######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000146 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: ابن أبي العز الحنفي #META# 010.AuthorNAME :: ابن أبي العز الحنفي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 792 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح العقيدة الطحاوية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الكتب الجامعة في العقائد :: الكتب الجامعة لمسائل العقيدة :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: شرح العقيدة الطحاوية #META# 030.LibURI :: JK_000146 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الرابعة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتب الإسلامي #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1391 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # = شرح العقيدة الطحاوية PageV01P001 # | بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات ~~اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له واشهد ان لا اله الا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد ان سيدنا محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى ~~آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا # أما بعد فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم اذ شرف العلم بشرف ~~المعلوم وهو الفقه الاكبر بالنسبة إلى فقه الفروع ولهذا سمى الامام أبو ~~حنيفة رحمه الله عليه ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين الفقه الاكبر ~~وحاجة العباد اليه فوق كل حاجة وضرورتهم اليه فوق كل ضرورة لانه لا حياة ~~للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة الا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه ~~وصفاته وأفعاله ويكون مع ذلك كله أحب اليها مما سواه ويكون سعيها فيما ~~يقربها اليه دون غيره من سائر خلقه ومن المحال ان تستقل العقول بمعرفة ذلك ~~وادراكه على التفصيل فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين ~~واليه داعين ولم أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة ~~رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله اذ على هذه المعرفة ~~تبنى مطالب الرسالة كلها من اولها إلى آخرها ثم يتبع ذلك اصلان عظيمان # أحدهما تعريف الطريق الموصل اليه وهى شريعته المتضمنة لأمره ونهيه ~~PageV01P065 والثانى تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول اليه من النعيم ~~المقيم # فأعرف الناس بالله عز وجل اتبعهم للطريق الموصل اليه واعرفهم بحال ~~السالكين عند القدوم عليه ولهذا سمى الله ما أنزله على رسوله روحا لتوقف ~~الحياة الحقيقية عليه ونورا لتوقف الهداية عليه فقال الله تعالى @QB@ يلقي ~~الروح من أمره على من يشاء من عباده @QE@ غافر 15 وقال تعالى @QB@ وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي ~~له ما في ms001 السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور @QE@ الشورى ~~ولاروح الا فيما جاء به الرسول ولا نور الا في الاستضاءة به وسماه الشفاء ~~كما قال الله تعالى @QB@ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء @QE@ فصلت 44 فهو وان ~~كان هدى وشفاء مطلقا لكن لما كان المنتفع بذلك هم المؤمنين خصوا بالذكر # والله تعالى ارسل رسوله بالهدى ودين الحق فلا هدى الا فيما جاء به # ولا ريب أنه يجب على كل أحد ان يؤمن بما جاء به الرسول ايمانا عاما مجملا ~~ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فان ذلك ~~داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه وعلم ~~الكتاب والحكمة وحفظ الذكر والدعاء إلى الخير والامر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هى ~~أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهو واجب على الكفاية منهم ~~PageV01P066 وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ~~ومعرفتهم وما امر به أعيانهم ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن ~~فهم دقيقة ما يجب على القادر على ذلك ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم ~~التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها ويجب على المفتى والمحدث والحاكم ما لا ~~يجب على من ليس كذلك # وينبغى أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق ~~فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول وترك النظر والاستدلال الموصل ~~إلى معرفته فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا كما قال تعالى @QB@ فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال ~~كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى @QE@ طه 123 126 # قال ابن عباس رضي الله عنهما تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل ms002 بما فيه أن ~~لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الاخرة ثم قرأ هذه الآيات وكما في الحديث ~~الذى رواه الترمذى وغيره عن على رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم انها ستكون فتن قلت فما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله ~~فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه ~~من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين ~~وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذى لا تزيع به الاهواء ولا ~~تلتبس به الالسن ولا تنقضي عجائبه ولا تشبع منه العلماء من قال به صدق ومن ~~عمل به أجر PageV01P067 ومن حكم به عدل ومن دعا اليه هدي إلى صراط مستقيم ~~إلى غير ذلك من الآيات والآحاديث الدالة على مثل هذا المعنى ولا يقبل الله ~~من الاولين والآخرين دينا يدينون به الا أن يكون موافقا لدينه الذى شرعه ~~على ألسنة رسله عليهم السلام # وقد نزه الله تعالى نفسه عما يصفه العباد الا ما وصفه به المرسلون بقوله ~~سبحانه @QB@ سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ~~رب العالمين @QE@ الصافات 180182 فنزه نفسه سبحانه عما يصفه به الكافرون ثم ~~سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب ثم حمد نفسه على ~~تفرده بالاوصاف التى يستحق عليها كمال الحمد # ومضى على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم خير القرون وهم الصحابة ~~والتابعون لهم بإحسان يوصي به الاول والآخر ويقتدي فيه اللاحق بالسابق وهم ~~في ذلك كله بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم مقتدون وعلى منهاجه سالكون كما ~~قال تعالى في كتابه العزيز @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ~~ومن اتبعني @QE@ يوسف 108 فان كان قوله @QB@ ومن اتبعني @QE@ معطوفا على ~~الضمير في @QB@ أدعو @QE@ فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله وان ~~كان معطوفا على الضمير المنفصل فهو صريح أن أتباعه هم ms003 أهل البصيرة فما جاء ~~به دون غيرهم وكلا المعنيين حق PageV01P068 وقد بلغ الرسول صلى الله عليه ~~وسلم البلاغ المبين وأوضح الحجة للمستبصرين وسلك سبيله خير القرون # ثم خلف من بعدهم خلف اتبعوا أهواءهم وافترقوا فأقام الله لهذه الامة من ~~يحفظ عليها اصول دينها كما أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم بقوله لا تزال ~~طائفة من امتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم # وممن قام بهذا الحق من علماء المسلمين الامام أبو جعفر أحمد بن محمد بن ~~سلامة الازدى الطحاوى تغمده الله برحمته بعد المائتين فان مولده سنة تسع ~~وثلاثين ومائتين ووفاته سنة احدى وعشرين وثلاثمائة # فأخبر رحمه الله عما كان عليه السلف ونقل عن الامام أبى حنيفة النعمان ~~ابن ثابت الكوفي وصاحبيه أبى يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصارى ومحمد ~~بن الحسن الشيبانى رضي الله عنهم ما كانوا يعتقدون من أصول الدين ويدينون ~~به رب العالمين # وكلما بعد العهد ظهرت البدع وكثر التحريف الذى سماه أهله تأويلا ليقبل ~~وقل من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل اذ قد يسمى صرف الكلام عن ~~ظاهره إلى معنى آخر يحتمله اللفظ في PageV01P069 الجملة تأويلا وان لم يكن ~~ثم قرينة توجب ذلك ومن هنا حصل الفساد فإذا سموه تأويلا قبل وراج على من لا ~~يهتدى إلى الفرق بينها # فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى ايضاح الادلة ودفع الشبه الواردة عليها ~~وكثير الكلام والشغب وسبب ذلك اصغاؤهم إلى شبه المبطلين وخوضهم في الكلام ~~المذموم الذى عابه السلف ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به والاصغاء اليه ~~امتثالا لامر ربهم حيث قال @QB@ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره @QE@ الانعام 68 فان معنى الآية يشملهم # وكل من التحريف والانحراف على مراتب فقد يكون كفرا وقد يكون فسقا وقد ~~يكون معصية وقد يكون خطئا # فالواجب اتباع المرسلين واتباع ما أنزله الله عليهم وقد ختمهم الله بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم فجعله آخر الانبياء وجعل كتابه مهيمنا على ما بين يديه ~~من كتب ms004 السماء وأنزل عليه الكتاب والحكمة وجعل دعوته عامة لجميع الثقلين ~~الجن والانس باقية إلى يوم القيامة وانقطعت به حجة العباد على الله وقد بين ~~الله به كل شىء وأكمل له ولأمته الدين خبرا وأمرا وجعل طاعته طاعة له ~~ومعصيته معصية له وأقسم بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم ~~وأخبر أن المنافقين يريدون ان يتحاكموا إلى غيره وأنهم اذا دعوا إلى الله ~~والرسول وهو الدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله صدوا صدودا وأنهم يزعمون أنهم ~~انما أرادوا احسانا وتوفيقا كما يقوله كثير من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم ~~انما نريد ان نحس الاشياء بحقيقتها أى ندركها ونعرفها ونريد التوفيق بين ~~الدلائل التى يسمونها العقليات وهى في الحقيقة جهليات وبين الدلائل النقلية ~~المنقولة عن الرسول PageV01P070 أو نريد التوفيق بين الشريعة والفلسفة وكما ~~يقوله كثير من المبتدعة من المتنسكة والمتصوفة انما نريد الاعمال بالعمل ~~الحسن والتوفيق بين الشريعة وبين ما يدعونه من الباطل الذى يسمونه حقائق ~~وهى جهل وضلال وكما يقوله كثير من المتملكة والمتأثرة انما نريد الاحسان ~~بالسياسة الحسنة والتوفيق بينها وبين الشريعة ونحو ذلك # فكل من طلب أن يحكم في شىء من أمر الدين غير ما جاء به الرسول ويظن ان ~~ذلك حسن وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول وبين ما يخالفه فله نصيب من ذلك ~~بل ما جاء به الرسول كاف كامل يدخل فيه كل حق وانما وقع التقصير من كثير من ~~المنتسبين اليه فلم يعلم ما جاء به الرسول في كثير من الامور الكلامية ~~الاعتقادية ولا في كثير من الاحوال العبادية ولا في كثير من الامارة ~~السياسية أو نسبوا إلى شريعة الرسول بظنهم وتقليدهم ما ليس منها وأخرجوا ~~عنها كثيرا مما هو منها # فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم كثر ~~النفاق ودرس كثير من علم الرسالة # بل انما يكون البحث التام والنظر القوى والاجتهاد الكامل فيما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ليعلم ويعتقد ويعمل به ظاهرا وباطنا فيكون قد ~~تلى ms005 حق تلاوته وأن لا يهمل منه شىء # وان كان العبد عاجزا عن معرفة بعض ذلك أو العمل به فلا ينهى عما عجز عنه ~~مما جاء به الرسول بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه لكن عليه أن يفرح بقيام ~~غيره به ويرضى بذلك ويود أن يكون قائما به وأن لا يؤمن ببعضه ويترك