######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0006248 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: صدر الدين محمد بن علاء الدين علي بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (المتوفى: 792هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 792 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الاتباع #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: بحوث ومسائل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0006248 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-6248 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/6248 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد عطا الله حنيف - عاصم بن عبد الله القريوتي #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1405هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: عالم الكتب - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | وهو حسبي وعليه أتوكل # قال الشيخ الإمام العالم القاضي صدر الدين علي بن العز الحنفي رحمه الله # أما بعد فإني وقفت على رسالة لبعض الحنفية رجح فيها تقليد مذهب أبي حنيفة ~~رحمه الله وحض على ذلك ووجدت فيها مواضع مشكلة فأحببت أن أنبه عليها خوفا ~~من التفرق المنهي عنه واتباع الهوى المردي امتثالا لقوله تعالى {واعتصموا ~~بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} آل عمران 103 وقوله تعالى {إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} الأنعام 159 وقوله تعالى {شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ~~أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} الشورى 13 وقوله تعالى {وإن هذه أمتكم ~~أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم ~~فرحون} المؤمنون 53 زبرا أي كتبا وقوله تعالى {وما تفرقوا إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم} الشورى 14 وقوله تعالى {ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله} # PageV01P021 # الآية (ص 26) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية ~~رضي الله عنه (فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن ~~كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) رواه ابو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح ~~وأمثال ذلك في الكتاب والسنة كثيرة في النهي عن التفرق واتباع الهوى # أقول هذا وأعتقد أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى إمام جليل من كبار أئمة ~~المسلمين رضي الله عنهم أجمعين # منها قوله في أول الخطبة م: الحمد لله الذي هدانا إلى اتباع الملة ~~الحنيفية وأرشدنا إلى سلوك طريقة العلماء الحنفية # ش: فإنه إن كان يريد بطريقة العلماء الحنفية اتباع الكتاب والسنة ~~والإجماع والقياس الصحيح فليس ذلك مختصا بالعلماء الحنفية بل سائر علماء ~~المسلمين على هذه الطريقة وإنما خالف في اعتبار القياس أهل الظاهر وإن كان ~~يريد بذلك تقليدهم للإمام أبي حنيفة ففيه تفصيل ms01 فإن من قلد إماما معينا ~~فيما وقع له ولم يتبين له فيه الدليل فذلك سائغ بل واجب # PageV01P022 # عليه عند الضرورة إذا وقعت له كائنة لا يعلم حكم الله فيها وبلغه قوله ~~فيها ولم يعلم له فيها مخالفا وإن قلده فيما تبين له فيه الدليل موافق له ~~فليس ذلك بتقليد له بل يكون في ذلك متبعا للدليل إلا أن ينوي تقليد الإمام ~~دون متابعة الدليل إذ الأعمال بالنيات # وإن قلده فيما تبين له فيه أن الدليل مخالف له أو قدر على النظر في ~~الدليل وفهمه ولم يفعل فهذا هو التقليد المذموم فإن صاحبه داخل في زمرة ~~الذين قالوا {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} الزخرف 23 ~~والذين قال الله عنهم {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا} البقرة 177 وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان إن شاء الله ~~تعالى # ومنها قوله م: وجعلني ممن عرف مراتب أدلة الشرع وكيفية دلالتها # ش # : فإن هذا يناقض مقصوده بهذه الرسالة فإن من عرف مراتب أدلة الشرع وكيفية ~~دلالتها يكون من أهل الإجتهاد فلا يسوغ له تقليد إمام معين ولا الأمر بذلك ~~إلا أن يريد أنه عرف صناعة الإستدلال بالأدلة الشرعية أصول الفقه ولم يعرف ~~الأدلة الشرعية نفسها التي هي الكتاب والسنة وما أظنه يرضى لنفسه بهذه ~~المنزلة بل الظاهر أن مراده أنه يعرف الأدلة الشرعية ومراتبها وكيفية ~~دلالتها وحينئذ فلا يسوغ له التقليد لإمام معين ولا غير معين إلا فيما خفى ~~عنه ولا الأمر بتقليد إمام معين من الأئمة # وهو في هذه الرسالة يدعو إلى تقليد الإمام أبي حنيفة رحمه الله دون غبره ~~ويقيم الدليل على ذلك وهذا تناقض بين وليس هذا من طريقة # PageV01P023 # العلماء الحنفية بل ابو يوسف ومحمد وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة خالفوا ~~ابا حنيفة فيما ظهر لهم فيه الدليل على خلاف قوله ولم يخرجوا بذلك عن كونهم ~~من أصحابه بل الذي ذكره غير واحد من أهل العلم إذا كان له نوع ms02 تميز يتبع أي ~~القولين أرجح عنده وأقربه إلى الدليل بحسب تميزه فإنه خير له من الخير ~~المطلق فكيف من يعرف أدلة الشرع وكيفية دلالتها ولم يقل أحد من العلماء أنه ~~يجب أو يشرع التزام قول شخص معين في كل ما يوجبه ويحرمه ويبيحه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بل قد قال الشافعي رحمه الله أجمع المسلمون على أن ~~من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل له أن يدعها لقول ~~أحد # ومنها قوله م: وجبلني على التعصب لمجتهد كان من قورن شهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم بخيرها وعدالتها # ش: فإن في هذا الكلام نظرا من وجهين # أحدهما دعواه أنه جبل على الوصف الذي ذكره وهذا الوصف وهو التعصب لمجتهد ~~معين مكتسب وليس في الطبع السليم ما يقتضي # PageV01P024 # التعصب لهذا العالم دون هذا العالم وإنما يأتي ذلك غالبا من هوى النفس ~~فيكون حينئذ قد جبل على خلق ذميم ولو ادعى أنه جبل على اتباع الحق وقول هذا ~~الإمام المعين هو الحق لكانت المقدمة الأولى مسلمة والثانية محل النزاع فإن ~~كل مولود يولد على الفطرة قال الله تعالى {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها} الآية الروم 30 ففي الفطر مركوز معرفة حسن اتباع ~~الحق لا أن اتباع هذا العالم متعين دون هذا العالم إلا أن يدعي أن هذا ~~العالم معصوم عن الخطأ في اجتهاده دون غيره ولا يدعي هذا عاقل فإنه يكون قد ~~أنزله منزلة الرسول صلوات الله عليه وسلامه فإن الغضب والتعصب لواحد معين ~~من الأئمة وصف مذموم من جنس فعل الرافضة وهو من أفعال الجاهلية كما في صحيح ~~مسلم وسنن النسائي عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية وينصر عصبية ~~فقتلته جاهلية) # وروى أبو داود عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال (ليس منا ms03 من دعا إلى عصبية وليس منا من قال بعصبية وليس منا من ~~مات على عصبية) # PageV01P025 # وفي الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه حين قال الأنصار يا للأنصار وقال ~~بالمهاجرون فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما بال دعوى الجاهلية ~~وفي رواية منتنة الحديث # وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~سمعتموه يدعوا بدعوة الجاهلية فاعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) وفي لفظ # من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا فسمع أبي ~~رجلا يقول يا لفلان فقال أعضض أير أبيك فقالوا يا ابا المنذر ما كنت فحاشا ~~فقال بهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أحمد والنسائي وقال صلى ~~الله عليه وسلم (عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة) # الثاني: إستدلاله على تقديمه له على غيره بكونه من خير القرون فإن هذا لا ~~يلزم تقديم هذا الإمام وحده على غيره ممن كان في زمانه وقبله بل ولا على من ~~بعده فإن تفضيل الجملة على الجملة لا يقتضي تفضيل كل فرد على كل فرد بل قد ~~يتنازع العلماء هل في غير الصحابة من هو خير من # PageV01P026 # بعضهم على قولين ذكرهما القاضي عياض وغيره والأكثر على تفضيل كل فرد ولكن ~~من بعد الصحابة ليس مثلهم فقد كان فيهم مثل الحجاج بن يوسف وفضل الأفراد ~~إنما هو بالتقوى كما قال الله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات ~~13 وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على ~~عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) (الناس كلهم بنو ~~آدم وآدم من تراب) # ولو قابله مالكي المذهب بمثل مثل قوله وادعى أن الإمام مالك بن أنس أولى ~~بالاتباع من أبي حنيفة رحمهما الله تعالى فإن مذهبه مذهب أهل المدينة ~~الشريفة أصح مذاهب أهل المدائن فإنهم كانوا يتأسون بآثار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أكثر من سائر الأمصار وكان غيرهم ms04 من أهل الأمصار دونهم في ~~العلم بالسنة النبوية واتباعها حتى أنهم يفتقرون إلى نوع من سياسة الملوك ~~وآراء العلماء ومقاصد العباد أكثر من افتقار أهل المدينة ولهذا لم يذهب أحد ~~من علماء المسلمين إلى أن إجماع أهل مدينة من المدائن # PageV01P027 # حجة يجب اتباعها لا في تلك الأعصار ولا بعدها غير المدينة الشريفة فإنه ~~قد اختلفت في إجماع أهلها إلا استدلاله بذلك على تقديم مذهب مالك نظير ~~استدلال على تقديم مذهب أبي حنيفة ومن مثل هذا الإستدلال نشأ الإفتراق في ~~هذه الأمة فإنا لله وإنا إليه راجعون # ومنها قوله م: والصلوة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي المبعوث إلى ~~الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا وعلى آله ~~وأصحابه وعترته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أما بعد فإن ~~الزمان لما انتهى إلى وقت تضعضع فيه أركان رباع العلوم وتقعقع فيه بنيان ~~بقاع المعلوم وخلت غاياتها عن أسامة أبي الشبلين حتى ضج فيها ثعالبة أبو ~~الحصين وشاع الحديث والطعن على مذهب الأقدمين وذاع ادعاء أن ابا حنيفة الذي ~~هو أقدم المجتهدين لم يعلم أحاديث البخاري وخالف سيد المرسلين وكان ذلك ~~موهما لوهن مذهبه عند ضعفاء اليقين أشار إلي بعض الإخوان الذين هم بمنزلة ~~الإنسان للعين والعين للإنسان أن اكتب رسالة تقوي اعتقاد ضعفة الحنفية في ~~مذهب إمامهم وتعرف ما للناس عليه في غالب البلدان من الاحتياج إلى مذهبه من ~~خلفهم وإمامهم فكتبتها مشتملة على مقدمة ومقصد وخاتمة المقدمة في بيان سبب ~~ترجيح تقليده على غيره # ش: وفيها مباحث فقوله ذاع ادعاء فإن في هذا الكلام مقابلة الفاسد بالفاسد ~~والواجب رد الباطل بحق ولا يجوز رد الباطل بالباطل فإن الباطل لا يرد ~~الباطل وإنما يرده الحق قال الله تعالى {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ~~فإذا هو زاهق} الأنبياء 21 # والواجب أن يقال لمن قال إن ابا حنيفة خالف سيد المرسلين هذا القول كذب ~~وبهتان وسب لهذا الإمام الجليل يستحق قائله الردع والزجر عن هذه المقالة ~~الباطلة إن ms05 أراد به أنه خالفه عن قصده وإن أراد به أنه خالفه عن تأويل أو ~~ذم القول ولم يذكر قائله فهو هين كما يوجد في كلام # PageV01P028 # المختلفين في مسائل الاجتهاد من كلام البخاري رحمه الله وقال بعض الناس ~~كذا وقال في بعض المواضع فخالف الرسول ولم يسم المخالف من هو وذكر في الشرط ~~أن محمد بن الحسن استبعد قول أبي حنيفة رحمه الله في عدم لزوم الوقف وسماه ~~تحكما من غير حجة والمصنف في هذه الرسالة في المسألة الثانية عشر قد نسب ~~إلى الشافعي مخالفة قول الله {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} البقرة ~~228 ### | لا تنه عن خلق وتأتي مثله # والقول قد يكون مخالفا للنص وقائله معذور فإن المخالفة بتأويل لم يسلم ~~منها أحد من أهل العلم وذلك التأويل وإن كان فاسدا فصاحبه مغفور له لحصوله ~~عن اجتهاده فإن المجتهد إذا اجتهد وأصاب فله أجران أجر على اجتهاده وأجر ~~على إصابته الحق وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر على اجتهاده وخطأه مغفور له # فمخالفة النص