######OpenITI# #META# Lng: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي #META# digitization_comments: [طبعة أخرى] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# iso: الموافقات ط المعرفه دراز #META# higrid: 790 #META# تحقيق: عبد الله دراز #META# bkid: 34196 #META# idx: 1 #META# عدد الأجزاء: 4 #META# ndata: الموافقBFF30ECCله أعلم #META# auth: الواحدي :: الشاطبي، إبراهيم بن موسى #META# cat: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# archive: 21 #META# comp: 1 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# [الموافقات - الشاطبي] ¶ الكتاب: الموافقات في أصول الفقه ¶ المؤلف: إبراهيم بن موسى الشاطبي اللخمي الغرناطي المالكي ¶ الناشر: دار المعرفة - بيروت ¶ تحقيق: عبد الله دراز ¶ عدد الأجزاء: 4 ¶ [طبعة أخرى] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# authno: 68 #META# الكتاب: الموافقات في أصول الفقه #META# authinf: الواحدي (000 - 468 ه) ( 000 - 1076 م) ¶ علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي (أبو الحسن) مفسر، نحوي، لغوي، فقيه شاعر، إخباري. ¶ أصله من ساوه، ومن أولاد التجار. ¶ توفي بنيسابور في جمادى الآخرة، وقد شاخ. ¶ من تصانيفه: «البسيط» في نحو 16 مجلدا في التفسير، «المغازي»، «شرح ديوان المتنبي»، «الإغراب في الإعراب»، و«نفي التحريف عن القرآن الشريف». ¶ نقلا عن معجم المؤلفين لكحالة :: الشاطبي (000 - 790 ه = 000 - 1388 م) ¶ إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي: أصولي حافظ ، من أهل غرناطة، كان من أئمة المالكية ¶ من كتبه (الموافقات في أصول الفقه - ط) أربع مجلدات، و (المجالس) شرح به كتاب البيوع من صحيح البخاري، و (الإفادت والإنشادات - خ) رسالة في الأدب، نشرت نبذة منها في مجلة المقتبس (المجلد الثامن) و (الاتفاق في علم الاشتقاق) و (أصول النحو) و (الاعتصام - ط) في أصول الفقه، ثلاث مجلدات، و (شرح الألفية) سماه (المقاصد الشافية في شرح خلاصة الكافية - خ) خمسة مجلدات ضخام، كتبت سنة 862 والنسخة نفيسة، في خزانة الرباط (الرقم 6 جلاوي) قال التنبكتي: لم يؤلف عليها - أي على الخلاصة المعروفة بالألفية - مثله، بحثا وتحقيقا، فيما أعلم. ¶ وفي خزانة الرباط (1013 جلاوي) مخطوطة من (الجمان في مختصر أخبار الزمان) منسوبة إليه، فراجعها . ¶ نقلا عن الأعلام للزركلي #META# bk: الموافقات. ط المعرفة - دراز #META# المؤلف: إبراهيم بن موسى الشاطبي اللخمي الغرناطي المالكي #META# max: 1509 #META# bkord: 8377 #META# الناشر: دار المعرفة - بيروت #META# ad: 790 #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-02 #META#Header#End# ### | CHECK [جزء 1] ### || AUTO الموافقات في أصول الشريعة PageV01P001 ~~بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # الحمد لله الذي أنقذنا بنور العلم من ظلمات الجهالة وهدانا بالاستبصار به ~~عن الوقوع في عماية الضلالة ونصب لنا من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ~~أعلى علم وأوضح دلالة وكان ذلك أفضل ما من به من النعم الجزيلة والمنح ~~الجليلة وأناله # فلقد كنا قبل شروق هذا النور نخبط خبط العشواء وتجرى عقولنا في اقتناص ~~مصالحنا على غير السواء لضعفها عن حمل هذه الأعباء ومشاركة عاجلات الأهواء ~~على ميدان النفس التي هي بين المنقلبين مدار الأسواء فنضع السموم على ~~الأدواء مواضع الدواء طالبين للشفاء كالقابض على الماء ولا زلنا نسبح ~~بينهما في بحر الوهم فنهيم ونسرح من جهلنا بالدليل في ليل بهيم ونستنتج ~~القياس العقيم ونطلب آثار الصحة من الجسم السقيم ونمشي إكبابا على الوجوه ~~ونظن أنا نمشي على الصراط المستقيم حتى ظهر محض الإجبار في عين الأقدار ~~وارتفعت حقيقة أيدي الأضطرار إلى الواحد القهار وتوجهت إليه أطماع أهل ~~الإفتقار لما صح من ألسنة الأحوال صدق الإقرار وثبت في مكتسبات الأفعال حكم ~~الأضطرار فتداركنا الرب الكريم بلطفه العظيم ومن علينا البر الرحيم بعطفه ~~العميم إذ لم نستطع من دونه حيلا ولم نهتد بأنفسنا سبلا بأن جعل العذر ~~مقبولا والعفو عن الزلات قبل بعث الرسالات PageV01P019 ~~مأمولا فقال سبحانه وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فبعث الأنبياء عليهم ~~السلام في الأمم كل بلسان قومه من عرب أو عجم ليبينوا لهم طريق الحق من أمم ~~ويأخذوا بحجزهم عن موارد جهنم وخصنا معشر الآخرين السابقين بلبنة تمامهم ~~ومسك ختامهم محمد بن عبد الله الذي هو النعمة المسداة والرحمة المهداة ~~والحكمة البالغة الأمية والنخبة الطاهرة الهاشمية أرسله إلينا شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وأنزل عليه كتابه العربي المبين ~~الفارق بين الشك واليقين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ~~ووضع بيانه الشافي وإيضاحه الكافي في كفه وطيبه بطيب ms001 ثنائه وعرفه بعرفه إذ ~~جعل أخلاقه وشمائله جملة نعته وكلى وصفه فصار عليه السلام مبينا بقوله ~~وإقراره وفعله وكفه فوضح النهار لذى عينين وتبين الرشد من الغي شمسا من غير ~~سحاب ولا غين # فنحمده سبحانه والحمد نعمة منه مستفادة ونشكر له والشكر أول الزيادة ~~ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين خالق الخلق ~~أجمعين وباسط الرزق للمطيعين والعاصين بسطا يقتضيه العدل والإحسان والفضل ~~والإمتنان جاريا على حكم الضمان قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو ~~القوة المتين وقال تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن ~~نرزقك والعاقبة للتقوى كل ذلك ليتفرغوا لإداء الأمانة التي عرضت عليهم عرضا ~~فلما تحملوها على حكم الجزاء حملوها فرضا ويا ليتهم اقتصروا على الإشفاق ~~والإباية وتأملوا في البداية خطر النهاية لكنهم لم يخطر لهم خطرها على بال ~~كما خطر للسماوات والأرض والجبال فلذلك سمي الإنسان ظلوما جهولا وكان أمر ~~الله مفعولا دل على هذه الجملة المستبانة شاهد قوله وانا عرضنا الأمانة ~~فسبحان من أجرى الأمور بحكمته PageV01P020 ~~وتقديره عل وفق علمه وقضائه ومقاديره لتقوم الحجة على العباد فيما يعملون ~~لا يسأل عما يفعل وهم يسألون # ونشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله الصادق الأمين المبعوث رحمة ~~للعالمين بملة حنيفية وشرعة بالمكلفين بها حفية ينطق بلسان التيسير بيانها ~~ويعرف أن الرفق خاصيتها والسماح شأنها فهي تحمل الجماء الغفير ضعيفا وقويا ~~وتهدي الكافة فهيما وغبيا وتدعوهم بنداء مشترك دانيا وقصيا وترفق بجميع ~~المكلفين مطيعا وعصيا وتقودهم بخزائمهم منقادا وأبيا وتسوي بينهم بحكم ~~العدل شريفا ودنيا وتبوىء حاملها في الدنيا والآخرة مكانا عليا وتدرج ~~النبوءة بين جنبيه وإن لم يكن نبيا وتلبس المتصف بها ملبسا سنيا حتى يكون ~~لله وليا فما أغنى من والاها وإن كان فقيرا وما أفقر من عادها وإن كان غنيا # فلم يزل عليه السلام يدعو بها وإليها ويبث للثقلين ما ms002 لديها ويناضل ~~ببراهينها عليها ويحمي بقواطعها جانبيها بالغ الغاية في البيان يقول بلسان ~~حاله ومقاله # أنا النذير العريان صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين عرفوا ~~مقاصد الشريعة فحصلوها وأسسوا قواعدها وأصلوها وجالت أفكارهم في آياتها # وأعملوا الجد في تحقيق مباديها وغاياتها وعنوا بعد ذلك باطراح الآمال ~~وشفعوا العلم بإصلاح الأعمال وسابقوا إلى الخيرات فسبقوا وسارعوا إلى ~~الصالحات فما لحقوا إلى أن طلع في آفاق بصائرهم شمس الفرقان وأشرق في ~~قلوبهم نور الإيقان فظهرت ينابيع الحكم منها على اللسان فهم أهل الإسلام ~~والإيمان والإحسان وكيف لا وقد كانوا أول من قرع ذلك الباب فصاروا خاصة ~~الخاصة ولباب اللباب ونجوما يهتدى بأنوارهم أولو الألباب رضي الله PageV01P021 ~~عنهم وعن الذين خلفوهم قدوة للمقتدين وأسوة للمهتدين والتابعين لهم بإحسان ~~إلى يوم الدين # أما بعد أيها الباحث عن حقائق أعلى العلوم الطالب لأسنى نتائج الحلوم ~~المتعطش إلى أحلى موارد الفهوم الحائم حول حمى ظاهر المرسوم طمعا في إدراك ~~باطنه المرقوم معاني مرتوقة في فتق تلك الرسوم فإنه قد آن لك أن تصغى إلى ~~من وافق هواك هواه وأن تطارح الشجى من ملكه مثلك شجاه وتعود إذ شاركته في ~~جواه محل نجواه حتى يبث إليك شكواه لتجري معه في هذا الطريق من حيث جرى ~~وتسري في غبشه الممتزج ضوؤه بالظلمة كما سرى وعند الصباح تحمد إن شاء الله ~~عاقبة السرى # فلقد قطع في طلب هذا المقصود مهامه فيحا وكابد من طوارق طريقه حسنا ~~وقبيحا ولاقى من وجوهه المعترضة جها وصبيحا وعاتى من راكبته المختلفة مانعا ~~ومبيحا فإن شئت ألفيته لتعب السير طليحا أو لما حالف من العاء طريحا أو ~~لمحاربة العوارض الصادة جريحا فلا عيش هنيئا ولا موت مريحا وجملة الأمر في ~~التحقيق أن أدهى ما يلقاه السالك للطريق فقد الدليل مع ذهن لعدم نور ~~الفرقان كليل وقلب بصدمات الأضغاث عليل فيمشي على غير سبيل وينتمي إلى غير قبيل # إلى أن من الرب الكريم البر الرحيم الهادي من يشاء إلى صراط مستقيم فبعثت ~~له ms003 أرواح تلك الجسوم وظهرت حقائق تلك الرسوم وبدت مسميات تلك الوسوم فلاح ~~في أكنافها الحق واستبان وتجلى من تحت سحابها شمس الفرقان وبان وقويت النفس ~~الضعيفة وشجع القلب الجبان وجاء الحق فوصل أسبابه وزهق الباطل فبان فأورد ~~من أحاديثه الصحاح الحسان وفوائده الغريبة البرهان وبدائعه الباهرة للأذهان ~~ما يعجز عن تفصيل بعض أسراره PageV01P022 ~~العقل ويقصر عن بث معشارة اللسان ايرادا يميز المشهور من الشاذ ويحقق ~~مراتب العوام والخواص والجماهير والأفذاذ ويوفي حق المقلد والمجتهد والسالك ~~والمربي والتلميذ والأستاذ على مقاديرهم في الغباوة والذكاء والتواني ~~والإجتهاد والقصور والنفاذ وينزل كلا منهم منزلته حيث حل ويبصره في مقامه ~~الخاص به بما دق وجل ويحمله فيه على الوسط الذي هو مجال العدل والإعتدال ~~ويأخذ بالمختلفين على طريق مستقيم بين الإستصعاد والإستنزال ليخرجوا من ~~انحرافي التشدد والإنحلال وطرفي التناقض والمحال فله الحمد كما يجب لجلاله ~~وله الشكر على جميل إنعامه وجزيل إفضاله # ولما بدأ من مكنون السر ما بدا ووفق الله الكريم لما شاء منه وهدى لم ازل ~~اقيد من اوابده واضم من شوارده تفاصيل وجملا واسواق من شواهده في مصادر ~~الحكم وموارده مبينا لا مجملا معتمدا على الاستقراآت الكلية غير مقتصر على ~~الافراد الجزئية ومبينا اصولها النقلية بأطراف من القضايا العقلية حسبما ~~اعطته الاستطاعة والمنة ! في بيان مقاصد الكتاب والسنة ثم استخرت الله ~~تعالى في نظم تلك الفرائد وجمع تلك الفوائد الى تراجم تردها الى اصوالها ~~وتكون عونا على تعقلها وتحصيلها فانضمت الى تراجم الاصول الفقهية وانتظمت ~~في اسلاكها السنية البهية فصار كتابا منحصرا في خمسة اقسام # الاول في المقدمات العلمية المحتاج اليها في تمهيد المقصود والثاني في ~~الأحكام وما يتعلق بها من حيث تصورها والحكم بها أو عليها كانت من خطاب ~~الوضع أو من خطاب التكليف والثالث في المقاصد الشرعية في الشريعة وما يتعلق ~~بها من الأحكام والرابع في حصر الأدلة الشرعية وبيان ما ينضاف إلى ذلك فيها ~~على الجملة وعلى التفصيل وذكر مآخذها وعلى أي PageV01P023 ~~وجه يحكم بها على أفعال المكلفين ms004 والخامس في أحكام الإجتهاد والتقليد ~~والمتصفين بكل واحد منهما وما يتعلق بذلك من التعارض والترجيح والسؤال ~~والجواب وفي كل قسم من هذه الأقسام مسائل وتمهيدات وأطراف وتفصيلات يتقرر ~~بها الغرض المطلوب ويقرب بسببها تحصيله للقلوب ### || AUTO ولأجل ما أودع فيه من الأسرار التكليفية المتعلقة بهذه ~~الشريعة الحنيفية سميته - بعنوان التعريف بأسرار التكليف ثم انتقلت عن هذه ~~السيماء لسند غريب يقضي العجب منه الفطن الأريب وحاصله أني لقيت يوما بعض ~~الشيوخ الذين أحللتهم مني محل الإفادة وجعلت مجالسهم العلمية محطا للرحل ~~ومناخا للوفادة وقد شرعت في ترتيب الكتاب وتصنيفه ونابذت الشواغل دون ~~تهذيبه وتأليفه فقال لي رأيتك البارحة في النوم وفي يدك كتاب ألفته فسألتك ~~عنه فأخبرتني أنه - كتاب الموافقات قال فكنت أسألك عن معنى هذه التسمية ~~الظريفة فتخبرني أنك وفقت به بين مذهبي ابن القاسم وأبي حنيفة فقلت له لقد ~~أصبتم الغرض بسهم من الرؤيا الصالحة مصيب وأخذتم من المبشرات النبوية بجزء ~~صالح ونصيب فإني شرعت في تأليف هذه المعاني عازما على تأسيس تلك المباني ~~فإنها الأصول المعتبرة عند العلماء والقواعد المبني عليها عند القدماء فعجب ~~الشيخ من غرابة هذا الإتفاق كما عجبت أنا من ركوب هذه المفازة وصحبة هذه ~~الرفاق ليكون أيها الخل الصفي والصديق الوفي هذا الكتاب عونا لك في سلوك ~~الطريق وشارحا لمعاني الوفاق والتوفيق لا ليكون عمدتك في كل تحقق وتحقيق ~~ومرجعك في جميع ما يعن لك من تصور وتصديق إذ قد صار علما من جملة العلوم ~~ورسما كسائر الرسوم وموردا لاختلاف العقول وتعارض الفهوم لا جرم أنه قرب ~~عليك في المسير وأعلمك كيف ترقى في علوم الشريعة وإلى أين تسير ووقف بك من ~~الطريق السابلة على PageV01P024 ~~الظهر وخطب لك عرائس الحكمة ثم وهب لك المهر # فقدم قدم عزمك فإذا أنت بحول الله قد وصلت وأقبل على ما قبلك منه فها أنت ~~إن شاء الله قد فزت بما حصلت وإياك وإقدام الجبان والوقوف مع الطرق الحسان ~~والإخلاد إلى مجرد التصميم من غير بيان وفارق وهد التقليد ms005 راقيا إلى يفاع ~~الإستبصار وتمسك من هديك بهمة تتمكن بها من المدافعة والإستنصار إذا تطلعت ~~الأسئلة الضعيفة والشبه القصار وألبس التقوى شعارا والإتصاف بالإنصاف دثارا ~~واجعل طلب الحق لك نحلة والإعتراف به لأهله ملة لا تملك قلبك عوارض الأغراض ~~ولا تغر جوهرة قصدك طوارق الإعراض وقف وقفة المتخيرين لا وقفة المتحيرين ~~إلا إذا اشتبهت المطالب ولم يلح وجه المطلوب للطالب فلا عليك من الإحجام ~~وإن لج الخصوم فالواقع في حمى المشتبهات هو المخصوم والواقف دونها هو ~~الراسخ المعصوم وإنما العار والشنار على من اقتحم المناهي فأوردته النار لا ~~ترد مشرع العصبية ولا تأنف من الإذعان إذا لاح وجه القضية أنفة ذوي النفوس ~~العصية فذلك مرعى لسوامها وبيل وصدود عن سواء السبيل # فإن عارضك دون هذا الكتاب عارض الإنكار وعمي عنك وجه الإختراع فيه ~~والإبتكار وغر الظان أنه شىء ما سمع بمثله ولا ألف في العلوم الشرعية ~~الأصلية أو الفرعية ما نسج على منواله أو شكل بشكله وحسبك من شر سماعه ومن ~~كل بدع في الشريعة ابتداعه فلا تلتفت إلى الأشكال دون إختبار ولا ترم بمظنة ~~الفائدة على غير اعتبار فإنه بحمد الله أمر قررته الآيات والأخبار وشد ~~معاقده السلف الأخيار ورسم معالمه العلماء الأحبار وشيد أركانه أنظار ~~النظار وإذا وضح السبيل لم يجب الإنكار ووجب قبول ما حواه والإعتبار بصحة ~~ما أبداه والإقرار حاشا ما يطرأ على البشر من الخطأ والزلل PageV01P025 ~~ويطرق صحة أفكارهم من العلل فالسعيد من عدت سقطاته والعالم من قلت غلطاته # وعند ذلك فحق على الناظر المتأمل إذا وجد فيه نقصا أن يكمل وليحسن الظن ~~بمن حالف الليالي والأيام واستبدل التعب بالراحة والسهر بالمنام حتى أهدى ~~إليه نتيجة عمره ووهب له يتيمة دهره فقد ألقى إليه مقاليد ما لديه وطوقه ~~طوق الأمانة التي في يديه وخرج عن عهدة البيان فيما وجب عليه وإنما الأعمال ~~بالنيات وإنما لكل إمرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى ~~الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو ms006 إلى امرأة ينكحها فهجرته ~~إلى ما هاجر إليه # جعلنا الله من العاملين بما علمنا وأعاننا على تفهيم ما فهمنا ووهب لنا ~~علما نافعا يبلعنا رضاه وعملا زاكيا يكون عدة لنا يوم نلقاه إنه على كل شيء ~~قدير وبالإجابة جدير وها أنا أشرع في بيان الغرض المقصود وآخذ في انجاز ذلك ~~الموعود والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم PageV01P026 ### || AUTO مقدمات المؤلف PageV01P027 ### || AUTO تمهيد المقدمات المحتاج إليها قبل النظر في مسائل الكتاب وهي ~~بضع عشر مقدمة ### || AUTO المقدمه الأولى # إن أصول الفقه في الدين قطعية لاظنية والدليل على ذلك أنها راجعة إلى ~~كليات الشريعة وما كان كذلك فهو قطعي # بيان الأول ظاهر بالإستقراء المفيد للقطع وبيان الثاني من أوجه # أحدها أنها ترجع إما إلى أصول عقلية وهى قطعية وأما إلى PageV01P029 ~~الإستقراء الكلي من أدلة الشريعة وذلك قطعي أيضا ولا ثالث لهذين إلا ~~المجموع منهما والؤلف من القطعيات قطعي وذلك أصول الفقه # والثاني أنها لو كانت ظنية لم تكن راجعة إلى أمر عقلي إذ الظن لا يقبل في ~~العقليات ولا إلى كلي شرعي لأن الظن إنما يتعلق بالجزئيات إذ لو جاز تعلق ~~الظن بكليات الشريعة لجاز تعلقه بأصل الشريعة لأنه الكلي الأول وذلك غير ~~جائز عادة وأعني بالكليات هنا الضروريات والحاجيات والتحسينيات وأيضا لو ~~جاز تعلق الظن بأصل الشريعة لجاز تعلق الشك بها وهي لا شك فيها ولجاز ~~تغييرها وتبديلها وذلك خلاف ما ضمن الله عز وجل من حفظها PageV01P030 ~~والثالث أنه لو جاز جعل الظني أصلا في أصول الفقه لجاز جعله أصلا في أصول ~~الدين وليس كذلك باتفاق فكذلك هنا لأن نسبة أصول الفقه من أصل الشريعة ~~كنسبة أصول الدين وإن تفاوتت في المرتبة فقد استوت في أنها كليات معتبرة في ~~كل ملة وهي داخلة في حفظ الدين من الضروريات # وقد قال بعضهم لا سبيل إلى إثبات أصول الشريعة بالظن لأنه تشريع ولم ~~نتعبد بالظن إلا في الفروع ولذلك لم يعد القاضي ابن الطيب من الأصول تفاصيل ~~العلل كالقول ms007 في عكس العلة ومعارضتها والترجيح بينها وبين غيرها وتفاصيل ~~أحكام الأخبار كإعداد الرواة والإرسال فإنه ليس بقطعي واعتذر ابن الجويني ~~عن إدخاله في الأصول بأن التفاصيل المبنية على الأصول المقطوع بها داخلة ~~بالمعنى فيما دل عليه الدليل القطعي # قال المازري وعندي أنه لا وجه للتحاشي عن عد هذا الفن من الأصول وأن كان ~~ظنيا على طريقة القاضي في أن الأصول هي أصول العلم لأن تلك الظنيات قوانين ~~كليات وضعت لا لأنفا لكن ليعرض عليها أمر غير معين مما لا ينحصر قال فهي في ~~هذا كالعموم والخصوص قال ويحسن من أبي المعالي أن لا يعدها من الأصول لأن ~~الأصول عنده هي الأدلة والأدلة عنده PageV01P031 ~~ما يفضي إلى القطع وأما القاضي فلا يحسن به إخراجها من الأصول على أصله ~~الذي حكيناه عنه هذا ما قال # والجواب أن الأصل على كل تقدير لا بد أن يكون مقطوعا به لأنه إن كان ~~مظنونا تطرق إليه احتمال الإخلاف ومثل هذا لا يجعل أصلا في الدين عملا ~~بالإستقراء والقوانين الكلية لا فرق بينها وبين الأصول الكلية التي نص ~~عليها ولأن الحفظ المضمون في قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون إنما المراد به حفظ أصوله الكلية المنصوصة وهو المراد بقوله تعالى ~~اليوم أكملت لكم دينكم أيضا لا أن المراد المسائل الجزئية إذ لو كان كذلك ~~لم يتخلف عن الحفظ جزئي من جزئيات الشريعة وليس كذلك لأنا نقطع بالجواز ~~ويؤيده الوقوع لتفاوت الظنون وتطرق الإحتمالات في النصوص الجزئية ووقوع ~~الخطأ فيها قطعا فقد وجد الخطأ في أخبار الآحاد PageV01P032 ~~وفي معاني الآيات فدل على أن المراد بالذكر المحفوظ ما كان منه كليا وإذ ~~ذاك يلزم أن يكون كل أصل قطعيا هذا على مذهب أبي المعالي وأما على مذهب ~~القاضي فإن إعمال الأدلة القطعية أو الظنية إذا كان متوقفا على تلك ~~القوانين التي هي أصول الفقه فلا يمكن الإستدلال بها إلا بعد عرضها عليها ~~واختبارها بها ولزم أن تكوم مثلها بل أقوى منها لأنك أقمتها مقام الحاكم ms008 ~~على الأدلة بحيث تطرح الأدلة إذا لم تجر على مقتضى تلك القوانين فكيف يصح ~~أن تجعل الظنيات قوانين لغيرها # ولا حجة في كونها غير مرادة لأنفسها حتى يستهان بطلب القطع فيها فإنها ~~حاكمة على غيرها فلا بد من الثقة بها في رتبتها وحينئذ يصلح أن تجعل قوانين ~~وأيضا لو صح كونها ظنية لزم منه جميع ما تقدم في أول المسألة وذلك غير صحيح ~~ولو سلم ذلك كله فالإصطلاح اطرد على أن المظنونات لا تجعل PageV01P033 ~~أصولا وهذا كاف في اطراح الظنيات من الأصول بإطلاق فما جرى فيها مما ليس ~~بقطعي فمبني على القطعي تفريعا عليه بالتبع لا بالقصد الأول ### || AUTO المقدمة الثانية # إن المقدمات المستعملة في هذا العلم والأدلة المعتمدة فيه لا تكون إلا ~~قطعية لأنها لو كانت ظنية لم تفد القطع في المطالب المختصة به وهذا بين وهي ~~إما عقلية كالراجعة إلى أحكام العقل الثلاثة الوجوب والجواز والإستحالة ~~وإما عادية وهي تتصرف ذلك التصرف أيضا إذ من العادي ما هو واجب في العادة ~~أو جائز أو مستحيل وإما سمعية وأجلها المستفاد من الأخبار المتواترة في ~~اللفظ بشرط أن تكون قطعية الدلالة أو من الأخبار المتواترة في المعنى أو ~~المستفاد من الإستقراء في موارد الشريعة فإذا الأحكام المتصرفة في هذا ~~العلم لا تعدو الثلاثة الوجوب والجواز والإستحالة ويلحق بها الوقوع أو عدم ~~الوقوع فأما كون الشيء حجة أو ليس بحجة فراجع إلى وقوعه كذلك أو عدم وقوعه ~~كذلك وكونه صحيحا أو غير صحيح راجع إلى الثلاثة الأول وأما كونه PageV01P034 ~~فرضا أو مندوبا أو مباحا أو مكروها أو حراما فلا مدخل له في مسائل الأصول ~~من حيث هي أصول فمن أدخلها فيها فمن باب خلط بعض العلوم ببعض ### || AUTO المقدمة الثالثة # الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم فإنما تستعمل مركبة على الأدلة ~~السمعية أو معينة في طريقها أو محققة لمناطها أو ما أشبه ذلك لا مستقلة ~~بالدلالة لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي والعقل ليس بشارع وهذا مبين في ~~علم ms009 الكلام فإذا كان كذلك فالمعتمد بالقصد الأول الأدلة الشرعية ووجود ~~القطع فيها على الإستعمال المشهور معدوم أو في غاية الندور أعني في آحاد ~~الأدلة فإنها إن كانت من أخبار الآحاد فعدم إفادتها القطع ظاهر وإن كانت ~~متواترة فإفادتها القطع موقوفة على مقدمات جميعها أو غالبها ظني والموقوف ~~على الظني لا بد أن يكون ظنيا فإنها تتوقف على نقل اللغات وآراء النحو وعدم PageV01P035 ~~الإشتراك وعدم المجاز والنقل الشرعي أو العادي والإضمار والتخصيص للعموم ~~والتقييد للمطلق وعدم الناسخ والتقديم والتأخير والمعارض العقلي # وإفادة القطع مع إعتبار هذه الأمور متعذر وقد اعتصم من قال بوجودها بإنها ~~ظنية في أنفسها لكن إذا اقترنت بها قرائن مشاهدة أو منقولة فقد تفيد اليقين # وهذا كله نادر أو متعذر # وإنما الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى ~~واحد حتى أفادت فيه القطع فإن للإجتماع من القوة ما ليس للإفتراق ولأجله ~~أفاد التواتر القطع وهذا نوع منه فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموع ~~يفيد العلم فهو الدليل المطلوب وهو شبيه بالتواتر المعنوي بل هو كالعلم ~~بشجاعة علي رضي الله عنه وجود حاتم المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة ~~عنهما ومن هذا الطريق ثبت وجوب القواعد الخمس كالصلاة والزكاة وغيرهما قطعا ~~وإلا فلو استدل مستدل على وجوب الصلاة بقوله تعالى أقيموا الصلاة أو ما ~~أشبه ذلك لكان في الإستدلال بمجرده نظر من أوجه لكن حف بذلك من الأدلة ~~الخارجية والأحكام المترتبة ماصار به فرض الصلاة ضروريا في الدين لا يشك ~~فيه إلا شاك في أصل الدين PageV01P036 ~~ومن ههنا اعتمد الناس في الدلالة على وجوب مثل هذا على دلالةالإجماع لأنه ~~قطعي وقاطع لهذه الشواغب وإذا تأملت أدلة كون الإجماع حجة أو خبر الواحد أو ~~القياس حجة فهو راجع إلى هذا المساق لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوت ~~الحصر وهي مع ذلك مختلفة المساق لا ترجع إلى باب واحد إلا أنها تنتظم ~~المعنى الواحد الذي هو المقصود بالإستدلال عليه وإذا تكاثرت على الناظر ~~الأدلة عضد بعضها ms010 بعضا فصارت بمجموعها مفيدة للقطع فكذلك الأمر في مآخذ ~~الأدلة في هذا الكتاب وهي مآخذ الأصول إلا أن المتقدمين من الأصوليين ربما ~~تركوا ذكر هذا المعنى والتنبيه عليه فحصل إغفاله من بعض المتأخرين فاستشكل ~~الإستدلال بالآيات على حدتها وبالأحاديث على انفرادها إذ لم يأخذها مأخذ ~~الإجتماع فكر عليها بالإعتراض نصا نصا واستضعف الإستدلال بها على قواعد ~~الأصول المراد منها القطع وهي إذا أخذت على هذا السبيل غير مشكلة ولو أخذت ~~أدلة الشريعة على الكليات PageV01P037 ~~والجزئيات مأخذ هذا المعترض لم يحصل لنا قطع بحكم شرعي ألبتة إلا أن نشرك ~~العقل والعقل إنما ينظر من وراء الشرع فلا بد من هذا الإنتظام في تحقيق ~~الأدلة الأصولية # فقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على ~~الضروريات الخمس وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل وعلمها عند الأمة ~~كالضروري ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها ~~إليه بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد ولو ~~استندت إلى شيء معين لوجب عادة تعيينه وأن يرجع أهل الإجماع إليه وليس كذلك ~~لأن كل واحد منها بانفراده ظني ولأنه كما لا يتعين في التواتر المعنوي أو ~~غيره أن يكون المفيد للعلم خبر واحد دون سائر الأخبار كذلك لا يتعين هنا ~~لإستواء جميع الأدلة في إفادة الظن على فرض الإنفراد وإن كان الظن يختلف ~~بإختلاف أحوال الناقلين وأحوال دلالات المنقولات وأحوال الناظرين في قوة ~~الإدراك وضعفه وكثرة البحث وقلته إلى غير ذلك # فنحن إذا نظرنا في الصلاة فجاء فيها أقيموا الصلاة على وجوه وجاء مدح ~~المتصفين بإقامتها وذم التاركين لها وإجبار المكلفين على فعلها وإقامتها ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم وقتال من تركها أو عاند في تركها إلى غير ذلك مما PageV01P038 ~~في هذا المعنى وكذلك النفس نهي عن قتلها وجعل قتلها موجبا للقصاص متوعدا ~~عليه ومن كبائر الذنوب المقرونة بالشرك كما كانت الصلاة مقرونة بالإيمان ~~ووجب سد رمق المضطر ووجبت الزكاة والمواساة والقيام على من لا ms011 يقدر على ~~إصلاح نفسه وأقيمت الحكام والقضاة والملوك لذلك ورتبت الأجناد لقتال من رام ~~قتل النفس ووجب على الخائف من الموت سد رمقه بكل حلال وحرام من الميتة ~~والدم ولحم الخنزير إلى سائر ما ينضاف لهذا علمنا يقينا وجوب الصلاة وتحريم ~~القتل وهكذا سائر الأدلة في قواعد الشريعة # وبهذا امتازت الأصول من الفروع إذ كانت الفروع مستندة إلى آحاد الأدلة ~~وإلى مآخذ معينة فبقيت على أصلها من الإستناد إلى الظن بخلاف الأصول فإنها ~~مأخوذة من استقراء مقتضيات الأدلة بإطلاق لا من آحادها على الخصوص ### || AUTO فصل # وينبني على هذه المقدمة معنى آخر وهو أن كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين ~~وكان ملائما لتصرفات الشرع ومأخوذا معناه من أدلته فهو صحيح يبنى عليه ~~ويرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعا به لأن الأدلة لا ~~يلزم أن تدل على القطع بالحكم بإنفرادها دون انضمام غيرها إليها كما تقدم ~~لأن ذلك كالمتعذر ويدخل تحت هذا ضرب الإستدلال المرسل الذي أعتمده مالك ~~والشافعي فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل PageV01P039 ~~معين فقد شهد له أصل كلي والأصل الكلي إذا كان قطعيا قد يساوي الأصل ~~المعين وقد يربى عليه بحسب قوة الأصل المعين وضعفه كما أنه قد يكون مرجوحا ~~في بعض المسائل حكم سائر الأصول المعينة المتعارضة في باب الترجيح وكذلك ~~أصل الإستحسان على رأي مالك ينبني على هذا الأصل لأن معناه يرجع إلى تقديم ~~الإستدلال المرسل على القياس كما هو مذكور في موضعه # فإن قيل الإستدلال بالأصل الأعم على الفرع الأخص غير صحيح لأن PageV01P040 ~~الأصل الأعم كلى وهذه القضية المفروضة جزئية خاصة والأعم لا إشعار له ~~بالأخص فالشرع وإن اعتبر كلى المصلحة من أين يعلم اعتباره لهذه المصلحة ~~الجزئية المتنازع فيها فالجواب أن الأصل الكلى إذا انتظم فى الاستقراء يكون ~~كليا جاريا مجرى العموم فى الأفراد أما كونه كليا فلما يأتى في موضعه إن ~~شاء الله وأما كونه يجرى مجرى العموم فى الأفراد فلأنه فى قوة اقتضاء وقوعه ~~فى ms012 جميع الأفراد ومن هنالك استنبط لأنه انما استنبط من أدلة الأمر والنهى ~~الواقعين على جميع المكلفين فهو كلى في تعلقه فيكون عاما فى الأمر به ~~والنهى للجميع # لا يقال يلزم على هذا اعتبار كل مصلحة موافقة لمقصد الشارع أو مخالفة وهو ~~باطل لأنا نقول لا بد من اعتبار الموافقة لقصد الشارع لأن المصالح إنما ~~اعتبرت مصالح من حيث وضعها الشارع كذلك حسبما هو مذكور فى موضعه من هذا الكتاب # فصل # وقد أدى عدم الالتفات إلى هذا الأصل وما قبله إلى أن ذهب بعض الأصوليين ~~إلى أن كون الاجماع حجة ظنى لا قطعى إذ لم يجد في آحاد الأدلة بانفردها ما ~~يفيده القطع فأداه ذلك إلى مخالفة من قبله من الأمة ومن بعده ومال أيضا ~~بقوم آخرين إلى ترك الاستدلال بالأدلة اللفظية فى الأخذ PageV01P041 ~~بأمور عادية أو الاستدلال بالإجماع على الإجماع وكذلك مسائل أخر غير ~~الإجماع عرض فيها أنها ظنية وهى قطعية بحسب هذا الترتيب من الاستدلال وهو ~~واضح إن شاء الله تعالى ### || AUTO المقدمة الرابعة # كل مسألة مرسومة فى أصول الفقه لا ينبنى عليها فروع فقهية أو آداب شرعية ~~أو لا تكون عونا فى ذلك فوضعها فى أصول الفقه عارية والذي يوضح ذلك أن هذا ~~العلم لم يختص بإضافتة إلى الفقه إلا لكونه مفيدا له ومحققا للاجتهاد فيه ~~فإذا لم يفد ذلك فليس بأصل له ولا يلزم على هذا أن يكون كل ما انبنى عليه ~~فرع فقهي من جملة أصول الفقه وإلا أدى ذلك إلى أن يكون سائر العلوم من أصول ~~الفقه كعلم النحو واللغة والاشتقاق والتصريف والمعانى والبيان والعدد ~~والمساحة والحديث وغير ذلك من العلوم التى PageV01P042 ~~يتوقف عليها تحقيق الفقه وينبنى عليها من مسائله وليس كذلك فليس كل ما ~~يفتقر إليه الفقه يعد من أصوله وإنما اللازم أن كل أصل يضاف إلى الفقه لا ~~ينبنى عليه فقه فليس بأصل له # وعلى هذا يخرج عن أصول الفقه كثير من المسائل التى تكلم عليها المتأخرون ~~وأدخلوها فيها كمسألة ابتداء الوضع ومسألة ms013 الإباحة هل هى تكليف أم لا ~~ومسألة أمر المعدوم ومسألة هل كان النبي صلى الله عليه وسلم متعبدا بشرع أم ~~لا ومسألة لا تكليف إلا بفعل كما أنه لا ينبغى أن يعد منها ماليس منها ثم ~~البحث فيه في عمله وأن انبنى عليه الفقه كفصول كثيرة من النحو نحو معانى الحروف PageV01P043 ~~وتقاسيم الإسم والفعل والحرف والكلام على الحقيقة والمجاز وعلى المشترك ~~والمترادف والمشتق وشبه ذلك ### || AUTO غير أنه يتكلم من الأحكام العربية فى أصول الفقه على مسألة هى ~~عريقة فى الأصول وهى أن القرآن عربي والسنة عربية لا بمعنى أن القرآن يشتمل ~~على ألفاظ أعجمية فى الأصل أو لا يشتمل لأن هذا من علم النحو واللغة بل ~~بمعنى أنه في ألفاظه ومعانيه وأساليبه عربى بحيث إذا حقق هذا التحقيق سلك ~~به فى الاستنباط منه والاستدلال به مسلك كلام العرب في تقرير معانيها ~~ومنازعها فى أنواع مخاطباتها خاصة فإن كثيرا من الناس يأخذون أدلة القرآن ~~بحسب ما يعطيه العقل فيها لا بحسب ما يفهم من طريق الوضع وفى ذلك فساد كبير ~~وخروج عن مقصود الشارع وهذه مسألة مبينة في - كتاب المقاصد والحمد لله ### || AUTO فصل # وكل مسألة فى أصول الفقه ينبنى عليها فقه إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها ~~خلاف في فرع من فروع الفقه فوضع الأدلة على صحة بعض المذاهب أو إبطاله ~~عارية أيضا كالخلاف مع المعتزلة فى الواجب المخير والمحرم المخير فإن كل ~~فرقة موافقة PageV01P044 ~~للآخرى فى نفس العمل وإنما اختلفوا فى الإعتقاد بناء على أصل محرر فى علم ~~الكلام وفى أصول الفقه له تقريرا أيضا وهو هل الوجوب والتحريم أو غيرهما ~~راجعة إلى صفات الأعيان أو إلى خطاب الشارع وكمسألة تكليف الكفار بالفروع ~~عند الفخر الرازي وهو ظاهر فإنه لا ينبنى عليه عمل وما أشبه ذلك من المسائل ~~التى فرضوها مما لا ثمرة له فى الفقه # لا يقال إن ما يرجع الخلاف فيه إلى الاعتقاد ينبنى عليه حكم ذلك الاعتقاد ~~من وجوب أو تحريم وأيضا ينبنى عليه ms014 عصمة الدم والمال والحكم بالعدالة أو ~~غيرها من الكفر إلى مادونه وأشباه ذلك هو من علم الفروع لأنا نقول هذا جار ~~فى علم الكلام فى جميع مسائله فليكن من أصول الفقه وليس كذلك وإنما المقصود ~~ما تقدم PageV01P045 ### || AUTO المقدمة الخامسة # كل مسألة لا ينبنى عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه ~~دليل شرعى وأعنى بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعا # والدليل على ذلك استقراء الشريعة فإنا رأينا الشارع يعرض عما لا يفيد ~~عملا مكلفا به ففى القرآن الكريم يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس ~~والحج فوقع الجواب بما يتعلق به العمل إعراضا عما قصده السائل من السؤال عن ~~الهلال لم يبدو فى أول الشهر دقيقا كالخيط ثم يمتلىء حتى يصير بدرا ثم يعود ~~إلى حالته الأولى ثم قال وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها بناء على ~~تأويل من تأول أن الآية كلها نزلت فى هذا المعنى فكان من جملة الجواب أن ~~هذا السؤال فى التمثيل إتيان للبيوت من ظهورها والبر إنما هو التقوى لا ~~العلم بهذه الأمور التى لا تفيد نفعا فى التكليف ولا تجر إليه وقال تعالى ~~بعد سؤالهم عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها أى إن السؤال عن هذا ~~سؤال عما PageV01P046 ~~لا يعنى إذ يكفى من علمها أنه لا بد منها ولذلك لما سئل عليه الصلاة ~~والسلام عن الساعة قال للسائل # ما أعددت لها بإسناد البخاري ومسلم إعراضا عن صريح سؤاله إلى ما يتعلق ~~بها مما فيه فائدة ولم يجبه عما سأل وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ~~تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم نزلت فى رجل سأل من أبي روى أنه عليه ~~السلام قام يوما يعرف الغضب فى وجهه فقال لا تسألوني عن شىء إلا أنبأتكم ~~فقام رجل فقال يا رسول الله من أبي قال أبوك حذافة فنزلت وفى البابين ~~روايات أخر وقال ابن عباس فى سؤال بنى إسرائيل عن صفات البقرة لو ذبحوا ms015 ~~بقرة ما لأجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم # وهذا يبين أن سؤالهم لم يكن فيه فائدة وعلى هذا المعنى يجرى الكلام فى ~~الآية قبلها عند من روى أن الآية نزلت فيمن سأل احجنا هذا لعامنا أم للأبد ~~فقال عليه السلام # للأبد ولو قلت نعم لو جبت وهذه الجملة ملفقه من حديثين في قصتين مختلفتين PageV01P047 ~~وفى بعض رواياته # فذرونى ما تركتكم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبياءهم الحديث ~~وإنما سؤالهم هنا زيادة لا فائدة عمل فيها لأنهم لو سكتوا لم يقفوا عن عمل ~~فصار السؤال لا فائدة فيه ومن هنا نهى عليه السلام # عن قيل وقال وكثرة السؤال رواه البخاري صحيح لانه مظنة السؤال عما لا ~~يفيد وقد سأله جبريل عن الساعة فقال # ما المسئول عنها باعلم من السائل رواه البخاري صحيح فأخبره PageV01P048 ~~أن ليس عنده من ذلك علم وذلك يبين أن السؤال عنها لا يتعلق به تكليف ولما ~~كان ينبنى على ظهور أماراتها الحذر منها ومن الوقوع فى الأفعال التى هى من ~~أماراتها والرجوع إلى الله عندها أخبره بذلك ثم ختم عليه السلام ذلك الحديث ~~بتعريفه عمر أن جبريل أتاهم ليعلمهم دينهم فصح إذا أن من جملة دينهم فى فصل ~~السؤال عن الساعة أنه مما لا يجب العلم به أعنى علم زمان إتيانها فليتنبه ~~لهذا المعنى فى الحديث وفائدة سؤاله له عنها وقال # إن أعظم الناس جرما من سأل عن شىء لم يحرم فحرم من أجل مسألته الشيخين ~~صحيح وهو مما نحن فيه فإنه إذا لم يحرم فما فائدة السؤال عنه بالنسبة إلى ~~العمل وقرأ عمر بن الخطاب وفاكهة وأبا وقال هذه الفاكهة فما الأب ثم قال ~~نهينا عن التكلف وفى القرآن الكريم ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى ~~الآية وهذا بحسب الظاهر يفيد أنهم لم يجابوا وأن هذا مما لا يحتاج إليه فى ~~التكليف وروى أن أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا يا رسول ~~الله حدثنا فأنزل الله تعالى الله نزل أحسن ms016 الحديث كتابا متشابها الآية وهو ~~كالنص فى الرد عليهم فيما سألوا وأنه لا ينبغى السؤال إلا فيما يفيد فى ~~التعبد لله ثم ملوا ملة فقالوا حدثنا حديثا فوق الحديث ودون القرآن فنزلت ~~سورة يوسف انظر الحديث في فضائل القرآن لأبى عبيد وتأمل خبر عمر بن الخطاب ~~مع ضبيع فى سؤاله الناس عن أشياء من القرآن لا ينبنى عليها حكم تكليفى ~~وتأديب عمر له وقد سأل ابن الكواء علي بن أبى طالب عن الذاريات ذروا ~~فالحاملات وقرا الخ فقال له علي ويلك PageV01P049 ~~سل تفقها ولا تسأل تعنتا ثم أجابه فقال له ابن الكواء أفرأيت السواد الذي ~~فى القمر فقال أعمى سأل عن عمياء ثم أجابه ثم سأله عن أشياء وفى الحديث طول ~~وقد كان مالك بن أنس يكره الكلام فيما ليس تحته عمل ويحكى كراهيته عمن تقدم ~~وبيان عدم الاستحسان فيه من أوجه متعددة # منها أنه شغل عما يعنى من أمر التكليف الذي طوقه المكلف بما لا يعنى إذ ~~لا ينبنى على ذلك فائدة لا فى الدنيا ولا فى الآخرة أما فى الآخرة فإنه ~~يسأل عما أمر به أو نهى عنه وأما فى الدنيا فإن عمله بما علم من ذلك لا ~~يزيده فى تدبير رزقه ولا ينقصه وأما اللذة الحاصلة عنه فى الحال فلا تفى ~~مشقة اكتسابها وتعب طلبها بلذة حصولها وإن فرض أن فيه فائدة فى الدنيا فمن ~~شرط كونها فائدة شهادة الشرع لها بذلك وكم من لذة وفائدة يعدها الإنسان ~~كذلك وليست فى أحكام الشرع إلا على الضد كالزنى وشرب الخمر وسائر وجوه ~~الفسق والمعاصى التى يتعلق بها غرض عاجل فإذا قطع الزمان فيما لا يجنى ثمره ~~فى الدارين مع تعطيل ما يجنى الثمرة من فعل مالا ينبغى # ومنها أن الشرع قد جاء ببيان ما تصلح به أحوال العبد فى الدنيا والآخرة ~~على أتم الوجوه وأكملها فما خرج عن ذلك قد يظن أنه على خلاف ذلك وهو مشاهد ~~فى التجربة العادية فإن عامة المشتغلين بالعلوم التى لا تتعلق بها ms017 PageV01P050 ~~ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم ويثور ~~بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصب حتى تفرقوا شيعا ~~وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السنة ولم يكن أصل التفرق إلا بهذا السبب حيث ~~تركوا الاقتصار من العلم على ما يعنى وخرجوا إلى ما لا يعنى فذلك فتنة على ~~المتعلم والعالم وإعراض الشارع مع حصول السؤال عن الجواب من أوضح الأدلة ~~على أن اتباع مثله من العلم فتنة أو تعطيل للزمان فى غير تحصيل # ومنها أن تتبع النظر فى كل شىء وتطلب علمه من شأن الفلاسفة الذين يتبرأ ~~المسلمون منهم ولم يكونوا كذلك إلا بتعلقهم بما يخالف السنة فاتباعهم فى ~~نحلة هذا شأنها خطأ عظيم وانحراف عن الجادة ووجوه عدم الاستحسان كثيرة # فإن قيل العلم محبوب على الجملة ومطلوب على الإطلاق وقد جاء الطلب فيه ~~على صيغ العموم والإطلاق فتنتظم صيغه كل علم ومن جملة العلوم ما يتعلق به ~~عمل وما لا يتعلق به عمل فتخصيص أحد النوعين بالاستحسان دون الآخر تحكم ~~وأيضا فقد قال العلماء إن تعلم كل علم فرض كفاية كالسحر والطلسمات وغيرهما ~~من العلوم البعيدة الغرض عن العمل فما ظنك بما قرب منه كالحساب والهندسة ~~وشبه ذلك وأيضا فعلم التفسير من جملة العلوم المطلوبة وقد لا ينبنى عليه ~~عمل وتأمل حكاية الفخر الرازي أن بعض العلماء مر بيهودى وبين يديه مسلم ~~يقرأ عليه علم هيئة العالم فسأل اليهودي عما يقرأ عليه فقال له أنا أفسر له ~~آية من كتاب الله فسأله ما هى وهو متعجب فقال قوله PageV01P051 ~~تعالى أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ~~قال اليهودي فأنا أبين له كيفية بنائها وتزيينها فاستحسن ذلك العالم منه ~~هذا معنى الحكاية لا لفظها وأيضا فإن قوله تعالى أو لم ينظروا في ملكوت ~~السموات والأرض وما خلق الله من شىء يشمل كل علم ظهر في الوجود من معقول أو ~~منقول مكتسب أو موهوب وأشباهها من الآيات # ويزعم الفلاسفة أن حقيقة الفلسفة إنما ms018 هو النظر في الموجودات على الإطلاق ~~من حيث تدل على صانعها ومعلوم طلب النظر في الدلائل والمخلوقات فهذه وجوه ~~تدل على عموم الإستحسان في كل علم على الإطلاق والعموم ### || AUTO فالجواب عن الأول أن عموم الطلب مخصوص وإطلاقه مقيد بما تقدم ~~من الأدلة والذي يوضحه أمران أحدهما أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ~~لم يخوضوا في هذه الأشياء التي ليس تحتها عمل مع أنهم كانوا أعلم بمعنى ~~العلم المطلوب بل قد عد عمر ذلك في نحو وفاكهة وأبا من التكلف الذي نهى عنه ~~وتأديبه ضبيعا ظاهر فيما نحن فيه مع أنه لم ينكر عليه ولم يفعلوا ذلك إلا ~~لأن رسول الله صلى الله وسلم لم يخض في شىء من ذلك ولو كان لنقل لكنه لم ~~ينقل فدل على عدمه والثاني ما ثبت في - كتاب المقاصد أن هذه الشريعة أمية ~~لأمة أمية وقد قال عليه السلام # نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا وهكذا صحيحمسلم والنسائي ~~رواية الى نظائر ذلك والمسألة مبسوطة هنالك والحمد لله # وعن الثاني أنا لا نسلم ذلك على الإطلاق وإنما فرض الكفاية رد كل فاسد ~~وإبطاله علم ذلك الفاسد أو جهل إلا أنه لا بد من علم أنه فاسد # والشرع متكفل بذلك والبرهان على ذلك أن موسى عليه السلام لم يعلم علم ~~السحر الذي جاء به السحرة مع أنه بطل على يديه بأمر هو أقوى من السحر وهو ~~المعجزة ولذلك لما سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم خاف موسى ~~من ذلك ولو كان عالما به لم يخف كما لم يخف العالمون به وهم السحرة فقال ~~الله له لا تخف إنك أنت الأعلى PageV01P052 ~~ثم قال إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى وهذا تعريف بعد ~~التنكير # ولو كان عالما به لم يعرف به والذي كان يعرف من ذلك أنهم مبطلون في ~~دعواهم على الجملة وهكذا الحكم في كل مسألة من هذا الباب فإذا حصل الإبطال ~~والرد بأي وجه حصل ولو بخارقة على ms019 يد ولي لله أو بأمر خارج عن ذلك العلم ~~ناشىء عن فرقان التقوى فهو المراد فلم يتعين إذا طلب معرفة تلك العلوم من الشرع # وعن الثالث أن علم التفسير مطلوب فيما يتوقف عليه فهم المراد من الخطاب ~~فإذا كان المراد معلوما فالزيادة على ذلك تكلف ويتبين ذلك في مسألة عمر ~~وذلك أنه لما قرأ وفاكهة وأبا توقف في معنى الأب وهو معنى إفرادي لا يقدح ~~عدم العلم به في علم المعنى التركيبي في الآية إذ هو مفهوم من حيث أخبر ~~الله تعالى في شأن طعام الإنسان أنه أنزل من السماء ماء فأخرج به أصنافا ~~كثيرة مما هو من طعام الإنسان مباشرة كالحب والعنب والزيتون والنخل ومما هو ~~من طعامه بواسطة مما هو مرعى للأنعام على الجملة فبقي التفصيل فى كل فرد من ~~تلك الأفراد فضلا فلا على الإنسان أن لا يعرفه فمن هذا الوجه والله أعلم عد ~~البحث عن معنى الأب من التكلف وإلا فلو توقف عليه فهم المعنى التركيبى من ~~جهته لما كان من التكلف بل من المطلوب علمه لقوله ليدبروا أياته ولذلك سأل ~~الناس على المنبر PageV01P053 ~~عن معنى التخوف فى قوله تعالى أو يأخذهم على تخوف فأجابه الرجل الهذلي بأن ~~التخوف فى لغتهم التنقص وأنشده شاهدا عليه ... تخوف الرحل منها تامكا قردا ~~... كما تخوف عود النبعة السفن ... # فقال عمر يأيها الناس تمسكوا بديوان شعركم فى جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم ### || AUTO ولما كان السؤال فى محافل الناس عن معنى والمرسلات عرفا ~~والسابحات سبحا مما يشوش على العامة من غير بناء عمل عليه أدب عمر ضبيعا ~~بما هو مشهور فإذا تفسير قوله أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها الآية بعلم الهيئة الذي ليس تحته عمل غير سائغ ولأن ذلك من قبيل ~~مالا تعرفه العرب والقرآن إنما نزل بلسانها وعلى معهودها وهذا المعنى مشروح ~~في - كتاب المقاصد بحول الله # وكذلك القول فى كل علم يعزى إلى الشريعة لا يؤدى فائدة عمل ولا هومما ~~تعرفه العرب فقد تكلف أهل ms020 العلوم الطبيعية وغيرها الاحتجاج على صحة الأخذ ~~فى علومهم بآيات من القرآن وأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما استدل ~~أهل العدد بقوله تعالى فاسأل العادين وأهل الهندسة بقوله تعالى أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها الآية وأهل التعديل النجومى بقوله الشمس ~~والقمر بحسبان وأهل المنطق فى أن نقيض الكلية السالبة جزئية PageV01P054 ~~موجبة بقوله إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء قل من أنزل الكتاب ~~الآية وعلى بعض الضروب الحملية والشرطية بأشياء أخر وأهل خط الرمل بقوله ~~سبحانه أو أثارة من علم وقوله عليه السلام # كان نبي يخط فى الرمل رواه مسلم صحيح إلى غير ذلك مما هو مسطور في الكتب ~~وجميعه يقطع بأنه مقصود لما تقدم وبه تعلم الجواب عن السؤال الرابع وأن ~~قوله أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شىء لا يدخل ~~فيه من وجوه الاعتبار علوم الفلسفة التي لا عهد للعرب بها ولا يليق ~~بالأميين الذين بعث فيهم النبي PageV01P055 ~~الأمى صلى الله عليه وسلم بملة سهلة سمحة والفلسفة على فرض أنها جائزة ~~الطلب صعبة المأخذ وعرة المسلك بعيدة الملتمس لا يليق الخطاب بتعلمها كى ~~تتعرف آيات الله ودلائل توحيده للعرب الناشئين فى محض الأمية فكيف وهى ~~مذمومة على ألسنة أهل الشريعة منبه على ذمها بما تقدم فى أول المسألة # فإذا ثبت هذا فالصواب أن مالا ينبنى عليه عمل غير مطلوب في الشرع فإن كان ~~ثم ما يتوقف عليه المطلوب كألفاظ اللغة وعلم النحو والتفسير وأشباه ذلك فلا ~~إشكال أن ما يتوقف عليه المطلوب مطلوب إما شرعا وإما عقلا حسبما تبين فى ~~موضعه لكن هنا معنى آخر لا بد من الالتفاف إليه وهو ### || AUTO المقدمة السادسة # وذلك أن ما يتوقف عليه معرفة المطلوب قد يكون له طريق تقريبى يليق ~~بالجمهور وقد يكون له طريق لا يليق بالجمهور وإن فرض تحقيقا # فأما الأول فهو المطلوب المنبه عليه كما إذا طلب معنى الملك فقيل إنه خلق ~~من خلق الله يتصرف فى ms021 أمره أو معنى الإنسان فقيل إنه هذا الذى أنت من جنسه ~~أو معنى التخوف فقيل هو التنقص أو معنى الكوكب فقيل هذا الذى نشاهده بالليل ~~ونحو ذلك فيحصل فهم الخطاب مع هذا الفهم التقريبى حتى يمكن الامتثال # وعلى هذا وقع البيان فى الشريعة كما قال عليه السلام # الكبر بطر PageV01P056 ### || AUTO الحق وغمط الناس رواه مسلم والترمذي ففسره بلازمه الظاهر لكل ~~أحد وكما تفسر ألفاظ القرآن والحديث بمرادفاتها لغة من حيث كانت أظهر فى ~~الفهم منها وقد بين عليه السلام الصلاة والحج بفعله وقوله على ما يليق ~~بالجمهور وكذلك سائر الأمور وهو عادة العرب والشريعة عربية ولأن الأمة أمية ~~فلا يليق بها من البيان إلا الأمي وقد تبين هذا فى - كتاب المقاصد مشروحا ~~والحمد لله فإذا التصورات المستعملة فى الشرع إنما هى تقريبات بالألفاظ ~~المترادفة وما قام مقامها من البيانات القريبة # وأما الثاني وهو ما لا يليق بالجمهور فعدم مناسبته للجمهور أخرجه عن ~~اعتبار الشرع له لأن مسالكه صعبة المرام وما جعل عليكم فى الدين من حرج كما ~~إذا طلب معنى الملك فأحيل به على معنى أغمض منه وهو ماهية مجردة عن المادة ~~أصلا أو يقال جوهر بسيط ذو نهاية ونطق عقلى أو طلب معنى الإنسان فقيل هو ~~الحيوان الناطق المائت أو يقال ما الكوكب فيجاب بأنه جسم بسيط كرى مكانه ~~الطبيعى نفس الفلك من شأنه أن ينير متحرك على الوسط غير مشتمل عليه أو سئل ~~عن المكان فيقال هو السطح الباطن من الجرم الحاوى المماس للسطح الظاهر من ~~الجسم المحوى وما أشبه ذلك من الأمور التى لا تعرفها العرب ولا يوصل إليها ~~إلا بعد قطع أزمنة فى طلب تلك المعانى ومعلوم أن الشارع لم يقصد إلى هذا ~~ولا كلف به # وأيضا فإن هذا تسور على طلب معرفة ماهيات الأشياء وقد اعترف أصحابه ~~بصعوبته بل قد نقل بعضهم أنه عندهم متعذر وأنهم أوجبوا أن لا يعرف شىء من ~~الأشياء على حقيقته إذ الجواهر لها فصول مجهولة والجواهر عرفت بأمور PageV01P057 ~~سلبية فإن ms022 الذاتي الخاص إن علم في غير هذه الماهية لم يكن خاصا وإن لم ~~يعلم فكان غير ظاهر للحس فهو مجهول فإن عرف ذلك الخاص بغير ما يخصه فليس ~~بتعريف والخاص به كالخاص المذكور أولا فلا بد من الرجوع إلى أمور محسوسة أو ~~ظاهرة من طريق أخرى وذلك لا يفي بتعريف الماهيات هذا في الجوهر وأما العرض ~~فإنما يعرف باللوازم إذ لم يقدر أصحاب هذا العلم على تعريفه بغير ذلك وأيضا ~~ما ذكر في الجواهر أو غيرها من الذاتيات لا يقوم البرهان على أن ليس ذاتي ~~سواها وللمنازع أن يطالب بذلك وليس للحاد أن يقول لو كان ثم وصف آخر لاطلعت ~~عليه إذ كثير من الصفات غير ظاهر ولا يقال أيضا لو كان ثم ذاتي آخر ما عرفت ~~الماهية دونه لأنا نقول إنما تعرف الحقيقة إذا عرف جميع ذاتياتها فإذا جاز ~~أن يكون ثم ذاتي لم يعرف حصل الشك في معرفة الماهية # فظهر أن الحدود على ما شرطه أرباب الحدود يتعذر الإيتان بها ومثل هذا لا ~~يجعل من العلوم الشرعية التي يستعان بها فيها وهذا المعنى تقرر وهو أن ~~ماهيات الأشياء لا يعرفها على الحقيقة إلا باريها فتسور الإنسان على ~~معرفتها رمى في عماية هذا كله في التصور # وأما التصديق فالذي يليق منه بالجمهور ما كانت مقدمات الدليل فيه ضرورية ~~أو قريبة من الضرورية حسبما يتبين في آخر هذا الكتاب بحول PageV01P058 ~~الله وقوته فإذا كان كذلك فهو الذي ثبت طلبه في الشريعة وهو الذي نبه ~~القرآن على أمثاله كقوله تعالى أفمن يخلق كمن لا يخلق وقوله تعالى قل ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة إلى آخرها وقوله تعالى الله الذي خلقكم ثم ~~وزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء وقوله ~~تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وقوله تعالى أفرأيتم ما تمنون ~~أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون وهذا إذا احتيج إلى الدليل في التصديق وإلا ~~فتقرير الحكم كاف # وعلى هذا النحو مر السلف الصالح ms023 في بث الشريعة للمؤالف والمخالف ومن نظر ~~في استدلالهم على إثبات الأحكام التكليفية علم أنهم قصدوا أيسر الطرق ~~وأقربها إلى عقول الطالبين لكن من غير ترتيب متكلف ولا نظم مؤلف بل كانوا ~~يرمون بالكلام على عواهنه ولا يبالون كيف وقع في ترتيبه إذا كان قريب ~~المأخذ سهل الملتمس هذا وإن كان راجعا إلى نظم الأقدمين في التحصيل فمن حيث ~~كانوا يتحرون إيصال المقصود لا من حيث احتذاء من تقدمهم # وأما إذا كان الطريق مرتبا على قياسات مركبة أو غير مركبة إلا أن في ~~إيصالها إلى المطلوب بعض التوقف للعقل فليس هذا الطريق بشرعي ولا تجده في ~~القرآن ولا في السنة ولا في كلام السلف الصالح فإن ذلك متلفة للعقل PageV01P059 ~~ومحارة له قبل بلوغ المقصود وهو بخلاف وضع التعليم ولأن المطالب الشرعية ~~إنما هي في عامة الأمر وقتية فاللائق بها ما كان في الفهم وقتيا فلو وضع ~~النظر في الدليل غير وقتي لكان مناقضا لهذه المطالب وهو غير صحيح وأيضا فإن ~~الإدراكات ليست على فن واحد ولا هي جارية على التساوي في كل مطلب إلا في ~~الضروريات وما قاربها فإنها لا تفاوت فيها يعتد به فلو وضعت الأدلة على غير ~~ذلك لتعذر هذا المطلب ولكان التكليف خاصا لا عاما أو أدى إلى تكليف ما لا ~~يطاق أو ما فيه حرج وكلاهما منتف عن الشريعة ### || AUTO وسيأتي في - كتاب المقاصد تقرير هذا المعنى ### || AUTO المقدمة السابعة # كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله ~~تعالى لا من جهة أخرى فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى فبالتبع والقصد الثاني ~~لا بالقصد الأول والدليل على ذلك أمور PageV01P060 ~~أحدها ما تقدم في المسألة قبل أن كل علم لا يفيد عملا فليس في الشرع ما ~~يدل على استحسانه ولو كان له غاية أخرى شرعية لكان مستحسنا شرعا ولو كان ~~مستحسنا شرعا لبحث عنه الأولون من الصحابة والتابعين وذلك غير موجود فما ~~يلزم عنه كذلك # والثاني أن الشرع إنما جاء ms024 بالتعبد وهو المقصود من بعثة الأنبياء عليهم ~~السلام كقوله تعالى يأيها الناس اتقوا ربكم الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت ~~من لدن حكيم خبير أن لا تعبدوا إلا الله الآيات كتاب أنزلناه إليك لتخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ذلك الكتاب ~~لا ريب فيه هدى للمتقين الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون أي يسوون به غيره في العبادة فذمهم على ~~ذلك وقال وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون إنا أنزلنا PageV01P061 ~~إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص الآية ~~وما أشبه ذلك من الآيات التي لا تكاد تحصى كلها دال على أن المقصود التعبد ~~لله وإنما أوتوا بأدلة التوحيد ليتوجهوا إلى المعبود بحق وحده سبحانه لا ~~شريك له ولذلك قال تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وقال ~~فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون وقال هو ~~الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين ومثله سائر المواضع التي نص ~~فيها على كلمة التوحيد لا بد أن أعقب بطلب التعبد لله وحده أو جعل مقدمة ~~لها بل أدلة التوحيد هكذا جرى مساق القرآن فيها إلا تذكرة إلا كذا وهو واضح ~~في أن التعبد لله هو المقصود من العلم والآيات في هذا المعنى لا تحصى # والثالث ما جاء من الأدلة الدالة على أن روح العلم هو العمل وإلا فالعلم ~~عارية وغير منتفع به فقد قال الله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~وقال وإنه لذو علم لما علمناه قال قتادة يعني لذو عمل بما علمناه وقال ~~تعالى أمن هو قانت انآء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة إلى أن قال قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون الآية وقال تعالى ms025 أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب وروى عن أبي جعفر محمد بن علي في قول ~~الله تعالى فكبكبوا فيها هو والغاوون قال قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم ~~وخالفوه إلى غيره وعن أبي هريرة في البخاري ومسلم صحيح قال # إن PageV01P062 ~~فى جهنم أرحاء تدور بعلماء السوء فيشرف عليهم من كان يعرفهم فى الدنيا ~~فيقول ما صيركم فى هذا وإنما كنا نتعلم منكم قالوا إنا كنا نأمركم بالأمر ~~ونخالفكم إلى غيره وقال سفيان الثوري إنما يتعلم العلم ليتقى به الله وإنما ~~فضل العلم على غيره لأنه يتقى الله به وعن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال # لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس خصال اخرجه الترمذي ~~ضعفها وفي رواية اخرى صححها وذكر فيها وعن علمه ماذا عمل فيه وعن أبي ~~الدرداء إنما أخاف أن يقال لي يوم القيامة أعلمت أم جهلت فأقول علمت فلا ~~تبقى آية من كتاب الله آمرة أو زاجرة إلا جاءتنى تسألنى فريضتها فتسألنى ~~الآمرة هل ائتمرت والزاجرة هل ازدجرت فأعوذ بالله من علم لا ينفع ومن قلب ~~لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع وحديث أبى هريرة فى الثلاثة ~~الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة قال فيه # ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما ~~عملت فيها قال تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت القرآن قال كذبت ولكن ليقال ~~فلان قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على PageV01P063 ~~وجهه حتى ألقى فى النار رواه احمد والنسائي ومسلم وقال # إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة عالما لم ينفعه الله بعلمه ضعفه ~~الترمذي والطبرانى وغيرهم وروى أنه عليه السلام كان يستعيذ من علم لا ينفع ~~عن زيد بن ارقم # وقالت الحكماء من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل وأشد منه عذابا من ~~أقبل عليه العلم فأدبر عنه ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل به وقال معاذ ~~بن جبل اعلموا ما شئتم ms026 أن تعلموا فلن يأجركم الله بعلمه حتى تعملوا وروى ~~أيضا مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وفيه زيادة # إن العلماء همتهم الرعاية وإن السفهاء همتهم الرواية وروى موقوفا أيضا عن ~~أنس بن مالك وعن عبد الرحمن بن غنم قال حدثنى عشرة من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قالوا كنا نتدارس العلم فى مسجد قباء إذ خرج علينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال # تعلموا ما شئتم أن PageV01P064 ~~تعلموا فلن يأجركم الله حتى تعملوا سندها ضعيف وكان رجل يسأل أبا الدرداء ~~فقال له كل ما تسأل عنه تعمل به قال لا قال فما تصنع بازدياد حجة الله عليك ~~وقال الحسن اعتبروا الناس بأعمالهم ودعوا أقوالهم فإن الله لم يدع قولا إلا ~~جعل عليه دليلا من عمل يصدقه أو يكذبه فإذا سمعت قولا حسنا فرويدا بصاحبه ~~فإن وافق قوله عمله فنعم ونعمة عين وقال ابن مسعود إن الناس أحسنوا القول ~~كلهم فمن وافق فعله قوله فذلك الذي أصاب حظه ومن خالف فعله قوله فإنما يوبخ ~~نفسه وقال الثوري إنما يطلب الحديث ليتقى به الله عز وجل فلذلك فضل على ~~غيره من العلوم ولولا ذلك كان كسائر الأشياء وذكر مالك أنه بلغه عن القاسم ~~بن محمد قال أدركت الناس وما يعجبهم القول إنما يعجبهم العمل والأدلة على ~~هذا المعنى أكثر من أن تحصى وكل ذلك يحقق أن العلم وسيلة من الوسائل ليس ~~مقصودا لنفسه من حيث النظر الشرعى وإنما هو وسيلة إلى العمل وكل ما ورد فى ~~فضل العلم فإنما هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكلف بالعمل به # فلا يقال إن العلم قد ثبت فى الشريعة فضله وإن منازل العلماء فوق منازل ~~الشهداء وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن مرتبة العلماء تلى مرتبة الأنبياء ~~وإذا كان كذلك وكان الدليل الدال على على فضله مطلقا لا مقيدا فكيف ينكر ~~أنه فضيلة مقصودة لا وسيلة هذا وإن كان وسيلة من وجه فهو مقصود لنفسه أيضا ~~كالإيمان فإنه شرط فى صحة ms027 العبادات ووسيلة إلى قبولها ومع ذلك فهو مقصود لنفسه PageV01P065 ~~لأنا نقول لم يثبت فضله مطلقا بل من حيث التوسل به إلى العمل بدليل ما ~~تقدم ذكره آنفا وإلا تعارضت الأدلة وتناقضت الآيات والأخبار وأقوال السلف ~~الأخيار فلا بد من الجمع بينها وما ذكر آنفا شارح لما ذكر فى فضل العلم ~~والعلماء وأما الإيمان فإنه عمل من أعمال القلوب وهو التصديق وهو ناشىء عن ~~العلم والأعمال قد يكون بعضها وسيلة إلى البعض وإن صح أن تكون مقصودة فى ~~أنفسها أما العلم فإنه وسيلة وأعلى ذلك العلم بالله ولا تصح به فضيلة ~~لصاحبه حتى يصدق بمقتضاه وهو الإيمان بالله # فإن قيل هذا متناقض فإنه لا يصح العلم بالله مع التكذيب به # قيل بل قد يحصل العلم مع التكذيب فإن الله قال فى قوم وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم وقال الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ~~وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون وقال الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ~~كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون فأثبت لهم المعرفة ~~بالنبى صلى الله عليه وسلم ثم بين أنهم لا يؤمنون وذلك مما يوضح أن الإيمان ~~غير العلم كما أن الجهل مغاير للكفر # نعم قد يكون العلم فضيلة وإن لم يقع العمل به على الجملة كالعلم بفروع ~~الشريعة والعوارض الطارئة فى التكليف إذا فرض أنها لم تقع فى الخارج فإن ~~العلم بها حسن وصاحب العلم مثاب عليه وبالغ مبالغ العلماء لكن من جهة ما هو ~~مظنة الانتفاع عند وجود محله ولم يخرجه ذلك عن كونه وسيلة كما أن فى تحصيل ~~الطهارة للصلاة فضيلة وإن لم يأت وقت الصلاة بعد أو جاء ولم يمكنه اداؤها لعذر # فلو فرض أنه تطهر على عزيمة أن لا يصلى لم يصح له ثواب الطهارة فكذلك إذا ~~علم على أن لا يعمل لم ينفعه علمه وقد وجدنا وسمعنا أن كثيرا من النصارى ~~واليهود يعرفون دين الإسلام ويعلمون كثيرا من أصوله وفروعه ولم يكن ذلك نافعا PageV01P066 ~~لهم من البقاء على الكفر ms028 باتفاق أهل الإسلام فالحاصل أن كل علم شرعى ليس ~~بمطلوب إلا من جهة ما يتوسل به إليه وهو العمل ### || AUTO فصل # ولا ينكر فضل العلم فى الجملة إلا جاهل ولكن له قصد أصلى وقصد تابع # فالقصد الأصلى ما تقدم ذكره وأما التابع فهو الذي يذكره الجمهور من كون ~~صاحبه شريفا وإن لم يكن فى أصله كذلك وان الجاهل دنىء وإن كان فى أصله ~~شريفا وأن قوله نافذ فى الأشعار والأبشار وحكمه ماض على الخلق وأن تعظيمه ~~واجب على جميع المكلفين إذ قام لهم مقام النبى لأن العلماء ورثة الأنبياء ~~وأن العلم جمال ومال ورتبة لا توازيها رتبة وأهله أحياء أبد الدهر إلى سائر ~~ماله فى الدنيا من المناقب الحميدة والمآثر الحسنة والمنازل الرفيعة فذلك ~~كله غير مقصود من العلم شرعا كما أنه غير مقصود من العبادة والانقطاع إلى ~~الله تعالى وإن كان صاحبه يناله # وأيضا فإن فى العلم بالأشياء لذة لا توازيها لذة إذ هو نوع من الاستيلاء ~~على المعلوم والحوز له ومحبة الاستيلاء قد جبلت عليها النفوس وميلت إليها ~~القلوب وهو مطلب خاص برهانه التجربة التامة والاستقراء العام فقد يطلب ~~العلم للتفكه به والتلذذ بمحادثته ولا سيما العلوم التى للعقول فيها مجال ~~وللنظر فى أطرافها متسع ولاستنباط المجهول من المعلوم فيها طريق متبع # ولكن كل تابع من هذه التوابع إما أن يكون خادما للقصد الأصلى أو لا فإن ~~كان خادما له فالقصد إليه ابتداء صحيح وقد قال تعالى فىمعرض المدح والذين ~~يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ~~وجاء عن بعض السلف الصالح اللهم اجعلنى من أئمة المتقين وقال عمر لابنه حين ~~وقع فى نفسه أن الشجرة التى هى مثل PageV01P067 ~~المؤمن النخلة لأن تكون قلتها أحب إلى من كذا وكذا وفى القرآن عن إبراهيم ~~عليه السلام واجعل لي لسان صدق فى الآخرين فكذلك إذا طلبه لما فيه من ~~الثواب الجزيل فى الآخرة وأشباه ذلك # وإن كان غير خادم له فالقصد إليه ابتداء غير صحيح ms029 كتعلمه رياء أو ليمارى ~~به السفهاء أويباهى به العلماء أو يستميل به قلوب العباد أو لينال من ~~دنياهم أو ما أشبه ذلك فإن مثل هذا إذا لاح له شىء مما طلب زهد فى التعلم ~~ورغب فى التقدم وصعب عليه إحكام ما ابتدأ فيه وأنف من الإعتراف بالتقصير ~~فرضى بحاكم عقله وقاس بجهله فصار ممن سئل فأفتى بغير علم فضل وأضل أعاذنا ~~الله من ذلك بفضله وفى الحديث # لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ولا لتحتازوا ~~به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار صحيح وقال # من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من ~~الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة صحيح على شرط البخاري ومسلم وفى بعض ~~الحديث سئل عليه السلام عن الشهوة الخفية فقال # هوالرجل يتعلم العلم يريد أن يجلس إليه الحديث وفى القرآن العظيم إن ~~الذين يكتمون ما أنرل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون فى بطونهم إلا النار الآية والأدلة فى المعنى كثيرة PageV01P068 ### || AUTO المقدمة الثامنة # العلم الذي هو العلم المعتبر شرعا أعني الذي مدح الله ورسوله أهله على ~~الإطلاق هو العلم الباعث على العمل الذي لا يخلي صاحبه جاريا مع هواه كيفما ~~كان بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه الحامل له على قوانينه طوعا أو كرها ومعنى ~~هذه الجملة أن أهل العلم في طلبه وتحصيله على ثلاث مراتب # المرتبة الأولى الطالبون له ولما يحصلوا على كماله بعد وإنما هم في طلبه ~~في رتبة التقليد فهؤلاء إذا دخلوا في العمل به فبمقتضى الحمل التكليفي ~~والحث الترغيبي والترهيبي وعلى مقدار شدة التصديق يخف ثقل التكليف فلا ~~يكتفي العلم ههنا بالحمل دون أمر آخر خارج مقوله من زجر أو قصاص أو حد أو ~~تعزير أو ما جرى هذا المجرى ولا إحتياج ههنا إلى إقامة برهان على ذلك إذ ~~التجربة الجارية في الخلق قد أعطت في هذه المرتبة برهانا لا يحتمل متعلقه ~~النقيض بوجه # والمرتبة الثانية الواقفون ms030 منه على براهينه إرتفاعا عن حضيض التقليد ~~المجرد واستبصارا فيه حسبما أعطاه شاهد النقل الذي يصدقه العقل تصديقا ~~يطمئن إليه ويعتمد عليه إلا أنه بعد منسوب إلى العقل لا إلى النفس بمعنى ~~أنه لم يصر كالوصف الثابت للإنسان وإنما هو كالأشياء المكتسبة والعلوم ~~المحفوظة التي يتحكم عليها العقل وعليه يعتمد في استجلابها حتى تصير من ~~جملة مودعاته فهؤلاء إذا دخلوا في العمل خف عليهم خفة أخرى زائدة على مجرد ~~التصديق في المرتبة الأولى بل لا نسبة بينهما إذ هؤلآء يأبى لهم البرهان ~~المصدق أن يكذبوا ومن جملة التكذيب الخفي العمل على مخالفة PageV01P069 ~~العلم الحاصل لهم ولكنهم حين لم يصر لهم كالوصف ربما كانت أوصافهم الثابتة ~~من الهوى والشهوة الباعثة الغالبة أقوى الباعثين فلا بد من الإفتقار إلى ~~أمر زائد من خارج غير أنه يتسع في حقهم فلا يقتصر فيه على مجرد الحدود ~~والتعزيرات بل ثم أمور أخر كمحاسن العادات ومطالبة المراتب التي بلغوها بما ~~يليق بها وأشباه ذلك وهذه المرتبة أيضا يقوم البرهان عليها من التجربة # إلا إنها أخفى مما قبلها فيحتاج إلى فضل نظر موكول إلى ذوي النباهة في ~~العلوم الشرعية والأخذ في الإتصافات السلوكية # والمرتبة الثالثة الذين صار لهم العلم وصفا من الأوصاف الثابتة بمثابة ~~الأمور البديهية في المعقولات الأول أو تقاربها ولا ينظر إلى طريق حصولها ~~فإن ذلك لا يحتاج إليه فهؤلاء لا يخليهم العلم وأهواءهم إذا تبين لهم الحق ~~بل يرجعون إليه رجوعهم إلى دواعيهم البشرية وأوصافهم الخلقية # وهذه المرتبة هي المترجم لها # والدليل على صحتها من الشريعة كثير كقوله تعالى أمن هو قآنت آنآء الليل ~~ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ثم قال قل هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون الآية فنسب هذه المحاسن إلى أولي العلم من أجل العلم لا ~~من أجل غيره وقال تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم والذين يخشون ربهم هم العلماء لقوله إنما يخشى ~~الله من عباده العلماء وقال تعالى ms031 وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق الآية ولما كان السحرة قد بلغوا في ~~علم السحر مبلغ الرسوخ فيه وهو معنى هذه المرتبة بادروا إلى الإنقياد ~~والإيمان حين عرفوا من علمهم أن ما جاء به موسى عليه السلام حق ليس بالسحر ~~ولا الشعوذة ولم يمنعهم من ذلك التخويف ولا التعذيب الذي توعدهم به فرعون ~~وقال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون فحصر تعقلها PageV01P070 ~~في العالمين وهو قصد الشارع من ضرب الأمثال وقال أفمن يعلم أنما أنزل إليك ~~من ربك الحق كمن هو أعمى ثم وصف أهل العلم بقوله الذين يوفون بعهد الله إلى ~~آخر الأوصاف وحاصلها يرجع إلى أن العلماء هم العاملون وقال في أهل الإيمان ~~والإيمان من فوائد العلم إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى ~~أن قال أولئك هم المؤمنون حقا ومن هنا قرن العلماء في العمل بمقتضى العلم ~~بالملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون فقال تعالى شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لآ اله إلا هو ~~فشهادة الله تعالى وفق علمه ظاهرة التوافق إذ التخالف محال وشهادة الملائكة ~~على وفق ما علموا صحيحة لأنهم محفوظون من المعاصي وأولو العلم أيضا كذلك من ~~حيث حفظوا بالعلم وقد كان الصحابة رضي الله عنهم إذا نزلت عليهم آية فيها ~~تخويف أحزنهم ذلك وأقلقهم حتى يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم كنزول آية ~~البقرة وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه الآية وقوله الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم الآية وإنما القلق والخوف من آثار العلم بالمنزل ~~والأدلة أكثر من إحصائها هنا وجميعها يدل PageV01P071 ~~على أن العلم المعتبر هو الملجىء إلى العمل به # فإن قيل هذا غير ظاهر من وجهين # أحدهما أن الرسوخ في العلم إما أن يكون صاحبه محفوظا به من المخالفة # أولا فإن لم يكن كذلك فقد استوى أهل هذه المرتبة مع من قبلهم ومعناه أن ms032 ~~العلم بمجرده غير كاف في العمل به ولا ملجىء إليه وإن كان محفوظا به من ~~المخالفة لزم أن لا يعصي العالم إذا كان من الراسخين فيه لكن العلماء تقع ~~منهم المعاصي ما عدا الأنبياء عليهم السلام ويشهد لهذا في أعلى الأمور قوله ~~تعالى في الكفار وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا وقال الذين ~~آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ~~وهم يعلمون وقال وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من ~~بعد ذلك وقال ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ثم قال ولبئس ~~ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون وسائر ما في هذا المعنى فأثبت لهم ~~المعاصي والمخالفات مع العلم فلو كان العلم صادا عن ذلك لم يقع # والثاني ما جاء من ذم العلماء السوء وهو كثير ومن أشد ما فيه قوله عليه السلام # إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه وفي القرآن ~~أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب وقال إن الذين ~~يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى الآية وقال إن الذين يكتمون ما أنزل ~~الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا الآية وحديث الثلاثة الذين هم أول من ~~تسعر بهم النار يوم القيامة والأدلة فيه PageV01P072 ~~كثيرة وهو ظاهر في أن أهل العلم غير معصومين بعلمهم ولا هو مما يمنعهم عن ~~إتيان الذنوب فكيف يقال إن العلم مانع من العصيان # فالجواب عن الأول أن الرسوخ في العلم يأبى للعالم أن يخالفه بالأدلة ~~المتقدمة وبدليل التجربة العادية لأن ما صار كالوصف الثابت لا يتصرف صاحبه ~~إلا على وفقه اعتيادا فإن تخلف فعلى أحد ثلاثة أوجه # الأول مجرد العناد فقد يخالف فيه مقتضى الطبع الجبلي فغيره أولى وعلى ذلك ~~دل قوله تعالى وجحدوا بها الآية وقوله تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو ~~يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ~~وأشباه ذلك والغالب على هذا الوجه أن لا ms033 يقع إلا لغلبة هوى من حب دنيا أو ~~جاه أو غير ذلك بحيث يكون وصف الهوى قد غمر القلب حتى لا يعرف معروفا ولا ~~ينكر منكرا # والثاني الفلتات الناشئة عن الغفلات التي لا ينجو منها البشر فقد يصير ~~العالم بدخول الغفلة غير عالم وعليه يدل عند جماعة قوله تعالى إنما التوبة ~~على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب الآية وقال تعالى إن ~~الذين اتقو إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ومثل هذا الوجه ~~لا يعترض على أصل المسألة كما لا يعترض نحوه على سائر الأوصاف الجبلية فقد ~~لا تبصر العين ولا تسمع الأذن لغلبة فكر أو غفلة أو غيرهما فترتفع في الحال ~~منفعة العين والأذن حتى يصاب ومع ذلك لا يقال إنه غير مجبول على السمع ~~والإبصار فما نحن فيه كذلك # والثالث كونه ليس من أهل هذه المرتبة فلم يصر العلم له وصفا أو كالوصف مع ~~عده من أهلها وهذا يرجع إلى غلط في اعتقاد العالم في نفسه أو اعتقاد غيره ~~فيه ويدل عليه قوله تعالى ومن أضل ممن اتبع PageV01P073 ~~هواه بغير هدى من الله وفي الحديث # إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس إلى أن قال اتخذ الناس ~~رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا رواه للشيخانصحيح ووقوله # ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة أشدها فتنة على أمتي الذين يقيسون ~~الأمور بآرائهم ابن عبدالبر بسند لم يرضه الحديث فهؤلاء وقعوا في المخالفة ~~بسبب ظن الجهل علما فليسوا من الراسخين في العلم ولا ممن صار لهم كالوصف ~~وعند ذلك لا حفظ لهم في العلم فلا اعتراض بهم # فأما من خلا عن هذه الأوجه الثلاثة فهو الداخل تحت حفظ العلم حسبما نصته ~~الأدلة وفي هذا المعنى من كلام السلف كثير وقد روى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال # إن لكل شىء إقبالا وإدبارا وإن لهذا الدين إقبالا وإدبارا وإن من إقبال ~~هذا الدين ما بعثني الله به حتى إن القبيلة ms034 لتتفقه من عند أسرها أو قال ~~آخرها حتى لا يكون فيها إلا الفاسق أو الفاسقان فهما مقموعان ذليلان إن ~~تكلما أو نطقا قمعا وقهرا واضطهدا الحديث رواه ابن السنى وابو نعيم الحديث ~~وفي الحديث # سيأتي PageV01P074 ~~على أمتي زمان يكثر القراء ويقل الفقهاء ويقبض العلم ويكثر الهرج اخرجه ~~الطبراني في الاوسط والحاكم عن ابي هريرة إلى أن قال ثم يأتي من بعد ذلك ~~زمان يقرأ القرآن رجال من أمتي لا يجاوز تراقيهم ثم يأتي من بعد ذلك زمان ~~يجادل المنافق المشرك بمثل ما يقول وعن علي يا حملة العلم اعملوا به فإن ~~العالم من علم ثم عمل ووافق علمه عمله وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز ~~تراقيهم تخالف سريرتهم علانيتهم ويخالف علمهم عملهم يقعدون حلقا يباهي ~~بعضهم بعضا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه أولئك لا ~~تصعد أعمالهم تلك إلى الله عز وجل وعن ابن مسعود كونوا للعلم رعاة ولا ~~تكونوا له رواة فإنه قد يرعوى ولا يروي وقد يروي ولا يرعوى وعن أبي الدرداء ~~لا تكون تقيا حتى تكون عالما ولا تكون بالعلم جميلا حتى تكون به عاملا وعن ~~الحسن العالم الذي وافق علمه عمله ومن خالف علمه عمله فذلك راوية حديث سمع ~~شيئا فقاله وقال الثوري العلماء إذا علموا عملوا فإذا عملوا شغلوا فإذا ~~شغلوا فقدوا فإذا فقدوا طلبوا فإذا طلبوا هربوا وعن الحسن قال الذي يفوق ~~الناس في العلم جدير أن يفوقهم في العمل وعنه في قول الله تعالى وعلمتم ما ~~لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قال علمتم فعلمتم ولم تعملوا فو الله ما ذلكم بعلم # وقال الثوري العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل وهذا تفسير معنى كون ~~العلم هو الذي يلجىء إلى العمل وقال الشعبي كنا نستعين على حفظ الحديث ~~بالعمل به ومثله عن وكيع بن الجراح وعن ابن مسعود ليس العلم عن كثرة الحديث ~~إنما العلم خشية الله والآثار في هذا النحو كثيرة PageV01P075 ~~وبما ذكر يتبين الجواب عن الإشكال الثاني ms035 فإن علماء السوء هم الذين لا ~~يعملون بما يعلمون وإذا لم يكونوا كذلك فليسوا في الحقيقة من الراسخين في ~~العلم وإنما هو رواة والفقه فيما رووا أمر آخر أو ممن غلب عليهم هوى غطى ~~على القلوب والعياذ بالله # على أن المثابرة على طلب العلم والتفقه فيه وعدم الإجتزاء باليسير منه ~~يجر إلى العمل به ويلجىء إليه كما تقدم بيانه وهو معنى قول الحسن كنا نطلب ~~العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة وعن معمر أنه قال كان يقال من طلب العلم ~~لغير الله يأبى عليه العلم حتى يصيره إلى الله وعن حبيب بن أبي ثابت طلبنا ~~هذا الأمر وليس لنا فيه نية ثم جاءت النية بعد وعن الثوري قال كنا نطلب ~~العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة وهو معنى قوله في كلام آخر كنت أغبط الرجل ~~يجتمع حوله ويكتب عنه فلما ابتليت به وددت أني نجوت منه كفافا لا علي ولا ~~لي وعن أبي الوليد الطيالسي قال سمعت ابن عيينة منذ أكثر من ستين سنة يقول ~~طلبنا هذا الحديث لغير الله فأعقبنا الله ما ترون وقال الحسن لقد طلب أقوام ~~العلم ما أرادوا به الله وما عنده فما زال بهم حتى أرادوا به الله وما عنده ~~فهذا أيضا مما يدل على صحة ما تقدم ### || AUTO فصل # ويتصدى النظر هنا في تحقيق هذه المرتبة وما هي والقول في ذلك على ~~الإختصار أنها أمر باطن وهو الذي عبر عنه بالخشية في حديث ابن مسعود وهو ~~راجع إلى معنى الآية وعنه عبر في الحديث في أول ما يرفع من العلم الخشوع ~~رواه الترمذي وقال مالك ليس العلم بكثرة الرواية ولكنه نور PageV01P076 ~~يجعله الله في القلوب وقال أيضا الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء ~~وليس بكثرة المسائل ولكن عليه علامة ظاهرة وهو التجافي عن دار الغرور ~~والإنابة إلى دار الخلود وذلك عبارة عن العمل بالعلم من غير مخالفة ### || AUTO وأما تفصيل القول فيه فليس هذا موضع ذكره وفي - كتاب الإجتهاد ~~منه طرف فراجعه إن شئت ms036 وبالله التوفيق ### || AUTO المقدمة التاسعة # من العلم ما هو من صلب العلم ومنه ما هو ملح العلم لا من صلبه ومنه ما ~~ليس من صلبه ولا ملحه فهذه ثلاثة أقسام # القسم الأول هو الأصل والمعتمد والذي عليه مدار الطلب وإليه تنتهي مقاصد ~~الراسخين وذلك ما كان قطعيا أو راجعا إلى أصل قطعي والشريعة المباركة ~~المحمدية منزلة على هذا الوجه ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها كما قال ~~الله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون لأنها ترجع إلى حفظ ~~المقاصد التي بها يكون صلاح الدارين وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات ~~وما هو مكمل لها ومتمم لأطرفها وهي أصول الشريعة وقد قام البرهان القطعي ~~على اعتبارها وسائر الفروع مستندة إليها فلا إشكال في أنها علم أصل راسخ ~~الأساس ثابت الأركان # هذا وإن كانت وضعية لا عقلية فالوضعيات قد تجاري العقليات في إفادة العلم ~~القطعي وعلم الشريعة من جملتها إذ العلم بها مستفاد من الإستقراء العام ~~الناظم لأشتات أفرادها حتى تصير في العقل مجموعة في كليات مطردة عامة ثابتة ~~غير زائلة ولا متبدلة وحاكمة غير محكوم عليها وهذه خواص PageV01P077 ~~الكليات العقليات وأيضا فإن الكليات العقلية مقتبسة من الوجود وهو أمر ~~وضعى لا عقلى فاستوت مع الكليات الشرعية بهذا الاعتبار وارتفع الفرق بينهما # فإذا لهذا القسم خواص ثلاث بهن يمتاز عن غيره # إحداها العموم والإطراد فلذلك جرت الأحكام الشرعية فى أفعال المكلفين على ~~الإطلاق وإن كانت آحادها الخاصة لا تتناهى فلا عمل يفرض ولا حركة ولا سكون ~~يدعى إلا والشريعة عليه حاكمة إفرادا وتركيبا وهو معنى كونها عامة وإن فرض ~~فى نصوصها أو معقولها خصوص ما فهو راجع إلى عموم كالعرايا وضرب الدية على ~~العاقلة والقراض والمساقاة والصاع فى المصراة وأشباه ذلك فإنها راجعة إلى ~~أصول حاجية أو تحسينية أو ما يكملها وهي أمور عامة فلا خاص فى الظاهر إلا ~~وهو عام فى الحقيقة والإعتبار فى أبواب الفقه يبين ذلك # والثانية الثبوت من غير زوال فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخا ولا ms037 ~~تخصيصا لعمومها ولا تقييدا لإطلاقها ولا رفعا لحكم من أحكامها لابحسب PageV01P078 ~~عموم المكلفين ولا بحسب خصوص بعضهم ولا بحسب زمان دون زمان ولا حال دون ~~حال بل ما أثبت سببا فهو سبب أبدا لا يرتفع وما كان شرطا فهو أبدا شرط وما ~~كان واجبا فهو واجب أبدا أو مندوبا فمندوب وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها ~~ولا تبدل ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك # والثالثة كون العلم حاكما لا محكوما عليه بمعنى كونه مفيدا لعمل يترتب ~~عليه مما يليق به فلذلك انحصرت علوم الشريعة فيما يفيد العمل أو يصوب نحوه ~~لا زائد على ذلك ولا تجد فى العمل أبدا ما هو حاكم على الشريعة وإلا انقلب ~~كونها حاكمة إلى كونها محكوما عليها وهكذا سائر ما يعد من أنواع العلوم # فإذا كل علم حصل له هذه الخواص الثلاث فهو من صلب العلم وقد تبين معناها ~~والبرهان عليها في أثناء هذا الكتاب والحمد لله # والقسم الثاني وهو المعدود في ملح العلم لا في صلبه ما لم يكن قطعيا ولا ~~راجعا إلى أصل قطعي بل إلى ظني أو كان راجعا إلى قطعى إلا أنه تخلف عنه ~~خاصة من تلك الخواص أو أكثر من خاصة واحدة فهو مخيل ومما يستفز العقل ببادئ ~~الرأي والنظر الأول من غير أن يكون فيه إخلال بأصله ولا بمعنى غيره فإذا ~~كان هكذا صح أن يعد في هذا القسم # فأما تخلف الخاصية الأولى وهو الإطراد والعموم فقادح في جعله من صلب ~~العلم لأن عدم الإطراد يقوي جانب الإطراح ويضعف جانب الإعتبار إذ النقض فيه ~~يدل على ضعف الوثوق بالقصد الموضوع عليه ذلك العلم ويقربه من الأمور ~~الإتفاقية الواقعة عن غير قصد فلا يوثق به ولا يبني عليه # وأما تخلف الخاصية الثانية وهو الثبوت فيأباه صلب العلم وقواعده فإنه إذا ~~حكم في قضية ثم خالف حكمه الواقع في القضية في بعض المواضع أو بعض PageV01P079 ~~الأحوال كان حكمه خطأ وباطلا من حيث أطلق الحكم فيما ليس بمطلق ms038 أو عم فيما ~~هو خاص فعدم الناظر الوثوق بحكمه وذلك معنى خروجه عن صلب العلم # وأما تخلف الخاصية الثالثة وهو كونه حاكما ومبنيا عليه فقادح أيضا لأنه ~~إن صح في العقول لم يستفد به فائدة حاضرة غير مجرد راحات النفوس فاستوي مع ~~سائر ما يتفرج به وإن لم يصح فأحرى في الأطراح كمباحث السوفسطائيين ومن نحا نحوهم # ولتخلف بعض هذه الخواص أمثلة يلحق بها ما سواها # أحدها الحكم المستخرجة لما لا يعقل معناه عل الخصوص في التعبدات كإختصاص ~~الوضوء بالأعضاء المخصوصة والصلاة بتلك الهيئة من رفع اليدين والقيام ~~والركوع والسجود وكونها على بعض الهيئات دون بعض واختصاص الصيام بالنهار ~~دون الليل وتعيين أوقات الصلوات في تلك الأحيان المعينة دون ما سواها من ~~أحيان الليل والنهار واختصاص الحج بالأعمال المعلومه وفي الأماكن المعروفة ~~وإلى مسجد مخصوص إلى أشباه ذلك مما لا تهتدي العقول إليه بوجه ولا تطور ~~نحوه فيأتي بعض الناس فيطرق إليه حكما يزعم أنها مقصود الشارع من تلك ~~الأوضاع وجميعها مبني على ظن وتخمين غير مطرد في بابه ولا مبني عليه عمل بل ~~كالتعليل بعد السماع للأمور الشواذ وربما كان من هذا النوع ما يعد من القسم ~~الثالث لجنايته على الشريعة في دعوى PageV01P080 ~~ما ليس لنا به علم ولا دليل لنا عليه # والثاني تحمل الأخبار والآثار على التزام كيفيات لا يلزم مثلها ولا يطلب ~~التزامها كالأحاديث المسلسلة التي أتي بها على وجوه ملتزمة في الزمان ~~المتقدم على غير قصد فالتزمها المتأخرون بالقصد فصار تحملها على ذلك القصد ~~تحريا لها بحيث يتعنى في إستحراجها ويبحث عنها بخصوصها مع أن ذلك القصد لا ~~ينبني عليه عمل وإن صحبها العمل لأن تخلفه في أثناء تلك الأسانيد لا يقدح ~~في العمل بمقتضى تلك الأحاديث كما في حديث # الراحمون يرحمهم الرحمن حسن صحيح فإنهم التزموا فيه أن يكون أول حديث ~~يسمعه التلميذ من شيخه فإن سمعه منه بعد ما أخذ عنه غيره لم يمنع ذلك ~~الإستفادة بمقتضاه وليس بمطرد في جميع الأحاديث النبوية أو ms039 أكثرها حتى يقال ~~إنه مقصود فطلب مثل ذلك من ملح العلم لا من صلبه # والثالث التأنق في استخراج الحديث من طرق كثيرة لا على قصد طلب تواتره بل ~~على أن يعد آخذا له عن شيوخ كثيرة ومن جهات شتى وإن كان راجعا إلى الآحاد ~~في الصحابة أو التابعين أو غيرهم فالإشتغال بهذا من الملح لا من صلب العلم ~~خرج أبو عمر بن عبد البر عن حمزة بن محمد PageV01P081 ~~الكناني قال خرجت حديثا واحدا عن النبي صلى الله عليه وسلم من مائتي طريق ~~أو من نحو مائتي طريق شك الراوي قال فداخلني من ذلك من الفرح غير قليل ~~وأعجبت بذلك فرأيت يحيى بن معين في المنام فقلت له يا أبا زكريا قد خرجت ~~حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم من مائتي طريق قال فسكت عني ساعة ثم قال ~~أخشى أن يدخل هذا تحت ألهاكم التكاثر هذا ما قال وهو صحيح في الإعتبار لأن ~~تخريجه من طرق يسيرة كاف في المقصود منه فصار الزائد على ذلك فضلا # والرابع العلوم المأخوذة من الرؤيا مما لا يرجع إلى بشارة ولا نذارة فإن ~~كثيرا من الناس يستدلون على المسائل العلمية بالمنامات وما يتلقى منها ~~تصريحا فإنها وإن كانت صحيحة فأصلها الذي هو الرؤيا غير معتبر في الشريعة ~~في مثلها كما في رؤيا الكناني المذكورة آنفا فإن ما قال فيها يحيى بن معين ~~صحيح ولكنه لم نحتج به حتى عرضناه على العلم في اليقظة فصار الإستشهاد به ~~مأخوذا من اليقظة لا من المنام وإنما ذكرت الرؤيا تأنيساوعلى هذا يحمل ما ~~جاء عن العلماء من الإستشهاد بالرؤيا # والخامس المسائل التي يختلف فيها فلا ينبني على الإختلاف فيها فرع عملى ~~إنما تعد من الملح كالمسائل المنبه عليها قبل في أصول الفقه ويقع كثير منها ~~في سائر العلوم وفي العربية منها كثير كمسألة اشتقاق الفعل من المصدر ~~ومسألة اللهم ومسألة أشياء ومسألة الأصل في لفظ الإسم وإن انبنى البحث فيها ~~على أصول مطردة ولكنها لا فائدة تجنى ثمرة ms040 للإختلاف فيها فهي خارجةعن صلب العلم PageV01P082 ~~والسادس الإستناد إلى الأشعار في تحقيق المعاني العلمية والعملية وكثيرا ~~ما يجري مثل هذا لأهل التصوف في كتبهم وفي بيان مقاماتهم فينتزعون معاني ~~الأشعار ويضعونها للتخلق بمقتضاها وهو في الحقيقة من الملح لما في الأشعار ~~الرقيقة من إمالة الطباع وتحريك النفوس إلى الغرض المطلوب ولذلك اتخذه ~~الوعاظ ديدنا وأدخلوه في أثناء وعظهم وأما إذا نظرنا إلى الأمر في نفسه ~~فالإستشهاد بالمعنى فإن كان شرعيا فمقبول وإلا فلا ### || AUTO والسابع الإستدلال على تثبيت المعاني بأعمال المشار إليهم ~~بالصلاح بناء على مجرد تحسين الظن لا زائد عليه فإنه ربما تكون أعمالهم حجة ~~حسبما هو مذكور في - كتاب الإجتهاد فإذا أخذ ذلك بإطلاق فيمن يحسن الظن به ~~فهو عند ما يسلم من القوادح من هذا القسم لأجل ميل الناس إلى من ظهر منه ~~صلاح وفضل ولكنه ليس من صلب العلم لعدم اطراد الصواب في عمله ولجواز تغيره ~~فإنما يؤخذ إن سلم هذا المأخذ # والثامن كلام أرباب الأحوال من أهل الولاية فإن الإستدلال به من قبيل ما ~~نحن فيه وذلك أنهم قد أوغلوا في خدمة مولاهم حتى أعرضوا عن غيره جملة فمال ~~بهم هذا الطرف إلى أن تكلموا بلسان الأطراح لكل ما سوى الله وأعربوا عن ~~مقتضاه وشأن من هذا شأنه لا يطيقه الجمهور وهم إنما يكلمون به الجمهور وهو ~~وإن كان حقا ففي رتبته لا مطلقا لأنه يصير في حق الأكثر من الحرج أو تكليف ~~مالا يطاق بل ربما ذموا بإطلاق ما ليس بمذموم إلا على وجه دون وجه وفي حال ~~دون حال فصار أخذه بإطلاق موقعا PageV01P083 ~~في مفسدة بخلاف أخذه على الجملة فليس على هذا من صلب العلم وإنما هو من ~~ملحه ومستحسناته # والتاسع حمل بعض العلوم على بعض في بعض قواعده حتى تحصل الفتيا في أحدها ~~بقاعدة الآخر من غير أن تجتمع القاعدتان في أصل واحد حقيقي كما يحكى عن ~~الفراء النحوي أنه قال من برع في علم واحد سهل عليه كل علم فقال له ms041 محمد بن ~~الحسن القاضي وكان حاضرا في مجلسه ذلك وكان ابن خالة الفراء فأنت قد برعت ~~في علمك فخذ مسألة أسألك عنها من غير علمك ما تقول فيمن سها في صلاته ثم ~~سجد لسهوه فسها في سجوده أيضا قال الفراء لا شىء عليه قال وكيف قال لأن ~~التصغير عندنا لا يصغر فكذلك السهو في سجود السهو لا يسجد له لأنه بمنزلة ~~تصغير التصغير فالسجود للسهو هو جبر للصلاة والجبر لا يجبر كما أن التصغير ~~لا يصغر فقال القاضي ما حسبت أن النساء يلدن مثلك فأنت ترى ما في الجمع بين ~~التصغير والسهو في الصلاة من الضعف إذ لا يجمعهما في المعنى أصل حقيقي ~~فيعتبر أحدهما بالآخر فلو جمعهما أصل واحد لم يكن من هذا الباب كمسألة ~~الكسائي مع أبي يوسف القاضي بحضرة الرشيد روى أن أبا يوسف دخل على الرشيد ~~والكسائي يداعبه ويمازحه فقال له أبو يوسف هذا الكوفي قد استفرغك وغلب عليك ~~فقال يا أبا يوسف إنه ليأتيني بأشياء يشتمل عليها قلبي # فأقبل الكسائي على أبي يوسف فقال يا أبا يوسف هل لك في مسألة فقال نحو أم ~~فقه قال بل فقه فضحك الرشيد حتى فحص برجله ثم قال تلقي على أبي يوسف فقها ~~قال نعم قال يا أبا يوسف ما تقول في رجل قال لامرأته أنت طالق أن دخلت ~~الدار وفتح أن قال إذا دخلت طلقت قال أخطأت يا أبا يوسف فضحك الرشيد ثم قال ~~كيف الصواب قال إذا قال أن فقد وجب الفعل ووقع الطلاق وإن قال إن فلم يجب ~~ولم يقع الطلاق قال فكان أبو يوسف بعدها لا يدع أن يأتي الكسائي فهذه PageV01P084 ~~المسألة جارية على أصل لغوي لا بد من البناء عليه في العلمين # فهذه أمثلة ترشد الناظر إلى ما وراءها حتى يكون على بينة فيما يأتي من ~~العلوم ويذر فإن كثيرا منها يستفز الناظر استسحانها ببادىء الرأى فيقطع ~~فيها عمره وليس وراءها ما يتخذ معتمدا في عمل ولا اعتقاد فيخيب في طلب ~~العلم سعيه ms042 والله الواقي # ومن طريف الأمثلة في هذا الباب ما حدثناه بعض الشيوخ أن أبا العباس ابن ~~البناء سئل فقيل له لم لم تعمل إن في هذان من قوله تعالى إن هذان لساحران ~~الآية فقال في الجواب لما لم يؤثر القول في المقول لم يؤثر العامل في ~~المعمول فقال السائل يا سيدي وما وجه الارتباط بين عمل إن وقول الكفار في ~~النبيئين فقال له المجيب يا هذا إنما جئتك بنوارة يحسن رونقها فأنت تريد أن ~~تحكها بين يديك ثم تطلب منها ذلك الرونق أو كلاما هذا معناه فهذا الجواب ~~فيه ما ترى وبعرضه على العقل يتبين ما بينه وبين ما هو من صلب العلم # والقسم الثالث وهو ما ليس من الصلب ولا من الملح ما لم يرجع إلى أصل قطعي ~~ولا ظني وإنما شأنه أن يكر على أصله أو على غيره بالإبطال مما صح كونه من ~~العلوم المعتبرة والقواعد المرجوع إليها في الأعمال والإعتقادات أو كان ~~منهضا إلى إبطال الحق وإحقاق الباطل على الجملة فهذا ليس بعلم لأنه يرجع ~~على أصله بالإبطال فهو غير ثابت ولا حاكم ولا مطرد أيضا ولا هو من ملحه لأن ~~الملح هي التي تستحسنها العقول وتستملحها النفوس إذ ليس يصحبها منفر ولا هي ~~مما تعادي العلوم لأنها ذات أصل مبني عليه في الجملة بخلاف هذا القسم فإنه ~~ليس فيه شىء من ذلك # هذا وإن مال بقوم فاستحسنوه وطلبوه فلشبه عارضة واشتباه بينه وبين ما ~~قبله فربما عده الأغبياء مبنيا على أصل فمالوا إليه من ذلك الوجه وحقيقة PageV01P085 ~~أصله وهم وتخييل لا حقيقة له مع ما ينضاف إلى ذلك من الأغراض والأهواء ~~كالإغراب باستجلاب غير المعهود والجعجعة بإدراك ما لم يدركه الراسخون ~~والتبجح بأن وراء هذه المشهورات مطالب لا يدركها إلا الخواص وأنهم من ~~الخواص وأشباه ذلك مما لا يحصل منه مطلوب ولا يحور منه صاحبه إلا بالإفتضاح ~~عند الإمتحان حسبما بينه الغزالي وابن العربي ومن تعرض لبيان ذلك من غيرهما # ومثال هذا القسم ما انتحله الباطنية ms043 في كتاب الله من إخراجه عن ظاهره وأن ~~المقصود وراء هذا الظاهر ولا سبيل إلى نيله بعقل ولا نظر وإنما ينال من ~~الإمام المعصوم تقليدا لذلك الإمام واستنادهم فى جملة من دعاويهم إلى علم ~~الحروف وعلم النجوم ولقد اتسع الخرق فى الأزمنة المتأخرة على الراقع فكثرت ~~الدعاوى على الشريعة بأمثال ما ادعاه الباطنية حتى آل ذلك إلى مالا يعقل ~~على حال فضلا عن غير ذلك ويشمل هذا القسم ما ينتحله أهل السفسطة والمتحكمون ~~وكل ذلك ليس له أصل ينبنى عليه ولا ثمرة تجنى منه فلا تعلق به بوجه ### || AUTO فصل # وقد يعرض للقسم الأول أن يعد من الثانى ويتصور ذلك فى خلط بعض العلوم ~~ببعض كالفقيه يبنى فقهه على مسألة نحوية مثلا فيرجع إلى تقريرها مسألة كما ~~يقررها النحوى لا مقدمة مسلمة ثم يرد مسألته الفقهية إليها والذى كان من ~~شأنه أن يأتى بها على أنها مفروغ منها فى علم النحو فيبنى عليها فلما لم ~~يفعل ذلك وأخذ يتكلم فيها وفى تصحيحها وضبطها والاستدلال عليها كما يفعله ~~النحوي صار الإتيان بذلك فضلا غير محتاج إليه وكذلك إذا افتقر إلى مسألة ~~عددية فمن حقه أن يأتى بها مسلمة ليفرع عليها فى علمه فإن أخذ يبسط القول ~~فيها كما يفعله العددى في علم العدد كان فضلا معدودا من الملح إن عد منها ~~وهكذا سائر العلوم التى يخدم بعضها بعضا PageV01P086 ~~ويعرض أيضا للقسم الأول أن يصير من الثالث ويتصور ذلك فيمن يتبجح بذكر ~~المسائل العلمية لمن ليس من أهلها أو ذكر كبار المسائل لمن لا يحتمل عقله ~~إلا صغارها على ضد التربية المشروعة فمثل هذا يوقع فى مصائب ومن أجلها قال ~~علي رضى الله عنه حدثوا الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وقد ~~يصير ذلك فتنة على بعض السامعين حسبما هو مذكور فى موضعه من هذا الكتاب ~~وإذا عرض للقسم الأول أن يعد من الثالث فأولى أن يعرض للثانى أن يعد من ~~الثالث لأنه أقرب إليه من الأول فلا يصح للعالم ms044 فى التربية العلمية إلا ~~المحافظة على هذه المعاني وإلا لم يكن مربيا واحتاج هو إلى عالم يربيه # ومن هنا لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد ~~حتى يكون ريان من علم الشريعة أصولها وفروعها منقولها ومعقولها غير مخلد ~~إلى التقليد والتعصب للمذهب فإنه إن كان هكذا خيف عليه أن ينقلب عليه ما ~~أودع فيه فتنة بالعرض وإن كان حكمة بالذات والله الموفق للصواب ### || AUTO المقدمة العاشرة # إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل ~~فيكون متبوعا ويتأخر العقل فيكون تابعا فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا ~~بقدر ما يسرحه النقل والدليل على ذلك أمور # الأول أنه لو جاز للعقل تخطى مأخذ النقل لم يكن للحد الذى حده النقل ~~فائدة لأن الفرض أنه حد له حدا فإذا جاز تعديه صار الحد غير مفيد وذلك في ~~الشريعة باطل فما أدى إليه مثله # والثاني ما تبين في علم الكلام والأصول من أن العقل لا يحسن ولا يقبح ولو ~~فرضناه متعديا لما حده الشرع لكان محسنا ومقبحا هذا خلف PageV01P087 ~~والثالث أنه لو كان كذلك لجاز إبطال الشريعة بالعقل وهذا محال باطل وبيان ~~ذلك أن معنى الشريعة أنها تحد للمكلفين حدودا في أفعالهم وأقوالهم ~~وإعتقاداتهم وهو جملة ما تضمنته فإن جاز للعقل تعدي حد وآحد جاز له تعدي ~~جميع الحدود لأن ما ثبت للشيء ثبت لمثله وتعدي حد واحد هو معنى إبطاله أي ~~ليس هذا الحد بصحيح وإن جاز إبطال واحد جاز إبطال السائر وهذا لا يقول به ~~أحد لظهور محاله # فإن قيل هذا مشكل من أوجه # الأول أن هذا الرأي هو رأي الظاهرية لأنهم واقفون مع ظواهر النصوص من غير ~~زيادة ولا نقصان وحاصلة عدم اعتبار المعقول جملة ويتضمن نفي القياس الذي ~~اتفق الأولون عليه # والثاني أنه قد ثبت للعقل التخصيص حسبما ذكره الأصوليون في نحو والله على ~~كل شيء قدير وعلى كل شيء وكيل وخالق كل شيء وهو نقص من مقتضى العموم ms045 فلتجز ~~الزيادة لأنها بمعناه ولأن الوقوف PageV01P088 ~~دون حد النقل كالمجاوز له فكلاهما إبطال للحد على زعمك فإذا جاز إبطاله مع ~~النقص جاز مع الزيادة ولما لم يعد هذا إبطالا للحد فلا يعد الآخر # والثالث أن للأصوليين قاعدة قضت بخلاف هذا القضاء وهي أن المعنى المناسب ~~إذا كان جليا سابقا للفهم عند ذكر النص صح تحكيم ذلك المعنى في النص ~~بالتخصيص له والزيادة عليه ومثلوا ذلك بقوله عليه السلام # لا يقضي القاضي وهو غضبان فمنعوا لأجل معنى التشويش القضاء مع جميع ~~المشوشات وأجازوا مع ما لا يشوش من الغضب فأنت تراهم تصرفوا بمقتضى العقل ~~في النقل من غير توقف وذلك خلاف ما أصلت وبالجملة فإنكار تصرفات العقول ~~بأمثال هذا إنكار للمعلوم في أصول الفقه # فالجواب أن ما ذكرت لا إشكال فيه على ما تقرر ### || AUTO أما الأول فليس القياس من تصرفات العقول محضا وإنما تصرفت فيه ~~من تحت نظر الأدلة وعلى حسب ما أعطته من إطلاق أو تقييد وهذا مبين في موضعه ~~من - كتاب القياس فإنا إذا دلنا الشرع على أن إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص ~~عليه معتبر وأنه من الأمور التي قصدها الشارع وأمر بها ونبه النبي صلى الله ~~عليه وسلم على العمل بها فأين استقلال العقل بذلك بل هو مهتد فيه بالأدلة ~~الشرعية يجرى بمقدار ما أجرته ويقف حيث وقفته # وأما الثاني فسيأتي في باب العموم والخصوص إن شاء الله أن الأدلة ~~المنفصلة لا تخصص وإن سلم أنها تخصص فليس معنى تخصيصها أنها تتصرف في اللفظ ~~المقصود به ظاهره بل هي مبينة أن الظاهر غير مقصود في الخطاب PageV01P089 ~~بأدلة شرعية دلت على ذلك فالعقل مثلها فقوله والله على كل شىء قدير خصصه ~~العقل بمعنى أنه لم يرد فى العموم دخول ذات البارى وصفاته لأن ذلك محال بل ~~المراد جميع ما عدا ذلك فلم يخرج العقل عن مقتضى النقل بوجه # وإذا كان كذلك لم يصح قياس المجاوزة عليه # وأما الثالث فإن إلحاق كل مشوش بالغضب من باب القياس وإلحاق المسكوت عنه ms046 ~~بالمنطوق به بالقياس سائغ وإذا نظرنا إلى التخصيص بالغضب اليسير فليس من ~~تحكيم العقل بل من فهم معنى التشويش ومعلوم أن الغضب اليسير غير مشوش فجاز ~~القضاء مع وجوده بناء على أنه غير مقصود فى الخطاب هكذا يقول الأصوليون فى ~~تقرير هذا المعنى وأن مطلق الغضب يتناوله اللفظ لكن خصصه المعنى والأمر ~~أسهل من غير احتياج إلى تخصيص فإن لفظ غضبان وزنه فعلان وفعلان فى أسماء ~~الفاعلين يقتضى الامتلاء مما اشتق منه فغضبان إنما يستعمل فى الممتلىء عضبا ~~كريان في الممتلىء ريا وعطشان في الممتلىء عطشا وأشباه ذلك لا أنه يستعمل ~~فى مطلق ما اشتق منه فكأن الشارع إنما نهى عن قضاء الممتلىء غضبا حتى كأنه ~~قال لا يقضى القاضى وهو شديد الغضب أو ممتلىء من الغضب وهذا هو المشوش فخرج ~~المعنى عن كونه مخصصا وصار خروج يسير الغضب عن النهى بمقتضى اللفظ لا بحكم ~~المعنى وقيس على مشوش الغضب كل مشوش فلا تجاوز للعقل إذا PageV01P090 ~~وعلى كل تقدير فالعقل لا يحكم على النقل في أمثال هذه الأشياء وبذلك ظهرت ~~صحة ما تقدم ### || AUTO المقدمة الحادية عشرة ### || AUTO لما ثبت أن العلم المعتبر شرعا هو ما ينبنى عليه عمل صار ذلك ~~منحصرا فيما دلت عليه الأدلة الشرعية فما اقتضته فهو العلم الذى طلب من ~~المكلف أن يعلمه فى الجملة وهذا ظاهر غير أن الشأن إنما هو فى حصر الأدلة ~~الشرعية فإذا انحصرت انحصرت مدارك العلم الشرعى وهذا مذكور فى - كتاب ~~الأدلة الشرعية حسبما يأتى إن شاء الله ### || AUTO المقدمة الثانية عشرة # من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذه عن أهله المتحققين به ~~على الكمال والتمام وذلك أن الله خلق الإنسان لا يعلم شيئا ثم علمه وبصره ~~وهداه طرق مصلحته فى الحياة الدنيا غير أن ما علمه من ذلك على ضربين ضرب ~~منها ضرورى داخل عليه من غير علم من أين ولا كيف بل هو مغروز فيه من أصل ~~الخلقة كالتقامه الثدى ومصه له عند خروجه من البطن ms047 إلى الدنيا هذا من ~~المحسوسات وكعلمه بوجوده وأن النقيضين لا يجتمعان من جملة المعقولات وضرب ~~منها بوساطة التعليم شعر بذلك أولا كوجوه التصرفات الضرورية نحو محاكاة ~~الأصوات والنطق بالكلمات ومعرفة أسماء الأشياء فى المحسوسات وكالعلوم ~~النظرية التى للعقل فى تحصيلها مجال ونظر فى المعقولات # وكلامنا من ذلك فيما يفتقر إلى نظر وتبصر فلا بد من معلم فيها وان PageV01P091 ~~كان الناس قد اختلفوا هل يمكن حصول العلم دون معلم أم لا فالإمكان مسلم ~~ولكن الواقع فى مجارى العادات أن لابد من المعلم وهو متفق عليه فى الجملة ~~وإن اختلفوا فى بعض التفاصيل كاختلاف جمهور الأمة والإمامية وهم الذين ~~يشترطون المعصوم والحق مع السواد الأعظم الذي لا يشترط العصمة من جهة أنها ~~مختصة بالأنبياء عليهم السلام ومع ذلك فهم مقرون بافتقار الجاهل إلى المعلم ~~علما كان المعلم أو عملا واتفاق الناس على ذلك فى الوقوع وجريان العادة به ~~كاف فى أنه لا بد منه وقد قالوا إن العلم كان فى صدور الرجال ثم انتقل إلى ~~الكتب وصارت مفاتحه بأيدى الرجال وهذا الكلام يقضى بأن لا بد فى تحصيله من ~~الرجال إذ ليس وراء هاتين المرتبتين مرمى عندهم وأصل هذا فى الصحيح # إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء ~~الحديث فإذا كان كذلك فالرجال هم مفاتحه بلا شك # فإذا تقرر هذا فلا يؤخذ إلا ممن تحقق به وهذا أيضا واضح فى نفسه وهو أيضا ~~متفق عليه بين العقلاء إذ من شروطهم فى العالم بأى علم اتفق أن يكون عارفا ~~بأصوله وما ينبنى عليه ذلك العلم قادرا على التعبير عن مقصوده فيه عارفا ~~بما يلزم عنه قائما على دفع الشبه الواردة عليه فيه فإذا نظرنا إلى ما ~~اشترطوه وعرضنا أئمة السلف الصالح فى العلوم الشرعية وجدناهم قد أتصفوا بها ~~على الكمال # غير أنه لا يشترط السلامة عن الخطأ ألبتة لأن فروع كل علم إذا انتشرت ~~وانبنى بعضها على بعض اشتبهت وربما تصور تفريعها على أصول PageV01P092 ~~مختلفة فى العلم ms048 الواحد فأشكلت أو خفى فيها الرجوع إلى بعض الأصول فأهملها ~~العالم من حيث خفيت عليه وهي فى نفس الأمر على غير ذلك أو تعارضت وجوه ~~الشبه فتشابه الأمر فيذهب على العالم الأرجح من وجوه الترجيح وأشباه ذلك ~~فلا يقدح فى كونه عالما ولا يضر فى كونه إماما مقتدى به فإن قصر عن استيفاء ~~الشروط نقص عن رتبة الكمال بمقدار ذلك النقصان فلا يستحق الرتبة الكمالية ~~ما لم يكمل ما نقص ### || AUTO فصل # وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات تتفق مع ما تقدم وإن خالفتها فى ~~النظر وهى ثلاث # إحداها العمل بماعلم حتى يكون قوله مطابقا لفعله فإن كان مخالفا له فليس ~~بأهل لأن يؤخذ عنه ولا أن يقتدى به فى علم وهذا المعنى مبين على الكمال فى ~~كتاب الاجتهاد والحمد لله # والثانية أن يكون ممن رباه الشيوخ فى ذلك العلم لأخذه عنهم وملازمته لهم ~~فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك وهكذا كان شأن السلف الصالح # فأول ذلك ملازمة الصحابة رضى الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأخذهم بأقواله PageV01P093 ~~وأفعله واعتمادهم على ما يرد منه كائنا ما كان وعلى أي وجه صدر فهم فهموا ~~مغزى ما أراد به أو لا حتى علموا وتيقنوا أنه الحق الذى لا يعارض والحكمة ~~التى لا ينكسر قانونها ولا يحوم النقص حول حمى كمالها وإنما ذلك بكثرة ~~الملازمة وشدة المثابرة وتأمل قصة عمر بن الخطاب فى صلح الحديبية حيث قال ~~يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل قال بلى قال أليس قتلانا فى الجنة ~~وقتلاهم فى النار قال بلى قال ففيم نعطى الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم ~~الله بيننا وبينهم قال يا ابن الخطاب إنى رسول الله ولم يضيعنى الله أبدا ~~فانطلق عمر ولم يصبر متغيظا فأتى أبا بكر فقال له مثل ذلك فقال أبو بكر إنه ~~رسول الله ولم يضيعه الله أبدا قال فنزل القرآن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه ms049 فقال يا رسول الله أو فتح هو ~~قال نعم فطابت نفسه ورجع # فهذا من فوائد الملازمة والانقياد للعلماء والصبر عليهم فى مواطن الإشكال ~~حتى لاح البرهان للعيان وفيه قال سهل بن حنيف يوم صفين # أيها الناس اتهموا رأيكم والله لقد رأيتنى يوم أبى جندل ولو أنى أستطيع ~~أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته اخرجه البخاري وإنما قال ~~ذلك لما عرض لهم فيه من الإشكال PageV01P094 ~~وإنما نزلت سورة الفتح بعد ما خالطهم الحزن والكآبة لشدة الإشكال عليهم ~~والتباس الأمر ولكنهم سلموا وتركوا رأيهم حتى نزل القرآن فزال الإشكال ~~والالتباس # وصار مثل ذلك أصلا لمن بعدهم فالتزم التابعون فى الصحابة سيرتهم مع النبى ~~صلى الله عليه وسلم حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال فى العلوم الشرعية وحسبك ~~من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالما اشتهر فى الناس الأخذ عنه إلا وله ~~قدوة اشتهر فى قرنه بمثل ذلك # وقلما وجدت فرقة زائغة ولا أحد مخالف للسنة إلا وهو مفارق لهذا الوصف # وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم الظاهرى وأنه لم يلازم الأخذ عن ~~الشيوخ ولا تأدب بآدابهم وبضد ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة ~~وأشباههم # والثالثة الاقتداء بمن أخذ عنه والتأدب بأدبه كما علمت من اقتداء الصحابة ~~بالنبى صلى الله عليه وسلم واقتداء التابعين بالصحابة وهكذا فى كل قرن ~~وبهذا الوصف امتاز مالك عن أضرابه أعنى بشدة الإتصاف به وإلا فالجميع ممن ~~يهتدى به فى الدين كذلك كانوا ولكن مالكا اشتهر بالمبالغة فى هذا المعنى ~~فلما ترك هذا الوصف رفعت البدع رؤوسها لأن ترك الاقتداء دليل على أمر حدث ~~عند التارك أصله اتباع الهوي ولهذا المعنى تقرير فى كتاب الاجتهاد بحول ~~الله تعالى PageV01P095 ~~فصل # وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقان # أحدهما المشافهة وهى أنفع الطريقين وأسلمهما لوجهين الأول خاصية جعلها ~~الله تعالى بين المعلم والمتعلم يشهدها كل من زاول العلم والعلماء فكم من ~~مسألة يقرؤها المتعلم فى كتاب ويحفظها ويرددها على قلبه ms050 فلا يفهمها فإذا ~~ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة وحصل له العلم بها بالحضرة وهذا الفهم يحصل ~~إما بأمر عادى من قرائن أحوال وإيضاح موضع إشكال لم يخطر للمتعلم ببال وقد ~~يحصل بأمر غير معتاد ولكن بأمر يهبه الله لمتعلم ! عند مثوله بين يدى ~~المعلم ظاهر الفقر بادى الحاجة إلى ما يلقى إليه وهذا ليس ينكر فقد نبه ~~عليه الحديث الذى جاء # أن الصحابة أنكروا أنفسهم عند ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث ~~حنظلة الأسيدى حين شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم إذا كانوا ~~عنده وفى مجلسه كانوا على حالة يرضونها فإذا فارقوا مجلسه زال ذلك عنهم ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # لو أنكم تكونون كما تكونون عندى لأظلتكم الملائكة بأجنحتها اخرجه مسلم ~~والترمذي صحيح وقد قال عمر بن الخطاب وافقت ربى فى ثلاث وهى من فوائد ~~مجالسة العلماء إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم مالا يفتح له دونهم ويبقى ذلك ~~النور لهم بمقدار ما بقوا فى متابعة معلمهم وتأدبهم معه واقتدائهم به فهذا ~~الطريق نافع على كل تقدير # وقد كان المتقدمون لا يكتب منهم إلا القليل وكانوا يكرهون ذلك وقد كرهه ~~مالك فقيل له فما نصنع قال تحفظون وتفهمون حتى تستنير قلوبكم ثم لا تحتاجون ~~إلى الكتابة وحكى عن عمر بن الخطاب كراهية الكتابة وإنما ترخص الناس فى ذلك ~~عندما حدث النسيان وخيف على الشريعة الاندراس PageV01P096 ~~الطريق الثانى مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين وهو أيضا نافع في بابه بشرطين # الأول أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب ومعرفة اصطلاحات أهله ~~ما يتم له به النظر في الكتب وذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء أو ~~مما هو راجع إليه وهو معنى قول من قال كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل ~~إلى الكتب ومفاتحه بأيدي الرجال والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئا دون ~~فتح العلماء وهو مشاهد معتاد # والشرط الثاني أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد فإنهم أقعد ms051 به ~~من غيرهم من المتأخرين وأصل ذلك التجربة والخبر أما التجربة فهو أمر مشاهد ~~في أي علم كان فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما ما بلغه المتقدم # وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري فأعمال المتقدمين في إصلاح دنياهم ~~ودينهم على خلاف أعمال المتأخرين وعلومهم في التحقيق أقعد فتحقق الصحابة ~~بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين والتابعون ليسوا كتابعيهم وهكذا إلى الآن ~~ومن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم أبصر العجب في هذا المعنى وأما الخبر ~~ففي الحديث # خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم رواه الخمسة وفي هذا ~~إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم # أول دينكم نبوة ورحمة ثم ملك ورحمة ثم ملك وجبرية ثم ملك عضوض رواه ~~ابراهيم الحربي عن ابي ثعلبة ولم يذكر منزلته من الصحة ولا يكون هذا إلا مع ~~قلة الخير وتكاثر الشر شيئا بعد شىء PageV01P097 ~~ويندرج ما نحن فيه تحت الإطلاق وعن ابن مسعود أنه قال ليس عام إلا الذى ~~بعده شر منه لا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ولا أمير خير من ~~أمير ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم ~~الإسلام ويثلم ومعناه موجود فى الصحيح فى قوله # ولكن ينتزعه مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم ~~فيضلون ويضلون رواه البخاري وقال عليه السلام # إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل من الغرباء ~~قال النزاع من القبائل رواه مسلم وفى رواية # قيل ومن الغرباء يا رسول الله قال الذين يصلحون عند فساد الناس رواه ~~الطبراني وعن أبى إدريس الخولانى إن للإسلام عرى يتعلق الناس وإنها تمتلخ ~~عروة عروة وعن بعضهم تذهب السنة سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة وتلا أبو ~~هريرة قوله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح الآية ثم قال والذى نفسى بيده ~~ليخرجن من دين الله أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا ms052 وعن عبد الله قال أتدرون ~~كيف ينقص الإسلام قالوا نعم كما ينقص صبغ الثوب وكما ينقص سمن الدابة فقال ~~عبد الله ذلك منه ولما نزل قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم بكى عمر فقال ~~عليه والسلام # ما يبكيك قال يا رسول الله إنا كنا فى زيادة من ديننا فأما إذا كمل فلم ~~يكمل شىء قط إلا نقص فقال عليه السلام صدقت اخرجه ابن ابي شيبة والأخبار ~~هنا كثيرة وهى تدل على نقص الدين والدنيا وأعظم ذلك العلم فهو إذا فى نقص بلا شك PageV01P098 ~~فلذلك صارت كتب المتقدمين وكلامهم وسيرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط ~~فى العلم على أي نوع كان وخصوصا علم الشريعة الذى هو العروة الوثقى والوزر ~~الأحمى وبالله تعالى التوفيق ### || AUTO المقدمة الثالثة عشرة # كل أصل علمى يتخذ إماما في العمل فلا يخلوا إما أن يجرى به العمل على ~~مجارى العادات فى مثله بحيث لا ينخرم منه ركن ولا شرط أولا فإن جرى فذلك ~~الأصل صحيح وإلا فلا # وبيانه أن العلم المطلوب إنما يراد بالفرض لتقع الأعمال فى الوجود على ~~وفقه من غير تخلف كانت الأعمال قلبية أو لسانية أو من أعمال الجوارح # فإذا جرت فى المعتاد على وفقه من غير تخلف فهو حقيقة العلم بالنسبة إليه ~~وإلا لم يكن بالنسبة إليه علما لتخلفه وذلك فاسد لأنه من باب انقلاب العلم جهلا # ومثاله فى علم الشريعة الذى نحن فى تأصيل أصوله أنه قد تبين فى أصول ~~الدين امتناع التخلف فى خبر الله تعالى وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم وثبت ~~فى الأصول الفقهية امتناع التكليف بما لا يطاق وألحق به امتناع التكليف بما ~~فيه حرج خارج عن المعتاد فإذا كل أصل شرعى تخلف عن جريانه على هذه المجارى ~~فلم يطرد ولا استقام بحسبها فى العادة فليس بأصل يعتمد عليه ولا قاعدة ~~يستند إليها ويقع ذلك فى فهم الأقوال ومجارى الأساليب والدخول فى الأعمال # فأما فهم الأقوال فمثل قوله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على PageV01P099 ~~المؤمنين سبيلا إن حمل ms053 على أنه إخبار لم يستمر مخبره لوقوع سبيل الكافر ~~على المؤمن كثيرا بأسره وإذلاله فلا يمكن أن يكون المعنى إلا على ما يصدقه ~~الواقع ويطرد عليه وهو تقرير الحكم الشرعى فعليه يجب أن يحمل ومثله قوله ~~تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين إن حمل على أنه تقرير حكم شرعى ~~استمر وحصلت الفائدة وإن حمل على أنه إخبار بشأن PageV01P100 ~~الوالدات لم تتحكم فيه فائدة زائدة على ما علم قبل الآية # وأما مجارى الأساليب فمثل قوله ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا الخ فهذه صيغة عموم تقتضى بظاهرها دخول كل ~~مطعوم وأنه لا جناح فى استعماله بذلك الشرط ومن جملته الخمر لكن هذا الظاهر ~~يفسد جريان الفهم فى الأسلوب مع إهمال السبب الذى لأجله نزلت الآية بعد ~~تحريم الخمر لأن الله تعالى لما حرم الخمر قال ليس على الذين آمنوا فكان ~~هذا نقضا للتحريم فاجتمع الإذن والنهى معا فلا يمكن للمكلف امتثال # ومن هنا خطأ عمر بن الخطاب من تأول فى الآية أنها عائدة إلى ما تقدم من ~~التحريم فى الخمر وقل له إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله إذ لا يصح أن يقال ~~للمكلف اجتنب كذا ويؤكد النهى بما يقتضى التشديد فيه جدا ثم PageV01P101 ~~يقال فإن فعلت فلا جناح عليك وأيضا فإن الله أخبر أنها تصد عن ذكر الله ~~وعن الصلاة وتوقع العداوة والبغضاء بين المتحابين في الله وهو بعد استقرار ~~التحريم كالمنافى لقوله إذا ما اتقوا وآمنوا وعلموا الصالحات فلا يمكن ~~إيقاع كمال التقوى بعد تحريمها إذا شربت لأنه من الحرج أو تكليف ما لا يطاق # وأما الدخول في الأعمال فهو العمدة في المسألة وهو الأصل في القول ~~بالاستحسان والمصالح المرسلة لأن الأصل إذا أدى القول بحمله على عمومه إلى ~~الحرج أو إلى ما لا يمكن شرعا أو عقلا فهو غير جار على استقامة ولا اطراد ~~فلا يستمر الإطلاق وهو الأصل أيضا لكل من تكلم في مشكلات القرآن أو السنة ~~لما يلزم في ms054 حمل مواردها على عمومها أو إطلاقها من المخالفة المذكورة حتى ~~تقيد بالقيود المقتضية للإطراد والإستمرار فتصح وفى ضمنه تدخل أحكام الرخص ~~إذ هو الحاكم فيها والفارق بين ما تدخله الرخصة وما لا # ومن لم يلاحظه في تقرير القواعد الشرعية لم يأمن الغلط بل كثيرا ما تجد ~~خرم هذا الأصل في أصول المتبعين للمتشابهات والطوائف المعدودين في الفرق ~~الضالة عن الصراط المستقيم كما أنه قد يعتري ذلك في مسائل الإجتهاد المختلف ~~فيها عند الأئمة المعتبرين والشيوخ المتقدمين # وسأمثل لك بمسألتين وقعت المذاكرة بهما مع بعض شيوخ العصر # إحداهما أنه كتب إلى بعض شيوخ المغرب في فصل يتضمن ما يجب على طالب ~~الآخرة النظر فيه والشغل به فقال فيه وإذا شغله شاغل عن لحظة في صلاته فرغ ~~سره منه بالخروج عنه ولو كان يساوي خمسين ألفا كما فعله المتقون فاستشكلت ~~هذا الكلام وكتبت إليه بأن قلت أما أنه PageV01P102 ~~مطلوب بتفريغ السر منه فصحيح وأما أن تفريغ السر بالخروج عنه واجب فلا ~~أدري ما هذا الوجوب ولو كان واجبا بإطلاق لوجب على جميع الناس الخروج عن ~~ضياعهم وديارهم وقراهم وأزواجهم وذرياتهم وغير ذلك مما يقع لهم به الشغل في ~~الصلاة وإلى هذا فقد يكون الخروج عن المال سببا للشغل في الصلاة أكثر من ~~شغله بالمال وأيضا فإذا كان الفقر هو الشاغل فماذا يفعل فإنا نجد كثيرا ممن ~~يحصل له الشغل بسبب الإقلال ولا سيما إن كان له عيال لا يجد إلى إغاثتهم ~~سبيلا ولا يخلو أكثر الناس عن الشغل بآحاد هذه الأشياء أفيجب على هؤلاء ~~الخروج عما سبب لهم الشغل في الصلاة هذا ما لا يفهم وإنما الجاري على الفقه ~~والإجتهاد في العبادة طلب مجاهدة الخواطر الشاغلة خاصة وقد يندب إلى الخروج ~~عما شأنه أن يشغله من مال أو غيره إن أمكنه الخروج عنه شرعا وكان مما لا ~~يؤثر فيه فقده تأثيرا يؤدي إلى مثل ما فر منه أو أعظم ثم ينظر بعد في حكم ~~الصلاة الواقع فيها الشغل كيف حال صاحبها من ms055 وجوب الإعادة أو استحبابها أو ~~سقوطها وله موضع غير هذا اه حاصل المسألة # فلما وصل إليه ذلك كتب إلي بما يقتضي التسليم فيه وهو صحيح لأن القول ~~بإطلاق الخروج عن ذلك كله غير جار في الواقع على استقامة لإختلاف أحوال ~~الناس فلا يصح إعتماده أصلا فقهيا ألبتة # والثانية مسألة الورع بالخروج عن الخلاف فإن كثيرا من المتأخرين يعدون ~~الخروج عنه في الأعمال التكليفية مطلوبا وأدخلوا في المتشابهات المسائل ~~المختلف فيها PageV01P103 ~~ولا زلت منذ زمان استشكله حتى كتبت فيها إلى المغرب وإلى إفريقية فلم ~~يأتني جواب بما يشفي الصدر بل كان من جملة الإشكالات الواردة أن جمهور ~~مسائل الفقه مختلف فيها إختلافا يعتد به فيصير إذا أكثر مسائل الشريعة من ~~المتشابهات وهو خلاف وضع الشريعة وأيضا فقد صار الورع من أشد الحرج إذ لا ~~تخلو لأحد في الغالب عبادة ولا معاملة ولا أمر من أمور التكليف من خلاف ~~يطلب الخروج عنه وفي هذا ما فيه # فأجاب بعضهم بأن المراد بأن المختلف فيه من المتشابه المختلف فيه إختلافا ~~دلائل أقواله متساوية أو متقاربه وليس أكثر مسائل الفقه هكذا بل الموصوف ~~بذلك أقلها لمن تأمل من محصلي مواد التأمل وحينئذ لا يكون المتشابه منها ~~إلا الأقل وأما الورع من حيث ذاته ولو في هذا النوع فقط فشديد مشق لا يحصله ~~إلا من وفقه الله إلى كثرة استحضار لوازم فعل المنهي عنه وقد قال عليه السلام # حفت الجنة بالمكاره رواه مسلم هذا ما أجاب به فكتبت إليه بأن ما قررتم من ~~الجواب غير بين لأنه إنما يجري في المجتهد PageV01P104 ~~وحده والمجتهد إنما يتورع عند تعارض الأدلة لا عند تعارض الأقوال # فليس مما نحن فيه وأما المقلد فقد نص صاحب هذا الورع الخاص على طلب خروجه ~~من الخلاف إلى الإجماع وإن كان من أفتاه أفضل العلماء المختلفين # والعامي في عامة أحواله لا يدري من الذي دليله أقوى من المختلفين والذي ~~دليله أضعف ولا يعلم هل تساوت أدلتهم أو تقاربت أم لا لأن هذا لا يعرفه ms056 إلا ~~من كان أهلا للنظر وليس العامى كذلك وإنما بني الإشكال على اتقاء الخلاف ~~المعتد به والخلاف المعتد به موجود في أكثر مسائل الشريعة والخلاف الذي لا ~~يعتد به قليل كالخلاف في المتعة وربا النساء ومحاش النساء وما أشبه ذلك # وأيضا فتساوى الأدلة أو تقاربها أمر إضافي بالنسبة إلى أنظار المجتهدين ~~فرب دليلين يكونان عند بعض متساويين أو متقاربين ولا يكونان كذلك عند بعض ~~فلا يتحصل للعامي ضابط يرجع إليه فيما يجتنبه من الخلاف مما لا يجتنبه ولا ~~يمكنه الرجوع في ذلك إلى المجتهد لأن ما يأمره به من الإجتناب أو عدمه راجع ~~إلى نظره واجتهاده واتباع نظره وحده في ذلك تقليد له وحده من غير أن يخرج ~~عن الخلاف لا سيما إن كان هذا المجتهد يدعى أن قول خصمه ضعيف لا يعتبر مثله ~~وهكذا الأمر فيما إذا راجع المجتهد الآخر فلا يزال العامي في حيرة إن اتبع ~~هذه الأمور وهو شديد جدا ومن يشاد هذا الدين يغلبه وهذا هو الذي أشكل على ~~السائل ولم PageV01P105 ~~يتبين جوابه بعد # ولا كلام في أن الورع شديد في نفسه كما أنه لا إشكال في أن التزام التقوى ~~شديد إلا أن شدته ليست من جهة إيقاع ذلك بالفعل لأن الله لم يجعل علينا في ~~الدين من حرج بل من جهة قطع مألوفات النفس وصدها عن هواها خاصة وإذا تأملنا ~~مناط المسألة وجدنا الفرق بين هذا الورع الخاص وغيره من أنواع الورع بينا ~~فإن سائر أنواع الورع سهل في الوقوع وإن كان شديدا في مخالفة النفس وورع ~~الخروج من الخلاف صعب فى الوقوع قبل النظر في مخالفة النفس فقد تبين مقصود ~~السائل بالشدة والحرج وأنه ليس ما أشرتم إليه اه ما كتبت به وهنا وقف ~~الكلام بيني وبينه # ومن تأمل هذا التقرير عرف أن ما أجاب به هذا الرجل لا يطرد ولا يجري في ~~الواقع مجرى الإستقامة للزوم الحرج في وقوعه فلا يصح أن يستند إليه ولا ~~يجعل أصلا يبنى عليه والأمثلة كثيرة فاحتفظ بهذا ms057 الأصل فهو مفيد جدا وعليه ~~ينبني كثير من مسائل الورع وتمييز المتشابهات وما يعتبر من وجه الإشتباه ~~وما لا يعتبر وفي أثناء الكتاب مسائل تحققه إن شاء الله PageV01P106 ### || AUTO ### || AUTO القسم الثاني - كتاب الأحكام PageV01P107 ~~بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم - كتاب الأحكام # والأحكام الشرعية قسمان أحدهما يرجع إلى خطاب التكليف والآخر يرجع إلى ~~خطاب الوضع فالأول ينحصر فى الخمسة فلنتكلم على ما يتعلق بها من المسائل ~~وهى جملة # المسألة الأولى # المباح من حيث هو مباح لا يكون مطلوب الفعل ولا مطلوب الاجتناب # أما كونه ليس بمطلوب الاجتناب فلأمور # أحدها أن المباح عند الشارع هو المخير فيه بين الفعل والترك من غير مدح ~~ولا ذم لا على الفعل ولا على الترك فإذا تحقق الاستواء شرعا والتخييرلم ~~يتصور أن يكون التارك به مطيعا لعدم تعلق الطلب بالترك فإن الطاعة لا تكون ~~إلا مع الطلب ولا طلب فلا طاعة # والثانى أن المباح مساو للواجب والمندوب فى أن كل واحد منهما غير مطلوب ~~الترك فكما يستحيل أن يكون تارك الواجب والمندوب مطيعا بتركه شرعا لكون ~~الشارع لم يطلب الترك فيهما كذلك يستحيل أن يكون تارك المباح مطيعا شرعا PageV01P109 ~~لا يقال إن الواجب والمندوب يفارقان المباح بأنهما مطلوبا الفعل فقد قام ~~المعارض لطلب الترك وليس المباح كذلك فإنه لا معارض لطلب الترك فيه لأنا ~~نقول كذلك المباح فيه معارض لطلب الترك وهو التخيير فى الترك فيستحيل الجمع ~~بين طلب الترك عينا وبين التخيير فيه # والثالث أنه إذا تقرر استواء الفعل والترك فى المباح شرعا فلو جاز أن ~~يكون تارك المباح مطيعا بتركه جاز أن يكون فاعله مطيعا بفعله من حيث كانا ~~مستويين بالنسبة إليه وهذا غير صحيح باتفاق ولا معقول فى نفسه # والرابع إجماع المسلمين على أن ناذر ترك المباح لا يلزمه الوفاء بنذره ~~بأن يترك ذلك المباح وأنه كنذر فعله وفى الحديث # من نذر أن يطيع الله فليطعه رواه الستة الا مسلم فلو كان ترك المباح طاعة ms058 ~~للزم بالندر لكنه غير لازم فدل على أنه ليس بطاعة وفى الحديث # أن رجلا نذر أن يصوم قائما ولا يستظل فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يجلس وأن يستظل ويتم صومه رواه البخاري قال مالك أمره عليه السلام أن ~~يتم ما كان لله طاعة ويترك ما كان لله معصية فجعل نذر ترك المباح معصية كما ترى PageV01P110 ~~والخامس أنه لو كان تارك المباح مطيعا بتركه وقد فرضنا أن تركه وفعله عند ~~الشارع سواء لكان أرفع درجة فى الآخرة ممن فعله وهذا باطل قطعا # فإن القاعدة المتقف عليها أن الدرجات فى الآخرة منزلة على أمور الدنيا ~~فإذا تحقق الاستواء فى الدرجات وفعل المباح وتركه فى نظر الشارع متساويان # فيلزم تساوى درجتى الفاعل والتارك وإذا فرضنا تساويهما فى الطاعات والفرض ~~أن التارك مطيع دون الفاعل فيلزم أن يكون أرفع درجة منه هذا خلف ومخالف لما ~~جاءت به الشريعة اللهم إلا أن يظلم الإنسان فيؤجر على ذلك # وإن لم يطع فلا كلام فى هذا # والسادس أنه لو كان ترك المباح طاعة للزم رفع المباح من أحكام الشرع من ~~حيث النظر إليه فى نفسه وهو باطل بالإجماع ولا يخالف فى هذا الكعبى لأنه ~~إنما نفاه بالنظر إلى ما يستلزم لا بالنظر إلى ذات الفعل وكلامنا إنما هو PageV01P111 ~~بالنظر إلى ذات الفعل لا بالنظر إلى ما يستلزم وأيضا فإنما قال الكعبى ما ~~قال بالنظر إلى فعل المباح لأنه مستلزم ترك حرام بخلافه بالنظر إلى تركه إذ ~~لا يستلزم تركه فعل واجب فيكون واجبا ولا فعل مندوب فيكون مندوبا فثبت أن ~~القول بذلك يؤدى إلى رفع المباح بإطلاق وذلك باطل باتفاق # والسابع أن الترك عند المحققين فعل من الأفعال الداخلة تحت الاختيار # فترك المباح إذا فعل مباح وأيضا القاعدة أن الأحكام إنما تتعلق بالأفعال ~~أو بالتروك بالمقاصد حسبما يأتى إن شاء الله وذلك يستلزم رجوع الترك إلى ~~الاختيار كالفعل فإن جاز أن يكون تارك المباح مطيعا بنفس الترك جاز أن يكون ~~فاعله مطيعا وذلك تناقض ms059 محال # فإن قيل هذا كله معارض بأمور # أحدها أن فعل المباح سبب فى مضار كثيرة منها أن فيه إشتغالا عما هو الأهم ~~فى الدنيا من العمل بنوافل الخيرات وصدا عن كثير من الطاعات ومنها أنه سبب ~~فى الإشتغال عن الواجبات ووسيلة إلى الممنوعات لأن التمتع بالدنيا له ضراوة ~~كضراوة الخمر وبعضها يجر إلى بعض إلى أن تهوى بصاحبها فى المهلكة والعياذ ~~بالله ومنها أن الشرع قد جاء بذم الدنيا والتمتع بلذاتها كقوله تعالى ~~أذهبتم طيباتكم فى حياتكم PageV01P112 ~~الدنيا وقوله من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها وفى الحديث # إن أخوف ما أخاف عليكم أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على من كان قبلكم ~~الحديث وفيه # إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم صحيح عن الشيخان وذلك كثير شهير ~~فى الكتاب والسنة وهو كاف فى طلب ترك المباح لأنه أمر دنيوى لا يتعلق ~~بالآخرة من حيث هو مباح ومنها ما فيه من التعرض لطول الحساب فى الآخرة وقد ~~جاء أن حلالها حساب وحرامها عذاب وعن بعضهم اعزلوا عني حسابها حين أتى بشىء ~~يتناوله والعاقل يعلم أن طول الحساب نوع من العذاب وأن سرعة الإنصراف من ~~الموقف إلى الجنة من أعظم المقاصد والمباح صاد عن ذلك فإذا تركه أفضل شرعا ~~فهو طاعة فترك المباح طاعة # فالجواب أن كونه سببا فى مضار لا دليل فيه من أوجه # أحدها أن الكلام فى أصل المسألة إنما هو فى المباح من حيث هو مباح متساوى ~~الطرفين ولم يتكلم فيما إذا كان ذريعة إلى أمر آخر فإنه إذا كان ذريعة إلى ~~ممنوع صار ممنوعا من باب سد الذرائع لا من جهة كونه مباحا # وعلى هذا يتنزل قول من قال كنا ندع ما لا بأس به حذرا لما به PageV01P113 ~~البأس وروى مرفوعا وكذلك كل ما جاء من هذا الباب فذم الدنيا إنما هو لأجل ~~أنها تصير ذريعة إلى تعطيل التكاليف وأيضا فقد يتعلق بالمباح فى سوابقه أو ~~لواحقه أو قرائنه ما يصير به غير مباح كالمال إذا ms060 لم تؤد زكاته والخيل إذا ~~ربطها تعففا ولكن نسى حق الله فى رقابها وما أشبه ذلك # والثانى أنا إذا نظرنا إلى كونه وسيلة فليس تركه أفضل بإطلاق بل هو ثلاثة ~~أقسام قسم يكون ذريعة إلى منهى عنه فيكون من تلك الجهة مطلوب الترك وقسم ~~يكون ذريعة إلى مأمور به كالمستعان به على أمر أخروى ففى الحديث # نعم المال الصالح للرجل الصالح اخرجه احمد بسند جيد وفيه # ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلا والنعيم المقيم إلى أن قال ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء رواه مسلم صحيح بل قد جاء أن فى مجامعة الأهل أاجرا ~~وإن كان قاضيا لشهوته لأنه يكف به عن الحرام وذلك فى الشريعة كثير لأنها ~~لما كانت وسائل إلى مأمور به كان لها حكم ما توسل بها إليه وقسم لا يكون ~~ذريعة إلى شىء فهو المباح المطلق وعلى الجملة فإذا فرض ذريعة إلى غيره ~~فحكمه حكم ذلك الغير وليس الكلام فيه # والثالث إنه إذا قيل إن ترك المباح طاعة على الإطلاق لكونه وسيلة إلى ما ~~ينهى عنه فهو معارض بمثله فيقال بل فعله طاعة بإطلاق لأن PageV01P114 ~~كل مباح ترك حرام ألا ترى أنه ترك المحرمات كلها عند فعل المباح فقد شغل ~~النفس به عن جميعها وهذا الثانى أولى لأن الكلية هنا تصح ولا يصح أن يقال ~~كل مباح وسيلة إلى محرم أو منهى عنه بإطلاق فظهر أن ما اعترض به لا ينهض ~~دليلا على أن ترك المباح طاعة # وأما قوله إنه سبب فى طول الحساب فجوابه من أوجه # أحدها أن فاعل المباح إن كان يحاسب عليه لزم أن يكون التارك محاسبا على ~~تركه من حيث كان الترك فعلا ولاستواء نسبة الفعل والترك شرعا وإذ ذاك ~~يتناقض الأمر على فرض المباح وذلك محال فما أدى إليه مثله وأيضا فإنه إذا ~~تمسك بأن حلالها حساب ثم قضى بأن التارك لا يحاسب مع أنه آت بحلال وهو ~~الترك فقد صار الحلال سببا لطول الحساب وغير سبب له لأن طول الحساب ms061 إنما ~~نيط به من جهة كونه حلالا بالفرض # وهذا تناقض من القول # والثانى أن الحساب إن كان ينهض سببا لطلب الترك لزم أن يطلب ترك الطاعات ~~من حيث كانت مسئولا عنها كلها فقد قال تعالى فلنسألن الذين أرسل إليهم ~~ولنسألن المرسلين فقد انحتم على الرسل عليهم الصلاة والسلام أن يسألوا عن ~~الرسالة وتبليغ الشريعة ولم يكن هذا مانعا من الإتيان بذلك وكذلك سائر ~~المكلفين لا يقال إن الطاعات يعارض طلب تركها طلبها لأنا نقول كذلك المباح ~~يعارض طلب تركه التخيير فيه وأن فعله وتركه فى قصد الشارع بمثابة واحدة # والثالث أن ما ذكر من الحساب على تناول الحلال قد يقال إنه راجع PageV01P115 ~~إلى أمر خارج عن نفس المباح فإن المباح هو أكل كذا مثلا وله مقدمات وشروط ~~ولواحق لا بد من مراعاتها فإذا روعيت صار الأكل مباحا وإن لم تراع كان ~~التسبب والتناول غير مباح وعلى الجملة فالمباح كغيره من الأفعال له أركان ~~وشروط وموانع ولواحق تراعى # والترك في هذا كله كالفعل فكما أنه إذا تسبب للفعل كان تسببه مسئولا عنه ~~كذلك إذا تسبب إلى الترك كان مسئولا عنه # ولا يقال إن الفعل كثير الشروط والموانع ومفتقر إلى أركان بخلاف الترك ~~فإن ذلك فيه قليل وقد يكفي مجرد القصد إلى الترك # لأنا نقول حقيقة المباح إنما تنشأ بمقدمات كان فعلا أو تركا ولو بمجرد ~~القصد وأيضا فإن الحقوق تتعلق بالترك كما تتعلق بالفعل من حقوق الله أو ~~حقوق الآدميين أو منهما جميعا يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم # إن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه اخرجه البخاري ~~وتأمل ح حديث سلمان وأبي الدرداء رضي الله عنهما يبين لك هو وما في معناه ~~أن الفعل والترك في المباح على الخصوص لا فرق بينهما من هذا الوجه # فالحساب يتعلق بطريق الترك كما يتعلق بطريق الفعل وإذا كان الأمر كذلك ~~ثبت أن الحساب إن كان راجعا إلى طريق المباح فالفعل والترك سواء وإن كان ~~راجعا إلى نفس ms062 المباح أو إليهما معا فالفعل والترك أيضا سواء وأيضا إن كان ~~في المباح ما يقتضي الترك ففيه ما يقتضي عدم الترك لأنه من جملة ما امتن ~~الله به على عباده ألا ترى إلى قوله تعالى والأرض وضعها للأنام إلى قوله ~~يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وقوله وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه إلى ~~قوله ولعلكم تشكرون وقوله وسخر PageV01P116 ~~لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إلى غير ذلك من الآيات التي نص ~~فيها على الإمتنان بالنعم وذلك يشعر بالقصد إلى التناول والإنتفاع ثم الشكر ~~عليها وإذا كان هكذا فالترك له قصدا يسأل عنه لم تركته ولأي وجه أعرضت عنه ~~وما منعك من تناول ما أحل لك فالسؤال حاصل في الطرفين وسيأتي لذلك تقرير في ~~المباح الخادم لغيره إن شاء الله # وهذه الأجوبة أكثرها جدلي والصواب في الجواب أن تناول المباح لا يصح أن ~~يكون صاحبه محاسبا عليه بإطلاق وإنما يحاسب على التقصير في الشكر عليه إما ~~في جهة تناوله واكتسابه وإما في جهة الإستعانة به على التكليفات فمن حاسب ~~نفسه في ذلك وعمل على ما أمر به فقد شكر نعم الله # وفي ذلك قال تعالى قل من حرم زينة الله إلى قوله خالصة يوم القيامة أي لا ~~تبعة فيها وقال تعالى فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ~~وفسره النبي عليه السلام بأنه العرض لا الحساب الذي فيه مناقشة وعذاب وإلا ~~لم تكن النعم المباحة خالصة للمؤمنين يوم القيامة وإليه يرجع قوله تعالى ~~فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين أعنى سؤال المرسلين ويحققه ~~أحوال السلف فى تناول المباحات كما سيذكر على إثر هذا # والثانى من الأمور المعارضة أن ما تقدم مخالف لما كان عليه السلف الصالح ~~من الصحابة والتابعين والعلماء المتقين فإنهم تورعوا عن المباحات كثيرا ~~وذلك منقول عنهم تواترا كترك الترفه فى المطعم والمشرب والمركب والمسكن ~~وأعرقهم فى ذلك عمر بن الخطاب وأبو ذر وسلمان وأبو عبيدة بن الجراح وعلي بن ~~أبى طالب وعمار وغيرهم ms063 رضى الله عنهم PageV01P117 ### || AUTO وانظر إلى ما حكاه ابن حبيب فى - كتاب الجهاد وكذلك الداودى ~~فى - كتاب الأموال ففيه الشفاء ومحصوله أنهم تركوا المباح من حيث هو مباح ~~ولو كان ترك المباح غير طاعة لما فعلوه # والجواب عن ذلك من أوجه # أحدها أن هذه أولا حكايات أحوال فالاحتجاج بمجردها من غير نظر فيها لا ~~يجدى إذ لا يلزم أن يكون تركهم لما تركوه من ذلك من جهة كونه مباحا لإمكان ~~تركه لغير ذلك من المقاصد وسيأتي إن شاء الله أن حكايات الأحوال بمجردها ~~غير مفيدة في الإحتجاج # والثاني أنها معارضة بمثلها في النقيض فقد كان عليه السلام يحب الحلواء ~~والعسل ويأكل اللحم ويختص بالذراع وكانت تعجبه وكان يستعذب له الماء وينقع ~~له الزبيب والتمر ويتطيب بالمسك ويحب النساء # وأيضا فقد جاء كثير من ذلك عن الصحابة والتابعين والعلماء المتقين بحيث ~~يقتضي أن الترك عندهم كان غير مطلوب والقطع أنه لو كان مطلوب الترك عندهم ~~شرعا لبادروا إليه مبادرتهم لكل نافلة وبر ونيل منزلة ودرجة إذ لم يبادر ~~أحد من الخلق إلى نوافل الخيرات مبادرتهم ولا شارك أحد أخاه المؤمن ممن قرب ~~عهده أو بعد في رفده وماله مشاركتهم يعلم ذلك من طالع سيرهم ومع ذلك فلم ~~يكونوا تاركين للمباحات أصلا ولو كان مطلوبا لعلموه قطعا ولعملوا بمقتضاه ~~مطلقا من غير استثناء لكنهم لم يفعلوا فدل ذلك على أنه عندهم غير مطلوب بل ~~قد أراد بعضهم أن يترك شيئا من المباحات فنهوا عن ذلك وأدلة هذه الجملة ~~كثيرة وانظر في باب المفاضلة بين الفقر PageV01P118 ~~والغنى في مقدمات ابن رشد # والثالث إذا ثبت أنهم تركوا منه شيئا طلبا للثواب على تركه فذلك لا من ~~جهة أنه مباح فقط للأدلة المتقدمة بل لأمور خارجة وذلك غير قادح في كونه ~~غير مطلوب الترك # منها أنهم تركوه من حيث هو مانع من عبادات وحائل دون خيرات فيترك ليمكن ~~الإتيان بما يثاب عليه من باب التوصل إلى ما هو مطلوب كما كانت عائشة رضي ~~الله عنها ms064 يأتيها المال العظيم الذي يمكنها به التوسع في المباح فتتصدق به ~~وتفطر على أقل ما يقوم به العيش ولم يكن تركها التوسع من حيث كان الترك ~~مطلوبا وهذا هو محل النزاع # ومنها أن بعض المباحات قد يكون مورثا لبعض الناس أمرا لا يختاره لنفسه ~~بالنسبة إلى ما هو عليه من الخصال الحميدة فيترك المباح لما يؤديه إليه كما ~~جاء أن عمر بن الخطاب لما عذلوه في ركوبه الحمار في مسيرة إلى الشام أتي ~~بفرس فلما ركبه فهملج تحته أخبر أنه أحس من نفسه فنزل عنه ورجع إلى حماره ~~وكما جاء في حديث الخميصة ذات العلم حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرهم أنه نظر إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنه وهو المعصوم PageV01P119 ~~صلى الله عليه وسلم ولكنه علم أمته كيف يفعلون بالمباح إذا أداهم إلى ما ~~يكره وكذلك قد يكون المباح وسيلة إلى ممنوع فيترك من حيث هو وسيلة كما قيل ~~إني لأدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال ولا أحرمها وفي الحديث # لا يبلغ الرجل درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس صحيح ~~الاسناد وهذا بمثابة من يعلم أنه إذا مر لحاجته على الطريق الفلانية نظر ~~إلى محرم أو تكلم فيما لا يعنيه أو نحوه # ومنها أنه قد يترك بعض الناس ما يظهر لغيره أنه مباح إذا تخيل فيه إشكالا ~~وشبهة ولم يتخلص له حلة وهذا موضع مطلوب الترك على الجملة بلا خلاف # كقوله كنا ندع ما لا بأس به حذرا لما به البأس ولم يتركوا كل ما لا بأس ~~به وإنما تركوا ما خشوا أن يفضي بهم إلى مكروه أو ممنوع # ومنها أنه قد يترك المباح لأنه لم تحضره نية في تناوله إما للعون به على ~~طاعة الله وإما لأنه يحب أن يكون عمله كله خالصا لله لا يلوي فيه على حظ ~~نفسه من حيث هي طالبة له فإن من خاصة عباد الله من لا يحب أن يتناول مباحا ~~لكونه مباحا بل ms065 يتركه حتى يجد لتناوله قصد عبادة أو عونا على عبادة أو يكون ~~أخذه له من جهة الإذن لا من جهة الحظ لأن الأول نوع من الشكر بخلاف الثاني ~~ومن ذلك أن يتركه حتى PageV01P120 ~~يصير مطلوبا كالأكل والشرب ونحوهما فإنه إذا كان لغير حاجة مباح كأكل بعض ~~الفواكه فيدع التناول إلى زمان الحاجة إلى الغذاء ثم يأكل قصدا لإقامة ~~البنية والعون على الطاعة وهذه كلها أغراض صحيحة منقولة عن السلف وغير ~~قادحة في مسألتنا # ومنها أن يكون التارك مأخوذ الكلية في عبادة من علم أو تفكر أو عمل مما ~~يتعلق بالآخرة فلا تجده يستلذ بمباح ولا ينحاش قلبه إليه ولا يلقي إليه ~~بالا وهذا وإن كان قليلا فالترك على هذا الوجه يشبه الغفلة عن المتروك ~~والغفلة عن تناول المباح ليس بطاعة بل هو في طاعة بما اشتغل به # وقد نقل مثل هذا عن عائشة حين أتيت بمال عظيم فقسمته ولم تبق لنفسها شيئا ~~فعوتبت على تركها نفسها دون شيء فقال لا تعنيني لو كنت ذكرتني لفعلت ويتفق ~~مثل هذا للصوفية وكذلك إذا ترك المباح لعدم قيام النفس له هو في حكم ~~المغفول عنه # ومنها أنه قد يرى بعض ما يتناوله من المباح إسرافا والإسراف مذموم # وليس في الإسراف حد يوقف دونه كما في الإقتار فيكون التوسط راجعا إلى ~~الإجتهاد بين الطرفين فيرى الإنسان بعض المباحات بالنسبة إلى حاله داخلا ~~تحت الإسراف فيتركه لذلك ويظن من يراه ممن ليس ذلك إسرافا في حقه أنه تارك ~~للمباح ولا يكون كما ظن فكل أحد فيه فقيه نفسه والحاصل أن التفقه في المباح ~~بالنسبة إلى الإسراف وعدمه والعمل على ذلك مطلوب وهو شرط من شروط تناول ~~المباح ولا يصير بذلك المباح مطلوب الترك ولا مطلوب الفعل كدخول المسجد ~~لأمر مباح هو مباح ومن PageV01P121 ~~شرطه أن لا يكون جنبا والنوافل من شرطها الطهارة وذلك واجب ولا يصير دخول ~~المسجد ولا النافلة بسبب ذلك واجبين فكذلك هنا تناول المباح مشروط بترك ~~الإسراف ولا يصير ذم الإسراف في ms066 المباح ذما للمباح مطلقا # وإذا تأملت الحكايات في ترك بعض المباحات عمن تقدم فلا تعدو هذه الوجوه ~~وعند ذلك لا تكون فيها معارضة لما تقدم والله أعلم # والثالث من الأمور المعارضة ما ثبت من فضيلة الزهد في الدنيا وترك لذاتها ~~وشهواتها وهو مما اتفق على مدح صاحبه شرعا وذم تاركه على الجملة حتى قال ~~الفضيل بن عياض جعل الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا وجعل الخير كله ~~في بيت وجعل مفتاحه الزهد وقال الكتاني الصوفي الشيء الذي لم يخالف فيه ~~كوفي ولا مدني ولا عراقي ولا شامي الزهد في الدنيا وسخاوة النفس والنصيحة ~~للخلق قال القشيري يعني أن هذه الأشياء لا يقول أحد إنها غير محمودة ~~والأدلة من الكتاب والسنة على هذا لا تكاد تنحصر والزهد حقيقة إنما هو في ~~الحلال أما الحرام فالزهد فيه لازم من أمر الإسلام عام في أهل الإيمان ليس ~~مما يتجارى فيه خواص المؤمنين مقتصرين عليه فقط وإنما تجاروا فيما صاروا به ~~من الخواص وهو الزهد في المباح فأما المكروه فذو طرفين وإذا ثبت هذا فمحال ~~عادة أن يتجاروا فيه هذه المجاراة وهو لا فائدة فيه ومحال أن يمدح شرعا مع ~~استواء فعله وتركه # والجواب من أوجه # أحدها أن الزهد في الشرع مخصوص بما طلب تركه حسبما يظهر PageV01P122 ~~من الشريعة فالمباح في نفسه خارج عن ذلك لما تقدم من الأدلة فإذا أطلق بعض ~~المعبرين لفظ الزهد على ترك الحلال فعلى جهة المجاز بالنظر إلى ما يفوت من ~~الخيرات أو لغير ذلك مما تقدم # والثاني أن أزهد البشر صلى الله عليه وسلم لم يترك الطيبات جملة إذا وجدها # وكذلك من بعده من الصحابة والتابعين مع تحققهم في مقام الزهد # والثالث أن ترك المباحات إما أن يكون بقصد أو بغير قصد فإن كان بغير قصد ~~فلا اعتبار به بل هو غفلة لا يقال فيه مباح فضلا عن أن يقال فيه زهد وإن ~~كان تركه بقصد فإما أن يكون القصد مقصورا على كونه مباحا فهو محل ms067 النزاع أو ~~لأمر خارج فذلك الأمر إن كان دنيويا كالمتروك فهو انتقال من مباح إلى مثله ~~لا زهد وإن كان أخرويا فالترك إذا وسيلة إلى ذلك المطلوب فهو فضيلة من جهة ~~ذلك المطلوب لا من جهة مجرد الترك ولا نزاع في هذا # وعلى هذا المعنى فسره الغزالي إذ قال الزهد عبارة عن انصراف الرغبة عن ~~الشيء إلى ما هو خير منه فلم يجعله مجرد الإنصراف عن الشيء خاصة بل بقيد ~~الإنصراف إلى ما هو خير منه وقال في تفسيره ولما كان الزهد رغبة عن محبوب ~~بالجملة لم يتصور إلا بالعدول إلى شيء هو أحب منه وإلا فترك المحبوب لغير ~~الأحب محال ثم ذكر أقسام الزهد فدل على أن الزهد لا يتعلق بالمباح من حيث ~~هو مباح على حال ومن تأمل كلام المعتبرين فهو دائر على هذا المدار PageV01P123 ### || AUTO فصل # وأما كون المباح غير مطلوب الفعل فيدل عليه كثير مما تقدم لأن كلا ~~الطرفين من جهته في نفسه على سواء وقد استدل من قال إنه مطلوب بأن كل مباح ~~ترك حرام وترك الحرام واجب فكل مباح واجب إلى آخر ما قرر الأصوليون عنه لكن ~~هذا القائل يظهر منه أنه يسلم أن المباح مع قطع النظر عما يستلزم مستوى ~~الطرفين وعند ذلك يكون ما قاله الناس هو الصحيح لوجوه # أحدها لزوم أن لا توجد الإباحة في فعل من الأفعال عينا ألبتة فلا يوصف ~~فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بإباحة أصلا وهذا باطل باتفاق فإن ~~الأمة قبل هذا المذهب لم تزل تحكم على الأفعال بالإباحة كما تحكم عليها ~~بسائر الأحكام وإن استلزمت ترك الحرام فدل على عدم اعتبارها لما يستلزم ~~لأنه أمر خارج عن ماهية المباح # والثاني أنه لو كان كما قال لارتفعت الإباحة رأسا عن الشريعة وذلك باطل ~~على مذهبه ومذهب غيره PageV01P124 ~~بيانه أنه إذا كانت الإباحة غير موجودة في الخارج على التعيين كان وضعها ~~في الأحكام الشرعية عبثا لأن موضوع الحكم هو فعل المكلف وقد فرضناه واجبا ~~فليس بمباح فيبطل ms068 قسم المباح أصلا وفرعا إذ لا فائدة شرعا في إثبات حكم لا ~~يقضي على فعل من أفعال المكلف # والثالث أنه لو كان كما قال لوجب مثل ذلك في جميع الأحكام الباقية ~~لإستلزامها ترك الحرام فتخرج عن كونها أحكاما مختلفة وتصير واجبة # فإن التزم ذلك باعتبار الجهتين حسبما نقل عنه فهو باطل لأنه يعتبر جهة ~~الاستلزام فلذلك نفى المباح فليعتبر جهة الاستلزام في الأربعة الباقية ~~فينفيها وهو خلاف الإجماع والمعقول فإن اعتبر في الحرام والمكروه جهة النهي ~~وفي المندوب جهة الأمر كالواجب لزمه اعتبار جهة التخيير في المباح إذ لا ~~فرق بينهما من جهة معقولهما # فإن قال يخرج المباح عن كونه مباحا بما يؤدي إليه أو بما يتوسل به إليه ~~فذلك غير مسلم وإن سلم فذلك من باب ما لا يتم الواجب إلا به والخلاف فيه ~~معلوم فلا نسلم أنه واجب وإن سلم فكذلك الأحكام الأخر فيصير الحرام ~~والمكروه والمندوب واجبات والواجب من جهة واحدة واجبا من جهتين وهذا كله لا ~~يتحصل له مقصود معتبر في الشرع # فالحاصل أن الشارع لا قصد له في فعل المباح دون تركه ولا في تركه دون ~~فعله بل قصده جعله لخيرة المكلف فما كان من المكلف من فعل أو ترك فذلك قصد ~~الشارع بالنسبة إليه فصار الفعل والترك بالنسبة إلى المكلف كخصال الكفارة ~~أيهما فعل فهو قصد الشارع لا أن للشارع قصدا PageV01P125 ~~في الفعل بخصوصه ولا في الترك بخصوصه # لكن يرد على مجموع الطرفين إشكال زائد على ما تقدم في الطرف الواحد وهو ~~أنه قد جاء في بعض المباحات ما يقتضي قصد الشارع إلى فعله على الخصوص وإلى ~~تركه على الخصوص # فأما الأول فأشياء منها الأمر بالتمتع بالطيبات كقوله تعالى يأيها الناس ~~كلوا مما في الأرض حلالا طيبا وقوله يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله وقوله يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إلى ~~أشباه ذلك مما دل الامر به على قصد الإستعمال وأيضا فإن النعم المبسوطة في ~~الأرض لتمتعات العباد ms069 التي ذكرت المنة بها وقررت عليهم فهم منها القصد إلى ~~التنعم بها لكن بقيد الشكر عليها ومنها أنه تعالى أنكر على من حرم شيئا مما ~~بث في الأرض من الطيبات وجعل ذلك من أنواع ضلالهم فقال تعالى قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا أي خلقت لأجلهم خالصة يوم القيامة لإتباعة فيها ولا إثم # فهذا ظاهر في القصد إلى استعمالها دون تركها ومنها أن هذه النعم هدايا من ~~الله للعبد وهل يليق بالعبد عدم قبول هدية السيد هذا غير لائق في محاسن ~~العادات ولا في مجاري الشرع بل قصد المهدي أن تقبل هديته # وهدية الله إلى العبد ما أنعم به عليه فليقبل ثم ليشكر له عليها وحديث ~~ابن عمر وأبيه عمر في مسألة قصر الصلاة ظاهر في هذا المعنى حيث قال عليه PageV01P126 ~~السلام # إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته رواه مسلم باسقاط لفظ انها ~~زاد في حديث ابن عمر الموقوف عليه # أرأيت لو تصدقت بصدقة فردت عليك ألم تغضب وفي الحديث # إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه رواه احمد وغالب الرخص ~~في نمط الإباحة نزولا عن الوجوب كالفطر في السفر أو التحريم كما قاله طائفة ~~في قوله من لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم المؤمنات إلى آخرها وإذا تعلقت المحبة بالمباح كان راجح ~~الفعل فهذه جملة تدل على أن المباح قد يكون فعله أرجح من تركه # وأما ما يقتضي القصد إلى الترك على الخصوص فجميع ما تقدم من ذم التنعمات ~~والميل إلى الشهوات على الجملة وعلى والخصوص قد جاء ما يقتضي تعلق الكراهة ~~في بعض ما ثبتت له الإباحة كالطلاق السنى فإنه جاء في الحديث وإن لم يصح # أبغض الحلال إلى الله الطلاق رواه ابو داود ولذلك لم يأت به صيغة أمر فى ~~القرآن ولا في السنة كما جاء فى التمتع بالنعم وإنما جاء مثل ms070 قوله الطلاق ~~مرتان فإن طلقها فلا تحل له من بعد يأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ولا شك أن جهة ~~البغض فى المباح مرجوحة # وجاء # كل لهو PageV01P127 ~~باطل إلا ثلاثة اخرجه ابن خزيمة وكثير من أنواع اللهو مباح واللعب أيضا ~~مباح وقد ذم فهذا كله يدل على أن المباح لا ينافى قصد الشارع لأحد طرفيه ~~على الخصوص دون الآخر وذلك مما يدل على أن المباح يتعلق به الطلب فعلا ~~وتركا على غير الجهات المتقدمة # والجواب من وجهين أحدهما إجمالي والآخر تفصيلي # فالإجمالي أن يقال إذا ثبت أن المباح عند الشارع هو المتساوى الطرفين فكل ~~ما ترجح أحد طرفيه فهو خارج عن كونه مباحا إما لأنه ليس بمباح حقيقة وإن ~~أطلق عليه لفظ المباح وإما لأنه مباح في أصله ثم صار غير مباح لأمر خارج ~~وقد يسلم أن المباح يصير غير مباح بالمقاصد والأمور الخارجة # وأما التفصيلي فإن المباح ضربان أحدهما أن يكون خادما لأصل ضروري أو حاجي ~~أو تكميلي والثاني أن لا يكون كذلك # فالأول قد يراعى من جهة ما هو خادم له فيكون مطلوبا ومحبوبا فعله وذلك أن ~~التمتع بما أحل الله من المأكل والمشرب ونحوها مباح فى نفسه وإباحته بالجزء ~~وهو خادم لأصل ضروري وهو إقامة الحياة فهو مأمور به من هذه الجهة ومعتبر ~~ومحبوب من حيث هذا الكلي المطلوب فالأمر به PageV01P128 ~~راجع إلى حقيقته الكلية لا إلى اعتباره الجزئي ومن هنا يصح كونه هدية يليق ~~فيها القبول دون الرد لا من حيث هو جزئى معين # والثاني إما أن يكون خادما لما ينقض أصلا من الأصول الثلاثة المعتبرة ~~أولا يكون خادما لشىء كالطلاق فإنه ترك للحلال الذي هو خادم لكلى إقامة ~~النسل فى الوجود وهو ضروري ولإقامة مطلق الألفة والمعاشرة واشتباك العشائر ~~بين الخلق وهو ضروري أو حاجي أو مكمل لأحدهما # فإذا كان الطلاق بهذا النظر خرما لذلك المطلوب ونقضا عليه كان مبغضا ولم ~~يكن فعله أولى من تركه ms071 إلا لمعارض أقوى كالشقاق وعدم إقامة حدود الله # وهو من حيث كان جزئيا فى هذا الشخص وفى هذا الزمان مباح وحلال # وهكذا القول فيما جاء من ذم الدنيا وقد تقدم ولكن لما كان الحلال فيها قد ~~يتناول فيخرم ما هو ضروري كالدين على الكافر والتقوى على العاصي كان من تلك ~~الجهة مذموما وكذلك اللهو واللعب والفراغ من كل شغل إذا لم يكن في محظور ~~ولا يلزم عنه محظور فهو مباح ولكنه مذموم ولم يرضه العلماء بل كانوا يكرهون ~~أن لا يرى الرجل فى إصلاح معاش ولا في إصلاح معاد لأنه قطع زمان فيما لا ~~يترتب عليه فائدة دنيوية ولا أخروية وفى القرآن ولا تمش فى الأرض مرحا إذ ~~يشير إلى هذا المعنى وفي الحديث # كل لهو باطل إلا ثلاثة ويعنى بكونه باطلا أنه عبث PageV01P129 ~~أو كالعبث ليس له فيه فائدة ولا ثمرة تجنى بخلاف اللعب مع الزوجة فإنه ~~مباح يخدم أمرا ضروريا وهو النسل وبخلاف تأديب الفرس وكذلك اللعب بالسهام ~~فإنهما يخدمان أصلا تكميليا وهو الجهاد فلذلك استثنى هذه الثلاثة من اللهو ~~الباطل وجميع هذا يبين أن المباح من حيث هو مباح غير مطلوب الفعل ولا الترك بخصوصه # وهذا الجواب مبنى على أصل آخر ثابت فى الأحكام التكليفية فلنضعه هنا وهي ### || AUTO المسألة الثانية # فيقال إن الإباحة بحسب الكلية والجزئية يتجاذبها الأحكام البواقى # فالمباح يكون مباحا بالجزء مطلوبا بالكل على جهة الندب أوالوجوب ومباحا ~~بالجزء منهيا عنه بالكل على جهة الكراهة أو المنع فهذه أربعة أقسام # فالأول كالتمتع بالطيبات من المأكل والمشرب والمركب والملبس مما سوى ~~الواجب من ذلك والمندوب المطلوب في محاسن العبادات أو المكروه PageV01P130 ~~فى محاسن العادات كالإسراف فهومباح بالجزء فلو ترك بعض الأوقات مع القدرة ~~عليه لكان جائزا كما لو فعل فلو ترك جملة لكان على خلاف ما ندب الشرع إليه ~~ففى الحديث # إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم وإن الله يحب أن يرى أثر نعمته ~~على عبده رواه البخاري وقوله فى الآخر حين حسن من ms072 هيئته # أليس هذا أحسن اخرجه مالك اليس هذا خيرا وقوله # إن الله جميل يحب الجمال اخرجه مسلم وابو داود والترمذي بعد قول الرجل # إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة وكثير من ذلك وهكذا لو ترك ~~الناس كلهم ذلك لكان مكروها # والثاني كالأكل والشرب ووطء الزوجات والبيع والشراء ووجوه الاكتسابات ~~الجائزة كقوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا أحل لكم صيد البحر وطعامه ~~أحلت لكم بهيمة الأنعام وكثير من ذلك كل هذه الأشياء مباحة بالجزء أى إذا ~~اختار أحد هذه الأشياء على ما سواها فذلك جائز أو تركها الرجل في بعض ~~الأحوال أو الأزمان أو تركها بعض الناس لم يقدح ذلك فلو فرضنا ترك الناس ~~كلهم ذلك لكان تركا PageV01P131 ~~لما هو من الضروريات المأمور بها فكان الدخول فيها واجبا بالكل # والثالث كالتنزه في البساتين وسماع تغريد الحمام والغناء المباح واللعب ~~المباح بالحمام أو غيرها فمثل هذا مباح بالجزء فإذا فعل يوما ما أو فى حالة ~~ما فلا حرج فيه فإن فعل دائما كان مكروها ونسب فاعله إلى قلة العقل وإلى ~~خلاف محاسن العادات وإلى الإسراف في فعل ذلك المباح # والرابع كالمباحات التى تقدح في العدالة المداومة عليها وإن كانت مباحة # فإنها لا تقدح إلا بعد أن يعد صاحبها خارجا عن هيئآت أهل العدالة وأجرى ~~صاحبها مجرى الفساق وإن لم يكن كذلك وما ذلك إلا لذنب اقترفه شرعا وقد قال ~~الغزالي إن المداومة على المباح قد تصيره صغيرة كما أن المداومة على ~~الصغيرة تصيرها كبيرة ومن هنا قيل لا صغيرة مع الإصرار ### || AUTO فصل # إذا كان الفعل مندوبا بالجزء كان واجبا بالكل كالأذان في المساجد الجوامع ~~أو غيرها وصلاة الجماعة وصلاة العيدين وصدقة التطوع والنكاح والوتر والفجر ~~والعمرة وسائر النوافل الرواتب PageV01P132 ~~فإنها مندوب إليها بالجزء ولو فرض تركها جملة لجرح التارك لها ألا ترى أن ~~في الأذان إظهارا لشعائر الإسلام ولذلك يستحق أهل المصر القتال إذا تركوه ~~وكذلك صلاة الجماعة من داوم على تركها يجرح فلا تقبل شهادته لأن ms073 في تركها ~~مضادة لإظهار شعائر الدين وقد توعد الرسول عليه السلام من داوم على ترك ~~الجماعة فهم أن يحرق عليهم بيوتهم كما كان عليه السلام لا يغير على قوم حتى ~~يصبح فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار والنكاح لا يخفى ما فيه مما هو مقصود ~~للشارع من تكثير النسل وإبقاء النوع الإنساني وما أشبه ذلك فالترك لها جملة ~~مؤثر فى أوضاع الدين إذا كان دائما أما إذا كان فى بعض الأوقات فلا تأثير ~~له فلا محظور فى الترك ### || AUTO فصل # إذا كان الفعل مكروها بالجزء كان ممنوعا بالكل كاللعب بالشطرنج والنرد ~~بغير مقامرة وسماع الغناء المكروه فإن مثل هذه الأشياء إذا وقعت على غير ~~مداومة لم تقدح فى العدالة فإن داوم عليها قدحت فى عدالته وذلك دليل على ~~المنع بناء على أصل الغزالي قال محمد بن عبد الحكم في اللعب بالنرد ~~والشطرنج إن كان يكثر منه حتى يشغله عن الجماعة لم تقبل شهادته وكذلك اللعب ~~الذى يخرج به عن هيئة أهل المروءة والحلول بمواطن التهم لغير عذر وما أشبه ذلك # فصل # أما الواجب إن قلنا إنه مرادف للفرض فإنه لا بد أن يكون PageV01P133 ~~واجبا بالكل والجزء فإن العلماء إنما أطلقوا الواجب من حيث النظر الجزئي ~~وإذا كان واجبا بالجزء فهو كذلك بالكل من باب أولى ولكن هل يختلف حكمه بحسب ~~الكلية والجزئية أم لا # أما بحسب الجواز فذلك ظاهر فإنه إذا كانت هذه الظهر المعينة فرضا على ~~المكلف يأثم بتركها ويعد مرتكب كبيرة فينفذ عليه الوعيد بسببها إلا أن يعفو ~~الله فالتارك لكل ظهر أو لكل صلاة أحرى بذلك # وكذلك القاتل عمدا إذا فعل ذلك مرة مع من كثر ذلك منه وداوم عليه وما ~~أشبه ذلك فإن المفسدة بالمداومة أعظم منها فى غيرها # وأما بحسب الوقوع فقد جاء ما يقتضى ذلك كقوله عليه السلام في تارك الجمعة # من ترك الجمعة ثلاث مرات طبع الله على قلبه رواه ابن خزيمة في صحيحه وهو ~~على شرط مسلم فقيد بالثلاث كما ترى وقال ms074 فى الحديث الآخر # من تركها استخفافا بحقها أو تهاونا على شرط مسلم كذلك مع أنه لو تركها ~~مختار غيرمتهاون ولا مستخف لكان تاركا للفرض فإنما PageV01P134 ~~قال ذلك لأن مرات أولى في التحريم وكذلك لو تركها قصدا للاستخفاف والتهاون ~~وانبنى على ذلك في الفقه أن من تركها ثلاث مرات من غير عذر لم تجز شهادته ~~قاله سحنون وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون إذ تركها مرارا لغير عذر ~~لم تجز شهادته قاله سحنون وكذلك يقول الفقهاء فيمن ارتكب إثما ولم يكثر منه ~~ذلك إنه لا يقدح فى شهادته إذا لم يكن كبيرة فإن تمادى وأكثر منه كان قادحا ~~في شهادته وصار فى عداد من فعل كبيرة بناء على أن الإصرار على الصغيرة ~~يصيرها كبيرة # وأما إن قلنا إن الواجب ليس بمرادف للفرض فقد يطرد فيه ما تقدم فيقال إن ~~الواجب إذ كان واجبا بالجزء كان فرضا بالكل لا مانع يمنع من ذلك فانظر فيه ~~وفى أمثلته منزلا على مذهب الحنفية وعلى هذه الطريقة يستتب التعميم فيقال ~~فى الفرض إنه يختلف بحسب الكل والجزء كما تقدم بيانه أول الفصل وهكذا القول ~~فى الممنوعات أنها تختلف مراتبها بحسب الكل والجزء وإن عدت فى الحكم فى ~~مرتبة واحدة وقتا ما أو في حالة ما فلا تكون كذلك فى أحوال أخر بل يختلف ~~الحكم فيها كالكذب من غير عذر وسائر الصغائر مع المداومة عليها فإن ~~المداومة لها تأثير في كبرها وقد ينضاف الذنب إلى الذنب فيعظم بسبب الإضافة فليست PageV01P135 ~~سرقة نصف النصاب كسرقة ربعه ولا سرقة النصاب كسرقة نصفه ولذلك عدوا سرقة ~~لقمة والتطفيف بحبة من باب الصغائر مع أن السرقة معدودة من الكبائر وقد قال ~~الغزالي قلما يتصور الهجوم على الكبيرة بغتة من غير سوابق ولواحق من جهة ~~الصغائر قال ولو تصورت كبيرة وحدها بغتة ولم يتفق عوده إليها ربما كان ~~العفو إليها أرجى من صغيرة واظب عليها عمره # فصل # هذا وجه من النظر مبنى على أن الأفعال كلها تختلف أحكامها بالكلية ~~والجزئية ms075 من غير اتفاق # ولمدع أن يدعى اتفاق أحكامها وإن اختلفت بالكلية والجزئية أما في المباح ~~فمثل قتل كل مؤذ والعمل بالقراض والمساقاة وشراء العرية والإستراحة بعد ~~التعب حيث لا يكون ذلك متوجه الطلب والتداوي إن قيل إنه مباح فإن هذه ~~الأشياء إذا فعلت دائما أو تركت دائما لا يلزم من فعلها ولا من تركها إثم ~~ولا كراهة ولا ندب ولا وجوب وكذلك لو ترك الناس كلهم ذلك اختيارا فهو كما ~~لو فعلوه كلهم وأما في المندوب فكالتداوي إن قيل بالندب فيه لقوله عليه السلام # تداووا اخرجه ابو داود عن ابي الدرداء وكالإحسان فى قتل الدواب المؤذية لقوله # إذا قتلتم فأحسنوا القتلة رواه الخمسة الا البخاري فإن هذه PageV01P136 ~~الأمور لو تركها الإنسان دائما لم يكن مكروها ولا ممنوعا وكذلك لو فعلها ~~دائما وأما في المكروه فمثل قتل النمل إذا لم تؤذ والاستجمار بالحممة ~~والعظم وغيرهما مما ينقى إلا أن فيه تلويثا أو حقا للجن فليس النهى عن ذلك ~~نهى تحريم ولا ثبت أن فاعل ذلك دائما يحرج به ولا يؤثم وكذلك البول في ~~الجحر واختناث الأسقية في الشرب وأمثال ذلك كثيرة وأما فى الواجب والمحرم ~~فظاهر أيضا التساوي فإن الحدود وضعت على التساوي فالشارب للخمر مائة مرة ~~كشاربها مرة واحدة وقاذف الواحد كقاذف الجماعة وقاتل نفس واحدة كقاتل مائة ~~نفس فى إقامة الحدود عليهم وكذلك تارك صلاة واحدة مع المديم الترك وما أشبه ذلك # وأيضا فقد نص الغزالى على أن الغيبة أو سماعها والتجسس وسوء الظن وترك ~~الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وأكل الشبهات وسب الولد والغلام وضربهما ~~بحكم الغضب زائدا على حد المصلحة وإكرام السلاطين الظلمة والتكاسل عن تعليم ~~الأهل والولد ما يحتاجون إليه من أمر الدين جار دوامها مجرى الفلتات فى ~~غيرها لأنها غالبة في الناس على الخصوص كما كانت الفلتات فى غيرها غالبة ~~فلا يقدح فى العدالة دوامها كما لا تقدح فيها الفلتات فإذا ثبت هذا استقامت ~~الدعوى فى أن الأحكام قد تستوي وإن اختلفت الأفعال بحسب الكلية ms076 والجزئية # ولصاحب النظر الأول أن يجيب بأن ما استشهد به على الاستواء محتمل PageV01P137 ~~أما الأول فإن الكلي والجزئي يختلف بحسب الأشخاص والأحوال والمكلفين ودليل ~~ذلك أنا إذا نظرنا إلى جواز الترك فى قتل كل مؤذ بالنسبة إلى آحاد الناس خف ~~الخطب فلو فرضنا تمالؤ الناس كلهم على الترك داخلهم الحرج من وجوه عدة ~~والشرع طالب لدفع الحرج قطعا فصال الترك منهيا عنه نهي كراهة إن لم يكن أشد ~~فيكون الفعل إذا مندوبا بالكل إن لم نقل واجبا وهكذا العمل بالقراض وما ذكر ~~معه فلا استواء إذا بين الكلي والجزئي فيه وبحسبك فى المسألة أن الناس لو ~~تمالئوا على الترك لكان ذريعة إلى هدم معلم شرعى وناهيك به نعم قد يسبق ذلك ~~النظر إذا تقارب ما بين الكلي والجزئي وأما إذا تباعد ما بينهما فالواقع ما تقدم # ومثل هذا النظر جار فى المندوب والمكروه # وأما ما ذكره فى الواجب والمحرم فغير وارد فإن اختلاف الأحكام فى الحدود ~~ظاهر وان اتفقت في بعض وما ذكره الغزالي فلا يسلم بناء على هذه القاعدة وإن ~~سلم ففى العدالة وحدها لمعارض راجح وهو أنه لو قدح دوام ذلك فيها لندرت ~~العدالة فتعذرت الشهادة ### || AUTO فصل # إذا تقرر تصوير الكلية والجزئية فى الأحكام الخمسة فقد يطلب الدليل على ~~صحتها والأمر فيها واضح مع تأمل ما تقدم فى أثناء التقرير بل PageV01P138 ~~هي فى اعتبار الشريعة بالغة مبلغ القطع لمن استقرأ الشريعة فى مورادها ~~ومصادرها ولكن إن طلب مزيدا في طمأنينة القلب وانشراح الصدر فيدل على ذلك جمل # منها ما تقدمت الإشارة إليه في التجريح بما داوم عليه الإنسان مما لا ~~يجرح به لولم يداوم عليه وهو أصل متفق عليه بين العلماء فى الجملة ولولا أن ~~للمداومة تأثيرا لم يصح لهم التفرقة بين المداوم عليه وما لم يداوم عليه من ~~الأفعال لكنهم اعتبروا ذلك فدل على التفرقة وأن المداوم عليه أشد وأحرى منه ~~إذا لم يداوم عليه وهو معنى ما تقدم تقريره فى الكلية والجزئية وهذا المسلك ~~لمن ms077 اعتبره كاف # ومنها أن الشارع وضع الشريعة على اعتبار المصالح باتفاق وتقرر فى هذه ~~المسائل أن المصالح المعتبرة هي الكليات دون الجزئيات إذ مجارى العادات ~~كذلك جرت الأحكام فيها ولولا أن الجزئيات أضعف شأنا فى الاعتبار لما صح ذلك ~~بل لولا ذلك لم تجر الكليات على حكم الاطراد كالحكم بالشهادة وقبول خبر ~~الواحد مع وقوع الغلط والنسيان في الآحاد لكن الغالب الصدق فأجريت الأحكام ~~الكلية على ما هو الغالب حفظا على الكليات ولو اعتبرت الجزئيات لم يكن ~~بينهما فرق ولامتنع الحكم إلا بما هو معلوم ولا طرح الظن باطلاق وليس كذلك ~~بل حكم بمقتضى ظن الصدق وإن برز بعد فى بعض الوقائع الغلط فى ذلك الظن وما ~~ذاك إلا اطراح لحكم الجزئية فى حكم الكلية وهو دليل على صحة اختلاف الفعل PageV01P139 ~~الواحد بحسب الكلية والجزئية وأن شأن الجزئية أخف # ومنها ما جاء في الحذر من زلة العالم في علمه أو عمله إذا لم تتعد لغيره ~~في حكم زلة غير العالم فلم يزد فيها على غيره فإن تعدت إلى غيره اختلف ~~حكمها وما ذلك إلا لكونها جزئية إذا اختصت به ولم تتعد إلى غيره فإن تعدت ~~صارت كلية بسبب الاقتداء والإتباع على ذلك الفعل أو على مقتضى القول فصارت ~~عند الإتباع عظيمة جدا ولم تكن كذلك على فرض اختصاصها به ويجري مجراه كل من ~~علم عملا فاقتدى به فيه إن صالحا فصالح وإن طالحا فطالح وفيه جاء # من سن سنة حسنة أو سئية اخرجه مسلم # وأن نفسا لا تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من ~~سن القتل رواه الخمسة وقد عدت سيئة العالم كبيرة لهذا السبب وإن كانت في ~~نفسها صغيرة والأدلة على هذا الأصل تبلغ القطع على كثرتها وهي توضح ما ~~دللنا عليه من كون الأفعال تعتبر بحسب الجزئية والكلية وهو المطلوب ### || AUTO المسألة الثالثة # المباح يطلق بإطلاقين أحدهما من حيث هو مخير فيه بين الفعل والترك والآخر ~~من حيث يقال لا حرج فيه ms078 وعلى الجملة فهو على أربعة أقسام PageV01P140 ~~أحدها أن يكون خادما لأمر مطلوب الفعل والثاني أن يكون خادما لأمر مطلوب ~~الترك والثالث أن يكون خادما لمخير فيه والرابع أن لا يكون فيه شىء من ذلك # فأما الأول فهو المباح بالجزء المطلوب الفعل بالكل وأما الثاني فهو ~~المباح بالجزء المطلوب الترك بالكل بمعنى أن المداومة عليه منهى عنها وأما ~~الثالث والرابع فراجعان إلى هذا القسم الثاني # ومعنى هذه الجملة أن المباح كما مر يعتبر بما يكون خادما له إن كان خادما ~~والخدمة هنا قد تكون في طرف الترك كترك الدوام على التنزه فى البساتين ~~وسماع تغريد الحمام والغناء المباح فإن ذلك هو المطلوب وقد تكون فى طرف ~~الفعل كالاستمتاع بالحلال من الطيبات فإن الدوام فيه PageV01P141 ~~بحسب الإمكان من غير سرف مطلوب من حيث هو خادم لمطلوب وهو أصل الضروريات ~~بخلاف المطلوب الترك فإنه خادم لما يضادها وهو الفراغ من الأشتغال بها ~~والخادم للمخير فيه على حكمه وأما الرابع فلما كان غير خادم لشىء يعتد به ~~كان عبثا أو كالعبث عند العقلاء فصار مطلوب الترك أيضا لأنه صار خادما لقطع ~~الزمان فى غير مصلحة دين ولا دنيا فهو إذا خادم لمطلوب الترك فصار مطلوب ~~الترك بالكل والقسم الثالث مثله أيضا لأنه خادم له فصار مطلوب الترك أيضا # وتلخص أن كل مباح ليس بمباح بإطلاق وإنما هو مباح بالجزء خاصة وأما بالكل ~~فهو إما مطلوب الفعل أو مطلوب الترك فإن قيل أفلا يكون هذا التقرير نقضا ~~لما تقدم من أن المباح هو المتساوى الطرفين فالجواب أن لا PageV01P142 ~~لأن ذلك الذى تقدم هو من حيث النظر إليه في نفسه من غير اعتبار أمر خارج ~~وهذا النظر من حيث اعتباره بالأمور الخارجة عنه فإذا نظرت إليه في نفسه فهو ~~الذى سمى هنا المباح بالجزء وإذا نظرت إليه بحسب الأمور الخارجة فهو المسمي ~~بالمطلوب بالكل فأنت ترى أن هذا الثوب الحسن مثلا مباح اللبس قد استوى في ~~نظر الشرع فعله وتركه فلا قصد له في أحد الأمرين ms079 وهذا معقول واقع بهذا ~~الإعتبار المقتصر به على ذات المباح من حيث هو كذلك وهو من جهة ما هو وقاية ~~للحر والبرد وموار للسوأة وجمال في النظر مطلوب الفعل وهذا النظر غير مختص ~~بهذا الثوب المعين ولا بهذا الوقت المعين فهو نظر بالكل لا بالجزء ### || AUTO المسألة الرابعة # إذا قيل في المباح إنه لا حرج فيه وذلك في أحد الإطلاقين المذكورين فليس ~~بداخل تحت التخيير بين الفعل والترك لوجوه # أحدها أنا إنما فرقنا بينهما بعد فهمنا من الشريعة القصد إلى التفرقة # فالقسم المطلوب الفعل بالكل هو الذي جاء فيه التخيير بين الفعل والترك ~~كقوله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقوله وكلا منها رغدا حيث ~~شئتما وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا والآية الأخرى ~~في معناها فهذا تخيير PageV01P143 ~~حقيقة وأيضا فالأمر في المطلقات إذا كان الأمر للإباحة يقتضي التخيير ~~حقيقة كقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ~~وابتغوا من فضل الله كلوا من طيبات ما رزقناكم وما أشبه ذلك فإن إطلاقة مع ~~أنه يكون على وجوه واضح في التخيير في تلك الوجوه إلا ما قام الدليل على ~~خروجه عن ذلك # وأما القسم المطلوب الترك بالكل فلا نعلم في الشريعة ما يدل على حقيقة ~~التخيير فيه نصا بل هو مسكوت عنه أو مشار إلى بعضه بعبارة تخرجه عن حكم ~~التخيير الصريح كتسمية الدنيا لعبا ولهوا في معرض الذم لمن ركن إليها فإنها ~~مشعرة بأن اللهو غير مخير فيه وجاء وإذا رأو تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وهو الطبل أو ما في معناه وقال تعالى ومن الناس من يشترى لهو الحديث وما ~~تقدم من قول بعض الصحابة حدثنا يا رسول الله حين ملوا ملة فأنزل الله عز ~~وجل الله نزل أحسن الحديث وفي الحديث # كل لهو باطل تقدم في المسألة السابقة وما أشبه ذلك من العبارات التي لا ~~تجمتع مع التخيير في الغالب فإذا ورد في الشرع بعض هذه الأمور مقدرة أو ms080 كان ~~فيها بعض الفسحة في بعض الأوقات أو بعض الأحوال فمعنى نفي الحرج على معنى ~~الحديث الآخر # وما سكت عنه فهو عفو أي مما عفي عنه وهذا PageV01P144 ~~إنما يعبر به في العادة إشعارا بأن فيه ما يعفى عنه أو ما هو مظنة عنه # أو هو مظنة لذلك فيما تجري به العادات # وحاصل الفرق أن الواحد صريح في رفع الإثم والجناح وإن كان قد يلزمه الإذن ~~في الفعل والترك إن قيل به إلا أن قصد اللفظ فيه نفي الإثم خاصة وأما الإذن ~~فمن باب مالا يتم الواجب إلا به أو من باب الأمر بالشىء هل هو نهي عن ضده ~~أم لا والنهي عن الشىء هل هو أمر بأحد أضداده أم لا والآخر صريح في نفس ~~التخيير وإن كان قد يلزمه نفي الحرج عن الفعل فقصد اللفظ فيه التخيير خاصة ~~وأما رفع الحرج فمن تلك الأبواب # والدليل عليه أن رفع الجناح قد يكون مع الواجب كقوله تعالى فلا جناح عليه ~~أن يطوف بهما وقد يكون مع مخالفة المندوب كقوله إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان فلو كان رفع للجناح يستلزم التخيير في الفعل والترك لم يصح مع ~~الواجب ولا مع مخالفة المندوب وليس كذلك التخيير المصرح به فإنه لا يصح مع ~~كون الفعل واجبا دون الترك ولا مندوبا وبالعكس PageV01P145 ~~والثاني أن لفظ التخيير مفهوم منه قصد الشارع إلى تقرير الإذن في طرفي ~~الفعل والترك وأنهما على سواء في قصد ورفع الحرج مسكوت عنه وأما لفظ رفع ~~الجناح فمفهومه قصد الشارع إلى رفع الحرج في الفعل إن وقع من المكلف وبقي ~~الإذن في ذلك الفعل مسكوتا عنه # فيمكن أن يكون مقصودا له لكن بالقصد الثاني كما في الرخص فإنها راجعة إلى ~~رفع الحرج كما سيأتي بيانه إن شاء الله فالمصرح به في أحدهما مسكوت عنه في ~~الآخر وبالعكس فلذلك إذا قال الشارع في أمر واقع لاحرج فيه فلا يؤخذ منه ~~حكم الإباحة إذ قد يكون كذلك وقد يكون مكروها فإن المكروه بعد الوقوع ms081 لا ~~حرج فيه فليتفقد هذا في الأدلة # والوجه الثالث مما يدل على أن مالا حرج فيه غير مخير فيه على الإطلاق # أن المخير فيه لما كان هو الخادم للمطلوب الفعل صار خارجا عن محض اتباع ~~الهوى بل اتباع الهوى فيه مقيد وتابع بالقصد الثاني فصار الداخل فيه داخلا ~~تحت الطلب بالكل فلم يقع التخيير فيه إلا من حيث الجزء ولما كان مطلوبا ~~بالكل وقع تحت الخارج عن اتباع الهوى من هذا الوجه وقد عرفنا اعتناء الشارع ~~بالكليات والقصد إليها في التكاليف فالجزئي الذي لا يخرمه ليس بقادح في ~~مقتضاه ولا هو مضاد له بل هو مؤكد له فاتباع الهوى في المخير فيه تأكيد ~~لاتباع مقصود الشارع من جهة الكلي فلا ضرر في اتباع الهوى هنا لأنه اتباع ~~لقصد الشارع ابتداء وإنما اتباع الهوى فيه خادم له PageV01P146 ~~وأما قسم ما لا حرج فيه فيكاد يكون شبيها باتباع الهوى المذموم # ألا ترى أنه كالمضاد لقصد الشارع في طلب النهي الكلي على الجملة لكنه ~~لقلته وعدم دوامه ومشاركته للخادم المطلوب الفعل بالعرض حسبما هو مذكور في ~~موضعه لم يحفل به فدخل تحت المرفوع الحرج إذ الجزئي منه لا يخرم أصلا ~~مطلوبا وإن كان فتحا لبابه في الجملة فهو غير مؤثر من حيث هو جزئي حتى ~~يجتمع مع غيره من جنسه والإجتماع مقو ومن هنالك يلتئم الكلي المنهي عنه وهو ~~المضاد للمطلوب فعله وإذا ثبت أنه كاتباع الهوى من غير دخول تحت كلي أمر ~~اقتضت الضوابط الشرعية أن لا يكون مخيرا فيه فتصريح بما تقدم في قاعدة ~~اتباع الهوى وأنه مضاد للشريعة ### || AUTO المسألة الخامسة # إن المباح إنما يوصف بكونه مباحا إذا اعتبر فيه حظ المكلف فقط # فإن خرج عن ذلك القصد كان له حكم آخر والدليل على ذلك أن المباح كما تقدم ~~هو ما خير فيه بين الفعل والترك بحيث لا يقصد فيه من جهة الشرع إقدام ولا ~~إحجام فهو إذا من هذا الوجه لا يترتب عليه أمر ضروري في الفعل أو في ms082 الترك ~~ولا حاجي ولا تكميلي من حيث هو جزئي فهو راجع إلى نيل حظ عاجل خاصة وكذلك ~~المباح الذي يقال لا حرج فيه أولى أن يكون راجعا إلى الحظ وأيضا فالأمر ~~والنهي راجعان إلى حفظ ما هو ضروري PageV01P147 ~~أو حاجي أو تكميلي وكل واحد منها قد فهم من الشارع قصده إليه فما خرج عن ~~ذلك فهو مجرد نيل حظ وقضاء وطر # فإن قيل فما الدليل على انحصار الأمر في المباح في حظ المكلف لا في غير ~~ذلك وأن الأمر والنهي راجعان إلى حق الله لا إلى حظ المكلف ولعل بعض ~~المباحات يصح فيه أن لا يؤخذ من جهة الحظ كما صح في بعض المأمورات ~~والمنهيات أن تؤخذ من جهة الحظ # فالجواب أن القاعدة المقررة أن الشرائع إنما جىء بها لمصالح العباد ~~فالأمر والنهي والتخيير جميعا راجعة إلى حظ المكلف ومصالحه لأن الله غني عن ~~الحظوظ منزه عن الأغراض غير أن الحظ على ضربين # أحدهما داخل تحت الطلب فللعبد أخذه من جهة الطلب فلا يكون ساعيا في حظه ~~وهو مع ذلك لا يفوته حظه لكنه آخذ له من جهة الطلب لا من حيث باعث نفسه ~~وهذا معنى كونه بريئا من الحظ وقد يأخذه من حيث الحظ إلا أنه لما كان داخلا ~~تحت الطلب فطلبه من ذلك الوجه صار حظه تابعا للطلب فلحق بما قبله في التجرد ~~عن الحظ وسمي باسمه وهذا مقرر في موضعه من هذا الكتاب وبالله التوفيق # والثاني غير داخل تحت الطلب فلا يكون آخذا له إلا من جهة إرادته واختياره ~~لأن الطلب مرفوع عنه بالفرض فهو قد أخذه إذا من جهة حظه فلهذا يقال في ~~المباح إنه العمل المأذون فيه المقصود به مجرد الحظ الدنيوي خاصة PageV01P148 ### || AUTO المسألة السادسة # الأحكام الخمسة إنما تتعلق بالأفعال والتروك بالمقاصد فإدا عريت عن ~~المقاصد لم تتعلق بها والدليل على ذلك أمور # أحدها ما ثبت من أن الأعمال بالنيات وهو أصل متفق عليه في الجملة والأدلة ~~عليه لا تقصر عن مبلغ القطع ومعناه ms083 أن مجرد الأعمال من حيث هي محسوسة فقط ~~غير معتبرة شرعا على حال إلا ما قام الدليل على اعتباره في باب خطاب الوضع ~~خاصة أما في غير ذلك فالقاعدة مستمرة وإذا لم تكن معتبرة حتى تقترن بها ~~المقاصد كان مجردها في الشرع بمثابة حركات العجماوات والجمادات والأحكام ~~الخمسة لا تتعلق بها عقلا ولا سمعا فكذلك ما كان مثلها # والثاني ما ثبت من عدم اعتبار الأفعال الصادرة من المجنون والنائم والصبي ~~والمغمى عليه وأنها لا حكم لها في الشرع بأن يقال فيها جائز أو ممنوع أو ~~واجب أو غير ذلك كما لا اعتبار بها من البهائم وفي القرآن وليس عليكم جناح ~~فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وقال ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا قال قد فعلت وفي معناه روى الحديث # رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه حديث صحيح وإن لم PageV01P149 ~~يصح سندا فمعناه متفق على صحته وفي الحديث أيضا # رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم والمغمى عليه حتى يفيق رواه احمد ~~وابن خزيمة فجميع هؤلاء لا قصد لهم وهي العلة في رفع أحكام التكليف عنهم # والثالث الإجماع على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع في الشريعة وتكليف من ~~لا قصد له تكليف ما لا يطاق # فإن قيل هذا في الطلب وأما المباح فلا تكليف فيه قيل متى صح تعلق التخيير ~~صح تعلق الطلب وذلك يستلزم قصد المخير وقد فرضناه غير قاصد هذا خلف # ولا يعترض هذا بتعلق الغرامات والزكاة بالأطفال والمجانين وغير ذلك لأن ~~هذا من قبيل خطاب الوضع وكلامنا في خطاب التكليف ولا بالسكران لقوله تعالى ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فإنه قد أجيب عنه في أصول الفقه ولأنه في ~~عقوده وبيوعه محجور عليه لحق نفسه كما حجر على الصبي والمجنون وفي سواهما ~~لما أدخل السكر على نفسه كان كالقاصد PageV01P150 ~~لرفع الأحكام التكليفية فعومل بنقيض المقصود أو لأن الشرب سبب لمفاسد ~~كثيرة فصار استعماله له تسببا في تلك المفاسد فيؤآخذه الشرع بها ms084 وإن لم ~~يقصدها كما وقعت مؤآخذة أحد ابني آدم بكل نفس تقتل ظلما وكما يؤآخذ الزاني ~~بمقتضى المفسدة في اختلاط الأنساب وإن لم يقع منه غير الإيلاج المحرم # ونظائر ذلك كثيرة فالأصل صحيح والإعتراض عليه غير وارد ### || AUTO المسألة السابعة # المندوب إذا اعتبرته اعتبارا أعم من الإعتبار المتقدم وجدته خادما للواجب ~~لأنه إما مقدمة له أو تذكار به كان من جنس الواجب أولا # فالذي من جنسه كنوافل الصلوات مع فرائضها ونوافل الصيام والصدقة والحج ~~وغير ذلك مع فرائضها والذي من غير جنسه كطهارة الخبث في الجسد والثوب ~~والمصلى والسواك وأخذ الزينة وغير ذلك مع الصلاة وكتعجيل الإفطار وتأخير ~~السحور وكف اللسان عما لا يعنى مع الصيام وما أشبه ذلك فإذا كان كذلك فهو ~~لاحق بقسم الواجب بالكل وقلما يشذ عنه مندوب يكون مندوبا بالكل والجزء ~~ويحتمل هذا المعنى تقريرا ولكن ما تقدم مغن عنه بحول الله PageV01P151 ### || AUTO فصل # المكروه إذا اعتبرته كذلك مع الممنوع كان كالمندوب مع الواجب # وبعض الواجبات منه ما يكون مقصودا وهو أعظمها ومنه ما يكون وسيلة وخادما ~~للمقصود كطهارة الحدث وستر العورة واستقبال القبلة والأذان للتعريف ~~بالأوقات وإظهار شعائر الإسلام مع الصلاة فمن حيث كان وسيلة حكمه مع ~~المقصود حكم المندوب مع الواجب يكون وجوبه بالجزء دون وجوبه بالكل وكذلك ~~بعض الممنوعات منه ما يكون مقصودا ومنه ما يكون وسيلة له كالواجب حرفا بحرف ~~فتأمل ذلك ### || AUTO المسألة الثامنة # ما حد له الشارع وقتا محدودا من الواجبات أو المندوبات فإيقاعه فى وقته ~~لا تقصير فيه شرعا ولا عتب ولا ذم وإنما العتب والذم فى إخراجه عن وقته ~~سواء علينا أكان وقته مضيقا أو موسعا لأمرين # أحدهما أن حد الوقت إما أن يكون لمعنى قصده الشارع أو لغير معنى وباطل أن ~~يكون لغير معنى فلم يبق إلا أن يكون لمعنى وذلك المعنى هو أن يوقع الفعل ~~فيه فإذا وقع فيه فذلك مقصود الشارع من ذلك التوقيت وهو PageV01P152 ~~يقتضى قطعا موافقه الأمر فى ذلك الفعل الواقع فيه فلو ms085 كان فيه عتب أو ذم ~~للزم أن يكون لمخالفة قصد الشارع فى إيقاعه فى ذلك الوقت الذى وقع فيه ~~العتب بسببه وقد فرضناه موافقا هذا خلف # والثاني أنه لو كان كذلك للزم أن يكون الجزء من الوقت الذى وقع فيه العتب ~~ليس من الوقت المعين لأنا قد فرضنا الوقت المعين مخيرا فى أجزائه إن كان ~~موسعا والعتب مع التخيير متنافيان فلا بد أن يكون خارجا عنه وقد فرضناه ~~جزءا من أجزائه هذا خلف محال وظهور هذا المعنى غير محتاج إلى دليل # فإن قيل قد ثبت أصل طلب المسارعة إلى الخيرات والمسابقة إليها # وهو أصل قطعى وذلك لا يختص ببعض الأوقات دون بعض ولا ببعض الأحوال دون ~~بعض إذا كان السبق إلى الخيرات مطلوبا بلابد فالمقصر عنه معدود فى المقصرين ~~والمفرطين ولا شك أن من كان هكذا فالتعب لاحق به فى تفريطه وتقصيره فكيف ~~يقال لا عتب عليه # ويدل على تحقيق هذا ما روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه لما سمع ~~قول النبى صلى الله عليه وسلم # أول الوقت رضوان الله وآخره عفوا الله رواه الترمذي قال رضوان الله أحب ~~الينا من عفوه فإن رضوانه للمحسنين وعفوه عن المقصرين # وفى مذهب مالك ما يدل على هذا أيضا فقد قال فى المسافرين يقدمون الرجل ~~لسنه يصلي بهم فيسفر بصلاة الصبح قال # يصلي الرجل وحده فى أول الوقت أحب إلي من أن يصلي بعد الإسفار فى جماعة ~~فقدم كما ترى PageV01P153 ~~حكم المسابقة ولم يعتبر الجماعة التى هي سنة يعد من تركها مقصرا فأولى أن ~~يعد من ترك المسابقة مقصرا وجاء عنه أيضا فيمن أفطر فى رمضان لسفر أو مرض ~~ثم قدم أو صح فى غير شعبان من شهور القضاء فلم يصمه حتى مات فعليه الإطعام ~~وجعله مفرطا كمن صح أو قدم في شعبان فلم يصمه حتى دخل رمضان الثانى مع أن ~~القضاء ليس على الفور عنده قال اللخمى جعله مترقبا ليس على الفور ولا على ~~التراخي فإن قضى فى شعبان ms086 مع القدرة عليه قبل شعبان فلا إطعام لأنه غير ~~مفرط وإن مات قبل شعبان فمفرط وعليه الإطعام نحو قول الشافعية فى الحج إنه ~~على التراخى فإن مات قبل الأداء كان آثما فهذا أيضا رأي الشافعية مضاد ~~لمقتضى الأصل المذكور # فأنت ترى أوقاتا معينة شرعا إما بالنص وإما بالإجتهاد ثم صار من قصر عن ~~المسابقة فيها ملوما معاتبا بل آثما فى بعضها وذلك مضاد لما تقدم فالجواب ~~أن أصل المسابقة إلى الخيرات لا ينكر غير أن ما عين له وقت معين من الزمان ~~هل يقال إن إيقاعه فى وقته المعين له مسابقة فيكون الأصل المذكور شاملا له ~~أم يقال ليس شاملا له # والأول هو الجارى على مقتضى الدليل فيكون قوله عليه السلام حين سئل عن ~~أفضل الأعمال فقال # الصلاة لأول وقتها ذكره ابو داود والترمذي في الترغيب والترهيب يريد به ~~وقت الاختيار مطلقا # ويشير إليه أنه عليه السلام حين علم الأعرابي الأوقات صلى فى PageV01P154 ~~أوائل الأوقات وأواخرها وحد ذلك حدا لا يتجاوز ولم ينبه فيه على تقصير ~~وإنما نبه على التقصير والتفريط بالنسبة إلى ما بعد ذلك من أوقات الضرورات ~~إذا صلى فيها من لا ضرورة له إذ قال # تلك صلاة المنافقين عن الستة الا البخاري الحديث فبين أن وقت التفريط هو ~~الوقت الذى تكون الشمس فيه بين قرني الشيطان # فإنما ينبغى أن يخرج عن وصف المسابقة والمسارعة من خرج عن الإيقاع فى ذلك ~~الوقت المحدود وعند ذلك يسمى مفرطا ومقصرا وآثما أيضا عند بعض الناس وكذلك ~~الواجبات الفورية # وأما المقيدة بوقت العمر فإنها لما قيد آخرها بأمر مجهول كان ذلك علامة ~~على طلب المبادرة والمسابقة فى أول أزمنة الإمكان فإن العاقبة مغيبة فإذا ~~عاش المكلف ما فى مثله يؤدى ذلك المطلوب فلم يفعل مع سقوط الأعذار عد ولابد ~~مفرطا وأثمه الشافعي لأن المبادرة هي المطلوب لا أنه على التحقيق مخير بين ~~أول الوقت وآخره فإن آخره غير معلوم وإنما المعلوم منه ما فى اليد الآن ~~فليست هذه المسألة من أصلنا ms087 المذكور فلا تعود عليه بنقض # وأيضا فلا ينكر استحباب المسابقة بالنسبة إلى الوقت المعين لكن بحيث لا ~~يعد المؤخر عن أول الوقت الموسع مقصرا وإلا لم يكن الوقت على حكم التوسعة ~~وهذا كما فى الواجب المخير فى خصال الكفارة فإن للمكلف الإختيار فى الأشياء ~~المخير فيها وإن كان الأجر فيها يتفاوت فيكون بعضها أكثر أجرا من بعض كما ~~يقول بذلك فى الإطعام فى كفارة رمضان مع وجود التخيير في الحديث وقول مالك ~~به وكذلك العتق في كفارة الظهار أو القتل أو غيرهما هو مخير في أي الرقاب ~~شاء مع أن الأفضل أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ولا يخرج بذلك التخيير عن ~~بابه ولا يعد مختار غير الأعلى PageV01P155 ~~مقصرا ولا مفرطا وكذلك مختار الكسوة أو الإطعام فى كفارة اليمين وما أشبه ~~ذلك من المطلقات التى ليس للشارع قصد فى تعيين بعض أفرادها مع حصول الفضل ~~فى الأعلى منها وكما أن الحج ماشيا أفضل ولا يعد الحاج راكبا مفرطا ~~ولامقصرا وكثرة الخطا إلى المساجد أفضل من قلتها ولا يعد من كان جار المسجد ~~بقلة خطاه له مقصرا بل المقصر هو الذى قصر عما حد له وخرج عن مقتضى الأمر ~~المتوجه إليه وليس فى مسألتنا ذلك # وأما حديث أبى بكر رضي الله عنه فلم يصح وإن فرضنا صحته فهو معارض بالأصل ~~القطعي وإن سلم فمحمول على التأخير عن جميع الوقت المختار وإن سلم فأطلق ~~لفظ التقصير على ترك الأولى من المسارعة إلى تضعيف الأجور لا أن المؤخر ~~مخالف لمقتضى الأمر # وأما المسائل مالك فلعل استحبابه لتقديم الصلاة وترك الجماعة مراعاة ~~للقول بأن للصبح وقت ضرورة وكان الإمام قد أخر إليه وما ذكر فى إطعام ~~التفريط فى قضاء رمضان بناء على القول بالفور فى القضاء فلا يتعين فيها ما ~~ذكر فى السؤال فلا اعتراض بذلك وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة التاسعة # الحقوق الواجبة على المكلف على ضربين كانت من حقوق الله كالصلاة والصيام ~~والحج أو من حقوق الآدميين كالديون والنفقات والنصيحة وإصلاح ذات البين وما ms088 ~~أشبه ذلك # أحدهما حقوق محدودة شرعا والآخر حقوق غير محدودة فأما المحدودة المقدرة ~~فلازمة لذمة المكلف مترتبهة عليه دينا حتى يخرج عنها كأثمان المشتريات وقيم ~~المتلفات ومقادير الزكوات وفرائض الصلوات وما أشبه ذلك فلا إشكال فى أن مثل ~~هذا مترتب فى ذمته دينا PageV01P156 ~~عليه والدليل على ذلك التحديد والتقدير فإنه مشعر بالقصد إلى أداء ذلك ~~المعين فإذا لم يؤده فالخطاب باق عليه ولا يسقط عنه إلا بدليل # وأما غير المحدودة فلازمه له وهو مطلوب بها غير أنها لا تترتب فى ذمته لأمور # أحدها أنها لو ترتبت فى ذمته لكانت محدودة معلومة إذ المجهول لا يترتب فى ~~الذمة ولا يعقل نسبته إليها فلا يصح أن يترتب دينا وبهذا استدللنا على عدم ~~الترتب لأن هذه الحقوق مجهولة المقدار والتكليف بأداءنا لا يعرف له مقدار ~~تكليف بمتعذر الوقوع وهو ممتنع سمعا # ومثاله الصدقات المطلقة وسد الخلات ودفع حاجات المحتاجين وإغاثة ~~الملهوفين وإنقاذ الغرقى والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويدخل ~~تحته سائر فروض الكفايات # فإذا قال الشارع أطعموا القانع والمعتر أو قال أكسوا العارى أو أنفقوا فى ~~سبيل الله فمعنى ذلك طلب رفع الحاجة فى كل واقعة بحسبها من غير تعيين مقدار ~~فإذا تعينت حاجة تبين مقدار ما يحتاج إليه فيها بالنظر لا بالنص فإذا تعين ~~جائع فهو مأمور بإطعامه وسد خلته بمقتضى ذلك الإطلاق فإن أطعمه ما لا يرفع ~~عنه الجوع فالطلب باق عليه ما لم يفعل من ذلك ما هو كاف ورافع للحاجة التى ~~من أجلها أمر ابتداء والذى هو كاف يختلف بإختلاف الساعات والحالات فى ذلك ~~المعين فقد يكون فى الوقت غير مفرط الجوع فيحتاج إلى مقدار من الطعام فإذا ~~تركه حتى أفرط PageV01P157 ~~عليه احتاج إلى أكثر منه وقد يطعمه آخر فيرتفع عنه الطلب رأسا وقد يطعمه ~~آخر ما لا يكفيه فيطلب هذا بأقل مما كان مطلوبا به فإذا كان المكلف به ~~يختلف بإختلاف الأحوال والأزمان لم يستقر للترتيب فى الذمة أمر معلوم يطلب ~~ألبتة وهذا معنى كونه مجهولا فلا ms089 يكون معلوما إلا فى الوقت الحاضر بحسب ~~النظر لا بمقتضى النص فإذا زال الوقت الحاضر صار في الثانى مكلفا بشىء آخر ~~لا بالأول أو سقط عنه التكليف إذا فرض ارتفاع الحاجة العارضة # والثانى أنه لو ترتب فى ذمته أمر لخرج إلى ما لا يعقل لأنه فى كل وقت من ~~أوقات حاجة المحتاج مكلف بسدها فإذا مضى وقت يسع سدها بمقدار معلوم مثلا ثم ~~لم يفعل فترتب فى ذمته ثم جاء زمان ثان وهو على حاله أو أشد فأما أن يقال ~~إنه مكلف أيضا بسدها أولا والثانى باطل إذ ليس هذا الثانى بأولى بالسقوط من ~~الأول لأنه إنما كلف لأجل سد الخلة فيرتفع التكليف والخلة باقية هذا محال ~~فلا بد أن يترتب فى الذمة ثانيا مقدار ما تسد به الحاجة ذلك الوقت وحينئذ ~~يترتب في ذمته في حق واحد قيم كثيرة بعدد الأزمان الماضية وهذا غير معقول ~~فى الشرع والثالث أن هذا يكون عينا أو كفاية وعلى كل تقدير يلزم إذا لم يقم ~~به أحد أن يترتب إما فى ذمة واحد غير معين وهو باطل لا يعقل وإما فى ذمم ~~جميع الخلق مقسطا فكذلك للجهل بمقدار ذلك القسط لكل واحد أوغير مقسط فيلزم ~~فيما قيمته درهم أن يترتب فى ذمم مائة ألف رجل مائة ألف درهم وهو باطل كما تقدم # والرابع لو ترتب فى ذمته لكان عبثا ولا عبث فى التشريع فإنه PageV01P158 ~~إذا كان المقصود دفع الحاجة فعمران الذمة ينافي هذا المقصد إذ المقصود ~~إزالة هذا العارض لا غرم قيمة العارض فإذا كان الحكم بشغل الذمة منافيا ~~لسبب الوجوب كان عبثا غير صحيح # لا يقال إنه لازم فى الزكاة المفروضة وأشباهها إذ المقصود بها سد الخلات ~~وهى تترتب فى الذمة # لأنا نقول نسلم أن المقصود ما ذكرت ولكن الحاجة التى تسد بالزكاة غير ~~متعينه على الجملة ألا ترى أنها تؤدي اتفاقا وأن لم تظهر عين الحاجة فصارت ~~كالحقوق الثابتة بمعاوضة أو هبة فللشرع قصد فى تضمين المثل أو القيمة فيها ~~بخلاف ms090 ما نحن فيه فإن الحاجة فيه متعينة فلا بد من إزالتها ولذلك لا يتعين ~~لها مال زكاة من غيره بل بأي مال ارتفعت حصل المطلوب فالمال غير مطلوب ~~لنفسه فيها فلو ارتفع العارض بغير شىء لسقط الوجوب والزكاة ونحوها لا بد من ~~بذلها وإن كان محلها غير مضطر إليها فى الوقت ولذلك عينت # وعلى هذا الترتيب فى بذل المال للحاجة يجري حكم سائر أنواع هذا القسم فإن ~~قيل لو كان الجهل مانعا من الترتب فى الذمة لكان مانعا من أصل التكليف أيضا ~~لأن العلم بالمكلف به شرط فى التكليف إذ التكليف بالمجهول تكليف بما لا ~~يطاق فلو قيل لأحد أنفق مقدارا لا تعرفه أو صل صلوات لا تدري كم هي أو انصح ~~من لا تدريه ولا تميزه وما أشبه ذلك لكان تكليفا بما لا يطاق إذ لا يمكن ~~العلم بالمكلف به أبدا إلا بوحي PageV01P159 ~~وإذا علم بالوحي صار معلوما لا مجهولا والتكليف بالمعلوم صحيح هذا خلف ~~فالجواب أن الجهل المانع من أصل التكليف هو المتعلق بمعين عند الشارع كما ~~لو قال أعتق رقبة وهو يريد الرقبة الفلانية من غير بيان فهذا هو الممتنع ~~أما ما لم يتعين عند الشارع بحسب التكليف فالتكليف به صحيح كما صح فى ~~التخيير بين الخصال فى الكفارة إذ ليس للشارع قصد فى إحدى الخصال دون ما ~~بقى فكذلك هنا إنما مقصود الشارع سد الخلات على الجملة فما لم يتعين خلة ~~فلا طلب فإذا تعينت وقع الطلب هذا هو المراد هنا وهو ممكن للمكلف مع نفي ~~التعيين فى مقدار ولا فى غيره # وهنا ضرب ثالث آخذ بشبه من الطرفين الأولين فلم يتمحض لأحدهما هو محل ~~اجتهاد كالنفقة على الأقارب والزوجات ولأجل ما فيه من الشبه بالضر بين ~~اختلف الناس فيه هل له ترتب فى الذمة أم لا فإذا ترتب فلا يسقط بالإعسار ~~فالضرب الأول لاحق بضروريات الدين ولذلك محض بالتقدير والتعيين والثانى ~~لاحق بقاعدة التحسين والتزيين ولذلك وكل إلى اجتهاد المكلفين والثالث آخذ ~~من الطرفين بسبب ms091 متين فلا بد فيه من النظر فى كل وافعة على التعيين والله أعلم ### || AUTO فصل # وربما انضبط الضربان الأولان بطلب العين والكفاية فإن حاصل الأول أنه طلب ~~مقدر على كل عين من أعيان المكلفين وحاصل PageV01P160 ~~الثانى إقامة الأود العارض فى الدين وأهله إلا أن هذا الثانى قد يدخل فيه ~~ما يظن أنه طلب عين ولكنه لا يصير طلبا متحتما فى الغالب إلا عند كونه ~~كفاية كالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وأما إذا لم يتحتم فهو مندوب وفروض ~~الكفايات مندوبات على الأعيان فتأمل هذا الموضع # وأما الضرب الثالث فآخذ شبها من الطرفين أيضا فلذلك اختلفوا فى تفاصيله ~~حسبما ذكره الفقهاء والله أعلم ### || AUTO المسألة العاشرة # يصح أن يقع بين الحلال والحرام مرتبة العفو فلا يحكم عليه بأنه واحد من ~~الخمسة المذكورة هكذا على الجملة ومن الدليل على ذلك أوجه # أحدها ما تقدم من أن الأحكام الخمسة إنما تتعلق بأفعال المكلفين PageV01P161 ~~مع القصد إلى الفعل وأما دون ذلك فلا وإذا لم يتعلق بها حكم منها مع ~~وجدانه ممن شأنه أن تتعلق به فهو معنى العفو المتكلم فيه أي لا مؤآخذة به ~~والثانى ما جاء من النص على هذه المرتبة على الخصوص فقد روى عن النبى صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها رواه الدارقطني ونهى عن أشياء فلا ~~تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا ~~تبحثوا عنها رواه الدارقطني وقال ابن عباس ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض صلى الله عليه ~~وسلم كلها فى القرآن يسألونك عن المحيض ويسألونك عن اليتامى ويسألونك عن ~~الشهر الحرام ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم يعنى أن هذا كان الغالب عليهم ~~وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال مالم يذكر فى القرآن فهو مما عفا الله ~~عنه وكان يسأل عن الشىء لم يحرم فيقول عفو وقيل له ما تقول ms092 فى أموال أهل ~~الذمة فقال العفو يعنى لا تؤخذ منهم زكاة وقال عبيد ابن عمير أحل الله ~~حلالا وحرم حراما فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو # والثالث ما يدل على هذا المعنى فى الجملة كقوله تعالى عفا الله عنك PageV01P162 ~~لم آذنت لهم الآية فإنه موضع اجتهاد فى الإذن عند عدم النص # وقد ثبت فى الشريعة العفو عن الخطأ فى الاجتهاد حسبما بسطه الأصوليون ~~ومنه قوله تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وقد كان ~~النبي عليه السلام يكره كثرة السؤال فيما لم ينزل فيه حكم بناء على حكم ~~البراءة الأصلية إذ هى راجعة إلى هذا المعنى ومعناها أن الأفعال معها معفو ~~عنها وقد قال صلى الله عليه وسلم # إن أعظم المسلمين فى المسلمين جرما من سأل عن شىء لم يحرم عليهم فحرم ~~عليهم من أجل مسألته وقال # ذروني ما تركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على انبياءهم ~~ما نهيتكم عنه فانتهوا وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم وقرأ عليه ~~السلام قوله تعالى ولله على الناس حج البيت الآية فقال رجل يا رسول الله ~~أكل عام فأعرض ثم قال يا رسول الله أكل عام فأعرض ثم قال يا رسول الله أكل ~~عام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # والذى نفسى بيده لو قلتها لو جبت ولو جبت ما قمتم بها ولو لم تقوموا بها ~~لكفرتم فذروني ما تركتكم ثم ذكر معنى ما تقدم وفى مثل هذا نزلت يا أيها ~~الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم الآية ثم قال # عفا الله عنها أى عن تلك الأشياء فهى إذا عفو وقد كره عليه السلام ~~المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وقام يوما وهو يعرف فى وجهه الغضب فذكر ~~الساعة وذكر قبلها أمورا عظاما ثم قال # من أحب أن يسأل عن شىء فليسأل عنه فوالله لا تسألوني عن شىء إلا أخبرتكم ~~به ما دامت في ms093 مقامى هذا قال أنس فأكثر الناس من البكاء حين سمعوا ذلك ~~وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول # سلوني فقام PageV01P163 ~~عبدالله بن حذافة السهمي فقال من أبي قال أبوك حذافة فلما أكثر أن يقول ~~سلوني برك عمر بن الخطاب على ركبتيه فقال يا رسول الله رضينا بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ~~عمر ذلك فنزلت الآية وقال أولا والذي نفسي بيدي لقد عرضت على الجنة والنار ~~آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر وظاهر من ~~هذا المساق أن قوله سلوني في معرض الغضب تنكيل بهم في السؤال حتى يروا ~~عاقبة السؤال ولأجل ذلك جاء قوله تعالى إن تبد لكم تسؤكم وقد ظهر من هذه ~~الجملة ما يعفى عنه وهو ما نهى عن السؤال عنه # فكون الحج لله هو مقتضى الآية كما أن كونه للعام الحاضر تقتضيه أيضا فلما ~~سكت عن التكرار كان الذي ينبغي الحمل على أخف محتملاته وإن فرض أن الإحتمال ~~الآخر مراد فهو مما يعفى عنه ومثل هذا قصة أصحاب البقرة لما شددوا بالسؤال ~~وكانوا متمكنين من ذبح أي بقرة شاؤا شدد عليهم حتى ذبحوها وما كادوا يفعلون ~~فهذا كله واضح في أن من أفعال المكلفين ما لا يحسن السؤال عنه وعن حكمه ~~ويلزم من ذلك أن يكون معفوا عنه فقد ثبت أن مرتبة العفو ثابتة وأنها ليست ~~من الأحكام الخمسة ### || AUTO فصل # ويظهر هذا المعنى في مواضع من الشريعة # منها ما يكون متفقا عليه # ومنها ما يختلف فيه فمنها الخطأ والنسيان فإنه متفق على عدم المؤاخذة PageV01P164 ~~به فكل فعل صدر عن غافل أو ناس أو مخطئ فهو مما عفى عنه وسواء علينا ~~أفرضنا تلك الأفعال مأمورا بها أو منهيا عنها أم لا لأنها إن لم تكن منهيا ~~عنها ولا مأمورا بها ولا مخيرا فيها فقد رجعت إلى قسم ما لا حكم له في ~~الشرع وهو معنى العفو # وأن تعلق ms094 بها الأمر والنهي فمن شرط المؤآخذة به ذكر الأمر والنهي والقدرة ~~على الإمتثال وذلك في المخطئ والناسي والغافل محال ومثل ذلك النائم ~~والمجنون والحائض وأشباه ذلك # ومنها الخطأ في الإجتهاد وهو راجع إلى الأول وقد جاء في القرآن عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم وقال لولا كتاب من الله سبق الآية # ومنها الإكراه كان مما يتفق عليه أو مما يختلف فيه إذا قلنا بجوازه فهو ~~راجع إلى العفو كان الأمر والنهي باقيين عليه أو لا فإن حاصل ذلك أن تركه ~~لما ترك وفعله لما فعل لا حرج عليه فيه # ومنها الرخص كلها على اختلافها فإن النصوص دلت على ذلك حيث نص على رفع ~~الجناح ورفع الحرج وحصول المغفرة ولا فرق في ذلك بين أن تكون الرخصة مباحة ~~أو مطلوبة لأنها إن كانت مباحة فلا إشكال وإن كانت مطلوبة فيلزمها العفو عن ~~نقيض المطلوب فأكل الميتة إذا قلنا بإيجابه فلابد أن يكون نقيضه وهو الترك ~~معفوا عنه وإلا لزم اجتماع النقيضين في التكليف بهما وهو محال ومرفوع عن الأمة # ومنها الترجيح بين الدليلين عند تعارضهما ولم يمكن الجمع فإذا ترجح أحد ~~الدليلين كان مقتضى المرجوح في حكم العفو لأنه إن لم يكن كذلك لم PageV01P165 ~~يمكن الترجيح فيؤدي إلى رفع أصله وهو ثابت بالإجماع ولأنه يؤدي إلى الخطاب ~~بالنقيضين وهو باطل وسواء علينا أقلنا ببقاء الإقتضاء في الدليل المرجوح ~~وإنه في حكم الثابت أم قلنا إنه في حكم العدم لا فرق بينهما في لزوم العفو # ومنها العمل على مخالفة دليل لم يبلغه أو على موافقة دليل بلغه وهو في ~~نفس الأمر منسوخ أو غير صحيح لأن الحجة لم تقم عليه بعد إذ لا بد من بلوغ ~~الدليل إليه وعلمه به وحينئذ تحصل المؤآخذة به وإلا لزم تكليف ما لا يطاق # ومنها الترجيح بين الخطابين عند تزاحمهما ولم يمكن الجمع بينهما لا بد من ~~حصول العفو بالنسبة إلى المؤخر حتى يحصل المقدم لأنه الممكن في التكليف ~~بهما وإلا لزم تكليف ما لا يطاق ms095 وهو مرفوع شرعا # ومنها ما سكت عنه فهو عفو لأنه إذا كان مسكوتا عنه مع وجود مظنته فهو ~~دليل على العفو فيه وما تقدم من الأمثلة في الأدلة السابقة فهو مما يصح ~~التمثيل به والله أعلم # فصل # ولمانع مرتبة العفو أن يستدرك عليه بأوجه # أحدها أن أفعال المكلفين من حيث هم مكلفون إما أن تكون بجملتها داخلة تحت ~~خطاب التكليف وهو الإقتضاء أو التخيير أو لا تكون بجملتها داخلة فإن كانت ~~بجملتها داخلة فلا زائد على الأحكام الخمسة وهو المطلوب وإن لم تكن داخلة ~~بجملتها لزم أن يكون بعض المكلفين خارجا عن حكم خطاب PageV01P166 ~~التكليف ولو في وقت أو حالة ما لكن ذلك باطل لأنا فرضناه مكلفا فلا يصح ~~خروجه فلا زائد على الأحكام الخمسة # والثاني ان هذا الزائد إما أن يكون حكما شرعيا أو لا فإن لم يكن حكما ~~شرعيا فلا اعتبار به والذي يدل على أنه ليس حكما شرعيا إنه مسمى بالعفو ~~والعفو إنما يتوجه حيث يتوقع للمكلف حكم المخالفة لأمر أو نهي وذلك يستلزم ~~كون المكلف به قد سبق حكمه فلا يصح أن يتوارد عليه حكم آخر لتضاد الأحكام ~~وأيضا فإن العفو إنما هو حكم أخروى لا دنيوى وكلامنا في الأحكام المتوجهة ~~في الدنيا وأما إن كان العفو حكما شرعيا فإما من خطاب التكليف أو من خطاب ~~الوضع وأنواع خطاب التكليف محصورة في الخمسة # وأنواع خطاب الوضع محصورة أيضا في الخمسة التي ذكرها الأصوليون وهذا ليس ~~منها فكان لغوا # والثالث إن هذا الزائد إن كان راجعا إلى المسالة الأصولية وهي أن يقال هل ~~يصح أن يخلو بعض الوقائع عن حكم الله أم لا فالمسألة مختلف فيها فليس ~~إثباتها أولى من نفيها إلا بدليل والأدلة فيها متعارضة فلا يصح اثباتها إلا ~~بالدليل السالم عن المعارض ودعواه وأيضا أن كانت اجتهادية فالظاهر نفيها ~~بالأدلة المذكورة في كتب الأصول وإن لم تكن راجعة إلى تلك المسألة فليست ~~بمفهومة وما تقدم من الأدلة على اثبات مرتبة العفو لا دليل فيه فالأدلة ms096 ~~النقلية غير مقتضية للخروج عن الأحكام الخمسة لأمكان الجمع بينهما ولأن ~~العفو أخروى وأيضا فإن سلم للعفو ثبوت ففي زمانه عليه السلام لا في غيره ~~ولا مكان تأويل تلك الظواهر وما ذكر من أنواعه فداخلة أيضا تحت الخمسة فإن ~~العفو فيها راجع إلى رفع حكم الخطأ والنسيان والإكراه والحرج وذلك يقتضي ~~إما الجواز بمعنى الإباحة وإما رفع ما يترتب على المخالفة من الذم وتسبيب ~~العقاب وذلك PageV01P167 ~~يقتضي إثبات الإمر والنهي مع رفع آثارهما لمعارض فارتفع الحكم بمرتبة ~~العفو وأن يكون أمرا زائدا على الخمسة وفي هذا المجال أبحاث أخر ### || AUTO فصل # وللنظر في ضوابط ما يدخل تحت العفو إن قيل به نظر فإن الإقتصار به عل ~~محال النصوص نزغة ظاهرية والانحلال في اعتبار ذلك على الإطلاق خرق لا يرقع ~~والإقتصار فيه على بعض المحال دون بعض تحكم يأباه المعقول والمنقول # فلا بد من وجه يقصد نحوه في المسألة حتى تتبين بحول الله والقول في ذلك ~~ينحصر في ثلاثة أنواع # أحدها الوقوف مع مقتضى الدليل المعارض قصد نحوه وإن قوى معارضه # والثاني الخروج عن مقتضاه عن غير قصد أو عن قصد لكن بالتأويل # والثالث العمل بما هو مسكوت عن حكمه رأسا فأما الأول فيدخل تحته العمل ~~بالعزيمة وإن توجه حكم الرخصة ظاهرا ان العزيمة لما توخيت على ظاهر العموم ~~أو الإطلاق كان الواقف معها واقفا على دليل مثله معتمد على الجملة وكذلك ~~العمل بالرخصة وإن توجه حكم العزيمة فإن الرخصة مستمدة من قاعدة رفع الحرج ~~كما أن العزيمة راجعة إلى أصل التكليف وكلاهما أصل كلي فالرجوع إلى حكم ~~الرخصة وقوف مع ما مثله معتمد لكن لما كان أصل رفع الحرج واردا على أصل ~~التكليف ورود المكمل ترجح جانب أصل العزيمة بوجه ما غير أنه لا يخرم أصل ~~الرجوع لأن بذلك المكمل قيام أصل التكليف وقد اعتبر في مذهب مالك هذا ففيه ~~أن سافر في رمضان أقل من أربعة برد فظن أن الفطر مباح به PageV01P168 ~~فافطر فلا كفارة عليه وكذلك من أفطر ms097 فيه بتأويل وإن كان أصله غير علمى بل ~~هذا جار فى كل متأول كشارب المسكر ظانا أنه غير مسكر وقاتل المسلم ظانا أنه ~~كافر وآكل المال الحرام عليه ظانا أنه حلال له والمتطهر بماء نجس ظانا أنه ~~طاهر وأشباه ذلك ومثله المجتهد المخطىء فى اجتهاده وقد خرج أبو داود عن ابن ~~مسعود رضى الله عنه أنه جاء يوم الجمعة والنبى صلى الله عليه وسلم يخطب ~~فسمعه يقول # اجلسوا فجلس بباب المسجد فرآه النبى صلى الله عليه وسلم فقال تعالى يا ~~عبد الله ابن مسعود فظاهر من هذا أنه رأى الوقوف مع مجرد الأمر وأن قصد ~~غيره مسارعة إلى امتثال أوامره وسمع عبد الله بن رواحة وهو بالطريق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول اجلسوا فجلس فى الطريق فمر به النبى صلى ~~الله عليه وسلم فقال # ما شأنك فقال سمعتك تقول أجلسوا فجلست فقال النبى صلى الله عليه وسلم ~~زادك الله طاعة وظاهر هذه القصة أنه لم يقصد بالأمر بالجلوس ولكنه لما سمع ~~ذلك سارع إلى امتثاله ولذلك سأله النبى صلى الله عليه وسلم حين رآه جالسا ~~فى غير موضع جلوس وقد قال عليه السلام # لا يصل أحد العصر إلا فى بنى قريظة فأدركهم وقت العصر فى الطريق فقال ~~بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي ولم يرد منا ذلك فذكر ذلك ~~للنبى صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدة من الطائفتين ويدخل ههنا كل قضاء ~~قضى به القاضى من مسائل الاجتهاد ثم يتبين له خطأه ما لم يكن قد أخطأ نصا ~~أو إجماعا أو بعض القواطع وكذلك الترجيح بين الدليلين فإنه وقوف مع أحدهما ~~وإهمال للآخر # فإذا فرض مهملا للراجح فذلك لأجل وقوفه مع المرجوح وهو فى الظاهر دليل ~~يعتمد مثله وكذلك العمل بدليل منسوخ أو غير صحيح فإنه وقوف مع ظاهر دليل ~~يعتمد مثله فى الجملة فهذه وأمثالها مما يدخل تحت معنى العفو المذكور وإنما ~~قلنا الوقوف مع مقتضى الدليل المعارض فشرط فيه المعارضة لأنه ms098 إن كان غير ~~معارض لم يدخل تحت العفو لأنه أمر أو نهى أو تخيير عمل على وفقه فلا عتب PageV01P169 ~~يتوهم فيه ولا مؤآخذة تلزمه بحكم الظاهر فلا موقع للعفو فيه وإنما قيل وإن ~~قوى معارضه لأنه إن لم يقو معارضه لم يكن من هذا النوع بل من النوع الذي ~~يليه على أثر هذا فإنه ترك لدليل وهنا وإن كان أعمالا لدليل أيضا فأعماله ~~من حيث هو أقوى عند الناظر أو فى نفس الأمر كأعمال الدليل غير المعارض فلا ~~عفو فيه # وأما النوع الثانى وهو الخروج عن مقتضى الدليل عن غير قصد أو عن قصد لكن ~~بالتأويل فمنه الرجل يعمل عملا على اعتقاد إباحته لأنه لم يبلغه دليل ~~تحريمه أو كراهيته أو يتركه معتقدا إباحته إذا لم يبلغه دليل وجوبه أو ندبه ~~كقريب العهد بالإسلام لا يعلم أن الخمر محرمة فيشربها أو لا يعلم أن غسل ~~الجنابة واجب فيتركه وكما اتفق فى الزمان الأول حين لم تعلم الأنصار طلب ~~الغسل من التقاء الختانين ومثل هذا كثير يتبين للمجتهدين وقد روى عن مالك ~~أنه كان لا يرى تخليل أصابع الرجلين فى الوضوء ويراه من التعمق حتى بلغه أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم كان يخلل فرجع إلى القول به وكما اتفق لأبى يوسف ~~مع مالك فى المد والصاع حتى رجع إلى القول بذلك ومن ذلك العمل على المخالفة ~~خطأ أونسيانا ومما يروى من الحديث # رفع أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإن صح فذلك وإلا فالمعنى ~~متفق عليه ومما يجرى مجرى الخطأ والنسيان فى أنه من غير قصد وإن وجد القصد ~~الا كراه المضمن فى الحديث وأبين PageV01P170 ~~من هذا العفو عن عثرات ذوى الهيآت فإنه ثتب فى الشرع اقالتهم فى الزلات ~~وأن لا يعاملوا بسببها معاملة غيرهم جاء فى الحديث # أقيلوا ذوى الهيآت عثراتهم وفى حديث آخر # تجافوا عن عقوبة ذوى المروءة والصلاح وروى العمل بذلك عن محمد بن أبى بكر ~~بن عمرو بن حزم فإنه قضى به فى رجل من آل ms099 عمر بن الخطاب شج رجلا وضربه ~~فأرسله وقال أنت من ذوى الهيآت وفى خبر آخر عن عبد العزيز بن عبد الله بن ~~عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال استادى على مولى لى جرحته يقال له سلام ~~البربرى إلى ابن حزم فأتانى فقال جرحته قلت نعم قال سمعت خالتى عمرة تقول ~~قالت عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم فخلى سبيله ولم يعاقبه وهذا أيضا من شئون رب ~~العزة سبحانه فإنه قال ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش لا اللمم الآية لكنها أحكام آخروية وكلامنا فى الأحكام ~~الدنيوية ويقرب PageV01P171 ~~من هذا المعنى درء الحدود بالشبهات فإن الدليل يقوم هنالك مفيدا للظن في ~~إقامة الحد ومع ذلك فإذا عارضه شبهة وإن ضعفت غلب حكمها ودخل صاحبها في حكم ~~العفو وقد يعد هذا المجال مما خولف فيه الدليل بالتأويل وهو من هذا النوع ~~أيضا ومثال مخالفته بالتأويل مع المعرفة بالدليل ما وقع في الحديث في تفسير ~~قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية عن ~~قدامة بن مظعون حين قال لعمر بن الخطاب إن كنت شربتها فليس لك أن تجلدي قال ~~عمر ولم قال لأن الله يقول ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا الآية فقال عمر إنك أخطأت التأويل يا قدامة إذا اتقيت اجتنبت ما حرم ~~الله قال القاضي إسماعيل وكأنه أراد أن هذه الحالة تكفر ما كان من شربه ~~لأنه كان ممن اتقى وآمن وعمل الصالحات وأخطأ في التأويل بخلاف من استحلها ~~كما في حديث علي رضي الله عنه # ولم يأت في حديث قدامة أنه حد ومما وقع في المذهب في المستحاضة تترك ~~الصلاة زمانا جاهلة بالعمل أنه لا قضاء عليها فيما تركت قال في مختصر ما ~~ليس في المختصر لو طال بالمستحاضة والنفساء الدم فلم تصل النفساء ثلاثة ~~اشهر ولا المستحاضة شهرا لم يقضيا ما مضى إذا تأولنا في ترك الصلاة دوام ما ~~بهما ms100 من الدم وقيل في المستحاضة إذا تركت بعد أيام أقرائها يسيرا اعادته ~~وإن كان كثيرا PageV01P172 ~~فليس عليها قضاؤه بالواجب وفي سماع أبي زيد عن مالك أنها إذا تركت الصلاة ~~بعد الإستظهار جاهلة لا تقضي صلاة تلك الأيام واستحب ابن القاسم لها القضاء # فهذا كله مخالفة للدليل مع الجهل والتأويل فجعلوه من قبيل العفو ومن ذلك ~~أيضا المسافر يقدم قبل الفجر فيظن أن من لم يدخل قبل غروب الشمس فلا صوم له ~~أو تطهر الحائض قبل طلوع الفجر فتظن أنه لا يصح صومها حتى تطهر قبل الغروب ~~فلا كفارة هنا وإن خالف الدليل لأنه متأول وإسقاط الكفارة هو معنى العفو # وأما النوع الثالث وهو العمل بما هو مسكوت عن حكمه ففيه نظر فإن خلوا بعض ~~الوقائع عن حكم لله مما اختلف فيه فأما على القول بصحة الخلو فيتوجه النظر ~~وهو مقتضى الحديث # وما سكت عنه فهو عفو وأشباهه مما تقدم وأما علي القول الآخر فيشكل الحديث ~~إذ ليس ثم مسكوت عنه بحال بل هو إما منصوص وإما مقيس على منصوص والقياس من ~~جملة الأدلة الشرعية فلا نازلة إلا ولها في الشريعة محل حكم فانتفى المسكوت ~~عنه إذا ويمكن أن يصرف السكوت على هذا القول إلى ترك الإستفصال مع وجود ~~مظنته وإلى السكوت عن مجارى العادات مع استصحابها في الوقائع وإلى السكوت ~~عن أعمال أخذت قبل من شريعة إبراهيم عليه السلام فالأول كما في قوله تعالى ~~وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم فإن هذا العموم يتناول بظاهره ما ذبحوا ~~لأعيادهم وكنائسهم وإذا نظر إلى المعنى اشكل لأن في ذبائح الأعياد زيادة ~~تنافي أحكام الإسلام فكان للنظر هنا مجال ولكن مكحولا سئل عن المسألة فقال كله PageV01P173 ~~قد علم الله ما يقولون وأحل ذبائحهم يريد والله أعلم أن الآية لم يخص ~~عمومها وإن وجد هذا الخاص المنافي وعلم الله مقتضاه ودخوله تحت عموم اللفظ ~~ومع ذلك فأحل ما ليس فيه عارض وما هو فيه لكن بحكم العفو عن وجه المنافاة # وإلى نحو هذا يشير ms101 قوله عليه السلام # وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها وحديث الحج أيضا مثل ~~هذا حين قال # أحجنا هذا لعامنا أو للأبد لأن اعتبار اللفظ يعطى أنه للأبد فكره عليه ~~السلام سؤاله وبين له علة ترك السؤال عن مثله وكذلك حديث # أن أعظم المسلمين في المسلمين جرما الخ يشير إلى هذا المعنى فإن السؤال ~~عما لم يحرم ثم يحرم لأجل المسألة إنما يأتي في الغالب من جهة إبداء وجه ~~فيه يقتضي التحريم مع أن له أصلا يرجع إليه في الحلية وإن اختلفت فروعه في ~~أنفسها أو دخلها معنى يخيل الخروج عن حكم ذلك الأصل ونحو حديث # ذروني ما تركتكم وأشباه ذلك # والثاني كما في الأشياء التي كانت في أول الإسلام على حكم الإقرار ثم ~~حرمت بعد ذلك بتدريج كالخمر فإنها كانت معتادة الإستعمال في الجاهلية ثم ~~جاء الإسلام فتركت على حالها قبل الهجرة وزمانا بعد ذلك ولم يتعرض في الشرع ~~للنص على حكمها حتى نزل يسألونك عن الخمر والميسر فبين ما فيها من المنافع ~~والمضار وأن الأضرار فيها أكبر من المنافع وترك الحكم الذي اقتضته المصلحة ~~وهو التحريم لأن القاعدة الشرعية أن المفسدة إذا أربت على المصلحة فالحكم ~~للمفسدة والمفاسد ممنوعة فبان وجه المنع فيهما غير أنه لما لم ينص على ~~المنع وإن ظهر وجهه تمسكوا بالبقاء مع الأصل الثابت لهم بمجارى العادات ~~ودخل لهم تحت العفو إلى أن نزل ما في سورة المائدة من قوله تعالى فاجتنبوه ~~فحينئذ استقر حكم التحريم وارتفع العفو وقد دل على ذلك قوله تعالى ليس PageV01P174 ~~على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية فإنه لما حرمت ~~قالوا كيف بمن مات وهو يشربها فنزلت الآية فرفع الجناح هو معنى العفو # ومثل ذلك الربا المعمول به في الجاهلية وفي أول الإسلام وكذلك بيوع الغرر ~~الجارية بينهم كبيع المضامين والملاقيح والثمر قبل بدو صلاحه واشباه ذلك ~~كلها كانت مسكوتا عنها وما سكت عنه فهو في معنى العفو والنسخ بعد ذلك لا ~~يرفع ms102 هذا المعنى لوجود جملة منه باقية إلى الآن على حكم إقرار الإسلام ~~كالقراض والحكم في الخنثى بالنسبة إلى الميراث وغيره وما أشبه ذلك مما نبه ~~عليه العلماء # والثالث كما في النكاح والطلاق والحج والعمرة وسائر أفعالهما إلا ما ~~غيروا فقد كانوا يفعلون ذلك قبل الإسلام فيفرقون بين النكاح والسفاح ~~ويطلقون ويطوفون بالبيت أسبوعا ويمسحون الحجر الأسود ويسعون بين الصفا ~~والمروة ويلبون ويقفون بعرفات ويأتون مزدلفة ويرمون الجمار ويعظمون الأشهر ~~الحرم ويحرمونها ويغتسلون من الجنابة ويغسلون موتاهم ويكفنونهم ويصلون عليهم # ويقطعون السارق ويصلبون قاطع الطريق إلى غير ذلك مما كان فيهم من بقايا ~~ملة أبيهم إبراهيم فكانوا على ذلك إلى أن جاء الإسلام فبقوا على حكمه حتى ~~أحكم الإسلام منه ما أحكم وانتسخ ما خالفه فدخل ما كان قبل ذلك في حكم ~~العفو مما لم يتجدد فيه خطاب زيادة على التلقي من الأعمال المتقدمة وقد نسخ ~~منها ما نسخ وأبقى منها ما أبقى على المعهود الأول فقد ظهر بهذا البسط ~~مواقع العفو في الشريعة وانضبطت والحمد لله على أقرب ما يكون أعمالا لأدلته ~~الدالة على ثبوته إلا أنه بقي النظر في العفو هل هو حكم أم لا وإذا قيل حكم ~~فهل يرجع إلى خطاب التكليف أم إلى خطاب الوضع هذا محتمل كله ولكن لما لم ~~يكن مما PageV01P175 ~~ينبني عليه حكم عملي لم يتأكد البيان فيه فكان الأولى تركه والله الموفق للصواب ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # طلب الكفاية يقول العلماء بالأصول أنه متوجه على الجميع لكن إذا قام به ~~بعضهم سقط عن الباقين وما قالوه صحيح من جهة كلى الطلب # وأما من جهة جزئية ففيه تفصيل وينقسم أقساما وربما تشعب تشعبا طويلا ولكن ~~الضابط للجملة من ذلك أن الطلب وارد على البعض ولا على البعض كيف كان ولكن ~~على من فيه أهليةالقيام بذلك الفعل المطلوب لا على الجميع عموما والدليل ~~على ذلك أمور أحدها النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة فلولا نفرمن كل فرقة منهم طائفة الآية ms103 فورد التحضيض على طائفة ~~لا على الجميع وقوله ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~الآية وقوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم الآية ~~إلى آخرها وفي القرآن من هذا النحو أشياء كثيرة ورد الطلب فيها نصا على ~~البعض لا على الجميع والثاني ما ثبت من القواعد الشرعية القطعية في هذ ~~المعنى كالإمامة الكبرى أو الصغرى فإنها إنما تتعين على من فيه PageV01P176 ~~أوصافها المرعية لا على كل الناس وسائر الولايات بتلك المنزلة إنما يطلب ~~بها شرعا باتفاق من كان أهلا للقيام بها والغناء فيها وكذلك الجهاد حيث ~~يكون فرض كفاية إنما يتعين القيام به على من فيه نجدة وشجاعة وما أشبه ذلك ~~من الخطط الشرعية إذ لا يصح أن يطلب بها من لا يبدئ فيها ولا يعيد فإنه من ~~باب تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى المكلف ومن باب العبث بالنسبة إلى ~~المصلحة المجتلبة أو المفسدة المستدفعة وكلاهما باطل شرعا # والثالث ما وفع من فتاوي العلماء وما وقع أيضا في الشريعة من هذا المعنى # فمن ذلك ما روى عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لأبي ذر # يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ~~ولا تولين مال يتيم رواه مسلم وكلا الأمرين من فروض الكفاية ومع ذلك فقد ~~نهاه عنها فلو فرض إهمال الناس لهما لم يصح أن يقال بدخول أبي ذر في حرج ~~الإهمال ولا من كان مثله وفي الحديث # لا تسأل الإمارة وهذا النهي يقتضى أنها غير عامة الوجوب ونهى أبو بكر رضي ~~الله عنه بعض الناس عن الإمارة فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليها أبو بكر فجاءه الرجل فقال نهيتني عن الإمارة ثم وليت فقال له وأنا ~~الآن أنهاك عنها واعتذر له PageV01P177 ~~عن ولايته هو بأنه لم يجد من ذلك بدا وروى أن تميما الداري استأذن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنهما في أن يقص فمنعه من ms104 ذلك وهو من مطلوبات الكفاية أعني ~~هذا النوع من القصص الذي طلبه تميم وضي الله عنه وروى نحوه عن علي ابن أبي ~~طالب رضي الله عنه # وعلى هذا المهيع جرى العلماء في تقرير كثير من فروض الكفايات فقد جاء عن ~~مالك أنه سئل عن طلب العلم أفرض هو فقال إما على كل الناس فلا يعنى به ~~الزائد على الفرض العيني وقال أيضا أما من كان فيه موضع للامامة فالإجتهاد ~~في طلب العلم عليه واجب والأخذ في العناية بالعلم على قدر النية فيه فقسم ~~كما ترى فجعل من فيه قبولية للإمامة مما يتعين عليه ومن لا جعله مندوبا ~~إليه وفي ذلك بيان أنه ليس على كل الناس وقال سحنون من كان أهلا للإمامة ~~وتقليد العلوم ففرض عليه أن يطلبها لقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ومن لا يعرف المعروف كيف يأمر به ~~أو لا يعرف المنكر كيف ينهى عنه # وبالجملة فالأمر في هذا المعنى واضح وباقي البحث في المسألة موكول إلى ~~علم الأصول # لكن قد يصح أن يقال أنه واجب على الجميع على وجه من التجوز لأن القيام ~~بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة فهم مطلوبون بسدها عل الجملة فبعضهم هو قادر ~~عليها مباشرة وذلك من كان أهلا لها والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون PageV01P178 ~~على إقامة القادرين فمن كان قادرا على الولاية فهو مطلوب بإقامتها ومن لا ~~يقدر عليها مطلوب بأمر آخر وهو إقامة ذلك القادر واجباره على القيام بها ~~فالقادر إذا مطلوب بإقامة الفرض وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر إذ لا ~~يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة من باب ما لا يتم الواجب إلا به وبهذا ~~الوجه يرتفع مناط الخلاف فلا يبقى للمخالفة وجه ظاهر ### || AUTO فصل # ولا بد من بيان بعض تفاصيل هذه الجملة ليظهر وجهها وتتبين صحتها بحول الله # وذلك أن الله عز وجل خلق الخلق غير عالمين بوجوه مصالحهم لا في الدنيا ~~ولا في الآخرة ألا ترى إلى قول ms105 الله تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا ~~تعلمون شيئا ثم وضع فيهم العلم بذلك على التدريج والتربية تارة بالإلهام ~~كما يلهم الطفل التقام الثدي ومصه وتارة بالتعليم فطلب الناس بالتعلم ~~والتعليم لجميع ما يستجلب به المصالح وكافة ما تدرأ به المفاسد إنهاضا لما ~~جبل فيهم من تلك الغرائز الفطرية والمطالب الإلهامية لأن ذلك كالأصل للقيام ~~بتفاصيل المصالح كان ذلك من قبيل الأفعال أو الأقوال أو العلوم والإعتقادات ~~أو الآداب الشرعية أو العادية وفي أثناء العناية بذلك يقوى في كل واحد من ~~الخلق ما فطر عليه وما ألهم له من تفاصيل الأحوال والأعمال فيظهر فيه وعليه ~~ويبرز فيه على أقرانه ممن لم يهيأ تلك التهيئة فلا يأتي زمان التعقل إلا ~~وقد نجم على ظاهره ما فطر عليه في أوليته فترى واحدا قد تهيأ لطلب العلم ~~وآخر لطلب الرياسة وآخر للتصنع ببعض المهن المحتاج إليها وأخر للصراع ~~والنطاح إلى سائر الأمور # هذا وإن كان كل واحد قد غرز فيه التصرف الكلي فلا بد في غالب العادة من ~~غلبة البعض عليه فيرد التكليف عليه معلما مؤدبا في حالته التي هو عليها ~~فعند ذلك ينتهض الطلب على كل مكلف في نفسه من تلك المطلوبات بما هو ناهض ~~فيه ويتعين على الناظرين فيهم الإلتفات إلى تلك الجهات فيراعونهم بحسبها PageV01P179 ~~ويراعونها إلى أن تخرج في أيديهم على الصراط المستقيم ويعينونهم على ~~القيام بها ويحرضونهم على الدوام فيها حتى يبرز كل واحد فيما غلب عليه ومال ~~إليه من تلك الخطط ثم يخلى بينهم وبين أهلها فيعاملونهم بما يليق بهم ~~ليكونوا من أهلها إذا صارت لهم كالأوصاف الفطرية والمدركات الضرورية فعند ~~ذلك يحصل الإنتفاع وتظهر نتيجة تلك التربية # فإذا فرض مثلا واحد من الصبيان ظهرعليه حسن إدراك وجودة فهم ووفور حفظ ~~لما يسمع وإن كان مشاركا في غير ذلك من الأوصاف ميل به نحو ذلك القصد وهذا ~~واجب على الناظر فيه من حيث الجملة مراعاة لما يرجى فيه من القيام بمصلحة ~~التعليم فطلب بالتعلم وأدب بالآداب المشتركة ms106 بجميع العلوم ولا بد أن يمال ~~منها إلى بعض فيؤخذ به ويعان عليه ولكن على الترتيب الذي نص عليه ربانيو ~~العلماء فإذا دخل في ذلك البعض فمال به طبعه إليه على الخصوص وأحبه أكثر من ~~غيره ترك وما أحب وخص بأهله فوجب عليهم إنهاضه فيه حتى يأخذ منه ما قدر له ~~من غير إهمال له ولا ترك لمراعاته ثم إن وقف هنالك فحسن وإن طلب الأخذ في ~~غيره أوطلب به فعل معه فيه ما فعل فيما قبله وهكذا إلى أن ينتهي # كما لو بدأ بعلم العربية مثلا فإنه الأحق بالتقديم فإنه يصرف إلى معلميها ~~فصار من رعيتهم وصاروا هم راعة له فوجب عليهم حفظه فيما طلب بحسب ما يليق ~~به وبهم فإن انتهض عزمه بعد إلى أن صار يحذق القرآن صار من رعيتهم وصاروا ~~هم رعاة له كذلك ومثله أن طلب الحديث أو التفقه في الدين إلى سائر ما يتعلق ~~بالشريعة من العلوم وهكذا الترتيب فيمن ظهر عليه وصف الإقدام والشجاعة ~~وتدبير الأمور فيمال به نحو ذلك ويعلم آدابه المشتركة ثم يصار به إلى ما هو ~~الأولى فالأولى من صنائع التدبير PageV01P180 ~~كالعرافة أو النقابة أو الجندية أو الهداية أو الإمامة أو غير ذلك مما ~~يليق به وما ظهر له فيه نجابة ونهوض وبذلك يتربى لكل فعل هو فرض كفاية قوم # لأنه سير أولا في طريق مشترك فحيث وقف السائر وعجز عن السير فقد وقف في ~~مرتبة محتاج إليها في الجملة وإن كان به قوة زاد في السير إلى أن يصل إلى ~~إلى أقصى الغايات في المفروضات الكفائية وفي التي يندر من يصل إليها ~~كالاجتهاد في الشريعة والإمارة فبذلك تستقيم أحوال الدنيا وأعمال الآخرة # فأنت ترى أن الترقي في طلب الكفاية ليس على ترتيب واحد ولا هو على الكافة ~~بأطلاق ولا على البعض بأطلاق ولا هو مطلوب من حيث المقاصد دون الوسائل ولا ~~بالعكس بل لا يصح أن ينظر فيه نظر واحد حتى يفصل بنحو من هذا التفصيل ويوزع ~~في أهل ms107 الإسلام بمثل هذا التوزيع وإلا لم ينضبط القول فيه بوجه من الوجوه ~~والله أعلم وأحكم ### || AUTO المسألة الثانية عشرة # ما أصله الإباحة للحاجة أو الضرورة إلا أنه يتجاذبه العوارض المضادة لأصل ~~الإباحة وقوعا أو توقعا هل يكر على أصل الإباحة بالنقض أولا هذا محل نظر ~~واشكال والقول فيه أنه لا يخلوا إما أن يضطر إلى ذلك المباح أم لا وإذا لم ~~يضطر إليه فإما أن يلحقه بتركه حرج أم لا فهذه أقسام ثلاثة # أحدها أن يضطر إلى فعل ذلك المباح فلا بد من الرجوع إلى ذلك PageV01P181 ~~الأصل وعدم اعتبار ذلك العارض لأوجه منها أن ذلك المباح قد صار واجب الفعل ~~ولم يبق على أصله من الإباحة وإذا صار واجبا لم يعارضه إلا ما هو مثله في ~~الطرف الآخر أو أقوى منه وليس فرض المسألة هكذا فلم يبق إلا أن يكون طرف ~~الواجب أقوى فلا بد من الرجوع إليه وذلك يستلزم عدم معارضة الطوارئ # والثاني أن محال الاضطرار مغتفرة في الشرع أعني أن إقامة الضرورة معتبرة ~~وما يطرأ عليه من عارضات المفاسد مغتفر في جنب المصلحة المجتلبة كما اغتفرت ~~مفاسد أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وأشباه ذلك في جنب الضرورة لإحياء ~~النفس المضطرة وكذلك النطق بكلمة الكفر أو الكذب حفظا للنفس أو المال حالة ~~الإكراه فما نحن فيه من ذلك النوع فلا بد فيه من عدم اعتبار العارض للمصلحة ~~الضرورية ### || AUTO والثالث إنا لو اعتبرنا العوارض ولم نغتفرها لأدى ذلك إلى رفع ~~الإباحة رأسا وذلك غير صحيح كما سيأتي في - كتاب المقاصد من أن المكمل إذا ~~عاد على الأصل بالنقض سقط اعتباره واعتبار العوارض هنا إنما هي من ذلك ~~الباب فإن البيع والشراء حلال فى الأصل فإذا اضطر إليه وقد عارضه موانع في ~~طريقه ففقد الموانع من المكملات كاستجماع الشرائط وإذا اعتبرت أد ى إلى ~~ارتفاع ما اضطر إليه وكل مكمل عاد على أصله بالنقض فباطل فما نحن فيه مثله # القسم الثاني أن لا يضطر إليه ولكن يلحقه بالترك حرج فالنظر ms108 يقتضي الرجوع ~~إلى أصل الإباحة وترك اعتبار الطوارئ إذ الممنوعات قد أبيحت رفعا للحرج كما ~~سيأتي لإبن العربي في دخول الحمام وكما إذا كثرت المناكر في الطرق والأسواق ~~فلا يمنع ذلك التصرف في الحاجات إذا كان الإمتناع من التصرف حرجا بينا وما ~~جعل عليكم في الدين حرج وقد أبيح الممنوع رفعا للحرج كالقرض الذي فيه بيع ~~للفضة بالفضة ليس يدا بيد وإباحة العرايا PageV01P182 ~~وجميع ما ذكره الناس في عوارض النكاح وعوارض مخالطةالناس وما أشبه ذلك وهو ~~كثير هذا وإن ظهر ببادئ الرأي الخلاف ههنا فإن قوما شددوا فيه على أنفسهم ~~وهم أهل علم يقتدى بهم ومنهم من صرح في الفتيا بمقتضى الإنكفاف واعتبار ~~العوارض فهؤلاء إنما بتوا في المسألة على أحد وجهين إما أنهم شهدوا بعدم ~~الحرج لضعفه عندهم وإنه مما هو معتاد في التكاليف والحرج المعتاد مثله في ~~التكاليف غير مرفوع وإلا لزم ارتفاع جميع التكاليف أو أكثرها # وقد تبين ذلك في القسم الثاني من قسمي الأحكام وإما أنهم عملوا وافتوا ~~باعتبار الإصطلاح الواقع في الرخص فرأوا ان كون المباح رخصة يقضي برجحان ~~الترك مع الإمكان وإن لم يطرق في طريقه عارض فما ظنك به إذا طرق العارض ~~والكلام في هذا المجال أيضا مذكور في قسم الرخص وربما اعترضت في طريق ~~المباح عوارض يقضي مجموعها برجحان اعتبارها ولأن ما يلحق فيها من المفاسد ~~أعظم مما يلحق في ترك ذلك المباح وإن الحرج فيها أعظم منه في تركه وهذا ~~أيضا مجال اجتهاد إلا أنه يقال هل يوازي الحرج اللاحق بترك الأصل الحرج ~~اللاحق بملابسة العوارض أم لا وهي مسألة نرسمها الآن بحول الله تعالى وهي PageV01P183 ### || AUTO المسألة الثالثة عشرة # فنقول لا يخلو أن يكون فقد العوارض بالنسبة إلى هذا الأصل من باب المكمل ~~له في بابه أو من باب آخر هو أصل في نفسه فإن كان هذا الثاني فإما أن يكون ~~واقعا أو متوقعا فإن كان متوقعا فلا أثر له مع وجود الحرج لأن الحرج بالترك ~~واقع وهومفسدة ومفسدة العارض ms109 متوقعة متوهمة فلا تعارض الواقع ألبتة وأما ان ~~كان واقعا فهو محل الإجتهاد في الحقيقة وقد تكون مفسدة العوارض فيه أتم من ~~مفسدة ترك المباح وقد يكون الأمر بالعكس والنظر في هذا بابه باب التعارض ~~والترجيح وإن كان الأول فلا يصح التعارض ولا تساوي المفسدتين بل مفسدة فقد ~~الأصل أعظم والدليل على ذلك أمور # أحدها أن المكمل مع مكمله كالصفة مع الموصوف وقد مر بيان ذلك في موضعه ~~وإذا كان فقد الصفة لا يعود بفقد الموصوف على الإطلاق بخلاف العكس كان جانب ~~الموصوف أقوى في الوجود والعدم وفي المصلحة والمفسدة فكذا ما كان مثل ذلك # والثاني أن الأصل مع مكملاته كالكلي مع الجزئي وقد علم أن الكلي إذا ~~عارضه الجزئي فلا أثر للجزئي فكذلك هنا لا أثر لمفسدة فقد المكمل في مقابلة ~~وجود مصلحة المكمل # والثالث أن المكمل من حيث هو مكمل إنما هو مقو لأصل المصلحة ومؤكد لها ~~ففوته إنما هو فوت بعض المكملات مع أن أصل المصلحة باق وإذا PageV01P184 ~~كان باقيا لم يعارضه ما ليس في مقابلته كما أن فوت أصل المصلحة لا يعارضه ~~بقاء مصلحة المكمل وهو ظاهر # والقسم الثالث من القسم الأول وهو أن لا يضطر إلى أصل المباح ولا يلحق ~~بتركه حرج فهو محل اجتهاد وفيه تدخل قاعدة الذرائع بناء على أصل التعاون ~~على الطاعة أو المعصية فإن هذا الأصل متفق عليه في الإعتبار ومنه ما فيه ~~خلاف كالذرائع في البيوع واشباهها وإن كان أصل الذرائع أيضا متفقا عليه # ويدخل فيه أيضا قاعدة تعارض الأصل والغالب والخلاف فيه شهير ومجال النظر ~~في هذا القسم دائر بين طرفي نفي واثبات متفق عليهما فإن أصل التعاون على ~~البر والتقوى أو الإثم والعدوان مكمل لما هو عون عليه وكذلك أصل الذرائع ~~ويقابله في الطرف الآخر أصل الإذن الذي هو مكمل لا مكمل # ولمن يقول باعتبار الأصل من الإباحة أن يحتج بأن أصل الإذن راجع إلى معنى ~~ضروري إذ قد تقرر إن حقيقة الإباحة التي هي تخيير حقيقة تلحق ms110 بالضروريات ~~وهي أصول المصالح فهي في حكم الخادم لها إن لم تكن في الحقيقة إياها ~~فاعتبار المعارض في المباح اعتبار لمعارض الضروري في الجملة وإن لم يظهر في ~~التفصيل كونه ضروريا وإذا كان كذلك صار جانب المباح أرجح من جانب معارضه ~~الذي لا يكون مثله # وهو خلاف الدليل وأيضا إن فرض عدم اعتبار الأصل لمعارضه المكمل وأطلق هذا ~~النظر أو شك أن يصار فيه إلى الحرج الذي رفعه الشارع لأنه مظنته # إذ عوارض المباح كثيرة فإذا اعتبرت فربما ضاق المسلك وتعذر المخرج فيصار ~~إلى القسم الذي قبله وقد مر ما فيه ولما كان إهمال الأصل من الإباحة هو PageV01P185 ~~المؤدي إلى ذلك لم يسغ الميل إليه ولا التعريج عليه وأيضا فإذا كان هذا ~~الأصل دائرا بين طرفين متفق عليهما وتعارضا عليه لم يكن الميل إلى أحدهما ~~بأولى من الميل إلى الآخر ولا دليل في أحدهما إلا ويعارضه مثل ذلك الدليل ~~فيجب الوقوف إذا إلا أن لنا فوق ذلك أصلا أعم وهو أن أصل الأشياء إما ~~الإباحة وإما العفو وكلاهما يقتضي الرجوع إلى مقتضى الإذن فكان هو الراجح # ولمرجح جانب العارض أن يحتج بأن مصلحة المباح من حيث هو مباح مخير في ~~تحصيلها وعدم تحصيلها وهو دليل على أنها لا تبلغ مبلغ الضروريات وهي كذلك ~~أبدا لأنها متى بلغت ذلك المبلغ لم تبق مخيرا فيها وقد فرضت كذلك هذا خلف # وإذا تخير المكلف فيها فذلك قاض بعدم المفسدة في تحصيلها وجانب العارض ~~يقضي بوقوع المفسدة أو توقعها وكلاهما صاد عن سبيل التخيير فلا يصح والحالة ~~هذه أن تكون مخيرا فيها وذلك معنى اعتبار العارض المعارض دون أصل الإباحة # وأيضا فإن أصل المتشابهات داخل تحت هذا الأصل لأن التحقيق فيها أنها ~~راجعة إلى أصل الإباحة غير أن توقع مجاوزتها إلى غير الإباحة هو الذي ~~اعتبره الشارع فنهى عن ملابستها وهو أصل قطعي مرجوع إليه في أمثال هذه ~~المطالب وينافي الرجوع إلى أصل الإباحة وأيضا فالاحتياط للدين ثابت من ~~الشريعة مخصص لعموم أصل الإباحة ms111 إذا ثبت فإن المسألة مختلف فيها فمن قال إن ~~الأشياء قبل ورود الشرائع على الحظر فلا نظر في اعتبار العوارض لأنها ترد ~~الأشياء إلى أصولها فجانبها أرجح ومن قال الأصل الإباحة أن العفو فليس ذلك ~~على عمومه باتفاق بل له مخصصات ومن جملتها أن لا يعارضه طارئ ولا أصل وليست ~~مسألتنا بمفقودة المعارض ولا يقال أنهما يتعارضان لامكان تخصيص أحدهما PageV01P186 ~~بالآخر كما لا يصح أن يقال أن قوله عليه السلام ### || AUTO لا يرث المسلم الكافر روي عن الستة الا النسائي معارض لقوله ~~تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين وأوجه الإحتجاج من ~~الجانبين كثيرة والقصد التنبيه على أنها اجتهادية كما تقدم والله أعلم ~~القسم الثاني من قسمي الأحكام # وهو يرجع إلى خطاب الوضع وهو ينحصر في الأسباب والشروط والموانع والصحة ~~والبطلان والعزائم والرخص فهذه خمسة أنواع فالأول ينظر فيه في مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # الأفعال الواقعة في الوجود المقتضية لأمور تشرع لأجلها أو توضع فتقتضيها ~~على الجملة ضربان أحدهما خارج عن مقدور المكلف والآخر ما يصح دخوله تحت مقدوره # فالأول قد يكون سببا ويكون شرطا ويكون مانعا فالسبب مثل كون الإضطرار ~~سببا في إباحة الميتة وخوف العنت سببا في إباحة نكاح الإماء والسلس سببا PageV01P187 ~~في إسقاط وجوب الوضوء لكل صلاة مع وجود الخارج وزوال الشمس أو غروبها أو ~~طلوع الفجر سببا في إيجاب تلك الصلوات وما أشبه ذلك والشرط ككون الحول شرطا ~~في إيجاب الزكاة والبلوغ شرطا في التكليف مطلقا والقدرة على التسليم شرطا ~~في صحة البيع والرشد شرطا في دفع مال اليتيم إليه وإرسال الرسل شرطا في ~~الثواب والعقاب وما كان نحو ذلك والمانع ككون الحيض مانعا من الوطء والطلاق ~~والطواف بالبيت ووجوب الصلوات وأداء الصيام والجنون مانعا من القيام ~~بالعبادات وإطلاق التصرفات وما أشبه ذلك # وأما الضرب الثاني فله نظران نظر من حيث هو مما يدخل تحت خطاب التكليف ~~مأمورا به أو منهيا عنه أو مأذونا فيه من جهة اقتضائه للمصالح أو المفاسد ~~جلبا أو دفعا ms112 كالبيع والشراء للإنتفاع والنكاح للنسل والإنقياد للطاعة ~~لحصول الفوز وما أشبه ذلك وهو بين ونظر من جهة ما يدخل تحت خطاب الوضع إما ~~سببا أو شرطا أو مانعا أما السبب فمثل كون النكاح سببا في حصول التوارث بين ~~الزوجين وتحريم المصاهرة وحلية الإستمتاع والذكاة سببا لحلية الإنتفاع ~~بالأكل والسفر سببا في إباحة القصر والفطر والقتل والجرح سببا للقصاص ~~والزنى وشرب الخمر والسرقة والقذف أسبابا لحصول تلك العقوبات وما أشبه ذلك ~~فإن هذه الأمور وضعت أسبابا لشرع تلك المسببات وأما الشرط فمثل PageV01P188 ~~كون النكاح شرطا في وقوع الطلاق أو في حل مراجعة المطلقة ثلاثا والإحصان ~~شرطا في رجم الزاني والطهارة شرطا في صحة الصلاة والنية شرطا في صحة ~~العبادات فإن هذه الأمور وما أشبهها ليست بأسباب ولكنها شروط معتبرة في صحة ~~تلك المقتضيات وأما المانع فككون نكاح الأخت مانعا من نكاح الأخرى ونكاح ~~المرأة مانعا من نكاح عمتها وخالتها والإيمان مانعا من القصاص للكافر ~~والكفر مانعا من قبول الطاعات وما أشبه ذلك وقد يجتمع في الأمر الواحد أن ~~يكون سببا وشرطا ومانعا كالإيمان هو سبب في الثواب وشرط في وجوب الطاعات أو ~~في صحتها ومانع من القصاص منه للكافر ومثله كثير غير أن هذه الامور الثلاثة ~~لا تجتمع للشيء الواحد فإذا وقع سببا لحكم شرعي فلا يكون شرطا فيه نفسه ولا ~~مانعا له لما في ذلك من التدافع وإنما يكون سببا لحكم وشرطا لآخر ومانعا ~~لآخر ولا يصح اجتماعها على الحكم الواحد ولا اجتماع اثنين منها من جهة ~~واحدة كما لا يصح ذلك في أحكام خطاب التكليف ### || AUTO المسألة الثانية # مشروعية الأسباب لا تستلزم مشروعية المسببات وإن صح التلازم بينهما عادة ~~ومعنى ذلك أن الأسباب إذا تعلق بها حكم شرعي من اباحة أو ندب أو منع أو ~~غيرها من أحكام التكليف فلا يلزم أن تتعلق تلك الأحكام بمسبباتها PageV01P189 ~~فإذا أمر بالسبب لم يستلزم الأمر بالمسبب وإذا نهى عنه لم يستلزم النهي عن ~~المسبب وإذا خير فيه لم يلزم أن يخير في ms113 مسببه مثال ذلك الأمر بالبيع مثلا ~~لا يستلزم الأمر بإباحة الإنتفاع بالمبيع والأمر بالنكاح لا يستلزم الامر ~~بحلية البضع والأمر بالقتل في القصاص لا يستلزم الأمر بإزهاق الروح والنهي ~~عن القتل العدوان لا يستلزم النهي عن الإزهاق والنهي عن التردي في البئر لا ~~يستلزم النهي عن تهتك المردى فيها والنهي عن جعل الثوب في النار لا يستلزم ~~النهي عن نفس الإحراق ومن ذلك كثير # والدليل على ذلك ما ثبت في الكلام من أن الذي للمكلف تعاطى الأسباب وإنما ~~المسببات من فعل الله وحكمه لا كسب فيه للمكلف وهذا يتبين في علم آخر ~~والقرآن والسنة دالان عليه فمما يدل على ذلك ما يقتضي ضمان الرزق كقوله ~~تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك وقوله وما ~~من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وقوله وفي السماء رزقكم وما توعدون ~~إلى آخر الآية وقوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا الآية إلى غير ذلك مما يدل ~~على ضمان الرزق وليس المراد نفس التسبب إلى الرزق بل الرزق المتسبب إليه ~~ولو كان المراد نفس التسبب لما كان المكلف مطلوبا بتكسب فيه على حال ولو ~~بجعل اللقمة في الفم ومضغها أو ازدراع الحب أو التقاط النبات أو الثمرة ~~المأكولة لكن ذلك باطل باتفاق # فثبت أن المراد إنما هو عين المسبب إليه وفي الحديث # لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير حسن صحيح الحديث وفيه # اعقلها وتوكل رواه الترمذي وقال غريب # ففي هذا ونحوه بيان لما تقدم ومما يبينه قوله تعالى أفرأيتم ما PageV01P190 ~~تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون أفرأيتم ما تحرثون أفرأيتم الماء ~~الذي تشربون أفرأيتم النار التي تورون وأتى على ذلك كله والله خلقكم وما ~~تعملون والله خالق كل شيء وإنما جعل إليهم العمل ليجازوا عليه ثم الحكم فيه ~~لله وحده واستقراء هذا المعنى من الشريعة مقطوع به وإذا كان كذلك دخلت ~~الأسباب المكلف بها في مقتضى هذا العموم الذي دل عليه العقل والسمع فصارت ~~الأسباب ms114 هي التي تعلقت بها مكاسب العباد دون المسببات فإذا لا يتعلق ~~التكليف وخطابه إلا بمكتسب فخرجت المسببات عن خطاب التكليف لأنها ليست من ~~مقدورهم ولو تعلق بها لكان تكليفا بما لا يطاق # وهو غير واقع كما تبين في الأصول ولا يقال أن الإستلزام موجود ألا ترى أن PageV01P191 ~~إباحة عقود البيوع والإجارات وغيرها تستلزم إباحة الإنتفاع الخاص بكل واحد ~~منها وإذا تعلق بها التحريم كبيع الربا والغرر والجهالة استلزم تحريم ~~الإنتفاع المسبب عنها وكما في التعدي والغصب والسرقة ونحوها والذكاة في ~~الحيوان إذا كانت على وفق المشروع مباحة وتستلزم إباحة الإنتفاع فإذا وقعت ~~على غير المشروع كانت ممنوعة واستلزمت منع الإنتفاع إلى أشياء من هذا النحو كثيرة # فكيف يقال أن الأمر بالأسباب والنهي عنها لا يستلزم الأمر بالمسببات ولا ~~النهي عنها وكذلك في الإباحة # لأنا نقول هذا كله لا يدل على الاستلزام من وجهين # أحدهما أن ما تقدم من الأمثلة أول المسألة قد دل على عدم الاستلزام وقام ~~الدليل على ذلك فما جاء بخلافه فعلى حكم الاتفاق لا على حكم الالتزام # الثانى أن ما ذكر ليس فيه استلزام بدليل ظهوره فى بعض تلك الأمثلة # فقد يكون السبب مباحا والمسبب مأمور به فكما نقول فى الإنتقاع بالمبيع ~~أنه مباح نقول فى النفقة عليه أنها واجبة إذا كان حيوانا والنفقة من مسببات ~~العقد المباح وكذلك حفظ الأموال المتملكه مسبب عن سبب مباح وهو مطلوب # ومثل ذلك الذكاة فإنها لا توصف بالتحريم إذا وقعت فى غير المأكول ~~كالخنزير والسباع العادية والكلب ونحوها مع أن الانتفاع محرم فى جميعها أو ~~فى بعضها ومكروه فى البعض هذا فى الأسباب المشروعة وأما الأسباب الممنوعه ~~فأمرها أسهل لأن معنى تحريمها أنها فى الشرع ليست بأسباب وإذا لم تكن ~~أسبابا لم تكن لها مسببات فبقي المسبب عنها على أصلها من المنع لا أن المنع ~~تسبب عن وقوع أسباب ممنوعة وهذا كله ظاهر فالأصل مطرد والقاعدة مستتبة ~~وبالله التوفيق وينبنى على هذا الأصل PageV01P192 ### || AUTO المسألة الثالثة # وهى أنه لا يلزم ms115 فى تعاطى الأسباب من جهة المكلف الالتفات إلى المسببات ~~ولا القصد إليها بل المقصود منه الجريان تحت الأحكام الموضوعة لا غير ~~أسبابا كانت أو غير أسباب معللة كانت أو غير معللة # والدليل على ذلك ما تقدم من أن المسببات راجعة إلى الحاكم المسبب وإنها ~~ليست من مقدور المكلف فإذا لم تكن راجعة إليه فمراعاته ما هو راجع لكسبه هو ~~اللازم وهو السبب وما سواه غير لازم وهو المطلوب # وأيضا فإن من المطلوبات الشرعية ما يكون للنفس فيه حظ وإلى جهته ميل ~~فيمنع من الدخول تحت مقتضى الطلب فقد كان عليه الصلاة والسلام لا يولى على ~~العمل من طلبه والولاية الشرعية كلها مطلوبة إما طلب الوجوب أو الندب ولكن ~~راعى عليه السلام فى ذلك ما لعله يتسبب عن اعتبار الحظ وشأن طلب الحظ فى ~~مثل هذا أن ينشأ عنه أمور تكره كما سيأتى بحول الله تعالى بل قد راعى عليه ~~السلام مثل هذا فى المباح فقال # ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف فخذه اخرجه الشيخان الحديث فشرط فى ~~قبوله عدم اشراف النفس فدل على أن أخذه بإشراف على خلاف ذلك # وتفيسره فى الحديث الآخر # من يأخذ مالا بحقه يبارك له فيه ومن يأخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذي ~~يأكل ولا يشبع وأخذه بحقه هو أن لا ينسى حق الله فيه وهو من آثار عدم إشراف ~~النفس وأخذه بغير حقه خلاف ذلك وبين PageV01P193 ~~هذا المعنى الرواية الأخرى # نعم صاحب المسلم هو من أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل أو كما قال # وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذى يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدا يوم ~~القيامة # ووجه ثالث وهو أن العباد من هذه الأمة ممن يعتبر مثله ههنا أخذوا أنفسهم ~~بتخليص الأعمال عن الشوائب الحظوظ حتى عدوا ميل النفوس إلى بعض الأعمال ~~الصالحة من جملة مكائدها وأسسوها قاعدة بنوا عليها فى تعارض الأعمال وتقديم ~~بعضها على بعض أن يقدموا ما لا حظ للنفس فيه أو ما ثقل عليها حتى ms116 لا يكون ~~لهم عمل إلا على مخالفة ميل النفس وهم الحجة فيما انتحلوا لأن إجماعهم ~~إجماع وذلك دليل على صحة الإعراض عن المسببات فى الأسباب وقال عليه السلام ~~إذ سأله جبريل عن الإحسان # أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك رواه البخاري وكل تصرف ~~للعبد تحت قانون الشرع فهو عبادة والذى يعبد الله على المراقبة يعزب عنه ~~إذا تلبس بالعبادة حظ نفسه فيها هذا مقتضى العادة الجارية بأن يعزب عنه كل ~~ما سواها وهو معنى بينه أهله كالغزالي وغيره فإذا ليس من شرط الدخول في ~~الأسباب المشروعة الإلتفات إلى المسببات # وهذا أيضا جار فى الأسباب الممنوعة كما يجرى فى الأسباب المشروعة ولا ~~يقدح عدم الالتفات إلى المسبب فى جريان الثواب والعقاب فإن ذلك راجع إلى من ~~إليه إبراز المسبب عن سببه والسبب هو المتضمن له فلا يفوته شىء إلا بفوت ~~شرط أو جزء أصلى أو تكميلى فى السبب خاصة ### || AUTO المسألة الرابعة # وضع الأسباب يستلزم قصد الواضع إلى المسببات أعنى الشارع والدليل على ذلك أمور PageV01P194 ~~أحدها أن العقلاء قاطعون بأن الأسباب لم تكن أسبابا لأنفسها من حيث هى ~~موجودات فقط بل من حيث ينشأ عنها أمور أخر وإذا كان كذلك لزم من القصد إلى ~~وضعها أسبابا القصد إلى ما ينشأ عنها من المسببات والثانى أن الأحكام ~~الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد وهي مسبباتها قطعا فإذا كنا ~~نعلم أن الأسباب إنما شرعت لأجل المسببات لزم من القصد إلى الأسباب القصد ~~إلى المسببات # والثالث أن المسببات لو لم تقصد بالأسباب لم يكن وضعها على أنها أسباب ~~لكهنا فرضت كذلك فهى ولابد موضوعة على أنها أسباب ولا تكون أسبابا إلا ~~لمسببات فواضع الأسباب قاصد لوقوع المسببات من جهتها وإذا ثبت هذا وكانت ~~الأسباب مقصودة الوضع للشارع لزم أن تكون المسببات كذلك # فإن قيل فكيف هذا مع ما تقدم من أن المسببات غير مقصودة للشارع من جهة ~~الأمر بالأسباب # فالجواب من وجهين أحدهما أن القصدين متباينان فما ms117 تقدم هو بمعنى أن ~~الشارع لم يقصد فى التكليف بالأسباب التكليف بالمسببات فإن المسببات غير ~~مقدورة للعباد كما تقدم وهنا إنما معنى القصد إليها أن الشرع يقصد وقوع ~~المسببات عن أسبابها ولذلك وضعها أسبابا وليس فى هذا ما يقتضى أنها داخلة ~~تحت خطاب التكليف وإنما فيه ما يقتضى القصد إلى مجرد الوقوع خاصة فلا تناقص ~~بين الأصلين # والثانى أنه لو فرض توارد القصدين على شىء واحد لم يكن محالا PageV01P195 ~~إذا كانا باعتبارين مختلفين كما توارد قصد الأمر والنهى معا على الصلاة فى ~~الدار المغصوبة بإعتبارين والحاصل أن الأصلين غير متدافعين على الإطلاق ### || AUTO المسألة الخامسة # إذا ثبت أنه لا يلزم القصد إلى المسبب فللمكلف ترك القصد إليه بإطلاق وله ~~القصد إليه أما الأول فما تقدم يدل عليه # فإذا قيل لك لم تكتسب لمعاشك بالزراعة أو بالتجارة أو بغيرها قلت لأن ~~الشارع ندبنى إلى تلك الأعمال فأنا أعمل على مقتضى ما أمرت به كما أنه ~~أمرنى أن أصلي وأصوم وأزكى وأحج إلى غير ذلك من الأعمال التى كلفنى بها فإن ~~قيل لك إن الشارع أمر ونهى لأجل المصالح قلت نعم وذلك إلى الله لا إلي فإن ~~الذى إلى التسبب وحصول المسببات ليس إلى فأصرف قصدى إلى ما جعل إلى وأكل ما ~~ليس لي إلى من هو له # ومما يدل على هذا أيضا أن السبب غير فاعل بنفسه بل إنما وقع المسبب عنده ~~لا به فإذا تسبب الملكف فالله خالق السبب والعبد مكتسب له والله خلقكم وما ~~تعملون والله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل وما تشاءون إلا أن يشاء الله ~~ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها وفى حديث العدوي قوله عليه الصلاة ~~والسلام # فمن أعدى الأول رواه الشيخان وقول عمر فى حديث الطاعون # نفرمن قدر الله إلى قدر الله حين قال له عمرو بن العاصى # أفرارا من قدر الله وفى الحديث # جف القلم بما هو كائن فلو اجتمع الخلق على أن يعطوك شيئا لم يكتبه الله ~~لك لم يقدروا ms118 عليه رواه الترمذي وصححه PageV01P196 ~~وعلى أن يمنعوك شيئا كتبه الله لك لم يقدروا عليه # والأدلة على هذا تنتهى إلى القطع وإذا كان كذلك فالالتفات إلى المسبب فى ~~فعل السبب لا يزيد على ترك الالتفات إليه فإن المسبب قد يكون وقد لا يكون ~~هذا وإن كانت مجارى العادات تقتضى أنه يكون فكونه داخلا تحت قدرة الله ~~يقتضى أنه قد يكون وقد لا يكون ونقض مجارى العادات دليل على ذلك وأيضا فليس ~~فى الشرع دليل ناص على طلب القصد المسبب فإن قيل قصد الشارع إلى المسببات ~~والتفاته إليها دليل على أنها مطلوبة القصد من المكلف وإلا فليس المراد ~~بالتكليف إلا مطابقة قصد المكلف لقصد الشارع إذ لو خالفه لم يصح التكليف ~~كما تبين فى موضعه من هذا الكتاب # فإذا طابقه صح فإذا فرضنا هذا المكلف غير قاصد للمسببات وقد فرضناها ~~مقصودة للشارع كان بذلك مخالفا له وكل تكليف قد خالف القصد فيه قصد الشارع ~~فباطل كما تبين فهذا كذلك # فالجواب أن هذا إنما يلزم إذا فرضنا أن الشارع قصد وقوع المسببات ~~بالتكليف بها كما قصد ذلك بالأسباب وليس كذلك لما مر أن المسببات غير ملكف ~~بها وإنما قصده وقوع المسببات بحسب ارتباط العادة الجارية فى الخلق وهو أن ~~يكون خلق المسببات على أثر ايقاع المكلف للأسباب ليسعد من سعد ويشقى من شقى ~~فإذا قصد الشارع لوقوع المسببات لا ارتباط له بالقصد PageV01P197 ~~التكليفى فلا يلزم قصد المكلف إليه إلا أن يدل على ذلك دليل ولا دليل عليه ~~بل لا يصح ذلك لأن القصد إلى ذلك قصد إلى ما هو فعل الغير ولا يلزم أحدا أن ~~يقصد وقوع ما هو فعل الغير لأنه غير مكلف بفعل الغير وإنما يكلف بما هو من ~~فعله وهو السبب خاصة فهو الذى يلزم القصد إليه أو يطلب القصد إليه ويعتبر ~~فيه موافقة قصد الشارع ### || AUTO فصل # وأما أن للمكلف القصد إلى المسبب فكما إذا قيل لك لم تكتسب قلت لاقيم ~~صلبى وأقوم فى حياة نفسى وأهلى أو لغير ms119 ذلك من المصالح التى توجد عن السبب ~~فهذا القصد إذا قارن التسبب صحيح لأنه التفات إلى العادات الجارية وقد قال ~~تعالى الله الذى سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ~~وقال ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله وقال فانتشروا فى ~~الأرض وابتغوا من فضل الله فمن حيث عبر بالقصد إلى الفضل عن القصد إلى السبب PageV01P198 ~~الذى هو الاكتساب وسيق مساق الامتنان من غير انكار أشعر بصحة ذلك القصد ~~وهذا جار فى أمور الآخرة كما هو جار فى أمور الدنيا كقوله تعالى ومن يؤمن ~~بالله ويعمل صالحا ندخله جنات وأشباه ذلك مما يؤذن بصحة القصد إلى المسبب ~~بالسبب وأيضا فإنما محصول هذا أن يبتغى ما يهىء الله له بهذا السبب فهو ~~راجع إلى الاعتماد على الله واللجأ إليه فى أن يرزقه مسببا يقوم به أمره ~~ويصلح به حاله وهذا لا نكير فيه شرعا # وذلك أن المعلوم من الشريعة أنه شرعت لمصالح العباد فالتكليف كله إما ~~لدرء مفسدة وإما لجلب مصلحة أو لهما معا فالداخل تحته مقتض لما وضعت له # فلا مخالفة فى ذلك لقصد الشارع والمحظور إنما هو أن يقصد خلاف ما قصده مع ~~أن هذا القصد لا ينبنى عليه عمل غير مقصود للشارع ولا يلزم منه عقد مخالف ~~فالفعل موافق والقصد موافق فالمجموع موافق # فإن قيل هل يستتب هذان الوجهان فى جميع الأحكام العادية والعبادية أم لا ~~فإن الذى يظهر لبادىء الرأى أن قصد المسببات لازم فى العاديات لظهور وجوه ~~المصالح فيها بخلاف العبادات فإنها مبنية على عدم معقولية المعنى فهنالك ~~يستتب عدم الالتفات إلى المسببات لأن المعانى المعلل بها راجعة إلى جنس ~~المصالح فيها أو المفاسد وهو ظاهرة فى العاديات PageV01P199 ~~وغير ظاهرة فى العباديات وإذا كان كذلك فالالتفات إلى المسببات والقصد ~~إليها معتبر فى العاديات ولا سيما فى المجتهد فإن المجتهد إنما يتسع مجال ~~اجتهاده بإجراء العلل والالتفات إليها ولولا ذلك لم يستقم له إجراء الأحكام ~~على وفق المصالح إلا بنص أو إجماع فيبطل ms120 القياس وذلك غير صحيح فلابد من ~~الالتفات إلى المعانى التى شرعت لها الأحكام والمعانى هى مسببات الأحكام ~~أما العباديات فلما كان الغالب عليها فقد ظهور المعانى الخاصة بها والرجوع ~~إلى مقتضى النصوص فيها كان ترك الالتفات أجرى على مقصود الشارع فيها ~~والأمران بالنسبة إلى المقلد سواء فى أن حقه أن لا يلتفت إلى المسببات إلا ~~فيما كان من مدركاته ومعلوماته العادية فى التصرفات الشرعية # فالجواب أن الأمرين فى الالتفات وعدمه سواء وذلك أن المجتهد إذا نظر فى ~~علة الحكم عدى الحكم بها إلى محل هى فيه لتقع المصلحة المشروع لها الحكم ~~هذا نظره خاصة ويبقى قصده إلى حصولها بالعمل أوعدم القصد مسكوتا عنه ~~بالنسبة إليه فتارة يقصد إذا كان هو العامل وتارة لا يقصد وفى الوجهين لا ~~يفوته فى اجتهاده أمر كالمقلد سواء فإذا سمع قوله عليه السلام متفق عليه # لا يقضى القاضى وهو غضبان متفق عليه نظر إلى علة منع القضاء فرآه الغضب ~~وحكمته تشويش الذهن عن استيفاء الحجاج بين الخصوم فألحق بالغضب الجوع ~~والشبع المفرطين والوجع وغير ذلك مما فيه تشويش الذهن فإذا وجد في نفسه ~~شيئا من ذلك وكان قاضيا متنع من PageV01P200 ~~القضاء بمقتضى النهى فإن قصد بالانتهاء مجرد النهى فقط من غير التفات إلى ~~الحكمة التى لأجلها نهى عن القضا حصل مقصود الشارع وأن لم يقصده القاضى وأن ~~قصد به ما ظهر قصد الشارع إليه من مفسدة عدم استيفاء الحجاج حصل مقصود ~~الشارع أيضا فاستوى قصد ا لقاضى إلى المسبب وعدم قصده وهكذا المقلد فيما ~~فهم حكمته من الأعمال وما لم يفهم فهو كالعبادات بالنسبة إلى الجميع وقد ~~علم أن العبادات وضعت لمصالح العباد فى الدنيا أو فى الآخرة على الجملة وأن ~~لم يعلم ذلك على التفصيل ويصح القصد إلى مسبباتها الدنيوية والآخروية على ~~الجملة فالقصد إليها أو عدم القصد كما تقدم ### || AUTO المسألةالسادسة # إذا تقرر ما تقدم فلدخول فى الأسباب مراتب تتفرع على القسمين # فالالتفات إلى المسببات بالأسباب له ثلاث مراتب # أحدها أن يدخل فيها ms121 على أنه فاعل للمسبب أو مولد له فهذا شرك أو مضاه له ~~والعياذ بالله والسبب غير فاعل بنفسه والله خالق كل شىء والله خلقكم وما ~~تعملون وفى الحديث # أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر بقية الحديث كما في التيسير عازيا له الى ~~الستة الا الترمذي الحديث فإن المؤمن بالكوكب الكافر بالله هو الذى جعل ~~الكوكب فاعلا بنفسه وهذه المسألة قد تولى النظر فيها أرباب الكلام والثانية ~~أن يدخل فى السبب على أن المسبب يكون عنده عادة وهذا PageV01P201 ~~هو المتكلم على حكمه قبل ومحصوله طلب المسبب عن السبب لا بإعتقاده ~~الاستقلال بل من جهة كونه موضوعا على أنه سبب لمسبب فالسبب لا بد أن يكون ~~سببا لمسبب لأنه معقوله وإلا لم يكن سببا فالالتفات إلى المسبب من هذا ~~الوجه ليس بخارج عن مقتضى عادة الله فى خلقه ولا هو مناف لكون السبب واقعا ~~بقدرة الله تعالى فإن قدرة الله تظهر عند وجود السبب وعند عدمه فلا ينفى ~~وجود السبب كونه خالقا للمسبب لكن هنا قد يغلب الالتفات إليه حتى يكون فقد ~~المسبب مؤثرا ومنكرا وذلك لأن العادة غلبت على النظر فى السبب بحكم كونه ~~سببا ولم ينظر إلى كونه موضوعا بالجعل لامقتضيا بنفسه وهذا هو غالب أحوال ~~الخلق فى الدخول فى الأسباب # والثالثة أن يدخل فى السبب على أن المسبب من الله تعالى لأنه المسبب # فيكون الغالب على صاحب هذه المرتبة اعتقاد أنه مسبب عن قدرة الله وإرادته ~~من غير تحكيم لكونه سببا فإنه لو صح كونه سببا محققا لم يتخلف كالأسباب ~~العقلية فلما لم يكن كذلك تمحض جانب التسبيب الربانى بدليل السبب الأول ~~وهنا يقال لمن حكمه فالسبب الأول عماذا تسبب وفى مثله قال عليه الصلاة ~~والسلام # فمن أعدى الأول فإذا كانت الأسباب مع المسببات داخلة تحت قدرة الله فالله ~~هو المسبب لاهى إذ ليس له شريك فى ملكه وهذا كله مبين فى علم الكلام وحاصله ~~يرجع إلى عدم اعتبار السبب فى المسبب من جهة نفسه واعتباره فيه من جهة ms122 أن ~~الله مسببه وذلك صحيح ### || AUTO فصل # وترك الالتفات إلى المسبب له ثلاث مراتب إحداها أن يدخل فى السبب PageV01P202 ~~من حيث هو ابتلاء للعباد وامتحان لهم لينظر كيف يعملون من غير التفات إلى ~~غير ذلك وهذا مبنى على أن الأسباب والمسببات موضوعة فى هذه الدار ابتلاء ~~للعباد وامتحانا لهم فإنها طريق إلى السعادة أو الشقاوة وهي على ضربين ~~أحدهما ما وضع لابتلاء العقول وذلك العالم كله من حيث هو منظور فيه وصنعة ~~يستدل بها على ما وراءها والثانى ما وضع لابتلاء النفوس وهو العالم كله ~~أيضا من حيث هو موصل إلى العباد المنافع والمضار ومن حيث هو مسخر لهم ~~ومنقاد لما يريدون فيه لتظهر تصاريفهم تحت حكم القضاء والقدر ولتجرى ~~أعمالهم تحت حكم الشرع ليسعد بها من سعد ويشقى من شقى وليظهر مقتضى العلم ~~السابق والقضاء المحتم الذى لا مرد له فإن الله غني عن العالمين ومنزه عن ~~الإفتقار فى صنع ما يصنع إلى الأسباب والوسائط لكن وضعها للعباد ليبتليهم ~~فيها والأدلة على هذا المعنى كثيرة كقوله سبحانه هوالذى خلق السموات والأرض ~~فى ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا الذى خلق الموت ~~والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ثم ~~بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس وليعلم الله الذين آمنوا إلى قوله ويعلم الصابرين وليبتلى الله ما في ~~صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ثم صرفكم عنهم ليبتليكم إلى غير ذلك من الآيات ~~الدالة على أن وضع الأسباب إنما هي للإبتلاء فإذا كانت كذلك فالآخذ لها من هذه PageV01P203 ~~الجهة آخذ لها من حيث وضعت مع التحقق بذلك فيها وهذا صحيح وصاحب هذا القصد ~~متعبد لله بما تسبب به منها لأنه إذا تسبب بالإذن فيما أذن فيه لتظهر ~~عبوديته لله فيه لا ملتفتا إلى مسبباتها وإن انجرت معها فهو كالمتسبب بسائر ~~العبادات ms123 المحضة # والثانية أن يدخل فيه بحكم قصد التجرد عن الإلتفات إلى الأسباب من حيث هي ~~أمور محدثة فضلا عن الإلتفات إلى المسببات بناء على أن تفريد المعبود ~~بالعبادة أن لا يشرك معه في قصده سواه واعتمادا على أن التشريك خروج عن ~~خالص التوحيد بالعبادة لأن بقاء الإلتفات إلى ذلك كله بقاء مع المحدثات ~~وركون إلى الأغيار وهو تدقيق في نفي الشركة وهذا أيضا في موضعه صحيح ويشهد ~~له من الشريعة ما دل على نفي الشركة كقوله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا وقوله فاعبد الله مخلصا له ~~الدين ألا لله الدين الخالص وسائر ما كان من هذا الباب وكذلك دلائل طلب ~~الصدق في التوجه لله رب العالمين كل ذلك يشعر بهذا المعنى المستنبط في خلوص ~~التوجه وصدق العبودية فصاحب هذه المرتبة متعبد لله تعالى بالأسباب الموضوعة ~~على اطراح النظر فيها من جهته فضلا عن أن ينظر في مسبباتها فإنما يرجع ~~إليها من حيث هي وسائل إلي مسببها وواضعها إلي الترقي لمقام القرب منه فهو ~~إنما يلحظ فيها المسبب خاصة # والثالثة أن يدخل في السبب بحكم الإذن الشرعي مجردا عن النظر في PageV01P204 ~~غير ذلك وإنما توجهه في القصد إلى السبب تلبية للأمر لتحققه بمقام ~~العبودية لأنه لما أذن له في السبب أو أمر به لباه من حيث قصد الآمر في ذلك السبب # وقد تبين له أنه مسببه وأنه أجرى العادة به ولو شاء لم يجرها كما أنه قد ~~يخرقها إذا شاء وعلى أنه ابتلاء وتمحيص وعلى أنه يقتضى صدق التوجه به إليه ~~فدخل على ذلك كله فصار هذا القصد شاملا لجميع ما تقدم لأنه توخى قصد الشارع ~~من غير نظر في غيره وقد علم قصده في تلك الأمور فحصل له كل ما في ضمن ذلك ~~التسبب مما علم ومما لم يعلم فهو طالب للمسبب من طريق السبب وعالم بأن الله ~~هو المسبب وهو المبتلى به ومتحقق في صدق التوجه به إليه فقصده مطلق ms124 وإن دخل ~~فيه قصد المسبب لكن ذلك كله منزه عن الأغيار مصفى من الأكدار ### || AUTO المسألة السابعة # الدخول في الأسباب لا يخلو أن يكون منهيا عنه أولا فإن كان منهيا عنه فلا ~~إشكال في طلب رفع التسبب سواء علينا أكان المتسبب قاصدا لوقوع المسبب أم لا ~~فإنه يتأتى منه الأمران فقد يقصد بالقتل العدوان ازهاق الروح فيقع وقد يقصد ~~بالغصب انتفاعه بالمغصوب فيقع على مقتضى العادة لا على مقتضى الشرع وقد لا ~~يقع ألبتة وقد يعزب عن نظره القصد إلى المسبب والإلتفات إليه لعارض يطرأ ~~غير العارض المتقدم الذكر ولا اعتبار به وإن كان غير منهى عنه فلا يطلب رفع ~~التسبب في المراتب المذكورة كلها PageV01P205 ~~أما الأولى فإذا فرضنا نفس التسبب مباحا أو مطلوبا على الجملة فاعتقاد ~~المعتقد لكون السبب هو الفاعل معصية قارنت ما هو مباح أو مطلوب فلا يبطله # إلا إن قيل أن مثل هذه المقارنة مفسدة وأن المقارن للمعصية تصيره منهيا ~~عنه كالصلاة فى الدار المغصوبة والذبح بالمدية المغصوبة وذلك مبين فى ~~الأصول وأما الثانية فظاهر أن التسبب صحيح لأن العامل فيها إذا اعتمد على ~~جريان العادات وكان الغالب فيها وقوع المسببات عن أسبابها وغلب على الظن ~~ذلك كان ترك التسبب كإلقاء باليد إلى التهلكة أو هو هو وكذلك إذا بلغ مبلغ ~~القطع العادى فواجب عليه أن يتسبب ولأجل هذا قالوا فى المضطر أنه إذا خاف ~~الهلكة وجب عليه السؤال أو الاستقراض أو أكل الميتة ونحوها ولا يجوز أن ~~يترك نفسه حتى يموت ولذلك قال مسروق ومن اضطر إلى شىء مما حرم الله عليه ~~فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار # وأما الثالثة فالتسبب أيضا ظاهر إلا أنه يبقى فيها بحث هل يكون صاحبها ~~بمنزلة صاحب المرتبة الثانية أم لا هذا مما ينظر فيه وإطلاق كلام الفقهاء ~~يقتضى عدم التفرقة وأحوال المتوكلين ممن دخل تحت ترجمة التصوف لا تقتضى ذلك ~~هذا وإن كان ظاهر كلام الغزالي تساوي المرتبتين فى هذا الحكم كطريقة ~~الفقهاء على تفصيل له ms125 فى ذلك فالذى يظهر فى المسألة نظر آخر وذلك أن هذه ~~المرتبة تكون علمية وتكون حالية والفرق بين العلم والحال معروف عند أهله ~~فإذا كانت علمية فهي المرتبة الثانية إذ كان واجبا على كل مؤمن أن يعتقد أن ~~الأسباب غير فاعلة بأنفسها وإنما الفاعل فيها مسببها سبحانه لكن عادته فى ~~خلقه جارية بمقتضى العوائد المطردة وقد يخرقها إذا PageV01P206 ~~شاء لمن شاء فمن حيث كانت عادة اقتضت الدخول فى الأسباب ومن حيث كانت ~~الأسباب فيها بيد خالق المسببات اقتضت أن للفاعل أن يفعل بها وبدونها فقد ~~يغلب على المكلف أحد الطرفين فإن غلب الطرف الأول وهو العادى فهو ما تقدم ~~وإن غلب الثانى فصاحبه مع السبب أو بدونه على حالة واحدة فإنه إذا جاع مثلا ~~فأصابته مخمصة فسواء عليه اتسبب أم لا إذ هو على بينة أن السبب كالمسبب بيد ~~الله تعالى فلم يغلب على ظنه والحال هذه أن تركه للسبب القاء باليد إلى ~~التهلكة بل عقده فى كلتا الحالتين واحد فلا يدخل تحت قوله ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة فلا يجب عليه التسبب فى رفع ذلك لأن علمه بأن السبب فى ~~يد المسبب أغناه عن تطلب المسبب من جهته على التعين بل السبب وعدمه فى ذلك ~~سواء فكما أن أخذه للسبب لا يعد القاء باليد إذا كان اعتماده على المسبب ~~كذلك فى الترك # ولو فرض أن آخذ السبب أخذه باسقاط الإعتماد على المسبب لكان القاء باليد ~~إلى التهلكة لأنه اعتمد على نفس السبب وليس فى السبب نفسه ما يعتمد عليه ~~وإنما يعتمد عليه من جهة كونه موضوعا سببا فكذلك إذا ترك السبب لا لشىء ~~فالسبب وعدمه فى الحالين سواء فى عقد الإيمان وحقائق الإيقان # وكل أحد فقيه نفسه وقد مر الدليل على ذلك وقد قال فى الحديث # جف القلم بما هو كائن فلو اجتمع الخلق على أن يعطوك شيئا لم يكتبه الله ~~لك لم يقدروا عليه وحكى عياض عن الحسن بن نصر السوسي من فقهاء المالكية أن ~~ابنه قال له ms126 فى سنة غلا فيها السعر يا أبت اشتر طعاما فإنى أرى السعر قد غلا PageV01P207 ~~فأمر ببيع ما كان فى داره من الطعام ثم قال لابنه لست من المتوكلين على ~~الله وأنت قليل اليقين كأن القمح إذا كان عند أبيك ينجيك من قضاء الله عليك ~~من توكل على الله كفاه الله # ونظير مسألتنا فى الفقه الغازى إذا حمل وحده على جيش الكفار فالفقهاء ~~يفرقون بين أن يغلب على ظنه السلامة أو الهلكة أو يقطع بإحداهما فالذى ~~اعتقد السلامة جائز له ما فعل والذى اعتقد الهلكة من غير نفع يمنع من ذلك ~~ويستدلون على ذلك يقوله تعالى ولا تلقو بأيدكم إلى التهلكة وكذلك داخل ~~المفازة بزاد أو بغير زاد إذا غلب على ظنه السلامة فيها جاز له الإقدام وإن ~~غلب على ظنه الهكلة لم يجز وكذلك إذا غلب ظنه الوصول إلى الماء فى الوقت ~~أمر بالتأخير ولا يتيمم وكذلك راكب البحر وعلى هذا يباح له التميم مع وجود ~~الماء فى رحله أو يمنع وإن غلب على ظنه الوصول إلى الماء فى الوقت # وإذا غلب على ظن المريض زيادة المرض أو تأخر البرء أو إصابة المشقة ~~بالصوم أفطر إلى غير ذلك من المسائل المبينة على غلبات الظنون وإن كانت ~~موجبات الظنون تختلف فذلك غير قادح فى هذا الأصل فمسألتنا داخله تحت هذه ~~القاعدة فمن تحقق بأن الخروج عن السبب كالدخول فيه بالنسبة إلى ضمان الله ~~تعالى الرزق صح أن يقال إنه لايجب عليه التسبب فيه ولذلك نجد أصحاب الأحوال ~~يركبون الأهوال ويقتحمون الأخطار ويلقون بأيديهم إلى ما هو عند غيرهم تهلكه ~~فلا يكون كذلك بناء على أن ما هم فيه من مواطن الغرر وأسباب الهلكة يستوي ~~مع ما هو عندنا من مواطن الأمن وأسباب النجاة وقد حكى عياض عن أبي العباس ~~الأيبانى أنه دخل عليه عطية الجزرى العابد فقال له PageV01P208 ~~أتيتك زائرا ومودعا إلى مكة فقال له أبو العباس لا تخلنا من بركة دعائك ~~وبكى وليس مع عطية ركوة ولا مزود فخرج مع ms127 أصحابه ثم أتاه بأثر ذلك رجل فقال ~~له أصلحك الله عندى خمسون مثقالا ولي بغل فهل ترى لي الخروج إلى مكة فقال ~~له لاتعجل حتى توفر هذه الدنانير قال الراوي فعجبنا من اختلاف جوابه ~~للرجلين مع اختلاف أحوالهما فقال أبو العباس عطية جاءنى مودعا غير مستشير ~~وقد وثق بالله وجاءنى هذا يستشيرنى ويذكر ما عنده فعلمت ضعف نيته فأمرته ~~بما رأيتم فهذا إمام من أهل العلم أفتى لضعيف النية بالحزم فى استعداد ~~الأسباب والنظر فىمراعاتها وسلم لقوى اليقين فى طرح الأسباب بناء والله ~~أعلم على القاعدة المتقدمة فى الإعتقادات وغلبات الظنون فى السلامة والهلكة ~~وهو مظان النظر الفقهى ولذلك يختلف الحكم بإختلاف الناس فى النازلة الواحدة ~~كما تقدم فإن قيل فصاحب هذه المرتبة أي الأمرين أفضل له الدخول فى السبب أن ~~تركه فالجواب من وجهين أحدهما أن الأسباب فى حقه لا بد منها كما أنها كذلك ~~فى حق غيره فإن خوارق العادات وإن قامت له مقام الأسباب فى حقه فهي فى ~~أنفسها أسباب لكنها أسباب غريبة والتسبب غير منحصر فى الأسباب المشهورة ~~فالخارج مثلا للحج بغير زاد يرزقه الله من حيث لايحتسب إما من نبات الأرض ~~وإما من جهة من يلقى من الناس فى البادية وفى الصحراء وإما من حيوان ~~الصحراء أو من غير ذلك ولو أن ينزل عليه من السماء أو يخرجه من الأرض ~~بخوارق العادات أسباب جارية يعرفها أربابها المخصوصون بها فليس هذا الرجل ~~خارجا عن العمل بالأسباب ومنها الصلاة لقوله تعالى وأمر أهلك بالصلاة ~~واصطبر عليها الآية وروى أنه عليه الصلاة والسلام # كان يأمر أهله بالصلاة إذا لم يجدوا قوتا بسند صحيح وإذا كان كذلك ~~فالسؤال غير وارد PageV01P209 ~~والثانى على تسليم وروده أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قطعا ~~أنهم حازوا هذه المرتبة واستيقنوها حالا وعلما ولكنه عليه السلام ندبهم إلى ~~الدخول فى الأسباب المقتضية لمصالح الدنيا كما أمرهم بالأسباب المقتضية ~~لمصالح الآخرة ولم يتركهم مع هذه الحالة فدل ذلك على أن الأفضل ما ms128 دلهم ~~عليه ولأن هذه الحالة لا يعتد بها مقاما يقوم فيه ألا ترى إلى قوله عليه ~~الصلاة والسلام # قيدها وتوكل رواه الطبراني وأيضا فأصحاب هذه الحالة هم أهل خوارق العادات ~~ولم يتركوا معها التسبب تأدبا بآداب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ~~أهل علم ولم يكونوا ليتركوا الأفضل إلى غيره # وأما المرتبة الرابعة وهى مرتبة الابتلاء فالتسبب فيها أيضا ظاهر فإن ~~الأسباب قد صارت عند صاحبها تكليفا يبتلى به على الإطلاق لا يختص ذلك ~~بالأسباب العبادية دون العادية فكما أن الأسباب العبادية لا يصح فيها الترك ~~اعتمادا على الذى سببها من حيث كانت مصروفة إليه كذلك الأسباب العادية ومن ~~هنا لما قال عليه السلام # ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار قالوا يا رسول ~~الله فلم نعمل أفلا نتكل قال لا اعملوا فكل ميسر لماخلق له ثم قرأ فأما من ~~أعطى واتقى إلىآخرها فكذلك العاديات لأنها عبادات فهى عنده جارية على ~~الأحكام الموضوعة # ونظر صاحب هذه المرتبة فى الأسباب مثل نظره فى العبادات يعتبر فيها مجرد ~~الأسباب ويدع المسببات لمسببها PageV01P210 ~~وأما المرتبة الخامسة فالتسبب فيها صحيح أيضا لأن صاحبها وإن لم يلتفت إلى ~~السبب من حيث هو سبب ولا إلى المسبب من باب أحرى فلا بد منه من جهة ما هو ~~راق به وملاحظ للمسبب من جهته بدليل الأسباب العبادية # ولأنها إنما صارت قرة عينه لكونها سلما إلى المتعبد إليه بها فلا فارق ~~بين العاديات والعباديات إلا أن صاحب هذه المرتبة مأخوذ فى تجريد الأغيار ~~على الجملة فربما رمى من الأسباب بما ليس بضروري واقتصر على ما هو ضروري ~~وضيق على نفسه المجال فيها فرارا من تكاثرها على قلبه حتى يصح له اتحاد ~~الوجهة وإذا كانت الأسباب موصلة إلى المطلوب فلا شك فى أخذها فى هذه الرتبة ~~إذ من جهتها يصح المطلوب # وأما السادسة فلما كانت جامعة لأشتات ما ذكر قبلها كان ما يشهد لما قبلها ~~شاهدا لها غير أن ذلك فيها معتبرمن جهة ms129 صفة العبودية وامتثال الأمر لا من ~~جهة أمر آخر فسواء عليه أكان التكليف ظاهر المصلحة أم غير ظاهرها كل ذلك ~~تحت قصد العبد امتثال أمر الله فإن كان المكلف به مما يرتبط به بعض الوجود ~~أو جميعه كان قصده فى امتثال الأمر شاملا له والله أعلم ### || AUTO المسألة الثامنة # إيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبب قصد ذلك المسبب أولا لأنه لما جعل مسببا ~~عنه فى مجرى العادات عد كأنه فاعل له مباشرة ويشهد لهذا قاعدة مجارى ~~العادات إذ أجرى فيها نسبة المسببات إلى أسبابها كنسبة الشبع إلى الطعام ~~والإرواء إلى الماء والإحراق إلى النار والإسهال إلى السقمونيا وسائر ~~المسببات إلى أسبابها فكذلك الأفعال التى تتسبب عن كسبنا منسوبة PageV01P211 ~~إلينا وإن لم تكن من كسبنا وإذ كان هذا معهودا معلوما جرى عرف الشرع في ~~الأسباب الشرعية مع مسبباتها على ذلك الوزان # وأدلته فى الشرع كثيرة بالنسبة إلى الأسباب المشروعة أو الممنوعة كقول ~~الله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس إلى ~~قوله ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا وفى الحديث # ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سن ~~القتل وفيه # من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها ذكره في الترغيب والترهيب ~~عن مسلم والنسائي والترمذي وكذلك # من سن سنة سيئة وفيه # ان الولد لوالديه ستر من النار وأن من غرس غرسا كان ما أكل منه له صدقة ~~وما سرق منه له صدقة وما أكل السبع فهو له صدقة وما أكلت الطير فهو له صدقة ~~ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة مسلم وكذلك الزرع والعالم يبث العلم فيكون ~~له أجر كل من انتفع به ومن ذلك ما لا يحصى مع أن المسببات التي حصل بها ~~النفع أو الضر ليست من فعل المتسبب # فإذا كان كذلك فالداخل في السبب إنما يدخل فيه مقتضيا لمسببه لكن تارة ~~يكون مقتضيا له على الجملة والتفصيل وإن ms130 كان غير محيط بجميع PageV01P212 ~~التفاصيل وتارة يدخل فيه مقتضيا له على الجملة لا على التفصيل وذلك أن ما ~~أمر الله به فإنما أمر به لمصلحة يقتضيها فعله وما نهى عنه فإنما نهى عنه ~~لمفسدة يقتضيها فعله فإذا فعل فقد دخل على شرط أنه يتسبب فيما تحت السبب من ~~المصالح أو المفاسد ولا يخرجه عن ذلك عدم علمه بالمصلحة أو المفسدة أو ~~بمقاديرهما فإن الأمر قد تضمن أن فى إيقاع المأمور به مصلحة علمها الله ~~ولأجلها أمر به والنهي قد تضمن أن فى إيقاع المنهى عنه مفسدة علمها الله ~~ولأجلها نهى عنه فالفاعل ملتزم لجميع ما ينتجه ذلك السبب من المصالح أو ~~المفاسد وإن جهل تفاصيل ذلك # فإن قيل أيثاب أو يعاقب على ما لم يفعل # فالجواب أن الثواب والعقاب إنما ترتب على ما فعله وتعاطاه لا على ما لم ~~يفعل لكن الفعل يعتبر شرعا بما يكون عنه من المصالح أو المفاسد وقد بين ~~الشرع ذلك وميز بين ما يعظم من الأفعال مصلحته فجعله ركنا أو مفسدته فجعله ~~كبيرة وبين ما ليس كذلك فسماه فى المصالح إحسانا وفى المفاسد صغيرة وبهذه ~~الطريقة يتميز ما هو من أركان الدين وأصوله وما هو من فروعه وفصوله ويعرف ~~ما هو من الذنوب كبائر وما هو منها صغائر فما عظمه الشرع فى المأمورات فهو ~~من أصول الدين وما جعله دون ذلك فمن فروعه وتكميلاته وما عظم أمره فى ~~المنهيات فهو من الكبائر وما كان دون ذلك فهو من الصغائر وذلك على مقدار ~~المصلحة أو المفسدة PageV01P213 ### || AUTO المسألة التاسعة # ما ذكر فى هذه المسائل من أن المسببات غير مقدورة للمكلف وأن السبب هو ~~المكلف به إذا اعتبر ينبنى عليه أمور # أحدها أن متعاطى السبب إذا أتى به بكمال شروطه وانتفاء موانعه ثم قصد أن ~~لا يقع مسببه فقد قصد محالا وتكلف رفع ما ليس له رفعه ومنع ما لم يجعل له ~~منعه فمن عقد نكاحا على ما وضع له فى الشرع أو بيعا أو شيئا من ms131 العقود ثم ~~قصد أن لا يستبيح بذلك العقد ما عقد عليه فقد وقع قصده عبثا ووقع المسبب ~~الذى أوقع سببه وكذلك إذا أوقع طلاقا أو عتقا قاصدا به مقتضاه فى الشرع ثم ~~قصد أن لا يكون مقتضى ذلك فهو قصد باطل ومثله فى العبادات إذا صلى أو صام ~~أو حج كما أمر ثم قصد فى نفسه أن ما أوقع من العبادة لا يصح له أو لا ينعقد ~~قربة وما أشبه ذلك فهو لغو وهكذا الأمر فى الأسباب الممنوعة وفيه جاء يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا الآية ومن ~~هنا كان تحريم ما أحل الله عبثا من المأكول والمشروب والملبوس والنكاح وهو ~~غير ناكح فى الحال ولا قاصد PageV01P214 ~~للتعليق فى خاص بخلاف العام وما أشبه ذلك فجميع ذلك لغو لأن ما تولى الله ~~حليته بغير سبب من المكلف ظاهر مثل ما تعاطى المكف السبب فيه ومثله قوله ~~عليه الصلاة والسلام # إنما الولاء لمن أعتق رواه الستة وقوله # من اشترط شرطا ليس فى كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط رواه الستة ~~الحديث وأيضا فإن الشارع قاصد لوقوع المسببات عن أسبابها كما تقدم فقصد هذا ~~القاصد مناقض لقصد الشارع وكل قصد ناقض قصد الشارع فباطل فهذا القصد باطل ~~والمسألة واضحة # فإن قيل هذا مشكل من وجهين أحدهما أن اختيار المكلف وقصده شرط فى وضع ~~الأسباب فإذا كان اختياره منافيا لاقتضاء الأسباب لمسبباتها كان معنى ذلك ~~أن الأسباب لم يتعاطها المكلف على كمالها بل مفقودة الشرط وهو الإختيار فلم ~~تصح من جهة فقد الشرط فيلزم أن تكون المسببات الناشئة عن الأسباب غير واقعة ~~لفقد الإختيار # والثانى أن القصد المناقض لقصد الشارع مبطل للعمل حسبما هو مذكور فى ~~موضعه من هذا الكتاب وتعاطى الأسباب المبيحة مثلا بقصد أن لا تكون مبيحة ~~مناقضة لقصد الشارع ظاهرة من حيث كان قصد الشارع التحصيل بوساطة هذه ~~الأسباب فيكون إذا تعاطى هذه الأسباب باطلا PageV01P215 ~~وممنوعا كالمصلى قاصدا بصلاته ما لا ms132 تجزئه لأجله والمتطهر يقصد أن لا يكون ~~مستبيحا للصلاة وما أشبه ذلك فالجمع بين هذا الأصل والأصل المذكور جمع بين ~~متنافيين وهو باطل # فالجواب عن الأول أن الفرض إنما هو في موقع الأسباب بالإختيار لأن تكون ~~أسبابا لكن مع عدم اختياره للمسبب وليس الكلام فى موقعها بغير اختيار ~~والجمع بينهما ممكن عقلا لأن أحدهما سابق على الآخر فلا يتنافيان كما إذا ~~قصد الوطء واختاره وكره خلق الولد أو اختار وضع البذر فى الأرض وكره نباته ~~أو رمى بسهم صوبه على رجل ثم كره أن يصيبه وما أشبه ذلك فكما يمكن ~~اجتماعهما فى العاديات فكذلك فى الشرعيات # والجواب عن الثانى أن فاعل السبب فى مسألتنا قاصد أن يكون ما وضعه الشارع ~~منتجا غير منتج وما وضعه سببا فعله هنا على أن يكون سببا لا يكون له مسبب ~~وهذا ليس له فقصده فيه عبث بخلاف ما هو مذكور فى قاعدة مقاصد الشارع فإن ~~فاعل السبب فيه قاصد لجعله سببا لمسبب لم يجعله الشارع مسببا له كنكاح ~~المحلل عند القائل بمنعه فإنه قاصد بنكاحه التحليل لغيره ولم يضع الشارع ~~النكاح لهذا المسبب فقارن هذا القصد العقد فلم يكن سببا شرعيا فلم يكن ~~محللا لا للنكاح ولا للمحلل له لأنه باطل # وحاصل الأمر أن أحدهما أخذ السبب على أنه ليس بسبب والآخر أخذه على أنه ~~سبب لا ينتج فالأول لا ينتج له شيئا والآخر يتنج له لأنه ليس الإنتاج ~~باختياره ولا عدمه فهذا لم يخالف قصد الشارع فى السبب من حيث هو سبب ولكن ~~زعم أنه لا يقع مسببه وهذا كذب أو طمع فى غير مطمع PageV01P216 ~~والأول تعاطاه على أنه ليس بالسبب الموضوع للشارع فاعرف الفرق بينهما فهو ~~دقيق ويوضحه أن القصد فى أحدهما مقارن للعمل فيؤثر فيه والآخر تابع له بعد ~~استقراره فلا يؤثر فيه # فإن قيل لم لا يكون هذا فى الحكم كالرفض فى العبادات فإنه فى الحقيقة رفض ~~لكونه سببا شرعيا فالطهارة مثلا سبب فى رفع الحدث فإذا قصد أنها لا ms133 ترفع ~~الحدث فهو معنى رفض النية فيه وقد قالوا إن رفض النية ينتهض سببا فى إبطال ~~العبادة فرجع البحث إلى أن ذلك كله إبطال لأنفس الأسباب لا إبطال المسببات # فالجواب أن الأمر ليس كذلك وإنما يصح الرفض فى أثناء العبادة إذا كان ~~قاصدا بها امتثال الأمر ثم أتمها على غير ذلك بل بنية أخرى ليست بعبادته ~~التى شرع فيها كالمتطهر ينوي رفع الحدث ثم ينسخ تلك النية بنية التبرد أو ~~النتظف من الأوساخ البدنية وأما بعد ما تمت العبادة وكملت على شروطها فقصده ~~أن لا تكون عبادة ولا يترتب عليها حكم آخر من إجزاء أواستباحة أو غير ذلك ~~غير مؤثر فيها بل هى على حكمها لو لم يكن ذلك القصد فالفرق بينهما ظاهر # ولا يعارض ذلك كلام من تكلم فى الرفض وقال أنه يؤثر ولم يفصل القول فى ~~ذلك فإن كلام الفقهاء فى رفض الوضوء وخلافهم فيه غير خارج عن هذا الأصل من ~~جهة أن الطهارة هنا لها وجهان فى النظر فمن نظر إلى فعلها على ما ينبغى قال ~~أن استباحة الصلاة بها لازم ومسبب عن ذلك الفعل فلا يصح PageV01P217 ~~رفعه إلا بناقض طارئ ومن نظر إلى حكمها أعنى حكم استباحة الصلاة مستصحبا ~~إلى أن يصلي وذلك أمر مستقبل فيشترط فيه استصحاب النية الأولى المقارنة ~~للطهارة وهي بالنية المنافية منسوخة فلا يصح استباحة الصلاة الآتية بها لأن ~~ذلك كالرفض المقارن للفعل ولو قارن الفعل لأثر فكذلك هنا فلو رفض نية ~~الطهارة بعدما أدى بها الصلاة وتم حكمها لم يصح أن يقال إنه يجب عليه ~~استئناف الطهارة والصلاة فكذلك من صلى ثم رفض تلك الصلاة بعد السلام منها ~~وقد كان أتى بها على ما أمر به فإن قال به فى مثل هذا فالقاعدة ظاهرة فى ~~خلاف ما قال والله أعلم وبه التوفيق # هذا حكم الأسباب إذا فعلت باستكمال شرائطها وانتفاء موانعها # وأما إذا لم تفعل الأسباب على ما ينبغى ولا استكملت شرائطها ولم تنتف ~~موانعها فلا تقع مسبباتها شاء المكلف أو ms134 أبى لأن المسببات ليس وقوعها أو ~~عدم وقوعها لاختياره وأيضا فإن الشارع لم يجعلها أسبابا مقتضية إلا مع وجود ~~شرائطها وانتفاء موانعها فإذا لم تتوفر لم يستكمل السبب أن يكون سببا شرعيا ~~سواء علينا أقلنا إن الشروط وانتفاء الموانع أجزاء أسباب أم لا فالثمرة واحدة # وأيضا لو اقتضت الأسباب مسبباتها وهي غير كاملة بمشيئة الملكف أو ارتفعت ~~اقتضاآتها وهى تامة لم يكن لما وضع الشارع منها فائدة ولكان وضعه له عبثا ~~لأن معنى كونها أسبابا شرعية هو أن تقع مسبباتها شرعا ومعنى كونها غير ~~أسباب شرعا أن لا تقع مسبباتها شرعا فإذا كان اختيار المكلف يقلب حقائقها ~~شرعا لم يكن لها وضع معلوم فى الشرع وقد فرضناها موضوعة فى الشرع على PageV01P218 ~~وضع معلوم هذا خلف محال فما يؤدي إليه مثله وبه يصح أن اختيارات المكلف لا ~~تأثير لها في الأسباب الشرعية # فإن قيل كيف هذا مع القول بأن النهي لا يدل على الفساد أو بأنه يدل على ~~الصحة أو بأنه يفرق بين ما يدل على النهي لذاته أو لوصفه فإن هذه المذاهب ~~تدل على أن التسبب المنهي عنه وهو الذي لم يستكمل الشروط ولا انتفت موانعه ~~يفيد حصول المسبب وفي مذهب مالك ما يدل على ذلك فإن البيوع الفاسدة عنده ~~تفيد من أولها شبهة ملك عند قبض المبيع وأيضا فتفيد الملك بحوالة الأسواق ~~وغير ذلك من الأمور التي لا تفيت العين وكذلك الغصب ونحوه يفيد عنده الملك ~~وإن لم تفت عين المغصوب في مسائل والغصب أو نحوه ليس بسبب من أصله فيظهر أن ~~السبب المنهي عنه يحصل به المسبب إلا على القول بأن النهي يدل على الفساد مطلقا # فالجواب أن القاعدة عامة وإفادة الملك في هذه الأشياء إنما هو لأمور أخر ~~خارجة عن نفس العقد الأول وبيان ذلك لا يسع ههنا وإنما يذكر فيما بعد هذا ~~إن شاء الله ### || AUTO فصل # ومن الأمور التي تنبني على ما تقدم أن الفاعل للسبب عالما بأن المسبب ليس ~~إليه إذا وكله إلى فاعله ms135 وصرف نظره عنه كان أقرب إلى الإخلاص والتفويض ~~والتوكل على الله تعالى والصبر على الدخول في الأسباب المأمور بها والخروج ~~عن الأسباب المحظورة والشكر وغير ذلك من المقامات السنية والأحوال المرضية ~~ويتبين ذلك بذكر البعض على أنه ظاهر PageV01P219 ~~أما الإخلاص فلأن المكلف إذا لبى الأمر والنهي في السبب من غير نظر إلى ما ~~سوى الأمر والنهي خارج عن حظوظه قائم بحقوق ربه واقف موقف العبودية بخلاف ~~ما إذا التفت إلى المسبب وراعاه فإنه عند الإلتفات إليه متوجه شطره فصار ~~توجهه إلى ربه بالسبب بواسطة التوجه إلى المسبب ولا شك في تفاوت ما بين ~~الرتبتين في الإخلاص # وأما التفويض فلإنه إذا علم أن المسبب ليس بداخل تحت ما كلف به ولا هو من ~~نمط مقدوراته كان راجعا بقلبه إلى من إليه ذلك وهو الله سبحانه فصار متوكلا ~~ومفوضا هذا في عموم التكاليف العادية والعبادية ويزيد بالنسبة إلى العبادية ~~أنه لا يزال بعد التسبب خائفا وراجيا فان كان ممن يلتفت إلى المسبب بالدخول ~~فى السبب صار مترقبا له ناظرا الى ما يؤول إليه تسببه وربما كان ذلك سببا ~~إلى إعراضه عن تكميل السبب استعجالا لما ينتجه فيصير توجهه الى ما ليس له ~~وقد ترك التوجه إلى ما طلب بالتوجه اليه وهنا تقع حكاية من سمع أن من أخلص ~~لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فأخذ بزعمه في ~~الإخلاص لينال الحكمة فتم الأمد ولم تأته الحكمة # فسأل عن ذلك فقيل له إنما أخلصت للحكمة ولم تخلص لله وهذا واقع كثيرا في ~~ملاحظات المسببات في الأسباب ربما غطت ملاحظاتها فحالت بين المتسبب وبين ~~مراعاة الأسباب وبذلك يصير العابد مستكثرا لعبادته والعالم مغترا بعلمه الى ~~غير ذلك PageV01P220 ~~وأما الصبر والشكر فلأنه اذا كان ملفتا إلى أمر الآمر وحده متيقنا أن بيده ~~ملاك المسببات وأسبابها وأنه عبد مأمور وقف مع أمر الآمر ولم يكن له من ذلك ~~محيد ولا زوال وألزم نفسه الصبر على ذلك لأنه تحت حد المراقبة وممن عبد ~~الله ms136 كأنه يراه فإذا وقع المسبب كان من أشكر الشاكرين اذ لم ير لتسببه في ~~ذلك المسبب وردا ولا صدرا ولا اقتضى منه في نفسه نفعا ولا ضرا وإن كان ~~علامة وسببا عاديا فهو سبب بالتسبب ومعتبر في عادى الترتيب ولم كان ملتفتا ~~الى المسبب فالسبب قد ينتج وقد يعقم فاذا أنتج فرح وإذا لم ينتج لم يرض ~~بقسم الله ولا بقضائه وعد السبب كلا شىء وربما مله فتركه وربما سئم منه ~~فثقل عليه وهذا يشبه من يعبد الله على حرف وهو خلاف عادة من دخل تحت رق ~~العبودية ومن تأمل سائر المقامات السنية وجدها في ترك الإلتفات إلى ~~المسببات وربما كان هذا أعظم نفعا في أصحاب الكرامات والخوارق # فصل # ومنها أن تارك النظر في المسبب بناء على أن أمره لله إنما همه السبب الذي ~~دخل فيه فهو على بال منه في الحفظ له والمحافظة عليه والنصيحة فيه لأن غيره ~~ليس إليه ولو كان قصده المسبب من السبب لكان مظنة لأخذ السبب على غير ~~اصالته وعلى غير قصد التعبد فيه فربما أدى إلى الإخلال به وهو لا يشعر ~~وربما شعر به ولم يفكر فيما عليه فيه ومن هنا تنجر مفاسد كثيرة وهو أصل ~~الغش في الأعمال العادية نعم والعبادية بل هو أصل في الخصال المهلكة أما في ~~العاديات فظاهر فإنه لا يغش إلا استعجالا للربح الذي يأمله في تجارته أو ~~للنفاق الذي ينتظره في صناعته أو ما أشبه ذلك # وأما في العبادات فإن من شأن من أحبه الله تعالى أن يوضع له القبول في ~~الأرض بعد ما يحبه أهل السماء فالتقرب بالنوافل سبب للمحبة من الله تعالى PageV01P221 ~~ثم من الملائكة ثم يوضع القبول في الأرض فربما التفت العابد لهذا المسبب ~~بالسبب الذي هو النوافل ثم يستعجل ويداخله طلب ما ليس له فيظهر ذلك السبب ~~وهو الرياء وهكذا في سائر الهلكات وكفى بذلك فسادا ### || AUTO فصل # ومنها أن صاحب هذه الحالة مستريح النفس ساكن البال مجتمع الشمل فارغ ~~القلب من تعب الدنيا ms137 متوحد الوجهة فهو بذلك طيب المحيا مجازى في الآخرة قال ~~تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة الآية وروى ~~عن جعفر الصادق أنه قال في الحياة الطيبة هي المعرفة بالله وصدق المقام مع ~~الله وصدق الوقوف على أمر الله وقال ابن عطاء العيش مع الله والإعراض عما ~~سوى الله # وأيضا ففيه كفاية جميع الهموم بجعل همه هما واحدا بخلاف من كان ناظرا إلى ~~المسبب بالسبب فإنه ناظر إلى كل مسبب فى كل سبب يتناوله وذلك مكثر ومشتت ~~وأيضا ففى النظر إلى كون السبب منتجا أو غير منتج تفرق بال # وإذا أنتج فليس على وجه واحد فصاحبه متبدد الحال مشغول القلب فى أن لو ~~كان المسبب أصلح مما كان فتراه يعود تارة باللوم على السبب وتارة بعدم ~~الرضى بالمسبب وتارة على غير هذه الوجوه وإلى هذا النحو يشير معنى قوله ~~عليه الصلاة والسلام # لا تسبو الدهر فإن الله هو الدهر رواه مسلم وأمثاله وأما المشتغل بالسبب ~~معرضا عن النظر فى غيره فمشتغل بأمر واحد وهو التعبد بالسبب أى سبب كان ولا PageV01P222 ~~شك أن هما واحدا خفيف على النفس جدا بالنسبة إلى هموم متعددة بل هم واحد ~~ثابت خفيف بالنسبة إلى هم واحد متغير متشتت في نفسه وقد جاء # أن من جعل همه هما واحدا كفاه الله سائر الهموم ومن جعل همه أخراه كفاه ~~الله أمر دنياه ويقرب من هذا المعنى قول من قال من طلب العلم لله فالقليل ~~من العلم يكفيه ومن طلبه للناس فحوائج الناس كثيرة وقد لهج الزهاد فى هذا ~~الميدان وفرحوا بالإستياق فيه حتى قال بعضهم لو علم الملوك ما نحن عليه ~~لقاتلونا عليه بالسيوف وروى فى الحديث # الزهد فى الدنيا يريح القلب والبدن اسنده الطبراني لأبي هريرة والزهد ليس ~~عدم ذات اليد بل هو حال للقلب يعبر عنها إن شئت بما تقرر من الوقوف مع ~~التعبد بالأسباب من غير مراعاة للمسببات التفاتا إليها فى الأسباب فهذا ~~أنموذج ينبهك على جملة هذه ms138 القاعدة # فصل # ومنها أن النظر فى المسبب قد يكون على التوسط كما سيأتى ذكره إن شاء الله ~~تعالى وذلك إذا أخذه من حيث مجاري العادات وهو أسلم لمن التفت PageV01P223 ~~إلى المسبب وقد يكون على وجه من المبالغة فوق ما يحتمل البشر فيحصل بذلك ~~للمتسبب إما شدة التعب وإما الخروج عما هو له إلى ما ليس له أما شدة التعب ~~فكثيرا ما يتفق لأرباب الأحوال فى السلوك وقد يتفق أن يكون صاحب التسبب ~~كثير الإشفاق أو كثير الخوف وأصل هذا تنبيه الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~فى الكتاب العزيز حالة دعائه الخلق بشدة الحرص على أن الأولى به الرجوع إلى ~~التوسط بقوله تعالى قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون إلى قوله وإن كان كبر ~~عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغى نفقا فى الأرض أو سلما فى السماء فتأتيهم ~~بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى الآية وقوله لعلك باخع نفسك أن لا ~~يكونوا مؤمنين وقوله يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر الآية ~~وقوله فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك الآية إلى قوله إنما أنت ~~نذير والله على كل شىء وكيل وقوله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ~~إلى غير ذلك مما هو فى هذا المعنى مما يشير إلى الحض على الإقصار مما كان ~~يكابد والرجوع إلى الوقوف مع ما أمر به مما هو تسبب والله يهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم بقوله إنما أنت منذر إنما أنت نذير والله على كل شىء وكيل ~~وأشباه ذلك # وجميعه يشير إلى أن المطلوب منك التسبب والله هو المسبب وخالق المسبب ليس ~~لك من الأمر شىء أو يتوب عليهم أو يعذبهم الآية وهو ينبهك PageV01P224 ~~على شدة مقاساته عليه الصلاة والسلام فى الحرص على إيمانهم ومبالغته فى ~~التبليغ طمعا فى أن تقع نتيجة الدعوة وهي إيمانهم الذى به نجاتهم من العذاب ~~حتى جاء فى القرآن عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ومع ~~هذا فقد ms139 ندب عليه الصلاة والسلام إلى أمر هو أوفق وأحرى بالتوسط فى مقام ~~النبوة وأدنى من خفة ما يلقاه فى ذلك من التعب والمشقة وأجرى فى سائر الرتب ~~التي دون النبوة هذا وإن كان مقام النبوة على ما يليق به من شرف المنزلة ~~التي لا يدانيه فيها أحد فلا يقدح ذلك فى صحة الإستدلال بأحكامه فيما دونها ~~من المراتب اللائقة بالأمة كما تقرر عند أهل الشريعة من صحة الإستدال ~~بأحواله وأحكامه فى أحكام أمته ما لم يدل دليل على اختصاصه دون أمته ### || AUTO وأما الخروج عما هو له إلى ما ليس له فلأنه إذا قصد عين ~~المسبب أن يكون أو لا يكون كان مخالفا لمقصود الشارع إذ قد تبين أن المسبب ~~ليس للمكلف ولم يكلف به بل هو لله وحده فمن قصده فالغالب عليه بحسب افراطه ~~أن يكون قاصدا لوقوعه بحسب غرضه المعين وهو إنما يجري علىمقتضى إرادة الله ~~تعالى لا على وفق غرض العبد المعين من كل وجه فقد وصار غرض العبد وقصده ~~مخالفا بالوضع لما أريد به وذلك خارج عن مقتضى الأدب ومعارضة للقدر أو ما ~~هو ينحو ذلك النحو وقد جاء في - الصحيح التنبيه على هذا المعنى بقوله عليه ~~الصلاة والسلام # المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف PageV01P225 ~~وفى كل خير إحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وأن أصابك شىء فلا ~~تقل لو أني فعلت كان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل ~~الشيطان رواه مسلم صحيح فقد نبهك على أن # لو تفتح عمل الشيطان لأنه التفات إلى المسبب في السبب كأنه متولد عنه أو ~~لازم عقلا بل ذلك قدر الله وما شاء فعل إذ لا يعينه وجود السبب ولا يعجزه فقدانه # فالحاصل أن نفوذ القدر المحتوم هو محصول الأمر ويبقى السبب إن كان مكلفا ~~به عمل فيه بمقتضى التكليف وإن كان غير مكلف به لكونه غير داخل فى مقدوره ~~استسلم استسلام من يعلم أن الأمر كله بيد الله ms140 فلا ينفتح عليه باب الشيطان ~~وكثيرا ما يبالغ الإنسان فى هذا المعنى حتى يصير منه إلى ما هو مكروه شرعا ~~من تشويش الشيطان ومعارضة القدر وغير ذلك ### || AUTO فصل # ومنها أن تارك النظر فى المسبب أعلى مرتبة وأزكى عملا إذا كان عاملا فى ~~العبادات وأوفر أجرا فى العادات لأنه عامل على اسقاط حظه بخلاف من كان ~~ملتفتا إلى المسببات فإنه عامل على الإلتفات إلى الحظوظ لأن نتائج الأعمال ~~راجعة إلى العباد مع أنها خلق الله فإنها مصالح أو مفاسد تعود عليهم كما فى ~~حديث أبي ذر # إنما هى أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها صحيح مسلم وأصله فى القرآن ~~من عمل صالحا فلنفسه فالملتفت إليها PageV01P226 ~~عامل بحظه ومن رجع إلى مجرد الأمر والنهي عامل على إسقاط الحظوظ وهو مذهب ~~أرباب الأحوال ولهذا بسط فى موضع آخر # فإن قيل على أي معنى يفهم اسقاط النظر فى المسببات وكيف ينضبط ما يعد ~~كذلك مما لا يعد كذلك # فالجواب أن ترك الحظوظ قد يكون ظاهرا بمعنى عدم التفات القلب إليها جملة ~~وهذا قليل وأكثر ما يختص بهذا أرباب الأحوال من الصوفية فهو يقوم بالسبب ~~مطلقا من غير أن يتظر هل له مسبب أم لا وقد يكون غير ظاهر بمعنى أن الحظ لا ~~يسقط جملة من القلب إلا أنه التفت إليه من وراء الأمر أو النهي ويكون هذا ~~مع الجريان على مجارى العادات مع علمه بأن الله مجريها كيف شاء ويكون أيضا ~~مع طلب المسبب بالسبب أي يطلب من المسبب مقتضى السبب فكأنه يسأل المسبب ~~باسطا يد السبب كما يسأله الشىء باسطا يد الضراعة أو يكون مفوضا فى المسبب ~~إلى من هو إليه فهؤلاء قد أسقطوا النظر فى المسبب بالسبب وإنما الالتفات ~~للمسبب بمعنى الجريان مع السبب كالطالب للمسبب من نفس السبب أو كالمعتقد أن ~~السبب هو المولد للمسبب فهذا هو المخوف الذى هو حر بتلك المفاسد المذكورة ~~وبين هذين الطرفين وسائط هي مجال نظر المجتهدين فإلى أيهما كان أقرب كان ~~الحكم له ومثل ms141 هذا مقرر أيضا فى مسألة الحظوظ ### || AUTO المسألة العاشرة # ما ذكر من أن المسببات مرتبة على فعل الأسباب شرعا وأن الشارع PageV01P227 ~~يعتبر المسببات فى الخطاب بالأسباب يترتب عليه بالنسبة إلى الملكلف إذا ~~اعتبره أمور # منها أن المسبب إذا كان منسوبا إلى المسبب شرعا اقتضى أن يكون المكلف فى ~~تعاطي السبب ملتفتا إلى جهة المسبب أن يقع منه ما ليس فى حسابه فإنه كما ~~يكون التسبب مأمورا به كذلك يكون منهيا عنه وكما يكون التسبب فى الطاعة ~~منتجا ما ليس فى ظنه من الخير لقوله تعالى ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا وقوله عليه السلام # من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها وقوله # إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أنها تبلغ ما بلغت حسن ~~صحيح الحديث كذلك يكون التسبب فى المعصية منتجا ما لم يحتسب من الشر لقوله ~~تعالى فكأنما قتل الناس جميعا وقوله عليه الصلاة والسلام # ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها وقوله # ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها وقوله # إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله الحديث إلى أشباه ذلك ### || AUTO وقد قرر الغزالي من هذا المعنى فى - كتاب الأحياء وفى غيره ما ~~فيه كفاية PageV01P228 ### || AUTO وقد قال فى - كتاب الكسب ترويج الدرهم الزائف من الدراهم فى ~~أثناء النقد ظلم إذ به يستضر المعامل إن لم يعرف وإن لم يعرف وإن عرف ~~فيروجه على غيره وكذلك الثاني والثالث ولا يزال يتردد فى الأيدي ويعم الضرر ~~ويتسع الفساد ويكون وزر الكل ووباله راجعا إليه فإنه الذى فتح ذلك الباب ثم ~~استدل بحديث # من سن سنة حسنة الخ # ثم حكى عن بعضهم أن إنفاق درهم زائف أشد من سرقة مائة درهم قال لأن ~~السرقة معصية واحدة وقد تمت وانقطعت وإظهار الزائف بدعة أظهرها في الدين ~~وسن سنة سيئة يعمل عليها من بعده فيكون عليه وزرها بعد موته الى مائة سنة ~~ومائتي سنة الى أن يفنى ذلك ms142 الدرهم ويكون عليه ما فسد ونقص من أموال الناس ~~بسببه وطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه ~~مائة سنة ومائتي سنة يعذب بها فى قبره ويسأل عنها إلى انقراضها وقال تعالى ~~ونكتب ما قدموا وآثارهم أى نكتب أيضا ما أخروه من آثار أعمالهم كما نكتب ما ~~قدموه ومثله قوله تعالى ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر وإنما أخر أثر ~~أعماله من سن سنة سيئة عمل بها غيره هذا ما قاله هناك وقاعدة ايقاع السبب ~~أنه بمنزلة ايقاع المسبب قد بينت هذا ### || AUTO وله فى - كتاب الشكر ما هو أشد من هذا حيث قدر النعم أجناسا ~~وأنواعا وفصل فيها تفاصيل جمة ثم قال بل أقول من عصى الله ولو فى نظرة ~~واحدة بأن فتح بصره حيث يجب غض البصر فقد كفر نعمة الله فى السموات ~~والأرضين وما بينهما فان كل ما خلق الله حتى الملائكة والسموات والحيوانات ~~والنبات بجملته نعمة على كل واحد من العباد قد تم بها انتفاعه # ثم قرر شيئا من النعم العائدة الى البصر من الأجفان ثم قال قد كفر نعمة PageV01P229 ~~الله فى الأجفان ولا تقوم الأجفان الا بعين ولا العين إلا بالرأس ولا ~~الرأس إلا بجميع البدن ولا البدن إلا بالغذاء ولا الغذاء إلا بالماء والأرض ~~والهواء والمطر والغيم والشمس والقمر ولا يقوم شىء من ذلك إلا بالسموات ولا ~~السموات إلا بالملائكة فإن الكل كالشىء الواحد يرتبط البعض منه بالبعض ~~ارتباط أعضاء البدن بعضها ببعض قال وكذلك ورد فى الأخبار أن البقعة التي ~~يجتمع فيها الناس إما أن تلعنهم اذا تفرقوا أو تستغفر لهم # ولذلك ورد أن # العالم يستغفر له كل شئ حتى الحوت فى البحر رواه ابو داود والترمذي وذلك ~~إشارة إلى أن العاصي بتطريفة واحدة جنى على جميع ما فى الملك والملكوت # وقد أهلك نفسه إلى أن يتبع السيئة بحسنة تمحوها فيتبدل اللعن بالإستغفار ~~فعسى الله أن يتوب عليه ويتجاوز عنه ثم حكى غير ذلك ومضى فى كلامه فإذا نظر ms143 ~~المتسبب إلى مآلات الأسباب فربما كان باعثا له على التحرز من أمثال هذه ~~الأشياء إذ يبدوا له يوم الدين من ذلك ما لم يكن يحتسب والعياذ بالله ### || AUTO فصل # ومنها أنه إذا التفت إلى المسببات مع أسبابها ربما ارتفعت عنه إشكالات ~~ترد فى الشريعة بسببب تعارض أحكام أسباب تقدمت مع أسباب أخر حاضرة وذلك أن ~~متاطى السبب قد يبقى عليه حكمه وإن رجع عن ذلك السبب أو تاب منه فيظن أن ~~المسبب يرتفع حكمه برجوعه عن السبب ولا يكون كذلك PageV01P230 ~~مثاله من توسط أرضا مغصوبة ثم تاب وأراد الخروج منها فالظاهر الآن أنه لما ~~أمر بالخروج فأخذ فى الإمتثال غير عاص ولا مؤآخذ لأنه لم يمكنه أن يكون ~~ممتثلا عاصيا فى حالة واحدة ولا مأمورا منهيا من جهة واحدة لأن ذلك تكليف ~~مالا يطاق فلا بد أن يكون فى توسطه مكلفا بالخروج على وجه يمكنه # ولا يمكن مع بقاء حكم النهي فى نفس الخروج فلا بد أن يرتفع عنه حكم النهي ~~فى الخروج # وقال أبو هاشم هو على حكم المعصية ولا يخرج عن ذلك إلا بإنفصاله عن الأرض ~~المغصوبة ورد الناس عليه قديما وحديثا والإمام أشار فى البرهان إلى تصور ~~هذا وصحته باعتبار أصل السبب الذى هو عصيان فانسحب عليه حكم التسبب وإن ~~ارتفع بالتوبة ونظر ذلك بمسائل وهو صحيح باعتبار الأصل المتقدم فإن أصل ~~التسبب أنتج مسببات خارجة عن نظره فلو نظر الجمهور إليها لم يستبعدوا ~~اجتماع الإمتثال مع استصحاب حكم المعصية إلى الإنفصال عن الأرض المغصوبة ~~وهذا أيضا ينبنى على الإلتفات إلى أن المسبب خارج عن نظره فإنه إذا رأى ذلك ~~وجد نفس الخروج ذا وجهين أحدهما وجه كون الخروج سببا فى الخلوص عن التعدى ~~بالدخول فى الأرض # وهو من كسبه والثاني كونه نتيجة دخوله ابتداء وليس من كسبه بهذا الإعتبار ~~إذ ليس له قدرة عن الكف عنه # ومن هذا مسألة من تاب عن القتل بعد رمي السهم عن القوس وقبل وصوله إلى ~~الرمية ومن تاب من بدعة ms144 بعد ما بثها فى الناس وقبل أخذهم بها أو بعد ذلك ~~وقبل رجوعهم عنها ومن رجع عن شهادته بعد الحكم بها وقبل PageV01P231 ~~الإستيفاء وبالجملة بعد تعاطي السبب على كماله وقبل تأثيره ووجود مفسدته ~~أو بعد وجودها وقبل ارتفاعها إن أمكن ارتفاعها فقد اجتمع على المكلف هنا ~~الإمتثال مع بقاء العصيان فإن اجتمعا فى الفعل الواحد كما فى المثال الأول ~~كان عاصيا ممتثلا إلا أن الأمر والنهي لا يتواردان عليه فى هذا التصوير ~~لأنه من جهةالعصيان غير مكلف به لأنه مسبب غير داخل تحت قدرته فلا نهي إذ ~~ذاك ومن جهة الإمتثال مكلف لأنه قادر عليه فهو مأمور بالخروج وممتثل به ~~وهذا معنى ما أراده الإمام وما اعترض به عليه وعلى أبى هاشم لا يرد مع هذه ~~الطريقة إذا تأملتها والله أعلم # فصل # ومنها أن الله عز وجل جعل المسببات فى العادة تجرى على وزان الأسباب فى ~~الإستقامة أو الإعوجاج فإذا كان السبب تاما والتسبب على ما ينبغي كان ~~المسبب كذلك وبالضد # ومن ههنا إذا وقع خلل فى المسبب نظر الفقهاء إلى التسبب هل كان على تمامه ~~أم لا فإن كان على تمامه لم يقع على المتسبب لوم وإن لم يكن على تمامه رجع ~~اللوم والمؤآخذة عليه ألا ترى أنهم يضمنون الطبيب والحجام والطباخ وغيرهم ~~من الصناع إذا ثبت التفريط من أحدهم إما بكونه غر من نفسه وليس بصانع وإما ~~بتفريط بخلاف ما إذا لم يفرط فإنه لا ضمان عليه لأن الغلط فى المسببات أو ~~وقوعها على غير وزان التسبب قليل فلا يؤآخذ بخلاف ما إذا PageV01P232 ~~لم يبذل الجهد فإن الغلط فيها كثير فلا بد من المؤآخذة # فمن التفت إلى المسببات من حيث كانت علامة على الأسباب فى الصحة أو ~~الفساد لا من جهة أخرى فقد حصل على قانون عظيم يضبط به جريان الأسباب على ~~وزان ما شرع أو على خلاف ذلك ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة فى الشرع دليلا ~~على ما فى الباطن فإن كان الظاهر منخرما حكم على الباطن ms145 بذلك أو مستقيما ~~حكم على الباطن بذلك أيضا وهو أصل عام فى الفقه وسائر الأحكام العاديات ~~والتجريبيات بل الإلتفات إليها من هذا الوجه نافع فى جملة الشريعة جدا ~~والأدلة على صحته كثيرة جدا وكفى بذلك عمدة أنه الحاكم بإيمان المؤمن وكفر ~~الكافر وطاعة المطيع وعصيان العاصي وعدالة العدل وجرحة المجرح وبذلك تنعقد ~~العقود وترتبط المواثيق إلى غير ذلك من الأمور بل هو كلية التشريع وعمدة ~~التكليف بالنسبة إلى إقامة حدود الشعائر الإسلامية الخاصة والعامة ### || AUTO فصل # ومنها أن المسببات قد تكون خاصة وقد تكون عامة ومعنى كونها خاصة أن تكون ~~بحسب وقع السبب كالبيع المتسبب به إلى إباحة PageV01P233 ~~الانتقاع بالمبيع والنكاح الذى يحصل به حلية الإستمتاع والذكاة التى بها ~~يحصل حل الأكل وما أشبه ذلك وكذلك جانب النهي كالسكر الناشىء عن شرب الخمر ~~وإزهاق الروح المسبب عن حزالرقبة # وأما العامة فكالطاعة التى هى سبب فى الفوز بالنعيم والمعاصي التى هى سبب ~~فى دخول الجحيم وكذلك أنواع المعاصي التى يتسبب عنها فساد فى الأرض كنقص ~~المكيال والميزان المسبب عنه قطع الرزق والحكم بغير الحق الفاشى عنه الدم ~~وختر العهد الذى يكون عنه تسليط العدو والغلول الذى يكون عنه قذف الرعب وما ~~أشبه ذلك ولا شك أن أضداد هذه الأمور يتسبب عنها أضداد مسبباتها فإذا نظر ~~العامل فيما يتسبب عن عمله من الخيرات أو الشرور اجتهد فى اجتناب المنهيات ~~وامتثال المأمورات رجاء فى الله وخوفا منه ولهذا جاء الإخبار فى الشريعة ~~بجزاء الأعمال وبمسببات الأسباب والله أعلم بمصالح عباده والفوائد التي ~~تنبني على هذه الأصول كثيرة # فصل # فإن قيل تقرر فى المسألة التي قبل هذه أن النظر فى المسببات يستجلب مفاسد ~~والجاري على مقتضى هذا أن لا يلتفت إلى المسبب فى التسبب وتبين الآن أن ~~النظر فى المسببات يستجر مصالح والجاري على مقتضى هذا أن يلتفت PageV01P234 ~~إليها فإن كان هذا على الإطلاق كان نتاقضا وإن لم يكن على الإطلاق فلا بد ~~من تعيين موضع الإلتفات الذي يجلب المصالح من الإلتفات الذي يجر ms146 المفاسد ~~بعلامة يوقف عندها أو ضابط يرجع إليه # فالجواب أن هذا المعنى مبسوط فى غير هذا الموضع ولكن ضابطه أنه إن كان ~~الإلتفات إلى المسبب من شأنه التقوية للسبب والتكملة له والتحريض على ~~المبالغة فى إكماله فهو الذي يجلب المصلحة وإن كان من شأنه أن يكر على ~~السبب بالإبطال أو بالإضعاف أو بالتهاون به فهو الذي يجلب المفسدة # وهذان القسمان على ضربين أحدهما ما شأنه ذلك بإطلاق بمعنى أنه يقوي السبب ~~أو يضعفه بالنسبة إلى كل مكلف وبالنسبة إلى كل زمان وبالنسبة إلى كل حال ~~يكون عليها المكلف والثاني ما شأنه ذلك لا بإطلاق بل بالنسبة إلى بعض ~~المكلفين دون بعض أو بالنسبة إلى بعض الأزمنة دون بعض أو بالنسبة إلى بعض ~~أحوال المكلف دون بعض # وأيضا فإنه ينقسم من جهة أخرى قسمين أحدهما ما يكون في التقوية أو ~~التضعيف مقطوعا به والثاني مظنونا أو مشكوكا فيه فيكون موضع نظر وتأمل ~~فيحكم بمقتضى الظن ويوقف عند تعارض الظنون وهذه جملة مجملة غير مفسرة ولكن ~~إذا روجع ما تقدم وما يأتي ظهر مغزاه وتبين معناه بحول الله ويخرج عن هذا ~~التقسيم نظر المجتهدين فإن على المجتهد أن ينظر فى الأسباب ومسبباتها لما ~~ينبني على ذلك من الأحكام الشرعية وما تقدم من التقسيم راجع إلى أصحاب ~~الأعمال من المكلفين وبالله التوفيق PageV01P235 ### || AUTO فصل # وقد يتعارض الأصلان معا على المجتهدين فيميل كل واحد إلى ما غلب على ظنه # فقد قالوا فى السكران إذا طلق أو أعتق أو فعل ما يجب عليه الحد فيه أو ~~القصاص عومل معاملة من فعلها عاقلا اعتبارا بالأصل الثاني وقالت طائفة بأنه ~~كالمجنون اعتبارا بالأصل الأول على تفصيل لهم فى ذلك مذكور فى الفقه ~~واختلفوا ايضا فى ترخص العاصي بسفره بناء على الأصلين أيضا واختلفوا فى ~~قضاء صوم التطوع وفى قطع التتابع بالسفر الإختياري إذا عرض له فيه عذر أفطر ~~من أجله وكذلك اختلفوا فى أكل الميتة إذا اضطر بسبب السفر الذي عصى بسببه ~~وعليهما يجري الخلاف PageV01P236 ~~أيضا فى ms147 المسألة المذكورة قبل هذا بين أبي هاشم وغيره فيمن توسط أرضا مغصوبة ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # الأسباب الممنوعة أسباب للمفاسد لا للمصالح كما أن الأسباب المشروعة ~~أسباب للمصالح لا للمفاسد # مثال ذلك الأمر بالمعروف والنهي لن المنكر فإنه أمرمشروع لأنه سبب لإقامة ~~الدين وإظهار شعائر الإسلام وإخماد الباطل على أي وجه كان # وليس بسبب فى الوضع الشرعى لإتلاف مال أو نفس ولا نيل من عرض وإن أدى إلى ~~ذلك فى الطريق وكذلك الجهاد موضوع لإعلاء كلمة الله وإن أدى إلى مفسدة فى ~~المال أو النفس ودفع المحارب مشروع لرفع القتل والقتال وإن أدى إلى القتل ~~والقتال والطلب بالزكاة مشروع لإقامة ذلك الركن من أركان الإسلام وإن أدى ~~إلى القتال كما فعله أبو بكر رضى الله عنه وأجمع عليه الصحابة رضى الله ~~عنهم وإقامة الحدود والقصاص مشروع لمصلحة الزجر عن الفساد وإن أدى إلى ~~إتلاف النفوس وإهراق الدماء وهو فى نفسه مفسدة وإقرار حكم الحاكم مشروع ~~لمصلحته فصل الخصومات وإن أدى إلى الحكم بما ليس بمشروع # هذا فى الأسباب المشروعة وأما فى الأسباب الممنوعة فالأنكحة الفاسدة ~~ممنوعة وإن أدت إلى إلحاق الولد وثبوت الميراث وغير ذلك من PageV01P237 ~~الأحكام وهي مصالح والغضب ممنوع للمفسدة اللاحقة للمغصوب منه وإن أدى إلى ~~مصلحة الملك عند تغير المغصوب فى يد الغاصب أو غيره من وجوه الفوت # فالذى يجب أن يعلم أن هذه المفاسد الناشئة عن الأسباب المشروعة والمصالح ~~الناشئة عن الأسباب الممنوعة ليست بناشئة عنها فى الحقيقة # وإنما هى ناشئة عن أسباب أخر مناسبة لها والدليل على ذلك ظاهر # فإنها إذا كانت مشروعة فإما أن تشرع للمصالح أو للمفاسد أو لهما معا أو ~~لغير شىء من ذلك فلا يصح أن تشرع للمفاسد لأن السمع يأبى ذلك فقد ثبت ~~الدليل الشرعى على أن الشريعة إنما جىء بالأوامر فيها جلبا للمصالح وإن كان ~~ذلك غير واجب فى العقول فقد ثبت فى السمع وكذلك لا يصح أن تشرع لهما معا ~~بعين ذلك الدليل ولا لغير شىء لما ثبت ms148 من السمع أيضا # فظهر أنها شرعت للمصالح # وهذا المعنى يستمر فيما منع إما أن يمنع لأن فعله مؤد إلى مفسدة أو إلى ~~مصلحة أو إليهما أو لغير شىء والدليل جار إلى آخره فإذا لا سبب مشروعا إلا ~~وفيه مصلحة لأجلها شرع فإن رأيته وقد انبنى عليه مفسدة فاعلم أنها ليست ~~بناشئة عن السبب المشروع وأيضا فلا سبب ممنوعا إلا وفيه PageV01P238 ~~مفسدة لأجلها منع فإن رأيته وقد انبنى عليه مصلحة فيما يظهر فاعلم أنها ~~ليست بناشئة عن السبب الممنوع وإنما ينشأ عن كل واحد منها ما وضع له فى ~~الشرع إن كان مشروعا وما منع لأجله إن كان ممنوعا # وبيان ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا لم يقصد به الشارع ~~إتلاف نفس ولا مال وإنما هو أمر يتبع السبب المشروع لرفع الحق وإخماد ~~الباطل كالجهاد ليس مقصوده إتلاف النفوس بل إعلاء الكلمة لكن يتبعه فى ~~الطريق الإتلاف من حهة نصب الإنسان نفسه فى محل يقتضي تنازع الفريقين وشهر ~~السلاح وتناول القتال والحدود وأشباهها يتبع المصلحة فيها الإتلاف من جهة ~~أنه لا يمكن إقامة المصلحة إلا بذلك وحكم الحاكم سبب لدفع التشاجر وفصل ~~الخصومات بحسب الظاهر حتى تكون المصلحة ظاهرة وكون الحاكم مخطئا راجع إلى ~~أسباب أخر من تقصير فى النظر أو كون الظاهر على خلاف الباطن ولم يكن له على ~~ذلك دليل وليس بمقصود فى أمر الحاكم ولا ينقض الحكم إذا كان له مساغ ما ~~بسبب أمر آخر وهو أن الفسخ يؤدي إلى ضد ما نصب له الحاكم من الفصل بين ~~الخصوم ورفع التشاجر فإن الفسخ ضد الفصل # وأما قسم الممنوع فإن ثبوت تلك الأحكام إنما نشأ من الحكم بالتصحيح لذلك ~~النكاح بعد الوقوع لا من جهة كونه فاسدا حسبما هو مبين فى PageV01P239 ~~موضعه والبيوع الفاسدة من هذا النوع لأن لليد القابضة هنا حكم الضمان شرعا ~~فصار القابض كالمالك للسلعة بسبب الضمان لا بسبب العقد فإذا فاتت عينها ~~تعين المثل أو القيمة وإن بقيت على غير تغير ولا وجه ms149 من وجوه الفوت فالواجب ~~ما يقتضيه النهي من الفساد فإذا حصل فيها تغير أو نحوه مما ليس بمفيت للعين ~~توادرت أنظار المجتهدين هل يكون ذلك فى حكم الفوت جملة بسبب التغير أم لا ~~فبقى حكم المطالبة بالفسخ إلا أن فى المطالبة بالفسخ حملا على صاحب السعلة ~~إذا ردت عليه متغيرة مثلا كما أن فيها حملا على المشترى حيث أعطى ثمنا ولم ~~يحصل له ما تعنى فيه من وجوه التصرفات التى حصلت فى المبيع فكان العدل ~~النظر فيما بين هذين فاعتبر فى الفوت حوالة الأسواق والتغير الذى لم يفت ~~العين وانتقال الملك وما أشبه ذلك من الوجوه المذكورة فى كتب الفقهاء ~~وحاصلها أن عدم الفسخ وتسليط المشترى على الإنتفاع ليس سببه العقد المنهي ~~عنه بل الطوارئ المترتبه بعده # والغصب من هذا النحو أيضا فإن على اليد العادية حكم الضمان شرعا # والضمان يستلزم تعين المثل أو القيمة فى الذمة فاستوى فى هذا المعنى مع ~~المالك بوجه ما فصار له بذلك شبهة ملك فإذا حدث فى المغصوب حادث تبقى معه ~~العين على الجملة صار محل اجتهاد نظرا إلى حق صاحب المغصوب وإلى الغاصب إذ ~~لا يجنى عليه غصبه أن يحمل عليه فى الغرم عقوبة له كما أن PageV01P240 ~~المغصوب منه لا يظلم بنقص حقه فكان فى ذلك الإجتهاد بين هذين # فالسبب فى تملك الغاصب المغصوب ليس نفس الغصب بل التضمين أولا منضما إلى ~~ما حدث بعد فى المغصوب فعلى هذا النوع أو شبهه يجرى النظر فى هذه الأمور # والمقصود أن الأسباب المشروعة لا تكون أسبابا للمفاسد والأسباب الممنوعة ~~لا تكون أسبابا للمصالح إذ لا يصح ذلك بحال ### || AUTO فصل # وعلى هذا الترتيب يفهم حكم كثير من المسائل فى مذهب مالك وغيره ففى ~~المذهب أن من حلف بالطلاق أن يقضي فلانا حقه إلىزمان كذا ثم خاف الحنث بعدم ~~القضاء فخالع زوجته حتى انقضى الأجل ووقع الحنث وليست بزوجة ثم راجعها أن ~~الحنث لا يقع عليه وأن كان قصده مذموما وفعله مذموما لأنه احتال بحيلة ~~أبطلت ms150 حقا فكانت المخالعة ممنوعة وإن أثمرت عدم الحنث لأن عدم الحنث لم يكن ~~بسبب المخالعة بل بسبب أنه حنث ولا زوجة له فلم يصادف الحنث محلا # وكذلك قول اللخمي فيمن قصد بسفره الترخص بالفطر فى رمضان أن له أن يقطر ~~وإن كره له هذا القصد لأن فطره بسبب المشقة اللازمة للسفر لا بسبب نفس ~~السفر المكروه وإن علل الفطر بالسفر فلاشتماله على المشقة لا لنفس السفر ~~ويحقق ذلك أن الذى كره له السفر الذى هو من كسبه والمشقة خارجة عن كسبه ~~فليست المشقة هى عين المكروه له بل سببها والمسبب هو السبب فى الفطر PageV01P241 ~~فأما لو فرضنا أن السبب الممنوع لم يثمر ما ينهض سببا لمصلحته أو السبب ~~المشروع لم يثمر ما ينهض سببا لمفسدة فلا يكون عن المشروع مفسدة تقصد شرعا ~~ولا عن المنوع مصلحة تقصد شرعا وذلك كحيل أهل العينة فى جعل السلعة واسطة ~~فى بيع الدينار بالدينارين إلى أجل فهنا طرفان وواسطة طرف لم يتضمن سببا ~~ثابتا على حال كالحيلة المذكورة وطرف تضمن سببا قطعا أو ظنا كتغيير المغصوب ~~فى يد الغاصب فيملكه على التفصيل المعلوم # وواسطة لم ينتف فيها السبب ألبتة ولا ثبت قطعا فهو محل أنظار المجتهدين # فصل # هذا كله إذا نظرنا إلى هذه المسائل الفرعية بهذا الأصل المقرر فإن تؤملت ~~من جهة آخرى كان الحكم آخر وتردد الناظرون فيه لأنه يصير محلا للتردد وذلك ~~أنه قد تقرر أن إيقاع المكلف الأسباب فى حكم إيقاع المسببات وإذا كان كذلك ~~اقتضى أن المسبب فى حكم الواقع باختياره فلا يكون سببا شرعيا فلا يقع له ~~مقتضى فالعاصي بسفره لا يقصر ولا يفطر لأن المشقة كأنها واقعة بفعله لأنها ~~ناشئة عن سببه والمحتال للحنث بمخالعة امرأته لا يخلصه احتياله من الحنث بل ~~يقع عليه إذا راجعها وكذلك المحتال لمراجعة زوجته بنكاح المحلل وما أشبه ~~ذلك فهنا إذا روجع الأصلان كانت المسائل فى محل الإجتهاد فمن ترجح عنده أصل ~~قال بمقتضاه والله أعلم PageV01P242 ### || AUTO فصل # ما تقدم فى هذا ms151 الأصل نظر فى مسببات الأسباب من حيث كانت الأسباب مشروعة ~~أو غير مشروعة أي من جهة ما هى داخلة تحت نظر الشرع لا من جهة ما هى أسباب ~~عادية لمسبباب عادية فإنها إذا نظر إليها من هذا الوجه كان النظر فيها آخر ~~فإن قاصد التشفي بقصد القتل متسبب فيما هو عنده مصلحة أو دفع مفسدة وكذلك ~~تارك العبادات الواجبة إنما تركها فرارا من أتعاب النفس وقصدا إلى الدعة ~~والراحة بتركها فهو من جهة ما هو فاعل بإطلاق أو تارك بإطلاق متسبب فى درء ~~المفاسد عن نفسه أو جلب المصالح لها كما كان الناس فى أزمان الفترات ~~والمصالح والمفاسد هنا هى المعتبرة بملائمة الطبع ومنافرته فلا كلام هنا فى ~~مثل هذا ### || AUTO المسألة الثانية عشرة # الأسباب من حيث هى أسباب شرعية لمسببات إنما شرعت لتحصيل مسبباتها وهى ~~المصالح المجتلبة أو المفاسد المستدفعة # والمسببات بالنظر إلى أسبابها ضربان أحدهما ما شرعت الأسباب لها إما ~~بالقصد الأول وهى متعلق المقاصد الأصلية أو المقاصد الأول PageV01P243 ### || AUTO أيضا وإما بالقصد الثانى وهي متعلق المقاصد التابعة وكلا ~~الضربين مبين فى - كتاب المقاصد والثانى ما سوى ذلك مما يعلم أو يظن أن ~~الأسباب لم تشرع لها أو لا يعلم ولا يظن أنها شرعت لها أو لم تشرع لها ~~فتجىء الأقسام ثلاثة ### || AUTO أحدها ما يعلم أن يظن أن السبب شرع لأجله فتسبب المتسبب فيه ~~صحيح لأنه أتى الأمر من بابه وتوسل إليه بما أذن الشارع فى التوسل به إلى ~~ما أذن أيضا فى التوسل إليه لأنا فرضنا أن الشارع قصد بالنكاح مثلا التناسل ~~أولا ثم يتبعة اتخاذ السكن ومصاهرة أهل المرأة لشرفهم أو دينهم أو نحو ذلك ~~أو الخدمة أو القيام على مصالحه أو التمتع بما أحل الله من النساء أو ~~التجمل بمال المرأة أو الرغبة فى جمالها أو الغبطة بدينها أو التعفف عما ~~حرم الله أو نحو ذلك حسبما دلت عليه الشريعة فصار إذا ما قصده هذا المتسبب ~~مقصود الشارع على الجملة وهذا كاف وقد تبين ms152 فى - كتاب المقاصد أن القصد ~~المطابق لقصد الشارع هو الصحيح فلا سبيل إلى القول بفساد هذا التسبب # لا يقال إن القصد إلى الإنتفاع مجردا لا يغنى دون قصد حل البضع بالعقد ~~أولا فإنه الذى ينبنى عليه ذلك القصد والشارع إنما قصده بالعقد أولا الحل ~~ثم يترتب عليه الإنتفاع فإذا لم يقصد إلا مجرد الإنتفاع فقد تخلف قصده عن ~~قصد الشارع فيكون مجرد القصد إلى الإنتفاع غير صحيح PageV01P244 ~~ويتبين هذا بما إذ أراد التمتع بفلانة كيف اتفق بحل أو غيره فلم يمكنه ذلك ~~إلا بالنكاح المشروع وقصده أنه لو أمكنه لحصل مقصوده فإذا عقد عليها والحال ~~هذه فلم يكن قاصدا لحله وإذا لم يقصد حلها فقد خالف قصد الشارع بالعقد فكان ~~باطلا والحكم فى كل فعل أو ترك جار هذا المجرى # لأنا نقول هو على ما فرض فى السؤال صحيح وذلك أن حاصل قصد هذا القاصد أنه ~~لم يقدر على ما قصد من وجه غير جائز فأتاه من وجه قد جعله الشارع موصلا ~~إليه ولم يكن قصده بالعقد أنه ليس بعقد بل قصد انعقاد النكاح بإذن من إليه ~~الإذن وأدى ما الواجب أن يؤدى فيه لكن ملجأ إلى ذلك # فله بهذا التسبب الجائز مقتضاه ويبقى النظر فى قصده إلى المحظور الذى لم ~~يقدر عليه فإن كان عند عزم على المعصية لو قدر عليها أثم عند المحققين وإن ~~كان خاطرا على غير عزيمة فمغتفر كسائر الخواطر فلم يقترن إذا بالعقد ما ~~يصيره باطلا لوقوعه كامل الأركان حاصل الشروط منتفى الموانع وقصد القاصد ~~للعصيان لو قدر عليه خارج عن قصده الإستباحة بالوجه المقصود للشارع وهذا ~~القصد الثاني موجود عنده لا محالة وهو موافق لقصد الشارع بوضع السبب فصح ~~التسبب وأما إلزام قصد الحل فلا يلزم بل يكفي القصد إلى إيقاع السبب ~~المشروع وإن غفل عن وقوع الحل به لأن الحل الناشىء عن السبب ليس بداخل تحت ~~التكليف كما تقدم # والثاني ما يعلم أو يظن أن السبب لم يشرع لأجله ابتداء فالدليل PageV01P245 ~~يقتضي أن ms153 ذلك التسبب غير صحيح لأن السبب لم يشرع أولا لهذا المسبب المفروض ~~وإذا لم يشرع له فلا يتسبب عنه حكمته في جلب مصلحة ولا دفع مفسدة بالنسبة ~~إلى ما قصد بالسبب فهو إذا باطل هذا وجه # ووجه ثان وهو أن هذا السبب بالنسبة إلى هذا المقصود المفروض غير مشروع ~~فصار كالسبب الذي لم يشرع أصلا وإذا كان التسبب غير المشروع أصلا لا يصح ~~فكذلك ما شرع إذا أخذ لما لم يشرع له # ووجه ثالث أن كون الشارع لم يشرع هذا السبب لهذا المسبب المعين دليل على ~~أن في ذلك التسبب مفسدة لا مصلحة أو أن المصلحة المشروع لها السبب منتفية ~~بذلك المسبب فيصير السبب بالنسبة إليه عبثا فإن كان الشارع قد نهى عن ذلك ~~التسبب الخاص فالأمر واضح فإذا قصد بالنكاح مثلا التوصل إلى أمر فيه إبطاله ~~كنكاح المحلل أو بالبيع التوصل إلى الربا مع إبطال البيع وما أشبه ذلك من ~~الأمور التي يعلم أو يظن أن الشارع لا يقصدها كان هذا العمل باطلا لمخالفته ~~لقصد الشارع في شرع النكاح والبيع وهكذا سائر الأعمال والتسببات العادية ~~والعبادية # فإن قيل كيف هذا والناكح في المثال المذكور وإن كان قصد رفع النكاح ~~بالطلاق لتحل للأول فما قصده إلا ثانيا عن قصد النكاح لأن الطلاق لا يحصل ~~إلا في ملك نكاح فهو قصد نكاحا يرتفع بالطلاق والنكاح من شأنه ووضعه الشرعي ~~أن يرتفع بالطلاق وهو مباح في نفسه فيصح لكن كونه قصد مع ذلك التحليل الأول ~~أمر آخر وإن كان مذموما فإنه إذا اقترن أمران مفترقان في أنفسهما فلا تأثير ~~لأحدهما في الآخر لانفكاك أحدهما من الآخر تحقيقا كالصلاة في الدار ~~المغصوبة # وفي الفقه ما يدل على هذا PageV01P246 ~~فقد اتفق مالك وأبو حنيفة على صحة التعليق في الطلاق قبل النكاح والعتق ~~قبل الملك فيقول للأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق وللعبد إن اشتريتك فأنت حر ~~ويلزمه الطلاق إن تزوج والعتق إذا اشترى وقد علم أن مالكا وأبا حنيفة ~~يبيحان له أن يتزوج المرأة وأن ms154 يشترى العبد وفي المبسوطة عن مالك فيمن حلف ~~بطلاق كل امرأة يتزوجها إلى ثلاثين سنة ثم يخاف العنت قال أرى له جائزا أن ~~يتزوج ولكن إن تزوج طلقت عليه مع أن هذا النكاح وهذا الشراء ليس فيهما شىء ~~مما قصده الشارع بالقصد الأول ولا بالقصد الثاني إلا الطلاق والعتق ولم ~~يشرع النكاح للطلاق ولا الشراء للخروج عن اليد وإنما شرعا لأمور أخر ~~والطلاق والعتاق من التوابع غير المقصودة في مشروعيتهما # فما جاز هذا إلا لأن وقوع الطلاق أوالعتق ثان عن حصول النكاح أو الملك ~~وعن القصد إليه فالناكح قاصد بنكاحه الطلاق والمشتري قاصد بشرائه العتق # وظاهر هذا القصد المنافاة لقصد الشارع ولكنه مع ذلك جائز عند هذين ~~الإمامين وإذا كان كذلك فأحد الأمرين جائز إما جواز التسبب بالمشروع إلى ما ~~لم يشرع له السبب وإما بطلان هذه المسائل # وفي مذهب مالك من هذا كثير جدا ففي المدونة فيمن نكح وفي نفسه أن يفارق ~~أنه ليس من نكاح المتعة فإذا إذا تزوج المرأة ليمين لزمته أن يتزوج على ~~امرأته فقد فرضوا المسألة وقال مالك إن النكاح حلال فإن شاء أن يقيم عليه ~~أقام وإن شاء أن يفارق فارق وقال ابن القاسم وهو مما لا اختلاف فيه بين أهل ~~العلم مما علمنا أو سمعنا قال وهو عندنا نكاح ثابت الذي يتزوج يريد أن يبر ~~في يمينه وهو بمنزلة من يتزوج المرأة للذة يريد أن يصيب منها لا يريد حبسها ~~ولا ينوي ذلك على ذلك نيته واضماره في تزويجها فأمرهما PageV01P247 ### || AUTO واحد فان شاء آأن يقيما أقاما لأن أصل النكاح حلال ذكر هذه في ~~- المبسوطة ### || AUTO وفي - الكافي في الذي يقدم البلدة فيتزوج المرأة ومن نيته أن ~~يطلقها بعد السفر أن قول الجمهور جوازه # وذكر ابن العربي مبالغة مالك في منع نكاح المتعة وأنه لا يجيزه بالنية ~~كأن يتزوجها بقصد الإقامة معها مدة وإن لم يلفظ بذلك ثم قال وأجازه سائر ~~العلماء ومثل بنكاح المسافرين قال وعندي أنا النية لا تؤثر في ذلك ms155 فإنا لو ~~ألزمناه أن ينوي بقلبه النكاح الأبدي لكان نكاحا نصرانيا ### || AUTO فإذا سلم لفظه لم تضره نيته ألا ترى أن الرجل يتزوج على حسن ~~العشرة رجاء الأبدية فإن وجدها وإلا فارق كذلك يتزوج على تحصيل العصمة فإن ~~اغتبط ارتبط وإن كره فارق وهذا كلامه في - كتاب الناسخ والمنسوخ وحكى ~~اللخمي عن مالك فمن نكح لغربة أو لهوى ليقضي أربه ويفارق فلا بأس # فهذه مسائل دلت على خلاف ما تقدم في القاعدة المستدل عليها وأشدها مسألة ~~حل اليمين لأنه لم يقصد النكاح رغبة فيه وإنما قصد أن يبر في يمينه ولم ~~يشرع النكاح لمثل هذا ونظائر ذلك كثيرة وجميعها صحيح مع القصد المخالف لقصد ~~الشارع وما ذلك إلا لأنه قاصد للنكاح أولا ثم الفراق ثانيا PageV01P248 ~~وهما قصدان غير متلازمين فإن جعلتهما متلازمين في المسالة الأولى بحيث ~~يؤثر أحدهما في الآخر فليكن كذلك في هذ المسائل وحينئذ يبطل جميع ما تقدم ~~فعلى الجملة يلزم إما بطلان هذا كله وإما بطلان ماتقدم # فالجواب من وجهين أحدهما إجمالي والآخر تفصيلي فأما الإجمالي فهو أن نقول ~~أصل المسألة صحيح لما تقدم من الأدلة وما اعترض به ليس بداخل تحتها ولا هي ~~منها بدليل قولهم بالجواز والصحة فيها فما اتفقوا منها على جوازه فلسلامته ~~من مقتضى أصل المسألة وما اختلفوا فيه فلدخوله عند المانعين تحتها ولسلامته ~~عند المجيزين لأن العلماء لا يتناقض كلامهم ولا ينبغي أن يحمل على ذلك ما ~~وجد إلى غيره سبيل وهذا جواب يكفي المقلد في الفقه وأصوله ويورد على العالم ~~من باب تحسين الظن بمن تقدم من السلف الصالح ليتوقف ويتأمل ويلتمس المخرج ~~ولا يتعسف بإطلاق الرد # وأما التفصيلي فنقول إن هذه لمسائل لا تقدح فيما تقدم أما مسألة التعليق ~~فقد قال القرافي إنها من المشكلات على الإمامين وإن من قال بشرعية النكاح ~~في صورة التعليق قبل الملك فقد التزم المشروعية مع انتفاء الحكمة المعتبرة ~~فيه شرعا قال وكان يلزم أن لا يصح العقد على المرأة ألبتة لكن العقد صحيح ~~أجماعا ms156 فدل على عدم لزوم الطلاق تحصيلا لحكمة العقد قال فحيث أجمعنا على ~~شرعيته دل ذلك على بقاء حكمته وهو بقاء النكاح المشتمل على مقاصده قال وهذا ~~موضع مشكل على أصحابنا انتهى قوله وهو عاضد PageV01P249 ~~لما تقدم ولكن النظر فيه راجع إلى أصل آخر ندرجه أثناء هذه المسألة ~~للضرورة إليه وهي ### || AUTO المسألة الثالثة عشرة # وذلك أن السبب المشروع لحكمة لا يخلو أن يعلم أو يظن وقوع الحكمة به أو ~~لا فإن علم أو ظن ذلك فلا إشكال في المشروعية وإن لم يعلم ولا ظن ذلك فهو ~~على ضربين أحدهما أن يكون ذلك لعدم قبول المحل لتلك الحكمة أو لأمر خارجي # فإن كان الأول ارتفعت المشروعية أصلا فلا أثر للسبب شرعا البتة بالنسبة ~~إلى ذلك المحل مثل الزجر بالنسبة إلى غير العاقل إذا جنى والعقد على الخمر ~~والخنزير والطلاق بالنسبة إلى الأجنبية والعتق بالنسبة إلى ملك الغير وكذلك ~~العبادات وإطلاق التصرفات بالنسبة إلى غيرالعاقل وما أشبه ذلك # والدليل على ذلك أمران الأول أن أصل السبب قد فرض أنه لحكمة بناء على ~~قاعدة إثبات المصالح حسبما هو مبين في موضعه فلو ساغ شرعه مع فقدانها جملة ~~لم يصح أن يكون مشروعا وقد فرضناه مشروعا هذا خلف والثاني أنه لو كان كذلك ~~لزم أن تكون الحدود وضعت لغير قصد الزجر والعبادات لغير قصد الخضوع لله ~~وكذلك سائر الأحكام وذلك باطل باتفاق القائلين بتعليل الأحكام # وأما إن كان امتناع وقوع حكم الأسباب وهي المسببات لأمر خارجي مع قبول ~~المحل من حيث نفسه فهل يؤثر ذلك الأمرالخارجي في شرعية السبب PageV01P250 ~~أم يجري السبب على أصل مشروعيته هذا محتمل والخلاف فيه سائغ وللمجيز أن ~~يستدل على ذلك بأمور # أحدها أن القاعدة الكلية لا تقدح فيها قضايا الأعيان ولا نوادر التخلف ~~وسيأتي لهذا المعنى تقرير في موضعه إن شاء الله # والثاني وهو الخاص بهذا المكان أن الحكمة إما أن تعتبر بمحلها وكونه ~~قابلا لها فقط وإما أن تعتبر بوجودها فيه فإن اعتبرت بقبول المحل فقط فهو ~~المدعي ms157 والمحلوف بطلاقها في مسألة التعليق قابلة للعقد عليها من الحالف ~~وغيره فلا يمنع ذلك إلا بدليل خاص في المنع وهو غير موجود وإن اعتبرت ~~بوجودها في المحل لزم أن يعتبر في المنع فقدانها مطلقا لمانع أو لغير مانع ~~كسفر الملك المترفه فإنه لا مشقة له في السفر أو هو مظنة لعدم وجود المشقة ~~فكان القصر والفطر في حقه ممتنعين وكذلك إبدال الدرهم بمثله وإبدال الدينار ~~بمثله مع أنه لا فائدة في هذا العقد وما أشبه ذلك من السائل التي نجد الحكم ~~فيها جاريا على أصل مشروعيته والحكمة غير موجودة # ولا يقال إن السفر مظنة المشقة بإطلاق وإبدال الدرهم بالدرهم مظنة PageV01P251 ~~لاختلاف الأغراض باطلاق وكذلك سائر المسائل التي في معناها فليجز التسبب ~~باطلاق بخلاف نكاح المحلوف بطلاقها بإطلاق فإنها ليست بمظنة للحكمة ولا ~~توجد فيها على حال # لأنا نقول إنما نظير السفر بإطلاق نكاح الأجنبية باطلاق فإن قلتم باطلاق ~~الجواز مع عدم اعتبار وجود المصلحة في المسألة المقيدة فلتقولوا بصحة نكاح ~~المحلوف بطلاقها لأنها صورة مقيدة من مطلق صور نكاح الأجنبيات # بخلاف نكاح القوابة ! المحرمة كالأم والبنت مثلا فإنها محرمة بإطلاق ~~فالمحل غير قابل بإطلاق فهذا من الضرب الأول وإذا لم يكن ذلك فلا بد من ~~القول به في تلك المسائل وإذ ذاك يكون بعض الأسباب مشروعا وإن لم توجد ~~الحكمة ولا مظنتها إذا كان المحل في نفسه قابلا لأن قبول المحل في نفسه ~~مظنة للحكمة وإن لم توجد وقوعا وهذا معقول # والثالث أن اعتبار وجود الحكمة في محل عينا لا ينضبط لأن تلك الحكمة لا ~~توجد إلا ثانيا عن وقوع السبب فنحن قبل وقوع السبب جاهلون بوقوعها وعدم ~~وقوعها فكم ممن طلق على أثر ايقاع النكاح وكم من نكاح فسخ إذ ذاك لطارئ طرأ ~~أو مانع منع وإذا لم نعلم وقوع الحكمة فلا يصح PageV01P252 ~~توقف مشروعية السبب على وجود الحكمة لأن الحكمة لا توجد إلا بعد وقوع ~~السبب وقد فرضنا وقوع السبب بعد وجود الحكمة وهو دور محال فإذا لا ms158 بد من ~~الإنتقال إلى اعتبار مظنة قبول المحل لها على الجملة كافيا # وللمانع أيضا أن يستدل على ما ذهب إليه بأوجه ثلاثة # أحدها أن قبول المحل إما أن يعتبر شرعا بكونه قابلا في الذهن خاصة وإن ~~فرض غير قابل في الخارج فما لا يقبل لا يشرع التسبب فيه # وإما بكونه توجد حكمته في الخارج فما لا توجد حكمته في الخارج لا يشرع ~~أصلا كان في نفسه قابلا لها ذهنا أولا فإن كان الأول فهو غير صحيح لأن ~~الأسباب المشروعة إنما شرعت لمصالح العباد وهي حكم المشروعية فما ليس فيه ~~مصلحة ولا PageV01P253 ~~هو مظنة مصلحة موجودة في الخارج فقد ساوى ما لا يقبل المصلحة لا في الذهن ~~ولا في الخارج من حيث المقصد الشرعي وإذا استويا امتنعا أو جازا لكن ~~جوازهما يؤدي إلى جواز ما اتفق على منعه فلا بد من القول بمنعهما مطلقا وهو ~~المطلوب # الثاني أنا لو أعملنا السبب هنا مع العلم بأن المصلحة لا تنشأ عن ذلك ~~السبب ولا توجد به لكان ذلك نقضا لقصد الشارع في شرع الحكم لأن التسبب هنا ~~يصير عبثا والعبث لا يشرع بناء على القول بالمصالح فلا فرق بين هذا وبين ~~القسم الأول وهذا هو معنى كلام القرافي # والثالث أن جواز ما أجيز من تلك المسائل إنما هو باعتبار وجود الحكمة فإن ~~انتفاء المشقة بالنسبة إلى الملك المترفه غير متحقق بل الظن بوجودها غالب ~~غير أن المشقة تختلف باختلاف الناس ولا تنضبط فنصب الشارع المظنة في موضع ~~الحكمة ضبطا للقوانين الشرعية كما جعل التقاء الختانين ضابطا لمسبباته ~~المعلومة وإن لم يكن الماء عنه لأنه مظنته وجعل الإحتلام مظنة حصول العقل ~~القابل للتكيف لأنه غير منضبط في نفسه إلى أشياء من ذلك كثيرة وأما إبدال ~~الدرهم بمثله فالمماثلة من كل وجه قد لا تتصور عقلا فإنه ما من متماثلين ~~إلا وبينهما افتراق ولو في تعيينهما كما أنه ما من مختلفين إلا وبينهما ~~مشابهة ولو في نفي ما سواهما عنهما ولو فرض التماثل من كل ms159 وجه فهو نادر ولا ~~يعتد بمثله أن يكون معتبرا والغالب المطرد اختلاف الدرهمين والدينارين ولو ~~بجهة الكسب فأطلق الجواز لذلك وإذا كان ذلك PageV01P254 ~~كذلك فلا دليل فى هذه المسائل على مسألتنا ### || AUTO فصل # وقد حصل فى ضمن هذه المسألة الجواب عن مسألة التعليق وأما مسألة النكاح ~~للبر فى اليمين وما ذكر معها فإنه موضع فيه احتمال للإختلاف وإن كان وجه ~~الصحة هو الأقوى فمن نظر إلى أنه نكاح صدر من أهله فى محله القابل له كما ~~تقدم بسطه لم يمنع ومن نظر إلى أنه لما كان له نية المفارقة أو كان منظة ~~لذلك أشبه النكاح المؤقت لم يجز هذا وإن كان ابن القاسم لم يحك فى مسألة ~~نكاح البر خلافا فقد غمزه هو أو غيره بأنه لا يقع به الإحصان # وهذا كاف فيما فيه من الشبهة فالموضع مجال نظر المجتهدين وإذا نظرنا إلى ~~مذهب مالك وجدنا نكاح البر نكاحا مقصودا لغرضه المقصود لكن على أن يرفع حكم ~~اليمين وكونه مقصودا به رفع اليمين يكفي بأنه قصد للنكاح المشروع الذى تحل ~~به المرأة للاستمتاع وغيره من مقاصده إلا أنه يتضمن رفع اليمين وهذا غير ~~قادح وكذلك النكاح لقضاء الوطر مقصود أيضا لأن قضاء الوطر من مقاصده على ~~الجملة ونية الفراق بعد ذلك أمر خارج إلى ما بيده من الطلاق الذى جعل ~~الشارع له وقد يبدو له فلا يفارق وهذا هو الفرق بينه وبين نكاح المتعة فإنه ~~فى نكاح المتعة بان على شرط التوقيت # وكذلك نكاح التحليل لم يقصد به ما يقصد بالنكاح إنما قصد به تحليلها PageV01P255 ~~للمطلق الأول بصورة نكاح زوج غيره لا بحقيقته فلم يتضمن غرضا من أغراضه ~~التى شرع لها وأيضا فمن حيث كان لأجل الغير لا يمكن فيه البقاء معها عرفا ~~أو شرطا فلم يمكن أن يكون نكاحا يمكن استمراره وأيضا فالنص بمنعه عتيد ~~فيوقف عنده على أنه لو لم يكن فى نكاح المحلل تراوض ولا شرط وكان الزوج هو ~~القاصد لذلك فإن بعض العلماء يصحح هذا النكاح ms160 اعتبارا بأنه قاصد الإستمتاع ~~على الجملة ثم الطلاق فقد قصد على الجملة ما يقصد بالنكاح من أغراضه ~~المقصودة ويتضمن ذلك العود إلى الأول أن اتفق على قول ولا يتضمنه على قول ~~وذلك بحكم التبعية وإن كان هذا من الأقوال المرجوحة فلا يخلو من وجه من النظر # ومما يدل على أن حل اليمين إذا قصد بالنكاح لا يقدح فيه أنه لو نذر أو ~~حلف على فعل قربة من صلاة أو حج أو عمرة أو صيام أو ما أشبه ذلك من ~~العبادات أنه يفعله ويصح منه قربة وهذا مثله فلو كان هذا من اليمين وشبهه ~~قادحا فى أصل العقد لكان قادحا فى أصل العبادة لأن شرط العبادة التوجه بها إلى PageV01P256 ~~المعبود قاصدا بذلك التقرب إليه فكما تصح العبادة المنذورة أو المحلوف ~~عليها وإن لم يقصد بها إلا حل اليمين وإلا لم يبر فيه فكذلك هنا بل أولى # وكذلك من حلف أن يبيع سلعة يملكها فالعقد ببيعها صحيح وإن لم يقصد بذلك ~~إلا حل اليمين وكذلك أن حلف أن يصيد أو يذبح هذه الشاة أو ما أشبه ذلك # وهذا كله راجع إلى أصلين # أحدهما أن الأحكام المشروعة للمصالح لا يشترط وجود المصلحة فى كل فرد من ~~أفراد محالها وإنما يعتبر أن يكون مظنة لها خاصة # والثانى أن الأمور العادية إنما يعتبر فى صحتها أن لا تكون مناقضة لقصد ~~الشارع ولا يشترط ظهور الموافقة وكلا الأصلين سيأتى إن شاء الله تعالى # فصل # والقسم الثالث من القسم الأول هو أن يقصد بالسبب مسببا لا يعلم ولا يظن ~~أنه مقصود الشارع أو غير مقصود له وهذا موضع نظر وهو محل إشكال واشتباه ~~وذلك أنا لو تسببنا لأمكن أن يكون ذلك السبب غير موضوع لهذا المسبب المفروض ~~كما أنه يمكن أن يكون موضوعا له ولغيره فعلى الأولى يكون التسبب غير مشروع ~~وعلى الثاني يكون مشروعا وإذا دار العمل بين أن يكون مشروعا أو غير مشروع ~~كان الإقدام على التسبب غير مشروع # لا يقال إن السبب قد فرض ms161 مشروعا على الجملة فلم لا يتسبب به PageV01P257 ~~لأنا نقول إنما فرض مشروعا بالنسبة إلى شىء معين مفروض معلوم لا مطلقا ~~وإنما كان يصح التسبب مطلقا إذا علم شرعيته لكل ما يتسبب عنه على الإطلاق ~~والعموم وليس ما فرضنا الكلام فيه من هذا بل علمنا أن كثيرا من الأسباب ~~شرعت لأمور تنشأ عنها ولم تشرع لأمور وإن كانت تنشأ عنها وتترتب عليها ~~كالنكاح فإنه مشروع لأمور كالتناسل وتوابعه ولم يشرع عند الجمهور للتحليل ~~ولا ما أشبهه فلما علمنا أنه مشروع لأمور مخصوصة كان ما جهل كونه مشروعا له ~~مجهول الحكم فلا تصح مشروعية الإقدام حتى يعرف الحكم # ولا يقال الأصل الجواز ### || AUTO لأن ذلك ليس على الإطلاق فالأصل فى الأبضاع المنع إلا بأسباب ~~مشروعة والحيوانات الأصل فى أكلها المنع حتى تحصل الذكاة المشروعة إلى غير ~~ذلك من الأمور المشروعة بعد تحصيل أشياء لا مطلقا فإذا ثبت هذا وتبين مسبب ~~لا ندرى أهو مما قصده الشارع بالتسبب المشروع أم مما لم يقصده وجب التوقف ~~حتى يعرف الحكم فيه ولهذا قاعدة يتبين بها ما هو مقصود الشارع من مسببات ~~الأسباب وما ليس بمشروع وهى مذكورة فى - كتاب المقاصد ### || AUTO المسألة الرابعة عشرة # كما أن الأسباب المشروعة يترتب عليها أحكام ضمنا كذلك غير المشروعة يترتب ~~عليها أيضا أحكام ضمنا كالقتل يترتب عليه القصاص والدية فى مال الجاني أو ~~العاقلة وغرم القيمة إن كان المقتول عبدا والكفارة وكذلك التعدي يترتب عليه ~~الضمان والعقوبة والسرقة يترتب عليها الضمان والقطع PageV01P258 ~~وما أشبه ذلك من الأسباب الممنوعة فى خطاب التكليف المسببة لهذه الأسباب ~~فى خطاب الوضع # وقد يكون هذا السبب الممنوع يسبب مصلحة من جهة أخرى ليس ذلك سببا فيها ~~كالقتل يترتب عليه ميراث الورثة وإنفاذ الوصايا وعتق المدبرين وحرية أمهات ~~الأولاد والأولاد وكذلك الإتلاف بالتعدى يترتب عليه ملك المتعدى للمتلف ~~تبعا لتضمينه القيمة والغصب يترتب عليه ملك المغصوب إذا تغير فى يديه على ~~التفصيل المعلوم بناء على تضمينه وما أشبه ذلك # فأما الضرب الأول فالعاقل لا يقصد ms162 التسبب إليه لأنه عين مفسدة عليه لا ~~مصلحة فيها وإنما الذى من شأنه أن يقصد الضرب الثاني وهو إذا قصد فالقصد ~~إليه على وجهين # أحدهما أن يقصد به المسبب الذى منع لأجله لا غير ذلك كالتشفى فى القتل ~~والإنتفاع المطلق فى المغصوب والمسروق فهذا القصد غير قادح فى ترتب الأحكام ~~التبعية المصلحية لأن أسبابها إذا كانت حاصلة حصلت PageV01P259 ~~مسبباتها إلا من باب سد الذرائع كما فى حرمان القاتل وإن كان لم يقصد إلا ~~التشفى أو كان القتل خطأ عند من قال بحرمانه ولكن قالوا إذا تغير المغصوب ~~فى يد الغاصب أو أتلفه فإن من أحكام التغير أنه إن كان كثيرا فصاحبه غير ~~مخير فيه ويجوز للغاصب الانتفاع به على ضمان القيمة على كراهية عند بعض ~~العلماء وعلى غير كراهية عند آخرين # وسبب ذلك أن قصد هذا المتسبب لم يناقض قصد الشارع فى ترتب هذه الأحكام ~~لأنها ترتبت على ضمان القيمة أو التغير أو مجموعهما وإنما ناقضه فى إيقاع ~~السبب المنهي عنه والقصد إلى السبب بعينه ليحصل به غرض مطلق غير القصد إلى ~~هذا المسبب بعينه الذى هو ناشىء عن الضمان أو القيمة أو مجموعهما وبينهما ~~فرق وذلك أن الغضب يتبعه لزوم الضمان على فرض تغيره # فتجب القيمة بسبب التغير الناشىء عن الغصب وحين وجبت القيمة وتعينت صار ~~المغصوب لجهة الغاصب ملكا له حفظا لمال الغاصب أن يذهب باطلا لإطلاق فصار ~~ملكه تبعا لإيجاب القيمة عليه لا بسبب الغصب فانفك PageV01P260 ~~القصدان فقصد القاتل التشفي غير قصده لحصول الميراث وقصد الغاصب الإنتفاع ~~غير قصده لضمان القيمة وإخراج المغصوب عن ملك المغصوب منه # وإذا كان كذلك جرى الحكم التابع الذى لم يقصده القاتل والغاصب على مجراه ~~وترتب نقيض مقصوده فيما قصد مخالفته وذلك عقابه وأخذ المغصوب من يده أو ~~قيمته وهذا ظاهر إلا ما سدت فيه الذريعة # والثانى أن يقصد توابع السبب وهي التى تعود عليه بالمصلحة ضمنا كالوارث ~~يقتل الموروث ليحصل له الميراث والموصى له يقتل الموصي ليحصل له الموصى به ~~والغاصب ms163 يقصد ملك المغصوب فيغيره ليضمن قيمته ويتملكه وأشباه ذلك فهذا ~~التسبب باطل لأن الشارع لم يمنع تلك الأشياء فى خطاب التكليف ليحصل بها فى ~~خطاب الوضع مصلحة فليست إذا بمشروعة فى ذلك التسبب ولكن يبقى النظر هل ~~يعتبر فى ذلك التسبب المخصوص كونه مناقضا فى القصد لقصد الشارع عينا حتى لا ~~يترتب عليه ما قصده المتسبب # فتنشأ من هنا قاعدة المعاملة بنقيض المقصود ويطلق الحكم بإعتبارها إذا ~~تعين ذلك القصد المفروض وهو مقتضى الحديث فى حرمان القاتل الميراث ومقتضى ~~الفقه فى حديث # المنع من جمع المفترق وتفريق المجتمع خشية الصدقة PageV01P261 ~~وكذلك ميراث المبتوته فى المرض أو تأبيد التحريم على من نكح فى العدة # إلى كثير من هذا أو يعتبر جعل الشارع ذلك سببا للمصلحة المترتبة ولا يؤثر ~~فى ذلك قصد هذا القاصد فيستوي فى الحكم مع الأول هذا مجال للمجتهدين فيه ~~اتساع نظر ولا سبيل إلى القطع بأحد الأمرين فلنقبض عنان الكلام فيه ### || AUTO النوع الثانى فى الشروط والنظر فيه فى مسائل # المسألة الأولى # أن المراد بالشرط فى هذا الكتاب ما كان وصفا مكملا لمشروطه فيما اقتضاه ~~ذلك المشروط أو فيما اقتضاه الحكم فيه كما نقول أن الحول أو امكان النماء PageV01P262 ~~مكمل لمقتضى الملك أو لحكمة الغنى والإحصان مكمل لوصف الزنى فى إقتضائه ~~للرجم والتساوي فى الحرمة مكمل لمقتضى القصاص أو لحكمة الزجر والطهارة ~~والإستقبال وستر العورة مكملة لفعل الصلاة أو لحكمة الإنتصاب للمناجاة ~~والخضوع وما أشبه ذلك وسواء علينا أكان وصفا PageV01P263 ~~للسبب أو العلة أو المسبب أو المعلول أو لمحالها أو لغير ذلك مما يتعلق به ~~مقتضى الخطاب الشرعي فإنما هو وصف من أوصاف ذلك المشروط ويلزم من ذلك أن ~~يكون مغايرا له بحيث يعقل المشروط مع الغفلة عن الشروط وإن لم ينعكس # كسائر الأوصاف مع الموصوفات حقيقة أو اعتبارا ولا فائدة فى التطويل هنا ~~فإنه تقرير اصطلاح PageV01P264 ### || AUTO المسألة الثانية # وإذ ذكر اصطلاح هذا الكتاب فى الشرط فليذكر اصطلاحه فى السبب والعلة ~~والمانع # فأما السبب فالمراد به ما ms164 وضع شرعا لحكم لحكمة يقتضيها ذلك الحكم كما كان ~~حصول النصاب سببا فى وجوب الزكاة والزوال سببا فى وجوب الصلاة والسرقة سببا ~~فى وجوب القطع والعقود أسبابا فى إباحة الإنتفاع أو انتقال الأملاك وما ~~أشبه ذلك # وأما العلة فالمراد بها الحكم والمصالح التى تعلقت بها الأوامر أو ~~الإباحة والمفاسد التى تعلقت بها النواهى فالمشقة علة فى إباحة القصر ~~والفطر فى السفر # والسفر هو السبب الموضوع سببا للإباحة فعلى الجملة العلة هى المصلحة ~~نفسها أو المفسدة لا مظنها كانت ظاهرة أو غير ظاهرة منضبطة أو غير منضبطة ~~وكذلك نقول فى قوله عليه الصلاة والسلام # لا يقضي القاضي وهوغضبان فالغضب سبب وتشويش الخاطر عن استيفاء الحجج هو ~~العلة على أنه قد يطلق هنا لفظ السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما # ولا مشاحة فى الاصطلاح # وأما المانع فهو السبب المقتضى لعلة تنافي علة ما منع لأنه إنما يطلق PageV01P265 ### || AUTO بالنسبة إلى سبب مقتض لحكم لعلة فيه فإذا حضر المانع وهو مقتض ~~علة تنافي تلك العلة ارتفع ذلك الحكم وبطلت تلك العلة لكن من شرط كونه ~~مانعا أن يكون مخلا بعلة السبب الذى نسب له المانع فيكون رفعا لحكمه فإنه ~~إن لم يكن كذلك كان حضوره مع ما هو مانع له من باب تعارض سببين أو حكمين ~~متقابلين وهذا بابه - كتاب التعارض والترجيح فإذا قلنا الدين مانع من ~~الزكاة فمعناه أنه سبب يقتضي افتقار المديان إلى ما يؤدى به دينه وقد تعين ~~فيما بيده من النصاب فحين تعلقت به حقوق الغرماء انتفت حكمة وجود النصاب ~~وهى الغنى الذى هى علة وجوب الزكاة فسقطت وهكذا نقول فى الأبوة المانعة من ~~القصاص فإنها تضمنت علة تخل بحكمة القتل العمد العدوان وما أشبه ذلك مما هو كثير ### || AUTO المسألة الثالثة # الشروط على ثلاثة أقسام أحدها العقلية كالحياة فى العلم والفهم فى ~~التكليف # والثانى العادية كملاصقة النار الجسم المحرق فى الإحراق ومقابلة الرائي ~~للمرئي وتوسط الجسم الشفاف فى الإبصار وأشباه ذلك والثالث الشرعية كالطهارة ~~فى الصلاة والحول ms165 فى الزكاة والإحصان فى الزنى وهذا الثالث هو PageV01P266 ~~المقصود بالذكر فإن حدث التعرض لشرط من شروط القسمين الأولين فمن حيث تعلق ~~به حكم شرعى فى خطاب الوضع أو خطاب التكليف ويصير إذ ذاك شرعيا بهذا ~~الاعتبار فيدخل تحت القسم الثالث ### || AUTO المسألة الرابعة # افتقرنا إلى بيان أن الشرط مع المشروط كالصفة مع الموصوف وليس بجزء ~~والمستند فيه الإستقراء فى الشروط الشرعية ألا ترى أن الحول هو المكمل ~~لحكمة حصول النصاب وهى الغنى فإنه إذا ملك فقط لم يستقر عليه حكمه إلا ~~بالتمكن من الإنتفاع به فى وجوه المصالح فجعل الشارع الحول مناطا لهذا ~~التمكن الذى ظهر به وجه الغنى والحنث فى اليمين مكمل لمقتضاها فإنها لم ~~يجعل لها كفارة إلا وفى الإقدام عليها جناية ما على اسم الله وان اختلفوا ~~فى تقريرها فعلى كل تقدير لا يتحقق مقتضى الجناية إلا عند الحنث فعند ذلك ~~كمل مقتضى اليمين والزهوق أيضا مكمل لمقتضى إنفاذ المقاتل الموجب للقصاص أو ~~الدية ومكمل لتقرر حقوق الورثة فى مال المريض مرضا مخوفا # والإحصان مكمل لمقتضى جناية الزنى الموجبة للرجم وهكذا سائر الشروط ~~الشرعية مع مشروطاتها # وربما يشكل هذا التقرير بما يذكر من أن العقل شرط التكليف والإيمان شرط ~~فى صحة العبادات والتقربات فإن العقل إن لم يكن فالتكليف محال عقلا أو سمعا ~~كتكليف العجماوات والجمادات فكيف يقال إنه مكمل بل هو العمدة فى صحة ~~التكليف وكذلك لا يصح أن يقال أن الإيمان مكمل للعبادات فإن عبادة الكافر ~~لا حقيقة لها يصح أن يكملها الإيمان وكثير من هذا PageV01P267 ~~ويرتفع هذا الإشكال بأمرين أحدهما أن هذا من الشروط العقلية لا الشرعية ~~وكلا منا فى الشروط الشرعية والثانى أن العقل فى الحقيقة شرط مكمل لمحل ~~التكليف وهو الإنسان لا فى نفس التكليف # ومعلوم أنه بالنسبة إلى الإنسان مكمل وأما الإيمان فلا نسلم أنه شرط لأن ~~العبادات مبنية عليه ألا ترى أن معنى العبادات التوجه إلى المعبود بالخضوع ~~والتعظيم بالقلب والجوارح وهذا فرع الإيمان فكيف يكون أصل الشىء وقاعدته ~~التى ms166 ينبنى عليها شرطا فيه هذا غير معقول ومن أطلق هنا لفظ الشرط فعلى ~~التوسع فى العبارة وأيضا فإن سلم فى الإيمان أنه شرط ففى المكلف لا فى ~~التكليف ويكون شرط صحة عند بعض وشرط وجوب عند بعض فيما عدا التكليف ~~بالإيمان حسبما ذكره الأصوليون فى مسألة خطاب الكفار بالفروع ### || AUTO المسألة الخامسة # الأصل المعلوم فى الأصول أن السبب إذا كان متوقف التاثير على شرط فلا يصح ~~أن يقع المسبب دونه ويستوي فى ذلك شرط الكمال وشرط الإجزاء # فلا يمكن الحكم بالكمال مع فرض توقفه على شرط كما لا يصح الحكم بالإجزاء ~~مع فرض توقفه على شرط وهذا من كلامهم ظاهر فإنه لو صح وقوع المشروط بدون ~~شرطه لم يكن شرطا فيه وقد فرض كذلك هذا خلف وأيضا لو صح PageV01P268 ~~ذلك لكان متوقف الوقوع على شرطه غير متوقف الوقوع عليه معا وذلك محال ~~وأيضا فإن الشرط من حيث هو يقتضى أنه لا يقع المشروط إلا عند حضوره فلو جاز ~~وقوعه دونه لكان المشروط واقعا وغير واقع معا وذلك محال والأمر أوضح من ~~الإطناب فيه # ولكنه ثبت فى كلام طائفة من الأصوليون أصل آخر وعزى إلى مذهب مالك أن ~~الحكم إذا حضر سببه وتوقف حصول مسببه على شرط فهل يصح وقوعه بدون شرطه أم ~~لا قولان اعتبارا باقتضاء السبب أو بتخلف الشرط # فمن راعى السبب وهو مقتض لمسببه غلب اقتضاءه ولم يراع توقفه على الشرط # ومن راعى الشرط وأن توقف السبب عليه مانع من وقوعه مسببه لم يراع حضور ~~السبب بمجرده ألا أن يحضر الشرط فينتهض السبب عند ذلك فى اقتضائه وربما ~~أطلق بعضهم جريان الخلاف فى هذا الأصل مطلقا # ويمثلون ذلك بأمثلة منها أن حصول النصاب سبب فى وجوب الزكاة ودوران الحول ~~شرطه ويجوز تقديمها قبل الحول على الخلاف واليمين سبب فى الكفارة والحنث ~~شرطها ويجوز تقديمها قبل الحنث على أحد القولين وإنفاذ المقاتل سبب فى ~~القصاص أو الدية والزهوق شرط ويجوز العفو قبل الزهوق وبعد السبب ولم يحكوا ~~فى هذه ms167 الصورة خلافا وفى المذهب إذا جعل الرجل أمر امرأة يتزوجها بيد زوجة ~~هى فى ملكه إن شاءت طلقت أو أبقت فاستأذنها فى التزويج فأذنت له فلما ~~تزوجها أرادت هذه أن تطلق عليه وقال مالك ليس لها ذلك بناء على أنها PageV01P269 ~~قد أسقطت بعد جريان السبب وهو التمليك وإن كان قبل حصول الشرط وهو التزوج ~~وإذا أذن الورثة عند المرض المخوف فى التصرف فى أكثر من الثلث جاز مع أنهم ~~لا يتقرر ملكهم إلا بعد الموت فالمرض هو السبب لتملكهم والموت شرط فينفذ ~~إذنهم عند مالك خلافا لأبى حنيفة والشافعي وإن لم يقع الشرط ومن الناس من ~~قال بإنفاذ إذنهم فى الصحة والمرض # فالسبب على رأى هؤلاء هو القرابة ولا بد لهم من القول بأن الموت شرط وفى ~~المذهب من جامع فالتذ ولم ينزل فاغتسل ثم أنزل ففى وجوب الغسل عليه ثانية ~~قولان ونفى الوجوب بناء على أن سبب الغسل انفصال الماء عن مقره وقد اغتسل ~~فلا يغتسل له مرة أخرى هذه حجة سحنون وابن المواز فالسبب هو الإنفصال ~~والخروج شرط ولم يتعبر إلى كثير من المسائل تدار على هذا الأصل # وهو ظاهر المعارضة للأصل الأول فإن الأول يقضى بأنه لا يصح وقوع المشروط ~~بدون شرطه بإطلاق والثانى يقضى بأنه صحيح عند بعض العلماء وربما صح باتفاق ~~كما فى مسألة العفو قبل الزهوق ولا يمكن أن يصح الأصلان معا بإطلاق ~~والمعلوم صحة الأصل الأول فلا بد من النظر فى كلامهم فى الأصل الثاني أما ~~أولا فنفس التناقض بين الأصلين كاف فى عدم صحته عند العلم بصحة الأصل الأول # وأما ثانيا فلا نسلم أن تلك المسائل جارية على عدم اعتبار الشرط فإنا ~~نقول من أجاز تقديم الزكاة قبل حلول الحول مطلقا من غير أهل مذهبنا فبناء ~~على أنه ليس بشرط فى الوجوب وإنما هو شرط فى الإنحتام فالحول كله كأنه وقت ~~عند هذا القائل لوجوب الزكاة موسع ويتحتم فى آخر الوقت كسائر أوقات التوسعة ~~وأما الإخراج قبل الحول بيسير على مذهبنا فبناء ms168 PageV01P270 ~~على أن ما قرب من الشىء فحكمه حكمه فشرط الوجوب حاصل وكذلك القول فى شرط ~~الحنث من أجاز تقديم الكفارة عليه فهو عنده شرط فى الإنحتام من غير تخيير ~~لا شرط فى وجوبها # وأما مسألة الزهوق فهو شرط فى وجوب القصاص أو الدية لا أنه شرط فى صحة ~~العفو وهذا متفق عليه إذ العفو بعده لا يمكن فلا بد من وقوعه قبله إن وقع ~~ولا يصح أن يكون شرطا إذ ذاك فى صحته ووجه صحته أنه حق من حقوق المجروح ~~التي لا تتعلق بالمال فجاز عفوه عنه مطلقا كما يجوز عفوه عن سائر الجراح ~~وعن عرضه إذا قذف وما أشبه ذلك والدليل على أن مدرك حكم العفو ليس ما قالوه ~~أنه لا يصح للمجروح ولا لأوليائه استيفاء القصاص أو أخذ دية النفس كاملة ~~قبل الزهوق باتفاق ولو كان كما قالوه لكان فى هذه المسألة قولان # وأما مسألة تمليك المرأة فإنها لما أسقطت حق نفسها فيما شرطت على الزوج ~~قبل تزوجه لم يبق لها ما تتعلق به بعده لأن ما كانت تملكه بالتمليك قد ~~أسقطت حقها فيه بعد ما جرى سببه فلم يكن لتزوجه تأثير فيما تقدم من الإسقاط ~~وهو فقه ظاهر PageV01P271 ~~ومسألة إذن الورثة بينة المعنى فإن الموت سبب فى صحة الملك لا فى تعلقه ~~والمرض سبب فى تعلق حق الورثة بمال الموروث لا فى تملكهم له فهما سببان كل ~~واحد منها يقتضي حكما لا يقتضيه الآخر فمن حيث كان المرض سببا لتعلق الحق ~~وإن لم يكن ملك كان إذنهم واقعا فى محله لأنهم لما تعلق حقهم بمال الموروث ~~صارت لهم فيه شبهة ملك فإذا أسقطوا حقهم فيه لم يكن لهم بعد ذلك مطالبة ~~لأنهم صاروا فى الحال الذي أنفذوا تصرف المريض فيه حالة المرض كالأجانب ~~فإذا حصل الموت لم يكن لهم فيه حق كالثلث # والقائل بمنع الإنفاذ يصح مع القول بأن الموت شرط لأنهم أذنوا قبل ~~التمليك وقبل حصول الشرط فلا ينفذ كسائر الشروط مع مشروطاتها # وأما مسألة الإنزال ms169 فيصح بناؤها على أنه ليس بشرط فى هذا الغسل أو لأنه ~~لا حكم له لأنه إنزال من غير اقتران لذة # فعلى الجملة هذه الأشياء لم يتعين فيها التخريج على عدم اعتبار الشرط PageV01P272 ### || AUTO المسألة السادسة # الشروط المعتبرة فى المشروطات شرعا على ضربين # أحدهما ما كان راجعا إلى خطاب التكليف إما مأمورا بتحصيلها كالطهارة ~~للصلاة وأخذ الزينة لها وطهارة الثوب وما أشبه ذلك وإما منهيا عن تحصيلها ~~كنكاح المحلل الذى هو شرط لمراجعة الزوج الأول والجمع بين المفترق والفرق ~~بين المجتمع خشية الصدقة الذى هو شرط لنقصان الصدقة وما أشبه ذلك فهذا ~~الضرب واضح قصد الشارع فيه فالأول مقصود الفعل والثاني مقصود الترك وكذلك ~~الشرط المخير فيه إن اتفق فقصد الشارع فيه جعله لخيرة المكلف إن شاء فعله ~~فيحصل المشروط وإن شاء تركه فلا يحصل والضرب الثاني ما يرجع إلى خطاب الوضع ~~كالحول فى الزكاة والإحصان فى الزنى والحرز فى القطع وما أشبه ذلك فهذا ~~الضرب ليس للشارع قصد فى تحصيله من حيث هو شرط ولا فى عدم تحصيله فإبقاء ~~النصاب حولا حتى تجب الزكاة فيه ليس بمطلوب الفعل أن يقال يجب علي إمساكه ~~حتى تجب عليه الزكاة فيه ولا مطلوب الترك أن يقال يجب عليه إنفاقه خوفا أن ~~تجب فيه الزكاة وكذلك الإحصان لا يقال أنه مطلوب الفعل ليجب عليه الرجم إذا ~~زنى ولا مطلوب الترك لئلا يجب عليه الرجم إذا زنى وأيضا فلو كان مطلوبا لم ~~يكن من باب خطاب الوضع وقد فرضناه كذلك هذا خلف والحكم فيه ظاهر فإذا توجه ~~قصد المكلف إلى فعل الشرط أو إلى تركه من حيث هو فعل داخل تحت قدرته فلا بد ~~من النظر فى ذلك وهى PageV01P273 ### || AUTO المسألة السابعة # فلا يخلو أن يفعله أو يتركه من حيث هو داخل تحت خطاب التكليف مأمورا به ~~أو منهيا عنه أو مخيرا فيه أو لا فإن كان ذلك فلا إشكال فيه وتنبنى الأحكام ~~التى تقتضيها الأسباب على حضوره وترتفع عند فقده كالنصاب إذا أنفق قبل ms170 ~~الحول للحاجة إلى إنفاقه أو أبقاه للحاجة إلى إبقائه أو يخلط ماشيته بماشية ~~غيره لحاجته إلى الخلطة أو يزيلها لضرر الشركة أو لحاجة آخرى أو يطلب ~~التحصن بالتزويج لمقاصده أو يتركه لمعنى من المعاني الجارية على الإنسان ~~إلى ما أشبه ذلك # وإن كان فعله أو تركه من جهة كونه شرطا قصدا لإسقاط حكم الإقتضاء PageV01P274 ~~فى السبب أن لا يترتب عليه أثره فهذا عمل غير صحيح وسعي باطل دلت على ذلك ~~دلائل العقل والشرع معا # فمن الأحاديث فى هذا الباب قوله اخرجه البخاري وابو داود صلى الله عليه وسلم # لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وقال صلى الله عليه وسلم # البيع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن ~~يفارقه خشية أن يستقيله روى ! عن احمد وقال # من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن تسبق PageV01P275 ~~فليس بقمار ومن أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن تسبق فهو قمار رواه في ~~التيسير عن ابو داود # وقلل فى حديث بريرة حين اشترط أهلها أن يكون الولاء لهم # من اشترط شرطا ليس فى كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط الحديث ونهى ~~عليه الصلاة والسلام عن بيع وشرط وعن بيع وسلف وعن شرط فى شرط وسائر أحاديث ~~الشروط المنهي عنها ومنه حديث # من اقتطع مال امرىء مسلم بيمينه رواه الطبراني والحاكم وقال صحيح الاسناد وحديث # إن اليمين على نية المستحلف رواه مسلم وابو داود والترمذي وعليه جاءت ~~الآية إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا الآية وفى القرآن ~~أيضا ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما ~~حدود الله الآية وآية شهادة الزور والأحاديث فيها من هذا أيضا وقال تعالى ~~يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم وما فى معنى ذلك من الأحاديث وقال فإن طلقها فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره وما جاء ms171 من أحاديث # لعن المحلل والمحلل له والتيس المستعار وحديث وذكره في التيسير عن ابي هريرة # التصرية في شراء الشاة على أنها غزيرة PageV01P276 ~~الدر وسائر أحاديث النهي عن الغش والخديعة والخلابة والنجش وحديث # امرأة رفاعة القرظي حين طلقها وتزوجها عبد الرحمن بن الزبير # والأدلة أكثر من أن يؤتى عليها هنا PageV01P277 ~~وأيضا فإن هذا العمل يصير ما انعقد سببا لحكم شرعي جلبا لمصلحة أو دفعا ~~لمفسدة عبثا لا حكمة له ولا منفعة به وهذا مناقض لما ثبت فى قاعدة المصالح ~~ومنها معتبرة فى الأحكام وأيضا فإنه مضاد لقصد الشارع من جهة أن السبب لما ~~انعقد وحصل فى الوجود صار مقتضيا شرعا لمسببه لكنه توقف على حصول شرط هو ~~تكميل للسبب فصار هذا الفاعل أو التارك بقصد رفع حكم السبب قاصدا لمضادة ~~الشارع فى وضعه سببا وقد تبين أن مضادة قصد الشارع باطلة فهذا العمل باطل # فإن قيل المسألة مفروضة في سبب توقف اقتضاؤه للحكم على شرط فإذا فقد ~~الشرط بحكم القصد إلى فقده كان كما لو لم يقصد ذلك ولا تأثير للقصد وقد ~~تبين أن الشرط إذا لم يوجد لم ينهض السبب أن يكون مقتضيا كالحول فى الزكاة ~~فإنه شرط لا تجب الزكاة بدونه بالفرض والمعلوم من قصد الشارع أن السبب إنما ~~يكون سببا مقتضيا عند وجود الشروط لا عند فقدها فإذا لم ينتهض سببا كانت ~~المسألة كمن أنفق النصاب قبل حلول الحول لمعنى من معاني الإنتفاع فلا تجب ~~عليه الزكاة لأن السبب لم يقتض ايجابها لتوقفه على ذلك الشرط PageV01P278 ~~الذي ثبت اعتباره شرعا فمن حيث قيل فيه إنه مخالف لقصد الشارع يقال إنه ~~موافق وهكذا سائر المسائل # فالجواب أن هذا المعنى إنما يجري فيما إذا لم يقصد رفع حكم السبب وأما مع ~~القصد إلى ذلك فهو معنى غير معتبر لأن االشرع شهد له بالإلغاء على القطع # ويتبين ذلك بالأدلة المذكورة إذا عرضت المسألة عليها فإن الجمع بين ~~المتفرق أو التفرقة بين المجتمع قد نهى عنها إذا قصد بها إبطال حكم السبب ms172 ~~بالإتيان بشرط ينقصها حتى تبخس المساكين فالأربعون شاة فيها شاة بشرط ~~الإفتراق ونصفها بشرط اختلاطها بأربعين أخرى مثلا فإذا جمعها بقصد إخراج ~~النصف فذلك هو المنهي عنه كما أنه إذا كانت مائة مختلطة بمائة وواحدة ~~ففرقها قصدا أن يخرج واحدة فكذلك وما ذاك إلا أنه أتى بشرط أو رفع شرط يرفع ~~عنه ما اقتضاه السبب الأول فكذلك المنفق نصابه بقصد رفع ما اقتضاه من وجوب ~~الإخراج وكذلك قوله ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله فنهى عن القصد ~~إلى رفع شرط الخيار الثابت له بسبب العقد وعن الإتيان بشرط الفرس المجلية ~~للجعل بقصد أخذه لا بقصد المسابقة معه ومثله مسائل الشروط فإنها شروط يقصد ~~بها رفع أحكام الأسباب الواقعة فإن العقد PageV01P279 ~~على الكتابة اقتضى أنه عقد على جميع ما ينشأ عنه ومن ذلك الولاء فمن شرط ~~أن الولاء له من البائعين فقد قصد بالشرط رفع حكم السبب فيه واعتبر هكذا ~~سائر ما تقدم تجده كذلك فعلى هذا الإتيان بالشروط أو رفعها بذلك القصد هو ~~المنهي عنه وإذا كان منهيا عنه كان مضادا لقصد الشارع # فيكون باطلا ### || AUTO فصل # هذا العمل هل يقتضي البطلان بإطلاق أم لا # الجواب أن فى ذلك تفصيلا وهو أن نقول لا يخلو أن يكون الشرط الحاصل فى ~~معنى المرتفع أو المرفوع فى حكم الحاصل معنى أو لا # فإن كان كذلك فالحكم الذي اقتضاه السبب عى حاله قبل هذا العمل # والعمل باطل ضائع لا فائدة فيه ولا حكم له مثل أن يكون وهب المال قبل ~~الحول لمن راوضه على أن يرده عليه بعد الحول بهبة أو غيرها وكالجامع بين ~~المفترق ريثما يأتي الساعي ثم ترد إلى التفرقة أو المفرق بين المجتمع كذلك ~~ثم يردها إلى ما كانت عليه وكالناكح لتظهر صورة الشرط ثم تعود إلى مطلقها ~~ثلاثا وأشباه ذلك لأن هذا الشرط المعمول فيه لا معنى له ولا فائدة فيه تقصد شرعا # وإن لم يكن كذلك فالمسألة محتملة والنظر فيها متجاذب ثلاثة أوجه PageV01P280 ~~أحدها أن يقال ms173 إن مجرد انعقاد السبب كاف فإنه هو الباعث على الحكم وإنما ~~الشرط أمر خارجي مكمل وإلا لزم أن يكون الشرط جزء العلة والفرض خلافه وأيضا ~~فإن القصد فيه قد صار غير شرعي فصار العمل فيه مخالفا لقصد الشارع فهو فى ~~حكم ما لم يعمل فيه واتحد مع القسم الأول فى الحكم فلا يترتب على هذا العمل ~~حكم ومثال ذلك إن أنفق النصاب قبل الحول فى منافعه أو وهبه هبة بتلة لم ~~يرجع فيها أو جمع بين المفترق أو فرق بين المجتمع وكل ذلك بقصد الفرار من ~~الزكاة لكنه لم يعد إلى ما كان عليه قبل الحول وما أشبه ذلك فقد علمنا حين ~~نصب الشارع ذلك السبب للحكم أنه قاصد لثبوت الحكم به فإذا أخذ هذا يرفع حكم ~~السبب مع انتهاضه سببا كان مناقضا لقصد الشارع وهذا باطل وكون الشرط حين ~~رفع أو وضع على وجه يعتبره الشارع على الجملة قد أثر فيه القصد الفاسد فلا ~~يصح أن ينتهض شرطا شرعيا فكان كالمعدوم بإطلاق والتحق بالقسم الأول # والثاني أن يقال إن مجرد انعقاد السبب غير كاف فإنه وإن كان باعثا قد جعل ~~فى الشرع مقيدا بوجود الشرط فإذا ليس كون السبب باعثا بقاطع فى أن الشارع ~~قصد إيقاع المسبب بمجرده وإنما فيه أنه قصده إذا وقع شرطه فإذا كان كذلك ~~فالقاصد لرفع حكم السبب مثلا بالعمل فى رفع الشرط PageV01P281 ~~لم يناقض قصده قصد الشارع من كل وجه وإنما قصد لما لم يظهر فيه قصد الشارع ~~للإيقاع أو عدمه وهو الشرط أو عدمه لكن لما كان ذلك القصد آيلا لمناقضة قصد ~~الشارع على الجملة لاعينا لم يكن مانعا من ترتب أحكام الشروط عليها # وأيضا فإن هذا العمل لما كان مؤثرا وحاصلا وواقعا لم يكن القصد الممنوع ~~فيه مؤثرا فى وضعه شرطا شرعيا أو سببا شرعيا كما كان تغير المغصوب سببا أو ~~شرطا فى منع صاحبه منه وفى تملك الغاصب له ولم يكن فعله بقصد العصيان سببا ~~فى ارتفاع ذلك الحكم # وعلى هذ ms174 1 الأصل ينبنى صحة ما يقول اللخمي فيمن تصدق بجزء من ماله لتسقط ~~عنه الزكاة أو سافر فى رمضان قصدا للإفطار أو أخر صلاة حضر عن وقتها ~~الإختيارى ليصليها فى السفر ركعتين أو أخرت امرأة صلاة بعد دخول وقتها رجاء ~~أن تحيض فتسقط عنها قال فجميع ذلك مكروه ولا يجب على هذا في السفر صيام ولا ~~أن يصلي أربعا ولا على الحائض قضاؤها وعليه أيضا يجري الحكم فى الحالف ~~ليقضين فلانا حقه الى شهر وحلف بالطلاق الثلاث فخاف الحنث فخالع زوجته لئلا ~~يحنث فلما انقضى الأجل راجعها # فهذا الوجه يقتضي أنه لا يحنث لوقوع الحنث وليست بزوجة لأن الخلع ماض ~~شرعا وإن قصد به قصد الممنوع # والثالث أن يفرق بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين فيبطل العمل فى ~~الشرط فى حقوق الله وإن ثبت له فى نفسه حكم شرعي كمسألة الجمع بن المفترق ~~والفرق بين المجتمع ومسألة نكاح المحلل على القول بأنه نافذ ماض ولا يحلها ~~ذلك للأول لأن الزكاة من حقوق الله وكذلك المنع من نكاح المحلل حق الله ~~لغلبة حقوق الله فى النكاح على حقوق الآدميين وينفذ مقتضى الشرط فى حقوق ~~الآدميين كالسفر ليقصر أو ليفطر أو نحو ذلك PageV01P282 ~~هذا كله مالم يدل دليل خاص على خلاف ذلك فإنه ان دل دليل خاص على خلافه ~~صير إليه ولا يكون نقضا على الأصل المذكور لأنه إذ ذاك دال على إضافة هذا ~~الأمر الخاص إلى حق الله أو إلى حق الأدميين # ويبقى بعد ما إذ اجتمع الحقان محل نظر واجتهاد فيغلب أحد الطرفين بحسب ما ~~يظهر للمجتهد والله أعلم ### || AUTO المسألة الثامنة # الشروط مع مشروطاتها على ثلاثة أقسام # أحدها أن يكون مكملا لحكمة المشروط وعاضدا لها بحيث لا يكون فيه منافاة ~~لها على حال كاشتراط الصيام فى الإعتكاف عند من يشترطه واشتراط الكفء ~~والإمساك بالمعروف والتسريح بإحسان فى النكاح واشتراط الرهن والحميل والنقد ~~أو النسيئة فى الثمن فى البيع واشتراط العهدة فى الرقيق واشتراط مال العبد ~~وثمرة الشجر وما أشبه ms175 ذلك وكذا اشتراط الحول فى الزكاة والإحصان فى الزنى ~~وعدم الطول فى نكاح الإماء والحرز فى القطع فهذا القسم لا إشكال فى صحته ~~شرعا لأنه مكمل لحكمة كل سبب يقتضى حكما فإن الإعتكاف لما كان انقطاعا إلى ~~العبادة على وجه لائق بلزوم المسجد كان للصيام فيه أثر ظاهر ولما كان غير ~~الكفء مظنة للنزاع وأنفة أحد الزوجين أو عصبتهما وكانت الكفاءة أقرب إلى ~~التحام الزوجيين والعصبة وأولى بمحاسن العادات كان اشتراطها ملائما لمقصود ~~النكاح وهكذا الإمساك بمعروف وسائر تلك الشروط المذكورة تجري علىهذاالوجه ~~فثبوتها شرعا واضح PageV01P283 ~~والثاني أن يكون غير ملاءم لمقصود المشروط ولا مكمل لحكمته بل هو على الضد ~~من الأول كما إذا اشترط فى الصلاة أن يتكلم فيها إذا أحب أو اشترط فى ~~الإعتكاف أن يخرج عن المسجد إذا أراد بناء على رأى مالك أو اشترط فى النكاح ~~أن لا ينفق عليها أو أن لا يطأها وليس بمجبوب ولا عنين أو شرط فى البيع أن ~~لا ينتفع بالمبيع أو إن انتفع فعلى بعض الوجود دون بعض أو شرط الصانع على ~~المستصنع أن لا يضمن المستأجر عليه إن تلف وأن يصدقه فى دعوى التلف وما ~~أشبه ذلك فهذا القسم أيضا لا إشكال فى إبطاله لأنه مناف لحكمة السبب فلا ~~يصح أن يجتمع معه فإن الكلام فى الصلاة مناف لما شرعت له من الإقبال على ~~الله تعالى والتوجه إليه والمناجاة له # وكذلك المشترط في الإعتكاف الخروج مشترط ما ينافى حقيقة الإعتكاف من لزوم ~~المسجد واشترط الناكح أن لا ينفق ينافي استجلاب المودة المطلوبة فيه وإذا ~~اشترط أن لا يطأ أبطل حكمة النكاح الأولى وهي التناسل وأضر بالزوجة فليس من ~~الإمساك بالمعروف الذي هو مظنة الدوام والمؤآلفة وهكذا سائر الشروط ~~المذكورة إلا أنها إذا كانت باطلة فهل تؤثر فى المشروطات أم لا هذا محل نظر ~~يستمد من المسألة التي قبل هذه # والثالث أن لا يظهر فى الشرط منافاة لمشروطه ولا ملاءمة وهو محل نظر هل ~~يلحق بالأول من جهة عدم المنافاة ms176 أو بالثاني من جهة عدم الملاءمة ظاهرا ~~والقاعدة المستمرة فى أمثال هذا التفرقة بين العبادات والمعاملات فما كان ~~من العبادات لا يكتفى فيه بعدم المنافاة دون أن تظهر الملاءمة لأن الأصل PageV01P284 ~~فيها التعبد دون الإلتفات إلى المعاني والأصل فيها أن لا يقدم عليها إلا ~~بإذن إذ لا مجال للعقول فى اختراع التعبدات فكذلك ما يتعلق بها من الشروط # وما كان من العاديات يكتفي فيه بعدم المنافاة لأن الأصل فيها الإلتفات ~~إلى المعاني دون التعبد والأصل فيها الإذن حتى يدل الدليل على خلافه والله أعلم ### || AUTO النوع الثالث فى الموانع وفيه مسائل # المسألة الأولى # الموانع ضربان أحدهما مالا يتأتى فيه اجتماعه مع الطلب والثاني ما يمكن ~~فيه ذلك وهو نوعان أحدهما يرفع أصل الطلب والثاني لا يرفعه ولكن يرفع ~~انحتامه وهذا قسمان أحدهما أن يكون رفعه بمعنى أنه يصير مخيرا فيه لمن قدر ~~عليه والآخر أن يكون رفعه بمعنى أنه لا إثم على مخالف الطلب # فهذه أربعة أقسام # فأما الأول فنحو زوال العقلي بنوم أو جنون أو غيرهما وهو مانع من أصل ~~الطلب جملة لأن من شرط تعلق الخطاب إمكان فهمه لأنه إلزام يقتضي التزاما ~~وفاقد العقل لا يمكن إلزامه كما لا يمكن ذلك فى البهائم والجمادات # فإن تعلق طلب يقتضى استجلاب مصلحة أو درء مفسدة فذلك راجع PageV01P285 ~~إلى الغير كرياضة البهائم وتأديبها والكلام فى هذا مبين فى الأصول # وأما الثاني فكالحيض والنفاس وهو رافع لأصل الطلب وإن أمكن حصوله معه لكن ~~إنما يرفع مثل هذا الطلب بالنسبة إلى ما لا يطلب به ألبتة كالصلاة ودخول ~~المسجد ومس المصحف وما أشبه ذلك وأما ما يطلب به بعد رفع المانع فالخلاف ~~بين أهل الأصول فيه مشهور لا حاجة لنا إلى ذكره هنا # والدليل على أنه غير مطلوب حالة وجود المانع أنه لو كان كذلك لاجتمع ~~الضدان لأن الحائض ممنوعة من الصلاة والنفساء كذلك فلو كانت مأمورة بها ~~أيضا لكانت مأمورة حالة كونها منهية بالنسبة إلى شىء واحد وهو محال وأيضا ~~إذا كانت ms177 مأمورة أن تفعل وقد نهيت أن تفعل لزمها شرعا أن تفعل وأن لا تفعل ~~معا وهو محال وأيضا فلا فائدة فى الأمر بشىء لا يصح لها فعله حالة وجود ~~المانع ولا بعد ارتفاعه لأنها غير مأمورة بالقضاء باتفاق # وأما الثالث فكالرق والأنوثة بالنسبة إلى الجمعة والعيدين والجهاد فإن ~~هؤلاء قد لصق بهم مانع من انحتام هذه العبادات الجارية فى الدين مجرى ~~التحسين والتزيين لأنهم من هذه الجهة غير مقصودين بالخطاب فيها إلا بحكم PageV01P286 ~~التبع فإن تمكنوا منها جرت بالنسبة إليهم مجراها مع المقصودين بها وهم ~~الأحرار الذكور وهذا معنى التخيير بالنسبة إليهم مع القدرة عليها وأما مع ~~عدم القدرة عليها فالحكم مثل الذي قبل هذا # وأما الرابع فكأسباب الرخص هي موانع من الإنحتام بمعنى أنه لا حرج على من ~~ترك العزيمة ميلا إلى جهة الرخصة كقصر المسافر وفطره تركه للجمعة وما أشبه ذلك ### || AUTO المسألة الثانية # الموانع ليست بمقصودة للشارع بمعنى أنه لا يقصد تحصيل المكلف لها ولا ~~رفعها وذلك أنها على ضربين # ضرب منها داخل تحت خطاب التكليف مأمورا به أو منهيا عنه أو مأذونا فيه ~~وهذا لا إشكال فيه من هذه الجهة كالاستدانة المانعة من انتهاض سبب الوجوب ~~بالتأثير لوجوب إخراج الزكاة وإن وجد النصاب فهو متوقف على فقد المانع ~~وكذلك الكفر المانع من صحة أداء الصلاة والزكاة أو من وجوبهما ومن الإعتداد ~~بما طبق فى حال كفره إلى غير ذلك من الأمور الشرعية التي منع منها الكفر ~~وكذلك الإسلام مانع من انتهاك حرمة الدم والمال والعرض PageV01P287 ~~إلا بحقها فالنظر فى هذه الأشياء وأشباهها من جهة خطاب التكليف خارج عن ~~مقصود المسألة # والضرب الثاني هو المقصود وهو الداخل تحت خطاب الوضع من حيث هو كذلك فليس ~~للشارع قصد فى تحصيله من حيث هو مانع ولا فى عدم تحصيله فإن المديان ليس ~~بمخاطب برفع الدين إذا كان عنده نصاب لتجب عليه الزكاة كما أن مالك الناصب ~~غير مخاطب بتحصيل الإستدانة لتسقط عنه لأنه من خطاب الوضع لا من خطاب ms178 ~~التكليف وإنما مقصود الشارع فيه أنه إذا حصل ارتفع مقتضى السبب والدليل على ~~ذلك أن وضع السبب مكمل الشروط يقتضى قصد الواضع إلى ترتب المسبب عليه وإلا ~~فلو لم يكن كذلك لم يكن موضوعا على أنه سبب وقد فرض كذلك هذا خلف وإذا ثبت ~~قصد الواضع إلى حصول المسبب ففرض المانع مقصودا له أيضا إيقاعه قصد إلى رفع ~~ترتب المسبب على السبب وقد ثبت أنه قاصد إلى نفس الترتب هذا خلف # فإن القصدين متضادان ولا هو أيضا قاصد إلى رفعه لأنه لو كان قاصدا إلى ~~ذلك لم يثبت فى الشرع مانعا وبيان ذلك أنه لو كان قاصدا إلى رفعه من حيث هو ~~مانع لم يثبت حصوله معتبرا شرعا وإذا لم يعتبر لم يكن مانعا من جريان حكم ~~السبب وقد فرض كذلك وهو عين التناقض # فإذا توجه قصد المكلف إلى إيقاع المانع أو إلى رفعه ففي ذلك تفصيل وهي ### || AUTO المسألة الثالثة # فلا يخلو أن يفعله أو يتركه من حيث هو داخل تحت خطاب التكليف مأمورا به ~~أومنهيا عنه أو مخيرا فيه أو لا فإن كان الأول فظاهر كالرجل يكون بيده له ~~نصاب لكنه يستدين لحاجته إلى ذلك وتنبني الأحكام على مقتضى حصول المانع وإن ~~كان الثاني وهو أن يفعله مثلا من جهة كونه مانعا قصدا PageV01P288 ~~لإسقاط حكم السبب المقتضى أن لا يترتب عليه ما اقتضاه فهوعمل غير صحيح # والدليل على ذلك من النقل أمور من ذلك من النقل أمور من ذلك قوله جل وعلا ~~إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا الآية فإنها تضمنت الإخبار ~~بعقابهم على قصد التحيل لإسقاط حق المساكين بتحريهم المانع من إتيانهم وهو ~~وقت الصبح الذى لا يبكر فى مثله المساكين عادة والعقاب إنما يكون لفعل محرم ~~وقوله تعالى ولا تتخذوا آيات الله هزوا نزلت بسبب مضارة الزوجات بالإرتجاع ~~أن لا ترى بعده زوجا آخر مطلقا وأن لا تنقضى عدتها إلا بعد طول فكان ~~الإرتجاع بذلك القصد إذ هو مانع من حلها للأزواج # وفى الحديث ms179 # قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها رواه الشيخان فباعوها وفى ~~بعض الروايات وأكلوا أثمانها وقال عليه الصلاة والسلام # ليشربن PageV01P289 ~~ناس من أمتى الخمر ويسمونها بغير عن احمد اسمها وفى رواية # ليكونن من أمتى أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر رواه البخاري في ~~التيسير والمعازف الحديث وفى بعض الحديث # يأتى على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء يستحلون الخمر ~~بأسماء يسمونها بها والسحت بالهدية والقتل بالرهبة والزنى بالنكاح والربا ~~بالبيع فكأن المستحل هنا رأى أن المانع هو الإسم فنقل المحرم إلى اسم آخر ~~حتى يرتفع ذلك المانع فيحل له وقال تعالى من بعد وصية يوصى بها أو دين غير ~~مضار فاستثنى الإضرار فإذا أقر فى مرضه بدين لوارث أو أوصى بأكثر من الثلث ~~قاصدا حرمان الوارث أو نقصه بعض حقه بإبداء هذا المانع من تمام حقه كان ~~مضارا والإضرار ممنوع باتفاق # وقال تعالى ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها الآية قال أحمد بن حنبل عجبت ~~مما يقولون فى الحيل والأيمان يبطلون الأيمان بالحيل وفى الحديث # لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ اخرجه الشيخان وفيه # إذا سمعتم به يعنى الوباء بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا PageV01P290 ~~تخرجوا فرارا منه رواه الترمذي # والأدلة هنا فى الشرع كثيرة من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح رضى ~~الله تعالى عنهم # وما تقدم من الأدلة والسؤال والجواب فى الشروط جار معناه فى الموانع ومن ~~هنالك يفهم حكمها وهل يكون العمل باطلا أم لا فينقسم إلى الضربين # فلا يخلوا أن يكون المانع المستجلب مثلا فى حكم المرتفع أو لا فإن كان ~~كذلك فالحكم متوجه كصاحب النصاب استدان لتسقط عنه الزكاة بحيث قصد أنه إذا ~~جاز الحول رد الدين من غير أن ينتفع به وإن لم يكن كذلك بل كان المانع ~~واقعا شرعا كالمطلق خوفا من انحتام الحنث عليه فهو محل نظر على وزان ما ~~تقدم فى الشروط ولا فائدة فى التكرار ### || AUTO النوع الرابع فى الصحة والبطلان وفيه مسائل # المسألة الأولى فى ms180 معنى الصحة # ولفظ الصحة يطلق باعتبارين أحدهما أن يراد بذلك ترتب آثار العمل عليه فى ~~الدنيا كما نقول فى العبادات إنها صحيحة بمعنى أنها مجزئة ومبرئة PageV01P291 ~~للذمة ومسقطة للقضاء فيما فيه قضاء وما أشبه ذلك من العبادات المنبئة عن ~~هذه المعانى وكما نقول فى العادات إنها صحيحة بمعنى أنها محصلة شرعا ~~للأملاك واستباحة الأبضاع وجواز الإنتفاع وما يرجع إلى ذلك والثانى أن يراد ~~به ترتب آثار العمل عليه فى الآخرة كترتب الثواب فيقال هذا عمل صحيح بمعنى ~~أنه يرجى به الثواب فى الآخرة ففي العبادات ظاهر وفى العادات يكون فيما نوى ~~به امتثال أمر الشارع وقصد به مقتضى الأمر والنهى وكذلك فى المخير إذا عمل ~~به من حيث إن الشارع خيره لا من حيث قصد مجرد حظه فى الإنتفاع غافلا عن أصل ~~التشريع فهذا أيضا يسمى عملا صحيحا بهذا المعنى وهو وإن كان طلاقا غريبا لا ~~يتعرض له علماء الفقه فقد تعرض له علماء التخلق كالغزالي وغيره ### || AUTO وهو مما يحافظ عليه السلف المتقدمون وتأمل ما حكاه الغزالي فى ~~- كتاب النية والإخلاص من ذلك ### || AUTO المسألة الثانية فى معنى البطلان # وهو ما يقابل معنى الصحة فله معنيان # أحدهما أن يراد به عدم ترتب آثار العمل عليه فى الدنيا كما نقول فى ~~العبادات إنها غير مجزئة ولا مبرئة للذمة ولا مسقطه للقضاء فكذلك نقول إنها ~~باطلة بذلك المعنى غير أن هنا نظرا فإن كون العبادة باطلة إنما هو PageV01P292 ~~لمخالفتها لما قصد الشارع فيها حسبما هو مبين فى موضعه ولكن قد تكون ~~المخالفة راجعة إلى نفس العبادة فيطلق عليها لفظ البطلان اطلاقا كالصلاة من ~~غير نية أو ناقصة ركعة أو سجدة أو نحو ذلك مما يخل بها من الأصل # وقد تكون راجعة إلى وصف خارجى منفك عن حقيقتها وإن كانت متصفة به كالصلاة ~~فى الدار المغصوبة مثلا فيقع الإجتهاد فى اعتبار الإنفكاك فتصح الصلاة ~~لأنها واقعة على الموافقة للشارع ولا يضر حصول المخالفة من جهة الوصف أو فى ~~اعتبار الإتصاف فلا تصح ms181 بل تكون فى الحكم باطلة من جهة أن الصلاة الموافقة ~~إنما هى المنفكة عن هذا الوصف وليس للصلاة فى الدار المغصوبة كذلك وهكذا ~~سائر ما كان فى معناها # ونقول أيضا فى العادات إنها باطلة بمعنى عدم حصول فوائدها بها شرعا من ~~حصول أملاك واستباحة فروج وانتفاع بالمطلوب ولما كانت العاديات فى الغالب ~~راجعة إلى مصالح الدنيا كان النظر فيها راجعا إلى اعتبارين أحدهما من حيث ~~هى أمور مأذون فيها أو مأمور بها شرعا والثانى من حيث هى راجعة إلى مصالح العباد ### || AUTO فأما الأول فاعتبره قوم بإطلاق وأهملوا النظر فى جهة المصالح ~~وجعلوا مخالفة أمره مخالفة لقصده بإطلاق كالعبادات المحضة سواء وكأنهم ~~مالوا إلى جهة التعبد وسيأتى فى - كتاب المقاصد بيان أن فى كل ما يعقل ~~معناه تعبدا # وإذا كان كذلك فمواجهة أمر الشارع بالمخالفة يقضي بالخروج فى ذلك الفعل ~~عن مقتضى خطابه والخروج فى الأعمال عن خطاب الشارع يقضي بأنها غير PageV01P293 ~~مشروعة وغير المشروع باطل فهذا كذلك كما لم تصح العبادات الخارجة عن مقتضى ~~خطاب الشارع ### || AUTO وأما الثاني فاعتبره قوم أيضا لا مع إهمال الأول بل جعلوا ~~الأمر منزلا على اعتبار المصلحة بمعنى أن المعنى الذي لأجله كان العمل ~~باطلا ينظر فيه فإن كان حاصلا أو في حكم الحاصل بحيث لا يمكن التلافى فيه ~~بطل العمل من أصله وهو الأصل فيما نهى الشرع عنه لأن النهي يقتضى أن لا ~~مصلحة للمكلف فيه وإن ظهرت مصلحته لبادىء الرأى فقد علم الله أن لا مصلحة ~~فى الإقدام وإن ظنها العامل وإن لم يحصل مدة كان فى حكم الحاصل لكن أمكن ~~تلافيه لم يحكم بإبطال ذلك العمل كما يقول مالك فى - بيع المدبر إنه يرد ~~إلا أن يعتقه المشترق فلا يرد فإن البيع إنما منع لحق العبد فى العتق أو ~~لحق الله فى العتق الذي انعقد سببه من سيده وهو التدبير فإن البيع يفيته فى ~~الغالب بعد موت السيد فإذا أعتقه المشتري حصل قصد الشارع فى العتق فلم يرد ~~لذلك وكذلك ms182 الكتابة الفاسدة ترد مالم يعتق المكاتب # وكذلك بيع الغاصب للمغصوب موقوف على إجازة المغصوب منه أو رده لأن المنع ~~إنما كان لحقه فإذا أجازه جاز ومثله البيع والسلف منهي عنه فإذا PageV01P294 ~~أسقط مشترط السلف شرطه جاز ما عقداه ومضى على بعض الأقوال وقد يتلافى ~~باسقاط الشرط شرعا كما فى حديث بريرة وعلى مقتضاه جرى الحنفية فى تصحيح ~~العقود الفاسدة كنكاح الشغار والدرهم بالدرهمين ونحوهما إلى غير ذلك من ~~العقود التي هي باطلة على وجه فيزال ذلك الوجه فتمضي العقدة فمعنى هذا ~~الوجه أن نهي الشارع كان لأمر فلما زال ذلك الأمر ارتفع النهي فصار العقد ~~موافقا لقصد الشارع إما على حكم الإنعطاف إن قدرنا رجوع الصحة إلى العقد ~~الأول أو غير حكم الإنعطاف إن قلنا إن تصحيحه وقع الآن لا قبل وهذا الوجه ~~بناء على أن مصالح العباد مغلبة على حكم التعبد # والثاني من الإطلاقين أن يراد بالبطلان عدم ترتب آثار العمل عليه فى ~~الآخرة وهو الثواب ويتصور ذلك فى العبادات والعادات # فتكون العبادة باطلة بالإطلاق الأول فلا يترتب عليها جزاء لأنها غير ~~مطابقة لمقتضى الأمر بها وقد تكون صحيحة بالإطلاق الأول ولا يترتب عليها ~~ثواب أيضا فالأول كالمتعبد رئاء الناس فإن تلك العبادة غير مجزئة ولا يترتب ~~عليها ثواب والثاني كالمتصدق بالصدقة يتبعها بالمن والأذى وقد قال تعالى ~~يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء ~~الناس الآية وقال لئن اشركت ليحبطن عملك وفى الحديث PageV01P295 ~~أبلغى زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ~~لم يتب رواه احمد وضعفه الزرقاني على تأويل من جعل الإبطال حقيقة # وتكون أعمال العادات باطلة أيضا بمعنى عدم ترتب الثواب عليها سواء علينا ~~أكانت باطلة بالإطلاق الأول أم لا فالأول كالعقود المفسوخة شرعا # والثانى كالأعمال التى يكون الحامل عليها مجرد الهوى والشهوة من غير ~~التفات إلى خطاب الشارع فيها كالأكل والشرب والنوم وأشباهها والعقود ~~المنعقدة بالهوى ولكنها وافقت الأمر أو الإذن الشرعى بحكم ms183 الإتفاق لا ~~بالقصد إلى ذلك فهى أعمال مقرة شرعا لموافقتها للأمر أو الإذن لما يترتب ~~عليها من المصلحة فى الدنيا فروعي فيها هذا المقدار من حيث وافقت قصد ~~الشارع فيه وتبقى جهة قصد الإمتثال مفقودة فيكون ما يترتب عليها فى الآخرة ~~مفقودا أيضا لأن الأعمال بالنيات والحاصل أن هذه الأعمال التى كان الباعث ~~عليها الهوى المجرد إن وافقت قصد الشارع بقيت ببقاء حياة العامل فإذا خرج ~~من الدنيا فنيت بفناء الدنيا وبطلت ما عندكم ينفد وما عند الله باق من كان ~~يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له ~~فى الآخرة من نصيب أذهبتم PageV01P296 ~~طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعتم بها وما أشبه ذلك مما هو نص أو ظاهر ~~أو فيه إشارة إلى هذا المعنى فمن هنا أخذ من تقدم بالحزم فى الأعمال ~~العادية أن يضيفوا إليها قصدا يجدون به أعمالهم فى الآخرة وانظر فى الإحياء وغيره ### || AUTO المسألة الثالثة # ما ذكر من إطلاق البطلان بالمعنى الثانى يحتمل تقسيما لكن بالنسبة إلى ~~الفعل العادى إذ لا يخلو الفعل العادى إذا خلا عن قصد التعبد أن يفعل بقصد ~~أو بغير قصد والمفعول بقصد إما أن يكون القصد مجرد الهوى والشهوة من غير ~~نظر فى موافقة قصد الشارع أو مخالفته وإما أن ينظر مع ذلك فى الموافقة ~~فيفعل أو فى المخالفة فيترك إما اختيارا وإما اضطرارا # فهذه أربعة أقسام # أحدها أن يفعل من غير قصد كالغافل والنائم فقد تقدم أن هذا الفعل لا ~~يتعلق به خطاب اقتضاء ولا تخيير فليس فيه ثواب ولا عقاب لأن الجزاء فى ~~الآخرة إنما يترتب على الأعمال الداخلة تحت التكليف فما لا يتعلق به خطاب ~~تكليف لا يترتب عليه ثمرته # والثانى أن يفعل لقصد نيل غرضه مجردا فهذا أيضا لا ثواب له على ذلك # كالأول وإن تعلق به خطاب التكليف أو وقع واجبا كأداء الديون ورد الوادائع ~~والأمانات والإنفاق على الأولاد وأشباه ذلك ويدخل تحت هذا ترك المنهيات ~~بحكم الطبع ms184 لأن الأعمال بالنيات وقد قال فى الحديث رواه الشيخان # فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته ~~إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ومعنى الحديث ~~متفق عليه ومقطوع به فى الشريعة فهذا القسم والذى قبله باطل PageV01P297 ~~بمقتضى الإطلاق الثانى # والثالث أن يفعل مع استشعار الموافقة اضطرارا كالقاصد لنيل لذته من ~~المرأة الفلانية ولما لم يمكنه بالزنى لامتناعها أو لمنع أهلها عقد عليها ~~عقد نكاح ليكون موصلا له إلى ما قصد فهذا أيضا باطل بالإطلاق الثانى لأنه ~~لم يرجع إلى حكم الموافقة إلا مضطرا ومن حيث كان موصلا إلى غرضه لا من حيث ~~أباحه الشرع وإن كان غير باطل بالإطلاق الأول ومثل ذلك الزكاة المأخوذة ~~كرها فإنها صحيحة على الإطلاق الأول إذ كانت مسقطة للقضاء ومبرئة للذمة ~~وباطلة على هذا الإطلاق الثانى وكذلك ترك المحرمات خوفا من العقاب عليها فى ~~الدنيا أو استحياء من الناس أو ما أشبه هذا ولذلك كانت الحدود كفارات فقط ~~فلم يخبر الشارع عنها أنها مرتبة ثوابا على حال وأصل ذلك كون الأعمال ~~بالنيات # والرابع أن يفعل لكن مع استشعار الموافقة اختيارا كالفاعل للمباح بعد ~~علمه بأنه مباح حتى إنه لو لم يكن مباحا لم يفعله فهذا القسم إنما يتعين ~~النظر فيه فى المباح أما المأمور به يفعله بقصد الإمتثال أو المنهى عنه ~~يتركه بذلك القصد أيضا فهو من الصحيح بالإعتبارين كما أنه لو ترك المأمور به PageV01P298 ~~أو فعل المنهي عنه قصدا للمخالفة فهو من الباطل بالإعتبارين فإنما يبقى ~~النظر فى فعل المباح أو تركه من حيث خاطبه الشرع بالتخيير فاختار أحد ~~الطرفين من الفعل أو الترك لمجرد حظه فتحتمل فى النظر ثلاثة أوجه أحدها أن ~~يكون صحيحا بالإعتبار الأول باطلا بالإعتبار الثاني وهذا هو الجاري على ~~الأصل المتقدم فى تصور المباح بالنظر إلى نفسه لا بالنظر إلى ما يستلزم # والثانى أن يكون صحيحا بالإعتبارين معا بناء على تحريه فى نيل حظه مما ~~أذن له فيه ms185 دون مالم يؤذن له فيه وعلى هذا نبه رواه مسلم الحديث فى الاجر ~~فى وطء الزوجة وقولهم ### || AUTO أيقضى شهوته ثم يؤجر فقال أرأيتم لو وضعها فى حرام وهذا مبسوط ~~فى - كتاب المقاصد من هذا الكتاب والثالث أن يكون صحيحا بالإعتبارين معا فى ~~المباح الذى هو مطلوب الفعل بالكل وصحيحا بالإعتبار الأول باطلا بالإعتبار ~~الثاني فى المباح الذى هو مطلوب الترك بالكل وهذا هو الجاري على ما تقدم فى ~~القسم الأول من قسمي الأحكام # ولكنه مع الذى قبله باعتبار أمر خارج عن حقيقة الفعل المباح والأول ~~بالنظر إليه فى نفسه ### || AUTO فصل # وأما ما ذكر من إطلاق الصحة بالإعتبار الثانى فلا يخلو أن يكون عبادة أو ~~عادة فإن كان عبادة فلا تقسيم فيه على الجملة وإن كان عادة فإما أن يصحبه ~~مع قصد التعبد قصد الحظ أو لا والأول إما أن يكون قصد الحظ غالبا أو مغلوبا ~~فهذه ثلاثة أقسام أحدها ما لا يصحبه حظ فلا إشكال فى صحته والثانى كذلك لأن ~~الغالب هو الذى له الحكم وما سواه فى حكم المطرح والثالث محتمل لأمرين أن ~~يكون صحيحا بالإعتبار الثانى أيضا إعمالا للجانب المغلوب واعتبارا بأن جانب ~~الحظ غير قادح فى PageV01P299 ### || AUTO العاديات بخلاف العباديات وأن يكون صحيحا بالإعتبار الأول دون ~~الثاني إعمالا لحكم الغلبة وبيان هذا التقسيم والدليل عليه مذكور فى - كتاب ~~المقاصد من هذا الكتاب والحمد لله ### || AUTO النوع الخامس فى العزائم والرخص والنظر فيه فى مسائل # المسألة الأولى # العزيمة ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء ومعنى كونها كلية أنها لا تختص ~~ببعض المكلفين من حيث هم مكلفون دون بعض ولا ببعض الأحوال دون بعض كالصلاة ~~مثلا فإنها مشروعة على الإطلاق والعموم فى كل شخص وفى كل حال وكذلك الصوم ~~والزكاة والحج والجهاد وسائر شعائرالإسلام الكلية ويدخل تحت هذا ما شرع ~~لسبب مصلحي فى الأصل كالمشروعات المتوصل بها إلى إقامة مصالح الدارين من ~~البيع والإجارة وسائر عقود المعاوضات وكذلك أحكام الجنايات والقصاص والضمان ~~وبالجملة جميع كليات الشريعة ومعنى ms186 شرعيتها ابتداء أن يكون قصد الشارع بها ~~إنشاء الأحكام التكليفية على العباد من أول الأمر فلا يسبقها حكم شرعى قبل ~~ذلك فإن سبقها وكان منسوخا بهذا الأخير كان هذا الأخير كالحكم الإبتدائى ~~تمهيدا للمصالح الكلية العامة PageV01P300 ~~ولا يخرج عن هذا ما مكان من الكليات واردا على سبب فإن الأسباب قد تكون ~~مفقودة قبل ذلك فإذا وجدت اقتضت أحكاما كقوله تعالى يأيها الذين آمنوا لا ~~تقولوا راعنا وقوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله وقوله تعالى ~~ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم وقوله تعالى علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم الآية وقوله فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا ~~إثم عليه وما كان مثل ذلك فإنه تمهيد لأحكام وردت شيئا بعد شيء بحسب الحاجة ~~إلى ذلك فكل هذا يشمله اسم العزيمة فإنه شرع ابتدائي حكما كما أن ~~المستثنيات من العمومات وسائر المخصوصات كليات ابتدائية أيضا كقوله تعالى ~~ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود ~~الله وقوله تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة وقوله تعالى اقتلوا المشركين ونهى صلى الله عليه وسلم عن قتل ~~النساء والصبيان هذا وما أشبهه من العزائم لأنه راجع إلى أحكام كلية ~~ابتدائية # وأما الرخصة فما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع ~~الإقتصار على مواضع الحاجة فيه فكونه مشروعا لعذر هو الخاصة التي ذكرها PageV01P301 ~~علماء الأصول # وكونه شاقا فإنه قد يكون العذر مجرد الحاجة من غير مشقة موجودة فلا يسمى ~~ذلك رخصة كشرعية القراض مثلا فإنه لعذر في الأصل وهو عجز صاحب المال عن ~~الضرب في الأرض ويجوز حيث لا عذر ولا عجز # وكذلك المساقاة والقرض والسلم فلا يسمى هذا كله رخصة وإن كانت مستثناة من ~~أصل ممنوع وإنما يكون مثل هذا داخلا تحت أصل الحاجيات الكليات والحاجيات لا ~~تسمى عند العلماء باسم الرخصة وقد يكون العذر راجعا إلى أصل تكميلي فلا ~~يسمى ms187 رخصة أيضا وذلك أن من لا يقدر على الصلاة قائما أو يقدر بمشقة فمشروع ~~في حقه الإنتقال إلى الجلوس وإن كان مخلا بركن من أركان الصلاة لكن بسبب ~~المشقة استثنى فلم يتحتم عليه القيام فهذا رخصة محققة فإن كان هذا المترخص ~~إماما فقد جاء في الحديث # إنما جعل الإمام ليؤتم به ثم قال وإن صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون اخرجه ~~في التيسير الخمسة الا الترمذي فصلاتهم جلوسا وقع لعذر إلا أن العذر في ~~حقهم ليس المشقة بل لطلب الموافقة للإمام وعدم المخالفة عليه فلا يسمى مثل ~~هذا رخصة وإن كان مستثنى لعذر # وكون هذا المشروع لعذر مستثنى من أصل كلي يبين لك أن الرخص ليست بمشروعه ~~ابتداء فلذلك لم تكن كليات في الحكم وإن عرض لها ذلك فبالعرض فإن ~~المسافرإذا أجزنا له القصر والفطر فإنما كان ذلك بعد استقرار أحكام الصلاة ~~والصوم هذا وإن كانت PageV01P302 ~~آيات الصوم نزلت دفعة واحدة فإن الإستثناء ثان عن استقرار حكم المستثنى ~~منه على الجملة وكذلك أكل الميتة للمضطر في قوله تعالى فمن اضطر الآية # وكونه مقتصرا به على موضع الحاجة خاصة من خواص الرخص أيضا لابد منه وهو ~~الفاصل بين ما شرع من الحاجيات الكلية وما شرع من الرخص فإن شرعية الرخص ~~جزئية يقتصر فيها على موضع الحاجة فإن المصلى إذا انقطع سفره وجب عليه ~~الرجوع إلى الأصل من إتمام الصلاة وإلزام الصوم والمريض إذا قدر على القيام ~~فى الصلاة لم يصل قاعدا وإذا قدر على على مس الماء لم يتيمم وكذلك سائر ~~الرخص بخلاف القرض والقراض والمساقاة ونحو ذلك مما هو يشبه الرخصة فإنه ليس ~~برخصة في حقيقة هذا الإصطلاح لأنه مشروع أيضا وإن زال العذر فيجوز للإنسان ~~أن يقترض وإن لم يكن به حاجة إلى الإقتراض وأن يساقى حائطه وإن كان قادرا ~~على عمله بنفسه أو بالإستئجار عليه وأن يقارض بماله وإن كان قادرا على ~~التجارة فيه بنفسه أو بالإستئجار وكذلك ما أشبهه فالحاصل أن العزيمة راجعة ~~إلى أصل كلي ابتدائي والرخصة ms188 راجعة إلى جزئي مستثنى من ذلك الأصل الكلي ### || AUTO فصل # وقد تطلق الرخصة على ما استثنى من أصل كلي يقتضى المنع مطلقا من غير ~~اعتبار بكونه لعذر شاق فيدخل فيه القرض والقراض والمساقاة ورد PageV01P303 ~~الصاع من الطعام في مسألة المصراة وبيع العرية بخرصها تمرا وضرب الدية على ~~العاقلة وما أشبه ذلك وعليه يدل قوله # نهى عن بيع ما ليس عندك # وأرخص فى السلم وكل هذا مستند إلى أصل الحاجيات فقد اشتركت مع الرخصة ~~بالمعنى الأول في هذا الأصل فيجري عليها حكمها في التسمية كما جرى عليها ~~حكمها في الإستثناء من أصل ممنوع وهنا أيضا يدخل ما تقدم في صلاة المأمومين ~~جلوسا اتباعا للإمام المعذور وصلاة الخوف المشروعة بالإمام كذلك أيضا لكن ~~هاتين المسألتين تستمدان من أصل التكميلات لا من أصل الحاجيات فيطلق عليها ~~لفظ الرخصة وإن لم تجتمع معها في أصل واحد كما أنه قد يطلق لفظ الرخصة وإن ~~استمدت من أصل الضروريات كالمصلي لا يقدر على القيام فإن الرخصة في حقه ~~ضرورية لاحاجية وإنما تكون حاجية إذا كان قادرا عليه لكن بمشقة تلحقه فيه ~~أو بسببه وهذا كله ظاهر # فصل # وقد يطلق لفظ الرخصة على ما وضع عن هذه الأمة من التكاليف الغليظة ~~والأعمال الشاقة التي دل عليها قوله تعالى ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا وقوله تعالى ويضع عنهم إصرهم والأغلال PageV01P304 ~~التي كانت عليهم فإن الرخصة في اللغة راجعة إلى معنى اللين وعلى هذا يحمل ~~ما جاء في بعض الأحاديث روي في التيسير عن البخاري ومسلم # أنه عليه الصلاة والسلام صنع شيئا ترخص فيه ويمكن أن يرجع إليه معنى ~~الحديث الآخر # إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه وسيأتي بيانه بعد إن ~~شاء الله فكان ما جاء في هذه الملة السمحة من المسامحة واللين رخصة بالنسبة ~~إلى ما حمله الأمم السالفة من العزائم الشاقة ### || AUTO فصل # وتطلق الرخصة أيضا على ما كان من المشروعات توسعة على العباد مطلقا مما ms189 ~~هو راجع إلى نيل حظوظهم وقضاء أوطارهم فإن العزيمة الأولى هي التي نبه ~~عليها قوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وقوله وأمر أهلك بالصلاة ~~واصطبر عليها لا نسألك رزقا الآية وما كان نحو ذلك ما دل على أن العباد ملك ~~الله على الجملة والتفصيل فحق عليهم التوجه إليه وبذل المجهود في عبادته ~~لأنهم عباده وليس لهم حق لديه ولا حجة عليه فإذا وهب لهم حظا ينالونه فذلك ~~كالرخصة لهم لأنه توجه إلى غير المعبود واعتناء بغير ما اقتضته العبودية # فالعزيمة في هذا الوجه هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي على الإطلاق ~~والعموم كانت الأوامر وجوبا أو ندبا والنواهي كراهة أو تحريما وترك PageV01P305 ~~كل ما يشغل عن ذلك من المباحات فضلا عن غيرها لأن الأمر من الآمر مقصود أن ~~يمتثل على الجملة والإذن في نيل الحظ الملحوظ من جهة العبد رخصة فيدخل في ~~الرخصة على هذا الوجه كل ما كان تخفيفا وتوسعة على المكلف # فالعزائم حق الله على العباد والرخص حظ العباد من لطف الله فتشترك ~~المباحات مع الرخص على هذا الترتيب من حيث كانا معا توسعة على العبد ورفع ~~حرج عنه وإثباتا لحظه وتصير المباحات عند هذا النظر تتعارض مع المندوبات ~~على الأوقات فيؤثر حظه في الأخرى على حظه في الدنيا أو يؤثر حق ربه على حظ ~~نفسه فيكون رافعا للمباح من عمله رأسا أو آخذا له حقا لربه فيصير حظه ~~مندرجا تابعا لحق الله وحق الله هو المقدم والمقصود # فإن على العبد بذل المجهود والرب يحكم ما يريد # وهذا الوجه يعتبره الأولياء من أصحاب الأحوال ويعتبره أيضا غيرهم ممن رقى ~~عن الأحوال وعليه يربون التلاميذ ألا ترى أن من مذاهبهم الأخذ بعزائم العلم ~~واجتناب الرخص جملة حتى آل الحال بهم أن عدوا أصل الحاجيات كلها أو جلها من ~~الرخص وهو ما يرجع إلى حظ العبد منها حسبما PageV01P306 ~~بان لك في هذا الإطلاق الأخير وسيأتي لهذا الذي ذهبوا إليه تقرير في هذا ~~النوع إن شاء الله تعالى # فصل # ولما تقررت ms190 هذه الإطلاقات الأربعة ظهر أن منها ما هو خاص ببعض الناس وما ~~هو عام للناس كلهم فأما العام للناس كلهم فذلك الإطلاق الأول وعليه يقع ~~التفريع في هذا النوع وأما الإطلاق الثاني فلا كلام عليه هنا إذ لا تفريع ~~يترتب عليه وإنما يتبين به أنه إطلاق شرعي # وكذلك الثالث وأما الرابع فلما كان خاصا بقوم لم يتعرض له على الخصوص # إلا أن التفريع على الأول يتبين به التفريع عليه فلا يفتقر إلى تفريع خاص ~~بحول الله تعالى ### || AUTO المسألة الثانية # حكم الرخصة الإباحة مطلقا من حيث هي رخصة والدليل على ذلك أمور # أحدها موارد النصوص عليها كقوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم ~~عليه وقوله فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم وقوله ~~وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة الآية وقوله من ~~كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان الآية إلى آخرها ~~وأشباه ذلك من PageV01P307 ~~النصوص الدالة على رفع الحرج والإثم مجردا لقوله فلا إثم عليه وقوله فإن ~~الله غفور رحيم ولم يرد في جميعها أمر يقتضى الإقدام على الرخصة بل إنما ~~أتى بما ينفي المتوقع في ترك أصل العزيمة وهو الإثم والمؤآخذة على حد ما ~~جاء في كثير من المباحات بحق الأصل كقوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء إلى غير ذلك من الآيات ~~المصرحة بمجرد رفع الجناح وبجواز الإقدام خاصة وقال تعالى ومن كان مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر وفي الحديث # كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا المقصر ومنا المتم ولا ~~يعيب بعضنا على بعض والشواهد على ذلك كثيرة # والثاني أن الرخصة أصلها التخفيف عن المكلف ورفع الحرج عنه PageV01P308 ~~حتى يكون من ثقل التكليف في سعة واختيار بين الأخذ بالعزيمة ms191 والأخذ ~~بالرخصة وهذا أصله الإباحة كقوله تعالى هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا ~~قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق متاعا لكم ~~ولأنعامكم بعد تقرير نعم كثيرة وأصل الرخصة السهولة ومادة رخص للسهولة ~~واللين كقولهم شىء رخص بين الرخوصة ومنه الرخص ضد الغلاء ورخص له في الأمر ~~فرخص هو فيه إذا لم يستقص له فيه فمال هو إلى ذلك وهكذا سائر استعمال المادة # والثالث أنه لو كانت الرخص مأمورا بها ندبا أو وجوبا لكانت عزائم لا رخصا ~~والحال بضد ذلك فالواجب هو الحتم واللازم الذي لا خيرة فيه # والمندوب كذلك من حيث مطلق الأمر ولذلك لا يصح أن يقال في المندوبات إنها ~~شرعت للتخفيف والتسهيل من حيث هي مأمور بها فإذا كان كذلك ثبت أن الجمع بين ~~الأمر والرخصة جمع بين متنافيين وذلك يبين أن الرخصة لا تكون مأمورا بها من ~~حيث هي رخصة # فإن قيل هذا معترض من وجهين # أحدهما أن ما تقدم من الأدلة لا يدل على مقصود المسألة إذ لا يلزم من رفع ~~الجناح والإثم عن الفاعل للشىء أن يكون ذلك الشىء مباحا فإنه قد يكون واجبا ~~أو مندوبا أما أولا فقد قال تعالى إن الصفا والمروة PageV01P309 ~~من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما وهما مما ~~يجب الطواف بينهما وقال تعالى ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى والتأخر ~~مطلوب طلب الندب وصاحبه أفضل عملا من المتعجل إلى غير ذلك من المواضع التي ~~في هذا المعنى ولا يقال إن هذه المواضع نزلت على أسباب حيث توهموا الجناح ~~كما ثبت في حديث عائشة لأنا نقول مواضع الإباحة أيضا نزلت على أسباب وهي ~~توهم الجناح كقوله تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم وقوله ولا ~~على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم إلى آخرها وقوله ليس على الأعمى حرج ولا ~~على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ms192 ~~النساء جميع هذا وما كان مثله متوهم فيه الجناح والحرج وإذا استوى ~~الموضوعان لم يكن في النص على رفع الإثم والحرج والجناح دلالة على حكم ~~الإباحة على الخصوص فينبغى أن يؤخذ حكمه من محل آخر ودليل خارجي # والثاني أن العلماء قد نصوا على رخص مأمور بها فالمضطر إذا خاف الهلاك ~~وجب عليه تناول الميتة وغيرها من المحرمات الغاذية ونصوا على طلب الجمع ~~بعرفة والمزدلفة وأنه سنة وقيل في قصر المسافر إنه فرض أو سنة أو PageV01P310 ~~مستحب وفي الحديث # إن الله يحب أن تؤتى رخصه وقال ربنا تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر إلى كثير من ذلك فلم يصح إطلاق القول بأن حكم الرخص الإباحة دون ~~التفصيل # فالجواب عن الأول أنه لا يشك أن رفع الحرج والإثم في وضع اللسان إذا تجرد ~~عن القرائن يقتضى الإذن في التناول والإستعمال فإذا خلينا واللفظ كان راجعا ~~إلى معنى الإذن في الفعل على الجملة فإن كان لرفع الجناح والحرج سبب خاص ~~فلنا أن نحمله على مقتضى اللفظ لا على خصوص السبب فقد يتوهم فيما هو مباح ~~شرعا أن فيه إثما بناء على إستقرار عادة تقدمت أو رأي عرض كما توهم بعضهم ~~لإثم في الطواف بالبيت بالثياب وفي بعض المأكولات حتى نزل قل من حرم زينة ~~الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق وكذلك في الأكل من بيوت الآباء ~~والأمهات وسائر من ذكر في الآية وفي التعريض بالنكاح في العدة وغير ذلك ~~فكذلك قوله فلا جناح عليه أن يطوف بهما يعطى معنى الإذن وأما كونه واجبا ~~فمأخوذ من قوله إن الصفا والمروة من شعائر الله أو من دليل آخر فيكون ~~التنبيه هنا على مجرد الإذن الذي يلزم الواجب من جهة مجرد الإقدام مع قطع ~~النظر عن جواز الترك أو عدمه ولنا أن نحمله على خصوص السبب PageV01P311 ~~ويكون مثل قوله في الآية من شعائر قرينة صارفة للفظ عن مقتضاه في أصل ~~الوضع أما ماله سبب مما هو في نفسه مباح فيستوي مع ما ms193 لا سبب له في معنى ~~الإذن ولا إشكال فيه وعلى هذا الترتيب يجرى القول في الآية الأخرى وسائر ما ~~جاء في هذا المعنى # والجواب عن الثاني أنه قد تقدم أن الجمع بين الأمر والرخصة جمع بين ~~متنافيين فلا بد أن يرجع الوجوب أو الندب إلى عزيمة أصلية لا إلى الرخص ~~بعينها وذلك أن المضطر الذي لا يجد من الحلال ما يرد به نفسه أرخص له في ~~أكل الميتة قصدا لرفع الحرج عنه ردا لنفسه من ألم الجوع # فإن خاف التلف وأمكنه تلافي نفسه بأكلها كان مأمورا بإحياء نفسه لقوله ~~تعالى ولا تقتلوا أنفسكم كما هو مأمور بإحياء غيره من مثلها إذا أمكنه ~~تلافيه بل هو مثل من صادف شفا جرف يخاف الوقوع فيه فلا شك أن الزوال عنه ~~مطلوب وأن إيقاع نفسه فيه ممنوع ومثل هذا لا يسمى رخصة لأنه راجع إلى أصل ~~كلي ابتدائي فكذلك من خاف التلف إن ترك أكل الميتة هو ممور ! بإحياء نفسه ~~فلا يسمى رخصة من هذا الوجه وإن سمى PageV01P312 ~~رخصة من جهة رفع الحرج عن نفسه # فالحاصل أن إحياء النفس على الجملة مطلوب طلب العزيمة وهذا فرد من أفراده ~~ولا شك أن الرخصة مأذون فيها لرفع الحرج وهذا فرد من أفرادها # فلم تتحد الجهتان وإذا تعددت الجهات زال التدافع وذهب التنافى وأمكن ~~الجمع وأما جمع عرفة والمزدلفة ونحوه فلا نسلم أنه عند القائل بالطلب رخصة ~~بل هو عزيمة متعبد بها عنده ويدل عليه حديث عائشة رضى الله عنها فى القصر # فرضت الصلاة ركعتين ركعتين الحديث اخرجه الستة الا النسائي كما في ~~التفسير وتعليل القصر بالحرج والمشقة لا يدل على أنه رخصة إذ ليس كل ما كان ~~رفعا للحرج يسمى رخصة على هذا الاصطلاح العام وإلا فكان يجب أن تكون ~~الشريعة كلها رخصة لخفتها بالنسبة إلى الشرائع المتقدمة أو يكون شرع الصلاة ~~خمسا رخصة لأنها شرعت فى السماء خمسين ويكون القرض والمساقاة والقراض وضرب ~~الدية على العاقلة رخصة وذلك لا يكون كما تقدم فكل ما ms194 خرج عن مجرد الإباحة ~~فليس برخصة وأما قوله # إن الله يحب أن تؤتى رخصة فسيأتى بيانه إن شاء الله تعالى وأيضا ~~فالمباحات منها ما هو محبوب ومنها ما هو مبغض كما تقدم بيانه فى الأحكام ~~التكليفية فلا تنافى وأما قوله يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم PageV01P313 ~~العسر وما كان نحوه فكذلك أيضا لأن شرعية الرخص المباحة تيسير ورفع حرج ~~وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة الثالثة # إن الرخصة إضافية لا أصلية بمعنى أن كل أحد فى الأخذ بها فقيه نفسه ما لم ~~يحد فيها حد شرعى فيوقف عنده وبيان ذلك من أوجه # أحدها أن سبب الرخصة المشقة والمشاق تختلف بالقوة والضعف وبحسب الأحوال ~~وبحسب قوة العزائم وضعفها وبحسب الأزمان وبحسب الأعمال فليس سفر الإنسان ~~راكبا مسيرة يوم وليلة فى رفقة مأمونة وأرض مأمونة وعلى بطء وفى زمن الشتاء ~~وقصر الأيام كالسفر على الضد من ذلك فى الفطر والقصر وكذلك الصبر على شدائد ~~السفر ومشتقاته يختلف فرب رجل جلد ضرى على قطع المهامة حتى صار له ذلك عادة ~~لا يحرج بها ولا يتألم بسببها يقوى على عباداته وعلى أدائها على كمالها وفى ~~أوقاتها ورب رجل بخلاف ذلك وكذلك فى الصبر على الجوع والعطش ويختلف أيضا ~~باختلاف الجبن والشجاعة وغير ذلك من الأمور التى لا يقدر على ضبطها # وكذلك المريض بالنسبة إلى الصوم والصلاة والجهاد وغيرها وإذا كان كذلك ~~فليس للمشقة المعتبرة فى التخفيفات ضابط مخصوص ولا حد محدود يطرد فى جميع ~~الناس ولذلك أقام الشرع فى جملة منها السبب مقام العلة فاعتبر السفر PageV01P314 ~~لأنه أقرب مظان وجود المشقة وترك كل مكلف على ما يجد أي إن كان قصر أو فطر ~~ففى السفر وترك كثيرا منها موكولا إلى الإجتهاد كالمرض وكثير من الناس يقوى ~~فى مرضه على ما لا يقوى عليه الآخر فتكون الرخصة مشروعة بالنسبة إلى أحد ~~الرجلين دون الآخر وهذا لا مرية فيه فإذا ليست أسباب الرخص بداخلة تحت ~~قانون أصلى ولا ضابطا مأخوذ باليد بل هو إضافى بالنسبة إلى كل ms195 مخاطب فى ~~نفسه فمن كان من المضطرين معتادا للصبر على الجوع ولا تختل حاله بسببه كما ~~كانت العرب وكما ذكر عن الأولياء فليست إباحة الميتة له على وزان من كان ~~بخلاف ذلك هذا وجه # والثانى أنه قد يكون للعامل المكلف حامل على العمل حتى يخف عليه ما يثقل ~~على غيره من الناس وحسبك من ذلك أخبار المحبين الذين صابروا الشدائد وحملوا ~~أعباء المشقات من تلقاء أنفسهم من إتلاف مهجهم إلى ما دون ذلك وطالت عليهم ~~الآماد وهم على أول أعمالهم حرصا عليها واغتناما لها طمعا فى رضى المحبوبين ~~واعترفوا بأن تلك الشدائد والمشاق سهلة عليهم بل لذة لهم ونعيم وذلك ~~بالنسبة إلى غيرهم عذاب شديد وألم أليم # فهذا من أوضح الأدلة على المشاق تختلف بالنسب والإضافات وذلك يقضى بأن ~~الحكم المبني عليها يختلف بالنسب والإضافات # والثالث ما يدل على هذا من الشرع كالذى جاء فى وصال الصيام وقطع الأزمان ~~فى العبادات فإن الشارع أمر بالرفق رحمة بالعباد ثم فعله من بعد النبى صلى ~~الله عليه وسلم علما بأن سبب النهي وهو الحرج والمشقة مفقود فى حقهم ولذلك ~~أخبروا عن أنفسهم أنهم مع وصالهم الصيام لا يصدهم ذلك عن حوائجهم ولايقطعهم ~~عن سلوك طريقهم فلا حرج فى حقهم وإنما الحرج فى حق من PageV01P315 ### || AUTO يلحقه الحرج حتى يصده عن ضروراته وحاجاته وهذا معنى كون سبب ~~الرخصة إضافيا ويلزم منه أن تكون الرخصة كذلك لكن هذا الوجه استدلال بجنس ~~المشقة على نوع من أنواعها وهو غير منتهض إلا أن يجعله منضما إلى ما قبله ~~فالإستدلال بالمجموع صحيح حسبما هو مذكور فى فصل العموم فى - كتاب الأدلة # فإن قيل الحرج المعتبر فى مشروعية الرخصة إما أن يكون مؤثرا فى المكلف ~~بحيث لا يقدر بسببه على التفرغ لعادة ولا لعبادة أو لا يمكن له ذلك على حسب ~~ما أمر به أو يكون غير مؤثر بل يكون مغلوب صبره ومهزوم عزمه فإن كان الأول ~~فظاهر أنه محل الرخصة إلا أنه يطلب فيه الأخذ بالرخصة وجوبا ms196 أو ندبا على ~~حسب تمام القاطع عن العمل أو عدم تمامه وإذا كانت مأمورا بها فلا تكون رخصة ~~كما تقدم بل عزيمة وإن كان الثانى فلا حرج فى العمل ولا مشقة إلا ما فى ~~الأعمال المعتادة وذلك ينفى كونه حرجا PageV01P316 ~~ينتهض علة للرخصة وإذا انتفى محل الرخصة فى القسمين ولا ثالث لهما ارتفعت ~~الرخصة من أصلها والإتفاق على وجودها معلوم هذا خلف فما انبنى عليه مثله # فالجواب من وجهين # أحدهما أن هذا السؤال منقلب على وجه آخر لأنه يقتضى أن تكون الرخص كلها ~~مأمورا بها وجوبا أو ندبا إذ ما من رخصة تفرض إلا وهذا البحث جار فيها فإذا ~~كان مشترك الإلزام لم ينهض دليلا ولم يعتبر فى الإلزامات # والثانى أنه إن سلم فلا يلزم السؤال لأمرين أحدهما أن انحصار الرخص فى ~~القسمين لا دليل عليه لإمكان قسم ثالث بينهما وهو أن لا يكون الحرج مؤثرا ~~فى العمل ولا يكون المكلف رخى البال عنده كل أحد يجد من نفسه فى المرض أو ~~السفر حرجا فى الصوم مع أنه لا يقطعه عن سفره ولا يخل به فى مرضه ولا يؤديه ~~إلى الإخلال بالعمل وكذلك سائر ما يعرض من الرخص جار فيه هذا التقسيم ~~والثالث هو محل الإباحة إذ لا جاذب يجذبه لأحد الطرفين والآخر أن طلب الشرع ~~للتخفيف حيث طلبه ليس من PageV01P317 ~~جهة كونه رخصة بل من جهة كون العزيمة لا يقدر عليها أو كونها تؤدى إلى ~~الإخلال بأمر من أمور الدين أو الدنيا فالطلب من حيث النهى عن الإخلال لا ~~من حيث العمل بنفس الرخصة ولذلك نهي عن الصلاة بحضرة الطعام ومع مدافعة ~~الأخبثين ونحو ذلك فالرخصة باقية على أصل الإباحة من حيث هى رخصة فليست ~~بمرتفعة من الشرع بإطلاق وقد مر بيان جهتي الطلب والإباحة والله أعلم ### || AUTO المسألة الرابعة # الإباحة المنسوبة إلى الرخصة هل هى من قبيل الإباحة بمعنى رفع الحرج أم ~~من قبيل الإباحة بمعنى التخيير بين الفعل والترك # فالذى يظهر من نصوص الرخص أنها بمعنى رفع ms197 الحرج لا بالمعنى الآخر # وذلك ظاهر فى قوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه وقوله فى ~~الآية الأخرى فإن الله غفور رحيم فلم يذكر فى ذلك أن له الفعل والترك وإنما ~~ذكر أن التناول فى حال الإضطرار يرفع الإثم وكذلك قوله فمن كان منكم مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام آخر ولم يقل فله الفطر ولا فليفطر ولا يجوز له بل ~~ذكر نفس العذر وأشار إلى أنه إن أفطر فعدة من أيام آخر وكذلك قوله فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا PageV01P318 ~~من الصلاة على القول بأن المراد القصر من عدد الركعات ولم يقل فلكم أن ~~تقصروا أو فإن شئتم فاقصروا وقال تعالى فى المكره من كفر بالله من بعد ~~إيمانه إلا من أكره الآية إلى قوله ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من ~~الله فالتقدير أن من أكره فلا غضب عليه ولا عذاب يلحقه إن تكلم بكلمة الكفر ~~وقلبه مطمئن بالإيمان ولم يقل فله أن ينطق أو إن شاء فلينطق وفى الحديث # أكذب امرأتى قال له لا خير فى الكذب قال له أفأعدها وأقول لها قال لا ~~جناح عليك ولم يقل له نعم ولا أفعل إن شئت اخرجه مالك # والدليل على أن التخيير غير مراد فى هذه الأمور أن الجمهور أو الجميع ~~يقولون من لم يتكلم بكلمة الكفر مع الاكراه مأجور وفى أعلى الدرجات # والتخيير ينافي ترجيح أحد الطرفين على الآخر فكذلك غيره من المواضع ~~المذكورة وسواها PageV01P319 ~~وأما الإباحة التى بمعنى التخيير ففى قوله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم يريد كيف شئتم مقبلة ومدبرة وعلى جنب # فهذا تخيير واضح وكذلك قوله وكلا منها رغدا حيث شئتما وما اشبه ذلك وقد ~~تقدم فى قسم خطاب التكليف فرق ما بين المباحين فإن قيل ما الذى ينبنى على ~~الفرق بينهما # قيل ينبنى عليه فوائد كثيرة ولكن العارض فى مسألتنا أنا إن قلنا الرخصة ~~مخير فيها حقيقة لزم أن تكون مع مقتضى العزيمة من الواجب المخير ms198 # وليس كذلك إذا قلنا إنها مباحة بمعنى رفع الحرج عن فاعلها إذ رفع الحرج ~~لا يستلزم التخيير ألا ترى أنه موجود مع الواجب وإذا كان كذلك تبينا أن ~~العزيمة على أصلها من الوجوب المعين المقصود شرعا فإذا عمل بها لم يكن بين ~~المعذور وبين غيره فى العمل بها فرق لكن العذر رفع التأثيم عن المنتقل عنها ~~إن اختار لنفسه الإنتقال وسيأتى لهذا بسط إن شاء الله تعالى ### || AUTO المسألة الخامسة # الترخص المشروع ضربان # أحدهما أن يكون فى مقابلة مشقة لا صبر عليها طبعا كالمرض الذى يعجز معه ~~استيفاء أركان الصلاة على وجهها مثلا أو عن الصوم لفوت النفس أو شرعا ~~كالصوم المؤدى إلى عدم القدرة على الحضور فى الصلاة أو على إتمام أركانها ~~وما أشبه ذلك # والثانى أن يكون فى مقابلة مشقة بالمكلف قدرة على الصبر عليها وأمثلته ظاهرة PageV01P320 ~~فأما الأول فهو راجع إلى حق الله فالترخص فيه مطلوب ومن هنا جاء # ليس من البر الصيام فى السفر الخمسة الا الترمذي وإلى هذا المعنى يشير ~~النهي عن الصلاة بحضرة الطعام أو وهو يدافعه الأخبثان # وإذا حضرالعشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء عن الشيخان إلى ما كان نحو ~~ذلك فالترخص فى هذا الموضع ملحق بهذا الأصل ولا كلام أن الرخصة ههنا جارية ~~مجرى العزائم # ولأجله قال العلماء بوجوب أكل الميتة خوف التلف وأن من لم يفعل ذلك فمات ~~دخل النار # وأما الثاني فراجع إلى حظوظ العباد لينالوا من رفق الله وتيسيره بحظ إلا ~~أنه على ضربين أحدهما أن يختص بالطلب حتى لا يعتبر فيه حال المشقة أو عدمها ~~كالجمع بعرفة والمزدلقة فهذا أيضا لا كلام فيه أنه لاحق بالعزائم من حيث ~~صار مطلوبا مطلقا طلب العزائم حتى عده الناس سنة لا مباحا # لكنه مع ذلك لا يخرج عن كونه رخصة إذ الطلب الشرعي فى الرخصة لا ينافى ~~كونها رخصة كما يقوله العلماء فى أكل الميتة للمضطر فإذا هي رخصة من حيث ~~وقع عليها حد الرخصة وفى حكم العزيمة من حيث كانت مطلوبة ms199 طلب العزائم ~~والثاني أن لا يختص بالطلب بل يبقى على أصل التخفيف ورفع الحرج فهو على أصل ~~الإباحة فاللمكلف الأخذ بأصل العزيمة وإن تحمل فى ذلك مشقة وله الأخذ ~~بالرخصة # والأدلة على صحة الحكم على هذه الأقسام ظاهرة فلا حاجة إلى إيرادها PageV01P321 ~~فإن تشوف أحد إلى التنبيه على ذلك فنقول ### || AUTO أما الأول فلأن المشقة إذا أدت إلى الإخلال بأصل كلي لزم أن ~~لا يعتبر فيه أصل العزيمة إذ قد صار إكمال العبادة هنا والإتيان بها على ~~وجهها يؤدي إلى رفعها من أصلها فالإتيان بما قدر عليها منها وهو مقتضى ~~الرخصة هو المطلوب وتقرير هذا الدليل مذكور فى - كتاب المقاصد من هذا الكتاب # وأما الثاني فإذا فرض اختصاص الرخصة المعينة بدليل يدل على طلب العمل بها ~~على الخصوص خرجت من هذا الوجه عن أحكام الرخصة فى نفسها كما ثبت عند مالك ~~طلب الجمع بعرفة والمزدلفة فهذا وشبهه مما اختص عن عموم حكم الرخصة ولا ~~كلام فيه # وأما الثالث فما تقدم من الأدلة واضح فى الإذن فى الرخصة أو فى رفع الإثم ~~عن فاعلها ### || AUTO المسألة السادسة # حيث قيل بالتخيير بين الأخذ بالعزيمة والأخذ بالرخصة PageV01P322 ~~فللترجيح بينهما مجال رحب وهو محل نظر فلنذكر جملا مما يتعلق بكل طرف من الأدلة # فأما الأخذ بالعزيمة فقد يقال إنه أولى لأمور # أحدها أن العزيمة هي الأصل الثابت المتفق عليه المقطوع به # وورود الرخصة عليه وإن كان مقطوعا به أيضا فلا بد أن يكون سببها مقطوعا ~~به فى الوقوع وهذا المقدار بالنسبة إلى كل مترخص غير متحقق إلا فى القسم ~~المتقدم وما سواه لا تحقق فيه وهو موضع اجتهاد فإن مقدار المشقة المباح من ~~أجلها الترخص غير منضبط ألا ترى أن السفر قد اعتبر فى مسافته ثلاثة أميال ~~فأكثر كما اعتبر أيضا ثلاثة أيام بلياليهن وعلة القصر المشقة وقد اعتبر ~~فيها أقل ما ينطلق عليه اسم المشقة واعتبر فى المرض أيضا أقل ما ينطلق عليه ~~الإسم فكان منهم من أفطر لوجع أصبعه كما كان منهم ms200 من قصر فى ثلاثة أميال ~~واعتبر آخرون ما فوق ذلك وكل مجال الظنون لا موضع فيه للقطع وتتعارض فيه ~~الظنون وهو محل الترجح والإحتياط فكان من مقتضى هذا كله أن لا يقدم على ~~الرخصة مع بقاء إحتمال فى السبب # والثاني أن العزيمة راجعة إلى أصل فى التكليف كلي لأنه مطلق عام على PageV01P323 ~~الأصالة فى جميع المكلفين والرخصة راجعة إلى جزئي بحسب بعض المكلفين ممن ~~له عذر وبحسب بعض الأحوال وبعض الأوقات فى أهل الأعذار لا فى كل حالة ولا ~~فى كل وقت ولا لكل أحد فهو كالعارض الطارىء على الكلي والقاعدة المقررة فى ~~موضعها أنه إذا تعارض أمر كلي وأمر جزئي فالكلي مقدم لأن الجزئي يقتضي ~~مصلحة جزئية والكلي يقتضي مصلحة كلية ولا ينخرم نظام فى العالم بانخرام ~~المصلحة الجزئية بخلاف ما إذا قدم اعتبار المصلحة الجزئية فإن المصلحة ~~الكلية ينخرم نظام كليتها فمسألتنا كذلك إذ قد علم أن العزيمة بالنسبة إلى ~~كل مكلف أمر كلي ثابت عليه # والرخصة إنما مشروعيتها أن تكون جزئية وحيث يتحقق الموجب وما فرضنا ~~الكلام فيه لا يتحقق فى كل صورة تفرض إلا والمعارض الكلي ينازعه # فلا ينجى من طلب الخروج عن العهدة إلا الرجوع إلى الكلي وهو العزيمة # والثالث ما جاء فى الشريعة من الأمر بالوقوف مع مقتضى الأمر والنهي مجردا ~~والصبر على حلوه ومره وإن انتهض موجب الرخصة وأدلة ذلك لا تكاد تنحصر من ~~ذلك قوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فهذا ~~مظنة التخفيف فأقاموا على الصبر والرجوع إلى الله فكان عاقبة ذلك ما أخبر ~~الله به وقال تعالى إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار ~~وبلغت القلوب الحناجر الى آخر القصة حيث قال رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه فمدحهم بالصدق PageV01P324 ~~مع حصول الزلزال الشديد والأحوال الشاقة التي بلغت القلوب فيها الحناجر # وقد عرض النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه أن يعطوا الأحزاب من ثمار ~~المدينة لينصرفوا عنهم فيخف عليهم الأمر فأبوا ms201 من ذلك وتعززوا بالله ~~وبالإسلام فكان ذلك سببا لمدحهم والثناء عليهم وارتدت العرب عند وفاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم فكان الرأى من الصحابة رضى الله تعالى عنهم أو من بعضهم ~~غير أبي بكر استئلافهم بترك أخذ الزكاة ممن منعها منهم حتى يستقيم أمر ~~الأمة ثم يكون ما يكون فأبى أبو بكر رضى الله عنه فقال والله لأقاتلهن حتى ~~تنفرد سالفتي # والقصة مشهورة وأيضا قال الله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من ~~أكره الآية فأباح التكلم بكلمة الكفر مع أن ترك ذلك أفضل PageV01P325 ~~عند جميع الأمة أو عند الجمهور وهذا جار فى قاعدة الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر أن الأمر مستحب والأصل مستتب وإن أدى إلى الإضرار بالمال والنفس ~~لكن يزول الإنحتام ويبقى ترتب الأجر على الصبر على ذلك # ومن الأدلة قوله عله الصلاة والسلام # إن خيرا لأحدكم أن لا يسأل من أحد شيئا اخرجه الطبراني بإسناد لا بأس به ~~فحمله الصحابة رضي الله عنهم على عمومه ولا بد أن يلحق من التزم هذا العقد ~~مشقات كثيرة فادحة ولم يأخذوه إلا على عمومه حتى اقتدى بهم الأولياء منهم ~~أبو حمزة الخراساني فاتفق له ما ذكره القشيري وغيره من وقوعه فى البئر وقد ~~كان هذا النمط مما يناسب استثناؤه من ذلك PageV01P326 ~~الأصل وقصة الثلاثة الذين خلفوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصدقوه ولم يعتذروا له فى مواطن كان مظنة للإعتذار فمدحوا لذلك وأنزل الله ~~توبتهم ومدحهم فى القرآن بعد ما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم ولكن ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ففتح لهم باب القبول وسماهم ~~صادقين لأخذهم بالعزيمة دون الترخص وقصة عثمان بن مظعون وغيره ممن كان فى ~~أول الإسلام لا يقدر على دخول مكة إلا بجوار ثم تركوا الجوار رضي بجوار ~~الله مع ما نالهم من المكروه ولكن هانت عليهم أنفسهم فى الله فصبروا إيمانا ~~بقوله إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وقال تعالى لتبلون فى أمولكم ms202 ~~وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور وقال لنبيه عليه الصلاة ~~والسلام فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل وقال ولمن انتصر بعد ظلمه ~~فاؤلئك ماعليهم من سبيل ثم قال ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ولما ~~نزلت هذه الآية وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله الآية شق ~~ذلك على الصحابة فقيل لهم قولوا سمعنا وأطعنا فقالوها فألقى الله الإيمان ~~فى قلوبهم فنزلت آمن الرسول بما أنزل إليه PageV01P327 ~~من ربه الآية وجهز النبى صلى الله عليه وسلم أسامة فى جيش إلى الشام قبيل ~~موته فتوقف خروجه بمرضه عليه السلام ثم جاء موته فقال الناس لأبى بكر إحبس ~~أسامة بجيشه تستعين به على من حاربك من المجاورين لك فقال لو لعب الكلاب ~~بخلاخيل نساء أهل المدينة ما رددت جيشا أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولكن سأل أسامة أن يترك له عمر ففعل وخرج فبلغ الشام ونكأ فى العدو بها ~~فقالت الروم إنهم لم يضعفوا بموت نبيهم وصارت تلك الحالة هيبة فى قلوبهم ~~لهم وأمثال هذا كثيرة مما يقتضى الوقوف مع العزائم وترك الترخص لأن القوم ~~عرفوا أنهم مبتلون وهو # الوجه الرابع وذلك أن هذه العوارض الطارئة وأشباهها مما يقع PageV01P328 ~~للمكلفين من أنواع المشاق هي مما يقصدها الشارع فى أصل التشريع أعني أن ~~المقصود فى التشريع إنما هو جار على توسط مجاري العادات وكونه شاقا على بعض ~~الناس أو فى بعض الأحوال مما هو على غير المعتاد لا يخرجه عن أن يكون ~~مقصودا له لأن الأمور الجزئية لا تخرم الأصول الكلية وإنما تستثنى حيث ~~تستثنى نظرا إلى أصل الحاجيات بحسب الإجتهاد والبقاء على الأصل من العزيمة ~~هو المعتمد الأول للمجتهد والخروج عنه لا يكون إلا بسبب قوي ولذلك لم يعمل ~~العلماء مقتضى الرخصة الخاصة بالسفر فى غيره كالصنائع الشاقة فى الحضر مع ~~وجود المشقة التى هى العلة فى مشروعية الرخصة ms203 فإذا لا ينبغى الخروج عن حكم ~~العزيمة مع عوارض المشقات التى لا تطرد ولا تدوم لأن ذلك جار أيضا فى ~~العوائد الدنيوية ولم يخرجها ذلك عن أن تكون عادية فصار عارض المشقة إذا لم ~~يكن كثيرا أو دائما مع أصل عدم المشقة كالأمر المعتاد أيضا فلا يخرج عن ذلك بالأصل # لا يقال كيف يكون اجتهاديا وفيه نصوص كثيرة كقوله فمن اضطر غير باغ ولا ~~عاد فلا إثم عليه وقوله فمن كان منكم مريضا أو على سفر الآية # إن الله يحب أن تؤتى رخصه إلى غير ذلك مما تقدم وسواه مما فى معناه # لأنا نقول حالة الإضطرار قد تبين أنه الذى يخاف معه فوت الروح وذلك لا ~~يكون إلا بعد العجز عن العبادات والعادات وهو فى نفسه عذر أيضا PageV01P329 ~~وما سوى ذلك فمحمول على تحقق المشقة التى يعجز معها عن القيام بالوظائف ~~الدينية أو الدنيوية بحيث ترجع العزيمة إلى نوع من تكليف ما لا يطاق وهو ~~منتف سمعا وما سوى ذلك من المشاق مفتقر إلى دليل يدل على دخوله تحت تلك ~~النصوص وفيه تضطرب أنظار النظار كما تقدم فلا معارضة بين النصوص المتقدمة ~~وبين ما نحن فيه وسبب ذلك وهو روح هذا الدليل هو أن هذه العوارض الطارئة ~~تقع للعباد ابتلاء واختبارا لإيمان المؤمنين وتردد المترددين حتى يظهر ~~للعيان من آمن بربه على بينة ممن هو فى شك ولو كانت التكاليف كلها يخرم ~~كلياتها كل مشقة عرضت لانخرمت الكليات كما تقدم ولم يظهر لنا شىء من ذلك ~~ولم يتميز الخبيث من الطيب فالإبتلاء فى التكاليف واقع ولا يكون إلا مع ~~بقاء أصل العزيمة فيبتلى المرء على قدر دينه # قال تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم الآية # لتبلون فى أموالكم وأنفسكم ثم قال وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم وليمحص ~~الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ولنبلونكم بشىء ms204 من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين إلى آخرها فأثنى عليهم بأنهم صبروا ~~لها ولم يخرجوا بها عن أصل ما حملوه إلى غيره وقوله ولنبلونكم بشىء يدل على ~~أن هذه البلوى قليلة الوقوع بالنسبة إلى جمهور الأحوال كما تقدم فى أحوال ~~التكليف فإذا كان المعلوم من الشرع فى مثل هذه الأمور طلب الإصطبار عليها ~~والتثبت فيها حتى يجري التكليف على مجراه الأصلى كان PageV01P330 ~~الترخص على الإطلاق كالمضاد لما قصده الشارع من تكميل العمل على أصالته ~~لتكميل الأجر # والخامس أن الترخص إذا أخذ به فى موارده على الإطلاق كان ذريعة إلى ~~انحلال عزائم المكلفين فى التعبد على الإطلاق فإذا أخذ بالعزيمة كان حريا ~~بالثبات فى التعبد والأخذ بالحزم فيه # بيان الأول أن الخير عادة والشر لجاجة وهذا مشاهد محسوس لا يحتاج إلى ~~إقامة دليل والمتعود لأمر يسهل عليه ذلك الأمر ما لا يسهل على غيره كان ~~خفيفا فى نفسه أو شديدا فإذا اعتاد الترخص صارت كل عزيمة فى يده كالشاقة ~~الحرجة وإذا صارت كذلك لم يقم بها حق قيامها وطلب الطريق إلى الخروج منها ~~وهذا ظاهر وقد وقع هذا المتوقع فى أصول كلية وفروع جزئية كمسألة الأخذ ~~بالهوى فى اختلاف أقوال العلماء ومسألة إطلاق القول بالجواز عند اختلافهم ~~بالمنع والجواز وغير ذلك مما نبه عليه فى أثناء الكتاب أو لم ينبه عليه # وبيان الثانى ظاهر أيضا مما تقدم فإنه ضده # وسبب هذا كله أن أسباب الرخص أكثر ما تكون مقدرة ومتوهمة لا محققة فربما ~~عدها شديدة وهى خفيفة فى نفسها فأدى ذلك إلى عدم صحة التعبد وصار عمله ~~ضائعا وغير مبني على أصل وكثيرا ما يشاهد الإنسان ذلك فقد يتوهم الإنسان ~~الأمور صعبة وليست كذلك إلا بمحض التوهم ألا ترى أن المتيمم لخوف لصوص أو ~~سباع إذا وجد الماء فى الوقت أعاد عند مالك لأنه عده مقصرا لأن هذا يعتري ~~فى أمثاله مصادمة الوهم المجرد الذى لا دليل عليه بخلاف ما لو رأى اللصوص ~~أو السباع وقد منعته ms205 من الماء فلا إعادة هنا ولا يعد هذا مقصرا ولو تتبع ~~الإنسان الوهم لرمى به فى مهاو بعيدة PageV01P331 ~~ولأبطل عليه أعمالا كثيرة وهذا مطرد فى العادات والعبادات وسائر التصرفات ### || AUTO وقد تكون شديدة ولكن الإنسان مطلوب بالصبر فى ذات الله والعمل ~~على مرضاته وفى - الصحيح # من يصبر يصبره الله وجاء فى آية الانفال فى وقوف الواحد للإثنين بعد ما ~~نسخ وقوفه للعشرة والله مع الصابرين قال بعض الصحابة لما نزلت نقص من الصبر ~~بمقدار ما نقص من العدد هذا بمعنى الخبر وهو موافق للحديث والآية ### || AUTO والسادس أن مراسم الشريعة مضادة للهوى من كل وجه كما تقرر فى ~~- كتاب المقاصد من هذا الكتاب وكثيرا ما تدخل المشقات وتتزايد من جهة ~~مخالفة الهوى واتباع الهوى ضد اتباع الشريعة فالمتبع لهواه يشق عليه كل شىء ~~سواء أكان فى نفسه شاقا أم لم يكن لأنه يصده عن مراده ويحول بينه وبين ~~مقصوده فإذا كان المكلف قد ألقى هواه ونهى نفسه عنه وتوجه إلى العمل بما ~~كلف به خف عليه ولا يزال بحكم الإعتياد يداخله حبه ويحلو له مره حتى يصير ~~ضده ثقيلا عليه بعد ما كان الأمر بخلاف ذلك فصارت المشقة وعدمها إضافية ~~تابعة لغرض الملكف فرب صعب يسهل لموافقة الغرض وسهل يصعب لمخالفته # فالشاق على الإطلاق فى هذا المقام وهو ما لا يطيقهه من حيث هو مكلف كان ~~مطيقا له بحكم البشرية أم لا هذا لا كلام فيه إنما الكلام فى غيره مما هو ~~إضافى لا يقال فيه إنه مشقة على الإطلاق ولا إنه ليس بمشقة على الإطلاق ~~وإذا كان دائرا بين الأمرين وأصل العزيمة حقيقى ثابت فالرجوع PageV01P332 ~~إلى أصل العزيمة حق والرجوع إلى الرخصة ينظر فيه بحسب كل شخص وبحسب كل ~~عارض فإذا لم يكن فى ذلك بيان قطعى وكان أعلى ذلك الظن الذى لا يخلو عن ~~معارض كان الوجه الرجوع إلى الأصل حتى يثبت أن المشقة المعتبرة فى حق هذا ~~الشخص حق ولا تكون حقا على الإطلاق حتى تكون بحيث ms206 لا يستطيعها فتلحق حينئذ ~~بالقسم الأول الذي لا كلام فيه هذا إذا لم يأت دليل من خارج يدل على اعتبار ~~الرخصة والتخفيف مطلقا كفطره عليه الصلاة والسلام فى السفر حين أبى الناس ~~من الفطر وقد شق الصوم عليهم فهذا ونحوه أمر آخر إلى ما تقدم من الأقسام ~~وإنما الكلام فى غيره فثبت أن الوقوف مع العزائم أولى والأخذ بها فى محال ~~الترخص أحرى # فإن قيل فهل الوقوف مع أصل العزيمة من قبيل الواجب أو المندوب على ~~الإطلاق أم ثم أنقسام # فالجواب أن ذلك يتبين بتفصيل أحوال المشقات وهي ### || AUTO المسألة السابعة # فالمشقات التي هى مظان التخفيفات فى نظر الناظر على ضربين أحدهما أن تكون ~~حقيقية وهو معظم ما وقع فيه الترخص كوجود المشقة المرضية والسفرية وشبه ذلك ~~مما له سبب معين واقع والثاني أن تكون توهمية مجردة بحيث لم يوجد السبب ~~المرخص لأجله ولا وجدت PageV01P333 ~~حكمته وهى المشقة وإن وجد منها شىء لكن غير خارج عن مجاري العادات فأما ~~الضرب الأول فإما أن يكون بقاؤه على العزيمة يدخل عليه فسادا لا يطيقه طبعا ~~أوشرعا ويكون ذلك محققا لا مظنونا ولا متوهما أو لا فإن كان الأول فرجوعه ~~إلى الرخصة مطلوب ورجع إلى القسم الذي لم يقع الكلام فيه لأن الرخصة هنا حق ~~لله وإن كان الثاني وهو أن يكون مظنونا فالظنون تختلف والأصل البقاء على ~~أصل العزيمة ومتى قوى الظن ضعف مقتضى العزيمة ومتى ضعف الظن قوي كالظل أنه ~~غير قادر على الصوم مع وجود المرض الذي مثله يفطر فيه ولكن إما أن يكون ذلك ~~الظن مستندا إلى سبب معين وهو أنه دخل فى الصوم مثلا فلم يطق الإتمام أو ~~الصلاة مثلا فلم يقدر على القيام فقعد فهذا هو الأول إذ ليس عليه ما لا ~~يقدر عليه # وإما أن يكون مستندا إلى سبب مأخوذ من الكثرة والسبب موجود عينا بمعنى أن ~~المرض حاضر ومثله لا يقدر معه على الصيام ولا على الصلاة قائما أو على ~~استعمال الماء عادة من غير ms207 أن يجرب نفسه فى شىء من ذلك فهذا قد يلحق بما ~~قبله ولا يقوي قوته أما لحوقه به فمن جهة وجود السبب وأما مفارقته له فمن ~~جهة أن عدم القدرة لم يوجد عنده لأنه إنما يظهر عند التلبس PageV01P334 ~~بالعبادة وهو لم يتلبس بها على الوجه المطلوب فى العزيمة حتى يتبين له ~~قدرته عليها وعدم قدرته فيكون الأولى هنا الأخذ بالعزيمة إلى أن يظهر بعد ~~ما ينبني عليه # وأما الضرب الثاني وهو أن تكون توهمية بحيث لم يوجد السبب ولا الحكمة فلا ~~يخلو أن يكون للسبب عادة مطردة فى أنه يوجد بعد أو لا فإن كان الأول فلا ~~يخلو أن يوجد أو لا فإن وجد فوقعت الرخصة موقعها ففيه خلاف أعني فى إجزاء ~~العمل بالرخصة لا فى جواز الإقدام ابتداء إذ لا يصح أن يبني حكم على سبب لم ~~يوجد بعد بل لا يصح البناء على سبب لم يوجد شرطه وإن وجد السبب وهو المقتضى ~~للحكم فكيف إذا لم يوجد نفس السبب وإنما الكلام فى نحو الظان أنه تأتيه ~~الحمى غدا بناء على عادته فى أدوارها فيفطر قبل مجيئها وكذلك الطاهر إذا ~~بنت على الفطر ظنا أن حيضها ستأتي ذلك اليوم وهذا كله أمر ضعيف جدا وقد ~~استدل بعض العلماء على صحة هذا الإعتبار فى إسقاط الكفارة عنها بقوله تعالى ~~لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فإن هذا إسقاط للعقوبة ~~للعلم بأن الغنائم ستباح لهم وهذا غير ما نحن فيه لأن كلامنا فيما يترتب ~~على المكلف من الأحكام الشرعية وترتب العذاب هنا ليس براجع إلى ترتب شرعي ~~بل هو أمر الهي كسائر العقوبات اللاحقة للإنسان من الله تعالى بسبب ذنوبه ~~من قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # وأما إن لم يكن للسبب عادة مطردة فلا إشكال هنا # والحاصل من هذا التقسيم أن الظنون والتقديرات غير المحققة راجعة إلى PageV01P335 ~~قسم التوهمات وهي مختلفة وكذلك أهواء النفوس فإنها تقدر أشياء لا حقيقة لها # فالصواب الوقوف مع ms208 أصل العزيمة إلا فى المشقة المخلة الفادحة فإن الصبر ~~أولى مالم يؤد ذلك إلى دخل فى عقل الإنسان أو دينه وحقيقة ذلك ان لا يقدر ~~على الصبر لأنه لا يؤمر بالصبر إلا من يطيقه فأنت ترى بالإستقراء أن المشقة ~~الفادحة لا يلحق بها توهمها بل حكمها أضعف بناء على أن التوهم غير صادق فى ~~كثير من الأحوال فإذا ليست المشقة بحقيقية والمشقة الحقيقية هى العلة ~~الموضوعة للرخصة فإذا لم توجد كان الحكم غير لازم إلا إذا قامت المظنة وهى ~~السبب مقام الحكمة فحينئذ يكون السبب منتهضا على الجواز لا على اللزوم لأن ~~المظنة لا تستلزم الحكمة التى هى العلة على كمالها فالأحرى البقاء مع الأصل ~~وأيضا فالمشقة التوهمية راجعة إلى الاحتياط على المشقة الحقيقية والحقيقية ~~ليست فى الوقوع على وزان واحد فلم يكن بناء الحكم عليها متمكنا # وأما الراجعة إلى أهواء النفوس خصوصا فإنها ضد الأولى إذ قد تقرر أن قصد ~~الشارع من وضع الشرائع إخراج النفوس عن أهواءها وعوائدها فلا تعتبر فى ~~شرعية الرخصة بالنسبة إلى كل من هويت نفسه أمرا ألا ترى كيف ذم الله تعالى ~~من اعتذر بما يتعلق بأهواء النفوس ليترخص كقوله تعالى ومنهم من يقول ائذن ~~لى ولا تفتنى الآية لأن الجد بن قيس قال ائذن لى فى التخلف عن الغزو ولا ~~تفتنى ببنات الأصفر فإنى لا أقدر على الصبر عنهن # وقوله تعالى وقالوا لا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أشد حرا الآية ثم PageV01P336 ~~بين العذر الصحيح فى قوله تعالى ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدوون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله الآيات فبين أهل ~~الأعذار هنا وهم الذين لا يطيقون الجهاد وهم الزمنى والصبيان والشيوخ ~~والمجانين والعميان ونحوهم وكذلك من لم يجد نفقة أصلا ولا وجد من يحمله ~~وقال فيه إذا نصحوا لله ورسوله ومن جملة النصيحة لله ورسوله أن لا يبقوا من ~~أنفسهم بقية فى طاعة الله ألا ترى إلى قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا وقال ms209 ~~إلا تنفروا يعذبكم الآية فما ظنك بمن كان عذره هوى نفسه # نعم وضع الشريعة على أن تكون أهواء النفوس تابعة لمقصود الشارع فيها # وقد وسع الله تعالى على العباد فى شهواتهم وأحوالهم وتنعماتهم على وجه لا ~~يفضى إلى مفسدة ولا يحصل بها المكلف على مشقة ولا ينقطع بها عنه التمتع إذا ~~أخذه على الوجه المحدود له فلذلك شرع له ابتداء رخصة السلم والقراض ~~والمساقاة وغير ذلك مما هو توسعة عليه وإن كان فيه مانع فى قاعدة أخرى وأحل ~~له من متاع الدنيا أشياء كثيرة فمتى جمحت نفسه إلى هوى قد جعل الشرع له منه ~~مخرجا وإليه سبيلا فلم يأته من بابه كان هذا هوى شيطانيا واجبا عليه ~~الانفكاك عنه كالمولع بمعصية من المعاصي فلا رخصة له ألبتة لأن الرخصة هنا ~~هى عين مخالفة الشرع بخلاف الرخص المتقدمة فإن لها فى الشرع موافقة إذا ~~وزنت بميزانها # فقد تبين من هذا أن مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها ألبتة والمشقة ~~الحقيقية فيها الرخصة بشرطها وإذا لم يوجد شرطها فالأحرى بمن يريد براءة ~~ذمته وخلاص نفسه الرجوع إلى أصل العزيمة إلا أن هذه الأحروية تارة تكون من ~~باب الندب وتارة تكون من باب الوجوب والله أعلم PageV01P337 ### || AUTO فصل # ومن الفوائد في هذه الطريقة الإحتياط فى اجتناب الرخص فى القسم المتكلم ~~فيه والحذر من الدخول فيه فإنه موضع التباس وفيه تنشأ خدع الشيطان ومحاولات ~~النفس والذهاب فى اتباع الهوى على غير مهيع ولأجل هذا أوصى شيوخ الصوفية ~~تلامذتهم بترك اتباع الرخص جملة وجعلوا من أصولهم الأخذ بعزائم العلم وهو ~~أصل صحيح مليح مما أظهروا من فوائدهم رحمهم الله وإنما يرتكب من الرخص ما ~~كان مقطوعا به أو صار شرعا مطلوبا كالتعبدات أو كان ابتدائيا كالمساقاة ~~والقرض لأنه حاجي وما سوى ذلك فاللجأ إلى العزيمة # ومنها أن يفهم معنى الأدلة فى رفع الحرج على مراتبها فقوله عليه الصلاة ~~والسلام # إن الله يحب أن تؤتى رخصة فالرخص التى هى محبوبة ما ثبت الطلب فيها فإنا ~~إذا ms210 حملناها على المشقة الفادحة التى قال فى مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم # ليس من البر الصيام فى السفر كان موافقا لقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر وقوله تعالى يريد الله أن يخفف عنكم بعد ما قال فى ~~الأولى وأن تصوموا خير لكم وفى الثانية وأن تصبروا خير لكم فليتفطن الناظر ~~فى الشريعة إلى هذه الدقائق ليكون على بينة فى المجارى الشرعيات ومن تتبع ~~الأدلة الشرعية فى هذا المقام تبين له ما ذكر أتم بيان وبالله التوفيق هذا ~~تقرير وجه النظر فى هذا الطرف PageV01P338 ~~فصل # وقد يقال إن الأخذ بالعزيمة ليس بأولى من أوجه # أحدها أن أصل العزيمة وإن كان قطعيا فأصل الترخص قطعي أيضا فإذا وجدنا ~~المظنة اعتبرناها كانت قطعية أو ظنية فإن الشارع قد أجرى الظن فى ترتب ~~الأحكام مجرى القطع فمتى ظن وجود سبب الحكم استحق السبب للإعتبار فقد قام ~~الدليل القطعى على أن الدلائل الظنية تجرى فى فروع الشريعة مجرى الدلائل ~~القطعية # ولا يقال إن القاطع إذا عارض الظن سقط اعتبار الظن # لأنا نقول إنما ذلك فى باب تعارض الأدلة بحيث يكون أحدهما رافعا لحكم ~~الآخر جملة أما إذا كانا جاريين مجرى العام مع الخاص أو المطلق مع المقيد ~~فلا ومسألتنا من هذا الثانى لا من الأول لأن العزائم واقعة على المكلف بشرط ~~أن لا حرج فإن كان الحرج صح اعتباره واقتضى العمل بالرخصة # وأيضا فإن غلبة الظن قد تنسخ حكم القطع السابق كما إذا كان الأصل التحريم ~~فى الشىء ثم طرأ سبب محلل ظنى فإذا غلب على ظن الصائد أن موت الصيد بسبب ~~ضرب الصائد وأن أمكن أن يكون بغيره أو يعين على موته غيره فالعمل على مقتضى ~~الظن صحيح وإنما كان هذا لأن الأصل وإن كان قطعيا فاستصحابه مع هذا المعارض ~~الظني لا يمكن إذ لا يصح بقاء القطع بالتحريم مع وجود الظن هنا بل مع الشك ~~فكذلك ما نحن فيه PageV01P339 ~~وحقيقة الأمر أن غلبة الظن لا تبقى للقطع ms211 المتقدم حكما وغلبات الظنون معتبرة # فلتكن معتبرة فى الترخص # والثاني أن أصل الرخصة وإن كان جزئيا بالإضافة إلى عزيمتها فذلك غير مؤثر ~~وإلا لزم أن تقدح فيما أمر به بالترخص بل الجزئي إذا كان مستثنى من كلي فهو ~~معتبر فى نفسه لأنه من باب التخصيص للعموم أو من باب التقييد للإطلاق وقد ~~مر فى الأصول الفقهية صحة تخصيص القطعي بالظني فهذا أولى وأيضا إذا كان ~~الحكم الرجوع إلى التخصيص وهو بظني دون أصل العموم وهو قطعي فكذلك هنا وكما ~~لا ينخرم الكلي بانخرام بعض جزئياته كما هو مقرر فى موضعه من هذا الكتاب ~~فكذلك هنا وإلا لزم أن ينخرم بالرخص المأمور بها وذلك فاسد # فكذلك ما أدى إليه # والثالث أن الأدلة على رفع الحرج فى هذه الأمة بلغت مبلغ القطع كقوله ~~تعالى وما جعل عليكم فى الدين من حرج وسائر ما يدل على هذا المعنى كقوله ~~يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر يريد الله أن يخفف عنكم وخلق ~~الإنسان ضعيفا ما كان على النبى من حرج فيما فرض الله له ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التى PageV01P340 ~~كانت عليهم وقد سمى هذا الدين الحنيفية السمحة لما فيها من التسهيل ~~والتيسير وأيضا قد تقدم فى المسائل قبل هذا أدلة إباحة الرخص وكلها ~~وأمثالها جارية هنا والتخصيص ببعض الرخص دون بعض تحكم من غير دليل ولا يقال ~~إن المشقة إذا كانت قطعية فهى المعتبرة دون الظنية # فإن القطع مع الظن مستويان فى الحكم وإنما يقع الفرق فى التعارض ولا ~~تعارض فى اعتبارهما معا ههنا وإذ ذاك لا يكون الأخذ بالعزيمة دون الرخصة ~~أولى بل قد يقال الأولى الأخذ بالرخصة لأنها تضمنت حق الله وحق العبد معا ~~فإن العبادة المأمر بها واقعة لكن على مقتضى الرخصة لا أنها ساقطة رأسا ~~بخلاف العزيمة فإنها تضمنت حق الله مجردا والله تعالى غني عن العالمين ~~وإنما العبادة راجعة إلى حظ العبد فى الدنيا والآخرة فالرخصة أحرى لاجتماع ~~الأمرين فيها # والرابع أن مقصود الشارع من مشروعية الرخصة ms212 الرفق بالمكلف عن تحمل المشاق ~~فالأخذ بها مطلقا موافقة لقصده بخلاف الطرف الآخر فإنه مظنة التشديد ~~والتكلف والتعمق المنهى عنه فى الآيات كقوله تعالى قل ما أسألكم عليه من ~~أجر وما أنا من المتكلفين وقوله ولا يريد بكم العسر وفى التزام المشاق ~~تكليف وعسر وفيها روى عن ابن عباس فى قصة بقرة بني إسرائيل # لو ذبجوا بقرة ما لأجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم وفى الحديث # هلك المتنطعون اخرجه مسلم ابو داود ونهى صلى الله عليه وسلم PageV01P341 ~~عن التبتل وقال # من رغب عن سنتي فليس مني بسبب من عزم على صيام النهار وقيام الليل ~~واعتزال النساء إلى أنواع الشدة التي كانت فى الأمم فخففها الله علهيم ~~بقوله ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم وقد ترخص رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأنواع من الترخص خاليا وبمرأى من الناس كالقصر والفطر فى ~~السفر والصلاة جالسا حين جحش شقه وكان حين بدن يصلي بالليل فى بيته قاعدا ~~حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ شيئا ثم ركع وجرى أصحابه رضى الله عنهم ذلك ~~المجرى من غير عتب ولا لوم كما قال # ولا يعيب بعضنا على بعض والأدلة فى هذا المعنى كثيرة # والخامس أن ترك الترخص مع ظن سببه قد يؤدي إلى الإنقطاع عن الإستباق إلى ~~الخير والسآمة والملل والتنفير عن الدخول فى العبادة وكراهية العمل وترك ~~الدوام وذلك مدلول عليه فى الشريعة بأدلة كثيرة فإن الإنسان إذا توهم ~~التشديد أو طلب أو قيل له فيه كره ذلك ومله وربما عجز عنه فى بعض الأوقات ~~فإنه قد يصبر أحيانا وفى بعض الأحوال ولا يصبر فى بعض والتكليف دائم فإذا ~~لم ينفتح له من باب الترخص إلا ما يرجع إلى مسألة تكليف ما لا يطاق وسد عنه ~~ما سوى ذلك عد الشريعة شاقة وربما ساء ظنه بما تدل عليه دلائل رفع الحرج أو ~~انقطع أو عرض له بعض ما يكره شرعا # وقد قال تعالى واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم فى كثير ms213 من PageV01P342 ~~الأمر لعنتم وقال يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا قيل إنها نزلت بسبب تحريم ما أحل الله تشديدا على النفس فسمى اعتداء ~~لذلك وفى الحديث # خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا رواه الستة # وما خير عليه الصلاة والسلام بين أمرين إلا إختار أيسرهما ما لم يكن إثما ~~البخاري الحديث ونهى عن الوصال فلما لم ينتهوا واصل بهم يوما ثم يوما ثم ~~رأوأ الهلال فقال # لو تأخر الشهر لزدتكم اخرجه البخاري في اختلاف بعض اللفظ كالمنكل لهم حين ~~أبوا أن ينتهوا وقال # لو مد لنا فى الشهر لواصلت وصالا يعد المتعمقون تعمقهم وقد قال عبد الله ~~بن عمرو بن العاص حين كبر # يا ليتنى قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى الحديث # هذه الخولاء بنت تويت زعموا أنها لا تنام الليل فقال عليه الصلاة والسلام # لا تنام الليل خذوا من العمل ما تطيقون الحديث اخرجه في التفسير عن عائشة ~~بالفظ فلانه ولم يصرح بأسمها فأنكر فعلها كما ترى وحديث إمامة معاذ حين قال ~~له النبى صلى الله عليه وسلم # أفتان أنت يا معاذ رواه الخمسة الا الترمذي وقال رجل والله يا رسول الله ~~إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا قال فما رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد غضبا منه يومئذ ثم قال # إن منكم منفرين الحديث اخرجه البخاري وحديث الحبل المربوط بين ساريتين ~~سأل عنه عليه الصلاة والسلام قالوا حبل لزينب تصلى فإذا كسلت أو فترت أمسكت به PageV01P343 ~~فقال # حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد وأشباه هذا كثير فترك الرخصة ~~من هذا القبيل ولذلك قال عليه الصلاة والسلام # ليس من البر الصيام فى السفر فإذا كان كذلك ثبت أن الأخذ بالرخصة أولى ~~وإن سلم أنه ليس بأولى فالعزيمة ليست بأولى # والسادس أن مراسم الشريعة إن كانت مخالفة للهوى كما تبين فى موضعه من هذا ~~الكتاب ms214 فإنها أيضا إنما أتت لمصالح العباد في دنياهم ودينهم # والهوى ليس بمذموم إلا إذا كان مخالفا لمراسم الشريعة وليس كلامنا فيه # فإن كان موافقا فليس بمذموم ومسألتنا من هذا فإنه إذا نصب لنا الشرع سبب ~~لرخصة وغلب على الظن ذلك فأعملنا مقتضاه وعملنا بالرخصة فأين اتباع الهوى ~~فى هذا وكما أن اتباع الرخص يحدث بسببه الخروج عن مقتضى الأمر والنهي كذلك ~~اتباع التشديدات وترك الأخذ بالرخص يحدث بسببه الخروج عن مقتضى الأمر ~~والنهي وليس أحدهما بأولىمن الآخر والمتبع للأسباب المشروعة فى الرخص ~~والعزائم سواء فإن كانت غلبة الظن فى العزائم معتبرة كذلك فى الرخص وليس ~~أحدهما أحرى من الآخر ومن فرق بينهما فقد خالف الإجماع هذا تقرير هذا الطرف PageV01P344 ### || AUTO فصل # وينبنى عليه أن الأولوية فى ترك الترخص إذا تعين سببه بغلبة ظن أو قطع ~~وقد يكون الترخص أولى فى بعض المواضع وقد يستويان وأما إذا لم يكن ثم غلبة ~~ظن فلا إشكال فى منع الترخص # وأيضا فتكون الأدلة الدالة على الأخذ بالتخفيف محمولة على عمومها ~~وإطلاقها من غير تخصيص ببعض الموارد دون بعض ومجال النظر بين الفريقين أن ~~صاحب الطريق الأول إنما جعل المعتبر العلة التي هي المشقة من غير اعتبار ~~بالسبب الذي هو المظنة وصاحب الطريق الثاني إنما جعل المعتبر المظنة التى ~~هي السبب كالسفر والمرض فعلى هذا إذا كانت العلة غير منضبطة ولم يوجد لها ~~مظنة منضبطة فالمحل محل اشتباه وكثيرا ما يرجع هنا إلى أصل الإحتياط فإنه ~~ثابت معتبر حسبما هو مبين فى موضعه PageV01P345 ~~فصل # فإن قيل الحاصل مما تقدم إيراد أدلة متعارضة وذلك وضع إشكال فى المسألة ~~فهل له مخلص أم لا ### || AUTO قيل نعم من وجهين أحدهما أن يوكل ذلك إلى نظر المجتهد فإنما ~~أورد هنا استدلال كل فريق من غير أن يقع بين الطرفين ترجيح فيبقى موقوفا ~~على المجتهد حتى يترجح له أحدهما مطلقا أو يترجح له أحدهما فى بعض المواضع ~~والآخر فى بعض المواضع أو بحسب الأحوال والثاني أن يجمع بين هذا ms215 الكلام وما ~~ذكر فى - كتاب المقاصد فى تقرير أنواع المشاق وأحكامها # فإنه إذا تؤمل الموضعان ظهر فيما بينهما وجه الصواب إن شاء الله وبالله ~~التوفيق ### || AUTO المسألة الثامنة # كل أمر شاق جعل الشارع فيه للمكلف مخرجا فقصد الشارع بذلك المخرج أن ~~يتحراه المكلف إن شاء كما جاء فى الرخص شرعية المخرج من المشاق فإذا توخى ~~المكلف الخروج من ذلك على الوجه الذي شرع له كان ممتثلا لأمر الشارع آخذا ~~بالحزم فى أمره وإن لم يفعل ذلك وقع فى محظورين أحدهما مخالفته لقصد الشارع ~~كانت تلك المخالفة فى واجب أو مندوب أو مباح والثاني سد أبواب التيسير عليه ~~وفقد المخرج عن ذلك الأمر الشاق الذي طلب الخروج عنه بما لم يشرع له وبيان ~~ذلك من أوجه PageV01P346 ~~أحدها أن الشارع لما تقرر أنه جاء بالشريعة لمصالح العباد وكانت الأمور ~~المشروعة ابتداء قد يعوق عنها عوائق من الأمراض والمشاق الخارجة عن المعتاد ~~شرع له أيضا توابع وتكميلات ومخارج بها ينزاح عن المكلف تلك المشقات حتى ~~يصير التكليف بالنسبة إليه عاديا ومتيسرا ولولا أنها كذلك لم يكن فى شرعها ~~زيادة على الأمور الإبتدائية ومن نظر فى التكليفات أدرك هذا بأيسر تأمل ~~فإذا كان كذلك فالمكلف فى طلب التخفيف مأمور أن يطلبه من وجهه المشروع لأن ~~ما يطلب من التخفيف حاصل فيه حالا ومالا على القطع فى الجملة فلو طلب ذلك ~~من غير هذا الطريق لم يكن ما طلب من التخفيف مقطوعا به ولا مظنونا لا حالا ~~ولا مآلا لا على الجملة ولا على التفصيل إذ لو كان كذلك لكان مشروعا أيضا ~~والفرض أنه ليس بمشروع # فثبت أن طالب التخفيف من غير طريق الشرع لا مخرج له # والثاني أن هذا الطالب إذا طلب التخفيف من الوجه المشروع فيكفيه فى حصول ~~التخفيف طلبه من وجهه والقصد إلى ذلك يمن وبركة كما أن من طلبه من غير وجهه ~~المشروع يكفيه فى عدم حصول مقصوده شؤم قصده # ويدل على هذا من الكتاب قوله تعالى ومن يتق الله يجعل ms216 له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب ومفهوم الشرط أن من لا يتقي الله لا يجعل له مخرجا خرج ~~إسماعيل القاضي عن سالم بن أبي الجعد قال جاء رجل من أشجع إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فذكر الجهد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم # اذهب فاصبر وكان ابنه أسيرا فى أيدي المشركين فأفلت من أيديهم فأتاه ~~بغنيمة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم # طيبة فنزلت الآية ومن يتق الله الآية # وعن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال له إن عمي طلق امرأته ثلاثا فقال إن عمك ~~عصى الله فأندمه وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا فقال أرأيت إن أحلها له ~~رجل فقال من يخادع يخدعه الله وعن الربيع بن خثيم فى قوله ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا قال من كل شىء ضاق على الناس PageV01P347 ~~وعن ابن عباس من يتق الله ينجه من كل كرب فى الدنيا والآخرة # وقيل من يتق الله والمعصية يجعل له مخرجا إلى الحلال وخرج الطحاوي عن أبي ~~موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم رجل أعطى ماله سفيها وقد قال الله تعالى ~~ولا توتوا السفهاء أموالكم # ورجل داين بدين ولم يشهد ورجل له امرأة سيئة الخلق فلا يطلقها ومعنى هذا ~~أن الله لما أمر بالإشهاد على البيع وأن لا نؤتي السفهاء أموالنا حفظا لها ~~وعلمنا أن الطلاق شرع عند الحاجة إليه كان التارك لما أرشده الله إليه قد ~~يقع فيما يكره ولم يجب دعاؤه لأنه لم يأت الأمر من بابه والآثار فى هذا ~~كثيرة تدل بظواهرها ومفهوماتها على هذا المعنى وقد روى عن ابن عباس أنه سئل ~~عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتلا إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن حتى بلغ ~~يجعل له مخرجا وأنت لم تتق الله لم أجد لك مخرجا وخرج مالك فى البلاغات فى ~~هذا المعنى أن رجلا أتى إلى عبد الله بن مسعود فقال ms217 إني طلقت امرأتي ثمان ~~تطليقات فقال ابن مسعود فماذا قيل لك قال قيل لي أنه قد بانت مني فقال ابن ~~مسعود صدقوا من طلق كما أمره الله فقد بين الله له ومن لبس على نفسه لبسا ~~جعلنا لبسه به لا تلبسوا على أنفسكم ونتحمله عنكم هو كما تقولون وتأمل ~~حكاية أبى يزيد البسطامي حين أراد أن يدعو الله أن يرفع عنه PageV01P348 ~~شهوة النساء ثم تذكر أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك فأمسك عنه ~~فرفع عنه ذلك حتى كان لا يفرق بين المرأة والحجر # والثالث أن طالب المخرج من وجهه طالب لما ضمن له الشارع النجح فيه وطالبه ~~من غير وجهه قاصد لتعدى طريق المخرج فكان قاصدا لضد ما طلب من حيث صد عن ~~سبيله ولا يتأتى من قبل ضد المقصود إلا ضد المقصود # فهو إذا طالب لعدم المخرج وهذا مقتضى ما دلت عليه الآيات المذكور فيها ~~الإستهزاء والمكر والخداع كقوله ومكروا ومكر الله وقوله الله يستهزىء بهم ~~وقوله يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ومنه ~~قوله تعالى ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وقوله فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنؤتيه أجرا عظيما من عمل صالحا فلنفسه ~~ومن أساء فعليها إلى سوى ذلك مما فى هذا المعنى وجميعه محقق كما تقدم من أن ~~المتعدى على طريق المصلحة المشروع ساع فى ضد تلك المصلحة وهو المطلوب # والرابع أن الصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا ~~خالقها وواضعها وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه والذي يخفى عليه منها ~~أكثر من الذي يبدو له فقد يكون ساعيا فى مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها ~~أو يوصله إليها عاجلا لا آجلا أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة أو يكون فيها ~~مفسدة ترني فى الموازنة على المصلحة فلا يقوم خيرها بشرها # وكم من مدبر أمرا لا يتم له على كماله أصلا ولا يجنى منه ms218 ثمرة أصلا وهو ~~معلوم مشاهد بين العقلاء فلهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين فإذا كان ~~كذلك فالرجوع إلى الوجه الذي وضعه الشارع رجوع إلى وجه حصول المصلحة ~~والتخفيف على الكمال بخلاف الرجوع إلى ما خالفه وهذه المسألة PageV01P349 ~~بالجملة فرع من فروع موافقة قصد الشارع أو مخالفته ولكن سيق لتعلقه ~~بالموضع فى طلب الترخص من وجه لم يؤذن فيه أو طلبه فى غير موضعه فإن من ~~الأحكام الثابتة عزيمة ما لا تخفيف فيه ولا ترخيص وقد تقدم منه فى أثناء ~~الكتاب فى هذا النوع مسائل كثيرة ومنها ما فيه ترخيص وكل موضع له ترخيص ~~يختص به لا يتعدى وأيضا فمن الأحوال اللاحقة للعبد ما يعده مشقة ولا يكون ~~فى الشرع كذلك فربما ترخص بغير سبب شرعي ولهذا الأصل فوائد كثيرة فى ~~الفقهيات كقاعدة المعاملة بنقيض المقصود وغيرها من مسائل الحيل وما كان نحوها ### || AUTO المسألة التاسعة # أسباب الرخص ليست بمقصودة التحصيل للشارع ولامقصودة الرفع لأن تلك ~~الأسباب راجعة إلى منع انحتام العزائم التحريمية أو الوجوبية فهي إما موانع ~~للتحريم أو التأثيم وإما أسباب لرفع الجناح أو إباحة ما ليس بمباح فعلى كل ~~تقدير إنما هي موانع لترتب أحكام العزائم مطلقا وقد تبين فى الموانع أنها ~~غير مقصودة الحصول ولا الزوال للشارع وأن من قصد إيقاعها رفعا لحكم السبب ~~المحرم أو الموجب ففعله غير صحيح ويجري فيه التفصيل المذكور فى الشروط ~~فكذلك الحكم بالنسبة إلى أسباب الرخص من غير فرق ### || AUTO المسألة العاشرة # إذا فرعنا على أن الرخصة مباحة بمعنى التخيير بينها وبين العزيمة PageV01P350 ~~صارت العزيمة معها من الواجب المخير إذ صار هذا المترخص يقال له إن شئت ~~فافعل العزيمة وإن شئت فاعمل بمقتضى الرخصة وما عمل منهما فهو الذي واقع ~~واجبا في حقه على وزان خصال الكفارة فتخرج العزيمة في حقه عن أن تكون عزيمة # وأما إذا فرعنا على أن الإباحة فيها بمعنى رفع الحرج فليست الرخصة معها ~~من ذلك الباب لأن رفع الحرج لا يستلزم التخيير ألا ترى أن رفع ms219 الحرج موجود ~~مع الواجب وإذا كان كذلك تبينا أن العزيمة على أصلها من الوجوب المعين ~~المقصود للشارع فإذا فعل العزيمة لم يكن بينه وبين من لا عذر له فرق لكن ~~العذر رفع الحرج عن التارك لها إن اختار لنفسه الإنتقال إلى الرخصة # وقد تقرر قبل أن الشارع إن كان قاصدا لوقوع الرخصة فذلك بالقصد الثاني # والمقصود بالقصد الأول هو وقوع العزيمة # والذي يشبه هذه المسألة الحاكم إذا تعينت له في إنفاذ الحكم بينتان ~~إحداهما في نفس الأمر عادلة والأخرى غير عادلة فإن العزيمة عليه أن يحكم بم ~~أمر به من أهل العدالة في قوله تعالى وأشهدوا ذوى عدل منكم وقال ممن ترضون ~~من الشهداء فإن حكم بأهل العدالة أصاب أصل العزيمة وأجر أجرين وإ ن حكم ~~بالأخرى فلا إثم عليه لعذره بعدم العلم بما في نفس الأمر وله أجر في ~~اجتهاده وينفذ ذلك الحكم على المتحاكمين كما ينفذ مقتضى الرخصة على ~~المترخصين فكما لا يقال في الحاكم إنه مخير بين الحكم بالعدل والحكم بمن ~~ليس بعدل كذلك لا يقال هنا إنه مخير مطلقا بين العزيمة والرخصة # فإن قيل كيف يقال إن شرع الرخص بالقصد الثاني وقد ثبت قاعدة رفع الحرج ~~مطلقا بالقصد الأول كقوله تعالى وما جعل عليكم فى الدين PageV01P351 ~~من حرج وجاء بعد تقرير الرخصة يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر # قيل كما يقال إن المقصود بالنكاح التناسل وهو القصد الأول وما سواه من ~~اتخاذ السكن ونحوه بالقصد الثاني مع قوله تعالى ومن آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وقوله وجعل منها زوجها ليسكن إليها # وأيضا فإن رفع الجناح نفسه عن المترخص تسهيل وتيسير عليه مع كون الصوم ~~أياما معدودات ليست بكثيرة فهو تيسير أيضا ورفع حرج وأيضا فإن رفع الحرج ~~مقصود للشارع في الكليات فلا تجد كلية شرعية مكلفا بها وفيها حرج كلي أو ~~أكثري ألبتة وهو مقتضى قوله وما جعل عليكم فى الدين من حرج ونحن نجد في بعض ~~الجزئيات النوادر حرجا ms220 ومشقة ولم يشرع فيه رخصة تعريفا بأن اعتناء الشارع ~~إنما هو منصرف إلى الكليات # فكذلك نقول في محال الرخص إنها ليست بكليات وإنما هي جزئيات كما تقدم ~~التنبيه عليه في مسألة الأخذ بالعزيمة أو الرخصة PageV01P352 ~~فإذا العزيمة من حيث كانت كلية هي مقصودة للشارع بالقصد الأول # والحرج من حيث هو جزئي عارض لتلك الكلية إن قصده الشارع بالرخصة فمن جهة ~~القصد الثاني والله أعلم ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # إذا اعتبرنا العزائم مع الرخص وجدنا العزائم مطردة مع العادات الجارية ~~والرخص جارية عند انخراق تلك العوائد # أما الأول فظاهر فإنا وجدنا الأمر بالصلاة على تمامها في أوقاتها ~~وبالصيام في وقته المحدود له أولا وبالطهارة المائية على ما جرت به العادة ~~من الصحة ووجود العقل والإقامة في الحضر ووجود الماء وما أشبه ذلك وكذلك ~~سائر العادات والعبادات كالأمر بستر العورة مطلقا أو للصلاة والنهي عن أكل ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها إنما أمر بذلك كله ونهي عنه عند وجود ما ~~يتأتى به امتثال الأمر واجتناب النهي ووجود ذلك هو المعتاد على العموم ~~التام أو الأكثر ولا إشكال فيه ### || AUTO وأما الثاني فمعلوم أيضا من حيث علم الأول فالمرض والسفر وعدم ~~الماء أو الثوب أو المأكول مرخص لترك ما أمر بفعله أو فعل ما أمر بتركه وقد ~~مر تفصيل ذلك فيما مر من المسائل ولمعناه تقرير آخر مذكور في موضعه - من ~~كتاب المقاصد بحمد الله # إلا أن انخراق العوائد على ضربين عام وخاص فالعام ما تقدم # والخاص كانخراق العوائد للأولياء إذا عملوا بمقتضاها فذلك إنما يكون في PageV01P353 ~~الأكثر على حكم الرخصة كانقلاب الماء لبنا والرمل سويقا والحجر ذهبا ~~وإنزال الطعام من السماء أو إخراجه من الأرض فيتناول المفعول له ذلك ~~ويستعمله فإن استعماله له رخصة لا عزيمة والرخصة كما تقدم لما كان الأخذ ~~بها مشروطا بأن لا يقصدها ولا يتسبب فيها لينال تخفيفها كان الأمر فيها ~~كذلك إذ كان مخالفة هذ الشرط مخالفة لقصد الشارع إذ ليس من شأنه أن يترخص ~~ابتداء وإنما ms221 قصده في التشريع أن سبب الرخصة إن وقع توجه الإذن في مسببه ~~كما مر فههنا أولى لأن خوارق العادات لم توضع لرفع أحكام العبودية وإنما ~~وضعت لأمر آخر فكان القصد إلى التخفيف من جهتها قصدا إليها لا إلى ربها ~~وهذا مناف لوضع المقاصد في التعبد لله تعالى ### || AUTO وأيضا فقد ذكر في - كتاب المقاصد أن أحكام الشريعة عامة لا ~~خاصة بمعنى أنها عامة في كل مكلف لا خاصة ببعض المكلفين دون بعض والحمد لله # ولا يعترض على هذا الشرط بقصد النبي صلى الله عليه وسلم لإظهار الخارق ~~كرامة ومعجزة لأنه عليه الصلاة والسلام إنما قصد بذلك معنى شرعيا مبرأ من ~~طلبه حظ النفس وكذلك نقول إن للولي أن يقصد إظهار الكرامة الخارقة لمعنى ~~شرعي لا لحظ نفسه ويكون هذا القسم خارجا عن حكم الرخصة بأن يكون بحسب القصد ~~وعلى هذا المعنى ظهرت كرامات الأولياء الراقين عن الأحوال حسبما دل عليه ~~الإستقراء فأما إذا لم يكن هذا فالشرط معتبر بلا اشكال وليس بمختص بالعموم ~~بل هو في الخصوص أولى # فإن قيل الولي إذا انخرقت له العادة فلا فرق بينه وبين صاحب العادة على ~~الجملة فإن الذي هيىء له الطعام أو الشراب أو غيره من غير سبب عادي مساو ~~لمن حصل له ذلك بالتكسب العادي فكما لا يقال في صاحب التكسب العادي إنه في ~~التناول مترخص كذلك لا يقال في صاحب انخراق العادة إذا لا فرق بينهما وهكذا ~~سائر ما يدخل تحت هذا النمط PageV01P354 ~~فالجواب من وجهين # أحدهما أن الأدلة المنقولة دلت على ترك أميثال هذه الأشياء لا إيجابا ~~ولكن على غير ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم خير بين الملك والعبودية ~~فاختار العبودية وخير في أن تتبعه جبال تهامة ذهبا وفضة فلم يختر ذلك وكان ~~عليه الصلاة والسلام مجاب الدعوة فلو شاء له لدعا بما يحب فيكون فلم يفعل ~~بل اختار الحمل على مجارى العادات يجوع يوما فيتضرع إلى ربه ويشبع يوما ~~فيحمده ويثني عليه حتى يكون في الأحكام البشرية ms222 العادية كغيره من البشر ~~وكثيرا ما كان عليه الصلاة والسلام يرى أصحابه من ذلك في مواطن ما فيه شفاء ~~في تقوية اليقين وكفاية من أزمات الأوقات # وكان عليه الصلاة والسلام يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه ومع ذلك لم يترك ~~التكسب لمعاشه ومعاش أهله فإذا كانت الخوارق في حقه متأتية والطلبات محضرة ~~له حتى قالت عائشة رضي الله عنها ما أرى الله إلا يسارع في هواك # وكان لما أعطاه الله من شرف المنزلة متمكنا منها فلم يعول إلا على مجارى ~~العادات في الخلق كان ذلك أصلا لأهل الخوارق والكرامات عظيما في أن PageV01P355 ~~لا يعملوا على ما اقتضته الخوارق ولكن لما لم يكن ذلك حتما على الأنبياء ~~لم يكن حتما على الأولياء لأنهم الورثة في هذا النوع # والثاني أن فائدة الخوارق عندهم تقوية اليقين ويصحبها الإبتلاء الذي هو ~~لازم للتكليف كلها وللمكلفين أجمعين في مراتب التعبد فكانت كالمقوي لهم على ~~ما هم عليه لأنها آيات من آيات الله تعالى برزت على عموم العادات حتى يكون ~~لها خصوص في الطمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام رب أرني كيف تحيى ~~الموتى الآية وكما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عندما حكى الله تعالى ~~فراق موسى للخضر # يرحم الله أخي موسى وددنا لو صبر حتى يقص علينا من أخبارهما فإذا كانت ~~هذه فائدتها كان ما ينشأ عنها مما يرجع إلى حظوظ النفس كالصدقة الواردة على ~~المحتاج فهو في التناول والإستعمال بحكم الخيرة فإن تكسب وطلب حاجته من ~~الوجه المعتاد صار كمن ترك التصدق عليه وتكسب فرجع إلى العزيمة العامة وإن ~~قبل الصدقة فلا ضرر عليه لأنها وقعت موقعها # وأيضا فإن القوم علموا أن الله وضع الأسباب والمسببات وأجرى العوائد فيها ~~تكليفا وابتلاء وإدخالا للمكلف تحت قهر الحاجة إليها كما وضع له العبادات ~~تكليفا وابتلاء أيضا فإذاجاءت الخارقة لفائدتها التي وضعت لها كان في ضمنها ~~رفع لمشقة التكليف بالكسب وتخفيف عنه فصار قبوله لها من باب قبول الرخص من ~~حيث كانت رفعا لمشقة التكليف بالكسب ms223 وتخفيفا عنه فمن هنا صار حكمها حكم ~~الرخص ومن حيث كانت ابتلاء أيضا فيها شىء آخر وهو أن تناول مقتضاها ميل ما ~~إلى جهتها ومن شأن أهل العزائم في السلوك عزوب أنفسهم عن غير الله كما كانت ~~النعم العادية الإكتسابية PageV01P356 ~~ابتلاء أيضا وقد تقرر أن جهة التوسعة على الإطلاق إنما أخذوها مآخذ الرخص ~~كما تبين وجهه فهذا من ذلك القبيل فتأمل كيف صار قبول مقتضى الخوارق رخصة ~~من وجهين فلأجل هذا لم يستندوا إليها ولم يعولوا عليها من هذه الجهة بل ~~قبلوها واقتبسوا منها ما فيها من الفوائد المعينة لهم على ما هم بسبيله ~~وتركوا منها ما سوي ذلك إذ كانت مع أنها كرامة وتحفة تضمنت تكليفا وابتلاء # وقد حكى القشيري من هذا المعنى # فروى عن أبي الخير البصري أنه كان بفناء داره رجل أسود فقير يأوي إلى ~~الخرابات قال فحملت معي شيئا وطلبته فلما وقعت عينه علي تبسم وأشار بيده ~~إلى الأرض فرأيت الأرض كلها ذهبا تلمع ثم قال هات ما معك فناولته وهالني ~~أمره وهربت وحكى عن النوري أنه خرج ليلة إلى شاطئ دجلة فوجدها وقد التزق ~~الشطان فانصرف وقال وعزتك لا أجوزها إلا في زورق وعن سعيد بن بحيى البصري ~~قال أتيت عبد الرحمن بن زيد وهو جالس في ظل فقلت له لو سألت الله أن يوسع ~~عليك الرزق لرجوت أن يفعل فقال ربي أعلم بمصالح عباده ثم أخذ حصى من الأرض ~~ثم قال اللهم إن شئت أن تجعلها ذهبا فعلت فإذا هي والله في يده ذهب فألقاها ~~إلي وقال أنفقها أنت فلا خير في الدنيا إلأ للآخرة # بل كان منهم من استعاذ منها ومن طلبها والتشوف إليها كم يحكى عن أبي يزيد ~~البسطامي ومنهم من استوت عنده مع غيرها من العادات من حيث PageV01P357 ~~شاهد خروج الجميع من تحت يد المنة وواردة من جهة مجرد الإنعام فالعادة في ~~نظر هؤلاء خوارق للعادات فكيف يتشوف إلى خارقة ومن بين يديه ومن خلفه ومن ~~فوقه ومن تحته مثلها مع ms224 أن ما لديه منها أتم في تحقيق العبودية كما مر في ~~الشواهد وعدوا من ركن إليها مستدرجا من حيث كانت ابتلاء لا من جهة كونها ~~آية أو نعمة # حكى القشيري عن أبي العباس الشرفي قال كنا مع أبي تراب النخشبي في طريق ~~مكة فعدل عن الطريق إلى ناحية فقال له بعض أصحابنا أنا عطشان فضرب برجله ~~الأرض فإذا عين ماء زلال فقال الفتى أحب أن أشربه بقدح فضرب بيده إلى الأرض ~~فناوله قدحا من زجاج أبيض كأحسن ما رأيت فشرب وسقانا وما زال القدح معنا ~~إلى مكة فقال لي أبو تراب يوما ما يقول أصحابك في هذه الأمور التي يكرم ~~الله بها عباده فقلت ما رأيت أحدا إلا وهو يؤمن بها فقال من لا يؤمن بها ~~فقد كفر إنما سألتك من طريق الأحوال فقلت ما أعرف لهم قولا فيه فقال بل قد ~~زعم أصحابك أنها خدع من الحق وليس الأمر كذلك إنما الخدع في حال السكون ~~إليها فأما من لم يقترح ذلك ولم يساكنها فتلك مرتبة الربانيين # وهذا كله يدلك على ما تقدم من كونها في حكم الرخصة لا في حكم العزيمة # فليتفطن لهذا المعنى فيها فإنه أصل ينبني عليه فيها مسائل منها أنها من ~~جملة الأحوال العارضة للقوم والأحوال من حيث هي أحوال لا تطلب بالقصد ولا ~~تعد من المقامات ولا هي معدودة في النهايات ولا هي دليل على أن صاحبها بالغ ~~مبلغ التربية والهداية والإنتصاب للإفادة كما أن المغانم في الجهاد لا تعد ~~من مقاصد الجهاد الأصلية ولا هي دليل على بلوغ النهاية والله أعلم # تم الجزء الأول PageV01P358 ### | CHECK [جزء 2] # بسم الله الرحمن الرحيم ### || AUTO وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم - كتاب المقاصد # والمقاصد التي ينظر فيها قسمان # أحدهما يرجع إلى قصد الشارع والآخر يرجع إلى قصد المكلف # فالأول يعتبر من جهة قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء ومن جهة قصده في ~~وضعها للإفهام ومن جهة قصده في وضعها للتكليف بمقتضاها ومن جهة قصده في ms225 ~~دخول المكلف تحت حكمها فهذه أربعة أنواع PageV02P005 ~~ولنقدم قبل الشروع في المطلوب مقدمة كلامية مسلمة في هذا الموضع # وهي أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معا وهذه ~~دعوى لا بد من إقامة البرهان عليها صحة أو فسادا وليس هذا موضع ذلك # وقد وقع الخلاف فيها في علم الكلام وزعم الرازي أن أحكام الله ليست معللة ~~بعلة ألبتة كما أن أفعاله كذلك وأن المعتزلة اتفقت على أن أحكامه تعالى ~~معللة برعاية مصالح العباد وأنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين ولما اضطر ~~في علم أصول الفقه إلى إثبات العلل للأحكام الشرعية أثبت ذلك على أن العلل ~~بمعنى العلامات المعرفة للأحكام خاصة ولا حاجة إلى تحقيق الأمر في هذه ~~المسألة # والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد ~~استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره فإن الله تعالى يقول في بعثه الرسل ~~وهو الأصل رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين وقال في أصل الخلقة وهو الذي خلق السموات والأرض ~~في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون PageV02P006 ~~الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا # وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى كقوله ~~بعد آية الوضوء ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم ~~نعمته عليكم وقال في الصيام كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون وفي الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وقال في القبلة ~~فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة وفي الجهاد أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا وفي القصاص ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب وفي التقرير ~~على التوحيد ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن ~~هذا غافلين والمقصود التنبيه # وإذا دل الإستقراء على هذا وكان في مثل هذه القضية مفيدا للعلم فنحن نقطع ~~بأن الأمر ms226 مستمر في جميع تفاصيل الشريعة ومن هذه الجملة ثبت القياس ~~والإجتهاد فلنجر على مقتضاه ويبقى البحث في كون ذلك واجبا أو غير واجب ~~موكولا إلى علمه فنقول والله المستعان PageV02P007 ### || AUTO النوع الأول # في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة وفيه مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق وهذه المقاصد لا تعدو ~~ثلاثة أقسام أحدها أن تكون ضرورية والثاني أن تكون حاجية والثالث أن تكون ~~تحسينية # فأما الضرورية فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث ~~إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة # وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين # والحفظ لها يكون بأمرين أحدهما ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها # وذلك عبارة عن مراعتها من جانب الوجود والثاني ما يدرأ عنها الاختلال ~~الواقع أو المتوقع فيها وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم # فأصول العبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود كالإيمان PageV02P008 ~~والنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج وما أشبه ذلك # والعادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضا كتناول ~~المأكولات والمشروبات والملبوسات والمسكونات وما أشبه ذلك والمعاملات راجعة ~~إلى حفظ النسل والمال من جانب الوجود وإلى حفظ النفس والعقل أيضا لكن ~~بواسطة العادات والجنايات ويجمعها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ترجع ~~إلى حفظ الجميع من جانب العدم # والعبادات والعادات قد مثلت والمعاملات ما كان راجعا إلى مصلحة الإنسان ~~مع غيره كانتقال الأملاك بعوض أو بغير عوض بالعقد على الرقاب PageV02P009 ~~أو المنافع أو الأبضاع والجنايات ما كان عائدا على ما تقدم بالإبطال فشرع ~~فيها ما يدرأ ذلك الإبطال ويتلافى تلك المصالح كالقصاص والديات للنفس والحد ~~للعقل وتضمين قيم الأموال للنسل والفطع والتضمين للمال وما أشبه ذلك # ومجموع الضروريات خمسة وهي حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل وقد ~~قالوا إنها مراعاة في كل ملة # وأما الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق ~~المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت ms227 المطلوب فإذا لم تراع دخل PageV02P010 ~~على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي ~~المتوقع في المصالح العامة # وهي جارية في العبادات والعادات والمعاملات والجنايات # ففي العبادات كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر وفي ~~العادات كإباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلال مأكلا ومشربا وملبسا ~~ومسكنا ومركبا وما أشبه ذلك وفي المعاملات كالقراض والمساقاة والسلم وإلغاء ~~التوابع في العقد على المتبوعات كثمرة الشجر ومال العبد وفي الجنايات ~~كالحكم باللوث والتدمية والقسامة وضرب الدية على العاقلة وتضمين الصناع وما ~~أشبه ذلك # وأما التحسينات فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال ~~المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق # وهي جارية فيما جرت فيه الأوليان # ففي العبادات كإزالة النجاسة وبالجملة الطهارات كلها وستر العورة وأخذ ~~الزينة والتقرب بنوافل الخيرات من الصدقات والقربات وأشباه ذلك وفي العادات ~~كآداب الأكل والشرب ومجانبة المآكل النجاسات والمشارب المستخبثات والإسراف ~~والاقتار في المتناولات وفي المعاملات كالمنع من بيع النجاسات وفضل الماء ~~والكلأ وسلب العبد منصب الشهادة والإمامة وسلب المرأة PageV02P011 ~~منصب الإمامة وإنكاح نفسها وطلب العتق وتوابعه من الكتابة والتدبير وما ~~أشبهها وفي الجنايات كمنع قتل الحر بالعبد أو قتل النساء والصبيان والرهبان ~~في الجهاد # وقليل الأمثلة يدل على ما سواها مما هو في معناها فهذه الأمور راجعة إلى ~~محاسن زائدة على أصل المصالح الضرورية والحاجية إذ ليس فقدانها بمخل بأمر ~~ضروري ولا حاجي وإنما جرت مجرى التحسين والتزيين ### || AUTO المسألة الثانية # كل مرتبة من هذه المراتب ينضم إليها ما هو كالتتمة والتكملة مما لو فرضنا ~~فقده لم يخل بحكمتها الأصلية # فأما الأولى فنحو التماثل في القصاص فإنه لا تدعو إليه ضرورة ولا تظهر ~~فيه شدة حاجة ولكنه تكميلي وكذلك نفقة المثل وأجرة المثل وقراض المثل ~~والمنع من النظر إلى الأجنبية وشرب قليل المسكر ومنع الربا والورع اللاحق ~~في المتشابهات وإظهار شعائر الدين كصلاة الجماعة في الفرائض والسنن وصلاة ~~الجمعة والقيام بالرهن والحميل والإشهاد في PageV02P012 ~~البيع إذا قلنا إنه ms228 من الضروريات # وأما الثانية فكاعتبار الكفء ومهر المثل في الصغيرة فإن ذلك كله لا تدعو ~~إليه حاجة مثل الحاجة إلى أصل النكاح في الصغيرة وإن قلنا إن البيع من باب ~~الحاجيات فالإشهاد والرهن والحميل من باب التكملة ومن ذلك الجمع بين ~~الصلاتين في السفر الذي تقصر فيه الصلاة وجمع المريض الذي يخاف أن يغلب على ~~عقله فهذا وأمثاله كالمكمل لهذه المرتبة إذ لو لم يشرع لم يخل بأصل التوسعة ~~والتخفيف # وأما الثالثة فكآداب الأحداث ومندوبات الطهارات وترك إبطال الأعمال ~~المدخول فيها وإن كانت غير واجبة والإنفاق من طيبات المكاسب والإختيار في ~~الضحايا والعقيقة والعتق وما أشبه ذلك ومن أمثلة هذه المسألة أن الحاجيات ~~كالتتمة للضروريات وكذلك التحسينات كالتكملة للحاجيات فإن الضروريات هي أصل ~~المصالح حسبما يأتي تفصيل ذلك بعد هذا إن شاء الله ### || AUTO المسألة الثالثة # كل تكملة فلها من حيث هي تكملة شرط وهو أن لا يعود اعتبارها على الأصل ~~بالإبطال وذلك أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلها PageV02P013 ~~فلا يصح اشتراطها عند ذلك لوجهين # أحدهما أن في إبطال الأصل إبطال التكملة لأن التكملة مع ما كملته كالصفة ~~مع الموصوف فإذا كان اعتبار الصفة يؤدي إلى ارتفاع الموصوف لزم من ذلك ~~ارتفاع الصفة أيضا فاعتبار هذه التكملة على هذا الوجه مؤد إلى عدم اعتبارها ~~وهذا محال لا يتصور وإذا لم يتصور لم تعتبر التكملة واعتبر الأصل من ~~غيرمزيد # والثاني أنا لو قدرنا تقديرا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة ~~الأصلية لكان حصول الأصلية أولى لما بينهما من التفاوت # وبيان ذلك أن حفظ المهجة مهم كلى وحفظ المروءات مستحسن فحرمت النجاسات ~~حفظا للمروءات وإجراء لأهلها على محاسن العادات فإن دعت الضرورة إلى إحياء ~~المهجة بتناول النجس كان تناوله أولى # وكذلك أصل البيع ضروري ومنع الغرر والجهالة مكمل فلو اشترط نفي الغرر ~~جملة لانحسم باب البيع وكذلك الإجارة ضرورية أو حاجية واشتراط حضور العوضين ~~في المعاوضات من باب التكميلات ولما كان ذلك ممكنا في بيع الأعيان من غير ~~عسر ms229 منع من بيع المعدوم إلا في السلم وذلك في الإجارات ممتنع فاشتراط وجود ~~المنافع فيها وحضورها يسد باب المعاملة بها والإجارة محتاج PageV02P014 ~~إليها فجازت وإن لم يحضر العوض أو لم يوجد ومثله جار في الإطلاع على ~~العورات للمباضعة والمداواة وغيرهما # وكذلك الجهاد مع ولاة الجور قال العلماء بجوازه قال مالك لو ترك ذلك لكان ~~ضررا على المسلمين فالجهاد ضروري والوالي فيه ضروري والعدالة فيه مكملة ~~للضرورة والمكمل إذا عاد للأصل بالإبطال لم يعتبر ولذلك جاء الأمر بالجهاد ~~مع ولاة الجور عن النبي صلى الله عليه وسلم # وكذلك ما جاء من الأمر بالصلاة خلف الولاة السوء فإن في ترك ذلك ترك سنة ~~الجماعة والجماعة من شعائر الدين المطلوبة والعدالة مكملة لذلك المطلوب ولا ~~يبطل الأصل بالتكملة # ومنه إتمام الأركان في الصلاة مكمل لضروراتها فإذا أدى طلبه إلى أن لا ~~تصلي كالمريض غير القادر سقط المكمل أو كان في اتمامها حرج ارتفع الحرج عمن ~~لم يكمل وصلى على حسب ما أوسعته الرخصة وستر العورة من باب محاسن PageV02P015 ~~الصلاة فلو طلب على الإطلاق لتعذر أداؤها على من لم يجد ساترا إلى أشياء ~~من هذا القبيل في الشريعة تفوق الحصر كلها جار على هذا الأسلوب ### || AUTO وانظر فيما قاله الغزالي في - الكتاب المستظهري في الإمام ~~الذي لم يستجمع شروط الإمامة واحمل عليه نظائره ### || AUTO المسألة الرابعة # المقاصد الضرورية في الشريعة أصل للحاجية والتحسينية # فلو فرض إختلال الضروري بإطلاق لاختلا باختلاله بإطلاق ولا يلزم من ~~إختلالهما إختلال الضروري بإطلاق نعم قد يلزم من إختلال التحسيني بإطلاق ~~إختلال الحاجي بوجه ما وقد يلزم من إختلال الحاجي بإطلاق إختلال الضروري ~~بوجه ما فلذلك إذا حوفظ على الضروري فينبغي المحافظة على الحاجي وإذا حوفظ ~~على الحاجي فينبغي أن يحافظ على التحسيني إذا ثبت أن التحسيني يخدم الحاجي ~~وأن الحاجي يخدم الضروري فإن الضروري هو المطلوب # فهذه مطالب خمسة لا بد من بيانها # أحدها أن الضروري أصل لما سواه من الحاجي والتكميلي # والثاني أن إختلال الضروري يلزم منه إختلال ms230 الباقيين بإطلاق # والثالث أنه لا يلزم من إختلال الباقيين إختلال الضروري # والرابع أنه قد يلزم من إختلال التحسيني بإطلاق أو الحاجي بإطلاق إختلال ~~الضروري بوجه ما PageV02P016 ~~والخامس أنه ينبغي المحافظة على الحاجي وعلى التحسيني للضروري # بيان الأول أن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة على الأمور الخمسة ~~المذكورة فيما تقدم فإذا اعتبر قيام هذا الوجود الدنيوي مبنيا عليها حتى ~~إذا انخرمت لم يبق للدنيا وجود أعني ما هو خاص بالمكلفين والتكليف # وكذلك الأمور الأخروية لا قيام لها إلا بذلك # فلو عدم الدين عدم ترتب الجزاء المرتجى ولو عدم المكلف لعدم من يتدين ولو ~~عدم العقل لارتفع التدين ولو عدم النسل لم يكن في العادة بقاء ولو عدم ~~المال لم يبق عيش وأعني بالمال ما يقع عليه الملك واستبد به المالك عن غيره ~~إذا أخذه من وجهه ويستوي في ذلك الطعام والشراب واللباس على اختلافها وما ~~يؤدي إليها من جميع المتمولات فلو ارتفع ذلك لم يكن بقاء وهذا كله معلوم لا ~~يرتاب فيه من عرف ترتيب أحوال الدنيا وأنها زاد للآخرة # وإذا ثبت هذا فالأمور الحاجية إنما هي حائمة حول هذا الحمى إذ هي تتردد ~~على الضروريات تكملها بحيث ترتفع في القيام بها واكتسابها المشقات وتميل ~~بهم فيها إلى التوسط والإعتدال في الأمور حتى تكون جارية على وجه لا يميل ~~إلى إفراط ولا تفريط # وذلك مثل ما تقدم في اشتراط عدم الغرر والجهالة في البيوع وكما نقول في ~~رفع الحرج عن المكلف بسبب المرض حتى يجوز له الصلاة قاعدا أو مضطجعا ويجوز ~~له ترك الصيام في وقته إلى زمان صحته وكذلك ترك المسافر الصوم PageV02P017 ~~وشطر الصلاة وسائر ما تقدم في التمثيل وغير ذلك فإذا فهم هذا لم يرتب ~~العاقل في أن هذه الأمور الحاجية فروع دائرة حول الأمور الضرورية # وهكذا الحكم في التحسينية لأنها تكمل ما هو حاجي أو ضروري # فإذا كملت ما هو ضروري فظاهر وإذا كملت ما هو حاجي فالحاجي مكمل للضروري ~~والمكمل للمكمل مكمل فالتحسينية إذا كالفرع للأصل ms231 الضروري ومبني عليه # بيان الثاني يظهر مما تقدم لأنه إذا ثبت أن الضروري هو الأصل المقصود وأن ~~ما سواه مبني عليه كوصف من أوصافه أو كفرع من فروعه لزم من اختلاله اختلال ~~الباقيين لأن الأصل إذا اختل اختل الفرع من باب أولى # فلو فرضنا ارتفاع أصل البيع من الشريعة لم يكن اعتبار الجهالة والغرر # وكذلك لو ارتفع أصل القصاص لم يمكن اعتبار المماثلة فيه فإن ذلك من أوصاف ~~القصاص ومحال أن يثبت الوصف مع انتفاء الموصوف وكما إذا سقط عن المغمى عليه ~~أو الحائض أصل الصلاة لم يمكن أن يبقى عليهما حكم القراءة فيها أو التكبير ~~أو الجماعة أو الطهارة الحدثية أو الخبثية ولو فرض أن ثم حكما هو ثابت لأمر ~~فارتفع ذلك الأمر ثم بقي الحكم مقصودا لذلك الأمر كان هذا فرض محال ومن هنا ~~يعرف مثلا أن الصلاة إذا ارتفعت ارتفع ما هو تابع لها ومكمل من القراءة ~~والتكبير والدعاء وغير ذلك لأنها من أوصاف الصلاة بالفرض فلا يصح أن يقال ~~إن أصل الصلاة هو المرتفع وأوصافها بخلاف ذلك # وكذلك نقول إذا كان أصل الصلاة منهيا عنه قصدا أو الصيام كذلك كالنهي عن ~~الصلاة في طرفي النهار والنهي عن الصيام في العيد فكل ما تتصف به من ~~مكملاتها مندرج تحت أصل النهي من حيث نهي عن أصل الصلاة التي لها هيئة ~~اجتماعية في الوقوع لأن النهي عن العبادة المخصوصة من حيث هي كذلك PageV02P018 ~~ولا تكون منهيا عنها إلا بمجموع أفعالها وأقوالها فاندرجت المكملات تحت ~~النهي باندراج الكل # ولا يقال إن لهذه الأشياء حقائق في أنفسها لا تكون منهيا عنها بذلك ~~الإعتبار فلا يلزم أن تكون منهيا عنها مطلقا وإذا لم تكن منيها عنها على ~~الإطلاق لم يلزم ارتفاعها بارتفاع ما هي تابعة له فلا يلزم من إختلال الأصل ~~إختلال الفرع كما أصلت وأيضا فإن الوسائل لها مع مقاصدها هذه النسبة ~~كالطهارة مع الصلاة وقد تثبت الوسائل شرعا مع انتفاء المقاصد كجر الموس في ~~الحج على رأس من لا ms232 شعر له فالأشياء إذا كان لها حقائق في أنفسها فلا يلزم ~~من كونها وضعت مكملة أن ترتفع بارتفاع المكمل # لأنا نقول إن القراءة والتكبير وغيرهما لها اعتباران اعتبار من حيث هي من ~~أجزاء الصلاة واعتبار من حيث أنفسها فأما اعتبارها من الوجه الثاني فليس ~~الكلام فيه وإنما الكلام في اعتبارها من حيث هي أجزاء مكملة للصلاة وبذلك ~~الوجه صارت بالوضع كالصفة مع الموصوف ومن المحال بقاء الصفة مع انتفاء ~~الموصوف إذ الوصف معنى لا يقوم بنفسه عقلا فكذلك ما كان في الإعتبار مثله ~~فإذا كان كذلك لم يصح القول ببقاء المكمل مع انتفاء المكمل وهو المطلوب ~~وكذلك الصوم وأشباهه # وأما مسألة الوسائل فأمر آخر ولكن إن فرضنا كون الوسيلة كالوصف للمقصود ~~بكونه موضوعا لأجله فلا يمكن والحال هذه أن تبقى الوسيلة مع انتفاء المقصد ~~إلا أن يدل دليل على الحكم ببقائها فتكون PageV02P019 ~~إذ ذاك مقصودة لنفسها وإن انجر مع ذلك أن تكون وسيلة إلى مقصود آخر فلا ~~امتناع في هذا وعلى ذلك يحمل إمرار الموس على شعر من لا شعر له # وبهذه القاعدة يصح القول بإمرار الموس على رأس من ولد مختونا بناء على أن ~~ثم ما يدل على كون الإمرار مقصودا لنفسه وإلا لم يصح فالقاعدة صحيحة وما ~~اعترض به لا نقض فيه عليها والله أعلم بغيبه وأحكم # بيان الثالث أن الضروري مع غيره كالموصوف مع أوصافه ومن المعلوم أن ~~الموصوف لا يرتفع بارتفاع بعض أوصافه فكذلك في مسألتا لأنه يضاهيه # مثال ذلك الصلاة إذا بطل منها الذكر أو القراءة أو التكبير أو غير ذلك ~~مما يعد من أوصافها لأمر لا يبطل أصل الصلاة # وكذلك إذا ارتفع اعتبار الجهالة والغرر لا يبطل أصل البيع كما في الخشب ~~والثوب المحشو والجوز والقسطل والأصول المغيبة في الأرض كالجزر واللفت وأسس ~~الحيطان وما أشبه ذلك # وكذا لو ارتفع اعتبار المماثلة في القصاص لم يبطل أصل القصاص وأقرب ~~الحقائق إليه الصفة مع الموصوف فكما أن الصفة لا يلزم من بطلانها بطلان ~~الموصوف بها ms233 كذلك ما نحن فيه اللهم إلا ان تكون الصفة ذاتية بحيث صارت جزءا ~~من ماهية الموصوف فهي إذ ذاك ركن من أركان الماهية وقاعدة من قواعد ذلك ~~الأصل وينخرم الأصل بانخرام قاعدة من قواعده كما في الركوع والسجود ونحوهما ~~في الصلاة فإن الصلاة تنخرم من أصلها بانخرام شيء منها