بعضه بل ~~يؤمن بالكتاب كله وأن يصان عن أن يدخل فيه ما ليس منه من رواية أو رأى أو ~~يتبع ما ليس من عند الله اعتقادا أو عملا كما قال تعالى @QB@ ولا تلبسوا ~~الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون @QE@ PageV01P071 البقرة 42 # وهذه كانت طريقة السابقين الاولين وهى طريقة التابعين لهم بإحسان إلى يوم ~~القيامة وأولهم السلف القديم من التابعين الاولين ثم من بعدهم ومن هؤلاء ~~أئمة الدين المشهود لهم عند الامة الوسط بالامامة # فعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه قال لبشر المريسى العلم بالكلام هو ~~الجهل والجهل بالكلام هو العلم واذا صار الرجل رأسا في الكلام قيل زنديق أو ~~رمى بالزندقة أراد بالجهل به اعتقاد عدم صحته فإن ذلك علم نافع أو أراد به ~~الاعراض عنه أو ترك الالتفات إلى اعتباره فان ذلك يصون علم الرجل وعقله ~~فيكون علما بهذا الاعتبار والله أعلم # وعنه أيضا أنه قال من طلب العلم بالكلام تزندق ومن طلب المال بالكيميا ~~أفلس ومن طلب غريب الحديث كذب # وقال الامام الشافعي رحمه الله تعالى حكمي في أهل الكلام أن يضربوا ~~بالجريد والنعال ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك ~~الكتاب والسنة وأقبل على الكلام وقال أيضا رحمه الله تعالى شعرا % كل ~~العلوم سوى القرآن مشغلة % % الا الحديث والا الفقه في الدين % العلم ما ~~كان فيه قال حدثنا % % وما سوى ذاك وسواس الشياطين % $ PageV01P072 وذكر ~~الاصحاب في الفتاوى أنه لو أوصى لعلماء بلده لا يدخل المتكلمون وأوصى انسان ~~أن يوقف من كتبه ما هو من كتب العلم فأفتى السلف ان يباع ما فيها من كتب ~~الكلام ذكر ذلك بمعناه في الفتاوى ms006 الظهيرية # فكيف يرام الوصول إلى علم الاصول بغير اتباع ما جاء به الرسول ولقد أحسن ~~القائل % أيها المغتذى ليطلب علما % % كل علم عبد لعلم الرسول % تطلب الفرع ~~كي تصحح أصلا % % كيف أغفلت علم أصل الاصول % $ # ونبينا صلى الله عليه وسلم أوتى فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه فبعث ~~بالعلوم الكلية والعلوم الاولية والاخروية على أتم الوجوه ولكن كلما ابتدع ~~شخص بدعة اتسعوا في جوابها فلذلك صار كلام المتأخرين كثيرا قليل البركة ~~بخلاف كلام المتقدمين فإنه قليل كثير البركة لا كما يقوله ضلال المتكلمين ~~وجهلتهم أن طريقة القوم اسلم وان طريقتنا أحكم وأعلم ولا كما يقوله من لم ~~يقدرهم من المنتسبين إلى الفقه انهم لم يتفرغوا لاستنباط الفقه وضبط قواعده ~~وأحكامه اشتغالا منهم بغيره والمتأخرون تفرغوا لذلك فهم أفقه # فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف وعمق علومهم وقلة تكلفهم وكمال ~~بصائرهم وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون الا بالتكلف والاشتغال بالاطراف ~~التى كانت همة القوم مراعاة اصولها وضبط قواعدها وشد معاقدها وهممهم مشمرة ~~إلى المطالب العالية في كل شىء فالمتأخرون في شأن والقوم في شأن آخر وقد ~~جعل الله لكل شىء قدرا # وقد شرح هذه العقيدة غير واحد من العلماء ولكن رأيت بعض PageV01P073 ~~الشارحين قد أصغى إلى أهل الكلام المذموم واستمد منهم وتكلم بعباراتهم # والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه ~~اصطلاحا جديدا على معان صحيحة كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة ولا ~~كرهوا أيضا الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل بل كرهوه لاشتماله على ~~أمور كاذبة مخالفة للحق ومن ذلك مخالفتها الكتاب والسنة ولهذا لا تجد عند ~~أهلها من اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين فضلا عن علمائهم # ولاشتمال مقدماتهم على الحق والباطل كثر المراء والجدال وانتشر القيل ~~والقال وتولد لهم عنها من الاقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما ~~يضيق عنه المجال وسيأتى لذلك زيادة بيان عند قوله فمن رام علم ما حظر عنه ~~علمه # وقد أحببت أن أشرحها سالكا طريق السلف في عباراتهم وأنسج على منوالهم ~~متطفلا ms007 عليهم لعلي أن أنظم في سلكهم وأدخل في عدادهم وأحشر في زمرتهم مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك ~~رفيقا النساء 69 ولما رأيت النفوس مائلة إلى الاختصار آثرته على التطويل ~~والاسهاب @QB@ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب @QE@ هود 88 وهو ~~حسبنا ونعم الوكيل # قوله # | نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله ان الله واحد لا شريك له # ش اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق وأول مقام يقوم فيه ~~السالك إلى الله عز وجل قال تعالى @QB@ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا ~~قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره @QE@ الاعراف 59 PageV01P074 وقال هود ~~عليه السلام لقومه @QB@ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره @QE@ الاعراف 65 ~~وقال صالح عليه السلام لقومه @QB@ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره @QE@ ~~الاعراف 73 وقال شعيب عليه السلام لقومه @QB@ اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره @QE@ الاعراف 85 وقال تعالى @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ النحل 36 وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ الأنبياء 25 ~~وقال صلى الله عليه وسلم امرت أن اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا ~~الله وأن محمدا رسول الله ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف ~~شهادة أن لا اله الا الله لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هى ~~أقوال لارباب الكلام المذموم بل ائمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر ~~به العبد الشهادتان ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ~~ذلك عقيب بلوغه بل يؤمر بالطهارة والصلاة اذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك ~~ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين وان كان ~~الاقرار بالشهادتين واجبا باتفاق المسلمين ووجوبه يسبق وجوب الصلاة لكن هو ~~أدى هذا الواجب قبل ذلك # وهنا مسائل تكلم فيها ms008 الفقهاء كمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين أو أتى بغير ~~ذلك من خصائص الاسلام ولم يتكلم بهما هل يصير مسلما أم لا والصحيح أنه يصير ~~مسلما بكل ما هو من خصائص الاسلام فالتوحيد أول ما يدخل به في الاسلام وآخر ~~ما يخرج به من الدنيا كما قال النبى صلى الله عليه وسلم من كان آخر كلامه ~~لا اله الا الله دخل الجنة وهو اول واجب وآخر واجب PageV01P075 فالتوحيد ~~أول الامر وآخره أعنى توحيد الالهية فان التوحيد يتضمن ثلاث انواع # أحدها الكلام في الصفات والثانى توحيد الربوبية وبيان أن الله وحده خالق ~~كل شىء والثالث توحيد الالهية وهو استحقاقه سبحانه وتعالى ان يعبد وحده لا ~~شريك له # أما الاول فان نفاة الصفات أدخلوا نفى الصفات في مسمى التوحيد كجهم بن ~~صفوان ومن وافقه فانهم قالوا اثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب وهذا القول ~~معلوم الفساد بالضرورة فان اثبات ذات مجردة عن جميع الصفات لا يتصور لها ~~وجود في الخارج وانما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله وهذا غاية التعطيل وهذا ~~القول قد أفضى بقوم إلى القول بالحلول والاتحاد وهو اقبح من كفر النصارى ~~فان النصارى خصوه بالمسيح وهؤلاء عموا جميع المخلوقات ومن فروع هذا التوحيد ~~أن فرعون وقومه كاملوا الايمان عارفون بالله على الحقيقة # ومن فروعه أن عباد الاصنام على الحق والصواب وأنهم انما عبدوا الله لا ~~غيره # ومن فروعه أنه لا فرق في التحريم والتحليل بين الام والاخت والاجنبية ولا ~~فرق بين الماء والخمر والزنا والنكاح والكل من عين واحدة لا بل هو العين ~~الواحدة ومن فروعه أن الانبياء ضيقوا على الناس تعالى الله عما يقولون علوا ~~كبيرا وأما الثانى وهو توحيد الربوبية كالاقرار بأنه خالق كل شىء ~~PageV01P076 وانه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والافعال وهذا ~~التوحيد حق لا ريب فيه وهو الغاية عند كثير من اهل النظر والكلام وطائفة من ~~الصوفية وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بنى آدم بل القلوب ~~مفطورة على الاقرار به أعظم من كونها ms009 مفطورة على الاقرار بغيره من ~~الموجودات كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم @QB@ قالت رسلهم أفي الله شك ~~فاطر السماوات والأرض @QE@ # وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بانكار الصانع فرعون وقد كان مستيقنا به في ~~الباطن كما قال له موسى @QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات ~~والأرض بصائر @QE@ وقال تعالى عنه وعن قومه @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ ولهذا لما قال وما رب العالمين على وجه الانكار له ~~تجاهل العارف قال له موسى @QB@ رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم ~~موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم ~~تعقلون @QE@ # وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهما عن الماهية وأن المسؤول عنه لما ~~لم تكن له ماهية عجز موسى عن الجواب وهذا غلط وانما هذا استفهام انكر وجحد ~~كما دل سائر آيات القرآن على أن فرعون كان جاحدا لله نافيا له لم يكن مثبتا ~~له طالبا للعلم بماهيته فلهذا بين لهم موسى أنه معروف وأن آياته ودلائل ~~ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو بل هو سبحانه أعرف واظهر وابين ~~من أن يجهل بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل معروف ولم يعرف عن ~~أحد من الطوائف انه قال ان العالم له صانعان متماثلان في الصفات والافعال ~~فان الثنوية من المجوس والمانوية القائلين بالاصلين PageV01P077 النور ~~والظلمة وأن العالم صدر عنهما متفقون على أن النور خير من الظلمة وهو الاله ~~المحمود وأن الظلمة شريرة مذمومة وهم متنازعون في الظلمة هل هى قديمة أو ~~محدثة فلم يثبتوا ربين متماثلين # وأما النصارى القائلون بالتثليث فانهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ~~ينفصل بعضهم عن بعض بل متفقون على أن صانع العالم واحد ويقولون باسم الابن ~~والاب وروح القدس اله واحد وقولهم في التثليث متناقض في نفسه وقولهم في ~~الحلول أفسد منه ولهذا كانوا مضطربين في فهمه وفى التعبير عنه الا ms010 يكاد ~~واحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد فانهم ~~يقولون هو واحد بالذات ثلاثة بالاقنوم والاقانيم يفسرونها تارة بالخواص ~~وتارة بالصفات وتارة بالاشخاص وقد فطر الله العباد على فساد هذه الاقوال ~~بعد التصور التام وبالجملة فهم لا يقولون باثبات خالقين متماثلين # والمقصود هنا أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين مع أن ~~كثيرا من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في اثبات هذا المطلوب وتقريره ~~ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل وزعم أنه يتلقى من السمع ~~والمشهور عند أهل النظر اثباته بدليل التمانع وهو أنه لو كان للعالم صانعان ~~فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه أو يريد احدهما ~~احياءه والآخر اماتته فإما أن يحصل مرادهما أو مراد أحدهما أو لا يحصل مراد ~~واحد منهما والاول ممتنع لأنه يستلزم الجمع بين الضدين والثالث ممتنع لانه ~~يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهو ممتنع ويستلزم أيضا عجز كل ~~PageV01P078 منهما والعاجز لا يكون الها واذا حصل مراد أحدهما دون الاخر ~~كان هذا هو الاله القادر