إذا كانت عن قصد فهي كفر وإن كانت عن إجتهاد فهي من الخطأ ~~المغفور # PageV01P029 # فلا يجوز أن يقال عن أبي حنيفة ولا عمن دونه من أهل العلم فيما يوجد من ~~أقواله مخالفا للنص أنه خالف الرسول قصدا بل إما أن يقال إن النص لم يبلغه ~~أو لم يظهر له دليل على ذلك الحكم أو عارضه عنده دليل آخر أو غير ذلك من ~~الأعذار رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين # وقد انحرف في شأن أبي حنيفة رحمه الله طائفتان فطائفة قد غلبت في تقليده ~~فلم تترك له قولا وأنزلوه منزلة الرسول صلى الله عليه وسلم وإن أورد عليهم ~~نص مخالف قوله تأولوه على غير تأويله ليدفعوه عنهم ولم يكن أصحابه معه كذلك ~~بل رجعوا عن كثير مما كانوا قلدوه فيه لما ظهر لهم فيه الدليل على خلاف ~~قوله وطائفة تنقصته وادعت أنه أخذ بالرأي وترك النص هو وأصحابه وسموهم ~~أصحاب الرأي وهم ما بين مستقل في ذلك من الطرفين ms06 ومستكثر فتراهم ما بين ~~قادح تارة بحق وتارة بباطل والله يغفر لنا ولهم # وأما المعنى الفاسد الذي قوبل به هذا القول الباطل فهو دعوى أن أبا حنيفة ~~أقدم المجتهدين فإنه إن أراد أقدم المجتهدين من هذه الأمة فهذا باطل قطعا ~~فكم قبله من مجتهدي الصحابة والتابعين وإن أراد أقدم الأئمة الأربعة ~~المشهورين وهذا هو مراده فالإمام مالك كان معاصرا له فإن مولد أبي حنيفة ~~رحمه الله سنة ثمانين من الهجرة ووفاته سنة خمسين # PageV01P030 # ومائة ومولد مالك رحمه الله سنة ثلاث وتسعين ووفاته سنة تسع وسبعين ومائة ~~فتعاصرا سبعا وخمسين سنة ولم يثبت أن أحدهما تأهل للاجتهاد قبل صاحبه وعلى ~~تقدير ثبوته لا يلزم منه جواز التقليد لواحد منهما دون الآخر فضلا عن ~~الوجوب بل الواجب في مسائل النزاع الرد إلى الله والرسول قال الله سبحانه ~~وتعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} النساء 59 والرد إلى ~~الله إلى كتابه والرد إلى الرسول الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد وفاته # وأهل التقليد لا يفعلون ذلك بل يأخذ أحدهم بما يجد في كتب أصحاب ذلك ~~الإمام الذي قلده ولا يلتفت إلى قول من خالفه كائنا من كان ونص ذلك الإمام ~~والكتب عنده بمنزلة نص الشارع وكثيرا ما يكون ذلك النص من كلام بعض الأصحاب ~~في الفتاوى ولم يكن لذلك الإمام في تلك المسألة قول منقول # ويلزم القائل بترجيح المجتهد الأقدم أن يرجح قول زيد (رض) وعمر (رض) ~~وغيرهما من الصحابة أو قول سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد أو غيرهما من ~~التابعين على قول # PageV01P031 # إمامه وهذا لا يفعله كثير من المقلدين ولا شك أن هذا ترجيح لم ينشأ عن ~~دليل بل هو فاسد فكم من تلميذ أعلم من شيخه وأفضل منه فهذا أبو حنيفة رحمه ~~الله شيخه حماد ولا يذكر حماد عند مقلدي أبي حنيفة رحمه الله # وأيضا فقد يعارضه من يقلد الإمام المتأخر بأن يقول الإمام المتأخر اطلع ~~على أقوال الأئمة المتقدمين ونظر في أدلتهم واختار الصحيح والأصح ms07 فيكون ~~تقليده أولى لجمعه ما كان متفرقا عند الأئمة الذين كانوا قبله وإطلاعه على ~~ما يطلع عليه كل فرد منهم فظهر سقوط الاستدلال بفدم المجتهد # ومنها قوله م: المبحث الأول في بيان فضله نقلا وعقلا اما النقل فهو ما ~~اشتهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال خير القرون الذين أنا فيهم ~~ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب فإن فيه دلالة على خيرية # PageV01P032 # التابعين ولم يكن ذلك إلا لعلمهم بأحوال الدين وأتباع ما ورثوا من سيد ~~المرسلين من علم الكتاب والسنة وآثار الصحابة الطاهرين وجدهم في الشعر شك ~~عما يتوقف عليه القياس لحفظهم عما يوجب الجرح والالتباس وفرط تحرزهم عن ~~تغيير ما وجدوه من الحق وعن إلحاق غير الحق بالحق وكان أبو حنيفة رحمه الله ~~إماما صادقا وفقيها فائقا عالما بالكتاب والسنة سالكا محجة أهل السنة متبعا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر وسنة ذا أصحاب علماء أنقياء لا من أهل ~~البدع ولا من أهل الأهواء مجتهدين بذلوا وسعهم في تحقيق الحق فيما عزلهم من ~~المسالك جل أو دق ومن شهد النبي صلى الله عليه وسلم بخيره أولى بالتقليد من ~~مجتهد غيره انتهى # ش: فإن هذا الإستدلال غير صحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين القرون ~~في الجملة وقد يكون في التفضيل من غيره أفضل منه كالحجاج فلا يصح الاستدلال ~~على تفضيل فرد منهم على من بعده بكونه منهم وإنما يرجح بالسبق إلى الإصابة ~~مع التساوي في الزمان كما يرجح أول من أسلم على من تأخر إسلامه لا بالسبق ~~في الوجود قال الله تعالى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الحجرات 13 وقال صلى ~~الله عليه وسلم (مثل أمتي كمثل المطر لا يدري آخره خير أم أوله) أخرجه ~~الترمذي ولما كان هذا الاستدلال صحيحا فهو مشترك بين الحنفية والمالكية فقد ~~تقدم أن مالكا عاصر أبا حنيفة رحمه الله سبعا وخمسين سنة ولم يثبت أن ~~أحدهما تأهل للاجتهاد قبل صاحبه وكل منهما من القرون المفضلة ms08 # PageV01P033 # ورسخوا ذلك بأن قالوا مذهب مالك مذهب أهل المدينة الشريفة النبوية دار ~~الهجرة ودار النصرة التي من الله فيها لرسوله صلى الله عليه وسلم الاسلام ~~وشرائعه وإليها هاجر المهاجرون إلى الله ورسوله وبها كان للأنصار والتابعين ~~وتابعيهم أصح المذاهب أهل المدائن الاسلامية ولا شك أن مالكا رحمه الله كان ~~من تابعي التابعين من القرون المفضلة وفلي هذه القرون التي أثنى عليها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومذهب أهل المدينة أصح مذاهب أهل المدائن إذ آثار ~~النبوة فيها باقية لم تتغير كما تقدم التنبيه على بعض ذلك من قولهم وهو في ~~القوة كما ترى يحكون عن الشافعي رحمه الله أنه قال له محمد بن الحسن أيهما ~~أعلم صاحبكم أو صاحبنا يعني أبا حنيفة ومالكا رحمهما الله قلت على الإنصاف ~~قال نعم قلت فأنشدك الله من أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم قال اللهم ~~صاحبكم قلت أنشدك الله من أعلم بالسنة صاحبنا أو صاحبكم قال اللهم صاحبكم ~~قلت فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صاحبنا أو صاحبكم قال اللهم صاحبكم قال الشافعي رحمه الله فلم يبق إلا ~~القياس والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء فعلى أي شيء تقيس ويستدلون ~~أيضا من المنقول بما هو أخص من هذا الحديث وهو الحديث الذي رواه الترمذي ~~وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (يوشك أن يضرب الناس أكباد ~~الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم # PageV01P034 # المدينة) وقد روى عن غير واحد كابن جريج وابن عيينة وغيرهم أنهم قالوا هو ~~مالك والذين نازعوا في ذلك لهم مأخذان أحدهما الطعن في الحديث فزعم بعضهم ~~أن فيه انقطاعا والثاني أنه أراد غير مالك كالعمري الزاهد وقد أجابوا عن ~~ذلك بأنه لم يكن في عصر مالك أحد ضرب الناس أكباد الإبل إليه أكثر من مالك ~~في ذلك العصر فإنه رحمه الله تأخر موته عنهم ولا رحل إلى أحد من علماء ~~المدينة ما رحل إلى مالك رحمه الله ms09 لا قبله ولا بعده ومع هذا فقد عرض عليه ~~الرشيد وغيره أن يحمل الناس على موطأه فامتنع من ذلك وقال إن أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار وإنما جمعت علم أهل بلدي أو كما ~~قال رحمه الله # ومنها قوله م: وأما العقل فلتقدمه واختصاصه بتدوين علم الفقه وإشخاصه ~~فإنه صور المسائل وأجاب عنها وأوضح الأسباب والعلل وبنى عليها وقد حكى أن ~~بعض الشافعية في زمن المزني كان يغض من أبي حنيفة رحمه الله فبلغ ذلك ~~المزني فقال له مالك وامرءا سلم له العلماء ثلاثة أرباع العلم وهو لا يسلم ~~لهم ربعه فقال الرجل كيف ذلك يا إمام فقال العلم نصفه سؤال ونصفه جواب فأما ~~النصف الأول فقد اختص به أبو حنيفة رحمه الله لم يشاركه فيه أحد وأما النصف ~~الآخر فهو يقول كله له لأنه أصاب في اجتهاده وغيره يقول المجتهد يخطىء # PageV01P035 # ويصيب أصاب في بعض وأخطأ في بعض فقد سلموا له ثلاثة أرباع العلم كما ترى ~~وهو لا يسلم لهم ربعه فتاب الرجل عما كان عليه ولعل هذا معنى قول الإمام ~~الشافعي رحمه الله الناس عيال على أبي حنيفة رحمه الله في الفقه وتقليد ~~الأقدم في الاستنباط أولى لأنه هو الذي أخذ ما أخذ من المآخذ وعض عليها ~~بالنواجذ والأضراس وغيره التقط ما من أقلامه سقط وحاز ما افرط منه أن أفرط ~~وهذا أمر يعرفه ذوو التحصيل فلا يحتاج إلى دليل ولا تعليل وكفى استياسا ~~وتنبيها بما أنشده الحريري في مقاماته الذي حاز قصبات السبق في مقالاته # (فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... للسعدى شفيت النفس قبل المتندم) # (ولكن بكت قبلي فهيج لي البكاء ... بكاءها فقلت الفضل للمتقدم) # انتهى ش: فأما استدلاله بالتقدم فقد تقدم التنبيه على بعض ما فيه وأما ~~استدلاله باختصاصه بتدوين علم الفقه فممنوع لوجهين # أحدهما أنه لم يدون بنفسه في الفقه مصنفا ينسب إليه وإنما صنف أصحابه ~~بعده على مذهبه ما صنفوه # والثاني أنه غير مختص بتصوير المسائل والجواب عنها إن كان ms10 هذا هو مراده ~~بتدوين علم الفقه فقد فعل هذا غيره من علماء المسلمين وعابه بعضهم وقال إن ~~الواجب ضبط أصول ذلك من الكتاب والسنة حتى إذا وقعت حادثة طلب معرفة الحكم ~~فيها من مظانه والعلماء مختلفون في بيع الكتب التي فيها العلم بالرأي هل ~~يجوز أم لا على قولين # وعن علي رضي الله عنه أنه كان إذا أرسل إليه بعض نوابه يسأله عن قضية من ~~قضايا الجد مع الاخوة يأمر فيها باجتهاده ويقول قطع # PageV01P036 # الكتب كأنه رضي الله عنه رأى إنه إنما يتكلم فيها بالاجتهاد للضرورة ~~فالضرورة تبيحه كالميتة وكره أن يقلد غيره من غير اجتهاده فأمر بتقطيع ~~الكتاب لذلك بخلاف ما إذا كان معه نص فإنه يبلغه ويأمر بتبليغه ولا يأمر ~~بقطع كتابه # وأما قوله إن تقديم الأقدم في الإستنباط أولى فإن ذلك غير مسلم بل قد ~~يكون التلميذ أفضل من شيخه كما تقدم # فيقال له إن كنت قلدته لكونه أقدم في الإستنباط فقلد شيخه لإنه أقدم منه ~~وكذلك من هو أقدم حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم # فإن أبى قيل له كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما ولا يجوز تقليد من ~~هو أكبر وأكثر علما وهذا تناقض بين # وإن قال أبو حنيفة رحمه الله جمع علم من قبله إلى علمه قيل له فمن جاء ~~بعد أبي حنيفة رحمه الله قد جمع علمه إلى علمه فيلزمك تقليده # فإن قال نعم فقد جعل صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ورضى عنهم وإلا تناقض # وأما قوله في الحكاية التي تنسب إلى المزني أنه قال إن أبا حنيفة رحمه ~~الله سلم له الناس إلى فيه أحد فإن هذه الحكاية لا أظن انها # PageV01P037 # تصح عن المزني لوجهين # أحدهما أن قوله أن ابا حنيفة اختص بالنصف الأول الذي هو السؤال لا يشاركه ~~فيه أحد لا يصح لأن الحوادث لا زالت تتجدد ويسأل عنها وتصور أسئلة ويجاب ~~عنها قبل أبي حنيفة رحمه ms11 الله ومعه وبعده ولا يدعي الإختصاص وعدم المشاركة ~~في ذلك إلا متعصب جاهل # والثاني إن السؤال لا يصح أن يكون نصف العلم ولا شيئا منه وإنما العلم ~~الشرعي ومعرفة الأحكام في المسائل الشرعية بأدلتها ولا يدخل السؤال بوجه ~~والتشقيق في الأسئلة وتوليدها يدركه عوام الناس وإنما يختص العلماء بمعرفة ~~الأحكام الشرعية بأدلتها وإستنباطها # ومنها قوله م: المبحث الثاني في فضل اجتهاده اعلم أن الأمة إذا اختلفوا ~~في مسألة على قولين واستقر خلافهم على ذلك لا يجوز لأحد بعد ذلك أن يحدث ~~قولا ثالثا عند عامة العلماء وأما قبل الاستقرار فهو جائز بلا خلاف وأبو ~~حنيفة رحمه الله اجتهد قبل استقرار المذاهب وصادف اجتهاده محله فكان جائزا ~~بلا خلاف ثم من اجتهد بعد ذلك فإنما اجتهد بعد استقرار المذاهب وذلك لا ~~يجوز عند أكثر العلماء كما مر وما كان جائزا بلا خلاف فهو أفضل مما كان ~~مختلفا فيه والمنازع مكابر وقد صرح أبو بكر الرازي في شرح آثار الطحاوي بأن ~~اجتهاد من بعد أبي حنيفة رحمه الله غير معتد به وتقليد الأفضل أفضل وإن لم ~~يكن واجبا فان بعض العلماء ذهب إلى أن تقليد الأفضل أفضل انتهى # ش: فإن الذي ذكره أهل الأصول في هذا الأصل أن