بالنسبة إلى القادر ~~عليها هذا لا نظر فيه والوصف الذي شأنه هذا ليس من المحسنات ولا من PageV02P020 ~~الحاجيات ولا من الضروريات # لا يقال إن من أوصاف الصلاة مثلا الكمالية أن لا تكون في دار مغصوبة ~~وكذلك الذكاة من تمامها أن لا تكون بسكين مغصوبة وما أشبهه ومع ذلك فقد قال ~~جماعة ببطلان أصل الصلاة وأصل الذكاة فقد عاد بطلان الوصف بالبطلان على ~~الموصوف # لأنا نقول من قال بالصحة في الصلاة والذكاة فعلى هذا الأصل المقرر بني ~~ومن قال بالبطلان فبنى على اعتبار هذا الوصف كالذاتي فكأن الصلاة في نفسها ~~منهي عنها من حيث كانت أركانها كلها التي هي أكوان غصبا لأنها أكوان حاصلة ~~في الدار المغصوبة وتحريم الأصل إنما يرجع إلى تحريم الأكوان فصارت الصلاة ~~نفسها منهيا عنها كالصلاة في طرفي النهار والصوم في يوم العيد # وكذلك الذكاة حين صارت السكين منهيا عن العمل بها لأن العمل بها غصب كان ~~هذا العمل المعين وهو الذكاة منهيا عنه فصار أصل الذكاة منهيا عنه فعاد ~~البطلان إلى الأصل بسبب بطلان وصف ذاتي بهذا الاعتبار # ويتصور هنا النظر في أبحاث هي منشأ الخلاف في مسألة الصلاة في الدار ~~المغصوبة # ولكنها غير قادحة في أصلنا المذكور إذ لا يتصور فيه خلاف لأن أصله عقلي ~~وإنما يتصور الخلاف في إلحاق الفروع به أو عدم إلحاقها به # بيان الرابع من أوجه # أحدها أن كل واحدة من هذه المراتب لما كانت مختلفة في تأكد الاعتبار ~~فالضروريات آكدها ثم تليها الحاجيات والتحسينات وكان مرتبطا بعضها ببعض كان ~~في إبطال الأخف جرأة على ما هو آكد منه ومدخل للإخلال به فصار الأخف كأنه ~~حمى للآكد والراتع حول الحمى يوشك أن ms234 يقع فيه فالمخل بما هو مكمل كالمخل ~~بالمكمل من هذا الوجه PageV02P021 ~~ومثال ذلك الصلاة فإن لها مكملات وهي هنا سوى الأركان والفرائض ومعلوم أن ~~المخل بها متطرق للإخلال بالفرائض والأركان لأن الأخف طريق إلى الأثقل ومما ~~يدل على ذلك ما في الحديث من قوله عليه السلام كالراتع حول الحمى يوشك أن ~~يقع فيه وفي الحديث # لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده وقول من ~~قال إني لأجعل بيني وبين الحرام سترة من الحلال ولا أحرمها # وهوأصل مقطوع به متفق عليه ومحل ذكره القسم الثاني من هذا الكتاب # فالمتجرىء على الأخف بالإخلال به معرض للتجرؤ على ما سواه فكذلك المتجرىء ~~على الإخلال بها يتجرأ على الضروريات فإذا قد يكون في إبطال الكمالات ~~بإطلاق إبطال الضروريات بوجه ما # ومعنى ذلك أن يكون تاركا للمكملات ومخلا بها باطلاق بحيث لا يأتي بشيء ~~منها وإن أتى بشيء منها كان نزرا أو يأتي بجملة منها إن تعددت إلا ان ~~الأكثر هو المتروك والمخل به ولذلك لو اقتصر المصلي على ما هو فرض في ~~الصلاة لم يكن في صلاته ما يستحسن وكانت إلى اللعب أقرب ومن هنا يقول ~~بالبطلان في ذلك من يقوله وكذلك نقول في البيع إذا فات فيه ما هو من ~~المكملات كانتفاء الغرر والجهالة أوشك أن لا يحصل للمتعاقدين أو لأحدهما ~~مقصود فكان وجود العقد كعدمه بل قد يكون عدمه أحسن من وجوده وكذلك سائر ~~النظائر # والثاني أن كل درجة بالنسبة إلى ما هو آكد منها كالنفل بالنسبة إلى ما هو ~~فرض فستر العورة واستقبال القبلة بالنسبة إلى أصل الصلاة كالمندوب PageV02P022 ~~إليه وكذلك قراءة السورة والتكبير والتسبيح بالنسبة إلى أصل الصلاة وهكذا ~~كون المأكول والمشروب غير نجس ولا مملوك للغير ولا مفقود الذكاة بالنسبة ~~إلى أصل إقامة البنية وإحياء النفس كالنفل وكذلك كون المبيع معلوما ومنتفعا ~~به شرعا وغير ذلك من أوصافه بالنسبة إلى أصل البيع كالنافلة ### || AUTO وقد تقرر في - كتاب الأحكام أن المندوب إليه بالجزء ينتهض أن ms235 ~~يصير واجبا بالكل فالإخلال بالمندوب مطلقا يشبه الإخلال بالركن من أركان ~~الواجب لأنه قد صار ذلك المندوب بمجموعه واجبا في ذلك الواجب فكذلك إذا أخل ~~بما هو بمنزلته أو شبيه به فمن هذا الوجه أيضا يصح أن يقال إن إبطال ~~المكملات بإطلاق قد يبطل الضروريات بوجه ما # والثالث أن مجموع الحاجيات والتحسينيات ينتهض أن يكون كل واحد منهما كفرد ~~من أفراد الضروريات وذلك أن كمال الضروريات من حيث هي ضروريات إنما يحسن ~~موقعه حيث يكون فيها على المكلف سعة وبسطة من غير تضييق ولا حرج وحيث يبقى ~~معها خصال معاني العادات ومكارم الأخلاق موفرة الفصول مكملة الأطراف حتى ~~يستحسن ذلك أهل العقول فإذا أخل بذلك لبس قسم الضروريات لبسة الحرج والعنت ~~واتصف بضد ما يستحسن في العادات فصار الواجب الضروري متكلف العمل وغير صاف ~~في النظر الذي وضعت عليه الشريعة وذلك ضد ما وضعت عليه وفي الحديث # بعثت لأتمم مكارم الأخلاق فكأنه لو فرض فقدان PageV02P023 ~~المكملات لم يكن الواجب واقعا على مقتضى ذلك وذلك خلل في الواجب ظاهر أما ~~إذا كان الخلل في المكمل للضروري واقعا في بعض ذلك وفي يسيرمنه بحيث لا ~~يزيل حسنه ولا يرفع بهجته ولا يغلق باب السعة عنه فذلك لا يخل به وهو ظاهر # والرابع أن كل حاجي وتحسيني إنما هو خادم للأصل الضروري ومؤنس به ومحسن ~~لصورته الخاصة إما مقدمة له أو مقارنا أو تابعا وعلى كل تقدير فهو يدور ~~بالخدمة حواليه فهو أحرى أن يتأدى به الضروري على أحسن حالاته # وذلك أن الصلاة مثلا إذا تقدمتها الطهارة أشعرت بتأهب لأمر عظيم فإذا ~~استقبل القبلة أشعر التوجه بحضور المتوجه إليه فإذا أحضر نية التعبد أثمر ~~الخضوع والسكون ثم يدخل فيها على نسقها بزيادة السورة خدمة لفرض أم القرآن ~~لأن الجميع كلام الرب المتوجه إليه وإذا كبر وسبح وتشهد فذلك كله تنبيه ~~للقلب وإيقاظ له أن يغفل عما هو فيه من مناجاة ربه والوقوف بين يديه وهكذا ~~إلى آخرها فلو قدم قبلها نافلة كان ذلك ms236 تدريجا للمصلي واستدعاء للحضور ولو ~~أتبعها نافلة أيضا لكان خليقا باستصحاب الحضور فى الفريضة # وفى الإعتبار فى ذلك أن جعلت أجزاء الصلاة غير خالية من ذكر مقرون بعمل ~~ليكون اللسان والجوارح متطابقة على شىء واحد وهو الحضور مع الله فيها ~~بالإستكانة والخضوع والتعظيم والإنقياد ولم يخل موضع من الصلاة من قول أو ~~عمل لئلا يكون ذلك فتحا لباب الغفلة ودخول وساوس الشيطان فأنت ترى أن هذه ~~المكملات الدائرة حول حمى الضروري خادمة له ومقوية لجانبه فلو خلت عن ذلك ~~أو عن أكثره لكان خللا فيها وعلى هذا PageV02P024 ~~الترتيب يجرى سائر الضروريات مع مكملاتها لمن اعتبرها # بيان الخامس ظاهر مما تقدم لأنه إذا كان الضروري قد يختل بإختلال مكملاته ~~كانت المحافظة عليها لأجله مطلوبة ولأنه إذا كانت زينة لا يظهر حسنه إلا ~~بها كان من الأحق أن لا يخل بها # وبهذا كله يظهر أن المقصود الأعظم فى المطالب الثلاثة المحافظة على الأول ~~منها وهو قسم الضروريات ومن هنالك كان مراعي فى كل ملة بحيث لم تختلف فيه ~~الملل كما اختلفت فى الفروع فهى أصول الدين وقواعد الشريعة وكليات الملة ### || AUTO المسألة الخامسة # المصالح المثبوتة فى هذه الدار ينظر فيها من جهتين من جهة مواقع الوجود ~~ومن جهة تعلق الخطاب الشرعي بها # فأما النظر الأول فإن المصالح الدنيوية من حيث هى موجودة هنا لا يتخلص ~~كونها مصالح محضة وأعني بالمصالح ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه ~~ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق حتى يكون منعما على ~~الإطلاق وهذا فى مجرد الإعتياد لا يكون لأن تلك المصالح مشوبة بتكاليف ~~ومشاق قلت أو كثرت تقترن بها أو تسبقها أو تلحقها كالأكل والشرب واللبس ~~والسكني والركوب والنكاح وغير ذلك فإن هذه الأمور لا تنال إلا بكد وتعب # كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة من حيث مواقع الوجود إذ ما PageV02P025 ~~من مفسدة تفرض فى العادة الجارية إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من ~~الرفق واللطف ونيل اللذات كثير ويدلك عل ms237 ذلك ما هو الأصل وذلك أن هذه الدار ~~وضعت على الإمتزاج بين الطرفين والاختلاط بين القبيلين فمن رام استخلاص جهة ~~فيها لم يقدر على ذلك وبرهانه التجربة التامة من جميع الخلائق وأصل ذلك ~~الأخبار بوضعها على الابتلاء والاختبار والتمحيص قال الله تعالى ونبلوكم ~~بالشر والخير فتنة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وما فى هذا المعنى وقد جاء فى الحديث # حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات فلهذا لم يخلص فى الدنيا لأحد ~~جهة خالية من شركة الجهة الأخرى # فإذا كان كذلك فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ~~ما غلب فإذا كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفا وإذا غلبت ~~الجهة الأخرى فهى المفسدة المفهومة عرفا ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبا ~~إلى الجهة الراجحة فإن رجحت المصلحة فمطلوب ويقال فيه إنه مصلحة وإذا غلبت ~~جهة المفسدة فمهروب عنه ويقال إنه مفسدة على ما جرت به العادات فى مثله فإن ~~خرج عن مقتضى العادات فله نسبة أخرى وقسمة غير هذه القسمة # هذا وجه النظر فى المصلحة الدنيوية والمفسدة الدنيوية من حيث مواقع ~~الوجود فى الأعمال العادية # وأما النظر الثانى فيها من حيث تعلق الخطاب بها شرعا فالمصلحة إذا كانت ~~هى الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة فى حكم الإعتياد فهى المقصودة PageV02P026 ~~شرعا ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى ~~سبيل وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود على مقتضى العادات ~~الجارية فى الدنيا فإن تبعها مفسدة أو مشقة فليست بمقصودة فى شرعية ذلك ~~الفعل وطلبه # وكذلك المفسدة إذا كانت هى الغالبة بالنظر إلى المصلحة فى حكم الإعتياد ~~فرفعها هو المقصود شرعا ولأجله وقع النهي ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان ~~العادي فى مثلها حسبما يشهد له كل عقل سليم فإن تبعتها مصلحة أو لذة فليست ~~هى المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل بل المقصود ما غلب فى المحل وما سوى ذلك ~~ملغي فى مقتضى النهي كما كانت جهة المفسدة ملغاة فى جهة الأمر # فالحاصل من ذلك أن ms238 المصالح المعتبرة شرعا أو المفاسد المعتبرة شرعا هى ~~خالصة غير مشوبة بشىء من المفاسد لا قليلا ولا كثيرا وإن توهم أنها مشوبة ~~فليست فى الحقيقة الشرعية كذلك لأن المصلحة المغلوبة أو المفسدة المغلوبة ~~إنما المراد بها ما يجري فى الإعتياد الكسبي من غير خروج إلى زيادة تقتضى ~~التفات الشارع إليها على الجملة وهذا المقدار هو الذى قيل إنه غير مقصود ~~للشارع فى شرعية الأحكام # والدليل على ذلك أمران أحدهما أن الجهالة المعلومة لو كانت مقصودة للشارع ~~أعني معتبرة عند الشارع لم يكن الفعل مأمورا به بإطلاق ولا منهيا عنه ~~بإطلاق بل كان يكون مأمورا به من حيث المصلحة ومنهيا عنه من حيث المفسدة ~~ومعلوم قطعا أن الأمر ليس كذلك PageV02P027 ~~وهذا يتبين فى أعلى المراتب فى الأمر والنهي كوجوب الإيمان وحرمة الكفر ~~ووجوب إحياء النفوس ومنع إتلافها وما أشبه ذلك فكان يكون الإيمان الذى لا ~~أعلى منه فى مراتب التكليف منهيا عنه من جهة مافيه من كسر النفس من إطلاقها ~~وقطعها عن نيل أغراضها وقهرها تحت سلطان التكليف الذى لا لذة فيه لها وكان ~~الكفر الذى يقتضى إطلاق النفس من قيد التكليف وتمتعها بالشهوات من غير خوف ~~مأمور به أو مأذونا فيه لأن الأمور الملذوذة والمخرجة عن القيود القاهرة ~~مصلحة على الجملة وكل هذا باطل محض بل الإيمان مطلوب بإطلاق والكفر منهى ~~عنه بإطلاق فدل على أن جهة المفسدة بالنسبة إلى طلب الإيمان وجهة المصلحة ~~بالنسبة إلى النهي عن الكفران غير معتبرة شرعا وإن ظهر تأثيرها عادة وطبعا # والثانى أن ذلك لو كان مقصود الإعتبار شرعا لكان تكليف العبد كله تكليفا ~~بما لا يطاق وهو باطل شرعا أما كون تكليف ما لا يطاق باطلا شرعا فمعلوم فى ~~الأصول وأما بيان الملازمة فلأن الجهة المرجوحة مثلا مضادة فى الطلب للجهة ~~الراجحة وقد أمر مثلا بإيقاع المصلحة الراجحة لكن على وجه يكون فيه منهيا ~~عن إيقاع المفسدة المرجوحة فهو مطوب بإيقاع الفعل ومنهى عن إيقاعه معا ~~والجهتان غير منفكتين لما تقدم من أن ms239 المصالح والمفاسد غير متمحضة فلا بد ~~فى إيقاع الفعل أو عدم إيقاعه من توارد الأمر والنهي معا فقد قيل له افعل ~~ولا تفعل لفعل واحد أي من وجه واحد فى الوقوع وهو عين تكليف ما لا يطلق # لا يقال إن المصلحة قد تكون غير مأمور بها ولكن مأذونا فيها فلا يجتمع ~~الأمر والنهي معا فلا يلزم المحظور # لأنا نقول إن هذا لا يطرد فى جميع المصالح فإن المصلحة كما يصح أن تكون ~~مأذونا فيها يصح أن تكون مأمورا بها وإن سلم ذلك فالإذن مضاد للأمر والنهي PageV02P028 ~~معا فإن التخيير مناف لعدم التخيير وهما واردان على الفعل الواحد فورود ~~الخطاب بهما معا خطاب بما لا يستطاع إيقاعه على الوجه المخاطب به وهو ما ~~أردنا بيانه وليس هذا كالصلاة فى الدار المغصوبة لإمكان الإنفكاك بأن يصلى ~~فى غير الدار وهذا ليس كذلك # فإن قيل إن هذا التقدير مشير لما ذهب إليه الفلاسفة ومن تبعهم من أن الشر ~~ليس بمقصود الفعل وإنما االمقصود الخير فإذا خلق الله تعالى خلقا ممتزجا ~~خيره بشره فالخير هو الذى خلق الخلق لأجله ولم يخلق لأجل الشر وإن كان ~~واقعا به كالطبيب عندهم إذا سقى المريض الدواء المر البشع المكروه فلم يسقه ~~إياه لأجل ما فيه من المرارة والأمر المكروه بل لأجل ما فيه من الشفاء ~~والراحة وكذلك الإيلام بالقصد والحجامة وقطع العضو 8 المتأكل إنما قصده ~~بذلك جلب الراحة ودفع المضار فكذلك عندهم جميع ما فى الوجود من المفاسد ~~المسببة عن أسبابها فما تقدم شبيه بهذا من حيث قلت إن الشارع مع قصده ~~التشريع لأجل المصلحة لا يقصد وجه المفسدة مع أنها لازمة للمصلحة وهو أيضا ~~مشير إلى مذاهب المعتزلة القائلين بأن الشرور والمفاسد غير مقصودة الوقوع ~~وأن وقوعها إنما هو على خلاف الإرادة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ### || AUTO فالجواب أن كلام الفلاسفة إنما هو فى القصد الخلقي التكويني ~~وليس كلامنا فيه وإنما كلامنا فى القصد التشريعي وقد تبين الفرق بينهما فى ~~موضعه من - كتاب ms240 الأوامر والنواهى ومعلوم أن الشريعة وضعت لمصالح الخلق PageV02P029 ~~بإطلاق حسبما تبين في موضعه فكل ما شرع لجلب مصلحة أو دفع مفسدة فغير ~~مقصود فيه ما يناقض ذلك وإن كان واقعا بالوجود فبالقدرة القديمة وعن ~~الإرادة القديمة لا يعزب عن علم الله وقدرته وإرادته شيء من ذلك كله في ~~الأرض ولا في السماء وحكم التشريع أمر آخر له نظر وترتيب آخر على حسب ما ~~وضعه والأمر والنهي لا يستلزمان إرادة الوقوع أو عدم الوقوع وإنما هذا قول ~~المعتزلة وبطلانه مذكور في علم الكلام فالقصد التشريعي شيء والقصد الخلقي ~~شيء آخر لا ملازمة بينهما ### || AUTO فصل # وأما إذا كانت المصلحة أو المفسدة خارجة عن حكم الإعتياد بحيث لو انفردت ~~لكانت مقصودة الإعتبار للشارع ففي ذلك نظر ولا بد من تمثيل ذلك ثم تخليص ~~الحكم فيه بحول الله # مثاله أكل الميتة للمضطر وأكل النجاسات والخبائث اضطرارا وقتل القاتل ~~وقطع القاطع وبالجملة العقوبات والحدود للزجر وقطع اليد المتأكلة وقلع ~~الضرس الوجعة والإبلام بقطع العروق والقصد وغير ذلك للتداوي وما أشبه ذلك ~~من الأمور التي انفردت عما غلب عليها لكان النهي عنها متوجها وبالجملة كل ~~ما تعارضت فيه الأدلة # فلا يخلو أن تتساوى الجهتان أو تترجح إحداهما على الأخرى # فإن تساوتا فلا حكم من جهة المكلف بأحد الطرفين دون الاخر إذ اظهر ~~التساوي بمقتضى الأدلة ولعل هذا غير واقع في الشريعة وإن فرض وقوعه PageV02P030 ~~فلا ترجيح إلا بالتشهي من غير دليل وذلك في الشرعيات باطل باتفاق وأما أن ~~قصد الشارع متعلق بالطرفين معا طرف الإقدام وطرف الإحجام فغير صحيح لأنه ~~تكليف ما لا يطاق إذ قد فرضنا تساوي الجهتين على الفعل الواحد فلا يمكن أن ~~يؤمر به وينهى عنه معا ولا يكون أيضا القصد غير متعلق بواحدة منهما إذ قد ~~فرضنا أن توارد الأمر والنهي معا وهما علمان على القصد على الجملة حسبما ~~يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى إذ لا أمر ولا نهي من غير اقتضاء فلم يبق ~~إلا أن يتعلق بإحدى الجهتين ms241 دون الأخرى ولم يتعين ذلك للمكلف فلا بد من التوقف # وأما إن ترجحت إحدى الجهتين على الأخرى فيمكن أن يقال إن قصد الشارع ~~متعلق بالجهة الأخرى إذ لو كان متعلقا بالجهة الأخرى لما صح الترجيح ولكان ~~الحكم كما إذا تساوت الجهتان فيجب الوقف وذلك غير صحيح مع وجود الترجيح ~~ويمكن أن يقال إن الجهتين معا عند المجتهد معتبرتان إذ كل واحدة منهما ~~يحتمل أن تكون هي المقصودة للشارع ونحن إنما كلفنا بما ينقدح عندنا أنه ~~مقصود للشارع لا بما هو مقصوده في نفس الأمر فالراجحة وإن ترجحت لا تقطع إمكان PageV02P031 ~~كون الجهة الأخرى هي المقصودة للشارع إلا أن هذا الإمكان مطرح في التكليف ~~إلا عند تساوي الجهتين وغير مطرح في النظر ومن هنا نشأت قاعدة مراعاة ~~الخلاف عند طائفة من الشيوخ والإمكان الأول جار على طريقة المصوبين والثاني ~~جار على طريقة المخطئين # وعلى كل تقدير فالذي يلخص من ذلك أن الجهة المرجوحة غير مقصودة الإعتبار ~~شرعا عند اجتماعها مع الجهة الرجحة إذ لو كانت مقصودة للشارع لاجتمع الأمر ~~والنهي معا على الفعل الواحد فكان تكليفا بما لا يطاق وكذلك يكون الحكم في ~~المسائل الإجتهادية كلها سواء علينا أقلنا إن كل مجتهد مصيب أم لا فلا فرق ~~إذا بين ما كان من الجهات المرجوحة جاريا على الإعتياد أو خارجا عنه ~~فالقياس مستمر والبرهان مطلق في القسمين وذلك ما أردنا بيانه فإن قيل أفلا ~~تكون الجهة المغلوبة مقصودة للشارع بالقصد الثاني فإن مقاصد الشارع تنقسم ~~إلى دينك هكذا وإن في الكتاب الضربين # فالجواب أن القصد الثاني إنما يثبت إذا لم يناقض القصد الأول فإذا ناقضه ~~لم يكن مقصودا بالقصد الأول ولا بالقصد الثاني وهذا مذكور في موضعه من هذا ~~الكتاب وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة السادسة # لما كانت المصالح والمفاسد على ضربين دنيوية وأخروية وتقدم الكلام على ~~الدنيوية اقتضى الحال الكلام في المصالح والمفاسد الأخروية فنقول إنها على ضربين # أحدهما أن تكون خالصة لا امتزاج لأحد القبيلين بالآخر كنعيم أهل الجنان ~~وعذاب أهل ms242 الخلود في النيران أعاذنا الله من النار وأدخلنا الجنة PageV02P032 ~~برحمته # والثاني أن تكون ممتزجة وليس ذلك إلا بالنسبة إلى من يدخل النار من ~~الموحدين في حال كونه في النار خاصة فإذا أدخل الجنة برحمة الله رجع إلى ~~القسم الأول وهذا كله حسبما جاء في الشريعة إذ ليس للعقل في الأمور ~~الأخروية مجال وإنما تتلقى أحكامها من السمع # أما كون هذا القسم الثاني ممتزجا فظاهر لأن النار لا تنال منهم مواضع ~~السجود ولا محل الإيمان وتلك مصلحة ظاهرة وأيضا فإنما تأخذهم على قدر ~~أعمالهم وأعمالهم لم تتمحض للشر خاصة فلا تأخذهم النار أخذ من لا خير في ~~عمله على حال وهذا كاف في حصول المصلحة الناشئة من الإيمان والأعمال ~~الصالحة ثم الرجاء المعلق بقلب المؤمن راحة ما حاصلة له مع التعذيب فهي ~~تنفس عنه من كرب النار إلى غير ذلك من الأمور الجزئية الآتية في الشريعة من ~~استقراها ألفاها # وأما كون الأول محضا فيدل عليه من الشريعة أدلة كثيرة كقوله تعالى لا ~~يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وقوله فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار الآية ~~وقوله لا يموت فيها ولا يحيى وهو أشد ما هنالك إلى سائر ما يدل على الإبعاد ~~من الرحمة وفي الجنة آيات آخر وأحاديث تدل على أن لا عذاب ولا مشقة ولا ~~مفسدة كقوله إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين إلى قوله لا ~~يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين وقوله سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ~~إلى غير ذلك مما هو معلوم وقد بين ذلك ربنا بقوله في الجنة أنت رحمتي وفي ~~النار أنت عذابي PageV02P033 ~~فسمى هذه بالرحمة مبالغة وهذه بالعذاب مبالغة # فإن قيل كيف يستقيم هذا وقد ثبت أن في النار دركات بعضها أشد من بعض كما ~~أنه جاء في الجنة أن فيها درجات بعضها فوق بعض وجاء في بعض أهل النار أنه ~~في ضحضاح مع أنه من المخلدين وجاء أن في الجنة من يحرم بعض نعيمها كالذي ~~يموت مدمن خمر ولم يتب ms243 منها وإذا كانت دركات الجحيم أعاذنا الله منها بعضها ~~أشد فالذي دون الأشد أخف من الأشد والخفة مما يقتضيه وصف الرحمة التي تحصل ~~مصلحة ما وأيضا فالقدر الذي وصل إليه العذاب بالنسبة إلى ما يتوهم فوقه ~~خفيف كما أنه شديد بالنسبة إلى ما هو دونه وإذا تصورت الخفة ولو بنسبة ما ~~فهي مصلحة في ضمن مفسدة العذاب كما أن درجات الجنة كذلك في الطرف الآخر فإن ~~الجزاء على حسب العمل وإذا كان عمل الطاعة قليلا بسبب كثرة المخالفة كان ~~الجزاء على تلك النسبة ومعلوم أن رتبة آخر من يدخل الجنة ليست كرتبة من لم ~~يعص الله قط ودأب على الطاعات عمره وإنما ذلك لأجل عمل الأول السببي فكان ~~جزاؤه على الطاعة في الآخرة نعيما كدره عليه كثرة المخالفة وهذا معنى ~~ممازجة المفسدة فإذا كان كذلك فالقسمان معا قسم واحد # فالجواب أنه لا يصح في المنقول ألبتة أن تكون الجنة ممتزجة النعيم ~~بالعذاب ولا أن فيها مفسدة ما بوجه من الوجوه هذا مقتضى نقل الشريعة نعم ~~العقل لا يحيل ذلك فإن أحوال الآخرة ليست جارية على مقتضيات العقول كما أنه ~~لا يصح أن يقال في النار إن فيها للمخلدين رحمة تقتضي مصلحة ما # ولذلك قال تعالى لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون فلا حالة هنالك ليستريحوا ~~إليها وإن قلت كيف وهي دار العذاب عياذا بالله منها وما جاء في حرمان الخمر ~~فذلك راجع إلى معنى المراتب فلا يجد من يحرمها ألما بفقدها PageV02P034 ~~كما لا يجد الجميع ألما بفقد شهوة الولد أما المخرج إلى الضحضاح فأمر خاص ~~كشهادة خزيمة وعناق أبي بردة ولا نقض بمثل ذلك على الأصول الإستقرائية ~~القطعية # غير أنه يجب النظر هنا فى وجه تفاوت الدرجات والدركات لما ينبني على ذلك ~~من الفوائد الفقهية لا من جهة أخرى # وذلك أن المراتب وإن تفاوتت لايلزم من تفاوتها نقيض ولا ضد ومعنى هذا أنك ~~إذا قلت فلان عالم فقد وصفته بالعلم وأطلقت ذلك عليه إطلاقا بحيث لا يستراب ~~فى حصول ذلك ms244 الوصف له على كماله فإذا قلت وفلان فوقه فى العلم فهذا الكلام ~~يقتضى أن الثاني حاز رتبة فى العلم فوق رتبة الأول ولا يقتضى أن الأول متصف ~~بالجهل ولو على وجه ما فكذلك إذا قلت مرتبة الأنبياء فى الجنة فوق مرتبة ~~العلماء فلا يقتضى ذلك للعلماء نقصا من النعيم ولا غضا من المرتبة بحيث ~~يداخله ضده بل العلماء منعمون نعيما لا نقص فيه والأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام فوق ذلك فى النعيم الذي لا نقص فيه # وكذلك القول فى العذاب بالنسبة إلى المنافقين وغيرهم كل فى العذاب لا ~~يداخله راحة ولكن بعضهم أشد عذابا من بعض # ولأجل ذلك لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن خير دور الأنصار أجاب بما ~~عليه الأمر فى ترتيبهم فى الخيرية بقوله خير دور الأنصار بنو النجار ثم بنو ~~عبد الأشهل ثم بنو الحرث بن الخزرج ثم بنو ساعدة ثم قال وفى كل دور الأنصار ~~خير رفعا لتوهم الضد من حيث كانت أفعل التفصيل PageV02P035 ~~قد تستعمل على ذلك الوجه كقوله تعالى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير ~~وأبقى ونحو ذلك فلم يكن تفضيله عليه الصلاة والسلام بعض دور الأنصار على ~~بعض تنقيصا بالمفضول ولو قصد ذلك لكان أقرب إلى الذم منه إلى المدح وقد بين ~~الحديث هذا المعنى المقرر فإن في آخره فلحقنا سعد ابن عبادة فقال ألم تر أن ~~نبي الله خير الأنصار فجعلنا خيرا فقال # أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الأخيار لكن التقديم في الترتيب يقتضي رفع ~~المزية ولا يقتضي اتصاف المؤخر بالضد لا قليلا ولا كثيرا # وكذلك يجري حكم التفضيل بين الأشخاص وبين الأنواع وبين الصفات # وقد قال الله تعالى تلك الرسل فصلنا بعضهم على بعض ولقد فضلنا بعض ~~النبيين عل بعض وفي الحديث # المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير # وحاصل هذا أن ترتيب أشخاص النوع الواحد بالنسبة إلى حقيقة النوع لا يمكن ~~وإنما يكون بالنسبة إلى ما يمتاز به بعض الأشخاص من الخواص والأوصاف ms245 ~~الخارجة عن حقيقة ذلك النوع وهذا معنى حسن جدا من تحققه هانت عليه معضلات ~~ومشكلات في فهم الشريعة كالتفضيل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وزيادة ~~الإيمان ونقصانه وغير ذلك من الفروع الفقهية والمعاني الشرعية التي زلت ~~بسبب الجهل بها أقدام كثير من الناس # وبالله التوفيق PageV02P036 ### || AUTO المسألة السابعة # إذا ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية # وذلك على وجه لا يختل لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء وسواء في ~~ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات فإنها لو كانت ~~موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها أو تخل أحكامها لم يكن التشريع موضوعا لها ~~إذ ليس كونها مصالح إذا ذاك بأولى من كونها مفاسد لكن الشارع قاصد بها أن ~~تكون مصالح على الإطلاق فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا وكليا ~~وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال وكذلك وجدنا الأمر ~~فيها والحمد لله # وأيضا فسيأتي بيان أن الأمور الثلاثة كلية في الشريعة لا تختص على الجملة ~~وإن تنزلت إلى الجزئيات فعلى وجه كلي وإن خصت بعضا فعلى نظر الكلي كما أنها ~~إن كانت كلية فليدخل تحتها الجزئيات فالنظر الكلي فيها منزل للجزئيات ~~وتنزله للجزئيات لا يخرم كونه كليا وهذا المعنى إذا ثبت دل على كمال النظام ~~في التشريع وكمال النظام فيه يأبى أن ينخرم ما وضع له وهو المصالح ### || AUTO المسألة الثامنة # المصالح المجتلبة شرعا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة ~~الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية PageV02P037 ~~أو درء مفاسدها العادية والدليل على ذلك أمور # أحدها ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى أن الشريعة إنما جاءت لتخرج ~~المكلفين عن دواعي أهوائهم حتى يكونوا عبادا لله وهذا المعنى إذا ثبت لا ~~يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس وطلب منافعها ~~العاجلة كيف كانت وقد قال ربنا سبحانه ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات ~~والأرض ومن فيهن ms246 الآية والثاني ما تقدم معناه من أن المنافع الحاصلة للمكلف ~~مشوبة بالمضار PageV02P038 ~~عادة كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع كما نقول إن النفوس محترمة محفوظة ~~ومطلوبة الإحياء بحيث إذا دار الأمر بين إحيائها وإتلاف المال عليها أو ~~اتلافها وإحياء المال كان إحياؤها أولى فإن عارض إحياؤها إماتة الدين كان ~~إحياء الدين أولى وإن أدى إلى إماتتها كما جاء في جهاد الكفار وقتل المرتد ~~وغير ذلك وكما إذا عارض إحياء نفس واحدة إماتة نفوس كثيرة في المحارب مثلا ~~كان إحياء النفوس الكثيرة أولى وكذلك إذا قلنا الأكل والشرب فيه إحياء ~~النفوس وفيه منفعة ظاهرة مع أن فيه من المشاق والآلام فى تحصيله ابتداء وفى ~~استعماله حالا وفي لوازمه وتوابعه انتهاء كثيرا # ومع ذلك فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم وهو جهة المصلحة التي هي عماد ~~الدين والدنيا لا من حيث أهواء النفوس حتى إن العقلاء قد اتفقوا على هذا ~~النوع في الجملة وإن لم يدركوا من تفاصيلها قبل الشرع ما أتى به الشرع فقد ~~اتفقوا في الجملة على اعتبار إقامة الحياة الدنيا لها أو للآخرة بحيث منعوا ~~من اتباع جملة من أهوائهم بسبب ذلك هذا وإن كانوا بفقد الشرع عل غير شيء ~~فالشرع لما جاء بين هذا كله وحمل المكلفين عليه طوعا أو كرها ليقيموا أمر ~~دنياهم لآخرتهم # والثالث أن المنافع والمضار عامتها أن تكون اضافية لا حقيقية ومعنا كونها ~~اضافية أنها منافع أو مضار في حال دون حال وبالنسبة إلى شخص دون شخص أو وقت ~~دون وقت فالأكل والشرب مثلا منفعة للإنسان ظاهرة ولكن عند وجود داعية الأكل ~~وكون المتناول لذيذا طيبا لا كريها ولا مرا وكونه لا يولد ضررا عاجلا ولا ~~آجلا وجهة اكتسابه لا يلحقه به ضرر PageV02P039 ~~عاجل ولا آجل ولا يلحق غيره بسببه أيضا ضرر عاجل ولا آجل وهذه الأمور قلما ~~تجتمع فكثير من المنافع تكون ضررا على قوم لا منافع أو تكون ضررا فى وقت أو ~~حال ولا تكون ضررا في آخر وهذا كله بين في كون ms247 المصالح والمفاسد مشروعة أو ~~ممنوعة لإقامة هذه الحياة لا لنيل الشهوات ولو كانت موضوعة لذلك لم يحصل ~~ضرر مع متابعة الأهواء ولكن ذلك لا يكون فدل على أن المصالح والمفاسد لا ~~تتبع الأهواء # والرابع أن الإغراض في الأمر الواحد تختلف بحيث إذا نفذ غرض بعض وهو ~~منتفع به تضرر آخر لمخالفة غرضه فحصول الإختلاف في الأكثر يمنع من أن يكون ~~وضع الشريعة على وفق الأغراض وإنما يستتب أمرها بوضعها على وفق المصالح ~~مطلقا وافقت الأغراض أو خالفتها ### || AUTO فصل # وإذا ثبت هذا انبنى عليه قواعد # منها أنه لا يستمر إطلاق القول بأن الأصل في المنافع الأذن وفي المضار ~~المنع كما قرره الفخر الرازي إذ لا يكاد يوجد انتفاع حقيقي ولا ضرر حقيقي ~~وإنما عامتها أن تكون إضافية PageV02P040 ~~والمصالح والمفاسد إذا كانت راجعة إلى خطاب الشارع وقد علمنا من خطابه أنه ~~يتوجه بحسب الأحوال والأشخاص والأوقات حتى يكون الإنتفاع المعين مأذونا فيه ~~وقت أو حال أو بحسب شخص وغير مأذون فيه إذا كان على غير ذلك فكيف يسوغ ~~إطلاق هذه العبارة أن الأصل فى المنافع الإذن وفى المضار المنع # وأيضا فإذا كانت المنافع لا تخلو من مضار وبالعكس فكيف يجتمع الإذن ~~والنهي على الشىء الواحد وكيف يقال إن فى الأصل فى الخمر مثلا الإذن من حيث ~~منفعة الإنتشاء والتشجيع وطرد الهموم والأصل فيها أيضا المنع من حيث مضرة ~~سلب العقل والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهما لا ينفكان أويقال الأصل فى ~~شرب الدواء المنع لمضرة شربه لكراهته وفظاعته ومرارته والأصل فيه الإذن ~~لأجل الإنتفاع به وهما غير منفكين فيكون الأصل فى ذلك كله الإذن وعدم الإذن ~~معا وذلك محال # فإن قيل المعتبر عند التعارض الراجح فهو الذي ينسب إليه الحكم وما سواه ~~فى حكم المغفل المطرح # فالجواب أن هذا مما يشد ما تقدم إذ هو دليل على أن المنافع ليس أصلها ~~الإباحة بإطلاق وأن المضار ليس أصلها المنع بإطلاق بل الأمر فى ذلك راجع ~~إلى ما تقدم وهو ما تقوم ms248 به الدنيا للآخرة وإن كان فى الطريق ضرر ما متوقع ~~أو نفع ما مندفع PageV02P041 ~~ومنها أن القرافي أورد إشكالا فى المصالح والمفاسد ولم يجب عنه وهو عنده ~~لازم لجميع العلماء المعتبرين للمصالح والمفاسد فقال # المراد بالمصلحة والمفسدة إن كان مسماهما كيف كانا فما من مباح إلا وفيه ~~فى الغالب مصالح ومفاسد فإن أكل الطيبات ولبس اللينات فيها مصالح الأجساد ~~ولذات النفوس وآلام ومفاسد فى تحصيلها وكسبها وتناولها وطبخها وإحكامها ~~وإجادتها بالمضغ وتلويث الأيدي إلى غير ذلك مما لو خير العاقل بين وجوده ~~وعدمه لاختار عدمه فمن يؤثر وقد النيران وملابسة الدخان وغير ذلك فيلزم أن ~~لا يبقى مباح ألبتة # وإن أرادوا ما هو أخص من مطلقهما مع أن مراتب الخصوص متعددة فليس بعضها ~~أولى من بعض ولأن العدول عن أصل المصلحة والمفسدة تأباه قواعد الإعتزال ~~فإنه سفه # ولا يمكنهم أن يقولوا إن ضابط ذلك أن كل مصلحة توعد الله على تركها وكل ~~مفسدة توعد الله على فعلها هي المقصودة وما أهمله الله تعالى غير داخل فى ~~مقصودنا فنحن نريد مطلق المعتبر من غير تخصيص فيندفع الإشكال لأنا نقول ~~الوعيد عندكم والتكليف تابع للمصلحة والمفسدة ويجب PageV02P042 ~~عندكم بالعقل أن يتوعد الله على ترك المصالح وفعل المفاسد فلو استفدتم ~~المصالح والمفاسد المعتبرة من الوعيد لزم الدور ولو صحت الإستفادة فى ~~المصالح والمفاسد للزمكم أن تجوزوا أن يرد التكليف بترك المصالح وفعل ~~المفاسد وتنعكس الحقائق حينئذ فإن المعتبر هو التكليف فأي شىء كلف الله به ~~كان مصلحة وهذا يبطل أصلكم قال وأما حظ أصحابنا من هذا الإشكال فهو أن ~~يتعذر عليهم أن يقولوا إن الله تعالى راعي مطلق المصلحة ومطلق المفسدة على ~~سبيل التفضيل لأن المباحات فيها ذلك ولم يراع بل PageV02P043 ~~يقولون إن الله ألغى بعضها فى المباحات واعتبر بعضها وإذا سئلوا عن ضابط ~~المعتبر مما ينبغي أن لا يعتبر عسر الجواب بل سبيلهم استقراء المواقع فقط # وهذا وإن كان يخل بنمط من الإطلاع على بعض أسرار الفقه غير أنهم يقولون ~~يفعل الله ms249 ما يشاء ويحكم ما يريد ويعتبر الله يشاء ويترك ما يشاء لا غيره ~~فى ذلك وأما المعتزلة الذين يوجبون ذلك عقلا فيكون هذا الأمر عليهم فى غاية ~~الصعوبة لأنهم إذا فتحوا هذا الباب تزلزلت قواعد الإعتزال # هذا ما قاله القرافي # وأنت إذا راجعت أول المسألة وما تقدم قبلها لم يبق لهذا الإشكال موقع أما ~~على مذهب الأشاعرة فإن استقراء الشريعة دل على ما هو المعتبر مما ليس ~~بمعتبر لكن على وجه يحصل ضوابط ذلك والدليل القاطع فى ذلك استقراء أحوال ~~الجارين على جادة الشرع من غير إخلال بالخروج فى جريانها على الصراط ~~المستقيم وإعطاء كل ذي حق حقه من غير إخلال بنظام ولا هدم لقاعدة من قواعد ~~الإسلام وفى وقوع الخلل فيها بمقدار ما يقع من المخالفة فى حدود الشرع وذلك ~~بحسب كل باب من أبواب الشرع وكل أصل من أصول التكليف فإذا حصل ذلك للعلماء ~~الراسخين حصل لهم به ضوابط فى كل باب PageV02P044 ~~علىما يليق به وهو مذكور فى كتبهم ومبسوط فى علم أصول الفقه # وأما على مذهب المعتزلة فكذلك أيضا لأنهم إنما يعتبرون المصالح والمفاسد ~~بحسب ما أداهم إليه العقل فى زعمهم وهو الوجه الذي يتم به صلاح العالم على ~~الجملة والتفصيل فى المصالح أو ينخرم به فى المفاسد وقد جعلوا الشرع كاشفا ~~لمقتضى ما ادعاه العقل عندهم بلا زيادة ولا نقصان فلا فرق بينهم وبين ~~الأشاعرة فى محصول المسألة وإنما اختلفوا فى المدرك واختلافهم فيه لا يضر ~~فى كون المصالح معتبرة شرعا ومنضبطة فى أنفسها # وقد نزع إلى هذا المعنى أيضا فى كلامه على العزيمة والرخصة حين فسرها PageV02P045 ~~الإمام الرازي بأنها جواز الإقدام مع قيام المانع قال # هو مشكل لأنه يلزم أن تكون الصلوات والحدود والتعازير والجهاد والحج رخصة ~~إذ يجوز الإقدام على ذلك كله وفيه مانعان ظواهر النصوص المانعة إلزامه ~~كقوله تعالى وما جعل عليكم فى الدين من حرج وفى الحديث # لا ضرر ولا ضرار وذلك مانع من وجوب هذه الأمور والآخر أن صورة الإنسان ~~مكرمة ms250 لقوله ولقد كرمنا بنىآدم لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم وذلك يناسب ~~أن لا يهلك بالجهاد ولا يلزمه المشاق والمضار # وأيضا الإجارة رخصة من بيع المعدوم والسلم كذلك والقراض والمساقاة رخصتان ~~لجهالة الأجرة والصيد رخصة لأكل الحيوان بدمه ولم تعد منها واستقراء ~~الشريعة يقتضي أن لا مصلحة إلا وفيها مفسدة وبالعكس وإن قلت على العد ~~كالكفر والإيمان فما ظنك بغيرهما # وعلى هذا ما فى الشريعة حكم إلا وهو مع المانع الشرعي لأنه لا يمكن أن PageV02P046 ~~يراد بالمانع ما سلم عن المعارض الراجح فإن أكل الميتة وغيره وجد فيه ~~معارض راجح على مفسدة الميتة فحينئذ ما المراد إلا المانع المغمور بالراجح ~~وحينئذ تندرج جميع الشريعة لأن كل حكم فيه مانع مغمور بمعارضه ### || AUTO ثم ذكر أن الذي استقر عليه حاله في شرحي - التنقيح - والمحصول ~~العجز عن ضبط الرخصة ### || AUTO وما تقدم إن شاء الله تعالى يغني فى الموضع مع ما ذكر فى ~~الرخصة فى - كتاب الأحكام # ومنها أن هذه المسألة إذا فهمت حصل بها فهم كثير من آيات القرآن وأحكامه ~~كقوله تعالى هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا وقوله وسخر لكم ما فى ~~السموات وما فى الأرض جميعا منه وقوله قل PageV02P047 ~~من حرم زينة الله التى أخرج لعباده والطيبات من الرزق الآية وما كان نحو ~~ذلك من أنها ليست على مقتضى ظاهرها بإطلاق بل بقيود تقيدت بها حسبما دلت ~~عليه الشريعة فى وضع المصالح ودفع المفاسد والله أعلم # ومنها أن بعض الناس قال إن مصالح الدار الآخرة ومفاسدها لا تعرف إلا ~~بالشرع وأما الدنيوية فتعرف بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات ~~قال ومن أراد أن يعرف المناسبات فى المصالح والمفاسد راجحها من مرجوحها ~~فليعرض ذلك على عقله بتقدير أن الشارع لم يرد به ثم يبنى عليه الأحكام فلا ~~يكاد حكم منها يخرج عن ذلك إلا التعبدات التي لم يوقف على مصالحها أو ~~مفاسدها هذا قوله # وفيه بحسب ما تقدم نظر أما أن ما يتعلق بالآخرة لا يعرف إلا بالشرع فكما ms251 ~~قال وأما ما قال فى الدنيوية فليس كما قال من كل وجه بل ذلك من بعض الوجوه ~~دون بعض ولذلك لما جاء الشرع بعد زمان فترة تبين به ما كان عليه أهل الفترة ~~من انحراف الأحوال عن الإستقامة وخروجهم عن مقتضى العدل فى الأحكام # ولو كان الأمر على ما قال بإطلاق لم يحتج فى الشرع إلا إلى بث مصالح ~~الدار الآخرة خاصة وذلك لم يكن وإنما جاء بما يقيم أمر الدنيا وأمر الآخرة ~~معا وإن كان قصده بإقامة الدنيا للآخرة فليس بخارج عن كونه قاصدا لإقامة ~~مصالح الدنيا حتى يتأتى فيها سلوك طريق الآخرة وقد بث فى ذلك من التصرفات ~~وحسم من أوجه الفساد التي كانت جارية ما لا مزيد عليه # فالعادة تحيل استقلال العقول فى الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على ~~التفصيل اللهم إلا أن يريد هذا القائل أن المعرفة بها تحصل بالتجارب وغيرها ~~بعد وضع الشرع أصولها فذلك لا نزاع فيه PageV02P048 ### || AUTO المسألة التاسعة # كون الشارع قاصدا للمحافظة على القواعد الثلاث الضرورية والحاجية ~~والتحسينية لا بد عليه من دليل يستند إليه والمستند إليه فى ذلك إما أن ~~يكون دليلا ظنيا أو قطعيا وكونه ظنيا باطل مع أنه أصل من أصول الشريعة بل ~~هو أصل أصولها وأصول الشريعة قطعية حسبما تبين فى موضعه فأصول أصولها أولى ~~أن تكون قطعية ولو جاز إثباتها بالظن لكانت الشريعة مظنونة أصلا وفرعا وهذا ~~باطل فلا بد أن تكون قطعية # فأدلتها قطعية بلا بد # فإذا ثبت هذا فكون هذا الأصل مستندا إلى دليل قطعي مما ينظر فيه فلا يخلو ~~أن يكون عقليا أو نقليا # فالعقلي لا موقع له هنا لأن ذلك راجع إلى تحكيم العقول فى الأحكام ~~الشرعية وهو غير صحيح فلا بد أن يكون نقليا # والأدلة النقلية إما أن تكون نصوصا جاءت متواترة السند لا يحتمل متنها ~~التأويل على حال أولا فإن لم تكن نصوصا أو كانت ولم ينقلها أهل التواتر فلا ~~يصح استناد مثل هذا إليها لأن ما هذه صفته لا يفيد القطع ms252 وإفادة القطع ~~هوالمطلوب وإن كانت نصوصا لا تحتمل التأويل ومتواترة السند فهذا مفيد للقطع ~~إلا أنه متنازع فى وجوده بين العلماء # والقائل بوجوده مقر بأنه لا يوجد فى كل مسألة تفرض فى الشريعة بل يوجد فى ~~بعض المواضع دون بعض ولم يتعين أن مسألتنا من المواضع التي جاء فيها دليل قطعي # والقائل بعدم وجوده فى الشريعة يقول إن التمسك بالدلائل النقلية إذا PageV02P049 ~~كانت متواترة موقوف على مقدمات عشر كل واحدة منها ظنية والموقوف على الظني ~~لا بد أن يكون ظنيا فإنها تتوقف على نقل اللغات وآراء النحو وعدم الإشتراك ~~وعدم المجاز وعدم النقل الشرعي أوالعادي وعدم الإضمار وعدم التخصيص للعموم ~~وعدم التقييد للمطلق وعدم الناسخ وعدم التقديم والتأخير وعدم المعارض ~~العقلي وجميع ذلك أمور ظنية # ومن المعترفين بوجوده من اعترف بأن الدلائل فى أنفسها لا تفيد قطعا لكنها ~~إذا اقترنت بها قرائن مشاهدة أو منقولة فقد تفيد اليقين وهذا لا يدل قطعا ~~على أن دليل مسألتنا من هذا القبيل لأن القرائن المفيدة لليقين غير لازمة ~~لكل دليل وإلا لزم أن تكون أدلة الشرع كلها قطعية وليس كذلك باتفاق وإذا ~~كانت لا تلزم ثم وجدنا أكثر الأدلة الشرعية ظنية الدلالة أو المتن والدلالة ~~معا ولا سيما مع افتقار الأدلة إلى النظر فى جميع ما تقدم دل ذلك على أن ~~اجتماع القرائن المفيدة للقطع واليقين نادر على قول المقرين بذلك وغير ~~موجود على قول الآخرين # فثبت أن دليل هذه المسألة على التعيين غير متعين # ولا يقال إن الإجماع كاف وهو دليل قطعي # لأنا نقول هذا أولا مفتقر إلى نقل الإجماع على اعتبار تلك القواعد الثلاث ~~شرعا نقلا متواترا عن جميع أهل الإجماع وهذا يعسر إثباته ولعلك لا تجده ثم ~~نقول ثانيا إن فرض وجوده فلا بد من دليل قطعي يكون مستندهم ويجتمعون على ~~أنه قطعي فقد يجتمعون على دليل ظني فتكون المسألة ظنية لا قطعية فلا تفيد ~~اليقين لأن الإجماع إنما يكون قطعيا على PageV02P050 ~~فرض اجتماعهم على مسألة قطعية لها مستند قطعي ms253 فإن اجتمعوا على مستند ظني ~~فمن الناس من خالف في كون هذا الإجماع حجة # فإثبات المسألة بالإجماع لا يتخلص وعند ذلك يصعب الطريق إلى إثبات كون ~~هذه القواعد معتبرة شرعا بالدليل الشرعي القطعي # وإنما الدليل على المسألة ثابت على وجه آخر هو روح المسألة وذلك أن هذه ~~القواعد الثلاث لا يرتاب في ثبوتها شرعا أحد ممن ينتمي إلى الإجتهاد من أهل ~~الشرع وأن اعتبارها مقصود للشارع # ودليل ذلك استقراء الشريعة والنظر في أدلتها الكلية والجزئية وما انطوت ~~عليه من هذه الأمور العامة على حد الإستقراء المعنوي الذي لا يثبت بدليل ~~خاص بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض مختلفة الأغراض بحيث ينتظم من مجموعها ~~أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة على حد ما ثبت عند العامة جود حاتم وشجاعة ~~علي رضي الله عنه وما أشبه ذلك فلم يعتمد الناس في إثبات قصد الشارع فى هذه ~~القواعد على دليل مخصوص ولا على وجه مخصوص بل حصل لهم ذلك من الظواهر ~~والعمومات والمطلقات والمقيدات والجزئيات الخاصة في أعيان مختلفة ووقائع ~~مختلفة في كل باب من أبواب الفقه وكل نوع من أنواعه حتى ألفوا أدلة الشريعة ~~كلها دائرة على الحفظ على تلك القواعد هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من قرائن ~~أحوال منقولة وغير منقولة # وعلى هذا السبيل أفاد خبر التواتر العلم إذ لو اعتبر فيه آحاد المخبرين ~~لكان إخبار كل واحد منهم عل فرض عدالته مفيدا للظن فلا يكون اجتماعهم يعود ~~بزيادة على إفادة الظن لكن للإجتماع خاصية ليست للإفتراق فخبر واحد مفيد ~~للظن مثلا فإذا انضاف إليه آخر قوي الظن وهكذا خبر آخر وآخر حتى يحصل ~~بالجميع القطع الذي لا يحتمل النقيض فكذلك هذا إذ PageV02P051 ~~لا فرق بينهما من جهة إفادة العلم بالمعنى الذي تضمنته الأخبار ### || AUTO وهذا بين في - كتاب المقدمات من هذا الكتاب # فإذا تقرر هذا فمن كان من حملة الشريعة الناظرين في مقتضاها والمتأملين ~~لمعانيها سهل عليه التصديق بإثبات مقاصد الشارع في إثبات هذه القواعد الثلاث ### || AUTO المسألة العاشرة ms254 # هذه الكليات الثلاث إذا كانت قد شرعت للمصالح الخاصة بها فلا يرفعها تخلف ~~آحاد الجزئيات # ولذلك أمثلة أما في الضروريات فإن العقوبات مشروعة للإزدجار مع أنا نجد ~~من يعاقب فلا يزدحر عما عوقب عليه ومن ذلك كثير وأما في PageV02P052 ~~الحاجيات فكالقصر في السفر مشروع للتخفيف وللحوق المشقة والملك المترفه لا ~~مشقة له والقصر في حقه مشروع والقرض أجيز للرفق بالمحتاج مع أنه جائز أيضا ~~مع عدم الحاجة وأما في التحسينيات فإن الطهارة شرعت للنظافة على الجملة مع ~~أن بعضها على خلاف النظافة كالتيمم # فكل هذا غير قادح في أصل المشروعية لأن الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض ~~الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليا وأيضا فإن الغالب الأكثري ~~معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها ~~كلي يعارض هذا الكلي الثابت # هذا شأن الكليات الإستقرائية واعتبر ذلك بالكليات العربية فإنها أقرب شيء ~~إلى ما نحن فيه لكون كل واحد من القبيلين أمرا وضعيا لا عقليا وإنما يتصور ~~أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحا في الكليات العقلية كما نقول ما ثبت للشيء ~~ثبت لمثله عقلا فهذا لا يمكن فيه التخلف ألبتة إذ لو تخلف لم يصح الحكم ~~بالقضية القائلة ما ثبت للشيء ثبت لمثله # فإذا كان كذلك فالكلية في الإستقرائيات صحيحة وإن تخلف عن مقتضاها بعض ~~الجزئيات # وأيضا فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم خارجة عن مقتضى الكلي فلا ~~تكون داخلة تحته أصلا أو تكون داخلة لكن لم يظهر لنا دخولها PageV02P053 ~~أو داخلة عندنا لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى فالملك المترفه قد ~~يقال إن المشقة تلحقه لكنا لا نحكم عليه بذلك لخفائها أو نقول في العقوبات ~~التي لم يزدجر صاحبها إن المصلحة ليست الإزدجار فقط بل ثم أمر آخر وهو ~~كونها كفارة لأن الحدود كفارات لأهلها وإن كانت زحرا أيضا على إيقاع ~~المفاسد # وكذلك سائر ما يتوهم أنه خادم للكلي # فعلى كل تقدير لا اعتبار بمعارضة الجزئيات في صحة وضع الكليات للمصالح ms255 ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # مقاصد الشارع في بث المصالح في التشريع أن تكون مطلقة عامة لاتختص بباب ~~دون باب ولا بمحل دون محل ولا بمحل وفاق دون محل خلاف # وبالجملة الأمر في المصالح مطرد مطلقا في كليات الشريعة وجزئياتها # ومن الدليل على ذلك ما تقدم في الإستدلال على مطلق المصالح وأن الأحكام ~~مشروعة لمصالح العباد ولو اختصت لم تكن موضوعة للمصالح على الإطلاق لكن ~~البرهان قام على ذلك فدل على أن المصالح فيها غير مختصة # وقد زعم بعض المتأخرين وهو القرافي أن القول بالمصالح إنما يستمر على ~~القول بأن المصيب في مسائل الإجتهاد واحد لأن القاعدة العقلية أن الراجح PageV02P054 ~~يستحيل أن يكون هو الشيء والنقيض بل متى كان أحدهما راجحا كان الآخر ~~مرجوحا وهذا يقتضى أن يكون المصيب واحدا وهو المفتي بالراجح وغيره يتعين أن ~~يكون مخطئا لأنه مفت بالمرجوح فتتناقض قاعدة المصوبين مع القول بالقياس وأن ~~الشرائع تابعة للمصالح # هذا ما قال # ونقل عن شيخه ابن عبد السلام في الجواب أنه يتعين على هؤلاء أن يقولوا إن ~~هذه القاعدة لا تكون إلا في الأحكام الإجماعية أما في مواطن الخلاف فلم يكن ~~الصادر عن الله تعالى أن الحكم تابع للراجح في نفس الأمر بل فيما في الظنون ~~فقط كان راجحا في نفس الأمر أو مرجوحا وسلم أن قاعدة التصويب تأبى قاعدة ~~مراعاة المصالح لتعين الراجح وكان يقول يتعين على القائل بالتصويب PageV02P055 ~~أن يصرف الخطأ في حديث الحاكم إلى الأسباب للإتفاق على أن الخطأ يقع فيها ~~وحمل كلام الشارع على المتفق عليه أولى # هذا ما نقل عنه # ويظهر أن القاعدة جارية على كلا المذهبين لأن الأحكام على مذهب التصويب ~~إضافية إذ حكم الله عندهم تابع لنظر المجتهد والمصالح تابعة للحكم أو ~~متبوعة له فتكون المصالح أو المفاسد في مسائل الخلاف ثابتة بحسب ما في نفس ~~الأمر عند المجتهد وفي ظنه ولا فرق هنا بين المخطئة والمصوبة # فإذا غلب على ظن المالكي أن ربا الفضل في الخضر والفواكه الرطبة جائز ~~فجهة المصلحة ms256 عنده هي الراجحة وهي كذلك في نفس الأمر في ظنه لأنها عنده ~~خارجة عن حكم الربا المحرم فالمقدم على التفاضل فيها مقدم على ماهو جائز ~~وما هو جائز لا ضرر فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة بل فيه مصلحة لأجلها ~~أجيز وإذا غلب على ظن الشافعي أن الربا فيها غير جائز فهي عنده داخلة تحت ~~حكم الربا المحرم وجهة المصلحة عنده هي المرجوحة لا الراجحة وهي كذلك في ~~نفس الأمر على ما ظنه فلا ضرر لاحق به في الدنيا وفي الآخرة فحكم المصوب ~~ههنا حكم المخطىء PageV02P056 ~~وإنما يكون التناقض واقعا إذا عد الراجح مرجوحا من ناظر واحد بل هو من ~~ناظرين ظن كل واحد منهما العلة التي بني عليها الحكم موجودة في المحل بحسب ~~ما في نفس الأمر عنده وفي ظنه لا ما هو عليه في نفسه إذ لا يصح ذلك إلا في ~~مسائل الأجماع فههنا اتفق الفريقان وإنما اختلفا بعد فالمخطئة حكمت بناء ~~على أن ذلك الحكم هو ما في نفس الأمر عنده وفي ظنه والمصوبة حكمت بناء على ~~أن لا حكم في نفس الأمر بل هو ما ظهر الآن وكلاهما بأن حكمه على علة مظنون ~~بها أنها كذلك في نفس الأمر # ويتفق ههنا من يقول باعتبار المصالح لزوما أو تفصيلا وكذلك من قال إن ~~المصالح والمفاسد من صفات الأعيان أو ليست من صفات الأعيان وهذا مجال يحتمل ~~بسطا أكثر من هذا وهو من مباحث أصول الفقه وإذا ثبت لم يفتقر إلى الإعتذار ~~الذي اعتذر به ابن عبد السلام وارتفع إشكال المسألة والحمد لله # وتأمل فإن الجويني نقل اتفاق المعتزلة على القول بالتصويب اجتهادا PageV02P057 ~~وحكما وذلك يقتضى تصور اجتماع قاعدة التصويب عندهم مع القول بالتحسين ~~والتقبيح العقلي وأن ذلك راجع إلى الذوات فكلام القرافي مشكل على كل تقدير ~~والله أعلم ### || AUTO المسألة الثانية عشرة # إن هذه الشريعة المباركة معصومة كما أن صاحبها صلى الله عليه وسلم معصوم ~~وكما كانت أمته فيما اجتمعت عليه معصومة # ويتبين ذلك بوجهين # أحدهما ms257 الأدلة الدالة على ذلك تصريحا وتلويحا كقوله تعالى إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون وقوله كتاب أحكمت آياته وقد قال تعالى وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما ~~يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته فأخبر أنه يحفظ آياته ويحكمها حتى لا ~~يخالطها غيرها ولا يداخلها التغيير ولا التبديل والسنة وإن لم تذكر فإنها ~~مبينة له ودائرة حوله فهي منه وإليه ترجع في معانيها فكل واحد من الكتاب ~~والسنة يعضد بعضه بعضا ويشد بعضه بعضا وقال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا # حكى أبو عمرو الداني في طبقات القراء له عن أبي الحسن بن المنتاب قال PageV02P058 ~~كنت يوما عند القاضي أبي إسحق إسماعيل بن إسحق فقيل له لم جاز التبديل على ~~أهل التوراة ولم يجز على أهل القرآن فقال القاضي قال الله عز وجل في أهل ~~التوراة بما استحفظوا من كتاب الله فوكل الحفظ إليهم فجاز التبديل عليهم ~~وقال في القرآن إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون فلم يجز التبديل عليهم ~~قال علي فمضيت إلى أبي عبد الله المحاملي فذكرت له الحكاية فقال ما سمعت ~~كلاما أحسن من هذا # وأيضا ما جاء من حوادث الشهب أمام بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومنع ~~الشياطين من استراق السمع لما كانوا يزيدون فيما سمعوا من أخبار السماء حيث ~~كانوا يسمعون الكلمة فيزيدون معها مائة كذبة أو أكثر فإذا كانوا قد منعوا ~~من ذلك في السماء فكذلك في الأرض وقد عجزت الفصحاء اللسن عن الإتيان بسورة ~~من مثله وهو كله من جملة الحفظ والحفظ دائم إلى أن تقوم الساعة # فهذه الجملة تدلك على حفظ الشريعة وعصمتها عن التغيير والتبديل # والثاني الإعتبار الوجودي الواقع من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى الآن وذلك أن الله عز وجل وفر دواعي الأمة للذب عن الشريعة والمناضلة ~~عنها بحسب الجملة والتفصيل # أما القرآن الكريم فقد قيض الله ms258 له حفظة بحيث لو زيد فيه حرف واحد لأخرجه ~~آلاف من الأطفال الأصاغر فضلا عن القراء الأكابر # وهكذا جرى الأمر في جملة الشريعة فقيض الله لكل علم رجالا حفظه على أيديهم # فكان منهم قوم يذهبون الأيام الكثيرة في حفظ اللغات والتسميات الموضوعة ~~على لسان العرب حتى قرروا لغات الشريعة من القرآن والحديث وهو الباب الأول ~~من أبواب فقه الشريعة إذ أوحاها الله إلى رسوله عل لسان العرب ثم # قيض رجالا يبحثون عن تصاريف هذه اللغات في النطق فيها رفعا PageV02P059 ~~ونصبا وجرا وجزما وتقديما وتأخيرا وإبدالا وقلبا وإتباعا وقطعا وإفرادا ~~وجمعا إلى غير ذلك من وجوه تصاريفها في الإفراد والتركيب واستنبطوا لذلك ~~قواعد ضبطوا بها قوانين الكلام العربي على حسب الإمكان فسهل الله بذلك ~~الفهم عنه في كتابه وعن رسوله صلى الله عليه وسلم في خطابه # ثم قيض الحق سبحانه رجالا يبحثون عن الصحيح من حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعن أهل الثقة والعدالة من النقلة حتى ميزوا بين الصحيح والسقيم ~~وتعرفوا التواريخ وصحة الدعاوي في الأخذ لفلان عن فلان حتى استقر الثابت ~~المعمول به من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم # وكذلك جعل الله العظيم لبيان السنة عن البدعة ناسا من عبيده بحثوا عن ~~أغراض الشريعة كتابا وسنة وعما كان عليه السلف الصالحون وداوم عليه الصحابة ~~والتابعون وردوا على أهل البدع والأهواء حتى تميز اتباع الحق عن اتباع الهوى # وبعث الله تعالى من عباده قراء أخذوا كتابه تلقيا من الصحابة وعلموه لمن ~~يأتي بعدهم حرصا على موافقة الجماعة في تأليفه في المصاحف حتى يتوافق ~~الجميع على شيء واحد ولا يقع في القرآن اختلاف من أحد من الناس # ثم قيض الله تعالى ناسا يناضلون عن دينه ويدفعون الشبه ببراهينه فنظروا ~~في ملكوت السموات والأرض واستعملوا الأفكار وأذهبوا عن أنفسهم ما يشغلهم عن ~~ذلك ليلا ونهارا واتخذوا الخلوة أنيسا وفازوا بربهم جليسا حتى نظروا إلى ~~عجائب صنع الله في سمواته وأرضه وهم العارفون من خلقه والواقفون مع أداء ~~حقه ms259 فإن عارض دين الإسلام معارض أو جادل فيه خصم مناقض غبروا في وجه شبهاته ~~بالأدلة القاطعة فهم جند الإسلام وحماة الدين PageV02P060 ~~وبعث الله من هؤلاء سادة فهموا عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاستنبطوا أحكاما فهموا معانيها من أغراض الشريعة في الكتاب والسنة تارة من ~~نفس القول وتارة من معناه وتارة من علة الحكم حتى نزلوا الوقائع التي لم ~~تذكر على ما ذكر وسهلوا لمن جاء بعدهم طريق ذلك وهكذا جرى الأمر في كل علم ~~توقف فهم الشريعة عليه أو أحتيج في إيضاحها إليه # وهوعين الحفظ الذي تضمنته الأدلة المنقولة وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة الثالثة عشرة # كما أنه إذا ثبت قاعدة كلية في الضروريات أوالحاجيات أو التحسينيات فلا ~~ترفعها آحاد الجزئيات كذلك نقول إذا ثبت في الشريعة قاعدة كلية في هذه ~~الثلاثة أو في آحادها فلا بد من المحافظة عليها بالنسبة إلى ما يقوم به ~~الكلي وذلك الجزئيات فالجزئيات مقصودة معتبرة في إقامة الكلي أن لا يتخلف ~~الكلي فتتخلف مصلحته المقصودة بالتشريع # والدليل على ذلك أمور # منها ورود العتب على التارك في الجملة من غير عذر كترك الصلاة أو الجماعة ~~أو الجمعة أو الزكاة أو الجهاد أو مفارقة الجماعة لغير أمر مطلوب أو مهروب ~~عنه كان العتب وعيدا أو غيره كالوعيد بالعذاب وإقامة الحدود في الواجبات ~~والتجريح في غير الواجبات وما أشبه ذلك # ومنها أن عامة التكاليف من هذا الباب لأنها دائرة على القواعد الثلاث ~~والأمر والنهي فيها قد جاء حتما وتوجه الوعيد على فعل المنهي عنه منها أو ~~ترك المأمور به من غير اختصاص ولا محاشاة إلا في مواضع الأعذار التي تسقط ~~أحكام الوجوب أو التحريم وحين كان ذلك كذلك دل على أن الجزئيات داخلة مدخل ~~الكليات في الطلب والمحافظة عليها PageV02P061 ~~ومنها أن الجزئيات لو لم تكن معتبرة مقصودة في إقامة الكلي لم يصح الأمر ~~بالكلي من أصله لأن الكلي من حيث هو كلي لا يصح القصد في التكليف إليه لأنه ~~راجع لأمر معقول لا يحصل ms260 في الخارج إلا في ضمن الجزئيات فتوجه القصد إليه ~~من حيث التكليف به توجه إلى تكليف ما لا يطاق وذلك ممنوع الوقوع كما سيأتي ~~إن شاء الله فإذا كان لا يحصل إلا بحصول الجزئيات فالقصد الشرعي متوجه إلى ~~الجزئيات وأيضا فإن المقصود بالكلي هنا أن تجرى أمور الخلق على ترتيب ونظام ~~واحد لا تفاوت فيه ولا اختلاف وإهمال القصد في الجزيئات يرجع إلى إهمال ~~القصد في الكلي فإنه مع الإهمال لا يجري كليا PageV02P062 ~~بالقصد وقد فرضناه مقصودا هذا خلف فلا بد من صحة القصد إلى حصول الجزئيات ~~وليس البعض في ذلك أولى من البعض فانحتم القصد إلى الجميع # وهو المطلوب # فإن قيل هذا يعارض القاعدة المتقدمة أن الكليات لا يقدح فيها تخلف آحاد ~~الجزئيات # فالجواب أن القاعدة صحيحة ولا معارضة فيها لما نحن فيه فإن ما نحن فيه ~~معتبر من حيث السلامة من العارض المعارض فلا شك في انحتام القصد إلى الجزئي ~~وما تقدم معتبر من حيث ورود العارض على الكلي حتى إن تخلف الجزئي هنالك ~~إنما هو من جهة المحافظة على الجزئي في كليه من جهة أخرى كما نقول إن حفظ ~~النفوس مشروع وهذا كلي مقطوع بقصد الشارع إليه ثم شرع القصاص حفظا للنفوس ~~فقتل النفس في القصاص محافظة عليها بالقصد ويلزم من ذلك تخلف جزئي من ~~جزئيات الكلي المحافظ عليه وهو إتلاف هذه النفس لعارض عرض وهو الجناية على ~~النفس فإهمال هذا الجزئي في كليه من جهة المحافظة على جزئي في كليه أيضا ~~وهو النفس المجني عليها فصار عين اعتبار الجزئي في كليه هو عين إهمال ~~الجزئي لكن في المحافظة على كليه من وجهين # وهكذا سائر ما يرد من هذا الباب PageV02P063 ~~فعلى هذا تخلف آحاد الجزئيات عن مقتضى الكلي إن كان لغير عارض فلا يصح ~~شرعا وإن كان لعارض فذلك راجع إلى المحافظة على ذلك الكلي من جهة أخرى أو ~~على كلي آخر فالأول يكون قادحا تخلفه في الكلي والثاني لا يكون تخلفه قادحا ### || AUTO النوع الثاني # في ms261 بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام ويتضمن مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # إن هذه الشريعة المباركة عربية لا مدخل فيها للألسن العجمية وهذا وإن كان ~~مبينا في أصول الفقه وأن القرآن ليس فيه كلمة أعجمية عند جماعة من ~~الأصوليين أو فيه ألفاظ أعجمية تكلمت بها العرب وجاء القرآن على وفق ذلك ~~فوقع فيه المعرب الذي ليس من أصل كلامها فإن هذا البحث على هذا الوجه غير ~~مقصود هنا # وإنما البحث المقصود هنا أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة فطلب فهمه ~~إنما يكون من هذا الطريق خاصة لأن الله تعالى يقول إنا أنزلناه قرآنا عربيا ~~وقال بلسان عربي مبين وقال لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي ~~مبين وقال ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ~~إلى غير ذلك مما يدل على أنه عربي وبلسان العرب لا أنه أعجمي ولا بلسان ~~العجم فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم ولا سبيل إلى تطلب فهمه من ~~غير هذه الجهة هذا هو المقصود من المسألة PageV02P064 ~~وأما كونه جاءت فيه ألفاظ من ألفاظ العجم أو لم يجىء فيه شىء من ذلك فلا ~~يحتاج إليه إذا كانت العرب قد تكلمت به وجرى فى خطابها وفهمت معناه فإن ~~العرب إذا تكلمت به صار من كلامها ألا ترى أنها لا تدعه على لفظه الذي كان ~~عليه عند العجم إلا إذا كانت حروفه فى المخارج والصفات كحروف العرب وهذا ~~يقل وجوده وعند ذلك يكون منسوبا إلى العرب فأما إذا لم تكن حروفه كحروف ~~العرب أو كان بعضها كذلك دون بعض فلا بد لها من أن تردها إلى حروفها ولا ~~تقبلها على مطابقة حروف العجم أصلا ومن أوزان الكلم ما تتركه على حاله فى ~~كلام العجم ومنها ما تتصرف فيه بالتغيير كما تتصرف فى كلامها وإذا فعلت ذلك ~~صارت تلك الكلم مضمومة إلى كلامها كالألفاظ المرتجلة والأوزان المبتدأة لها ~~هذا معلوم عند أهل العربية لا نزاع فيه ولا إشكال # ومع ذلك فالخلاف الذي ms262 يذكره المتأخرون فى خصوص المسألة لا ينبني عليه حكم ~~شرعي ولا يستفاد منه مسألة فقهية وإنما يمكن فيها أن توضع مسألة كلامية ~~ينبني عليها اعتقاد وقد كفى الله مؤونة البحث فيها بما استقر عليه كلام أهل ~~العربية فى الأسماء الأعجمية # فإن قلنا إن القرآن نزل بلسان العرب وإنه عربي وإنه لا عجمه فيه فبمعنى ~~أنه أنزل على لسان معهود فى ألفاظها الخاصة وأساليب معانيها وأنها فيما ~~فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره وبالعام يراد به العام فى ~~وجه والخاص فى وجه وبالعام يراد به الخاص والظاهر يراد به غير الظاهر PageV02P065 ~~وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره وتتكلم بالكلام ينبىء أوله عن ~~آخره أو آخره عن أوله وتتكلم بالشىء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة وتسمى ~~الشىء الواحد بأسماء كثيرة والأشياء الكثيرة بإسم واحد وكل هذا معروف عندها ~~لا ترتاب فى شىء منه هي ولا من تعلق بعلم كلامها # فإذا كان كذلك فالقرآن فى معانيه وأساليبه على هذا الترتيب فكما أن لسان ~~بعض الأعاجم لا يمكن أن يفهم من جهة لسان العرب كذلك لا يمكن أن يفهم لسان ~~العرب من جهة فهم لسان العجم لاختلاف الأوضاع والأساليب # والذي نبه علىهذا المأخذ فى المسألة هو الشافعي الإمام فى رسالته ~~الموضوعة فى أصول الفقه وكثير ممن أتى بعده لم يأخذها هذا المأخذ فيجب ~~التنبه لذلك # وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة الثانية # للغة العربية من حيث هي ألفاظ دالة علىمعان نظران # أحدهما من جهة كونها ألفاظ وعبارات مطلقة دالة علىمعان مطلقة وهى الدلالة ~~الأصلية # والثاني من جهة كونها ألفاظا وعبارات مقيدة دالة علىمعان خادمة وهي ~~الدلالة التابعة # فالجهة الأولى هي التي يشترك فيها جميع الألسنة وإليها تنتهي مقاصد ~~المتكلمين ولا تختص بأمة دون أخرى فإنه إذا حصل فى الوجود فعل لزيد مثلا ~~كالقيام ثم أراد كل صاحب لسان الإخبار عن زيد بالقيام تأتي له ما أراد من ~~غير كلفة ومن هذه الجهة يمكن فى لسان العرب الإخبار عن أقوال ms263 الأولين ممن ~~ليسوا من أهل اللغة العربية وحكاية كلامهم ويتأتى فى لسان العجم حكاية ~~أقوال العرب والإخبار عنها وهذا لا إشكال فيه PageV02P066 ~~وأما الجهة الثانية فهي التي يختص بها لسان العرب فى تلك الحكاية وذلك ~~الإخبار فإن كل خبر يقتضى فى هذه الجهة أمورا خادمة لذلك الإخبار بحسب ~~المخبر والمخبر عنه والمخبر به ونفس الإخبار فى الحال والمساق ونوع الأسلوب ~~من الإيضاح والإخفاء والإيجاز والإطناب وغير ذلك # وذلك أنك تقول فى ابتداء الأخبار قام زيد إن لم تكن ثم عناية بالمخبر عنه ~~بل بالخبر فإن كانت العناية بالمخبر عنه قلت زيد قام وفى جواب السؤال أو ما ~~هو منزل تلك المنزلة إن زيدا قام وفى جواب المنكر لقيامه والله إن زيدا قام ~~وفى إخبار من يتوقع قيامه أو الإخبار بقيامه قد قام زيد أو زيد قد قام وفى ~~التنكيت على من ينكر إنما قام زيد # ثم يتنوع أيضا بحسب تعظيمه أو تحقيره أعني المخبر عنه وبحسب الكناية عنه ~~والتصريح به وبحسب ما يقصد فى مساق الأخبار وما يعطيه مقتضى الحال إلى غير ~~ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها وجميع ذلك دائر حول الإخبار بالقيام عن زيد # فمثل هذه التصرفات التي يختلف معنى الكلام الواحد بحسبها ليست هى المقصود ~~الأصلي ولكنها من مكملاته ومتمماته وبطول الباع فى هذا النوع يحسن مساق ~~الكلام إذا لم يكن فيه منكر وبهذا النوع الثاني اختلفت العبارات وكثير من ~~أقاصيص القرآن لأنه يأتي مساق القصة فى بعض السور على وجه وفى بعضها على ~~وجه آخر وفى ثالثة على وجه ثالث وهكذا ما تقرر فيه من الإخبارات لا بحسب ~~النوع الأول إلا إذا سكت عن بعض التفاصيل فى بعض ونص عليه فى بعض وذلك أيضا ~~لوجه اقتضاه الحال والوقت وما كان ربك نسيا PageV02P067 ### || AUTO فصل # وإذا ثبت هذا فلا يمكن من اعتبر هذا الوجه الأخير أن يترجم كلاما من ~~الكلام العربي بكلام العجم على حال فضلا عن أن يترجم القرآن وينقل إلى لسان ~~غير عربي إلا ms264 مع فرض استواء اللسانين فى اعتباره عينا كما إذا استوى ~~اللسانان فى استعمال ما تقدم تمثيله ونحوه فإذا ثبت ذلك فى اللسان المنقول ~~إليه مع لسان العرب أمكن أن يترجم أحدهما إلى الآخر وإثبات مثل هذا بوجه ~~بين عسير جدا وربما أشار إلى شىء من ذلك أهل المنطق من القدماء ومن حذا ~~حذوهم من المتأخرين ولكنه غير كاف ولا مغن فى هذا المقام # وقد نفى ابن قتيبة إمكان الترجمة فى القرآن يعني على هذا الوجه الثاني ~~فأما على الوجه الأول فهو ممكن ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معناه ~~للعامة ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه وكان ذلك جائزا باتفاق أهل ~~الإسلام فصار هذا الإتفاق حجة فى صحة الترجمة على المعنى الأصلي # فصل # وإذا اعتبرت الجهة الثانية مع الأولى وجدت كوصف من أوصافها لأنها ~~كالتكملة للعبارة والمعنى من حيث الوضع للإفهام وهل تعد معها كوصف من ~~الأوصاف الذاتية أو هي كوصف غير ذاتي فى ذلك نظر وبحث ينبني عليه من ~~المسائل الفروعية جملة إلا أن الإقتصار على ما ذكر فيها كاف فإنه كالأصل ~~لسائر الأنظار المتفرعة فالسكوت عن ذلك أولى وبالله التوفيق PageV02P068 ### || AUTO المسالة الثالثة # هذه الشريعة المباركة أمية لأن أهلها كذلك فهو أجرى على اعتبار المصالح ~~ويدل على ذلك أمور # أحدها النصوص المتواترة اللفظ والمعنى كقوله تعالى هو الذي بعث فى ~~الأميين رسولا منهم وقوله فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله ~~وكلماته وفى الحديث # بعثت إلى أمة أمية لأنهم لم يكن لهم علم بعلوم الأقدمين والأمي منسوب إلى ~~الأم وهو الباقي على أصل ولادة الأم لم يتعلم كتابا ولا غيره فهو على أصل ~~خلقته التي ولد عليها وفى الحديث PageV02P069 ~~نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وقد فسر معنى ~~الأمية فى الحديث أي ليس لنا علم بالحساب ولا الكتاب # ونحوه قوله تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك وما أشبه ~~هذا من الأدلة المبثوثة فى الكتاب والسنة ms265 الدالة على أن الشريعة موضوعة على ~~وصف الأمية لأن أهلها كذلك # والثاني أن الشريعة التي بعث بها النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلى ~~العرب خصوصا وإلى من سواهم عموما إما أن تكون على نسبة ما هم عليه من وصف ~~الأمية أو لا فإن كان كذلك فهو معنى كونها أمية أي منسوبة إلى الأميين وإن ~~لم تكن كذلك لزم أن تكون على غير ما عهدوا فلم تكن لتنزل من أنفسهم منزلة ~~ما تعهد وذلك خلاف ما وضع عليه الأمر فيها فلا بد أن تكون على ما يعهدون ~~والعرب لم تعهد إلا ما وصفها الله به من الأمية فالشريعة إذا4 أمية # والثالث أنه لو لم يكن على ما يعهدون لم يكن عندهم معجزا الله تبارك ~~وتعالى رضي الله عنهن الرب عز وجل PageV02P070 ### || AUTO ولكانوا يخرجون عن مقتضى التعجيز بقولهم هذا على غير ما عهدنا ~~إذ ليس لنا عهد بمثل هذا الكلام من حيث إن كلامنا معروف مفهوم عندنا وهذا ~~ليس بمفهوم ولا معروف فلم تقم الحجة عليهم به ولذلك قال سبحانه ولو جعلناه ~~قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أاعجمى وعربى فجعل الحجة على فرض كون ~~القرآن أعجميا ولما قالوا إنما يعلمه بشر رد الله عليهم بقوله لسان الذي ~~يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربى مبين لكنهم أذعنوا لظهور الحجة فدل على ~~أن ذلك لعلمهم به وعهدهم بمثله مع العجز عن مماثلته وأدلة هذا المعنى كثيرة # فصل # واعلم أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس وكان لعقلائهم اعتناء ~~بمكارم الأخلاق واتصاف بمحاسن شيم فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت ~~عليه وأبطلت ما هو باطل وبينت منافع ما ينفع من ذلك ومضار ما يضر منه # فمن علومها علم النجوم وما يختص بها من الإهتداء فى البر والبحر واختلاف ~~الأزمان باختلاف سيرها وتعرف منازل سير النيرين وما يتعلق بهذا المعنى وهو ~~معنى مقرر فى أثناء القرآن فى مواضع كثيرة كقوله تعالى وهو الذي جعل لكم ~~النجوم لتهتدوا بها فى ظلمات البر ms266 والبحر وقوله وبالنجم هم يهتدون وقوله ~~والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغى لها أن تدرك ~~القمر ولا الليل سابق النهار الآية وقوله PageV02P071 ~~هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب وقوله وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة الآية وقوله ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما ~~للشياطين وقوله يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وما أشبه ذلك PageV02P072 ~~ومنها علوم الأنواء وأوقات نزول الأمطار وإنشاء السحاب وهبوب الرياح ~~المثيرة لها فبين الشرع حقها من باطلها فقال تعالى هو الذى يريكم البرق ~~خوفا وطمعا وينشىء السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده الأية # وقال أفرأيتم الماء الذى تشربون أانتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ~~وقال وأنزلنا من المعصرات ماءا ثجاجا وقال وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون خرج ~~الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قال شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا وبنجم ~~كذا وكذا وفى الحديث # أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي الحديث فى الأنواء وفى الموطأ مما انفرد ~~به إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة وقال عمر بن الخطاب للعباس ~~وهو على المنبر والناس تحته كم بقى من نوء الثريا فقال له العباس بقي من ~~نوئها كذا وكذا فمثل هذا مبين للحق من الباطل فى أمر الأنواء والأمطار # وقال تعالى وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه ~~الآية وقال والله الذى أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا ~~به الأرض بعد موتها إلى كثير من هذا # ومنها علم التاريخ وأخبار الأمم الماضية وفى القرآن من ذلك ما هو كثير ~~وكذلك فى السنة ولكن القرآن احتفل فى ذلك وأكثره من الأخبار بالغيوب التي ~~لم يكن للعرب بها علم لكنها من جنس ما كانوا ينتحلون PageV02P073 ~~قال تعالى ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم ~~أيهم يكفل مريم الآية وقال تعالى تلك من أنباء ms267 الغيب نوحيها إليك ما كنت ~~تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا وفى الحديث قصة أبيهم إبراهيم وإسماعيل ~~عليهما السلام فى بناء البيت وغير ذلك مما جرى # ومنها ما كان أكثره باطلا أو جميعه كعلم العيافة والزجر والكهانة وخط ~~الرمل والضرب بالحصى والطيرة فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل ونهت عنه ~~كالكهانة والزجر وخط الرمل وأقرت الفأل لا من جهة تطلب الغيب فإن الكهانة ~~والزجر كذلك وأكثر هذه الأمور تحرص على علم الغيب من غير دليل فجاء النبى ~~صلى الله عليه وسلم بجهة من تعرف علم الغيب مما هو حق محض وهو الوحي ~~والإلهام وأبقى للناس من ذلك بعد موته عليه السلام جزء من النبوة وهو ~~الرؤيا الصالحة وأنموذج من غيره لبعض الخاصة وهو الإلهام والفراسة # ومنها علم الطب فقد كان فى العرب منه شىء لا على ما عند الأوائل بل مأخوذ ~~من تجاريب الأميين غير مبنى على علوم الطبيعة التي يقررها الأقدمون وعلى ~~ذلك المساق جاء فى الشريعة لكن وجه جامع شاف PageV02P074 ~~قليل يطلع منه على كثير فقال تعالى كلوا واشربوا ولا تسرفوا وجاء فى ~~الحديث التعريف ببعض الأدوية لبعض الأدواء وأبطل من ذلك ما هو باطل ~~كالتداوي بالخمر والرقي التي اشتملت على ما لا يجوز شرعا PageV02P075 ~~ومنها التفنن فى علم فنون البلاغة والخوض في وجوه الفصاحة والتصرف في ~~أساليب الكلام وهو أعظم منتحلاتهم فجاءهم بما أعجزهم من القرآن الكريم قال ~~تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا # ومنها ضرب الأمثال وقد قال تعالى ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل إلا ضربا واحدا وهو الشعر فأن الله نفاه وبرأ الشريعة منه قال تعالى في ~~حكايته عن الكفار أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق ~~المرسلين أي لم يأت بشعر فإنه ليس بحق ولذلك قال وما علمناه الشعر وما ~~ينبغي له الآية وبين معنى ذلك في قوله تعالى والشعراء يتبعهم الغاوون ألم ~~تر ms268 أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون فظهر أن الشعر ليس ~~مبنيا على أصل ولكنه هيمان على غير تحصيل وقول لا يصدقه فعل وهذا مضاد لما ~~جاءت به الشريعة إلا ما استثنى الله تعالى # فهذا أنموذج ينبهك على ما نحن بسبيله بالنسبة إلىعلوم العرب الأمية # وأما ما يرجع إلى الإتصاف بمكارم الأخلاق وما ينضاف إليها فهو أول ما ~~خوطبوا به # وأكثر ما تجد ذلك في السور المكية من حيث كان آنس لهم وأجري على ما يتمدح ~~به عندهم كقوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وايتآء ذي القربى إلى ~~آخرها وقوله تعالى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا إلى انقضاء تلك الخصال وقوله قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده وقوله قل إنما حرم ربي PageV02P076 ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق إلى غير ذلك من ~~الآيات التي في هذا المعنى # لكن أدرج فيها ما هو أولى من النهي عن الإشراك والتكذيب بأمور الآخرة ~~وشبه ذلك مما هو المقصود الأعظم وأبطل لهم ما كانوا يعدونه كرما وأخلاقا ~~حسنة وليس كذلك أو فيه من المفاسد ما يربى على المصالح التي توهموها كما ~~قال تعالى إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه ثم بين ما فيها من المفاسد خصوصا في الخمر والميسر من إيقاع ~~العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهذا في الفساد أعظم مما ~~ظنوه فيهما صلاحا لأن الخمر كانت عندهم تشجع الجبان وتبعث البخيل على البذل ~~وتنشط الكسالى والميسر كذلك كان عندهم محمودا لما كانوا يقصدون به من إطعام ~~الفقراء والمساكين والعطف على المحتاجين وقد قال تعالى يسألونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما والشريعة ~~كلها إنما هي تخلق بمكارم الأخلاق ولهذا قال عليه السلام # بعثت لأتمم مكارم الأخلاق # إلا أن مكارم الأخلاق إنما كانت على ضربين أحدهما ما كان مألوفا وقريبا ~~من ms269 المعقول المقبول كانوا في ابتداء الإسلام إنما خوطبوا به ثم لما رسخوا ~~فيه تمم لهم ما بقي وهو الضرب الثاني وكان منه ما لا يعقل معناه من أول ~~وهلة فأخر حتى كان من آخره تحريم الربا وما أشبه ذلك وجميع ذلك راجع إلى ~~مكارم الأخلاق وهو الذي كان معهودا عندهم على الجملة PageV02P077 ~~ألا ترى أنه كان للعرب أحكام عندهم في الجاهلية أقرها الإسلام كما قالوا ~~في القراض وتقدير الدية وضربها على العاقلة وإلحاق الولد بالقافة والوقوف ~~بالمشعر الحرام والحكم في الخنثى وتوريث الولد للذكر مثل حظ الأنثيين ~~والقسامة وغير ذلك مما ذكره العلماء # ثم يقول لم يكتف بذلك حتى خوطبوا بدلائل التوحيد فيما يعرفون من سماء ~~وأرض وجبال وسحاب ونباب وبدلائل الآخرة والنبوة كذلك # ولما كان الباقي عندهم من شرائع الأنبياء شيء من شريعة إبراهيم عليه ~~السلام أبيهم خوطبوا من تلك الجهة ودعوا إليها وأن ما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم هي تلك بعينها كقوله تعالى ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين ~~من قبل وفي هذا وقوله ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا الآية غير أنهم ~~غيروا جملة منها وزادوا واختلفوا فجاء تقويمها من جهة محمد صلى الله عليه وسلم # وأخبروا بما أنعم الله عليهم مما هو لديهم وبين أيديهم وأخبروا عن نعيم ~~الجنة وأصنافه بما هو معهود في تنعماتهم في الدنيا لكن مبرأ من الغوائل ~~والآفات التي تلازم التنعيم الدنيوي كقوله وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ~~في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود إلى آخر الآيات وبين من مأكولات الجنة ~~ومشروباتها ما هو معلوم عندهم كالماء واللبن والخمر والعسل والنخيل ~~والأعناب وسائر ما هو عندهم مألوف دون الجوز واللوز والتفاح والكمثرى وغير ~~ذلك من فواكه الأرياف وبلاد العجم بل أجمل ذلك في لفظ الفاكهة وقال تعالى PageV02P078 ~~ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن فالقرآن ~~كله حكمة وقد كانوا عارفين بالحكمة وكان فيهم حكماء فأتاهم من الحكمة بما ~~عجزوا عن مثله وكان فيهم أهل ms270 وعظ وتذكير كقس بن ساعدة وغيره ولم يجادلهم ~~إلا على طريقة ما يعرفون من الجدل ومن تأمل القرآن وتأمل كلام العرب فى هذه ~~الأمور الثلاثة وجد الأمر سواء إلا ما اختص به كلام الله من الخواص ~~المعروفة # وسر فى جميع ملابسات العرب هذا السير تجد الأمر كما تقرر # وإذا ثبت هذا وضح أن الشريعة أمية لم تخرج عما ألفته العرب ### || AUTO المسألة الرابعة # ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها وهم العرب ينبني ~~عليه قواعد # منها أن كثيرا من الناس تجاوزوا فى الدعوى على القرآن الحد فأضافوا إليه ~~كل علم يذكر للمتقدمين أوالمتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم والمنطق ~~وعلم الحروف وجميع مانظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها وهذا إذا ~~عرضناه على ما تقدم لم يصح وإلى هذا فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ~~ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه ولم يبلغنا أنه PageV02P079 ~~تكلم أحد منهم فى شىء من هذا المدعي سوى ما تقدم وما ثبت فيه من أحكام ~~التكاليف وأحكام الآخرة وما يلي ذلك ولو كان لهم فى ذلك خوض ونظر لبلغنا ~~منه ما يدلنا على أصل المسألة إلا أن ذلك لم يكن فدل على أنه غير موجود ~~عندهم وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشىء مما زعموا نعم تضمن ~~علوما هي من جنس علوم العرب أو ما ينبني على معهودها مما يتعجب منه أولو ~~الألباب ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الإهتداء بإعلامه والإستنارة ~~بنوره أما أن فيه ما ليس من ذلك فلا # وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء ~~وقوله ما فرطنا فى الكتاب من شىء ونحو ذلك وبفواتح السور وهي مما لم يعهد ~~عند العرب وبما نقل عن الناس فيها وربما حكى من ذلك عن علي بن أبي طالب رضى ~~الله عنه وغيره أشياء # فأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد أو PageV02P080 ~~المراد بالكتاب فى قوله ما فرطنا ms271 فى الكتاب من شىء اللوح المحفوط ولم ~~يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية # وأما فواتح السور فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدا كعدد ~~الجمل الذي تعرفوه من أهل الكتاب حسبما ذكره أصحاب السير أو هي من ~~المتشابهات التي لا يعلم تاويلها إلا الله تعالى وغير ذلك وأما تفسيرها بما ~~عهد به فلا يكون ولم يدعه أحد ممن تقدم فلا دليل فيها على ما ادعوا وما ~~ينقل عن علي أو غيره فى هذا لا يثبت فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا ~~يقتضيه كما أنه لا يصح أن ينكر منه ما يقتضيه ويجب الإقتصار فى الإستعانة ~~على فهمه على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة فبه يوصل إلى علم PageV02P081 ~~ماأودع من الأحكام الشرعية فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه وتقول ~~على الله ورسوله فيه والله أعلم وبه التوفيق ### || AUTO فصل # ومنها أنه لابد فى فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين وهم العرب الذين ~~نزل القرآن بلسانهم فإن كان للعرب فى لسانهم عرف مستمر فلا يصح العدول عنه ~~فى فهم الشريعة وإن لم يكن ثم عرف فلا يصح أن يجرى فى فهمها على ما لا تعرفه # وهذا جار فى المعانى والألفاظ والأساليب مثال ذلك أن معهود العرب أن لا ~~ترى الألفاظ تعبدا عند محافظتها على المعانى وإن كانت تراعيها أيضا فليس ~~أحد الأمرين عندها بملتزم بل قد تبنى على أحدهما مرة وعلى الآخر أخرى ولا ~~يكون ذلك قادحا فى صحة كلامها واستقامته # والدليل على ذلك أشياء # أحدها خروجها فى كثير من كلامها عن أحكام القوانين المطردة والضوابط ~~المستمرة وجريانها فى كثير من منثورها على طريق منظومها وإن لم يكن بها ~~حاجة وتركها لما هو أولى فى مراميها ولا يعد ذلك قليلا فى PageV02P082 ~~كلامها ولاضعيفا بل هو كثير قوي وإن كان غيره أكثر منه # والثانى أن من شأنها الاستغناء ببعض الألفاظ عما يراد فيها أو يقاربها ~~ولا يعد ذلك اختلافا ms272 ولا اضطرابا إذ كان المعنى المقصود عل استقامة والكافى ~~من ذلك نزول القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف وفى هذا المعنى من الأحاديث ~~وكلام السلف العارفين بالقرآن كثير وقد استمر أهل القراءات على أن يعملوا ~~بالروايات التى صحت عندهم مما وافق المصحف وأنهم فى ذلك قارئون للقرآن من ~~غير شك ولا إشكال وإن كان بين القراءين ما يعده الناظر ببادئ الرأي اختلافا ~~فى المعنى لأن معنى الكلام من أوله إلى آخره على استقامة لا تفاوت فيه بحسب ~~مقصود الخطاب مالك وملك وما يخدعون إلا أنفسهم وما يخادعون إلا أنفسهم ~~لنبوئنهم من الجنة غرفا لنثوينهم من الجنة غرفا إلى كثير من هذا لأن جيمع ~~ذلك لا تفاوت فيه بحسب فهم ما أريد من الخطاب وهذا كان عادة العرب # ألا ترى ما حكى ابن جنى عن عيسى بن عمر وحكى عن غيره أيضا قال سمعت ذا ~~الرمة ينشد ... وظاهر لها من يابس الشخث واستعن ... عليها الصبا واجعل يديك ~~لها سترا ... # فقلت أنشدتنى من بائس فقال يابس وبائس واحد فأنت ترى ذا الرمة لم يعبأ ~~بالاختلاف بين البؤس واليبس لما كان معنى البيت قائما على الوجهين وصوابا ~~على كلتا الطريقتين وقد قال فى رواية أبي العباس PageV02P083 ~~الأحول البؤس واليبس واحد يعنى بحسب قصد الكلام لا بحسب تفسير اللغة وعن ~~أحمد بن يحيى قال أنشدنى ابن الأعرابي ... وموضع زير لا أريد مبيته ... ~~كأنى به من شدة الروع آنس ... # فقال له شيخ من أصحابه ليس هكذا أنشدتنا وموضع ضيق فقال سبحان الله ~~تصحبنا منذ كذا وكذا ولا تعلم أن الزير والضيق واحد وقد جاءت أشعارهم على ~~روايات مختلفة وبألفاظ متباينة يعلم من مجموعها أنهم كانوا لا يلتزمون لفظا ~~واحدا على الخصوص بحيث يعد مرادفة أو مقاربة عيبا أو ضعفا إلا فى مواضع ~~مخصوصة لا يكون ما سواه من المواضع محمولا عليها وإنما معهودها الغالب ما تقدم # والثالث أنها قد تهمل بعض أحكام اللفظ وإن كانت تعتبره على الجملة كما ~~استقبحوا العطف على الضمير المرفوع ms273 المتصل مطلقا ولم يفرقوا بين ما له لفظ ~~وما ليس له لفظ فقبح قمت وزيد كما قبح قام وزيد وجمعوا فى الردف بين عمود ~~ويعود من غير استكراه وواو عمود أقوى فى المد وجمعوا بين سعيد وعمود مع ~~اختلافهما وأشباه ذلك من الأحكام اللطيفة التى تقتضيها الألفاظ فى قياسها ~~النظري لسكنها تهملها وتوليها جانب الإعراض وما ذلك إلا لعدم تعمقها فى ~~تنقيح لسانها # والرابع أن الممدوح من كلام العرب عند أرباب العربية ما كان بعيدا عن ~~تكلف الاصطناع ولذلك إذا اشتغل الشاعر العربي بالتنقيح اختلف فى الأخذ عنه ~~فقد كان الأصمعي يعيب الخطيئة واعتذر عن ذلك بأن قال وجدت شعره كله جيدا ~~فدلنى على أنه كان يصنعه وليس هكذا الشاعر PageV02P084 ~~المطبوع إنما الشاعر المطبوع الذى يرمى بالكلام على عواهنه جيده على رديئة ~~وما قاله هو الباب المنتهج والطريق المهيع عند أهل اللسان وعلى الجملة ~~فالأدلة على هذا المعنى كثيرة ومن زوال كلام العرب وقف من هذا على علم # وإذا كان كذلك فلا يستقيم للمتكلم فى كتاب الله أو سنة رسول الله أن ~~يتكلف فيهما فوق ما يسعه لسان العرب وليكن شأنه الاعتناء بما شأنه أن تعتنى ~~العرب به الوقوف عند ما حدته # فصل # ومنها أنه إنما يصح فى مسلك الأفهام والفهم ما يكون عاما لجميع العرب فلا ~~يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه بحسب الألفاظ والمعانى فإن الناس فى الفهم ~~وتأتى التكليف فيه ليسوا على وزان واحد ولا متقارب إلا أنهم يتقاربون فى ~~الأمور الجمهورية وما والاها وعلى ذلك جرت مصالحهم فى الدنيا # ولم يكونوا بحيث يتعمقون فى كلامهم ولا فى أعمالهم إلا بمقدار ما لا يخل ~~بمقاصدهم اللهم إلا أن يقصدوا أمرا خاصا لأناس خاصة فذاك كالكنايات الغامضة ~~والرموز البعيدة التى تخفى عن الجمهور ولاتخفى عمن قصد بها وإلا كان خارجا ~~عن حكم معهودها # فكذلك يلزم أن ينزل فهم الكتاب والسنة بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع ~~العرب ولذلك أنزل القرآن على سبعة أحرف واشتركت فيه اللغات حتى كانت قبائل ms274 ~~العرب تفهمه PageV02P085 ~~وأيضا فمقتضاه من التكليف لا يخرج عن هذا النمط لأن الضعيف ليس كالقوى ولا ~~الصغير كالكبير ولا الأنثى كالذكر بل كل له حد ينتهى إليه فى العادة ~~الجارية فأخذوا بما يشترك الجمهور فى القدرة عليه وألزموا ذلك من طريقهم ~~بالحجة القائمة والموعظة الحسنة ونحو ذلك ولو شاء الله لألزمهم ما لا ~~يطيقون ولكلفهم بغير قيام حجة ولا إتيان ببرهان ولا وعظ ولا تذكير ولطوقهم ~~فهم ما لا يفهم وعلم ما لم يعلم فلا حجر عليه فى ذلك فإن حجة الملك قائمة ~~قل فلله الحجة البالغة لكن الله سبحانه خاطبهم من حيث عهدوا وكلفهم من حيث ~~لهم القدرة على ما به كلفوا وغذوا فى أثناء ذلك بما يستقيم به منآدهم ويقوى ~~به ضعيفهم وتنتهض به عزائمهم من الوعد تارة والوعيد أخرى والموعظة الحسنة ~~أخرى وبيان مجارى العادات فيمن سلف من الأمم الماضية والقرون الخالية إلى ~~غير ذلك مما فى معناه حتى يعلموا أنهم لم ينفردوا بهذا الأمر دون الخلق ~~الماضين بل هم مشتركون فى مقتضاه ولايكونون مشتركين إلا فيما لهم منة على ~~تحمله وزادهم تخفيفا دون الأولين وأجرى فوقهم فضلا من الله ونعمة والله ~~عليم حكيم # وقد خرج الترمذى وصححه عن أبي بن كعب قال لقى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جبريل فقال # يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام ~~والجارية والرجل الذى لم يقرأ كتابا قط قال يا محمد إن القرآن أنزل على ~~سبعة أحرف PageV02P086 ~~فالحاصل أن الواجب فى هذا المقام إجراء الفهم فى الشريعة على وزان ~~الاشتراك الجمهوري الذى يسع الأميين كما يسع غيرهم ### || AUTO فصل # ومنها أن يكون الاعتناء بالمعانى المبثوثة فى الخطاب هو المقصود الأعظم ~~بناء على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعانى وإنما أصلحت الألفاظ من أجلها # وهذا الأصل معلوم عند أهل العربية فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى ~~المراد والمعنى هو المقصود ولا أيضا كل المعانى فإن المعنى الإفرادي قد ~~لايعبأ به إذا كان المعنى التركيبى ms275 مفهوما دونه كما لم يعبأ ذو الرمة ببائس ~~ولا يابس اتكالا منه على أن حاصل المعنى مفهوم # وأبين من هذا ما فى جامع الإسماعيلي المخرج على صحيح البخارى عن أنس ابن ~~مالك أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قرأ فاكهة وأبا قال ما الأب ثم قال ما ~~كلفنا هذا أو قال ما أمرنا بهذا وفيه أيضا عن أنس أن رجلا سأل عمر بن ~~الخطاب عن قوله فاكهة وأبا ما الأب فقال عمر نهينا عن التعمق والتكلف ومن ~~المشهور تأديبه لضبيع حين كان يكثر السؤال عن المرسلات والعاصفات ونحوهما # وظاهر هذا كله أنه إنما نهى عنه لأن المعنى التركيبي معلوم على الجملة ~~ولا ينبنى على فهم هذه الأشياء حكم تكليفي فرأى أن الإشتغال به عن غيره مما ~~هو أهم منه تكلف ولهذا أصل فى الشريعة صحيح نبه عليه قوله تعالى ليس البر ~~ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب إلى آخر الآية # فلو كان فهم اللفظ الإفرادي يتوقف عليه فهم التركيبي لم يكن تكلفا بل هو ~~مضطر إليه كما روى عن عمر نفسه فى قوله تعالى أو يأخذهم على تخوف PageV02P087 ~~فإنه سئل عنه على المنبر فقال له رجل من هذيل التخوف عندنا التنقص ثم ~~أنشده ... تخوف الرحل منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن ... # فقال عمر أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم فى جاهليتكم فإن فيه تفسير ~~كتابكم فليس بين الخبرين تعارض لأن هذا قد توقف فهم معنى الآية عليه بخلاف الأول # فإذا كان الأمر هكذا فاللازم الاعتناء بفهم معنى الخطاب لأنه المقصود ~~والمراد وعليه ينبنى الخطاب ابتداء وكثيرا ما يغفل هذا النظر بالنسبة ~~للكتاب والسنة فتلتمس غرائبه ومعانيه على غير الوجه الذى ينبغى فتستبهم على ~~الملتمس وتستعجم على من لم يفهم مقاصد العرب فيكون عمله فى غير معمل ومشيه ~~على غير طريق والله الواقى برحمته # فصل # ومنها أن تكون التكاليف الاعتقادية والعملية مما يسع الأمى تعقلها ليسعه ~~الدخول تحت حكمها # أما الإعتقادية بأن تكون من القرب للفهم والسهولة على العقل ms276 بحيث يشترك ~~فيها الجمهور من كان منهم ثاقب الفهم أو بليدا فإنها لو كانت مما لا يدركه ~~إلا الخواص لم تكن الشريعة عامة ولم تكن أمية وقد ثبت كونها كذلك فلا بد أن ~~تكون المعانى المطلوب علمها واعتقادها سهلة المأخذ # وأيضا فلو لم تكن كذلك لزم بالنسبة إلى الجمهور تكليف ما لا يطاق وهو غير ~~واقع كما هو مذكور فى الأصول ولذلك تجد الشريعة لم تعرف من الأمور PageV02P088 ~~الآلهية إلا بما يسع فهمه وأرجت غير ذلك فعرفته بمقتضى الأسماء والصفات ~~وحضت على النظر فى المخلوقات إلى أشباه ذلك وأحالت فيما يقع فيه الاشتباه ~~على قاعدة عامة وهو قوله تعالى ليس كمثله شىء وسكتت عن أشياء لا تهتدى ~~إليها العقول نعم لا ينكر تفاضل الإداركات على الجملة وإنما النظر فى القدر ~~المكلف به # ومما يدل على ذلك أيضا أن الصحابة رضي الله عنهم لم يبلغنا عنهم من ~~الخواض فى هذه الأمور ما يكون أصلا للباحثين والمتكلفين كما لم يأت ذلك عن ~~صاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام وكذلك التابعون المقتدى بهم لم يكونوا ~~إلا على ما كان عليه الصحابة بل الذى جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن ~~أصحابه النهى عن الخوض فى الأمور الإلهية وغيرها حتى قال # لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خالق كل شئ فمن خلق الله ~~وثبت النهى عن كثرة السؤال وعن تكلف مالا يعنى عاما فى الاعتقادات ~~والعمليات # وأخبر مالك أن من تقدم كانوا يكرهون الكلام إلا فيما تحته عمل وإنما يريد ~~ما كان من الأشياء التى لا تهتدى العقول لفهمها مما سكت عنه أو مما وقع ~~نادرا من المتشابهات محالا به على آية التنزيه # وعلى هذا فالتعمق فى البحث فيها وتطلب ما لا يشترك الجمهور فى فهمه خروج ~~عن مقتضى وضع الشريعة الأمية فإنه ربما جمحت النفس إلى طلب ما لا يطلب منها ~~فوقعت فى ظلمة لا انفكاك لها منها ولله در القائل ... وللعقول قوى تستن دون ~~مدى ... إن تعدها ظهرت فيها اضطرابات ms277 ... # ومن طماح النفوس إلى ما لم تكلف به نشأت الفرق كلها أو أكثرها # وأما العمليات فمن مراعاة الأمية فيها أن وقع تكليفهم بالجلائل فى ~~الأعمال والتقريبات فى الأمور بحيث يدركها الجمهور كما عرف أوقات الصلوات ~~بالأمور المشاهدة لهم كتعريفها بالظلال وطلوع الفجر والشمس وغروبها وغروب ~~الشفق وكذلك فى الصيام فى قوله تعالى حتى يتبين PageV02P089 ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولما كان فيهم من حمل العبارة على ~~حقيقتها نزل من الفجر وفى الحديث # إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر ~~الصائم وقال نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا وقال # لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا ~~العدة ثلاثين ولم يطالبنا بحساب مسير الشمس مع القمر فى المنازل لأن ذلك لم ~~يكن من معهود العرب ولا من علومها ولدقة الأمر فيه وصعوبة الطريق إليه ~~وأجرى لنا غلبة الظن فى الأحكام مجرى اليقين وعذر الجاهل فرفع عنه الإثم ~~وعفا عن الخطأ إلى غير ذلك من الأمور المشتركة للجمهور فلا يصح الخروج عما ~~حد فى الشريعة ولا تطلب ما وراء هذه الغاية فإنها مظنة الضلال ومزلة ~~الأقدام PageV02P090 ~~فإن قيل هذا مخالف لما نقل عنهم من تدقيق النظر فى مواقع الأحكام ومظان ~~الشبهات ومجارى الرياء والتصنع للناس ومبالغتهم فى التحرز من الأمور ~~المهلكات التى هى عند الجمهور من الدقائق التى لا يهتدى إلى فهمها والوقوف ~~عليها إلا الخواص وقد كانت عندهم عظائم وهي مما لا يصل إليها الجمهور # وأيضا لو كانت كذلك لم يكن للعلماء مزية على سائر الناس وقد كان فى ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم خاصة وعامة وكان للخاصة من الفهم فى الشريعة ~~ما لم يكن للعامة وإن كان الجميع عربا وأمة أمية وهكذا سائر القرون إلى ~~اليوم فكيف هذا وأيضا فإن الشريعة قد اشتملت على ما تعرفه العرب عامة وما ~~يعرفه العلماء خاصة وما لا يعلمه إلا الله تعالى وذلك المتشابهات فهى شاملة ~~لما يوصل إلى ms278 فهمه على الإطلاق وما لا يوصل إليه على الإطلاق وما يوصل إليه ~~البعض دون البعض فأين الاختصاص بما يليق بالجمهور خاصة # فالجواب أن يقال أما المتشابهات فإنها من قبيل غير ما نحن فيه لأنها إما ~~راجعة إلى أمور آلهية لم يفتح الشارع لفهمها بابا غير التسليم والدخول تحت ~~آية التنزيه وإما راجعة إلى قواعد شرعية فتتعارض أحكامها وهذا خاص مبنى على ~~عام هو ما نحن فيه وذلك أن هذه الأمور كلها يجاب عنها بأوجه # أحدها أنها أمور أضافية لم يتعبد بها أول الأمر للأدلة المتقدمة وإنما هى ~~أمور تعرض لمن تمرن فى علم الشريعة وزاول أحكام التكليف وامتاز عن الجمهور ~~بمزيد فهم فيها حتى زايل الأمية من وجه فصار تدقيقه فى الأمور الجليلة ~~بالنسبة إلى غيره ممن لم يبلغ درجته فنسبته إلى ما فهمه نسبة العامي إلى ما فهمه PageV02P091 ~~والنسبة إذا كانت محفوظة فلا يبقى تعارض بين ما تقدم وما ذكر فى السؤال # والثانى أن الله تعالى جعل أهل الشريعة على مراتب ليسوا فيها على وزان ~~واحد ورفع بعضهم فوق بعض كما أنهم فى الدنيا كذلك فليس من له مزيد فى فهم ~~الشريعة كمن لا مزيد له لكن الجميع جار على أمر مشترك # والاختصاصات فيها هبات من الله لا تخرج أهلها عن حكم الاشتراك بل يدخلون ~~مع غيرهم فيها ويمتازون هم بزيادات فى ذلك الأمر المشترك بعينه فإن امتازوا ~~بمزيد الفهم لم يخرجهم ذلك عن حكم الاشتراك فإن ذلك المزيد أصله الأمر ~~المشترك # كما نقول إن الورع مطلوب من كل أحد على الجملة ومع ذلك فمنه ما هو من ~~الجلائل كالورع عن الحرام البين والمكروه البين ومنه ما ليس من الجلائل عند ~~قوم وهو منها عند قوم آخرين فصار الذين عدوه من الجلائل داخلين فى القسم ~~الأول على الجملة وإن كانوا قد امتازوا عنهم بالورع عن بعض ما لا يتورع عنه ~~القسم الأول بناء على الشهادة بكون الموضع متأكدا لبيانه أو غير متأكد ~~لدقته وهكذا سائر المسائل التى يمتاز بها ms279 الخواص عن العوام لا تخرج PageV02P092 ~~عن هذا القانون فقد بان أن الجميع جارون على حكم أمر مشترك مفهوم للجمهور ~~على الجملة # والثالث أن ما فيه التفاوت إنما تجده فى الغالب فى الأمور المطلقة فى ~~الشريعة التى لم يوضع لها حد يوقف عنده بل وكلت إلى نظر المكلف فصار كل أحد ~~فيها مطلوبا بإداركه فمن مدرك فيها أمرا قريبا فهو المطلوب منه ومن مدرك ~~فيها أمرا هو فوق الأول فهو المطلوب منه وربما تفاوت الأمر فيها بحسب قدرة ~~المكلف على الدوام فيما دخل فيه وعدم قدرته فمن لا يقدر على الوفاء بمرتبة ~~من مراتبه لم يؤمر بها بل بما هو دونها ومن كان قادرا على ذلك كان مطلوبا ~~وعلى هذا السبيل يعتبر ما جاء مما يظن أنه مخالف لما تقدم # والله أعلم # فلهذا المعنى بعينه وضعت العمليات على وجه لا تخرج المكلف إلى مشقة يمل ~~بسببها أو إلى تعطيل عاداته التى يقوم بها صلاح دنياه ويتوسع بسببها فى نيل ~~حظوظه وذلك أن الأمي الذى لم يزاول شيئا من الأمور الشرعية ولا العقلية ~~وربما اشمأز قلبه عما يخرجه عن معتاده بخلاف من كان له بذلك عهد ومن هنا ~~كان نزول القرآن نجوما فى عشرين سنة ووردت الأحكام التكليفية فيها شيئا ~~فشيئا ولم تنزل دفعة واحدة وذلك لئلا تنفر عنها النفوس دفعة واحدة # وفيما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أن ابنه عبد الملك قال له مالك لا PageV02P093 ~~تنفذ الأمور فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك فى الحق قال له عمر ~~لا تعجل يا بنى فإن الله ذم الخمر فى القرآن مرتين وحرمها فى الثالثة وإنى ~~أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعوه جملة ويكون من ذا فتنة # وهذا معنى صحيح معتبر فى الاستقراء العادى فكان ما كان أجرى بالمصلحة ~~وأجرى على جهة التأنيس وكان أكثرها على أسباب واقعة فكانت أوقع فى النفوس ~~حين صارت تنزل بحسب الوقائع وكانت أقرب فكانت أوقع فى النفوس حين صارت تنزل ~~بحسب الوقائع ms280 وكانت أقرب إلى التأنيس حين كانت تنزل حكما حكما وجزئية جزئية ~~لأنها إذا نزلت كذلك لم ينزل حكم إلا والذى قبله قد صار عادة واستأنست به ~~نفس المكلف الصائم عن التكليف وعن العلم به رأسا فإذا نزل الثانى كانت ~~النفس أقرب للانقياد له ثم كذلك فى الثالث والرابع # ولذلك أيضا أونسوا فى الابتداء بأن هذه الملة ملة إبراهيم عليه السلام ~~كما يؤنس الطفل فى العمل بأنه من عمل أبيه يقول تعالى ملة أبيكم إبراهيم ثم ~~أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى ~~الناس بإبراهيم للذين اتبعوه إلى غير ذلك من الآيات فلو نزلت دفعة واحدة ~~لتكاثرت التكاليف على المكلف فلم يكن لينقاد إليها انقياده إلى الحكم ~~الواحد أو الأثنين وفى الحديث # الخير عادة وإذا اعتادت النفس فعلا ما من أفعال الخير حصل له به نور فى ~~قلبه وانشرح به صدره فلا يأتي فعل ثان إلا وفى النفس له القبول هذا فى عادة ~~الله فى أهل الطاعة وعادة PageV02P094 ~~أخرى جارية فى الناس أن النفس أقرب انقيادا إلى فعل يكون عندها فعل آخر من ~~نوعه ومن هنا كان عليه الصلاة والسلام يكره أضداد هذا ويحب ما يلائمه فكان ~~يحب الرفق ويكره العنف وينهى عن التعمق والتكلف والدخول تحت ما لا يطاق ~~حمله لأن هذا كله أقرب إلى الانقياد وأسهل فى التشريع للجمهور ### || AUTO المسألة الخامسة # إذا ثبت أن للكلام من حيث دلالته على المعنى اعتبارين من جهة دلالته على ~~المعنى الأصلى ومن جهة دلالته على المعنى التبعي الذى هو خادم للأصل كان من ~~الواجب أن ينظر فى الوجه الذى تستفاد منه الأحكام وهل يختص بجهة المعنى ~~الأصلي أو يعم الجهتين معا # أما جهة المعنى الأصلي فلا إشكال فى صحة اعتبارها فى الدلالة على الأحكام ~~بإطلاق ولا يسع فيه خلاف على حال ومثال ذلك صيغ الأوامر والنواهى والعمومات ~~والخصوصات وما أشبه ذلك مجردا من القرائن الصارفة لها عن مقتضى الوضع الأول # وأما جهة المعنى التبعي فهل ms281 يصح اعتبارها في الدلالة على الأحكام من حيث ~~يفهم منها معان زائدة على المعنى الأصلي أم لا هذا محل تردد ولكل واحد من ~~الطرفين وجه من النظر # فللمصحح أن يستدل بأوجه # أحدهما أن هذا النوع إما أن يكون معتبرا في دلالته على ما دل عليه أولا ~~ولا يمكن عدم اعتباره لأنه إنما أتى به لذلك المعنى فلا بد من اعتباره فيه ~~وهو زائد على المعنى الأصلي وإلا لم يصح فإذا كان هذا المعنى يقتضى حكما ~~شرعيا لم يمكن إهماله واطراحه كما لا يمكن ذلك بالنسبة إلى النوع الأول فهو ~~إذا معتبر وهو المطلوب PageV02P095 ~~والثاني أن الإستدلال بالشريعة على الأحكام إنما هو من جهة كونها بلسان ~~العرب لا من جهة كونها كلاما فقط وهذا الإعتبار يشمل ما دل بالجهة الأولى ~~وما دل بالجهة الثانية هذا وإن قلنا إن الثانية مع الأولى كالصفة مع ~~الموصوف كالفصل والخاص فذلك كله غير ضائر وإذا كان كذلك فتخصيص الأولى ~~بالدلالة على الأحكام دون الثانية تخصيص من غير مخصص وترجيح من غير مرجح ~~وذلك كله باطل فليست الأولى إذ ذاك بأولى للدلالة من الثانية فكان ~~اعتبارهما معا هو المتعين # والثالث أن العلماء قد اعتبروها واستدلوا على الأحكام من جهتها في مواضع كثيرة # كما استدلوا على أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يوما بقوله عليه السلام # تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلى والمقصود الإخبار بنقصان الدين لا الإخبار ~~بأقصى المدة ولكن المبالغة اقتضت ذكر ذلك ولو تصورت الزيادة لتعرض لها # واستدل الشافعي على تنجيس الماء القليل بنجاسة لا تغيره بقوله عليه السلام # إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها الحديث PageV02P096 ~~فقال لولا أن قليل النجاسة ينجس لكان توهمه لا يوجب الإستحباب فهذا الموضع ~~لم يقصد فيه بيان حكم الماء القليل تحله قليل النجاسة لكنه لازم مما قصد ~~ذكره وكاستدلالهم على تقدير أقل مدة الحمل ستة أشهر أخذا من قوله تعالى ~~وحمله وفصاله ثلاثون شهرا مع قوله وفصاله فى عامين فالمقصد فى الآية ms282 الأولى ~~بيان مدة الأمرين جيمعا من غير تفصيل ثم بين فى الثانية مدة الفصال قصدا ~~وسكت عن بيان مدة الحمل وحدها قصدا فلم يذكر له مدة فلزم من ذلك أن أقلها ~~ستة أشهر # وقالوا فى قوله تعالى فالآن باشروهن إلى قوله تعالى حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود الآية إنه يدل على جواز الإصباح جنبا وصحة الصيام ~~لأن إباحة المباشرة إلى طلوع الفجر تقتضى ذلك وإن لم يكن مقصود البيان لأنه ~~لازم من القصد إلى بيان إباحة المباشرة والأكل والشرب # واستدلوا على أن الولد لا يملك بقوله تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه بل عباد مكرمون وأشباه ذلك من الآيات فإن المقصود بإثبات العبودية ~~لغير الله وخصوصا للملائكة نفى اتخاذ الولد لا أن الولد لا يملك لكنه PageV02P097 ~~لزم من نفي الولادة وأن لا يكون المنسوب إليها إلا عبدا إذ لا موجود إلا ~~رب أو عبد # واستدلوا على ثبوت الزكاة فى قليل الحبوب وكثيرها بقوله عليه الصلاة ~~والسلام # فيما سقت السماء العشر الحديث مع أن المقصود تقدير الجزء المخرج لا تعيين ~~المخرج منه ومثله كل عام نزل على سبب فإن الأكثر على الأخذ بالتعميم ~~اعتبارا بمجرد اللفظ والمقصود وإن كان السبب على الخصوص # واستدلوا على فساد البيع وقت النداء بقوله تعالى وذروا البيع مع أن ~~المقصود إيجاب السعي لا بيان فساد البيع # وأثبتوا القياس الجلي قياسا كإلحاق الأمة بالعبد فى سراية العتق مع PageV02P098 ~~أن المقصود فى قوله عليه السلام # من أعتق شركا له فى عبد مطلق الملك لا خصوص الذكر إلى غير ذلك من المسائل ~~التى لا تحصى كثرة وجميعها تمسك بالنوع الثانى لا بالنوع الأول وإذا كان ~~كذلك ثبت أن الاستدلال من جهته صحيح مأخوذ به # وللمانع أن يستدل أيضا بأوجه # أحدها أن هذه الجهة إنما هى بالفرض خادمة للأولى وبالتبع لها فدلالتها ~~على معنى إنما يكون من حيث هى مؤكدة للأولى ومقوية لها وموضحة لمعناها ~~وموقعة لها من الأسماع موقع القبول ومن العقول موقع الفهم كما نقول ms283 فى ~~الأمر الآتى للتهديد أو التوبيخ كقوله اعملوا ما شئتم وقوله ذق إنك أنت ~~العزيز الكريم فإن مثل هذا لم يقصد به الأمر وإنما هو مبالعة فى التهديد أو ~~الخزي فلذلك لم يقبل أن يؤخذ منه حكم فى باب الأوامر ولا يصح أن يؤخذ وكما ~~نقول فى نحو واسأل القرية التى كنا فيها إن المقصود سل أهل القرية ولكن ~~جعلت القرية مسئولة مبالغة فى الاستيفاء بالسؤال وغير PageV02P099 ~~ذلك فلم ينبن على إسناد السؤال للقرية حكم وكذلك قوله خالدين فيها ما دامت ~~السموات والأرض بناء على القول بأنهما تفنيان ولا تدومان لما كان المقصود ~~به الإخبار بالتأبيد لم يوخذ منه انقطاع مدة العذاب للكفار إلى أشياء من ~~هذا المعنى لا يؤتى على حصرها وإذا كان كذلك فليس لها من الدلالة على ~~المعنى الذي وضعت له أمر زائد على الإيضاح والتأكيد والتقوية للجهة الأولى # فإذا ليس لها خصوص حكم يؤخذ منها زائدا على ذلك بحال # والثانى أنه لو كان لها موضع خصوص حكم يقرر شرعا دون الأولى لكانت هى ~~الأولى إذ كان يكون تقرير ذلك المعنى مقصودا بحق الأصل فتكون العبارة عنه ~~من الجهة الأولى لا من الثانية وقد فرضناه من الثانية هذا خلف لا يمكن # لا يقال إن كونها دالة بالتبع لا ينفى كونها دالة بالقصد وإن كان القصد ~~ثانيا كما نقول فى المقاصد الشرعية إنها مقاصد أصلية ومقاصد تابعة والجميع ~~مقصود للشارع ويصح من المكلف القصد إلى المقاصد التابعة مع الغفلة عن ~~الأصلية PageV02P100 ~~وينبنى على ذلك فى أحكام التكليف حسبما يأتي بعد إن شاء الله فكذلك نقول ~~هنا إن دلالة الجهة الثانية لا تمنع قصد المكلف إلى فهم الأحكام منها لأن ~~نسبتها من فهم الشريعة نسبة تلك من الأخذ بها عملا وإذا اتحدت النسبة كان ~~التفريق بينهما غير صحييح ولزم من اعتبار إحداهما اعتبار الأخرى كما يلزم ~~من إهمال إحداهما إهمال الأخرى # لأنا نقول هذا إن سلم من أدل الدليل على ما تقدم لأنه إذا كان النكاح ~~بقصد قضاء الوطر ms284 مثلا صحيحا من حيث كان مؤكد للمقصود الأصلي من النكاح وهو ~~النسل فغفلة المكلف عن كونه مؤكدا لا يقدح فى كونه مؤكدا فى قصد الشارع # فكذلك نقول فى مسألتنا إن الجهة الثانية من حيث القصد فى اللسان العربي ~~إنما هى مؤكدة للأولى فى نفس ما دلت عليه الأولى وما دلت عليه هو المعنى ~~الأصلي فالمعنى التبعي راجع إلى المعنى الأصلي ويلزم من هذا أن لا يكون فى ~~المعنى التبعى زيادة على المعنى الأصلي وهو المطلوب # وأيضا فإن بين المسألتين فرقا وذلك أن النكاح بقصد قضاء الوطر إن كان ~~داخلا من وجه تحت المقاصد التابعة للضروريات فهو داخل من وجه آخر تحت ~~الحاجيات لأنه راجع إلى قصد التوسعة على العباد فى نيل مآربهم وقضاء ~~أوطارهم ورفع الحرج عنهم وإذا دخل تحت أصل الحاجيات صح افراده بالقصد من ~~هذه الجهة ورجع إلى كونه مقصودا لا بالتبعية بخلاف مسألتنا فإن الجهة ~~التابعة لا يصح افرادها بالدلالة على معنى غير التأكد للأولى لأن العرب ما ~~وضعت كلامها على ذلك إلا بهذا القصد فلا يمكن الخروج عنه إلى غيره # والثالث أن وضع هذه الجهة على أن تكون تبعا للأولى يقتضى أن ما تؤديه من ~~المعنى لا يصح أن يؤخذ إلا من تلك الجهة فلو جاز أخذه من غيرها لكان خروجا ~~بها عن وضعها وذلك غير صحيح ودلالتها على حكم زائد على ما فى الأولى خروج ~~لها عن كونه تبعا للأولى فيكون استفاده الحكم من جهتها على PageV02P101 ~~غير فهم عربي وذلك غير صحيح فما أدى إليه مثله وما ذكر من استفادة الأحكام ~~بالجهة الثانية غير مسلم وإنما هى راجعة إلى أحد أمرين إما إلى الجهة ~~الأولى وإما إلى جهة ثالثة غير ذلك # فأما مدة الحيض فلا نسلم أن الحديث دال عليها وفيه النزاع ولذلك يقول ~~الحنفية أن أكثرها عشرة أيام وأن سلم فليس ذلك من جهة دلالة اللفظ بالوضع ~~وفيه الكلام ومسألة الشافعي فى نجاسة الماء من باب القياس أو غيره وأفل مدة ~~الحمل مأخوذ من ms285 الجهة الأولى لا من الجهة الثانية # وكذلك مسألة الإصباح جنبا إذ لا يمكن غير ذلك وأما كون الولد لا يملك ~~فالاستدلال عليه بالآية ممنوع وفيه النزاع وما ذكر مسالة الزكاة فالقائل ~~بالتعميم إنما بني على أن العموم مقصود ولم يبن على أنه غير مقصود وإلا كان ~~تناقضا لأن أدلة الشريعة إنما أخذ منها الأحكام الشرعية بناء على أنه هو ~~مقصود الشارع فكيف يصح الاستدلال بالعموم مع الاعتراف بأن ظاهره غير مقصود ~~وهكذا العام الوارد على سبب من غير فرق ومن قال بفسخ البيع وقت النداء بناء ~~على قوله تعالى وذروا البيع فهو عنده مقصود لا ملغى وإلا لزم PageV02P102 ~~التناقض فى الأمر كما ذكر وكذلك شأن القياس الجلى لم يجعلوا دخول الأمة فى ~~حكم العبد بالقياس إلا بناء على أن العبد هو المقصود بالذكر بخصوصه وهكذا ~~سائر ما يفرض فى هذا الباب # فالحاصل أن الاستدلال بالجهة الثانية على الأحكام لا يثبت فلا يصح إعماله ~~ألبتة وكما أمكن الجواب عن الدليل الثالث كذلك يمكن فى الأول والثانى فإن ~~فى الأول مصادرة على المطلوب لأنه قال فيه فإذا كان المعنى المدلول عليه ~~يقتضى حكما شرعيا فلا يمكن إهماله وهذا عين مسألة النزاع والثانى مسلم ولكن ~~يبقى النظر فى استقلال الجهة الثانية بالدلالة على حكم شرعي وهو المتنازع ~~فيه فالصواب إذا القول بالمنع مطلقا والله أعلم ### || AUTO فصل # قد تبين تعارض الأدلة فى المسألة وظهر أن الأقوى من الجهتين جهة المانعين ~~فاقتضى الحال أن الجهة الثانية وهي الدالة على المعنى التبعي لا دلالة لها ~~على حكم شرعي زائد ألبتة # لكن يبقى فيها نظر آخر ربما أخال أن لها دلالة على معان زائدة على المعنى ~~الأصلي هي آداب شرعية وتخلقات حسنة يقر بها كل ذي عقل سليم فيكون لها ~~اعتبار فى الشريعة فلا تكون الجهة الثانية خالية عن الدلالة جملة وعند ذلك ~~يشكل القول بالمنع مطلقا # وبيان ذلك يحصل بأمثلة سبعة # أحدها أن القرآن أتى بالنداء من الله تعالى للعباد ومن العباد لله سبحانه ~~إما ms286 حكاية وإما تعليما فحين أتى بالنداء من قبل الله للعباد جاء بحرف ~~النداء المقتضى للعبد ثابتا غير محذوف كقوله تعالى يا عبادى الذين آمنوا إن ~~أرضى واسعة قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم قل يا أيها الناس إنى رسول ~~الله إليكم جميعا يا أيها الناس يا أيها الذين آمنوا فإذا أتى PageV02P103 ~~بالنداء من العباد إلى الله تعالى جاء من غير حرف نداء ثابت بناء على أن ~~حرف النداء للتنبيه فى الأصل والله منزه عن التنبيه وأيضا فإن أكثر حروف ~~النداء للبعيد ومنها يا التي هي أم الباب وقد أخبر الله تعالى أنه قريب من ~~الداعي خصوصا لقوله تعالى وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب الآية ومن الخلق ~~عموما لقوله ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ~~وقوله ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # فحصل من هذا التنبيه على أدبين أحدهما ترك حرف النداء والآخر استشعار ~~القرب كما أن فى إثبات الحرف فى القسم الآخر التنبيه على معنين إثبات ~~التنبيه لمن شأنه الغفلة والإعراض والغيبة وهو العبد والدلالة على ارتفاع ~~شأن المنادى وأنه منزه عن مداناة العباد إذ هو فى دنوه عال وفى علوه دان سبحانه # والثاني أن نداء العبد للرب نداء رغبة وطلب لما يصح شأنه فأتى فى النداء ~~القرآني بلفظ الرب فى عامة الأمر تنبيها وتعليما لأن يأتي العبد فى دعائه ~~بالإسم المقتضى للحال المدعو بها وذلك أن الرب فى اللغة هو القائم بما يصلح ~~المربوب فقال تعالى فى معرض بيان دعاء العباد ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا إلى آخرها ~~ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وإنما أتى قوله تعالى وإذ قالوا اللهم إن ~~كان هذا هو الحق من عندك من غير إتيان بلفظ الرب لأنه لا مناسبة بينه وبين ~~ما دعوا به بل هو مما ينافيه بخلاف PageV02P104 ~~الحكاية عن عيسى عليه السلام فى قوله قال عيسى ابن ms287 مريم اللهم ربنا أنزل ~~علينا مائدة من السماء الآية فإن لفظ الرب فيها مناسب جدا # والثالث أنه أتى فيه الكناية فى الأمور التي يسحبا من التصريح بها كما ~~كنى عن الجماع باللباس والمباشرة وعن قضاء الحاجة بالمجىء من الغائط وكما ~~قال فى نحوه كانا يأكلان الطعام فاستقر ذلك أدبا لنا استنبطناه من هذه ~~المواضع وإنما دلالتها على هذه المعاني بحكم التبع لا بالأصل # والرابع أنه أتى فيه بالالتفات الذي ينبىء فى القرآن عن أدب الإقبال من ~~الغيبة إلى الحضور بالنسبة إلى العبد إذا كان مقتضى الحال يستدعيه كقوله ~~تعالى الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ثم قال إياك ~~نعبد وبالعكس إذا اقتضاه الحال أيضا كقوله تعالى حتى إذا كنتم فى الفلك ~~وجرين بهم بريح طيبة وتأمل فى هذا المساق معنى قوله تعالى عبس وتولى أن ~~جاءه الأعمى حيث عوتب النبى صلى الله عليه وسلم بهذا المقدار من هذا العتاب ~~لكن على حال تقتضى الغيبة التي شأنها أخف بالنسبة إلى المعاتب ثم رجع ~~الكلام إلى الخطاب إلا أنه بعتاب أخف من الأول ولذلك ختمت الآية بقوله كلا ~~إنها تذكرة # والخامس الأدب فى ترك التنصيص على نسبة الشر إلى الله تعالى وإن كان هو ~~الخالق لكل شىء كما قال بعد قوله قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء ~~إلى قوله بيدك الخير ولم يقل بيدك الخير والشر وإن كان قد ذكر القسمين معا ~~لأن نزع الملك والإذلال بالنسبة إلى من لحق ذلك به شر ظاهر نعم قال فى أثره ~~إنك على كل شىء قدير تنبيها فى الجملة على أن الجميع خلقه حتى جاء فى ~~الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم PageV02P105 ~~والخير في يديك والشر ليس إليك وقال إبراهيم عليه السلام الذي خلقني فهو ~~يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين الخ فنسب إلى رب ~~العالمين الخلق والهداية والإطعام والسقي والشفاء والإماتة والإحياء وغفران ~~الخطيئة دون ما جاء في أثناء ذلك من المرض فإنه سكت عن ms288 نسبته إليه # والسادس الأدب في المناظرة أن لا يفاجئ بالرد كفاحا دون التقاضي ~~بالمجاملة والمسامحة كما في قوله تعالى وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال ~~مبين وقوله قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين قل إن افتريته فعلى ~~إجرامي وقوله قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون أولو كان آباؤهم لا ~~يعلمون شيئا ولا يهتدون لأن ذلك أدعى إلى القبول وترك العناد وإطفاء نار ~~العصبية # والسابع الأدب في إجراء الأمور على العادات في التسببات وتلقي الأسباب ~~منها وإن كان العلم قد أتى من وراء ما يكون أخذا من مساقات الترجيات ~~العادية كقوله تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا فعسى الله أن يأتي ~~بالفتح أو أمر من عنده وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ومن هذا الباب جاء ~~نحو قوله تعالى لعلكم تتقون لعلكم تذكرون وما أشبه ذلك فإن الترجي والإشفاق ~~ونحوهما إنما تقع حقيقة ممن لا يعلم عواقب الأمور والله تعالى عليم بما كان ~~وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون # ولكن جاءت هذه الأمور على المجرى المعتاد في أمثالنا فكذلك ينبغي لمن كان ~~عالما بعاقبة أمر بوجه من وجوه العلم الذي هو خارج عن معتاد الجمهور أن ~~يحكم فيه عند العبارة عنه بحكم غير العالم دخولا في غمار العامة وإن بان عنهم PageV02P106 ~~بخاصية يمتاز بها وهو من التنزلات الفائقة الحسن في محاسن العادات وقد كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم بأخبار كثير من المنافقين ويطلعه ربه ~~على أسرار كثير منهم ولكنه كان يعاملهم في الظاهر معاملة يشترك معهم فيها ~~المؤمنون لإجتماعهم في عدم انخرام الظاهر فما نحن فيه نوع من هذا الجنس ~~والأمثلة كثيرة # فإذا كان كذلك ظهر أن الجهة الثانية يستفاد بها أحكام شرعية وفوائد عملية ~~ليست داخلة تحت الدلالة بالجهة الأولى وهو توهين لما تقدم اختياره # والجواب أن هذه الأمثلة وما جرى مجراها لم يستفد الحكم فيها من جهة وضع ~~الألفاظ للمعاني وإنما استفيد من جهة ms289 أخرى وهي جهة الإقتداء بالأفعال ### || AUTO النوع الثالث # في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقضاها # ويحتوي على مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # ثبت في الأصول أن شرط التكليف أو سببه القدرة على المكلف به فما لا قدرة ~~للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعا وإن جاز عقلا ولا معنى لبيان ذلك ههنا ~~فإن الأصوليين قد تكفلوا بهذه الوظيفة ولكن نبني عليها ونقول # إذا ظهر من الشارع في بادىء الرأي القصد إلى التكليف بما لا يدخل تحت ~~قدرة العبد فذلك راجع في التحقيق إلى سوابقه أو لواحقه أو قرائنه فقول PageV02P107 ~~الله تعالى ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون وقوله في الحديث # كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل وقوله # لا تمت وأنت ظالم وما كان نحو ذلك ليس المطلوب منه إلا ما يدخل تحت ~~القدرة وهو الإسلام وترك الظلم والكف عن القتل والتسليم لأمر الله وكذلك ~~سائر ما كان من هذا القبيل ومنه ما جاء في حديث أبي طلحة حيث ترس على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكان عليه الصلاة والسلام يتطلع ليرى ~~القوم فيقول له أبو طلحة # لا تشرف يا رسول الله لا يصيبوك الحديث فقوله لا يصيبوك من هذا القبيل ### || AUTO المسألة الثانية # إذا ثبت هذا فالأوصاف التي طبع عليها الإنسان كالشهوة إلى الطعام والشراب ~~لا يطلب برفعها ولا بإزالة ما غرز في الجبلة منها فإنه من تكليف ما لا PageV02P108 ~~يطاق كما لا يطلب بتحسين ما قبح من خلقة جسمه ولا تكميل ما نقص منها فإن ~~ذلك غير مقدور للإنسان ومثل هذا لا يقصد الشارع طلبا له ولا نهيا عنه ولكن ~~يطلب قهر النفس عن الجنوح إلى ما لا يحل وإرسالها بمقدار لاعتدال فيما يحل ~~وذلك راجع إلى ما ينشأ من الأفعال من جهة تلك الأوصاف مما هو داخل تحت ~~الإكتساب ### || AUTO المسألة الثالثة # إن ثبت بالدليل أن ثم أوصافا تماثل ما تقدم في كونها مطبوعا عليها ~~الإنسان فحكمها حكمها لأن الأوصاف المطبوع عليها ms290 ضربان منها ما يكون ذلك ~~فيه مشاهدا محسوسا كالذي تقدم ومنها ما يكون خفيا حتى يثبت بالبرهان فيه ~~ذلك ومثاله العجلة فإن ظاهر القرآن أنها مما طبع الإنسان عليه لقوله تعالى ~~خلق الإنسان من عجل وفي الصحيح أن # إبليس لما رأى آدم أجوف علم أنه خلق خلقا لا يتمالك وقد جاء أن # الشجاعة والجبن غرائز # وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها إلى أشياء من هذا ~~القبيل وقد جعل منها الغضب وهو معدود عند الزهاد من المهلكات وجاء # يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب # وإذا ثبت هذا فالذي تعلق به الطلب ظاهرا من الإنسان على ثلاثة أقسام # أحدها ما لم يكن داخلا تحت كسبه قطعا وهذا قليل كقوله PageV02P109 ~~ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون وحكمه أن الطلب به مصروف إلى ما تعلق به # والثاني ما كان داخلا تحت كسبه قطعا وذلك جمهور الأفعال المكلف بها التي ~~هي داخلة تحت كسبه والطلب المتعلق بها عل حقيقته في صحة التكليف بها سواء ~~علينا أكانت مطلوبة لنفسها أم لغيرها # والثالث ما قد يشتبه أمره كالحب والبغض وما في معناها فحق الناظر فيها أن ~~ينظر في حقائقها فحيث ثبتت له من القسمين حكم عليه بحكمه # والذي يظهر من أمر الحب والبغض والجبن والشجاعة والغضب والخوف ونحوها ~~أنها داخلة على الإنسان اضطرارا إما لأنها من أصل الخلقة فلا يطلب إلا ~~بتوابعها فإن ما في فطرة الإنسان من الأوصاف يتبعها بلا بد أفعال اكتسابية ~~فالطلب وارد على تلك الأفعال لا على ما نشأت عنه كما لا تدخل القدرة ولا ~~العجز تحت الطلب وإما لأن لها باعثا من غيره فتثور فيه فيقتضى لذلك أفعالا ~~أخر فإن كان المثير لها هو السابق وكان مما يدخل تحت كسبه فالطلب يرد عليه ~~كقوله تهادوا تحابوا فيكون كقوله أحبوا الله لما أسدى إليكم من نعمه مرادا ~~به التوجه إلى النظر فى نعم الله تعالى على العبد وكثرة إحسانه إليه وكنهيه ~~عن النظر المثير للشهوة الداعية إلى ms291 ما لا يحل وعين الشهوة لم ينه عنه وإن ~~لم يكن المثير لها داخلا تحت كسبة فالطلب يرد على اللواحق كالغضب المثير ~~لشهوة الإنتقام كما يثير النظر شهوة الوقاع PageV02P110 ### || AUTO فصل # ومن هذا الملمح فقه الأوصاف الباطنة كلها أو أكثرها من الكبر والحسد وحب ~~الدنيا والجاه وما ينشأ عنها من آفات اللسان وما ذكره الغزالي فى ربع ~~المهلكات وغيره وعليه يدل كثير من الأحاديث # وكذلك فقه الأوصاف الحميدة كالعلم والتفكر والاعتبار واليقين والمحبة ~~والخوف والرجاء وأشباهها مما هو نتيجة عمل فإن الأوصاف القلبية لا قدرة ~~للإنسان على إثباتها ولا نفيها أفلا ترى أن العلم وإن كان مطلوبا فليس ~~تحصيله بمقدور أصلا فإن الطالب إذا توجه نحو مطلوب إن كان من الضروريات فهو ~~حاصل ولا يمكنه الإنصراف عنه وإن كان غير ضرورى لم يمكن تحصيله إلا بتقديم ~~النظر وهو المكتسب دون نفس العلم لأنه داخل عليه بعد النظر ضرورة لأن ~~النتيجة لازمة للمقدمتين فتوجيه النظر فيه هوالمكتسب فيكون المطلوب وحده ~~وأما العلم على أثر النظر فسواء علينا قلنا إنه مخلوق لله تعالى كسائر ~~المسببات مع أسبابها كما هو رأى المحققين أم لم نقل ذلك فالجميع متفقون على ~~أنه غير داخل تحت الكسب بنفسه وإذا حصل لم يمكن إزالته على حال # وهكذا سائر ما يكون وصفا باطنا إذا اعتبرته وجدته على هذا السبيل وإذا ~~كانت على هذا الترتيب لم يصح التكليف بها أنفسها وإن جاء فى الظاهر ما يظهر ~~منه ذلك فمصروف إلى غير ذلك مما يتقدمها أويتأخر عنها أو يقارنها والله أعلم ### || AUTO المسألة الرابعة # الأوصاف التى لا قدرة للإنسان على جلبها ولا دفعها بأنفسها على ضربين # أحدهما ما كان نتيجة عمل كالعلم والحب فى نحو قوله أحبوا الله لما أسدى ~~إليكم من نعمة PageV02P111 ~~والثانى ما كان فطريا ولم يكن نتيجة عمل كالشجاعة والجبن والحلم والأناة ~~المشهود بهما فى أشج عبد القيس وما كان نحوها ### || AUTO فالأول ظاهر أن الجزاء يتعلق بها فى الجملة من حيث كانت ~~مسببات عن أسباب مكتسبة ms292 وقد مر فى - كتاب الأحكام أن الجزاء يتعلق بها وإن ~~لم تدخل تحت قدرته ولا قصدها وكذلك أيضا يتعلق بها الحب والبغض على ذلك ~~الترتيب والثانى وهو ما كان منها فطريا ينظر فيه من جهتين أدهما من جهة ما ~~هى محبوبة للشارع أو غير محبوبة له والثانية من جهة ما يقع عليها ثواب أو لا يقع # فأما النظر الأول فإن ظاهر النقل أن الحب والبغض يتعلق بها # ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس # إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم والأناة وفى بعض الروايات أخبره أنه ~~مطبوع عليهما # وفى بعض الحديث # الشجاعة والجبن غرائز وجاء # إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية وفى الحديث # الأرواح جنود مجندة فما PageV02P112 ~~تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وهذا معنى التحاب والتباغض وهو غير ~~مكتسب وجاء فى الحديث # وجبت محبتى للمتحابين في وقد حمل حديث أبي هريرة يرفعه # المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير على أن يكون ~~المراد بالقوة شدة البدن وصلابة الأمر والضعف خلاف ذلك وجاء # إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها وجاء # يطبع المؤمن على كل خلق إلا الخيانة والكذب وقال تعالى خلق الإنسان من ~~عجل وجاء فى معرض الذم والكراهية ولذلك كان ضد العجل محبوبا وهو الأناة # ولا يقال إن الحب والبغض يتعلقان بما ينشأ عنهما من الأفعال # لأن ذلك أولا خروج عن الظاهر بغير دليل وثانيا أنهما يصح PageV02P113 ~~تعلقهما بالذوات وهى أبعد عن الأفعال من الصفات كقوله تعالى فسوف يأتى ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه الآية # أحبوا الله لماغذاكم به من نعمه ومن الإيمان الحب فى الله والبغض فى الله ~~ولا يسوغ فى هذه المواضع أن يقال إن المراد حب الأفعال فقط فكذلك لا يقال ~~فى الصفات إذا توجه الحب إليها فى الظاهر إن المراد الأفعال ### || AUTO فصل # وإذا ثبت هذا فيصح أيضا أن يتعلق الحب والبغض بالأفعال كقوله تعالى لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ms293 ظلم ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم # أبغض الحلال إلى الله الطلاق # ليس أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه وهذا كثير وإذا قلت ~~أحب الشجاع وأكره الجبان فهذا حب وكراهة يتعلقان بذات موصوفة لأجل ذلك ~~الوصف نحو قوله تعالى والله يحب المحسنين والله يحب الصابرين إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين وفى القرآن أيضا إن الله لا يحب كل مختال فخور ~~والله لا يحب الظالمين وفى الحديث # إن الله يبغض الحبر السمين فإذا الحب والبغض مطلق فى الذوات والصفات ~~والأفعال PageV02P114 ~~فتعلقهما بها تعلق بالماهية من حيث إنها ذات أو صفة أو فعل # وأما النظر الثانى وهو أن يقال هل يصح أن يتعلق بتلك الأوصاف وهى غير ~~المقدورة للإنسان إذا اتصف بها الثواب والعقاب أما لا يصح هذا يتصور في ~~ثلاثة أوجه أحدها أن لا يتعلق بها ثواب ولا عقاب والثانى أن يتعلقا معا بها ~~والثالث أن يتعلق بها أحدهما دون الآخر # أما هذا الأخير فيؤخذ النظر فيه من النظر فى الوجهين لأنه مركب منهما # فأما الأول فيستدل عليه بوجهين # أحدهما أن الأوصاف المطبوع عليها وما أشبهها لا يكلف بإزالتها ولا بجلبها ~~شرعا لأنه تكليف بما لا يطاق وما لا يكلف به لا يثاب عليه ولا يعاقب لأن ~~الثواب والعقاب تابع للتكليف شرعا فالأوصاف المشار إليها لا ثواب عليها ولا عقاب # والثانى أن الثواب والعقاب على تلك الأوصاف إما أن يكون من جهة ذواتها من ~~حيث هى صفات أو من جهة متعلقاتها فإن كان الأول لزم فى كل صفة منها أن تكون ~~مثابا عليها كانت صفة محبوبة أو مكروهة شرعا ومعاقبا عليها أيضا كذلك لأن ~~ما وجب للشىء وجب لمثله وعند ذلك يجتمع الضدان على الصفة الواحدة من جهة ~~واحدة وذلك محال وإن كان من حيث متعلقاتها فالثواب والعقاب على المتعلقات ~~وهى الأفعال والتروك لا عليها فثبت أنها فى أنفسها لا يثاب عليها ولا يعاقب ~~وهو المطلوب PageV02P115 ~~وأما الثانى فيستدل عليه أيضا بأمرين # أحدهما أن الأوصاف المذكورة ms294 قد ثبت تعلق الحب والبغض بها والحب والبغض من ~~الله تعالى إما أن يراد بهما نفس الإنعام أو الانتقام فيرجعان إلى صفات ~~الأفعال على رأي من قال بذلك وإما أن يراد بهما إرادة الإنعام والانتقام ~~فيرجعان إلى صفات الذات لأن نفس الحب والبغض المفهومين فى كلام العرب حقيقة ~~محالان على الله تعالى وهذا رأي طائفة أخرى وعلى كلا الوجهين فالحب والبغض ~~راجعان إلى نفس الإنعام أو الانتقام وهما عين الثواب والعقاب # فالأوصاف المذكورة إذا يتعلق بها الثواب والعقاب # والثانى أنا لو فرضنا أن الحب والبغض لا يرجعان إلى الثواب والعقاب ~~فتعلقهما بالصفات إما أن يستلزم الثواب والعقاب أو لا فإن استلزم فهو ~~المطلوب # وإن لم يستلزم فتعلق الحب والبغض إما للذات وهو محال وإما لأمر راجع إلى ~~الله تعالى وهو محال لأن الله غني عن العالمين تعالى أن يفتقر لغيره أو ~~يتكمل بشىء بل هو الغني على الإطلاق وذو الكمال بكل اعتبار وإما للعبد # وهو الجزاء إذ لا يرجع للعبد إلا ذلك PageV02P116 ~~وأمر ثالث وهو أنه لو سلم أنها محبوبة أو مكروهة من جهة متعلقاتها وهو ~~الأفعال فلا يخلو أن يكون الجزاء على تلك الأفعال مع الصفات مثل الجزاء ~~عليها بدون تلك الصفات أو لا فإن كان الجزاء متفاوتا فقد صار للصفات قسط من ~~الجزاء وهو المطلوب وإن كان متساويا لزم أن يكون فعل أشج عبد القيس حين ~~صاحبه الحلم والأناة مساويا لفعل من لم يتصف بهما وإن استويا فى الفعل # وذلك غير صحيح لما يلزم عليه أن يكون المحبوب عند الله مساويا لما ليس ~~بمحبوب واستقراء الشريعة يدل على خلاف ذلك وأيضا يلزم أن يكون ما هو محبوب ~~ليس بمحبوب وبالعكس وهو محال فثبت أن للوصف حظا من الثواب أو العقاب وإذا ~~ثبت أن له حظا ما من الجزاء ثبت مطلق الجزاء # فالأوصاف المطبوع عليها وما أشبهها مجازى عليها وذلك ما أردنا # وما تقدم ذكره من الأدلة على أنه لا يثاب عليها مشكل # أما الأول فإن الثواب والعقاب مع ms295 التكليف لا يتلازمان فقد يكون الثواب ~~والعقاب على غير المقدور للمكلف وقد يكون التكليف ولا ثواب ولا عقاب فالأول ~~مثل المصائب النازلة بالإنسان اظطرارا علم بها أو لم يعلم PageV02P117 ~~والثانى كشارب الخمر ومن أتى عرافا فإنه جاء # أن الصلاة لا تقبل منه أربعين يوما ولا أعلم أحدا من أهل السنة يقول بعدم ~~إجزاء صلاته إذا استكملت أركانها وشروطها ولا خلاف أيضا فى وجوب الصلاة على ~~كل مسلم عدلا كان أو فاسقا وإذا لم يتلازما لا يصح هذا الدليل # وأما الثانى فقد اعترضه الدليل الثالث الدال على الجزاء فقوله إن الجزاء ~~وقع على العمل أو الترك إن أراد به مجردا كما يقع دون الوصف فقد ثبت بطلانه # وإن أراد به مع اقتران الوصف فقد صار للوصف أثر فى الثواب والعقاب وذلك ~~دليل دال على صحة الجزاء عليه لا على نفيه # ولصاحبه المذهب الأول أن يعترض على الثانى فى أدلته # أما الأول فإنه إذا صار معنى الحب والبغض إلى الثواب والعقاب امتنع أن ~~يتعلقا بما هو غير مقدور وهو الصفات والذوات المخلوق عليها # وأما الثانى فإن القسمة غير منحصرة إذ من الجائز أن يتعلقا لأمر راجع ~~للعبد غير الثواب أو العقاب وذلك كونه اتصف بما هو حسن أو قبيح فى مجارى ~~العادات # وأما الثالث فإن الأفعال لما كانت ناشئة عن الصفات فوقوعها على حسبها فى ~~الكمال أو النقصان فنحن نستدل بكمال الصنعة على كمال الصانع PageV02P118 ~~وبالضد فكذلك ههنا وعند ذلك يختص الثواب بالأفعال ويكون التفاوت راجعا إلى ~~تفاوتها لا إلى الصفات وهو المطلوب # فالحاصل أن النظر يتجاذبه الطرفان ويحتمل تحقيقه بسطا أوسع من هذا ولا ~~حاجة إليه فى هذا الموضع وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة الخامسة # تقدم الكلام على التكليف بما لا يدخل تحت مقدور المكلف وبقى النظر فيما ~~يدخل تحت مقدوره لكنه شاق فهذا موضعه فإنه لا يلزم إذا علمنا من قصد الشارع ~~نفى التكليف بما لا يطاق أن نعلم منه نفى التكليف بأنواع المشاق ولذلك ثبت ~~فى الشرائع الأول التكليف بالمشاق ms296 ولم يثبت فيها التكليف بما لا يطاق وأيضا ~~فإن التكليف بما لا يطاق قد منعه جماعة عقلاء بل أكثر العلماء من الأشعرية ~~وغيرهما وأما المعتزلة فذلك أصلهم بخلاف التكليف بما يشق فإذا كان كذلك فلا ~~بد من النظر فى ذلك بالنسبة إلى هذه الشريعة الفاضلة # ولا بد قبل الخوض فى المطلوب من النظر فى معنى المشقة وهى فى أصل اللغة ~~من قولك شق على الشىء يشق شقا ومشقة إذا أتعبك ومنه قوله تعالى لم تكونوا ~~بالغيه إلا بشق الأنفس والشق هو الإسم من المشقة وهذا المعنى إذا أخذ مطلقا ~~من غير نظر إلى الوضع العربي اقتضى أربعة أوجه اصطلاحية # أحدها أن يكون عاما فى المقدور عليه وغيره فتكليف ما لا يطاق PageV02P119 ~~يسمى مشقة من حيث كان تطلب الإنسان نفسه بحمله موقعا فى عناء وتعب لا يجدى ~~كالمقعد إذا تكلف القيام والإنسان إذا تكلف الطيران فى الهواء وما أشبه ذلك ~~فحين اجتمع مع المقدور عليه الشاق الحمل إذا تحمل فى نفس المشقة سمي العمل ~~شاقا والتعب فى تكلف حمله مشقة # والثانى أن يكون خاصا بالمقدور عليه إلا أنه خارج عن المعتاد فى الأعمال ~~العادية بحيث يشوش على النفوس فى تصرفها ويقلقها فى القيام بما فيه تلك المشقة # إلا أن هذا الوجه على ضربين # أحداهما أن تكون المشقة مختصة بأعيان الأفعال المكلف بها بحيث لو وقعت ~~مرة واحدة لوجدت فيها وهذا هو الموضع الذى وضعت له الرخص المشهورة فى ~~اصطلاح الفقهاء كالصوم فى المرض والسفر والإتمام فى السفر وما أشبه ذلك # والثانى أن لا تكون مختصة ولكن إذا نظر إلى كليات الأعمال والدوام عليها ~~صارت شاقة ولحقت المشقة العامل بها ويوجد هذا فى النوافل وحدها إذا تحمل ~~الإنسان منها فوق ما يحتمله على وجه ما إلا أنه فى الدوام يتعبه حتى يحصل ~~للنفس بسببه ما يحصل لها بالعمل مرة واحدة فى الضرب الأول وهذا هو الموضع ~~الذى شرع له الرفق والأخذ من العمل بما لا يحصل مللا حسبما نبه عليه نهيه ~~عليه ms297 الصلاة والسلام عن الوصال وعن التنطع والتكلف وقال # خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا وقوله القصد القصد ~~تبلغوا والأخبار هنا كثيرة وللتنبيه عليها موضع آخر فهذه مشقة ناشئة من أمر ~~كلى وفى الضرب الأول ناشئة من أمر جزئي PageV02P120 ~~والوجه الثالث أن يكون خاصا بالمقدور عليه وليس فيه من التأثير فى تعب ~~النفس خروج عن المعتاد فى الأعمال العادية ولكن نفس التكليف به زيادة على ~~ما جرت به العادات قبل التكليف شاق على النفس ولذلك أطلق عليه لفظ التكليف ~~وهو فى اللغة يقتضى معنى المشقة لأن العرب تقول كلفته تكليفا إذا حملته ~~أمرا يشق عليه وأمرته به وتكلفة الشئ إذا تحملته على مشقة وحملت الشىء ~~تكلفته إذا لم تطقه إلا تكلفا فمثل هذا يسمى مشقة بهذا الاعتبار لأنه إلقاء ~~بالمقاليد ودخول فى أعمال زائدة على ما اقتضته الحياة الدنيا # والرابع أن يكون خاصا بما يلزم عما قبله فإن التكليف إخراج للمكلف عن هوى ~~نفسه ومخالفة الهوى شاقة على صاحب الهوى مطلقا ويلحق الإنسان بسببها تعب ~~وعناء وذلك معلوم فى العادات الجارية فى الخلق # فهذه خمسة أوجه من حيث النظر إلى المشقة فى نفسها انتظمت فى أربعة # فأما الأول فقد تخلص فى الأصول وتقدم ما يتعلق به # وأما الثانى وهى ### || AUTO المسألة السادسة # فإن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه والدليل على ذلك أمور # أحدها النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى ~~كانت عليهم وقوله ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما PageV02P121 ~~حملته على الذين من قبلنا الآية وفى الحديث # قال الله تعالى قد فعلت وجاء لا يكلف الله نفسا إلا وسعها يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر وما جعل عليكم فى الدين من حرج يريد الله أن يخفف ~~عنكم وخلق الأنسان ضعيفا ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم الآية وفى الحديث # بعثت بالحنيفية السمحة # وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ms298 وإنما قال # ما لم يكن إثما لأن ترك الإثم لا مشقة فيه من حيث كان مجرد ترك إلى أشباه ~~ذلك مما فى هذا المعنى ولو كان قاصدا للمشقة لما كان مريدا لليسر ولا ~~للتخفيف ولكان مريدا للحرج والعسر وذلك باطل # والثانى ما ثبت أيضا من مشروعية الرخص وهو أمر مقطوع به ومما علم من دين ~~الأمة ضرورة كرخص القصر والفطر والجمع وتناول المحرمات فى الاضطرار فإن هذا ~~النمط يدل قطعا على مطلق رفع الحرج والمشقة وكذلك ما جاء من النهى عن ~~التعمق والتكليف والتسبب فى الانقطاع عن دوام الأعمال # ولو كان الشارع قاصدا للمشقة فى التكليف لما كان ثم ترخيص ولا تخفيف # والثالث الإجماع على عدم وقوعه وجودا فى التكليف وهو يدل PageV02P122 ~~على عدم قصد الشارع إليه ولو كان واقعا لحصل فى الشريعة التناقض والاختلاف # وذلك منفى عنها فإنه إذا كان وضع الشريعة على قصد الإعنات والمشقة وقد ~~ثبت أنها موضوعة على قصد الرفق والتيسير كان الجمع بينهما تناقضا واختلافا # وهى منزهة عن ذلك # وأما الثالث وهي ### || AUTO المسألة السابعة # فإنه لا ينازع فى أن الشارع قاصد للتكليف بما يلزم فيه كلفة ومشقة ما ~~ولكن لا تسمى فى العادة المستمرة مشقة كما لا يسمى فى العادة مشقة طلب ~~المعاش بالتحرف وسائر الصنائع لأنه ممكن معتاد لا يقطع ما فيه من الكلفة عن ~~العمل فى الغالب المعتاد بل أهل العقول وأرباب العادات يعدون المنقطع عنه ~~كسلان ويذمونه بذلك فكذلك المعتاد فى التكاليف # وإلى هذا المعنى يرجع الفرق بين المشقة التى لا تعد مشقة عادة والتى تعد ~~مشقة وهو أنه إن كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه ~~وإلى وقوع خلل فى صاحبه فى نفسه أو ماله أو حال من أحواله فالمشقة هنا ~~خارجة عن المعتاد وإن لم يكن فيها شىء من ذلك في الغالب فلا يعد فى العادة ~~مشقة وإن سميت كلفة فأحوال الإنسان كلها كلفة فى هذه الدار فى أكله وشربه ~~وسائر تصرفاته ولكن جعل له ms299 قدرة عليها بحيث تكون تلك التصرفات تحت قهره لا ~~أن يكون هو تحت قهر التصرفات فكذلك التكاليف فعلى هذا ينبغي أن يفهم ~~التكليف وما تضمن من المشقة # وإذا تقرر هذا فما تضمن التكليف الثابت على العباد من المشقة المعتادة ~~أيضا ليس بمقصود الطلب للشارع من جهة نفس المشقة بل من جهة ما فى ذلك من PageV02P123 ~~المصالح العائدة على المكلف والدليل على ذلك ما تقدم فى المسالة قبل هذا ~~فإن قيل ما تقدم لا يدل على عدم القصد إلى المشقة فى التكليف لأوجه # أحدها أن نفس تسميته تكليفا يشعر بذلك إذ حقيقته فى اللغة طلب ما فيه ~~كلفة وهى المشقة فقول الله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها معناه لا ~~يطلبه بما يشق عليه مشقة لا يقدر عليها وإنما يطلبه بما تتسع له قدرته عادة ~~فقد ثبت التكليف بما هو مشقة فقصد الأمر والنهي يستلزم بلا بد طلب المشقة ~~والطلب إنما تعلق بالفعل من حيث هو مشقة لتسمية الشرع له تكليفا # فهى إذا مقصودة له وعلى هذا النحو يتنزل قوله وما جعل عليكم فى الدين من ~~حرج وأشباهه # والثانى أن الشرع عالم بما كلف به وبما يلزم عنه ومعلوم أن مجرد التكليف ~~يستلزم المشقة فالشارع عالم بلزوم المشقة من غير انفكاك فإذا يلزم أن PageV02P124 ~~يكون الشارع طالبا للمشقة بناء على أن القاصد إلى السبب عالما بما يتسب ~~عنه قاصد للمسبب وقد مر تقرير هذه المسألة فى كتاب الأحكام فاقتضى أن ~~الشارع قاصد للمشقة هنا # والثالث أن المشقة فى الجملة مثاب عليها إذا لحقت فى أثناء التكليف مع ~~قطع النظر عن ثواب التكليف كقوله تعالى ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ~~ولا مخمصة فى سبيل الله إلى آخر الآية وقوله والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا وما جاء فى كثرة الخطا إلى المساجد وأن أعظمهم أجرا أبعدهم دارا وما ~~جاء فى إسباغ الوضوء على المكارة وقد نبه على ذلك أيضا قوله تعالى كتب ~~عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا ms300 شيئا وهو خير لكم الآية وذلك لما ~~فى القتال من أعظم المشقات حتى قال تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة وأشباه ذلك # فإذا كانت المشقات من حيث هى مشقات مثابا عليها زيادة على معتاد التكليف ~~دل على أنها مقصود له وإلا فلو لم يقصدها لم يقع عليها ثواب ### || AUTO كسائر الأمور التى لم يكلف بها فأوقعها المكلف باختياره حسبما ~~هو مذكور فى المباح فى - كتاب الأحكام فدل هذا كله على قصد الشارع لطلب ~~المشقة بالتكليف # وهو المطلوب # فالجواب عن الأول أن التكليف إذا وجه على المكلف يمكن القصد فيه على ~~وجهين أحدهما أن يقصد إليه من جهة ما هو مشقة والثانى أن يقصد إليه من جهة ~~ما هو مصلحة وخير للمكلف عاجلا وآجلا فأما الثانى فلا شك فى أنه مقصود ~~الشارع بالعمل والشريعة كلها ناطقة بذلك كما تقدم أول هذا الكتاب وأما ~~الأول فلا نسلم أنه قصد ذلك والقصد أن لا يلزم اجتماعهما فإن الطبيب يقصد ~~بسقي الدواء المر البشع والإيلام بقصد PageV02P125 ~~العروق وقطع الأعضاء المتآكلة نفع المريض لا إيلامه وإن كان على علم من ~~حصول الإيلام فكذلك يتصور في قصد الشارع إلى مصالح الخلق بالتكليف في ~~العاجلة والآجلة والإجماع على أن الشارع يقصد بالتكليف المصالح على الجملة # فالنزاع في قصده للمشقة وإنما سمى تكليفا باعتبار ما يلزمه على عادة ~~العرب في تسمية الشيء لما يلزمه وإن كان في الإستعمال غير مقصود حسبما هو ~~معلوم في علم الإشتقاق من غير أن يكون ذلك مجازا بل على حقيقة الوضع اللغوي ### || AUTO والجواب عن الثاني أن العلم بوقوع المسبب عن السبب وإن ثبت ~~أنه يقوم مقام القصد إليه في حق المكلف فإنما هو جار مجرى القصد من بعض ~~الوجوه أعني في الأحكام الشرعية من جهة ما هو بالتسبب متعد على الجملة لا ~~من جهة ما هو قاصد للمفسدة الواقعة إذ قد فرضناه لم يقصد إلا منفعة نفسه ~~وإذا كان غير قاصد فهو المطلوب هنا في حق الشارع ms301 إذ هو قاصد نفس المصلحة لا ~~ما يلزم في طريقها من بعض المفاسد وقد تقدم لهذا تقرير في - كتاب الأحكام # وسيأتي بسطه في حق المكلف بعد هذا إن شاء الله # وأيضا لو لزم من قصد الشارع إلى التكليف بما يلزم عنه مفسدة في طريق ~~المصلحة قصده إلى إيقاع المفسدة شرعا لزم بطلان ما تقدم البرهان على صحته ~~من وضع الشريعة للمصالح لا للمفاسد ولزم في خصوص مسألتنا أن يكون قاصدا PageV02P126 ~~لرفع المشقة وإيقاعها معا وهو محال باطل عقلا وسمعا # وأيضا فلا يمتنع قصد الطبيب لسقي الدواء المر وقطع الأعضاء المتآكلة وقلع ~~الأضراس الوجعة وبط الجراحات وأن يحمي المريض ما يشتهبه وإن كان يلزم منه ~~إذاية المريض لأن المقصود إنما هو المصلحة التي هي أعظم وأشد في المراعاة ~~من مفسدة الإذاء التي هي بطريق اللزوم وهذا شأن الشريعة أبدا فإذا كان ~~التكليف على وجه فلا بد منه وإن أدى إلى مشقة لأن المقصود المصلحة # فالتكليف أبدا جار على هذا المهيع فقد علم من الشارع أن المشقة ينهى عنها ~~فإذا أمر بما تلزم عنه فلم يقصدها إذ لو كان قاصدا لها لما نهى عنها ومن ~~هنا لا يسمى ما يلزم عن الأعمال العاديات مشقة عادة # وتحصيله أن التكليف بالمعتادات وما هو من جنسها لا مشقة فيه كما تقدم فما ~~يلزم عن التكليف لا يسمى مشقة فضلا عن أن يكون العلم بوقوعها يستلزم طلبها ~~أو القصد إليها # والجواب عن الثالث أن الثواب حاصل من حيث كانت المشقة لا بد من وقوعها ~~لزوما عن مجرد التكليف وبها حصل العمل المكلف به ومن هذه الجهة يصح أن تكون ~~كالمقصود لا أنها مقصودة مطلقا فرتب الشارع فى مقابلتها أجرا زائدا على أجر ~~إيقاع المكلف به ولا يدل هذا على أن النصب مطلوب أصلا ويؤيد هذا أن الثواب ~~يحصل بسبب المشقات وإن لم تتسبب عن العمل المطلوب كما يؤجر الإنسان ويكفر ~~عنه من سيآته بسبب ما يلحقة من المصائب والمشقات كما دل عليه قوله عليه ~~الصلاة والسلام ms302 # ما يصيب PageV02P127 ~~المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله به ~~من سيئآته وما أشبه ذلك # وأيضا فالمباح إذا علم أنه ينشأ عنه ممنوع لا يكون العلم بذلك كالقصد إلى ~~نفس الممنوع وكذلك يتفق على منع القصد إلى نفس الممنوع اللازم عن المباح ~~ويختلفون إذا لم يقصد إليه وهو عالم به وسيأتى تقريره إن شاء الله تعالى ### || AUTO فصل # ويترتب على هذا أصل آخر # وهو أن المشقة ليس للمكلف أن يقصدها فى التكليف نظرا إلى عظم أجرها وله ~~أن يقصد العمل الذى يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل # أما هذا الثانى فلأنه شأن التكليف فى العمل كله لأنه إنما يقصد نفس العمل ~~المترتب عليه الأجر وذلك هو قصد الشارع يوضع التكليف به وما جاء على موافقة ~~قصد الشارع هو المطلوب PageV02P128 ~~وأما الأول فإن الأعمال بالنيات والمقاصد معتبرة فى التصرفات كما يذكر فى ~~موضعه إن شاء الله فلا يصلح منها إلا ما وافق قصد الشارع فإذا كان قصد ~~المكلف إيقاع المشقة فقد خالف قصد الشارع من حيث إن الشارع لا يقصد ~~بالتكليف نفس المشقة وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل فالقصد إلى المشقة باطل # فهو إذا من قبيل ما ينهى عنه وما ينهى عنه لا ثواب فيه بل فيه الإثم إن ~~ارتفع النهي عنه إلى درجة التحريم فطلب الأجر بقصد الدخول فى المشقة قصد مناقض # فإن قيل هذا مخالف لما فى الصحيح من حديث جابر قال خلت البقاع حول المسجد ~~فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال لهم # إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى قرب المسجد قالوا نعم يا رسول الله ~~قد أردنا ذلك فقال بنى سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم وفى ~~رواية فقالوا ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا وفى رواية عن جابر قال كانت ~~ديارنا نائية عن المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنتقرب من المسجد فنهانا ~~رسول ms303 الله صلى الله عليه وسلم فقال # إن لكم بكل خطوة درجة # وفى رقائق ابن المبارك عن أبي موسى الأشعري أنه كان فى سفينة فى البحر ~~مرفوع شعراعها فإذا رجل يقول يا أهل السفينه قفوا سبع مرار فقلنا ألا ترى ~~على أي حال نحن ثم قال فى السابعة لقضاء قضاه الله على نفسه أنه من عطش لله ~~نفسه فى يوم من أيام الدنيا شديد الحر كان حقا على الله أن يرويه يوم ~~القيامة فكان أبو موسى يتتبع اليوم المعمعاني الشديد الحر فيصومه PageV02P129 ~~وفى الشريعة من هذا مايدل على أن قصد المكلف إلى التشديد على نفسه فى ~~العبادة وسائر التكاليف صحيح مثاب عليه فإن أولئك الذين أحبوا الانتقال ~~أمرهم عليه الصلاة والسلام بالثبوت لأجل عظم الأجر بكثرة الخطا فكانوا كرجل ~~له طريقان إلى العمل أحدهما سهل والآخر صعب فأمر بالصعب ووعد على ذلك ~~بالأجر بل جاء نهيهم عن ذلك إرشادا إلى كثرة الأجر # وتأمل أحوال أصحاب الأحوال من الأولياء فإنهم ركبوا فى التعبد إلى ربهم ~~أعلى ما بلغته طاقتهم حتى كان من أصلهم الأخذ بعزائم العلم وترك الرخص جملة ~~فهذا كله دليل على خلاف ما تقدم وفى الصحيح أيضا عن أبي بن كعب قال كان رجل ~~من الأنصار بيته أقصى بيت فى المدينة فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال فتوجعنا له فقلنا له يا فلان لو أنك اشتريت حمارا ~~يقيك من الرمضاء ويقيك من هوام الأرض فقال أم والله ما أحب أن بيتي مطنب ~~ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فحملت به حتى أتيت نبى الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته قال فدعاه فقال له مثل ذلك وذكر أنه يرجو له فى ~~أثره الأجر فقال له النبى صلى الله عليه وسلم إن لك ما احتسبت # فالجواب أن نقول # أولا إن هذه أخبار آحاد في قضية واحدة لا ينتظم منها استقراء قطعي ~~والظنيات لا تعارض القطعيات فإن ما نحن فيه من قبيل القطعيات # وثانيا إن ms304 هذه الأحاديث لا دليل فيها على قصد نفس المشقة فالحديث الأول ~~قد جاء في البخاري ما يفسره فإنه زاد فيه # وكره أن تعرى المدينة قبل PageV02P130 ~~ذلك لئلا تخلو ناحيتهم من حراستها وقد روى عن مالك بن أنس أنه كان أولا ~~نازلا بالعقيق ثم نزل إلى المدينة وقيل له عند نزوله العقيق لم تنزل العقيق ~~فإنه يشق بعده إلى المسجد فقال بلغني أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يحبه ~~ويأتيه وأن بعض الأنصار أرادوا النقلة منه إلى قرب المسجد فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم # أما تحتسبون خطاكم فقد فهم مالك أن قوله ألا تحتسبون خطاكم ليس من جهة ~~إدخال المشقة ولكن من جهة فضيلة المحل المنتقل عنه # وأما حديث ابن المبارك فإنه حجة من عمل الصحابي إذا صح سنده عنه # ومع ذلك فإنما فيه الإخبار بأن عظم الأجر ثابت لمن عظمت مشقة العبادة عليه PageV02P131 ~~كالوضوء عند الكريهات والظمأ والنصب في الجهاد فإذا اختيار أبي موسى رضى ~~الله عنه للصوم في اليوم الحار كاختيار من اختار الجهاد على نوافل الصلاة ~~والصدقة ونحو ذلك لا أن فيه قصد التشديد على النفس ليحصل الأجر به وإنما ~~فيه قصد الدخول فى عبادة عظم أجرها لعظم مشقتها فالمشقة فى هذا القصد تابعة ~~لا متبوعة وكلامنا إنما هو فيما إذا كانت المشقة فى القصد غير تابعة وكذلك ~~حديث الأنصاري ليس فيه ما يدل على قصد التشديد وإنما فيه دليل عى قصد الصبر ~~على مشقة بعد المسجد ليعظم أجره وهكذا سائر ما فى هذا المعنى # وأما شأن أرباب الأحوال فمقاصدهم القيام بحق معبودهم مع اطراح النظر فى ~~حظوظ نفوسهم ولا يصح أن يقال إنهم قصدوا مجرد التشديد على النفوس واحتمال ~~المشقات لما تقدم من الدليل عليه ولما سياتي بعد إن شاء الله # وثالثا إن ما اعترض به معارض بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ~~أرادوا التشديد بالتبتل حين قال أحدهم أما أنا فأصوم ولا أفطر وقال الآخر ~~أما أنا فأقوم الليل ولا أنام ms305 وقال الآخر أما أنا فلا آتي النساء فأنكر ذلك ~~عليهم وأخبر عن نفسه أنه يفعل ذلك كله وقال # من رغب عن سنتي فليس مني وفى الحديث # ورد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن مظعون ولو أذن له لا ختصينا # ورد صلى الله عليه وسلم على من نذر أن يصوم قائما فى الشمس فأمره بإتمام ~~صيامه ونهاه عن القيام فى الشمس PageV02P132 ~~وقال هلك المتنطعون ونهيه عن التشديد شهير فى الشريعة بحيث صار أصلا فيها ~~قطعيا فإذا لم يكن من قصد الشارع التشديد على النفس كان قصد المكلف إليه ~~مضادا لما قصد الشارع من التخفيف المعلوم المقطوع به فإذا خالف قصده قصد ~~الشارع بطل ولم يصح وهذا واضح وبالله التوفيق # فصل # وينبنى أيضا على ما تقدم أصل آخر # وهو أن الأفعال المأذون فيها إما وجوبا أو ندبا أو إباحة إذا تسبب عنها ~~مشقة فإما أن تكون معتادة فى مثل ذلك العمل أو لا تكون معتادة فإن كانت ~~معتادة فذلك الذى تقدم الكلام عليه وأنه ليست المشقة فيه مقصودة للشارع من ~~جهة ما هى مشقة وإن لم تكن معتادة فهى أولى أن لا تكون مقصودة للشارع ولا ~~يخلو عند ذلك أن تكون حاصلة بسبب المكلف واختياره مع أن ذلك العمل لا ~~يقتضيها بأصله أو لا # فإن كانت حاصلة بسببه كان ذلك منهيا عنه وغير صحيح فى التعبد به لأن ~~الشارع لا يقصد الحرج فيما أذن فيه ومثال هذا حديث الناذر للصيام قائما فى ~~الشمس ولذلك قال مالك فى أمر النبى صلى الله عليه وسلم له بإتمام الصوم ~~وأمره له بالقعود والاستظلال أمره أن يتم ما كان لله طاعة ونهاه عما كان لله PageV02P133 ~~معصية لأن الله لم يضع تعذيب النفوس سببا للتقرب إليه ولا لنيل ما عنده # وهو ظاهر إلا أن هذا النهي مشروط بأن تكون المشقة أدخلها على نفسه مباشره ~~لا بسبب الدخول فى العمل كما فى المثال فالحكم فيه بين # وأما إن كانت تابعة للعمل كالمريض الغير القادر على ms306 الصوم أو الصلاة ~~قائما والحاج لا يقدر على الحج ماشيا أو راكبا إلا بمشقة خارجة عن المعتاد ~~فى مثل العمل فهذا هو الذى جاء فيه قوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر وجاء فيه مشروعية الرخص # ولكن صاحب هذا إن عمل بالرخصة فذاك ويمكن أن يكون عاملا لمجرد حظ نفسه ~~وأن يكون قبل الرخصة من ربه تلبية لإذنه وإن لم يعمل بالرخصة فعلى وجهين # أحدهما أن يعلم أو يظن أنه يدخل عليه فى نفسه أو جسمه أو عقله أو عادته ~~فساد يتحرج به ويعنت ويكره بسببه العمل فهذا أمر ليس له # وكذلك إن لم يعلم بذلك ولا ظن ولكنه لما دخل فى العمل دخل عليه ذلك فحكمه ~~الإمساك عما أدخل عليه المشوش وفى مثل هذا جاء # ليس من البر الصيام فى السفر وفى نحوه نهى عن الصلاة وهو بحضرة الطعام أو ~~وهو يدافعه الأخبثان وقال # لا يقض القاضى وهو غضبان وفى القرآن لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى إلى ~~أشباه ذلك مما نهى عنه بسبب عدم استيفاء PageV02P134 ~~العمل المأذون فيه على كماله فإن قصد الشارع المحافظة على عمل العبد ليكون ~~خالصا من الشوائب والإبقاء عليه حتى يكون فى ترفه وسعة حال دخوله فى ربقة ~~التكليف ### || AUTO والثانى أن يعلم أن يظن أنه لا يدخل عليه ذلك الفساد ولكن فى ~~العمل مشقة غير معتادة فهذا أيضا موضع لمشروعية الرخصة على الجملة ويتفصل ~~الأمر فيه فى - كتاب الأحكام والعلة فى ذلك أن زيادة المشقة مما ينشأ عنها ~~العنت بل المشقة فى نفسها هى العنت والحرج وإن قدر على الصبر عليها فهى مما ~~لا يقدر على الصبر عليه عادة # إلا أن هنا وجها ثالثا وهو أن تكون المشقة غير معتادة لكنها صارت بالنسبة ~~إلى بعض الناس كالمعتادة ورب شىء هكذا فإن أرباب الأحوال من العباد ~~والمنقطعين إلى الله تعالى المعانين على بذل المجهود فى التكاليف قد خصوا ~~بهذه الخاصية وصاروا معانين على ما انقطعوا إليه ألا ترى إلى قوله تعالى ~~واستعينوا ms307 بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فجعلها كبيرة على ~~المكلف واستثنى الخاشعين الذين كان إمامهم رسول الله صلى الله عيله وسلم ~~فهو الذى كانت قرة عينه فى الصلاة حتى كان يستريح إليها من تعب الدنيا وقام ~~حتى تفطرت قدماه فإذا كان كذلك فمن خص بوراثته فى هذا النحو نال من بركة ~~هذه الخاصية # وهذا القسم يستدعى كلاما يكون فيه مد بعض نفس فإنه موضع مغفل قل من تكلم ~~عليه مع تأكده فى أصول الشريعة PageV02P135 ### || AUTO فصل # فأعلم أن الحرج مرفوع عن المكلف لوجهين # أحدهما الخوف من الانقطاع من الطريق وبغض العبادة وكراهة التكليف وينتظم ~~تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد عليه فى جسمه أو عقله أو ماله أو حاله # والثانى خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة ~~الأنواع مثل قيامه على أهله وولده إلى تكاليف أخر تأتي فى الطريق فربما كان ~~التوغل فى بعض الأعمال شاغلا عنها وقاطعا بالمكلف دونها وربما أراد الحمل ~~للطرفين على المبالغة فى الاستقصاء فانقطع عنهما # فأما الأول فإن الله وضع هذه الشريعة المباركة حنيفية سمحة سهلة حفظ فيها ~~على الخلق قلوبهم وحبها لهم بذلك فلو عملوا على خلاف السماح والسهولة لدخل ~~عليهم فيما كلفوا به ما لا تخلص به أعمالهم ألا ترى إلى قوله تعالى واعلموا ~~أن فيكم رسول الله لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم إلى آخرها فقد أخبرت ~~الآية أن الله حبب إلينا الإيمان بتيسيره وتسهيله وزينه فى قلوبنا بذلك ~~وبالوعد الصادق بالجزاء عليه وفى الحديث # عليكم من PageV02P136 ~~الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وفى حديث قيام رمضان # أما بعد فإنه لم يخف على شأنكم ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل ~~فتعجزوا عنها وفى حديث الحولاء بنت تويت حين قالت له عائشة رضي الله عنها ~~هذه الحولاء بنت تويت زعموا أنها لا تنام الليل فقال عليه الصلاة والسلام # لا تنام الليل خذوا من العمل ما تطيقون فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا ~~وحديث أنس دخل ms308 رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وحبل ممدود بين ساويتين ~~فقال ما هذا قالوا حبل لزينب تصلى فإذا كسلت أو فترت أمسكت به فقال # حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد وحديث معاذ حين قال له النبي ~~عليه الصلاة والسلام # أفتان أنت يا معاذ حين أطال الصلاة بالناس وقال # إن منكم منفرين فأيكم من صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا ~~الحاجة ونهى عن الوصال رحمة لهم ونهى عن النذر وقال # إن الله يستخرج به من البخيل وإنه لا يغنى من قدر الله شيئا أو كما قال ~~لكن هذا كله معلل معقول المعنى بما دل عليه ما تقدم من السآمة والملل ~~والعجز وبغض الطاعة وكراهيتها وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال # إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله فإن PageV02P137 ~~المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وقالت عائشة رضى الله عنها نهاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم قالوا إنك تواصل فقال # إنى لست كهيئتكم إني أبيت يطعمنى ربي ويسقيني # وحاصل هذا كله أن النهي لعلة معقولة المعنى مقصودة للشارع وإذا كان كذلك ~~فالنهي دائر مع العلة وجودا وعدما فإذا وجد ما علل به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم كان النهي متوجها ومتجها وإذا لم توجد فالنهي مفقود إذ الناس فى هذا ~~الميدان على ضربين # ضرب يحصل له بسبب إدخال نفسه فى العمل تلك المشقة الزائدة على المعتاد ~~فيؤثر فيه أو فى غيره فسادا أو تحدث له ضجرا ومللا وقعودا عن النشاط إلى ~~ذلك العمل كما هو الغالب فى المكلفين فمثل هذا لا ينبغي أن يرتكب من ~~الأعمال ما فيه ذلك بل يترخص فيه بحسب ما شرع له فى الترخيص إن كان مما لا ~~يجوز تركه أو يتركه إن كان مما له تركه وهو مقتضى التعليل ودليله قوله عليه ~~الصلاة والسلام # لا يقض القاضى وهو غضبان وقوله # إن ms309 لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا وهو الذى أشار به عليه الصلاة والسلام ~~على عبد الله بن عمرو بن العاص حين بلغه أنه يسرد الصوم وقد قال بعد الكبر ~~ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P138 ~~والضرب الثانى شأنه أن لا يدخل عليه ذلك الملل ولا الكسل لوازع هو أشد من ~~المشقة أو حاد يسهل به الصعب أو لما له فى العمل من المحبة ولما حصل له فيه ~~من اللذة حتى خف عليه ما ثقل على غيره وصارت تلك المشقة فى حقه غير مشقة بل ~~يزيده كثرة العمل وكثرة العناء فيه نورا وراحة أو يحفظ عن تأثير ذلك المشوش ~~فى العمل بالنسبة إليه أو إلى غيره كما جاء فى الحديث # أرحنا بها يا بلال وفى الحديث # حبب إلى من دنياكم ثلاث قال وجعلت قرة عيني فى الصلاة وقال لما قام حتى ~~تورمت أو تفطرت قدماه # أفلا أكون عبدا شكورا وقيل له عليه الصلاة والسلام أنأخذ عنك فى الغضب ~~والرضى قال نعم وهو القائل فى حقنا # لا يقضى القاضى وهو PageV02P139 ~~غضبان وهذا وإن كان خاصا به فالدليل صحيح وجاء فى هذا المعنى من احتمال ~~المشقة فى الأعمال والصبر عليها دائما كثير # ويكفيك من ذلك ما جاء عن الصحابة والتابعين ومن يليهم رضى الله عنهم ممن ~~اشتهر بالعلم وحمل الحديث والاقتداء بعد الاجتهاد كعمر وعثمان وأبي موسى ~~الأشعري وسعيد بن عامر وعبد الله بن الزبير ومن التابعين كعامر بن عبد قيس ~~وأويس ومسروق وسعيد بن المسيب والأسود بن يزيد والربيع بن خثيم وعروة بن ~~الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن راهب قريش وكمنصور بن زاذان ويزيد بن هرون ~~وهشيم وزر بن حبيش وأبي عبد الرحمن السلمي ومن سواهم ممن يطول ذكرهم وهم فى ~~اتباع السنة والمحافظة عليها ما هم # ومما جاء عن عثمان رضي الله عنه أنه كان إذا صلى العشاء أوتر بركعة يقرأ ~~فيها القرآن كله وكم من رجل منهم صلى الصبح بوضوء العشاء كذا وكذا سنة وسرد ~~الصيام ms310 كذا وكذا سنة وروى عن ابن عمر وابن الزبير أنهما كانا يواصلان الصيام # وأجاز مالك صيام الدهر وكان أويس القرني يقوم ليلة حتى يصبح ويقول بلغني ~~أن لله عبادا سجودا أبدا ونحوه عن عبد الله بن الزبير وعن الأسود بن يزيد ~~أنه كان يجهد نفسه فى الصوم والعبادة حتى يخضر جسده ويصفر فكان علقمة يقول ~~له ويحك لم تعذب هذا الجسد فيقول إن الأمر جد وعن ابن سيرين أن امرأة مسروق ~~قالت كان يصلى حتى تورمت قدماه فربما جلست أبكي خلفه مما أراه يصنع بنفسه ~~وعن الشعبي قال غشي على مسروق فى يوم PageV02P140 ~~صائف وهو صائم فقالت له ابنته أفطر قال ما أردت بي قالت الرفق # قال يا بنية إنما طلبت الرفق لنفسي فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة # إلى سائر ما ذكر عن الأولين من الأعمال الشاقة التى لا يطيقها إلا ~~الأفراد هيأهم الله لها وهيأها لهم وحببها إليهم ولم يكونوا بذلك مخالفين ~~للسنة بل كانوا معدودين فى السابقين جعلنا الله منهم وذلك لأن العلة التى ~~لأجلها نهى عن العمل الشاق مفقودة فى حقهم فلم ينتهض النهي فى حقهم كما أنه ~~لما قال # لا يقض القاضي وهو غضبان وكان وجه النهي وعلته تشويش الفكر عن استيفاء ~~الحجج اطرد النهي مع كل ما يشوش الفكر وانتفى عند انتفائه حتى إنه منتف مع ~~وجود الغضب اليسير الذى لا يشوش وهذا صحيح مليح # فالضرب الأول حاله حال من يعمل بحكم عهد الإسلام وعقد الإيمان من غير ~~زائد والثانى حاله حال من يعمل بحكم غلبة الخوف أو الرجاء أو المحبة فالخوف ~~سوط سائق والرجاء حاد قائد والمحبة تيار حامل فالخائف يعمل مع وجود المشقة ~~غير أن الخوف مما هو أشق يحمل على الصبر على ما هو أهون وإن كان شاقا ~~والراجى يعمل مع وجود المشقة أيضا غير أن الرجاء فى تمام الراحة يحمل على ~~الصبر على تمام التعب والمحب يعمل ببذل المجهود شوقا إلى المحبوب فيسهل ~~عليه الصعب ويقرب عليه البعيد ويفنى ms311 القوي ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ~~ولا قام بشكر النعمة ويعمر الأنفاس ولا يرى أنه قضى نهمته وكذلك الخوف على ~~النفس أو العقل أو المال يمنع من العمل المسبب لذلك إن كان لخيرة الإنسان ~~ويرخص له فيه إن كان لازما له حتى لا يحصل فى مشقة ذلك لأن فيه تشويش النفس ~~كما تقدم # ولكن العمل الحاصل والحالة هذه هل يكون مجزئا أم لا إذا خاف تلف نفسه أو ~~عضو من أعضائه أو عقله # هذا مما فيه نظر يطلع على حقيقة الأمر فيه من قاعدة الصلاة فى الدار ~~المغصوبة PageV02P141 ~~وقد نقل منع الصوم إذا خاف التلف به عن مالك والشافعي وأنه لا يجزئه إن فعل # ونقل المنع فى الطهارة عند خوف التلف والانتقال إلى التيمم وفى خوف المرض ~~أو تفلف المال احتمال والشاهد للمنع قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم وإذا كان ~~منهيا عن هذه الأشياء وأشباهها بسبب الخوف لا من جهة إيقاع نفس تلك ~~العبادات فالأمران مفترقان فإن إدخال المشقة الفادحة على النفس يعقل النهي ~~عنها مجردة عن الصلاة والصلاة يعقل الأمر بها مجردة عن المشقة فصارت ذات قولين # وأيضا فيدخل فيها النظر من قاعدة أخرى وهى أن يقال هل قصد الشارع رفع ~~المشقة لأجل أن ذلك حق لله أم لأجل أنها حق للعبد فإن قلنا إنها حق لله ~~فيتجه المنع حيث وجهه الشارع وقد رفع الحرج فى الدين فالدخول فيما فيه ~~الحرج مضاد لذلك الرفع وإن قلنا إنه حق للعبد فإذا سمح العبد لربه بحظه ~~كانت عبادته صحيحة ولم يتمحض النهي عن تلك العبادة # والذى يرجح هذا الثانى أمور # منها أن قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم وقد دل بإشارته على أن ذلك من جهة ~~الرفق بالعباد لقوله تعالى إن الله كان بكم رحيما يشير بذلك إلى رفع الحرج ~~عنهم لأنه أرفق بهم وأيضا فقوله وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وأشباهها من ~~الآيات الدالة على وضع الشريعة لمصالح العباد # ومنها ما تقدم من الأدلة على رفع الحرج وإردة اليسر فإنما ms312 يكون النهي ~~منتهضا مع فرض الحرج والعسر فإذا فرض ارتفاع ذلك بالنسبة إلى قوم ارتفع ~~النهي ومما يخص مسألتنا قيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تفطرت قدماه أو ~~تورمت قدماه والعبادة إذا صارت إلى هذا الحد شقت ولا بد ولكن المرفى طاعة PageV02P142 ~~الله يحلو للمحبين وهو عليه الصلاة والسلام كان إمامهم وكذلك جاء عن السلف ~~ترداد البكاء حتى عميت أعينهم وقد روى عن الحسن بن عرفة قال رأيت يزيد بن ~~هرون بواسط وهو من أحسن الناس عينين ثم رأيته بعين واحدة ثم رأيته وقد ذهبت ~~عيناه فقلت له يا أبا خالد ما فعلت العينان الجميلتان فقال ذهب بهما بكاء ~~الأسحار وما تقدم فى احتمال مطلق المشقة عن السلف الصالح عاضد لهذا المعنى ~~فإذا من غلب جانب حق الله تعالى منع بإطلاق ومن غلب جانب حق العبد لم يمنع ~~بإطلاق ولكن جعل ذلك إلى خيرته # فصل # وأما الثانى فإن المكلف مطلوب بأعمال ووظائف شرعية لا بد له منها ولا ~~محيص له عنها يقوم فيها بحق ربه تعالى فإذا أوغل في علم شاق فربما قطعة عن ~~غيره ولا سيما حقوق الغير التي تتعلق به فيكون عبادته أو عمله الداخل فيه ~~قاطعا عما كلفه الله به فيقصر فيه فيكون بذلك ملوما غير معذور إذ المراد ~~منه القيام بجميعها على وجه لا يخل بواحدة منها ولا بحال من أحواله فيها # ذكر البخاري عن أبي جحيفة قال آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان ~~وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء وهي زوجة متبذلة فقال ~~لها ما شأنك قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء ~~فصنع له طعاما فقال له كل فإني صائم فقال ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل فلما ~~كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم فقال نم فنام ثم ذهب ليقوم فقال نم فلما ~~كان من آخر الليل قال سلمان قم الآن فصلينا PageV02P143 ~~فقال له سلمان إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك ms313 عليك حقا فأعط كل ~~ذي حق حقه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم صدق سلمان # وقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ # أفتان أنت أو أفاتن أنت ثلاث مرات فلولا صليت فسبح اسم ربك الأعلى والشمس ~~وضحاها والليل إذا يغشى فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة وكان ~~الشاكي به رجل أقبل بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذا يصلي فترك ناضحيه ~~وأقبل إلى معاذ فقرأ سورة البقرة والنساء فانطلق الرجل انظره فى البخاري # وكذلك حديث # إني لأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي الحديث # ويروى عن محمد بن صالح أنه دخل صوامع المنقطعين ومواضع المتعبدين فرأى ~~رجلا يبكي بكاء عظيما بسبب أن فاتته صلاة صلاةالصبح فى الجماعة لإطالة ~~الصلاة من الليل وأيضا فقد يعجز الموغل في بعض الأعمال عن الجهاد أو غيره ~~وهو من أهل الغناء فيه ولهذا قال في الحديث في داود عليه السلام # كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى وقيل لابن مسعود رضى الله عنه ~~وإنك لتقل الصوم # فقال إنه يشغلني عن قراءة القرآن وقراءة القرآن أحب إلي منه ونحو هذا ما حكى PageV02P144 ~~عياض عن ابن وهب أنه آلى أن يصوم يوم عرفة أبدا لأنه كان في الموقف يوما ~~صائما وكان شديد الحر فاشتد عليه قال فكان الناس ينتظرون الرحمة وأنا أنتظر ~~الإفطار وكره مالك إحياء الليل كله وقال لعله يصبح مغلوبا وفي رسول الله ~~أسوة ثم قال لا بأس به ما لم يضر ذلك بصلاة الصبح فإن كان يأتيه الصبح وهو ~~نائم فلا وإن كان وهو به فتور أو كسل فلا بأس به فإذا ظهرت علة النهي عن ~~الإيغال في العمل وأنه يسبب تعطيل وظائف كما أنه يسبب الكسل والترك ويبغض ~~العبادة فإذا وجدت العلة أو كانت متوقعة نهي عن ذلك وإن لم يكن شئ من ذلك ~~فالإيغال فيه حسن وسبب القيام بالوظائف مع الإيغال ما تقدم في الوجه الأول ~~من غلبة الخوف أو الرجاء أوالمحبة # فإن قيل ms314 دخول الإنسان فى العمل وإيغاله فيه وإن كان له وازع الخوف أو ~~حادي الرجاء أوحامل المحبة لا يمكن معه استيفاء أنواع العبادات ولا يتأتى ~~له أن يكون قائما الليل صائما النهار واطئا أهله إلى اشباه ذلك من مواصلة ~~الصيام مع القيام على الكسب للعيال أو القيام بوظائف الجهاد على كمالها ~~وكذلك إدامة الصلاة مع إعانة العباد وإغاثة اللهفان وقضاء حوائج الناس وغير ~~ذلك من الأعمال بل كثير منها تضاد أعمالا أخر بحيث لا يمكن الإجتماع فيها ~~وقد لا تضادها ولكن تؤثر فيها نقصا وتزاحم الحقوق على المكلف معلوم غير ~~مجهول فكيف يمكن القيام بجميع الحقوق أو بأكثرها والحالة هذه ولهذا جاء # من يشاد هذا الدين يغلبه وأيضا فإن سلم مثل هذا في أرباب الأحوال PageV02P145 ~~ومسقطى الحظوظ فكيف الحال مع إثباتها والسعي فيها والطلب لها # فالجواب أن الناس كما تقدم ضربان # أحدهما أرباب الحظوظ وهؤلاء لا بد لهم من استيفاء حظوظهم المأذون لهم ~~فيها شرعا لكن بحيث لا يخل بواجب عليهم ولا يضر بحظوظهم # فقد وجدنا عدم الترخص في مواضع الترخص بالنسبة إليهم موقعا في مفسدة أو ~~مفاسد يعظم موقعها شرعا وقطع العوائد المباحة قد يوقع في المحرمات وكذلك ~~وجدنا المرور مع الحظوظ مطلقا خروجا عن ربقة العبودية لأن المسترسل في ذلك ~~على غير تقييد ملق حكمة الشرع عن نفسه وذلك فساد كبير ولرفع هذا الاسترسال ~~جاءت الشرائع كما أن ما في السموات وما في الأرض مسخر للإنسان # فالحق الذي جاءت به الشريعة هو الجمع بين هذين الأمرين تحت نظر العدل ~~فيأخذ في الحظوظ ما لم يخل بواجب ويترك الحظوظ ما لم يؤد الترك إلى محظور ~~ويبقى في المندوب والمكروه على توازن فيندب إلى فعل المندوب الذي فيه حظه ~~كالنكاح مثلا وينهى عن المكروه الذى لاحظ فيه عاجلا كالصلاة في الأوقات ~~المكروهة وينظر في المندوب الذي لاحظ له فيه وفي المكروه الذي له فيه حظ ~~أعني الحظ العاجل فإن كان ترك حظه في المندوب يؤدي PageV02P146 ~~لما يكره شرعا أو لترك مندوب ms315 هو أعظم أجرا كان استعماله الحظ وترك المندوب ~~أولى كترك التمتع بزوجته المؤدي إلى التشوف إلى الأجنبيات حسبما نبه عليه حديث # إذارأى أحدكم امرأة فأعجبته الخ وكذلك ترك الصوم يوم عرفة أو لأجل أن ~~يقوى على قراءة القرآن وفي الحديث # إنكم قد استقبلتم عدوكم والفطر اقوى لكم وكذلك إن كان ترك المكروه الذي ~~له فيه حظ يؤدي إلى ما هو أشد كراهة منه غلب الجانب الأخف كما قال الغزالي ~~إنه ينبغي أن يقدم طاعة الوالدين في تناول المتشابهات على التورع عنها مع ~~عدم طاعتهما فإن تناول المتشابهات للنفس فيها حظ فإذا كان فيها اشتباه طلب ~~التورع عنها وكره تناولها لأجله فإن كان في تناولها رضى الوالدين رجح جانب ~~الحظ هنا بسبب ما هو أشد في الكراهية وهو مخالفة الوالدين ومثله ما روى عن ~~مالك أن طلب الرزق في شبهة أحسن من الحاجة إلى الناس # فالحاصل أن الحظوظ لأصحاب الحظوظ تزاحم الأعمال فيقع الترجيح بينها فإذا ~~تعين الراجح ارتكب وترك ما عداه وبسط هذه الجملة هي عمدة كلام الفقهاء في ~~تفاريع الفقه # والثاني أهل إسقاط الحظوظ وحكمهم حكم الضرب الأول في الترجيح PageV02P147 ~~بين الأعمال غير أن سقوط حظوظهم لعزوب أنفسهم عنها منع الخوف عليهم من ~~الإنقطاع وكراهية الأعمال ووفقهم في الترجيح بين الحقوق وأنهضهم من الأعمال ~~بما لم ينهض به غيرهم فصاروا أكثر أعمالا وأوسع مجالا في الخدمة # فيسعهم من الوظائف الدينية المتعلقة بالقلوب والجوارح ما يستعظمه غيرهم ~~ويعده في خوارق العادات وأما أنه يمكنهم القيام بجميع ما كلفه العبد وندب ~~إليه على الجملة فمعتذر إلا في المنهيات فإنه ترك بإطلاق ونفي أعمال لا ~~أعمال والنفي العام ممكن الحصول بخلاف الإثبات العام ولما سقطت حظوظهم صارت ~~عندهم لا تزاحم الحقوق إلا من حيث الأمر كقوله إن لنفسك عليك حق وحقه من ~~حيث هو حق له ضعيف عنده أو ساقط فصار غيره عنده أقوى من حظ نفسه فحظه أيضا ~~آخر الأشياء المستحقة وإذا سقطت الحظوظ لحق ما هو بدل عنها لأن زمان ms316 طلب ~~الحظ لا يبقى خاليا فدخل فيه من الأعمال كثير # وإذا عمل على حظه من حيث الأمر فهو عبادة كما سيأتي فصار عبادة بعد ما ~~كان عادة فهو ساقط من جهته ثابت من جهة الأمر كسائر الطاعات ومن هنا صار ~~مسقط الحظ أعبد الناس بل يصير أكثر عمله في الواجبات وهنا مجال رحب له موضع ~~غير هذا ### || AUTO فصل # ما تقدم ذكره إنما هو فيما كان من الأعمال يتسبب عنه مشقة وهو من المأذون ~~فيه فإن كان غير مأذون فيه وتسبب عنه مشقة فادحة فهو أظهر في المنع من ذلك ~~التسبب لأنه زاد على ارتكاب النهي إدخال العنت والحرج على نفسه PageV02P148 ~~إلا أنه قد يكون في الشرع سببا لأمر شاق على المكلف ولكن لا يكون قصد من ~~الشارع لإدخال المشقة عليه وإنما قصد الشارع جلب مصلحة أو درء مفسدة ~~كالقصاص والعقوبات الناشئة عن الأعمال الممنوعة فإنها زجر للفاعل وكف له عن ~~مواقعة مثل ذلك الفعل وعظة لغيره أن يقع في مثله أيضا # وكون هذا الجزاء مؤلما وشاقا مضاه لكون قطع اليد المتأكلة وشرب الدواء ~~البشيع مؤلما وشاقا فكما لا يقال للطبيب إنه قاصد للإيلام بتلك الأفعال ~~فكذلك هنا فإن الشارع هو الطبيب الأعظم والأدلة المتقدمة في أن الله لم ~~يجعل في الدين من حرج ولا يريد جعله فيه ويشبه هذا ما في الحديث من قوله # ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا ~~أكره مساءته ولا بد له من الموت لأن الموت لما كان حتما على المؤمن وطريقا ~~إلى وصوله إلى ربه وتمتعه بقربه في دار القرار صار في القصد إليه معتبرا ~~وصار من جهة المساءة فيه مكروها وقد يكون لاحقا بهذا المعنى النذور التي ~~يشق على الإنسان الوفاء بها لأن المكلف لما أريح من مقتضياتها كان التزامها ~~مكروها فإذا وقع وجب الوفاء بها من حيث هى عبادات وإن شقت كما لزمت ~~العقوبات بناء على التسبب فيها حتى إذا كانت النذور فيما ليس ms317 بعبادة أو ~~كانت في عبادة لا تطاق وشرعت لها تخفيفات أو كانت مصادمة لأمر ضروري أو ~~حاجي في الدين سقطت كما إذا حلف بصدقه ماله فإنه يجزئه الثلث أو نذر المشي ~~إلى مكة راجلا فلم يقدر فإنه يركب ويهدى أو كما إذا نذر أن لا يتزوج أو لا ~~يأكل الطعام فإنه يسقط حكمه إلى أشباه ذلك PageV02P149 ~~فانظر كيف صحبه الرفق الشرعي فيما أدخل نفسه فيه من المشقات # فعلى هذا كون الشارع لا يقصد إدخال المشقة على المكلف عام فى المأمورات ~~والمنهيات # ولا يقال إنه قد جاء فى القرآن فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم فسمي الجزاء اعتداء وذلك يقتضى القصد إلى الاعتداء ومدلوله ~~المشقة الداحلة على المعتدى # لأنا نقول تسمية الجزاء المرتب على الاعتداء اعتداء مجاز معروف مثله فى ~~كلام العرب وفى الشريعة من هذا كثير كقوله تعالى الله يستهزىء بهم ومكروا ~~ومكر الله إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا إلى أشباه ذلك # فلا اعتراض بمثل ذلك # فصل # وقد تكون المشقة الداخلة على المكلف من خارج لا بسببه ولا بسبب دخوله فى ~~عمل تنشأ عنه فههنا ليس للشارع قصد فى بقاء ذلك الألم وتلك المشقة والصبر ~~عليها كما أنه ليس له قصد فى التسبب فى إدخالها على النفس غير أن المؤذيات ~~والمؤلمات خلقها الله تعالى ابتلاء للعباد وتمحيصا وسلطها عليهم كيف شاء ~~ولما شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وفهم من مجموع الشريعة الإذن فى ~~دفعها على الإطلاق رفعا للمشقة اللاحقة وحفظا على الحظوظ التى أذن لهم فيها ~~بل أذن فى التحرز منها عند توقعها وإن لم تقع تكملة لمقصود العبد وتوسعة ~~عليه وحفظا على تكميل الخلوص فى التوجه إليه والقيام بشكر النعم # فمن ذلك الإذن فى دفع ألم الجوع والعطش والحر والبرد وفى التداوى عند ~~وقوع الأمراض وفى التوقي من كل مؤذ آدميا كان أو غيره والتحرز من المتوقعات ~~حتى يقدم العدة لها وهكذا سائر ما يقوم به عيشه فى هذه الدار PageV02P150 ~~من درء المفاسد وجلب ms318 المصالح ثم رتب له مع ذلك دفع المؤلمات الأخروية وجلب ~~منافعها بالتزام القوانين الشرعية كما رتب له ذلك فيما يتسبب عن أفعاله # وكون هذا مأذونا فيه معلوم من الدين ضرورة # إلا أن هذا الدفع المأذون فيه إن ثبت انحتامه فلا إشكال فى علمنا أن ~~الشارع قصد رفع تلك المشقة كما أوجب علينا دفع المحاربين والساعين على ~~الإسلام والمسلمين بالفساد وجهاد الكفار القاصدين لهدم الإسلام وأهله ولا ~~يعتبر هنا جهة التسليط والإبتلاء لأنا قد علمنا بإيجاب الدفع أن ذلك ملغي ~~فى التكليف وإن كان ممتبرا فى العقد الإيماني كما لا تعتبر جهة التكليف ~~ابتداء وإن كان فى نفسه ابتلاء لأنه طاعة أو معصية من جهة العبد خلق للرب ~~فالفعل والترك فيه بحسب ما يخلق الله فى العبد فليس له فى الأصل حيلة إلا ~~الاستسلام لأحكام القضاء والقدر فكذلك هنا # وأما إن لم يثبت انحتام الدفع فيمكن اعتبار جهة التسليط والابتلاء وأن ~~ذلك الشاق مرسل من المسلط المبلي فيستسلم العبد للقضاء ولذلك لما لم يكن ~~التداوي محتما تركه كثير من السلف الصالح وأذن عليه الصلاة والسلام فى ~~البقاء على حكم المرض كما فى حديث السوداء المجنونة التى سألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يدعو لها فخيرها فى الأجر مع البقاء على حالتها أو زوال ~~ذلك وكما PageV02P151 ~~فى الحديث # ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون ويمكن اعتبار جهة الحظ بمقتضى الإذن ويتأيد ~~بالندب كما فى التداوى حيث قال عليه الصلاة والسلام # تداوو فإن الذى أنزل الداء أنزل الدواء وأما إن ثبت الإباحة فالأمر أظهر ~~وهنا انقضى الكلام على الوجه الثالث من أوجه المشقات المفهومة من إطلاق ~~اللفظ وبقي الكلام على الوجه الرابع وذلك مشقة مخالفة الهوى وهى PageV02P152 ### || AUTO المسألة الثامنة # وذلك أن مخالفة ما تهوى الأنفس شاق عليها وصعب خروجها عنه ولذلك بلغ أهل ~~الهوى فى مساعدته مبالغ لا يبلغها غيرهم وكفى شاهدا على ذلك حال المحبين ~~وحال من بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين وأهل الكتاب ~~وغيرهم ممن ms319 صمم على ما هو عليه حتى رضوا بإهلاك النفوس والأموال ولم يرضوا ~~بمخالفة الهوى حتى قال تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم ~~الآية وقال إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس وقال أفمن كان على بينة من ~~ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم وما أشبه ذلك # ولكن الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلف عن اتباع هواه حتى يكون ~~عبدا لله فإذا مخالفة الهوى ليست من المشقات المعتبرة فى التكليف وإن كانت ~~شاقة فى مجاري العادات إذ لو كانت معتبرة حتى يشرع التخفيف لأجل ذلك لكان ~~ذلك نقضا لما وضعت الشريعة له وذلك باطل فما أدى إليه مثله وبيان هذا ~~المعنى مذكور بعد إن شاء الله ### || AUTO المسألة التاسعة # كما أن المشقة تكون دنيوية كذلك تكون أخروية فإن الأعمال إذا كان الدخول ~~فيها يؤدي إلى تعطيل واجب أو فعل محرم فهو أشد مشقة باعتبار الشرع من ~~المشقة الدنيوية التى هي غير مخلة بدين واعتبار الدين مقدم على PageV02P153 ~~اعتبار النفس وغيرها فى نظر الشرع وكذلك هنا فإذا كان كذلك فليس للشارع ~~قصد فى إدخال المشقة من هذه الجهة وقد تقدم من الأدلة التىيدخل تحتها هذا ~~المطلوب ما فيه كفاية ### || AUTO المسألة العاشرة # قد تكون المشقة الناشئة من التكليف تختص بالمكلف وحده كالمسائل المتقدمة ~~وقد تكون عامة له ولغيره وقد تكون داخلة على غيره بسببه # ومثال العامة له ولغيره كالوالى المفتقر إليه لكونه ذا كفاية فيما أسند ~~إليه إلا أن PageV02P154 ~~الولاية تشغله عن الانقطاع إلى عبادة الله والأنس بمناجاته فإنه إذا لم ~~يقم بذلك عم الفساد والضرر ولحقه من ذلك ما يلحق غيره # ومثال الداخلة على غيره دونه كالقاضي والعالم المفتقر إليهما إلا أن ~~الدخول في الفتيا والقضاء يجرهما إلى ما لا يجوز أو يشغلهما عن مهم ديني أو ~~دنيوي وهما إذا لم يقوما بذلك عم الضرر غيرهما من الناس فقد نشأ هنا عن ~~طلبهما لمصالحهما المأذون فيها والمطلوبة منهما فساد عام # وعلى كل تقدير فالمشقة ms320 من حيث هي غير مقصود للشارع تكون غير مطلوبة ولا ~~العمل المؤدي إليها مطلوبا كما تقدم بيانه فقد نشأ هنا نظر في تعارض مشقتين ~~فإن المكلف إن لزم من اشتغاله بنفسه فساد ومشقة لغيره فيلزم أيضا من ~~الاشتغال بغيره فساد ومشقة في نفسه وإذا كان كذلك تصدى النظر في وجه اجتماع ~~المصلحتين مع انتفاء المشقتين إن أمكن ذلك وإن لم يمكن فلا بد من الترجيح ~~فإذا كانت المشقة العامة أعظم اعتبر جانبها وأهمل جانب الخاصة ### || AUTO وإن كان بالعكس فالعكس وإن لم يظهر ترجيح فالتوقف كما سيأتي ~~ذكره في - كتاب التعارض والترجيح إن شاء الله PageV02P155 ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # حيث تكون المشقة الواقعة بالمكلف في التكليف خارجة عن معتاد المشقات في ~~الأعمال العادية حتى يحصل بها فساد ديني أو دنيوي فمقصود الشارع فيها الرفع ~~على الجملة وعلى ذلك دلت الأدلة المتقدمة ولذلك شرعت فيها الرخص مطلقا # وأما إذا لم تكن خارجة عن المعتاد وإنما وقعت على نحو ما تقع المشقة في ~~مثلها من الأعمال العادية فالشارع وإن لم يقصد وقوعها فليس بقاصد لرفعها ~~أيضا والدليل على ذلك أنه لو كان قاصدا لرفعها لم يكن بقاء التكليف معها ~~لأن كل عمل عادي أو غير عادي يستلزم تعبا وتكليفا على قدره قل أو جل إما في ~~نفس العمل المكلف به وإما في خروج المكلف عما كان فيه إلى الدخول في عمل ~~التكليف وإما فيهما معا فإذا اقتضى الشرع رفع ذلك التعب كان ذلك اقتضاء ~~لرفع العمل المكلف به من أصله وذلك غير صحيح فكان مما يستلزمه غير صحيح # إلا أن هنا نظرا وهو أن التعب والمشقة في الأعمال المعتادة مختلفة ~~بإختلاف تلك الأعمال فليست المشقة في صلاة ركعتي الفجر كالمشقة في ركعتي ~~الصبح ولا المشقة في الصلاة كالمشقة في الصيام ولا المشقة في الصيام ~~كالمشقة في الحج ولا المشقة في ذلك كله كالمشقة في الجهاد إلى غير ذلك من ~~أعمال التكليف # ولكن كل عمل في نفسه له مشقة معتادة فيه توازي مشقة ms321 مثله من الأعمال ~~العادية فلم تخرج عن المعتاد على الجملة ثم إن الأعمال المعتادة ليست ~~المشقة فيها تجري على وزان واحد في كل وقت في كل مكان وعلى كل حال فليس PageV02P156 ~~إسباغ الوضوء في السبرات يساوي إسباغه في الزمان الحار ولا الوضوء مع حضرة ~~الماء من غير تكلف في استقائه يساويه مع تجشم طلبه أو نزعه من بئر بعيدة ~~وكذلك القيام إلى الصلاة من النوم في قصر الليل أو في شدة البرد مع فعله ~~على خلاف ذلك # وإلى هذا المعنى أشار القرآن بقوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~فإذا أوذى في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله بعد قوله ألم أحسب الناس أن ~~يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون إلى آخرها وقوله وإذ زاغت الأبصار ~~وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا ~~زلزالا شديدا ثم مدح الله من صبر على ذلك وصدق في وعده بقوله رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه الآية وقصة كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم في تخلفهم ~~عن غزوة تبوك ومنع رسول الله صلى الله وسلم من مكالمتهم وإرجاء أمرهم حتى ~~ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وكذلك ما جاء فى نكاح الإماء ~~عند خشية العنت ثم PageV02P157 ~~قال وأن تصبروا خيرا لكم # إلى أشباه ذلك مما يدل على أن المشقة قد تبلغ فى الأعمال المعتادة ما يظن ~~أنه غير معتاد ولكنه فى الحقيقة معتاد ومشقته فى مثلها مما يعتاد إذ المشقة ~~فى العمل الواحد لها طرفان وواسطة طرف أعلى بحيث لو زاد شيئا لخرج عن ~~المعتاد وهذا لا يخرجه عن كونه معتادا وطرف أدنى بحيث لو نقص شيئا لم يكن ~~ثم مشقة تنسب إلى ذلك العمل وواسطه هى الغالب والأكثر فإذا كان كذلك فكثيرا ~~مما يظهر مبادئ الرأي من المشقات أنها خارجة عن المعتاد لا يكون كذلك لمن ~~كان عارفا بمجاري العادات وإذا لم تخرج عن المعتاد لم يكن للشارع قصد فى ~~رفعها كسائر المشقات المعتادة فى ms322 الأعمال الجارية على العادة فلا يكون فيها ~~رخصة وقد يكون الموضع مشتبها فيكون محلا للخلاف # فحيث قال الله تعالى انفروا خفافا وثقالا ثم قال إلا تنفروا يعذكم عذابا ~~أليما كان هذا موضع شدة لأنه يقتضى أن لا رخصة أصلا فى التخلف إلا أنه ~~بمقتضى الأدلة على رفع الحرج محمول على أقصى الثقل فى الأعمال المعتادة ~~بحيث يتأتى النفير ويمكن الخروج وقد كان اجتمع فى غزوة تبوك أمران شدة الحر ~~وبعد الشقة زائدا على مفارقة الظلال واستدرار الفواكه والخيرات # وذلك كله زائد فى مشقة الغزو زيادة ظاهرة ولكنه غير مخرج لها عن المعتاد ~~فلذلك لم يقع فى ذلك رخصة فكذلك أشباهها وقد قال تعالى ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم # وقد قال ابن عباس فى قوله تعالى وما جعل عليكم فى الدين من حرج PageV02P158 ~~إنما ذلك سعة الإسلام ما جعل الله من التوبة والكفارات وقال عكرمة ما أحل ~~لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وعن عبيد بن عمير أنه جاء فى ناس من قومه ~~إلى ابن عباس فسأله عن الحرج فقال أولستم العرب ثم قال ادع لي رجلا من هذيل ~~فقال ما الحرج فيكم قال الحرجة من الشجر ما ليس له مخرج قال ابن عباس ذلك ~~الحرج ما لا مخرج له فانظر كيف جعل الحرج ما لا مخرج له وفسر رفعه بشرع ~~التوبة والكفارات وأصل الحرج الضيق # فما كان من معتادات المشقات فى الأعمال المعتاد مثلها فليس بحرج لغة ولا ~~شرعا كيف وهذا النوع من الحرج وضع لحكمة شرعية وهى التمحيص والاختبار حتى ~~يظهر فى الشاهد ما علمه الله فى الغائب فقد تبين إذا ما هو من الحرج مقصود ~~الرفع وما ليس بمقصود الرفع والحمد لله ### || AUTO فصل # قال ابن العربي إذا كان الحرج فى نازلة عامة فى الناس فإنه يسقط وإذا كان ~~خاصا لم يعتبر عندنا وفى بعض أصول الشافعي اعتباره انتهى ما قال وهو مما ~~ينظر فيه # فإنه إن عني بالخاص الحرج الذى فى أعلى مراتب المعتاد ms323 فالحكم كما قال ولا ~~ينبغي أن يختلف فيه لأنه إن كان من المعتاد فقد ثبت أن المعتاد لا إسقاط ~~فيه وإلا لزم فى أصل التكليف فإن تصور وقوع اختلاف فإنما هو مبنى على أن ~~ذلك الحرج من قبيل المعتاد أو من قبيل الخارج عن المعتاد لا أنه مختلف فيه ~~مع الاتفاق على أنه من أحدهما وأيضا فتسميته خاصا يشاح فيه فإنه بكل اعتبار ~~عام غير خاص إذ ليس مختصا ببعض المكلفين على التعيين دون بعض # وأن عني بالحرج ما هو خارج عن المعتاد ومن جنس ما تقع فيه الرخصة ~~والتوسعة فالعموم والخصوص فيه أيضا مما يشكل فهمه فإن السفر مثلا سبب للحرج ~~مع تكميل الصلاة والصوم وقد شرع فيه التخفيف فهذا عام والمرض PageV02P159 ~~قد شرع فيه التخفيف وهو ليس بعام بمعنى أنه لا يسوغ التخفيف في كل مرض إذ ~~من المرضى من لا يقدر على إكمال الصلاة قائما أو قاعدا ومنهم من يقدر على ~~ذلك ومنهم من يقدر على الصوم ومنهم من لا يقدر فهذا يخص كل واحد من ~~المكلفين في نفسه ومع ذلك فقد شرع فيه التخفيف على الجملة فالظاهر أنه خاص ~~ولكن لا يخالف فيه مالك الشافعي إلا أن يكونوا جعلوا هذا من الحرج العام ~~عند تقييد المرض بما يحصل فيه الحرج غير المعتاد فيرجع إذ ذاك إلى قسم ~~العام ولا يخالف فيه مالك الشافعي أيضا وعند ذلك يصعب تمثيل الخاص وإلا فما ~~من حرج يعد أن يكون له تخفيف مشروع باتفاق أو باختلاف إلا وهو عام وإن اتفق ~~أن لا يقع منه في الوجود إلا فرد واحد وإن قدر أن يكون التشريع له وحده أو ~~لقوم مخصوصين فهذا غير متصور في الشريعة إلا ما اختص به النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو خص به أحد من أصحابه كتضحية أبي بردة بالعناق الجذعة وشهادة ~~خزيمة فذلك مختص بزمان النبوة دون ما بعد ذلك # فإن قيل لعله يريد بالخصوص والعموم ما كان عاما للناس كلهم وما كان خاصا ~~ببعض ms324 الأقطار أو بعض الأزمان أو بعض الناس وما أشبه ذلك فالجواب أن هذا ~~أيضا مما ينظر فيه فإن الحرج بالنسبة إلى النوع أو الصنف عام فى ذلك الكلي ~~لا خاص لأن حقيقة الخاص ما كان الحرج فيه خاصا ببعض الأشخاص المعينين أو ~~بعض الأزمان المعينة أو الأمكنة المعينة وكل ذلك إنما يتصور فى زمان النبوة ~~أو على وجه لا يقاس عليه غيره كنهيه عن PageV02P160 ~~ادخار لحوم الأضاحي زمن الدافة وكتخصيص الكعبة بالإستقبال والمساجد ~~الثلاثة بما اشتهر من فضلها على سائر المساجد فتصور مثل هذا فى مسألة ابن ~~العربي غير متأت # فإن قيل ففى النوع أو الصنف خصوص من حيث هو نوع أو صنف داخل تحت جنس شامل ~~له ولغيره # قيل وفيه أيضا عموم من جهة كونه شاملا لمتعدد لا ينحصر فليس أحد الطرفين ~~وهو الخصوص أولى به من الطرف الآخر وهو العموم بل جهة العموم أولى لأن ~~الحرج فيها كلي بحيث لو لحق نوعا آخر أو صنفا آخر للحق به في الحكم فنسبة ~~ذلك النوع أو الصنف إلى سائر الأنواع أو الأصناف الداخلة تحت الجنس الواحد ~~نسبة بعض أفراد ذلك الجنس في لحوق المرض أو السفر إلى جميع أفراده فإن ثبت ~~الحكم في بعضها ثبت في البعض وإن سقط سقط في البعض وهذا متفق عليه بين ~~الإمامين فمسألتنا ينبغي أن يكون الأمر فيها كذلك # فإن قيل لعله يريد بذلك ما كان مثل التغير اللاحق للماء بما لا ينفك عنه ~~غالبا وهوم عام كالتراب والطحلب وشبه ذلك أو خاص كما إذا كان عدم الإنفكاك ~~خاصا ببعض المياه فإن حكم الأول ساقط لعمومه والثاني مختلف فيه لخصوصه ~~وكذلك اختلف في ماء البحر هل هو طهور أم لا لأنه متغير خاص وكالتغير بتفتت ~~الأوراق في المياه خصوصا ففيه خلاف والطلاق قبل النكاح إن كان عاما سقط وإن ~~كان خاصا ففيه خلاف كما إذا قال كل امرأة PageV02P161 ~~أتزوجها من بني فلان أو من البلد الفلاني أو من السودان أو من البيض أو كل ~~بكر ms325 أتزوجها أو كل ثيب وما أشبه ذلك فهي طالق ومثله كل أمة اشتريتها فهي ~~حرة هو بالنسبة إلى قصد الوطء من الخاص كما لو قال كل حرة أتزوجها طالق ~~وبالنسبة إلى قصد مطلق الملك من العام فيسقط فإن قال فيه كل أمة اشتريتها ~~من السودان كان خاصا وجرى فيه الخلاف وأشباه ذلك من المسائل فالجواب أن هذا ~~ممكن وهو أقرب ما يؤخذ عليه كلامه إلا أن نص الخلاف في هذه الأشياء ~~وأشباهها عن مالك بعدم الاعتبار وعن الشافعي بالاعتبار يجب أن يحقق في هذه ~~الأمثلة وفى غيرها بالنسبة إلى علم الفقه لا بالنسبة إلى نظر الأصول إلا ~~أنه إذا ثبت الخلاف فهو المراد ههنا والنظر الأصولي يقتضي ما قال فإن الحرج ~~العام هو الذى لا قدرة للانسان في الإنفكاك عنه كالأمثلة المتقدمة فأما إذا ~~أمكن الانفكاك عنه فليس بحرج عام بإطلاق إلا أن الانفكاك عنه قد يكون فيه ~~حرج آخر وإن كان أخف إذ لا يطرد الانفكاك عنه دون مشقة لاختلاف أحوال الناس ~~فى ذلك وأيضا فكما لا يطرد الانفكاك عنه دون مشقة كذلك لا يطرد مع وجودها ~~فكان بهذا الاعتبار ذا نظرين فصارت المسألة ذات طرفين وواسطة الطرف العام ~~الذى لا انفكاك عنه فى العادة الجارية # ويقابله طرف خاص يطرد الانفكاك عنه من غير حرج كتفير هذا الماء بالخل ~~والزعفران ونحوه وواسطة دائرة بين الطرفين هي محل نظر واجتهاد والله أعلم PageV02P162 ### || AUTO المسألة الثانية عشرة # الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل الآخذ من ~~الطرفين بقسط لا ميل فيه الداخل تحب كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال ~~بل هو تكليف جار على موازنة تقتضى في جميع المكلفين غاية الإعتدال كتكاليف ~~الصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة وغير ذلك مما شرع ابتداء على غير سبب ~~ظاهر اقتضى ذلك أو لسبب يرجع إلى عدم العلم بطريق العمل كقوله تعالى ~~ويسألونك ماذا ينفقون يسألونك عن الخمر والميسر وأشباه ذلك # فإن كان التشريع لأجل انحراف المكلف أو وجود مظنة انحرافه ms326 عن الوسط إلى ~~أحد الطرفين كان التشريع رادا إلى الوسط الأعدل لكن على وجه يميل فيه إلى ~~الجانب الآخر ليحصل الإعتدال فيه فعل الطبيب الرفيق يحمل المريض على ما فيه ~~صلاحه بحسب حاله وعادته وقوة مرضه وضعفه حتى إذا استقلت صحته هيأ له طريقا ~~في التدبير وسطا لائقا به فى جميع أحواله # أو لا ترى أن الله تعالى خاطب الناس في ابتداء التكليف خطاب التعريف PageV02P163 ~~بما أنعم عليهم من الطيبات والمصالح التي بثها في هذا الوجود لأجلهم ~~ولحصول منافعهم ومرافقهم التي يقوم بها عيشهم وتكمل بها تصرفاتهم كقوله ~~تعالى الذى جعل لكم الأرض فراشا والسمآء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به ~~من الثمرات رزقا لكم وقوله الله الذى خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ~~ماءا فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره ~~إلى قوله وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وقوله هو الذى أنزل من السماء مآء ~~لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون إلى آخر ما عد لهم من النعم ثم وعدوا على ~~ذلك بالنعيم إن آمنوا وبالعذاب إن تمادوا على ما هم عليه من الكفر فلما ~~عاندوا وقابلوا النعم بالكفران وشكوا في صدق ما قيل لهم أقيمت عليهم ~~البراهين القاطعة بصدق ما قيل لهم وصحته فلما لم يلتفتوا إليها لرغبتهم في ~~العاجلة أخبروا بحقيقتها وأنها في الحقيقة كلا شئ لأنها زائلة فانية وضربت ~~لهم الأمثال في ذلك كقوله تعالى إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من ~~السماء الآية وقوله إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وقوله وما هذه الحياة ~~الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون # بل لما آمن الناس وظهر من بعضهم ما يقتضي الرغبة ربما أمالته عن الاعتدال ~~في طلبها أو نظرا إلى هذا المعنى فقال عليه الصلاة والسلام PageV02P164 ~~إن مما أخاف عليكم ما يفتح لكم من زهرات الدنيا ولما لم يظهر ذلك ولا ~~مظنته قال تعالى قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده ms327 والطيبات من الرزق ~~قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة وقال يأيها الرسل ~~كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ووقع لأهل الإسلام النهي عن الظلم والوعيد ~~فيه والتشديد وقال تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم مهتدون ولما قال عليه الصلاة والسلام # آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان شق ذلك عليهم ~~إذ لا يسلم أحد من شئ منه ففسره عليه الصلاة والسلام لهم حين أخبروه بكذب ~~وإخلاف وخيانة مختصة بأهل الكفر # وكذلك لما نزل وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله الآية شق ~~عليهم فنزل لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وقارف PageV02P165 ~~بعضهم بارتداد أو غيره وخاف أن لا يغفر له فسئل فى ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله الآية ولما ذم الدنيا ومتاعها هم جماعة من الصحابة رضوان الله ~~عليهم أن يتبتلوا ويتركوا النساء واللذة والدنيا وينقطعوا إلى العبادة فرد ~~ذلك عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال # من رغب عن سنتي فليس مني ودعا لأناس بكثرة المال والولد بعد ما أنزل الله ~~إنما أموالكم وأولادكم فتنة والمال والولد هي الدنيا واقر الصحابة على جمع ~~الدنيا والتمتع بالحلال منها ولم يزهدهم ولا أمرهم بتركها إلا عند ظهور حرص ~~أو وجود منع من حقه وحيث تظهر مظنة مخالفة التوسط بسبب ذلك وما سواه فلا # ومن غامض هذا المعنى أن الله تعالى أخبر عما يجازى به المؤمنين فى الآخرة ~~وأنه جزاء لأعمالهم فنسب إليهم أعمالا وأضافها إليهم بقوله جزاء بما كانوا ~~يعملون ونفى المنة به عليهم في قوله فلهم أجر غير ممنون فلما منوا بأعمالهم ~~قال تعالى يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم ~~أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين فأثبت المنة عليهم على ما هو الأمر في ~~نفسه لأنه مقطع حق وسلب عنهم ms328 ما أضاف إلى الآخرين بقوله أن هداكم للإيمان ~~كذلك أيضا أى فلولا الهداية لم يكن ما مننتم به PageV02P166 ~~وهذا يشبه في المعنى المقصود حديث شراج الحرة حين تنازع فيه الزبير ورجل ~~من الأنصار فقال عليه السلام # إسق يا زبير فأمره بالمعروف وأرسل الماء إلى جارك فقال الرجل إن كان ابن ~~عمتك فتلون وجه رسول الله عليه وسلم ثم قال # إسق يا زبير حتى يرجع الماء إلى الجدر واستوفى له حقه فقال الزبير إن هذه ~~الآية نزلت فى ذلك فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية # وهكذا تجد الشريعة أبدا في مواردها ومصادرها # وعلى نحو من هذا الترتيب يجري الطبيب الماهر يعطي الغذاء ابتداء على ما ~~يقتضيه الاعتدال في توافق مزاج المغتذي مع مزاج الغذاء ويخبر من سأله عن ~~بعض المأكولات التي يجهلها المغتذي أهو غذاء أم سم أم غير ذلك فإذا أصابته ~~علة بانحراف بعض الأخلاط قابله في معالجته على مقتضى انحرافه في الجانب ~~الآخر ليرجع إلى الاعتدال وهو المزاج الأصلي والصحة المطلوبة # وهذا غاية الرفق وغاية الإحسان والإنعام من الله سبحانه ### || AUTO فصل # فإذا نظرت في كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط فإن رأيت ميلا ~~إلى جهة طرف من الأطراف فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في االطرف الآخر # فطرف التشديد وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر يؤتي به في ~~مقابلة من غلب عليه الإنحلال في الدين PageV02P167 ~~وطرف التخفيف وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص يؤتي به في ~~مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط ~~لائحا ومسلك الاعتدال واضحا وهو الأصل الذي يرجع إليه والمعقل الذي يلجأ إليه # وعلى هذا إذا رأيت في النقل من المعتبرين في الدين من مال عن التوسط ~~فاعلم أن ذلك مراعاة منه لطرف واقع أو متوقع في الجهة الأخرى وعليه يجري ~~النظر في الورع والزهد وأشباههما وما قابلها # والتوسط يعرف بالشرع وقد يعرف بالعوائد وما يشهد به معظم العقلاء كما ms329 في ~~الإسراف والإقتار في النفقات ### || AUTO النوع الرابع # في بيان قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة # ويشتمل على مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # المقصد شرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا ~~لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا PageV02P168 ~~والدليل على ذلك أمور # أحدها النص الصريح الدال على أن العباد خلقوا للتعبد لله والدخول تحت ~~أمره ونهيه كقوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من ~~رزق وما أريد أن يطعمون وقوله تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا ~~نسألك رزقا نحن نرزقك وقوله يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين ~~من قبلكم لعلكم تتقون ثم شرح هذه العبادة في تفاصيل السورة كقوله تعالى ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن إلى قوله وأولئك ~~هم المتقون وهكذا إلى تمام ما ذكر فى السورة من الأحكام وقوله واعبدوا الله ~~ولا تشركوا به شيئا إلى غير ذلك من الآيات الآمرة بالعباد على الإطلاق ~~وبتفاصيلها على العموم فذلك كله راجع إلى الرجوع إلى الله فى جميع الأحوال ~~والانقياد إلى أحكامه على كل حال وهو معنى التعبد لله # والثانى ما دل على ذم مخالفة هذا القصد من النهي أولا عن مخالفة أمر الله ~~وذم من أعرض عن الله وإيعادهم بالعذاب العاجل من العقوبات الخاصة بكل صنف ~~من أصناف المخالفات والعذاب الآجل فى الدار الآخرة وأصل ذلك اتباع الهوي ~~والإنقياد إلى طاعة الأغراض العاجلة والشهوات الزائلة فقد جعل الله اتباع ~~الهوى مضادا للحق وعده قسيما له كما فى قوله تعالى يا دواد إنا جعلناك ~~خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ~~الآية وقال تعالى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هى المأوى ~~وقال فى قسيمه وأما من خاف مقام ربه ونهىالنفس عن الهوى فإن الجنة هي ~~المأوى وقال وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى فقد حصر الأمر فى شيئين ms330 ~~الوحى وهو الشريعة والهوى فلا ثالث لهما وإذا كان كذلك فهما متضادان وحين ~~تعين الحق فى الوحى توجه للهوى PageV02P169 ~~ضده فاتباع الهوى مضاد للحق وقال تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله ~~الله على علم وقال ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ~~وقال أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم وقال أفمن كان على ~~بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم وتأمل فكل موضع ذكر الله ~~تعالى فيه الهوى فإنما جاء به فى معرض الذم له ولمتبعيه وقد روى هذا المعنى ~~عن ابن عباس أنه قال ما ذكر الله الهوى فى كتابه إلا ذمه فهذا كله واضح فى ~~أن قصد الشارع الخروج عن اتباع الهوى والدخول تحت التعبد للمولى # والثالث ما علم بالتجارب والعادات من أن المصالح الدينية والدنيوية لا ~~تحصل مع الاسترسال فى اتباع الهوى والمشي مع الأغراض لما يلزم فى ذلك من ~~التهارج والتقاتل والهلاك الذى هو مضاد لتلك المصالح وهذا معروف عندهم ~~بالتجارب والعادات المستمرة ولذلك اتفقوا على ذم من اتبع شهواته وسار حيث ~~سارت به حتى إن من تقدم ممن لا شريعة له يتبعها أو كان له شريعة درست كانوا ~~يقتضون المصالح الدنيوية بكف كل من اتبع هواه فى النظر العقلي # وما اتفقوا عليه إلا لصحته عندهم وإطراد العوائد باقتضائه ما أرادوا من ~~إقامة صلاح الدنيا وهى التى يسمونها السياسة المدينة فهذا أمر قد توارد ~~النقل والعقل على صحته فى الجملة وهو أظهر من أن يستدل عليه # وإذا كان كذلك لم يصح لأحد أن يدعى على الشريعة أنها وضعت على مقتضى تشهى ~~العباد وأغراضهم إذ لا تخلو أحكام الشرع من الخمسة أما الوجوب والتحريم ~~فظاهر مصادمتها لمقتضى الاسترسال الداخل تحت الاختيار إذ يقال له افعل كذا ~~كان لك فيه غرض أم لا ولا تفعل كذا كان لك فيه غرض PageV02P170 ~~أم لا فإن اتفق للمكلف فيه غرض موافق وهوى باعث على مقتضى الأمر أو النهي ~~فبالعرض لا بالأصل وأما سائر ms331 الأقسام وإن كان ظاهرها الدخول تحت خيرة ~~المكلف فإنما دخلت بإدخال الشارع لها تحت اختياره فهى راجعة إلى إخراجها عن ~~اختياره ألا ترى أن المباح قد يكون له فيه اختيار وغرض وقد لا يكون فعلى ~~تقدير أن ليس له فيه اختيار بل فى رفعه مثلا كيف يقال إنه داخل تحت اختياره ~~فكم من صاحب هوى يود لو كان المباح الفلاني ممنوعا حتى إنه لو وكل إليه ~~مثلا تشريعه لحرمه كما يطرأ للمتنازعين فى حق وعلى تقدير أن اختياره وهواه ~~فى تحصيله يود لو كان مطلوب الحصول حتى لو فرض جعل ذلك إليه لأوجبه ثم قد ~~يصير الأمر فى ذلك المباح بعينه على العكس فيحب الآن ما يكره غدا وبالعكس ~~فلا يستتب فى قضية حكم على الإطلاق # وعند ذلك تتوارد الأغراض على الشئ الواحد فينخرم النظام بسبب فرط اتباع ~~الأغراض والهوى فسبحان الذى أنزل فى كتابه ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت ~~السموات والأرض ومن فيهن فإذا إباحة المباح مثلا لا توجب دخوله بإطلاق تحت ~~اختيار المكلف إلا من حيث كان قضاء من الشارع وإذ ذاك يكون اختياره تابعا ~~لوضع الشارع وغرضه مأخوذا من تحت الإذن الشرعى لا بالاسترسال الطبيعي وهذا ~~هو عين إخراج المكلف عن داعيه هواه حتى يكون عبدا لله # فإن قيل وضع الشرائع إما أن يكون عبثا أو لحكمة فالأول باطل باتفاق وقد ~~قال تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وقال وما خلقنا السموات والأرض وما ~~بينهما باطلا وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين PageV02P171 ~~ما خلقناهما إلا بالحق وإن كان لحكمة ومصلحة فالمصلحة إما أن تكون راجعة ~~إلى الله تعالى أو إلى العباد ورجوعها إلى الله محال لأنه غني ويستحيل عود ~~المصالح إليه حسبما تبين فى علم الكلام فإيبق إلا رجوعها إلى العباد وذلك ~~مقتضى أغراضهم لأن كل عاقل إنما يطلب مصلحة نفسه وما يوافق هواه فى دنياه ~~وأخراه والشريعة تكلفت لهم بهذا المطلب فى ضمن التكليف فكيف ينفى أن توضع ~~الشريعة على وفق أغراض العباد ودواعي أهوائهم وأيضا ms332 فقد تقدم بيان أن ~~الشريعة جاءت على وفق أغراض العباد وثبتت لهم حظوظهم تفضلا من الله تعالى ~~على ما يقوله المحققون أو وجوبا على ما يزعمه المعتزلة وإذا ثبت هذا من ~~مقاصد الشارع حقا كان ما ينافيه باطلا # فالجواب أن وضع الشريعة إذا سلم أنها لمصالح العباد فهى عائدة علهيم بحسب ~~أمر الشارع وعلى الحد الذى حده لا على مقتضى أهوائهم وشهواتهم ولذا كانت ~~التكاليف الشرعية ثقيلة على النفوس والحس والعادة والتجربة شاهدة بذلك # فالأوامر والنواهي مخرجة له عن داوعي طبعه واسترسال أغراضه حتى يأخذها من ~~تحت الحد المشروع وهذا هو المراد وهو عين مخالفة الأهواء والأغراض # أما أن مصالح التكليف عائدة على المكلف فى العاجل والآجل فصحيح ولا يلزم ~~من ذلك أن يكون نيله لها خارجا عن حدود الشرع ولا أن يكون متناولا لها ~~بنفسه دون أن يناولها إياه الشرع وهذا ظاهر وبه يتبين أن لا تعارض بين هذا ~~الكلام وبين ما تقدم لأن ما تقدم نظر فى ثبوت الحظ والغرض من حيث أثبته ~~الشارع لا من حيث اقتضاه الهوى والشهوة وذلك ما أردنا ههنا PageV02P172 ### || AUTO فصل # فإذا تقرر هذا انبنى عليه قواعد ### || AUTO منها أن كل عمل كان المتبع فيه الهوى بإطلاق من غير التفات ~~إلى الأمر أو النهي أو التخيير فهو باطل بإطلاق لأنه لا بد للعمل من حامل ~~يحمل عليه وداع يدعو إليه فإذا لم يكن لتلبية الشارع فى ذلك مدخل فليس إلا ~~مقتضى الهوى والشهوة وما كان كذلك فهو باطل بإطلاق لأنه خلاف الحق بإطلاق ~~فهذا العمل باطل بإطلاق بمقتضى الدلائل المتقدمة وتأمل حديث ابن مسعود رضى ~~الله عنه فى - الموطأ # إنك فى زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه ~~قليل من يسأل كثير من يعطي يطيلون في الصلاة ويقصرون في الخطبة يبدءون ~~أعمالهم قبل أهوائهم وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه تحفظ ~~فيه حروف القرآن وتضيع حدوده كثير من يسأل قليل من يعطي يطيلون فيه الخطبة ~~ويقصرون الصلاة ms333 يبدءون فيه أهواءهم قبل أعمالهم # فأما العبادات فكونها باطلة ظاهر وأما العادات فذلك من حيث عدم ترتب ~~الثواب على مقتضى الأمر والنهي فوجودها فى ذلك وعدمها سواء ### || AUTO وكذلك الإذن فى عدم أخذ المأذون فيه من جهة المنعم به كما ~~تقدم فى - كتاب الأحكام وفى هذا الكتاب # وكل فعل كان المتبع فيه بإطلاق الأمر أوالنهي أو التخيير فهو صحيح وحق PageV02P173 ~~لأنه قد أتى به من طريقه الموضوع له ووافق فيه صاحبه قصد الشارع فكان كله ~~صوابا وهو ظاهر # وأما إن امتزج فيه الأمران فكان معمولا بهما فالحكم للغالب والسابق # فإن كان السابق أمر الشارع بحيث قصد العامل نيل غرضه من الطريق المشروع ~~فلا إشكال فى لحاقه بالقسم الثانى وهو ما كان المتبع فيه مقتضى الشرع خاصة ~~لأن طلب الحظوظ والأغراض لا ينافي وضع الشريعة من هذه الجهة لأن الشريعة ~~موضوعة أيضا لمصالح العباد فإذا جعل الحظ تابعا فلا ضرر على العامل # إلا أن هنا شرطا معتبرا وهو أن يكون ذلك الوجه الذى حصل أو يحصل به غرضه ~~مما تبين أن الشارع شرعه لتحصيل مثل ذلك الغرض وإلا فليس السابق فيه أمر ~~الشارع وبيان هذا الشرط مذكور فى موضعه # وإن كان الغالب والسابق هو الهوى وصار أمر الشارع كالتبع فهو لاحق بالقسم الأول # وعلامة الفرق بين القسمين تحري قصد الشارع وعدم ذلك فكل عمل شارك العامل ~~فيه هواه فانظر فإن كف هواه ومقتضى شهوته عند نهي الشارع فالغالب والسابق ~~لمثل هذا أمر الشارع وهواه تبع وإن لم يكف عند ورود النهي عليه فالغالب ~~والسابق له الهوى والشهوة وإذن الشارع تبع لا حكم له عنده # فواطىء زوجته وهى طاهر محتمل أن يكون فيه تابعا لهواه أو لإذن الشارع # فإن حاضت فانكف دل على أن هواه تبع وإلا دل على أنه السابق ### || AUTO فصل # ومنها أن اتباع الهوى طريق إلى المذموم وإن جاء فى ضمن المحمود لأنه إذا ~~تبين أنه مضاد بوضعه لوضع الشريعة فحيثما زاحم مقتضاها فى العمل كان مخوفا PageV02P174 ~~أما أولا ms334 فإنه سبب تعطيل الأوامر وارتكاب النواهي لأنه مضاد لها # وأما ثانيا فإنه إذا اتبع واعتيد ربما أحدث للنفس ضراوة وأنسا به حتى ~~يسري معها فى أعمالها ولا سيما وهو مخلوق معها ملصق بها فى الأمشاج فقد ~~يكون مسبوقا بالإمتثال الشرعي فيصير سابقا له وإذ صار سابقا له صار العمل ~~الإمتثالي تبعا له وفى حكمه فبسرعة ما يصير صاحبه إلى المخالفة ودليل ~~التجربة حاكم هنا # وأما ثالثا فإن العامل بمقتضى الإمتثال من نتائج عمله الالتذاذ بما هو ~~فيه والنعيم بما يجتنيه من ثمرات الفهوم وانفتاح مغاليق العلوم وربما أكرم ~~ببعض الكرامات أو وضع له القبول فى الأرض فانحاش الناس إليه وحلقوا عليه ~~وانتفعوا به وأموه لأغراضهم المتعلقة بدنياهم وأخراهم إلى غير ذلك مما يدخل ~~على السالكين طرق الأعمال الصالحة من الصلاة والصوم وطلب العلم والخلوة ~~للعبادة وسائر الملازمين لطرق الخير فإذا دخل عليه ذلك كان للنفس به بهجة ~~وأنس وغنى ولذة ونعيم بحيث تصغر الدنيا وما فيها بالنسبة إلى لحظة من ذلك ~~كما قال بعضهم لو علم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف أو كما قال ~~وإذا كان كذلك فلعل النفس تنزع إلى مقدمات تلك النتائج فتكون سابقة للأعمال ~~وهو باب السقوط عن تلك الرتبة والعياذ بالله هذا وإن كان الهوى المحمود ليس ~~بمذموم على الجملة فقد يصير إلى المذموم على الإطلاق ودليل هذا المعنى ~~مأخوذ من استقراء أحوال السالكين وأخبار الفضلاء والصالحين فلا حاجة إلى ~~تقريره ههنا PageV02P175 ~~فصل ### || AUTO ومنها أن اتباع الهوى فى الأحكام الشرعية مظنة لأن يحتال بها ~~على أغراضه فتصير كالآلة المعدة لإقتناص أغراضه كالمرائى يتخذ الأعمال ~~الصالحة سلما لما فى أيدي الناس وبيان هذا ظاهر ومن تتبع مآلات اتباع الهوى ~~فى الشرعيات وجد من المفاسد كثيرا وقد تقدم فى - كتاب الأحكام من هذا ~~المعنى جملة عند الكلام على الالتفات إلى المسببات فى أسبابها ولعل الفرق ~~الضالة المذكورة فى الحديث أصل ابتداعها اتباع أهوائها دون توخي مقاصد الشرع ### || AUTO المسألة الثانية # المقاصد الشرعية ضربان مقاصد أصلية ms335 ومقاصد تابعة # فأما المقاصد الأصلية فهى التى لاحظ فيها للمكلف وهى الضروريات المعتبرة ~~فى كل ملة وإنما قلنا إنها لا حظ فيها للعبد من حيث هى ضرورية لأنها قيام ~~بمصالح عامة مطلقة لا تختص بحال دون حال ولا بصورة دون صورة ولا بوقت دون ~~وقت لكنها تنقسم إلى ضرورية عينية وإلى ضرورية كفائية فأما كونها عينية ~~فعلى كل مكلف فى نفسه فهو مأمور بحفظ دينه اعتقادا وعملا وبحفظ نفسه قياما ~~بضرورية حياته وبحفظ عقله حفظا لمورد الخطاب PageV02P176 ~~من ربه إليه وبحفظ نسله التفاتا إلى بقاء عوضه فى عمارة هذه الدار ورعيا ~~له عن وضعه فى مضيعة اختلاط الأنساب العاطفة بالرحمة على المخلوق من مائه # وبحفظ ماله استعانة على إقامة تلك الأوجه الأربعة ويدل على ذلك أنه لو ~~فرض اختيار العبد خلاف هذه الأمور لحجر عليه ولحيل بينه وبين اختياره فمن ~~هنا صار فيها مسلوب الحظ محكوما عليه فى نفسه وإن صار له فيها حظ فمن جهة ~~أخرى تابعة لهذا المقصد الأصلي # وأما كونها كفائية فمن حيث كانت منوطة بالغير أن يقوم بها على العموم فى ~~جميع المكلفين لتستقيم الأحوال العامة التى لا تقوم الخاصة إلا 2 بها إلا ~~أن هذا القسم مكمل للأول فهو لاحق به فى كونه ضروريا إذ لا يقوم العيني إلا ~~بالكفائى وذلك أن الكفائى قيام بمصالح عامة لجميع الخلق فالمأمور به من تلك ~~الجهة مأمور بما لا يعود عليه من جهته تخصيص لأنه لم يؤمر إذ ذاك بخاصة ~~نفسه فقط وإلاصار عينيا بل بإقامة الوجود وحقيقته أنه خليفة الله فىعباده ~~على حسب قدرته وما هيء له من ذلك فإن الواحد لا يقدر على إصلاح نفسه ~~والقيام بجميع أهله فضلا عن أن يقوم بقبلة فضلا عن أن يقوم بمصالح أهل ~~الأرض فجعل الله الخلق خلائف فى إقامة الضروريات العامة حتى قام الملك فى الأرض # ويدلك على أن هذا المطلوب الكفائي معرى من الحظ شرعا أن القائمين به فى ~~ظاهر الأمر ممنوعون من استجلاب الحظوظ لأنفسهم بما قاموا ms336 به من PageV02P177 ~~ذلك فلا يجوز لوال أن يأخذ أجره ممن تولاهم على ولايته عليهم ولا لقاض أن ~~يأخذ من المقضى عليه أوله أجره على قضائه ولا لحاكم على حكمه ولا لمفت على ~~فتواه ولا لمحسن على إحسانه ولا لمقرض على قرضه ولا ما أشبه ذلك من الأمور ~~العامة التى للناس فيها مصلحة عامة ولذلك امتنعت الرشا والهدايا المقصود ~~بها نفس الولاية لأن استجلاب المصلحة هنا مؤد إلى مفسدة عامة تضاد حكمة ~~الشريعة فى نصب هذه الولايات وعلى هذا المسلك يجرى العدل فى جميع الأنام ~~ويصلح النظام وعلى خلافة يجرى الجور فى الأحكام وهدم قواعد الإسلام وبالنظر ~~فيه يتبين أن العبادات العينية لا تصح الإجازة عليها ولا قصد المعاوضة فيها ~~ولا نيل مطلوب دنيوى بها وأن تركها سبب للعقاب والأدب وكذلك النظر فى ~~المصالح العامة موجب تركها للعقوبة لأن فى تركها أي مفسدة فى العالم # وأما المقاصد التابعة فهى التى روعي فيها حظ المكلف فمن جهتها يحصل له ~~مقتضى ما جبل عليه من نيل الشهوات والاستمتاع بالمباحات وسد PageV02P178 ~~الخلات وذلك أن حكمة الحكيم الخبير حكمت أن قيام الدين والدنيا إنما يصلح ~~ويستمر بدواع من قبل الإنسان تحمله على اكتساب ما يحتاج إليه هو وغيره # فخلق له شهوة الطعام والشراب إذا مسه الجوع والعطش ليحركه ذلك الباعث إلى ~~التسبب فى سد هذه الخلة بما أمكنه وكذلك خلق له الشهوة إلى النساء لتحركه ~~إلى اكتساب الأسباب الموصلة إليها وكذلك خلق له الاستضرار بالحر والبرد ~~والطوارق العارضة فكان ذلك داعية إلى اكتساب اللباس والمسكن # ثم خلق الجنة والنار وأرسل الرسل مبينة أن الاستقرار ليس ههنا وأنما هذه ~~الدار مزرعة لدار أخرى وأن السعادة الأبدية والشقاوة الأبدية هنالك لكنها ~~تكتسب أسبابها هنا بالرجوع إلى ما حده الشارع أو بالخروج عنه فأخذ المكلف ~~فى استعمال الأمور الموصلة إلى تلك الأغراض ولم يجعل له قدرة على القيام ~~بذلك وحده لضعفه عن مقاومة هذه الأمور فطلب التعاون بغيره فصار يسعى فى نفع ~~نفسه واستقامة حاله بنفع غيره فحصل ms337 الانتفاع للمجموع بالمجموع وإن كان كل ~~أحد إنما يسعى فى نفع نفسه # فمن هذه الجهة صارت المقاصد التابعة خادمة للمقاصد الأصلية ومكملة لها # ولو شاء الله لكلف بها مع الإعراض عن الحظوظ أو لكلف بها مع سلب الدواعي ~~المجبول عليها لكنه امتن على عباده بما جعله وسيلة إلى ما أراده من عمارة ~~الدنيا للآخرة وجعل الإكتساب لهذه الحظوظ مباحا لا ممنوعا لكن على قوانين ~~شرعية هي أبلغ في المصلحة وأجرى على الدوام مما يعده العبد مصلحة والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون ولو شاء لمنعنا في الإكتساب الأخروى القصد إلى الحظوظ ~~فإنه المالك وله الحجة البالغة ولكنه رغبنا في القيام بحقوقه الواجبة علينا ~~بوعد حظي لنا وعجل لنا من ذلك حظوظا كثيرة نتمتع بها في طريق ما كلفنا به # فبهذا اللحظ قيل إن هذه المقاصد توابع وإن تلك هي الأصول فالقسم الأول ~~يقتضيه محض العبودية والثاني يقتضيه لطف المالك بالعبيد PageV02P179 ### || AUTO المسألة الثالثة # قد تحصل إذا أن الضروريات ضربان # أحدهما ما كان للمكلف فيه حظ عاجل مقصود كقيام الإنسان بمصالح نفسه ~~وعياله فى الإقتيات واتخاذ السكن والمسكن واللباس وما يلحق بها من المتممات ~~كالبيوع والإجارات والأنكحة وغيرها من وجوه الإكتساب التي تقوم بها الهياكل ~~الإنسانية # والثاني ما ليس فيه حظ عاجل مقصود كان من فروض الأعيان كالعبادات البدنية ~~والمالية من الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج وما أشبه ذلك أو من ~~فروض الكفايات كالولايات العامة من الخلافة والوزارة والنقابة والعرافة ~~والقضاء وإمامة الصلوات والجهاد والتعليم وغير ذلك من الأمور التي شرعت ~~عامة لمصالح عامة إذا فرض عدمها أو ترك الناس لها انخرم النظام # فأما الأول فلما كان للانسان في حظ عاجل وباعث من نفسه يستدعيه إلى طلب ~~ما يحتاج إليه وكان ذلك الداعي قويا جدا بحيث يحمله قهرا على ذلك لم يؤكد ~~عليه الطلب بالنسبة إلى نفسه بل جعل الإحتراف والتكسب والنكاح على الجملة ~~مطلوبا طلب الندب لا طلب الوجوب بل كثيرا ما يأتي في معرض PageV02P180 ~~الإباحة كقوله وأحل الله البيع فإذا ms338 قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض ~~وابتغوا من فضل الله ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم قل من حرم زينة ~~الله التى اخرج لعباده والطيبات من الرزق كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ~~أشبه ذلك مع أن لو فرضنا أخذ الناس له كأخذ المندوب بحيث يسعهم جميعا الترك ~~لأثموا لأن العالم لا يقوم إلا بالتدبير والإكتساب فهذا من الشارع كالحوالة ~~على ما في الجبلة من الداعي الباعث على الإكتساب حتى إذا لم يكن فيه حظ أو ~~جهة نازع طبعي أوجبه الشرع عينا أو كفاية كما لو فرض هذا في نفقة الزوجات ~~والأقارب وما أشبه ذلك # فالحاصل أن هذا الضرب قسمان قسم يكون القيام باالمصالح فيه بغير واسطة ~~كقيامه بمصالح نفسه مباشرة وقسم يكون القيام بالمصالح فيه بواسطة الحظ في ~~الغير كالقيام بوظائف الزوجات والأولاد والإكتساب بما للغير فيه مصلحة ~~كالإجارات والكراء والتجارة وسائر وجوه الصنائع والإكتساب # فالجميع يطلب الإنسان بها حظه فيقوم بذلك حظ الغير خدمة دائرة بين الخلق ~~كخدمة بعض أعضاء الإنسان بعضا حتى تحصل المصلحة للجميع # ويتأكد الطلب فيما فيه حظ الغير على طلب حظ النفس المباشر وهذه حكمة ~~بالغة ولما كان النظر هكذا وكانت جهة الداعي كالمتروكة إلى ما يقتضيه وكان ~~ما يناقض الداعي ليس له خادم بل هو على الضد من ذلك أكدت PageV02P181 ~~جهة الكف هنا بالزجر والتأديب في الدنيا والإبعاد بالنار في الآخرة كالنهي ~~عن قتل النفس والزنى والخمر وأكل الربا وأكل أموال اليتامى وغيرهم من الناس ~~بالباطل والسرقة وأشباه ذلك فإن الطبع النازع إلى طلب مصلحة الإنسان ودرء ~~مفسدته يستدعي الدخول في هذه الأشياء # وعلى هذا الحد جرى الرسم الشرعي في قسم الكفاية من الضرب الثاني أو أكثر ~~أنواعه فإن عز السلطان وشرف الولايات ونخوة الرياسة وتعظيم المأمورين للآمر ~~مما جبل الإنسان على حبه فكان الأمر بها جاريا مجرى الندب لا الإيجاب بل ~~جاء ذلك مقيدا بالشروط المتوقع خلافها وأكد النظر في مخالفة الداعي فجاء ~~كثير من الآيات والأحاديث في النهي عما تنزع ms339 إليه النفس فيها كقوله تعالى ~~يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله إلى آخرها وفي الحديث # لا تطلب الإمارة فإنك إن طلبتها باستشراف نفس وكلت إليها أو كما قال وجاء ~~النهي عن غلوم الأمراء وعن عدم النصح في الإمارة لما كان هذا كله على خلاف ~~الداعي من النفس ولم يكن هذا كله دليلا على عدم الوجوب في الأصل بل الشريعة ~~كلها دالة على أنها في مصالح الخلق من أوجب الواجبات PageV02P182 ~~وأما قسم الأعيان فلما لم يكن فيه حظ عاجل مقصود اكد القصد إلى فعله ~~بالإيجاب ونفيه بالتحريم وأقيمت عليه العقوبات الدنيوية وأعني بالحظ ~~المقصود ما كان مقصود الشارع بوضعه السبب فإنا نعلم أن الشارع شرع الصلاة ~~وغيرها من العبادات لا لنحمد عليها ولا لننال بها في الدنيا شرفا وعزا أو ~~شيئا من حطامها فإن هذا ضد ما وضعت له العبادات بل هي خالصة لله رب ~~العالمين ألا لله الدين الخالص وهكذا شرعت أعمال الكفاية لا لينال بها عز ~~السلطان ونخوة الولاية وشرف الأمر والنهي وإن كان قد يحصل ذلك بالتبع فإن ~~عز المتقي لله في الدنيا وشرفه على غيره لا ينكر وكذلك ظهور العزة في ~~الولايات موجود معلوم ثابت شرعا من حيث يأتي تبعا للعمل المكلف به وهكذا ~~القيام بمصالح الولاة من حيث لا يقدح في عدالتهم حسبما حده الشارع غير منكر ~~ولا ممنوع بل هو مطلوب متأكد فكما يجب على الوالي القيام بمصالح العامة ~~فعلى العامة القيام بوظائفه من بيوت أموالهم إن احتاج إلى ذلك وقد قال ~~تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك الآية وقال ~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وفي الحديث # من طلب العلم تكفل الله برزقه إلى غير ذلك مما يدل على أن قيام المكلف ~~بحقوق الله سبب لإنجاز ما عند الله من الرزق ### || AUTO فصل # فقد تحصل من هذا أن ما ليس فيه للمكلف ms340 حظ بالقصد الأول يحصل له فيه PageV02P183 ~~حظه بالقصد الثاني من الشارع وما فيه للمكلف حظ بالقصد الأول يحصل فيه ~~العمل المبرأ من الحط # وبيان ذلك في الأول ما ثبت في الشريعة أولا من حظ نفسه وماله وما وراء ~~ذلك من احترام أهل التقوى والفضل والعدالة وجعلهم عمدة في الشريعة في ~~الولايات والشهادات وإقامةالمعالم الدينية وغير ذلك زائدا إلى ما جعل لهم ~~من حب الله وحب أهل السموات لهم ووضع القبول لهم في الأرض حتى يحبهم الناس ~~ويكرمونهم ويقدمونهم على أنفسهم وما يخصون به من انشراح الصدور وتنوير ~~القلوب وإجابة الدعوات والإتحاف بأنواع الكرامات وأعظم من ذلك ما في الحديث ~~مسندا إلى رب العزة # من آذى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة # وأيضا فإذا كان من هذا وصفه قائما بوظيفة عامة لا يتفرغ بسببها لأموره ~~الخاصة به في القيام بمصالحه ونيل حظوظه وجب على العامة أن يقوموا له بذلك ~~ويتكفلوا له بما يفرغ باله للنظر في مصالحهم من بيوت أموالهم المرصدة ~~لمصالحهم إلى ما أشبه ذلك مما هو راجع إلى نيل حظه على الخصوص فأنت تراه لا ~~يعرى عن نيل حظوظه الدنيوية في طريق تجرده عن حظوظه وماله في الآخرة من ~~النعيم أعظم # وأما الثاني فإن اكتساب الإنسان لضرورياته في ضمن قصده إلى المباحات التي ~~يتنعم بها ظاهر فإن أكل المستلذات ولباس اللينات وركوب الفارهات ونكاح ~~الجميلات قد تضمن سد الخلات والقيام بضرورة الحياة وقد مر أن إقامة الحياة ~~من حيث هو ضروري لاحظ فيه PageV02P184 ~~وأيضا فإن في اكتسابه بالتجارات وأنواع البياعات والإجارات وغير ذلك مما ~~هو معاملة بين الخلق قياما بمصالح الغير وإن كان في طريق الحظ فليس فيه من ~~حيث هو حظ له يعود عليه منه غرض إلا من جهة ما هو طريق إلى حظه وكونه طريقا ~~ووسيلة غير كونه مقصودا في نفسه وهكذا نفقته على أولاده وزوجته وسائر من ~~يتعلق به شرعا من حيوان عاقل وغير عاقل وسائر ما يتوسل به إلى الحظ المطلوب ~~والله أعلم # فصل # وإذا نظرنا ms341 إلى العموم والخصوص في اعتبار حظوظ المكلف بالنسبة إلى قسم ~~الكفاية وجدنا الأعمال ثلاثة أقسام # قسم لم يعتبر فيه حظ المكلف بالقصد الأول على حال وذلك الولايات العامة ~~والمناصب العامة للمصالح العامة # وقسم اعتبر فيه ذلك وهو كل عمل كان فيه مصلحة الغير فى طريق مصلحة ~~الإنسان فى نفسه كالصناعات والحرف العادية كلها وهذا القسم فى الحقيقة راجع ~~إلى مصلحة الإنسان واستجلابه حظه فى خاصة نفسه وإنما كان استجلاب المصلحة ~~العامة فيه بالعرض # وقسم يتوسط بينهما فيتجاذبه قصد الحظ ولحظ الأمر الذى لاحظ فيه وهذا ظاهر ~~فى الأمور التى لم تتمحض فى العموم وليست خاصة ويدخل تحت هذا ولاية أموال ~~الأيتام والأحباس والصدقات والأذان وما أشبه ذلك فإنها من حيث العموم يصح ~~فيها التجرد من الحظ ومن حيث الخصوص وأنها كسائر الصنائع الخاصة بالإنسان ~~فى الاكتساب يدخلها الحظ ولا تنافض فى هذا فإن جهة الأمر بلاحظ غير وجه ~~الحظ فيؤمر انتدابا أن يقوم به PageV02P185 ~~لحظ ثم يبذل له الحظ فى موطن ضرورة أو غير ضرورة حين لا يكون ثم قائم ~~بالانتداب وأصل ذلك فى والي مال اليتيم قوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف ~~ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف وانظر ما قاله العلماء فى أجرة القسام ~~والناظر فى الأحباس والصدقات الجارية وتعليم العلوم على تنوعها ففى ذلك ما ~~يوضح هذا القسم ### || AUTO المسألة الرابعة # ما فيه حظ العبد محضا من المأذون فيه يتأتى تخليصه من الحظ فيكون العمل ~~فيه لله تعالى خالصا فإنه من قبيل ما أذن فيه أو أمر به فإذا تلقى الإذن ~~بالقبول من حيث كان المأذون فيه هدية من الله للعبد صار مجردا من الحظ كما ~~أنه إذا لبى الطلب بالإمتثال من غير مراعاة لما سواه تجرد عن الحظ وإذا ~~تجرد من الحظ ساوى ما لا عوض عليه شرعا من القسم الأول الذى لاحظ فيه للمكلف # وإذا كان كذلك فهل يلحق به فى الحكم لما صار ملحقا به فى القصد هذا PageV02P186 ~~مما ينظر فيه ويحتمل وجهين من النظر ms342 # أحدهما أن يقال إنه يرجع فى الحكم إلى ما ساواه فى القصد لأن قسم الحظ ~~هنا قد صار عين القسم الأول بالقصد وهو القيام بعبادة من العبادات مختصة ~~بالخلق فى إصلاح أقواتهم ومعايشهم أو صار صاحبه على حظ من منافع الخلق يشبه ~~الخزان على أموال بيوت الأموال والعمال فى أموال الخلق فكما لا ينبغي لصاحب ~~القسم الأول أن يقبل من أحد هدية ولا عوضا على ما ولى عليه ولا على ما تعبد ~~به كذلك ههنا لا ينبغى له أن يزيد على مقدار حاجته يقتطعه من تحت يده كما ~~يقتطع الوالي ما يحتاج إليه من تحت يده بالمعروف وما سوى ذلك يبذله من غير ~~عوض إما بهدية أو صدقة أو إرفاق أو إعراء أو ما أشبه ذلك أو يعد نفسه فى ~~الأخذ كالغير يأخذ الغير لأنه لما صار كالوكيل على PageV02P187 ~~غيره والقيم بمصالح عد نفسه مثل ذلك الغير لأنها نفس مطلوب إحياؤها ~~علىالجملة # ومثل هذا محكى التزامه عن كثير من الفضلاء بل هو محكى عن الصحابة ~~والتابعين رضى الله عنهم فإنهم كانوا فى الاكتساب ماهرين ودائبين ومتابعين ~~لأنواع الاكتسابات لكن لا ليدخروا لأنفسهم ولا ليحتجنوا أموالهم بل ~~لينفقوها فى سبيل الخيرات ومكارم الأخلاق وما ندب الشرع إليه وما حسنته ~~العوائد الشرعية فكانوا في أموالهم كالولاة على بيوت الأموال وهم فى كل ذلك ~~على درجات حسبما تنصه أخبارهم فهذا وجه يقتضى أنهم لما صاروا عاملين لغير ~~حظ عاملوا هذه الأعمال معاملة ما لاحظ فيه ألبتة # ويدل على أن هذا مراعى على الجملة وإن قلنا بثبوت الحظ أن طلب الإنسان ~~لحظه حيث أذن له لا بد فيه من مراعاة حق الله وحق المخلوقين فإن طلب الحاجة ~~إذا كان مقيدا بوجود الشروط الشرعية وانتقاء الموانع الشرعية ووجود الأسباب ~~الشرعية على الإطلاق والعموم وهذا كله لاحظ فيه للمكلف من حيث هو مطلوب به ~~فقد خرج فى نفسه عن مقتضى حظه ثم إن معاملة الغير فى طريق حظ النفس تقتضي ~~ما أمر به من الإحسان إليه ms343 فى المعاملة والمسامحة فى المكيال والميزان ~~والنصيحة على الإطلاق وترك الغش كله وترك المغابنة غبنا يتجاوز الحد ~~المشروع وأن لا تكون المعاملة عونا له على ما يكره شرعا فيكون طريقا إلى ~~الإثم والعدوان إلى غير ذلك من الأمور التى لا تعود على طالب حظه بحظ أصلا ~~فقد آل الأمر فى طلب الحظ إلى عدم الحظ PageV02P188 ~~هذا والإنسان بعد فى طلب حظه قصدا فكيف إذا تجرد عن حظه فى أعماله فكما لا ~~يجوز له أخذ عوض على تحري المشروع فى الأعمال لا بالنسبة إلى العبادات ولا ~~إلى العادات وهو مجمع عليه فكذلك فيما صار بالقصد كذلك وأيضا فإن فرض هذا ~~القصد لا يتصور مع فرض طلب الحظ وإذا كان كذلك فهي داخلة فى حكم ما لا يتم ~~الواجب إلا به فإن ثبت أنه مطلوب بما يقتضى سلب الحظ فهو مطلوب بما لا يتم ~~ذلك المطلوب إلا به سواء علينا أقلنا إنه مطلوب به طلبا شرعيا أم لا فحكمه ~~على الجملة لا يعدو أن يكون حكم ما ليس فيه حظ ألبتة وهذا ظاهر فالشارع قد ~~طلب النصيحة مثلا طلبا PageV02P189 ~~جازما بحيث جعله الشارع عمدة الدين بقوله صلى الله عليه وسلم # الدين النصيحة وتوعد على تركه فى مواضع فلو فرضنا توقفها على العوض أو حظ ~~عاجل لكانت موقوفة على اختيار الناصح والمنصوح وذلك يؤدي إلى أن لا يكون ~~طلبها جازما وأيضا الإيثار مندوب إليه ممدوح فاعله فكونه معمولا به على عوض ~~لا يتصور أن أن يكون إيثارا لأن معنى الإيثار تقديم حظ الغير على حظ النفس ~~وذلك لا يكون مع طلب العوض العاجل وهكذا سائر المطلوبات العادية والعبادية ~~فهذا وجه نظري فى المسألة يمكن القول بمقتضاه # والوجه الثانى أن يقال أنه يرجع فى الحكم إلى أصله من الحظ لأن الشارع قد ~~أثبت لهذا العامل حظه فى عمله وجعله المقدم على غيره حتى إنه إن أراد أن ~~يستبد بجميعه كان سائغا وكان له أن يدخره لنفسه أو يبذله لمصلحة نفسه فى ~~الدنيا أو فى ms344 الآخرة فهى هدية الله إليه فكيف لا يقبلها وهو إن أخذها ~~بالإذن وعلى مقتضى حدود الشرع فإنما أخذ ما جعل له فيه حظ ومن حيث جعل له ~~وبالقصد الذى أبيح له القصد إليه وأيضا فالحدود الشرعية وإن لم يكن له فى ~~العمل بمقتضاها حظ فهى وسيلة وطريق إلى حظه فكما لم يحكم للمقصد بحكم ~~الوسيلة فيما تقدم قبل هذه المسألة من أخذ الإنسان ما ليس PageV02P190 ~~له فى العمل به حظ لأنه وسيلة إلى حظه كالمعاوضات فكذلك لا يحكم هنا ~~للمأذون فيه من الحظ بحكم ما توسل به إليه # وقد وجدنا من السلف الصالح رحمهم الله كثيرا يدخرون الأموال لمصالح ~~أنفسهم ويأخذون فى التجارة وغيرها بمقدار ما يحتاجون إليه فى أنفسهم خاصة ~~ثم يرجعون إلى عبادة ربهم حتى إذا نفد ما اكتسبوه عادوا إلى الاكتساب # ولم يكونوا يتخذون التجارة أو الصناعة عبادة لهم على ذلك الوجه بل كانوا ~~يقتصرون على حظوظ أنفسهم وإن كانوا إنما يفعلون ذلك من حيث التعفف والقيام ~~بالعبادة فذلك لا يخرجهم عن زمرة الطالبين لحظوظهم # وما ذكر أولا عن السلف الصالح ليس بمتعين فيما تقدم لصحة حمله على أن ~~المقصود بذلك التصرف حظوظ أنفسهم من حيث أثبتها الشارع لهم فيعملون فى ~~دنياهم على حسب ما يسعهم من الحظوظ ويعملون في أخراهم كذلك فالجميع مبني ~~على إثبات الحظوظ وهو المطلوب وإنما الغرض أن تكون الحظوظ مأخوذة من جهة ~~مما حد الشارع من غير تعد يقع في طريقها # وأيضا فإنما حدث الحدود في طريق الحظ أن لا يخل الإنسان بمصلحة غيره ~~فيتعدى ذلك إلى مصلحة نفسه فإن الشارع لم يضع تلك الحدود إلا لتجري المصالح ~~على أقوم سبيل بالنسبة إلى كل أحد في نفسه ولذلك قال تعالى من عمل صالحا ~~فلنفسه ومن أساء فعليها وذلك عام في أعمال الدنيا والآخرة PageV02P191 ~~وقال فمن نكث فإنما ينكث على نفسه وفي أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~ذكر الظلم وتحريمه # يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ولا ms345 يختص مثل هذا ~~بالآخرة دون الدنيا ولذلك كانت المصائب النازلة بالإنسان بسبب ذنوبه لقوله ~~وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم وقال فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ~~بمثل ما اعتدى عليكم # والأدلة على هذا تفوت الحصر فالإنسان لا ينفك عن طلبه حظه في هذه الأمور ~~التي هي طريق إلى نيل حظه وإذا ثبت هذا تبين أن هذا القسم لا يساوي الأول ~~في امتناع الحظوظ العاجلة جملة # وقد يمكن الجمع بين الطريقين وذلك أن الناس في أخذ حظوظهم على مراتب # منهم من لا يأخذها إلا بغير تسببه فيعمل العمل أو يكتسب الشئ فيكون فيه ~~وكيلا على التفرقة على خلق الله بحسب ما قدر ولا يدخر لنفسه من ذلك شيئا بل ~~لا يجعل من ذلك حظا لنفسه من الحظوظ إما لعدم تذكره لنفسه لاطراح حظها حتى ~~يصير عنده من قبيل ما ينسى وإما قوة يقين بالله لأنه عالم به وبيده ملكوت ~~السموات والأرض وهو حسبه فلا يخيبه أو عدم التفات إلى حطه يقينا بأن رزقه ~~على الله فهو الناظر له بأحسن مما ينظر لنفسه أو أنفة من الإلتفات إلى حظه ~~مع حق الله تعالى أو لغير ذلك من المقاصد الواردة على أصحاب الأحوال وفي ~~مثل هؤلاء جاء ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة PageV02P192 ~~وقد نقل عن عائشة رضى الله عنها أن ابن الزبير بعث لها بمال فى غرارتين ~~قال الرواى أراه ثمانين ومائة ألف فدعت بطبق وهى يومئذ صائمة فجعلت تقسمه ~~بين الناس فأمست وما عندها من ذلك درهم فلما أمست قالت يا جارية هلمى أفطري ~~فجاءتها بخبز وزيت فقيل لها أما استطعت فيما قسمت أن تشتري بدرهم لحما ~~تفطرين عليه فقالت لا تعنينى لو كنت ذكرتنى لفعلت # وخرج مالك أن مسكينا سأل عائشة وهى صائمة وليس فى بيتها إلا رغيف فقالت ~~لمولاه لها أعطيه إياه فقالت ليس لك ما تفطرين عليه فقالت أعطيه إياه قالت ~~ففعلت فما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو انسان ما يهدى لنا شاة وكفنها فدعتنى ms346 ~~عائشة فقالت كلي من هذا هذا خير من قرصك وروى عنها أنها قسمت سبعين ألفا ~~وهى ترقع ثوبها وباعت ما لها بمائة ألف وقسمته ثم أفطرت على خبز الشعير ~~وهذا يشبه الوالي على بعض المملكة فلا يأخذ إلا من الملك لأنه قام له ~~اليقين بقسم الله وتدبيره مقام تدبيره لنفسه ولا اعتراض على هذا المقام بما ~~تقدم فإن صاحبه يرى تدبير الله له خيرا من تدبيره لنفسه # فإذ دبر لنفسه انحط عن رتبته إلى ما هو دونها وهؤلاء هم أرباب الأحوال ~~ومنهم من يعد نفسه كالوكيل على مال اليتيم إن استغنى استعف وإن احتاج أكل ~~بالمعروف وما عدا ذلك صرفه كما يصرف مال اليتيم فى منافعه فقد يكون فى ~~الحال غنيا عنه فينفقه حيث يجب الإنفاق ويمسكه حيث يجب الإمساك وإن احتاج ~~أخذ منه مقدار كفايته بحسب ما أذن له من غير إسراف ولا إقتار وهذا أيضا ~~براءة من الحظوظ فى ذلك الإكتساب فإنه لو أخذ بحظه لحابى نفسه دون غيره وهو ~~لم يفعل بل جعل نفسه كآحاد الخلق فكأنه قسام فى الخلق يعد نفسه واحدا منهم PageV02P193 ~~وفى الصحيح عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # إن الأشعريين إذا أرملوا فى الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما ~~كان عندهم فى ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم فى إناء واحد فهم مني وأنا منهم ~~وفى حديث المواخاة بين المهاجرين والأنصار هذا وقد كان عليه الصلاة والسلام ~~يفعل فى مغازيه من هذا ما هو مشهور فالإيثار بالحظوظ محمود غير مضاد لقوله ~~عليه الصلاة والسلام # ابدأ بنفسك ثم بمن تعول بل يحمل على الإستقامة فى حالتين PageV02P194 ~~فهؤلاء والذين قبلهم لم يقيدوا أنفسهم بالحظوظ العاجلة وما أخذوا لأنفسهم ~~لا يعد سعيا فى حظ إذ للقصد إليه أثر ظاهر وهو أن يؤثر الإنسان نفسه على ~~غيره ولم يفعل هنا ذلك بل آثر غيره على نفسه أو سوى نفسه مع غيره # وإذا ثبت ذلك كان هؤلاء برءآء من الحظوظ كأنهم عدوا ms347 أنفسهم بمنزلة من لم ~~يجعل له حظ وتجدهم فى الإجارات والتجارات لا يأخذون إلا بأقل ما يكون من ~~الربح أو الأجرة حتى يكون ما حاول أحدهم من ذلك كسبا لغيره لا له # ولذلك بالغوا فى النصيحة فوق ما يلزمهم لأنهم كانوا وكلاء للناس لا ~~لأنفسهم # فأين الحظ هنا بل كانوا يرون المحاباة لأنفسهم وإن جازت كالغش لغيرهم # فلا شك أن هؤلاء لاحقون حكما بالقسم الأول بإلزامهم أنفسهم لا باللزوم ~~الشرعي الواجب ابتداء # ومنهم من لم يبلغ مبلغ هؤلاء بل أخذوا ما أذن لهم فيه من حيث الإذن ~~وامتنعوا مما منعوا منه واقتصروا على الانفاق فى كل ما لهم إليه حاجة فمثل ~~هؤلاء بالإعتبار المتقدم أهل حظوظ لكن مأخوذة من حيث يصح أخذها # فإن قيل فى مثل هذا إنه تجرد عن الحظ فإنما يقال من جهة أنهم لم يأخذوها ~~بمجرد أهوائهم تحرزا ممن يأخذها غير ملاحظ للأمر والنهي وهذا هو الحظ ~~المذموم إذا لم يقف دون ما حد له بل تجرأ كالبهيمة لا تعرف غير المشي فى ~~شهواتها ولا كلام فى هذا وإنما الكلام فى الأول وهو لم يتصرف إلا لنفسه فلا ~~يجعل فى حكم الوالى على المصالح العامة على المسلمين بل هو وال على مصلحة ~~نفسه وهو من هذا الوجه ليس بوال عام والولاية العامة هى المبرأة من الحظوظ ~~فالصواب والله أعلم أن أهل هذا القسم معاملون حكما بما قصدوا من استيفاء ~~الحظوظ فيجوز لهم ذلك بخلاف القسمين الأولين وهما من لا يأخذ بتسبب أو يأخذ ~~به لكن على نسبة القسمة ونحوها PageV02P195 ### || AUTO المسألة الخامسة # العمل إذا وفق المقاصد الشرعية فإنما على المقاصد الأصلية أو المقاصد ~~التابعة وكل قسم من هذين فيه نظر وتفريع فلنضع فى كل قسم مسألة # فإذا وقع على مقتضى المقاصد الأصلية بحيث راعاها فى العمل فلا إشكال فى ~~صحته وسلامته مطلقا فيما كان بريئا من الحظ وفيما روعي فيه الحظ لأنه مطابق ~~لقصد الشارع فى أصل التشريع إذ تقدم أن المقصود الشرعي فى التشريع إخراج ~~المكلف ms348 عن داعيه هواه حتى يكون عبدا لله وهذا كاف هنا # وينبنى عليه قواعد وفقه كثير # من ذلك أن المقاصد الأصلية إذا روعيت أقرب إلى إخلاص العمل وصيرورته ~~عبادة وأبعد عن مشاركة الحظوظ التى تغبر فى وجه محض العبودية # وبيان ذلك أن حظ الإنسان ليس بواجب أن يراعيه من حيث هو حظه على قولنا إن ~~إثبات الشرع له وإباحة الالتفات إليه إنما هو مجرد تفضل امتن الله به إذ ~~ليس بواجب على الله مراعاة مصالح العبيد وهو أيضا جار على القول بالوجوب ~~العقلي فمجرد قصد الإمتثال للأمر والنهي أو الأذن كاف فى PageV02P196 ~~حصول كل غرض فى التوجه إلى مجرد خطاب الشارع فالعامل على وفقه ملبيا له ~~برىء من الحظ وفعله واقع على الضروريات وما حولها ثم يندرج حظه فى الجملة ~~بل هو المقدم شرعا على الغير # فإذا اكتسب الإنسان امتثالا للأمر أو اعتبارا بعلة الأمر وهوالقصد إلى ~~إحياء النفوس على الجملة وإماطة الشرور عنها كان هو المقدم شرعا # ابدأ بنفسك ثم بمن تعول أو كان قيامه بما قام به قياما بواجب مثلا # ثم نظره فى ذلك الواجب قد يقتصر على بعض النفوس دون بعض كمن يقصد القيام ~~بحياة نفسه من حيث هو مكلف بها أو بحياة من تحت نظره وقد يتسع نظره فيكتسب ~~ليحي به من شاء الله وهذا أعم الوجوه وأحمدها وأعودها بالأجر لأن الأول قد ~~يفوته فيه أمور كثيرة وتقع نفقته حيث لم يقصد ويقصد غير ما كسب وإن كان لا ~~يضره أنه لم يكل التدبير إلى ربه وأما الثانى فقد جعل قصده وتصرفه فى يد من ~~هو على كل شىء قدير وقصد أن ينتفع بيسيره عالم كبير لا يقدر على حصره وهذا ~~غاية فى التحقق بإخلاص العبودية ولا يفوته من حظه شىء # بخلاف