والاخر عاجزا لا يصلح للالهية # وتمام الكلام على هذا الاصل معروف في موضعه وكثير من أهل النظر يزعمون ان ~~دليل التمانع هو معنى قوله تعالى @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~@QE@ لاعتقادهم ان توحيد الربوبية الذى قرروه هو توحيد الالهية الذى بينته ~~القرآن ودعت اليه الرسل عليهم السلام وليس الامر كذلك بل التوحيد الذى دعت ~~اليه الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الالهية المتضمن توحيد الربوبية وهو ~~عبادة الله وحده لا شريك له فان المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد ~~الربوبية وأن خالق السموات والأرض واحد كما اخبر تعالى عنهم بقوله @QB@ ~~ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله @QE@ @QB@ قل لمن الأرض ~~ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون @QE@ ومثل هذا كثير في ~~القرآن ولم يكونوا يعتقدون في الاصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم بل ~~كان حالهم فيها كحال أمثالهم ms011 من مشركى الامم من الهند والترك والبربر ~~وغيرهم تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الانبياء والصالحين ~~ويتخذونهم شفعاء ويتوسلون بهم إلى الله وهذا كان أصل شرك العرب قال تعالى ~~حكاية عن قوم نوح @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا ~~يغوث ويعوق ونسرا @QE@ وقد ثبت في صحيح البخارى وكتب التفسير وقصص الانبياء ~~وغيرها عن ابن عباس رضى الله عنهما وغيره من السلف أن هذه اسماء قوم صالحين ~~في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم ~~الامد فعبدوهم وان هذه الاصنام PageV01P079 بعينها صارت إلى قبائل العرب ~~ذكرها ابن عباس رضى الله عنهما قبيلة قبيلة وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبى ~~الهياج الاسدي قال قال لي على بن أبى طالب رضى الله عنه ألا أبعثك على ما ~~بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن لا أدع قبرا مشرفا الا سويته ~~ولا تمثالا الا طمسته وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال في ~~مرض موته لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد يحذر ما ~~فعلوا قالت عائشة رضى الله عنها ولولا ذلك لابرز قبره ولكن كره أن يتخذ ~~مسجدا وفى الصحيحين أنه ذكر في مرض موته كنيسة بأرض الحبشة وذكر من حسنها ~~وتصاوير فيها فقال ان أولئك اذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ~~وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة وفى صحيح ~~مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس ان من كان قبلكم ~~كانوا يتخذون قبور انبيائهم وصالحيهم مساجد الا فلا تتخذوا القبور مساجد ~~فانى أنهاكم عن ذلك ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب واتخاذ الاصنام بحسب ما ~~يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها وشرك قوم إبراهيم عليه السلام كان فيما ~~يقال من هذا الباب PageV01P080 وكذلك الشرك بالملائكة والجن واتخاذ الاصنام ~~لهم وهؤلاء كانوا مقرين بالصانع وأنه ليس للعالم صانعان ولكن اتخذوا هؤلاء ~~شفعاء ms012 كما أخبر عنهم تعالى بقوله @QB@ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى @QE@ @QB@ ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون @QE@ # وكذلك كان حال الامم السالفة المشركين الذين كذبوا الرسل كما حكى الله ~~تعالى عنهم في قصة صالح عليه السلام عن التسعة الرهط الذين تقاسموا بالله ~~أي تحالفوا بالله لنبيتنه واهله فهؤلاء المفسدون المشركون تحالفوا بالله ~~على قتل نبيهم وأهله وهذا بين أنهم كانوا مؤمنين بالله ايمان المشركين # فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الالهية الذي يتضمن توحيد الربوبية قال ~~تعالى @QB@ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ @QB@ منيبين ~~إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ليكفروا بما ~~آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا ~~به يشركون وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~إذا هم يقنطون @QE@ وقال تعالى @QB@ أفي الله شك فاطر السماوات والأرض @QE@ ~~PageV01P081 ابراهيم وقال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ولا يقال ان معناه يولد ساذجا لا ~~يعرف توحيدا ولا شركا كما قال بعضهم لما تلونا ولقوله صلى الله عليه وسلم ~~فيما يروى عن ربه عز وجل خلقت عبادى حنفاء فاجتالتهم الشياطين الحديث وفى ~~الحديث المتقدم ما يدل على ذلك حيث قال يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ولم ~~يقل يسلمانه وفى رواية يولد على الملة وفى أخرى على هذه الملة # وهذا الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم هو الذى تشهد الادلة العقلية بصدقة ~~منها أن يقال لا ريب أن الانسان قد يحصل له من الاعتقادات والارادات ما ~~يكون حقا وتارة ما يكون باطلا وهو حساس متحرك بالارادات ولا بد له من ~~أحدهما ولا ms013 بد له من مرجح لاحدهما ونعلم أنه اذا عرض على كل أحد أن يصدق ~~وينتفع وأن يكذب ويتضرر مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع وحينئذ فالاعتراف ~~بوجود الصانع الايمان به هو الحق أو نقيضه والثانى فاسد قطعا فتعين الاول ~~فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضى معرفة الصانع والايمان به وبعد ذلك اما ان ~~يكون في فطرته محبته أنفع للعبد أو لا والثانى فاسد قطعا فوجب أن يكون في ~~فطرته محبة ما ينفعه # ومنها أنه مفطور على جلب المنافع ودفع المضار بحسه وحينئذ لم تكن فطرة كل ~~واحد مستقلة بتحصيل ذلك بل يحتاج إلى سبب معين للفطرة كالتعليم ونحوه فاذا ~~وجد الشرط وانتفى المانع استجابت لما فيها من المقتضى لذلك PageV01P082 ~~ومنها أن يقال من المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وارادة الحق ومجرد التعليم ~~والتحضيض لا يوجب العلم والارادة لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك والا فلو ~~علم الجهال والبهائم وحضضا لم يقبلا ومعلوم ان حصول اقرارها بالصانع ممكن ~~من غير سبب منفصل من خارج وتكون الذات كافية في ذلك فاذا كان المقتضي قائما ~~في النفس وقدر عدم المعارض فالمقتضي السالم عن المعارض يوجب مقتضاه فعلم أن ~~الفطرة السليمة اذا لم يحصل لها ما يفسدها كانت مقرة بالصانع عابدة له # ومنها أن يقال أنه اذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح الخارج كانت ~~الفطرة مقتضية للصلاح لان المقتضى فيها للعلم والارادة قائم والمانع منتف # ويحكى عن أبى حنيفة رحمه الله أن قوما من أهل الكلام أرادوا البحث معه في ~~تقرير توحيد الربوبية فقال لهم اخبرونى قبل ان نتكلم في هذه المسألة عن ~~سفينة في دجلة تذهب فتمتلىء من الطعام والمتاع وغيره بنفسها وتعود بنفسها ~~فترسي بنفسها وتفرغ وترجع كل ذلك من غير أن يدبرها أحد فقالوا هذا محال لا ~~يمكن أبدا فقال لهم اذا كان هذا محالا في سفينة فكيف في هذا العالم كله ~~علوه وسفله وتحكى هذه الحكاية أيضا عن غير أبى حنيفة # فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية ms014 الذي يقر به هؤلاء النظار ويفنى فيه كثير من ~~أهل التصوف ويجعلونه غاية السالكين كما ذكره صاحب منازل السائرين وغيره وهو ~~مع ذلك ان لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه كان مشركا من جنس ~~أمثاله من المشركين والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه وضرب ~~الأمثال له ومن ذلك أنه يقرر توحيد الربوبية ويبين أنه لاخالق إلا الله وأن ~~ذلك PageV01P083 مستلزم أن لا يعبد الا الله فيجعل الاول دليلا على الثانى ~~اذ كانوا يسلمون في الأول وينازعون في الثانى فيبين لهم سبحانه انكم اذا ~~كنتم تعلمون أنه لا خالق الا الله وحده وأنه هو الذى يأتى العباد بما ~~ينفعهم ويدفع عنهم ما يضرهم لا شريك له في ذلك فلم تعبدون غيره وتجعلون معه ~~آلهة اخرى # كقوله تعالى @QB@ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما ~~يشركون أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ~~حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون ~~@QE@ أي أإله مع الله فعل هذا وهذا استفهام انكار يتضمن نفى ذلك وهم كانوا ~~مقرين بأنه لم يفعل ذلك غير الله فاحتج عليهم بذلك وليس المعنى أنه استفهام ~~هل مع الله اله كما ظنه بعضهم لان هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام والقوم ~~كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى كما قال تعالى @QB@ أئنكم لتشهدون أن مع ~~الله آلهة أخرى قل لا أشهد @QE@ وكانوا يقولون @QB@ أجعل الآلهة إلها واحدا ~~إن هذا لشيء عجاب @QE@ لكنهم ما كانوا يقولون ان معه الها @QB@ جعل الأرض ~~قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا @QE@ بل ~~هم مقرون بأن الله وحده فعل هذا وهكذا سائر الآيات وكذلك قوله تعالى @QB@ ~~يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون @QE@ ~~وكذلك قوله في سورة الانعام @QB@ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ~~وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به @QE@ وأمثال ms015 ذلك # وإذا كان توحيد الربوبية الذى يجعله هؤلاء النظار ومن PageV01P084 وافقهم ~~من الصوفية هو الغاية في التوحيد داخلا في التوحيد الذى جاءت به الرسل ~~ونزلت به الكتب فليعلم أن دلائله متعددة كدلائل اثبات الصانع ودلائل صدق ~~الرسول فان العلم كلما كان الناس اليه أحوج كانت ادلته أظهر رحمة من الله ~~بخلقه # والقرآن قد ضرب الله للناس فيه من كل مثل وهى المقاييس العقلية المفيدة ~~للمطالب الدينية لكن القرآن يبين الحق في الحكم والدليل فماذا بعد الحق إلا ~~الضلال وما كان من المقدمات معلومة ضرورية متفقا عليها استدل بها ولم يحتج ~~إلى الاستدلال عليها # والطريقة الفصيحة في البيان أن تحذف وهى طريقة القرآن بخلاف ما يدعيه ~~الجهال الذين يظنون أن القرآن ليس فيه طريقة برهانية بخلاف ما قد يشتبه ~~ويقع فيه نزاع فانه يبينه ويدل عليه # ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم باعتبار اثبات ~~خالقين متماثلين في الصفات والافعال وانما ذهب بعض المشركين إلى أن ثم ~~خالقا خلق بعض العالم كما يقوله الثنوية في الظلمة وكما يقوله القدرية في ~~أفعال الحيوان وكما يقوله الفلاسفة الدهرية في حركة الافلاك أو حركات ~~النفوس أو الاجسام الطبيعية فان هؤلاء يثبتون أمورا محدثة بدون احداث الله ~~اياها فهم مشركون في بعض الربوبية وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد يظن في ~~آلهته شيئا من نقع أو ضر بدون أن يخلق الله ذلك # فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجودا في الناس بين القرآن بطلانه كما ~~في قوله تعالى @QB@ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل ~~إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض @QE@ فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ ~~الوجيز الظاهر فان الاله الحق لا بد أن يكون خالقا فاعلا يوصل إلى عابده ~~النفع ويدفع عنه الضر فلو PageV01P085 كان معه سبحانه اله آخر يشركه في ~~ملكه لكان له خلق وفعل وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة بل ان قدر على قهر ذلك ~~الشريك وتفرده بالملك والالهية دونه فعل ms016 وان لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه ~~وذهب بذلك الخلق كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بملكه اذا لم يقدر ~~المنفرد منهم على قهر الآخر والعلو عليه فلا بد من أحد ثلاثة أمور # اما ان يذهب كل اله