الصحابة رضي الله عنهم إذا ~~اختلفوا في مسئلة على قولين فليس لمن بعدهم أن يقول قولا ثالثا إن كان ذلك ~~بعد استقرار مذاهبهم فيما قالوا وكذلك اختلاف العلماء في كل عصر على أقوال ~~رد القول الحادث بعد استقرار الخلاف على # PageV01P038 # ما في هذا الأصل من الخلاف وعلى تقدير صحته لا يلزم منه رد قول مالك ~~والثوري والأوزاعي والليث وأمثال هؤلاء المعاصرين لأبي حنيفة إذا خالفوه في ~~مسألة فإن المذهب لم يستقر بزعمه وإنما يلزم منه أن الصحابة إذا اتفقوا في ~~مسألة على حكم أو اختلفوا فيها على قولين أو أكثر أنه ليس لمن بعدهم أن ~~يحدث فيها قولا آخر # وهذا الأصل مشكل على المقلد في مسائل # منها مسألة الحكم بالنظير في قتل الصيد حالة ms12 الإحرام فإنه حكم اتفقت ~~الصحابة عليه والقول بالقيمة حادث وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف خلافا لمحمد # ومنها مسألة اللوطي فإن أبا حنيفة يرى تعزيزه دون حده ولم يقل أحد من ~~الصحابة رضي الله عنهم بالاكتفاء بتعزيزه وإنما اختلفوا في كيفية قتله ~~فمقتضى هذا الأصل أنه لا يجوز الإكتفاء بتعزيزه لأنه قول # PageV01P039 # حادث بعد إستقرار الخلاف بين الصحابة على أقوال ليس هو منها ونظائر هاتين ~~المسألتين كثيرة فظهر أن هذا الأصل الذي ذكره حجة عليه في تقليده لا له # وكم قد خالف أبا حنيفة أبو يوسف ومحمد وزفر وغيرهم من أصحابه في مسائل لا ~~تكاد تحصى وكم قد رجعوا عن مسألة لما ظهر لهم فيها الدليل على خلاف ما ~~كانوا وافقو فيه وقد قال ابو يوسف لما رجع عن قوله في مقدار الصاع وعن صدقة ~~الخضروات وغيرها لو رأى صاحبي ما رايت لرجع كما رجعت وإنما قال ذلك لأنه ~~يعلم من أبي حنيفة رحمه الله أنه إذا ظهر له الدليل رجع إليه # ومن ظن أن أبا حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين يتعمد مخالفة الحديث ~~الصحيح أو غيره أو أنه إذا قال بالقياس ثم ظهر له النص لا يرجع إليه فقد ~~أخطأ عليهم بل لو تبين له خطأ ذلك القياس لرجع عنه إلى ما هو أصح منه وإن ~~لم يكن ثم نص فكيف إذا ظهر له النص فاذا ساغ هذا لأصحاب أبي حنيفة رحمه ~~الله كيف لا يسوغ لغيرهم والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل فقوله ~~وأبو حنيفة اجتهد قبل # PageV01P040 # استقرار المذاهب وصادف اجتهاده محله إلى آخره لا يلزم منه تقليد أبي ~~حنيفة وحده ولا يلزم منه أنه لا يجوز الإجتهاد في مسألة لا يعرف عن السلف ~~فيها قول ولا أن أحدا إذا ظهر له رجحان قول أحد أنه لا يأخذ به إلا ما وافق ~~قول أبي حنيفة رحمه الله والمنازع في هذا هو المكابر # وما نسبه إلى أبي بكر الرازي من أن اجتهاد من بعد أبي حنيفة ms13 رحمه الله ~~غير معتد به قول ساقط لأنه مجرد دعوى قد ادعى نظيرها غيره من المتعصبين ~~واختلفوا متى انسد باب الاجتهاد على أقوال ما أنزل الله بها من سلطان فمنهم ~~من قال بعد المائتين من الهجرة ومنهم من قال بعد الشافعي رحمه الله ومنهم ~~من قال بعد الأوزاعي وسفيان وعند هؤلاء أن الأرض قد خلت من قائم لله بحجة ~~ولم يبق فيها من يتكلم بعلم أو ينظر في كتاب الله أو سنة رسوله لأخذ ~~الأحكام منهما ولا يحكم ولا يفتي بما فيهما حتى يعرضه على قول مقلده ~~ومتبوعه فإن وافقه حكم به وأفتى به وإلا رده ولم يقبله وهذه أقوال كما ترى ~~في غاية الفساد والقول على الله بغير علم وأيضا فإن الحوادث متعاقبة الوقوع ~~فإذا وقعت حادثة غير منصوصة فلا بد فيها من الإجتهاد أو حادثة في الحكم ~~فيها خلاف بين السلف فلا بد فيها من الاجتهاد ليظهر أي الأقوال فيها أقرب ~~إلى موافقة الدليل من الكتاب والسنة وإن كانت تلك المسألة إجماعية فلا يسوغ ~~فيها الإجتهاد سواء ذلك كله زمان أبي حنيفة وبعده وما يقول غير هذا إلا ~~صاحب هوى وعصبية نسأل الله السلامة والعافية # وقوله م: وتقليد الأفضل أفضل إلى آخره # PageV01P041 # ش: على تقدير صحته يلزم منه أن لا يقلد أبا حنيفة فيما خالفه فيه شريح ~~وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وخارجة ابن زيد فضلا عن الصحابة رضي الله ~~عنهم والمقلد لو تعارض عنده قول أبي حنيفة وقول أحد من هؤلاء بل لو عارض ~~قول أبي حنيفة رحمه الله حديث صحيح لما أخذ إلا بقول أبي حنيفة وقال أبو ~~حنيفة أخبر بهذا ولولا أن هذا الحديث منسوخ لما خالفه أبو حنيفة رحمه الله ~~وإن كان عنده معرفة بوجوه التأويل أخذ يؤول ذلك الحديث ويحرفه ما استطاع ~~وإن كان الحديث موافقا لما قاله أبو حنيفة قال هذا لنا ويكون أخذه لذلك ~~الحديث على وجه الاعتضاد به لا على وجه الاعتماد عليه فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون مع ms14 أن الأفضل من الأئمة الأربعة لا يعلمه إلا الله تعالى هو أعلم ~~بمن اتقى والعلم برجحان قول على قول أيسر من العلم بفضل أحد الإمامين على ~~الآخر فإن الأحكام عليها أدلة من الكتاب والسنة والإجماع والإستنباط وقد ~~تكلم فيها الصحابة والتابعون وتابعوهم والأئمة والفقهاء إلى اليوم # وأما تفضيل شخص على شخص من العلماء فليس منصوصا عليه ولا مجمعا عليه ~~وغالب الخائضين فيه إنما يتكلمون بهوى وتعصب وهل قلد أحد من المقلدين إماما ~~من الأئمة الأربعة لما بدا له انه أفضل من # PageV01P042 # الباقين ولا أظنه ذلك بل لأن والده أو وليه أو صديقه شغله في كتاب من ذلك ~~المذهب أو أشار عليه أن يشتغل فيه فقلده في ذلك وقد يحمله على ذلك إرادة ~~ولاية أو وظيفة أو نحو ذلك ثم بعد ذلك يحمله الهوى على التعصب لذلك المذهب ~~وحده والأخذ بجميع أقوال ذلك الإمام وإن ظهر له الدليل في خلافه في بعض ~~المسائل مع علمه أن المجتهد يخطىء ويصيب وقد قال الله تعالى {يا داود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله} ص 26 # ولا نقول إن هؤلاء الأئمة وأمثالهم لا يجوز تقليدهم لآحاد العوام وأنه ~~يجب على آحاد العوام أن يكون مجتهدا في كل مسألة تنزل به فان هذا قول ضعيف ~~قاله بعض أهل الكلام وجمهور الأئمة والأمة على خلافه وهو خطأ لأن أكثر ~~العوام عاجزون عن معرفة الإستدلال على كل مسألة # وهؤلاء الأئمة المشهورون كان لهم من الاجتهاد في معرفة الأحكام وإظهار ~~الدين للأنام ما فضلهم الله به على غيرهم # ومن ظن أنه يعرف الأحكام من الكتاب والسنة بدون معرفة ما قاله هؤلاء ~~الأئمة وأمثالهم فهو غالط مخطىء ولكن ليس الحق وقفا على واحد منهم والخطأ ~~وقفا بين الباقين حتى يتعين اتباعه دون غيره كما هو ظاهر ما يدعو إليه ~~الشيخ في هذه الرسالة # ومنها قوله م: المبحث الثالث في قوة اجتهاده لم يستدل أبو حنيفة رحمه ~~الله على حكم ms15 مسألة بغير الكتاب ما دام الاستدلال بالكتاب ممكنا ولا يخفى # PageV01P043 # التناقض والاختلاف قال الله تعالى {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} النساء 82 انتهى # ش: أنظر إلى ركاكة هذه العبارة وخلطها وفسادها ومراده أنه يستدل بالكتاب ~~ثم بالسنة ثم بالإجماع ثم بالقياس وهذا الوصف الذي قاله في الإمام أبي ~~حنيفة صحيح لا ريب فيه عند المنصف ولكن لا يلزم منه أن غيره من الأئمة ليس ~~موصوفا بهذا الوصف ولم يصر أحد منهم إماما من أئمة المسلمين له لسان صدق في ~~الأمة إلا لاتصافه بهذا الوصف ولكن ما من واحد منهم إلا وقد فاته معرفة بعض ~~النصوص أو خفي عنه وجه الصواب في الاستنباط منها أو لم يحضره النص حين أفتى ~~بخلافه إذ كل منهم بشر ينسى كما ينسى البشر ومن هذا يحصل الخطأ في الإجتهاد ~~ويقع الخلاف من العلماء رضي الله عنهم من هذا أن يؤخذ بقولهم فيما اتفقوا ~~عليه وما اختلفوا فيه ينظر فيه فما كان أقرب إلى موافقة الدليل فهو الذي ~~يتعين الأخذ به ومن لم يكن أهلا للنظر في دليل القولين فليسكت وليكف الناس ~~شره وإن نظر في القولين ولم يظهر له رجحان أحدهما فحينئذ يجوز له الأخذ ~~بالقولين وليس قول فلان والحالة هذه بأولى من قول فلان والله يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم # قوله م: ولم يستدل بالحديث إلا ما ثبت عنده صحته بمتنه ومعناه وكان إماما ~~حاويا بما يتعلق بالأركان في الحديث انتهى # ش: وإن كان في لفظه قصور ففي معناه نظر فإنه لا يلزم ثبوت صحة الحديث ~~لصحة الاستدلال به بل يصح الاستدلال بما يحتمل الصحة عند عدم المعارض فكيف ~~بما ترجح صحته وإن لم يثبت # PageV01P044 # قوله وقد روى عن يحيى بن نصر رحمه الله تعالى قال سمعت أبا حنيفة رحمه ~~الله قال عندي صناديق من الحديث ما أخرجت إلا اليسير منها أراد ما سلم عن ~~النسخ والمعارضة فروى عن أبي يوسف أنه قال احفظ عشرين ms16 ألف حديث منسوخ ولا ~~بد لها من ناسخ فأين انصاف من يتفقه أن أبا حنيفة وأصحابه لم يصلهم ما رواه ~~البخاري في صحيحه هل ذلك إلا زيغ وتعصب باطل نعوذ بالله من ذلك انتهى # ش: فإنه لا يصح نسبة هذا الكلام إلى الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما ~~الله وإن ما حكاه عن أبي حنيفة قد ذكره البخاري في مسند أبي حنيفة بمعناه ~~لكن رواته ضعاف ويحيى بن نصر صاحب هذا ضعيف قال أبو زرعة ليس بشيء # وأيضا فإن الأحاديث كلها ناسخها ومنسوخها لم تجمع في زمن أبي حنيفة رحمه ~~الله ولقد رحل أهل الحديث في جمعها في زمن أبي حنيفة # PageV01P045 # وبعده حتى جمعوها ودونت وهذا مسند الإمام أبي حنيفة الذي خرجه البخاري ~~موجود رويناه مع جملة تيسر روايته من كتب الحديث ومسند الإمام أحمد أكبر ~~منه بلا ريب بأضعاف كثيرة وكذلك موطأ مالك أكبر منه ومسند الشافعي أيضا وقد ~~ألف غيرهم من أهل الحديث من السنن والمسانيد مؤلفات عديدة ولم يلتزم أحد ~~منهم رحمهم الله جمع الصحيح بمفرده كما التزمه الشيخان البخاري ومسلم ~~رحمهما الله وإن كان غيرهما قد جمع الصحيح ولكن الصحيحان اللذان جمعهما ~~البخاري ومسلم أصح الكتب المصنفة هذا الذي عليه أئمة الإسلام ولفظ بعضهم ~~وليس بعد القرآن كتاب أصح من كتاب مسلم والبخاري وجمهورهم على أن البخاري ~~أصح من مسلم واتفقوا على أن البخاري أجل من مسلم وأعلم بصناعة الحديث منه ~~رجح منه ومن رجح مسلما فإنما رجحه بجمعه لألفاظ الحديث في مكان واحد فان ~~ذلك أيسر على من يريد جمع ألفاظ الحديث قالوا ولم يقع للبخاري غلط إلا وقد ~~بين فيه الصواب فان من عادته انه إذا وقع من الرواة غلط في لفظ ذكر ألفاظ ~~سائر الرواة التي يعلم فيها الصواب كما وقع له حديث أبي هريرة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لا # PageV01P046 # يزال يلقى في النار وهي تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه ~~فتقول قط قط وينزوي بعضها ms17 إلى بعض وأما الجنة فيبقى فيها فضل فينشيء الله ~~لها خلقا فيسكنهم فضول الجنة هكذا هو في أكثر الروايات ووقع في بعض طرقه ~~غلط قال فيه وأما النار فيبقى فيها فضل فالبخاري رواه في سائر المواضع على ~~الصواب ليبين غلط هذا الراوي بخلاف مسلم فإنه وقع له في عدة أحاديث غلط ~~أنكرها عليه الحفاظ # والذي أنكر على الشيخين أحاديث قليلة جدا وأحاديث البخاري ومسلم لم يقل ~~أهل الحديث أنها صحيحة بمجرد رواية البخاري ومسلم لها بل لأنه قد رواها ~~غيرهما من العلماء والمحدثين من لا يحصى عددهم إألا الله تعالى ولم ينفرد ~~واحد منهم بحديث بل ما من حديث رواه إلا وقد رواه قبل زمانه ومن زمانه وبعد ~~طوائف ولو لم يخلق البخاري ومسلم لم ينقص من الدين شيء وكانت تلك الأحاديث ~~موجودة بأسانيد يحصل بها المقصود وفوق المقصود # وإنما قولنا رواه البخاري ة ومسلم كقولنا رواه القراء السبعة والقرآن ~~منقول بالتواتر لم يختص هؤلاء السبعة بنقل الشيء منه # وكذلك التصحيح لم يقلد أهل الحديث فيه البخاري ومسلما بل جمهور ما صححاه ~~وما كان قبلهما عند أئمة الحديث # PageV01P047 # صحيحا متلقى بالقبول وكذلك في عصرهما وبعده وقد نظر أئمة هذا الفن في ~~كتابيهما ووافقوهما على تصحيح ما صححاه إلا مواضع يسيرة نحو عشرين حديثا ~~غالبها في مسلم إنتقدها عليهما طائفة من الحفاظ وقد انتصر طائفة لهما ~~وطائفة قررت قول المنتقد والصحيح التفصيل فإن فيها مواضع منتقدة بلا ريب في ~~مسلم مثل حديث أم حبيبة # PageV01P048 # وحديث خلق التربة يوم السبت وحديث صلاة الكسوف بثلاث ركعات وأكثر وفيها ~~مواضع لا انتقاد فيها وأكثر ما لا انتقاد فيه البخاري فإنه أبعد الكتابين ~~عن الإنتقاد ولا يكاد يروي لفظا فيه انتقاد إلا ويروي اللفظ الآخر الذي ~~يبين أنه منتقد وفي الجملة من نقد سبعة آلاف درهم فلم يبهرج عليه فيها إلا ~~دراهم يسيرة ومع هذا فهي معتبرة ليست بمغشوشة محضة فهذا إمام في صنعته وفي ~~كتابه سبعة آلاف # PageV01P049 # حديث وكسر وهذا الذي قاله أهل العلم ms18 من أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من ~~كتابي البخاري ومسلم إنما كان لأن هذين الكتابين جرد فيهما الحديث الصحيح ~~المسند ولم يكن القصد بتصنيفهما ذكر آثار الصحابة والتابعين ولا تمييز ~~الحسن والمرسل وشبه ذلك وما جرد فيه الصحيح المسند عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهو أصح الكتب المصنفة لأنه أصح منقول عن المعصوم # فأما المسانيد والسنن فإنها لم يلتزم فيها تمييز الصحيح من غيره ومن ~~التزم تجريد الصحيح غيرهما حصل عنده تساهل وتسامح لم يسلم لأحد كتابه من ~~الانتقاد وأين صناديق حديث منسوخ أو عشرون ألف حديث منسوخ وقد جمع ابن ~~الجوزي المنسوخ من الأحاديث في ورقات وقال إنه أفرد فيها قد ر ما صح نسخه ~~أو احتمل وأعرض عما لا # PageV01P050 # وجه لنسخه ولا احتمال وقال فمن سمع بخبر يدعى عليه النسخ وليس فيها فيعلم ~~وهاء تلك الدعوى ثم قال وقد تدبرته فاذا هو أحد وعشرون حديثا وذكرها والذي ~~صح نسخه منها أقل من عشرة أحاديث وهذا هو الذي يشهد العقل لصدقة إذا سلم من ~~الهوى وقد ادعى كثير من الفقهاء في كثير من السنة أنها منسوخة وذلك إما ~~لعجزه عن الجمع بينهما وبين ما يظن أنه يعارضها وإما لعدم علمه ببطلان ذلك ~~المعارض وأما لتصحيح مذهبه ودفع ما يرد عليه من جهة مخالفة ولكن يجد غيره ~~قد بين الصواب في ذلك لأن هذا الدين محفوظ ولا تجتمع هذه الأمة على الضلالة ~~وكيف ينسب مثل هذا إلى الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وهو يؤدي ~~إلى الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي دينه لأن لازمه أنه صلى ~~الله عليه وسلم كان يأمر بأشياء متعارضة ويشرع كل وقت شيئا ثم ينسخه حتى ~~بلغ ذلك ما يحتوي عليه صناديق وهل هذا إلا قول مجازف صاحب هوى نسأل الله ~~العافية # ولو قال إن تلك الأحاديث الكثيرة لم يخرجها لاحتمال كونها ضعيفة أو ~~موضوعة لكان أقرب إلى الصدق من قوله إنها منسوخة أو متعارضة فإن نقاد ~~الحديث ms19 إنما امتازوا بتمييزهم الصحيح من غيره أما معرفة الناسخ والمنسوخ ~~مهما أيسر وأصل اختلاط الصحيح بغيره من ظهور الكذابين والمتعصبين وأكثرهم ~~من الرافضة بالعراق وهم أكذب الطوائف حتى تعدى شرهم إلى أهلها ولهذا كان ~~أهل المدينة يتوقفون في أحاديثهم # وكان مالك يقول أنزلوا أحاديثهم منزلة أحاديث أهل الكتاب لا تكذبوهم ~~وتصدقوهم وقال له عبد الرحمن بن مهدي يا ابا عبد الله # PageV01P051 # سمعنا في بلدكم أربع مائة حديث في أربعين يوما ونحن في يوم واحد نسمع هذا ~~كله فقال يا عبد الرحمن ومن أنزلنا دار الضرب يضربون بالليل وينفقون ~~بالنهار هذا مع أنه كان بالكوفة وغيرها من الثقات الأكابر كثير ولكن لكثرة ~~الكذب الذي كان أكثره من الشيعة صار الأمر يشتبه على من لا يميز بين هذا ~~وهذا بمنزلة الغريب إذا دخل إلى بلد يصف أهله كذابون خوانون فإنه يحترس ~~منهم حتى يعرف الصدوق الثقة وبمنزلة الدراهم التي كثر فيها الغش فانه يحترس ~~عن المعاملة بها من لا يكون نقادا # ومنها قوله م: والذي يقضي منه العجب حال هؤلاء في قلة أنصافهم وفرط جورهم ~~واعتسافهم أن البخاري نشأ ببخارى وحصل ما حصل من الحديث بها وأهلها حنفيون ~~كلهم ثم إنهم ينفون الحديث عنهم وذلك دليل واضح على أن الأحاديث التي جمعها ~~البخاري كانت عند الحنفية موجودة إلا أنهم كانوا علماء راسخين يسمون ~~البخاري محمد بن إسماعيل القصاص ذكره صاحب المحيط علموا الناسخ والمنسوخ ~~فلم يعملوا بما ثبت عندهم نسخه وكان أبو حنيفة رحمه الله رجلا كثير ~~الاعتناء بالأخذ بالحديث حتى جوز نسخ الكتاب بالحديث لقوة منزلة الحديث ~~وعمل بالمراسيل وقدمها على الرأي وقدم رواية المجهول على القياس وقدم قول ~~الصحابي على القياس قال نصر بن محمد ما رأيت رجلا أكثر أخذا للآثار من أبي ~~حنيفة وأما الإجماع فان أبا حنيفة كان أشده رعاية له لم يجعل الاختلاف ~~السابق مانعا عن الإجماع اللاحق واعتبر الاجماع السكوتي أما # PageV01P052 # القياس فقد سلم له العلماء كلهم حتى سموا اصحابه أصحاب الرأي قال مالك ~~رحمه الله ms20 حين سئل عن أبي حنيفة رحمه الله رأيته رجلا لو ادعى أن هذه ~~السارية صارت ذهبا لأقام بحجة وقد هدى إلى صراط مستقيم انتهى # ش: فقوله يسمون البخاري محمد بن إسماعيل القصاص ذكره صاحب المحيط فإن هذا ~~كلام من لم يبلغه سيرة البخاري وإنما يبلغه قول مبغضه عنه ولم يكن عنده ما ~~يستدل به على صدق القول من كذبه وإلا فالبخاري رحمه الله رحل إلى البلاد في ~~طلب الحديث والعلم إلى جميع محدثي الأمصار وهذه أسانيده تشهد له بذلك حتى ~~جمع من السنة ما فاق به على نظرائه ولما قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث ~~اجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا ~~الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا لمتن آخر ودفعوها إلى عشرة أنفس لكل رجل ~~عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوها على البخاري فحضر المجلس ~~جماعة من أصحاب الحديث فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة ~~فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال لا اعرفه حتى فرغ من العشرة والبخاري ~~يقول لا أعرفه فأما العلماء فعرفوا بإنكاره أنه عارف وأما غيرهم فلم يدركوا ~~ذلك منه ثم انتدب رجل آخر من العشرة فكان حاله معه كذلك ثم انتدب آخر إلى ~~اتمام العشرة والبخاري لا يزيدهم على قوله لا أعرفه فلما فرغوا التفت إلى ~~الأول منهم فقال أما حديثك الأول فهو كذا وكذا والثاني كذا على النسق إلى ~~آخر العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه ثم فعل # PageV01P053 # بالباقين مثل ذلك فأقر له الناس بالحفظ واذعنوا له بالفضل # ومن نظر في تبويب صحيحه ظهر له فضله وقدرته على استنباط الاحكام وإن كان ~~في بعض تبويبه نظر ولو لم يكن قد أحاط من السنة بأكثر مما أحاط به نظراؤه ~~منها لما قدر على جمع هذا المقدار الذي في جامعه من الصحيح وهل سمع في أهل ~~بخارى بنظيره من الحنفية أو غيرهم حتى يقال إن الذي حصله من الحديث منهم ~~ولو سمع أسماء ms21 مشايخه الذين روى عنهم لم يقل هذه المقالة وكونهم يسمونه ~~محمد بن إسماعيل القصاص لا يضره فما هو بأول من تنقصه حساده # (كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا إنه لذميم) # وإذا سمعنا من ذم الإمام أبا حنيفة نردع من يذمه ونزجره ومدح البخاري لا ~~نقابله بذم أبي حنيفة بل نرد ذم الإمام أبي حنيفة رحمه الله ونقر مدح ~~البخاري رحمه الله {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا ~~تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} الحشر 10 # ومنها قوله م: وأما المقصد ففي ذكر مسائل توجب تقليده المسألة الأولى في ~~الإيمان ذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن الإيمان التصديق بالقلب والإقرار ~~باللسان فمن صدق محمدا بقلبه فيما جاء به من عند ربه وأخر بلسانه فهو مؤمن ~~والأعمال أي الصلاة والصوم والزكاة والحج غير داخل فيه وذهب الشافعي رحمه ~~الله إلى أنها داخلة فيه ويلزم من ذلك أن من ترك الصلاة والصوم أو منع ~~الزكاة أو # PageV01P054 # ترك الحج لا يكون مؤمنا لأن الكل ينتفي بانتفاء جزئه بالاتفاق فيكون في ~~النار خالدا مخلدا ولا يخفى ضرره وبطلانه بالأحاديث الدالة على أن من قال ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة فلولا مذهب أبي حنيفة رحمه الله ~~لكان كل من ترك فعلا من الأعمال المذكورة آنفا كافرا تطلق امرأته وبوطئها ~~يكون زانيا ويبطل حجه وجهاده انتهى # ش: فإن أكثر الأئمة على أن الإيمان قول وعمل مالك والشافعي وأحمد وغيرهم ~~رحمهم الله تعالى فالمسألة معروفة # وليس للشافعي بها اختصاص والمصنف لم يذكر في مسائله الستة عشرة المذكورة ~~كلها إلا الشافعي رحمه الله وكأن الذي صنف لأجله هذه الرسالة شافعي المذهب ~~فلذلك يخص الشافعي بالذكر والله أعلم # والذي قصده المصنف هنا أن الناس محتاجون إلى تقليد أبي حنيفة رحمه الله ~~في القول بأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان واستدل على ذلك بأنه يلزم ~~من القول بدخول الأعمال في مسمى الإيمان أنه ينتفي بانتفاء بعض الأعمال ~~وهنا تفصيل ms22 لا بد من التنبيه عليه وهو أنه ان ترك الصلاة أو الصوم أو ~~الزكاة أو الحج إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام يجوز أن يخفى عليه وجوبه ~~جاحدا له فهو كافر بالإجماع إن جحد ذلك وإن تركه عمدا غير جاحد فقد قيل إنه ~~يكفر وقيل يكفر بتلك الصلاة دون غيرها من أركان الدين وقيل إنما يكفر إذا ~~تكرر الترك منه فيكفر بترك صلاتين أو ثلاث لا بترك صلاة واحدة وقيل يقتل ~~بترك الصلاة حدا لا لكفره كل هذه أقوال معروفة في مذهب أحمد رحمه الله ~~وبعضها في مذهب # PageV01P055 # الشافعي ومالك وغيرهم رضي الله عنهم ولا يصح الترجيح لقول أبي حنيفة رحمه ~~الله بأن الناس محتاجون إلى تقليده في القول بأن الصلاة والصوم والزكاة ~~والحج غير داخل في الإيمان إلا أن يقال إن من ترك شيئا من ذلك عامدا فهو ~~كافر فإن هذا ترجيح فاسد فلا يكون الترجيح بالدليل الصحيح # ولو قيل إنه يلزم من قولكم أن يترك الناس الصلاة والصوم والزكاة والحج ~~ويقولون نحن مؤمنون لا يضر إيماننا ترك هذه العبادات لكان هذا أبلغ في ~~التشنيع ولكن مثل هذا لا يرتضيه فقيه # وللقائل بأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان أن يقول لا نسلم أن الإيمان ~~يزول بزوال عمل من الأعمال وإن كانت داخلة في مسمى الإيمان فإن الإيمان أصل ~~له شعب كما قال صلى الله عليه وسلم (الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) متفق عليه # وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله كشهادة أن لا إله إلا الله ومنها ~~ما لا يزول الإيمان بزواله كإماطة الأذى عن الطريق والشعب التي ينشأ بينهما ~~منها ما يقرب من شهادة الوحدانية ومنها ما يقرب من إماطة # PageV01P057 # الأذى والقول بأن الكل ينتفي جزئه مغلطة فإن أراد به قائله بانتفاء ~~المجموع فهذا غلط فإن من قطعت يده مثلا لم يخرج عن كونه إنسانا ولا انتفى ~~وجوده وإن كانت يده جزء منه وإن أراد به انتفاء ms23 الهيئة الاجتماعية فمسلم ~~وهذا هو الذي يعنونه بقولهم انتفت صفة الكمال ويشهد لهذا قوله تعالى {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} الأنفال 2 # وقوله صلى الله عليه وسلم (لا إيمان لمن لا أمانة له) وأمثال ذلك في ~~الكتاب والسنة كثيرة والمنفي في مثل هذا صفة الكمال فينفي صحة الإيمان ~~المطلق لا مطلق الإيمان وإن أراد به انتفاء الاسم كما ينتفي العشرة بانتفاء ~~جزئها وإن كان المجموع لم ينتف فهو غلط أيضا فإن الإيمان من أسماء الأجناس ~~واسم الجنس لم ينتف بانتفاء بعض المسمى بخلاف العشرة فانها اسم لعدد خاص ~~وإنما نظيرها انتفاء الإيمان بجحود بعض ما جاء به الرسول فإن الإيمان اسم ~~خاص له فظهر بهذا أن قوله والكل ينتفي بانتفاء جزئه بالاتفاق غلط # وقوله ولا يخفى ضرره وبطلانه بالأحاديث الدالة على أن من قال لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله دخل الجنة # ش: لا حجة له في الأحاديث التي أشار إليها فإنه لا يلزم من دخول الجنة أن ~~لا يدخل النار ولا دخوله النار أن يكون فيها خالدا مخلدا وحديث الشفاعة ~~المتفق على صحته يدل على ذلك ويدل على زيادة # PageV01P058 # الإيمان ونقصانه فان فيه انه يخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من بر ~~أو شعير من إيمان تم من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ثم من في قلبه ~~أدنى من مثقال حبة من إيمان وفي صحيح البخاري عن وهب بن منبه أنه قيل له ~~أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة قال بلى ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان فإن ~~جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك ولا يلزم من نقص الإيمان ~~بانتفاء بعض الأعمال