مراعاة المقاصد التابعة فقد يفوته معها جل هذا أو جميعه لأنه إنما ~~يراعى مثلا زوال الجوع أو العطش أو البرد أو قضاء الشهوة أو التلذذ بالمباح ~~مجردا عن غير ذلك وهذا وإن كان جائزا فليس ms349 بعبادة ولا روعي فيه قصد PageV02P197 ~~الشارع الأصلي وهو منجر معه ولو روعي قصد الشارع لكان العمل امتثالا فيرجع ~~إل التعلق بمقتضى الخطاب كما تقدم فإذا لم يراع لم يبق إلا مراعاة الحظ ~~خاصة هذا وجه # ووجه ثان أن المقاصد الأصلية راجعة إما إلى مجرد الأمر والنهي من غير نظر ~~فى شىء سوى ذلك وهو بلا شك طاعة للأمر وامتثال لما أمر لا داخله فيه وإما ~~إلى ما فهم من الأمر من أنه عبد استعمله سيده فى سخرة عبيدة فجعله وسيلة ~~وسببا إلى وصول حاجاتهم إليهم كيف يشاء وهذا أيضا لا يخرج عن اعتبار مجرد ~~الأمر فهو عامل بمحض العبودية مسقط لحظه فيها فكأن السيد هو القائم له بحظه ~~بخلاف العامل لحظة فإنه لما لم يقم بذلك من حيث مجرد الأمر ولا من حيث فهم ~~مقصود الأمر ولكنه قام به من جهة استجلاب حظه أو حظ من له فيه حظ فهو إن ~~امتثل الأمر فمن جهة نفسه PageV02P198 ~~فالإخلاص على كما له مفقود فى حقه والتعبد بذلك العمل منتف وإن لم يمتثل ~~الأمر فذلك أوضح فى عدم القصد إلى التعبد فضلا عن أن يكون مخلصا فيه وقد ~~يتخذ الأمر والنهي عاديين لا عباديين إذا غلب عليه طلب حظه وذلك نقص ووجه ~~ثالث وهو أن القائم على المقاصد الأول قائم بعبء ثقيل جدا وحمل كبير من ~~التكليف لا يثبت تحته طالب الحظ فى الغالب بل يطلب حظه بما هو أخف وسبب ذلك ~~أن هذا الأمر حالة داخلة على المكلف شاء أو أبى يهدى الله إليها من اختصه ~~بالتقريب من عباده ولذلك كانت النبوة أثقل الأحمال وأعظم التكاليف وقد قال ~~تعالى إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا فمثل هذا لا يكون إلا مع اختصاص زائد ~~بخلاف طالب الحظ فإنه عامل بنفسه وغير مستويين فاعل بربه وفاعل بنفسه ~~فالأول محمول والثانى عامل بنفسه فلذلك فلما تجد صاحب حظ يقوم بتكليف شاق ~~فإن رأيت من يدعي تلك الحال فاطلبه بمطالب أهل ذلك المقام فإن أوفي به فهو ms350 ~~ذاك وإلا علمت أنه متقول قلما يثبت عند ما ادعى وإذا ثبت أن صاحب المقاصد ~~الأول محمول فذلك أثر من آثار الإخلاص وصاحب الحظ ليس بمحمول ذلك الحمل إلا ~~بمقدار ما نقص عنده حظه فإذا سقط حظه ثبت قصده فى المقاصد الأول وثبت له ~~الإخلاص وصارت أعماله عبادات # فإن قيل فنحن نرى كثيرا ممن يسعى فى حظه وقد بلغ الرتبة العليا فى أهل ~~الدين بل قد جاء عن سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب الطيب ~~والنساء والحلواء والعسل وكان تعجبه الذراع ويستعذب له الماء وأشباه ذلك PageV02P199 ~~مما هو اتباع لحظ النفس إذا كان لا يمتنع مما يشتهيه من الحلال بل كان ~~يستعمله # إذا وجده وقد بلغ الرتبة العليا فى أهل الدين وهو أتقى الخلق وأزكاهم ~~وكان خلقه القرآن فهذا فى هذا الطرف ونرى أيضا كثيرا ممن يسقط حظ نفسه ~~ويعمل لغيره أو فى مصالح العباد بمقتضى ما قدر عليه صادقا فى عمله ومع ذلك ~~فليس له فى الآخرة من خلاق ككثير من رهبان النصارى وغيرهم ممن تزهد وانقطع ~~عن الدنيا وأهلها ولم يلتفت إليها ولا أخطرها بباله واتخذ العبادة والسعي ~~فى حوائج الخلق دأبا وعادة حتى صار فى الناس آية وكل ما يعمله مبني على ~~باطل محض وبين هذين الطرفين وسائط لا تحصى تقرب من الفريقين # فالجواب من وجهين # أحدهما أن ما زعمت ظواهر وغائبات الأمور قد لا تكون معلومة # فانظر ما قاله الإسكاف فى فوائد الأخبار فى قوله عليه الصلاة والسلام # حبب إلى من دنياكم ثلاث يلح لك من ذلك المطلع خلاف ما توهمت من طلب الحظ ~~الصرف إلى طلب الحق الصرف ويدل عليه أنه جعل من الثلاث الصلاة وهى أعلى ~~العبادات بعد الإيمان وهكذا يمكن أن يقال فى سواها # وأيضا فإنه لا يلزم من حب الشىء أن يكون مطلوبا بحظ لأن الحب أمر باطن لا ~~يملك وإنما ينظر فيما ينشأ عنه من الأعمال فمن أين لك أنه كان كان عليه ~~الصلاة والسلام يتناول تلك الأشياء ms351 لمجرد الحظ دون أن يتناوله من حيث الأذن ~~وهذا هو عين البراءة من الحظ وإذا تبين هذا فى القدوة الأعظم صلى الله عليه ~~وسلم تبين نحوه فى كل مقتدى به ممن اشتهرت ولايته # وأما الكلام عن الرهبان فلا نسلم أنها مجردة من الحظ بل هى عين الحظ ~~واستهلاك فى هوى النفس لأن الإنسان قد يترك حظه فى أمر إلى حظ هو أعلى منه ~~كما ترى الناس يبذلون المال فى طلب الجاه لأن حظ النفس فى الجاه أعلى PageV02P200 ~~ويبذلون النفوس فى طلب الرياسة حتى يموتوا فى طريق ذلك وهكذا الرهبان قد ~~يتركون لذات الدنيا للذة الرياسة والتعظيم فإنها أعلى وحظ الذكر والتعظيم ~~والرياسة والإحترام والجاه القائم فى الناس من أعظم الحظوظ التى يستحقر ~~متاع الدنيا فى جنبها وذلك أول منهى فى مسألتنا فلا كلام فيمن هذا شأنه # ولذلك قالوا حب الرياسة آخر ما يخرج من رءوس الصديقين وصدقوا # والثانى أن طلب الحظوظ قد يكون مبرءا من الحظوظ وقد لا يكون كذلك والفرق ~~بينهما أن الباعث على طلبه أولا إما أن يكون أمر الشارع أولا فإن كان أمر ~~الشارع فهو الحظ المبرأ المنزه لأن نفسه عنده تنزلت منزلة غيره فكما يكون ~~فى مصالح غيره مبرءا عن الحظ كذلك يكون فى مصالح نفسه وذلك بمقتضى القصد ~~الأول وهذا شأن من ذكر فى السؤال ولا يعد مثل هذا حظا ولا سعيا فيه بحسب ~~القصد لأن القصد التابع إذا كان الباعث عليه القصد الأصلى كان فرعا من ~~فروعه فله حكمه فأما إن لم يرتبط بالقصد الأول فإنه سعى فى الحظ وليس ما ~~نحن فيه هكذا # وأما شأن الرهبان ومن أشبههم فقد يتفق لهم هذه الحالة وإن كانت فاسدة ~~الوضع فينقطعون فى الصوامع والديارات ويتركون الشهوات واللذات ويسقطون ~~حظوظهم فى التوجه إلى معبودهم ويعملون فى ذلك غاية ما يمكنهم من وجوه ~~التقرب إليه وما يظنون أنه سبب إليه ويعاملونه فى الخلق وفى أنفسهم حسبما ~~يفعله المحق فى الدين حرفا بحرف ولا أقول إنهم غير مخلصين بل ms352 هم مخلصون إلى ~~من عبدوا ومتوجهون صدقا إلى ما عاملوا إلا أن كل ما يعملون مردود عليهم لا ~~ينفعهم الله بشىء منه فى الآخرة لأنهم بنوا على غير أصل وجوه يومئذ خاشعة ~~عامله ناصبة تصلى نارا حامية والعياذ بالله # ودونهم فى ذلك أهل البدع والضلال من أهل هذه الملة وقد جاء فى الخوارج PageV02P201 ~~ما عملت من قوله عليه الصلاة والسلام في ذي الخويصرة # دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم الحديث ~~فأخبر أن لهم عبادة تستعظم وحالا يستحسن ظاهرة لكنه مبني على غير أصل فلذلك ~~قال فيهم يمرقون من الذين كما يمرق السهم من الرمية وأمر عليه الصلاة ~~والسلام بقتلهم ويوجد في أهل الأهواء من هذا كثير وعلى الجملة فالإخلاص في ~~الإعمال إنما يصح خلوصه مع إطرار الحظوظ لكنه إن كان مبنيا على أصل صحيح ~~كان منجيا عند الله وإن كان على أصل فاسد فبالضد ويتفق هذا كثير فى أهل ~~المحبة فمن طالع أحوال المحبين رأى اطراح الحظوظ وإخلاص الأعمال لمن أحبوا ~~على أتم الوجوه التى تتهيأ من الإنسان فإذا قد ظهر أن البناء على المقاصد ~~الأصلية أقرب إلى الإخلاص وأن المقاصد التابعة أقرب إلى عدمه ولا أنفيه ### || AUTO فصل # ويظهر من هنا أيضا أن البناء على المقاصد الأصلية يصير تصرفات المكلف ~~كلها عبادات كانت من قبيل العبادات أو العادات لأن المكلف إذا فهم مراد ~~الشارع من قيام أحوال الدنيا وأخذ في العمل على مقتضى ما فهم فهو إنما يعمل ~~من حيث طلب منه العمل ويترك إذا طلب منه الترك فهو أبدا فى إعانة الخلق على ~~ما هم عليه من إقامة المصالح باليد واللسان والقلب PageV02P202 ~~أما باليد فظاهر فى وجوه الإعانات # وأما باللسان فبالوعظ والتذكير بالله أن يكونوا فيما هم عليه مطيعين لا ~~عاصين وتعليم ما يحتاجون إليه فى ذلك من إصلاح المقاصد والأعمال وبالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وبالدعاء بالإحسان لمحسنهم والتجاوز عن مسيئهم # وبالقلب لا يضمر لهم شرا بل يعتقد لهم الخير ويعرفهم ms353 بأحسن الأوصاف التى ~~اتصفوا بها ولو بمجرد الإسلام ويعظمهم ويحتقر نفسه بالنسبة إليهم إلى غير ~~ذلك من الأمور القلبية المتعلقة بالعباد # بل لا يقتصر فى هذا على جنس الإنسان ولكن تدخل عليه الشفقة على الحيوانات ~~كلها حتى لا يعاملها إلا بالتى هى أحسن كما دل عليه قوله عليه الصلاة ~~والسلام # فى كل ذي كبد رطبة أجر وحديث تعذيب المرأة فى هرة ربطتها وحديث # إن الله كتب الإحسان على كل مسلم فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة الحديث إلى ~~أشباه ذلك # فالعامل بالمقاصد الأصلية عامل فى هذه الأمور فى نفسه امتثالا لأمر ربه ~~واقتداء بنبية عليه الصلاة والسلام فكيف لا تكون تصاريف من هذه سبيله عبادة ~~كلها بخلاف من كان عاملا على حظه فإنه إنما يلتفت إلى حظه أو ما كان طريقا ~~إلى حظه وهذا ليس بعبادة على الإطلاق بل هو عامل فى مباح إن لم يخل بحق ~~الله أو بحق غيره فيه والمباح لا يتعبد إلى الله به وإن فرضناه قام على PageV02P203 ~~حظه من حيث أمره الشارع فهو عبادة بالنسبة إليه خاصة وإن فرضته كذلك # فهو خارج عن داعيه حظه بتلك النسبة ### || AUTO فصل # ومن ذلك أن البناء على المقاصد الأصلية ينقل الأعمال فى الغالب إلى أحكام ~~الوجوب إذ المقاصد الأصلية دائرة على حكم الوجوب من حيث كانت حفظا للأمور ~~الضرورية فى الدين المراعاة باتفاق وإذا كانت كذلك صارت الأعمال الخارجة عن ~~الحظ دائرة على الأمور العامة وقد تقدم أن غير الواجب بالجزء يصير واجبا ~~بالكل وهذا عامل بالكل فيما هو مندوب بالجزء أو مباح يختل النظام باختلاله ~~فقد صار عاملا بالوجوب # فأما البناء على المقاصد التابعة فهو بناء على الحظ الجزئى والجزئي لا ~~يستلزم الوجوب فالبناء على المقاصد التابعة لا يستلزم الوجوب فقد يكون ~~العمل مباحا إما بالجزء وإما بالكل والجزء معا وإما مباحا بالجزء مكروها أو ~~ممنوعا بالكل ### || AUTO وبيان هذه الجملة في - كتاب الأحكام # فصل # ومن ذلك أن المقصد الأول إذا تحراه المكلف يتضمن القصد إلى كل ما قصده ms354 ~~الشارع فى ا لعمل من حصول مصلحة أو درء مفسدة فإن العامل به إنما قصده ~~تلبية أمر الشارع إما بعد فهم ما قصد وإما لمجرد امتثال الأمر وعلى كل ~~تقدير فهو قاصد ما قصده الشارع وإذا ثبت أن قصد الشارع أعم المقاصد PageV02P204 ~~وأولها وأنه نور صرف لا يشوبه غرض ولا حظ كان المتلقى له على هذا الوجه ~~آخذا له زكيا وافيا كاملا غير مشوب ولا قاصر عن مراد الشارع فهو حر أن ~~يترتب الثواب فيه للمكلف على تلك النسبة # وأما القصد التابع فلا يترتب عليه ذلك كله لأن أخذ الأمر والنهي بالحظ ~~وأخذ العمل بالحظ قد قصره قصد الحظ عن إطلاقه وخص عمومه فلا ينهض نهوض الأول # شاهده قاعدة الأعمال بالنيات وقوله عليه الصلاة والسلام # الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر فأما الذى هى له أجر فرجل ربطها ~~فى سبيل الله فأطال لها فى مرج أو روضة فما أصابت فى طيلها ذلك من المرج أو ~~الروضة كان له حسنات ولو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفا أو شرفين كانت ~~آثارها وأرواثها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه لم يرد أن يسقى به ~~كان ذلك له حسنات فهي له أجر فى هذا الوجه من الحديث لصاحب القصد الأول ~~لأنه قصد بارتباطها سبيل الله وهذا عام غير خاص فكان أجره فى تصرفاته عاما ~~أيضا غير خاص ثم قال عليه الصلاة والسلام # ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله فى رقابها ولا ظهورها فهى له ~~ستر فهذا فى صاحب الحظ المحمود لما قصد وجها خاصا وهو حظه كان حكمها مقصورا ~~على ما قصد وهو الستر وهو صاحب القصد التابع ثم قال عليه الصلاة والسلام # ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهى على ذلك وزر فهذا فى الحظ ~~المذموم المستمد من أصل متابعة الهوى ولا كلام فيه هنا # ويجري مجرى العمل بالقصد الأول الاقتداء بأفعال رسول الله صلى الله عليه PageV02P205 ~~وسلم أو بالصحابة أو التابعين لأن ما قصدوا ms355 يشمله قصد المقتدى فى الإقتداء # وشاهده الإحالة فى النية على نية المقتدى به كما فى قول بعض الصحابة فى ~~إحرامه بما أحرم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان حجة فى الحكم كذلك ~~يكون فى غيره من الأعمال # فصل # ومن ذلك أن العمل على المقاصد الأصلية يصير الطاعة أعظم وإذا خولفت كانت ~~معصيتها أعظم # أما الأول فلأن العامل على وفقها عامل على الإصلاح لجميع الخلق والدفع ~~عنهم على الإطلاق لأنه إما قاصد لجميع ذلك بالفعل وإما قاصر نفسه على ~~امتثال الأمر الذى يدخل تحت قصده كل ما قصده الشارع بذلك الأمر وإذا فعل ~~جوزي على كل نفس أحياها وعلى كل مصلحة عامة قصدها ولا شك فى عظم هذا العمل ~~ولذلك كان من أحيا النفس فكأنما أحيا الناس جميعا وكان العالم يستغفر له كل ~~شىء حتى الحوت فى الماء بخلاف ما إذا لم يعمل على وفقه فإنما يبلغ ثوابه ~~مبلغ قصده لأن الأعمال بالنيات فمتى كان قصده أعم كان أجره أعظم # ومتى لم يعم قصده لم يكن أجره إلا على وزان ذلك وهو ظاهر # وأما الثانى فإن العامل على مخالفتها عامل على الإفساد العام وهو مضاد ~~للعامل على الإصلاح العام وقد مر أن قصد الإصلاح العام يعظم به الأجر ~~فالعامل على ضده يعظم به وزره ولذلك كان على ابن آدم الأول كفل من وزر كل ~~من قتل النفس المحترمة لأنه أول من سن القتل وكان من قتل النفس فكأنما قتل ~~الناس جميعا ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها PageV02P206 ### || AUTO فصل # ومن هنا تظهر قاعدة أخرى وهى أن أصول الطاعات وجوامعها إذا تتبعت وجدت ~~راجعة إلى اعتبار المقاصد الأصلية وكبائر الذنوب إذا اعتبرت وجدت فى ~~مخالفتها ويتبين لك بالنظر فى الكبائر المنصوص عليها وما ألحق بها قياسا ~~فإنك تجده مطردا إن شاء الله ### || AUTO المسالة السادسة # العمل إذا وقع على وفق المقاصد التابعة فلا يخلو أن تصاحبه المقاصد ~~الأصلية أولا # فأما الأول فعمل بالامتثال بلا إشكال ms356 وإن كان سعيا فى حظ النفس وأما ~~الثانى فعمل بالحظ والهوى مجردا # والمصاحبة إما بالفعل ومثاله أن يقول مثلا هذا المأكول أو هذا الملبوس أو ~~هذا الملموس أباح لي الشرع الاستمتاع به فأنا أستمتع بالمباح وأعمل ~~باستجلابه لأنه مأذون فيه وإما بالقوة ومثاله أن يدخل فى التسبب إلى ذلك ~~المباح من الوجه المأذون فيه لكن نفس الأذن لم يخطر بباله وإنما خطر له أن ~~هذا يتوصل إليه من الطريق الفلاني فإذا توصل إليه منه فهذا فى الحكم كالأول ~~إذا كان الطريق التى توصل إلى المباح من جهته مباحا إلا أن المصاحبة بالفعل أعلى # ويجرى غير المباح مجراه فى الصورتين PageV02P207 ~~فإذا تقرر هذا فبيان كونه عاملا بالحظ والإمتثال أمران # أحدهما أنه لو لم يكن كذلك لم يجز لأحد أن يتصرف فى أمر عادي حتى يكون ~~القصد في تصرفه مجرد امنثال الأمر من غير سعي في حظ نفسه ولا قصد في ذلك بل ~~كان يمتنع للمضطر أن يأكل الميتة حتى يستحضر هذه النية ويعمل على هذا القصد ~~المجرد من الحظ وهذا غير صحيح باتفاق ولم يأمر الله تعالى ولا رسوله بشئ من ~~ذلك ولا نهى عن قصد الحظوظ في الأعمال العادية على حال مع قصد الشارع ~~للإخلاص في الأعمال وعدم التشريك فيها وأن لا يلحظ فيها غير الله تعالى فدل ~~على ان القصد للحظ في الأعمال إذا كانت عادية لا ينافى أصل الأعمال # فإن قيل كيف يتأتى قصد الشارع للإخلاص في الأعمال العادية وعدم التشريك فيها # قيل معنى ذلك أن تكون معمولة على مقتضى المشروع لا يقصد بها عمل جاهلي ~~ولا اختراع شيطاني ولا تشبه بغير أهل الملة كشرب الماء أو العسل في صورة ~~شرب الخمر وأكل ما صنع لتعظيم أعياد اليهود أو النصارى وإن صنعه المسلم أو ~~ما ذبح على مضاهاة الجاهلية وما أشبه ذلك مما هو نوع من تعظيم الشرك # كما روى ابن حبيب عن ابن شهاب أنه ذكر له أن إبراهيم بن هشام بن إسمعيل ~~المخزومي أجرى عينا فقال ms357 له المهندسون عند ظهور الماء لو أهرقت عليها دما ~~كان أحرى أن لا تغيض ولا تهور فتقتل من يعمل فيها فنحر جزائر حين أرسل ~~الماء فجرى مختلطا بالدم وأمر فصيع له ولأصحابه منها طعام فأكل وأكلوا PageV02P208 ~~وقسم سائرها بين العمال فيها فقال ابن شهاب بئس والله ما صنع ما حل له ~~نحرها ولا الأكل منها أما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ~~يذبح للجن لأن مثل هذا وإن ذكر اسم الله عليه مضاه لما ذبح على النصب وسائر ~~ما أهل لغير الله به # وكذلك جاء النهي عن معاقرة الأعراب وهي أن يتبارى الرجلان فيعقر كل واحد ~~منهما يجاود به صاحبه فأكثرهما عقرا أجودهما نهى عن أكله لأنه مما أهل لغير ~~الله به قال الخطابي وفي معناه ما جرت به عادة الناس من ذبح الحيوان بحضرة ~~الملوك والرؤساء عند قدومهم البلدان وأوان حوادث يتجدد لهم وفي نحو ذلك من ~~الأمور وخرج أبو داود # نهى عليه الصلاة والسلام عن PageV02P209 ~~عن طعام المتباريين أن يؤكل وهما المتعارضان ليرى أيهما يغلب صاحبه فهذا ~~وما كان نحوه إنما شرع على جهة أن يذبح على المشروع بقصد مجرد الأكل فإذا ~~زيد فيه هذا القصد كان تشريكا في المشروع ولحظا لغير أمر الله تعالى وعلى ~~هذا وقعت الفتيا من ابن عتاب بنهيه عن أكل اللحوم في النيروز وقوله فيها ~~إنها مما أهل لغير الله به وهو باب واسع # والثاني أنه لو كان قصد الحظ مما ينافي الأعمال العادية لكان العمل ~~بالطاعات وسائر العبادات رجاء في دخول الجنة أو خوفا من دخول النار عملا ~~بغير الحق وذلك باطل قطعا فيبطل ما يلزم عنه # أما بيان الملازمة فلأن طلب الجنة أو الهرب من النار سعي في حظ لا فرق ~~بينه وبين طلب الإستمتاع بما أباحه له الشارع وأذن له فيه من حيث هو حظ إلا ~~أن أحدهما عاجل والآخر آجل والتعجيل والتأجيل في المسألة طردي كالتعجيل ~~والتأجيل في الدنيا لا مناسبة فيه ولما كان طلب ms358 الحظ الآجل سائغا كان طلب ~~العاجل أولى بكونه سائغا # وأما بطلان التالي فإن القرآن قد جاء بأن من عمل جوزي واعملوا يدخلكم ~~الجنة واتركوا تدخلوا الجنة ولا تعملوا كذا فتدخلوا النار ومن يعمل كذا يجز ~~بكذا وهذا بلا شك تحريك على العمل بحظوظ النفوس فلو كان طلب الحظ قادحا في ~~العمل لكان القرآن مذكرا بما يقدح في العمل وذلك باطل باتفاق فكذلك ما يلزم ~~عنه وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسئل عن العمل الذي يدخل الجنة ~~ويبعد من النار فيخبر به من غير احتراز ولا تحذير من طلب الحظ في ذلك وقد ~~أخبر الله تعالى عمن قال إنما نطعمكم PageV02P210 ~~لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا بقولهم إنا نخاف من ربنا يوما ~~عبوسا قمطريرا وفى الحديث # مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما إلى آخر الحديث وهو نص ~~فى العمل على الحظ وفى حديث بيعة الأنصار قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم ~~اشترط لربك واشترط لنفسك فلما اشترط قالوا فما لنا قال الجنة الحديث # وبالجملة فهذا أكثر من أن يحصى وجميعه تحريض على العمل بالحظ وإن لم يقل ~~اعمل لكذا فقد قال اعمل يكن لك كذا فإذا لم يكن مثله قادحا فى العبادات ~~فأولى أن لا يكون قادحا فى العادات # فإن قيل بل مثل هذا قادح فى العمل بالنص والمعقول # أما المعقول فإن العامل بقصد الحظ قد جعل حظه مقصدا والعمل وسيلة لأنه لو ~~لم يكن مقصدا لم يكن مطلوبا بالعمل وقد فرضناه كذلك هذا خلف وكذلك العمل ~~ولو لم يكن وسيلة لم يطلب الحظ من طريقه وقد فرضناه أنه يعمله ليصل PageV02P211 ~~به إلى غيره وهو حظه فهو بالنسبة إلى ذلك الحظ وسيلة وقد تقرر أن الوسائل ~~من حيث هى وسائل غير مقصودة لأنفسها وإنما هى تبع للمقاصد بحيث لو سقطت ~~المقاصد سقطت الوسائل وبحيث لو توصل إلى المقاصد دونها لم يتوسل بها وبحيث ~~لو فرضنا عدم المقاصد جملة لم يكن للوسائل اعتبار بل كانت ms359 تكون كالعبث وإذا ~~ثبت هذا فالأعمال المشروعة إذا عملت للتوصل بها إلى حظوظ النفوس فقد صارت ~~غير متعبد بها إلا من حيث الحظ فالحظ هو المقصود بالعمل لا التعبد فاشبهت ~~العمل بالرياء لأجل حظوظ الدنيا من الرياسة والجاه والمال وما أشبه ذلك ~~والأعمال المأذون فيها كلها يصح التعبد بها إذا أخذت من حيث أذن فيها فإذا ~~أخذت من جهة الحظوظ سقط كونها متعبدا بها فكذلك العمل بالأعمال المأمور بها ~~والمتعبد بها كالصلاة والصيام وأشباههما ينبغي أن يسقط التعبد بها وكل عمل ~~من عادة أو عبادة مأمور به فحظ النفس متعلق به فإذا أخذ من ذلك الوجه لا من ~~جهة كونه متعبدا به سقط كونه عبادة فصار مهمل الإعتبار فى العبادة فبطل ~~التعبد فيه وذلك معنى كون العمل غير صحيح # وأيضا فهذا المأمور أو المنهى بما فيه حظه يا ليت شعرى ما الذى كان يصنع ~~لو ثبت أنه عرى عن الحظوظ هل كان يلزمه التعبد لله بالأمر والنهي أم لا ~~فإذا كان من المعلوم أنه يلزمه فالمأمور به والمنهى عنه بلا بد مقصود فى ~~نفسه لا وسيلة وعلى هذا نبه القائل بقوله PageV02P212 ~~هب البعث لم تأتنا رسله ... وجاجحة النار لم تضرم ... أليس من الواجب ~~المستحق ... ثناء العباد على المنعم ... # ويعنى بالوجوب بالشرع فإذا جعل وسيلة أخرج عن مقتضى المشروع وصار العمل ~~بالأمر والنهي علىغير ما قصد الشارع والقصد المخالف لقصد الشارع باطل ~~والعمل المبنى عليه مثله فالعمل المبنى على الحظ كذلك # وإلى هذا فقد ثبت أن العبد ليس له فى نفسه مع ربه حق ولا حجة له عليه ولا ~~يجب عليه أن يطعمه ولا أن يسقيه ولا أن ينعمه بل لو عذب أهل السموات والأرض ~~لكان له ذلك بحق الملك قل فلله الحجة البالغة فإذا لم يكن له إلا مجرد ~~التعبد فحقه أن يقوم به من غير طلب حظ فإن طلب الحظ بالعمل لم يكن قائما ~~بحقوق السيد بل بحظوظ نفسه # وأما النصوص الدالة على صحة هذا النظر فالآيات والأحاديث الدالة ms360 على ~~إخلاص الأعمال لله وعلى أن ما لم يخلص لله منها فلا يقبله الله كقوله تعالى ~~وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين وقوله فمن كان يرجو لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا وفى الحديث # أنا أغنى الشركاء عن الشرك وفيه # فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته ~~إلى دنيا يصيبها أو إلى امرآة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه أي ليس له من ~~التعبد لله بالأمر بالهجرة شىء فإن كل أمر ونهي عقل معناه أو لم يعقل معناه ~~ففيه تعبد حسبما يأتي إن شاء الله فالعامل لحظه مسقط لجانب التعبد ولذلك عد ~~جماعة من السلف المتقدمين العامل للأجر خديم السوء وعبد السوء وفى الآثار ~~من ذلك أشياء وقد جمع الأمر كله قوله تعالى ألا لله الدين الخالص PageV02P213 ~~وأيضا فقد عد الناس من هذا ما هو قادح فى الإخلاص ومدخل للشوب فى الأعمال ~~فقال الغزالي كل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب قل ~~أو كثر إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه وقل به إخلاصه # قال والإنسان منهمك فى حظوظه ومنغمس فى شهواته قلما ينفك فعل من أفعاله ~~وعبادة من عباداته عن حظوظ ما وأغراض عاجلة ولذلك من سلم له فى عمره خطرة ~~واحده خالصة لوجه الله نجا وذلك لعز الإخلاص وعسر تنقية القلب عن هذه ~~الشوائب بل الخالص هو الذى لا باعث فيه إلا طلب القرب من الله تعالى ثم قال ~~وإنما الإخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها قليلها وكثيرها حتى يجرد ~~فيه قصد التقرب فلا يكون فيه باعث سواه قال وهذا لا يتصور إلا من محب لله ~~مستهتر مستغرق الهم بالآخرة بحيث لم يبق للدنيا فى قلبه قرار حتى لا يحب ~~الأكل والشرب أيضا بل تكون رغبته فيه كرغبته فى قضاء الحاجة من حيث إنه ~~ضرورة الحياة فلا يشتهى الطعام لأنه طعام بل لأنه يقويه على العبادة ويتمنى ~~لو كفى شر الجوع ms361 حتى لا يحتاج إلى الأكل فلا يبقى فى قلبه حظ فى الفضول ~~الزائدة على الضرورة ويكون قدر الضرورة مطلوبا عنده لأنه ضرورة دينية فلا ~~يكون له هم إلا الله تعالى فمثل هذا الشخص لو أكل أو شرب أو قضى حاجته كان ~~خالص العمل صحيح النية فى جميع حركاته وسكناته فلو نام مثلا ليريح نفسه ~~ويقوى على العبادة بعده كان نومه عبادة وحاز درجة المخلصين ومن ليس كذلك ~~فباب الإخلاص فى الأعمال كالمسدود عليه إلا على سبيل الندور ثم تكلم على ~~باقي المسألة وله فى الإحياء من هذا المعنى مواضع يعرفها من زواله فإذا كان ~~كذلك فالعامل الملتفت PageV02P214 ~~إلى حظ نفسه على خلاف ما وقع الكلام عليه # فالجواب أن ما تعبد العباد به على ضربين أحدهما العبادات المتقرب بها إلى ~~الله بالأصالة وذلك الإيمان وتوابعه من قواعد الإسلام وسائر العبادات # والثاني العادات الجارية بين العباد التي في التزامها نشر المصالح بإطلاق ~~وفي مخالفتها نشر المفاسد بإطلاق وهذا هو المشروع لمصالح العباد ودرء ~~المفاسد عنهم # وهو القسم الدنيوي المعقول المعنى والأول هو حق الله من العباد في الدينا ~~والمشروع لمصالحهم في الآخرة ودرء المفاسد عنهم # فأما الأول فلا يخلو أن يكون الحظ المطلوب دنيويا أو أخرويا # فإن كان أخرويا فهذا حظ قد أثبته الشرع حسبما تقدم وإذا ثبت شرعا فطلبه ~~من حيث أثبته صحيح إذ لم يتعد ما حده الشارع ولا أشرك مع الله في ذلك العمل ~~غيره ولا قصد مخالفته إذ قد فهم من الشارع حين رتب على الأعمال جزاء أنه ~~قاصد لوقوع الجزاء على الأعمال فصار العامل ليقع له الجزاء عاملا لله وحده ~~على مقتضى العلم الشرعي وذلك غير قادح في إخلاصه لأنه علم أن العبادة ~~المنجية والعمل الموصل ما قصد به وجه الله لا ما قصد به غيره لأنه عز وجل ~~يقول إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم إلى قوله في جنات النعيم ~~الآية فإذا كان قد رتب الجزاء على العمل المخلص ومعنى كونه مخلصا أن لا ms362 ~~يشرك معه في العبادة غيره فهذا قد عمل على وفق ذلك وطلب الحظ ليس PageV02P215 ~~بشرك إذ لا يعبد الحظ نفسه وإنما يعبد من بيده بذل الحظ المطلوب وهو الله ~~تعالى لسكن لو أشرك مع الله من ظن بيده بذل حظ ما من العباد فهذا هو الذي ~~أشرك حيث جعل مع الله غيره في ذلك الطلب بذلك العمل والله لا يقبل عملا فيه ~~شرك ولا يرضى بالشرك وليست مسألتنا من هذا # فقد ظهر أن قصد الحظ الأخروي في العبادة لا ينافي الإخلاص فيها بل إذا ~~كان العبد عالما بأنه لا يوصله إلى حظه من الآخرة إلا الله تعالى فذلك باعث ~~له على الإخلاص قوي لعلمه أن غيره لا يملك ذلك # وأيضا فإن العبد لا ينقطع طلبه للحظ لا في الدنيا ولا في الآخرة على ما ~~نص عليه أبو حامد رحمه الله لأن أقصى حظوظ المحبين التنعم في الآخرة بالنظر ~~إلى محبوبهم والتقرب منه والتلذذ بمناجاته وذلك حظ عظيم بل هو أعظم ما في ~~الدارين وهو راجع إلى حظ العبد من ذلك فإن الله تعالى غني عن العالمين # قال تعالى ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين # وإلى هذا فإن كون الإنسان يعمل لمجرد امتثال الأمر نادر قليل إن وجد ~~والله عز وجل قد أمر الجميع بالإخلاص والإخلاص البرىء عن الحظوظ العاجلة ~~والآجلة عسير جدا لا يصل إليه إلا خواص الخواص وذلك قليل فيكون هذا المطلوب ~~قريبا من تكليف ما لا يطاق وهذا شديد # وعلى أن بعض الأئمة قال إن الإنسان لا يتحرك إلا بحظ والبراءة من الحظوظ ~~صفة إلهية ومن ادعاه فهو كافر قال أبو حامد وما قاله حق ولكن القوم إنما ~~أرادوا به يعني الصوفية البراءة عما يسميه الناس حظوظا وذلك الشهوات PageV02P216 ~~الموصوفة في الجنة فقط فأما التلذذ بمجرد المعرفة والمناجاة والنظر إلى ~~وجه الله العظيم فهذا حظ هؤلاء وهذا لا يعده الناس حظا بل يتعجبون منه قال ~~وهؤلاء لو عرضوا عما هم فيه من لذة الطاعة ms363 والمناجاة وملازمة الشهود للحضرة ~~الآلهية سرا وجهرا نعيم الجنة لاستحقروها ولم يلتفتوا إليها فحركتهم لحظ ~~وطاعتهم لحظ ولكن حظهم معبودهم دون غيره هذا ما قال وهو إثبات لأعظم الحظوظ ~~ولكن هؤلاء على ضربين أحدهما من يسبق له امتثال أمر الله الحظ فإذا أمر أو ~~نهي لبى قبل حضور الحظ فهم عاملون بالامتثال لا بالحظ وأصحاب هذا الضرب على ~~درجات ولكن الحظ لا يرتفع خطوره على قلوبهم إلا نادرا ولا مقال فى صحة ~~إخلاص هؤلاء والثاني من يسبق له الحظ الامتثال بمعنى أنه لما سمع الأمر أو ~~النهي خطر له الجزاء وسبق له الخوف أو الرجاء فلبى داعي الله فهو دون الأول ~~ولكن هؤلاء مخلصون أيضا إذ طلبوا ما أذن لهم في طلبه وهربوا عما أذن لهم في ~~الهرب عنه من حيث لا يقدح في الإخلاص عما تقدم ### || AUTO فصل # وإن كان الحظ المطلوب بالعبادات ما في الدنيا فهو قسمان قسم يرجع إلى ~~صلاح الهيئة وحسن الظن عند الناس واعتقاد الفضيلة للعامل بعمله وقسم يرجع ~~إلى نيل حظه من الدنيا وهذا ضربان أحدهما يرجع إلى ما يخص الإنسان في نفسه ~~مع الغفلة عن مراءآة الناس بالعمل والآخر يرجع إلى المراءآة لينال بذلك ~~مالا أو جاها أو غير ذلك فهذه ثلاثة أقسام # أحدها يرجع إلى تحسين الظن عند الناس واعتقاد الفضيلة # فإن كان هذا القصد متبوعا فلا إشكال في أنه رياء لأنه إنما يبعثه على ~~العبادة قصد الحمد وأن يظن به الخير وينجر مع ذلك كونه يصلي فرضه أو نفله ~~وهذا بين وإن كان تابعا فهو محل نظر واجتهاد واختلف العلماء في هذا الأصل فوقع PageV02P217 ~~في العتبية في الرجل الذي يصلي لله ثم يقع في نفسه أنه يحب أن يعلم ويحب ~~أن يلقى في طريق المسجد ويكره أن يلقى في طريق غيره فكره ربيعة هذا وعده ~~مالك من قبيل الوسوسة العارضة للإنسان أي أن الشيطان يأتي للإنسان إذ سره ~~مرأى الناس له على الخير فيقول له إنك لمراء وليس كذلك وإنما هو ms364 أمر يقع في ~~قلبه لا يملك وقد قال تعالى وألقيت عليك محبة مني وقال عن إبراهيم عليه ~~السلام واجعل لى لسان صدق في الآخرين وفي حديث ابن عمر # وقع في نفسي أنها النخلة فأردت أن أقولها فقال عمر لأن تكون قلتها أحب ~~إلي من كذا وكذا وطلب العلم عبادة قال ابن العربي سألت شيخنا الإمام أبا ~~منصور الشيرازي الصوفي عن قوله تعالى إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ما ~~بينوا قال أظهروا أفعالهم للناس بالصلاح والطاعات # قلت ويلزم ذلك قال نعم لتثبت أمانته وتصح إمامته وتقبل شهادته # قال ابن العربي ويقتدى به غيره فهذه الأمور وما كان مثلها تجري هذا المجرى # والغزالي يجعل مثل هذا مما لا تتخلص فيه العبادة # والثاني ما يرجع إلى ما يخص الإنسان في نفسه مع الغفلة عن مراءآة الغير ~~وله أمثلة أحدها الصلاة في المسجد للأنس بالجيران أو الصلاة بالليل لمراقبة ~~أو مراصدة أو مطالعة أحوال والثاني الصوم توفيرا للمال أو استراحة من عمل ~~الطعام وطبخه أو احتماء لألم يجده أو مرض يتوقعه أو بطنة تقدمت له والثالث الصدقة PageV02P218 ~~للذة السخاء والتفضل على الناس والرابع الحج لرؤية البلاد والإستراحة من ~~الأنكاد أو للتجارة أو لتبرمه بأهله وولده أو إلحاح الفقر والخامس الهجرة ~~مخافة الضرر فى النفس أو الأهل أو المال والسادس تعلم العلم ليحتمى به عن الظلم # والسابع الوضوء تبردا والثامن الاعتكاف فرارا من الكراء والتاسع عيادة ~~المرضى والصلاة على الجنائز ليفعل به ذلك والعاشر تعليم العلم ليتخلص به من ~~كرب الصمت ويتفرج بلذة الحديث والحادى عشر الحج ماشيا ليتوفر له الكراء ~~وهذا الموضع أيضا محل اختلاف إذا كان القصد المذكور تابعا لقصد العبادة # وقد التزم الغزالي فيها وفى أشباهها أنها خارجة عن الإخلاص لكن بشرط أن ~~يصير العمل عليه أخف بسبب هذه الأغراض وأما ابن العربي فذهب إلى خلاف ذلك ~~وكأن مجال النظر فى المسألة يلتفت إلى انفكاك القصدين أو عدم أنفكاكهما ~~فابن العربي يلتفت إلى وجه الإنفكاك فيصحح العبادات وظاهر الغزالي الالتفات ~~إلى مجرد ms365 الإجتماع وجودا كان القصدان مما يصح انفكاكهما أولا وذلك بناء على ~~مسألة الصلاة فى الدار المغصوبة والخلاف فيها واقع ورأي أصبغ فيها البطلان ~~فإذا كان كذلك اتجه النظران وظهر مغزى المذهبين # على أن القول بصحة الانفكاك فيما يصح فيه الإنفكاك أوجه لما جاء من ~~الأدلة على ذلك ففى القرآن الكريم ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ~~يعنى فى مواسم الحج وقال ابن العربي فى الفرار من الأنكاد بالحج أو الهجرة ~~إنه دأب المرسلين فقد قال الخليل عليه السلام # إني ذاهب إلى ربي سيهدين وقال الكليم ففررت منكم لما خفتكم وقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جعلت قرة عينه فى الصلاة فكان يستريح إليها من تعب ~~الدنيا وكان فيها نعيمة ولذته أفيقال إن دخوله فيها على هذا الوجه قادح فيها PageV02P219 ~~كلا بل هو كمال فيها وباعث على الإخلاص فيها وفى الصحيح # يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن ~~للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء # ذكر ابن بشكوال عن أبي علي الحداد قال حضرت القاضى أبا بكر بن زرب شكا ~~إلى الترجيلي المتطبب ضعف معدته وضعف هضمه على ما لم يكن يعهد من نفسه ~~وسأله عن الدواء فقال اسرد الصوم تصلح معدتك فقال له يا أبا عبد الله على ~~غير هذا دلنى ما كنت لأعذب نفسى بالصوم إلا لوجهه خالصا ولي عادة فى الصوم ~~الإثنين والخميس لا أنقل نفسي عنها قال أبو علي وذكرت فى ذلك المجلس حديث ~~الرسول عليه الصلاة والسلام يعنى هذا الحديث وجبنت عن إيراد ذلك عليه فى ~~ذلك المجلس وأحسبنى ذاكرته فى ذلك فى غير هذا المجلس فسلم للحديث # وقد بعث عليه الصلاة والسلام رجلا ليكون رصدا فى شعب فقام يصلى ولم يكن ~~قصده بالإقامة فى الشعب إلا الحراسة والرصد # والأحاديث فى هذا المعنى كثيرة ويكفى من ذلك ما يراعيه الإمام فى صلاته ~~من أمر الجماعة كانتظار الداخل ليدرك الركوع معه على ما جاء فى PageV02P220 ~~الحديث ms366 وما لم يعمل به مالك فقد عمل به غيره وكالتخفيف لأجل الشيخ والضعيف ~~وذى الحاجة وقوله عليه الصلاة والسلام # إني لأسمع بكاء الصبي الحديث وكرد السلام فى الصلاة وحكاية المؤذن وما ~~أشبه ذلك مما هو عمل خارج عن حقية الصلاة مفعول فيها مقصود يشرك قصد الصلاة ~~ومع ذلك فلا يقدح فى حقيقة إخلاصها # بل لو كان شأن العبادة أن يقدح فى قصدها قصد شىء آخر سواه لقدح فيها ~~مشاركة القصد إلى عبادة أخرى كما إذا جاء المسجد قاصدا للتنفل فيه وانتظار ~~الصلاة والكف عن إذاية الناس واستغفار الملائكة له فإن كل قصد منها شاب ~~غيره وأخرجه عن إخلاصه عن غيره وهذا غير صحيح بإتفاق بل كل قصد منها صحيح ~~فى نفسه وإن كان العمل واحدا لأن الجميع محمود شرعا فكذلك ما كان غير عبادة ~~من المأذون فيه لإشتراكهما فى الإذن الشرعي فحظوظ النفوس المختصة بالإنسان ~~لا يمنع اجتماعها مع العبادات إلا ما كان بوضعه منافيا لها كالحديث والأكل ~~والشرب والنوم والرياء وما أشبه ذلك أما مالا منافاة فيه فكيف يقدح القصد ~~إليه فى العبادة هذا لا ينبغى أن يقال غير أنه لا ينازع فى أن إفراد قصد ~~العبادة عن قصد الأمور الدنيوية أولى ولذلك إذا غلب قصد الدنيا على قصد ~~العبادة كان الحكم للغالب فلم يعتد بالعبادة فإن غلب قصد العبادة فالحكم له ~~ويقع الترجيح فى المسائل بحسب ما يظهر للمجتهد # والثالث ما يرجع إلى المراءآة فأصل هذا إذا قصد به نيل المال أو الجاه PageV02P221 ~~فهو الرياء المذموم شرعا وأدهى ما فى ذلك فعل المنافقين الداخلين فى ~~الإسلام ظاهرا بقصد إحراز دمائهم وأموالهم ويلي ذلك عمل المرائين العاملين ~~بقصد نيل حطام الدنيا وحكمه معلوم فلا فائدة فى الإطالة فيه # فصل # وأما الثانى وهو أن يكون العمل إصلاحا للعادات الجارية بين العباد ~~كالنكاح والبيع والإجارة وما أشبه ذلك من الأمور التى علم قصد الشارع إلى ~~القيام بها لمصالح العباد فى العاجلة فهو حظ أيضا قد أثبته الشارع وراعاه ~~فى الأوامر والنواهى ms367 وعلم ذلك من قصده بالقوانين الموضوعة له وإذا علم ذلك ~~بإطلاق فطلبه من ذلك الوجه غير مخالف لقصد الشارع فكان حقا وصحيحا # هذا وجه # ووجه ثان أنه لو كان طلب الحظ فى ذلك قادحا فى التماسه وطلبه لاستوى مع ~~العبادات كالصيام والصلاة وغيرهما فى اشتراط النية والقصد إلى الامتثال وقد ~~اتفقوا على أن العادات لا تفتقر إلى نية وهذا كاف في كون القصد إلى الحظ لا ~~يقدح فى الأعمال التى يتسبب عنها ذلك الحظ بل لو فرضنا رجلا تزوج ليرائى ~~بتزوجه أو ليعد من أهل العفاف أو لغير ذلك لصح تزوجه من حيث لم بشرع فيه ~~نية العبادة من حيث تزوج فيقدح فيها الرياء والسمعة بخلاف العبادات المقصود ~~بها تعظيم الله تعالى مجردا # ووجه ثالث أنه لو لم يكن طلب الحظ فيها سائغا لم يصح النص على الامتنان ~~بها فى القرآن والسنة كقوله تعالى ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم PageV02P222 ~~أزواجا لتسكنوا إليها وقال هو الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا وقال الذى جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء ~~فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وقال ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله وقال وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا ~~إلى آخر الآيات إلى غير ذلك مما لا يحصى # وذلك أن ما جاء في معرض مجرد التكليف لا يقع النص عليه فى معرض الامتنان ~~لأنه فى نفسه كلفة وخلاف للعادات وقطع للأهواء كالصلاة والصيام والحج ~~والجهاد إلا ما نحا نحو قوله وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم بعد قوله كتب ~~عليكم القتال وهو كره لكم بخلاف ما تميل إليه النفوس وتقتضى به الأوطار ~~وتفتح به أبواب التمتع واللذات النفسانية وتسد به الخلات الواقعة من الغذاء ~~والدواء ودفع المضرات وأضراب ذلك فإن الإتيان بها فى معرض الإمتنان مناسب ~~وإذا كان كذلك اقتضى هذا البساط الأخذ بها من جهة ما وقعت المنة بها فلا ~~يكون الأخذ على ذلك قدحا فى ms368 العبودية ولا نقصا من حق الربوبية لكنهم ~~مطالبون على أثر ذلك بالشكر للذى امتن بها # وذلك صحيح # فإن قيل فيلزم على هذا أن يكون الأخذ لها بقصد التجرد عن الحظ قادحا أيضا ~~إذ كان المقصود المفهوم من الشارع إثبات الحظ والامتنان به وهذا أيضا لا ~~يقال به على الإطلاق لما تقدم PageV02P223 ~~فالجواب أن أخذها من حيث تلبية الأمر أو الإذن قد حصل فى ضمنه الحظ ~~وبالتبعية لأنه إذا ندب إلى التزوج مثلا فأخذه من حيث الندب على وجه لو لم ~~يندب إليه لتركه مثلا فإن أخذه من هنالك قد حصل له به أخذه من حيث الحظ لأن ~~الشارع قصد بالنكاح التناسل ثم أتبعه آثارا حسنة من التمتع باللذات ~~والانغمار فى نعم يتنعم بها المكلف كاملة فالتمتع بالحلال من جملة ما قصده ~~الشارع فكان قصد هذا القاصد بريئا من الحظ وقد انجر فى قصده الحظ فلا فرق ~~بينه وبين من قصد بالنكاح نفس التمتع فلا مخالفة للشارع من جهة القصد بل له ~~موافقتان موافقة من جهة قبول ما قصد الشارع أن يتلقاه بالقبول وهو التمتع ~~وموافقة من جهة أن أمر الشارع فىالجملة يقتضي إعتبار المكلف له في حسن ~~الأدب فكان له تأدب مع الشارع في تلبية الأمر زيادة إلى حصول ما قصده من ~~نيل حظ المكلف وأيضا ففى قصد امتثال الأمر القصد إلى المقصد الأصلي من حصول ~~النسل فهو بامتثال الأمر ملب للشارع فى هذا القصد بخلاف طلب الحظ فقط فليس ~~له هذه المزية # فإن قيل فطالب الحظ فى هذا الوجه ملوم إذ أهمل قصد الشارع فى الأمر من ~~هذه الجهة # فالجواب أنه لم يهمله مطلقا فأنه حين ألقى مقاليده فى نيل هذه الحظوظ ~~للشارع على الجملة حصل له بالضمن مقتضى ما قصد الشارع فلم يكن قصد المكلف ~~في نيل الحظوظ منافيا لقصد الشارع الأصلي وأيضا فالداخل فى حكم هذه الحظوظ ~~للشارع على الجملة حصل له بالضمن مقتضى ما قصد الشارع فلم يكن قصد المكلف ~~في نيل الحظوظ منافيا لقصد الشارع ms369 الأصلي وأيضا فالداخل بحكم الشرط العادى ~~على أنه لم يلد ويتكلف التربية والقيام بمصالح PageV02P224 ~~الأهل والولد كما أنه عالم إذا أتى الأمر من بابه أنه ينفق على الزوجة ~~ويقوم بمصالحها لكن لا يستوي القصدان قصد الامتثال ابتداء حتى كان الحظ ~~حاصلا بالضمن وقصد الحظ ابتداء حتى صار قصد الامتثال بالضمن فثبت بالضمن ~~فثبت أن قصد الحظ فى هذا القسم غير قادح فى العمل # فإن قيل فطالب الحظ إذا فرضناه لم يقصد الامتثال على حال وإنما طلب حظه ~~مجردا بحيث لو تأتى له على غير الوجه المشروع لأخذ به لكنه لم يقدر عليه ~~إلا بالوجه المشروع فهل يكون القصد الأول فى حقه موجودا بالقوة أم لا # فالجواب أنه موجود له بالقوة أيضا لأنه إذا لم يكن له سبيل إلى الوصول ~~إلى حظه على غير المشروع فرجوعه إلى الوجه المشروع قصد إليه وقصد الوجه ~~المشروع يتضمن امتثال الأمر أو العمل بمقتضى الإذن وهو القصد الأول الأصلي ~~وإن لم يشعر به على التفصيل وقد مر بيان هذا فى موافقة قصد الشارع وأما ~~العمل بالحظ والهوى بحيث يكون قصد العامل تحصيل مطلوبه وافق الشارع أو ~~خالفه فليس من الحق في شىء وهو ظاهر والشواهد عليه أظهر # فإن قيل أما كونه عاملا على قصد المخالفة فظاهر أنه عامل بالهوى لا بالحق ~~وأما عمله علىغير قصد المخالفة فليس عاملا بالهوى بإطلاق فقد تبين فى موضعه ~~أن العامل بالجهل فيخالف أمر الشارع حكمه حكم الناسى فلا ينسب عمله إلى ~~الهوى هكذا بإطلاق وإذا وافق أمر الشرع جهلا فسيأتي أن يصح عمله على الجملة ~~فلا يكون عمله بالهوى أيضا وإلى هذا فالعامل بالهوى إذا صادف أمر الشارع ~~فلم تقول أنه عامل بالهوى وقد وافق قصده مع ما مر آنفا أن موافقة أمر ~~الشارع تصير الحظ محمودا # فالجواب أنه إذا عمل على غير قصد المخالفة فلا يستلزم أن يكون موافقا له ~~بل الحالات ثلاث PageV02P225 ~~حال يكون فيها قاصدا للموافقة # فلا يخلو أن يصيب بإطلاق كالعالم يعمل على وفق ما ms370 علم فلا إشكال أو يصيب ~~بحكم الإتفاق أولا يصيب فهذان قسمان يدخل فيهما العامل بالجهل فإن الجاهل ~~إذا ظن في تقديره أن العمل هكذا وأن العمل مأذون فيه على ذلك الوجه الذي ~~دخل فيه لم يقصد مخالفة لكن فرط في الإحتياط لذلك العمل فيؤاخذ في الطريق ~~وقد لا يؤآخذ إذا لم يعد مفرطا ويمضي عمله إن كان موافقا وأما إذا قصد ~~مخالفة أمر الشارع فسواء في العبادات وافق أو خالف لا اعتبار بما يخالف فيه ~~لأنه مخالف القصد بإطلاق وفي العادات الأصل اعتبار ما وافق دون ما خالف لأن ~~ما لا تشترط النية في صحته من الأعمال لا اعتبار بموافقته في القصد الشرعي ~~ولا مخالفته كمن عقد عقدا يقصد أنه فاسد فكان صحيحا أو شرب جلابا يظنه خمرا ~~إلا أن عليه في قصد المخالفة درك الإثم # وأما إذا لم يقصد موافقة ولا مخالفة فهو العمل في مجرد الحظ أو الغفلة ~~كالعامل ولا يدري ما الذي يعمل أو يدري ولكنه إنما قصده مجرد العاجلة معرضا ~~عن كونه مشروعا أو غير مشروع وحكمه في العبادات عدم الصحة لعدم نية ~~الإمتثال ولذلك لم يكلف الناسي ولا الغافل ولا غير العاقل وفي العادات ~~الصحة إن وافق قصد الشارع وإلا فعدم الصحة # وفي هذا الموضع نظر إذ يقال إن المقصد هنا لما انتفي فالموافقة غير ~~معتبرة لإمكان الاسترسال بها في المخالفة وقد يظر لهذا تأثير في تصرفات ~~المحجور كالطفل والسفيه الذي لا قصد له إلى موافقة قصد الشارع في إصلاح ~~المال فلذلك قيل بعدم نفوذ تصرفاته مطلقا وإن وافقت المصلحة وقيل بنفوذ ما ~~وافق المصلحة PageV02P226 ~~منها لا ما خالفها على تفصيل أصله هذا النظر وهو أن مطلق القصد إلى ~~المصلحة غير منتهض فهو بهذا القصد مخالف للشارع وقد يقال القصد إنما يعتبر ~~بما ينشأ عنه وقد نشأ هنا مع عدم القصد موافقة قصد الشارع فصح ### || AUTO فصل ### || AUTO حيث قلنا بالصحة في التصرفات العادية وإن خالف القصد قصد ~~الشارع فإن ما مضى الكلام فيه مع ms371 اصطلاح الفقهاء وأما إذا اعتبرنا ما هو ~~مذكور في هذا الكتاب في نوع الصحة والبطلان من - كتاب الأحكام فكل ما خالف ~~قصد الشارع فهو باطل على الإطلاق لكن بالتفسير المتقدم والله أعلم ### || AUTO المسألة السابعة # المطلوب الشرعي ضربان أحدهما ما كان من قبيل العاديات الجارية بين الخلق ~~في الإكتسابات وسائر المحاولات الدنيوية التي هي طرق الحظوظ العاجلة ~~كالعقود على اختلافها والتصاريف المالية على تنوعها والثاني ما كان من قبيل ~~العبادات اللازمة للمكلف من جهة توجهه إلى الواحد المعبود # فأما الأول فالنيابة فيه صحيحة فيقوم فيها الإنسان عن غيره وينوب منابه ~~فيما لا يختص به منها فيجوز أن ينوب منابه في استجلاب المصالح له ودرء ~~المفاسد عنه بالإعانة والوكالة ونحو ذلك مما هو في معناه لأن الحكمة التي ~~يطلب بها المكلف في ذلك كله صالحة أن يأتي بها سواه كالبيع والشراء والأخذ ~~والإعطاء والإجارة والإستئجارة والخدمة والقبض والدفع وما أشبه ذلك ما لم ~~يكن مشروعا لحكمة لا تتعدى المكلف عادة أو شرعا كالأكل والشرب واللبس ~~والسكنى وغير ذلك مما جرت به العادات وكالنكاح وأحكامه التابعة له من وجوه ~~الإستمتاع التي لا تصح النيابة فيها شرعا فإن مثل هذا مفروغ من PageV02P227 ~~النظر فيه لأن حكمته لا تتعدى صاحبها إلى غيره ومثل ذلك وجوه العقوبات ~~والإزدجار لأن مقصود الزجر لا يتعدى صاحب الجناية ما لم يكن ذلك راجعا إلى ~~المال فإن النيابة فيه تصح فإن كان دائرا بين الأمر المالي وغيره فهو مجال ~~نظر واجتهاد كالحج والكفارات فالحج بناء على أن المغلب فيه التعبد فلا تصح ~~النيابة فيه أو المال فتصح والكفارة بناء على أنها زجر فتختص أو جبر فلا ~~تختص وكالتضحية في الذبح بناء على ما بني عليه فى الحج وما أشبه هذه ~~الأشياء # فالحاصل أن حكمة العاديات إن اختصت بالمكلف فلا نيابة وإلا صحت النيابة ~~وهذا القسم لا يحتاج إلى إقامة دليل لوضوح الأمر فيه # وأما الثاني فالتعبدات الشرعية لا يقوم فيها أحد عن أحد ولا يغنى فيها عن ~~المكلف غيره ms372 وعمل العامل لا يجتزى به غيره ولا ينتقل بالقصد إليه ولا يثبت ~~إن وهب ولا يحمل إن تحمل وذلك بحسب النظر الشرعي القطعي نقلا وتعليلا # فالدليل على صحة هذه الدعوى أمور # أحدها النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى وفي القرآن ولا تزر وازرة وزر أخرى في مواضع وفي بعضها ~~وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل PageV02P228 ~~منه شيء ولو كان ذا قربى ثم قال ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وقال تعالى ~~وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين ~~من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون وقال وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم وقال ~~تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ما عليك من ~~حسابهم من شيء الآية # وأيضا ما يدل على أن أمور الآخرة لا يملك فيها أحد عن أحد شيئا كقوله يوم ~~لا تملك نفس لنفس شيئا فهذا عام في نقل الأجور أو حمل الأوزار ونحوها وقال ~~واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا وقال ~~واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها ~~عدل الآية إلى كثير من هذا المعنى وفي الحديث حين أنذر عليه الصلاة والسلام ~~عشيرته الأقربين # يا بني فلان إني لا أملك لكم من الله شيئا # والثاني المعنى وهو أن مقصود العبادات الخضوع لله والتوجه إليه والتذلل ~~بين يديه والإنقياد تحت حكمه وعمارة القلب بذكره حتى يكون العبد بقلبه ~~وجوارحه حاضرا مع الله ومراقبا له غير غافل عنه وأن يكون ساعيا في مرضاته ~~وما يقرب إليه على حسب طاقته والنيابة تنافي هذا المقصود وتضاده لأن معنى ~~ذلك أن لا يكون العبد عبدا ولا المطلوب بالخضوع والتوجه خاضعا ولا متوجها ~~إذا ناب عنه غيره في ذلك وإذا قام غيره في ذلك مقامة فذلك الغير هو الخاضع ~~المتوجه والخضوع والتوجه ونحوهما إنما هو اتصاف بصفات العبودية والإتصاف ms373 ~~لايعدو المتصف به ولا ينتقل عنه إلى غيره والنيابة إنما معناها أن يكون ~~المنوب منه بمنزلة النائب حتى يعد المنوب عنه متصفا بما اتصف به النائب ~~وذلك لا يصح في العبادات كما يصح في التصرفات فإن النائب في أداء الدين ~~مثلا لما قام مقام المديان صار المديان متصفا بأنه مؤد لدينه فلا مطالبة PageV02P229 ~~للغريم بعد ذلك به وهذا فى التعبد لا يتصور ما لم يتصف المنوب عنه بمثل ما ~~اتصف به النائب ولا نيابة إذ ذاك على حال # والثالث أنه لو صحت النيابة فى العبادات البدنية لصحت فى الأعمال القلبية ~~كالإيمان وغيره من الصبر والشكر والرضى والتوكل والخوف والرجاء وما أشبه ~~ذلك ولم تكن التكاليف محتومة على المكلف عينا لجواز النيابة فكان يجوز أمره ~~ابتداء على التخيير بين العمل والاستنابة ولصح مثل ذلك فى المصالح المختصة ~~بالأعيان من العاديات كالأكل والشرب والوقاع واللباس وما أشبه ذلك وفى ~~الحدود والقصاص والتعزيرات وأشباهها من أنواع الزجر # وكل ذلك باطل بلا خلاف من جهة أن حكم هذه الأحكام مختصة فكذلك سائر ~~التعبدات # وما تقدم من آيات القرآن كلها عمومات لا تحتمل التخصيص لأنها PageV02P230 ~~محكمات نزلت بمكة احتجاجا على الكفار وردا عليهم فى اعتقادهم حمل بعضهم عن ~~بعض أو دعواهم ذلك عنادا ولو كانت تحتمل الخصوص فى هذا المعنى لم يكن فيها ~~رد عليهم ولما قامت عليهم بها حجة أما على القول بأن العموم إذا خص لا يبقى ~~حجة فى الباقي الظاهر وأما على قول غيرهم فلتطرق احتمال التخصيص بالقياس أو ~~غيره وإذا تأمل الناظر العمومات المكية وجد عامتها عرية عن التخصيص والنسخ ~~وغير ذلك من الأمور المعارضة فينبغي للبيب أن يتخذها عمدة فى الكليات ~~الشرعية ولا ينصرف عنها # فإن قيل كيف هذا وقد جاء فى النيابة فى العبادات واكتساب الأجر والوزر من ~~الغير وعلى ما لم يعمل أشياء # أحدها الأدلة الدالة على خلاف ما تقدم وهى جملة منها أن الميت يعذب ببكاء ~~الحي عليه وأن # من سن سنة حسنة أو سيئة كان له ms374 أجرها أو عليه وزرها وأن # الرجل إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث وأنه # ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها وفى القرآن ~~والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وفسر بأن الأبناء ~~يرفعون إلى منازل الآباء وإن لم يبلغوا ذلك بأعمالهم وفى PageV02P231 ~~الحديث # إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج ~~عنه قال نعم وفى رواية # أفرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئه قالت نعم قال فدين الله ~~أحق أن يقضى # ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه # وقيل يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضيه قال تقضه عنها وقد ~~قال بمقتضى هذه الأحاديث كبراء وعلماء وجماعة ممن لم يذهب إلى ذلك قالوا ~~بجواز هبة العمل وأن ذلك ينفع الموهوب له عند الله تعالى فهذه جملة تدل على ~~ما لم يذكر من نوعها وتبين أن ما تقدم فى الكلية المذكورة ليست على العموم ~~فلا تكون صحيحة # والثانى أن لنا قاعدة يرجع إليها غير مختلف فيها وهى قاعدة الصدقة عن ~~الغير وهى عبادة لأنها إنما تكون صدقة إذا قصد بها وجه الله تعالى وامتثال ~~أمره فإذا تصدق الرجل عن الرجل أجزأ ذلك عن المتصدق عنه وانتفع به ولا سيما ~~إن كان ميتا فهذه عبادة حصلت فيها النيابة ويؤكد ذلك ما كان PageV02P232 ~~من الصدقة فرضا كالزكاة فإن اخراجها عن الغير جائز وجاز عن ذلك الغير ~~والزكاة أخية الصلاة # والثالث أن لنا قاعدة أخرى متفقا عليها أو كالمتفق عليها وهى تحمل ~~العاقلة للدية فى قتل الخطأ فإن حاصل الأمر فى ذلك أن يتلف زيد فيغرم عمرو ~~وليس ذلك إلا من باب النيابة فى أمر تعبدي لا يعقل معناه ومنه أيضا نيابة ~~الإمام عن المأموم فى القراءة وبعض أركان الصلاة مثل القيام والنيابة عنه ~~فى سجود السهو بمعنى أنه يحمله عنه وكذلك الدعاء للغير فإن حقيقتة خضوع لله ~~وتوجه إليه والغير هو المنتفع بمقتضى تلك ms375 العبادة وقد خلق الله ملائكة ~~عبادتهم الإستغفار للمؤمنين خصوصا ولمن في الأرض عموما وقد استغفر النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأبويه حتى نزل ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين وقال في ابن أبي لأستغفرن لك ما أنه عنك حتى نزل استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم ونزل ولا تصل على أحد منهم مات أبدا الآية وإن كان قد نهي عنه ~~فلم ينه عن الإستغفار لمن كان حيا منهم وقال عليه الصلاة PageV02P233 ~~والسلام # اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وعلى الجملة فالدعاء للغير مما علم من ~~دين الأمة ضرورة # والرابع أن النيابة في الأعمال البدنية غير العبادات صحيحة وكذلك بعض ~~العبادات البدنية وإن كانت واجبة على الإنسان عينا وكذلك المالية وأولها ~~الجهاد فإنه جائز أن يستنيب فيه المكلف به غيره بجعل وبغير جعل إذا أذن ~~الإمام والجهاد عبادة فإذا جازت النيابة في مثل هذا فلتجز في باقي الأعمال ~~المشروعة لأن الجميع مشروع # والخامس أن مآل الأعمال التكليفية أن يجازي عليها وقد يجازى الإنسان على ~~ما لم يعمل خيرا كان الجزاء أو شرا وهو أصل متفق عليه في الجملة وذلك ضربان # أحدهما المصائب النازلة في نفسه وأهله وولده وعرضه فإنه إن كانت باكتساب ~~كفر بها من سيآته وأخذ بها من أجر غيره وحمل غيره وزره ولم يعمل بذلك فضلا ~~عن أن يجد ألمه كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في المفلس يوم القيامة ~~وإن كانت بغير اكتساب فهي PageV02P234 ~~كفارات فقط أو كفارات وأجور وكما جاء فيمن غرس غرسا أو زرع زرعا يأكل منه ~~إنسان أو حيوان أنه له أجر وفيمن ارتبط فرسا في سبيل الله فأكل في مرج أو ~~روضة أو شرب في نهر أو استن شرفا أو شرفين ولم يرد أن يكون ذلك فهي له ~~حسنات وسائر ما جاء في هذا المعنى # والضرب الثاني النيات التي تتجاوز الأعمال كما جاء أن المرء يكتب له قيام ~~الليل أو الجهاد إذا حبسه عن عذر وكذلك سائر الأعمال حتى قال ms376 عليه الصلاة ~~والسلام في المتمنى أن يكون له مال يعمل به مثل عمل فلان # فهما في الأجر سواء وفي الآخر # فهما فى الوزر سواء وحديث # من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة # والمسلمان يلتقيان بسيفيهما PageV02P235 ~~الحديث إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على عد المكلف بمجرد النية كالعامل ~~نفسه في الأجر والوزر فإذا كان كالعامل وليس بعامل ولا عمل عنه غيره فأولى ~~أن يكون كالعامل إذا استناب غيره على العمل # فالجواب أن هذه الأشياء وإن كان منها ما قال بعض العلماء فيه بصحة ~~النيابة فإن للنظر فيها متسعا # أما قاعدة الصدقة عن الغير وإن عددناها عبادة فليست من هذا الباب فإن ~~كلامنا في نيابة في عبادة من حيث هي تقرب إلى الله تعالى وتوجه إليه # والصدقة عن الغير من باب التصرفات المالية ولا كلام فيها # وأما قاعدة الدعاء فظاهر أنه ليس في الدعاء نيابة لأنه شفاعة للغير فليس ~~من هذا الباب # وأما قاعدة النيابة في الأعمال البدنية والمالية فإنها مصالح معقولة ~~المعنى لا يشترط فيها من حيث هي كذلك نية بل المنوب عنه إن نوى القربة فيما ~~له سبب فيه فله أجر ذلك فإن العبادة منه صدرت لا من النائب والنيابة على ~~مجرد التفرقة أمر خارج عن نفس التقرب بإخراج المال والجهاد وإن كان من ~~الأعمال المعدودة في العبادات فهي في الحقيقة معقولة المعنى كسائر فروض ~~الكفايات التي هى مصالح الدنيا لكن لا يحصل لصاحبها الأجر الآخروي إلا إذا PageV02P236 ~~قصد وجه الله تعالى وإعلاء كلمة الله فإن قصد الدنيا فذلك حظه مع أن ~~المصلحة الجهادية قائمة كقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ~~شعبة منها # على أن من أهل العلم من كره النيابة في الجهاد بالجعل لما فيه من تعريض ~~النفس للهلكة في عرض من أعراض الدنيا ولو فرض هنا قصد التقرب بالعمل لم يصح ~~فيه من تلك الجهة نيابة أصلا فهذا الأصل لا اعتراض به أيضا # وأما قاعدة المصائب النازلة فليست من باب النيابة في التعبد وإنما الأجر ms377 ~~والكفارة في مقابلة ما نيل منه لا لأمر خارج عن ذلك وكون حسنات الظالم تعطي ~~المظلوم أو سيئات المظلوم تطرح على الظالم فمن باب الغرامات فهي معاوضات ~~لأن الأعواض الأخروية إنما تكون في الأجور والأوزار إذ لا دينار هناك ولا ~~درهم وقد فات القضاء في الدنيا # ومسألة الغرس والزرع من باب المصائب في المال ومن باب الإحسان به إن كان ~~باختيار مالكه # ومسألة العاجز عن الأعمال راجعة إلىالجزاء على الأعمال المختصة بالعامل ~~بلا نيابة إذ عد في الجزاء بسبب نيته كمن عمل تفضلا من الله تعالى مع أن ~~الأحكام إنما تجري في الدنيا على الظاهر ولذلك يقال فيمن عجز عن عبادة ~~واجبة وفي نيته أن لو قدر عليها لعملها إن له أجر من عملها مع أن ذلك لا ~~يسقط القضاء عنه فيما بينه وبين الله إن كانت العبادة مما يقضى كما أنه لو ~~تمنى أن يقتل مسلما أو يسرق أو يفعل شرا إلا أنه لم يقدر كان له وزر من عمل ~~ولا يعد في الدنيا كمن عمل حتى يجب عليه ما يجب على الفاعل حقيقة فليست من ~~النيابة في شيء وإن فرضت النيابة فالنائب هو المكتسب فعمله عليه أو له فهذه ~~القواعد لا تنقض ما تأصل # ونرجع إلى ما ذكر أول السؤال فإنه عمدة من خالف في المسألة PageV02P237 ~~فحديث تعذيب الميت ببكاء الحي ظاهر حمله على عادة العرب في تحريض المريض ~~إذا ظن الموت أهله على البكاء عليه وأما من سن سنة وحديث ابن آدم الأول ~~وحديث انقطاع العمل إلا من ثلاث وما أشبه ذلك فإن الجزاء فيها راجع إلى عمل ~~المأجور أو الموزور لأنه الذي تسبب فيه أولا فعلى جريان سببه تجري المسببات ~~والكفل الراجع إلى المتسبب ناشىء عن عمله لا عن عمل المتسبب الثاني وإلى ~~هذا المعنى يرجع قوله تعالى والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم الآية لأن ولده ~~كسب من كسبه فما جرى عليه من خير فكأنه منسوب إلى الأب وبذلك فسر قوله ~~تعالى ما أغنى عنه ماله وما ms378 كسب أن ولده من كسبه فلا غرو أن يرجع إلى ~~منزلته وتقر عينه به كما تقر عينه بسائر أعماله الصالحة وذلك قوله تعالى ~~وما ألتناهم من عملهم من شيء # وإنما يشكل من كل ما أورد ما بقي من الأحاديث فإنها كالنص في معارضة ~~القاعدة المستدل عليها وبسببها وقع الخلاف فيما نص فيها خاصة وذلك الصيام ~~والحج وأما النذر فإنما كان صياما فيرجع إلى الصيام # والذي يجاب به فيها أمور # أحدها أن الأحاديث فيها مضطربة نبه البخاري مذسلم على اضطرابها فانظره في ~~الإكمال وهو مما يضعف الإحتجاج بها إذا لم تعارض أصلا قطعيا فكيف إذا ~~عارضته وأيضا فإن الطحاوي قال في حديث # من مات وعليه صوم صام عنه وليه إنه لم يرو إلا من طريق عائشة وقد تركته ~~فلم تعمل به وأفتت بخلافه وقال في حديث التي ماتت وعليها نذر إنه لا يرويه ~~إلا ابن عباس وقد خالفه وأفتى بأنه لا يصوم أحد عن أحد PageV02P238 ~~والثاني أن الناس على أقوال في هذه الأحاديث منهم من قبل ما صح منها ~~بإطلاق كأحمد ابن حنبل ومنهممن قبل من قال ببعضها فأجاز ذلك في الحج دون ~~الصيام وهو مذهب الشافعي ومنهم من منع بإطلاق كمالك بن أنس فأنت ترى بعضهم ~~لم يأخذ ببعض الأحاديث وإن صح وذلك دليل على ضعف الأخذ بها فى النظر ويدل ~~على ذلك أنهم اتفقوا فى الصلاة على ما حكاه ابن العربي وإن كان ذلك لازما ~~في الحج لمكان ركعتي الطواف لأنهم تبع ويجوز في التبع ما لا يجوز في غيره ~~كبيع الشجرة بثمرة قد أبرت وبيع العبد بماله واتفقوا على المنع في الأعمال ~~القلبية # والثالث أن من العلماء من تأول الأحاديث على وجه يوجب ترك اعتبارها مطلقا ~~وذلك أنه قال سبيل الأنبياء صلوات الله عليهم أن لا يمنعوا أحدا من فعل ~~الخير يريد أنهم سئلوا عن القضاء في الحج والصوم فأنفذوا ما سئلوا فيه من ~~جهة كونه خيرا لا من جهة أنه جاز عن المنوب عنه وقال هذا القائل ms379 لا يعمل ~~أحد عن أحد شيئا فإن عمله فهو لنفسه كما قال تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # والرابع أنه يحتمل أن تكون هذه الأحاديث خاصة بمن كان له تسبب في في تلك ~~الأعمال كما إذا أمر بأن يحج عنه أو أوصى بذلك أو كان له فيه سعي حتى يكون ~~موافقا لقوله تعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وهو قول بعض العلماء # والخامس أن قوله صام عنه وليه محمول على ما تصح فيه النيابة وهو الصدقة ~~مجازا لأن القضاء تارة يكون بمثل المقضى وتارة بما يقوم مقامه عند تعذره ~~وذلك في الصيام الإطعام وفي الحج النفقة عمن يحج عنه أو ما أشبه ذلك PageV02P239 ~~والسادس أن هذه الأحاديث على قلتها معارضة لأصل ثابت في الشريعة قطعي ولم ~~تبلغ مبلغ التواتر اللفظي ولا المعنوي فلا يعارض الظن القطع كما تقرر أن ~~خبر الواحد لا يعمل به إلا إذا لم يعارضه أصل قطعي وهو أصل مالك بن أنس ~~وأبي حنيفة وهذا الوجه هو نكتة الموضع وهو المقصود فيه وما سواه من الأجوبة ~~تضعيف لمقتضى التمسك بتلك الأحاديث وقد وضح مأخذ هذا الأصل الحسن وبالله ~~التوفيق ### || AUTO فصل # ويبقى النظر في مسألة لها تعلق بهذا الموضع وهي مسألة هبة الثواب وفيها ~~نظر فللمانع أن يمنع ذلك من وجهين # أحدهما أن الهبة إنما صحت في الشريعة في شيء مخصوص وهو المال # وأما في ثواب الأعمال فلا وإذا لم يكن لها دليل فلا يصح القول بها # والثاني أن الثواب والعقاب من جهة وضع الشارع كالمسببات بالنسبة إلى ~~الأسباب وقد نطق بذلك القرآن كقوله تعالى تلك حدود الله ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنات ثم قال ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا ~~خالدا فيها وقوله جزاء بما كانوا يعملون ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون وهو ~~كثير وهذا أيضا كالتوابع بالنسبة إلى المتبوعات كاستباحة الإنتفاع بالمبيع ~~مع عقد البيع واستباحة البضع مع عقد النكاح فلا خيرة للمكلف فيه هذا مع أنه ~~مجرد تفضل من ms380 الله تعالى على العامل وإذا كان كذلك اقتضى أن الثواب والعقاب ~~ليس للعامل فيه نظر ولا اختيار ولا في يده منه شيء # فإذا لا يصح فيه تصرف لأن التصرف من توابع الملك الإختياري وليس في ~~الجزاء ذلك فلا يصح للعامل تصرف فيما لا يملك كما لا يصح لغيره # وللمجيز أن يستدل أيضا من وجهين PageV02P240 ~~أحدهما أن أدلته من الشرع هي الأدلة على حواز الهبة في الأموال وتوابعها ~~إما أن تدخل تحت عمومها أو إطلاقها وإما بالقياس عليها لأن كل واحد من ~~المال والثواب عوض مقدر فكما جاز في أحدهما جاز في الآخر وقد تقدم في ~~الصدقة عن الغير أنها هبة الثواب لا يصح فيها غير ذلك فإذا كان كذلك صح ~~وجود الدليل فلم يبق للمنع وجه # والثاني أن كون الجزاء مع الأعمال كالمسببات مع الأسباب وكالتوابع مع ~~المتبوعات يقضي بصحة الملك لهذا العامل كما يصح في الأمور الدنيوية وإذا ~~ثبت الملك صح التصرف بالهبة # لا يقال أن الثواب لا يملك كما يملك المال لأنه إما أن يكون في الدار ~~الآخرة فقط وهو النعيم الحاصل هنالك والآن لم يملك منه شيئا وإما أن يملك ~~هنا منه شيئا حسبما اقتضاه قوله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فلنحيينه حياة طيبة الآية فذلك بمعنى الجزاء في الآخرة أي أنه ينال في ~~الدنيا طيب عيش من غير كدر مؤثر في طيب عيشه كما ينال في الآخرة أيضا ~~النعيم الدائم فليس له أمر يملكه الآن حتى تصح هبته وإنما ذلك في الأموال ~~التي يصح حوزها وملكها الآن # لأنا نقول هو وإن لم يملك نفس الجزاء فقد كتب له في غالب الظن عند الله ~~تعالى واستقر له ملكا بالتمليك وإن لم يحزه الآن ولا يلزم من الملك الحوز # وإذا صح مثل هذا في المال وصح التصرف فيه بالهبة وغيرها صح فيما نحن فيه ~~فقد يقول القائل ما ورثته من فلان فقد وهبته لفلان ويقول إن اشترى لي وكيلي ~~عبدا فهو حر أو ms381 هبة لأخي وما أشبه ذلك وإن لم يحصل شيء من ذلك PageV02P241 ~~في حوزه وكما يصح هذا التصرف فيما بيد الوكيل فعله وإن لم يعلم به الموكل ~~فضلا عن أن يحوزه من يد الوكيل يصح أيضا التصرف بمثله فيما هو بيد الله ~~الذي هو على كل شيء وكيل فقد وضح إذا مغزى النظر في هبة الثواب والله ~~الموفق للصواب ### || AUTO المسألة الثامنة # من مقصود الشارع في الأعمال دوام المكلف عليها والدليل على ذلك واضح ~~كقوله تعالى إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون وقوله يقيمون الصلاة ~~وإقام الصلاة بمعنى الدوام عليها بهذا فسرت الإقامة حيث ذكرت مضافة إلى ~~الصلاة وجاء هذا كله في معرض المدح وهو دليل على قصد الشارع إليه وجاء ~~الأمر به صريحا في مواضع كثيرة كقوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وفي الحديث # أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل وقال # خذوا من العمل ماتطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا وكان عليه الصلاة ~~والسلام إذا عمل عملا أثبته وكان عمله ديمة وأيضا فإن في توقيت الشارع ~~وظائف العبادات من مفروضات ومسنونات ومستحبات في أوقات معلومة الأسباب ~~ظاهرة ولغير أسباب ما يكفي في حصول القطع بقصد الشارع إلى إدامة الأعمال ~~وقد قيل في قوله تعالى في الذين ترهبوا فما رعوها حق رعايتها إن عدم ~~مراعاتهم لها هو تركها بعد الدخول فيها والإستمرار PageV02P242 ### || AUTO فصل # فمن هنا يؤخذ حكم ما ألزمه الصوفية أنفسهم من الأوراد في الأوقات وأمروا ~~بالمحافظة عليها بإطلاق لكنهم قاموا بأمور لا يقوم بها غيرهم فالمكلف إذا ~~أراد الدخول في عمل غير واجب فمن حقه أن لا ينظر إلى سهولة الدخول فيه ~~ابتداء حتى ينظر في مآله فيه وهل يقدر على الوفاء به طول عمره أم لا فإن ~~المشقة التي تدخل على المكلف من وجهين أحدهما من جهة شدة التكليف في نفسه ~~بكثرته أو ثقله في نفسه والثاني من جهة المداومة عليه وإن كان في نفسه خفيفا # وحسبك من ذلك الصلاة فإنها من جهة ms382 حقيقتها خفيفة فإذا انضم إليها معنى ~~المداومة ثقلت والشاهد لذلك قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها ~~لكبيرة إلا على الخاشعين فجعلها كبيرة حتى قرن بها الأمر بالصبر واستثني ~~الخاشعين فلم تكن عليهم كبيرة لأجل ما وصفهم به من الخوف الذي هو سائق ~~والرجاء الذي هو حاد وذلك ما تضمنه قوله الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم الآية ~~فإن الخوف والرجاء يسهلان الصعب فإن الخائف من الأسد يسهل عليه تعب الفرار ~~والراجي لنيل مرغوبه يقصر عليه الطويل من المسافة ولأجل الدخول في الفعل ~~على قصد الإستمرار وضعت التكاليف على التوسط وأسقط الحرج ونهى عن التشديد ~~وقد قال عليه الصلاة والسلام # إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله فإن ~~المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وقال # من يشاد هذا الدين يغلبه وهذا يشمل التشديد بالدوام كما يشمل التشديد ~~بأنفس الأعمال والأدلة على هذا المعنى كثيرة PageV02P243 ### || AUTO المسألة التاسعة # الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة بمعنى أنه لا يختص بالخطاب بحكم من ~~أحكامها الطلبية بعض دون بعض ولا يحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف ألبتة ~~والدليل على ذلك مع أنه واضح أمور # أحدها النصوص المتضافرة كقوله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا وقوله قل يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا وقوله عليه ~~الصلاة والسلام # بعثت إلى الأحمر والأسود وأشباه هذه النصوص مما يدل على أن البعثة عامة ~~لا خاصة ولو كان بعض الناس مختصا بما لم يخص به غيره لم يكن مرسلا للناس ~~جميعا إذ يصدق على من لم يكلف PageV02P244 ~~بذلك الحكم الخاص أنه لم يرسل إليه به فلا يكون مرسلا بذلك الحكم الخاص ~~إلى الناس جميعا وذلك باطل فما أدى إليه مثله بخلاف الصبيان والمجانين ~~ونحوهم ممن ليس بمكلف فإنه لم يرسل إليه بإطلاق ولا هو داخل تحت الناس ~~المذكورين في القرآن فلا اعتراض به وما تعلق بأفعالهم من الأحكام المنسوبة ~~إلى خطاب الوضع فظاهر الأمر فيه # والثاني أن الأحكام إذا كانت موضوعة ms383 لمصالح العباد فالعباد بالنسبة إلى ~~ما تقتضيه من المصالح مرآة فلو وضعت على الخصوص لم تكن موضوعة لمصالح ~~العباد بإطلاق لكنها كذلك حسبما تقدم في موضعه فثبت أن أحكامها على العموم ~~لا على الخصوص وإنما يستثنى من هذا ما كان اختصاصا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كقوله وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إلى قوله خالصة لك من ~~دون المؤمنين وقوله ترجى من تشاء منهن الآية وما أشبه ذلك مما ثبت فيه ~~الإختصاص به بالدليل ويرجع إلى هذا ما خص هو به بعض أصحابه كشهادة خزيمة ~~فإنه راجع إليه عليه الصلاة والسلام PageV02P245 ~~أو غير راجع إليه كاختصاص أبي بردة بن نيار بالتضحية بالعناق الجذعة وخصه ~~بذلك قوله # ولن تجزىء عن أحد بعدك فهذا لا نظر فيه إذ هو راجع إلى جهة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولأجله وقع النص على الإختصاص في مواضعه إعلاما بأن الأحكام ~~الشرعية خارجة عن قانون الإختصاص # والثالث اجماع العلماء المتقدمين على ذلك من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ~~ولذلك صيروا أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة للجميع في أمثالها ~~وحاولوا فيما وقع من الأحكام على قضايا معينة وليس لها صيغ عامة أن تجري ~~على العموم إما بالقياس أو بالرد إلى الصيغة أن تجري على العموم المعنوي أو ~~غير ذلك من المحاولات بحيث لا يكون الحكم على الخصوص في النازلة الأولى ~~مختصا به وقد قال تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكى لا يكون على ~~المؤمنين حرج الآية فقرر الحكم في مخصوص ليكون عاما في الناس وتقرر صحة ~~الإجماع لا يحتاج إلى مزيد لوضوحه عند من زاول أحكام الشريعة # والرابع أنه لو جاز خطاب البعض ببعض الأحكام حتى يخص بالخروج عنه بعض ~~الناس لجاز مثل ذلك في قواعد الإسلام أن لا يخاطب بها بعض من كملت فيه شروط ~~التكليف بها وكذلك في الإيمان الذي هو رأس الأمر PageV02P246 ~~وهذا باطل فما لزم عنه مثله ولا أعنى بذلك ما كان نحو الولايات وأشباهها ~~من ms384 القضاء والإمامة والشهادة والفتيا فى النوازل والعرافة والنقابة ~~والكتابة والتعليم للعلوم وغيرها فإن هذه الأشياء راجعة إلى النظر فى شرط ~~التكليف بها وجامع الشروط فى التكليف القدرة على المكلف به فالقادر على ~~القيام بهذه الوظائف مكلف بها على الإطلاق والعموم ومن لا يقدر على ذلك سقط ~~التكليف عنه بإطلاق كالأطفال والمجانين بالنسبة إلى الطهارة والصلاة ونحوها ~~فالتكليف عام لا خاص من جهة القدرة أو عدمها لا من جهة أخرى بناء على منع ~~التكليف بما لا يطاق وكذلك الأمر فى كل ما كان موهما للخطاب الخاص كمراتب ~~الإيغال فى الأعمال ومراتب الإحتياط على الدين وغير ذلك ### || AUTO فصل # وهذا الأصل يتضمن فوائد عظيمة # منها أنه يعطى قوة عظيمة فى إثبات القياس على منكريه من جهة أن الخطاب ~~الخاص ببعض الناس والحكم الخاص كان واقعا فى زمن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كثيرا ولم يؤت فيها بدليل عام يعم أمثالها من الوقائع فلا يصح PageV02P247 ~~مع العلم بأن الشريعة موضوعة على العموم والإطلاق إلا أن يكون الخصوص ~~الواقع غير مراد وليس فى القضية لفظ يستند إليه فى إلحاق غير المذكور ~~بالمذكور فأرشدنا ذلك إلى أنه لا بد فى كل واقعة وقعت إذ ذاك أن يلحق بها ~~ما فى معناها وهو معنى القياس وتأيد بعمل الصحابة رضى الله عنهم فانشرح ~~الصدر لقبوله ### || AUTO ولعل هذا يبسط فى - كتاب الأدلة بعد هذا إن شاء الله # ومنها أن كثيرا ممن لم يتحقق بفهم مقاصد الشريعة يظن أن الصوفية جرت على ~~طريقة غير طريقة الجمهور وأنهم امتازوا بأحكام غير الأحكام المبثوثة فى ~~الشريعة مستدلين على ذلك بأمور من أقوالهم وأفعالهم ويرشحون ذلك بما يحكى ~~عن بعضهم أنه سئل عما يجب فى زكاة كذا فقال على مذهبنا أو على مذهبكم ثم ~~قال أما على مذهبنا فالكل لله وأما على مذهبكم فكذا وكذا # وعند ذلك افترق الناس فيهم فمن مصدق بهذا الظاهر مصرح بأن الصوفية اختصت ~~بشريعة خاصة هى أعلى مما بث فى الجمهور ومن مكذب ومشنع يحمل ms385 عليهم وينسبهم ~~إلى الخروج عن الطريقة المثلى والمخالفة للسنة وكلا الفريقين فى طرف وكل ~~مكلف داخل تحت أحكام الشريعة المبثوثة فى الخلق كما تبين آنفا ولكن روح ~~المسألة الفقه فى الشريعة حتى يتبين ذلك والله المستعان # ومن ذلك أن كثيرا يتوهمون أن الصوفية أبيح لهم أشياء لم تبح لغيرهم لأنهم ~~ترقوا عن رتبة العوام المنهمكين فى الشهوات إلى رتبة الملائكة الذين سلبوا ~~الإتصاف بطلبها والميل إليها فاستجازوا لمن ارتسم فى طريقتهم إباحة بعض ~~الممنوعات في الشرع بناء على اختصاصهم عن الجمهور فقد ذكر نحو هذا في سماع ~~الغناء وإن قلنا بالنهي عنه كما أن من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام من ~~استباح شرب الخمر بناء على قصد التداوي بها واستجلاب النشاط فى الطاعة لا ~~على قصد التلهي PageV02P248 ~~وهذا باب فتحته الزنادقة بقولهم إن التكليف خاص بالعوام ساقط عن الخواص ~~وأصل هذا كله إهمال النظر في الأصل المتقدم فليعتن به وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة العاشرة # كما أن الأحكام والتكليفات عامة في جميع المكلفين على حسب ما كانت ~~بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما خص به كذلك المزايا ~~والمناقب # فما من مزية أعطيها رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى ما وقع استثناؤه ~~إلا وقد أعطيت أمته منا أنموذجا فهي عامة كعموم التكاليف بل قد زعم ابن ~~العربي أن سنة الله جرت أنه إذ أعطى الله نبيا شيئا أعطى أمته منه وأشركهم ~~معه فيه ثم ذكر من ذلك أمثلة # وما قاله يظهر في هذه الملة بالاستقراء # أما أولا فالوراثة العامة في الاستخلاف على الأحكام المستنبطة وقد كان من ~~الجائز أن تتعبد الأمة بالوقوف عندما حد من غير استنباط وكانت تكفي ~~العمومات والإطلاق حسبما قاله الأصوليون ولكن الله من على العباد بالخصوصية ~~التي خص بها نبيه عليه الصلاة والسلام إذ قال تعالى لتحكم بين الناس بما ~~أراك الله وقال في الأمة لعلمه الذين يستنبطونه منهم وهذا واضح فلا تطول به # وأما ثانيا فقد ظهر ذلك من مواضع كثيرة تقتصر منها ms386 على ثلاثين وجها # أحدها الصلاة من الله تعالى فقال تعالى في النبى عليه الصلاة والسلام إن ~~الله وملائكته يصلون على النبى الآية وقال في الأمة هو الذي يصلى عليكم ~~وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وقال أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة PageV02P249 ~~والثاني الإعطاء إلى الإرضاء قال تعالى في النبي ولسوف يعطيك ربك فترضى ~~وقال في الأمة ليدخلنهم مدخلا يرضونه وقال رضي الله عنهم ورضوا عنه # والثالث غفران ما تقدم وما تأخر قال تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر وفي الأمة ما روى أن الآية لما نزلت قال الصحابة هنيئا مريئا فما ~~لنا فنزل ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ويكفر عنهم سيئاتهم فعم ما تقدم وما تأخر وفي الآية الأولى إتمام النعمة في ~~قوله ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وقال في الأمة ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم الآية # وهو الوجه الرابع # والخامس الوحي وهو النبوة قال تعالى إنا أوحينا إليك وسائر ما في هذا ~~المعنى ولا يحتاج إلى شاهد وفي الأمة الرؤيا الصالحة جزء من ستة PageV02P250 ~~وأربعين جزءا من النبوة # والسادس نزول القرآن على وفق المراد قال تعالى قد نرى تقلب وجهك في ~~السماء فقد كان عليه الصلاة والسلام يحب أن يرد إلى الكعبة وقال تعالى أيضا ~~ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء لما كان قد حبب إليه النساء فلم يوقف ~~فيهن على عدد معلوم وفي الأمة قال عمر وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله ~~لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقلت يا ~~رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل ~~الله آية الحجاب قال وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه ~~فدخلت عليهم فقلت إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن فأنزل الله ~~عسى ربه إن طلقكن الآية وحديث # التي ظاهر منها زوجها فسألت النبي ms387 صلى الله عليه وسلم أن PageV02P251 ~~زوجي ظاهر مني وقد طالت صحبتي معه وقد ولدت له أولادا فقال عليه الصلاة ~~والسلام # قد حرمت عليه فرفعت رأسها إلى السماء فقالت إلى الله أشكو حاجتي إليه ثم ~~عادت فأجابها ثم ذهبت لتعيد الثالثة فأنزل الله قد سمع الله قول التي ~~تجادلك في زوجها الآية ومن هذا كثير لمن تتبع ونزلت براءة عائشة رضي الله ~~عنها من الإفك على وفق ما أرادت إذ قالت وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن ~~الله مبرءي ببرآءتي ولكن الله ما ظننت أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ~~ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن ~~يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها # وقال هلال ابن أمية والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرىء ~~ظهري من الحد فنزل والذين يرمون أزواجهم الآية وهذا خاص بزمان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لانقطاع الوحي بانقطاعه # والسابع الشفاعة قال تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا وقد ثبت شفاعة ~~هذه الأمة كقوله عليه الصلاة والسلام في أويس # يشفع في مثل ربيعة ومضر # أئمتكم شفعاؤكم وغير ذلك # والثامن شرح الصدر قال تعالى ألم نشرح لك صدرك الآية وقال في الأمة أفمن ~~شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه # والتاسع الإختصاص بالمحبة لأن محمدا حبيب الله ثبت ذلك في الحديث # إذ خرج عليه الصلاة والسلام ونفر من أصحابه يتذاكرون فقال بعضهم عجبا PageV02P252 ~~إن الله اتخذ من خلقه خليلا وقال آخر ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه الله ~~تكليما وقال آخر فعيسى كلمه الله وروحه وقال آخر آدم اصطفاه الله فخرج ~~عليهم فسلم وقال # قد سمعت كلامكم وعجبكم إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وهو كذلك وموسى نجي ~~الله وهو كذلك وعيسى روح الله وهو كذلك وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ألا وأنا ~~حبيب الله ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وأنا ms388 أول شافع ~~وأنا أول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ~~ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر وفي الأمة ~~فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه الآية # وجاء في هذا الحديث أنه أول من يدخل الجنة وأن أمته كذلك # وهو العاشر # وأنه أكرم الأولين والآخرين وقد جاء في الأمة كنتم خير أمة أخرجت للناس # وهو الحادي عشر # والثاني عشر أنه جعل شاهدا على أمته اختص بذلك دون الأنبياء عليهم السلام ~~وفي القرآن الكريم وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا # والثالث عشر خوارق العادات معجزات وكرامات للنبي صلى الله عليه وسلم وفي ~~حق الأمة كرامات وقد وقع الخلاف هل يصح أن يتحدي الولي PageV02P253 ~~بالكرامة دليلا على أنه ولي أم لا وهذا الأصل شاهد له وسيأتي بحول الله وقدرته # والرابع عشر الوصف بالحمد في الكتب السالفة وبغيره من الفضائل ففي القرآن ~~ومبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه أحمد وسميت أمته الحمادين الجهادين # والخامس عشر العلم مع الأمية قال تعالى هو الذى بعث في الأميين رسولا ~~منهم وقال فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله الآية وفي الحديث # نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب # والسادس عشر مناجاة الملائكة ففي النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر وقد روى ~~في بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه كان يكلمه الملك كعمران بن الحصين ونقل ~~عن الأولياء من هذا # والسابع عشر العفو قبل السؤال قال تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم وفي ~~الأمة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم # والثامن عشر رفع الذكر قال تعالى ورفعنا لك ذكرك وذكر أن معناه قرن اسمه ~~باسمه في عقد الإيمان وفي كلمة الأذان فصار ذكره عليه الصلاة والسلام ~~مرفوعا منوها به وقد جاء من ذكر الأمة ومدحهم والثناء عليهم في القرآن وفي ~~الكتب السالفة كثير وجاء في بعض الأحاديث عن PageV02P254 ~~موسى عليه الصلاة والسلام أنه قال # اللهم اجعلني من أمة ms389 أحمد لما وجد في التوراة من الإشادة بذكرهم والثناء عليهم # والتاسع عشر أن معاداتهم معاداة لله وموالاتهم موالاة لله قال تعالى إن ~~الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله وفي الحديث # من آذاني فقد آذى الله وفي الحديث # من آذى وليا فقد بارزني بالمحاربة وقال تعالى من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله ومفهومه من لم يطع الرسول لم يطع الله # وتمام العشرين الاجتباء فقال تعالى في الأنبياء عليهم السلام واجتبيناهم ~~وهديناهم إلى صراط مستقيم وفي الأمة هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام مصطفى من الخلق # وقال في الأمة ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا # والحادي والعشرون التسليم من الله ففي أحاديث إقراء السلام من الله تعالى ~~على نبيه عليه الصلاة والسلام وقال تعالى قل الحمد لله وسلام على عباده ~~الذين اصطفى وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم PageV02P255 ~~وقال جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام في خديجة # ا اقرأ عليها السلام من ربها ومني # والثاني والعشرون التثبيت عند توقع التفلت البشري قال تعالى ولولا أن ~~ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا وفى الأمة يثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة # والثالث والعشرون العطاء من غير منة قال تعالى وإن لك لأجرا غير ممنون ~~وقال في الأمة فلهم أجر غير ممنون # والرابع والعشرون تيسير القرآن عليهم قال تعالى إن علينا جمعه وقرآنه ~~فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم أن علينا بيانه قال ابن عباس علينا أن نجمعه في ~~صدرك ثم إن علينا بيانه علينا أن نبينه على لسانك وفي الأمة ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر # والخامس والعشرون جعل السلام عليهم مشروعا في الصلاة إذ يقال في التشهد ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين PageV02P256 ~~والسادس والعشرون أنه سمى نبيه عليه السلام بجملة من أسمائه كالرءوف ~~الرحيم وللأمة نحو المؤمن والخبير والعليم والحكيم # والسابع والعشرون أمر الله تعالى بالطاعة لهم قال ms390 تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم وهم الأمراء والعلماء ~~وفي الحديث من أطاع أميري فقد أطاعني وقال # من يطع الرسول فقد أطاع الله # والثامن والعشرون الخطاب الوارد مورد الشفقة والحنان كقوله تعالى طه ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به واصبر لحكم ربك ~~فإنك بأعيننا وفي الأمة ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~الآية يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر يريد الله أن يخفف عنكم وخلق ~~الإنسان ضعيفا ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما # والتاسع والعشرون العصمة من الضلال بعد الهدى وغير ذلك من PageV02P257 ~~وجوه الحفظ العامة فالنبي صلى الله عليه وسلم قد عصمه الله تعالى من ذلك ~~كله وجاء فى الأمة # لا تجتمع أمتى على ضلالة وجاء # احفظ الله يحفظك وفى القرآن لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ~~تفسيره فى قوله # لا تجتمع أمتى على ضلالة وفى قوله # وإنى والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدى ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها # وتمام الثلاثين إمامة الأنبياء ففى حديث الإسراء أنه عليه الصلاة والسلام ~~أم بالأنبياء قال # وقد رأيتنى فى جماعة من الأنبياء فحانت الصلاة فأممتهم # وفى حديث نزول عيسى عليه السلام إلى الأرض فى آخر الزمان # إن إمام PageV02P258 ~~هذه الأمة منها وأنه يصلى مؤتما بإمامها ومن تتبع الشريعة وجد من هذا ~~كثيرا يدل على أن أمته تقتبس منه خيرات وبركات وترث أوصافا وأحوالا موهوبة ~~من الله تعالى ومكتسبة والحمد لله على ذلك ### || AUTO فصل # وهذا الأصل ينبنى عليه قواعد # منها أن جميع ما اعطيته هذه الأمة من المزايا والكرامات والمكاشفات ~~والتأييدات وغيرها من الفضائل إنما هى مقتبسة من مشكاة نبينا صلى الله عليه ~~وسلم لكن على مقدار الإتباع فلا يظن ظان أنه حصل على خير بدون وساطة نبوته ~~كيف وهو السراج المنير الذى يستضىء به الجميع والعلم الأعلى الذى به يهتدى ~~فى سلوك الطريق # ولعل قائلا يقول قد ظهرت ms391 على أيدى الأمة أمور لم تظهر على يدى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا سيما الخواص التى اختص بها بعضهم كفرار الشيطان من ظل ~~عمر بن الخطاب رضى الله عنه وقد نازع النبي عليه الصلاة والسلام فى صلاته ~~الشيطان وقال لعمر # ما سلكت فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجك وجاء فى عثمان بن عفان رضى الله عنه # أن ملائكة السماء تستحي منه ولم يرد مثل هذا بالنسبة إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وجاء فى أسيد PageV02P259 ~~ابن حضير وعباد بن بشر # أنهما خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ليلة مظلمة فإذا نور ~~بين أيديهما حتى تفرقا فافترق النور معهما ولم يؤثر مثل ذلك عنه عليه ~~الصلاة والسلام إلى غير ذلك من المنقولات عن الصحابة ومن بعدهم مما لم ينقل ~~أنه ظهر مثله على يد النبي صلى الله عليه وسلم # فيقال كل ما نقل عن الأولياء أو العلماء أو ينقل إلى يوم القيامة من ~~الأحوال والخوارق والعلوم والفهوم وغيرها فهى أفراد وجزئيات داخلة تحت ~~كليات ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم غير أن أفراد الجنس وجزئيات ~~الكلي قد تختص بأوصاف تليق بالجزئي من حيث هو جزئي وإن لم يتصف بها الكلي ~~من جهة ما هو كلي ولا يدل ذلك على أن للجزئي مزية على الكلي ولا أن ذلك فى ~~الجزئي خاص به لا تعلق له بالكلي كيف والجزئي لا يكون كليا إلا بجزئي إذ هو ~~من حقيقته وداخل فى ماهيته فكذلك الأوصاف الظاهرة على الأمة لم تظهر إلا من ~~جهة النبي صلى الله عليه وسلم فهى كالأنموذج من أوصافه عليه الصلاة والسلام ~~وكراماته # والدليل على صحة ذلك أن شيئا منها لا يحصل إلا على مقدار الإتباع ~~والإقتداء به ولو كانت ظاهرة للأمة على فرض الاختصاص بها والإستقلال لم تكن ~~المتابعة شرطا فيها ويتبين هذا بالمثال المذكور فى شأن عمر PageV02P260 ~~ألا ترى أن خاصيته المذكورة هى هروب الشيطان منه وذلك حفظ من الوقوع ~~فىحبائله وحمله ms392 إياه على المعاصى وأنت تعلم أن الحفظ التام المطلق العام ~~خاصية الرسول صلى الله عليه وسلم إذ كان معصوما عن الكبائر والصغائر على ~~العموم والإطلاق ولا حاجة إلى تقرير هذا المعنى هنا فتلك النقطة الخاصة ~~بعمر من هذا البحر # وأيضا فإن فرار الشيطان أو بعده من الإنسان إنما المقصود منه الحفظ من ~~غير زيادة وقد زادت مزية النبي صلى الله عليه وسلم فيه خواص منها أنه عليه ~~الصلاة والسلام أقدره الله على تمكنه من الشيطان حتى هم أن يربطه إلى سارية ~~المسجد ثم تذكر قول سليمان عليه السلام هب لي ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى ~~ولم يقدر عمر على شىء من ذلك ومنها أن النبي عليه الصلاة والسلام اطلع على ~~ذلك من نفسه ومن عمر ولم يطلع عمر على شىء منه ومنها أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان آمنا من نزعات الشيطان وإن قرب منه وعمر لم يكن آمنا وإن بعد عنه # وأما منقبة عثمان فلم يرد ما يعارضها بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بل نقول هو أولى بها وإن لم يذكرها عن نفسه إذ لا يلزم من عدم ذكرها عدمها # وأيضا فإن ذلك لعثمان لخاصية كانت فيه وهى شدة حيائه وقد كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم أشد الناس حياء وأشد حياء من العذراء فى خدرها فإذا كان ~~الحياء أصلها فالنبى عليه الصلاة والسلام هو الذى حواه على الكمال # وعلى هذا الترتيب يجري القول فى أسيد وصاحبه لأن المقصود بذلك الإضاءة ~~حتى يمكن المشي فى الطريق ليلا بلا كلفة والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن ~~الظلام يحجب بصره بل كان يرى فى الظلمة كما يرى فى الضوء بل PageV02P261 ~~كان لا يحجب بصره ما هو أكثف من حجاب الظلمة فكان يرى من خلفه كما يرى من ~~أمامه وهذا أبلغ حيث كانت الخارقة في نفس البصر لا في المبصر به على أن ذلك ~~إنما كان من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام وكراماته التي ظهرت في أمته ~~بعده وفي زمانه ms393 # فهذا التقرير هو الذي ينبغي الإعتماد عليه والأخذ لهذه الأمور من جهته ~~لاعلى الجملة فربما يقع للناظر فيها ببادىء الرأى إشكال ولا إشكال فيها ~~بحول الله وانظر في كلام القرافي في قاعدة الأفضلية والخاصية # فصل # ومن الفوائد في هذا الأصل أن ينظر إلى كل خارقة صدرت على يدي أحد فإن كان ~~لها أصل في كرامات الرسول عليه الصلاة والسلام ومعجزاته فهي صحيحة وإن لم ~~يكن لها أصل فغير صحيحة وإن ظهر ببادىء الرأى أنها كرامة إذ ليس كل ما يظهر ~~على يدي الإنسان من الخوارق بكرامة بل منها ما يكون كذلك ومنها ما لا يكون كذلك # وبيان ذلك بالمثال أن أرباب التصريف بالهمم والنقربات بالصناعة الفلكية ~~والأحكام النجومية قد تصدر عنهم أفاعيل خارقة وهي كلها ظلمات بعضها فوق بعض ~~ليس لها في الصحة مدخل ولا يوجد لها في كرامات النبي صلى الله عليه وسلم ~~منبع لأنه إن كان ذلك بدعاء مخصوص فدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~على تلك النسبة ولا تجري فيه تلك الهيئة ولا اعتمد على قران في الكواكب ولا ~~التمس سعودها أو نحوسها بل تحرى مجرد الإعتماد على من إليه يرجع الأمر كله ~~واللجأ إليه معرضا عن الكواكب وناهيا عن الاستناد إليها إذ قال # أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر الحديث وإن تحرى PageV02P262 ~~وقتا أو دعا إلى تحريه فلسبب برىء من هذا كله كحديث التنزل وحديث اجتماع ~~الملائكة طرفي النهار وأشباه ذلك والدعاء أيضا عبادة لا يزاد فيها ولا ينقص ~~أعني الكيفيات المستفعلة والهيئات المتكلفة التي لم يعهد مثلها فيما تقدم ### || AUTO وكذلك الأدعية التي لا تجد مساقها في متقدم الزمان ولا متأخره ~~ولا مستعمل النبي عليه الصلاة والسلام والسلف الصالح والتي روعي فيها طبائع ~~الحروف في زعم أهل الفلسفة ومن نحا نحوهم مما لم يقل به غيرهم وإن كان بغير ~~دعاء كتسليط الهمم على الأشياء حتى تنفصل فذلك غير ثابت النقل ولا تجد له ~~أصلا بل أصل ذلك حال حكمي وتدبير فلسفي لا شرعي ms394 هذا وإن كان الإنفعال ~~الخارق حاصلا به فليس بدليل على الصحة كما أنه قد يتعدى ظاهرا بالقتل ~~والجرح بل قد يوصل بالسحر والعين إلى أمثال ذلك ولا يكون شاهدا على صحته بل ~~هو باطل صرف وتعد محض وهذا الموضع مزلة قدم للعوام ولكثير من الخواص ~~فليتنبه له # فصل # ومنها أنه لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر وبشر وأنذر وندب ~~وتصرف بمقتضى الخوارق من الفراسة الصادقة والإلهام الصحيح والكشف الواضح ~~والرؤيا الصالحة كان من فعل مثل ذلك ممن اختص بشيء من هذه الأمور على طريق ~~من الصواب وعاملا بما ليس بخارج عن المشروع لكن مع مراعاة شرط ذلك ومن ~~الدليل على صحته زائدا إلى ما تقدم أمران PageV02P263 ~~أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عمل بمقتضى ذلك أمرا ونهيا وتحذيرا ~~وتبشيرا وإرشادا مع أنه لم يذكر أن ذلك خاص به دون أمته فدل على أن الأمة ~~حكمهم في ذلك حكمه شأن كل عمل صدر منه ولم يثبت دليل على الإختصاص به دون ~~غيره ويكفي من ذلك ما ترك بعده في أمته من المبشرات وإنما فائدتها البشارة ~~والنذارة التي يترتب عليها الإقدام والإحجام # وقد قال عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر في رؤياه الملكين وقولهما له # نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة فلم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة وفي رواية ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل وقال عليه الصلاة ~~والسلام لأبي ذر # إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين ~~مال يتيم وقوله لثعلبة بن حاطبة وسأله الدعاء له بكثرة المال # قليل تودي شكره خير من كثير لا تطيقه وقال لأنس # اللهم كثر ماله وولده ودل عليه الصلاة الصلاة PageV02P264 ~~الصلاة والسلام أناسا شتى على ما هو أفضل الأعمال في حق كل واحد منهم عملا ~~بالفراسة الصادقة فيهم وقال # لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه فأعطاها عليا ms395 رضي الله عنه ~~ففتح الله على يديه وقال لعثمان بن عفان إنه # لعل الله أن يقمصك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه فرتب على الإطلاع ~~الغيبي وصاياه النافعة وأخبر أنه ستكون لهم أنماط ويغدوأحدهم في حلة ويروح ~~في أخرى وتوضع بين يديه صحفه وترفع أخرى ثم قال آخر الحديث # وأنتم اليوم خير منكم يومئذ وأخبر بملك معاوية ووصاه وأن عمارا تقتله ~~الفئة الباغية وبأمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ثم وصاهم كيف يصنعون وأنهم ~~سيلقون بعده أثرة ثم أمرهم بالصبر إلى سائر ما أخبر به عليه الصلاة والسلام ~~من المغيبات التي حصلت بها فوائد الإيمان والتصديق والتحذير والتبشير وغير ~~ذلك وهو أكثر من أن يحصى PageV02P265 ~~والثانى عمل الصحابة رضى الله عنهم بمثل ذلك من الفراسة والكشف والإلهام ~~والوحي النومي كقول أبي بكر إنما هما أخواك وأختاك وقول عمر يا سارية الجبل ~~فأعمل النصيحة التى أنبأ عنها الكشف ونهيه لمن أراد أن يقص على الناس وقال ~~أخاف أن تنتفخ حتى تبلغ الثريا وقوله لمن قص عليه رؤياه أن الشمس والقمر ~~رآهما يقتتلان فقال مع أيهما كنت قال مع القمر قال كنت مع الآية الممحوة لا ~~تلى عملا أبدا ويكثر نقل مثل هذا عن السلف الصالح ومن بعدهم من العلماء ~~والأولياء نفع الله بهم ولكن يبقى هنا النظر فى شرط العمل على مقتضى هذه ~~الأمور والكلام فيه يحتمل بسطا # فلنفرده بالكلام عليه وهى ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # وذلك أن هذه الأمور لا يصح أن تراعى وتعتبر إلا بشرط أن لا تخرم حكما ~~شرعيا ولا قاعدة دينية فإن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكما شرعيا ليس بحق فى ~~نفسه بل هو إما خيال أو وهم وإما من القاء الشيطان وقد يخالطه ما هو حق وقد ~~لا يخالطه وجميع ذلك لا يصح اعتباره من جهة معارضته لما هو ثابت مشروع وذلك ~~أن التشريع الذى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم عام لا خاص كما تقدم ~~فى المسألة قبل هذا وأصله لا ينخرم ms396 ولا ينكسر له اطراد ولا يحاشى من الدخول ~~تحت حكمه مكلف وإذا كان كذلك فكل ما جاء من هذا القبيل الذى نحن بصدده ~~مضادا لما تمهد فى الشريعة فهو فاسد باطل # ومن أمثله ذلك مسألة سئل عنها ابن رشد فى حاكم شهد عنده عدلان مشهوران ~~بالعدالة فى أمر فرأى الحاكم فى منامه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له # لا تحكم بهذه الشهادة فإنها باطل فمثل هذا من الرؤيا لا معتبر بها فى أمر ~~ولا نهي ولا بشارة ولا نذارة لأنها تخرم قاعدة من قواعد الشريعة وكذلك PageV02P266 ~~سائر ما يأتي من هذا النوع وما روى أن أبا بكر رضى الله عنه أنفذ وصية رجل ~~بعد موته برؤيا رؤيت فهى قضية عين لا تقدح فى القواعد الكلية لإحتمالها ~~فلعل الورثة رضوا بذلك فلا يلزم منها خرم أصل # وعلى هذا لو حصلت له مكاشفة بأن هذا الماء المعين مغصوب أو نجس أو أن هذا ~~الشاهد كاذب أو أن المال لزيد وقد تحصل بالحجة لعمرو أو ما أشبه ذلك فلا ~~يصح له العمل على وفق ذلك ما لم يتعين سبب ظاهر فلا يجوز له الإنتقال إلى ~~التيمم ولا ترك قبول الشاهد ولا الشهادة بالمال لزيد على حال فإن الظواهر ~~قد تعين فيها بحكم الشريعة أمر آخر فلا يتركها اعتمادا على مجرد المكاشفة ~~أو الفراسة كما لا يعتمد فيها على الرؤيا النومية ولو جاز ذلك لجاز نقض ~~الأحكام بها وإن ترتبت فى الظاهر موجباتها وهذا غير صحيح بحال # فكذا ما نحن فيه ### || AUTO وقد جاء فى - الصحيح # إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحكم له على نحو ~~ما أسمع منه الحديث فقيد الحكم PageV02P267 ~~بمقتضى ما يسمع وترك ما وراء ذلك وقد كان كثير من الأحكام التى تجرى على ~~يديه يطلع على أصلها وما فيها من حق وباطل ولكنه عليه الصلاة والسلام لم ~~يحكم إلا على وفق ما سمع لا على وفق ما علم وهو أصل فى منع الحاكم ms397 أن يحكم بعلمه # وقد ذهب مالك فى القول المشهور عنه أن الحاكم إذا شهدت عنده العدول بأمر ~~يعلم خلافه وجب عليه الحكم بشهادتهم إذا لم يعلم منهم تعمد الكذب لأنه إذا ~~لم يحكم بشهادتهم كان حاكما بعلمه هذا مع كون علم الحاكم مستفادا من ~~العادات التى لا ريبة فيها لا من الخوارق التى تداخلها أمور والقائل بصحة ~~حكم الحاكم بعلمه فذلك بالنسبة إلى العلم المستفاد من العادات لا من ~~الخوارق # ولذلك لم يعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحجة العظمى وحكى ابن ~~العربي عن قاضى القضاة الشاشي المالكي ببغداد أنه كان يحكم بالفراسة فى ~~الأحكام جريا على طريقة إياس بن معاوية أيام كان قاضيا قال ولشيخنا فخر ~~الإسلام أبي بكر الشاشي جزء فى الرد عليه هذا ما قال وهو حقيق بالرد إن كان ~~يحكم بالفراسة مطلقا من غير حجة سواها # فإن قيل هذا مشكل من وجهين # أحدهما أنه خلاف ما نقل عن أرباب المكاشفات والكرامات فقد امتنع أقوام عن ~~تناول أشياء كان جائزا لهم فى الظاهر تناولها اعتمادا على كشف أو إخبار غير ~~معهود ألا ترى إلى ما جاء عن الشبلي حين اعتقد أن لا يأكل إلا من الحلال ~~فرأى بالبادية شجرة تين فهم أن يأكل منها فنادته الشجرة أن PageV02P268 ~~لا تأكل منى فإنى ليهودي وعن عباس ابن المهتدى أنه تزوج امرأة فليلة ~~الدخول وقع عليه ندامة فلما أراد الدنو منها زجر عنها فامتنع وخرج فبعد ~~ثلاثة أيام ظهر لها زوج وكذلك من كان له علامة عادية أو غير عادية يعلم بها ~~هل هذا المتناول حلال أم لا كالحارث المحاسبي حيث كان له عرق فى بعض أصابعه ~~إذا مد يده إلى ما فيه شبهة تحرك فيمتنع منه # وأصل ذلك حديث أبي هريرة رضى الله عنه وغيره فى قصة الشاه المسمومة وفيه ~~فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل القوم وقال # ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة ومات بشر بن البراء الحديث فبنى ~~رسول الله صلى الله عليه ms398 وسلم على ذلك القول وانتهى هو ونهى أصحابه عن ~~الأكل بعد الإخبار وهذا أيضا موافق لشرع من قبلنا وهو شرع لنا إلا أن يرد ~~ناسخ وذلك فى قصة بقرة بنى إسرائيل إذ أمروا بذبحها وضرب القتيل ببعضها ~~فأحياه الله وأخبر بقاتله فرتب عليه الحكم بالقصاص وفى قصة الخضر فى خرق ~~السفينة وقتل الغلام وهو ظاهر فى هذا المعنى إلى غير ذلك مما يؤثر فى ~~معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكرامات الأولياء رضى الله عنهم # والثانى أنه إذا ثبت أن خوارق العادات بالنسبة إلى الأنبياء والأولياء ~~كالعادات بالنسبة إلينا فكما لو دلنا أمر عادي على نجاسة الماء أو غصبه ~~لوجب علينا الإجتناب فكذلك ههنا إذ لا فرق بين إخبار من عالم الغيب أو من ~~عالم الشهادة كما أنه لا فرق بين رؤية البصر لوقوع النجاسة فى الماء ~~ورؤيتها بعين الكشف الغيبي فلا بد أن يبني الحكم على هذا كما يبني على ذلك ~~ومن فرق بينهما فقد أبعد PageV02P269 ~~فالجواب أن لا نزاع بيننا فى أنه قد يكون العمل على وفق ما ذكر صوابا ~~وعملا بما هو مشروع على الجملة وذلك من وجهين # أحدهما الإعتبار بما كان من النبي صلى الله عليه وسلم فيه فيلحق به فى ~~القياس ما كان فى معناه إذا لم يثبت أن مثل هذا من الخوارق مختص بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم من حيث كان من الأمور الخارقة بدليل الواقع وإنما يختص به ~~من حيث كان معجزا وتكون قصة الخضر على هذا مما نسخ فى شريعتنا # على أن خرق السفينة قد عمل بمقتضاه بعض العلماء بناء على ما ثبت عنده من ~~العادات أما قتل الغلام فلا يمكن القول به وكذلك قصة البقرة منسوخة على أحد ~~التأويلين ومحكمة على التأويل الآخر على وفق القول المذهبي فى قول المقتول ~~دمي عند فلان # والثاني على فرض أنه لا يقاس وهو خلاف مقتضى القاعدة الأولى إذ الجارى ~~عليها العمل بالقياس ولكن أن قدرنا عدمه فنقول إن هذه الحكايات عن الأولياء ~~مستندة إلى نص ms399 شرعي وهو طلب اجتناب حزاز القلوب الذى هو الإثم وحزاز القلوب ~~يكون بأمور لا تنحصر فيدخل فيها هذا النمط وقد قال عليه الصلاة والسلام # البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك فى صدرك فإذا لم يخرج هذا عن ~~كونه مستندا إلى نصوص شرعية عند من PageV02P270 ~~فسر حزاز القلوب بالمعنى الأعم الذي لا ينضبط إلى أمر معلوم ولكن ليس فى ~~اعتبار مثل هذه الأمور ما يخل بقاعدة شرعية وكلامنا إنما هو فى مثل مسألة ~~ابن رشد وأشباهها وقتل الخضر الغلام على هذا لا يمكن القول بمثله فى ~~شريعتنا ألبتة فهو حكم منسوخ ووجه ما تقرر أنه إن كان ثم من الحكايات ما ~~يشعر بمقتضى السؤال فعمدة الشريعة تدل على خلافة فإن أصل الحكم بالظاهر ~~مقطوع به فى الأحكام خصوصا وبالنسبة إلى الاعتقاد فى الغير عموما أيضا فإن ~~سيد البشر صلى الله عيله وسلم مع إعلامه بالوحي يجرى الأمور على ظواهرها فى ~~المنافقين وغيرهم وإن علم بواطن أحوالهم ولم يكن ذلك بمخرجة عن جريان ~~الظواهر على ما جرت عليه # ولا يقال إنما كان ذلك من قبيل ما قال خوفا أن يقول الناس إن محمدا يقتل ~~أصحابه فالعلة أمر آخر لا ما زعمت فإذا عدم ما علل به فلا حرج لأنا نقول ~~هذا من أدل الدليل على ما تقرر لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ ~~ترتيب الظواهر فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر فالعذر فيه ظاهر واضح ومن ~~طلب قتله بغير سبب ظاهر بل بمجرد أمر غيبي ربما شوش الخواطر وران على ~~الظواهر وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة ألا ترى إلى باب الدعاوي ~~المستند إلى أن البينة على المدعى واليمين على من أنكر ولم يستثن من ذلك ~~أحد حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتاج إلى البينة فى بعض ما أنكر ~~فيه مما كان اشتراه فقال من يشهد لي حتى شهد له خزيمة بن ثابت فجعلها الله ~~شهادتين فما ظنك بآحاد الأمة فلو ms400 ادعى أكبر الناس على أصلح الناس لكانت ~~البينة على المدعى واليمين على من أنكر وهذا من ذلك والنمط واحد ~~فالإعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي PageV02P271 ~~الشرعية ومن هنا لم يعبأ الناس من الأولياء وغيرهم بكل كشف أو خطاب خالف ~~المشروع بل عدوا أنه من الشيطان وإذا ثبت هذا فقضايا الأحوال المنقولة عن ~~الأولياء محتملة # وما ذكر من تكليم الشجرة فليس بمانع شرعي بحيث يكون تناول التين منها ~~حراما على المكلم كما لو وجد فى الفلاة صيدا فقال له إني مملوك وما أشبه ~~ذلك لكنه تركه لغناه عنه بغيره من يقين بالله أو ظن طعام بموضع آخر أو غير ~~ذلك وكذلك سائر ما فى هذا الباب أو نقول كان المتناول مباحا له فتركه لهذه ~~العلامة كما يترك الإنسان أحد الجائزين لمشورة أو رؤيا أو غير ذلك حسبما ~~يذكر بعد بحول الله تعالى فكذلك نقول فى الماء الذي كوشف أنه نجس أو مغصوب ~~وإذا كان له مندوحة عنها بحيث لا ينخرم له أصل شرعي فى الظاهر بل يصير ~~منتقلا من جائز إلى مثله فلا حرج عليه مع أنه لو فرضنا مخالفته لمقتضى ذلك ~~الكشف إعمالا للظاهر واعتمادا على الشرع فى معاملته به فلا حرج عليه ولا ~~لوم إذ ليس القصد بالكرامات والخوارق أن تخرق أمرا شرعيا ولا أن تعود على ~~شىء منه بالنقض كيف وهى نتائج عن اتباعه فمحال أن ينتج المشروع ما ليس ~~بمشروع أو يعود الفرع على أصله بالنقض هذا لا يكون ألبتة # وتأمل ما جاء فى شأن المتلاعنين إذ قال عليه الصلاة والسلام # إن جاءت به على صفة كذا فهو لفلان وإن جاءت به على صفة كذا فهو لفلان ~~فجاءت به على احدى الصفتين وهى المقتضية للمكروه ومع ذلك فلم يقم الحد ~~عليها وقد جاء فى الحديث نفسه # لولا الأيمان لكان لي ولها شأن فدل على أن الأيمان هي المانعة وامتناعه ~~مما هم به يدل على أن ما تغرس به لا حكم له حين شريعة الأيمان ولو ثبت ~~بالبينة ms401 أو بالإقرار بعد الأيمان ما قال الزوج لم تكن الأيمان دارئة للحد عنها # والجواب على السؤال الثانى أن الخوارق وإن صارت لهم كغيرها فليس PageV02P272 ~~ذلك بموجب لإعمالها على الإطلاق إذا لم يثبت ذلك شرعا معمولا به وأيضا فإن ~~الخوارق إن جاءت تقتضى المخالفة فهى مدخولة قد شابها ما ليس بحق كالرؤيا ~~غير الموافقة كمن يقال له لا تفعل كذا وهو مأمور شرعا بفعله أو إفعل كذا ~~وهو منهي عنه وكثيرا ما يقع هذا لمن لم يبن أصل سلوكه على الصواب أو من سلك ~~وحده بدون شيخ ومن طالع سير الأولياء وجدهم محافظين على ظواهر الشريعة غير ~~ملتفتين فيها إلى هذه الأشياء # فإن قيل هذا يقتضى أن لا يعمل عليها وقد بنيت المسألة على أنها يعمل عليها # قيل إن المنفى هنا أن يعمل عليها بخرم قاعدة شرعية فأما العمل عليها مع ~~الموافقة فليس بمنفى ### || AUTO فصل # إذا تقرر اعتبار ذلك الشرط فأين يسوغ العمل على وفقها # فالقول فى ذلك أن الأمور الجائزات أو المطلوبات التى فيها سعة يجوز العمل ~~فيها بمقتضى ما تقدم وذلك على أوجه # أحدها أن يكون فى أمر مباح كأن يرى المكاشف أن فلانا يقصده فى الوقت ~~الفلاني أو يعرف ما قصد إليه فى إتيانه من موافقة أو مخالفة أو يطلع على ما ~~فى قلبه من حديث أو اعتقاد حق أو باطل وما أشبه ذلك فيعمل على التهيئة له ~~حسبما قصد إليه أو يتحفظ من مجيئه إن كان قصده الشر فهذا من الجائز له كما ~~لو رأى رؤيا تقتضى ذلك لكن لا 8 يعامله إلا بما هو مشروع كما تقدم والثانى ~~أن يكون العمل عليها لفائدة يرجو نجاحها فإن العاقل لا يدخل على نفسه ما ~~لعله يخاف عاقبته فقد يلحقه بسبب الالتفات إليها عجب أو غيره والكرامة كما ~~أنها خصوصية كذلك هى فتنة واختبار لينظر كيف تعملون PageV02P273 ~~وقد تقدم ذكره فإذا عرضت حاجة أو كان لذلك سبب يقتضيه فلا بأس # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ms402 يخبر بالمغيبات للحاجة إلى ذلك ~~ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام لم يخبر بكل مغيب اطلع عليه بل كان ذلك فى ~~بعض الأوقات وعلى مقتضى الحاجات وقد أخبر عليه الصلاة والسلام المصلين خلفه ~~أنه يراهم من وراء ظهره لما لهم فى ذلك من الفائدة المذكورة فى الحديث وكان ~~يمكن أن يأمرهم وينهاهم من غير إخبار بذلك وهكذا سائر كراماته ومعجزاته ~~فعمل أمته بمثل ذلك فى هذا المكان أولى منه فى الوجه الأول ولكنه مع ذلك فى ~~حكم الجواز لما تقدم من خوف العوارض كالعجب ونحوه والإخبار فى حق النبي ~~عليه الصلاة والسلام مسلم ولا يخلو إخباره من فوائد ومنها تقوية إيمان كل ~~من رأى ذلك أو سمع به هي فائدة لا تنقطع مع بقاء الدنيا # والثالث أن يكون فيه تحذير أو تبشير ليستعد لكل عدته فهذا أيضا جائز ~~كالإخبار عن أمر ينزل إن لم يكن كذا أو لا يكون إن فعل كذا فيعمل على وفق ~~ذلك على وزان الرؤيا الصالحة فله أن يجري بها مجرى الرؤيا كما روى عن أبي ~~جعفر بن تركان قال كنت أجالس الفقراء ففتح على بدينار فأردت أن أدفعه إليهم ~~ثم قلت فى نفسى لعلي أحتاج إليه فهاج بي وجع الضرس فقلعت سننا فوجعت الأخرى ~~حتى قلعتها فهتف بي هاتف إن لم تدفع إليهم الدينار لا يبقى فى فيك سن واحدة ~~وعن الروذبارى قال فى استقصاء فى أمر الطهارة فضاق صدرى ليلة لكثرة ما صببت ~~من الماء ولم يسكن قلبى فقلت يارب عفوك فسمعت هاتفا يقول العفو فى العلم ~~فزال عنى ذلك # وعلى الجملة فالشرط المتقدم لا محيص من اعتباره فى العمل بمقتضى الخوارق PageV02P274 ~~وهو المطلوب وإنما ذكرت هذه الأوجه الثلاثة لتكون مثالا يحتذى حذوه وينظر ~~فى هذا المجال إلى جهته وقد أشار هذا النحو إلى التنبيه على أصل آخر وهى ### || AUTO المسألة الثانية عشرة # إن الشريعة كما أنها عامة فى جميع المكلفين وجارية على مختلفات أحوالهم ~~فهى عامة أيضا بالنسبة إلى عالم الغيب وعالم الشهادة من ms403 جهة كل مكلف فإليها ~~نرد كل ما جاءنا من جهة الباطن كما نرد إليها كل ما فى الظاهر والدليل على ~~ذلك أشياء # منها ما تقدم فى المسألة قبلها من ترك اعتبار الخوارق إلا مع موافقة ظاهر ~~الشريعة # والثانى أن الشريعة حاكمة لا محكوم عليها فلو كان ما يقع من الخوارق ~~والأمور الغيبية حاكما عليها بتخصيص عموم أو تقييد إطلاق أو تأويل ظاهر أو ~~ما أشبه ذلك لكان غيرها حاكما عليهما وصارت هي محكوما عليها بغيرها # وذلك باطل بإتفاق فكذلك ما يلزم عنه # والثالث أن مخالفة الخوارق للشريعة دليل على بطلانها فى نفسها وذلك أنها ~~قد تكون فى ظواهرها كالكرامات وليست كذلك بل أعمالا من أعمال الشيطان كما ~~حكى عياض عن الفقيه أبي ميسرة المالكي أنه كان ليلة بمحرابه يصلى ويدعو ~~ويتضرع وقد وجد رقة فإذا المحراب قد انشق وخرج منه نور عظيم ثم بدا له وجه ~~كالقمر وقال له تملأ من وجهى يا أبا ميسرة فأنا ربك الأعلى فبصق فيه وقال ~~له اذهب يا لعين عليك لعنة الله وكما يحكى عن عبد القادر الكيلانى أنه عطش ~~عطشا شديدا فإذا سحابة قد أقبلت وأمطرت عليه شبه الرذاذ حتى شرب ثم نودي من ~~سحابة يا فلان أنا ربك وقد أحللت PageV02P275 ~~لك المحرمات فقال له اذهب يا لعين فاضمحلت السحابة وقيل له بم عرفت أنه ~~إبليس قال بقوله قد أحللت لك المحرمات هذا وأشباهه لو لم يكن الشرع حكما ~~فيها لما عرف أنها شيطانية # وقد نزعت إلى هذا المنزع فى ابتداء الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خديجة بنت خويلد زوجة رضى الله عنها فإنها قالت له أي ابن عم أتستطيع ~~أن تخبرني بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك قال نعم قالت فإذا جاءك فأخبرنى ~~به فلما جاء أخبرها فقالت قم يابن عم فاجلس على فخدى اليسرى # فجلس ثم قالت هل تراه قال نعم ثم حولته إلى فخدها اليمنى ثم إلى حجرها ~~وفى كل ذلك تقول هل تراه فيقول نعم قال ms404 الرواي فتحسرت وألقت خمارها والنبي ~~صلى الله عليه وسلم جالس فى حجرها ثم قالت هل تراه قال لا وفى رواية أنها ~~أدخلته بينها وبين درعها فذهب عند ذلك فقالت يا ابن عم اثبت وأبشر فوالله ~~إنه لملك ما هذا بشيطان # ولا يقال إن ثم مدارك أخر يختص بها الولي لا يفتقر بها إلى النظر الشرعي ~~لأنا نقول إن كان كما قلت على فرض تسليمة فتلك المدارك من جملة الكرامات ~~والخوارق إذ لا يختص بها إلا من كان وليا لله فلا فرق بينها وبين غيرها من ~~الخوارق المشاهدة فلا بد إذا من حكم يحكم بصحتها وشاهد يشهد لها وإذ ذاك ~~يلزم التسلسل وهو محال ولا يكتفى فى ذلك بدعوى الوجدان فإن الوجدان من حيث ~~هو وجدان لا دليل فيه على صحته ولا فساده لأن الآلام واللذات من المواجد ~~التى لا تنكر ولا يدل ذلك على صحتها أو فسادها شرعا وكذلك سائر الأمور التي ~~لا يقدر الإنسان على الانفكاك عنها فالغضب مثلا إذا هاج بالإنسان أمر لا ~~ينكر كالمواجد من غير فرق وقد يكون محمودا إذا كان غضبا لله ومذموما إذا ~~كان لغير الله ولا يفرق بينها إلا النظر الشرعي إذ لا يصح أن يقال PageV02P276 ~~هذا الغضب قد أدرك صاحبه أنه محمود لا مذموم من غير نظر شرعي لأن الحمد ~~والذم راجعان إلى الشرع لا إلى العقل فمن أين أدرك أنه محمود شرعا فلا يمكن ~~أن يدركه كذلك بغير الشرع أصلا ولا يصح أيضا أن ينسب تمييزه إلى المربي ~~والمعلم لأن البحث جار فيه أيضا # وإنما الذى يشكل فى المسألة أن الخوارق لا قدرة للإنسان على كسبها ولا ~~على دفعها إذ هى مواهب من الله تعالى يختص بها من يشاء من عباده فإذا وردت ~~على صاحبها فلا حكم فيها للشرع وإن فرضنا أنها غير موافقة له كورود الآلام ~~والأوجاع على الإنسان بغتة أو ورود الأفراح عليه كذلك من غير اكتساب # فكما لا توصف هذه الأشياء بحسن ولا قبح شرعا ولا يتعلق بها ms405 حكم شرعي كذلك ~~فى مسألتنا بل أشبه شىء بها الإغماء أو الجنون أو ما أشبهه فلا حكم يتعلق ~~به وإن فرضنا لحوق الضرر به على الغير كما إذا أتلف المجنون مالا أو قتل ~~نفسا أو شرب خمرا فى حال جنونه ألا ترى ما يحكى عن جملة منهم فى استغراقهم ~~فى الأحوال حتى تمضي عليهم أوقات الصلوات وهم لا يشعرون ويقع منهم الوعد ~~فيؤحذون عن أنفسهم فى المكاشفات والمنازلات فلا يفون ويكاشفون بأحوال الخلق ~~بحيث يطلعون على عوراتهم إلى ما أشبه ذلك # فهذا وما كان مثله إذا كان واقعا منهم ومنقولا عنهم وهو داخل عليهم شاءوا ~~أن أبوا فكيف ينكر فى نفسه أو يعد مما يدخل تحت أحكام الشريعة # والجواب أن ما تقدم من الأدلة كاف فى إثبات أصل المسألة وما اعترض به لا ~~اعتراض به فإن الخوارق وإن كانت لا قدرة لإنسان فى كسبها ولا دفعها فلقدرته ~~تعلق بأسباب هذه المسببات وقد مر أن الأسباب هى التى خوطب المكلف بها أمرا ~~أونهيا ومسبباتها خلق لله فالخوارق من جملتها وتقدم أيضا أن ما نشأ عن ~~الأسباب من المسببات فمنسوب إلى المكلف حكمه من جهة التسبب لأجل PageV02P277 ~~أن عادة الله فىالمسببات أن تكون على وزان الأسباب فى الإستقامة والإعوجاج ~~والإعتدال والإنحراف فالخوارق مسببات عن الأسباب التكليفية فبقدر اتباع ~~السنة فى الأعمال وتصفيتها من شوائب الأكدار وغيوم الأهواء تكون الخارقة ~~المترتبة فكما أنه يعرف من نتائج الأعمال العادية صواب تلك الأعمال أو عدم ~~صوابها كذلك ما نحن فيه وقد قال تعالى إنما تجزون ما كنتم تعملون وقال هل ~~تجزون إلا بما كنتم تكسبون إنما هى أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم أياها ~~وهوعام فى الجزاء الدنيوي والأخروي وفروع الفقه فى المعاملات شاهدة هنا ~~كشهادة العادات فالموضوع مقطوع به فىالجملة # وإذا ثبت هذا فما ظهر فىالخارقة من استقامة أو اعوجاج فمنسوب إلى الرياضة ~~المتقدمة والنتائج تتبع المقدمات بلا شك فصار الحكم التكليفي متعلقا ~~بالخوارق من جهة مقدماتها فلا تسلم لصاحبها وإذ ذاك لا تخرج عن ms406 النظر ~~الشرعي بخلاف المرض والجنون وأشباههما مما لا سبب له من جهة المكلف فإنه لا ~~يتعلق به حكم تكليفي ولو فرضنا أن المكلف تسبب في تحصيله لكان منسوبا إليه ~~ولتوجه التكليف إليه كالشكر ونحوه فحصل من هذا التقرير أن الشرع حاكم على ~~الخوارق وغيرها لا يخرج عن حكمه شىء منها والله أعلم ### || AUTO فصل # ومن هنا يعلم أن كل خارقة حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة فلا يصح ردها ولا ~~قبولها إلا بعد عرضها على أحكام الشريعة فإن ساغت هناك فهى صحيحة مقبولة فى ~~موضعها وإلا لم تقبل إلا الخوارق الصادرة على أيدى الأنبياء عليهم السلام ~~فإنه لا نظر فيها لأحد لأنها واقعة على الصحة قطعا فلا يمكن فيها غير PageV02P278 ~~ذلك ولأجل هذا حكم إبراهيم عليه السلام فى ذبح ولده بمقتضى رؤياه وقال له ~~ابنه يا أبت أفعل ما تؤمر وإنما النظر فيما انخرق من العادات على يد غير ~~المعصوم # وبيان عرضها أن تفرض الخارقة واردة من مجارى العادات فإن ساغ العمل بها ~~عادة وكسبا ساغت فى نفسها وإلا فلا كالرجل يكاشف بامرآة أو عورة بحيث اطلع ~~منها على ما لا يجوز له أن يطلع عليه وأن لم يكن مقصودا له أو رأى أنه يدخل ~~على فلان بيته وهو يجامع زوجته ويراه عليها أو يكاشف بمولود فى بطن امرأة ~~أجنبية بحيث يقع بصره على بشرتها أو شىء من اعضائها التى لا يسوغ النظر ~~إليها فى الحسن أو يسمع نداء يحس فيه بالصوت والحرف وهو يقول أنا ربك أو ~~يرى صورة مكيفة مقدرة تقول له أنا ربك أو يرى ويسمع من يقول له قد أحللت لك ~~المحرمات وما أشبه ذلك من الأمور التى لا يقبلها الحكم الشرعي على حال ~~ويقاس على هذا ما سواه وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة الثالثة عشرة # لما كان التكليف مبنيا على استقرار عوائد المكلفين وجب أن ينظر فى حكام ~~العوائد لما ينبني عليها بالنسبة إلى دخول الملكف تحت حكم التكليف فمن ذلك ~~أن مجارى العادات فى الوجود ms407 أمر معلوم لا مظنون وأعنى فى الكليات لا فى ~~خصوص الجزئيات والدليل على ذلك أمور # أحدها أن الشرائع بالاستقراء إنما جىء بها على ذلك ولنعتبر بشريعتنا فإن ~~التكاليف الكلية فيها بالنسبة إلى من يكلف من الخلق موضوعة على وزان PageV02P279 ~~واحد وعلى مقدار واحد وعلى ترتيب واحد لا اختلاف فيه بحسب متقدم ولا متأخر ~~وذلك واضح فى الدلالة على أن موضوعات التكاليف وهى أفعال المكلفين كذلك ~~وأفعال المكلفين إنما تجرى على ترتيبها إذا كان الوجود باقيا على ترتببه ~~ولو اختلفت العوائد فى الموجودات لاقتضى ذلك اختلاف التشريع واختلاف ~~الترتيب واختلاف الخطاب فلا تكون الشريعة على ما هى عليه # وذلك باطل # والثانى أن الإخبار الشرعي قد جاء بأحوال هذا الوجود على أنها دائمة غير ~~مختلفة إلى قيام الساعة كالاخبار عن السموات والأرض وما بينهما وما فيهما ~~من المنافع والتصاريف والأحوال وأن سنة الله لا تبديل لها وأن لا تبديل ~~لخلق الله كما جاء بإلزام الشرائع على ذلك الوزان أيضا والخبر من الصادق لا ~~يكون بخلاف مخبره بحال فإن الخلاف بينهما محال # والثالث أنه لولا أن اطراد العادات معلوم لما عرف الدين من أصله فضلا عن ~~تعرف فروعه لأن الدين لا يعرف إلا عند الإعتراف بالنبوة ولا سبيل إلى ~~الإعتراف بها إلا بواسطة المعجزة ولا معنى للمعجزة إلا أنها فعل خارق ~~للعادة ولا يحصل فعل خارق للعادة إلا بعد تقرير اطراد العادة فى الحال ~~والاستقبال كما PageV02P280 ~~اطردت فى الماضى ولا معنى للعادة إلا أن الفعل المفروض لو قدر وقوعه غير ~~مقارن للتحدى لم يقع إلا على الوجه المعلوم فى أمثاله فإذا وقع مقترنا ~~بالدعوة خارقا للعادة علم أنه لم يقع كذلك مخالفا لما اطرد إلا والداعي ~~صادق فلو كانت العادة غير معلومة لما حصل العلم بصدقة اضطرارا لأن وقوع مثل ~~ذلك الخارق لم يكن يدعى بدون اقتران الدعوة والتحدى لكن العلم حاصل فدل على ~~أن ما انبنى عليه العلم معلوم أيضا وهو المطلوب # فإن قيل هذا معارض بما يدل على أن اطراد العوائد ms408 غير معلوم بل إن كان ~~فمظنون والدليل على ذلك أمران # أحدهما أن استمرار أمر فى العالم مساو لابتداء وجوده لأن الاستمرار إنما ~~هو بالإمداد المستمر والإمداد ممكن أن لا يوجد كما أن استمرار العدم على ~~الموجود فى الزمن الأول كان ممكنا فلما حصل أحد طرفي الإمكان مع جواز بقائه ~~على أصل العدم فكذلك وجوده فى الزمان الثانى ممكن وعدمه كذلك # فإذا كان كذلك فكيف يصح مع إمكان عدم استمرار وجوده العلم باستمرار وجوده ~~هل هذا إلا عين المحال # والثانى أن خوارق العادات فى الوجود غير قليل بل ذلك كثير ولا سيما ما ~~جرى على أيدى الأنبياء عليهم السلام من ذلك وكذلك ما انخرق للأولياء من هذه ~~الأمة وفى الأمم قبلها من العادات والوقوع زائد على مجرد الإمكان فهو أقوى ~~فى الدلالة فإذا لا يصح أن يكون مجارى العادات معلومة البتة # فالجواب عن الأول أن الجواز العقلي غير مندفع عقلا وإنما اندفع بالسمع ~~القطعي وإذا اندفع بالسمع وهو جميع ما تقدم من الأدلة لم يفد حكم الجواز العقلي PageV02P281 ~~ولا يقال إن هذا تعارض فى القطعيات وهو محال # لأنا نقول إنما يكون محالا إذا تعارضا من وجه واحد وليس كذلك هنا بل ~~الجواز العقلي هنا باق على حكمه فى أصل الإمكان والامتناع السمعي راجع إلى ~~الوقوع وكم من جائز غير واقع وكذلك نقول العالم كان قبل وجوده ممكنا أن ~~يبقى على أصله من العدم ويمكن أن يوجد فنسبة استمرار العدم عليه أو إخراجه ~~إلى الوجود من جهة نفسه نسبة واحدة وقد كان من جهة علم الله فيه لا بد أن ~~يوجد فواجب وجوده ومحال استمرار عدمه وإن كان فى نفسه ممكن البقاء على أصل ~~العدم ولذلك قالوا من الجائز تنعيم من مات على الكفر وتعذيب من مات على ~~الإسلام ولكن هذا الجائز محال الوقوع من جهة إخبار الله تعالى أن الكفار هم ~~المعذبون وأن المسلمين هم المنعمون فلم يتوارد الجواز والامتناع والوجوب ~~على مرمى واحد كذلك ههنا فالجواز من حيث نفس الجائز ms409 والوجوب أو الإمتناع من ~~حيث أمر خارج فلا يتعارضان # وعن الثانى أنا قدمنا أن العلم المحكوم به على العادات إنما هو فى كليات ~~الوجود لا فى جزئياته وما اعترض به من باب الأمور الجزئية التى لا تخرم ~~كلية ولذلك لم يدخل ذلك على أرباب العوائد شكا ولا توقفا فى العمل على ~~مقتضى العادات ألبتة ولولا استقرار العلم بالعادات لما ظهرت الخوارق كما ~~تقدم وهو من أنبل الأدلة على العلم بمجاري العادات وأصله للفخر الرازى رحمه ~~الله تعالى فإذا رأينا جزئيا انخرقت فيه العادة على شرط ذلك دلنا على ما ~~تدل عليه الخوارق من نبوة النبي صلى الله عليه وسلم أن اقترنت بالتحدى أو ~~ولاية الولي إن لم تقترن أو اقترنت بدعوى الولاية على القول بجواز ذلك ولا ~~يقدح انخراقها فى علمنا باستمرار العادات الكلية كما إذا رأينا عادة جرت فى ~~جزئية من هذا العالم فىالماضى PageV02P282 ~~والحال غلب على ظنوننا أيضا استمرارها فى الإستقبال وجاز عندنا خرقها ~~بدليل انخراق ما انخرق منها ولا يقدح ذلك فى علمنا باستمرار العاديات ~~الكلية وهكذا حكم سائر مسائل الأصول ألا ترى أن العمل بالقياس قطعي والعمل ~~بخبر الواحد قطعي والعمل بالترجيح عند تعارض الدليلين الظنيين قطعي إلى ~~أشباه ذلك فإذا جئت إلى قياس معين لتعمل به كان العمل ظنيا أو أخذت فى ~~العمل بخبر واحد معين وجدته ظنيا لا قطعيا وكذلك سائر المسائل ولم يكن ذلك ~~قادحا فى أصل المسألة الكلية وهذا كله ظاهر ### || AUTO المسألة الرابعة عشرة # العوائد المستمرة ضربان أحدهما العوائد الشرعية التى أقرها الدليل الشرعي ~~أو نفاها ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابا أو ندبا أو نهى عنها ~~كراهة أو تحريما أو أذن فيها فعلا وتركا والضرب الثانى هى العوائد الجارية ~~بين الخلق بما ليس فى نفيه ولا إثباته دليل شرعي # فأما الأول فثابت أبدا كسائر الأمور الشرعية كما قالوا فى سلب العبد ~~أهلية الشهادة وفى الأمر بإزالة النجاسات وطهارة التأهب للمناجاة وستر ~~العورات والنهي عن الطواف بالبيت على العرى ms410 وما أشبه ذلك من العوائد ~~الجارية فى الناس إما حسنة عند الشارع أو قبيحة فإنها من جملة الأمور ~~الداخلة تحت أحكام الشرع فلا تبديل لها وإن اختلف آراء المكلفين فيها فلا ~~يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحا ولا القبيح حسنا حتى يقال مثلا إن قبول ~~شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن فلنجزه أو إن كان كشف العورة الآن ليس PageV02P283 ~~بعيب ولا قبيح فلنجزه أو غير ذلك إذ لو صح مثل هذا لكان نسخا للأحكام ~~المستقرة المستمرة والنسخ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم باطل فرفع ~~العوائد الشرعية باطل # وأما الثانى فقد تكون تلك العوائد ثابتة وقد تتبدل ومع ذلك فهى أسباب ~~لأحكام تترتب عليها # فالثابتة كوجود شهوة الطعام والشراب والوقاع والنظر والكلام والبطش ~~والمشي وأشباه ذلك وإذا كانت أسبابا لمسببات حكم بها الشارع فلا إشكال فى ~~اعتبارها والبناء عليها والحكم على وفقها دائما # والمتبدلة # منها ما يكون متبدلا فىالعادة من حسن إلى قبح وبالعكس مثل كشف الرأس فإنه ~~يختلف بحسب البقاع فى الواقع فهو لذوى المروءات قبيح فى البلاد المشرقية ~~وغير قبيح فى البلاد المغربية فالحكم الشرعي يختلف لإختلاف ذلك فيكون عند ~~أهل المشرق قادحا فى العدالة وعند أهل المغرب غير قادح ومنها ما يختلف فى ~~التعبير عن المقاصد فتنصرف العبارة عن معنى إلى عبارة آخرى إما بالنسبة إلى ~~اختلاف الأمم كالعرب مع غيرهم أو بالنسبة إلى الأمة الواحدة كاختلاف ~~العبارات بحسب اصطلاح أرباب الصنائع فى صنائعهم مع اصطلاح الجمهور أو ~~بالنسبة إلى غلبة الإستمعال فى بعض المعانى حتى صار ذلك اللفظ إنما يسبق ~~منه إلى الفهم معنى ما وقد كان يفهم منه قبل ذلك شىء آخر أو كان مشتركا ~~فاختص وما أشبه ذلك والحكم أيضا يتنزل على ما هو معتاد فيه بالنسبة إلى من ~~اعتاده دون من لم يعتده وهذا المعنى يجري كثيرا فى الإيمان والعقود والطلاق ~~كناية وتصريحا # ومنها ما يختلف فى الأفعال فى المعاملات ونحوها كما إذا كانت العادة PageV02P284 ~~فى النكاح قبض الصداق قبل الدخول ms411 أو فى البيع الفلاني أن يكون بالنقد لا ~~بالنسيئة أو بالعكس أو إلى أجل كذا دون غيره فالحكم أيضا جار على ذلك حسبما ~~هو مسطور فى كتب الفقه # ومنها ما يختلف بحسب أمور خارجة عن المكلف كالبلوغ فإنه يعتبر فيه عوائد ~~الناس من الإحتلام أو الحيض أو بلوغ سن من يحتلم أو من تحيض وكذلك الحيض ~~يعتبر فيه إما عوائد الناس بإطلاق أو عوائد لدات المرأة أو قراباتها أو نحو ~~ذلك فيحكم لهم شرعا بمقتضى العادة فى ذلك الإنتقال # ومنها ما يكون فى أمور خارقة للعادة كبعض الناس تصير له خوارق العادات ~~عادة فإن الحكم عليه يتنزل على مقتضى عادته الجارية له المطردة الدائمة ~~بشرط أن تصير العادة الأولى الزائلة لا ترجع إلا بخارقة أخرى كالبائل ~~أوالمتغوط من جرح حدث له حتى صار المخرج المعتاد فى الناس بالنسبة إليه فى ~~حكم العدم فإنه إن لم يصر كذلك فالحكم للعادة العامة وقد يكون الإختلاف من ~~أوجه غير هذه ومع ذلك فالمعتبر فيها من جهة الشرع أنفس تلك العادات وعليها ~~تتنزل أحكامه لأن الشرع إنما جاء بأمور معتادة جارية على أمور معتادة كما ~~تقدم بيانه ### || AUTO فصل # وأعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس فى ~~الحقيقة بإختلاف فى أصل الخطاب لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي لو فرض ~~بقاء الدنيا من غير نهاية والتكليف كذلك لم يحتج فى PageV02P285 ~~الشرع إلى مزيد وإنما معنى الإختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة ~~إلى أصل شرعي يحكم به عليها كما فى البلوغ مثلا فإن الخطاب التكليفي مرتفع ~~عن الصبي ما كان قبل البلوغ فإذا بلغ وقع عليه التكليف فسقوط التكليف قبل ~~البلوغ ثم ثبوته بعده ليس بإختلاف فى الخطاب وإنما وقع الإختلاف في العوائد ~~أو فى الشواهد وكذلك الحكم بعد الدخول بأن القول قول الزوج فى دفع الصداق ~~بناء على العادة وأن القول قول الزوجة بعد الدخول أيضا بناء على نسخ تلك ~~العادة ليس بإختلاف فى حكم ms412 بل الحكم أن الذى ترجح جانبه بمعهود أو أصل ~~فالقول قوله بإطلاق لأنه مدعى عليه وهكذا سائر الأمثلة فالأحكام ثابتة تتبع ~~أسبابها حيث كانت بإطلاق والله أعلم ### || AUTO المسألة الخامسة عشرة # العوائد الجارية ضرورية الإعتبار شرعا كانت شرعية فى أصلها أو غير شرعية ~~أي سواء كانت مقررة بالدليل شرعا أمرا أو نهيا أو إذنا أم لا أما المقررة ~~بالدليل فأمرها ظاهر وأما غيرها فلا يستقيم إقامة التكليف إلا بذلك فالعادة ~~جرت بأن الزجر سبب الإنكفاف عن المخالفة كقوله تعالى ولكم فى القصاص حياة ~~فلو لم تعتبر العادة شرعا لم ينحتم القصاص ولم يشرع إذ كان يكون شرعا لغير ~~فائدة وذلك مردود بقوله ولكم فى القصاص حياة وكذلك البذر سبب لنبات الزرع ~~والنكاح سبب للنسل والتجارة سبب لنماء المال عادة كقوله تعالى وابتغوا ما ~~كتب الله لكم وابتغوا من فضل الله ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ~~وما أشبه ذلك مما يدل على PageV02P286 ~~وقوع المسببات عن أسبابها دائما فلو لم تكن المسببات مقصودة للشارع فى ~~مشروعية الأسباب لكان خلافا للدليل القاطع فكان ما أدى إليه باطلا # ووجه ثان وهو ما تقدم فى مسألة العلم بالعاديات فإنه جار ههنا # ووجه ثالث وهو أنه لما قطعنا بأن الشارع جاء باعتبار المصالح لزم القطع PageV02P287 ~~بأنه لا بد من اعتباره العوائد لأنه إذا كان التشريع على وزان واحد دل على ~~جريان المصالح على ذلك لأن أصل التشريع سبب المصالح والتشريع دائم كما تقدم ~~فالمصالح كذلك وهو معنى اعتباره للعادات في التشريع # ووجه رابع وهو أن العوائد لو لم تعتبر لأدى إلى تكليف ما لا يطاق وهو غير ~~جائز أو غير واقع وذلك أن الخطاب إما أن يعتبر فيه العلم والقدرة على ~~المكلف به وما أشبه ذلك من العاديات المعتبرة في توجه التكليف أو لا فإن ~~اعتبر فهو ما أردنا وإن لم يعتبر فمعنى ذلك أن التكليف متوجه على العالم ~~والقادر وعلى غير العالم والقادر وعلى من له مانع ومن لا مانع له وذلك ms413 عين ~~تكليف ما لا يطاق والأدلة على هذا المعنى واضحة كثيرة ### || AUTO فصل # وإذا كانت العوائد معتبرة شرعا فلا يقدح في اعتبارها انخراقها ما بقيت ~~عادة على الجملة وإنما ينظر في انخراقها # ومعنى انخراقها أنها تزول بالنسبة إلى جزئي فيخلفها في الموضع حالة إما ~~من حالات الأعذار المعتادة في الناس أو من غير ذلك فإن كانت منخرقة بعذر ~~فالموضع للرخصة وإن كانت من غير ذلك فإما إلى عادة أخرى دائمة بحسب الوضع ~~العادي كما في البائل من جرح صار معتادا فهذا راجع إلى حكم العادة الأولى ~~لا إلى حكم الرخص كما تقدم وإما إلى غير عادة أو إلى عادة لا تخرم العادة ~~الأولى فإن انخرقت إلى عادة أخرى لا تخرم العادة الأولى فظاهر أيضا ~~اعتبارها لكن على وجه راجع إلى باب الترخص كالمرض PageV02P288 ~~المعتاد والسفر المعتاد بالنسبة إلى جمع الصلاتين والفطر والقصر ونحو ذلك # وإن انخرقت إلى غير معتاد فهل يكون لها حكمها في نفسها أو تجري عليها ~~أحكام العوائد التي تناسبها # ولا بد من تمثيلها أولا ثم النظر في مجاري تلك الأحكام في الخوارق # فمن ذلك توقف عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه عن إكراه من منع الزكاة ~~وقوله لمن كتب له بذلك دعوه وقصة ربعي بن حراش حين طلب الحجاج ابنه ليقتله ~~فسأله الحجاج عن ابنه فأخبره والأب عارف بما يراد من ابنه وقصة أبي حمزة ~~الخراساني حين وقع في البئر ثم سد رأسها عليه ولم يستغث وحديث أبي زيد مع ~~خديمه لما خضرهما شقيق البلخي وأبو تراب النخشبي فقالا للخديم كل معنا فقال ~~أنا صائم فقال أبو تراب كل ولك أجر صوم شهر فأبى فقال شقيق كل ولك أجر صوم ~~سنة فأبى فقال أبو زيد PageV02P289 ~~دعوا من سقط من عين الله فأخذ ذلك الشاب في السرقة بعد سنة وقطعت يده ومنه ~~دخول البربة بلا راد ودخول الأرض المسبعة وكلاهما من الإلقاء باليد إلى ~~التهلكة # فالذي يقال في هذا الموضع بعد العلم بأن ما خالف الشريعة غير ms414 صحيح أن هذه ~~الأمور لا ينبغي حملها على المخالفة أصلا مع ثبوت دين أصحابها وورعهم ~~وفضلهم وصلاحهم بناء على الأخذ بتحسين الظن في أمثالهم كما أنا مؤاخذون ~~بذلك في سلفنا الصالح من الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم ممن سلك في التقوى ~~والفضل سبيلهم وإنما ينظر فيها بناء على أنها جارية على مايسوغ شرعا # وعند ذلك فلا يخلو ما بنوا عليه أن يكون غريب من جنس العادي أو لا يكون ~~من جنسه # فإن كان الأول لحق بجنس أحكام العادات # مثاله الأمر بالإفطار فإنه يمكن أن يكون مبنيا على رأي من يرى المتطوع ~~أمير نفسه وهم الأكثر فتصير إباية التلميذ عن الإجابة عنادا واتباعا للهوى # ومثل هذا مخوف العاقبة لا سيما بالنسبة إلى موافقة من شهر فضله وولايته ~~وكذلك أمر عمر بترك مانع الزكاة لعله كان نوعا من الإجتهاد إذ عامله معاملة ~~المغفلين المطرحين في قواعد الدين ليزدجر بنفسه وينتهي عما هم به وكذلك وقع ~~فإنه راجع نفسه وأدى الزكاة الواجبة عليه لا أنه أراد تركه جملة بل ليزجره ~~بذلك أو يختبر حاله حتى إذا أصر على الإمتناع أقام عليه ما يقام على ~~الممتنعين # ومثل ذلك قصة ربعي بن حراش فإنه حكي عنه أنه لم يكذب قط فلذلك سأله ~~الحجاج عن ابنه والصدق من عزائم العلم وإنما جواز الكذب رخصة يجوز أن لا ~~يعمل بمقتضاها بل هو أعظم أجرا كما في النطق بكلمة الكفر وهي رأس PageV02P290 ~~الكذب وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين بعد ما أخبر به من قصة الثلاثة الذين خلفوا فمدحهم الله بالتزام ~~الصدق في موطن هو مظنة للرخصة ولكن أحمدوا أمرهم في طريق الصدق بناء على أن ~~الأمن في طريق المخافة مرجو وقد قيل عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ~~ينفعك ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك وهو أصل صحيح شرعي # ومثله قصة أبي حمزة من باب الأخذ بعزائم العلم فإنه عقد على نفسه أن ~~لايعتمد على غير الله ms415 فلم يترخص وهو أصل صحيح ودل على خصوص مسألته قوله ~~تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه ووكالة الله أعظم من وكالة غيره وقد قال ~~هود عليه الصلاة والسلام فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ~~ربي وربكم الآية ولما عقد أبو حمزة عقدا طلب بالوفاء لقوله تعالى وأوفوا ~~بعهد الله إذا عاهدتم وأيضا فإن بعض الأئمة نقل عنه أنه سمع أن أناسا ~~بايعوا رسول الله صلى الله عيله وسلم على أن لا يسألوا أحدا شيئا فكان ~~أحدهم إذا وقع سوطه لا يسأل أحدا رفعه إليه فقال أبو حمزة رب إن هؤلاء ~~عاهدوا نبيك إذا رأوه وأنا أعاهدك أن لا أسأل أحدا شيئا أبدا قال فخرج حاجا ~~من الشام يريد مكة إلى آخر الحكاية وهذا أيضا من قبيل الأخذ بعزائم العلم ~~إذ عقد على نفسه مثل ما عقد من هو أفضل منه فليس بجار على غير الأصل الشرعي ~~ولذلك لما حكى ابن العربي الحكاية قال فهذا رجل عاهد الله فوجد الوفاء على ~~التمام والكمال فبه فاقتدوا إن شاء الله تهتدوا ### || AUTO وكذلك دخول الأرض المسبعة ودخول البرية بلا زاد فقد تبين في - ~~كتاب الأحكام أن من الناس من يكون وجود الأسباب وعدمها عندهم سواء فإن الله ~~هو مسبب الأسباب وخالق مسبباتها فمن كان هذا حاله فالأسباب عنده كعدمها فلم ~~يكن له مخافة من مخوف مخلوق ولا رجاء في مرجو مخلوق إذ لا مخوف ولا PageV02P291 ~~مرجو إلا الله فليس هذا إلقاء باليد إلى التكهله وإنما كان يكون كذلك لو ~~حصل في اعتقاده أنه إن لم يتزود هلك وإن قارب السبع هلك وأما إذا لم يحصل ~~ذلك فلا على أنه قد شرط الغزالي في دخول البرية بلا زاد اعتياد الصبر ~~والإقتيات بالنبات وكل هذا راجع إلى حكم عادي # ولعلك تجد مخرجا في كل ما يظهر على أيدي الأولياء الذي ثبتت ولايتهم بحيث ~~يرجع إلى الأحكام العادية بل لا تجده إن شاء الله إلا كذلك ### || AUTO فصل # وأما إن كان ما ms416 بنوا عليه من غير جنس العادي كالمكاشفة فهل يكون حكمهم ~~فيه حكم أهل العادات الجارية بحيث يطلبون بالرجوع إلى ما عليه الناس أم ~~يعاملون معاملة أخرى خارحة عن أحكام أهل العوائد الظاهرة في الناس وإن كانت ~~مخالفة في الظاهر لأنها في تحقيق الكشف الغيبي موافقة لا مخالفة # والذي يطرد بحسب ما ثبت في المسألة الثانية عشرة وما قبلها أن لا يكون ~~حكمهم مختصا بل يردون إلى أحكام أهل العوائد الظاهرة ويطلبهم المربى بذلك ~~حتما وقد مر مايستدل به على ذلك ومن الدليل عليه ايضا أوجه # أحدها أن الأحكام لو وضعت على حكم انخراق العوائد لم تنتظم لها قاعدة ولم ~~يرتبط لحكمها مكلف إذ كانت لكون الأفعال كلها داخلة تحت إمكان الموافقة ~~والمخالفة فلا وجه إلا ويمكن فيه الصحة والفساد فلا حكم لأحد على فعل من ~~الأفعال بواحد منهما على البت وعند ذلك لا يحكم بترتب ثواب ولا عقاب ولا ~~إكرام ولا إهانة ولا حقن دم ولا إهداره ولا إنفاذ حكم من حاكم وما كان هكذا ~~فلا يصح أن يشرع مع فرض اعتبار المصالح وهو الذي انبنت الشريعة عليه # والثاني أن الأمور الخارقة لا تطرد أن تصير حكما يبنى عليه لأنها PageV02P292 ~~مخصوصة بقوم مخصوصين وإذا اختصت لم تجر مع غيرهم فلا تكون قواعد الظواهر ~~شاملة لهم ولا أيضا تجري فيما بينهم وبين غيرهم ممن ليس منهم إذ لا يصح أن ~~يحكم بمقتضى الخوارق على من ليس من أهلها باتفاق من الفريقين أعني في نصب ~~أحكام العامة إذ ليس للحاكم أو السلطان أن يحكم للولي بمقتضى كشفه أو ~~السلطان نفسه على من ليس بولي من غير معاملة بالأسباب الظاهرة ولا أيضا ~~للوليين إذا ترافقا إلى الحاكم في قضية # وإذا فرض أنها غير شاملة لهم كان على غير ما تقدم البرهان عليه من أن ~~الشريعة عامة وأحكامها عامة على جميع الخلق وفي جميع الأحوال كيف وهم ~~يقولون إن الولي قد يعصي والمعاصي جائزة عليه فلا فعل يخالف ظاهره ظاهر ~~الشرع إلا والسابق إلى ms417 بادىء الرأي منه أنه عصيان فلا يصح مع هذا أن يثبت ~~أن هذا الفعل الخارق الذي لا يجري على ظاهر الشرع مشروع لتطرق الإحتمالات # وهذا هو الوجه الثالث # والرابع أن أولى الخلق بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة رضي ~~الله عنهم ولم يقع منه عليه الصلاة والسلام شيء من ذلك إلا ما نصت شريعته ~~عليه مما خص به ولم يعد إلى غيره وما سوى ذلك فقد أنكر على من قال من له ~~يحل الله لنبيه ما شاء ومن قال إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر فغضب وقال # إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقي وقد كان عليه الصلاة ~~والسلام يستشفى به وبدعائه ولم يثبت أنه مس بشرة أنثى ممن ليست بزوجة له أو ~~ملك يمين وكانت النساء يبايعنه ولم تمس يده يد أنثى قط ولكن كان يعمل في ~~الأمور على مقتضى الظواهر وإن كان عالما بها وقد مر من هذا أشياء وهو الذي ~~قعد القواعد ولم يستثن وليا من غيره وقد كان حقيقا بذلك لو نزل الحكم على ~~استثناء الولي PageV02P293 ~~وأصحاب الخوارق وكذلك الصحابة والتابعون لهم بإحسان وهم الأولياء حقا ~~والفضلاء صدقا # وفي قصة الربيع بيان لهذا حيث قال وليها أو من كان والله لا تكسر ثنيتها ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يقول # كتاب الله القصاص ولم يكتف عليه الصلاة والسلام بأن من عباد الله من لو ~~أقسم على الله لأبره فكان يرجيء الأمر حتى يبرز أثر القسم بل ألجأ إلى ~~القصاص الذي فيه أشد محنة حتى عفا أهله فحينئذ قال عليه الصلاة والسلام # إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره فبين أن ذلك القسم قد أبره ~~الله ولكن لم يحكم به حتى ظهر له كرسي وهو العفو والعفو منتهض في ظواهر ~~الحكم سببا لإسقاط القصاص # والخامس أن الخوارق في الغالب إذا جرت أحكامها معارضة للضوابط الشرعية ~~فلا تنتهض أن تثبت ولو كضرائر الشعر فإن ms418 ذلك إعمال لمخالفة المشروعات ونقض ~~لمصالحها الموضوعات ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان عالما ~~بالمنافقين وأعيانهم وكان يعلم منهم فسادا في أهل الإسلام ولكن كان يمتنع ~~من قتلهم لمعارض هو أرجح في الإعتبار فقال # لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه فمثله يلغي في جريان أحكام الخوارق ~~على أصحابها حتى لا يعتقد من لا خبرة له أن للصوفيه شريعة أخرى ولهذا وقع ~~إنكار الفقهاء لفعل أبي يعزى رضي الله عنه فالقول بجواز انفراد أصحاب ~~الخوارق بأحكام PageV02P294 ~~خارجة عن أحكام العادات الجمهورية قول يقدح في القلوب أمورا يطلب بالتحرز ~~منها شرعا فلا ينبغى أن يخضوا بزائد على مشروع الجمهور ولذلك أيضا اعتقد ~~كثير من الغالبين فيهم مذهب الإباحة وعضدوا بما سمعوا منها رأيهم وهذا ~~تعريض لهم إلى سوء المقالة # وحاش لله أن يكون أولياء الله إلا برآء من هذه الطوارق المنخرقة غير أن ~~الكلام جرى إلىالخوض في هذا المعنى فقد علم منهم المحافظة على حدود الشريعة ~~ظاهرا وباطنا وهم القائمون بأحكام السنة على ما ينبغي المحافظون على ~~اتباعها لكن انحراف الفهم عنهم في هذه الأزمنة وفيما قبلها طرق في أحوالهم ما طرق # ولأجله وقع البحث في هذه المسائل حتى يتقرر بحول الله ما يفهم به عنهم ~~مقاصدهم وما توزن به أحوالهم حسبما تعطيه حقيقة طريقتهم المثلى نفعهم الله ~~ونفع بهم # ثم نرجع إلى تمام المسألة فنقول # وليس الإطلاع على المغيبات ولا الكشف الصحيح بالذي يمنع من الجريان على ~~مقتضى الأحكام العادية والقدوة في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ما ~~جرى عليه السلف الصالح وكذلك القول فى انخراق العادات لا بنبغى أن يبنى ~~عليها فى الأحكام الظاهرة وقد كان عليه الصلاة والسلام معصوما لقوله تعالى ~~والله يعصمك من الناس ولا غاية وراء هذا ثم إنه كان يتحصن بالدرع والمغفر ~~ويتوقى ما العادة أن يتوقى ولم يكن ذلك نزولا عن رتبته العليا إلى ما دونها ~~بل هى أعلى # وما ذكر من استواء العوائد وعدمها بالنسبة ms419 إلى قدرة الله فذلك أيضا غير ~~مانع من إجراء أحكام العوائد على مقتضاها PageV02P295 ~~وقد تقدم أن الصحابة قد كانوا حازوا رتبة التوكل ورؤية إنعام المنعم من ~~المنعم لا من السبب ومع ذلك فلم يتركوا الدخول فى الأسباب العادية التى ~~ندبوا إليها ولم يتركهم النبي صلى الله عليه وسلم مع هذه الحالة التى تسقط ~~حكم الأسباب وتقضى بإنخرام العوائد فدل على أنها العزائم التى جاء الشرع ~~بها لأن حال انخراق العوائد ليس بمقام يقام فيه وإنما محله محل الرخصة كما ~~تقدم ذكره ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام # قيدها وتوكل وقد كان المكملون من الصوفية يدخلون فى الأسباب تأدبا بآداب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظرا إلى أن وضع الله تعالى أحوال الخلق على ~~العوائد الجارية يوضح أن المقصود الشرعي الدخول تحت أحكام العوائد ولم ~~يكونوا ليتركوا الأفضل إلى غيره وأما قصة الخضر عليه السلام وقوله وما ~~فعلته عن أمرى فيظهر به أنه نبي وذهب إليه جماعة من العلماء استدلالا بهذا ~~القول ويجوز للنبي أن يحكم بمقتضى الوحي من غير إشكال وإن سلم فهى قضية عين ~~ولأمر ما وليست جارية على شرعنا والدليل على ذلك أنه لا يجوز فى هذه الملة ~~لولي ولا لغيره ممن ليس بنبي أن يقتل صبيا لم يبلغ الحلم وإن علم أنه طبع ~~كافرا وأنه لا يؤمن أبدا وأنه إن عاش أرهق أبويه طغيانا وكفرا وإن أذن له ~~من عالم الغيب فى ذلك لأن الشريعة قد قررت الأمر والنهي وإنما الظاهر فى ~~تلك القصة أنها وقعت على مقتضى شريعة أخرى وعلى مقتضى عتاب موسى عليه ~~السلام وإعلامه أن ثم علما آخر وقضايا أخر لا يعلمها هو # فليس كل ما اطلع عليه الولي من الغيوب يسوغ له شرعا أن يعمل عليه بل هو ~~على ضربين أحدهما ما خالف العمل به ظواهر الشريعة من غير أن يصح رده إليها ~~فهذا لا يصح العمل عليه ألبتة والثانى ما لم يخالف العمل به شيئا من PageV02P296 ~~الظواهر أو إن ظهر ms420 منه خلاف فيرجع بالنظر الصحيح إليها فهذا يسوغ العمل ~~عليه وقد تقدم بيانه فإذا تقرر هذا الطريق فهو الصواب وعليه يربي المربي ~~وبه يعلق همم السالكين تأسيا بسيد المتبوعين رسول الله صلى الله عليه وسلم # وهو أقرب إلى الخروج عن مقتضى الحظوظ وأولى برسوخ القدم وأحرى بأن يتابع ~~عليه صاحبه ويقتدى به فيه والله أعلم ### || AUTO المسألة السادسة عشرة # العوائد أيضا ضربان بالنسبة إلى وقوعها فى الوجود أحدهما العوائد العامة ~~التى لا تختلف بحسب الأعصار والأمصار والأحوال كالأكل والشرب والفرح والحزن ~~والنوم واليقظة والميل إلى الملائم والنفور عن المنافر وتناول الطيبات ~~والمستلذات واجتناب المولمات والخبائث وما أشبه ذلك والثانى العوائد التى ~~تختلف بإختلاف الأعصار والأمصار والأحوال كهيآت اللباس والمسكن واللين فى ~~الشدة والشدة فيه والبطء والسرعة فى الأمور والأناة والاستعجال وما كان نحو ذلك # فأما الأول فيقتضى به على أهل الأعصار الخالية والقرون الماضية للقطع بأن ~~مجاري سنة الله تعالى فى خلقه على هذا السبيل وعلى سننه لا تختلف عموما كما ~~تقدم فيكون ما جرى منها فى الزمان الحاضر محكوما به على الزمان الماضى ~~والمستقبل مطلقا كانت العادة وجودية أو شرعية # وأما الثانى فلا يصح أن يقضى به عل ما تقدم ألبتة حتى يقوم دليل على ~~الموافقة من خارج فإذ ذاك يكون قضاء على ما مضى بذلك الدليل لا بمجرى ~~العادة وكذلك فى المستقبل ويستوي فى ذلك أيضا العادة الوجودية والشرعية PageV02P297 ~~وإنما قلنا ذلك لأن الضرب الأول راجع إلى عادة كلية أبدية وضعت عليها ~~الدنيا وبها قامت مصالحها فى الخلق حسبما بين ذلك الإستقراء وعلى وفاق ذلك ~~جاءت الشريعة أيضا فذلك الحكم الكلي باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ~~وهى العادة التى تقدم الدليل على أنها معلومة لا مظنونة وأما الضرب الثانى ~~فراجع إلى عادة جزئية داخلة تحت العادة الكلية وهى التى يتعلق بها الظن لا ~~العلم فإذا كان كذلك لم يصح أن يحكم بالثانية على من مضى لإحتمال التبدل ~~والتخلف بخلاف الأولى # وهذه قاعدة محتاج إليها فى ms421 القضاء على ما كان عليه الأولون لتكون حجة فى ~~الآخرين ويستعملها الأصوليون كثيرا بالبناء عليها ورد القضاء بالعامة إليها ~~وليس هذا الإستعمال بصحيح بإطلاق ولا فاسد بإطلاق بل الأمر فيه يحتمل ~~الإنقسام كما تقدم وينشأ بين القسمين قسم ثالث يشكل الأمر فيه هل يلحق ~~بالأول فيكون حجة أم لا فلا يكون حجة ### || AUTO المسألة السابعة عشرة # المفهوم من وضع الشارع أن الطاعة أو المعصية تعظم بحسب عظم المصلحة PageV02P298 ~~أو المفسدة الناشئة عنها وقد علم من الشريعة أن أعظم المصالح جريان الأمور ~~الضرورية الخمسة المعتبرة فى كل ملة وأن أعظم المفاسد ما يكر بالإخلال عليها # والدليل على ذلك ما جاء من الوعيد على الإخلال بها كما فى الكفر وقتل ~~النفس وما يرجع إليه والزنى والسرقة وشرب الخمر وما يرجع إلى ذلك مما وضع ~~له حد أو وعيد بخلاف ما كان راجعا إلى حاجى أو تكميلي فإنه لم يختص بوعيد ~~فى نفسه ولا بحد معلوم يخصه فإن كان كذلك فهو راجع إلى أمر ضروري # والإستقراء يبين ذلك فلا حاجة إلى بسط الدليل عليه # إلا أن المصالح والمفاسد ضربان أحدهما ما به صلاح العالم أو فساده كإحياء ~~النفس فى المصالح وقتلها فى المفاسد والثانى ما به كمال ذلك الصلاح أو ذلك ~~الفساد وهذا الثانى ليس فى مرتبة واحدة بل هو على مراتب # وكذلك الأول على مراتب أيضا فإنا إذا نظرنا إلى الأول وجدنا الدين أعظم ~~الأشياء ولذلك يهمل فى جانبه النفس والمال وغيرهما ثم النفس ولذلك يهمل فى ~~جانبها اعتبار قوام النسل والعقل والمال فيجوز عند طائفة من العلماء لمن ~~أكره بالقتل على الزنى أن يقى نفسه به وللمرأة إذا اضطرت وخافت الموت ولم ~~تجد من يطعمها إلاببذل بضعها جاز لها ذلك وهكذا سائرها ثم إذا نظرنا إلى ~~بيع الغرر مثلا وجدناه المفسدة في العمل به على مراتب فليس مفسدة بيع حبل ~~الحبلة كمفسدة بيع الجنين فى بطن أمه الحاضرة الآن ولا بيع الجنين فى البطن ~~كبيع الغائب على الصفة وهو ممكن الرؤية ms422 من غير مشقة وكذلك المصالح في ~~التوقي عن هذه الأمور فعلى هذا إن كانت الطاعة والمخالفة تنتج من المصالح ~~أو المفاسد أمرا كليا ضروريا كانت الطاعة لاحقة بأركان الدين والمعصية ~~كبيرة من كبائر الذنوب وإن لم تنتج إلا أمرا جزئيا فطاعة لاحقة بالنوافل ~~واللواحق الفضلية PageV02P299 ~~والمعصية صغيرة من الصغائر وليست الكبيرة في نفسها مع كل ما يعد كبيرة على ~~وزان واحد ولا كل ركن مع ما يعد ركنا على وزان واحد أيضا كما أن الجزيئات ~~فى الطاعة والمخالفة ليست على وزان واحد بل لكل منها مرتبة تليق بها ### || AUTO المسألة الثامنة عشرة # الأصل فى العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الإلتفات إلى المعانى # وأصل العادات الإلتفات إلى المعاني # أما الأول فيدل عليه أمور # منها الإستقراء فإنا وجدنا الطهارة تتعدى محل موجبها وكذلك الصلوات خصت ~~بأفعال مخصوصة على هيآت مخصوصة إن خرجت عنها لم تكن عبادات ووجدنا الموجبات ~~فيها تتحد مع اختلاف الموجبات وأن الذكر المخصوص فى هيئة ما مطلوب وفى هيئة ~~أخرى غير مطلوب وأن طهارة الحدث مخصوصة بالماء الطهور وإن أمكنت النظافة ~~بغيره وأن التيمم وليست فيه نظافة حسية يقوم مقام الطهارة بالماء المطهر ~~وهكذا سائر العبادات PageV02P300 ~~كالصوم والحج وغيرهما وإنما فهمنا من حكمة التعبد العامة الإنقياد لأوامر ~~الله تعالى وإفراده بالخضوع والتعظيم لجلاله والتوجه إليه وهذا المقدار لا ~~يعطى علة خاصة يفهم منها حكم خاص إذ لو كان كذلك لم يجد لنا أمر مخصوص بل ~~كنا نؤمر بمجرد التعظيم بما حد وما لم يحد ولكان المخالف لما حد غير ملوم ~~إذ كان التعظيم بفعل العبد المطابق لنيته حاصلا وليس كذلك باتفاق فعلمنا ~~قطعا أن المقصود الشرعي الأول التعبد لله بذلك المحدود وأن غيره غير مقصود شرعا # والثانى أنه لو كان المقصود التوسعة فى وجوه التعبد بما حد وما لم يحد ~~لنصب الشارع عليه دليلا واضحا كما نصب على التوسعة فى وجوه العادات أدلة لا ~~يوقف معها على المنصوص عليه دون ما شابهه وقاربه وجامعه فى المعنى المفهوم ~~من ms423 الأصل المنصوص عليه ولكان ذلك يتسع فى أبواب العبادات ولما لم نجد ذلك ~~كذلك بل على خلافه دل على أن المقصود الوقوف عند ذلك المحدود إلا أن يتبيى ~~بنص أو إجماع معنى مراد فى بعض الصور فلا لوم PageV02P301 ~~على من اتبعه لكن ذلك قليل فليس بأصل وإنما الأصل ما عم فى الباب وغلب فى الموضع # وأيضا فإن المناسب فيها معدود عندهم فيما لا نظير له كالمشقة فى قصر ~~المسافر وإفطاره والجمع بين الصلاتين وما أشبه ذلك وإلى هذا فأكثر العلل ~~المفهومة الجنس فى أبواب العبادات غير مفهومة الخصوص كقوله سها فسجد وقوله # لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ونهيه عن الصلاة طرفي النهار ~~وعلل ذلك بأن الشمس تطلع وتغرب بين قرني الشيطان وكذلك ما يستعمله ~~الخلافيون فى قياس الوضوء على التيمم فى PageV02P302 ~~وجوب النية بأنها طهارة تعدت محل موجبها فتجب فيها النية قياسا على التيمم # وما أشبه ذلك مما لا يدل على معنى ظاهر منضبط مناسب يصلح لترتيب الحكم ~~عليه من غير نزاع بل هو من المسمى شبها بحيث لا يتفق على القول به القائلون ~~وإنما يقيس به من يقيس بعد أن لا يجدوا سواه فإذا لم تتحقق لنا علة ظاهرة ~~تشهد لها المسالك الظاهرة فالركن الوثيق الذى ينبغي الإلتجاء إليه PageV02P303 ~~الوقوف عند ما حد دون التعدي إلى غيره لأنا وجدنا الشريعة حين استقريناها ~~تدور على التعبد فى باب العبادات فكان أصلا فيها # والثالث أو وجوه التعبدات في أزمنة الفترات لم يهتد إليها العقلاء ~~اهتداءهم لوجوه معاني العادات فقد رأيت الغالب فيهم الضلال فيها والمشي على ~~غير طريق ومن ثم حصل التغيير فيما بقي من الشرائع المتقدمة وهذا مما يدل ~~دلالة واضحة على أن العقل لا يستقل بدرك معانيها ولا بوضعها فافترقنا إلى ~~الشريعة في ذلك ولما كان الأمر كذلك عذر أهل الفترات في عدم اهتدائهم فقال ~~تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ms424 والحجة ههنا هي التي أثبتها الشرع في ~~رفع تكليف ما لا يطاق والله أعلم فإذا ثبت هذا لم يكن بد من الرجوع في هذا ~~الباب إلى مجرد ما حده الشارع وهو معنى التعبد # ولذلك كان الواقف مع مجرد الاتباع فيه أولى بالصواب وأجرى على طريقة ~~السلف الصالح وهو رأى مالك رحمه الله إذ لم يلتفت في رفع الأحداث إلى مجرد ~~النظافة حتى اشترط النية والماء المطلق وإن حصلت النظافة بغير ذلك وامتنع ~~من إقامة غير التكبير مقامه والتسليم كذلك ومنع من إخراج القيم في الزكاة ~~واقتصر على مجرد العدد في الكفارات إلى غير ذلك من مبالغاته الشديدة في ~~العبادات التي تقتضي الاقتصار على محض المنصوص عليه أو ما ماثله # فيجب أن يؤخذ في هذا الضرب التعبد دون الالتفات إلى المعاني أصلا يبنى ~~عليه وركنا يلجأ إليه PageV02P304 ### || AUTO فصل ### || AUTO وأما أن الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني # فلأمور # أولها الاستقراء فإنا وجدنا الشارع قاصدا لمصالح العباد والأحكام العادية ~~تدور معه حيثما دار فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة فإذا ~~كان فيه مصلحة جاز كالدرهم بالدرهم إلى أجل يمتنع في المبايعة ويجوز في ~~القرض وبيع الرطب باليابس يمتنع حيث يكون مجرد غرر وربا من غير مصلحة ويجوز ~~إذا كان فيه مصلحة راجحة ولم نجد هذا في باب العبادات مفهوما كما فهمناه في ~~العادات وقال تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب وقال ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل وفي الحديث # لا يقضي القاضي وهو غضبان وقال # لا ضرر ولا ضرار وقال # القاتل لا يرث PageV02P305 ~~ونهى عن بيع الغرر وقال # كل مسكر حرام وفي القرآن إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر الآية إلى غير ذلك مما لا يحصى وجميعه يشير بل ~~يصرح باعتبار المصالح للعباد وأن الإذن دائر معها أينما دارت حسبما بينته ~~مسالك العلة فدل ذلك على أن العادات مما اعتمد الشارع فيها الالتفات إلى ~~المعاني # والثاني أن الشارع توسع في بيان ms425 العلل والحكم في تشريع باب العادات كما ~~تقدم تمثيله وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقته ~~بالقبول ففهمنا من ذلك أن الشارع قصد فيها اتباع المعاني لا الوقوف مع ~~النصوص بخلاف باب العبادات فإن المعلوم فيه خلاف ذلك وقد توسع في PageV02P306 ~~هذا القسم مالك رحمه الله حتى قال فيه بقاعدة المصالح المرسلة وقال فيه ~~بالاستحسان ونقل عنه أنه قال إنه تسعة أعشار العلم حسبما يأتي إن شاء الله # والثالث أن الإلتفات إلى المعاني قد كان معلوما في الفترات واعتمد عليه ~~العقلاء حتى جرت بذلك مصالحهم وأعملوا كلياتها على الجملة فاطردت لهم سواء ~~في ذلك أهل الحكمة الفلسفية وغيرهم إلا أنهم قصروا في جملة من التفاصيل ~~فجاءت الشريعة لتتم مكارم الأخلاق فدل على أن المشروعات في هذا الباب جاءت ~~متممة لجريان التفاصيل في العادات على أصولها المعهودات ومن ههنا أقرت هذه ~~الشريعة جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية كالدية والقسامة والاجتماع ~~يوم العروبة وهي الجمعة للوعظ والتذكير والقراض وكسوة الكعبة وأشباه ذلك ~~مما كان عند أهل الجاهلية محمودا وما كان من محاسن العوائد ومكارم الأخلاق ~~التي تقبلها العقول وهي كثيرة وإنما كان عندهم من التعبدات الصحيحة في ~~الإسلام أمور نادرة مأخوذة عن ملة إبراهيم عليه السلام ### || AUTO فصل # فإذا تقرر هذا وأن الغالب في العادات الالتفات إلى المعاني فإذا وجد فيها ~~التعبد فلا بد من التسليم والوقوف مع المنصوص كطلب الصداق في النكاح PageV02P307 ~~والذبح في المحل المخصوص في الحيوان المأكول والفروض المقدرة في المواريث ~~وعدد الأشهر في العدد الطلاقية والوفوية وما أشبه ذلك من الأمور التي لا ~~مجال للعقول في فهم مصالحها الجزئية حتى يقاس عليها غيرها # فإنا نعلم أن الشروط المعتبرة في النكاح من الولي والصداق وشبه ذلك ~~لتمييز النكاح عن السفاح وأن فروض المواريث ترتبت على ترتيب القربى من ~~الميت وأن العدد والاستبراءات المراد بها استبراء الرحم خوفا من اختلاط ~~المياه ولكنها أمور جملية كما أن الخضوع والتعظيم والإجلال علة شرع ~~العبادات وهذا المقدار ms426 لا يقضى بصحة القياس على الأصل فيها بحيث يقال إذا ~~حصل الفرق بين النكاح والسفاح بأمور أخر مثلا لم تشترط تلك الشروط ومتى علم ~~براءة الرحم لم تشرع العدة بالأقراء ولا بالأشهر ولا ما أشبه ذلك # فإن قيل وهل توجد لهذه الأمور التعبديات علة يفهم منها مقصد الشارع على ~~الخصوص أم لا فالجواب أن يقال أمور التعبدات فعلتها المطلوبة مجرد الإنقياد ~~من غير زيادة ولا نقصان ولذلك لما سئلت عائشة رضى الله عنها عن قضاء الحائض ~~الصوم دون الصلاة قالت للسائلة أحرورية أنت إنكار عليها أن يسئل عن مثل هذا ~~إذ لم يوضع التعبد أن تفهم علته الخاصة ثم قالت كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا ~~نؤمر بقضاء الصلاة وهذ يرجح التعبد على التعليل بالمشقة وقول ابن المسيب فى ~~مسألة تسوية الشارع بين دية الأصابع هى السنة يا ابن أخي وهو كثير ومعنى ~~هذا التعليل أن لا علة # وأما العاديات وكثير من العبادات أيضا فلها معنى مفهوم وهو ضبط وجوه PageV02P308 ~~المصالح إذ لو ترك الناس والنظر لا تنشر ولم ينضبط وتعذر الرجوع إلى أصل ~~شرعي والضبط أقرب إلى الإنقياد ما وجد إليه سبيل فجعل الشارع للحدود مقادير ~~معلومة وأسبابا معلومة لا تتعدى كالثمانين فى القذف والمائة وتغريب العام ~~فى الزنا على غير إحصان وخص قطع اليد بالكوع وفى النصاب المعين وجعل مغيب ~~الحشفة حدا فى أحكام كثيرة وكذلك الأشهر والقروء فى العدد والنصاب والحول ~~فى الزكوات وما لا ينضبط رد إلى أمانات المكلفين وهو المعبر عنه بالسرائر ~~كالطهارة للصلاة والصوم والحيض والطهر وسائر ما لا يمكن رجوعه إلى أصل معين ~~ظاهر فهذا مما قد يظن التفات الشارع إلى القصد إليه # وإلى هذا المعنى يشير أصل سد الذرائع لكن له نظران نظر من جهة تشعبه ~~وانتشار وجوهه إذا تتبعناه كما فى مذهب مالك مثلا مع أن كثيرا من التكليفات ~~ثبت كونها موكولة إلى أمانة المكلف فعلى هذا لا ينبغي أن يلتفت منه إلا إلى ~~المنصوص عليه ونظر من جهة أن له ظوابط ms427 قريبة المأخذ وإن انتشرت فروعه وقد ~~فهم من الشرع الإلتفات إلى كليه فليجر بحسب الإمكان فى مظانه وقد منع ~~الشارع من أشياء من جهة جرها إلى منهى عنه والتوسل بها إليه وهو أصل مقطوع ~~به على الجملة قد اعتبره السلف الصالح فلا بد من اعتباره ومن الناس من توسط ~~بنظر ثالث فخص هذا المختلف فيه PageV02P309 ~~بالظاهر فسلط الحكام على ما اطعلوا عليه منه ضبطا لمصالح العباد ووكل من ~~لم يطلع عليه إلى أمانته ### || AUTO المسألة التاسعة عشرة # كل ما ثبت فيه اعتبار التعبد فلا تفريع فيه وكل ما ثبت فيه اعتبار ~~المعاني دون التعبد فلا بد فيه من اعتبار التعبد لأوجه # أحدها أن معنى الإقتضاء أو التخيير لازم للمكلف من حيث هو PageV02P310 ~~مكلف عرف المعنى الذى لأجله شرع الحكم أو لم يعرفه بخلاف اعتبار المصالح ~~فإنه غير لازم فإنه عبد مكلف فإذا أمره سيده لزمه امتثال أمره باتفاق ~~العقلاء بخلاف المصلحة فإن اعتبارها غير لازم له من حيث هو عبد مكلف على ~~رأي المحققين وإذا كان كذلك فالتعبد لازم لا خيرة فيه واعتبار المصلحة فيه ~~الخيرة وما فيه الخيرة يصح تخلفه عقلا وإذا وقع الأمر والنهي شرعا لم يصح ~~تخلفهما عقلا فإنه محال فالتعبد بالإقتضاء أو التخيير لازم بإطلاق واعتبار ~~المصالح غير لازم بإطلاق خلافا لمن ألزم اللطف والأصلح وأيضا فإنه لازم على ~~رأي من ألزم الأصلح وقال بالحسن والقبح العقلبين فإن السيد إذا أمر عبده ~~لأجل مصلحة هى علة الأمر بالعقل يلزم الامتثال من حيث مجرد الأمر لأن ~~مخالفته قبيحة ومن جهة اعتبار المصلحة أيضا فإن تحصيلها واجب عقلا بالفرض ~~فالأمران على مذهبهم لا زمان # ولا يقول أحد منهم إن مخالفة العبد أمر سيده مع قطع النظر عن المصلحة غير ~~قبيح بل هو قبيح على رأيهم وهو معنى لزوم التعبد # والثانى أنا إذا فهمنا بالإقتضاء أو التخيير حكمة مستقلة فى شرع الحكم ~~فلا يلزم من ذلك أن لا يكون ثم حكمة أخرى ومصلحة ثانية وثالثة وأكثر من ذلك ~~وغايتنا ms428 أنا فهمنا مصلحة دنيوية تصلح أن تستقل بشرعية الحكم فاعتبرناها ~~بحكم الإذن الشرعي ولم نعلم حصر المصلحة والحكم يمقتضاها فى ذلك الذى ظهر # وإذا لم يحصل لنا بذلك علم ولا ظن لم يصح لنا القطع بأن لا مصلحة للحكم ~~إلا ما ظهر لنا إذ هو قطع على غيب بلا دليل وذلك غير جائز فقد بقي لنا إمكان PageV02P311 ~~حكمة أخرى شرع لها الحكم فصرنا من تلك الجهة واقفين مع التعبد # فإن قيل لو جاز ذلك لم نقض بالتعدى على حال فإنا إذا جوزنا وجود حكمة أو ~~مصلحة أخرى لم نجزم بأن الحكم لها فقط لجواز أن تكون جزء علة أو لجواز ~~الفرع عن تلك الحكمة التى جهلناها وإن وجدت فيه العلة التى علمناها فإذا ~~أمكن ذلك لم يصح الإلحاق والتفريع حتى نتحقق أن لا علة سوى ما ظهر ولا سبيل ~~إلى ذلك فكذلك لا سبيل إلى القياس ولا القضاء بأن ذلك الحكم مشروع لتلك العلة # فالجواب أن القضاء بالتعدي لا ينافي جواز التعبد لأن القياس قد صح PageV02P312 ~~كونه دليلا شرعيا ولا يكون شرعيا إلا على وجه نقدر على الوفاء به عادة ~~وذلك إذا ظهر لنا علة تصلح للاستقلال بشرعية الحكم ولم نكلف أن ننفي ما ~~عداها فإن الأصوليين مما يجوزون كون العلة خلاف ما ظهر لهم أو كون ذلك ~~الظاهر جزء علة لا علة كاملة لكن غلبة الظن بأن ما ظهر مستقل بالعلية أو ~~صالح لكونه علة كاف في تعدي الحكم به وأيضا فقد أجاز الجمهور تعليل الحكم ~~الواحد بأكثر من علة واحدة وكل منها مستقل وجميعها معلوم فنعلل بإحداها مع ~~الإعراض عن الأخرى وبالعكس ولا يمنع ذلك القياس وإن أمكن أن تكون الأخرى في ~~الفرع أو لا تكون فيه وإذا لم يمنع ذلك فيما ظهر فأولى أن لا يمنع فيما لم ~~يظهر فإذا ثبت هذا لم يبق للسؤال مورد فالظاهر هو المبني عليه حتى يتبين ~~خلافه ولا علينا # والوجه الثالث أن المصالح في التكليف ظهر لنا من الشارع أنها على ms429 ضربين ~~أحدهما ما يمكن الوصول إلى معرفته بمسالكه المعروفة كالإجماع والنص ~~والإشارة والسبر والمناسبة وغيرها وهذا القسم هو الظاهر الذي نعلل به ونقول ~~إن شرعية الأحكام لأجله والثاني مالا يمكن الوصول إلى معرفته بتلك المسالك ~~المعهودة ولا يطلع عليه إلا بالوحي كالأحكام التي أخبر PageV02P313 ~~الشارع فيها أنها أسباب للخصب والسعة وقيام أبهة الإسلام وكذلك التي أخبر ~~في مخالفتها أنها أسباب العقوبات وتسليط العدو وقذف الرعب والقحط وسائر ~~أنواع العذاب الدنيوي والأخروي # وإذا كان معلوما من الشريعة في مواطن كثيرة أن ثم مصالح أخر غير ما يدركه ~~المكلف لا يقدر على استنباطها ولا على التعدية بها في محل آخر إذ لا يعرف ~~كون المحل الآخر وهو الفرع وجدت فيه تلك العلة ألبتة لم يكن إلى اعتبارها ~~في القياس سبيل فبقيت موقوفة على التعبد المحض لأنه لم يظهر للأصل المعلل ~~بها شبيه إلا ما دخل تحت الإطلاق أو العموم المعلل وإذ ذاك يكون أخذ الحكم ~~المعلل بها متعبدا به ومعنى التعبد به الوقوف عند ما حد الشارع فيه من غير ~~زيادة ولا نقصان # والرابع أن السائل إذا قال للحاكم لم لا تحكم بين الناس وأنت غضبان فأجاب ~~بأني نهيت عن ذلك كان مصيبا كما أنه إذا قال لأن الغضب يشوش عقلي وهو مظنة ~~عدم التثبت في الحكم كان مصيبا أيضا والأول جواب التعبد المحض # والثاني جواب الالتفات إلى المعنى وإذا جاز اجتماعهما وعدم تنافيهما جاز ~~القصد إلى التعبد وإذا جاز القصد إلى التعبد دل على أن هنالك تعبدا وإلا لم ~~يصح توجه القصد إلى ما لا يصح القصد إليه من معدوم أو ممكن أن يوجد أو لا ~~يوجد فلما صح القصد مطلقا صح المقصود له مطلقا وذلك جهة التعبد # وهو المطلوب PageV02P314 ~~والخامس أن كون المصلحة مصلحة تقصد بالحكم والمفسدة مفسدة كذلك مما يختص ~~بالشارع لا مجال للعقل فيه بناء على قاعدة نفي التحسين والتقبيح فإذا كان ~~الشارع قد شرع الحكم لمصلحة ما فهو الواضع لها مصلحة وإلا فكان يمكن عقلا ~~أن لا ms430 تكون كذلك إذ الأشياء كلها بالنسبة إلى وضعها الأول متساوية لا قضاء ~~للعقل فيها بحسن ولا قبح فإذا كون المصلحة مصلحة هو من قبل الشارع بحيث ~~يصدقه العقل وتطمئن إليه النفس فالمصالح من حيث هي مصالح قد آل النظر فيها ~~إلى أنها تعبديات وما انبنى على التعبدي لا يكون إلا تعبديا # ومن هنا يقول العلماء إن من التكاليف ما هو حق لله خاصة وهو راجع إلى ~~التعبد وما هو حق للعبد ويقولون في هذا الثاني إن فيه حقا لله كما في قاتل ~~العمد إذا عفي عنه ضرب مائة وسجن عاما وفي القاتل غيلة إنه لا عفو فيه وفي ~~الحدود إذا بلغت السلطان فيما سوى القصاص كالقذف والسرقة لا عفو فيه وإن ~~عفا من له الحق ولايقبل من بائع الجارية إسقاط المواضعة ولا من مسقط العدة ~~عن مطلق المرأة وإن كانت براءة رحمها حقا له وما أشبه ذلك من PageV02P315 ~~المسائل الدالة على اعتبار التعبد وإن عقل المعنى الذي لأجله شرع الحكم ~~فقد صار إذا كل تكليف حقا لله فإن ما هو لله فهو لله وما كان للعبد فراجع ~~إلى الله من جهة حق الله فيه ومن جهة كون حق العبد من حقوق الله إذ كان لله ~~أن لا يجعل للعبد حقا أصلا # ومن هذا الموضع يقول كثير من العلماء إن النهي يقتضى الفساد بإطلاق علمت ~~مفسدة النهي أم لا انتفى السبب الذي لأجله نهي عن العمل أو لا وقوفا مع نهى ~~الناهي لأنه حقه والإنتهاء هو القصد الشرعي في النهي فإذا لم يحصل فالعمل ~~باطل بإطلاق فقد ثبت أن كل تكليف لا يخلو عن التعبد وإذا لم يخل فهو مما ~~يفتقر إلى نية كالطهارات وسائر العبادات # إلا أن التكاليف التي فيها حق العبد منها ما يصح بدون نية وهي التي فهمنا ~~من الشارع فيها تغليب جانب العبد كرد الودائع والمغصوب والنفقات الواجبة # ومنها ما لا يصح إلا بنية وذلك ما فهمنا فيه تغليب حق الله كالزكاة ~~والزبائح والصيد والتي تصح بدون ms431 نية إذا فعلت بغير نية لا يثاب عليها فإن ~~فعلها بنية الامتثال وهي نية التعبد أثيب عليها وكذلك التروك إذا تركت بنية ~~وهذا متفق عليه ولو كانت حقوقا للعباد خاصة ولم يكن لله فيه حق لما حصل ~~الثواب فيها أصلا لأن حصول الثواب فيها يستلزم كونها طاعة من حيث هي مكتسبة ~~مأمور بها والمأمور به متقرب إلى الله به وكل طاعة من حيث هي طاعة لله ~~عبادة وكل عبادة مفتقرة إلى نية فهذه الأمور من حيث هي طاعة مفتقرةإلى نية # فإن قيل إنما أمر بها من حيث حق العبد خاصة ومن جهة حق العبد حصل فيها ~~الثواب لا من كونها طاعة متقربا بها # قيل هذا غير صحيح إذ لو كان كذلك لصح الثواب بدون النية لأن حق العبد ~~حاصل بمجرد الفعل من غير نية لكن الثواب مفتقر في حصوله إلى نية PageV02P316 ~~وأيضا فلو حصل الثواب بغير نية لأثيب الغاصب إذا أخذ منه المغصوب كرها ~~وليس كذلك بإتفاق وإن حصل حق العبد فالصواب أن النية شرط في كون العمل ~~عبادة والنية المرادة هنا نية الامتثال لأمر الله ونهيه وإذا كان هذا جاريا ~~في كل فعل وترك ثبت أن في الأعمال المكلف بها طلبا تعبديا على الجملة # وهو دليل سادس في المسألة # فإن قيل فيلزم على هذا أن يفتقر كل عمل إلى نية وأن لا يصح عمل من لم ينو ~~أو يكون عاصيا # قيل قد مر أن ما فيه حق العبد تارة يكون هو المغلب وقد تكون جهة التعبد ~~هي المغلبة فما كان المغلب فيه التعبد فمسلم ذلك فيه وما غلب فيه جهة العبد ~~فحق العبد يحصل بغير نية فيصح العمل هنا من غير نية ولا يكون عبادة لله فإن ~~راعى جهة الأمر فهو من تلك الجهة عبادة فلا بد فيه من نية أى لا يصير عبادة ~~إلا بالنية لا أنه يلزم فيه النية أو يفتقر إليها بل بمعنى أن النية في ~~الامتثال صيرته عبادة كما إذا أقرض امتثالا للأمر بالتوسعة على ms432 المسلم أو ~~أقرض بقصد دنيوي وكذلك البيع والشراء والأكل والشرب والنكاح والطلاق وغيرها ~~ومن هنا كان السلف رضي الله عنهم يثابرون على إحضار النيات في الأعمال ~~ويتوقفون عن جملة منها حتى تحضرهم ### || AUTO فصل # ويتبين بهذا أمور # منها أن كل حكم شرعي ليس بخال عن حق الله تعالى وهو جهة التعبد فإن حق ~~الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وعبادته امتثال أوامره ~~واجتناب نواهيه بإطلاق فإن جاء ما ظاهره أنه حق للعبد مجردا فليس كذلك PageV02P317 ~~بإطلاق بل جاء على تغليب حق العبد في الأحكام الدنيوية # كما أن كل حكم شرعي ففيه حق للعباد إما عاجلا وإما آجلا بناء على أن ~~الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد ولذلك قال في الحديث # حق العباد على الله إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئا ألا يعذبهم وعادتهم في ~~تفسير حق الله أنه ما فهم من الشرع أنه لا خيرة فيه للمكلف كان له معنى ~~معقول أو غير معقول وحق العبد ما كان راجعا إلى مصالحه في الدنيا فإن كان ~~من المصالح الأخروية فهو من جملة ما يطلق عليه أنه حق لله ومعنى التعبد ~~عندهم أنه مالا يعقل معناه على الخصوص وأصل العبادات راجعة إلى حق الله ~~وأصل العادات راجعة إلى حقوق العباد # فصل # والأفعال بالنسبة إلى حق الله أو حق الآدمي ثلاثة أقسام # أحدها ما هو حق لله خالصا كالعبادات وأصله التعبد كما تقدم فإذا طابق ~~الفعل الأمر صح وإلا فلا # والدليل على ذلك أن التعبد راجع إلى عدم معقولية المعنى وبحيث لا يصح فيه ~~إجراء القياس وإذا لم يعقل معناه دل على أن قصد الشارع فيه الوقوف عند ما ~~حده لا يتعدى فإذا وقع طابق قصد الشارع أو لا خالف وقد تقدم أن مخالفة قصد ~~الشارع مبطل للعمل فعدم مطابقة الأمر مبطل للعمل وأيضا فلو فرضنا أن عدم ~~معقولية المعنى ليس بدليل على أن قصد الشارع الوقوف عندما حده الشارع PageV02P318 ~~فيكفي في ذلك عدم تحقق البراءة منه وعدم تحقق البراءة موجب ms433 لطلب الخروج عن ~~العهدة بفعل مطابق لا بفعل غير مطابق # والنهي في هذا القسم أيضا نظير الأمر فإن النهي يقتضي عدم صحة الفعل ~~المنهى عنه إما بناء على أن النهي يقتضى الفساد بإطلاق وإما لأن النهي ~~يقتضي أن الفعل المنهى عنه غير مطابق لقصد الشارع إما بأصله كزيادة صلاة ~~سادسة أو ترك الصلاة وإما بوصفه كقراءة القرآن في الركوع والسجود والصلاة ~~في الأوقات المكروهة إذ لو كان مقصودا لم ينه عنه ولأمر به أو أذن فيه فإن ~~الإذن هو المعروف أولا بقصد الشارع فلا تتعداه # فعلى هذا إذا رأيت من يصحح المنهى عنه بعد الوقوع أو المأمور به من غير ~~المطابق فذلك إما لعدم صحة الأمر أو النهي عنده وإما أنه ليس بأمر حتم ولا ~~نهي حتم وإما لرجوع جهة المخالفة إلى وصف منفك كالصلاة فى الدار المغصوبة ~~بناء على القول بصحة الإنفكاك وإما لعد النازلة من باب المفهوم والمعنى ~~المعلل بالمصالح فيجرى على حكمه وقد مر أن هذا قليل وأن التعبد هو العمدة # والثانى ما هو مشتمل على حق الله وحق العبد والمغلب فيه حق الله # وحكمه راجع إلى الأول لأن حق العبد إذا صار مطرحا شرعا فهو كغير المعتبر ~~إذ لو اعتبر لكان هو المعتبر والفرض خلافة كقتل النفس إذ ليس للعبد خيرة فى ~~إسلام نفسه للقتل لغير ضرورة شرعية كالفتن ونحوها فإذا رأيت من يصحح المنهى ~~أو المأمور غير المطابق بعد الوقوع فذلك للأمور الثلاثة الأول PageV02P319 ~~ولأمر رابع وهو الشهادة بأن حق العبد فيه هو المغلب # والثالث ما اشترك فيه الحقان وحق العبد هو المغلب وأصله معقولية المعنى ~~فإذا طابق مقتضى الأمر والنهي فلا إشكال في الصحة لحصول مصلحة العبد بذلك ~~عاجلا أو آجلا حسبما يتهيأ له وإن وقعت المخالفة فهنا نظر أصله المحافظة ~~على تحصيل مصلحة العبد فإما أن يحصل مع ذلك حق العبد ولو بعد الوقوع على حد ~~ما كان يحصل عند المطابقة أو أبلغ أو لا فإن فرض غير حاصل فالعمل باطل لأن ~~مقصود ms434 الشارع لم يحصل وإن حصل ولا يكون حصوله إلا مسببا عن سبب آخر أو غير ~~السبب المخالف صح وارتفع مقتضى النهي بالنسبة إلى حق العبد ولذلك يصحح مالك ~~بيع المدبر إذا أعتقه المشتري لأن النهي لأجل فوت العتق فإذا حصل فلا معنى ~~للفسخ عنده بالنسبة إلى حق المملوك وكذلك يصح العقد فيما تعلق به حق الغير ~~إذا أسقط ذو الحق حقه لأن النهي قد فرضناه لحق العبد فإذا رضي بإسقاطه فله ذلك # وأمثلة هذا القسم كثيرة فإذا رأيت من يصحح العمل المخالف بعد الوقوع فذلك ~~لأحد الأمور الثلاثة PageV02P320 ### || AUTO المسألة العشرون # لما كانت الدنيا مخلوقة ليظهر فيها أثر القبضتين ومبنية على بذل النعم ~~للعباد لينالوها ويتمتعوا بها وليشكروا الله عليها فيجازيهم في الدار ~~الأخرى حسبما بين لنا الكتاب والسنة اقتضى ذلك أن تكون الشريعة التي عرفتنا ~~بهذين مبنية على بيان وجه الشكر في كل نعمة وبيان وجه الاستمتاع بالنعم ~~المبذولة مطلقا # وهذان القصدان أظهر في الشريعة من أن يستدل عليهما ألا ترى إلى قوله ~~تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون وقوله وهو الذى أنشأكم وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون وقال فاذكرونى أذكركم واشكروا لى ولا ~~تكفرون وقوله فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم ~~إياه تعبدون وقال لئن شكرتم لأزيدنكم الآية والشكر هو صرف ما أنعم عليك في ~~مرضاة المنعم وهو راجع إلى الإنصراف إليه بالكلية ومعنى بالكلية أن يكون ~~جاريا على مقتضى مرضاته بحسب الإستطاعة في كل حال وهو معنى قوله عليه ~~الصلاة والسلام # حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا PageV02P321 ~~ويستوى في هذا ما كان من العبادات أو العادات # أما العبادات فمن حق الله تعالى الذي لا يحتمل الشركة فهي مصروفة إليه # وأما العادات فهي أيضا من حق الله تعالى على النظر الكلي ولذلك لا يجوز ~~تحريم ما أحل الله من الطيبات فقد قال تعالى قل من حرم ms435 زينة الله التى أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق الآية وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات ما أحل الله لكم الآية فنهى عن التحريم وجعله تعديا على حق الله ~~تعالى ولما هم بعض أصحابه بتحريم بعض المحللات قال عليه الصلاة والسلام # من رغب عن سنتي فليس مني وذم الله تعالى من حرم على نفسه شيئا مما وضعه ~~من الطيبات بقوله تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ~~وقوله وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم الآية فذمهم ~~على أشياء في الأنعام والحرث اخترعوها منها مجرد التحريم وهو المقصود ههنا # وأيضا ففي العادات حق لله تعالى من جهة وجه الكسب ووجه الانتفاع لأن حق ~~الغير محافظ عليه شرعا أيضا ولا خيرة فيه للعبد فهو حق لله تعالى صرفا في ~~حق الغير حتى يسقط حقه بإختياره في بعض الجزئيات لا في الأمر الكلي ونفس ~~المكلف أيضا داخلة في هذا الحق إذ ليس له التسليط على نفسه ولا على عضو من ~~أعضائه بالإتلاف # فإذا العاديات يتعلق بها حق الله من وجهين أحدهما من جهة الوضع الأول ~~الكلي الداخل تحت الضروريات والثاني من جهة الوضع التفصيلي PageV02P322 ~~الذي يقتضيه العدل بين الخلق وإجراء المصلحة على وفق الحكمة البالغة فصار ~~الجميع ثلاثة أقسام وفيها أيضا حق للعبد من وجهين أحدهما جهة الدار الآخرة ~~وهو كونه مجازى عليه بالنعيم موقى بسببه عذاب الجحيم والثاني جهة أخذه ~~للنعمة على أقصى كمالها فيما يليق بالدنيا لكن بحسبه في خاصة نفسه كما قال ~~تعالى قل هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة # وبالله التوفيق ### || AUTO القسم الثاني من الكتاب ### || AUTO فيما يرجع إلى مقاصد المكلف في التكليف وفيه مسائل # المسألة الأولى # أن الأعمال بالنيات والمقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات # والأدلة على هذا المعنى لا تنحصر PageV02P323 ~~ويكفيك منها أن المقاصد تفرق بين ما هو عادة وما هو عبادة وفي العبادات ~~بين ما هو واجب وغير واجب ms436 وفي العادات بين الواجب والمندوب والمباح ~~والمكروه والمحرم والصحيح والفاسد وغير ذلك من الأحكام والعمل الواحد يقصد ~~به أمر فيكون عبادة ويقصد به شيء آخر فلا يكون كذلك بل يقصد به شيء فيكون ~~إيمانا ويقصد به شيء آخر فيكون كفرا كالسجود لله أو للصنم # وأيضا فالعمل إذا تعلق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية وإذا عرى عن ~~القصد لم يتعلق به شيء منها كفعل النائم والغافل والمجنون # وقد قال تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين فاعبد الله ~~مخلصا له الدين إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وقال ولا يأتون الصلاة ~~إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا بعد ~~قوله فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف من بعد وصية يوصى بها أو دين غير ~~مضار لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء إلى قوله إلا أن تتقوا منهم تقاة ~~وفي الحديث # إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى إلى آخره وقال # من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله PageV02P324 ~~وفيه # أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك معي فيه شريكا تركت نصيبي ~~لشريكي وتصديقه قول الله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا وأباح عليه الصلاة والسلام للمحرم أكل لحم الصيد ~~ما لم يصده أو يصد له وهذا المكان أوضح في نفسه من أن يستدل عليه # لا يقال إن المقاصد وإن اعتبرت على الجملة فليست معتبرة بإطلاق وفي كل ~~حال والدليل على ذلك أشياء # منها الأعمال التي يجب الإكراه عليها شرعا فإن المكره على الفعل يعطي ~~ظاهره أنه لا يقصد فيما أكره عليه امتثال أمر الشارع إذ لم يحصل الإكراه ~~إلا لأجله فإذا فعله وهو قاصد لدفع العذاب عن نفسه فهو غير قاصد لفعل ما ~~أمر به لأن الفرض أن العمل لا يصح إلا بالنية المشروعة فيه وهو لم ينو ذلك ~~فيلزم أن أن لا يصح وإذا لم يصح كان وجوده وعدمه سواء ms437 فكان يلزم أن يطالب ~~بالعمل أيضا ثانيا ويلزم في الثاني ما لزم في الأول ويتسلسل أو يكون ~~الإكراه عبثا PageV02P325 ~~وكلاهما محال أو يصح العمل بلا نية وهو المطلوب # ومنها أن الأعمال ضربان عادات وعبادات فأما العادات فقد قال الفقهاء إنها ~~لا تحتاج في الامتثال بها إلى نية بل مجرد وقوعها كاف كرد الودائع والمغصوب ~~والنفقة على الزوجات والعيال وغيرها فكيف يطلق القول بأن المقاصد معتبرة في ~~التصرفات وأما العبادات فليست النية بمشروطة فيها بإطلاق أيضا بل فيها ~~تفصيل وخلاف بين أهل العلم في بعض صورها فقد قال جماعة من العلماء بعدم ~~اشتراط النية في الوضوء وكذلك الصوم والزكاة وهي عبادات وألزموا الهازل ~~العتق والنذر كما ألزموه النكاح والطلاق والرجعة وفي الحديث # ثلاث جدهن وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة وفي حديث آخر # من نكح لاعبا أو طلق لاعبا أو أعتق لاعبا فقد جاز وعن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه # أربع جائزات إذا تكلم بهن الطلاق والعتاق والنكاح والنذر ومعلوم أن ~~الهازل من حيث هو هازل لا قصد له في إيقاع ما هزل به وفي مذهب مالك فيمن ~~رفض نية الصوم في أثناء اليوم ولم يفطر أن PageV02P326 ~~صومه صحيح ومن سلم من اثنتين فى الظهر مثلا ظانا للتمام فتنفل بعدها ~~بركعتين ثم تذكر أنه لم يتم أجزأت عنه ركعتا النافلة عن ركعتي الفريضة وأصل ~~مسألة الرفض مختلف فيها فجميع هذا ظاهر فى صحة العبادة مع فقد النية فيها حقيقة # ومنها أن من الأعمال ما لا يمكن فيه قصد الإمتثال عقلا وهو النظر الأول ~~المفضى إلى العلم بوجود الصانع والعلم بما لا يتم الإيمان إلا به فإن قصد ~~الإمتثال فيه محال حسبما قرره العلماء فكيف يقال إن كل عمل لا يصح بدون نية ~~وإذ ثبت هذا كله دل على نقيض الدعوى وهو أنه ليس كل عمل بنية ولا أن كل ~~تصرف تعتبر فيه المقاصد هكذا مطلقا # لأنا نجيب عن ذلك بأمرين # أحدهما أن نقول إن المقاصد المتعلقة بالأعمال ضربان # ضرب هو من ms438 ضرورة كل فاعل مختار من حيث هو مختار وهنا يصح أن يقال إن كل ~~عمل معتبر بنيته فيه شرعا قصد به إمتثال أمر الشارع أولا وتتعلق إذ ذاك ~~الأحكام التكليفية وعليه يدل ما تقدم من الأدلة فإن كل فاعل عاقل مختار ~~إنما يقصد بعمله غرضا من الأغراض حسنا كان أو قبيحا مطلوب الفعل أو الترك ~~أو غير مطلوب شرعا فلو فرضنا العمل مع عدم الإختيار كالملجأ والنائم ~~والمجنون وما أشبه ذلك فهؤلاء غير مكلفين فلا يتعلق بأفعالهم مقتضى الأدلة ~~السابقة فليس هذا النمط بمقصود للشارع فبقي ما كان مفعولا بالإختيار لا بد ~~فيه من القصد 00000 وإذ ذاك تعلقت به الأحكام ولا يتخلف عن الكلية عمل ~~ألبتة وكل ما أورد فى السؤال لا يعدو هذين القسمين فإنه PageV02P327 ~~إما مقصود لما قصد له من رفع مقتضى الإكراه أو الهزل أو طلب الدليل أو غير ~~ذلك فيتنزل ذلك الحكم الشرعي بالإعتبار وعدمه وإما غير مقصود فلا يتعلق به ~~حكم على حال وإن تعلق به حكم فمن باب خطاب الوضع لا من باب خطاب التكليف ~~فالممسك عن المفطرات لنوم أو غفلة وإن صححنا صومه فمن جهة خطاب الوضع كأن ~~الشارع جعل نفس الإمساك سببا فى إسقاط القضاء أو فى صحة الصوم شرعا لا ~~بمعنى أنه مخاطب به وجوبا وكذلك ما فى معناه # والضرب الثانى ليس من ضرورة كل فعل وإنما هو من ضرورة التعبديات من حيث ~~هى تعبديات فإن الأعمال كلها الداخلة تحت الإختيار لا تصير تعبدية إلا مع ~~القصد إلى ذلك أما ما وضع على التعبد كالصلاة والحج وغيرهما فلا إشكال فيه ~~وأما العاديات فلا تكون تعبديات إلا بالنيات ولا يتخلف عن ذلك من الأعمال ~~شىء إلا النظر الأول لعدم إمكانه لكنه فى الحقيقة راجع إلى أن قصد التعبد ~~فيه غير متوجه عليه فلا يتعلق به الحكم التكليفي ألبتة بناء على منع ~~التكليف بما لا يطاق أما تعلق الوجوب بنفس العمل فلا إشكال فى صحته لأن ~~المكلف به قادر عليه متمكن من ms439 تحصيله بخلاف قصد التعبد بالعمل فإنه محال ~~فصار فى عداد ما لا قدرة عليه فلم تتضمنه الأدلة الدالة على طلب هذا القصد ~~أو اعتباره شرعا # والثانى من وجهى الجواب بالكلام على تفاصيل ما اعترض به فأما الإكراه على ~~الواجبات فما كان منها غير مفتقر إلى نية التعبد وقصد امتثال الأمر فلا يصح ~~فيه عبادة إلا أنه قد حصلت فائدته فتسقط المطالبة به شرعا كأخذ الأموال من ~~أيدى الغصاب وما افتقر منها إلى نية التعبد فلا يجزىء PageV02P328 ~~فعلها بالنسبة إلى المكره فى خاصة نفسه حتى ينوى القربة كالإكراه على الصلاة # لكن المطالبة تسقط عنه فى ظاهر الحكم فلا يطالبه الحاكم بإعادتها لأن ~~باطن الأمر غير معلوم للعباد فلم يطلبوا بالشق عن القلوب ### || AUTO وأما الأعمال العادية وإن لم تفتقر فى الخروج عن عهدتها إلى ~~نية فلا تكون عبادات ولا معتبرات فى الثواب إلا مع قصد الإمتثال وإلا كانت ~~باطلة وبيان بطلانها فى - كتاب الأحكام وما ذكر من الأعمال التعبدية فإن ~~القائل بعدم اشتراط النية فيها بان على أنها كالعاديات ومعقولة المعنى ~~وإنما تشترط النية فيما كان غير معقول المعنى فالطهارة والزكاة من ذلك وأما ~~الصوم فبناء على أن الكف قد استحقه الوقت فلا ينعقد لغيره ولا يصرفه قصد ~~سواه ولهذا نظائر فى العاديات كنكاح الشغار فإنه عند أبي حنيفة منعقد على ~~وجه الصحة وإن لم يقصدوه PageV02P329 ~~وأما النذر والعتق وما ذكر معهما فقد تقدم أن القاصد لإيقاع السبب غير ~~قاصد للمسبب لا ينفعه عدم قصده له عن وقوعه عليه والهازل كذلك لأنه قاصد ~~لإيقاع السبب بلا شك وهو فى المسبب إما غير قاصد له بنفي ولا إثبات وإما ~~قاصد أن لا يقع وعلى كل تقدير فيلزمه المسبب شاء أم أبى وإذ قلنا بعدم ~~اللزوم فبناء على أنه ناطق باللفظ غير قاصد لمعناه وإنما قصد مجرد الهزل ~~باللفظ ومجرد الهزل لا يلزم عليه حكم إلا حكم نفس الهزل وهو الإباحة أو غيرها # وقد علل اللزوم فى هذه المسائل بأن الجد والهزل أمر ms440 باطن فيحمل على أنه ~~جد ومصاحب للقصد لإيقاع مدلوله أو يقال إنه قاصد بالعقد الذى هو جد شرعي ~~اللعب فناقض مقصود الشارع فبطل حكم الهزل فيه فصار إلى الجد # ومسألة رفض نية الصوم بناء على أنه انعقد على الصحة فالنية الأولى ~~مستصحبة حكما حتى يقع الإفطار الحقيقي وهو لم يكن فصح الصوم ومثله نيابة ~~ركعتي النافلة عن الفريضة لأن ظن الإتمام لم يقطع عند المصحح حكم النية PageV02P330 ~~الأولى فكان السلام بينهما والانتقال إلى نية التنقل لغوا لم يصادف محلا # وعلى هذا السبيل تجرى مسألة الرفض # وأما النظر الأول فقصد التعبد فيه محال وقد تقدم بيانه فى الوجه الأول # وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة الثانية # قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده فى العمل موافقا لقصده فى التشريع ~~والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة إذ قد مر أنها موضوعة لمصالح العباد ~~على الإطلاق والعموم والمطلوب من المكلف أن يجرى على ذلك فى أفعاله وأن لا ~~يقصد خلاف ما قصد الشارع ولأن المكلف خلق لعبادة الله وذلك راجع إلى العمل ~~على وفق القصد فى وضع الشريعة هذا محصول العبادة فينال بذلك الجزاء فى ~~الدنيا والآخرة وأيضا فقد مر أن قصد الشارع المحافظة على الضروريات وما رجع ~~إليها من الحاجيات والتحسينيات وهو عين ما كلف به العبد فلا بد أن يكون ~~مطلوبا بالقصد إلى ذلك وإلا لم يكن عاملا على المحافظة لأن الأعمال بالنيات ~~وحقيقة ذلك أن يكون خليفة الله فى إقامة هذه المصالح بحسب طاقته ومقدار ~~وسعه وأقل ذلك خلافته على نفسه ثم على أهله ثم على كل من تعلقت له به مصلحة ~~ولذلك قال عليه الصلاة والسلام # كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وفى القرآن الكريم آمنوا بالله ورسوله ~~وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه وإليه يرجع قوله تعالى إني جاعل فى الأرض ~~خليفة وقوله ويستخلفكم فى الأرض فينظر كيف تعملون وهو الذى جعلكم خلائف فى ~~الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم PageV02P331 ~~فيما آتاكم والخلافة عامة وخاصة حسبما فسرها الحديث حيث ms441 قال # الأمير راع والرجل راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده ~~فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وإنما أتى بأمثلة تبين أن الحكم كلي عام ~~غير مختص فلا يتخلف عنه فرد من أفراد الولاية عامة كانت أو خاصة # فإذا كان كذلك فالمطلوب منه أن يكون قائما مقام من استخلفه يجري أحكامه ~~ومقاصده مجاريها وهذا بين ### || AUTO فصل ### || AUTO وإذا حققنا تفصيل المقاصد الشرعية بالنسبة إلى المكلف وجدناها ~~ترجع إلى ما ذكر في - كتاب الأحكام وفي مسألة دخول المكلف في الأسباب إذ مر ~~هنالك خمسة أوجه منها يؤخذ القصد الموافق والمخالف فعلى الناظر هنا مراجعة ~~ذلك الموضع حتي يتبين له ما أراد إن شاء الله PageV02P332 ### || AUTO المسألة الثالثة # كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة وكل من ~~ناقضها فعمله في المناقضة باطل فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل # أما أن العمل المناقض باطل فظاهر فإن المشروعات إنما وضعت لتحصيل المصالح ~~ودرء المفاسد فإذا خولفت لم يكن في تلك الأفعال التي خولف بها جلب مصلحة ~~ولا درء مفسدة # وأما أن من ابتغى في الشريعة ما لم توضع له فهو مناقض لها فالدليل عليه أوجه # أحدها أن الأفعال والتروك من حيث هي أفعال أوتروك متماثلة عقلا بالنسبة ~~إلى ما يقصد بها إذ لا تحسين للعقل ولا تقبيح فإذا جاء الشارع بتعيين أحد ~~المتماثلين للمصلحة وتعيين الآخر للمفسدة فقد بين الوجه الذي منه تحصل ~~المصلحة فأمر به أو أذن فيه وبين الوجه الذي به تحصل المفسدة فنهي عنه رحمة ~~بالعباد فإذا قصد المكلف عين ما قصده الشارع بالإذن فقد قصد وجه المصلحة ~~على أتم وجوهه فهو جدير بأن تحصل له وإن قصد غير ما قصده الشارع PageV02P333 ~~وذلك إنما يكون في الغالب لتوهم أن المصلحة فيما قصد لأن العاقل لا يقصد ~~وجه المفسدة كفاحا فقد جعل ما قصد الشارع مهمل الاعتبار وما أهمل الشارع ~~مقصودا معتبرا وذلك مضادة للشريعة ظاهره # والثاني أن ms442 حاصل هذا القصد يرجع إلى أن ما رآه الشارع حسنا فهو عند هذا ~~القاصد ليس بحسن وما لم يره الشارع حسنا فهو عنده حسن وهذه مضادة أيضا # والثالث أن الله تعالى يقول ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ~~ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى الآية وقال عمر بن عبد العزيز # سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها ~~تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله من عمل بها مهتد ~~ومن استنصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما ~~تولى وأصلاه جهنم وساءت مصير والأخذ في خلاف مآخذ الشارع من حيث القصد إلى ~~تحصيل المصلحة أو درء المفسدة مشاقة ظاهرة # والرابع أن الآخذ بالمشروع لم حيث لم يقصد به الشارع ذلك القصد آخذ في ~~غير مشروع حقيقة لأن الشارع إنما شرعه لأمر معلوم بالفرض فإذا أخذ بالقصد ~~إلى غير ذلك الأمر المعلوم فلم يأت بذلك المشروع أصلا وإذا لم يأت به ناقض ~~الشارع فى ذلك الأخذ من حيث صار كالفاعل لغير ما أمر به والتارك لما أمر به # والخامس أن الملكف إنما كلف بالأعمال من جهة قصد الشارع بها PageV02P334 ~~في الأمر والنهي فإذا قصد بها غير ذلك كانت بفرض القاصد وسائل لما قصد لا ~~مقاصد إذ لم يقصد بها قصد الشارع فتكون مقصودة بل قصد قصد آخر جعل الفعل أو ~~الترك وسيلة له فصار ما هو عند الشارع مقصود وسيلة عنده # وما كان شأنه هذا نقض لإبرام الشارع وهدم لما بناه # والسادس أن هذا القاصد مستهزىء بآيات الله لأن من آياته أحكامه التي ~~شرعها وقد قال بعد ذكر أحكام شرعها ولا تتخذوا آيات الله هزوا والمراد أن ~~لا يقصد بها غير ما شرعها لأجله ولذلك قيل للمنافقين حيث قصدوا بإظهار ~~الإسلام غير ما قصده الشارع أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون والاستهزاء ~~بما وضع على الجد مضادة لحكمته ظاهره والأدلة على هذا المعنى كثيرة # وللمسألة ms443 أمثلة كثيرة كإظهار كلمة التوحيد قصدا لإحراز الدم والمال لا ~~لإقرار للواحد الحق بالوحدانية والصلاة لينظر إليه بعين الصلاح والذبح لغير ~~الله والهجرة لينال دنيا يصيبها أو امرآة ينكحها والجهاد للعصبية أو لينال ~~شرف الذكر فى الدنيا والسلف ليجربه نفعا والوصية بقصد المضارة للورثة ونكاح ~~المرأة ليحلها لمطلقها وما أشبه ذلك PageV02P335 ~~وقد يعترض هذا الإطلاق بأشياء منها ما تقدم فى المسألة الأولى كنكاح ~~الهازل وطلاقه وما ذكر معهما فإنه قاصد غير ما قصد الشارع بلفظ النكاح ~~والطلاق وغيرهما وقد تقدم جوابه ومن ذلك المكره بباطل فإنه عند الحنفية ~~تنعقد تصرفاته شرعا فيما لا يحتمل الفسخ بالإقالة كما تنعقد حاله الإختيار ~~كالنكاح والطلاق والعتق واليمين والنذر وما يحتمل الإقالة ينعقد كذلك لكن ~~موقوفا على اختيار المكره ورضاه إلى مسائل من هذا النحو ومنها أن الحيل فى ~~رفع وجوب الزكاة وتحليل المرأة لمطلقها ثلاثا غير ذلك مقصود به خلاف ما ~~قصده الشارع مع أنها عند القائل بها صحيحة ومن تتبع الأحكام الشرعية ألفى ~~منها ما لا ينحصر وجميعه يدل على أن العمل المشروع إذا قصد به غير ما قصده ~~الشارع فلا يلزم أن يكون باطلا # والجواب أن مسائل الإكراه إنما قيل بإنعقادها شرعا بناء على أنها مقصودة ~~للشارع بأدلة قررها الحنفية ولا يصح أن يقر أحد بكون العمل غير مقصود ~~للشارع على ذلك الوجه ثم يصححه لأن تصحيحه إنما هو بالدليل الشرعي والأدلة ~~الشرعية أقرب إلى تفهيم مقصود الشارع من كل شىء فكيف يقال إن العمل صحيح ~~شرعا مع أنه غير مشروع هل هذا إلا عين المحال وكذلك القول فى الحيل عند من ~~قال بها مطلقا فإنما قال بها بناء على أن للشارع قصد فى استجلاب المصالح ~~ودرء المفاسد بل الشريعة لهذا وضعت فإذا صحح مثلا نكاح المحلل فإنما صححه ~~على فرض أنه غلب على ظنه من قصد الشارع الإذن فى استجلاب مصلحة الزوجين فيه ~~وكذلك سائر المسائل بدليل صحته فى النطق بكلمة PageV02P336 ~~الكفر خوف القتل أو التعذيب وفى سائر المصالح العامة ms444 والخاصة إذ لا يمكن ~~إقامة دليل فى الشريعة على إبطال كل حيلة كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح ~~كل حيلة فإنما يبطل منها ما كان مضادا لقصد الشارع خاصة وهو الذى يتفق عليه ~~جيمع أهل الإسلام ويقع الإختلاف فى المسائل التى تتعارض فيها الأدلة # ولهذا موضع يذكر فيه فى هذا القسم إن شاء الله تعالى ### || AUTO المسألة الرابعة # فاعل الفعل أو تاركه إما أن يكون فعله أوتركه موافقا أو مخالفا وعلى كلا ~~التقديرين إما أن يكون قصده موافقة الشارع أو مخالفته فالجميع أربعة أقسام ~~أحدها أن يكون موافقا وقصده الموافقة كالصلاة والصيام والصدقة والحج وغيرها ~~يقصد بها امتثال الله تعالى وأداء ما وجب عليه أو ندب إليه وكذلك ترى الزنى ~~والخمر وسائر المنكرات يقصد بذلك الامتثال فلا إشكال فى صحة هذا العمل # والثانى أن يكون مخالفا وقصده المخالفة كترك الواجبات وفعل المحرمات ~~قاصدا لذلك فهذا أيضا طاهر الحكم # والثالث أن يكون الفعل أو الترك موافقا وقصده المخالفة وهو ضربان # أحدهما أن لا يعلم بكون الفعل أو الترك موافقا والآخر أن يعلم بذلك # فالأول كواطىء زوجته ظانا أنها أجنبيه وشارب الجلاب ظانا أنه خمر وتارك ~~الصلاة يعتقد أنها باقية فى ذمته وكان قد أوقعها وبرىء منها فى نفس الأمر # فهذا الضرب قد حصل فيه قصد العصيان بالمخالفة ويحكى الأصوليون فى هذا ~~النحو الإتفاق على العصيان فى مسألة من أخر الصلاة مع ظن الموت قبل الفعل ~~وحصل فيه أيضا أن مفسدة النهي لم تحصل لأنه إنما نهى عن ذلك لأجل ما ينشأ ~~عنها من المفاسد فإذا لم يوجد هذا لم يكن مثل من فعله فحصلت المفسدة PageV02P337 ~~فشارب الجلاب لم يذهب عقله وواطىء زوجته لم يختلط نسب من خلق من مائة ولا ~~لحق المرأة بسبب هذا الوطىء معرة وتارك الصلاة لم تفته مصلحة الصلاة وكذلك ~~سائر المسائل المندرجة تحت هذا الأصل فالحاصل أن هذا الفعل أو الترك فيه ~~موافقة ومخالفة # فإن قيل فهل وقع العمل على الموافقة أو المخالفة فإن وقع على ms445 الموافقة ~~فمأذون فيه وإذا كان مأذونا فيه فلا عصيان فى حقه لكنه عاص بإتفاق هذا خلف # وإن وقع مخالفا فهو غير مأذون فيه ولا عبرة بكونه موافقا في نفس الأمر ~~وإذا كان غير مأذون فيه وجب أن يتعلق به من الأحكام ما يتعلق بما لو كان ~~مخالفا في نفس الأمر فكان يجب الحد على الواطىء والزجر على الشارب وشبه ذلك ~~لكنه غير واجب باتفاق أيضا هذا خلف # فالجواب أن العمل هنا آخذ بطرف من القسمين الأولين فإنه وإن كان مخالفا ~~في القصد قد وافق في نفس العمل فإذا نظرنا إلى فعله أو تركه وجدناه لم تقع ~~به مفسدة ولا فاتت به مصلحة وإذا نظرنا إلى قصده وجدناه منتهكا حرمة الأمر ~~والنهي فهو عاص فى مجرد القصد غير عاص بمجرد العمل وتحقيقه أنه آثم من جهة ~~حق الله غير آثم من جهة حق الآدمي كالغاصب لما يظن أنه متاع المغصوب منه ~~فإذا هو متاع الغاصب نفسه فلا طلب عليه لمن قصد الغصب منه وعليه الطلب من ~~جهة حرمة الأمر والنهي والقاعدة أن كل تكليف مشتمل على حق الله وحق العبد PageV02P338 ~~ولا يقال إذا كان فوت المفسدة أو عدم فوت المصلحة مسقطا لمعنى الطلب فليكن ~~كذلك فيما إذا شرب الخمر فلم يذهب عقله أو زنى فلم يتخلق ماؤه في الرحم ~~بعزل أو غيره لأن المتوقع من ذلك غير موجود فكان ينبغي أن لا يترتب عليه حد ~~ولا يكون آثما إلا من جهة قصده خاصة # لأنا نقول لا يصح ذلك لأن العامل قد تعاطى السبب الذي تنشأ عنه المفسدة ~~أو تفوت به المصلحة وهو الشرب والإيلاج المحرمان في نفس الأمر وهما مظنتان ~~للإختلاط وذهاب العقل ولم يضع الشارع الحد بإزاء زوال العقل أو اختلاط ~~الأنساب بل بإزاء تعاطي أسبابه خاصة وإلا فالمسببات ليست من فعل المتسبب ~~وإنما هي من فعل الله تعالى فالله هو خالق الولد من الماء والسكر عن الشرب ~~كالشبع مع الأكل والري مع الماء والإحراق مع النار كما تبين في ms446 موضعه وإذا ~~كان كذلك فالمولج والشارب قد تعاطيا السبب على كماله فلا بد من إيقاع مسببه ~~وهو الحد وكذلك سائر ما جرى هذا المجرى مما عمل فيه بالسبب لكنه أعقم وأما ~~الإثم فعلى وفق ذلك وهل يكون في الإثم مساويا لمن أنتج سببه أم لا هذا نظر ~~آخر لا حاجة إلى ذكره ههنا # والثانى أن يكون الفعل أو الترك موافقا إلا أنه عالم بالموافقة ومع ذلك ~~فقصده المخالفة ومثاله أن يصلي رياء لينال دنيا أو تعظيما عند الناس أو ~~ليدرأ عن نفسه القتل وما أشبه ذلك فهذا القسم أشد من الذي قبله وحاصله أن ~~هذا العامل قد جعل الموضوعات الشرعية التى جعلت مقاصد وسائل لأمور أخر لم ~~يقصد الشارع جعلها لها فيدخل تحته النفاق والرياء والحيل على أحكام الله ~~تعالى وذلك كله باطل لأن القصد مخالف لقصد الشارع عينا فلا يصح جملة وقد ~~قال الله تعالى إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار وقد تقدم بيان هذا المعنى PageV02P339 ~~والقسم الرابع أن يكون الفعل أو الترك مخالفا والقصد موافقا فهو أيضا ضربان # أحدهما أن يكون مع العلم بالمخالفة والآخر أن يكون مع الجهل بذلك # فإن كان مع العلم بالمخالفة فهذا هو الإبتداع كإنشاء العبادات المستأنفة ~~والزيادات على ما شرع ولكن الغالب أن لا يتجرأ عليه إلا بنوع تأويل ومع ذلك ~~فهو مذموم حسبما جاء فى القرآن والسنة والموضع مستغن عن إيراده ههنا وسيأتي ~~له مزيد تقرير بعد هذا إن شاء الله والذي يتحصل هنا أن جميع البدع مذمومة ~~لعموم الأدلة في ذلك كقوله تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم فى شىء وقوله وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله وفى الحديث # كل بدعة ضلالة وهذا المعنى فى لأحاديث كالمتواتر # فإن قيل إن العلماء قد قسموا البدع بأقسام الشريعة والمذموم منها بإطلاق ~~هو المحرم وأما المكروه فهو الذم فيه بإطلاق وما عدا ذلك فغير قبيح شرعا # فالواجب منها والمندوب حسن بإطلاق وممدوح فاعله ومستنبطه ms447 والمباح حسن ~~باعتبار فعلى الجملة من استحسن من البدع ما استحسنه الأولون لا يقول إنها ~~مذمومة ولا مخالفة لقصد الشارع بل هي موافقة أي موافقة كجمع الناس على PageV02P340 ~~المصحف العثماني والتجميع فى قيام رمضان فى المسجد وغير ذلك من المحدثات ~~الحسنة التي اتفق الناس على حسنها أعني السلف الصالح والمجتهدين من الأمة ~~وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن فجميع هذه الأشياء داخله تحت ترجمة ~~المسألة إذ هي أفعال مخالفة للشارع لأنه لم يضعها مقترنة بقصد موافق لأنهم ~~لم يقصدوا إلا الصلاح وإذا كان كذلك وجب أن لا تكون البدع كلها مذمومة خلاف المدعى # فالجواب أن هذا كله ليس مما وقعت الترجمة عليه فإن الفرض أن الفعل مخالف ~~للفعل الذي وضعه الشارع وما أحدثه السلف وأجمع عليه العلماء لم يقع فيه ~~مخالفة لما وضعه الشارع بحال بيان ذلك أن جمع المصحف مثلا لم يكن في زمان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستغناء عنه بالحفظ في الصدور ولأنه لم يقع ~~في القرآن اختلاف يخاف بسببه الاختلاف في الدين وإنما وقعت فيه نازلتان أو ~~ثلاثة كحديث عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم رضي الله عنهما وقصة أبي بن كعب ~~مع عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما وفيه قال عليه الصلاة والسلام # لا تماروا في القرآن فإن المرآء فيه كفر فحاصل الأمر أن جمع المصحف كان ~~مسكوتا عنه في زمانه عليه الصلاة والسلام ثم لما وقع الاختلاف في القرآن ~~وكثر حتى صار أحدهم يقول لصاحبه أنا كافر بما تقرأ به صار جمع المصحف واجبا ~~ورأيا رشيدا في واقعة لم يتقدم بها عهد فلم يكن فيها مخالفة وإلا لزم أن ~~يكون النظر في كل واقعة لم تحدث في الزمان المتقدم بدعة وهو باطل باتفاق ~~لكن مثل هذا النظر من باب الاجتهاد الملائم لقواعد الشريعة وإن لم يشهد له ~~أصل معين PageV02P341 ~~وهو الذي يسمى المصالح المرسلة وكل ما أحدثه السلف الصالح من هذا القبيل ~~لا يتخلف عنه بوجه وليس من المخالف ms448 لمقصد الشارع أصلا كيف وهو يقول # ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن # ولا تجتمع أمتي على ضلالة فثبت أن هذا المجمع عليه موافق لقصد الشارع فقد ~~خرج هذا الضرب عن أن يكون فيه الفعل أو الترك مخالفا للشارع وأما البدعة ~~المذمومة فهي التي خالفت ما وضع الشارع من الأفعال أو التروك وسيأتي تقرير ~~هذا المعنى بعد إن شاء الله # وإن كان العمل المخالف مع الجهل بالمخالفة فله وجهان أحدهما كون القصد ~~موافقا فليس بمخالف من هذا الوجه والعمل وإن كان مخالفا فالأعمال بالنيات ~~ونية هذا العامل على الموافقة لكن الجهل أوقعه في المخالفة ومن لا يقصد ~~مخالفة الشارع كفاحا لا يجري مجرى المخالف بالقصد والعمل معا فعمله بهذا ~~النظر منظور فيه على الجملة لا مطرح على الإطلاق والثاني كون العمل مخالفا ~~فإن قصد الشارع بالأمر والنهي الامتثال فإذا لم يمتثل فقد خولف قصده ولا ~~يعارض المخالفة موافقة القصد الباعث على العمل لأنه لم يحصل قصد الشارع في ~~ذلك العمل على وجه ولا طابق القصد العمل فصار المجموع مخالفا كما لو خولف ~~فيهما معا فلا يحصل الامتثال PageV02P342 ~~وكلا الوجهين يعارض الآخر في نفسه ويعارضه في الترجيح لأنك إن رجحت أحدهما ~~عارضك في الآخر وجه مرجح فيتعارضان أيضا ولذلك صار هذا الحل غامضا فى ~~الشريعة ويتبين ذلك بإيراد شيء من البحث فيه # وذلك أنك إذا رجحت جهة القصد الموافق بأن العامل ما قصد قط إلا الإمتثال ~~والموافقة ولم ينتهك حرمة للشارع بذلك القصد عارضك أن قصد الموافقة مقيد ~~الإمتثال المشروع لا بمخالفته وإن كان مقيدا فقصد المكلف لم يصادف محلا فهو ~~كالعبث وأيضا إذا لم يصادف محلا صار غير موافق لأن القصد فى الأعمال ليس ~~بمشروع على الإنفراد # فإن قلت إن المقاصد قد ثبت قبل الشرائع كما ذكر عمن آمن فى الفترات وأدرك ~~التوحيد وتمسك بأعمال يعبد الله بها وهى غير معتبرة إذ لم تثبت فى شرع بعد # قيل لك إن فرض أولئك فى زمان فترة لم يتمسكوا بشريعة متقدمة ms449 فالمقاصد ~~الموجودة لهم منازع فى اعتبارها بإطلاق فإنها كأعمالهم المقصود بها PageV02P343 ~~التعبد فإن قلت بإعتبار القصد كيف كان لزم ذلك فى الأعمال وإن قلت بعدم ~~اعتبار الأعمال لزم ذلك فى القصد وأيضا فكلامنا فيما بعد الشرائع لا فيما ~~قبلها وإن فرضنا أن من نقل عنهم من أهل الفترات كانوا متمسكين ببعض الشرائع ~~المتقدمة فذلك واضح # فإن قيل قوله عليه الصلاة والسلام # إنما الأعمال بالنيات يبين أن هذه الأعمال وإن خالفت قد تعتبر فإن ~~المقاصد أرواح الأعمال فقد صار العمل ذا روح على الجملة وإذا كان كذلك ~~اعتبر بخلاف ما إذا خالف القصد ووافق العمل أو خالفا معا فإنه جسد بلا روح ~~فلا يصدق عليه مقتضى قوله # الأعمال بالنيات لعدم النية فى العمل # قيل إن سلم فمعارض بقوله عليه الصلاة والسلام # كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد وهذا العمل ليس بموافق لأمره عليه الصلاة ~~والسلام فلم يكن معتبرا بل كان مردودا وأيضا فإذا لم ينتفع بجسد بلا روح ~~كذلك لا ينتفع بروح فى غير جسد لأن الأعمال هنا قد فرضت مخالفة فهي في حكم ~~العدم فبقيت النية منفردة في حكم عملي فلا اعتبار بها وتكثر المعارضات في ~~هذا من الجانبين فكانت المسألة مشكلة جدا # ومن هنا صار فريق من المجتهدين إلى تغليب جانب القصد فتلافوا من PageV02P344 ~~العبادات ما يجب تلافيه وصححوا المعاملات ومال فريق إلى الفساد بإطلاق ~~وأبطلوا كل عبادة أو معاملة خالفت الشارع ميلا إلى جانب العمل المخالف # وتوسط فريق فأعملوا الطرفين على الجملة لكن على أن يعمل مقتضى القصد في ~~وجه ويعمل مقتضى الفعل في وجه آخر والذي يدل على إعمال الجانبين أمور # أحدها أن متناول المحرم غير عالم بالتحريم قد اجتمع فيه موافقة القصد إذ ~~لم يتلبس إلا بما اعتقد إباحته ومخالفة الفعل لأنه فاعل لما نهي عنه فأعمل ~~مقتضى الموافقة فى إسقاط الحد والعقوبة وأعمل مقتضى المخالفة فى عدم البناء ~~على ذلك الفعل وعدم الإعتماد عليه حتى صحح ما يجب أن يصحح مما فيه تلاف ~~ميلا ms450 فيه إلى جهة القصد أيضا وأهمل ما يجب أن يهمل مما لا تلافى فيه PageV02P345 ~~فقد اجتمع في هذه المسألة اعتبار الطرفين بما يليق بكل واحد منهما كالمرأة ~~يتزوجها رجلان ولا يعلم الآخر بتقدم نكاح غيره إلا بعد بنائه بها فقد فاتت ~~بمقتضى فتوى عمر ومعاوية والحسن وروى مثله عن علي رضى الله عنهم # ونظيرها فى مسألة المفقود إذا تزوجت امرأته ثم قدم فالأول أولى بها قبل ~~نكاحها والثاني أولى بعد دخوله بها وفيما بعد العقد وقبل البناء قولان وفى الحديث # إيما أمرأة نكحت بغير إذن مواليها فنكاحها باطل باطل باطل فإن دخل بها ~~فلها المهر بما أصاب منها وعلى هذا يجري باب السهو فى الصلاة وباب الأنكحة ~~الفاسدة فى تشعب مسائلها # والثاني أن عمدة مذهب مالك بل عمدة مذاهب الصحابة اعتبار الجهل في ~~العبادات اعتبار النسيان على الجملة فعدوا من خالف في الأفعال أو الأقوال PageV02P346 ~~جهلا على حكم الناسى ولو كان المخالف في الأفعال دون القصد مخالفا على ~~الإطلاق لعاملوه معاملة العامد كما يقوله ابن حبيب ومن وافقه وليس الأمر كذلك # فهذا واضح في أن للقصد الموافق أثرا وهو بين في الطهارات والصلاة والصيام ~~والحج وغير ذلك من العبادات وكذلك فى كثير من العادات كالنكاح والطلاق ~~والأطعمة والأشربة وغيرها # ولا يقال إن هذا ينكسر في الأمور المالية فإنها تضمن في الجهل والعمد ~~لأنا نقول الحكم في التضمين في الأموال آخر لأن الخطأ فيها مساو للعمد في ~~ترتب الغرم في إتلافها # والثالث الأدلة الدالة على رفع الخطأ عن هذه الأمة ففي الكتاب وليس عليكم ~~جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وقال ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ~~أو أخطأنا وفي الحديث # قال قد فعلت وقال لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وفي الحديث # رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وهو معنى متفق عليه في ~~الجملة لا مخالف فيه وإن اختلفوا فيما تعلق به رفع المؤاخذة هل ذلك مختص ~~بالمؤاخذة الأخروية خاصة أم لا فلم يختلفوا أيضا أن رفع ms451 المؤاخذة بإطلاق لا ~~يصح فإذا كان كذلك ظهر أن كل واحد من الطرفين معتبر على الجملة ما لم يدل ~~دليل من خارج على خلاف ذلك والله أعلم PageV02P347 ### || AUTO المسألة الخامسة # جلب المصلحة أو دفع المفسدة إذا كان مأذونا فيه على ضربين أحدهما أن لا ~~يلزم عنه إضرار الغير والثاني أن يلزم عنه ذلك وهذا الثاني ضربان # أحدهما أن يقصد الجالب أو الدافع ذلك الإضرار كالمرخص في سلعته قصدا لطلب ~~معاشه وصحبه قصد الإضرار بالغير والثاني أن لا يقصد إضرارا بأحد وهو قسمان ~~أحدهما أن يكون الاضرار عاما كتلقي السلع وبيع الحاضر للبادي والامتناع من ~~بيع داره أو فدانه وقد اضطر إليه الناس لمسجد جامع أو غيره والثاني أن يكون ~~خاصا وهو نوعان أحدهما أن يلحق الجالب أو الدافع بمنعه من ذلك ضرر فهو ~~محتاج إلى فعله كالدافع عن نفسه مظلمة يعلم أنها تقع بغيره أو يسبق إلى ~~شراء طعام أو ما يحتاج إليه أو إلى صيد أو حطب أو ماء أو غيره عالما أنه ~~إذا حازه استضر غيره بعدمه ولو أخذ من يده استضر # والثاني أن لا يلحقه بذلك ضرر وهو على ثلاثة أنواع أحدهما ما يكون أداؤه ~~إلى المفسدة قطعيا أعني القطع العادي كحفر البئر خلف باب الدار في الظلام ~~بحيث يقع الداخل فيه بلا بد وشبه ذلك والثاني ما يكون أداؤه إلى المفسدة ~~نادرا كحفر البئر بموضع لا يؤدي غالبا إلى وقوع أحد فيه وأكل الأغذية التي ~~غالبها أن لا تضر أحدا وما أشبه ذلك والثالث ما يكون أداؤه إلى المفسدة ~~كثيرا لا نادرا وهو على وجهين أحدهما أن يكون غالبا كبيع السلاح PageV02P348 ~~من أهل الحرب والعنب من الخمار وما يغش به ممن شأنه الغش ونحو ذلك # والثاني أن يكون كثيرا لا غالبا كمسائل بيوع الآجال فهذه ثمانية أقسام # فأما الأول فباق على أصله من الإذن ولا إشكال فيه ولا حاجة إلى الاستدلال ~~عليه لثبوت الدليل على الإذن ابتداء # وأما الثاني فلا إشكال منع القصد إلى الإضرار من ms452 حيث هو إضرار لثبوت ~~الدليل على أن لا ضرر ولا ضرار في الإسلام لكن يبقى النظر في هذا العمل ~~الذي اجتمع فيه قصد نفع النفس وقصد إضرار الغير هل يمنع منه فيصير غير ~~مأذون فيه أم يبقى على حكمه الأصلي من الإذن ويكون عليه إثم ما قصد هذا مما ~~يتصور فيه الخلاف على الجملة وهو جارعلى مسألة الصلاة في الدار المغصوبة ~~ومع ذلك فيحتمل في الاجتهاد تفصيلا # وهو أنه إما أن يكون إذا رفع ذلك العمل وانتقل إلى وجه آخر في استجلاب ~~تلك المصلحة أو درء تلك المفسدة حصل له ما أراد أولا فإن كان كذلك فلا ~~إشكال في منعه منه لأنه لم يقصد ذلك الوجه إلا لأجل الإضرار فلينقل عنه ولا ~~ضرر عليه كما يمنع من ذلك الفعل إذا لم يقصد غير الإضرار وإن لم يكن له ~~محيص عن تلك الجهة التي يستضر منها الغير فحق الجالب أو الدافع مقدم وهو ~~ممنوع من قصد الإضرار ولا يقال إن هذا تكليف بما لا يطاق فإنه إنما كلف ~~بنفي قصد الإضرار وهو داخل تحت الكسب لا ينفى الإضرار بعينه # وأما الثالث فلا يخلو أن يلزم من منعه الإضرار به بحيث لا ينجبر أولا # فإن لزم قدم حقه على الإطلاق على تنازع يضعف مدركه من مسألة الترس التي PageV02P349 ~~فرضها الأصوليون فيما إذا تترس الكفار بمسلم وعلم أن الترس إذا لم يقتل ~~استؤصل أهل الإسلام وإن أمكن انجبار الإضرار ورفعه جملة فاعتبار الضرر ~~العام أولى # فيمنع الجالب أو الدافع مما هم به لأن المصالح العامة مقدمة على المصالح ~~الخاصة بدليل النهي عن تلقي السلع وعن بيع الحاضر للبادي واتفاق السلف على ~~تضمين الصناع مع أن الأصل فيهم الأمانة وقد زادوا في مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من غيره مما رضي أهله ومالا لا وذلك يقضي بتقديم مصلحة ~~العموم على مصلحة الخصوص لكن بحيث لا يلحق الخصوص مضرة # وأما الرابع فإن الموضع في الجملة يحتمل نظرين نظر من جهة إثبات الحظوظ ~~ونظر ms453 من جهة اسقاطها فإن اعتبرنا الحظوظ فإن حق الجالب أو الدافع مقدم وإن ~~استضر غيره بذلك لأن جلب المنفعة أو دفع المضرة مطلوب للشارع مقصود ولذلك ~~أبيحت الميتة وغيرها من المحرمات الأكل وأبيح الدرهم بالدرهم إلى أجل ~~للحاجة الماسة للمقرض والتوسعة على العباد والرطب باليابس في العرية للحاجة ~~الماسة في طريق المواساة إلى أشياء من ذلك كثيرة دلت الأدلة على قصد الشارع ~~إليها وإذا ثبت هذا فما سبق إليه الإنسان من PageV02P350 ~~ذلك قد ثبت حقه فيه شرعا بحوزه له دون غيره وسبقه إليه لا مخالفة فيه ~~للشارع فصح وبذلك ظهر أن تقديم حق المسبوق على حق السابق ليس بمقصود شرعا ~~إلا مع إسقاط السابق لحقه وذلك لا يلزمه بل قد يتعين عليه حق نفسه في ~~الضروريات فلا يكون له خيرة في إسقاط حقه لأنه من حقه على بينة ومن حق غيره ~~على ظن أو شك وذلك في دفع الضرر واضح وكذلك في جلب المصلحة إن كان عدمها يضر به # وقد سئل الداودي هل ترى لمن قدر أن يتخلص من غرم هذا الذي يسمى بالخراج ~~إلى السلطان أن يفعل قال نعم ولا يحل له إلا ذلك قيل له فإن وضعه السلطان ~~على أهل بلدة وأخذهم بمال معلوم يردونه على أموالهم هل لمن قدر على الخلاص ~~من ذلك أن يفعل وهو إذا تخلص أخذ سائر أهل البلد بتمام ما جعل عليهم قال ~~ذلك له قال ويدل على ذلك قول مالك رضي الله عنه في الساعي يأخذ من غنم ~~أحدالخلطاء شاة وليس في جميعها نصاب ### || AUTO إنه مظلمة دخلت على من أخذت منه لا يرجع من أخذت منه على ~~أصحابه بشيء قال ولست آخذ في هذا بما روى عن سحنون لأن الظلم لا أسوة فيه ~~ولا يلزم أحدا أن يولج نفسه فى ظلم مخافة أن يوضع الظلم على غيره والله ~~تعالى يقول إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون فى الأرض بغير الحق ~~هذا ما قال ورأيت فى بعض المنقولات نحو هذا عن ms454 يحيى بن عمر أنه لا بأس أن ~~يطرحه عن نفسه مع العلم بأنه يطرحه على غيره إذا كان المطروح جورا بينا ~~وذكر عبد الغني فى - المؤتلف والمختلف عن حماد بن أبي أيوب قال PageV02P351 ~~قلت لحماد بن أبي سليمان إنى أتكلم فترفع عني النوبة فإذا رفعت عنى وضعت ~~على غيري فقال إنما عليك أن تكلم في نفسك فإذا رفعت عنك فلا تبالي على من وضعت # ومن ذلك الرشوة على دفع الظلم إذا لم يقدر على دفعه إلا بذلك وإعطاء ~~المال للمحاربين وللكفار في فداء الأسارى ولما نعى الحاج حتى يؤدوا خراجا # كل ذلك انتفاع أو دفع ضرر بتمكين من المعصية ومن ذلك طلب فضيلة الجهاد مع ~~أنه تعرض لموت الكافر على الكفر أو قتل الكافر المسلم بل قال عليه الصلاة ~~والسلام # وددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل الحديث ولازم ذلك دخول قاتله ~~النار وقول أحد إبني آدم إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك بل العقوبات كلها ~~جلب مصلحة أو درء مفسدة يلزم عنها إضرار الغير إلا أن ذلك كله إلغاء لجانب ~~المفسدة لأنها غير مقصودة للشارع في شرع هذه الأحكام ولأن جانب الجالب ~~والدافع أولى وقد تقدم الكلام على هذا قبل # فإن قيل هذا يشكل في كثير من المسائل فإن القاعدة المقررة أن # لا ضرر ولا ضرار وما تقدم واقع فيه الضرر فلا يكون مشروعا بمقتضى هذا ~~الأصل ويؤيد ذلك إكراه صاحب الطعام على إطعام المضطر إما بعوض وإما مجانا ~~مع أن صاحب الطعام محتاج إليه وقد أخذ من يده قهرا لما كان إمساكه مؤديا ~~إلى اضرار المضطر وكذلك إخراج الإمام الطعام من يد محتكره قهرا لما صار ~~منعه مؤديا لا ضرار الغير وما أشبه ذلك # فالجواب أن هذا كله لا إشكال فيه وذلك أن إضرار الغير فى المسائل ~~المتقدمة والأصول المقررة ليس بمقصود في الإذن وإنما الإذن لمجرد جلب ~~الجالب ودفع الدافع وكونه يلزم عنه إضرار أمر خارج عن مقتضى الإذن وأيضا ~~فقد تعارض هنالك إضراران ms455 إضرار صاحب اليد والملك وإضرار من لا يد له ولا ملك PageV02P352 ~~والمعلوم من الشريعة تقديم صاحب اليد والملك ولا يخالف في هذا عند ~~المزاحمة على الحقوق والحاصل أن الإذن من حيث هو إذن لم يستلزم الإضرار ~~وكيف ومن شأن الشارع أن ينهى عنه ألا ترى أنه إذا قصد الجالب أو الدافع ~~الإضرار أثم وإن كان محتاجا إلى ما فعل فهذا يدلك على أن الشارع لم يقصد ~~الإضرار بل عن الإضرار نهى وهو الإضرار بصاحب اليد والملك # وأما مسألة المضطر فهي شاهد لنا لأن المكره على الطعام ليس محتاجا إليه ~~بعينه حاجة يضر به عدمها وإلا فلو فرضته كذلك لم يصح إكراهه وهو عين مسألة ~~النزاع وإنما يكره على البذل من لا يستنضر به فافهمه وأما المحتكر فإنه ~~خاطىء بإحتكاره مرتكب للنهي مضر بالناس فعلى الإمام أن يدفع إضراره بالناس ~~على وجه لا يستضر هو به وأيضا فهو من القسم الثالث الذي يحكم فيه على ~~الخاصة لأجل العامة هذا كله مع اعتبار الحظوظ # وإن لم نعتبرها فيتصور هنا وجهان # أحدهما إسقاط الإستبداد والدخول فى المواساة على سواء وهو محمود جدا وقد ~~فعل ذلك فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عليه الصلاة والسلام # إن الأشعريين إذا أرملوا فى الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما ~~كان عندهم فى ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم فى إناء واحد فهم مني وأنا منهم ~~وذلك أن مسقط الحظ هنا قد رأى غيره مثل نفسه وكأنه أخوه أو ابنه أو قريبه ~~أو يتيمه أو غير ذلك ممن طلب بالقيام عليه ندبا أو وجوبا وأنه قائم في خلق ~~الله بالإصلاح والنظر والتسديد فهو على ذلك واحد منهم فإذا صار كذلك لم ~~يقدر على الإحتجان لنفسه دون غيره ممن هو مثله بل ممن أمر بالقيام عليه كما ~~أن الأب الشفيق لا يقدر على الإنفراد بالقوت دون أولاده فعلى هذا الترتيب كان PageV02P353 ~~الأشعريون رضي الله عنهم فقال عليه الصلاة والسلام # فهم مني وأنا منهم لأنه عليه ms456 الصلاة والسلام كان في هذا المعنى الإمام ~~الأعظم وفي الشفقة الأب الأكبر إذ كان لا يستبد بشيء دون أمته وفي مسلم عن ~~أبي سعيد قال # بينما نحن في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على راحلة ~~له قال فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~كان معه فضل ظهرفليعد به على من لا ظهر له ومن كان معه فضل من زاد فليعد به ~~على من لا زاد له قال فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد ~~منا في فضل وفي الحديث أيضا # أن في المال حقا سوى الزكاة ومشروعية الزكاة والإقراض والعرية والمنحة ~~وغير ذلك مؤكد لهذا المعنى وجميعه جار على أن أصل مكارم الأخلاق وهو لا ~~يقتضى استدادا وعلى هذه الطريقة لا يلحق العامل ضرر إلا بمقدار ما يلحق ~~الجميع أو أقل ولا يكون موقعا على نفسه ضررا ناجزا وإنما هو متوقع أو قليل ~~يحتمله في دفع بعض الضرر عن غيره وهو نظر من يعد المسلمين كلهم شيئا واحدا ~~على مقتضى قوله عليه الصلاة والسلام # المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا وقوله # المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى من عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر ~~والحمى وقوله # المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه وسائر ما في المعنى من الأحاديث إذ ~~لا يكون شد المؤمن للمؤمن على التمام إلا بهذا المعنى وأسبابه وكذلك لا ~~يكونون كالجسد الواحد إلا إذا كان النفع واردا PageV02P354 ~~عليهم على السواء كل أحد بما يليق به كما أن كل عضو من الجسد يأخذ من ~~الغذاء بمقداره قسمة عدل لا يزيد ولا ينقص فلو أخذ بعض الأعضاء أكثر مما ~~يحتاج إليه أو أقل لخرج عن إعتداله وأصل هذا من الكتاب ما وصف الله به ~~المؤمنين من أن بعضهم أولياء بعض وما أمروا به من اجتماع الكلمة والأخوة ~~وترك الفرقة وهو كثير إذ لا يستقيم ذلك إلا بهذه الأشياء وأشباهها مما ms457 يرجع إليها # والوجه الثاني الإيثار على النفس وهو أعرق في إسقاط الحظوظ وذلك أن يترك ~~حظه لحظ غيره اعتمادا على صحة اليقين وإصابة لعين التوكل وتحملا للمشقة في ~~عون الأخ في الله على المحبة من أجله وهو من محامد الأخلاق وزكيات الأعمال ~~وهو ثابت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خلقه المرضى وقد كان ~~عليه الصلاة والسلام أجود الناس بالخير وأجود ما كان في شهر رمضان وكان إذا ~~لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة وقالت له خديجة إنك تحمل الكل ~~وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق وحمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على ~~حصير ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منه وجاءه رجل فسأله فقال ~~ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاءنا شيء قضيناه فقال له عمر ما كلفك الله ~~مالا تقدر عليه فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال رجل منالأنصار ~~يارسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا فتبسم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعرف البشر في وجهه وقال بهذا أمرت ذكره الترمذي وقال أنس كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد وهذا كثير ### || AUTO وهكذا كان الصحابة وقد علمت ما جاء في تفسير قوله تعالى ~~ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا وما جاء في الصحيح في قوله ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وما روى عن عائشة وهو مذكور في باب ~~الأسباب من - كتاب الأحكام عند الكلام على مسألة العمل على إسقاط الحظوظ PageV02P355 ### || AUTO وهو ضربان إيثار بالملك من المال وبالزوجة بفراقها لتحل ~~للمؤثر كما فى حديث المواخاه المذكور فى - الصحيح وإيثار النفس كما فى - ~~الصحيح أن أبا طلحة ترس على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتطلع ليرى القوم فيقول له أبو طلحة لا تشرف يا رسول ~~الله يصيبك سهم من سهام القوم نحرى دون نحرك ووقى بيده رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms458 فشلت وهو معلوم من فعله عليه الصلاة والسلام إذ كان فى غزوه أقرب ~~الناس إلى العدو ولقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا قد سبقهم إلى الصوت وقد استبرأ الخبر ~~على فرس لأبي طلحة عرى والسيف فى عنقه وهو يقول لن تراعوا وهذا فعل من آثر ~~بنفسه وحديث علي بن أبي طالب فى مبيته على فراش رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذ عزم الكفار على قتله مشهور وفى المثل السائر والجود بالنفس أقصى ~~غاية الجود ومن الصوفية من يعرف المحبة بأنها الإيثار ويدل على ذلك قول ~~امرآة العزيز فى يوسف عليه السلام أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ~~فآثرته بالبراءة على نفسها # قال النووي أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أمور الدنيا ~~وحظوظ النفس بخلاف القربات فإن الحق فيها لله وهذا مع ما قبله على مراتب ~~والناس فى ذلك مختلفون بإختلاف أحوالهم فى الإتصاف بأوصاف التوكل المحض ~~واليقين التام وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل من أبي بكر جميع ~~ماله ومن عمر النصف ورد أبا لبابة وكعب بن مالك إلى الثلث قال ابن العربي ~~لقصورهما عن درجتي أبي بكر وعمر هذا ما قال # وتحصل أن الإيثار هنا مبنى على إسقاط الحظوظ العاجلة فتحمل المضرة ~~اللاحقة بسبب ذلك لا عتب فيه إذا لم يخل بمقصد شرعي فإن أخل بمقصد شرعي PageV02P356 ~~فلا يعد ذلك إسقاطا للحظ ولا هو محمود شرعا أما أنه ليس بمحمود شرعا فلأن ~~إسقاط الحظوظ إما لمجرد أمر الآمر وإما لأمر آخر أو لغير شىء فكونه لغير ~~شىء عبث لا يقع من العقلاء وكونه لأمر الآمر يضاد كونه مخلا بمقصد شرعي لأن ~~الإخلال بذلك ليس بأمر الآمر وإذا لم يكن كذلك فهو مخالف له ومخالفة أمر ~~الآمر ضد الموافقة له فثبت أنه لأمر ثالث وهو الحظ وقد مر بيان الحصر فيما ~~تقدم من مسألة إسقاط الحظوظ هذا تمام الكلام فى القسم الرابع ms459 ومنه يعرف حكم ~~الأقسام الثلاثة المتقدمة بالنسبة إلى إسقاط الحظوظ # وأما القسم الخامس وهو أن لا يلحق الجالب أو الدافع ضرر ولكن أداؤه إلى ~~المفسدة قطعي عادة فله نظران نظر من حيث كونه قاصدا لما يجوز أن يقصد شرعا ~~من غير قصد إضرار بأحد فهذا من هذه الجهة جائز لا محظور فيه ونظر من حيث ~~كونه عالما بلزوم مضرة الغير لهذا العمل المقصود مع عدم استضراره بتركه ~~فإنه من هذا الوجه مظنة لقصد الإضرار لأنه فى فعله إما فاعل لمباح صرف لا ~~يتعلق بفعله مقصد ضروري ولا حاجي ولا تكميلي فلا قصد للشارع فى إيقاعه من ~~حيث يوقع وإما فاعل لمأمور به على وجه يقع فيه مضرة مع إمكان فعله على وجه ~~لا يلحق فيه مضرة وليس للشارع قصد فى وقوعه على الوجه الذي يلحق به الضرر ~~دون الآخر # وعلى كلا التقديرين فتوخيه لذلك الفعل على ذلك الوجه مع العلم بالمضرة لا ~~بد فيه من أحد أمرين إما تقصير فى النظر المأمور به وذلك ممنوع وإما PageV02P357 ~~قصد إلى نفس الإضرار وهو ممنوع أيضا فيلزم أن يكون ممنوعا من ذلك الفعل ~~لكن إذا فعله فيعد متعديا بفعله ويضمن ضمان المتعدى على الجملة وينظر فى ~~الضمان بحسب النفوس والأموال على ما يليق بكل نازلة ولا يعد قاصدا له ألبتة ~~إذا لم يتحقق قصده للتعدى وعلى هذه القاعدة تجرى مسألة الصلاة فى الدار ~~المغصوبة والذبح بالسكين المغصوبة وما لحق بهما من المسائل التى هى فى ~~أصلها مأذون فيها ويلزم عنها إضرار الغير ولأجل هذا تكون العبادة عند ~~الجمهور صحيحة مجزئة والعمل الأصلي صحيحا ويكون عاصيا بالطرف الآخر وضامنا ~~إن كان ثم ضمان ولا تضاد فى الأحكام لتعدد جهاتها ومن قال هنالك بالفساد ~~يقول به هنا # وله فى النظر الفقهي مجال رحب يرجع ضابطه إلى هذا المعنى هذا من جهة ~~إثبات الحظوظ ومعلوم أن أصحاب إسقاطها لا يدخلون تحت عمل هذا شأنه ألبتة # وأما السادس وهو ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرا فهو على ms460 أصله من الإذن ~~لأن المصلحة إذا كانت غالبة فلا اعتبار بالندور فى انخرامها إذ لا توجد فى ~~العادة مصلحة عرية عن المفسدة جملة إلا أن الشارع إنما اعتبر فى مجاري PageV02P358 ~~الشرع غلبة المصلحة ولم يعتبر ندور المفسدة إجراء للشرعيات مجرى العاديات ~~فى الوجود ولا يعد هنا قصد القاصد إلى جلب المصلحة أو دفع المفسدة مع ~~معرفته بندور المضرة عن ذلك تقصيرا فى النظر ولا قصدا إلى وقوع الضرر # فالعمل إذا باق على أصل المشروعية # والدليل على ذلك أن ضوابط المشروعات هكذا وجدناها كالقضاء بالشهادة فى ~~الدماء والأموال والفروج مع إمكان الكذب والوهم والغلط وإباحة القصر فى ~~المسافة المحدودة مع إمكان عدم المشقة كالملك المترف ومنعه فى الحضر ~~بالنسبة إلى ذوي الصنائع الشاقة وكذلك إعمال خبر الواحد والأقيسة الجزئية ~~فى التكاليف مع إمكان إخلافها والخطأ فيها من وجوه لكن ذلك نادر فلم يعتبر ~~واعتبرت المصلحة الغالبة وهذا مقرر فى موضعه من هذا الكتاب # وأما السابع وهو ما يكون أداؤه إلى المفسدة ظنيا فيحتمل الخلاف أما أن ~~الأصل الإباحة والإذن فظاهر كما تقدم فى السادس وأما أن الضرر والمفسدة ~~تلحق ظنا فهل يجري الظن مجرى العلم فيمنع من الوجهين المذكورين أم لا لجواز ~~تخلفهما وإن كان التخلف نادرا ولكن اعتبار الظن هو الأرجح لأمور PageV02P359 ### || AUTO أحدها أن الظن فى أبواب العمليات جار مجرى العلم فالظاهر ~~جريانه هنا والثانى أن المنصوص عليه من سد الذرائع داخل فى هذا القسم كقوله ~~تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم فإنهم ~~قالوا لتكفن عن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك فنزلت وفى - الصحيح إن من أكبر ~~الكبائر شتم الرجل والديه قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال ~~نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه وكان عليه الصلاة والسلام ~~يكف عن قتل المنافقين لأنه ذريعة إلى قول الكفار إن محمدا يقتل أصحابه ونهى ~~الله تعالى المؤمنين أن يقولوا للنبي صلى الله عليه وسلم راعنا مع قصدهم ~~الحسن ms461 لإتخاذ اليهود لها ذريعة إلى شتمه عليه الصلاة والسلام وذلك كثير كله ~~مبنى على حكم أصله وقد ألبس حكم ما هو ذريعة إليه # والثالث أنه داخل فى التعاون على الإثم والعدوان المنهى عنه والحاصل من ~~هذا القسم أن الظن بالمفسدة والضرر لا يقوم مقام القصد إليه فالأصل الجواز ~~من الجلب أو الدفع وقطع النظر عن اللوازم الخارجية إلا أنه لما كانت ~~المصلحة تسبب مفسدة من باب الحيل أو من باب التعاون منع من هذه الجهة لا من ~~جهة الأصل فإن المتسبب لم يقصد إلا مصلحة نفسه فإن حمل محمل التعدى فمن جهة ~~أنه مظنه للتقصير وهو أخفض رتبة من القسم الخامس ولذلك وقع الخلاف فيه PageV02P360 ~~هل تقوم مظنة الشىء مقام نفس القصد إلى ذلك الشىء أم لا هذا نظر إثبات ~~الحظوظ وأما نظر إسقاطها فأصحابه فى هذا القسم مثلهم فى القسم الخامس بخلاف ~~القسم السادس فإنه لا قدرة للإنسان على الإنفكاك عنه عادة # وأما الثامن وهو ما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيرا لا غالبا ولا نادرا فهو ~~موضع نظر وإلتباس والأصل فيه الحمل على الأصل من صحة الإذن كمذهب الشافعي ~~وغيره ولأن العلم والظن بوقوع المفسدة منتفيان إذ ليس هنا إلا احتمال مجرد ~~بين الوقوع وعدمه ولا قرينة ترجح أحد الجانبين على الآخر واحتمال القصد ~~للمفسدة والإضرار لا يقوم مقام نفس القصد ولا يقتضيه لوجود العوارض من ~~الغفلة وغيرها عن كونها موجودة أو غير موجودة # وأيضا فإنه لا يصح أن يعد الجالب أو الدافع هنا مقصرا ولا قاصدا كما فى ~~العلم والظن لأنه ليس حمله على القصد إليهما أولى من حمله على عدم القصد ~~لواحد منهما وإذا كان كذلك فالتسبب المأذون فيه قوي جدا إلا أن مالكا ~~اعتبره فى سد الذرائع بناء على كثرة القصد وقوعا وذلك أن القصد لا ينضبط فى ~~نفسه لأنه من الأمور الباطنة لكن له مجال هنا وهو كثرة الوقوع فى الوجود أو ~~هو مظنة ذلك فكما اعتبرت المظنة وإن صح التخلف كذلك تعتبر الكثرة لأنها ms462 ~~مجال القصد ولهذا أصل وهو حديث أم ولد زيد بن أرقم PageV02P361 ~~وأيضا فقد يشرع الحكم لعلة مع كون فواتها كثيرا كحد الخمر فإنه مشروع ~~للزجر والإزدجار به كثير لا غالب فاعتبرنا الكثرة فى الحكم بما هو على خلاف ~~الأصل فالأصل عصمة الإنسان عن الإضرار به وإيلامه كما أن الأصل فى مسألتنا ~~الإذن فخرج عن الأصل هنالك لحكمة الزجر وخرج على الأصل هنا من الإباحة ~~لحكمة سد الذريعة إلى الممنوع # وأيضا فإن هذا القسم مشارك لما قبله فى وقوع المفسدة بكثرة فكما اعتبرت ~~فى المنع هناك فلتعتبر هنا كذلك # وأيضا فقد جاء فى هذا القسم من النصوص كثير فقد نهى عليه الصلاة والسلام ~~عن الخليطين وعن شرب النبيذ بعد ثلاث وعن الإنتباذ فى الأوعية التى لا يعلم ~~بتخمير النبيذ فيها وبين عليه الصلاة والسلام أنه إنما نهى عن بعض PageV02P362 ~~ذلك لئلا يتخذ ذريعة فقال لو رخصت فى هذه لأوشك أن تجعلوها مثل هذه يعنى ~~أن النفوس لا تقف عند الحد المباح فى مثل هذا ووقوع المفسدة فى هذه الأمور ~~ليست بغالبة فى العادة وإن كثر وقوعها وحرم عليه الصلاة والسلام الخلوة ~~بالمرأة الأجنبية وأن تسافر مع غير ذي محرم ونهى عن بناء المساجد على ~~القبور وعن الصلاة إليها وعن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها وقال # إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم وحرم نكاح ما فوق الأربع لقوله تعالى PageV02P363 ### || AUTO ذلك أدنى أن لا تعولوا وحرمت خطبة المعتدة تصريحا ونكاحها ~~وحرم على المرأة فى عدة الوفاة الطيب والزينة وسائر دواعى النكاح وكذلك ~~الطيب وعقد النكاح للمحرم ونهي عن البيع والسلف وعن هدية المديان وعن ميراث ~~القاتل وعن تقدم شهر رمضان بصوم يوم أو يومين وحرم صوم يوم عيد الفطر وندب ~~إلى تعجيل الفطر وتأخير السحور إلى غير ذلك مما هو ذريعة وفى القصد إلى ~~الإضرار والمفسدة فيه كثرة وليس بغالب ولا أكثري والشريعة مبنية على ~~الإحتياط والأخذ بالحزم والتحرز مما عسى أن يكون طريقا إلى مفسدة فإذا كان ~~هذا معلوما على ms463 الجملة والتفصيل فليس العمل عليه ببدع فى الشريعة بل هو أصل ~~من أصولها راجع إلى ما هو مكمل إما لضروري أو حاجي أو تحسيني ولعله يقرر فى ~~- كتاب الإجتهاد إن شاء الله تعالى ### || AUTO المسألة السادسة # كل من كلف بمصالح نفسه فليس على غيره القيام بمصالحه مع الإختيار # والدليل على ذلك أوجه # أحدها أن المصالح إما دينية أخروية وإما دنيوية أما الدينية فلا سبيل إلى ~~قيام الغير مقامه فيها حسبما تقدم وليس الكلام هنا فيها إذ لا ينوب فيها ~~أحد عن أحد وإنما النظر فى الدنيوية التى تصح النيابة فيها فإذا فرضنا أنه ~~مكلف بها فقد تعينت عليه وإذا تعينت عليه سقطت عن الغير بحكم التعيين فلم ~~يكن غيره مكلفا بها أصلا PageV02P364 ~~والثانى أنه لو كان الغير مكلفا بها أيضا لما كانت متعينة على هذا الملكف ~~ولا كان مطلوبا بها ألبتة لأن المقصود حصول المصلحة أو درء المفسدة وقد قام ~~بها الغير بحكم التكليف فلزم أن لا يكون هو مكلفا بها وقد فرضناه مكلفا بها ~~على التعيين هذا خلف لا يصح # والثالث أنه لو كان الغير مكلفا بها فإما على التعيين وإما على الكفاية ~~وعلى كل تقدير فغير صحيح أما كونه على التعيين فكما تقدم وأما على الكفاية ~~فالفرض أنه على المكلف عينا لا كفاية فيلزم أن يكون واجبا عليه عينا غير ~~واجب عليه عينا فى حالة واحدة وهو محال # اللهم إلا أن تلحقه ضرورة فإنه عند ذلك ساقط عنه التكليف بتلك المصالح أو ~~ببعضها مع اضطراره إليها فيجب على الغير القيام بها ولذلك شرعت الزكاة ~~والصدقة والإقراض والتعاون وغسل الموتى ودفنهم والقيام على الأطفال ~~والمجانين والنظر فى مصالحهم وما أشبه ذلك من المصالح التى لا يقدر المحتاج ~~إليها على استجلابها والمفاسد التى لا يقدر على استدفاعها فعلى هذا يقال كل ~~من لم يكلف بمصالح نفسه فعلى غيره القيام بمصالحه بحيث لا يلحق ذلك الغير ~~ضرر فالعبد لما استغرقت منافعه مصالح سيده كان سيده مطلوبا بالقيام بمصالحه ~~والزوجة كذلك صيرها ms464 الشارع للزوج كالأسير تحت يده فهو قد ملك منافعها ~~الباطنة من جهة الإستمتاع والظاهرة من جهة القيام على ولده وبيته فكان ~~مكلفا بالقيام عليها فقال الله تعالى الرجال قوامون على النساء الآية PageV02P365 ### || AUTO المسألة السابعة # كل مكلف بمصالح غيره فلا يخلو أن يقدر مع ذلك على القيام بمصالح نفسه ~~أولا أعنى المصالح الدنيوية المحتاج إليها # فإن كان قادرا على ذلك من غير مشقة فليس على الغير القيام بمصالحه # والدليل على ذلك أنه إذا كان قادرا على الجيمع وقد وقع عليه التكليف بذلك ~~فالمصالح المطلوبة من ذلك التكليف حاصله من جهة هذا المكلف فطلب تحصيلها من ~~جهة غيره غير صحيح لأنه طلب تحصيل الحاصل وهو محال # وأيضا فما تقدم فى المسألة قبلها جار هنا ومثال ذلك السيد والزوج والولد ~~بالنسبة إلى الأمة أو العبد والزوجة والأولاد فإنه لما كان قادرا على ~~القيام بمصالحه ومصالح من تحت حكمه لم يطلب غيره بالقيام عليه ولا كلف به ~~فإذا فرضنا أنه غير قادر على مصالح غيره سقط عنه الطلب بها ويبقى النظر فى ~~دخول الضرر على الزوجة والعبد والأمة ينظر فيه من جهة أخرى لا تقدح فى هذا ~~التقرير # وإن لم يقدر على ذلك ألبتة أو قدر لكن مع مشقة معتبرة فى إسقاط التكليف ~~فلا يخلو أن تكون المصالح المتعلقة من جهة الغير خاصة أو عامة # فإن كانت خاصة سقطت وكانت مصالحه هى المقدمة لأن حقه مقدم على حق غيره ~~شرعا كما تقدم فى القسم الرابع من المسألة الخامسة فإن معناه جار هنا على ~~استقامة إلا إذا أسقط حظه فإن ذلك نظر آخر قد تبين أيضا # وإن كانت المصلحة عامة فعلى من تعلقت بهم المصلحة أن يقوموا بمصالحه PageV02P366 ~~على وجه لا يخل بأصل مصالحهم ولا يوقعهم فى مفسدة تساوي تلك المصلحة أو ~~تزيد عليها وذلك أنه إما أن يقال للمكلف لا بد لك من القيام بما يخصك وما ~~يعم غيرك أو بما يخصك فقط أو بما يعم غيرك فقط والأول لايصح فإنا قد فرضناه ms465 ~~مما لا يطاق أو مما فيه مشقة تسقط التكليف فليس بمكلف بهما معا أصلا # والثانى أيضا لا يصح لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة كما ~~تقدم قبل هذا إلا إذا دخل على المكلف بها مفسدة فى نفسه فإنه لا يكلف إلا ~~بما يخصه على تنازع فى المسألة وقد أمكن هنا قيام الغير بمصلحته الخاصة ~~فذلك واجب عليهم وإلا لزم تقديم المصلحة الخاصة على العامة بإطلاق من غير ~~ضرورة وهو باطل بما تقدم من الأدلة وإذا وجب عليهم تعين على هذا المكلف ~~التجرد إلى القيام بالمصلحة العامة وهو الثالث من الأقسام المفروضة ### || AUTO فصل # إذا تقرر أن هذا القسم الثالث متعين على من كلف به على أن يقوم الغير ~~بمصالحه فالشرط فى قيامهم بمصالحه أن يقع من جهة لا تخل بمصالحهم ولا يلحقه ~~فيها أيضا ضرر # وقد تعين ذلك فى زمان السلف الصالح إذ جعل الشرع فى الأموال ما يكون ~~مرصدا لمصالح المسلمين لا يكون فيه حق لجهة معينة إلا لمطلق المصالح كيف ~~اتفقت وهو مال بيت المال فيتعين لإقامة مصلحة هذا الملكف ذلك الوجه بعينه PageV02P367 ~~ويلحق به ما كان من الأوقاف مخصوصا بمثل هذه الوجوه فيحصل القيام بالمصالح ~~من الجانبين ولا يكون فيه ضرر على واحد من أهل الطرفين إذ لو فرض على غير ~~ذلك الوجه لكان فيه ضرر على القائم وضرر على المقوم لهم # أما مضرة القائم فمن جهة لحاق المنة من القائمين إذا تعيينوا فى القيام ~~بأعيان المصالح والمنن يأباها أرباب العقول الآخذون بمحاسن العادات وقد ~~اعتبر الشارع هذا المعنى فى مواضع كثيرة ولذلك شرطوا فى صحة الهبة ~~وانعقادها القبول وقالت جماعة إذا وهب الماء لعادم الماء للطهارة لم يلزمه ~~قبوله وجاز له التيمم إلى غير ذلك وأصله قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ~~تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فجعل المن من جملة ما يبطل أجر الصدقة وما ذاك ~~إلا لما فى المن من إيذاء المتصدق عليه وهذا المعنى موجود على الجملة فى كل ~~ما فرض من ms466 هذا الباب هذا وجه ووجه ثان ما يلحقه من الظنون المتطرقة والتهمة ~~اللاحقة عند القبول من المعين ولذلك لم يجز بإتفاق للقاضى ولا لسائر الحكام ~~أن يأخذوا من الخصمين أو من أحدهما أجرة على فصل