بخلقه وسلطانه # واما أن يعلو بعضهم على بعض # وأما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء ولا يتصرفون فيه بل ~~يكون وحده هو الاله وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه # وانتظام أمر العالم كله واحكام أمره من أدل دليل على أن مدبره اله واحد ~~وملك واحد ورب واحد لا اله للخلق غيره ولا رب لهم سواه كما قد دل دليل ~~التمانع على أن خالق العالم واحد لا رب غيره ولا اله سواه فذلك تمانع في ~~الفعل والايجاد وهذا تمانع في العبادة والالهية فكما يستحيل أن يكون العالم ~~ربان خالقان متكافئان كذلك يستحيل أن يكون لهم الهان معبودان # فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته مستقر في الفطر ~~معلوم بصريح العقل بطلانه فكذا تبطل الهية اثنين فالاية الكريمة موافقة لما ~~ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الالهية # وقريب من معنى هذه الاية قوله تعالى @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا @QE@ وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذى تقدم ذكره وهو أنه لو ~~كان للعالم صانعان الخ وغفلوا عن مضمون الآية فانه سبحانه أخبر أنه لو كان ~~فيهما آلهة غيره ولم يقل أرباب PageV01P086 وأيضا فان هذا انما هو بعد ~~وجودهما وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواء لفسدتا # وأيضا فانه قال @QB@ لفسدتا @QE@ وهذا فساد بعد الوجود ولم يقل لم يوجدا ~~ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة بل لا يكون الاله ~~الا واحدا وعلى انه لا يجوز أن يكون هذا الاله الواحد الا الله سبحانه ~~وتعالى وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة ومن كون ~~الاله الواحد غير الله وأنه لا صلاح ms017 لهما الا بأن يكون الاله فيهما هو الله ~~وحده لا غيره فلو كان للعالم الهان معبودان لفسد نظامه كله فان قيامه انما ~~هو بالعدل وبه قامت السموات والأرض # وأظلم الظلم على الاطلاق الشرك وأعدل العدل التوحيد # وتوحيد الالهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس فمن لا يقدر على أن يخلق ~~يكون عاجزا والعاجز لا يصلح أن يكون الها قال تعالى @QB@ أيشركون ما لا ~~يخلق شيئا وهم يخلقون @QE@ وقال تعالى @QB@ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا ~~تذكرون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا @QE@ # وفيها للمتأخرين قولان احدهما لاتخذوا سبيلا إلى مغالبته # والثانى وهو الصحيح المنقول عن السلف كقتادة وغيره وهو الذى ذكره ابن ~~جرير ولم يذكر غيره لاتخذوا سبيلا بالتقرب اليه كقوله تعالى @QB@ إن هذه ~~تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا @QE@ وذلك أنه قال @QB@ لو كان معه آلهة ~~كما يقولون @QE@ وهم لم يقولوا ان العالم له صانعان بل جعلوا معه آلهة ~~اتخذوهم شفعاء وقالوا @QB@ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى @QE@ ~~بخلاف الآية الاولى PageV01P087 $ أنواع التوحيد الذى دعت اليه الرسل # ثم التوحيد الذي دعت اليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان توحيد في الاثبات ~~والمعرفة وتوحيد في الطلب والقصد # فالأول هو اثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه @QB@ ليس ~~كمثله شيء @QE@ في ذلك كله كما اخبر به عن نفسه وكما اخبر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الافصاح كما في أول الحديد وطه ~~وآخر الحشر وأول الم تنزيل السجدة وأول آل عمران وسورة الاخلاص بكمالها ~~وغير ذلك # والثانى وهو توحيد الطلب والقصد مثل ما تضمنته سورة قل يا أيها الكافرون ~~وقل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم آل عمران وأول سورة ~~تنزيل الكتاب وآخرها وأول سورة يونس وأوسطها وآخرها وأول سورة الاعراف ~~وآخرها وجملة سورة الانعام # وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد بل كل سورة في القرآن فالقرآن اما ~~خبر عن الله ms018 وأسمائه وصفاته وهو التوحيد العلمي الخبري واما دعوة إلى ~~عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الارادي الطلبي ~~واما أمر ونهي والزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته واما خبر عن ~~اكرامه لاهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو ~~جزاء توحيده واما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما ~~يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد # فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفى شأن الشرك وأهله PageV01P088 ~~وجزائهم ف الحمد لله رب العالمين توحيد الرحمن الرحيم توحيد مالك يوم الدين ~~توحيد اياك نعبد واياك نستعين توحيد اهدنا الصراط المستقيم توحيد متضمن ~~لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين الذين فارقوا التوحيد # وكذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد وشهدت له به ملائكته وأنبياؤه ورسله ~~قال تعالى @QB@ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام @QE@ فتضمنت ~~هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد والرد على جميع طوائف الضلال فتضمنت ~~أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به # وعبارات السلف في شهد تدور على الحكم والقضاء والاعلام والبيان والاخبار ~~وهذه الاقوال كلها حق لا تنافي بينها فان الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره ~~وتتضمن اعلامه واخباره وبيانه # فلها أربع مراتب فأول مراتبها علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته # وثانيها تكلمه بذلك وان لم يعلم به غيره بل يتكلم بها مع نفسه ويتذكرها ~~وينطق بها أو يكتبها و # ثالثها أن يعلم غيره بما يشهد به ويخبره به ويبينه له # ورابعها أن يلزمه بمضمونها ويأمره به # فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب ~~الاربع علمه بذلك سبحانه وتكلمه به واعلامه واخباره لخلقه به وأمرهم ~~والزامهم به PageV01P089 فأما مرتبة العلم فان الشهادة تضمنتها ضرورة والا ~~كان الشاهد شاهدا ms019 بما لا علم له به قال تعالى @QB@ إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم على مثلها فاشهد وأشار إلى الشمس # وأما مرتبة التكلم والخبر فقال تعالى @QB@ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون @QE@ فجعل ذلك منهم شهادة ~~وان لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم # وأما مرتبة الإعلام والاخبار فنوعان اعلام بالقول واعلام بالفعل وهذا شأن ~~كل معلم لغيره بأمر تارة يعلمه به بقوله وتارة بفعله ولهذا كان من جعل داره ~~مسجدا وفتح بابها وأفرزها بطريقها وأذن للناس بالدخول والصلاة فيها معلما ~~أنها وقف وان لم يتلفظ به وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بأنواع المسار يكون ~~معلما له ولغيره أنه يحبه وان لم يتلفظ بقوله وكذلك بالعكس وكذلك شهادة ~~الرب عز وجل وبيانه واعلامه يكون بقوله تارة وبفعله اخرى فالقول ما ارسل به ~~رسله وانزل به كتبه وأما بيانه واعلامه بفعله فكما قال ابن كيسان شهد الله ~~بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه أنه لا اله الا هو وقال آخر % وفي ~~كل شىء له آية % % تدل على أنه واحد % $ ومما يدل على أن الشهادة تكون ~~بالفعل قوله تعالى @QB@ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر @QE@ PageV01P090 فهذه شهادة منهم على انفسهم بما يفعلونه ~~والمقصود أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه ودلالتها انما ~~هى بخلقه وجعله # وأما مرتبة الامر بذلك والالزام به وأن مجرد الشهادة لا يستلزمه لكن ~~الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه فانه سبحانه شهد به شهادة من حكم ~~به وقضى وامر والزم عباده به كما قال تعالى @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه @QE@ وقال الله تعالى @QB@ لا تتخذوا إلهين اثنين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين @QE@ @QB@ وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا @QE@ وقال تعالى @QB@ لا تجعل مع الله إلها آخر @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ ولا تدع مع الله إلها آخر @QE@ والقرآن كله شاهد بذلك # ووجه استلزم شهادته سبحانه ms020 لذلك انه إذاشهد انه لا اله الا هو فقد أخبر ~~وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله أو آلهية ما سواه باطلة فلا ~~يستحق العبادة سواه كما لا تصلح الالهية لغيره وذلك يستلزم الامر باتخاذه ~~وحده الها والنهى عن اتخاذ غيره معه الها وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفى ~~والاثبات كما اذا رأيت رجلا يستفتى رجلا أو يستشهده أو يستطبه وهو ليس أهلا ~~لذلك ويدع من هو أهل له فتقول هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب المفتي فلان ~~والشاهد فلان والطبيب فلان فان هذا أمر منه ونهي # وأيضا فالآية دلت على أنه وحده المستحق للعبادة فاذا أخبر PageV01P091 ~~أنه هو وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الاخبار أمر العباد والزامهم بأداء ~~ما يستحق الرب تعالى عليهم وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم # وأيضا فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجملة الخبرية ويقال للجملة الخبرية ~~قضية وحكم وقد حكم فيها بكذا قال تعالى @QB@ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد ~~الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون @QE@ فجعل ~~هذا الاخبار المجرد منهم حكما وقال تعالى @QB@ أفنجعل المسلمين كالمجرمين ~~ما لكم كيف تحكمون @QE@ لكن هذا حكم لا الزام معه # والحكم والقضاء بأنه لا اله الا هو متضمن الالزام ولو كان المراد مجرد ~~شهادة لم يتمكنوا من العلم بها ولم ينتفعوا بها ولم تقم عليهم بها الحجة بل ~~قد تضمنت البيان للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به كما أن الشاهد من ~~العباد اذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها لم ينتفع بها أحد ولم تقم ~~بها حجة # واذا كان لا ينتفع بها الا ببيانها فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ~~ثلاثة السمع والبصر والعقل # أما السمع فبسمع آياته المتلوة المبينة لما عرفنا اياه من صفات كماله ~~كلها الوحدانية وغيرها غاية البيان لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من ~~المعتزلة ومعطلة بعض الصفات من دعوى احتمالات توقع في الحيرة تنافى البيان ~~الذى وصف الله به كتابه العزيز ورسوله ms021 الكريم كما قال تعالى @QB@ حم ~~والكتاب المبين @QE@ @QB@ الر تلك آيات الكتاب المبين @QE@ @QB@ الر تلك ~~آيات الكتاب وقرآن مبين @QE@ @QB@ هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين @QE@ ~~PageV01P092 @QB@ فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين @QE@ @QB@ وأنزلنا ~~إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون @QE@ وكذلك السنة تأتي ~~مبينة أو مقررة لما دل عليه القرآن لم يحوجنا ربنا سبحانه وتعالى إلى رأى ~~فلان ولا إلى ذوق فلان ووجده في أصول ديننا # ولهذا نجد من خالف الكتاب ولاسنة مختلفين مضطربين بل قد قال تعالى @QB@ ~~اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ فلا ~~يحتاج إلى تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة # والى هذا المعنى أشار الشيخ أبو جعفر الطحاوى فيما يأتى من كلامه من قوله ~~لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا فانه ما سلم في دينه ~~الا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم # وأما آياته العيانية الخلقية فالنظر فيها والاستدلال بها يدل على ما تدل ~~عليه آياته القولية السمعية والعقل يجمع بين هذه وهذه ويجزم بصحة ما جاءت ~~به الرسل فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة # فهو سبحانه لكمال عدله ورحمته واحسانه وحكمته ومحبته للعذر واقامة الحجة ~~لم يبعث نبيا الا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به قال تعالى @QB@ لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر @QE@ وقال وقال تعالى @QB@ قل قد ~~جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم @QE@ آل عمران وقال تعالى @QB@ فإن ~~كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير @QE@ آل ~~عمران وقال تعالى @QB@ الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان @QE@ ~~PageV01P093 الشورى حتى ان من أخفى أيات الرسل آيات هود حتى قال له قومه يا ~~هود ما جئتنا ببينة ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن وفقه الله لتدبرها ~~وقد أشار اليه بقوله @QB@ إني أشهد الله واشهدوا ms022 أني بريء مما تشركون من ~~دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة ~~إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم @QE@ هود فهذا من أعظم الآيات ~~أن رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب غير جزع ولا فزع ولا خوار بل هو ~~واثق بما قاله جازم به فأشهد الله أولا على براءته من دينهم وما هم عليه ~~اشهاد واثق به معتمد عليه معلم لقومه أنه وليه وناصره وغير مسلط لهم عليه ~~ثم أشهدهم اشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه برىء من دينهم وآلهتهم التى ~~يوالون عليها ويعادون عليها ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتهم لها ثم أكد ~~ذلك عليهم بالاستهانة لهم واحتقارهم وازدرائهم ولو يجتمعون كلهم على كيده ~~وشفاء غيظهم منه ثم يعاجلونه ولا يمهلونه لم يقدروا على ذلك الا ما كتبه ~~الله عليه ثم قرر دعوتهم احسن تقرير وبين أن ربه تعالى وربهم الذى نواصيهم ~~بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده وأنه على صراط مستقيم فلا يخذل ~~من توكل عليه وأقر به ولا يشمت به أعدائه # فأي آية وبرهان أحسن من آيات الانبياء عليهم السلام وبراهينهم وأدلتهم ~~وهى شهادة من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان # ومن أسمائه تعالى المؤمن وهو في أحد التفسيرين المصدق الذى يصدق الصادقين ~~بما يقيم لهم من شواهد صدقهم فانه لا بد أن يرى العباد من الآيات الافقية ~~والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذى بلغه رسله حق قال تعالى @QB@ سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق @QE@ فصلت أي القرآن ~~فانه هو المتقدم في قوله PageV01P094 @QB@ قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~@QE@ فصلت ثم قال @QB@ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد @QE@ فصلت فشهد ~~سبحانه لرسوله بقوله أن ما جاء به حق ووعد أنه يري العباد من آياته الفعلية ~~الخلقية ما يشهد بذلك أيضا ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك كله وأجل وهو شهادته ~~سبحانه بأنه على كل شىء شهيد ms023 فان من اسمائه الشهيد الذي لا يغيب عنه شىء ~~ولا يعزب عنه بل هو مطلع على كل شىء مشاهد له عليم بتفاصيله وهذا استدلال ~~بأسمائه وصفاته والاول استدلال بقوله وكلماته واستدلاله بالآيات الافقية ~~والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته # فان قلت كيف يستدل بأسمائه وصفاته فان الاستدل بذلك لا يعهد في الاصطلاح # فالجواب أن الله تعالى قد أودع في الفطرة التى لم تتنجس بالجحود والتعطيل ~~ولا بالتشبيه والتمثيل أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته وأنه الموصوف ~~بما وصف به نفسه ووصفه به رسله وما خفي عن الخلق من كماله أعظم وأعظم مما ~~يعرفونه منه ومن كماله المقدس شهادته على كل شىء واطلاعه عليه بحيث لا يغيب ~~عنه ذرة في السموات ولا في الأرض باطنا وظاهرا ومن هذا شأنه كيف يليق ~~بالعباد أن يشركوا به وأن يعبدوا غيره ويجعلوا معه الها آخر وكيف يليق ~~بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب ويخبر عنه بخلاف ما الامر عليه ثم ~~ينصره على ذلك ويؤيده ويعلي شأنه ويجيب دعوته ويهلك عدوه ويظهر على دينه من ~~الآيات والبراهين ما يعجز عن مثله قوى البشر وهو مع ذلك كاذب غير مفتر # ومعلوم أن شهادته سبحانه على كل شىء وقدرته وحكمته وعزته وكماله المقدس ~~يأبى ذلك ومن جوز ذلك فهو من أبعد الناس عن معرفته PageV01P095 والقرآن ~~مملوء من هذه الطريق وهى طريق الخواص يستدلون بالله على أفعاله وما يليق به ~~ان يفعل ولا يفعله قال تعالى @QB@ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه ~~باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين @QE@ الحاقة ~~وسيأتي لذلك زيادة بيان ان شاء الله تعالى ويستدل أيضا بأسمائه وصفاته على ~~وحدانيته وعلى بطلان الشرك كما في قوله تعالى @QB@ هو الله الذي لا إله إلا ~~هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله ~~عما يشركون @QE@ الحشر وأضعاف ذلك في القرآن وهذه الطريق قليل سالكها لا ~~يهتدي اليها الا الخواص وطريقة الجمهور الاستدلال بالايات المشاهدة لانها ~~اسهل تناولا وأوسع ms024 والله سبحانه يفضل بعض خلقه على بعض # فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره فانه الدليل والمدلول ~~عليه والشاهد والمشهود له قال تعالى لم طلب آية تدل على صدق رسوله @QB@ أو ~~لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون @QE@ العنكبوت الايات # وإذا عرف أن توحيد الالهية هو التوحيد الذى أرسلت به الرسل وأنزلت به ~~الكتب كما تقدمت اليه الاشارة فلا يلتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ثلاثة ~~أنواع وجعل هذا النوع توحيد العامة والنوع الثانى توحيد الخاصة وهو الذى ~~يثبت بالحقائق والنوع الثالث توحيد قائم بالقدم وهو توحيد خاص الخاصة فان ~~أكمل الناس توحيدا الانبياء صلوات الله عليهم والمرسلون منهم أكمل في ذلك ~~وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيدا وهم نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم اجمعين واكملهم توحيدا الخليلان محمد وإبراهيم صلوات ~~الله عليهما وسلامه فانهما قاما من PageV01P096 التوحيد بما لم يقم به ~~غيرهما علما ومعرفة وحالا ودعوة للخلق وجهادا فلا توحيد أكمل من الذى قامت ~~به الرسل ودعوا اليه وجاهدوا الامم عليه ولهذا أمر سبحانه نبيه ان يقتدي ~~بهم فيه كما قال تعالى بعد ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك وصحة ~~التوحيد وذكر الانبياء من ذريته @QB@ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ~~@QE@ الانعام فلا أكمل من توحيد من امر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يقتدى بهم وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه اذا اصبحوا أن يقولوا ~~أصبحنا على فطرة الاسلام وكلمة الاخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين فملة إبراهيم التوحيد ودين محمد صلى الله ~~عليه وسلم ما جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا وكلمة الاخلاص هي ~~شهادة أن لا اله الا الله وفطرة الاسلام هي ما فطر عليه عباده من محبته ~~وعبادته وحده لا شريك له والاستسلام له عبودية وذلا وانقيادا وانابة # فهذا توحيد خاصة الخاصة الذى من رغب عنه فهو ms025 من أسفه السفهاء قال تعالى ~~@QB@ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~@QE@ البقرة وكل من له حس سليم وعقل PageV01P097 يميز به لا يحتاج في ~~الاستدلال إلى أوضاع اهل الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم البتة بل ربما يقع ~~بسببها في شكوك وشبه يحصل له بها الحيرة والضلال والريبة فان التوحيد انما ~~ينفع اذا سلم قلب صاحبه من ذلك وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح الا من ~~اتى الله به ولا شك ان النوع الثانى والثالث من التوحيد الذى ادعوا انه ~~توحيد الخاصة وخاصة الخاصة ينتهي إلى الفناء الذى يشمر اليه غالب الصوفية ~~وهو درب خطر يفضي إلى الاتحاد انظر إلى ما أنشد شيخ الاسلام أبو اسماعيل ~~الانصارى رحمه الله تعالى حيث يقول % ما وحد الواحد من واحد % % اذ كل من ~~وحده جاحد % توحيد من ينطق عن نعته % % عارية أبطلها الواحد % توحيده اياه ~~توحيده % % ونعت من ينعته لاحد % $ وان كان قائله رحمه الله لم يرد به ~~الاتحاد لكن ذكر لفظا مجملا محتملا جذبه به الاتحادي اليه وأقسم بالله جهد ~~أيمانه انه معه ولو سلك الالفاظ الشرعية التي لا اجمال فيها كان أحق مع أن ~~المعنى الذى حام حوله لو كان مطلوبا منا لنبه الشارع عليه ودعا الناس اليه ~~وبينه فان على الرسول البلاغ المبين فأين قال الرسول هذا توحيد العامة وهذا ~~توحيد الخاصة وهذا توحيد خاصة الخاصة أو ما يقرب من هذا المعنى أو أشار إلى ~~هذه النقول والعقول حاضرة # فهذا كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم وهذه سنة الرسول ~~وهذا كلام خير القرون بعد الرسول وسادات العارفين من الأئمة هل جاء ذكر ~~الفناء فيها وهذا التقسيم عن أحد منهم وانما حصل هذا من زيادة الغلو في ~~الدين المشبه لغلو الخوارج بل لغو النصارى في دينهم وقد ذم الله تعالى ~~الغلو في الدين ونهى عنه فقال @QB@ يا أهل الكتاب ms026 لا تغلوا في دينكم ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق @QE@ PageV01P098 النساء @QB@ قل يا أهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا ~~كثيرا وضلوا عن سواء السبيل @QE@ المائدة وقال صلى الله عليه وسلم لا ~~تشددوا فيشدد الله عليكم فان من كان قبلكم شددوا فشدد الله عليهم فتلك ~~بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم رواه أبو ~~داود # | قوله ولا شىء مثله # ش اتفق اهل السنة على أن الله ليس كمثله شىء لا في ذاته ولا في صفاته ولا ~~في افعاله ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام الناس لفظا مجملا يراد به ~~المعنى الصحيح وهو ما نفاه القرآن ودل عليه العقل من أن خصائص الرب تعالى ~~لا يوصف بها شىء من المخلوقات ولا يماثله شىء من المخلوقات في شىء من صفاته ~~@QB@ ليس كمثله شيء @QE@ الشورى 11 رد على الممثلة المشبهة @QB@ وهو السميع ~~البصير @QE@ رد على النفاة فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق فهو ~~المشبه المبطل المذموم ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق فهو نظير ~~النصارى في كفرهم ويراد به أنه لا يثبت لله شىء من الصفات فلا يقال له قدرة ~~ولا علم ولا حياة لان العبد موصوف بهذه الصفات ولازم هذا القول أنه لا يقال ~~له حي عليم قدير لان العبد يسمى بهذه الاسماء وكذلك كلامه وسمعه وبصره ~~وارادته وغير ذلك وهم يوافقون أهل السنة على انه موجود عليم قدير حي ~~والمخلوق يقال له موجود حي عليم قدير ولا يقال هذا تشبيه يجب PageV01P099 ~~نفيه وهذا مما دل عليه الكتاب والسنة وصريح العقل ولا يخالف فيه عاقل فإن ~~الله سمى نفسه بأسماء وسمى بعض عباده بها وكذلك سمى صفاته بأسماء وسمى ~~ببعضها صفات خلقه وليس المسمى كالمسمي فسمى نفسه حيا عليما قديرا رؤوفا ~~رحيما عزيزا حكيما سميعا بصيرا ملكا مؤمنا جبارا متكبرا وقد سمى بعض عباده ~~بهذه الاسماء فقال @QB@ يخرج الحي من الميت @QE@ الانعام والروم @QB@ ~~وبشروه بغلام عليم @QE@ الذاريات ms027 @QB@ فبشرناه بغلام حليم @QE@ الصافات ~~@QB@ بالمؤمنين رؤوف رحيم @QE@ التوبة @QB@ فجعلناه سميعا بصيرا @QE@ الدهر ~~@QB@ قالت امرأة العزيز @QE@ يوسف @QB@ وكان وراءهم ملك @QE@ الكهف @QB@ ~~أفمن كان مؤمنا @QE@ السجدة @QB@ كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ~~@QE@ المؤمن ومعلوم أنه لا يماثل الحي الحي ولا العليم العليم ولا العزيز ~~العزيز وكذلك سائر الاسماء وقال تعالى @QB@ ولا يحيطون بشيء من علمه @QE@ ~~البقرة @QB@ أنزله بعلمه @QE@ النساء @QB@ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا ~~بعلمه @QE@ فاطر @QB@ إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ الذاريات ~~@QB@ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة @QE@ حم السجدة وعن ~~جابر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة ~~في الامور كلها كما يلعمنا السورة من القرآن يقول اذا هم أحدكم بالامر ~~فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم انى استخيرك بعلمك وأستقدرك ~~بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فانك تقدر ولا اقدر وتعلم ولا اعلم وأنت علام ~~الغيوب اللهم ان كنت تعلم أن هذا الامر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة امري # أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم PageV01P100 بارك لي فيه ~~وان كنت تعلم أن هذا الامر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة امري أو قال عاجل ~~أمري وآجله فاصرفه عنى واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال ~~ويسمى حاجته رواه البخاري وفي حديث عمار بن ياسر الذي رواه النسائى وغيره ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يدعو بهذا الدعاء اللهم بعلمك الغيب ~~وقدرتك على الخلق أحييني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني اذا كانت الوفاة ~~خيرا لي اللهم اني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك نعيما لا ينفد ~~وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضى بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت ~~وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا ~~فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين فقد سمى الله ~~ورسوله صفات الله علما وقدرة وقوة وقال ms028 تعالى @QB@ ثم جعل من بعد ضعف قوة ~~@QE@ الروم @QB@ وإنه لذو علم لما علمناه @QE@ يوسف ومعلوم أنه ليس العلم ~~كالعلم ولا القوة كالقوة ونظائر هذا كثيرة وهذا لازم لجميع العقلاء فان من ~~نفى صفة من صفاته التي وصف الله بها نفسه كالرضى والغضب والحب والبغض ونحو ~~ذلك وزعم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم قيل له فأنت تثبت له الارادة ~~والكلام والسمع والبصر مع أن ما تثبته له ليس مثل صفات المخلوقين فقل فيما ~~نفيته وأثبته الله ورسوله مثل قولك فيما PageV01P101 أثبته اذ لا فرق ~~بينهما # فإن قال أنا لا أثبت شيئا من الصفات قيل له فأنت تثبت له الاسماء الحسنى ~~مثل عليم حي قادر والعبد يسمى بهذه الاسماء وليس ما يثبت للرب من هذه ~~الاسماء مماثلا لما يثبت للعبد فقل في صفاته نظير قولك في مسمى أسمائه # فان قال وأنا لا أثبت له الاسماء الحسنى بل اقول هي مجاز وهى اسماء لبعض ~~مبتدعاته كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة 8 # قيل له فلا بد أن تعتقد أنه موجود وحق قائم بنفسه والجسم موجود قائم ~~بنفسه وليس هو مماثلا له # فان قال انا لا اثبت شيئا بل انكر وجود الواجب # قيل له معلوم بصريح العقل أن الموجود اما واجب بنفسه واما غير واجب بنفسه ~~واما قديم ازلي واما حادث كائن بعد ان لم يكن واما مخلوق مفتقر إلى خالق ~~واما غير مخلوق ولا مفتقر إلى خالق واما فقير إلى ما سواه واما غني عما ~~سواه وغير الواجب بنفسه لا يكون الا بالواجب بنفسه والحادث لا يكون الا ~~بقديم والمخلوق لا يكون الا بخالق والفقير لا يكون الا بغني عنه فقد لزم ~~على تقدير النقيضين وجود موجود واجب بنفسه قديم أزلي خلق غني عما سواه وما ~~سواه بخلاف ذلك وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث كائن بعد أن لم يكن ~~والحادث لا يكون واجبا بنفسه ولا قديما أزليا ولا خالقا لما سواه ولا غنيا ~~عما سواه فثبت بالضرورة وجود موجودين أحدهما واجب والآخر ممكن ms029 احدهما قديم ~~والاخر حادث احدهما غني والاخر فقير احدهما خالق والاخر مخلوق وهما متفقان ~~في كون كل منهما شيئا موجودا ثابتا ومن المعلوم ايضا ان احدهما ليس ~~PageV01P102 مماثلا للاخر في حقيقته اذ لو كان كذلك لتماثلا فيما يجب ويجوز ~~ويمتنع وأحدهما يجب قدمه وهو موجود بنفسه والاخر لا يجب قدمه ولا هو موجود ~~بنفسه وأحدهما خالق والاخر ليس بخالق واحدهما غني عما سواه والاخر فقير # فلو تماثلا للزم أن يكون كل منهما واجب القدم ليس بواجب القدم موجودا ~~بنفسه غير موجود بنفسه خالقا ليس بخالق غنيا ليس غني فيلزم اجتماع الضدين ~~على تقدير تماثلهما فعلم ان تماثلهما منتف بصريح العقل كما هو منتف بنصوص ~~الشرع # فعلم بهذه الادلة اتفاقهما من وجه واختلافهما من وجه فمن نفى ما اتفقا ~~فيه كان معطلا قائلا بالباطل ومن جعلهما متماثلين كان مشبها قائلا بالباطل ~~والله اعلم وذلك لانهما وان اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه فالله تعالى مختص ~~بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته والعبد لا يشركه في شىء من ذلك والعبد ~~أيضا مختص بوجوده وعلمه وقدرته والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه # واذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في ~~الاذهان لا في الاعيان والموجود في الاعيان مختص لا اشتراك فيه # وهذا موضع اضطراب فيه كثير من النظار حيث توهموا ان الاتفاق في مسمى هذه ~~الاشياء يوجب ان يكون الوجود الذى للرب كالوجود الذي للعبد # وطائفة ظنت أن لفظ الوجود يقال بالاشتراك اللفظي وكابروا عقولهم فان هذه ~~الاسماء عامة قابلة للتقسيم كما يقال الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم ~~وحادث ومورد التقسيم مشترك بين الاقسام واللفظ المشترك كلفظ المشتري الواقع ~~على المبتاع PageV01P103 والكوكب لا ينقسم معناه ولكن يقال لفظ المشتري ~~يقال على كذا أو على كذا وأمثال هذه المقالات التي قد بسط الكلام عليها في ~~موضعه # وأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الاسماء العامة الكلية يكون مسماها ~~المطلق الكلي هو بعينه ثابتا في هذا المعين وهذا المعين ms030 وليس كذلك فان ما ~~يوجد في الخارج لا يوجد مطلقا كليا بل لا يوجد الا معينا مختصا وهذه ~~الاسماء اذا سمي الله بها كان مسماها معينا مختصا به فاذا سمي بها العبد ~~كان مسماها مختصا به فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره بل وجود هذا ~~الموجود المعين لا يشركه فيه غيره فكيف بوجود الخالق الا ترى انك تقول هذا ~~هو ذاك فالمشار اليه واحد لكن بوجهين مختلفين # وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى وزادوا فيه على الحق ~~فضلوا وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق ~~حتى ضلوا وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذى تعقله العقول السليمة ~~الصحيحة وهو الحق المعتدل الذى لا انحراف فيه # فالنفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه بشىء من خلقه ولكن ~~اساؤوا في نفي المعاني الثابتة لله تعالى في نفس الامر والمشبهة أحسنوا في ~~اثبات الصفات ولكن اساؤوا بزيادة التشبيه # وأعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ الا أن يعرف عنها ~~أو ما يناسب عينها ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى والا فلا ~~يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط حتى في أول تعليم معاني الكلام بتعليم ~~معاني الالفاظ المفردة مثل تربية الصبي الذى يعلم PageV01P104 البيان ~~واللغة ينطق له باللفظ المفرد ويشار له إلى معناه ان كان مشهودا بالاحساس ~~الظاهر أو الباطن فيقال له لبن خبز أم أب سماء أرض شمس قمر ماء ويشار له مع ~~العبارة إلى كل مسمى من هذه المسميات والا لم يفهم معنى اللفظ ومراد الناطق ~~به وليس أحد من بنى آدم يستغني عن التعليم السمعي كيف وآدم أبو البشر وأول ~~ما علمه الله تعالى أصول الادلة السمعية وهي الاسماء كلها وكلمه وعلمه ~~بخطاب الوحي ما لم يعلمه بمجرد العقل # فدلالة اللفظ على المعنى هي بواسطة دلالتة على ما عناه المتكلم وأراده ~~وارادته وعنايته في قلبه فلا يعرف باللفظ ابتداء ولكن لا يعرف المعنى بغير ~~اللفظ حتى ms031 يعلم أولا ان هذا المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ويعنى ~~به فاذا عرف ذلك ثم سمع اللفظ مرة ثانية عرف المعنى المراد بلا اشارة اليه ~~وان كانت الاشارة إلى ما يحس بالباطن مثل الجوع والشبع والري والعطش والحزن ~~والفرح فانه لا يعرف اسم ذلك حتى يجده من نفسه فاذا وجده أشير له اليه وعرف ~~أن اسمه كذا والاشارة تارة تكون إلى جوع نفسه أو عطش نفسه مثل أن يراه انه ~~قد جاع فيقول له جعت أنت جائع فيسمع اللفظ ويعلم ما عينه بالاشارة أو ما ~~يجري مجراها من القرائن التي تعين المراد مثل نظر أمه اليه في حال جوعه ~~وادراكه بنظرها أو نحوه أنها تعني جوعه أو يسمعهم يعبرون بذلك عن جوع غيره # اذا عرف ذلك فالمخاطب المتكلم اذا اراد بيان معان فلا يخلو اما أن يكون ~~مما ادركها المخاطب المستمع باحساسه وشهوده أو بمعقوله وأما أن لا يكون ~~كذلك فان كانت من القسمين الاولين لم يحتج الا إلى معرفة اللغة بأن يكون قد ~~عرف معاني الالفاظ المفردة ومعنى التركيب فاذا قيل له بعد ذلك @QB@ ألم ~~نجعل له عينين ولسانا وشفتين @QE@ PageV01P105 البلد أو قيل له @QB@ والله ~~أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون @QE@ النحل ونحو ذلك فهم المخاطب بما أدركه بحسه وان كانت ~~المعاني التي يراد تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده بعينه ولا بحيث صار له ~~معقول كلي يتناولها حتى يفهم به المراد بتلك الالفاظ بل هي مما لا يدركه ~~بشىء من حواسه الباطنة والظاهرة فلا بد من تعريفه من طريق القياس والتمثيل ~~والاعتبار بما بينه وبين معقولات الامور التي شاهدها من التشابه والتناسب ~~وكلما كان التمثيل أقوى كان البيان أحسن والفهم أكمل # فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما بين لنا أمورا لم تكن معروفة قبل ذلك ~~وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني ~~وجعلها اسماء لها فيكون بينها قدر مشترك كالصلاة والزكاة والصوم ms032 والايمان ~~والكفر وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالايمان بالله وباليوم الآخر وهم لم ~~يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها أخذ من اللغة ~~الالفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني ~~الغيبية والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها وقرن بذلك من الاشارة ~~ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد كتعليم الصبي كما قال ربيعة ابن أبي عبد ~~الرحمن الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم # وأما ما يخبر به الرسول من الامور الغائبة فقد يكون مما أدركوا نظيره ~~بحسهم وعقلهم كإخبارهم بأن الريح قد أهلكت عادا فان عادا PageV01P106 من ~~جنسهم والريح من جنس ريحهم وان كانت أشد وكذلك غرق فرعون في البحر وكذا ~~بقية الاخبار عن الامم الماضية ولهذا كان الاخبار بذلك فيه عبرة لنا كما ~~قال تعالى @QB@ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب @QE@ يوسف وقد يكون ~~الذي يخبر به الرسول ما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه ~~لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه كما اذا اخبرهم عن الامور ~~الغيبية المتعلقة بالله واليوم الاخر فلا بد أن يعلموا معنى مشتركا وشبها ~~بين مفردات تلك الالفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم فاذا ~~كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد ويريد أن يجعلهم يشهدونه ~~مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب أشهدهم ~~اياه وأشار لهم اليه وفعل قولا يكون حكاية له وشبها به يعلم المستمعون ان ~~معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الامور الغائبة # فينبغي أن يعرف هذه الدرجات أولها ادراك الانسان المعاني الحسية المشاهدة ~~وثانيها عقله لمعانيها الكلية وثالثها تعريف الالفاظ الدالة على تلك ~~المعاني الحسية والعقلية فهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب فاذا ~~اخبرنا عن الامور الغائبة فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين ~~الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما وذلك بتعريفنا الامور المشهودة ثم ~~إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر ms033 الفارق كما تقدم في قصص الامم وان لم يكن ~~مثلها بين ذلك بذكر الفارق بأن يقال ليس ذلك مثل هذا ونحو ذلك واذا تقرر ~~انتفاء المماثلة كانت الاضافة وحدها كافية في بيان الفارق وانتفاء التساوي ~~لا يمنع وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك وبه صرنا نفهم ~~الامور الغائبة ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط PageV01P107 # | قوله ولا شىء يعجزه # ش لكمال قدرته قال تعالى @QB@ إن الله على كل شيء قدير @QE@ البقرة @QB@ ~~وكان الله على كل شيء مقتدرا @QE@ الكهف @QB@ وما كان الله ليعجزه من شيء ~~في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا @QE@ فاطر @QB@ وسع كرسيه ~~السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم @QE@ البقرة لا يؤده اي ~~لا يكرثه ولا يثقله ولا يعجزه فهذا النفي لثبوت كمال ضده وكذلك كل نفي يأتي ~~في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة انما هو لثبوت كمال ضده كقوله تعالى ~~@QB@ ولا يظلم ربك أحدا @QE@ الكهف لكمال عدله @QB@ لا يعزب عنه مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض @QE@ سبأ لكمال علمه وقوله تعالى @QB@ وما مسنا ~~من لغوب @QE@ ق لكمال قدرته @QB@ لا تأخذه سنة ولا نوم @QE@ البقرة لكمال ~~حياته وقيوميته @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ الانعام لكمال جلاله وعظمته ~~وكبريائه والا فالنفي الصرف لا مدح فيه الا ترى أن قول الشاعر % قبيلة لا ~~يغدرون بذمة % % ولا يظلمون الناس حبة خردل % # | لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده ~~وتصغيرهم بقوله قبيلة علم أن المراد عجزهم وضعفهم لا كمال قدرتهم وقول ~~الآخر % لكن قومي وان كانوا ذوي عدد % % ليسوا من الشر في شىء وان هانا % # لما اقترن بنفي الشر عنهم ما يدل على ذمهم علم ان المراد عجزهم وضعفهم ~~أيضا ولهذا يأتي الاثبات للصفات في كتاب الله مفصلا والنفي مجملا عكس طريقة ~~أهل الكلام المذموم فانهم يأتون بالنفي المفصل والاثبات PageV01P108 المجمل ~~يقولون ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ~~ولا عرض ولا بذي ms034 لون ولا رائحة ولا طعم ولا مجسة ولا بذي حرارة ولا برودة ~~ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا ~~يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء وليس بذي ~~جهات ولا بذي يمين ولا شمال وأمام وخلف وفوق وتحت ولا يحيط به مكان ولا ~~يجري عليه زمان ولا يجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الاماكن ~~ولا يوصف بشىء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم ولا يوصف بأنه متناه ولا ~~يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات وليس بمحدود ولا والد ولا مولود ولا تحيط ~~به الاقدار ولا تحجبه الاستار إلى آخر ما نقله أبو الحسن الاشعري رحمه الله ~~عن المعتزلة # وفي هذه الجملة حق وباطل ويظهر ذلك لمن يعرف الكتاب والسنة وهذا النفي ~~المجرد مع كونه لا مدح فيه فيه اساءة ادب فانك لو قلت للسلطان انت لست ~~بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك لأدبك على هذا الوصف وان كنت صادقا وانما ~~تكون مادحا اذا أجملت النفي فقلت أنت لست مثل أحد من رعيتك أنت أعلى منهم ~~وأشرف واجل فاذا أجملت في النفي أجملت في الادب # والتعبير عن الحق بالالفاظ الشرعية النبوية والآلهية هو سبيل اهل السنة ~~والجماعة والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الاسماء والصفات ولا يتدبرون ~~معانيها ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني PageV01P109 والالفاظ هو المحكم ~~الذي يجب اعتقاده واعتماده وأما أهل الحق والسنة والايمان فيجعلون ما قاله ~~الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده والذي قاله هؤلاء اما أن ~~يعرضوا عنه اعراضا جمليا أو يبينوا حاله تفصيلا ويحكم عليه بالكتاب والسنة ~~لا يحكم به على الكتاب والسنة # والمقصود أن غالب عقائدهم السلوب ليس بكذا ليس بكذا وأما الاثبات فهو ~~قليل وهي انه عالم قادر حي وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة ~~ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات فان الله تعالى قال ~~@QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ الشورى ms035 ففي هذا الاثبات ما يقرر ~~معنى النفي ففهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال فهو سبحانه وتعالى ~~موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله ليس كمثله شىء في صفاته ولا في أسمائه ~~ولا في أفعاله مما أخبرنا به من صفاته وله صفات لم يطلع عليها أحد من خلقه ~~كما قال رسوله الصادق صلى الله عليه وسلم في دعاء الكرب اللهم اني أسألك ~~بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو ~~استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري ~~وجلاء حزني وذاب همي وغمي وسيأتي التنبيه على فساد طريقتهم في الصفات ان ~~شاء الله تعالى # وليس قول الشيخ رحمه الله تعالى ولا شىء يعجزه من النفي PageV01P110 ~~المذموم فان الله تعالى قال @QB@ وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ~~ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا @QE@ فاطر فنبه سبحانه وتعالى في آخر ~~الاية على دليل انتفاء العجز وهو كمال العلم والقدرة فان العجز انما ينشأ ~~إما من الضعف عن القيام بما يريده الفاعل واما من عدم علمه به والله تعالى ~~لا يعزب عنه مثقال ذرة وهو على كل شىء قدير وقد علم ببدائه العقول والفطر ~~كمال قدرته وعلمه فانتفى العجز لما بينه وبين القدرة من التضاد ولان العاجز ~~لا يصلح أن يكون الها تعالى الله عن ذكر ذلك علوا كبيرا # | قوله ولا اله غيره # ش هذه كلمة التوحيد التي دعت اليها الرسل كلهم كما تقدم ذكره واثبات ~~التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والاثبات المقتضي للحصر فان الاثبات ~~المجرد قد يتطرق اليه الاحتمال ولهذا والله أعلم لما قال تعالى @QB@ وإلهكم ~~إله واحد @QE@ البقرة قال بعده @QB@ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم @QE@ ~~البقرة فانه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني هب ان الهنا واحد فلغيرنا اله ~~غيره فقال تعالى @QB@ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم @QE@ # وقد اعترض صاحب المنتخب على النحويين في تقدير الخبر في @QB@ لا إله ms036 إلا ~~هو @QE@ فقالوا تقديره لا اله في الوجود الا الله فقال يكون ذلك نفيا لوجود ~~الاله ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود فكان ~~إجراء الكلام على ظاهره والاعراض عن هذا الاضمار أولى PageV01P111 وأجاب ~~أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في ري الظمآن فقال هذا كلام من لا ~~يعرف لسان العرب فان اله في موضع المبتدأ على قول سيبويه وعند غيره اسم لا ~~وعلى التقديرين فلا بد من خبر المبتدأ والا فما قاله من الاستغناء عن ~~الاضمار فاسد وأما قوله اذا لم يضمر يكون نفيا للماهية فليس بشىء لان نفي ~~الماهية هو نفي الوجود لا تتصور الماهية الا مع الوجود فلا فرق بين لا ~~ماهية ولا وجود وهذا مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة فانهم يثبتون ماهية ~~عارية عن الوجود و الا الله مرفوع بدلا من لا اله لا يكون خبرا ل لا ولا ~~للمبتدأ وذكر الدليل على ذلك # وليس المراد هنا ذكر الاعراب بل المراد رفع الاشكال الوارد على النحاة في ~~ذلك وبيان انه من جهة المعتزلة وهو فاسد فان قولهم نفي الوجود ليس تقييدا ~~لان العدم ليس بشىء قال تعالى @QB@ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا @QE@ ~~PageV01P112 مريم ولا يقال ليس قوله غيره كقوله الا الله لان غير تعرب ~~باعراب الاسم الواقع بعد الا فيكون التقدير للخبر فيهما واحدا فلهذا ذكرت ~~هذا الاشكال وجوابه هنا # | قوله قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء # ش قال الله تعالى @QB@ هو الأول والآخر @QE@ الحديد وقال صلى الله عليه ~~وسلم اللهم انت الاول فليس قبلك شىء وأنت الاخر فليس بعدك شىء فقول الشيخ ~~قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء هو معنى اسمه الاول والاخر والعلم بثبوت ~~هذين الوصفين مستقر في الفطر فان الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود ~~لذاته قطعا للتسلسل فإنا نشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن وحوادث الجو ~~كالسحاب والمطر وغير ذلك وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة فان الممتنع لا ~~يوجد ولا واجبة الوجود بنفسها ms037 فان واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم وهذه ~~كانت معدومة ثم وجدت فعدمها ينفي وجودها ووجودها ينفي امتناعها وما كان ~~قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه كما قال تعالى @QB@ أم خلقوا من ~~غير شيء أم هم الخالقون @QE@ الطور يقول سبحانه أحدثوا من غير محدث أم هم ~~أحدثوا أنفسهم ومعلوم أن الشيء المحدث لا يوجد نفسه فالممكن الذي ليس له من ~~نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجودا بنفسه بل ان حصل ما يوجده والا كان ~~معدوما وكل ما أمكن وجوده بدلا عن عدمه وعدمه بدلا عن وجوده فليس له من ~~نفسه وجود ولا عدم لازم له PageV01P113 واذا تأمل الفاضل غاية ما يذكره ~~المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية وحد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر ~~في القرآن من الطرق العقلية بأفصح عبارة وأوجزها وفي طرق القرآن من تمام ~~البيان والتحقيق ما لا يوجد عندهم مثله قال تعالى @QB@ ولا يأتونك بمثل إلا ~~جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ الفرقان # ولا نقول لا ينفع الاستدلال بالمقدمات الخفية والادلة النظرية فان الخفاء ~~والظهور من الامور النسبية فربما ظهر لبعض الناس ما خفي على غيره ويظهر ~~للانسان الواحد في حال ما خفي عليه في حال اخرى وأيضا فالمقدمات وان كانت ~~خفية فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو أجلى منها وقد تفرح النفس بما ~~علمته من البحث والنظر ما لا تفرح بما علمته من الامور الظاهرة ولا شك أن ~~العلم باثبات الصانع ووجوب وجوده أمر ضروري فطري وان كان يحصل لبعض الناس ~~من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية # وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى القديم وليس هو من