أو بضعفه في نفسه زواله كما تقدم ولهذا والله أعلم قال ~~الطحاوي وأهله في أصله سواء ويكون نظيره العقل والبصر ونحوهما فإن كلا ~~منهما أهله في أصله سواء وإن كان العقلاء والبصراء متفاوتين # ومن لم يرجح الحكم بالدليل لا ينبغي له الانتصار لتاركي ms24 الصلاة والزكاة ~~والحج ويرجح مذهب من قال بالتخفيف عنهم بمجرد التشنيع والتهويل فإن ذلك ~~ينتهي إلى قول المرجئة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان معصية # ومنها قوله م: لولا مذهب أبي حنيفة رحمه الله لكان كل من ترك فعلا من ~~الأعمال المذكورة آنفا كافرا إلى آخره # PageV01P059 # ش: وقد تكرر منه نظير ذلك لولا مذهب أبي حنيفة لكان كذا ولولا مذهبه لكان ~~كذا وهو كلام ساقط لأن اعتقاد المعتقد كفر مسلم أو بطلان حق أو تحريم حلال ~~أو عكس ذلك لا يغير الشيء عما هو عليه ألا ترى أن الكفار لما اعتقدوا في ~~الملائكة أنهم إناث لم يغير ذلك الملائكة عما هم عليه ولم يصيروا إناثا ~~لاعتقاد الكفار الباطل فيهم ولا يقال لولا المسلمون لكانت الملائكة إناثا # ولو لم يخلق أبو حنيفة والشافعي لما ضر دين الإسلام وليس إلى العلماء من ~~أمر الدين إلا التبليغ وإيضاح المشكل وأما أمر التكفير والتفسيق والتحليل ~~والتحريم فإلى الله ورسوله # ومنها قوله م: المسألة الثانية في الطهارات قال أبو حنيفة رحمه الله ~~ويجوز الاغتسال والوضوء بماء سخن بالروث والأخثاء ونحوهما وقال الشافعي لا ~~يجوز فلولا مذهب أبي حنيفة رحمه الله لم يطهر أحد ممن دخل فما مات هذه ~~البلاد أبدا وإذا لم يتطهر لم تصح صلاته فلا يجوز له مس المصحف بيده ولا ~~يجوز له دخول المسجد ولا يجوز له قراءة القرآن وإذا زال صلاته زال إيمانه ~~ولزمه ما ذكرنا في المسألة الأولى انتهى # ش: فان ما نقله عن الشافعي رحمه الله غير محرر بل هو غلط لأن الماء ~~المسخن بالنجاسة إذا كان بين الماء وبين دخان النجاسة حائل حصين لا يتنجس ~~بالإتفاق ولكن يكره استعماله في إحدى الروايتين عن أحمد وكذلك إن كان ~~الحائل غير حصين ولم بتحقق وصول شيء إلى الماء وهذا مبني على أن دخان ~~النجاسة نجس عنده وهو أحد القولين في مذهب مالك وهو المشهور عند أصحاب أحمد ~~رحمه الله وإحدى الروايتين عنه والرواية الأخرى أنه طاهر كما هو مذهب أبي ms25 ~~حنيفة ومالك في إحدى # PageV01P060 # القولين وهو مذهب أهل الظاهر وغيرهم وهو وجه في مذهب الشافعي أيضا فليست ~~هي من مفردات أبي حنيفة كما هو ظاهر كلام المصنف مع عدم تحريره للنقل في ~~المسألة فلو عكس التشنيع بما في مذهب أبي حنيفة من التشديد في الماء الدائم ~~والقول بنجاسته بالاستعمال وبقليل النجاسة وإن لم ير لها فيه أثر ما لم يكن ~~عشرة أذرع بذلك بغير نقل شرعي ولا هو قول أبي حنيفة أيضا إنما هو اختيار ~~أصحابه وفي هذا من الحرج ما لا يخفى خصوصا بالبلاد التي أشار إليها المصنف ~~وأمثالها لكان أظهر لكن لا يستحسن مثل هذا ولو كانت من مفردات أبي حنيفة ~~ودليلها قوي والناس محتاجون إليها فما من إمام إلا وله مفردات منها ما ~~دليله قوي والناس محتاجون إليه ومنها ما هو بخلاف ذلك # وكذلك لما استحكم الافتراق في هذه الأمة نصبوا من كل طائفة قاضيا لئلا ~~يضيع كثير من حقوق الناس ومصالحهم باقامة عالم زاهد مقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهجر أقوال غيره من العلماء وازداد بذلك استحكام التفرق ~~وكان الواجب النهي عن التفرق لا تقرره فإنا لله وإنا إليه راجعون # وقوله إذا زال صلاته زال إيمانه ولزوم ما ذكرناه في المسألة الأولى ممنوع ~~لما تقدم إن الزائل صفة الكمال وإن القول بأن الكل ينتفي بانتفاء جزئه غلط ~~وتشنيع غير صحيح # ومنها قوله م: المسألة الثالثة في الصلاة قال ابو حنيفة رحمه الله من نوى ~~بقلبه صلاة يصليها جازت إن لم يذكرها باللسان وقال الشافعي رحمه الله لا ~~يجوز ما لم يكن الذكر اللساني مقارنا للقلبي وأكثر الناس عاجزون عن ذلك ~~باعترافهم والذي يدعى المقارنة يدعي ما يرده صريح العقل وذلك أن اللسان ~~ترجمان ما يحضر بالقلب والمترجم عنه سابق قطعا على أن الحروف الملفوظ بها ~~في # PageV01P061 # النية منطبقة إلى آخر الزمان وهي منقضية منصرمة لا تتصور المقارنة بين ~~أنفسها فكيف تتصور مقارنتها لما يكون قبلها وإذا لم تجزىء الصلاة انتفى جزء ~~الايمان والكل ينتفى ms26 بانتفاء الجزء كما مر انتهى # ش: فانه لم يقل أحد من الأئمة الأربعة لا الشافعي ولا غيره باشتراط ~~التلفظ بالنية وإنما النية محلها القلب باتفاقهم إلا أن بعض المتأخر ين ~~أوجب التلفظ بها وخرج وجها في مذهب الشافعي قال النووي رحمه الله وهو غلط ~~انتهى وهو مسبوق بالإجماع قبله ولكن تنازع العلماء هل يستحب التلفظ بها أو ~~يباح أو يكره وإنما اختلفوا في مقارنة النية التكبير فللعلماء فيه قولان ~~مشهوران أحدهما لا يجب وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما والثاني يجب وهو ~~مذهب الشافعي وغيره والمقارنة المشروطة قد تفسر بوقوع التكبير عقيب النية ~~وهذا ممكن لا صعوبة فيه بل عامة الناس إنما يصلون هكذا بل هذا أمر ضروري لو ~~كلفوا تركه لعجزوا عنه وتفسر بانبساط أجزاء النية على أجزاء التكبير بحيث ~~يكون أولها مع أوله وآخرها مع آخره وهذا لا يصح لأنه يقتضي خلو أول الصلاة ~~عن النية وقد تفسر بحضور جميع النية مع جميع أجزاء التكبير وقد تنوزع في ~~إمكانه فضلا عن وجوبه ولو قيل بإمكانه أن المكبر ينبغي أن يتدبر التكبير ~~ويتصوره فيكون قلبه مشغولا بمعنى التكبير لا بما يشغله عن ذلك من استحضار ~~المنوي ولأن النية من الشروط يتقدم العبادة ويستمر حكمها إلى آخرها فهذا ~~الذي ينبغي أن يحمل عليه كلام الامام الشافعي رضي الله عنه من اشتراط ~~المقارنة وهو أن لا يكون بينها وبين # PageV01P062 # التكبير فصل لا انها تنبسط مع التكبير ما شنع به على الشافعي رحمه الله ~~وانتفى ما نسبه إليه من الحرج قوله والكل ينتفي بانتفائه جزئه كما مر وقد ~~تقدم التنبيه على أنه غلط # ومنها قوله م: المسألة الرابعة في الصلوات أيضا قال الشافعي رحمه الله ~~قراءة الفاتحة ركن وكذلك كل شدة من الشدات الأربعة عشر فإن ترك واحدة منها ~~بطلت الصلاة خلافا لأبي حنيفة رحمه الله فلولا مذهب أبي حنيفة رحمه الله ~~كانت أكثر صلاة العالمين باطلة وإذا بطلت الصلاة على الدوام إنتفى جزء ~~الإيمان والكل ينتفي بانتفاء جزءه كما تقدم انتهى ms27 # ش: فإن الشافعي رحمه الله لم يقل ببطلان صلاة من أخل بتشديده من الفاتحة ~~مطلقا بل يشترط صحة لسانه وهذا لا حرج فيه ولا تكون صلاة أكثر العالمين ~~باطلة عنده # وأيضا فإن الدليل مع من شرط الفاتحة وهو مذهب أكثر أهل العلم والأئمة ~~الثلاثة غيرهم وليس للشافعي رحمه الله بها اختصاص إنما شرط الاتيان بالشدات ~~لتكميل الفاتحة والقائل بالاكتفاء بآية يقول لا بد أن يأتي بها كلها كما ~~نزلت ولا يقول إنه يكتفي بآية ولو كانت قصيرة مع تخفيف ما فيها من ~~التشديدات وهو يقدر على الإتيان به فلو قرأ المصلي آية قصيرة وترك بعض ~~حروفها من غير ضرورة لم يجز صلاته عند أبي حنيفة رحمه الله وتخفيف المشدد ~~يلزم منه إسقاط حرف أو أكثر واختلال المعنى فمن قرأ إهدنا الصراط المستقيم ~~من غير تشديد فقد أخل بثلاثة أحرف الألف الأخيرة من إهدنا والألف ولام ~~التعريف ومثله ولا الضالين فتأمله # وقد بنى المصنف كلامه في هذه المسائل الثلاث الثانية والثالثة والرابعة ~~على نقل غير محرر وألزم الشافعي رحمه الله ما لا يلزمه وقد # PageV01P063 # تكرر منه القول بأن الكل ينتفي بانتفاء جزئه وهو غلط كما مر # ومنها قوله م: المسألة الخامسة في الصوم قال أبو حنيفة رحمه الله إذا ~~كانت نية الصوم مقارنة لأكثر النهار جاز وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز ما ~~لم تكن النية من الليل والحرج فيه مكشوف لا يقنع فان من أقام من سفره بعد ~~الصبح أو أفاق من الإغماء ونوى الصوم لا يجوز وفي يوم الشك الحرج أعم وألزم ~~لأن النية من الليل عن الفرض حرام ونية النفل عنده لغو يعم الحرج بالنسبة ~~إلى كل الناس وقد قال الله تعالى {وما جعل عليكم في الدين من} الحج 78 # انتهى # ش: فانه لا يصح الاستدلال بكونه أيسر على وجوب تقليد قائله فيه بل العبرة ~~للدليل وهذا لا يشك فيه فقيه ولو عكس عليه هذا التشنيع بأن من علم أن غدا ~~من رمضان فلم ينو الصوم حتى ارتفع ms28 النهار أو نوى صوم تطوع أو صوما آخر فإنه ~~يكون تاركا لما وجب عليه من أن يقصد امتثال الأمر أو الصوم المفروض أو نحو ~~ذلك وقد قال صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) الحديث فالقول بأن ~~هذا مؤد للفرض يؤجر على صومه # هذا أجر المؤدي للفرض مع كونه عاصيا غير ممتثل للأمر فيه إشكال بل قال ~~بعض الأصحاب إنه يخشى عليه الكفر إذ نوى صوم غير الفرض في غير اليوم الأول ~~من رمضان فان قيل إن هذا يسقط الفرض من ذمته ويأثم بتركه نية الفرض ~~كالمرائي بصومه والجواب إن المرائي بصومه إن أراد إسقاط الفرض من ذمته ~~والرياء فعليه إثم الرياء وسقط الفرض من ذمته لنيته حتى لو لم يرد إمتثال ~~أمر ربه بصومه أصلا فالفرض باق في ذمته فكان هذا لكان أبلغ في التشنيع ولكن ~~ليست هذه طريقة أهل العلم # PageV01P064 # وفي نية الصوم يوم الشك ينبغي أن لا يفرق بين اقترانها بأكثر النهار أو ~~بأقله لأن الشهر قد لا يثبت إلا بعد نصف النهار فإذا نوى الصوم حينئذ فقد ~~أتى بما وسعه وفي عدم إجزاء النية بالنهار والحالة هذه حرج لا مطلقا وفي ~~هذه المسألة ترجح الإكتفاء بالنية من النهار لا مطلقا وبذلك تتفق الأدلة ~~والله أعلم # ومنها قوله م: المسألة السادسة في الزكاة قال ابو حنيفة رحمه الله إذا ~~دفع الزكاة إلى واحد من الأصناف المذكورة في قوله تعالى {إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين ~~وفي سبيل الله وابن السبيل} التوبة 60 جاز وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز ~~إلا إذا دفع إلى ثلاثة أنفس من كل واحد من الأصناف المذكورة وقد لا يوجد ~~ذلك في بلد المزكي فيدركه الموت والذمة مشغولة بالواجب وقد لا يوفق للأداء ~~بعده فينتفي جزء الإيمان والكل ينتفي بانتفاء جزئه فإن نوزع في ذلك لم ~~ينازع في لزوم الحرج البين المدفوع بالنص كما تقدم والله أعلم # وقوله المسألة السابعة في الحج قال الشافعي رحمه الله الطهارة شرط ms29 لصحة ~~الطواف ومس المرأة ينقضها خلافا لأبي حنيفة رحمه الله فيهما وعموم البلوى ~~في الطواف بمس النساء ظاهرة يشكوه كل من حج قال شيخي العلامة شمس الدين ~~الأصفهاني رحمه الله توضأت في الطواف زهاء عشر مرات لأطوف على # PageV01P065 # مذهب الشافعي رحمه الله سبعة أشواط فلم أقدر على ذلك فقلدت أبا حنيفة ~~رحمه الله فلولا مذهب أبي حنيفة رحمه الله لكان كل من حضر من الشرق والغرب ~~والجنوب والشمال بلا حج وفي ذلك من الحرج في هذه الملة الحنيفية السهلة ~~السمحة البيضاء لا يجوزه أحد أصلا وإذا انتفى الحج انتفى جزء الإيمان والكل ~~ينتفي بانتفاء جزئه انتهى # ش: فإن قول أبي حنيفة رحمه الله في جواز دفع الزكاة إلى واحد وعدم انتقاض ~~الطهارة بلمس النساء أقوى دليلا ولو رجح بقوة الدليل لكان أولى # وقوله في المسألة السادسة وقد لا يوجد ذلك في البلد يعني ثلاثة نفر من كل ~~صنف فيدركه الموت والذمة مشغولة فالجواب إن الإلزام ساقط فان الشافعي رحمه ~~الله لم يقل بوجوب الصرف إلى ثلاثة نفر من كل صنف مطلقا بل إلى من يوجد ~~منهم فانتفى التشنيع ولو استدل على قوة قول أبي حنيفة رحمه الله في ~~المسألتين بالدليل الشرعي لكان أولى من الاستدلال بأنه أيسر على الناس بل ~~هو الواجب فإن الترجيح بكونه أيسر لا يرتضى ولكن الاستدلال بالدليل الشرعي ~~لا يناسب غرضه بهذه الرسالة وكذلك رجح في المسألة الثامنة والتاسعة في ~~المأكول والملبوس وهو ترجيح ضعيف بل ساقط # ومنها قوله م: المسألة الثامنة في المأكول قال أبو حنيفة رحمه الله يجوز ~~أكل خبز في فرن أوقد فيه الروث ونحوه وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز ولولا ~~مذهب أبي حنيفة رحمه الله لما حل أكل خبز الديار المصرية إلا فبي حال ~~المخمصة # ش: يعني لكونه يصل إليه دخان النجاسة التي يوقد بها الخبز فانه قد تقدم ~~أن القول بأن كون دخان النجاسة طاهرا غير مختص بمذهب # PageV01P066 # أبي حنيفة