الخصومة بينهما وامتنع ~~قبول هدايا الناس للعمال وجعلها عليه الصلاة والسلام من الغلول الذى هو ~~كبيرة من كبائر الذنوب # وأما مضرة الدافع فمن جهة كلفة القيام بالوظائف عند التعيين وقد يتيسر له ~~ذلك فى وقت دون وقت أو فى حال دون حال وبالنسبة إلى شخص دون شخص ولا ضابط ~~فى ذلك يرجع إليه ولأنها تصير بالنسبة إلى المتكلف لها أخية الجزية التى ~~ليس لها أصل مشروع إذا كانت موظفة على الرقاب أو على الأموال هذا إلى ما ~~يلحق فى ذلك من مضادة أصل المصلحة التى طلب ذلك المكلف بإقامتها إذ كان هذا ~~الترتيب ذريعة إلى الميل لجهة المبالغ فى القيام بالمصلحة فيكون سببا فى ~~إبطال الحق وإحقاق الباطل وذلك ضد المصلحة ولأجل الوجه الأول جاء فى القرآن ~~نفي ذلك فى قوله تعالى وما أسألكم عليه من أجر قل ما سألتكم PageV02P368 ~~من أجر فهو لكم إن أجرى إلا على الله قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من ~~المتكلفين إلى سائر ما في هذا المعنى وبالوجه الآخرعلل إجماع العلماء على ~~المنع من أخذ الأجرة من الخصمين وهذا كله في غاية الظهور والله أعلم # فصل # هذا كله فيما إذا كانت المصلحة العامة إذا قام بها لحقه ضرر ومفسدة ~~دنيوية يصح أن يقوم بها غيره # فإن كانت المفسدة اللاحقة له دنيوية لا يمكن أن يقوم بها غيره فهي مسألة ~~الترس وما أشبهها فيجرى فيها خلاف كما مر ولكن قاعدة منع التكليف بما لا ~~يطاق شاهدة بأنه لا يكلف بمثل هذا وقاعدة تقديم المصلحة العامة على الخاصة ~~شاهدة بالتكليف به فيتواردان على هذا المكلف من جهتين ولا تناقض فيه فلأجل ~~ذلك احتمل الموضع الخلاف # وإن فرض في هذا النوع إسقاط الحظوظ فقد يترجح جانب المصلحة العامة ويدل ~~عليه ms467 أمران أحدهما قاعدة الإيثار المتقدم ذكرها فمثل هذا داخل تحت حكمها ~~والثاني ما جاء في خصوص الإيثار في قصة أبي طلحة في تتريسه على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بنفسه وقوله نحري دون نحرك ووقايته PageV02P369 ~~له حتى شلت يده ولم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيثار النبي ~~صلى الله عليه وسلم غيره على نفسه في مبادرته للقاء العدو دون الناس حتى ~~يكون متقى به فهو إيثار راجع إلى تحمل أعظم المشقات عن الغير ووجه عموم ~~المصلحة هنا في مبادرته صلى الله عليه وسلم بنفسه ظاهر لأنه كان كالجنة ~~للمسلمين وفي قصة أبي طلحة أنه كان وقى بنفسه من يعم بقاؤه مصالح الدين ~~وأهله وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأما عدمه فتعم مفسدته الدين وأهله ~~وإلى هذا النحو مال أبو الحسن النوري حين تقدم إلى السياف وقال أوثر أصحابي ~~بحياة ساعة في القصة المشهورة # وإن كانت آخروية كالعبادات اللازمة عينا والنواهي اللازم اجتنابها عينا ~~فلا يخلو أن يكون دخوله في القيام بهذه المصلحة مخلا بهذه الواجبات الدينية ~~والنواهي الدينية قطعا أو لا # فإن أخل بها لم يسع الدخول فيها إذا كان الإخلال بها عن غير تقصير لأن ~~المصالح الدينية مقدمة على المصالح الدنيوية على الإطلاق ولا أظن هذا القسم ~~واقعا لأن الحرج وتكليف ما لا يطاق مرفوع ومثل هذا التزاحم في العادات غير واقع # وإن لم يخل بها لكنه أورثها نقصا ما بحيث يعد خلافه كما لا فهذا من جهة ~~المندوبات ولا تعارض المندوبات الواجبات كالخطرات في ذلك الشغل العام PageV02P370 ~~تخطر على قلبه وتعارضه حتى يحكم فيها بقلبه وينظر فيها بحكم الغلبة وقد ~~نقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نحو هذا من تجهيز الجيش وهو في الصلاة # ومن نحو هذا قوله عليه الصلاة والسلام # إني لأسمع بكاء الصبي الحديث # وإن لم يخل بها ولا أورثها نقصا بعد ولكن ذلك متوقع فإنه يحل محل مفاسد ~~تدخل عليه وعوارض تطرقه فهل يعد ذلك من قبيل المفسدة ms468 الواقعة في الدين أم ~~لا كالعالم يعتزل الناس خوفا من الرياء والعجب وحب الرياسة وكذلك السلطان ~~أو الوالي العدل الذي يصلح لإقامة تلك الوظائف والمجاهد إذا قعد عن الجهاد ~~خوفا من قصده طلب الدنيا به أو المحمدة وكان ذلك الترك مؤديا إلى الإخلال ~~بهذه المصلحة العامة فالقول هنا بتقديم العموم أولى لأنه لا سبيل لتعطيل ~~مصالح الخلق ألبتة فإن إقامة الدين والدنيا لا تحصل إلا بذلك وقد فرضنا هذا ~~الخائف مطالبا بها فلا يمكن إلا القيام بها على وجه لا يدخله في تكليف ما ~~لا يطيقه أو ما يشق عليه والتعرض للفتن والمعاصي راجع إلى اتباع هوى النفس ~~خاصة لا سيما في المنهيات لأنها مجرد ترك والترك لا يزاحم الأفعال في ~~تحصيله والأفعال إنما يلزمه منها الواجب وهو يسير فلا ينحل عن عنقه رباط ~~الاحتياط لنفسه وإن كان لا يقدر على القيام بذلك إلا مع المعصية فليس بعذر ~~لأنه أمر قد تعين عليه فلا يرفعه عنه مجرد متابعة الهوى إذ ليس من المشقات ~~كما أنه إذا وجبت PageV02P371 ~~عليه الصلاة أو الجهاد عينا أو الزكاة فلا يرفع وجوبها عليه خوف الرياء ~~والعجب وما أشبه ذلك وإن فرض أنه يقع به بل يؤمر بجهاد نفسه في الجميع # فإن قيل كيف هذا وقد علم أنه لا يسلم من ذلك فصار كالمتسبب لنفسه في ~~الهلكة فالوجه أنه لا سبيل له إلى دخوله فيما فيه هلاكه # فالجواب أنه لو كان كذلك وقد تعين عليه القيام بذلك العام لجاز في مثله ~~مما تعين عليه من الواجبات وذلك باطل بإتفاق نعم قد يقال إذا كان في دخوله ~~فيه معصية أخرى من ظلم أو غضب أو تعد فهذا أمر خارج عن المسألة فهو سبب ~~لعزله من جهة عدم عدالته الطارئة لا من جهة أنه قد كان ساقطا عنه بسبب ~~الخوف وإنما حاصل هذا أنه وقع في مخالفة أسقطت عدالته فلم تصح إقامته وهو ~~على تلك الحال # وأما إن فرض أن عدم إقامته لا يخل بالمصلحة العامة لوجود غيره ms469 مثلا ممن ~~يقوم بها فهو موضع نظر قد يرجح جانب السلامة من العارض وقد يرجح جانب ~~المصلحة العامة وقد يفرق بين من يكون وجوده وعدمه سواء فلا ينحتم عليه طلب ~~وبين من له قوة في إقامة المصلحة وغناء ليس لغيره وإن كان لغيره غناء أيضا ~~فينحتم أو يترجح الطلب والضابط في ذلك التوازن بين المصلحة والمفسدة فما ~~رجح منها غلب وإن استويا كان محل إشكال وخلاف بين العلماء قائم من مسألة ~~انخرام المناسبة بمفسدة تلزم راجحة أو مساوية ### || AUTO فصل # وقد تكون المفسدة مما يلغي مثلها في جانب عظم المصلحة وهو مما ينبغي أن ~~يتفق على ترجيح المصلحة عليها ولذلك مثال واقع ### || AUTO حكى عياض في - المدارك أن عضد الدولة فنا خسرو الديلمي بعث ~~إلى أبي بكر ابن مجاهد والقاضي ابن الطيب ليحضرا مجلسه لمناظرة المعتزلة ~~فلما وصل كتابه إليهما قال الشيخ ابن مجاهد وبعض أصحابه هؤلاء قوم كفر فسقة ~~لأن الديلم PageV02P372 ~~كانوا روافض لا يحل لنا أن نطأ بساطهم ولبس غرض الملك من هذا إلا أن يقال ~~أن مجلسه مشتمل على أصحاب المحابر كلهم ولو كان خالصا لله لنهضت قال القاضي ~~ابن الطيب فقلت لهم كذا قال المحاسب وفلان ومن في عصرهم إن المأمون فاسق لا ~~يحضر مجلسه حتى ساق أحمد بن حنبل إلى طرسوس وجرى عليه ما عرف ولو ناظروه ~~لكفوه عن هذا الأمر وتبين له ما هم عليه بالحجة # وأنت أيضا أيها الشيخ تسلك سبيلهم حتى يجرى على الفقهاء ما جرى على أحمد ~~ويقولوا بخلق القرآن ونفي الرؤية وها أنا خارج إن لم تخرج فقال الشيخ إذ ~~شرح الله صدرك لهذا فاخرج إلى آخر الحكاية فمثل هذا إذا اتفق يلغي في جانب ~~المصلحة فيه ما يقع من جزئيات المفاسد فلا يكون لها اعتبار وهو نوع من ~~أنواع الجزئيات التي يعود اعتبارها على الكلي بالإخلال والفساد وقد مر ~~بيانه في أوائل هذا الكتاب والحمد لله ### || AUTO المسألة الثامنة # التكاليف إذا علم قصد المصلحة فيها فللمكلف في الدخول تحتها ms470 ثلاثة أحوال # أحدها أن يقصد بها ما فهم من مقصد الشارع في شرعها فهذا لا إشكال فيه ~~ولكن ينبغي أن لا يخليه من قصد التعبد لأن مصالح العباد إنما جاءت من طريق ~~التعبد إذ ليست بعقلية حسبما تقرر في موضعه وإنما هي تابعة لمقصود التعبد ~~فإذا اعتبر صار أمكن في التحقق بالعبودية وأبعد عن أخذ العاديات للمكلف فكم ~~ممن فهم المصلحة فلم يلو على غيرها فغاب عن أمر الآمر بها وهي غفلة تفوت ~~خيرات كثيرة بخلاف ما إذا لم يهمل التعبد # وأيضا فإن المصالح لا يقوم دليل على انحصارها فيما ظهر إلا دليل ناص على ~~الحصر وما أقله إذا نظر في مسلك العلة النصي إذ يقل في كلام الشارع PageV02P373 ~~أن يقول مثلا لم أشرع هذا الحكم إلا لهذه الحكم فإذا لم يثبت الحصر أو ثبت ~~في موضع ما ولم يطرد كان قصد تلك الحكمة ربما أسقط ما هو مقصود أيضا من شرع ~~الحكم فنقص عن كمال غيره # والثانى أن يقصد بها ما عسى أن يقصده الشارع مما اطلع عليه أو لم يطلع ~~عليه وهذا أكمل من الأول إلا أنه ربما فاته النظر إلى التعبد والقصد إليه ~~في التعبد فإن الذي يعلم أن هذا العمل شرع لمصلحة كذا ثم عمل لذلك القصد ~~فقد يعمل العمل قاصدا للمصلحة غافلا عن امتثال الأمر فيها فيشبه من عملها ~~من غير ورود أمر والعامل على هذا الوجه عمله عادي فيفوت قصد التعبد وقد ~~يستفزه فيه الشيطان فيدخل عليه قصد التقرب إلى المخلوق أو الوجاهة عنده أو ~~نيل شيء من الدنيا أو غير ذلك من المقاصد المردية بالأجر وقد يعمل هنالك ~~لمجرد حظه فلا يكمل أجره كمال من يقصد التعبد # والثالث أن يقصد مجرد امتثال الأمر فهم قصد المصلحة أو لم يفهم # فهذا أكمل وأسلم # أما كونه أكمل فلأنه نصب نفسه عبدا مؤتمرا ومملوكا ملبيا إذ لم يعتبر إلا ~~مجرد الأمر وأيضا فإنه لما امتثل الأمر فقد وكل العلم بالمصلحة إلى العالم ~~بها جملة وتفصيلا ولم ms471 يكن ليقصر العمل على بعض المصالح دون بعض وقد علم ~~الله تعالى كل مصلحة تنشأ عن هذا العمل فصار مؤتمرا في تلبيته التي لم ~~يقيدها بعض المصالح دون بعض # وأما كونه أسلم فلأن العامل بالامتثال عامل بمقتضى العبودية واقف على ~~مركز الخدمة فإن عرض له قصد غير الله رده قصد التعبد بل لا يدخل عليه PageV02P374 ### || AUTO في الأكثر إذا عمل على أنه عبد مملوك لا يملك شيئا ولا يقدر ~~على شيء بخلاف ما إذا عمل على جلب المصالح فإنه قد عد نفسه هنالك واسطة بين ~~العباد ومصالحهم وإن كان واسطة لنفسه أيضا فربما داخله شيء من اعتقاد ~~المشاركة فتقوم لذلك نفسه وأيضا فإن حظه هنا ممحو من جهته بمقتضى وقوفه تحت ~~الأمر والنهي والعمل على الحظوظ طريق إلى دخول الدواخل والعمل على إسقاطها ~~طريق إلى البراءة منها ولهذا بسط في - كتاب الأحكام وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة التاسعة # كل ما كان من حقوق الله فلا خيرة فيه للمكلف على حال وأما ما كان من حق ~~العبد في نفسه فله فيه الخيرة # أما حقوق الله تعالى فالدلائل على أنها غير ساقطة ولا ترجع لاختيار ~~المكلف كثيرة وأعلاها الاستقراء التام في موارد الشريعة ومصادرها كالطهارة ~~على أنواعها والصلاة والزكاة والصيام والحج والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر الذي أعلاه الجهاد وما يتعلق بذلك من الكفارات والمعاملات والأكل ~~والشرب واللباس وغير ذلك من العبادات والعادات التي ثبت فيها حق الله تعالى ~~أو حق الغير من العباد وكذلك الجنايات كلها على هذا الوزان جميعها لا يصح ~~إسقاط حق الله فيها ألبتة فلو طمع أحد في أن يسقط طهارة للصلاة أي طهارة ~~كانت أو صلاة من الصلوات المفروضات أو زكاة أو صوما أو حجا أو غير ذلك لم ~~يكن له ذلك وبقي مطلوبا بها أبدا حتى يتقصى عن عهدتها # وكذلك لو حاول استحلال مأكول حى مثلا من غير ذكاة أو إباحة ما حرم PageV02P375 ~~الشارع من ذلك أو استحلال نكاح بغير ولى أو صداق أو الربا أو سائر ms472 البيوع ~~الفاسدة أو إسقاط حد الزنى أو الخمر أو الحرابة أو الأخذ بالغرم والأداء ~~على الغير بمجرد الدعوى عليه وأشباه ذلك لم يصح شيء منه وهو ظاهر جدا في ~~مجموع الشريعة حتى إذا كان الحكم دائرا بين حق الله وحق العبد لم يصح للعبد ~~إسقاط حقه إذا أدى إلى إسقاط حق الله # فلأجل ذلك لا يعترض هذا بأن يقال مثلا إن حق العبد ثابت له في حياته ~~وكمال جسمه وعقله وبقاء ماله فى يده فإذا أسقط ذلك بأن سلط يد الغير عليه ~~فإما أن يقال بجواز ذلك له أولا فإن قلت لا وهو الفقه كان نقضا لما أصلت ~~لأنه حقه فإذا أسقطه اقتضى ما تقدم أنه مخير فى اسقاطه والفقه يقتضى أن ليس ~~له ذلك وإن قلت نعم خالفت الشرع إذ ليس لأحد أن يقتل نفسه ولا أن يفوت عضوا ~~من أعضائه ولا مالا من ماله فقد قال تعالى ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان ~~بكم رحيما ثم توعد عليه وقال لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الآية وقد ~~جاء الوعيد الشديد فيمن قتل نفسه وحرم شرب الخمر لما فيه من تفويت مصلحة ~~العقل برهة فما ظنك بتفويته جملة وحجر على مبذر المال ونهى عليه الصلاة ~~والسلام عن إضاعة المال فهذا كله دليل على أن ما هو حق للعبد لا يلزم أن ~~تكون له فيه الخيرة # لأنا نجيب بأن إحياء النفوس وكمال العقول والأجسام من حق الله تعالى فى ~~العباد لا من حقوق العباد وكون ذلك لم يجعل إلى اختيارهم هو الدليل على ذلك ~~فإذا أكمل الله تعالى على عبد حياته وجسمه وعقله الذى به يحصل ما طلب به من ~~القيام بما كلف به فلا يصح للعبد إسقاطه # اللهم إلا أن يبتلى المكلف بشىء من ذلك من غير كسبه ولا تسببه وفات بسبب ~~ذلك نفسه أو عقله أو عضو من أعضائه فهنالك يتمحض حق العبد إذ إذ ما وقع لا ~~يمكن رفعه فله الخيرة فيمن تعدى عليه لأنه قد صار حقا ms473 مستوفى فى الغير كدين ~~من الديون فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه وتركه هو الأولى إبقاء على الكلي ~~قال الله تعالى ولمن صبر وغفر PageV02P376 ~~إن ذلك لمن عزم الأمور وقال فمن عفا وأصلح فأجره على الله وذلك أن القصاص ~~والدية إنما هى جبر لما فات المجني عليه من مصالح نفسه أو جسده فإن حق الله ~~قد فات ولا جبر له وكذلك ما وقع مما يمكن رفعه كالأمراض إذا كان التطبب غير ~~واجب ودفع الظالم عنك غير واجب على تفصيل فى ذلك مذكور فى الفقهيات وأما ~~المال فجار على ذلك الأسلوب فإنه إذا تعين الحق للعبد فله إسقاطه وقد قال ~~تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون ~~بخلاف ما إذا كان فى يده فأراد التصرف فيه وإتلافه فى غير مقصد شرعي يبيحه ~~الشارع فلا وكذلك سائر ما كان من هذا الباب وأما تحريم الحلال وتحليل ~~الحرام وما أشبهه فمن حق الله تعالى لأنه تشريع مبتدأ وإنشاء كلية شرعية ~~ألزمها العباد فليس لهم فيها تحكم إذ ليس للعقول تحسين ولا تقبيح تحلل به ~~أو تحرم فهو مجرد تعد فيما ليس لغير الله نصيب فلذلك لم يكن لأحد فيه خيرة # فإن قيل فقد تقدم أيضا أن كل حق للعبد لا بد فيه من تعلق حق الله به فلا ~~شىء من حقوق العباد إلا وفيه لله حق فيقتضى أن ليس للعبد اسقاطه فلا يبقى ~~بعد هذا التقرير حق واحد يكون العبد فيه مخيرا فقسم العبد إذا ذاهب ولم يبق ~~إلا قسم واحد # فالجواب أن هذا القسم الواحد هو المنقسم لأن ما هو حق للعبد إنما ثبت ~~كونه حقا له بإثبات الشرع ذلك له لا بكونه مستحقا لذلك بحكم الأصل وقد PageV02P377 ~~تقدم هذا المعنى مبسوطا فى هذا الكتاب وإذا كان كذلك فمن هنا ثبت للعبد حق ~~ولله حق # فأما ما هو لله صرفا فلا مقال فيه للعبد # وأما ما هو للعبد فللعبد فيه الإختيار من حيث جعل ms474 الله له ذلك لا من جه ~~أنه مستقل بالإختيار وقد ظهر بما تقدم آنفا تخيير العبد فيما هو حقه على ~~الجملة ويكفيك من ذلك اختياره فى أنواع المتناولات من المأكولات والمشروبات ~~والملبوسات وغيرها مما هو حلال له وفي أنواع البيوع والمعاملات والمطالبات ~~بالحقوق فله إسقاطها وله الإعتياض منها والتصرف فيما بيده من غير حجر عليه ~~إذا كان تصرفه على ما ألف من محاسن العادات وإنما الشأن كله فى فهم الفرق ~~بين ما هو حق لله وما هو حق للعباد وقد تقدمت الإشارة إليه فى آخر النوع ~~الثالث من هذا الكتاب والحمد لله ### || AUTO المسألة العاشرة # التحيل بوجه سائغ مشروع فى الظاهر أو غير سائغ على إسقاط حكم أو قلبه إلى ~~حكم آخر بحيث لا يسقط أو لا ينقلب إلا مع تلك الواسطة فتفعل ليتوصل بها إلى ~~ذلك الغرض المقصود مع العلم بكونها لم تشرع له فكأن التحيل PageV02P378 ~~مشتمل على مقدمتين إحداهما قلب أحكام الأفعال بعضها إلى بعض فى ظاهر الأمر ~~والأخرى جعل الأفعال المقصود بها فى الشرع معان وسائل إلى قلب تلك الأحكام ~~هل يصح شرعا القصد إليه والعمل على وفقه أم لا وهو محل يجب الإعتناء به ~~وقبل النظر فى الصحة أو عدمها لا بد من شرح هذا الإحتيال # وذلك أن الله تعالى أوجب أشياء وحرم أشياء إما مطلقا من غير قيد ولا ~~ترتيب على سبب كما أوجب الصلاة والصيام والحج وأشباه ذلك وحرم الزنى والربا ~~والقتل ونحوها وأوجب أيضا أشياء مرتبة على أسباب وحرم أخر كذلك كإيجاب ~~الزكاة والكفارات والوفاء بالنذور والشفعة للشريك وكتحريم المطلقة ~~والإنتفاع بالمغصوب أو المسروق وما أشبه ذلك فإذا تسبب المكلف فى إسقاط ذلك ~~الوجوب عن نفسه أو فى إباحة ذلك المحرم عليه بوجه من وجوه التسبب حتى يصير ~~ذلك الواجب غير واجب فى الظاهر أو المحرم حلالا فى الظاهر أيضا # فهذا التسبب يسمى حيلة وتحيلا كما لو دخل وقت الصلاة عليه فى الحضر فإنها ~~تجب عليه أربعا فأراد أن يتسبب فى إسقاطها كلها ms475 بشرب خمر أو دواء مسبت حتى ~~يخرج وقتها وهو فاقد لعقله كالمغمى عليه أو قصرها فأنشأ سفرا ليقصر الصلاة ~~وكذلك من أظله شهر رمضان فسافر ليأكل أو كان له مال يقدر على الحج به فوهبه ~~أو أتلفه بوجه من وجوه الإتلاف كي لا يجب عليه الحج وكما لو أراد وطء جارية ~~الغير فغصبها وزعم أنها ماتت فقضى عليه بقيمتها فوطئها بذلك أو أقام شهود ~~زور على تزويج بكر برضاها فقضى الحاكم بذلك ثم وطئها أو أراد بيع عشرة ~~دراهم نقدا بعشرين إلى أجل فجعل العشرة ثمنا لثوب ثم باع الثوب من البائع ~~الأول بعشرين إلى أجل أو أراد قتل فلان فوضع له فى طريقه سببا مجهزا كإشراع ~~الرمح وحفر البئر ونحو ذلك وكالفرار من وجوب الزكاة PageV02P379 ~~بهبة المال أو إتلافه أو جمع متفرقه أو تفريق مجتمعه وهكذا سائر الأمثلة ~~فى تحليل الحرام وإسقاط الواجب ومثله جار فى تحريم الحلال كالزوجة ترضع ~~جارية الزوج أو الضرة لتحرم عليه أو إثبات حق لا يثبت كالوصية للوارث فى ~~قالب الإقرار بالدين وعلى الجملة فهو تحيل على قلب الأحكام الثابتة شرعا ~~إلى أحكام أخر بفعل صحيح الظاهر لغو فى الباطن كانت الأحكام من خطاب ~~التكليف أو من خطاب الوضع ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # الحيل فى الدين بالمعنى المذكور غير مشروعة فى الجملة والدليل على ذلك ما ~~لا ينحصر من الكتاب والسنة لكن فى خصوصات يفهم من مجموعها منعها والنهي ~~عنها على القطع # فمن الكتاب ما وصف الله به المنفاقين فى قوله تعالى ومن الناس من يقول ~~آمنا بالله وباليوم الآخر إلى آخر الآيات فذمهم وتوعدهم وشنع عليهم # وحقيقة أمرهم أنهم أظهروا كلمة الإسلام إحرازا لدمائهم وأموالهم لا لما ~~قصد له فى الشرع من الدخول تحت طاعة الله على اختيار وتصديق قلبي وبهذا ~~المعنى كانوا فى الدرك الاسفل من النار وقيل فيهم إنهم يخادعون الله والذين ~~آمنوا وقالوا عن أنفسهم إنما نحن مستهزئون لأنهم تحيلوا بملابسة الدين ~~وأهله إلى أغراضهم الفاسدة وقال تعالى فى المرائين ms476 بأعمالهم كالذي ينفق ~~ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ~~الآية وقال PageV02P380 ~~والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وقال ~~يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا فذم وتوعد لأنه إظهار للطاعة لقصد ~~دنيوي يتوصل بها إليه وقال تعالى فى أصحاب الجنة إنا بلوناهم كما بلونا ~~أصحاب الجنة الآية إلى قوله فأصبحت كالصريم لما احتالوا على إمساك حق ~~المساكين بأن قصد الصرام فى غير وقت إتيانهم عذبهم الله تعالى بإهلاك مالهم ~~وقال ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت الآية وأشباهها لأنهم احتالوا ~~للاصطياد في السبت بصورة الاصطياد فى غيره وقال تعالى وإذا طلقتم النساء ~~فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا إلى قوله ~~ولا تتخذوا آيات الله هزوا وفسرت بأن الله حرم على الرجل أن يرتجع المرأة ~~يقصد بذلك مضارتها بأن يطلقها ثم يمهلها حتى تشارف انقضاء العدة ثم يرتجعها ~~ثم يطلقها حتى تشارف انقضاء العدة PageV02P381 ~~وهكذا لا يرتجعها لغرض له فيها سوى الإضرار بها وقد جاء فى قوله تعالى ~~وبعولتهن أحق بردهن فى ذلك أن أرادوا إصلاحا إلى قوله الطلاق مرتان إن ~~الطلاق كان فى أول الإسلام إلى غير عدد فكان الرجل يرتجع المرأة قبل أن ~~تنقضى عدتها ثم يطلقها ثم يرتجعها كذلك قصد فنزلت الطلاق مرتان ونزل مع ذلك ~~ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الآية فيمن كان يضار المرأة حتى ~~تفتدى منه وهذه كلها حيل على بلوغ غرض لم يشرع ذلك الحكم لأجله وقال تعالى ~~من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار يعنى بالورثة بأن يوصى بأكثر من ~~الثلث أو يوصى لوارث احتيالا على حرمان بعض الورثة وقال تعالى ولا تأكلوها ~~إسرافا وبدارا أن يكبروا وقوله تعالى ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ~~الآية إلى غير ذلك من الآيات فى هذا المعنى # ومن الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام # لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة فهذا ms477 نهي عن الإحتيال ~~لإسقاط الواجب أو تقليله وقال # لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود والنصارى يستحلون محارم الله بأدنى الحيل وقال # من أدخل فرسا بين فرسين وقد أمن أن تسبق فهو قمار وقال # قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها PageV02P382 ~~وباعوها وأكلوا أثمانها وقال # ليشربن ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف ~~والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير ويروى موقوفا ~~على ابن عباس ومرفوعا # يأتى على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء يستحلون الخمر ~~بأسماء يسمونها بها والسحت بالهدية والقتل بالرهبة والزنى بالنكاح والربا ~~بالبيع وقال # إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر ~~وتركوا الجهاد فى سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا ~~دينهم وقال # لعن الله المحلل والمحلل له وقال # لعن الله الراشي والمرتشي ونهى عن هدية المديان فقال # إذا أقرض PageV02P383 ~~أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبلها إلا أن ~~يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك وقال # القاتل لا يرث وجعل هدايا الأمراء غلولا ونهى عن البيع والسلف وقالت ~~عائشة أبلغنى زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إن لم يتب # والأحاديث فى هذا المعنى كثيرة كلها دائرة على أن التحيل فى قلب الأحكام ~~ظاهرا غير جائز # وعليه عامة الأمة من الصحابة والتابعين PageV02P384 ### || AUTO المسألة الثانية عشرة # لما ثبت أن الأحكام شرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك لأنه ~~مقصود الشارع فيها كما تبين فإذا كان الأمر فى ظاهره وباطنه على أصل ~~المشروعية فلا إشكال وإن كان الظاهر موافقا والمصلحة مخالفة فالفعل غير ~~صحيح وغير مشروع لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها وإنما قصد بها ~~أمور أخر هى معانيها وهى المصالح التى شرعت لأجلها فالذى عمل من ذلك على ~~غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات # فنحن نعلم أن النطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما من العبادات إنما شرعت ~~للتقرب بها إلى الله والرجوع إليه ms478 وإفراده بالتعظيم والإجلال ومطابقة القلب ~~للجوارح فى الطاعة والإنقياد فإذا عمل بذلك على قصد نيل حظ من حظوظ الدنيا ~~من دفع أو نفع كالناطق بالشهادتين قاصدا لإحراز دمه وماله لا لغير ذلك أو ~~المصلى رئاء الناس ليحمد على ذلك أو ينال به رتبة فى الدنيا فهذا العمل ليس ~~من المشروع فى شىء لأن المصلحة التى شرع لأجلها لم تحصل بل المقصود به ضد ~~تلك المصلحة # وعلى هذا نقول فى الزكاة مثلا إن المقصود بمشروعيتها رفع رذيلة الشح ~~ومصلحة إرفاق المساكين وإحياء النفوس المعرضه للتلف فمن وهب فى آخر الحول ~~ماله هروبا من وجوب الزكاة عليه ثم إذا كان في حول آخر أو قبل ذلك استوهبه ~~فهذا العمل تقوية لوصف الشح وإمداد له ورفع لمصلحة إرفاق المساكين فمعلوم ~~أن صورة هذه الهبة ليست هى الهبة التى ندب الشرع إليها لأن الهبة إرفاق ~~وإحسان للموهوب له وتوسيع عليه غنيا كان أو فقيرا PageV02P385 ~~وجلب لمودته وموآلفته وهذه الهبة على الضد من ذلك ولو كانت على المشروع من ~~التمليك الحقيقي لكان ذلك موافقا لمصلحة الإرفاق والتوسعة ورفعا لرذيلة ~~الشح فلم يكن هروبا عن أداء الزكاة فتأمل كيف كان القصد المشروع فى العمل ~~لا يهدم قصدا شرعيا والقصد غير الشرعي هادم للقصد الشرعي # ومثله أن الفدية شرعت للزوجة هربا من أن لا يقيما حدود الله فى زوجيتهما ~~فأبيح للمرأة أن تشتري عصمتها من الزوج عن طيب نفس منها خوفا من الوقوع فى ~~المحظور فهذه بذلت مالها طلبا لصلاح الحال بينها وبين زوجها وهو التسريح ~~بإحسان وهو مقصد شرعي مطابق للمصلحة لا فساد فيه حالا ولا مالا فإذا أضر ~~بها لتفتدي منه فقد عمل هو بغير المشروع حين أضر بها لغير موجب مع القدرة ~~على الوصول إلى الفراق من غير إضرار فلم يكن التسريح إذا طلبته بالفداء ~~تسريحا بإحسان ولا خوفا من أن لا يقيما حدود الله لأنه فداء مضطر وإن كان ~~جائزا لها من جهة الإضطرار والخروج من الإضرار وصار غير جائز له إذ وضع ms479 على ~~غير المشروع # وكذلك نقول إن أحكام الشريعة تشتمل على مصلحة كلية فى الجملة وعلى مصلحة ~~جزئية فى كل مسألة على الخصوص أما الجزئية فما يعرب عنها كل دليل لحكم فى ~~خاصته وأما الكلية فهى أن يكون كل مكلف تحت قانون معين من تكاليف الشرع فى ~~جميع حركاته وأقواله واعتقاداته فلا يكون كالبهيمة المسيبة تعمل بهواها حتى ~~يرتاض بلجام الشرع وقد مر بيان هذا فيما تقدم فإذا صار المكلف فى كل مسألة ~~عنت له يتبع رخص المذاهب وكل قول وافق فيها PageV02P386 ~~هواه فقد خلع ربقة التقوى وتمادى فىمتابعة الهوى ونقض ما أبرمه الشارع ~~وأخر ما قدمه وأمثال ذلك كثيرة ### || AUTO فصل # فإذا ثبت لهذا فالحيل التى تقدم إبطالها وذمها والنهي عنها ما هدم أصلا ~~شرعيا وناقض مصلحة شرعية فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلا شرعيا ولا تناقض ~~مصلحة شهد الشرع بإعتبارها فغير داخلة فى النهي ولا هى باطلة ومرجع الأمر ~~فيها إلى أنها على ثلاثة أقسام # أحدها لا خلاف فى بطلانه كحيل المنافقين والمرائين # والثانى لا خلاف فى جوازه كالنطق بكلمة الكفر إكراها عليها فإن نسبة ~~التحيل بها فى إحراز الدم بالقصد الأول من غير اعتقاد لمقتضاها كنسبة ~~التحيل بكلمة الإسلام فى إحراز الدم بالقصد الأول كذلك إلا أن هذا مأذون ~~فيه لكونه مصلحة دنيوية لا مفسدة فيها بإطلاق لا في الدنيا ولا فى الآخرة ~~بخلاف الأول فإنه غير مأذون فيه لكونه مفسدة أخروية بإطلاق والمصالح ~~والمفاسد الأخروية مقدمة فى الإعتبار على المصالح والمفاسد الدنيوية بإتفاق ~~إذ لا يصح اعتبار مصلحة دنيوية تخل بمصالح الآخرة فمعلوم أن ما يخل بمصالح ~~الآخرة غير موافق لمقصود الشارع فكان باطلا ومن هنا جاء فى ذم النفاق وأهله ~~ما جاء وهكذا سائر ما يجرى مجراه وكلا القسمين بالغ مبلغ القطع PageV02P387 ~~وأما الثالث فهو محل الإشكال والغموض وفيه اضطربت أنظار النظار من جهة أنه ~~لم يتبين فيه بدليل واضح قطعي لحاقه بالقسم الأول أو الثانى ولا تبين فيه ~~للشارع مقصد يتفق على أنه مقصود ms480 له ولا ظهر أنه على خلاف مصلحة التي وضعت ~~لها الشريعة بحسب المسألة المفروضة فيه فصار هذا القسم هذا الوجه متنازعا ~~فيه شهادة من المتنازعين بأنه غير مخالف للمصلحة فالتحيل جائز أو مخالف ~~فالتحيل ممنوع ولا يصح أن يقال إن من أجاز التحيل فى بعض المسائل مقر بأنه ~~خالف فى ذلك قصد الشارع بل إنما أجازه بناء على تحري قصده وأن مسألته لاحقة ~~بقسم التحيل الجائز الذى علم قصد الشارع إليه لأن مصادمة الشارع صراحا علما ~~أو ظنا لا تصدر من عوام المسلمين فضلا عن أئمة الهدى وعلماء الدين نفعنا ~~الله بهم كما أن المانع إنما منع بناء على أن ذلك مخالف لقصد الشارع ولما ~~وضع فى الأحكام من المصالح ولا بد من بيان هذه الجملة ببعض الأمثلة لتظهر ~~صحتها وبالله التوفيق # فمن ذلك نكاح المحلل فإنه تحيل إلى رجوع الزوجة إلى مطلقها الأول بحيلة ~~توافق فى الظاهر قول الله تبارك وتعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره فقد نكحت المرأة هذا المحلل فكان رجوعها إلى الأول بعد ~~تطليق الثانى موافقا ونصوص الشارع مفهمة لمقاصده بل هى أول ما يتلقى منه ~~فهم المقاصد الشرعية وقوله عليه الصلاة والسلام # لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك ظاهر أن المقصود فى النكاح الثاني ذوق ~~العسيلة وقد حصل في المحلل ولو كان قصد التحليل معتبرا في فساد هذا النكاح ~~لبينه عليه الصلاة والسلام ولأن كونه حيلة لا يمنعها وإلا لزم ذلك فى كل ~~حيلة كالنطق بكلمة الكفر للإكراه وسائر ما يدخل تحت القسم الجائز باتفاق ~~فإذا ثبت هذا وكان موافقا للمنقول دل على صحة موافقته لقصد الشارع PageV02P388 ~~وكذلك إذا اعتبرت جهة المصلحة فمصلحة هذا النكاح ظاهرة لأنه قد قصد فيه ~~الإصلاح بين الزوجين إذ كان تسببا في التآلف بينهما على وجه صحيح ولأن ~~النكاح لا يلزم فيه القصد إلى البقاء المؤبد لأن هذا هو التضييق الذي تأباه ~~الشريعة ولأجله شرع الطلاق وهو كنكاح النصارى وقد أجاز العلماء النكاح بقصد ms481 ~~حل اليمين من غير قصد إلى الرغبة في بقاء عصمة المنكوحة وأجازوا نكاح ~~المسافر في بلدة لا قصد له إلا قضاء الوطر زمان الإقامة بها إلى غير ذلك # وأيضا لا يلزم إذا شرعت القاعدة الكلية لمصلحة أن توجد المصلحة في كل فرد ~~من أفرادها عينا حسبما تقدم كما في نكاح حل اليمين والقائل إن تزوجت فلانة ~~فهي طالق على رأي مالك فيهما وفي نكاح المسافر وغير ذلك # هذا تقرير بعض ما يستدل به من قال بجواز الاحتيال هنا وأما تقرير الدليل ~~على المنع فأظهر فلا نطول بذكره وأقرب تقرير فيه ما ذكره عبد الوهاب في شرح ~~الرسالة فإليك النظر فيه # ومن ذلك مسائل بيوع الآجال فإن فيها التحيل إلى بيع درهم نقدا بدرهمين ~~إلى أجل لكن بعقدين كل واحد منهما مقصود في نفسه وإن كان الأول ذريعة ~~فالثاني غير مانع لأن الشارع إذا كان قد أباح لنا الانتفاع بجلب المصالح ~~ودرء المفاسد على وجوه مخصوصة فتحري المكلف تلك الوجوه غير قادح وإلا كان ~~قادحا في جميع الوجوه المشروعة وإذا فرض أن العقد الأول ليس بمقصود العاقد ~~وإنما مقصوده الثاني فالأول إذا منزل منزلة الوسائل والوسائل مقصودة شرعا ~~من حيث هي وسائل وهذا منها فإن جازت الوسائل من حيث هي وسائل فليجز ما نحن ~~فيه وإن منع ما نحن فيه فلتمنع الوسائل على الإطلاق لكنها ليست على الإطلاق ~~ممنوعة إلا بدليل فكذلك هنا لا يمنع إلا بدليل # بل هنا ما يدل على صحة التسول في مسالتنا وصحة قصد الشارع إليه في PageV02P389 ~~قوله عليه الصلاة والسلام # بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا فالقصد ببيع الجمع بالدراهم ~~التوسل إلى حصول الجنيب بالجمع لكن على وجه مباح ولا فرق في القصد بين حصول ~~ذلك مع عاقد واحد وعاقدين إذ لم يفصل النبي عليه الصلاة والسلام # وقول القائل إن هذا مبني على قاعدة القول بالذرائع غير مفيد هنا فإن ~~الذرائع على ثلاثة أقسام منها ما يسد باتفاق كسب الأصنام مع العلم بأنه مؤد ~~إلى ms482 سب الله تعالى وكسب أبوي الرجل إذا كان مؤديا إلى سب أبوي الساب فإنه ~~عد في الحديث سبا من الساب لأبوي نفسه وحفر الأبار في طرق المسلمين مع ~~العلم بوقوعهم فيها وإلقاء السم في الأطعمة والأشربة التي يعلم تناول ~~المسلمين لها # ومنها ما لا يسد باتفاق كما إذا أحب الإنسان أن يشتري بطعامه أفضل منه أو ~~أدنى من جنسه فيتحيل ببيع متاعه ليتوصل بالثمن إلى مقصوده بل كسائر ~~التجارات فإن مقصودها الذي أبيحت له إنما يرجع إلى التحيل في بذل دراهم في ~~السلعة ليأخذ أكثر منها ومنها ما هو مختلف فيه ومسألتنا من هذا القسم فلم ~~نخرج عن حكمه بعد والمنازعة باقية فيه # وهذه جملة مما يمكن أن يقال في الاستدلال على جواز التحيل في المسألة # وأدلة الجهة الأخرى مقررة واضحة شهيرة فطالعها في مواضعها وإنما قصد هنا ~~هذا التقرير الغريب لقلة الاطلاع عليه من كتب أهله إذ كتب PageV02P390 ~~الحنفية كالمعدومة الوجود في بلاد المغرب وكذلك كتب الشافعية وغيرهم من ~~أهل المذاهب ومع أن اعتياد الاستدلال لمذهب واحد ربما يكسب الطالب نفورا ~~وإنكارا لمذهب غير مذهبه من غير إطلاع على مأخذه فيورث ذلك حزازة في ~~الإعتقاد في الأئمة الذين أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين واضطلاعهم ~~بمقاصد الشارع وفهم أغراضه وقد وجد هذا كثيرا ولنكتف بهذين المثالين فهما ~~من أشهر المسائل في باب الحيل ويقاس على النظر فيهما النظر فيما سواهما # فصل ### || AUTO هذا القسم يشتمل على مسائل كثيرة جدا وقد مر منها فيما تقدم ~~تفريعا على المسائل المقررة كثير وسيأتي منه مسائل أخر تفريعا أيضا ولكن لا ~~بد من خاتمة تكر على - كتاب المقاصد بالبيان وتعرف بتمام المقصود فيه بحول الله # فإن للقائل أن يقول إن ما تقدم من المسائل في هذا الكتاب مبني على ~~المعرفة بمقصود الشارع فبماذا يعرف ما هو مقصود له مما ليس بمقصود له # والجواب أن النظر ههنا ينقسم بحسب التقسيم العقلي ثلاثة أقسام # أحدها أن يقال إن مقصد الشارع غائب عنا حتى يأتينا ms483 ما يعرفنا به وليس ذلك ~~إلا بالتصريح الكلامي مجردا عن تتبع المعاني التي يقتضيها الاستقراء ولا ~~تقتضيها الألفاظ بوضعها اللغوي إما مع القول بأن التكاليف لم يراع فيها ~~مصالح العباد على حال وإما مع القول بمنع وجوب مراعة المصالح وإن وقعت PageV02P391 ### || AUTO في بعض فوجهها غير معروف لنا على التمام أو غير معروف ألبتة ~~ويبالغ في هذا حتى يمنع القول بالقياس ويؤكده ما جاء في ذم الرأي والقياس ~~وحاصل هذا الوجه الحمل على الظاهر مطلقا وهو رأي الظاهريه الذين يحصرون ~~مظان العلم بمقاصد الشارع في الظواهر والنصوص ولعله يشار إليه في - كتاب ~~القياس إن شاء الله فإن القول به بإطلاق أخذ في طرف تشهد الشريعة بأنه ليس ~~على اطلاقه كما قالوا # والثاني في الطرف الآخر من هذا إلا أنه ضربان الأول دعوى أن مقصد الشارع ~~ليس في هذه الظواهر ولا ما يفهم منها وإنما المقصود أمر آخر وراءه ويطرد ~~هذا في جميع الشريعة حتى لا يبقى في ظاهرها متمسك يمكن أن يلتمس منه معرفة ~~مقاصد الشارع وهذا رأي كل قاصد لإبطال الشريعة وهم الباطنية فإنهم لما ~~قالوا بالإمام المعصوم لم يمكنهم ذلك إلا بالقدح في النصوص والظواهر ~~الشرعية لكي يفتقر إليه على زعمهم ومآل هذا الرأي إلى الكفر والعياذ بالله ~~والأولى أن لا يلتفت إلى قول هؤلاء فلننزل عنه إلى قسم آخر يقرب من موازنة ~~الأول وهو الضرب الثاني بأن يقال إن مقصود الشارع الالتفات إلى معاني ~~الألفاظ بحيث لا تعتبر الظواهر والنصوص إلا بها على الاطلاق فإن خالف النص ~~المعنى النظري اطرح وقدم المعنى النظري وهو إما بناء PageV02P392 ~~على وجوب مراعاة المصالح على الاطلاق أو عدم الوجوب لكن مع تحكيم المعنى ~~جدا حتى تكون الألفاظ الشرعية تابعة للمعاني النظرية وهو رأي المتعمقين في ~~القياس المقدمين له على النصوص وهذا في طرف آخر من القسم الأول # والثالث أن يقال باعتبار الأمرين جميعا على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص ~~ولا بالعكس لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا ms484 تناقض # وهو الذي أمه أكثر العلماء الراسخين فعليه الإعتماد في الضابط الذي به ~~يعرف مقصد الشارع فنقول وبالله التوفيق إنه يعرف من جهات # إحداها مجرد الأمر والنهي الإبتدائي التصريحي فإن الأمر معلوم أنه إنما ~~كان أمرا لاقتضائه الفعل فوقوع الفعل عند وجود الأمر به مقصود للشارع # وكذلك النهي معلوم أنه مقتض لنفي الفعل أو الكف عنه فعدم وقوعه مقصود له ~~وإيقاعه مخالف لمقصوده كما أن عدم إيقاع المأمور به مخالف لمقصوده فهذا وجه ~~ظاهر عام لمن اعتبر مجرد الأمر والنهي من غير نظر إلى علة ولمن اعتبر العلل ~~والمصالح وهو الأصل الشرعي # وإنما قيد بالإبتدائي تحرزا من الأمر أو النهي الذي قصد به غيره كقوله ~~تعالى فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع فإن النهي عن البيع ليس نهيا مبتدأ ~~بل هو تأكيد للأمر بالسعي فهو من النهي المقصود بالقصد الثاني فالبيع ليس ~~منهيا عنه بالقصد الأول كما نهى عن الربى والزنى مثلا بل لأجل تعطيل السعي ~~عند الإشتغال به وما شأنه هذا ففي فهم قصد الشارع من مجرده نظر واختلاف ~~منشؤه من أصل المسألة المترجمة بالصلاة في الدار المغصوبة وإنما قيد ~~بالتصريحي تحرزا من الأمر أو النهي الضمنى الذي ليس بمصرح PageV02P393 ~~به كالنهي عن أضداد المأمور به الذي تضمنه الأمر والأمر الذي تضمنه النهي ~~عن الشيء فإن النهي والأمر ههنا إن قيل بهما فهما بالقصد الثاني لا بالقصد ~~الأول إذ مجراهما عند القائل بهما مجرى التأكيد للأمر أو النهي المصرح به # فأما إن قيل بالنفي فلأمر أوضح في عدم القصد وكذلك الأمر بما لا يتم ~~المأمور إلا به المذكور في مسألة ما لا يتم الواجب إلا به فدلالة الأمر ~~والنهي في هذا على مقصود الشارع متنازع فيه فليس داخلا فيما نحن فيه ولذلك ~~قيد الأمر والنهي بالتصريحي # والثانية اعتبار علل الأمر والنهي ولماذا أمر بهذا الفعل ولماذا نهي عن ~~هذا الآخر والعلة إما ان تكون معلومة أولا فإن كانت معلومة اتبعت فحيث وجدت ~~وجد مقتضى الأمر والنهي من القصد أو ms485 عدمه كالنكاح لمصلحة التناسل والبيع ~~لمصلحة الإنتفاع بالمعقود عليه والحدود لمصلحة الإزدجار وتعرف العلة هنا ~~بمسالكها المعلومة في أصول الفقه فإذا تعينت علم أن مقصود الشارع ما اقتضته ~~تلك العلل من الفعل أو عدمه ومن التسبب أو عدمه وإن كانت غير معلومة فلا بد ~~من التوقف عن القطع على الشارع أنه قصد كذا وكذا إلا أن التوقف هنا له ~~وجهان من النظر # أحدهما أن لا نتعدى المنصوص عليه في ذلك الحكم المعين أو السبب المعين ~~لأن التعدي مع الجهل بالعلة تحكم من غير دليل وضلال على غير سبيل # ولا يصح الحكم على زيد بما وضع حكما على عمرو ونحن لا نعلم أن الشارع قصد ~~الحكم به على زيد أولا لأنا إذا لم نعلم ذلك أمكن أن لا يكون حكما عليه ~~فنكون قد أقدمنا على مخالفة الشارع فالتوقف هنا لعدم الدليل PageV02P394 ~~والثاني أن الأصل في الأحكام الموضوعة شرعا أن لا يتعدى بها محالها حتى ~~يعرف قصد الشارع لذلك التعدي لأن عدم نصبه دليلا على التعدي دليل على عدم ~~التعدي إذ لو كان عند الشارع متعديا لنصب عليه دليلا ووضع له مسلكا ومسالك ~~العلة معروفة وقد خبر بها محل الحكم فلم توجد له علة يشهد لها مسلك من ~~المسالك فصح أن التعدي لغير المنصوص عليه غير مقصود للشارع # فهذان مسلكان كلاهما متجه في الموضع إلا أن الأول يقتضي التوقف من غير ~~جزم بأن التعدي المفروض غير مراد ويقتضي هذا إمكان أنه مراد فيبقى الناظر ~~باحثا حتى يجد مخلصا إذ يمكن أن يكون مقصود الشارع ويمكن أن لا يكون مقصودا ~~له والثاني يقتضي جزم القضية بأنه غير مراد فينبني عليه نفي التعدي من غير ~~توقف ويحكم به علما أو ظنا بأنه غير مقصود له إذ لو كان مقصودا لنصب عليه ~~دليلا ولما لم نجد ذلك دل على أنه غير مقصود فإن أتى ما يوضح خلاف المعتقد ~~رجع إليه كالمجتهد يجزم القضية في الحكم ثم يطلع بعد على دليل ينسخ حزمه ~~إلى خلافه # فإن ms486 قيل فهما مسلكان متعارضان لأن أحدهما يقتضي التوقف والآخر لا يقتضيه ~~وهما في النظر سواء فإذا اجتمعا تدافعا أحكامهما فلا يبقى إلا التوقف وحده ~~فكيف يتجهان معا # فالجواب أنهما قد يتعارضان عند المجتهد في بعض المسائل فيجب التوقف ~~لأنهما كدليلين لم يترجح أحدهما على الآخر فيتفرع الحكم عند المجتهد على ~~مسألة تعارض الدليلين وقد لا يتعارضان بحسب مجتهدين أو مجتهد واحد في وقتين ~~أو مسألتين فيقوى عنده مسلك التوقف في مسألة ومسلك النفي في PageV02P395 ~~مسألة أخرى فلا تعارض على الإطلاق # وأيضا فقد علمنا من مقصد الشارع التفرقة بين العبادات والعادات وأنه غلب ~~في باب العبادات جهة التعبد وفي باب العادات جهة الالتفات إلى المعاني ~~والعكس في البابين قليل ولذلك لم يلتفت مالك في إزالة الأنجاس ورفع الأحداث ~~إلى مجرد النظافة حتى اشترط الماء المطلق وفي رفع الأحداث النية وإن حصلت ~~النظافة دون ذلك وامتنع من إقامة غير التكبير والتسليم مقامهما ومنع من ~~إخراج القيم في الزكاة واقتصر على مجرد العدد في الكفارات إلى غير ذلك من ~~المسائل التي تقتضي الاقتصار على عين المنصوص عليه أو ما ماثله وغلب في باب ~~العادات المعنى فقال فيها بقاعدة المصالح المرسلة والاستحسان الذي قال فيه ~~إنه تسعة أعشار العلم إلى ما يتبع ذلك وقد مر الكلام في هذا والدليل عليه # وإذا ثبت هذا فمسلك النفي متمكن في العبادات ومسلك التوقف متمكن في ~~العادات # وقد يمكن أن تراعى المعاني في باب العبادات وقد ظهر ظهرشيء فيجري الباقي ~~عليه وهي طريقة الحنفية والتعبدات في باب العادات وقد ظهر منه شيء فيجري ~~الباقي عليه وهي طريقة الظاهرية ولكن العمدة ما تقدم # وقاعدة النفي الأصلي والاستصحاب راجعة إلى هذه القاعدة # والجهة الثالثة أن للشارع في شرع الأحكام العادية والعبادية مقاصد أصلية ~~ومقاصد تابعة # مثال ذلك النكاح فإنه مشروع للتناسل على القصد الأول ويليه طلب السكن ~~والإزدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية من الاستمتاع بالحلال ~~والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء والتجمل بمال المرأة أو PageV02P396 ~~قيامها ms487 عليه وعلى أولاده منها أو من غيرها أو إخوته والتحفظ من الوقوع في ~~المحظور من شهوة الفرج ونظر العين والازدياد من الشكر بمزيد النعم من الله ~~على العبد وما أشبه ذلك فجميع هذا مقصود للشارع من شرع النكاح فمنه منصوص ~~عليه أو مشار إليه ومنه ما علم بدليل آخر ومسلك استقرىء من ذلك المنصوص ~~وذلك أن ما نص عليه من هذه المقاصد التوابع هو مثبت للمقصد الأصلي ومقو ~~لحكمته ومستدع لطلبه وإدامته ومستجلب لتوالي التراحم والتواصل والتعاطف ~~الذي يحصل به مقصد الشارع الأصلي من التناسل # فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما شأنه ذلك مقصود للشارع أيضا ~~كما روى من فعل عمر بن الخطاب في نكاح أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب طلبا ~~لشرف النسب ومواصلة أرفع البيوتات وما أشبه ذلك فلا شك أن النكاح لمثل هذه ~~المقاصد سائغ وأن قصد التسبب له حسن # وعند ذلك يتبين أن نواقض هذه الأمور مضادة لمقاصد الشارع بإطلاق من حيث ~~كان مآلها إلى ضد المواصلة والسكن والموافقة كما إذا نكحها ليحلها لمن ~~طلقها ثلاثا فإنه عند القائل بمنعه مضاد لقصد المواصلة التي جعلها الشارع ~~مستدامة إلى انقطاع الحياة من غير شرط إذ كان المقصود منه المقاطعة بالطلاق ~~وكذلك نكاح المتعة وكل نكاح على هذا السبيل وهو أشد في ظهور محافظة الشارع ~~على دوام المواصلة حيث نهى عما لم يكن فيه ذلك PageV02P397 ~~وهكذا العبادات فإن المقصد الأصلي فيها التوجه إلى الواحد المعبود وإفراده ~~بالقصد إليه على كل حال ويتبع ذلك قصد التعبد لنيل الدرجات في الآخرة أو ~~ليكون من أولياء الله تعالى وما أشبه ذلك فإن هذه التوابع مؤكدة للمقصود ~~الأول وباعثة عليه ومقتضية للدوام فيه سرا وجهرا بخلاف ما إذا كان القصد ~~إلى التابع لا يقتضي دوام المتبوع ولا تأكيده كالتعبد بقصد حفظ المال والدم ~~أو لينال من أوساخ الناس أو من تعظيمهم كفعل المنافقين والمرائين فإن القصد ~~إلى هذه الأمور ليس بمؤكد ولا باعث على الدوام بل هو ms488 مقو للترك ومكسل عن ~~الفعل ولذلك لا يدوم عليه صاحبه إلا ريثما يترصد به مطلوبه فإن بعد عليه ~~تركه قال الله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف الآية # فمثل هذا المقصد مضاد لقصد الشارع إذا قصد العمل لأجله وإن كان مقتضاه ~~حاصلا بالتبعية من غير قصد فإن الناكح على المقصد المؤكد لبقاء النكاح قد ~~يحصل له الفراق فيستوي من الناكح للمتعة والتحليل والمتعبد لله على القصد ~~المؤكد يحصل له حفظ الدم والمال ونيل المراتب والتعظيم فيستوي مع المتعبد ~~للرياء والسمعة ولكن الفرق بينهما ظاهر من جهة أن قاصد التابع المؤكد حر ~~بالدوام وقاصد التابع غير المؤكد حر بالانقطاع # فإن قيل هذه المضادة هل تعتبر من حيث تقتضي عينا أم يكتفي فيها بكونها لا ~~تقتضي الموافقة وبيان ذلك أن نكاح المتعة يقتضي المقاطعة عينا فلا يصح لأن ~~مخالفته لقصد الشارع عينية ونكاح القاصد لمضارة الزوجة أو لأخذ مالها أو ~~ليوقع بها وما أشبه ذلك ما لا يقتضي مواصلة ولكنه مع ذلك لا يقتضي عين ~~المقاطعة مخالف لقصد الشارع في شرع النكاح ولكنه لا يقتضي PageV02P398 ~~المخالفة عينا إذ لا يلزم من قصد مضارة الزوجة وقوعها ولا من وقوع المضارة ~~وقوع الطلاق ضربة لازب لجواز الصلح أو الحكم على الزوج أو زوال ذلك الخاطر ~~السببي وإن كان القصد الأول مقتضيا فليس اقتضاؤه عينيا # فالجواب أن اقتضاء المخالفة العينية لا شك في امتناعها وبطلان مقتضاها ~~مطلقا في العبادات والعادات معا فلا يصح أن يتعبد الله بما يظهر أنه غير ~~مشروع في المقاصد وإن أمكن كونه مشروعا في نفس الأمر وكذلك لايصح له أن ~~يتزوج بذلك القصد وأما ما لا يقتضي المخالفة عينا كالنكاح بقصد المضارة ~~وكنكاح التحليل عند من يصححه فإن هنا وجهين من النظر فإن القصد وإن كان غير ~~موافق لم يظهر فيه عين المخالفة فمن ترجح عنده جانب عدم الموافقة منع ومن ~~ترجح عنده جانب عدم تعين المخالفة لم يمنع ويظهر هذا في مثال نكاح المضارة ~~فإنه من باب التعاون ms489 بالنكاح الجائز في نفسه على الإثم والممنوع فالنكاح ~~منفرد بالحكم في نفسه وهر في البقاء أو الفرقة ممكن إلا أن المضارة مظنة للتفرق # فمن اعتبر هذا المقدار منع ومن لم يعتبره أجاز ### || AUTO فصل # وهذا البحث مبني على أن للشارع مقاصد تابعة في العبادات والعادات معا # أما في العادات فهو ظاهر وقد مر منه أمثلة وأما في العبادات فقد ثبت فيها # فالصلاة مثلا أصل مشروعيتها الخضوع لله سبحانه بإخلاص التوجه إليه ~~والانتصاب على قدم الذلة والصغار بين يديه وتذكير النفس بالذكر له قال ~~تعالى وأقم الصلاة لذكرى وقال إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر ~~الله أكبر وفي الحديث # إن المصلي يناجي ربه PageV02P399 ~~ثم إن لها مقاصد تابعة كالنهي عن الفحشاء والمنكر والاستراحة إليها من ~~أنكاد الدنيا في الخبر # أرحنا بها يا بلال وفي الصحيح # وجعلت قرة عيني في الصلاة وطلب الرزق بها قال الله تعالى وأمر أهلك ~~بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك وفي الحديث تفسير هذا المعنى ~~وانجاح الحاجات كصلاة الإستخارة وصلاة الحاجة وطلب الفوز بالجنة والنجاة من ~~النار وهي الفائدة العامة الخاصة وكون المصلى في خفارة الله في الحديث # من صلى الصبح لم يزل في ذمة الله ونيل أشرف المنازل قال تعالى ومن الليل ~~فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا فأعطى بقيام الليل المقام ~~المحمود # وفي الصيام سد مسالك الشيطان والدخول من باب الريان والاستعانة على ~~التحصن في العزبة في الحديث # من استطاع منكم الباءة فليتزوج ثم قال # ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء وقال # الصيام جنة وقال # ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان # وكذلك سائر العبادات فيها فوائد أخروية وهي العامة وفوائد دنيوية # وهي كلها تابعة للفائدة الأصلية وهي الانقياد والخضوع لله كما تقدم وبعد ~~هذا يتبع القصد الأصلي جميع ما ذكر من فوائدها وسواها وهي تابعة فينظر فيها بحسب PageV02P400 ~~التقسيم المتقدم فالأول وهو المؤكد كطلب الأجر العام أو الخاص وضده كطلب ~~المال والجاه فإن ms490 هذا القسم لا يتأكد به المقصد الأصلي بل هو على خلاف ذلك ~~والثالث كطلب قطع الشهوة بالصيام وسائر ما تقدم من المقاصد التابعة في ~~مسألة الحظوظ وينبغي تحقيق النظر فيها وفي الثاني المقتضى لعدم التأكد وما ~~يقتضي من ذلك ضد التأكد عينا وما لا يقتضيه عينا # وأيضا فهنا نظر آخر يتعلق بالعبادات من حيث يطلب بها المواهب التي هي ~~نتائج موهوبة من الله تعالى للعبد المطيع وحلي يحليه بها وأول ذلك الثواب ~~في الآخرة من الفوز بالجنة والدرجات العلى ولما كان هذا المعنى إذا قصد ~~باعثا على العمل الذي أصل القصد به الخضوع لله والتواضع لعظمته كان التعبد ~~لله من جهته صحيحا لا دخل فيه ولا شوب لأن القصد الرجوع إلى من بيده ذلك ~~والإخلاص له وما جاء في ذلك مما عده بعضهم طلبا للإجارة وصاحبه عبد سوء فقد ~~مر الكلام عليه # ومن ذلك الطرف الآخر العامل لأجل أن يحمد أو يعظم أو يعطى فهذا عامل على ~~الرياء ولا يثبت فيه كما تقدم وأيضا فإن عمله على غير أصالة إذ لا إخلاص ~~فيه فهو عبث وإن فرض خالصا لله لكن قصد به حصول هذه النتيجة فليس هذا القصد ~~بمقو للإخلاص لله بل هو مقو لترك الإخلاص # اللهم إلا أن يكون مضطرا إلى العطاء فيسال من الله العطاء ويسأل 8 له ~~لأجل ما أصابه من الضراء بسبب المنع وفقد الأسباب ويكون عمله بمقتضى محض ~~الإخلاص لا ليراه الناس فلا إشكال في صحة هذا فإنه عمل مقتض لما شرع له ~~التعبد ومقو له وأصله قول الله تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها وروى ~~عن النبي صلى الله علية وسلم # أنه كان إذا اضطر أهله إلى PageV02P401 ~~فضل الله ورزقه أمرهم بالصلاة لأجل هذه الآية فهذه صلاة لله يستمنح بها ما ~~عند الله # وعلى هذا المهيع جرى ابن العربي وشيخه فيمن أظهر عمله لتثبت عدالته وتصح ~~إمامته وليقتدى به إذا كان مأمورا شرعا بذلك لتوفر شروطه فيه وعدم من يقوم ~~ذلك المقام فلا بأس ms491 به عندهما لأنه قائم بما أمر به وتلك العبادة الظاهرة ~~لا تقدح في أصل مشروعية العبادة بخلاف من يقصد ثبوت العدالة عند الناس أو ~~الإمامة أو نحو ذلك فإنه مخوف ولا يقتضي ذلك العمل المداومة لأن فيه ما في ~~طلب الجاه والتعظيم من الخلق بالعبادة # ومما ينظر فيه هنا الانقطاع إلى العمل لنيل درجة الولاية أو العلم أو نحو ~~ذلك فيجري فيه الأمران ودليل الجواز قوله تعالى واجعلنا للمتقين إماما ~~وحديث النخلة حين قال عمر لابنه عبد الله لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا ~~وكذا وانظر في مسألة العتبية فأرى أن اختلاف مالك وشيخه فيها إنما يتنزل ~~على هذين الأمرين # ومما يشكل من هذا النمط التعبد بقصد تجريد النفس بالعمل والاطلاع على ~~عالم الأرواح ورؤية الملائكة وخوارق العادات ونيل الكرامات والاطلاع على ~~غرائب العلوم والعوالم الروحانية وما أشبه ذلك فلقائل أن يقول إن قصد مثل ~~هذا بالتعبد جائز وسائغ لأن حاصله راجع إلى طلب نيل درجة الولاية وأن يكون ~~من خواص الله ومن المصطفين من الناس وهذا صحيح في الطلب مقصود في الشرع ~~الترقي إليه ودليل الجواز ما تقدم في الأمثلة قبل هذا ولا فرق وقد يقال PageV02P402 ~~إنه خارج عن نمط ما تقدم فإنه تخرص على علم الغيب ويزيد بإنه جعل عبادة ~~الله وسيلة إلى ذلك وهو أقرب إلى الانقطاع عن العبادة لأن صاحب هذا القصد ~~داخل بوجه ما تحت قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف الآية كذلك ~~هذا إن وصل إلى ما طلب فرح به وصار هو قصده من التعبد فقوي في نفسه مقصوده ~~وضعفت العبادة وإن لم يصل رمى بالعبادة وربما كذب بنتائج الأعمال التي ~~يهبها الله تعالى لعباده المخلصين وقد روى أن بعض الناس سمع بحديث # من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فتعرض ~~لذلك لينال الحكمة فلم يفتح له بابها فبلغت القصة بعض الفضلاء فقال هذا ~~أخلص للحكمة ولم يخلص لله وهكذا يجري الحكم في سائر المعان ms492 المذكورة ونحوها ~~ولا أعلم دليلا يدل على طلب هذه الأمور الأمور بل ثم ما يدل على خلاف ذلك ~~فإن ما غيب عن الإنسان مما لا يتعلق بالتكليف لم يطلب بدركه ولا حض على ~~الوصول إليه وفي كتب التفسير أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما ~~بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط ثم ينمو إلى أن يصير بدرا ثم يصير إلى حالته ~~الأولى فنزلت يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها الآية فجعل إتيان البيوت من ظهورها مثالا شاملا ~~لمقتضى هذا السؤال لأنه تطلب لما لم يؤمر بتطلبه PageV02P403 ~~ولا يقال إن المعرفة بالله وبصفاته وأفعاله على مقدار المعرفة بمصنوعاته ~~ومن جملتها العوالم الروحانية وخوارق العادات فيها تقوية للنفس واتساع في ~~درجة العلم بالله تعالى # لأنا نقول إنما يطلب العلم شرعا لأجل العمل حسبما تقدم في المقدمات وما ~~في عالم الشهادة كاف وفوق الكفاية فالزيادة على ذلك فضل وأيضا # إن كان ذلك مطلوبا على الجملة كما قال إبراهيم عليه السلام رب أرنى كيف ~~تحيى الموتى الآية فإن الجواب عن ذلك من وجوه # أحدها أن طلب الخوارق بالدعاء وطلب فتح البصيرة للعلم به لا نكير فيه ~~وإنما النظر فيمن أخذ يعبد الله ويقصد بذلك أن يرى هذه الأشياء فالدعاء ~~بابه مفتوح في الأمور الدنيوية والأخروية شرعا ما لم يدع بمعصية والعبادة ~~إنما القصد بها التوجه لله وإخلاص العمل له والخضوع بين يديه فلا تحتمل ~~الشركة ولولا أن طلب الأجر والثواب الأخروي مؤكد لإخلاص العمل لله في ~~العبادة لما ساغ القصد إليه بالعبادة مع أن كثيرا من أرباب الأحوال يعزب ~~عنهم هذا القصد فكيف يجعلان مثلين أعني طلب الخوارق بالدعاء مع القصد إليها ~~بالعبادة ما أبعد ما بينهما لمن تأمل # والثاني انه لو لم نجد ما نستدل به على ذلك كله لكان لنا بعض العذر في ~~التخطي عن عالم الشهادة إلى عالم الغيب فكيف وفي عالم الشهادة من العجائب ~~والغرائب القريبة المأخذ السهلة الملتمس ms493 ما يفنى الدهر وهي باقية لم يبلغ منها PageV02P404 ~~في الاطلاع والمعرفة عشر المعشار ولو نظر العاقل في أقل الآيات وأذل ~~المخلوقات وما أودع باريها فيها من الحكم والعجائب لقضى العجب وانتهى إلى ~~العجز في إدراكه وعلى ذلك نبه الله تعالى في كتابه أن تنظر فيه كقوله أولم ~~ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شىء افلا ينظرون إلى الإبل ~~كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت إلى آخرها أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها وزيناها وما لها من فروج إلى تمام الآيات # ومعلوم أنه لم يأمرهم بالنظر فيما حجب عنهم ولم يكن لهم الاطلاع عليه ~~عادة إلا بخارقة فإنه إحالة على ما يندر التوصل إليه وإذا تأملت الآيات ~~التي ذكر فيها الملائكة وعوالم الغيب لم تجدها مما أحيل على النظر فيه ولا ~~مأمورا بتطلب الاطلاع عليها وعلى ذواتها وحقائقها فهذه التفرقة كافية في أن ~~ذلك غير مطلوب النظر فيه شرعا وإذا لم يكن مطلوبا لم ينبغ أن يطلب # والثالث أن أصل هذا التطلب الخاص فلسفي فإن الإعتناء بطلب تجريد النفس ~~والإطلاع على العوالم التى وراء الحس إنما نقل عن الحكماء المتقدمين ~~والفلاسفة المتعمقين فى فنون البحث من المتألهين منهم ومن غيرهم ولذلك ~~تجدهم يقررون لطلب هذا المعنى رياضة خاصة لم تأت بها الشريعة المحمدية من ~~اشتراط التغذي بالنبات دون الحيوان أو ما يخرج من الحيوان إلى غير ذلك من ~~شروطهم التى لم تنقل فى الشريعة ولا وجد منها فى السلف الصالح عين ولا أثر ~~كما أن ذكر التجريد والعوالم الروحانية وما يتصل بذلك لم ينقل عن أحد منهم ~~وكفى بذلك حجة فى أنه غير مطلوب كما سيأتي على أثر هذا بحول الله تعالى PageV02P405 ~~والرابع أن طلب الإطلاع على ما غيب عنا من الروحانيات وعجائب المغيبات ~~كطلب الإطلاع على ما غيب عنا من المحسوسات النائية كالأمصار البعيدة ~~والبلاد القاصية والمغيبات تحت أطباق الثرى لأن الجميع أصناف من مصنوعات ~~الله تعالى فكما لا يصح أن يقال بجواز التعبد لله قصد ms494 أن يطلع الأندلسي على ~~قطر بغداد وخراسان وأقصى بلاد الصين فكذلك لا ينبغى مثله فى الإطلاع على ما ~~ليس من قبيل المحسوسات # والخامس أنه لو فرض كون هذا سائغا فهو محفوف بعوارض كثيرة وقواطع معترضة ~~تحول بين الإنسان ومقصودة وإنما هى ابتلاءات يبتلي الله بها عبادة لينظر ~~كيف يعملون فإذا وازن الإنسان بين مصلحة حصول هذه الأشياء وبين مفسدة ما ~~يتعرض صاحبها كانت جهة العوارض أرجح فيصير طلبها مرجوحا # ولذلك لم يخلد إلى طلبها المحققون من الصوفية ولا رضوا بأن تكون عبادتهم ~~بداخلها أمر حتى بالغ بعضهم فقال فى طلب الثواب ما تقدم وأشد العوارض طلب ~~هذه الأشياء بالعبادة من الصلاة والصيام والذكر ونحوها مما يقتضى وضعها ~~الإخلاص التام فلا يليق به طلب الحظوظ فإن طالب العلم بالروحانيات إما أن ~~يكون لأمر الله ورسوله بها وهذا لا يوجد وإما لأنه أحب أن يطلع على ما لم ~~يطلع عليه أحد من جنسه فسار كالمسافر ليري البلاد النائية والعجائب ~~المبثوثة فى الأرض لا لغير ذلك وهذا مجرد حظ لا عبادة فيه ومقصود الأمر أن ~~مثل هذا لا يكون عاضدا لما وضعت له العبادة فى الأصل من التحقق بمحض ~~العبودية فإن قيل فقد سئل بعض السلف عن دواء الحفظ فقال ترك المعاصى # ومن مشهور القواعد أن الطاعة تعين على الطاعة وأن الخير لا يأتى إلا ~~بالخير كما فى الحديث كما أن الشر لا يأتي إلا بالشر فهل للإنسان أن يفعل ~~الخير ليصل به إلى الخير أم لا فإن قلت لا كان على خلاف هذه القاعدة وإن ~~قلت نعم خالفت ما أصلت PageV02P406 ~~فالجواب أن هذا نمط آخر وذلك أن الإنسان قد يعلم أن الذى يصده مثلا عن ~~الخير الفلاني عمل شر فيترك الشر ليصل إلى ذلك الخير الذى يثاب عليه أو ~~يكون فعل الخير يوصله إلى خير آخر كذلك فهذا عون بالطاعة على الطاعة ولا ~~إشكال فيه وقد قال الله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وقال وتعاونوا على ~~البر والتقوى الآية ومسألة الحفظ من هذا ms495 وأما ما وقع الكلام فيه فحاصله طلب ~~حظ شهواني يطلبه بالطاعة وما أقرب هذا أن يكون العمل فيه غير مخلص # فالحاصل لمن اعتبر أن ما كان من التوابع مقويا ومعينا على أصل العبادة ~~وغير قادح فى الإخلاص فهو المقصود التبعي السائغ وما لا فلا وأن المقاصد ~~التابعة للمقاصد الأصلية على ثلاثة أقسام # أحدها ما يقتضى تأكيد المقاصد الأصلية وربطها والوثوق بها وحصول الرغبة ~~فيها فلا شك أنه مقصود للشارع فالقصد إلى التسبب إليه بالسبب المشروع موافق ~~لقصد الشارع فيصح # والثانى ما يقتضى زوالها عينا فلا إشكال أيضا فى أن القصد إليها مخالف ~~لمقصد الشارع عينا فلا يصح التسبب بإطلاق # والثالث ما لا يقتضى تأكيدا ولا ربطا ولكنه لا يقتضى رفع المقاصد الأصلية ~~عينا فيصح فى العادات دون العبادات أما عدم صحته فى العبادات فظاهر وأما ~~صحته فى العادات فلجواز حصول الربط والوثوق بعد التسبب PageV02P407 ~~ويحتمل الخلاف فإنه قد يقال إذا كان لا يقتضى تأكيد المقصد الأصلي وقصد ~~الشارع التأكيد فلا يكون ذلك التسبب موافقا لمقصد الشارع فلا يصح وقد يقال ~~هو وإن صدق عليه أنه غير موافق يصدق عليه أيضا أنه غير مخالف إذ لم يقصد ~~انحتام رفع ما قصد الشارع وضعه وإنما قصد فى التسبب أمرا يمكن أن يحصل معه ~~مقصود الشارع ويؤكد ذلك أن الشارع أيضا مما يقصد رفع التسبب فلذلك شرع فى ~~النكاح الطلاق وفى البيع الإقالة وفى القصاص العفو وأباح العزل وإن ظهر ~~لبادىء الرأي أن هذه الأمور مضادة لقصد الشارع لما كان كل منها غير مخالف ~~له عينا ومثله ما إذا قصد بالنكاح قضاء الوطر خاصة ولم يتعرض لقصد الشارع ~~الأصلي من التناسل فليس خلافا لقصد الشارع كما تقدم فكذلك غيره مما مضى تمثيله # وليس من هذا أن المخالف لقصد الشارع بلا بد هو الإحتيال بالتسبب PageV02P408 ~~على تحصيل أمر على وجه يكون التسبب فيه عبثا لا محصول تحته شرعا إلا ~~التوصل إلى ما وراءه فإذا حصل انحل التسبب وانخرم من أصله ولا يكون كذلك ~~إلا ms496 وهو منخرم شرعا فى أصل التسب وأما إذا أمكن أن لا ينخرم أو أمكن أن لا ~~يكون منخرما من أصله فليس بمخالف للمقصد الشرعي من وجه فهو محل اجتهاد ~~ويبقى التسبب إن صحبه نهي محل نظر أيضا وقد تقدم الكلام فيه والله أعلم # والجهة الرابعة مما يعرف به مقصد الشارع السكوت عن شرع التسبب أو عن ~~شرعية العمل مع قيام المعنى المقتضى له وبيان ذلك أن سكوت الشارع عن الحكم ~~على ضربين # أحدهما أن يسكت عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقدر لأجله ~~كالتوازل التى حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها لم تكن موجودة ~~ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر ~~فيها وإجرائها على ما تقرر فى كلياتها وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا ~~القسم كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك PageV02P409 ~~مما لم يجر ذكر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تكن من نوازل ~~زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها فهذا القسم جارية فروعه على أصوله ~~المقررة شرعا بلا إشكال فالقصد الشرعي فيها معروف من الجهات المذكورة قبل # والثاني أن يسكت عنه وموجبه المقتضى له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول ~~النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن ~~قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع ~~الحكم العملي موجودا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحا في أن ~~الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع إذ فهم من ~~قصده الوقوف عندما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه # ومثال هذا سجود الشكر في مذهب مالك وهو الذي قرر هذا المعنى في العتبية ~~من سماع أشهب وابن نافع قال فيها وسئل مالك عن الرجل يأتيه الأمر يحبه ~~فيسجد لله عز وجل شكرا فقال لا يفعل ليس هذا مما ms497 مضى من أمر الناس قيل له ~~إن أبا بكر الصديق فيما يذكرون سجد يوم اليمامة شكرا لله أفسمعت ذلك قال ما ~~سمعت ذلك وأنا أرى أن قد كذبوا على أبي بكر وهذا من الضلال أن يسمع المرء ~~الشيء فيقول هذا شيء لم أسمع له خلافا فقيل له إنما نسئلك لنعلم رأيك فنرد ~~ذلك به فقال نأتيك بشيء آخر أيضا لم تسمعه مني قد فتح على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى المسلمين بعده PageV02P410 ~~أفسمعت أن أحدا منهم فعل مثل هذا إذا جاءك مثل هذا مما قد كان لناس وجرى ~~على أيديهم لا يسمع عنهم في شيء فعليك بذلك لأنه لو كان لذكر لأنه من أمر ~~الناس الذي قد كان فيهم فهل سمعت أن أحدا منهم سجد فهذا إجماع إذا جاءك أمر ~~لا تعرفه فدعه هذا تمام الرواية وقد احتوت على فرض سؤال والجواب عنه بما تقدم # وتقرير السؤال أن يقال فى البدع مثلا إنها فعل ما سكت الشارع عن فعله أو ~~ترك ما أذن فى فعله أو تقول فعل ما سكت الشارع عن الإذن فيه أو ترك ما أذن ~~فى فعله أو أمر خارج عن ذلك فالأول كسجود الشكر عن مالك حيث لم يكن ثم دليل ~~على فعله والدعاء بهيئة الإجتماع فى أديار الصلوات والإجتماع للدعاء بعد ~~العصر يوم عرفة فى غير عرفات والثانى كالصيام مع ترك الكلام ومجاهدة النفس ~~بترك مأكولات معينة والثالث كإيجاب شهرين متتابعين فى الظهار لواجد الرقبة # وهذا الثالث مخالف للنص الشرعي فلا يصح بحال فكونه بدعة قبيحة بين وأما ~~الضربان الأولان وهما فى الحقيقة فعل أو ترك لما سكت الشارع عن فعله أو ~~تركه فمن أين يعلم مخالفتهما لقصد الشارع أو أنهما مما يخالف المشروع وهما PageV02P411 ~~لم يتواردا مع المشروع على محل واحد بل هما فى المعنى كالمصالح المرسلة ~~والبدع إنما أحدثت لمصالح يدعيها أهلها ويزعمون أنها غير مخالفة لقصد ~~الشارع ولا لوضع الأعمال أما القصد فمسلم بالفرض وأما الفعل فلم يشرع ~~الشارع فعلا ms498 نوقض بهذا العمل المحدث ولا تركا لشىء فعله هذا المحدث كترك ~~الصلاة وشرب الخمر بل حيققته أنه أمر مسكوت عنه عند الشارع والمسكوت من ~~الشارع لا يقتضى مخالفة ولا يفهم للشارع قصدا معينا دون ضده وخلافه فإذا ~~كان كذلك رجعنا إلى النظر فى وجوه المصالح فما وجدنا فيه مصلحة قبلناه ~~إعمالا للمصالح المرسلة وما وجدنا فيه مفسدة تركناه إعمالا للمصالح أيضا ~~وما لم نجد فيه هذا ولا هذا فهو كسائر المباحات إعمالا للمصالح المرسلة ~~أيضا فالحاصل أن كل محدثة يفرض ذمها تساوي المحدثة المحمودة فى المعنى فما ~~وجه ذم هذه ومدح هذه ولا نص يدل على مدح ولا ذم على الخصوص PageV02P412 ~~وتقرير الجواب ما ذكره مالك وأن السكوت عن حكم الفعل أو الترك هنا إذا وجد ~~المعنى المقتضى للفعل أو الترك إجماع من كل ساكت على أن لا زائد على ما كان ~~وهو غاية فى هذا المعنى قال ابن رشد الوجه فى ذلك أنه لم يره مما شرع فى ~~الدين يعنى سجود الشكر لا فرضا ولا نفلا إذ لم يأمر بذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا فعله ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله والشرائع لا تثبت ~~إلا من أحد هذه الوجوه قال واستدلاله على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل صحيح إذ لا يصح أن ~~تتوفر دواعي المسلمين على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ ~~قال وهذا أصل من الأصول وعليه يأتي إسقاط الزكاة من الخضر والبقول مع وجوب ~~الزكاة فيها بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم # فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر لأنا ~~نزلنا ترك نقل أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة منها كالسنة القائمة فى ~~أن لا زكاة فيها فكذلك ننزل ترك نقل السجود عن النبي صلى الله عليه وسلم فى ~~الشكر كالسنة القائمة فى أن لا سجود فيه ثم حكى خلاف الشافعي والكلام عليه ms499 # والمقصود من المسألة توجيه مالك لها من حيث إنها بدعة لا توجيه أنها بدعة ~~على الإطلاق PageV02P413 ~~وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل وأنها بدعة منكرة من حيث ~~وجد في زمانه عليه الصلاة والسلام المعنى المقتضى للتخفيف والترخيص للزوجين ~~باجازة التحليل ليراجعا كما كانا أول مرة وأنه لما لم يشرع ذلك مع حرص ~~امرأة رفاعة على رجوعها إليه دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها ~~وهو أصل صحيح إذا اعتبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها ودل ~~على ان وجود المعنى المقتضى مع عدم التشريع دليل على قصد الشارع إلى عدم ~~الزيادة على ما كان موجودا قبل فإذا زاد الزائد ظهر أنه مخالف لقصد الشارع ~~فبطل تم الجزء الثاني PageV02P414 ### | CHECK [جزء 3] # بسم الله الرحمن الرحيم ### || AUTO وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم - كتاب الأدلة ~~الشرعية # والنظر فيه فيما يتعلق بها على الجملة وفيما يتعلق بكل واحد منها على ~~التفصيل وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس فالنظر إذا يتعلق بطرفين ### || AUTO الطرف الأول فى الأدلة على الجملة # والكلام فيها ( أ) فى كليات تتعلق بها و( ب ) فى العوارض اللاحقة لها # والأول يحتوى على مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # لما انبنت الشريعة على قصد المحافظة على المراتب الثلاث من الضروريات PageV03P005 ~~والحاجيات والتحسينات وكانت هذه الوجوه مبثوثة فى أبواب الشريعة PageV03P006 ~~وأدلتها غير مختصة بمحل دون محل ولا بباب دون باب ولا بقاعدة دون قاعدة ~~كان النظر الشرعي فيها أيضا عاما لا يختص بجزئية دون أخرى لأنها كليات تقضى ~~على كل جزئي تحتها وسواء علينا أكان جزئيا إضافيا أم حقيقيا إذ ليس فوق هذه ~~الكليات كلي تنتهى إليه بل هي أصول الشريعة وقد تمت فلا يصح أن يفقد بعضها ~~حتى يفتقر إلى إثباتها بقياس أو غيره فهي الكافية فى مصالح الخلق عموما ~~وخصوصا لأن الله تعالى قال اليوم أكملت لكم دينكم وقال ما فرطنا فى الكتاب ~~من شيء وفى الحديث # تركتكم على الجادة الحديث ms500 وقوله # لا يهلك على الله إلا هالك ونحو ذلك من الأدلةالدالة على تمام الأمر ~~وإيضاح السبيل # وإذا كان كذلك وكانت الجزئيات وهي أصول الشريعة فما تحتها مستمدة PageV03P007 ~~من تلك الأصول الكلية شأن الجزئيات مع كلياتها فى كل نوع من أنواع ~~الموجودات فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات عند إجراء الأدلة ~~الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس إذ محال أن تكون الجزئيات ~~مستغنية عن كلياتها فمن أخذ بنص مثلا فى جزئي معرضا عن كليه فقد أخطأ وكما ~~أن من أخذ بالجزئي معرضا عن كليه فهو مخطئ كذلك من أخذ بالكلي معرضا عن جزئيه # وبيان ذلك أن تلقى العلم بالكلي إنما هو من عرض الجزئيات واستقرائها ~~فالكلي من حيث هو كلي غير معلوم لنا قبل العلم بالجزئيات ولأنه ليس بموجود ~~فى الخارج وإنما هو مضمن فى الجزئيات حسبما تقرر فى المعقولات # فإذا الوقوف مع الكلي مع الإعراض عن الجزئي وقوف مع شيء لم يتقرر PageV03P008 ~~العلم به بعد دون العلم بالجزئي والجزئي هو مظهر العلم به وأيضا فإن ~~الجزئي لم يوضع جزئيا إلا لكون الكلي فيه على التمام وبه قوامه فالإعراض عن ~~الجزئي من حيث هو جزئي إعراض عن الكلي نفسه فى الحقيقة وذلك تناقض # ولأن الإعراض عن الجزئي جملة يؤدي إلى الشك فى الكلي من جهة أن الإعراض ~~عنه إنما يكون عند مخالفته للكلي أو توهم المخالفة له وإذا خالف الكلي ~~الجزئي مع أنا إنما نأخذه من الجزئي دل على أن ذلك الكلي لم يتحقق العلم به ~~لإمكان أن يتضمن ذلك الجزئي جزءا من الكلي لم يأخذه المعتبر جزءا منه وإذا ~~أمكن هذا لم يكن بد من الرجوع إلى الجزئي فى معرفة الكلي ودل ذلك على أن ~~الكلي لا يعتبر بإطلاقه دون اعتبار الجزئي وهذا كله يؤكد لك أن المطلوب ~~المحافظة على قصد الشارع لأن الكلي إنما ترجع حقيقته إلى ذلك والجزئي كذلك ~~أيضا فلا بد من اعتبارهما معا فى كل مسألة # فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على ms501 جزئي يخالف القاعدة بوجه ~~من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع فى النظر بينهما لأن الشارع لم ينص على ذلك PageV03P009 ~~الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد إذ كلية هذا معلومة ضرورة بعد ~~الإحاطة بمقاصد الشريعة فلا يمكن والحالة هذه أن تخرم القواعد بإلغاء ما ~~اعتبره الشارع # وإذا ثبت هذا لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي # فإن قيل الكلي لا يثبت كليا إلا من استقراء الجزئيات كلها أو أكثرها وإذا ~~كان كذلك لم يمكن أن يفرض جزئي إلا وهو داخل تحت الكلي لأن الاستقراء قطعي ~~إذ تم فالنظر إلى الجزئي بعد ذلك عناء وفرض مخالفته غير صحيح كما أنا إذا ~~حصلنا من حقيقة الإنسان مثلا بالاستقراء معنى الحيوانية لم يصح أن يوجد ~~إنسان إلا وهو حيوان فالحكم عليه بالكلي حكم قطعي لا يتخلف وجد أو لم يوجد ~~فلا اعتبار به فى الحكم بهذا الكلى من حيث إنه لا يوجد إلا كذلك # فإذا فرضت المخالفة فى بعض الجزئيات فليس بجزئي له كالتماثيل وأشباهها ~~فكذلك هنا إذا وجدنا أن الحفظ على الدين أو النفس أو النسل أو المال أو ~~العقل في الضروريات معتبر شرعا ووجدنا ذلك عند استقراء جزئيات الأدلة حصل ~~لنا القطع بحفظ ذلك وأنه المعتبر حيثما وجدناه فنحكم به على كل جزئي فرض ~~عدم الإطلاع عليه فإنه لا يكون إلا على ذلك الوزان لا يخالفه على حال إذ لا ~~يوجد بخلاف ما وضع ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فما ~~فائدة اعتبار PageV03P010 ~~الجزئي بعد حصول العلم بالكلي # فالجواب أن هذا صحيح على الجملة وأما في التفصيل فغير صحيح فإنه إن علم ~~أن الحفظ على الضروريات معتبر فلم يحصل العلم بجهة الحفظ المعينة فإن للحفظ ~~وجوها قد يدركها العقل وقد لا يدركها وإذا أدركها فقد يدركها بالنسبة إلى ~~حال دون حال أو زمان دون زمان أو عادة دون عادة فيكون اعتبارها على الإطلاق ~~خرما للقاعدة نفسها كما قالوا فى القتل بالمثقل إنه لو لم يكن فيه ms502 قصاص لم ~~ينسد باب القتل بالقصاص إذا اقتصر به على حالة واحدة وهو القتل بالمحدد ~~وكذلك الحكم في اشتراك الجماعة فى قتل الواحد ومثله القيام PageV03P011 ~~فى الصلاة مثلا مع المرض وسائر الرخص الهادمة لعزائم الأوامر والنواهي ~~إعمالا لقاعدة الحاجيات في الضروريات ومثل ذلك المستثنيات من القواعد ~~المانعة كالعرايا والقراض والمساقاة والسلم والقرض وأشباه ذلك فلو اعتبرنا ~~الضروريات كلها لأخل ذلك بالحاجيات أو بالضروريات أيضا فأما إذا اعتبرنا في ~~كل رتبة جزئياتها كان ذلك محافظ على تلك الرتبة وعلى غيرها من الكليات فإن ~~تلك المراتب الثلاث يخدم بعضها بعضا ويخص بعضها بعضا فإذا كان كذلك فلا بد ~~من اعتبار الكل في مواردها وبحسب أحوالها # وأيضا فقد يعتبر الشارع من ذلك ما لا تدركه العقول إلا بالنص عليه وهو ~~أكثر ما دلت عليه الشريعة في الجزئيات لأن العقلاء في الفترات قد كانوا ~~يحافظون على تلك الأشياء بمقتضى أنظار عقولهم لكن على وجه لم يهتدوا به إلى ~~العدل في الخلق والمناصفة بينهم بل كان مع ذلك الهرج واقعا والمصلحة تفوت ~~مصلحة أخرى وتهدم قاعدة أخرى أو قواعد فجاء الشرع باعتبار المصلحة PageV03P012 ### || AUTO والنصفة المطلقة فى كل حين وبين من المصالح ما يطرد وما ~~يعارضه وجه آخر من المصلحة كما في استثناء العرايا ونحوه فلو أعرض عن ~~الجزئيات بإطلاق لدخلت مفاسد ولفاتت مصالح وهو مناقض لمقصود الشارع ولأنه ~~من جملة المحافظة على الكليات لأنها يخدم بعضها بعضا وقلما تخلو جزئية من ~~اعتبار القواعد الثلاث فيها وقد علم أن بعضها قد يعارض بعضا فيقدم الأهم ~~حسبما هو مبين فى - كتاب الترجيح والنصوص والأقيسة المعتبرة تتضمن هذا على الكمال # فالحاصل أنه لا بد من اعتبار خصوص الجزئيات مع اعتبار كلياتها وبالعكس # وهو منتهى نظر المجتهدين بإطلاق وإليه ينتهي طلقهم فى مرامي الاجتهاد # وما قرر في السؤال على الجملة صحيح إذ الكلي لا ينخرم بجزئي ما والجزئي ~~محكوم عليه بالكلي لكن بالنسبة إلى ذات الكلي والجزئي لا بالنسبة إلى ~~الأمور الخارجة فإن الإنسان مثلا يشتمل على الحيوانية ms503 بالذات وهي التحرك ~~بالإرادة وقد يفقد ذلك لأمر خارج من مرض أو مانع غيره فالكلي صحيح فى نفسه ~~وكون جزئي من جزيئاته منعه مانع من جريان حقيقة الكلي فيه أمر خارج ولكن ~~الطبيب إنما ينظر فى الكلي بحسب جريانه فى الجزئي أو عدم جريانه وينظر فى ~~الجزئي من حيث يرده إلى الكلي بالطريق المؤدي لذلك PageV03P013 ~~فكما لا يستقل الطبيب بالنظر فى الكلي دون النظر فى الجزئي من حيث هو طبيب ~~وكذلك بالعكس فالشارع هو الطبيب الأعظم وقد جاء في الشريعة في العسل أن فيه ~~شفاء للناس وتبين للأطباء أنه شفاء من علل كثيرة وأن فيه أيضا ضررا من بعض ~~الوجوه حصل هذا بالتجربة العادية التي أجراها الله فى هذه الدار فقيد ~~العلماء ذلك كما اقتضته التجربة بناء على قاعدة كلية ضرورية من قواعد الدين ~~وهي امتناع أن يأتي فى الشريعة خبر بخلاف مخبره مع أن النص لا يقتضي الحصر ~~في أنه شفاء فقط فأعملوا القاعدة الشرعية الكلية وحكموا بها على الجزئي ~~واعتبروا الجزئي أيضا فى غير الموضع المعارض لأن العسل ضار لمن غلبت عليه ~~الصفراء فمن لم يكن كذلك فهو له شفاء أو فيه له شفاء # ولا يقال إن هذا تناقض لأنه يؤدى إلى اعتبار الجزئي وعدم اعتباره معا # لأنا نقول إن ذلك من جهتين ولأنه لا يلزم أن يعتبر كل جزئي وفى كل حال بل ~~المراد بذلك أنه يعتبر الجزئي إذا لم تتحقق استقامة الحكم PageV03P014 ~~بالكلى فيه كالعرايا وسائر المستثنيات ويعتبر الكلي فى تخصيصه للعام ~~الجزئي أو تقييده لمطلقه وما أشبه ذلك بحيث لا يكون إخلالا بالجزئي على ~~الإطلاق # وهذا معنى اعتبار أحدهما مع الآخر وقد مر منه أمثلة فى أثناء المسائل فلا ~~يصح إهمال النظر فى هذه الأطراف فإن فيها جملة الفقه ومن عدم الالتفات ~~إليها أخطأ من أخطأ وحقيقتة نظر مطلق فى مقاصد الشارع وأن تتبع نصوصه مطلقة ~~ومقيدة أمر واجب فبذلك يصح تنزيل المسائل على مقتضى قواعد الشريعة ويحصل ~~منها صور صحيحة الاعتبار وبالله التوفيق ### || AUTO ms504 المسألة الثانية # كل دليل شرعي إما أن يكون قطعيا أو ظنيا فإن كان قطعيا فلا إشكال PageV03P015 ~~في اعتباره كأدلة وجوب الطهارة من الحدث والصلاة والزكاة والصيام والحج ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتماع الكلمة والعدل وأشباه ذلك وإن ~~كان ظنيا فإما أن يرجع إلى أصل قطعي أولا فإن رجع إلى قطعي فهو معتبر أيضا ~~وإن لم يرجع وجب التثبت فيه ولم يصح إطلاق القول بقبوله ولكنه قسمان قسم ~~يضاد أصلا وقسم لا يضاده ولا يوافقه فالجميع أربعة أقسام # فأما الأول فلا يفتقر إلى بيان # وأما الثاني وهو الظني الراجع إلى أصل قطعي فإعماله أيضا ظاهر وعليه عامة ~~أخبار الآحاد فإنها بيان للكتاب لقوله تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم ومثل ذلك ما جاء فى الأحاديث من صفة الطهارة الصغرى ~~والكبرى والصلاة والحج وغير ذلك مما هو بيان لنص الكتاب # وكذلك ما جاء من الأحاديث فى النهي عن جملة من البيوع والربا وغيره من ~~حيث هي راجعة إلى قوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا وقوله تعالى لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الآية إلى سائر أنواع البيانات المنقولة ~~بالآحاد أو التواتر إلا أن دلالتها ظنية ومنه أيضا قوله عليه الصلاة ~~والسلام # لا ضرر ولا ضرار فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى فإن الضرر والضرار ~~مبثوث منعه فى الشريعة كلها فى وقائع جزئيات وقواعد كليات كقوله تعالى ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ولا تضاروهن PageV03P016 ~~التعدي على النفوس والأموال والأعراض وعن الغضب والظلم وكل ما هو فى ~~المعنى إضرار وأضرار # ويدخل تحته الجناية على النفس أو العقل أو النسل أو المال فهو معنى فى ~~غاية العموم فى الشريعة لا مراء فيه ولا شك وإذا اعتبرت أخبار الآحاد ~~وجدتها كذلك # وأما الثالث وهو الظني المعارض لأصل قطعي ولا يشهد له أصل قطعي فمردود ~~بلا إشكال ومن الدليل على ذلك أمران أحدهما أنه مخالف لأصول الشريعة ومخالف ~~أصولها لا يصح لأنه ليس منها وما ليس من الشريعة كيف يعد منها والثاني ms505 أنه ~~ليس له ما يشهد بصحته وما هو كذلك ساقط الاعتبار وقد مثلوا هذا القسم فى ~~المناسب الغريب بمن أفتى بإيجاب شهرين متتابعين ابتداء PageV03P017 ~~على من ظاهر من امرأته ولم يأت الصيام فى الظهار إلا لمن يجد رقبة وهذا ~~القسم على ضربين أحدهما أن تكون مخالفته للأصل قطعية فلا بد من رده # والآخر أن تكون ظنية إما بأن يتطرق الظن من جهة الدليل الظني وإما من جهة ~~كون الأصل لم يتحقق كونه قطعيا وفى هذا الموضع مجال للمجتهدين ولكن الثابت ~~فى الجملة أن مخالفة الظني لأصل قطعي يسقط اعتبار الظني على الإطلاق وهو ~~مما لا يختلف فيه # والظاهري وإن ظهر من أمره ببادئ الرأي عدم المساعدة فيه فمذهبه راجع فى ~~الحقيقة إلى المساعدة على هذا الأصل لاتفاق الجميع على أن الشريعة لا ~~اختلاف فيها ولا تناقض ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ~~وإذا ثبت هذا فالظاهري لا تناقض عنده فى ورود نص مخالف لنص آخر أو لقاعدة ~~أخرى أما على اعتبار المصالح فإنه يزعم أن في المخالف مصلحة ليست فى الآخر ~~علمناها أو جهلناها وأما على عدم اعتبارها فأوضح فإن للشارع أن يأمر وينهى ~~كيف شاء فلا تناقض بين المتعارضين على كل تقدير ### || AUTO فإذا تقرر هذا فقد فرضوا فى - كتاب الأخبار مسألة مختلفا فيها ~~ترجع إلى الوفاق في هذا المعنى فقالوا خبر الواحد إذا كملت شروط صحته هل ~~يجب عرضه على PageV03P018 ~~الكتاب أم لا فقال الشافعي لا يجب لأنه لا تتكامل شروطه إلا وهو غير مخالف ~~للكتاب وعند عيسى بن أبان يجب محتجا بحديث فى هذا المعنى وهو قوله # إذا روى لكم حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فاقبلوه وإلا فردوه ~~فهذا الخلاف كما ترى راجع إلى الوفاق وسيأتي تقرير ذلك فى دليل السنة إن ~~شاء الله تعالى # وللمسألة أصل في السلف الصالح فقد ردت عائشة رضى الله تعالى عنها حديث # إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه بهذا الأصل نفسه لقوله تعالى ألا تزر ms506 ~~وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وردت حديث رؤية النبي صلى الله ~~عليه وسلم لربه ليلة الإسراء لقوله تعالى لا تدركه PageV03P019 ~~يناقض الآية وهو ثبوت رؤية الله تعالى فى الآخرة بأدلة قرآنية وسنية تبلغ ~~القطع ولا فرق فى صحة الرؤية بين الدنيا والآخرة وردت هي وابن عباس خبر أبي ~~هريرة فى غسل اليدين قبل إدخالهما فى الإناء استنادا إلى أصل مقطوع به وهو ~~رفع الحرج وما لا طاقة به عن الدين فلذلك قالا فكيف يصنع بالمهراس وردت ~~أيضا خبر ابن عمر فى الشؤم وقالت إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحدث عن أقوال الجاهلية لمعارضته الأصل القطعي أن الأمر كله لله وأن شيئا ~~من الأشياء لا يفعل شيئا ولا طيرة ولا عدوى ولقد اختلفوا على عمر بن الخطاب ~~حين خرج إلى الشام فأخبر أن الوباء قد وقع بها فاستشار المهاجرين PageV03P020 ~~والأنصار فاختلفوا عليه إلا مهاجرة الفتح فإنهم اتفقوا على رجوعه فقال أبو ~~عبيدة أفرارا من قدر الله فهذا استناد في رأي اجتهادي إلى أصل قطعي قال عمر ~~لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله فهذا استناد ~~إلى أصل قطعي أيضا وهو أن الأسباب من قدر الله ثم مثل ذلك برعى العدوة ~~المجدبة والعدوة المخصبة وأن الجميع بقدر الله ثم أخبر بحديث الوباء الحاوى ~~لاعتبار الأصلين # وفي الشريعة من هذا كثير جدا وفي اعتبار السلف له نقل كثير # ولقد اعتمده مالك بن أنس في مواضع كثيرة لصحته في الاعتبار ألا ترى إلى ~~قوله فى حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا جاء الحديث ولا أدري ما حقيقته ~~وكان يضعفه ويقول يؤكل صيده فكيف يكره لعابه وإلى هذا المعنى أيضا يرجع ~~قوله في حديث خيار المجلس حيث قال بعد ذكره وليس لهذا عندنا حد معروف ولا ~~أمر معمول به فيه إشارة إلى أن المجلس مجهول المدة ولو شرط أحد الخيار مدة ~~مجهولة لبطل إجماعا فكيف يثبت بالشرع حكم لا يجوز ms507 شرطا بالشرع فقد رجع إلى ~~أصل إجماعي وأيضا فإن قاعدة الغرر والجهالة PageV03P021 ~~قطعية وهى تعارض هذا الحديث الظني # فإن قيل فقد أثبت مالك خيار المجلس فى التمليك # قيل الطلاق يعلق على الغرر ويثبت فى المجهول فلا منافاة بينهما بخلاف البيع # ومن ذلك أن مالكا أهمل اعتبار حديث من مات وعليه صيام صام عنه وليه وقوله # أرأيت لو كان على أبيك دين الحديث لمنافاته للأصل القرآني الكلي نحو قوله ~~ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى كما اعتبرته عائشة فى ~~حديث ابن عمر وأنكر مالك حديث إكفاء القدور التى طبخت من الإبل والغنم قبل ~~القسم تعويلا على أصل رفع الحرج الذى يعبر عنه بالمصالح المرسلة فأجاز أكل ~~الطعام قبل القسم لمن احتاج PageV03P022 ~~وفي مذهبه من هذا كثير # وهو أيضا رأي أبي حنيفة فإنه قدم خبر القهقهة في الصلاة على القياس إذ لا ~~إجماع فى المسألة ورد خبر القرعة لأنه يخالف الأصول لأن الأصول PageV03P023 ~~قطعية وخبر الواحد ظني والعتق حل فى هؤلاء العبيد والإجماع منعقد على أن ~~العتق بعد ما نزل في المحل لا يمكن رده فلذلك رده كذا قالوا وقال ابن ~~العربي إذا جاء خبر الواحد معارضا لقاعدة من قواعد الشرع هل يجوز العمل به ~~أم لا فقال أبو حنيفة لا يجوز العمل به وقال الشافعي يجوز وتردد مالك في ~~المسألة قال ومشهور قوله والذي عليه المعول أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى ~~قال به وإن كان وحده تركه ثم ذكر مسألة مالك في ولوغ الكلب قال لأن هذا ~~الحديث عارض أصلين عظيمين أحدهما قول الله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم ~~والثاني أن علة الطهارة هي الحياة وهي قائمة فى الكلب وحديث العرايا إن ~~صدمته قاعدة الربا عضدته قاعدة المعروف # وكذلك لم يأخذ أبو حنيفة بحديث منع بيع الرطب بالتمر لتلك العلة أيضا قال ~~ابن عبد البر كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده كثيرا ~~من أخبار الآحاد العدول قال لأنه كان يذهب فى ms508 ذلك إلى عرضها على ما اجتمع ~~عليه من الأحاديث ومعاني القرآن فما شذ من ذلك رده وسماه شاذا وقد رد أهل ~~العراق مقتضى حديث المصراة وهو قول مالك لما رآه مخالفا للأصول فإنه قد ~~خالف أصل الخراج بالضمان ولأن متلف الشيء إنما يغرم مثله PageV03P024 ~~أو قيمته وأما غرم جنس آخر من الطعام أو العروض فلا وقد قال مالك فيه إنه ~~ليس بالموطأ ولا الثابت وقال به في القول الآخر شهادة بأن له أصلا متفقا ~~عليه يصح رده إليه بحيث لا يضاد هذه الأصول الأخر وإذا ثبت هذا كله ظهر وجه ~~المسألة إن شاء الله # وأما الرابع وهو الظني الذي لا يشهد له أصل قطعي ولا يعارض أصلا قطعيا ~~فهو في محل النظر وبابه باب المناسب الغريب فقد يقال لا يقبل PageV03P025 ~~لأنه إثبات شرع على غير ما عهد في مثله والاستقراء يدل على أنه غير موجود ~~وهذان يوهنان التمسك به على الإطلاق لأنه فى محل الريبة فلا يبقى مع ذلك ظن ~~ثبوته ولأنه من حيث لم يشهد له أصل قطعي معارض لأصول الشرع إذ كان عدم ~~الموافقة مخالفة وكل ما خالف أصلا قطعيا مردود فهذا مردود # ولقائل أن يوجه الإعمال بأن العمل بالظن على الجملة ثابت فى تفاصيل ~~الشريعة وهذا فرد من أفراده وهو وإن لم يكن موافقا لأصل فلا مخالفة فيه ~~أيضا فإن عضد الرد عدم الموافقة عضد القبول عدم المخالفة فيتعارضان ويسلم ~~أصل العمل بالظن وقد وجد منه فى الحديث قوله عليه الصلاة والسلام # القاتل لا يرث وقد أعمل العلماء المناسب الغريب فى أبواب القياس وإن كان ~~قليلا فى بابه فذلك غير ضائر إذا دل الدليل على صحته ### || AUTO فصل # وأعلم أن المقصود بالرجوع إلى الأصل القطعي ليس بإقامة الدليل القطعي على ~~صحة العمل به كالدليل على أن العمل بخبر الواحد أو بالقياس واجب مثلا بل ~~المراد ما هو أخص من ذلك كما تقدم فى حديث # لا ضرر ولا ضرار والمسائل المذكورة معه وهو معنى مخالف للمعنى الذى قصده ms509 ~~الأصوليون والله أعلم PageV03P026 ### || AUTO المسألة الثالثة # الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول والدليل على ذلك من وجوه # أحدهما أنها لو نافتها لم تكن أدلة للعباد على حكم شرعي ولا غيره لكنها ~~أدلة باتفاق العقلاء فدل أنها جارية على قضايا العقول وبيان ذلك أن الأدلة ~~إنما نصبت فى الشريعة لتتلقاها عقول المكلفين حتى يعملوا بمقتضاها من ~~الدخول تحت أحكام التكليف ولو نافتها لم تتلقها فضلا أن تعمل بمقتضاها وهذا ~~معنى كونها خارجة عن حكم الأدلة ويستوي في هذا الأدلة المنصوبة على الأحكام ~~الآلهية وعلى الأحكام التكليفية # والثاني أنها لو نافتها لكان التكليف بمقتضاها تكليفا بما لا يطاق وذلك ~~من جهة التكليف بتصديق ما لا يصدقه العقل ولا يتصوره بل يتصور خلافه ويصدقه ~~فإذا كان كذلك امتنع على العقل التصديق ضرورة وقد فرضنا ورود التكليف ~~المنافي التصديق وهو معنى تكليف ما لا يطاق وهو باطل حسبما هو مذكور في الأصول # والثالث أن مورد التكليف هو العقل وذلك ثابت قطعا بالاستقراء التام حتى ~~إذا فقد ارتفع التكليف رأسا وعد فاقده كالبهيمة المهملة وهذا واضح في ~~اعتبار تصديق العقل بالأدلة في لزوم التكليف فلو جاءت على خلاف ما يقتضيه PageV03P027 ~~لكان لزوم التكليف على العاقل أشد من لزومه على المعتوه والصبي والنائم إذ ~~لا عقل لهؤلاء يصدق أو لا يصدق بخلاف العاقل الذي يأتيه ما لا يمكن تصديقه ~~به ولما كان التكليف ساقطا عن هؤلاء لزم أن يكون ساقطا عن العقلاء أيضا ~~وذلك مناف لوضع الشريعة فكان ما يؤدي إليه باطلا # والرابع أنه لو كان كذلك لكان الكفار أول من رد الشريعة به لأنهم كانوا ~~في غاية الحرص على رد ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كانوا ~~يفترون عليه وعليها فتارة يقولون ساحر وتارة مجنون وتارة يكذبونه كما كانوا ~~يقولون في القرآن سحر وشعر وافتراء وإنما يعلمه بشر وأساطير الأولين # بل كان أولى ما يقولون إن هذا لا يعقل أو هو مخالف للعقول أو ما أشبه ذلك # فلما لم يكن من ms510 ذلك شيء دل على أنهم عقلوا ما فيه وعرفوا جريانه على ~~مقتضى العقول إلا أنهم أبوا من اتباعه لأمور أخر حتى كان من أمرهم ما كان ~~ولم يعترضه أحد بهذا المدعى فكان قاطعا في نفيه عنه # والخامس أن الاستقراء دل على جريانها على مقتضى العقول بحيث تصدقها ~~العقول الراجحة وتنقاد لها طائعة أو كارهة ولا كلام فى عناد معاند PageV03P028 ### || AUTO ولا فى تجاهل متعام وهو المعنى بكونها جارية على مقتضى العقول ~~لا أن العقول حاكمة عليها ولا محسنة فيها ولا مقبحة وبسط هذا الوجه مذكور ~~في - كتاب المقاصد في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام # فإن قيل هذه دعوى عريضة يصد عن القول بها غير ما وجه # أحدها أن في القرآن ما لا يعقل معناه أصلا كفواتح السور فإن الناس قالوا ~~إن في القرآن ما يعرفه الجمهور وفيه ما لا يعرفه إلا العرب وفيه ما لا ~~يعرفه إلا العلماء بالشريعة وفيه ما لا يعرفه إلا الله فأين جريان هذا ~~القسم على مقتضى العقول # والثاني أن فى الشريعة متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس أو لا يعلمها ~~إلا الله تعالى كالمتشابهات الفروعية وكالمتشابهات الأصولية ولا معنى ~~لاشتباهها إلا أنها تتشابه على العقول فلا تفهمها أصلا أو لا يفهمها إلا ~~القليل والمعظم مصدودون عن فهمها فكيف يطلق القول بجريانها على فهم العقول # والثالث أن فيها أشياء اختلفت على العقول حتى تفرق الناس بها فرقا ~~وتحزبوا أحزابا وصار كل حزب بما لديهم فرحون فقالوا فيها أقوالا كل على ~~مقدار عقله ودينه فمنهم من غلب عليه هواه حتى أداه ذلك إلى الهلكة كنصارى ~~نجران حين اتبعوا في القول بالتثليث قول الله تعالى فعلنا وقضينا وخلقنا # ثم من بعدهم من أهل الانتماء إلى الإسلام الطاعنين على الشريعة بالتناقض ~~والاختلاف ثم يليهم سائر الفرق الذين أخبر بهم رسول الله عليه وسلم وكل PageV03P029 ~~ذلك ناشئ عن خطاب يزل به العقل كما هو الواقع فلو كانت الأدلة جارية على ~~تعقلات العقول لما وقع فى الاعتياد هذا الاختلاف ms511 فلما وقع فهم أنه من جهة ~~ماله خروج عن المعقول ولو بوجه ما # فالجواب عن الأول أن فواتح السور للناس في تفسيرها مقال بناء على أنه مما ~~يعلمه العلماء وإن قلنا إنه مما لا يعلمه العلماء ألبتة فليس مما يتعلق به ~~تكليف على حال فإذا خرج عن ذلك خرج عن كونه دليلا على شيء من الأعمال فليس ~~مما نحن فيه وإن سلم فالقسم الذي لا يعلمه إلا الله تعالى في الشريعة نادر ~~والنادر لا حكم له ولا تنخرم به الكلية المستدل عليها أيضا لأنه مما لا ~~يهتدي العقل إلى فهمه وليس كلامنا فيه إنما الكلام على ما يؤدي مفهوما لكن ~~على خلاف المعقول وفواتح السور خارجة عن ذلك لأنا نقطع أنها لو بينت لنا ~~معانيها لم تكن إلا على مقتضى العقول وهو المطلوب # وعن الثاني أن المتشابهات ليست مما تعارض مقتضيات العقول وإن PageV03P030 ~~توهم بعض الناس فيها ذلك لأن من توهم فيها ذلك فبناء على اتباع هواه كما ~~نصت عليه الآية قوله تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله لا أنه بناء على أمر صحيح فإنه إن كان كذلك ~~فالتأويل فيه راجع إلى معقول موافق لا إلى مخالف وإن فرض أنها مما لا ~~يعلمها أحد إلا الله فالعقول عنها مصدودة لأمر خارجي لا لمخالفته لها وهذا ~~كما يأتي فى الجملة الواحدة فكذلك يأتي في الكلام المحتوى على جمل كثيرة ~~وأخبار بمعان كثيرة ربما يتوهم القاصر النظر فيها الاختلاف وكذلك الأعجمي ~~الطبع الذى يظن بنفسه العلم بما ينظر فيه وهو جاهل به ومن هنا كان احتجاج ~~نصارى نجران في التثليث ودعوى الملحدين على القرآن والسنة التناقض ~~والمخالفة للعقول وضموا إلى ذلك جهلهم بحكم التشريع فخاضوا حين لم يؤذن لهم ~~في الخوض وفيما لم يجز لهم الخوض فيه فتاهوا فإن القرآن والسنة لما كان ~~عربيين لم يكن لينظر فيهما إلا عربي كما أن من لم يعرف مقاصدهما لم يحل له ~~أن يتكلم فيهما إذ لا ms512 يصح له نظر حتى يكون عالما بهما فإنه إذا كان كذلك لم ~~يختلف عليه شيء من الشريعة # ولذلك مثال يتبين به المقصود وهو أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال له # إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال فلا أنساب بينهم يومئذ PageV03P031 ~~الله حديثا ربنا ما كنا مشركين فقد كتموا في هذه الآية وقال بناها رفع ~~سمكها فسواها إلى قوله والأرض بعد ذلك دحاها فذكر خلق السماء قبل الأرض ثم ~~قال أئنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين إلى أن قال ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان الآية فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء وقال وكان ~~الله غفورا رحيما عزيزا حكيما سميعا بصيرا فكأنه كان ثم مضى # فقال ابن عباس لا أنساب بنيهم فى النفخة الأولى ينفخ فى الصور فصعق من في ~~السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون ثم ~~فى النفخة الآخرة وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون # وأما قوله ما كنا مشركين ولا يكتمون الله حديثا فإن الله يغفر لأهل ~~الإخلاص ذنوبهم فقال المشركون تعالوا نقول ما كنا مشركين فختم على أفواههم ~~فتنطق أيديهم فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا وعنده يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم ~~استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض PageV03P032 ~~أي أخرج الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين فخلقت ~~الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السموات في يومين وكان الله ~~غفورا رحيما سمى نفسه ذلك وذلك قوله أي لم أزل كذلك فإن الله لم يرد شيئا ~~إلا أصاب به الذي أراد فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله # هذا تمام ما قال في الجواب # وهو يبين أن جميع ذلك معقول إذا نزل منزلته وأتى من بابه وهكذا سائر ما ~~ذكر الطاعنون وما أشكل على الطالبين وما وقف فيه الراسخون ولو ms513 كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وفي كتاب الاجتهاد من ذلك بيان كاف ~~والحمد لله وقد ألف الناس فى رفع التناقض والاختلاف عن القرآن والسنة كثيرا ~~فمن تشوف إلى البسط ومد الباع وشفاء الغليل طلبه في مظانه ### || AUTO المسألة الرابعة # المقصود من وضع الأدلة تنزيل أفعال المكلفين على حسبها وهذا لا نزاع فيه ~~إلا أن أفعال المكلفين لها اعتباران اعتبار من جهة معقوليتها واعتبار من ~~جهة وقوعها في الخارج PageV03P033 ~~وبيان ذلك أن الفعل المكلف به أو بتركه أو المخير فيه يعتبر من جهة ماهيته ~~مجردا عن الأوصاف الزائدة عليها واللاحقة لها كانت تلك الأوصاف لازمة أو ~~غير لازمه وهذا هو الاعتبار العقلي ويعتبر من جهة ماهيته بقيد الاتصاف ~~بالأوصاف الزائدة اللاحقة في الخارج لازمةأو أو غير لازمة وهو الاعتبار ~~الخارجي فالصلاة المأمور بها مثلا يتصور فيها هذان الاعتباران وكذلك ~~الطهارة والزكاة والحج وسائر العبادات والعادات من الأنكحة والبيوع PageV03P034 ~~والإجارات وغيرها ويظهر الفرق بين الاعتبارين فيما إذا نظر إلى الصلاة في ~~الدار المغصوبة أو الصلاة التى تعلق بها شيء من المكروهات والأوصاف التى ~~تنقص من كمالها وكذلك سائر الأفعال # فإذا صح الاعتباران عقلا فمنصرف الأدلة إلى أي الجهتين هو الجهة ~~المعقولية أم لجهة الحصول في الخارج هذا مجال نظر محتمل للخلاف بل هو مقتضى ~~لخلاف المنصوص في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة وأدلة المذاهب منصوص ~~عليها مبينة في علم الأصول ولكن نذكر من ذلك طرفا يتحرى منه مقصد الشارع في ~~أحد الاعتبارين # فمما يدل على الأول أمور # أحدها أن المأمور به أو المنهى عنه أو المخير فيه إنما هو حقائق الأفعال ~~التي تنطلق عليها تلك الأسماء وهذا أمر ذهني في الاعتبار لأنا إذا أوقعنا ~~الفعل عرضناه على ذلك المعقول الذهني فإن صدق عليه صح وإلا فلا # ولصاحب الثاني أن يقول إن المقصود من الأمر والنهي والتخيير إنما هو أن ~~يقوم المكلف بمقتضاها حتى تكون له أفعالا خارجية لا أمور ذهنية بل الأمور ~~الذهنية هي مفهومات الخطاب ومقصود الخطاب ms514 ليس نفس التعقل بل الانقياد PageV03P035 ~~وذلك الأفعال الخارجية سواء علينا أكانت عملية أم اعتقادية وعند ذلك فلا ~~بد أن تقع موصوفة فيكون الحكم عليها كذلك ### || AUTO والثانى أنا لو لم نعتبر المعقول الذهني فى الأفعال لزمت ~~شناعة مذهب الكعبي المقررة فى - كتاب الأحكام لأن كل فعل أو قول فمن لوازمه ~~في الخارج أن يكون ترك الحرام ويلقى فيه جميع ما تقدم وقد مر بطلانه # ولصاحب الثاني أن يقول لو اعتبرنا المعقول الذهني مجردا عن الأوصاف ~~الخارجية لزم أن لا تعتبر الأوصاف الخارجية بإطلاق وذلك باطل باتفاق فإن سد ~~الذرائع معلوم في الشريعة وهو من هذا النمط كذلك كل فعل سائغ في نفسه وفيه ~~تعاون على البر والتقوى أو على الإثم والعدوان إلى ما أشبه ذلك PageV03P036 ~~ولم يصح النهي عن صيام يوم العيد ولا عن الصلاة عند طلوع الشمس أو عند ~~غروبها وهذا الباب واسع جدا # والثالث أنا لو اعتبرنا الأفعال من حيث هي خارجية فقط لم يصح للمكلف عمل ~~إلا في النادر إذ كانت الأفعال والتروك مرتبطا بعضها ببعض وقد فرضوا مسألة ~~من صلى وعليه دين حان وقته وألزموا المخالفين أن يقولوا ببطلان تلك الصلاة ~~لأنه ترك بها واجبا وهكذا كل من خلط عملا صالحا وآخر سيئا فإنه يلزم أن ~~يبطل عليه العمل الصالح إذا تلازما في الخارج وهو على خلاف قول الله تعالى ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا لأنهما إذا تلازما في الخارج فكان أحدهما للوصف ~~الثاني لم يكن العمل الصالح صالحا فلم يكن ثم خلط خلط عملين بل صار عملا ~~واحدا إما صالحا وإما سيئا ونص الآية يبطل هذا # وكذلك جريان العوائد فى المكلفين فدل ذلك على أن المقصود هو ما يصدق عليه ~~عمل فى الذهن لا في الخارج # ولصاحب الثاني أن يقول أن الأمور الذهنية مجردة من الأمور الخارجية PageV03P037 ~~لا تفعل وما لا يفعل لا يكلف به أما أن ما لا يفعل لا يكلف به فواضح وأما ~~أن الأمور الذهنية لا تفعل مجردة فهو ظاهر أيضا أما ms515 في المحسوسات فكالإنسان ~~مثلا فإن ماهيته المعقولة المركبة من الحيوانية والنطقية لا تثبت في الخارج ~~لأنها كلية حتى تتخصص ولا تتخصص حتى تتشخص ولا تتشخص حتى تمتاز عن سواها من ~~المتشخصات بأمور أخر فنوع الإنسان يلزمه خواص كلية هي له أوصاف كالضحك ~~وانتصاب القامة وعرض الأظفار ونحوها وخواص شخصية وهي التي امتاز بها كل ~~واحد من أشخاص الإنسان عن الآخر ولولا ذلك لم يظهر الإنسان فى الخارج ألبتة ~~فقد صارت إذا الأمور الخارجة العارضة لازمة لودجود حقيقة الإنسان في الخارج ~~وأما في الشرعيات فكالصلاة مثلا فإن حقيقتها المركبة من القيام والركوع ~~والسجود والقراءة وغير ذلك لا تثبت في الخارج إلا على كيفيات وأحوال وهيئات ~~شتى وتلك الهيئات محكمة فى حقيقة الماهية حتى يحكم عليها بالكمال أو ~~النقصان والصحة والبطلان وهي متشخصات وإلا لم يصح الحكم على صاحبها بشيء من ~~ذلك إذ هي في الذهن كالمعدوم وإذا كان كذلك فالاعتبار فيها بما وقع في ~~الخارج وليس إلا أفعالا موصوفة بأمور خاصة لازمة وأمور على خلاف ذلك وكل ~~مكلف مخاطب في خاصة نفسه بها فهو إذا مخاطب بما يصح له أن يحصله في الخارج ~~فلا يمكن ذلك إلا باللوازم الخارجية فهو إذا مخاطب بها لا بغيرها وهو ~~المطلوب فإن حصلت بزيادة وصف أو نقصانه فلم PageV03P038 ~~تحصل إذا على حقيقتها بل على حقيقة أخرى والتي خوطب بها لم تحصل بعد # فإن قيل فيشكل معنى الآية إذا وهو قوله خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وأيضا ~~فإن الصلاة قد تحصل بزيادة أو نقصان وتصح مع ذلك وهو دليل على أن المعتبر ~~ما يصدق عليه صلاة فى الجملة وهو الاعتبار الذهني # قيل أما الآية فإن الأعمال المتعارضة الأحكام ليست بمتلازمة لحصولها في ~~زمانين وفى حالين وفى مثله نزلت الآية وإذا تلازمت حتى صار أحدها كالوصف ~~للآخر فإن كان كالوصف السلبي فلا إشكال فى عدم التلازم لأن الوصف السلبي ~~اعتباري للموصوف به ليس صفة وجودية وأما إن كانت صفة وجودية أو كالصفة ~~الوجودية فحينئذ يرجع ذلك إلى ms516 الحاصل في الخارج ولا يدخل مثله تحت الآية ~~وأما الزيادة غير المبطلة أو النقصان فالاعتبار فيه بما حصل في الخارج ~~جاريا مجرى المخاطب به فالصلاة الناقصة أشبهت في الخارج الصلاة الكاملة ~~فعوملت معاملتها لا أنه اعتبر فيها الذهني في الجملة والبحث في هذه المسألة ~~يتشعب وينبنى عليه مسائل فقهية ### || AUTO فصل # ويتصدى النظر هنا فيما يصير من الأفعال المختلفة وصفا لصاحبه حتى يجري ~~فيه النظران وما لا يصير كذلك فلا يجريان فيه PageV03P039 ~~وبيان ذلك أن الأفعال المتلازمة إما أن يصير أحدها وصفا للآخر أو لا # فإن كان الثاني فلا تلازم كترك الصلاة مع ترك الزنى أو السرقة فإن أحد ~~التركين لا يصير كالوصف للآخر لعدم التزاحم فى العمل إذ كان يمكن المكلف ~~الترك لكل فعل مشروع أو غير مشروع وما ذاك إلا لأنهما ليسا متزاحمين على ~~المكلف وسبب ذلك أنهما راجعان إلى أمر سلبي والسلبيات اعتباريات لا حقيقية # وإن كان الأول فإما أن يكون وصفا سلبيا أو وجوديا فإن كان سلبيا فإما أن ~~يثبت اعتباره فيه شرعا على الخصوص أولا فإن كان الأول فلا إشكال فى اعتبار ~~الصورة الخارجية كترك الطهارة فى الصلاة وترك الاستقبال # وإن كان الثاني فلا اعتداد بالوصف السلبي كترك قضاء الدين مع فعل الصلاة ~~فيمن فر من قضائه إلى الصلاة فإن الصلاة وإن وصفت بأنها فرار من واجب فليس ~~ذلك بوصف لها إلا اعتباريا تقديريا لا حقيقة له فى الخارج وإن كان الوصف ~~وجوديا فهذا هو محل النظر كالصلاة في الدار المغصوبة والذبح بالسكين ~~المغصوبة والبيوع الفاسدة لأوصاف فيها خارجة عن حقائقها وما أشبه ذلك # فالحاصل أن التروك من حيث هي تروك لا تتلازم في الخارج وكذلك الأفعال مع ~~التروك إلا أن يثبت تلازمها شرعا ويرجع ذلك فى الحقيقة إلى أن الترك إنما ~~اعتبر من جهة فقد وصف وجودي للفعل الوجودي كالطهارة للصلاة وأما الأفعال مع ~~الأفعال فهي التى تتلازم إذا قرنت في الخارج فيحدث منها فعل PageV03P040 ~~واحد موصوف فينظر فيه وفي وصفه كما تقدم والله ms517 أعلم ولهذه المسألة تعلق ~~بباب الأوامر والنواهي ### || AUTO المسألة الخامسة # الأدلة الشرعية ضربان أحدهما ما يرجع إلى النقل المحض والثاني ما يرجع ~~إلى الرأي المحض وهذه القسمة هى بالنسبة إلى أصول الأدلة والافكل واحد من ~~الضربين مفتقر إلى الآخر لأن الاستدلال بالمنقولات لا بد فيه من النظر كما ~~أن الرأي لا يعتبر شرعا إلا إذا استند إلى النقل فأما الضرب الأول فالكتاب ~~والسنة وأما الثاني فالقياس والاستدلال ويلحق بكل واحد منهما وجوه إما ~~باتفاق وإما باختلاف فليحق بالضرب الأول الإجماع على أي وجه قيل به ومذهب ~~الصحابي وشرع من قبلنا لأن ذلك كله وما في معناه راجع إلى التعبد بأمر ~~منقول صرف لا نظر فيه لأحد ويلحق بالضرب الثاني الاستحسان والمصالح المرسلة ~~إن قلنا إنها راجعة إلى أمر نظري وقد ترجع إلى الضرب الأول إن شهدنا أنها ~~راجعة إلى العمومات المعنوية حسبما يتبين في موضعه من هذا الكتاب بحول الله PageV03P041 ### || AUTO فصل # ثم نقول إن الأدلة الشرعية فى أصلها محصورة في الضرب الأول لأنا لم نثبت ~~الضرب الثاني بالعقل وإنما أثبتناه بالأول إذ منه قامت أدلة صحة الاعتماد ~~عليه وإذا كان كذلك فالأول هو العمدة وقد صار إذ ذاك الضرب الأول مستند ~~الأحكام التكليفية من جهتين إحداهما جهة دلالته على الأحكام الجزئية ~~الفرعية والأخرى جهة دلالته على القواعد التي تستند إليها الأحكام الجزئية ~~الفرعية فالأولى كدلالته على أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والحج والجهاد ~~والصيد والذبائح والبيوع والحدود وأشباه ذلك والثانية كدلالته على أن ~~الاجماع حجة وعلى أن القياس حجة وأن قول الصحابي حجة وشرع من قبلنا حجة وما ~~كان نحو ذلك # فصل # ثم نقول إن الضرب الأول راجع في المعنى إلى الكتاب وذلك من وجهين # أحدهما أن العمل بالسنة والاعتماد عليها إنما يدل عليه الكتاب لأن الدليل ~~على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم المعجزة وقد حصر عليه الصلاة والسلام ~~معجزته في القرآن بقوله وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلي هذا وإن ~~كان له من المعجزات كثير جدا ms518 بعضه يؤمن على مثله البشر ولكن معجزة القرآن ~~أعظم من ذلك كله وأيضا فإن الله قد قال في كتابه يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وقال وأطيعوا الله ورسوله في ~~مواضع كثيرة وتكراره يدل على عموم الطاعة بما أتى به مما في الكتاب ومما ~~ليس فيه مما هو من سنته وقال وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~وقال فليحذر الذين يخالفون عن أمره PageV03P042 ~~أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم إلى ما أشبه ذلك # والوجه الثاني أن السنة إنما جاءت مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه ولذلك قال ~~تعالى وانزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم وقال يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك وذلك التبليغ من وجهين تبليغ الرسالة وهو الكتاب ~~وبيان معانيه وكذلك فعل صلى الله عليه وسلم # فأنت إذا تأملت موارد السنة وجدتها بيانا للكتاب هذا هو الأمر العام فيها # وتمام بيان هذا الوجه مذكور بعد إن شاء الله فكتاب الله تعالى هو أصل ~~الأصول والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظار ومدارك أهل الاجتهاد وليس ~~وراءه مرمى لأنه كلام الله القديم وأن إلى ربك المنتهى وقد قال تعالى ~~ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين وقال ما فرطنا ~~في الكتاب من شيء وبيان هذا مذكور بعد إن شاء الله ### || AUTO المسألة السادسة # كل دليل شرعي فمبنى على مقدمتين إحدهما راجعة إلى تحقيق مناط الحكم ~~والأخرى ترجع إلى نفس الحكم الشرعي فالأولى نظرية وأعنى بالنظرية هنا ما ~~سوى النقلية سواء علينا أثبتت بالضرورة أم بالفكر والتدبر ولا أعنى ~~بالنظرية مقابل الضرورية والثانية نقلية وبيان ذلك ظاهر في كل مطلب شرعي بل ~~هذا جار في كل مطلب عقلي أو نقلي فيصح أن نقول الأولى PageV03P043 ~~راجعة إلى تحقيق المناط والثانية راجعة إلى الحكم ولكن المقصود هنا بيان ~~المطالب الشرعية فإذا قلت إن كل مسكر حرام فلا يتم القضاء عليه حتى يكون ~~بحيث يشار إلى المقصود منه ليستعمل أو لا ms519 يستعمل لأن الشرائع إنما جاءت ~~لتحكم على الفاعلين من جهة ما هم فاعلون فإذا شرع المكلف فى تناول خمر مثلا ~~قيل له أهذا خمر أم لا فلا بد من النظر في كونه خمرا أو غير خمر وهو معنى ~~تحقيق المناط فإذا وجد فيه أمارة الخمر أو حقيقتها بنظر معتبر قال نعم هذا ~~خمر فيقال له كل خمر حرام الاستعمال قيجتنبه وكذلك إذا أراد أن يتوضأ بماء ~~فلا بد من النظر إليه هل هو مطلق أم لا وذلك برؤية اللون وبذوق الطعم وشم ~~الرائحة فإذا تبين أنه على أصل خلقته فقد تحقق مناطه عنده وأنه مطلق وهى ~~المقدمة النظرية # ثم يضيف إلى هذه المقدمة ثانية نقلية وهي أن كل ماء مطلق فالوضوء به جائز # وكذلك إذا نظر هل هو مخاطب بالوضوء أم لا فينظر هل هو محدث أم لا فإن ~~تحقق الحدث فقد حقق مناط الحكم فيرد عليه أنه مطلوب بالوضوء وإن تحقق فقده ~~فكذلك فيرد عليه أنه غير مطلوب الوضوء وهى المقدمة النقلية # فالحاصل أن الشارع حكم على أفعال المكلفين مطلقة ومقيدة وذلك مقتضى إحدى ~~المقدمتين وهي النقلية ولا ينزل الحكم بها إلا على ما تحقق أنه PageV03P044 ~~مناط ذلك الحكم على الإطلاق أو على التقييد وهو مقتضى المقدمة النظرية # والمسألة ظاهرة في الشرعيات # نعم وفي اللغويات والعقليات فإنا إذا قلنا ضرب زيد عمرا وأردنا أن نعرف ~~الذي يرفع من الأسمين وما الذي ينصب فلا بد من معرفة الفاعل من المفعول # فإذا حققنا الفاعل وميزناه حكمنا عليه بمقتضى المقدمة النقلية وهى أن كل ~~فاعل مرفوع ونصبنا المفعول كذلك لأن كل مفعول منصوب وإذا أردنا أن نصغر ~~عقربا حققنا أنه رباعي فيستحق من أبنية التصغير بنية فعيعل لأن كل رباعي ~~على هذه الشاكلة تصغيره على هذه البنية وهكذا فى سائر علوم اللغة وأما ~~العقليات فكما إذا نظرنا فى العالم هل هو حادث أم لا فلا بد من تحقيق مناط ~~الحكم وهو العالم فنجده متغيرا وهي المقدمة الأولى ثم نأتي بمقدمة مسلمة ~~وهو ms520 قولنا كل متغير حادث # لكنا قلنا في الشرعيات وسائر النقليات إنه لا بد أن تكون إحدى المقدمتين ~~نظرية وهي المفيدة لتحقيق المناط وذلك مطرد في العقليات أيضا والأخرى نقلية ~~فما الذي يجري في العقليات مجرى النقليات هذا لا بد من تأمله # والذي يقال فيه أن خاصية المقدمة النقلية أن تكون مسلمة إذا تحقق أنها ~~نقلية فلا تفتقر إلى نظر وتأمل إلا من جهة تصحيحها نقلا ونظير هذا في ~~العقليات المقدمات المسلمة وهي الضروريات وما تنزل منزلتها مما يقع مسلما ~~عند الخصم فهذه خاصية إحدى المقدمتين وهي أن تكون مسلمة وخاصية الأخرى أن ~~تكون تحقيق مناط الأمر المحكوم عليه ولا حاجة إلى البسط هنا فإن التأمل ~~يبين حقيقة الأمر فيه وأيضا فى فصل السؤال والجواب له بيان آخر وبالله ~~التوفيق PageV03P045 ### || AUTO المسألة السابعة # كل دليل شرعي ثبت في الكتاب مطلقا غير مقيد ولم يجعل له قانون ولا ضابط ~~مخصوص فهو راجع إلى معنى معقول وكل إلى نظر المكلف وهذا القسم أكثر ما تجده ~~في الأمور العادية التي هي معقولة المعنى كالعدل والإحسان والعفو والصبر ~~والشكر في المأمورات والظلم والفحشاء والمنكر والبغي ونقض العهد فى ~~المنهيات وكل دليل ثبت فيها مقيدا غير مطلق وجعل له قانون وضابط فهو راجع ~~إلى معنى تعبدي لا يهتدي إليه نظر المكلف لو وكل إلى نظره إذ العبادات لا ~~مجال للعقول في أصلها فضلا عن كيفياتها وكذلك في العوارض الطارئة عليها ~~لأنها من جنسها وأكثر ما يوجد في الأمور العبادية # وهذا القسم الثاني كثير فى الأصول المدنية لأنها في الغالب تقييدات لبعض ~~ما تقدم إطلاقه أو إنشاء أحكام واردات على أسباب جزئية ويتبين ذلك بايراد ~~مسألة مستأنفة ### || AUTO المسألة الثامنة # فنقول إذا رأيت في المدنيات أصلا كليا فتأمله تجده جزئيا بالنسبة إلى ما ~~هو أعم منه أو تكميلا لأصل كلي وبيان ذلك أن الأصول الكلية PageV03P046 ~~التي جاءت الشريعة بحفظها خمسة وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال # أما الدين فهو أصل ما دعا إليه القرآن والسنة وما نشأ ms521 عنهما وهو أول ما ~~نزل بمكة # وأما النفس فظاهر إنزال حفظها بمكة كقوله ولا تقتلوا النفس التى حرم الله ~~إلا بالحق وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ~~ما اضطررتم إليه وأشباه ذلك # وأما العقل فهو وإن لم يرد تحريم ما يفسده وهو الخمر إلا بالمدينة فقد ~~ورد فى المكيات مجملا إذ هو داخل في حرمة حفظ النفس كسائر الأعضاء ومنافعها ~~من السمع والبصر وغيرهما وكذلك منافعها فالعقل محفوظ شرعا فى الأصول المكية ~~عما يزيله رأسا كسائر الأعضاء ساعة أو لحظة ثم يعود كأنه غطى ثم PageV03P047 ~~يوقع بينكم العداوة والبغضاء إلى آخر الآية فظهر أنها من العون على الإثم ~~والعدوان # وأما النسل فقد ورد المكي من القرآن بتحريم الزنى والأمر بحفظ الفروج إلا ~~على الأزواج أو ملك اليمين # وأما المال فورد فيه تحريم الظلم وأكل مال اليتيم والإسراف والبغي ونقص ~~المكيال أو الميزان والفساد فى الأرض وما دار بهذا المعنى # وأما العرض الملحق بها فداخل تحت النهي عن اذايات النفوس PageV03P048 ~~ولم ترد هذه الأمور فى الحفظ من جانب العدم إلاوحفطها من جانب الوجود حاصل ~~ففى الأربعة الأواخر ظاهر وأما الدين فراجع إلى التصديق بالقلب والانقياد ~~بالجوارح والتصديق بالقلب آت بالمقصود فى الإيمان بالله ورسوله واليوم ~~الآخر ليفرع عن ذلك كل ما جاء مفصلا فى المدني فالأصل وارد فى المكي ~~والانقياد بالجوارح حاصل بوجه واحد ويكون ما زاد على ذلك تكميلا وقد جاء فى ~~المكي من ذلك النطق بالشهادتين والصلاة والزكاة # وذلك يحصل به معنى الانقياد وأما الصوم والحج فمدنيان من باب التكميل على ~~أن الحج كان من فعل العرب أولا وراثة عن أبيهم إبراهيم فجاء الإسلام فأصلح PageV03P049 ~~منه ما أفسدوا وردهم فيه إلى مشارعهم وكذلك الصيام أيضا فقد كانت الجاهلية ~~تصوم يوم عاشوراء وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه أيضا حين قدم ~~المدينة صامه وأمر بصيامه حتى نسخه رمضان وانظر فى حديث عائشة فى صيام يوم ~~عاشوراء فأحكمهما التشريع المدني وأقرهما على ما ms522 أقرالله تعالى من التمام ~~الذي بينه في اليوم الذى هو أعظم أيامه حين قال تعالى اليوم أكملت لكم ~~دينكم الآية فلهما أصل في المكي على الجملة والجهاد الذى شرع بالمدينة فرع ~~من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو مقرر بمكة كقوله يا بني أقم ~~الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر وما أشبه ذلك ### || AUTO المسألة التاسعة # كل دليل شرعي يمكن أخذه كليا وسواء علينا أكان كليا أم جزئيا PageV03P050 ~~إلا ما خصه الدليل كقوله تعالى خالصة لك من دون المؤمنين وأشباه ذلك ~~والدليل على ذلك أن المستند إما أن يكون كليا أو جزئيا فإن كان كليا فهو ~~المطلوب وإن كان جزئيا فبحسب النازلة لا بحسب التشريع فى الأصل بأدلة منها ~~عموم التشريع فى الأصل كقوله تعالى يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم وهذا معنى مقطوع به لا يخرم القطع به ما جاء من شهادة ~~خزيمة وعناق أبي بردة وقد جاء فى الحديث # بعثت للأحمر والأسود # ومنها أصل شرعية القياس إذ لا معنى له إلا جعل الخاص الصيغة عام الصيغة ~~في المعنى وهو معنى متفق عليه ولو لم يكن أخذ الدليل كليا بإطلاق لما ساغ ذلك # ومنها أن الله تعالى قال فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها الآية فإن نفس ~~التزويج لا صيغة له تقتضي عموما أو غيره ولكن الله تعالى بين أنه أمر به ~~نبيه لأجل التأسي فقال لكي لا ولذلك قال لقد كان لكم فى رسول الله أسوة ~~حسنة هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد خصه الله بأشياء كهبة المرأة ~~نفسها له وتحريم نكاح أزواجه من بعده والزيادة على أربع # فلذلك لم يخرجه عن شمول الأدلة فيما سوى ذلك المستثنى فغيره أحق أن تكون ~~الأدلة بالنسبة إليه مقصودة العموم وإن لم يكن لها صيغ عموم وهكذا الصيغ ~~المطلقة تجرى فى الحكم مجرى العامة # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ms523 بين ذلك بقوله وفعله فالقول كقوله # حكمي على الواحد حكمي على الجماعة وقوله فى قضايا خاصة سئل فيها أهي لنا PageV03P051 ~~خاصة أم للناس عامة بل للناس عامة كما فى قضية الذى نزلت فيه أقم الصلاة ~~طرفي النهار وأشباهها وقد جعل نفسه عليه الصلاة والسلام قدوة للناس كما ظهر ~~فى حديث الإصباح جنبا وهو يريد أن يصوم والغسل من التقاء الختانين وقوله # إني لأنسى أو أني لأسن وقوله # صلوا كما رأيتموني أصلي # وخذوا عني مناسككم وهو كثير ### || AUTO المسألة العاشرة # الأدلة الشرعية ضربان # أحدهما أن يكون على طريقة البرهان العقلي فيستدل به على المطلوب الذي جعل ~~دليلا عليه وكأنه تعليم للأمة كيف يستدلون على المخالفين وهو فى أول الأمر ~~موضوع لذلك ويدخل هنا جميع البراهين العقلية وما جرى مجراها كقوله تعالى لو ~~كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وقوله لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا ~~لسان عربي مبين وقوله ولو جعلناه قرآنا PageV03P052 ~~أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته وقوله أو ليس الذى خلق السموات والأرض ~~بقادر على أن يخلق مثلهم وقوله قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ~~فأت بها من المغرب وقوله الله الذى خلقكم ثم رزقكم إلى قوله هل من شركائكم ~~من يفعل من ذلكم من شئ وهذا الضرب يستدل به على الموالف والمخالف لأنه أمر ~~معلوم عند من له عقل فلا يقتصر به على الموافق في النحلة # والثاني مبني على الموافقة في النحلة وذلك الأدلة الدالة على الأحكام ~~التكليفية كدلالة الأوامر والنواهي على الطلب من المكلف ودلالة كتب عليكم ~~القصاص في القتلى كتب عليكم الصيام أحل لكم ليلة الصيام الرفث فإن هذه ~~النصوص وأمثالها لم توضع وضع البراهين ولا أتى بها فى محل استدلال بل جيء ~~بها قضايا يعمل بمقتضاها مسلمة متلقاة بالقبول وإنما برهانها في الحقيقة ~~المعجزة الدالة على صدق الرسول الآتي بها فإذا ثبت برهان المعجزة ثبت الصدق ~~وإذا ثبت الصدق ثبت التكليف على المكلف # فالعالم إذا استدل بالضرب الأول أخذ الدليل انشائيا كأنه هو واضعه ms524 وإذا ~~استدل بالضرب الثاني أخذه معنى مسلما لفهم مقتضاه إلزاما وإلتزاما فإذا ~~أطلق لفظ الدليل على الضر بين فهو إطلاق بنوع من اشتراك اللفظ لأن الدليل ~~بالمعنى الأول خلافه بالمعنى الثانى فهو بالمعنى الأول جار على الاصطلاح ~~المشهور عند العلماء وبالمعنى الثاني نتيجة انتجتها المعجزة فصارت قولا ~~مقبولا فقط ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # إذا كان الدليل فى حقيقته في اللفظ لم يستدل به على المعنى المجازى الأعلى PageV03P053 ~~القوم بتعميم اللفظ المشترك بشرط أن يكون ذلك المعنى مستعملا عند العرب فى ~~مثل ذلك اللفظ وإلا فلا # فمثال ذلك مع وجود الشرط قوله تعالى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي فذهب جماعة إلى أن المراد بالحياة والموت ما هو حقيقي كإخراج الإنسان ~~الحي من النطفة الميتة وبالعكس وأشباه ذلك مما يرجع إلى معناه وذهب قوم إلى ~~تفسير الآية بالموت والحياة المجازيين المستعملين فى مثل قوله تعالى أو من ~~كان ميتا فأحييناه الآية وربما ادعى قوم أن الجميع مراد بناء على القول ~~بتعميم اللفظ المشترك واستعمال اللفظ فى حقيقته ومجازه # ولهذا الأصل أمثلة كثيرة # ومثال ما تخلف فيه الشرط قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى ~~تغتسلوا فالمفسرون هنا على أن المراد بالسكر ما هو الحقيقة أو سكر النوم ~~وهو مجاز فيه مستعمل وأن الجنابة والغسل منها على حقيقته فلو فسر على أن ~~السكر هو سكر الغفلة والشهوة وحب الدنيا المانع من قبول العبادة في اعتبار ~~التقوى كما PageV03P054 ~~على ظاهره لا تعرفه العرب لا في حقائقها المستعلة ولا في مجازاتها وربما ~~نقل فى قوله صلى الله عليه وسلم # تداووا فإن الذى أنزل الداء أنزل الدواء أن في إشارة إلى التداوى بالتوبة ~~من أمراض الذنوب وكل ذلك غير معتبر فلا يصح استعمال الأدلة الشرعية في مثله ~~وأول قاطع فيه أن القرآن أنزل عربيا وبلسان العرب وكذلك السنة إنما جاءت ~~على ما هو معهود لهم وهذا الاستعمال خارج عنه ms525 ولهذا المعنى تقرير في موضعه ~~من هذا الكتاب والحمد لله فإن نقل في التفسير نحوه عن رجل يعتد به في أهل ~~العلم فالقول فيه مبسوط بعد هذا بحول الله PageV03P055 ### || AUTO المسألة الثانية عشرة # كل دليل شرعي لا يخلو أن يكون معمولا به فى السلف المتقدمين دائما أو ~~أكثريا أو لا يكون معمولا به إلا قليلا أو في وقت ما أو لا يثبت به عمل # فهذه ثلاثة أقسام ### || AUTO أحدها أن يكون معمولا به دائما أو أكثريا فلا إشكال فى ~~الاستدلال به ولا في العمل على وفقه وهي السنة المتبعة والطريق المستقيم ~~كان الدليل مما يقتضي إيجابا أو ندبا أو غير ذلك من الأحكام كفعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم مع قوله في الطهارات والصلوات على تنوعها من فرض أو نفل ~~والزكاة بشروطها والضحايا والعقيقة والنكاح والطلاق والبيوع وسواها من ~~الأحكام التي جاءت في الشريعة وبينها عليه الصلاة والسلام بقوله أو فعله أو ~~اقراره ووقع فعله أو فعل صحابته معه أو بعده على وفق ذلك دائما أو أكثريا ~~وبالجملة ساوى القول الفعل ولم يخالفه بوجه فلا إشكال فى صحة الاستدلال ~~وصحة العمل من سائر الأمة بذلك على الإطلاق فمن خالف ذلك فلم يعمل به على ~~حسب ما عمل به الأولون جرى فيه ما تقدم فى - كتاب الأحكام من اعتبار الكلية ~~والجزئية فلا معنى للأعادة # والثاني أن لا يقع العمل به إلا قليلا أو في وقت من الأوقات أو حال PageV03P056 ~~من الأحوال ووقع إيثار غيره والعمل به دائما أو أكثريا فذلك الغير هو ~~السنة المتبعة والطريق السابلة وأما ما لم يقع العمل عليه إلا قليلا فيجب ~~التثبت فيه وفى العمل على وفقه والمثابرة على ما هو الأعم والأكثر فإن ~~إدامة الأولين للعمل على مخالفة هذا الأقل إما أن يكون لمعنى شرعي أو لغير ~~معنى شرعي # وباطل أن يكون لغير معنى شرعي فلا بد أن يكون لمعنى شرعي تحروا العمل به ~~وإذا كان كذلك فقد صار العمل على وفق القليل كالمعارض للمعنى الذي ms526 تحروا ~~العمل على وفقه وإن لم يكن معارضا في الحقيقة فلا بد من تحرى ما تحروا ~~وموافقة ما داوموا عليه وأيضا فإن فرض أن هذا المنقول الذي قل العمل به مع ~~ما كثر العمل به يقتضيان التخيير فعملهم إذا حقق النظر فيه لا يقتضى مطلق ~~التخيير بل اقتضى أن ما داوموا عليه هو الأولى فى الجملة وأن كان العمل ~~الواقع على وفق الآخر لا حرج فيه كما نقول فى المباح مع المندوب إن وضعهما ~~بحسب فعل المكلف يشبه المخير فيه إذ لا حرج فى ترك المندوب على PageV03P057 ### || AUTO الجملة فصار المكلف كالمخير فيهما لكنه في الحقيقة ليس كذلك ~~بل المندوب أولى أن يعمل به من المباح فى الجملة فكذلك ما نحن فيه وإلى هذا ~~فقد ذكر أهل الأصول أن قضايا الأعيان لا تكون بمجردها حجة ما لم يعضدها ~~دليل آخر لاحتمالها فى أنفسها وإمكان أن لا تكون مخالفة لما عليه العمل ~~المستمر ومن ذلك فى - كتاب الأحكام وما بعده فإذا كان كذلك ترجح العمل على ~~خلاف ذلك القليل ولهذا القسم أمثلة كثيرة ولكنها على ضربين # أحدهما أن يتبين فيه للعمل القليل وجه يصلح أن يكون سببا للقلة حتى إذا ~~عدم السبب عدم المسبب وله مواضع كوقوعه بيانا لحدود حدت أو أوقات عينت أو ~~نحو ذلك # كما جاء فى حديث إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم يومين وبيان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن وقت الصلاة فقال # صل معنا هذين اليومين فصلاته فى اليوم فى أواخر الأوقات وقع موقع البيان ~~لأخر وقت الاختياري الذى لا يتعدى ثم لم يزل مثابرا على أوائل الأوقات إلا ~~عند عارض كالإبراد فى شدة الحر والجمع بين الصلاتين فى السفر وأشباه ذلك PageV03P058 ~~وكذلك قوله # من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح الخ بيان لأوقات ~~الأعذار لا مطلقا فلذلك لم يقع العمل عليه فى حال الاختيار ومن أجل ذلك ~~يفهم أن قوله عليه الصلاة والسلام # أسفروا بالفجر مرجوح ms527 بالنسبة إلى العمل على وفقه وإن لم يصح فالأمر أوضح # وبه أيضا يفهم وجه إنكار أبى مسعود الأنصاري على المغيرة بن شعبة تأخير ~~الصلاة إلى آخر وقتها وإنكار عروة بن الزبير على عمر بن عبد العزيز كذلك ~~واحتجاج عروة بحديث عائشة # أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن ~~تظهر ولفظ كان فعل يقتضي الكثرة بحسب العرف فكأنه احتج عليه في مخالفة ما ~~داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما احتج أيضا أبو مسعود على المغيرة ~~بأن جبريل نزل فصلى إلى أن قال بهذا أمرت وكذلك قول عمر بن الخطاب للداخل ~~للمسجد يوم الجمعة وهو على المنبر أية ساعة هذه وأشباهه PageV03P059 ~~وكما جاء في قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في المسجد ثم ترك ~~ذلك مخافة أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ولم يعد إلى ذلك هو ولا أبو بكر ~~حتى جاءت خلافة عمر بن الخطاب فعمل بذلك لزوال علة الإيجاب ثم نبه على أن ~~القيام في آخر الليل أفضل من ذلك فلأجل ذلك كان كبار السلف من الصحابة ~~والتابعين ينصرفون بعد صلاة العشاء إلى بيوتهم ولا يقومون مع الإمام ~~واستحبه مالك لمن قدر عليه # وإلى هذا الأصل ردت عائشة ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الإدامة على ~~صلاة الضحى فعملت بها لزوال العلة بموته فقالت # ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قط وإني لأستحبها وفى ~~رواية وإني لأسبحها وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو ~~يحب أن يعلمه خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم وكانت تصلي الضحى ثماني ~~ركعات ثم تقول لو نشر لي أبواي ما تركها فإذا بنينا على ما فهمت من ترك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم للمداومة على الضحى فلا حرج على من فعلها # ونظير ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يواصل الصيام ثم نهى عن الوصال PageV03P060 ~~وفهم الصحابة من ذلك عائشة وغيرها أن النهي ms528 للرفق فواصلوا ولم يواصلوا ~~كلهم وإنما واصل منهم جماعة كان لهم قوة على الوصال ولم يتخوفوا عاقبته من ~~الضعف عن القيام بالواجبات # وأمثلة هذا الضرب كثيرة وحكمه الذي ينبغي فيه الموافقة للعمل الغالب ~~كائنا ما كان وترك القليل أو تقليله حسبما فعلوه أما فيما كان تعريفا بحد ~~وما أشبهه فقد استمر العمل الأول على ما هو الأولى فكذلك يكون بالنسبة إلى ~~ما جاء بعد موافقته لهم على ذلك وأما غيره فكذلك أيضا ويظهر لك بالنظر في ~~الأمثلة المذكورة # فقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في المسجد ثم تركه بإطلاق ~~مخافة التشريع يوجد مثله بعد موته وذلك بالنسبة إلى الأئمة والعلماء ~~والفضلاء المقتدى بهم فإن هؤلاء منتصبون لأن يقتدى بهم فيما يفعلون وفى باب ~~البيان من هذا الكتاب لهذا بيان فيوشك أن يعتقد الجاهل بالفعل إذا رأى ~~العالم مداوما عليه أنه واجب وسد الذرائع مطلوب مشروع وهو أصل من الأصول ~~القطعية في الشرع وفي هذا الكتاب له ذكر اللهم إلا أن يعمل به PageV03P061 ~~الصحابة كما في قيام رمضان فلا بأس وسنتهم ماضية وقد حفظ الله فيها هذا ~~المحظور الذي هو ظن الوجوب مع أنهم لم يجتمعوا على إعماله والمداومة عليه ~~إلا وهم يرون أن القيام في البيوت أفضل ويتحرونه أيضا فكان على قولهم ~~وعملهم القيام في البيوت أولى ولذلك جعل بعض الفقهاء القيام في المساجد ~~أولى لمن لم يستظهر القرآن أو لمن لا يقوى إلا بالتأسي فكانت أولويته لعذر ~~كالرخصة ومنهم من يطلق القول بأن البيوت أولى فعلى كل تقدير ما داوم عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم هو المقدم وما رآه السلف الصالح فسنة أيضا ولذلك ~~يقول بعضهم لا ينبغي تعطيل المساجد عنها جملة لأنها مخالفة لما استمر عليه ~~العمل في الصحابة # وأما صلاة الضحى فشهادة عائشة بأنها لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصليها قط دليل على قلة عمله بها ثم الصحابة لم ينقل عنهم عموم العمل بها ~~وإنما داوم من دوام عليها منهم ms529 بمكان لا يتأسى بهم فيه كالبيوت عملا بقاعدة ~~الدوام على الأعمال ولأن عائشة فهمت أنه لولا خوف الإيجاب لداوم عليها وهذا ~~أيضا موجود في عمل المقتدى بهم إلا أن ضميمة إخفائها يصد عن الاقتداء # ومن هنا لم تشرع الجماعة في النوافل بإطلاق بل في بعض مؤكداتها كالعيدين ~~والخسوف ونحوها وما سوى ذلك فقد بين عليه الصلاة والسلام أن النوافل في ~~البيوت أفضل حتى جعلها في ظاهر لفظ الحديث أفضل PageV03P062 ~~من صلاتها في مسجده الذي هو أفضل البقاع التي يصلى فيها فلذلك صلى عليه ~~الصلاة والسلام في بيت مليكة ركعتين في جماعة وصلى بابن عباس في بيت خالته ~~ميمونة بالليل جماعة ولم يظهر ذلك في الناس ولا أمرهم به ولا شهرة فيهم ولا ~~أكثر من ذلك بل كان عمله في النوافل على حال الانفراد فدلت هذه القرائن ~~كلها مع ما إنضاف إليها من أن ذلك أيضا لم يشتهر في السلف الصالح ولا ~~واظبوا على العمل به دائما ولا كثيرا أنه مرجوح وأن ما كانوا عليه في الأعم ~~الأغلب هو الأولى والأحرى وإذا نظرنا إلى أصل الذريعة اشتد الأمر في هذه ~~القضايا فكان العمل على ما داوم عليه الأولون أولى وهو الذي أخذ به مالك ~~فيما روى عنه أنه يجيز الجماعة في النافلة في الرجلين والثلاثة ونحو ذلك ~~وحيث لا يكون مظنة اشتهار وما سوى ذلك فهو يكرهه # وأما مسألة الوصال فإن الأحق والأولى ما كان عليه عامتهم ولم يواصل ~~خاصتهم حتى كانوا في صيامهم كالعامة في تركهم له لما رزقهم الله من القوة ~~التي هي انموذج من قوله عليه الصلاة والسلام # إني أبيت عند ربي يطعمني PageV03P063 ### || AUTO ويسقيني مع أن بعض من كان يسرد الصيام قال بعد ما ضعف يا ~~ليتني قبلت رخصه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضا فإن طلب المداومة على ~~الأعمال الصالحة يطلب المكلف بالرفق والقصد خوف الانقطاع وقد مر لهذا ~~المعنى تقرير في - كتاب الأحكام فكان ا لأحرى الحمل على التوسط وليس إلا ما ~~كان عليه ms530 العامة وما واظبوا عليه وعلى هذا فاحمل نظائر هذا الصرب # والضرب الثاني ما كان على خلاف ذلك ولكنه يأتي على وجوه # منها أن يكون محتملا في نفسه فيختلفوا فيه بحسب ما يقوى عند المجتهد فيه ~~أو يختلف في أصله والذي هو أبرأ للعهدة وأبلغ في الاحتياط تركه والعمل على ~~وفق الأعم الأغلب # كقيام الرجل للرجل إكراما له وتعظيما فإن العمل المتصل تركه فقد كانوا لا ~~يقومون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل عليهم وكان يجلس حيث ينتهي ~~به المجلس ولم ينقل عن الصحابة عمل مستمر ولو كان لنقل حتى روى عن عمر بن ~~عبد العزيز أنه لما استخلف قاموا له في المجلس فقال إن تقوموا نقم وإن ~~تقعدوا نقعد وإنما يقوم الناس لرب العالمين فقيامه صلى الله عليه وسلم ~~لجعفر ابن عمه وقوله # قوموا لسيدكم إن حملناه على ظاهره فالأولى خلافه لما تقدم وأن نظرنا فيه ~~وجدناه محتملا أن يكون القيام على وجه الاحترام والتعظيم PageV03P064 ~~أو على وجه آخر من المبادرة إلى اللقاء لشوق يجده القائم للمقوم له أو ~~ليفسح له في المجلس حتى يجد موضعا للقعود أو للإعانة على معنى من المعاني ~~أو لغير ذلك مما يحتمل وإذا احتمل الموضع طلبنا بالوقوف مع العمل المستمر ~~لإمكان أن يكون هذا العمل القليل غير معارض له فنحن في اتباع العمل المستمر ~~على بينة وبراءة ذمة باتفاق وإن رجعنا إلى هذا المحتمل لم نجد فيه مع ~~المعارض الأقوى وجها للتمسك إلا من باب التمسك بمجرد الظاهر وذلك لا يقوى ~~قوة معارضه # ومثل ذلك قصة مالك مع سفيان في المعانقة فإن مالكا قال له كان ذلك خاصا ~~بجعفر فقال سفيان ما يخصه يخصنا وما يعمه يعمنا إذا كنا صالحين # فيمكن أن يكون مالك عمل في المعانقة بناء على هذا الأصل فجعل معانقة ~~النبي عليه الصلاة والسلام أمرا خاصا أي ليس عليه العمل فالذي ينبغي وقفه ~~على ما جرى فيه # وكذلك تقبيل اليد أن فرضنا أو سلمنا صحة ما روى فيه فإنه ms531 لم يقع تقبيل يد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نادرا ثم لم يستمر فيه عمل إلا الترك من ~~الصحابة والتابعين فدل على مرجوحيته # ومن ذلك سجود الشكر أن فرضنا ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم ~~يداوم عليه مع كثرة البشائر التي توالت عليه والنعم التي أفرغت عليه إفراغا ~~فلم ينقل عنه مواظبة على ذلك ولا جاء عن عامة الصحابة منه شيء إلا في ~~الندرة مثل كعب بن مالك إذ نزلت توبته فكان العمل على وفقه تركا للعمل على ~~وفق العامة منهم PageV03P065 ~~ومن هذا المكان يتطلع إلى قصد مالك رحمه الله في جعله العمل مقدما على ~~الأحاديث إذ كان إنما يراعي كل المراعاة العمل المستمر والأكثر ويترك ما ~~سوى ذلك وإن جاء فيه أحاديث وكان ممن أدرك التابعين وراقب أعمالهم وكان ~~العمل المستمر فيهم مأخوذا عن العمل المستمر في الصحابة ولم يكن مستمرا ~~فيهم إلا وهو مستمر في عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في قوة المستمر # وقد قيل لمالك أن قوما يقولون أن التشهد فرض فقال أما كان أحد يعرف ~~التشهد فأشار إلى الإنكار عليه بأن مذهبهم كالمبتدع الذي جاء بخلاف ما عليه ~~من تقدم وسأله أبو يوسف عن الأذان فقال مالك وما حاجتك إلى ذلك فعجبا من ~~فقيه يسأل عن الأذان ثم قال له مالك وكيف الأذان عندكم فذكر مذهبهم فيه ~~فقال من أين لكم هذا فذكر له أن بلالا لما قدم الشام سألوه أن يؤذن لهم ~~فأذن لهم كما ذكر عنهم فقال له مالك ما أدرى ما أذان يوم وما صلاة يوم هذا ~~مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولده من بعده يؤذنون في حياته وعند ~~قبره وبحضرة الخلفاء الراشدين بعده فأشار مالك إلى أن ما جرى عليه العمل ~~وثبت مستمرا أثبت في الإتباع وأولى أن يرجع إليه # وقد بين في العتبية أصلا لهذا المعنى عظيما يحل موقعه عند من نظر إلى ~~مغزاه وذلك أنه سئل عن الرجل يأتي إليه ms532 الأمر يحبه فيسجد لله شكرا فقال لا يفعل # ليس مما مضى من أمر الناس قيل له إن أبا بكر الصديق فيما يذكرون سجد يوم ~~اليمامة شكرا أفسمعت ذلك قال ما سمعت ذلك وأرى أن كذبوا على أبي بكر وهذا ~~من الضلال أن يسمع المرء الشيء فيقول هذا شيء لم نسمع له خلافا ثم قال قد ~~فتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى PageV03P066 ~~المسلمين بعده أفسمعت أن أحدا منهم سجد إذا جاءك مثل هذا مما كان في الناس ~~وجرى على أيديهم لا يسمع عنهم فيه شيء فعليك بذلك فإنه لو كان لذكر لأنه من ~~أمر الناس الذي قد كان فيهم فهل سمعت أن أحدا منهم سجد فهذا إجماع إذا جاءك ~~الأمر لا تعرفه فدعه هذا ما قال وهو واضح في أن العمل العام هو المعتمد على ~~أي وجه كان وفي أي محل وقع ولا يلتفت إلى قلائل ما نقل ولا نوادر الأفعال ~~إذا عارضها الأمر العام والكثير # ومنها أن يكون هذا القليل خاصا بزمانه أو بصاحبه الذي عمل به أو خاصا ~~بحال من الأحوال فلا يكون فيه حجة على العمل به في غير ما تقيد به كما ~~قالوا في مسحه عليه الصلاة والسلام على ناصيته وعلى العمامة في الوضوء أنه ~~كان به مرض وكذلك نهيه عليه الصلاة والسلام عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث ~~بناء على أن إذنه بعد ذلك لم يكن نسخا وهو قوله # إنما نهيتكم لأجل الدافة # ومنها أن يكون مما فعل فلتة فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه ~~به ثم بعد ذلك لا يفعله ذلك الصحابي ولا غيره ولا يشرعه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا يأذن فيه ابتداء لأحد فلا يجب أن يكون تقريره عليه إذنا له ~~ولغيره كما في قصة الرجل الذي بعثه النبي عليه الصلاة والسلام في أمر فعمل PageV03P067 ~~فيه ثم رأى أن قد خان الله ورسوله فربط نفسه بسارية من سوارى المسجد وحلف ~~أن لا يحله إلا رسول الله ms533 صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام # أما إنه لو جاءني لاستغفرت له وتركه كذلك حتى حكم الله فيه فهذا وأمثاله ~~لا يقتضي أصل المشروعية ابتداء ولا دواما أما الابتداء فلم يكن فعله ذلك ~~بإذن رسول صلى الله عليه وسلم وأما دواما فإنه إنما تركه حتى يحكم الله فيه ~~وهذا خاص بزمانه إذ لا وصول إلى ذلك إلا بالوحي وقد انقطع بعده فلا يصح ~~الإبقاء على ذلك لغيره حتى ينظر الحكم فيه وأيضا فإنه لم يؤثر عن ذلك الرجل ~~ولا عن غيره أنه فعل مثل فعله لا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~فيما بعده فإذا العمل بمثله أشد غررا إذ لم يكن قبله تشريع يشهد له ولو كان ~~قبله تشريع لكان استمرار العمل بخلافه كافيا في مرجوحيته # ومنها أن يكون العمل القليل رأيا لبعض الصحابة لم يتابع عليه إذ كان في ~~زمانه عليه الصلاة والسلام ولم يعلم به فيجيزه أو يمنعه لأنه من الأمور ~~التعبدية البعيدة عن الاجتهاد كما روى عن أبي طلحة الأنصاري أنه أكل بردا ~~وهو صائم في رمضان فقيل له أتأكل البرد وأنت صائم فقال إنما هو برد نزل من ~~السماء نطهر به بطوننا وإنه ليس بطعام ولا شراب قال الطحاوي ولعل ذلك من ~~فعله لم يقف النبي عليه الصلاة والسلام عليه فيعلمه الواجب عليه فيه قال ~~وقد كان مثل هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ير ذلك عمر شيئا ~~إذ لم يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ينكره فكذلك ما روى ~~عن أبي طلحة قال والذي كان من ذلك ما روى عن رفاعة بن رافع قال كنت عن يمين ~~عمر بن الخطاب إذا جاءه رجل فقال زيد بن ثابت يفتي الناس في الغسل من ~~الجنابة برأيه فقال أعجل به علي فجاء زيد فقال عمر قد بلغ من أمرك أن تفتي ~~الناس بالغسل من الجنابة في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام برأيك PageV03P068 ~~فقال زيد ms534 والله يا أمير المؤمنين ما أفتيت برأيي ولكني سمعت من أعمامي ~~شيئا فقلت به فقال من أي أعمامك فقال من أبي بن كعب وأبي أيوب ورفاعة ابن ~~رافع فالتفت إلى عمر فقال ما يقول هذا الفتى فقلت إنا كنا نفعله على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا نغتسل قال أفسألتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك فقلت لا ثم قال في آخر الحديث # لئن أخبرت بأحد يفعله ثم لا يغتسل لأنهكته عقوبة فهذا أيضا من ذلك القبيل ~~والشاهد له أنه لم يعمل به ولا استمر من عمل الناس على حال فكفى بمثله حجة ~~على الترك # ومنها أن يكون عمل به قليلا ثم نسخ فترك العمل به جملة فلا يكون حجة ~~بإطلاق فكان من الواجب في مثله الوقوف مع الأمر العام # ومثاله حديث الصيام عن الميت فإنه لم ينقل استمرار عمل به ولا كثرة فإن ~~غالب الرواية فيه دائرة على عائشة وابن عباس وهما أول من خالفاه فروى عن ~~عائشة أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم فقالت أطعموا عنها وعن ابن عباس ~~أنه قال لا يصوم أحد عن أحد قال مالك ولم أسمع أن أحدا من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا من التابعين بالمدينة أمروا أحدا أن يصوم عن أحد ~~ولا يصلي أحد عن أحد وإنما يفعل ذلك كل أحد عن نفسه فهذا إخبار بترك العمل ~~دائما في معظم الصحابة ومن يليهم وهو الذي عول عليه في المسألة كما أنه عول ~~عليه في جملة عمله # وقد سئل عن سجود القرآن الذي في المفصل وقيل له أتسجد أنت فيه PageV03P069 ~~فقال لا وقيل له إنما ذكرنا هذا لك لحديث عمر بن عبد العزيزفقال أحب ~~الأحاديث إلي ما اجتمع الناس عليه وهذا مما لم يجتمع الناس عليه وإنما هو ~~حديث من حديث الناس وأعظم من ذلك القرآن يقول الله منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب فالقرآن أعظم خطرا وفيه الناسخ والمنسوخ فكيف بالأحاديث وهذا مما لم ms535 ~~يجتمع عليه وهذا ظاهر في أن العمل بأحد المتعارضين دليل على أنه الناسخ ~~للآخر إذ كانوا إنما يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وروى عن ابن شهاب أنه قال أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسخة ومنسوخة وهذا صحيح ولما أخذ مالك بما ~~عليه الناس وطرح ما سواه انضبط له الناسخ من المنسوخ على يسر والحمد لله ~~وثم أقسام أخر يستدل على الحكم فيها بما تقدم ذكره # وبسبب ذلك ينبغي للعامل أن يتحرى العمل على وفق الأولين فلا يسامح نفسه ~~في العمل بالقليل إلا قليلا وعند الحاجة ومس الضرورة إن اقتضى معنى التخيير ~~ولم يخف نسخ العمل أو عدم صحة في الدليل أو احتمالا لا ينهض به الدليل أن ~~يكون حجة أو ما أشبه ذلك أما لو عمل بالقليل دائما للزمه أمور أحدها ~~المخالفة للأولين في تركهم الدوام عليها وفي مخالفة السلف الأولين ما فيها ~~والثاني PageV03P070 ~~استلزام ترك ما داوموا عليه إذ الفرض أنهم داوموا على خلاف هذه الآثار ~~فإدامة العمل على موافقة ما لم يداوموا عليه مخالفة لما داوموا عليه # والثالث أن ذلك ذريعة إلى اندراس أعلام ما داوموا عليه واشتهار ما خالفه ~~إذ الإقتداء بالأفعال أبلغ من الإقتداء بالأقوال فإذا وقع ذلك ممن يقتدي به ~~كان أشد # الحذر الحذر من مخالفة الأولين فلو كان ثم فضل مالكان الأولون أحق به # والله المستعان # والقسم الثالث أن لا يثبت عن الأولين أنهم عملوا به على حال فهو أشد مما ~~قبله والأدلة المتقدمة جارية هنا بالأولى وما توهمه المتأخرون من أنه دليل ~~على ما زعموا ليس بدليل عليه ألبتة إذ لو كان دليلا عليه لم يعزب عن فهم ~~الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء فعمل الأولين كيف كان مصادم لمقتضى هذا ~~المفهوم ومعارض له ولو كان ترك العمل فما عمل به المتأخرون من هذا القسم ~~مخالف لإجماع الأولين وكل من خالف الإجماع فهو مخطئ وأمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم لا ms536 تجتمع على ضلالة فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة ~~والأمر المعتبر وهو الهدى وليس ثم الأصواب أو خطأ فكل من خالف السلف ~~الأولين فهو على خطأ وهذا كاف والحديث الضعيف الذي لا يعمل العلماء بمثله ~~جار هذا المجرى # ومن هنالك لم يسمع أهل السنة دعوى الرافضة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نص على علي أنه الخليفة بعده لأن عمل كافة الصحابة على خلافه دليل على ~~بطلانه أو عدم اعتباره لأن الصحابة لا تجتمع على خطأ وكثيرا ما تجد أهل ~~البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة يحملونهما مذاهبهم ويغبرون ~~بمشتبهاتهما فى وجوه العامة ويظنون أنهم على شيء PageV03P071 ~~ولذلك أمثلة كثيرة كالاستدلالات الباطنية على سوء مذاهبهم بما هو شهير في ~~النقل عنهم وسيأتي منه أشياء في دليل الكتاب إن شاء الله واستدلال ~~التناسخية على صحة ما زعموا بقوله تعالى في أي صورة ما شاء ركبك وكثير من ~~فرق الاعتقادات تعلق بظواهر من الكتاب والسنة في تصحيح ما ذهبوا إليه مما ~~لم يجر له ذكر ولا وقع ببال أحد من السلف الأولين وحاش لله من ذلك ومنه ~~أيضا استدلال من أجاز قراءة القرآن بالإدارة وذكر الله برفع الأصوات وبهيئة ~~الاجتماع بقوله عليه الصلاة والسلام # ما اجتمع قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم الحديث والحديث الآخر # ما اجتمع قوم يذكرون الله الخ وبسائر ما جاء في فضل مجالس الذكر # وكذلك استدلال من استدل على جواز دعاء المؤذنين بالليل بقوله تعالى ولا ~~تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي الآية وقوله ادعوا ربكم تضرعا وخفية ~~وبجهر قوام الليل بالقرآن واستدلالهم على الرقص في المساجد وغيرها بحديث ~~لعب الحبشة في المسجد بالدرق والحراب وقوله عليه PageV03P072 ~~الصلاة والسلام لهم # دونكم يا بني أرفدة # واستدلال كل من اخترع بدعة أو استحسن محدثة لم تكن في السلف الصالح بأن ~~السلف اخترعوا أشياء لم تكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ككتب ~~المصحف وتصنيف الكتب وتدوين الدواوين وتضمين الصناع وسائر ما ذكر الأصوليون ~~في أصل ms537 المصالح المرسلة فخلطوا وغلطوا واتبعوا ما تشابه من الشريعة ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويلها وهو كله خطأ على الدين واتباع لسبيل الملحدين فإن ~~هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك وعبروا على هذه المسالك إما أن يكونوا قد ~~أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون أو حادوا عن فهمها وهذا الأخير ~~هو الصواب إذ المتقدمون من السلف الصالح هم كانوا على الصراط المستقيم ولم ~~يفهموا من الأدلة المذكورة وما أشبهها إلا ما كانوا عليه وهذه المحدثات لم ~~تكن فيهم ولا عملوا بها فدل على أن تلك الأدلة لم تتضمن هذه المعاني ~~المخترعة بحال وصار عملهم بخلاف ذلك دليلا إجماعيا على أن هؤلاء في ~~استدلالهم وعملهم مخطئون ومخالفون للسنة # فيقال لمن استدل بأمثال ذلك هل وجد هذا المعنى الذي استنبطت في عمل ~~الأولين أو لم يوجد فإن زعم أنه لم يوجد ولا بد من ذلك فيقال له أفكانوا ~~غافلين عما تنبهت له أو جاهلين به أم لا ولا يسعه أن يقول بهذا لأنه فتح ~~لباب الفضيحة على نفسه وخرق للإجماع وإن قال إنهم كانوا عارفين بمآخذ هذه ~~الأدلة كما كانوا عارفين بمآخذ غيرها قيل له فما الذي حال بينهم وبين العمل ~~بمقتضاها على زعمك حتى خالفوها إلى غيرها ما ذاك إلا لأنهم اجتمعوا فيها ~~على الخطأ دونك أيها المتقول والبرهان الشرعي والعادي دال على عكس القضية ~~فكل ما جاء مخالفا لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه PageV03P073 ~~فإن زعم أن ما انتحله من ذلك إنما هو من قبيل المسكوت عنه في الأولين وإذا ~~كان مسكوتا عنه ووجد له في الأدلة مساغ فلا مخالفة إنما المخالفة أن يعاند ~~ما نقل عنهم بضده وهو البدعة المنكرة قيل له بل هو مخالف لأن ما سكت عنه في ~~الشريعة على وجهين ### || AUTO أحدهما أن تكون مظنة العمل به موجودة في زمان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم يشرع له أمر زائد على ما مضى فيه فلا سبيل إلى مخالفته ~~لأن تركهم لما عمل به هؤلاء مضاد ms538 له فمن استلحقه صار مخالفا للسنة حسبما ~~تبين في - كتاب المقاصد والثاني أن لا توجد مظنة العمل به ثم توجد فيشرع له ~~أمر زائد يلائم تصرفات الشرع في مثله وهي المصالح المرسلة وهي من أصول ~~الشريعة المبني عليها إذ هي راجعة إلى أدلة الشرع حسبما تبين في علم الأصول ~~فلا يصح إدخال ذلك تحت جنس البدع وأيضا فالمصالح المرسلة عند القائل بها لا ~~تدخل فى التعبدات ألبتة وإنما هي راجعة إلى حفظ أصل الملة وحياطة أهلها في ~~تصرفاتهم العادية ولذلك تجد مالكا وهو المسترسل في القول بالمصالح المرسلة ~~مشددا في العبادات أن لا تقع إلا على ما كانت عليه في الأولين فلذلك نهى عن ~~أشياء وكره أشياء وإن كان إطلاق الأدلة لا ينفيها بناء منه على أنها تقيدت ~~مطلقاتها بالعمل فلا مزيد عليه وقد تمهد أيضا في الأصول أن المطلق إذا وقع ~~العمل به على وجه لم يكن حجة في غيره # فالحاصل أن الأمر أو الإذن إذا وقع على أمر له دليل مطلق فرأيت الأولين ~~قد عنوا به على وجه واستمر عليه عملهم فلا حجة فيه على العمل على وجه آخر PageV03P074 ~~بل هو مفتقر إلى دليل يتبعه في إعمال ذلك الوجه وذلك كله مبين في باب ~~الأوامر والنواهي من هذا الكتاب لكن على وجه آخر فإذا ليس ما انتحل هذا ~~المخالف العمل به من قبيل المسكوت عنه ولا من قبيل ما أصله المصالح المرسلة ~~فلم يبق إذا أن يكون إلا من قبيل المعارض لما مضى عليه عمل الأقدمين وكفى ~~بذلك مزلة قدم وبالله التوفيق ### || AUTO فصل # وأعلم أن المخالفة لعمل الأولين فيما تقدم ليست على رتبة واحدة بل فيها ~~ما هو خفيف ومنها ما هو شديد وتفصيل القول في ذلك يستدعي طولا فلنكله إلى ~~نظر المجتهدين ولكن المخالف على ضربين أحدهما أن يكون من أهل الاجتهاد فلا ~~يخلو أن يبلغ في اجتهاده غاية الوسع أولا فإن كان كذلك فلا حرج عليه وهو ~~مأجور على كل حال وإن لم يعط الاجتهاد ms539 حقه وقصر فيه فهو آثم حسبما بينه أهل ~~الأصول والثاني أن لا يكون من أهل الاجتهاد وإنما أدخل نفسه فيه غلطا أو ~~مغالطة إذ لم يشهد له بالاستحقاق أهل الرتبة ولا رأوه أهلا للدخول معهم ~~فهذا مذموم # وقلما تقع المخالفة لعمل المتقدمين إلا من أهل هذا القسم لأن المجتهدين ~~وإن اختلفوا في الأمر العام في المسائل التي اختلفوا فيها لا يختلفون إلا ~~فيما اختلف PageV03P075 ~~فيه الأولون أوفى مسألة موارد الظنون لا ذكر لهم فيها فالأول يلزم منه ~~اختلاف الأولين في العمل والثاني يلزم منه الجريان على ما ورد فيه عمل # أما القسم الثاني فأن أهله لا يعرفون ما في موافقة العمل من أوجه الرجحان ~~فإن موافقته شاهد للدليل الذي استدل به ومصدق له على نحو ما يصدقه الإجماع ~~فإنه نوع من الإجماع فعلى بخلاف ما إذا خالفه فإن المخالفة موهنة له أو ~~مكذبة وأيضا فإن العمل مخلص للأدلة من شوائب المحامل المقدرة الموهنة لأن ~~المجتهد متى نظر في دليل على مسألة احتاج إلى البحث عن أمور كثيرة لا ~~يستقيم إعمال الدليل دونها والنظر في أعمال المتقدمين قاطع لاحتمالاتها ~~حتما ومعين لناسخها من منسوخها ومبين لمجملها إلى غير ذلك فهو عون في سلوك ~~سبيل الاجتهاد عظيم ولذلك اعتمده مالك بن أنس ومن قال بقوله وقد تقدم منه ~~أمثلة وأيضا فإن ظواهر الأدلة إذا اعتبرت من غير اعتماد على الأولين فيها ~~مؤدية إلى التعارض والاختلاف وهو مشاهد معنى ولأن تعارض الظواهر كثير مع ~~القطع بأن الشريعة لا اختلاف فيها # ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحد من المختلفين في الأحكام لا ~~الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة وقد ~~مر من ذلك أمثلة بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق ~~بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة وفى كتب التواريخ والأخبار من ذلك أطراف ~~ما أشنعها في الافتئات على الشريعة وانظر في مسألة التداوي من الخمار في PageV03P076 ~~درة الغواص للحريري وأشباهها بل قد استدل ms540 بعض النصارى على صحة ما هم عليه ~~الآن بالقرآن ثم تحيل فاستدل على أنهم مع ذلك كالمسلمين في التوحيد تعالى ~~الله عما يقولون علوا كبيرا # فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون ~~وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب وأقوم في العلم والعمل ولهذا ~~الأمر سبب نذكره بحول الله على الاختصار وهي ### || AUTO المسألة الثالثة عشرة # فاعلم أن اخذ الأدلة على الأحكام يقع في الوجود علي وجهين # أحدهما أن يؤخذ الدليل مأخذ الافتقار واقتباس ما تضمنه من الحكم ليعرض ~~عليه النازلة المفروضة لتقع في الوجود على وفاق ما أعطى الدليل من الحكم ~~أما قبل وقوعها فبأن توقع على وفقه وأما بعد وقوعها فليتلافى الأمر ويستدرك ~~الخطأ الواقع فيها بحيث يغلب على الظن أو يقطع بأن ذلك قصد الشارع وهذا ~~الوجه هو شأن اقتباس السلف الصالح الأحكام من الأدلة # والثاني أن يؤخذ مأخذ الاستظهار على صحة غرضه في النازلة العارضة PageV03P077 ### || AUTO فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فليس ~~مقصودهم الاقتباس منها وإنما مرادهم الفتنة بها بهواهم إذ هو السابق ~~المعتبر وأخذ الأدلة فيه بالتبع لتكون لهم حجة في زيغهم والراسخون في العلم ~~ليس لهم هوى يقدمونه على أحكام الأدلة فلذلك يقولون آمنا به كل من عند ربنا ~~ويقولون ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا فيتبرءون إلى الله مما ارتكبه ~~أولئك الزائغون فلذلك صار أهل الوجه الأول محكمين للدليل على أهوائهم وهو ~~أصل الشريعة لأنها إنما جاءت لتخرج المكلف عن هواه حتى يكون عبدا لله وأهل ~~الوجه الثاني يحكمون أهواءهم على الأدلة حتى تكون الأدلة في أخذهم لها تبعا ~~وتفصيل هذه الجملة قد مر منه في - كتاب المقاصد وسيأتي تمامه في - كتاب ~~الاجتهاد بحول الله تعالى ### || AUTO المسألة الرابعة عشرة # اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة إلى محالها على وجهين أحدهما الاقتضاء ~~الأصلي قبل طروء العوارض وهو الواقع على المحل مجردا عن التوابع والإضافات ~~كالحكم بإباحة الصيد والبيع والإجارة وسن النكاح وندب ms541 الصدقات غير الزكاة ~~وما أشبه ذلك والثاني الاقتضاء التبعي وهو الواقع على المحل مع اعتبار PageV03P078 ~~التوابع والإضافات كالحكم بإباحة النكاح لمن لا أرب له في النساء ووجوبه ~~على من خشي العنت وكراهية الصيد لمن قصد فيه اللهو وكراهية الصلاة لمن حضره ~~الطعام أو لمن يدافعه الأخبثان وبالجملة كل ما اختلف حكمه الأصلي لاقتران ~~أمر خارجي # فإذا تبين المعنى المراد فهل يصح الاقتصار في الاستدلال عن الدليل ~~المقتضى للحكم الأصلي أم لابد من اعتبار التوابع والإضافات حتى يتقيد دليل ~~الإطلاق بالأدلة المقتضية لاعتبارها هذا مما فيه نظر وتفصيل # فلا يخلو أن يأخذ المستدل الدليل على الحكم مفردا مجردا عن اعتبار الواقع ~~أولا فإن أخذه مجردا صح الاستدلال وأن أخذه بقيد الوقوع فلا يصح وبيان ذلك ~~أن الدليل المأخوذ بقيد الوقوع معناه التنزيل على المناط المعين وتعيين ~~المناط موجب في كثير من النوازل إلى ضمائم وتقييدات لا يشعر المكلف بها عند ~~عدم التعيين وإذا لم يشعر بها لم يلزم بيانها إذ ليس موضع الحاجة بخلاف ما ~~إذا اقترن المناط بأمر محتاج إلى اعتباره في الاستدلال فلا بد من اعتباره # فقول الله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين الآية لما نزلت أولا كانت ~~مقررة لحكم أصلي منزل على مناط أصلي من القدرة وإمكان الامتثال وهو السابق ~~فلم ينزل حكم أولى الضرر ولما اشتبه ذو الضرر ظن أن عموم نفي PageV03P079 ~~من نوقش الحساب عذب بناء على تأصيل قاعدة أخروية سألت عائشة عن معنى قول ~~الله عز وجل فسوف يحاسب حسابا يسيرا لأنه يشكل دخوله تحت عموم الحديث فبين ~~عليه الصلاة والسلام أن ذلك العرض لا الحساب المناقش فيه # وقال عليه الصلاة والسلام # من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه الخ فسألته عائشة عن هذه الكراهية هل هي ~~الطبيعية أم لا فأخبرها أن لا وتبين مناط الكراهية المرادة وقال الله تعالى ~~وقوموا لله قانتين تنزيلا على المناط المعتاد فلما عرض مناط آخر خارج عن ~~المعتاد وهو المرض بينه عليه الصلاة والسلام بقوله وفعله حين جحش ms542 شقه وقال ~~عليه الصلاة والسلام # أنا وكافل اليتيم كهاتين ثم لما تعين مناط فيه نظر قال عليه الصلاة ~~والسلام لأبي ذر # لا تولين مال يتيم PageV03P080 ~~والأمثلة في هذا المعنى لا تحصى واستقراؤها من الشريعة يفيد العلم بصحة ~~هذا التفصيل فلو فرض نزول حكم عام ثم أتى كل من سمعه يتثبت في مقتضى ذلك ~~العام بالنسبة إليه لكان الجواب على وفق هذه القاعدة نظير وصيته عليه ~~الصلاة والسلام لبعض أصحابه بشيء ووصيته لبعض بأمر آخر كما قال # قل ربي الله ثم استقم وقال لآخر # لا تغضب وكما قبل من بعضهم جميع ما له ومن بعضهم شطره ورد على بعضهم ما ~~أتى به بعد تحريضه على الإنقاق في سبيل الله إلى سائر الأمثال ### || AUTO فصل # ولتعين المناط مواضع # منها الأسباب الموجبة لتقرير الأحكام كما إذا نزلت آية أو جاء حديث على ~~سبب فإن الدليل يأتي بحسبه وعلى وفاق البيان التمام فيه فقد قال تعالى PageV03P081 ~~علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم الآية إذ كان ناس يختانون أنفسهم فجاءت ~~الآية تبيح لهم ما كان ممنوعا قبل حتى لا يكون فعلهم ذلك الوقت خيانة منهم ~~لأنفسهم وقوله تعالى وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم ~~الآية إذ نزلت عند وجود مظنة خوف أن لا يقسطوا وما أشبه ذلك وفي الحديث # فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله الحديث أتى فيه ~~بتمثيل الهجرة لما كان هو السبب وقال # ويل للأعقاب من النار مع أن غير الأعقاب يساويها حكما لكنه كان السبب في ~~الحديث التقصير في الاستيعاب في غسل الرجلين ومن ذلك كثير # ومنها أن يتوهم بعض المناطات داخلا في حكم أو خارجا عنه ولا يكون كذلك في ~~الحكم فمثال الأول ما تقدم في قوله عليه الصلاة والسلام # من نوقش الحساب عذب وقوله # من كره لقاء الله كره الله لقاءه ومثال الثاني قوله عليه الصلاة والسلام للمصلي # ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك وقد جاء فيما نزل علي استجيبوا لله ms543 وللرسول ~~الآية أو كما قال عليه الصلاة PageV03P082 ~~وأنفقوا مما رزقناكم فإنه لا يفهم المقصود به من أول وهلة فجاءت أقوال ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله مبينة لذلك ومثال الخاص قصة عدي بن حاتم ~~في فهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود حتى نزل بسببه من الفجر وقصته في معنى ~~قوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وقصة ابن عمر في ~~طلاق زوجته إلى أمثال من ذلك كثيرة # فهذه المواضع وأشباهها مما يقتضي تعيين المناط لا بد فيها من أخذ الدليل ~~على وفق الواقع بالنسبة إلى كل نازلة # فأما إن لم يكن ثم تعيين فيصح أخذه على وفق الواقع مفروض الوقوع ويصح ~~إفراده بمقتضى الدليل الدال عليه في الأصل ما لم يتعين فلا بد من اعتبار ~~توابعه وعند ذلك نقول لا يصح للعالم إذا سئل عن أمر كيف يحصل في الواقع إلا ~~أن يجيب بحسب الواقع فإن أجاب على غير ذلك أخطأ في عدم اعتبار PageV03P083 ~~المناط المسئول عن حكمه لأنه سئل عن مناط معين فأجاب عن مناط غير معين # لا يقال إن المعين يتناوله المناط غير المعين لأنه فرد من أفراد عام أو ~~مقيد من مطلق # لأنا نقول ليس الفرض هكذا وإنما الكلام على مناط خاص يختلف مع العام ~~لطروء عوارض كما تقدم تمثيله فإن فرض عدم اختلافهما فالجواب إنما يقع بحسب ~~المناط الخاص وما مثل هذا إلا مثل من سأل هل يجوز بيع الدرهم من سكة كذا ~~بدرهم في وزنه من سكة أخرى أو المسكوك بغير المسكوك وهو في وزنه فأجابه ~~المسئول بأن الدرهم بالدرهم سواء بسواء فمن زاد أو ازداد فقد أربى # فإنه لا يحصل له جواب مسألته من ذلك الأصل إذ له أن يقول فهل ما سألتك ~~عنه من قبيل الربا أم لا أما لو سأله هل يجوز الدرهم بالدرهم وهو في وزنه ~~وسكته وطيبه فأجابه كذلك لحصل المقصود لكن بالعرض لعلم السائل بأن الدرهمين ~~مثلان من كل وجه فإذا سئل عن بيع الفضة بالفضة فأجاب ms544 PageV03P084 ~~بذلك الكلام لكان مصيبا لأن السؤال لم يقع إلا على مناط مطلق فأجابه ~~بمقتضى الأصل ولو فصل له الأمر بحسب الواقع لجاز ويحتمل فرض صور كثيرة # وهو شأن المصنفين أهل التفريع والبسط للمسائل وبسبب ذلك عظمت أجرام ~~الدواوين وكثرت أعداد المسائل غير أن الحكمة اقتضت أن يجاب السائل على حد ~~سؤاله فإن سأل عن مناط غير معين أجيب على وفق الاقتضاء الأصلي وإن سأل عن ~~معين فلا بد من اعتباره في الواقع إلى أن يستوفي له ما يحتاج إليه # ومن اعتبر الأقضية والفتاوى الموجودة في القرآن والسنة وجدها على وفق هذا ~~الأصل وبالله التوفيق ### || AUTO وأما النظر الثاني في عوارض الأدلة # فينحصر القول فيه في خمسة فصول # الأول في الإحكام والتشابه وله مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # المحكم يطلق بإطلاقين عام وخاص فأما الخاص فالذي يراد به خلاف المنسوخ ~~وهي عبارة علماء الناسخ والمنسوخ سواء علينا أكان ذلك الحكم ناسخا أم لا ~~فيقولون هذه الآية محكمة وهذه الآية منسوخة وأما العام فالذي يعني به البين ~~الواضح الذي لا يفتقر في بيان معناه إلى غيره فالمتشابه بالإطلاق الأول هو ~~المنسوخ وبالإطلاق الثاني الذي لا يتبين المراد به من لفظه كان مما يدرك ~~مثله بالبحث والنظر أم لا وعلى هذا الثاني مدارك كلام المفسرين في بيان ~~معنى قول الله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ويدخل تحت ~~المتشابه والمحكم بالمعنى الثاني ما نبه عليه الحديث من قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم # الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور PageV03P085 ~~مشتبهات فالبين هو المحكم وإن كانت وجوه التشابه تختلف بحسب الآية والحديث ~~فالمعنى واحد لأن ذلك راجع إلى فهم المخاطب وإذا تؤمل هذا الإطلاق وجد ~~المنسوخ والمجمل والظاهر والعام والمطلق قبل معرفة مبيناتها داخلة تحت معنى ~~المتشابه كما أن الناسخ وما ثبت حكمه والمبين والمؤول والمخصص والمقيد ~~داخلة تحت معنى المحكم ### || AUTO المسألة الثانية # التشابه قد علم أنه واقع في الشرعيات لكن النظر في مقدار الواقع منه هل ~~هو قليل أم كثير ms545 والثابت من ذلك القلة لا الكثرة لأمور # أحدها النص الصريح وذلك قوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فقوله في المحكمات هن أم الكتاب يدل ~~أنها المعظم والجمهور وأم الشيء معظمه وعامته كما قالوا أم الطريق بمعنى ~~معظمه وأم الدماغ بمعنى الجلدة الحاوية له الجامعة لأجزائه ونواحيه والأم ~~أيضا الأصل ولذلك قيل لمكة أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها والمعنى يرجع ~~إلى الأول فإذا كان كذلك PageV03P086 ~~فقوله تعالى وأخر متشابهات إنما يراد بها القليل # والثاني أن المتشابه لو كان كثيرا لكان الالتباس والإشكال كثيرا وعند ذلك ~~لا يطلق على القرآن أنه بيان وهدى كقوله تعالى هذا بيان للناس وهدى وموعظة ~~للمتقين وقوله تعالى هدى للمتقين وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم وإنما نزل القرآن ليرفع الاختلاف الواقع بين الناس والمشكل الملتبس ~~إنما هو إشكال وحيرة لا بيان وهدى لكن الشريعة إنما هي بيان وهدى فدل على ~~أنه ليس بكثير ولولا أن الدليل أثبت أن فيه متشابها لم يصح القول به لكن ما ~~جاء فيه من ذلك فلم يتعلق بالمكلفين حكم من جهته زائد على الإيمان به ~~وإقراره كما جاء وهذا واضح # والثالث الاستقراء فإن المجتهد إذا نظر في أدلة الشريعة جرت له على قانون ~~النظر واتسقت أحكامها وانتظمت أطرافها على وجه واحد كما قال تعالى كتاب ~~أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير وقال تعالى تلك آيات الكتاب الحكيم ~~وقال تعالى الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها يعني يشبه بعضه بعضا ويصدق ~~أوله آخره وآخره أوله أعني أوله وآخره في النزول # فإن قيل كيف يكن المتشابه قليلا وهو كثير جدا على الوجه الذي فسر به آنفا ~~فإنه قد دخل فيه من المنسوخ والمجمل والعام والمطلق والمؤول كثير وكل نوع ~~من هذه الأنواع يحتوي على تفاصيل كثيرة ويكفيك من ذلك الخبر المنقول عن ابن ~~عباس حيث قال لا عام إلا مخصص إلا قوله تعالى والله بكل شيء عليم وإذا ms546 نظر ~~المتأمل إلى أدلة الشرع على التفصيل مع قواعدها PageV03P087 ~~الكلية ألفيت لا تجري على معهود الاطراد فالواجبات من الضروريات أوجبت على ~~حكم الإطلاق والعموم في الظاهر ثم جاءت الحاجيات والتكميليات والتحسينيات ~~فقيدتها على وجوه شتى وأنحاء لا تنحصر وهكذا سائر ما ذكر مع العام # ثم إنك لا تجد المسائل المتفق عليها من الشريعة بالنسبة إلى ما اختلف فيه ~~إلا القليل ومعلوم أن المتفق عليه واضح وأن المختلف فيه غير واضح لأن مثار ~~الاختلاف إنما هو التشابه يقع في مناطه وإلى هذا فإن الشريعة مبناها في ~~التكليف على الأمر والنهي وقد اختلف فيه أولا في معناه ثم في صيغته ثم إذا ~~تعينت له صيغة افعل أو لا تفعل فاختلف في ماذا تقتضيه على أقوال مختلفة فكل ~~ما ينبني على هذا الأصل من فرع متفق عليه أو مختلف فيه مختلف فيه أيضا إلى ~~أن يثبت تعيينه إلى جهة بإجماع وما أعز ذلك # وأيضا فإن الأدلة التي يتلقى معناها من الألفاظ لا تتخلص إلا أن تسلم من ~~القوادح العشرة المذكورة في أول الكتاب وذلك عسير جدا وأما الإجماع فمتنازع ~~فيه أولا ثم إذا ثبت ففي ثبوت كونه حجه باتفاق شروط كثيرة جدا إذا تخلف ~~منها شرط لم يكن حجة أو اختلف فيه ثم إن العموم مختلف PageV03P088 ~~فيه ابتداء هل له صيغة موجودة أم لا وإذا قلنا بوجودها فلا يعمل منها ما ~~يعمل إلا بشروط تشترط وأوصاف تعتبر وإلا لم يعتبر أو اختلف في اعتباره ~~وكذلك المطلق مع مقيدة وأيضا فإذا كان معظم الأدلة غير نصوص بل محتملة ~~للتأويل لم يستقر منها للناظر دليل يسلم بإطلاق # ثم أخبار الآحاد هي عمدة الشريعة وهى أكثر الأدلة ويتطرق إليها من جهة ~~الأسانيد ضعف حتى إنها مختلف في كونها حجة أم لا وإذا كانت حجه فلها شروط ~~أيضا إن اختلت لم تعمل أو اختلف في إعمالها ومن جملة ما يقتنص منه الأحكام ~~المفهوم وكله مختلف فيه فلا مسألة تتفرع منه متفق عليها # ثم إذا رجعنا إلى القياس ms547 أتى الوادي بطمه على القرى بسبب اختلافهم فيه ~~أولا ثم في أصنافه ثم في مسالك علله ثم في شروط صحته ولا بد مع ذلك أن يسلم ~~من خمسة وعشرين اعتراضا وما أبعد هذا من التخلص حتى يصير مقتضاه حكما ظاهرا جليا # وأيضا فإن كل استدلال شرعي مبني على مقدمتين إحداهما شرعية وفيها من ~~النظر ما فيها ومقدمة نظرية تتعلق بتحقيق المناط وليس كل مناط معلوما ~~بالضرورة بل الغالب أنه نظري فقد صار غالب أدلة الشرع نظرية وقد زعم ابن ~~الجويني أن المسائل النظرية العقلية لا يمكن الاتفاق فيها عادة وهو رأي ~~القاضي أيضا والنظرية غير العقلية المحضة أولى أن لا يقع الاتفاق فيها فهذا ~~كله مما يبين لك أن المتشابهات في الشريعة كثيرة جدا بخلاف ما تقدم ~~الاستدلال عليه # فالجواب أن هذا كله لا دليل فيه أما المتشابه بحسب التفسير المذكور PageV03P089 ~~وإن دخل فيه تلك الأنواع كلها التي مدار الأدلة عليها فلا تشابه فيها بحسب ~~الواقع إذ هي قد فسرت بالعموم المراد به الخصوص قد نصب الدليل على تخصيصه ~~وبين المراد به وعلى ذلك يدل قول ابن عباس لا عام إلا مخصص فأي تشابه فيه ~~وقد حصل بيانه ومثله سائر الأنواع وإنما يكون متشابها عند عدم بيانه ~~والبرهان قائم على البيان وأن الدين قد كمل قبل موت رسول الله صلى الله ~~عيله وسلم ولذلك لا يقتصر ذو الإجتهاد على التمسك بالعام مثلا حتى يبحث عن ~~مخصصه وعلى المطلق حتى ينظر هل له مقيد أم لا إذا كان حقيقة البيان مع ~~الجمع بينهما فالعام مع خاصه هو الدليل فإن فقد الخاص صار العام مع إرادة ~~الخصوص فيه من قبيل المتشابه وصار ارتفاعه زيغا وانحرافا عن الصواب # ولأجل ذلك عدت المعترلة من أهل الزيغ حيث اتبعوا نحو قوله تعالى اعملوا ~~ما شئتم وقوله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وتركوا مبينه وهو قوله يحكم ~~به ذوا عدل منكم هديا الآية وقوله فابعثوا PageV03P090 ~~حكما من أهله وحكما من أهلها واتبع الجبرية نحو قوله ms548 والله خلقكم وما ~~تعملون وتركوا بيانه وهو قوله جزاء بما كانوا يكسبون وما أشبهه # وهكذا سائر من اتبع هذه الأطراف من غير نظر فيما وراءها ولو جمعوا بين ~~ذلك ووصلوا ما أمر الله به أن يوصل لوصلوا إلى المقصود فإذا ثبت هذا ~~فالبيان مقترن بالمبين فإذا أخذ المبين من غير بيان صار متشابها وليس ~~بمتشابه في نفسه شرعا بل الزائغون أدخلوا فيه التشابه على أنفسهم فضلوا عن ~~الصراط المستقيم وبيان هذا المعنى يتقرر بفرض قاعدة وهي ### || AUTO المسألة الثالثة # وهي أن المتشابه الواقع في الشريعة على ضربين أحدهما حقيقي والآخر إضافي ~~وهذا فيما يختص بها نفسها وثم ضرب آخر راجع إلى المناط الذي تتنزل عليه ~~الأحكام # فالأول هو المراد بالآية ومعناه راجع إلى أنه لم يجعل لنا سبيل إلى فهم ~~معناه ولا نصب لنا دليل على المراد منه فإذا نظر المجتهد في أصول الشريعة ~~وتقصاها وجمع أطرافها لم يجد فيها ما يحكم له معناه ولا ما يدل على مقصوده ~~ومغزاه ولا شك في أنه قليل لا كثير وعلى ذلك دلت الأدلة السابقة في أول ~~المسألة # ولا يكون إلا فيما لا يتعلق به تكليف سوى مجرد الإيمان به وهذا مذكور في ~~فصل البيان والإجمال وفي نحو من هذا نزلت آية آل عمران هو الذي أنزل PageV03P091 ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم # قال ابن إسحاق بعد ما ذكر منهم جمله ووصف من شأنهم وهم من النصرانية على ~~دين الملك مع اختلاف من أمرهم يريد في شأن عيسى يقولون هو الله لأنه كان ~~يحيى الموتى ويبرىء الأ سقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ~~ينفح فيه فيكون طيرا ويقولون هو ولد الله لأنه لم يكن له أب يعلم وقد تكلم ~~في المهد بشيء لم يصنعه ولد آدم قبله ويقولون هو ثالث ثلاثة لقول الله ~~فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا ولو كان واحدا لما قال ألا فعلت وقضيت وأمرت ~~وخلقت ولكنه هو وعيسى ومريم قال ففي كل ذلك من أمرهم قد نزل ms549 القرآن يعني ~~صدر سورة آل عمران إلى قوله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ففي ~~الحكاية مما نحن فيه أنهم ما قدروا الله حق قدرة إذ قاسوه بالعبيد فنسبوا ~~له الصاحبة والولد وأثبتوا للمخلوق مالا يصلح إلا للخالق ونفوا عن الخالق ~~القدرة على خلق إنسان من غير أب وكان الواجب عليهم الإيمان بآيات الله ~~وتنزيهه عما لا يليق به فلم يفعلوا بل حكموا على الأمور الإلهية بمقتضى ~~آرائهم فزاغوا عن الصراط المستقيم # والثانى وهو الإضافي ليس بداخل في صريح الآية وإن كان في المعنى داخلا ~~فيه لأنه لم يصر متشابها من حيث وضع في الشريعة من جهة أنه قد حصل بيانه في ~~نفس الأمر ولكن الناظر قصر في إلإجتهاد أو زاغ عن طريق البيان اتباعا للهوى ~~فلا يصح أن ينسب الاشتباه إلى الأدلة وإنما ينسب إلى الناظرين التقصير أو ~~الجهل بمواقع الأدلة فيطلق عليهم أنهم متبعون للمتشابه لأنهم إذا كانوا على ~~ذلك مع حصول البيان فما ظنك بهم مع عدمه فلهذا قيل إنهم داخلون بالمعنى في ~~حكم الآية # ومن أمثلة هذا القسم ما تقدم آنفا للمعتزلة والخوارج وغيرهم ومثله ما ~~خرجه مسلم عن سفيان قال سمعت رجلا يسأل جابر بن يزيد الجعفي عن قوله فلن ~~أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير PageV03P092 ~~الحاكمين فقال جابر لم يجئ تأويل هذه الآية قال سفيان وكذب قال الحميدي ~~فقلنا لسفيان ما أراد بهذا فقال إن الرافضة تقول أن عليا في السحاب فلا ~~يخرج يعنى مع من خرج من ولده حتى ينادي مناد من السماء تريد عليا أنه ينادى ~~اخرجوا مع فلان يقول جابر فذا تأويل هذه الآية وكذب # كانت في إخوة يوسف فهذه الآية أمرها واضح ومعناها ظاهر يدل عليه ما قبل ~~الآية وما بعدها كما دل الخاص على معنى العام ودل المقيد على معنى المطلق ~~فلما قطع جابر الآية عما قبلها وما بعدها كما قطع غيره الخاص عن العام ~~والمقيد عن المطلق صار الموضع بالنسبة إليه من ms550 المتشابه فكان من حقه التوقف ~~لكنه اتبع فيه هواه فزاغ عن معنى الآية # وأما الثالث فالتشابه فيه ليس بعائد على الأدلة وإنما هو عائد على مناط ~~الأدلة فالنهي عن أكل الميتة واضح والإذن في أكل الذكية كذلك فإذا اختلطت ~~الميتة بالذكية حصل الاشتباه في المأكول لا في الدليل على تحليله أو تحريمه ~~لكن جاء الدليل المقتضى لحكمه في اشتباهه وهو الاتقاء حتى يتبين الأمر وهو ~~أيضا واضح لا تشابه فيه وهكذا سائر ما دخل في هذا النوع مما يكون محل ~~الاشتباه فيه المناط لا نفس الدليل فلا مدخل له في المسألة PageV03P093 ### || AUTO فصل # فإذا ثبت هذا فلنرجع إلى الجواب عن باقي السؤال فنقول # قد ظهر مما تقدم أن التشابه باعتبار وقوع الأدلة مع ما يعارضها كالعام ~~والخاص وما ذكر معه قليل وأن ما عد منه غير معدود منه وإنما يعد منه ~~التشابه الحقيقي خاصة # وأما مسائل الخلاف وإن كثرت فليست من المتشابهات بإطلاق بل فيها ما هو ~~منها وهو نادر كالخلاف الواقع فيما أمسك عنه السلف الصالح فلم يتكلموا فيه ~~بغير التسليم له والإيمان بغيبة المحجوب أمره عن العباد كمسائل الاستواء ~~والنزول والضحك واليد والقدم والوجه وأشباه ذلك وحين سلك الأولون فيها مسلك ~~التسليم وترك الخوض في معانيها دل على أن ذلك هو الحكم عندهم فيها وهو ظاهر ~~القرآن لأن الكلام فيما لا يحاط به جهل ولا تكليف يتعلق بمعناها وما سواها ~~من مسائل الخلاف ليس من أجل تشابه أدلتها فإن البرهان قد دل على خلاف ذلك ~~بل من جهة نظر المجتهد فى مخارجها ومناطاتها والمجتهد لا تجب إصابته لما فى ~~نفس الأمر بل عليه الاجتهاد بمقدار وسعة PageV03P094 ~~والأنظار تختلف بإختلاف القرائح والتبحر فى علم الشريعة فلكل مأخذ يجرى ~~عليه وطريق يسلكه بحسبه لا بحسب ما فى نفس الأمر فخرج المنصوص من الأدلة عن ~~أن يكون متشابها بهذا الاعتبار وإنما قصاراه أن يصير إلى التشابه الإضافي ~~وهو الثاني أو إلى التشابه الثالث # ويدل على ذلك أنك تأخذ كل عالم فى ms551 نفسه وما حصل له من علم الشريعة فلا ~~تجد عنده من الأدلة المتشابهة والنصوص المجملة إلا النادر القليل لأنه أخذ ~~الشريعة مأخذ اطردت له فيه واستمرت أدلتها على استقامة ولو كان وقوع الخلاف ~~فى المسائل يستلزم تشابه أدلتها لتشابهت على أكثر الناس ولم يتخلص منها ~~بالبيان إلا القليل والأمر على ضد ذلك وما من مجتهد إلا وهو مقر بوضوح أدلة ~~الشرع وإن وقع الخلاف فى مسائلها ومعترف بأن قوله تعالى منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات على ظاهره من غير شك فيه فيستقرى من هذا إجماع على ~~أن المتشابه فى الشريعة قليل وإن اعترفوا بكثرة الخلاف ### || AUTO وأيضا فإن كل خلاف واقع لا يستمر أن يعد فى الخلاف أما أولا ~~فلما تقدم من أن الفرق الخارجة عن السنة حين لم تجمع بين أطراف الأدلة ~~تشابهت عليها المآخذ فضلت وما ضلت إلا وهى غير معتبرة القول فيما ضلت فيه ~~فخلافها لا يعد خلافا وهكذا ما جرى مجراها فى الخروج عن الجادة وإلى ذلك ~~فإن من الخلاف ما هو راجع فى المعنى إلى الوفاق وهذا مذكور فى - كتاب ~~الاجتهاد فسقط PageV03P095 ~~بسببه كثير مما يعد فى الخلاف وإذا روجع ما هنالك تبين منه هذا المقصد ~~ووجه آخر وهو أن كثيرا مما ليس بمحتاج إليه فى علم الشريعة قد أدخل فيها ~~وصار من مسائلها ولو فرض رفعه من الوجود رأسا لما اختل مما يحتاج إليه فى ~~الشريعة شئ بدليل ما كان عليه السلف الصالح في فهمها دع العرب المحفوظة ~~اللسان كالصحابة ومن يليهم من غيرهم بل من ولد بعد ما فسد اللسان فاحتاج ~~إلى علم كلام العرب كمالك والشافعي وأبي حنيفة ومن قبلهم أو بعدهم وأمثالهم ~~فلما دخلت تلك الأمور وقع الخلاف بسببها ولو لم تدخل فيها لم يقع ذلك الخلاف # ومن استقرى مسائل الشريعة وجد منها فى كلام المتأخرين عن تلك الطبقة كثيرا ### || AUTO وقد مر فى المقدمات تنبيه على هذا المعنى وفى - كتاب الإجتهاد ~~معرفة ما يحتاج إليه المجتهد من ms552 العلوم المعينة له على اجتهاده فإذا جمعت ~~هذه الأطراف تبين منها أن المتشابه قليل وأن المحكم هو الأمر العام الغالب ### || AUTO المسألة الرابعة # التشابه لا يقع فى القواعد الكلية وإنما يقع فى الفروع الجزئية والدليل ~~على ذلك من وجهين أحدهما الاستقراء أن الأمر كذلك والثانى أن الأصول لو ~~دخلها التشابه لكان أكثر الشريعة من المتشابه وهذا باطل وبيان ذلك أن الفرع ~~مبنى على أصله يصح بصحته ويفسد بفساده ويتضح باتضاحه ويخفى بخفائه وبالجملة ~~فكل وصف فى الأصل مثبت فى الفرع إذ كل فرع فيه PageV03P096 ~~ما في الأصل وذلك يقتضي أن الفروع المبنية على الأصول المتشابهة متشابهة ~~ومعلوم أن الأصول منوط بعضها ببعض في التفريع عليها فلو وقع في أصل من ~~الأصول اشتباه لزم سريانه في جميعها فلا يكون المحكم أم الكتاب لكنه كذلك ~~فدل على أن المتشابه لا يكون في شئ من أمهات الكتاب # فإن قيل فقد وقع في الأصول أيضا فإن أكثر الزائغين عن الحق إنما زاغوا في ~~الأصول لا في الفروع ولو كان زيغهم في الفروع لكان الأمر أسهل عليهم # فالجواب أن المراد بالأصول القواعد الكلية كانت في أصول الدين أو في أصول ~~الفقه أو في غير ذلك من معاني الشريعة الكلية لا الجزئية وعند ذلك لا نسلم ~~أن التشابه وقع فيها ألبتة وإنما في فروعها فالآيات الموهمة للتشبيه ~~والأحاديث التي جاءت مثلها فروع عن أصل التنزيه الذي هو قاعدة من قواعد ~~العلم الإلهي كما أن فواتح السور وتشابهها واقع ذلك في بعض فروع من علوم ~~القرآن بل الأمر كذلك أيضا في التشابه الراجع إلى المناط فإن الإشكال ~~الحاصل في الذكية المختلطة بالميتة من بعض فروع أصل التحليل والتحريم في ~~المناطات البينة وهي الأكثر فإذا اعتبر هذا المعنى لم يوجد التشابه في ~~قاعدة كلية ولا في أصل عام اللهم إلا أن يؤخذ التشابه على أنه الإضافي PageV03P097 ~~فعند ذلك فرق بين الأصول والفروع في ذلك ومن تلك الجهة حصل في العقائد ~~الزيغ والضلال وليس هو المقصود ههنا ولا هو ms553 مقصود صريح اللفظ وإن كان ~~مقصودا بالمعنى والله أعلم لأنه تعالى قال منه آيات محكمات الآية فأثبت فيه ~~متشابها وما هو راجع لغلط الناظر لا ينسب إلى الكتاب حقيقة وإن نسب إليه ~~فبالمجاز ### || AUTO المسألة الخامسة # تسليط التأويل على التشابه فيه تفصيل فلا يخلو أن يكون من المتشابه ~~الحقيقي أو من الإضافي فإن كان من الإضافي فلا بد منه إذا تعين بالدليل كما ~~بين العام بالخاص والمطلق بالمقيد والضروري بالحاجي وما أشبه ذلك لأن ~~مجموعهما هو المحكم وقد مر بيانه وأما إن كان من الحقيقي فغير لازم تأويله ~~إذ قد تبين في باب الإجمال والبيان أن المجمل لا يتعلق به تكليف أن كان ~~موحدا لأنه إما أن يقع بيانه بالقرآن الصريح أو بالحديث الصحيح PageV03P098 ### || AUTO منه الآية ثم قال والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وقد ذهب جملة من متأخرى الأمة إلى تسليط التأويل عليها أيضا رجوعا ~~إلى ما يفهم من اتساع العرب في كلامها من جهة الكناية والاستعارة والتمثيل ~~وغيرها من أنواع الاتساع تأنيسا للطالبين وبناء على استبعاد الخطاب بما لا ~~يفهم مع إمكان الوقوف على قوله والراسخون في العلم وهو أحد القولين ~~للمفسرين منهم مجاهد وهي مسألة اجتهادية ولكن الصواب من ذلك ما كان عليه ~~السلف وقد استدل الغزالي على صحة هذا المذهب بأمور ذكرها في كتابه المسمى - ~~بإلجام العوام فطالعه من هنالك ### || AUTO المسألة السادسة # إذ تسلط التأويل على المتشابه فيراعى في المؤول به أوصاف ثلاثة أن يرجع ~~إلى معنى صحيح في الاعتبار متفق عليه في الجملة بين المختلفين ويكون اللفظ PageV03P099 ~~المؤول قابلا له وذلك أن الاحتمال المؤول به إما أن يقبله اللفظ أولا فإن ~~لم يقبله فاللفظ نص لا احتمال فيه فلا يقبل التأويل وإن قبله اللفظ فإما أن ~~يجري على مقتضى العلم أولا فإن جرى على ذلك فلا إشكال في اعتباره لأن اللفظ ~~قابل له والمعنى المقصود من اللفظ لا يأباه فإطراحه إهمال لما هو ممكن ~~الاعتبار قصدا وذلك غير صحيح ms554 ما لم يقم دليل آخر على إهماله أو مرجوحيته ~~وأما إن لم يجر على مقتضى العلم فلا يصح أن يحمله اللفظ على حال والدليل ~~على ذلك أنه لو صح لكان الرجوع إليه مع ترك اللفظ الظاهر رجوعا إلى العمى ~~ورميا في جهالة فهو ترك للدليل لغير شيء وما كان كذلك فباطل # هذا وجه # ووجه ثان وهو أن التأويل إنما يسلط على الدليل لمعارضة ما هو أقوى منه PageV03P100 ~~فالناظر بين أمرين إما أن يبطل المرجوح جملة اعتمادا على الراجح ولا يلزم ~~نفسه الجمع وهذا نظر يرجع إلى مثله عند التعارض على الجملة وإما أن لا ~~يبطله ويعتمد القول به على وجه فذلك الوجه إن صح واتفق عليه فذاك وإن لم ~~يصح فهو نقض الغرض لأنه رام تصحيح دليله المرجوح لشيء لا يصح فقد أراد ~~تصحيح الدليل بأمر باطل وذلك يقتضى بطلانه عند ما رام أن يكون صحيحا هذا خلف # ووجه ثالث وهو أن تأويل الدليل معناه أن يحمل على وجه يصح كونه دليلا في ~~الجملة فرده إلى ما يصح رجوع إلى أنه دليل لا يصح على وجه وهو جمع بين ~~النقيضين ومثاله تأويل من تأول لفظ الخليل في قوله تعالى واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا بالفقير فإن ذلك يصير المعنى القرآني غير صحيح وكذلك تأويل ~~من تأول غوى من قوله وعصى آدم ربه فغوى أنه من غوى PageV03P101 ~~المعنى لا يختص بباب التأويل بل هو جار في باب التعارض والترجيح فإن ~~الإحتمالين قد يتواردان على موضوع واحد فيفتقر إلى الترجيح فيهما فذلك ثان ~~عن صحة قبول المحل لهما وصحتهما في أنفسهما والدليل في الموضعين واحد ### || AUTO الفصل الثاني في الأحكام والنسخ # ويشتمل على مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولا والذي نزل بها القرآن على النبي ~~صلى الله عليه وسلم بمكة ثم تبعها أشياء بالمدينة كملت بها تلك القواعد ~~التي وضع أصلها بمكة وكان أولها الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر ثم تبعه ~~ما هو من الأصول العامة كالصلاة وإنفاق ms555 المال وغير ذلك ونهى عن كل ما هو ~~كفر أو تابع للكفر كالافتراءآت التي افتروها من الذبح لغير الله وللشركاء ~~الذين ادعوهم افتراء على الله وسائر ما حرموه على أنفسهم أو أوجبوه من غير PageV03P102 ~~أصل مما يخدم أصل عبادة غير الله وأمر مع ذلك بمكارم الأخلاق كلها كالعدل ~~والإحسان والوفاء بالعهد وأخذ العفو والإعراض عن الجاهل والدفع بالتي هي ~~أحسن والخوف من الله وحده والصبر والشكر ونحوها ونهى عن مساوى الأخلاق من ~~الفحشاء والمنكر والبغي والقول بغير علم والتطفيف في المكيال والميزان ~~والفساد في الأرض والزنى والقتل والوأد وغير ذلك مما كان سائرا في دين ~~الجاهلية وإنما كانت الجزئيات المشروعات بمكة قليلة والأصول الكلية كانت في ~~النزول والتشريع أكثر # ثم لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واتسعت خطة الإسلام ~~كملت هنالك الأصول الكلية على تدريج كإصلاح ذات البين والوفاء بالعقود ~~وتحريم المسكرات وتحديد الحدود التي تحفظ الأمور الضرورية وما يكملها ~~ويحسنها ورفع الحرج بالتخفيفات والرخص وما أشبه ذلك كله تكميل للأصول الكلية PageV03P103 ~~فالنسخ إنما وقع معظمه بالمدينة لما اقتضته الحكمة الإلهية في تمهيد ~~الأحكام # وتأمل كيف تجد معظم النسخ إنما هو لما كان فيه تأنيس أولا للقريب العهد ~~بالإسلام واستئلاف لهم مثل كون الصلاة كانت صلاتين ثم صارت خمسا وكون إنفاق ~~المال مطلقا بحسب الخيرة في الجملة ثم صار محدودا مقدرا وأن القبلة كانت ~~بالمدينة بيت المقدس ثم صارت الكعبة وكحل نكاح المتعة ثم تحريمه وأن الطلاق ~~كان إلى غير نهاية على قول طائفة ثم صار ثلاثا والظهار كان طلاقا ثم صار ~~غير طلاق إلى غير ذلك مما كان أصل الحكم فيه باقيا على حاله قبل الإسلام ثم ~~أزيل أو كان أصل مشروعيته قريبا خفيفا ثم أحكم ### || AUTO المسألة الثانية # لما تقرر أن المنزل بمكة من أحكام الشريعة هو ما كان من الأحكام الكلية ~~والقواعد الأصولية في الدين على غالب الأمر اقتضى ذلك أن النسخ فيها قليل ~~لا كثير لأن النسخ لا يكون في الكليات وقوعا ms556 وإن أمكن عقلا PageV03P104 ~~ويدل على ذلك الاستقراء التام وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات ~~والحاجيات والتحسينيات وجميع ذلك لم ينسخ منه شئ بل إنما أتى بالمدينة ما ~~يقويها ويحكمها ويحصنها وإذا كان كذلك لم يثبت نسخ لكلي ألبتة ومن استقرى ~~كتب الناسخ والمنسوخ تحقق هذا المعنى فإنما يكون النسخ في الجزئيات منها ~~والجزئيات المكية قليلة # وإلى هذا فإن الاستقراء يبين أن الجزئيات الفرعية التي وقع فيها الناسخ ~~والمنسوخ بالنسبة إلى ما بقي محكما قليلة ويقوى هذا في قول من جعل المنسوخ ~~من المتشابه وغير المنسوخ من المحكم لقوله تعالى هو الذي أنزل عليك الكتاب ~~منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فدخول النسخ في الفروع المكية ~~قليل وهي قليلة فالنسخ فيها قليل فهو إذا بالنسبة إلى الأحكام المكية نادر # ووجه آخر وهو أن الأحكام إذا ثبتت على المكلف فادعاء النسخ فيها لا يكون ~~إلا بأمر محقق لأن ثبوتها على المكلف أولا محقق فرفعها بعد العلم PageV03P105 ~~بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق ولذلك أجمع المحققون على أن خبر الواحد ~~لا ينسخ القرآن ولا الخبر المتواتر لأنه رفع للمقطوع به بالمظنون فاقتضى ~~هذا أن ما كان من الأحكام المكية يدعي نسخه لا ينبغي قبول تلك الدعوى فيه ~~إلا مع قاطع بالنسخ بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين ولا دعوى الإحكام فيهما ### || AUTO فصل # وهكذا يقال في سائر الأحكام مكية كانت أو مدنية # ويدل على ذلك الوجهان الأخيران ووجه ثالث وهو أن غالب ما ادعى فيه النسخ ~~إذا تأمل وجدته متنازعا فيه ومحتملا وقريبا من التأويل بالجمع بين الدليلين ~~على وجه من كون الثاني بيانا لمجمل أو تخصيصا لعموم أو تقييدا لمطلق وما ~~أشبه ذلك من وجوه الجمع مع البقاء على الأصل من الإحكام في الأول والثاني ~~وقد أسقط ابن العربي من الناسخ والمنسوخ كثيرا بهذه الطريقة # وقال الطبري أجمع أهل العلم على أن زكاة الفطر فرضت ثم اختلفوا في نسخها ~~قال ابن النحاس فلما ثبتت بالإجماع وبالأحاديث الصحاح عن النبي صلى ms557 الله ~~عليه وسلم لم يجز أن تزال إلا بالإجماع أو حديث يزيلها ويبين نسخها ولم يأت ~~من ذلك شيء انتهى المقصود منه # ووجه رابع يدل على قلة النسخ وندوره أن تحريم ما هو مباح بحكم الأصل ليس ~~بنسخ عند الأصوليين كالخمر والربا فإن تحريمهما بعد ما كانا على حكم PageV03P106 ~~الأصل لا يعد نسخا لحكم الإباحة الأصلية ولذلك قالوا في حد النسخ إنه رفع ~~الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر ومثله رفع براءة الذمة بدليل وقد كانوا في ~~الصلاة يكلم بعضهم بعضا إلى أن نزل وقوموا لله قانتين # وروى أنهم كانوا يلتفتون في الصلاة إلى أن نزل الذين هم في صلاتهم خاشعون ~~قالوا وهذا إنما نسخ أمرا كانوا عليه وأكثر القرآن على ذلك معنى هذا أنهم ~~كانوا يفعلون ذلك بحكم الأصل من الإباحة فهو مما لا يعد نسخا وهكذا كل ما ~~أبطله الشرع من أحكام الجاهلية فإذا اجتمعت هذه الأمور ونظرت إلى الأدلة من ~~الكتاب والسنة لم يتخلص في يدك من منسوخها PageV03P107 ~~إلا ما هو نادر على أن ههنا معنى يجب التنبه له ليفهم اصطلاح القوم في النسخ # وهي ### || AUTO المسألة الثالثة # وذلك أن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه ~~في كلام الأصوليين فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا وعلى تخصيص العموم ~~بدليل متصل أو منفصل نسخا وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا كما يطلقون على ~~رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد ~~وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في ~~التكليف وإنما المراد ما جئ به آخرا فالأول غير معمول به والثاني هو ~~المعمول به # وهذا المعنى جار في تقييد المطلق فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده فلا ~~إعمال له في إطلاقه بل المعمل هو المقيد فكأن المطلق لم يفد مع مقيدة شيئا ~~فصار مثل الناسخ والمنسوخ وكذلك العام مع الخاص إذ كان ظاهر العام يقتضي ~~شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ فلما جاء ms558 الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن ~~الاعتبار فأشبه الناسخ المنسوخ إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة ~~وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقي السائر على الحكم الأول والمبين مع ~~المبهم كالمقيد مع المطلق فلما كان كذلك استسهل إطلاق PageV03P108 ~~لفظ النسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد # ولا بد من أمثلة تبين المراد فقد روى عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى ~~من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد إنه ناسخ لقوله تعالى ~~من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ~~وعلى هذا التحقيق تقييد لمطلق إذا كان قوله نؤته منها مطلقا ومعناه مقيد ~~بالمشيئة وهو قوله في الأخرى لمن نريد وإلا فهو إخبار والأخبار لا يدخلها النسخ # وقال في قوله والشعراء يتبعهم الغاوون إلى قوله وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون هو منسوخ بقوله إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا ~~الآية قال مكي وقد ذكر عن ابن عباس في أشياء كثيرة في القرآن فيها حرف ~~الاستثناء أنه قال منسوخ قال وهو مجاز لا حقيقة لأن المستثنى مرتبط ~~بالمستثنى منه بينه حرف الاستثناء أنه في بعض الأعيان الذين عمهم اللفظ ~~الأول والناسخ منفصل عن المنسوخ رافع لحكمه وهو بغير PageV03P109 ~~على أهلها إنه منسوخ بقوله ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ~~الآية وليس من الناسخ والمنسوخ في شيء غير أن قوله ليس عليكم جناح يثبت أن ~~البيوت في الآية الأخرى إنما يراد بها المسكونة # وقال في قوله انفروا خفافا وثقالا إنه منسوخ بقوله وما كان المؤمنون ~~لينفروا كافة والآيتان في معنيين ولكنه نبه على أن الحكم بعد غزوة تبوك أن ~~لا يجب النفير على الجميع # وقال في قوله تعالى قل الأنفال لله والرسول منسوخ بقوله واعلموا أنما ~~غنمتم من شىء فأن لله خمسه وإنما ذلك بيان لمبهم في قوله لله والرسول وقال ~~في قوله وما على الذين يتقون من حسابهم من ms559 شىء إنه منسوخ بقوله وقد نزل ~~عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الآية وآية الأنعام خبر ~~من الأخبار والأخبار لا تنسخ ولا تنسخ # وقال في قوله وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين PageV03P110 ~~وقال في قوله وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم ~~منه الآية إنه منسوخ بآية المواريث وقال مثله الضحاك والسدى وعكرمة # وقال الحسن منسوخ بالزكاة وقال ابن المسيب نسخه الميراث والوصية والجمع ~~بين الآيتين ممكن لاحتمال حمل الآية على الندب والمراد بأولى القربى من لا ~~يرث بدليل قوله وإذا حضر كما ترى الرزق بالحضور فإن المراد غير الوارثين ~~وبين الحسن أن المراد الندب أيضا بدليل آية الوصية والميراث فهو من بيان ~~المجمل والمبهم # وقال هو وابن مسعود في قوله وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به ~~الله فيغفر لمن يشاء إنه منسوخ بقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها بدليل أن ~~ابن عباس فسر الآية بكتمان الشهادة إذ تقدم قوله PageV03P111 ~~يحاسبكم به الله الآية فحصل أن ذلك من باب تخصيص العموم أو بيان المجمل # وقال في قوله ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها إنه منسوخ بقوله PageV03P112 ~~وقال في قوله ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها إنه منسوخ بقوله والقواعد ~~من النساء الآية وليس بنسخ إنما هو تخصيص لما تقدم من العموم # وعن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت في قوله تعالى وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم أنه ناسخ لقوله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه فإن ~~كان المراد أن طعام أهل الكتاب حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه فهو تخصيص ~~للعموم وإن كان المراد أن طعامهم حلال بشرط التسمية فهو أيضا من باب ~~التخصيص لكن آية الأنعام هي آية العموم المخصوص في الوجه الأول وفي الثاني بالعكس # وقال عطاء في قوله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره إنه منسوخ بقوله PageV03P113 ~~إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين إلى آخر الآيتين وإنما هو تخصيص ~~وبيان لقوله ومن ms560 يولهم فكأنه على معنى ومن يولهم وكانوا مثلى عدد المؤمنين ~~فلا تعارض ولا نسخ بالإطلاق الأخير وقال في قوله وأحل لكم ما وراء ذلكم إنه ~~منسوخ بالنهي عن نكاح المرأة على عمتها أو خالتها وهذا من باب تخصيص العموم # وقال وهب بن منبه في قوله ويستغفرون لمن في الأرض نسختها الآية التي في ~~غافر ويستغفرون للذين آمنوا وهذا معناه أن آية غافر مبينة لآية الشورى إذ ~~هو خبر محض والأخبار لا نسخ فيها وقال ابن النحاس هذا لا يقع فيها ناسخ ولا ~~منسوخ لأنه خبر من الله ولكن يجوز أن يكون وهب ابن منبه أراد أن هذه الآية ~~على نسخة تلك الآية لا فرق بينهما يعني أنهما بمعنى واحد وإحداهما تبين ~~الأخرى قال وكذا يجب أن يتأول للعلماء ولا يتأولوا عليهم الخطأ العظيم إذا ~~كان لما قالوه وجه قال والدليل على ما قلناه ما حدثناه أحمد بن محمد ثم ~~أسند عن قتادة فى قوله ويستغفرون لمن في الأرض قال للمؤمنين منهم # وعن عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب أن قوله والذين يكنزون ~~الذهب والفضة الآية منسوخ بقوله خذ من أموالهم صدقة وإنما هو بيان لما يسمى كنزا PageV03P114 ~~فاتقوا الله ما استطعتم وقاله الربيع ابن أنس والسدى وابن زيد وهذا من ~~الطراز المذكور لأن الآيتين مدنيتان ولم تنزلا إلا بعد تقرير أن الدين لا ~~حرج فيه وأن التكليف بما لا يستطاع مرفوع فصار معنى قوله اتقوا الله حق ~~تقاته فيما استطعتم وهو معنى قوله فاتقوا الله ما استطعتم فإنما أرادوا ~~بالنسخ أن إطلاق سورة آل عمران مقيد بسورة التغابن # وقال قتادة أيضا في قوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء إنه نسخ من ~~ذلك التي لم يدخل بها بقوله فما لكم عليهن من عدة تعتدونها والتي يئست من ~~المحيض والتي لم تحض بعد والحامل بقوله واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ~~إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر إلى قوله أن يضعن حملهن # وقال عبد الملك بن حبيب في قوله اعملوا ms561 ما شئتم وقوله فمن شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر وقوله لمن شاء منكم أن يستقيم إن ذلك منسوخ بقوله وما تشاؤن إلا ~~أن يشاء الله رب العالمين وهذه الآية إنما جاءت في معرض التهديد والوعيد ~~وهو معنى لا يصح نسخه فالمراد أن إسناد المشيئة للعباد ليس على ظاهره بل هي ~~مقيدة بمشيئة الله سبحانه # وقال في قوله الأعراب أشد كفرا ونفاقا وقوله ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق ~~مغرما إنه منسوخ بقوله ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر الآية وهذا ~~من الأخبار التي لا يصح نسخها والمقصود أن عموم الأعراب مخصوص بمن كفر دون من آمن # وقال أبو عبيد وغيره إن قوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك PageV03P115 ~~هم الفاسقون منسوخ بقوله إلا الذين تابوا من بعد ذلك الآية وقد تقدم لابن ~~عباس مثله # وقيل في قوله إن الله يغفر الذنوب جميعا منسوخ بقوله إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به الآية وهذا من باب تخصيص العموم لا من باب النسخ وفي قوله إنكم وما ~~تعبدون من دون الله حصب جهنم إنه منسوخ بقوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون وكذلك قوله تعالى وإن منكم إلا واردها منسوخ بها أيضا ~~وهو إطلاق النسخ في الأخبار وهو غير جائز قال مكي وأيضا فإن هذا لو نسخ ~~لوجب زوال حكم دخول المعبودين من دون الله كلهم النار لأن النسخ إزالة ~~الحكم الأول وحلول الثاني محله ولا يجوز زوال الحكم الأول في هذا بكليته ~~إنما زال بعضه فهو تخصيص وبيان وفي قوله ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات الآية إنه منسوخ بقوله ذلك لمن خشى العنت منكم وإنما هو ~~بيان لشرط نكاح الإماء المؤمنات PageV03P116 ~~والأمثلة هنا كثيرة توضح لك أن مقصود المتقدمين بإطلاق لفظ النسخ بيان ما ~~في تلقي الأحكام من مجرد ظاهره أشكال وإيهام لمعنى غير مقصود للشارع فهو ~~أعم من إطلاق الأصوليين فليفهم هذا وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة الرابعة # القواعد الكلية من الضروريات والحاجيات ms562 والتحسينيات لم يقع فيها نسخ ~~وإنما وقع النسخ في أمور جزئية بدليل الاستقراء فإن كل ما يعود بالحفظ على ~~الأمور الخمسة ثابت وإن فرض نسخ بعض جزئياتها فذلك لا يكون إلا بوجه آخر من ~~الحفظ وإن فرض النسخ في بعضها إلى غير بدل فأصل الحفظ باق إذ لا يلزم من ~~رفع بعض أنواع الجنس رفع الجنس # بل زعم الأصوليون أن الضروريات مراعاة في كل ملة وإن اختلفت أوجه الحفظ ~~بحسب كل ملة وهكذا يقتضي الأمر في الحاجيات والتحسينيات وقد قال الله تعالى ~~شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه وقال تعالى فاصبر كما صبر ~~أولو العزم من الرسل وقال بعد ذكر كثير من الأنبياء عليهم السلام أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده وقال تعالى وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها ~~حكم الله الآية وكثير من الآيات أخبر PageV03P117 ~~إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكرى وقال كتب عليكم ~~الصيام كما كتب على الذين من قبلكم وقال إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة ~~الآيات في منع الإنفاق وقال وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى سائر ما ~~في ذلك من معاني الضروريات # وكذلك الحاجيات فأنا نعلم أنهم لم يكلفوا بما لا يطاق هذا وإن كانوا قد ~~كلفوا بأمور شاقة فذلك لا يرفع أصل اعتبار الحاجيات ومثل ذلك التحسينيات ~~فقد قال تعالى أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر ~~وقوله فبهداهم اقتده يقتضي بظاهره دخول محاسن العادات من الصبر على الأذى ~~والدفع بالتي هي أحسن وغير ذلك # وأما قوله لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا فإنه يصدق على الفروع الجزئية وبه ~~تجتمع معاني الآيات والأخبار فإذا كانت الشرائع قد انفقت في الأصول مع وقوع ~~النسخ فيها وثبتت ولم تنسخ فهي في الملة الواحدة الجامعة لمحاسن الملل أولى ~~والله تعالى أعلم PageV03P118 ### || AUTO الفصل الثالث في الأوامر والنواهي # وفيه مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # الأمر والنهي ms563 يستلزم طلبا وإرادة من الآمر فالأمر يتضمن طلب المأمور به ~~وإرادة إيقاعه والنهي يتضمن طلبا لترك المنهى عنه وإرادة لعدم إيقاعه ومع ~~هذا ففعل المأمور به وترك المنهى عنه يتضمنان أو يستلزمان إرادة بها يقع ~~الفعل أو الترك أو لا يقع # وبيان ذلك أن الإرادة جاءت في الشريعة على معنيين أحدهما الإرادة الخلقية ~~القدرية المتعلقة بكل مراد فما أراد الله كونه كان وما أراد أن لا يكون فلا ~~سبيل إلى كونه أو تقول وما لم يرد أن يكون فلا سبيل إلى كونه PageV03P119 ~~والثاني الإرادة الأمرية المتعلقة بطلب إيقاع المأمور به وعدم إيقاع ~~المنهى عنه ومعنى هذه الإرادة أنه يحب فعل ما أمر به ويرضاه ويحب أن يفعله ~~المأمور ويرضاه منه من حيث هو مأمور به وكذلك النهي يحب ترك المنهى عنه ويرضاه # فالله عز وجل أمر العباد بما أمرهم به فتعلقت إرادته بالمعنى الثانى ~~بالأمر إذ الأمر يستلزمها لأن حقيقة إلزام المكلف الفعل أو الترك فلا بد أن ~~يكون ذلك الإلزام مرادا وإلا لم يكن إلزاما ولا تصور له معنى مفهوم وأيضا ~~فلا يمكن مع ذلك أن يريد الإلزام مع العرو عن إرادة إيقاع الملزم به على ~~المعنى المذكور لكن الله تعالى أعان أهل الطاعة فكان أيضا مريدا لوقوع ~~الطاعة منهم فوقعت على وفق إرادته بالمعنى الأول وهو القدري ولم يعن أهل ~~المعصية فلم يرد وقوع الطاعة منهم فكان الواقع الترك وهو مقتضى إرادته ~~بالمعنى الأول # والإرادة بهذا المعنى الأول لا يستلزمها الأمر فقد يأمر بما لا يريد ~~وينهى عما يريد وأما بالمعنى الثانى فلا يأمر إلا بما يريد ولا ينهى إلا ~~عما لا يريد # والإرادة على المعنيين قد جاءت فى الشريعة فقال تعالى فى الأولى فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد الله أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~الآية وفى حكاية نوح عليه السلام لا ينفعكم نصحي PageV03P120 ~~شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم إلى قوله ولكن الله يفعل ما يريد وهو ~~كثير جدا وقال ms564 فى الثانية يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ما يريد ~~الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم الآية يريد الله ليبين لكم ~~ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم إلى قوله يريد الله أن يخفف عنكم ~~وخلق الإنسان ضعيفا إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت وهو كثير ~~جدا أيضا # ولأجل عدم التنبه للفرق بين الإرادتين وقع الغلط في المسألة فربما نفى ~~بعض الناس الإرادة عن الأمر والنهي مطلقا وربما نفاها بعضهم عما لم يؤمر به ~~مطلقا وأثبتها في الأمر مطلقا ومن عرف الفرق بين الموضعين لم يلتبس عليه ~~شيء من ذلك وحاصل الإرادة الأمرية أنها إرادة التشريع ولا بد من إثباتها ~~بإطلاق والإرادة القدرية هي إرادة التكوين فإذا رأيت في هذا التقييد إطلاق ~~لفظ القصد وإضافته إلى الشارع فإلى معنى الإرادة التشريعية PageV03P121 ~~أشير وهي أيضا إرادة التكليف وهو شهير في علم الأصوليين أن يقولوا إرادة ~~التكوين ويعنون بالمعنى الثاني الذين يجرى ذكره بلفظ القصد في هذا الكتاب ~~ولا مشاحة في الاصطلاح والله المستعان ### || AUTO المسألة الثانية # الأمر بالمطلقات يستلزم قصد الشارع إلى إيقاعها كما أن النهي يستلزم قصده ~~لترك إيقاعها # وذلك أن معنى الأمر والنهي اقتضاء الفعل واقتضاء الترك ومعنى الاقتضاء ~~الطلب والطلب يستلزم مطلوبا والقصد لإيقاع ذلك المطلوب ولا معنى للطلب إلا هذا # ووجه ثان أنه لو تصور طلب لا يستلزم القصد لإيقاع المطلوب لأمكن أن يرد ~~أمر مع القصد لعدم إيقاع المأمور به وأن يرد نهي مع القصد لإيقاع المنهي ~~عنه وبذلك لا يكون الأمر أمرا ولا النهي نهيا هذا خلف ولصح PageV03P122 ~~انقلاب الأمر نهيا وبالعكس ولأمكن أن يوجد أمر أو نهي من غير قصد إلى ~~إيقاع فعل أو عدمه فيكون المأمور به أو المنهى عنه مباحا أو مسكوتا عن حكمه ~~وهذا كله محال # والثالث أن الأمر والنهي من غير قصد إلى إيقاع المأمور به وترك المنهى ~~عنه هو كلام الساهي والنائم والمجنون وذلك ليس بأمر ولا نهي باتفاق والأمر ~~في هذا أوضح ms565 من أن يستدل عليه # فإن قيل هذا مشكل من أوجه # أحدها أنه يلزم على هذا أن يكون التكليف بما لا يطاق مقصودا إلى إيقاعه ~~فإن المحققين اتفقوا على جواز ذلك وإن لم يقع فإن جوازه يستلزم صحة القصد ~~إلى إيقاعه والقصد إلى إيقاع ما لا يمكن إيقاعه عبث فيلزم أن يكون القصد ~~إلى الأمر بما لا يطاق عبثا وتجويز العبث على الله محال فكل ما يلزم عنه ~~محال وذلك استلزام القصد إلى الإيقاع بخلاف ما إذا قلنا إن الأمر لا يستلزم ~~القصد إلى الإيقاع فإنه لا يلزم منه محظور عقلي فوجب القول به PageV03P123 ~~والثاني أن مثل هذا يلزم في السيد إذا أمر عبده بحضرة ملك قد توعد السيد ~~على ضرب عبده زاعما أنه لا يطيعه وطلب تمهيد عذره بمشاهدة الملك فإنه يأمر ~~العبد وهو غير قاصد لإيقاع المأمور به لأن القصد هنا يستلزم قصده لإهلاك ~~نفسه وذلك لا يصدر من العقلاء فلم يصح أن يكون قاصدا وهو آمر وإذا لم يصح ~~لم يلزم أن يكون كل آمر قاصدا للمأمور به وكذلك النهي حرفا بحرف وهو ~~المطلوب # والثالث أن هذا لازم في أمر التعجيز نحو فليمدد بسبب إلى السماء وفي أمر ~~التهديد نحو اعملوا ما شئتم وما أشبه ذلك إذ معلوم أن المعجز والمهدد غير ~~قاصد لإيقاع المأمور به في تلك الصيغة # فالجواب عن الأول أن القصد إلى إيقاع ما لا يطاق لا بد منه ولا يلزم من ~~القصد إلى ذلك حصوله إذ القصد إلى الأمر بالشيء لا يستلزم إرادة الشئ إلا ~~على قول من يقول إن الأمر إرادة الفعل وهو رأي المعتزلة وأما الأشاعرة ~~فالأمر عندهم غير مستلزم للإرادة وإلا وقعت المأمورات كلها وأيضا PageV03P124 ~~لو فرض في تكليف ما لا يطاق عدم القصد إلى إيقاعه لم يكن تكليف ما لا يطاق ~~لأن حقيقته إلزام فعل ما لا يقدر على فعله وإلزام الفعل هو القصد إلى أن ~~يفعل أو لازم القصد إلى أن يفعل فإذا علم ذلك فلا تكليف به فهو ms566 طلب للتحصيل ~~لا طلب للحصول وبينهما فرق واضح # وهكذا القول في جميع الأسئلة فإن السيد إذا أمر عبده فقد طلب منه أن يحصل ~~ما أمر به ولم يطلب حصول ما أمره به وفرق بين طلب التحصيل وطلب الحصول # وأما أمر التعجيز والتهديد فليس في الحقيقة بأمر وإن قيل أنه أمر بالمجاز ~~فعلى ما تقدم إذ الأمر وإن كان مجازيا فيستلزم قصدا به يكون أمرا PageV03P125 ~~فيتصور وجه المجاز وإلا فلا يكون أمرا دون قصد إلى إيقاع المأمور به بوجه ### || AUTO المسألة الثالثة # الأمر بالمطلق لا يستلزم الأمر بالمقيد والدليل على ذلك أمور PageV03P126 ~~أحدها أنه لو استلزم الأمر بالمقيد لانتفى أن يكون أمرا بالمطلق وقد ~~فرضناه كذلك هذا خلف فإنه إذا قال الشارع أعتق رقبة فمعناه أعتق ما يطلق ~~عليه هذا الاسم من غير تعيين فلو كان يستلزم الأمر بالمقيد لكان معناه أعتق ~~الرقبة المعينة الفلانية فلا يكون أمرا بمطلق ألبتة # والثاني أن الأمر من باب الثبوت وثبوت الأعم لا يستلزم ثبوت الأخص فالأمر ~~بالأعم لا يستلزم الأمر بالأخص وهذا على اصطلاح بعض الأصوليين الذين ~~اعتبروا الكليات الذهنية في الأمور الشرعية # والثالث أنه لو كان أمرا بالمقيد فإما أن يكون معينا أو غير معين فإن كان ~~معينا لزم تكليف ما لا يطاق وقوعا فإنه لم يعين في النص وللزم أن يكون ذلك ~~المعين بالنسبة إلى كل مأمور وهذا محال وإن كان غير معين فتكليف ما لا يطاق ~~لازم أيضا لأنه أمر بمجهول والمجهول لا يتصحل به امتثال فالتكليف به محال ~~وإذا ثبت أن الأمر لا يتعلق بالمقيد لزم أن لا يكون PageV03P127 ~~قصد الشارع متعلقا بالمقيد من حيث هو مقيد فلا يكون مقصودا له لأنا قد ~~فرضنا أن قصده إيقاع المطلق فلو كان له قصد في إيقاع المقيد لم يكن قصده ~~إيقاع المطلق هذا خلف لا يمكن # فإن قيل هذا معارض بأمرين # أحدهما أنه لو كان الأمر بالمطلق من حيث هو مطلق لا يستلزم الأمر بالمقيد ~~لكان التكليف به محالا أيضا لأن المطلق ms567 لا يوجد في الخارج وإنما هو موجود ~~في الذهن والمكلف به يقتضى أن يوجد في الخارج إذ لا يقع به الامتثال إلا ~~عند حصوله فى الخارج وإذ ذاك يصير مقيدا فلا يكون بإيقاعه ممتثلا والذهني ~~لا يمكن إيقاعه في الخارج فلا يكون التكليف به تكليفا بما لا يطاق وهو ~~ممتنع فلا بد أن يكون الأمر به مستلزما للأمر بالمقيد وحينئذ يمكن الأمثال ~~فوجب المصير إليه بل القول به # والثاني أن المقيد لو لم يقصد في الأمر بالمطلق لم يختلف الثواب باختلاف ~~الأفراد الواقعة من المكلف لأنها من حيث الأمر بالمطلق على تساو فكان يكون ~~الثواب على تساو أيضا وليس كذلك بل يقع الثواب على مقادير المقيدات ~~المتضمنة لذلك المطلق فالمأمور بالعتق إذا أعتق أدون الرقاب كان له من ~~الثواب بمقدار ذلك وإذا أعتق الأعلى كان ثوابه أعظم وقد سئل عليه الصلاة ~~والسلام عن أفضل الرقاب فقال # أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها وأمر بالمغالاة في أثمان القربات كالضحايا ~~وبإكمال الصلاة وغيرها من العبادات حتى يكون الأمر فيها أعظم ولا خلاف في ~~أن قصد الأعلى في أفراد المطلقات المأمور بها PageV03P128 ~~أفضل وأكثر ثوابا من غيره فإذا كان التفاوت فى أفراد المطلقات موجبا ~~للتفاوت في الدرجات لزم من ذلك كون المقيدات مقصودة للشارع وإن حصل الأمر ~~بالمطلقات # فالجواب عن الأول أن التكليف بالمطلق عند العرب ليس معناه التكليف بأمر ~~ذهني بل معناه التكليف بفرد من الأفراد الموجودة في الخارج أو التي يصح ~~وجودها في الخارج مطابقا لمعنى اللفظ لو أطلق عليه اللفظ صدق وهو الاسم ~~النكرة عند العرب فإذا قال أعتق رقبة فالمراد طلب إيقاع العتق بفرد مما ~~يصدق عليه لفظ الرقبة فإنها لم تضع لفظ الرقبة إلا على فرد من الأفراد غير ~~مختص بواحد من الجنس هذا هو الذي تعرفه العرب والحاصل أن الأمر به أمر ~~بواحد كما في الخارج وللمكلف اختياره في الأفراد الخارجية # وعن الثاني أن ذلك التفاوت الذي التفت إليه الشارع إما أن يكون القصد ~~إليه مفهوما من نفس ms568 الأمر بالمطلق أو من دليل خارجي والأول ممنوع لما تقدم ~~من الأدلة ولذلك لم يقع التفاوت في الوجوب أو الندب الذي اقتضاه الأمر PageV03P129 ~~بالمطلق وإنما وقع التفاوت فى أمر آخر خارج عن مقتضى مفهوم المطلق وهذا ~~صحيح والثاني مسلم فإن التفاوت إنما فهم من دليل خارجي كالأدلة الدالة على ~~أن أفضل الرقاب أعلاها وأن الصلاة المشتملة على جميع آدابها المطلوبة أفضل ~~من التي نقص منها بعض ذلك وكذا سائر المسائل فمن هنالك كان مقصود الشارع ~~ولذلك كان ندبا لا وجوبا وإن كان الأصل واجبا لأنه زائد على مفهومه # فإذا القصد إلى تفضيل بعض الأفراد على بعض يستلزم القصد إلى الأفراد وليس ~~ذلك من جهة الأمر بالمطلق بل من دليل خارج فثبت أن القصد إلى المطلق من حيث ~~هو مطلق لا يستلزم القصد إلى المقيد من حيث هو مقيد # بخلاف الواجب المخير فإن أنواعه مقصودة للشارع بالإذن فإذا أعتق المكلف ~~رقبة أو ضحى بأضحية أو صلى صلاة ومثلها موافق للمطلق فله أجر ذلك من حيث هو ~~داخل تحت المطلق إلا أن يكون ثم فضل زائد فيثاب عليه بمقتضى الندب الخارجي ~~وهو مطلق أيضا وإذا كفر بعتق فله أجر العتق أو أطعم فأجر الإطعام أو كسا ~~فأجر الكسوة بحسب ما فعل لا لأن له أجر كفارة اليمين فقط من غير تقييد بما ~~كفر فإن تعيين الشارع المخير فيه يقتضي قصده إلى ذلك دون غيره وعدم تعيينه ~~في المطلقات يقتضي عدم قصده إلى ذلك # وقد اندرج هنا أصل آخر وهي ### || AUTO المسألة الرابعة # وترجمتها أن الأمر المخير يستلزم قصد الشارع إلى أفراده المطلقة المخير فيها ### || AUTO المسألة الخامسة # المطلوب الشرعي ضربان # أحدهما ما كان شاهد الطبع خادما له ومعينا على مقتضاه بحيث PageV03P130 ~~يكون الطبع الإنساني باعثا على مقتضى الطلب كالأكل والشرب والوقاع والبعد ~~عن استعمال القاذورات من أكلها والتضمخ بها أو كانت العادة الجارية من ~~العقلاء في محاسن الشيم ومكارم الأخلاق موافقة لمقتضى ذلك الطلب من غير ~~منازع طبيعي كستر العورة والحفظ على ms569 النساء والحرم وما أشبه ذلك # وإنما قيد بعدم المنازع تحرزا من الزنى ونحوه مما يصد فيه الطبع عن ~~موافقة الطلب # والثاني ما لم يكن كذلك كالعبادات من الطهارات والصلوات والصيام والحج ~~وسائر المعاملات المراعى فيها العدل الشرعي والجنايات والأنكحة المخصوصة ~~بالولاية والشهادة وما أشبه ذلك # فأما الضرب الأول فقد يكتفي الشارع في طلبه بمقتضى الجبلة الطبيعية PageV03P131 ~~والعادات الجارية فلا يتأكد الطلب تأكد غيره حوالة على الوازع الباعث على ~~الموافقة دون المخالفة وإن كان في نفس الأمر متأكدا ألا ترى أنه لم يوضع في ~~هذه الأشياء على المخالفة حدود معلومة زيادة على ما أخبر به من الجزاء ~~الأخروي ومن هنا يطلق كثير من العلماء على تلك الأمور أنها سنن أو مندوب ~~إليها أو مباحات على الجملة مع أنه لو خولف الأمر والنهي فيها مخالفة ظاهرة ~~لم يقع الحكم على وفق ذلك المقتضى كما جاء في قاتل نفسه أنه يعذب في جهنم ~~بما قتل به نفسه وجاء في مذهب مالك أن من صلى بنجاسة ناسيا فلا إعادة عليه ~~إلا استحسانا ومن صلى بها عامدا أعاد أبدا من حيث خالف الأمر الحتم فأوقع ~~على إزالة النجاسة لفظ السنة اعتمادا على الوازع الطبيعي والمحاسن العادية ~~فإذا خالف ذلك عمدا رجع إلى الأصل من الطلب الجزم فأمر بالإعادة أبدا وأبين ~~من هذا أنه لم يأت نص جازم في طلب الأكل والشرب واللباس الواقي من الحر ~~والبرد والنكاح الذي به بقاء النسل وإنما جاء ذكر هذه الأشياء في معرض ~~الإباحة أو الندب حتى إذا كان المكلف في مظنة مخالفة مخالفة الطبع أمر ~~وأبيح له المحرم إلى أشباه ذلك # وأما الضرب الثاني فإن الشارع قرره على مقتضاه من التأكيد في المؤكدات ~~والتخفيف في المخففات إذ ليس للإنسان فيه خادم طبعي باعث على مقتضى الطلب ~~بل ربما كان مقتضى الجبلة يمانعه وينازعه كالعبادات لأنها مجرد تكليف وكما ~~يكون ذلك في الطلب الأمري كذلك يكون في النهي فإن PageV03P132 ~~المنهيات على الضربين فالأول كتحريم الخبائث وكشف العورات وتناول السموم ~~واقتحام ms570 المهالك وأشباهها ويلحق بها اقتحام المحرمات لغير شهوة عاجلة ولا ~~باعث طبعي كالملك الكذاب والشيخ الزاني والعائل المستكبر فإن مثل هذا قريب ~~مما تخالفه الطباع ومحاسن العادات فلا تدعو إليه شهوة ولا يميل إليه عقل سليم # فهذا الضرب لم يؤكد بحد معلوم في الغالب ولا وضعت له عقوبة معينة بل جاء ~~النهي فيه كما جاء الأمر في المطلوبات التي لا يكون الطبع خادما لها إلا أن ~~مرتكب هذا لما كان مخالفا لوازع الطبع ومقتضى العادة إلى ما فيه من انتهاك ~~حرمة الشرع أشبه بذلك المجاهر بالمعاصي المعاند فيها بل هو هو فصار الأمر ~~في حقه أعظم بسبب أنه لا يستدعي لنفسه حظا عاجلا ولا يبقى لها PageV03P133 ~~في مجال العقلاء بل البهائم مرتبة ولأجل ذلك جاء من الوعيد في الثلاثة ~~الشيخ الزاني وأخويه ما جاء وكذلك فيمن قتل نفسه # بخلاف العاصي بسبب شهوة عنت وطبع غلب ناسيا لمقتضى الأمر ومغلقا عنه باب ~~العلم بمآل المعصية ومقدار ما جنى بمخالفة الأمر ولذلك قال تعالى إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة الآية أما الذي ليس له داع ~~إليها ولا باعث عليها فهو في حكم المعاند المجاهر فصار هاتكا لحرمة النهي ~~والأمر مستهزئا بالخطاب فكان الأمر فيه أشد ولكن كل ما كان الباعث فيه على ~~المخالفة الطبع جعل فيه في الغالب حدود وعقوبات مرتبة إبلاغا في الزجر عما ~~تقتضيه الطباع بخلاف ما خالف الطبع أو كان الطبع وازعا عنه فإنه لم يجعل له ~~حد محدود ### || AUTO فصل # هذا الأصل وجد منه بالاستقراء جمل فوقع التنبيه عليه لأجلها ليكون الناظر ~~في الشريعة ملتفتا إليه فإنه ربما وقع الأمر والنهي في الأمور الضرورية على ~~الندب أو الإباحة والتنزيه فيما يفهم من مجاريها فيقع الشك في كونها من ~~الضروريات كما تقدم تمثيله في الأكل والشرب واللباس والوقاع وكذلك وجوه ~~الاحتراس من المضرات والمهلكات وما أشبه ذلك فيرى أن ذلك لا يلحق ~~بالضروريات وهو منها في الاعتبار الاستقرائي شرعا وربما وجد الأمر بالعكس PageV03P134 ### || AUTO من هذا ms571 فلأجل ذلك وقع التنبيه عليه ليكون من المجتهد على بال ~~إلا أن ما تقدم هو الحكم المتحكم والقاعدة التي لا تنخرم فكل أحد وما رأى ~~والله المستعان وقد تقدم التنبيه على شيء منه في - كتاب المقاصد وهو مقيد ~~بما تقيد به هنا أيضا والله أعلم ### || AUTO المسألة السادسة # كل خصلة أمر بها أو نهى عنها مطلقا من غير تحديد ولا تقدير فليس الأمر أو ~~النهي فيها على وزان واحد في كل فرد من أفرادها كالعدل والإحسان والوفاء ~~بالعهد وأخذ العفو من الأخلاق والإعراض عن الجاهل والصبر والشكر ومواساة ذي ~~القربى والمساكين والفقراء والاقتصاد في الإنفاق والإمساك والدفع بالتي هي ~~أحسن والخوف والرجاء والانقطاع إلى الله والتوفية في الكيل والميزان واتباع ~~الصراط المستقيم والذكر لله وعمل الصالحات والاستقامة والاستجابة لله ~~والخشية والصفح وخفض الجناح للمؤمنين والدعاء إلى سبيل الله والدعاء ~~للمؤمنين والإخلاص والتفويض والإعراض عن اللغو وحفظ الأمانة وقيام الليل ~~والدعاء والتضرع والتوكل والزهد في الدنيا وابتغاء الآخرة والإنابة والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والتقوى والتواضع والافتقار إلى الله والتزكية ~~والحكم بالحق واتباع الأحسن والتوبة والإشفاق والقيام بالشهادة والاستعاذة ~~عند نزغ الشيطان والتبتل وهجر الجاهلين وتعظيم الله والتذكر والتحدث بالنعم ~~وتلاوة القرآن والتعاون على الحق والرهبة والرغبة وكذلك الصدق والمراقبة ~~وقول المعروف والمسارعة إلى الخيرات وكظم الغيظ وصلة الرحم والرجوع إلى ~~الله ورسوله عند التنازع والتسليم لأمر الله والتثبت في الأمور والصمت ~~والاعتصام بالله PageV03P135 ~~وإصلاح ذات البين والإخبات والمحبة لله والشدة على الكفار والرحمة ~~للمؤمنين والصدقة # هذا كله في المأمورات # وأما المنهيات فالظلم والفحش وأكل مال اليتيم واتباع السبل المضلة ~~والإسراف والإقتار والإثم والغفلة والاستكبار والرضى بالدنيا من الآخرة ~~والأمن من مكر الله والتفرق في الأهواء شيعا والبغي واليأس من روح الله ~~وكفر النعمة والفرح بالدنيا والفخر بها والحب لها ونقص المكيال والميزان ~~والإفساد في الأرض واتباع الآباء من غير نظر والطغيان والركون للظالمين ~~والإعراض عن الذكر ونقض العهد والمنكر وعقوق الوالدين والتبذير واتباع ~~الظنون والمشي في الأرض مرحا وطاعة من ms572 PageV03P136 ~~من اتبع هواه والإشراك في العبادة واتباع الشهوات والصد عن سبيل الله ~~والإجرام ولهو القلب والعدوان وشهادة الزور والكذب والغلو في الدين والقنوط ~~والخيلاء والاغترار بالدنيا واتباع الهوى والتكلف والاستهزاء بآيات الله ~~والاستعجال وتزكية النفس والنميمة والشح والهلع والدجر والمن والبخل والهمز ~~واللمز والسهو عن الصلاة والرياء ومنع المرافق وكذلك اشتراء الثمن القليل ~~بآيات الله ولبس الحق بالباطل وكتم العلم وقسوة القلب واتباع خطوات الشيطان ~~والإلقاء باليد إلى التهلكة وإتباع الصدقة بالمن والأذى واتباع المتشابه ~~واتخاذ الكافرين أولياء وحب الحمد بما لم يفعل والحسد والترفع عن حكم الله ~~والرضى بحكم الطاغوت والوهن للأعداء والخيانة ورمي البريء بالذنب وهو ~~البهتان ومشاقة الله والرسول واتباع غير سبيل المؤمنين والميل عن الصراط ~~المستقيم والجهر بالسوء من القول والتعاون على الإثم والعدوان والحكم بغير ~~ما أنزل الله والارتشاء على إبطال الأحكام والأمر بالمنكر والنهي عن ~~المعروف ونسيان الله والنفاق وعبادة الله على حرف والظن والتجسس والغيبة ~~والحلف الكاذبة وما أشبه ذلك من الأمور التي وردت مطلقة في الأمر والنهي لم ~~يؤت فيها بحد محدود إلا أن مجيئها في القرآن على ضربين PageV03P137 ~~أحدهما أن تأتي على العموم والإطلاق في كل شيء وعلى كل حال لكن بحسب كل ~~مقام وعلى ما تعطيه شواهد الأحوال في كل موضع لا على وزان واحد ولا حكم ~~واحد ثم وكل ذلك إلى نظر المكلف فيزن بميزان نظره ويتهدى لما هو اللائق ~~والأحرى في كل تصرف آخذا ما بين الأدلة الشرعية والمحاسن العادية كالعدل ~~والإحسان والوفاء بالعهد وإنفاق عفو المال وأشباه ذلك ألا ترى إلى قوله في الحديث # إن الله كتب الإحسان على كل شيء PageV03P138 ~~فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة الحديث الخ فقول الله تعالى إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان ليس الإحسان فيه مأمورا به أمرا جازما في كل شيء ولا غير ~~جازم في كل شيء بل ينقسم بحسب المناطات ألا ترى أن إحسان العبادات بتمام ~~أركانها من باب الواجب وإحسانها بتمام آدابها من باب المندوب ومنه إحسان ~~القتلة كما نبه عليه ms573 الحديث وإحسان الذبح إنما هو مندوب لا واجب وقد يكون ~~في الذبح من باب الواجب إذا كان هذا الإحسان راجعا إلى تتميم الأركان ~~والشروط وكذلك العدل في عدم المشي بنعل واحدة ليس كالعدل في أحكام الدماء ~~والأموال وغيرها فلا يصح إذا إطلاق القول في قوله تعالى إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان إنه أمر إيجاب أو أمر ندب حتى يفصل الأمر فيه وذلك راجع ~~إلى نظر المجتهد تارة وإلى نظر المكلف وإن كان مقلدا تارة أخرى بحسب ظهور ~~المعنى وخفائه # والضرب الثاني أن تأتي في أقصى مراتبها ولذلك تجد الوعيد مقرونا PageV03P139 ~~بها في الغالب وتجد المأمور به منها أوصافا لمن مدح الله من المؤمنين ~~والمنهى عنها أوصافا لمن ذم الله من الكافرين ويعين ذلك أيضا أسباب التنزيل ~~لمن استقراها فكان القرآن آتيا بالغايات تنصيصا عليها من حيث كان الحال ~~والوقت يقتضي ذلك ومنبها بها على ما هو دائر بين الطرفين حتى يكون العقل ~~ينظر فيما بينهما بحسب ما دله دليل الشرع فيميز بين المراتب بحسب القرب ~~والبعد من أحد الطرفين كي لا يسكن إلى حالة هي مظنة الخوف لقربها من الطرف ~~المذموم أو مظنة الرجاء لقربها من الطرف المحمود تربية حكيم خبير # وقد روى في هذا المعنى عن أبي بكر الصديق في وصيته لعمر بن الخطاب عند ~~موته حين قال له ألم تر أنه نزلت آية الرخاء مع آية الشدة وآية الشدة مع PageV03P140 ~~آية الرخاء ليكون المؤمن راغبا راهبا فلا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ~~ما ليس له ولا يرهب رهبة يلقى فيها بيده إلى التهلكة أولم تر يا عمر أن ~~الله ذكر أهل النار بسيء أعمالهم لأنه رد عليهم ما كان لهم من حسن فإذا ~~ذكرتهم قلت إني أخشى أن أكون منهم وذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز ~~لهم عما كان لهم من سيء فإذا ذكرتهم قلت إني مقصر أين عملي من أعمالهم هذا ~~ما نقل وهو معنى ما تقدم فإن صح فذاك وإلا فالمعنى صحيح يشهد له ms574 الاستقراء ~~وقد روى أولم تر يا عمر أن الله ذكر أهل النار بسيء أعمالهم لأنه رد عليهم ~~ما كان لهم من حسن فيقول قائل أنا خير منهم فيطمع وذكر أهل الجنة بأحسن ~~أعمالهم لأنه تجاوز لهم عما كان لهم من سيء فيقول قائل من أين أدرك درجتهم ~~فيجتهد والمعنى على هذه الرواية صحيح أيضا يتنزل على المساق المذكور فإذا ~~كان الطرفان مذكورين كان الخوف والرجاء جائلا بين هاتين الأخيتين ~~المنصوصتين في محل مسكوت عنه لفظا منبه عليه تحت نظر العقل ليأخذ كل على ~~حسب اجتهاده ودقة نظره ويقع التوازن بحسب القرب من أحد الطرفين والبعد من الآخر # وأيضا فمن حيث كان القرآن آتيا بالطرفين الغائبين حسبما اقتضاه المساق ~~فإنما أتى بهما في عبارات مطلقة تصدق على القليل والكثير فكما يدل المساق ~~على أن المراد أقصى المحمود أو المذموم في ذلك الإطلاق كذلك قد يدل PageV03P141 ~~اللفظ على القليل والكثير من مقتضاه فيزن المؤمن أوصافه المحمودة فيخاف ~~ويرجو ويزن أوصافه المذمومة فيخاف أيضا ويرجو مثال ذلك أنه إذا نظر فى قوله ~~تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان فوزن نفسه في ميزان العدل عالما أن ~~أقصى العدل الإقرار بالنعم لصاحبها وردها إليه ثم شكره عليها وهذا هو ~~الدخول في الإيمان والعمل بشرائعه والخروج عن الكفر وإطراح توابعه فإن وجد ~~نفسه متصفا بذلك فهو يرجو أن يكون من أهله ويخاف أن لا يكون يبلغ في هذا ~~المدى غايته لأن العبد لا يقدر على توفية حق الربوبية في جميع أفراد هذه ~~الجملة فإن نظر بالتفصيل فكذلك أيضا فإن العدل كما يطلب في الجملة يطلب في ~~التفصيل كالعدل بين الخلق إن كان حاكما والعدل في أهله وولده ونفسه حتى ~~العدل في البدء بالميامن في لباس النعل ونحوه كما أن هذا جار في ضده وهو ~~الظلم فإن أعلاه الشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ثم في التفاصيل أمور كثيرة ~~أدناها مثلا البدء بالمياسر وهكذا سائر الأوصاف وأضدادها فلا يزال المؤمن ~~في نظر واجتهاد في هذه الأمور حتى ms575 يلقى الله وهو على ذلك # فلأجل هذا قيل إن الأوامر والنواهي المتعلقة بالأمور المطلقة ليست على ~~وزان واحد بل منها ما يكون من الفرائض أو من النوافل في المأمورات ومنها ما ~~يكون من المحرمات أو من المكروهات في المنهيات لكنها وكلت إلى أنظار ~~المكلفين ليجتهدوا في نحو هذه الأمور # كان الناس من السلف الصالح يتوقفون عن الجزم بالتحريم ويتحرجون عن أن ~~يقولوا حلال أو حرام هكذا صراحا بل كانوا يقولون في الشيء إذا سئلوا عنه لا ~~أحب هذا وأكره هذا ولم أكن لأفعل هذا وما أشبهه لأنها أمور مطلقة في ~~مدلولاتها غير محدودة في الشرع تحديدا يوقف عنده لا يتعدى وقد قال تعالى ~~ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله ~~الكذب وقد جاء مما يعضد هذا الأصل زيادة PageV03P142 ~~إيمانهم بظلم الآية فإنها لما نزلت قال الصحابة وأينا لم يظلم فنزلت إن ~~الشرك لظلم عظيم وفي رواية لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ### || AUTO ليس بذلك ألا تسمع إلى قول لقمان إن الشرك لظلم عظيم وفي - الصحيح # آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان فقال ابن ~~عباس وابن عمر وذكرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أهمهما من هذا ~~الحديث فضحك عليه الصلاة والسلام فقال # ما لكم ولهن إنما خصصت بهن المنافقين ما قولي إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل ~~الله علي إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله الآية أفأنتم كذلك ~~قلنا لا قال لا عليكم أنتم من ذلك برآء وأما قولي إذا وعد أخلف فذلك فيما ~~أنزل علي ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن الآيات الثلاث ~~أفأنتم كذلك قلنا لا قال لا عليكم أنتم من ذلك برآء وأما قولي إذا ائتمن ~~خان فذلك فيما أنزل الله علي إنا عرضنا الأمانة على السموات ms576 والأرض والجبال ~~الآية فكل إنسان مؤتمن على دينه فالمؤمن يغتسل من الجنابة في السر ~~والعلانية ويصوم ويصلي في السر والعلانية PageV03P143 ~~والمنافق لا يفعل ذلك أفأنتم كذلك قلنا لا قال لا عليكم أنتم من ذلك براء # ومن تأمل الشريعة وجد من هذا ما يطمئن إليه قلبه في اعتماد هذا الأصل # وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة السابعة # الأوامر والنواهي ضربان صريح وغير صريح فأما الصريح فله نظران أحدهما من ~~حيث مجردة لا يعتبر فيه علة مصلحية وهذا نظر من يجري مع مجرد الصيغة مجرى ~~التعبد المحض من غير تعليل فلا فرق عند صاحب هذا النظر بين أمر وأمر ولا ~~بين نهي ونهي كقوله أقيموا الصلاة مع قوله # اكلفوا من العمل ما لكم به طاقة وقوله فاسعوا إلى ذكر الله مع قوله وذروا ~~البيع وقوله ولا تصوموا يوم النحر مثلا مع قوله لا تواصلوا وما أشبه ذلك ~~مما يفهم فيه التفرقة بين الأمرين # وهذا نحو ما في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام خرج على أبي ابن كعب وهو ~~يصلي فقال عليه الصلاة والسلام # يا أبي فالتفت إليه ولم يجبه وصلى ف PageV03P144 ~~لما يحييكم قال بلى يا رسول الله ولا أعود إن شاء الله وهو في البخاري عن ~~أبي سعيد بن المعلى وأنه صاحب القصة فهذا منه عليه الصلاة والسلام إشارة ~~إلى النظر لمجرد الأمر وإن كان ثم معارض وفي أبي داود أن ابن مسعود جاء يوم ~~الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فسمعه يقول اجلسوا فجلس بباب المسجد ~~فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له تعال يا عبد الله وسمع عبد الله ابن ~~رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالطريق يقول اجلسوا فجلس بالطريق ~~فمر به عليه الصلاة والسلام فقال ما شأنك فقال سمعتك تقول اجلسوا # فقال له زادك الله طاعة وفي البخاري قال عليه الصلاة والسلام يوم الأحزاب # لا يصل أحد العصر إلا في بني قريظة فأدركهم وقت العصر في الطريق فقال ~~بعضهم لا نصلى حتى نأتيها وقال بعضهم ms577 بل نصلى ولم يرد منا ذلك فذكر ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدة من الطائفتين وكثير من الناس ~~فسخوا البيع الواقع في وقت النداء لمجرد قوله تعالى وذروا البيع # وهذا وجه من الاعتبار يمكن الانصراف إليه والقول به PageV03P145 ~~به عاما وإن كان غيره أرجح منه وله مجال في النظر منفسح فمن وجوهه أن يقال ~~لا يخلو أن نعتبر في الأوامر والنواهى المصالح أولا فإن لم نعتبرها فذلك ~~أحرى في الوقوف مع مجردها وإن اعتبرناها فلم يحصل لنا من معقولها أمر يتحصل ~~عندنا دون اعتبار الأوامر والنواهي فإن المصلحة وإن علمناها على الجملة ~~فنحن جاهلون بها على التفصيل فقد علمنا أن حد الزنى مثلا لمعنى الزجر بكونه ~~في المحصن الرجم دون ضرب العنق أو الجلد إلى الموت أو إلى عدد معلوم أو ~~السجن أو الصوم أو بذل مال كالكفارات وفى غير المحصن جلد مائة وتغريب عام ~~دون الرجم أو القتل أو زيادة عدد الجلد على المائة أو نقصانه عنها إلى غير ~~ذلك من وجوه الزجر الممكنة في العقل هذا كله لم نقف على تحقيق المصلحة فيما ~~حد فيه على الخصوص دون غيره وإذا لم نعقل ذلك ولا يمكن ذلك للعقول دل على ~~أن فيما حد من ذلك مصلحة لا نعلمها وهكذا يجرى الحكم في سائر ما يعقل معناه PageV03P146 ### || AUTO أما التعبدات فهي أحرى بذلك فلم يبق لنا إذا وزر دون الوقوف ~~مع مجرد الأوامر والنواهى وكثيرا ما يظهر لنا ببادىء الرأي للأمر أو النهي ~~معنى مصلحي ويكون في نفس الأمر بخلاف ذلك يبينه نص آخر يعارضه فلا بد من ~~الرجوع إلى ذلك النص دون اعتبار ذلك المعنى وأيضا فقد مر في - كتاب المقاصد ~~أن كل أمر ونهي لا بد فيه من معنى تعبدي وإذا ثبت هذا لم يكن لإهماله سبيل ~~فكل معنى يؤدى إلى عدم اعتبار مجرد الأمر والنهي لا سبيل إلى الرجوع إليه ~~فإذا المعنى المفهوم للأمر والنهي إن كر عليه بالإهمال فلا سبيل إليه وإلا ~~فالحاصل ms578 الرجوع إلى الأمر والنهي دونه فآل الأمر في القول باعتبار المصالح ~~أنه لا سبيل إلى اعتبارها مع الأمر والنهي وهو المطلوب # ولا يقال إن عدم الالتفات إلى المعاني إعراض عن مقاصد الشارع المعلومة ~~كما في قول القائل لا يجوز الوضوء بالماء الذي بال فيه الإنسان فإن كان قد PageV03P147 ~~بال في إناء ثم صبه في الماء جاز الوضوء به # لأنا نقول هذا أيضا معارض بما يضاده في الطرف الآخر في تتبع المعانى مع ~~إلغاء الصيع كما قيل في قوله عليه الصلاة والسلام # في أربعين شاة شاة إن المعني قيمة شاة لأن المقصود سد الخلة وذلك حاصل ~~بقيمة الشاة فجعل الموجود معدوما والمعدوم موجود وأدى ذلك إلى أن لا تكون ~~الشاة واجبة وهو عين المخالفة وأشباه ذلك من أوجه المخالفة الناشئة عن تتبع ~~المعاني وإذا كانت المعاني غير معتبرة بإطلاق وإنما تعتبر من حيث هي مقصود ~~الصيغ فاتباع أنفس الصيغ التى هى الأصل واجب لأنها مع المعاني كالأصل مع ~~الفرع ولا يصح اتباع الفرع مع إلغاء الأصل ويكفي من التنبيه على رجحان هذا ~~النحو ما ذكر # والثاني من النظرين هو من حيث يفهم من الأوامر والنواهى قصد شرعي بحسب ~~الاستقراء وما يقترن بها من القرائن الحالية أو المقالية الدالة على أعيان PageV03P148 ~~المصالح في المأمورات والمفاسد في المنهيات فإن المفهوم من قوله أقيموا ~~الصلاة المحافظة عليها والإدامة لها ومن قوله # اكلفوا من العمل ما لكم به طاقة الرفق بالمكلف خوف العنت أو الانقطاع لا ~~أن المقصود نفس التقليل من العبادة أو ترك الدوام على التوجه لله وكذلك ~~قوله فاسعوا إلى ذكر الله مقصودة الحفظ على إقامة الجمعة وعدم التفريط فيها ~~لا الأمر بالسعي إليها فقط وقوله وذروا البيع جار مجرى التوكيد لذلك بالنهي ~~عن ملابسة الشاغل عن السعي لا أن المقصود النهي عن البيع مطلقا في ذلك ~~الوقت على حد النهي عن بيع الغرر أو بيع الربا أو نحوهما وكذلك إذا قال # لا تصوموا يوم النحر المفهوم منه مثلا قصد الشارع إلى ترك ms579 إيقاع الصوم ~~فيه خصوصا ومن قوله # لا تواصلوا أو قوله # لا تصوموا الدهر الرفق بالمكلف أن لا يدخل فيما لا يحصيه ولا يدوم عليه ~~ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يواصل ويسرد الصوم PageV03P149 ~~الصلاة فانتشروا في الأرض إذ علم قطعا أن مقصود الشارع ليس ملابسة ~~الاصطياد عند الإحلال ولا الانتشار عند انقضاء الصلاة وإنما مقصودة أن سبب ~~المنع من هذه الأشياء قد زال وهو انقضاء الصلاة وزوال حكم الإحرام # فهذا النظر يعضده الاستقراء أيضا وقد مر منه أمثلة # وأيضا فقد قام الدليل على اعتبار المصالح شرعا وأن الأوامر والنواهى ~~مشتملة عليها فلو تركنا اعتبارها على الإطلاق لكنا قد خالفنا الشارع من حيث ~~قصدنا موافقته فإن الفرض أن هذا الأمر وقع لهذه المصلحة فإذا ألغينا النظر ~~فيها في التكليف بمقتضى الأمر كنا قد أهملنا في الدخول تحت حكم الأمر ما ~~اعتبره الشارع فيه فيوشك أن نخالفه في بعض موارد ذلك الأمر وذلك أن الوصال PageV03P150 ~~وسرد الصيام قد جاء النهي عنه وقد واصل عليه الصلاة والسلام بأصحابه حين ~~نهاهم فلم ينتهوا وفي هذا أمران إن أخذنا بظاهر النهي أحدهما أنه نهاهم فلم ~~ينتهوا فلو كان المقصود من النهي ظاهره لكانوا قد عاندوا نهيه بالمخالفة ~~مشافهة وقابلوه بالعصيان صراحا وفي القول بهذا ما فيه والآخر أنه واصل بهم ~~حين لم يمتثلوا نهيه ولو كان النهي على ظاهره لكان تناقضا وحاشى لله من ذلك ~~وإنما كان ذلك النهي للرفق بهم خاصة وإبقاء عليهم فلما لم يسامحوا أنفسهم ~~بالراحة وطلبوا فضيلة احتمال التعب في مرضاة الله أراد عليه الصلاة والسلام ~~أن يريهم بالفعل ما نهاهم لأجله وهو دخول المشقة حتى يعلموا أن نهيه عليه ~~الصلاة والسلام هو الرفق بهم والأخلق بالضعفاء الذين لا يصبرون على احتمال ~~اللأواء في مرضاة ربهم # وأيضا فإن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أشياء وأمر بأشياء وأطلق ~~القول فيها إطلاقا ليحملها المكلف في نفسه وفي غيره على التوسط لا على ~~مقتضى الإطلاق الذى يقتضيه لفظ الأمر والنهي فجاء الأمر بمكارم الأخلاق ms580 ~~وسائر الأمور المطلقة والنهي عن مساوى الأخلاق وسائر المناهي المطلقة وقد ~~تقدم أن المكلف جعل له النظر فيها بحسب ما يقتضيه حاله ومنته ومثل ذلك لا ~~يتأتى مع الحمل على الظاهر مجردا من الالتفات إلى المعاني وقد نهى عليه ~~الصلاة والسلام عن بيع الغرر وذكر منه أشياء كبيع الثمرة قبل أن تزهى PageV03P151 ~~وبيع حبل الحبلة والحصاة وغيرها وإذا أخذنا بمقتضى مجرد الصيغة امتنع ~~علينا بيع كثير مما هو جائز بيعه وشراؤه كبيع الجوز واللوز والقسطل في ~~قشرها وبيع الخشبة والمغيبات في الأرض والمقاثى كلها بل كان يمتنع كل ما ~~فيه وجه مغيب كالديار والحوانيت المغيبة الأسس والأنقاض وما أشبه ذلك مما ~~لا يحصى ولم يأت فيه نص بالجواز ومثل هذا لا يصح فيه القول بالمنع أصلا لأن ~~الغرر المنهى عنه محمول على ما هو معدود عند العقلاء غررا مترددا بين ~~السلامة والعطب فهو مما خص بالمعنى المصلحي ولا يتبع فيه اللفظ بمجرده PageV03P152 ~~وأيضا فالأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساو في دلالة الاقتضاء ~~والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب وما هو نهي تحريم أو كراهة لا ~~تعلم من النصوص وإن علم منها بعض فالأكثر منها غير معلوم وما حصل لنا الفرق ~~بينها إلا باتباع المعانى والنظر الى للمصالح وفي أي مرتبة تقع وبالاستقراء ~~المعنوي ولم نستند فيه لمجرد الصيغة وإلالزم في الأمر أن لا يكون في ~~الشريعة إلا على قسم واحد لا على أقسام متعددة والنهى كذلك أيضا بل نقول ~~كلام العرب على الإطلاق لا بد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ ~~وإلاصار ضحكة وهزءة ألا ترى إلى قولهم فلان أسد أو حمار أو عظيم الرماد أو ~~جبان الكلب وفلانة بعيدة مهوى القرط وما لا ينحصر من الأمثلة لو اعتبر ~~اللفظ بمجرده لم يكن له معنى معقول فما ظنك بكلام الله وكلام رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى هذا المساق يجري التفريق بين البول في الماء الدائم ~~وصبه من الإناء فيه # وقد حكى أمام الحرمين ms581 عن ابن سريج أنه ناظر أبا بكر بن داود الأصبهاني PageV03P153 ### || AUTO في القول بالظاهر فقال له ابن سريج أنت تلتزم الظواهر وقد قال ~~تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين فقال ~~مجيبا الذرتان ذرة وذرة فقال ابن سريج فلو عمل مثقال ذرة ونصف فتبلد وانقطع ~~وقد نقل عياض عن بعض العلماء أن مذهب داود بدعة ظهرت بعد المائتين وهذا وإن ~~كان تغاليا في رد العمل بالظاهر فالعمل بالظواهر أيضا على تتبع وتغال بعيد ~~عن مقصود الشارع كما أن إهمالها إسراف أيضا كما تقدم في آخر - كتاب المقاصد ~~وسيذكر بعد إن شاء الله تعالى ### || AUTO فصل # فإذا ثبت هذا وعمل العامل على مقتضى المفهوم من علة الأمر والنهي فهو جار ~~على السنن القويم موافق لقصد الشارع في ورده وصدره ولذلك أخذ السلف الصالح ~~أنفسهم بالإجتهاد في العبادة والتحري في الأخذ بالعزائم وقهروها تحت مشقات ~~التعبد فإنهم فهموا أن الأوامر والنواهي واردة مقصودة من جهة الآمر والناهى ~~لينظر كيف تعملون وليبلوكم أيكم أحسن عملا لكن لما كان المكلف ضعيفا في ~~نفسه ضعيفا في عزمه ضعيفا في صبره عذره ربه الذي علمه كذلك وخلقه عليه فجعل ~~له من جهة ضعفه رفقا يستند إليه في الدخول في الأعمال وأدخل في قلبه حب ~~الطاعة