحنا ما تحققت مناطه في الحلية أو الحرمة؛ فالحكم فيه من الشرع بين، ~~وما أشكل عليك تحقيقه فاتركه وإياك والتلبس به، وهو معنى قوله إن صح : ~~"استفت قلبك وإن أفتوك" (6)، فإن تحقيقك لمناط مسألتك أخص (بك) (7) من ~~تحقيق غيرك له إذا كان مثلك. # ويظهر ذلك فيما إذا أشكل عليك المناط ولم يشكل على غيرك، لأنه لم يعرض له ~~ما عرض لك. # /وليس المراد بقوله: (وإن أفتوك)، أي: إن نقلوا (إليك) (8) الحكم الشرعي ~~فاتركه وانظر ما يفتيك به قلبك، فإن هذا باطل، وتقول على التشريع الحق، ~~وإنما/ المراد ما يرجع إلى تحقيق المناط. # نعم قد لا يكون (لك دربة) (9) أو (أنس) (10) بتحقيقه، فيحققه لك ~~PageV03P085 # غيرك، وتقلده فيه، وهذه الصورة خارجة عن الحديث، كما أنه قد يكون تحقيق ~~المناط أيضا (موقوفا) (1) على تعريف الشارع، كحد الغنى الموجب للزكاة، فإنه ~~يختلف باختلاف الأحوال، فحققه الشارع بعشرين دينارا (أو) (2) مائتي درهم، ~~وأشباه ذلك، وإنما/ النظر هنا فيما وكل تحقيقه إلى المكلف. # فقد ظهر معنى المسألة وأن الأحاديث لم تتعرض لاقتناص الأحكام الشرعية من ~~طمأنينة النفس أو ميل القلب كما أورده السائل المستشكل، وهو تحقيق بالغ، ~~والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. PageV03P086 ### | الباب التاسع # في السبب الذي لأجله افترقت فرق المبتدعةعن (جماعة المسلمين) # (1) # فاعلموا رحمكم الله أن الآيات الدالة على ذم/ البدعة، وكثيرا من الأحاديث ~~أشعرت بوصف لأهل البدعة، وهو الفرقة الحاصلة، حتى يكونوا بسببها شيعا ~~متفرقة، لا ms452 ينتظم شملهم (الإسلام) (2)، وإن كانوا من أهله، وحكم (لهم) (3) ~~بحكمه. # ألا ترى أن قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في ~~شيء} (4)، وقوله تعالى: {ولا تكونوا من المشركين *من الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا} (5)، وقوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا/ السبل فتفرق بكم عن سبيله} (6)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ~~وصف التفرق. # وفي الحديث: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" (7)، والتفرق/ ناشئ عن ~~الاختلاف في المذاهب والآراء إن جعلنا التفرق معناه بالأبدان وهو الحقيقة ~~وإن جعلنا معنى التفرق في المذاهب، فهو الاختلاف، كقوله: {ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا} (8). PageV03P087 # فلا بد من النظر في هذا الاختلاف ما سببه؟ وله سببان: # أحدهما: لا كسب للعباد فيه، وهو الراجع إلى سابق القدر. # والآخر: هو الكسبي؛ وهو المقصود بالكلام/ عليه في هذا الباب، إلا (أنا) ~~(1) نجعل السبب الأول مقدمة، فإن فيها معنى أصيلا يجب (التنبه) (2) له على ~~من أراد التفقه في البدع، فنقول والله الموفق للصواب : # قال الله تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ~~*إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} (3)، فأخبر سبحانه أنهم لا يزالون مختلفين ~~أبدا، مع أنه (لو أراد أن يجعلهم متفقين لكان (قادرا) (4) على ذلك، لكن سبق ~~العلم القديم أنه) (5) إنما خلقهم للاختلاف، وهو قول جماعة من المفسرين في ~~الآية وأن قوله: {ولذلك خلقهم} معناه: وللاختلاف خلقهم، وهو مروي عن مالك ~~بن أنس قال: خلقهم ليكونوا فريقا في الجنة وفريقا في السعير (6). ونحوه عن ~~الحسن (7). # فالضمير في خلقهم عائد على الناس، فلا يمكن أن يقع منهم إلا ما سبق (في) ~~(8) العلم، وليس المراد ها هنا الاختلاف في الصور، كالحسن (والقبيح) (9)، ~~والطويل والقصير، ولا في الألوان كالأحمر والأسود، ولا في أصل الخلقة ~~كالتام الخلق (والناقص الخلق) (10)، والأعمى والبصير، والأصم PageV03P088 # والسميع، ولا في/ الخلق كالشجاع والجبان، والجواد والبخيل، ولا فيما أشبه ~~ذلك من الأوصاف التي هم مختلفون فيها. # وإنما المراد اختلاف آخر، وهو الاختلاف الذي بعث الله النبيين ليحكموا ~~فيه ms453 بين المختلفين، كما قال تعالى/: {كان الناس أمة/ واحدة فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وما اختلف فيه} (1)، وذلك الاختلاف في الآراء والنحل والأديان ~~والمعتقدات المتعلقة بما يسعد الإنسان به أو يشقى في الآخرة والدنيا. # هذا هو/ المراد من الآيات التي ذكر فيها الاختلاف الحاصل بين الخلق، ~~(إلا) (2) أن هذا الاختلاف الواقع بينهم على أوجه: # /أحدها: الاختلاف في أصل النحلة، وهو قول جماعة من المفسرين، منهم عطاء ~~قال: {ولا يزالون مختلفين *إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} (قال) (3): "اليهود ~~والنصارى والمجوس، والحنيفية، وهم الذين رحم ربك (الحنيفية) " (4). خرجه ~~ابن وهب (5). # /وهو الذي يظهر لبادي الرأي في الآية المذكورة. # وأصل هذا الاختلاف هو في التوحيد والتوجه للواحد الحق سبحانه، فإن الناس ~~في عامة الأمر لم يختلفوا (في) (6) أن لهم مدبرا يدبرهم، وخالقا أوجدهم، ~~إلا أنهم اختلفوا في تعيينه على آراء مختلفة، من قائل بالاثنين أو ~~PageV03P089 # بالخمسة، أو بالطبيعة أو بالدهر، أو بالكواكب، إلى أن قالوا بالآدميين ~~(والشجر والحجارة) (1) وما ينحتون بأيديهم (2). # ومنهم من أقر بواجب الوجود الحق لكن على آراء مختلفة أيضا، إلى أن بعث ~~الله الأنبياء مبينين لأممهم حق ما اختلفوا (فيه) (3) من باطله، فعرفوا ~~بالحق على ما ينبغي، ونزهوا رب الأرباب عما لا يليق بجلاله من نسبة الشركاء ~~والأنداد، وإضافة الصاحبة والأولاد، فأقر بذلك من أقر به، وهم الداخلون تحت ~~مقتضى قوله: {إلا من/ رحم ربك} وأنكر من أنكر، فصار إلى مقتضى قوله: {وتمت ~~كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (4)، وإنما دخل الأولون تحت ~~وصف الرحمة لأنهم خرجوا عن وصف الاختلاف إلى وصف الوفاق/ والألفة، وهو ~~قوله: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} (5)، وهو منقول عن جماعة من ~~المفسرين. PageV03P090 # /وخرج ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز أنه قال في قوله: {ولذلك خلقهم}: خلق ~~أهل الرحمة أن لا يختلفوا (1). # وهو معنى ما نقل عن مالك وطاووس في جامعه (2). # وبقي الآخرون على وصف الاختلاف، إذ خالفوا الحق الصريح، ونبذوا ms454 الدين ~~الصحيح. # وعن مالك أيضا قال: الذين رحمهم لم يختلفوا (3). # وقول الله تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين}، إلى قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه/ من الحق ~~بإذنه} (4) (معنى) (5): كان الناس أمة واحدة فاختلفوا، (أنه تعالى أخبر) ~~(6) في الآية أنهم اختلفوا ولم يتفقوا، فبعث النبيين ليحكموا بينهم فيما ~~(اختلفوا) (7) فيه من الحق، وأن الذين آمنوا هداهم (الله) (8) للحق من ذلك ~~الاختلاف. # وفي الحديث الصحيح: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا ~~الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، ~~فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فاليهود غدا والنصارى ~~بعد غد" (9). PageV03P091 # وخرج ابن وهب عن زيد بن أسلم (1) في قوله تعالى: {كان الناس أمة واحدة}، ~~فهذا يوم أخذ ميثاقهم لم يكونوا أمة واحدة غير ذلك اليوم. # فبعث الله النبيين مبشرين/ ومنذرين، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ~~فيه من الحق بإذنه. # واختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، واتخذ النصارى يوم ~~الأحد، فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليوم الجمعة. # واختلفوا/ في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واستقبلت اليهود بيت ~~المقدس، وهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للقبلة. # /واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا/ يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ~~ومنهم من يصلي (وهو) (2) يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، وهدى الله أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. # واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم (عن) (3) ~~بعض الطعام، وهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. # واختلفوا في إبراهيم عليه السلام، فقالت اليهود: كان يهوديا، وقالت ~~النصارى: (كان) (4) نصرانيا، وجعله الله حنيفا/ مسلما، فهدى الله أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك. PageV03P092 # واختلفوا في عيسى عليه السلام، فكفرت به اليهود، وقالوا لأمه بهتانا ~~عظيما، وجعلته النصارى إلها وولدا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم ms455 للحق من ذلك (1). # ثم إن هؤلاء المتفقين قد يعرض لهم الاختلاف بحسب القصد الثاني (لا ~~بالقصد) (2) الأول، فإن الله تعالى (حكم) (3) بحكمته أن تكون فروع هذه ~~(الملة) (4) قابلة للأنظار، ومجالا للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات ~~لا يمكن الاتفاق (عليها) (5) عادة، فالظنيات/ عريقة في إمكان الاختلاف، لكن ~~في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك (لا يضر) (6) هذا ~~الاختلاف. # وقد نقل المفسرون عن الحسن في هذه الآية أنه قال: أما أهل رحمة الله، ~~فإنهم لا يختلفون/ اختلافا (يضرهم) (7). # يعني لأنه في مسائل الاجتهاد التي لا نص/ فيها يقطع (8) العذر، بل لهم ~~فيه أعظم العذر، ومع أن الشارع (لما علم) (9) أن هذا (النوع) (9) من ~~الاختلاف واقع، أتى فيه بأصل يرجع إليه، وهو قول الله تعالى: {فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول} (10)، فكل اختلاف من هذا القبيل ~~PageV03P093 # حكم الله فيه أن يرد إلى الله، وذلك رده إلى كتابه، وإلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وذلك رده إليه إذا كان حيا، وإلى سنته بعد موته، وكذلك فعل ~~العلماء رضي الله عنهم. # إلا أن لقائل أن يقول: هل هم داخلون تحت قوله تعالى: {ولا يزالون ~~مختلفين} (1) أم لا؟ # والجواب: أنه لا يصح أن يدخل تحت مقتضاها أهل هذا الاختلاف من أوجه: # أحدها: أن الآية اقتضت أن أهل الاختلاف المذكورين مباينون لأهل الرحمة ~~لقوله: {ولا يزالون مختلفين/ إلا من رحم ربك} (2) فإنها اقتضت قسمين: أهل ~~الاختلاف ومرحومين، فظاهر التقسيم أن أهل الرحمة ليسوا من أهل الاختلاف، ~~وإلا كان قسم الشيء قسيما له، ولم يستقم معنى الاستثناء. # والثاني: أنه قال فيها: {ولا يزالون مختلفين}، فظاهر هذا أن وصف الاختلاف ~~لازم لهم حتى أطلق عليهم لفظ اسم الفاعل المشعر بالثبوت، وأهل الرحمة ~~مبرؤون من ذلك؛ لأن/ وصف الرحمة ينافي الثبوت على المخالفة، بل إن خالف ~~أحدهم في مسألة/ فإنما يخالف فيها تحريا لقصد الشارع فيها، حتى إذا تبين له ~~الخطأ فيها راجع نفسه وتلافى أمره، فخلافه في المسألة بالعرض لا بالقصد ~~الأول، ms456 فلم يكن وصف الاختلاف لازما (له) (3) ولا ثابتا، فكان التعبير عنه ~~بالفعل الذي يقتضي العلاج والانقطاع أليق في الموضع. # //والثالث: أنا نقطع بأن الخلاف في مسائل الاجتهاد واقع ممن حصل له محض ~~الرحمة/ وهم الصحابة رضي الله عنهم، ومن اتبعهم بإحسان رضي الله عنهم، بحيث ~~لا يصح إدخالهم في قسم المختلفين بوجه، PageV03P094 # فلو كان المخالف منهم في بعض المسائل معدودا من أهل الاختلاف ولو بوجه ما ~~لم يصح إطلاق القول في حقه أنه من أهل الرحمة، وذلك باطل بإجماع أهل السنة. # والرابع: أن جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة في الفروع ضربا من ~~ضروب الرحمة (1)، وإذا كان من جملة الرحمة، فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجا ~~من قسم أهل الرحمة. # وبيان كون الاختلاف المذكور رحمة ما روي/ عن القاسم بن محمد (2) قال: لقد ~~نفع الله باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في (العمل) (3)، لا ~~يعمل العامل بعلم رجل منهم إلا رأى أنه في سعة (4). # وعن (ضمرة عن رجاء بن جميل) (5) قال: اجتمع عمر بن عبد العزيز والقاسم بن ~~محمد، فجعلا يتذاكران الحديث قال : فجعل عمر يجيء بالشيء يخالف فيه القاسم ~~قال : (وجعل ذلك يشق على القاسم) (6) حتى PageV03P095 # تبين فيه، فقال له عمر: لا تفعل، فما يسرني (أن لي) (1) باختلافهم حمر ~~النعم (2). # وروى ابن وهب عن القاسم (عن أبيه) (3) أيضا (أنه) (4) قال: لقد أعجبني ~~قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (لم ~~يختلفوا) (5)، لأنه لو كان قولا واحدا لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى ~~بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان (في سعة) (6). # ومعنى هذا أنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه، لأنهم لو ~~لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق، لأن مجال الاجتهاد (مجالات) (7) الظنون،/ ~~(والظنون) (8) لا تتفق عادة كما تقدم فيصير أهل الاجتهاد مع (تكليفهم) (9) ~~/ باتباع ما غلب على ظنونهم مكلفين باتباع (خلافه) (10)، وهو نوع من تكليف ~~ما لا يطاق، وذلك من أعظم الضيق، فوسع الله على الأمة ms457 بوجود الخلاف/ ~~الفروعي فيهم، فكان فتح باب للأمة للدخول في هذه الرحمة، فكيف لا يدخلون في ~~قسم (من رحم ربك) فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها، والحمد لله. ~~PageV03P096 # وبين هذين (الطرفين) (1) واسطة أدنى من (المرتبة) (2) الأولى، وأعلى من ~~(المرتبة) (2) الثانية، وهي أن يقع/ الاتفاق في أصل الدين، ويقع الاختلاف ~~في بعض قواعده الكلية، وهو المؤدي إلى التفرق شيعا. # فيمكن أن تكون الآية تنتظم هذا القسم من الاختلاف، ولذلك صح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أن أمته تفترق على بضع وسبعين فرقة (3)، وأخبر أن هذه الأمة تتبع ~~سنن من كان (قبلها) (4) شبرا بشبر وذراعا بذراع (5)، (ويشمل) (6) ذلك ~~الاختلاف الواقع في الأمم قبلنا، ويرشحه وصف أهل البدع بالضلالة وإيعادهم ~~بالنار، وذلك بعيد من تمام الرحمة. # ولقد كان عليه الصلاة والسلام حريصا على ألفتنا وهدايتنا، حتى (إنه) (7) ~~ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لما حضر النبي صلى الله عليه ~~وسلم (الوفاة) (8) قال: وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ~~فقال صلى الله عليه وسلم: "هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده"، فقال عمر: ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله، ~~واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا (دواة) (9) يكتب لكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول كما قال عمر، ~~فلما (كثر) (10) اللغط والاختلاف/ عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: قوموا ~~عني،/ فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (11). ~~PageV03P097 # فكان ذلك والله أعلم وحيا أوحى الله إليه أنه إن كتب لهم ذلك الكتاب لم ~~يضلوا بعده البتة، فتخرج الأمة عن مقتضى قوله: {ولا يزالون مختلفين} ~~بدخولها تحت قوله: {إلا من رحم ربك}، فأبى الله إلا ما سبق به علمه من ~~اختلافهم، كما اختلف غيرهم، رضينا بقضاء الله وقدره، ونسأله أن يثبتنا على ~~الكتاب والسنة، ms458 ويميتنا على ذلك بفضله. # (وقد ذهب) (1) جماعة من المفسرين إلى أن المراد بالمختلفين في الآية أهل ~~البدع، وأن من رحم ربك أهل السنة، ولكن لهذا (الاختلاف) (2) أصل يرجع إلى ~~سابق القدر/ لا مطلقا، بل مع إنزال القرآن محتمل العبارة للتأويل، وهذا مما ~~لا بد من/ بسطه. # فاعلموا أن الاختلاف في بعض القواعد الكلية/ لا يقع في (العادة) (3) ~~الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة، الخائضين في لجتها العظمى، ~~(العالمين) (4) (بمواردها ومصادرها) (5). # والدليل على ذلك اتفاق العصر الأول، وعامة العصر الثاني على ذلك، وإنما ~~وقع اختلافهم في القسم المفروغ منه آنفا، بل كل خلاف على الوصف المذكور وقع ~~بعد ذلك فله أسباب ثلاثة قد تجتمع وقد تفترق: # أحدها: أن يعتقد الإنسان في نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم ~~والاجتهاد في الدين ولم يبلغ/ تلك (الدرجة) (6) فيعمل على ذلك، ويعد رأيه ~~رأيا وخلافه خلافا، ولكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع، وتارة ~~(يكون) (7) / في كلي وأصل من أصول الدين كان من الأصول الاعتقادية أو من ~~الأصول العملية فتراه آخذا ببعض جزئيات الشريعة في PageV03P098 # هدم/ كلياتها، حتى يصير منها (إلى) (1) ما ظهر له بادي رأيه من غير إحاطة ~~بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها، وهذا هو المبتدع، وعليه نبه الحديث ~~الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: " (إن الله لا يقبض العلم) (2) انتزاعا ~~يتنزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ ~~الناس رؤساء جهالا فسئلوا، (فأفتوا) (3) بغير علم، فضلوا وأضلوا" (4). # قال بعض (أهل العلم) (5): (تدبروا) (6) هذا الحديث (فإنه) (7) يدل على ~~أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات ~~علماؤهم أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قبله، وقد صرف (8) هذا المعنى ~~تصريفا، (فقيل) (9): ما خان أمين قط ولكنه ائتمن غير أمين فخان. قال: ونحن ~~نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتي من ليس بعالم (فضل وأضل) (10). # قال مالك بن أنس: بكى ربيعة يوما بكاء شديدا، فقيل له: ms459 مصيبة نزلت بك؟ ~~فقال: لا، ولكن استفتي من لا علم عنده (11). # وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "قبل الساعة سنون (خداعات) (12) يصدق فيهن الكاذب، (ويكذب) (13) ~~فيهن/ PageV03P099 # الصادق، ويخون فيهن الأمين، ويؤتمن الخائن، وينطق/ فيهن الرويبضة" (1). # قالوا: هو الرجل التافة الحقير ينطق في أمور العامة، (لأنه) (2) ليس بأهل ~~أن يتكلم في أمور العامة، فيتكلم. # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قد علمت (متى) (3) يهلك الناس، إذا ~~جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير ~~تابعه الصغير فاهتديا (4). # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم من ~~(أكابرهم) (5)، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم هلكوا (6). # واختلف العلماء فيما أراد عمر بالصغار (7) / فقال ابن المبارك: هم أهل ~~البدع (8) (وهو) (9) موافق؛ لأن أهل البدع أصاغر في العلم، ولأجل ذلك صاروا ~~أهل بدع. PageV03P100 # وقال الباجي: يحتمل أن يكون الأصاغر من لا علم عنده قال : وقد كان عمر ~~يستشير الصغار، وكان القراء (أصحاب) (1) مشاورته كهولا وشبانا قال : ويحتمل ~~أن يريد بالأصاغر من لا قدر له ولا حال، ولا يكون ذلك إلا بنبذ الدين ~~والمروءة، فأما من التزمهما فلا بد أن يسمو أمره، ويعظم قدره. # /ومما يوضح هذا التأويل ما خرجه ابن وهب بسند مقطوع عن الحسن قال: العامل ~~على غير علم كالسائر على غير الطريق، والعامل على غير علم ما يفسد/ أكثر ~~مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبا (لا يضر بترك) (2) العبادة، واطلبوا العبادة ~~طلبا (لا يضر بترك) (1) العلم، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى ~~خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو طلبوا العلم لم يدلهم ~~على ما فعلوا (3). # يعني الخوارج والله أعلم لأنهم قرأوا القرآن ولم (يتفقهوا) (4) حسبما ~~أشار/ إليه الحديث: "يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" (5). # وروي عن مكحول (6) أنه قال: تفقه الرعاع فساد (الدنيا) (7)، وتفقه السفلة ~~فساد (الدين) (8). PageV03P101 # وقال (الفريابي) (1): كان سفيان الثوري إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون العلم ms460 ~~تغير وجهه، فقلت: يا أبا عبد الله أراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد/ ~~عليك، فقال: كان العلم في العرب وفي سادات الناس، وإذا خرج عنهم وصار إلى ~~هؤلاء النبط والسفلة غير الدين (2). # وهذه الآثار أيضا إذا حملت على التأويل المتقدم (استدت) (3) واستقامت، ~~لأن ظواهرها مشكلة، ولعلك إذا استقريت/ أهل البدع من المتكلمين أو أكثرهم ~~وجدتهم من أبناء سبايا الأمم، (وممن) (4) / ليس له أصالة في اللسان العربي، ~~فعما قريب يفهم كتاب الله على غير وجهه، كما أن من لم يتفقه في مقاصد ~~الشريعة فهمها على غير وجهها. # /والثاني من أسباب الخلاف: اتباع الهوى، ولذلك سمي أهل البدع أهل ~~الأهواء، لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار ~~إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على ~~آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورا فيها من وراء ذلك، وأكثر هؤلاء ~~(هم) (5) أهل التحسين والتقبيح، ومن مال (إلى جانبهم من) (6) الفلاسفة ~~وغيرهم. # ويدخل في غمارهم من كان منهم (يغشى) (7) السلاطين لنيل ما عندهم، أو طلبا ~~للرياسة، فلا بد أن يميل مع الناس بهواهم، ويتأول عليهم فيما أرادوا، حسبما ~~ذكره العلماء ونقله الثقات من مصاحبي السلاطين. PageV03P102 # فالأولون ردوا كثيرا من الأحاديث الصحيحة بعقولهم، وأساءوا الظن بما صح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحسنوا ظنهم بآرائهم الفاسدة، حتى ردوا كثيرا ~~من أمور الآخرة وأحوالها من الصراط والميزان، وحشر الأجساد، والنعيم ~~والعذاب (الجسمي) (1)، وأنكروا رؤية الباري، وأشباه ذلك، بل صيروا العقل ~~شارعا جاء الشرع أو لا، بل إن جاء فهو كاشف لمقتضى ما حكم به العقل، إلى ~~غير ذلك من الشناعات. # والآخرون خرجوا عن الجادة إلى البنيات، وإن كانت مخالفة (لصلب) (2) ~~الشريعة، حرصا على أن يغلب عدوه، أو يفيد وليه، أو يجر إلى (نفعه) (3). # /كما ذكروا عن محمد بن يحيى بن لبابة (4) ((ابن أخي) (5) الشيخ ابن ~~لبابة) (6) المشهور/ فإنه عزل عن قضاء البيرة (7) ثم عزل عن الشورى لأشياء ~~نقمت/ عليه وسجل/ بسخطته القاضي حبيب بن زياد (8)، وأمر بإسقاط عدالته ~~وإلزامه بيته، وأن ms461 لا يفتي أحدا. PageV03P103 # ثم إن الناصر احتاج إلى شراء مجشر (1) من أحباس المرضى بقرطبة (بعدوة) ~~(2) النهر، فشكا إلى القاضي ابن بقي (3) ضرورته إليه لمقابلته منزهه، ~~وتأذيه برؤيتهم (أوان) (4) تطلعه من علاليه. فقال له ابن بقي: لا حيلة عندي ~~فيه/ وهو أولى أن يحاط بحرمة الحبس. فقال له: (تكلم) (5) مع الفقهاء فيه ~~وعرفهم رغبتي، وما أجزله من أضعاف القيمة فيه، فلعلهم أن يجدوا لي في ذلك ~~رخصة. # فتكلم ابن بقي معهم فلم يجدوا إليه سبيلا، فغضب الناصر عليهم، وأمر ~~(الوزراء) (6) بالتوجيه فيهم إلى القصر، وتوبيخهم، فجرت بينهم وبين بعض ~~الوزراء مكالمة، ولم يصل الناصر معهم إلى مقصوده. # وبلغ ابن لبابة هذا الخبر (فرفع إلى) (7) الناصر (يغض) (8) من أصحابه ~~الفقهاء، ويقول (له) (9): إنهم حجروا عليه واسعا، ولو كان حاضرا لأفتاه ~~بجواز المعاوضة، وتقلد حقا، وناظر أصحابه فيها، فوقع (هذا) (9) الأمر بنفس ~~الناصر، وأمر بإعادة محمد بن لبابة إلى الشورى على حالته الأولى، ثم أمر ~~القاضي بإعادة المشورة/ في المسألة، فاجتمع القاضي والفقهاء وجاء ابن لبابة ~~آخرهم، وعرفهم القاضي ابن بقي بالمسألة التي جمعهم (من أجلها) (10) وغبطة ~~المعاوضة (فيها) (11)، فقال جميعهم بقولهم الأول من المنع من تغيير الحبس ~~عن وجهه وابن لبابة ساكت فقال له القاضي: ما PageV03P104 # تقول أنت يا أبا عبد الله؟ قال: أما قول إمامنا مالك بن أنس، فالذي قاله ~~أصحابنا الفقهاء، وأما أهل العراق فإنهم لا يجيزون الحبس أصلا، وهم علماء/ ~~أعلام (يقتدي) (1) بهم أكثر الأمة، وإذا بأمير المؤمنين من الحاجة/ إلى هذا ~~المجشر ما به، فما ينبغي أن يرد عنه، وله في السنة فسحة، وأنا أقول (فيه) ~~(2) بقول أهل العراق، وأتقلد ذلك رأيا. # فقال له الفقهاء: سبحان الله! تترك قول مالك الذي أفتى به أسلافنا ومضوا ~~عليه واعتقدناه بعدهم، وأفتينا به لا نحيد (عنه) (3) بوجه، وهو رأي أمير ~~المؤمنين ورأي الأئمة آبائه؟ # فقال لهم محمد بن يحيى: (ناشدتكم) (4) الله العظيم، ألم تنزل/ بأحد منكم ~~ملمة بلغت بكم أن أخذتم فيها بغير قول مالك في خاصة أنفسكم، وأرخصتم ~~لأنفسكم في ms462 ذلك؟ قالوا: بلى. قال: فأمير المؤمنين أولى بذلك، فخذوا به ~~مأخذكم، وتعلقوا بقول من يوافقه من العلماء، فكلهم قدوة، فسكتوا. فقال ~~للقاضي: أنه إلى أمير المؤمنين فتياي. فكتب القاضي إلى أمير المؤمنين بصورة ~~المجلس، وبقي مع أصحابه بمكانهم إلى أن أتى الجواب/ بأن يؤخذ له بفتيا محمد ~~بن يحيى بن لبابة/ وينفذ ذلك ويعوض المرضى من هذا المجشر (بأملاكه بمنية ~~عجب) (5)، وكانت عظيمة القدر جدا، تزيد أضعافا على المجشر. # ثم جيء (بكتاب من عند أمير المؤمنين) (6) منه إلى ابن لبابة (بولايته) ~~(7) خطة الوثائق ليكون هو المتولي لعقد هذه المعاوضة، فهنئ PageV03P105 # بالولاية، وأمضى القاضي الحكم بفتواه وأشهد عليه وانصرفوا، فلم يزل ابن ~~لبابة يتقلد خطة الوثائق والشورى إلى أن مات سنة ست وثلاثين وثلاثمائة (1). # قال القاضي عياض: ذاكرت بعض مشايخنا مرة بهذا الخبر، فقال: ينبغي أن يضاف ~~هذا الخبر الذي حل سجل السخطة إلى سجل السخطة، فهو أولى وأشد في السخطة مما ~~تضمنه أو كما قال (2) . # فتأملوا كيف اتباع الهوى (وإلى أين) (3) ينتهي بصاحبه. # فشأن مثل هذا لا يحل أصلا من وجهين: # /أحدهما: أنه لم (يتحقق) (4) المذهب الذي حكم به، لأن أهل العراق لا ~~يبطلون الإحباس هكذا على الإطلاق، ومن حكى عنهم ذلك، فإما على غير تثبت، ~~وإما أنه كان قولا لهم رجعوا عنه، بل مذهبهم يقرب من مذهب مالك حسبما هو ~~مذكور في كتب الحنفية (5). # والثاني: أنه إن سلمنا صحته فلا يصح للحاكم أن (يرجح) (6) في حكمه (أحد) ~~(7) القولين (بالصحبة أو الإمارة) (8) أو قضاء الحاجة، وإنما الترجيح ~~بالوجوه المعتبرة شرعا، وهذا متفق عليه بين العلماء، فكل من اعتمد على ~~تقليد قول غير محقق، أو رجح بغير معنى معتبر، فقد خلع الربقة، واستند إلى ~~غير شرع، عافانا الله من ذلك بفضله. # فهذه الطريقة في الفتيا من جملة البدع المحدثات في دين الله تعالى، ~~PageV03P106 # كما أن تحكيم/ العقل على الدين مطلقا محدث، وسيأتي بيان ذلك بعد إن شاء ~~الله. # وقد ثبت بهذا الوجه اتباع الهوى، وهو أصل الزيغ عن الصراط المستقيم، قال ms463 ~~الله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ} (أي ميل عن الحق) (1) {فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} (2)، وقد تقدم معنى الآية؛ فمن ~~شأنهم أن يتركوا/ الواضح ويتبعوا المتشابه، عكس ما عليه الحق في نفسه. # وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وذكرت الخوارج (عنده) (3) وما يلقون ~~في القرآن فقال: يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه. وقرأ ابن عباس الآية. ~~خرجه ابن وهب (4). # /وقد دل على ذمه القرآن في قوله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} (5) ولم ~~يأت/ في القرآن ذكر الهوى إلا في معرض الذم. # حكى ابن وهب عن طاووس أنه قال: ما ذكر الله (هوى في القرآن) (6) إلا ذمه ~~(7). # وقال: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} (8)، إلى غير ذلك من ~~الآيات. # /وحكى أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي أن رجلا سأل إبراهيم PageV03P107 # النخعي عن الأهواء، أيها خير؟ فقال: ما جعل الله في شيء منها مثقال ذرة ~~من خير، وما هي إلا زينة (من) (1) الشيطان وما الأمر إلا الأمر الأول (2)، ~~يعني: ما كان عليه السلف الصالح (3). # وخرج عن الثوري أن رجلا أتى إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال ~~(له) (4): أنا على هواك. فقال له ابن عباس: الهوى كله ضلالة، أي شيء أنا ~~على هواك (5). # والثالث من أسباب الخلاف: (التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت أو كانت ~~مخالفة للحق) (6). # وهو اتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ، وأشباه ذلك، وهو التقليد ~~المذموم، فإن الله ذم بذلك في كتابه، كقوله: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} ~~(7) ثم قال: {قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما ~~أرسلتم به كافرون *} (8) وقوله: {هل يسمعونكم إذ تدعون *أو ينفعونكم أو ~~يضرون *} (9) (فنبههم) (10) على وجه الدليل الواضح فاستمسكوا بمجرد تقليد ~~الآباء/ فقالوا: {بل وجدنا/ آباءنا كذلك يفعلون} (11) وهو مقتضى ~~PageV03P108 # الحديث المتقدم أيضا في قوله: "اتخذ الناس رؤوسا جهالا" (1) إلى آخره، ~~فإنه يشير إلى الاستنان بالرجال ms464 كيف كان. # وفيما يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إياكم والاستنان بالرجال، ~~فإن الرجل يعمل بعمل أهل/ الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل ~~النار فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب ~~لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهو من/ أهل الجنة، فإن كنتم لا ~~بد فاعلين، فبالأموات لا بالأحياء (2). # فهو إشارة إلى الأخذ بالاحتياط في الدين، وأن الإنسان لا ينبغي له أن ~~يعتمد على عمل أحد البتة، حتى (يتثبت) (3) فيه ويسأل عن حكمه، إذ لعل ~~(الرجل) (4) المعتمد على عمله يعمل على خلاف السنة. # ولذلك قيل: لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سله يصدقك. # وقالوا: (أضعف العلم الرؤية) (5) أن يكون رأى فلانا (يعمل فيعمل) (6) ~~مثله. ولعله فعله ساهيا (7). وليس من هذا القبيل عمل أهل المدينة وما أشبه ~~ذلك لأنه دليل ثابت عند جماعة من العلماء على وجه ليس مما نحن فيه. # وقول علي رضي الله عنه: (فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات) نكتة في ~~الموضع. يعني الصحابة رضي الله عنه ومن جرى (مجراهم) (8) ممن يؤخذ بقوله ~~ويعتمد على فتواه. # وأما غيرهم ممن لم يحل ذلك المحل فلا، كأن يرى الإنسان رجلا PageV03P109 # يحسن اعتقاده فيه فيفعل فعلا محتملا أن يكون مشروعا أو غير مشروع فيقتدي ~~به على الإطلاق، ويعتمد عليه في التعبد، ويجعله حجة في دين الله؛ فهذا هو ~~الضلال/ بعينه، ما لم يتثبت بالسؤال والبحث عن حكم الفعل ممن هو أهل ~~(للفتوى) (1). # //وهذا الوجه هو الذي مال بأكثر المتأخرين من عوام المبتدعة، (إذا اتفق ~~أن) (2) ينضاف إلى شيخ جاهل أو لم يبلغ مبلغ العلماء، فيراه يعمل عملا ~~فيظنه عبادة فيقتدي به، كائنا ما كان ذلك العمل، موافقا للشرع أو مخالفا، ~~ويحتج به على من يرشده/ ويقول: كان الشيخ فلان من الأولياء وكان يفعله، وهو ~~أولى أن يقتدى به من علماء الظاهر، فهو في الحقيقة (راجع) (3) إلى (تقليد) ~~(4) من حسن ظنه فيه أخطأ أو أصاب، كالذين قلدوا/ آبائهم سواء، ms465 وإنما قصارى ~~هؤلاء أن يقولوا: إن آباءنا أو شيوخنا لم يكونوا ينتحلون مثل هذه الأمور ~~سدى، وما هي إلا (معضودة) (5) بالدلائل (ومنصورة بالبراهين) (6) مع أنهم ~~(يرون ويرون) (7) أن لا دليل عليها، ولا برهان يقود إلى القول بها. ~~PageV03P110 ### | ### | فصل # # هذه الأسباب الثلاثة راجعة في التحصيل إلى وجه واحد: وهو الجهل بمقاصد ~~الشريعة، والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت، (و) (1) الأخذ فيها ~~بالنظر الأول، ولا يكون/ ذلك من راسخ في العلم، ألا ترى أن الخوارج (2) كيف ~~خرجوا عن الدين كما يخرج السهم من (الصيد المرمي) (3) لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وصفهم بأنهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم (4)، يعني ~~والله أعلم أنهم لا يتفقهون فيه حتى يصل إلى قلوبهم لأن الفهم راجع إلى ~~القلب؛ فإذا لم يصل إلى القلب لم يحصل فيه فهم على حال، وإنما يقف عند محل ~~الأصوات والحروف (المسموعة) (5) (فقط) (6)، وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن ~~لا يفهم، وما تقدم أيضا من قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض ~~العلم انتزاعا" إلى آخره (7). # /وقد وقع لابن عباس تفسير ذلك على معنى ما نحن فيه، فخرج أبو عبيد (8) في ~~فضائل القرآن، وسعيد بن منصور (9) في تفسيره عن إبراهيم التيمي (10) قال: ~~خلا عمر رضي الله عنه ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: PageV03P111 # كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد فأرسل إلى ابن عباس/ رضي الله عنهما ~~فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة زاد سعيد وكتابها ~~واحد (قال) (1): فقال: ابن عباس يا أمير المؤمنين: (إنا) (2) أنزل علينا ~~القرآن فقرأناه، وعلمنا (فيم أنزل) (3) وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون ~~القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون (لهم) (4) فيه رأي فإذا كان (كذلك) (5) ~~اختلفوا وقال سعيد: فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي ~~اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا. قال: (فزجره) (6) عمر، (وانتهره) (7). # فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيم قال/ فعرفه، فأرسل إليه وقال: (أعد) (8)، ~~علي ما قلته. فأعاد عليه؛ (فعرف) (9) / عمر قوله وأعجبه (10). # وما قاله ابن ms466 عباس رضي الله عنهما هو الحق، فإنه إذا عرف الرجل فيم ~~(نزلت) (11) الآية أو السورة عرف مخرجها وتأويلها وما قصد بها، فلم يتعد ~~ذلك (فيها) (12) وإذا جهل فيم (أنزلت) (13) احتمل النظر فيها أوجها، فذهب ~~كل إنسان مذهبا لا يذهب إليه الآخر، وليس عندهم من الرسوخ في العلم ما ~~يهديهم إلى الصواب، أو يقف بهم دون اقتحام حمى المشكلات، فلم يكن بد من ~~الأخذ ببادي الرأي، أو التأويل بالتخرص الذي لا يغني من PageV03P112 # الحق شيئا، إذ لا دليل عليه من الشريعة، فضلوا وأضلوا. # ومما يوضح ذلك ما خرجه ابن وهب عن بكير (1) أنه سأل نافعا: كيف (كان) (2) ~~رأي ابن عمر في الحرورية (3)؟ قال: يراهم شرار خلق/ الله، (إنهم) (4) ~~انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين (5). (وفسر) (6) ~~سعيد بن جبير من ذلك، فقال: مما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى: ~~{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (7) ويقرنون معها: {ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون} (8)، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق/ قالوا: ~~قد كفر، ومن كفر عدل بربه؛ فقد أشرك، فهذه/ الأمة مشركون فيخرجون (فيقتلون) ~~(9) ما رأيت، لأنهم يتأولون هذه الآية (10). # فهذا معنى الرأي الذي نبه عليه ابن عباس، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى ~~الذي (نزل فيه) (11) القرآن. # وقال نافع: إن ابن عمر كان إذا سئل عن الحرورية قال: يكفرون المسلمين، ~~ويستحلون دماءهم وأموالهم؛ وينكحون النساء في عددهن، وتأتيهم المرأة ~~فينكحها الرجل منهم ولها زوج [فتكون المرأة عندهم لها زوجان] زيادة من ~~الموطأ. فلا أعلم أحدا أحق بالقتال (والقتل) (12) (من الحرورية) (13). ~~PageV03P113 # فإن قيل: فرضت الاختلاف المتكلم (فيه) (1) في واسطة بين طرفين (2) فكان ~~من الواجب أن تردد النظر فيه عليهما (ولم) (3) تفعل، بل رددته إلى الطرف ~~الأول في الذم والضلال، ولم تعتبره بجانب الاختلاف الذي لا (يضير) (4)، وهو ~~الاختلاف في الفروع. # فالجواب عن ذلك: أن كون ذلك القسم واسطة بين الطرفين لا يحتاج إلى بيانه ~~إلا من الجهة التي ذكرنا، أما الجهة الأخرى فإن (ذكرهم) (5) في هذه/ الأمة ~~وإدخالهم ms467 فيها/ أوضح أن هذا الاختلاف لم يلحقهم بالقسم الأول، وإلا فلو كان ~~ملحقا لهم به لم يقع في الأمة اختلاف ولا فرقة، ولا أخبر الشارع به، ولا ~~نبه السلف الصالح عليه، فكما أنه لو فرضنا اتفاق الخلق على الملة بعد (أن) ~~(6) كانوا مفارقين لها لم نقل: اتفقت الأمة بعد اختلافها، كذلك لا نقول: ~~اختلفت الأمة، وافترقت الأمة بعد اتفاقها، (لو) (7) خرج بعضهم/ إلى الكفر ~~بعد الإسلام، وإنما يقال: افترقت أو تفترق الأمة، إذا كان الافتراق واقعا ~~فيها مع بقاء اسم الأمة هذا/ هو الحقيقة، ولذلك قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الخوارج: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" (8)، ثم ~~قال: وتتمارى في الفوق وفي رواية PageV03P114 # فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في (الفوقة) (1): هل ~~علق بها من الدم شيء/ والتماري في الفوق (هل فيه) (2) فرث ودم أم لا) شك ~~بحسب التمثيل: هل خرجوا من الإسلام حقيقة (أم لا) (3) وهذه العبارة لا يعبر ~~بها عمن خرج من الإسلام بالارتداد مثلا. # وقد اختلفت الأمة في تكفير هؤلاء الفرق أصحاب البدع العظمى، ولكن الذي ~~يقوى في النظر وبحسب الأثر عدم القطع بتكفيرهم (4) والدليل عليه عمل/ السلف ~~الصالح فيهم. PageV03P115 # ألا ترى إلى صنع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الخوارج؟ (وكونه) (1) ~~عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام على مقتضى قول الله تعالى: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} (2)، فإنه لما اجتمعت ~~الحرورية وفارقت الجماعة لم يهيجهم علي ولا قاتلهم، (ولو) (3) كانوا ~~بخروجهم مرتدين لم يتركهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه ~~فاقتلوه" (4)، ولأن أبا بكر رضي الله عنه خرج لقتال أهل الردة ولم يتركهم، ~~فدل ذلك على اختلاف ما بين المسألتين. PageV03P116 # وأيضا حين ظهر معبد الجهني (1) وغيره من أهل القدر (2) لم يكن (لهم من ~~السلف الصالح) (3) إلا الطرد والإبعاد والعداوة والهجران، ولو كانوا خرجوا ~~إلى كفر محض لأقاموا عليهم الحد (بالقتل كالمرتدين) (4)، وعمر بن عبد ~~العزيز أيضا لما خرج في زمانه الحرورية ms468 بالموصل/ أمر بالكف عنهم (على ما) ~~(5) أمر به علي رضي الله عنه/ ولم يعاملهم معاملة المرتدين (6). # ومن جهة (النظر) (7) إنا وإن قلنا: إنهم متبعون (للهوى) (8)، ولما تشابه ~~من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فإنهم ليسوا بمتبعين للهوى ~~بإطلاق، ولا متبعين لما تشابه من الكتاب من كل وجه، ولو (فرضنا أنهم) (9) ~~كذلك لكانوا كفارا، إذ لا يتأتى ذلك (إلا ممن أخذ به في الشريعة مع) (10) ~~رد محكماتها عنادا وهو كفر، وأما من صدق (بالشريعة) (11) ومن جاء بها، وبلغ ~~فيها مبلغا يظن به أنه متبع للدليل (فمثله) (12)، لا يقال (فيه) (13): أنه ~~صاحب هوى بإطلاق بل هو متبع للشرع في نظره، لكن PageV03P117 # بحيث (يمازجه) (1) الهوى في (مطالبه) (2) / من جهة إدخال الشبه في ~~المحكمات بسبب اعتبار المتشابهات، فشارك أهل الهوى في دخول الهوى في نحلته، ~~وشارك أهل الحق في أنه لا يقبل إلا ما دل/ عليه الدليل على الجملة. # /وأيضا فقد ظهر منهم اتحاد القصد مع/ أهل السنة على (الجملة) (3) في مطلب ~~واحد، وهو الانتساب إلى الشريعة، ومن أشد مسائل الخلاف مثلا مسألة إثبات ~~الصفات حيث نفاها من نفاها، فإنا إذا نظرنا إلى مقاصد الفريقين وجدنا كل ~~واحد منهما حائما حول حمى التنزيه، ونفي النقائص، وسمات الحدوث، وهو مطلوب ~~الأدلة، وإنما وقع اختلافهم في الطريق، وذلك لا يخل بهذا القصد في الطرفين ~~معا، فحصل في هذا الخلاف (الشبه) (4) الواقع بينه وبين الخلاف الواقع في ~~الفروع (5). # وأيضا فقد يعرض الدليل على المخالف منهم فيرجع إلى الوفاق لظهوره عنده، ~~كما رجع من الحرورية/ الخارجين على علي رضي الله عنه ألفان، وإن كان الغالب ~~عدم الرجوع، كما تقدم في أن المبتدع ليس له توبة. # حكى ابن عبد البر بسند يرفعه إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما ~~اجتمعت (الحرورية يخرجون على علي، قال) (6) جعل يأتيه الرجل فيقول: يا أمير ~~المؤمنين (إن) (7) القوم خارجون عليك، قال: (دعهم) (8) PageV03P118 # حتى يخرجوا. فلما كان ذات (يوم) (1) قلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة ~~فلا تفتني حتى آتي القوم قال فدخلت عليهم ms469 وهم قائلون، فإذا هم مسهمة (2) / ~~وجوههم من السهر، قد أثر السجود في جباههم، كأن أيديهم ثفن (3) الإبل، ~~عليهم قمص مرحضة (4) فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس؟ وما هذه الحلة عليك؟ ~~(قال) (5): قلت: ما تعيبون من ذلك؟ فلقد رأيت (رسول) (6) الله صلى الله ~~عليه وسلم (وعليه حلة) (7) أحسن ما يكون من (الثياب اليمنية) (8) قال / ثم ~~قرأت هذه الآية: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} ~~(9)، فقالوا: ما جاء بك؟ (قلت) (10): جئتكم من عند (أصحاب) (11) رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله، (جئت) (12) لأبلغكم ~~عنهم وأبلغهم عنكم، فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشا فإن الله يقول: {بل هم ~~قوم خصمون} (13) فقال بعضهم: بلى (فلنكلمه) (14). قال: فكلمني منهم رجلان، ~~أو ثلاثة، قال: قلت: ماذا نقمتم عليه؟ قالوا: ثلاثا. # فقلت: ما هن؟ قالوا: حكم الرجال في أمر الله وقال الله تعالى: {إن الحكم ~~إلا لله} (15)، قال: (قلت) (16): هذه واحدة، وماذا أيضا؟ / قالوا: فإنه ~~قاتل فلم يسب ولم يغنم، (فلئن) (17) كانوا مؤمنين ما حل قتالهم، (ولئن) ~~(18) PageV03P119 # كانوا كافرين لقد حل/ قتالهم (وسبيهم) (1)، قال: قلت: وماذا أيضا؟ قالوا: ~~ومحا نفسه من إمرة المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين ~~قال: قلت: أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله بما ينقض قولكم/ هذا، ~~أترجعون؟ قالوا: وما لنا لا نرجع؟ # قال: قلت: أما قولكم: حكم الرجال في أمر الله، فإن الله قال في كتابه: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا ~~فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم} (2)، وقال في المرأة ~~وزوجها: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها} (3) ~~فصير الله ذلك إلى حكم الرجال، فناشدتكم (الله) (4) أتعلمون (أن) (5) حكم ~~الرجال في (حقن) (6) دماء المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم أفضل أو في (دم ~~أرنب ثمنه) (7) ربع درهم؟ وفي ms470 (بضع) (8) امرأة؟ قالوا: (بل) (9)، هذا أفضل. ~~قال: (أخرجتم) (10) من هذه؟ قالوا: نعم! قال: وأما/ قولكم: قاتل (ولم يسب) ~~(11) ولم يغنم (أتسبون) (12) أمكم عائشة؟ فإن قلتم:/ نسبيها فنستحل منها ما ~~نستحل من غيرها، فقد كفرتم، (وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم) (13)، فأنتم ~~(ترددون) (14) بين/ ضلالتين، (أخرجتم) (15) من هذه؟ قالوا: بلى، (قال) ~~(16): وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، إن ~~نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن PageV03P120 # عمرو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب يا علي هذا ما صالح عليه ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سفيان وسهيل بن (عمرو: ما) ~~(1) نعلم أنك رسول الله، ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنك تعلم أني (رسولك) (2)، (امح ~~يا علي واكتب) (3): هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله/ وأبو سفيان وسهيل ~~بن عمرو. قال: فرجع منهم ألفان وبقي بقيتهم فخرجوا فقتلوا أجمعون (4). ~~PageV03P121 ### | فصل # صح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~("تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك وتتفرق/ أمتي على ~~ثلاث وسبعين فرقة" وخرجه الترمذي هكذا (1). # وفي رواية أبي داود قال) (2): (افترق اليهود على إحدى أو (اثنتين) (3) ~~وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو (اثنتين) (3) وسبعين فرقة، ~~(وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) (4). # /وفي الترمذي تفسير هذا، لكن بإسناد غريب عن غير أبي هريرة رضي الله عنه، ~~فقال في (حديثه) (5): (وإن بني إسرائيل (افترقت) (6) على ثنتين وسبعين ~~(ملة) (7) وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة ~~قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) (8). PageV03P122 # وفي سنن أبي داود: (وأن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون ~~في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة) (1) وهي بمعنى الرواية التي قبلها، ~~إلا أن هنا زيادة في بعض الروايات: (وإنه سيخرج (في) (2) أمتي أقوام تجارى ~~بهم تلك ms471 الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل/ إلا ~~دخله) (3). # وفي رواية عن أبي غالب (4) موقوفا عليه: (إن بني إسرائيل تفرقوا على إحدى ~~وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة تزيد عليهم فرقة، كلها في النار إلا السواد ~~الأعظم) (5). # وفي رواية مرفوعا: (ستفترق أمتي على/ بضع وسبعين فرقة، أعظمها/ فتنة ~~الذين (يقيسون) (6) الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال) (7). # وهذا الحديث بهذه الرواية الأخيرة قدح فيه ابن عبد البر (8) لأن ~~PageV03P123 # ابن معين قال: إنه حديث باطل لا أصل له، (شبه فيه) (1) على نعيم بن حماد ~~(2)، قال بعض المتأخرين: إن الحديث قد روي عن جماعة من الثقات، ثم تكلم في ~~إسناده بما يقتضي أنه ليس كما قال ابن عبد البر، ثم قال: (وفي الجملة) (3) ~~فإسناده في الظاهر جيد إلا أن يكون يعني ابن معين قد اطلع منه على علة خفية ~~(4). # وأغرب من (هذا) (5) كله رواية رأيتها في جامع ابن وهب: (إن بني إسرائيل/ ~~تفرقت (إحدى) (6) وثمانين ملة وستفترق أمتي على اثنتين وثمانين ملة، (كلها ~~في النار إلا واحدة) (7)، قالوا: ((وما هي) (8) يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم)؟ قال: الجماعة) (9). # فإذا تقرر هذا، تصدى النظر في الحديث في مسائل: # (إحداها) (10): في حقيقة هذا/ الافتراق. PageV03P124 # وهو يحتمل أن يكون افتراقا على ما يعطيه مقتضى اللفظ، ويحتمل أن يكون مع ~~زيادة قيد لا يقتضيه اللفظ بإطلاقه ولكن يحتمله، كما كان لفظ الرقبة (يشعر) ~~(1) بمطلقها ولا يشعر بكونها مؤمنة أو غير مؤمنة، لكن اللفظ يقبله فلا يصح ~~أن يراد مطلق الافتراق، بحيث يطلق صور (هذا) (2) الاختلاف على معنى واحد، ~~لأنه يلزم أن يكون (المختلفون) (3) في مسائل الفروع داخلين تحت إطلاق ~~اللفظ، وذلك باطل بالإجماع، فإن الخلاف (من زمان) (4) الصحابة رضي الله ~~عنهم إلى الآن واقع في المسائل الاجتهادية، وأول ما وقع الخلاف في زمان ~~الخلفاء الراشدين المهديين، ثم في سائر/ الصحابة، ثم في التابعين ولم يعب ~~أحد ذلك منهم، وبالصحابة اقتدى من بعدهم في (تسويغ) (5) الخلاف، فكيف يمكن ~~أن يكون الافتراق في المذاهب مما ms472 يقتضيه (إطلاق) (6) الحديث؟ وإنما/ يراد ~~افتراق/ مقيد، وإن لم يكن في الحديث نص عليه، ففي الآيات ما يدل عليه قوله ~~تعالى: ({ولا تكونوا من المشركين *من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} (7)، ~~وقوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا (8) لست منهم في شيء} (9)، ~~وما أشبه ذلك من/ الآيات الدالة على التفرق الذي صاروا به شيعا، ومعنى: ~~صاروا شيعا؛ أي جماعات بعضهم قد فارق البعض، ليسوا على تآلف (ولا تعاضد ولا ~~تناصر) (10)، بل على ضد ذلك، فإن الإسلام واحد وأمره واحد، فاقتضى أن يكون ~~حكمه على الائتلاف التام لا على الاختلاف. # وهذه الفرقة مشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعداوة والبغضاء، ولذلك ~~PageV03P125 # قال: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} (1)، فبين أن (التآلف) (2) ~~إنما/ يحصل عند الائتلاف على التعلق بمعنى واحد، وأما إذا تعلق كل شيعة ~~بحبل غير ما تعلقت به الأخرى فلا بد من التفرق، وهو معنى قوله تعالى: {وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (3). # وإذا (تبين هذا تنزل) (4) عليه لفظ الحديث واستقام معناه، والله أعلم. ### | المسألة الثانية: # إن هذه الفرق إن كانت/ افترقت بسبب موقع في العداوة والبغضاء، فإما أن ~~يكون راجعا (إلى أمر) (5) هو معصية غير بدعة (ومثاله أن يقع بين أهل ~~الإسلام افتراق بسبب دنياوي) (6)، كما يختلف/ مثلا أهل قرية مع قرية أخرى ~~بسبب تعد في مال أو دم، حتى تقع بينهم العداوة فيصيروا حزبين، أو يختلفون ~~في تقديم وال (أو عزل وال) (7) أو غير ذلك (فيفترقون) (8)، ومثل هذا محتمل، ~~وقد يشعر به (من فارق الجماعة قيد شبر (فمات) (9) فميتته جاهلية) (10)، وفي ~~مثل (هذا) (11) جاء في الحديث: (إذا بويع الخليفتين) (12) فاقتلوا الآخر ~~منهما) (13)، وجاء في القرآن الكريم: {وإن PageV03P126 # طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} (1) إلى آخر القصة. # /وأما أن يرجع إلى أمر هو بدعة، كما افترق الخوارج (من) (2) الأمة ~~(ببدعهم) (3) التي بنوا عليها في الفرقة، وكالمهدي المغربي (4) الخارج ~~(على) (5) الأمة نصرا للحق في زعمه، فابتدع أمورا سياسية وغيرها خرج بها عن ~~السنة كما تقدمت ms473 الإشارة إليه/ قبل وهذا هو الذي تشير إليه الآيات المتقدمة ~~والأحاديث، لمطابقتها لمعنى الحديث، وإما أن يراد المعنيان معا. # فأما الأول فلا أعلم قائلا به، وإن كان (ممكنا في نفسه) (6) إذ لم أر ~~أحدا خص هذه (الفرقة) (7) بما إذا افترقت الأمة بسبب أمر (دنيوي) (8) لا ~~بسبب (بدعة) (9)، وليس ثم دليل يدل على التخصيص، لأن قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "من فارق الجماعة قيد شبر" (10) الحديث، لا يدل على الحصر، وكذلك ~~(إذا بويع (لخليفتين) فاقتلوا الآخر منهما) (11)، وقد اختلف العلماء في ~~المراد بالجماعة المذكورة في الحديث حسبما يأتي، فلم يكن (منهم قائل) (12) ~~بأن الفرقة المضادة للجماعة هي فرقة المعاصي غير البدع على الخصوص. # وأما الثالث، وهو أن يراد المعنيان معا، فذلك أيضا ممكن، إذ الفرقة ~~المنبه عليها قد تحصل بسبب (أمور دنيوية) (13) لا مدخل فيها للبدع وإنما ~~(هي) (14) معاص ومخالفات/ كسائر المعاصي، وإلى هذا المعنى يرشد قول ~~PageV03P127 # الطبري في تفسير الجماعة حسبما يأتي بحول الله ويعضده حديث الترمذي: ~~(ليأتين على أمتي (ما أتى على بني إسرائيل إلى أن قال: حتى إن كان منهم من ~~أتى أمه علانية لكان في أمتي) (1) من يصنع ذلك) (2) فجعل الغاية في اتباعهم ~~ما هو معصية كما ترى. # /وكذلك (قوله) (3) في الحديث الآخر: (لتتبعن سنن من كان قبلكم إلى قوله: ~~حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لاتبعتموهم) (4)، فجعل الغاية ما ليس ببدعة. # /وفي معجم البغوي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لكعب بن عجرة (5) رضي الله عنه: (أعاذك الله يا كعب بن عجرة (من) (6) إمارة ~~السفهاء قال: وما إمارة السفهاء؟ قال أمراء يكونون بعدي (لا) (7) يهتدون ~~بهديي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم،/ فأولئك ~~ليسوا مني (ولست) (8) منهم، ولا يردون علي (الحوض) (9)، ومن لم يصدقهم على ~~كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم، (وسيردون) (10) علي ~~الحوض) (11) الحديث. PageV03P128 # وكل من (لا يهتدي) (1) بهديه ولا يستن بسنته فإما إلى بدعة أو معصية، فلا ~~اختصاص بأحدهما، غير أن الأكثر ms474 في نقل أرباب الكلام وغيرهم أن الفرقة ~~المذكورة إنما هي بسبب الابتداع/ في الشرع على الخصوص، وعلى ذلك حمل الحديث ~~من تكلم عليه من العلماء، ولم يعدوا منها المفترقين بسبب المعاصي التي ليست ~~ببدع، وعلى ذلك يقع التفريع إن شاء الله. ### | المسألة الثالثة # إن هذه الفرق (تحتمل) (2) من جهة النظر أن يكونوا خارجين عن الملة بسبب ~~ما أحدثوا، فهم قد فارقوا أهل الإسلام بإطلاق، وليس ذلك إلا (إلى) (3) ~~الكفر، إذ ليس بين المنزلتين منزلة/ ثالثة تتصور. # /ويدل (على) (4) هذا الاحتمال ظواهر من القرآن والسنة، كقوله تعالى: {إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} (5)، وهي آية أنزلت عند ~~المفسرين في أهل البدع، ويوضحه (قراءة) (6) من قرأ: "إن الذين فارقوا ~~دينهم" (7)، والمفارقة للدين بحسب الظاهر إنما هي الخروج عنه، وقوله: {فأما ~~الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم} (8) الآية، وهي عند PageV03P129 # العلماء منزلة في أهل القبلة وهم أهل البدع (1)، وهذا كالنص (في الكفر) ~~(2)، إلى غير ذلك من الآيات. # وأما الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم ~~رقاب بعض" (3)، وهذا نص (أيضا) (4) في كفر من قيل ذلك فيه (5). PageV03P130 # وفسره الحسن بما تقدم (1) في قوله: (يصبح مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ~~ويصبح كافرا) (2) الحديث، وقوله عليه الصلاة والسلام في الخوارج: (دعه/ فإن ~~له (أصحابا) (3) يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون ~~القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ~~ينظر إلى نصله (4) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه (4) فلا يوجد فيه ~~شيء، ثم ينظر إلى نضيه (4) فلا يوجد فيه شيء وهو القدح (4) ثم ينظر إلى ~~قذذه (4) فلا يوجد فيه PageV03P131 # شيء (سبق) (1) الفرث والدم) (2)، فانظر إلى قوله: (سبق) (3) الفرث والدم. ~~فهو الشاهد/ على أنهم دخلوا في الإسلام (فلم) (4) يتعلق بهم منه شيء. # وفي رواية أبي ذر رضي الله عنه: ((سيكون) (5) بعدي من أمتي قوم يقرؤون ~~القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا ~~يعودون ms475 فيه، هم شر الخلق والخليقة) (6)، إلى/ غير ذلك من الأحاديث (التي ~~ظاهرها الخروج من الإسلام جملة. ولا (تقولن) (7) (إن) (8) هذه الأحاديث) ~~(9) إنما هي (في) (10) قوم بأعيانهم/ فلا حجة فيها على غيرهم، لأن العلماء ~~(استدلوا/ بها) (11) على جميع أهل الأهواء، كما استدلوا بالآيات. # وأيضا فالآيات إن دلت بصيغ عمومها فالأحاديث تدل بمعانيها لاجتماع الجميع ~~في العلة. # فإن قيل: الحكم بالكفر والإيمان راجع إلى (أحكام) (12) الآخرة، والقياس ~~لا يجري فيها. فالجواب: إن كلامنا في الأحكام (الدنيوية) (13) وهل (يحكم) ~~(14) لهم بحكم المرتدين أم لا؟ وإنما أمر الآخرة لله، لقوله PageV03P132 # تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم ~~إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون *} (1). # ويحتمل (ألا) (2) يكونوا خارجين عن الإسلام جملة، وإن كانوا قد خرجوا عن ~~جملة من شرائعه وأصوله. # ويدل على ذلك جميع ما تقدم فيما قبل هذا الفصل، فلا فائدة في الإعادة، ~~ويحتمل وجها ثالثا، وهو أن (يكون منهم من) (3) فارق الإسلام (لكون) (4) ~~مقالته (كفرا) (5) (أو) (6) تؤدي معنى الكفر (الصراح) (7)، ومنهم من (لم) ~~(8) يفارقه، بل انسحب عليه حكم الإسلام وإن عظم مقاله وشنع مذهبه، لكنه لم ~~يبلغ به مبلغ الخروج إلى الكفر المحض والتبديل/ الصريح. # ويدل على ذلك الدليل بحسب كل نازلة، وبحسب كل بدعة، إذ لا (شك) (9) في أن ~~البدع يصح أن يكون منها ما هو كفر كاتخاذ الأصنام لتقربهم إلى/ الله زلفى، ~~ومنها ما ليس بكفر كالقول بالجهة (10) عند جماعة، وإنكار (الإجماع وإنكار) ~~(11) القياس (12) / وما أشبه ذلك. PageV03P133 # ولقد فصل بعض (متأخري الأصوليين) (1) في التكفير تفصيلا في هذه الفرق، ~~فقال: ما كان من البدع راجعا إلى اعتقاد وجود إله مع الله، كقول السبائية ~~(2) في علي رضي الله عنه: إنه (الإله) (3)، أو (حلول) (4) الإله في بعض ~~أشخاص الناس كقول (الجناحية) (5): إن (الإله تبارك وتعالى) (6) له روح يحل ~~في بعض بني آدم ويتوارث، أو (إنكار رسالة) (7) /محمد صلى الله عليه وسلم ~~كقول الغرابية (8): إن جبريل غلط في الرسالة فأداها إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعلي PageV03P134 # كان ms476 صاحبها، أو استباحة (شيء من) (1) المحرمات وإسقاط الواجبات، وإنكار ~~ما جاء به الرسول كأكثر الغلاة من/ الشيعة (2)، (فمما) (3) لا يختلف ~~المسلمون في التكفير به، وما سوى ذلك من المقالات فلا يبعد أن يكون معتقدها ~~(مبتدعا) / غير كافر. # واستدل على ذلك بأمور كثيرة لا حاجة إلى إيرادها، ولكن الذي كنا نسمعه من ~~الشيوخ أن (مذهب) (4) المحققين من أهل الأصول: أن الكفر بالمآل ليس بكفر في ~~الحال (5). كيف (والكافر) (6) ينكر ذلك المآل أشد الإنكار ويرمي مخالفه به، ~~(فلو) (7) تبين له وجه (لزوم) (8) الكفر من مقالته لم يقل بها على حال. # /وإذا تقرر نقل الخلاف فلنرجع إلى ما يقتضيه الحديث الذي نحن (بصدد شرحه) ~~(9) من هذه (المقالات) (10). # أما ما صح منه فلا دليل (فيه) (11) على شيء، لأنه ليس فيه إلا تعديد ~~الفرق خاصة. وأما على رواية من قال في حديثه: (كلها في النار إلا واحدة) ~~(12)، فإنما يقتضي إنفاذ الوعيد ظاهرا، ويبقى الخلود وعدمه مسكوتا ~~PageV03P135 # عنه، فلا دليل فيه على شيء مما أردنا، إذ الوعيد بالنار قد يتعلق بعصاة ~~المؤمنين (كما) (1) يتعلق بالكفار على الجملة، وإن تباينا في التخليد ~~وعدمه. ### | المسألة الرابعة: # إن هذه الأقوال المذكورة آنفا مبنية على أن الفرق المذكورة في الحديث هي ~~المبتدعة في قواعد العقائد على الخصوص، كالجبرية (2) والقدرية (3) والمرجئة ~~(4) وغيرها وهو مما ينظر فيه، فإن إشارة القرآن والحديث تدل على عدم ~~الخصوص، وهو رأي الطرطوشي (5)، أفلا ترى إلى قوله تعالى: {فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} (6)، و (ما) في قوله ~~تعالى: {ما تشابه}، لا تعطي/ خصوصا في اتباع المتشابه لا في قواعد العقائد، ~~ولا في (غيرها) (7)، بل الصيغة تشمل ذلك كله، فالتخصيص تحكم. # وكذلك قوله/ تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} ~~(8)، فجعل ذلك (التفرق) (9) في الدين ولفظ الدين، يشمل العقائد وغيرها، ~~وقوله: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله} (10)، فالصراط المستقيم هو الشريعة على العموم، (وبيانه) (11) ما ~~تقدم في السورة من تحريم ما ذبح ms477 لغير الله وتحريم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وغيره، وإيجاب الزكاة/ كل ذلك على أبدع نظم وأحسن سياق. ~~PageV03P136 # /ثم قال تعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} ~~(1)، فذكر (أشياء من) (2) القواعد وغيرها، فابتدأ بالنهي عن الإشراك، ثم ~~الأمر ببر الوالدين، ثم النهي عن قتل الأولاد، ثم عن الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن، ثم عن قتل النفس بإطلاق، ثم عن أكل مال اليتيم، ثم الأمر بتوفية ~~الكيل والوزن، ثم العدل في القول، ثم الوفاء بالعهد. # ثم ختم ذلك (بقوله) (3): {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا/ ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله} (4)، فأشار إلى ما تقدم ذكره من أصول الشريعة/ ~~وقواعدها الضرورية، ولم يخص ذلك بالعقائد، فدل على أن إشارة الحديث لا تختص ~~بها دون غيرها. # وفي حديث الخوارج ما يدل (عليه) (5) أيضا فإنه ذمهم بعد أن ذكر أعمالهم، ~~وقال في جملة ما ذمهم به: (يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم) (6)، فذمهم ~~بترك التدبر والأخذ بظواهر المتشابهات، كما قالوا: حكم (الرجال) (7) في دين ~~الله، والله يقول: {إن الحكم إلا لله} (8). # وقال أيضا: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، فذمهم بعكس ما عليه ~~الشرع، لأن الشريعة جاءت بقتل الكفار والكف عن المسلمين/ وكلا الأمرين غير ~~مخصوص بالعقائد. # فدل على أن الأمر على العموم لا على الخصوص، (وجاء) (9) فيما رواه نعيم ~~بن حماد في هذا الحديث: (أعظمها فتنة الذين (يقيسون) (10) الأمور برأيهم ~~فيحلون الحرام ويحرمون الحلال) (11)، وهذا نص في أن ذلك العدد لا يختص بما ~~قالوا من العقائد. PageV03P137 # واستدل الطرطوشي على أن البدع لا تختص بالعقائد بما جاء عن الصحابة ~~والتابعين وسائر العلماء من تسميتهم الأقوال والأفعال بدعا إذا خالفت ~~الشريعة،/ ثم أتى بآثار كثيرة كالذي رواه مالك عن عمه أبي/ سهيل (بن مالك) ~~(1) عن أبيه (2) أنه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء ~~بالصلاة (3). يعني بالناس الصحابة رضي الله عنهم، وذلك أنه أنكر أكثر أفعال ~~عصره، ورآها مخالفة لأفعال الصحابة رضي الله عنهم. # وكذلك أبو الدرداء ms478 (سأله) (4) رجل فقال: رحمك الله لو أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين أظهرنا هل/ ينكر شيئا مما نحن عليه؟ فغضب واشتد غضبه، ~~ثم قال: وهل (كان) (5) يعرف شيئا مما أنتم عليه؟ (6). # وفي البخاري عن أم الدرداء (7) قالت: دخل أبو الدرداء مغضبا، فقلت له: ما ~~لك؟ فقال: والله ما أعرف (منهم من) (8) أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا (9). ~~وذكر جملة من أقاويلهم في هذا المعنى مما يدل على أن مخالفة السنة في ~~الأفعال قد ظهرت. # وفي مسلم قال مجاهد (10): دخلت أنا وعروة بن الزبير (11) المسجد ~~PageV03P138 # فإذا عبد الله بن عمر (مستند) (1) إلى حجرة عائشة رضي الله عنها، وإذا ~~(ناس) (2) في المسجد يصلون الضحى، فقلنا: ما هذه الصلاة؟ فقال: بدعة (3). # قال الطرطوشي: (محمله عندنا) (4) على أحد وجهين: إما (إنهم) (5) (كانوا) ~~(6) يصلونها جماعة، (وإما أفذاذا) (7) على هيئة النوافل في أعقاب الفرائض ~~(8). # وذكر أشياء من البدع القولية (والفعلية) (9) مما نص العلماء على/ أنها ~~بدع، فصح أن البدع لا تختص بالعقائد (10)، وقد تقررت هذه المسألة في كتاب ~~الموافقات (11) بنوع آخر من التقرير. # نعم ثم معنى آخر ينبغي أن يذكر هنا، وهي: ### | المسألة الخامسة: # وذلك/ أن هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي ~~في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي ~~والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعا، وإنما ينشأ ~~التفرق عند/ وقوع المخالفة في الأمور الكلية، لأن (الكليات) (12) ~~PageV03P139 # (تضم) (1) من الجزئيات غير قليل، (وشأنها) (2) في الغالب أن لا (تختص) ~~(3) بمحل دون (محل) (4)، ولا بباب دون باب. # واعتبر ذلك بمسألة التحسين العقلي، فإن المخالفة فيها أنشأت بين ~~المخالفين خلافا في (الفروع) (5) لا تنحصر، ما بين فروع عقائد وفروع أعمال. # ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا (أكثر) (6) من ~~إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة، كما تصير ~~القاعدة الكلية معارضة أيضا،/ وأما الجزئي فبخلاف ذلك، بل يعد (وقوع) (7) ~~ذلك من المبتدع له كالزلة والفلتة، وإن كانت زلة ms479 العالم مما يهدم الدين، ~~حيث قال عمر بن الخطاب/ رضي الله عنه: ثلاث (يهدمن) (8) الدين: زلة عالم، ~~وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون (9). # ولكن إذا قرب موقع الزلة لم يحصل بسببها تفرق في الغالب/ ولا هدم للدين، ~~بخلاف الكليات. # فأنت ترى (موقع) (10) اتباع المتشابهات كيف هو في الدين إذا كان ~~(اتباعها) (11) مخلا بالواضحات وهي أم الكتاب وكذلك عدم تفهم القرآن موقع ~~في الإخلال بكلياته وجزئياته (معا) (12). PageV03P140 # /وقد ثبت أيضا للكفار بدع فرعية، ولكنها في الضروريات وما (قاربها) (1)، ~~كجعلهم لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، ولشركائهم نصيبا، ثم فرعوا ~~عليه أن ما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله وصل إلى شركائهم، ~~وتحريمهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي (2)، وقتلهم أولادهم سفها بغير ~~علم، وترك/ العدل في القصاص والميراث، والحيف في النكاح والطلاق، وأكل مال ~~اليتيم على نوع من الحيل، إلى أشباه ذلك مما نبه عليه الشرع وذكره العلماء، ~~حتى صار التشريع ديدنا لهم، وتغيير ملة إبراهيم عليه السلام سهلا عليهم، ~~فأنشأ ذلك أصلا مضافا إليهم وقاعدة رضوا بها، وهي التشريع المطلق (بالهوى) ~~(3)، ولذلك لما نبههم الله تعالى على (قيام) (4) الحجة عليهم بقوله تعالى: ~~{قل آلذكرين حرم أم الأنثيين} (5)، قال فيها: {نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} ~~(6)، فطالبهم بالعلم الذي شأنه أن لا يشرع إلا حقا، وهو علم الشريعة لا ~~غيره، ثم قال تعالى: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} (7)، تنبيها (لهم) ~~(8) على أن هذا ليس مما شرعه في ملة إبراهيم، (ثم) (9) قال:/ {فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم} (10)، (فثبت) (11) أن هذه الفرق ~~إنما افترقت (بسبب) (12) أمور كلية اختلفوا فيها، والله أعلم. PageV03P141 ### | المسألة السادسة: # إنا إذا قلنا بأن هذه الفرق (كلها) (1) كفار على قول من قال به أو ~~ينقسمون إلى كافر وغيره فكيف يعدون من الأمة؟ وظاهر الحديث يقتضي أن ذلك ~~الافتراق إنما هو مع كونهم من الأمة، وإلا فلو خرجوا من الأمة/ إلى الكفر ~~لم يعدوا منها ألبتة كما تبين وكذلك الظاهر في فرق اليهود/ ms480 والنصارى، أن ~~التفرق فيهم حاصل مع كونهم هودا ونصارى؟ # فيقال في الجواب عن هذا السؤال: إنه يحتمل أمرين: # أحدهما: (أن) (2) نأخذ الحديث على ظاهره في كون هذه الفرق من الأمة، ومن ~~أهل القبلة، ومن قيل بكفره منهم، فإما أن (نسلم) (3) فيهم هذا القول فلا ~~(نجعلهم) (4) من الأمة أصلا ولا أنهم/ مما يعدون في الفرق، وإنما نعد منهم ~~من (لم) (5) تخرجه بدعته إلى كفر، فإن قال بتكفيرهم جميعا، فلا (نسلم) (6) ~~أنهم (المرادون) (7) بالحديث على ذلك التقدير، وليس في حديث الخوارج نص على ~~أنهم من الفرق (الداخلة) (8) في الحديث، بل نقول: المراد بالحديث فرق لا ~~تخرجهم بدعهم عن الإسلام، فليبحث عنهم. # وإما أن (لا نتبع) (9) المكفر في إطلاق القول بالتكفير، ونفصل الأمر إلى ~~نحو مما فصله صاحب القول الثالث (ونخرج) (10) من العدد من حكمنا بكفره، ولا ~~يدخل تحت عمومه إلا ما سواه مع غيره ممن لم (يذكر) (11) في تلك العدة. ~~PageV03P142 # والاحتمال الثاني: أن نعدهم من الأمة على (طريقة) (1) لعلها تتمشى في ~~الموضع، وذلك أن كل فرقة (من الفرق) (2) (تدعي) (3) الشريعة، (وأنها) (4) ~~على صوبها وأنها (المتبعة لها) (5) وتتمسك بأدلتها، وتعمل على ما ظهر لها ~~من (طريقها) (6)، و (هي) (7) تناصب العداوة من (نسبها) (8) إلى الخروج ~~عنها، وترمى بالجهل وعدم العلم من ناقضها، لأنها تدعي أن ما ذهبت إليه هو ~~الصراط المستقيم دون غيره، وبذلك يخالفون من خرج عن الإسلام، لأن المرتد ~~إذا نسبته إلى الارتداد أقر به ورضيه ولم يسخطه، ولم يعادك (لتلك) (9) ~~(النسبة) (10)، كسائر اليهود والنصارى، وأرباب النحل المخالفة للإسلام. # بخلاف هؤلاء الفرق فإنهم مدعون// (المؤالفة) (11) للشارع والرسوخ في ~~اتباع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنما وقعت العداوة بينهم وبين أهل ~~السنة بسبب ادعاء بعضهم على بعض الخروج عن السنة، ولذلك تجدهم مبالغين في ~~العمل والعبادة، حتى (قال بعض الناس) (12): أشد الناس عبادة مفتون. # والشاهد لهذا كله مع اعتبار الواقع حديث الخوارج،/ فإنه قال عليه الصلاة ~~والسلام: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم/ مع صيامهم، وأعمالكم/ مع ~~أعمالهم" (13)،/ وفي رواية: (يخرج من أمتي ms481 قوم يقرأون القرآن، ليس قراءتكم ~~من قراءتهم بشيء ولا صلاتكم (من) (14) صلاتهم بشيء، (ولا صيامكم (من) (15) ~~صيامهم بشيء) (16)، وهذه شدة PageV03P143 # المثابرة على العمل به، ومن ذلك قولهم كيف يحكم الرجال والله يقول: {إن ~~الحكم إلا لله} (1)، ففي ظنهم أن الرجال لا يحكمون بهذا الدليل، ثم قال ~~عليه الصلاة والسلام: يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز ~~(صلاتهم) (2) تراقيهم) (3). # فقوله صلى الله عليه وسلم: "يحسبون أنه لهم" واضح فيما قلنا، (من) (4) ~~إنهم يطلبون اتباعه بتلك الأعمال ليكونوا من أهله، وليكون حجة (لهم) (5)، ~~فحين (حرفوا) (6) تأويله وخرجوا عن الجادة (فيه) (7) كان عليهم لا لهم. # وفي معنى ذلك من قول ابن مسعود رضي الله عنه قال: (وستجدون أقواما يزعمون ~~أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، عليكم بالعلم وإياكم ~~(والتبدع) (8) والتعمق، وعليكم بالعتيق) (9)، فقوله: يزعمون كذا، دليل على ~~أنهم على الشرع فيما يزعمون. # ومن الشواهد أيضا حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن ~~شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا قالوا: يا رسول الله/ ألسنا ~~(إخوانك) (10)؟ / قال: بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا ~~PageV03P144 # (فرطهم) (1) على الحوض. قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من ~~أمتك؟ قال: (أرأيت) (2) لو كان (لرجل) (3) خيل غر محجلة في خيل دهم بهم، ~~ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرا ~~محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد ~~البعير الضال، أناديهم: ألا هلم ألا هلم، فيقال: (إنهم) (4) قد بدلوا بعدك، ~~فأقول: فسحقا فسحقا (5). # فوجه الدليل من الحديث أن قوله: (فليذادن رجال عن حوضي) إلى قوله: ~~(أناديهم ألا هلم) مشعر بأنهم من أمته، وأنه عرفهم، وقد بين (أنه يعرفهم) ~~(6) / بالغرر والتحجيل، فدل على أن هؤلاء الذين دعاهم وقد كانوا بدلوا ذو ~~غرر وتحجيل وذلك من خاصية هذه الأمة/ فبان أنهم ms482 معدودون من الأمة، ولو حكم ~~لهم بالخروج من الأمة لم يعرفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة أو ~~تحجيل لعدمه عندهم. # ولا علينا أقلنا: إنهم (قد) (7) خرجوا ببدعتهم عن الأمة أو لا، إذا ~~أثبتنا لهم وصف الانحياش إليها. # وفي الحديث الآخر: ((فيؤخذ) (8) بقوم منكم ذات الشمال، فأقول: يا رب ~~أصحابي. قال: فيقال: (إنك) (9) لا تدري ما أحدثوا (بعدك) (10)، فأقول كما ~~قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} إلى قوله: PageV03P145 # {العزيز الحكيم} (1)، قال: فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم ~~يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ/ فارقتهم) (2). # /فإن كان المراد (بأصحابه) (3) الأمة، فالحديث موافق لما قبله (في ~~المعنى) (4) (وهو) (5): (كذلك إن شاء الله، وإن كان اللفظ يعطي أن الأصحاب ~~هم الذين لقوه صلى الله عليه وسلم لأجل قوله في الحديث قبله) (6): (بل أنتم ~~أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد)، فلا بد من تأويله على أن الأصحاب ~~يعني بهم من آمن به في حياته وإن لم يره، ويصدق لفظ المرتدين على أعقابهم ~~على (المرتدين) (7) / بعد موته (أو مانعي) (8) الزكاة تأويلا على أن أخذها/ ~~إنما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، فإن عامة أصحابه (الذين) (9) ~~رأوه وأخذوا عنه (برءاء) (10) من ذلك رضي الله عنهم. ### | المسألة السابعة: # في تعيين (هذه) (11) الفرق: # وهي مسألة كما قال الطرطوشي (12) طاشت فيها أحلام الخلق، فكثير ممن تقدم ~~وتأخر من العلماء عينوها، (لكن في الطوائف التي خالفت في مسائل العقائد، ~~فمنهم من عد أصولها ثمانية) (13)، فقال: كبار الفرق الإسلامية ثمانية ~~المعتزلة، والشيعة، والخوارج، والمرجئة، والنجارية، والجبرية، والمشبهة، ~~والناجية. # /فأما المعتزلة فافترقوا إلى عشرين فرقة وهم: (الواصلية) (14)، ~~PageV03P146 # والعمرية (1)، والهذيلية (2)، (والنظامية) (3)، والأسوارية (4)، ~~والإسكافية (5)، والجعفرية (6) (والبشرية) (7)، والمردارية (8)، والهشامية ~~(9)، والصالحية (10)، (والخطابية) (11) (والحدثية) (12)، والمعمرية (13)، ~~والثمامية (14)، والخياطية (15)، والجاحظية (16)، والكعبية (17)، والجبائية ~~(18)، (والبهشمية) (19). # وأما الشيعة فانقسموا/ أولا ثلاث فرق: غلاة، وزيدية، وإمامية. # فالغلاة ثمان عشرة فرقة وهم: (السبائية) (20)، والكاملية (21)، ~~والبيانية، والمغيرية (22)، والجناحية (23)، والمنصورية (24)، والخطابية ~~(25) (والغرابية) (26)، والذمية (27)، (والهشامية) (28)، والزرارية (29)، ~~PageV03P147 # واليونسية (1)،/ والشيطانية (2)، والرزامية، والمفوضة (3)، والبدائية ~~(4)، (والنصيرية) (5)، والإسماعيلية (6) وهم: الباطنية (7)، والقرمطية (8)، ~~والخرمية، والسبعية (9)، والبابكية ms483 (10)، (والمحمرة) (11). # وأما الزيدية فهم ثلاث فرق: الجارودية (12)، والسليمانية، والبترية. # وأما الإمامية ففرقة واحدة، فالجميع ثنتان وأربعون فرقة. # وأما الخوارج فسبع فرق، وهم: (المحكمة) (13)، والبيهسية، والأزارقة (14)، ~~(والنجدات والصفرية) (15)، والأباضية (أربع فرق وهم) (16): الحفصية (17)، ~~واليزيدية (18)، (والحارثية) (19)، والمطيعية (20). # //وأما العجاردة فإحدى عشر فرقة وهم: الميمونية (21)، PageV03P148 # والشعيبية (1)، (والحازمية) (2)، (والحمزية) (3)، والمعلومية، ~~(والمجهولية، والصلتية) (4)، والثعلبية (5) أربع فرق وهم: الأخنسية، ~~والمعبدية (6)، والشيبانية،/ والمكرمية، (فالجميع اثنان وستون) (7). # وأما المرجئة فخمس (فرق) (8) وهم: العبيدية، واليونسية، والغسانية،/ ~~والثوبانية (9)، (والتومنية) (10). # وأما النجارية فثلاث فرق وهم: (البرغوثية) (11)، والزعفرانية (12)، ~~(والمستدركة) (13). # وأما الجبرية ففرقة واحدة، وكذلك المشبهة. # فالجميع اثنتان وسبعون فرقة، فإذا أضيفت الفرقة الناجية إلى عدد الفرق ~~صار الجميع ثلاثا وسبعين فرقة. # وهذا التعديد بحسب ما أعطته المنة في تكلف المطابقة للحديث الصحيح، لا ~~على القطع بأنه المراد، إذ ليس على ذلك دليل شرعي، ولا دل العقل أيضا على ~~انحصار ما (ذكروه) (14) في تلك العدة من غير زيادة ولا نقصان، كما أنه لا ~~دليل على اختصاص تلك البدع بالعقائد (15). PageV03P149 # وقال جماعة من العلماء: أصول البدع أربعة، وسائر الثنتين والسبعين فرقة ~~عن هؤلاء (تفرقوا) (1)، وهم: الخوارج، والروافض،/ والقدرية، والمرجئة (2). # /قال يوسف بن أسباط (3): ثم تشعبت كل فرقة ثمان عشرة فرقة: فتلك ثنتان ~~وسبعون فرقة، والثالثة والسبعون هي الناجية (4). # وهذا التقدير نحو من الأول، ويرد عليه من الإشكال ما ورد على الأول. # فشرح ذلك الشيخ (أبو بكر) (5) الطرطوشي رحمه الله شرحا يقرب الأمر، فقال ~~(6): لم يرد علماؤنا بهذا التقدير أن أصل كل بدعة من هذه الأربع (تفرقت) ~~(7) وتشعبت على مقتضى أصل البدع// حتى (كملت) (8) PageV03P150 # (تلك العدة، لأن) (1) ذلك لعله (لم) (2) يدخل في الوجود إلى الآن، قال: ~~وإنما أرادوا أن كل بدعة (وضلالة) (3) لا تكاد توجد إلا في هذه الفرق ~~الأربع، وإن لم تكن البدعة الثانية فرعا للأولى ولا شعبة من شعبها، بل هي ~~بدعة مستقلة بنفسها ليست من الأولى بسبيل. # ثم بين ذلك بالمثال بأن القدر أصل من أصول البدع، ثم اختلف أهله في مسائل ~~من شعب القدر، وفي مسائل لا تعلق لها بالقدر، فجميعهم ms484 متفقون على أن أفعال ~~العباد مخلوقة لهم من دون الله تعالى. # ثم اختلفوا في فرع من فروع القدر، فقال أكثرهم: لا يكون فعل بين فاعلين. # (وقال بعضهم) (4): يجوز فعل بين فاعلين) (5) مخلوقين على التولد (6). ~~وأحال مثله بين القديم والمحدث (7). # ثم اختلفوا فيما لا يعود إلى القدر في مسائل كثيرة، كاختلافهم في الصلاح ~~والأصلح (8)، فقال البغداديون منهم: يجب على الله PageV03P151 # (تعالى) (1) ( تعالى الله عن قولهم ) (2) فعل (الأصلح) (3) لعباده في ~~دينهم (ودنياهم) (4). (قالوا: وواجب على الله تعالى) (5) ابتداء الخلق ~~الذين علم أنه يكلفهم، ويجب عليه إكمال عقولهم وأقدارهم وإزاحة عللهم. # وقال (البصريون) (6) منهم: لا يجب على الله تعالى إكمال عقولهم ولا أن ~~يؤتيهم أسباب التكليف. # /وقال البغداديون منهم: يجب على الله (تعالى الله عن قولهم) (7) عقاب ~~العصاة/ إذا لم يتوبوا. والمغفرة من غير توبة سفه من الغافر (8). ~~PageV03P152 # (وأبى البصريون ذلك) (1). # وابتدع جعفر بن (مبشر) (2) (فقال) (3): (من) (4) (استحضر) (5) امرأة ~~ليتزوجها فوثب عليها فوطئها بلا ولي ولا شهود ولا رضى/ ولا عقد حل له ذلك، ~~وخالفه في ذلك سلفه. # وقال ثمامة بن أشرس (6): إن الله تعالى يصير الكفار والملحدين وأطفال ~~المشركين والمؤمنين والمجانين ترابا يوم القيامة لا يعذبهم ولا (يعرضهم) ~~(7). # وهكذا (8) ابتدعت كل فرقة من هذه الفرق بدعا تتعلق بأصل بدعتها التي هي ~~معروفة بها، وبدعا لا تعلق لها بها. # فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد بتفرق أمته أصول (البدع) (9) ~~التي تجري مجرى الأجناس للأنواع، والمعاقد للفروع (فلعلهم) (10) والعلم عند ~~الله ما (بلغوا) (11) هذا/ العدد إلى الآن، غير أن الزمان باق والتكليف ~~(قائم) (12) PageV03P153 # والخطرات متوقعة، وهل قرن أو عصر يخلو إلا وتحدث فيه البدع؟. # وإن كان أراد/ بالفرق كل بدعة حدثت في دين الإسلام مما لا يلائم أصول ~~الإسلام ولا تقبلها قواعده من غير التفات إلى التقسيم الذي ذكرنا، كانت ~~البدع أنواعا لأجناس، (ولو) (1) كانت متغايرة الأصول والمباني. # فهذا هو الذي أراده عليه الصلاة والسلام والعلم عند الله تعالى فقد وجد ~~من ذلك (عدة) (2) (أكثر من اثنين وسبعين) (3). # /ووجه (تصحيح الحديث) ms485 (4) على هذا، أن (يخرج) (5) من الحساب غلاة أهل ~~البدع، ولا يعدون من الأمة، ولا في أهل القبلة، كنفاة الأعراض (6) من ~~القدرية لأنه لا طريق (إلى معرفة حدوث) (7) العالم وإثبات الصانع إلا بثبوت ~~الأعراض (8)، وكالحلولية (9) (والنصيرية) (10) وأشباههم من الغلاة. ~~PageV03P154 # هذا ما قال الطرطوشي رحمه الله تعالى، وهو حسن من التقرير، غير أنه يبقى ~~للنظر في كلامه مجالان: # أحدهما: أن ما (اختاره) (1) من أنه ليس المراد الأجناس (وإنما) (2) مراده ~~(مجرد) (3) أعيان البدع وقد ارتضى اعتبار البدع القولية والعملية فمشكل، ~~لأنا إذا اعتبرنا كل بدعة دقت أو جلت فكل من ابتدع (بدعة) (4) كيف (ما كانت ~~بدعته) (5) لزم أن يكون هو ومن تابعه عليها فرقة، فلا (يقف العدد) (6) في ~~مائة ولا (في) (7) مائتين، فضلا عن (وقوفها) (8) في اثنتين وسبعين (فرقة) ~~(9)، (فإن) (10) البدع كما قال لا تزال تحدث مع مرور الأزمنة إلى قيام ~~الساعة. # وقد مر من النقل ما يشعر بهذا المعنى، وهو قول ابن عباس: "ما من عام إلا ~~والناس يحيون فيه/ بدعة ويميتون فيه سنة، حتى تحيى البدع وتموت السنن" ~~(11). # وهذا موجود في الواقع، فإن البدع (مذ) (12) نشأت إلى الآن (لا) (13) تزال ~~تكثر، وإن فرضنا إزالة/ بدع الزائغين في العقائد كلها، لكان الذي يبقى أكثر ~~من اثنتين وسبعين فما قاله والله أعلم غير مخلص. # والثاني: أن حاصل كلامه أن هذه الفرق لم تتعين بعد، بخلاف القول ~~PageV03P155 # المتقدم، وهو أصح في النظر، لأن ذلك التعيين ليس عليه دليل، والعقل لا ~~يقتضيه، وأيضا (فللمنازع) (1) أن يتكلف من مسائل الخلاف التي بين الأشعرية ~~(2) في قواعد العقائد فرقا يسميها ويبرئ نفسه وفرقته عن ذلك المحظور. ~~فالأولى/ ما قاله من عدم (التعيين) (3)، وإن سلمنا (أن) (4) الدليل قام له ~~على ذلك فلا ينبغي (أيضا) (5) التعيين. # أما أولا: فإن الشريعة قد فهمنا منها أنها تشير إلى/ أوصافهم من غير ~~تصريح ليحذر منها، ويبقى الأمر في تعيين الداخلين في مقتضى الحديث مرجى، ~~وإنما ورد التعيين في النادر كما قال صلى الله عليه وسلم في الخوارج (إن من ~~ضئضئ هذا قوما يقرؤون ms486 القرآن لا يجاوز حناجرهم، (يقتلون أهل الإسلام ويدعون ~~أهل الأوثان) (6)) (7) الحديث، مع أنه عليه الصلاة والسلام لم يعرف أنهم ~~ممن شملهم حديث الفرق. وهذا الفصل مبسوط في كتاب الموافقات (8) والحمد لله. # وأما ثانيا: فلأن عدم التعيين هو الذي ينبغي أن يلتزم/ ليكون سترا على ~~الأمة كما سترت عليهم قبائحهم فلم يفضحوا في الدنيا (بها) (9) في الغالب، ~~وأمرنا بالستر على (المذنبين) (10) ما لم (يبدوا) (11) لنا صفحة الخلاف، ~~ليس كما ذكر عن بني إسرائيل أنهم كانوا إذا أذنب أحدهم ليلا أصبح وعلى بابه ~~معصيته مكتوبة (12)، وكذلك في شأن قربانهم، فإنهم كانوا إذا قربوا لله ~~قربانا فإن كان مقبولا عند الله نزلت (نار) (13) من السماء فأكلته، ~~PageV03P156 # وإن لم يكن مقبولا لم تأكله النار (1)، وفي ذلك افتضاح المذنب. ومثل ذلك ~~في الغنائم (2) أيضا، فكثير من هذه الأشياء خصت (هذه) (3) الأمة/ بالستر ~~فيها. # وأيضا فللستر حكمة أخرى، وهي أنها لو أظهرت مع أن أصحابها من الأمة لكان ~~في ذلك داع إلى الفرقة وعدم الألفة التي أمر الله ورسوله بها، حيث قال ~~تعالى: {واعتصموا بحبل الله/ جميعا ولا تفرقوا} (4)، وقال تعالى: {فاتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم} (5)، وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} (6)، وفي الحديث: (لا تحاسدوا ولا ~~تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا) (7) وأمر صلى الله عليه وسلم ~~بإصلاح ذات البين، وأخبر أن فساد ذات البين هي الحالقة التي تحلق الدين ~~(8). PageV03P157 # /فإذا كان من مقتضى العادة أن التعريف بهم على التعيين يورث العداوة ~~(بينهم) (1) والفرقة لزم من ذلك أن يكون منهيا عنه، إلا أن تكون البدعة ~~فاحشة (جدا) (2) كبدعة الخوارج (فلا إشكال في جواز إبدائها وتعيين أهلها، ~~لكن كما عين رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج) (3) / وذكرهم بعلامتهم ~~حتى يعرفوا، ويلحق بذلك ما هو مثله في الشناعة أو قريب منه بحسب نظر ~~المجتهد، وما عدا ذلك فالسكوت (عن تعيينه) (4) أولى. # وخرج أبو داود عن (عمرو بن أبي قرة) (5) قال: كان حذيفة بالمدائن/ فكان ~~يذكر أشياء قالها رسول الله ms487 صلى الله عليه وسلم لأناس من أصحابه في الغضب/ ~~فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة، فيقول ~~سلمان: حذيفة أعلم بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة فيقولون (له) (6): قد ذكرنا ~~قولك (لسلمان) (7) فما صدقك ولا كذبك. فأتى حذيفة سلمان وهو في مبقلة فقال: ~~يا سلمان، ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب فيقول (في الغضب) (8) لناس من ~~أصحابه، ويرضى فيقول في الرضى (لناس من أصحابه) (9)، أما تنتهي حتى تورث ~~رجالا حب رجال ورجالا بغض رجال، وحتى توقع اختلافا وفرقة؟ ولقد علمت أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب (الناس) (10) فقال: (أيما رجل (من أمتي) ~~(11) سببته سبة أو لعنته لعنة (في غضبي" (12) فإنما أنا PageV03P158 # من ولد آدم أغضب/ كما يغضبون، وإنما بعثني الله رحمة للعالمين فاجعلها ~~عليهم صلاة يوم القيامة) فوالله (لتنتهين) (1) أو لأكتبن إلى عمر (2). # فتأملوا ما أحسن هذا الفقه من سلمان رضي الله عنه، وهو جار في مسألتنا، ~~فمن هنا لا ينبغي للراسخ في العلم أن يقول: هؤلاء الفرق هم بنو فلان وبنو ~~فلان، وإن كان يعرفهم بعلامتهم بحسب اجتهاده، اللهم إلا في موطنين: # أحدهما: حيث/ نبه الشرع على تعيينهم كالخوارج، فإنه ظهر من استقرائه أنهم ~~متمكنون (في الدخول) (3) تحت حديث الفرق، ويجري مجراهم من سلك سبيلهم، فإن ~~أقرب الناس إليهم شيعة المهدي المغربي، فإنه ظهر فيهم الأمران اللذان عرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم بهما (في) (4) الخوارج من أنهم يقرؤون القرآن لا ~~يجاوز حناجرهم، وأنهم يقتلون (أهل) (5) الإسلام ويدعون أهل الأوثان، فإنهم ~~أخذوا أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه حتى ابتدعوا فيه ثم لم يتفقوا فيه، ولا ~~عرفوا مقاصده، ولذلك (اطرحوا) (6) كتب العلماء وسموها/ كتب الرأي وخرقوها ~~ومزقوا أدمها، مع أن الفقهاء هم الذين بينوا في كتبهم معاني الكتاب والسنة ~~على الوجه الذي ينبغي، وأخذوا في قتال أهل الإسلام بتأويل/ فاسد، زعموا ~~عليهم أنهم مجسمون وأنهم غير موحدين، وتركوا ms488 الانفراد بقتال أهل الكفر من ~~النصارى المجاورين لهم وغيرهم. # فقد اشتهر في الأخبار/ والآثار ما كان من خروجهم على علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه/ وعلى من بعده كعمر بن عبد العزيز رحمه الله وغيره، PageV03P159 # حتى لقد روي في حديث خرجه البغوي في معجمه عن حميد بن هلال (1) أن عبادة ~~بن قرط (2) غزا (مرة) (3) فمكث في غزاته تلك ما شاء الله، ثم رجع (حتى إذا ~~كان قريبا من الأهواز سمع صوت أذان، فقال: والله ما لي عهد بالصلاة) (4) مع ~~(جماعة) (5) المسلمين منذ زمان، فقصد نحو الأذان يريد الصلاة فإذا هو ~~بالأزارقة (وهم) (6) صنف من الخوارج فلما رأوه قالوا (له) (7): ما جاء بك ~~يا عدو الله؟ قال: ما أنتم يا إخوتي؟ قالوا: أنت أخو الشيطان/ لنقتلك، قال: ~~أما ترضون مني بما رضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم (مني) (8)، قالوا: ~~وأي شيء رضي به منك؟ قال: أتيته وأنا كافر (فشهدني) (9) أن لا إله إلا الله ~~وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخلى عني قال فأخذوه فقتلوه (10). # وأما عدم فهمهم للقرآن فقد تقدم بيانه، وقد جاء في القدرية حديث خرجه أبو ~~داود عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) ~~(11). PageV03P160 # وعن حذيفة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال) (1): (لكل أمة ~~مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا ~~(جنازته) (2)، ومن مرض منهم فلا (تعودوه) (3)،/ وهم شيعة الدجال، وحق على ~~الله أن يلحقهم بالدجال) (4). وهذا الحديث غير صحيح عند أهل النقل، قال ~~صاحب المغني: (إنه) (5) لم يصح في ذلك شيء (6). # نعم قول ابن عمر ليحيى بن يعمر حين أخبره أن القول بالقدر قد ظهر: إذا ~~لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وهم برآء مني، ثم استدل بحديث جبريل (7)، ~~صحيح لا إشكال في صحته. PageV03P161 # وخرج أبو داود أيضا من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ms489 عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم (قال) (1): (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم) (2)، ولم ~~يصح أيضا. # وخرج ابن وهب عن زيد بن علي (3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"صنفان من أمتي لا سهم (لهم) (4) في الإسلام يوم القيامة: المرجئة ~~والقدرية) (5). # وعن معاذ بن جبل وغيره يرفعه قال: (لعنت القدرية والمرجئة على ~~PageV03P162 # لسان سبعين نبيا آخرهم محمد/ صلى الله عليه وسلم) (1). # وعن مجاهد بن (جبر) (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سيكون من ~~أمتي قدرية وزنديقية أولئك مجوس" (3). # /وعن نافع قال: بينما نحن عند عبد الله بن عمر (نعوده) (4) إذ (جاءه) (5) ~~رجل فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام لرجل من أهل الشام فقال عبد الله: ~~بلغني أنه قد أحدث حدثا، فإن كان كذلك فلا تقرأن عليه السلام سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيكون في أمتي مسخ وخسف وهو/ في الزنديقية ~~(والقدرية)) (6). # وعن ابن الديلمي (7) قال: أتينا أبي بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من ~~القدر فحدثني (بشيء) (8) لعل الله (أن) (9) يذهبه من قلبي، فقال: لو أن ~~الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت ~~رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في PageV03P163 # سبيل الله ما قبله (الله) (1) منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم/ أن ما أصابك لم ~~يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار، ~~قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال لي مثل ذلك. # قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال (لي) (2) مثل ذلك، (ثم أتيت زيد بن ~~ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك) (3). # وفي بعض الحديث: (لا تكلموا في القدر فإنه سر الله) (4)، وهذا كله أيضا ~~غير صحيح. # وجاء في المرجئة (5) والجهمية (6) (والأشعرية) (7) شيء لا يصح عن رسول ~~الله/ صلى الله عليه وسلم، فلا تعويل (عليه) (8). # نعم نقل المفسرون أن قوله تعالى: {يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا ~~مس ms490 سقر *إنا كل شيء خلقناه بقدر *} (9) نزل في أهل القدر. # فروى عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه/ قال: (جاء) (10) ~~PageV03P164 # مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت الآية ~~(1). وروى مجاهد وغيره أنها نزلت في المكذبين بالقدر (2)، ولكن إن صح ففيه ~~دليل، وإلا فليس في الآية ما يعين أنهم من الفرق، وكلامنا فيه. # والثاني (3): حيث تكون الفرقة تدعو إلى ضلالتها وتزينها في قلوب العوام/ ~~ومن لا علم عنده، فإن ضرر هؤلاء على المسلمين كضرر إبليس، وهم من شياطين ~~الإنس، فلا بد من التصريح بأنهم من أهل البدعة والضلالة، ونسبتهم إلى الفرق ~~إذا قامت له (الشواهد) (4) على أنهم منهم، كما اشتهر عن عمرو بن عبيد (5) ~~وغيره. فروى عاصم الأحول (6) قال: جلست إلى قتادة فذكر/ عمرو بن عبيد فوقع ~~فيه ونال منه، فقلت: أبا الخطاب، ألا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض؟ فقال: ~~(يا أحول) (7) أو لا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة فينبغي لها أن تذكر حتى ~~(يحذر) (8)؟ PageV03P165 # فجئت من عند قتادة وأنا مغتم بما سمعت من قتادة في عمرو بن عبيد، وما ~~رأيت من نسكه وهديه،/ فوضعت رأسي نصف النهار وإذا عمرو بن عبيد والمصحف في ~~حجره وهو يحك آية من كتاب الله، (فقلت: سبحان الله، تحك آية من كتاب الله؟) ~~(1)، قال: إني سأعيدها. قال: فتركته حتى حكها، فقلت له: أعدها، فقال: لا ~~أستطيع (2). # فمثل هؤلاء لا بد من ذكرهم والتشريد بهم، لأن ما يعود على المسلمين من ~~ضررهم إذا (تركوا) (3) أعظم من الضرر الحاصل بذكرهم والتنفير عنهم إذا كان/ ~~سبب ترك (التعيين) (4) الخوف من التفرق والعداوة، ولا شك أن التفرق بين ~~المسلمين وبين الداعين للبدعة وحدهم إذا أقيم عليهم أسهل من التفرق بين ~~المسلمين وبين الداعين ومن شايعهم واتبعهم، وإذا تعارض الضرران فالمرتكب ~~أخفهما وأسهلهما، وبعض الشر أهون من جميعه، كقطع اليد المتآكلة، إتلافها/ ~~أسهل من إتلاف النفس. وهذا شأن الشرع أبدا: (أن يطرح) (5) حكم الأخف وقاية ~~من الأثقل. # /فإذا فقد الأمران فلا ms491 ينبغي أن يذكروا (ولا أن) (6) يعينوا وإن وجدوا، ~~لأن ذلك أول مثير (للشر) (7) وإلقاء العداوة والبغضاء، (ومتى) (8) حصل ~~باليد منهم أحد ذاكره برفق، ولم (يره) (9) أنه خارج (من) (10) السنة، بل ~~يريه أنه مخالف للدليل الشرعي، وأن الصواب الموافق للسنة كذا وكذا، فإن فعل ~~ذلك من غير تعصب ولا إظهار غلبه فهو (أنجح وأنفع) (11)، وبهذه الطريقة دعي ~~الخلق أولا إلى الله تعالى، حتى (إذا) (12) عاندوا وأشاعوا الخلاف وأظهروا ~~الفرقة قوبلوا بحسب ذلك. PageV03P166 # قال الغزالي في بعض كتبه: أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب ~~جماعة من (جهال) (1) أهل الحق، أظهروا الحق في معرض التحدي (والإدلاء) (2) ~~ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء، فثارت/ من بواطنهم دواعي ~~المعاندة والمخالفة، ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة، وتعذر على ~~العلماء المتلطفين محوها/ مع ظهور فسادها، حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن ~~اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر ~~قديمة، ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء، لما وجد مثل ~~هذا الاعتقاد (مستقرا) (3) في قلب مجنون فضلا عن قلب عاقل. # هذا ما قال، وهو الحق الذي تشهد له العوائد الجارية، فالواجب تسكين ~~الثائرة ما قدر على ذلك، والله أعلم. ### | المسألة الثامنة: # أنه لما تبين أنهم لا يتعينون فلهم خواص وعلامات يعرفون بها، وهي على ~~قسمين: علامات إجمالية، وعلامات تفصيلية. # فأما العلامات/ الإجمالية فثلاثة (4): # أحدها: الفرقة التي نبه عليها قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} (5)، وقوله تعالى: {وألقينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} (6)، روى ابن وهب عن إبراهيم النخعي أنه ~~قال: هي الجدال والخصومات/ في الدين (7). # وقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} (8)، وفي ~~PageV03P167 # الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله/ عليه ~~وسلم: "إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا ~~تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ... (الحديث) (1) ~~" (2). # وهذا التفريق كما تقدم إنما هو الذي يصير الفرقة ms492 الواحدة فرقا والشيعة ~~(الواحدة) (3) شيعا. # قال بعض العلماء: صاروا فرقا لاتباع أهوائهم، وبمفارقة الدين/ تشتتت ~~أهواؤهم فافترقوا، وهو قوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} ثم ~~برأه الله منهم بقوله : {لست منهم في شيء} (4)، وهم أصحاب البدع وأصحاب ~~الضلالات، والكلام فيما لم يأذن الله فيه ولا رسوله. # قال: ووجدنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده قد اختلفوا في ~~أحكام الدين ولم (يتفرقوا) (5) ولا صاروا شيعا لأنهم لم يفارقوا الدين، ~~وإنما اختلفوا فيما أذن لهم من (اجتهاد الرأي) (6)، والاستنباط من الكتاب ~~والسنة فيما لم يجدوا/ فيه نصا (واختلفت) (7) في ذلك أقوالهم فصاروا ~~محمودين، لأنهم اجتهدوا فيما أمروا به كاختلاف أبي بكر وعمر وعلي وزيد في ~~الجد مع الأم/ وقول عمر وعلي في أمهات الأولاد، وخلافهم في الفريضة ~~المشتركة وخلافهم في الطلاق قبل النكاح، وفي البيوع وغير ذلك، (مما) (8) ~~اختلفوا فيه وكانوا مع هذا أهل مودة وتناصح، وأخوة الإسلام فيما بينهم ~~PageV03P168 # قائمة، فلما حدثت الأهواء المردية، التي حذر منها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وظهرت العداوات وتحزب أهلها فصاروا شيعا، دل على أنه إنما حدث ~~ذلك من المسائل المحدثة التي ألقاها الشيطان على أفواه أوليائه. # (قال) (1): (كل) (2) مسألة حدثت في الإسلام (واختلف) (3) الناس فيها ولم ~~يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة، علمنا أنها من مسائل ~~الإسلام، وكل مسألة (حدثت) (4) (وطرأت) (5) فأوجبت العداوة (والبغضاء) (6) ~~(والتدابر) (7) والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين/ في شيء، وأنها التي ~~عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير الآية. # وذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه/ ~~وسلم: "يا عائشة، إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، من هم؟ قلت: الله ~~ورسوله أعلم. قال: هم أصحاب الأهواء وأصحاب البدع وأصحاب الضلالة من هذه ~~الأمة" الحديث (وقد) (8) تقدم ذكره (9). # قال: فيجب على كل ذي عقل ودين أن يجتنبها، ودليل ذلك قوله PageV03P169 # تعالى: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته ms493 إخوانا} (1)، فإذا اختلفوا (وتقاطعوا كان ذلك) (2) لحدث أحدثوه من ~~اتباع الهوى. # //هذا ما قاله، وهو ظاهر في أن الإسلام يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم ~~والتعاطف، فكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج عن الدين، وهذه الخاصية قد دل ~~عليها الحديث المتكلم (عليه) (3)، وهي موجودة في كل فرقة من الفرق ~~(المضمنة) (4) في الحديث. # ألا ترى كيف كانت ظاهرة في الخوارج الذين أخبر بهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان" (5)،/ وأي فرقة ~~توازي هذه (إلا) (6) الفرقة التي بين أهل الإسلام وأهل الكفر؟ وهي موجودة ~~في سائر من عرف من الفرق أو (من) (7) ادعي/ ذلك (فيهم) (8)، إلا أن الفرقة ~~(لا) (9) تعتبر على أي وجه كانت، لأنها تختلف بالقوة والضعف. # وحين ثبت أن مخالفة (بعض) (10) هذه الفرق (إنما هي في القواعد الكلية ~~كانت الفرقة أقوى بخلاف ما إذا خولف) (11) (في) (12) الفروع الجزئية (دون ~~الكلية) (13)، (فإن الفرقة لا بد) (14) (أضعف) (15) (فيجب) (16) النظر في ~~هذا كله. PageV03P170 # والخاصية الثانية: هي التي نبه عليها قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه منه} الآية. فبينت الآية أن أهل الزيغ يتبعون ~~متشابهات القرآن، وجعلوا ممن شأنه أن يتبع المتشابه لا المحكم. ومعنى ~~المتشابه: ما أشكل معناه، ولم (يتبين) (1) مغزاه، كان من المتشابه الحقيقي ~~(2) كالمجمل من الألفاظ وما يظهر (منه) (3) التشبيه (4) أو من/ المتشابه ~~الإضافي وهو (ما يحتاج) (5) في بيان معناه الحقيقي إلى دليل خارجي وإن كان ~~في نفسه ظاهر المعنى لبادي الرأي/ كاستشهاد الخوارج على إبطال/ التحكيم ~~بقوله: {إن الحكم إلا لله} (6) فإن ظاهر الآية صحيح على الجملة، وأما على ~~التفصيل فمحتاج إلى البيان، وهو ما تقدم ذكره لابن عباس رضي الله عنهما ~~(7)، لأنه بين أن الحكم (لله) (8) تارة بغير تحكيم (وتارة بتحكيم) (9)، ~~لأنه إذا أمرنا بالتحكيم فالحكم به حكم الله. # وكذلك قولهم: قاتل ولم يسب. (فإنهم حصروا (الحكم في قسمين) (10) وتركوا ~~قسما ثالثا) (11) وهو الذي نبه (عليه) (12) قوله تعالى: {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما ms494 على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} (13) الآية فهذا قتال من غير سبي، لكن ابن ~~عباس رضي الله عنه (نبههم) (14) على وجه أظهر وهو (أن) (15) PageV03P171 # السباء إذا حصل فلا بد من وقوع بعض (السهمان) (1) على أم المؤمنين، وعند ~~ذلك يكون حكمها حكم السبايا في الانتفاع بها كالسبايا، فيخالفون القرآن ~~الذي ادعوا التمسك به. # وكذلك في محو الاسم من إمارة المؤمنين،/ اقتضى عندهم أنه إثبات (لإمارة) ~~(2) الكافرين، وذلك غير صحيح لأن نفي الاسم (منها) (3) لا يقتضي نفي ~~المسمى. # وأيضا فإن فرضنا أنه يقتضي نفي المسمى لم يقتض إثبات إمارة أخرى. فعارضهم ~~ابن عباس بمحو النبي صلى الله عليه وسلم (اسم) (4) الرسالة من الصحيفة، ~~(وهي معارضة) (5) لا قبل لهم بها. ولذلك رجع منهم ألفان، أو من رجع منهم. # فتأملوا وجه اتباع المتشابهات، وكيف/ أدى (إلى) (6) الضلال والخروج عن ~~الجماعة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتم الذين ~~يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم" (7). # و/الخاصية الثالثة: اتباع الهوى، وهو الذي نبه عليه قوله تعالى: # {فأما الذين في/ قلوبهم زيغ} (8)، (والزيغ) (9) هو الميل عن الحق اتباعا ~~للهوى، وكذلك قوله تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} (10) ~~وقوله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه} ~~(11). # وليس في حديث الفرق ما يدل على هذه الخاصية ولا على التي قبلها ~~PageV03P172 # إلا أن هذه الخاصية راجعة في المعرفة بها إلى كل أحد في خاصة نفسه، لأن ~~اتباع الهوى أمر (باطني) (1) فلا يعرفه غير صاحبه إذا لم يغالط نفسه، إلا/ ~~أن يكون عليها دليل خارجي. # وقد مر أن أصل حدوث الفرق إنما هو الجهل بمواقع السنة، وهو الذي نبه عليه ~~الحديث بقوله: "اتخذ الناس رؤساء جهالا" (2) فكل (واحد) (3) عالم بنفسه هل ~~بلغ في العلم مبلغ المفتين أم لا؟ وعالم (إذا) (4) راجع النظر فيما سئل ~~عنه: هل هو قائل بعلم واضح من غير إشكال أم بغير علم؟ أم هو على شك فيه؟ ms495 ~~والعالم إذا لم يشهد له العلماء فهو في الحكم باق على الأصل من عدم العلم ~~حتى يشهد فيه غيره ويعلم (هو) (5) من نفسه ما شهد له/ به، وإلا فهو على ~~يقين من عدم العلم أو على شك، فاختيار الإقدام في هاتين الحالتين على ~~الإحجام لا يكون إلا باتباع الهوى. إذ كان ينبغي له أن يستفتي في نفسه غيره ~~ولم يفعل، (وكان) (6) (حقه) (7) أن لا يقدم إلا أن يقدمه غيره، ولم يفعل ~~(هذا) (8). # (وقد) (9) قال العقلاء: إن رأي المستشار أنفع لأنه بريء من الهوى، بخلاف ~~من لم يستشر فإنه غير بريء، ولا سيما في الدخول في المناصب العلية والرتب ~~(الشريفة كمرتبة) (10) العلم. # /فهذا أنموذج (ينبه) (11) صاحب الهوى في هواه ويضبطه إلى أصل يعرف به، هل ~~هو في تصدره (لفتيا) (12) الناس متبع للهوى، أم هو متبع للشرع؟ PageV03P173 # وأما الخاصية الثانية (1) فراجعة (إلى) (2) العلماء الراسخين في العلم، ~~لأن معرفة المحكم والمتشابه راجع إليهم، فهم يعرفونها ويعرفون أهلها ~~(بمعرفتهم بها) (3) // فهم المرجوع/ إليهم في بيان من هو متبع للمحكم فيقلد ~~في الدين، ومن هو (متبع) (4) للمتشابه فلا يقلد أصلا. # ولكن له (علامات) (5) ظاهرة أيضا نبه عليها الحديث وهو الذي فسرت الآية ~~به، قال فيه: "فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله ~~فاحذروهم"، خرجه القاضي إسماعيل بن إسحاق (6). # وقد تقدم أول الكتاب (7). # فجعل من شأن المتبع للمتشابه أنه يجادل فيه ويقيم النزاع على (الإيمان) ~~(8)، وسبب ذلك أن الزائغ المتبع لما تشابه من الدليل لا يزال في ريب وشك، ~~إذ المتشابه لا يعطى بيانا شافيا، ولا يقف منه متبعه على حقيقة، فاتباع ~~الهوى يلجئه إلى التمسك به، والنظر فيه لا يتخلص له، فهو (في) (9) شك أبدا، ~~وبذلك يفارق الراسخ في العلم؛ لأن جداله إن افتقر إليه (فهو في مواقع) (10) ~~/ الإشكال العارض طلبا لإزالته، فسرعان ما يزول إذا بين له موضع النظر. # وأما ذو الزيغ فإن هواه لا يخليه إلى طرح المتشابه، فلا يزال في جدال ~~عليه وطلب لتأويله. PageV03P174 # ويدل على ذلك أن الآية نزلت ms496 في شأن نصارى نجران (1)، وقصدهم أن يناظروا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى بن مريم عليهما السلام، وأنه (الإله) ~~(2)، أو أنه ثالث ثلاثة، مستدلين بأمور متشابهات من قوله: (جعلنا) (3)، ~~وخلقنا، وهذا/ كلام جماعة، ومن أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى وهو ~~كلام طائفة أخرى (منهم) (4)، ولم ينظروا إلى أصله ونشأته بعد أن لم يكن، ~~وكونه كسائر بني آدم يأكل ويشرب وتلحقه الآفات والأمراض. والخبر مذكور في ~~السير (5). # والحاصل أنهم إنما أتوا لمناظرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجادلته ~~لا (بقصد) (6) اتباع الحق. والجدال على هذا الوجه لا ينقطع، ولذلك لما بين ~~لهم/ الحق (ولم) (7) يرجعوا (عنه) (8) دعوا إلى أمر آخر خافوا منه الهلكة ~~فكفوا عنه، وهو المباهلة (9)، وهو قوله تعالى: {فمن حآجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم} (10)، وشأن هذا الجدال أنه شاغل عن ذكر الله وعن الصلاة، كالنرد، ~~والشطرنج (ونحوهما) (11). # وقد نقل عن حماد بن زيد (12) أنه قال: جلس/ عمرو بن عبيد PageV03P175 # وشبيب بن شيبة (1) ليلة (يتخاصمان) (2) إلى طلوع الفجر، قال: (فما صلوا ~~وجعل عمرو) (3) يقول: هيه أبا معمر، هيه أبا معمر، فإذا رأيتم أحدا شأنه ~~أبدا الجدال في المسائل مع كل أحد من أهل العلم، ثم لا يرجع ولا يرعوي، ~~فاعلموا أنه زائغ القلب متبع للمتشابه فاحذروه. # /وأما (الخاصية الأولى) (4) فعامة لجميع العقلاء من (أهل) (5) الإسلام، ~~لأن التواصل والتقاطع/ معروف عند الناس كلهم، وبمعرفته يعرف أهله، وهو الذي ~~نبه عليه (حديث) (6) الفرق، إذ أشار إلى الافتراق شيعا (بقوله) (7): ~~"وستفترق هذه الأمة على كذا"، ولكن هذا الافتراق إنما يعرف بعد (الملابسة) ~~(8) / والمداخلة، وأما قبل ذلك فلا يعرفه كل أحد، فله (علامات) (9) تتضمن ~~الدلالة/ على (التفرق) (10) (أول) (11) مفاتحة الكلام، وذلك إلقاء المخالف ~~لمن لقيه ذم (سلفه) (12) المتقدمين (الذين) (13) اشتهر علمهم وصلاحهم ~~واقتداء الخلف بهم، (ويختص) (14) بالمدح من لم يثبت له ذلك من شاذ مخالف ~~لهم، وما أشبه ذلك. # وأصل هذه العلامة في الاعتبار تكفير الخوارج لعنهم الله ms497 الصحابة الكرام ~~رضي الله عنهم، فإنهم ذموا من مدحه الله ورسوله واتفق السلف الصالح على ~~مدحهم والثناء عليهم، ومدحوا من اتفق السلف الصالح على PageV03P176 # ذمه (كعبد الرحمن) (1) بن ملجم قاتل علي رضي الله عنه، وصوبوا قتله إياه، ~~وقالوا: إن/ في (شأنه) (2) نزل قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضاة الله} (3)، وأما التي قبلها وهي قوله: {ومن الناس من يعجبك قوله في ~~الحياة الدنيا} (4)، فإنها نزلت في شأن علي رضي الله عنه وكذبوا قاتلهم ~~الله ، وقال عمران بن حطان في مدحه لابن ملجم: # يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا # إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا (5) # وكذب (لعنه الله) (6) (فإذا) (7) رأيت من يجري على هذا الطريق، فهو من ~~الفرق المخالفة، وبالله التوفيق. # / وروي عن إسماعيل بن علية (8)، قال: حدثني اليسع (9)، قال: تكلم واصل بن ~~عطاء (10) يوما يعني المعتزلي فقال عمرو بن عبيد: ألا تسمعون؟ ما كلام ~~الحسن وابن سيرين عندما تسمعون / إلا خرقة حيض ملقاة (11). # روي أن زعيما من زعماء أهل البدعة كان يريد تفضيل الكلام على الفقه، فكان ~~يقول: إن علم الشافعي وأبي حنيفة، جملته لا يخرج من سراويل امرأة. # هذا كلام هؤلاء الزائغين، قاتلهم الله. # و (أما) (12) العلامة التفصيلية في كل فرقة (فقد) (13) نبه عليها وأشير ~~PageV03P177 # إلى جملة منها في الكتاب والسنة، (وفي) (1) ظني أن من تأملها في كتاب ~~الله وجدها منبها عليها ومشارا إليها، ولولا أنا فهمنا من الشرع الستر ~~(عليها) (2) لكان (للكلام) (3) في تعيينها مجال متسع مدلول عليه بالدليل ~~الشرعي، وقد كنا هممنا بذلك في ماضي الزمان، فغلبنا عليه ما (دلنا) (4) على ~~أن الأولى خلاف/ ذلك (5). # فأنت ترى أن الحديث الذي تعرضنا لشرحه لم يعين في الرواية الصحيحة واحدة/ ~~منها، لهذا المعنى المذكور والله أعلم وإنما نبه عليها في الجملة لتحذر ~~مظانها، وعين في الحديث المحتاج (إليها) (6) / منها وهي الفرقة الناجية ~~ليتحراها المكلف، وسكت عن ذلك في الرواية الصحيحة، لأن ذكرها في الجملة ~~يفيد الأمة الخوف ms498 من الوقوع فيها، وذكر في الرواية الأخرى فرقة من الفرق ~~الهالكة لأنها كما قال أشد (الفرق) (7) فتنة على الأمة، وبيان كونها أشد ~~فتنة من غيرها سيأتي (بيانه) (8) آخرا إن شاء الله تعالى. ### | المسألة التاسعة: # إن الرواية الصحيحة في الحديث أن افتراق اليهود كافتراق النصارى على إحدى ~~وسبعين (فرقة) (9)، وهي (في) (10) رواية أبي داود على الشك، إحدى وسبعين، ~~أو (اثنتين) (11) وسبعين (12). PageV03P178 # وأثبت في الترمذي في الرواية الغريبة لبني إسرائيل الثنتين والسبعين لأنه ~~لم يذكر في الحديث افتراق النصارى، وذلك والله أعلم لأجل أنه إنما أجرى في ~~الحديث ذكر بني إسرائيل فقط، لأنه ذكر فيه عن عبد الله بن عمرو رضي الله ~~عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي ما أتى على ~~بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في ~~أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق ~~أمتي ... " الحديث (1). # /وفي أبي داود، (اليهود) (2) والنصارى معا إثبات الثنتين والسبعين/ ~~(جزما) (3) من غير شك (4) (كما أثبتت الرواية الصحيحة في الترمذي الإحدى ~~والسبعين من غير شك) (5). # وخرج الطبري وغيره الحديث على أن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين ~~(ملة) (6)، (وأن افتراق) (7) هذه الأمة على ثنتين وسبعين فرقة كلها في ~~النار إلا واحدة (8). # فإن بنينا على إثبات إحدى الروايتين فلا إشكال، لكن في رواية الإحدى ~~والسبعين تزيد هذه الأمة فرقتين، وعلى رواية الثنتين والسبعين تزيد فرقة ~~واحدة، وثبت في بعض كتب/ الكلام في نقل الحديث أن اليهود افترقت على إحدى ~~وسبعين، وأن النصارى افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، ووافقت سائر الروايات ~~في افتراق (الأمة) (9) على ثلاث وسبعين فرقة/ ولم PageV03P179 # أر هذه الرواية هكذا فيما رأيته من كتب الحديث إلا ما وقع في جامع ابن ~~وهب من حديث علي رضي الله عنه، وسيأتي. # وإن بنينا على إعمال الروايات، فيمكن أن تكون رواية الإحدى والسبعين ~~(وقت) (1) أعلم بذلك ثم أعلم (بزيادة) (2) فرقة، (إما) (3) أنها كانت فيهم ~~ولم يعلم بها النبي ms499 صلى الله عليه وسلم في وقت (ثم أعلم بها في وقت) (4) ~~آخر، وإما أن تكون جملة الفرق في الملتين ذلك المقدار فأخبر/ به، ثم حدثت ~~الثانية (والسبعون) (5) فيهما فأخبر (بذلك) (6) صلى الله عليه وسلم، (وعلى ~~الجملة فيمكن أن يكون الاختلاف بحسب التعريف بها أو الحدوث) (7) والله ~~(أعلم) (8) بحقيقة الأمر. ### | المسألة العاشرة # (هذه) (9) الأمة ظهر (فيها) (10) فرقة زائدة على الفرق (الأخرى) (11) ~~(لليهود) (12) والنصارى، فالثنتان (والسبعون) (13) من الهالكين المتوعدين ~~بالنار، والواحدة في الجنة، فإذا (قد) (14) انقسمت هذه الأمة بحسب هذا ~~الافتراق (إلى) (15) قسمين: قسم في النار وقسم في الجنة، ولم (يبين) (16) ~~ذلك في فرق اليهود ولا في فرق النصارى، إذ لم يبين الحديث (إلا تقسيم ~~PageV03P180 # هذه الأمة) (1) (فيبقى) (2) النظر: هل في اليهود والنصارى فرقة ناجية أم ~~لا؟ وينبني على ذلك (نظر ثان) (3): هل زادت هذه الأمة فرقة هالكة أم لا؟ ~~وهذا النظر وإن كان لا ينبني عليه (فقه) (4) (ولكنه) (5) من تمام الكلام في ~~الحديث. # فظاهر النقل في (مواضع من/ الشريعة) (6) أن كل طائفة/ من اليهود والنصارى ~~لا بد أن (يوجد) (7) فيها من آمن بكتابه وعمل (بسنته) (8)، كقوله تعالى: ~~{ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ~~وكثير منهم فاسقون} (9)، ففيه إشارة إلى أن منهم من لم يفسق، وقال تعالى ~~(في النصارى) (10): {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} ~~(11)، وقال تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون *} (12)، وقال ~~تعالى: {منهم أمة مقتصدة} (13) وهذا كالنص. # / (وفي) (14) الحديث الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "أيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران" (15)، فهذا يدل ~~PageV03P181 # (بإشارته) (1) على العمل بما جاء به نبيه. # /وخرج (عبد بن حميد) (2) عن ابن مسعود قال: قال (لي) (3) رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: (يا عبد الله بن مسعود، قلت: لبيك رسول الله، قال: يا عبد ~~الله بن مسعود، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: يا عبد الله بن مسعود، قلت: ~~لبيك يا رسول الله) (4)، قال: ms500 أتدري أي عرى الإيمان أوثق؟ قال قلت: الله ~~ورسوله أعلم، قال: الولاية في الله والحب في الله، والبغض (في الله) (5) ثم ~~قال: يا عبد الله بن مسعود قلت: لبيك رسول الله ثلاث مرات قال: أتدري أي ~~الناس أفضل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أفضل الناس أفضلهم عملا إذا ~~فقهوا في دينهم. # ثم قال: يا عبد الله بن مسعود، قلت: لبيك يا رسول الله ثلاث مرات قال: هل ~~تدري أي الناس أعلم؟ قلت: الله ورسوله/ أعلم، قال: أعلم الناس أبصرهم ~~(للحق) (6) إذا اختلف الناس، وإن كان مقصرا في العمل، وإن كان يزحف على ~~استه، واختلف من (كان) (7) قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة نجا (منهم) (8) ~~ثلاث وهلك سائرها، فرقة (أزت) (9) الملوك وقاتلتهم على دين (الله ودين) ~~(10) عيسى بن مريم حتى قتلوا، وفرقة لم يكن لها طاقة/ (بمؤازاة) (11) ~~الملوك، فأقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين PageV03P182 # عيسى/ (بن مريم) (1) فأخذتهم الملوك (فقتلتهم) (2) وقطعتهم بالمناشير، ~~وفرقة لم يكن لها طاقة (بمؤازاة) (3) الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهراني ~~قومهم فيدعوهم إلى دين الله ودين عيسى بن مريم، فساحوا في الجبال (وترهبوا) ~~(4) فيها، (فهم) (5) الذين قال الله عز وجل (فيهم) (6): {ورهبانية/ ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ~~فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} (7)، فالمؤمنون الذين ~~آمنوا بي وصدقوا بي، والفاسقون الذين كذبوا بي وجحدوا بي) (8). فأخبر (في ~~هذا الخبر) (9) أن فرقا ثلاثا نجت من تلك الفرق المعدودة والباقية هلكت. # وخرج ابن وهب من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه دعا رأس ~~(الجالوت) (10) وأسقف/ النصارى فقال: إني سائلكما عن أمر وأنا أعلم به ~~منكما فلا (تكتماني) (11)، يا رأس الجالوت، أنشدك الله الذي أنزل التوراة ~~على موسى، وأطعمكم المن والسلوى، وضرب لكم في البحر طريقا يبسا، وجعل لكم ~~الحجر الطوري يخرج لكم منه (اثنتا) (12) عشرة عينا لكل سبط من بني إسرائيل ~~عين، إلا ما أخبرتني على كم (افترقت اليهود) (13) من فرقة/ بعد موسى؟ فقال ms501 ~~له: ولا فرقة واحدة، فقال له علي (ثلاث مرات) (14): كذبت والذي لا إله إلا ~~هو، لقد افترقت على إحدى وسبعين PageV03P183 # فرقة كلها في النار إلا (فرقة واحدة) (1). # ثم دعا الأسقف (2) فقال: أنشدك الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وجعل ~~على رجله البركة، وأراكم العبرة، فأبرأ الأكمه (والأبرص) (3) وأحيا ~~(الموتى) (4)، وصنع لكم من الطين طيورا، وأنبأكم بما تأكلون وما تدخرون في ~~بيوتكم، فقال: دون هذا (الصدق) (5) يا أمير المؤمنين. فقال له علي رضي الله ~~عنه: (على) (6) كم افترقت (النصارى) (7) بعد عيسى بن مريم من فرقة؟ قال: لا ~~والله ولا فرقة، فقال ثلاث مرات: كذبت،/ والله الذي لا إله إلا هو، لقد ~~افترقت على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا (فرقة) (8) واحدة، (ثم ~~قال) (9): (أما) (10) أنت يا يهودي، فإن الله يقول: {ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون *} (11) فهي التي تنجو، (وأما أنت يا نصراني، ~~فيقول: {منهم أمة مقتصدة} (12) الآية، فهذه التي تنجو) (13)، وأما نحن ~~فيقول الله: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون *} (14). PageV03P184 # فهذه التي تنجو من هذه الأمة (1). ففي هذا أيضا دليل. # وخرجه الآجري أيضا من طريق أنس بمعنى حديث (علي رضي الله) (2) عنه: إن ~~واحدة من فرق اليهود ومن فرق النصارى في الجنة (3). # وخرج سعيد بن منصور في تفسيره من حديث عبد الله أن بني إسرائيل/ لما طال ~~عليهم/ الأمد (فقست) (4) قلوبهم اخترعوا كتابا من عند أنفسهم استهوته ~~قلوبهم واستحلته ألسنتهم، وكان الحق يحول (بينهم و) (5) بين كثير من ~~شهواتهم، حتى نبذوا/ كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، فقالوا: ~~اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم ~~فاقتلوهم، (ثم) (6) قالوا: لا، بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم فاعرضوا ~~عليه هذا الكتاب، فإن (تابعكم) (7) فلن يخالفكم أحد بعده، وإن خالفكم ~~فاقتلوه فلن يختلف عليكم بعده أحد، فأرسلوا إليه (فأخذ) (8) ورقة فكتب فيها ~~(كتاب الله) (9) ثم/ جعلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، ~~ثم أتاهم فعرضوا عليه الكتاب، فقالوا: أتؤمن ms502 بهذا؟ (قال) (10) فأومأ إلى ~~صدره فقال: آمنت بهذا، وما لي لا أؤمن بهذا؟ يعني الكتاب الذي في (القرن) ~~(11) فخلوا سبيله، وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات نبشوه فوجدوا القرن ~~ووجدوا (فيه) (12) الكتاب، فقالوا:/ ألا ترون قوله: آمنت بهذا، وما لي لا ~~أؤمن بهذا؟ وإنما عنى PageV03P185 # (هذا) (1) الكتاب (فاختلفت) (2) بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير ~~مللهم أصحاب ذلك القرن قال عبد الله : (وإن من/ بقي منكم سيرى منكرا، ~~(وبحسب أمرئ، يرى منكرا لا يستطيع أن يغيره، إن يعلم الله من قلبه أنه له ~~كاره) (3). # فهذا الخبر أيضا يدل على أن (في) (4) بني إسرائيل فرقة كانت على الحق ~~الصريح في زمانهم، لكن لا (أضمن) (5) عهدة صحته ولا صحة ما قبله. # وإذا ثبت أن في اليهود والنصارى فرقة ناجية لزم من ذلك أن يكون في هذه ~~(الأمة) (6) فرقة (هالكة) (7) زائدة (بناء) (8) على رواية الثنتين ~~والسبعين، أو فرقتين بناء على رواية الإحدى والسبعين، فيكون لها نوع من ~~التفرق لم يكن لمن تقدم من أهل الكتاب،/ لأن الحديث المتقدم أثبت أن هذه ~~الأمة (تبعت) (9) من قبلها من أهل الكتابين في أعيان مخالفتها، فثبت أنها ~~تبعتها في أمثال (بدعها) (10)، وهذه هي: ### | المسألة الحادية (عشرة) # (11): # فإن الحديث الصحيح قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر PageV03P186 # وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر (ضب) (1) / لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول ~~الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) (2)، زيادة إلى حديث الترمذي الغريب، ~~فدل ضرب المثال في التعيين على أن الاتباع في أعيان أفعالهم. # وفي الصحيح عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل خيبر (3) ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون ~~حولها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فقلنا: يا رسول الله، اجعل ~~لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"الله أكبر (هذا) (4) كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، ~~(قال: إنكم قوم تجهلون) (5) لتركبن سنن من كان قبلكم ... " (6). ~~PageV03P187 # وصار ms503 حديث الفرق بهذا التفسير صادقا على أمثال البدع التي تقدمت لليهود ~~والنصارى، وأن هذه الأمة/ تبتدع في دين (الله) (1) مثل تلك البدع وتزيد ~~عليها ببدعة لم تتقدمها (فيها) (2) واحدة من الطائفتين، ولكن هذه البدعة ~~الزائدة (إنما تعرف بعد) (3) معرفة البدع الأخر، وقد مر أن/ ذلك لا يعرف، ~~أو لا يسوغ التعريف به وإن عرف، (فلذلك) (4) لا تتعين البدعة الزائدة، ~~والله أعلم. # وفي (الحديث) (5) أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها ~~شبرا بشبر وذراعا بذراع"، فقال رجل: يا رسول الله، كما فعلت فارس والروم؟ ~~قال: "وهل الناس إلا أولئك" (6)، وهو بمعنى الأول، إلا أنه ليس فيه ضرب ~~مثل، فقوله: "حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها"، يدل على أنها تأخذ ~~بمثل ما أخذوا/ به، إلا أنه لا يتعين في الاتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد ~~تتبعها في أعيانها (وقد تتبعها) (7) في أشباهها، فالذي يدل على الأول قوله: ~~"لتتبعن سنن من كان قبلكم" الحديث، فإنه قال فيه: "حتى لو دخلوا في جحر ضب ~~(خرب) (8) لاتبعتموهم". PageV03P188 # والذي يدل على الثاني قوله: فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط. فقال ~~صلى الله عليه وسلم: "هذا كما قالت بنو إسرائيل اجعل لنا إلها" الحديث، فإن ~~اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله، لا أنه هو (بعينه) (1) ~~فلذلك/ لا يلزم (في) (2) الاعتبار (بالمنصوص) (3) عليه (أن يكون) (4) ما لم ~~ينص عليه/ مثله من كل وجه، والله أعلم. ### | المسألة الثانية عشرة # (5): # أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنها كلها في النار، وهذا وعيد يدل على أن ~~تلك الفرق قد ارتكبت كل واحدة منها معصية كبيرة أو ذنبا عظيما، إذ قد تقرر ~~في الأصول أن ما يتوعد (الشرع) (6) عليه (لخصوصه) (7) (فهو) (8) كبيرة، إذ ~~لم يقل: كلها في النار، إلا من جهة الوصف (الذي) (9) افترقت بسببه عن ~~السواد الأعظم وعن (جماعته) (10) وليس ذلك إلا البدعة المفرقة، إلا ms504 أنه ~~ينظر في هذا الوعيد هل هو أبدي أم لا؟ وإذا قلنا إنه غير أبدي: هل هو نافذ ~~أم في المشيئة. # أما المطلب الأول فينبني على أن بعض البدع مخرجة من الإسلام، أو ليست ~~(بمخرجة) (11)، والخلاف في الخوارج وغيرهم من المخالفين في العقائد موجود ~~وقد تقدم ذكره قبل هذه فحيث نقول بالتكفير (يلزم) (12) PageV03P189 # منه تأبيد (التعذيب بناء) (1) على القاعدة (إن الكفر والشرك) (2) لا ~~يغفره الله سبحانه. # //وإذا قلنا بعدم التكفير فيحتمل على مذهب أهل السنة أمرين: # أحدهما: نفوذ الوعيد من غير غفران، ويدل على ذلك ظواهر الأحاديث، وقوله ~~هنا: "كلها في النار" أي مستقرة ثابتة فيها. # فإن قيل: ليس إنفاذ الوعيد بمذهب أهل السنة. قيل: بلى قد قال به طائفة ~~منهم في بعض الكبائر (كقتل النفس عمدا، وأشياء أخر وإن كانوا قائلين بأن ~~أهل الكبائر) (3) في مشيئة الله تعالى، لكن/ دلهم الدليل في خصوص كبائر على ~~أنها خارجة عن ذلك الحكم (4)، ولا (بعد) (5) (في) (6) ذلك، فإن المتبع هو ~~الدليل، فكما دلهم على أن أهل الكبائر على الجملة في المشيئة كذلك دلهم على ~~تخصيص ذلك العموم الذي في قوله تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (7) فإن ~~الله تعالى قال: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله ~~عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} (8) فأخبر أولا أن جزاؤه جهنم، وبالغ في ~~ذلك بقوله تعالى: PageV03P190 # {خالدا فيها} عبارة عن طول المكث فيها، ثم عطف بالغضب (عليه) (1)، ثم ~~بلعنته، ثم ختم ذلك بقوله تعالى: {وأعد له عذابا عظيما}، والإعداد قبل ~~البلوغ إلى المعد مما يدل على حصوله للمعد له، ولأن القتل اجتمع فيه حق ~~الله وحق المخلوق وهو المقتول. # قال ابن رشد: ومن شرط صحة/ التوبة من مظالم العباد تحللهم أو رد/ ~~(التبعات) (2) إليهم. وهذا (مما لا سبيل) (3) (للقاتل) (4) إليه إلا بأن ~~يدرك المقتول حيا فيعفو عنه (بطيب) (5) نفسه، (كذلك قال) (6). # وأولى من هذه العبارة أن نقول: ومن شرط خروجه من تباعة القتل مع التوبة ~~(لله) (7) استدراك ما (فوت) (8) على المجني ms505 عليه (إما بالتحلل منه) (9)، ~~وإما ببذل القيمة له، وهو أمر لا يمكن (بعد) (10) فوت المقتول. فكذلك ~~(يمكن) (11) في صاحب البدعة من جهة الأدلة، فراجع ما تقدم في الباب الثاني ~~تجد فيه كثيرا من التهديد والوعيد المخوف جدا. # /وانظر في قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم *} فهذا وعيد، ثم قال تعالى: {يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه} وتسويد الوجوه علامة الخزي ودخول (النار) (12)، ثم قال ~~تعالى: {أكفرتم بعد إيمانكم} وهو تقريع وتوبيخ، ثم قال تعالى: {فذوقوا ~~العذاب} (13)، وهو تأكيد آخر. PageV03P191 # وكل هذا التقرير بناء على أن المراد بالآيات أهل (القبلة) (1) من أهل ~~البدع؛ لأن المبتدع إذا اتبع في بدعته لم/ يمكنه التلافي غالبا فيها، ولم ~~يزل أثرها في الأرض (مستطيرا) (2) إلى (يوم القيامة) (3) قيام الساعة، وذلك ~~كله بسببه، فهي أدهى من قتل النفس. # قال مالك رحمة الله عليه: إن العبد لو ارتكب جميع الكبائر بعد أن لا يشرك ~~بالله شيئا (رجوت) (4) له أرفع المنازل، لأن كل ذنب بين العبد وربه هو/ منه ~~على رجاء، (وصاحب البدعة ليس هو منها على رجاء) (5)، (إنما) (6) يهوى (به) ~~(7) في نار جهنم (8). فهذا منه نص (في إنفاذ) (9) الوعيد. # (والمطلب) (10) الثاني: أن يكون مقيدا بأن يشاء الله تعالى إصلاءهم ~~(النار) (11)، وإنما (حمل) (12) قوله: (كلها في النار)، أي هي ممن يستحق ~~النار، كما قالت الطائفة الأخرى في قوله تعالى: {فجزاؤه جهنم خالدا فيها} ~~(13) / أي ذلك جزاؤه (إن جازاه) (14)، فإن عفا عنه فله العفو إن شاء الله، ~~لقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر/ ما دون ذلك لمن يشاء} ~~(15)، فكما ذهبت طائفة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن القاتل في المشيئة (16) ~~وإن لم يكن الاستدراك كذلك يصح أن يقال هنا بمثله. PageV03P192 ### | المسألة/ الثالثة/ عشرة # (1): # إن قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا واحدة"، قد أعطى بنصه أن الحق واحد لا ~~(يختلف) (2)، إذ لو كان للحق فرق أيضا لم يقل: "إلا واحدة"، ولأن الاختلاف ~~منفي عن الشريعة بإطلاق، لأنها ms506 الحاكمة بين المختلفين، لقوله تعالى: {فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} (3) الآية، (فرد) (4) (التنازع) ~~(5) إلى الشريعة، فلو كانت الشريعة تقتضي الخلاف لم يكن في الرد إليها ~~فائدة، وقوله: (في شيء)، نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة من صيغ العموم، ~~فتنتظم كل تنازع على العموم، فالرد فيها لا يكون إلا (إلى أمر) (6) واحد ~~فلا يسع أن يكون أهل الحق فرقا. # وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} (7)، وهو ~~نص فيما نحن فيه، فإن السبيل الواحد لا يقتضي الافتراق، بخلاف السبل ~~المختلفة. # فإن قيل: فقد تقدم في المسألة العاشرة في حديث ابن مسعود: (واختلف من كان ~~قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث وهلك سائرها) (8) إلى آخر ~~الحديث، فلو لزم ما قلت لم يجعل أولئك الفرق ثلاثا، وكانوا فرقة واحدة، ~~وحين (بينوا) (9) ظهر أنهم كلهم على الحق والصواب، فكذلك يجوز أن تكون ~~الفرق في هذه الأمة، لولا أن الحديث/ أخبر أن الناجية واحدة. # فالجواب: / أولا: أن ذلك الحديث لم نشترط الصحة في نقله، إذ لم ~~PageV03P193 # نجده في الكتب التي لدينا المشترط فيها الصحة (1). # /وثانيا: أن تلك الفرق إن عدت (هنالك ثلاثا فإنما عدت هنا) (2) واحدة ~~لعدم الاختلاف بينهم في أصل الاتباع، وإنما الاختلاف في القدرة على الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر أو (عدمها) (3)، وفي كيفية الأمر والنهي خاصة. # فهذه الفرق لا (تتنافى لصحة) (4) الجمع بينهما، فنحن نعلم أن المخاطبين ~~في ملتنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب: فمنهم من يقدر على ~~ذلك باليد وهم الملوك (والحكام) (5) ومن أشبههم، ومنهم من يقدر باللسان ~~كالعلماء ومن قام مقامهم، ومنهم من لا يقدر إلا بالقلب، إما مع البقاء بين ~~ظهرانيهم (إذ لم يقدر) (6) على الهجرة أو مع الهجرة إن (قدر) (7) /عليها، ~~وجميع ذلك (خصلة) (8) واحدة من خصال الإيمان، ولذلك جاء في الحديث قوله صلى ~~الله عليه وسلم: "ليس بعد ذلك من الإيمان حبة خردل" (9). # فإذا كان كذلك فلا يضرنا عد الناجية في بعض الأحاديث ثلاثا باعتبار، ~~وعدها واحدة ms507 باعتبار آخر، وإنما يبقى النظر في عدها اثنتين وسبعين فتصير ~~بهذا الاعتبار سبعين، وهو معارض لما تقدم من جهة الجمع بين فرق هذه الأمة ~~وفرق غيرها، مع قوله: (لتركبن سنن من كان قبلكم PageV03P194 # شبرا بشبر وذراعا بذراع) (1). # (ويمكن) (2) في الجواب أحد أمرين: إما أن يترك الكلام في (هذا) (3) رأسا ~~(إذ) (4) خالف الحديث الصحيح، لأنه ثبت فيه (إحدى وسبعين) وفي حديث ابن ~~مسعود (ثنتين/ وسبعين). # /وإما أن (يتأول) (5) أن (الثلاث) (6) التي نجت ليست فرقا ثلاثا، وإنما ~~هي فرقة واحدة انقسمت إلى المراتب/ الثلاث، لأن الرواية الواقعة/ في تفسير ~~عبد بن حميد هي قوله: (نجا منها ثلاث) ولم يفسرها بثلاث فرق وإن كان هو ~~ظاهر المساق، ولكن قصد الجمع بين الروايات ومعاني (الأحاديث) (7) ألجأ إلى ~~ذلك، والله أعلم بما أراد رسوله من ذلك. وقوله صلى الله عليه وسلم: "كلها ~~في النار إلا واحدة" ظاهر في العموم، لأن كلا من صيغ العموم، وفسره الحديث ~~الآخر: "ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة"، وهذا/ نص لا يحتمل ~~التأويل. ### | المسألة الرابعة عشرة # (8): # أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين من الفرق (فرقة) (9) واحدة، وإنما ~~تعرض لعدها خاصة، وأشار إلى الفرقة الناجية حين سئل عنها، وإنما وقع ذلك ~~كذلك ولم يكن الأمر بالعكس لأمور: # أحدها: أن تعيين الفرقة الناجية هو الآكد في البيان بالنسبة إلى تعبد ~~المكلف والأحق بالذكر، إذ لا يلزم تعيين الفرق الباقية إذا عينت الواحدة، ~~PageV03P195 # وأيضا فلو عينت الفرق كلها إلا هذه (الواحدة) (1) لم يكن بد من بيانها، ~~لأن الكلام فيها يقتضي ترك أمور (هي) (2) بدع، والترك للشيء لا يقتضي فعل ~~شيء آخر لا ضدا ولا خلافا، فذكر الواحدة هو المفيد على الإطلاق. # والثاني: أن ذلك أوجز لأنه إذا ذكرت نحلة (الفرقة) (3) الناجية علم على ~~البديهة أن ما سواها/ (مما) (4) يخالفها ليس بناج وحصل التعيين بالاجتهاد، ~~بخلاف ما إذا ذكرت الفرق إلا الناجية فإنه يقتضي شرحا كثيرا، ولا يقتضي في ~~الفرقة الناجية اجتهادا، لأن إثبات العبادات التي تكون مخالفتها بدعا لا حظ ms508 ~~للعقل في الاجتهاد فيها. # /والثالث: أن ذلك أحرى بالستر، كما تقدم بيانه (5) في مسألة (تعيين) (6) ~~الفرق، ولو فسرت لناقض ذلك قصد الستر،/ ففسر ما يحتاج إليه وترك ما لا ~~يحتاج إليه إلا من جهة المخالفة، فالعقل وراء ذلك مرمى تحت أذيال الستر، ~~والحمد لله، فبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: "ما أنا عليه ~~وأصحابي" (7)، ووقع ذلك جوابا للسؤال الذي سألوه إذ قالوا: من هي يا رسول ~~الله؟ فأجاب بأن الفرقة الناجية من (اتصفت) (8) بأوصافه صلى الله عليه وسلم ~~وأوصاف أصحابه، وكان ذلك معلوما عندهم غير خفي فاكتفوا به، وربما يحتاج إلى ~~تفسيره بالنسبة إلى من بعد (عن) (9) (تلك) (10) الأزمان. # وحاصل الأمر أن أصحابه كانوا مقتدين به مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في ~~القرآن الكريم وأثنى عليهم متبوعهم محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما (كان) ~~(11) خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن، فقال تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم *} ~~(12)، فالقرآن PageV03P196 # (إذا) (1) هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السنة مبينة/ له، فالمتبع للسنة ~~متبع للقرآن، والصحابة كانوا أولى الناس/ بذلك، فكل من اقتدى بهم فهو من ~~الفرقة الناجية الداخلة (للجنة) (2) بفضل الله، وهو معنى قوله عليه الصلاة ~~والسلام: "ما أنا عليه وأصحابي" فالكتاب والسنة هو الطريق المستقيم، وما ~~سواهما من الإجماع وغيره فناشئ عنهما، هذا هو الوصف الذي كان عليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو معنى ما جاء في الرواية الأخرى من قوله: ~~(وهي الجماعة) لأن الجماعة في وقت الإخبار كانوا على ذلك الوصف، إلا أن في ~~لفظ الجماعة معنى (آخر) (3) (تراه) (4) بعد إن شاء الله. # /ثم إن في هذا التعريف نظرا لا بد من الكلام (عليه) (5) وذلك أن كل داخل ~~تحت ترجمة الإسلام من سني أو مبتدع مدع أنه هو الذي نال رتبة النجاة ودخل ~~في غمار/ تلك الفرقة، إذ لا يدعي/ (خلاف) (6) ذلك إلا من خلع ربقة الإسلام، ~~وانحاز إلى فئة الكفر، كاليهود والنصارى، وفي معناهم من دخل بظاهره في ~~الإسلام وهو/ معتقد غيره كالمنافقين، وأما من لم يرض ms509 لنفسه إلا بوصف ~~الإسلام وقاتل سائر الملل على هذه الملة، فلا يمكن أن يرضى لنفسه (بأخس) ~~(7) مراتبها وهو (مدع أحسنها) (8)، وهو (العلم) (9) فلو علم المبتدع أنه ~~مبتدع لم يبق على تلك الحالة ولم يصاحب أهلها، فضلا عن أن يتخذها دينا يدين ~~به الله، وهو أمر مركوز في الفطرة لا يخالف فيه عاقل. # فإذا كان كذلك فكل فرقة تنازع صاحبتها في فرقة النجاة. ألا ترى أن ~~PageV03P197 # المبتدع آخذ أبدا في تحسين حالته شرعا وتقبيح حالة غيره. # (فالظاهري) (1) يدعي أنه (هو) (2) المتبع للسنة، (والقايس) (3) يدعي أنه ~~الذي فهم الشريعة، وصاحب نفي الصفات يدعي أنه الموحد. # والقائل باستقلال (قدرة) (4) العبد (يدعي) (5) أنه صاحب العدل، (ولذلك) ~~(6) سمى المعتزلة أنفسهم أهل العدل والتوحيد، والمشبه يدعي أنه المثبت لذات ~~الباري وصفاته، لأن نفي التشبيه عنده نفي محض، وهو العدم. # (وكذلك) (7) كل طائفة من الطوائف (التي) (8) ثبت لها اتباع الشريعة أو لم ~~يثبت لها. # وإذا رجعنا إلى الاستدلالات القرآنية أو السنية على الخصوص، فكل طائفة ~~تتعلق بذلك أيضا. # فالخوارج تحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي/ ظاهرين ~~على الحق حتى يأتي أمر الله" (9)، وفي رواية: "لا يضرهم/ خلاف من خالفهم"، ~~PageV03P198 # و"من قتل دون ماله فهو شهيد" (1). # (والقاعد) (2) يحتج بقوله: "عليكم بالجماعة، فإن يد الله (مع الجماعة) ~~(3) " (4)، و"من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" (5)، ~~وقوله: "كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل" (6). # والمرجئ يحتج بقوله: "من قال لا إله إلا الله مخلصا (من قلبه) (7) فهو في ~~الجنة/ وإن زنى وإن سرق" (8)، والمخالف له (محتج) (9) بقوله: "لا يزني ~~الزاني حين يزني/ وهو مؤمن" (10). PageV03P199 # والقدري يحتج بقوله تعالى: {فطرة الله التي فطر الناس عليها} (1)، ~~وبحديث: "كل مولود يولد على الفطرة (حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه) (2) " (3). # والمفوض يحتج بقوله تعالى: {ونفس وما سواها *فألهمها فجورها وتقواها *} ~~(4)، وفي الحديث: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (5). # والرافضة (6) تحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: "ليردن الحوض أقوام ثم ~~(ليختلجن) ms510 (7) دوني، فأقول: يا رب أصحابي (أصحابي) (8)، فيقال: إنك لا تدري ~~ما أحدثوا بعدك، (إنهم) (9) لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" ~~(10) ويحتجون في تقديم علي رضي الله عنه (بقوله) (11): (أنت مني بمنزلة ~~هارون PageV03P200 # من موسى، غير أنه لا نبي بعدي) (1)، و (من كنت مولاه فعلي مولاه) (2). # ومخالفوهم يحتجون في تقديم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بقوله: (اقتدوا ~~باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) (3) و (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) ~~(4) إلى أشباه ذلك، مما يرجع إلى معناه. # والجميع محومون في زعمهم على الانتظام في سلك الفرقة الناجية، وإذا كان ~~كذلك أشكل على (المبتدي) (5) في النظر ما كان عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه/ ولا يمكن أن يكون مذهبهم مقتضى هذه الظواهر، فإنها متدافعة ~~متناقضة، وإنما يمكن الجمع فيها إذا جعل بعضها أصلا، فيرد البعض الآخر إلى ~~ذلك الأصل بالتأويل. # وكذلك (فعل كل) (6) واحدة من تلك الفرق تستمسك ببعض تلك الأدلة وترد ما ~~سواها إليها، أو تهمل اعتبارها بالترجيح، إن كان الموضع PageV03P201 # من الظنيات التي يسوغ فيها الترجيح، أو تدعي أن أصلها الذي ترجع إليه ~~قطعي والمعارض له (ظني) (1) فلا يتعارضان. # وإنما كانت طريقة الصحابة رضي الله عنهم ظاهرة في الأزمنة المتقدمة، أما ~~وقد استقرت مآخذ الخلاف (في كل نوع من أنواع العلوم الشرعية فلا يمكن ~~الرجوع (إلى طريقة) (2) يتفق الجميع على أنها طريقة الصحابة؛ لأن الاتفاق ~~على ذلك مع القصد إلى الخلاف) (3) / (محال) (4)،/ وهذا الموضع مما (يتضمنه) ~~(5) قول الله تعالى:/ {ولا يزالون مختلفين *إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} ~~(6). # فتأملوا رحمكم الله كيف صار الاتفاق محالا في العادة ليصدق العقل بصحة ما ~~أخبر الله به. # والحاصل أن تعيين هذه الفرقة الناجية في (مثل) (7) زماننا صعب، ومع ذلك ~~فلا بد من النظر فيه، وهو نكتة هذا الكتاب، فليقع به فضل اعتناء بحسب ما ~~هيأه الله تعالى، وبالله التوفيق. # ولما كان ذلك يقتضي كلاما كثيرا أرجأنا القول فيه إلى باب آخر، (نذكره) ~~(8) فيه على حدته، إذ ليس هذا موضع ذكره، ms511 والله المستعان. ### | المسألة الخامسة عشرة # (9): # (أنه صلى) (10) الله عليه وسلم (قال) (11): "كلها في النار إلا واحدة" ~~(وحتم) (12) ذلك، (وقدم) (13) أنه لا يعد من الفرق إلا المخالف/ في أمر ~~PageV03P202 # كلي وقاعدة عامة، (لم) (1) ينتظم/ الحديث على الخصوص إلا أهل البدع ~~المخالفين للقواعد، وأما من ابتدع في الدين لكنه لم يبتدع (ما) (2) (ينقض) ~~(3) أمرا كليا، أو يخرم أصلا من الشرع عاما، فلا دخول له في النص المذكور، ~~فينظر في حكمه: هل (يلحق) (4) بمن ذكر، أم لا؟ # والذي يظهر في المسألة أحد أمرين: إما أن نقول: إن الحديث لم يتعرض لتلك ~~الواسطة بلفظ ولا معنى، إلا أن ذلك يؤخذ من عموم الأدلة المتقدمة، كقوله: ~~"كل بدعة ضلالة" وما أشبه ذلك، وإما أن نقول: إن الحديث وإن لم يكن في لفظه ~~دلالة ففي معناه ما يدل على قصده في الجملة، وبيانه: (أنه) (5) تعرض لذكر ~~الطرفين الواضحين: # أحدهما: طرف السلامة والنجاة من غير داخلة شبهة ولا إلمام (ببدعة) (6)، ~~وهو قوله: (ما أنا عليه وأصحابي). # والثاني: طرف الإغراق في البدعة/ وهو الذي تكون فيه البدعة كلية أو تخرم ~~أصلا كليا، جريا على عادة الله في كتابه العزيز، لأنه تعالى لما ذكر أهل ~~الخير وأهل الشر ذكر كل فريق منهم (بأعلى) (7) ما (عمل) (8) من خير أو شر، ~~ليبقى المؤمن فيها بين الطرفين خائفا راجيا، إذ (حصل) (9) التنبيه بالطرفين ~~الواضحين، فإن الخير على مراتب بعضها أعلى من بعض، والشر على مراتب بعضها ~~أشد من بعض، فإذا ذكر أهل الخير الذين في أعلى الدرجات خاف أهل الخير الذين ~~دونهم أن لا يلحقوا بهم، (أو رجوا أن يلحقوا بهم) (10)،/ وإذا ذكر أهل الشر ~~الذين/ في (أشد) (11) المراتب PageV03P203 # خاف أهل الشر الذين دونهم أن يلحقوا بهم، أو رجوا أن (لا) (1) يلحقوا ~~بهم. # وهذا المعنى معلوم بالاستقراء، وذلك الاستقراء إذا تم يدل على قصد الشارع ~~إلى ذلك المعنى، ويقويه ما روي (عن) (2) سعيد بن منصور في تفسيره عن عبد ~~الرحمن بن سابط (3) قال: لما بلغ الناس أن أبا بكر يريد أن يستخلف ms512 عمر رضي ~~الله عنهما قالوا: ماذا يقول لربه إذا لقيه؟ استخلف علينا فظا غليظا وهو لا ~~يقدر على شيء فكيف لو قدر؟ فبلغ ذلك أبا بكر رضي الله عنه فقال: أبربي ~~تخوفوني؟ أقول: استخلفت خير (أهلك) (4)، ثم أرسل إلى عمر رضي الله عنه ~~فقال: إن لله عملا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملا بالنهار لا يقبله ~~(بالليل) (5)، واعلم أنه (لا يقبل) (6) نافلة حتى تؤدى الفريضة، ألم تر أن ~~الله ذكر أهل الجنة (فذكرهم) (7) بأحسن أعمالهم، وذلك أنه (تجاوز عن سيئة ~~حتى يقول القائل: أنى يبلغ عملي مثل هذا ألم تر أن الله حين ذكر أهل النار، ~~فذكرهم بأسوء أعمالهم وذلك أنه) (8) رد عليهم حسنة فلم يقبل منهم حتى يقول ~~القائل: عملي خير من هذا؛ ألم تر أن الله أنزل الرغبة والرهبة لكي (يرغب) ~~(9) المؤمن فيعمل، (ويرهب) (10) فلا يلقي بيده إلى التهلكة، ألم تر أنما ~~ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم/ الحق وتركهم الباطل فثقل (ذلك) (11) ~~(عملهم) (12)، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا حق أن يثقل، ألم تر أنما خفت/ ~~موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل PageV03P204 # وتركهم الحق، وحق (لميزان) (1) لا يوضع فيه إلا (باطل) (2) أن يخف ثم قال ~~: (أما) (3) إن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من الموت، وأنت لا بد ~~لاقيه وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولا تعجزه (4). # /وهذا الحديث وإن لم يكن (في الصحة) (5) / هنالك، ولكن معناه صحيح يشهد ~~له الاستقراء لمن تتبع آيات القرآن الكريم، ويشهد لما (تقدم) (6) من أن هذا ~~المعنى مقصود استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمثله، إذ رأى بعض أصحابه ~~وقد اشترى لحما بدرهم: أين تذهب بكم هذه الآية: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها} (7) (8). PageV03P205 # والآية إنما نزلت في الكفار، لقوله تعالى: {ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار أذهبتم} الآية إلى أن قال: {فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم ~~تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} (1) ولم يمنعه/ رضي الله ~~عنه إنزالها في الكفار من ms513 الاستشهاد بها في مواضع اعتبارا بما تقدم، وهو ~~أصل شرعي تبين في كتاب الموافقات (2). # فالحاصل أن من عدا الفرق من المبتدعة الابتداع الجزئي لا يبلغ مبلغ أهل ~~البدع (في) (3) الكليات، في الذم والتصريح بالوعيد بالنار، ولكنهم اشتركوا ~~في المعنى المقتضي للذم والوعيد، كما اشترك في اللفظ صاحب اللحم حين تناول ~~بعض الطيبات على وجه فيه كراهية ما، في اجتهاد عمر مع من أذهب طيباته في ~~حياته الدنيا من الكفار، وإن كان (بينهما) (4) ما (بينهما) (5) من البون ~~البعيد، والقرب والبعد (من الطرف) (6) المذموم بحسب ما يظهر من الأدلة ~~للمجتهد، وقد تقدم بسط ذلك في بابه، والحمد لله. ### | المسألة السادسة عشرة # (7): # /أن رواية من/ روى في تفسير الفرقة الناجية: (وهي الجماعة) محتاجة إلى ~~التفسير لأنه إن كان (معناها) (8) بينا من جهة تفسير الرواية الأخرى وهي ~~قوله: (ما أنا/ عليه وأصحابي) فمعنى لفظ (الجماعة) من حيث المراد به في ~~إطلاق الشرع محتاج إلى التفسير. # فقد جاء في أحاديث كثيرة منها الحديث الذي نحن في تفسيره، ومنها ~~PageV03P206 # ما صح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى من أميره ~~شيئا يكرهه فليصبر عليه، (فإنه) (1) من فارق الجماعة (شبرا) (2) فمات مات ~~ميتة جاهلية) (3). # وصح من حديث حذيفة قال: قلت يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا ~~الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (نعم، قلت: وهل بعد ذلك ~~الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، (قلت) (4): وما دخنه؟ قال: قوم (يستنون ~~بغير سنتي و) (5) يهدون/ بغير هديي تعرف منهم وتنكر. (وفي رواية: قوم يهدون ~~بغير هديي ويستنون بغير سنتي تعرف منهم وتنكر) (6). # قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم ~~إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون ~~بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين ~~وإمامهم، قلت: فإن لم يكن (لهم) (7) جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق ~~كلها، ms514 ولو أن تعض بأصل شجرة حتى (يدركك) (8) الموت وأنت على ذلك) (9). # وخرج الترمذي والطبري عن ابن/ عمر قال: خطبنا عمر بن الخطاب PageV03P207 # رضي الله عنه بالجابية (1) فقال: إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فينا، فقال: (أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ~~ثم (يفشو) (2) الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، عليكم ~~بالجماعة، وإياكم/ والفرقة، لا يخلون رجل بامرأة، فإنه لا (يخلون) (3) رجل ~~بامرأة إلا كان ثالثهما/ الشيطان، الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ~~ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فذلك ~~هو المؤمن) (4). # وفي الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ("يد الله مع الجماعة" (5)، حديث غريب. # ومثله عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) (6): "إن الله ~~لا يجمع أمتي (أو قال: أمة محمد) (7) على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن ~~شذ شذ إلى النار" (8). # وخرج أبو داود/ عن أبي ذر قال:/ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ~~فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" (9). PageV03P208 # وعن عرفجة (1) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون في ~~أمتي (هنات وهنات) (2)، فمن أراد أن (يفرق) (3) أمر المسلمين وهم جميع ~~فاضربوه بالسيف كائنا من كان) (4). # فاختلف الناس في معنى الجماعة المرادة في هذه الأحاديث على خمسة أقوال: # أحدها: (أنها) (5) السواد الأعظم من أهل الإسلام وهو (الذي) (6) يدل عليه ~~كلام أبي غالب (7): إن السواد الأعظم (هم) (8) الناجون من الفرق، فما كانوا ~~عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في ~~شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق. # وممن قال بهذا أبو مسعود الأنصاري (9) وعبد الله بن مسعود، فروى أنه لما ~~قتل عثمان سئل أبو مسعود الأنصاري عن الفتنة، فقال: عليك بالجماعة فإن الله ~~لم يكن ليجمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، ms515 واصبر حتى (يستريح ~~بر) (10)، أو يستراح من فاجر (11). PageV03P209 # وقال: إياك والفرقة فإن الفرقة هي الضلالة (1). # وقال/ ابن مسعود رضي الله عنه: عليكم بالسمع والطاعة (والجماعة) (2) ~~فإنها حبل الله الذي أمر به، ثم قبض يده وقال: إن الذي تكرهون في/ الجماعة ~~خير من الذي تحبون في الفرقة (3). # وعن الحسين (4) قيل له: أبو بكر خليفة رسول/ الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: إي و (الله) (5) الذي لا إله إلا هو، ما كان الله ليجمع أمة محمد على ~~ضلالة. # فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة ~~(العاملون) (6) بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنهم تابعون لهم ومقتدون ~~بهم، (فكل) (7) من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا وهم (نهبة) (8) الشيطان، ~~ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا ~~في سوادهم بحال. # والثاني: أنها جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج (عما) (9) عليه ~~PageV03P210 # (جماعة) (1) علماء الأمة مات ميتة جاهلية، (لأن الله تعالى، جعلهم حجة ~~على العالمين) (2)، وهم المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله لن ~~يجمع أمتي على ضلالة" (3)، وذلك أن العامة عنها/ تأخذ دينها، وإليها تفزع ~~(في) (4) النوازل، وهي تبع لها، فمعنى قوله: "لن تجتمع أمتي (على ضلالة) ~~(5) ": لن يجتمع علماء أمتي على ضلالة. # (وممن) (6) قال بهذا عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وجماعة من ~~السلف وهو رأي الأصوليين، فقيل لعبد الله بن المبارك: من الجماعة الذين ~~ينبغي/ أن يقتدى بهم؟ قال: أبو بكر وعمر فلم يزل (يحسب) (7) حتى انتهى إلى ~~محمد بن ثابت (8) (والحسين) (9) بن واقد (10) (فقيل) (11): هؤلاء ماتوا، ~~فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري (12). PageV03P211 # وعن المسيب بن رافع (1) قال: كانوا إذا جاءهم شيء من القضاء ليس في كتاب ~~الله ولا سنة رسوله ((ص)) سموه: صوافي الأمراء، فجمعوا له أهل العلم، فما ~~أجمع رأيهم عليه فهو الحق (2). # وعن إسحاق/ بن راهويه نحو مما قال ابن المبارك (3). # فعلى هذا القول لا مدخل في (هذا) (4) (السواد) (5) لمن ليس بعالم مجتهد، ~~لأنه داخل في أهل التقليد، ms516 فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة ~~الجاهلية، ولا يدخل (فيهم) (6) (أيضا) (7) أحد من المبتدعين، لأن العالم ~~أولا لا يبتدع، وإنما يبتدع من ادعى لنفسه العلم وليس كذلك، ولأن البدعة قد ~~أخرجته عن نمط من يعتد بأقواله، وهذا بناء على القول بأن المبتدع لا يعتد ~~به في الإجماع، وإن قيل بالاعتداد بهم فيه ففي غير المسألة التي ابتدع ~~فيها؛ لأنهم في نفس البدعة مخالفون للإجماع: فعلى كل تقدير لا يدخلون في ~~السواد/ الأعظم (أصلا) (8). # والثالث: إن الجماعة هي (جماعة) (9) الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين ~~أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلا، ~~وقد يمكن/ فيمن/ سواهم ذلك، ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم ~~الساعة على أحد يقول الله الله" (10). PageV03P212 # وقوله: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" (1)، فقد أخبر عليه الصلاة/ ~~والسلام أن من الأزمان أزمانا يجتمعون فيها على ضلالة وكفر. # قالوا: وممن قال بهذا القول عمر بن عبد العزيز، فروى ابن وهب عن مالك ~~قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة ~~الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال (لطاعة) (2) ~~الله، وقوة على دين/ الله، ليس لأحد (تبديلها ولا) (3) تغييرها ولا النظر ~~فيما خالفها، من اهتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع ~~غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت (مصيرا) (4)، ~~فقال مالك : فأعجبني/ عزم عمر على ذلك (5). # فعلى هذا القول (لفظ) (6) الجماعة مطابق للرواية الأخرى في قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "ما أنا عليه وأصحابي"، فكأنه راجع إلى (أن) (7) ما قالوه وما ~~سنوه، وما اجتهدوا فيه حجة على الإطلاق، (لشهادة) (8) رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لهم بذلك خصوصا في قوله: ((فعليكم) (9) بسنتي وسنة الخلفاء ~~PageV03P213 # الراشدين) (1) وأشباهه، (ولأنهم) (2) (المتلقون) (3) لكلام النبوة، ~~(المهتدون بالشريعة) (4)، الذين فهموا (مراد) (5) الله بالتلقي من نبيه ~~مشافهة، على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال بخلاف غيرهم، فإذا ~~كل ما سنوه فهو ms517 سنة من غير (نظر) (6) (فيه) (7) بخلاف غيرهم، فإن فيه لأهل ~~الاجتهاد مجالا للنظر ردا أو قبولا، فأهل البدع إذا غير داخلين في الجماعة ~~قطعا على هذا القول. # والرابع: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر فواجب على ~~غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضمن الله لنبيه عليه الصلاة والسلام ~~أن لا يجمعهم على ضلالة، فإن وقع بينهم اختلاف فواجب تعرف الصواب فيما ~~اختلفوا فيه. # قال الشافعي:/ الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله، ولا سنة ولا ~~قياس، وإنما تكون الغفلة في الفرقة (8). # /وكأن هذا القول راجع إلى الثاني وهو يقتضي أيضا ما يقتضيه، أو يرجع إلى ~~القول الأول وهو الأظهر، وفيه من المعنى ما في الأول من أنه لا بد من كون ~~المجتهدين فيهم، وعند ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلا، ~~فهم إذا الفرقة الناجية. # والخامس: ما اختاره الطبري الإمام من أن الجماعة جماعة المسلمين ~~PageV03P214 # إذا/ اجتمعوا على (أمير) (1)، فأمر صلى الله عليه وسلم بلزومه ونهى عن ~~فراق الأمة فيما اجتمعوا/ عليه من تقديمه عليهم لأن فراقهم (إياه) (2) لا ~~يعدو إحدى (حالتين) (3) إما (للنكير) (4) عليهم في طاعة أميرهم والطعن ~~عليه/ في سيرته المرضية لغير موجب، بل (بالتأويل) (5) في إحداث بدعة في ~~الدين، كالحرورية التي أمرت الأمة بقتالها وسماها (النبي صلى الله عليه ~~وسلم) (6): مارقة من الدين، وإما (لطلب) (7) إمارة من بعد انعقاد البيعة ~~لأمير الجماعة، فإنه نكث عهد ونقض (عقد) (8) بعد وجوبه. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من جاء إلى أمتي ليفرق جماعتهم فاضربوا ~~عنقه كائنا من كان" (9)، قال الطبري فهذا معنى الأمر بلزوم الجماعة. # قال: وأما الجماعة التي إذا اجتمعت على الرضى بتقديم أمير كان المفارق ~~لها (ميتا ميتة) (10) جاهلية، فهي الجماعة التي وصفها أبو مسعود الأنصاري ~~رضي الله عنه (وغيره) (11)، (وهم) (12) معظم الناس وكافتهم من أهل العلم ~~والدين وغيرهم، وهم السواد الأعظم. # قال: وقد بين ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فروى عن عمرو بن ميمون ms518 ~~الأودي (13) قال: قال: عمر حين طعن لصهيب صل بالناس ثلاثا وليدخل علي عثمان ~~وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن، PageV03P215 # وليدخل (ابن عمر) (1) في جانب البيت وليس له من الأمر شيء، فقم يا صهيب ~~على رؤوسهم بالسيف/ فإن بايع/ خمسة ونكص (رجل) (2) واحد فاجلد رأسه بالسيف، ~~وإن بايع أربعة ونكص رجلان فاجلد رؤوسهما حتى يستوثقوا على رجل (3). # قال: فالجماعة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزومها وسمى ~~المنفرد عنها مفارقا لها نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت ~~عليه، وأمر صهيبا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف، (فهم) (4) في معنى/ كثرة/ ~~العدد المجتمع على بيعته وقلة العدد المنفرد عنهم. # قال: وأما الخبر الذي ذكر فيه أن لا تجتمع الأمة على ضلالة فمعناه أن لا ~~يجمعهم على إضلال الحق فيما (نابهم) (5) من أمر دينهم حتى يضل جميعهم (عن) ~~(6) العلم ويخطئوه، وذلك لا يكون في الأمة (7). # هذا تمام كلامه وهو منقول بالمعنى وتحر (في) (8) أكثر اللفظ. # وحاصله أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، ~~وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكورة في ~~الأحاديث (المذكورة) (9) كالخوارج ومن جرى مجراهم. # فهذه خمسة أقوال/ دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع، وأنهم ~~PageV03P216 # المرادون بالأحاديث، فلنأخذ ذلك أصلا ونبني عليه معنى آخر، وهي: ### | المسألة السابعة عشرة # (1): # وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد سواء ضموا إليهم ~~العوام أم لا، فإن لم يضموا إليهم (العوام) (2) فلا إشكال أن الاعتبار إنما ~~هو بالسواد الأعظم من العلماء/ المعتبر اجتهادهم، فمن شذ عنهم فمات فميتته ~~جاهلية، وإن ضموا إليهم العوام فبحكم التبع لأنهم غير عارفين بالشريعة، فلا ~~بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء، فإنهم لو تمالئوا على مخالفة العلماء ~~فيما حدوا لهم لكانوا هم الغالب والسواد الأعظم في ظاهر الأمر، لقلة ~~العلماء وكثرة الجهال، فلا يقول أحد: إن اتباع جماعة العوام هو المطلوب، ~~وإن العلماء هم المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث. بل الأمر بالعكس، ~~وأن العلماء هم السواد ms519 الأعظم وإن قلوا، والعوام هم المفارقون للجماعة إن ~~خالفوا، فإن وافقوا فهو الواجب عليهم. # /ومن هنا لما سئل ابن المبارك عن الجماعة الذين يقتدى بهم أجاب بأن قال: ~~أبو بكر وعمر قال فلم (يزل يحسب) (3) حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين ~~بن واقد، قيل: فهؤلاء ماتوا، فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري وهو محمد ~~بن ميمون المروزي، فلا يمكن أن يعتبر العوام في هذه المعاني بإطلاق، وعلى ~~هذا لو فرضنا خلو الزمان (عن) (4) مجتهد لم يمكن اتباع العوام لأمثالهم، ~~ولا عد سوادهم/ أنه السواد الأعظم المنبه عليه في الحديث الذي من خالفه ~~فميتته جاهلية، بل يتنزل النقل عن المجتهدين منزلة وجود المجتهدين، فالذي ~~يلزم (العوام) (5) مع وجود المجتهدين هو الذي يلزم أهل الزمان المفروض ~~الخالي عن (المجتهدين) (6). PageV03P217 # وأيضا فاتباع نظر من لا نظر (له) (1) واجتهاد من لا اجتهاد (له) (1) محض ~~ضلالة، ورمي في عماية، وهو مقتضى الحديث الصحيح: "إن الله لا يقبض العلم ~~انتزاعا (ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق ~~عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) (2) " ~~(1). # /روى (أبو نعيم) (3) عن محمد بن القاسم الطوسي (4) ( خديم محمد بن أسلم ~~الطوسي ) (5) قال: سمعت إسحاق بن راهويه (وذكر) (6) في حديث رفعه/ إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة، ~~فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم" (7)، فقال رجل: يا أبا يعقوب، ~~من السواد الأعظم؟ فقال: محمد بن أسلم (8) وأصحابه ومن (تبعه) (9)، ثم قال: ~~سأل رجل ابن المبارك: من السواد الأعظم؟ قال: أبو حمزة السكري. ثم قال ~~إسحاق: في ذلك الزمان يعني أبا حمزة وفي زماننا محمد بن أسلم، ومن تبعه،/ ~~ثم قال إسحاق: لو سألت الجهال عن السواد الأعظم لقالوا: جماعة الناس، ولا ~~يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم وطريقه، فمن ~~كان معه وتبعه فهو الجماعة (10). ثم قال إسحاق: لم أسمع عالما// منذ خمسين ~~سنة (كان أشد تمسكا بأثر ms520 PageV03P218 # النبي صلى الله عليه وسلم من محمد بن أسلم) (1). # فانظر في (حكايته تتبين) (2) غلط من ظن أن الجماعة هي جماعة الناس وإن لم ~~يكن فيهم عالم، وهو (فهم) (3) العوام، لا فهم العلماء (الأعلام) (4) فليثبت ~~الموفق في هذه المزلة قدمه لئلا يضل عن سواء السبيل، ولا توفيق إلا بالله. ### | المسألة الثامنة عشرة # (5): # في بيان معنى رواية أبي داود وهي قوله صلى الله عليه وسلم: "وإنه سيخرج ~~في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه ~~عرق ولا مفصل إلا دخله" (6). # وذلك أن معنى هذه الرواية أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بما سيكون في أمته ~~من هذه الأهواء التي افترقوا (بسببها) (7) إلى تلك الفرق، وأنه يكون فيهم ~~أقوام تداخل تلك الأهواء قلوبهم حتى لا يمكن في العادة (انفصالهم) (8) عنها ~~و (لا) (9) توبتهم منها، على حد ما يداخل داء الكلب جسم صاحبه فلا يبقى من ~~ذلك الجسم جزء من أجزائه/ (لا عرق) (10) / ولا مفصل ولا غيرهما إلا (داخله) ~~(11) ذلك الداء، وهو جريان لا يقبل العلاج ولا ينفع فيه الدواء، فكذلك صاحب ~~الهوى إذا دخل قلبه، وأشرب حبه، لا تعمل فيه الموعظة PageV03P219 # ولا يقبل البرهان، ولا يكترث بمن خالفه، واعتبر ذلك بالمتقدمين من أهل ~~الأهواء كمعبد الجهني (1) وعمرو بن عبيد (2) وسواهما، فإنهم كانوا (حيث ~~لقوا) (3) مطرودين من كل جهة، (محجوجين على) (4) كل لسان،/ مبعدين عند كل ~~مسلم، ثم مع ذلك لم يزدادوا إلا تماديا (في) (5) ضلالهم، ومداومة على ما هم ~~عليه {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} (6). # وحاصل ما عولوا/ عليه تحكيم العقول مجردة، فشركوها مع الشرع في التحسين ~~والتقبيح، ثم قصروا أفعال الله على ما ظهر لهم ووجهوا عليها أحكام العقل ~~فقالوا: يجب على الله كذا ولا يجوز أن يفعل كذا، فجعلوه محكوما عليه كسائر ~~المكلفين، ومنهم من لم يبلغ هذا المقدار، بل استحسن (بعقله أشياء) (7) ~~واستقبح آخر وألحقها بالمشروعات، ولكن الجميع (بقوا) (8) على تحكيم العقول، ~~ولو وقفوا (هنا) (9) لكانت الداهية على عظمها ms521 أيسر، ولكنهم تجاوزوا هذه ~~الحدود كلها إلى أن نصبوا المحاربة لله ورسوله، باعتراضهم على كتاب الله ~~وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وادعائهم عليهما من التناقض والاختلاف ~~ومنافاة العقول وفساد (النظر) (10) ما هم له أهل. # قال (القتبي) (11): وقد اعترض (على) (12) كتاب الله تعالى بالطعن ~~PageV03P220 # ملحدون، ولغوا (فيه) (1) وهجروا، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله، بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول/، فحرفوا الكلم عن ~~مواضعه، وعدلوا به عن (سبيله) (2)، ثم قضوا عليه بالتناقض، والاستحالة ~~واللحن، وفساد النظم والاختلاف، وأدلوا (في ذلك) (3) بعلل ربما أمالت ~~الضعيف (الفكر) (4)، و (الحدث) (5) الغر، واعترضت بالشبة في القلوب وقدحت ~~بالشكوك في الصدور، قال: ولو كان ما لحنوا إليه، على/ (تقديرهم) (6) ~~وتأولهم لسبق إلى الطعن فيه من لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتج ~~بالقرآن (عليهم) (7)، ويجعله (علم) (8) (نبوته) (9) والدليل على صدقه، ~~(ويتحداهم) (10) في (موطن بعد موطن) (11) على أن (يأتوا) (12) بسورة من ~~مثله، وهم الفصحاء والبلغاء، والخطباء والشعراء، والمخصوصون من بين جميع ~~الأنام، (بالألسنة) (13) الحداد واللدد في الخصام،/ مع اللب/ والنهى وأصالة ~~الرأي، فقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب/ وكانوا يقولون مرة هو ~~سحر، ومرة هو شعر، ومرة هو قول الكهنة، ومرة أساطير الأولين، ولم يحك الله ~~عنهم (ولا بلغنا في شيء من الروايات أنهم جذبوه من الجهة التي جذبه منها ~~الطاعنون، هذا ما قال، وهو صحيح من الاستدلال، وكذلك حكى عنهم) (14) ~~الاعتراض على الأحاديث ودعوى التناقض والاختلاف/ فيها، وحكي عنهم، لأجل ذلك ~~القدح في خير أمة PageV03P221 # أخرجت للناس وهم الصحابة رضي الله عنهم، (واتبعوهم) (1) (بالمحدثين ~~وقالوا ما شاؤوا وجروا) (2) في الطعن على الحديث جري من لا يرى عليه محتسبا ~~في الدنيا ولا محسبا في الآخرة. # وقد بسط الكلام في الرد عليهم والجواب عما اعترضوا فيه أبو محمد بن قتيبة ~~في كتابين (3) صنفهما لهذا المعنى، وهما من محاسن كتبه رحمه الله، ولم ~~(أرد) (4) (قص بعض تلك الاعتراضات تنزيها للمعترض فيه) (5)، ولأن غيري ~~والحمد لله قد تجرد له، ولكن أردت بالحكاية ms522 عنهم على الجملة بيان معنى ~~قوله: (تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه) وقبل وبعد فأهل ~~الأهواء إذا استحكمت فيهم أهواؤهم لم يبالوا بشيء، ولم يعدوا خلاف أنظارهم ~~شيئا، ولا راجعوا عقولهم مراجعة من يتهم نفسه ويتوقف في موارد الإشكال وهو ~~شأن المعتبرين من أهل العقول وهؤلاء صنف من أصناف من اتبع (هواه) (6) / ولم ~~يعبأ بعذل العاذل فيه، (وثم) (7) أصناف أخر يجمعهم مع هؤلاء إشراب الهوى في ~~قلوبهم، حتى لا يبالوا بغير ما هم عليه. # فإذا تقرر معنى الرواية بالتمثيل، صرنا منه إلى معنى آخر، وهي: ### | المسألة التاسعة عشرة # (8): # إن قوله: (تتجارى بهم تلك الأهواء) فيه الإشارة ب (تلك) فلا تكون ~~PageV03P222 # (الإشارة) (1) إلى غير/ مذكور، ولا محال بها على غير معلوم، بل لا بد لها ~~من متقدم ترجع إليه، وليس إلا الأحوال التي كانت/ السبب في الافتراق، (إذ ~~لو كانوا على حال واحد لم يفترقوا، فلما اختلفت أحوالهم ظهر الافتراق) (2)، ~~فجاءت الزيادة في الحديث مبينة أنها الأهواء، وذلك قوله: (تتجارى بهم (تلك) ~~(3) الأهواء)، فدل على أن كل خارج عما هو عليه وأصحابه إنما خرج باتباع ~~الهوى (لا بالشرع) (4)، (وإن أبدى أنه متبع للشرع) (5) وقد مر بيان هذا ~~(المعنى) (6) قبل فلا نعيده (7). ### | المسألة العشرون # أن قوله صلى الله عليه وسلم: وإنه سيخرج في أمتي أقوام على وصف كذا، ~~يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يريد أن كل من دخل من أمته في هوى من تلك الأهواء/ ورآها وذهب ~~إليها، فإن هواه يجري فيه مجرى الكلب بصاحبه فلا يرجع أبدا عن هواه ولا ~~يتوب من بدعته. # والثاني: أن يريد أن من أمته من يكون عند دخوله في البدعة مشرب القلب ~~بها، ومنهم من لا يكون/ كذلك، فيمكنه التوبة منها والرجوع عنها. # /والذي يدل على (صحة) (8) الأول (ما تقدم من) (9) النقل المقتضي (بحجز ~~التوبة) (10) عن صاحب البدعة على العموم، كقوله صلى الله عليه وسلم: (في ~~الخوارج) (11): (يمرقون من الدين ثم لا يعودون حتى يعود السهم على ~~PageV03P223 # فوقه) (1) وقولهم: (إن الله حجر التوبة عن صاحب ms523 البدعة) (2). # وما أشبه ذلك، ويشهد له الواقع، فإنه قلما تجد صاحب بدعة ارتضاها لنفسه ~~(يخرج) (3) عنها أو يتوب منها، بل هو يزداد بضلالتها بصيرة. # روى عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: مثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب ~~منه (مثل) (4) المجنون الذي عولج حتى برئ، (فأعقل) (5) ما يكون (قد) (6) ~~هاج (به) (7). # ويدل على صحة الثاني أن ما تقدم من النقل لا يدل على أن لا توبة له أصلا، ~~لأن/ العقل يجوز ذلك، والشرع إن (جاء) (8) على ما ظاهره العموم فعمومه إنما ~~يعتبر عاديا، والعادة إنما تقتضي في العموم الأكثرية، لا (انحتام) (9) ~~الشمول الذي يجزم به العقل إلا بحكم الاتفاق، وهذا مبين في الأصول. # والدليل/ على ذلك أنا (قد) (10) وجدنا من كان (عاملا) (11) ببدع ثم تاب ~~منها وراجع نفسه بالرجوع عنها، كما رجع من الخوارج من رجع حين PageV03P224 # ناظرهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكما رجع المهتدي (1) والواثق ~~(2) وغيرهم ممن كان قد خرج عن السنة ثم رجع إليها، وإذا حصل تخصيص العموم ~~(بفرد) (3) لم يبق اللفظ عاما وحصل الانقسام. # وهذا الثاني هو الظاهر، لأن الحديث أعطى أوله أن الأمة تفترق ذلك ~~الافتراق/ من غير إشعار بإشراب أو عدمه، ثم بين أن في أمته المفترقين عن ~~الجماعة من يشرب تلك الأهواء، فدل أن فيهم من لا يشربها، وإن كان من أهلها، ~~ويبعد أن يريد أن في مطلق الأمة من يشرب تلك الأهواء، (إذا) (4) كان يكون ~~في الكلام نوع من التداخل الذي لا فائدة فيه، فإذا (تبين) (5) أن المعنى ~~أنه يخرج في الأمة المفترقة/ بسبب الهوى من يتجارى به ذلك الهوى استقام ~~الكلام واتسق، وعند/ ذلك يتصور الانقسام، وذلك بأن يكون في الفرقة ~~(الواحدة) (6) من يتجارى به الهوى كتجاري الكلب، ومن لا يتجارى به ذلك ~~المقدار، لأنه يصح أن يختلف التجاري، فمنه ما يكون في الغاية حتى يخرج (به) ~~(7) إلى الكفر أو يكاد، ومنه ما لا يكون كذلك. # فمن القسم الأول الخوارج/ بشهادة الصادق المصدوق (رسول الله) (8) صلى ~~الله عليه ms524 وسلم حيث قال: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، ومنه ~~هؤلاء الذين (أغرقوا) (9) في البدعة حتى اعترضوا على كتاب الله وسنة نبيه، ~~وهم PageV03P225 # بالتكفير أحق من غيرهم ممن لم يبلغ (مبالغهم) (1). # ومن القسم الثاني أهل التحسين والتقبيح على الجملة، إذ لم يؤدهم عقلهم ~~إلى (مثل) (2) ما تقدم. # ومنه (ما ذهب إليه) (3) الظاهرية على رأي من عدها من البدع (4) وما أشبه ~~ذلك، و (على) (5) ذلك (نقول إن) (6): من خرج/ (من الفرق ببدعة) (7) وإن ~~كانت جزئية فلا يخلو صاحبها من تجاريها في قلبه وإشرابها له، لكن على ~~قدرها، وبذلك أيضا تدخل تحت ما تقدم من الأدلة (أن) (8) لا توبة له، لكن ~~التجاري المشبه بالكلب لا يبلغه كل صاحب بدعة، إلا أنه يبقى وجه التفرقة ~~بين من أشرب قلبه بدعة من البدع/ ذلك الإشراب، وبين من لم (يبلغه) (9) ممن ~~هو معدود في الفرق، فإن الجميع متصفون بوصف الفرقة التي هي نتيجة العداوة ~~والبغضاء. # (والفرق بينهما) (10) والله أعلم (أحد أمرين) (11): إما أن يقال: إن الذي ~~أشربها من شأنه أن يدعو إلى بدعته فيظهر بسببها (الموالاة و) (12) ~~المعاداة، والذي لم يشربها لا يدعو إليها أو لا ينتصب للدعاء إليها، ووجه ~~ذلك أن الأول لم يدع إليها إلا وهي قد بلغت من قلبه مبلغا عظيما بحيث يطرح ~~ما سواها في جنبها، حتى صار ذا بصيرة فيها لا ينثني عنها، وقد PageV03P226 # أعمت بصره وأصمت سمعه واستولت على كليته، وهي غاية المحبة، ومن أحب شيئا ~~(من) (1) هذا النوع من المحبة والى بسببه وعادى، ولم يبال بما لقي في ~~طريقه، بخلاف من لم يبلغ ذلك المبلغ، فإنما هي عنده بمنزلة مسألة علمية ~~حصلها، ونكتة اهتدى إليها، فهي مدخرة في خزانة حفظه يحكم بها على من وافق ~~أو خالف، لكن بحيث يقدر على إمساك نفسه عن الإظهار مخافة (النكال) (2) / أو ~~القيام عليه بأنواع الإضرار، ومعلوم أن كل من داهن على نفسه في شيء وهو ~~قادر على إظهاره لم يبلغ منه ذلك الشيء مبلغ الاستيلاء، فكذلك البدعة إذا ~~استخفى ms525 بها صاحبها. # وإما أن يقال: إن من أشربها ناصب عليها/// بالدعوة (المقترنة بالخروج عن) ~~(3) الجماعة والسواد الأعظم، وهي الخاصية التي ظهرت في الخوارج وسائر/ من ~~كان على رأيهم. # ومثل ما حكى ابن العربي في العواصم قال: أخبرني جماعة من أهل السنة (4) ~~بمدينة السلام: أنه ورد بها الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن ~~القشيري (5) الصوفي من (نيسابور) (6) فعقد مجلسا للذكر، وحضر فيه ~~PageV03P227 # كافة (الخلق) (1)، وقرأ القارئ: {الرحمان على العرش استوى *} (2) قال لي ~~أخصهم: (فرأيت) (3) يعني الحنابلة يقومون في أثناء المجلس ويقولون قاعد، ~~قاعد (قاعد) (4) بأرفع صوت وأبعده مدى، وثار إليهم أهل السنة من أصحاب ~~القشيري ومن أهل الحضرة، وتثاور الفئتان وغلبت العامة، فأجحروهم (إلى) (5) ~~المدرسة النظامية وحصروهم فيها ورموهم بالنشاب، فمات منهم قوم، وركب زعيم ~~الكفاة (6) وبعض (الدارية) (7) فسكنوا (ثورانهم) (8). # فهذا أيضا (من قبيل) (9) من أشرب قلبه حب البدعة حتى (أداه) (10) ذلك إلى ~~(القتال) (11)، فكل من بلغ هذا المبلغ حقيق (بأن) (12) يوصف بالوصف الذي ~~(وصف به) (13) رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن (يعد) (14) من ذلك الحزب. # وكذلك هؤلاء الذين داخلوا الملوك فأدلوا إليهم بالحجة الواهية، وصغروا في ~~(أعينهم) (15) حملة السنة وحماة الملة، حتى وقفوهم مواقف البلوى، وأذاقوهم ~~مرارة البأساء والضراء، وانتهى بأقوام إلى القتل، حسبما PageV03P228 # وقعت المحنة به زمان بشر المريسي (1) في حضرة المأمون وابن أبي داود (2) ~~وغيرهما. # فإن لم تبلغ البدعة بصاحبها (أن يناصب) (3) هذه المناصبة فهو غير مشرب ~~حبها في قلبه كالمثال في الحديث، وكم من أهل (البدع) (4) لم يقوموا ببدعتهم ~~قيام الخوارج وغيرهم، بل استتروا بها جدا، ولم يتعرضوا للدعاء إليها جهارا، ~~كما فعل غيرهم، ومنهم من يعد في العلماء والرواة وأهل العدالة بسبب (عدم) ~~(5) شهرتهم بما انتحلوه. # فهذا الوجه يظهر أنه أولى الوجوه بالصواب،/ وبالله التوفيق. ### | المسألة الحادية والعشرون: # أن هذا الإشراب المشار إليه هل يختص ببعض البدع دون بعض، أم لا يختص؟ ~~وذلك (أنه) (6) / يمكن أن (تكون) (7) بعض البدع من شأنها أن تشرب قلب/ ~~صاحبها جدا، ومنها ما لا يكون كذلك، فالبدعة الفلانية مثلا ms526 من شأنها أن ~~تتجارى بصاحبها كما يتجارى الكلب بصاحبه، والبدعة الفلانية ليست كذلك، ~~فبدعة الخوارج مثلا في طرف الإشراب كبدعة المنكرين للقياس في الفروع ~~الملتزمين (للظاهر) (8) في الطرف الآخر، ويمكن أن (يتجارى) (9) ذلك في كل ~~بدعة على العموم فيكون من أهلها من (أشربت قلبه، ومنهم من لم تشرب قلبه ذلك ~~الإشراب، وهذا الثاني هو الأظهر، PageV03P229 # والله أعلم، ويتبين بأمثلة،/ أحدها: بدعة القدر فإن من أهلها من) (1) ~~تجارت به كما يتجارى الكلب بصاحبه، كعمرو بن عبيد (2)، حسبما تقدم النقل ~~عنه أنه أنكر بسبب القول به سورة {تبت يدا أبي لهب} (3)، وقوله تعالى: ~~{ذرني ومن خلقت وحيدا *} (4) ومنهم من لم يبلغ به الحال إلى هذا النحو ~~كجملة من علماء المسلمين، كالفارسي النحوي (5) وابن جني (6). # والثاني: بدعة (الظاهرية) (7)، فإنها تجارت بقوم حتى قالوا عند ذكر قوله ~~تعالى: {على العرش استوى} (8) قاعد، قاعد (قاعد) (9)، وأعلنوا بذلك ~~وتقاتلوا عليه، ولم (تبلغ) (10) بقوم آخرين ذلك المقدار، كداود بن علي في ~~الفروع وأشباهه (11). PageV03P230 # والثالث: بدعة التزام الدعاء بإثر الصلوات دائما على الهيئة الاجتماعية، ~~فإنها بلغت (ببعض أصحابها) (1) إلى أن كان (الترك) (2) لها موجبا للقتل ~~عنده؛ فحكى القاضي أبو الخطاب بن خليل حكاية عن أبي عبد الله بن مجاهد ~~العابد (3): أن رجلا من عظماء الدولة/ وأهل الوجاهة فيها وكان موصوفا بشدة ~~السطوة وبسط اليد نزل في جوار ابن مجاهد وصلى (خلفه) (4) في مسجده الذي كان ~~يؤم فيه، وكان لا يدعو في أخريات الصلوات تصميما في ذلك على المذهب يعني ~~مذهب مالك لأنه مكروه في مذهبه/ وكان ابن مجاهد محافظا عليه، فكره ذلك ~~الرجل منه ترك/ الدعاء، وأمره أن يدعو فأبى، وبقي على عادته في تركه في ~~أعقاب الصلوات، فلما كان في بعض الليالي صلى ذلك الرجل العتمة في المسجد، ~~(فلما انقضت) (5) وخرج ذلك الرجل إلى داره قال لمن حضره من أهل المسجد: قد ~~قلنا لهذا الرجل يدعو (إثر) (6) الصلوات فأبى، فإذا كان في غدوة غد (لم ~~يفعل) (7) أضرب رقبته بهذا السيف وأشار إلى سيف في يده فخافوا على ms527 ابن ~~مجاهد من قوله لما علموا منه، فرجعت الجماعة بجملتها إلى دار ابن مجاهد. # فخرج إليهم وقال: ما شأنكم؟ / فقالوا: والله لقد خفنا (عليك) (8) من هذا ~~الرجل / وقد اشتد الآن غضبه عليك في تركك الدعاء. فقال لهم: لا أخرج عن ~~عادتي، فأخبروه بالقصة. فقال لهم وهو متبسم : انصرفوا ولا تخافوا فهو الذي ~~(تضرب) (9) رقبته (في) (10) غدوة غد بذلك السيف PageV03P231 # بحول الله، ودخل (إلى) (1) داره، وانصرفت الجماعة على ذعر من قول ذلك ~~الرجل، فلما كان مع (الصبح) (2) (من الغد) (3) وصل إلى دار الرجل قوم من ~~(صنفه مع عبيد المخزن، وحملوه حمل المغضوب عليه، فتبعه قوم من) (4) أهل ~~المسجد ومن علم حال البارحة حتى وصلوا (به) (5) إلى دار (الإمارة) (6) بباب ~~جوهر من إشبيلية (7)، وهناك أمر بضرب رقبته (فضربت بسيفه) (8) ذلك، تحقيقا ~~للإجابة وإثباتا للكرامة. # (وقد روى بعض الإشبيليين الحكاية بمعنى هذه (لكن نحو) (9) آخر) (10). # ولما رد ولد ابن الصقر (11) على الخطيب في خطبته (وكذبه حين فاه) (12) ~~باسم المهدي (13) وعصمته، أراد المرتضى (14) من ذرية عبد المؤمن (15) وهو ~~إذ ذاك خليفة أن يسجنه على قوله، فأبى الأشياخ PageV03P232 # والوزراء من فرقة الموحدين إلا قتله،/ فغلبوا على أمره فقتلوه خوفا أن ~~يقول ذلك غيره، فتختل عليهم القاعدة التي بنوا دينهم عليها. # /وقد لا تبلغ البدعة في الإشراب ذلك المقدار فلا يتفق (في) (1) الخلاف ~~فيها (ما) (2) يؤدي إلى مثل ذلك. # فهذه الأمثلة بينت بالواقع مراد الحديث (3) / على فرض صحته فإن أخبار ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما تكون (أبدا) (4) على وفق (المخبر عنه) (5) ~~من (غير تخلف ألبتة) (6). # ويشهد لهذا التفسير استقراء أحوال الخلق من انقسامها إلى الأعلى والأدنى ~~والأوسط، كالعلم والجهل والشجاعة (والجبن) (7) والعدل والجور، والجود ~~والبخل، والغنى والفقر، والعز والذل، وغير ذلك من الأحوال والأوصاف، فإنها ~~تتردد ما بين الطرفين، فعالم في أعلى درجات العلم، وآخر في أدنى درجاته، ~~وجاهل كذلك، وشجاع كذلك، إلى سائرها. # فكذلك سقوط البدع بالنفوس، إلا أن في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها ~~فائدة أخرى، وهي التحذير من مقاربتها ومقاربة ms528 أصحابها وهي: ### | المسألة الثانية والعشرون # وبيان ذلك أن داء الكلب فيه ما يشبه العدوى، فإن أصل الكلب واقع بالكلب، ~~ثم إذا عض ذلك الكلب أحدا/ صار مثله ولم يقدر على الانفصال (عنه) (8) في ~~الغالب إلا بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه/ PageV03P233 # وإشكاله فقلما يسلم من غائلته، بل إما أن يقع معه في مذهبه ويصير من ~~شيعته، وإما أن (ينبت) (1) في قلبه شكا يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر ~~(عليه) (2). # وهذا بخلاف سائر المعاصي، فإن صاحبها (لا يضر من صاحبه) (3) ولا يدخله ~~فيها غالبا إلا مع طول الصحبة والأنس به، والاعتياد لحضور معصيته، وقد أتى/ ~~في الآثار ما يدل/ على هذا المعنى. فإن السلف الصالح نهوا عن مجالستهم ~~ومكالمتهم (وسماع) (4) (كلامهم) (5) وأغلظوا في ذلك، وقد تقدم منه في الباب ~~الثاني آثار (جمة) (6). # ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من أحب أن يكرم دينه ~~فليعتزل مخالطة (السلطان) (7) ومجالسة أصحاب الأهواء، فإن مجالستهم ألصق من ~~الجرب (8). # وعن حميد الأعرج (9) (قال) (10): (قدم) (11) غيلان (12) مكة/ (يجاور) ~~(13) بها، فأتى غيلان مجاهدا فقال: يا أبا الحجاج، بلغني أنك تنهى الناس ~~عني، وتذكرني (لشيء بلغك عني) (14) لا أقوله، (إنما أقول PageV03P234 # كذا) (1)، فجاء بشيء لا (ننكره) (2)، (قال حميد) (3): فلما (قام) (4) قال ~~مجاهد: لا (تجالسوه) (5) فإنه (قدري) (6). قال حميد: (فإني يوما) (7) في ~~الطواف لحقني غيلان من خلفي (فجبذ) (8) ردائي، فالتفت فقال: كيف (يقرأ) (9) ~~مجاهد (حرف كذا وكذا) (10) فأخبرته، فمشى معي (فبصرني) (11) مجاهد معه، ~~فأتيته فجعلت أكلمه فلا يرد علي، وأسأله فلا يجيبني، قال: فغدوت إليه ~~فوجدته على تلك الحال، فقلت: يا أبا الحجاج، أبلغك عني شيء؟ (أأحدثت) (12) ~~حدثا/، ما لي؟ قال: ألم أرك مع غيلان وقد نهيتكم أن تكلموه أو تجالسوه؟ ~~قال: قلت: (والله) (13) يا أبا الحجاج ما أنكرت قولك، وما بدأته، هو بدأني. ~~قال: والله يا حميد لولا أنك عندي مصدق ما نظرت لي في (وجه) (14) منبسط ما ~~عشت، (ولئن عدت لا تنظر لي في وجه منبسط ما عشت) (15). # /وعن أيوب (16) قال: ms529 كنت يوما عند محمد بن سيرين إذ جاء عمرو بن عبيد ~~فدخل، فلما جلس وضع محمد يده في بطنه وقام، فقلت لعمرو: انطلق بنا قال ~~فخرجنا، فلما مضى عمرو رجعت فقلت: PageV03P235 # يا أبا بكر، قد فطنت إلى ما صنعت، قال: (أوقد) (1) فطنت؟ قلت: نعم، قال: ~~أما إنه لم يكن ليضمني (معه) (2) سقف بيت (3). # /وعن بعضهم قال: كنت أمشي مع عمرو بن عبيد فرآني ابن عون (4) فأعرض عني ~~(شهرين) (5). # وقيل: دخل (عمرو بن عبيد على) (6) ابن عون فسكت ابن عون لما رآه، وسكت ~~عمرو عنه فلم يسأله/ عن شيء، فمكث (هنيهة) (7) ثم (قام فخرج) (8)، فقال ابن ~~عون: بما استحل أن دخل داري بغير إذني؟ مرارا يرددها، أما إنه لو تكلم، ~~(أما إنه لو تكلم) (9). # وعن مؤمل بن إسماعيل (10) قال: قال بعض أصحابنا لحماد بن زيد: ما لك لم ~~ترو عن عبد الكريم (11) إلا حديثا واحدا؟ قال: ما أتيته إلا مرة واحدة ~~لمساقه في هذا الحديث، وما أحب أن أيوب علم (بإتياني إياه) (12) إليه وأن ~~لي كذا وكذا، وإني لأظنه لو علم لكانت (الفيصل فيما بيني وبينه (13). ~~PageV03P236 # / (وعن إبراهيم أنه قال) (1) لمحمد بن السائب (2): لا تقربنا ما دمت على ~~رأيك هذا. وكان مرجئا (3). # وعن حماد بن زيد (4) قال: لقيني سعيد بن جبير فقال: ألم أرك مع طلق (5)؟ ~~قلت: بلى، فما له؟ قال: لا تجالسه فإنه مرجئ (6). # وعن محمد بن واسع (7) قال: رأيت صفوان بن محرز (8) وقريب منه (شببة) (9)، ~~(فرآهم) (10) (يتجادلون) (11)، فرأيته قائما ينفض ثيابه ويقول: (إنما أنتم ~~جرب، إنما أنتم جرب) (12). # /وعن أيوب قال: دخل رجل على محمد بن سيرين فقال: يا أبا بكر أقرأ عليك ~~آية من كتاب الله لا أزيد أن أقرأها ثم أخرج؟ فوضع إصبعيه في PageV03P237 # أذنيه ثم قال: (أحرج) (1) عليك إن كنت مسلما (إلا) (2) خرجت من بيتي قال ~~فقال: يا أبا بكر، لا أزيد على أن أقرأ ثم أخرج، (فقال بإزاره يشده عليه) ~~(3) وتهيأ للقيام فأقبلنا على الرجل، فقلنا: قد (حرج) (4) عليك إلا خرجت ~~(أفيحل) (5) لك أن تخرج ms530 رجل من بيته؟ قال: فخرج، فقلنا: يا أبا بكر، ما ~~عليك لو قرأ آية (ثم خرج) (6)؟ قال: إني والله لو ظننت أن قلبي (يثبت) (7) ~~على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكن (خفت) (8) أن يلقي في قلبي شيئا ~~أجهد في إخراجه من قلبي فلا أستطيع (9). # وعن الأوزاعي قال: (لا تمكنوا) (10) صاحب/ بدعة من جدل فيورث قلوبكم من ~~فتنته (11). # فهذه آثار تنبهك على ما تقدمت إشارة الحديث إليه إن كان مقصودا والله ~~أعلم. # (نعم) (12) تأثير كلام صاحب البدعة في القلوب معلوم، وثم معنى آخر قد ~~يكون من فوائد تنبيه الحديث بمثال داء الكلب/ وهي: ### | المسألة الثالثة والعشرون: # وهو التنبيه على السبب في بعد صاحب البدعة عن التوبة، إذ كان/ ~~PageV03P238 # مثل المعاصي الواقعة بأعمال العباد قولا أو فعلا أو اعتقادا، كمثل ~~الأمراض النازلة بجسمه أو روحه، فأدوية الأمراض/ البدنية/ معلومة، وأدوية ~~الأمراض العملية التوبة والأعمال الصالحة، وكما أن من الأمراض البدنية ما ~~يمكن فيه التداوي ومنه ما لا يمكن فيه التداوي أو يعسر (كالكلب، كذلك) (1) ~~(في) (2) أمراض الأعمال، (منها) (3) ما يمكن فيه التوبة عادة، (ومنها) (4) ~~ما لا يمكن. # /فالمعاصي كلها غير البدع يمكن فيها التوبة من أعلاها وهي الكبائر إلى ~~أدناها (وهي) (5) اللمم، والبدع أخبرنا فيها إخبارين كلاهما يفيد أن لا ~~توبة منها: # الإخبار الأول: ما تقدم في ذم البدع من أن المبتدع لا توبة له، من غير ~~تخصيص. # والآخر: ما نحن في تفسيره، وهو تشبيه البدع بما لا نجح فيه من الأمراض ~~كالكلب، فأفاد أن لا نجح من ذنب البدع في الجملة من غير اقتضاء عموم، بل ~~اقتضى أن عدم التوبة مخصوص بمن تجارى به الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه، ~~وقد مر أن من أولئك من (لا) (6) يتجارى به الهوى على ذلك الوجه وتبين ~~الشاهد عليه، ونشأ من ذلك معنى (آخر) (7) زائد هو من فوائد الحديث وهي: ### | المسألة الرابعة والعشرون: # وهو أن من تلك الفرق من لا يشرب (هوى) (8) البدعة ذلك الإشراب، فإذا يمكن ~~فيه التوبة، وإذا أمكن في أهل ms531 الفرق أمكن فيمن خرج عنهم، وهم أهل البدع ~~الجزئية. PageV03P239 # فإما أن (يرجح) (1) ما تقدم من الأخبار على هذا الحديث، لأن هذه الرواية ~~في إسنادها شيء، (وأعلى) (2) ما (تجري) (3) في الحسان، وفي الأحاديث الأخر ~~ما هو صحيح، كقوله: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا ~~يعودون (حتى يعود) (4) السهم على فوقه" (5) وما (أشبهه) (6). # وإما أن يجمع بينهما، (فيجعل) (7) النقل الأول عمدة في (عموم) (8) قبول ~~التوبة، ويكون هذا الإخبار أمرا آخر زائدا على ذلك، إذ لا يتنافيان، بسبب ~~أن من شأن البدع مصاحبة الهوى، وغلبة الهوى/ للإنسان في الشيء المفعول أو ~~المتروك له أبدا أثر فيه، والبدع كلها تصاحب الهوى، ولذلك سمي أصحابها أهل ~~الأهواء/ فوقعت التسمية (بها، وهو) (9) الغالب عليهم إذ العمل المبتدع إنما ~~نشأ عن الهوى مع شبهة/ دليل، لا عن الدليل بالعرض فصار هوى (يصاحبه) (10) ~~دليل شرعي في الظاهر، فكان (أحرى) (11) في (الوقوع) (12) من القلب موقع ~~السويداء فأشرب حبه، ثم إنه يتفاوت، إذ ليس في رتبة واحدة ولكنه/ تشريع ~~كله، فاستحق صاحبه أن لا توبة له، عافانا الله من النار بفضله (ومنه) (13). # وإما أن (يعمل) (14) هذا الحديث مع الأحاديث الأول على فرض PageV03P240 # العمل (به) (1) ونقول: إن ما تقدم من الأخبار (عام) (2)، وهذا يفيد ~~الخصوص كما (تقدم تفسيره) (3) أو يفيد/ معنى يفهم منه الخصوص، وهو الإشراب ~~في أعلى المراتب مسوقا مساق (التبعيض) (4)، لقوله: "وإنه سيخرج في أمتي ~~أقوام" إلى آخره، فدل (على) (5) أن ثم أقواما أخر لا تتجارى بهم تلك ~~الأهواء على ما قال، بل (على) (6) أدنى من ذلك، وقد لا تتجارى بهم ذلك. # وهذا التفسير بحسب ما أعطاه/ الموضع، وتمام المسألة قد مر في الباب ~~الثاني والحمد لله، لكن على وجه لا يكون في الأحاديث كلها تخصيص، وبالله ~~التوفيق. ### | المسألة الخامسة والعشرون: # أنه جاء في بعض روايات الحديث: (أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم، ~~فيحلون الحرام ويحرمون الحلال) (7)، فجعل أعظم تلك الفرق فتنة على الأمة ~~أهل القياس، ولا كل قياس، بل القياس على غير أصل، (فإن ms532 أهل القياس متفقون ~~على أنه على غير أصل لا يصح، وإنما يكون على أصل) (8) من كتاب أو سنة/ ~~صحيحة أو إجماع معتبر، فإذا لم يكن للقياس أصل وهو القياس الفاسد / فهو ~~الذي لا يصح أن يوضع في الدين، فإنه يؤدي إلى مخالفة الشرع، وأن يصير ~~الحلال بالشرع حراما بذلك القياس، والحرام حلالا، فإن الرأي من حيث هو رأي ~~لا ينضبط إلى قانون شرعي إذا لم يكن له أصل شرعي، فإن العقول تستحسن ما لا ~~يستحسن شرعا، PageV03P241 # وتستقبح ما لا يستقبح شرعا، وإذا كان كذلك صار القياس على غير أصل فتنة ~~على الناس. # ثم أخبر في الحديث أن (المعملين) (1) لهذا القياس أضر على الناس من سائر ~~أهل الفرق، وأشد فتنة، وبيانه: ((2) أن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت ~~الأحاديث التي تردها واستفاضت، وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند ~~الخاصة والعامة، بخلاف/ الفتيا، فإن أدلتها من الكتاب والسنة (قد) (3) لا ~~يعرفها إلا الأفراد، ولا يميز (ضعيفها من قويها) (4) إلا الخاصة، وقد ينتصب ~~للفتيا والقضاء (ممن) (5) يخالفها كثير. # وقد جاء مثل معناه محفوظا من حديث ابن مسعود أنه قال: ليس عام إلا والذي ~~بعده شر منه، لا أقول: عام أمطر من عام، ولا عام/ أخصب من عام، ولا أمير/ ~~خير من أمير، ولكن: ذهاب خياركم وعلماؤكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور ~~برأيهم، فيهدم الإسلام ويثلم (6). # وهذا الذي في حديث ابن مسعود موجود في (الحديث) (7) الصحيح، حيث قال عليه ~~الصلاة والسلام: "ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال ~~يستفتون (فيفتون) (8) برأيهم، فيضلون ويضلون" (9). # /وقد تقدم في ذم الرأي آثار مشهورة عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ~~تبين فيها أن الأخذ بالرأي يحل الحرام ويحرم الحلال. PageV03P242 # ومعلوم/ أن هذه الآثار الذامة للرأي لا يمكن أن يكون المقصود بها ذم ~~الاجتهاد على الأصول في نازلة لم توجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع، ممن يعرف ~~الأشباه والنظائر، ويفهم معاني/ الأحكام فيقيس قياس تشبيه أو تعليل (1)، ~~قياسا لم يعارضه ما هو أولى منه، فإن ms533 هذا ليس فيه تحليل (الحرام) (2) (ولا ~~العكس) (3)، وإنما القياس الهادم للإسلام ما عارض الكتاب والسنة، أو ما كان ~~عليه سلف الأمة، أو معانيها المعتبرة. # ثم إن مخالفة هذه الأصول على قسمين: # أحدهما: أن يخالف أصلا مخالفة ظاهرة من غير استمساك بأصل آخر، فهذا لا ~~يقع من مفت مشهور إلا إذا كان الأصل لم يبلغه، كما وقع لكثير من الأئمة حيث ~~لم (تبلغهم) (4) بعض السنن فخالفوها خطأ، وأما الأصول المشهورة فلا يخالفها ~~مسلم خلافا ظاهرا من غير معارضة بأصل آخر، فضلا عن أن يخالفها بعض ~~المشهورين بالفتيا. # /والثاني: أن يخالف الأصل بنوع من التأويل هو فيه مخطئ، بأن PageV03P243 # يضع الاسم على غير (موضعه) (1) أو على بعض (مواضعه) (2) أو يراعي فيه ~~مجرد اللفظ دون اعتبار المقصود، أو غير ذلك من أنواع التأويل. # والدليل على أن هذا هو المراد بالحديث وما في معناه أن تحليل الشيء إذا ~~كان مشهورا فحرمه بغير تأويل، أو التحريم/ مشهورا فحلله بغير تأويل، كان ~~كفرا وعنادا، ومثل هذا لا/ تتخذه الأمة رأسا قط، إلا أن تكون الأمة قد ~~كفرت، والأمة لا تكفر أبدا. وإذا بعث الله ريحا تقبض أرواح المؤمنين لم يبق ~~حينئذ من يسأل عن حرام أو حلال. وإذا كان التحليل أو التحريم غير مشهور ~~فخالفه/ مخالف لم يبلغه دليله، فمثل هذا/ لم يزل موجودا من لدن زمان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، (ثم هذا) (3) إنما يكون في آحاد المسائل، ~~فلا تضل الأمة ولا ينهدم الإسلام ولا يقال (لمثل هذا) (4) إنه محدث عند قبض ~~العلماء. # فظهر أن المراد إنما هو استحلال المحرمات الظاهرة أو المعلومة عنده بنوع ~~تأويل، وهذا بين) (5) في المبتدعة الذين تركوا معظم الكتاب والذي تظافرت ~~عليه أدلته، وتواطأت على معناه شواهده، وأخذوا في اتباع بعض المتشابهات ~~وترك أم الكتاب. # (فإن) (6) هذا كما قال الله تعالى زيغ وميل عن الصراط المستقيم، فإن ~~تقدموا أئمة (7) يفتون ويقتدى (بأقوالهم وأفعالهم) (8) سكنت إليهم الدهماء ~~ظنا أنهم بالغوا لهم في الاحتياط على الدين، وهم يضلونهم بغير علم، ms534 ولا شيء ~~(أعظم) (9) على (الإنسان) (10) من داهية تقع به من حيث لا PageV03P244 # يحتسب، فإنه لو علم طريقها لتوقاها ما استطاع، فإذا جاءته على غرة فهي ~~أدهى وأعظم على من وقعت به، وهو ظاهر، فكذلك البدعة إذا جاءت العامي من ~~طريق الفتيا، لأنه (استند) (1) في دينه إلى من ظهر في رتبة أهل العلم، فيضل ~~من حيث يطلب الهداية: اللهم اهدنا الصراط/ المستقيم، صراط الذين أنعمت ~~عليهم. ### | المسألة السادسة والعشرون # إن ها هنا نظرا لفظيا في الحديث هو من تمام الكلام فيه، وذلك أنه لما ~~أخبر صلى الله عليه وسلم أن جميع الفرق في النار إلا فرقة واحدة، وهي ~~الجماعة المفسرة في الحديث الآخر، فجاء في الرواية الأخرى السؤال عنها سؤال ~~التعيين فقالوا: من هي يا رسول الله؟ فأصل الجواب أن يقال: أنا وأصحابي، ~~ومن عمل مثل عملنا، أو ما أشبه ذلك مما يعطي تعيين الفرقة، إما بالإشارة ~~إليها أو بوصف من أوصافها/ إلا أن ذلك/ لم يقع، وإنما وقع في الجواب تعيين ~~الوصف لا تعيين الموصوف، فلذلك أتى ب"ما" (التي تقتضي بظاهرها) (2) الوقوع ~~على غير العاقل من الأوصاف وغيرها، والمراد هنا الأوصاف التي هو عليها صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فلم يطابق السؤال الجواب في اللفظ. ~~والعذر عن هذا أن العرب لا تلتزم ذلك النوع/ إذا فهم المعنى، لأنهم لما ~~سألوا عن تعيين الفرقة الناجية بين لهم الوصف الذي به صارت ناجية، فقال: ~~"ما أنا عليه وأصحابي". # /ومما جاء غير مطابق في الظاهر وهو في المعنى مطابق قول الله تعالى: {قل ~~أؤنبئكم بخير من ذلكم} (3)، فإن هذا الكلام معناه: هل أخبركم بما هو أفضل ~~من متاع (الحياة) (4) الدنيا؟ فكأنه قيل: نعم! أخبرنا، فقال الله تعالى: ~~{للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} (5) PageV03P245 # الآية، أي للذين اتقوا استقر لهم عند ربهم جنات تجري (من تحتها الأنهار. ~~الآية) (1). # فأعطى مضمون الكلام معنى الجواب على غير لفظه. وهذا التقرير على قول ~~جماعة من المفسرين. # وقال تعالى: {مثل الجنة التي ms535 وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن} (2) ~~الآية، فقوله: (مثل الجنة) يقتضي المثل لا الممثل (كما قال تعالى) (3): ~~{مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} (4) (ولكن) (5) (لما) (6) كان المقصود ~~الممثل جاء به بعينه. # ويمكن أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الفرق وذكر أن فيها ~~فرقة ناجية كان الأولى السؤال عن أعمال الفرقة الناجية، لا عن نفس الفرقة. ~~لأن التعريف (بها) (7) من حيث هي لا فائدة فيه إلا من جهة/ أعمالها التي ~~نجت بها. فالمقدم في الاعتبار هو العمل لا العامل، فلو سألوا (فقالوا) (8): ~~ما وصفها؟ أو ما عملها؟ أو ما أشبه ذلك لكان أشد مطابقة في اللفظ والمعنى، ~~فلما فهم صلى الله عليه وسلم (منهم) (9) ما قصدوا/ أجابهم (على) (10) ذلك. # أو نقول: لما تركوا السؤال عما كان الأولى في حقهم، أتى به جوابا عن ~~سؤالهم، حرصا منه صلى الله عليه وسلم على تعليمهم ما ينبغي لهم تعلمه ~~والسؤال عنه. # /ويمكن أن يقال: إن ما سألوا عنه لا يتعين، (إذ) (11) لا تختص ~~PageV03P246 # النجاة بمن تقدم دون من تأخر، إذ كانوا قد اتصفوا/ بوصف (الناجين) (1). # ومن شأن هذا السؤال التعيين وعدم انحصارهم بزمان أو مكان لا يقتضي ~~التعيين، (فانصرف) (2) القصد إلى/ تعيين الوصف الضابط للجميع، وهو ما كان ~~عليه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه رضي الله عنهم. # وهذا الجواب بالنسبة إلينا كالمبهم، وهو بالنسبة إلى السائل معين، لأن ~~أعمالهم كانت للحاضرين معهم رأي عين، فلم يحتج إلى أكثر من ذلك، لأنه غاية ~~التعيين اللائق بمن حضر، فأما غيرهم ممن لم يشاهد أحوالهم ولم (يبصر) (3) ~~أعمالهم فليس مثلهم، ولا يخرج الجواب بذلك عن التعيين المقصود، والله أعلم ~~(انتهى) (4). PageV03P247 ### | الباب العاشر # في بيان معنى الصراط المستقيم الذي انحرفت عنه سبل أهل الابتداع فضلت عن ~~الهدى بعد البيان # قد تقدم قبل هذا أن كل فرقة وكل طائفة تدعي أنها على الصراط المستقيم وأن ~~ما سواها منحرف عن الجادة وراكب بنيات الطريق، فوقع (الاختلاف بينهم إذا) ~~(1) في تعيينه وبيانه، حتى أشكلت المسألة ms536 على كل من نظر فيها، حتى قال من ~~قال: كل مجتهد في العقليات أو النقليات مصيب. فعدد الأقوال (إذا) (2) في ~~تعيين هذا المطلب على عدد الفرق، وذلك من أعظم الاختلاف، إذ لا (تكاد) (3) ~~تجد في الشريعة مسألة/ يختلف العلماء (فيها) (4) على بضع وسبعين قولا إلا ~~هذه المسألة، فتحرير النظر حتى تتضح الفرقة الناجية التي كان (عليها) (5) ~~النبي صلى الله عليه وسلم (وأصحابه) (6) من أغمض المسائل. # ووجه ثان (7): أن الطريق المستقيم لو تعين بالنسبة إلى من بعد الصحابة ~~رضي الله عنهم لم يقع اختلاف أصلا، لأن الاختلاف مع تعيين محله محال، ~~والفرض أن الخلاف ليس بقصد العناد، لأنه على ذلك الوجه مخرج عن الإسلام، ~~وكلامنا في الفرق (الإسلامية) (8). PageV03P249 # ووجه ثالث: أنه قد تقدم أن البدع لا تقع من راسخ في العلم، وإنما تقع ممن ~~لم يبلغ مبلغ أهل الشريعة المتصرفين في أدلتها، والشهادة بأن فلانا راسخ في ~~العلم وفلانا غير راسخ، في غاية الصعوبة، فإن كل من خالف وانحاز (إلى فرقة) ~~(1) يزعم أنه الراسخ، (وغيره) (2) قاصر النظر (لم ترسخ قدمه في العلم) (3)، ~~فإن فرض على ذلك المطلب علامة وقع النزاع إما في العلامة، وإما في مناطها. # /ومثال ذلك أن (من علامات) (4) الخروج/ (عن) (5) الجماعة الفرقة المنبه ~~عليها بقوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} (6). # /والفرقة بشهادة الجميع (إضافية) (7) فكل طائفة تزعم أنها هي الجماعة ومن ~~سواها مفارق للجماعة. # ومن العلامات/ اتباع ما تشابه من الأدلة، وكل (فرقة) (8) ترمي صاحبتها ~~بذلك (وأنها) (9) هي التي اتبعت أم الكتاب دون الأخرى فتجعل دليلها عمدة ~~(وترد) (10) إليه سائر المواضع بالتأويل على عكس/ الأخرى. # ومنها اتباع الهوى (وهو) (11) الذي ترمي به كل فرقة صاحبتها وتبرئ نفسها ~~منه، فلا يمكن في الظاهر مع هذا أن يتفقوا على مناط هذه العلامات، وإذا لم ~~يتفقوا عليها لم يمكن ضبطهم بها بحيث (يشار) (12) (إليهم) (13) بتلك ~~PageV03P250 # العلامات، (نعم هم) (1) في التحصيل/ متفقون عليها، وبذلك صارت علامات، ~~فكيف يمكن (مع) (2) اختلافهم في المناط (الضبط) (3) بالعلامات. # ووجه رابع: وهو ما تقدم من فهمنا ms537 من مقاصد الشرع في الستر على هذه الأمة ~~(فإنه) (4) وإن حصل التعيين بالاجتهاد، فالاجتهاد لا يقتضي الاتفاق على ~~محله. # ألا ترى أن (العقلاء) (5) جزموا القول بأن (النظريات) (6) لا يمكن ~~الاتفاق (عليها) (7) عادة، فلو تعينوا بالنص لم يبق إشكال. بل (قد) (8) ~~(أصر) (9) الخوارج على ما كانوا عليه وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~عينهم، وعين علامتهم في المخدج حيث قال (مثلا) (10) : "آيتهم/ رجل أسود ~~إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر" (11) الحديث (12). وهم ~~الذين قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إذ لم يرجعوا عما كانوا عليه ~~ولم ينتهوا، فما الظن بمن ليس له في النقل تعيين؟ # ووجه خامس: وهو ما تقدم تقريره في قوله سبحانه وتعالى: {ولو شاء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين *إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} (13) ~~(فالآية) (14) (تشعر) (15) في هذا المطلوب أن الخلاف PageV03P251 # لا يرتفع، مع ما يعضده من (الجواب) (1) الذي فرغنا من بيانه، وهو حديث ~~الفرق، إذ الآية لا تشعر بخصوص مواضع الخلاف، لإمكان أن يبقى الخلاف في ~~الأديان دون دين الإسلام، لكن الحديث بين أنه واقع في الأمة أيضا، فانتظمته ~~الآية بلا إشكال. # فإذا تقرر هذا ظهر به أن التعيين للفرقة الناجية بالنسبة (إلينا) (2) ~~اجتهادي لا/ ينقطع الخلاف فيه، وإن ادعي فيه القطع دون الظن فهو نظري لا ~~ضروري، ولكنا مع ذلك نسلك في المسألة بحول الله تعالى مسلكا وسطا يذعن إلى ~~قبوله (عقل) (3) (المنصف) (4) ويقر بصحته العالم/ بكليات الشريعة ~~وجزئياتها، والله الموفق (للصواب) (5). # فنقول:/ لا بد من تقديم مقدمة قبل الشروع في المطلوب، وذلك أن الإحداث في ~~الشريعة يقع إما من جهة الجهل وإما من جهة تحسين/ الظن (بالعقل) (6)، وإما ~~من جهة اتباع الهوى في طلب الحق وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب ~~والسنة، وقد مر في ذلك ما يؤخذ منه/ شواهد المسألة، إلا أن الجهات الثلاث ~~قد تنفرد وقد تجتمع، (وإذا) (7) اجتمعت فتارة تجتمع منها (اثنتان) (8) ~~وتارة تجتمع (الثلاث) (9) فأما جهة الجهل فتارة تتعلق بالأدوات ms538 التي بها ~~تفهم المقاصد، وتارة تتعلق بالمقاصد، وأما جهة تحسين الظن (بالعقل) (10) ~~فتارة يشرك في التشريع مع الشرع، وتارة يقدم عليه، وهذان النوعان يرجعان ~~إلى نوع واحد، وأما جهة اتباع الهوى، فمن شأنه أن يغلب الفهم حتى (يغالب) ~~(11) صاحبه الأدلة أو يستند إلى غير/ PageV03P252 # دليل وهذان النوعان (أيضا) (1) يرجعان إلى نوع واحد، فالجميع أربعة ~~أنواع؛ وهي: الجهل بأدوات الفهم، والجهل بالمقاصد، وتحسين الظن بالعقل، ~~واتباع الهوى. فلنتكلم على كل واحد منها وبالله التوفيق. # (النوع) (2) الأول: (3) (الجهل بأدوات الفهم، اعلم) (4) إن الله عز وجل ~~أنزل القرآن عربيا لا عجمة فيه، بمعنى أنه جار في ألفاظه ومعانيه وأساليبه ~~على لسان العرب، قال الله تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} (5)، وقال ~~تعالى: {قرآنا عربيا غير ذي عوج} (6)، وقال تعالى: {نزل به الروح الأمين ~~*على قلبك لتكون من المنذرين *بلسان عربي مبين *} (7)، وكان/ المنزل عليه ~~القرآن عربيا أفصح من نطق بالضاد وهو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكان الذين بعث فيهم عربا أيضا، فجرى الخطاب به على معتادهم في لسانهم، ~~فليس فيه شيء من الألفاظ والمعاني إلا وهو جار على ما اعتادوه، ولم يداخله ~~(شيء) (8) بل نفى عنه أن يكون فيه شيء أعجمي فقال تعالى/: {ولقد نعلم أنهم ~~يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين *} ~~(9). # وقال تعالى في موضع آخر: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته أأعجمي وعربي} (10). # /هذا وإن كان (قد) (11) بعث للناس كافة فإن الله جعل جميع الأمم وعامة ~~الألسنة في هذا الأمر تبعا للسان العرب، وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله ~~تعالى إلا من الطريق الذي أنزل عليه وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها ~~وأساليبها. PageV03P253 # أما ألفاظها فظاهرة للعيان، وأما معانيها وأساليبها فكان مما/ يعرف من ~~معانيها اتساع لسانها، وأن تخاطب بالشيء منه عاما ظاهرا يراد به (العام) ~~(1) الظاهر، (ويستغنى بأوله عن آخره، وعاما ظاهرا يراد به العام ويدخله ~~الخاص، ويستدل على هذا ببعض الكلام، وعاما ظاهرا يراد به الخاص) (2) وظاهرا ~~(يعرف) ms539 (3) في سياقه أن المراد به غير ذلك الظاهر، والعلم بهذا كله موجود ~~في أول الكلام أو وسطه أو آخره. # وتبتدئ الشيء من كلامها يبين أول اللفظ فيه عن آخره، أو (يبين) (4) / ~~آخره عن أوله، وتتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون اللفظ كما تعرف (بالإشارة) ~~(5)، وهذا عندها من أفصح كلامها، لانفرادها بعلمه دون غيرها ممن يجهله، ~~وتسمي الشيء (الواحد) (6) (بالأسماء) (7) الكثيرة، (وتضع) (8) اللفظ الواحد ~~للمعاني الكثيرة. # فهذه كلها معروفة (عندها) (9) وتستنكر عند غيرها،/ إلى غير ذلك من ~~التصرفات التي يعرفها من زاول كلامهم وكانت له به معرفة وثبت رسوخه في علم ~~ذلك. # فمثال ذلك أن الله تعالى خالق كل شيء وهو على كل شيء (وكيل) (10)، وقال ~~تعالى: {وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها} (11) فهذا من العام ~~الظاهر الذي لا خصوص (فيه) (12) فإن كل شيء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ~~ذلك فالله خالقه، وكل دابة على الله رزقها، PageV03P254 # ويعلم مستقرها (ومستودعها) (1). # وقال الله تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا ~~عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} (2)، فقوله: {ما كان لأهل ~~المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} إنما أريد به من ~~(أطاق الجهاد دون من/ لم يطقه فهو خاص) (3) المعنى، وقوله: {ولا يرغبوا ~~بأنفسهم عن نفسه} عام فيمن أطاق ومن لم يطق، فهو عام المعنى. # وقوله تعالى: {حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما} ~~(4)، فهذا من العام المراد به الخاص، لأنهما لم يستطعما جميع أهل القرية. # وقال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا} (5)، فهذا عام لم يخرج عنه أحد/ من الناس. وقال إثر هذا: ~~{أكرمكم عند الله أتقاكم} فهذا خاص، لأن التقوى إنما تكون على من عقلها من ~~البالغين. # وقال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} (6) ~~فالمراد بالناس الثاني الخصوص لا العموم، وإلا/ فالمجموع لهم الناس ناس ~~أيضا وهم قد خرجوا (منهم) (7)، لكن لفظ ms540 الناس يقع على ثلاثة منهم، وعلى ~~جميع الناس، وعلى ما بين ذلك، (فصح) (8) أن يقال: إن الناس قد جمعوا (لكم) ~~(9)، والناس الأول القائلون كانوا أربعة نفر (10). PageV03P255 # وقال تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له} (1)، فالمراد بالناس ~~هنا الذين اتخذوا من دون الله إلها، دون الأطفال والمجانين والمؤمنين. # /وقال تعالى: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر} (2)، فظاهر ~~السؤال عن/ القرية نفسها، وسياق قوله تعالى: {إذ يعدون في السبت} إلى آخر ~~الآية يدل على أن المراد أهلها لأن القرية لا تعدو ولا تفسق. # وكذلك قوله تعالى: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة} (3) الآية، فإنه لما ~~قال: {كانت ظالمة} دل (على) (4) أن المراد أهلها. # وقال تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها} (5) الآية، فالمعنى بين أن ~~المراد أهل القرية، ولا يختلف أهل العلم باللسان في ذلك، لأن القرية والعير ~~لا يخبران بصدقهم. # هذا كله معنى تقرير/ الشافعي رحمه الله (6) في هذه التصرفات الثابتة ~~للعرب، وهو بالجملة مبين أن القرآن لا يفهم إلا عليه، وإنما أتى الشافعي ~~بالنوع الأغمض من طرائق العرب، لأن سائر أنواع التصرفات العربية قد بسطها ~~أهلها، وهم أهل النحو والتصريف، وأهل المعاني والبيان، وأهل الاشتقاق وشرح ~~مفردات اللغة، وأهل الأخبار المنقولة عن العرب (المبينة) (7) لمقتضيات ~~الأحوال، فجميعه نزل (به) (8) القرآن، ولذلك أطلق عليه عبارة (العربي). ~~PageV03P256 # فإذا ثبت/ هذا فعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولا وفروعا أمران: # أحدهما: أن لا يتكلم في شيء من ذلك حتى يكون عربيا، أو كالعربي في كونه ~~عارفا بلسان العرب، بالغا فيه مبالغ العرب، أو مبالغ الأئمة المتقدمين ~~كالخليل وسيبويه والكسائي والفراء ومن أشبههم وداناهم، وليس المراد أن يكون ~~حافظا كحفظهم وجامعا كجمعهم وإنما المراد أن يصير فهمه عربيا في الجملة/ ~~وبذلك امتاز المتقدمون من علماء العربية على المتأخرين، إذ بهذا المعنى ~~أخذوا أنفسهم حتى صاروا أئمة، فإن لم يبلغ ذلك فحسبه في فهم معاني القرآن ~~التقليد، (ولا يحسن) (1) ظنه بفهمه دون أن يسأل فيه أهل العلم/ به. # قال الشافعي رحمه الله (2) لما قرر ms541 معنى ما تقدم: ... (فمن) (3) جهل/ هذا ~~من لسانها يعني لسان العرب وبلسانها نزل (القرآن) (4) وجاءت (السنة به) (5) ~~فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل (بعضه) (6)، ومن تكلف ما جهل وما لم ~~(تثبته معرفته) (7) كانت موافقته للصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير ~~محمودة، وكان (بخطئه) (8) غير معذور، (إذا نطق) (9) فيما لا يحيط علمه ~~بالفرق (بين) (10) الصواب والخطإ فيه. # وما قاله حق، فإن القول في القرآن أو السنة بغير علم تكلف وقد ~~PageV03P257 # نهينا عن التكلف ودخول تحت معنى الحديث، حيث قال عليه الصلاة والسلام: ~~"حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا (فسئلوا فأفتوا بغير علم ~~فضلوا وأضلوا) (1) " (2) الحديث، لأنهم إذا لم يكن لهم لسان عربي يرجعون ~~إليه في كتاب الله وسنة نبيه رجع إلى فهمه الأعجمي وعقله المجرد عن التمسك ~~بدليل، (فيضل) (3) عن الجادة. # /وقد خرج ابن وهب عن الحسن أنه قيل له: أرأيت (الرجل) (4) (يتعلم ~~العربية) (5) (ليقيم بها) (6) لسانه،/ ويصلح بها منطقه؟ قال: نعم ~~فليتعلمها، فإن الرجل يقرأ (الآية) (7) فيعيا بوجهها فيهلك (8). # وعن الحسن قال: (أهلكتهم) (9) (العجمة) (10)، يتأولون (القرآن) (11) على ~~غير تأويله (12). # والأمر الثاني: (مما على الناظر في الشريعة والمتكلم فيها) (13): أنه إذا ~~أشكل عليه في الكتاب أو في السنة لفظ أو معنى فلا يقدم على القول فيه دون ~~أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية فقد يكون إماما فيها، ولكنه يخفى عليه ~~الأمر في بعض الأوقات. فالأولى/ في حقه الاحتياط، إذ قد يذهب/ على العربي ~~المحض بعض المعاني الخاصة حتى يسأل عنها، وقد PageV03P258 # نقل من هذا عن الصحابة رضي الله عنهم وهم العرب فكيف بغيرهم. # نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كنت لا أدري ما: {فاطر السماوات ~~والأرض} (1) حتى أتاني أعرابيان/ يختصمان في بئر. فقال أحدهما: أنا فطرتها ~~أي: أنا ابتدأتها (2). # /وفيما يروى عن عمر (بن الخطاب) رضي الله عنه أنه سأل وهو على المنبر عن ~~معنى قوله تعالى: {أو يأخذهم على تخوف} (3) فأخبره رجل من هذيل أن التخوف ~~عندهم (هو) (4) التنقص (5) وأشباه ms542 ذلك كثير. # قال الشافعي: لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا، قال: ولا ~~نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها حتى ~~(لا) (6) يكون موجودا/ فيها من يعرفه، قال: والعلم به عند العرب كالعلم ~~بالسنة عند أهل (العلم) (7) لا نعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه ~~شيء، فإذا جمع (علم) (8) عامة أهل العلم بها أتى على السنن (كلها) (9)، ~~وإذا فرق (علم) (10) كل واحد (منهم) (11) ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ~~ذهب عليه منها موجودا عند غيره (ممن كان في طبقته وأهل علمه، قال:) (12) ~~وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها، لا PageV03P259 # يذهب منه شيء عليها، ولا يطلب عند غيرها (ولا يعلمه) (1) إلا من (نقله) ~~(2) عنها، ولا يشركها فيه إلا من اتبعها في تعلمه منها، ومن قبله منها فهو ~~من أهل لسانها، وإنما صار غيرهم من غير أهله (بتركه) (3) فإذا صار إليه صار ~~من أهله) (4). # /هذا ما قال ولا يخالف فيه أحد، فإذا كان الأمر على هذا لزم كل من أراد ~~أن ينظر في الكتاب والسنة أن يتعلم الكلام الذي به أديت، وأن لا يحسن ظنه ~~بنفسه قبل الشهادة له من أهل علم العربية بأنه ممن يستحق النظر، وأن لا ~~يستقل بنفسه في المسائل المشكلة التي لم يحط بها علمه دون أن يسأل عنها من ~~هو من أهلها، فإن ثبت على هذه الوصاة كان إن شاء الله موافقا لما كان عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام. # روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله/ عنهما أنه قال: قلنا يا رسول الله، من ~~خير الناس؟ قال: (ذو القلب (المخموم) (5)، واللسان الصادق. قلنا: قد عرفنا ~~اللسان الصادق، فما ذو القلب/ (المخموم) (6)؟ قال: هو التقي النقي الذي لا ~~إثم فيه ولا حسد، قلنا: فمن على أثره؟ قال: الذي (يشنأ) (7) الدنيا ويحب ~~الآخرة، قلنا: ما نعرف هذا فينا إلا رافعا مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، (قلنا) (8): فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق ms543 حسن، قلنا: أما هذا فإنه ~~فينا) (9). PageV03P260 # ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول الله، ~~أيدالك الرجل امرأته؟ قال: "نعم إذا كان ملفجا (1)، فقال له/ أبو بكر رضي ~~الله عنه: ما قلت وما قال لك (يا رسول الله، صلى الله عليك وسلم) (2)؟ ~~فقال: قال: أيماطل الرجل امرأته؟ قلت: نعم إذا كان فقيرا"، فقال أبو بكر: ~~ما رأيت (الذي هو) (3) أفصح منك يا رسول الله، فقال: وكيف لا وأنا من قريش، ~~وأرضعت في بني/ سعد (4). # فهذه أدلة تدل على أن بعض اللغة يعزب عن علم بعض العرب، فالواجب السؤال ~~كما سألوا فيكون/ على ما كانوا عليه، (وإلا زل) (5) فقال في الشريعة برأيه ~~لا (بلسانها) (6) ولنذكر لذلك ستة أمثلة: # أحدها: قول جابر الجعفي (7) في قوله تعالى: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي ~~أبي} (8) أن تأويل هذه الآية لم يجئ بعد، وكذب فإنه أراد بذلك مذهب ~~الرافضة، فإنها تقول: إن عليا في السحاب فلا يخرج مع من خرج من ولده حتى ~~ينادي علي من السماء: اخرجوا مع فلان، فهذا معنى قوله تعالى: {فلن أبرح ~~الأرض حتى يأذن لي أبي} الآية، عند جابر حسبما فسره سفيان من قوله: لم يجئ ~~(تأويل هذه) (9)، (قال سفيان: وكذب) (10) كانت PageV03P261 # الآية في إخوة يوسف، وقع ذلك في مقدمة كتاب مسلم (1). # ومن كان ذا عقل فلا يرتاب في أن سياق القرآن دال على ما قال سفيان، وأن ~~ما قاله جابر لا ينساق. # والثاني: / قول من زعم أنه يجوز للرجل نكاح تسع من (الحرائر) (2) مستدلا ~~بقوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} (3) لأن ~~أربعا إلى ثلاث إلى اثنتين تسع (4)، ولم يشعر بمعنى فعال ومفعل في كلام ~~العرب وأن معنى الآية، فانكحوا إن شئتم اثنتين اثنتين، أو ثلاثا (ثلاثا) ~~(5)، أو أربعا أربعا على التفصيل لا على ما قالوا. # والثالث: قول من زعم أن المحرم من الخنزير إنما هو اللحم (6)، وأما ~~الشحم/ فحلال لأن القرآن إنما حرم اللحم دون الشحم، ولو عرف أن ms544 اللحم يطلق ~~على الشحم أيضا بخلاف الشحم فإنه لا يطلق على اللحم لم يقل ما قال. # والرابع: قول من قال: إن كل شيء فان حتى ذات الباري تعالى الله/ عما ~~يقولون علوا كبيرا ما عدا الوجه (7) بدليل: {كل شيء هالك إلا PageV03P262 # وجهه} (1)، وإنما المراد بالوجه (ها) (2) هنا غير ما قال، فإن للمفسرين ~~فيه تأويلات، (وقصد) (3) هذا القائل لا يتجه لغة ولا (معنى) (4)، وأقرب قول ~~لقصد هذا المسكين أن يراد به ذو الوجه كما تقول: فعلت هذا لوجه فلان، أي ~~لفلان، فكان معنى الآية: كل شيء هالك إلا هو، و (نحوه) (5) قوله تعالى: ~~{إنما نطعمكم لوجه الله} (6)، ومثله قوله تعالى: {كل من عليها فان *ذو ~~الجلال والإكرام} (7). # والخامس: قول من زعم، أن لله سبحانه وتعالى جنبا (8) مستدلا بقوله: {أن ~~تقول نفس ياحسرتى على ما فرطت في جنب الله} (9)، وهذا لا معنى للجنب فيه لا ~~حقيقة ولا مجازا، لأن العرب/ تقول: هذا الأمر يصغر في جنب هذا، أي (هذا) ~~(10) يصغر بالإضافة إلى (هذا) (11) الآخر، فكذلك PageV03P263 # الآية معناها يا حسرتا على (ما فرطت) (1) فيما بيني وبين الله، إذا أضفت ~~تفريطي إلى أمره (لي) (2) ونهيه إياي. # /والسادس: قول من قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الدهر ~~فإن الله هو الدهر" (3) إن هذا/ الذي في الحديث هو مذهب الدهرية، ولم يعرف ~~أن المعنى: لا تسبوا الدهر (إذا أصابتكم المصائب، ولا تنسبوها إليه، فإن ~~الله هو الذي أصابكم بذلك لا الدهر) (4)، فإنكم إذا سببتم الدهر وقع السب ~~على الفاعل (في الحقيقة) (5) لا على الدهر، لأن العرب (كان) (6) من عادتها ~~في الجاهلية أن تنسب الأفعال إلى الدهر فتقول: أصابه الدهر في ماله، ونابته ~~قوارع الدهر ومصائبه. فينسبون (كل) (7) شيء تجري به أقدار الله تعالى عليهم ~~إلى الدهر، فيقولون: لعن الله الدهر، (ومحق) (8) الله الدهر، وأشباه ذلك ~~وإنما يسبونه لأجل (الفعال المنسوبة) (9) إليه، فكأنهم إنما سبوا الفاعل، و ~~(إنما) (10) الفاعل هو الله وحده، فكأنهم يسبونه سبحانه وتعالى. # فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ ms545 في العربية في كلام الله سبحانه ~~وتعالى وسنة نبيه (محمد) (11) صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك (قد) (12) يؤدي ~~إلى تحريف الكلم عن مواضعه،/ والصحابة رضوان الله عليهم برآء من ذلك؛ لأنهم ~~PageV03P264 # عرب لم يحتاجوا في فهم كلام الله تعالى إلى أدوات ولا تعلم، ثم من جاء ~~بعدهم ممن ليس بعربي اللسان تكلف ذلك حتى علمه، وحينئذ داخل القوم في فهم ~~الشريعة/ (وتنزيلها) (1) على ما ينبغي فيها كسلمان الفارسي رضي الله عنه ~~وغيره، فكل من اقتدى بهم في تنزيل الكتاب والسنة على العربية إن أراد أن ~~يكون من أهل الاجتهاد فهو إن شاء الله داخل في سوادهم الأعظم، كائن على ما ~~كانوا عليه، فانتظم في سلك (الفرقة) (2) الناجية. PageV03P265 ### | ### | فصل # # /النوع الثاني: (1) (الجهل بمقاصد الشرع، اعلم) (2) إن الله تعالى أنزل ~~الشريعة على رسوله صلى الله عليه وسلم فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق ~~في تكاليفهم التي أمروا بها/ وتعبداتهم التي طوقوها في أعناقهم، ولم يمت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كمل/ الدين بشهادة الله تعالى بذلك حيث ~~قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا} (3) فكل من زعم أنه بقي (في) (4) الدين شيء لم يكمل فقد كذب بقوله: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم}. # ولا يقال: قد وجدنا من النوازل والوقائع المتجددة ما لم يكن في الكتاب و ~~(لا في) (5) السنة نص عليه، ولا عموم ينتظمه، (كمسائل) (6) الجد في ~~الفرائض، والحرام في الطلاق، ومسألة الساقط على جريح محفوف بجرحى، وسائر ~~المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها من كتاب ولا سنة: فأين (الكمال) (7) ~~فيها؟ # (لأنا نقول) (8) / في الجواب: أولا إن قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم ~~دينكم} إن اعتبرت (فيها) (9) الجزئيات من المسائل والنوازل فهو كما ~~PageV03P266 # أوردتم، ولكن المراد كلياتها، فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في ~~الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلا وقد بينت غاية البيان، نعم يبقى ~~تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولا إلى نظر المجتهد، فإن قاعدة ~~الاجتهاد (أيضا ثابتة) (1) في الكتاب والسنة، فلا بد ms546 من إعمالها. ولا يسع ~~تركها، وإذا (ثبتت) (2) في الشريعة أشعرت بأن ثم مجالا للاجتهاد، ولا يوجد ~~ذلك إلا فيما لا نص فيه، ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات ~~بالفعل، فالجزئيات لا نهاية لها، فلا تنحصر بمرسوم، وقد نص العلماء على هذا ~~المعنى، فإنما المراد الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد الكلية التي ~~يجري عليها ما لا نهاية (له) (3) من النوازل. # ثم نقول ثانيا: إن النظر في كمالها بحسب خصوص الجزئيات يؤدي إلى// ~~الإشكال والالتباس/ وإلا فهو الذي أدى إلى إيراد هذا السؤال، إذ لو نظر ~~السائل إلى (الحالة) (4) التي وضعت عليها الشريعة، وهي حالة الكلية، لم ~~يورد سؤاله، لأنها موضوعة على الأبدية، وإن وضعت الدنيا على الزوال ~~والنهاية. # وأما الجزئية فموضوعة على النهاية المؤدية إلى/ الحصر في التفصيل، وإذ ~~ذاك قد يتوهم أنها لم تكمل فيكون خلافا لقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم ~~دينكم}، وقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين} (5) الآية، ولا شك أن كلام الله هو الصادق، وما خالفه فهو ~~المخالف، فظاهر إذ ذاك أن الآية على عمومها وإطلاقها (صحيحة) (6)، وأن ~~النوازل التي لا عهد بها لا تؤثر في صحة هذا الكمال، (لأنها) (7) إما محتاج ~~إليها وإما غير محتاج (إليها) (8) فإن كانت محتاجا إليها PageV03P267 # فهي مسائل الاجتهاد الجارية على الأصول الشرعية فأحكامها قد تقدمت، ولم ~~يبق إلا نظر المجتهد إلى أي دليل (تستند) (1) خاصة، وإما غير (محتاج) (2) ~~إليها، فهي البدع المحدثات، إذ لو كانت محتاجا إليها لما سكت عنها في ~~الشرع، لكنها مسكوت عنها بالفرض ولا دليل/ عليها فيه كما تقدم، فليست ~~بمحتاج إليها، فعلى كل تقدير (قد كمل الدين) (3) والحمد لله. # ومن الدليل على أن هذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم، أنهم ~~لم يسمع عنهم قط إيراد ذلك السؤال، ولا قال أحد منهم: لم لم ينص على حكم ~~الجد مع الإخوة؟ وعلى حكم من قال لزوجته: أنت علي حرام؟ وأشباه ذلك مما لم ~~يجدوا فيه عن الشارع ms547 نصا، بل قالوا فيها وحكموا بالاجتهاد/ واعتبروا (فيها) ~~(4) بمعان شرعية ترجع في التحصيل إلى الكتاب/ والسنة، وإن لم يكن (ذلك) (5) ~~بالنص فإنه بالمعنى، فقد ظهر إذا/ وجه كمال الدين على أتم الوجوه. # (ثم ننتقل) (6) منه إلى معنى آخر، وهو أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن ~~مبرءا عن الاختلاف والتضاد، ليحصل فيه كمال التدبر والاعتبار، فقال سبحانه ~~وتعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا *} (7)، فدل معنى الآية على أنه بريء من الاختلاف، فهو يصدق بعضه ~~بعضا، ويعضد بعضه بعضا، من جهة اللفظ ومن جهة المعنى. # فأما جهة اللفظ فإن الفصاحة فيه (متوازرة) (8) / مطردة، بخلاف كلام ~~المخلوق، فإنك تراه إلى الاختلاف ما هو، فيأتي بالفصل من الكلام الجزل ~~PageV03P268 # الفصيح فلا يكاد يختمه إلا وقد عرض له في أثنائه ما (يغض عليه) (1) من ~~منصب فصاحته، وهكذا تجد القصيدة الواحدة منها ما يكون على نسق الفصاحة ~~اللائقة، ومنها ما لا يكون كذلك. # وأما/ جهة المعنى، فإن معاني القرآن على كثرتها أو على تكرارها بحسب ~~مقتضيات الأحوال على (نمط) (2) وبلوغ غاية في (اتصالها) (3) إلى غايتها، من ~~غير إخلال بشيء منها، ولا تضاد ولا تعارض، على وجه لا سبيل إلى البشر أن ~~يدانوه، ولذلك لما سمعته أهل البلاغة الأولى والفصاحة (الأصلية) (4) وهم ~~العرب لم يعارضوه، ولم يغيروا في وجه إعجازه بشيء مما نفى الله تعالى عنه، ~~(وهم) (5) أحرص ما كانوا على الاعتراض فيه والغض من جانبه، ثم لما أسلموا ~~(وعاينوا) (6) معانيه وتفكروا في غرائبه، لم يزدهم البحث إلا بصيرة في أنه ~~لا اختلاف فيه ولا تعارض، والذي نقل من ذلك يسير توقفوا فيه توقف المسترشد ~~حتى يرشدوا إلى وجه الصواب، أو توقف المتثبت في الطريق. # /وقد صح أن سهل/ بن حنيف (7) قال يوم صفين وحكم (الحكمين) (8): يا أيها ~~الناس اتهموا رأيكم، فلقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أبي ~~جندل (9) ولو نستطيع أن نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ~~لرددناه، وايم الله ما ms548 وضعنا سيوفنا من (على) (10) عواتقنا منذ أسلمنا لأمر ~~يفظعنا إلا PageV03P269 # (أسهلن) (1) بنا إلى أمر نعرفه الحديث (2). # فوجه الشاهد منه أمران: قوله: (اتهموا الرأي) فإن معارضة (الظواهر) (3) ~~في غالب الأمر رأي غير مبني على (أصل) (4) يرجع إليه، وقوله في الحديث وهو ~~النكتة في الباب: والله ما وضعنا سيوفنا إلى آخره، فإن معناه: أن كل ما ورد ~~عليهم في شرع الله مما يصادم الرأي فإنه حق يتبين على التدريج حتى يظهر ~~فساد ذلك الرأي، وأنه كان شبهة عرضت وإشكالا ينبغي أن لا يلتفت إليه، بل ~~يتهم أولا ويعتمد على ما جاء في الشرع، فإنه إن لم يتبين اليوم تبين غدا/، ~~ولو فرض أنه لا يتبين أبدا فلا حرج، فإنه متمسك بالعروة الوثقى. # وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت/ (هشام) (5) بن حكيم ~~بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت ~~لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فكدت/ أساوره في الصلاة، فصبرت حتى سلم، (فلببته) (6) بردائه، فقلت: ~~من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ. فقال: أقرأنيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فقلت: كذبت، فإن/ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على ~~غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني ~~سمعت هذا/ يقرأ سورة الفرقان PageV03P270 # على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرسله (1) ~~اقرأ يا (هشام) (2). فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: كذلك أنزلت، (ثم قال) (3): اقرأ يا عمر فقرأت القراءة ~~التي أقرأني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (4): كذلك أنزلت، إن هذا ~~القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا (ما) (5) تيسر منه" (6). # وهذه المسألة إنما هي إشكال وقع لبعض الصحابة رضي الله عنهم في نقل ~~الشرع، بين لهم جوابه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك دليلا على أن ~~فيه اختلافا، فإن ms549 الاختلاف بين المكلفين في بعض معانيه أو مسائله لا يستلزم ~~أن يكون فيه نفسه اختلاف، فقد اختلفت الأمم في النبوات ولم يكن (ذلك) (7) ~~دليلا على وقوع الاختلاف في نفس النبوات، واختلفت في مسائل كثيرة من علوم ~~التوحيد ولم يكن اختلافهم دليلا على وقوع الاختلاف فيما اختلفوا فيه، فكذلك ~~ما نحن فيه. # وإذا ثبت هذا صح منه أن القرآن في نفسه لا اختلاف فيه. # ثم نبني على هذا معنى آخر وهو: أنه لما تبين تنزهه عن الاختلاف، صح أن ~~يكون حكما بين جميع المختلفين، لأنه إنما يقرر معنى هو الحق، والحق لا ~~يختلف في نفسه، فكل اختلاف صدر من مكلف فالقرآن هو المهيمن عليه، قال الله ~~تعالى (: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا ~~عليه} (8) وأعم من هذا قوله تعالى: {كان PageV03P271 # الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} (1)، ثم قال: {فهدى الله الذين ~~آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه}، وقال تعالى) (2): {فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير ~~وأحسن تأويلا} (3)./ فهذه الآي وما أشبهها صريحة في الرد إلى كتاب الله ~~تعالى وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم/ لأن السنة بيان الكتاب، وهو دليل ~~على أن الحق فيه واضح، وأن البيان فيه شاف، لا شيء بعده يقوم مقامه، وهكذا ~~فعل/ الصحابة رضي الله عنهم لأنهم كانوا إذا اختلفوا في مسألة ردوها إلى ~~الكتاب والسنة، وقضاياهم/ شاهدة بهذا المعنى، لا يجهلها من زاول الفقه، فلا ~~فائدة في جلبها إلى هذا الموضع لشهرتها، فهو إذا مما كان عليه الصحابة رضي ~~الله عنهم. # فإذا تقرر هذا فعلى الناظر في الشريعة بحسب هذه المقدمة أمران: # أحدهما: أن ينظر إليها بعين الكمال لا بعين النقصان، ويعتبرها اعتبارا ~~كليا في العبادات والعادات، ولا يخرج عنها البتة، لأن الخروج/ عنها تيه ~~وضلال ورمي في عماية، كيف وقد ثبت كمالها وتمامها؟ فالزائد (والناقص) (4) ~~في ms550 جهتها هو المبتدع بإطلاق، والمنحرف عن الجادة إلى بنيات الطرق. # والثاني: أن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية ~~ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جار على مهيع واحد، ومنتظم إلى معنى ~~واحد، فإذا أداه بادئ الرأي إلى ظاهر اختلاف فواجب عليه أن يعتقد انتفاء ~~الاختلاف، لأن الله تعالى قد شهد له أن لا اختلاف فيه، فليقف وقوف المضطر ~~السائل عن وجه الجمع، أو المسلم من غير اعتراض، (إن) (5) كان الموضع مما ~~(لا) (6) يتعلق به حكم عملي، (فإن تعلق به حكم PageV03P272 # عملي) (1) (التمس) (2) المخرج/ حتى يقف على الحق اليقين، أو يبقى باحثا ~~إلى الموت (ولا) (3) عليه من ذلك، فإذا اتضح له المغزى وتبينت له الواضحة، ~~فلا بد (له) (4) من أن يجعلها حاكمة في كل ما يعرض له (من) (5) النظر فيها. ~~ويضعها نصب عينيه في كل مطلب ديني، كما فعل من تقدمنا ممن أثنى الله ~~(ورسوله) (6) عليهم. # /فأما الأمر الأول: فهو الذي أغفله المبتدعون فدخل عليهم بسبب ذلك ~~الاستدراك على الشرع، وإليه مال (كل) (7) من كان يكذب على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيقال له (في) (8) ذلك ويحذر ما في الكذب عليه من الوعيد، فيقول ~~لم أكذب عليه وإنما كذبت له. # وحكي عن محمد بن سعيد المعروف بالأردني (9) أنه قال: إذا كان/ الكلام ~~حسنا لم أر بأسا أن أجعل له إسنادا (10). فلذلك/ كان يحدث بالموضوعات، وقد ~~قتل في الزندقة وصلب، (وقد تقدم لهذا القسم أمثلة كثيرة) (11). # وأما الأمر الثاني: فإن قوما أغفلوه أيضا ولم (ينعموا) (12) النظر حتى ~~اختلف عليهم الفهم في القرآن والسنة، فأحالوا بالاختلاف (عليهما) (13) ~~PageV03P273 # تحسينا للظن بالنظر الأول، وهذا هو الذي عاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من حال الخوارج حيث قال: "يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم" (1)، ~~فوصفهم بعدم الفهم للقرآن/، وعند ذلك خرجوا على أهل الإسلام، إذ قالوا: لا ~~حكم إلا لله، وقد حكم الرجال في دين الله، حتى بين لهم حبر (الإسلام) (2) ~~عبد الله بن عباس رضي الله عنهما معنى قوله ms551 تعالى: {إن الحكم إلا لله} (3) ~~على وجه أذعن بسببه منهم ألفان، أو من رجع منهم إلى الحق، وتمادى الباقون ~~على ما كانوا عليه، اعتمادا والله أعلم على قول من قال منهم: لا تناظروه ~~ولا تخاصموه فإنه من الذين قال الله فيهم: {بل هم قوم} / {خصمون} (4). # فتأملوا رحمكم الله كيف كان فهمهم في القرآن. ثم لم يزل هذا الإشكال ~~يعتري أقواما حتى اختلفت عليهم الآيات والأحاديث، وتدافعت على أفهامهم ~~(فحجوا) (5) به قبل (إنعام) (6) النظر. # /ولنذكر من ذلك عشرة أمثلة: # أحدها: قول من قال: إن قوله تعالى: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون *} (7) ~~يتناقض مع قوله تعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون *} (8). # والثاني: قول من قال في قوله تعالى: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن ~~*} (9) مضاد لقوله: {وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون} (10)، وقوله ~~تعالى: {ولتسألن عما كنتم تعملون} (11). PageV03P274 # والثالث: قول من قال في قوله تعالى: {قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض ~~في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين *} / إلى قوله تعالى: {ثم ~~استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين *فقضاهن سبع سماوات في يومين} (1): إن هذا صريح في أن الأرض مخلوقة ~~قبل السماء، وفي الآية الأخرى: {أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها *رفع سمكها ~~فسواها *وأغطش ليلها وأخرج ضحاها *والأرض بعد ذلك دحاها *} (2)، فصرح/ بأن ~~الأرض مخلوقة بعد السماء. # ومن هذه الأسئلة ما أورده نافع بن الأزرق أو غيره على ابن عباس رضي الله ~~عنهما، فخرج البخاري (3) في المعلقات (4) عن سعيد بن جبير قال: قال رجل ~~لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، وهي قوله تعالى: {فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون} (5)، {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون *} (6)،/ ~~{ولا يكتمون الله حديثا} (7)، {والله ربنا ما كنا مشركين} (8)، فقد كتموا ~~في هذه الآية، {أم السماء بناها رفع سمكها فسواها *} إلى قوله تعالى: ~~{والأرض بعد ذلك دحاها *} (9)، فذكر خلق السماء قبل الأرض ثم قال: {أإنكم ~~لتكفرون بالذي ms552 خلق الأرض في يومين} إلى قوله {ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان} إلى قوله {طائعين} (10)، فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، ~~وقال: {وكان الله غفورا رحيما}، {عزيزا حكيما} PageV03P275 # {سميعا بصيرا} فكأنه كان ثم مضى فقال يعني ابن عباس: {فلا أنساب بينهم ~~يومئذ ولا يتساءلون} في النفخة الأولى (يوم ينفخ) (1) في الصور فصعق من في ~~السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك/ ولا ~~يتساءلون، ثم في النفخة الأخرى أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. # وأما قوله: {ما كنا مشركين} {ولا يكتمون الله حديثا} فإن الله عز وجل ~~يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون تعالوا نقول: لم نكن مشركين. ~~(فيختم) (2) على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك/ عرفوا أن الله لا يكتم ~~حديثا، وعنده يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض. # /وقوله عز وجل: {خلق الأرض في يومين}، {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع ~~سماوات} في يومين آخرين ثم دحا الأرض، (ودحوها) (3) أن أخرج منها الماء ~~والمرعى، وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين (آخرين) (4)، فذلك قوله: ~~(دحاها) وقوله تعالى: {خلق الأرض في يومين} فخلقت الأرض وما فيها من شيء في ~~أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين. # (وقوله) (5): {وكان الله غفورا رحيما} سمى نفسه بذلك، وذلك (قوله) (6)؛ ~~أي لم يزل كذلك، فإن الله عز وجل لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد، فلا ~~يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله. # والرابع: قول من قال:/ إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لما ~~خلق آدم مسح ظهره بيمينه فأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة، وأشهدهم على ~~أنفسهم: PageV03P276 # ألست بربكم؟ قالوا بلى ... " (1)، الحديث (وقع) (2) مخالف لقول الله ~~تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى} (3) فالحديث يخبر أنه أخذهم من ظهر آدم والكتاب يخبر أنه ~~أخذ من ظهور (بني) (4) آدم، وهذا إذا تؤمل لا (اختلاف) (5) فيه لأنه يمكن ~~الجمع بينهما، بأن يخرجوا من ms553 صلب آدم عليه الصلاة والسلام دفعة واحدة على ~~وجه لو خرجوا على الترتيب (لخرجوا) (6)، كما أخرجوا إلى الدنيا، ولا محال ~~في هذا بأن (ينفطر) (7) في تلك الآخذة الأبناء عن الأبناء من غير ترتيب ~~زمان وتكون النسبتان معا صحيحتين (على) (8) الحقيقة لا على المجاز. # /والخامس: قول من قال فيما جاء في الحديث أن رجلا قال: يا رسول الله ~~نشدتك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله، (فقال خصمه وكان أفقه منه صدق: ~~اقض بيننا بكتاب الله) (9)، وائذن لي في أن أتكلم، ثم أتى بالحديث، فقال/ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، ~~أما الوليدة (والغنم) (10) فرد عليك، وعلى ابنك هذا جلد مائة وتغريب عام، ~~وعلى امرأة هذا/ الرجم" إلى آخر الحديث (11)، هو مخالف PageV03P277 # لكتاب الله، لأنه قد قال: "لأقضين بينكما بكتاب الله" حسبما سأله السائل، ~~ثم قضى بالرجم والتغريب، وليس لهما ذكر في كتاب الله. # الجواب: إن الذي أوجب الإشكال في المسألة اللفظ المشترك (فإن كتاب الله، ~~كما) (1) يطلق على القرآن يطلق على ما كتب الله تعالى عنده مما هو حكمه ~~وفرضه على العباد، كان/ مسطورا في القرآن أو لا، كما قال تعالى: {كتاب الله ~~عليكم} (2) أي (حكم الله) (3) وفرضه، وكل ما جاء في القرآن من قوله: ({كتب ~~عليكم}) (4) فمعناه فرض وحكم به، ولا يلزم أن يوجد هذا الحكم في القرآن. # والسادس: قول من زعم أن قوله تعالى في الإماء: {فإن أتين بفاحشة فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب} (5) / لا يعقل مع ما جاء في الحديث أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجم ورجمت (الأئمة) (6) بعده، لأنه يقتضي أن ~~الرجم ينتصف وهذا غير معقول، فكيف يكون نصفه على الإماء؟ ذهابا منهم/ إلى ~~أن المحصنات (هنا) (7) ذوات الأزواج، وليس كذلك، بل المحصنات هنا المراد ~~بهن الحرائر، بدليل قوله أول الآية: {ومن لم يستطع منكم طولا/ أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} (8) ~~PageV03P278 # وليس المراد هنا إلا الحرائر، لأن ذوات الأزواج لا ms554 تنكح. # والسابع: قولهم: إن الحديث جاء بأن المرأة لا تنكح على عمتها ولا على ~~خالتها (1) وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (2)، والله تعالى لما ذكر ~~المحرمات لم يذكر من الرضاع إلا الأم والأخت، ومن الجمع إلا الجمع بين ~~الأختين، وقال بعد ذلك/: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} (3) (فاقتضى) (4) أن ~~المرأة تنكح على عمتها وعلى خالتها، (وكل رضاعة) (5) سوى الأم والأخت ~~(حلال) (6). # وهذه الأشياء من باب تخصيص العموم لا تعارض فيه على حال. # والثامن: قول من قال: إن قوله صلى الله عليه وسلم: "غسل الجمعة واجب على ~~كل محتلم" (7) مخالف لقوله: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل ~~PageV03P279 # فالغسل أفضل" (1). # والمراد بالوجوب هنا التأكيد خاصة، بحيث لا يكون تركه تركا (للفرض) (2)، ~~وبه يتفق معنى الحديثين فلا اختلاف (3). # والتاسع: / قولهم: جاء في الحديث: (صلة الرحم تزيد (في) (4) العمر) (5)، ~~والله تعالى يقول: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (6) ~~فكيف تزيد صلة الرحم في أجل لا يؤخر ولا يقدم ألبتة. # وأجيب عنه بأجوبة منها أن يكون في علم الله تعالى أن هذا الرجل إن وصل ~~رحمه عاش مائة سنة، وإلا عاش ثمانين سنة، مع أن في علمه أنه يفعل بلا بد، ~~(أو) (7) أنه لا يفعل أصلا. # /وعلى كلا الوجهين إذا جاء أجله لا يستأخر (ساعة) (8) ولا يستقدم. ~~PageV03P280 # قاله ابن قتيبة (1) وتبعه عليه القرافي (2). # والعاشر: قالوا في الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام ~~وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة (3)، ثم فيه: كان صلى الله عليه وسلم ينام وهو ~~جنب من غير أن يمس ماء (4)، وهذا تدافع. والحديثان معا لعائشة رضي/ الله ~~عنها. # والجواب سهل: فالحديثان يدلان على أن الأمرين موسع فيهما، لأنه إذا فعل ~~أحد الأمرين وأكثر منه، وفعل الآخر أيضا وأكثر منه على ما تقتضيه: كان ~~يفعل، حصل منهما/ أنه كان يفعل ويترك، وهذا شأن المستحب فلا تعارض بينهما ~~(5). # فهذه عشرة أمثلة تبين لك مواقع الإشكال، (وأين رتبتها) (6) مع ثلج ~~اليقين، فإن الذي عليه/ كل ms555 (موقن) (7) بالشريعة أنه لا تناقض فيها ولا ~~اختلاف، فمن توهم ذلك فيها فلم (ينعم) (8) النظر ولا أعطى وحي الله حقه، ~~ولذلك قال الله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن} (9) فحضهم على التدبر أولا، ~~ثم أعقبه: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا}، فبين أنه ~~لا اختلاف فيه، والتدبر يعين على تصديق ما أخبر به. PageV03P281 ### | ### | فصل # # النوع الثالث (1): (تحكيم العقل وتحسين الظن به، اعلم) (2) أن الله جعل ~~للعقول في إدراكها حدا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها (سبيلا) (2) إلى ~~الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ~~ما كان وما يكون وما لا يكون، إذ لو كان كيف كان يكون؟ فمعلومات الله لا ~~تتناهى، ومعلومات العبد متناهية، والمتناهي لا يساوي ما لا يتناهى. # وقد دخل في هذه الكلية (ذوات) (3) الأشياء جملة وتفصيلا، وصفاتها ~~وأحوالها وأفعالها وأحكامها جملة وتفصيلا، (وأيضا) (4) فالشيء الواحد من ~~جملة الأشياء يعلمه الباري تعالى على التمام والكمال، بحيث لا يعزب عن علمه ~~مثقال ذرة لا في/ ذاته ولا في صفاته ولا في أحواله ولا في أحكامه، بخلاف ~~العبد فإن علمه بذلك الشيء قاصر ناقص، (تعلق بذاته) (5) أو صفاته (أو ~~أفعاله) (6) أو (أحواله) (7) أو أحكامه، وهو في الإنسان (أمر) (8) مشاهد ~~محسوس لا يرتاب فيه عاقل (تخرجه) (9) التجربة إذا اعتبرها الإنسان في نفسه. ~~PageV03P282 # (وأيضا) (1) فأنت ترى المعلومات/ عند (العقلاء) (2) تنقسم (إلى) (3) ~~ثلاثة أقسام: # قسم ضروري: لا يمكن التشكيك فيه، كعلم/ الإنسان بوجوده، وعلمه بأن ~~الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان. # وقسم: لا يعلمه ألبتة إلا أن يعلم به أو يجعل له طريق إلى العلم به، وذلك ~~كعلم المغيبات عنه، كانت من قبيل ما يعتاد علم العبد به أو لا، كعلمه بما ~~تحت رجليه/ (الآن مغيب) (4) عنه تحت/ الأرض بمقدار شبر، وعلمه بالبلد ~~القاصي عنه الذي لم يتقدم له به عهد، فضلا عن علمه بما في السموات وما في ~~البحار وما في الجنة أو النار على التفصيل، فعلمه بما لم ms556 يجعل له عليه دليل ~~غير ممكن. # وقسم نظري: يمكن العلم به ويمكن أن لا يعلم (به) (5) وهي النظريات وذلك ~~الممكنات التي تعلم بواسطة لا بأنفسها، إلا أن يعلم بها إخبارا. # وقد زعم أهل العقول أن النظريات لا يمكن الاتفاق (عليها) (6) عادة ~~لاختلاف القرائح والأنظار، فإذا/ وقع الاختلاف فيها لم يكن بد من مخبر ~~بحقيقتها في أنفسها إن احتيج إليها، لأنها لو لم تفتقر إلى الإخبار لم يصح ~~العلم بها، لأن المعلومات لا تختلف باختلاف الأنظار، لأنها حقائق في ~~أنفسها، فلا يمكن أن يكون كل مجتهد فيها مصيبا كما هو معلوم في الأصول ~~وإنما المصيب فيها واحد، وهو لا يتعين إلا بالدليل. # وقد تعارضت الأدلة في نظر الناظر، فنحن نقطع بأن أحد الدليلين ~~PageV03P283 # دليل حقيقة، والآخر شبهة، ولا (تعيين) (1)، فلا بد من إخبار بالتعيين. # ولا يقال: إن هذا قول الإمامية، لأنا نقول: بل هو (مما) (2) يلزم الجميع، ~~فإن القول بالمعصوم غير النبي صلى الله عليه وسلم يفتقر إلى دليل، لأنه لم ~~ينص عليه الشارع نصا يقطع العذر. # فالقول بإثباته نظري، فهو مما وقع الخلاف فيه. فكيف يخرج عن الخلاف بأمر ~~فيه خلاف؟ هذا لا يمكن (3). # فإذا ثبت هذا/ رجعنا إلى مسألتنا فنقول:/ الأحكام الشرعية من حيث تقع على ~~أفعال المكلفين (ليست) (4) من قبيل الضروريات في الجملة، وإن اختلفوا في ~~بعض التفاصيل (فلتماسها) (5). # /ونرجع إلى ما بقي من الأقسام فإنهم قد أقروا في الجملة أعني القائلين ~~بالتشريع العقلي أن منه نظريا، ومنه ما لا يعلم (لا) (6) بضرورة ولا بنظر، ~~وهما القسمان الباقيان (فما لا يعلم أصلا) (7) إلا من جهة الإخبار، فلا بد ~~فيه من الإخبار؛ لأن العقل غير مستقل فيه. وهذا إذا راعينا قولهم وساعدناهم ~~عليه، فإنا إن لم نلتزم ذلك على مذاهب أهل السنة فعندنا أن لا (حكم للعقل) ~~(8) أصلا، فضلا عن أن يكون له قسم لا حكم له وعندهم أنه لا بد من حكم، ~~فلأجل ذلك نقول: لا بد من الافتقار إلى PageV03P284 # الخبر، وحينئذ يكون العقل غير/ مستقل (بالتشريع) (1). # فإن ms557 قالوا: بل هو مستقل، لأن ما لم يقض فيه إما أن يقولوا فيه بالوقف كما ~~هو مذهب بعضهم أو بأنه على الحظر أو الإباحة كما ذهب إليه آخرون. # فإن (قالوا) (2) (بالثاني) (3)، فهو مستقل، وإن (قالوا) (4) بالأول فكذلك ~~أيضا، لأنه قد ثبت استقلاله بالبعض فافتقاره في بعض الأشياء لا يدل على ~~افتقاره مطلقا. قلنا: بل هو مفتقر على الإطلاق: لأن القائلين بالوقف (قد) ~~(5) اعترفوا بعدم استقلاله في البعض، وإذا ثبت الافتقار في صورة ثبت مطلقا ~~إذ ما وقف فيه العقل قد ثبتت فيه ذلك، وما لم يقف فيه فإنه نظري، فيرجع ~~(إلى) (6) ما تقدم في النظر، وقد مر أنه لا بد من حكم ولا يمكن إلا من جهة ~~الإخبار. # (وأما القائلون بعدم الوقف فراجعة (أقوالهم) (7) أيضا إلى أن المسألة ~~نظرية فلا بد من الإخبار) (8)، وذلك معنى كون العقل لا يستقل بإدراك ~~الأحكام حتى يأتي المصدق للعقل أو المكذب له. # /فإن قالوا: فقد ثبت فيها قسم ضروري فيثبت الاستقلال. # /قلنا: إن ساعدناكم على ذلك فلا يضرنا في دعوى الافتقار، لأن الأخبار قد ~~تأتي/ بما يدركه/ الإنسان بعقله تنبيها لغافل أو إرشادا لقاصر، أو إيقاظا ~~لمغمور بالعوائد يغفل عن كونه (مطلوبا فضلا عن كونه) (9) ضروريا، فهو إذا ~~محتاج إليه، ولا بد للعقل من التنبيه من خارج، وهي PageV03P285 # فائدة بعث الرسل، فإنكم تقولون: إن حسن الصدق النافع والإيمان، وقبح ~~الكذب (الضار) (1) والكفران، معلوم ضرورة، وقد جاء الشرع بمدح هذا وذم ذلك، ~~وأمر بهذا ونهى عن ذلك. # /فلو كان العقل غير مفتقر إلى التنبيه لزم منه المحال وهو الإخبار بما لا ~~فائدة فيه، لكنه أتى بذلك فدلنا على أنه نبه على أمر يفتقر العقل إلى ~~التنبيه عليه. هذا وجه. # ووجه آخر: وهو أن العقل لما ثبت أنه قاصر الإدراك في علمه، (فما) (2) ~~ادعى علمه لم يخرج عن (تلك) (3) الأحكام الشرعية التي زعم أنه أدركها، ~~لإمكان أن يدركها من وجه دون وجه، وعلى حال دون حال، والبرهان على ذلك ~~أحوال أهل الفترات، فإنهم وضعوا أحكاما على ms558 العباد بمقتضى السياسات لا تجد ~~فيها أصلا منتظما (ولا) (4) قاعدة مطردة (مع) (5) الشرع بعد ما جاء، بل ~~استحسنوا أمورا تجد العقول بعد/ تنويرها بالشرع تنكرها، وترميها بالجهل ~~والضلال (والبهتان) (6) والحمق، مع الاعتراف بأنهم أدركوا بعقولهم أشياء قد ~~وافقت وجاء الشرع بإقرارها وتصحيحها، ومع أنهم كانوا أهل عقول (وافرة) (7)، ~~وأنظار (صائبة) (8)، وتدبيرات لدنياهم غامضة، لكنها بالنسبة إلى ما لم ~~يصيبوا فيه قليلة، فلأجل هذا كله وقع الإعذار والإنذار، وبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله/ حجة بعد الرسل، ولله الحجة ~~البالغة، والنعمة السابغة. # /فالإنسان وإن زعم في الأمر أنه أدركه وقتله علما لا يأتي عليه الزمان ~~إلا وقد عقل فيه ما لم يكن عقل، وأدرك من علمه ما لم (يكن PageV03P286 # أدرك) (1) قبل ذلك، كل أحد يشاهد (ذلك) (2) من نفسه عيانا، ولا يختص ذلك ~~عنده بمعلوم دون معلوم، ولا بذات دون صفة، ولا فعل دون حكم، فكيف يصح دعوى ~~الاستقلال في الأحكام الشرعية وهي نوع من أنواع ما يتعلق به علم العبد، لا ~~سبيل له إلى دعوى الاستقلال ألبتة حتى يستظهر في مسألته بالشرع إن كانت ~~شرعية لأن (أوضاع) (3) الشارع (لا تخلف) (4) فيها ألبتة، ولا قصور ولا نقص، ~~بل مباديها موضوعة على وفق الغايات، وهي (معنى) (5) الحكمة. # ووجه ثالث: وهو أن ما ندعي علمه في الحياة (الدنيا) (6) ينقسم كما تقدم ~~إلى البديهي الضروري (7) وغيره (فالضروري قد عرفناه، بحيث لا يسعنا إنكاره، ~~وغير الضروري لا يمكننا أن نعرفه) (8) إلا من طريق ضروري إما بواسطة أو ~~بغير واسطة، إذ قد اعترف الجميع أن العلوم/ المكتسبة لا بد في تحصيلها من ~~توسط مقدمتين معترف بهما (9)، فإن كانتا ضروريتين فذاك، وإن كانتا مكتسبتين ~~فلا بد في/ اكتساب كل واحدة منهما من مقدمتين، PageV03P287 # وينظر فيهما كما تقدم، وكذلك إن كانت واحدة ضرورية (والأخرى) (1) مكتسبة ~~فلا بد للمكتسبة من مقدمتين، فإن انتهينا إلى ضروريتين فهو المطلوب، وإلا ~~لزم التسلسل أو الدور (2)، وكلاهما محال، فإذا لا يمكن أن نعرف غير الضروري ~~إلا (بواسطة) (3) الضروري. # وحاصل (الأمر ms559 أنه) (4) لا بد من (معرفتنا) (5) بمقدمتين حصلت لنا كل ~~واحدة/ منهما مما عقلناه وعلمناه من مشاهدة باطنة، كالألم واللذة أو بديهي ~~للعقل كعلمنا بوجودنا/ وبأن الاثنين أكثر من الواحد، وبأن الضدين/ لا يمكن ~~اجتماعهما وما أشبه ذلك مما هو لنا معتاد في هذه الدار، فإنا لم يتقدم لنا ~~علم إلا بما هو معتاد في هذه الدار، وأما ما ليس بمعتاد فقبل النبوات/ لم ~~يتقدم لنا به معرفة، فلو بقينا (وذاك) (6) لم (نحمل) (7) ما لم نعرف إلا ~~على ما عرفنا، ولأنكرنا (دعوى) (8) من ادعى جواز قلب الشجر حيوانا والحيوان ~~حجرا، (وأشباه) (9) ذلك، لأن الذي نعرفه من المعتادات المتقدمة خلاف هذه ~~الدعوى. # فلما جاءت النبوات بخوارق العادات أنكرها من أصر على الأمور العادية ~~واعتقدها سحرا أو غير ذلك، كقلب العصا ثعبانا، وفرق البحر، وإحياء الموتى، ~~وإبراء الأكمه والأبرص، ونبع الماء من بين أصابع اليد، وتكليم الحجر ~~والشجر، وانشقاق القمر، إلى غير ذلك مما (تبين) (10) به أن PageV03P288 # تلك العوائد اللازمة في العادات ليست بعقلية بحيث لا يمكن تخلفها، بل ~~يمكن أن (تتخلف) (1) كما يجوز على كل مخلوق أن يصير من الوجود إلى العدم، ~~كما خرج من العدم إلى الوجود. # (فمجاري) (2) العادات إذا يمكن (عقلا تخلفها) (3). إذ لو كان عدم التخلف ~~لها عقليا لم يمكن أن (تتخلف) (4) لا لنبي ولا لغيره، ولذلك لم يدع أحد من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الجمع بين النقيضين، ولا تحدى أحد بكون ~~(الواحد أكثر من اثنين) (5)، مع أن الجميع فعل الله تعالى، وهو متفق عليه ~~بين أهل الإسلام/ وإذا أمكن في العصا والبحر والأكمه والأبرص والأصابع ~~والشجر وغير ذلك أمكن في جميع الممكنات، لأن ما وجب للشيء وجب لمثله. # وأيضا فقد جاءنا الشرع بأوصاف (في) (6) أهل الجنة وأهل النار خارجة عن ~~المعتاد الذي (عهدنا) (7)، فإن (كون) (8) / الإنسان في الجنة يأكل ويشرب ثم ~~لا يغوط ولا يبول غير معتاد، وكون عرقه كرائحة المسك غير/ معتاد وكون ~~الأزواج مطهرة من الحيض مع كونهن في حالة الصبا وسن من (تحيض) (9) غير ~~معتاد، ms560 وكون الإنسان فيها لا/ ينام (أصلا) (10) ولا يصيبه جوع ولا عطش وإن ~~فرض أنه لا يأكل ولا يشرب أبد الدهر غير معتاد، وكون الثمر فيها إذا (قطف) ~~(11) أخلف في الحال (وتدانى) (12) إلى يد القاطف إذا اشتهاه غير معتاد، ~~وكون اللبن والخمر والعسل فيها أنهارا من غير/ حلاب ولا عصر ولا نحل، وكون ~~الخمر لا تسكر غير معتاد، وكون PageV03P289 # ذلك كله بحيث لو استعمله دائما (لا يمتلئ ولا يصيبه كظة) (1) ولا تخمة ~~ولا يخرج من جسده لا في أذنه ولا (في) (2) أنفه ولا (أرفاغه) (3) ولا سائر ~~جسده أوساخ ولا أقذار (غير معتاد) (4)، وكون أحد من (أهل الجنة) (5) لا ~~يهرم ولا يشيخ ولا يموت ولا يمرض (غير) (6) معتاد. # كذلك إذا (نظرت) (7) (إلى) (8) أهل النار عياذا بالله وجدت من ذلك كثيرا، ~~ككون النار لا تأتي عليه حتى يموت، كما قال تعالى: {لا يموت فيها ولا يحيا} ~~(9)، وسائر أنواع الأحوال التي هم عليها، كلها خارق للعادة. # فهذان نوعان شاهدان لتلك العوائد وأشباهها (بأنها) (10) ليست بعقلية، ~~وإنما هي وضعية يمكن تخلفها، وإنما لم نحتج بالكرامات لأن أكثر المعتزلة ~~ينكرونها رأسا/ وقد أقر بها بعضهم (11). # وإن ملنا إلى (التقريب) (12)، فلو اعتبر الناظر في هذا العالم لوجد لذلك ~~نظائر جارية على (غير) (13) المعتاد. # واسمع في ذلك أثرا غريبا حكاه ابن وهب من طريق إبراهيم بن نشيط (14) ~~PageV03P290 # قال: سمعت شعيب بن أبي سعيد (1) يحدث: أن راهبا كان بالشام من (علمائهم) ~~(2) وكان ينزل مرة في السنة فتجتمع/ إليه الرهبان (ليعلمهم) (3) ما أشكل ~~عليهم من دينهم، فأتاه خالد بن يزيد بن معاوية (4) فيمن جاءه، فقال له ~~الراهب: أمن أهل هذه الملة أنت؟ يريد النصرانية، قال خالد: لا ولكني من أمة ~~محمد، قال الراهب (5): أمن علمائهم أنت؟ # قال خالد: إن فيهم لمن هو أعلم مني. قال الراهب: أليس تقولون: إنكم ~~تأكلون في الجنة وتشربون ثم لا يخرج منكم أذى؟ قال خالد: بلى، قال الراهب: ~~أفلهذا مثل تعرفونه في الدنيا؟ قال: نعم، الصبي يأكل في بطن/ أمه من ~~طعامها، ويشرب من شرابها ms561 ثم لا يخرج منه أذى، قال الراهب لخالد: (أليس) (6) ~~تقول إنك لست من علمائهم؟ قال خالد: إن فيهم لمن هو أعلم مني، قال: أفليس ~~تقولون: إن في الجنة فواكه تأكلون منها ولا ينقص منها شيء؟ قال خالد: بلى، ~~قال: أفلهذا مثل في الدنيا تعرفونه؟ قال خالد: نعم، الكتاب يكتب منه كل ~~(أحد) (7) ثم لا ينقص منه شيء، قال الراهب: (أليس) (8) تقول:/ إنك لست من ~~علمائهم؟ قال خالد: إن فيهم لمن هو أعلم مني،/ قال خالد: فتمعر وجهه ثم ~~قال: إن هذا من أمة بسط لها في الحسنات/ ما لم يبسط لأحد. انتهى المقصود من ~~الخبر. # وهو/ ينبه على أن ذلك الأصل الذي يظهر من أول الأمر أنه غير معتاد، له ~~أصل في المعتاد، وهو تنزل (للممكن) (9) غير لازم، ولكنه مقرب PageV03P291 # لفهم من قصر فهمه عن إدراك (هذه) (1) الحقائق الواضحات. # فعلى هذا يصح قضاء العقل في (كل) (2) عادي بانخراقه مع أن كون العادي ~~عاديا مطردا (غير) (3) صحيح أيضا، فكل عادي يفرض العقل فيه خرق العادة فليس ~~للعقل (إنكاره) (4)، إذ قد ثبت في بعض الأنواع التي اختص الباري باختراعها، ~~والعقل لا يفرق بين خلق وخلق، فلا يمكن إلا الحكم بذلك الإمكان على كل ~~مخلوق، ولذلك قال بعض المحققين من أهل الاعتبار: سبحان من ربط الأسباب ~~بمسبباتها وخرق العوائد ليتفطن العارفون. تنبيها على/ هذا المعنى المقرر. # فهو أصل اقتضى للعاقل أمرين: # أحدهما: أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو ~~الشرع، بل الواجب عليه أن يقدم ما حقه التقديم وهو الشرع ويؤخر ما حقه ~~(التأخير) (5) وهو نظر العقل لأنه لا يصح تقديم الناقص (حاكما) (6) على ~~الكامل، لأنه خلاف المعقول والمنقول، بل ضد القضية هو الموافق للأدلة/ فلا ~~معدل عنه، ولذلك قال (من قال) (7): اجعل الشرع في يمينك والعقل في يسارك، ~~تنبيها على تقدم الشرع على العقل. # والثاني: أنه إذا وجد في الشرع أخبارا (تقتضي ظاهرا) (8) خرق العادة ~~الجارية المعتادة، فلا ينبغي له أن يقدم بين يديه (الإنكار) (9) بإطلاق، بل ms562 ~~له سعة في أحد أمرين: إما أن (يصدق) (10) به على حسب ما جاء ويكل علمه إلى ~~عالمه، وهو ظاهر قوله تعالى: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~PageV03P292 # عند ربنا} (1) يعني الواضح المحكم، والمتشابه المجمل، إذ لا يلزمه العلم ~~به، ولو لزم العلم به (لجعل) (2) له طريق إلى معرفته، وإلا كان تكليفا بما ~~لا يطاق. وإما أن يتأوله على ما يمكن حمله عليه مع الإقرار بمقتضى الظاهر، ~~لأن إنكاره إنكار لخرق العادة فيه. # وعلى هذا السبيل يجري حكم الصفات التي وصف الباري بها نفسه، لأن من نفاها ~~نفى شبه صفات المخلوقين، وهذا منفي عند (الجميع) (3)، فبقي الخلاف/ في نفي ~~(عين) (4) / الصفة أو إثباتها، (فالمثبت) (5) أثبتها صفة على شرط (نفي) (6) ~~التشبيه، والمنكر لأن يكون ثم صفة غير شبيهة بصفات المخلوقين منكر لأن يثبت ~~أمر إلا على وفق المعتاد. # فإن قالوا: هذا لازم فيما تنكره العقول بديهة، كقوله: (رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه) (7) فإن الجميع أنكروا ظاهره، إذ العقل/ ~~(والمحسوس) (8) يشهدان بأنها غير مرفوعة، وأنت تقول: اعتقدوا أنها مرفوعة، ~~وتأولوا الكلام. # /قيل: لم نعن ما هو (منكر ببداهة) (9) العقول، وإنما عنينا ما للنظر ~~PageV03P293 # فيه شك وارتياب/، كما نقول: إن الصراط ثابت، والجواز عليه قد أخبر الشارع ~~به، فنحن نصدق به لأنه وإن كان (حد) (1) السيف وشبهه لا يمكن استقرار ~~الإنسان فوقه عادة فكيف يمشي عليه؟ فالعادة قد (تنخرق) (2) حتى يمكن المشي ~~والاستقرار،/ (والذين) (3) ينكرونه (4) يقفون مع العوائد وينكرون أصل ~~الصراط ولا يلتفتون إلى إمكان انخراق العوائد، (فيردون ما جاء فيه أو ~~يتأولونه حتى لا يثبتوا معنى الصراط أصلا فإن أصروا على هذا ظهر التدافع في ~~قولهم في إجازة انخراق العوائد) (5)، فإن فرقوا صار ذلك تحكما، لأنه ترجيح ~~في أحد المثلين دون الآخر من غير مرجح عقلي، وقد صادمهم النقل، فالحق ~~الإقرار دون الإنكار. # (ولنشرح) (6) هذا المطلب بأمثلة عشرة: # أحدها: مسألة الصراط وقد تقدمت. # والثاني: مسألة الميزان (7)، إذ يمكن إثباته ميزانا صحيحا على ما يليق ~~بالدار الآخرة، وتوزن فيه ms563 الأعمال على وجه غير عادي، نعم يقر العقل بأن ~~أنفس الأعراض وهي الأعمال لا توزن وزن الموزونات عندنا في PageV03P294 # العادات وهي الأجسام، ولم يأت في النقل ما يعين أنه كميزاننا من كل وجه، ~~أو أنه (عبارة عن العدل) (1) أو (أن) (2) أنفس الأعمال توزن (بعينها) (3)، ~~فالأخلق الحمل إما على التسليم وهذه طريقة الصحابة رضي الله عنهم، إذ لم ~~يثبت عنهم إلا مجرد التصديق من غير بحث عن نفس الميزان أو (كيفيته أو) (4) ~~كيفية الوزن، كما أنه لم يثبت عنهم في الصراط/ إلا (مثل) (5) ما ثبت عنهم ~~في الميزان، فعليك به فهو مذهب الصحابة رضي الله عنهم، فإن قيل: فالتأويل ~~إذا خارج عن طريقتهم، فأصحاب التأويل على هذا من الفرق (الخارجة) (6)؟ قيل: ~~لا، لأن الأصل في ذلك التصديق بما جاء (ثم) (7) التسليم محضا/ أو مع ~~التأويل، (فيكون التأويل من التوابع والذي جرى عليه الصحابة من الوجهين ~~التسليم وهو الأولى إذ هم أحق بالصواب، والتأويل) (8) (نظر) (9) لا يبعد، ~~إذ قد يحتاج إليه في بعض/ المواضع، بخلاف من جعل أصله في تلك الأمور ~~التكذيب/ بها، فإنه مخالف لهم، (سلك) (10) في الأحاديث مسلك التأويل (أو ~~لا، فالتأويل) (11) أو عدمه لا أثر له لأنه تابع على كلتا الطريقتين، (لكن) ~~(12) التسليم أسلم. # والثالث: مسألة عذاب القبر (13)، وهي أسهل، ولا بعد ولا نكير في ~~PageV03P295 # كون الميت يعذب برد الروح إليه عارية، ثم تعذيبه على وجه لا يقدر البشر ~~على رؤيته (كذلك) (1) ولا سماعه، فنحن نرى الميت يعالج سكرات الموت ويخبر ~~بآلام لا مزيد عليها، ولا نرى عليه من ذلك أثرا، وكذلك أهل الأمراض ~~المؤلمة، وأشباه ذلك (فما) (2) نحن فيه مثلها، فلماذا يجعل استبعاد العقل ~~صادا في وجه التصديق بأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم؟. # /والرابع: مسألة سؤال الملكين/ للميت وإقعاده في قبره (3)، فإنه إنما ~~يشكل إذا حكمنا (العقل) (4) المعتاد في الدنيا، وقد تقدم أن تحكيمه بإطلاق ~~غير صحيح لقصوره، وإمكان خرق العوائد، إما (بفسح) (5) القبر حتى يمكن ~~إقعاده، أو بغير ذلك من الأمور التي لا تحيط بمعرفتها العقول. ms564 # والخامس: مسألة تطاير الصحف وقراءة من لم يقرأ قط، وقراءته إياه وهو خلف ~~(ظهره) (6)، كل ذلك يمكن فيه خرق العوائد فيتصوره العقل على وجه منها. # والسادس: (مسألة) (7) إنطاق الجوارح (8) شاهدة على صاحبها لا فرق بينها ~~وبين الأحجار والأشجار التي شهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة. # والسابع: رؤية الله في الآخرة جائزة (9)، إذ لا دليل في العقل يدل ~~PageV03P296 # على أنه لا رؤية إلا على الوجه المعتاد عندنا، إذ يمكن أن تصح الرؤية على ~~أوجه صحيحة ليس فيها اتصال أشعة ولا مقابلة ولا تصور جهة ولا (فصل) (1) ~~جسم/ شفاف ولا غير ذلك (2)، والعقل لا يجزم بامتناع ذلك بديهة، وهو إلى ~~القصور في النظر أميل، والشرع قد جاء بإثباتها فلا معدل عن التصديق. # والثامن: كلام الباري تعالى إنما نفاه من/ نفاه وقوفا مع الكلام ~~(المعتاد) (3) الملازم للصوت والحرف، وهو في حق الباري محال (4)، ولم (يقف) ~~(5) مع إمكان أن يكون كلامه تعالى خارجا عن مشابهة المعتاد على وجه صحيح/ ~~لائق بالرب، إذ لا ينحصر الكلام فيه عقلا، ولا يجزم العقل بأن الكلام إذا ~~كان على غير الوجه المعتاد محال، فكان من حقه الوقوف مع ظاهر الأخبار ~~مجردا. # والتاسع: / إثبات الصفات كالكلام، إنما نفاه (من نفاه) (6) للزوم التركيب ~~(7) عنده في ذات الباري تعالى على القول بإثباتها فلا يمكن أن PageV03P297 # يكون واحدا مع إثباتها، وهذا قطع من العقل الذي ثبت (قصور) (1) إدراكه ~~(في المخلوقات، فكيف لا يثبت/ قصوره في (إدراك) (2)) (3) (ما ادعى) (4) من ~~التركيب (بالنسبة) (5) إلى صفات الباري؟ فكان من الصواب في حقه أن يثبت من ~~الصفات ما أثبته الله لنفسه، ويقر مع ذلك بالوحدانية له على الإطلاق ~~والعموم. # والعاشر: تحكيم العقل على الله تعالى، بحيث يقول: يجب عليه بعثة الرسل، ~~ويجب عليه (رعاية) (6) الصلاح والأصلح (7)، ويجب عليه اللطف (8)، ويجب عليه ~~كذا (9)، إلى آخر ما ينطق به (اللسان) (10) في تلك الأشياء، وهذا إنما نشأ ~~من ذلك الأصل المتقدم، وهو الاعتياد في الإيجاب على العباد، ومن أجل الباري ~~وعظمه لم (يجترئ) (11) على إطلاق هذه العبارة، ms565 ولا ألم بمعناها في حقه، لأن ~~ذلك المعتاد إنما حسن في المخلوق من حيث هو عبد مقصور محصور ممنوع، والله ~~تعالى ما يمنعه شيء، ولا يعارض أحكامه حكم، فالواجب الوقوف مع قوله: {قل ~~فلله} / ي {الحجة البالغة PageV03P298 # فلو شاء لهداكم أجمعين} (1)، وقوله تعالى: {يفعل ما يشاء} (2)، وقوله ~~تعالى: {إن الله يحكم ما يريد} (3)، {والله يحكم لا معقب لحكمه} (4)، {ذو ~~العرش المجيد *فعال/ لما يريد} (5). # (فالحاصل) (6) من هذه القضية أنه لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع، ~~فإنه من (التقديم) (7) بين يدي الله ورسوله، بل يكون ملبيا من وراء وراء. # ثم نقول: إن هذا هو (مذهب الصحابة) (8) رضي الله عنهم وعليه دأبوا، وإياه ~~اتخذوا طريقا إلى الجنة فوصلوا، ودل على ذلك من سيرهم أشياء: # منها: أنه لم ينكر أحد منهم ما جاء من ذلك، بل أقروا وأذعنوا لكلام الله ~~وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يصادموه (بمعقول) (9) ولا عارضوه ~~بإشكال، ولو/ كان شيء من ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر سيرهم وما جرى ~~بينهم من القضايا والمناظرات في الأحكام الشرعية، فلما لم ينقل إلينا شيء ~~من ذلك/ دل على أنهم آمنوا (به) (10) (وأمروه) (11)، كما جاء من غير بحث ~~ولا نظر. # كان مالك بن أنس رحمه الله يقول: الكلام في الدين أكرهه، ولم يزل أهل ~~بلدنا يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر، وكل ما/ أشبه ~~ذلك، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في الدين وفي الله عز ~~وجل فالسكوت أحب إلي (منه) (12)، لأني رأيت أهل بلدنا PageV03P299 # ينهون عن الكلام في الدين إلا فيما تحته عمل (1). # قال ابن عبد البر: قد بين مالك رحمه الله أن الكلام فيما تحته عمل هو ~~المباح عنده، وعند أهل بلده يعني العلماء منهم ، وأخبر أن الكلام في الدين ~~نحو القول في صفات الله وأسمائه، وضرب مثلا (فقال) (2) نحو رأي جهم والقدر، ~~قال: والذي قاله مالك عليه جماعة الفقهاء (والعلماء) (3) قديما وحديثا من ~~أهل الحديث والفتوى، وإنما خالف في ms566 ذلك أهل البدع، (قال) (4): وأما/ ~~الجماعة فعلى ما قال مالك رحمه الله، إلا أن يضطر أحد إلى الكلام، فلا يسعه ~~السكوت إذا طمع في رد الباطل وصرف صاحبه عن مذهبه، (أو خشي ضلال) (5) عامة، ~~أو نحو هذا (6). # وقال يونس بن (عبد الأعلى) (7): سمعت الشافعي يوم ناظره/ حفص الفرد (8) ~~قال لي: يا أبا موسى، لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن ~~يلقاه بشيء من الكلام، لقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه (9). # /وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في ~~(الكلام) (10) إلا وفي قلبه دغل (11). PageV03P300 # وقال: عن الحسن بن زياد اللؤلؤي (1)، قال له رجل في زفر بن الهذيل (2): ~~أكان ينظر في الكلام؟ فقال: سبحان الله ما أحمقك، ما أدركت مشيختنا زفر ~~وأبا يوسف وأبا حنيفة ومن جالسنا وأخذنا (عنهم همهم) (3) غير الفقه ~~والاقتداء بمن تقدمهم (4). # وقال ابن عبد البر: أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار أن أهل ~~الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع (في (جميع الأمصار)) (5) في ~~طبقات العلماء (وإنما) (6) العلماء، أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه ~~بالإتقان/ والميز والفهم (7). # وعن أبي الزناد (8) أنه قال: وايم الله إن كنا (لنلتقط) (9) السنن من أهل ~~الفقه (والثقة، ونتعلمها شبيها بتعلمنا آي القرآن، (وما برح) (10) من ~~أدركنا من أهل الفقه) (11)، والفضل من (خيار/ أولية) (12) الناس، يعيبون ~~أهل الجدل والتنقيب والأخذ بالرأي وينهون عن لقائهم ومجالستهم، ويحذروننا ~~مقاربتهم أشد التحذير، ويخبرون أنهم أهل ضلال وتحريف لتأويل كتاب الله وسنن ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، وما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كره ~~المسائل وناحية التنقيب/ والبحث (وزجر) (13) عن ذلك، وحذره المسلمين في غير ~~موطن، PageV03P301 # حتى كان من قوله كراهية لذلك: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم ~~بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم ~~(بشيء) (1) فخذوا منه ما استطعتم" (2). # //وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: اتقوا (الرأي) (3) في دينكم، ms567 قال ~~سحنون: يعني (البدع) (4). # (وخرج ابن وهب عن عمر أيضا إن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن ~~يحفظوها) (5) وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم، ~~فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم (6). # قال أبو بكر بن أبي داود: أهل الرأي هم أهل البدع (7)، وهو القائل في ~~قصيدته في السنة (8): # ودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح # وعن الحسن قال: إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل، وحادوا عن ~~الطريق، فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا وأضلوا (9). # وعن مسروق قال: من (يرغب) (10) برأيه عن أمر الله يضل (11). PageV03P302 # وعن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول: السنن السنن، (فإن) (1) (السنن) ~~(2) قوام الدين (3). # وعن هشام بن عروة (عن أبيه) (4) قال: إن بني إسرائيل لم يزل أمرهم معتدلا ~~حتى نشأ فيهم مولدون أبناء سبايا الأمم، فأخذوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا ~~(5). # فهذه الآثار وأشباهها تشير إلى ذم إيثار نظر العقل على آثار النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وذهب جماعة من العلماء إلى أن المراد بالرأي المذموم في هذه الأخبار، ~~البدع المحدثة في الاعتقاد، كرأي (جهم) (6) وغيره من أهل الكلام، لأنهم قوم ~~استعملوا قياسهم وآراءهم في رد الأحاديث، فقالوا: لا يجوز أن يرى الله/ في ~~الآخرة (لأنه) (7) تعالى يقول: {لا تدركه الأبصار (وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف)} (8) (9) الآية، فردوا قوله عليه الصلاة والسلام: "إنكم ترون ربكم ~~يوم القيامة" (10)، وتأولوا قول الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة *إلى ربها ~~ناظرة *} (11)، وقالوا: لا يجوز أن يسأل الميت في قبره، لقول الله تعالى: ~~{أمتنا اثنتين وأحييتنا/ اثنتين} (12)، فردوا الأحاديث المتواترة في عذاب ~~القبر وفتنته (13)، وردوا الأحاديث/ في PageV03P303 # الشفاعة/ على تواترها (1)،/ وقالوا: لن يخرج من النار من دخل فيها. ~~وقالوا: لا نعرف حوضا ولا ميزانا، ولا نعقل ما هذا، وردوا السنن في ذلك كله ~~برأيهم وقياسهم إلى أشياء يطول/ ذكرها من كلامهم في (صفات) (2) الباري، ~~وقالوا: العلم محدث في حال حدوث المعلوم لأنه لا يقع علم إلا على معلوم، ~~فرارا من قدم ms568 العالم في زعمهم. # وقال جماعة: الرأي المذموم المراد به الرأي المبتدع وشبهه من ضروب البدع. ~~وهذا القول أعم من الأول، لأن الأول خاص (بالاعتقاد) (3)، وهذا عام في ~~العمليات وغيرها. # وقال آخرون قال ابن عبد البر: وهم الجمهور : إن المراد به القول في الشرع ~~بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات، ورد الفروع بعضها إلى بعض ~~دون ردها إلى أصولها، فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنزل، قالوا: وفي الاشتغال ~~بهذا تعطيل السنن والتذرع إلى جهلها (4). # وهذا القول غير خارج عما تقدم، وإنما الفرق بينهما أن هذا منهي عنه ~~للذريعة إلى الرأي المذموم، وهو معارضة المنصوص؛ لأنه إذا لم يبحث عن السنن ~~جهلها فاحتاج إلى الرأي، فلحق بالأولين الذين عارضوا السنن حقيقة، فجميع ~~ذلك راجع إلى معنى واحد، وهو إعمال النظر العقلي مع طرح السنن، إما قصدا أو ~~غلطا وجهلا، والرأي إذا عارض السنة فهو بدعة وضلالة. # /فالحاصل من مجموع ما تقدم أن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم رضي الله ~~عنهم لم يعارضوا ما جاء في (السنة) (5) بآرائهم، علموا معناه أو جهلوه، جرى ~~لهم على معهودهم أو لا وهو المطلوب من نقله، PageV03P304 # (ليعتبر به) (1) من قدم الناقص وهو العقل على الكامل وهو الشرع ورحم الله ~~الربيع بن خثيم حيث يقول: يا عبد الله، ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد ~~الله، وما/ استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه، ولا تتكلف، فإن الله ~~يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من ~~المتكلفين *} (2)، إلى آخرها (3). # وعن معتمر بن سليمان (4) عن جعفر (5) عن رجل من علماء أهل المدينة، قال: ~~إن الله تعالى علم علما علمه العباد، وعلم علما لم يعلمه العباد، فمن تكلف ~~العلم الذي (لم) (6) يعلمه العباد لم يزدد منه إلا بعدا. قال: والقدر/ منه ~~(7). # وقال الأوزاعي: كان مكحول والزهري يقولان: أمروا هذه/ الأحاديث كما جاءت ~~ولا تتناظروا فيها (8). # ومثله عن مالك، والأوزاعي، وسفيان بن سعيد، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن ~~راشد، في الأحاديث في ms569 الصفات أنهم (كلهم قالوا) (9): أمروها كما جاءت، نحو ~~حديث التنزل، وخلق آدم على صورته، وشبههما، PageV03P305 # وحديث مالك في السؤال عن الاستواء/ مشهور (1). # وجميع ما قالوه مستمد من معنى قول الله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} (2) الآية، ثم قال: {والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا}، فإنها صريحة في هذا (المعنى) (3) ~~الذي قررناه، فإن كل (ما لم) (4) يجر على المعتاد في الفهم متشابه، ~~(فالوقوف) (5) عنه هو الأحرى بما كان عليه الصحابة المتبعون لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، إذ لو كان من شأنهم اتباع الرأي لم يذموه ولم ينهوا عنه ~~لأن أحدا لا يرتضي طريقا ثم ينهى عن سلوكه، كيف وهم قدوة الأمة باتفاق ~~المسلمين. # /وروي أن الحسن كان في مجلس فذكر (فيه أصحاب) (6) محمد صلى الله عليه ~~وسلم فقال: إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، ~~قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فتشبهوا بأخلاقهم ~~وطرائقهم، فإنهم ورب الكعبة على الهدى المستقيم (7). # وعن/ حذيفة رضي الله عنه أنه كان يقول: اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا ~~طريق من كان قبلكم، فلعمري لئن (اتبعتموه) (8) لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن ~~تركتموه يمينا أو شمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا (9). PageV03P306 # وعن ابن مسعود رضي الله عنه: من كان منكم متأسيا فليتأس/ بأصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها ~~تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها (حالا) (1)، (قوم) (2) اختارهم الله لصحبة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في ~~آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم (3). # والآثار في هذا المعنى كثيرة جميعها يدل على الاقتداء بهم والاتباع ~~لطريقهم على كل حال، وهو طريق النجاة حسبما نبه عليه حديث الفرق في قوله: ~~"ما أنا عليه وأصحابي" (4). PageV03P307 ### | ### | فصل # # النوع الرابع (1): (اتباع الهوى، اعلم) (2) إن الشريعة موضوعة لإخراج ~~المكلف عن داعية هواه/ حتى يكون عبدا لله (3)، وهذا/ أصل قد تقرر في قسم ~~المقاصد من ms570 كتاب الموافقات (4)، لكن على وجه كلي يليق بالأصول، فمن أراد ~~الإطلاع عليه فليطالعه من هنالك. # ولما كانت طرق (الهوى) (5) (متشعبة) (6) لم يمكن أن يؤتى عليها ~~بالاستيفاء، فلنذكر منها شعبة واحدة تكون كالطريق لمعرفة ما سواها. # /فاعلموا أن الله تعالى وضع هذه الشريعة حجة على الخلق كبيرهم وصغيرهم ~~مطيعهم وعاصيهم، برهم وفاجرهم، لم (يختص) (7) الحجة بها أحدا دون أحد وكذلك ~~سائر الشرائع إنما وضعت لتكون حجة على جميع الأمم التي تنزل فيهم تلك ~~الشريعة، حتى إن (المرسلين) (8) (بها) (9) صلوات الله عليهم داخلون تحت ~~أحكامها. # فأنت ترى أن/ نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم مخاطب بها في جميع/ أحواله ~~PageV03P308 # وتقلباته، مما اختص به دون أمته، أو كان عاما له ولأمته، كقوله تعالى: ~~{يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك} ~~(إلى قوله تعالى) (1) خالصة لك من دون المؤمنين} (2)، ثم قال تعالى: {لا ~~يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} (3)، وقوله تعالى: {يا ~~أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم *} ~~(4)، وقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} (5)، ~~إلى سائر التكاليف التي وردت على كل مكلف، والنبي صلى الله عليه وسلم فيهم، ~~فالشريعة هي الحاكمة على الإطلاق والعموم عليه وعلى جميع المكلفين، وهي ~~الطريق الموصل والهادي الأعظم. # ألا ترى إلى قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ~~ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} (6)، ~~فهو صلى الله عليه وسلم أول من هداه الله بالكتاب والإيمان، ثم من اتبعه ~~فيه والكتاب هو الهادي، والوحي المنزل عليه مرشد ومبين لذلك الهدي والخلق ~~مهتدون بالجميع، ولما استنار قلبه وجوارحه صلى الله عليه وسلم وباطنه/ ~~وظاهره بنور الحق علما وعملا، صار هو الهادي الأول لهذه الأمة والمرشد ~~(الأعظم) (7)، حيث (خصه) (8) الله دون الخلق بإنزال ذلك النور عليه، ~~واصطفاه من جملة من كان مثله في الخلقة البشرية اصطفاء (أزليا) (9)، لا ms571 من ~~جهة كونه بشرا عاقلا مثلا لاشتراكه مع غيره في هذه// الأوصاف، ولا لكونه من ~~قريش مثلا دون غيرهم، وإلا لزم ذلك في كل قرشي، ولا لكونه من بني عبد ~~المطلب/ ولا لكونه عربيا، ولا لغير ذلك، بل من جهة اختصاصه بالوحي الذي ~~استنار به قلبه وجوارحه فصار خلقه القرآن، حتى قيل فيه: PageV03P309 # {وإنك لعلى خلق عظيم *} (1)، وإنما ذلك لأنه حكم الوحي (على نفسه، حتى ~~صار في علمه وعمله على وفقه، فكان الوحي حاكما (وافق) (2) قابلا مذعنا) (3) ~~ملبيا نداءه، واقفا عند حكمه، وهذه الخاصية كانت من أعظم الأدلة على صدقه ~~فيما جاء به، إذ قد جاء بالأمر وهو مؤتمر، وبالنهي وهو منته، وبالوعظ وهو ~~متعظ، وبالتخويف وهو أول الخائفين، وبالترجية وهو (سائق دابة الراجين) (4). # وحقيقة ذلك (كله) (5) جعله الشريعة المنزلة عليه حجة (حاكمة) (6) عليه، ~~ودلالة له/ على الصراط المستقيم الذي سار عليه صلى الله عليه وسلم، وبذلك ~~صار عبدا لله حقا، وهو أشرف اسم تسمى به العباد، فقال الله تعالى: {سبحان ~~الذي أسرى بعبده/ ليلا} (7)، {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} (8)، {وإن ~~كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} (9)، وما أشبه ذلك من/ الآيات التي وقع ~~مدحه فيها (بصفة) (10) العبودية. # وإذا كان (ذلك) (11) كذلك فسائر الخلق حريون بأن تكون الشريعة حجة حاكمة ~~عليهم ومنارا يهتدون بها إلى الحق، وشرفهم إنما يثبت بحسب ما اتصفوا به من ~~الدخول تحت أحكامها والعمل بها قولا واعتقادا وعملا، لا بحسب عقولهم فقط، ~~ولا بحسب شرفهم (في قومهم) (12) فقط، لأن الله تعالى إنما أثبت الشرف ~~بالتقوى لا غيرها لقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (13)، فمن كان ~~أشد محافظة على اتباع الشريعة فهو أولى PageV03P310 # بالشرف والكرم، ومن كان دون ذلك لم يمكن أن يبلغ في الشرف مبلغ الأعلى في ~~اتباعها، فالشرف إذا إنما هو بحسب المبالغة في تحكيم الشريعة. # /ثم نقول بعد هذا: إن الله سبحانه شرف أهل العلم ورفع أقدارهم، وعظم ~~مقدارهم، ودل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، بل قد اتفق العقلاء على ~~فضيلة ms572 العلم وأهله، وأنهم المستحقون (لأشرف) (1) المنازل، وهو مما لا ينازع ~~فيه عاقل. # واتفق أهل الشرائع على أن علوم الشريعة أفضل العلوم وأعظمها أجرا عند ~~الله يوم القيامة، ولا علينا/ أسامحنا بعض الفرق في تعيين/ العلوم ~~(الشرعية) (2) أعني العلوم التي نبه الشارع على مزيتها وفضيلتها أم لم ~~نسامحهم، بعد الاتفاق من الجميع على الأفضلية، وإثبات (المزية) (3). # وأيضا فإن علوم الشريعة منها ما يجري مجرى الوسائل بالنسبة إلى السعادة ~~الأخروية، ومنها ما يجري مجرى المقاصد، والذي يجري (منها) (4) مجرى المقاصد ~~أعلى/ مما ليس كذلك بلا نزاع بين العقلاء (في ذلك) (5) كعلم العربية ~~بالنسبة إلى علم الفقه، فإنه كالوسيلة، فعلم الفقه (أعلى) (6). # وإذا ثبت هذا فأهل العلم أشرف الناس (وأعظمهم) (7) منزلة بلا إشكال (فلا) ~~(8) نزاع وإنما وقع الثناء في الشريعة على أهل العلم من حيث اتصافهم بالعلم ~~لا من جهة أخرى، ودل على ذلك وقوع الثناء عليهم مقيدا PageV03P311 # بالاتصاف به، فهو إذا العلة في الثناء، ولولا ذلك الاتصاف لم يكن لهم ~~مزية على غيرهم، ومن (ثم) (1) صار العلماء حكاما على الخلائق أجمعين قضاءا ~~أو فتيا أو إرشادا؛ لأنهم اتصفوا بالعلم الشرعي الذي هو حاكم بإطلاق فليسوا ~~بحكام من جهة ما اتصفوا بوصف يشتركون فيه مع غيرهم كالقدرة والإرادة والعقل ~~وغير ذلك، إذ لا مزية في ذلك من حيث القدر المشترك، لاشتراك الجميع فيها، ~~وإنما صاروا حكاما (من جهة ما اتصفوا بالوصف الحاكم وهو العلم، وهذا ~~التقرير غير محتاج إلى برهان لوضوحه، ثم نقول بعد هذا لما صار أهل العلم ~~حكاما) (2) على الخلق (ومرجوعا) (3) إليهم بسبب/ حملهم/ للعلم الحاكم، ~~(لزم) (4) من ذلك أنهم لا يكونون (حكاما) (5) على الخلق إلا من ذلك الوجه، ~~كما أنهم ممدوحون من ذلك الوجه أيضا، فلا يمكن أن يتصفوا بوصف الحكم مع فرض ~~خروجهم عن صوب العلم الحاكم، إذ ليسوا حجة إلا من جهته، فإذا خرجوا عن جهته ~~فكيف يتصور أن يكونوا حكاما؟ هذا محال. # وكما أنه لا يقال في العالم بالعربية مهندس، ولا في العالم بالهندسة ~~عربي، فكذلك لا ms573 يقال في الزائغ عن الحكم (بأحكام/ الشرع) (6) حاكم بالشرع، ~~بل يطلق عليه أنه حاكم بعقله أو برأيه أو نحو ذلك، (فلا) (7) يصح أن يجعل ~~حجة في العلم الحاكم/ لأن العلم (الحاكم) (8) يكذبه ويرد عليه، وهذا المعنى ~~أيضا في الجملة متفق عليه لا يخالف فيه أحد من العقلاء. # ثم نصير من هذا إلى (معنى) (9) آخر مرتب عليه، وهو أن العالم بالشريعة ~~إذا اتبع في قوله، وانقاد إليه الناس في حكمه، فإنما اتبع من حيث ~~PageV03P312 # هو (عالم بها) (1) وحاكم/ بمقتضاها، لا من جهة أخرى، فهو/ في الحقيقة ~~مبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، المبلغ عن الله عز وجل، فيتلقى منه ~~ما بلغ على العلم بأنه بلغ، أو على غلبة الظن بأنه بلغ لا من جهة (أنه) (2) ~~منتصب للحكم مطلقا، إذ لا يثبت ذلك لأحد على الحقيقة، وإنما هو ثابت ~~للشريعة المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت ذلك له صلى الله ~~عليه وسلم وحده دون الخلق من جهة دليل العصمة والبرهان أن جميع ما يقوله أو ~~يفعله حق. فإن الرسالة المقترنة بالمعجزة على ذلك دلت، فغيره لم (تثبت) (3) ~~له عصمة (بالمعجزة) (4) (بحيث) (5) (يحكم بمقتضاها) (6) حتى يساوي النبي في ~~الانتصاب للحكم بإطلاق بل إنما يكون منتصبا على شرط الحكم/ (بمقتضى ~~الشريعة) (7)، بحيث إذا وجد الحكم في الشرع بخلاف ما حكم لم يكن حاكما، ~~(إذ) (8) كان بالفرض خارجا عن مقتضى الشريعة الحاكمة، وهو أمر متفق عليه ~~بين العلماء، ولذلك إذا وقع النزاع في مسألة شرعية وجب ردها إلى الشريعة ~~(حتى) (9) يثبت الحق فيها لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} (10) الآية. # فإذا المكلف بأحكامها لا يخلو من أحد أمور ثلاثة: # أحدها: أن يكون مجتهدا فيها، فحكمه ما أداه إليه اجتهاده فيها، لأن ~~اجتهاده في الأمور التي (ليست دلالتها) (11) واضحة إنما يقع موقعه على ~~PageV03P313 # فرض أن يكون ما ظهر له هو الأقرب إلى قصد الشارع والأولى بأدلة الشريعة، ~~دون ما ظهر لغيره/ ms574 من المجتهدين، فيجب عليه اتباع ما هو الأقرب، بدليل أنه ~~لا يسعه فيما اتضح فيه الدليل (إلا اتباع الدليل) (1)، دون ما أداه إليه ~~اجتهاده، ويعد ما ظهر له لغوا كالعدم، لأنه على غير صوب الشريعة الحاكمة، ~~فإذا (ليس قوله) (2) بشيء يعتد به في الحكم. # والثاني: أن يكون/ مقلدا صرفا، خليا من العلم الحاكم جملة، فلا بد له من ~~قائد يقوده، وحاكم يحكم عليه، وعالم يقتدي به، ومعلوم أنه لا يقتدى به إلا ~~من حيث هو عالم بالعلم الحاكم والدليل على ذلك أنه لو علم أو غلب على ظنه ~~أنه ليس من أهل ذلك العلم لم يحل له اتباعه ولا الانقياد (لحكمه) (3)، بل ~~لا يصح أن يخطر بخاطر العامي ولا غيره تقليد الغير في أمر مع علمه بأنه ليس ~~من أهل ذلك الأمر، كما أنه لا يمكن أن يسلم المريض نفسه إلى أحد يعلم أنه ~~ليس بطبيب إلا أن يكون/ فاقد العقل، وإذا/ كان كذلك/ فإنما ينقاد إلى ~~المفتي من جهة ما هو عالم بالعلم الذي يجب الانقياد إليه، لا من جهة كونه ~~فلانا (أو فلانا) (4)، (وهذه) (5) الجملة أيضا لا يسع الخلاف فيها عقلا ولا ~~شرعا. # والثالث: أن يكون غير بالغ مبلغ المجتهدين، لكنه يفهم الدليل وموقعه، ~~ويصلح فهمه للترجيح بالمرجحات المعتبرة (في) (6) تحقيق المناط ونحوه، فلا ~~يخلو (أن) (7) يعتبر ترجيحه ونظره، أو لا؟ فإن اعتبرناه صار مثل المجتهد في ~~ذلك الوجه، والمجتهد إنما هو تابع للعلم الحاكم ناظر نحوه، متوجه شطره: ~~فالذي يشبهه كذلك، وإن لم نعتبره فلا بد من PageV03P314 # (رجوعه) (1) إلى درجة العامي، والعامي إنما اتبع المجتهد من جهة توجهه/ ~~إلى صوب العلم الحاكم، فكذلك من نزل منزلته. # ثم نقول: إن هذا مذهب الصحابة رضي الله عنهم، أما النبي صلى الله عليه ~~وسلم فاتباعه للوحي أشهر من أن يذكر، وأما أصحابه فاتباعهم له في ذلك من ~~غير اعتبار بمؤالف أو مخالف شهير عنهم، فلا (نطيل الاستدلال) (2) عليه. # /فعلى كل تقدير لا يتبع أحد من العلماء إلا من حيث هو ms575 متوجه نحو الشريعة ~~قائم بحجتها، حاكم بأحكامها جملة وتفصيلا، وإنه (متى) (3) وجد متوجها غير ~~تلك الوجهة في جزئية من الجزئيات أو فرع من الفروع لم يكن حاكما ولا استقام ~~أن يكون مقتدى به فيما حاد فيه عن صوب الشريعة ألبتة. # فيجب إذا على الناظر في هذا الموضع أمران إذا كان غير مجتهد: # أحدهما: أن لا يتبع العالم إلا من جهة ما هو عالم بالعلم المحتاج إليه ~~(من) (4) حيث هو طريق إلى استفادة ذلك العلم، إذ ليس لصاحبه منه إلا كونه ~~مودعا له، ومأخوذا/ (بأداء) (5) تلك الأمانة، حتى إذا علم أو غلب على ظنه ~~أنه مخطئ فيما يلقي، أو تارك لإلقاء تلك الوديعة على ما هي عليه، أو منحرف ~~عن صوبها بوجه من وجوه الانحراف، توقف ولم يصر على الاتباع إلا بعد ~~التبيين، إذ ليس كل ما يلقيه العالم يكون حقا على الإطلاق، لإمكان الزلل ~~والخطإ وغلبة (الهوى) (6) في بعض الأمور، وما أشبه ذلك. أما إذا كان هذا ~~المتبع (ماهرا) (7) في العلم ومتبصرا فيما يلقي إليه كأهل العلم في زماننا، ~~فإن توصله/ إلى/ الحق سهل، لأن المنقولات في الكتب إما تحت حفظه، وإما معدة ~~لأن يحققها بالمطالعة أو المذاكرة. PageV03P315 # وأما إن كان عاميا صرفا، فيظهر له الإشكال عندما يرى الاختلاف/ بين ~~الناقلين للشريعة، فلا بد له ها هنا من الرجوع آخرا إلى تقليد بعضهم، إذ لا ~~يمكن في المسألة الواحدة تقليد مختلفين في زمان واحد، لأنه محال (وخرق) (1) ~~للإجماع ألا ترى أن القولين إذا وردا على المقلد (2) فلا يخلو أن يمكنه ~~الجمع بينهما في العمل أو لا يمكنه، فإن لم (يمكنه) (3) كان عمله بهما ~~(معا) (4) محالا، وإن أمكنه صار عمله ليس على قول واحد منهما، بل هو قول ~~ثالث لا قائل به، ويعضد ذلك أنه لا نجد صورة ذلك العمل معمولا بها في ~~المتقدمين من السلف الصالح فهو مخالف للإجماع. # /وإذا ثبت أنه لا يقلد إلا واحدا، فكل واحد منهما يدعي أنه أقرب إلى الحق ~~من صاحبه، ولذلك خالفه، وإلا لم ms576 يخالفه، والعامي جاهل بمواقع الاجتهاد، فلا ~~بد له ممن يرشده إلى من هو أقرب إلى الحق منهما، وذلك إنما يثبت للعامي ~~بطريق جملي، وهو ترجيح أحدهما على الآخر بالأعلمية والأفضلية، ويظهر ذلك من ~~جمهور العلماء والطالبين الذين لا يخفى عليهم مثل ذلك. لأن الأعلمية تغلب ~~على ظن العامي أن صاحبها أقرب إلى صوب (الصواب في) (5) العلم الحاكم لا من/ ~~جهة أخرى، فإذا لا يقلد إلا باعتبار كونه حاكما بالعلم الحاكم. # والأمر الثاني: أن لا يصمم على تقليد من تبين له في تقليده الخطأ شرعا ~~وذلك أن العامي ومن جرى مجراه قد يكون متبعا لبعض العلماء إما لكونه أرجح ~~من غيره (عنده) (6)، أو عند أهل قطره، وإما لأنه هو الذي اعتمده أهل قطره ~~في التفقه في مذهبه دون مذهب غيره. وعلى كل تقدير فإذا تبين له في بعض ~~مسائل (متبوعه) (7) الخطأ والخروج عن صوب العلم الحاكم فلا يتعصب لمتبوعه ~~بالتمادي على اتباعه فيما ظهر فيه خطؤه، لأن PageV03P316 # تعصبه يؤدي إلى مخالفة الشرع أولا، ثم إلى مخالفة متبوعه، أما خلافه ~~للشرع فبالعرض، وأما خلافه لمتبوعه فلخروجه عن شرط الاتباع، لأن كل عالم ~~يصرح أو يعرض بأن اتباعه إنما يكون على شرط أنه حاكم بالشريعة لا/ بغيرها، ~~فإذا ظهر أنه حاكم بخلاف الشريعة خرج عن شرط متبوعه (فلم يكن تابعا له، ~~فتأملوا كيف يخرج عن تقليد متبوعه) (1) بالتصميم على تقليده. # //ومن معنى كلام مالك بن أنس رحمه الله: ما كان من كلامي موافقا للكتاب ~~والسنة فخذوا به، وما لم (يوافقه) (2) فاتركوه (3). هذا معنى كلامه دون ~~لفظه. # ومن كلام الشافعي رحمه الله: الحديث مذهبي فما خالفه فاضربوا به الحائط ~~(4)، أو كما قال. # قال العلماء: وهذا لسان/ حال الجميع. # ومعناه/ أن كل ما يتكلمون به (فإنما يقولون به) (5) على (تحري) (6) أنه ~~مطابق للشريعة الحاكمة، فإن كان كذلك فبها ونعمت، وما لا فليس بمنسوب إلى ~~الشريعة، ولا هم أيضا ممن يرضى أن تنسب إليهم مخالفتها. # لكن يتصور في هذا المقام وجهان: أن يكون المتبوع مجتهدا، فالرجوع ms577 في ~~التخطئة والتصويب إلى ما اجتهد فيه، وهو الشريعة وأن يكون مقلدا لبعض ~~العلماء، كالمتأخرين الذين من شأنهم تقليد المتقدمين بالنقل من كتبهم ~~والتفقه في مذاهبهم، فالرجوع في التخطئة/ والتصويب إلى صحة النقل عمن نقلوا ~~عنه وموافقتهم لمن قلدوا، أو خلاف ذلك، لأن هذا القسم PageV03P317 # مقلدون (بالفرض) (1)، فلا يسعهم الاجتهاد في استنباط الأحكام، إذ لم ~~يبلغوا درجته، فلا يصح تعرضهم للاجتهاد في الشريعة مع قصورهم عن درجته، فإن ~~فرض انتصابه للاجتهاد، فهو مخطئ آثم أصاب أم لم يصب، لأنه أتى الأمر من ~~(غير بابه) (2)، وانتهك حرمة (الدرجة) (3) وقفا ما ليس له به علم، فإصابته ~~إن أصاب من حيث لا يدري، وخطؤه هو المعتاد، فلا يصح اتباعه كسائر العوام ~~إذا راموا الاجتهاد في أحكام الله، ولا خلاف (أن) (4) مثل هذا الاجتهاد غير ~~معتبر، وأن مخالفة العامي كالعدم/ وأنه في مخالفته لأهل العلم آثم مخطئ، ~~فكيف يصح مع هذا التقرير تقليد غير مجتهد في مسألة (أفتى) (5) فيها ~~باجتهاده؟ # ولقد زل بسبب الإعراض عن (أصل) (6) الدليل والاعتماد على الرجال أقوام ~~خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، واتبعوا ~~أهواءهم بغير علم فضلوا عن سواء السبيل. # ولنذكر لذلك عشرة أمثلة: # أحدها: وهو (أشدها) (7)، قول من جعل اتباع الآباء في أصل الدين هو ~~المرجوع (إليه) (8) دون غيره، حتى ردوا بذلك براهين الرسالة، وحجة القرآن ~~ودليل العقل فقالوا: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} ~~(9) الآية، فحين نبهوا على وجه الحجة بقوله تعالى: {قال أولو جئتكم بأهدى ~~مما وجدتم عليه آباءكم} (10)، لم يكن لهم جواب إلا الإنكار، اعتمادا على ~~اتباع الآباء واطراحا لما سواه، ولم يزل مثل هذا مذموما في الشرائع، كما ~~حكى الله عن قوم نوح عليه السلام بقوله تعالى: {ولو شاء PageV03P318 # الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} (1)، وعن قوم ~~إبراهيم/ عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون *} / ~~أؤ إ ئء ف (ص)!! {أو ينفعونكم أو يضرون *قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ms578 ~~*} (2)، إلى (غير) (3) ذلك مما في معناه، فكان الجميع مذمومين حين اعتبروا ~~(الرجال) (4) واعتقدوا أن الحق تابع لهم ولم يلتفتوا إلى أن الحق هو المقدم ~~(على الرجال) (5). # والثاني: رأي الإمامية (6) في اتباع الإمام المعصوم في زعمهم وإن خالف ما ~~جاء به النبي المعصوم حقا، وهو محمد صلى الله عليه وسلم/ فحكموا الرجال على ~~الشريعة ولم يحكموا الشريعة على الرجال، وإنما أنزل الكتاب ليكون حكما على ~~الخلق على الإطلاق والعموم. # /والثالث: لاحق بالثاني، وهو مذهب الفرقة المهدوية (7) التي جعلت أفعال ~~مهديهم حجة، وافقت حكم الشريعة أو خالفت، بل جعلوا أكثر ذلك أنفحة في عقد ~~إيمانهم، من خالفها كفروه وجعلوا حكمه حكم الكافر الأصلي،/ وقد تقدم من ذلك ~~أمثلة. # والرابع: رأي بعض المقلدة لمذهب إمام يزعمون أن إمامهم هو الشريعة، بحيث ~~يأنفون أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم، حتى إذا جاءهم (أحد ~~ممن) (8) بلغ درجة الاجتهاد وتكلم في المسائل PageV03P319 # (باجتهاده) (1) ولم يرتبط إلى إمامهم رموه بالنكير، وفوقوا إليه سهام ~~النقد، وعدوه من الخارجين عن الجادة، والمفارقين للجماعة، من غير استدلال ~~منهم بدليل، بل (بمجرد) (2) الاعتياد العامي. # ولقد لقي الإمام بقي بن مخلد حين دخل الأندلس آتيا من المشرق من هذا ~~الصنف الأمرين، حتى أصاروه مهجور الفناء، مهتضم الجانب، لأنه (جاءهم) (3) ~~من العلم بما لا (يدي) (4) لهم به، إذ لقي بالمشرق الإمام أحمد بن حنبل ~~وأخذ عنه مصنفه وتفقه عليه، ولقي أيضا غيره، حتى صنف المسند المصنف الذي لم ~~يصنف في الإسلام مثله، وكان هؤلاء المقلدة قد صمموا على مذهب مالك، بحيث ~~أنكروا/ ما عداه/ وهذا (هو) (5) تحكيم الرجال على الحق، والغلو في محبة ~~المذهب، وعين الإنصاف (ترى) (6) أن الجميع أئمة فضلاء، فمن كان متبعا لمذهب ~~مجتهد لكونه لم يبلغ درجة الاجتهاد فلا (يضره مخالفة غير إمامه لإمامه) ~~(7)، لأن الجميع سالك على الطريق المكلف به، فقد يؤدي التغالي في التقليد ~~إلى إنكار (ما) (8) أجمع الناس على ترك إنكاره. # والخامس: رأي (نابغة) (9) متأخرة الزمان ممن يدعي التخلق بخلق أهل التصوف ~~المتقدمين، أو ms579 يروم الدخول فيهم، يعمدون إلى ما نقل عنهم في الكتب/ من/ ~~الأحوال الجارية عليهم أو الأقوال الصادرة عنهم، فيتخذونها دينا وشريعة ~~لأهل الطريقة، وإن كانت مخالفة للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، أو مخالفة ~~لما جاء عن السلف الصالح، لا يلتفتون معها إلى فتيا PageV03P320 # (فقيه) (1) ولا نظر عالم، بل يقولون: إن صاحب هذا الكلام ثبتت ولايته، ~~فكل ما يفعله أو يقوله حق، وإن كان مخالفا (للفقه) (2) فهو أيضا ممن يقتدى ~~به، والفقه للعموم. وهذه طريقة الخصوص. # فتراهم يحسنون الظن بتلك الأقوال والأفعال ولا يحسنون الظن بشريعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وهو عين اتباع الرجال وترك الحق، مع أن أولئك المتصوفة ~~الذين ينقل عنهم، لم يثبت أن ما نقل عنهم كان في النهاية دون البداية، ولا ~~علم أنهم كانوا/ مقرين بصحة ما صدر عنهم أم لا، وأيضا فقد يكون (من أئمة ~~التصوف وغيرهم) (3) من (زل) (4) زلة يجب سترها عليه، فينقلها عنه من لا ~~يعلم حاله ممن لم يتأدب بطريق القوم كل التأدب. # وقد حذر السلف الصالح من زلة العالم، وجعلوها من الأمور التي تهدم الدين، ~~فإنه ربما ظهرت فتطير في الناس كل مطار، فيعدونها دينا، وهي ضد الدين، ~~فتكون الزلة حجة في الدين. # فكذلك أهل/ التصوف لا بد (من وقوع الزلل فيهم في الجملة إذ ليسوا ~~بمعصومين وقد أقر القوم بوقوع المعاصي منهم وليس من محققيهم من ينفيها فإذا ~~لا بد) (5) في الاقتداء بالصوفي من عرض أقواله (وأفعاله) (6) على حاكم يحكم ~~عليها: هل هي من جملة ما يتخذ دينا أم لا؟ والحاكم (الحق) (7) هو الشرع ~~(كما نعرض) (8) أقوال العالم (على) (9) الشرع أيضا، وأقل ذلك في الصوفي أن ~~نسأله عن تلك الأعمال إن كان عالما بالفقه، كالجنيد وغيره رحمهم الله. # ولكن هؤلاء (النابغة) (10) لا يفعلون ذلك، فصاروا متبعين للرجال من ~~PageV03P321 # حيث هم رجال لا من حيث هم (حاكمون) (1) بالحاكم الحق، وهو خلاف ما عليه ~~السلف الصالح وما عليه المتصوفة أيضا، (إذ) (2) قال إمامهم سهل بن عبد الله ~~التستري: مذهبنا (مبني على) (3) ثلاثة ms580 (أصول) (4): الاقتداء بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم في الأخلاق/ والأفعال،/ والأكل من الحلال، وإخلاص النية في ~~جميع الأعمال (5). ولم يثبت في طريقهم اتباع الرجال على (انحراف) (6)، ~~وحاشاهم من ذلك، بل اتباع الرجال، شأن أهل الضلال. # والسادس: رأي (نابغة) (7) في هذه الأزمنة أعرضوا عن النظر في العلم الذي ~~(أرادوا) (8) الكلام فيه والعمل بحسبه، ثم رجعوا إلى تقليد بعض الشيوخ ~~(الذين) (9) (أخذوا) (10) عنهم في زمان الصبا الذي هو/ مظنة لعدم التثبت من ~~الآخذ، أو التغافل من المأخوذ (عنهم) (11)، ثم جعلوا أولئك الشيوخ في أعلى ~~درجات الكمال، ونسبوا إليهم ما (أنسوا) (12) به من الخطأ، أو (ما) (13) ~~فهموا عنهم على غير تثبت ولا سؤال عن تحقيق المسألة المروية، وردوا جميع ما ~~نقل عن الأولين مما هو الحق والصواب، كمسألة الباء الواقعة في هذه الأزمنة، ~~فإن طائفة ممن تظاهر بالانتصاب للإقراء زعم أنها (الباء) (14) الرخوة (15) ~~التي اتفق القراء وهم أهل صناعة الأداء، والنحويون أيضا وهم الناقلون ~~(حقيقة النطق بها) (16) عن العرب PageV03P322 # على أنها لم تأت إلا في لغة مرذولة لا يؤخذ بها ولا يقرأ بها القرآن، ولا ~~نقلت القراءة بها/ عن أحد من العلماء بذلك الشأن، وإنما الباء التي يقرأ ~~بها وهي الموجودة في كل لغة فصيحة الباء الشديدة، فأبى هؤلاء من القراءة ~~والإقراء بها، بناء على أن (التي) (1) قرأوا (بها) (2) على الشيوخ الذين ~~لقوهم هي تلك لا هذه، محتجين بأنهم كانوا/ علماء وفضلاء، فلو كانت خطأ ~~(لردوها) (3) علينا، وأسقطوا النظر والبحث عن أقوال المتقدمين فيها رأسا ~~تحسين ظن بالرجال، وتهمة للعلم، فصارت بدعة جارية (في الناس) (4) أعني ~~القراءة بالباء الرخوة مصرحا بأنها الحق الصريح، فنعوذ بالله من المخالفة. # ولقد لج بعضهم حين وجهوا بالنصيحة فلم يرجعوا، فكان القرشي (المغربي) (5) ~~أقرب مراما منهم. # حكي/ عن يوسف بن عبد الله بن مغيث (6) أنه قال: أدركت/ بقرطبة (7) مقرئا ~~يعرف بالقرشي، وكان لا يحسن النحو فقرأ عليه قارئ يوما: {وجاءت سكرة الموت ~~بالحق ذلك ما كنت منه تحيد *} (8) فرد عليه القرشي: تحيد بالتنوين، فراجعه ~~القارئ وكان يحسن النحو ms581 (فلج) (9) عليه المقرئ وثبت على التنوين، فانتشر ~~الخبر إلى أن بلغ يحيى بن مجاهد الألبيري الزاهد (10) وكان صديقا لهذا ~~المقري، فنهض إليه، فلما سلم عليه وسأله عن PageV03P323 # حاله قال له ابن مجاهد: أنه بعد عهدي بقراءة القرآن على مقرئ فأردت تجديد ~~ذلك عليك فأجابه إليه، فقال: أريد (أن) (1) أبتدئ بالمفصل فهو الذي يتردد ~~في الصلوات، فقال (له) (2) المقرئ: ما شئت. فقرأ عليه من أول المفصل، فلما ~~بلغ الآية المذكورة ردها عليه المقرئ بالتنوين، فقال له ابن مجاهد: لا ~~تفعل، ما هي إلا غير منونة بلا شك، (فلج) (3) المقرئ، فلما رأى ابن مجاهد ~~تصميمه/ قال له: يا أخي إني لم يحملني على القراءة عليك إلا لتراجع الحق في ~~لطف، وهذه عظيمة أوقعك فيها قلة علمك بالنحو، فإن الأفعال لا يدخلها ~~التنوين، فتحير المقرئ، إلا أنه/ لم يقنع بهذا، فقال له ابن مجاهد: بيني ~~وبينك المصاحف، فأحضر منها جملة فوجدوها مشكولة بغير تنوين، فرجع المقرئ ~~إلى الحق. انتهت الحكاية. # ويا ليت مسألتنا مثل هذه، ولكنهم عفا الله عنهم أبوا الانقياد إلى ~~الصواب. # والسابع: رأي (نابغة) (4) أيضا يرون أن عمل الجمهور اليوم، من التزام ~~الدعاء بهيئة الاجتماع بإثر الصلوات، والتزام المؤذنين التثويب (المكروه) ~~(5) (بعد) (6) الآذان، صحيح بإطلاق، من غير اعتبار بمخالفة الشريعة أو ~~موافقتها، وأن من خالفهم بدليل شرعي اجتهادي أو تقليدي خارج عن سنة ~~المسلمين، بناء منهم على أمور تخبطوا فيها من غير دليل معتبر، فمنهم من ~~يميل إلى أن هذا العمل المعمول به/ في الجمهور ثابت PageV03P324 # عن فضلاء وصالحين علماء، فلو كان خطأ لم يعملوا به. # /وهذا مما نحن فيه (اليوم، تتهم) (1) الأدلة وأقوال العلماء المتقدمين، ~~ويحسن الظن بمن تأخر، وربما نوزع بأقوال من تقدم، فيرميها بالظنون واحتمال ~~الخطإ، ولا يرمي بذلك المتأخرين، الذين هم أولى به/ بإجماع المسلمين، وإذا ~~سئل عن أصل هذا العمل المتأخر: (هل عليه دليل) (2) من/ الشريعة؟ لم يأت ~~بشيء، أو يأتي بأدلة (مجملة) (3) لا علم له (بتفاصيلها) (4)، كقوله هذا خير ~~أو حسن، وقد قال تعالى: {الذين ms582 يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (5)، أو يقول: ~~هذا (بر) (6)، وقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} (7)، فإذا سئل عن ~~أصل كونه خيرا أو برا وقف، (وميله) (8) إلى أنه ظهر له بعقله أنه خير وبر، ~~فجعل التحسين عقليا، وهو مذهب أهل الزيغ، (وثابت) (9) عند أهل السنة (أنه) ~~(10) من البدع المحدثات (11). # ومنهم من طالع كلام القرافي (12) وابن عبد السلام (13) في أن البدع خمسة ~~أقسام. # فيقول: هذا من (المحدث) (14) المستحسن، وربما رشح ذلك بما جاء في الحديث: ~~(ما رآه المسلمون حسنا/ فهو عند الله حسن) (15) (وقد مر ما فيه، وأما ~~الحديث فإنما معناه عند العلماء أن علماء الإسلام إذا نظروا في مسألة مجتهد ~~فيها/ فما رأوه حسنا فهو عند الله حسن) (16) لأنه جار على PageV03P325 # أصول الشريعة، والدليل على ذلك الاتفاق على أن العوام لو نظروا فأداهم ~~اجتهادهم إلى استحسان/ حكم شرعي لم يكن عند الله حسنا حتى يوافق الشريعة، ~~والذين نتكلم معهم في هذه المسألة ليسوا من المجتهدين باتفاق منا ومنهم، ~~فلا اعتبار بالاحتجاج (بهذا الحديث) (1) على استحسان شيء أو استقباحه ~~(بغير) (2) دليل شرعي. # ومنهم من ترقى في الدعوى حتى يدعي فيها الإجماع من أهل الأقطار، وهو لم ~~يبرح من قطره، ولا بحث عن علماء أهل الأقطار، ولا عن (فتياهم) (3) فيما ~~عليه الجمهور، ولا عرف (من) (4) أخبار الأقطار خبرا، فهو ممن يسأل عن ذلك ~~يوم القيامة. # وهذا الاضطراب كله منشؤه تحسين الظن بأعمال المتأخرين وإن جاءت الشريعة ~~(بخلاف) (5) (ذلك) (6) والوقوف مع الرجال دون التحري للحق. # (والثامن) (7): رأي قوم ممن تقدم زماننا هذا فضلا عن زماننا اتخذوا ~~الرجال ذريعة لأهوائهم وأهواء من داناهم، أو من رغب إليهم (في ذلك) (8)، ~~فإذا عرفوا غرض بعض هؤلاء في حكم حاكم أو فتيا (تعبدا وغير) (9) ذلك، بحثوا ~~عن أقوال العلماء في المسألة المسؤول عنها حتى يجدوا القول الموافق للسائل ~~فأفتوا به، زاعمين أن الحجة (لهم في ذلك) (10) قول من قال: اختلاف العلماء ~~رحمة، ثم ما زال/ هذا الشر PageV03P326 # يستطير (في الأتباع) (1) وأتباعهم، حتى لقد حكى الخطابي عن بعضهم أنه ~~يقول:/ ms583 كل مسألة ثبت لأحد من العلماء (فيها) (2) القول بالجواز شذ عن ~~الجماعة أو لا فالمسألة جائزة. # وقد تقررت هذه المسألة على وجهها في كتاب الموافقات (3)، والحمد لله. # والتاسع: ما حكى الله تعالى عن الأحبار والرهبان (في) (4) قوله تعالى: ~~{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا/ من دون الله} (5)، فخرج أبو عيسى الترمذي ~~عن عدي بن/ حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي ~~صليب من ذهب، فقال: (يا عدي، اطرح عنك (هذا) (6) الوثن. وسمعته يقرأ (في ~~سورة براءة) (7): {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}، قال: أما ~~إنهم لم يكونوا يعبدونهم، (ولكنهم كانوا) (8) إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، ~~وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه) (9)، حديث غريب. # وفي تفسير سعيد بن منصور قيل لحذيفة رضي الله عنه: أرأيت قول الله تعالى: ~~{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}، قال حذيفة: أما إنهم لم ~~يصلوا لهم/ ولكنهم كانوا ما أحلوا لهم من حرام استحلوه، وما PageV03P327 # حرموا عليهم من حلال حرموه، فتلك ربوبيتهم (1). # وحكى (نحوه) (2) الطبري عن عدي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم (3)، ~~وهو قول ابن عباس أيضا وأبي العالية (4). # فتأملوا/ يا أولي/ الألباب، كيف حال (الاعتماد) (5) في الفتوى على الرجال ~~من غير تحر للدليل الشرعي، بل (لمجرد) (6) (نيل) (7) (العرض) (8) العاجل، ~~عافانا الله من ذلك بفضله. # والعاشر: رأي أهل التحسين والتقبيح العقليين (9)، فإن محصول مذهبهم تحكيم ~~(عقول) (10) الرجال دون الشرع، وهو أصل من الأصول التي بنى عليها أهل ~~الابتداع في الدين، بحيث إن (الشرع) (11) إن وافق آراءهم قبلوه، وإلا ردوه. ~~PageV03P328 # فالحاصل مما تقدم أن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم ~~الشرعي المطلوب شرعا ضلال، (ولا توفيق) (1) إلا بالله، وإن الحجة القاطعة ~~والحاكم الأعلى هو الشرع لا غيره. # ثم نقول: إن هذا (هو) (2) مذهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ~~رأى سيرهم والنقل عنهم وطالع أحوالهم علم ذلك علما يقينا، ألا ترى أصحاب ~~السقيفة لما تنازعوا في الإمارة، حتى قال بعض الأنصار (3): (منا/ أمير ~~ومنكم أمير) ms584 (4) فأتى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الأئمة من ~~قريش (5)، أذعنوا لطاعة الله ورسوله ولم يعبأوا برأي من رأى/ غير ذلك، ~~لعلمهم بأن الحق هو المقدم على آراء الرجال. # /ولما أراد أبو بكر رضي الله عنه قتال مانعي الزكاة احتجوا عليه بالحديث ~~المشهور، فرد عليهم ما استدلوا به (بعين) (6) ما استدلوا به وذلك قوله: ~~(إلا بحقها) فقال: الزكاة حق المال ثم قال: (والله لو منعوني عقالا أو ~~عناقا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه) (7). # فتأملوا هذا المعنى فإن فيه نكتتين مما نحن فيه: # إحداهما: أنه لم يجعل لأحد سبيلا إلى جريان الأمر في زمانه على ~~PageV03P329 # غير ما كان يجري في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان بتأويل، ~~لأن من لم يرتد من المانعين إنما منع تأويلا، وفي هذا القسم وقع النزاع بين ~~الصحابة لا فيمن/ ارتد رأسا، ولكن أبا بكر لم يعذر بالتأويل والجهل، ونظر ~~إلى حقيقة ما كان الأمر عليه فطلبه إلى أقصاه حتى قال: والله لو منعوني ~~عقالا ... إلى آخره، مع أن الذين أشاروا عليه بترك قتالهم إنما أشاروا عليه ~~بأمر مصلحي ظاهر تعضده مسائل شرعية، وقواعد أصولية، لكن الدليل الشرعي ~~الصريح كان عنده ظاهرا، فلم تقو عنده آراء الرجال أن تعارض الدليل الظاهر، ~~فالتزمه، ثم رجع المشيرون عليه بالترك إلى صحة دليله تقديما للحاكم/ الحق، ~~وهو الشرع. # والثانية: أن أبا بكر رضي الله عنه لم يلتفت إلى ما يلقى هو والمسلمون في ~~طريق طلب (ما) (1) طلب إذ لما امتنعوا صار مظنة للقتال وهلاك من شاء الله ~~من (الفرقتين) (2)، ودخول المشقة على المسلمين في الأنفس والأموال والأولاد ~~ولكنه رضي الله عنه لم يعتبر إلا إقامة الملة على حسب ما كانت قبل، فكان ~~ذلك أصلا في أنه/ لا تعتبر العوارض الطارئة في إقامة الدين وشعائر الإسلام، ~~نظير ما قال الله تعالى/: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من ms585 فضله إن شاء} (3) الآية فإن ~~الله لم يعذرهم في ترك منع المشركين خوف العيلة فكذلك لم (يعد) (4) أبو بكر ~~ما يلقى المسلمون من المشقة عذرا يترك به المطالبة بإقامة شعائر الدين ~~حسبما كانت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وجاء في القصة أن الصحابة ~~أشاروا عليه برد البعث الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أسامة بن ~~زيد ولم يكونوا بعد مضوا/ لوجهتهم ليكونوا معه (عونا) (5) على قتال أهل ~~الردة، فأبى من ذلك، وقال: ما كنت PageV03P330 # لأرد بعثا أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، فوقف مع شرع الله/ ~~ولم يحكم غيره. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني (أخاف) (2) على أمتي (من) ~~(3) بعدي (أعمال) (4) ثلاثة، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: أخاف ~~(عليكم) (5) من زلة العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع) (6) وإنما (زلة) ~~(7) العالم بأن يخرج عن طريق الشرع، فإذا كان (ممن) (8) يخرج عنه فكيف يجعل ~~حجة على الشرع؟ هذا مضاد لذلك. # ولقد كان كافيا من ذلك خطاب الله تعالى لنبيه وأصحابه: {فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول} (9) الآية، مع أنه قال تعالى: {أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (10)، وقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} (11) الآية. # ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ثلاث يهدمن الدين: زلة (عالم) ~~(12)، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون) (13). PageV03P331 # (وسائر ما جاء في زيغة الحكيم فإنه/ واضح في أن الرجال إنما يعتبرون من ~~حيث الحق لا من حيث هم رجال) (1). # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول: اغد عالما أو متعلما، ولا تغد ~~إمعة فيما بين ذلك. قال ابن وهب:/ فسألت سفيان عن الإمعة (فحدثني عن ~~(الزعراء) (2) عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: كنا ندعو) (3) / الإمعة ~~(في) (4) الجاهلية الذي يدعى إلى طعام فيذهب معه بغيره، وهو فيكم اليوم ~~المحقب دينه الرجال (5). # وعن كميل بن زياد (6) أن عليا رضي الله ms586 عنه قال (له) (7): يا كميل، إن ~~هذه القلوب/ أوعية فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم ~~على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم ~~يلجأوا إلى ركن وثيق الحديث إلى أن قال فيه أف لحامل حق لا بصيرة له، ينقدح ~~الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لا يدري أين الحق، إن قال أخطأ، وإن أخطأ ~~لم يدر، مشغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن فتن به، (وإن من الخير ~~كله، (من عرفه) (8) الله دينه، وكفى (بالمرء جهلا) (9)) (10) أن لا يعرف ~~دينه (11). PageV03P332 # وعن علي رضي الله عنه (أنه) (1) قال: إياكم والاستنان بالرجال، فإن الرجل ~~ليعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار فيموت ~~وهو من/ أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فينقلب لعلم الله فيه ~~فيعمل بعمل أهل/ الجنة، فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لا بد فاعلين ~~فبالأموات لا بالأحياء، وأشار (بالأموات) (2) إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه الكرام (3). وهو جار في كل زمان يعدم فيه المجتهدون. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا، إن آمن آمن، ~~وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر (4). # وهذا الكلام من ابن مسعود رضي الله عنه (يبين) (5) مراد ما تقدم ذكره من ~~كلام السلف، وهو النهي عن اتباع (الرجال) (6) من غير التفات إلى غير ذلك. # وفي الصحيح عن أبي وائل (7) قال: جلست إلى شيبة (8) في هذا المسجد قال: ~~جلس إلي عمر في مجلسك هذا قال: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا ~~قسمتها بين المسلمين، قلت: ما أنت/ بفاعل، قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك، ~~قال: هما المرءان (أقتدي) (9) بهما، يعني PageV03P333 # النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه (1). # وعن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث عيينة بن حصن حين استأذن له على ~~عمر، قال فيه: فلما دخل قال: يا ابن الخطاب، والله ما تعطينا ms587 الجزل، وما ~~تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم بأن يقع (به) (2)، فقال الحر بن قيس: ~~يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خذ العفو وأمر ~~بالعرف وأعرض عن الجاهلين *} (3) (وإن هذا/ من الجاهلين) (4) فوالله ما ~~(جاوزها) (5) عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله (6). # وحديث فتنة القبور حيث قال صلى الله عليه وسلم (7):/ "فأما المؤمن أو ~~المسلم / فيقول: محمد جاءنا بالبينات فأجبناه وآمنا، فيقال نم صالحا قد ~~علمنا أنك موقن. وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري/ سمعت الناس ~~يقولون شيئا فقلته" (8). # /وحديث مخاصمة علي والعباس (عند) (9) عمر في ميراث PageV03P334 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله للرهط الحاضرين: هل تعلمون أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث ما (تركناه) (1) صدقة"، فأقروا بذلك ~~إلى (أن) (2) قال لعلي والعباس: أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ (فوالله الذي) ~~(3) بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، ~~إلى آخر الحديث (4). # وترجم البخاري (5) في هذا المعنى ترجمة تقتضي أن حكم الشارع إذا وقع وظهر ~~فلا خيرة للرجال ولا اعتبار بهم، وأن المشاورة إنما تكون قبل التبيين، ~~فقال: (باب قول الله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} (6)، {وشاورهم في الأمر}، ~~وأن المشاورة قبل العزم والتبيين/ لقوله تعالى: {فإذا عزمت فتوكل على الله} ~~(7)، فإذا عزم الرسول لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله، وشاور النبي صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج، فلما ~~لبس لأمته (وعزم) (8) قالوا: أقم، فلم يمل إليهم/ بعد العزم، وقال: "لا ~~ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله" (9)، وشاور عليا وأسامة ~~PageV03P335 # فيما رمى به أهل الإفك عائشة رضي/ الله عنها، (فسمع منهما) (1) حتى نزل ~~القرآن فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم، ولكن حكم بما أمره الله (به) ~~(2). # وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل ~~العلم في الأمور المباحة ليأخذوا (بأسلمها) (3)، فإذا (وقع في الكتاب ~~والسنة) (4)، لم يتعدوه إلى غيره، ms588 اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ورأى ~~أبو بكر قتال من منع الزكاة فقال عمر: كيف تقاتل وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوا: لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على ~~الله؟ " (فقال أبو بكر: والله لأقتلن من فرق بين ما جمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم) (5)، ثم تابعه (عمر بعد) (6)، فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة، إذ ~~كان عنده حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتا في الذين فرقوا بين ~~الصلاة والزكاة وأرادوا تبديل الدين وأحكامه وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" (7)، وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولا كانوا ~~أو شبانا، وكان وقافا عند كتاب الله. # هذا جملة ما قال في (تلك) (8) الترجمة مما يليق بهذا الموضع، مما يدل على ~~أن الصحابة رضي الله عنهم لم يأخذوا أقوال الرجال/ في طريق الحق إلا من حيث ~~هم وسائل للتوصل إلى شرع/ الله، لا من حيث هم PageV03P336 # أصحاب رتب، أو كذا أو كذا، وهو ما تقدم. # /وذكر ابن مزين (1) عن عيسى بن دينار (2) عن ابن القاسم (3) عن مالك أنه ~~قال: ليس كل ما قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه لقول الله عز وجل: ~~{الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (4) (5). PageV03P337 ### | فصل # إذا ثبت أن الحق هو المعتبر دون الرجال، فالحق أيضا لا يعرف دون ~~(وساطتهم) (1)،/ بل بهم يتوصل إليه وهم (الأدلة) (2) على طريقه. ~~PageV03P338 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P339 ### | الملاحق # تعريف الفرق الواردة في الباب التاسع في المسألة السابعة # PageV03P341 # بسم الله الرحمن الرحيم # (ملحق رقم 1) تعريف الفرق الوارد ذكرهم في الباب السابع # في تعريف الفرق أذكر الفرقة وإلى من تنسب، وأهم معتقداتها من غير تفصيل ~~لتلك المعتقدات، لأن ذلك يؤدي إلى الإطالة، ثم أشير إلى أهم المراجع التي ~~فصلت الكلام عن هذه الفرق، ورتبتها على حسب ترتيب أسماء الفرق الأساسية كما ~~وردت في الاعتصام، ثم أدرج الفرق التي تحتها ضمن الفرقة الأساسية. ms589 والله ~~الموفق (1). # (1) المعتزلة: # فرقة أسسها واصل بن عطاء؛ وذلك عندما تكلم في حكم مرتكب الكبيرة، فقال: ~~إنه في منزلة بين المنزلتين، وكان في حلقة الحسن البصري ثم اعتزله بسبب هذه ~~المسألة، ثم تطورت عقيدة المعتزلة، فأصبح لهم خمس أصول مشهورة؛ وهي: العدل، ~~والتوحيد، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، ثم تفرقوا بعد ذلك إلى عدة فرق. # انظر: الفرق بين الفرق (ص114 202)، ومقالات الإسلاميين (155 278)، والملل ~~والنحل (1/ 43 84)، والتنبيه والرد للملطي (ص40) والبرهان في معرفة عقائد ~~أهل الأديان (ص49)، والمعتزلة وأصولهم الخمسة للدكتور عواد المعتق. # (2) الواصلية: # أتباع واصل بن عطاء، مؤسس المعتزلة، وذكر الشهرستاني أن اعتزال الواصلية ~~يدور على أربع قواعد: PageV03P343 # القاعدة الأولى: القول بنفي صفات الله عز وجل؛ لأن ذلك يستلزم وجود إلهين ~~اثنين. # القاعدة الثانية: القول بالقدر، وهو أن العبد هو الفاعل للخير والشر، ~~وليست هي من فعل الله، تعالى عن قولهم. # القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين. # القاعدة الرابعة: القول بأن أحد الفريقين من أصحاب الجمل وأصحاب صفين ~~فاسق لا بعينه. # انظر: الملل والنحل (1/ 46)، والفرق بين الفرق (117 120). # (3) العمروية: # وهم أتباع عمرو بن عبيد الذي تزوج أخت واصل بن عطاء، وتتلمذ عليه، وتبنى ~~عقيدته، وزاد عليه ما يلي: # أولا: قال بفسق الفريقين من أصحاب الجمل وصفين، وأنهم مخلدون في النار، ~~ورد شهادتهم. # ثانيا: رد الأحاديث النبوية، كحديث ابن مسعود الوارد في أطوار الإنسان في ~~بطن أمه، وأنه يكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد. انظر: الفرق بين الفرق ~~(120 121)، وميزان الاعتدال (2/ 295). # (4) الهذيلية: # وهم أتباع أبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاف البصري، وقد كفره أصحابه ~~كالمردار والجبائي، وقد انفرد عن أصحابه المعتزلة بعدة أقوال منها: # أولا: أن الصفة هي ذات الموصوف، فقال: إن الباري سبحانه وتعالى عالم ~~بعلم، وعلمه ذاته، وقادر بقدرة وقدرته ذاته .. إلخ. # ثانيا: أثبت أن لله إرادة لا محل لها. # PageV03P344 # ثالثا: قوله بأن كلام الله تعالى على قسمين: قسم لا في محل؛ وهو كلمة ~~(كن) التكوينية، وقسم في محل، كالأمر والنهي. # رابعا: ms590 قال بأن حركات أهل الجنة وأهل النار تنقطع، ويصيرون في سكون دائم، ~~وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل ~~النار. # انظر: الملل والنحل (1/ 149 53)، والفرق بين الفرق (121 130)، والبرهان ~~في معرفة عقائد أهل الأديان (ص54). # (5) النظامية: # هم أصحاب إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام، خلط اعتزاله بالفلسفة، وانفرد ~~عن أصحابه بعدة مسائل أهمها: # أولا: أنه قال: إن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، ~~وليست هي مقدورة للباري، خلافا لأصحابه؛ فإنهم يقولون: إن الله تعالى قادر ~~على الشرور والمعاصي، ولكنه لا يفعلها لأنها قبيحة. وقال النظام : إن الله ~~تعالى لا يوصف بالقدرة على أن يزيد في عذاب أهل النار ولا في أن ينقص من ~~نعيم أهل الجنة. # ثانيا: أحدث القول بالطفرة، حيث قال: إذا مشت النملة على صخرة من طرف إلى ~~طرف، فإنها قطعت ما لا يتناهى. فقيل له: كيف يقطع ما يتناهى ما لا يتناهى؟ ~~فقال: تقطع بعض المسافة بالمشي، وتقطع الباقي بالطفرة. # ثالثا: قال إن الإجماع والقياس ليسا بحجة في الشرع، وإنما الحجة في قول ~~الإمام المعصوم. # رابعا: مال إلى الرافضة، فقال: لا إمام إلا بالنص والتعيين، وأن عليا هو ~~الإمام، وأن عمر رضي الله عنه هو الذي كتم ذلك وتولى بيعة أبي بكر يوم ~~السقيفة، ثم وقع أي النظام في عثمان وعلي وابن مسعود # PageV03P345 # وغيرهم من الصحابة. انظر: الملل والنحل (1/ 53 59)، والفرق بين الفرق ~~(131 150)، والبرهان (ص55). # (6) الأسوارية: # وهم أتباع علي الأسواري، كان على مذهب أبي الهذيل، ثم انتقل إلى مذهب ~~النظام، وزاد بدعة فقال: إن ما علم الله أن لا يكون، لم يكن مقدورا لله ~~تعالى. انظر: الفرق بين الفرق (ص151). # (7) الإسكافية: # وهم أتباع محمد بن عبد الله الإسكافي، وكان أخذ القدر عن جعفر بن حرب، ثم ~~ابتدع بعد ذلك بدعا أخرى منها: زعم أن الله تعال يوصف بالقدرة على ظلم ~~الأطفال والمجانين، ولا يوصف بالقدرة على ظلم العقلاء، فكفره أسلافه لهذا ~~القول، وكفرهم هو لخلافهم له في هذه ms591 المسألة. انظر: الفرق بين الفرق (169 ~~171)، والبرهان (ص62). # (8) الجعفرية: # أتباع جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، أما جعفر بن حرب، فهو على مذهب أستاذه ~~المردار، وزعم أن الممنوع من الفعل قادر على الفعل، وليس يقدر على شيء؟! ~~وأما جعفر بن بشر فمن بدعه زعمه أن في الأمة فساقا شر من اليهود والنصارى ~~والمجوس، مع قوله أن الفاسق موحد وليس بمؤمن ولا كافر. انظر: الفرق بين ~~الفرق (167 169)، والملل والنحل (1/ 59). # (9) والبشرية: # وهم أتباع بشر بن المعتمر، وهو الذي أحدث القول بالتولد، وانفرد عن ~~أصحابه ببدع منها: إن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل، ولو فعل ذلك لكان ~~ظالما له، لكن لا يستحسن أن يقال ذلك في حقه، بل يقال: لو # PageV03P346 # فعل ذلك لكان الطفل بالغا عاقلا عاصيا مستحقا للعذاب؟! وهذا تناقض. انظر: ~~الملل والنحل (1/ 64 65)، والفرق بين الفرق (156 159)، والبرهان (ص53). # (10) المردارية: # أتباع عيسى بن صبيح المردار، تتلمذ على بشر بن المعتمر، وتزهد حتى سمي ~~راهب المعتزلة، وابتدع بدعا منها: قوله في القرآن أن الناس قادرون على أن ~~يأتوا بمثل القرآن فصاحة، ونظما، وبلاغة، وهو الذي بالغ في القول بخلق ~~القرآن، وكفر من قال بقدمه، وكفر من لابس السلطان، وغلا في التكفير حتى ~~سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعا فكفرهم، فقال إبراهيم: ~~الجنة التي عرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك؟ فخزي ~~المردار ولم يجب. انظر: الملل والنحل (1/ 68 70)، والفرق بين الفرق (164 ~~166). # (11) الهشامية: # وهم أصحاب هشام بن عمرو الفوطي، وقد بالغ في القدر، فكان يمتنع من إطلاق ~~إضافات الأفعال إلى الله تعالى وإن ورد بها القرآن، فقال: إن الله لا يؤلف ~~بين قلوب المؤمنين، بل هم المؤتلفون باختيارهم، ومن بدعه قوله: إن الجنة ~~والنار ليستا مخلوقتين الآن، إذ لا فائدة في وجودهما. انظر: الملل والنحل ~~(1/ 72 74)، والفرق بين الفرق (159 164). # (12) الصالحية: # وهو أتباع صالح قبة، قال أبو الحسن الأشعري: إن صالح قبة كان ممن يثبتون ~~الجزء الذي لا يتجزأ ويقول: إن ما يراه الرائي في ms592 المرآة إنما هو إنسان ~~مثله اخترعه الله تعالى في المرآة. انظر: مقالات الإسلاميين (ص317). # PageV03P347 # (13) الخابطية و (14) الحدثية: # الخابطية والحدثية: أتباع أحمد بن خابط والفضل الحدثي، كانا من أصحاب ~~النظام، وزادا عليه ثلاث بدع: # الأولى: وافقوا النصارى في إثبات حكم من أحكام الإلهية في المسيح عليه ~~السلام، فادعوا أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وهو المراد بقوله ~~تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا *} ومثيلاتها من الآيات. # البدعة الثانية: قالوا بالتناسخ، فزعموا أن الله تعالى خلق خلقه أصحاء ~~سالمين عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار، وخلق فيهم معرفته والعلم به، ~~فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به، وعصاه بعضهم في جميع ما أمرهم به، ~~وأطاعه بعضهم في بعض ما أمر به دون البعض، فمن أطاعه أقره في دار النعيم، ~~ومن عصاه أخرجه إلى دار النار، ومن أطاعه في بعض دون بعض، أخرجه إلى دار ~~الدنيا، فألبسه هذه الأجسام الكثيفة على صور الناس والحيوانات على قدر ~~ذنوبهم ... # البدعة الثالثة: حملوا الآيات والأحاديث الواردة في الرؤية على رؤية ~~العقل الأول. انظر: الملل والنحل (1/ 60 64)، والفرق بين الفرق (ص273). # (15) المعمرية: # أتباع معمر بن عباد السلمي، انفرد عن أصحابه بعدة مسائل منها: قال: إن ~~الله تعالى لم يخلق غير الأجسام، وأما الأعراض فإنها من اختراعات الأجسام، ~~إما طبعا كالنار التي تحدث الإحراق، وإما اختيارا كالحيوان يحدث الحركة ~~والسكون. وله ضلالات أخرى شنيعة. انظر: الملل والنحل (1/ 65 70)، والفرق ~~بين الفرق (151 156)، والبرهان (ص63). # PageV03P348 # (16) الثمامية: # وهم أتباع ثمامة بن أشرس النميري، قال الشهرستاني: كان جامعا بين سخافة ~~الدين، وخلاعة النفس مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه ~~من غير توبة، وهو في حال حياته في منزلة بين المنزلتين. وقد ابتدع عدة بدع ~~منها: أن الكفار واليهود والنصارى والدهرية وأطفال المؤمنين والبهائم ~~يصيرون يوم القيامة ترابا. انظر: الملل والنحل (1/ 70 71)، والفرق بين ~~الفرق (172 175). # (17) الخياطية: # هم أتباع أبي الحسين بن أبي عمرو الخياط أستاذ أبي القاسم الكعبي، وقد ~~انفرد الخياط بمسألة عن ms593 جميع الفرق وهي: زعمه أن الجسم في حالة عدمه يكون ~~جسما. انظر: الفرق بين الفرق (179 180)، والملل والنحل (1/ 76 78). # (18) الجاحظية: # وهم أتباع عمرو بن بحر أبي عثمان الجاحظ، له عدة بدع خالف فيها أصحابه ~~المعتزلة منها: زعمه أن أهل النار لا يخلدون فيها عذابا، بل يصيرون فيها ~~إلى طبيعة نارية، وأن النار تجذب أهلها إليها من غير أن يدخلها أحد. انظر: ~~الملل والنحل (1/ 75 76)، والفرق بين الفرق (175 178)، والبرهان (ص56). # (19) الكعبية: # وهم أتباع أبي القاسم عبد الله بن أحمد الكعبي، تلميذ أبي الحسين الخياط، ~~وهو من معتزلة البصرة، لكنه خالفهم في عدة مسائل منها: قوله: إن الله لا ~~يرى نفسه ولا غيره إلا على معنى علمه بنفسه وبغيره. ومنها قوله: إن المقتول ~~ليس بميت. انظر: الفرق بين الفرق (181 182)، والملل والنحل (1/ 76). # PageV03P349 # (20) الجبائية: # أتباع أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، وقد انفرد بعدة أقوال منها: ~~إنكاره بعث الأجساد بعد الموت، وأن الله يحيي أرواح الموتى، ويبعث أرواح من ~~في القبور. انظر: الملل والنحل (78 85)، والفرق بين الفرق (183 184)، ~~والبرهان (ص51). # (21) البهشمية: # وهم أتباع أبي هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي، من معتزلة ~~البصرة، وقد (انفرد) بمسائل عن أصحابه منها: ما اشتهر بأحوال أبي هاشم، وهي ~~إحدى ثلاث غير معقولة، وهي أحوال أبي هاشم وطفرة النظام وكسب الأشعري. ومن ~~بدعه زعمه أن التوبة عن الذنب بعد العجز عن مثله لا تصح، فعنده لا تقبل ~~توبة الكاذب بعد خرس لسانه. انظر: الفرق (184 201)، والملل والنحل (78 85). # (22) الشيعة: # هم الذين شايعوا عليا رضي الله عنه على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته ~~نصا ووصية، إما جليا وإما خفيا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، ~~وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وأن الإمامة ركن الدين لا ~~يجوز للرسل إغافلها ولا تفويضها إلى العامة، ويجمعهم أي فرق الشيعة القول ~~بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبا عن الكبائر ~~والصغائر، والقول بالتولي والتبري. انظر: الملل والنحل (1/ 146 147)، ~~والفرق بين ms594 الفرق (ص21)، ومقالات الإسلاميين (ص5). # (23) السبئية: # هم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي غلا في علي رضي الله عنه، وادعى ~~أن عليا كان نبيا ثم زعم أنه إله، وقال له: أنت أنت. يعني أنت # PageV03P350 # الإله. وزعم أن عليا لم يمت وأنه يجيء في السحاب والرعد صوته، والبرق ~~تبسمه، وأنه سيرجع إلى الأرض فيملؤها عدلا كما ملئت جورا. # وهم أول فرقة قالت بالغيبة والرجعة، وبتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعد ~~علي رضي الله عنه. انظر: الفرق بين الفرق (ص233)، ومقالات الإسلاميين ~~(ص15)، والملل والنحل (1/ 174)، والبرهان (ص85). # (24) الكاملية: # أتباع رجل من الرافضة كان يعرف بأبي كامل، زعم أن الصحابة كلهم كفار ~~بتركهم بيعة علي، وقال: إن الإمامة نور يتناسخ من شخص إلى شخص. انظر: الملل ~~والنحل (1/ 174 175)، والفرق بين الفرق (ص54 56). # (25) البيانية: # أتباع بيان بن سمعان التميمي، وهو من الغلاة القائلين بإلهية علي رضي ~~الله عنه، وأنه كان يعلم الغيب، وأن الجزء الإلهي انتقل إلى محمد بن ~~الحنيفية، ثم إلى ابنه أبي هاشم، ثم صار من أبي هاشم إلى بيان بن سمعان، ~~وهو أي بيان بن سمعان من المشبهة، وسمع به خالد بن عبد الله القسري ~~فاستدرجه وصلبه، وقيل أنه أحرقه. انظر: الملل والنحل (1/ 152)، والفرق بين ~~الفرق (ص236)، ومقالات الإسلاميين (ص5)، والتنبيه والرد للملطي (ص30)، ~~والبرهان (ص75). # (26) المغيرية: # وهم أتباع المغيرة بن سعد العجلي، وكان يظهر موالاة الإمامية، ثم ادعى ~~النبوة، وهو شديد الغلو في التشبيه. انظر: الفرق بين الفرق (ص238)، والملل ~~والنحل (1/ 176)، ومقالات الإسلاميين (ص6)، والتنبيه والرد للملطي (ص152)، ~~والبرهان (ص77). # PageV03P351 # (27) الجناحية: # أتباع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، من غلاة فرق ~~الشيعة، يزعمون أن عبد الله بن معاوية كان يدعي أن العلم ينبت في قلبه كما ~~تنبت الكمأة والعشب، وقالوا بالتناسخ، وهم يكفرون بالقيامة، ويستحلون ~~المحارم. انظر: مقالات الإسلاميين (ص6)، والفرق بين الفرق (ص235 236). # (28) المنصورية: # أتباع أبي منصور العجلي، زعم أنه عرج به إلى السماء، وأن ربه مسح على ~~رأسه وقال له: يا بني ms595 انزل فبلغ عني. انظر: الفرق بين الفرق (ص243)، والملل ~~والنحل (1/ 178)، ومقالات الإسلاميين (ص9)، والتنبيه والرد للملطي (ص150)، ~~والبرهان (ص76). # (29) الخطابية: # أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الكوفي، من غلاة الشيعة، ~~القائلين بالحلول، وادعى النبوة، ثم الرسالة، ثم أنه من الملائكة وأنه رسول ~~إلى أهل الأرض كلهم. انظر: الفرق بين الفرق (ص247 وص255)، والملل والنحل ~~(1/ 179)، ومقالات الإسلاميين (ص10)، والتنبيه والرد للملطي (ص154)، ~~والبرهان (ص69). # (30) الغرابية: # هم القائلون بأن محمدا صلى الله عليه وسلم أشبه الناس بعلي من الغراب ~~بالغراب، وهذا سبب تسميتهم بالغرابية، وأن جبريل بعث بالرسالة إلى علي ~~فأخطأ بها إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ثم افترقوا عدة فرق بعد ذلك. انظر: ~~البرهان للسكسكي (ص71 72)، والفرق بين الفرق (ص250). # (31) الذمية: # قوم زعموا أن عليا هو الله، وشتموا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأن عليا ~~بعثه لينبئ # PageV03P352 # عنه فادعى الأمر لنفسه. انظر: الفرق بين الفرق (ص251). # (32) الهشامية: # أصحاب الهشامين، هشام بن الحكم الرافضي، وهشام بن سالم الجواليقي، وهما ~~الرافضة المشبهة، وكان هشام بن الحكم أضاف إلى تشبيه الخالق بالمخلوق، ~~والرفض، قوله بجواز العصيان على الأنبياء، مع القول بعصمة الأئمة من ~~الذنوب. ولهما كلام في التشبيه قبيح جدا. انظر: الفرق بين الفرق (ص65)، ~~والملل والنحل (1/ 184)، ومقالات الإسلاميين (ص31)، والتنبيه والرد للملطي ~~(ص31)، والبرهان (ص72). # (33) الزرارية: # أتباع زرارة بن أعين، كان يقول بإمامة عبد الله بن جعفر، وقال: "إن الله ~~تعالى الله عن قوله لم يكن حيا، ولا قادرا ولا سميعا ولا بصيرا، حتى خلق ~~لنفسه حياة وقدرة ... إلخ. انظر: الفرق بين الفرق (ص70)، ومقالات ~~الإسلاميين (ص36). # (34) اليونسية: # أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي، وهو من مشبهة الشيعة، وهو على مذهب ~~القطعية الذين قطعوا بموت موسى بن جعفر. انظر: الملل والنحل (1/ 188)، ~~والفرق بين الفرق (ص70)، ومقالات الإسلاميين (ص35). # (35) الشيطانية: # وتسمى أيضا النعمانية وهم: أتباع محمد بن النعمان أبي جعفر الملقب بشيطان ~~الطاق، من بدعه قوله: إن الله تعالى الله عن قوله نور على صورة إنسان ~~رباني. انظر: الملل والنحل (1/ 186)، والفرق ms596 بين الفرق (ص71)، ومقالات ~~الإسلاميين (ص37). # PageV03P353 # (36) الرزامية: # أتباع رزام بن رزم، ساقوا الإمامة من علي إلى ابنه محمد ثم إلى ابنه ~~هاشم، ثم إلى علي بن عبد الله بن عباس بالوصية، ثم إلى محمد بن علي، وأوصى ~~محمد إلى ابنه إبراهيم الإمام العباسي. انظر: الملل والنحل (1/ 153 154)، ~~والفرق بين الفرق (ص256)، ومقالات الإسلاميين (ص21 22). # (37) المفوضة: # قوم زعموا أن الله تعالى خلق محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم فوض إليه خلق ~~العالم وتدبيره، ثم فوض محمد عليا تدبير العالم. انظر: الفرق بين الفرق ~~(ص251). # (38) البدائية: # نسبة إلى البداء، وهو معتقد للكيسانية (المختارية) أتباع المختار بن أبي ~~عبيد الثقفي، والكيسانية عدة فرق يجمعها القول بأمرين: الأول: قولهم بإمامة ~~محمد ابن الحنفية. والثاني: قولهم بجواز البداء على الله عز وجل، والبداء ~~له معان: البداء في العلم؛ وهو أن يظهر له خلاف ما علم. والبداء في ~~الإرادة؛ وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم. والبداء في الأمر؛ ~~وهو أن يأمر بشيء، ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف الأول، وهو النسخ. انظر: ~~الملل والنحل (1/ 147 150)، والفرق بين الفرق (ص38 39)، ومقالات الإسلاميين ~~(ص18)، والتنبيه والرد للملطي (ص29 و152). # (39) النصرية: # لعلها النصيرية يسمون أنفسهم بالعلويين وهم من الفرق الباطنية، أتباع أبي ~~شعيب محمد بن نصر البصري النميري، الذي ادعى الربوبية وأباح المحرمات، ~~وقالت النصيرية بالحلول والتناسخ، وأنكروا البعث والحساب، # PageV03P354 # وأولوا الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام والحج. انظر: دراسات عن الفرق ~~في تاريخ المسلمين (ص311)، والبرهان (ص67). # (40) الإسماعيلية: # وهي طائفة باطنية تنسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وقيل نسبة إلى محمد ~~بن إسماعيل بن جعفر الصادق، والرأي الأول هو الراجح، وهي أشد كفرا من ~~اليهود والنصارى. ومذهبهم خليط من الوثنية والفلسفة والنصرانية واليهودية ~~والإسلام. انظر: الفرق بين الفرق (ص62)، والملل والنحل (1/ 191)، مقالات ~~الإسلاميين (ص26)، والتنبيه والرد للملطي (ص37)، والبرهان (ص81). # (41) الباطنية: # هم الذين يقولون إن كل آية لها باطن وظاهر، فيؤولون النصوص كما يشاؤون، ~~وهم فرق عدة كالإسماعيلية والقرامطة والنصيرية وغيرهم. انظر: الملل والنحل ~~(1/ 192)، والفرق بين ms597 الفرق (ص281 312)، والتبصير في أمور الدين (ص83)، ~~والحركات الباطنية في العالم الإسلامي للدكتور محمد أحمد الخطيب. # (42) القرمطية: # من فرق الباطنية التي ظهرت في البحرين على يد رجل يسمى حمدان بن الأشعث ~~الملقب بقرمط، وذلك عندما اتصل به أحد دعاة الإسماعيلية وهو الحسين ~~الأهوازي، وبعد وفاته نشط حمدان قرمط بدعوته، واتخذ مقرا خارج الكوفة سماه ~~دار الهجرة، وجعله مقرا لأتباعه. انظر: الملل والنحل (1/ 192)، واعتقادات ~~فرق المسلمين والمشركين (ص122)، ومقالات الإسلاميين (ص26)، والقرامطة لابن ~~الجوزي، والبرهان (ص80). # PageV03P355 # (43) الخرمية: # وهم من فرق الإباحية، وهم صنفان: صنف قبل الإسلام كالمزدكية الذين ~~استباحوا المحرمات، وزعموا أن الناس شركاء في الأموال والنساء، ودامت ~~فتنتهم حتى قتلهم أنوشروان في زمانه. والصنف الثاني: خرمدينية الذين ظهروا ~~في الإسلام وهم صنفان: بابكية وهم الخرمية وسيأتي ذكرهم ومازيارية أتباع ~~مازيار الذي ظهر في جرجان، ثم صلب في سر من رأى في زمن المعتصم. انظر: ~~الفرق بين الفرق (ص266 269)، والتنبيه والرد للملطي (ص29)، وفضائح الباطنية ~~للغزالي (ص14 16). # (44) السبعية: # هم القرامطة، كما ذكر ذلك ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (3/ 481). # (45) البابكية: # وهم أتباع بابك الخرمي الذي ظهر في أذربيجان، واستباح المحرمات، وقتل ~~المسلمين، وبقي يحارب العباسيين قرابة عشرين سنة، حتى أخذ بابك الخرمي وصلب ~~بسر من رأى في زمن المعتصم. انظر: الفرق بين الفرق (ص266 268)، والتنبيه ~~والرد للملطي (ص29)، فضائح الباطنية للغزالي (ص14 16). # (46) المحمرة: # طائفة من البابكية الخرمدينية، يقال لهم: "المحمرة" لأنهم لبسوا الحمر من ~~الثياب في أيام بابك، فقيل لهم: "المحمرة"، وهم بابكية في العقيدة. انظر: ~~الأنساب للسمعاني (11/ 171). # (47) المحمدية: # وهم الذين ينتظرون محمد بن عبد الله بن الحسن، ولا يصدقون بموته # PageV03P356 # ولا قتله، ويزعمون أنه في جبل حاجر من ناحية نجد. انظر: الفرق بين الفرق ~~(ص56)، والأنساب للسمعاني (11/ 170). # (48) زيدية: # أتباع زيد بن علي زين العابدين الذي خرج على هشام بن عبد الملك، وأهم ~~معتقداتهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم عين الإمام بالوصف لا بالتعيين، ~~وأن الوصف لا يكتمل إلا في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم الأئمة من ms598 ~~بعده من ذرية فاطمة رضي الله عنها. وقالوا: بجواز إمامة المفضول مع وجود ~~الأفضل، وبجواز بيعة إمامين مختلفين في إقليمين مختلفين، وتأثروا بالمعتزلة ~~في أصولهم الخمسة. انظر: الفرق بين الفرق (ص22)، ومقالات الإسلاميين (ص65)، ~~والملل والنحل (1/ 154)، والتنبيه والرد للملطي (ص38). # (49) الجارودية: # أتباع الجارود بن زياد بن المنذر، زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص ~~على علي رضي الله عنه بالوصف لا بالتعيين، والناس قصروا حيث لم يتعرفوا ~~الوصف، ولم يطلبوا الوصف، وإنما نصبوا أبا بكر رضي الله عنه باختيارهم، ~~فكفروا بذلك، انظر: الفرق بين الفرق (ص30)، والملل والنحل (1/ 157)، ~~ومقالات الإسلاميين (ص66)، والتنبيه والرد للملطي (ص30)، والبرهان (ص66). # (50) السليمانية: # من فرق الزيدية، أتباع سليمان بن جرير، كان يقول: الإمامة شورى فيما بين ~~الخلق، ويصح أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين، وكفر عثمان وعائشة ~~والزبير وطلحة رضي الله عنهم لقتالهم لعلي رضي الله عنه. انظر: الملل ~~والنحل (1/ 159)، والفرق بين الفرق (ص22)، ومقالات الإسلاميين (ص68). # PageV03P357 # (51) البترية: # من فرق الزيدية، أتباع كثير النوى الأبتر، توقفوا في أمر عثمان رضي الله ~~عنه، وقالوا: عليا أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووافقوا ~~المعتزلة في كثير من أصولهم. انظر: الملل والنحل (1/ 161)، والفرق بين ~~الفرق (ص23)، ومقالات الإسلاميين (ص68 69). # (52) إمامية: # وهم جميع فرق الشيعة التي جعلت الإمامة قضية أساسية، وأجمعوا على أن عليا ~~رضي الله عنه يستحق الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم افترقوا ~~فيما وراء ذلك، فمنهم من ذهب إلى أن عليا استحق الإمامة بالوصف الذي لا ~~ينطبق إلا عليه؛ وهم الزيدية، ومنهم من ذهب إلى أن عليا استحق الإمامة ~~بالوصية والتعيين، وهم الرافضة، وهؤلاء اتفقوا في الأئمة حتى إمامهم السادس ~~جعفر الصادق، ولكنهم اختلفوا فيمن بعده، فذهبت الإسماعيلية إلى القول ~~بإمامة إسماعيل بن جعفر، وذهبت الإثنا عشرية إلى إمامة موسى الكاظم إلى ~~الإمام الثاني عشر. انظر: دراسة عن الفرق للدكتور جلي (ص179). # (53) الخوارج: # هم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه بعد قبوله التحكيم، حيث اعتبروا ~~قبول التحكيم كفر، ms599 وطلبوا من علي أن يتوب من ذلك، وأشهر بدعهم هو تكفير ~~مرتكب الكبيرة، ويسمون بالشراة؛ يزعمون أنهم باعوا أنفسهم لله، كما في قوله ~~تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله}، ويسمون بالحرورية ~~لانحيازهم إلى قرية حروراء قريبا من الكوفة، وسموا بالمحكمة لرفعهم شعار لا ~~حكم إلا لله. انظر: التنبيه والرد (ص51)، والفرق بين الفرق (ص72)، ومقالات ~~الإسلاميين (ص86)، والملل والنحل (1/ 144)، واعتقادات فرق المسلمين ~~والمشركين (ص46)، والبرهان (ص17)، ودراسة عن الفرق للدكتور جلي (ص51). # PageV03P358 # (54) المحكمة: # وهو اسم من أسماء الخوارج، وسبب تسميتهم بالمحكمة هو رفعهم شعار (لا حكم ~~إلا لله)، وكان رأسهم عبد الله بن وهب الراسبي، وعبد الله بن الكواء، ~~ويجمعهم القول بتكفير علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعثمان بن عفان رضي ~~الله عنه، وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضي بالتحكيم، وصوب الحكمين أو ~~أحدهما، وخرجوا بسبب أمرين: الأول: قالوا بجواز الإمامة في غير قريش. ~~والثاني: قالوا أخطأ علي في التحكيم لأنه حكم الرجال في دين الله، ولا حكم ~~إلا لله. انظر: الفرق بين الفرق (ص74)، والملل والنحل (1/ 115)، والتنبيه ~~والرد للملطي (ص51)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص46). # (55) البيهسية: # أتباع أبي بيهس الهيصم بن جابر، أحد الخوارج الذين قالوا: إن الإيمان هو ~~أن يعلم كل حق وباطل، وأن الإيمان هو العلم بالقلب دون القول والعمل، ويحكى ~~عنه أنه قال: هو الإقرار والعلم، وليس هو أحد الأمرين دون الآخر. انظر: ~~الملل والنحل (1/ 125 127)، ومقالات الإسلاميين (ص113)، والتنبيه والرد ~~للملطي (ص169) والبرهان (ص23). # (56) الأزارقة: # وهم أتباع أبي راشد نافع بن الأزرق، وهو أول من أحدث الخلاف في الخوارج، ~~فقال في بدء الأمر بالبراءة من القعدة الذين لم يهاجروا إليهم وكفرهم، وقال ~~بالمحنة لمن قصد معسكره، ومن أهم معتقداتهم: إباحة قتل نساء وأطفال ~~مخالفيهم، وأن أطفال مخالفيهم مخلدون في النار، وأسقطوا حد الرجم لعدم ~~وروده في القرآن، وتجويزهم أن يبعث الله نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته. ~~انظر: الفرق بين الفرق (ص82)، والملل والنحل (1/ 118)، ومقالات الإسلاميين ~~(ص86)، والتنبيه والرد للملطي (ص54)، ms600 والبرهان (ص20). # PageV03P359 # (57) النجدات: # أتباع نجدة بن عامر الحنفي، انفصل عن نافع بن الأزرق بعدما أحدث نافع ~~القول باستباحة قتل أطفال مخالفيه، وحكمه على القعدة بالشرك، ورجع نجدة إلى ~~اليمامة وبويع بالإمامة، وكرد فعل لأقوال نافع أجاز نجدة التقية والقعود عن ~~الجهاد. انظر: مقالات الإسلاميين (ص89)، والفرق بين الفرق (ص87)، والملل ~~والنحل (1/ 122)، ودراسات عن الفرق (ص57). # (58) الصفرية: # اختلف المؤرخون في نسبة هذه الفرقة، والظاهر أنها تنسب إلى عبد الله بن ~~صفار التميمي، الذي كان مع نافع بن الأزرق ثم انفصل عنه، وهم أقل غلوا من ~~الأزراقة، واشتهر عنهم عدم تكفير القعدة الموافقين لهم، ولم يكفروا أصحاب ~~الكبائر الذين ورد فيهم حد. انظر: مقالات الإسلاميين (ص101)، والفرق بين ~~الفرق (ص90)، والملل والنحل (1/ 137)، ودراسات عن الفرق (ص59). # (59) الإباضية: # أتباع عبد الله بن إباض بن ثعلبة التميمي، كان في أول أمره مع نافع بن ~~الأزرق، ثم انشق عنه وكون مذهبا ترأسه هو، وقالوا: إن مخالفيهم من أهل ~~القبلة كفار غير مشركين، ومناكحتهم جائزة، وموارثتهم حلال، وقالوا: إن ~~مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة لا ملة. انظر: الفرق بين الفرق (ص103)، والملل ~~والنحل (1/ 134)، والتنبيه والرد للملطي (ص55)، والبرهان (ص22). # (60) الحفصية: # من فرق الإباضية، أتباع ابن أبي المقدام، تميز عنهم بقوله: إن بين الشرك ~~والإيمان خصلة واحدة، وهي معرفة الله تعالى وحده، فمن عرفه ثم # PageV03P360 # كفر بما سواه من الرسل والكتب واليوم الآخر وارتكب الكبائر، فهو كافر ~~لكنه بريء من الشرك. انظر: الملل والنحل (1/ 135 136)، والفرق بين الفرق ~~(ص104)، ومقالات الإسلاميين (ص102). # (61) اليزيدية: # من فرق الإباضية، أتباع يزيد بن أبي أنيسة، قال بتولي المحكمة قبل ~~الأزارقة، وتبرأ ممن بعدهم إلا الإباضية، وزعم أن الله سيبعث نبيا من ~~العجم، وقال: كل ذنب صغير أو كبير فهو شرك. انظر: الملل والنحل (1/ 136)، ~~ومقالات الإسلاميين (ص103)، والبرهان (ص29). # (62) الحارثية: # من فرق الإباضية، أتباع حارث بن يزيد الإباضي، وافقوا المعتزلة في القدر، ~~وزعموا أنه لم يكن لهم إمام بعد المحكمة الأولى إلا عبد الله بن إباض، ~~وبعده حارث بن يزيد الإباضي. انظر: ms601 الفرق بين الفرق (ص105)، والملل والنحل ~~(1/ 136)، ومقالات الإسلاميين (ص104). # (63) المطيعية: # أصحاب طاعة لا يراد بها الله تعالى، زعموا أنه يصح وجود طاعات ممن لا ~~يريد الله تعالى بها، وافقوا في ذلك مذهب الهذيلية من المعتزلة. انظر: ~~الفرق بين الفرق (ص105)، ومقالات الإسلاميين (ص105). # (64) العجاردة: # من فرق الخوارج، أتباع عبد الكريم بن عجرد، وكان من أتباع عطية بن ~~الأسود، والعجاردة فرق كثيرة يجمعهم القول بأن الطفل يدعى إذا بلغ، وتجب ~~البراءة منه قبل ذلك. انظر: الفرق بين الفرق (ص93)، والملل والنحل (1/ ~~128)، ومقالات الإسلاميين (ص93)، والتنبيه والرد للملطي (ص168)، والبرهان ~~(ص23). # PageV03P361 # (65) الميمونية: # من فرق العجاردة، أتباع ميمون بن خالد، وخالف العجاردة في إثباته القدر ~~خيره وشره من العبد، وأن الله يريد الخير دون الشر، وحكى الكعبي عن ~~الميمونية إنكارها لسورة يوسف من القرآن. انظر: الملل والنحل (1/ 129)، ~~والبرهان (ص27). # (66) الشعيبية: # من فرق العجاردة، أتباع شعيب بن محمد، وكان مع ميمون بن خالد ثم برئ منه ~~عندما أظهر القول بالقدر. انظر: الملل والنحل (1/ 131)، الفرق بين الفرق ~~(ص95)، مقالات الإسلاميين (ص94). # (67) الحازمية: # من فرق العجاردة، أتباع حازم بن علي، قالوا إن الله خالق أعمال العباد، ~~ولا يكون في سلطانه إلا ما يشاء، ويحكى عنهم أنهم يتوقفون في أمر علي رضي ~~الله عنه، ولا يصرحون بالبراءة منه، ويصرحون بالبراءة في حق غيره. انظر: ~~الملل والنحل (1/ 131). # (68) الخازمية: # هكذا في نسخة "غ" وهم من فرق العجاردة أيضا وهم أكثر عجاردة سجستان، ~~خالفوا الخوارج في باب القدر والاستطاعة والمشيئة، وكفروا الميمونية ~~وخالفوا أكثر الخوارج في الولاية والعدواة. انظر: الفرق بين الفرق (ص94) ~~والأنساب للسمعاني (5/ 171). # (69) الحمزية: # من فرق العجاردة، أتباع حمزة بن أدرك وقيل أكرك وافق الميمونية في سائر ~~بدعها إلا في أطفال المشركين فقال إنهم في النار، وجوز إمامين في عصر واحد ~~ما لم تجتمع الكلمة، ولم يقهر الأعداء. انظر: الملل # PageV03P362 # والنحل (1/ 129)، والفرق بين الفرق (ص98)، ومقالات الإسلاميين (ص93)، ~~والتنبيه والرد للملطي (ص56). # (70 و71) المعلومية والمجهولية: # من فرق العجاردة، وكانوا في الأصل حازمية، إلا أن المعلومية قالت: من ms602 لم ~~يعرف الله تعالى بجميع أسمائه وصفاته فهو جاهل به، وأن الفعل مخلوق للعبد، ~~وأما المجهولية فقالت: من علم بعض أسماء الله تعالى وصفاته وجهل بعضها فقد ~~عرف الله تعالى، وأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. انظر: الملل والنحل ~~(1/ 133 134)، والفرق بين الفرق (ص97)، ومقالات الإسلاميين (ص96 97)، ~~والبرهان (ص27). # (72) الصلتية: # من فرق العجاردة، أتباع عثمان بن أبي الصلت، وقيل: الصلت بن أبي الصلت، ~~خرج عن العجاردة بقوله: إن الرجل إذا أسلم توليناه وتبرأنا من أطفاله حتى ~~يدركوا فيقبلوا الإسلام. انظر: الفرق بين الفرق (ص97)، والملل والنحل (1/ ~~129)، ومقالات الإسلاميين (ص97)، والتنبيه والرد للملطي (ص57)، والبرهان ~~(ص29). # (73) الثعلبية: # أتباع ثعلبة بن عامر، كان مع عبد الكريم بن عجرد، إلى أن اختلفا في أمر ~~الأطفال، فقال ثعلبة: إنا على ولايتهم صغارا وكبارا حتى نرى منهم إنكارا ~~للحق ورضا بالجور، فتبرأت العجاردة من ثعلبة، وكان يرى أخذ الزكاة من ~~عبيدهم إذا استغنوا وإعطاءهم منها إذا افتقروا. انظر: الملل والنحل (1/ ~~131)، والفرق بين الفرق (ص100)، ومقالات الإسلاميين (ص97)، والبرهان (ص26). # PageV03P363 # (74) الأخنسية: # من فرق الثعالبة، أتباع أخنس بن قيس، انفرد عنهم بقوله: أتوقف في جميع من ~~كان في دار التقية من أهل القبلة، إلا من عرف منه إيمان فأتولاه عليه، أو ~~كفر فأتبرأ منه، وقال بجواز تزويج المسلمات من مشركي قومهم. انظر: الملل ~~والنحل (1/ 132)، والفرق بين الفرق (ص101)، ومقالات الإسلاميين (ص97). # (75) المعبدية: # من فرق الثعالبة، أتباع معبد بن عبد الرحمن، خالف الأخنسية في جواز تزويج ~~المسلمات من مشرك، وخالف الثعلبية في أخذ الزكاة من العبيد. انظر: الملل ~~والنحل (1/ 132)، والفرق بين الفرق (ص101)، ومقالات الإسلاميين (ص98). # (76) الشيبانية: # من فرق الثعالبة، أتباع شيبان بن سلمة، وافق الجهم في القول بالجبر. ~~انظر: الملل والنحل (1/ 132)، والفرق بين الفرق (ص102)، ومقالات الإسلاميين ~~(ص98). # (77) المكرمية: # من فرق الثعالبة، أتباع مكرم بن عبد الله العجلي، تفرد عن الثعالبة بقول ~~تارك الصلاة كافر، لا من أجل تركه للصلاة، ولكن لجهله بالله تعالى. انظر: ~~الفرق بين الفرق (ص103)، والملل والنحل (1/ 133)، ومقالات الإسلاميين ~~(ص100). # (78) المرجئة: # هم الذين ms603 أخروا العمل عن الإيمان، وأكثر فرق المرجئة تقول إن الإيمان لا ~~يزيد ولا ينقص، وقد قسمهم الشهرستاني إلى أربعة أصناف: # PageV03P364 # مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة، ~~وقسمهم الأشعري إلى اثني عشرة فرقة، وأشهر فرق المرجئة الجهمية والأشاعرة ~~ومرجئة الفقهاء، وهذه الفرق الثلاثة انتشرت أقوالهم أكثر من بقية فرق ~~المرجئة الأخرى. انظر: الملل والنحل (1/ 139)، والفرق بين الفرق (ص202)، ~~ومقالات الإسلاميين (ص132)، والتنبيه والرد للملطي (ص47)، والبرهان (ص33). # (79) العبيدية: # من فرق المرجئة، أتباع عبيد المكتئب، قال: إن ما دون الشرك مغفور لا ~~محالة، والعبد إذا مات على توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من ~~السيئات. انظر: الملل والنحل (1/ 140). # (80) اليونسية: # من فرق المرجئة، أتباع يونس بن عون النميري، زعم أن الإيمان هو المعرفة ~~بالله، والخضوع له، وترك الاستكبار عليه، والمحبة بالقلب، فمن اجتمعت فيه ~~هذه الخصال فهو مؤمن، وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإيمان ولا يضر تركها ~~حقيقة الإيمان. انظر: الملل والنحل (1/ 140)، الفرق بين الفرق (ص202)، ~~ومقالات الإسلاميين (ص134). # (81) الغسانية: # من فرق المرجئة، أتباع غسان الكوفي، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله ~~تعالى وبرسله، والإقرار بما أنزل الله، وبما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في الجملة دون تفصيل، والإيمان لا يزيد ولا ينقص، وقال: (من قال): ~~أعلم أن الله تعالى حرم الخنزير، ولا أدري هل الخنزير الذي حرمه هذه الشاة ~~أم غيرها؟ كان مؤمنا. انظر: الملل والنحل (1/ 141)، والفرق بين الفرق ~~(ص203). # PageV03P365 # (82) الثوبانية: # من فرق المرجئة، أتباع أبي ثوبان المرجئ، زعم أن الإيمان هو المعرفة ~~والإقرار بالله تعالى، وبرسله، وبكل ما يجوز في العقل أن يفعله، وما جاز في ~~العقل تركه فليست معرفته من الإيمان، وأخر العمل كله عن الإيمان. انظر: ~~الفرق بين الفرق (ص204)، والملل والنحل (1/ 142)، ومقالات الإسلاميين ~~(ص135)، والبرهان (ص44). # (83) والتومنية: # من فرق المرجئة، أتباع أبي معاذ التومني، زعم أن الإيمان هو ما عصم من ~~الكفر، وهو اسم لخصال إذا تركها التارك كفر، وكذلك لو ترك خصلة واحدة منها ~~كفر. انظر: الملل والنحل (1/ 144)، والفرق ms604 بين الفرق (ص203)، ومقالات ~~الإسلاميين (ص139). # (84) النجارية: # من فرق الجبرية، أتباع الحسين بن محمد النجار، وافق المعتزلة في نفي ~~الصفات، ووافق الأشعري في مسألة الكسب وقال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. ~~انظر: الفرق بين الفرق (ص209)، والملل والنحل (1/ 88)، ومقالات الإسلاميين ~~(ص135)، والبرهان (ص39). # (85) البرغوثية: # من فرق النجارية، أتباع محمد بن عيسى الملقب ببرغوث، خالف النجارية في ~~تسمية المكتسب فاعلا، فامتنع منه وأطلقه النجار. انظر: الفرق بين الفرق ~~(ص109)، والملل والنحل (1/ 189). # (86) الزعفرانية: # من فرق النجارية، أتباع الزعفراني، قالوا: إن كلام الله تعالى غيره، وكل ~~ما هو غير الله تعالى مخلوق، ثم يقول: الكلب خير ممن يقول # PageV03P366 # كلام الله مخلوق. انظر: الفرق بين الفرق (ص209)، والملل والنحل (1/ 89). # (87) المستدركة: # من فرق النجارية، زعموا أنهم استدركوا ما خفي على أسلافهم، لأن أسلافهم ~~منعوا إطلاق القول بأن القرآن مخلوق، وقالوا هم بخلق القرآن. انظر: الفرق ~~بين الفرق (ص210)، والملل والنحل (1/ 89). # (88) الجبرية: # هم الذين يقولون إن العبد مجبور على أفعاله لا اختيار له، ولا يقدر على ~~الفعل أصلا، وأن الله تعالى جبر العباد على الإيمان أو الكفر. انظر: الملل ~~والنحل (1/ 79)، والبرهان للسكسكي (ص42 43). # (89) المشبهة: # هم الذين شبهوا ذات الله تعالى بذات غيره، وصفاته بصفات غيره، وهم طوائف ~~كثيرة كالسبئية، والبيانية والخطابية والكرامية وغيرهم. انظر: الفرق بين ~~الفرق (ص225 230)، ومقالات الإسلاميين (ص221 و430 و491 و518 و521 و564). ~~PageV03P367 ms605