رحمه الله بل هو أحد قولي مالك وأحمد وهو قول ms30 أهل الظاهر ~~وغيرهم وهو وجه في مذهب الشافعي رحمه الله فانتفى قوله ولولا مذهب ابي ~~حنيفة رحمه الله لما حل أكل خبز الديار المصرية إلا في حالة المخمصة على ما ~~في كلامه من سوء التعبير وأيضا فإن الدخان لا يصل إلى الخبز وإنما يحمى ~~التنور ثم يوضع فيه الخبز بعد بطلان الدخان ودخان الفرن يصعد من جهة غير ~~جهة الخبز هذا الذي جرت به العادة فوصول الدخان إلى الخبز نادر ولو وصل ~~إليه لتغير طعمه أو لونه أو ريحه فانتفى التشنيع # ومنها قوله م: المسألة التاسعة في الملبوس قال أبو حنيفة رحمه الله يجوز ~~لبس سائر الجلود سوى الخنزير كالسمور والفنك والسنجاب ونحوها وقال الشافعي ~~رحمه الله لا يجوز فعلى هذا الاختلاف لا تجوز الصلاة فيها وإذ لم تجز ~~الصلاة فيها انتفى جزء من الإيمان والكل ينتفي بانتفاء جزئه كما مر غير مرة ~~انتهى # ش: فإن ما نقله عن الشافعي رحمه الله غير محرر فإن جلود الميتات كلها ~~تطهر بالدباغ على القول بنجاسته بعد الموت فالصحيح من مذهبه أنه لا ينجس ~~بالموت وإنما خالف في طهارة جلد الميتة بالدباغ أحمد من المشهور عنه وهو ~~رواية عن مالك أيضا ولكن مذهب الشافعي رحمه الله أن صوف الميتة ووبرها ~~وشعرها نجس فعدم لبس السنجاب ونحوه عنده النجاسة صوفه ووبره وشعره لا ~~لنجاسة جلده فجلد المدبوغ طاهر عند الشافعي رحمه الله دون صوفه ونحوه وأحمد ~~عكس ذلك في المشهور # PageV01P067 # فاستثنى صوف ما لا يؤكل لحمه وشعره ونحوه وكذلك مالك ايضا وقال أبو حنيفة ~~رحمه الله بطهارة ذلك كله سوى الخنزير والآدمي على خلاف فيه وكان ينبغي ~~ترجيح مذهب أبي حنيفة رحمه الله في هذه المسألة بالدليل فإنه راجح لا بكونه ~~أيسر ولا بالتشنيع على مخالفة بما لا يصح # ومنها قوله م: في المسألة التاسعة أيضا وكذلك الركوب على سرج مذهب أو ~~مفضض والجلوس على مقعد حرير وهو مناف لقوله عليه الصلاة والسلام (أتيتكم ~~بالحنفية السهلة السمحة البيضاء) انتهى # ش: فإن الدليل مع من ms31 منع من ذلك إلا باليسير من الفضة في غير موضع الركوب ~~من السرج وقد ورد النهي عن الجلوس على الحرير نصا في صحيح البخاري رحمه ~~الله عن حذيفة رضي الله عنه قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~نشرب في آنية الذهب والفضة وان نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس ~~عليه وفي صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه قال نهاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الجلوس على المياثر والمياثر شيء كانت تصنعه النساء لبعولتهم على ~~الرحل كالقطائف من الأرجوان ولا يصح معارضة دليل التحريم بالحديث الذي ذكره ~~ولا ينفى الحرج وإنما يصح الاستدلال بذلك فيما يعم به البلوى والركوب على ~~السرج المذهب والمفضض والجلوس على المقعد الحرير ليس كذلك بل أهله في الناس ~~قليلون وليس لهم إليه ضرورة فإنما يفعلونه للتكبر والفخر والرفاهية # والظاهر أنه أراد بهذه المسألة استمالة وجوه أهل الدولة إلى التعصب معه ~~لنصرة المذهب لأنه لم يستدل في هذه المسائل الستة عشرة من السنة # PageV01P068 # بغير هذا الحديث والكلام في ثبوته فان معناه صحيح ولكن هل ورد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال هذا اللفظ أم ذكره لم أره مع أني تتبعته من ~~مظانه فلم أقف عليه وإنما ظفرت بما ذكره الخطيب عن سالم ابن عيينة عن أبي ~~الزبير عن جابر مرفوعا قال (بعثت بالحنفية السمحة أو السهلة ومن خالف سنتي ~~فليس مني) # ومنها قوله م في المسألة العاشرة قال أبو حنيفة رحمه الله من حمل سلاحا ~~غلافه بلغاري أو علق في خياصته كيسا بلغاريا جازت صلاته وقال الشافعي رحمه ~~الله لا يجوز وإذا لم يجز انتفى جزء الإيمان على ما تقدم انتهى # ش: فإن هذا النقل الذي نقله عن الشافعي غلط غالط فإنه ظن أن الشافعي رحمه ~~الله يقول إن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ وليس كذلك بل لم يستثن من جلود ~~الميتة إلا جلد الخنزير والكلب كما تقدم # PageV01P069 # النقل عنه وليس من البلغار من جلود الكلاب ولا ms32 الخنازير فهو ظاهر عنده ~~وإنما يخالف في ذلك مالك وأحمد في إحدى الروايتين عن كل منهما # وقوله وإذا لم يجز انتفى جزء الإيمان على ما تقدم كم قد كرر هذا التشنيع ~~وهو ساقط كما تقدم # ومنها قوله م: المسألة الحادية عشر في النكاح قال أبو حنيفة رحمه الله ~~ينعقد نكاح المسلمين بحضور شاهدين فاسقين وقال الشافعي رحمه الله لا ينعقد ~~إلا بحضور شاهدين عدلين أو مستورين في رواية فلولا مذهب أبي حنيفة لم ينعقد ~~نكاح المسلمين بالشهود الجالسين في الدكاكين لأنهم يشركون شركة الصنائع ~~ويتناولون الأجرة بها وذلك الإصرار على أكل الحرام كبيرة وتعاطي الكبيرة ~~فسق ظاهرا أو باطنا وحالهم في ذلك واضح لا يحتاج إلى بينة فضلا عن الدليل ~~لما مر من انتفاء اقتران الذكر اللساني بالقلبي وذلك مفض إلى انتفاء الصلاة ~~التي هي جزء الإيمان على ما تقدم انتهى # ش: فانه إن كان مراده أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله ايسر من مذهب الشافعي ~~رحمه الله فيكون تقليده واجبا كما قال أولا فمذهب مالك رحمه الله أيسر من ~~مذهب أبي حنيفة فلي هذا فإنه شرط الإعلان لا الإشهاد وكأنه لم يبن الكلام ~~في هذه المسألة على اليسر وحده وإنما بناه على أن العدالة لا توجد اليوم ~~مطلقا على مذهب الشافعي رحمه الله لأنه يشترط اقتران الذكر اللساني بالقلبي ~~في أول الصلاة يعني ذكر النية باللسان والقلب كما تقدم من نقله عنه ولا أصل ~~له وان ذلك محال وانه يلزم منه أنه لا يصح صلاتهم بنفي إيمانهم لانتفى جزئه ~~كما تقدم وكل مرتب على ما يخيله من مذهب الشافعي رحمه الله وليس بصحيح عنه ~~أو أن # PageV01P070 # العدالة منتفية عن الشهود الجالسين في الدكاكين لما ذكره من شركة الصنائع ~~وهذا القادح غير صحيح فان شركة الصنائع جائزة عند أبي حنيفة ومالك وأحمد ~~وغيرهم خلافا للشافعي رحمه الله فما ينبغي له أن يطعن في الشهود بهذا ~~المطعن الذي يقول هو بصحته إلا أن يريد بذلك الإلزام للشافعي رحمه الله ولا ~~يصح ms33 قوله على هذا التقدير أيضا لأن شركة الصنائع مختلف في صحتها فلا يكون ~~مرتكبها فاسقا إتفاقا ثم إنه طعن فيهم طعنا مبهما ونفى عنهم العدالة نفيا ~~عاما وهذا محذور فالقول بأنهم كلهم فسقة قول بلا علم فانه لا يعرفهم كلهم ~~قطعا وإن كان قد اطلع على فسق بعضهم فمثل هذا لا يجري فيه القياس وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم (من شهد أن لا إله إلا الله آمن من الناس دينه ~~وعرضه وماله) وقال صلى الله عليه وسلم (إذا قال الرجل هلك الناس فهو ~~أهلكهم) وإطلاق هذا الكلام من التنكير والتنطع وكلاهما مذموم ولو قال انهم ~~يتساهلون في الشهادة أو نحو هذه العبارة لكان أسهل ولا شك في كثرة الدخيل ~~بينهم ولهذا كانت العادة في الشام أن الشهود المرتزقة بالشهادة لا يشهدون ~~في اجتهاديات # PageV01P071 # يدخلها التأويل والتهم بالجعل تسهل الشهادة بغير تحرز بخلاف الحسيات فان ~~الزيادة فيها صريح لا يقدم عليه إلا من يقدم على صريح الزور وهؤلاء أقل من ~~غيرهم وقل أن يستقر واحد من هؤلاء بل يشتهر ويعرف بين الناس غالبا وقوله لا ~~يحتاج إلى بينة فضلا عن الدليل يفهم منه أنه يرى أن الدليل أقوى من البينة ~~وهو غير صحيح بل النية فوق الدليل # ومنها قوله م: المسألة الثانية عشر أيضا في النكاح قال أبو حنيفة رحمه ~~الله الحامل لا تحيض وأكثر مدة الحمل سنتان وقال الشافعي رحمه الله تحيض ~~وأكثر مدة الحمل أربع سنين ويلزم من ذلك أن ذات الإقراء إذا طلقت لا تنقضي ~~عدتها إلى أربع سنين لجواز أن تكون حاملا فلا يكون الحيض دالا على براءة ~~الرحم حتى ينقضي أربع سنين على أنه مخالف لقوله تعالى {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} البقرة 228 إلى غير ذلك من الفساد ما لا يخفى انتهى ش: ~~فان هذا غير مختص بالشافعي رحمه الله بل هو مذهب مالك قبله ورواية عن أحمد ~~رحمه الله وقول أبي حنيفة رحمه الله انه دم فساد حكمه حكم الحدث الدائم غير ms34 ~~مختص به ايضا بل هو المشهور من مذهب أحمد رحمه الله وهو قول الشافعي رحمه ~~الله القديم وإنما يلزم الشافعي ما ألزمه به أن لو قال إن الحامل لا يعلم ~~كونها حاملا إلا بالوضع أما إذا قال إن الحامل يعلم كونها حاملا في مدة ~~حملها وإذا علم أنها حامل لا يحتسب تلك الاقراء من العدة فلا إشكال فقيده ~~أن ما تراه الحامل في مدة حملها في وقته المعتبر حيض يستثنى منه شيئان ~~أحدهما أنه لا تنقضي به العدة والثاني أنه لا يحرم الطلاق فيه فهو عنده حيض ~~إلا في هذين الشيئين والكلام في مسائل العلم يجب أن يكون بالتأمل لا ~~بالتشنيع وإلا فالإشكال وارد على من قال إن ما تراه الحامل من الدم يكون ~~حيضا # PageV01P072 # وعلى من قال إنه لا يكون حيضا إلا أن يقال إن العلم يعلم بغالب الظن ~~وغالب الظن كالمتحقق بل يسمى علما كما قال الله تعالى (فإن علمتموهن ~~مؤمنات) الممتحنة 10 والحامل يعلم حال كونها حاملا في مدة حملها وكم قد ~~ترتب على ذلك من حكم وبيان الأشكال فإنه لو فرض أن امرأة استمرت ترى الدم ~~في مدة حملها في وقته المعتبر فسواء قلنا أنها تعلم أنها لو تزوجت بعد ~~ثلاثة قروء من هذا الدم أن العقد صحيح ثم لو وضعت لأقل من ستة أشهر من ~~العقد فبين أنها كانت حاملا حالة العقد مع وجود ذلك الدم الذي صورته صورة ~~الحيض فإن قيل إن مثل هذا لا يقع كان هذا إنكارا لتصوير المسألة لا إنكارا ~~للحكم فيها وكل من الفريقين قد صورها ولكن حكم أحد الفريقين بأن حكم ذلك ~~حكم الحيض وحكم الفريق الآخر بأن حكمه يكون حكم الإستحاضة فظهر أن هذا ~~التشنيع إنما هو على من يقول إن الحامل لا تعلم قبل الوضع سواء قال إن ذلك ~~الدم حيض أو استحاضة وأما من قال إن الحمل يمكن العلم به فلا إشكال عليه ~~سواء قال إن ما تراه الحامل حيض أو استحاضة لأنه إذا علمت الحامل ms35 من الحائل ~~بعد جعل الشرع استبراء الحائل بحيضة ولم يجعل استبراء الحامل بحيضة بل بوضع ~~الحمل فيكون الحيض دليلا على فراغ الرحم ظاهرا لا قطعا لأنه لو كان قطعيا ~~لما تخلف والمسألة متجاذبة ولم يثبت في أكثر مدة الحمل في نص عن الشارع وما ~~استند إليه أبو حنيفة رحمه الله في تقديره سنيتين من الإبراء المنسوب إلى ~~عائشة رضي الله عنها لم يثبت ولهذا لم يقدر أكثر مدة الحمل جماعة من السلف # PageV01P073 # ومنها قوله م: المسألة الثالثة عشر في المعاملات يثبت المعاملات بشهادة ~~مستور الحال عند أبي حنيفة رحمه الله خلافا للشافعي فلولا مذهب أبي حنيفة ~~لضاعت أموال الناس وحقوقهم انتهى # ش: فإن هذا كلام لم يحرر تصوير المسألة فضلا عن الحكم فيها فإن العدالة ~~شرط في أنواع الشهادات كلها بالإتفاق إلا أن أبا حنيفة رحمه الله يكتفي ~~بظاهرها في المسلم ويقول الأصل في المسلم العدالة ولا يسأل الحاكم عنها إلا ~~أن يطعن الخصم وخالفه في ذلك صاحباه وقيل إن هذا اختلاف عصر وزمان والفتوى ~~على قولهما في هذا الزمان نص على هذا صاحب الهداية وغيره وقول الصاحبين هو ~~قول أكثر العلماء وإذا كان العمل في مذهب أبي حنيفة على قول الصاحبين لم ~~تبق المسألة من مسائل النزاع وإن كان مراده أن الحاكم لو حكم بشهادة ~~المستور لنفذ حكمه فهي المسألة الخامسة عشر وسيأتي التنبيه على ما فيها إن ~~شاء الله تعالى وإن كان مراده القول المستور مقبول في المعاملات عند عدم ~~المعارض فهذا مما لا خلاف فيه والله أعلم بل قول الفاسق مقبول في مثل هذا ~~بل قول الكافر # ومنها قوله م: المسألة الرابعة عشرة في البيع قال أبو حنيفة رحمه الله ~~ويجوز بيع المعاطاة وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز وعامة الناس في عامة ~~البلدان يبيعون ويشترون بلا إيجاب وقبول في النفيس والخسيس فلا يثبت لهم ~~الملك في المشتري فلا يجوز الإنتفاع به والانتفاع به مصرا عليه فسق لا ~~محالة وفيه سعي لإزالة العدالة من بين أظهر المسلمين ms36 في الأغلب انتهى # ش: فإن مذهب أبي حنيفة رحمه الله فيها في غاية القوة وهو مذهب مالك وأحمد ~~ومال إليه الشافعية فليست هي من مفردات أبي حنيفة رحمه الله # PageV01P074 # وإطلاق النصوص من الكتاب والسنة يدل على جواز بيع بالتعاطي في النفيس ~~والخسيس