وقواه عليها وكان معه عند صبره على بعض الزعازع المشوشة والخواطر ~~المشغبة وكان من جملة الرفق به أن جعل له مجالا في رفع الحرج عند صدماته ~~وتهيئة له في أول العمل بالتخفيف استقبالا بذلك ثقل المداومة حتى لا يصعب ~~عليه البقاء فيه والاستمرار عليه فإذا داخل العبد حب الخير وانفتح له يسر ~~المشقة صار الثقيل عليه خفيفا فتوخى مطلق الأمر بالعبادة بقوله وتبتل إليه ~~تبتيلا وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فكأن PageV03P154 ~~فصل # وأما الأوامر والنواهي غير الصريحة فضروب # أحدها ما جاء مجيء الأخبار عن تقرير الحكم كقوله تعالى كتب عليكم الصيام ~~والوالدات يرضعن أولادهن ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ~~فكفارته إطعام عشرة ms582 مساكين وأشباه ذلك مما فيه معنى الأمر فهذا ظاهر الحكم ~~وهو جار مجرى الصريح من الأمر والنهي # والثاني ما جاء مجيء مدحه أو مدح فاعله في الأوامر أو ذمه أو ذم فاعله في ~~النواهي وترتيب الثواب على الفعل في الأوامر وترتيب العقاب في النواهي أو ~~الإخبار بمحبة الله في الأوامر والبغض والكراهية أو عدم الحب في النواهي ~~وأمثلة هذا الضرب ظاهرة كقوله والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ~~وقوله بل أنتم قوم مسرفون وقوله ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات ومن يعص ~~الله ورسوله ويتعد حدوده ندخله نارا وقوله والله يحب المحسنين وقوله إنه لا ~~يحب المسرفين ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم وما أشبه ذلك فإن ~~هذه الأشياء دالة PageV03P155 ~~على طلب الفعل في المحمود وطلب الترك في المذموم من غير إشكال # والثالث ما يتوقف عليه المطلوب كالمفروض في مسألة ما لا يتم الواجب إلا ~~به وفي مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده وكون المباح مأمورا به بناء ~~على قول الكعبي وما أشبه ذلك من الأوامر والنواهي التى هى لزومية للأعمال ~~لا مقصودة لأنفسها وقد اختلف الناس فيها وفي اعتبارها ### || AUTO وذلك مذكور في الأصول ولكن إذا بنينا على اعتبارها فعلى القصد ~~الثاني لا على القصد الأول بل هى أضعف في الاعتبار من الأوامر والنواهى ~~الصريحة التبعية كقوله وذروا البيع لأن رتبة الصريح ليست كرتبة الضمني في ~~الاعتبار أصلا وقد مر في - كتاب المقاصد أن المقاصد الشرعية ضربان مقاصد ~~أصلية ومقاصد تابعة فهذا القسم في الأوامر والنواهى مستمد من ذلك وفي PageV03P156 ### || AUTO الفرق بينهما فقه كثير ولا بد من ذكر مسألة تقررها في فصل ~~يبين ذلك حتى تتخذ دستورا لأمثالها في فقه الشريعة بحول الله # فصل # الغصب عند الفقهاء هو التعدي على الرقاب والتعدي مختص بالتعدي على ~~المنافع دون الرقاب # فإذا قصد الغاصب تملك رقبة المغصوب فهو منهى عن ذلك آثم فيما فعل من جهة ~~ما قصد وهو لم يقصد إلا الرقبة فكان النهي أولا ms583 عن الاستيلاء على الرقبة ~~وأما التعدي على المنافع فالقصد فيه تملك المنافع دون الرقبة فهو منهي عن ~~ذلك الانتفاع من جهة ما قصد وهو لم يقصد إلا المنافع لكن كل واحد منهما ~~يلزمه الآخر بالحكم التبعي وبالقصد الثاني لا بالقصد الأول PageV03P157 ~~فإذا كان غاصبا فهو ضامن للرقاب لا للمنافع وإنما يضمن قيمة الرقبة يوم ~~الغصب لا بأرفع القيم لأن الانتفاع تابع فإذا كان تابعا صار النهي عن ~~الانتفاع تابعا للنهي عن الاستيلاء على الرقبة فلذلك لا يضمن قيمة المنافع ~~إلا على قول بعض العلماء بناء على أن المنافع مشاركة في القصد الأول ~~والأظهر أن لا ضمان عليه لعموم قوله عليه الصلاة والسلام # الخراج بالضمان وسبب ذلك ما ذكر من أن النهي عن الإنتفاع غير مقصود لنفسه ~~بل هو تابع للنهي عن الغصب وإنما هو شبيه بالبيع وقت النداء فإذا كان البيع ~~مع التصريح بالنهي صحيحا عند جماعة من العلماء لكونه غير مقصود في نفسه ~~فأولى أن يصح مع النهي الضمني # وهذا البحث جار في مسألة ما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب أم لا فإن ~~قلنا غير واجب فلا إشكال وإن قلنا واجب فليس وجوبه مقصودا PageV03P158 ~~في نفسه وكذلك مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده والنهي عن الشيء هل هو ~~أمر بأحد أضداده فإن قلنا بذلك فليس بمقصود لنفسه فلا يكون للأمر والنهي ~~حكم منحتم إلا عند فرضه مقصودا بالقصد الأول وليس كذلك # وأما إذا كان متعديا فضمانة ضمان التعدي لا ضمان الغصب فإن الرقبة تابعة ~~فإذا كان كذلك صار النهي عن إمساك الرقبة تابعا للنهي عن الاستيلاء على ~~المنافع فلذلك يضمن بأرفع القيم مطلقا ويضمن ما قل وما كثر وأما ضمان ~~الرقبة في التعدي فعند التلف خاصة من حيث كان تلفها عائدا على المنافع ~~بالتلف بخلاف الغصب في هذه الأشياء # ولو كان أمرهما واحدا لما فرق بينهما مالك ولا غيره قال مالك في الغاصب ~~والسارق إذا حبس المغصوب أو المسروق عن أسواقه ومنافعه ثم رده ms584 بحاله لم يكن PageV03P159 ~~ربه أن يضمنه وإن كان مستعيرا أو متكاريا ضمن قيمته وهذا التفريع إنما هو ~~على المشهور في مذهب مالك وأصحابه وإلا فإذا بنينا على غيره فالمأخذ آخر ~~والأصل المبني عليه ثابت # فالقائل باستواء البابين ينبني قوله على مآخذ # منها القاعدة التي يذكرها أهل المذهب وهي هل الدوام كالابتداء فإن قلنا ~~ليس الدوام كالابتداء فذلك جار على المشهور في الغصب فالضمان يوم الغصب ~~والمنافع تابعة وإن قلنا إنه كالابتداء فالغاصب في كل حين كالمبتدئ للغصب ~~فهو ضامن في كل وقت ضمانا جديدا فيجب أن يضمن المغصوب بأرفع القيم كما قال ~~ابن وهب وأشهب وعبد الملك قال ابن شعبان لأن عليه أن يرده في كل وقت ومتى ~~لم يرده كان كمغتصبه حينئذ # ومنها القاعدة المتقررة وهي أن الأعيان لا يملكها في الحقيقة إلا باريها ~~تعالى وإنما للعبد منها المنافع وإذا كان كذلك فهل القصد إلى ملك الرقاب ~~منصرف إلى ملك المنافع أم لا فإن قلنا هو منصرف إليها إذ أعيان الرقاب لا منفعة PageV03P160 ~~فيها من حيث هي أعيان بل من حيث اشتمالها على المنافع المقصودة فهذا مقتضى ~~قول من لم يفرق بين الغصب والتعدي لاضمان المنافع وإن قلنا ليس بمنصرف فهو ~~بمقتضى التفرقة # ومنها أن الغاصب إذا قصد تملك الرقبة فهل يتقرر له عليها شبهة ملك بسبب ~~ضمانه لها أم لا فإن قلنا أنه يتقرر عليها شبهة ملك كالذي في أيدى الكفار ~~من أموال المسلمين كان داخلا تحت قوله عليه الصلاة والسلام # الخراج بالضمان فكانت كل غلة وثمن يعلو أو يسفل أو حادث يحدث للغاصب ~~وعليه بمقتضى الضمان كالاستحقاق والبيوع الفاسدة وإن قلنا إنه لا يتقرر له ~~عليها شبهة ملك بل المغصوب على ملك صاحبه فكل ما يحدث من غلة ومنفعة فعلى ~~ملكه فهي له فلا بد للغاصب من غرمها لأنه قد غصبها أيضا وأما ما يحدث من ~~انقص فعلى الغاضب بعدائه لأن نقص الشيء المغصوب إتلاف لبعض ذاته فيضمنه كما ~~يضمن المتعدي على المنافع لأن قيام الذات من ms585 جملة المنافع هذا أيضا مما يصح ~~أن يبني عليه الخلاف # ومنها أن يقال هل المغصوب إذا رد بحاله إلى يد صاحبه يعد كالمتعدي فيه ~~لأن الصورة فيهما معا واحدة ولا أثر لقصد الغصب إذا كان الغاصب قد رد ما ~~غصب استرواحا من قاعدة مالك في اعتبار الأفعال دون النظر إلى المقاصد ~~وإلغائه الوسائط أم لا يعد كذلك فالذي يشير إليه قول مالك هنا أن للقصد ~~أثرا وظاهر كلام ابن القاسم أن لا أثر له ولذلك لما قال مالك في الغاصب أو السارق PageV03P161 ~~إذا حبس الشيء المأخوذ عن أسواقه ثم رده بحاله لم يكن لربه أن يضمنه وإن ~~كان مستعيرا أو متكاريا ضمن قيمته قال ابن القاسم لولا ما قاله مالك لجعلت ~~على السارق مثل ما جعل على المتكاري # فهذه أوجه يمكن إجراء الخلاف في مذهب مالك وغيره عليها مع بقاء القاعدة ~~المتقدمة على حالها وهى أن ما كان من الأوامر أو النواهى بالقصد الأول ~~فحكمه منحتم بخلاف ما كان منه بالقصد الثاني فإذا نظر في هذه الوجوه ~~بالقاعدة المذكورة ظهر وجه الخلاف وربما خرجت عن ذلك أشياء ترجع إلى ~~الاستحسان ولا تنقض أصل القاعدة والله أعلم وأعلم أن مسألة الصلاة في الدار ~~المغصوبة إذا عرضت على هذا الأصل تبين منه وجه صحة مذهب الجمهور القائلين ~~بعدم بطلانها ووجه مذهب ابن حنبل وأصبغ وسائر القائلين ببطلانها # وقد أذكرت هذه المسألة مسألة أخرى ترجع إلى هذا المعنى وهي PageV03P162 ### || AUTO المسألة الثامنة # الأمر والنهي إذا تواردا على متلازمين فكان أحدهما مأمورا به والآخر ~~منهيا عنه عند فرض الانفراد وكان أحدهما في حكم التبع للآخر وجودا أو عدما ~~فإن المعتبر من الاقتضاءين ما انصرف إلى جهة المتبوع وأما ما انصرف إلى جهة ~~التابع فملغى وساقط الاعتبار شرعا والدليل على ذلك أمور # أحدها ما تقدم تقريره في المسألة قبلها هذا وإن كان الأمر والنهي هنالك ~~غير صريح وهنا صريح فلا فرق بينهما إذا ثبت حكم التبعية ولذلك نقول إن ~~القائل ببطلان البيع وقت النداء لم ms586 يبن على كون النهي تبعيا وإنما بنى ~~البطلان على كونه مقصودا # والثاني أنه لا يخلو إذا تواردا على المتلازمين إما أن يردا معا عليهما PageV03P163 ~~أو لا يردا ألبتة أو يرد أحدهما دون الآخر والأول غير صحيح إذ قد فرضناهما ~~متلازمين فلا يمكن الامتثال في التلبس بهما لاجتماع الأمر والنهي فمن حيث ~~أخذ في العمل صادمه النهي عنه ومن حيث تركه صادمه الأمر فيؤدي إلى اجتماع ~~الأمر والنهي على المكلف فعل أو ترك وهو تكليف بما لا يطاق وهو غير واقع ~~فما أدى إليه غير صحيح والثاني كذلك أيضا لأن الفرض أن الطلبين توجها فلا ~~يمكن ارتفاعهما معا فلم يبق إلا أن يتوجه أحدهما دون الثاني وقد فرضنا ~~أحدهما متبوعا وهو المقصود أولا والآخر تابعا وهو المقصود ثانيا فتعين توجه ~~ما تعلق بالمتبوع دون ما تعلق بالتابع ولا يصح العكس لأنه خلاف المعقول # والثالث الاستقراء من الشريعة كالعقد على الأصول مع منافعها وغلاتها ~~والعقد على الرقاب مع منافعها وغلاتها فإن كل واحد منهما مما يقصد في نفسه ~~فللإنسان أن يتملك الرقاب ويتبعها منافعها وله أيضا أن يتملك أنفس المنافع ~~خاصة وتتبعها الرقاب من جهة استيفاء المنافع ويصح القصد إلى كل واحد منهما ~~فمثل هذه الأمثلة يتبين فيها وجه التبعية بصور لا خلاف فيها وذلك أن العقد ~~في شراء الدار أو الفدان أو الجنة أو العبد أو الدابة أو الثوب وأشباه ذلك ~~جائز بلا خلاف وهو عقد على الرقاب لا على المنافع التابعة لها لأن المنافع ~~قد تكون موجودة والغالب أن تكون وقت العقد معدومة وإذا كانت معدومة PageV03P164 ~~امتنع العقد عليها للجهل بها من كل جهة ومن كل طريق إذ لا يدري مقدارها ~~ولا صفتها ولا مدتها ولا غير ذلك بل لا يدري هل توجد من أصل أم لا فلا يصح ~~العقد عليها على فرض انفرادها للنهي عن بيع الغرر والمجهول بل العقد على ~~الأبضاع لمنافعها جائز ولو انفرد العقد على منفعة البضع لامتنع مطلقا إن ~~كان وطئا ولامتنع فيما سوى البضع ms587 أيضا إلا بضابط يخرج المعقود عليه من ~~الجهل إلى العلم كالخدمة والصنعة وسائر منافع الرقاب المعقود عليها على ~~الانفراد والعكس كذلك أيضا كمنافع الأحرار يجوز العقد عليها في الإجارات ~~على الجملة باتفاق ولا يجوز العقد على الرقاب باتفاق ومع ذلك فالعقد على ~~المنافع فيه يستتبع العقد على الرقبة إذ الحر محجور عليه زمن استيفاء ~~المنفعة من رقبته بسبب العقد وذلك أثر كون الرقبة معقودا عليها لكن بالقصد الثاني PageV03P165 ~~وهذا المعنى أوضح من أن يستدل عليه وهو على الجملة يعطى أن التوابع مع ~~المتبوعات لا يتعلق بها من حيث هي توابع أمر ولا نهي وإنما يتعلق بها الأمر ~~والنهي إذا قصدت ابتداء وهي إذ ذاك متبوعة لا تابعة # فإن قيل هذا مشكل بأمور # أحدها أن العلماء قالوا إن الرقاب وبالجملة الذوات لا يملكها إلا الله ~~تعالى وإنما المقصود في التملك شرعا منافع الرقاب لأن المنافع هى التي تعود ~~على العباد بالمصالح لا أنفس الذوات فذات الأرض أو الدار أو الثوب أو ~~الدرهم مثلا لا نفع فيها ولا ضر من حيث هي ذوات وإنما يحصل المقصود بها من ~~حيث إن الأرض تزدرع مثلا والدار تسكن والثوب يلبس والدرهم يشترى به ما يعود ~~عليه بالمنفعة فهذا ظاهر حسبما نصوا عليه وإذا كان كذلك فالعقد أولا إنما ~~وقع على المنافع خاصة والرقاب لا تدخل تحت الملك فلا تابع ولا متبوع وإذا ~~لم يتصور فيما تقدم وأشباهه تابع ومتبوع بطل فكل ما فرض PageV03P166 ~~من المسائل خارج عن تمثيل الأصل المستدل عليه فلا بد من إثباته أولا واقعا ~~في الشريعة ثم الاستدلال عليه ثانيا # والثاني إن سلمنا أن الذوات هي المعقود عليها فالمنافع هي المقصود أولا ~~منها لما تقدم من أن الذوات لا نفع فيها ولا ضر من حيث هي ذوات فصار ~~المقصود أولا هي المنافع وحين كانت المنافع لا تحصل على الجملة إلا عند ~~تحصيل الذوات سعى العقلاء في تحصيلها فالتابع إذا في القصد هى الذوات ~~والمتبوع هو المنافع فاقتضى هذا بحكم ما تحصل أولا ms588 أن تكون الذوات مع ~~المنافع في حكم المعدوم وذلك باطل إذ لا تكون ذات الحر تابعة لحكم منافعه ~~باتفاق بل لا تكون الإجارة ولا الكراء في شيء يتبعه ذات ذلك الشيء فاكتراء ~~الدار يملك منفعتها ولا يتبعه ملك الرقبة وكذلك كل مستأجر من أرض أو حيوان ~~أو عرض أو غير ذلك فهذا أصل منخرم إن كان مبنيا على أمثال هذه الأمثلة PageV03P167 ~~والثالث أنا وجدنا الشارع نص على خلاف ذلك فإنه قال # من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع وقال # من باع عبدا وله مال فماله لسيده إلا أن يشترطه المبتاع فهذان حديثان لم ~~يجعلا المنفعة للمبتاع بنفس العقد مع أنها عندكم تابعة للأصول كسائر منافع ~~الأعيان بل جعل فيهما التابع للبائع ولا يكون كذلك إلا عند انفصال الثمرة ~~عن الأصل حكما وهو يعطى في الشرع انفصال التابع من المتبوع وهو معارض لما ~~تقدم فلا يكون صحيحا # والرابع أن المنافع مقصودة بلا خلاف بين العقلاء وأرباب العوائد وإن فرض ~~الأصل مقصودا فكلاهما مقصود ولذلك يزاد في ثمن الأصل بحسب زيادة المنافع ~~وينقص منه بحسب نقصانها وإذا ثبت هذا فكيف تكون المنافع ملغاة وهي مثمونة ~~معتد بها في أصل العقد مقصودة فهذا يقتضى القصد إليها وعدم القصد إليها معا ~~وهو محال # ولا يقال إن القصد إليها عادي وعدم القصد إليها شرعي فانفصلا فلا تناقض # لأنا نقول كون الشارع غير قاصد لها في الحكم مبني على عدم القصد PageV03P168 ~~إليها عرفا وعادة لأن من أصول الشرع إجراء الأحكام على العوائد ومن أصوله ~~مراعاة المصالح ومقاصد المكلفين فيها أعنى في غير العبادات المحضة وإذا ~~تقرر أن مصالح الأصول هي المنافع وأن المنافع مقصودة عادة وعرفا للعقلاء ~~ثبت أن حكم الشرع بحسب ذلك وقد قلتم إن المنافع ملغاة شرعا مع الأصول فهي ~~إذا ملغاة في عادات العقلاء لكن تقرر أنها مقصودة في عادات العقلاء # هذا خلف محال # فالجواب عن الأول أن ما أصلوه صحيح ولا يقدح في مقصودنا لأن الأفعال أيضا ~~ليس ms589 للعبد فيها ملك حقيقي إلا مثل ماله في الصفات والذوات فكما تضاف ~~الأفعال إلى العباد كذلك تضاف إليهم الصفات والذوات ولا فرق بينهما إلا أن ~~من الأفعال ما هو لنا مكتسب وليس لنا من الصفات ولا الذوات شيء مكتسب لنا ~~وما أضيف لنا من الأفعال كسبا فإنما هي أسباب لمسببات هي أنفس المنافع ~~والمضار أو طريق إليها ومن جهتها كلفنا في الأسباب بالأمر PageV03P169 ### || AUTO والنهي وأما أنفس المسببات من حيث هي مسببات فمخلوقة لله ~~تعالى حسبما تقرر في - كتاب الأحكام فكما يجوز إضافة المنافع والمضار إلينا ~~وإن كانت غير داخلة تحت قدرتنا كذلك الذوات يصح إضافتها إلينا على ما يليق بنا # ويدلك على ذلك أن منها ما يجوز التصرف فيه بالإتلاف والتغيير كذبح ~~الحيوان وقتلة للمأكلة وإتلاف المطاعم والمشارب والملابس بالأكل والشرب ~~واللباس وما أشبه ذلك وأبيح لنا إتلاف ما لا ينتفع به إذا كان مؤذيا أو لم ~~يكن مؤذيا وكان إتلافه تكملة لما ليس بضروري ولا حاجي من المنافع كإزالة ~~الشجرة المانعة للشمس عنك وما أشبه ذلك فجواز التصرف في أنفس الذوات ~~بالإتلاف والتغيير وغيرهما دليل على صحة تملكها شرعا ولا يبقى بيننا وبين ~~من أطلق تلك العبارة أن الذوات لا يملكها إلا الله سوى الخلاف في اصطلاح ~~وأما حقيقة المعنى فمتفق عليها وإذا ثبت ملك الذوات وكانت المنافع ناشئة ~~عنها صح كون المنافع تابعة وتصور معنى القاعدة # والجواب عن الثاني أنه إن سلم على الجملة فهو في التفصيل غير مسلم أما أن ~~المقصود المنافع فكذلك نقول إلا أن المنافع لا ضابط لها إلا ذواتها التي ~~نشأت عنها وذلك أن منافع الأعيان لا تنحصر وإن انحصرت الأعيان فإن العبد ~~مثلا قد هيئ في أصل خلقته إلى كل ما يصلح له الآدمي من الخدم PageV03P170 ~~والحرف والصنائع والعلوم والتعبدات وكل واحد من هذه الخمسة جنس تحته أنواع ~~تكاد تفوت الحصر وكل نوع تحته أشخاص من المنافع لا تتناهى هذا وإن كان في ~~العادة لا يقدر على جميع هذه الأمور فدخوله في ms590 جنس واحد معرفا فيه أو في ~~بعض أصنافه يكفى في حصر ما لا يتناهى من المنافع بحيث يكون كل شخص منها تصح ~~مؤآجرته عليه من الغير بأجرة ينتفع بها عمره وكذلك كل رقبه من الرقاب وعين ~~من الأعيان المملوكة للانتفاع بها فالنظر إلى الأعيان نظر إلى كليات ~~المنافع وأما إذا نظرنا إلى المنافع فلا يمكن حصرها في حيز واحد وإنما يحصر ~~منها بعض إليه يتوجه القصد بحسب الوقت والحال والإمكان فحصل القصد من جهتها ~~جزئيا لا كليا ولم تنضبط المنافع من جهتها قصدا لا في الوقوع وجودا ولا في ~~العقد عليها شرعا لحصول الجهالة حتى يضبط منها بعض إلى حد محدود وشئ معلوم ~~وذلك كله جزئي لا كلي فإذا النظر إلى المنافع خصوصا نظر إلى جزئيات المنافع ~~والكلي مقدم على الجزئي طبعا وعقلا وهو أيضا مقدم شرعا كما مر # فقد تبين من هذا على تسليم أن المقصود المنافع أن الذوات هي المقدمة ~~المقصودة أولا المتبوعة وأن المنافع هي التابعة وظهر لك حكمة الشارع في إجازة PageV03P171 ~~ملك الرقاب لأجل المنافع وإن كانت غير معلومة ولا محصورة ومنع ملك المنافع ~~خصوصا إلا على الحصر والضبط والعلم المقيد المحاط به بحسب الإمكان لأن أنفس ~~الرقاب ضابط كلي لجملة المنافع فهو معلوم من جهة الكلية الحاصلة بخلاف أنفس ~~المنافع مستقلة بالنظر فيها فإنها غير منضبطة في أنفسها ولا معلومة أمدا ~~ولا حدا ولا قصدا ولا ثمنا ولا مثمونا فإذا ردت إلى ضابط يليق بها يحصل ~~العلم من تلك الجهات أمكن العقد عليها والقصد في العادة إليها فإن أجازه ~~الشارع جاز وإلا امتنع # وما ذكر في السؤال من المنافع إذا كانت هى المقصودة فالرقاب تابعة إذ هي ~~الوسائل إلى المقصود فإن أراد أنها تابعة لها مطلقا فممنوع بما تقدم وإن ~~أراد تبعية ما فمسلم ولا يلزم من ذلك محظور فإن الأمور الكلية قد تتبع ~~جزئياتها بوجه ما ولا يلزم من ذلك تبعيتها لها مطلقا وأيضا فالإيمان أصل ~~الدين ثم إنك تجده وسيلة وشرطا في صحة ms591 العبادات حسبما نصوا عليه والشرط من ~~توابع المشروط فيلزم إذا على مقتضى السؤال أن تكون الأعمال هى الأصول ~~والإيمان تابع لها أولا ترى أنه يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصانها لكن ~~ذلك باطل فلا بد أن تكون التبعية إن ظهرت في الأصل جزئية لا كلية PageV03P172 ### || AUTO وكذلك نقول إن العقد على المنافع بانفرادها يتبعها الأصول من ~~حيث إن المنافع لا تستوفى إلا من الأصول فلا تخلو الأصول من إبقاء يد ~~المنتفع عليها وتحجيرها عن انتفاع صاحبها بها كالعقد على الأصول سواء وهو ~~معنى الملك إلا أنه مقصور على الانتفاع بالمنافع المعقود عليها ومنقض ~~بانقضائها فلم يسم في الشرع ولا في العرف ملكا وإن كان كذلك في المعنى لأن ~~العرف العادي والشرعي قد جرى بأن التملك في الرقاب هو التملك المطلق الأبدي ~~الذي لا ينقطع إلا بالموت أو بانتفاع صاحبها بها أو المعاوضة عليها وقد كره ~~مالك للمسلم أن يستأجر نفسه من الذمي لأنه لما ملك منفعة المسلم صار كأنه ~~قد ملك رقبته وامتنع شراء الشيء على شرط فيه تحجير كشراء الأمة على أن ~~يتخذها أم ولد أو على أن لا يبيع ولا يهب وما أشبه ذلك لأنه لما حجر عليه ~~بعض منافع الرقبة فكأنه لم يملكها ملكا تاما وليس بشركة لأن الشركة على ~~الشياع وهذا ليس كذلك وانظر في تعليل مالك المسألة في باب ما يفعل بالوليدة ~~إذا بيعت في - الموطأ فقد تبين أن هذا الأصل المستدل عليه مؤسس لا منخرم ~~والحمد لله # والجواب عن الثالث أن ما ذكر فيه شاهد على صحة المسألة وذلك أن الثمرة ~~لما برزت في الأصل برزت على ملك البائع فهو المستحق لها أولا بسبب سبق ~~استحقاقه لأصلها على حكم التبعية للأصل فلما صار الأصل للمشترى ولم PageV03P173 ~~يكن ثم اشتراط وكانت قد أبرزت وتميزت بنفسها عن أصلها لم تنتقل المنفعة ~~إليه بانتقال الأصل إذ كانت قد تعينت منفعة لمن كان الأصل إليه فلو صارت ~~للمشتري إعمالا للتبعية لكان هذا العمل بعينه قطعا وإهمالا للتبعية بالنسبة ~~إلى ms592 البائع وهو السابق في استحقاق التبعية فثبتت أنها دون المشتري وكذلك ~~مال العبد لما برز في يد العبد ولم ينفصل عنه أشبه الثمرة مع الأصل فاستحقه ~~الأول بحكم التبعية قبل استحقاق الثاني له فإن اشترطه المشترى فلا إشكال ~~وإنما جاز اشتراطه وإن تعلق به المانع من أجل بقاء التبعية أيضا فإن الثمرة ~~قبل الطيب مضطرة إلى أصلها لا يحصل الانتفاع بها إلا مع استصحابه فأشبهت ~~وصفا من أوصاف الأصل وكذلك مال العبد يجوز اشتراطه وإن لم يجز شراؤه وحده ~~لأنه ملك العبد وفي حوزه لا يملكه السيد إلا بحكم الانتزاع كالثمرة التى لم تطب # فالحاصل أن التبعية للأصل ثابتة على الإطلاق غير أن مسألة ظهور الثمرة ~~ومال العبد تعارض فيها جهتان للتبعية جهة البائع وجهة المشتري فكان البائع ~~أولى لأنه المستحق الأول فإن اشترطه المبتاع انتقلت التبعية وهذا واضح جدا # والجواب عن الرابع أن القصد إلى المنافع لا إشكال في حصوله على الجملة ~~ولكن إذا أضيفت إلى الأصل يبقى النظر هل مقصودة من حيث أنفسها على ~~الاستقلال أم هى مقصودة من حيث رجوعها إلى الأصل كوصف من أوصافه PageV03P174 ~~فإن قلت إنها مقصودة على حكم الاستقلال فغير صحيح لأن المنافع التي لم ~~تبرز إلى الوجود بعد مقصودة ويجوز العقد عليها مع الأصل ولكنها ليست ~~بمقصودة إلا من جهة الأصل فالقصد راجع إلى الأصل فالشجرة إذا اشتريت أو ~~العبد قبل أن يتعلم خدمة أو صناعة ولم يستفد مالا والأرض قبل أن تكرى أو ~~تزدرع وكذلك سائر الأشياء مقصود فيها هذه المنافع وغيرها لكن من جهة ~~الأعيان والرقاب لا من جهة أنفس المنافع إذ هي غير موجودة بعد فليست ~~بمقصودة إذا قصد الاستقلال وهو المراد بأنها غير مقصودة وإنما المقصود ~~الأصل فالمنافع إنما هى كالأوصاف في الأصل كشراء العبد الكاتب لمنفعة ~~الكتابة أو العالم للانتفاع بعلمه أو لغير ذلك من أوصافه التى لا تستقل في ~~أنفسها ولا يمكن أن تستقل لأن أوصاف الذات لا يمكن استقلالها دون الذات قد PageV03P175 ~~زيد في أثمان الرقاب ms593 لأجلها فحصل لجهتها قسط من الثمن لا من حيث الاستقلال ~~بل من حيث الرقاب وقد مر أن الرقاب هي ضوابط المنافع بالكلية وإذا ثبت ~~اندفع التنافي والتناقض وصح الأصل المقرر والحمد لله وحاصل الأمر أن ~~الطلبين لم يتواردا على هذا المجموع في الحقيقة وإنما توجه الطلب إلى ~~المتبوع خاصة ### || AUTO فصل # وبقي هنا تقسيم ملائم لما تقدم وهو أن منافع الرقاب وهى التى قلنا إنها ~~تابعة لها على الجملة تنقسم ثلاثة أقسام # أحدها ما كان في أصله بالقوة لم يبرز إلى الفعل لا حكما ولا وجودا كثمرة ~~الشجر قبل الخروج وولد الحيوان قبل الحمل وخدمة العبد ووطء قبل حصول ~~التهيئة وما أشبه ذلك فلا خلاف في هذا القسم أن المنافع هنا غير مستقلة في ~~الحكم إذ لم تبرز إلى الوجود فضلا عن أن تستقل فلا قصد إليها هنا ألبتة PageV03P176 ~~وحكمها التبعية كما لو انفردت فيه الرقبة بالاعتبار # والثاني ما ظهر فيه حكم الاستقلال وجودا وحكما أو حكما عاديا أو شرعيا ~~كالثمرة بعد اليبس وولد الحيوان بعد استغنائه عن أمه ومال العبد بعد ~~الانتزاع وما أشبه ذلك فلا خلاف أيضا أن حكم التبعية منقطع عنه وحكمه مع ~~الأصل حكم غير المتلازمين إذا اجتمعا قصدا لا بد من اعتبار كل واحد منهما ~~على القصد الأول مطلقا # والثالث ما فيه الشائبتان فمباينة الأصل فيه ظاهرة لكن على غير الاستقلال ~~فلا هو منتظم في سلك الأول ولا في الثاني وهو ضربان # الأول ما كان هذا المعنى فيه محسوسا كالثمرة الظاهرة قبل مزايلة الأصل ~~والعبد ذي المال الحاضر تحت ملكه وولد الحيوان قبل الاستغناء عن أمه ونحو ~~ذلك والآخر ما كان في حكم المحسوس كمنافع العروض والحيوان والعقار وأشباه ~~ذلك مما حصلت فيه التهيئة للتصرفات الفعلية كاللبس والركوب والوطء والخدمة ~~والإستصناع والازدراع والسكنى وأشباه ذلك فكل واحد من الضربين قد اجتمع مع ~~صاحبه من وجه وانفرد عنه من وجه ولكن الحكم فيهما واحد فالطرفان يتجاذبان ~~في كل مسألة من هذا القسم ولكن لما ثبتت التبعية ms594 PageV03P177 ~~على الجملة ارتفع توارد الطلبين عنه وصار المعتبر ما يتعلق بجهة المتبوع ~~كما مر بيانه ومن جهة أخرى لما برز التابع وصار مما يقصد تعلق الغرض في ~~المعاوضة عليه أو في غير ذلك من وجوه المقاصد التابعة على الجملة ولا ينازع ~~في هذا أيضا إذ لا يصح أن تكون الشجرة المثمرة في قيمتها لو لم تكن مثمرة ~~وكذلك العبد دون مال لا تكون قيمته كقيمته مع المال ولا العبد الكاتب ~~كالعبد غير الكاتب فصار هذا القسم من هذه الجهة محل نظر واجتهاد بسبب تجاذب ~~الطرفين فيه # وأيضا فليس تجاذب الطرفين على حد واحد بل يقوى الميل إلى أحد الطرفين في ~~حال ولا يقوى في حال أخرى وأنت تعلم أن الثمرة حين برزوها الإبار ليست في ~~القصد ولا في الحكم كما بعد الإبار وقبل بدو الصلاح ولا هي قبل بدو الصلاح ~~كما بعد بدو الصلاح وقبل اليبس فإنها قبل الإبار للمشترى فإذا أبرت فهي عند ~~أكثر العلماء للبائع إلا أن يشترطها المبتاع فتكون له عند الأكثر فإذا بدا ~~صلاحها فقد قربت من الاستقلال وبعدت من التبعية فجاز بيعها بانفرادها ولكن ~~من اعتبر الاستقلال قال هي مبيعة على حكم الجذ كما لو يبست على رءوس الشجر ~~فلا جائحة فيها ومن اعتبر عدم الاستقلال وأبقى PageV03P178 ~~حكم التبعية قال حكمها على التبعية لما بقي من مقاصد الأصل فيها ووضع فيها ~~الجوائح اعتبارا بأنها لما افتقرت إلى الأصل كانت كالمضمونة إليه التابعة ~~له فكأنها على ملك صاحب الأصل وحين تعين وجه الانتفاع بها على المعتاد صارت ~~كالمستقلة فكانت الجائحة اليسيرة مغتفرة فيها لأن اليسير في الكثير كالتبع ~~ومن هنا اختلفوا في السقي بعد بدو الصلاح هل هو على البائع أم على المبتاع ~~فإذا انتهى الطيب في الثمرة ولم يبق لها ما تضطر إلى الأصل فيه وإنما بقي ~~ما يحتاج إليه فيه على جهة التكملة من بقاء النضارة وحفظ المائية اختلف هل ~~بقي فيها حكم الجائحة أم لا بناء على أنها استقلت بنفسها وخرجت عن تبعية ms595 ~~الأصل مطلقا أم لا فإذا انقطعت المائية والنظارة اتفق الجميع على حكم ~~الاستقلال فانقطعت التبعية وعلى نحو من هذا التقرير يجري الحكم في كل ما ~~يدخل تحت هذه الترجمة # فصل # وعلى هذا الأصل تتركب فوائد # منها أن كل شيء بينه وبين الآخر تبعية جار في الحكم مجرى التابع PageV03P179 ~~والمتبوع المتفق عليه ما لم يعارضه أصل آخر كمسألة الإجارة على الإمامة مع ~~الأذان أو خدمة المسجد ومسألة اكتراء الدار تكون فيها الشجرة أو مساقاة ~~الشجر يكون بينها البياض اليسير ومسألة الصرف والبيع إذا PageV03P180 ~~كان أحدهما يسيرا وما أشبه ذلك من المسائل التي تتلازم في الحس أو في ~~القصد أو في المعنى ويكون بينها قلة وكثرة فإن للقليل مع الكثير حكم ~~التبعية ثبت ذلك في كثير من مسائل الشريعة وإن لم يكن بينهما تلازم في ~~الوجود ولكن العادة جارية بأن القليل إذا انضم إلى الكثير في حكم الملغى ~~قصدا فكان كالملغى حكما # ومنها أن كل تابع قصد فهل تكون زيادة الثمن لأجله مقصودة على الجملة لا ~~على التفصيل أم هي مقصودة على الجملة والتفصيل والحق الذي تقتضيه التبعية ~~أن يكون القصد جمليا لا تفصيليا إذ لو كان تفصيليا لصار إلى حكم الاستقلال ~~فكان النهي واردا عليه فامتنع وكذلك يكون إذا فرض هذا القصد فإن كان جمليا ~~صح بحكم التبعية وإذا ثبت حكم التبعية فله جهتان جهة زيادة الثمن لأجله ~~وجهة عدم القصد إلى التفصيل فيه فإذا فات ذلك التابع فهل يرجع بقيمته أم لا ~~يختلف في ذلك ولأجله اختلفوا في مسائل داخلة تحت هذا الضابط كالعبد إذا رد ~~بعيب وقد كان أتلف ماله فهل يرجع PageV03P181 ~~على البائع بالثمن كله أم لا وكذلك ثمرة الشجرة وصوف الغنم وأشباه ذلك # ومنها قاعدة الخراج بالضمان فالخراج تابع للأصل فإذا كان الملك حاصلا فيه ~~شرعا فمنافعه تابعة سواء طرأ بعد ذلك استحقاق أو لا فإن طرأ الاستحقاق بعد ~~ذلك كان كانتقال الملك على الاستئناف وتأمل مسائل الرجوع بالغلات في ~~الاستحقاق أو عدم الرجوع تجدها جارية على ms596 هذا الأصل # ومنها في تضمين الصناع ما كان تابعا للشيء المستصنع فيه هل يضمنه الصانع ~~كجفن السيف ومنديل الثوب وطبق الخبز ونسخة الكتاب PageV03P182 ~~المستنسخ ووعاء القمح ونحو ذلك بناء على أنه تابع كما يضمن نفس المستصنع ~~أم لا فلا يضمن لأنه وديعة عند الصانع # ومنها في الصرف ما كان من حلية السيف والمصحف ونحوهما تابعا وغير تابع ~~ومسائل هذا الباب كثيرة ### || AUTO فصل # ومن الفوائد في ذلك أن كل ما لا منفعة فيه من المعقود عليه في المعاوضات ~~لا يصح العقد عليه وما فيه منفعة أو منافع لا يخلو من ثلاثة أقسام # أحدها أن يكون جميعها حراما أن ينتفع به فلا إشكال في أنه جار PageV03P183 ### || AUTO مجرى ما لا منفعة فيه ألبتة والثاني أن يكون جميعها حلالا فلا ~~إشكال في صحة العقد به وعليه وهذان القسمان وإن تصورا في الذهن بعيد أن ~~يوجدا في الخارج إذ ما من عين موجودة يمكن الانتفاع بها والتصرف فيها إلا ~~وفيها جهة مصلحة وجهة مفسدة وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في - كتاب المقاصد ~~فلا بد من هذا الاعتبار وهو ظاهر بالاستقراء فيرجع القسمان إذا إلى القسم ~~الثالث وهو أن يكون بعض المنافع حلالا وبعضها حراما فههنا معظم نظر المسألة ~~وهو أولا ضربان # أحدهما أن يكون أحد الجانبين هو المقصود بالأصالة عرفا والجانب الآخر ~~تابع غير مقصود بالعادة إلا أن يقصد على الخصوص وعلى خلاف العادة فلا إشكال ~~في أن الحكم لما هو مقصود بالأصالة والعرف والآخر لا حكم له لأنا لو ~~اعتبرنا الجانب التابع لم يصح لنا تملك عين من الأعيان ولا عقد عليه لأجل ~~منافعه لأن فيه منافع محرمة وهو من الأدلة على سقوط الطلب في جهة التابع ~~وقد تقدم بيان هذا المعنى في المسألة السابقة وأن جهة التبعية يلغى فيها ما ~~تعلق بها من الطلب فكذلك ههنا PageV03P184 ~~اللهم إلا أن يكون للعاقد قصد إلى المحرم على الخصوص فإن هذا يحتمل وجهين # الأول اعتبار القصد الأصيل وإلغاء التابع وإن كان مقصودا فيرجع إلى ms597 الضرب ~~الأول والآخر اعتبار القصد الطارئ إذ صار بطريانه سابقا أو كالسابق وما ~~سواه كالتابع فيكون الحكم له ومثاله في أصالة المنافع المحللة شراء الأمة ~~بقصد إسلامها للبغاء كسبا به وشراء الغلام للفجور به وشراء العنب ليعصر ~~خمرا والسلاح لقطع الطريق وبعض الأشياء للتدليس بها وفي أصالة المنافع ~~المحرمة شراء الكلب للصيد والضرع والزرع على رأي من منع PageV03P185 ~~ذلك وشراء السرقين لتدمين المزارع وشراء الخمر للتخليل وشراء شحم الميتة ~~لتطلى به السفن أو يستصبح به الناس وما أشبه ذلك # والمنضبط هو الأول والشواهد عليه أكثر لأن اعتبار ما يقصد بالأصالة ~~والعادة هو الذي جاء في الشريعة القصد إليه بالتحريم والتحليل فإن شراء ~~الأمة للانتفاع بها في التسري إن كانت من على الرقيق أو الخدمة إن كانت من ~~الوخش وشراء الخمر للشرب والميتة والدم والخنزير للأكل هو الغالب المعتاد ~~عند العرب الذين نزل القرآن عليهم ولذلك حذف متعلق التحريم والتحليل في نحو ~~حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله وأحل لكم ما وراء ذلكم فوجه التحليل والتحريم ~~على أنفس الأعيان لأن المقصود مفهوم وكذلك قال ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما وأشباهه وإن كان ذلك محرما في ~~غير الأكل لأن أول المقاصد وأعظمها هو الأكل وما سوى ذلك مما يقصد بالتبع ~~ومالا يقصد في نفسه عادة إلا بالتبعية لا حكم له وقد ورد تحريم الميتة ~~وأخواتها وقيل للنبي عليه الصلاةوالسلام في شحم الميتة إنه تطلى به السفن ~~ويستصبح به الناس فأورد ما دل على منع البيع ولم يعذرهم بحاجتهم إليه في ~~بعض الأوقات لأن المقصود هو الأكل محرم وقال # لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها PageV03P186 ~~وقال في الخمر # إن الذي حرم شربها حرم بيعها وإن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه لأجل أن ~~المقصود من المحرم في العادة هو الذي توجه إليه التحريم وما سواه تبع لا حكم له # ولأجل ذلك أجازوا نكاح الرجل ليبر يمينه إذا حلف أن يتزوج على امرأته ولم ~~يكن ms598 قصده البقاء لأن هذا من توابع النكاح التي ليست بمقصودة في أصل النكاح ~~ولا تعتبر في أنفسها وإنما تعتبر من حيث هي توابع ولو كانت التوابع مقصودة ~~شرعا حتى يتوجه عليها مقتضاها من الطلب لم يجز كثير من العقود للجهالة بتلك ~~المنافع المقصودة بل لم يجز النكاح لأن الرجل إذا نكح لزمه القيام على ~~زوجته بالإنفاق وسائر ما تحتاج إليه زيادة إلى بذل الصداق وذلك كله كالعوض ~~من الانتفاع بالبضع وهذا ثمن مجهول فالمنافع التابعة للرقبة المعقود عليها ~~أو للمنافع التي هي سابقة في المقاصد العادية هي المعتبرة وما سواها مما هو ~~تبع لا ينبني عليه حكم إلا أن يقصد قصدا فيكون فيه نظر والظاهر أن لا حكم ~~له في ظاهر الشرع لعموم ما تقدم من الأدلة ولخصوص الحديث PageV03P187 ~~في سؤالهم عن شحم الميتة وأنه مما يقصد لطلاء السفن وللاستصباح وكلا ~~الأمرين مما يصح الانتفاع بالشحم فيه على الجملة ولكن هذا القصد الخاص لا ~~يعارض القصد العام # فإن صار التابع غالبا في القصد وسابقا في عرف بعض الأزمنة حتى يعود ما ~~كان بالإصالة كالمعدوم المطرح فحينئذ ينقلب الحكم وما أظن هذا يتفق هكذا ~~بإطلاق ولكن أن فرض اتفاقه انقلب الحكم والقاعدة مع ذلك ثابتة كما وضعت في ~~الشرع وإن لم يتفق ولكن القصد إلى التابع كثير PageV03P188 ~~فالأصل اعتبار ما يقصد مثله عرفا والمسألة مختلف فيها على الجملة اعتبارا ~~بالاحتمالين وقاعدة الذرائع أيضا مبنية على سبق القصد إلى الممنوع وكثرة ~~ذلك في ضم العقدين ومن لا يراها بني على أصل القصد في انفكاك العقدين عرفا ~~وأن القصد الأصلي خلاف ذلك # والضرب الثاني أن لا يكون أحد الجانبين تبعا في القصد العادي بل كل واحد ~~منهما مما يسبق القصد إليه عادة بالأصالة كالحلى والأواني المحرمة إذا ~~فرضنا العين والصياغة مقصودتين معا عرفا أو يسبق كل واحد منهما على ~~الانفراد عرفا فهذا بمقتضى القاعدة المتقدمة لا يمكن القضاء فيه باجتماع ~~الأمر والنهي لأن متعلقيهما متلازمان فلا بد من انفراد أحدهما وإطراح الآخر ~~حكما ms599 أما على اعتبار التبعية كما مر فيسقط الطلب المتوجه إلى التابع وأما ~~على عدم اعتباوها فيصير التابع عفوا ويبقى التعيين فهو محل اجتهاد وموضع ~~إشكال ويقل وقوع PageV03P189 ~~مثل هذا في الشريعة وإذا فرض وقوعه فكل أحد وما أداه إليه اجتهاده # وقد قال المازري في نحو هذا القسم في البيوع ينبغي أن يلحق بالممنوع لأن ~~كون المنفعة المحرمة مقصودة يقتضي أن لها حصة من الثمن والعقد واحد على شيء ~~واحد لا سبيل إلى تبعيضه والمعاوضة على المحرم منه ممنوعة فمنع الكل ~~لاستحالة التمييز وإن سائر المنافع المباحة يصير ثمنها مجهولا لو قدر ~~انفراده بالعقد هذا ما قال وهو متوجه # وأيضا فقاعدة الذرائع تقوى ههنا إذا قد ثبت القصد إلى الممنوع وأيضا ~~فقاعدة معارضة درء المفاسد لجلب المصالح جارية هنا لأن درء المفاسد مقدم ~~ولأن قاعدة التعاون هنا تقضى بأن المعاملة على مثل هذا تعاون على الإثم ~~والعدوان ولذلك يمنع باتفاق شراء العنب للخمر قصدا وشراء السلاح لقطع ~~الطريق وشراء PageV03P190 ### || AUTO الغلام للفجور وأشباه ذلك وإن كان ذلك القصد تبعيا فهذا أولى ~~أن يكون متفقا على الحكم بالمنع فيه لكنه من باب سد الذرائع وإنما وقع ~~النظر الخلافي في هذا الباب بالنسبة إلى مقطع الحكم وكون المعاوضة فاسدة أو ~~غير فاسدة وقد تقدم لذلك بسط في - كتاب المقاصد ### || AUTO المسألة التاسعة # ورد الأمر والنهي على شيئين كل واحد منهما ليس بتابع للآخر ولا هما ~~متلازمان في الوجود ولا في العرف الجاري إلا أن المكلف ذهب قصده إلى جمعهما ~~معا في عمل واحد وفي غرض واحد كجمع الحلال والحرام في صفقة واحدة ولنصطلح ~~في هذا المكان على وضع الأمر في موضع الإباحة لأن PageV03P191 ~~الحكم فيهما واحد لأن الأمر قد يكون للإباحة كقوله تعالى فانتشروا في ~~الأرض وابتغوا من فضل الله وإنما قصد هنا الاختصار بهذا الاصطلاح والمعنى ~~في المساق مفهوم فمعلوم أن كل واحد منهما غير تابع في القصد بالفرض ولا ~~يمكن حملهما على حكم الانفراد لأن القصد يأباه والمقاصد معتبرة في التصرفات ms600 ~~ولأن الاستقراء من الشرع عرف أن للإجتماع تأثيرا في أحكام لا تكون حالة ~~الانفراد # ويستوي في ذلك الاجتماع بين مأمور ومنهي مع الاجتماع بين مأمورين أو ~~منهيين فقد نهى عليه الصلاة والسلام عن بيع وسلف وكل واحد منهما لو انفرد ~~لجاز ونهى الله تعالى عن الجمع بين الأختين في النكاح مع جواز العقد على كل ~~واحدة بانفرادها وفي الحديث النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة ~~وخالتها وقال # إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم وهو داخل بالمعنى في مسألتنا من حيث كان ~~للجمع حكم ليس للانفراد فكان الإجتماع مؤثرا وهو دليل وكان تأثيره في قطع ~~الأرحام وهو رفع الإجتماع وهو دليل أيضا على تأثير الإجتماع PageV03P192 ~~وفي الحديث النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم حتى يضم إليه ما قبله أو ما ~~بعده وكذلك نهى عن تقدم شهر رمضان بيوم أو يومين وعن صيام يوم الفطر لمثل ~~ذلك أيضا ونهى عن جمع المفترق وتفريق المجتمع خشية الصدقة وذلك يقتضى أن ~~للاجتماع تأثيرا ليس للانفراد واقتضاؤه أن للانفراد حكما ليس للاجتماع يبين ~~أن للاجتماع حكما ليس للانفراد ولو في سلب الانفراد PageV03P193 ~~ونهى عن الخليطين في الأشربة لأن لاجتماعهما تأثيرا في تعجيل صفة الإسكار ~~وعن التفرقة بين الأم وولدها وهو في الصحيح وعن التفرقة بين الأخوين وهو ~~حديث حسن وهو كثير في الشريعة # وأيضا فإذا أخذ الدليل في الإجتماع أعم من هذا تكاثرت الأدلة على اعتباره PageV03P194 ~~في الجملة كالأمر بالاجتماع والنهي عن التفرقة لما في الاجتماع من المعاني ~~التي ليست في الانفراد كالتعاون والتظاهر وإظهار أبهة الإسلام وشعائره ~~وإخماد كلمة الكفر ولذلك شرعت الجماعات والجمعات والأعياد وشرعت المواصلات ~~بين ذوي الأرحام خصوصا وبين سائر أهل الإسلام عموما وقد مدح الإجتماع وذم ~~الافتراق وأمر بإصلاح ذات البين وذم ضدها وما يؤدي إليها إلى غير ذلك مما ~~في هذا المعنى # وأيضا فالاعتبار النظري يقضي أن للاجتماع أمرا زائدا لا يوجد مع الافتراق # هذا وجه تأثير الإجتماع # وللافتراق أيضا تأثير من جهة أخرى فإنها إذا كان للاجتماع معان ms601 لا تكون ~~في الافتراق فللافتراق أيضا معان لا تزيلها حالة الاجتماع فالنهي عن البيع PageV03P195 ~~والسلف مجتمعين قضى بأن لافتراقهما معنى هو موجود حالة الاجتماع وهو ~~الانتفاع بكل واحد منهما إذ لم يبطل ذلك المعنى بالاجتماع ولكنهما نشأ ~~بينهما معنى زائد لأجله وقع النهي وزيادة المعنى في الاجتماع لا يلزم أن ~~يعدم معاني الانفراد بالكلية ومثله الجمع بين الأختين وما في معناه مما ذكر ~~من الأدلة # وأيضا فإن كان للاجتماع معان لا تكون في الانفراد فللانفراد في الاجتماع ~~خواص لا تبطل به فإن لكل واحد من المجتمعين معاني لو بطلت لبطلت معاني ~~الاجتماع بمنزلة الأعضاء مع الإنسان فإن مجموعها هو الإنسان ولكن لو فرض ~~اجتماعها من وجه واحد أو على تحصيل معنى واحد لبطل الإنسان بل الرأس يفيد ~~ما لا تفيده اليد واليد تفيد ما لا تفيده الرجل وهكذا الأعضاء المتشابهة ~~كالعظام والعصب والعروق وغيرها فإذا ثبت هذا فافهم مثله في سائر الاجتماعات # فالأمر بالاجتماع والنهي عن الفرقة غير مبطل لفوائد الأفراد حالة PageV03P196 ~~الاجتماع فمن حيث حصلت الفائدة بالاجتماع فهي حاصلة من جهة الافتراق أيضا ~~حالة الاجتماع وأيضا فمن حيث كان الاجتماع في شيئين يصح استقلال كل واحد ~~منهما بحكم يصح أن يعتبرا من ذلك الوجه أيضا فيتعارضان في مثل مسألتنا حتى ~~ينظر فيها فليس اعتبار الاجتماع وحده بأولى من اعتبار الانفراد # ولكل وجه تتجاذبه أنظار المجتهدين # وإذا كان كذلك فحين امتزج الأمران في المقصد صارا في الحكم كالمتلازمين ~~في الوجود اللذين حكمهما حكم الشيء الواحد فلا يمكن اجتماع الأمر والنهي ~~معا فيهما كما تقدم في المتلازمين ولا بد من حكم شرعي يتوجه عليهما بالأمر ~~أو بالنهي أو لا فإن من العلماء من يجرى عليهما حكم الإنفكاك والاستقلال ~~اعتبارا بالعرف الوجودي والاستعمال إذا كان الشأن في كل واحد منهما ~~الانفراد عن صاحبه والخلاف موجود بين العلماء في مسألة الصفقة تجمع بين ~~حرام وحلال ووجه كل قول منهما قد ظهر ### || AUTO ولا يقال إن الذي يساعد عليه الدليل هو الأول فإنه إذا ms602 ثبت ~~تأثير الاجتماع وأن له حكما لا يكون حالة الانفراد فقد صار كل واحد من ~~الأمرين بالنسبة إلى المجموع كالتابع مع المتبوع فإنه صار جزءا من الجملة ~~وبعض الجملة تابع للجملة ومن الدليل على ذلك ما مر في - كتاب الأحكام من كون PageV03P197 ~~الشيء مباحا بالجزء مطلوبا بالكل أو مندوبا بالجزء واجبا بالكل وسائر ~~الأقسام التى يختلف فيها حكم الجزء مع الكل وعند ذلك لا يتصور أن يرد الأمر ~~والنهي معا فإذا نظرنا إلى الجملة وجدنا محل النهي موجودا في الجملة فتوجه ~~النهي لما تعلق به من ذلك ووجه ما تقدم في تعليل المأزري وما ذكر معه ### || AUTO لأنا نقول إن صار كل واحد من الجزئين كالتابع مع المتبوع فليس ~~جزء الحرام بأن يكون متبوعا أولى من أن يكون تابعا وما ذكر في - كتاب ~~الأحكام لا ينكر وله معارض وهو اعتبار الأفراد كما مر وأما توجيه المأزري ~~فاعتباره مختلف فيه وليس من الأمر المتفق عليه في مذهب مالك ولا غيره فهو ~~مما يمكن أن يذهب إليه مجتهد ويمكن أن لا ### || AUTO المسألة العاشرة # الأمران يتواردان على شيئين كل واحد منهما غير تابع لصاحبه إذا ذهب قصد ~~المكلف إلى جمعها معا في عمل واحد وفي غرض واحد فقد تقدم أن PageV03P198 ~~للجمع تأثيرا وأن في الجمع معنى ليس في الانفراد كما أن معنى الانفراد لا ~~يبطل بالاجتماع # ولكن لا يخلو أن يكون كل منهما منافي الأحكام لأحكام الآخر أولا # فإن كان كذلك رجع في الحكم إلى اجتماع الأمر والنهي على الشيئين يجتمعان ~~قصدا وذلك مقتضى المسألة قبلها ومعنى ذلك أن الشيء إذا كان له أحكام شرعية ~~تقترن به فهي منوطة به على مقتضى المصالح الموضوعة في ذلك الشيء وكذلك كل ~~عمل من أعمال المكلفين كان ذلك العمل عادة أو عبادة فإن اقترن عملان وكانت ~~أحكام كل واحد منهما تنافي أحكام الآخر فمن حيث صارا كالشيء الواحد في ~~القصد الإجتماعي اجتمعت الأحكام المتنافية التي وضعت للمصالح فتنافت وجوه ~~المصالح وتدافعت وإذا تنافت لم تبق ms603 مصالح على ما كانت عليه حالة الانفراد ~~فاستقرت الحال على وجه استقرارها في اجتماع المأمور به مع المنهي عنه ~~فاستويا في تنافي الأحكام لأن النهي يعتمد المفاسد والأمر يعتمد المصالح ~~واجتماعهما يؤدي إلى الامتناع كما مر فامتنع ما كان مثله # وأصل هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع والسلف لأن باب البيع ~~يقتضي المغابنة والمكايسة وباب السلف يقتضي المكارمة والسماح والإحسان فإذا ~~اجتمعا داخل السلف المعنى الذي في البيع فخرج السلف عن أصله إذ كان مستثنى ~~من بيع الفضة بالفضة أو الذهب بالذهب نسيئة فرجع إلى أصله المستثنى منه من ~~حيث كان ما استثنى منه وهو الصرف أصله المغابنة والمكايسة والمكايسة فيه ~~وطلب الربح ممنوعة فإذا رجع السلف إلى أصله بمقارنة البيع امتنع من جهتين ~~إحداهما الأجل الذي في السلف والأخرى طلب الربح الذي تقتضيه المكايسة أنه ~~لم يضم إلى البيع إلا وقد داخله في قصد الاجتماع ذلك المعنى # وعلى هذا يجري المعنى في إشراك المكلف في العبادة غيرها مما هو مأمور به PageV03P199 ~~إما وجوبا أو ندبا أو إباحة إذا لم يكن أحدهما تبعا للآخر وكانت أحكامهما ~~متنافية مثل الأكل والشرب والذبح والكلام المنافي في الصلاة وجمع PageV03P200 ~~نية الفرض والنفل في الصلاة والعبادة لأداء الفرض والندب معا وجمع فرضين ~~معا في فعل واحد كظهرين أو عصرين أو ظهر وعصر أو صوم رمضان أداء وقضاء معا ~~إلى أشباه ذلك # ولأجل هذا منع مالك من جمع عقود بعضها إلى بعض وإن كان في بعضها خلاف ~~فالجواز ينبني على الشهادة بعدم المنافاة بين الأحكام اعتبارا بمعنى ~~الانفراد حالة الاجتماع فمنع من اجتماع الصرف والبيع والنكاح والبيع ~~والقراض والبيع والمساقاة والبيع والشركة والبيع والجعل والبيع والإجارة في ~~الاجتماع مع هذه الأشياء كالبيع ومنع من اجتماع الجزاف والمكيل واختلف ~~العلماء في اجتماع الإجارة والبيع وهذا كله لأجل اجتماع الأحكام المختلفة ~~في العقد الواحد فالصرف مبني على غاية التضييق حتى شرط فيه التماثل الحقيقي ~~في الجنس والتقابض الذي لا تردد فيه ولا تأخير ولا ms604 بقاء علقة وليس البيع كذلك PageV03P201 ~~والنكاح مبني على المكارمة والمسامحة وعدم المشاحة ولذلك سمى الله الصداق ~~نحلة وهي العطية لا في مقابلة عوض وأجيز فيه نكاح التفويض بخلاف البيع ~~والقراض والمساقاة مبنيان على التوسعة إذ هما مستثنيان من أصل ممنوع وهو ~~الإجارة المجهولة فصارا كالرخصة بخلاف البيع فإنه مبني على رفع الجهالة في ~~الثمن والمثمون والأجل وغير ذلك فأحكامه تنافي أحكامهما والشركة مبناها على ~~المعروف والتعاون على إقامة المعاش للجانبين بالنسبة إلى كل واحد من ~~الشريكين والبيع يضاد ذلك والجعل مبني على الجهالة بالعمل وعلى أن العامل ~~بالخيار والبيع يأبى هذين واعتبار الكيل في المكيل قصد إلى غاية الممكن في ~~العلم بالمكيل والجزاف مبني على المسامحة في العلم بالمبلغ للاجتزاء فيه ~~بالتخمين الذي لا يوصل إلى علم والإجارة عقد على منافع لم توجد فهو على أصل ~~الجهالة وإنما جازت لحاجة التعاون كالشركة والبيع ليس كذلك وقد اختلفوا ~~أيضا في عقد على بت في سلعة وخيار في أخرى والمنع بناء على تضاد البت ~~والخيار # وكما اختلفوا في جمع العاديين في عمل واحد بناء على الشهادة بتضاد ~~الأحكام فيهما أو عدم تضادها كذلك اختلفوا أيضا في جمع العبادى مع العادى ~~كالتجارة PageV03P202 ### || AUTO في الحج أو الجهاد وكقصد التبرد مع الوضوء وقصد الحمية مع ~~الصوم وفي بعض العبادتين كالغسل بنية الجنابة والجمعة وقد مر هنا وفي - ~~كتاب المقاصد بيان هذا المعنى في الكلام على المقاصد الأصلية مع المقاصد ~~التابعة وبالله التوفيق # وإن كانا غير متنافي الأحكام فلا بد أيضا من اعتبار قصد الاجتماع وقد ~~تقدم الدليل عليه قبل فلا يخلو أن يحدث الاجتماع حكما يقتضي النهي أو لا # فإن أحدث ذلك صارت الجملة منهيا عنها واتحدت جهة الطلب فإن الاجتماع ألغى ~~الطلب المتعلق بالأجزاء وصارت الجملة شيئا واحدا يتعلق به إما الأمر وإما ~~النهي فيتعلق به الأمر إن اقتضى المصلحة ويتعلق به النهي إذا اقتضى مفسدة ~~فالفرض هنا أنه اقتضى مفسدة فلا بد أن يتعلق به النهي كالجمع بين الأختين ~~وبين المرأة وعمتها ms605 أو خالتها والجمع بين صوم أطراف رمضان مع ما قبله وما ~~بعده والخليطين في الأشربة وجمع الرجلين في البيع سلعتيهما على رأي من رآه ~~في مذهب مالك فإن الجمع يقتضي عدم اعتبار الأفراد بالقصد الأول فيؤدي ذلك ~~إلى الجهالة في الثمن بالنسبة إلى كل واحد من البائعين وإن كانت الجملة ~~معلومة فامتنع لحدوث هذه المفسدة المنهي عنها وأما المجيز فيمكن أن يكون ~~اعتبر أمرا آخر وهو أن صاحبي السلعتين لما قصدا إلى جمع سلعتيهما في البيع ~~صار ذلك معنى الشركة فيهما فكأنهما قصدا الشركة أولا ثم بيعهما والاشتراك ~~في الثمن وإذا كانا في حكم الشريكين فلم يقصدا إلى مقدار ثمن كل واحدة من ~~السلعتين لأن كل واحدة كجزء السلعة الواحدة فهو قصد تابع لقصد الجملة فلا ~~أثر له ثم الثمن يفض على رءوس المالين إذا أرادا القسمة ولا امتناع في ذلك ~~إذ لا جهالة فيه فلم يكن في الاجتماع حدوث فساد # وإذا لم يكن فيه شيء مما يقتضي النهي فالأمر متوجه إذ ليس إلا أمر أو نهي ~~على الاصطلاح المنبه عليه PageV03P203 ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # الأمران يتواردان على الشيء الواحد باعتبارين إذا كان أحدهما راجعا إلى ~~الجملة والآخر راجع إلى بعض تفاصيلها أو إلى بعض أوصافها أو إلى بعض ~~جزئياتها فاجتماعهما جائز حسبما ثبت في الأصول # والذي يذكر هنا أن أحدهما تابع والآخر متبوع وهو الأمر الراجع إلى الجملة ~~وما سواه تابع لأن ما يرجع إلى التفاصيل أو الأوصاف أو الجزئيات كالتكملة ~~للجملة والتتمة لها وما كان هذا شأنه فطلبه إنما هو من تلك الجهة لا مطلقا ~~وهذا معنى كونه تابعا وأيضا فإن هذا الطلب لا يستقل بنفسه بحيث يتصور وقوع ~~مقتضاه دون مقتضى الأمر بالجملة بل إن فرض فقد الأمر بالجملة لم يمكن إيقاع ~~التفاصيل لأن التفاصيل لا تتصور إلا في مفصل والأوصاف لا تتصور إلا في ~~موصوف والجزئي لا يتصور إلا من حيث الكلي وإذا كان كذلك فطلبه إنما هو على ~~جهة التبعية لطلب الجملة # ولذلك أمثلة كالصلاة ms606 بالنسبة إلى طلب الطهارة الحدثية والخبثية وأخذ ~~الزينة والخشوع والذكر والقراءة والدعاء واستقبال القبلة وأشباه ذلك ومثل ~~الزكاة مع انتقاء أطيب الكسب وإخراجها في وقتها وتنويع PageV03P204 ~~المخرج ومقداره وكذلك الصيام مع تعجيل الإفطار وتأخير السحور وترك الرفث ~~وعدم التغرير وكالحج مع مطلوباته التي هى له كالتفاصيل والجزئيات والأوصاف ~~التكميليات وكذلك القصاص مع العدل واعتبار الكفاءة والبيع مع توفية المكيال ~~والميزان وحسن القضاء والاقتضاء والنصيحة وأشباه ذلك فهذه الأمور مبنية في ~~الطلب على طلب ما رجعت إليه وانبنت عليه فلا يمكن أن تفرض إلا وهي مستندة ~~إلى الأمور المطلوبة الجمل وكذلك سائر التوابع مع المتبوعات # بخلاف الأمر والنهي إذا تواردا على التابع والمتبوع كالشجرة المثمرة PageV03P205 ~~قبل الطيب فإن النهي لم يرد عل بيع الثمرة إلا على حكم الاستقلال فلو ~~فرضنا عدم الاستقلال فيها فذلك راجع إلى صيرورة الثمرة كالجزء التابع ~~للشجرة وذلك يستلزم قصد الاجتماع في الجملة وهو معنى القصد إلى العقد ~~عليهما معا فارتفع النهي بإطلاق على ما تقدم وحصل من ذلك اتحاد الأمر إذ ~~ذاك بمعنى توارد الأمرين على الجملة الواحدة باعتبارها في نفسها واعتبار ~~تفاصيلها وجزئياتها وأوصافها # وعلى هذا الترتيب جرت الضروريات مع الحاجيات والتحسينيات فإن التوسعة ~~ورفع الحرج يقتضي شيئا يمكن فيه التضييق والحرج وهو الضروريات بلا شك ~~والتحسينات مكملات ومتممات فلا بد أن تستلزم أمورا تكون مكملات لها لأن ~~التحسين والتكميل والتوسيع لا بد له من موضوع إذا فقد فيه ذلك عد غير حسن ~~ولا كامل ولا موسع بل قبيحا مثلا أو ناقصا أو ضيقا أو حرجا فلا بد من ~~رجوعها إلى أمر آخر مطلوب فالمطلوب أن يكون تحسينا وتوسيعا تابع في الطلب ~~للمحسن والموسع وهو معنى ما تقدم من طلب التبعية وطلب المتبوعية # وإذا ثبت هذا تصور في الموضع قسم آخر وهى PageV03P206 ### || AUTO المسألة الثانية عشرة # فنقول الأمر والنهي إذا تواردا على شيء واحد وأحدهما راجع إلى بعض ~~أوصافها أو جزئياتها أو نحو ذلك فقد مر في المسألة قبلها ما يبين جواز ~~اجتماعهما وله صورتان ms607 إحداهما أن يرجع الأمر إلى الجملة والنهي إلى أوصافها ~~وهذا كثير كالصلاة بحضرة الطعام والصلاة مع مدافعة الأخبثين والصلاة في ~~الأوقات المكروهة وصيام أيام العيد والبيع المقترن بالغرر والجهالة ~~والإسراف في القتل ومجاوزة الحد في العدل فيه والغش والخديعة في البيوع ~~ونحوها إلى ما كان من هذا القبيل والثانية أن يرجع النهي إلى الجملة والأمر ~~إلى أوصافها وله أمثلة كالتستر بالمعصية في قوله عليه الصلاة والسلام # من ابتلي منكم من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله وإتباع السيئة ~~الحسنة لقوله تعالى ثم يتوبون من قريب وروى # من مشى منكم إلى طمع فليمش رويدا وأشباه ذلك فأما الأول فقد تكلم عليه ~~الأصوليون فلا معنى لإعادته هنا وأما الثاني فيؤخذ الحكم فيه من معنى ~~كلامهم في PageV03P207 ~~الأول فإليك النظر في التفريع والله أعلم وينجر هنا الكلام إلى معنى آخر وهي ### || AUTO المسألة الثالثة عشرة # وذلك تفاوت الطلب فيما كان متبوعا مع التابع له وأن الطلب المتوجه للجملة ~~أعلى رتبة وآكد في الاعتبار من الطلب المتوجه إلى التفاصيل أو الأوصاف أو ~~خصوص الجزئيات # والدليل على ذلك ما تقدم من أن التابع مقصود بالقصد الثاني ولأجل ذلك ~~يلغى جانب التابع في جنب المتبوع فلا يعتبر التابع إذا كان اعتباره يعود ~~على المتبوع بالإخلال أو يصير منه كالجزء أو كالصفة أو التكملة وبالجملة ~~فهذا المعنى مبسوط فيما تقدم وكله دليل على قوة المتبوع في الاعتبار وضعف التابع # فالأمر المتعلق بالمتبوع آكد في الاعتبار من الأمر المتعلق بالتابع PageV03P208 ~~وبهذا الترتيب يعلم أن الأوامر في الشريعة لا تجري في التأكيد مجرى واحدا ~~وأنها لا تدخل تحت قصد واحد فإن الأوامر المتعلقة بالأمور الضرورية ليست ~~كالأوامر المتعلقة بالأمور الحاجية ولا التحسينية ولا الأمور المكملة ~~للضروريات كالضروريات أنفسها بل بينهما تفاوت معلوم بل الأمور الضرورية ~~ليست في الطلب على وزان واحد كالطلب المتعلق بأصل الدين ليس في التأكيد ~~كالنفس ولا النفس كالعقل إلى سائر أصناف الضروريات والحاجيات كذلك فليس ~~الطلب بالنسبة إلى الممتعات المباحة التي لا معارض لها كالطلب ms608 بالنسبة إلى ~~ماله معارض كالتمتع باللذات المباحة مع استعمال القرض والسلم والمساقاة ~~وأشباه ذلك ولا أيضا طلب هذه كطلب الرخص التي يلزم في تركها حرج على الجملة ~~ولا طلب هذه كطلب ما يلزم في تركه تكليف ما لا يطاق وكذلك التحسينيات حرفا بحرف # فإطلاق القول في الشريعة بأن الأمر للوجوب أو للندب أو للإباحة PageV03P209 ~~أو مشترك أو لغير ذلك مما يعد في تقرير الخلاف في المسألة إلى هذا المعنى ~~يرجع الأمر فيه فإنهم يقولون إنه للوجوب ما لم يدل دليل على خلاف ذلك فكان ~~المعنى يرجع إلى اتباع الدليل في كل أمر وإذا كان كذلك رجع إلى ما ذكر لكن ~~إطلاق القول فيما لم يظهر دليله صعب وأقرب المذاهب في المسألة مذهب ~~الواقفية وليس في كلام العرب ما يرشد إلى اعتبار جهة من تلك الجهات دون ~~صاحبتها # فالضابط في ذلك أن ينظر في كل أمر هل هو مطلوب فيها بالقصد الأول أم ~~بالقصد الثاني فإن كان مطلوبا بالقصد الأول فهو في أعلى المراتب في ذلك ~~النوع وإن كان من المطلوب بالقصد الثاني نظر هل يصح إقامة أصل PageV03P210 ~~الضروري في الوجود بدونه حتى يطلق على العمل اسم ذلك الضروري أم لا فإن لم ~~يصح فذلك المطلوب قائم مقام الركن والجزء المقام لأصل الضروري وإن صح أن ~~يطلق عليه الاسم بدونه فذلك المطلوب ليس بركن ولكنه مكمل ومتمم إما من ~~الحاجيات وإما من التحسينيات فينظر في مراتبه على الترتيب المذكور أو نحوه ~~بحسب ما يؤدي إليه الاستقراء في الشرع في كل جزء منها ### || AUTO المسألة الرابعة عشرة # الأمر بالشيء على القصد الأول ليس أمر بالتوابع بل التوابع إذا كانت ~~مأمورا بها مفتقرة إلى استئناف أمر آخر والدليل على ذلك ما تقدم من أن ~~الأمر بالمطلقات لا يستلزم الأمر بالمقيدات فالتوابع هنا راجعة إلى تأدية ~~المتبوعات على وجه مخصوص والأمر إنما تعلق بها مطلقا لا مقيدا فيكفي فيها ~~إيقاع مقتضى PageV03P211 ~~الألفاظ المطلقة فلا يستلزم إيقاعها على وجه مخصوص دون وجه ولا على صفة ms609 ~~دون صفة فلا بد من تعيين وجه أو صفة على الخصوص واللفظ لا يشعر به على ~~الخصوص فهو مفتقر إلى تجديد أمر يقتضي الخصوص وهو المطلوب # وينبني على هذا أن المكلف مفتقر في أداء مقتضى المطلقات على وجه واحد دون ~~غيره إلى دليل فإنا إذا فرضناه مأمورا بإيقاع عمل من العبادات مثلا من غير ~~تعيين وجه مخصوص فالمشروع فيه على هذا الفرض لا يكون مخصوصا بوجه ولا بصفة ~~بل أن يقع على حسب ما تقع الأعمال الاتفاقية الداخلة تحت الإطلاق فالمأمور ~~بالعتق مثلا أمر بالإعتاق مطلقا من غير تقييد مثلا بكونه ذكرا دون أنثى ولا ~~أسود دون أبيض ولا كاتبا دون صانع ولا ما أشبه ذلك فإذا التزم هو في ~~الإعتاق نوعا من هذا الأنواع دون غيره احتاج في هذا الالتزام إلى دليل وإلا ~~كان التزامه غير مشروع وكذلك إذا التزم في صلاة الظهر مثلا أن يقرأ بالسورة ~~الفلانية دون غيرها دائما أو أن يتطهر من ماء البئر دون ماء الساقية أو غير ~~ذلك من الالتزامات التى هى توابع لمقتضى الأمر في المتبوعات فلا بد من طلب ~~دليل على ذلك وإلا لم يصح في التشريع وهو عرضة لأن يكر على المتبوع ~~بالإبطال # وبيانه أن الأمر إذا تعلق بالمأمور المتبوع من حيث الإطلاق ولم يرد عليه ~~أمر آخر يقتضي بعض الصفات أو الكيفيات التوابع فقد عرفنا من قصد الشارع PageV03P212 ~~أن المشروع عمل مطلق لا يختص في مدلول اللفظ بوجه دون وجه ولا وصف دون وصف ~~فالمخصص له بوجه دون وجه أو وصف دون وصف لم يوقعه على مقتضى الإطلاق فافتقر ~~إلى دليل على ذلك التقييد أو صار مخالفا لمقصود الشارع # وقد سئل مالك عن القراءة في المسجد فقال لم يكن بالأمر القديم وإنما هو ~~شيء أحدث قال ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها والقرآن حسن ~~وقال أيضا أترى الناس اليوم أرغب في الخير ممن مضى قال ابن رشد التزام ~~القراءة في المسجد بإثر صلاة من الصلوات أو ms610 على وجه ما مخصوص حتى يصير ذلك ~~كأنه سنة مثل ما بجامع قرطبة أثر صلاة الصبح فرأى ذلك بدعة قال وأما ~~القراءة على غير هذا الوجه فلا بأس بها في المسجد ولا وجه لكراهيتها والذي ~~أشار إليه مالك هو الذي صرح به في موضع آخر فإنه قال في القوم يجتمعون ~~جميعا فيقرءون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية فكره ذلك ~~وأنكر أن يكون من عمل الناس # وسئل مالك عن الجلوس في المسجد يوم عرفة بعد العصر للدعاء فكرهه فقيل له ~~فالرجل يكون في مجلسه فيجتمع الناس إليه ويكبرون قال ينصرف PageV03P213 ~~ولو أقام في منزله كان خيرا له قال ابن رشد كره هذا وإن كان الدعاء حسنا ~~وأفضله يوم عرفة لأن الاجتماع لذلك بدعة وقد روى عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال # أفضل الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكره مالك في ~~سجود القرآن أن يقصد القارئ مواضع السجود فقط ليسجد فيها وكره في المدونة ~~أن يجلس الرجل لمن سمعه يقرأ السجدة لا يريد بذلك تعلما وأنكر على من يقرأ ~~في المساجد ويجتمع عليه ورأى أن يقام وفيها ومن قعد إليه فعلم أنه يريد ~~قراءة سجدة قام عنه ولم يجلس معه # وقال ابن القاسم سمعت مالكا يقول إن أول من أحدث الاعتماد في الصلاة حتى ~~لا يحرك رجليه رجل قد عرف وسمى إلا أني لا أحب أن أذكره وكان مساء يعني ~~يساء الثناء عليه قال ابن رشد جائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة ~~وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون الأخرى لأن ذلك ليس من ~~حدود الصلاة إذ لم يأت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من ~~السلف والصحابة المرضيين الكرام وهو من محدثات الأمور # وعن مالك نحو هذا في القيام للدعاء وفي الدعاء عند ختم القرآن وفي ~~الاجتماع للدعاء عند الانصراف من الصلاة والتثويب للصلاة والزيادة في الذبح PageV03P214 ~~على التسمية المعلومة والقراءة ms611 في الطواف دائما والصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم عند التعجب وأشباه ذلك مما هو كثير في الناس يكون الأمر ~~واردا على الإطلاق فيقيد بتقييدات تلتزم من غير دليل دل على ذلك وعليه أكثر ~~البدع المحدثات # وفي الحديث # لا يجعلن أحدكم للشيطان حظا من صلاته يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن ~~يمينه وعن ابن عمر وغيره أنه سئل عن الالتفات في صلاة يمينا وشمالا فقال ~~نلتفت هكذا وهكذا ونفعل ما يفعل الناس كأنه التزام عدم الالتفات ورآه من ~~الأمور التي لم يرد التزامها # وقال عمر واعجبا لك يا ابن العاصي لئن كنت تجد ثيابا أفكل الناس يجد ~~ثيابا والله لو فعلت لكانت سنة بل اغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر هذا فيما لم ~~يظهر الدوام فيه فكيف مع الالتزام # والأحاديث في هذا والإخبار كثيرة جميعها يدل على أن التزام الخصوصات PageV03P215 ~~في الأوامر المطلقة مفتقر إلى دليل وإلا كان قولا بالرأي واستنانا بغير ~~مشروع وهذه الفائدة انبتت على هذه المسألة مع مسألة أن الأمر بالمطلق لا ~~يستلزم الأمر بالمقيد ### || AUTO المسألة الخامسة عشرة # المطلوب الفعل بالكل هو المطلوب بالقصد الأول وقد يصير مطلوب الترك ~~بالقصد الثاني كما أن المطلوب الترك بالكل هو المطلوب الترك بالقصد الأول ~~وقد يصير مطلوب الفعل بالقصد الثاني وكل واحد منهما لا يخرج عن أصله من ~~القصد الأول # أما الأول فيتبين من أوجه PageV03P216 ~~أحدها أنه قد يؤخذ من حيث قصد الشارع فيه وهذا هو الأصل فيتناول على الوجه ~~المشروع وينتفع به كذلك ولا ينسى حق الله فيه لا في سوابقه ولا في لواحقه ~~ولا في قرائنه فإذا أخذ على ذلك الوزان كان مباحا بالجزء مطلوبا بالكل فإن ~~المباحات إنما وضعها الشارع للانتفاع بها على وفق المصالح على الإطلاق بحيث ~~لا تقدح في دنيا ولا في دين وهو الاقتصاد فيها ومن هذه الجهة جعلت نعما ~~وعدت مننا وسميت خيرا وفضلا # فإذا خرج المكلف بها عن ذلك الحد بأن تكون ضررا عليه في الدنيا ms612 أو في ~~الدين كانت من هذه الجهة مذمومة لأنها صدت عن مراعاة وجوه الحقوق السابقة ~~واللاحقة والمقارنة أو عن بعضها فدخلت المفاسد بدلا عن المصالح في الدنيا ~~وفي الدين وإنما سبب ذلك تحمل المكلف منها ما لا يحتمله فإنه إذا كان يكتفي ~~منها بوجه ما أو بنوع ما أو بقدر ما وكانت مصالحة تجرى على ذلك ثم زاد على ~~نفسه منها فوق ما يطيقه تدبيره وقوته البدنية والقلبية كان مسرفا وضعفت ~~قوته عن حمل الجميع فوقع الاختلال وظهر الفساد كالرجل يكفيه لغذائه مثلا ~~رغيف وكسبه المستقيم إنما يحمل ذلك المقدار لأن تهيئته لا تقوى على غيره ~~فزاد على الرغيف مثله فذلك إسراف منه في جهة اكتسابه أولا من حيث كان يتكلف ~~كلفة ما يكفيه مع التقوى فصار يتكلف كلفة اثنين وهو مما لا يسعه ذلك إلا مع ~~المخالفة وفي جهة تناوله فإنه يحمل نفسه من الغذاء فوق ما تقوى عليه الطباع ~~فصار شاقا عليه وربما ضاق نفسه واشتد كربه وشغله عن التفرغ للعبادة المطلوب ~~فيها الحضور مع الله تعالى وفي جهة PageV03P217 ~~عاقبته فإن أصل كل داء البردة وهذا قد عمل على وفق الداء فيوشك أن يقع به # وهكذا حكم سائر أحواله الظاهرة والباطنة في حين الإسراف فهو في الحقيقة ~~الجالب على نفسه المفسدة لا نفس الشيء المتناول من حيث هو غذاء تقوم به الحياة # فإذا تأملت الحالة وجدت المذموم تصرف المكلف في النعم لا أنفس النعم إلا ~~أنها لما كانت آلة للحالة المذمومة ذمت من تلك الجهة وهو القصد الثاني لأنه ~~مبنى على قصد المكلف المذموم وإلا فالرب تعالى قد تعرف إلى عبده بنعمه ~~وامتن بها قبل النظر في فعل المكلف فيها على الإطلاق وهذا دليل على أنها ~~محمودة بالقصد الأول على الإطلاق وإنما ذمت حين صدت من صدت عن سبيل الله ~~وهو ظاهر لمن تأمله # والثاني أن جهة الامتنان لا تزول أصلا وقد يزول الإسراف رأسا وما هو دائم ~~لا يزول على حال هو الظاهر في القصد الأول بخلاف ms613 ما قد يزول فإن المكلف إذا ~~أخذ المباح كما حد له لم يكن فيه من وجوه الذم شيء وإذا أخذه من داعي هواه ~~ولم يراع ما حد له صار مذموما في الوجه الذي اتبع فيه هواه وغير مذموم في ~~الوجه الآخر وأيضا فإن وجه الذم قد تضمن النعمة واندرجت تحته لكن غطى عليها ~~هواه ومثاله أنه إذا تناول مباحا على غير الجهة المشروعة قد حصل له في ضمنه ~~جريان مصالحه على الجملة وإن كانت مشوبة فبمتبوع هواه والأصل هو النعمة لكن ~~هواه أكسبها بعض أوصاف الفساد ولم يهدم أصل المصلحة وإلا فلو انهدم أصل ~~المصلحة لانعدم أصل المباح لأن البناء إنما كان عليه فلم يزل أصل المباح ~~وإن كان مغمورا تحت أوصاف PageV03P218 ~~الاكتساب والاستعمال المذموم فهذا أيضا مما يدل على أن كون المباح مذموما ~~ومطلوب الترك إنما هو بالقصد الثاني لا بالقصد الأول # والثالث أن الشريعة مصرحة بهذا المعنى كقوله تعالى أفبالباطل يؤمنون ~~وبنعمة الله هم يكفرون ولكن أكثر الناس لا يشكرون وقوله وهو الذي سخر البحر ~~لتأكلوا منه لحما طريا إلى قوله ولعلكم تشكرون فهذه الآيات وأشباهها تدل ~~على أن ما بث في الأرض من النعم والمنافع على أصل ما بث إلا أن المكلف لما ~~وضع له فيها اختيار به يناط التكليف داخلتها من تلك الجهة الشوائب لا من ~~جهة ما وضعت له أولا فإنها من الوضع الأول خالصة فإذا جرت في التكليف بحسب ~~المشروع فذلك هو الشكر وهو جريها على ما وضعت أولا وإن جرت على غير ذلك فهو ~~الكفران ومن ثم انجرت المفاسد وأحاطت بالمكلف وكل بقضاء الله وقدره والله ~~خلقكم وما تعملون وفي الحديث # إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا فقيل أيأتي الخير ~~بالشر فقال # لا يأتي الخير إلا بالخير وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم الحديث # وأيضا فباب سد الذرائع من هذا القبيل فإنه راجع إلى طلب ترك ما ثبت طلب ~~فعله لعارض يعرض وهو أصل ms614 متفق عليه في الجملة وإن اختلف العلماء في تفاصيله ~~فليس الخلاف في بعض الفروع مما يبطل دعوى الإجماع في الجملة لأنهم اتفقوا ~~على مثل قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا PageV03P219 ~~لا تقولوا راعنا وقوله ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله وشبه ذلك ~~والشواهد فيه كثيرة # وهكذا الحكم في المطلوب طلب الندب قد يصير بالقصد الثاني مطلوب الترك ~~حسبما تناولته أدلة التعمق والتشديد والنهي عن الوصال وسرد الصيام والتبتل ~~وقد تقدم من ذلك كثير ومثله المطلوب طلب الوجوب عزيمة قد يصير بالقصد ~~الثاني مطلوب الترك إذا كان مقتضى العزيمة فيه مشوشا وعائدا على PageV03P220 ~~الواجب بالنقصان كقوله # ليس من البر الصيام في السفر وأشباه ذلك # فالحاصل أن المطلوب بالقصد الأول على الإطلاق قد يصير مطلوب الترك بالقصد ~~الثاني وهو المطلوب # فإن قيل هذا معارض بما يدل على خلافه وأن المدح والذم راجع إلى ما بث في ~~الأرض وعلى ما وضع فيها من المنافع على سواء فإن الله عز وجل قال وهو الذي ~~خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا وقال الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وقوله ولنبلونكم ~~حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم وقد مر أن التكاليف وضعت ~~للابتلاء والاختبار ليظهر في الشاهد ما سبق العلم به في الغائب وقد سبق ~~العلم بأن هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار لكن بحسب ذلك الابتلاء والابتلاء إنما ~~يكون بما له جهتان لا بما هو ذو جهة واحدة ولذلك ترى النعم المبثوثة في ~~الأرض للعباد لا يتعلق بها من حيث هي مدح ولا ذم ولا أمر ولا نهي وإنما ~~يتعلق بها من حيث تصرفات المكلفين فيها وتصرفات المكلفين بالنسبة إليها على ~~سواء فإذا عدت نعما ومصالح من حيث تصرفات المكلف فهي معدودة فتنا ونقما ~~بالنسبة إلى تصرفاتهم أيضا ويوضح ذلك أن الأمور المبثوثة للانتفاع ممكنة في ~~جهتي المصلحة والمفسدة ومهيأة للتصرفين معا فإذا كانت الأمور المبثوثة في ~~الأرض للتكليف بهذا القصد وعلى PageV03P221 ~~هذا الوجه ms615 فكيف يترجح أحد الجانبين على الآخر حتى يعد القصد الأول هو بثها ~~نعما فقط وكونها نقما وفتنا إنما هو على القصد الثاني # فالجواب أن لا معارضة في ذلك من وجهين # أحدهما أن هذه الظواهر التى نصت على أنها نعم مجردة من الشوائب إما أن ~~يكون المراد بها ما هو ظاهرها وهو المطلوب الأول أو يراد بها أنها في ~~الحقيقة على غير ذلك وهذا الثاني لا يصح إذ لا يمكن في العقل ولا يوجد في ~~السمع أن يخبر الله تعالى عن أمر بخلاف ما هو عليه فإنا إن فرضنا أن هذه ~~المبثوثات ليست بنعم خالصة كما أنها ليست بنقم خالصة فإخبار الله عنها ~~بأنها نعم وأنه امتن بها وجعلها حجة على الخلق ومظنة لحصول الشكر مخالف ~~للمعقول ثم إذا نظرنا في تفاصيل النعم كقوله ألم نجعل الأرض مهادا والجبال ~~أوتادا إلى آخر الآيات وقوله هو الذي أنزل من السمآء ماء لكم منه شراب ومنه ~~شجر إلى آخر ما ذكر فيها وفي غيرها أفيصح في واحدة منها أن يقال إنها ليست ~~كذلك بإطلاق أو يقال إنها نعم بالنسبة إلى قوم ونقم بالنسبة إلى قوم آخرين ~~هذا كله خارج عن حكم المعقول والمنقول # والشواهد لهذا أن القرآن أنزل هدى ورحمة وشفاء لما في الصدور وأنه النور ~~الأعظم وطريقه هو الطريق المستقيم وأنه لا يصح أن ينسب إليه خلاف ذلك مع ~~أنه قد جاء فيه يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين وأنه ~~هدى للمتقين لا لغيرهم وأنه هدى ورحمة للمحسنين إلى أشباه ذلك ولا يصح أن ~~يقال أنزل القرآن ليكون هدى لقوم وضلالا لآخرين أو هو محتمل لأن يكون هدى ~~أو ضلالا نعوذ بالله من هذا التوهم # لا يقال إن ذلك قد يصح بالاعتبارين المذكورين في أن الحياة الدنيا لعب ~~ولهو وأنها سلم إلى السعادة وجد لا هزل وما خلقنا السماء PageV03P222 ~~والأرض وما بينهما لاعبين # لأنا نقول هذا حق إذا حملنا التعرف بالنعم على ظاهر ما دلت عليه النصوص ms616 ~~كما يصح في كون القرآن هدى وشفاء ونورا كما دل عليه الإجماع وما سوى ذلك ~~فمحمول على وجه لا يخل بالقصد الأول في بث النعم # والوجه الثاني أن كون النعم تئول بأصحابها إلى النقم إنما ذلك من جهة وضع ~~المكلف لأنها لم تصر نقما في أنفسها بل استعمالها على غير الوجه المقصود ~~فيها هو الذي صيرها كذلك فإن كون الأرض مهادا والجبال أوتادا PageV03P223 ~~وجميع ما أشبههه نعم ظاهرة لم تتغير فلما صارت تقابل بالكفران بأخذها على ~~غير مأخذ صارت عليهم وبالا وفعلهم فيها هو الوبال في الحقيقة لا هي لأنهم ~~استعانوا بنعم الله على معاصيه # وعلى هذا الترتيب جرى شأن القرآن فإنهم لما مثلت أصنامهم التى اتخذوها من ~~دون الله ببيت العنكبوت في ضعفه تركوا التأمل والاعتبار فيما قيل لهم حتى ~~يتحققوا أن الأمر كذلك وأخذوا في ظاهر التمثيل بالعنكبوت من غير التفات إلى ~~المقصود وقالوا ماذا أراد الله بهذا مثلا فأخبر الله تعالى عن الحقيقة ~~السابقة فيمن شأنه هذا بقوله يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا ثم استدرك البيان ~~المنتظر بقوله وما يضل به إلا الفاسقين نفيا لتوهم من يتوهم أنه أنزل بقصد ~~الإضلال لقوم والهداية لقوم أي هو هدى كما قال أولا هدى للمتقين لكن ~~الفاسقين يضلون بنظرهم إلى غير المقصود من إنزال القرآن كذلك هو هدى ~~للمتقين الذين ينظرون إلى صوب الحقيقة فيه وهو الذي أنزل من أجله وهذا ~~المكان يستمد من المسألة الأولى فإذا تقرر هذا صارت النعم نعما بالقصد ~~الأول وكونها بالنسبة إلى قوم آخرين بخلاف ذلك من جهة أخذهم لها على غير ~~الصوب الموضوع فيها وذلك معنى القصد الثاني والله أعلم # وأما الثاني وهو أن المطلوب الترك بالكل هو بالقصد الأول فكذلك أيضا لإنه ~~لما تبين أنه خادم لما يضاد المطلوب الفعل صار مطلوب الترك لأنه ليس فيه ~~إلا قطع الزمان في غير فائدة وليس له قصد ينتظر حصوله منه على الخصوص فصار ~~الغناء المباح مثلا ليس بخادم لأمر ضروري ولا حاجي ولا تكميلي ms617 بل قطع ~~الزمان به صد عما هو خادم لذلك فصار خادما لضده # ووجهه ثان أنه من قبيل اللهو الذي سماه الشارع باطلا كقوله تعالى وإذا ~~رأوا تجارة أو لهوا يعني الطبل أو المزمار أو الغناء وقال PageV03P224 ~~في معرض الذم للدنيا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو الآية وفي الحديث # كل لهو باطل إلا ثلاثة فعده مما لا فائدة فيه إلا الثلاثة فإنها لما كانت ~~تخدم أصلا ضروريا أولا حقا به استثناها ولم يجعلها باطلا # ووجه ثالث وهو أن هذا الضرب لم يقع الامتنان به ولا جاء في معرض تقرير ~~النعم كما جاء القسم الأول فلم يقع امتنان باللهو من حيث لهو ولا بالطرب ~~ولا بسببه من جهة ما يسببه بل من جهة ما فيه من الفائدة العائدة لخدمة ما ~~هو مطلوب وهو على وفق ما جرى في محاسن العادات فإن هذا القسم خارج عنها ~~بالجملة ويحقق ذلك أيضا أن وجوه التمتعات هيئت للعباد أسبابها خلقا ~~واختراعا فحصلت المنة بها من تلك الجهة ولا تجد للهو أو اللعب تهيئة تختص ~~به في أصل الخلق وإنما هى مبثوثة لم يحصل من جهتها تعرف بمنة ألا ترى إلى ~~قوله قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده PageV03P225 ~~والطيبات من الرزق وقال والأرض وضعها للأنام إلى قوله يخرج منهما اللؤللؤ ~~والمرجان وقوله والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة إلى أشباه ذلك ولا ~~تجد في القرآن ولا في السنة تعرف الله إلينا بشيء خلق للهو واللعب # فإن قيل إن حصول اللذة وراحة النفس والنشاط للإنسان مقصود ولذلك كان ~~مبثوثا في القسم الأول كلذة الطعام والشراب والوقاع والركوب وغير ذلك وطلب ~~هذه اللذات بمجردها من موضوعاتها جائز وإن لم يطلب PageV03P226 ~~ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وقال والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة وقال ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ~~وما كان نحو ذلك وهذا كله في معرض الامتنان بالنعم والتجمل بالأموال ~~والتزين بها واتخاذ السكر راجع إلى معنى اللهو واللعب فينبغي أن يدخل في ms618 ~~القسم الأول ومنها أن هذه الأشياء إن كانت خادمة لضد المطلوب بالكل فهي ~~خادمة للمأمور به أيضا لأنها مما فيه تنشيط وعون على العبادة أو الخير كما ~~كان المطلوب بالكل كذلك فالقسمان متحدان فلا ينبغي أن يفرق بينهما # فالجواب أن استدعاء النشاط واللذات إن كان مبثوثا في المطلوب بالكل PageV03P227 ~~فهو فيه خادم للمطلوب الفعل وأما إذا تجرد عن ذلك فلا نسلم أنه مقصود وهى ~~مسألة النزاع ولكن المقصود أن تكون اللذة والنشاط فيما هو خادم لضروري أو نحوه # ومما يدل على ذلك قوله في الحديث # كل لهو باطل إلا ثلاثة فاستثنى ما فيه خدمة لمطلوب مؤكد وأبطل البواقي ~~وفي الحديث أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا يا رسول ~~الله حدثنا يعنون بما ينشط النفوس فأنزل الله عز وجل الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها الآية فذلك في معنى أن الرجوع إلى كتاب الله بالجد فيه غاية ~~ما طلبتم وذلك ما بث فيه من الأحكام والحكم والمواعظ والتحذيرات والتبشيرات ~~الحاملة على الاعتبار والأخذ بالاجتهاد فيما فيه النجاة والفوز بالنعيم ~~المقيم وهذا خلاف ما طلبوه # قال الراوي ثم ملوا ملة فقالوا حدثنا شيئا فوق الحديث ودون القرآن فنزلت ~~سورة يوسف فيها آيات ومواعظ وتذكيرات وغرائب تحثهم على الجد في طاعة الله ~~وتروح من تعب أعباء التكاليف مع ذلك فدلوا على ما تضمن قصدهم بما هو خادم ~~للضروريات لا ما هو خادم لضد ذلك وفي الحديث أيضا # إن PageV03P228 ~~لكل عابد شدة ولكل شدة فترة فإما إلى سنة وإما إلى بدعة # فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك ~~وأما آيات الزينة والجمال والسكر فإنما ذكرت فيها لتبعيتها لأصول تلك PageV03P229 ~~النعم لا أنها المقصود الأول في تلك النعم وأيضا فإن الجمال والزينة مما ~~يدخل تحت القسم الأول لأنه خادم له ويدل عليه قوله تعالى قل من حرم زينة ~~الله التى أخرج لعباده وقوله عليه الصلاة والسلام # إن الله جميل يحب الجمال # إن ms619 الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده # وأما السكر فإنه قال فيه تتخذون منه سكرا فنسب إليهم اتخاذ السكر ولم ~~يحسنه وقال ورزقا حسنا فحسنه فالامتنان بالأصل الذي وقع فيه التصرف لا بنفس ~~التصرف كالامتنان بالنعم الأخرى الواقع فيها التصرف فإنهم تصرفوا بمشروع ~~وغير مشروع ولم يؤت بغير المشروع قط على طريق الامتنان به كسائر النعم بل ~~قال تعالى قل أرأيتم ما أنزل الله من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا الآية ~~فتفهم هذا # وأما الوجه الثالث فإنها إن فرض كونها خادمة للمأمور به فهي من القسم ~~الأول كملاعبة الزوجة وتأديب الفرس وغيرهما وإلا فخدمتهما للمأمور به ~~بالقصد الثاني لا بالقصد الأول إذا كان ذلك الوقت الذي لعب فيه يمكنه فيه ~~عمل ما ينشطه مما هو مطلوب الفعل بالكل كملاعبة الزوجة ويكفي من ذلك أن ~~يستريح بترك الأشياء كلها والاستراحة من الأعمال بالنوم وغيره ريثما يزول ~~عنه كلال العمل لا دائما كل هذه الأشياء مباحة لأنها خادمة للمطلوب PageV03P230 ~~بالقصد الأول أما الاستراحة إلى اللهو واللعب من غير ما تقدم فهو أمر زائد ~~على ذلك كله فإن جاء به من غير مداومة فقد أتى بأمر يتضمن ما هو خادم ~~للمطلوب الفعل فصارت خدمته له بالقصد الثاني لا بالقصد الأول فباين القسم ~~الأول إذ جيء فيه بالخادم له ابتداء وهذا إنما جيء فيه بما هو خادم للمطلوب ~~الترك لكنه تضمن خدمة المطلوب الفعل إذا لم يداوم عليه وهذا ظاهر لمن تأمله ### || AUTO فصل # فإن قيل هذا البحث كله تدقيق من غير فائدة فقهية تترتب عليه لأن كلا ~~القسمين قد تضمن ضد ما اقتضاه في وضعه الأول فالواجب العمل على ما يقتضيه ~~الحال في الاستعمال للمباح أو ترك الاستعمال وما زاد على ذلك لا فائدة فيه ~~فيما يظهر إلا تعليق الفكر بأمر صناعي وليس هذا من شأن أهل الحزم من ~~العلماء # فالجواب أنه ينبني عليه أمور فقهية وأصول عملية # منها الفرق بين ما يطلب الخروج عنه من المباحات عند اعتراض العوارض ~~المقتضية للفاسد ms620 وما لا يطلب الخروج عنه وإن اعترضت العوارض وذلك أن PageV03P231 ### || AUTO القواعد المشروعة بالأصل إذا داخلتها المناكر كالبيع والشراء ~~والمخالطة والمساكنة إذا كثر الفساد في الأرض واشتهرت المناكر بحيث صار ~~المكلف عند أخذه في حاجاته وتصرفه في أحواله لا يسلم في الغالب من لقاء ~~المنكر أو ملابسته فالظاهر يقتضي الكف عن كل ما يؤديه إلى هذا ولكن الحق ~~يقتضي أن لا بد له من اقتضاء حاجاته كانت مطلوبة بالجزء أو بالكل وهى إما ~~مطلوب بالأصل وإما خادم للمطلوب بالأصل لأنه إن فرض الكف عن ذلك أدى إلى ~~التضييق والحرج أو تكليف ما لا يطاق وذلك مرفوع عن هذه الأمة فلا بد ~~للإنسان من ذلك لكن مع الكف عما يستطاع الكف عنه وما سواه فمعفو عنه لأنه ~~بحكم التبعية لا بحكم الأصل وقد بسطه الغزالي في - كتاب الحلال والحرام من ~~الأحياء على وجه أخص من هذا فإذا أخذ قضية عامة استمر واطرد وقد قال ابن ~~العربي في مسألة دخول الحمام بعد ما ذكر جوازه فإن قيل PageV03P232 ~~فالحمام دار يغلب فيها المنكر فدخولها إلى أن يكون حراما أقرب منه إلى أن ~~يكون مكروها فكيف أن يكون جائزا قلنا الحمام موضع تداو وتطهر فصار بمنزلة ~~النهر فإن المنكر قد غلب فيه بكشف العورات وتظاهر المنكرات فإذا احتاج إليه ~~المرء دخله ودفع المنكر عن بصره وسمعه ما أمكنه والمنكر اليوم في المساجد ~~والبلدان فالحمام كالبلد عموما وكالنهر خصوصا هذا ما قاله وهو ظاهر في هذا المعنى # وهكذا النظر في الأمور المشروعة بالأصل كلها وهذا إذا أدى الاحتراز من ~~العارض للحرج وأما إذا لم يؤد إليه وكان في الأمر المفروض مع ورود النهي ~~سعة كسد الذرائع ففي المسألة نظر ويتجاذبها طرفان فمن اعتبر العارض سد في ~~بيوع الآجال وأشباهها من الحيل ومن اعتبر الأصل لم يسد ما لم يبد الممنوع ~~صراحا ويدخل أيضا في المسألة النظر في تعارض الأصل والغالب فإن لاعتبار ~~الأصل رسوخا حقيقيا واعتبار غيره تكميلي من باب التعاون وهو ظاهر # أما إذا ms621 كان المباح مطلوب الترك بالكل فعلى خلاف ذلك لا يجوز لأحد أن ~~يستمع إلى الغناء وإن قلنا إنه مباح إذا حضره منكرا أو كان في طريقه لأنه ~~غير مطلوب الفعل في نفسه ولا هو خادم لمطلوب الفعل فلا يمكن والحالة PageV03P233 ~~هذه أن يستوفى المكلف حظه منه فلا بد من تركه جملة وكذلك اللعب وغيره ### || AUTO وفي - كتاب الأحكام بيان لهذا المعنى في فصل الرخص وإليه يرجع ~~وجه الجمع بين التحذير من فتنة الدنيا مع عدم التحذير من اجتنابها أو ~~اكتسابها # فإن قيل فقد حذر السلف من التلبس بما يجر إلى المفاسد وإن كان أصله ~~مطلوبا بالكل أو كان خادما للمطلوب فقد تركوا الجماعات واتباع الجنائز ~~وأشباهها مما هو مطلوب شرعا وحض كثير من الناس على ترك التزوج وكسب العيال ~~لما داخل هذه الأشياء واتبعها من المنكرات والمحرمات وقد ذكر عن مالك أنه ~~ترك الجمعات والجماعات وتعليم العلم واتباع الجنائز وما أشبه ذلك مما هو ~~مطلوب لا يحصل إلا مع مخالطة الناس وهكذا غيره وكانوا علماء وفقهاء وأولياء ~~ومثابرين على تحصيل الخيرات وطلب المثوبات وهذا كله له دليل في الشريعة ~~كقوله عليه الصلاة والسلام # يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر ~~بدينه من الفتن وسائر ما جاء في طلب العزلة وهى متضمنة لترك كثير مما هو ~~مطلوب بالكل أو بالجزء ندبا أو وجوبا خادما لمطلوب أو مقصودا لنفسه فكيف ~~بالمباح # فالجواب أن هذا المعنى لا يرد من وجهين أحدهما أنا إنما تكلمنا في جواز ~~المخالطة في طلب الحاجات الضرورية وغيرها فمن عمل على أحد الجائزين PageV03P234 ### || AUTO فلا حرج عليه ولا يرد علينا ما هو مطلوب بالجزء لأنا لم نتعرض ~~في هذه المسألة للنظر فيه والثاني أن ما وقع التحذير فيه وما فعل السلف من ~~ذلك إنما هو بناء على معارض أقوى في اجتهادهم مما تركوه كالفرار من الفتن ~~فإنها في الغالب قادحة في أصول الضروريات كفتن سفك الدماء بين المسلمين في ~~الباطل أو للإشكال ms622 الواقع عند التعارض بين المصلحة الحاصلة بالتلبس مع ~~المفسدة المنجرة بسببه أو ترك ورع المتورع يحمل على نفسه مشقة يحتملها ~~والمشقات تختلف كما مر في - كتاب الأحكام فكل هذا لا يقدح في مقصودنا على حال ### || AUTO فصل # ومنها الفرق بين ما ينقلب بالنية من المباحات طاعة وما لا ينقلب وذلك أن ~~ما كان منها خادما لمأمور به تصور فيه أن ينقلب إليه فإن الأكل والشرب ~~والوقاع وغيرها تسبب في إقامة ما هو ضروري لا فرق في ذلك بين كون المتناول ~~في الرتبة العليا من اللذة والطيب وبين ما ليس كذلك وليس بينهما تفاوت يعتد ~~به إلا في أخذه من جهة الحظ أو من جهة الخطاب الشرعي فإذا أخذ من PageV03P235 ~~جهة الحظ فهو المباح بعينه وإذا أخذ من جهة الإذن الشرعي فهو المطلوب ~~بالكل لأنه في القصد الشرعي خادم للمطلوب وطلبه بالقصد الأول ### || AUTO وهذا التقسيم قد مر بيانه في - كتاب الأحكام # فإذا ثبت هذا صح في المباح الذي هو خادم المطلوب الفعل انقلابه طاعة إذ ~~ليس بينهما إلا قصد الأخذ من جهة الحظ أو من جهة الإذن وأما ما كان خادما ~~لمطلوب الترك فلما كان مطلوب الترك بالكل لم يصح انصرافه إلى جهة المطلوب ~~الفعل لأنه إنما ينصرف إليه من جهة الإذن وقد فرض عدم الإذن فيه بالقصد الأول # وإذا أخذ من جهة الحظ فليس بطاعة فلم يصح فيه أن ينقلب طاعة فاللعب مثلا ~~ليس في خدمة المطلوبات كأكل الطيبات وشربها فإن هذا داخل بالمعنى في جنس ~~الضروريات وما دار بها بخلاف اللعب فإنه داخل بالمعنى في جنس ما هو ضد لها ~~وحاصل هذا المباح أنه مما لا حرج فيه خاصة لا أنه مخير فيه كالمباح حقيقة ~~وقد مر بيان ذلك وعلى هذا الأصل تخرج مسألة السماع المباح PageV03P236 ~~فإن من الناس من يقول إنه ينقلب بالقصد طاعة وإذا عرض على هذا الأصل تبين ~~الحق فيه إن شاء الله تعالى # فإن قيل إذا سلمنا أن الخادم لمطلوب الترك مطلوب الترك بالقصد ms623 الأول فقد ~~مر أنه يصير مطلوب الفعل بالقصد الثاني فاللعب والغناء ونحوهم إذا قصد ~~باستعمالها التنشيط على وظائف الخدمة والقيام بالطاعة فقد صارت على هذا ~~الوجه طاعة فكيف يقال إن مثل هذا لا ينقلب بالنية طاعة # فالجواب أن اعتبار وجه النشاط على الطاعة ليس من جهة ما هو لعب أو غناء ~~بل من جهة ما تضمن من ذلك لا بالقصد الأول فإنه استوى مع النوم مثلا ~~والاستلقاء على القفا واللعب مع الزوجة في مطلق الاستراحة وبقي اختيار كونه ~~لعبا على الجملة أو غناء تحت حكم اختيار المستريح فإذا أخذه من اختياره فهو ~~سعي في حظه فلا طلب وإن أخذه من جهة الطلب فلا طلب في هذا القسم كما تبين ~~ولو اعتبر فيه ما تضمنه بالقصد الثاني لم يضر الإكثار منه والدوام عليه ولا ~~كان منهيا عنه بالكل لأنه قد تضمن خدمة المطلوب PageV03P237 ~~الفعل فكان يكون مطلوب الفعل بالكل وقد فرضناه على خلاف ذلك هذا خلف وإنما ~~يصير هذا شبيها بفعل المكروه طلبا لتنشيط النفس على الطاعة فكما أن المكروه ~~بهذا القصد لا ينقلب طاعة كذلك ما كان في معناه أو شبيها به ### || AUTO فصل # ومنها بيان وجه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأناس بكثرة المال مع علمه ~~بسوء عاقبتهم فيه كقوله لثعلبة بن حاطب # قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه ثم دعا له بعد ذلك فيقول القائل لو ~~كان عنده أن كثرة المال يضر به فلم دعا له وجواب هذا راجع إلى ما تقدم من ~~أن دعاءه له إنما كان من جهة أصل الإباحة في الاكتساب أو أصل الطلب فلا ~~إشكال في دعائه عليه الصلاة والسلام له # ومثله التحذير من فتنة المال مع أصل مشروعية الاكتساب له كقوله # إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض قيل وما بركات ~~الأرض قال # زهرة الدنيا فقيل هل يأتي الخير بالشر فقال # لا يأتي الخير إلا بالخير وإن هذا المال حلوة خضرة الحديث وقال حكيم ابن ms624 ~~حزام سألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته ~~فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال # إن هذا المال خضرة حلوة الحديث وقال # المكثرون هم الأقلون يوم القيامة الحديث وما أشبه ذلك مما أشار به إلى ~~التحذير من الفتنة ولم ينه عن أصل الاكتساب المؤدي إلى ذلك ولا عن PageV03P238 ~~الزائد على ما فوق الكفاية بناء على أن الأصل المقصود في المال شرعا مطلوب ~~وإنما الاكتساب خادم لذلك المطلوب فلذلك كان الاكتساب من أصله حلالا إذا ~~روعيت فيه شروطه كان صاحبه مليا أو غير ملي فلم يخرجه النهي عن الإسراف فيه ~~عن كونه مطلوبا في الأصل لأن الطلب أصلي والنهي تبعي فلم يتعارضا ولأجل هذا ~~ترك النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يعملون في جميع ما يحتاجون إليه في ~~دنياهم ليستعينوا به وهو ظاهر من هذه القاعدة # والفوائد المبنية عليها كثيرة ### || AUTO المسألة السادسة عشرة # قد تقدم أن الأوامر والنواهي في التأكيد ليست على رتبةواحدة في الطلب ~~الفعلي أو التركي وإنما ذلك بحسب تفاوت المصالح الناشئة عن امتثال الأوامر ~~واجتناب النواهي والمفاسد الناشئة عن مخالفة ذلك # وعلى ذلك التقدير يتصور انقسام الاقتضاء إلى أربعة أقسام وهي الوجوب ~~والندب والكراهة والتحريم # وثم اعتبار آخر لا ينقسم فيه ذلك الانقسام بل يبقى الحكم تابعا لمجرد ~~الاقتضاء وليس للاقتضاء إلا وجهان أحدهما اقتضاء الفعل والآخر اقتضاء الترك ~~فلا فرق في مقتضى الطلب بين واجب ومندوب ولا بين مكروه ومحرم # وهذا الاعتبار جرى عليه أرباب الأحوال من الصوفية ومن حذا حذوهم ممن اطرح ~~مطالب الدنيا جملة وأخذ بالحزم والعزم في سلوك طريق الآخرة إذ لم يفرقوا ~~بين واجب ومندوب في العمل بهما ولا بين مكروه ومحرم في ترك العمل بهما بل ~~ربما أطلق بعضهم على المندوب أنه واجب على السالك وعلى المكروه أنه محرم ~~وهؤلاء هم الذي عدوا المباحات من قبيل الرخص كما مر PageV03P239 ~~في أحكام الرخص وإنما أخذوا هذا المأخذ من طريقين ### || AUTO أحدهما من جهة الآمر وهو رأي من لم ms625 يعتبر في الأوامر والنواهي ~~إلا مجرد الاقتضاء وهو شامل للأقسام كلها والمخالفة فيها كلها مخالفة للآمر ~~والناهي وذلك قبيح شرعا دع القبيح عادة وليس النظر هنا فيما يترتب على ~~المخالفة من ذم أو عقاب بل النظر إلى مواجهة الآمر بالمخالفة ومن هؤلاء من ~~بالغ في الحكم بهذا الاعتبار حتى لم يفرق بين الكبائر والصغائر من ~~المخالفات وعد كل مخالفة كبيرة وهذا رأي أبي المعالي في - الإرشاد فإنه لم ~~ير الانقسام إلى الصغائر والكبائر بالنسبة إلى مخالفة الآمر والناهي وإنما ~~صح عنده الانقسام بالنسبة إلى المخالفات في أنفسها مع قطع النظر عن الآمر ~~والناهي وما رآه يصح في الاعتبار # والثاني من جهة معنى الأمر والنهي وله اعتبارات # أحدها النظر إلى قصد التقرب بمقتضاها فإن امتثال الأوامر واجتناب PageV03P240 ~~النواهي من حيث هي تقتضي التقرب من المتوجه إليه كما أن المخالفة تقتضي ضد ~~ذلك فطالب القرب لا فرق عنده بين ما هو واجب وبين ما هو مندوب لأن الجميع ~~يقتضيه حسبما دلت عليه الشريعة كما أنه لا فرق بين المكروه والمحرم عنده ~~لأن الجميع يقتضي نقيض القرب وهو إما البعد وإما الوقوف عن زيادة القرب ~~والتمادي في القرب هو المطلوب فحصل من تلك أن الجميع على وزان واحد في قصد ~~التقرب والهرب عن البعد # والثاني النظر إلى ما تضمنته الأوامر والنواهي من جلب المصالح ودرء ~~المفاسد عند الامتثال وضد ذلك عند المخالفة فإنه قد مر أن الشريعة وضعت ~~لجلب المصالح ودرء المفاسد فالباني على مقتضى ذلك لا يفترق عنده طلب من طلب ~~كالأول في القصد إلى التقرب وأيضا فإذا كان التفاوت في مراتب الأوامر ~~والنواهي راجعا إلى مكمل خادم ومكمل مخدوم وما هو كالصفة والموصوف فمتى ~~حصلت المندوبات كملت الواجبات وبالضد فالأمر راجع إلى كون PageV03P241 ~~الضروريات آتية على أكمل وجوهها فكان الافتقار إلى المندوبات كالمضطر إليه ~~في أداء الواجبات فزاحمت المندوبات الواجبات في هذا الوجه من الافتقار فحكم ~~عليها بحكم واحد وعلى هذا الترتيب ينظر في المكروهات مع المحرمات من حيث ~~كانت رائدا ms626 لها وأنسابها فإن الأنس بمخالفة ما يوجب بمقتضى العادة الأنس ~~بما فوقها حتى قيل المعاصي بريد الكفر ودل على ذلك قوله تعالى كلا بل ران ~~على قلوبهم ما كانوا يكسبون وتفسيره في الحديث وحديث # الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات الخ فقوله # كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه وفي قسم الامتثال قوله # وما PageV03P242 ~~لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه وقوله الله الذى أنزل من السماء ~~ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم إلى قوله وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ~~إن الإنسان لظلوم كفار وأشباه ذلك فتصريف النعمة في مقتضى الأمر شكران لكل ~~نعمة وصلت إليك أو كانت سببا في وصولها إليك والأسباب الموصلة ذلك إليك لا ~~تختص بسبب دون سبب ولا خادم دون خادم فحصل شكر النعم التى في السموات ~~والأرض وما بينهما وتصريفها في مخالفة الأمر كفران لكل نعمة وصلت إليك أو ~~كانت سببا فيها كذلك أيضا ### || AUTO وهذا النظر ذكره الغزالي في - الإحياء وهو يقتضي أن لا فرق ~~بين أمر وأمر ولا نهي ونهي فامتثال كل أمر شكران على الإطلاق ومخالفة كل ~~أمر كفران على الإطلاق وثم أوجه أخر يكفي منها ما ذكر وهذا النظر راجع إلى ~~مجرد اصطلاح لا إلى معنى يختلف فيه إذ لا ينكر أصحاب هذا النظر انقسام ~~الأوامر والنواهي كما يقول الجمهور بحسب التصور النظري وإنما أخذوا في نمط ~~آخر وهو أنه لا يليق بمن يقال له وما خلقت الجن والإنس إلا PageV03P243 ~~ليعبدون أن يقوم بغير التعبد وبذل المجهود في التوجه إلى الواحد المعبود ~~وإنما النظر في مراتب الأوامر والنواهي يشبه الميل إلى مشاحة العبد لسيده ~~في طلب حقوقه وهذا غير لائق بمن لا يملك لنفسه شيئا لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة إذ ليس للعبد حق على السيد من حيث هو عبد بل عليه بذل المجهود والرب ~~يفعل ما يريد ### || AUTO فصل # ويقتضي هذا النظر التوبة عن كل مخالفة تحصل بترك المأمور به أو فعل ~~المنهي عنه ms627 فإنه إذا ثبت أن مخالفة الشارع قبيحة شرعا ثبت أن المخالف مطلوب ~~بالتوبة عن تلك المخالفة من حيث هي مخالفة الأمر أو النهي أو من حيث ناقضت ~~التقرب أو من حيث ناقضت وضع المصالح أو من حيث كانت كفرانا للنعمة ويندرج ~~هنا المباح على طريقة هؤلاء من حيث جرى عندهم مجرى الرخص ومذهبهم الأخذ ~~بالعزائم وقد تقدم أن الأولى ترك الرخص فيما استطاع المكلف فيحصل من ذلك أن ~~العمل بالمباح مرجوح على ذلك الوجه وإذا كان مرجوحا فالراجح الأخذ بما ~~يضاده من المأمورات وترك شيء من المأمورات مع الاستطاعة مخالفة فالنزول إلى ~~المباح على هذا الوجه مخالفة في الجملة وإن لم تكن مخالفة في الحقيقة # وبهذا التقرير يتبين معنى قوله عليه الصلاة والسلام # يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم سبعين مرة وقوله # إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله الحديث ويشمله عموم قوله تعالى وتوبوا إلى PageV03P244 ~~الله جميعا أيها المؤمنون ولأجله أيضا جعل الصوفية بعض مراتب الكمال إذا ~~اقتصر السالك عليها دون ما فوقها نقصا وحرمانا فإن ما تقتضيه المرتبة ~~العليا فوق ما تقتضيه المرتبة التي دونها والعاقل لا يرضى بالدون ولذلك أمر ~~بالاستباق إلى الخيرات مطلقا وقسم المكلفون إلى أصحاب اليمين وقال تعالى ~~فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنه نعيم وأما إن كان من أصحاب ~~اليمين الآية فكان من شأنهم أن يتجاروا في ميدان الفضائل حتى يعدوا من لم ~~يكن في ازدياد ناقصا ومن لم يعمر أنفاسه بطالا وهذا مجال لا مقال فيه وعليه ~~أيضا نبه حديث الندامة يوم القيامة حيث تعم الخلائق كلهم فيندم المسيء أن ~~لا يكون قد أحسن والمحسن أن لا يكون قد ازداد إحسانا # فإن قيل هذا إثبات للنقص في مراتب الكمال وقد تقدم أن مراتب الكمال لا ~~نقص فيها # فالجواب أنه ليس بإثبات نقص على الإطلاق وإنما هو إثبات راجح وأرجح وهذا ~~موجود وقد ثبت أن الجنة مائة درجة ولا شك في تفاوتها في الأكملية والأرجحية ~~وقال ms628 الله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض وقال PageV03P245 ~~ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ومعلوم أن لا نقص في مراتب النبوة إلا أن ~~المسارعة في الخيرات تقتضي المطالبة بأقصى المراتب بحسب الإمكان عادة فلا ~~يليق بصاحبها الاقتصار على مرتبة دون ما فوقها فلذلك قد تستنقص النفوس ~~الإقامة ببعض المراتب مع إمكان الرقي وتتحسر إذا رأت شفوف ما فوقها عليها ~~كما يتحسر أصحاب النقص حقيقة إذا رأوا مراتب الكمال كالكفار وأصحاب الكبائر ~~من المسلمين وما أشبه ذلك ولما فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين دور ~~الأنصار وقال # في كل دور الأنصار خير قال سعد بن عبادة يا رسول الله خير دور الأنصار ~~فجعلنا آخرا فقال أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار وفي حديث آخر # قد فضلكم على كثير PageV03P246 ~~فهذا يشير إلى أن رتب الكمال تجتمع في مطلق الكمال وإن كان لها مراتب أيضا ~~فلا تعارض بينهما والله أعلم وقد يقال إن قول من قال حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين راجع إلى هذا المعنى وهو ظاهر فيه والله أعلم ### || AUTO المسألة السابعة عشرة # تقدم أن من الحقوق المطلوبة ما هو حق لله وما هو حق للعباد وأن ما هو حق ~~للعباد ففيه حق لله كما أن ما هو حق لله فهو راجع إلى العباد وعلى ذلك يقع ~~التفريع هنا بحول الله فنقول الأوامر والنواهي يمكن أخذها امتثالا من جهة ~~ما هى حق لله تعالى مجردا عن النظر في غير ذلك ويمكن أخذها من جهة ما تعلقت ~~بها حقوق العباد ومعنى ذلك أن المكلف إذا سمع مثلا قول الله تعالى ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فلامتثاله هذا الأمر مأخذان # أحدهما وهو المشهور المتداول أن ينظر في نفسه بالنسبة إلى قطع الطريق ~~وإلى زاد يبلغه وإلى مركوب يستعين به وإلى الطريق إن كان مخوفا أو مأمونا ~~وإلى استعانته بالرفقة والصحبة لمشقة الوحدة وغرورها وإلى غير ذلك من الأمور PageV03P247 ~~التى تعود عليه في قصده بالمصلحة الدنيوية أو بالمفسدة ms629 فإذا حصلت له أسباب ~~السفر وشروطه العاديات انتهض للامتثال وإن تعذر عليه ذلك علم أن الخطاب لم ~~ينحتم عليه ### || AUTO والثاني أن ينظر في نفس ورود الخطاب عليه من الله تعالى غافلا ~~ومعرضا عما سوى ذلك فينتهض إلى الامتثال كيف أمكنه لا يثنيه عنه إلا العجز ~~الحالي أو الموت آخذا للاستطاعة أنها باقية ما بقي من رمقه بقية وأن ~~الطوارق العارضة والأسباب المخوفة لا توازي عظمة أمر الله فتسقطه أو ليست ~~بطوارق ولا عوارض في محصول العقد الإيماني حسبما تقدم في فصل الأسباب ~~والمسببات من - كتاب الأحكام # وهكذا سائر الأوامر والنواهي # فأما المأخذ الأول فجار على اعتبار حقوق العباد لأن ما يذكره الفقهاء في ~~الاستطاعةالمشروطة راجع إليها PageV03P248 ~~وأما الثاني فجار على إسقاط اعتبارها وقد تقدم ما يدل على صحة ذلك الإسقاط ~~ومن الدليل أيضا على صحة هذا المأخذ أشياء # أحدها ما جاء في القرآن من الآيات الدالة على أن المطلوب من العبد التعبد ~~بإطلاق وأن على الله ضمان الرزق كان ذلك مع تعاطي الأسباب أولا كقوله تعالى ~~وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ~~قوله تعالى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى فهذا واضح في أنه إذا تعارض حق الله وحق العباد فالمقدم حق ~~الله فإن حقوق العباد مضمونة على الله تعالى والرزق من أعظم حقوق العباد ~~فاقتضى الكلام أن من اشتغل بعبادة الله ك PageV03P249 ~~فلا راد لفضله وفى الآية الأخرى وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير وقال ~~ومن يتوكل على الله فهو حسبه بعد قوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه ~~من حيث لا يحتسب فمن اشتغل بتقوى الله تعالى فالله كافيه # والآيات في هذا المعنى كثيرة # والثاني ما جاء في السنة من ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم # احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إليه في الرخاء يعرفك في ~~الشدة إذا سألت فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله جف ms630 القلم بما هو كائن ~~فلو اجتمع الخلق على أن يعطوك شيئا لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه وعلى ~~أن يمنعوك شيئا كتبه الله لك لم يقدروا عليه الحديث فهو كله نص في ترك ~~الاعتماد PageV03P250 ~~على الأسباب وفي الاعتماد على الله والأمر بطاعة الله وأحاديث الرزق ~~والأجل كقوله # اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ~~وقال صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب في ابن صياد # إن يكنه فلا تطيقه وقال # جف القلم بما أنت لاق وقال # لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح فإن لها ما قدر لها ~~وقال في العزل # ولا عليكم أن لا تفعلوا فإنه ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هى كائنة ~~وفي الحديث # المعصوم من عصم الله وقال # إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة إلى سائر ما في ~~هذا المعنى مما PageV03P251 ~~هو صريح في أن أصل الأسباب التسبب وأنها لا تملك شيئا ولا ترد شيئا وأن ~~الله هو المعطى والمانع وأن طاعة الله هي العزيمة الأولى # والثالث ما ثبت من هذا العمل عن الأنبياء صلوات الله عليهم فقدموا طاعة ~~الله على حقوق أنفسهم فقد قام عليه الصلاة والسلام حتى تفطرت قدماه PageV03P252 ~~وقال # أفلا أكون عبدا شكورا وبلغ رسالة ربه على ما كان عليه من الخوف من قومه ~~حين تمالئوا على إهلاكه ولكن الله عصمه وقال الله له PageV03P253 ~~قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا الآية وقال له ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله فأمره باطراح ما يتوقاه فإن الله حسبه ~~وقال الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وقال قبل ~~ذلك وكان أمر الله قدرا مقدورا وقال هود عليه السلام لقومه وهو يبلغهم ~~الرسالة فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله الآية وقال موسى ~~وهارون عليهما السلام ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى فقال الله ~~لهما ms631 لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى # وكان عبد الله بن أم مكتوم قد نزل عذره فى قوله تعالى غير أولى الضرر ~~ولكنه كان بعد ذلك يقول إنى أعمى لا أستطيع أن أفر فادفعوا إلي اللواء ~~وأقعدونى بين الصفين فيترك ما منح من الرخصة ويقدم حق الله على حق نفسه ~~وروى عن جندع بن ضمرة أنه كان شيخا كبيرا فلما أمروا بالهجرة وشدد عليهم ~~فيها مع علمهم بأن الدين لا حرج فيه ولا تكليف بما لا يطاق قال لبنيه ### || AUTO إنى أجد حيلة فلا أعذر احملوني على سرير فحملوه فمات بالتنعيم ~~وهو يصفق يمينه على شماله ويقول هذا لك وهذا لرسولك الحديث وعن بعض الصحابة ~~أنه قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخ لي أحدا فرجعنا ~~جريحين فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو ~~قلت لأخي أو قال لي أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما ~~لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكنت أيسرا جرحا منه فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى ~~انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون وفى النقل من هذا النحو كثير وقد مر ~~منه فى فصل الرخص والعزائم من - كتاب الأحكام ما فيه كفاية # فإن قيل إن هذه الأدلة إذا وقف معها حسبما تقرر اقتضت اطراح الأسباب جملة ~~أعنى ما كان منها عائدا إلى مصالح العباد وهذا غير صحيح لأن الشارع PageV03P254 ~~وضعها وأمر بها واستعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون ~~بعده وهى عمدة ما حافظت عليه الشريعة # وأيضا فإن حقوق الله تعالى ليست على وزان واحد فى الطلب فمنها ما هو ~~مطلوب حتما كالقواعد الخمس وسائر الضروريات المراعاة فى كل ملة ومنها ما ~~ليس بحتم كالمندوبات فكيف يقال إن المندوبات مقدمة على غيرها من حقوق ~~العباد وإن كانت واجبة هذا لا يستقيم فى النظر # وأيضا فالأدلة المعارضة لما ms632 تقدم أكثر كقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة وقوله وتزودوا وقوله وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ~~الآية وقد كان عليه الصلاة والسلام يستعد الأسباب لمعاشه وسائر أعماله من ~~جهاد وغيره ويعمل بمثل ذلك أصحابه والسنة الجارية فى الخلق الجريان على ~~العادات وما تقدم لا يقتضيه فلا بد من صحة أحدهما وإن صح بطل الآخر وليس ما ~~دللتم عليه بأولى مما دللنا عليه والترجيح من غير دليل تحكم # فالجواب أن ما نقدم لا يدل على اطراح الأسباب بل يدل على تقديم PageV03P255 ### || AUTO بعض الأسباب خاصة وهى الأسباب التى يقتضيها حق الله تعالى على ~~الأسباب التى تقتضيها حقوق العباد على وجه اجتهادي شرعي قامت الأدلة عليه ~~فليس بين ذلك وبين أمره عليه الصلاة والسلام بالأسباب واستعماله لها تعارض ~~ودليل ذلك إقراره عليه الصلاة والسلام فعل من اطرحها عند التعارض وعمله ~~عليه الصلاة والسلام على اطراحها كذلك في مواطن كثيرة وندبه إلى ذلك كما ~~تبين فى الأحاديث المتقدمة وقد مر فى فصل الأسباب من - كتاب الأحكام وجه ~~الفقه في هذا المكان عند ذكر كيفية الدخول في الأسباب هذا جواب الأول # وأما الثاني فإن حقوق الله تعالى على أي وجه فرضت أعظم من حقوق العباد ~~كيف كانت وإنما فسح للمكلف فى أخذ حقه وطلبه من باب الرخصة والتوسعة لا من ~~باب عزائم المطالب وبيان ذلك فى فصل الرخص والعزائم وإذا كان كذلك فالعزائم ~~أولى بالتقديم ما لم يعارض معارض وأيضا فإن حقوق الله إن كانت ندبا إنما هي ~~من باب التحسينات خادم للضروريات وإنها ربما أدى الإخلال بها إلى الاخلال ~~بالضروريات وإن المندوبات بالجزء واجبات بالكل # فلأجل هذا كله قد يسبق إلى النظر تقديمها على واجبات حقوق العباد وهو نظر ~~فقهي صحيح مستقيم فى النظر # وأما الثالث فلا معارضة فيه فإن أدلته لا تدل على تقديم حقوق العباد على ~~حقوق الله أصلا وإذا لم تدل عليها لم يكن فيها معارضة أصلا وإلى هذا كله ~~فإن تقديم حقوق العباد إنما ms633 يكون حيث يعارض فى تقديم حق الله معارض يلزم ~~منه تضييع حق الله تعالى فإنه إذا شق عليه الصوم مثلا لمرضه ولكنه صام ~~فشغله ألم المشقة بالصوم عن استيفاء الصلاة على كمالها وإدامة الحضور فيها ~~أو ما أشبه ذلك عادت عليه المحافظة على تقديم حق الله إلى الإخلال بحقه PageV03P256 ~~فلم يكن له ذلك فأما إن لم يكن كذلك فليس تقديم حق الله على حق العبد ~~بنكير ألبتة بل هو الأحق على الإطلاق وهذا فقه فى المسألة حسن جدا وبالله ~~التوفيق ### || AUTO فصل # واعلم أن ما تقدم من تأخير حقوق العباد إنما هو فيما يرجع إلى نفس المكلف ~~لا إلى غيره أما ما كان من حق غيره من العباد فهو بالنسبة إليه من حقوق ~~الله تعالى وقد تبين هذا فى موضعه ### || AUTO المسألة الثامنة عشرة # الأمر والنهي يتواردان على الفعل وأحدهما راجع إلى جهة الأصل والآخر راجع ~~إلى جهة التعاون هل يعتبر الأصل أو جهة التعاون أما اعتبارهما معا من جهة ~~واحدة فلا يصح ولا بد من التفصيل فالأمر إما أن يرجع إلى جهة الأصل أو ~~التعاون # فإن كان الأول فحاصله راجع إلى قاعدة سد الذرائع فإنه منع الجائز PageV03P257 ~~لئلا يتوسل به إلى الممنوع وقد مر ما فيه وحاصل الخلاف فيه أنه يحتمل ~~ثلاثة أوجه # أحدها اعتبار الأصل إذ هو الطريق المنضبط والقانون المطرد # والثاني اعتبار جهة التعاون فإن اعتبار الأصل مؤد إلى الملال PageV03P258 ~~الممنوع والأشياء إنما تحل وتحرم بمآلاتها ولأنه فتح باب الحيل # والثالث التفصيل فلا يخلو أن تكون جهة التعاون غالبة أو لا فإن كانت ~~غالبة فاعتبار الأصل واجب إذ لو اعتبر الغالب هنا لأدى إلى انخرام الأصل ~~جملة وهو باطل وإن لم تكن غالبة فالإجتهاد # وإن كان الثاني فظاهره شنيع لأنه إلغاء لجهة النهي ليتوصل إلى المأمور به ~~تعاونا وطريق التعاون متأخر فى الاعتبار عن طريق إقامة الضروري والحاجي ~~لأنه تكميلي وما هو إلا بمثابة الغاصب والسارق ليتصدق بذلك على المساكين أو ~~يبنى قنطرة ولكنه صحيح إذا نزل ms634 منزلته وهو أن يكون من باب الحكم على الخاصة ~~لأجل العامة PageV03P259 ### || AUTO كالمنع من تلقي الركبان فإن منعه فى الأصل ممنوع إذ هو من باب ~~منع الإرتفاق وأصله ضروري أو حاجي لأجل أهل السوق ومنع بيع الحاضر للبادئ ~~لأنه فى الأصل منع من النصيحة إلا أنه إرفاق لأهل الحضر وتضمين الصناع قد ~~يكون من هذا القبيل وله نظائر كثيرة فإن جهة التعاون هنا أقوى وقد أشار ~~الصحابة على الصديق إذ قدموه خليفة بترك التجارة والقيام بالتحرف على ~~العيال لأجل ما هو أعم فى التعاون وهو القيام بمصالح المسلمين وعوضه من ذلك ~~فى بيت المال وهذا النوع صحيح كما تفسر والله أعلم الفصل الرابع فى العموم ~~والخصوص # ولا بد من مقدمة تبين المقصود من العموم والخصوص ههنا والمراد العموم ~~المعنوي كان له صيغة مخصوصة أولا فإذا قلنا فى وجوب الصلاة أو غيرها من ~~الواجبات فى تحريم الظلم أو غيره إنه عام فإنما معنى ذلك أن ذلك ثابت على ~~الإطلاق والعموم بدليل فيه صيغة عموم أولا بناء على أن الأدلة المستعملة ~~هنا إنما هي الاستقرائية المحصلة بمجموعها القطع بالحكم حسبما تبين في ~~المقدمات والخصوص بخلاف العموم فإذا ثبت مناط النظر وتحقق فيتعلق به مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا PageV03P260 ~~حكايات الأحوال والدليل على ذلك أمور # أحدها أن القاعدة مقطوع بها بالفرض لأنا إنما نتكلم فى الأصول الكلية ~~القطعية وقضايا الأعيان مظنونة أو متوهمة والمظنون لا يقف للقطعي ولا يعارضه # والثانى أن القاعدة غير محتملة لاستنادها إلى الأدلة القطعية # وقضايا الأعيان محتملة لإمكان أن تكون على غير ظاهرها أو على ظاهرها وهى ~~مقتطعة ومستثناة من ذلك الأصل فلا يمكن والحالة هذه إبطال كلية القاعدة بما ~~هذا شأنه # والثالث أن قضايا الأعيان جزئية والقواعد المطردة كليات ولا تنهض ~~الجزئيات أن تنقض الكليات ولذلك تبقى أحكام الكليات جارية فى الجزئيات وإن ~~لم يظهر فيها معنى الكليات على الخصوص كما في المسألة السفرية بالنسبة إلى ms635 ~~الملك المترف وكما فى الغنى بالنسبة إلى مالك النصاب والنصاب لا يغنيه على ~~الخصوص وبالضد في مالك غير النصاب وهو به غني # والرابع أنها لو عارضتها فإما أن يعملا معا أو يهملا أو يعمل بأحدهما دون ~~الآخر أعنى فى محل المعارضة فإعمالهما معا باطل وكذلك إهمالهما لأنه PageV03P261 ~~إعمال للمعارضة فيما بين الظني والقطعي وإعمال الجزئي دون الكلي ترجيح له ~~على الكلي وهو خلاف القاعدة فلم يبق إلا الوجه الرابع وهو إعمال الكلي دون ~~الجزئي وهو المطلوب # فإن قيل هذا مشكل على بابي التخصيص والتقييد فإن تخصيص العموم وتقييد ~~المطلق صحيح عند الأصوليين بأخبار الأحاد وغيرها من الأمور المظنونة وما ~~ذكرت جار فيها فيلزم إما بطلان ما قالوه وإما بطلان هذه القاعدة لكن ما ~~قالوه صحيح فلزم إبطال هذه القاعدة # فالجواب من وجهين # أحدهما أن ما فرض فى السؤال ليس من مسألتنا بحال فإن ما نحن فيه من قبيل ~~ما يتوهم فيه الجزئي معارضا وفي الحقيقة ليس بمعارض فإن القاعدة إذا كانت ~~كلية ثم ورد فى شيء مخصوص وقضية عينية ما يقتضى بظاهره المعارضة فى تلك ~~القضية المخصوصة وحدها مع إمكان أن يكون معناها موافقا لا مخالفا فلا إشكال ~~فى أن لا معارضة هنا وهو هنا محل التأويل لمن تأول أو محل عموم PageV03P262 ~~الاعتبار إن لاق بالموضع الإطراح والإهمال كما إذا ثبت لنا أصل التنزيه PageV03P263 ~~كليا عاما ثم ورد موضع ظاهره التشبيه فى أمر خاص يمكن أن يراد به خلاف ~~ظاهره على ما أعطته قاعدة التنزيه فمثل هذا لا يؤثر فى صحة الكلية الثابتة # وكما إذا ثبت لنا أصل عصمة الأنبياء من الذنوب ثم جاء قوله # لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ونحو ذلك فهذا لا يؤثر لإحتمال حمله على ~~وجه لا يخرم ذلك الأصل وأما تخصيص العموم فشيء آخر لأنه إنما يعمل بناء على ~~أن المراد بالمخصص ظاهره من غير تأويل ولا احتمال فيحنئذ يعلم ويعتبر كما ~~قاله الأصوليون وليس ذلك ما نحن فيه ### || AUTO فصل # وهذا الموضع كثير الفائدة ms636 عظيم النفع بالنسبة إلى المتمسك بالكليات إذا ~~عارضتها الجزئيات وقضايا الأعيان فإنه إذا تمسك بالكلي كان له الخيرة في ~~الجزئي في حمله على وجوه كثيرة فإن تمسك بالجزئي لم يمكنه مع التمسك الخيرة ~~فى الكلي فثبت فى حقه المعارضة ورمت به أيدي الإشكالات فى مهاو بعيدة وهذا ~~هو أصل الزيغ والضلال فى الدين لأنه اتباع للمتشابهات وتشكك في القواطع ~~المحكمات ولا توفيق إلا بالله # ومن فوائد سهولة المتناول في انقطاع الخصام والتشغيب الواقع من المخالفين PageV03P264 ~~ومثال هذا ما وقع في بعض المجالس وقد ورد على غرناطة بعض العدوة الأفريقية ~~فأورد على مسألة العصمة الإشكال المورد فى قتل موسى للقبطي وأن ظاهر القرآن ~~يقضى بوقوع المعصية منه عليه السلام بقوله هذا من عمل الشيطان وقوله رب إني ~~ظلمت نفسى فاغفر لى فأخذ معه في تفصيل ألفاظ الآية بمجردها وما ذكر فيها من ~~التأويلات إخراج الآيات عن ظواهرها وهذا المأخذ لا يتخلص وربما وقع ~~الانفصال على غير وفاق فكان مما ذاكرت به بعض الأصحاب في ذلك المسألة سهلة ~~في النظر إذا روجع بها الأصل وهي مسألة عصمة الأنبياء عليهم السلام فيقال ~~له الأنبياء معصومون من الكبائر باتفاق أهل السنة وعن الصغائر باختلاف وقد ~~قام البرهان على ذلك في علم الكلام فمحال أن يكون هذا الفعل من موسى كبيرة ~~وإن قيل أنهم معصومون أيضا من الصغائر وهو صحيح فمحال أن يكون ذلك الفعل ~~منه ذنبا فلم يبق إلا أن يقال أنه ليس بذنب ولك في التأويل السعة بكل ما ~~يليق بأهل النبوة ولا ينبو عنه ظاهر الآيات فاستحسن ذلك ورأى ذلك مأخذا ~~علميا في المناظرات وكثيرا ما يبنى عليه النظار وهو حسن والله أعلم ### || AUTO المسألة الثانية # ولما كان قصد الشارع ضبط الخلق إلى القواعد العامة وكانت العوائد قد جرت ~~بها سنة الله أكثرية لا عامة وكانت الشريعة موضوعة على مقتضى ذلك الوضع كان ~~من الأمر الملتفت إليه إجراء القواعد على العموم العادي لا العموم الكلي ~~التام الذي لا يختلف عنه جزئي ما ms637 # أما كون الشريعة على ذلك الوضع فظاهر ألا ترى أن وضع التكاليف عام PageV03P265 ~~وجعل على ذلك علامة البلوغ وهو مظنة لوجود العقل الذى هو مناط التكليف لأن ~~العقل يكون عنده في الغالب لا على العموم إذ لا يطرد ولا ينعكس كليا على ~~التمام لوجود من يتم عقله قبل البلوغ ومن ينقص وإن كان بالغا إلا أن الغالب ~~الاقتران وكذلك ناط الشارع الفطر والقصر بالسفر لعلة المشقة وإن كانت ~~المشقة قد توجد بدونها وقد تفقد معها ومع ذلك فلم يعتبر الشارع تلك النوادر ~~بل أجرى القاعدة مجراها ومثله حد الغنى بالنصاب وتوجيه الأحكام بالبينات ~~وإعمال أخبار الآحاد والقياسات الظنية إلى غير ذلك من الأمور التى قد تتخلف ~~مقتضياتها في نفس الأمر ولكنه قليل بالنسبة إلى عدم التخلف فاعتبرت هذه ~~القواعد كلية عادية لا حقيقية # وعلى هذا الترتيب تجد سائر الفوائد التكليفية # وإذا ثبت ذلك ظهر أن لا بد من إجراء العمومات الشرعية على مقتضى الأحكام ~~العادية من حيث هى منضبطة بالمظنات إلا إذا ظهر معارض فيعمل على ما يقتضيه ~~الحكم فيه كما إذا عللنا القصر بالمشقة فلا ينتقض بالملك المترف PageV03P266 ~~ولا بالصناعة الشاقة وكما لو علل الربا في الطعام بالكيل فلا ينتقض بما لا ~~يتأتى كيله لقلة أو غيرها كالتافه من البر وكذلك إذا عللناه في النقدين ~~بالثمنية لا ينتقض بما لا يكون ثمنا لقلته أو عللناه في الطعام بالاقتيات ~~فلا ينتقض بما ليس فيه اقتيات كالحبة الواحدة وكذلك إذا اعترضت علة القوت ~~بما يقتات PageV03P267 ~~في النادر كاللوز والجوز والقثاء والبقول وشبهها بل الاقتيات إنما اعتبر ~~الشارع منه ما كان معتادا مقيما للصلب على الدوام وعلى العموم ولا يلزم ~~اعتباره في جميع الأقطار وكذلك نقول أن الحد علق في الخمر على نفس التناول ~~حفظا على العقل ثم إنه أجرى الحد في القليل الذى لا يذهب العقل مجرى الكثير ~~اعتبارا بالعادة في تناول الكثير وعلق حد الزنى على الإيلاج وإن كان ~~المقصود حفظ الأنساب فيحد من لم ينزل لأن العادة الغالية مع ms638 الإيلاج ~~الإنزال وكثير من هذا # فليكن على بال من النظر في المسائل الشرعية أن القواعد العامة إنما تنزل ~~على العموم العادي ### || AUTO المسألة الثالثة # لا كلام في أن للعموم صيغا وضعية والنظر في هذا مخصوص بأهل العربية وإنما ~~ينظر هنا في أمر آخر وإن كان من مطالب أهل العربية أيضا ولكنه أكيد التقرير ~~ها هنا وذلك أن للعموم الذي تدل عليه الصيغ بحسب الوضع نظرين # أحدهما باعتبار ما تدل عليه الصيغة في أهل وضعها على الإطلاق وإلى PageV03P268 ~~هذا النظر قصد الأصوليين فلذلك يقع التخصيص عندهم بالعقل والحس وسائر ~~المخصصات المنفصلة # والثاني بحسب المقاصد الاستعمالية التى تقضي العوائد بالقصد إليها وإن ~~كان أصل الوضع على خلاف ذلك # وهذا الاعتبار استعمالي والأول قياسي # والقاعدة في الأصول العربية أن الأصل الاستعمالي إذا عارض الأصل القياسي ~~كان الحكم للاستعمالي # وبيان ذلك هنا أن العرب تطلق ألفاظ العموم بحسب ما قصدت تعميمه مما يدل ~~عليه معنى الكلام خاصة دون ما تدل عليه تلك الألفاظ بحسب الوضع الإفرادي ~~كما أنها أيضا تطلقها وتقصد بها تعميم ما تدل عليه في أصل الوضع وكل ذلك ~~مما يدل عليه مقتضى الحال فإن المتكلم قد يأتي بلفظ عموم مما يشمل PageV03P269 ~~بحسب الوضع نفسه وغيره وهو لا يريد نفسه ولا يريد أنه داخل فى مقتضى ~~العموم وكذلك قد يقصد بالعموم صنفا مما يصلح اللفظ له فى أصل الوضع دون ~~غيره من الأصناف كما أنه قد يقصد ذكر البعض فى لفظ العموم ومراده من ذكر ~~البعض الجميع كما تقول فلان يملك المشرق والمغرب والمراد جميع الأرض وضرب ~~زيد الظهر والبطن ومنه رب المشرقين ورب المغربين وهو الذى في السماء إله ~~وفي الأرض إله فكذلك إذا قال من دخل داري أكرمته فليس المتكلم بمراد وإذا ~~قال أكرمت الناس أو قاتلت الكفار فإنما المقصود من لقي منهم فاللفظ عام ~~فيهم خاصة وهم المقصودون باللفظ العام دون من لم يخطر بالبال # قال ابن خروف ولو حلف رجل بالطلاق والعتق ليضربن جميع من فى الدار وهو ms639 ~~معهم فيها فضربهم ولم يضرب نفسه لبر ولم يلزمه شيء ولو قال اتهم الأمير كل ~~من فى المدينة فضربهم فلا يدخل الأمير فى التهمة والضرب قال فكذلك لا يدخل ~~شيء من صفات الباري تعالى تحت الأخبار فى نحو قوله تعالى خالق كل شئ لأن ~~العرب لا تقصد ذلك ولا تنويه ومثله والله بكل شيء عليم وإن كان عالما بنفسه ~~وصفاته ولكن الإخبار إنما وقع عن جميع PageV03P270 ~~كل شئ بأمر ربها لم يقصد به أنها تدمر السموات والأرض والجبال ولا المياه ~~ولا غيرها مما هو فى معناها وإنما المقصود تدمر كل شئ مرت عليه مما شأنها ~~أن تؤثر فيه على الجملة ولذلك قال فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم وقال فى ~~الآية الأخرى ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # ومن الدليل على هذا أنه لا يصح استثناء هذه الأشياء بحسب اللسان فلا يقال ~~من دخل داري أكرمته إلا نفسي أو أكرمت الناس إلا نفسي ولا قاتلت الكفار إلا ~~من لم ألق منهم ولا ما كان نحو ذلك وإنما يصح الاستثناء من غير المتكلم ممن ~~دخل الدار أو ممن لقيت من الكفار وهو الذى يتوهم دخوله لو لم يستثن هذا ~~كلام العرب فى التعميم فهو إذا الجاري فى عمومات الشرع وأيضا فطائفة من أهل ~~الأصول نبهوا على هذا المعنى وأن ما لا يخطر ببال المتكلم عند قصده التعميم ~~إلا بالإخطار لا يحمل لفظه عليه إلا مع الجمود على PageV03P271 ~~مجرد اللفظ وأما المعنى فيبعد أن يكون مقصودا للمتكلم كقوله صلى الله عليه وسلم # أيما إهاب دبغ فقد طهر قال الغزالي خروج الكلب عن ذهن المتكلم والمستمع ~~عند التعرض للدباغ ليس ببعيد بل هو الغالب الواقع ونقيضه هو الغريب ~~المستبعد وكذا قال غيره أيضا وهو موافق لقاعدة العرب وعليه يحمل كلام ~~الشارع بلا بد # فإن قيل إذا ثبت أن اللفظ العام ينطلق على جميع ما وضع له فى الأصل PageV03P272 ~~حالة الإفراد فإذا حصل التركيب والاستعمال فأما أن تبقى دلالته على ما ~~كانت ms640 عليه حالة الافراد أولا فإن كان الأول فهو مقتضى وضع اللفظ فلا إشكال ~~وإن كان الثانى فهو تخصيص للفظ العام وكل تخصيص لا بد له من مخصص عقلي أو ~~نقلي أو غيرهما وهو مراد الأصوليين # ووجه آخر وهو أن العرب حملت اللفظ على عمومه فى كثير من أدلة الشريعة مع ~~أن معنى الكلام يقتضى على ما تقرر خلاف ما فهموا وإذا كان فهمهم فى سياق ~~الاستعمال معتبرا في التعميم حتى يأتي دليل التخصيص دل على أن الاستعمال لم ~~يؤثر فى دلالة اللفظ حالة الإفراد عندهم بحيث صار كوضع ثان بل هو باق على ~~أصل وضعه ثم التخصيص آت من وراء ذلك بدليل متصل أو منفصل ومثال ذلك أنه لما ~~نزل قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم الآية شق ذلك عليهم ~~وقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم فقال عليه الصلاة والسلام # إنه ليس بذاك ألا تسمع إلى قول لقمان إن الشرك لظلم عظيم وفى رواية فنزلت ~~إن الشرك لظلم عظيم ومثل PageV03P273 ~~بعض الكفار فقد عبدت الملائكة وعبد المسيح فنزل إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى الآية إلى أشياء كثيرة سياقها يقتضى بحسب المقصد الشرعي عموما أخص ~~من عموم اللفظ وقد فهموا فيها مقتضى اللفظ وبادرت أفهامهم فيه وهم العرب ~~الذين نزل القرآن بلسانهم ولولا أن الاعتبار عندهم ما وضع له اللفظ فى ~~الأصل لم يقع منهم فهمه # فالجواب عن الأول أنا إذا اعتبرنا الاستعمال العربي فقد تبقى دلالته ~~الأولى وقد لا تبقى فإن بقيت فلا تخصيص وإن لم تبق دلالته فقد صار ~~للاستعمال اعتبار آخر ليس للأصل وكأنه وضع ثان حقيقي لا مجازي وربما أطلق ~~بعض الناس على مثل هذا لفظ الحقيقة اللغوية إذا أرادوا أصل الوضع ولفظ ~~الحقيقة العرفية إذا أراد الوضع الاستعمالي والدليل على صحته ما ثبت فى ~~أصول العربية من أن للفظ العربي أصالتين أصالة قياسية وأصالة استعماليه # فللاستعمال هنا أصالة أخرى غير ما للفظ فى أصل الوضع وهي التى وقع الكلام ~~فيها وقام الدليل عليها ms641 فى مسألتنا فالعام إذا في الاستعمال لم يدخله تخصيص بحال # وعن الثانى أن الفهم فى عموم الاستعمال متوقف على فهم المقاصد فيه ~~وللشريعة PageV03P274 ~~بهذا النظر مقصدان أحدهما المقصد فى الاستعمال العربي الذي أنزل القرآن ~~بحسبه وقد تقدم القول فيه # والثاني المقصد فى الاستعمال الشرعي الذى تقرر فى سور القرآن بحسب تقرير ~~قواعد الشريعة وذلك أن نسبة الوضع الشرعي إلى مطلق الوضع الإستعمالى العربي ~~كنسبه الوضع فى الصناعات الخاصة إلى الوضع الجمهوري كما تقول في الصلاة إن ~~أصلها الدعاء لغة ثم خصت في الشرع بدعاء مخصوص على وجه مخصوص وهي فيه حقيقة ~~لا مجاز فكذلك نقول فى ألفاظ العموم بحسب الاستعمال الشرعي إنها إنما تعم ~~بحسب مقصد الشارع فيها والدليل على ذلك مثل الدليل على الوضع الإستعمالي ~~المتقدم الذكر واستقراء مقاصد الشارع يبين ذلك مع ما ينضاف إليه فى مسألة ~~إثبات الحقيقة الشرعية # فأما الأول فالعرب فيه شرع سواء لأن القرآن نزل بلسانهم # وأما الثاني فالتفاوت فى إدراكه حاصل إذ ليس الطارئ الإسلام من العرب في ~~فهمه كالقديم العهد ولا المشتغل بتفهمه وتحصيله كمن ليس فى تلك الدرجة ولا ~~المبتدئ فيه كالمنتهي يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ~~فلا مانع من توقف بعض الصحابة فى بعض ما يشكل أمره ويغمض وجه القصد الشرعي ~~فيه حتى إذا تبحر في إدارك معاني الشريعة نظره واتسع فى ميدانها باعه زال ~~عنه ما وقف من الإشكال واتضح له القصد PageV03P275 ~~الشرعي على الكمال فإذا تقرر وجه الاستعمال فما ذكر مما توقف فيه بعضهم ~~راجع إلى هذا القبيل ويعضده ما فرضه الأصوليون من وضع الحقيقة الشرعية فإن ~~الموضع يستمد منها وهذا الوضع وإن كان قد جيء به مضمنا في الكلام العربي ~~فله مقاصد تختص به يدل عليها المساق الحكمي أيضا وهذا المساق يختص بمعرفته ~~العارفون بقاصد الشارع كما أن الأول يختص بمعرفته العارفون بمقاصد العرب ~~فكل ما سألوا عنه فمن القبيل إذا تدبرته ### || AUTO فصل # ويتبين لك صحة ما تقرر في النظر في الأمثلة ms642 المعترض بها في السؤال الأول # فأما قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم الآية فإن سياق ~~الكلام يدل على أن المراد بالظلم أنواع الشرك على الخصوص فإن السورة من ~~أولها إلى آخرها مقررة لقواعد التوحيد وهادمة لقواعد الشرك وما يليه والذي ~~تقدم قبل الآية قصة إبراهيم عليه السلام في محاجته لقومه بالأدلة التي ~~أظهرها لهم في الكوكب والقمر والشمس وكان قد تقدم قبل ذلك قوله ومن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته فبين أنه لا أحد أظلم ممن ارتكب ~~هاتين الخلتين وظهر أنهما المعنى بهما في سورة الأنعام PageV03P276 ~~إبطالا بالحجة وتقريرا لمنزلتهما في المخالفة وإيضاحا للحق الذي هو مضاد لهما # فكأن السؤال إنما ورد قبل تقرير هذا المعنى وأيضا فإن ذلك لما كان تقريرا ~~لحكم شرعي بلفظ عام كان مظنة لأن يفهم منه العموم في كل ظلم دق أو جل فلأجل ~~هذا سألوا وكان ذلك عند نزول السورة وهى مكية نزلت في أول الإسلام قبل ~~تقرير جميع كليات الأحكام # وسبب احتمال النظر ابتداء أن قوله ولم يلبسوا إيمانهم بظلم نفي على نكرة ~~لا قرينة فيها تدل على استغراق أنواع الظلم بل هو كقوله لم يأتني رجل ~~فيحتمل المعاني التي ذكرها سيبويه وهي كلها نفى لموجب مذكور أو مقدر ولا نص ~~فى مثل هذا على الاستغراق في جميع الأنواع المحتملة إلا مع الإتيان بمن وما ~~يعطى معناها ذلك مفقود هنا بل فى السورة ما يدل على أن ذلك النفي وارد على ~~ظلم معروف وهو ظلم الافتراء على الله والتكذيب بآياته فصارت الآية من جهة ~~إفرادها بالنظر في هذا المساق مع كونها أيضا فى مساق تقرير الأحكام PageV03P277 ~~مجملة فى عمومها فوقع الإشكال فيها ثم بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن عمومها إنما القصد به نوع أو نوعان من أنواع الظلم وذلك ما دلت عليه ~~السورة وليس فيه تخصيص على هذا بوجه PageV03P278 ~~وأما قوله إنكم وما تعبدون الآية فقد أجاب الناس عن اعتراض ابن الزبعري ~~فيها بجهله ms643 بموقعها وما روى فى الموضع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له # ما أجهلك بلغة قومك يا غلام لأنه جاء فى الآية إنكم وما تعبدون وما لما ~~لا يعقل فكيف تشمل الملائكة والمسيح والذى يجرى على أصل مسألتنا أن الخطاب ~~ظاهره أنه لكفار قريش ولم يكونوا يعبدون الملائكة ولا المسيح وإنما كانوا ~~يعبدون الأصنام فقوله وما تعبدون عام فى الأصنام التى كانوا يعبدون فلم ~~يدخل في العموم الاستعمالى غير ذلك فكان اعتراض المعترض جهلا منه بالمساق ~~وغفلة عما قصد فى الآيات وما روى من قوله # ما أجهلك بلغة قومك يا غلام دليل على عدم تمكنه فى فهم المقاصد العربية ~~وإن كان من العرب لحداثته وغلبة الهوى عليه فى الاعتراض أن يتأمل مساق ~~الكلام حتى يتهدى للمعنى المراد ونزل قوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~بيانا لجهله ### || AUTO ومثله ما في - الصحيح أن مروان قال لبوابه اذهب يا رافع إلى ~~ابن عباس فقل له لئن كان كل امرىء فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل ~~معذبا لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس مالكم ولهذه الآية إنما دعا النبي صلى الله PageV03P279 ~~كذلك حتى قوله يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فهذا من ~~ذلك المعنى أيضا وبالجملة فجوابهم بيان لعمومات تلك النصوص كيف وقعت فى ~~الشريعة وأن ثم قصدا آخر سوى القصد العربي لا بد من تحصيله وبه يحصل فهمها ~~وعلى طريقه يجرى سائر العمومات وإذ ذاك لا يكون ثم تخصيص بمنفصل ألبتة ~~واطردت العمومات قواعد صادقة العموم ولنورد هنا فصلا هو مظنة لورود الإشكال PageV03P280 ~~على ما تقرر وبالجواب عنه يتضح المطلوب اتضاحا أكمل # فلقائل أن يقول إن السلف الصالح مع معرفتهم بمقاصد الشريعة وكونهم عربا ~~قد أخذوا بعموم اللفظ وإن كان سياق الاستعمال يدل على خلاف ذلك وهو دليل ~~على أن المعتبر عندهم في اللفظ عمومه بحسب اللفظ الإفرادي وإن عارضه السياق ~~وإذا كان كذلك عندهم صار ما يبين لهم خصوصه كالأمثلة المتقدمة مما خص ~~بالمنفصل ms644 لا مما وضع فى الاستعمال على العموم المدعى # ولهذا الموضع من كلامهم أمثلة # منها أن عمر بن الخطاب كان يتخذ الخشن من الطعام كما كان يلبس المرقع فى ~~خلافته فقيل له لو اتخذت طعاما ألين من هذا فقال أخشى أن تعجل طيباتي يقول ~~الله تعالى أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا الحديث وجاء أنه قال لأصحابه ~~وقد رأى بعضهم قد توسع في الإنفاق شيئا أين تذهب بكم هذه الآية أذهبتم ~~طيباتكم فى حياتكم الدنيا الآية وسياق الآية يقتضى أنها PageV03P281 ~~عذاب الهون فالآية غير لائقة بحالة المؤمنين ومع ذلك فقد أخذها عمر مستندا ~~فى ترك الإسراف مطلقا وله أصل فى الصحيح في حديث المرأتين المتظاهرتين على ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم ادع الله ~~أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدونه فاستوى جالسا فقال # أو في شك يا بن الخطاب أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم فى الحياة الدنيا فهذا ~~يشير مأخذ عمر فى الآية وإن دل السياق على خلافه # وفى حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة أن معاوية ~~قال صدق الله ورسوله من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم ~~فيها إلى آخر الآيتين فجعل مقتضى الحديث وهو فى أهل الإسلام داخلا تحت عموم ~~الآية وهي في الكفار لقوله أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار الخ ~~فدل على الأخذ بعموم من فى غير الكفار أيضا ### || AUTO وفي - البخاري عن محمد بن عبد الرحمن قال قطع على أهل المدينة ~~بعث فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد ~~النهي ثم قال أخبرني ابن عباس أن أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين ~~يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم ~~يرمي به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل فأنزل الله عز وجل إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم الآية فهذا أيضا من ذلك لأن PageV03P282 ~~الآية ms645 عامة فيمن كثر سواد المشركين ثم إن عكرمة أخذها على وجه أعم من ذلك # وفي الترمذي والنسائي عن ابن عباس لما نزلت وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو ~~تخفوه يحاسبكم الآية دخل قلوبهم منه شيء لم يدخل من شيء فقالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال قولوا سمعنا وأطعنا فألقى الله الإيمان في قلوبهم ~~فأنزل الله تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون الآية لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا قال قد فعلت ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين ~~من قبلنا قال قد فعلت الحديث الخ فهموا من الآية العموم وأقره النبي صلى ~~الله عليه وسلم ونزل بعدها لا يكلف الله نفسا إلا وسعها على وجه النسخ أو ~~غيره مع قوله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وهي قاعدة مكية كلية ففي ~~هذا ما يدل على صحة الأخذ PageV03P283 ~~بالعموم اللفظي وإن دل الاستعمال اللغوي أو الشرعي على خلافه # وكذلك قوله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى الآية فإنها ~~نزلت فيمن ارتد عن الإسلام بدليل قوله بعد إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~الآية ثم إن عامة العلماء استدلوا بها على كون الإجماع حجة وأن مخالفه عاص ~~وعلى أن الابتداع في الدين مذموم وقوله تعالى ألا إنهم يثنون صدورهم ~~ليستخفوا منه ظاهر مساق الآية أنها في الكفار والمنافقين أو غيرهم بدليل ~~قوله ليستخفوا منه أي من الله تعالى أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال ابن عباس إنها في أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن ~~يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم فقد عم هؤلاء فى حكم الآية ~~مع أن المساق لا يقتضيه # ومثل هذا كثير وهو كله مبني على القول باعتبار عموم اللفظ لا خصوص السبب # ومثله قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون PageV03P284 ~~مع ms646 أنها نزلت فى اليهود والسياق يدل على ذلك ثم إن العلماء عموا بها غير ~~الكفار وقالوا كفر دون كفر # فإذا رجع هذا البحث إلى القول بأن لااعتبار بعموم اللفظ وإنما الاعتبار ~~بخصوص السبب وفيه من الخلاف ما علم فقد رجعنا إلى أن أحد القولين هو الأصح ~~ولا فائدة زائدة # والجواب أن السلف الصالح إنما جاءوا بذلك الفقه الحسن بناء على أمر آخر ~~غير راجع إلى الصيغ العمومية لأنهم فهموا من كلام الله تعالى مقصودا يفهمه ~~الراسخون فى العلم وهو أن الله تعالى ذكر الكفار بسيء أعمالهم والمؤمنين ~~بأحسن أعمالهم ليقوم العبد بين هذين المقامين على قدمي الخوف والرجاء فيرى PageV03P285 ~~أوصاف أهل الإيمان وما أعد لهم فيجتهد رجاء أن يدركهم ويخاف أن لا يلحقهم ~~فيفر من ذنوبه ويرى أوصاف أهل الكفر وما أعد لهم فيخاف من الوقوع فيما ~~وقعوا فيه وفيما يشبهه ويرجو بإيمانه أن لا يلحق بهم فهو بين الخوف والرجاء ~~من حيث يشترك مع الفريقين فى وصف ما وإن كان مسكوتا عنه لأنه إذا ذكر ~~الطرفان كان الحائل بينهما مأخوذ الجانبين كمحال الاجتهاد لا فرق لا من جهة ~~أنهم حملوا ذلك محمل الداخل تحت العموم اللفظي وهو ظاهر فى آية الأحقاف ~~وهود والنساء في آية إن الذين توفاهم الملائكة ويظهر أيضا فى قوله ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين وما سوى ذلك فإما من تلك القاعدة وإما أنها بيان فقه ~~الجزئيات من الكليات العامة لا أن المقصود التخصيص بل بيان جهة العموم ~~وإليك النظر فى التفاصيل والله المستعان PageV03P286 ### || AUTO فصل # إذا تقرر ما تقدم فالتخصيص إما بالمنفصل أو بالمتصل # فإن كان بالمتصل كالاستثناء والصفة والغاية وبدل البعض وأشباه ذلك فليس ~~فى الحقيقة بإخراج لشيء بل هو بيان لقصد المتكلم فى عموم اللفظ أن لا يتوهم ~~السامع منه غير ما قصد وهو ينظر إلى قول سيبويه زيد الأحمر عند من لا يعرفه ~~كزيد وحده عند من يعرفه وبيان ذلك أن زيدا الأحمر هو الاسم المعرف به مدلول ~~زيد بالنسبة إلى قصد المتكلم ms647 كما كان الموصول مع صلته هو الاسم لا أحدهما # وهكذا إذا قلت الرجل الخياط فعرفه السامع فهو مرادف لزيد فإذا المجموع هو ~~الدال ويظهر ذلك فى الاستثناء إذا قلت عشرة إلا ثلاثة فإنه مرادف لقولك ~~سبعة فكأنه وضع آخر عرض حالة التركيب وإذا كان كذلك فلا تخصيص فى محصول ~~الحكم لا لفظا ولا قصدا ولا يصح أن يقال إنه مجازا أيضا لحصول الفرق عند ~~أهل العربية بين قولك ما رأيت أسد PageV03P287 ~~يفترس الأبطال وقولك ما رأيت رجلا شجاعا وأن الأول مجاز والثاني حقيقة ~~والرجوع فى هذا إليهم لا إلى ما يصوره العقل فى مناحي الكلام # وأما التخصيص بالمنفصل فإنه كذلك أيضا راجع إلى بيان المقصود فى عموم ~~الصيغ حسبما تقدم فى رأس المسألة لا أنه على حقيقة التخصيص الذى يذكره ~~الأصوليون # فإن قيل وهكذا يقول الأصوليون إن التخصيص بيان المقصود بالصيغ المذكورة ~~فإنه رفع لتوهم دخول المخصوص تحت عموم الصيغة في فهم السامع وليس بمراد ~~الدخول تحتها وإلا كان التخصيص نسخا فإذا لا فرق بين التخصيص بالمنفصل ~~والتخصيص بالمتصل على ما فسرت فكيف تفرق بين ما ذكرت وبين ما يذكره ~~الأصوليون # فالجواب أن الفرق بينهما ظاهر وذلك أن ما ذكر هنا راجع إلى بيان وضع ~~الصيغ العمومية فى أصل الاستعمال العربي أو الشرعي وما ذكره الأصوليون يرجع ~~إلى بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص فنحن بينا أنه بيان ~~لوضع اللفظ وهم قالوا إنه بيان لخروج اللفظ عن وضعه وبينهما فرق فالتفسير ~~الواقع هنا نظير بيان الذي سيق عقب اللفظ المشترك ليبين المراد منه والذى ~~للأصوليين نظير البيان الذي سيق عقيب الحقيقة ليبين أن المراد المجاز كقولك PageV03P288 ~~رأيت أسدا يفترس الأبطال # فإن قيل أفيكون تأصيل أهل الأصول كله باطلا أم لا فإن كان باطلا لزم أن ~~يكون ما أجمعوا عليه من ذلك خطأ والأمة لا تجتمع على الخطأ وإن كان صوابا ~~وهو الذى يقتضيه إجماعهم فكل ما يعارضه خطأ فإذا كل ما تقدم بيانه خطأ # فالجواب أن إجماعهم ms648 أولا غير ثابت على شرطه ولو سلم أنه ثابت لم يلزم منه ~~إبطال ما تقدم لأنهم إنما اعتبروا صيغ العموم بحسب ما تدل عليه في الوضع ~~الإفرادي ولم يعتبروا حالة الوضع الإستعمالي حتى إذا أخذوا فى الاستدلال ~~على الأحكام رجعوا إلى اعتباره كل على اعتبار رآه أو تأويل ارتضاه فالذي ~~تقدم بيانه مستنبط من اعتبارهم الصيغ فى الاستعمال بلا خلاف بيننا وبينهم ~~إلا ما يفهم عنهم من لا يحيط علما بمقاصدهم ولا يجود محصول كلامهم # وبالله التوفيق # فصل # فإن قيل حاصل ما مر أنه بحث فى عبارة والمعنى متفق عليه ومثله لا ينبني ~~عليه حكم # فالجواب أن لا بل هو بحث فيما ينبني عليه أحكام # منها أنهم اختلفوا فى العام إذا خص هل يبقى حجة أم لا وهي من PageV03P289 ~~المسائل الخطيرة في الدين فإن الخلاف فيها فى ظاهر الأمر شنيع لأن غالب ~~الأدلة الشرعية وعمدتها هي العمومات فإذا عدت من المسائل المختلف فيها بناء ~~على ما قالوه أيضا من أن جميع العمومات أو غالبها مخصص صار معظم الشريعة ~~مختلفا فيها هل هو حجة أم لا ومثل ذلك يلقى في المطلقات فانظر فيه فإذا ~~عرضت المسألة على هذا الأصل المذكور لم يبق الإشكال المحظور وصارت العمومات ~~حجة على كل قول # ولقد أدى إشكال هذا الموضع إلى شناعة أخرى وهى أن عمومات PageV03P290 ~~القرآن ليس فيها ما هو معتد به فى حقيقته من العموم وإن قيل بأنه حجة بعد ~~التخصيص وفيه ما يقتضى إبطال الكليات القرآنية وإسقاط الاستدلال به جملة ~~إلا بجهة من التساهل وتحسين الظن لا على تحقيق النظر والقطع بالحكم # وفي هذا إذا تؤمل توهين الأدلة الشرعية وتضعيف الاستناد إليها وربما ~~نقلوا في الحجة لهذا الموضع عن ابن عباس أنه قال ليس في القرآن عام إلا ~~مخصص إلا قوله تعالى والله بكل شيء عليم وجميع ذلك مخالف لكلام العرب PageV03P291 ~~ومخالف لما كان عليه السلف الصالح من القطع بعموماته التي فهموها تحقيقا ~~بحسب قصد العرب في اللسان وبحسب قصد الشارع في موارد ms649 الأحكام # وأيضا فمن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بجوامع الكلم واختصر ~~له الكلام اختصارا على وجه هو أبلغ ما يكون وأقرب ما يمكن في التحصيل ورأس ~~هذه الجوامع في التعبير العمومات فإذا فرض أنها ليست بموجودة في القرآن ~~جوامع بل على وجه تفتقر فيه إلى مخصصات ومقيدات وأمور أخر فقد خرجت تلك ~~العمومات عن أن تكون جوامع مختصره وما نقل عن ابن عباس إن ثبت من طريق صحيح ~~فيحتمل التأويل # فالحق فى صيغ العموم إذا وردت أنها على عمومها فى الأصل الإستعمالي بحيث ~~يفهم محل عمومها العربي الفهم المطلع على مقاصد الشرع فثبت أن هذا البحث ~~ينبني عليه فقه كثير وعلم جميل وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة الرابعة # عمومات العزائم وإن ظهر ببادىء الرأي أن الرخص تخصصها فليست بمخصصة لها ~~في الحقيقة بل العزائم باقية على عمومها وإن أطلق عليها أن الرخص خصصتها ~~فإطلاق مجازي لا حقيقي # والدليل على ذلك أن حقيقة الرخصة إما أن تقع بالنسبة إلى ما لا يطاق أو لا # فإن كان الأول فليست برخصة فى الحقيقة إذ لم يخاطب بالعزيمة من لا يطيقها ~~وإنما يقال هنا إن الخطاب بالعزيمة مرفوع من الأصل بالدليل الدال على رفع ~~تكليف ما لا يطاق فانتقلت العزيمة إلى هيئة أخرى وكيفية مخالفة للأولى ~~كالمصلي لا يطيق القيام فليس بمخاطب بالقيام بل صار فرضه الجلوس أو على جنب ~~أو ظهر وهو العزيمة عليه وإن كان الثانى فمعنى الرخصة فى حقه أنه إن PageV03P292 ~~انتقل إلى الأخف فلا جناح عليه لا أنه سقط عنه فرض القيام والدليل على ذلك ~~أنه إن تكلف فصلى قائما فإما أن يقال إنه أدى الفرض على كمال العزيمة أولا ~~فلا يصح أن يقال إنه لم يؤده على كماله إذ قد ساوى فيه الصحيح القادر من ~~غير فرق فالتفرقة بينهما تحكم من غير دليل فلا بد أنه أداه على كماله وهو ~~معنى كونه داخلا تحت عموم الخطاب بالقيام # فإن قيل إن العزيمة مع الرخصة من خصال الكفارة بالنسبة ms650 إليه فأي الخصلتين ~~فعل فعلى حكم الوجوب وإذا كان كذلك فعمله بالعزيمة عمل على كمال وقد ارتفع ~~عنه حكم الإنحتام وذلك معنى تخصيص عموم العزيمة بالرخصة فقد تخصصت عمومات ~~العزائم بالرخص على هذا التقرير فلا يستقيم القوم ببقاء العمومات إذ ذاك # وأيضا فإن الجمع بين بقاء حكم العزيمة ومشروعية الرخصة جمع بين متنافيين ~~لأن معنى بقاء العزيمة أن القيام فى الصلاة واجب عليه حتما ومعنى جواز ~~الترخص أن القيام ليس بواجب حتما وهما قضيتان متناقضتان لا تجتمعان على ~~موضوع واحد فلا يصح القول ببقاء العموم بالنسبة إلى من يشق عليه القيام فى الصلاة # وأمر ثالث وهو أن الرخصة قد ثبت التخيير بينها وبين العزيمة فلو كانت ~~العزيمة هنا باقية على أصلها من الوجوب المنحتم لزم من ذلك التخيير بين ~~الواجب وغير الواجب والقاعدة أن ذلك محال لا يمكن فما أدى إليه مثله PageV03P293 ### || AUTO فالجواب أن العزيمة مع الرخصة ليستا من باب خصال الكفارة إذ ~~لم يأت دليل ثابت يدل على حقيقة التخيير بل الذي أتى في حقيقة الرخصة أن من ~~ارتكبها فلا جناح عليه خاصة لا أن المكلف مخير بين العزيمة والرخصة وقد ~~تقدم الفرق بينهما فى - كتاب الأحكام في فصل العزائم والرخص وإذا ثبت ذلك ~~فالعزيمة على كمالها وأصالتها في الخطاب بها وللمخالفة حكم آخر # وأيضا فإن الخطاب بالعزيمة من جهة حق الله تعالى والخطاب بالرخصة من جهة ~~حق العبد فليسا بواردين على المخاطب من جهة واحدة بل من جهتين مختلفتين ~~وإذا اختلفت الجهات أمكن الجمع وزال التناقض المتوهم فى الاجتماع ونظير ~~تخلف العزيمة للمشقة تخلفها للخطأ والنسيان والإكراه وغيرها من الأعذار ~~التي يتوجه الخطاب مع وجودها مع أن التخلف غير مؤثم ولا موقع في محظور وعلى ~~هذا ينبني معنى آخر يعم هذه المسألة وغيرها وهو أن العمومات التى هي PageV03P294 ~~عزائم إذا رفع الإثم عن المخالف فيها لعذر من الأعذار فأحكام تلك العزائم ~~متوجهة على عمومها من غير تخصيص وإن أطلق عليها أن الأعذار خصصتها فعلى ~~المجاز لا على ms651 الحقيقة ولنعدها مسألة على حدتها وهي ### || AUTO المسألة الخامسة # والأدلة على صحتها ما تقدم والمسألة وإن كانت مختلفا فيها على وجه آخر ~~فالصواب جريانها على ما جرت عليه العزائم مع الرخص ولنفرض المسألة فى موضعين # أحدهما فيما إذا وقع الخطأ من المكلف فتناول ما هو محرم ظهرت علة تحريمه ~~بنص أو إجماع أو غيرهما كشارب المسكر يظنه حلالا وآكل مال اليتيم أو غيره ~~يظنه متاع نفسه أو قاتل المسلم يظنه كافرا أو واطئ الأجنبية يظنها PageV03P295 ~~زوجته أو أمته وما أشبه ذلك فإن المفاسد التى حرمت هذه الأشياء لأجلها ~~واقعة أو متوقعة فإن شارب المسكر قد زال عقله وصده عن ذكر الله وعن الصلاة ~~وآكل مال اليتيم قد أخذ ماله الذي حصل له به الضرر والفقر وقاتل المسلم قد ~~أزهق دم نفس ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا وواطئ الأجنبية قد تسبب فى ~~اختلاط نسب المخلوق من مائه فهل يسوغ فى هذه الأشياء أن يقال إن الله أذن ~~فيها وأمر بها كلا بل عذر الخاطئ ورفع الحرج والتأثيم بها وشرع مع ذلك فيها ~~التلافي حتى تزول المفسدة فيما يمكن فيه الإزالة كالغرامة والضمان فى المال ~~وأداء الدية مع تحرير الرقبة فى النفس وبذل المهر مع إلحاق الولد بالوطئ ~~وما أشبه ذلك قل إن الله لا يأمر بالفحشاء إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى غير أن عذر الخطأ رفع ~~حكم التأثيم المرتب على التحريم # والموضع الثانى إذا أخطأ الحاكم فى الحكم فسلم المال إلى غير أهله أو ~~الزوجة إلى غير زوجها أو أدب من لم يستحق تأديبا وترك من كان مستحقا له PageV03P296 ~~ذوى عدل منكم فإذا أخطأ فحكم بغير ما أنزل الله فكيف يقال أنه مأمور بذلك ~~أو أشهد ذوي زور فهل يصح أن يقال إنه مأمور بقبولهم وبإشهادهم هذا لا يسوغ ~~بناء على مراعاة المصالح في الأحكام تفضلا كما اخترناه أو لزوما كما يقوله ~~المعتزلة غير أنه معذور في عدم إصابته كما مر والأمثلة ms652 فى ذلك كثيرة # ولو كان هذا الفاعل وهذا الحاكم مأمورا بما أخطأ فيه أو مأذونا له فيه ~~لكان الأمر بتلافيه إذا اطلع عليه على خلاف مقتضى الأدلة إذ لا فرق بين أمر ~~وأمر وإذن وإذن إذ الجميع ابتدائي فالتلافي بعد أحدهما دون الآخر شيء لا ~~يعقل له معنى وذلك خلاف ما دل عليه اعتبار المصالح # فإن التزم أحد هذا الرأي وجرى على التعبد المحض ورشحه بأن الحرج PageV03P297 ~~موضوع فى التكاليف وإصابة ما فى نفس الأمر حرج أو تكليف بما لا يستطاع ~~وإنما يكلف بما يظنه صوابا وقد ظنه كذلك فليكن مأمورا به أو مأذونا فيه ~~والتلافي بعد ذلك أمر ثان بخطاب جديد فهذا الرأي جار على الظاهر لا على ~~التفقه في الشريعة وقد مر له تقرير في فصل الأوامر والنواهي ولولا أنها ~~مسألة عرضت لكان الأولى ترك الكلام فيها لأنها لا تكاد ينبني عليها فقه معتبر ### || AUTO المسألة السادسة # العموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغ العموم فقط بل له طريقان # أحدهما الصيغ إذا وردت وهو المشهور فى كلام أهل الأصول # والثاني استقراء مواقع المعنى حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام فيجرى ~~في الحكم مجرى العموم المستفاد من الصيغ والدليل على صحة هذا الثاني وجوه # أحدها أن الاستقراء هكذا شأنه فإنه تصفح جزئيات ذلك المعنى ليثبت من ~~جهتها حكم عام إما قطعي وإما ظني وهو أمر مسلم عند أهل العلوم العقلية ~~والنقلية فإذا تم الاستقراء حكم به مطلقا فى كل فرد يقدر وهو معنى العموم ~~المراد في هذا الموضع # والثاني أن التواتر المعنوي هذا معناه فإن جود حاتم مثلا إنما ثبت على PageV03P298 ~~الإطلاق من غير تقييد وعلى العموم من غير تخصيص بنقل وقائع خاصة متعددة ~~تفوت الحصر مختلفة فى الوقوع متفقة فى معنى الجود حتى حصلت للسامع معنى ~~كليا حكم به على حاتم وهو الجود ولم يكن خصوص الوقائع قادحا فى هذه الإفادة ~~فكذلك إذا فرضنا أن رفع الحرج في الدين مثلا مفقود فيه صيغة ms653 عموم فأنا ~~نستفيده من نوازل متعددة خاصة مختلفة الجهات متفقة فى أصل رفع الحرج كما ~~إذا وجدنا التيمم شرع عند مشقة طلب الماء والصلاة قاعدا عند مشقة طلب ~~القيام والقصر والفطر فى السفر والجمع بين الصلاتين فى السفر والمرض والمطر ~~والنطق بكلمة الكفر عند مشقة القتل والتأليم وإباحة الميتة وغيرها عند خوف ~~التلف الذي هو أعظم المشقات والصلاة إلى أي جهة كان لعسر استخراج القبلة ~~والمسح على الجبائر والخفين لمشقة النزع ولرفع الضرر والعفو في الصيام عما ~~يعسر الاحتراز منه من المفطرات كغبار الطريق ونحوه إلى جزئيات كثيرة جدا ~~يحصل من مجموعها قصد الشارع لرفع الحرج فإنا نحكم بمطلق رفع الحرج فى ~~الأبواب كلها عملا بالاستقراء فكأنه عموم لفظي فإذا ثبت اعتبار التواتر ~~المعنوي ثبت فى ضمنه ما نحن فيه PageV03P299 ~~والثالث أن قاعدة سد الذرائع إنما عمل السلف بها بناء على هذا المعنى ~~كعملهم فى ترك الأضحية مع القدرة عليها وكإتمام عثمان الصلاة في حجه بالناس ~~وتسليم الصحابة له في عذره الذي اعتذر به هن سد الذريعة إلى غير ذلك من ~~أفرادها التى عملوا بها مع أن المنصوص فيها إنما هي أمور خاصة كقوله تعالى ~~يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقوله ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله فيسبوا الله عدوا بغير علم وفي الحديث # من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه وأشباه ذلك وهي أمور خاصة لا تتلاقى ~~مع ما حكموا به إلا في معنى سد الذريعة وهو دليل على ما ذكر من غير إشكال # فإن قيل اقتناص المعاني الكلية من الوقائع الجزئية غير بين من أوجه # أحدها أن ذلك إنما يمكن فى العقليات لا في الشرعيات لأن المعاني العقلية ~~بسائط لا تقبل التركيب ومتفقة لا تقبل الاختلاف فيحكم العقل فيها على PageV03P300 ~~الشيء بحكم مثله شاهدا وغائبا لأن فرض خلافه محال عنده بخلاف الوضعيات ~~فإنها لم توضع وضع العقليات وإلا كانت هي هي بعينها فلا تكون وضعية هذا خلف ~~وإذا لم توضع وضعها وإنما وضعت على وفق ms654 الاختيار الذي يصح معه التفرقة بين ~~الشيء ومثله والجمع بين الشيء وضده ونقيضه لم يصح مع ذلك أن يقتنص فيها ~~معنى كلي عام من معنى جزئي خاص # والثاني أن الخصوصيات تستلزم من حيث الخصوص معنى زائدا على ذلك المعنى ~~العام أو معاني كثيرة وهذا واضح فى المعقول لأن ما به الإشتراك غير ما به ~~الامتياز وإذ ذاك لا يتعين تعلق الحكم الشرعي في ذلك الخاص بمجرد الأمر ~~العام دون التعلق بالخاص على الإنفراد أو بهما معا فلا يتعين متعلق الحكم ~~وإذا لم يتعين لم يصح نظم المعنى الكلي من تلك الجزئيات إلا عند فرض العلم ~~بأن الحكم لم يتعلق إلا بالمعنى المشترك العام دون غيره وذلك لا يكون إلا ~~بدليل وعند وجود ذلك الدليل لا يتبقى تعلق بتلك الجزئيات فى استفادة معنى ~~عام للاستغناء بعموم صيغة ذلك الدليل عن هذا العناء الطويل PageV03P301 ~~والثالث أن التخصيصات في الشريعة كثيرة فيخص محل بحكم ويخص مثله بحكم آخر ~~وكذلك يجمع بين المختلفات فى حكم واحد ولذلك أمثلة كثيرة كجعل التراب طهورا ~~كالماء وليس بمطهر كالماء بل هو بخلافه وإيجاب الغسل من خروج المنى دون ~~المذى والبول وغيرهما وسقوط الصلاة والصوم عن الحائض ثم قضاء الصوم دون ~~الصلاة وتحصين الحرة لزوجها ولم تحصن الأمة سيدها والمعنى واحد ومنع النظر ~~إلى محاسن الحرة دون محاسن الأمة وقطع السارق دون الغاصب والجاحد والمختلس ~~والجلد بقذف الزنى دون غيره وقبول شاهدين فى كل حد ما سوى الزنى والجلد ~~بقذف الحر دون قذف العبد والتفرقة بين عدتي الوفاة والطلاق وحال الرحم لا ~~يختلف فيهما واستبراء الحرة بثلاث حيض والأمة بواحدة وكالتسوية فى الحد بين ~~القذف وشرب الخمر وبين الزنى والمعفو عنه فى دم العمد وبين المرتد والقاتل ~~وفي الكفارة بين الظهار والقتل وإفساد الصوم وبين قتل المحرم الصيد عمدا أو خطأ # وأيضا فإن الرجل والمرأة مستويان فى أصل التكليف على الجملة ومفترقان PageV03P302 ~~بالتكليف اللائق بكل واحد منهما كالحيض والنفاس والعدة وأشباهها بالنسبة ~~إلى المرأة والإختصاص فى مثل هذا ms655 لا إشكال فيه وأما الأول فقد وقع الإختصاص ~~فيه في كثير من المواضع كالجمعة والجهاد والإمامة ولو في النساء وفي الخارج ~~النجس من الكبير والصغير ففرق بين بول الصبي والصبية إلى غير ذلك من ~~المسائل مع فقد الفارق فى القسم المشترك ومثل ذلك العبد فإن له اختصاصات فى ~~القسم المشترك أيضا وإذا ثبت هذا لم يصح القطع بأخذ عموم من وقائع مختصة # فالجواب عن الأول أنه يمكن في الشرعيات إمكانه في العقليات والدليل على ~~ذلك قطع السلف الصالح به فى مسائل كثيرة كما تقدم التنبيه عليه فإذا وقع ~~مثله فهو واضح في أن الوضع الإختياري الشرعي مماثل للعقلي الاضطراري لأنهم ~~لم يعملوا به حتى فهموه من قصد الشارع # وعن الثاني أنهم لم ينظموا المعنى العام من القضايا الخاصة حتى علموا أن PageV03P303 ~~الخصوصيات وما به الإمتياز غير معتبرة وكذلك الحكم فيمن بعدهم ولو كانت ~~الخصوصيات معتبرة بإطلاق لما صح اعتبار القياس ولارتفع من الأدلة رأسا وذلك ~~باطل فما أدى إليه مثله # وعن الثالث أنه الإشكال المورد على القول بالقياس فالذى أجاب به ~~الأصوليون هو الجواب هنا ### || AUTO فصل # ولهذه المسألة فوائد تنبني عليها أصلية وفرعية وذلك أنها إذا تقررت عند ~~المجتهد ثم استقرى معنى عاما من أدلة خاصة واطرد له ذلك المعنى لم يفتقر ~~بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة تعن بل يحكم عليها وإن كانت خاصة ~~بالدخول تحت عموم المعنى المستقري من غير اعتبار بقياس أو غيره إذ صار ما ~~استقرى من عموم المعنى كالمنصوص بصيغة عامة فكيف يحتاج مع ذلك إلى صيغة ~~خاصة بمطلوبه # ومن فهم هذا هان عليه الجواب عن إشكال القرافى الذى أورده على أهل مذهب ~~مالك حيث استدلوا فى سد الذرائع على الشافعية بقوله تعالى ولا تسبوا وقوله ~~ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت وبحديث # لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها الخ وقوله لا تجوز شهادة خصم ~~ولا ظنين قال فهذه وجوه كثيرة يستدلون بها وهي لا تفيد فإنها تدل PageV03P304 ~~على اعتبار ms656 الشرع سد الذرائع فى الجملة وهذا مجمع عليه وإنما النزاع فى ~~ذرائع خاصة وهى بيوع الآجال ونحوها فينبغي أن تذكر أدلة خاصة بمحل النزاع ~~وإلا فهذه لا تفيد قال وإن قصدوا القياس على هذه الذرائع المجمع عليها ~~فينبغي أن تكون حجتهم القياس خاصة ويتعين عليهم حينئذ إبداء الجامع حتى ~~يتعرض الخصم لدفعه بالفارق ويكون دليلهم شيئا واحدا وهو القياس وهم لا ~~يعتقدون ذلك بل يعتقدون أن مدركهم النصوص وليس كذلك بل ينبغي أن يذكروا ~~نصوصا خاصة بذرائع بيوع الآجال خاصة ويقتصرون عليها كحديث أم ولد زيد بن أرقم # هذا ما قال فى إيراد هذا الإشكال # وهو غير وارد على ما تقدم بيانه لأن الذرائع قد ثبت سدها فى خصوصات كثيرة ~~بحيث أعطت فى الشريعة معنى السد مطلقا عاما وخلاف الشافعي هنا غير قادح فى ~~أصل المسألة ولا خلاف أبي حنيفة # أما الشافعي فالظن به أنه تم له الاستقراء في سد الذرائع على العموم ويدل ~~عليه قوله بترك الأضحية إعلاما بعدم وجوبها وليس في ذلك دليل صريح من كتاب ~~أو سنة وإنما فيه عمل جملة من الصحابة وذلك عند الشافعي ليس بحجة لكن عارضه ~~في مسألة بيوع الآجال دليل آخر رجح على غيره فأعمله فترك سد الذريعة لأجله ~~وإذا تركه لمعارض راجح لم يعد مخالفا PageV03P305 ~~وأما أبو حنيفة فإن ثبت عنه جواز إعمال الحيل لم يكن من أصله في بيوع ~~الآجال إلا الجواز ولا يلزم من ذلك تركه لأصل سد الذرائع وهذا واضح إلا أنه ~~نقل عنه موافقة مالك في سد الذرائع فيها وإن خالفه في بعض التفاصيل وإذا ~~كان كذلك فلا إشكال ### || AUTO المسألة السابعة # العمومات إذا اتحد معناها وانتشرت في أبواب الشريعة أو تكررت في مواطن ~~بحسب الحاجة من غير تخصيص فهي مجراة على عمومها على كل حال وإن قلنا بجواز ~~التخصيص بالمنفصل # والدليل على ذلك الاستقراء فإن الشريعة قررت أن لا حرج علينا في الدين في ~~مواضع كثيرة ولم تستثن منه موضعا ولا حالا فعده علماء الملة أصلا ms657 مطردا ~~وعموما مرجوعا إليه من غير استثناء ولا طلب مخصص ولا احتشام من إلزام الحكم ~~به ولا توقف في مقتضاه وليس ذلك إلا لما فهموا بالتكرار والتأكيد من القصد ~~إلى التعميم التام وأيضا قررت أن لا تزر وازرة وزر أخرى PageV03P306 ~~فأعملت العلماء المعنى في مجاري عمومه وردوا ما خالفه من أفراد الأدلة ~~بالتأويل وغيره وبينت بالتكرار أن # لا ضرر ولا ضرار فأبى أهل العلم من تخصيصه وحملوه على عمومه وأن # من سن سنة حسنة أو سيئة كان له ممن اقتدى به حظ إن حسنا وإن سيئا وأن # من مات مسلما دخل الجنة ومن مات كافرا دخل النار وعلى الجملة فكل أصل ~~تكرر تقريره وتأكد أمره وفهم ذلك من مجاري الكلام فهو مأخوذ على حسب عمومه ~~وأكثر الأصول تكرارا الأصول المكية كالأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي وأشباه ذلك # فأما إن لم يكن العموم مكررا ولا مؤكدا ولا منتشرا في أبواب الفقه ~~فالتمسك بمجرده فيه نظر فلا بد من البحث عما يعارضه أو يخصصه وإنما حصلت ~~التفرقة بين الصنفين لأن ما حصل فيه التكرار والتأكيد والانتشار صار ظاهره ~~باحتفاف القرائن به إلى منزلة النص القاطع الذي لا احتمال فيه بخلاف ما لم ~~يكن كذلك فإنه معرض لاحتمالات فيجب التوقف في القطع بمقتضاه حتى يعرض على ~~غيره ويبحث عن وجود معارض فيه ### || AUTO فصل # وعلى هذا ينبني القول في العمل بالعموم وهل يصح من غير المخصص أم لا فإنه ~~إذا عرض على هذا التقسيم أفاد أن القسم الأول غير محتاج فيه إلى بحث إذ لا ~~يصح تخصيصه إلا حيث تخصص القواعد بعضها بعضا PageV03P307 ~~فإن قيل قد حكى الإجماع في أنه يمنع العمل بالعموم حتى يبحث هل له مخصص أم ~~لا وكذلك دليل مع معارضة فكيف يصح القول بالتفصيل # فالجواب أن الإجماع إن صح فمحمول على غير القسم المتقدم جمعا بين الأدلة ~~وأفضا فالبحث يبرز أن ما كان من العمومات على تلك الصفة فغير مخصص بل هو ~~على ms658 عمومه فيحصل من ذلك بعد بحث المتقدم ما يحصل للمتأخر دون بحث بناء على ~~ما ثبت من الاستقراء والله أعلم ### || AUTO الفصل الخامس في البيان والأجمال ويتعلق به مسائل # المسألة الأولى # إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مبينا بقوله وفعله وإقراره لما كان ~~مكلفا بذلك في قوله تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم # فكان يبين بقوله عليه الصلاة والسلام كما قال في حديث الطلاق # فتلك العدة التى أمر الله أن يطلق لها النساء وقال لعائشة حين سألته عن قول PageV03P308 ~~الله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا # إنما ذلك العرض وقال لمن سأله عن قوله # آية المنافق ثلاث # إنما عنيت بذلك كذا وكذا # وهو لا يحصى كثرة # وكان أيضا يبين بفعله # ألا أخبرته أني أفعل ذلك وقال الله تعالى زوجناكها لكيلا يكون على ~~المؤمنين حرج الآية وبين لهم كيفية الصلاة والحج بفعله وقال عند ذلك # صلوا كما رأيتموني أصلي # وخذوا عني مناسككم إلى غير ذلك # وكان إقراره بيانا أيضا إذا علم بالفعل ولم ينكره مع القدرة على إنكاره ~~لو كان باطلا أو حراما حسبما قرره الأصوليون في مسألة مجزز المدلجي وغيره ~~وهذا كله مبين في الأصول ولكن نصير منه إلى معنى آخر وهي PageV03P309 ### || AUTO المسألة الثانية # وذلك أن العالم وارث النبي فالبيان في حقه لا بد منه من حيث هو عالم # والدليل على ذلك أمران # أحدهما ما ثبت من كون العلماء ورثة الأنبياء وهو معنى صحيح ثابت ويلزم من ~~كونه وارثا قيامه مقام موروثة في البيان وإذا كان البيان فرضا على الموروث ~~لزم أن يكون فرضا على الوارث أيضا ولا فرق في البيان بين ما هو مشكل أو ~~مجمل من الأدلة وبين أصول الأدلة في الإتيان بها فأصل التبليغ بيان لحكم ~~الشريعة وبيان المبلغ مثله بعد التبليغ # والثاني ما جاء من الأدلة على ذلك بالنسبة إلى العلماء فقد قال إن الذين ~~يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى الآية ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا ~~الحق وأنتم تعلمون ومن أظلم ms659 ممن كتم شهادة عنده من الله والآيات كثيرة وفي الحديث # ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب وقال # لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل ~~آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها وقال # من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل والأحاديث في هذا كثيرة ولا خلاف PageV03P310 ~~في وجوب البيان على العلماء والبيان يشمل البيان الابتدائي للنصوص الواردة ~~والتكاليف المتوجهة فثبت أن العالم يلزمه البيان من حيث هو عالم وإذا كان ~~كذلك انبنى عليه معنى آخر وهى ### || AUTO المسألة الثالثة # فنقول إذا كان البيان يتأتى بالقول والفعل فلا بد أن يحصل ذلك بالنسبة ~~إلى العالم كما حصل بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا كان السلف ~~الصالح ممن صار قدوة فى الناس دل على ذلك المنقول عنهم حسبما يتبين فى ~~أثناء المسائل على أثر هذا بحول الله فلا نطول به ههنا لأنه تكرار ### || AUTO المسألة الرابعة # إذا حصل البيان بالقول والفعل المطابق للقول فهو الغاية فى البيان كما ~~إذا بين الطهارة أو الصوم أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من العبادات أو ~~العادات # فإن حصل بأحدهما فهو بيان أيضا إلا أن كل واحد منهما على انفراد قاصر عن ~~غاية البيان من وجه بالغ أقصى الغاية من وجه آخر # فالفعل بالغ من جهة بيان الكيفيات المعينة المخصوصة التى لا يبلغها ~~البيان القولي ولذلك بين عليه الصلاة والسلام بفعله لأمته كما فعل به جبريل ~~حين صلى به وكما بين الحج كذلك والطهارة كذلك وإن جاء فيها بيان بالقول ~~فإنه إذا عرض نص الطهارة فى القرآن على عين ما تلقى بالفعل من الرسول عليه ~~الصلاة والسلام كان المدرك بالحس من الفعل فوق المدرك بالعقل من PageV03P311 ~~النص لا محالة مع أنه إنما بعث ليبين للناس ما نزل إليهم وهبه عليه الصلاة ~~والسلام زاد بالوحي الخاص أمورا لا تدرك من النص على الخصوص فتلك الزيادات ~~بعد البيان إذا عرضت على النص لم ينافها بل يقبلها فآية الوضوء ms660 إذا عرض ~~عليها فعله عليه الصلاة والسلام في الوضوء شمله بلا شك وكذلك آية الحج مع ~~فعله عليه الصلاة والسلام فيه ولو تركنا والنص لما حصل لنا منه كل ذلك بل ~~أمر أقل منه وهكذا تجد الفعل مع القول أبدا بل يبعد فى العادة PageV03P312 ~~أن يوجد قول لم يوجد لمعناه المركب نظير فى الأفعال المعتادة المحسوسة ~~بحيث إذا فعل الفعل على مقتضى ما فهم من القول كان هو المقصود من غير زيادة ~~ولا نقصان ولا إخلال وإن كانت بسائطه معتادة كالصلاة والحج والطهارة ونحوها ~~وإنما يقرب مثل هذا القول الذى معناه الفعلي بسيط ووجد له نظير في المعتاد ~~وهو إذ ذاك إحالة على فعل معتاد فيه حصل البيان لا بمجرد القول وإذا كان ~~كذلك لم يقم القول هنا فى البيان مقام الفعل من كل وجه فالفعل ابلغ من هذا الوجه # وهو يقصر عن القول من جهة أخرى وذلك أن القول بيان للعموم والخصوص فى ~~الأحوال والأزمان والأشخاص فإن القول ذو صيغ تقتضى هذه الأمور وما كان ~~نحوها بخلاف الفعل فإنه مقصور على فاعله وعلى زمانه وعلى حالته وليس له تعد ~~عن محله ألبتة فلو تركنا والفعل الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم مثلا ~~لم يحصل لنا منه غير العلم بأنه فعله فى هذا الوقت المعين وعلى هذه الحالة ~~المعينة فيبقى علينا النظر هل ينسحب طلب هذا الفعل منه في كل حالة أو في ~~هذه الحالة أو يختص بهذا الزمان أو هو عام فى جميع الأزمنة أو يختص به وحده ~~أو يكون حكم أمته حكمه ثم بعد النظر فى هذا يتصدى نظر آخر فى حكم هذا الفعل ~~الذى فعله من أي نوع هو من الأحكام الشرعية وجميع ذلك وما كان مثله لا ~~يتبين من نفس الفعل فهو من هذا الوجه قاصر عن غاية البيان فلم يصح إقامة ~~الفعل مقام القول من كل وجه وهذا بين بأدنى تأمل ولأجل ذلك جاء قوله تعالى ~~لقد كان لكم فى رسول الله PageV03P313 ~~صلوا كما ms661 رأيتمونى أصلي # وخذوا عني مناسككم ونحو ذلك ليستمر البيان إلى أقصاه ### || AUTO فصل # وإذا ثبت هذا لم يصح إطلاق القول بالترجيح بين البيانين فلا يقال أيهما ~~أبلغ فى البيان القول أم الفعل إذ لا يصدقان على محل واحد إلا فى فعل ~~البسيط المعتاد مثله إن اتفق فيقوم أحدهما مقام الآخر وهنالك يقال أيهما ~~أبلغ أو أيهما أولى كمسألة الغسل من التقاء الختانين مثلا فإنه بين من جهة ~~الفعل ومن جهة القول عند من جعل هذه المسألة من ذلك والذي وضع إنما هو فعله ~~ثم غسله فهو الذي يقوم كل واحد من القول والفعل مقام PageV03P314 ~~صاحبه أما حكم الغسل من وجوب أو ندب وتأسى الأمة به فيه فيختص بالقول ### || AUTO المسألة الخامسة # إذا وقع القول بيانا فالفعل شاهد له ومصدق أو مخصص أو مقيد وبالجملة عاضد ~~للقول حسبما قصد بذلك القول ورافع لاحتمالات فيه تعترض في وجه الفهم إذا ~~كان موافقا غير مناقض ومكذب له أو موقع فيه ريبة أو شبهة أو توقفا إن كان ~~على خلاف ذلك وبيان ذلك بأشياء # منها أن العالم إذا أخبر عن إيجاب العبادة الفلانية أو الفعل الفلاني ثم ~~فعله هو ولم يخل به فى مقتضى ما قال فيه قوى اعتقاد إيحابه وانتهض العلم به ~~عند كل من سمعه بخير عنه ورآه يفعله وإذا أخبر عن تحريمه مثلا ثم تركه فلم ~~ير فاعلا ولا دائرا حواليه قوي عند متبعه ما أخبر به عنه بخلاف ما إذا أخبر ~~عن إيجابه ثم قعد عن فعله أو أخبر عن تحريمه ثم فعله فإن نفوس الأتباع لا ~~تطمئن إلى ذلك القول منه طمأنينتها إذا ائتمر وانتهى بل يعود من الفعل إلى ~~القول ما يقدح فيه على الجملة إما من تطريق احتمال إلى القول وإما من تطريق PageV03P315 ~~تكذيب إلى القائل أو استرابة فى بعض مآخذ القول مع أن التأسي في الأفعال ~~والتروك بالنسبة إلى من يعظم فى دين أو دنيا كالمغرور في الجبلة كما هو ~~معلوم بالعيان فيصير القول بالنسبة إلى ms662 القائل كالتبع للفعل فعلى حسب ما ~~يكون القائل فى موافقة فعله لقوله يكون اتباعه والتأسي به أو عدم ذلك # ولذلك كان الأنبياء عليهم السلام فى الرتبة القصوى من هذا المعنى وكان ~~المتبعون لهم أشد اتباعا وأجرى على طريق التصديق بما يقولون مع ما أيدهم ~~الله به من المعجزات والبراهين القاطعة ومن جملتها ما نحن فيه فإن شواهد ~~العادات تصدق الأمر أو تكذبه فالطبيب إذا أخبرك بأن هذا المتناول سم فلا ~~تقربه ثم أخذ فى تناوله دونك أو أمرك بأكل طعام أو دواء لعلة بك ومثلها به ~~ثم لم يستعمله مع احتياجه إليه دل هذا كله على خلل فى الإخبار أو فى فهم ~~الخبر فلم تطمئن النفس إلى قبول قوله وقد قال تعالى أتامرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم الآية وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون الآية ويخدم هذا المعنى الوفاء بالعهد وصدق الوعد فقد قال تعالى ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وقال فى ضده لئن آتانا من فضله لنصدقن إلى ~~قوله وبما كانوا يكذبون فاعتبر فى الصدق كما ترى مطابقة الفعل القول وهذا ~~هو حقيقة الصدق عند العلماء العاملين فهكذا إذا أخبر العالم بأن هذا واجب ~~أو محرم فإنما يريد على كل مكلف وأنا منهم فإن وافق صدق وإن خالف كذب PageV03P316 ~~ومن الأدلة على ذلك أن المنتصب للناس فى بيان الدين منتصب لهم بقوله وفعله ~~فإنه وارث النبي والنبي كان مبينا بقوله وفعله فكذلك الوارث لا بد أن يقوم ~~مقام الموروث وإلا لم يكن وارثا على الحقيقة ومعلوم أن الصحابة رضوان الله ~~عليهم كانوا يتلقون الأحكام من أقواله وأفعاله وإقراراته وسكوته وجميع ~~أحواله فكذلك الوارث فإن كان في التحفظ في الفعل كما في التحفظ فى القول ~~فهو ذلك وصار من اتبعه على هدى وإن كان على خلاف ذلك صار من اتبعه على خلاف ~~الهدى لكن بسببه وكان الصحابة رضي الله عنهم ربما توقفوا عن الفعل الذي ~~أباحه لهم السيد المتبوع عليه الصلاة والسلام ولم يفعله ms663 هو حرصا منهم على ~~أن يكونوا متبعين لفعله وإن تقدم لهم بقوله لاحتمال أن يكون تركه أرجح ~~ويستدلون على ذلك بتركه عليه الصلاة والسلام له حتى إذا فعله اتبعوه فى ~~فعله كما فى التحلل من العمرة والإفطار فى السفر هذا وكل صحيح فما ظنك بمن ~~ليس بمعصوم من العلماء فهو أولى بأن يبين قوله بفعله ويحافظ فيه على نفسه ~~وعلى كل من اقتدى به # ولا يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم فلا يتطرق إلى فعله أو تركه ~~المبين خلل بخلاف من ليس بمعصوم # لأنا نقول إن اعتبر هذا الاحتمال فى ترك الاقتداء بالفعل فليعتبر فى ترك ~~اتباع القول وإذ ذاك يقع فى الرتبة فساد لا يصلح وخرق لا يرقع فلا بد أن ~~يجرى الفعل مجرى القول ولهذا تستعظم شرعا زلة العالم وتصير صغيرته كبيرة من ~~حيث كانت أقواله وأفعاله جارية فى العادة على مجرى الاقتداء فإذا زل حملت ~~زلته عنه قولا كانت أو فعلا لأنه موضوع منارا يهتدى به فإن علم كون زلته ~~زلة صغرت في أعين الناس وجسر عليها الناس تأسيا به وتوهموا فيها رخصة علم ~~بها ولم يعلموها هم تحسينا للظن به وإن جهل كونها زلة فأحرى أن تحمل عنه ~~محمل المشروع وذلك كله راجع عليه PageV03P317 ~~وقد جاء في الحديث # إنى لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة قالوا وما هي يا رسول الله ~~قال أخاف عليهم من زلة العالم ومن حكم جائر ومن هوى متبع وقال عمر بن ~~الخطاب ثلاث يهدمن الدين زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون ونحوه ~~عن أبي الدرداء ولم يذكر فيه الأئمة المضلين وعن معاذ بن جبل يا معشر العرب ~~كيف تصنعون بثلاث دنيا تقطع أعناقكم وزلة عالم وجدال منافق بالقرآن ومثله ~~عن سلمان أيضا # وشبه العلماء زلة العالم بكسر السفينة لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير ~~وعن ابن عباس ويل للاتباع من عثرات العالم قيل كيف ذلك قال يقول العالم ~~شيئا برأيه ثم يجد من هو أعلم ms664 برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيترك ~~قوله ذلك ثم يمضى الأتباع # وهذه الأمور حقيق أن تهدم الدين أما زلة العالم فكما تقدم ومثال كسر ~~السفينة واقع فيها وأما الحكم الجائر فظاهر أيضا وأما الهوى المتبع فهو أصل ~~ذلك كله وأما الجدال بالقرآن فإنه من اللسن الألد من أعظم الفتن لأن القرآن ~~مهيب جدا فإن جادل به منافق على باطل أحاله حقا وصار مظنه للاتباع على ~~تأويل ذلك المجادل ولذلك كان الخوارج فتنة على الأمة إلا من ثبت الله لأنهم ~~جادلوا به على مقتضى آرائهم الفاسدة ووثقوا تأويلاتهم بموافقة العقل لها ~~فصاروا فتنة على الناس وكذلك الأئمة المضلون لأنهم بما ملكوا PageV03P318 ~~من السلطنة على الخلق وقدروا على رد الحق باطلا والباطل حقا وأماتوا سنة ~~الله وأحيوا سنن الشيطان وأما الدنيا فمعلوم فتنتها للخلق # فالحاصل أن الأفعال أقوى في التأسي والبيان إذا جامعت الأقوال من انفراد ~~الأقوال فاعتبارها في نفسها لمن قام في مقام الاقتداء أكيد لازم بل يقال ~~إذا اعتبر هذا المعنى في كل من هو في مظنة الاقتداء ومنزلة التبيين ففرض ~~عليه تفقد جميع أقواله وأعماله ولا فرق في هذا بين ما هو واجب وما هو مندوب ~~أو مباح أو مكروه أو ممنوع فإن له في أفعاله وأقواله اعتبارين # أحدهما من حيث إنه واحد من المكلفين فمن هذه الجهة يتفصل الأمر في حقه ~~إلى الأحكام الخمسة # والثاني من حيث صار فعله وقوله وأحواله بيانا وتقريرا لما شرع الله عز ~~وجل إذا انتصب في هذا المقام فالأقوال كلها والأفعال في حقه إما واجب وإما ~~محرم ولا ثالث لهما لأنه من هذه الجهة مبين والبيان واجب لا غير فإذا كان ~~مما يفعل أو يقال كان واجب الفعل على الجملة وإن كان مما لا يفعل فواجب ~~الترك حسبما يتقرر بعد بحول الله وذلك هو تحريم الفعل # لكن هذا بالنسبة إلى المقتدى به إنما يتعين حيث توجد مظنة البيان إما عند ~~الجهل بحكم الفعل أو الترك وإما عند اعتقاد خلاف الحكم أو ms665 مظنة اعتقاد خلافه # فالمطلوب فعله بيانه بالفعل أو القول الذي يوافق الفعل إن كان واجبا ~~وكذلك إن كان مندوبا مجهول الحكم فإن كان مندوبا مظنة لاعتقاد الوجوب PageV03P319 ~~فبيانه بالترك أو بالقول الذى يجتمع إليه الترك كما فعل فى ترك الأضحية ~~وترك صيام الست من شوال وأشباه ذلك وإن كان مظنة لاعتقاد عدم الطلب أو مظنة ~~للترك فبيانه بالفعل والدوام فيه على وزان المظنة كما فى السنن والمندوبات ~~التى تنوسيت فى هذه الأزمنة # والمطلوب تركه بيانه بالترك أو القول الذى يساعده الترك إن كان حراما وإن ~~كان مكروها فكذلك إن كان مجهول الحكم فإن كان مظنة لاعتقاد التحريم وترجيح ~~بيانه بالفعل تعين الفعل على أقل ما يمكن وأقربه وقد قال الله تعالى ولقد ~~كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة وقال فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ~~الآية وفي حديث المصبح جنبا قوله # وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام وفي حديث أبي بكر ابن عبد الرحمن من قول ~~عائشة يا عبد الرحمن # أترغب عما كان رسول الله يصنع قال عبد الرحمن لا والله قالت عائشة فأشهد ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم ~~يصوم ذلك اليوم وفى حديث أم سلمة # ألا أخبرتيها أنى أفعل ذلك إلى آخر الحديث وروى إسماعيل القاضي عن زياد ~~بن حصين عن أبيه قال رأيت ابن PageV03P320 ~~فسوق الآية وأن الرفث ليس إلا ما كان بين الرجل والمرأة وإن كان مظنة ~~لاعتقاد الطلب أو مظنة لأن يتأثر على فعله فبيانه بالترك جملة إن لم يكن له ~~أصل أو كان له أصل لكن في الإباحة أو في نفي الحرج فى الفعل كما فى سجود ~~الشكر عند مالك وكما فى غسل اليدين قبل الطعام حسبما بينه مالك فى مسألة ~~عبد الملك بن صالح وستأتي إن شاء الله # وعلى الجملة فالمراعى ههنا مواضع طلب البيان الشافي المخرج عن الأطراف ~~والانحرافات الراد إلى الصراط المستقيم ومن تأمل سير السلف الصالح فى هذا ~~المعنى ms666 تبين ما تقرر بحول الله ولا بد من بيان هذه الجملة بالنسبة إلى ~~الأحكام الخمسة أو بعضها حتى يظهر فيها الغرض المطلوب والله المستعان ### || AUTO المسألة السادسة # المندوب من حقيقة استقراره مندوبا أن لا يسوى بينه وبين الواجب لا في ~~القول ولا في الفعل كما لا يسوى بينهما فى الاعتقاد فإن سوى بينهما في ~~القول أو الفعل فعلى وجه لا يخل بالاعتقاد وبيان ذلك بأمور PageV03P321 ~~أحدها أن التسوية فى الاعتقاد باطلة باتفاق بمعنى أن يعتقد فيما ليس بواجب ~~أنه واجب والقول أو الفعل إذا كان ذريعة إلى مطلق التسوية وجب أن يفرق ~~بينهما ولا يمكن ذلك إلا بالبيان القولي والفعل المقصود به التفرقة وهو ترك ~~الالتزام فى المندوب الذي هو من خاصة كونه مندوبا # والثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث هاديا ومبينا للناس ما نزل ~~إليهم وقد كان من شأنه ذلك فى مسائل كثيرة كنهيه عن إفراد يوم الجمعة بصيام ~~أو ليلة بقيام وقوله # لا يجعل أحدكم للشيطان حظا فى صلاته بينه حديث ابن عمر قال واسع بن حبان ~~انصرفت من قبل شقي الأيسر فقال لي عبد الله ابن عمر ما منعك أن تنصرف عن ~~يمينك قلت رأيت فانصرفت إليك قال أصبت إن قائلا يقول انصرف عن يمينك وأنا ~~أقول انصرف كيف شئت عن يمينك وعن يسارك وفى بعض الأحاديث بعد ما قرر حكما ~~غير واجب # من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج وقال الأعرابي هل على غيرهن قال لا إلا ~~أن تطوع وقال لما سئل عن تقديم PageV03P322 ~~بعض أفعال الحج على بعض مما ليس تأخيره بواجب لا حرج قال الراوي فما سئل ~~يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال # افعل ولا حرج مع أن تقديم بعض الأفعال على بعض مطلوب لكن لا على الوجوب ~~ونهى عليه الصلاة والسلام عن أن يتقدم رمضان بيوم أو يومين وحرم صيام يوم ~~العيد ونهى عن التبتل مع قوله تعالى وتبتل إليه تبتيلا ونهى عن الوصال وقال # خذوا من العمل ms667 ما تطيقون مع أن الاستكثار من الحسنات خير إلى غير ذلك من ~~الأمور التى بينها بقوله وفعله وإقراره مما خلافه مطلوب PageV03P323 ~~ولكن تركه وبينه خوفا أن يصير من قبيل آخر فى الإعتقاد # ومسلك آخر وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يترك العمل وهو يحب أن ~~يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم قالت عائشة # وما سبح النبي صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى قط وإني لأستحبها وقد قام ~~ليالى من رمضان فى المسجد فاجتمع إليه ناس يصلون بصلاته ثم كثروا فترك ذلك ~~وعلل بخشية الفرض ويحتمل وجهين أحدهما أن يفرض بالوحي وعلى هذا جمهور الناس ~~والثانى فى معناه وهو الخوف أن يظن فيها أحد من أمته بعده إذا داوم عليها ~~الوجوب وهو تأويل متمكن # والثالث أن الصحابة عملوا على هذا الاحتياط فى الدين لما فهموا هذا الأصل ~~من الشريعة وكانوا أئمة يقتدى بهم فتركوا أشياء وأظهروا ذلك ليبينوا أن ~~تركها غير قادح وإن كانت مطلوبة فمن ذلك ترك عثمان القصر فى السفر فى ~~خلافته وقال إني إمام الناس فنظر إلي الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين ~~فيقولون هكذا فرضت وأكثر المسلمين على أن القصر مطلوب وقال حذيفة PageV03P324 ~~ابن أسيد شهدت أبا بكر وعمر وكانا لا يضحيان مخافة أن يرى الناس أنها ~~واجبة وقال بلال لا أبالي أن أضحي بكبش أو بديك وعن ابن عباس أنه كان يشتري ~~لحما بدرهمين يوم الأضحى ويقول لعكرمة من سألك فقل هذه أضحية ابن عباس وكان ~~غنيا وقال بعضهم إنى لأترك أضحيتى وإني لمن أيسركم مخافة أن يظن الجيران ~~أنها واجبة وقال أبو أيوب الأنصاري كنا نضحى عن النساء وأهلينا فلما تباهى ~~الناس بذلك تركناها ولا خلاف فى أن الأضحية مطلوبة وقال ابن عمر فى صلاة ~~الضحى إنها بدعة وحمل على أحد وجهين إما أنهم كانوا يصلونها جماعة وإما ~~أفذاذا على هئية النوافل في أعقاب الفرائض # وقد منع النساء المساجد مع ما في الحديث من قوله # لا تمنعوا إماء الله مساجد الله لما ms668 أحدثن فى خروجهن ولما يخاف فيهن # والرابع أن أئمة المسلمين استمروا على هذا الأصل على الجملة وان اختلفوا ~~فى التفاصيل فقد كره مالك وأبو حنيفة صيام ست من شوال وذلك للعلة المتقدمة ~~مع أن الترغيب فى صيامها ثابت صحيح لئلا يعتقد ضمها إلى رمضان # قال القرافي وقد وقع ذلك للعجم وقال الشافعي فى الأضحية بنحو من ذلك حيث ~~استدل على عدم الوجوب بفعل الصحابة المذكور وتعليلهم والمنقول عن مالك من ~~هذا كثير وسد الذريعة أصل عنده متبع مطرد فى العادات PageV03P325 ~~والعبادات فبمجموع هذه الأدلة نقطع بأن التفريق بين الواجب والمندوب إذا ~~استوى القولان أو الفعلان مقصود شرعا ومطلوب من كل من يقتدى به قطعا كما ~~يقطع بالقصد إلى الفرق بينهما اعتقادا ### || AUTO فصل # والتفرقة بينهما تحصل بأمور منها بيان القول إن اكتفى به وإلا فالفعل بل ~~هو في هذا النمط مقصود وقد يكون فى سوابق الشيء المندوب وفي قرائنه وفي ~~لواحقه وأمثلة ذلك ظاهرة مما تقدم وأشباهه وأكثر ما يحصل الفرق فى الكيفيات ~~العديمة النص وأما المنصوص فلا كلام فيها فالفعل أقوى إذا في هذا المعنى ~~لما تقدم من أن الفعل يصدق القول أو يكذبه # فصل # وكما أن من حقيقة استقرار المندوب أن لا يسوى بينه وبين الواجب فى الفعل ~~كذلك من حقيقة استقراره أن لا يسوى بينه وبين بعض المباحات فى الترك المطلق ~~من غير بيان فإنه لو وقعت التسوية بينهما لفهم من ذلك مشروعيه الترك كما ~~تقدم ولم يفهم كون المندوب مندوبا هذا وجه # ووجه آخر وهو أن فى ترك المندوب إخلالا بأمر كلي فيه ومن المندوبات ما هو ~~واجب بالكل فيؤدي تركه مطلقا إلى الإخلال بالواجب بل لا بد من العمل به ~~ليظهر للناس فيعملوا به وهذا مطلوب ممن يقتدى به كما كان شأن السلف الصالح PageV03P326 ~~وفى الحديث الحسن عن أنس قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم # يا بني إن قدرت أن تصبح وليس فى قلبك غش لأحد فافعل ثم قال لي يا بني ms669 ~~وذلك من سنتى ومن أحيا سنتى فقد أحبني ومن أحبني كان معى فى الجنة فجعل ~~العمل بالسنة إحياء لها فليس بيانها مختصا بالقول وقد قال مالك فى نزول ~~الحاج بالمحصب من مكة وهو الأبطح استحب للأئمة ولمن يقتدى به أن لا يجاوزوه ~~حتى ينزلوا به فإن ذلك من حقهم لأن ذلك أمر قد فعله النبي صلى الله عليه ~~وسلم والخلفاء فيتعين على الأئمة ومن يقتدى به من أهل العلم إحياء سننه ~~والقيام به لئلا يترك هذا الفعل جملة ويكون للنزول بهذا الموضع حكم النزول ~~بسائر المواضع لا فضيلة للنزول به بل لا يجوز النزول به على وجه القربة ~~هكذا نقل الباجي وظاهر من مذهب مالك أن المندوب لا بد من التفرقة بينه وبين ~~ما ليس بمندوب وذلك بفعله وإظهاره # وقال بعضهم فى حديث عمر # بل أغسل ما رأيت وانضح ما لم أر وفى الحديث أن عمر رأى أن أعماله وأقواله ~~نهج للسنة وأنه موضع للقدوة يعني فعمل هنا على مقتضى الأخذ عنه فى ذلك ~~الفعل وصار ذلك أصلا فى التوسعة على الناس فى ترك تكلف ثوب آخر للصلاة وفى ~~تأخير الصلاة لأجل غسل الثوب وفى الحديث # واعجبا لك يا ابن العاصي لئن كنت تجد ثيابا أفكل الناس يجد ثيابا والله ~~لو فعلتها لكانت سنة الحديث ولمكان هذا ونحوه اقتدى به عمر بن عبد العزيز ~~حفيده ففي العتبية قيل لعمر بن عبد العزيز PageV03P327 ~~أخرت الصلاة شيئا فقال إن ثيابي غسلت قال ابن رشد يحتمل أنه لم يكن له غير ~~تلك الثياب لزهده فى الدنيا أو لعله ترك أخذ سواها مع سعة الوقت تواضعا لله ~~ليقتدى به فى ذلك ائتساء بعمر بن الخطاب فقد كان أتبع الناس لسيرته وهديه ~~فى جميع الأحوال # ومما نحن فيه ما قال الماوردي فيمن صار ترك الصلاة فى الجماعة له إلفا ~~وعادة وخيف أن يتعدى إلى غيره فى الاقتداء به أن للحاكم أن يزجره واستشهد ~~على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم # لقد هممت أن آمر ms670 أصحابي أن يجمعوا حطبا الحديث وقال أيضا فيما إذا تواطأ ~~أهل بلد على تأخير الصلاة إلى آخر وقتها إن له أن ينهاهم قال لأن اعتياد ~~جميع الناس لتأخيرها مفض بالصغير الناشئ إلى اعتقاد أن هذا هو الوقت دون ما ~~تقدمه وأشار إلى نحو هذا فى مسائل أخر وحكى قولين فى مسألة اعتراض المحتسب ~~على أهل القرية فى إقامة الجمعة بجماعة اختلفت فى انعقاد الجمعة بهم فى بعض ~~وجوهها وذلك إذا كان هو يرى إقامتها وهم لا يرونها # ووجه القول بإقامتها على رأيه باعتبار المصلحة لئلا ينشأ الصغير على ~~تركها فيظن أنها تسقط مع زيادة العدد كما تسقط بنقصانه وهذا الباب يتسع ~~ومما يجرى مجراه فى تقوية اعتبار البيان فى هذه المسائل وأشباهها مما ذكر ~~أو لم يذكر قصة عمر ابن عبد العزيز مع عروة بن عياض حين نكت بالخيزرانة بين ~~عينيه ثم قال هذه غرتني منك لسجدته التي بين عينيه ولولا أني أخاف أن تكون ~~سنة من بعدي لأمرت بموضع السجود فقور # وقد عول العلماء على هذا المعنى وجعلوه أصلا يطرد وهو راجع إلى سد ~~الذرائع الذي اتفق العلماء على إعماله فى الجملة وإن اختلفوا فى التفاصيل ~~كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وقوله PageV03P328 ~~وقد رأى مالك لمن رأى هلال شوال وحده أن لا يفطر لئلا يكون ذريعة إلى ~~إفطار الفساق محتجين بما احتج به وقال بمثله فيمن شهد عليه شاهدا زور بأنه ~~طلق امرأته ثلاثا ولم يفعل فمنعه من وطئها إلا أن يخفي ذلك عن الناس وراعى ~~زياد مثل هذا في صلاة الناس فى جامع البصرة والكوفة فإنهم إذا صلوا فى صحنه ~~ورفعوا من السجود مسحوا جباههم من التراب فأمر بإلقاء الحصى فى صحن المسجد ~~وقال لست آمن أن يطول الزمان فيظن الصغير إذا نشأ أن مسح الجبهة من أثر ~~السجود سنة فى الصلاة ومسألة مالك مع أبي جعفر المنصور حين أراد أن يحمل ~~الناس على الموطأ فنهاه مالك عن ذلك من هذا ms671 القبيل أيضا ولقد دخل ابن عمر ~~على عثمان وهو محصور فقال له انظر ما يقول هؤلاء يقولون اخلع نفسك أو نقتلك ~~قال له أمخلد أنت فى الدنيا قال لا قال هل يملكون لك جنة أو نارا قال لا # قال فلا تخلع قميص الله عليك فتكون سنة كلما كره قوم خليفتهم خلعوه أو ~~قتلوه ولما هم أبو جعفر المنصور أن يبني البيت على ما بناه ابن الزبير على ~~قواعد إبراهيم شاور مالكا فى ذلك فقال له مالك أنشدك الله يا أمير المؤمنين ~~أن لا تجعل هذا البيت ملعبة الملوك بعدك لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا ~~غيره فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه عن رأيه فيه لما ذكر من أنها تصير ~~سنة متبعة باجتهاد أو غيره فلا يثبت على حال ### || AUTO المسألة السابعة # المباحات من حقيقة استقرارها مباحات أن لا يسوى بينها وبين المندوبات PageV03P329 ~~ولا المكروهات فإنها إن سوى بينها وبين المندوبات بالدوام على الفعل على ~~كيفية فيها معينة أو غير ذلك توهمت مندوبات كما تقدم فى مسح الجباه بأثر ~~الرفع من السجود ومسألة عمر بن الخطاب فى غسل ثوبه من الاحتلام وترك ~~الاستبدال به وقد حكى عياض عن مالك أنه دخل على عبد الملك بن صالح أمير ~~المدينة فجلس ساعة ثم دعا بالوضوء والطعام فقال ابدءوا بأبي عبد الله # فقال مالك إن أبا عبد الله يعني نفسه لا يغسل يده فقال لم قال ليس هو ~~الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا إنما هو من رأى الأعاجم وكان عمر إذا أكل ~~مسح يده بباطن قدمه فقال له عبد الملك أترك يا أبا عبد الله قال إي والله ~~فما عاد إلى ذلك ابن صالح قال مالك ولا نأمر الرجل أن لا يغسل يده ولكن إذا ~~جعل ذلك كأنه واجب عليه فلا أميتوا سنة العجم وأحيوا سنة العرب أما سمعت ~~قول عمر تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة وإياكم وزي العجم # وهكذا إن سوى فى الترك بينها وبين المكروهات ربما توهمت مكروهات فقد كان ms672 ~~عليه الصلاة والسلام يكره الضب ويقول # لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه وأكل على مائدته فظهر حكمه وقدم إليه طعام ~~فيه ثوم لم يأكل منه قال له أبو أيوب وهو الذي بعث به إليه يا رسول الله ~~أحرام هو قال # لا ولكنى أكرهه من أجل ريحه وفى رواية أنه قال لأصحابه PageV03P330 ~~كلوا فإني لست كأحدكم إنى أخاف أن أؤذي صاحبي وروى فى الحديث أن سودة بنت ~~زمعة خشيت أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا تطلقني وأمسكني ~~واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت فلا جناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا الآية ~~فكان هذا تأديبا وبيانا بالقول والفعل لأمر ربما استقبح بمجرى العادة حتى ~~يصير كالمكروه وليس بمكروه والأدلة على هذا الفصل نحو من الأدلة على ~~استقرار المندوبات ### || AUTO المسألة الثامنة # المكروهات من حقيقة استقرارها مكروهات أن لا يسوى بينها وبين المحرمات ~~ولا بينها وبين المباحات # أما الأول فلأنها إذا أجريت ذلك المجرى توهمت محرمات وربما طال العهد ~~فيصير الترك واجبا عند من لا يعلم # ولا يقال إن في بيان ذلك ارتكابا للمكروه وهو منهي عنه # لأنا نقول البيان آكد وقد يرتكب النهي الحتم إذا كانت له مصلحة راجعة ألا ~~ترى إلى كيفية تقرير الحكم على الزاني وما جاء في الحديث من قوله عليه ~~الصلاة والسلام له # أنكتها هكذا من غير كناية مع أن ذكر PageV03P331 ~~اللفظ في غير معرض البيان مكروه أو ممنوع غير أن التصريح هنا آكد فاغتفر ~~لما يترتب عليه فكذلك هنا ألا ترى إلى إخبار عائشة عما فعلته مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في التلقاء الختانين وقوله عليه الصلاة والسلام # ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك مع أن ذكر مثل هذا في غير محل البيان منهي عنه # وقد تقدم ما جاء عن ابن عباس في ارتجازه وهو محرم بقوله إن تصدق الطير ~~ننك لميسا فمثل هذا لا حرج فيه # وأما الثاني فلأنها إذا عمل بها دائما وترك اتقاؤها توهمت مباحات فينقلب ~~حكمها عند من لا ms673 يعلم وبيان ذلك يكون بالتغيير والزجر على ما يليق به في ~~الإنكار ولا سيما المكروهات التي هي عرضة لأن تتخذ سننا وذلك المكروهات ~~المفعولة في المساجد وفي مواطن الإجتماعات الإسلامية والمحاضر الجمهورية ~~ولأجل ذلك كان مالك شديد الأخذ على من فعل في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شيئا من هذه المكروهات بل ومن المباحات كما أمر بتأديب من وضع رداءه ~~أمامه من الحر وما أشبه ذلك ### || AUTO فصل # ما تقدم من هذه المسائل يتفرع عنها قواعد فقهية وأصولية # منها أنه لا ينبغي لمن التزم عبادة من العبادات البدينة الندبية أن يواظب PageV03P332 ~~عليها مواظبة يفهم الجاهل منها الوجوب إذا كان منظورا إليه مرموقا أو مظنة ~~لذلك بل الذى ينبغي له أن يدعها في بعض الأوقات حتى يعلم أنها غير واجبة ~~لأن خاصية الواجب المكرر الالتزام والدوام عليه في أوقاته بحيث لا يتخلف ~~عنه كما أن خاصية المندوب عدم الإلتزام فإذا التزمه فهم الناظر منه نفس ~~الخاصية التي للواجب فحمله على الوجوب ثم استمر على ذلك فضل # وكذلك إذا كانت العبادة تتأتى على كيفيات يفهم من بعضها في تلك العبادة ~~ما لا يفهم منها على الكيفية الأخرى أو ضمت عبادة أو غير عبادة إلى العبادة ~~قد يفهم بسبب الاقتران ما لا يفهم دونه أو كان المباح يتأتى فعله على وجوه ~~فيثابر فيه على وجه واحد تحريا له ويترك ما سواه أو يترك بعض المباحات جملة ~~من غير سبب ظاهر بحيث يفهم عنه في الترك أنه مشروع # ولذلك لما قرأ عمر بن الخطاب السجدة على المنبر ثم سجد وسجد معه الناس ~~قرأها في كرة أخرى فلما قرب من موضعها تهيأ الناس للسجود فلم يسجدها وقال ~~إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء وسئل مالك عن التسمية عند الوضوء فقال ~~أيحب أن يذبح إنكارا لما يوهمه سؤاله من تأكيد الطلب فيها عند الوضوء # ونقل عن عمر أنه قال لا نبالي أبدأنا بأيماننا أم بأيسارنا يعني في ~~الوضوء مع أن المستحب التيامن ms674 في الشأن كله # ومثال العبادات المؤداة على كيفيات يلتزم فيها كيفية واحدة إنكار مالك ~~لعدم تحريك الرجلين في القيام للصلاة # ومثال ضم ما ليس بعبادة إلى العبادة حكاية الماوردي في مسح الوجه عند ~~القيام من السجود وحديث عمر مع عمرو لو فعلتها لكانت سنة بل أغسل ما رأيت ~~وانضح ما لم أر # ومثال فعل الجائز على وجه واحد ما نقل عن مالك أنه سئل عن المرة الواحدة PageV03P333 ~~في الوضوء قال لا الوضوء مرتان مرتان أو ثلاث ثلاث مع أنه لم يحد في ~~الوضوء ولا في الغسل إلا ما أسبغ قال اللخمي وهذا احتياط وحماية لأن العامي ~~إذا رأى من يقتدي به يتوضأ مرة مرة فعل مثل ذلك وقد لا يحسن الإسباغ بواحدة ~~فيوقعه فيما لا تجزئ الصلاة به والأمثلة كثيرة ### || AUTO وهذا كله إنما هو فيما فعل بحضرة الناس وحيث يمكن الاقتداء ~~بالفاعل وأما من فعله في نفسه وحيث لا يطلع عليه مع اعتقاده على ما هو به ~~فلا بأس كما قاله المتأخرون في صيام ست من شوال أن من فعل ذلك في نفسه ~~معتقدا وجه الصحة فلا بأس وكذا قال مالك في المرة الواحدة حيث لا أحب ذلك ~~إلا للعالم بالوضوء وما ذكره اللخمي يشعر بأنه إذا فعل الواحدة حيث لا ~~يقتدى به فلا بأس وهو جار على المذهب لأن أصل مالك فيه عدم التوقيت فأما إن ~~أحب الالتزام وأن لا يزول عنه ولا يفارقه فلا ينبغي أن يكون ذلك بمرأى من ~~الناس لأنه إن كان كذلك فربما عده العامي واجبا أو مطلوبا أو متأكد الطلب ~~بحيث لا يترك ولا يكون كذلك شرعا فلا بد في إظهاره من عدم إلتزامه في بعض ~~الأوقات ولا بد في إلتزامه من عدم إظهاره كذلك في بعض الأوقات وذلك على ~~الشرط المذكور في أول - كتاب الأدلة # ولا يقال إن هذا مضاد لما تقدم من قصد الشارع للدوام على الأعمال وقد كان ~~عليه الصلاة والسلام إذا عمل عملا أثبته PageV03P334 ~~لأنا نقول كما يطلق الدوام ms675 على مالا يفارق ألبتة كذلك يطلق على ما يكون في ~~أكثر الأحوال فإذا ترك في بعض الأوقات لم يخرج صاحبه عن أصل الدوام كما لا ~~نقول في الصحابة حين تركوا التضحية في بعض الأوقات إنهم غير مداومين عليها ~~فالدوام على الجملة لا يشترط في صحة إطلاقه عدم الترك رأسا وإنما يشترط فيه ~~الغلبة في الأوقات أو الأكثرية بحيث يطلق على صاحبه اسم الفاعل إطلاقا ~~حقيقيا في اللغة # وإنما كانت الصوفية قد التزمت في السلوك ما لا يلزمها حتى سوت بين الواجب ~~والمندوب في التزام الفعل وبين المكروهات والمحرمات في التزام الترك بل سوت ~~بين كثير من المباحات والمكروهات في الترك وكان هذا النمط ديدنها لا سيما ~~مع ترك أخذها بالرخص إذ من مذاهبها عدم التسليم للسالك فيها من حيث هو سالك ~~إلى غير ذلك من الأمور التى لا تلزم الجمهور بنوا طريقهم بينهم وبين ~~تلاميذهم على كتم أسرارهم وعدم إظهارها والخلوة بما التزموا من وظائف ~~السلوك وأحوال المجاهدة خوفا من تعريض من يراهم ولا يفهم مقاصدهم إلى ظن ما ~~ليس بواجب واجبا أو ما هو جائز غير جائز أو مطلوبا أو تعريضهم لسؤال القال ~~فيهم فلا عتب عليهم في ذلك كما لا عتب عليهم في كتم أسرار مواجدهم لأنهم ~~إلى هذا الأصل يستندون ولأجل إخلال بعضهم بهذا الأصل إما لحال غالبة أو ~~لبناء بعضهم على غير أصل صحيح انفتح عليهم باب سوء الظن من كثير من العلماء ~~وباب فهم الجهال عنهم ما لم يقصدوه # وهذا كله محظور PageV03P335 ### || AUTO المسألة التاسعة # الواجبات لا تستقر واجبات إلا إذا لم يسو بينها وبين غيرها من الأحكام ~~فلا تترك ولا يسامح في تركها ألبتة كما أن المحرمات لا تستقر كذلك إلا إذا ~~لم يسو بينها وبين غيرها من الأحكام فلا تفعل ولا يسامح في فعلها وهذا ظاهر ~~ولكنا نسير منه إلى معنى آخر وذلك أن من الواجبات ما إذا تركت لم يترتب ~~عليها حكم دنيوي وكذلك من المحرمات ما إذا فعلت لم يترتب عليها ms676 أيضا حكم في ~~الدنيا ولا كلام في مترتبات الآخرة لأن ذلك خارج عن تحكمات العباد كما أن ~~من الواجبات ما إذا تركت ومن المحرمات ما إذا فعلت ترتب عليها حكم دنيوي من ~~عقوبة أو غيرها # فما ترتب عليه حكم يخالف ما لم يترتب عليه حكم فمن حقيقة استقرار كل واحد ~~من القسمين أن لا يسوى بينه وبين الآخر لأن في تغيير أحكامها تغييرها في ~~أنفسها فكل ما يحذر في عدم البيان في الأحكام المتقدمة يحذر هنا لا فرق بين ~~ذلك والأدلة التي تقدمت هنالك يجري مثلها هنا # ويتبين هذا الموضع أيضا بأن يقال إذا وضع الشارع حدا في فعل مخالف فأقيم ~~ذلك الحد على المخالف كان الحكم الشرعي مقررا مبينا فإذا لم يقم فقد أقر ~~على غير ما أقره الشارع وغير إلى الحكم المخالف الذى لا يترتب عليه مثل ذلك ~~الحكم ووقع بيانه مخالفا فيصير المنتصب لتقرير الأحكام قد خالف قوله فعله ~~فيجري فيه ما تقدم فإذا رأى الجاهل ما جرى توهم الحكم الشرعي على خلاف ما ~~هو عليه فإذا قرر المنتصب الحكم على وجه ثم أوقع على وجه آخر حصلت الريبة ~~وكذب الفعل القول كما تقدم بيانه وكل ذلك فساد وبهذا المثال يتبين أن وارث ~~النبي يلزمه إجراء الأحكام على موضوعاتها في أنفسها وفي لواحقها وسوابقها ~~وقرائنها وسائر ما يتعلق بها شرعا حتى يكون دين الله بينا عند الخاص والعام ~~وإلا كان PageV03P336 ~~من الذين قال الله تعالى فيهم إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ~~والهدى الآية ### || AUTO المسألة العاشرة # لا يختص هذا البيان المذكور بالأحكام التكليفية بل هو لازم أيضا في ~~الأحكام الراجعة إلى خطاب الوضع فإن الأسباب والشروط والموانع والعزائم ~~والرخص وسائر الأحكام المعلومة أحكام شرعية لازم بيانها قولا وعملا فإن ~~قررت الأسباب قولا وعمل على وفقها إذا انتهضت حصل بيانها للناس وإن قررت ثم ~~لم تعمل مع انتهاضها كذب القول الفعل وكذلك الشروط إذا انتهض السبب مع ~~وجودها فأعمل أو مع فقدانها فلم يعمل وافق القول ms677 الفعل فإن عكست القضية وقع ~~الخلاف فلم ينتهض القول بيانا وهكذا الموانع وغيرها # وقد أعمل النبي صلى الله عليه وسلم مقتضى الرخصة في الإحلال من العمرة ~~والإفطار في السفر وأعمل الأسباب ورتب الأحكام حتى في نفسه حين أقص من نفسه ~~صلى الله عليه وسلم وكذلك في غيره والشواهد لا تحصى والشريعة كلها داخلة ~~تحت هذه الجملة والتنبيه كاف ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان صحيح لا إشكال في صحته لأنه لذلك ~~بعث قال تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولا خلاف فيه PageV03P337 ~~وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن لم يجمعوا عليه فهل يكون بيانهم حجة أم لا هذا ~~فيه نظر وتفصيل ولكنهم يترجح الاعتماد عليهم في البيان من وجهين # أحدهما معرفتهم باللسان العربي فإنهم عرب فصحاء لم تتغير ألسنتهم ولم ~~تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم فهم أعرف في فهم الكتاب والسنة من غيرهم ~~فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان صح اعتماده من هذه الجهة # والثاني مباشرتهم للوقائع والنوازل وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة فهم أقعد ~~في فهم القرائن الحالية وأعرف بأسباب التنزيل ويدركون ما لا يدركه غيرهم ~~بسبب ذلك والشاهد يرى ما لا يرى الغائب # فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات أو تخصيص بعض العمومات فالعمل عليه ~~صواب وهذا إن لم ينقل عن أحد منهم خلاف في المسألة فإن خالف بعضهم فالمسألة ~~اجتهادية # مثاله قوله عليه الصلاة والسلام # لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر فهذا التعجيل يحتمل أن يقصد به إيقاعه ~~قبل الصلاة ويحتمل أن لا فكان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان يصليان المغرب ~~قبل أن يفطرا ثم يفطران بعد الصلاة PageV03P338 ~~بيانا أن هذا التعجيل لا يلزم أن يكون قبل الصلاة بل إذا كان بعد الصلاة ~~فهو تعجيل أيضا وأن التأخير الذى يفعله أهل المشرق شيء آخر داخل في التعمق ~~المنهى عنه وكذلك ذكر عن اليهود أنهم يؤخرون الإفطار فندب المسلمون إلى ~~التعجيل # وكذلك لما قال عليه الصلاة ms678 والسلام # لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه احتمل أن تكون الرؤية ~~مقيدة بالأكثر وهو أن يرى بعد غروب الشمس فبين عثمان أن ذلك غير لازم فرأى ~~الهلال في خلافته قبل الغروب فلم يفطر حتى أمسى وغابت الشمس وتأمل فعادة ~~مالك ابن أنس في موطئه وغيره الإتيان بالآثار عن الصحابة مبينا بها السنن ~~وما يعمل به منها وما لا يعمل به وما يقيد به مطلقاتها وهو دأبه ومذهبه لما ~~تقدم ذكره ومما بين كلامهم اللغة أيضا كما نقل مالك في دلوك الشمس وغسق ~~الليل كلام ابن عمر وابن عباس وفي معنى السعي عن عمر بن الخطاب أعني قوله ~~تعالى فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع وفي معنى الإخوة أن السنة قضت أن ~~الإخوة اثنان فصاعدا كما تبين بكلامهم معاني الكتاب والسنة PageV03P339 ~~لا يقال إن هذا المذهب راجع إلى تقليد الصحابي وقد عرفت ما فيه من النزاع ~~والخلاف # لأنا نقول نعم هو تقليد ولكنه راجع إلى ما لا يمكن الاجتهاد فيه على وجه ~~إلا لهم كما تقدم من أنهم عرب وفرق بين من هو عربي الأصل والنحلة وبين من ~~تعرب غلب التطبع شيمة المطبوع وأنهم شاهدوا من أسباب التكاليف وقرائن ~~أحوالها ما لم يشاهد من بعدهم ونقل قرائن الأحوال على ما هي عليه كالمتعذر ~~فلا بد من القول بأن فهمهم في الشريعة أتم وأحرى بالتقديم فإذا جاء في ~~القرآن أو في السنة من بيانهم ما هو موضوع موضع التفسير بحيث لو فرضنا عدمه ~~لم يمكن تنزيل النص عليه على وجهه انحتم الحكم بإعمال ذلك البيان لما ذكر ~~ولما جاء في السنة من اتباعهم والجريان على سننهم كما جاء في قوله عليه ~~الصلاة والسلام # عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وتمسكوا بها وعضوا ~~عليها بالنواجذ وغير ذلك من الأحاديث فإنها عاضدة لهذا المعنى في الجملة PageV03P340 ~~أما إذا علم أن الموضع موضع اجتهاد لا يفتقر إلى ذينك الأمرين فهم ومن ~~سواهم فيه شرع سواء كمسألة العول والضوء من النوم ms679 وكثير من مسائل الربا ~~التى قال فيها عمر ابن الخطاب مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين ~~لنا آية الربا فدعوا الربا والريبة أو كما قال فمثل هذه المسائل موضع ~~اجتهاد للجميع لا يختص به الصحابة دون غيرهم من المجتهدين وفيه خلاف بين ~~العلماء أيضا فإن منهم من يجعل قول الصحابي ورأيه حجة يرجع إليها ويعمل ~~عليها من غير نظر كالأحاديث والاجتهادات النبوية وهو مذكور في كتب الأصول ~~فلا يحتاج إلى ذكرها ههنا ### || AUTO المسألة الثانية عشرة # الإجمال إما متعلق بما لا ينبني عليه تكليف وإما غير واقع في الشريعة # وبيان ذلك من أوجه # أحدها النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي الآية وقوله هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين وقوله وأنزلنا ~~إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون وقوله تعالى هدى ~~للمتقين هدى ورحمة للمحسنين وإنما كان هدى لأنه مبين والمجمل لا يقع به ~~بيان وكل ما في هذا المعنى من PageV03P341 ~~ويدل على أنهما بيان لكل مشكل وملجأ من كل معضل وفي الحديث # ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به ولا تركت شيئا مما ~~نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه وهذا المعنى كثير فإن كان في القرآن شيء ~~مجمل فقد بينته السنة كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وركوعها وسجودها ~~وسائر أحكامها وللزكاة ومقاديرها وأوقاتها وما تخرج منه من الأموال وللحج إذ قال # خذوا عني مناسككم وما أشبه ذلك ثم بين عليه الصلاة والسلام ما وراء ذلك ~~مما لم ينص عليه في القرآن والجميع بيان منه عليه الصلاة والسلام # فإذا ثبت هذا فإن وجد في الشريعة مجمل أو مبهم المعنى أو ما لا يفهم فلا ~~يصح أن يكلف بمقتضاه لأنه تكليف بالمحال وطلب ما لا ينال وإنما يظهر هذا ~~الإجمال في المتشابه الذي قال الله تعالى فيه وأخر متشابهات PageV03P342 ~~ولما بين الله تعالى أن في القرآن متشابها بين أيضا أنه ليس فيه تكليف إلا ~~الإيمان ms680 به على المعنى المراد منه لا على ما يفهم المكلف منه فقد قال الله ~~تعالى فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إلى قوله كل من عند ~~ربنا والناس في المتشابه المراد ههنا على مذهبين فمن قال إن الراسخين ~~يعلمونه فليس بمتشابه عليهم وإن تشابه على غيرهم كسائر المبينات المشتبهة ~~على غير العرب أو على غير العلماء من الناس ومن قال إنهم لا يعلمونه وإن ~~الوقف على قوله ألا الله فالتكليف بما يراد به مرفوع باتفاق فلا يتصور أن ~~يكون ثم مجمل لا يفهم معناه ثم يكلف به وهكذا إذا قلنا إن الراسخين هم ~~المختصون بعلمه دون غيرهم فذلك الغير ليسوا بمكلفين بمقتضاه ما دام مشتبها ~~عليهم حتى يتبين باجتهاد أو تقليد وعند ذلك يرتفع تشابهه فيصير كسائر ~~المبينات # فإن قيل قد أثبت القرآن متشابها في القرآن وبينت السنة أن في الشريعة ~~متشبهات بقوله # الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات وهذه المشتبهات متقاة ~~بأفعال العباد لقوم فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه فهي إذا مجملات ~~وقد انبنى عليها التكليف كما أن قوله تعالى وأخر متشابهات قد انبنى عليها ~~التكليف وذلك قوله والراسخون فى العلم يقولون PageV03P343 ~~آمنا به كل من عند ربنا فكيف يقال إن الإجمال والتشابه لا يتعلقان بما ~~ينبني عليه تكليف # فالجواب أن الحديث في المتشابهات ليس مما نحن بصدده وإنما كلامنا في ~~التشابه الواقع في خطاب الشارع وتشابه الحديث في مناط الحكم وهو راجع إلى ~~نظر المجتهد حسبما مر في فصل التشابه وإن سلم فالمراد أن لا يتعلق تكليف ~~بمعناه المراد عند الله تعالى وقد يتعلق به التكليف من حيث هو مجمل وذلك ~~بأن يؤمن أنه من عند الله وبأن يجتنب فعله إن كان من أفعال العباد ولذلك ~~قال فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ويجتنب النظر فيه إن كان من غير ~~أفعال العباد كقوله الرحمن على العرش استوى وفي الحديث # ينزل ربنا إلى سماء الدنيا وأشباه ذلك هذا معنى أنه لا يتعلق به تكليف ms681 ~~وإلا فالتكليف متعلق بكل موجود من حيث يعتقد على ما هو عليه أو يتصرف فيه ~~إن صح تصرف العباد فيه إلى غير ذلك من وجوه النظر # الوجه الثاني أن المقصود الشرعي من الخطاب الوارد على المكلفين تفهيم ما ~~لهم وما عليهم مما هو مصلحة لهم في دنياهم وأخراهم وهذا يستلزم كونه بينا ~~واضحا لا إجمال فيه ولا اشتباه ولو كان فيه بحسب هذا القصد أشتباه وإجمال ~~لناقض أصل مقصود الخطاب فلم تقع فائدة وذلك ممتنع من جهة رعي المصالح تفضلا ~~أو انحتاما أو عدم رعيها إذ لا يعقل خطاب مقصود من غير تفهيم مقصود # والثالث أنهم اتفقوا على امتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة إلا عند من ~~يجوز تكليف المحال وقد مر بيان امتناع تكليف المحال سمعا فبقي الاعتراف PageV03P344 ~~بامتناع تأخير البيان عن وقته وإذا ثبت ذلك فمسألتنا من قبيل هذا المعنى ~~لأن خطاب التكليف في وروده مجملا غير مفسر إما أن يقصد التكليف به مع عدم ~~بيانه أولا فإن لم يقصد فذلك ما أردنا وإن قصد رجع إلى تكليف مالا يطاق ~~وجرت دلائل الأصوليين هنا في المسألة وعلى هذين الوجهين أعني الثاني ~~والثالث إن جاء في القرآن مجمل فلا بد من خروج معناه عن تعلق التكليف به ~~وكذلك ما جاء منه في الحديث النبوي وهو المطلوب ### || AUTO الطرف الثاني # في الأدلة على التفصيل # وهي الكتاب والسنة والإجماع والرأي # ولما كان الكتاب والسنة هما الأصل لما سواهما اقتصرنا على النظر فيهما ~~وأيضا فإن في أثناء الكتاب كثيرا مما يفتقر إليه الناظر في غيرهما مع أن ~~الأصوليين تكفلوا بما عداهما كما تكفلوا بهما فرأينا السكوت عن الكلام في ~~الإجماع والرأي والاقتصار على الكتاب والسنة والله المستعان # فالأول أصلها وهو الكتاب وفيه مسائل PageV03P345 ### || AUTO المسألة الأولى # إن الكتاب قد تقرر أن كلية الشريعة وعمدة الملة وينبوع الحكمة وآية ~~الرسالة ونور الأبصار والبصائر وأنه لا طريق إلى الله سواه ولا نجاة بغيره ~~ولا تمسك بشيء يخالفه وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال ms682 عليه لأنه ~~معلوم من دين الأمة وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات ~~الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره وأنيسه وأن ~~يجعله جليسه على مر الأيام والليالي نظرا وعملا لا اقتصارا على أحدهما ~~فيوشك أن يفوز بالبغية وأن يظفر بالطلبة ويجد نفسه من السابقين وفي الرعيل ~~الأول فإن كان قادرا على ذلك ولا يقدر عليه إلا من زوال ما يعينه على ذلك ~~من السنة المبينة للكتاب وإلا فكلام الأئمة السابقين والسلف المتقدمين آخذ ~~بيده في هذا المقصد الشريف والمرتبة المنيفة ### || AUTO وأيضا فمن حيث كان القرآن معجزا أفحم الفصحاء وأعجز البلغاء ~~أن يأتوا بمثله فذلك لا يخرجه عن كونه عربيا جاريا على أساليب كلام العرب ~~ميسرا للفهم فيه عن الله ما أمر به ونهى لكن بشرط الدربة في اللسان العربي ~~كما تبين في - كتاب الاجتهاد إذ لو خرج بالإعجاز عن إدراك العقول معانيه ~~لكان خطابهم به من تكليف ما لا يطاق وذلك مرفوع عن الأمة وهذا من جملة ~~الوجوه الإعجازية فيه إذ من العجب إيراد كلام من جنس كلام البشر في اللسان ~~والمعاني والأساليب مفهوم معقول ثم لا يقدر البشر على الإتيان بسورة مثله ~~ولو اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيرا فهم أقدر ما كانوا على معارضة الأمثال ~~أعجز ما كانوا عن معارضته وقد قال الله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل ~~من مدكر وقال فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر PageV03P346 ~~مبين وعلى أي وجه فرض إعجازه فذلك غير مانع من الوصول إلى فهمه وتعقل ~~معانيه كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب فهذا ~~يستلزم إمكان الوصول إلى التدبر والتفهم وكذلك ما كان مثله وهو ظاهر ### || AUTO المسألة الثانية # معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن والدليل على ذلك أمران # أحدهما أن علم المعاني والبيان الذى يعرف به إعجاز نظم القرآن فضلا عن ~~معرفة مقاصد كلام العرب إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب ~~من جهة نفس الخطاب أو ms683 المخاطب أو المخاطب أو الجميع إذ الكلام الواحد يختلف ~~فهمه بحسب حالين وبحسب مخاطبين وبحسب غير ذلك كالاستفهام لفظه واحد ويدخله ~~معان أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد ~~والتعجيز وأشباهها ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة وعمدتها ~~مقتضيات الأحوال وليس كل حال ينقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول ~~وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة أو فهم شيء منه ~~ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط فهي من المهمات في فهم الكتاب ~~بلا بد ومعنى معرفة السبب هو معنى معرفة مقتضى الحال وينشأ عن هذا الوجه # الوجه الثاني وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات ~~ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف وذلك مظنة وقوع النزاع PageV03P347 ~~ويوضح هذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيمي قال خلا عمر ذات يوم ~~فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة فقال ابن ~~عباس يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيم نزل وإنه ~~سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيم نزل فيكون لهم فيه رأي فإذا ~~كان لهم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا قال فزجره عمر وانتهره ~~فانصرف ابن عباس ونظر عمر فيما قال فعرفه فأرسل إليه فقال أعد علي ما قلت ~~فأعاده عليه فعرف عمر قوله وأعجبه وما قاله صحيح في الاعتبار ويتبين بما هو أقرب # فقد روى ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعا كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية ~~قال يراهم شرار خلق الله أنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها ~~على المؤمنين فهذا معنى الرأي الذى نبه ابن عباس عليه وهو الناشئ عن الجهل ~~بالمعنى الذى نزل فيه القرآن # وروى أن مروان أرسل بوابه إلى ابن عباس وقال قل له لئن كان كل امرئ فرح ~~بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس ما ~~لكم ولهذه ms684 الآية إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء ~~فكتموه إياه وأخبروه بغيره فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما ~~سألهم وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ثم قرأ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا ~~الكتاب إلى قوله ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فهذا السبب بين أن المقصود ~~من الآية غير ما ظهر لمروان # والقنوت يحتمل وجوها من المعنى يحمل عليه قوله وقوموا لله قانتين فإذا ~~عرف السبب تعين المعنى المراد PageV03P348 ~~الخ فقال عمر إنك أخطأت التأويل يا قدامة إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم ~~الله وفي رواية فقال لم تجلدني بيني وبينك كتاب الله فقال عمر وأي كتاب ~~الله تجد أن لا أجلدك قال إن الله يقول في كتابه ليس على الذين آمنوا إلى ~~آخر الآية فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا ~~وأحسنوا شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحد والخندق والمشاهد # فقال عمر ألا تردون عليه قوله فقال ابن عباس إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرا ~~لماضين وحجة على الباقين فعذر الماضين بأنهم لقوا الله قبل أن تحرم عليهم ~~الخمر وحجة على الباقين لأن الله يقول يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر ثم قرأ إلى آخر الآية الأخرى فإن كان من الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا فإن الله قد نهى أن يشرب الخمر ~~قال عمر صدقت الحديث # وحكى إسماعيل القاضي قال # شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان فقالوا هي لنا حلال ~~وتأولوا هذه الآية ليس على الذين آمنوا الآية قال فكتب فيهم إلى عمر قال ~~فكتب عمر إليه أن ابعث بهم إلي قبل أن يفسدوا من قبلك فلما أن قدموا على ~~عمر استشار فيهم الناس فقالوا يا أمير المؤمنين نرى أنهم قد كذبوا على الله ~~وشرعوا فى دينه ما لم يأذن به إلى آخر الحديث ففي الحديثين بيان أن الغفلة ~~عن أسباب التنزيل تؤدي إلى ms685 الخروج عن المقصود بالآيات # وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال تركت فى المسجد رجلا يفسر القرآن برأيه يفسر ~~هذه الآية يوم تأتى السماء بدخان مبين قال يأتي الناس PageV03P349 ~~يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفسهم حتى يأخذهم كهيئة الزكام فقال ابن مسعود ~~من علم علما فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من فقه الرجل أن ~~يقول لما لا علم له به الله أعلم إنما كان هذا الأن قريشا استعصوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسنى يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى ~~أكلوا العظام فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من ~~الجهد فأنزل الله فارتقب يوم تأتى السماء بدخان الآية إلى آخر القصة # وهذا شأن أسباب النزول فى التعريف بمعاني المنزل بحيث لو فقد ذكر السبب ~~لم يعرف من المنزل معناه على الخصوص دون تطرق الاحتمالات وتوجه الإشكالات ~~وقد قال عليه الصلاة والسلام # خذوا القرآن من أربعة منهم عبد الله ابن مسعود وقد قال فى خطبة خطبها ~~والله لقد علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إني من أعلمهم بكتاب الله ~~وقال في حديث آخر والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا ~~أعلم أين أنزلت ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت ولو ~~أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه # وهذا يشير إلى أن علم الأسباب من العلوم التى يكون العالم بها عالما ~~بالقرآن وعن الحسن أنه قال ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت ~~وما أراد بها وهو نص في الموضع مشير إلى التحريض على تعلم علم الأسباب وعن ~~ابن سيرين قال سألت عبيدة عن شيء من القرآن فقال اتق الله وعليك بالسداد ~~فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن وعلى الجملة فهو ظاهر بالمزاولة لعلم ~~التفسير PageV03P350 ### || AUTO فصل ### || AUTO ومن ذلك معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجارى ~~أحوالها حالة التنزيل وإن لم يكن ثم ms686 سبب خاص لا بد لمن أراد الخوض فى علم ~~القرآن منه وإلا وقع في الشبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه ~~المعرفة ويكفيك ما تقدم بيانه فى النوع الثاني من - كتاب المقاصد فإن فيه ~~ما يثلج الصدر ويورث اليقين فى هذا المقام ولا بد من ذكر أمثلة تعين على ~~فهم المراد وإن كان مفهوما # أحدها قول الله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله فإنما أمر بالإتمام دون ~~الأمر بأصل الحج لأنهم كانوا قبل الإسلام آخذين به لكن على تغيير بعض ~~الشعائر ونقص جملة منها كالوقوف بعرفة وأشباه ذلك مما غيروا فجاء الأمر ~~بالإتمام لذلك وإنما جاء إيجاب الحج نصا في قوله تعالى ولله على الناس حج ~~البيت وإذا عرف هذا تبين هل في الآية دليل على إيجاب الحج أو إيجاب العمرة أم لا # والثاني قوله تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا نقل عن أبي يوسف ~~أن ذلك فى الشرك لأنهم كانوا حديثي عهد بكفر فيريد أحدهم التوحيد فيهم ~~فيخطئ بالكفر فعفا لهم عن ذلك كما عفا لهم عن النطق بالكفر عند الإكراه قال ~~فهذا على الشرك ليس على الإيمان في الطلاق والعتاق والبيع والشراء لم تكن ~~الإيمان بالطلاق والعتاق فى زمانهم # والثالث قوله تعالى يخافون ربهم من فوقهم أأمنتم من في السماء وأشباه ذلك ~~إنما جرى على معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض وإن كانوا مقرين بآلهية ~~الواحد الحق فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه تنبيها على نفي ما ادعوه فى ~~الأرض فلا يكون فيه دليل على إثبات جهة ألبتة ولذلك قال تعالى فخر عليهم ~~السقف من فوقهم فتأمله واجر على هذا المجرى فى سائر PageV03P351 ~~العرب عبدته وهم خزاعة ابتدع ذلك لهم أبو كبشة ولم تعبد العرب من الكواكب ~~غيرها فلذلك عينت ### || AUTO فصل # وقد يشارك القرآن فى هذا المعنى السنة إذ كثير من الأحاديث وقعت على ~~أسباب ولا يحصل فهمها إلا بمعرفة ذلك ومنه أنه نهى عليه الصلاة والسلام عن ~~ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث فلما كان بعد ms687 ذلك قيل لقد كان الناس ينتفعون ~~بضحاياهم ويحملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية فقال وما ذلك قالوا نهيت ~~عن لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال عليه الصلاة والسلام # إنما نهيتكم من أجل الدافة التى دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا ومنه ~~حديث التهديد بإحراق البيوت لمن تخلف عن صلاة الجماعة فإن حديث ابن مسعود ~~يبين أنه بأهل النفاق بقوله # ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق وحديث # الأعمال بالنيات واقع عن سبب وهو أنهم لما أمروا بالهجرة هاجر ناس للأمر ~~وكان فيهم رجل هاجر بسبب امرأة أراد نكاحها تسمى أم قيس ولم يقصد مجرد ~~الهجرة للأمر فكان بعد ذلك يسمى مهاجر أم قيس وهو كثير PageV03P352 ### || AUTO المسألة الثالثة # كل حكاية وقعت فى القرآن فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها وهو الأكثر رد ~~لها أولا فإن وقع رد فلا إشكال في بطلان ذلك المحكى وكذبه وإن لم يقع معها ~~رد فذلك دليل صحة المحكى وصدقه # أما الأول فظاهر ولا يحتاج إلى برهان ومن أمثلة ذلك قوله تعالى إذ قالوا ~~ما أنزل الله على بشر من شيء فأعقب بقوله قل من أنزل الكتاب الذي جاء به ~~موسى الآية وقال وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا الآية فوقع ~~التنكيت على افتراء ما زعموا بقوله بزعمهم وبقوله ساء ما يحكمون ثم قال ~~وقالوا هذه أنعام وحرث حجر إلى تمامه ورد بقوله سيجزيهم بما كانوا يفترون ~~ثم قال وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة الآية فنبه على فساده بقوله ~~سيجزيهم وصفهم زيادة على ذلك # وقال تعالى وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم ~~آخرون فرد عليهم بقوله وقد جاءوا ظلما وزورا ثم قال وقالوا أساطير الأولين ~~الآية فرد بقوله قل أنزله الذى يعلم السر الآية ثم قال وقال الظالمون إن ~~تتبعون إلا رجلا مسحورا ثم قال تعالى انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا وقال ~~تعالى وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إلى قوله أأنزل ms688 ~~عليه الذكر من بيننا ثم رد عليهم بقوله بل هم في شك من ذكري إلى آخر ما ~~هنالك وقال وقالوا اتخذ الله ولدا ثم رد عليهم بأوجه كثيرة ثبتت في أثناء ~~القرآن كقوله بل عباد مكرمون وقوله PageV03P353 ~~بل له ما فى السموات والأرض وقوله سبحانه هو الغني الآية وقوله تكاد ~~السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض إلى آخره وأشباه ذلك ومن قرأ القرآن وأحضره ~~في ذهنه عرف هذا بيسر # وأما الثاني فظاهر أيضا ولكن الدليل على صحته من نفس الحكاية وإقرارها ~~فإن القرآن سمي فرقانا وهدى وبرهانا وبيانا وتبيانا لكل شيء وهو حجة الله ~~على الخلق على الجملة والتفصيل والإطلاق والعموم وهذا المعنى يأبى أن يحكى ~~فيه ما ليس بحق ثم لاينبه عليه وأيضا فإن جميع ما يحكى فيه من شرائع ~~الأولين وأحكامهم ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه فهو حق يجعل عمدة عند ~~طائفة فى شريعتنا ويمنعه قوم لا من جهة قدح فيه ولكن من جهة أمر خارج عن ~~ذلك فقد اتفقوا على أنه حق وصدق كشريعتنا ولا يفترق ما بينهما إلا بحكم ~~النسخ فقط ولو نبه على أمر فيه لكان فى حكم التنبيه على الأول كقوله تعالى ~~وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه الآية ~~وقوله يحرفون الكلم عن مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه الآية وكذلك قوله ~~تعالى من الذين هادوا يحرفون الكلم من بعد مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا ~~واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين فصار هذا من النمط ~~الأول ومن أمثلة هذا القسم جميع ما حكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما ~~كان حقا كحكايته عن الأنبياء والأولياء ومنه قصة ذي القرنين وقصة الخضر مع ~~موسى عليه السلام وقصة أصحاب الكهف وأشباه ذلك PageV03P354 ### || AUTO فصل # ولاطراد هذا الأصل اعتمده النظار فقد استدل جماعة من الأصوليين على أن ~~الكفار مخاطبون بالفروع بقوله تعالى قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم ~~المسكين الآية إذ لو كان قولهم باطلا لرد ms689 عند حكايته واستدل على أن أصحاب ~~الكهف سبعة وثامنهم كلبهم بأن الله تعالى لما حكى من قولهم أنهم ثلاثة ~~رابعهم كلبهم وأنهم خمسة سادسهم كلبهم أعقب ذلك بقوله رجما بالغيب أي ليس ~~لهم دليل ولا علم غير اتباع الظن ورجم الظنون لا يغني من الحق شيئا ولما ~~حكى قولهم سبعة وثامنهم كلبهم لم يتبعه بإبطال بل قال قل ربي أعلم بعدتهم ~~ما يعلمهم إلا قليل دل المساق على صحته دون القولين الأولين # وروى عن ابن عباس أنه كان يقول أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم # ورأيت منقولا عن سهل بن عبد الله أنه سئل عن قوله إبراهيم عليه السلام ~~ربي أرني كيف تحيي الموتى فقيل له أكان شاكا حين سأل ربه أن يريه آية فقال ~~لا وإنما كان طلب زيادة إيمان إلى إيمان ألا تراه قال أولم تؤمن قال بلى ~~فلو عمل شكا منه لأظهر ذلك فصح أن الطمأنينة كانت على معنى الزيادة فى ~~الإيمان بخلاف ما حكى الله عن قوم من الأعراب فى قوله قالت الأعراب آمنا ~~فإن الله تعالى رد عليهم بقوله قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان فى قلوبكم # ومن تتبع مجاري الحكايات في القرآن عرف مداخلها وما هو منها حق مما هو باطل # فقد قال تعالى إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله إلى آخرها PageV03P355 ~~إنك لرسوله تصحيحا لظاهر القول وقال والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ~~إبطالا لما قصدوا فيه # وقال تعالى وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة الآية ~~وسبب نزولها ما خرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس قال مر يهودي بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال له النبي حدثنا يا يهودي فقال كيف تقول يا أبا القاسم ~~إذا وضع الله السموات على ذه والأرضين على ذه والماء على ذه والجبال على ذه ~~وسائر الخلق على ذه وأشار الراوى بخنصره أولا ثم تابع حتى بلغ الإبهام ~~فأنزل الله وما قدروا الله حق قدره وفي رواية أخرى جاء يهودي ms690 إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال يا محمد إن الله يمسك السموات على أصبع والأرضين على ~~أصبع والجبال على أصبع والخلائق على أصبع ثم يقول أنا الملك فضحك النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه قال وما قدروا الله حق قدره وفي رواية فضحك ~~النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا والحديث الأول كأنه مفسر لهذا ~~وبمعناه يتبن معنى قوله وما قدروا الله حق قدره فإن الآية بينت أن كلام ~~اليهودي حق فى الجلمة وذلك قوله والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات ~~مطويات بيمينه وأشارت إلى أنه لم يتأدب مع الربوبية وذلك والله أعلم لأنه ~~أشار إلى معنى الأصابع بأصابع نفسه وذلك مخالف للتنزيه للباري سبحانه فقال ~~وما قدروا الله حق قدره # وقال تعالى ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن أي يسمع PageV03P356 ~~وقال تعالى ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن أي يسمع الحق والباطل ~~فرد الله عليهم فيما هو باطل وأحق الحق فقال قل اذن خير لكم الآية ولما ~~قصدوا الإذاية بذلك الكلام قال تعالى والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم # وقال تعالى وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين ~~آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه فهذا منهم امتناع عن الإنفاق بحجة قصدهم ~~فيها الاستهزاء فرد عليهم بقوله إن أنتم إلا في ضلال مبين لأن ذلك حيد عن ~~امتثال الأمر وجواب أنفقوا أن يقال نعم أو لا وهو الامتثال أو العصيان فلما ~~رجعوا إلى الاحتجاج على الامتناع بالمشيئة المطلقة التي لا تعارض انقلب ~~عليهم من حيث لم يعرفوا إذ حاصلة أنهم اعترضوا على المشيئة المطلقة ~~بالمشيئة المطلقة لأن الله شاء أن يكلفهم الإنفاق فكأنهم قالوا كيف يشاء ~~الطلب منا ولو شاء أن يطعمهم لأطعمهم وهذا عين الضلال فى نفس الحجة # وقال تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث إلى قوله وكلا آتينا حكما ~~وعلما فقوله ففهمناها سليمان تقرير لإصابته عليه السلام فى ذلك الحكم ~~وإيماء إلى خلاف ذلك في داود ms691 عليه السلام لكن لما كان PageV03P357 ~~المجتهد معذورا مأجورا بعد بذله الوسع قال وكلا آتينا حكما وعلما وهذا من ~~البيان الخفي فيما نحن فيه قال الحسن والله لولا ما ذكر الله من أمر هذين ~~الرجلين لرأيت أن القضاء قد هلكوا فإنه أثنى على هذا بعلمه وعذر هذا ~~باجتهاده والنمط هنا يتسع ويكفي منه ما ذكر وبالله التوفيق # فصل # وللسنة مدخل فى هذا الأصل فإن القاعدة المحصلة أن النبي عليه الصلاة ~~والسلام لا يسكت عما يسمعه أو يراه من الباطل حتى يغيره أو يبينه إلا إذا ~~تقرر عندهم بطلانه فعند ذلك يمكن السكوت إحالة على ما تقدم من البيان فيه ~~والمسألة مذكورة فى الأصول ### || AUTO المسألة الرابعة # إذا ورد فى القرآن الترغيب قارنه الترهيب فى لواحقه أو سوابقه أو قرائنه ~~وبالعكس وكذلك الترجيه مع التخويف وما يرجع إلى هذا المعنى مثله ومنه ذكر ~~أهل الجنة يقارنه ذكر أهل النار وبالعكس لأن في ذكر أهل الجنة بأعمالهم ~~ترجيه وفى ذكر أهل النار بأعمالهم تخويفا فهو راجع إلى الترجية والتخويف PageV03P358 ~~أنعمت عليهم إلى آخرها فجيء بذكر الفريقين ثم بدئت سورة البقرة بذكرها ~~أيضا فقيل هدى للمتقين ثم قال إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم ثم ذكر بإثرهم المنافقون وهو صنف من الكفار فلما تم ذلك أعقب بالأمر ~~بالتقوى ثم بالتخويف بالنار وبعده بالترجية فقال فإن لم تفعلوا ولن تعفعلوا ~~فاتقوا النار إلى قوله وبشر الذين آمنوا الآية ثم قال إن الله لا يستحي أن ~~يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا الآية ثم ذكر في قصة آدم ~~مثل هذا ولما ذكر بنو إسرائيل بنعم الله عليهم ثم اعتدائهم وكفرهم قيل إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا إلى قوله هم فيها خالدون ثم ذكر تفاصيل ذلك ~~الإعتداء إلى أن ختم بقوله ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون وهذا ~~تخويف ثم قال ولو أنهم آمنوا واتقو المثوبة الآية وهو ترجية ثم شرع في ذكر ~~ما كان من شأن المخالفين في ms692 تحويل القبلة ثم قال بلى من أسلم وجهه لله ~~الآية ثم ذكر من شأنهم الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون ~~به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون ثم ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وبنيه ~~وذكر فى أثنائها التخويف والترجية وختمها بمثل ذلك ولا يطول عليك زمان ~~إنجاز الوعد فى هذا الإقتران فقد يكون بينهما أشياء معترضة فى أثناء ~~المقصود والرجوع بعد إلى ما تقرر # وقال تعالى فى سورة الأنعام وهي في المكيات نظير سورة البقرة في المدنيات ~~الحمد لله الذى خلق السموات والأرض إلى قوله ثم الذين كفروا PageV03P359 ~~بربهم يعدلون وذكر البراهين التامة ثم أعقبها بكفرهم وتخويفهم بسببه إلى ~~أن قال كتب ربكم على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ~~فأقسم بكتب الرحمة على إنفاذ الوعيد على من خالف وذلك يعطى التخويف تصريحا ~~والترجية ضمنا ثم قال إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم فهذا تخويف وقال ~~من يصرف عنه يؤمئذ فقد رحمه الآية وهذا ترجية وكذا قوله وإن يمسسك الله بضر ~~الآية ثم مضى فى ذكر التخويف حتى قال وللدار الآخرة خير للذين يتقون ثم قال ~~إنما يستجيب الذين يسمعون ونظيره قوله والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم فى ~~الظلمات الآية ثم ذكر ما يليق بالموطن إلى أن قال وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح الآية واجر في النظر على هذا الترتيب يلح لك ~~وجه الأصل المنبه عليه ولولا الإطالة لبسط من ذلك كثير ### || AUTO فصل # وقد يغلب أحد الطرفين بحسب المواطن ومقتضيات الأحوال # فيرد التخويف ويتسع مجاله لكنه لا يخلو من الترجية كما في سورة الأنعام ~~فإنها جاءت مقررة للخلق ومنكرة على من كفر بالله واخترع من تلقاء نفسه ما ~~لا سلطان له عليه وصد عن سبيله وأنكر ما لا ينكر ولد فيه وخاصم PageV03P360 ~~وهذا المعنى يقتضى تأكيد التخويف وإطالة التأنيب والتعنيف فكثرت مقدماته ~~ولواحقه ولم يخل مع ذلك من طرف الترجية لأنهم بذلك مدعوون إلى الحق وقد ~~تقدم الدعاء ms693 وإنما هو مزيد تكرار إعذارا وانذارا ومواطن الاغترار يطلب فيها ~~التخويف أكثر من طلب الترجية لأن درء المفاسد آكد # وترد الترجية أيضا ويتسع مجالها وذلك في مواطن القنوط ومظنته كما في قوله ~~تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا الآية فإن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا ~~وزنوا وأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الذي تقول وتدعوا ~~إليه لحسن لو تخبرنا ألنا لما عملنا كفارة فنزلت فهذا موطن خوف يخاف منه ~~القنوط فجيء فيه بالترجية غالبة ومثل ذلك الآية الأخرى وأقم الصلاة طرفى ~~النهار وزلفامن الليل إن الحسنات يذهبن السيئات وانظر في سببها في الترمذي ~~والنسائي وغيرهما ### || AUTO ولما كان جانب الإخلال من العباد أغلب كان جانب التخويف أغلب ~~وذلك في مظانه الخاصة لا على الإطلاق فإنه إذا لم يكن هنالك مظنة هذا ولا ~~هذا أتى الأمر معتدلا وقد مر لهذاالمعنى بسط في - كتاب المقاصد والحمد لله # فإن قيل هذا لا يطرد فقد ينفرد أحد الأمرين فلا يؤتى معه بالآخر فيأتي ~~التخويف من غير ترجية وبالعكس PageV03P361 ~~ألا ترى قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة إلى آخرها فإنها كلها تخويف وقوله ~~كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إلى آخر السورة وقوله ألم تر كيف فعل ~~ربك بأصحاب الفيل إلى آخر السورة ومن الآيات قوله إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله إلى قوله فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا # وفي الطرف الآخر قوله تعالى والضحى والليل إذا سجى إلى آخرها وقوله تعالى ~~ألم نشرح لك صدرك إلى آخرهاومن الآيات قوله تعالى ولا يأتل أولو الفضل منكم ~~والسعة أن يؤتوا أولى القربى الآية وروى أبو عبيد عن ابن عباس أنه التقى هو ~~وعبد الله بن عمرو فقال ابن عباس أي آية أرجي في كتاب الله فقال عبد الله ~~قوله قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الآية ~~فقال ابن عباس لكن قول الله ms694 وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيى الموتى قال ~~أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى قال ابن عباس فرضى منه بقوله بلى قال ~~فهذا لما يعترض في الصدور مما يوسوس به الشيطان وعن ابن مسعود قال في ~~القرآن آيتان ما قرأهما عبد مسلم عند ذنب إلا غفر الله له وفسر ذلك أبي بن ~~كعب بقوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله إلى ~~آخر الآية وقوله ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا ~~رحيما وعن ابن مسعود أن في النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما ~~فيها ولقد علمت أن العلماء إذا مروا بها ما يعرفونها قوله إن تجتنبوا كبائر ~~ما تنهون عنه الآية PageV03P362 ~~وقوله إن الله لا يظلم مثقال ذرة الآية وقوله إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~الآية وقوله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك الآية وقوله ومن يعمل سواءا أو ~~يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما وأشياء من هذا القبيل كثيرة ~~إذا تتبعت وجدت فالقاعدة لا تطرد وإنما الذى يقال أن كل موطن له ما يناسبه ~~ولكل مقام مقال وهو الذي يطرد فى علم البيان أما هذا التخصيص فلا # فالجواب أن ما اعترض به غير صاد عن سبيل ما تقدم وعنه جوابان إجمالي ~~وتفصيلي # فالإجمايى أن يقال إن الأمر العام والقانون الشائع هو ما تقدم فلا تنقضه ~~الأفراد الجزئية الأقلية لأن الكلية إذا كانت أكثرية فى الوضعيات انعقدت ~~كلية واعتمدت فى الحكم بها وعليها شأن الأمور العادية الجارية فى الوجود ~~ولا شك أن ما اعترض به من ذلك قليل يدل على الاستقراء فليس بقادح فيما تأصل # وأما التفصيلي فإن قوله ويل لكل همزة لمزة فضية عين فى رجل معين من ~~الكفار بسبب أمر معين من همزة النبي عليه الصلاة والسلام وعيبه إياه فهو ~~إخبار عن جزائه على ذلك العمل القبيح لا أنه أجرى مجرى التخويف PageV03P363 ~~فليس مما نحن فيه وهذا الوجه ms695 جار فى قوله إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ~~وقوله إن الذين يؤذون الله ورسوله الآيتين جار على ما ذكر وكذلك سورة ~~والضحى وقوله ألم نشرح لك صدرك غير ما نحن فيه بل هو أمر من الله للنبي ~~عليه الصلاة والسلام بالشكر لأجل ما أعطاه من المنح وقوله ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم قضية عين لأبي بكر الصديق نفس بها من كربه فيما أصابه بسبب ~~الإفك المتقول على بنته عائشة فجاء هذا الكلام كالتأنيس له والحض على إتمام ~~مكارم الأخلاق وإدامتها بالإنفاق على قريبة المتصف بالمسكنة والهجرة ولم ~~يكن ذلك واجبا على أبي بكر ولكن أحب الله له معالى الأخلاق وقوله لا تقنطوا ~~وما ذكر معها فى المذاكرة المتقدمة ليس مقصودهم بذكر ذلك النقض على ما نحن ~~فيه بل النظر فى معاني آيات على استقلالها ألا ترى أن قوله لا تقنطوا من ~~رحمة الله أعقب بقوله وأنيبوا إلى ربكم الآية وفي هذا تخويف عظيم مهيج ~~للفرار من وقوعه وما تقدم من السبب فى نزول الآية يبين المراد وأن قوله لا ~~تقنطوا رافع لما تخوفوه من عدم الغفران لما سلف وقوله رب أرنى كيف تحيى ~~الموتى فظر في معنى آية فى الجملة وما يستنبط منها وإلا فقوله أو لم تؤمن ~~تقرير نيه إشارة إلى التخويف أن لا يكون مؤمنا فلما قال بلى حصل المقصود ~~وقوله والذين إذا فعلوا فاحشة كقوله لا تقنطوا من رحمة الله وقوله ومن يعمل ~~سوءا أو يظلم نفسه داخل تحت أصلنا لأنه جاء بعد قوله ولا تكن للخائنين ~~خصيما ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إلى قوله فمن يجادل PageV03P364 ~~الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا وقوله إن تجتنبوا آت بعد ~~الوعيد على الكبائر من أول السورة إلى هنالك كأكل مال اليتيم والحيف في ~~الوصية وغيرهما فذلك مما يرجى به تقدم التخويف وأما قوله إن الله لا يظلم ~~مثقال ذرة فقد أعقب بقوله يؤمئذ يود الذين كفروا وعصوا الآية وتقدم قبلها ~~قوله الذين يبخلون ms696 إلى قوله عذابا مهينا بل قوله إن الله لا يظلم مثقال ذرة ~~جمع التخويف مع الترجية وكذا قوله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم الآية تقدم ~~قبلها وأتى بعدها تخويف عظيم فهو مما نحن فيه وقوله إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به الآية جامع للتخويف والترجيه من حيث قيد غفران ما سوى الشرك ~~بالمشيئة ولم يرد ابن مسعود بقوله ما يسرنى أن لي بها الدنيا وما فيها أنها ~~آيات ترجية خاصة بل مراده والله أعلم أنها كليات في الشريعة محكمات قد ~~احتوت على علم كثير وأحاطت بقواعد عظيمة في الدين ولذلك قال ولقد علمت أن ~~العلماء إذا مروا بها ما يعرفونها وإذا ثبت هذا فجميع ما تقدم جار على أن ~~لكل موطن ما يناسبه إنزال القرآن إجراؤه على البشارة والنذارة وهو المقصود ~~الأصلي لا أنه أنزل لأحد الطرفين دون الآخر وهو المطلوب وبالله التوفيق ### || AUTO فصل # ومن هنا يتصور للعباد أن يكونوا دائرين بين الخوف والرجاء لأن حقيقة ~~الإيمان دائرة بينهما وقد دل على ذلك الكتاب العزيز على الخصوص فقال إن ~~الذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى قوله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم PageV03P365 ~~وجاهدوا فى سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله وقال أولئك الذين يدعون ~~يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه # وهذا على الجملة فإن غلب عليه طرف الانحلال والمخالفة فجانب الخوف عليه ~~أقرب وإن غلب عليه طرف التشديد والاحتياط فجانب الرجاء إليه أقرب وبهذا كان ~~عليه الصلاة والسلام يؤدب أصحابه ولما غلب على قوم جانب الخوف