ولكن في قول المصنف أن عامة الناس في عامة البلدان يتباعدان ~~ويشترون معاطاة بلا إيجاب وقبول في الخسيس والنفيس نظر فان أكثر الناس ~~يخصون الأشياء النفيسة بالإيجاب والقبول ولكن النصوص مطلقة فمتى وجد الرضا ~~يثبت العقد وإن لم يوجد الإيجاب والقبول باللفظ ولكن لا يقول الشافعي إن من ~~باشر بيع المعاطاة يفسق ولا أن ذلك ينافي العدالة ولا يلزم القول بذلك كما ~~نسبه إليه المصنف فان هذا العقد مختلف في بطلانه بين العلماء والقائلون ~~بصحته هم الأكثرون فلا يكون مرتكبه فاسقا ولا يقدح ذلك عدالته وقوله ~~فالإنتفاع به مصرا عليه عبارة فاسدة فإن صاحب الحال التي هي قوله مصرا عليه ~~غير مذكور وحذف صاحب الحال لا يجوز # ومنها قوله م: المسألة الخامسة عشر في القضاء قال أبو حنيفة رحمه الله ~~إذا حكم الحاكم بالشاهد المستور نفذ وقال الشافعي رحمه الله لا ينفذ فلولا ~~مذهب أبي حنيفة رحمه الله بطلت المحاكمات في عصرنا انتهى # ش: فإن المفتي به اليوم عند الحنفية هو قول الصاحبين وهو أنه لا يجوز ~~للقاضي أن يكتفي بمجرد إسلام الشاهد بل لا بد من ثبوت عدالته عنده للنصوص ~~الواردة من الكتاب والسنة من إشتراط صفة العدالة في الشاهد إذ ليس كل مسلم ~~عدلا فلو قضى القاضي بشهادة من لم يعرف عدالته يكون آثما لعدم استيفائه ~~الشرائط خصوصا إذا طعن الخصم في عدالة الشهود ولا يمكن الوقوف على حقيقة ~~العدالة لأن ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى بل يكتفي بغلبة الظن وذلك بالبينة ~~كما في معرفة إسلامه والظن الغالب يسمى علما قال الله تعالى {فإن علمتموهن} # PageV01P075 # مؤمنات) الممتحنة 10 وكونه لو حكم بشهادة المستور ينفذ حكمه وإن كان لا ~~يجوز له الإقدام على الحكم بها فمذهب ms37 أبي حنيفة رحمه الله أبلغ من ذلك وهو ~~أنه لو حكم بشهادة الفاسق لنفذ حكمه ويكون آثما ولا ينبغي نصر المذهب بمثل ~~هذه المسألة والتشنيع على المخالف فيها لئلا يعكس التشنيع # ومنها قوله م: المسألة السادسة عشر في الإمامة قال أبو حنيفة رحمه الله ~~إذا وقع من السطان كبيرة أو أصر على صغيرة لم ينعزل وقال الشافعي رحمه الله ~~ينعزل وفساد ذلك لا يخفى والتنبيه عليه يورث تهمة الإسلام وأمثال ذلك من ~~المسائل كثيره يطول ذكرها فلنقصر على هذا فمن لا يستضيء بمصباح لم يستضىء ~~بالصباح فانظر أيها الرفيق الشفيق هل كان حال هذا الإمام مصداقا لقول ~~الشافعي رحمه الله الناس عيال أبي حنيفة في الفقه اولا لا أخالك إلا أن ~~تصدق إن لم تكن ممن قيل فيه # (إذا لم يكن للمرء عين صحيحة ... فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر) # ولعل الذين يغضون من أبي حنيفة رحمه الله ويغضون من مقداره ويريدون أن ~~يخفضوا ما رفع الله من مناره منابذة للحق الأبلج وزيغ عن سواء المنهج لا ~~يتعدون عن جزاء سنمار حين بنى الخوانق للنعمان حيث وضع الصور والمباني ~~وأوضح طرق الأسباب والمعاني فأخذوا بمذهبه في الإيمان والطاعات والأركان من ~~العبادات وفي المأكول والملبوس والمعاملات وفي الأنكحة والقضاء والخلافة ~~والشهادات فلم ينتقلوا عن مذهبه في ذلك اينما وجهوا ولم يفارقوا اقواله ~~حيثما سيروا ثم إنهم بعد ذلك يجحدون فضله ويدفعون خصله ويذهبون عن توقيره ~~وإكرامه ويتركون ما يجب من تعظيمه واحترامه فهو معهم في ذلك عن المثل ~~السائر الشعير يؤكل ويذم ولعمري إن ذلك سبب للثواب بعد مماته مضافا إلى ما ~~له منه من حال حياته ادخله الله في رضوانه وأسكنه بحبوحة جنانه إنه أغنى ~~مأمول وأكرم مسؤول إنتهى كلام المصنف # ش: فقوله يورث تهمة الإسلام فان الغزالي رحمه الله ذكر في البسيط أن ~~الفسق لا ينعزل به الإمام الأعظم إذ فيه خطر عظيم وصرفه # PageV01P076 # يجر فسادا وفي الحاوي لا ينعزل الإمام بالفسق لخوف الفتن فيبدل حيث لا ~~فتنة إنتهى ms38 وهذا هو الذي أراده أبو حنيفة رحمه الله والله أعلم فانه إنما ~~قال لا ينعزل لأن لا يقع الفتنة والقائل من أهل السنة بأنه ينعزل بارتكاب ~~الكبيرة مراده عند أمن الفتنة أما عند خوف الفتنة فلا # فإنما قال يجوز الخروج على الأئمة إذ فسقوا الخوارج والمعتزلة والرافضة ~~وأما أهل السنة فمتفقون على أنه لا يجوز الخروج على الأئمة بسبب ارتكاب ~~الكبيرة إذا كان الفساد المرتب على الخروج عليهم أعظم من الفساد المرتب على ~~إرتكابهم الكبيرة فبطل تشنيعه على الشافعي رحمه الله والله أعلم # ومنها قوله م: وأما الخاتمة ففي التعريض بالغرض في هذه الرسالة أيها ~~الملك أيدك الله وخلد ملكك وأيد دولتك ونصر أنصارك وخذل أعداءك ونور بصيرتك ~~أن تنظر بفكرك الصائب وذهنك الثاقب وخاطرك اليقظان وانتباهك عجيب الشأن إن ~~مثل هذا المذهب الذي هو المفند في أصول الشرائع وفروعها على ما مر تقريرها ~~في المسائل المذكورة وعليه عامة علماء العالم وسلاطينه بالهند والسند ~~وخراسان وتركستان والعراق ودست قبحاق وبلاد يونان وأذ ربيجان وأمرائهم ~~وغالب أمراء الديار المصرية في الحال والماضي مدة دولة التركة الذين هم بين ~~أمراء العالم في المواكب كالقمر والشمس بين الكواكب هل يجب تقليده أو لا ~~فان لم تر ذلك واجبا لم أتخيل من العقل الرجيح والفكر الصحيح أن لا تعتقد ~~أنه أفضل من غيره والله الموفق والمعين والإعتصام بحبله المتين وهو حسبنا ~~ونعم الوكيل # PageV01P077 # قال في الأم وكتب في آخره ألفه الفقير إلى الله الخفي محمد بن محمود بن ~~أحمد الحنفي غفر الله لهم وعاملهم بلطفه الخفي سنة ست وسبعين وسبع ومائة ~~حامدا ومصليا على نبينا محمد وآله وسلم انتهى # ش: فإن هذا الغرض الذي عرض بذكره بل صرح به من غرض أهل الأهواء ومن فعل ~~أهل الجاهلية فانه قد غضب لعصبية ودعا إليها وهذا من أسباب التفرق المنهي ~~عنه فإنا لله وإنا إليه راجعون # وقد تقدم ذكر قوله صلى الله عليه وسلم (ليس منا من دعا إلى عصبية وليس ~~منا من قال بعصبية وليس ms39 منا من مات على عصبية) وفي حديث عبد الله بن عمرو ~~بن العاص رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن ~~أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) رواه أبو حاتم في صحيحه وذكره النووي ~~في أربعين حديثا وقال رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح # وقال ابو يوسف والحسن بن زياد كلاهما عن أبي حنيفة أنه قال علمنا هذا رأي ~~وهو أحسن ما قدرنا عليه ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه # وقال الطحاوي رحمه الله حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أشهب ~~بن عبد العزيز قال كنت عند مالك فسئل # PageV01P078 # عن البتة فأخذت الواحي لأكتب ما قال فقال لي مالك لا تفعل فعسى في العشي ~~أقول أنها واحدة # وقال معز بن عيسى القزاز سمعت مالكا يقول إنما أنا بشر أخطىء وأصيب ~~فانظروا في قولي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب ~~والسنة فاتركوه # وقال بشر بن الوليد قال أبو يوسف لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم ~~من أين قلنا # وصح عن الشافعي رحمه الله أنه قال إذا صح الحديث فهو مذهبي وعنه فاضربوا ~~بقولي الحائط # وتقدم عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا أرسل إليه بعض نوابه يسأله عن ~~قضية من قضايا الجد مع الأخوة يأمر فيها باجتهاده ويقول قطع الكتاب لئلا ~~يقلده غيره بعده من غير اجتهاد # ونظائره من كلام الأئمة كثيرة وهذه كانت طريقة السلف رحمهم الله وأما ~~المتعصبون فعكسوا القضية والتعصب على نوعين فمن تعصب لواحد معين غير النبي ~~صلى الله عليه وسلم كمالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد ورأى أن قول هذا هو ~~الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول الأئمة الباقين فهو جاهل ضال وإن اعتقد ~~أنه يجب على الناس اتباعه دون غيره من هؤلاء الأئمة فانه يخشى عليه # PageV01P079 # فإن الأمة قد اجتمعت على أنه لا يجب طاعة أحد في كل شيء إلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بل غاية ms40 ما يقال إنه يسوغ أو ينبغي أو يجب على العامي ~~أن يقلد واحدا من الأئمة من غير تعيين زيد أو عمرو وأما أن يقول قائل إنه ~~يجب على الأمة تقليد فلان دون غيره فهذا هو المحذور فمن تعصب لواحد من ~~الأئمة دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد من الصحابة دون الباقين ~~كالرافضي الذي تعصب لعلي رضي الله عنه دون الخلفاء الثلاثة فهذه طرق أهل ~~الهوى نسأل الله السلامة والعافية وهذا رفض وتشنيع لكنه تشنيع في بعض ~~الطوائف والعلماء لا في تفضيل بعض الصحابة # والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أن ~~يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وطاعة رسوله ويعلم أن أفضل الناس بعد ~~الرسول هم الصحابة فلا ينتصر لشخص إنتصارا عاما مطلقا إلا لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم ولا لطائفة انتصارا عاما مطلقا إلا للصحابة فإن الهدى يدور مع ~~الرسول ومع أصحابه دون أصحاب غيره فإذا اجمعوا لم يجمعوا على خطأ فان الدين ~~الذي بعث الله به رسوله ليس مسلما إلى عالم واحد وأصحابه ولو كان كذلك لكان ~~ذلك الشخص نظيرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شبيه بقول الرافضة # وأئمة الاسلام أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم رضي الله عنهم كل ~~منهم ذهب إلى ما ذهب إليه عن اجتهاد وإما أن يقال المجتهد تارة يخطىء وتارة ~~يصيب وهذا هو الحق فما اختلفوا فيه على قولين أو أكثر فأحدهم مصيب وهو صاحب ~~الأجرين ومن خالفه مخطىء وله أجر على اجتهاده وخطأه مغفور وهذا في كل مسألة ~~حصل فيها اختلاف # PageV01P080 # وليس الصواب وقفا على أحدهم بعينه والخطأ وقفا على الباقين ومن اعتقد هذا ~~فليراجع عقله فان هذه غفلة عظيمة وإذا كان الأمر كذلك فما من إمام إلا وقد ~~فاته الصواب ولو في مسألة لأنه غير معصوم وما يؤمن من قلده في مسألة قد ~~خالفه فيها غيره فحكم بها وأفتى أن تكون تلك المسألة هي التي أخطأ فيها ~~إمامه فعليه أن يعرضها ms41 على الدليل ولا يقتصر على ما قاله أصحابه في الكلام ~~عليها لاحتمال أن يكون عند من خالفه من الدليل ما ليس عندهم لأنا قد أمرنا ~~أن نرد ما تنازعنا فيه إلى الله والرسول والإخلال بهذا الواجب هو الذي أوجب ~~الافتراق المذموم # وهذه كانت طريقة الصحابة والتابعين وتابعيهم أهل القرون الثلاثة المفضلة ~~أعني رد المتنازع فيه إلى الله والرسول ولم يكن فيهم من يأخذ يقول واحد ~~معين منهم دون غيره غير ر سول الله صلى الله عليه وسلم وهي طريقة التابعين ~~لهم بإحسان إلى يوم الدين # قال الله سبحانه وتعالى في القرآن {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} ~~التوبة 16 ولا وليجة أعظم ممن جعل رجلا بعينه مختارا على كلام الله وكلام ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام سائر الأمة يقدمه على ذلك كله ويعرض كتاب ~~الله وسنة رسوله وإجماع الأمة على قوله فما وافقه منها قبله لموافقته لقوله ~~وما خالفه منها تلطف في رده وتطلب له وجوه الحيل # وقد ذم الله تعالى أهل الكتاب على هذا الوصف فقال {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} التوبة 31 # روى عن حذيفة رحمه الله وغيره أنه قال لم يعبدوهم من دون الله ولكنهم # PageV01P081 # أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم وهذا المعنى قاله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعدي بن حاتم وحديثه في المسند والترمذي مطولا وهم قصدوا تعظيم ~~المسيح وأحبارهم ورهبانهم بجهل فأشركوا بهم وأعرضوا عن اتباعهم فيما أمروهم ~~به ونهوهم عنه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # وكذلك الغلاة في بعض الصحابة أو الأئمة أو المشايخ يقصدون تعظيمهم لكن ~~بجهل فانهم ينزلونهم منزلة الرسول وإن لم يسموهم رسلا ولكنهم يعاملونهم ~~معاملة الرسول بل قد يفضي بهم إلى إنزالهم منزلة الربوبية وهم لا يشعرون ~~لجلهلم والمحبة مع التعظيم هي العباد ة قال صلى الله عليه وسلم (تعس عبد ~~الدينار تعس عبد الدرهم) الحديث # وقال أبو عمر ms42 بن عبد البر رحمه الله يقال لمن قال بالتقليد لم قلت به ~~وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا # فإن قال قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله وسنة رسول الله لم أحصها ~~والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني # PageV01P082 # قيل له أما العلماء إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية سنة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه ~~ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض فما حجتك فيما قلدت فيه بعضهم ~~دون بعض وكلهم عالم ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه # فإن قال قلدته لأبي أعلم أنه صواب # قيل له علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله أو اجماع # فإن قال نعم أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل # وإن قال قلدته لأنه أعلم مني قيل له فقلد كل من هو أعلم منك فإنك تجد من ~~ذلك خلقا كثيرا ولا تخص من قلدته إذ علتك فيه أنأنه أنه أعلم منك # فإن قال قلدته لأنه أعلم الناس # قيل له فهو إذا أعلم من الصحابة وكفى بقول مثل هذا قبحا # فإن قال أنا أقلد بعض الصحابة # قيل له فما حجتك في ترك من لم تقلده منهم ولعل من تركت قوله منهم أفضل ~~ممن أخذت بقوله على أن القول لا يصح لفضل قائله وإنما يصح بدلالة الدليل ~~عليه وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار # PageV01P083 # عن ابن القاسم عن مالك قال ليس كلما قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع ~~عليه # فإن قال وقلة علمي يحملني على التقليد # قيل له أما من قلد فيما ينزل به من أحكام شريعته عالما ربما يتفق له على ~~علمه فيصدر في ذلك عما يخبره فمعذور لأنه قد أتى بما عليه وأدى ما لزمه ~~فيما نزل به لجهله ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله لإجماع المسلمين أن ~~المكفوف ms43 يقلد من يثق بخبره في القبلة لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك ولكن من ~~كانت هذه حاله هل يجوز له الفتوى في شرائع دين الله فيحمل غيره على إباحة ~~الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك وتصييرها إلى غير من ~~كانت في يده بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه وهو مقر أن قائله ~~يخطىء ويصيب وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما يخالفه فيه فإن أجاز ~~الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى بحفظ الفروع لزمه أن يجيزه للعامة وكفى بهذا ~~جهلا وردا للقرآن قال الله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم} الاسراء 36 ~~وقال {أتقولون على الله ما لا تعلمون} الأعراف 28 وقد أجمع العلماء على أن ~~ما لم يتبين ولم يتيقن فليس بعلم وإنما هو ظن والظن لا يغني من الحق شيئا ~~انتهى # PageV01P084 # وقال أبو عمر أيضا وغيره قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد ~~النخعي وهو حديث مشهور يا كميل احفظ ما أقول لك القلوب أوعية فخيرها أوعاها ~~الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق ~~يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق # يا كميل العلم خير من المال العلم يحرصك وأنت تحرص المال # العلم يزكو على العمل والمال تنقصه النفقة العلم حاكم والمال محكوم عليه ~~مات خزان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة ~~وأمثالهم في القلوب موجودة آه آه إن ها هنا وأشار بيده إلى صدره علما لو ~~اصبت له حملة ثم قال بلى اصبته لقنا غير مأمون عليه يستعمل آلة الدين ~~للدنيا ويستظهر بنعم الله على عباده وبحججه على كتابه أو منقادا لأهل الحق ~~لا بصيرة له في أحنائه ينقدح الشك في # PageV01P085 # قلبه بأول غارض ألا لا ذا ولا زال أو منهوما باللذات سلس القياد للشهوات ~~أو مغرما جمع الأموال والادخار أقرب شيء شبها بهما الأنعام السائمة كذلك ~~يموت العلم بموت ms44 حامليه # اللهم بلى لن تخلوا الأرض من قائم لله بحجة لكيلا تبطل حجج الله وبيناته ~~أولئك هم الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا هجم بهم العلم على حقيقة ~~الأمر فاستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون صحبوا ~~الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى آه آه شوقا إلى رؤيتهم # ففي هذا الحديث إن أمير المؤمنين رضي الله عنه قسم حملة العلم المذمومين ~~ثلاثة اصناف # المبتدع الفاجر الذي ليس عنده أمانة ولا إيمان يبطر الحق الذي جاء به ~~الكتاب ويغمط الخلق يجادل في آيات الله بغير سلطان أتاه إن في صدوره إلا ~~كبر ما هو ببالغه # والثاني المقلد المنقاد بلا بصيرة ويقين # والثالث متبع الشهوات البدنية والمالية # ثم ذكر خلفاء الرسل القائمين بحجج الله وبيناته وهم المتبعون للدليل حيث ~~كان العاملون به فذكر أنهم قليلون في الوجود # PageV01P086 # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ ~~فطوبى للغرباء) أخرجه مسلم من رواية أبي هريرة وأخرجه الترمذي من رواية ابن ~~مسعود رضي الله عنه وزاد فيه الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سنتي ~~فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم إنه على كل شيء قدير # ولا يصح الاستدلال على تقليد أحد بكثرة من اتبعه خصوصا على قاعدة أبي ~~حنيفة رحمه الله فإن من أصله لا ترجيح بكثرة الشهود فلو تنازع اثنان عينا ~~وأقام أحدهما شاهدين وأقام الآخر عشرة شهود قضى بها بينهما عنده ولا يرجح ~~صاحب الشهود الكثيرة مع أن كثرة الاتباع المقلدين دون الشهود بدرجات فإن ~~المقلدين المحض إن يتبعون إ لا الظن وما تهوى الأنفس {ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى} النجم 23 وكيف يقال عن رجل من الأمة كائنا من كان إنه يجب الأخذ ~~بقوله كله دون سائر الأئمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم ويعرض على قوله ~~نصوص الكتاب والسنة فإن وافقته عضد بها ولم تكن هي العمدة وإن خالفته تحيل ~~بأنواع الحيل في ردها إلى قوله والإعراض عن تدبرها وقيل هذه من المتشابه ~~الذي ms45 لا يعلم تأويله إلا الله وهذه بدعة من البدع # PageV01P087 # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية من عمل عملا ليس ~~عليه أمرنا فهو رد # عن علي رضي الله عنه أنه قال اقضوا كما كنتم تقضون فأني أكره الخلاف حتى ~~يكون الناس جماعة وأرجوا أن أموت كما مات أصحابي أخرجه البخاري بمعناه # وقال الزهري ودخلت على أنس رضي الله عنه وهو يبكي فقلت ما يبكيك قال لا ~~أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت أخرجه البخاري # وإذا كان هذا من ذلك الزمان فالتغيير أكثر أكثر ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم # فالواجب على من طلب العلم النافع أن يحفظ كتاب الله ويتدبره وكذلك من ~~السنة ما تيسر له ويطلع منها ويتروى ويأخذ معه من اللغة والنحو ما يصلح به ~~كلامه ويستعين به على فهم الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح في معانيها ثم ~~ينظر في كلام عامة العلماء الصحابة ثم من بعدهم ما تيسر له من ذلك من غير ~~تخصيص فما اجتمعوا عليه لا يتعداه وما اختلفوا فيه نظر في أدلتهم بغير هوى ~~ولا عصبية ثم بعد ذلك {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا} الكهف 17 # PageV01P088 # وفي أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف جرى بين أهل المذاهب ما أوجب أن ~~كتاب القاضي الفاضل عن السلطان المذكور إلى أخيه الملك العادل وهو بمصر ~~انتهى إلينا أن بالديار المصرية وبالحضرة العلية جماعة من الفقهاء قد ~~اعتضدوا بجماعة من أرباب السيوف وبسطوا ألسنتهم بالمنكر من القول غير ~~المعروف وأشاروا من العصبية ما أطاعوا فيه القوى الغضبية وأحيوا بها ما ~~أماته الله من الحمية الجاهلية والله سبحانه يقول وكفى بقوله حجة على من ~~كان سميعا مطيعا {واعتصموا بحبل الله جميعا} آل عمران 103 # ولا يزال التعصب للمذاهب يملأ القلوب بالشحناء يشحنها وقد نهى الله ms46 عن ~~المجادلة لأهل الخلاف فكيف بأهل الوفاق إلا أن يقال أحسنها وما علمنا أن في ~~ذلك نية تتخذ ولا مصلحة توجد ولا هداية تعتقد بدراسة تفقد بل نار عداوة ~~توقد وقلما اثمرت المشاجرة إلا خلافا فليوغر المجلس بكف الألسنة الخائضة ~~وعقل الأعنة الراكضة فإن اقنع تلطفه المرضي وإلا كانت همنه الرائضة ومن عاد ~~بعد الزجر أبعد عن مستقره وازعج وليسع الخلف ما وسعه السلف من الأدب وليعلم ~~العبد أنه يكتب كتابا إلى الله فليكف فيما كتب وإلى من كتب انتهى # وقد قيل إن سبب استحكام هذا الافتراق شروط الواقفين في المدارس فإنهم لما ~~شرطوا أن تكون هذه المدرسة على الطائفة الفلانية # PageV01P089 # وهذه المدرسة على الطائفة الفلانية تمسكت كل طائفة بما ذهبت إليه واعرضت ~~عن غيره لئلا يحرم ذلك الوقف وانضم إلى ذلك شبهة صحة هذه الشروط وأمثالها ~~والقول بأن شرط الواقف كنص الشارع # فلما انضمت الشبهة إلى الشهوة استحكم الداء وغالب الواقفين جهال إنما ~~يحملهم على تعيين تلك الطائفة التي عينها كل منهم مجرد العصبية لتلك ~~الطائفة وإمامها # وأصل مقصودهم صحيح وهو إحياء علم الشريعة فيصبح تخصيصهم العلماء بذلك ~~الوقف ويبطل تخصيصهم الطائفة الفلانية منهم لأن الواجب عرض شروط الواقفين ~~على الشريعة فما وافقها قبل وإلا رد كما قال صلى الله عليه وسلم (ما بال ~~أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ~~ولو كان مائة شرط) الحديث متفق عليه وإن كان سبب الحديث اشتراط الولاء لغير ~~من اعتق فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب # فإن قيل هذا الشرط غير مخالف لكتاب الله قيل إن لم تفهم مخالفته لكتاب ~~الله مما تقدم فلا يفيد البحث ولو جئنا بكل آية مع أن من عرف مذهب الإمام ~~فقد وفى بما شرطه الواقف وإن لم يقلده في بعض أقواله لما ظهر له من الدليل ~~فإن الانتساب الكامل إلى الإمام لمن عرف مذهبه بدليله لا لمن عرفه نقلا ~~بغير دليل ولا لمن قلده بغير معرفة إذ ليس ms47 مراد الواقفين من قلد الإمام مع ~~جهله بالدليل ومن عرف الدليل لا بد أن يظهر له ضعفه في بعض المسائل ولبسط ~~هذا المعنى موضع يليق به # PageV01P090 # ثم بعد ذلك زاد تمكن الافتراق بتولية قاض من كل طائفة معينة وضاعت حقوق ~~كثيرة بسبب ذلك ولهذا أخرج الله الحكم العام عن أيديهم ودخل فيه من أمر ~~الامارة والسياسة ما يحفظه به الحق تارة ويضيع أخرى ويحصل به العدوان تارة ~~والعدل أخرى # ولا تقوم مصالح الناس بالعمل بقول إمام معين لا يعدل عن قوله إلى قول ~~غيره أبدا وكان النهي عن الافتراق حين رأوهم افترقوا أولى من تقديرهم على ~~الإفتراق وفعل ما هو باعث لهم على الإصرار على الإفتراق ولم يكن هذا في صدر ~~الإسلام وإنما حدث هذا أعني تولية قاض من كل طائفة بسنة أربع وستين وست ~~مائة في أيام الملك الظاهر بيبرس # PageV01P091 # وزاد تمكن الإفتراق أيضا بتولية إمام راتب من كل مذهب عند البيت الحرام ~~وبالجامع الأموي ولازم كل إمام الصلاة على صفة لا يتعداها # وإنما شرعت صلاة الخوف مع الفعل المنافي للصلاة لتكون الجماعة وكفى ~~بمشروعية صلاة الخوف دليلا على إبطال ترتيب أكثر من إمام واحد في كل مسجد ~~والمسجد الحرام وغيره # وهذا زمان الغربة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم (ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ~~آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) الحشر 10 # PageV01P092 # والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيد الخلق ونبي الحق نبينا محمد ~~وآله وصحبه أجمعين # قال ناسخ الرسالة في آخره # تمت النسخة بعون الله وحسن توفيقه وقت العشاء ليلة الجمعة في التاريخ ~~التاسع عشر مضى من شهر شوال سنة ألف ومائتين وخمس وخمسين من هجرة النبي ~~العربي عليه وعلى آله أفضل التحيات بيد العبد المذنب الخاطىء الضعيف عبد ~~الرحمن ولد عبد اللطيف غفر الله لهما ولوالديهما ولجميع المسلمين # آمين ثم آمين # وقال في أولها # قد شرعت بكتابة نسخة الاتباع وقت الظهر في تاريخ الثالث عشر ms48 مضى من شهر ~~شوال سنة ألف ومائتين وخمس وخمسين من هجرة النبي العربي المكي القرشي عليه ~~وعلى آله من الصلوات أفضلها ومن التحيات أكملها # تم الكتاب والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات PageV01P093 ms49