قيل لهم يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الآية وغلب على قوم ~~جانب الإهمال في بعض الأمور فخوفوا وعوتبوا كقوله إن الذين يؤذون الله ~~ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة الآية فإذا ثبت هذا من ترتيب القرآن ~~ومعاني آياته فعلى المكلف العمل على وفق ذلك التأديب ### || AUTO المسألة الخامسة # تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي وحيث جاء جزئيا فمأخذه ~~على الكلية ms697 إما بالاعتبار أو بمعنى الأصل إلا ما خصه الدليل مثل خصائص ~~النبي صلى الله عليه وسلم # ويدل على هذا المعنى بعد الاستقراء المعتبر أنه محتاج إلى كثير من البيان ~~فإن السنة على كثرتها وكثرة مسائلها إنما هي بيان للكتاب كما سيأتي شرحه إن ~~شاء الله تعالى وقد قال الله تعالى وأنزلنا PageV03P366 ~~الدليل مثل خصائص النبي صلى الله عليه وسلم # ويدل على هذا المعنى بعد الاستقراء المعتبر أنه محتاج إلى كثير من البيان ~~فإن السنة على كثرتها وكثرة مسائلها إنما هي بيان للكتاب كما سيأتي شرحه إن ~~شاء الله تعالى وقد قال الله تعالى وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم وفي الحديث # ما من نبي من الأنبياء إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما ~~كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم ~~القيامة وإنما الذي أعطى القرآن وأما السنة فبيان له وإذا كان كذلك فالقرآن ~~على اختصاره جامع ولا يكون جامعا إلا والمجموع فيه أمور كليات لأن الشريعة ~~تمت بتمام نزوله لقوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم الآية وأنت تعلم أن ~~الصلاة والزكاة والجهاد وأشباه ذلك لم يتبين جميع أحكامها في القرآن إنما ~~بينتها السنة وكذلك العاديات من الأنكحة والعقود والقصاص والحدود وغيرها PageV03P367 ### || AUTO وقوله وما آتاكم الرسول فخذوه متضمنا للسنة وقوله ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين متضمنا للإجماع وهذا أهم ما يكون وفي - الصحيح عن ابن مسعود قال # لعن الله الواشمات والمستوشمات الخ فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها ~~أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن فأتته فقالت ما حديث بلغني عنك أنك لعنت كذا ~~وكذا فذكرته فقال عبد الله ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو في كتاب الله فقالت المرأة لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته ~~فقال لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه قال الله عز وجل وما آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا الحديث وعبد الله من العالمين بالقرآن PageV03P368 ### || AUTO فصل ms698 # فعلى هذا لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في ~~شرحه وبيانه وهو السنة لأنه إذا كان كليا وفيه أمور كلية كما في شأن الصلاة ~~والزكاة والحج والصوم ونحوها فلا محيص عن النظر في بيانه وبعد ذلك ينظر فى ~~تفسير السلف الصالح له إن أعوزته السنة فإنهم أعرف به من غيرهم وإلا فمطلق ~~الفهم العربي لمن حصله يكفي فيما أعوز من ذلك والله أعلم ### || AUTO المسألة السادسة # القرآن فيه بيان كل شيء على ذلك الترتيب المتقدم فالعالم به على التحقيق ~~عالم بجملة الشريعة ولا يعوزه منها شيء والدليل على ذلك أمور # منها النصوص القرآنيه من قوله اليوم أكملت لكم دينكم الآية وقوله ونزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا شيء وقوله ما فرطنا في الكتاب من شئ وقوله إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم يعني الطريقة المستقيمة ولو لم يكمل فيه جميع ~~معانيها لما صح إطلاق هذا المعنى عليه حقيقة وأشباه ذلك من الآيات الدالة ~~على أنه هدى وشفاء لما فى الصدور ولا يكون شفاء لجميع ما في الصدور إلا ~~وفيه تبيان كل شيء PageV03P369 ~~ومنها ما جاء من الأحاديث والآثار المؤذنة بذلك كقوله عليه الصلاة والسلام # إن هذا القرآن حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك ~~به ونجاة لمن تبعه لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضى عجائبه ولا ~~يخلق على كثرة الرد الخ فكونه حبل الله بإطلاق والشفاء النافع إلى تمامه ~~دليل على كمال الأمر فيه ونحو هذا من حديث علي عن النبي عليه الصلاة ~~والسلام وعن ابن مسعود # أن كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه وأن أدب الله القرآن وسئلت عائشة عن خلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن وصدق ذلك قوله وإنك ~~لعلى خلق عظيم وعن قتادة ما جالس القرآن أحد إلا فارقه بزيادة أو نقصان ثم ~~قرأ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا وعن محمد ابن كعب القرظي في قول ms699 الله تعالى إنا سمعنا مناديا ينادى ~~للإيمان قال هو القرآن ليس كلهم رأي النبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث # يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله وما ذاك إلا أنه أعلم بأحكام الله فالعالم ~~بالقرآن عالم بجملة الشريعة وعن عائشة أن من قرأ القرآن فليس فوقه أحد وعن ~~عبد الله قال إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن فإن فيه علم الأولين والآخرين ~~وعن عبد الله بن PageV03P370 ~~عمر قال من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما وقد أدرجت النبوة بين جنبيه إلا ~~أنه لا يوحى إليه وفي رواية عنه من قرأ القرآن فقد اضطربت النبوة بين جنبيه ~~وما ذاك إلا أنه جامع لمعاني النبوة وأشباه هذا مما يدل على هذا المعنى # ومنها التجربة وهو أنه لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا ~~وجد لها فيه أصلا وأقرب الطوائف من إعواز المسائل النازلة أهل الظواهر ~~الذين ينكرون القياس ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة من ~~المسائل وقال ابن حزم الظاهري كل أبواب الفقه ليس منها باب إلا وله أصل فى ~~الكتاب والسنة نعلمه والحمد لله حاش القراض فما وجدنا له أصلا فيهما ألبتة ~~إلا آخر ما قال وأنت تعلم أن القراض نوع من أنواع الإجارة وأصل الإجارة في ~~القرآن ثابت وبين ذلك إقراره عليه الصلاة والسلام وعمل الصحابة به # ولقائل أن يقول إن هذا غير صحيح لما ثبت في الشريعة من المسائل والقواعد ~~غير الموجودة في القرآن وإنما وجدت في السنة ويصدق ذلك ما في الصحيح من ~~قوله عليه الصلاة والسلام # لا ألفين أحدكم متكئا على أريكتة يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو ~~نهيت عنه فيقول لا أدرى ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه وهذا ذم ومعناه ~~اعتماد السنة أيضا ويصححه قول الله تعالى فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله ~~والرسول الآية قال ميمون بن مهران الرد إلى الله الرد إلى كتابه والرد إلى ~~الرسول إذا كان حيا فلما قبضه الله فالرد إلى سنته ومثله ms700 وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا الآية يقال PageV03P371 ~~ما نزل إليهم وهو جمع بين الأدلة لأنا نقول إن كانت السنة بيانا للكتاب ~~ففي أحد قسميها فالقسم الآخر زيادة على حكم الكتاب كتحريم نكاح المرأة على ~~عمتها أو خالتها وتحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وقيل لعلي بن ~~أبي طالب هل عندكم كتاب قال لا إلا كتاب الله أو فهم أعطية رجل مسلم أو ما ~~في هذه الصحيفة قال قلت وما في هذه الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير وأن لا ~~يقتل مسلم بكافر وهذا وإن كان فيه دليل على أنه لا شيء عندهم إلا كتاب الله ~~ففيه دليل أن عندهم ما ليس في كتاب الله وهو خلاف ما أصلت # والجواب عن ذلك مذكور في الدليل الثاني وهو السنة بحول الله # ومن نوادر الاستدلال القرآني ما نقل عن علي أنه قال الحمل ستة أشهر ~~انتزاعا من قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا مع قوله PageV03P372 ~~وفصاله في عامين واستنباط مالك ابن أنس أن من سب الصحابة فلا حظ له في ~~الفيء من قوله والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا الآية وقول من ~~قال الولد لا يملك من قوله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون ~~وقول ابن العربي إن الإنسان قبل أن يكون علقة لا يسمى إنسانا من قوله خلق ~~الإنسان من علق واستدلال منذر بن سعيد على أن العربي غير مطبوع على العربية ~~بقوله والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وأغرب ذلك استدلال ابن ~~الفخار القرطبي على أن الإيماء بالرؤوس إلى جانب عند الإبايه والإيماء بها ~~سفلا عند الإجابة أولى مما يفعله المشارقة من خلاف ذلك بقوله تعالى لووا ~~رؤوسهم ورأيتهم يصدون الآية وكان أبو بكر الشبلي PageV03P373 ~~الصوفي إذا لبس شيئا خرق فيه موضعا فقال له ابن مجاهد أين في العلم إفساد ~~ما ينتفع به فقال فطفق مسحا بالسوق والأعناق ثم قال الشبلي أين في القرآن ~~أن الحبيب لا يعذب حبيبه ms701 فسكت ابن مجاهد وقال له قل قال قوله وقالت اليهود ~~والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه الآية واستدل بعضهم على منع سماع المرأة ~~بقوله تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه الآية وفي بعض هذه ~~الاستدلالات نظر PageV03P374 ### || AUTO فصل ### || AUTO وعلى هذا لا بد في كل مسألة يراد تحصيل علمها على أكمل الوجوه ~~أن يلتفت إلى أصلها في القرآن فإن وجدت منصوصا على عينها أو ذكر نوعها أو ~~جنسها فذاك وإلا فمراتب النظر فيها متعددة لعلها تذكر بعد في موضعها إن شاء ~~الله تعالى وقد تقدم في القسم الأول من - كتاب الأدلة قبل هذا أن كل دليل ~~شرعي فإما مقطوع به أو راجع إلى مقطوع به وأعلى مراجع المقطوع به القرآن ~~الكريم فهو أول مرجوع إليه أما إذا لم يرد من المسألة إلا العمل خاصة فيكفي ~~الرجوع فيها إلى السنة المنقولة بالآحاد كما يكفي الرجوع فيها إلى قول ~~المجتهد وهو أضعف وإنما يرجع فيها إلى أصلها في الكتاب لافتقاره إلى ذلك في ~~جعلها أصلا يرجع إليه أو دينا يدان الله به فلا يكتفي بمجرد تلقيها من ~~أخبار الآحاد كما تقدم ### || AUTO المسألة السابعة # العلوم المضافة إلى القرآن تنقسم على أقسام # قسم هو كالأداة لفهمه واستخراج ما فيه من الفوائد والمعين على معرفة مراد ~~الله تعالى منه كعلوم اللغة العربية التي لا بد منها وعلم والقراآت والناسخ ~~والمنسوخ وقواعد أصول الفقه وما أشبه ذلك فهذا لا نظر فيه هنا # ولكن قد يدعى فيما ليس بوسيلةأنه وسيلةإلى فهم القرآن وأنه مطلوب كطلب ما ~~هو وسيلة بالحقيقة فإن علم العربية أو علم الناسخ والمنسوخ وعلم الأسباب ~~وعلم المكي والمدني وعلم القراآت وعلم أصول الفقه معلوم عند جميع العلماء ~~أنها معينة على فهم القرآن وأما غير ذلك فقد يعده بعض الناس وسيلة أيضا ولا ~~يكون كذلك كما تقدم في حكاية الرازي في جعل علم الهيئة وسيلة إلى فهم قوله تعالى PageV03P375 ### || AUTO أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من ~~فروج وزعم ابن ms702 رشد الحكيم في كتابه الذي سماه - بفصل المقال فيما بين ~~الشريعة والحكمة من الإتصال أن علوم الفلسفة مطلوبة إذ لا يفهم المقصود من ~~الشريعة على الحقيقة إلا بها ولو قال قائل إن الأمر بالضد مما قال لما بعد ~~في المعارضة # وشاهد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم هل كانوا آخذين ~~فيها أم كانوا تاركين لها أو غافلين عنها مع القطع بتحققهم بفهم القرآن ~~يشهد لهم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والجم الغفير فلينظر امرؤ اين يضع ~~قدمه وثم أنواع أخر يعرفها من زوال هذه الأمور ولا ينبئك مثل خبير فأبو ~~حامد ممن قتل هذه الأمور خبرة وصرح فيها بالبيان الشافي في مواضع من كتبه # وقسم هو مأخوذ من جملته من حيث هو كلام لا من حيث هو خطاب بأمر أو نهي أو ~~غيرها بل من جهة ما هو هو وذلك ما فيه من دلالة النبوة وهو كونه معجزة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا المعنى ليس مأخوذا من تفاصيل القرآن ~~كما تؤخذ منه الأحكام الشرعية إذ لم تنص آياته وسوره على ذلك مثل نصها على ~~الأحكام بالأمر والنهي وغيرهما وإنما فيه التنبيه على التعجيز أن يأتوا ~~بسورة مثله وذلك لا يختص به شيء من القرآن دون شيء ولا سورة دون سورة ولا ~~نمط منه دون آخر بل ماهيته هي المعجزة له حسبما نبه عليه الصلاة والسلام # ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان ~~الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ~~فهو بهيأته التي أنزله الله عليها دال على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام ~~وفيها عجز الفصحاء اللسن والخصماء اللد عن الإتيان بما يماثله أو PageV03P376 ### || AUTO يداينه ووجه كونه معجزا لا يحتاج إلى تقريره في هذا الموضع ~~لأنه كيفما تصور الإعجاز به فماهيته هي الدالة على ذلك فإلى أي نحو منه ملت ~~دلك ذلك على صدق رسول الله صلى الله عليه ms703 وسلم فهذا القسم أيضا لا نظر فيه ~~هنا وموضعه - كتب الكلام # وقسم هو مأخوذ من عادة الله تعالى فى إنزاله وخطاب الخلق به ### || AUTO ومعاملته لهم بالرفق والحسنى من جعله عربيا يدخل تحت نيل ~~أفهامهم مع أنه المنزه القديم وكونه تنزل لهم بالتقريب والملاطفة والتعليم ~~في نفس المعاملة به قبل النظر إلى ما حواه من المعارف والخيرات وهذا نظر ~~خارج عما تضمنه القرآن من العلوم ويتبين صحة الأصل المذكور فى - كتاب ~~الإجتهاد وهو أصل التخلق بصفات الله والاقتداء بأفعاله # ويشتمل على أنواع من القواعد الأصلية والفوائد الفرعية والمحاسن الأدبية # فلنذكر منها أمثلة يستعان بها في فهم المراد # فمن ذلك عدم المؤاخذة قبل الإنذار ودل على ذلك إخباره تعالى عن نفسه ~~بقوله وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فجرت عادته فى خلقه أنه لا يؤاخذ ~~بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل فإذا قامت الحجة عليهم فمن شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر ولكل جزاء مثله # ومنها الإبلاغ فى إقامة الحجة على ما خاطب به الخلق فإنه تعالى أنزل ~~القرآن برهانا في نفسه على صحة ما فيه وزاد على يدي رسوله عليه الصلاة ~~والسلام من المعجزات ما في بعضه الكفاية # ومنها ترك الأخذ من أول مرة بالذنب والحلم عن تعجيل المعاندين بالعذاب مع ~~تماديهم على الإباية والجحود بعد وضوح البرهان وإن استعجلوا به # ومنها تحسين العبارة بالكناية ونحوها في المواطن التى يحتاج فيها إلى ذكر ~~ما يستحى من ذكره فى عادتنا كقوله تعالى أو لامستم النساء ومريم ابنة PageV03P377 ~~حتى إذا وضح السبيل فى مقطع الحق وحضر وقت التصريح بما ينبغى التصريح فيه ~~فلا بد منه وإليه الإشارة بقوله إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة ~~فما فوقها والله لا يستحي من الحق # ومنها التأنى فى الأمور والجري على مجرى التثبت والأخذ بالاحتياط وهو ~~المعهود في حقنا فلقد أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما ~~وهو في عشرين سنة حتى قال الكفار لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة فقال ~~الله ms704 كذلك لنثبت به فؤادك وقال وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلناه تنزيلا وفي هذه المدة كان الإنذار يترادف والصراط يستوي بالنسبة ~~إلى كل وجهة وإلى كل محتاج إليه وحين أبى من أبى الدخول في الإسلام بعد عشر ~~سنين أو أكثر بدئوا بالتغليظ بالدعاء فشرع الجهاد لكن على تدريج أيضا حكمة ~~بالغة وترتيبا يقتضيه العدل والإحسان حتى إذا كمل الدين ودخل الناس فيه ~~أفواجا ولم يبق لقائل ما يقول قبض الله نبيه إليه وقد بانت الحجة ووضحت ~~المحجة واشتد أس الدين وقوى عضده بأنصار الله فلله الحمد كثيرا على ذلك # ومنها كيفية تأدب العباد إذا قصدوا باب رب الأرباب بالتضرع والدعاء فقد ~~بين مساق القرآن آدابا استقرئت منه وإن لم ينص عليها بالعبارة فقد أغنت ~~إشارة التقرير عن التصريح بالتعبير فأنت ترى أن نداء الله للعباد لم يأت فى ~~القرآن فى الغالب إلا بيا المشيرة إلى بعد المنادى لأن صاحب النداء منزه عن ~~مداناة العباد موصوف بالتعالي عنهم والاستغناء فإذا قرر نداء العباد للرب ~~أتى بأمور تستدعى قرب الإجابة منها إسقاط حرف النداء المشير إلى قرب ~~المنادى وأنه حاضر مع المنادى غير غافل عنه فدل على استشعار الراغب هذا ~~المعنى إذ لم يأت في الغالب إلا ربنا ربنا كقوله ربنا لا تؤاخذنا PageV03P378 ~~ربنا تقبل منا رب إني نذرت لك ما فى بطني رب أرني كيف تحي الموتى ومنها ~~كثرة مجيء النداء باسم الرب المقتضى للقيام بأمور العباد وإصلاحها فكان ~~العبد متعلقا بمن شأنه التربية والرفق والإحسان قائلا يا من هو المصلح ~~لشئوننا على الإطلاق أتم لنا ذلك بكذا وهو مقتضى ما يدعو به # وإنما أتى اللهم فى مواضع قليلة ولمعان اقتضتها الأحوال ومنها تقديم ~~الوسيلة بين يدى الطلب كقوله إياك نعبد وإياك نستعين إهدنا الصراط المستقيم ~~الآية ربنا إننا آمنا ربنا آمنا بما أنزلت ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ~~ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة الآية رب إنهم عصونى واتبعوا من لم يزده ~~إلى قوله ولا تزد الظالمين ms705 إلا تبارا وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا تقبل منا إلى غير ذلك من الآداب التي تؤخذ من مجرد التقرير ### || AUTO ومن ذلك أشياء ذكرت فى - كتاب الاجتهاد في الاقتداء بالأفعال ~~والتخلق بالصفات تضاف إلى ما هنا وقد تقدم أيضا منه جملة في - كتاب المقاصد # والحاصل أن القرآن احتوى من هذا النوع من الفوائد والمحاسن التي تقتضيها ~~القواعد الشرعية على كثير يشهد بها شاهد الاعتبار ويصححها نصوص الآيات ~~والأخبار PageV03P379 ~~وقسم هو المقصود الأول بالذكر وهو الذي نبه عليه العلماء وعرفوه مأخوذا من ~~نصوص الكتاب منطوقها ومفهومها على حسب ما أداه اللسان العربي فيه وذلك أنه ~~محتو من العلوم على ثلاثة أجناس هي المقصود الأول أحدها معرفة المتوجه إليه ~~وهو الله المعبود سبحانه والثانى معرفة كيفية التوجه إليه والثالث معرفة ~~مآل العبد ليخاف الله به ويرجوه وهذه الأجناس الثلاثة داخلة تحت جنس واحد ~~هو المقصود عبر عنه قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فالعبادة ~~هي المطلوب الأول غير أنه لا يمكن إلا بمعرفة المعبود إذ المجهول لا يتوجه ~~إليه ولا يقصد بعبادة ولا بغيرها فإذا عرف ومن جملة المعرفة به أنه آمر ~~وناه وطالب للعباد بقيامهم بحقه توجه الطلب إلا أنه لا يتأتى دون معرفة ~~كيفية التعبد فجيء بالجنس الثاني ولما كانت النفوس من شأنها طلب النتائج ~~والمآلات وكان مآل الأعمال عائدا على العاملين بحسب ما كان منهم من طاعة أو ~~معصية وانجر مع ذلك التبشير والإنذار في ذكرها أتى بالجنس الثالث موضحا ~~لهذا الطرف وأن الدنيا ليست بدار إقامة وإنما الإقامة فى الدار الآخرة # فالأول يدخل تحته علم الذات والصفات والأفعال ويتعلق بالنظر في الصفات أو ~~في الأفعال النظر في النبوات لأنها الوسائط بين المعبود والعباد وفي كل أصل ~~ثبت للدين علميا كان أو عمليا ويتكمل بتقرير البراهين والمحاجة لمن جادل ~~خصما من المبطلين # والثاني يشتمل على التعريف بأنواع التعبدات من العبادات والعادات ~~والمعاملات وما يتبع كل واحد منها من المكملات وهي أنواع فروض الكفايات ~~وجامعها ms706 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنظر فيمن يقوم به PageV03P380 ~~والثالث يدخل فى ضمنه النظر في ثلاثة مواطن الموت وما يليه ويوم القيامة ~~وما يحويه والمنزل الذي يستقر فيه ومكمل هذا الجنس الترغيب والترهيب ومنه ~~الإخبار عن الناجين والهالكين وأحوالهم وما أداهم إليه حاصل أعمالهم # وإذا تقرر هذا تلخص من مجموع العلوم الحاصلة في القرآن اثنا عشر علما وقد ~~حصرها الغزالي في ستة أقسام ثلاثة منها هي السوابق والأصول المهمة وثلاثة ~~هي توابع ومتممة # فأما الثلاثة فهي تعريف المدعو إليه وهو شرح معرفة الله تعالى ويشتمل على ~~معرفة الذات والصفات والأفعال وتعريف طريق السلوك إلى الله تعالى على ~~الصراط المستقيم وذلك بالتحلية بالأخلاق الحميدة والتزكية عن الأخلاق ~~الذميمة وتعريف الحال عند الوصول إليه ويشتمل على ذكر حالي النعيم والعذاب ~~وما يتقدم ذلك من أحوال القيامة # وأما الثلاثة الأخر فهي تعريف أحوال المجيبين للدعوة وذلك قصص خنه في ~~الشريعة هو الأمر المعروف والنهي عن المنكر فإنه لا يختص بباب من الشريعة ~~دون باب بخلاف فروض الكفايات الأخرى كالولايات العامة والجهاد وتعليم العلم ~~وإقامة الصناعات المهمة فهذه كلها فروض كفايات قاصرة على بابها والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كفائي مكمل لجميع أبواب الشريعة هنا معنى ~~الجمع وليس المراد بكونه جامعها أنه كلى لها وأنها جزئيات مندرجة تحته فإنه ~~لا يظهر PageV03P381 ~~الأنبياء والأولياء وسره الترغيب وأحوال الناكبين وذلك قصص أعداء الله ~~وسره الترهيب والتعريف بمحاجة الكفار بعد حكاية أقوالهم الزائعة وتشتمل على ~~ذكر الله بما ينزه عنه وذكر النبي عليه الصلاة والسلام بما لا يليق به ~~وادكار عاقبة الطاعة والمعصية وسره فى جنبة الباطل التحذير والإفضاح وفي ~~جنبة الحق التثبيت والإيضاح والتعريف بعمارة منازل الطريق وكيفية أخذ ~~الأهبة والزاد ومعناه محصول ما ذكره الفقهاء فى العبادات والعادات ~~والمعاملات والجنايات وهذه الأقسام الستة تتشعب إلى عشرة وهي ذكر الذات ~~والصفات والأفعال والمعاد والصراط المستقيم وهو جانب التحلية والتزكية ~~وأحوال الأنبياء والأولياء والأعداء ومحاجة الكفار وحدود الأحكام ### || AUTO المسألة الثامنة # من الناس من زعم أن ms707 للقرآن ظاهرا وباطنا وربما نقلوا فى ذلك بعض الأحاديث ~~والآثار فعن الحسن مما أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ما أنزل الله آية إلا ولها ظهر وبطن بمعنى ظاهر وباطن وكل حرف حد وكل حد ~~مطلع وفسر بأن الظهر والظاهر هو ظاهر التلاوة والباطن هو الفهم عن الله ~~لمراده لأن الله تعالى قال فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ~~والمعنى لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس ~~الكلام كيف وهو منزل بلسانهم ولكن لم يحظوا بفهم مراد PageV03P382 ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فظاهر المعنى شيء وهم عارفون به لأنهم عرب ~~والمراد شيء آخر وهو الذي لا شك فيه أنه من عند الله وإذا حصل التدبر لم ~~يوجد في القرآن اختلاف ألبتة فهذا الوجه الذي من جهته يفهم الإتفاق وينزاح ~~الإختلاف هو الباطن المشار إليه ولما قالوا فى الحسنة هذا من عند الله وفي ~~السيئة هذا من عند رسول الله بين لهم أن كلا من عند الله وأنهم لا يفقهون ~~حديثا لكن بين الوجه الذى يتنزل عليه أن كلا من عند الله بقوله ما أصابك من ~~حسنة فمن الله الآية وقال تعالى أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ~~فالتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد وذلك ظاهر في أنهم أعرضوا عن ~~مقاصد القرآن فلم يحصل منهم تدبر قال بعضهم الكلام في القرآن على ضربين # أحدهما يكون برواية فليس يعتبر فيها إلا النقل # والآخر يقع بفهم فليس يكون إلا بلسان من الحق إظهار حكمة على لسان العبد ~~وهذا الكلام يشير إلى معنى كلام علي # وحاصل هذا الكلام أن المراد بالظاهر هو المفهوم العربي والباطن هو PageV03P383 ~~مراد الله تعالى من كلامه وخطابه فإن كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فسر ~~فصحيح ولا نزاع فيه وإن أرادوا غير ذلك فهو إثبات أمر زائد على ما كان ~~معلوما عند الصحابة ومن بعدهم فلا بد من دليل قطعي يثبت هذه الدعوى لأنها ~~أصل يحكم به ms708 على تفسير الكتاب فلا يكون ظنيا وما استدل به إنما غايته إذا ~~صح سنده أن ينتظم فى سلك المراسيل وإذا تقرر هذا فلنرجع إلى بيانهما على ~~التفسير المذكور بحول الله # وله أمثلة تبين معناه بإطلاق فعن ابن عباس قال كان عمر يدخلني مع أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عبد الرحمن بن عوف أتدخله ولنا بنون مثله ~~فقال له عمر إنه من حيث تعلم فسألني عن هذه الآية إذا جاء نصر الله والفتح ~~فقلت إنما هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إياه وقرأ السورة إلى ~~آخرها فقال عمر والله ما أعلم منها إلا ما تعلم فظاهر هذه السورة أن الله ~~أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسبح بحمد ربه ويستغفره إذا نصره الله وفتح ~~عليه وباطنها أن الله نعى إليه نفسه ولما نزل قوله تعالى اليوم أكملت لكم ~~دينكم الآية فرح الصحابة وبكى عمر وقال # ما بعد الكمال إلا النقصان مستشعرا نعيه عليه الصلاة والسلام فما عاش ~~بعدها إلا أحدا وثمانين يوما وقال تعالى مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أولياء كمثل العنكبوت الآية قال الكفار ما بال العنكبوت والذباب يذكر فى ~~القرآن ما هذا كلام الإله فنزل إن الله لا يستحي أن PageV03P384 ~~يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأخذوا بمجرد الظاهر ولم ينظروا في المراد ~~فقال تعالى فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم الآية ويشبه ما نحن ~~فيه نظر الكفار للدنيا واعتدادهم منها بمجرد الظاهر الذي هو لهو ولعب وظل ~~زائل وترك ما هو مقصود منها وهو كونها مجازا ومعبرا لا محل سكنى وهذا هو ~~باطنها على ما تقدم من التفسير ولما قال تعالى عليها تسعة عشر نظر الكفار ~~إلى ظاهر العدد فقال أبو جهل فيما روى لا يعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل ~~منهم فبين الله تعالى باطن الأمر بقوله وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ~~إلى قوله وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ms709 ~~وقال يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فنظروا إلى ~~ظاهر الحياة الدنيا وقال تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وقال تعالى ~~ومن الناس من يشتري لهو الحديث الآية لما نزل القرآن الذى هو هدى للناس ~~ورحمة للمحسنين ناظره الكافر النضر بن الحرث بأخبار فارس والجاهلية ~~وبالغناء فهذا هو عدم الإعتبار لباطن ما أنزل الله وقال تعالى في المنافقين ~~لأنتم أشد رهبة فى صدورهم من الله وهذا عدم فقه منهم لأن من علم أن الله هو ~~الذى بيده ملكوت كل شيء وأنه هو مصرف الأمور فهو الفقيه ولذلك قال تعالى ~~ذلك بأنهم قوم لا يفقهون وكذلك قوله تعالى صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا ~~يفقهون لأنهم نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا # فاعلم أن الله تعالى إذا نفى الفقه أو العلم عن قوم فذلك لوقوفهم مع ظاهر ~~الأمر وعدم اعتبارهم للمراد منه وإذا أثبت ذلك فهو لفهمهم مراد الله من ~~خطابه وهو باطنه PageV03P385 ~~وبين ضائق في قوله وضائق به صدرك والفرق بين النداء بيا أيها الذين آمنوا ~~أو يا أيها الذين كفروا وبين النداء بيا أيها الناس أو بيا بني آدم والفرق ~~بين ترك العطف في قوله إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم والعطف في قوله ~~ومن الناس من يشتري لهو الحديث وكلاهما قد تقدم عليه وصف PageV03P386 ~~قوله ومن الناس من يشتري لهو الحديث وكلاهما قد تقدم عليه وصف المؤمنين ~~والفرق بين تركه أيضا في قوله ما أنت إلا بشر مثلنا وبين الآية الأخرى وما ~~أنت إلا بشر مثلنا والفرق بين الرفع في قوله قال سلام والنصب فيما قبله من ~~قوله قالوا سلاما والفرق بين الإتيان بالفعل في التذكر من قوله إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا وبين الإتيان باسم الفاعل في ~~الإبصار من قوله فإذا هم مبصورن أو فهم الفرق بين إذا وإن في قوله تعالى ~~فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~وبين جاءتهم ms710 وتصبهم بالماضي مع إذا والمستقبل مع إن وكذلك قوله وإذا أذقنا ~~الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة PageV03P387 ~~بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون مع إتيانه بقوله فرحوا بعد إذا ويقنطون بعد ~~إن وأشباه ذلك من الأمور المعتبرة عند متأخري أهل البيان فإذا حصل فهم ذلك ~~كله على ترتيبه في اللسان العربي فقد حصل فهم ظاهر القرآن # ومن هنا حصل إعجاز القرآن عند القائلين بأن إعجازه بالفصاحة فقال الله ~~تعالى وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله الآية وقال ~~تعالى أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم ~~من دون الله وهو لائق أن يكون الإعجاز بالفصاحة لا بغيرها إذ لم يؤتوا على ~~هذا التقدير إلا من باب ما يستطيعون مثله في الجملة ولأنهم دعوا وقلوبهم ~~لاهية عن معناه الباطن الذي هو مراد الله من انزاله فإذا عرفوا عجزهم عنه ~~عرفوا صدق الآتي به وحصل الإذعان وهو باب التوفيق والفهم لمراد الله تعالى # وكل ما كان من المعاني التي تقتضي تحقيق المخاطب بوصف العبودية والإقرار ~~لله بالربوبية فذلك هو الباطن المراد والمقصود الذي أنزل القرآن لأجله # ويتبين ذلك بالشواهد المذكورة آنفا ومن ذلك أنه لما نزل من ذا الذى يقرض ~~الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة قال أبو الدحداح إن الله كريم ~~استقرض منا ما أعطانا هذا معنى الحديث وقالت اليهود إن الله فقير ونحن ~~أغنياء ففهم أبي الدحداح هو الفقه وهو الباطن المراد وفي رواية قال أبو ~~الدحداح يستقرضنا وهو غني فقال عليه الصلاة والسلام # نعم ليدخلكم PageV03P388 ~~لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون وفي الأخرى قليلا ما تشكرون ~~والشكر ضد الكفر فالإيمان وفروعه هو الشكر فإذا دخل المكلف تحت أعباء ~~التكليف بهذا القصد فهو الذي فهم المراد من الخطاب وحصل باطنه على التمام ~~وإن هو فهم من ذلك مقتضى عصمة ماله ودمه فقط فهذا خارج عن المقصود وواقف مع ~~ظاهر الخطاب فإن الله قال فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ms711 واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد ثم قال فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم فالمنافق إنما فهم مجرد الأمر من أن الدخول فيما دخل فيه المسلمون ~~موجب لتخلية سبيلهم فعملوا على الإحراز من عوادي الدنيا وتركوا المقصود من ~~ذلك وهو الذي بينه القرآن من التعبد لله والوقوف على قدم الخدمة فإذا كانت ~~الصلاة تشعر بالزام الشكر بالخضوع لله والتعظيم لأمره فمن دخلها عريا من ~~ذلك كيف يعد ممن فهم باطن القرآن وكذلك إذا كان له مال حال عليه الحول فوجب ~~عليه شكر النعمة ببذل اليسير من الكثير عودا عليه بالمزيد فوهبه عند رأس ~~الحول فرارا من أدائها لا قصد له إلا ذلك كيف يكون شاكرا للنعمة وكذلك من ~~يضار الزوجة لتنفك له من المهر على غير طيب النفس لا يعد عاملا بقوله تعالى ~~فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به حتى يجري ~~على معنى قوله تعالى فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هينئا مرئيا PageV03P389 ~~وتجري هنا مسائل الحيل أمثلة لهذا المعنى لأن من فهم باطن ما خوطب به لم ~~يحتل على أحكام الله حتى ينال منها بالتبديل والتغيير ومن وقف مع مجرد ~~الظاهر غير ملتفت إلى المعنى المقصود اقتحم هذه المتاهات البعيدة # وكذلك تجري مسائل المبتدعة أمثلة أيضا وهم الذين يتبعون ما تشابه من ~~الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله كما قال الخوارج لعلي إنه حكم الخلق ~~في دين الله والله يقول إن الحكم إلا لله وقالوا إنه محا نفسه من إمارة ~~المؤمنين فهو إذا أمير الكافرين وقالوا لابن عباس لا تناظروه فإنه ممن قال ~~الله فيهم بل هم قوم خصمون وكما زعم أهل التشبيه في صفة الباري حين أخذوا ~~بظاهر قوله نجرى بأعيننا مما عملته أيدينا وهو السميع البصير والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة وحكموا مقتضاه بالقياس على المخلوقين فأسرفوا ما شاءوا ~~فلو نظر الخوراج أن الله تعالى قد حكم الخلق في دينه في قوله يحكم به ذوا ~~عدل منكم وقوله ms712 فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها لعلموا أن قوله إن ~~الحكم إلا لله غير مناف لما فعله علي وأنه من جملة حكم الله فإن تحكيم ~~الرجال يرجع به الحكم لله وحده فكذلك ما كان مثله مما فعله علي ولو نظروا ~~إلى أن محو الإسم من أمر لا يقتضى إثباته لضده لما قالوا إنه أمير الكافرين ~~وهكذا المشبهة لو حققت معنى قوله ليس كمثله شئ في الآيات المذكورة لفهموا ~~بواطنها وأن الرب منزه عن سمات المخلوقين # وعلى الجملة فكل من زاغ ومال عن الصراط المستقيم فبمقدار ما فاته من باطن ~~القرآن فهما وعلما وكل من أصاب الحق وصادف الصواب فعلى مقدار ما حصل له من ~~فهم باطنه PageV03P390 ### || AUTO المسألة التاسعة # كون الظاهر هو المفهوم العربي مجردا لا إشكال فيه لأن الموالف والمخالف ~~اتفقوا على أنه منزل بلسان عربي مبين وقال سبحانه ولقد نعلم أنهم يقولون ~~إنما يعلمه بشر ثم رد الحكاية عليهم بقوله لسان الذي يلحدون إليه أعجمى ~~وهذا لسان عربى مبين وهذا الرد على شرط الجواب في الجدل لأنه أجابهم بما ~~يعرفون من القرآن الذي هو بلسانهم والبشر هنا حبر وكان نصرانيا فأسلم أو ~~سلمان وقد كان فارسيا فأسلم أو غيرهما ممن كان لسانه غير عربي باتفاق منهم ~~وقال تعالى ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أاعجمي وعربي ~~وقد علم أنهم لم يقولوا شيئا من ذلك فدل على أنه عندهم عربي وإذا ثبت هذا ~~فقد كانوا فهموا معنى ألفاظه من حيث هو عربي فقط وإن لم يتفقوا على فهم ~~المراد منه فلا يشترط في ظاهره زيادة على الجريان على اللسان الغربي ### || AUTO فإذا كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي ~~فليس من علوم القرآن في شيء لا مما يستفاد منه ولا مما يستفاد به ومن ادعى ~~فيه ذلك فهو في دعواه مبطل وقد مر في - كتاب المقاصد بيان هذا المعنى # والحمد لله # ومن امثلة هذا الفصل ما ادعاه من لا خلاق له من أنه ms713 مسمى في القرآن كبيان ~~بن سمعان حيث زعم أنه المراد بقوله تعالى هذا بيان للناس الآية وهو من ~~الترهات بمكان مكين والسكوت على الجهل كان أولى به من هذا الإفتراء البارد ~~ولو جرى له على اللسان العربي لعده الحمقى من جملتهم PageV03P391 ~~للناس كما يقال هذا زيد للناس ومثله في الفحش من تسمى بالكسف ثم زعم أنه ~~المراد بقوله تعالى وإن يروا كسفا من السماء ساقطا الآية فأي معنى يكون ~~للآية على زعمه الفاسد كما تقول وإن يروا رجلا من السماء ساقطا يقولوا سحاب ~~مركوم تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وبيان بن سمعان هذا هو الذى ~~تنسب إليه البيانية من الفرق وهو فيما زعم ابن قتيبة أول من قال بخلق ~~القرآن والكسف هو أبو منصور الذى تنسب إليه المنصورية # وحكى بعض العلماء أن عبيد الله الشيعي المسمى بالمهدي حين ملك إفريقية ~~واستولى عليها كان له صاحبان من كتامة ينتصر بهما على أمره وكان أحدهما ~~يسمى بنصر الله والآخر بالفتح فكان يقول لهما أنتما اللذان ذكركما الله في ~~كتابه فقال إذا جاء نصر الله والفتح قالوا وقد كان عمل ذلك في آيات من كتاب ~~الله تعالى فبدل قوله كنتم خير أمة أخرجت للناس بقوله كتامة خير أمةأخرجت ~~للناس ومن كان في عقله لا يقول مثل هذا لأن المتسميين بنصر الله والفتح ~~المذكورين إنما وجدا بعد مئين من السنين من وفاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيصير المعنى إذا مت يا محمد ثم خلق هذان ورأيت الناس يدخلون في دين ~~الله أفواجا فسبح الآية فأي تناقض وراء هذا الإفك الذى افتراه الشيعي قاتله الله # ومن أرباب الكلام من ادعى جواز نكاح الرجل منا تسع نسوة حرائر مستدلا على ~~ذلك بقوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى PageV03P392 ~~وثلاث ورباع ولا يقول مثل هذا من فهم وضع العرب في مثنى وثلاث ورباع ومنهم ~~من يرى شحم الخنزير وجلده حلالا لأن الله قال حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير فلم يحرم ms714 شيئا غير لحمه ولفظ اللحم يتناول الشحم وغيره بخلاف العكس ~~ومنهم من فسر الكرسي في قوله وسع كرسيه السموات والأرض بالعلم مستدلين ببيت ~~لا يعرف وهو ولا بكرسئ علم الله مخلوق كأنه عندهم ولا يعلم علمه وبكرسئ ~~مهموز والكرسي غير مهموز ومنهم من فسر غوى في قوله تعالى وعصى آدم ربه فغوى ~~أنه تخم من أكل الشجرة من قول العرب غوي الفصيل يغوي غوى إذا بشم من شرب ~~اللبن وهو فاسد لأن غوي الفصيل فعل والذي في القرآن على وزن فعل ومنهم من ~~قال في قوله ولقد ذرأنا لجهنم أي ألقينا فيها كأنه عندهم من قول الناس ذرته ~~الريح وذرأ مهموز وذرا غير مهموز وفي قوله واتخذ الله إبراهيم خليلا أي ~~فقيرا إلى رحمته من الخلة بفتح الخاء محتجين على ذلك بقول زهير وإن أتاه ~~خليل يوم مسألة قال ابن قتيبة أي فضيلة لإبراهيم في هذا القول أما يعلمون ~~أن الناس فقراء إلى الله وهل إبراهيم في لفظ خليل الله إلا كما قيل موسى ~~كليم الله وعيسى روح الله ويشهد له الحديث # لو كنت متخذ خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا إن صاحبكم خليل الله ~~وهؤلاء من أهل الكلام هم النابذون للمنقولات اتباعا للرأي وقد أداهم ذلك ~~إلى تحريف كلام الله بما لا يشهد للفظة عربي ولا لمعناه برهان كما رأيت ~~وإنما أكثرت من الأمثلة وإن كانت من الخروج عن مقصود العربية والمعنى على ~~ما علمت لتكون تنبيها على ما وراءها مما هو مثلها أو قريب منها PageV03P393 ### || AUTO فصل # وكون الباطن هو المراد من الخطاب قد ظهر أيضا مما تقدم في المسألة قبلها ~~ولكن يشترط فيه شرطان # أحدهما أن يصح على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب ويجري على المقاصد ~~العربية # والثاني أن يكون له شاهد نصا أو ظاهرا في محل آخر يشهد لصحته من غير معارض # فأما الأول فظاهر من قاعدة لكون القرآن عربيا فإنه لو كان له فهم لا ~~يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا بإطلاق ms715 ولأنه مفهوم يلصق بالقرآن ~~ليس في ألفاظه ولا في معانيه ما يدل عليه وما كان كذلك فلا يصح أن ينسب ~~إليه أصلا إذ ليست نسبته إليه على أن مدلوله أولى من نسبة ضده إليه ولا ~~مرجح يدل على أحدهما فإثبات أحدهما تحكم وتقول على القرآن ظاهر وعند ذلك ~~يدخل قائله تحت إثم من قال في كتاب الله بغير علم والأدلة المذكورة في أن ~~القرآن عربي جارية هنا # وأما الثاني فلأنه إن لم يكن له شاهد في محل آخر أو كان له معارض صار من ~~جملة الدعاوي التي تدعى على القرآن والدعوى المجردة غير مقبولة باتفاق ~~العلماء # وبهذين الشرطين يتبين صحة ما تقدم أنه الباطن لأنهما موفران فيه بخلاف ما ~~فسر به الباطنية فإنه ليس من علم الباطن كما أنه ليس من علم الظاهر فقد ~~قالوا في قوله تعالى وورث سليمان داود إنه الإمام ورث النبي علمه # وقالوا في الجنابة إن معناها مبادرة المستجيب بإفشاء السر إليه قبل أن ~~ينال رتبة الإستحقاق ومعنى الغسل تجديد العهد على من فعل ذلك ومعنى الطهور ~~هو التبري والتنظف من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام PageV03P394 ~~والتيمم الأخذ من المأذون إلى أن يشاهد الداعي أو الإمام والصيام الإمساك ~~عن كشف السر والكعبة النبي والباب على والصفا هو النبي والمروة على ~~والتلبية إجابة الداعي والطواف سبعا هو الطواف بمحمد عليه الصلاة والسلام ~~إلى تمام الأئمة السبعة والصلوات الخمس أدلة على الأصول الأربعة وعلى ~~الإمام ونار إبراهيم هو غضب نمروذ لا النار الحقيقية وذبح إسحق هو أخذ ~~العهد عليه وعصا موسى حجته التى تلقفت شبه السحرة وانفلاق البحر افتراق علم ~~موسى عليه السلام فيهم والبحر هو العالم وتظليل الغمام نصب موسى الإمام ~~لإرشادهم والمن علم نزل من السماء والسلوى داع من الدعاة والجراد والقمل ~~والضفادع سؤآلات موسى وإلزماته التى تسلطت عليهم وتسبيح الجبال رجال شداد ~~في الدين والجن الذين ملكهم سلمان باطنية ذلك الزمان # والشياطين هم الظاهرية الذين كلفوا الأعمال الشاقة إلى سائر ما نقل من ~~خباطهم ms716 الذي هو عين الخبال وضحكة السامع نعوذ بالله من الخذلان قال القتبى ~~وكان بعض أهل الأدب يقول ما أشبه تفسير الروافض للقرآن إلا بتأويل رجل من ~~أهل مكة للشعر فإنه قال ذات يوم ما سمعت بأكذب من بني تميم زعموا أن قول ~~القائل ... بيت زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل ... # إنه في رجل منهم قيل له فما تقول أنت فيه قال البيت بيت الله وزرارة الحج ~~قيل فمجاشع قال زمزم جشعت بالماء قيل فأبو الفوراس قال أبو قبيس قيل فنهشل ~~قال نهشل أشده وصمت ساعة ثم قال نعم نهشل مصباح الكعبة لأنه طويل أسود فذلك ~~نهشل انتهى ما حكاه PageV03P395 ~~فصل # وقد وقعت في القرآن تفاسير مشكلة يمكن أن تكون من هذا القبيل أو من قبيل ~~الباطن الصحيح وهي منسوبة لأناس من أهل العلم وربما نسب منها إلى السلف الصالح # فمن ذلك فواتح السور نحو ألم والمص وحم ونحوها فسرت بأشياء منها ما يظهر ~~جريانه على مفهوم صحيح ومنها ما ليس كذلك فينقلون عن ابن عباس أن الم أن ~~ألف الله ولام جبريل وميم محمد صلى الله عليه وسلم وهذا إن صح في النقل ~~فمشكل لأن هذا النمط من التصرف لم يثبت في كلام العرب هكذا مطلقا وإنما أتى ~~مثله إذا دل عليه الدليل اللفظي أو الحالي كما قال قلت لها قفي فقالت قاف ~~وقال قالوا جميعا كلهم بلافا # وقال ولا أريد الشر إلا أن تا والقول في الم ليس هكذا وأيضا فلا دليل من ~~خارج يدل عليه إذ لو كان له دليل لاقتضت العادة نقله لأنه من المسائل التى ~~تتوفر الدواعي على نقلها لو صح أنه مما يفسر ويقصد تفهيم معناه # ولما لم يثبت شيء من ذلك دل على أنه من قبيل المتشابهات فإن ثبت له دليل ~~يدل عليه صير إليه # وقد ذهب فريق إلى أن المراد الإشارة إلى حروف الهجاء وأن القرآن منزل ~~بجنس هذه الحروف وهي العربية وهو أقرب من الأول كما أنه نقل أن هذه الفواتح ms717 ~~أسرار لا يعلم تأويلها إلا الله وهو أظهر الأقوال فهي من قبيل المتشابهات ~~وأشار جماعة إلى أن المراد بها أعدادها تنبيها على مدة هذه الملة وفي السير ما يدل PageV03P396 ~~على هذا المعنى وهو قول يفتقر إلى أن العرب كانت تعهد في استعمالها الحروف ~~المقطعة أن تدل بها على أعدادها وربما لا يوجد مثل هذا لها ألبتة وإنما كان ~~أصله في اليهود حسبما ذكره أصحاب السير ### || AUTO فأنت ترى هذه الأقوال مشكلة إذا سبرناها بالمسبار المتقدم ~~وكذلك سائر الأقوال المذكورة في الفواتح مثلها في الإشكال وأعظم ومع ~~إشكالها فقد اتخذها جمع من المنتسبين إلى العلم بل إلى الإطلاع والكشف على ~~حقائق الأمور حججا في دعاو ادعوها على القرآن وربما نسبوا شيئا من ذلك علي ~~بن أبي طالب وزعموا أنها أصل العلوم ومنبع المكاشفات على أحوال الدنيا ~~والآخرة وينسبون ذلك إلى أنه مراد الله تعالى في خطابه العرب الأمية التي ~~لا تعرف شيئا من ذلك وهو إذا سلم أنه مراد في تلك الفواتح في الجملة فما ~~الدليل على أنه مراد على كل حال من تركيبها على وجوه وضرب بعضها ببعض ~~ونسبتها إلى الطبائع الأربع وإلى أنها الفاعلة في الوجود وأنها مجمل كل ~~مفصل وعنصر كل موجود ويرتبون في ذلك ترتيبا جميعه دعاو محالة على الكشف ~~والإطلاع ودعوى الكشف ليس بدليل في الشريعة على حال كما أنه لا يعد دليلا ~~في غيرها كما سيأتي بحول الله # فصل # ومن ذلك أنه نقل عن سهل بن عبد الله في فهم القرآن أشياء مما يعد من ~~باطنه فقد ذكر عنه أنه قال في قوله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا أي أضدادا ~~قال وأكبر الأنداد النفس الأمارة بالسوء الطواعة إلى حظوظها PageV03P397 ~~ومنهيها بغير هدى من الله وهذا يشير إلى أن النفس الأمارة داخلة تحت عموم ~~الأنداد حتى لو فصل لكان المعنى فلا تجعلوا لله أندادا لا صنما ولا شيطانا ~~ولا النفس ولا كذا وهذا مشكل الظاهر جدا إذ كان مساق الآية ومحصول القرائن ~~فيها يدل على أن ms718 الأنداد الأصنام أو غيرها مما كانو يعبدون ولم يكونوا ~~يعبدون أنفسهم ولا يتخذونها أربابا ولكن له وجه جار على الصحة وذلك أنه لم ~~يقل إن هذا هو تفسير الآية ولكن أتى بما هو ند في الإعتبار الشرعي الذى شهد ~~له القرآن من جهتين # إحداهما أن الناظر قد يأخذ من معنى الآية معنى من باب الإعتبار فيجريه ~~فيما لم تنزل فيه لأنه يجامعه في القصد أو يقار به لأن حقيقة الند أنه ~~المضاد لنده الجاري على مناقضته والنفس الأمارة هذا شأنها لأنها تأمر صاحبها PageV03P398 ~~بمراعاة حظوظها لاهية أو صادة عن مراعاة حقوق خالقها وهذا هو الذى يعنى به ~~الند في نده لأن الأصنام نصبوها لهذا المعنى بعينه وشاهد صحة هذا الإعتبار ~~قوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وهم لم يعبدوهم من ~~دون الله ولكنهم ائتمروا بأوامرهم وانتهوا عما نهوهم عنه كيف كان فما حرموا ~~عليه حرموه وما أباحوا لهم حللوه فقال الله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله وهذا شأن المتبع لهوى نفسه # والثانية أن الآية وإن نزلت في أهل الأصنام فإن لأهل الإسلام فيها نظرا ~~بالنسبة إليهم ألا ترى أن عمر ابن الخطاب قال لبعض من توسع في الدنيا من ~~أهل الإيمان أين تذهب بكم هذه الآية أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وكان ~~هو يعتبر نفسه بها وإنما أنزلت في الكفار لقوله ويوم يعرض الذين كفروا على ~~النار أذهبتم الآية ولهذا المعنى تقرير في العموم والخصوص فإذا كان كذلك صح ~~التنزيل بالنسبة إلى النفس الأمارة في قوله فلا تجعلوا لله أندادا والله أعلم # فصل # ومن المنقول عن سهل أيضا في قوله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة قال لم يرد ~~الله معنى الأكل في الحقيقة وإنما أراد معنى مساكنة PageV03P399 ~~الهمة لشيء هو غيره أي لا تهتم بشيء هو غيري قال فآدم لم يعصم من الهمة ~~والتدبير فلحقه ما لحقه قال وكذلك كل من ادعى ما ليس له وساكن قلبه ناظرا ~~إلى هوى نفسه لحقه الترك من ms719 الله مع ما جبلت عليه نفسه عليه إلا أن يC ~~فيعصمه من تدبيره وينصره على عدوه وعليها قال وآدم لم يعصم عن مساكنة قلبه ~~إلى تدبير نفسه للخلود لما أدخل الجنة لأن البلاء في الفرع دخل عليه من أجل ~~سكون القلب إلى ما وسوست به نفسه فغلب الهوى والشهوة العلم والعقل بسابق ~~القدر إلى آخر ما تكلم به # وهذا الذى ادعاه في الآية خلاف ما ذكره الناس من أن المراد النهي عن نفس ~~الأكل لا عن سكون الهمة لغير الله وإن كان ذلك منهيا عنه أيضا ولكن له وجه ~~يجري عليه لمن تأول فإن النهي إنما وقع عن القرب لا غيره ولم يرد النهي عن ~~الأول تصريحا فلا منافاة بين اللفظ وبين ما فسر به وأيضا فلا يصح حمل النهي ~~على نفس القرب مجردا إذ لا مناسبة فيه تظهر ولأنه لم يقل به أحد وإنما ~~النهي عن معنى في القرب وهو إما التناول والأكل وإما غيره وهو شيء ينشأ ~~الأكل عنه وذلك مساكنة الهمة فإنه الأصل في تحصيل الأكل ولا شك في أن ~~السكون لغير الله لطلب نفع أو دفع منهى عنه فهذا التفسير له وجه ظاهر فكأنه ~~يقول لم يقع النهي عن مجرد الأكل من حيث هو أكل بل عما ينشأ عنه الأكل PageV03P400 ~~من السكون لغير الله إذ لو انتهى لكان ساكنا لله وحده فلما لم يفعل وسكن ~~إلى أمر في الشجرة غره به الشيطان وذلك الخلد المدعى أضاف الله إليه لفظ ~~العصيان ثم تاب عليه إنه هو التواب الرحيم # ومن ذلك أنه قال في قوله تعالى إن أول بيت وضع للناس الآية باطن البيت ~~قلب محمد صلى الله عليه وسلم يؤمن به من أثبت الله في قلبه التوحيد واقتدى ~~بهدايته وهذا التفسير يحتاج إلى بيان فإن هذا المعنى لا تعرفه العرب ولا ~~فيه من جهتها وضع مجازي مناسب ولا يلائمه مساق بحال فكيف هذا والعذر عنه ~~أنه لم يقع فيه ما يدل على أنه تفسير للقرآن فزال الإشكال ms720 إذا # وبقي النظر في هذه الدعوى ولا بد إن شاء الله من بيانها # ومنه قوله في تفسير قول الله تعالى يؤمنون بالجبت والطاغوت قال رأس ~~الطواغيت كلها النفس الأمارة بالسوء إذا خلى العبد معها للمعصية وهو أيضا ~~من قبيل ما قبله وإن فرض أنه تفسير فعلى ما مر في قوله تعالى فلا تجعلوا ~~لله أندادا # وقال في قوله تعالى والجار ذى القربى الآية أما باطنها فهو القلب والجار ~~الجنب النفس الطبيعي والصاحب بالجنب العقل المقتدى بعمل الشرع وابن السبيل ~~الجوراح المطيعة لله عز وجل وهو من المواضع المشكة PageV03P401 ~~في كلامه ولغيره مثل ذلك أيضا وذلك أن الجاري على مفهموم كلام العرب في ~~هذا الخطاب ما هو الظاهر من أن المراد بالجار ذي القربى وما ذكر معه ما ~~يفهم منه ابتداء وغير ذلك لا يعرفه العرب لا من آمن منهم ولا من كفر ~~والدليل على ذلك أنه لم ينقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير ~~للقرآن يماثله أو يقاربه ولو كان عندهم معروفا لنقل لأنهم كانوا أحرى بفهم ~~ظاهر القرآن وباطنه باتفاق الأئمة ولا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان ~~عليه أولها ولا هم أعرف بالشريعة منهم ولا أيضا ثم دليل يدل على صحة هذا ~~التفسير لا من مساق الآية فإنه ينافيه ولا من خارج إذ لا دليل عليه كذلك بل ~~مثل هذا أقرب إلى ما ثبت رده ونفيه عن القرآن من كلام الباطنية ومن أشبههم # وقال في قوله صرح ممرد من قوارير الصرح نفس الطبع والممرد الهوى إذا كان ~~غالبا ستر أنوار الهوى بالترك من الله تعالى العصمة لعبده وفي قوله فتلك ~~بيوتهم خاوية بما ظلموا أي قلوبهم عند إقامتهم على ما نهوا عنه وقد علموا ~~أنهم مأمورون منهيون والبيوت القلوب فمنها عامرة بالذكر ومنها خراب بالغفلة ~~عن الذكر وفي قوله فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها قال ~~حياة القلوب بالذكر وقال في قوله تعالى ظهر الفساد في البر والبحر الآية ~~مثل الله القلب ms721 بالبحر والجوارح بالبر ومثله أيضا بالأرض التى تزهى بالنبات ~~هذه باطنه # وقد حمل بعضهم قوله تعالى ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ~~على أن المساجد القلوب تمنع بالمعاصي من ذكر الله ونقل في قوله تعالى فاخلع ~~نعليك أن باطن النعلين هو الكونان الدنيا والآخرة فذكر عن الشبلي أن معنى ~~اخلع نعليك اخلع الكل منك تصل إلينا بالكلية وعن ابن عطاء اخلع نعليك عن ~~الكون فلا تنظر إليه بعد هذا الخطاب وقال PageV03P402 ~~النعل النفس والوادي المقدس دين المرء أي حال وقت خلوك من نفسك والقيام ~~معنا بدينك وقيل غير ذلك مما يرجع إلى معنى لا يوجد في النقل عن السلف # وهذا كله إن صح نقله خارج عما تفهمه العرب ودعوى ما لا دليل عليه في مراد ~~الله بكلامه ولقد قال الصديق أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب ~~الله ما لا أعلم وفي الخبر من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ وما أشبه ~~ذلك من التحذيرات وإنما احتيج إلى هذا كله لجلالة من نقل عنهم ذلك من ~~الفضلاء وربما ألم الغزالي بشيء منه في الإحياء وغيره وهو مزلة قدم لمن لم ~~يعرف مقاصد القوم فإن الناس في أمثال هذه الأشياء بين قائلين منهم من يصدق ~~به ويأخذه على ظاهره ويعتقد أن ذلك هو مراد الله تعالى من كتابه وإذا عارضه ~~ما ينقل في كتب التفسير على خلافة فربما كذب به أو أشكل عليه ومنهم من يكذب ~~به على الإطلاق ويرى أنه تقول وبهتان مثل ما تقدم من تفسير الباطنية ومن ~~حذا حذوهم وكلا الطريقين فيه ميل عن الإنصاف ولا بد قبل الخوض في رفع ~~الإشكال من تقديم أصل مسلم يتبين به ما جاء من هذا القبيل وهي ### || AUTO المسألة العاشرة # فنقول # الإعتبارات القرآنية الواردة على القلوب الظاهرة للبصائر إذا صحت على ~~كمال شروطها فهي على ضربين أحدهما ما يكون أصل انفجاره من القرآن ويتبعه ~~سائر الموجودات فإن الإعتبار الصحيح في الجملة هو الذي ms722 يخرق نور البصيرة فيه PageV03P403 ~~حجب الأكوان من غير توقف فإن توقف فهو غير صحيح أو غير كامل حسبما بينه ~~أهل التحقيق بالسلوك والثاني ما يكون أصل انفجاره من الموجودات جزئيها أو ~~كليها ويتبعه الإعتبار في القرآن # فإن كان الأول فذلك الإعتبار صحيح وهو معتبر في فهم باطن القرآن من غير ~~إشكال لأن فهم القرآن إنما يرد على القلوب على وفق ما نزل له القرآن وهو ~~الهداية التامة على ما يليق بكل واحد من المكلفين وبحسب التكاليف وأحوالها ~~لا بإطلاق وإذا كانت كذلك فالمشي على طريقها مشي على الصراط المستقيم ولأن ~~الإعتبار القرآني قلما يجده إلا من كان من أهله عملا به على تقليد أو ~~اجتهاد فلا يخرجون عند الإعتبار فيه عن حدوده كما لم يخرجوا في العمل به ~~والتخلق بأخلاقه عن حدوده بل تنفتح لهم أبواب الفهم فيه على توازي أحكامه ~~ويلزم من ذلك أن يكون معتدا به لجريانه على مجاريه والشاهد على ذلك ما نقل ~~من فهم السلف الصالح فيه فإنه كله جار على ما تقضي به العربية وما تدل عليه ~~الأدلة الشرعية حسبما تبين قبل # وإن كان الثاني فالتوقف عن إعتباره في فهم باطن القرآن لازم وأخذه على ~~إطلاقه فيه ممتنع لأنه بخلاف الأول فلا يصح إطلاق القول باعتباره في فهم ~~القرآن فنقول # إن تلك الأنظار الباطنة في الآيات المذكورة إذا لم يظهر جريانها على ~~مقتضى الشروط المتقدمة فهى راجعة إلى الإعتبار غير القرآني وهو الوجودي ويصح PageV03P404 ~~تنزيله على معاني القرآن لأنه وجودي أيضا فهو مشترك من تلك الجهة غير خاص ~~فلا يطالب فيه المعتبر بشاهد موافق إلا ما يطالبه المربي وهو أمر خاص وعلم ~~منفرد بنفسه لا يختص بهذا الموضع فلذلك يوقف على محله فكون القلب جار ذا ~~قربى والجار الجنب هو النفس الطبيعي إلى سائر ما ذكر يصح تنزيله إعتباريا ~~مطلقا فإن مقابلة الوجود بعضه ببعض في هذا النمط صحيح وسهل جدا عند أربابه ~~غير أنه مغرر بمن ليس براسخ أو داخل تحت إيالة راسخ ### || AUTO ms723 وأيضا فإن من ذكر عنه مثل ذلك من المعتبرين لم يصرح بأنه ~~المعنى المقصود المخاطب به الخلق بل أجراه مجراه وسكت عن كونه هو المراد ~~وإن جاء شيء من ذلك وصرح صاحبه أنه هو المراد فهو من أرباب الأحوال الذين ~~لا يفرقون بين الإعتبار القرآني والوجودي وأكثر ما يطرأ هذا لمن هو بعد في ~~السلوك سائر على الطريق لم يتحقق بمطلوبه ولا إعتبار بقول من لم يثبت ~~إعتبار قوله من الباطنية وغيرهم وللغزالي في مشكات الأنوار وفي - كتاب ~~الشكر من الإحياء وفي - كتاب جواهر القرآن في الإعتبار القرآني وغيره ما ~~يتبين به لهذا الموضع أمثلة فتأملها هناك والله الموفق PageV03P405 ### || AUTO فصل # وللسنة في هذا النمط مدخل فإن كل واحد منهما قابل لذلك الإعتبار المتقدم ~~الصحيح الشواهد وقابل أيضا للاعتبار الوجودي فقد فرضوا نحوه في قوله عليه ~~الصلاة والسلام # لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة إلى غير ذلك من الأحاديث ولا ~~فائدة في التكرار إذا وضح طريق الوصول إلى الحق والصواب ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي وكذلك المكي ~~بعضه مع بعض والمدني بعضه مع بعض على حسب ترتيبه في التنزيل وإلا لم يصح ~~والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي كما أن ~~المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمة دل على ذلك الاستقراء وذلك إنما ~~يكون بيان مجمل أو تخصيص عموم أو تقييد مطلق أو تفصيل ما لم يفصل أو تكميل ~~ما لم يظهر تكميله # وأول شاهد على هذا أصل الشريعة فإنها جاءت متممة لمكارم الأخلاق ومصلحة ~~لما أفسد قبل من ملة إبراهيم عليه السلام ويليه تنزيل سورة الأنعام فإنها ~~نزلت مبينة لقواعد العقائد وأصول الدين وقد خرج العلماء منها قواعد التوحيد ~~التى صنف فيها المتكلمون من أول إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة PageV03P406 ~~هذا ما قالوا وإذا نظرت بالنظر المسوق في هذا الكتاب تبين به من قرب بيان ~~القواعد الشرعية الكلية التي ms724 إذا انخرم منها كلي واحد انخرم نظام الشريعة ~~أو نقص منها أصل كلي # ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان من أول ما نزل ~~عليه سورة البقرة وهي التى قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة ~~الأنعام فإنها بينت من أقسام أفعال المكلفين حملتها وإن تبين في غيرها ~~تفاصيل لها كالعبادات التي هي قواعد الإسلام والعادات من أصل المأكول ~~والمشروب وغيرهما والمعاملات من البيوع والأنكحة وما دار بها والجنايات من ~~أحكام الدماء وما يليها وأيضا فإن حفظ الدين فيهاوحفظ النفس والعقل والنسل ~~والمال مضمن فيها وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل فغيرها من السور ~~المدنية المتأخرة عنها مبني عليها كما كان غير الأنعام من المكي المتأخر ~~عنها مبنيا عليها # وإذا تنزلت إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب وجدتها كذلك حذو ~~القذة بالقذة فلا يغيبن عن الناظر في الكتاب هذا المعنى فإنه من أسرار علوم ~~التفسير وعلى حسب المعرفة به تحصل له المعرفة بكلام ربه سبحانه PageV03P407 ### || AUTO فصل # وللسنة هنا مدخل لأنها مبنية للكتاب فلا تقع في التفسير إلا على وفقه # وبحسب المعرفة بالتقديم والتأخير يحصل بيان الناسخ من المنسوخ في الحديث ~~كما يتبين ذلك في القرآن أيضا ويقع في الأحاديث أشياء تقررت قبل تقرير كثير ~~من المشروعات فيأتي فيها إطلاقات أو عمومات ربما أوهمت ففهم منها يفهم منها ~~لو وردت بعد تقرير تلك المشروعات كحديث # من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة أو حديث # ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صادقا من قلبه ~~إلا حرمه الله على النار وفي المعنى أحاديث كثيرة وقع من أجلها الخلاف بين ~~الأمة فيمن عصى الله من أهل الشهادتين فذهبت المرجئة إلى القول بمقتضى هذه ~~الظواهر على الإطلاق وكان ما عارضها مؤولا عند هؤلاء وذهب أهل السنة ~~والجماعة إلى خلاف ما قالوه حسبما هو مذكور في كتبهم وتأولوا هذه الظواهر PageV03P408 ~~ومن جملة ذلك أن طائفة من ms725 السلف قالوا إن هذه الأحاديث منزلة على الحالة ~~الأولى للمسلمين وذلك قبل أن تنزل الفرائض والأمر والنهي ومعلوم أن من مات ~~في ذلك الوقت ولم يصل أو لم يصم مثلا وفعل ما هو محرم في الشرع لا حرج عليه ~~لأنه لم يكلف بشيء من ذلك بعد فلم يضيع من أمر إسلامه شيئا كما أن من مات ~~والخمر في جوفه قبل أن تحرم فلا حرج عليه لقوله تعالى ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح الآية وكذلك من مات قبل أن تحول القبلة نحو الكعبة لا ~~حرج عليه في صلاته إلى بيت المقدس لقوله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم ~~وإلى أشياء من هذا القبيل فيها بيان لما نحن فيه وتصريح بأن اعتبار الترتيب ~~في النزول مفيد في فهم الكتاب والسنة ### || AUTO المسألة الثانية عشرة # ربما أخذ تفسير القرآن على التوسط والإعتدال وعليه أكثر السلف المتقدمين ~~بل ذلك شأنهم وبه كانوا أفقه الناس فيه وأعلم العلماء بمقاصده وبواطنه # وربما أخذ على أحد الطرفين الخارجين عن الإعتدال إما على الإفراط وإما ~~على التفريط وكلا طرفي قصد الأمور ذميم # فالذين أخذوه على التفريط قصروا في فهم اللسان الذى به جاء وهو العربية ~~فما قاموا في تفهم معانيه ولا قعدوا كما تقدم عن الباطنية وغيرها ولا إشكال ~~في اطراح التعويل على هؤلاء ### || AUTO والذين أخذوه على الإفراط أيضا قصروا فى فهم معانيه من جهة ~~أخرى وقد تقدم في - كتاب المقاصد بيان أن الشريعة أمية وأن ما لم يكن ~~معهودا عند العرب PageV03P409 ~~فلا يعتبر فيها ومر فيه أنها لا تقصد التدقيقات فى كلامها ولا تعتبر ~~ألفاظها كل الاعتبار إلا من جهة ما تؤدي المعاني المركبة فما وراء ذلك إن ~~كان مقصودا لها فبالقصد الثاني ومن جهة ما هو معين على إدارك المعنى ~~المقصود كالمجاز والاستعارة والكناية وإذا كان كذلك فربما لا يحتاج فيه إلى ~~فكر فإن احتاج الناظر فيه إلى فكر خرج عن نمط الحسن إلى نمط القبح والتكلف ~~وذلك ليس من كلام العرب فكذلك ms726 لا يليق بالقرآن من باب الأولى وأيضا فإنه ~~حائل بين الإنسان وبين المقصود من الخطاب من التفهم لمعناه ثم التعبد ~~بمقتضاه # وذلك أنه إعذار وإنذار وتبشير وتحذير ورد إلى الصراط المستقيم فكم بين من ~~فهم معناه ورأى أنه مقصود العبارة فداخله من خوف الوعيد ورجاء الموعود ما ~~صار به مشمرا عن ساعد الجد والاجتهاد باذلا غاية الطاقة فى الموافقات هاربا ~~بالكلية عن المخالفات وبين من أخذ في تحسين الإيراد والاشتغال بمآخذ ~~العبارة ومدارجها ولم اختلفت مع مرادفتها مع أن المعنى واحد وتفريع التجنيس ~~ومحاسن الألفاظ والمعنى المقصود فى الخطاب بمعزل عن النظر فيه # كل عاقل يعلم أن مقصود الخطاب ليس هو التفقه فى العبارة بل التفقه فى ~~المعبر عنه وما المراد به هذا لا يرتاب فيه عاقل # ولا يصح أن يقال إن التمكن في التفقه في الألفاظ والعبارات وسيلة إلى ~~التفقه فى المعاني بإجماع العلماء فكيف يصح إنكار ما لا يمكن إنكاره ولأن ~~الاشتغال PageV03P410 ~~بالوسيلة والقيام بالفرض الواجب فيها دون الاشتغال بالمعنى المقصود لا ~~ينكر فى الجملة والالزام ذم علم العربية بجميع أصنافه وليس كذلك باتفاق ~~العلماء # لأنا نقول ما ذكرته فى السؤال لا ينكر بإطلاق كيف وبالعربية فهمنا عن ~~الله تعالى مراده من كتابه وإنما المنكر الخروج فى ذلك إلى حد الإفراط الذى ~~يشك فى كونه مراد المتكلم أو يظن أنه غير مراد أو يقطع به فيه لأن العرب لم ~~يفهم منها قصد مثله فى كلامها ولم يشتغل بالتفقه فيه سلف هذه الأمة # فما يؤمننا من سؤال الله تعالى لنا يوم القيامة من أين فهمتم عنى أنى ~~قصدت التجنيس الفلاني بما أنزلت من قولى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أو ~~قولى قال إنى لعملكم من القالين فإن فى دعوى مثل هذا على القرآن وأنه مقصود ~~للمتكلم به خطرا بل هو راجع إلى معنى قوله تعالى إذ تلقونه بألسنتكم ~~وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم وإلى ~~أنه قول فى كتاب الله بالرأي وذلك ms727 بخلاف الكناية فى قوله تعالى أو لامستم ~~النساء وقوله كانا يأكلان الطعام وما أشبه ذلك PageV03P411 ~~فإنه شائع في كلام العرب مفهوم من مساق الكلام معلوم اعتباره عند أهل ~~اللسان ضرورة والتجنيس ونحوه ليس كذلك وفرق ما بينهما خدمة المعنى المراد ~~وعدمه إذ ليس فى التجنيس ذلك والشاهد على ذلك ندوره من العرب الأجلاف ~~البوالين على أعقابهم كما قال أبو عبيدة ومن كان نحوهم وشهرة الكناية ~~وغيرها ولا تكاد تجد ما هو نحو التجنيس إلا فى كلام المولدين ومن لا يحتج ~~به فالحاصل أن لكل علم عدلا وطرفا إفراط وتفريط والطرفان هما المذمومان ~~والوسط هو المحمود ### || AUTO المسألة الثالثة عشرة # مبنية على ما قبلها # فإنه إذا تعين أن العدل فى الوسط فمأخذ الوسط ربما كان مجهولا والإحالة PageV03P412 ~~على مجهول لا فائدة فيه فلا بد من ضابط يعول عليه فى مأخذ الفهم # والقول فى ذلك والله المستعان أن المساقات تختلف بإختلاف الأحوال ~~والأوقات والنوازل وهذا معلوم فى علم المعاني والبيان فالذي يكون على بال ~~من المستمع والمتفهم والالتفات إلى أول الكلام وآخره بحسب القضية وما ~~اقتضاه الحال فيها لا ينظر في أولها دون آخرها ولا في آخرها دون أولها فإن ~~القضية وإن اشتملت على جمل فبعضها متعلق بالبعض لأنها قضية واحدة نازلة فى ~~شيء واحد فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله وأوله على آخره وإذ ~~ذاك يحصل مقصود الشارع فى فهم المكلف فإن فرق النظر فى أجزائه فلا يتوصل به ~~إلى مراده فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض إلا في ~~موطن واحد وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان PageV03P413 ~~العربي وما يقتضيه لا بحسب مقصود المتكلم فإذا صح له الظاهر على العربية ~~رجع إلى نفس الكلام فعما قريب يبدو له منه المعنى المراد فعليه بالتعبد به # وقد يعينه على هذا المقصد النظر فى أسباب التنزيل فإنها تبين كثيرا من ~~المواضع التي يختلف مغزاها على الناظر # غير أن الكلام المنظور فيه تارة يكون واحدا بكل ms728 اعتبار بمعنى أنه أنزل فى ~~قضية واحدة طالت أو قصرت وعليه أكثر سور المفصل وتارة يكون متعددا في ~~الاعتبار بمعنى أنه أنزل فى قضايا متعددة كسورة البقرة وآل عمران والنساء ~~واقرأ باسم ربك وأشباهها ولا علينا أنزلت السورة بكمالها دفعة واحدة أم ~~نزلت شيئا بعد شئيء # ولكن هذا القسم لها اعتباران اعتبار من جهة تعدد القضايا فتكون كل قضية ~~مختصة بنظرها ومن هنالك يلتمس الفقه على وجه ظاهر لا كلام فيه ويشترك مع ~~هذا الاعتبار القسم الأول فلا فرق بينهما فى التماس العلم والفقه # واعتبار من جهة النظم الذي وجدنا عليه السورة إذ هو ترتيب بالوحي لا مدخل ~~فيه لآراء الرجال ويشترك معه أيضا القسم الأول لأنه نظم ألقي بالوحي # وكلاهما لا يلتمس منه فقه على وجه ظاهر وإنما يلتمس منه ظهور بعض أوجه PageV03P414 ~~الإعجاز وبعض مسائل نبه عليها فى المسألة السابقة قبل وجميع ذلك لا بد فيه ~~من النظر فى أول الكلام وآخره بحسب تلك الاعتبارات فاعتبار جهة النظم مثلا ~~في السورة لا يتم به فائدة إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر فالاقتصار على ~~بعضها فيه غير مفيد غاية المقصود كما أن الاقتصار على بعض الآية فى استفادة ~~حكم ما لا يفيد إلا بعد كمال النظر في جميعها # فسورة البقرة مثلا كلام واحد باعتبار النظم واحتوت على أنواع من الكلام ~~بحسب ما بث فيها منها ما هو كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب ~~ومنها ما هو كالمؤكد والمتمم ومنها ما هو المقصود في الإنزال وذلك تقرير ~~الأحكام على تفاصيل الأبواب ومنها الخواتم العائدة على ما قبلها بالتأكيد ~~والتثبيت وما أشبه ذلك ولا بد من تمثيل شيء من هذه الأقسام فبه يبين ما ~~تقدم فقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين ~~من قبلكم إلى قوله كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون كلام واحد وإن ~~نزل في أوقات شتى وحاصله بيان الصيام وأحكامه وكيفية آدابه وقضائه وسائر ما ~~يتعلق به من الجلائل التي لا بد ms729 منها ولا ينبنى إلا عليها ثم جاء قوله ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الآية كلاما آخر بين أحكاما أخر # وقوله يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج وانتهى الكلام على قول ~~طائفة وعند أخرى أن قوله وليس البر بأن تأتوا البيوت الآية PageV03P415 ~~وقوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر نازلة فى قضية واحدة # وسورة اقرأ نازلة فى قضيتين الأولى إلى قوله علم الإنسان ما لم يعلم ~~والأخرى ما بقي إلى آخر السورة # وسورة المؤمنين نازلة فى قضية واحدة وإن اشتملت على معان كثيرة فإنها من ~~المكيات وغالب المكي أنه مقرر لثلاثة معان أصلها معنى واحد وهو الدعاء إلى ~~عبادة الله تعالى # أحدها تقرير الوحدانية لله الواحد الحق غير أنه يأتي على وجوه كنفي ~~الشريك بإطلاق أو نفيه بقيد ما ادعاه الكفار فى وقائع مختلفة من كونه مقربا ~~إلى الله زلفى أو كونه ولدا أو غير ذلك من أنواع الدعاوى الفاسدة # والثاني تقرير النبوة للنبي محمد وأنه رسول الله إليهم جميعا صادق فيما ~~جاء به من عند الله إلا أنه وارد على وجوه أيضا كإثبات كونه رسولا حقا ونفي ~~ما ادعوه عليه من أنه كاذب أو ساحر أو مجنون أو يعلمه بشر أو ما أشبه ذلك ~~من كفرهم وعنادهم # والثالث إثبات أمر البعث والدار الآخرة وأنه حق لا ريب فيه بالأدلة ~~الواضحة والرد على من أنكر ذلك بكل وجه يمكن الكافر إنكاره به فرد بكل وجه ~~يلزم الحجة ويبكت الخصم ويوضح الأمر # فهذه المعانى الثلاثة هي التي اشتمل عليها المنزل من القرآن بمكة فى عامة الأمر # وما ظهر ببادي الرأي خروجه عنها فراجع إليها فى محصول الأمر ويتبع ذلك ~~الترغيب والترهيب والأمثال والقصص وذكر الجنة والنار ووصف يوم القيامة ~~وأشباه ذلك PageV03P416 ~~فإذا تقرر هذا وعدنا إلى النظر في سورة المؤمنين مثلا وجدنا فيها المعاني ~~الثلاثة على أوضح الوجوه إلا أنه غلب على نسقها ذكر إنكار الكفار للنبوة ~~التي هي المدخل للمعنين الباقين وإنهم إنما انكروا ذلك بوصف البشرية ترفعا ~~منهم أن يرسل ms730 إليهم من هو مثلهم أو ينال هذه الرتبة غيرهم إن جاءت فكانت ~~السورة تبين وصف البشرية وما تنازعوا فيه منها وبأي وجه تكون على أكمل ~~وجوهها حتى تستحق الاصطفاء والاجتباء من الله تعالى فافتتحت السورة بثلاث جمل # إحداها وهي الآكد فى المقام بيان الأوصاف المكتسبة للعبد التى إذا اتصف ~~بها رفعة الله وأكرمه وذلك قوله قد أفلح المؤمنون إلى قوله هم فيها خالدون # والثانية بيان أصل التكوين للإنسان وتطويره الذى حصل له جاريا على مجارى ~~الاعتبار والاختيار بحيث لا يجد الطاعن إلى الطعن على من هذا حاله سبيلا # والثالثة بيان وجوه الإمداد له من خارج بما يليق به في التربية والرفق ~~والإعانة على إقامة الحياة وأن ذلك له بتسخير السموات والأرض وما بينهما # وكفى بهذا تشريفا وتكريما # ثم ذكرت قصص من تقدم مع أنبيائهم واستهزائهم بهم بأمور منها كونهم من ~~البشر ففي قصة نوح مع قومه قولهم ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ~~ثم أجمل ذكر قوم آخرين أرسل فيهم رسولا منهم أي من البشر لا من الملائكة ~~فقالوا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه الآية ولئن أطعتم بشرا ~~مثلكم إنكم إذا لخاسرون ثم قالوا إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا أي هو ~~من البشر ثم قال تعالى ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه ~~فقوله رسولها مشيرا إلى أن المراد رسولها الذي تعرفه منها ثم ذكر موسى ~~وهارون ورد فرعون وملائه بقولهم أنؤمن لبشرين مثلنا PageV03P417 ~~الخ هذا كله حكاية عن الكفار الذين غضوا من رتبة النبوة بوصف البشرية ~~تسلية لمحمد عليه الصلاة والسلام ثم بين أن وصف البشرية للأنبياء لا غض فيه ~~وأن جميع الرسل إنما كانوا من البشر يأكلون ويشربون كجميع الناس والاختصاص ~~أمر آخر من الله تعالى فقال بعد تقرير رسالة موسى وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~وكانا مع ذلك يأكلان ويشربان ثم قال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات أي هذا ~~من نعم الله عليكم والعمل ms731 الصالح شكر تلك النعم ومشرف للعامل به فهو الذي ~~يوجب التخصيص لا الأعمال السيئة وقوله وأن هذه أمتكم أمة واحدة إشارة إلى ~~التماثل بينهم وأنهم جميعا مصطفون من البشر ثم ختم هذا المعنى بنحو مما به ~~بدأ فقال إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى قوله هم لها سابقون # وإذا تؤمل هذا النمط من أول السورة إلى هنا فهم أن ما ذكر من المعنى هو ~~المقصود مضافا إلى المعنى الآخر وهو أنهم إنما قالوا ذلك وغضوا من الرسل ~~بوصف البشرية استكبارا من أشرافهم وعتوا على الله ورسوله فإن الجملة الأولى ~~من أول السورة تشعر بخلاف الاستكبار وهو التعبد لله بتلك الوجوه المذكورة ~~والجملة الثانية مؤذنة بأن الإنسان منقول فى أطوار العدم وغاية الضعف فإن ~~التارات السبع أتت عليه وهي كلها ضعف إلى ضعف وأصله العدم فلا يليق بمن هذه ~~صفته الاستكبار والجملة الثالثة مشعرة بالاحتياج إلى تلك الأشياء والافتقار ~~إليها ولولا خلقها لم يكن للإنسان بقاء بحكم العادة الجارية فلا يليق ~~بالفقير الاستكبار على من هو مثله فى النشأة والخلق فهذا كله كالتنكيت ~~عليهم والله أعلم ثم ذكر القصص فى قوم نوح فقال الملأ الذين كفروا من قومه ~~والملأ هم الأشراف وكذلك فيمن بعدهم وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا ~~بلقاء الآخرة وأترفناهم الآية وفي قصة موسى أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا ~~عابدون ومثل هذا الوصف يدل على أنهم لشرفهم فى قومهم قالوا هذا الكلام ثم قوله PageV03P418 ~~أشراف قريش وأنهم إنما تشرفوا بالمال والبنين فرد عليهم بأن الذى يجب له ~~الشرف من كان على هذا الوصف وهو قوله إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ثم ~~رجعت الآيات إلى وصفهم فى ترفهم وحال مآلهم وذكر النعم عليهم والبراهين عل ~~صحة النبوة وأن ما قال عن الله حق من إثبات الوحدانية ونفى الشريك وأمور ~~الدار الآخرة للمطيعين والعاصين حسبما اقتضاه الحال والوصف للفريقين فهذا ~~النظر إذا اعتبر كليا في السورة وجد على أتم من هذا الوصف لكن على منهاجه ms732 ~~وطريقه ومن أراد الاختبار فى سائر سور القرآن فالباب مفتوح والتوفيق بيد ~~الله فسورة المؤمنين قصة واحدة فى شيء واحد # وبالجملة فحيث ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب ~~وموسى وهارون فإنما ذلك تسلية لمحمد عليه الصلاة والسلام وتثبيت لفؤاده لما ~~كان يلقى من عناد الكفار وتكذيبهم له على أنواع مختلفة فتذكر القصة على ~~النحو الذي يقع له مثله وبذلك اختلف مساق القصة الواحدة بحسب اختلاف ~~الأحوال والجميع حق واقع لا إشكال فى صحته وعلى حذو ما تقدم من الأمثلة ~~يحتذى فى النظر فى القرآن لمن أراد فهم القرآن والله المستعان PageV03P419 ### || AUTO فصل # وهل للقرآن مأخذ فى النظر على أن جميع سوره كلام واحد بحسب خطاب العباد ~~لا بحسبه فى نفسه فإن كلام الله فى نفسه كلام واحد لا تعدد فيه بوجه ولا ~~باعتبار حسبما تبين فى علم الكلام وإنما مورد البحث هنا باعتبار خطاب ~~العباد تنزيلا لما هو من معهودهم فيه هذا محل احتمال وتفصيل # فيصح فى الاعتبار أن يكون واحدا بالمعنى المتقدم أي يتوقف فهم بعضه على ~~بعض بوجه ما وذلك أنه يبين بعضه بعضا حتى إن كثيرا منه لا يفهم معناه حق ~~الفهم إلا بتفسير موضع آخر أو سورة أخرى ولأن كل منصوص عليه فيه من أنواع ~~الضروريات مثلا مقيد بالحاجيات فإذا كان كذلك فبعضه متوقف على البعض في ~~الفهم فلا محالة أن ما هو كذلك فكلام واحد فالقرآن كله كلام واحد بهذا ~~الاعتبار # ويصح أن لا يكون كلاما واحدا وهو المعنى الأظهر فيه فإنه أنزل سورا ~~مفصولا بينها معنى وابتداء فقد كانوا يعرفون انقضاء السورة وابتداء الأخرى ~~بنزول بسم الله الرحمن الرحيم فى أول الكلام وهكذا نزول أكثر الآيات التي ~~نزلت على وقائع وأسباب يعلم من إفرادها بالنزول استقلال معناها للإفهام ~~وذلك لا إشكال فيه PageV03P420 ### || AUTO المسألة الرابعة عشرة # إعمال الرأي في القرآن جاء ذمه وجاء أيضا ما يقتضى إعماله وحسبك من ذلك ~~ما نقل عن الصديق فإنه نقل عنه أنه قال وقد ms733 سئل في شيء من القرآن أي سماء ~~تظلنى وأي أرض تقلنى إن أنا قلت فى كتاب الله ما لا أعلم وربما روى فيه إذا ~~قلت فى كتاب الله برأيي ثم سئل عن الكلالة المذكورة فى القرآن فقال لا أقول ~~فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان الكلالة ~~كذا وكذا فهذان قولان اقتضيا إعمال الرأي وتركه فى القرآن وهما لا يجتمعان # والقول فيه أن الرأي ضربان # أحدهما جار على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة فهذا لا يمكن ~~إهمال مثله لعالم بهما لأمور أحدها أن الكتاب لا بد من القول فيه ببيان ~~معنى واستنباط حكم وتفسير لفظ وفهم مراد ولم يأت جميع ذلك عمن تقدم فإما أن ~~يتوقف دون ذلك فتتعطل الأحكام كلها أو أكثرها وذلك غير ممكن لا بد من القول ~~فيه بما يليق # والثاني أنه لو كان كذلك للزم أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم مبينا ~~ذلك كله بالتوقيف فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول والمعلوم أن عليه الصلاة ~~والسلام لم يفعل ذلك فدل على أنه لم يكلف به على ذلك الوجه بل بين منه ما ~~لا يوصل إلى علمه إلا به وترك كثيرا مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم ~~فلم يلزم فى جميع تفسير القرآن التوقيف # والثالث أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم وقد علم أنهم ~~فسروا القرآن على ما فهموا ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه والتوقيف ينافي هذا ~~فإطلاق القول بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصح # والرابع أن هذا الفرض لا يمكن لأن النظر فى القرآن من جهتين من جهة PageV03P421 ~~الأمور الشرعية فقد يسلم القول بالتوقيف فيه وترك الرأي والنظر جدلا ومن ~~جهة المآخذ العربية وهذا لا يمكن فيه التوقيف والإ لزم ذلك فى السلف ~~الأولين وهو باطل فاللازم عنه مثله وبالجملة فهو أوضح من إطناب فيه ### || AUTO وأما الرأي غير الجاري على موافقة العربية أو الجاري على ~~الأدلة الشرعية فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال كما ms734 كان مذموما في ~~القياس أيضا حسبما هو مذكور فى - كتاب القياس لأنه تقول على الله بغير ~~برهان فيرجع إلى الكذب على الله تعالى وفي وهذا القسم جاء من التشديد فى ~~القول بالرأي فى القرآن ما جاء كما روى عن ابن مسعود # ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم ~~بالعلم وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع وعليكم بالعتيق وعن عمر بن الخطاب # إنما أخاف عليكم رجلين رجل يتأول القرآن على غير تأويله ورجل ينافس الملك ~~على أخيه وعن عمر أيضا # ما أخاف على هذه الأمة من مؤمن ينهاه إيمانه ولا من فاسق بين فسقه ولكني ~~أخاف عليها رجلا قد قرأ القرآن حتى أذلقه بلسانه ثم تأوله على غير تأويله ~~والذي ذكر عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن قوله وفاكهة وأبا فقال أي سماء ~~تظلنى الحديث وسأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فقال له ~~ابن عباس فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فقال الرجل إنما سألتك لتحدثنى ~~فقال ابن عباس هما يومان ذكرهما الله فى كتابه الله أعلم بهما نكره أن نقول ~~في كتاب الله ما لا نعلم وعن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن شيء من ~~القرآن قال أنا لا أقول فى القرآن شيئا وسأله رجل عن آية فقال لا تسألنى عن ~~القرآن وسل عنه من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء منه يعنى عكرمة وكأن هذا ~~الكلام مشعر بالإنكار على من يزعم ذلك وقال ابن سيرين سألت عبيدة عن شيء من ~~القرآن فقال اتق الله وعليك PageV03P422 ### || AUTO بالسداد فقد ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن وعن مسروق قال ~~اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله وعن إبراهيم قال كان أصحابنا يتقون ~~التفسير ويهابونه وعن هشام بن عروة قال ما سمعت أبي تأول آية من كتاب الله ~~وإنما هذا كله توق وتحرز أن يقع الناظر فيه في الرأي المذموم والقول فيه من ~~غير تثبت وقد نقل عن الأصمعي وجلالته فى ms735 معرفة كلام العرب معلومة أنه لم ~~يفسر قط آية من كتاب الله وإذا سئل عن ذلك لم يجب انظر الحكاية عنه في - ~~الكامل للمبرد ### || AUTO فصل # فالذي يستفاد من هذا الموضع أشياء # منها التحفظ من القول فى كتاب الله تعالى إلا على بينة فإن الناس في ~~العلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات # إحداها من بلغ فى ذلك مبلغ الراسخين كالصحابة والتابعين ومن يليهم # وهؤلاء قالوا مع التوقي والتحفظ والهيبة والخوف من الهجوم فنحن أولى بذلك ~~منهم إن ظننا بأنفسنا أنا فى العلم والفهم مثلهم وهيهات # والثانية من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم فهذا طرف لا ~~إشكال فى تحريم ذلك عليه # والثالثه من شك فى بلوغه مبلغ أهل الإجتهاد أو ظن ذلك فى بعض علومه دون ~~بعض فهذا أيضا داخل تحت حكم المنع من القول فيه لأن الأصل عدم العلم فعند ~~ما يبقى له شك أو تردد فى الدخول مدخل العلماء الراسخين فانسحاب PageV03P423 ### | CHECK [جزء 4] # الدليل الثاني السنة ويتعلق بها النظر في مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # يطلق لفظ السنة على ما جاء منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الخصوص مما لم ينص عليه في الكتاب العزيز بل إنما نص عليه من جهته عليه ~~الصلاة والسلام كان بيانا لما في الكتاب أولا PageV04P003 ~~ويطلق أيضا في مقابلة البدعة فيقال فلان على سنة إذا عمل على وفق ما عمل ~~عليه النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أولا ويقال ~~فلان على بدعة إذا عمل على خلاف ذلك وكأن هذا الإطلاق إنما اعتبر فيه عمل ~~صاحب الشريعة فأطلق عليه لفظ السنة من تلك الجهة وإن كان العمل بمقتضى الكتاب # ويطلق أيضا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة وجد ذلك في الكتاب أو ~~السنة أو لم يوجد لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا أو اجتهادا ~~مجتمعا عليه منهم أو من خلفائهم فإن إجماعهم إجماع وعمل خلفائهم راجع أيضا ~~إلى ms736 حقيقة الإجماع من جهة حمل الناس عليه حسبما اقتضاه النظر PageV04P004 ~~المصلحي عندهم فيدخل تحت هذا الإطلاق المصالح المرسلة والاستحسان كما ~~فعلوا في حد الخمر وتضمين الصناع وجمع المصحف وحمل الناس PageV04P005 ~~على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة وتدوين الدواوين وما أشبه ذلك ~~ويدل على هذا الإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام # عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وإذا جمع ما تقدم تحصل منه ~~في الإطلاق أربعة أوجه قوله عليه الصلاة والسلام وفعله وإقراره وكل PageV04P006 ~~ذلك إما متلقي بالوحي أو بالإجتهاد بناء على صحة الاجتهاد في حقه وهذه ~~ثلاثة والرابع ما جاء عن الصحابة أو الخلفاء وهو وإن كان ينقسم إلى القول ~~والفعل والإقرار ولكن عد وجها واحدا إذ لم يتفصل الأمر فيما جاء عن الصحابة ~~تفصيل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ### || AUTO المسألة الثانية # رتبة السنة التأخر عن الكتاب في الاعتبار والدليل على ذلك أمور أحدها أن ~~الكتاب مقطوع به والسنة مظنونة والقطع فيها إنما يصح في الجملة لا في ~~التفصيل بخلاف الكتاب فإنه مقطوع به في الجملة والتفصيل والمقطوع به مقدم ~~على المظنون فلزم من ذلك تقديم الكتاب على السنة # والثاني أن السنة إما بيان للكتاب أو زيادة على ذلك فإن كان بيانا فهو ~~ثان على المبين في الاعتبار إذ يلزم من سقوط المبين سقوط البيان ولا يلزم ~~من سقوط البيان سقوط المبين وما شأنه هذا فهو أولى في التقدم وإن لم يكن ~~بيانا فلا يعتبر إلا بعد أن لا يوجد في الكتاب وذلك دليل على تقدم اعتبار الكتاب # والثالث ما دل على ذلك من الأخبار والآثار كحديث معاذ # بم تحكم قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله قال فإن لم ~~تجد قال أجتهد رأيي الحديث وعن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى شريح PageV04P007 ~~إذا أتاك أمر فاقض بما في كتاب الله فإن أتاك ما ليس في كتاب الله فاقض ~~بما سن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ وفي رواية عنه ms737 إذا وجدت شيئا ~~في كتاب الله فاقض فيه ولا تلتفت إلى غيره وقد بين معنى هذا في رواية أخرى ~~أنه قال له انظر ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا وما لم يتبين ~~لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومثل هذا عن ~~ابن مسعود # من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله فإن جاءه ما ليس في كتاب ~~الله فليقض بما قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم الحديث وعن ابن عباس أنه ~~كان إذا عن سئل عن شيء فإن كان في كتاب الله قال به وإن لم يكن في كتاب ~~الله وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال به وهو كثير في كلام السلف ~~والعلماء # وما فرق به الحنفية بين الفرض والواجب راجع إلى تقدم اعتبار الكتاب على ~~اعتبار السنة وأن اعتبار الكتاب أقوى من اعتبار السنة وقد لا يخالف غيرهم ~~في معنى تلك التفرقة والمقطوع به في المسألة أن السنة ليست كالكتاب في ~~مراتب الاعتبار # فإن قيل هذا مخالف لما عليه المحققون # أما أولا فإن السنة عند العلماء قاضية على الكتاب وليس الكتاب بقاض على ~~السنة لأن الكتاب يكون محتملا لأمرين فأكثر فتأتي السنة بتعيين أحدهما ~~فيرجع إلى السنة ويترك مقتضى الكتاب وأيضا فقد يكون ظاهر PageV04P008 ~~الكتاب أمرا فتأتي السنة فتخرجه عن ظاهره وهذا دليل على تقديم السنة # فتخرجه عن ظاهره وهذا دليل على تقديم السنة وحسبك أنها تقيد مطلقة وتخص ~~عمومه وتحمله على غير ظاهرة حسبما هو مذكور في الأصول فالقرآن آت بقطع كل ~~سارق فخصت السنة من ذلك سارق النصاب المحرز وأتى بأخذ الزكاة من جميع ~~الأموال ظاهرا فخصته بأموال مخصوصة وقال تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم # فأخرجت من ذلك نكاح المرأة على عمتها أو خالتها فكل هذا ترك لظواهر ~~الكتاب وتقديم للسنة عليه ومثل ذلك لا يحصى كثرة # وأما ثانيا فإن الكتاب والسنة إذا تعارضا فاختلف أهل الأصول هل يقدم ms738 ~~الكتاب على السنة أم بالعكس أم هما متعارضان # وقد تكلم الناس في حديث معاذ ورأوا أنه على خلاف الدليل فإن كل ما في ~~الكتاب لا يقدم على كل السنة فإن الأخبار المتواترة لا تضعف في الدلالة عن ~~أدلة الكتاب وأخبار الآحاد في محل الاجتهاد مع ظواهر الكتاب ولذلك وقع ~~الخلاف وتأولوا التقديم في الحديث على معنى البداية بالأسهل الأقرب وهو ~~الكتاب فإذا كان الأمر على هذا فلا وجه لإطلاق القول بتقديم الكتاب بل ~~المتبع الدليل # فالجواب أن قضاء السنة على الكتاب ليس بمعنى تقديمها عليه واطراح الكتاب ~~بل أن ذلك المعبر في السنة هو المراد في الكتاب فكأن السنة بمنزلة التفسير ~~والشرح لمعاني أحكام الكتاب ودل على ذلك قوله PageV04P009 ~~لتبين للناس ما نزل إليهم فإذا حصل بيان قوله تعالى والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما بأن القطع من الكوع وأن المسروق نصاب فأكثر من حرز مثله ~~فذلك هو المعنى المراد من الآية لا أن نقول إن السنة اثبتت هذه الأحكام دون ~~الكتاب كما إذا بين لنا مالك أو غيره من المفسرين معنى آية أو حديث فعملنا ~~بمقتضاه فلا يصح لنا أن نقول إنا عملنا بقول المفسر الفلاني دون أن نقول ~~عملنا بقول الله أو قول رسوله عليه الصلاة والسلام وهكذا سائر ما بينته ~~السنة من كتاب الله تعالى فمعنى كون السنة قاضية على الكتاب أنها مبينة له ~~فلا يوقف مع إجماله احتماله وقد بينت المقصود منه لا أنها مقدمة عليه # وأما خلاف الأصوليين في التعارض فقد مر في أول كتاب الأدلة أن PageV04P010 ~~خبر الواحد إذا استند إلى قاعدة مقطوع بها فهو في العمل مقبول وإلا ~~فالتوقف وكونه مستندا إلى مقطوع به راجع إلى أنه جزئي تحت معنى قرآني كلي ~~وتبين معنى هذا الكلام هنالك فإذا عرضنا هذا الموضع على تلك القاعدة وجدنا ~~المعارضة في الآية والخبر معارضة أصلين قرآنيين فيرجع إلى ذلك وخرج عن ~~معارضة كتاب مع سنة وعند ذلك لا يصح وقوع هذا التعارض إلا من تعارض قطعيين ~~وأما إن لم ms739 يستند الخبر إلى قاعدة قطعية فلا بد من تقديم القرآن على الخبر بإطلاق # وأيضا فإن ما ذكر من تواتر الأخبار إنما غالبه فرض أمر جائز ولعلك لا تجد ~~في الأخبار النبوية ما يقضى بتواتره إلى زمان الواقعة فالبحث المذكور في ~~المسألة بحث في غير واقع أو في نادر الوقوع ولا كبير جدوى فيه والله أعلم PageV04P011 ### || AUTO المسألة الثالثة # السنة راجعة في معناها إلى الكتاب فهي تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره # وذلك لأنها بيان له وهو الذي دل عليه قوله تعالى وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم فلا تجد في السنة أمرا إلا والقرآن قد دل على ~~معناه دلالة إجمالية أو تفصيلية وأيضا فكل ما دل على أن القرآن هو كلية ~~الشريعة وينبوع لها فهو دليل على ذلك لأن الله قال وإنك لعلى خلق عظيم ~~وفسرت عائشة ذلك بأن خلقه القرآن واقتصرت في خلقه على ذلك فدل على أن قوله ~~وفعله وإقراره راجع إلى القرآن لأن الخلق محصور PageV04P012 ~~أكملت لكم دينكم وهو يريد بإنزال القرآن فالسنة إذا في محصول الأمر بيان ~~لما فيه وذلك معنى كونها راجعة إليه وأيضا فالاستقراء التام دل على ذلك ~~حسبما يذكر بعد بحول الله وقد تقدم في أول كتاب الأدلة أن السنة راجعة إلى ~~الكتاب وإلا وجب التوقف عن قبولها وهو أصل كاف في هذا المقام # فإن قيل هذا غير صحيح من أوجه # أحدها أن الله تعالى قال فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ~~الآية والآية نزلت في قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير بالسقى قبل ~~الأنصاري من شراج الجرة الحديث مذكور في الموطأ وذلك ليس في كتاب الله ~~تعالى ثم جاء في عدم الرضى به من الوعيد ما جاء وقال الله تعالى يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله PageV04P013 ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر والرد إلى الله هو الرد إلى ~~الكتاب والرد إلى الرسول ms740 هو الرد إلى سنته بعد موته وقال وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول واحذروا وسائر ما قرن فيه طاعة الرسول بطاعة الله فهو دال ~~على أن طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه وطاعة الرسول ما أمر به ونهى ~~عنه مما جاء به مما ليس في القرآن إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله ~~وقال فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة الآية فقد اختص الرسول ~~عليه الصلاة والسلام بشئ يطاع فيه وذلك السنة التي لم تأت في القرآن وقال ~~ومن يطع الرسول فقد أطاع الله وقال وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا وأدلة PageV04P014 ~~القرآن تدل على أن كل ما جاء به الرسول وكل ما أمر به ونهى فهو لاحق في ~~الحكم بما جاء في القرآن فلا بد أن يكون زائدا عليه # والثاني الأحاديث الدالة على ذم ترك السنة واتباع الكتاب إذ لو كان ما في ~~السنة موجودا في الكتاب لما كانت السنة متروكة على حال كما روى أنه عليه ~~الصلاة والسلام قال # يوشك بأحدكم أن يقول هذا كتاب الله ما كان فيه من حلال أحللناه وما كان ~~فيه من حرام حرمناه ألا من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب الله ورسوله ~~والذي حدثه وعنه أنه قال # يوشك رجل منكم متكئا على أريكته يحدث بحديث عني فيقول بيننا وبينكم كتاب ~~الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا ~~وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي حرم الله وفي رواية # لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من PageV04P015 ~~أمري بما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله ~~اتبعناه وهذا دليل على أن في السنة ما ليس في الكتاب # والثالث أن الاستقراء دل على أن في السنة أشياء لا تحصى كثرة لم ينص ~~عليها في القرآن كتحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها وتحريم الحمر ~~الأهلية وكل ذي ناب ms741 من السباع والعقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر ~~وهو الذي نبه عليه حديث علي ابن أبي طالب حيث قال فيه # ما عندنا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم وما في هذه الصحيفة وفي ~~حديث آخر عن علي أنه خطب وعليه سيف فيه صحيفة معلقة فقال # والله ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة فنشرها فإذا ~~أسنان الإبل وإذا فيها المدينة حرم من عير إلى كذا فمن أحدث فيها حدثا ~~فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا PageV04P016 ~~ولا عدلا وإذا فيها ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلما ~~فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ~~وإذا فيها من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا وجاء في حديث معاذ # بم تحكم قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال فبسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وما في معناه مما تقدم ذكره وهو واضح في أن في السنة ما ليس في ~~القرآن وهو نحو قول من قال من العلماء ترك الكتاب موضعا للسنة وتركت السنة ~~موضعا للقرآن # والرابع أن الاقتصار على الكتاب رأى قوم لا خلاق لهم خارجين عن السنة إذ ~~عولوا على ما بنيت عليه من أن الكتاب فيه بيان كل شئ فاطرحوا أحكام السنة ~~فأداهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة وتأويل القرآن على غير ما أنزل الله ~~فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم # أن أخوف ما أخاف على أمتي اثنتان القرآن واللبن فأما القرآن فيتعلمه ~~المنافقون ليجادلوا به المؤمنين وأما اللبن فيتبعون الريف يتبعون الشهوات ~~ويتركون الصلوات وفي بعض الأخبار عن عمر بن الخطاب # سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالأحاديث فإن أصحاب السنن ~~أعلم بكتاب الله وقال أبو الدرداء # إن مما PageV04P017 ~~أخشى عليكم زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن وعن عمر # ثلاث يهدمن الدين زلة العالم ms742 وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون وعن ابن مسعود # ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم ~~بالعلم وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع وعليكم بالعتيق وعن عمر # إنما أخاف عليكم رجلين رجل يتأول القرآن على غير تأويله ورجل ينافس الملك ~~على أخيه وهنا آثار في هذا المعنى حملها العلماء على تأويل القرآن بالرأي ~~مع طرح السنن وعليه حمل كثير من العلماء قول النبي صلى الله عليه وسلم # إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض ~~العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير ~~علم فضلوا وأضلوا وما في معناه فإن كثيرا من أهل البدع هكذا فعلوا اطرحوا ~~الأحاديث وتأولوا كتاب الله على غير تأويله فضلوا وأضلوا # وربما ذكروا حديثا يعطى أن الحديث لا يلتفت إليه إلا إذا وافق كتاب الله ~~تعالى وذلك ما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال # ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق كتاب الله فأنا قلته وإن ~~خالف كتاب الله فلم أقله أنا وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني الله قال عبد ~~الرحمن ابن مهدي الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث قالوا وهذه الألفاظ لا ~~تصح عنه صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه وقد عارض ~~هذا الحديث قوم فقالوا PageV04P018 ~~نحن نعرضه على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك قالوا فلما عرضناه على ~~كتاب الله وجدناه مخالفا لكتاب الله لأنا لم نجد في كتاب الله أن لا نقبل ~~من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما وافق كتاب الله بل وجدنا كتاب ~~الله يطلق التأسي به والأمر بطاعته ويحذر من المخالفة عن أمره جملة على كل ~~حال هذا مما يلزم القائل إن السنة راجعة إلى الكتاب ولقد ضلت بهذه الطريقة ~~طوائف من المتأخرين كما كان ذلك فيمن تقدم فالقول بها والميل إليها ميل عن ~~الصراط المستقيم أعاذنا الله من ذلك بمنه # فالجواب أن هذه الوجوه المذكورة ms743 لا حجة فيها على خلاف ما تقدم # أما الأوجه الأول فلأنا إذا بنينا على أن السنة بيان للكتاب فلا بد أن ~~تكون بيانا لما في الكتاب احتمال له ولغيره فتبين السنة أحد الاحتمالين دون ~~الآخر فإذا عمل المكلف على وفق البيان أطاع الله فيما أراد بكلامه وأطاع ~~رسوله في مقتضى بيانه ولو عمل على مخالفة البيان عصى الله تعالى في عمله ~~على مخالفة البيان إذ صار عمله على خلاف ما أراد بكلامه وعصى رسوله في ~~مقتضى بيانه فلم يلزم من إفراد الطاعتين تباين المطاع فيه بإطلاق وإذا لم ~~يلزم ذلك لم يكن في الآيات دليل على أن ما في السنة ليس في الكتاب بل قد ~~يجتمعان في المعنى ويقع العصيانان والطاعتان من جهتين ولا محال فيه ويبقى ~~النظر في وجود ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن يأتي على ~~أثر هذا بحول الله تعالى وقوله في السؤال فلا بد أن يكون زائدا عليه مسلم ولكن PageV04P019 ~~هذا الزائد هل هو زيادة الشرح على المشروح إذ كان للشرح بيان ليس في ~~المشروح وإلا لم يكن شرحا أم هو زيادة معنى آخر لا يوجد في الكتاب هذا محل النزاع # وعلى هذا المعنى يتنزل الوجه الثاني # وأيضا فإذا كان الحكم في القرآن إجماليا وهو في السنة تفصيلي فكأنه ليس ~~إياه فقوله أقيموا الصلاة أجمل فيه معنى الصلاة وبينه عليه الصلاة والسلام ~~فظهر من البيان ما لم يظهر من المبين وإن كان معنى البيان هو معنى المبين ~~ولكنهما في الحكم يختلفان ألا ترى أن الوجه في المجمل قبل البيان التوقف ~~وفي البيان العمل بمقتضاه فلما اختلفا حكما صار كإختلافهما معنى فاعتبرت ~~السنة اعتبار المفرد عن الكتاب # وأما الثالث فسيأتي الجواب عنه في المسألة بعد هذا إن شاء الله # وأما الرابع فإنما وقع الخروج عن السنة في أولئك لمكان إعمالهم الرأي ~~وإطراحهم السنن لا من جهة أخرى وذلك أن السنة كما تبين توضح PageV04P020 ~~المحمل وتقيد المطلق وتخصص العموم فتخرج كثيرا من الصيغ ms744 القرآنية عن ظاهر ~~مفهومها في أصل اللغة وتعلم بذلك أن بيان السنة هو مراد الله تعالى من تلك ~~الصيغ فإذا طرحت واتبع ظاهر الصيغ بمجرد الهوى صار صاحب هذا النظر ضالا في ~~نظره جاهلا بالكتاب خابطا في عمياء لا يهتدي إلى الصواب فيها إذ ليس للعقول ~~من إدراك المنافع والمضار في التصرفات الدنيوية إلا النزر اليسير وهي ~~الأخروية أبعد على الجملة والتفصيل # وأما ما احتجوا به من الحديث فإن لم يصح في النقل فلا حجة به لأحد من ~~الفريقين وإن صح أو جاء من طريق يقبل مثله فلا بد من النظر فيه فإن الحديث ~~إما وحي من الله صرف وإما اجتهاد من الرسول عليه الصلاة والسلام معتبر بوحي ~~صحيح من كتاب أو سنة وعلى كلا التقديرين لا يمكن فيه التناقض مع كتاب الله ~~لأنه عليه الصلاة والسلام ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وإذا فرع ~~على القول بجواز الخطأ في حقه فلا يقر عليه ألبتة فلا بد من الرجوع إلى ~~الصواب والتفريع على القول بنفي الخطأ أولى أن لا يحكم باجتهاده حكما يعارض ~~كتاب الله تعالى ويخالفه نعم يجوز أن تأتي السنة بما ليس في مخالفة ولا ~~موافقة بل لما يكون مسكوتا عنه في القرآن إلا إذا قام البرهان على خلاف هذا ~~الجائز وهو الذي ترجم له في هذه المسألة فحينئذ لا بد في كل حديث من ~~الموافقة لكتاب الله كما صرح به الحديث المذكور فمعناه صحيح صح سنده PageV04P021 ~~أو لا وقد خرج في معنى هذا الحديث الطحاوي في كتابه في بيان مشكل الحديث ~~عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري عن أبي حميد وأبي أسيد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال # إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه ~~منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم بحديث عني تنكره قلوبكم وتند منه ~~أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكر فأنا أبعدكم منه وروى أيضا عن عبد الملك ~~المذكور عن عباس بن ms745 سهل أن أبي بن كعب كان في مجلس فجعلوا يتحدثون عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالمرخص والمشدد وأبي بن كعب ساكت فلما فرغوا قال ~~أي هؤلاء ما حديث بلغكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفه القلب ويلين ~~له الجلد وترجون عنده فصدقوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن رسول ~~الله لا يقول إلا الخير # وبين وجه ذلك الطحاوي بأن الله تعالى قال في كتابه إنما المؤمنون الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الآية وقال مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم الآية وقال وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ~~الآية فأخبر عن أهل الإيمان بما هم عليه عند سماع كلامه وكان ما يحدثون به ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من جنس ذلك لأنه كله من عند الله ففي كونهم ~~عند الحديث على ما يكونون عليه عند سماع القرآن دليل على صدق ذلك الحديث ~~وإن كانوا بخلاف ذلك وجب التوقف لمخالفته ما سواه وما قاله يلزم منه أن ~~يكون الحديث موافقا لا مخالفا في المعنى إذ لو PageV04P022 ~~خالف لما اقشعرت الجلود ولا لانت القلوب لأن الضد لا يلائم الضد ولا ~~يوافقه وخرج الطحاوي أيضا عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام # إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوا به قلته أو لم أقله فإني ~~أقول ما يعرف ولا ينكر وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به ~~فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف ووجه ذلك أن المروى إذا وافق كتاب الله وسنة ~~نبيه لوجود معناه في ذلك وجب قبوله لأنه إن لم يثبت أنه قاله بذلك اللفظ ~~فقد قال معناه بغير ذلك من الألفاظ إذ يصح تفسير كلامه عليه الصلاة والسلام ~~للأعجمي بكلامه وإذا كان الحديث مخالفا يكذبه القرآن والسنة وجب أن يدفع ~~ويعلم أنه لم يقله وهذا مثل ما تقدم أيضا والحاصل من الجميع صحة اعتبار ~~الحديث بموافقة القرآن وعدم مخالفته وهو المطلوب على فرض ms746 صحة هذه المنقولات ~~وأما إن لم تصح فلا علينا إذ المعنى المقصود صحيح PageV04P023 ~~ويحقق ذلك ما تقدم في المسألة الثانية من الطرف الأول من كتاب الأدلة ففي ~~ذلك الموضع من أمثلة هذا الأصل في الموافقة والمخالفة جملة كافية وبالله ~~التوفيق وإذا ثبت هذا بقي النظر في الوجه الذي دل الكتاب به على السنة حتى ~~صار متضمنا لكليتها في الجملة وإن كانت بيانا له في التفصيل وهي ### || AUTO المسألة الرابعة # فنقول وبالله التوفيق إن للناس في هذا المعنى مآخذ # منها ما هو عام جدا وكأنه جار مجرى أخذ الدليل من الكتاب على صحة العمل ~~بالسنة ولزوم الاتباع لها وهو في معنى أخذ الإجماع من معنى قوله تعالى ومن ~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين الآية وممن ~~أخذ به عبد الله بن مسعود فروى أن امرأة من بني أسد أتته فقالت له بلغني ~~أنك لعنت ذيت وذيت والواشمة والمستوشمة وإنني قد قرأت ما بين اللوحين فلم ~~أجد الذي تقول فقال لها عبد الله أما قرأت وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله قالت بلى قال فهو ذاك وفي رواية قال عبد الله # لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق ~~الله قال فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فقالت يا أبا عبد الرحمن بلغني عنك انك ~~لعنت كيت وكيت فقال ومالي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو في كتاب الله فقالت المرأة لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته فقال ~~لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه قال الله عز وجل وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا الحديث PageV04P024 ~~فخذوه دون قوله ولآمرنهم فليغيرن خلق الله إن تلك الآية تضمنت جميع ما جاء ~~في الحديث النبوي ويشعر بذلك أيضا ما روى عن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى ~~محرما عليه ثيابه فنهاه فقال ائتني بأية من كتاب الله تنزع ثيابي فقرأ عليه ~~وما آتاكم الرسول فخذوه الآية ms747 وروى أن طاوسا كان يصلي ركعتين بعد العصر ~~فقال له ابن عباس اتركهما فقال إنما نهى عنهما أن تتخذا سنة فقال ابن عباس ~~قد نهى رسول الله صلى لله عليه وسلم عن صلاة بعد العصر فلا أدري أتعذب ~~عليها أم تؤجر لأن الله قال وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم وروى عن الحكم ابن أبان أنه سأل عكرمة عن ~~أمهات الأولاد فقال هن أحرار # قلت بأي شيء قال بالقرآن قلت بأي شيء في القرآن قال قال الله تعالى يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وكان عمر من ~~أولي الأمر قال عتقت ولو بسقط وهذا المأخذ يشبه الاستدلال على إعمال السنة ~~أو هو هو ولكنه أدخل مدخل المعاني التفصيلية التي يدل عليها الكتاب من السنة # ومنها الوجه المشهور عند العلماء كالأحاديث الآتية في بيان ما أجمل ذكره ~~من الأحكام إما بحسب كيفيات العمل أو أسبابه أو شروطه أو موانعه أو PageV04P025 ~~لواحقه أو ما أشبه ذلك كبيانها للصلوات على اختلافها في مواقيتها وركوعها ~~وسجودها وسائر أحكامها وبيانها للزكاة في مقاديرها وأوقاتها ونصب الأموال ~~المزكاة وتعيين ما يزكى مما لا يزكى وبيان أحكام الصوم ومما فيه ما لم يقع ~~النص عليه في الكتاب وكذلك الطهارة الحدثية والخبثية والحج والذبائح والصيد ~~وما يؤكل مما لا يؤكل والأنكحة وما يتعلق بها من الطلاق والرجعة والظهار ~~واللعان والبيوع وأحكامها والجنايات من القصاص وغيره كل ذلك بيان لما وقع ~~مجملا في القرآن وهو الذى يظهر دخوله تحت الآية الكريمة وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم # وقد روى عن عمران بن حصين أنه قال لرجل إنك امرؤ أحمق أتجد في كتاب الله ~~الظهر أربعا لا يجهر فيها بالقراءة ثم عدد إليه الصلاة والزكاة ونحو هذا ثم ~~قال أتجد هذا في كتاب الله مفسرا إن كتاب الله أبهم هذا وإن السنة تفسر ذلك ~~وقيل لمطرف بن عبد الله بن الشخير لا تحدثونا ms748 إلا بالقرآن فقال له مطرف ~~والله ما نريد بالقرآن بدلا ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا وروى ~~الأوزاعي عن حسان بن عطية قال كان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ويحضره جبريل بالسنة التى تفسر ذلك قال الأوزاعي الكتاب أحوج إلى ~~السنة من السنة إلى الكتاب قال ابن عبد البر يريد أنها تقضى عليه وتبين ~~المراد منه وسئل أحمد بن حنبل عن الحديث الذي روى أن السنة قاضية على ~~الكتاب فقال ما أجسر على هذا أن أقوله ولكني أقول إن السنة تفسر الكتاب وتبينه # فهذا الوجه في التفصيل أقرب إلى المقصود وأشهر في استعمال العلماء في هذا المعنى PageV04P026 ~~ومنها النظر إلى ما دل عليه الكتاب في الجملة وأنه موجود في السنة على ~~الكمال زيادة إلى ما فيها من البيان والشرح وذلك أن القرآن الكريم أتى ~~بالتعريف بمصالح الدارين جلبا لها والتعريف بمفاسدهما دفعا لها وقد مر أن ~~المصالح لا تعدو الثلاثة الأقسام وهى الضروريات ويلحق بها مكملاتها ~~والحاجيات ويضاف إليها مكملاتها والتحسينيات ويليها مكملاتها ولا زائد على ~~هذه الثلاثة المقررة في كتاب المقاصد وإذا نظرنا إلى السنة وجدناها لا تزيد ~~على تقرير هذه الأمور فالكتاب أتى بها أصولا يرجع إليها والسنة أتت بها ~~تفريعا على الكتاب وبيانا لما فيه منها فلا تجد في السنة إلا ما هو راجع ~~إلى تلك الأقسام # فالضروريات الخمس كما تأصلت في الكتاب تفصلت في السنة فإن حفظ الدين ~~حاصله في ثلاثة معان وهى الإسلام والإيمان والإحسان فأصلها في الكتاب ~~وبيانها في السنة ومكمله ثلاثة أشياء وهى الدعاء إليه بالترغيب والترهيب ~~وجهاد من عانده أو رام إفساده وتلافي النقصان الطارئ في أصله وأصل هذه في ~~الكتاب وبيانها في السنة على الكمال وحفظ النفس حاصله في ثلاثة معان وهى ~~إقامة أصله بشرعية التناسل وحفظ بقائه بعد خروجه من العدم إلى الوجود من ~~جهة المأكل والمشرب وذلك ما يحفظه من داخل والملبس والمسكن وذلك ما يحفظه من PageV04P027 ~~خارج وجميع هذا مذكور أصله في القرآن ms749 ومبين في السنة ومكمله ثلاثة أشياء ~~وذلك حفظه عن وضعه فى حرام كالزنى وذلك بأن يكون على النكاح الصحيح ويلحق ~~به كل ما هو من متعلقاته كالطلاق والخلع واللعان وغيرها وحفظ ما يتغذى به ~~أن يكون مما لا يضر أو يقتل أو يفسد وإقامة ما لا تقوم هذه الأمور إلا به ~~من الذبائح والصيد وشرعية الحد والقصاص ومراعاة العوارض اللاحقة وأشباه ذلك ~~وقد دخل حفظ النسل في هذا القسم وأصوله في القرآن والسنة بينتها وحفظ المال ~~راجع إلى مراعاة دخوله في الأملاك وكتنميته أن لا يفي ومكمله دفع العوارض ~~وتلافي الأصل بالزجر والحد والضمان وهو PageV04P028 ~~في القرآن والسنة وحفظ العقل يتناول ما لا يفسده وهو في القرآن # ومكملة شرعية الحد أو الزجر وليس في القرآن له أصل على الخصوص فلم يكن له ~~في السنة حكم على الخصوص أيضا فبقى الحكم فيه إلى اجتهاد الأمة وإن ألحق ~~بالضروريات حفظ العرض فله في الكتاب أصل شرحته السنة في اللعان والقذف هذا ~~وجه في الاعتبار في الضروريات ولك أن تأخذها على ما تقدم في أول كتاب ~~المقاصد فيحصل المراد أيضا # وإذا نظرت الى الحاجيات وكذلك التحسينيات # وقد كملت قواعد الشريعة في القرآن وفي السنة فلم يتخلف عنها شيء # والاستقراء يبين ذلك ويسهل على من هو عالم بالكتاب والسنة ولما كان السلف ~~الصالح كذلك قالوا به ونصوا عليه حسبما تقدم عن بعضهم فيه # ومن تشوف إلى مزيد فإن دوران الحاجيات على التوسعة والتيسير ورفع الحرج والرفق PageV04P029 ~~فبالنسبة إلى الدين يظهر في مواضع شرعية الرخص في الطهارة كالتيمم ورفع ~~حكم النجاسة فيما إذا عسر إزالتها وفي الصلاة بالقصر ورفع القضاء في ~~الإغماء والجمع والصلاة قاعدا وعلى جنب وفى الصوم بالفطر في السفر والمرض ~~وكذلك سائر العبادات فالقرآن إن نص على بعض التفاصيل كالتيمم والقصر والفطر ~~فذاك وإلا فالنصوص على رفع الحرج فيه كافية وللمجتهد إجراء القاعدة والترخص ~~بحسبها والسنة أول قائم بذلك # وبالنسبة إلى النفس أيضا يظهر في مواضع منها مواضع الرخص كالميتة للمضطر ~~وشرعية ms750 المواساة بالزكاة وغيرها وإباحة الصيد وإن لم يتأت فيه من إراقة ~~الدم المحرم ما يتأتى بالذكاة الأصلية # وفي التناسل من العقد على البضع من غير تسمية صداق وإجازة بعض الجهالات ~~فيه بناء على ترك المشاحة كما في البيوع وجعل الطلاق ثلاثا دون ما هو أكثر ~~وإباحة الطلاق من أصله والخلع وأشباه ذلك # وبالنسبة إلى المال أيضا في الترخيص في الغرر اليسير والجهالة التي PageV04P030 ~~لا انفكاك عنها في الغالب ورخصة السلم والعرايا والقرض والشفعة والقراض ~~والمساقاة ونحوها ومنه التوسعة في ادخار الأموال وإمساك ما هو فوق الحاجة ~~منها والتمتع بالطيبات من الحلال على جهة القصد من غير إسراف ولا إقتار ~~وبالنسبة إلى العقل في رفع الحرج عن المكره وعن المضطر على قول من قال به ~~في الخوف على النفس عند الجوع والعطش والمرض وما أشبه ذلك كل ذلك داخل تحت ~~قاعدة رفع الحرج لأن أكثره اجتهادي وبينت السنة منه ما يحتذى حذوه فرجع إلا ~~تفسير ما أجمل من الكتاب وما فسر من ذلك في الكتاب فالسنة لا تعدوه ولا ~~تخرج عنه # وقسم التحسينيات جار أيضا كجريان الحاجيات فإنها راجعة إلى العمل بمكارم ~~الأخلاق وما يحسن في مجاري العادات كالطهارات بالنسبة إلى الصلوات على رأي ~~من رأى أنها من هذا القسم وأخذ الزينة من اللباس ومحاسن الهيئات والطيب وما ~~أشبه ذلك وانتخاب الأطيب والأعلى في الزكوات والإنفاقات PageV04P031 ~~وآداب الرفق في الصيام وبالنسبة إلى النفوس كالرفق والإحسان وآداب الأكل ~~والشرب ونحو ذلك وبالنسبة إلى النسل كالإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان ~~من عدم التضييق على الزوجة وبسط الرفق في المعاشرة وما أشبه ذلك وبالنسبة ~~إلى المال كأخذه من غير إشراف نفس والتورع في كسبه واستعماله والبذل منه ~~على المحتاج وبالنسبة إلى العقل كمباعدة الخمر ومجانبتها وإن لم يقصد ~~استعمالها بناء على أن قوله تعالى فاجتنبوه يراد به المجانبة بإطلاق فجميع ~~هذا له أصل في القرآن بينه الكتاب على إجمال أو تفصيل أو على الوجهين معا ~~وجاءت السنة قاضية على ذلك كله بما هو أوضح ms751 في الفهم وأشفى في الشرح وإنما ~~المقصود هنا التنبيه والعاقل يتهدى منه لما لم يذكر مما أشير إليه وبالله ~~التوفيق # ومنها النظر إلى مجال الاجتهاد الحاصل بين الطرفين الواضحين وهو الذي ~~تبين في كتاب الاجتهاد من هذا المجموع ومجال القياس الدائر بين الأصول ~~والفروع وهو المبين في دليل القياس # ولنبدأ بالأول # وذلك أنه يقع في الكتاب النص على طرفين مبينين فيه أو في السنة كما تقدم ~~في المأخذ الثاني وتبقى الواسطة على اجتهاد والتباين لمجاذبة الطرفين إياها ~~فربما كان وجه النظر فيها قريب المأخذ فيترك إلى أنظار المجتهدين حسبما ~~تبين في كتاب الاجتهاد وربما بعد على الناظر أو كان محل تعبد لا يجري على ~~مسلك المناسبة فيأتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه البيان وأنه لاحق ~~بأحد الطرفين أو آخذ من كل واحد منهما بوجه احتياطي أو غيره وهذا هو ~~المقصود هنا PageV04P032 ~~ويتضح ذلك بأمثلة # أحدها أن الله تعالى أحل الطيبات وحرم الخبائث وبقى بين هذين الأصليين ~~أشياء يمكن لحاقها بأحدهما فبين عليه الصلاة والسلام في ذلك ما اتضح به ~~الأمر فنهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ونهى عن أكل ~~لحوم الحمر الأهلية وقال إنها ركس وسئل ابن عمر عن القنفذ قال # كل وتلا قل لا أجد فيما أوحى إلي الآية فقال له إنسان إن أبا هريرة يرويه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقول هو خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر إن ~~قاله النبي صلى الله عليه وسلم فهو كما قال وخرج أبو داود نهى عليه الصلاة ~~والسلام عن أكل الجلالة وألبانها وذلك لما في لحمها ولبنها من أثر الجلة ~~وهى العهدة فهذا كله راجع إلى معنى الإلحاق بأصل الخبائث كما ألحق عليه ~~الصلاة والسلام الضب والحباري والأرنب وأشباهها بأصل الطيبات # والثاني أن الله تعالى أحل من المشروبات ما ليس بمسكر كالماء واللبن ~~والعسل وأشباهها وحرم الخمر من المشروبات لما فيها من إزالة العقل الموقع ~~للعداوة PageV04P033 ~~والبغضاء والصد عن ذكر ms752 الله وعن الصلاة فوقع فيما بين الأصلين ما ليس ~~بمسكر حقيقة ولكنه يوشك أن يسكر وهو نبيذ الدباء والمزفت والنقير وغيرها ~~فنهى عنها إلحاقا لها بالمسكرات تحقيقا سدا للذريعة ثم رجع إلى تحقيق الأمر ~~في أن الأصل الإباحة كالماء والعسل فقال عليه الصلاة والسلام # كنت نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا وكل مسكر حرام وبقى في قليل المسكر على ~~الأصل من التحريم فبين أن # ما أسكر كثيره فقليله حرام وكذلك نهى عن الخليطين للمعنى الذي نهى من ~~أجله عن الانتباذ في الدباء والمزفت وغيرهما # فهذا ونحوه دائر في المعنى بين الأصلين فكان البيان من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعين ما دار بينهما إلى أي جهة يضاف من الأصلين # والثالث أن الله أباح من صيد الجارح المعلم ما أمسك عليك وعلم من ذلك أن ~~ما لم يكن معلما فصيده حرام إذ لم يمسك إلا على نفسه فدار بين الأصلين ما ~~كان معلما ولكنه أكل من صيده فالتعليم يقتضي أنه أمسك عليك والأكل يقتضي ~~أنه اصطاد لنفسه لا لك فتعارض الأصلان فجاءت السنة ببيان ذلك فقال عليه ~~الصلاة والسلام # فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن PageV04P034 ~~يكون إنما أمسكه على نفسه وفي حديث آخر # إذا قتله ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك وجاء في حديث آخر # إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه الحديث وجميع ذلك رجوع ~~للأصلين الظاهرين # والرابع أن النهي ورد على المحرم أن لا يقتل الصيد مطلقا وجاء أن على من ~~قتله عمدا الجزاء وأبيح للحلال مطلقا فمن قتله فلا شيء عليه فبقى قتله خطأ ~~في محل النظر فجاءت السنة بالتسوية بين العمد والخطأ قال الزهري جاء القرآن ~~بالجزاء على العامد وهو في الخطأ سنة والزهري من أعلم الناس بالسنن # والخامس أن الحلال والحرام من كل نوع قد بينه القرآن وجاءت بينهما أمور ~~ملتبسة لأخذها بطرف من الحلال والحرام فبين صاحب السنة صلى الله عليه وسلم ~~من ذلك على الجملة وعلى التفصيل فالأول قوله # الحلال ms753 بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات الحديث ومن الثاني قوله في ~~حديث عبد الله بن زمعة # واحتجبي منه يا سودة لما رأى من شبهه بعتبة الحديث PageV04P035 ~~وفي حديث عدي بن حاتم في الصيد # فإذا اختلط بكلابك كلب من غيرها فلا تأكل لا تدري لعله قتله الذي ليس ~~منها وقال في بئر بضاعة وقد كانت تطرح فيها الحيض والعذرات # خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء فحكم بأحد الطرفين وهو الطهارة وجاء ~~في الصيد # كل ما أصميت ودع ما أنميت وقال في حديث عقبة بن الحرث في الرضاع إذا ~~أخبرته المرأة السوداء بأنها أرضعته والمرأة التى أراد تزوجها قال فيه # كيف بها وقد PageV04P036 ~~زعمت أنها قد أرضعتكما دعها عنك إلى أشياء من هذا القبيل كثيرة # والسادس أن الله عز وجل حرم الزنى وأحل التزويج وملك اليمين وسكت عن ~~النكاح المخالف للمشروع فإنه ليس بنكاح محض ولا سفاح محض فجاء في السنة ما ~~بين الحكم في بعض الوجوه حتى يكون محلا لاجتهاد العلماء في إلحاقه بأحد ~~الأصلين مطلقا أو في بعض الأحوال وبالأصل الآخر في حال آخر فجاء في الحديث # أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل ~~فإن دخل بها فلها المهر بما استحل منها وهكذا سائر ما جاء في النكاح الفاسد ~~من السنة # والسابع أن الله أحل صيد البحر فيما أحل من الطيبات وحرم الميتة فيما حرم ~~من الخبائث فدارت ميتة البحر بين الطرفين فأشكل حكمها فقال عليه الصلاة ~~والسلام # هو الطهور مآؤه الحل ميتته وروى في بعض الحديث PageV04P037 ~~أحلت ميتتان الحيتان والجراد وأكل عليه الصلاة والسلام مما قذفه البحر لما ~~أتى به أبو عبيدة # والثامن أن الله تعالى جعل النفس بالنفس وأقص من الأطراف بعضها من بعض في ~~قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى آخر الآية # هذا في العمد وأما الخطأ فالدية لقوله فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى ~~أهله وبين عليه الصلاة والسلام دية الأطراف على النحو الذي يأتي بحول الله ms754 ~~فجاء طرفان أشكل بينهما الجنين إذا أسقطته أمه بالضربة ونحوها فإنه يشبه ~~جزء الإنسان كسائر الأطراف ويشبه الإنسان التام لخلقته فبينت السنة فيه أن ~~ديته الغرة وأن له حكم نفسه لعدم تمحض أحد الطرفين له # والتاسع أن الله حرم الميتة وأباح المذكاة فدار الجنين الخارج من بطن ~~المذكاة ميتا بين الطرفين فاحتملهما فقال في الحديث # ذكاة الجنين ذكاة PageV04P038 ~~أمه ترجيحا لجانب الجزئية على جانب الاستقلال # والعاشر أن الله قال فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت ~~واحدة فلها النصف فبقيت البنتان مسكوتا عنهما فنقل في السنة حكمهما وهو ~~إلحاقهما بما فوق البنتين ذكره القاضي إسماعيل # فهذه أمثلة يستعان بها على ما سواها فإنه أمر واضح لمن تأمل وراجع إلى ~~أحد الأصلين المنصوص عليهما أو إليهما معا فيأخذ من كل منهما بطرف فلا يخرج ~~عنهما ولا يعدوهما # وأما مجال القياس فإنه يقع في الكتاب العزيز أصول تشير إلى ما كان من ~~نحوها أن حكمه حكمها وتقرب إلى الفهم الحاصل من إطلاقها أن بعض المقيدات ~~مثلها فيجتزى بذلك الأصل عن تفريع الفروع اعتمادا على بيان السنة فيه وهذا ~~النحو بناء على أن المقيس عليه وإن كان خاصا في حكم العام معنى وقد PageV04P039 ~~مر في كتاب الأدلة بيان هذا المعنى فإذا كان كذلك ووجدنا في الكتاب أصلا ~~وجاءت السنة بما في معناه أو ما يلحق به أو يشبهه أو يدانيه فهو المعنى ههنا # وسواء علينا أقلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم قاله بالقياس أو بالوحي ~~إلا أنه جار في أفهامنا مجرى المقيس والأصل الكتاب شامل له بالمعنى المفسر ~~في أول كتاب الأدلة وله أمثلة # أحدهما أن الله عز وجل حرم الربا وربا الجاهلية الذي قالوا فيه إنما ~~البيع مثل الربا هو فسخ الدين في الدين يقول الطالب إما أن تقضي وإما أن ~~تربى وهو الذي دل عليه أيضا قوله تعالى وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم PageV04P040 ~~لا تظلمون ولا تظلمون فقال عليه الصلاة والسلام # وربا الجاهلية موضوع وأول ربا ms755 أضعه ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع ~~كله وإذا كان كذلك وكان المنع فيه إنما هو من أجل كونه زيادة على غير عوض ~~ألحقت السنة به كل ما فيه زيادة بذلك المعنى فقال عليه الصلاة والسلام # الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر ~~والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فمن زاد أو ازداد فقد أربى ~~فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ثم زاد على ذلك ~~بيع النساء إذا اختلفت الأصناف وعده من الربا لأن النساء في أحد العوضين ~~يقتضي الزيادة ويدخل فيه بحكم المعنى السلف يجر نفعا وذلك لأن بيع هذا الجنس PageV04P041 ~~بمثله في الجنس من باب بدل الشيء بنفسه لتقارب المنافع فيما يراد منها ~~فالزيادة على ذلك من باب إعطاء عوض على غير شيء وهو ممنوع والأجل في أحد ~~العوضين لا يكون عادة إلا عند مقارنة الزيادة به في القيمة إذ لا يسلم ~~الحاضر في الغائب إلا ابتغاء ما هو أعلى من الحاضر في القيمة وهو الزيادة ~~ويبقى النظر لم جاز مثل هذا في غير النقدين والمطعومات ولم يجز فيهما محل ~~نظر يخفي وجهه على المجتهدين وهو من أخفى الأمور التى لم يتضح معناها إلى ~~اليوم فلذلك بينتها السنة إذ لو كانت بينة لوكل في الغالب أمرها إلى ~~المجتهدين كما وكل إليهم النظر في كثير من محال الاجتهاد فمثل هذا جار مجرى ~~الأصل والفرع في القياس فتأمله PageV04P042 ~~والثاني أن الله تعالى حرم الجمع بين الأم وابنتها في النكاح وبين الأختين ~~وجاء في القرآن وأحل لكم ما وراء ذلكم فجاء نهيه عليه الصلاة والسلام عن ~~الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من باب القياس لأن المعنى الذي لأجله ذم ~~الجمع بين أولئك موجود هنا وقد يروى في هذا الحديث # فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم والتعليل يشعر بوجه القياس # والثالث أن الله تعالى وصف الماء الطهور بأنه أنزله من السماء وأنه أسكنه ~~في الأرض ولم يأت مثل ذلك في ms756 ماء البحر فجاءت السنة بإلحاق ماء البحر بغيره ~~من المياه بأنه # الطهور ماؤه الحل ميتته # والرابع أن الدية في النفس ذكرها الله تعالى في القرآن ولم يذكر ديات ~~الأطراف وهى مما يشكل قياسها على العقول فبين الحديث من دياتها ما وضح به ~~السبيل وكأنه جار مجرى القياس الذي يشكل أمره فلا بد من الرجوع إليه ويحذى حذوه # والخامس أن الله تعالى ذكر الفرائض المقدرة من النصف والربع والثمن ~~والثلث والسدس ولم يذكر ميراث العصبة إلا ما أشار إليه قوله في الأبوين فإن ~~لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث الآية وقوله في الأولاد للذكر PageV04P043 ~~مثل حظ الأنثيين وقوله في آية الكلالة وهو يرثها إن لم يكن لها ولد وقوله ~~وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين فاقتضى أن ما بقى بعد ~~الفرائض المذكورة فللعصبة وبقى من ذلك ما كان من العصبة غير هؤلاء ~~المذكورين كالجد والعم وابن العم وأشباههم فقال عليه الصلاة والسلام # ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فهو لأولى رجل ذكر وفي رواية # فلأولى عصبة ذكر فأتى هذا على ما بقى مما يحتاج إليه بعد ما نبه الكتاب ~~على أصله # والسادس أن الله تعالى ذكر من تحريم الرضاعة قوله وأمهاتكم اللآتى ~~أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة فألحق النبي صلى الله عليه وسلم بهاتين سائر ~~القرابات من الرضاعة التى يحرمن من النسب كالعمة والخالة وبنت الأخ وبنت ~~الأخت وأشباه ذلك وجهة إلحاقها هى جهة الإلحاق بالقياس إذ ذاك من باب ~~القياس بنفي الفارق نصت عليه السنة إذ كان لأهل الاجتهاد سوى النبي عليه ~~الصلاة والسلام في ذلك نظر وتردد بين الإلحاق والقصر على التعبد فقال عليه ~~الصلاة والسلام # إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب PageV04P044 ~~وسائر ما جاء في هذا المعنى ثم ألحق بالإناث الذكور لأن اللبن للفحل ومن ~~جهة در المرأة فإذا كانت المرأة بالرضاع فالذي له اللبن أم بلا إشكال # والسابع أن الله حرم مكة بدعاء إبراهيم فقال رب اجعل هذا بلدا آمنا وقال ms757 ~~تعالى أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا وذلك حرم الله مكة فدعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ربه للمدينة بمثل ما دعا به إبراهيم لمكة ومثله معه ~~فأجابه الله وحرم ما بين لابتيها فقال # إني أحرم ما بين لابتى المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها وفي رواية # ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ~~ذوب الملح في الماء وفي حديث آخر PageV04P045 ~~فمن أحدث فيها حدثا أو آوي محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ومثله في صحيفة على المتقدمة ~~فهذا نوع من الإلحاق بمكة في الحرمة وقد جاء فيها قوله تعالى إن الذين ~~كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام إلى قوله ومن يرد فيه بالحاد ~~بظلم نذقه من عذاب أليم والإلحاد شامل لكل عدول عن الصواب إلى الظلم ~~وارتكاب المنهيات على تنوعها حسبما فسرته السنة فالمدينة لاحقة بها في هذا المعنى # والثامن أن الله تعالى قال واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان الآية فحكم في الأموال بشهادة النساء منضمة إلى شهادة ~~رجل وظهر به ضعف شهادتهن ونبه على ذلك في قوله # ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن وفسر نقصان العقل بأن شهادة ~~امرأتين تعدل شهادة رجل وحين ثبت ذلك بالقرآن وقال فيه أن تضل إحداهما ~~فتدكر إحداهما الأخرى دل عل انحطاطهن عن درجة الرجل فألحقت السنة بذلك ~~اليمين مع الشاهد فقضى عليه الصلاة والسلام بذلك لأن لليمين في اقتطاع ~~الحقوق واقتضائها حكما قضى به قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا الآية فجرى الشاهد واليمين مجرى الشاهدين أو الشاهد ~~والمرأتين في القياس إلا أنه يخفى فبينته السنة # والتاسع أن الله تعالى ذكر البيع في الرقاب وأحله وذكر الإجارة في بعض ~~الأشياء كالجعل المشار إليه في قوله تعالى ولمن جاء به حمل بعير والإجارة على PageV04P046 ~~القيام بمال اليتيم في قوله ms758 ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف وفي العمال على ~~الصدقة كقوله تعالى والعاملين عليها وفي بعض منافع لا تأتي على سائرها ~~فأطلقت السنة فيها القول بالنسبة إلى سائر منافع الرقاب من الناس والدواب ~~والدور والأرضين فبين النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك كثيرا ووكل سائرها ~~إلى أنظار المجتهدين وهذا هو المجال القياسي المعتبر في الشرع ولا علينا ~~أقصد النبي عليه الصلاة والسلام القياس على الخصوص أم لا لأن جميع ذلك يرجع ~~إلى قصده بيان ما أنزل الله إليه على أي وجه كان # والعاشر أن الله تعالى أخبر عن إبراهيم في شأن الرؤيا بما أخبر به من ذبح ~~ولده وعن رؤيا يوسف ورؤيا الفتيين وكانت رؤيا صادقة ولم يدل ذلك على صدق كل ~~رؤيا فبين النبي صلى الله عليه وسلم أحكام ذلك وأن الرؤيا الصالحة من الرجل ~~الصالح جزء من أجزاء النبوة وأنها من المبشرات وأنها على أقسام إلى غير ذلك ~~من أحكامها فتضمن إلحاق غير أولئك المذكورين بهم وهو المعنى الذي في القياس ~~والأمثلة في هذا المعنى كثيرة # ومنها النظر إلى ما يتألف من أدلة القرآن المتفرقة من معان مجتمعة فإن ~~الأدلة قد تأتي في معان مختلفة ولكن يشملها معنى واحد شبيه بالأمر في ~~المصالح المرسلة والاستحسان فتأتي السنة بمقتضى ذلك المعنى الواحد فيعلم أو ~~يظن أن ذلك PageV04P047 ~~المعنى مأخوذ من مجموع تلك الأفراد بناء على صحة الدليل الدال على أن ~~السنة إنما جاءت مبينة للكتاب ومثال هذا الوجه ما تقدم في أول كتاب الأدلة ~~الشرعية في طلب معنى قوله عليه الصلاة والسلام # لا ضرر ولا ضرار من الكتاب ويدخل فيه ما في معنى هذا الحديث من الأحاديث ~~فلا معنى للإعادة ومنها النظر إلى تفاصيل الأحاديث في تفاصيل القرآن وإن كان PageV04P048 ~~في السنة بيان زائد ولكن صاحب هذا المأخذ يتطلب أن يجد كل معنى في السنة ~~مشارا إليه من حيث وضع اللغة لا من جهة أخرى أو منصوصا عليه في القرآن ~~ولمثله ثم ننظر في صحته أو عدم صحته # وله ms759 أمثلة كثيرة # أحدها حديث ابن عمر في تطليقه زوجه وهى حائض فقال عليه الصلاة والسلام لعمر # مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ~~وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التى أمر الله أن يطلق لها النساء يعني ~~أمره في قوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن # والثاني حديث فاطمة بنت قيس في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل ~~لها سكنى ولا نفقة إذ طلقها ألبتة وشأن المبتوتة أن لها السكنى وإن لم يكن ~~لها نفقة لأنها بذت على أهلها بلسانها فكان ذلك تفسيرا لقوله ولا يخرجن إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة # والثالث حديث سبيعة الأسلمية إذ ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فأخبرها ~~عليه الصلاة والسلام أن قد حلت فبين الحديث أن قوله تعالى والذين PageV04P049 ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا مخصوص في غير ~~الحامل وأن قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن عام في المطلقات وغيرهن # والرابع حديث أبي هريرة في قوله # فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم قالوا حبة في شعرة يعني عوض قوله ~~وقولوا حطة # والخامس حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة طاف بالبيت ~~سبعا فقرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فصلى خلف المقام ثم أتى الحجر ~~فاستلمه ثم قال نبدأ بما بدأ الله به وقرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله # والسادس حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى ~~وقال ربكم ادعونى أستجب لكم قال الدعاء هو العبادة وقرأ الآية إلى قوله داخرين # والسابع حديث عدي بن حاتم قال لما نزلت حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر قال لي النبي صلى الله عليه وسلم PageV04P050 ~~إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل # والثامن حديث سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # صلاة الوسطى صلاة العصر وقال يوم الأحزاب ms760 # اللهم املأ قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غابت الشمس # والتاسع حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام # إن موضع سوط في الجنة لخير من الدنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم فمن زحزح ~~عن النار وادخل الجنة فقد فاز # والعاشر حديث أنس في الكبائر قال عليه الصلاة والسلام فيها # الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وقول الزور وثم أحاديث أخر فيها ~~ذكر الكبائر وجميعها تفسير لقوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه الآية PageV04P051 ~~وهذا النمط في السنة كثير # ولكن القرآن لا يفي بهذا المقصود على النص والإشارة العربية التى ~~تستعملها العرب أو نحوها وأول شاهد في هذا الصلاة والحج والزكاة والحيض ~~والنفاس واللقطة والقراض والمساقاة والديات والقسامات وأشباه ذلك من أمور ~~لا تحصى فالملتزم لهذا لا يفي بما ادعاه إلا أن يتكلف في ذلك مآخذ لا ~~يقبلها كلام العرب ولا يوافق على مثلها السلف الصالح ولا العلماء الراسخون ~~في العلم ولقد رام بعض الناس فتح هذا الباب الذي شرع في التنبيه عليه فلم ~~يوف به إلا على التكلف المذكور والرجوع إلى المآخذ الأول في مواضع كثيرة لم ~~يتأت له فيها نص ولا إشارة إلى خصوصات ما ورد في السنة فكان ذلك نازلا ~~بقصده الذي قصد وهذا الرجل المشار إليه لم ينصب نفسه في هذا المقام إلا ~~لاستخراج معاني الأحاديث التى خرج مسلم ابن الحجاج في كتابه المسند الصحيح ~~دون ما سواها مما نقله الأئمة سواه وهو من غرائب المعاني المصنفة في علوم ~~القرآن والحديث وأرجو أن يكون ما ذكر هنا من المآخذ موفيا بالغرض في الباب ~~والله الموفق للصواب ### || AUTO فصل # وقد ظهر مما تقدم الجواب عما أوردوا من الأحاديث التى قالوا إن القرآن لم ~~ينبه عليها فقوله عليه الصلاة والسلام # يوشك رجل منكم متكئا على PageV04P052 ~~أريكته إلى آخره لا يتناول ما نحن فيه فإن الحديث إنما جاء فيمن يطرح ~~السنة معتمدا على رأيه في فهم القرآن وهذا لم ندعه في مسألتنا هذه بل هو ~~رأي ms761 أولئك الخارجين عن الطريقة المثلى وقوله # ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله صحيح على ~~الوجه المتقدم إما بتحقيق المناط الدائر بين الطرفين الواضحين والحكم عليه ~~وإما بالطريقة القياسية وإما بغيرها من المآخذ المتقدمة # ومر الجواب عن تحريم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها وتحريم كل ذي ناب ~~من السباع وكل ذي مخلب من الطير وعن العقل # وأما فكاك الأسير فمأخوذ من قوله تعالى وإن استنصروكم فى الدين فعليكم ~~النصر وهذا فيمن لم يهاجر إذا لم يقدر على الهجرة إلا بالانتصار بغيره فعلى ~~الغير النصر والأسير في هذا المعنى أولى بالنصر فهو مما يرجع إلى النظر ~~القياسي # وأما أن لا يقتل مسلم بكافر فقد انتزعها العلماء من الكتاب كقوله ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وقوله لا يستوى أصحاب النار وأصحاب ~~الجنة وهذه الآية أبعد ولكن الأظهر أنه لو كان حكمها موجودا في القرآن على ~~التنصيص أو نحوه لم يجعلها علي خارجة عن القرآن حيث قال # ما عندنا إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة إذ لو كان في القرآن لعد ~~الثنتين دون قتل المسلم بالكافر ويمكن أن يؤخذ حكم المسألة مأخذ القياس ~~المتقدم لأن الله تعالى قال الحر بالحر والعبد بالعبد فلم يقد من الحر ~~للعبد والعبودية من آثار الكفر فأولى أن لا يقاد من المسلم للكافر PageV04P053 ~~وأما إخفار ذمه المسلم فهو من باب نقض العهد وهو في القرآن وأقرب الآيات ~~إليه قوله تعالى والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار وفي الآية ~~الأخرى أولئك هم الخاسرون # وقد مر تحريم المدينة وانتزاعه من القرآن # وأما من تولى قوما بغير إذن مواليه فداخل بالمعنى في قطع ما أمر الله به ~~أن يوصل وأيضا فإن الانتفاء من ولاء صاحب الولاء الذى هو لحمة كلحمة النسب ~~كفر لنعمة ذلك الولاء كما هو في الانتساب إلى غير الأب وقد ms762 قال تعالى فيها ~~والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من ~~الطيبات أفباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون وصدق هذا المعنى ما في الصحيح ~~من قوله # أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم وفيه # إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة # وحديث معاذ ظاهر في أن ما لم يصرح به في القرآن ولا حصل بيانه فيه فهو PageV04P054 ~~مبين في السنة وإلا فالاجتهاد يقضي عليه وليس فيه معارضة لما تقدم ### || AUTO المسألة الخامسة # حيث قلنا أن الكتاب دال على السنة وإن السنة إنما جاءت مبينة له فذلك ~~بالنسبة إلى الأمر والنهي والإذن أو ما يقتضي ذلك وبالجملة ما يتعلق بأفعال ~~المكلفين من جهة التكليف وأما ما خرج عن ذلك من الأخبار عما كان أو ما يكون ~~مما لا يتعلق به أمر ولا نهي ولا إذن فعلى ضربين # أحدهما أن يقع في السنة موقع التفسير للقرآن فهذا لا نظر في أنه بيان له ~~كما في قوله تعالى وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة قال # دخلوا يزحفون على أوراكهم وفي قوله فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل ~~لهم قال # قالوا حبة في شعرة وفي قوله وكذلك جعلناكم أمة وسطا الآية قال # يدعى نوح فيقال هل بلغت فيقول نعم فيدعى قومه فيقال هل بلغكم فيقولون ما ~~أتانا من نذير وما أتانا من أحد فيقال من شهودك فيقول محمد وأمته قال فيؤتى ~~بكم تشهدون أنه قد بلغ فذلك PageV04P055 ~~قول الله وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا وفي قوله كنتم خير أمة أخرجت للناس قال # إنكم تتبعون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله وفي قوله بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون # إن أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل ~~معلقة بالعرش إلى آخر الحديث وقال # ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل الآية الدجال ~~والدابة وطلوع الشمس من مغربها وفي ms763 قوله وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذرياتهم الآية قال # لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى ~~يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم ~~فقال أي رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك الحديث وفي قوله لو أن لى بكم قوة أو ~~آوى إلى ركن شديد قال # يرحم الله لوطا كان يأوي إلى ركن شديد فما بعث الله من بعده نبيا إلا في ~~ذروة من قومه وقال # الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وفي رواية # ما أنزل الله في التوراة PageV04P056 ~~والإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وسأله اليهود عن قول الله تعالى ~~ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ففسرها لهم وحديث موسى مع الخضر ثابت صحيح ~~وفي قوله تعالى فقال إنى سقيم قال # لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث قوله إني سقيم الحديث وقال # إنكم محشورون إلى الله غرلا ثم قرأ كما بدأنا أول خلق نعيده الآية وفي ~~قوله إن زلزلة الساعة شئ عظيم قال # ذلك يوم يقول الله لآدم ابعث بعث النار الحديث وقال # إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار وأمثلة هذا الضرب كثيرة # والثاني أن لا يقع موقع التفسير ولا فيه معنى تكليف اعتقادي أو عملي فلا ~~يلزم أن يكون له أصل في القرآن لأنه أمر زائد على موقع التكليف وإنما PageV04P057 ~~أنزل القرآن لذلك فالسنة إذا خرجت عن ذلك فلا حرج وقد جاء من ذلك نمط صالح ~~في الصحيح كحديث أبرص وأقرع وأعمى وحديث جريج العابد ووفاة موسى وجمل من ~~قصص الأنبياء عليهم السلام والأمم قبلنا مما لا يتبني عليه عمل ولكن في ذلك ~~من الاعتبار نحو مما في القصص القرآني وهو نمط ربما يرجع إلى الترغيب ~~والترهيب فهو خادم للأمر والنهي ومعدود في المكملات لضرورة التشريع فلم ~~يخرج بالكلية عن القسم الأول والله أعلم ### || AUTO المسألة السادسة # السنة ثلاثة أنواع ms764 كما تقدم قول وفعل وإقرار بعد العلم والقدرة على ~~الإنكار لو كان منكرا # فأما القول فلا إشكال فيه ولا تفصيل # وأما الفعل فيدخل تحته الكف عن الفعل لأنه فعل عند جماعة وعند كثير من ~~الأصوليين أن الكف غير فعل وعلى الجملة فلا بد من الكلام على كل واحد منهما # فالفعل منه صلى الله عليه وسلم دليل على مطلق الإذن فيه ما لم يدل دليل على PageV04P058 ~~غيره من قول أو قرينة حال أو غيرهما والكلام هنا مذكور في الأصول ولكن ~~الذي يخص هذا الموضع أن الفعل منه أبلغ في باب التأسي والامتثال من القول ~~المجرد وهذا المعنى وإن كان محتاجا إلى بيان فقد ذكر ذلك في فصل البيان ~~والإجمال وكتاب الاجتهاد من هذا الكتاب والحمد لله وأيضا فإنه وإن دل ~~الدليل أو القرينة على خلاف مطلق الإذن فلا يخرج عن أنواعه فمطلق الإذن ~~يشمل الواجب والمندوب والمباح ففعله عليه الصلاة والسلام لا يخرج عن ذلك ~~فهو إما واجب أو مندوب أو مباح وسواء علينا أكان ذلك في حال أم كان مطلقا ~~فالمطلق كسائر المفعولات له والذي في حال كتقريره للزاني إذ أقر عنده فبالغ ~~في الاحتياط عليه حتى صرح له بلفظ الوطء الصريح ومثله في غير هذا المحل ~~منهي عنه فإنما جاز لمحل الضرورة فيتقدر بقدرها بدليل النهي عن التفحش ~~مطلقا والقول هنا فعل لأنه معنى تكليفي لا تعريفي فالتعريفي هو المعدود في ~~الأقوال وهو الذى يؤتى به أمرا أو نهيا أو إخبارا بحكم شرعي والتكليفي هو ~~الذى لا يعرف بالحكم بنفسه من حيث هو قول كما أن الفعل كذلك # وأما الترك فمحله في الأصل غير المأذون فيه وهو المكروه والممنوع فتركه PageV04P059 ~~عليه الصلاة والسلام دال على مرجوحية الفعل وهو إما مطلقا وإما في حال # فالمتروك مطلقا ظاهر والمتروك في حال كتركه الشهادة لمن نحل بعض ولده دون ~~بعض فإنه قال # أكل ولدك نحلته مثل هذا قال لا قال فأشهد غيري فإني لا أشهد على جور وهذا ظاهر # وقد يقع الترك ms765 لوجوه غير ما تقدم # منها الكراهية طبعا كما قال في الضب وقد امتنع من أكله # إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه فهذا ترك للمباح بحكم الجبلة ولا حرج فيه # ومنها الترك لحق الغير كما في تركه أكل الثوم والبصل لحق الملائكة وهو ~~ترك مباح لمعارضة حق الغير ومنها الترك خوف الافتراض لأنه كان يترك العمل PageV04P060 ~~وهو يحب أن يعمل به مخافة أن يعمل به الناس فيفرض عليهم كما ترك القيام في ~~المسجد في رمضان وقال # لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وقال لما أعتم بالعشاء حتى رقد ~~النساء والصبيان # لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة ومنها الترك لما لا حرج ~~في فعله بناء على أن ما لا حرج فيه بالجزء منهي عنه بالكل كإعراضه عن سماع ~~غناء الجاريتين في بيته وفي الحديث # لست من دد ولا دد مني والدد اللهو وإن كان مما لا حرج فيه فليس كل ما لا ~~حرج فيه يؤذن فيه وقد مر الكلام فيه في كتاب الأحكام ومنها ترك المباح ~~الصرف إلى ما هو الأفضل فإن القسم لم يكن لازما PageV04P061 ~~لأزواجه في حقه وهو معنى قوله تعالى ترجى من تشاء منهم وتؤوى إليك من تشاء ~~الآية عند جماعة من المفسرين ومع ذلك فترك ما أبيح له إلى القسم الذى هو ~~أخلق بمكارم أخلاقه وترك الانتصار ممن قال له اعدل فإن هذه قسمة ما أريد ~~بها وجه الله ونهي من أراد قتله وترك قتل المرأة التي سمت له الشاة ولم ~~يعاقب عروة بن الحرث إذ أراد الفتك به وقال من يمنعك مني الحديث ومنها ~~الترك للمطلوب خوفا من حدوث مفسدة أعظم من مصلحة ذلك المطلوب كما جاء في ~~الحديث عن عائشة # لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر ~~في البيت وأن ألصق بابه بالأرض وفي رواية # لأسست البيت على قواعد إبراهيم ومنع من قتل أهل النفاق وقال # لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه # وكل هذه ms766 الوجوه قد ترجع إلى الأصل المتقدم PageV04P062 ~~أما الأول فلم يكن في الحقيقة من هذا النمط لأنه ليس بترك بإطلاق # كيف وقد أكل على مائدته عليه الصلاة والسلام # وأما الثاني فقد صار في حقه التناول ممنوعا أو مكروها لحق ذلك الغير # هذا في غير مقاربة المساجد وأما مع مقاربتها والدخول فيها فهو عام فيه ~~وفي الأمة فلذلك نهى آكلها عن مقاربة المسجد وهو راجع إلى النهي عن أكلها ~~لمن أراد مقاربته # وأما الثالث فهو من الرفق المندوب إليه فالترك هنالك مطلوب وهو راجع إلى ~~أصل الذرائع إذا كان تركا لما هو مطلوب خوفا مما هو أشد منه فإذا رجع إلى ~~النهي عن المأذون فيه خوفا من مآل لم يؤذن فيه صار الترك هنا مطلوبا # وأما الرابع فقد تبين فيه رجوعه إلى المنهي عنه # وأما الخامس فوجه النهي المتوجه على الفعل حتى حصل الترك أن الرفيع ~~المنصب مطالب بما يقتضي منصبه بحيث يعد خلافه منهيا عنه وغير لائق به وإن ~~لم يكن كذلك في حقيقة الأمر حسبما جرت به العبارة عندهم في قولهم حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين إنما يريدون في اعتبارهم لا في حقيقة الخطاب الشرعي ~~ولقد روى أنه عليه الصلاة والسلام كان بعد القسم على الزوجات وإقامة العدل ~~على ما يليق به يعتذر إلى ربه ويقول # اللهم هذا عملي فيما أملك فلا تؤاخذني بما تملك ولا أملك يريد بذلك ميل ~~القلب إلى PageV04P063 ~~بعض الزوجات دون بعض فإنه أمر لا يملك كسائر الأمور القلبية التى لا كسب ~~للإنسان فيها أنفسها # والذي يوضح هذا الموضع وأن المناصب تقتضي في الاعتبار الكمالي العتب على ~~ما دون اللائق بها قصة نوح وإبراهيم عليهما السلام في حديث الشفاعة وفى ~~اعتذار نوح عليه السلام عن أن يقوم بها بخطيئته وهى دعاؤه على قومه ودعاؤه ~~على قومه إنما كان بعد يأسه من أيمانهم قالوا وبعد قول الله له لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن وهذا يقضى بأنه دعاء مباح إلا أنه استقصر نفسه لرفيع ~~شأنه أن ms767 يصدر من مثله مثل هذا إذ كان الأولى الإمساك عنه وكذلك إبراهيم ~~اعتذر بخطيئته وهي الثلاث المحكيات في الحديث بقوله # لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات فعدها كذبات وإن كانت تعريضا اعتبارا بما ذكر # والبرهان على صحة هذا التقرير ما تقدم في دليل الكتاب أن كل قضية لم ترد ~~أو لم تبطل أو لم ينبه على ما فيها فهي صحيحة صادقة فإذا عرضنا مسألتنا على ~~تلك القاعدة وجدنا الله تعالى حكى عن نوح دعاءه على قومه فقال وقال نوح رب ~~لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ولم يذكر قبله ولا بعده ما يدل على عتب ~~ولا لوم ولا خروج عن مقتضى الأمر والنهي بل حكى أنه قال إنك إن تذرهم يضلوا ~~عبادك الآية ومعلوم أنه عليه السلام لم يقل ذلك PageV04P064 ~~إلا بوحي من الله لأنه غيب وهو معنى قوله تعالى وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن ~~من قومك إلا من قد آمن وكذلك قال تعالى في إبراهيم فنظر نظرة في النجوم ~~فقال إنى سقيم ولم يذكر قبل ذلك ولا بعده ما يشير إلى لوم ولا عتب ولا ~~مخالفة أمر ولا نهي ومثله قوله تعالى قال بل فعله كبيرهم هذا فلم يقع في ~~هذا المساق ذكر لمخالفة ولا إشارة إلى عتب بل جاء في الآية الأولى إذ جاء ~~ربه بقلب سليم وهو غاية في المدح بالموافقة وهكذا سائر المساق إلى آخر ~~القصة وفي الآية الأخرى قال ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ~~إلى آخرها أفتضمنت الآيات مدحه ومناضلته عن الحق من غير زيادة فدل على أن ~~كل ما ناضل به صحيح موافق ومع ذلك فقد قال محمد صلى الله عليه وسلم # لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات وإبراهيم في القيامة يستقصر نفسه عن رتبة ~~الشفاعة بما يذكره وكذلك نوح فثبت أن إثبات الخطيئة هنا ليس من قبل مخالفة ~~أمر الله بل من جهة الاعتبار من العبد فيما تطلبه به المرتبة فكذلك قصة ~~محمد عليه الصلاة والسلام في ms768 مسألة القسم وقد مددت في هذا الموضع بعض النفس ~~لشرفه ولولا الإطالة لبين من هذا القبيل في شأن الأنبياء عليهم السلام ما ~~ينشرح له الصدر وتطمئن إلى بيانه النفس مما يشهد له القرآن والسنة والقواعد ~~الشرعية والله المستعان وفي آخر فصل الأوامر والنواهي أيضا مما يتمهد به ~~هذا الأصل وقد حصل من المجموع أن الترك هنا راجع إلى ما يقتضيه النهي لكن ~~النهي الاعتباري PageV04P065 ~~وأما السادس فظاهر أنه راجع إلى الترك الذي يقتضيه النهي لأنه من باب ~~تعارض مفسدتين إذ يطلب الذهاب إلى الراجح وينهى عن العمل بالمرجوح # والترك هنا هو الراجح فعمل عليه ### || AUTO فصل # وأما الإقرار فمحمله على أن لا حرج في الفعل الذي رآه عليه السلام فأقره ~~أو سمع به فأقره وهذا المعنى مبسوط في الأصول ولكن الذي يخص الموضع هنا أن ~~ما لا حرج فيه جنس لأنواع الواجب والمندوب والمباح بمعنى المأذون فيه ~~وبمعنى أن لا حرج فيه وأما المكروه فغير داخل تحته على ما هو المقصود لأن ~~سكوته عليه يؤذن إطلاقه بمساواة الفعل للترك والمكروه لا يصح فيه ذلك PageV04P066 ~~لأن الفعل المكروه منهي عنه وإذا كان كذلك لم يصح السكوت عنه ولأن الإقرار ~~محل تشريع عند العلماء فلا يفهم منه المكروه بحكم إطلاق السكوت عليه دون ~~زيادة تقترن به فإذا لم يكن ثم قرينة ولا تعريف أوهم ما هو أقرب إلى الفهم ~~وهو الإذن أو أن لا حرج بإطلاق والمكروه ليس كذلك # لا يقال فيلزم مثله في الواجب والمندوب إذ لا يفهم بحكم الإقرار فيه غير ~~مطلق الإذن أو أن لا حرج وليسا كذلك لأن الواجب منهي عن تركه ومأمور بفعله ~~والمندوب مأمور بفعله وجميع ذلك زائد على مطلق رفع الحرج فلا يدخلان تحت ~~مقتضى الإقرار وقد زعمت أنه داخل هذا خلف # لأنا نقول بل هما داخلان لأن عدم الحرج مع فعل الواجب لازم للموافقة ~~بينهما لأن الواجب والمندوب إنما يعتبران في الاقتضاء قصدا من جهة الفعل ~~ومن هذه الجهة صارا لا حرج فيهما بخلاف ms769 المكروه فإنه إنما يعتبر في ~~الاقتضاء من جهة الترك لا من جهة الفعل وأن لا حرج راجع إلى الفعل فلا ~~يتوافقان وإلا فكيف يتوافقان والنهي يصادم عدم الحرج في الفعل # فإن قيل من مسائل كتاب الأحكام أن المكروه معفو عنه من جهة الفعل ومعنى ~~كونه معفوا عنه هو معنى عدم الحرج فيه وأنت تثبت هنا الحرج بهذا الكلام # قيل كلا بل المراد هنا غير المراد هنالك لأن الكلام هنالك فيما بعد PageV04P067 ~~الوقوع لا فيما قبله ولا شك أن فاعل المكروه مصادم للنهي بحتا كما هو ~~مصادم في الفعل المحرم ولكن خفة شأن المكروه وقلة مفسدته صيرته بعد ما وقع ~~في حكم ما لا حرج فيه استدراكا له من رفق الشارع بالمكلف ومما يتقدمه من ~~فعل الطاعات تشبيها له بالصغيرة التى يكفرها كثير من الطاعات كالطهارات ~~والصلوات والجمعات ورمضان واجتناب الكبائر وسائر ما ثبت من ذلك في الشريعة ~~والصغيرة أعظم من المكروه فالمكروه أولى بهذا الحكم فضلا من الله ونعمة # وأما ما ذكر هنا من مصادمة النهي لرفع الحرج فنظر إلى ما قبل الوقوع ولا ~~مرية في أن الأمر كذلك فلا يمكن والحال هذه أن يدخل المكروه تحت ما لا حرج ~~فيه وأمثلة هذا القسم كثيرة كقيافة المدلجي في أسامة وأبيه زيد وأكل الضب ~~على مائدته عليه الصلاة والسلام وعن عبد الله بن مغفل قال أصبت جرابا من ~~شحم يوم خيبر قال فالتزمته فقلت لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا قال فالتفت ~~فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما وقد استدل بعض العلماء على طهارة ~~دم النبي عليه الصلاة والسلام بترك الإنكار على من شرب دم حجامته ### || AUTO المسألة السابعة # القول منه صلى الله عليه وسلم إذا قارنه الفعل فذلك أبلغ ما يكون في ~~التأسي بالنسبة إلى المكلفين لأن فعله عليه الصلاة والسلام واقع على أزكى ~~ما يمكن PageV04P068 ~~في وضع التكاليف فالاقتداء به في ذلك العمل في أعلى مراتب الصحة بخلاف ما ~~إذا لم يطابقه الفعل فإنه وإن كان ms770 القول يقتضي الصحة فذلك لا يدل على ~~أفضلية ولا مفضولية # ومثاله ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له أأكذب لإمرأتي قال # لا خير في الكذب قال أفأعدها وأقول لها قال # لا جناح عليك ثم إنه لم يفعل مثل ما أجازه بل لما وعد عزم على أن لا يفعل ~~وذلك حين شرب عند بعض أزواجه عسلا فقال له بعض أزواجه إني أجد منك ريح ~~مغافير كأنه مما يتأذى من ريحه فحلف أن لا يشربه أو حرمه على نفسه ويرجع ~~إلى الأول فقال الله له يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك وكان قادرا ~~على أن يعد ويقول ولكنه عزم بيمين علقها على نفسه أو تحريم عقده حتى رده ~~الله إلى تحلة الأيمان وأيضا فلما قال للرجل PageV04P069 ~~الواهب لابنه # أشهد غيري كان ظاهرا في الإجازة ولما امتنع هو من الشهادة دل على مرجوحية ~~مقتضى القول وأمر عليه الصلاة والسلام حسان وغيره بإنشاد الشعر وأذن لهم ~~فيه ومع ذلك فقد منعه عليه الصلاة والسلام ولم يعلمه وذلك يدل على مرجوحيته ~~ولقوله وما ينبغى له وقال لحسان # اهجهم وجبريل معك فهذا إذن في الهجاء ولم يذم عليه الصلاة والسلام أحدا ~~بعيب فيه خلاف عيب الدين ولا هجا أحدا بمنثور كما لم يتأت له المنظوم أيضا ~~ومن أوصافه عليه الصلاة والسلام أنه لم يكن عيابا ولا فحاشا وأذن لأقوام في ~~أن يقولوا لمنافع كانت PageV04P070 ~~لهم في القول أو نضال عن الإسلام ولم يفعل هو شيئا من ذلك وإنما كان منه ~~التورية كقوله # نحن من ماء وفي التوجه إلى الغزو فكان إذا أراد عزوة ورى بغيرها فإذا كان ~~كذلك فالاقتداء بالقول الذي مفهومه الإذن إذا تركه قصدا مما لا حرج فيه وإن ~~تركه اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام أحسن لمن قدر على ذلك فمن أتى شيئا ~~من ذلك فالتوسعة على وفق القول مبذولة وباب التيسير مفتوح والحمد لله ### || AUTO المسألة الثامنة # الإقرار منه عليه الصلاة والسلام إذا وافق الفعل فهو صحيح ms771 في التأسي لا ~~شوب فيه ولا انحطاط عن أعلى مراتب التأسي لأن فعله عليه الصلاة والسلام PageV04P071 ~~واقع موقع الصواب فإذا وافقه إقراره لغيره على مثل ذلك الفعل فهو كمجرد ~~الاقتداء بالفعل فالإقرار دليل زائد مثبت # بخلاف ما إذا لم يوافقه فإن الاقرار وإن اقتضى الصحة فالترك كالمعارض وإن ~~لم تتحقق فيه المعارضة فقد رمى فيه شوب التوقف لتوقفه عليه الصلاة والسلام ~~عن الفعل ومثاله إعراضه عن سماع اللهو وإن كان مباحا وبعده عن التلهي به ~~وإن لم يحرج في استعماله وقد كانوا يتحدثون بأشياء من أمور الجاهلية بحضرته ~~وربما تبسم عند ذلك ولم يكن يذكر هو من ذلك إلا ما دعت إليه حاجة أو ما لا ~~بد منه ولما جاءته المرأة تسأله عن مسألة من طهارة الحيضة قال لها # خذي فرصة ممسكة فتطهري بها فقالت وكيف أتطهر بها فأعاد عليها واستحى حتى ~~غطى وجهه ففهمت عائشة ما أراد ففهمتها بما هو أصرح وأشرح فأقر عائشة على ~~الشرح الأبلغ وسكت هو عنه حياء فمثل هذا مراعى إذا لم يتعين بيان ذلك فإنه ~~من باب الجائز أما إذا تعين فلا يمكن إلا الإفهام كيف PageV04P072 ~~كان فإنه محل مقطع الحقوق والأمثلة كثيرة # والحاصل أن نفس الإقرار لا يدل على مطلق الجواز من غير نظر بل فيه ما ~~يكون كذلك نحو الإقرار على المطلوبات والمباحات الصرفة ومنه ما لا يكون ~~كذلك كالأمثلة # فإن قارنه قول فالأمر فيه كما تقدم فينظر إلى الفعل فيقضى بمطلق الصحة ~~فيه مع المطابقة دون المخالفة PageV04P073 ### || AUTO المسألة التاسعة # سنة الصحابة رضي الله عنهم سنة يعمل عليها ويرجع إليها ومن الدليل على ~~ذلك أمور # أحدها ثناء الله عليهم من غير مثنوية ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها ~~كقوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس وقوله وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ففي الأولى إثبات ~~الأفضلية على سائر الأمم وذلك يقضى بإستقامتهم في كل حال وجريان أحوالهم ~~على الموافقة دون المخالفة وفي الثانية إثبات العدالة مطلقا ms772 وذلك يدل على ~~ما دلت عليه الأولى # ولا يقال إن هذا عام في الأمة فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم لأنا نقول ~~أولا ليس كذلك بناء على أنهم المخاطبون على الخصوص PageV04P074 ~~ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل آخر وثانيا على تسليم التعميم ~~أنهم أول داخل في شمول الخطاب فإنهم أول من تلقى ذلك من الرسول عليه الصلاة ~~والسلام وهم المباشرون للوحي وثالثا أنهم أولى بالدخول من غيرهم إذ الأوصاف ~~التى وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال إلا هم فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد ~~على أنهم أحق من غيرهم بالمدح وأيضا فإن من بعد الصحابة من أهل السنة عدلوا ~~الصحابة على الإطلاق والعموم فأخذوا عنهم رواية ودراية من غير استثناء ولا ~~محاشاة بخلاف غيرهم فلم يعتبروا منهم إلا من صحت إمامته وثبتت عدالته وذلك ~~مصدق لكونهم أحق بذلك المدح من غيرهم PageV04P075 ~~فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق وأنهم وسط أي عدول بإطلاق ~~وإذا كان كذلك فقولهم معتبر وعملهم مقتدى به وهكذا سائر الآيات التى جاءت ~~بمدحهم كقوله تعالى للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا إلى قوله والذين تبوءوا الدار والإيمان الآية ~~وأشباه ذلك # والثاني ما جاء في الحديث من الأمر باتباعهم وأن سنتهم في طلب الاتباع ~~كسنة النبي صلى الله عليه وسلم كقوله # فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ وقوله # تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا ومن هم ~~يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي وعنه أنه قال # أصحابي مثل الملح لا يصلح الطعام إلا به وعنه أيضا # إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار لي ~~منهم أربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا فجعلهم خير أصحابي وفي أصحابي كلهم ~~خير ويروى في بعض الأخبار # أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم إلى غير ذلك مما في معناه PageV04P076 ~~والثالث أن جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل ms773 فقد جعل طائفة ~~قول أبي يكر وعمر حجة ودليلا وبعضهم عد قول الخلفاء الأربعة دليلا وبعضهم ~~يعد قول الصحابة على الإطلاق حجة ودليلا ولكل قول من هذه الأقوال متعلق من ~~السنة وهذه الآراء وإن ترجح عند العلماء خلافها ففيها تقوية تضاف إلى أمر ~~كلي هو المتعمد في المسألة وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم ~~يهابون مخالفة الصحابة ويتكثرون بموافقتهم وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم ~~الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر ~~من ذهب إليها من الصحابة وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم ~~من تعظيمهم وقوة مآخذهم دون غيرهم وكبر شأنهم في الشريعة وأنهم مما يجب ~~متابعتهم وتقليدهم PageV04P077 ~~فضلا عن النظر معهم فيما نظروا فيه وقد نقل عن الشافعي أن المجتهد قبل أن ~~يجتهد لا يمنع من تقليد الصحابة ويمنع في غيره وهو المنقول عنه في الصحابي # كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته لحججته ولكنه مع ذلك يعرف لهم قدرهم # وأيضا فقد وصفهم السلف الصالح ووصف متابعتهم بما لا بد من ذكر بعضه فعن ~~سعيد بن جبير أنه قال ما لم يعرفه البدريون فليس الدين وعن الحسن وقد ذكر ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال # إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوما اختارهم ~~الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فإنهم ورب ~~الكعبة على الصراط المستقيم وعن إبراهيم قال لم يدخر لكم شيء خبىء عن القوم ~~لفضل عندكم وعن حذيفة أنه كان يقول اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق ~~من قبلكم فلعمري لئن اتبعتموه فقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموه يمينا ~~وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا وعن ابن مسعود من كان منكم متأسيا فليتأس ~~بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها ~~علما وأقلها تكلفا وأقومها PageV04P078 ~~هديا وأحسنها حالا قوما اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم ~~فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على ms774 الهدى المستقيم وقال علي # إياكم والاستنان بالرجال ثم قال فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات لا ~~بالأحياء وهو نهي للعلماء لا للعوام ومن ذلك قول عمر بن عبد العزيز قال # سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق ~~لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله من عمل بها مهتد ومن ~~استنصر بها منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى ~~وأصلاه جهنم وساءت مصيرا وفي رواية بعد قوله وقوة على دين الله # ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي خالفها من اهتدى بها مهتد ~~الحديث وكان مالك يعجبه كلامه جدا وعن حذيفة قال # اتبعوا آثارنا فإن أصبتم فقد سبقتم سبقا بينا وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلالا ~~بعيدا وعن ابن مسعود نحوه # فقال اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وعنه أنه مر برجل يقص في ~~المسجد ويقول سبحوا عشرا وهللوا عشرا فقال عبد الله إنكم لأهدى من أصحاب ~~محمد أو أضل بل هذه بل هذه يعني أضل والآثار في هذا المعنى يكثر إيرادها ~~وحسبك من ذلك دليلا مستقلا وهو # الرابع ما جاء في الأحاديث من إيجاب محبتهم وذم من أبغضهم وأن من أحبهم ~~فقد أحب النبي صلى الله عليه وسلم ومن أبغضهم فقد أبغض النبي عليه الصلاة ~~والسلام وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه أو حاوروه فقط إذ PageV04P079 ~~لا مزية في ذلك وإنما هو لشدة متابعتهم له وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته ~~مع حمليته ونصرته ومن كان بهذه المثابة حقيق أن يتخذ قدوة وتجعل سيرته قبلة ~~ولما بالغ مالك في هذا المعنى بالنسبة إلى الصحابة أو من اهتدى بهديهم ~~واستن بسنتهم جعله الله تعالى قدوة لغيره في ذلك فقد كان المعاصرون لمالك ~~يتبعون آثاره ويقتدون بأفعاله ببركة اتباعه لمن أثنى الله ورسوله عليهم ~~وجعلهم قدوة أو من اتبعهم رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن ~~حزب الله هم المفلحون ### || AUTO المسألة العاشرة # كل ms775 ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر فهو كما أخبر وهو حق ~~وصدق معتمد عليه فيما أخبر به وعنه سواء علينا أنبنى عليه في التكليف حكم ~~أم لا كما أنه إذا شرع حكما أو أمر أو نهى فهو كما قال عليه الصلاة والسلام PageV04P080 ~~لا يفرق في ذلك بين ما أخبره به الملك عن الله وبين ما نفث في روعه وألقى ~~في نفسه أو رآه رؤية كشف واطلاع على مغيب على وجه خارق للعادة أو كيف ما ~~كان فذلك معتبر يحتج به ويبنى عليه في الاعتقادات والأعمال جميعا لأنه صلى ~~الله عليه وسلم مؤيد بالعصمة وما ينطق عن الهوى # وهذا مبين في علم الكلام فلا نطول بالإحتجاج عليه ولكنا نمثله ثم نبني ~~عليه ما أردنا بحول الله # فمثاله قوله عليه الصلاة والسلام # إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله ~~وأجملوا في الطلب فهذا بناء حكم على ما ألقى في النفس وقال عليه الصلاة ~~والسلام # أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها فالتمسوها في العشر الغوابر ~~وفي حديث آخر # آرى رؤياكم قد تواطت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها PageV04P081 ~~في السبع الأواخر فهذا بناء من النبي صلى الله عليه وسلم على رؤيا النوم ~~ونحو ذلك وقع في بدء الأذان وهو أبلغ في المسألة عن عبد الله بن زيد قال ~~لما أصبحنا أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالرؤيا فقال # إن هذه لرؤيا حق الحديث إلى أن قال عمر بن الخطاب والذي بعثك بالحق لقد ~~رأيت مثل الذي رأى قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # فلله الحمد فذاك أثبت فحكم عليه الصلاة والسلام على الرؤيا بأنها حق وبنى ~~عليها الحكم في ألفاظ الآذان وفي الصحيح صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يوما ثم انصرف فقال # يا فلان ألا تحسن صلاتك ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي فإنما يصلي ~~لنفسه إني والله لأبصر من ms776 ورائي كما أبصر من بين يدي فهذا حكم امرئ بنى على ~~الكشف ومن تتبع الأحاديث وجد أكثر من هذا # فإذا تقرر هذا فلقائل أن يقول قد مر قبل هذا في كتاب المقاصد قاعدة بينت ~~أن ما يخص رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصنا وما يعمه يعمنا فإذا بنينا ~~على ذلك فلكل من كان من أهل الكشف والاطلاع أن يحكم بمقتضى إطلاعة وكشفه ~~ألا ترى إلى قضية أبي بكر الصديق مع بنته عائشة فيما نحلها إياه ثم PageV04P082 ~~مرض قبل أن تقبضه قال فيه وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله ~~قال فقلت يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته إنما هي أسماء فمن الأخرى ~~قال ذو بطن بنت خارجة أراها جارية وقضية عمر بن الخطاب في ندائه سارية وهو ~~على المنبر فبنوا كما ترى على الكشف والاطلاع المعدود من الغيب وهو معتاد ~~في أولياء الله تعالى وكتب العلماء مشحونة بأخبارهم فيه فيقتضى ذلك جريان ~~الحكم وراثة عن النبي صلى الله عليه وسلم # والجواب أن هذا السؤال هو فائدة هذه المسألة وبسببه جلبت هذه المقدمة وإن ~~كان الكلام المتقدم في كتاب المقاصد كافيا ولكن نكتة المسألة هذا تقريرها ~~فاعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد بالعصمة معضود بالمعجزة الدالة على ~~صدق ما قال وصحة ما بين وأنت ترى الاجتهاد الصادر منه معصوما بلا خلاف إما ~~بأنه لا يخطىء ألبتة وإما بأنه لا يقر على خطأ إن فرض فما ظنك بغير ذلك فكل ~~ما حكم به أو أخبر عنه من جهة رؤيا نوم أو رؤية كشف مثل ما حكم به مما ألقى ~~إليه الملك عن الله عز وجل وأما أمته فكل واحد منهم غير معصوم بل يجوز عليه ~~الغلط والخطأ والنسيان ويجوز أن تكون رؤياه حلما وكشفه PageV04P083 ~~غير حقيقي وإن تبين في الوجود صدقة واعتيد ذلك فيه وأطرد فإمكان الخطأ ~~والوهم باق وما كان هذا شأنه لم يصح أن يقطع به حكم # وأيضا فإن كان مثل هذا معدودا في ms777 الاطلاع الغيبي فالآيات والأحاديث تدل ~~على أن الغيب لا يعلمه إلا الله كما في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام # في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ~~إلى آخر السورة وقال في الآية الأخرى وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ~~واستثنى المرسلين في الآية الأخرى بقوله عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ~~إلا من ارتضى من رسول الآية فبقى من عداهم على الحكم الأول وهو امتناع علمه ~~وقال تعالى وما كان الله ليطلعكم على الغيب الآية وقال قل لا يعلم من في ~~السموات والأرض الغيب إلا الله وفي حديث عائشة # ومن زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم الفرية على الله وقد تعاضدت ~~الآيات والأخبار ! وتكررت في أنه لا يعلم الله ! وهو يفيد صحة العموم من ~~تلك الظواهر حسبما مر في باب العموم من هذا الكتاب فإذا كان كذلك خرج من ~~سوى الأنبياء من أن يشتركوا مع الأنبياء صلوات الله عليهم في العلم ~~بالمغيبات PageV04P084 ~~وما ذكر قبل عن الصحابة أو ما يذكر عنهم بسند صحيح فمما لا ينبني عليه حكم ~~إذ لم يشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقوعه على حسب ما أخبروا هو ~~مما يظن بهم ولكنهم لا يعاملون أنفسهم إلا بأمر مشترك لجميع الأمة وهو جواز ~~الخطأ لذلك قال أبو بكر أراها جارية فأتى بعبارة الظن التى لا تفيد حكما ~~وعبارة يا سارية الجبل مع أنها إن صحت لا تفيد حكما شرعيا هي أيضا لا تفيد ~~أن كل ما سواها مثلها وإن سلم فلخاصية أن الشيطان كان يفر منه فلا يطور حول ~~حمى أحواله التى أكرمه الله بها بخلاف غيره فإذا لاح لأحد من أولياء الله ~~شيء من أحوال الغير فلا يكون على علم منها محقق لاشك فيه بل على الحال التى ~~يقال فيها أرى أو أظن فإذا وقع مطابقا في الوجود وفرض تحققه بجهة المطابقة ~~أولا والاطراد ثانيا فلا يبقى للإخبار به بعد ms778 ذلك حكم لأنه صار من باب ~~الحكم على الواقع فاستوت الخارقة وغيرها نعم تفيد الكرامات والخوارق ~~لأصحابها يقينا وعلما بالله تعالى وقوة فيما هم عليه وهو غير ما نحن فيه # ولا يقال إن الظن أيضا معتبر شرعا في الأحكام الشرعية كالمستفاد من أخبار ~~الأحاد والقياس وغيرهما وما نحن فيه إن سلم أنه لا يفيد علما مع الاطراد ~~والمطابقة فإنه يفيد ظنا فيكون معتبرا PageV04P085 ~~لأنا نقول ما كان من الظنون معتبرا شرعا فلاستناده إلى أصل شرعي حسبما ~~تقدم في موضعه من هذا الكتاب وما نحن فيه لم يستند إلى أصل قطعي ولا ظني ~~هذا وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم ثبت ذلك بالنسبة إليه فلا يثبت ~~بالنسبة إلينا لفقد الشرط وهو العصمة وإذا امتنع الشرط امتنع المشروط ~~باتفاق العقلاء PageV04P086 ### || AUTO ### || AUTO - كتاب الاجتهاد وهو القسم الخامس من الموافقات PageV04P087 ~~بسم الله الرحمن الرحيم ### || AUTO وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم - كتاب ~~الاجتهاد # وللنظر فيه أطراف # ( أ) طرف يتعلق بالمجتهد من جهة الإجتهاد ( ب ) وطرف يتعلق بفتواه ( ج ) ~~وطرف يتعلق النظر فيه بإعمال قوله والإقتداء به # فأما الأول ففيه مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # الاجتهاد على ضربين أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف وذلك ~~عند قيام الساعة والثاني يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا # فأما الأول فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط وهو الذى لا خلاف PageV04P089 ~~بين الأمة في قبوله ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في ~~تعيين محله وذلك أن الشارع إذا قال وأشهدوا ذوى عدل منكم وثبت عندنا معنى ~~العدالة شرعا افتقرنا إلى تعيين من حصلت فيه هذه الصفة وليس الناس في وصف ~~العدالة على حد سواء بل ذلك يختلف اختلافا متباينا فإنا إذا تأملنا العدول ~~وجدنا لاتصافهم بها طرفين وواسطة طرف أعلى في العدالة لا إشكال فيه كأبي ~~بكر الصديق وطرف آخر وهو أول درجة في الخروج عن مقتضى الوصف كالمجاوز ~~لمرتبة الكفر إلى الحكم بمجرد الإسلام فضلا عن مرتكبي الكبائر المحدودين ms779 ~~فيها وبينهما مراتب لا تنحصر وهذا الوسط غامض لا بد فيه من بلوغ حد الوسع ~~وهو الاجتهاد # فهذا مما يفتقر إليه الحاكم في كل شاهد كما إذا أوصى بماله للفقراء فلا شك PageV04P090 ~~أن من الناس من لا شئ له فيتحقق فيه إسم الفقر فهو من أهل الوصية ومنهم من ~~لا حاجة به ولا فقر وإن لم يملك نصابا وبينهما وسائط كالرجل يكون له الشئ ~~ولا سعة له فينظر فيه هل الغالب عليه حكم الفقر أو حكم الغنى وكذلك في فرض ~~نفقات الزوجات والقرابات إذ هو مفتقر إلى النظر في حال المنفق عليه والمنفق ~~وحال الوقت إلى غير ذلك من الأمور التى لا تنضبط بحصر ولا يمكن استيفاء ~~القول في آحادها فلا يمكن أن يستغنى ها هنا بالتقليد لأن التقليد إنما ~~يتصور بعد تحقيق مناط الحكم المقلد فيه والمناط هنا لم يتحقق بعد لأن كل ~~صورة من صوره النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير وإن PageV04P091 ~~تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا فلا بد من النظر فيها بالإجتهاد ~~وكذلك إن فرضنا أنه تقدم لنا مثلها فلا بد من النظر في كونها مثلها أولا ~~وهو نظر اجتهاد أيضا وكذلك القول فيما فيه حكومة من أروش الجنايات وقيم ~~المتلفات ويكفيك من ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها ~~وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر ومع ذلك فلكل ~~معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين وليس ما به الامتياز معتبرا ~~في الحكم بإطلاق ولا هو طردي بإطلاق بل ذلك منقسم إلى الضربين وبينهما قسم ~~ثالث يأخذ بجهة من الطرفين فلا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلا ~~وللعالم فيها نظر سهل أو صعب حتى يحقق تحت أي دليل تدخل فإن أخذت بشبه من ~~الطرفين فالأمر أصعب وهذا كله بين لمن شدا في العلم ومن القواعد القضائية ~~البينة على المدعي واليمين على من أنكر فالقاضي لا يمكنه الحكم في واقعه بل ms780 ~~لا يمكنه توجيه الحجاج ولا طلب الخصوم بما عليهم إلا بعد فهم المدعي من ~~المدعى عليه وهو أصل القضاء ولا يتعين ذلك إلا PageV04P092 ~~بنظر واجتهاد ورد الدعاوى إلى الأدلة وهو تحقيق المناط بعينه # فالحاصل أنه لا بد منه بالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفت بل بالنسبة إلى كل ~~مكلف في نفسه فإن العامي إذا سمع في الفقه أن الزيادة الفعلية في الصلاة ~~سهوا من غير جنس أفعال الصلاة أو من جنسها إن كانت يسيرة فمغتفرة وإن كانت ~~كثيرة فلا فوقعت له في صلاته زيادة فلا بد له من النظر فيها حتى يردها إلى ~~أحد القسمين ولا يكون ذلك إلا باجتهاد ونظر فإذا تعين له قسمها تحقق له ~~مناط الحكم فأجراه عليه وكذلك سائر تكليفاته ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد ~~لم تتنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن لأنها مطلقات ~~وعمومات وما يرجع إلى ذلك منزلات على أفعال مطلقات كذلك والأفعال لا تقع في ~~الوجود مطلقة وإنما تقع معينة مشخصة فلا يكون الحكم واقعا عليها إلا بعد ~~المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام وقد يكون ذلك سهلا ~~وقد لا يكون وكله اجتهاد # وقد يكون من هذا القسم ما يصح فيه التقليد وذلك فيما اجتهد فيه الأولون ~~من تحقيق المناط إذا كان متوجها على الأنواع لا على الأشخاص المعينة كالمثل ~~في جزاء الصيد فإن الذى جاء في الشريعة قوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم وهذا ظاهر في اعتبار المثل إلا أن المثل لا بد من تعيين نوعه وكونه ~~مثلا لهذا النوع المقتول ككون الكبش مثلا للضبع والعنز مثلا للغزال والعناق ~~مثلا للأرنب والبقرة مثلا للبقرة الوحشية والشاة مثلا للشاة من الظباء PageV04P093 ~~وكذلك الرقبة الواجبة في عتق الكفارات والبلوغ في الغلام والجارية وما ~~أشبه ذلك ولكن هذا الاجتهاد في الأنواع لا يغني عن الاجتهاد في الأشخاص ~~المعينة فلا بد من هذا الاجتهاد في كل زمان إذ لا يمكن حصول التكليف PageV04P094 ~~إلا به فلو فرض التكليف ms781 مع إمكان ارتفاع هذا الاجتهاد لكان تكليفا بالمحال ~~وهو غير ممكن شرعا كما أنه غير ممكن عقلا وهو أوضح دليل في المسألة # وأما الضرب الثاني وهو الاجتهاد الذي يمكن أن ينقطع فثلاثة أنواع # أحدها المسمى بتنقيح المناط وذلك أن يكون الوصف المعتبر في الحكم مذكورا ~~مع غيره في النص فينقح بالاجتهاد حتى يميز ما هو معتبر مما هو ملغي كما جاء ~~في حديث الأعرابي الذى جاء ينتف شعره ويضرب صدره وقد قسمه الغزالي إلى ~~أقسام ذكرها في شفاء الغليل وهو مبسوط في كتب الأصول PageV04P095 ~~قالوا وهو خارج عن باب القياس ولذلك قال به أبو حنيفة مع إنكاره القياس في ~~الكفارات وإنما هو راجع إلى نوع من تأويل الظواهر # والثاني المسمى بتخريج المناط وهو راجع إلى أن النص الدال على الحكم لم ~~يتعرض للمناط فكأنه أخرج بالبحث وهو الاجتهاد القياسي # وهو معلوم # والثالث هو نوع من تحقيق المناط المتقدم الذكر لأنه ضربان PageV04P096 ~~أحدهما ما يرجع إلى الأنواع لا إلى الأشخاص كتعين نوع المثل في جزاء الصيد ~~ونوع الرقبة في العتق في الكفارات وما أشبه ذلك وقد تقدم التنبيه عليه ~~والضرب الثاني ما يرجع إلى تحقيق مناط فيما تحقق مناط حكمه فكأن تحقيق ~~المناط على قسمين تحقيق عام وهو ما ذكر وتحقيق خاص من ذلك العام # وذلك أن الأول نظر في تعيين المناط من حيث هو لمكلف ما فإذا نظر المجتهد ~~في العدالة مثلا ووجد هذا الشخص متصفا بها على حسب ما ظهر له أوقع عليه ما ~~يقتضيه النص من التكاليف المنوطة بالعدول من الشهادات والانتصاب للولايات ~~العامة أو الخاصة وهكذا إذا نظر في الأوامر والنواهي الندبية والأمور ~~الإباحية ووجد المكلفين والمخاطبين على الجملة أوقع عليهم أحكام تلك النصوص ~~كما يوقع عليهم نصوص الواجبات والمحرمات من غير التفات إلى شيء غير القبول ~~المشروط بالتهيئة الظاهرة فالمكلفون كلهم في أحكام تلك النصوص على سواء في ~~هذا النظر # أما الثاني وهو النظر الخاص فأعلى من هذا وأدق وهو في الحقيقة ناشىء عن ~~نتيجة التقوى ms782 المذكورة في قوله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا وقد ~~يعبر عنه بالحكمة ويشير إليها قوله تعالى يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا قال مالك من شأن ابن آدم أن لا يعلم ثم يعلم ~~أما سمعت قول الله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا وقال أيضا إن ~~الحكمة مسحة ملك على قلب العبد وقال الحكمة نور يقذفه الله في قلب PageV04P097 ~~العبد وقال أيضا يقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله وأمر يدخله الله ~~القلوب من رحمته وفضله وقد كره مالك كتابة العلم يريد ما كان نحو الفتاوي ~~فسئل ما الذي نصنع فقال تحفظون وتفهمون حتى تستنير قلوبكم ثم لا تحتاجون ~~إلى الكتاب # وعلى الجملة فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه ~~من الدلائل التكليفية بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ومداخل الهوى والحظوظ ~~العاجلة حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك ~~المداخل هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره ويختص غير المنحتم بوجه آخر ~~وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت وحال دون حال وشخص ~~دون شخص إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد كما أنها في ~~العلوم والصنائع كذلك فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ولا ~~يكون كذلك بالنسبة إلى آخر ورب عمل يكون حظ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى ~~العامل أقوى منه في عمل آخر ويكون بريئا من ذلك في بعض الأعمال دون بعض ~~فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها وتفاوت ~~إدراكها وقوة تحملها للتكاليف وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ويعرف ~~التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها فهو يحمل على كل نفس من أحكام ~~النصوص ما يليق بها بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف ~~فكأنه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق لكن مما PageV04P098 ~~ثبت عمومه في التحقيق الأول ms783 العام ويقيد به ما ثبت إطلاقه في الأول أو يضم ~~قيدا أو قيودا لما ثبت له في الأول بعض القيود # هذا معنى تحقيق المناط هنا # وبقي الدليل على صحة هذا الاجتهاد فإن ما سواه قد تكفل الأصوليون ببيان ~~الدلالة عليه وهو داخل تحت عموم تحقيق المناط فيكون مندرجا تحت مطلق ~~الدلالة عليه ولكن إن تشوف أحد إلى خصوص الدلالة عليه فالأدلة عليه كثيرة ~~نذكر منها ما تيسر بحول الله # فمن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في أوقات مختلفة عن أفضل ~~الأعمال وخير الأعمال وعرف بذلك في بعض الأوقات من غير سؤال فأجاب بأجوبة ~~مختلفة كل واحد منها لو حمل على إطلاقه أو عمومه لاقتضى مع غيره التضاد في ~~التفصيل ففي الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام # سئل أي الأعمال أفضل قال إيمان بالله قال ثم ماذا قال الجهاد في سبيل ~~الله قال ثم ماذا قال حج مبرور وسئل عليه الصلاة والسلام # أي الأعمال أفضل قال الصلاة لوقتها قال ثم أي قال بر الوالدين قال ثم أي ~~قال الجهاد في سبيل الله وفي النسائي عن أبي إمامة قال أتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم # فقلت مرني بأمر آخذه عنك قال عليك بالصوم فإنه لا مثل له وفي الترمذي # أي الأعمال أفضل درجة عند الله يوم القيامة قال الذاكرون الله كثيرا ~~والذاكرات وفي الصحيح في قول # لا إله إلا الله وحده لا شريك له الخ PageV04P099 ~~قال ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به الحديث وفي النسائي ليس شيء أكرم على ~~الله من الدعاء وفي البزار أي العبادة أفضل قال دعاء المرء لنفسه وفي ~~الترمذي ما من شيء أفضل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وفي ~~البزار يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل في ~~الميزان من غيرهما عليك بحسن الخلق وطول الصمت فوالذي نفسي بيده ما عمل ~~الخلائق بمثلهما وفي مسلم # أي المسلمين خير قال من سلم المسلمون من لسانه ويده وفيه ms784 # سئل أي الإسلام خير قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم ~~تعرف وفي الصحيح # وما أعطى أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر وفي الترمذي # خيركم من تعلم القرآن وعلمه وفيه # أفضل العبادة انتظار الفرج إلى أشياء من هذا النمط جميعها يدل على أن ~~التفضيل ليس بمطلق ويشعر إشعارا ظاهرا بأن القصد إنما هو بالنسبة إلى الوقت ~~أو إلى حال السائل # وقد دعا عليه السلام لأنس بكثرة المال فبورك له فيه وقال لثعلبة بن حاطب ~~حين سأله الدعاء له بكثرة المال # قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه وقال لأبي ذر يا # أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك PageV04P100 ~~ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم ومعلوم أن كلا ~~العملين من أفضل الأعمال لمن قام فيه بحق الله وقد قال في الإمارة والحكم # إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الحديث وقال # أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ثم نهاه عنهما لما علم له خصوصا في ذلك ~~من الصلاح # وفي أحكام اسماعيل بن اسحاق عن ابن سيرين قال # كان أبو بكر يخافت وكان عمر يجهر يعني في الصلاة فقيل لأبي بكر كيف تفعل ~~قال أناجي ربي وأتضرع إليه وقيل لعمر كيف تفعل قال أوقظ الوسنان وأخسأ ~~الشيطان وأرضي الرحمن فقيل لأبي بكر ارفع شيئا وقيل لعمر اخفض شيئا وفسر ~~بأنه عليه الصلاة والسلام قصد إخراج كل واحد منهما عن اختياره وإن كان قصده صحيحا # وفي الصحيح # أن ناسا جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا نجد في أنفسنا ما ~~يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال وقد وجدتموه قالوا نعم قال ذلك صريح الإيمان ~~وفي حديث آخر # من وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله وعن ابن عباس في مثله قال # إذا وجدت شيئا من ذلك PageV04P101 ~~فقل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم فأجاب النبي عليه ~~الصلاة والسلام بأجوبة مختلفة وأجاب ابن عباس ms785 بأمر آخر والعارض من نوع واحد # وفي الصحيح # إني أعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار وآثر عليه ~~الصلاة والسلام في بعض الغنائم قوما ووكل قوما إلى إيمانهم لعلمه بالفريقين ~~وقبل عليه الصلاة والسلام من أبي بكر ماله كله وندب غيره إلى استبقاء بعضه وقال # أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك وجاء آخر # بمثل البيضة من الذهب فردها في وجهه # وقال علي حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله فجعل إلقاء ~~العلم مقيدا فرب مسألة تصلح لقوم دون لقوم وقد قالوا في الرباني إنه الذي ~~يعلم بصغار العلم قبل كباره فهذا الترتيب من ذلك وروى عن الحرث ابن يعقوب ~~قال الفقيه كل الفقيه من فقه في القرآن وعرف مكيدة الشيطان PageV04P102 ~~فقوله وعرف مكيدة الشيطان هو النكتة في المسألة وعن أبي رجاء العطاردي قال ~~قلت لزبير بن العوام مالي أراكم يا أصحاب محمد من أخف الناس صلاة قال نبادر ~~الوسواس هذا مع أن التطويل مستحب ولكن جاء ما يعارضه ومثله حديث # أفتان أنت يا معاذ # ولو تتبع هذا النوع لكثر جدا ومنه ما جاء عن الصحابة والتابعين وعن ~~الأئمة المتقدمين وهو كثير # وتحقيق المناط في الأنواع واتفاق الناس عليه في الجملة مما يشهد له كما ~~تقدم وقد فرع العلماء عليه كما قالوا في قوله تعالى إنما جزاء الذي يحاربون ~~الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا الآية إن الآية تقتضي مطلق ~~التخيير ثم رأوا أنه مقيد بالاجتهاد فالقتل في موضع والصلب في موضع والقطع ~~في موضع والنفي في موضع وكذلك التخيير في الأسارى من الفن والفداء # وكذلك جاء في الشريعة الأمر بالنكاح وعدوه من السنن ولكن قسموه إلى ~~الأحكام الخمسة ونظروا في ذلك في حق كل مكلف وإن كان نظرا نوعيا فإنه لا ~~يتم إلا بالنظر الشخصي فالجميع في معنى واحد والاستدلال على الجميع واحد ~~ولكن قد يستبعد ببادىء الرأي وبالنظر الأول حتى يتبين مغزاة ومورده من ~~الشريعة وما تقدم وأمثاله كاف ms786 مفيد للقطع بصحة هذا الاجتهاد وإنما وقع ~~التنبيه عليه لأن العلماء قلما نبهوا عليه على الخصوص وبالله التوفيق # فإن قيل كيف تصح دعوى التفرقة بين هذا الاجتهاد المستدل عليه PageV04P103 ~~وغيره من أنواع الاجتهاد مع أنهما في الحكم سواء لأنه إن كان غير منقطع ~~فغيره كذلك إذ لا يخلو أن يراد بكونه غير منقطع أنه لا يصح ارتفاعه لا ~~بالكلية ولا بالجزئية وعلى كل تقدير فسائر أنواع الاجتهاد كذلك # أما الأول فلأن الوقائع في الوجود لا تنحصر فلا يصح دخولها تحت الأدلة ~~المنحصرة ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره فلا بد من حدوث ~~وقائع لا تكون منصوصا على حكمها ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد # وعند ذلك فإما أن يترك الناس فيها مع أهوائهم أو ينظر فيها بغير اجتهاد ~~شرعي وهو أيضا اتباع للهوى وذلك كله فساد فلا يكون بد من التوقف لا إلى ~~غاية وهو معنى تعطيل التكليف لزوما وهو مؤد إلى تكليف ما لا يطاق فإذا لا ~~بد من الاجتهاد في كل زمان لأن الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان # وأما الثاني فباطل إذ لا يتعطل مطلق التكليف بتعذر الاجتهاد في بعض ~~الجزئيات فيمكن ارتفاعه في هذا النوع الخاص وفى غيره فلم يظهر بين ~~الاجتهادين فرق PageV04P104 ~~فالجواب أن الفرق بينهما ظاهر من جهة أن هذا النوع الخاص كلي في كل زمان ~~عام في جميع الوقائع أو أكثرها فلو فرض ارتفاعه لا ارتفع معظم التكليف ~~الشرعي أو جميعه وذلك غير صحيح لأنه إن فرض في زمان ما ارتفعت الشريعة ضربة ~~لازب بخلاف غيره فإن الوقائع المتجددة التى لا عهد بها في الزمان المتقدم ~~قليلة بالنسبة إلى ما تقدم لاتساع النظر والاجتهاد من المتقدمين فيمكن ~~تقليده فيه لأنه معظم الشريعة فلا تتعطل الشريعة بتعطل بعض الجزئيات كما لو ~~فرض العجز عند تحقيق المناط في بعض الجزئيات دون السائر فإنه لا ضرر على ~~الشريعة في ذلك فوضح أنهما ليسا سواء والله أعلم ### || AUTO المسألة الثانية # إنما تحصل درجة الاجتهاد ms787 لمن اتصف بوصفين أحدهما فهم PageV04P105 ~~مقاصد الشريعة على كمالها والثاني التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها # أما الأول فقد مر في كتاب المقاصد أن الشريعة مبنية على اعتبار المصالح ~~وأن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك لا من حيث إدراك المكلف ~~إذ المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات واستقر بالاستقراء التام أن ~~المصالح على ثلاث مراتب فإذا بلغ الإنسان مبلغا فهم عن الشارع فيه قصده في ~~كل مسألة من مسائل الشريعة وفي كل باب من أبوابها فقد حصل PageV04P106 ~~له وصف هو السبب في تنزله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله # وأما الثاني فهو كالخادم للأول فإن التمكن من ذلك إنما هو بواسطة معارف ~~محتاج إليها في فهم الشريعة أولا ومن هنا كان خادما للأول وفي استنباط ~~الأحكام ثانيا لكن لا تظهر ثمرة الفهم إلا في الاستنباط فلذلك جعل شرطا ~~ثانيا وإنما كان الأول هو السبب في بلوغ هذه المرتبة لأنه المقصود والثاني وسيلة # لكن هذه المعارف تارة يكون الإنسان عالما بها مجتهدا فيها وتارة يكون ~~حافظا لها متمكنا من الاطلاع على مقاصدها غير بالغ رتبة الاجتهاد فيها ~~وتارة يكون غير حافظ ولا عارف إلا أنه عالم بغايتها وأن له افتقارا إليها ~~في مسألته التى PageV04P107 ~~يجتهد فيها فهو بحيث إذا عنت له مسألة ينظر فيها زاول أهل المعرفة بتلك ~~المعارف المتعلقة بمسألته فلا يقضي فيها إلا بمشورتهم وليس بعد هذه المراتب ~~الثلاث مرتبة يعتد بها في نيل المعارف المذكورة # فإن كان مجتهدا فيها كما كان مالك في علم الحديث والشافعي في علم الأصول ~~فلا إشكال وإن كان متمكنا من الاطلاع على مقاصدها كما قالوا في الشافعي ~~وأبي حنيفة في علم الحديث فكذلك أيضا لا إشكال في صحة اجتهاده وإن كان ~~القسم الثالث فإن تهيأ له الاجتهاد في استنباط الأحكام مع كون المجتهد في ~~تلك المعارف كذلك فكالثاني وإلا فكالعدم ### || AUTO فصل # وقد حصل من هذه الجملة أنه لا يلزم المجتهد ms788 في الأحكام الشرعية أن يكون PageV04P108 ~~مجتهدا في كل علم يتعلق به الاجتهاد على الجملة بل الأمر ينقسم فإن كان ثم ~~علم لا يمكن أن يحصل وصف الاجتهاد بكنهه إلا من طريقة فلا بد أن يكون من ~~أهله حقيقة حتى يكون مجتهدا فيه وما سوى ذلك من العلوم فلا يلزم ذلك فيه ~~وإن كان العلم به معينا فيه ولكن لا يخل التقليد فيه بحقيقة الاجتهاد فهذه ~~ثلاثة مطالب لا بد من بيانها # أما الأول وهو أنه لا يلزم أن يكون مجتهدا في كل علم يتعلق به الاجتهاد ~~على الجملة فالدليل عليه أمور أحدها أنه لو كان كذلك لم يوجد مجتهد إلا في ~~الندرة ممن سوى الصحابة ونحن نمثل بالأئمة الأربعة فالشافعي عندهم مقلد في ~~الحديث لم يبلغ درجة الاجتهاد في انتقاده ومعرفته وأبو حنيفة كذلك وإنما ~~عدوا من أهله مالكا وحده وتراه في الأحكام يحيل على غيره كأهل التجارب ~~والطب والحيض وغير ذلك ويبني الحكم على ذلك والحكم لا يستقل دون ذلك ~~الاجتهاد ولو كان مشترطا في المجتهد الاجتهاد في كل ما يفتقر إليه الحكم لم ~~يصح لحاكم أن ينتصب للفصل بين الخصوم حتى يكون مجتهدا في كل ما يفتقر إليه ~~الحكم الذي يوجهه على المطلوب للطالب وليس الأمر كذلك بالإجماع PageV04P109 ~~والثاني أن الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية علم مستقل بنفسه ولا يلزم ~~في كل علم أن تبرهن مقدماته فيه بحال بل يقول العلماء أن من فعل ذلك فقد ~~أدخل في علمه علما آخر ينظر فيه بالعرض لا بالذات فكما يصح للطبيب أن يسلم ~~من العلم الطبيعي أن الإسطقصات أربعة وأن مزاج الإنسان أعدل الأمزجة فيما ~~يليق أن يكون عليه مزاج الإنسان وغير ذلك من المقدمات كذلك يصح أن يسلم ~~المجتهد من القارئ أن قوله تعالى وامسحوا برءوسكم وأرجلكم بالخفض مروئ على ~~الصحة ومن المحدث أن الحديث الفلاني PageV04P110 ~~صحيح أو سقيم ومن عالم الناسخ والمنسوخ أن قوله كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية منسوخ بآية المواريث ومن ms789 اللغوي أن القرء يطلق ~~على الطهر والحيض وما أشبه ذلك ثم يبنى عليه الأحكام # بل براهين الهندسة في أعلى مراتب اليقين وهى مبنية على مقدمات مسلمة في ~~علم آخر مأخوذة في علم الهندسة على التقليد وكذلك العدد وغيره من العلوم ~~اليقينية ولم يكن ذلك قادحا في حصول اليقين للمهندس أو الحاسب في مطالب ~~علمه وقد أجاز النظار وقوع الاجتهاد في الشريعة من الكافر المنكر لوجود ~~الصانع والرسالة والشريعة إذ كان الاجتهاد إنما ينبني على مقدمات تفرض ~~صحتها كانت كذلك في نفس الأمر أولا وهذا أوضح من إطناب فيه # فلا يقال إن المجتهد إذا لم يكن عالما بالمقدمات التى يبنى عليها لا يحصل ~~له العلم بصحة اجتهاده PageV04P111 ~~لأنا نقول بل يحصل له العلم بذلك لأنه مبني عل فرض صحة تلك المقدمات ~~وبرهان الخلف مبني على مقدمات باطلة في نفس الأمر تفرض صحيحة فيبني عليها ~~فيفيد البناء عليها العلم بالمطلوب فمسألتنا كذلك # والثالث أن نوعا من الاجتهاد لا يفتقر إلى شيء من تلك العلوم أن يعرفه ~~فصلا أن يكون مجتهدا فيه وهو الاجتهاد في تنقيح المناط وإنما يفتقر إلى PageV04P112 ~~الاطلاع على مقاصد الشريعة خاصة وإذا ثبت نوع من الاجتهاد دون الاجتهاد في ~~تلك المعارف ثبت مطلق الاجتهاد بدونه هو المطلوب # فإن قيل إن جاز أن يكون مقلدا في بعض ما يتعلق بالاجتهاد لم تصف له مسألة ~~معلومة فيه لأن مسألة يقلد في بعض مقدماتها لا تكون مجتهدا فيها بإطلاق فلم ~~يمكن أن يوصف صاحبها بصفة الاجتهاد بإطلاق وكلامنا إنما هو في مجتهد يعتمد ~~على اجتهاده بإطلاق ولا يكون كذلك مع تقليده في بعض المعارف المبني عليها # فالجواب أن ذلك شرط في العلم بمسألة المجتهد فيها بإطلاق لا شرط في صحة ~~الاجتهاد لأن تلك المعارف ليست جزءا من ماهية الاجتهاد وإنما الاجتهاد ~~يتوصل إليه بها فإذا كانت محصلة بتقليد أو باجتهاد أو بفرض محال بحيث يفرض ~~تسليم صاحب تلك المعارف المجتهد فيها ما حصل هذا ثم بنى عليه كان بناؤه ~~صحيحا لأن الاجتهاد ms790 هو استفراغ الوسع في تحصيل العلم أو الظن بالحكم وهو ~~لأنه على ما تقدم لا بد له من هذه المعارف كوسيلة إلى فهم مقاصد الشريعة ~~على الأقل وإن لم يحتج إليها عند التخريج وإنما يصح ذلك إذا صح أن يأخذ ~~مقاصد الشريعة تقليدا فتأمل PageV04P113 ~~قد وقع ويبين ذلك ما تقدم في الوجه الثاني وأن العلماء الذين بلغوا درجة ~~الاجتهاد عند عامة الناس كمالك والشافعي وأبي حنيفة كان لهم أتباع أخذوا ~~عنهم وانتفعوا بهم وصاروا في عداد أهل الاجتهاد مع أنهم عند الناس مقلدون ~~في الأصول لأئمتهم ثم اجتهدوا بناء على مقدمات مقلد فيها واعتبرت أقوالهم ~~واتبعت آراؤهم وعمل على وفقها مع مخالفتهم لأئمتهم وموافقتهم فصار قول ابن ~~القاسم أو قول أشهب أو غيرهما معتبرا في الخلاف على إمامهم كما كان أبو ~~يوسف ومحمد بن الحسن مع أبي حنيفة والمزني والبويطي مع الشافعي فإذا لا ضرر ~~على الاجتهاد مع التقليد في بعض القواعد المتعلقة بالمسألة المجتهد فيها # وأما الثاني من المطالب وهو فرض علم تتوقف صحة الاجتهاد عليه فإن كان ثم ~~علم لا يحصل الاجتهاد في الشريعة إلا بالاجتهاد فيه فهو بلا بد مضطر إليه ~~لأنه إذا فرض كذلك لم يمكن في العادة الوصول إلى درجة الاجتهاد دونه فلا بد ~~من تحصيله على تمامه وهو ظاهر # إلا أن هذا العلم مبهم في الجملة فيسأل عن تعيينه # والأقرب في العلوم إلى أن يكون هكذا علم اللغة العربية ولا أعني بذلك ~~النحو وحده ولا التصريف وحده ولا اللغة ولا علم المعاني ولا غير ذلك من ~~أنواع العلوم المتعلقة باللسان بل المراد جملة علم اللسان ألفاظ أو معاني كيف PageV04P114 ~~تصورت ما عدا الغريب والتصريف المسمى بالفعل وما يتعلق بالشعر من حيث هو ~~شعر كالعروض والقافية فإن هذا غير مفتقر إليه هنا وإن كان العلم به كمالا ~~في العلم بالعربية وبيان تعين هذا العلم ما تقدم في كتاب المقاصد من أن ~~الشريعة عربية وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة ~~العربية ms791 حق الفهم لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز فإذا فرضنا ~~مبتدئا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة أو متوسطا فهو متوسط في ~~فهم الشريعة والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية فإن انتهى إلى درجة الغاية في ~~العربية كان كذلك في الشريعة فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة ~~وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقصه من ~~فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم وكل من قصر فهمه لم يعد حجة ولا كان قوله ~~فيها مقبولا # فلا بد من أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة فيها كالخليل وسيبويه والأخفش ~~والجرمي والمازني ومن سواهم وقد قال الجرمي أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس PageV04P115 ~~من كتاب سيبويه وفسروا ذلك بعد الاعتراف به بأنه كان صاحب حديث وكتاب ~~سيبويه يتعلم منه النظر والتفتيش والمراد بذلك أن سيبويه وإن تكلم في النحو ~~فقد نبه في كلامه على مقاصد العرب وأنحاء تصرفاتها في ألفاظها ومعانيها ولم ~~يقتصر فيه على بيان أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ونحو ذلك بل هو يبين في ~~كل باب ما يليق به حتى إنه احتوى على علم المعاني والبيان ووجوه تصرفات ~~الألفاظ والمعاني ومن هنالك كان الجرمي على ما قال وهو كلام يروى عنه في ~~صدر كتاب سيبويه من غير إنكار # ولا يقال إن الأصوليين قد نفوا هذه المبالغة في فهم العربية فقالوا ليس ~~على الأصولي أن يبلغ في العربية مبلغ الخليل وسيبويه وأبي عبيدة والأصمعي ~~الباحثين عن دقائق الإعراب ومشكلات اللغة وإنما يكفيه أن يحصل منها ما ~~تتيسر به معرفة ما يتعلق بالأحكام بالكتاب والسنة # لأنا نقول هذا غير ما تقدم تقريره وقد قال الغزالي في هذا الشرط إنه ~~القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال حتى يميز بين صريح ~~الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ~~ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه وهذا الذي اشترط لا يحصل إلا لمن بلغ في ~~اللغة العربية درجة الاجتهاد ثم قال والتخفيف ms792 فيه لا يشترط أن يبلغ مبلغ ~~الخليل والمبرد وأن يعلم جميع اللغة ويتعمق في النحو وهذا أيضا صحيح فالذي ~~نفى اللزوم فيه ليس هو المقصود في الاشتراط وإنما المقصود تحرير الفهم PageV04P116 ~~حتى يضاهي العربي في ذلك المقدار وليس من شرط العربي أن يعرف جميع اللغة ~~ولا أن يستعمل الدقائق فكذلك المجتهد في العربية فكذلك المجتهد في الشريعة ~~وربما يفهم بعض الناس أنه لا يشترط أن يبلغ مبلغ الخليل وسيبويه في ~~الاجتهاد في العربية فيبني في العربية على التقليد المحض فيأتي في الكلام ~~على مسائل الشريعة بما السكوت أولى به منه وإن كان مما تعقد عليه الخناصر ~~جلالة في الدين وعلما في الأئمة المهتدين وقد أشار الشافعي في رسالته إلى ~~هذا المعنى وأن الله خاطب العربي بكتابه بلسانها على ما تعرف من معانيها ثم ~~ذكر مما يعرف من معانيها اتساع لسانها وأن تخاطب بالعام مرادا به ظاهره ~~وبالعام يراد به العام ويدخله الخصوص ويستدل على ذلك ببعض ما يدخله في ~~الكلام وبالعام يراد به الخاص ويعرف بالسياق وبالكلام ينبنئ أوله عن آخره ~~وآخره عن أوله وأن تتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون اللفظ كما تعرف بالإشارة ~~وتسمى الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة والمعاني الكثيرة بالاسم الواحد ثم ~~قال فمن جهل هذا من لسانها وبلسانها نزل الكتاب وجاءت به السنة فتكلف القول ~~في علمها تكلف ما يجهل بعضه ومن تكلف ما جهل وما لم يثبته معرفة كانت ~~موافقة الصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة وكان بخطئه غير معذور ~~إذا نطق فيما لا يحيط عليه بالفرق بين الصواب والخطأ فيه هذا قوله وهو الحق ~~الذي لا محيص عنه وغالب ما صنف في أصول الفقه من الفنون إنما هو من المطالب ~~العربية التى تكفل المجتهد فيها بالجواب عنها # وما سواها من المقدمات فقد يكفي فيه التقليد كالكلام في الأحكام تصورا PageV04P117 ~~وتصديقا كأحكام النسخ وأحكام الحديث وما أشبه ذلك # فالحاصل أنه لا غنى بالمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام ~~العرب بحيث ms793 يصير فهم خطابها له وصفا غير متكلف ولا متوقف فيه في الغالب إلا ~~بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب # وأما الثالث من المطالب وهو أنه لا يلزم في غير العربية من العلوم أن ~~يكون المجتهد عالما بها فقد مر ما يدل عليه فإن المجتهد إذا بنى اجتهاده ~~على التقليد في بعض المقدمات السابقة عليه فذلك لا يضره في كونه مجتهدا في ~~عين مسألته كالمهندس إذا بنى بعض براهينه على صحة وجود الدائرة مثلا فلا ~~يضره في صحة برهانه تقليده لصاحب ما بعد الطبيعة وهو المبرهن على وجودها ~~وإن كان المهندس لا يعرف ذلك بالبرهان وكما قالوا في تقليد الشافعي في علم ~~الحديث ولم يقدح ذلك في صحة اجتهاده بل كما يبني القاضي في تغريم قيمة ~~المتلف على اجتهاد المقوم للسلع وإن لم يعرف هو ذلك ولا يخرجه ذلك عن درجة ~~الاجتهاد وكما بنى مالك أحكام الحيض والنفاس على ما يعرفه النساء من ~~عاداتهن وإن كان هو غير عارف به وما أشبه ذلك ### || AUTO المسألة الثالثة # الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف كما أنها في ~~أصولها كذلك ولا يصلح فيها غير ذلك والدليل عليه أمور # أحدها أدلة القرآن من ذلك قوله تعالى ولو كان من عند غير الله PageV04P118 ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فنفى أن يقع فيه الاختلاف ألبتة ولو كان فيه ما ~~يقتضي قولين مختلفين لم يصدق عليه هذا الكلام على حال وفي القرآن فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول الآية وهذه الآية صريحة في رفع ~~التنازع والاختلاف فإنه رد المتنازعين إلى الشريعة وليس ذلك إلا ليرتفع ~~الاختلاف ولا يرتفع الاختلاف إلا بالرجوع إلا شيء واحد إذ لو كان فيه ما ~~يقتضي الاختلاف لم يكن في الرجوع إليه رفع تنازع وهذا باطل وقال تعالى ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات PageV04P119 ~~الآية والبينات هي الشريعة فلولا أنها لا تقتضي الاختلاف ولا تقبله ألبتة ~~لما قيل لهم من بعد كذا ولكان لهم فيها ms794 أبلغ العذر وهذا غير صحيح # فالشريعة لا اختلاف فيها وقال تعالى وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله فبين أن طريق الحق واحد وذلك عام في جملة ~~الشريعة وتفاصيلها وقال تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ~~ولا يكون حاكما بينهم إلا مع كونه قولا واحدا فصلا بين المختلفين وقال شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا الآية إلى قوله ولا تتفرقوا فيه ثم ذكر بني ~~إسرائيل وحذر الأمة أن يأخذوا بسنتهم فقال وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم وقال تعالى ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين ~~اختلفوا في الكتاب لفى شقاق بعيد والآيات في ذم الاختلاف والأمر بالرجوع ~~إلى الشريعة كثير كله قاطع في أنها لا اختلاف فيها وإنما هي على مأخذ واحد ~~وقول واحد قال المزني صاحب الشافعي ذم الله الاختلاف وأمر عنده بالرجوع إلى ~~الكتاب والسنة # والثاني أن عامة أهل الشريعة أثبتوا في القرآن والسنة الناسخ والمنسوخ PageV04P120 ~~على الجملة وحذروا من الجهل به والخطأ فيه ومعلوم أن الناسخ والمنسوخ إنما ~~هو فيما بين دليلين يتعارضان بحيث لا يصح اجتماعهما بحال وإلا لما كان ~~أحدهما ناسخا والآخر منسوخا والفرض خلافة فلو كان الاختلاف من الدين لما ~~كان لإثبات الناسخ والمنسوخ من غير نص قاطع فيه فائدة ولكان الكلام فى ذلك ~~كلاما فيما لا يجنى ثمرة إذ كان يصح العمل بكل واحد منهما ابتداء ودواما ~~استنادا إلى أن الاختلاف أصل من أصول الدين لكن هذا كله باطل بإجماع فدل ~~على أن الاختلاف لا الأصل له في الشريعة وهكذا القول في كل دليل مع معارضه ~~كالعموم والخصوص والإطلاق والتقييد وما أشبه ذلك فكانت تنخرم هذه الأصول ~~كلها وذلك فاسد فما أدى إليه مثله # والثالث أنه لو كان في الشريعة مساغ للخلاف لأدى إلى تكليف ما لا يطاق ~~لأن الدليلين إذا فرضنا تعارضهما وفرضناهما مقصودين معا ms795 للشارع فإما أن ~~يقال إن المكلف مطلوب بمقتضاها أولا أو مطلوب بأحدهما دون الآخر والجميع ~~غير صحيح فالأول يقتضي افعل لا تفعل لمكلف واحد من وجه واحد وهو عين ~~التكليف بما لا يطاق والثاني باطل لأنه خلاف PageV04P121 ~~الفرض وكذلك الثالث إذ كان الفرض توجه الطلب بهما فلم يبق إلا الأول فيلزم ~~منه ما تقدم # لا يقال إن الدليلين بحسب شخصين أو حالين # لأنه خلاف الفرض وهو أيضا قول واحد لا قولان لأنه إذا انصرف كل دليل إلى ~~جهة لم يكن ثم اختلاف وهو المطلوب # والرابع أن الأصوليين اتفقوا على إثبات الترجيح بين الأدلة المتعارضة إذا ~~لم يمكن الجمع وأنه لا يصح إعمال أحد دليلين متعارضين جزافا من غير نظر في ~~ترجيحه على الآخر والقول بثبوت الخلاف فى الشريعة يرفع باب الترجيح جملة إذ ~~لا فائدة فيه ولا حاجة إليه على فرض ثبوت الخلاف أصلا شرعيا لصحة وقوع ~~التعارض في الشريعة لكن ذلك فاسد فما أدى إليه مثله # والخامس أنه شيء لا يتصور لأن الدليلين المتعارضين إذا قصدهما الشارع ~~مثلا لم يتحصل مقصوده لأنه إذا قال فى الشيء الواحد افعل PageV04P122 ~~لا تفعل فلا يمكن أن يكون المفهوم منه طلب الفعل لقوله لا تفعل ولا طلب ~~تركه لقوله افعل فلا يتحصل للمكلف فهم التكليف فلا يتصور توجهه على حال ~~والأدلة على ذلك كثيرة لا يحتاج فيها إلى التطويل لفساد الاختلاف فى ~~الشريعة # فإن قيل إن كان ثم ما يدل على رفع الاختلاف فثم ما يقتضى وقوعه فى ~~الشريعة وقد وقع والدليل عليه أمور # منها إنزال المتشابهات فإنها مجال للاختلاف لتباين الأنظار واختلاف ~~الآراء والمدارك هذا وإن كان التوقف فيها هو المحمود فإن الاختلاف فيها قد ~~وقع ووضع الشارع لها مقصود له وإذا كان مقصودا له وهو عالم بالمآلات فقد ~~جعل سبيلا إلى الاختلاف فلا يصح أن ينفى عن الشارع رفع مجال الاختلاف جملة # ومنها الأمور الاجتهادية التى جعل الشارع فيها للاختلاف مجالا فكثيرا ما ~~تتوارد على المسألة الواحدة أدلة قياسية وغير قياسية ms796 بحيث يظهر بينها ~~التعارض PageV04P123 ~~ومجال الاجتهاد لما قصده الشارع فى وضع الشريعة حين شرع القياس ووضع ~~الظواهر التى يختلف فى أمثالها النظار ليجتهدوا فيثابوا على ذلك ولذلك نبه ~~فى الحديث على هذا المقصد بقوله عليه الصلاة والسلام # إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران فهذا موضع آخر من وضع ~~الخلاف بسبب وضع محاله # ومنها أن العلماء الراسخين الأئمة المتقين اختلفوا هل كل مجتهد مصيب أم ~~المصيب واحد والجميع سوغوا هذا الاختلاف وهو دليل على أن له مساغا فى ~~الشريعة على الجملة وأيضا فالقائلون بالتصويب معنى كلامهم أن كل قول صواب ~~وأن الاختلاف حق وأنه غير منكر ولا محظور فى الشريعة # وأيضا فطائفة من العلماء جوزوا أن يأتي فى الشريعة دليلان متعارضان PageV04P124 ~~وتجويز ذلك عندهم مستند إلى أصل شرعي فى الاختلاف # وطائفة أيضا رأوا أن قول الصحابي حجة فكل قول صحابي وإن عارضه قول صحابي ~~آخر كل واحد منهما حجة وللمكلف في كل واحد منهما متمسك وقد نقل هذا المعنى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال # أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فأجاز جماعة الأخذ بقول من شاء ~~منهم إذا اختلفوا # وقال القاسم بن محمد لقد نفع الله بإختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أعمالهم لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأي أنه في سعة ورأى أن ~~خيرا منه قد عمله وعنه أيضا أي ذلك أخذت به لم يكن فى نفسك منه شيء ومثل ~~معناه مروى عن عمر بن عبد العزيز قال ما يسرني أن لي بإختلافهم حمر النعم ~~قال القاسم لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز ما أحب أن أصحاب رسول الله لم ~~يختلفوا لأنه لو كان قولا واحدا كان الناس في ضيق # وإنهم أئمة يقتدى بهم فلو أخذ بقول رجل منهم كان في سعة وقال بمثل ذلك ~~جماعة من العلماء # وأيضا فإن أقوال العلماء بالنسبة إلى المقلدين كأقوال المجتهدين ويجوز ~~لكل واحد على قول جماعة أن يقلد من العلماء من شاء ms797 وهو من ذلك فى سعة وقد ~~قال ابن الطيب وغيره في الأدلة إذا تعارضت على المجتهد واقتضى كل واحد ضد ~~حكم الآخر ولم يكن ثم ترجيح فله الخيرة في العمل بأيها شاء لأنهما صارا PageV04P125 ~~بالنسبة إليه كخصال الكفارة والاختلاف عند العلماء لا ينشأ إلا من تعارض ~~الأدلة فقد ثبت إذا فى الشريعة تعارض الأدلة إلا أن ما تقدم من الأدلة على ~~منع الإختلاف يحمل على الإختلاف فى أصل الدين لا فى فروعه بدليل وقوعه فى ~~الفروع من لدن زمان الصحابة إلى زماننا # فالجواب أن هذه القواعد المعترض بها يجب أن يحقق النظر فيها بحسب هذه ~~المسألة فإنها من المواضع المخيلة # أما مسألة المتشابهات فلا يصح أن يدعى فيها أنها موضوعة فى الشريعة قصد ~~الاختلاف شرعا لأن هذا قد تقدم فى الأدلة السابقة ما يدل على فساده # وكونها قد وضعت ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حى عن بينة لا نظر فيه فقد ~~قال تعالى ولا يزالون مختفلين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ففرق بين الوضع ~~القدري الذى لا حجة فيه للعبد وهو الموضوع على وفق الإرادة التى لا مرد لها ~~وبين الوضع الشرعي الذى لا يستلزم وفق PageV04P126 ~~الإرادة وقد قال تعالى هدى للمتقين وقال يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا ومر ~~بيانه في كتاب الأوامر فمسألة المتشابهات من الثاني لا من الأول وإذا كان ~~كذلك لم يدل على وضع الاختلاف شرعا بل وضعها للابتلاء فيعمل الراسخون على ~~وفق ما أخبر الله عنهم ويقع الزائغون في إتباع أهواءهم ومعلوم أن الراسخين ~~هم المصيبون وإنما أخبر عنهم أنهم على مذهب واحد في الإيمان بالمتشابهات ~~علموها أو لم يعلموها وأن الزائغين هم المخطئون # فليس في المسألة إلا أمر واحد لا أمران ولا ثلاثة فإذا لم يكن إنزال ~~المتشابه علما للاختلاف ولا أصلا فيه وأيضا لو كان كذلك لم ينقسم المختلفون ~~فيه إلى مصيب ومخطئ بل كان يكون الجميع مصيبين لأنهم لم يخرجوا عن قصد ~~الواضع للشريعة لأنه قد تقدم أن الإصابة ms798 إنما هى بموافقة قصد الشارع وأن PageV04P127 ~~الخطأ بمخالفته فلما كانوا منقسمين إلى مصيب ومخطئ دل على أن الموضع ليس ~~بموضع اختلاف شرعا # وأما مواضع الاجتهاد فهي راجعة إلى نمط التشابه لأنها دائرة بين طرفي نفي ~~وإثبات شرعيين فقد يخفى هنالك وجه الصواب من وجه الخطأ وعلى كل تقدير إن ~~قيل بأن المصيب واحدا فقد شهد أرباب هذا القول بأن الموضع ليس مجال ~~الاختلاف ولا هو حجة من حجج الاختلاف بل هو مجال استفراغ الوسع وإبلاغ ~~الجهد في طلب مقصد الشارع المتحد فهذه الطائفة على وفق الأدلة المقررة أولا ~~وإن قيل إن الكل مصيبون فليس على الإطلاق بل بالنسبة إلى كل مجتهد أو من ~~قلده لاتفاقهم على أن كل مجتهد لا يجوز له الرجوع عما أداه إليه اجتهاده ~~ولا الفتوى إلا به لأن الإصابة عندهم إضافية لا حقيقية فلو كان الاختلاف ~~سائغا على الإطلاق لكان فيه حجة وليس كذلك # فالحاصل أنه لا يسوغ على هذا الرأي إلا قول واحد غير أنه إضافي فلم يثبت ~~به اختلاف مقرر على حال وإنما الجميع محومون على قول واحد هو قصد الشارع ~~عند المجتهد لا قولان مقرران فلم يظهر إذا من قصد الشارع وضع أصل للاختلاف ~~بل وضع موضع للاجتهاد في التحويم على إصابة قصد الشارع الذي هو واحد ومن ~~هناك لا تجد مجتهدا يثبت لنفسه قولين معا أصلا وإنما يثبت قولا واحدا وينفي ~~ما عداه PageV04P128 ~~وقد مر جواب مسألة التصويب والتخطئة # وأما تجويز أن يأتي دليلان متعارضان فإن أراد الذاهبون إلى ذلك التعارض ~~في الظاهر وفي أنظار المجتهدين لا في نفس الأمر فالأمر على ما قالوه جائز ~~ولكن لا يقضى ذلك بجواز التعارض في أدلة الشريعة وإن أرادوا تجويز ذلك في ~~نفس الأمر فهذا لا ينتحله من يفهم الشريعة لورود ما تقدم من الأدلة عليه ~~ولا أظن أن أحدا منهم يقوله # وأما مسألة قول الصحابي فلا دليل فيه لأمرين أحدهما أن ذلك من قبيل ~~الظنيات إن سلم صحة الحديث على أنه مطعون في سنده ms799 ومسألتنا قطعية ولا يعارض ~~الظن القطع والثاني على تسليم ذلك فالمراد أنه حجة على انفراد كل واحد منهم ~~أي أن من استند إلى قول أحدهم فمصيب من حيث قلد أحد المجتهدين لا أن كل ~~واحد منهم حجة في نفس الأمر بالنسبة إلى كل واحد فإن هذا مناقض لما تقدم # وأما قول من قال إن اختلافهم رحمة وسعة فقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال ~~ليس في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعة وإنما الحق في واحد ~~قيل له فمن يقول إن كل مجتهد مصيب فقال هذا لا يكون قولان مختلفين صوابين ~~ولو سلم فيحتمل أن يكون من جهة فتح باب الاجتهاد وأن مسائل الاجتهاد قد جعل ~~الله فيها سعة بتوسعة مجال الاجتهاد لا غير ذلك # قال القاضي اسماعيل إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV04P129 ~~توسعة في اجتهاد الرأي فأما أن يكون توسعة أن يقول الإنسان بقول واحد منهم ~~من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا ~~فاختلفوا قال ابن عبد البر كلام إسماعيل هذا حسن جدا وأيضا فإن قول من قال ~~إن اختلافهم رحمة يوافق ما تقدم وذلك لأنه قد ثبت أن الشريعة لا اختلاف ~~فيها وإنما جاءت حاكمة بين المختلفين فيها وفي غيرها من متعلقات الدين فكان ~~ذلك عندهم عاما في الأصول والفروع حسبما اقتضته الظواهر المتضافرة والأدلة ~~القاطعة فما جاءتهم مواضع الاشتباه وكلوا ما لم يتعلق به عمل إلى عالمه على ~~مقتضى قوله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ولم يكن لهم بد من النظر في ~~متعلقات الأعمال لأن الشريعة قد كملت فلا يمكن خلو الوقائع عن أحكام ~~الشريعة فتحروا أقرب الوجوه عندهم إلى أنه المقصود الشرعي والفطر والأنظار ~~تختلف فوقع الاختلاف من هنا لا من جهة أنه من مقصود الشارع فلو فرض أن ~~الصحابة لم ينظروا في هذه المشتبهات الفرعية ولم يتكلموا فيها وهم القدوة ~~في فهم الشريعة والجري على مقاصدها لم ms800 يكن لمن بعدهم أن يفتح ذلك الباب ~~للأدلة الدالة على ذم الاختلاف وأن الشريعة لا اختلاف فيها ومواضع الاشتباه ~~مظان الاختلاف في إصابة الحق فيها فكان المجال يضيق على من بعد الصحابة ~~فلما اجتهدوا ونشأ من اجتهادهم في تحري الصواب الاختلاف سهل على من بعدهم ~~سلوك الطريق فلذلك والله أعلم قال عمر بن عبد العزيز ما يسرني أن لي ~~باختلافهم حمر النعم وقال ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يختلفوا # وأما اختلاف العلماء بالنسبة إلى المقلدين فكذلك أيضا لا فرق بين مصادفة ~~المجتهد الدليل ومصادفة العامي المفتي فتعارض الفتويين عليه كتعارض ~~الدليلين على المجتهد فكما أن المجتهد لا يجوز في حقه اتباع الدليلين معا ~~ولا اتباع أحدهما PageV04P130 ~~من غير اجتهاد ولا ترجيح كذلك لا يجوز للعامي اتباع المفتيين معا ولا ~~أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح وقول من قال إذا تعارضا عليه تخير غير صحيح ~~من وجهين أحدهما أن هذا قول بجواز تعارض الدليلين في نفس الأمر وقد مر فيه ~~آنفا والثاني ما تقدم من الأصل الشرعي وهو أن فائدة وضع الشريعة إخراج ~~المكلف عن داعية هواه وتخييره بين القولين نقض لذلك الأصل وهو غير جائز فإن ~~الشريعة قد ثبت أنها تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة وعلى مصلحة كلية في ~~الجملة أما الجزئية فما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته وأما الكلية فهي أن ~~يكون المكلف داخلا تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته اعتقادا ~~وقولا وعملا فلا يكون متبعا لهواه كالبهيمة المسيبة حتى يرتاض بلجام الشرع ~~ومتى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم ~~مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة فلا يصح ~~القول بالتخيير عل حال وانظر في الكتاب المستظهر للغزالي فثبت أنه لا ~~اختلاف في أصل الشريعة ولا هى موضوعة على وجود الخلاف فيها أصلا يرجع إلية ~~مقصودا من الشارع بل ذلك الخلاف راجع إلى أنظار المكلفين وإلى ما ms801 يتعلق بهم ~~من الابتلاء وصح أن نفى الاختلاف في الشريعة وذمه على الإطلاق والعموم في ~~أصولها وفروعها إذ لو صح فيها وضع فرع واحد على قصد الاختلاف لصح فيها وجود ~~الاختلاف على الإطلاق لأنه إذا صح اختلاف ما صح كل الاختلاف وذلك معلوم ~~البطلان فما أدى إليه مثله PageV04P131 ### || AUTO فصل # وعلى هذا الأصل ينبني قواعد منها أنه ليس للمقلد أن PageV04P132 ~~يتخير في الخلاف كما إذا اختلف المجتهدون على قولين فوردت كذلك على المقلد ~~فقد يعد بعض الناس القولين بالنسبة إليه مخيرا فيهما كما يخير في خصال ~~الكفارة فيتبع هواه وما يوافق غرضه دون ما يخالفه وربما استظهر على ذلك ~~بكلام بعض المفتين المتأخرين وقواه بما روى من قوله عليه الصلاة والسلام # أصحابي كالنجوم وقد مر الجواب عنه وإن صح فهو معمول به فيما إذا ذهب ~~المقلد عفوا فاستفتى صحابيا أو غيره فقلده فيما أفتاه به فيما له أو عليه ~~وأما إذا تعارض عنده قولا مفتيين فالحق أن يقال ليس بداخل تحت ظاهر الحديث ~~لأن كل واحد منهما متبع لدليل عنده يقتضي ضد ما يقتضيه دليل صاحبه فهما ~~صاحبا دليلين متضادين فاتباع أحدهما بالهوى اتباع للهوى وقد ما مر فيه فليس ~~إلا الترجيح بالأعلمية وغيرها وأيضا فالمجتهدان بالنسبة إلى العامي ~~كالدليلين بالنسبة إلى المجتهد فكما يجب على المجتهد الترجيح أو التوقف ~~كذلك المقلد ولو جاز تحكيم التشهي والأغراض في مثل هذا لجاز للحاكم PageV04P133 ~~وهو باطل بالإجماع وأيضا فإن في مسائل الخلاف ضابطا قرآنيا ينفى اتباع ~~الهوى جملة وهو قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول وهذا ~~المقلد قد تنازع في مسألته مجتهدان فوجب ردها إلى الله والرسول وهو الرجوع ~~إلى الأدلة الشرعية وهو أبعد من متابعة الهوى والشهوة فإختياره أحد ~~المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله والرسول وهذه الآية نزلت على ~~سبب فيمن اتبع هواه بالرجوع إلى حكم الطاغوت ولذلك أعقبها بقوله ألم تر إلى ~~الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك الآية وهذا يظهر أن مثل ms802 هذه القضية ~~لا تدخل تحت قوله # أصحابي كالنجوم وأيضا فإن ذلك يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد ~~إلى دليل شرعي وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل وأيضا فإنه ~~مؤد إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها لأن حاصل الأمر مع القول ~~بالتخيير أن للمكلف أن يفعل إن شاء ويترك إن شاء وهو عين إسقاط التكليف ~~بخلاف ما إذا تقيد بالترجيح فإنه متبع للدليل فلا يكون متبعا للهوى ولا ~~مسقطا للتكليف لا يقال إذا اختلفا فقلد أحدهما قبل لقاء الآخر جاز فكذلك ~~بعد لقائه والاجتماع طردي # لأنا نقول كلا بل للاجتماع أثر لأن كل واحد منهما في الافتراق طريق موصل ~~كما لو وجد دليل ولم يطلع على معارضة بعد البحث عليه جاز له العمل # أما إذا اجتمعا واختلفا عليه فهما كدليلين متعارضين اطلع عليهما المجتهد ولقد PageV04P134 ~~أشكل القول بالتخيير المنسوب إلى القاضي ابن الطيب واعتذر عنه بأنه مقيد ~~لا مطلق فلا يخير إلا بشرط أن يكون في تخييره في العمل بأحد الدليلين قاصدا ~~لمقتضى الدليل في العمل المذكور لا قاصدا لاتباع هواه فيه ولا لمقتضى ~~التخيير على الجملة فإن التخيير الذى هو معنى الإباحة مفقود ههنا واتباع ~~الهوى ممنوع فلا بد من هذا القصد وفى هذا الاعتذار ما فيه وهو تناقض لأن ~~اتباع أحد الدليلين من غير ترجيح محال إذ لا دليل له مع فرض التعارض من غير ~~ترجيح فلا يكون هنالك متبعا إلا هواه # فصل # وقد أدى إغفال هذا الأصل إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتى قريبه أو ~~صديقه بما لا يفتى به غيره من الأقوال اتباعا لغرضه وشهوته أو لغرض ذلك ~~القريب وذلك الصديق # ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة فضلا عن زماننا كما وجد فيه تتبع رخص ~~المذاهب اتباعا للغرض والشهوة وذلك فيما لا يتعلق به فصل قضية وفيما يتعلق ~~به ذلك فأما ما لا يتعلق به فصل قضية بل هو فيما بين الإنسان وبين نفسه في ~~عبادته ms803 أو عادته ففيه من المعايب ما تقدم وحكى عياض فى المدارك قال موسى بن ~~معاوية كنت عند البهلول بن راشد إذ أتاه ابن فلان فقال له بهلول ما أقدمك ~~قال نازلة رجل ظلمه السلطان فأخفيته وحلفت بالطلاق ثلاثا ما أخفيته قال له ~~البهلول مالك يقول إنه يحنث في زوجته فقال السائل وأنا قد سمعته PageV04P135 ~~يقول وإنما أردت غير هذا فقال ما عندي غير ما تسمع قال فتردد إليه ثلاثا ~~كل ذلك يقول له البهلول قوله الأول فلما كان في الثالثة أو الرابعة قال يا ~~بن فلان ما أنصفتم الناس إذا أتوكم في نوازلهم قلتم قال مالك قال مالك فإن ~~نزلت بكم النوازل طلبتم لها الرخص الحسن يقول لا حنث عليه في يمينه فقال ~~السائل الله أكبر قلدها الحسن أو كما قال # وأما ما يتعلق به فصل قضية بين خصمين فالأمر أشد وفى الموازية كتب عمر بن ~~الخطاب لا تقض بقضاءين في أمر واحد فيختلف عليك أمرك قال ابن المواز لا ~~ينبغي للقاضي أن يجتهد في اختلاف الأقاويل وقد كره مالك ذلك ولم يجوزه لأحد ~~وذلك عندي أن يقضى بقضاء بعض من مضى ثم يقضى في ذلك الوجه بعينه على آخر ~~بخلافه وهو أيضا من قول من مضى وهو في أمر واحد ولو جاز ذلك لأحد لم يشأ أن ~~يقضى على هذا بفتيا قوم ويقضي في مثله بعينه على قوم بخلافة بفتيا قوم ~~آخرين إلا فعل فهذا ما قد عابه من مضى وكرهه مالك ولم يره صوابا وما قاله ~~صواب فإن القصد من نصب الحكام رفع التشاجر والخصام على وجه لا يلحق فيه أحد ~~الخصمين ضرر مع عدم تطرق التهمة للحاكم وهذا النوع من التخيير في الأقوال ~~مضاد لهذا كله # وحكى أحمد بن عبد البر أن قاضيا من قضاة قرطبة كان كثير الإتباع ليحيى ~~ابن يحيى لا يعدل عن رأيه إذا اختلف عليه الفقهاء فوقعت قضية تفرد فيها ~~يحيى وخالف جميع أهل الشورى فأرجأ القاضي القضاء فيها حياء من جماعتهم PageV04P136 ~~وردفته ms804 قضية أخرى كتب بها إلى يحيى فصرف يحيى رسوله وقال له لا أشير عليه ~~بشيء إذ توقف على القضاء لفلان بما أشرت عليه فلما انصرف إليه رسوله وعرفه ~~بقوله قلق منه وركب من فوره إلى يحيى وقال له لم أظن أن الأمر وقع منك هذا ~~الموقع وسوف أقضي له غدا إن شاء الله فقال له يحيى وتفعل ذلك صدقا قال نعم ~~قال له فالآن هيجت غيظي فإني ظننت إذ خالفني أصحابي أنك توقفت مستخيرا لله ~~متخيرا في الأقوال فأما إذ صرت تتبع الهوى وتقضى برضى مخلوق ضعيف فلا خير ~~فيما تجيء به ولا في إن رضيته منك فاستعف من ذلك فإنه أستر لك وإلا رفعت في ~~عزلك فرفع يستعفي فعزل وقصة محمد بن يحيى ابن لبابة أخ الشيخ ابن لبابة ~~مشهورة ذكرها عياض وكانت مما غض من منصبه وذلك أنه عزل عن قضاء البيرة لرفع ~~أهلها عليه ثم عزل عن الشورى لأشياء نقمت عليه وسجل بسخطته القاضي حبيب بن ~~زياد وأمر بإسقاط عدالته وإلزامه بيته وأن لا يفتي أحدا فأقام على ذلك وقتا ~~ثم إن الناصر احتاج إلى شراء مجشر من أحباس المرضى بقرطبة بعدوة النهر فشكا ~~إلى القاضي ابن بقي أمره وضرورته إليه لمقابلته متنزهه وتأذيه برؤيتهم أو ~~إن تطلعه من علاليه فقال له ابن بقي لا حيلة عندي فيه وهو أولى أن يحاط ~~بحرمة الحبس فقال له فتكلم مع الفقهاء فيه وعرفهم رغبتي وما أجزله من أضعاف ~~القيمة فيه فلعلهم أن يجدوا لي في ذلك رخصة فتكلم ابن بقي معهم فلم يجعلوا ~~إليه سبيلا فغضب الناصر عليهم وأمر الوزراء بالتوجه فيهم إلى القصر ~~وتوبيخهم # فجرت بينهم وبين الوزراء مكالمة ولم يصل الناصر معهم إلى مقصودة وبلغ ابن ~~لبابة هذا الخبر فرفع إلى الناصر يغض من أصحابه الفقهاء ويقول إنهم حجروا ~~عليه واسعا ولو كان حاضرا لأفتاه بجواز المعاوضة ونقلدها وناظر أصحابه فيها # فوقع الأمر بنفس الناصر وأمر بإعادة محمد بن لبابة إلى الشورى على حالته ~~الأولى ثم أمر ms805 القاضي بإعادة المشورة في المسألة فاجتمع القاضي والفقهاء ~~وجاء ابن لبابة آخرهم وعرفهم القاضي ابن بقي بالمسألة التي جمعهم لأجلها ~~وغبطة المعاوضة فيها PageV04P137 ~~فقال جميعهم بقولهم الأول من المنع من تغيير الحبس عن وجهه وابن لبابة ~~ساكت فقال له القاضي ما تقول أنت يا أبا عبد الله قال أما قول إمامنا مالك ~~بن أنس فالذي قاله أصحابنا الفقهاء وأما أهل العراق فإنهم لا يجيزون الحبس ~~أصلا وهم علماء أعلام يهتدى بهم أكثر الأمة وإذ بأمير المؤمنين من الحاجة ~~إلى هذا المجشر ما به فما ينبغي أن يرد عنه وله في السنة فسحة وأنا أقول ~~فيه يقول بقول أهل العراق وأتقلد ذلك رأيا فقال له الفقهاء سبحان الله تترك ~~قول مالك الذى أفتى به أسلافنا ومضوا عليه واعتقدناه بعدهم وأفتينا به لا ~~نحيد عنه بوجه وهو رأي أمير المؤمنين ورأي الأئمة آبائه فقال له محمد بن ~~يحيى ناشدتكم الله العظيم ألم تنزل بأحد منكم ملمة بلغت بكم أن أخذتهم فيها ~~بقول غير مالك في خاصة أنفسكم وأرخصتم لأنفسكم قالوا بلى قال فأمير ~~المؤمنين أولى بذلك فخذوا به مآخذكم وتعلقوا بقول من يوافقه من العلماء ~~فكلهم قدوة فسكتوا فقال للقاضي أنه إلى أمير المؤمنين فتياي فكتب القاضي ~~إلى أمير المؤمنين بصورة المجلس وبقى مع أصحابه بمكانهم إلى أن أتى الجواب ~~بأن يأخذ له بفتيا محمد ابن يحيى بن لبابة وينفذ ذلك ويعوض المرضى من هذا ~~المجشر بأملاكه بمنية عجب وكانت عظيمة القدر جدا تزيد أضعافا على المجشر ثم جيء PageV04P138 ~~من عند أمير المؤمنين بكتاب منه إلى ابن لبابة هذا بولايته خطة الوثائق ~~ليكون هو المتولي لعقد هذه المعاوضة فهنى بالولاية وأمضى القاضي الحكم ~~بفتواه وأشهد عليه وانصرفوا فلم يزل ابن لبابة يتقلد خطة الوثائق والشورى ~~إلى أن مات سنة ست وثلاثين وثلاثمائة قال القاضي عياض ذاكرت بعض مشايخنا ~~مرة بهذا الخبر فقال ينبغي أن يضاف هذا الخبر الذى حل سجل السخطة إلى سجل ~~السخطة فهو أولى وأشد في السخطة مما تضمنه أو ms806 كما قال # وذكر الباجي في كتاب التبيين لسنن المهتدين حكاية أخرى فى أثناء كلامه فى ~~معنى هذه المسألة قال وربما زعم بعضهم أن النظر والاستدلال الأخذ من أقاويل ~~مالك وأصحابه بأيها شاء دون أن يخرج عنها ولا يميل إلى ما مال منها لوجه ~~يوجب له ذلك فيقضى في قضية بقول مالك وإذا تكررت تلك القضية كان له أن يقضى ~~فيها بقول ابن القاسم مخالفا للقول الأول لا لرأي تجدد له وإنما ذلك بحسب ~~اختياره قال ولقد حدثني من أوثقه أنه اكترى جزءا من أرض على الإشاعة ثم إن ~~رجلا آخر اكترى باقي الأرض فأراد المكترى الأول أن يأخذ بالشفعة وغاب عن ~~البلد فأفتى المكترى الثاني بإحدى الروايتين عن مالك أن لا شفعة فى ~~الإجارات قال لي فوردت من سفري فسألت أولئك الفقهاء وهم أهل حفظ في المسائل ~~وصلاح فى الدين عن مسألتي فقالوا ما علمنا أنها لك إذ كانت لك المسألة ~~أخذنا لك برواية أشهب عن مالك بالشفعة فيها فأفتاني جميعهم بالشفعة فقضى لي بها PageV04P139 ~~قال وأخبرني رجل عن كبير من فقهاء هذا الصنف مشهور بالحفظ والتقدم أنه كان ~~يقول معلنا غير مستتر إن الذى لصديقي على إذا وقعت له حكومة أن أفتيه ~~بالروية التى توافقه قال الباجي ولو اعتقد هذا القائل أن مثل هذا لا يحل له ~~ما استجازه ولو استجازه لم يعلن به ولا أخبر به عن نفسه قال وكثيرا ما ~~يسألني من تقع له مسألة من الأيمان ونحوها لعل فيها رواية أم لعل فيها رخصة ~~وهم يرون أن هذا من الأمور الشائعة الجائزة ولو كان تكرر عليهم إنكار ~~الفقهاء لمثل هذا لما طولبوا به ولا طلبوه مني ولا من سواي وهذا مما لا ~~خلاف بين المسلمين ممن يعتد به فى الإجماع أنه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل ~~لأحد أن يفتى فى دين الله إلا بالحق الذى يعتقد أنه حق رضى بذلك من رضيه ~~وسخطه من سخطه وإنما المفتى مخبر عن الله تعالى فى حكمه فكيف يخبر ms807 عنه إلا ~~بما يعتقد أنه حكم به وأوجبه والله تعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام ~~وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم الآية فكيف يجوز لهذا ~~المفتى أن يفتى بما يشتهى أو يفتى زيدا بما لا يفتى به عمرا لصداقة تكون ~~بينهما أو غير ذلك من الاغراض وإنما يجب للمفتى أن يعلم أن الله أمره أن ~~يحكم بما أنزل الله من الحق فيجتهد فى طلبه ونهاه أن يخالفه وينحرف عنه ~~وكيف له بالخلاص مع كونه من أهل العلم والاجتهاد إلا بتوفيق الله وعونه وعصمته # هذا ما ذكره وفيه بيان ما تقدم من أن الفقيه لا يحل له أن يتخير بعض ~~الأقوال بمجرد التشهي والأغراض من غير اجتهاد ولا أن يفتى به أحدا والمقلد ~~فى اختلاف الأقوال عليه مثل هذا المفتى الذى ذكر فإنه إنما أنكر ذلك على ~~غير مجتهد أن ينقل عن مجتهد بالهوى وأما المجتهد فهو أحرى بهذا الأمر PageV04P140 ### || AUTO فصل # وقد زاد هذا الأمر على قدره الكفاية حتى صار الخلاف فى المسائل معدودا فى ~~حجج الإباحة ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد فى جواز الفعل على ~~كونه مختلفا فيه بين أهل العلم لا بمعنى مراعاة الخلاف فإن له نظرا آخر بل ~~فى غير ذلك فربما وقع الإفتاء فى المسألة بالمنع فيقال لم تمنع والمسألة ~~مختلف فيها فيجعل الخلاف حجة فى الجواز لمجرد كونها مختلفا فيها لا لدليل ~~يدل على صحة مذهب الجواز ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع ~~وهو عين الخطأ على الشريعة حيث جعل ما ليس بمعتمد متعمدا وما ليس بحجة حجة # حكى الخطابي فى مسألة البتع المذكور فى الحديث عن بعض الناس أنه قال # إن الناس لما اختلفوا فى الأشربة وأجمعوا على تحريم خمر العنب واختلفوا ~~فيما سواه حرمنا ما اجتمعوا على تحريمه وأبحنا ما سواه قال وهذا خطأ فاحش ~~وقد أمر الله تعالى المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول ~~قال ولو لزم ما ذهب إليه هذا ms808 القائل للزم مثله فى الربا والصرف ونكاح ~~المتعة لأن الأمة قد اختلف فيها قال وليس الاختلاف حجة وبيان السنة حجة على ~~المختلفين من الأولين والآخرين هذا مختصر ما قال والقائل بهذا راجع إلى أن ~~يتبع ما يشتهيه ويجعل القول الموافق حجة له ويدرأ بها عن نفسه فهو قد أخذ ~~القول وسيلة إلى إتباع هواه لا وسيلة إلى تقواه وذلك أبعد له من أن يكون ~~ممتثلا لأمر الشارع وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه ومن هذا أيضا جعل ~~بعض الناس الاختلاف رحمة للتوسع فى الأقوال وعدم التحجير على رأي واحد ~~ويحتج فى ذلك بما روى عن القاسم PageV04P141 ~~ابن محمد وعمر بن عبد العزيز وغيرهما مما تقدم ذكره ويقول إن الاختلاف ~~رحمة وربما صرح صاحب هذا القول بالتشنيع على من لازم القول المشهور أو ~~الموافق للدليل أو الراجح عند أهل النظر والذي عليه أكثر المسلمين ويقول له ~~لقد حجرت واسعا وملت بالناس إلى الحرج وما فى الدين من حرج وما أشبه ذلك ~~وهذا القول خطأ كله وجهل بما وضعت له الشريعة والتوفيق بيد الله # وقد مر من الدليل على خلاف ما قالوه ما فيه كفاية والحمد لله ولكن تقرر ~~منه ههنا بعضا على وجه لم يتقدم مثله # وذلك أن المتخير بالقولين مثلا بمجرد موافقة الغرض إما أن يكون حاكما به ~~أو مفتيا أو مقلدا عاملا بما أفتاه به المفتى # أما الأول فلا يصح على الإطلاق لأنه إن كان متخيرا بلا دليل لم يكن أحد ~~الخصمين بالحكم له أولى من الآخر إذ لا مرجح عنده بالفرض إلا التشهي # فلا يمكن إنفاذ حكم على أحدهما إلا مع الحيف على الآخر ثم إن وقعت له تلك ~~النازلة بالنسبة إلى خصمين آخرين فكذلك أو بالنسبة إلى الأول فكذلك أو يحكم ~~لهذا مرة ولهذا مرة وكل ذلك باطل ومؤد إلى مفاسد لا تنضبط بحصر # ومن ههنا شرطوا فى الحاكم بلوغ درجة الاجتهاد وحين فقد لم يكن بد من ~~الانضباط إلى أمر واحد كما فعل ولاة ms809 قرطبة حين شرطوا على الحاكم أن لا يحكم ~~إلا بمذهب فلان ما وجده ثم بمذهب فلان فانضبطت الأحكام بذلك وارتفعت ~~المفاسد المتوقعة من غير ذلك الارتباط وهذا معنى أوضح من إطناب فيه # وأما الثاني فإنه إذا أفتى بالقولين معا على التخيير فقد أفتى فى النازلة ~~بالإباحة وإطلاق العنان وهو قول ثالث خارج عن القوالين وهذا لا يجوز له PageV04P142 ~~إن لم يبلغ درجة الاجتهاد باتفاق وإن بلغها لم يصح له القولان فى وقت واحد ~~ونازلة واحدة أيضا حسبما بسطه أهل الأصول وأيضا فإن المفتى قد أقامه ~~المستفتى مقام الحاكم على نفسه إلا أنه لا يلزمه المفتى ما أفتاه به فكما ~~لا يجوز للحاكم التخيير كذلك هذا # وأما إن كان عاميا فهو قد استند فى فتواه إلى شهوته وهواه واتباع الهوى ~~عين مخالفة الشرع ولأن العامي إنما حكم العلم على نفسه ليخرج عن اتباع هواه ~~ولهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب فإن العبد فى تقلباته دائر بين لمتين لمة ~~ملك ولمة شيطان فهو مخير بحكم الابتلاء فى الميل مع أحد الجانبين وقد قال ~~تعالى ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها إنا هديناه السبيل إما شاكرا ~~وإما كفورا وهديناه النجدين وعامة الأقوال الجارية فى مسائل الفقه إنما ~~تدور بين النفي والإثبات والهوى لا يعدوهما فإذا عرض العامي نازلته على ~~المفتى فهو قائل له أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق فلا يمكن والحال ~~هذه أن يقول له فى مسألتك قولان فاختر لشهوتك أيهما شئت فإن معنى هذا تحكيم ~~الهوى دون الشرع ولا ينجيه من هذا أن يقول PageV04P143 ~~ما فعلت إلا بقول عالم لأنه حيلة من جملة الحيل التى تنصبها النفس وقاية ~~عن القال والقيل وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية وتسليط المفتى العامي على ~~تحكيم الهوى بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه رمي في عماية وجهل بالشريعة وغش ~~فى النصيحة وهذا المعنى جار فى الحاكم وغيره والتوفيق بيد الله تعالى # فصل # واعترض بعض المتأخرين على من منع من تتبع رخص المذاهب وأنه إنما يجوز ~~الانتقال ms810 إلى مذهب بكماله فقال إن أراد المانع ما هو على خلاف الأمور ~~الأربعة التي ينقض فيها قضاء القاضي فمسلم وإن أراد ما فيه توسعت على ~~المكلف فممنوع إن لم يكن على خلاف ذلك بل قوله عليه الصلاة والسلام # بعثت PageV04P144 ~~بالحنيفية السمحة يقتضي جواز ذلك لأنه نوع من اللطف بالعبد والشريعة لم ~~ترد بقصد مشاق العباد بل بتحصيل المصالح وأنت تعلم بما تقدم ما فى هذا ~~الكلام لان الحنيفية السمحة إنما أتى فيها السماح مقيدا بما هو جار على أصولها # وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها فما قاله ~~عين الدعوى ثم نقول تتبع الرخص ميل مع أهواء النفوس والشرع جاء بالنهي عن ~~اتباع الهوى فهذا مضاد لذلك الأصل المتفق عليه ومضاد أيضا لقوله تعالى فإن ~~تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله والرسول وموضع الخلاف موضع تنازع فلا يصح أن ~~يرد إلى أهواء النفوس وإنما يرد إلى الشريعة وهى تبين الراجح من القولين ~~فيجب اتباعه لا الموافق للغرض ### || AUTO فصل # وربما استجاز هذا بعضهم فى مواطن يدعى فيها الضرورة وإلجاء الحاجة بناء ~~على أن الضرورات تبيح المحظورات فيأخذ عند ذلك بما يوافق الغرض حتى إذا ~~نزلت المسألة على حالة لا ضرورة فيها ولا حاجة إلى الأخذ بالقول المرجوح أو ~~الخارج عن المذهب أخذ فيها بالقول المذهبي أو الراجح فى المذهب فهذا أيضا ~~من ذلك الطراز المتقدم فإن حاصله الأخذ بما يوافق الهوى الحاضر ومحال ~~الضرورات معلومة من الشريعة فإن كانت هذه المسألة منها فصاحب المذهب قد ~~تكفل ببيانها أخذا عن صاحب الشرع فلا حاجة إلى الانتقال عنها وإن لم تكن ~~منها فزعم الزاعم أنها منها خطأ فاحش ودعوى غير مقبولة PageV04P145 ~~وقد وقع فى نوازل ابن رشد من هذا مسألة نكاح المتعة ويذكر عن الإمام ~~المأزري أنه سئل ما تقول فيما اضطر الناس إليه في هذا الزمان والضرورات ~~تبيح المحظورات من معاملة فقراء أهل البدو فى سنى الجدب إذ يحتاجون إلى ~~الطعام فيشترونه بالدين إلى الحصاد أو الجذاذ فإذا ms811 حل الأجل قالوا لغرمائهم ~~ما عندنا إلا الطعام فربما صدقوا فى ذلك فيضطر أرباب الديون إلى أخذه منهم ~~خوفا أن يذهب حقهم فى أيديهم بأكل أو غيره لفقرهم ولاضطرار من كان من أرباب ~~الديون حضريا إلى الرجوع إلى حاضرته ولا حكام بالبادية أيضا مع ما فى ~~المذهب فى ذلك من الرخصة إن لم يكن هنالك شرط ولا عادة وإباحة كثير من ~~فقهاء الأمصار لذلك وغيره من بيوع الآجال خلافا للقول بالذرائع # فأجاب إن أردت بما أشرت إليه إباحة أخذ طعام عن ثمن طعام هو جنس مخالف ~~لما اقتضى فهذا ممنوع فى المذهب ولا رخصة فيه عند أهل المذهب كما توهمت # قال ولست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه ~~لأن الورع قل بل كاد يعدم والتحفظ على الديانات كذلك وكثرت الشهوات وكثر من ~~يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه فلو فتح لهم باب فى مخالفة المذهب لاتسع ~~الخرق على الراقع وهتكوا حجاب هيبة المذهب وهذا من المفسدات التى لا خفاء ~~بها ولكن إذا لم يقدر على أخذ الثمن إلا أن يأخذ طعاما فليأخذه منهم من ~~يبيعه على ملك منفذه إلى الحاضرة ويقبض البائع الثمن ويفعل ذلك بإشهاد من ~~غير تحيل على إظهار ما يجوز فانظر كيف لم يستجز وهو المتفق على إمامته ~~الفتوى بغير مشهور المذهب ولا بغير ما يعرف منه بناء على PageV04P146 ~~قاعدة مصلحية ضرورية إذ قل الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلم ~~والفتوى كما تقدم تمثيله فلو فتح لهم هذا الباب لانحلت عرى المذهب بل جميع ~~المذاهب لأن ما وجب للشيء وجب لمثله وظهر أن تلك الضرورة التى ادعيت فى ~~السؤال ليست بضرورة # فصل # وقد أذكر هذا المعنى جملة مما فى اتباع رخص المذهب من المفاسد سوى ما ~~تقدم ذكره فى تضاعيف المسألة كالانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى ~~اتباع الخلاف وكالاستهانة بالدين إذ يصير بهذا الاعتبار سيالا لا ينضبط ~~وكترك ما هو معلوم إلى ما ليس بمعلوم لأن المذاهب الخارجة ms812 عن مذهب مالك فى ~~هذه الأمصار مجهولة وكانخرام قانون السياسة الشرعية بترك الانضباط إلى PageV04P147 ~~أمر معروف وكإفضائه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم وغير ~~ذلك من المفاسد التى يكثر تعدادها ولولا خوف الإطالة والخروج عن الغرض ~~لبسطت من ذلك ولكن فيما تقدم منه كاف والحمد لله ### || AUTO فصل # وقد بنوا أيضا على هذا المعنى مسألة أخرى وهى # هل يجب الأخذ بأخف القولين أم بأثقلهما واستدل لمن قال بالأخف PageV04P148 ~~بقوله تعالى يريد الله بكم اليسر الآية وقوله وما جعل عليكم فى الدين من ~~حرج وقوله عليه الصلاة والسلام # لا ضرر ولا ضرار وقوله # بعثت بالحنيفية السمحة وكل ذلك ينافى شرع الشاق الثقيل ومن جهة القياس أن ~~الله غني كريم والعبد محتاج فقير وإذا وقع التعارض بين الجانبين كان الحمل ~~على جانب الغنى الأولى # والجواب عن هذا ما تقدم وهو أيضا مؤد إلى إيجاب إسقاط التكليف جملة فإن ~~التكاليف كلها شاقة ثقيلة ولذلك سميت تكليفا من الكلفة وهى المشقة فإذا ~~كانت المشقة حيث لحقت فى التكليف تقتضي الرفع بهذه الدلائل لزم ذلك فى ~~الطهارات والصلوات والزكوات والحج والجهاد وغير ذلك ولا يقف عند حد إلا إذا ~~لم يبق على العبد تكليف وهذا محال فما أدى إليه مثله فإن رفع الشريعة مع ~~فرض وضعها محال ثم قال المنتصر لهذا الرأي إنه يرجع حاصله إلى أن الأصل فى ~~الملاذ الإذن وفى المضار الحرمة وهو أصل قرره فى موضع آخر وقد تقدم التنبيه ~~على ما فيه فى كتاب المقاصد وإذا حكمنا ذلك الأصل هنا لزم منه أن الأصل رفع ~~التكليف بعد وضعه على المكلف وهذا كله إنما جره عدم الالتفات إلى ما تقدم PageV04P149 ~~فصل # فإن قيل فما معنى مراعاة الخلاف المذكورة فى المذهب المالكي فإن الظاهر ~~فيها أنها اعتبار للخلاف فلذلك نجد المسائل المتفق عليها لا يراعى فيها غير ~~دليلها فإن كانت مختلفا فيها روعي فيها قول المخالف وإن كان على خلاف ~~الدليل الراجح عند المالكي فلم يعامل المسائل المختلف فيها معاملة المتفق ms813 ~~عليها ألا تراهم يقولون كل نكاح فاسد اختلف فيه فإنه يثبت به الميراث ~~ويفتقر فى فسخه إلى الطلاق وإذا دخل مع الإمام فى الركوع وكبر للركوع ناسيا ~~تكبير الإحرام فإنه يتمادى مع الإمام مراعاة لقول من قال إن تكبيرة الركوع ~~تجزئ عن تكبيرة الإحرام وكذلك من قام إلى ثالثة فى النافلة وعقدها يضيف ~~إليها رابعة مراعاة لقول من يجيز التنفل بأربع بخلاف المسائل المتفق عليها ~~فإنه لا يراعى فيها غير دلائلها ومثله جار فى عقود البيع وغيرها فلا ~~يعاملون الفاسد المختلف فى فساده معاملة المتفق على فساده ويعللون التفرقة ~~بالخلاف فأنت تراهم يعتبرون الخلاف وهو مضاد لما تقرر فى المسألة PageV04P150 ~~فاعلم أن المسألة قد أشكلت على طائفة منهم ابن عبد البر فإنه قال الخلاف ~~لا يكون حجة فى الشريعة وما قاله ظاهر فإن دليلي القولين لا بد أن يكونا ~~متعارضين كل واحد منهما يقتضي ضد ما يقضيه الآخر وإعطاء كل واحد منهما ما ~~يقتضيه الآخر أو بعض ما يقتضيه هو معنى مراعاة الخلاف وهو جمع بين متنافيين ~~كما تقدم وقد سألت عنها جماعة من الشيوخ الذين أدركتهم فمنهم من تأول ~~العبارة ولم يحملها على ظاهرها بل أنكر مقتضاها بناء على أنها لا أصل لها ~~وذلك بأن يكون دليل المسألة يقتضي المنع ابتداء ويكون هو الراجح ثم بعد ~~الوقوع يصير الراجح مرجوحا لمعارضة دليل آخر يقتضي رجحان دليل المخالف ~~فيكون القول بأحدهما فى غير الوجه الذى يقول فيه بالقول الآخر فالأول فيما ~~بعد الوقوع والآخر فيما قبله وهما مسألتان مختلفتان فليس PageV04P151 ~~جمعا بين متنافيين ولا قولا بهما معا هذا حاصل ما أجاب به من سألته عن ~~المسألة من أهل فاس وتونس وحكى لي بعضهم أنه قول بعض من لقي من الأشياخ ~~وأنه قد أشار إليه أبو عمران الفاسي وبه يندفع سؤال اعتبار الخلاف وسيأتى ~~للمسألة تقرير آخر بعد إن شاء الله # على أن الباجي حكى خلافا فى اعتبار الخلاف فى الأحكام وذكر اعتباره عن ~~الشيرازي واستدل على ذلك بأن ما جاز ms814 أن يكون علة بالنطق جاز أن يكون علة ~~بالاستنباط ولو قال الشارع إن كل ما لم تجتمع أمتي على تحريمه واختلفوا فى ~~جواز أكله فإن جلده يطهر بالدباغ لكان ذلك ذلك صحيحا فكذلك إذا علق هذا ~~الحكم عليه بالاستنباط وما قاله غير ظاهر لأمرين # أحدهما أن هذا الدليل مشترك الإلزام ومنقلب على المستدل به إذ لقائل أن ~~يسلم أن ما جاز أن يكون علة بالنطق جاز أن يكون علة بالاستنباط ثم يقول لو ~~قال الشارع إن كل ما لم تجتمع أمتي على تحليله واختلفوا فى جواز أكله فإن ~~جلده لا يطهر بالدباغ لكان ذلك صحيحا فكذلك إذا علق الحكم بالاستنباط ويكون ~~هذا القلب أرجح لأنه مائل إلى جانب الاحتياط وهكذا كل مسألة تفرض على هذا الوجه # والثاني أنه ليس كل جائز واقعا بل الوقوع محتاج إلى دليل ألا ترى أنا ~~نقول يجوز أن ينص الشارع على أن مس الحائط ينقض الوضوء وأن شرب PageV04P152 ~~الماء السخن يفسد الحج وأن المشي من غير نعل يفرق بين الزوجين وما أشبه ~~ذلك ولا يكون هذا التجويز سببا فى وضع الأشياء المذكورة عللا شرعية ~~بالإستنباط فلما لم يصح ذلك دل على أن نفس التجويز ليس بمسوغ لما قال فإن ~~قال إنما أعنى ما يصح أن يكون علة لمعنى فيه من مناسبة أو شبه والأمثلة ~~المذكورة لا معنى فيها يستند إليه فى التعليل # قيل لم تفصل أنت هذا التفصيل وأيضا فمن طرق الاستنباط ما لا يلزم فيه ~~ظهور معنى يستند إليه كالاطراد والانعكاس ونحوه ويمكن أن يكون الباجي أشار ~~فى الجواز إلى ما فى الخلاف من المعنى المتقدم ولا يكون بين القولين خلاف ~~فى المعنى # واحتج المانعون بأن الخلاف متأخر عن تقرير الحكم والحكم PageV04P153 ~~لا يجوز أن يتقدم على علته قال الباجي ذلك غير ممتنع كالإجماع فإن الحكم ~~يثبت به وإن حدث فى عصرنا وأيضا فمعنى قولنا إنه مختلف فيه أنه يسوغ فيه ~~الاجتهاد وهذا كان حاله فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ms815 يتقدم ~~على علته والجواب عن كلام الباجي أن الإجماع ليس بعلة للحكم بل هو أصل ~~الحكم وقوله إن معنى قولنا مختلف فيه كذا هى عين الدعوى ### || AUTO فصل # ومن القواعد المبينة على هذه المسألة أن يقال هل للمجتهد أن يجمع بين ~~الدليلين بوجه من وجوه الجمع حتى يعمل بمقتضى كل واحد منهما فعلا أو تركا ~~كما يفعله المتورعون فى التروك أم لا أما فى ترك العمل بهما معا مجتمعين أو ~~متفرقين فهو التوقف عن القول بمقتضى أحدهما وهو الواجب إذا لم يقع ترجيح PageV04P154 ~~وأما فى العمل فإن أمكن الجمع بدليله فلا تعارض وإن فرض التعارض فالجمع ~~بينهما فى العمل جمع بين متنافيين ورجوع إلى إثبات الاختلاف فى الشريعة # وقد مر إبطاله وهكذا يجرى الحكم فى المقلد بالنسبة إلى تعارض المجتهدين عليه # ولهذا الفصل تقرير فى كتاب التعارض والترجيح إن شاء الله ### || AUTO المسألة الرابعة # محال الاجتهاد المعتبر هى ما ترددت بين طرفين وضح فى كل واحد منهما قصد ~~الشارع فى الإثبات فى أحدهما والنفي فى الآخر فلم تنصرف ألبتة إلى طرف ~~النفي ولا إلى طرف الإثبات # وبيانه أن نقول لا تخلو أفعال المكلف أو تروكه إما أن يأتي فيها خطاب من ~~الشارع أو لا فإن لم يأت فيها خطاب فإما أن يكون على البراءة الأصلية أو ~~يكون فرضا غير موجود والبراءة الأصلية فى الحقيقة راجعة إلى خطاب الشارع PageV04P155 ~~بالعفو أو غيره وإن أتى فيها خطاب فإما أن يظهر فيه للشارع قصد في النفي ~~أو فى الإثبات أولا فإن لم يظهر له قصد ألبتة فهو قسم المتشابهات وإن ظهر ~~فتارة يكون قطعيا وتارة يكون غير قطعي فأما القطعي فلا مجال للنظر فيه بعد ~~وضوح الحق فى النفي أو فى الإثبات وليس محلا للاجتهاد وهو قسم الواضحات ~~لأنه واضح الحكم حقيقة والخارج عنه مخطئ قطعا وأما غير القطعي فلا يكون ~~كذلك إلا مع دخول احتمال فيه أن يقصد الشارع معارضه أو لا فليس من الواضحات ~~بإطلاق بل بالإضافة إلى ما هو أخفى ms816 منه كما أنه يعد غير واضح بالنسبة إلى ~~ما هو أوضح منه لأن مراتب الظنون فى النفي والإثبات تختلف بالأشد والأضعف ~~حتى تنتهي إما إلى العلم وإما إلى الشك إلا أن هذا الاحتمال تارة يقوى فى ~~إحدى الجهتين وتارة لا يقوى فإن لم يقو رجع إلى قسم المتشابهات والمقدم PageV04P156 ~~عليه حائم حول الحمى يوشك أن يقع فيه وإن قوى فى إحدى الجهتين فهو قسم ~~المجتهدات وهو الواضح الإضافي بالنسبة إليه فى نفسه وبالنسبة إلى أنظار ~~المجتهدين فإن كان المقدم عليه من أهل الاجتهاد فواضح فى حقه فى النفي أو ~~في الإثبات إن قلنا إن كل مجتهد مصيب وأما على قول المخطئة فالمقدم عليه إن ~~كان مصيبا فى نفس الأمر فواضح وإلا فمعذور # وقد تقرر من هذا الأصل أن قسم المتشابهات مركب من تعارض النفي والإثبات ~~إذ لو لم يتعارضا لكان من قسم الواضحات وأن الواضح بإطلاق لم يتعارض فيه ~~نفي مع إثبات بل هو إما منفي قطعا وإما مثبت قطعا وأن الإضافي إنما صار ~~إضافيا لأنه مذبذب بين الطرفين الواضحين فيقرب عند بعض من أحد الطرفين وعند ~~بعض من الطرف الآخر وربما جعله بعض الناس من قسم المتشابهات فهو غير مستقر ~~فى نفسه فلذلك صار إضافيا لتفاوت مراتب الظنون فى القوة PageV04P157 ~~والضعف ويجرى مجرى النفي فى أحد الطرفين إثبات ضد الآخر فيه فثبوت العلم ~~مع نفيه نقيضان كوقوع التكليف وعدمه وكالوجوب وعدمه وما أشبه ذلك وثبوت ~~العلم مع ثبوت الظن أو الشك ضدان كالوجوب مع الندب أو الإباحة أو التحريم ~~وما أشبه ذلك # وهذا الأصل واضح فى نفسه غير محتاج إلى إثباته بدليل ولكن لا بد من ~~التأنيس فيه بأمثلة يستعان بها على فهمه وتنزيله والتمرن فيه إن شاء الله ~~فمن ذلك أنه نهى عن بيع الغرر ورأينا العلماء أجمعوا على منع بيع الأجنة ~~والطير فى الهواء والسمك فى الماء وعلى جواز بيع الجبة التى حشوها مغيب عن ~~الأبصار ولو بيع حشوها بانفراده لامتنع وعلى جواز كراء الدار مشاهرة مع ms817 ~~احتمال أن يكون الشهر ثلاثين أو تسعة وعشرين وعلى دخول الحمام مع اختلاف ~~عادة الناس في استعمال الماء وطول اللبث وعلى شرب الماء من السقاء مع ~~اختلاف العادات فى مقدار الري فهذان طرفان فى اعتبار الغرر وعدم اعتباره ~~لكثرته فى الأول وقلته مع عدم الإنفكاك عنه في الثاني فكل مسألة وقع الخلاف ~~فيها فى باب الغرر فهى متوسطة بين الطرفين آخذة بشبه من كل واحد منهما فمن ~~أجاز مال إلى جانب اليسارة ومن منع مال إلى جانب الآخر PageV04P158 ~~ومن ذلك مسألة زكاة الحلى وذلك أنهم أجمعوا على عدم الزكاة فى العروض وعلى ~~الزكاة فى النقدين فصار الحلى المباح الاستعمال دائرا بين الطرفين فذلك وقع ~~الخلاف فيها واتفقوا على قبول رواية العدل وشهادته وعلى عدم قبول ذلك من ~~الفاسق وصار المجهول الحال دائرا بينهما فوقع الخلاف فيه # واتفقوا على أن الحر يملك وأن البهيمة لا تملك ولما أخذ العبد بطرف من كل ~~جانب اختلفوا فيه هل يملك أم لا بناء على تغليب حكم أحد الطرفين واتفقوا ~~على أن الواجد للماء قبل الشروع فى الصلاة يتوضأ ولا يصلى بتيممه وبعد ~~إتمامها وخروج الوقت لا يلزمه الوضوء وإعادة الصلاة وما بين ذلك دائر بين ~~الطرفين فاختلفوا فيه واتفقوا على أن ثمرة الشجرة إذا لم تظهر تابعة للأصل ~~فى البيع وعلى أنها غير تابعة لها إذا جذت واختلفوا فيها إذا كانت ظاهرة # وإذا أفتى واحد وعرفه أهل الإجماع وأقروا بالقبول فإجماع بإتفاق أو ~~أنكروا ذلك فغير إجماع باتفاق فإن سكتوا من غير ظهور إنكار فدائر بين ~~الطرفين فلذلك اختلفوا فيه والمبتدع بما لا يتضمن كفرا من غير إقرار بالكفر ~~دائر بين طرفين فإن المبتدع بما لا يتضمن كفرا من الأمة وبما اقتضى كفرا مصرحا PageV04P159 ~~به ليس من الأمة فالوسط مختلف فيه هل هو من الأمة أم لا وأرباب النحل ~~والملل اتفقوا على أن الباري تعالى موصوف بأوصاف الكمال بإطلاق وعلى أنه ~~منزه عن النقائص بإطلاق واختلفوا فى إضافة أمور إليه بناء على أنها كمال ms818 ~~وعدم إضافتها إليه بناء على أنها نقائص وفى عدم إضافة أمور إليه بناء على ~~أن عدم الإضافة كمال أو إضافتها بناء على أن الإضافة إليه هى الكمال وكذلك ~~ما أشبهها # فكل هذه المسائل إنما وقع الخلاف فيها لأنها دائرة بين طرفين واضحين فحصل ~~الإشكال والتردد ولعلك لا تجد خلافا واقعا بين العقلاء معتدا به فى ~~العقليات أو في النقليات لا مبنيا على الظن ولا على القطع إلا دائر بين ~~طرفين لا يختلف فيهما أصحاب الاختلاف ### || AUTO فصل # وبأحكام النظر فى هذا المعنى يترشح للناظر أن يبلغ درجة الاجتهاد لأنه ~~يصير بصيرا بمواضع الاختلاف جديرا بأن يتبين له الحق فى كل نازلة تعرض له # ولأجل ذلك جاء فى حديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال # يا عبد الله PageV04P160 ~~ابن مسعود قلت لبيك يا رسول الله قال أتدرى أي الناس أعلم قلت الله ورسوله ~~أعلم قال أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا فى العمل ~~وإن كان يزحف فى أسته فهذا تنبيه على المعرفة بمواقع الخلاف # ولذلك جعل الناس العلم معرفة الاختلاف فعن قتادة من لم يعرف الاختلاف لم ~~يشم أنفه الفقه وعن هشام بن عبيد الله الرازي من لم يعرف اختلاف القراءة ~~فليس بقارئ ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه وعن عطاء لا ينبغي لأحد ~~أن يفتى الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس فإنه إن لم يكن كذلك رد من ~~العلم ما هو أوثق من الذي في يديه وعن أيوب السختياني وابن عيينة أجسر ~~الناس على الفتية أقلهم علما باختلاف العلماء زاد أيوب وأمسك الناس عن ~~الفتيا أعلمهم باختلاف العلماء وعن مالك لا تجوز الفتيا إلا لمن علم ما ~~اختلف الناس فيه قيل له اختلاف أهل الرأي قال لا اختلاف أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم وعلم الناسخ والمنسوخ من القرآن ومن حديث الرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال يحيى بن سلام لا ينبغي لمن لا يعرف PageV04P161 ~~الاختلاف أن يفتى ولا يجوز لمن لا ms819 يعلم الأقاويل أن يقول هذا أحب إلى وعن ~~سعيد بن أبي عروبة من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالما وعن قبيصة بن عقبه ~~لا يفلح من لا يعرف اختلاف الناس # وكلام الناس هنا كثير وحاصلة معرفة مواقع الخلاف لا حفظ مجرد الخلاف ~~ومعرفة ذلك إنما تحصل بما تقدم من النظر فلا بد منه لكل مجتهد # وكثيرا ما تجد هذا للمحققين فى النظر كالمأزري وغيره ### || AUTO المسألة الخامسة # الاجتهاد إن تعلق بالاستنباط من النصوص فلا بد من اشتراط العلم بالعربية ~~وإن تعلق بالمعاني من المصالح والمفاسد مجردة عن اقتضاء النصوص لها أو ~~مسلمة من صاحب الاجتهاد فى النصوص فلا يلزم فى ذلك العلم بالعربية وإنما ~~يلزم العلم بمقاصد الشرع من الشريعة جملة وتفصيلا خاصة # والدليل على عدم الاشتراط في علم العربية أن علم العربية إنما يفيد ~~مقتضيات PageV04P162 ~~الألفاظ بحسب ما يفهم من الألفاظ الشرعية وألفاظ الشارع المؤدية ~~لمقتضياتها عربية فلا يمكن من ليس بعربي أن يفهم لسان العرب كما لا يمكن ~~التفاهم بين العربي والبربري أو الرومي أو العبراني حتى يعرف كل واحد مقتضى ~~لسان صاحبه وأما المعاني مجردة فالعقلاء مشتركون فى فهمها فلا يختص بذلك ~~لسان دون غيره فإذا من فهم مقاصد الشرع من وضع الأحكام وبلغ فيها رتبة ~~العلم بها ولو كان فهمه لها من طريق الترجمة باللسان الأعجمي فلا فرق بينه ~~وبين من فهمها من طريق اللسان العربي ولذلك يوقع المجتهدون الأحكام الشرعية ~~على الوقائع القولية التى ليست بعربية ويعتبرون الألفاظ فى كثير من النوازل ~~وأيضا فإن الاجتهاد القياسي غير محتاج فيه إلى مقتضيات الألفاظ إلا فيما يتعلق PageV04P163 ~~بالمقيس عليه وهو الأصل وقد يؤخذ مسلما أو بالعلة النصوص عليها أو التى ~~أومئ إليها ويؤخذ ذلك مسلما وما سواه فراجع إلى النظر العقلي # وإلى هذا النوع يرجع الاجتهاد المنسوب إلى أصحاب الأئمة المجتهدين كابن ~~القاسم وأشهب فى مذهب مالك وأبي يوسف ومحمد بن الحسن فى مذهب أبي حنيفة ~~والمزني والبويطي فى مذهب الشافعي فإنهم على ما حكى عنهم يأخذون ms820 أصول ~~إمامهم وما بنى عليه فى فهم ألفاظ الشريعة ويفرعون المسائل ويصدرون الفتاوي ~~على مقتضى ذلك وقد قبل الناس أنظارهم وفتاويهم وعملوا على مقتضاها خالفت ~~مذهب إمامهم أو وافقته وإنما كان كذلك لأنهم فهموا مقاصد الشرع فى وضع ~~الأحكام ولولا ذلك لم يحل لهم الإقدام على الاجتهاد والفتوى ولا حل لمن فى ~~زمانهم أو من بعدهم من العلماء أن يقرهم على ذلك ولا يسكت عن الإنكار عليهم ~~على الخصوص فلما لم يكن شىء من ذلك دل على أن ما أقدموا عليه من ذلك كانوا ~~خلقاء بالإقدام فيه فالاجتهاد منهم وممن كان مثلهم وبلغ فى فهم مقاصد ~~الشريعة مبالغهم صحيح لا إشكال فيه هذا PageV04P164 ~~على فرض أنهم لم يبلغوا فى كلام العرب مبلغ المجتهدين فأما إذا بلغوا تلك ~~الرتبة فلا إشكال أيضا فى صحة اجتهادهم على الإطلاق والله أعلم ### || AUTO المسألة السادسة # قد يتعلق الاجتهاد بتحقيق المناط فلا يفتقر فى ذلك إلى العلم بمقاصد ~~الشارع كما أنه لا يفتقر فيه إلى معرفة علم العربية لأن المقصود من هذا ~~الاجتهاد إنما هو العلم بالموضوع على ما هو عليه وإنما يفتقر فيه إلى العلم ~~بما لا يعرف ذلك الموضوع إلا به من حيث قصدت المعرفة به فلا بد أن يكون ~~المجتهد عارفا ومجتهدا من تلك الجهة التى ينظر فيها ليتنزل الحكم الشرعي ~~على وفق ذلك المقتضى كالمحدث العارف بأحوال الأسانيد وطرقها وصحيحها من ~~سقيمها وما يحتج به من متونها مما لا يحتج به فهذا يعتبر اجتهادة فيما هو ~~عارف به كان عالما بالعربية أم لا وعارفا بمقاصد الشارع أم لا وكذلك القارئ ~~فى تأدية وجوه PageV04P165 ~~القرءات والصانع في معرفة عيوب الصناعات والطبيب في العلم بالأدواء ~~والعيوب وعرفاء الأسواق فى معرفة قيم السلع ومداخل العيوب فيها والعاد فى ~~صحة القسمة والماسح في تقدير الأرضين ونحوها كل هذا وما أشبهه مما يعرف به ~~مناط الحكم الشرعي غير مضطر إلى العلم بالعربية ولا العلم بمقاصد الشريعة ~~وإن كان اجتماع ذلك كمالا فى المجتهد # والدليل على ذلك ms821 ما تقدم من أنه لو كان لازما لم يوجد مجتهد إلا فى ~~الندرة بل هو محال عادة وإن وجد ذلك فعلى جهة خرق العادة كآدم عليه السلام ~~حين علمه الله الأسماء كلها ولا كلام فيه وأيضا إن لزم فى هذا الاجتهاد ~~العلم بمقاصد الشارع لزم فى كل علم وصناعة أن لا تعرف إلا بعد المعرفة بذلك ~~إذ فرض من لزوم العلم بها العلم بمقاصد الشارع وذلك باطل فيما أدى إليه ~~مثله فقد حصلت العلوم ووجدت من الجهال بالشريعة والعربية ومن الكفار PageV04P166 ~~المنكرين للشريعة ووجه ثالث أن العلماء لم يزالوا يقلدون فى هذه الأمور من ~~ليس من الفقهاء وإنما اعتبروا أهل المعرفة بما قلدوا فيه خاصة وهو التقليد ~~فى تحقيق المناط # فالحاصل أنه إنما يلزم فى هذا الاجتهاد المعرفة بمقاصد المجتهد فيه كما ~~أنه فى الأولين كذلك فالاجتهاد فى الاستنباط من الألفاظ الشرعية يلزم فيه ~~المعرفة بمقاصد ذلك المناط من الوجه الذى يتعلق به الحكم لا من وجه غيره ~~وهو ظاهر ### || AUTO المسألة السابعة # الاجتهاد الواقع فى الشريعة ضربان أحدهما الاجتهاد المعتبر شرعا وهو ~~الصادر عن أهله الذين اضطلعوا بمعرفة ما يفتقر إليه الاجتهاد وهذا هو الذى ~~تقدم الكلام فيه والثانى غير المعتبر وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر ~~الاجتهاد إليه لأن حقيقته أنه رأى بمجرد التشهي والأغراض وخبط فى عماية ~~واتباع للهوى فكل رأي صدر على هذا الوجه فلا مرية فى عدم اعتباره لأنه ضد ~~الحق الذى أنزل الله كما قال تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم وقال تعالى يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس ~~بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله الآية وهذا على الجملة لا إشكال ~~فيه ولكن قد ينشأ فى كل واحد من القسمين قسم آخر فأما القسم الأول وهى PageV04P167 ### || AUTO المسألة الثامنة # فيعرض فيه الخطأ فى الاجتهاد إما بخفاء بعض الأدلة حتى يتوهم فيه ما لم ~~يقصد منه وإما بعدم الإطلاع عليه جملة # وحكم هذا القسم ms822 معلوم من كلام الأصوليين إن كان فى أمر جزئي وأما إن كان ~~فى أمر كلي فهو أشد وفى هذا الموطن حذر من زلة العالم فإنه جاء فى بعض ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذير منها فروى عنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال # إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة قالوا وما هى يا رسول الله ~~قال أخاف عليهم من زلة العالم ومن حكم جائر ومن هوى متبع وعن عمر # ثلاث يهدمن الدين زلة العالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون وعن أبي ~~الدرداء # إن مما أخشى عليكم زلة العالم أو جدال المنافق بالقرآن والقرآن حق وعلى ~~القرآن منار كمنار الطريق وكان معاذ بن جبل يقول فى خطبته كثيرا وإياكم ~~وزيغة الحكيم فإن PageV04P168 ~~الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة وقد يقول المنافق الحق ~~فتلقوا الحق عمن جاء به فإن على الحق نورا قالوا وكيف زيغة الحكيم قال هى ~~كلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه فإنه ~~يوشك أن يفئ وأن يراجع الحق وقال سلمان الفارسي # كيف أنتم عند ثلاث زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم فأما ~~زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم تقولون نصنع مثل ما يصنع فلان ~~وننتهي عما ينتهي عنه فلان وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسكم منه فتعينوا عليه ~~الشيطان الحديث وعن ابن عباس # ويل للأتباع من عثرات العالم قيل كيف ذلك قال يقول العالم شيئا برأيه ثم ~~يجد من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه فيترك قوله ثم يمضى ~~الاتباع وعن ابن مبارك أخبرني المعتمر بن سليمان قال رآني أبي وأنا أنشد ~~الشعر فقال لي يا بني لا تنشد الشعر فقلت له يا أبت كان الحسن ينشد وكان ~~ابن سيرين ينشد فقال لي أي بني إن أخذت بشر ما فى الحسن وبشر ما فى ابن ~~سيرين اجتمع فيك الشر كله # وقال مجاهد والحكم بن عيينة ومالك ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ ms823 من قوله ~~ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم وقال سليمان التيمي إن أخذت برخصة كل ~~عالم اجتمع فيك الشر كله قال ابن عبد البر هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا PageV04P169 ~~وهذا كله وما أشبهه دليل على طلب الحذر من زلة العالم وأكثر ما تكون عند ~~الغفلة عن اعتبار مقاصد الشارع فى ذلك المعنى الذى اجتهد فيه والوقوف دون ~~أقصى المبالغة فى البحث عن النصوص فيها وهو وإن كان على غير قصد ولا تعمد ~~وصاحبه معذور ومأجور لكن مما ينبني عليه فى الإتباع لقوله فيه خطر عظيم وقد ~~قال الغزالي إن زلة العالم بالذنب قد تصير كبيرة وهى فى نفسها صغيرة وذكر ~~منها أمثلة ثم قال فهذه ذنوب يتبع العالم عليها فيموت العالم ويبقى شره ~~مستطيرا فى العالم أياما متطاولة فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه # وهكذا الحكم مستمر فى زلته فى الفتيا من باب أولى فإنه ربما خفي على ~~العالم بعض السنة أو بعض المقاصد العامة فى خصوص مسألته فيفضى ذلك إلى أن ~~يصير قوله شرعا يتقلد وقولا يعتبر فى مسائل الخلاف فربما رجع عنه وتبين له ~~الحق فيفوته تدارك ما سار فى البلاد عنه ويضل عنه تلافيه فمن هنا قالوا زلة ~~العالم مضروب بها الطبل ### || AUTO فصل # إذا ثبت هذا فلا بد من النظر فى أمور تنبني على هذا الأصل منها أن زلة ~~العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليدا له وذلك لأنها موضوعة ~~على المخالفة للشرع ولذلك عدت زلة وإلا فلو كانت معتدا بها لم يجعل لها هذه ~~الرتبة ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى PageV04P170 ~~التقصير ولا أن يشنع عليه بها ولا ينتقص من أجلها أو يعتقد فيه الإقدام ~~على المخالفة بحتا فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين وقد تقدم من ~~كلام معاذ بن جبل وغيره ما يرشد إلى هذا المعنى # وقد روى عن ابن المبارك أنه قال كنا في الكوفة فناظروني ms824 في ذلك يعني في ~~النبيذ المختلف فيه فقلت لهم تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالرخصة فإن لم نبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة ~~صحت عنه فاحتجوا فما جاءوا عن واحد برخصة إلا جئناهم بشدة فلما لم يبق في ~~يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس احتجاجهم عنه في رخصة النبيذ بشيء ~~يصح عنه قال ابن المبارك فقلت للمحتج عنه في الرخصة يا أحمق عد أن ابن ~~مسعود لو كان ههنا جالسا فقال هو لك حلال وما وصفنا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر أو تحير أو تخشى # فقال قائلهم يا أبا عبد الرحمن فالنخعي والشعبي وسمى عدة معهما كانوا ~~يشربون الحرام فقلت لهم دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال فرب رجل في الإسلام ~~مناقبه كذا وكذا وعسى أن يكون منه زلة أفلأحد أن يحتج بها فإن أبيتم فما ~~قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة قالوا كانوا PageV04P171 ~~خيارا قال فقلت فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدا بيد فقالوا حرام فقال ~~ابن المبارك إن هؤلاء رأوه حلالا فماتوا وهم يأكلون الحرام فبقوا وانقطعت ~~حجتهم هذا ما حكى # والحق ما قال ابن المبارك فإن الله تعالى يقول فإن تنازعتم فى شيء فردوه ~~إلى الله والرسول الآية فإذا كان بينا ظاهرا أن قول القائل مخالف للقرآن أو ~~للسنة لم يصح الاعتداد به ولا البناء عليه ولأجل هذا ينقض قضاء القاضي إذا ~~خالف النص أو الإجماع مع أن حكمه مبنى على الظواهر مع إمكان خلاف الظاهر ~~ولا ينقض مع الخطأ فى الاجتهاد وإن تبين لأن مصلحة نصب الحاكم تناقض نقض ~~حكمه ولكن ينقض مع مخالفة الأدلة لأنه حكم بغير ما أنزل الله # فصل # ومنها أنه لا يصح اعتمادها خلافا فى المسائل الشرعية لأنها لم تصدر فى ~~الحقيقة عن اجتهاده ولا هى من مسائل الاجتهاد وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو ~~لم يصادف ms825 فيها محلا فصارت فى نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد وإنما ~~يعد فى الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة فى الشريعة كانت مما يقوى أو ~~يضعف وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا فلذلك قيل إنه ~~لا يصح أن يعتد بها فى الخلاف كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف فى مسألة ~~ربا الفضل والمتعة ومحاشي النساء وأشباهها من المسائل التى خفيت فيها ~~الأدلة على من خالف فيها PageV04P172 ~~فإن قيل فماذا يعرف من الأقوال ما هو كذلك مما ليس كذلك # فالجواب أنه من وظائف المجتهدين فهم العارفون بما وافق أو خالف وأما ~~غيرهم فلا تمييز لهم فى هذا المقام ويعضد هذا المخالفة للأدلة الشرعية على ~~مراتب فمن الأقوال ما يكون خلافا لدليل قطعي من نص متواتر أو إجماع قطعي فى ~~حكم كلي ومنها ما يكون خلافا لدليل ظني والأدلة الظنية متفاوتة كأخبار ~~الآحاد والقياس الجزئية فأما المخالف للقطعي فلا إشكال فى اطراحه ولكن ~~العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه وعلى ما فيه لا للاعتداد به وأما المخالف ~~للظني ففيه الاجتهاد بناء على التوازن بينه وبين ما اعتمده صاحبه من القياس ~~أو غيره # فإن قيل فهل لغير المجتهد من المتفقهين فى ذلك ضابط يعتمده أم لا # فالجواب أن له ضابطا تقريبيا وهو أن ما كان معدودا فى الأقوال غلطا وزللا ~~قليل جدا فى الشريعة وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها قلما يساعدهم ~~عليها مجتهد آخر فإذا انفرد صاحب قول عن عامة الأمة فليكن اعتقادك أن الحق ~~مع السواد الأعظم من المجتهدين لا من المقلدين ### || AUTO فصل # وقد عد ابن السيد هذا المكان من أسباب الخلاف حين عد جهة الرواية وأن لها ~~ثماني علل فساد الإسناد ونقل الحديث على المعنى أو من المصحف والجهل ~~بالإعراب والتصحيف وإسقاط جزء الحديث أو سببه وسماع PageV04P173 ~~بعض الحديث وفوت بعضه وهذه الأشياء ترجع إلى معنى ما تقدم إذا صح أنها فى ~~المواضع المختلف فيها علل حقيقة فإنه قد يقع الخلاف بسبب الاجتهاد فى كونها ms826 ~~موجودة فى محل الخلاف وإذا كان على هذا الوجه فالخلاف معتد به بخلاف الوجه الأول # وأما القسم الثاني وهى ### || AUTO المسألة التاسعة # فيعرض فيه أن يعتقد فى صاحبه أو يعتقد هو فى نفسه أنه من أهل الاجتهاد ~~وأن قوله معتد به وتكون مخالفته تارة فى جزئي وهو أخف وتارة فى كلي من ~~كليات الشريعة وأصولها العامة كانت من أصول الاعتقادات أو الأعمال فتراه ~~آخذا ببعض جزئياتها فى هدم كلياتها حتى يصير منها إلى ما ظهر له ببادئ PageV04P174 ~~رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا راجع رجوع الافتقار إليها ولا مسلم لما ~~روى عنهم فى فهمها ولا راجع إلى الله ورسوله فى أمرها كما قال فإن تنازعتم ~~فى شئ فردوه إلى الله والرسول الآية ويكون الحامل على ذلك بعض الأهواء ~~الكامنة فى النفوس الحاملة على ترك الاهتداء بالدليل الواضح واطراح النصفة ~~والاعتراف بالعجز فيما لم يصل إليه علم الناظر ويعين على هذا الجهل بمقاصد ~~الشريعة وتوهم بلوغ درجة الاجتهاد باستعجال نتيجة الطلب فإن العاقل قلما ~~يخاطر بنفسه فى اقتحام المهالك مع العلم بأنه مخاطر # وأصل هذا القسم مذكور فى قوله تعالى هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات الآية وفى الصحيح أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرأ هذه الآية ثم قال # إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ~~والتشابه فى القرآن PageV04P175 ~~لا يختص بما نص عليه العلماء من الأمور الإلهية الموهمة للتشبيه ولا ~~العبارات المجملة ولا ما يتعلق بالناسخ والمنسوخ ولا غير ذلك مما يذكرون بل ~~هو من جملة ما يدخل تحت مقتضى الآية إذ لا دليل على الحصر وإنما يذكرون من ~~ذلك ما يذكرون على عادتهم فى القصد إلى مجرد التمثيل ببعض الأمثلة الداخلة ~~تحت النصوص الشرعية فإن الشريعة إذا كان فيها أصل مطرد فى أكثرها مقرر واضح ~~فى معظمها ثم جاء بعض المواضع فيها مما يقتضي ظاهرة مخالفة ما اطرد فذلك من ~~المعدود في المتشابهات التى يتقى اتباعها ms827 لأن اتباعها مفض إلى ظهور معارضة ~~بينها وبين الأصول المقررة والقواعد المطردة فإذا اعتمد على الأصول وأرجئ ~~أمر النوادر ووكلت إلى عالمها أو ردت إلى أصولها فلا ضرر على المكلف ~~المجتهد ولا تعارض في حقه ودل على ذلك قوله تعالى منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب فجعل المحكم وهو الواضح المعنى الذي لا إشكال فيه ولا اشتباه هو ~~الأم والأصل المرجوع إليه ثم قال وأخر متشابهات يريد وليست بأم ولا معظم ~~فهى إذا قلائل ثم أخبر أن اتباع المتشابه منها شأن PageV04P176 ~~أهل الزيغ والضلال عن الحق والميل عن الجادة وأما الراسخون في العلم ~~فليسوا كذلك وما ذاك إلا باتباعهم أم الكتاب وتركهم الاتباع للمتشابه # وأم الكتاب يعم ما هو من الأصول الإعتقادية أو العملية إذ لم يخص الكتاب ~~ذلك ولا السنة بل ثبت في الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على إحدى ~~أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة وفي الترمذي تفسير ~~هذا بإسناد غريب عن غير أبي هريرة فقال في حديثه # وأن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث ~~وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا من هى يا رسول الله قال ما ~~أنا عليه وأصحابي والذي عليه النبي وأصحابه ظاهر في الأصول الاعتقادية ~~والعملية على الجملة لم يخص من ذلك شيء دون شيء وفي أبي داود # وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في ~~الجنة وهى الجماعة وهى بمعنى الرواية التى قبلها وقد PageV04P177 ~~روى ما يبين هذا المعنى ذكره ابن عبد البر بسند لم يرضه وإن كان غيره قد ~~هون الأمر فيه أنه قال # ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة الذين يقيسون الأمور برأيهم ~~فيحلون الحرام ويحرمون الحلال فهذا نص على دخول الأصول العملية تحت قوله # ما أنا عليه وأصحابي وهو ظاهر فإن المخالف في أصل ms828 من أصول الشريعة ~~العملية لا يقصر عن المخالف في أصل من الأصول الاعتقادية في هدم القواعد ~~الشرعية ### || AUTO فصل # وقد وجدنا في الشريعة ما يدلنا على بعض الفرق التى يظن أن الحديث شامل ~~لها وأنها مقصودة الدخول تحته فإنه جاء في القرآن أشياء تشير إلى أوصاف ~~يتعرف منها أن من اتصف بها فهو آخذ في بدعة خارج عن مقتضى الشريعة وكذلك في ~~الأحاديث الصحيحة فمن تتبع مواضعها ربما اهتدى إلى جملة منها وربما ورد ~~التعيين في بعضها كما قال عليه الصلاة والسلام في الخوارج # إن من ضئضئي هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ~~ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية PageV04P178 ~~وفي رواية # دعه يعني ذا الخويصرة فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه ~~مع صيامهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام الحديث إلى أن قال # آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة ومثل البضعة تدردر الخ فقد عرف ~~عليه الصلاة والسلام بهؤلاء وذكر لهم علامة في صاحبهم وبين من مذهبهم في ~~معاندة الشريعة أمرين كليين # أحدهما اتباع ظواهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده ~~والقطع بالحكم به ببادئ الرأي والنظر الأول وهو الذي نبه عليه قوله في الحديث # يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ومعلوم أن هذا الرأي يصد عن اتباع الحق ~~المحض ويضاد المشي على الصراط المستقيم ومن هنا ذم بعض العلماء رأي داود ~~الظاهري وقال إنها بدعة ظهرت بعد المائتين ألا ترى أن من جرى على مجرد ~~الظاهر تناقضت عليه الصور والآيات وتعارضت في يديه الأدلة على الإطلاق ~~والعموم وتأمل ما ذكره القتبي في صدر كتابه في مشكل القرآن وكتابه في مشكل ~~الحديث يبين لك صحة هذا الإلزام فإن ما ذكره هنالك آخذ ببادئ الرأي في مجرد ~~الظواهر PageV04P179 ~~والثاني قتل أهل الإسلام وترك أهل الأوثان على ضد ما دلت عليه جملة ~~الشريعة وتفصيلها فإن القرآن والسنة إنما جاءت للحكم بأن أهل الإسلام فى ms829 ~~الدنيا والآخرة ناجون وأن أهل الأوثان هالكون ولتعصم هؤلاء وتريق دم هؤلاء ~~على الإطلاق فيهما والعموم فإذا كان النظر فى الشريعة مؤديا إلى مضادة هذا ~~القصد صار صاحبه هادما لقواعدها وصادا عن سبيلها ومن تأمل كلامهم فى مسألة ~~التحكيم مع علي بن أبي طالب وابن عباس وفى غيرها ظهر له خروجهم عن القصد ~~وعدولهم عن الصواب وهدمهم للقواعد وكذلك مناظرتهم عمر بن عبد العزيز وأشباه ذلك # فهذان وجهان ذكرا فى الحديث من مخالفتهم لقواعد الشريعة الكلية اتباعا ~~للمتشابهات # وقد ذكر الناس من آرائهم غير ذلك من جنسه كتكفيرهم لأكثر الصحابة ولغيرهم ~~ومنه سرى قتلهم لأهل الإسلام وأن الفاعل للفعل إذا لم يعلم أنه حلال أو ~~حرام فليس بمؤمن وأن لا حرام إلى ما فى قوله قل لا أجد فى ما أوحي إلى ~~الآية وما سوى ذلك فحلال وأن الإمام إذا كفر كفرت رعيته كلهم شاهدهم ~~وغائبهم وأن التقية لا تجوز فى قول ولا فعل على الإطلاق والعموم وأن الزاني ~~لا يرجم بإطلاق والقاذف للرجال لا يحد وإنما يحد قاذف النساء خاصة وأن ~~الجاهل معذور فى أحكام الفروع بإطلاق وأن الله سيبعث نبيا من العجم بكتاب ~~ينزله الله عليه جملة واحدة ويترك شريعة محمد وأن المكلف قد يكون مطيعا ~~بفعل الطاعة غير قاصد بها وجه الله وإنكارهم سورة يوسف من القرآن وأشباه ~~ذلك وكلها مخالفة لكليات شرعية أصلية أو عملية PageV04P180 ~~ولكن الغالب فى هذه الفرق أن يشار إلى أوصافهم ليحذر منها ويبقى الأمر فى ~~تعيينهم مرجى كما فهمنا من الشريعة ولعل عدم تعيينهم هو الأولى الذى ينبغي ~~أن يلتزم ليكون سترا على الأمة كما سترت عليهم قبائحهم فلم يفضحوا فى ~~الدنيا بها فى الحكم الغالب العام وأمرنا بالستر على المذنبين ما لم يبد ~~لنا صفحة الخلاف ليس كما ذكر عن بنى إسرائيل أنهم كانوا إذا أذنب أحدهم ~~ذنبا أصبح وعلى بابه معصيته مكتوبة وكذلك فى شأن قرابينهم فإنهم كانوا إذا ~~قربوها أكلت النار المقبول منها وتركت غير المقبول وفي ذلك افتضاح ms830 المذنب ~~إلى ما أشبه ذلك فكثير من هذه الأشياء خصت بها هذه الأمة وقد قالت طائفة إن ~~من الحكمة في تأخير هذه الأمة عن سائر الأمم أن تكون ذنوبهم مستورة عن ~~غيرهم فلا يطلع عليها كما اطلعوا هم على ذنوب غيرهم ممن سلف وللستر حكمة ~~أيضا وهى أنها لو أظهرت مع أن أصحابها من الأمة لكان في ذلك داع إلى الفرقة ~~والوحشة وعدم الألفة التى أمر الله بها ورسوله حيث قال تعالى واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا وقال فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وقال ولا تكونوا ~~من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا وفي الحديث # لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانا وأمر عليه ~~الصلاة والسلام بإصلاح ذات البين وأخبر # أن فساد ذات البين هى الحالقة وأنها تحلق الدين والشريعة طافحة بهذا ~~المعنى ويكفي فيه ما ذكره المحدثون في كتاب البر والصلة وقد جاء في قوله ~~تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شئ الآية أنه روى عن ~~عائشة وأبي هريرة هذا حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه PageV04P181 ~~وسلم # يا عائشة إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا من هم قلت الله ورسوله أعلم ~~قال هم أصحاب الأهواء وأصحاب البدع وأصحاب الضلالة من هذه الأمة يا عائشة ~~إن لكل ذنب توبة ما خلا أصحاب الأهواء والبدع ليس لهم توبة وأنا منهم بري ~~وهم مني برءآء # فإذا كان من مقتضى العادة أن التعريف بهم على التعيين يورث العداوة ~~والفرقة وترك الموالفة لزم من ذلك أن يكون منهيا عنه إلا أن تكون البدعة ~~فاحشة جدا كبدعة الخوارج فلا إشكال في جواز إبدائها وتعيين أهلها كما عين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج وذكرهم بعلامتهم حتى يعرفون ويحذر ~~منهم ويلحق بذلك ما هو مثله في الشناعة أو قريب منه بحسب نظر المجتهد وما ~~سوى ذلك فالسكوت عن تعيينه أولى وخرج أبو داود عن عمر ابن أبي قرة قال كان ~~حذيفة بالمدائن فكان ms831 يذكر أشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأناس ~~من أصحابه في الغضب فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون ~~له قول حذيفة فيقول سلمان حذيفة أعلم بما يقول فيرجعون PageV04P182 ~~إلى حذيفة فيقولون له قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا كذبك فأتى حذيفة ~~سلمان وهو في مبقلة فقال يا سلمان ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب فيقول ~~لناس من أصحابه ويرضى فيقول في الرضى لناس من أصحابه أما تنتهي حتى تورث ~~رجالا حب رجال ورجالا بغض رجال وحتى توقع اختلافا وفرقة ولقد علمت أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال # أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي فإنما أنا من ولد آدم ~~أغضب كما يغضبون وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة ~~فوالله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر فهذا من سلمان حسن من النظر فهو جار في ~~مسألتنا # فإن قيل فالبدع مأمور باجتنابها واجتناب أهلها والتحذير منهم والتشديد ~~بهم وتقبيح ما هم عليه فكيف يكون ذكر ذلك والتنبيه عليه غير جائز # فالجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم نبه في الجملة عليهم إلا القليل ~~منهم كالخوارج ونبه على البدع من غير تفصيل وأن الأمة ستفترق على تلك العدة ~~المذكورة وأشار إلى خواص عامة فيهم وخاصة ولم يصرح بالتعيين غالبا تصريحا ~~لقطع العذر ولا ذكر فيهم علامة قاطعة لا تلتبس فنحن أولى بذلك معشر الأمة # وما ذكره المتقدمون من ذلك فبحسب فحش تلك البدع وأنها لاحقة PageV04P183 ~~فى جواز ذكرها بالخوارج ونحوهم مع أن التعيين إذا كان بحسب الاجتهاد فهو ~~ممكن أن يكون هو المراد فى نفس الأمر أو بعضه فمن بلغ رتبة الاجتهاد اجتهد ~~والأصل ما تقدم من الستر حتى يظهر أمر فيكون له حكمه ويبقى النظر هل هذا ~~الظاهر من جملة ما يدخل تحت الحديث أم لا فهو موضع اجتهاد وأيضا ms832 فإن البدع ~~المحدثة تختلف فليست كلها فى مرتبة واحدة فى الضلال ألا ترى أن بدعة ~~الخوارج مباينة غاية المباينة لبدعة التثويب بالصلاة التى قال فيها مالك ~~التثويب ضلال وقد قسم المتقدمون البدع إلى ما هو مكروه وإلى ما هو محرم ولو ~~كانت عندهم على سواء لكانت قسما واحدا وإذا كان كذلك فالبدع التى تفترق بها ~~الأمة مختلفة الرتب فى القبح وبسبب ذلك يظهر أنها كثيرة جدا وما فى الحديث ~~محصور فيمكن أن يكون بعضها غير داخل فى الحديث أو يكون بعضها جزءا من بدعة ~~فوقها أعظم منها أو لا تكون داخلة من حيث هى عند العلماء من قبيل المكروه ~~فصار القطع على خصوصياتها فيه نظر واشتباه فلا يقدم على ذلك إلا ببرهان ~~قاطع وهذا كالمعدوم فيها فمن هذه الجهات صار الأولى ترك التعيين فيها PageV04P184 ~~فإن قيل فالعلماء يقولون خلاف هذا وإن الواجب هو التشديد بهم والزجر لهم ~~والقتل ومناصبة القتال إن امتنعوا وإلا أدى ذلك إلى فساد الدين # فالجواب أن ذلك حكم فيهم كما هو في سائر من تظاهر بمعصية صغيرة أو كبيرة ~~أو دعا إليها أن يؤدب أو يزجر أو يقتل إن امتنع من فعل واجب أو ترك محرم ~~كما يقتل تارك الصلاة وإن كان مقرا إلى ما دون ذلك وإنما الكلام في تعيين ~~أصحاب البدع من حيث هي بدع يشملها الحديث فتوجه الأحكام شيء والتعيين ~~للدخول تحت الحديث شيء آخر # فصل # ولهؤلاء الفرق خواص وعلامات في الجملة وعلامات أيضا في التفصيل فأما ~~عالمات الجملة فثلاث # إحداها الفرقة التى نبه عليها قوله تعال إن الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا لست منهم فى شئ وقوله ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا وغير ذلك من الأدلة # قال بعض المفسرين صاروا فرقا لاتباع أهوائهم وبمفارقة الدين تشتت أهواؤهم ~~فافترقوا وهو قوله إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ثم برأه الله منهم ~~بقوله لست منهم فى شيء وهم أصحاب البدع والكلام فيما لم يأذن الله فيه ولا ~~رسوله قال ووجدنا أصحاب رسول الله صلى ms833 الله عليه وسلم من بعده قد اختلفوا ~~في أحكام الدين ولم يفترقوا ولم يصيروا شيعا لأنهم لم يفارقوا الدين وإنما ~~اختلفوا فما أذن لهم من اجتهاد الرأي والاستنباط من الكتاب والسنة فيما لم PageV04P185 ~~يجدوا فيه نصا واختلفت في ذلك أقوالهم فصاروا محمودين لأنهم اجتهدوا فيما ~~أمروا به كإختلاف أبي بكر وعمر وزيد في الجد مع الأم وقول عمر وعلي في ~~أمهات الأولاد وخلافهم في الفريضة المشتركة وخلافهم في الطلاق قبل النكاح ~~وفي البيوع وغير ذلك مما اختلفوا فيه وكانوا مع هذا أهل مودة وتناصح أخوة ~~الإسلام فيما بينهم قائمة فلما حدثت المرذية التى حذر منها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وظهرت العداوات وتحزب أهلها فصاروا شيعا دل على أنه إنما ~~حدث ذلك من المسائل المحدثة التى ألقاها الشيطان على أفواه أوليائه # قال فكل مسألة حدثت فى الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف ~~بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام وكل مسألة ~~طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر ~~الدين فى شئ وأنها التى عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير الآية وهى ~~قوله إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا وقد تقدمت فيجب على كل ذي دين وعقل ~~أن يجتنبها ودليل ذلك قوله تعالى واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا فإذا اختلفوا وتقاطعوا PageV04P186 ~~كان ذلك لحدث أحدثوه من اتباع الهوى هذا ما قالوه وهو ظاهر فى أن الإسلام ~~يدعو إلى الألفة والتحاب والتراحم والتعاطف فكل رأي أدى إلى خلاف ذلك فخارج ~~عن الدين # وهذه الخاصية موجودة فى كل فرقة من تلك الفرق ألا ترى كيف كانت ظاهرة في ~~الخوارج الذين أخبر بهم النبي عليه الصلاة والسلام في قوله # يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان وأي فرقة توازى هذا إلا الفرقة ~~التى بين أهل الإسلام وأهل الكفر وهكذا تجد الأمر فى سائر من عرف من الفرق ~~أو من ادعى ذلك فيهم # والخاصة الثانية ms834 هى التى نبه عليها قوله تعالى فأما الذين فى قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة الآية فجعل أهل الزيغ والميل عن الحق ~~ممن شأنهم إتباع المتشابهات وقد تبين معناه وقال عليه الصلاة والسلام # فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم # والخاصية الثالثة اتباع الهوى وهى التى نبه عليها قوله فأما الذين فى ~~قلوبهم زيغ وهو الميل عن الحق اتباعا للهوى وقوله ومن أضل ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله وقوله أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم الآية PageV04P187 ~~إلا أن هذه الخاصية راجعة إلى كل أخذ فى خاصة نفسة لأنها أمر باطن فلا ~~يعرفها غير صاحبها إلا أن يكون عليها دليل فى الظاهر والتى قبلها راجعة إلى ~~العلماء الراسخين فى العلم لأن بيان المحكم والمتشابه راجع إليهم فهم ~~يعرفونها ويعرفون أهلها بمعرفتهم لها والتى قبلها تعم جميع العقلاء من أهل ~~الإسلام لأن التواصل أو التقاطع معروف للناس كلهم وبمعرفته يعرف أهله # وأما العلامات التفصيلية فى فرقة فقد نبه عليها وأشير إليها كما فى قوله ~~تعالى فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إلى قوله ويريد الشيطان أن ~~يضلهم ضلالا بعيدا وقوله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون إن ربك هو ~~أعلم من يضل عن سبيله الآية وقوله ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى إلى آخرها وقوله إنما النسىء ~~زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما الآية وقوله ~~وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من ~~لو يشاء الله أطعمه الآية وقوله ومن الناس من يعبد الله على حرف إلى آخر ~~الآيتين وقوله يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إلى قوله لا يضركم ~~من ضل إذا اهتديتم وقوله قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها الآية وقوله ~~ثمانية أزواج من الضأن اثنين إلى قوله إن الله لا ms835 يهدى القوم الظالمين إلى ~~غير ذلك مما نبه عليه القرآن الحكيم # وكذلك فى الحديث كقوله # إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلماء حتى ~~إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا ~~وأضلوا وكذلك ما تقدم ذكره فى قسم زلة PageV04P188 ~~العالم وغيره مما فى الأحاديث المختصة بهذا المعنى وإنما نبه عليها لتنبيه ~~الشرع عليها ولم يصرح بها على الإطلاق لما تقدم ذكره فمن تهدى إليها فذاك ~~وإلا فلا عليه أن لا يعلمها والله الموفق للصواب ### || AUTO فصل # ومن هذا يعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره وإن كان من علم ~~الشريعة ومما يفيد علما بالأحكام بل ذلك ينقسم فمنه ما هو مطلوب النشر وهو ~~غالب علم الشريعة ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى ~~حال أو وقت أو شخص # ومن ذلك تعيين هذه الفرق فإنه وإن كان حقا فقد يثير فتنة كما تبين تقريره ~~فيكون من تلك الجهة ممنوعا بثه # ومن ذلك علم المتشابهات والكلام فيها فإن الله ذم من اتبعها فإذا ذكرت ~~وعرضت للكلام فيها فربما أدى ذلك إلى ما هو مستغنى عنه وقد جاء فى الحديث عن علي # حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله وفى الصحيح عن معاذ ~~أنه عليه الصلاة والسلام قال # يا معاذ تدرى ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله الحديث إلى ~~أن قال قلت يا رسول أفلا أبشر الناس قال لا تبشرهم فيتكلوا وفى حديث آخر عن ~~معاذ فى مثله قال # يا رسول الله أفلا أخبر بها فيستبشروا فقال إذا يتكلوا PageV04P189 ~~قال أنس فأخبر بها معاذ عند موته تأثما ونحو من هذا عن عمر بن الخطاب مع ~~أبى هريرة أنظره فى كتاب مسلم والبخاري فإنه قال فيه عمر # يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا ~~إله إلا الله مستيقنا به قلبه بشره ms836 بالجنة قال نعم قال فلا تفعل فإني أخشى ~~أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # فخلهم # وحديث ابن عباس عن عبد الرحمن بن عوف قال لو شهدت أمير المؤمنين أتاه ~~رجلا فقال # إن فلانا يقول لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلانا فقال عمر لأقومن ~~العشية فأحذر هؤلاء الرهط الذين يريدون يغضبونهم قلت لا تفعل فإن الموسم ~~يجمع رعاع الناس ويغلبون على مجلسك فأخاف أن لا ينزلها على وجهها فيطيروا ~~بها كل مطير وأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة فتلخص بأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار ويحفظوا مقالتك ~~وينزلوها على وجهها فقال # والله لأقومن فى أول مقام أقومه بالمدينة الحديث # ومنه حديث سلمان مع حذيفة وقد تقدم # ومنه أن لا يذكر للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهى بل يربي بصغار PageV04P190 ~~العلم قبل كباره وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها وإن كانت ~~صحيحة فى نظر الفقه كما ذكر عز الدين بن عبد السلام فى مسألة الدور فى ~~الطلاق لما يؤدى إليه من رفع حكم الطلاق بإطلاق وهو مفسدة # من ذلك سؤال العوام عن علل مسائل الفقه وحكم التشريعات وإن كان لها علل ~~صحيحة وحكم مستقيمة ولذلك أنكرت عائشة على من قالت لم تقضى الحائض الصوم ~~ولا تقضى الصلاة وقالت لها أحروية أنت وقد ضرب عمر ابن الخطاب صبيغا وشرد ~~به لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل وربما ~~أوقع خيالا وفتنة وإن كان صحيحا وتلا قوله تعالى وفاكهة وأبا فقال هذه ~~الفاكهة فما الأب ثم قال ما أمرنا بهذا إلى غير ذلك مما يدل على أنه ليس كل ~~علم يبث وينشر وإن كان حقا وقد أخبر مالك عن نفسه أن عنده أحاديث وعلما ما ~~تكلم فيها ولا حدث بها وكان يكره الكلام فيما ليس تحته عمل وأخبر عمن تقدمه ~~أنهم كانوا يكرهون ذلك # فتنبه لهذا المعنى # وضابطه أنك تعرض مسألتك ms837 على الشريعة فإن صحت فى ميزانها فانظر فى مآلها ~~بالنسبة إلى حال الزمان وأهله فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها فى ذهنك ~~على العقول فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها إما على العموم ان كانت مما ~~تقبلها العقول على العموم وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم وإن ~~لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية ~~والعقلية PageV04P191 ~~فصل # هذه الفرق وإن كانت على ما هى عليه من الضلال فلم تخرج من الأمة ودل على ~~ذلك قوله # تفترق أمتي فإنه لو كانت ببدعتها تخرج من الأمة لم يضفها إليها وقد جاء ~~فى الخوارج فى هذه الأمة كذا فأتى بفى المقتضية أنها فيها وفى جملتها وقال ~~فى الحديث # وتتمارى فى الفوق ولو كانوا خارجين من الأمة لم يقع تمار فى كفرهم ولقال ~~إنهم كفروا بعد إسلامهم PageV04P192 ~~فإن قيل فقد اختلف العلماء فى تكفير أهل البدع كالخوارج والقدرية وغيرهما # فالجواب أنه ليس فى النصوص الشرعية ما يدل دلالة قطعية على خروجهم عن ~~الإسلام والأصل بقاؤه حتى يدل دليل على خلافه وإذا قلنا بتكفيرهم فليسوا ~~إذا من تلك الفرق بل الفرق من لم تؤدهم بدعتهم إلى الكفر وإنما أبقت عليهم ~~من أوصاف الإسلام ما دخلوا به فى أهله والأمر بالقتل فى حديث PageV04P193 ~~الخوارج لا يدل على الكفر إذ للقتل أسباب غير الكفر كقتل المحارب والفئة ~~الباغية بغير تأويل وما أشبه ذلك فالحق أن لا يحكم بكفر من هذا سبيله # وبهذا كله يتبين أن التعيين فى دخولهم تحت مقتضى الحديث صعب وأنه أمر ~~اجتهادى لا قطع فيه إلا ما دل عليه الدليل القاطع للعذر وما أعز وجود مثله ### || AUTO المسألة العاشرة # النظر فى مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة ~~وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام ~~أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعا لمصلحة فيه ~~تستجلب أو لمفسدة تدرأ ولكن له مآل على ms838 خلاف ما قصد فيه وقد يكون غير مشروع ~~لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ولكن له مآل على PageV04P194 ~~خلاف ذلك فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة ~~فيه إلى المفسدة تساوى المصلحة أو تزيد عليها فيكون هذا مانعا من إطلاق ~~القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول فى الثاني بعدم مشروعية ربما أدى ~~استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد فلا يصح إطلاق القول بعدم ~~المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب جار ~~على مقاصد الشريعة # والدليل على صحته أمور # أحدها أن التكاليف كما تقدم مشروعة لمصالح العباد ومصالح العباد إما ~~دنيوية وإما أخروية أما الأخروية فراجعة إلى مآل المكلف فى الآخرة ليكون من ~~أهل النعيم لا من أهل الجحيم وأما الدنيوية فإن الأعمال إذا تأملتها مقدمات ~~لنتائج المصالح فإنها أسباب لمسببات هى مقصودة للشارع والمسببات هى مآلات ~~الأسباب فاعتبارها فى جريان الأسباب مطلوب وهو معنى النظر فى المآلات # لا يقال إنه قد مر فى كتاب الأحكام أن المسببات لا يلزم الإلتفات إليها ~~عند الدخول فى الأسباب PageV04P195 ~~لأنا نقول وتقدم أيضا أنه لا بد من اعتبار المسببات فى الأسباب ومر الكلام ~~فى ذلك والجمع بين المطلبين ومسألتنا من الثاني لا من الأول لأنها راجعة ~~إلى المجتهد الناظر فى حكم غيره على البراءة من الحظوظ فإن المجتهد نائب عن ~~الشارع فى الحكم على أفعال المكلفين وقد تقدم أن الشارع قاصد للمسببات فى ~~الأسباب وإذا ثبت ذلك لم يكن للمجتهد بد من اعتبار المسبب وهو مآل السبب # والثانى أن مآلات الأعمال إنما أن تكون معتبرة شرعا أو غير معتبرة فإن ~~اعتبرت فهو المطلوب وإن لم تعتبر أمكن أن يكون للأعمال مآلات مضادة لمقصود ~~تلك الأعمال وذلك غير صحيح لما تقدم من أن التكاليف لمصالح العباد ولا ~~مصلحة تتوقع مطلقا مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد وأيضا فإن ذلك يؤدي ~~إلى أن لا نتطلب مصلحة بفعل مشروع ولا نتوقع مفسدة بفعل ممنوع وهو خلاف ms839 وضع ~~الشريعة كما سبق # والثالث الأدلة الشرعية والاستقراء التام أن المآلات معتبرة فى أصل ~~المشروعية كقوله تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون وقوله كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون وقوله ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا PageV04P196 ~~بها إلى الحكام الآية وقوله ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله الآية ~~وقوله رسلا مبشرين ومنذرين الآية وقوله كتب عليكم القتال وهو كره لكم الآية ~~وقوله ولكم فى القصاص حياة # وهذا مما فيه اعتبار المآل على الجملة # وأما فى مسألة على الخصوص فكثير فقد قال فى الحديث حين أشير عليه بقتل من ~~ظهر نفاقه # أخاف أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وقوله # لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم بمقتضى هذا ~~أفتى مالك الأمير حين أراد أن يرد البيت على قواعد إبراهيم PageV04P197 ~~فقال له لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله هذا معنى الكلام دون لفظه # وفى حديث الأعرابي الذي بال فى المسجد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتركه حتى يتم بوله وقال # لا تزرموه وحديث النهي عن التشديد على النفس فى العبادة خوفا من الإنقطاع ~~وجميع ما مر فى تحقيق المناط الخاص مما فيه هذا المعنى حيث يكون العمل فى ~~الأصل مشروعا لكن ينهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة أو ممنوعا لكن يترك ~~النهي عنه لما فى ذلك من المصلحة وكذلك الأدلة الدالة على سد الذرائع كلها ~~فإن غالبها تذرع بفعل جائز إلى عمل غير جائز فالأصل على المشروعية لكن مآله ~~غير مشروع والأدلة الدالة على التوسعة ورفع الحرج كلها فإن غالبها سماح فى ~~عمل غير مشروع فى الأصل لما يؤول إليه من الرفق المشروع ولا معنى للإطناب ~~بذكرها لكثرتها واشتهارها قال ابن العربي حين أخذ فى تقرير هذه المسألة ~~اختلف الناس بزعمهم فيها وهى متفق عليها بين العلماء فافهموها وادخروها ### || AUTO فصل # وهذا الأصل ينبنى عليه قواعد # منها قاعدة الذرائع التى حكمها مالك ms840 فى أكثر أبواب الفقه لأن PageV04P198 ~~حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة فإن عاقد البيع أولا على سلعة ~~بعشرة إلى أجل ظاهر الجواز من جهة ما يتسبب عن البيع من المصالح على الجملة ~~فإذا جعل مآل ذلك البيع مؤديا إلى بيع خمسة نقدا بعشرة إلى أجل بأن يشترى ~~البائع سلعته من مشتريها بخمسة نقدا فقد صار مآل هذا العمل إلى أن باع صاحب ~~السلعة من مشتريها منه خمسة نقدا بعشرة إلى أجل والسلعة لغو لا معنى لها فى ~~هذا العمل لأن المصالح التى لأجلها شرع البيع لم يوجد منها شىء ولكن هذا ~~بشرط أن PageV04P199 ~~يظهر لذلك قصد ويكثر في الناس بمقتضى العادة # ومن أسقط حكم الذرائع كالشافعي فإنه اعتبر المال أيضا لأن البيع إذا كان ~~مصلحة جاز وما فعل من البيع الثاني فتحصيل لمصلحة أخرى منفردة عن الأولى ~~فكل عقدة منهما لها مآلها ومآلها فى ظاهر أحكام الإسلام مصلحة فلا مانع على ~~هذا إذ ليس ثم مآل هو مفسدة على هذا التقدير ولكن هذا بشرط أن لا يظهر قصد ~~إلى المآل الممنوع # ولأجل ذلك يتفق الفريقان على أنه لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان ~~بإطلاق واتفقوا في خصوص المسألة على أنه لا يجوز سب الأصنام حيث يكون سببا ~~في سب الله عملا بمقتضى قوله تعالى ولا تبسوا الذين يدعون من دون الله ~~فيسبوا الله عدوا بغير علم وأشباه ذلك من المسائل التى اتفق مالك مع ~~الشافعي على منع التوسل فيها وأيضا فلا يصح أن يقول الشافعي إنه يجوز ~~التدرع إلى الربا بحال إلا أنه لا يتهم من لم يظهر منه قصد إلى الممنوع ~~ومالك يتهم بسبب ظهور فعل اللغو وهو دال على القصد إلى الممنوع فقد ظهر أن ~~قاعدة الذرائع متفق PageV04P200 ~~على اعتبارها في الجملة وإنما الخلاف في أمر آخر # ومنها قاعدة الحيل فإن حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال ~~حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة ~~في الواقع كالواهب ماله عند ms841 رأس الحول فرارا من الزكاة فإن أصل الهبة على ~~الجواز ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعا فإن كل واحد منهما ظاهر أمره ~~في المصلحة أو المفسدة فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع ~~من أداء الزكاة وهو مفسدة ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية PageV04P201 ~~ومن أجاز الحيل كأبي حنيفة فإنه اعتبر المآل أيضا لكن على حكم الانفراد ~~فإن الهبة على أي قصد كانت مبطلة لإيجاب الزكاة كإنفاق المال عند رأس الحول ~~وأداء الدين منه وشراء العروض به وغيرها مما لا تجب فيه زكاة وهذا الإبطال ~~صحيح جائز لأنه مصلحة عائدة على الواهب والمنفق لكن هذا بشرط أن لا يقصد ~~إبطال الحكم فإن هذا القصد بخصوصه ممنوع لأنه عناد للشارع كما إذا امتنع من ~~أداء الزكاة فلا يخالف أبو حنيفة في أن قصد إبطال الأحكام صراحا ممنوع وأما ~~إبطالها ضمنا فلا وإلا امتنعت الهبة عند رأس الحول مطلقا ولا يقول بهذا ~~واحد منهم # ولذلك اتفقوا على تحريم القصد بالإيمان والصلاة وغيرهما إلى مجرد إحراز ~~النفس والمال كالمنافقين والمرائين وما أشبه ذلك وبهذا يظهر أن التحيل على ~~الأحكام الشرعية باطل على الجملة نظرا إلى المآل والخلاف إنما وقع في أمر آخر # ومنها قاعدة مراعاة الخلاف وذلك أن الممنوعات في الشرع إذا وقعت PageV04P202 ~~فلا يكون إيقاعها من المكلف سببا في الحيف عليه بزائد على ما شرع له من ~~الزواجر أو غيرها كالغصب مثلا إذا وقع فإن المغصوب منه لا بد أن يوفى حقه ~~لكن على وجه لا يؤدي إلى إضرار الغاصب فوق ما يليق به في العدل والإنصاف ~~فإذا طولب الغاصب بأداء ما غصب أو قيمته أو مثله وكان ذلك من غير زيادة صح ~~فلو قصد فيه حمل على الغاصب لم يلزم لأن العدل هو المطلوب ويصح إقامة العدل ~~مع عدم الزيادة وكذلك الزاني إذا حد لا يزاد عليه بسبب جنايته لأنه ظلم له ~~وكونه جانيا لا يجني عليه زائدا على الحد الموازي لجنايته إلى غير ms842 ذلك من ~~الأمثلة الدالة على منع التعدي أخذا من قوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقوله والجروح قصاص ونحو ذلك وإذا ثبت هذا فمن ~~واقع منهيا عنه فقد يكون فيما يترتب عليه من الأحكام زائد على ما ينبغي ~~بحكم التبعية لا بحكم الأصالة أو مؤد إلى أمر أشد عليه من PageV04P203 ~~مقتضى النهي فيترك وما فعل من ذلك أو نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق ~~بالعدل نظرا إلى أن ذلك الواقع واقع المكلف فيه دليلا على الجملة وإن كان ~~مرجوحا فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه لأن ذلك أولى ~~من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل أشد من مقتضى النهي فيرجع الأمر إلى أن ~~النهي كان دليله أقوى قبل الوقوع ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع لما اقترن ~~من القرائن المرجحة كما وقع التنبيه عليه في حديث تأسيس البيت على قواعد ~~إبراهيم وحديث قتل المنافقين وحديث البائل في المسجد فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر بتركه حتى يتم بوله لأنه لو قطع بوله لنجست ثيابه ولحدث عليه ~~من ذلك داء في بدنه فترجح جانب تركه على ما فعل من المنهي عنه على قطعه بما ~~يدخل عليه من الضرر وبأنه ينجس موضعين وإذا ترك فالذي ينجسه موضع واحد وفي الحديث # أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل ثم قال # فإن دخل بها فلها المهر بما استحل منها وهذا تصحيح للمنهي عنه من وجه ~~ولذلك يقع فيه الميراث ويثبت النسب للولد وإجراؤهم النكاح الفاسد مجرى ~~الصحيح في هذه الأحكام وفي حرمة المصاهرة وغير ذلك دليل على الحكم بصحته ~~على الجملة وإلا كان في حكم الزنى وليس في حكمه باتفاق فالنكاح المختلف فيه ~~قد يراعى فيه الخلاف PageV04P204 ~~فلا تقع فيه الفرقة إذا عثر عليه بعد الدخول مراعاة لما يقترن بالدخول من ~~الأمور التي ترجح جانب التصحيح # وهذا كله نظر إلى ما يؤول إليه ترتب الحكم بالنقض والإبطال من إفضائه إلى ms843 ~~مفسدة توازي مفسدة النهي أو تزيد # ولما بعد الوقوع دليل عام مرجح تقدم الكلام على أصله في كتاب المقاصد وهو ~~أن العامل بالجهل مخطئا في عمله له نظران نظر من جهة مخالفته للأمر والنهي ~~وهذا يقتضي الإبطال ونظر من جهة قصده إلى الموافقة في الجملة لأنه داخل ~~مداخل أهل الإسلام ومحكوم له بأحكامهم وخطؤه أو جهله لا يجنى عليه أن يخرج ~~به عن حكم أهل الإسلام بل يتلافى له حكم يصحح له به ما أفسده بخطئه وجهله ~~وهكذا لو تعمد الإفساد لم يخرج بذلك عن الحكم له بأحكام الإسلام لأنه مسلم ~~لم يعاند الشارع بل اتبع شهوته غافلا عما عليه في ذلك ولذلك قال تعالى إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة الآية وقالوا إن المسلم لا يعصى ~~إلا وهو جاهل فجرى عليه حكم الجاهل إلا أن يترجح جانب الإبطال بالأمر ~~الواضح فيكون إذ ذاك جانب التصحيح ليس له مآل يساوي أو يزيد فإذ ذاك لا نظر ~~في المسألة مع أنه لم يترجح جانب الإبطال إلا بعد النظر في المآل وهو ~~المطلوب # ومما ينبني على هذا الأصل قاعدة الاستحسان وهو في مذهب PageV04P205 ~~مالك الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي ومقتضاه الرجوع إلى تقديم ~~الاستدلال المرسل على القياس فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه ~~وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء ~~المفروضة كالمسائل التي يقتضى القياس فيها أمرا إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى ~~فوت مصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك وكثير ما يتفق هذا في الأصل ~~الضروري مع الحاجي والحاجي مع التكميلي فيكون إجراء القياس مطلقا في ~~الضروري PageV04P206 ~~يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده فيستثنى موضع الحرج وكذلك في الحاجي مع ~~التكميلي أو الضروري مع التكميلي وهو ظاهر # وله في الشرع أمثلة كثيرة كالقرض مثلا فإنه ربا في الأصل لأنه الدرهم ~~بالدرهم إلى أجل ولكنه أبيح لما فيه من المرفقة والتوسعة على المحتاجين ~~بحيث لو ms844 بقي على أصل المنع لكان في ذلك ضيق على المكلفين ومثله بيع العرية ~~بخرصها تمرا فإنه بيع الرطب باليابس لكنه أبيح لما فيه من الرفق ورفع الحرج ~~بالنسبة إلى المعري والمعرى ولو امتنع مطلقا لكان وسيلة لمنع الاعراء كما ~~أن ربا النسيئة لو امتنع في القرض لامتنع أصل الرفق من هذا الوجه ومثله ~~الجمع بين المغرب والعشاء للمطر وجمع المسافر وقصر الصلاة والفطر في السفر ~~الطويل وصلاة الخوف وسائر الترخصات التي على هذا السبيل فإن حقيقتها ترجع ~~إلى اعتبار المآل في تحصيل المصالح أو درء المفاسد على الخصوص حيث كان ~~الدليل العام يقتضى منع ذلك لأنا لو بقينا مع أصل الدليل العام لأدى إلى ~~رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة فكان من الواجب رعى ذلك المآل إلى ~~أقصاه ومثله الإطلاع على العورات في التداوي والقراض والمساقاة وإن كان ~~الدليل العام يقتضي المنع وأشياء من هذا القبيل كثيرة # هذا نمط من الأدلة الدالة على صحة القول بهذه القاعدة وعليها بنى مالك ~~وأصحابه # وقد قال ابن العربي في تفسير الاستحسان بأنه إيثار ترك مقتضى الدليل PageV04P207 ~~على طريق الاستثاء والترخص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته ثم جعله ~~أقساما فمنه ترك الدليل للعرف كرد الأيمان إلى العرف وتركه إلى المصلحة ~~كتضمين الأجير المشترك أو تركه للإجماع كإيجاب الغرم على من قط ذنب بغلة ~~القاضي وتركه في اليسير لتفاهته لرفع المشقة وإيثار التوسعة على الخلق ~~كإجازة التفاضل اليسير في المراطلة الكثيرة وإجازة بيع وصرف في اليسير وقال ~~في أحكام القرآن الاستحسان عندنا وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين PageV04P208 ~~فالعموم إذا استمر والقياس إذا اطرد فإن مالكا وأبا حنيفة يريان تخصيص ~~العموم بأي دليل كان من ظاهر أو معنى ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة ويستحسن ~~أبو حنيفة أن يخص بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس ويريان معا ~~تخصيص القياس ونقض العلة ولا يرى الشافعي لعلة الشرع إذا ثبتت تخصيصا # وهذا الذي قال هو نظر في مآلات الأحكام من غير اقتصار على مقتضى ms845 الدليل ~~العام والقياس العام # وفي المذهب المالكي من هذا المعنى كثيرا جدا وفي العتبيه من سماع أصبغ في ~~الشريكين يطآن الأمة في طهر واحد فتأتي بولد فينكر أحدهما الولد دون الآخر ~~أنه يكشف منكر الولد عن وطئه الذي أقر به فإن كان في صفته ما يمكن فيه ~~الإنزال لم يلتفت إلى إنكاره وكان كما لو اشتركا فيه وإن كان يدعى العزل من ~~الوطء الذي أقر به فقال أصبغ إني أستحسن هنا أن ألحقه بالآخر والقياس أن ~~يكونا سواء فلعله غلب ولا يدري وقد قال عمرو بن العاص في نحو هذا إن الوكاء ~~قد يتفلت قال والاستحسان في العلم قد يكون أغلب من القياس قال وقد سمعت ابن ~~القاسم يقول ويروي عن مالك أنه قال # تسعة أعشار العلم الاستحسان # فهذا كله يوضح لك أن الاستحسان غير خارج عن مقتضى الأدلة إلا أنه نظر إلى ~~لوازم الأدلة ومآلاتها إذ لو استمر على القياس هنا كان الشريكان بمنزلة ما ~~لو كانا يعزلان أو ينزلان لأن العزل لا حكم له إذ أقر الوطء ولا فرق بين ~~العزل وعدمه في إلحاق الولد لكن الاستحسان ما قال لأن الغالب أن الولد يكون ~~مع الإنزال ولا يكون مع العزل إلا نادرا فأجرى الحكم على الغالب PageV04P209 ~~وهو مقتضى ما تقدم فلو لم يعتبر المآل في جريان الدليل لم يفرق بين العزل ~~والإنزال # وقد بالغ أصبغ في الاستحسان حتى قال إن المغرق في القياس يكاد يفارق ~~السنة وإن الاستحسان عماد العلم والأدلة المذكورة تعضد ما قال # ومن هذا الأصل أيضا تستمد قاعدة أخرى وهى أن الأمور الضرورية أو غيرها من ~~الحاجية أو التكميلية إذا اكتنفتها من خارج أمور لا ترضى شرعا فإن الإقدام ~~على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج كالنكاح ~~الذي يلزمه طلب قوت العيال مع ضيق طرق الحلال واتساع أوجه الحرام والشبهات ~~وكثيرا ما يلجئ إلى الدخول في الاكتساب لهم بما لا يجوز ولكنه غير مانع لما ~~يئول إليه التحرز من المفسدة ms846 المربية على توقع مفسدة التعرض ولو اعتبر مثل ~~هذا في النكاح في مثل زماننا لأدى إلى إبطال أصله وذلك غير صحيح وكذلك طلب ~~العلم إذا كان في طريقه مناكر يسمعها ويراها وشهود الجنائز وإقامة وظائف ~~شرعية إذا لم يقدر على إقامتها إلا بمشاهدة ما لا يرتضي فلا يخرج هذا ~~العارض تلك الأمور عن أصولها لأنها أصول الدين وقواعد المصالح وهو المفهوم ~~من مقاصد الشارع فيجب فهمها حق PageV04P210 ~~الفهم فإنها مثار اختلاف وتنازع وما ينقل عن السلف الصالح مما يخالف ذلك ~~قضايا أعيان لا حجة في مجردها حتى يعقل معناها فتصير إلى موافقة ما تقرر إن ~~شاء الله والحاصل أنه مبني على اعتبار مآلات الأعمال فاعتبارها لازم في كل ~~حكم على الإطلاق والله أعلم ### || AUTO المسألة الحادية عشرة # تقدم الكلام على محال الخلاف في الجملة ولم يقع هنالك تفصيل وقد ألف ابن ~~السيد كتابا في أسباب الخلاف الواقع بين حملة الشريعة وحصرها في ثمانية أسباب # أحدها الاشتراك الواقع في الألفاظ واحتمالها للتأويلات وجعله ثلاثة أقسام ~~اشتراك في موضوع اللفظ المفرد كالقرء وأو في آية الحرابة واشتراك في أحواله ~~العارضة في التصريف نحو ولا يضار كاتب ولا PageV04P211 ~~شهيد واشتراك من قبل التركيب نحو والعمل الصالح يرفعه وما قتلوه يقينا # والثاني دوران اللفظ بين الحقيقة والمجاز وجعله ثلاثة أقسام ما يرجع إلى ~~اللفظ المفرد نحو حديث النزول والله نور السموات والأرض وما يرجع إلى ~~أحواله نحو بل مكر الليل والنهار ولم يبين وجه الخلاف وما يرجع إلى جهة ~~التركيب كإيراد الممتنع بصورة الممكن ومنه # لئن PageV04P212 ~~قدر الله علي الحديث وأشباه ذلك مما يورد من أنواع الكلام بصورة غيره ~~كالأمر بصورة الخبر والمدح بصورة الذم والتكثير بصورة التقليل وعكسها # والثالث دوران الدليل بين الاستقلال بالحكم وعدمه كحديث الليث بن سعد مع ~~أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة في مسألة البيع والشرط وكمسألة الجبر ~~والقدر والاكتساب # والرابع دورانه بين العموم والخصوص نحو لا إكراه في الدين PageV04P213 ~~وعلم آدم الأسماء كلها # والخامس اختلاف الرواية وله ms847 ثماني علل قد تقدم التنبيه عليها # والسادس جهات الاجتهاد والقياس # والسابع دعوى النسخ وعدمه # والثامن ورود الأدلة على وجوه تحتمل الإباحة وغيرها كالاختلاف في الأذان ~~والتكبير على الجنائز ووجوه القراءات # هذه تراجم ما أورد ابن السيد في كتابه ومن أراد التفصيل فعليه به ولكن ~~إذا عرض جميع ما ذكر على ما تقدم تبين به تحقيق القول فيها وبالله التوفيق ### || AUTO المسألة الثانية عشرة # من الخلاف ما لا يعتد به في الخلاف وهو ضربان # أحدهما ما كان من الأقوال خطأ مخالفا لمقطوع به في الشريعة وقد تقدم ~~التنبيه عليه # والثاني ما كان ظاهره الخلاف وليس في الحقيقة كذلك وأكثر ما يقع ذلك في ~~تفسير الكتاب والسنة فتجد المفسرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب ~~أقوالا مختلفة في الظاهر فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى ~~الواحد والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد ~~القائل فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه وهكذا يتفق في شرح السنة PageV04P214 ~~وكذلك في فتاوي الأئمة وكلامهم في مسائل العلم وهذا الموضع مما يجب تحقيقه ~~فإن نقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها في الحقيقة خطأ كما أن نقل الوفاق في ~~موضع الخلاف لا يصح # فإذا ثبت هذا فلنقل الخلاف هنا أسباب # أحدها أن يذكر في التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء أو عن ~~أحد من أصحابه أو غيرهم ويكون ذلك المنقول بعض ما يشمله اللفظ ثم يذكر غير ~~ذلك القائل أشياء أخر مما يشمله اللفظ أيضا فينصهما المفسرون على نصهما ~~فيظن أنه خلاف كما نقلوا في المن أنه خبز رقاق وقيل زنجبيل وقيل الترنجبين ~~وقيل شراب مزجوه بالماء فهذا كله يشمله اللفظ لأن الله من به عليهم ولذلك ~~جاء في الحديث # الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل فيكون المن جملة نعم ذكر ~~الناس منها آحادا # والثاني أن يذكر في النقل أشياء تتفق في المعنى بحيث ترجع إلى معنى واحد ~~فيكون التفسير فيها على قول واحد ويوهم ms848 نقلها على اختلاف اللفظ أنه خلاف ~~محقق كما قالوا في السلوى إنه طير يشبه السمانى وقيل طير أحمر صفته كذا ~~وقيل طير بالهند أكبر من العصفور وكذلك قالوا في المن شيء يسقط على الشجر ~~فيؤكل وقيل صمغة حلوة وقيل الترنجبين وقيل مثل رب غليظ وقيل عسل جامد فمثل ~~هذا يصح حمله على الموافقة وهو الظاهر فيها PageV04P215 ~~والثالث أن يذكر أحد الأقوال على تفسير اللغة ويذكر الآخر على التفسير ~~المعنوي وفرق بين تقرير الإعراب وتفسير المعنى وهما معا يرجعان إلى حكم ~~واحد لأن النظر اللغوي راجع إلى تقرير أصل الوضع والآخر راجع إلى تقرير ~~المعنى في الاستعمال كما قالوا في قوله تعالى ومتاعا للمقوين أي المسافرين ~~وقيل النازلين بالأرض القواء وهى القفر وكذلك قوله تصيبهم بما صنعوا قارعة ~~أي داهية تفجوهم وقيل سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشباه ذلك # والرابع أن لا يتوارد الخلاف على محل واحد كإختلافهم في أن PageV04P216 ~~المفهوم له عموم أولا وذلك أنهم قالوا لا يختلف القائلون بالمفهوم أنه عام ~~فيما سوى المنطوق به والذين نفوا العموم أرادوا أنه لا يثبت بالمنطوق به ~~وهو مما لا يختلفون فيه أيضا وكثير من المسائل على هذا السبيل فلا يكون في ~~المسألة خلاف وينقل فيها الأقوال على أنها خلاف # والخامس يختص بالآحاد في خاصة أنفسهم كإختلاف الأقوال بالنسبة إلى الإمام ~~الواحد بناء على تغير الاجتهاد والرجوع عما أفتى به إلى خلافه فمثل هذا لا ~~يصح أن يعتد به خلافا في المسألة لأن رجوع الإمام عن القول الأول إلى القول ~~الثاني اطراح منه للأول ونسخ له بالثاني وفي هذا من بعض المتأخرين تنازع ~~والحق فيه ما ذكر أولا ويدل عليه ما تقدم في مسألة أن الشريعة على قول واحد ~~ولا يصح فيها غير ذلك وقد يكون هذا الوجه على أعم مما ذكر كأن يختلف ~~العلماء على قولين ثم يرجع أحد الفريقين إلى الآخر كما ذكر عن ابن عباس في ~~المتعة وربا الفضل وكرجوع الأنصار إلى المهاجرين في مسألة ms849 الغسل من التقاء ~~الختانين فلا ينبغي أن يحكى مثل هذا في مسائل الخلاف # والسادس أن يقع الاختلاف في العمل لا في الحكم كإختلاف القراء في PageV04P217 ~~وجوه القراءآت فإنهم لم يقرءوا بما قرءوا به على إنكاره غيره بل على ~~إجازته والإقرار بصحته وإنما وقع الخلاف بينهم في الاختيارات وليس في ~~الحقيقة باختلاف فإن المرويات على الصحة منها لا يختلفون فيها # والسابع أن يقع تفسير الآية أو الحديث من المفسر الواحد على أوجه من ~~الاحتمالات ويبني على كل احتمال ما يليق به من غير أن يذكر خلافا في ~~الترجيح بل على توسيع المعاني خاصة فهذا ليس بمستقر خلافا إذ الخلاف مبني ~~على التزام كل قائل احتمالا يعضده بدليل يرجحه على غيره من الاحتمالات حتى ~~يبني عليه وليس الكلام في مثل هذا # والثامن أن يقع الخلاف في تنزيل المعنى الواحد فيحمله قوم على المجاز ~~مثلا وقوم على الحقيقة والمطلوب أمر واحد كما يقع لأرباب التفسير كثيرا في ~~نحو قوله يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فمنهم من يحمل الحيات ~~والموت على حقائقهما ومنهم من يحملهما على المجاز ولا فرق في تحصيل المعنى ~~بينهما ونظير هذا قول ذي الرمة # ... وظاهر لها من يابس الشخت ... وبائس الشخث ... # وقد مر بيانه وقول ذي الرمة فيه إن بائس ويابس واحد ومثل ذلك قوله فأصبحت ~~كالصريم فقيل كالنهار بيضاء لا شيء فيها وقيل كالليل سوداء لا شيء فيها ~~فالمقصود شيء واحد وإن شبه بالمتضادين الذين لا يتلاقيان # والتاسع أن يقع الخلاف في التأويل وصرف الظاهر عن مقتضاه إلى PageV04P218 ~~ما دل عليه الدليل الخارجي فإن مقصود كل متأول الصرف عن ظاهر اللفظ إلى ~~وجه يتلاقى مع الدليل الموجب للتأويل وجميع التأويلات في ذلك سواء فلا خلاف ~~في المعنى المراد وكثيرا ما يقع هذا في الظواهر الموهمة للتشبيه وتقع في ~~غيرها كثيرا أيضا كتأويلاتهم في حديث # خيار المجلس بناء على رأي مالك فيه وأشباه ذلك # والعاشر الخلاف في مجرد التعبير عن المعنى المقصود وهو متحد كما اختلفوا ~~في ms850 الخبر هل هو منقسم إلى صدق وكذب خاصة أم ثم قسم ثالث ليس بصدق ولا كذب ~~فهذا خلاف في عبارة والمعنى متفق عليه وكذلك الفرض والواجب يتعلق النظر ~~فيهما مع الحنفية بناء على مرادهم فيهما قال القاضي عبد الوهاب في مسألة ~~الوتر أواجب هو إن أرادوا به أن تركه حرام يجرح فاعله به فالخلاف بيننا ~~وبينهم في معنى يصح أن تتناوله الأدلة وإن لم يريدوا ذلك وقالوا لا يحرم ~~تركه ولا يجرح فاعله فوصفه بأنه واجب خلاف في عبارة لا يصح PageV04P219 ~~الاحتجاج عليه وما قاله حق فإن العبارات لا مشاحة فيها ولا ينبني على ~~الخلاف فيها حكم فلا اعتبار بالخلاف فيها # هذه عشرة أسباب لعدم الاعتداد بالخلاف يجب أن تكون على بال من المجتهد ~~ليقيس عليها ما سواها فلا يتساهل فيؤدي ذلك إلى مخالفة الإجماع ### || AUTO فصل # وقد يقال إن ما يعتد به من الخلاف في ظاهر الأمر يرجع في الحقيقة إلى ~~الوفاق أيضا # وبيان ذلك أن الشريعة راجعة إلى قول واحد كما تبين قبل هذا والاختلاف في ~~مسائلها راجع إلى دورانها بين طرفين واضحين أيضا يتعارضان في أنظار ~~المجتهدين وإلى خفاء بعض الأدلة وعدم الإطلاع عليه # أما هذا الثاني فليس في الحقيقة خلافا إذ لو فرضنا اطلاع المجتهد على ما ~~خفي عليه لرجع عن قوله فلذلك ينقض لأجله قضاء القاضي PageV04P220 ~~أما الأول فالتردد بين الطرفين تحر لقصد الشارع المستبهم بينهما من كل ~~واحد من المجتهدين واتباع للدليل المرشد إلى تعرف قصده وقد توافقوا في هذين ~~القصدين توافقا لو ظهر معه لكل واحد منهم خلاف ما رآه لرجع إليه ولوافق ~~صاحبه فيه فقد صار هذا القسم في المعنى راجعا إلى القسم الثاني فليس ~~الاختلاف في الحقيقة إلا في الطريق المؤدي إلى مقصود الشارع الذي هو واحد ~~إلا أنه لا يمكن رجوع المجتهد عما أداه إليه اجتهاده بغير بيان اتفاقا # وسواء علينا أقلنا بالتخطئة أم قلنا بالتصويب إذا لا يصح للمجتهد أن يعمل ~~على قول غيره وإن كان مصيبا أيضا كما ms851 لا يجوز له ذلك إن كان عنده مخطئا ~~فالإصابة على قول المصوبة إضافية فرجع القولان إلى قول واحد بهذا الاعتبار ~~فإذا كان كذلك فهم في الحقيقة متفقون لا مختلفون # ومن هنا يظهر وجه الموالاة والتحاب والتعاطف فيما بين المختلفين في مسائل ~~الاجتهاد حتى لم يصيروا شيعا ولا تفرقوا فرقا لأنهم مجتمعون على طلب قصد ~~الشارع فإختلاف الطرق غير مؤثر كما لا اختلاف بين المتعبدين لله بالعبادات PageV04P221 ~~المختلفة كرجل تقربه الصلاة وآخر تقربه الصيام وآخر تقربه الصدقة إلى غير ~~ذلك من العبادات فهم متفقون في أصل التوجه لله المعبود وإن اختلفوا في ~~أصناف التوجه فكذلك المجتهدون لما كان قصدهم إصابة مقصد الشارع صارت كلمتهم ~~واحدة وقولهم واحدا ولأجل ذلك لا يصح لهم ولا لمن قلدهم التعبد بالأقوال ~~المختلفة كما تقدم لأن التعبد بها راجع إلى اتباع الهوى لا إلى تحري مقصد ~~الشارع والأقوال ليست بمقصودة لأنفسها بل ليتعرف منها المقصد المتحد فلا بد ~~أن يكون التعبد متحد الوجهة وإلا لم يصح والله أعلم # فصل # وبهذا يظهر أن الخلاف الذى هو في الحقيقة خلاف ناشئ عن الهوى المضل لا عن ~~تحرى قصد الشارع باتباع الأدلة على الجملة والتفصيل وهو الصادر عن أهل ~~الأهواء وإذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصا على الغلبة والظهور ~~بإقامة العذر في الخلاف وأدى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء ~~لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق وإذا ~~صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى وذلك مخالفة ~~الشرع ومخالفة الشرع ليست من الشرع في شيء فاتباع الهوى من حيث يظن أنه ~~اتباع للشرع ضلال في الشرع ولذلك سميت البدع ضلالات وجاء أن كل بدعة ضلالة ~~لأن صاحبها مخطئ من حيث توهم أنه مصيب ودخول الأهواء في الأعمال خفي فأقوال ~~أهل الأهواء غير معتد بها في الخلاف PageV04P222 ~~المقرر في الشرع فلا خلاف حينئذ في مسائل الشرع من هذه الجهة فإن قيل هذا ~~مشكل فإن العلماء قد اعتدوا بها في الخلاف ms852 الشرعي ونقلوا أقوالهم في علمي ~~الأصول وفرعوا عليها الفروع واعتبروهم في الإجماع وهذا هو الاعتداد ~~بأقوالهم # فالجواب من وجهين أحدهما أنا لا نسلم أنهم اعتدوا بها بل إنما أتوا بها ~~ليردوها ويبينوا فسادها كما أتوا بأقوال اليهود والنصارى وغيرهم ليوضحوا ما ~~فيها وذلك في علمي الأصول معا بين وما يتفرع عليها مبنى عليها # والثاني إذا سلم اعتدادهم بها فمن جهة أنهم غير متبعين للهوى بإطلاق ~~وإنما المتبع للهوى على الإطلاق من لم يصدق بالشريعة رأسا وأما من صدق بها ~~وبلغ فيها مبلغا يظن به أنه غير متبع إلا مقتضى الدليل يصير إلى حيث أصاره ~~فمثله لا يقال فيه إنه متبع للهوى مطلقا بل هو متبع للشرع ولكن بحيث يزاحمه ~~الهوى في مطالبه من جهة اتباع المتشابه فشارك أهل الهوى في دخول الهوى في ~~نحلته وشارك أهل الحق في أنه لا يقبل إلا ما عليه دليل على الجملة وأيضا ~~فقد ظهر منهم اتحاد القصد على الجملة مع أهل الحق في مطلب واحد وهو اتباع ~~الشريعة وأشد مسائل الخلاف مثلا مسألة إثبات الصفات حيث نفاها من نفاها ~~فإنا إذا نظرنا إلى الفريقين وجدنا كل فريق حائما حول حمى التنزيه ونفي ~~النقائص وسمات الحدوث وهو مطلوب الأدلة فاختلافهم في الطريق قد لا يخل بهذا ~~القصد في الطرفين معا وهكذا إذا اعتبرت سائر المسائل الأصولية # وإلى هذا فإن منها ما يشكل وروده ويعظم خطب الخوض فيه ولهذا PageV04P223 ~~لم يظهر من الشارع خروجهم عن الإسلام بسبب بدعهم وأيضا فإنهم لما دخلوا في ~~غمار المسلمين وارتسموا في مراسم المجتهدين منهم بحسب ظاهر الحال وكان ~~الشارع في غالب الأمر قد أشار إلى عدم تعيينهم ولم يتميزوا إلا بحسب ~~الاجتهاد في بعضهم ومدارك الاجتهاد تختلف لم يمكن والحال هذه إلا حكاية ~~أقوالهم والاعتداد بتسطيرها والنظر فيها واعتبارهم في الوفاق والخلاف ~~ليستمر النظر فيه وإلا أدى إلى عدم الضبط ولهذا تقرير في كتاب الاجماع فلما ~~اجتمعت هذه الأمور نقل خلافهم # وفى الحقيقة فمن جهة ما اتفقوا فيه مع أهل ms853 الحق حصل التآلف ومن جهة ما ~~اختلفوا حصلت الفرقة وإذا كان كذلك فجهة الائتلاف لا خلاف فيها في الحقيقة ~~لصحتها واتحاد حكمها وجهة الاختلاف فهم مخطئون فيها قطعا فصارت أقوالهم ~~زلات لا اعتبار بها في الخلاف فالاتفاق حاصل إذا على كل تقدير # فالحاصل من مجموع هذه المسألة أن كلمة الإسلام متحدة على الجملة في كل ~~مسألة شرعية ولولا الإطالة لبسط هذا الموضع بأدلته التفصيلية وأمثلته ~~الشافية ولكن ما ذكر فيها كاف والله الموفق للصواب ### || AUTO المسألة الثالثة عشرة # مر الكلام فيما يفتقر إليه المجتهد من العلوم وأنه إذا حصلها فله ~~الاجتهاد بالإطلاق # وبقي النظر في المقدار الذى إذا وصل إليه فيها توجه عليه الخطاب ~~بالإجتهاد بما أراه الله وذلك أن طالب العلم إذا استمر في طلبه مرت عليه ~~أحوال ثلاثة PageV04P224 ~~أحدها أن يتنبه عقله إلى النظر فيما حفظ والبحث عن أسبابه وإنما ينشأ هذا ~~عن شعور بمعنى ما حصل لكنه مجمل بعد وربما ظهر له في بعض أطراف المسائل ~~جزئيا لا كليا وربما لم يظهر بعد فهو ينهى البحث نهايته ومعلمه عند ذلك ~~بعينه بما يليق به في تلك الرتبة ويرفع عنه أوهاما وإشكالات تعرض له في ~~طريقه يهديه إلى مواقع إزالتها في الجريان على مجراه مثبتا قدمه ورافعا ~~وحشته ومؤدبا له حتى يتسنى له النظر والبحث على الصراط المستقيم # فهذا الطالب حين بقائه هنا ينازع الموارد الشرعية وتنازعه ويعارضها ~~وتعارضه طمعا في إدراك أصولها والاتصال بحكمها ومقاصدها ولم تتلخص له بعد ~~لا يصح منه الاجتهاد فيما هو ناظر فيه لأنه لم يتخلص له مسند الإجتهاد هو ~~منه على بينة بحيث ينشرح صدره بما يجتهد فيه فاللازم له الكف والتقليد ~~والثاني أن ينتهي بالنظر إلى تحقيق معنى ما حصل على حسب ما أداه إليه ~~البرهان الشرعي بحيث يحصل له اليقين ولا يعارضه شك بل تصير الشكوك إذا ~~أوردت عليه كالبراهين الدالة على صحة ما في يديه فهو يتعجب من المتشكك في ~~محصوله كما يتعجب من ذي عينين لا يرى ضوء ms854 النهار PageV04P225 ~~لكنه استمر به الحال إلى أن زل محفوظه عن حفظه حكما وإن كان موجودا عنده ~~فلا يبالي في القطع على المسائل أنص عليها أو على خلافها أم لا فإذا حصل ~~الطالب على هذه المرتبة فهل يصح منه الاجتهاد في الأحكام الشرعية أم لا هذا ~~محل نظر وإلتباس ومما يقع فيه الخلاف # وللمحتج للجواز أن يقول إن المقصود الشرعي إذا كان هذا الطالب قد صار له ~~أوضح من الشمس وتبينت له معاني النصوص الشرعية حتى إلتأمت وصار بعضها عاضدا ~~للبعض ولم يبق عليه في العلم بحقائقها مطلب فالذي حصل عنده هو كلية الشريعة ~~وعمدة النحلة ومنبع التكليف فلا عليه أنظر في خصوصياتها المنصوصة أو ~~مسائلها الجزئية أم لا إذ لا يزيده النظر في ذلك زيادة إذ لو كان PageV04P226 ~~كذلك لم يكن واصلا بعد إلى هذه المرتبة وقد فرضناه واصلا هذا خلف ووجه ثان ~~وهو أن النظر في الجزئيات والمنصوصات إنما مقصوده التوصل إلى ذلك المطلوب ~~الكلي الشرعي حتى يبنى عليه فتياه ويرد إليه حكم اجتهاده فإذا كان حاصلا ~~فالتنزل إلى الجزئيات طلب لتحصيل الحاصل وهو محال # ووجه ثالث وهو أن كلي المقصود الشرعي إنما انتظم له من التفقه في ~~الجزئيات والخصوصات وبمعانيها ترقى إلى ما ترقى إليه فإن تكن في الحال غير ~~حاكمة عنده لاستيلاء المعنى الكلي فهي حاكمة في الحقيقة لأن المعنى الكلي ~~منها انتظم ولأجل ذلك لا تجد صاحب هذه المرتبة يقطع بالحكم بأمر إلا وقامت ~~له الأدلة الجزئية عاضدة وناصرة ولو لم يكن كذلك لم تعضده ولا نصرته فلما ~~كان كذلك ثبت أن صاحب هذه المرتبة متمكن جدا من الاستنباط والاجتهاد # وهو المطلوب # وللمانع أن يحتج على المنع من أوجه # منها أن صاحب هذه المرتبة إذا فاجأته حقائقها وتعاضدت مراميها واتصل له ~~بالبرهان ما كان منها عنده مقطوعا حتى صارت الشريعة في حقه أمرا متحدا ~~ومسلكا منتظما لا يزل عنه من مواردها فرد ولا يشذ له عن الاعتبار منها خاص ~~إلا وهو مأخوذ بطرف لا بد من ms855 اعتباره عن طرف PageV04P227 ~~آخر لا بد أيضا من اعتباره إذ قد تبين في كتاب الأدلة أن اعتبار الكلي مع ~~اطراح الجزئي خطأ كما في العكس وإذا كان كذلك لم يستحق من هذا حاله أن ~~يترقى إلى درجة الاجتهاد حتى يكمل ما يحتاج إلى تكميله # ومنها أن للخصوصيات خواص يليق بكل محل منها ما لا يليق بمحل آخر كما في ~~النكاح مثلا فإنه لا يسوغ أن يجرى مجرى المعاوضات من كل وجه كما أنه لا ~~يسوغ أن يجرى مجري الهبات والنحل من كل وجه وكما في مال العبد وثمرة الشجرة ~~والقرض والعرايا وضرب الدية على العاقلة والقراض والمساقاة بل لكل باب ما ~~يليق به ولكل خاص خاصية تليق به لا تليق بغيره وكما في الترخصات في ~~العبادات والعادات وسائر الأحكام وإن كان كذلك وقد علمنا أن الجميع يرجع ~~مثلا إلى حفظ الضروريات والحاجيات والتكميليات فتنزيل حفظها في كل محل على ~~وجه واحد لا يمكن بل لا بد من اعتبار خصوصيات الأحوال والأبواب وغير ذلك من ~~الخصوصيات الجزئية فمن كانت عنده الخصوصيات في حكم التبع الحكمي لا في حكم ~~المقصود العيني بحسب كل نازلة PageV04P228 ~~فكيف يستقيم له جريان ذلك الكلي وأنه هو مقصود الشارع هذا لا يستمر مع ~~الحفظ على مقصود الشارع # ومنها أن هذه المرتبة يلزمها إذا لم يعتبر الخصوصيات ألا يعتبر محالها ~~وهى أفعال المكلفين بل كما يجري الكليات في كل جزئية على الإطلاق يلزمه أن ~~يجريها في كل مكلف على الإطلاق من غير اعتبار بخصوصياتهم وهذا لا يصح كذلك ~~على ما استمر عليه الفهم في مقاصد الشارع فلا يصح مع هذا إلا اعتبار ~~خصوصيات الأدلة فصاحب هذه المرتبة لا يمكنه التنزل إلى ما تقتضيه رتبة ~~المجتهد فلا يستقيم مع هذا أن يكون من أهل الاجتهاد # وإذا تقرر أن لكل احتمال مأخذا كانت المسألة بحسب النظر الحقيقي فيها ~~باقية الإشكال # ومن أمثلة هذه هذه المرتبة مذهب من نفى القياس جملة وأخذ بالنصوص على ~~الإطلاق ومذهب من أعمل القياس على الإطلاق ms856 ولم يعتبر ما خالفه من الأخبار ~~جملة فإن كل واحد من الفريقين غاص به الفكر في منحى شرعي مطلق عام اطرد له ~~في جملة الشريعة اطرادا لا يتوهم معه في الشريعة نقص ولا تقصير PageV04P229 ~~بل على مقتضى قوله اليوم أكملت لكم دينكم # فصاحب الرأي يقول الشريعة كلها ترجع إلى حفظ مصالح العباد ودرء مفاسدهم ~~وعلى ذلك دلت أدلتها عموما وخصوصا دل على ذلك الاستقراء فكل فرد جاء مخالفا ~~فليس بمعتبر شرعا إذ قد شهد الاستقراء بما يعتبر مما لا يعتبر لكن على وجه ~~كلي عام فهذا الخاص المخالف يجب رده وإعمال مقتضى الكلي العام لأن دليله ~~قطعي ودليل الخاص ظني فلا يتعارضان # والظاهري يقول الشريعة إنما جاءت لابتلاء المكلفين أيهم أحسن عملا ~~ومصالحهم تجرى على حسب ما أجراها الشارع لا على حسب أنظارهم فنحن من اتباع ~~مقتضى النصوص على يقين في الإصابة من حيث أن الشارع إنما تعبدنا بذلك ~~وإتباع المعاني رأي فكل ما خالف النصوص منه غير معتبر لأنه أمر خاص مخالف ~~لعام الشريعة والخاص الظني لا يعارض العام القطعي # فأصحاب الرأي جردوا المعاني فنظروا في الشريعة بها واطرحوا خصوصيات ~~الألفاظ والظاهرية جردوا مقتضيات الألفاظ فنظروا في الشريعة بها واطرحوا ~~خصوصيات المعاني القياسية ولم تتنزل واحدة من الفرقتين إلى النظر فيما نظرت ~~فيه الأخرى بناء على كلى ما اعتمدته في فهم الشريعة # ويمكن أن يرجع إلى هذا القبيل ما خرج ثابت في الدلائل عن عبد الصمد PageV04P230 ~~ابن عبد الوارث قال وجدت في كتاب جدي أتيت مكة فأصبت بها أبا حنيفة وابن ~~أبي ليلى وابن شبرمة فأتيت أبا حنفية فقلت له ما تقول في رجل باع بيعا ~~واشترط شرطا قال البيع باطل والشرط باطل وأتيت ابن أبي ليلي فقال البيع ~~جائز والشرط باطل وأتيت ابن شبرمة فقال البيع جائز والشرط جائز فقلت سبحان ~~الله ثلاثة من فقهاء الكوفة يختلفون علينا في مسألة فأتيت أبا حنيفة ~~فأخبرته بقولهما فقال لا أدرى ما قالا حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ms857 ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط فأتيت ابن أبي ليلى ~~فأخبرته بقولهما فقال لا أدرى ما قالا حدثنا هشام ابن عروة عن أبيه عن ~~عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # اشتري بريرة واشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق فأجاز البيع وأبطل الشرط # فأتيت ابن شبرمة فأخبرته بقولهما فقال ما أدرى ما قالاه حدثني مسعود بن ~~حكيم عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال # اشترى مني رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة فشرطت حملاني فأجاز البيع ~~والشرط فيجوز أن يكون كل واحد منهم اعتمد في فتياه على كلية ما استفاد من ~~حديثه ولم ير غيره من الجزئيات معارضا فأطرح الاعتماد عليه والله أعلم PageV04P231 ~~الثالث أن يخوض فيما خاض فيه الطرفان ويتحقق بالمعاني الشرعية منزلة على ~~الخصوصيات الفرعية بحيث لا يصده التبحر في الاستبصار بطرف عن التبحر في ~~الاستبصار بالطرف الآخر فلا هو يجرى على عموم واحد منهما دون أن يعرضه على ~~الآخر ثم يلتفت مع ذلك إلى تنزل ما تلخص له على ما يليق في أفعال المكلفين ~~فهو في الحقيقة راجع إلى الرتبة التي ترقى منها لكن بعلم المقصود الشرعي في ~~كل جزئي فيها عموما وخصوصا # وهذه الرتبة لا خلاف في صحة الاجتهاد من صاحبها وحاصله أنه متمكن فيها ~~حاكم لها غير مقهور فيها بخلاف ما قبلها فإن صاحبها محكوم عليه فيها ولذلك ~~قد تستفزه معانيها الكلية عن الالتفات إلى الخصوصيات وكل رتبة حكمت على ~~صاحبها دلت على عدم رسوخه فيها وإن كانت محكوما عليها تحت نظره وقهره فهو ~~صاحب التمكين والرسوخ فهو الذى يستحق الانتصاب للاجتهاد والتعرض للاستنباط ~~وكثيرا ما يختلط أهل الرتبة الوسطى بأهل هذه الرتبة فيقع النزاع في ~~الاستحقاق أو عدمه والله أعلم # ويسمى صاحب هذه المرتبة الرباني والحكيم والراسخ في العلم والعالم ~~والفقيه والعاقل لأنه يربي بصغار العلم قبل كباره ويوفى كل أحد حقه حسبما ~~يليق به وقد تحقق بالعلم وصار له كالوصف المجبول عليه ms858 وفهم عن الله مراده ~~ومن خاصته أمران أحدهما أنه يجيب السائل على ما يليق به في حالته على ~~الخصوص إن كان له في المسألة حكم خاص بخلاف صاحب الرتبة الثانية فإنه إنما ~~يجيب من رأس الكلية من غير اعتبار بخاص والثاني أنه ناظر في المآلات قبل ~~الجواب عن السؤالات وصاحب الثانية لا ينظر في ذلك ولا يبالي بالمآل PageV04P232 ~~إذا ورد عليه أمر أو نهي أو غيرهما وكان في مساقه كليا ولهذا الموضع أمثلة ~~كثيرة تقدم منها جملة من مسألة الاستحسان ومسألة اعتبار المآل وفى مذهب ~~مالك من ذلك كثير ### || AUTO المسألة الرابعة عشرة # تقدم التنبيه على طرف من الاجتهاد الخاص بالعلماء والعام لجميع المكلفين # ولكن لا بد من إعادة شئ من ذلك على وجه يوضح النوعين ويبين جهة المأخذ في ~~الطريقين # وبيان ذلك أن المشروعات المكية وهى الأولية كانت في غالب الأحوال مطلقة ~~غير مقيدة وجارية على ما تقتضيه مجاري العادات عند أرباب العقول وعلى ما ~~تحكمه قضايا مكارم الأخلاق من التلبس من كل ما هو معروف في محاسن العادات ~~والتباعد عن كل ما هو منكر في محاسن العادات فيما سوى ما العقل معزول عن ~~تقريره جملة من حدود الصلوات وما أشبهها فكان أكثر ذلك موكولا إلى أنظار ~~المكلفين في تلك العادات ومصروفا إلى اجتهادهم ليأخذ كل بما لاق به وما قدر ~~عليه من تلك المحاسن الكليات وما استطاع من تلك المكارم في التوجه بها ~~للواحد المعبود من إقامة الصلوات فرضها ونفلها حسبما بينه الكتاب والسنة ~~وإنفاق الأموال في إعانة المحتاجين ومؤاساة الفقراء والمساكين من غير تقدير ~~مقرر في الشريعة وصلة الأرحام قربت أو بعدت على حسب ما تستحسنه العقول ~~السليمة في ذلك الترتيب ومراعاة حقوق الجوار وحقوق الملة الجامعة بين ~~الأقارب PageV04P233 ~~والأجانب وإصلاح ذات البين بالنسبة إلى جميع الخلق والدفع بالتى هي أحسن ~~وما أشبه ذلك من المشروعات المطلقة التي لم ينص على تقييدها بعد # وكذلك الأمر فيما نهى عنه من المنكرات والفواحش على مراتبها في القبح ~~فإنهم كانوا ms859 مثابرين على مجانبتها مثابرتهم على التلبس بالمحاسن # فكان المسلمون في تلك الأحيان آخذين فيها بأقصى مجهودهم وعاملين على ~~مقتضاها بغاية موجودهم وهكذا بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة وبعد وفاته وفى زمان التابعين # إلا أن خطة الإسلام لما اتسعت ودخل الناس في دين الله أفواجا ربما وقعت ~~بينهم مشاحات في المعاملات ومطالبات بأقصى ما يحق لهم في مقطع الحق أو عرضت ~~لهم خصوصيات ضرورات تقتضى أحكاما خاصة أو بدت من بعضهم فلتات في مخالفة ~~المشروعات وارتكاب الممنوعات فاحتاجوا عند ذلك إلى حدود تقتضيها تلك ~~العوارض الطارئة ومشروعات تكمل لهم تلك المقدمات وتقييدات تفصل لهم بين ~~الواجبات والمندوبات والمحرمات والمكروهات إذ كان أكثرها جزئيات لا تستقل ~~بإدراكها العقول السليمة فضلا عن غيرها كما لم تستقل بأصول العبادات ~~وتفاصيل التقربات ولا سيما حين دخل في الإسلام من لم يكن لعقله ذلك النفوذ ~~من عربي أو غيره أو من كان على عادة في الجاهلية وضري على استحسانها فريقه ~~ومال إليها طبعه وهى في نفسها على غير ذلك وكذلك الأمور التي كانت لها في ~~عادات الجاهلية جريان لمصالح رأوها وقد شابها مفاسد مثلها أو أكثر هذا إلى ~~ما أمر الله به من فرض الجهاد حين قووا على عدوهم وطلبوا PageV04P234 ~~بدعائهم الخلق إلى الملة الحنيفية وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~فأنزل الله تعالى ما يبين لهم كل ما احتاجوا إليه بغاية البيان تارة القرآن ~~وتارة بالنسبة فتفصلت تلك المجملات المكية وتبينت تلك المحتملات وقيدت تلك ~~المطلقات وخصصت بالنسخ أو غيره تلك العمومات ليكون ذلك الباقي المحكم قانونا PageV04P235 ~~مطردا وأصلا مستنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وليكون ذلك تماما لتلك ~~الكليات المقدمة وبناء على تلك الأصول المحكمة فضلا من الله ونعمه فالأصول ~~الأول باقية لم تتبدل ولم تنسخ لأنها في عامة الأمر كليات ضروريات وما لحق ~~بها وإنما وقع النسخ أو البيان على وجوهه عند الأمور المتنازع فيها من ~~الجزئيات لا الكليات # وهذا كله ظاهر لمن نظر في ms860 الأحكام المكية مع الأحكام المدنية فإن الأحكام ~~المكية مبنية على الإنصاف من النفس وبذل المجهود في الامتثال بالنسبة إلى ~~حقوق الله أو حقوق الآدميين وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب PageV04P236 ~~على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات والرخص والتخفيفات ~~وتقرير العقوبات في الجزئيات لا الكليات فإن الكليات كانت مقررة محكمة بمكة ~~وما أشبه ذلك مع بقاء الكليات المكية على حالها وذلك يؤتى بها في السور ~~المدنيات تقريرا وتأكيدا فكملت جملة الشريعة والحمد لله بالأمرين وتمت ~~واسطتها بالطرفين فقال الله تعالى عند ذلك اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا # وإنما عني الفقهاء بتقرير الحدود والأحكام الجزئيات التى هي مظان التنازع ~~والمشاحة والأخذ بالحظوظ الخاصة والعمل بمقتضى الطوارئ العارضة وكأنهم ~~واقفون للناس في اجتهادهم على خط الفصل بين ما أحل الله وما حرم حتى لا ~~يتجاوزوا ما أحل الله إلى ما حرم فهم يحققون للناس مناط هذه الأحكام بحسب ~~الوقائع الخاصة حين صار التشاح ربما إلى مقاربة الحد الفاصل فهم يزعونهم عن ~~مداخلة الحمى وإذا زل أحدهم يبين له الطريق الموصل إلى الخروج عن ذلك في كل ~~جزئية آخذين بحجزهم تارة بالشدة وتارة باللين فهذا النمط هو كان مجال ~~اجتهاد الفقهاء وإياه تحروا # وأما سوى ذلك مما هو من أصول مكارم الأخلاق فعلا وتركا فلم يفصلوا PageV04P237 ~~القول فيه لأنه غير محتاج إلى التفصيل بل الإنسان في أكثر الأمر يستقل ~~بإدراك العمل فيه فوكلوه إلى اختيار المكلف واجتهاده إذ كيف ما فعل فهو جار ~~على موافقة أمر الشارع ونهيه وقد تشتبه فيه أمور ولكن بحسب قربها من الحد ~~الفاصل فتكلم الفقهاء عليها من تلك الجهة فهو من القسم الأول فعلى هذا كل ~~من كان بعده من ذلك الحد أكثر كان اعراقه في مقتضى الأصول الكلية أكثر # وإذا نظرت إلى أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله تبين لك فرق ~~ما بين القسمين وبون ما بين المنزلتين وكذلك ما يؤثر من شيم الصحابة ~~واتصافهم بمقتضى ms861 تلك الأصول وعلى هذا القسم ! عول من شهر من أهل التصوف ~~وبذلك سادوا غيرهم ممن لم يبلغ مبالغهم في الاتصاف بأوصاف الرسول وأصحابه ~~وأما غيرهم ممن حاز من الدنيا نصيبا فافتقر إلى النظر في هذه الجزئيات ~~والوقائع الدائرة بين الناس في المعاملات والمناكحات فأجروها بالأصول ~~الأولى على حسب ما استطاعوا وأجروها بالفروع الثواني حين اضطروا إلى ذلك ~~فعاملوا ربهم في الجميع ولا يقدر على ذلك إلا الموفق الفذ وهو كان شأن ~~معاملات الصحابة كما نص عليه أصحاب السير # ولم تزل الأصول يندرس العمل بمقتضاها لكثرة الاشتغال بالدنيا والتفريع ~~فيها حتى صارت كالنسي المنسي وصار طالب العمل بها كالغريب المقصى عن أهله ~~وهو داخل تحت معنى قوله عليه الصلاة والسلام # بدأ هذا الدين غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء # فالحاصل من هذه الجملة أن النظر في الكليات يشارك الجمهور فيه العلماء ~~على الجملة وأما النظر في الجزئيات فيختص بالعلماء واستقراء ما تقدم من ~~الشريعة يبينه PageV04P238 ### || AUTO فصل # كان المسلمون قبل الهجرة آخذين بمقتضى التنزيل المكي على ما أداهم إليه ~~اجتهادهم وإحتياطهم فسبقوا غاية السبق حتى سموا السابقين بإطلاق ثم لما ~~هاجروا إلى المدينة ولحقهم في ذلك السبق من شاء الله من الأنصار وكملت لهم ~~بها شعب الإيمان ومكارم الأخلاق وصادفوا ذلك وقد رسخت في أصولها أقدامهم ~~فكانت المتمات أسهل عليهم فصاروا بذلك نورا حتى نزل مدحهم والثناء عليهم في ~~مواضع من كتاب الله ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقدارهم وجعلهم ~~في الدين أئمة فكانوا هم القدوة العظمى في أهل الشريعة ولم يتركوا بعد ~~الهجرة ما كانوا عليه بل زادوا في الاجتهاد وأمعنوا في الانقياد لما حد لهم ~~في المكي والمدني معا لم تزحزحهم الرخص المدنيات عن الأخذ بالعزائم المكيات ~~ولا صدهم عن بذل المجهود في طاعة الله ما متعوا به من الأخذ بحظوظهم وهم ~~منها في سعة والله يختص برحمته من يشاء # فعلى تقرير هذا الأصل من أخذ بالأصل الأول واستقام فيه كما استقاموا ~~فطوبى له ومن ms862 أخذ بالأصل الثاني فبها ونعمت وعلى الأول جرى الصوفية الأول ~~وعلى الثاني جرى من عداهم ممن لم يلتزم ما التزموه ومن ههنا يفهم شأن ~~المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به من نحلتهم المعروفة فإن الذى يظهر ~~لبادئ الرأي منهم أنهم التزموا أمورا لا توجد عند العامة ولا هي مما يلزمهم ~~شرعا فيظن الظان أنهم شددوا على أنفسهم وتكلفوا ما لم يكلفوا ودخلوا على ~~غير مدخل أهل الشريعة وحاش لله ما كانوا ليفعلوا ذلك وقد بنوا نحلتهم على ~~اتباع السنة وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة لكن إذا فهمت حالة ~~المسلمين في التكليف أول الإسلام ونصوص التنزيل المكي الذى لم ينسخ وتنزيل ~~أعمالهم عليه PageV04P239 ~~تبين لك أن تلك الطريق سلك هؤلاء وبإتباعها عنوا على وجه لا يضاد المدني المفسر # فإذا سمعت مثلا أن بعضهم سئل عما يجب من الزكاة في مائتي درهم فقال أما ~~على مذهبنا فالكل لله وأما على مذهبك فخمسة دراهم وما أشبه ذلك علمت أن هذا ~~يستمد مما تقدم فإن التنزيل المكي أمر فيه بمطلق إنفاق المال في طاعة الله ~~ولم يبين فيه الواجب من غيره بل وكل إلى اجتهاد المنفق ولا شلك أن منه ما ~~هو واجب ومنه ما ليس بواجب والاحتياط في مثل هذه المبالغة في الإنفاق في سد ~~الخلات وضروب الحاجات إلى غاية تسكن إليها نفس المنفق فأخذ هذا المسئول في ~~خاصة نفسه بما أفتى به وإلتزمه مذهبا في تعبده وفاء بحق الخدمة وشكر النعمة ~~وإسقاطا لحظوظ نفسه وقياما على قدم العبودية المحضة حتى لم يبق لنفسه حظا ~~وإن أثبته له الشارع اعتمادا على أن لله خزائن السموات والأرض وأنه قال لا ~~نسألك رزقا نحن نرزقك وقال ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون وقال ~~وفي السماء رزقكم وما توعدون ونحو ذلك فهذا نحو من التعبد لمن قدر على ~~الوفاء به ومثله لا يقال في ملتزمه إنه خارج عن الطريقة ولا متكلف في ~~التعبد لكن لما كان هذا الميدان لا يسرح ms863 فيه كل الناس قيد في التنزيل ~~المدني حين فرضت الزكوات فصارت هي الواجبة انحتاما مقدرة ألا تتعدى إلى ما ~~دونها وبقي ما سواها على حكم الخيرة فاتسع على المكلف مجال لإبقاء جوازا ~~والإنفاق ندبا فمن مقل في إنفاقه ومن مكثر والجميع محمودون لأنهم لم يتعدوا ~~حدود الله فلما كان الأمر على هذا استفسر المسئول السائل ليجيبه عن مقتضى سؤاله # ومنهم من لا ينتهي في الإنفاق إلى إنفاذ الجميع بل يبقى بيده ما تجب في ~~مثله الزكاة حتى تجب عليه وهو مع ذلك موافق في القصد لمن لم يبق شيئا علما ~~بأن في المال حقا سوى الزكاة وهو يتعين تحقيقا وإنما فيه الاجتهاد فلا يزال PageV04P240 ~~ناظرا في ذلك مجتهدا فيه ما بقي بيده منه شيء متحملا منه أمانة لا ينفك ~~عنها إلا بنفاذه أو كالوكيل فيه لخلق الله سواء عليه أمد نفسه منه أم لا # وهذا كان غالب أحوال الصحابة ولم يكن إمساكهم مضادا لاعتمادهم على مسبب ~~الأسباب سبحانه وتعالى إلا أن هذا الرأي أجرى على اعتبار سنة الله تعالى في ~~العاديات والأول ليس للعاديات عنده مزية في جريان الأحكام على العباد وأما ~~من أبقى لنفسه حظا فلا حرج عليه وقد أثبت له حظه من التوسع في المباحات على ~~شرط عدم الإخلال بالواجبات وهكذا يجب أن ينظر في كل خصلة من الخصال المكية ~~حتى يعلم أن الأمر كما ذكر فالصواب والله أعلم أن أهل هذا البلد معاملون ~~حكما بما قصدوا من استيفاء الحظوظ فيجوز لهم ذلك بخلاف القسمين الأولين ~~وهما من لا يأخذ بتسببه أو يأخذ به ولكن على نسبة القسمة ونحوها # فإن قيل فلم لا تقع الفتيا بمقتضى هذا الأصل عند الفقهاء # فاعلم أن النظر فيه خاص لا عام بمعنى أنه مبني على حالة يكون المستفتي ~~عليها وهو كونه يعمل لله ويترك لله في جميع تصاريفه فسقط له طلب الحظ لنفسه ~~فساغ أن يفتي على حسب حاله لأنه يقول هذه حالتي فاحملني على مقتضاها فلا بد ~~أن يحمله على ما ms864 تقضيه كما لو قال أحد للمفتي إني عاهدت الله على أن لا أمس ~~فرجي بيميني أو عزمت على ألا أسأل أحدا شيئا وأن لا تمس يدي يد مشرك وما ~~أشبه هذا فإنه عقد لله على فعل فضل وقد قال تعالى أوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم ومدح الله في كتابه الموفين بعهدهم إذا عاهدوا وهكذا كان شأن ~~المتجردين لعبادة الله فهو مما يطلب الوفاء به ما لم يمنع مانع وفي الحديث # إن خيرا لأحدكم أن لا يسأل من أحد شيئا فكان أحدهم يقع له سوطه من يده ~~فلا يسأل أحدا أن يناوله إياه وقال عثمان ما مسست PageV04P241 ~~ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصة حمى الدبر ~~ظاهرة في هذا المعنى إذ عاهد الله أن لا يمس مشركا فحمته الدبر حين استشهد ~~أن يمسه مشرك الحديث كما وقع # غير أن الفتيا بمثل هذا اختصت بشيوخ الصوفية لأنهم المباشرون لأرباب هذه ~~الأحوال وأما الفقهاء فإنما يتكلمون في الغالب مع من كان طالبا لحظه من حيث ~~أثبته له الشارع فلا بد أن يفتيه بمقتضاه وحدود الحظوظ معلومة في فن الفقه ~~فلو فرضنا أحدا جاء سائلا وحاله ما تقدم لكان على الفقيه أن يفتيه بمقتضاه ~~ولا يقال إن هذا خلاف ما صرح به الشارع لأن الشارع قد صرح بالجميع لكن جعل ~~إحدى الحالتين وهى المتكلم فيها من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ولم يلزمها ~~أحدا لأنها اختيارية في الأصل بخلاف الأخرى العامة فإنها لازمة فاقتضى ذلك ~~الفتيا بها عموما كسائر ما يتكلم الفقهاء فيه # فإن قيل فإذا كانت غير لازمة فلم تقع الفتيا بها على مقتضى اللزوم # قيل لم يفت بها مقتضى اللزوم الذى لا ينفك عنه السائل من حيث القضاء عليه ~~بذلك وإنما يفتي لها وهو طالب أن يلزم نفسه ذلك حسبما استدعاه حاله وأصل ~~الإلزام معمول به شرعا أصله النظر والوفاء بالعهد في التبرعات ومن مكارم ~~الأخلاق ما هو لازم كالمتعة في الطلاق وحديث # لا يمنعن أحدكم جاره أن ms865 يغرز خشبة في جداره وكان عليه الصلاة والسلام ~~يعامل أصحابه بتلك الطريقة ويميل بهم إليها كحديث الأشعريين إذا أرملوا وقوله # من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له الحديث بطوله وقوله # من ذا الذى تألى على الله لا يفعل الخير وإشارته إلى بعض أصحابه أن يحط ~~عن غريمة PageV04P242 ~~الشطر من دينه وقد أنزل الله في شأن أبي بكر الصديق حين ائتلى أن لا ينفق ~~على مسطح ولا يأتل أولوا الفضل منكم الآية وبذلك عمل عمر ابن الخطاب في ~~حكمه على محمد بن مسلمة بإجراء الماء على أرضه وقال والله ليمرن به ولو على ~~بطنك إلى كثير من هذا الباب وأخص من هذا فتيا أهل الورع إذا علمت درجة ~~الورع في مراتبه فإنه يفتي بما تقتضيه مرتبته كما يحكى عن أحمد ابن حنبل أن ~~امرأة سألته عن الغزل بضوء مشاعل السلطان فسألها من أنت فقالت أخت بشر ~~الحافي فأجابها بترك الغزل بضوئها هذا معنى الحكاية دون لفظها وقد حكى مطرف ~~عن مالك في هذا المعنى أنه قال كان مالك يستعمل في نفسه مالا يفتي به الناس ~~يعني العوام ويقول لا يكون العالم عالما حتى يكون كذلك وحتى يحتاط لنفسه ~~بما لو تركه لم يكن عليه فيه إثم هذا كلامه وفي هذا من كلام الناس ~~والحكايات عنهم كثير والله أعلم PageV04P243 ### || AUTO الطرف الثاني فيما يتعلق بالمجتهد من جهة فتواه # والنظر فيه في مسائل ### || AUTO المسألة الأولى # المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم # والدليل على ذلك أمور # أحدها النقل الشرعي في الحديث # أن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ~~ورثوا العلم وفي الصحيح # بينا أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج من أظافري ~~ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب قالوا فما أولته يا رسول الله PageV04P244 ~~قال العلم وهو في معنى الميراث وبعث النبي صلى الله عليه وسلم نذيرا لقوله ~~إنما أنت نذير وقال في العلماء ms866 فولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم الآية وأشباه ذلك # والثاني أنه نائب عنه في تبليغ الأحكام لقوله # ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب وقال # بلغوا عني ولو أية وقال # تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم وإذا كان كذلك فهو معنى كونه ~~قائما مقام النبي # والثالث أن المفتي شارع من وجه لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول عن ~~صاحبها وإما مستنبط من المنقول فالأول يكون فيه مبلغا والثاني يكون فيه ~~قائما مقامه في إنشاء الأحكام وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع فإذا كان ~~للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده فهو من هذا الوجه شارع واجب ~~اتباعه والعمل على وفق ما قاله وهذه هي الخلافة على التحقيق بل القسم الذى ~~هو فيه مبلغ لا بد من نظره فيه من جهة فهم المعاني من الألفاظ الشرعية ومن ~~جهة تحقيق مناطها وتنزيلها على الأحكام وكلا الأمرين راجع إليه فيها فقد ~~قام مقام الشارع أيضا في هذا المعنى وقد جاء في الحديث # أن من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه # وعلى الجملة فالمفتي مخبر عن الله كالنبي وموقع للشريعة على أفعال ~~المكلفين PageV04P245 ~~بحسب نظره كالنبي ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي ولذلك سموا ~~أولى الأمر وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله في قوله تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم والأدلة على هذا المعنى كثيرة # فإذا ثبت هذا انبنى عليه معنى آخر وهى ### || AUTO المسألة الثانية # وذلك أن الفتوى من المفتي تحصل من جهة القول والفعل والإقرار # فأما الفتوى بالقول فهو الأمر المشهور ولا كلام فيه # وأما بالفعل فمن وجهين # أحدهما ما يقصد به الإفهام في معهود الاستعمال فهو قائم مقام القول ~~المصرح به كقوله عليه الصلاة والسلام # الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بيديه وسئل عليه الصلاة والسلام في حجته فقال # ذبحت قبل أن أرمي فأومأ بيده قال لا حرج وقال # يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن PageV04P246 ~~ويكثر الهرج قيل يا رسول الله وما ms867 الهرج فقال # هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل وحديث عائشة في صلاة الكسوف حين أشارت ~~إلى السماء قلت آية فأشارت برأسها أي نعم وحين سئل عليه الصلاة والسلام عن ~~أوقات الصلوات قال للسائل # صل معنا هذين اليومين ثم صلى ثم قال له # الوقت ما بين هذين أو كما قال وهو كثير جدا # والثاني ما يقتضيه كونه أسوة يقتدي به ومبعوثا لذلك قصدا وأصله قول الله ~~تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكى لا يكون على المؤمنين حرج الآية ~~وقال قبل ذلك لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة الآية وقال في إبراهيم قد ~~كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم إلى آخر القصة والتأسي إيقاع الفعل على ~~الوجه الذى فعله وشرع من قبلنا PageV04P247 ~~شرع لنا وقال عليه الصلاة والسلام لأم سلمة # ألا أخبرتيه أني أقبل وأنا صائم وقال # صلوا كما رأيتموني أصلي # وخذوا عني مناسككم وحديث ابن عمر وغيره في الإقتداء بأفعاله أشهر من أن ~~يخفى ولذلك جعل الأصوليون أفعاله في بيان الأحكام كأقواله # وإذا كان كذلك وثبت للمفتي أنه قائم مقام النبي ونائب منابه لزم من ذلك ~~أن أفعاله محل للاقتداء أيضا فما قصد بها البيان والإعلام فظاهر وما لم ~~يقصد به ذلك فالحكم فيه كذلك أيضا من وجهين # أحدهما أنه وارث وقد كان المورث قدوة بقوله وفعله مطلقا فكذلك الوارث ~~وإلا لم يكن وارثا على الحقيقة فلا بد من أن تنتصب أفعاله مقتدى بها كما ~~انتصبت أقواله # والثاني أن التأسي بالأفعال بالنسبة إلى من يعظم في الناس سر مبثوث في ~~طباع البشر لا يقدرون على الإنفكاك عنه بوجه ولا بحال لا سيما PageV04P248 ~~عند الاعتياد والتكرار وإذا صادف محبة وميلا إلى المتأسي به ومتى وجدت ~~التأسي بمن هذا شأنه مفقودا في بعض الناس فاعلم أنه إنما ترك لتأس آخر وقد ~~ظهر ذلك في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في محلين # أحدهما حين دعاهم عليه الصلاة والسلام من الكفر إلى الإيمان ومن عبادة ~~الأصنام إلى عبادة الله ms868 فكان من آكد متمسكاتهم التأسي بالآباء كقوله وإذا ~~قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا وما أشبهه ~~من الآيات وقالوا أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ثم كرر عليهم ~~التحذير من ذلك فكانوا عاكفين على ما عليه آباؤهم إلى أن نوصبوا بالحرب وهم ~~راضون بذلك حتى كان من جملة ما دعوا به التأسي بأبيهم إبراهيم وأضيفت الملة ~~المحمدية إليه فقال تعالى ملة أبيكم إبراهيم فكان ذلك بابا للدعاء إلى ~~التأسي بأكبر آبائهم عندهم وبين لهم مع ذلك ما في الإسلام من مكارم الأخلاق ~~ومحاسن الشيم التي كانت آباؤهم تستحسنها وتعمل بكثير منها فكان التأسي ~~داعيا إلى الخروج عن التأسي وهو من أبلغ ما دعو به من جهة التلطف بالرفق ~~ومقتضى الحكمة وبذلك جاء في القرآن بعد قوله ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا وقوله ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فكان هذا ~~الوجه من التلطف في الدعاء إلى الله نوعا من الحكمة التي كان عليه الصلاة ~~والسلام يدعو بها وأيضا فإن ما ذكر في القرآن من مكارم الأخلاق كان خلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدق الفعل القول بالنسبة إليهم فكان ذلك مما ~~دعا إلى اتباعه والتأسي به فانقادوا ورجعوا إلى الحق PageV04P249 ~~والمحل الثاني حين دخلوا في الإسلام وعرفوا الحق وتسابقوا إلى الانقياد ~~لأوامر النبي عليه الصلاة والسلام ونواهيه فربما أمرهم بالأمر وأرشدهم إلى ~~ما فيه صلاح دينهم فتوجهوا إلى ما يفعل ترجيحا له على ما يقول وقضيته عليه ~~الصلاة والسلام معهم في توقفهم عن الإحلال بعد ما أمرهم حتى قال لأم سلمة # أما ترين أن قومك أمرتهم فلا يأتمرون فقالت اذبح واحلق # ففعل النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعوه ونهاهم عن الوصال فلم ينتهوا ~~واحتجوا بأنه يواصل فقال # إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ولما تابعوا في الوصال واصل بهم حتى ~~يعجزوا وقال # لو مد لنا في الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم وسافر بهم في ~~رمضان ms869 وأمرهم بالإفطار وكان هو صائما فتوقفوا أو توقف بعضهم حتى أفطر هو ~~فأفطروا وكانوا يبحثون عن أفعاله كما يبحثون عن أقواله وهذا من أشد المواضع ~~على العالم المنتصب وقد تقدم له بيان آخر في باب البيان لكن على وجه آخر ~~والمعنى في الموضعين واحد ولعل قائلا يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~معصوما فكان عمله للإقتداء محلا بلا إشكال بخلاف غيره فإنه محل للخطأ ~~والنسيان والمعصية PageV04P250 ~~والكفر فضلا عن الإيمان فأفعاله لا يوثق بها فلا تكون مقتدى بها # فالجواب أنه إن اعتبر هذا الاحتمال في نصب أفعاله حجة للمستفتي فليعتبر ~~مثله في نصب أقواله فإنه يمكن فيها الخطأ والنسيان والكذب عمدا وسهوا لأنه ~~ليس بمعصوم ولما لم يكن ذلك معتبرا في الأقوال لم يكن معتبرا في الأفعال ~~ولأجل هذا تستعظم شرعا زلة العالم كما تبين في هذا الكتاب وفي باب البيان # فحق على المفتي أن ينتصب للفتوى بفعله وقوله بمعنى أنه لا بد له من ~~المحافظة على أفعاله حتى تجري على قانون الشرع ليتخذ فيها أسوة # وأما الإقرار فراجع إلى الفعل لأن الكف فعل وكف المفتي عن الإنكار إذا ~~رأى فعلا من الأفعال كتصريحه بجوازه وقد أثبت الأصوليون ذلك دليلا شرعيا ~~بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكذلك يكون بالنسبة إلى المنتصب ~~بالفتوى وما تقدم من الأدلة في الفتوى الفعلية جار هنا بلا إشكال ومن هنا ~~ثابر السلف على القيام بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يبالوا ~~في ذلك بما ينشأ عنه من عود المضرات عليهم بالقتل فما دونه ومن أخذ بالرخصة ~~في ترك الإنكار فر بدينه واستخفى بنفسه ما لم يكن ذلك سببا للإخلال بما هو ~~أعظم من ترك الإنكار فإن ارتكاب خير الشرين أولى من ارتكاب شرهما وهو راجع ~~في الحقيقة إلى إعمال القاعدة في الأمر بالمعروف PageV04P251 ~~والنهي عن المنكر والمراتب الثلاث في هذا الوجه مذكورة شواهدها في مواضعها ~~من الكتب المصنفة فيه ### || AUTO المسألة الثالثة # تنبني على ما قبلها وهى أن الفتيا لا ms870 تصح من مخالف لمقتضى العلم وهذا وإن ~~كان الأصوليون قد نبهوا عليه وبينوه فهو في كلامهم مجمل يحتمل البيان ~~بالتفصيل المقرر في أقسام الفتيا # فأما فتياه بالقول فإذا جرت أقواله على غير المشروع وهذا من جملة أقواله ~~فيمكن جريانها على غير المشروع فلا يوثق بها # وأما أفعاله فإذا جرت على خلاف أفعال أهل الدين والعلم لم يصح الإقتداء ~~بها ولا جعلها أسوة في جملة أعمال السلف الصالح # وكذلك إقراره لأنه من جملة أفعاله # وأيضا فإن كل واحد من هذه الوجوه الثلاثة عائد على صاحبيه بالتأثير فإن ~~المخالف بجوارحه يدل على مخالفته في قوله والمخالف بقوله يدل على مخالفته ~~بجوارحه لأن الجميع يستمد من أمر واحد قلبي # هذا بيان عدم صحة الفتيا منه على الجملة # وأما على التفصيل فإن المفتي إذا أمر مثلا بالصمت عما لا يعني فإن كان ~~صامتا عما لا يعنى ففتواه صادقة وإن كان من الخائضين فيما لا يعنى فهي غير صادقة # وإذا دلك على الزهد في الدنيا وهو زاهد فيها صدقت فتياه وإن كان راغبا في ~~الدنيا فهي كاذبة وإن دلك على المحافظة على الصلاة وكان محافظا عليها صدقت PageV04P252 ~~فتياه وإلا فلا وعلى هذا الترتيب سائر أحكام الشريعة في الأوامر ومثلها ~~النواهي # فإذا نهي عن النظر إلى الأجنبيات من النساء وكان في نفسه منتهيا عنها ~~صدقت فتياه أو نهي عن الكذب وهو صادق اللسان أو عن الزنى وهو لا يزني أو عن ~~التفحش وهو لا يتفحش أو عن مخالطة الأشرار وهو لا يخالطهم وما أشبه ذلك فهو ~~الصادق الفتيا والذي يقتدي بقوله ويقتدى بفعله وإلا فلا لأن علامة صدق ~~القول مطابقة الفعل بل هو الصدق في الحقيقة عند العلماء ولذلك قال تعالى ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وقال في ضده ومنهم من عاهد الله لئن آتانا ~~من فضله لنصدقن إلى قوله وبما كانوا يكذبون فاعتبر في الصدق مطابقة القول ~~الفعل وفي الكذب مخالفته وقال تعالى في الثلاثة الذين خلفوا يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وكونوا ms871 مع الصادقين وهكذا إذا أخبر العالم عن الحكم أو ~~أمر أو نهي فإنما ذلك مشترك بينه وبين سائر المكلفين في الحقيقة فإن وافق ~~صدق وإن خالف كذب فالفتيا لا تصح مع المخالفة وإنما تصح مع الموافقة # وحسب الناظر من ذلك سيد البشر صلى الله عليه وسلم حيث كانت أفعاله مع ~~أقواله على الوفاء والتمام حتى أنكر على من قال يحل الله لرسوله ما شاء # وحين سأله الرجل عن أمر فقال إني أفعله فقال له إنك لست مثلنا قد غفر ~~الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر غضب صلى الله عليه وسلم وقال # والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقي وفي القرآن عن PageV04P253 ~~شعيب عليه السلام قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا ~~الله منها وقوله وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه فبينت الآية أن ~~مخالفة القول الفعل تقتضي كذب القول وهو مقتضى ما تقدم في المسألة قبل هذا ~~وقد قالوا في عصمة الأنبياء قبل النبوة من الجهل بالله وعبادة غير الله إن ~~ذلك لأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله وهذا المعنى جار من باب أولى فيما ~~بعد النبوة بالنسبة إلى فروع الملة فضلا عن أصولها فإنهم لو كانوا آمرين ~~بالمعروف وناهين عن المنكر ويأتونه عياذا بالله من ذلك لكان ذلك أولى منفر ~~وأقرب صاد عن الإتباع فمن كان في رتبة الوارثة لهم فمن حقيقة نيله الرتبة ~~ظهور الفعل على مصداق القول ولما نهي عن الربا قال # وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب وحين وضع الدماء التي كانت في ~~الجاهلية قال # وأول دم أضعه دمنا دم ربيعة بن الحارث وقال حين شفع له PageV04P254 ~~في حد السرقة # والذي نفسي بيده لو سرقت فاطمة بنت رسول الله لقطعت يدها وكله ظاهر في ~~المحافظة على مطابقة القول الفعل بالنسبة إليه وإلى قرابته وأن الناس في ~~أحكام الله سواء # والأدلة في هذا المعنى أكثر من أن تحصى # وقد ذم الشرع الفاعل ms872 بخلاف ما يقول فقال الله تعالى أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم الآية وقال يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر ~~مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون عن جعفر بن برقان قال سمعت ميمون ابن ~~مهران يقول إن القاص المتكلم ينتظر المقت والمستمع ينتظر الرحمة قلت أرأيت ~~قول الله يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون الآية هو الرجل يقرظ ~~نفسه فيقول فعلت كذا وكذا من الخير أو هو الرجل يأمر بالمعروف وينهى عن ~~المنكر وإن كان فيه تقصير فقال كلاهما # فإن قيل إن كان كما قلت تعذر القيام بالفتوى وبالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وقد قال العلماء إنه لا يلزم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن ~~يكون صاحبه مؤتمرا أو منتهيا وإلا أدى ذلك إلى خرم الأصل وقد مر أن كل ~~تكملة أدت إلى انخرام الأصل المكمل غير معتبرة فكذلك هنا ومثله الانتصاب ~~للفتوى ومن الذى يوجد لا يزل ولا يضل ولا يخالف قوله فعله ولا سيما في ~~الأزمنة المتأخرة البعيدة عن زمان النبوة نعم لا إشكال في أن من طابق قوله ~~فعله على الإطلاق هو المستحق للتقدم في هذه المراتب وأما أن PageV04P255 ~~يقال إذا عدم ذلك لم يصح الانتصاب هذا مشكل جدا # فالجواب أن هذا السؤال غير وارد على القصد المقرر لأنا إنما تكلمنا على ~~صحة الانتصاب والانتفاع في الوقوع لا في الحكم الشرعي فنحن نقول واجب على ~~العالم المجتهد الانتصاب والفتوى على الإطلاق طابق قوله فعله أم لا لكن ~~الانتفاع بفتواه لا يحصل ولا يطرد إن حصل وذلك أنه إن كان موافقا قوله ~~لفعله حصل الانتفاع والاقتداء به في القول والفعل معا أو كان مظنة للحصول ~~لأن الفعل يصدق القول أو يكذبه وإن خالف فعله قوله فإما أن تؤديه المخالفة ~~إلى الانحطاط عن رتبة العدالة إلى الفسق أولا فإن كان الأول فلا إشكال في ~~عدم صحة الاقتداء وعدم صحة الانتصاب شرعا وعادة ومن اقتدى به كان مخالفا ~~مثله فلا فتوى ms873 في الحقيقة ولا حكم وإن كان الثاني صح الاقتداء به واستفتاؤه ~~وفتواه فيما وافق دون ما خالف فمن المعلوم كما تقدم أنه إذا أفتاك بترك ~~الزنا والخمر وبالمحافظة على الواجبات وهو في فعله على حسب فتواه حصل تصديق ~~قوله بفعله وإذا أفتاك بالزهد في الدنيا أو ترك مخالطة المترفين أو نحو ذلك ~~مما لا يقدح في أصل العدالة ثم رأيته يحرص على الدنيا ويخالط من نهاك عن ~~مخالطتهم فلم يصدق القول الفعل هذا وإن كان الشرع قد أمرك بمتابعة قوله فقد ~~نصبه الشارع أيضا ليؤخذ بقوله وفعله لأنه وارث النبي فإذا خالف فقد خالف ~~مقتضى المرتبة وكذب الفعل القول لما في الجبلات من جواذب التأسي بالأفعال ~~فعلى كل تقدير لا يصح الاقتداء ولا الفتوى على كمالها في الصحة إلا مع ~~مطابقة القول الفعل على PageV04P256 ~~الإطلاق وقد قال أبو الأسود الدؤلي ... إبدأ بنفسك فإنهها عن غيها ... ~~فإذا انتهت عنه فأنت حكيم ... فهناك يسمع ما تقول ويقتدى ... بالرأي منك ~~وينفع التعليم ... لا تنه عن خلق وتأتى مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ... # وهو معنى موافق للنقل والعقل لا خلاف فيه بين العقلاء ### || AUTO فصل # فإن قيل فما حكم المستفتى مع هذا المفتى الذي لم يطابق قوله فعله هل يصح ~~تقليده في باب التكليف أم لا بمعنى أنه يؤخذ بقوله ويعمل عليه أو لا ~~فالجواب أن هذه المسألة مبنية على ما تقدم فإن أخذت من جهة الصحة في الوقوع ~~فلا تصح لأنها إذا لم تصح بالنسبة إلى المفتي فكذلك يقال بالنسبة إلى ~~المستفتي هذا هو المطرد والغالب وما سواه كالمحفوظ النادر الذى لا يقوم منه ~~أصل كلي بحال # وأما إن أخذت من جهة الإلزام الشرعي فالفقه فيها ظاهر فإن كانت مخالفته ~~ظاهرة قادحة في عدالته فلا يصح إلزامه إذ من شرط قبول القول والعمل به صدقه ~~وغير العدل لا يوثق به وإن كانت فتواه جارية على مقتضى الأدلة في نفس الأمر ~~إذ لا يمكن علم ذلك إلا من جهته وجهته غير موثوق بها ms874 فيسقط الإلزام عن ~~المستفتى وإذا سقط الإلزام عن المستفتى فهل يبقى إلزام المفتي متوجها أم لا ~~يجرى ذلك على خلاف في مسألة حصول الشرط الشرعي هل هو شرط PageV04P257 ~~في التكليف أم لا وذلك مقرر في كتب الأصول وإن لم تكن مخالفته قادحة في ~~عدالته فقبول قوله صحيح والعمل عليه مبرئ للذمة والإلزام الشرعي متوجه ~~عليهما معا ### || AUTO المسألة الرابعة # المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما ~~يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال # والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذى جاءت به الشريعة فإنه قد ~~مر أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط فإذا ~~خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع ولذلك كان ما خرج عن المذهب ~~الوسط مذموما عند العلماء الراسخين # وأيضا فإن هذا المذهب كان المفهوم من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه الأكرمين وقد رد عليه الصلاة والسلام التبتل وقال لمعاذ لما أطال ~~بالناس في الصلاة # أفتان أنت يا معاذ وقال # إن منكم منفرين وقال # سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشئ من الدلجة والقصد القصد تبلغوا وقال # عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله PageV04P258 ~~لا يمل حتى تملوا وقال # أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قل ورد عليهم الوصال وكثير من هذا # وأيضا فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل ولا تقوم به مصلحة الخلق أما ~~في طرف التشديد فإنه مهلكة وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضا لأن المستفتى ~~إذ ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين وأدى إلى الانقطاع عن سلوك ~~طريق الآخرة وهو مشاهد وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع ~~الهوى والشهوة والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى واتباع الهوى مهلك والأدلة كثيرة ### || AUTO فصل # فعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتيا بإطلاق مضادا للمشي على التوسط ~~كما أن الميل إلى التشديد مضاد له أيضا ms875 # وربما فهم بعض الناس أن ترك الترخص تشديد فلا يجعل بينهما وسطا وهذا غلط ~~والوسط هو معظم الشريعة وأم الكتاب ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء ~~التام عرف ذلك وأكثر من هذا شأنه من أهل الانتماء إلى العلم يتعلق بالخلاف ~~الوارد في المسائل العلمية بحيث يتحرى الفتوى بالقول الذى يوافق هوى ~~المستفتي بناء منه على أن الفتوى بالقول المخالف لهواه تشديد عليه وحرج في ~~حقه وأن الخلاف إنما كان رحمة لهذا المعنى وليس بين التشديد والتخفيف واسطة ~~وهذا قلب للمعنى المقصود في الشريعة وقد تقدم أن اتباع الهوى ليس من ~~المشقات التي يترخص بسببها وأن الخلاف إنما هو رحمة من جهة أخرى وأن PageV04P259 ~~الشريعة حمل على التوسط لا على مطلق التخفيف وإلا لزم ارتفاع مطلق التكليف ~~من حيث هو حرج ومخالف للهوى ولا على مطلق التشديد فليأخذ الموفق في هذا ~~الموضع حذره فإنه مزلة قدم على وضوح الأمر فيه ### || AUTO فصل # قد يسوغ للمجتهد أن يحمل نفسه من التكليف ما هو فرق الوسط بناء على ما ~~تقدم في أحكام الرخص ولما كان مفتيا بقوله وفعله كان له أن يخفى ما لعله ~~يقتدي به فيه فربما اقتدى به فيه من لا طاقة له بذلك العمل فينقطع وإن اتفق ~~ظهوره للناس نبه عليه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل إذ كان قد ~~فاق الناس عبادة وخلقا وكان عليه الصلاة والسلام قدوة فربما اتبع لظهور ~~عمله فكان ينهى عنه في مواضع كنهيه عن الوصال ومراجعته لعمرو بن العاص في ~~سرد الصوم وقد قال تعالى واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم وأمر بحل الحبل الممدود بين الساريتين وأنكر على الحولاء بنت ~~تويت قيامها الليل وربما ترك العمل خوفا أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ~~ولهذا والله أعلم أخفى السلف الصالح أعمالهم لئلا يتخذوا قدوة مع ما كانوا ~~يخافون عليه أيضا من رياء أو غيره وإذا كان الإظهار عرضة للاقتداء لم يظهر ~~منه إلا ما صح للجمهور ms876 أن يحتملوه # فصل # إذا ثبت أن الحمل على التوسط هو الموافق لقصد الشارع وهو الذي كان PageV04P260 ~~عليه السلف الصالح فلينظر المقلد أي مذهب كان أجرى على هذا الطريق فهو ~~أخلق بالإتباع وأولى بالاعتبار وإن كانت المذاهب كلها طرقا إلى الله ولكن ~~الترجيح فيها لا بد منه لأنه أبعد من اتباع الهوى كما تقدم وأقرب إلى تحرى ~~قصد الشارع في مسائل الاجتهاد فقد قالوا في مذهب داود لما وقف مع الظاهر ~~مطلقا إنه بدعة حدثت بعد المائتين وقالوا في مذهب أصحاب الرأي لا يكاد ~~المعرق في القياس إلا يفارق السنة فإن كان ثم رأي بين هذين فهو الأولى ~~بالاتباع والتعيين في هذا المذهب موكول إلى أهله والله أعلم ### || AUTO الطرف الثالث فيما يتعلق بأعمال قول المجتهد المقتدى به وحكم ~~الاقتداء به # المسألة الأولى # إن المقلد إذا عرضت له مسألة دينية فلا يسعه في الدين إلا السؤال عنها ~~على الجملة لأن الله لم يتعبد الخلق بالجهل وإنما تعبدهم على مقتضى قوله ~~سبحانه واتقوا الله ويعلمكم الله لا على ما يفهمه كثير من الناس بل على ما PageV04P261 ~~قرره الأئمة في صناعة النحو أي إن الله يعلمكم على كل حال فاتقوه فكأن ~~الثاني سبب في الأول فترتب الأمر بالتقوى على حصول التعليم ترتبا معنويا ~~وهو يقتضي تقدم العلم على العمل والأدلة على هذا المعنى كثيرة وهي قضية لا ~~نزاع فيها فلا فائدة في التطويل فيها لكنها كالمقدمة لمعنى آخر وهى ### || AUTO المسألة الثانية # وذلك أن السائل لا يصح له أن يسأل من لا يعتبر في الشريعة جوابه لأنه ~~إسناد أمر إلى غير أهله والإجماع على عدم صحة مثل هذا بل لا يمكن في الواقع ~~لأن السائل يقول لمن ليس بأهل لما سئل عنه أخبرني عما لا تدري وأنا أسند ~~أمري لك فيما نحن بالجهل به على سواء ومثل هذا لا يدخل في زمرة العقلاء إذ ~~لو قال له دلني في هذه المفازة على الطريق إلى الموضع الفلاني وقد علم ~~أنهما في الجهل بالطريق سواء ms877 لعد من زمرة المجانين فالطريق الشرعي أولى ~~لأنه هلاك أخروي وذلك هلاك دنيوي خاصة والإطناب في هذا أيضا غير محتاج إليه ~~غير أنا نقول بعده # إذا تعين عليه السؤال فحق عليه أن لا يسأل إلا من هو من أهل ذلك المعنى ~~الذى يسأل عنه فلا يخلو أن يتحد في ذلك القطر أو يتعدد فإن اتحد فلا إشكال ~~وإن تعدد فالنظر في التخيير وفى الترجيح قد تكفل به أهل الأصول وذلك إذا لم ~~يعرف أقوالهم في المسألة قبل السؤال أما إذا كان اطلع على فتاويهم قبل ذلك ~~وأراد أن يأخذ بأحدها فقد تقدم قبل هذا أنه لا يصح له إلا الترجيح لأن من ~~مقصود الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله وتخييره يفتح ~~له باب اتباع الهوى فلا سبيل إليه ألبتة وقد مر في ذلك تقرير حسن في هذا ~~الكتاب فلا نعيده PageV04P262 ### || AUTO المسألة الثالثة # حيث يتعين الترجيح فله طريقان أحدهما عام والآخر خاص # فأما العام فهو المذكور في كتب الأصول إلا أن فيه موضعا يجب أن يتأمل ~~ويحترز منه وذلك أن كثيرا من الناس تجاوزوا الترجيح بالوجوه الخالصة إلى ~~الترجيح ببعض الطعن على المذاهب المرجوحة عندهم أو على أهلها القائلين بها ~~مع أنهم يثبتون مذاهبهم ويعتدون بها ويراعونها ويفتون بصحة الاستناد إليهم ~~في الفتوى وهو غير لائق بمناصب المرجحين وأكثر ما وقع ذلك في الترجيح بين ~~المذاهب الأربعة وما يليها من مذهب داود ونحوه فلنذكر هنا أمورا يجب التنبه لها # أحدها أن الترجيح بين الأمرين إنما يقع في الحقيقة بعد الاشتراك في الوصف ~~الذى تفاوتا فيه وإلا فهو إبطال لأحدهما وإهمال لجانبه رأسا ومثله هذا لا ~~يسمى ترجيحا وإذا كان كذلك فالخروج في بعض المذاهب على بعض إلى القدح في ~~أصل الوصف بالنسبة إلى أحد المتصفين خروج عن نمط إلى نمط آخر مخالف له وهذا ~~ليس من شأن العلماء وإنما الذى يليق بذلك الطعن والقدح في حصول ذلك الوصف ~~لمن تعاطاه وليس من أهله والأئمة المذكورون برآء ms878 من ذلك النمط لا يليق بهم # والثاني أن الطعن في مساق الترجيح يبين العناد من أهل المذهب المطعون ~~عليه ويزيد في دواعي التمادي والإصرار على ما هم عليه لأن الذى غض من جانبه ~~مع اعتقاده خلاف ذلك حقيق بأن يتعصب لما هو عليه ويظهر PageV04P263 ~~محاسنه فلا يكون للترجيح المسوق هذا المساق فائدة زائدة على الإغراء ~~بالتزام وإن كان مرجوحا فإن الترجيح لم يحصل # والثالث أن هذا الترجيح مغر بانتصاب المخالف للترجيح بالمثل أيضا فبينا ~~نحن نتتبع المحاسن صرنا نتتبع القبائح فإن النفوس مجبولة على الانتصار ~~لأنفسها ومذاهبها وسائر ما يتعلق بها فمن غض من جانب صاحبه غض صاحبه من ~~جانبه فكأن المرجح لمذهبه على هذا الوجه غاض من جانب مذهبه فإنه تسبب في ~~ذلك كما في الحديث # إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه قالوا وهل يسب الرجل والديه قال ~~يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه فهذا من ذلك وقد منع الله أشياء ~~من الجائزات لإفضائها إلى الممنوع كقوله لا تقولوا راعنا وقوله ولا تسبوا ~~الذين يدعون من دون الله الآية وأشباه ذلك # والرابع أن هذا العمل مورث للتدابر والتقاطع بين أرباب المذاهب # وربما نشأ الصغير منهم على ذلك حتى يرسخ في قلوب أهل المذاهب بغض من ~~خالفهم فيتفرقوا شيعا وقد نهى الله تعالى عن ذلك وقال ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا الآية وقال إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في ~~شئ وقد مر تقرير هذا المعنى قبل فكل ما أدى إلى هذا ممنوع # فالترجيح بما يؤدي إلى افتراق الكلمة وحدوث العداوة والبغضاء ممنوع ونقل ~~الطبري عن عمر بن الخطاب وإن لم يصحح سنده أنه لما أرسل الحطيئة من الحبس ~~في هجاء الزبرقان بن بدر قال له إياك والشعر قال لا أقدر يا أمير المؤمنين ~~على تركه مأكلة عيالي ونملة على لساني قال فشبب بأهلك وإياك PageV04P264 ~~وكل مدحة مجحفة قال وما هى قال تقول بنو فلان خير من بنى فلان امدح ولا ~~تفضل قال ms879 أنت يا أمير المؤمنين أشعر مني فإن صح هذا الخبر وإلا فمعناه صحيح ~~فإن المدح إذا أدى إلى ذم الغير كان مجحفا والعوائد شاهدة بذلك # والخامس أن الطعن والتقبيح في مساق الرد أو الترجيح ربما أدى إلى التغالي ~~والانحراف في المذاهب زائدا إلى ما تقدم فيكون ذلك سبب إثارة الأحقاد ~~الناشئة عن التقبيح الصادر بين المختلفين في معارض الترجيح والمحاجة قال ~~الغزالي في بعض كتبه أكثر الجهالة إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من ~~جهال أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلاء ونظروا إلى ضعفاء ~~الخصوم بعين التحقير والازدراء فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة ~~ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ~~ظهور فسادها حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا ~~بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة ولولا استيلاء الشيطان ~~بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستقرا في قلب ~~مجنون فضلا عن قلب عاقل # هذا ما قال وهو الحق الذى تشهد له العوائد الجارية # وقد جاء في حديث الذى لطم وجه اليهودي القائل والذى اصطفى موسى على البشر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب وقال # لا تفضلوا بين الأنبياء PageV04P265 ~~أو # لا تفضلوني على موسى مع أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بالتفضيل أيضا ~~فذكر المازري في تأويله عن بعض شيوخه أنه يحتمل أن يريد لا تفضلوا بين ~~أنبياء الله تفضيلا يؤدي إلى نقص بعضهم قال وقد خرج الحديث على سبب وهو لطم ~~الأنصاري وجه اليهودي فقد يكون عليه الصلاة والسلام خاف أن يفهم من هذه ~~الفعلة انتقاص موسى فنهى عن التفضيل المؤدي إلى نقص الحقوق قال عياض وقد ~~يحتمل أن يقول هذا وإن علم بفضله عليهم وأعلم به أمته لكن نهاه عن الخوض ~~فيه والمجادلة به إذ قد يكون ذلك ذريعة إلى ذكر ما لا يحب منهم عند الجدال ~~أو ما يحدث في النفس لهم بحكم الضجر والمراء فكان نهيه عن المماراة ms880 في ذلك ~~كما نهى عنه في القرآن وغير ذلك هذا ما قال وهو حق فيجب أن يعمل به فيما ~~بين العلماء فإنهم ورثة الأنبياء ### || AUTO فصل # وأما إذا وقع الترجيح بذكر الفضائل والخواص والمزايا الظاهرة التي يشهد ~~بها الكافة فلا حرج فيه بل هو مما لا بد منه في هذه المواطن أعني عند ~~الحاجة إليه وأصله من الكتاب قول الله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ~~الآية فبين أصل التفضيل ثم ذكر بعض الخواص والمزايا المخصوص بها بعض الرسل ~~وقال تعالى ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا # وفى الحديث من هذا كثير # لما سئل من أكرم الناس فقال أتقاهم فقالوا ليس عن هذا نسألك قال فيوسف ~~نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله PageV04P266 ~~ابن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألوني خيارهم ~~في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا وقال عليه الصلاة والسلام # بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال هل تعلم أحد أعلم منك ~~قال لا فأوحى الله إليه بلى عبدنا خضر وفى رواية أن موسى قام خطيبا في بني ~~إسرائيل فسئل أي الناس أعلم قال # أنا فعتب الله عليه إذا لم يرد العلم إليه قال له بلى لي عبد بمجمع ~~البحرين هو أعلم منك الحديث واستب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال ~~المسلم والذى اصطفى محمدا على العالمين في قسم يقسم به فقال اليهودي والذى ~~اصطفى موسى على العالمين إلى أن قال عليه الصلاة والسلام # لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذ ~~بجانب العرش فلا أدرى أكان فيمن صعق فأفاق أو كان ممن استثنى الله وفى رواية # لا تفضلوا بين الأنبياء فإنه ينفخ في الصور الحديث فهذا نفي للتفضيل ~~مستند إلى دليل وهو دليل على صحة التفضيل في الجملة إ ذا كان ثم مرجح وقال # كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ms881 ومريم ابنة ~~عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام وقال للذى قال ~~له يا خير PageV04P267 ~~البرية # ذاك إبراهيم وقال في الحديث الآخر # أنا سيد ولد آدم وأشباهه مما يدل على تفضيله على سائر الخلق وليس النظر ~~هنا في وجه التعارض بين الحديثين وإنما النظر في صحة التفضيل ومساغ الترجيح ~~على الجملة وهو ثابت من الحديثين وقال # خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وقال عمر كنا نخير بين ~~الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ~~وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة وهم عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص ~~وعبد الرحمن ابن الحرث بن هشام إذا اختلفتم أنت وزيد بن ثابت في شئ من ~~القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ذلك وقال خير دور ~~الأنصار بنو النجار ثم بنو عبد الله الأشهل ثم بنو الحرث بن الخزرج ثم بنو ~~ساعدة وفى كل دور الأنصار خير وقال # أرحم أمتى بأمتي أبو بكر وأشدهم في الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم ~~بالحلال والحرام معاذ ابن PageV04P268 ~~جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي بن كعب ولكل أمة أمين وأمين هذه ~~الأمة أبو عبيدة بن الجراح وقال عبد الرحمن بن يزيد سألنا حذيفة عن رجل ~~قريب السمت والهدى من النبي صلى الله عليه وسلم حتى نأخذ عنه فقال # ما أعرف أحد أقرب سمتا وهديا ودلا بالنبي صلى الله عليه وسلم من ابن أم ~~عبد ولما حضر معاذا الوفاة قيل له يا أبا عبد الرحمن أوصنا قال أجلسوني قال ~~إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما يقول ذلك ثلاث مرات والتمسوا ~~العلم عند أربعة رهط عند عويمر أبي الدرداء وعند سلمان الفارسي وعند عبد ~~الله بن مسعود وعند عبد الله بن سلام الحديث # وقال عليه الصلاة والسلام # اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر PageV04P269 ~~وما جاء في الترجيح والتفضيل كثير لأجل ما ينبني عليه من شعائر الدين ~~وجميعه ليس ms882 فيه إشارة إلى تنقيص المرجوح وإذا كان كذلك فهو القانون اللازم ~~والحكم المنبرم الذى لا يتعدى إلى سواه وكذلك فعل السلف الصالح # فصل # وربما انتهت الغفلة أو التغافل بقوم ممن يشار إليهم في أهل العلم أن ~~صيروا الترجيح بالتنقيص تصريحا أو تعريضا دأبهم وعمروا بذلك دواوينهم ~~وسودوا به قراطيسهم حتى صار هذا النوع ترجمة من تراجم الكتب المصنفة في ~~أصول الفقه أو كالترجمة وفيه ما فيه مما أشير إلى بعضه بل تطرق الأمر إلى ~~السلف الصالح من الصحابة فمن دونهم فرأيت بعض التآليف المؤلفة في تفضيل بعض ~~الصحابة على بعض على منحى التنقيص بمن جعله مرجوحا وتنزيه الراجح عنده مما ~~نسب إلى المرجوح عنده بل أتى الوادي فطم على القرى فصار هذا النحو مستعملا ~~فيما بين الأنبياء وتطرق ذلك إلى شرذمة من الجهال فنظموا فيه ونثروا وأخذوا ~~في ترفيع محمد عليه الصلاة والسلام وتعظيم شأنه بالتخفيض من شأن سائر ~~الأنبياء ولكن مستندين إلى منقولات أخذوها على غير وجهها وهو خروج عن الحق ~~وقد علمت السبب في قوله عليه الصلاة والسلام # لا تفضلوا بين الأنبياء وما قال الناس فيه فإياك والدخول في هذه المضايق ~~ففيها الخروج عن الصراط المستقيم # وأما الترجيح الخاص فلنفرد له مسألة وهى ### || AUTO المسألة الرابعة # وذلك أن من اجتمعت فيه شروط الانتصاب للفتوى على قسمين أحدهما من كان ~~منهم في أفعاله وأقواله وأحواله على مقتضى فتواه فهو متصف بأوصاف العلم ~~قائم معه مقام الامتثال التام حتى إذا أحببت الإقتداء به من غير سؤال PageV04P270 ~~أغناك عن السؤال في كثير من الأعمال كما كان رسول الله عليه وسلم يؤخذ ~~العلم من قوله وفعله وإقراره # فهذا القسم إذا وجد فهو أولى ممن ليس كذلك وهو القسم الثاني وإن كان في ~~أهل العدالة مبرزا لوجهين # أحدهما ما تقدم في موضعه من أن من هذا حاله فوعظه أبلغ وقوله أنفع وفتواه ~~أوقع في القلوب ممن ليس كذلك لأنه الذى ظهرت ينابيع العلم عليه واستنارت ~~كليته به وصار كلامه خارجا من صميم القلب ms883 والكلام إذا خرج من القلب وقع في ~~القلب ومن كان بهذه الصفة فهو من الذين قال الله فيهم إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء بخلاف من لم يكن كذلك فإنه وإن كان عدلا وصادقا وفاضلا لا ~~يبلغ كلامه من القلوب هذه المبالغ حسبما حققته التجربة العادية # والثاني أن مطابقة الفعل القول شاهد لصدق ذلك القول كما تقدم بيانه أيضا ~~فمن طابق فعله قوله صدقته القلوب وانقادت له بالطواعية النفوس بخلاف من لم ~~يبلغ ذلك المقام وإن كان فضله ودينه معلوما ولكن التفاوت الحاصل في هذه ~~المراتب مفيد زيادة الفائدة أو عدم زيادتها فمن زهد الناس في الفضول التى ~~لا تقدح في العدالة وهو زاهد فيها وتارك لطلبها فتزهيده أنفع من تزهيد من ~~زهد فيها وليس بتارك لها فإن ذلك مخالفة وإن كانت جائزة وفي مخالفة القول ~~الفعل هنا ما يمنع من بلوغ مرتبة من طابق قوله فعله # فإذا اختلف مراتب المفتين في هذه المطابقة فالراجح للمقلد اتباع من غلبت ~~مطابقة قوله بفعله # والمطابقة أو عدمها ينظر فيها بالنسبة إلى الأوامر والنواهي فإذا طابق ~~فيهما أعني فيما عدا شروط العدالة فالأرجح المطابقة في النواهي فإذا وجد ~~مجتهدان أحدهما مثابر على أن لا يرتكب منهيا عنه لكنه في الأوامر ليس كذلك PageV04P271 ~~والآخر مثابر على أن لا يخالف مأمورا به لكنه في النواهي على غير ذلك ~~فالأول أرجح في الاتباع من الثاني لأن الأوامر والنواهي فيما عدا شروط ~~العدالة إنما مطابقتها من المكملات ومحاسن العادات واجتناب النواهي آكد ~~وأبلغ في القصد الشرعي من أوجه # أحدها أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح وهو معنى يعتمد عليه أهل العلم # والثاني أن المناهي تمتثل بفعل واحد وهو الكف فللإنسان قدرة عليها في ~~الجملة من غير مشقة وأما الأوامر فلا قدرة للبشر على فعل جميعها وإنما ~~تتوارد على المكلف على البدل بحسب ما اقتضاه الترجيح فترك بعض الأوامر ليس ~~بمخالفة على الإطلاق بخلاف بعض النواهي فإنه مخالفة في الجملة فترك النواهي ~~أبلغ في تحقيق الموافقة # الثالث ms884 النقل فقد جاء في الحديث # فإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فجعل ~~المناهي آكد في الاعتبار من الأوامر حيث حتم في المناهي من غير مثنوية ولم ~~يحتم ذلك في الأوامر إلا مع التقييد بالاستطاعة وذلك إشعار بما نحن فيه من ~~ترجيح مطابقة المناهي على مطابقة الأوامر ### || AUTO المسألة الخامسة # الاقتداء بالأفعال الصادرة من أهل الاقتداء يقع على وجهين # أحدهما أن يكون المقتدى به بالأفعال ممن دل الدليل على عصمته كالاقتداء ~~بفعل النبي صلى الله عليه وسلم أو فعل أهل الإجماع أو ما يعلم PageV04P272 ~~بالعادة أو بالشرع أنهم لا يتواطئون على الخطأ كعمل أهل المدينة على رأي مالك # والثاني ما كان بخلاف ذلك # فأما الثاني فعلى ضربين أحدهما أن ينتصب بفعله ذلك لأن يقتدي به قصدا ~~كأوامر الحكام ونواهيهم وأعمالهم في مقطع الحكم من أخذ وإعطاء ورد وإمضاء ~~ونحو ذلك أو يتعين بالقرائن قصده إليه تعبدا به واهتماما بشأنه دينا وأمانة ~~والآخر أن لا يتعين فيه شيء من ذلك # فهذه أقسام ثلاثة لا بد من الكلام عليها بالنسبة إلى الإقتداء # فالقسم الأول لا يخلو أن يقصد المقتدي إيقاع الفعل على الوجه الذى وقعه ~~عليه المقتدي به لا يقصد به إلا ذلك سواء عليه أفهم مغزاه أم لا من غير ~~زيادة أو يزيد عليه تنوية المقتدى به في الفعل أحسن المحامل مع احتماله في ~~نفسه فيبني في إقتدائه على المحمل الأحسن ويجعله أصلا يرتب عليه الأحكام ~~ويفرع عليه المسائل # فأما الأول فلا إشكال في صحة الإقتداء به على حسب ما قرره الأصوليون كما ~~اقتدى الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم في أشياء كثيرة كنزع الخاتم الذهبي PageV04P273 ~~وخلع النعلين في الصلاة والإفطار في السفر والإحلال من العمرة عام ~~الحديبية وكذلك أفعال الصحابة التى أجمعوا عليها وما أشبه ذلك # وأما الثاني فقد يحتمل أن يكون فيه خلاف إذا أمكن انضباط المقصد ولكن ~~الصواب أنه غير معتد به شرعا في الإقتداء لأمور # أحدها أن تحسين الظن إلغاء لاحتمال قصد ms885 المقتدى به دون ما نواه المقتدي ~~من غير دليل # فالاحتمال الذى عيه المقتدى لا يتعين وإذا لم يتعين لم يترجح إلا بالتشهي ~~وذلك مهمل في الأمور الشرعية إذ لا ترجيح إلا بمرجح # ولا يقال إن تحسين الظن مطلوب على العموم فأولى أن يكون مطلوبا بالنسبة ~~إلى من ثبتت عصمته # لأنا نقول تحسين الظن بالمسلم وإن ظهرت مخايل احتمال إساءة الظن فيه ~~مطلوب بلا شك كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن الآية ~~وقوله لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا الآية بل أمر ~~الإنسان في هذا المعنى أن يقول ما لا يعلم كما أمر باعتقاد PageV04P274 ~~ما لا يعلم في قوله وقالوا هذا إفك مبين وقوله لو لا إذ سمعتموه قلتم ما ~~يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم إلى غير ذلك مما في هذا ~~المعنى ومع ذلك فلم يبن عليه حكم شرعي ولا اعتبر في عدالة شاهد ولا في غير ~~ذلك مجرد هذا التحسين حتى تدل الأدلة الظاهرة المحصلة للعلم أو الظن الغالب ~~فإذا كان المكلف مأمورا بتحسين الظن بكل مسلم ولم يكن كل مسلم عدلا بمجرد ~~هذا التحسين حتى تحصل الخبرة أو التزكية دل على أن مجرد تحسين الظن بأمر لا ~~يثبت ذلك الأمر وإذا لم يثبته لم ينبن عليه حكم وتحسين الظن بالأفعال من ~~ذلك فلا ينبني عليها حكم # ومثاله كما إذا فعل المقتدى به فعلا يحتمل أن يكون دينيا تعبديا ويحتمل ~~أن يكون دنيويا راجعا إلى مصالح الدنيا ولا قرينة تدل على تعين أحد ~~الاحتمالين فيحمله هذا المقتدي على أن المقتدى به إنما قصد الوجه الديني ~~بناء على تحسينه الظن به # والثاني أن تحسين الظن عمل قلبي من أعمال المكلف بالنسبة إلى المقتدى به ~~مثلا وهو مأمور به مطلقا وافق ما في نفس الأمر أو خالف إذ لو كان يستلزم ~~المطابقة علما أو ظنا لما أمر به مطلقا بل بقيد الأدلة المفيدة لحصول الظن ~~بما في نفس الأمر وليس كذلك باتفاق ms886 فلا يستلزم المطابقة وإذا ثبت هذا ~~فالإقتداء PageV04P275 ~~بناء على هذا التحسين بناء على عمل من أعمال نفسه لا على أمر حصل لذلك ~~المقتدى به لكنه قصد الإقتداء بناء على ما عند المقتدى به فأدى إلى بناء ~~الإقتداء على غير شيء وذلك باطل بخلاف الإقتداء بناء على ظهور علاماته فإنه ~~إنما انبنى على أمر حصل للمقتدي به علما أو ظنا وإياه قصد المقتدى بإقتدائه ~~فصار كالاقتداء به في الأمور المتعينة # والثالث أن هذا الإقتداء يلزم منه التناقض لأنه إنما يقتدي به بناء على ~~أنه كذلك في نفس الأمر ظنا مثلا ومجرد تحسين الظن لا يقتضي أنه كذلك في نفس ~~الأمر لا علما ولا ظنا وإذا لم يقتضه لم يكن الإقتداء به بناء على أنه كذلك ~~في نفس الأمر وقد فرضنا أنه كذلك هذا خلف متناقض # وإنما يشتبه هذا الموضع من جهة اختلاط تحسين الظن بنفس الظن والفرق ~~بينهما ظاهر لأمرين أحدهما أن الظن نفسه يتعلق بالمقتدى به مثلا بقيد كونه ~~في نفس الأمر كذلك حسبما دلت عليه الأدلة الظنية بخلاف تحسين الظن فإنه ~~يتعلق به كان في الخارج على حسب ذلك الظن أولا والثاني أن الظن ناشئ عن ~~الأدلة الموجبة له ضرورة لا انفكاك للمكلف عنه وتحسين الظن أمر اختياري ~~للمكلف غير ناشئ عن دليل يوجبه وهو يرجع إلى نفي بعض الخواطر المضطربة ~~الدائرة بين النفي والإثبات في كل واحد من الاحتمالين المتعلقين بالمقتدي ~~به فإذا جاءه خاطر الاحتمال الأحسن قواه وثبته بتكراره في فكره PageV04P276 ~~ووعظ النفس في اعتقاده وإذا أتاه خاطر الاحتمال الآخر ضعفه ونفاه وكرر ~~نفيه على فكرة ومحاه عن ذكره # فإن قيل إذا كان المقتدى به ظاهره والغالب من أمره الميل إلى الأمور ~~الأخروية والتزود للمعاد والانقطاع إلى الله ومراقبة أحواله فيما بينه وبين ~~الله فالظاهر منه أن هذا الفرد المحتمل ملحق بذلك الأعم الأغلب شأن الأحكام ~~الواردة على هذا الوزان # فالجواب أن هذا الفرد إذا تعين هكذا على هذا الفرض فقد يقوى الظن بقصده ~~إلى الاحتمال الأخروي ms887 فيكون مجال الاجتهاد كما سيذكر بحول الله ولكن ليس ~~هذا الفرض بناء على مجرد تحسين الظن بل على نفس الظن المستند إلى دليل ~~يثيره والظن الذى يكون هكذا قد ينتهض في الشرع سببا لبناء الأحكام عليه ~~وفرض مسألتنا ليس هكذا بل على جهة أن لا يكون لأحد الاحتمالين ترجيح يثير ~~مثله غلبة الظن بأحد الاحتمالين ويضعف الاحتمال الآخر كرجل متق لله محافظ ~~على امتثال أوامره واجتناب نواهيه ليس له في الدنيا شغل إلا بما كلف من أمر ~~دينه بالنسبة إلى دنياه وآخرته فمثل هذا له في هذه الدار حالان حال دنيوي ~~به يقيم معاشه ويتناول ما من الله به عليه من حظوظ نفسه وحال أخروي به يقيم ~~أمر آخرته فأما هذا الثاني فلا كلام فيه وهو متعين في نفسه وغير محتمل إلا ~~في القليل ولا اعتبار بالنوادر وأما الأول فهو مثار PageV04P277 ~~الاحتمال فالمباح مثلا يمكن أن يأخذه من حيث حظ نفسه ويمكن أن يأخذه من ~~حيث حق ربه عليه فى نفسه فإذا عمله ولم يدر وجه أخذه فالمقتدي به بناء على ~~تحسين ظنه به وأنه إنما عمله متقربا إلى الله ومتعبدا له به فيعمل به على ~~قصد التقرب ولا مستند له إلا تحسين ظنه بالمقتدى به ليس له أصل ينبني عليه ~~إذ يحتمل احتمالا قويا أن يقصد المقتدي به نيل ما أبيح له من حظه فلا يصادف ~~قصد المقتدي محلا بل إن صادف صادف أمرا مباحا صيرة متقربا به والمباح لا ~~يصح التقرب به كما تقدم تقريره في كتاب الأحكام # بل نقول إذا وقف المقتدي به وقفة أو تناول ثوبه على وجه أو قبض لحيته في ~~وقت ما أو ما أشبه ذلك فأخذ هذا المقتدي يفعل مثل فعله بناء على أنه قصد به ~~العبادة مع احتمال أن يفعل ذلك لمعنى دنيوي أو غافلا كان هذا المقتدي ~~معدودا من الحمقى والمغفلين فمثل هذا هو المراد بالمسألة # وكذلك إذا كان له درهم مثلا فأعطاه صديق له لصداقته وقد كان يمكن أن ~~ينفقه ms888 على نفسه ويصنع به مباحا أو يتصدق به فيقول المقتدي حسن الظن به ~~يقتضى أنه يتصدق به لكن آثر به على نفسه في هذا الأمر الأخروي فيجئ منه ~~جواز الإيثار في الأمور الأخروية # وهذا المعنى لحظ بعض العلماء في حديث # واختبأت دعوتى شفاعة لأمتي يوم القيامة فاستنبط منه صحة الإيثار في أمور ~~الآخرة إذ كان إنما يدعو بدعوته التي أعطيها في أمر من أمور الآخرة لا في ~~أمور الدنيا فإذا بنينا على PageV04P278 ~~ما تقدم فلقائل أن يقول إن ما قاله غير متعين # لأنه كان يمكنه أن يدعو بها في أمر من أمور دنياه لأنه لا حجر عليه ولا ~~قدح فيه ينسب إليه فقد كان عليه الصلاة والسلام يحب من الدنيا أشياء وينال ~~مما أعطاه الله من الدنيا ما أبيح له ويتعين ذلك في أمور كحبه للنساء ~~والطيب والحلواء والعسل والدباء وكراهيته للضب وأشباه ذلك وكان يترخص في ~~بعض الأشياء مما أباح الله له وهو منقول كثيرا # ووجه ثان وهو أنه قد دعا عليه الصلاة والسلام بأمور كثيرة دنيوية ~~كاستعاذته من الفقر والدين وغلبة الرجال وشماتة الأعداء والهم وأن يرد إلى ~~أرذل العمر وكان يمكنه أن يعوض من ذلك أمور الآخرة فلم يفعل ويدل عليه في ~~نفس المسألة أن جملة من الأنبياء دعوا الدعوة المضمونة الإجابة لهم ~~المذكورة في قوله # لكل نبى دعوة مستجابة في أمته على وجه مخصوص بالدنيا جائز لهم وهو الدعاء ~~عليهم كقوله وقال نوح ربي لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا حسبما نقله ~~المفسرون وكان من الممكن أن يدعو بغير ذلك مما فيه صلاح لهم في الآخرة ~~فكونهم فعلوا ذلك وهم صفوة الله من خلقه دليل على أنه لا يتعين في حقهم أن ~~تكون جميع أعمالهم وأقوالهم مصروفة إلى الآخرة فقط فكذلك دعوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يتعين فيها أمر الآخرة ألبتة فلا دليل في الحديث على ما ~~قال هذا العالم PageV04P279 ~~وأمر ثالث وهو أنا لو بنينا على هذا الأصل لكنا نقول ذلك القول ms889 في كل فعل ~~من أفعاله عليه الصلاة والسلام كان من أفعال الجبلة الآدمية أولا إذ يمكن ~~أن يقال إنه قصد بها أمورا أخروية وتعبدا مخصوصا وليس كذلك عند العلماء بل ~~كان يلزم منه أن لا يكون له فعل من الأفعال مختصا بالدنيا إلا من بين أنه ~~راجع إلى الدنيا لأنه لا يتبين إذ ذاك كونه دنيويا لخفاء قصده فيه حتى يصرح ~~به وكذلك إذا لم يبين جهته لأنه محتمل أيضا فلا يحصل من بيان أمور الدنيا ~~إلا القليل وذلك خلاف ما يدل عليه معظم الشريعة فإذا ثبت صح أن الاقتداء ~~على هذا الوجه غير ثابت وأن الحديث لا دليل فيه من هذا الوجه # مع أن الحديث كما تقدم يقتضى أن الدعوة مخصوصة بالأمة لقوله فيه # لكل نبي دعوة مستجابة في امته فليست مخصوصة به فلا يحصل PageV04P280 ~~فيها معنى الإيثار الذى ذكره لأن الإيثار ثان عن قبول الانتفاع في جهة ~~المؤثر وهنا ليس كذلك # والقسم الثاني إن كان مثل انتصاب الحاكم ونحوه فلا شك في صحة الاقتداء إذ ~~لا فرق بين تصريحه بالانتصاب للناس وتصريحه بحكم ذلك الفعل المفعول أو ~~المتروك وإن كان مما تعين فيه قصد العالم إلى التعبد بالفعل أو الترك ~~بالقرائن الدالة على ذلك فهو موضع احتمال # فللمانع أن يقول إنه إذا لم يكن معصوما تطرق إلى أفعاله الخطأ والنسيان ~~والمعصية قصدا وإذا لم يتعين وجه فعله فكيف يصح الاقتداء به فيه قصدا في ~~العبادات أو في العادات ولذلك حكى عن بعض السلف أنه قال # أضعف العلم الرؤية يعنى أن يقول رأيت فلانا يعمل كذا ولعله فعله ساهيا ~~وعن إياس ابن معاوية # لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك وقد ذم الله PageV04P281 ~~تعالى الذين قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة الآية وفى الحديث من قول ~~المرتاب # سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فالاقتداء بمثل هذا المفروض كالاقتداء ~~بسائر الناس أو هو قريب منه # وللمجيز أن يقول إن غلبة الظن معمول بها في الأحكام وإذا تعين بالقرائن ~~قصده إلى ms890 الفعل أو الترك ولا سيما في العبادات ومع التكرار أيضا وهو من أهل ~~الاقتداء بقوله فالاقتداء بفعله كذلك وقد قال مالك في إفراد يوم الجمعة ~~بالصوم إنه جائز واستدل على ذلك بأنه رأى بعض أهل العلم يصومه قال وأراه ~~كان يتحراه فقد استند إلى فعل بعض الناس عند ظنه أنه كان يتحراه وضم إليه ~~أنه لم يسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيامه وجعل ذلك ~~عمدة مسقطة لحكم الحديث الصحيح من نهيه عليه الصلاة PageV04P282 ~~والسلام عن إفراد يوم الجمعة بالصوم فقد يلوح من هنا أن مالكا يعتمد هذا ~~العمل الذى يفهم من صاحبه القصد إليه إذا كان من أهل العلم والدين وغلب على ~~الظن أنه لا يفعله جهلا ولا سهوا ولا غفلة فإن كونه من أهل العلم المقتدى ~~بهم يقتضي عمله به وتحريه إياه دليل على عدم السهو والغفلة وعلى هذا يجري ~~ما اعتمد عليه من أفعال السلف إذا تأملتها وجدتها قد انضمت إليها قرائن ~~عينت قصد المقتدى به وجهة فعله فصح الاقتداء # والقسم الثالث هو أن لا يتعين فعل المقتدى به لقصد دنيوي ولا أخروي ولا ~~دلت قرينه على جهة ذلك الفعل فإن قلنا في القسم الثاني بعدم صحة الاقتداء ~~فههنا أولى وإن قلنا بالصحة فقد ينقدح فيه احتمال فإن قرائن التحري للفعل ~~موجودة فهي دليل يتمسك به في الصحة وأما ههنا فلما فقدت قوى احتمال الخطأ ~~والغفلة وغيرها هذا مع اقتران الاحتياط على الدين فالصواب والحالة هذه منع ~~الإقتداء إلا بعد الإستبراء بالسؤال عن حكم النازلة المقلد فيها ويتمكن قول من قال # لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك ونحوه ### || AUTO المسألة السادسة # قد تقدم أن لطالب العلم في طلبه أحوالا ثلاثة # أما الحال الأول فلا يسوغ الاقتداء بأفعال صاحبه كما لا يقتدى بأقواله ~~لأنه لم يبلغ درجة الاجتهاد بعد فإذا كان اجتهاده غير معتبر فالاقتداء به ~~كذلك لأن أعماله إن كانت بإجتهاد منه فهي ساقطة وإن كانت بتقليد فالواجب ~~الرجوع في ms891 الاقتداء إلى مقلده أو إلى مجتهد آخر ولأنه عرضة لدخول العوارض عليه PageV04P283 ~~من حيث لا يعلم بها فيصير عمله مخالفا فلا يوثق بأن عمله صحيح فلا يمكن ~~الاعتماد عليه # وأما الحال الثاني فلا إشكال في صحة استفتائه ويجري الاقتداء بأفعاله على ~~ما تقدم في المسألة قبلها # وأما الحال الثالث فهو موضع إشكال بالنسبة إلى استفتائه وبالنسبة إلى ~~الاقتداء بأفعاله فاستفتاؤه جار على النظر المتقدم في صحة اجتهاده أو عدم ~~صحته وأما الاقتداء بأفعاله فإن قلنا بعدم صحة اجتهاده فلا يصح الاقتداء ~~كصاحب الحال الأول وإن قلنا بصحة اجتهاده جرى الاقتداء بأفعاله على ما تقدم ~~من التفصيل والنظر # هذا وإذا لم يكن في أعماله صاحب حال فإن كان صاحب حال وهو ممن يستفتى فهل ~~يصح الاقتداء به بناء على التفصيل المذكور أم لا وهل يصح استفتاؤه في كل شئ ~~أم لا كل هذا مما ينظر فيه فأما الاقتداء بأفعاله حيث يصح الاقتداء بمن ليس ~~بصاحب حال فإنه لا يليق إلا بمن هو ذو حال مثله وبيان ذلك أن أرباب الأحوال ~~عاملون في أحوالهم على إسقاط الحظوظ بالغون غاية الجهد في أداء الحقوق إما ~~لسائق الخوف أو لحادى الرجاء أو لحامل المحبة فحظوظهم العاجلة قد سقطت من ~~أيديهم بأمر شاغل عن غير ما هم فيه فليس لهم عن الأعمال فترة ولا عن جد ~~السير راحة فمن كان بهذا الوصف فكيف يقدر على الاقتداء به من هو طالب ~~لحظوظه مشاح في استقصاء مباحاته وأيضا فإن الله تعالى سهل عليهم ما عسر على ~~غيرهم وأيدهم بقوة منه على ما تحملوه من القيام بخدمته حتى صار الشاق على ~~الناس غير شاق عليهم والثقيل على غيرهم خفيفا عليهم فكيف يقدر على الاقتداء ~~بهم ضعيف المنة عن حمل تلك الأعباء أو مريض العزم في PageV04P284 ~~قطع مسافات النفس أو خامد الطلب لتلك المراتب العلية أو راض بالأوائل عن ~~الغايات فكل هؤلاء لا طاقة لهم بإتباع أرباب الأحوال وإن تطوقوا ذلك زمانا ~~فعما قريب ينقطعون والمطلوب الدوام ولذلك قال ms892 النبي عليه الصلاة والسلام # خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا وقال # أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل وأمر بالقصد في العمل وأنه ~~مبلغ وقال # إن الله يحب الرفق في الأمر كله وكره العنف والتعمق والتكلف والتشديد ~~خوفا من الانقطاع وقال واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم ورفع عنا الإصر الذى كان على الذين من قبلنا فإذا كان الاقتداء ~~بأرباب الأحوال آيلا إلى مثل هذا الحال لم يلق أن ينتصبوا منصب الاقتداء ~~وهم كذلك ولا أن يتخذهم غيرهم أئمة فيه اللهم إلا أن تكون صاحب حال مثلهم ~~وغير مخوف عليه الانقطاع فإذ ذاك يسوغ الاقتداء بهم على ما ذكر من التفصيل ~~وهذا المقام قد عرفه أهله وظهر لهم برهانه على أتم وجوهه # وأما الاقتداء بأقواله إذا استفتى في المسائل فيحتمل تفصيلا وهو أنه لا ~~يخلو إما أن يستفتى في شئ هو فيه صاحب حال أو لا فإن كان الأول جرى حكمه ~~مجرى الاقتداء بأفعاله فأن نطقه في أحكام أحواله من جملة أعماله والغالب ~~فيه أنه يفتى بما يقتضيه حاله لا بما يقتضيه حال السائل وإن كان الثاني ساغ ذلك PageV04P285 ~~لأنه إذ ذاك كأنما يتكلم من أصل العلم لا من رأس الحال إذ ليس مأخوذا فيه ### || AUTO المسألة السابعة # يذكر فيها بعض الأوصاف التي تشهد للعامي بصحة اتباع من اتصف بها في فتواه # قال مالك بن أنس ربما وردت علي المسألة تمنعني من الطعام والشراب والنوم ~~فقيل له يا أبا عبد الله والله ما كلامك عند الناس إلا نقر في حجر ما تقول ~~شيئا إلا تلقوه منك قال فمن أحق أن يكون هكذا إلا من كان هكذا قال الراوي ~~فرأيت في النوم قائلا يقول مالك معصوم # وقال إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن # وقال ربما وردت علي المسألة فأفكر فيها ليالي # وكان إذا سئل عن المسألة قال للسائل ms893 انصرف حتى أنظر فيها فينصرف ويردد ~~فيها فقيل له في ذلك فبكى وقال إني أخاف أن يكون لي من المسائل يوم وأي يوم ~~وكان إذا جلس نكس رأسه وحرك شفتيه يذكر الله ولم يلتفت يمينا ولا شمالا ~~فإذا سئل عن مسألة تغير لونه وكان أحمر فيصفر وينكس رأسه ويحرك شفتيه ثم ~~يقول ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله فربما سئل عن خمسين مسألة فلا ~~يجيب منها في واحدة وكان يقول من أحب أن يجيب عن مسألة فليعرض نفسه قبل أن ~~يجيب على الجنة والنار وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب # وقال بعضهم لكأنما مالك والله إذا سئل عن مسألة والله واقف بين الجنة والنار # وقال ما شئ أشد علي من أن أسأل عن مسألة من الحلال والحرام PageV04P286 ~~لأن هذا هو القطع في حكم الله ولقد أدركت أهل العلم والفقه ببلدنا وإن ~~أحدهم إذا سئل عن مسالة كان الموت أشرف عليه ورأيت أهل زماننا هذا يشتهون ~~الكلام فيه والفتيا ولو وقفوا على ما يصيرون إليه غدا لقللوا من هذا وإن ~~عمر ابن الخطاب وعليا وعامة خيار الصحابة كانت ترد عليهم المسائل وهم خير ~~القرن الذى بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يجمعون أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويسألون ثم حينئذ يفتون فيها وأهل زماننا هذا قد صار ~~فخرهم الفتيا فبقدر ذلك يفتح لهم من العلم قال ولم يكن من أمر الناس ولا من ~~مضى من سلفنا الذين يقتضى بهم ومعول الإسلام عليهم أن يقولوا هذا حلال وهذا ~~حرام ولكن يقول أنا أكره كذا وأرى كذا وأما حلال وحرام فهذا الافتراء على ~~الله أما سمعت قول الله تعالى قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق الآية لأن ~~الحلال ما حلله الله ورسوله والحرام ما حرماه # قال موسى بن داود ما رأيت أحدا من العلماء أكثر أن يقول لا أحسن من مالك ~~وربما سمعته يقول ليس نبتلى بهذا الأمر ليس هذا ببلدنا # وكان يقول للرجل ms894 يسأله اذهب حتى أنظر في أمرك قال الراوي فقلت إن الفقه ~~من باله وما رفعه الله إلا بالتقوى # وسأل رجل مالكا عن مسألة وذكر أنه أرسل فيها من مسيرة ستة أشهر من المغرب ~~فقال له أخبر الذى أرسلك أنه لا علم لي بها قال ومن يعلمها قال من علمه ~~الله وسأله رجل عن مسألة استودعه إياها أهل المغرب فقال ما أدرى ما ابتلينا ~~بهذه المسألة ببلدنا ولا سمعنا أحدا من أشياخنا تكلم فيها ولكن تعود فلما ~~كان من الغد جاء وقد حمل ثقله على بغله يقوده فقال مسألتي فقال ما أدرى ما ~~هي فقال الرجل يا أبا عبد الله تركت خلفي من يقول ليس على PageV04P287 ~~وجه الأرض أعلم منك فقال مالك غير مستوحش إذا رجعت فأخبرهم أني لا أحسن ~~وسأله آخر فلم يجبه فقال له يا أبا عبد الله أجبني فقال ويحك تريد أن ~~تجعلني حجة بينك وبين الله فأحتاج أنا أولا أن أنظر كيف خلاصي ثم أخلصك # وسئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري وسئل من ~~العراق عن أربعين مسألة فما أجاب منها إلا في خمس وقال قال ابن عجلان إذا ~~أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله ويروي هذا الكلام عن ابن عباس وقال سمعت ~~ابن هرمز يقول ينبغي أن يورث العالم جلساءه قول لا أدري وكان يقول في أكثر ~~ما يسأل عنه لا أدري قال عمر بن يزيد فقلت لمالك في ذلك فقال يرجع أهل ~~الشام إلى شامهم وأهل العراق إلى عراقهم وأهل مصر إلى مصرهم ثم لعلي أرجع ~~عما أرجع أفتيهم به قال فأخبرت الليث بذلك فبكى وقال مالك والله أقوى من ~~الليث أو نحو هذا وسئل مرة عن نيف وعشرين مسألة فما أجاب منها إلا في واحدة ~~وربما سئل عن مائة مسألة فيجيب منها في خمس أو عشر ويقول في الباقي لا أدري # قال أبو مصعب قال لنا المغيرة تعالوا نجمع كل ما بقي علينا ما نريد أن ~~نسأل عنه مالكا ms895 فمكثنا نجمع ذلك وكتبناه في قنداق ووجه به المغيرة إليه ~~وسأله الجواب فأجابه في بعضه وكتب في الكثير منه لا أدري فقال المغيرة يا ~~قوم لا والله ما رفع الله هذا الرجل إلا بالتقوى من كان منكم يسأل عن هذا ~~فيرضى أن يقول لا أدري # والروايات عنه في لا أدري ولا أحسن كثيرة حتى قيل لو شاء رجل أن يملأ ~~صحيفته من قول مالك لا أدري لفعل قبل أن يجيب في مسألة وقيل له إذا قلت أنت ~~يا أبا عبد الله لا أدري فمن يدري قال ويحك أعرفتني ومن أنا وإيش منزلتي ~~حتى أدري ما لا تدرون ثم أخذ يحتج بحديث ابن عمر وقال هذا ابن عمر يقول لا ~~أدري فمن أنا وإنما أهلك الناس العجب وطلب الرياسة PageV04P288 ~~وهذا يضمحل عن قليل وقال مرة أخرى قد ابتلى عمر بن الخطاب بهذه الأشياء ~~فلم يجب فيها وقال ابن الزبير لا أدري وابن عمر لا أدري وسئل مالك عن مسألة ~~فقال لا أدري فقال له السائل إنها مسألة خفيفة سهلة وإنما أردت أن أعلم بها ~~الأمير وكان السائل ذا قدر فغضب مالك وقال مسألة خفيفة سهلة ليس في العلم ~~شيء خفيف أما سمعت قول الله تعالى إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا فالعلم كله ~~ثقيل وبخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة قال بعضهم ما سمعت قط أكثر قولا من ~~مالك لا حول ولا قوة إلا بالله ولو نشاء أن ننصرف بألواحنا مملوءة بقوله لا ~~أدري إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين لفعلنا وقال له ابن القاسم ليس بعد ~~أهل المدينة أعلم بالبيوع من أهل مصر فقال مالك ومن أين علموها قال منك ~~فقال مالك ما أعلمها فكيف يعلمونها بي وقال ابن وهب قال مالك سمعت من ابن ~~شهاب أحاديث كثيرة ما حدثت بها قط ولا أحدث بها قال الفروي فقلت له لم قال ~~ليس عليها العمل وقال رجل لمالك إن الثوري حدثنا عنك في كذا فقال إني لأحدث ~~في كذا وكذا حديثا ms896 ما أظهرتها بالمدينة وقيل له عند ابن عيينة أحاديث ليست ~~عندك فقال أنا أحدث الناس بكل ما سمعت إني إذا أحمق وفي رواية إني أريد أن ~~أضلهم إذا ولقد خرجت مني أحاديث لوددت أني ضربت بكل حديث منها سوطا ولم ~~أحدث بها وإن كنت أجزع الناس من السياط ولما مات وجد في تركته حديث كثير ~~جدا لم يحدث بشيء منه في حياته وكان إذا قيل له ليس هذا الحديث عند غيرك ~~تركه وإن قيل له هذا ما يحتج به أهل البدع تركه وقيل له إن فلانا يحدث ~~بغرائب فقال من الغريب نفر وكان إذا شك في الحديث طرحه كله وقال إنما أنا ~~بشر أخطئ وأصيب فانظروا رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وكل ما لم ~~يوافق ذلك فاتركوه وقال ليس كل ما قال الرجل وإن كان فاضلا يتبع ويجعل سنة ~~ويذهب به إلى الأمصار PageV04P289 ~~قال الله تعالى فبشر عبادى الذين يستمعون القول الآية وسئل عن مسألة أجاب ~~فيها ثم قال مكانه لا أدري إنما هو الرأي وأنا أخطئ وأرجع وكل ما أقول يكتب ~~وقال أشهب ورآني أكتب جوابه في مسألة فقال لا تكتبها فإني لا أدري أثبت ~~عليها أم لا قال ابن وهب سمعته يعيب كثرة الجواب من العالم حين يسأل قال ~~وسمعته عندما يكثر عليه من السؤال يكف ويقول حسبكم من أكثر أخطأ وكان يعيب ~~كثرة ذلك وقال يتكلم كأنه جمل مغتلم يقول هو كذا هو كذا يهدر في كل شيء ~~وسأله رجل عراقي عن رجل وطئ دجاجة ميتة فخرجت منها بيضة فأفقست البيضة عنده ~~عن فرخ أيأكله فقال مالك سل عما يكون ودع ما لا يكون وسأله آخر عن نحو هذا ~~فلم يجبه فقال له لم لا تجيبني يا أبا عبد الله فقال لو سألت عما تنتفع به ~~أجبتك وقيل له إن قريشا تقول إنك لا تذكر في مجلسك آباءها وفضائلها فقال ~~إنما نتكلم فيما نرجو بركته قال ابن القاسم كان مالك لا يكاد يجيب وكان ms897 ~~أصحابه يحتالون أن يجئ رجل بالمسألة التي يحبون أن يعلموها كأنها مسألة ~~بلوى فيجيب فيها وقال لابن وهب اتق هذا الإكثار وهذا السماع الذى لا يستقيم ~~أن يحدث به فقال إنما أسمعه لأعرفه لا لأحدث به فقال له ما يسمع إنسان شيئا ~~إلا يحدث به وعلى ذلك لقد سمعت من ابن شهاب أشياء ما تحدثت بها وأرجو أن لا ~~أفعل ما عشت ولقد ندمت أن لا أكون طرحت من الحديث أكثر مما طرحت قال أشهب ~~رأيت في النوم قائلا يقول لقد لزم مالك كلمة عند فتواه لو وردت على الجبال ~~لقلعتها وذلك قوله ما شاء الله لا قوة إلا بالله # هذه جملة تدل الإنسان على من يكون من العلماء أولى بالفتيا والتقليد له ~~ويتبين بالتفاوت في هذه الأوصاف الراجح من المرجوح ولم آت بها على ترجيح ~~تقليد مالك وإن كان أرجح بسبب شدة اتصافه بها ولكن لتتخذ قانونا في سائر ~~العلماء فإنها موجودة في سائر هداة الإسلام غير أن بعضهم أشد اتصافا بها من بعض PageV04P290 ### || AUTO المسألة الثامنة # يسقط عن المستفتي التكليف بالعمل عند فقد المفتي إذا لم يكن له به علم لا ~~من جهة اجتهاد معتبر ولا من تقليد والدليل على ذلك أمور # أحدها أنه إذا كان المجتهد يسقط عنه التكليف عند تعارض الأدلة عليه على ~~الصحيح حسبما تبين في موضعه من الأصول فالمقلد عند فقد العلم بالعمل رأسا ~~أحق وأولى # والثاني أن حقيقة هذه المسألة راجعة إلى العمل قبل تعلق الخطاب # والأصل في الأعمال قبل ورود الشرائع سقوط التكليف إذ لا حكم عليه قبل ~~العلم بالحكم إذ شرط التكليف عند الأصوليين العلم بالمكلف به وهذا غير عالم ~~بالفرض فلا ينتهض سببه على حال # والثالث أنه لو كان مكلفا بالعمل لكان من تكليف ما لا يطاق إذ هو مكلف ~~بما لا يعلم ولا سبيل له إلى الوصول إليه فلو كلف به لكلف بما لا يقدر على ~~الامتثال فيه وهو عين المحال إما عقلا وإما شرعا والمسألة بينة ### || AUTO فصل ms898 # ويتصور في هذا العمل أمران # أحدهما فقد العلم به أصلا فهو كمن لم يرد عليه تكليف ألبتة PageV04P291 ~~والثاني فقد العلم لوصفه دون أصله كالعالم بالطهارة أو الصلاة أو الزكاة ~~على الجملة لكنه لا يعلم كثيرا من تفاصيلها وتقييداتها وأحكام العوارض فيها ~~كالسهو وشبهه فيطرأ عليه فيها ما لا علم له بوجه العمل به وكلا الوجهين ~~يتعلق به أحكام بحسب الوقائع لا يمكن استيفاء الكلام فيها وكتب الفروع أخص ~~بها من هذا الموضع ### || AUTO المسألة التاسعة # فتاوي المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى ~~المجتهدين PageV04P292 ~~والدليل عليه أن وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء إذ كانوا ~~لا يستفيدون منها شيئا فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم ولا يجوز ~~ذلك لهم ألبتة وقد قال تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون والمقلد ~~غير عالم فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر وإليهم مرجعه في أحكام الدين على ~~الإطلاق فهم إذا القائمون له مقام الشارع وأقوالهم قائمة مقام الشارع # وأيضا فإنه إذا كان فقد المفتي يسقط التكليف فذلك مساو لعدم الدليل إذ لا ~~تكليف إلا بدليل فإذا لم يوجد دليل على العمل سقط التكليف به فكذلك إذا لم ~~يوجد مفت في العمل فهو غير مكلف به فثبت أن قول المجتهد دليل العامي والله أعلم # ويتعلق بكتاب الاجتهاد نظران # أحدهما في تعارض الأدلة على المجتهد وترجيح بعضها على بعض # والآخر في أحكام السؤال والجواب PageV04P293 ### || AUTO كتاب لواحق الاجتهاد وفيه نظران # النظر الأول في التعارض والترجيح ### || AUTO ### || AUTO المسألة الأولى لا تعارض في الشريعة في نفس الأمر ~~بل في نظر المجتهد # فالنظر الأول # فيه مسائل # بعد أن نقدم مقدمة لا بد من ذكرها وهى أن كل من تحقق بأصول الشريعة ~~فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض كما أن كل من حقق مناط المسائل فلا يكاد يقف ~~في متشابه لأن الشريعة لا تعارض فيها ألبتة فالمتحقق بها متحقق بما في ~~الأمر فيلزم أن لا يكون عنده تعارض ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع ms899 ~~المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف لكن لما كان أفراد المجتهدين ~~غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم فإذا ثبت هذا فنقول # المسألة الأولى # التعارض إما أن يعتبر من جهة ما في نفس الأمر وإما من جهة نظر المجتهد ~~أما من جهة ما في نفس الأمر فغير ممكن بإطلاق وقد مر آنفا في كتاب الاجتهاد ~~من ذلك في مسألة أن الشريعة على قول واحد ما فيه كفاية وأما من جهة نظر ~~المجتهد فممكن بلا خلاف إلا أنهم إنما نظروا فيه بالنسبة إلى كل موضع لا ~~يمكن فيه الجمع بين الدليلين وهو صواب فإنه إن أمكن الجمع فلا تعارض PageV04P294 ~~كالعام مع الخاص والمطلق مع المقيد وأشباه ذلك # لكنا نتكلم هنا بحول الله تعالى فيما لم يذكروه من الضرب الذى لا يمكن ~~فيه الجمع ونستجر من الضرب الممكن فيه الجمع أنواعا مهمة وبمجموع النظر في ~~الضربين يسهل إن شاء الله على المجتهد في هذا الباب ما عسر على كثير ممن ~~زاول الاجتهاد وبالله التوفيق # فأما ما لا يمكن فيه الجمع وهى ### || AUTO المسألة الثانية # فإنه قد مر في كتاب الاجتهاد أن محال الخلاف دائرة بين طرفي نفي وإثبات ~~ظهر قصد الشارع في كل واحد منهما فإن الواسطة آخذة من الطرفين بسبب هو ~~متعلق الدليل الشرعي فصارت الواسطة يتجاذبها الدليلان معا دليل النفي ودليل ~~الإثبات فتعارض عليها الدليلان فاحتيج إلى الترجيح وإلا فالتوقف وتصير من ~~المتشابهات ولما كان قد تبين في ذلك الأصل هذا المعنى لم يحتج إلى مزيد # إلا أن الأدلة كما يصح تعارضها على ذلك الترتيب كذلك يصح تعارض ما في ~~معناها كما في تعارض القولين على المقلد لأن نسبتهما إليه نسبة الدليلين إلى PageV04P295 ~~المجتهد ومنه تعارض العلامات الدالة على الأحكام المختلفة كما إذا انتهب ~~نوع من المتاع يندر وجود مثله من غير الإنتهاب فيرى مثله في يد رجل ورع فيدل PageV04P296 ~~صلاح ذي اليد على أنه حلال ويدل ندور مثله من غير النهب على أنه حرام ~~فيتعارضان ومنه ms900 تعارض الأشباه الجارة إلى الأحكام المختلفة كالعبد فإنه ~~آدمي فيجري مجرى الأحرار في الملك ومال فيجري مجرى سائر الأموال في سلب ~~الملك ومنه تعارض الأسباب كاختلاط الميتة بالذكية والزوجة بالأجنبية إذ كل ~~واحدة منهما تطرق إليها احتمال وجود السبب المحلل والمحرم ومنه تعارض ~~الشروط كتعارض البينتين إذا قلنا إن الشهادة شرط في إنفاذ الحكم فإحداهما ~~تقتضي إثبات أمر والأخرى تقتضي نفيه وكذلك ما جرى مجرى الأمور داخل في حكمها # ووجه الترجيح في هذا الضرب غير منحصر إذ الوقائع الجزئية النوعية أو ~~الشخصية لا تنحصر ومجاري العادات تقضي بعدم الاتفاق بين الجزئيات بحيث يحكم ~~على كل جزئي بحكم جزئي واحد بل لا بد من ضمائم تحتف وقرائن تقترن مما يمكن ~~تأثيره في الحكم المقرر فيمتنع إجراؤه في جميع الجزئيات وهذا أمر مشاهد ~~معلوم وإذا كان كذلك فوجوه الترجيح جارية مجرى الأدلة الواردة على محل ~~التعارض فلا يمكن في هذه الحال الإحالة على نظر المجتهد فيه وقد تقدم لهذا ~~المعنى تقرير في أول كتاب الاجتهاد وحقيقة النظر الالتفات إلى PageV04P297 ~~كل طرف من الطرفين أيهما أسعد وأغلب أو أقرب بالنسبة إلى تلك الواسطة ~~فيبنى على إلحاقها به من غير مراعاة للطرف الآخر أو مع مراعاته مسألة العبد ~~في مذهب مالك ومن خالفه وأشباهها ### || AUTO فصل # هذا وجه النظر في الضرب الأول على ظاهر كلام الأصوليين وإذا تأملنا ~~المعنى فيه وجدناه راجعا إلى الضرب الثاني وأن الترجيح راجع إلى وجه PageV04P298 ~~من الجمع وإبطال أحد المتعارضين حسبما يذكر على أثر هذا بحول الله تعالى # وأما ما يمكن فيه الجمع وهى ### || AUTO المسألة الثالثة # فنقول لتعارض الأدلة في هذا الضرب صور # إحداها أن يكون في جهة كلية مع جهة جزئية تحتها كالكذب المحرم مع الكذب ~~للإصلاح بين الزوجين وقتل المسلم المحرم مع القتل قصاصا أو بالزنى فهو إما ~~أن يكون الجزئي رخصة في ذلك الكلي أولا وعلى كل تقدير فقد مر في هذا الكتاب ~~ما يقتبس منه الحكم تعارضا وترجيحا وذلك في كتاب الأحكام وكتاب الأدلة ms901 فلا ~~فائدة في التكرار # والثانية أن يقع في جهتين جزئيتين كلتاهما داخلة تحت كلية واحدة PageV04P299 ~~كتعارض حديثين أو قياسين أو علامتين على جزئية واحدة وكثيرا ما يذكره ~~الأصوليون في الضرب الأول الذى لا يمكن فيه الجمع ولكن وجه النظر فيه أن ~~التعارض إذا ظهر فلا بد من أحد أمرين إما الحكم على أحد الدليلين بالإهمال ~~فيقي ! الآخر هو المعمل لا غير وذلك لا يصح إلا مع فرض إبطاله بكونه منسوخا ~~أو تطريق غلط أو وهم في السند أو في المتن إن كان خبر آحاد أو كونه مظنونا ~~يعارض مقطوعا به إلى غير ذلك من الوجوه القادحة في اعتبار ذلك الدليل وإذا ~~فرض أحد هذه الأشياء لم يمكن فرض اجتماع دليلين فيتعارضا وقد سلموا أن ~~أحدهما منسوخا لا يعد معارضا فكذلك ما في معناه فالحكم إذا للدليل الثابت ~~عند المجتهد كما لو انفرد عن معارض من أصل PageV04P300 ~~والأمر الثاني الحكم عليهما معا بالأعمال ويلزم من هذا أن لا يتوارد ~~الدليلان على محل التعارض من وجه واحد لأنه محال مع فرض أعمالهما فيه فإنما ~~يتواردان من وجهين وإذ ذاك يرتفع التعارض ألبتة إلا أن هذا الأعمال تارة ~~يرد على محل التعارض كما في مسألة العبد في رأي مالك فإنه أعمل حكم الملك ~~له من وجه وأهمل ذلك من وجه وتارة يخص أحد الدليلين فلا يتواردان على محل ~~التعارض معا بل يعمل في غيره ويهمل بالنسبة إليه لمعنى اقتضى ذلك # ويدخل تحت هذا الوجه كل ما يستثنيه المجتهد صاحب النظر في تحقيق المناط ~~الخاص المذكور في أول كتاب الاجتهاد وكذلك في فرض الكفاية المذكور في كتاب ~~الأحكام # والصورة الثالثة أن يقع التعارض في جهتين جزئيتين لا تدخل إحداهما تحت ~~الأخرى ولا ترجعان إلى كلية واحدة كالمكلف لا يجد ماء ولا متيمما # فهو بين أن يترك مقتضى أقيموا الصلاة لمقتضى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~إلى آخرها أو يعكس فإن الصلاة راجعة إلى كلية من الضروريات والطهارة PageV04P301 ~~راجعة إلى كلية من التحسينيات على قول ms902 من قال بذلك أو معارضة أقيموا ~~الصلاة لقوله وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره بالنسبة إلى من التبست عليه ~~القبلة فالأصل أن الجزئي راجع في الترجيح إلى أصله الكلي فإن رجح الكلي ~~فكذلك جزئيه أو لم يرجح فجزئيه مثله لأن الجزئي معتبر بكليه وقد ثبت ترجيحه ~~فكذلك يترجح جزئيه وأيضا فقد تقدم أن الجزئي خادم لكليه وليس الكلي بموجود ~~في الخارج إلا في الجزئي فهو الحامل له حتى إذا انخرم فقد ينخرم الكلي فهذا ~~إذا متضمن له فلو رجح غيره من الجزئيات غير الداخلة معه في كلية للزم ترجيح ~~ذلك الغير على الكلي وقد فرضنا أن الكلي المفروض هو المقدم على الآخر فلا ~~بد من تقديم جزئيه كذلك وقد انجر في هذه الصورة حكم الكليات الشاملة لهذه ~~الجزئيات فلا حاجة إلى الكلام فيها مع أن أحكامها مقتبسة من كتاب المقاصد ~~من هذا الكتاب والحمد لله # والصورة الرابعة أن يقع التعارض في كليين من نوع واحد وهذا في PageV04P302 ~~ظاهره شنيع ولكنه في التحصيل صحيح # ووجه شناعته أن الكليات الشرعية قد مر أنها قطعية لا مدخل فيها للظن ~~وتعارض القطعيات محال # وأما وجه الصحة فعلى ترتيب يمكن الجمع بينهما فيه إذا كان الموضوع له ~~اعتباران فلا يكون تعارضا في الحقيقة وكذلك الجزئيان إذا دخلا تحت كلي واحد ~~وكان موضوعهما واحد إلا أن له اعتبارين # فالجزئيان أمثلتهما كثيرة وقد مر منها ومن الأمثلة الميل ونحوه في تحديد ~~طلب الماء للطهور فقد يكون فيه مشقة بالنسبة إلى شخص فيباح له التيمم ولا ~~يشق بالنسبة إلى آخر فيمنع من التيمم فقد تعارض على الميل دليلان لكن ~~بالنسبة إلى شخصين وهكذا ركوب البحر يمنع منه بعض ويباح لبعض والزمان واحد ~~لكن بالنسبة إلى ظن السلامة والغرق وأشباه ذلك PageV04P303 ~~وأما التعارض في الكليين على ذلك الاعتبار فلنذكر له مثالا عاما يقاس عليه ~~ما سواه إن شاء الله # وذلك أن الله تعالى وصف الدنيا بوصفين كالمتضادين وصف يقتضي ذمها وعدم ~~الالتفات إليها وترك اعتبارها ووصف يقتضي مدحها والالتفات ms903 إليها وأخذ ما ~~فيها بيد القبول على لأنه شيء عظيم مهدي من ملك عظيم # فالأول له وجهان # أحدهما أنها لا جدوى لها ولا محصول عندها ومن ذلك قوله تعالى إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم الآية فأخبر أنها مثل اللعب واللهو ~~الذي لا يوجد في شئ ولا نفع فيه إلا مجرد الحركات والسكنات التي لا طائل ~~تحتها ولا فائدة وراءها وقوله تعالى وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ~~فحصر فائدتها في الغرور المذموم العاقبة وقوله تعالى وما الحياة الدنيا إلا ~~لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهى الحيوان وقوله تعالى زين للناس حب الشهوات ~~من النساء والبنين إلى قوله ذلك متاع الحياة الدنيا وقال المال والبنون ~~زينة الحياة الدنيا إلى غير ذلك من الآيات وكذلك الأحاديث في هذا المعنى كقوله # لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة PageV04P304 ~~ماء وهى كثيرة جدا وعلى هذا المنوال نسج الزهاد ما نقل عنهم من ذم الدنيا ~~وأنها لا شيء # والثاني أنها كالظل الزائل والحلم المنقطع ومن ذلك قوله تعالى إنما مثل ~~الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض إلى قوله كأن ~~لم تغن بالأمس وقوله إنما هذه الحياة الدنيا متاع وقوله لا يغرنك تقلب ~~الذين كفروا في البلاد متاع قليل الآية وقوله إنما مثل الحياة الدنيا كماء ~~أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وغير ذلك ~~من الآيات المفهم معنى الانقطاع والزوال وبذلك تصير كأن لم تكن والأحاديث ~~في هذا أيضا كثيرة كقوله عليه الصلاة والسلام # مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب تحت شجرة ثم راح وتركها وهو ~~حادي الزهاد إلى الدار الباقية PageV04P305 ~~وأما الثاني من الوصفين فله وجهان أيضا # أحدهما ما فيها من الدلالة على وجود الصانع ووحدانيته وصفاته العلى وعلى ~~الدار الآخرة كقوله تعالى أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج إلى كذلك الخروج وقوله أمن جعل الأرض قرارا وجعل ~~خلالها ms904 أنهارا الآية وقوله يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة الآية وقوله قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم ~~تعلمون سيقولون لله إلى غير ذلك من الآيات التي هي دلائل على العقائد ~~وبراهين على التوحيد # والثاني أنها منن ونعم امتن الله بها على عباده وتعرف إليهم بها في أثناء ~~ذلك واعتبرها ودعا إليها بنصبها لهم وبثها فيهم كقوله تعالى الله الذى خلق ~~السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم إلى قوله ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وقوله الذى جعل لكم الأرض فراشا والسماء ~~بناء وأنزل من السماء ماء الآية وقوله هو الذى أنزل من السماء ماء لكم منه ~~شراب ومنه شجر إلى قوله وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وفيها والله جعل لكم ~~مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا الآية وفي أول السورة والأنعام ~~خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ثم قال ولكم فيها جمال حين تريحون ~~وحين تسرحون ثم قال والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة فامتن تعالى ~~ههنا وعرف بنعم من جملتها الجمال والزينة وهو الذى ذم به الدنيا في قوله ~~إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة إلى غير ذلك بل حين عرف بنعيم الآخرة ~~امتن بأمثاله في الدنيا PageV04P306 ~~كقوله في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وهو قوله والله جعل لكم مما خلق ~~ظلالا وقال ولهم فيها أزواج مطهرة وقال والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وهو ~~كثير حتى إنه قال في الجنة فيها أنهار من ماء غير آسن إلى آخر أنواع ~~الأنهار الأربعة وقال والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ~~إلى أن قال وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتا إلى قوله فيه ~~شفاء للناس وهو كثير أيضا # فأنزل الأحكام وشرع الحلال والحرام تخليصا لهذه النعم التي خلقها لها من ~~شوائب الكدرات الدنيويات والأخرويات وقال تعالى من عمل صالحا من ذكر أو ~~أنثى ms905 وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة يعني في الدنيا ولنجزينهم أجرهم يعني في ~~الآخرة وقال حين أمتن بالنعم كلوا من ثمره إذا أثمر وينعه كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور وقال في بعضها ولتبتغوا من فضله فعد طلب ~~الدنيا فضلا كما عد حب الإيمان وبغض الكفر فضلا # والدلائل أكثر من الاستقصاء # فاقتضى الوصف الأول المضادة للثاني فالوجه الأول من الوصف الأول يضاد هذا ~~الوجه الأخير من الوصف الثاني وهو ظاهر لأن عدم اعتبارها وأنها مجرد لعب لا ~~محصول له مضاد لكونها نعما وفضلا والوجه الثاني من الوصف الأول مضاد للأول ~~من الوصف الثاني لأن كونها زائلة وظلا يتقلص عما قريب مضاد لكونها براهين ~~على وجود الباري ووحدانيته وإتصافه بصفات الكمال وعلى أن الآخرة حق فهي ~~مرآة يرى فيها الحق في كل ما هو حق وهذا لا تنفصل PageV04P307 ~~الدنيا فيه من الآخرة بل هو في الدنيا لا يفنى لأنها إذا كانت موضوعة لأمر ~~وهو العلم الذى تعطيه فذلك الأمر موجود فيها تحقيقه وهو لا يفنى وإن فنى ~~منها ما يظهر للحس وذلك المعنى ينتقل إلى الآخرة فتكون هنالك نعيما # فالحاصل أن ما بث فيها من النعم التي وضعت عنوانا عليه كجعل اللفظ دليلا ~~على المعنى باق وإن فنى العنوان وكذلك ضد كونها منقضية بإطلاق # فالوصفان إذا متضادان والشريعة منزهة عن التضاد مبرأة عن الاختلاف فلزم ~~من ذلك أن توارد الوصفين على جهتين مختلفتين أو حالتين متنافيتين بيانه أن ~~لها نظرين # أحدهما نظر مجرد من الحكمة التي وضعت لها الدنيا من كونها متعرفا متعرفا ~~للحق ومستحقا لشكر الواضع لها بل إنما يعتبر فيها كونها عيشا ومقتنصا للذات ~~ومآلا للشهوات انتظاما في سلك البهائم فظاهر أنها من هذه الجهة قشر بلا لب ~~ولعب بلا جد وباطل بلا حق لأن صاحب هذا النظر لم ينل منها إلا مأكولا ~~ومشروبا وملبوسا ومنكوحا ومركوبا من غير زائد ثم يزول عن قريب فلا يبقى منه ~~شئ فذلك كأضغاث الأحلام فكل ما وصفته الشريعة فيها ms906 على هذا الوجه حق وهو ~~نظر الكفار الذين لم يبصروا منها إلا ما قال تعالى من أنها لعب ولهو وزينة ~~وغير ذلك مما وصفها به ولذلك صارت أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا وفى الآية الأخرى وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هباء منثورا PageV04P308 ~~والثاني نظر غير مجرد من الحكمة التي وضعت لها الدنيا فظاهر أنها ملأى من ~~المعارف والحكم مبثوث فيها من كل شئ خطير مما لا يقدر على تأدية شكر بعضه ~~فإذا نظر إليها العاقل وجد كل نعمة فيها يجب شكرها فانتدب إلى ذلك حسب ~~قدرته وتهيئته وصار ذلك القشر محشوا لبا بل صار القشر نفسه لبا لأن الجميع ~~نعم طالبة للعبد أن ينالها فيشكر لله بها وعليها والبرهان مشتمل على ~~النتيجة بالقوة أو بالفعل فلا دق ولا جل في هذه الوجوه إلا والعقل عاجز عن ~~بلوغ أدنى ما فيه من الحكم والنعم ومن ههنا أخبر تعالى عن الدنيا بأنها جد ~~وأنها حق كقوله تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وقوله وما خلقنا السموات ~~والأرض وما بينهما باطلا وقوله وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ~~ما خلقناهما إلا بالحق أولم يتفكروا فى أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق إلى غير ذلك ولأجل هذا صارت أعمال أهل النظر معتبرة ~~مثبتة حتى قيل فلهم أجر غير ممنون من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة فالدنيا من جهة النظر الأول مذمومة وليست بمذمومة من ~~جهة النظر الثاني بل هي محمودة فذمها بإطلاق لا يستقيم كما أن مدحها بإطلاق ~~لا يستقيم والأخذ PageV04P309 ~~لها من الجهة الأولى مذموم يسمى أخذه رغبة في الدنيا وحبا في العاجلة وضده ~~هو الزهد فيها وهو تركها من تلك الجهة ولا شك أن تركها من تلك الجهة مطلوب ~~والأخذ لها من الجهة الثانية غير مذموم ولا يسمى أخذه رغبة فيها ولا الزهد ~~فيها من هذه الجهة محمود بل يسمى سفها وكسلا وتبذيرا ms907 ومن هنا وجب الحجر على ~~صاحب هذه الحالة شرعا ولأجله كان الصحابة طالبين لها مشتغلين بها عاملين ~~فيها لأنها من هذه الجهة عون على شكر الله عليها وعلى اتخاذها مركبا للآخرة ~~وهم كانوا أزهد الناس فيها وأورع الناس في كسبها # فربما سمع أخبارهم في طلبها من يتوهم أنهم طالبون لها من الجهة الأولى ~~لجهله بهذا الاعتبار وحاش لله من ذلك إنما طلبوها من الجهة الثانية فصار ~~طلبهم لها من جملة عباداتهم كما أنهم تركوا طلبها من الجهة الأولى فكان ذلك ~~أيضا من جملة عباداتهم رضى الله عنهم وألحقنا بهم وحشرنا معهم ووفقنا لما ~~وفقهم له بمنه وكرمه # فتأمل هذا الفصل فإن فيه رفع شبه كثيرة ترد على الناظر في الشريعة وفى ~~أحوال أهلها وفيه رفع مغالط تعترض للسالكين لطريق الآخرة فيفهمون الزهد ~~وترك الدنيا على غير وجهه كما يفهمون طلبها على غير وجهه فيمدحون ما لا ~~يمدح شرعا ويذمون ما لا يذم شرعا وفيه أيضا من الفوائد فصل القضية بين ~~المختلفين في مسألة الفقر والغنى وأن ليس الفقر أفضل من الغنى بإطلاق ولا ~~الغنى أفضل بإطلاق بل الأمر في ذلك يتفصل فإن الغنى إذا أمال إلى إيثار ~~العاجلة كان بالنسبة إلى صاحبه مذموما وكان الفقر أفضل منه وإن أمال إلى ~~إيثار الآجلة فإنفاقه في وجهه والاستعانة به على التزود للمعاد فهو أفضل من ~~الفقر والله الموفق بفضله PageV04P310 ### || AUTO فصل # واعلم أن أكثر أحكام هذا النظر مذكور في أثناء الكتاب فلذلك اختصر القول ~~فيه وأيضا فإن ثم أحكاما أخر تتعلق به قلما يذكرها الأصوليون ولكنها ~~بالنسبة إلى أصول هذا الكتاب كالفروع فلم نتعرض لها لأن المضطلع بها يدرك ~~الحكم فيها بأيسر النظر والله المستعان وإنما ذكر هنا ما هو كالضابط الحاصر ~~والأصل العتيد لمن تشوف إلى ضوابط التعارض والترجيح ### || AUTO النظر الثاني في أحكام السؤال والجواب وهو علم الجدل # وقد صنف الناس فيه من متقدم ومتأخر والذي يليق منه بغرض هذا الكتاب فرض مسائل ### || AUTO المسائلة الأولى # إن السؤال إما أن ms908 يقع من عالم أو غير عالم وأعنى بالعالم المجتهد وغير ~~العالم المقلد وعلى كلا التقديرين إما أن يكون المسئول عالما أو غير عالم ~~فهذه أربعة أقسام # الأول سؤال العالم وذلك في المشروع يقع على وجوه كتحقيق PageV04P311 ~~ما حصل أو رفع إشكال عن له وتذكر ما خشى عليه النسيان أو تنبيه المسئول ~~على خطأ يورده مورد الاستفادة أو نيابة منه عن الحاضرين من المتعلمين أو ~~تحصيل ما عسى أن يكون فاته من العلم # والثاني سؤال المتعلم لمثله وذلك أيضا يكون على وجوه كمذاكرته له بما سمع ~~أو طلبه منه ما لم يسمع مما سمعه المسئول أو تمرنه معه في المسائل قبل لقاء ~~العالم أو التهدي بعقله إلى فهم ما ألقاه العالم # والثالث سؤال العالم للمتعلم وهو على وجوه كذلك كتنبيهه على موضع إشكال ~~يطلب رفعه أو اختبار عقله أين بلغ والاستعانة بفهمه إن كان لفهمه فضل أو ~~تنبيهه على ما علم ليستدل به على ما لم يعلم # والرابع وهو الأصل الأول سؤال المتعلم للعالم وهو يرجع إلى طلب علم ما لم يعلم # فأما الأول والثاني والثالث فالجواب عنه مستحق إن علم ما لم يمنع من ذلك ~~عارض معتبر شرعا وإلا فالاعتراف بالعجز # وأما الرابع فليس الجواب بمستحق بإطلاق بل فيه تفصيل فيلزم الجواب PageV04P312 ~~إذا كان عالما بما سئل عنه متعينا عليه في نازلة واقعة أو في أمر فيه نص ~~شرعي بالنسبة إلى المتعلم لا مطلقا ويكون السائل ممن يحتمل عقله الجواب ولا ~~يؤدي السؤال إلى تعمق ولا تكلف وهو مما ينبني عليه عمل شرعي وأشباه ذلك وقد ~~لا يلزم الجواب في مواضع كما إذا لم يتعين عليه أو المسألة اجتهادية لا نص ~~فيها للشارع وقد لا يجوز كما إذا لم يحتمل عقله الجواب أو كان فيه تعمق أو ~~أكثر من السؤالات التي هي من جنس الأغاليط وفيه نوع اعتراض ولا بد من ذكر ~~جملة يتبين بها هذا المعنى بحول الله في أثناء المسائل الآتية ### || AUTO المسألة الثانية # الإكثار من الأسئلة مذموم ms909 # والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح # من ذلك قوله تعالى يا أيها آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم PageV04P313 ~~تسؤكم الآية وفى الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قرأ ولله على الناس حج ~~البيت الآية فقال رجل يا رسول الله أكل عام فأعرض ثم قال يا رسول الله أكل ~~عام ثلاثا وفى كل ذلك يعرض وقال في الرابعة # والذى نفسي بيده لو قلتها لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها ولو لم تقوموا بها ~~لكفرتم فذروني ما تركتكم وفى مثل هذا نزلت لا تسألوا عن أشياء الآية وكره ~~عليه الصلاة والسلام المسائل وعابها ونهى عن كثرة السؤال وكان عليه الصلاة ~~والسلام يكره السؤال فيما لم ينزل فيه حكم وقال # إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا ~~تعتدوها وعفا عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها # وقال ابن عباس ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم PageV04P314 ~~ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض صلى الله عليه وسلم كلهن في ~~القرآن ويسألونك عن المحيض ويسألونك عن اليتامى يسألونك عن الشهر الحرام ما ~~كانوا يسألون إلا عما ينفعهم يعنى أن هذا كان الغالب عليهم وفى الحديث # إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شئ لم يحرم عليه فحرم عليهم ~~من أجل مسألته وقال # ذروني ما تركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ~~وقام يوما وهو يعرف في وجهه الغضب فذكر الساعة وذكر قبلها أمورا عظاما ثم قال # من أحب أن يسأل عن شئ فليسأل عنه فوالله لا تسألوني عن شئ إلا أخبرتكم به ~~ما دمت في مقامي هذا قال فأكثر الناس من البكاء حين سمعوا ذلك وأكثر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يقول سلوني فقام عبد الله ابن حذافة السهمي ~~فقال من أبي فقال أبوك حذافة فلما أكثر أن يقول سلوني برك عمر بن الخطاب ~~على ركبتيه ms910 فقال يا رسول الله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبينا ~~قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك وقال أولا # والذي نفسي بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا ~~أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر وظاهر هذا المساق يقتضي أنه إنما قال ~~سلوني في معرض الغضب تنكيلا بهم في السؤال حتى يروا عاقبة ذلك ولأجل ذلك ~~ورد في الآية قوله إن تبد لكم تسؤكم PageV04P315 ~~ومثل ذلك قصة أصحاب البقرة فقد روى عن ابن عباس أنه قال لو ذبحوا بقرة ما ~~لأجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم حتى ذبحوها وما كادوا يفعلون وقال ~~الربيع بن خيثم يا عبد الله ما علمك الله في كتابه من علم فأحمد الله وما ~~استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه ولا تتكلف فإن الله يقول لنبيه عليه ~~الصلاة والسلام قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين الخ وعن ابن ~~عمر قال لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر يلعن من سأل عما لم يكن وفى ~~الحديث أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن الأغلوطات فسره الأوزاعي فقال يعنى ~~صعاب المسائل وذكرت المسائل عند معاوية فقال أما تعلمون أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن عضل المسائل وعن عبدة بن أبي لبابة قال وددت أن حظى ~~من أهل هذا الزمان أن لا أسألهم عن شئ ولا يسألوني يتكاثرون بالمسائل كما ~~يتكاثرون أهل الدراهم بالدراهم وورد في الحديث # إياكم وكثرة السؤال وسئل مالك عن حديث # نهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال قال أما كثرة السؤال فلا أدري أهو ما ~~أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل فقد كره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المسائل وعابها وقال الله تعالى لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ~~فلا أدري أهو هذا أم السؤال في الاستعطاء وعن عمر بن الخطاب أنه قال على ~~المنبر أحرج بالله على كل امرئ سأل ms911 عن شئ لم يكن فإن الله بين ما هو كائن ~~وقال ابن وهب قال لي مالك وهو ينكر كثرة الجواب للمسائل يا عبد الله ما ~~علمته فقل به ودل عليه وما لم PageV04P316 ~~تعلم فاسكت عنه وإياك أن تتقلد للناس قلادة سوء وقال الأوزاعي إذا أراد ~~الله أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه الأغاليط وعن الحسن قال إن ~~شرار عباد الله الذين يجيئون بشرار المسائل يعنتون بها عباد الله وقال ~~الشعبي والله لقد بغض هؤلاء القوم إلي المسجد حتى لهو أبغض إلى من كناسة ~~داري قلت من هم يا أبا عمر قال ألا رأيتيون وقال ما كلمة أبغض إلى من رأيت ~~وقال أيضا لداود ألا احفظ عنى ثلاثا إذا سئلت عن مسألة فأجبت فيها فلا تتبع ~~مسألتك أرأيت فإن الله قال في كتابه أرأيت من اتخذ إلهه هواه حتى فرغ من ~~الآية والثانية إذا سئلت عن مسألة فلا تقس شيئا بشئ فربما حرمت حلالا أو ~~حللت حراما والثالثة إذا سئلت عما لا تعلم فقل لا أعلم وأنا شريكك وقال ~~يحيى بن أيوب بلغني أن أهل العلم كانوا يقولون إذا أراد الله أن لا يعلم ~~عبده أشغله بالأغاليط والآثار كثيرة # والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات ~~النظرية مذموم وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعطوا في ~~كثرة السؤال حتى امتنعوا منه وكانوا يحبون أن يجئ الأعراب فيسألون حتى ~~يسمعوا كلامه ويحفظوا منه العلم ألا ترى ما في الصحيح عن أنس قال نهينا أن PageV04P317 ~~نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل ~~البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع ولقد أمسكوا عن السؤال حتى جاء جبريل فجلس ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة ~~وأمارتها ثم أخبرهم عليه الصلاة والسلام أنه جبريل وقال # أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا وهكذا كان مالك بن أنس لا يقدم عليه في ~~السؤال كثيرا وكان أصحابه يهابون ms912 ذلك قال أسد بن الفرات وقد قدم على مالك ~~وكان ابن القاسم وغيره من أصحابه يجعلونني أسأله عن المسألة فإذا أجاب ~~يقولون قل له فإن كان كذا فأقول له فضاق علي يوما فقال لي هذه سليسلة بنت ~~سليسلة إن أردت هذا فعليك بالعراق وإنما كان مالك يكره فقه العراقيين ~~وأحوالهم لايغالهم في المسائل وكثرة تفريعهم في الرأي وقد جاء عن عائشة أن ~~امرأة سألتها عن قضاء الحائض الصوم دون الصلاة فقالت لها أحرورية أنت ~~انكارا عليها السؤال عن مثل هذا وقضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين ~~بغرة فقال الذى قضى عليه كيف أغرم ما لا شرب ولا أكل ولا شهق ولا استهل ~~ومثل ذلك بطل فقال عليه الصلاة والسلام # إنما هذا من إخوان الكهان وقال ربيعة لسعيد في مسألة عقل الأصابع حين عظم ~~جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها فقال سعيد أعراقي أنت فقلت بل عالم متثبت ~~أو جاهل متعلم فقال هي السنة يا ابن أخي وهذا كاف في كراهية كثرة السؤال في الجملة PageV04P318 ### || AUTO فصل # ويتبين من هذا أن لكراهية السؤال مواضع نذكر منها عشرة مواضع أحدها ~~السؤال عما لا ينفع في الدين كسؤال عبد الله بن حذافة من أبي وروى في ~~التفسير أنه عليه الصلاة والسلام سئل ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط ثم ~~لا يزال ينمو حتى يصير بدرا ثم ينقص إلى أن يصير كما كان فأنزل الله ~~يسألونك عن الأهلة الآية فأنما أجيب بما فيه من منافع الدين # والثاني أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته كما سأل الرجل عن الحج أكل ~~عام مع أن قوله تعالى ولله على الناس حج البيت قاض بظاهره أنه للأبد ~~لاطلاقة ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة # والثالث السؤال من غير احتياج إليه في الوقت وكان هذا والله أعلم خاص بما ~~لم ينزل فيه حكم وعليه يدل قوله # ذروني ما تركتكم وقوله # وسكت عن أشياء رحمة لكم لا عن نسيان فلا تبحثوا ms913 عنها # والرابع أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها كما جاء في النهي عن الأغلوطات # والخامس أن يسأل عن علة الحكم وهو من قبيل التعبدات التي لا يعقل لها PageV04P319 ~~معنى أو السائل ممن لا يليق به ذلك السؤال كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة # والسادس أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق وعلى ذلك يدل قوله تعالى ~~قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ولما سأل الرجل يا صاحب ~~الحوض هل ترد حوضك السباع قال عمر بن الخطاب # يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا الحديث # والسابع أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي ولذلك قال سعيد ~~أعراقى أنت وقيل لمالك بن أنس الرجل يكون عالما بالنسبة أيجادل عنها قال لا ~~ولكن يخبر بالنسبة فإن قبلت منه وإلا سكت # والثامن السؤال عن المتشابهات وعلى ذلك يدل قوله تعالى فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه الآية وعن عمر بن عبد العزيز من جعل دينه عرضا ~~للخصومات أسرع التنقل ومن ذلك سؤال من سأل مالكا عن الاستواء فقال الاستواء ~~معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة # والتاسع السؤال عما شجر بين السلف الصالح وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن ~~قتال أهل صفين فقال تلك دماء كف الله عنها يدي فلا أحب أن يطلخ بها لساني PageV04P320 ~~والعاشر سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام وفى القرآن في ذم نحو ~~هذا ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه ~~وهى ألد الخصام وقال بل هم قوم خصمون وفى الحديث # أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم # هذه الجملة من المواضع التي يكره السؤال فيها يقاس عليها ما سواها # وليس النهي فيها واحدا بل فيها ما تشتد كراهيته ومنها ما يخف ومنها ما ~~يحرم ومنها ما يكون محل اجتهاد وعلى جملة منها يقع النهي عن الجدال في ~~الدين كما جاء # إن المراء في القرآن كفر وقال تعالى وإذا رأيت الذين ms914 يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم الآية وأشباه ذلك من الآي أو الأحاديث فالسؤال في مثل ذلك منهي ~~عنه والجواب بحسبه ### || AUTO المسألة الثالثة # ترك الاعتراض على الكبراء محمود كان المعترض فيه مما يفهم أولا يفهم ~~والدليل على ذلك أمور # أحدها ما جاء في القرآن الكريم كقصة موسى مع الخضر وإشتراطه عليه أن لا ~~يسأله عن شئ حتى يحدث له منه ذكرا فكان ما قصه الله تعالى من قوله هذا فراق ~~بيني وبينك وقول محمد عليه الصلاة والسلام PageV04P321 ~~يرحم الله موسى لو صبر حتى يقص علينا من أخبارهما وإن كان إنما تكلم بلسان ~~العلم فإن الخروج عن الشرط يوجب الخروج عن المشروط وروى في الأخبار أن ~~الملائكة لما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء الآية فرد الله ~~عليهم بقوله إني أعلم ما لا تعلمون أرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم وجاء في ~~أشد من هذا اعتراض إبليس بقوله أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ~~فهو الذى كتب له به الشقاء إلى يوم الدين لاعتراضه على الحكيم الخبير وهو ~~دليل في مسألتنا وقصة أصحاب البقرة من هذا القبيل أيضا حين تعنتوا في ~~السؤال فشدد الله عليهم # والثاني ما جاء في الأخبار كحديث # تعالوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده فاعترض في ذلك بعض الصحابة حتى ~~أمرهم عليه الصلاة والسلام بالخروج ولم يكتب لهم شيئا وقصة أم إسماعيل حين ~~نبع لها ماء زمزم فحوضته ومنعت الماء من السيلان فقال عليه الصلاة والسلام # لو تركت لكانت زمزم عينا معينا وفى الحديث أنه طبخ لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قدر فيها لحم PageV04P322 ~~فقال ناولني ذراعا قال الراوي فناولته ذراعا فقال ناولني ذراعا فناولته ~~ذراعا فقال ناولني ذراعا فقلت يا رسول الله كم للشاة من ذراع فقال # والذي نفسي بيده لو سكت لأعطيت ذراعا ما دعوت وحديث علي قال دخل علي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة قال فجلست ~~وأنا أعرك عيني وأقول إنا والله ms915 ما نصلي إلا ما كتب الله لنا إنما أنفسنا ~~بيد الله فإذا شاء أن يبعثها بعثها فولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول # وكان الإنسان أكثر شيء جدلا وحديث # يا أيها الناس اتهموا الرأي فإنا كنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نرد أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددناه ولما وفد على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حزن جد سعيد بن المسيب فقال له ما اسمك قال حزن قال بل أنت سهل ~~قال لا أغير اسما سماني به أبي قال سعيد فما زالت الحزونة حتى اليوم ~~والأحاديث في هذا المعنى كثيرة # والثالث ما عهد بالتجربة من أن الاعتراض على الكبراء قاض بامتناع الفائدة ~~مبعد بين الشيخ والتلميذ ولا سيما عند الصوفية فإنه عندهم الداء الأكبر حتى ~~زعم القشيري عنهم أن التوبة منه لا تقبل والزلة لا تقال ومن ذلك حكاية PageV04P323 ~~الشاب الخديم لأبي يزيد البسطامي إذ كان صائما فقال له أبو تراب النخشبي ~~وشقيق البلخي كل معنا يا فتى فقال أنا صائم فقال أبو تراب كل ولك أجر شهر ~~فأبى فقال شقيق كل ولك أجر صوم سنة فأبى فقال أبو يزيد دعوا من سقط من عين ~~الله فأخذ ذلك الشاب في السرقة وقطعت يده وقد قال مالك بن أنس لأسد حين ~~تابع سؤاله هذه سليسلة بنت سليسلة إن أرت هذا فعليك بالعراق فهدده بحرمان ~~الفائدة منه بسبب اعتراضه في جوابه ومثله أيضا كثير لمن بحث عنه # فالذى تلخص من هذا أن العالم المعلوم بالأمانة والصدق والجري على سنن أهل ~~الفضل والدين والورع إذا سئل عن نازلة فأجاب أو عرضت له حالة يبعد العهد ~~بمثلها أو لا تقع من فهم السامع موقعها أن لا يواجه بالاعتراض والنقد فإن ~~عرض إشكال فالتوقف أولى بالنجاح وأحرى بادراك البغية إن شاء الله تعالى ### || AUTO المسألة الرابعة # الاعتراض على الظواهر غير مسموع # والدليل عليه أن لسان العرب هو المترجم عن مقاصد الشارع ولسان العرب يعدم ~~فيه النص أو ينذر إذ ms916 قد تقدم أن النص إنما يكون نصا إذا سلم عن احتمالات ~~عشرة وهذا نادر أو معدوم فإذا ورد دليل منصوص وهو بلسان PageV04P324 ~~العرب فالاحتمالات دائرة به وما فيه احتمالات لا يكون نصا على اصطلاح ~~المتأخرين فلم يبق إلا الظاهر والمجمل فالمجمل الشأن فيه طلب المبين أو ~~التوقف فالظاهر هو المعتمد إذا فلا يصح الاعتراض عليه لأنه من التعمق ~~والتكلف وأيضا لو جاز الاعتراض على المحتملات لم يبق للشريعة دليل يعتمد ~~لورود الاحتمالات وإن ضعفت والاعتراض المسموع مثله يضعف الدليل فيؤدي إلى ~~القول بضعف جميع أدلة الشرع أو أكثرها وليس كذلك باتفاق # ووجه ثالث لو اعتبر مجرد الاحتمال في القول لم يكن لإنزال الكتب ولا ~~لإرسال النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فائدة إذ يلزم أن لا تقوم الحجة على ~~الخلق بالأوامر والنواهي والإخبارات إذ ليست في الأكثر نصوصا لا تحتمل غير ~~ما قصد بها لكن ذلك باطل بالإجماع والمعقول فما يلزم عنه كذلك # ووجه رابع وهو أن مجرد الاحتمال إذا اعتبر أدى إلى انخرام العادات والثقة ~~بها وفتح باب السفسطة وجحد العلوم ويبين هذا المعنى في الجملة ما ذكره ~~الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال بل ما ذكره السوفسطائية في جحد العلوم ~~منه يتبين لك أن منشأها تطريق الاحتمال في الحقائق العادية أو العقلية فما ~~بالك بالأمور الوضعية ولأجل اعتبار الاحتمال المجرد شدد على أصحاب البقرة ~~إذ تعمقوا في السؤال عما لم يكن لهم إليه حاجة مع ظهور المعنى وكذلك ما جاء PageV04P325 ~~في الحديث في قوله # أحجنا هذا لعامنا أو للأبد وأشباه ذلك بل هو أصل في الميل عن الصراط ~~المستقيم ألا ترى أن المتبعين لما تشابه من الكتاب إنما اتبعوا فيها مجرد ~~الاحتمال فاعتبروه وقالوا فيه وقطعوا فيه على الغيب بغير دليل فذموا بذلك ~~وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالحذر منهم # ووجه خامس وهو أن القرآن قد احتج على الكفار بالعمومات العقلية والعمومات ~~المتفق عليها كقوله تعالى قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون ~~لله قل فأنى تسحرون ms917 فاحتج عليهم بإقرارهم بأن ذلك لله على العموم وجعلهم إذ ~~أقروا بالربوبية لله في الكل ثم دعواهم الخصوص مسحورين لا عقلاء وقوله ~~تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ~~فأنى يؤفكون يعني كيف يصرفون عن الإقرار بأن الرب هو الله بعد ما أقروا ~~فيدعون لله شريكا وقال تعالى خلق PageV04P326 ~~السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار إلى قوله ذلكم الله ربكم له ~~الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون وأشباه ذلك مما ألزموا أنفسهم فيه الإقرار ~~بعمومه وجعل خلاف ظاهره على خلاف المعقول ولو لم يكن عند العرب الظاهر حجة ~~غير معترض عليها لم يكن في إقرارهم بمقتضى العموم حجة عليهم لكن الأمر على ~~خلاف ذلك فدل على أنه ليس مما يعترض عليه # وإلى هذا فأنت ترى ما ينشأ بين الخصوم وأرباب المذاهب من تشعب ~~الاستدلالات وإيراد الإشكالات عليها بتطريق الاحتمالات حتى لا تجد عندهم ~~بسبب ذلك دليل يعتمد لا قرآنيا ولا سنيا بل انجر هذا الأمر إلى المسائل ~~الإعتقادية فاطرحوا فيها الأدلة القرآنية والسنية لبناء كثير منها على أمور ~~عادية كقوله ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء ~~الآية وقوله ألهم أرجل يمشون بها وأشباه ذلك واعتمدوا على مقدمات عقلية غير ~~بديهة ولا قريبة من البديهة هربا من احتمال يتطرق في العقل للأمور العادية ~~فدخلوا في أشد مما منه فروا ونشأت مباحث لا عهد للعرب بها وهم المخاطبون ~~أولا بالشريعة فخالطوا الفلاسفة في أنظارهم وباحثوهم في مطالبهم التي لا ~~يعود الجهل بها على الدين بفساد ولا يزيد البحث فيها إلا خبالا وأصل ذلك ~~كله الإعراض عن مجاري العادات في العبارات ومعانيها الجارية في الوجود وقد ~~مر فيما تقدم أن مجاري العادات قطعية في الجملة وإن طرق العقل إليها ~~احتمالا فكذلك العبارات لأنها في الوضع الخطابي تماثلها أو تقاربها ومر ~~أيضا بيان كيفية اقتناص القطع من الظنيات وهى خاصة هذا الكتاب لمن تأمله ~~والحمد لله فإذا لا يصح PageV04P327 ~~في الظواهر ms918 الاعتراض عليها بوجوه الاحتمالات المرجوحة إلا أن يدل دليل على ~~الخروج ! عنها فيكون ذلك داخلا في باب التعارض والترجيح أو في باب البيان ~~والله المستعان ### || AUTO المسألة الخامسة # الناظر في المسائل الشرعية إما ناظر في قواعدها الأصلية أو في جزئياتها ~~الفرعية وعلى كلا الوجهين فهو إما مجتهد أو مناظر فأما المجتهد الناظر ~~لنفسه فما أداه إليه اجتهاده فهو الحكم في حقه إلا أن الأصول والقواعد إنما ~~ثبتت بالقطعيات ضرورية كانت أو نظرية عقلية أو سمعية وأما الفروع فيكفي ~~فيها مجرد الظن على شرطه المعلوم في موضعه فما أوصله إليه الدليل فهو الحكم ~~في حقه أيضا ولا يفتقر إلى مناظرة لأن نظره في مطلبه إما نظر فى جزئي وهو ~~ثان عن نظره في الكلي الذى ينبني عليه وإما نظر في كلي ابتداء والنظر في ~~الكليات ثان عن الاستقراء وهو محتاج إلى تأمل واستبصار وفسحة زمان يسع ذلك ~~وهكذا إن كان عقليا ففرض المناظرة هنا لا يفيد لأن المجتهد قبل الوصول ~~متطلب من الأدلة الحاضرة عنده فلا يحتاج إلى غيره فيها وبعد الوصول هو على ~~بينة من مطلبه PageV04P328 ~~في نفسه فالمناظرة عليه بعد ذلك زيادة وأيضا فالمجتهد أمين على نفسه فإذا ~~كان مقبول القول قبله المقلد ووكله المجتهد الآخر إلى أمانته إذ هو عنده ~~مجتهد مقبول القول فلا يفتقر إذا اتضح له مسلك المسألة إلى مناظرة # وهنا أمثلة كثيرة كمشاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم السعدين في ~~مصالحة الأحزاب على نصف تمر المدينة فلما تبين له من أمرهما عزيمة المصابرة ~~والقتال لم يبغ به بدلا ولم يستشر غيرهما وهكذا مشاورته وعرضه الأمر في شأن ~~عائشة فما أنزل الله الحكم لم يلق على أحد بعد وضوح القضية ولما منعت العرب ~~الزكاة عزم أبو بكر على قتالهم فكلمه عمر في ذلك فلم يلتفت إلى وجه المصلحة PageV04P329 ~~في ترك القتال إذ وجد النص الشرعي المقتضي لخلافه وسألوه في رد أسامة ~~ليستعين به وبمن معه على قتال أهل الردة فأبى لصحة الدليل عنده بمنع رد ms919 ما ~~أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم # وإذا تقرر وجود هذا في الشريعة وأهلها لم يحتج بعد ذلك إلى مناظرة ولا ~~إلى مراجعة إلا من باب الاحتياط وإذا فرض محتاطا فذلك إنما يقع إذا بنى ~~عليه بعض التردد فيما هو ناظر فيه وعند ذلك يلزمه أحد أمرين إما السكوت ~~اقتصارا على بحث نفسه إلى التبين إذ لا تكليف عليه قبل بيان الطريق وإما ~~الاستعانة بمن يثق به وهو المناظر المستعين فلا يخلو أن يكون موافقا له في ~~الكليات التي يرجع إليها ما تناظرا فيه أولا # فإن كان موافقا له صح إسناده إليه واستعانته به لأنه إنما يبقى له تحقيق ~~مناط المسألة المناظر فيها والأمر سهل فيها فإن اتفقا فحسن وإلا فلا حرج ~~لأن الأمر في ذلك راجع إلى أمر ظني مجتهد فيه ولا مفسدة في وقوع الخلاف هنا ~~حسبما تبين في موضعه # وأمثلة هذا الأصل كثيرة يدخل فيها أسئلة الصحابة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في المسائل المشكلة عليهم كما في سؤالهم عند نزول قوله الذين آمنوا ولم PageV04P330 ~~يلبسوا إيمانهم بظلم وعند نزول قوله وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله الآية وسؤال ابن أم كتوم حين نزل لا يستوى القاعدون من ~~المؤمنين الآية حتى نزل غير أولى الضرر وسؤال عائشة عند قوله عليه الصلاة ~~والسلام # من نوقش الحساب عذب واستشكالها مع الحديث قول الله تعالى فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا وأشباه ذلك # وإنما قلنا أن هذا الجنس من السؤالات داخل في قسم المناظر المستعين لأنهم ~~إنما سألوا بعد ما نظروا في الأدلة فلما نظروا أشكل عليهم الأمر بخلاف ~~السائل عن المحكم ابتداء فإن هذا من قبيل المتعلمين فلا يحتاج إلى غير ~~تقرير الحكم ولا عليك من إطلاق لفظ المناظر فإنه مجرد اصطلاح لا ينبني عليه ~~حكم كما أنه يدخل تحت هذا الأصل ما إذا أجرى الخصم المحتج نفسه مجرى السائل ~~المستفيد حتى ينقطع الخصم بأقرب الطرق كما جاء في شأن محاجة إبراهيم عليه ~~السلام قومه ms920 بالكوكب والقمر والشمس فإنه فرض نفسه بحضرتهم مسترشدا حتى يبين ~~لهم من نفسه البرهان أنها ليست بآلهة وكذلك قوله في الآية الأخرى إذ قال ~~لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين فلما سأل عن ~~المعبود سأل عن المعنى الخاص بالمعبود بقوله هل يسمعونكم إذ تدعون أو ~~ينفعونكم أو يضرون فحادوا عن الجواب إلى الإقرار بمجرد الاتباع للآباء ~~ومثله قوله بل فعله كبيرهم الآية وقوله تعالى الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل PageV04P331 ~~من ذلكم من شيء وقوله أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلا أن ~~يهدى الآية وقوله ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها إلى آخرها ~~فهذه الآي وما أشبهها إشارات إلى التنزل منزلة الاستفادة والاستعانة في ~~النظر وإن كان مقتضى الحقيقة فيها تبكيت الخصم إذ من كان مجيئا بالبرهان في ~~معرض الاستشارة في صحته فكان أبلغ في المقصود من المواجهة بالتبكيت ولما ~~اخترموا من التشريعات أمورا كثيرة أدهاها الشرك طولبوا بالدليل كقوله تعالى ~~أم اتخذوا من دون الله آلهة قل هاتوا برهانكم قل أرأيتم ما أنزل الله لكم ~~من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله آذن لكم أم على الله تفترون من يدع ~~مع الله إلها آخر لا برهان له به الآية وهو من جملة المجادلة بالتي هي أحسن # وإن كان المناظر مخالفا له في الكليات التي ينبني عليها النظر في المسألة ~~فلا يستقيم له الاستعانة به ولا ينتفع به في مناظرته إذ ما من وجه جزئي في ~~مسألته إلا وهو مبني على كلي وإذا خالف في الكلي ففي الجزئي المبني عليه ~~أولى فتقع مخالفته في الجزئي من جهتين ولا يمكن رجوعها إلى معنى متفق عليه ~~فالاستعانة مفقودة # ومثاله في الفقهيات مسألة الربا في غير المنصوص عليه كالأرز والدخن ~~والذرة والحلبة وأشباه ذلك فلا يمكن الاستعانة هنا بالظاهري النافي للقياس PageV04P332 ~~لأنه بان على نفي القياس جملة وكذلك كل مسألة قياسية لا ms921 يمكن أن يناظر ~~فيها مناظرة المستعين إذ هو مخالف في الأصل الذى يرجعان إليه وكذلك مسألة ~~الحلبة والذرة أو غيرهما بالنسبة إلى المالكي إذا استعان بالشافعي أو ~~الحنفي وإن قالوا بصحة القياس لبنائهما المسألة على خلاف ما يبنى عليه ~~المالكي وهذا القسم شائع في سائر الأبواب فإن المنكر للإجماع لا يمكن ~~الاستعانة به في مسألة تنبني على صحة الإجماع والمنكر لإجماع أهل المدينة ~~لا يمكن أن يستعان به في مسألة تنبني عليه من حيث هو منكر والقائل بأن صيغة ~~الأمر للندب أو للإباحة أو بالوقف لا يمكن الاستعانة بهم لمن كان قائلا ~~بأنها للوجوب ألبتة # فإن فرض المخالف مساعدا صحت الاستعانة كما إذا كان مساعدا حقيقة وهذا لا يخفي ### || AUTO فصل # وإذا فرض المناظر مستقلا بنظره غير طالب للاستعانة ولا مفتقرا إليها ~~ولكنه طالب لرد الخصم إلى رأيه أو ما هو منزل منزلته فقد تكفل العلماء بهذه PageV04P333 ~~الوظيفة غير أن فيها أصلا يرجع إليه وقد مر التنبيه عليه في أول كتاب ~~الأدلة وهنا تمامه بحول الله وهى ### || AUTO المسألة السادسة # فنقول لما انبنى الدليل على مقدمتين إحداهما تحقق المناط والأخرى تحكم ~~عليه ومر أن محل النظر هو تحقق المناط ظهر انحصار الكلام بين المتناظرين ~~هنالك بدليل الاستقراء وأما المقدمة الحاكمة فلا بد من فرضها مسلمة # وربما وقع الشك في هذه الدعوى فقد يقال إن النزاع قد يقع في المقدمة ~~الثانية وذلك أنك إذا قلت هذا مسكر وكل خمر أو وكل مسكر حرام فقد يوافق ~~الخصم على أن هذا مسكر وهى مقدمة تحقيق المناط كما أنه قد يخالف فيها أيضا ~~وإذا خالف فيها فلا نكير على الجملة لأنها محل الاختلاف وقد يخالف في أن كل ~~مسكر خمر فإن الخمر إنما يطلق على النيئ من عصير العنب فلا يكون هذا المشار ~~إليه خمرا وإن أسكر وإذ ذاك لا يسلم أن كل مسكر خمر ويخالف أيضا في أن كل ~~مسكر حرام فإن الكلية لهذه المقدمة لا تثبت لأنها مخصوصة أخرج منها النبيذ ~~بدليل ms922 دل عليه وإذا لم تصح كليتها لم يكن فيها دليل فإذا صارت منازعا فيها ~~فكيف يقال بإنحصار النزاع في إحدى المقدمتين دون الأخرى بل كل واحدة منهما ~~قابلة للنزاع وهو خلاف ما تأصل PageV04P334 ~~والجواب أن ما تقدم صحيح وهذا الإشكال غير وارد وبيانه أن الخصمين إما أن ~~يتفقا على أصل يرجعان إليه أم لا فإن لم يتفقا على شيء لم يقع بمناظرتهما ~~فائدة بحال وقد مر هذا وإذا كانت الدعوى لا بد لها من دليل وكان الدليل عند ~~الخصم متنازعا فيه فليس عنده بدليل فصار الإتيان به عبثا لا يفيد فائدة ولا ~~يحصل مقصودا ومقصود المناظرة رد الخصم إلى الصواب بطريق يعرفه لأن رده بغير ~~ما يعرفه من باب تكليف ما لا يطاق فلا بد من رجوعهما إلى دليل يعرفه الخصم ~~السائل معرفة الخصم المستدل وعلى ذلك دل قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول الآية لأن الكتاب والسنة لا خلاف فيهما عند أهل ~~الإسلام وهما الدليل والأصل المرجوع إليه في مسائل التنازع وبهذا وقع ~~الاحتجاج على الكفار فإن الله تعالى قال قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم ~~تعلمون إلى قوله قل فأنى تسحرون فقررهم بما به أقروا واحتج بما عرفوا حتى ~~قيل لهم فأنى تسحرون أي فكيف تخدعون عن الحق بعد ما اقررتم به فادعيتم مع ~~الله إلها غيره وقال تعالى إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا ~~يبصر ولا يغنى عنك شيئا وهذا من المعروف عندهم إذ كانوا ينحتون بأيديهم ما ~~يعبدون وفى موضع آخر أتعبدون ما تنحتون وقال تعالى قال إبراهيم فإن الله ~~يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب قال له ذلك بعد ما ذكر له قوله ~~ربي الذى يحيى ويميت فوجد الخصم مدفعا فانتقل إلى ما لا يمكنه فيه المدفع ~~بالمجاز ولا بالحقيقة وهو من أوضح الأدلة فيما نحن فيه وقال تعالى إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل آدم الآية فأراهم البرهان بما لم يختلفوا فيه ms923 هو آدم ~~وقال تعالى يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل ~~إلا من بعده وهذا قاطع في دعواهم أن إبراهيم يهودي أو نصراني وعلى هذا ~~النحو تجد احتجاجات القرآن فلا يؤتى PageV04P335 ~~فيه إلا بدليل يقر الخصم بصحته شاء أو أبى وعلى هذا النحو جاء الرد على من ~~قال ما أنزل الله على بشر من شئ قال تعالى قل من أنزل الكتاب الذى جاء به ~~موسى الآية فحصل إفحامه بما هو به عالم وتأمل حديث صلح الحديبية ففيه إشارة ~~إلى هذا المعنى فإنه لما أمر عليا أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم قالوا ما ~~نعرف بسم الله الرحمن الرحيم ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم فقال # اكتب من محمد رسول الله قالوا لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك ولكن اكتب ~~اسمك واسم أبيك فعذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان هذا من حمية ~~الجاهلية وكتب على ما قالوا ولم يحتشم من ذلك حين أظهروا النصفة من عدم ~~العلم وأنهم إنما يعرفون كذا # وإذا ثبت هذا فالأصل المرجوع إليه هو الدليل الدال على صحة الدعوى وهو ما ~~تقرر في المقدمة الحاكمة فلزم أن تكون مسلمة عند الخصم من حيث جعلت حاكمة ~~في المسألة لأنها إن لم تكن مسلمة لم يفد الإتيان بها وليس فائدة التحاكم ~~إلى الدليل إلا قطع النزاع ورفع الشغب وإذا كان كذلك فقول القائل # هذا مسكر وكل مسكر خمر إن فرض تسليم الخصم فيه للمقدمة الثانية صح ~~الاستدلال من حيث أتى بدليل مسلم وإن فرض نزاع الخصم فيها لم يصح الاستدلال ~~بها ألبتة بل تكون مقدمة تحقيق المناط في قياس آخر وهى التي لا يقع النزاع ~~إلا فيها فيبين أن كل مسكر حمر بدليل استقراء أو نص أو غيرهما فإذا بين ذلك ~~حكم عليه بأنه حرام مثلا إن كان مسلما أيضا عند الخصم كما جاء في النص # أن كل خمر حرام وإن نازع في أن كل خمر حرام صارت مقدمة تحقيق المناط ولا ms924 ~~بد إذ ذاك من مقدمة أخرى تحكم عليها وفى كل مرتبة من هذه المراتب لا بد من ~~مخالفة الدعوى للدعوى الأخرى التي في المرتبة الأخرى فإن سؤال السائل هل كل ~~خمر حرام مخالف لسؤاله إذا سأل هل كل مسكر خمر PageV04P336 ~~وهكذا سائر مراتب الكلام في هذا النمط فمن هنا لا ينبغي أن يؤتى بالدليل ~~على حكم المناط منازعا فيه ولا مظنة للنزاع فيه إذ يلزم فيه الانتقال من ~~مسألة إلى أخرى لأنا إن فعلنا ذلك لم تتخلص لنا مسألة وبطلت فائدة المناظرة ### || AUTO فصل # واعلم أن المراد بالمقدمتين ههنا ليس ما رسمه أهل المنطق على وفق الإشكال ~~المعروفة ولا على اعتبار التناقض والعكس وغير ذلك وإن جرى الأمر على وفقها ~~في الحقيقة فلا يستتب جريانه على ذلك الاصطلاح لأن المراد تقريب الطريق ~~الموصل إلى المطلوب على أقرب ما يكون وعلى وفق ما جاء في الشريعة وأقرب ~~الأشكال إلى هذا التقرير ما كان بديهيا في الإنتاج أو ما أشبهه من اقتراني ~~أو استثنائي إلا أن المتحري فيه إجراؤه على عادة العرب في مخاطباتها ومعهود ~~كلامها إذ هو أقرب إلى حصول المطلوب على أقرب ما يكون ولأن التزام ~~الاصطلاحات المنطقية والطرائق المستعملة فيها مبعد عن الوصول إلى المطلوب ~~في الأكثر لأن الشريعة لم توضع إلا على شرط الأمية ومراعاة علم المنطق في ~~القضايا الشرعية مناف لذلك فإطلاق لفظ المقدمتين لا يستلزم ذلك الاصطلاح # ومن هنا يعلم معنى ما قاله المازري في قوله عليه الصلاة والسلام # كل مسكر خمر وكل خمر حرام قال فنتيجة هاتين المقدمتين أن كل مسكر حرام # قال وقد أراد بعض أهل الأصول أن يمزج هذا بشئ من علم أصحاب المنطق فيقول ~~أن أهل المنطق يقولون لا يكون القياس ولا تصح النتيجة إلا بمقدمتين فقوله # كل مسكر خمر مقدمة لا تنتج بانفرادها شيئا وهذا وان اتفق لهذا الأصولي ~~ههنا وفى موضع أو موضعين في الشريعة فإنه لا يستمر في سائر PageV04P337 ~~أقيستها ومعظم طرق الأقيسة الفقهية لا يسلك فيها هذا المسلك ms925 ولا يعرف من ~~هذه الجهة وذلك أنا لو عللنا تحريمه عليه الصلاة والسلام التفاضل في البر ~~بأنه مطعوم كما قال الشافعي لم نقدر أن نعرف هذه العلة إلا ببحث وتقسيم فإذ ~~عرفناها فللشافعي أن يقول حينئذ كل سفرجل مطعوم وكل مطعوم ربوي # فتكون النتيجة السفرجل ربوي قال ولكن هذا لا يفيد الشافعي فائدة لأنه ~~إنما عرف هذا وصحة هذه النتيجة بطريقة أخرى فلما عرفها من تلك الطريقة أراد ~~أن يضع عبارة يعبر بها عن مذهبه فجاء بها على هذه الصيغة قال ولو جاء بها ~~على أي صيغة أراد مما يؤدي منه مراده لم يكن لهذه الصيغة مزية عليها قال ~~وإنما نبهنا على ذلك لما ألفينا بعض المتأخرين صنف كتابا أراد أن يرد فيها ~~أصول الفقه لأصول علم المنطق # هذا ما قاله المازري وهو صحيح في الجملة وفيه من التنبيه ما ذكرناه من ~~عدم إلتزام طريقة أهل المنطق في تقرير القضايا الشرعية وفيه أيضا إشارة PageV04P338 ~~إلى ما تقدم من أن المقدمة الحاكمة على المناط إن لم تكن متفقا عليها ~~مسلمة عند الخصم فلا يفيد وضعها دليلا ولما كان قوله عليه الصلاة والسلام # وكل خمر حرام مسلما لأنه نص النبي صلى الله عليه وسلم لم يعترض فيه ~~المخالف بل قابله بالتسليم واعترض القاعدة بعدم الاطراد وذلك مما يدل على ~~أنه من كلامه عليه الصلاة والسلام أمر اتفاقي لا أنه قصد قصد المنطقيين ~~وهكذا يقال في القياس الشرطي في نحو قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا لأن لو لما سيقع لوقوع غيره فلا استثناء لها في كلام العرب قصدا وهو ~~معنى تفسير سيبويه ونظيرها إن لأنها تفيد ارتباط الثاني بالأول في التسبب ~~والاستثناء لا تعلق له بها في صريح كلام العرب فلا احتياج إلى ضوابط المنطق ~~في تحصيل المراد في المطالب الشرعية # وإلى هذا المعنى والله أعلم أشار الباجي في أحكام الفصول حين رد على ~~الفلاسفة في زعمهم أن لا نتيجة إلا من مقدمتين ورأى أن المقدمة الواحدة قد ~~تنتج ms926 وهو كلام مشكل الظاهر إلا إذا طولع به هذا الموضع فربما استقام في النظر PageV04P339 ~~وقد تم والحمد لله الغرض المقصود وحصل بفضل الله إنجاز ذلك الموعود على ~~أنه قد بقيت أشياء لم يسع إيرادها إذ لم يسهل على كثير من السالكين مرادها ~~وقل على كثرة التعطش إليها ورادها فخشيت أن لا يردوا مواردها وأن لا ينظموا ~~في سلك التحقيق شواردها فثنيت من جماع بيانها العنان وأراحت من رسمها القلم ~~والبنان على أن في أثناء الكتاب رموزا مشيرة وأشعة توضح من شمسها المنيرة ~~فمن تهدى إليها رجا بحول الله الوصول ومن لا فلا عليه إذا اقتصر التحصيل ~~على المحصول ففيه إن شاء الله مع تحقيق علم الأصول علم يذهب به مذاهب السلف ~~ويقفه على الواضحة إذا اضطرب النظر واختلف # فنسأل الله الذى بيده ملكوت كل شئ أن يعيننا على القيام بحقه وأن يعاملنا ~~بفضله ورفقه إنه على كل شئ قدير وبالإجابة جدير والحمد لله وكفى وسلام على ~~عباده الذين اصطفى PageV04P340 ~~الحكم الأول عليه باق بلا إشكال وكل أحد فقيه نفسه في هذا المجال وربما ~~تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره فحسن ظنه بنفسه ودخل في الكلام فيه مع ~~الراسخين ومن هنا افترقت الفرق وتباينت النحل وظهر في تفسير القرآن الخلل # ومنها أن من ترك النظر في القرآن واعتمد في ذلك على من تقدمه ووكل إليه ~~النظر فيه غير ملوم وله في ذلك سعة إلا فيما لا بد له منه وعلى حكم الضرورة ~~فإن النظر فيه يشبه النظر في القياس كما هو مذكور في بابه وما زال السلف ~~الصالح يتحرجون من القياس فيما لا نص فيه وكذلك وجدناهم في القول في القرآن ~~فإن المحظور فيهما واحد وهو خوف التقول على الله بل القول في القرآن أشد ~~فإن القياس يرجع إلى نظر الناظر والقول في القرآن يرجع إلى أن الله أراد ~~كذا أو عنى كذا بكلامه المنزل وهذا عظيم الخطر # ومنها أن يكون على بال من الناظر والمفسر والمتكلم عليه أن ما يقوله ms927 ~~تقصيد منه للمتكلم والقرآن كلام الله فهو يقول بلسان بيانه هذا مراد الله ~~من هذا الكلام فليتثبت أن يسأله الله تعالى من أين قلت عنى هذا فلا يصح له ~~ذلك إلا ببيان الشواهد وإلا فمجرد الاحتمال يكفي بأن يقول يحتمل أن يكون ~~المعنى كذا وكذا بناء أيضا على صحة تلك الاحتمالات في صلب العلم وإلا ~~فالاحتمالات التي لا ترجع إلى أصل غير معتبرة فعلى كل تقدير لا بد في كل ~~قول يجزم به أو يحمل من شاهد يشهد لأصله وإلا كان باطلا ودخل صاحبه تحت أهل ~~الرأي المذموم والله أعلم PageV04P424 ~~ ms928