الاسماء ~~الحسنى فان القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المتقدم على غيره ~~فيقال هذا قديم للعتيق وهذا حديث للجديد ولم يستعملوا هذا الاسم الا في ~~المتقدم على غيره لا فيما لم يسبقه عدم كما قال تعالى @QB@ حتى عاد ~~كالعرجون القديم @QE@ يس والعرجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون ~~الثاني فاذا وجد ms038 الجديد قيل للاول قديم وقال تعالى @QB@ وإذ لم يهتدوا به ~~فسيقولون هذا إفك قديم @QE@ الاحقاف أي متقدم في الزمان وقال تعالى @QB@ ~~أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون @QE@ الشعراء فالأقدم مبالغة ~~في القديم ومنه القول القديم والجديد للشافعي رحمه الله تعالى وقال تعالى ~~@QB@ يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار @QE@ PageV01P114 هود اي يتقدمهم ~~ويستعمل منه الفعل لازما ومتعديا كما يقال أخذت ما قدم وما حدث ويقال هذا ~~قدم هذا وهو يقدمه ومنه سميت القدم قدما لانها تقدم بقية بدن الانسان واما ~~ادخال القديم في أسماء الله تعالى فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام وقد أنكر ~~ذلك كثير من السلف والخلف منهم ابن حزم ولا ريب انه اذا كان مستعملا في نفس ~~التقدم فان ما تقدم على الحوادث كلها فهو احق بالتقدم من غيره لكن اسماء ~~الله تعالى هي الاسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به والتقدم في ~~اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها فلا يكون من الاسماء الحسنى ~~وجاء الشرع باسمه الاول وهو احسن من القديم لانه يشعر بأن ما بعده آيل اليه ~~وتابع له بخلاف القديم والله تعالى له الاسماء الحسنى لا الحسنة # | قوله لا يفني ولا يبيد # ش اقرار بدوام بقائه سبحانه وتعالى قال عز من قائل @QB@ كل من عليها فان ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ الرحمن والفناء والبيد متقاربان في ~~المعنى والجمع بينهما في الذكر للتأكيد وهو أيضا مقرر ومؤكد لقوله دائم بلا # | انتهاء قوله ولا يكون الا ما يريد # ش هذا رد لقول القدرية والمعتزلة فانهم زعموا ان الله اراد الايمان من ~~الناس كلهم والكافر اراد الكفر وقولهم فاسد مردود لمخالفته الكتاب والسنة ~~والمعقول الصحيح وهي مسالة القدر المشهورة وسيأتي لها زيادة بيان ان شاء ~~الله تعالى # وسموا قدرية لانكارهم القدر وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية ~~ايضا والتسمية على الطائفة الاولى أغلب PageV01P115 أما أهل السنة فيقولون ~~أن الله وان كان يريد المعاصي قدرا فهو لا يحبها ولا يرضاها ولايأمر بها بل ms039 ~~يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها وهذا قول السلف قاطبة فيقولون ما شاء ~~الله كان وما لم يشأ لم يكن ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال والله ~~لافعلن كذا ان شاء الله لم يحنث اذا لم يفعله وان كان واجبا أو مستحبا ولو ~~قال ان أحب الله حنث اذا كان واجبا أو مستحبا # والمحققون من أهل السنة يقولون الارادة في كتاب الله نوعان ارادة قدرية ~~كونية خلقية وارادة دينية امرية شرعية فالارادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة ~~والرضى والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات # وهذا كقوله تعالى @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ~~أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء @QE@ الانعام وقوله ~~تعالى عن نوح عليه السلام @QB@ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان ~~الله يريد أن يغويكم @QE@ هود وقوله تعالى @QB@ ولكن الله يفعل ما يريد ~~@QE@ البقرة # وأما الارادة الدينية الشرعية الامرية فكقوله تعالى @QB@ يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ البقرة وقوله تعالى @QB@ يريد الله ليبين ~~لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم @QE@ النساء ~~@QB@ والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا ~~عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا @QE@ النساء وقوله تعالى ~~@QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~@QE@ المائدة وقوله تعالى @QB@ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا @QE@ الاحزاب PageV01P116 فهذه الارادة هي المذكورة في مثل ~~قول الناس لمن يفعل القبائح هذا يفعل ما لا يريده الله أي لا يحبه ولا ~~يرضاه ولا يامر به وأما الارادة الكونية فهي الارادة المذكورة في قول ~~المسلمين ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن # والفرق ثابت بين ارادة المريد ان يفعل وبين ارادته من غيره ان يفعل فاذا ~~اراد الفاعل أن يفعل فعلا فهذه الارادة معلقة بفعله واذا أراد من غيره ان ~~يفعل فعلا فهذه الارادة لفعل الغير وكلا النوعين ms040 معقول للناس والامر يستلزم ~~الارادة الثانية دون الاولى فالله تعالى اذا أمر العباد بأمر فقد يريد ~~اعانة المأمور على ما امر به وقد لا يريد ذلك وان كان مريدا منه فعله # وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع في أمر الله تعالى هل هو مستلزم لارادته ~~أم لا فهو سبحانه امر الخلق على ألسن رسله عليهم السلام بما ينفعهم ونهاهم ~~عما يضرهم ولكن منهم من اراد أن يخلق فعله فأراد سبحانه أن يخلق ذلك الفعل ~~ويجعله فاعلا له ومنهم من لم يرد ان يخلق فعله فجهة خلقه سبحانه لافعال ~~العباد وغيرها من المخلوقات غير جهة أمره للعبد على وجه البيان لما هو ~~مصلحة للعبد أو مفسدة وهو سبحانه اذ أمر فرعون وأبا لهب وغيرهما بالايمان ~~كان قد بين لهم ما ينفعهم ويصلحهم اذا فعلوه ولا يلزم اذا أمرهم ان يعينهم ~~بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل واعانتهم عليه وجد مفسدة من حيث هو فعل ~~له فانه يخلق ما يخلق لحكمه ولا يلزم اذا كان الفعل المأمور به مصلحة ~~للمأمور اذا فعله أن يكون مصلحة للامر اذا فعله هو أو جعل المأمور فاعلا له ~~فأين جهة الخلق من جهة الامر فالواحد من الناس يأمر غيره وينهاه مريدا ~~النصيحة ومبينا لما ينفعه وان كان مع ذلك لا يريد أن يعينه على ذلك الفعل ~~اذ ليس كل ما كان مصلحتي في أن آمر به غيري وأنصحه يكون مصلحتي في أن ~~أعاونه أنا عليه بل قد تكون مصلحتي PageV01P117 ارادة ما يضاده فجهة أمره ~~لغيره نصحا غير جهة فعله لنفسه واذا أمكن الفرق في حق الخلوقين فهو في حق ~~الله اولى بالامكان والقدرية تضرب مثلا بمن أمر غيره بأمره فانه لا بد أن ~~يفعل ما يكون المأمور اقرب إلى فعله كالبشر والطلاقة وتهيئة المساند ~~والمقاعد ونحو ذلك # فيقال لهم هذا يكون على وجهين أحدهما أن تكون مصلحة الامر تعود إلى الآمر ~~كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه وأمر السيد عبده بما يصلح ملكه وأمر ms041 الانسان ~~شريكه بما يصلح الامر المشترك بينهما ونحو ذلك # الثاني أن يكون الآمر يرى الاعانة للمأمور مصلحة له كالامر بالمعروف واذا ~~أعان المأمون على البر والتقوى فانه قد علم أن الله يثيبه على اعانته على ~~الطاعة وأنه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه فأما اذا قدر ان الآمر ~~انما أمر المأمور لمصلحة المأمور لا لنفع يعود على الآمر من فعل المأمور ~~كالناصح المشير وقدر أنه اذا أعانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر وأن في حصول ~~مصلحة المأمور مضرة على الآمر مثل الذي جاء من اقصى المدينة يسعى وقال ~~لموسى عليه السلام @QB@ إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من ~~الناصحين @QE@ القصص فهذا مصلحته في أن يأمر موسى عليه السلام بالخروج لا ~~في أن يعينه على ذلك اذ لو اعانه لضره قومه ومثل هذا كثير # واذا قيل أن الله أمر العباد بما يصلحهم لم يلزم من ذلك أن يعينهم على ما ~~امرهم به لا سيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحدا على ما به يصير فاعلا ~~واذا عللت أفعاله بالحكمة فهي ثابتة في نفس الامر وان كنا نحن لا نعلمها ~~فلا يلزم اذا كان نفس الآمر له حكمة في الآمر أن يكون في الاعانة على فعل ~~المأمور به حكمة بل قد تكون الحكمة PageV01P118 تقتضي أن لا يعينه على ذلك ~~فانه اذا امكن في المخلوق أن يكون مقتضى الحكمة والمصلحة أن يأمر لمصلحة ~~المأمور وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر أن لا يعينه على ذلك فامكان ذلك في ~~حق الرب أولى وأحرى # والمقصود أنه يمكن في حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمره ولا يعينه ~~عليه فالخالق أولى بأمكان ذلك في حقه مع حكمته فمن أمره وأعانه على فعل ~~المأمور كان ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره انشاء وخلقا ومحبة فكان ~~مرادا بجهة الخلق ومرادا بجهة الامر ومن لم يعنه على فعل المأمور كان ذلك ~~المأمور قد تعلق به أمره ولم يتعلق به خلقه لعدم الحكمة ms042 المقتضية لتعلق ~~الخلق به ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده وخلق أحد الضدين ينافي خلق الضد ~~الاخر فان خلق المرض الذي يحصل به ذل العبد لربه ودعاؤه وتوبته وتكفير ~~خطاياه ويرق به قلبه ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان يضاد خلق الصحة ~~التي لا تحصل معها هذه المصالح ولذلك كان خلق ظلم الظالم الذي يحصل به ~~للمظلوم من جنس ما يحصل بالمرض يضاد خلق عدله الذى لا يحصل به هذه المصالح ~~وان كانت مصلحته هو في ان يعدل # وتفصيل حكمة الله عز وجل في خلقه وأمره يعجز عن معرفته عقول البشر ~~والقدرية دخلوا في التعليل على طريقة فاسدة مثلوا الله فيها بخلقه ولم ~~يثبتوا حكمة تعود اليه # | قوله لا تبلغه الاوهام ولا تدركه الافهام # ش قال الله تعالى @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ طه قال في الصحاح توهمت ~~الشىء ظننته وفهمت الشىء علمته فمراد الشيخ رحمه الله انه لا ينتهي اليه ~~وهم ولا يحيط به علم قيل الوهم PageV01P119 ما يرجى كونه أي يظن انه على ~~صفة كذا والفهم هو ما يحصله العقل ويحيط به والله تعالى لا يعلم كيف هو الا ~~هو سبحانه وتعالى وانما نعرفه سبحانه بصفاته وهو أنه أحد صمد لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد الله لا اله الا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا ~~نوم له ما في السموات وما في الأرض @QB@ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك ~~القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون ~~هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ # # | قوله ولا يشبهه الانام # ش هذا رد لقول المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق سبحانه وتعالى قال ~~عز وجل @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير @QE@ وليس المراد نفي الصفات ~~كما يقول أهل البدع فمن كلام أبي حنيفة رحمه الله في الفقه الاكبر لا يشبه ~~شيئا من خلقه ولا يشبهه شىء من خلقه ثم قال بعد ذلك وصفاته كلها ms043 خلاف صفات ~~المخلوقين يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا انتهى وقال ~~نعيم بن حماد من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به ~~نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه وقال اسحاق بن ~~راهوية من وصف الله فشبه PageV01P120 # صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم وقال علامة جهم ~~وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة ~~بل هم المعطلة وكذلك قال خلق كثير من أئمة السلف علامة الجهمية تسميتهم أهل ~~السنة مشبهة فانه ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات الا يسمي ~~المثبت لها مشبها فمن أنكر اسماء الله بالكلية من غالية الزنادقة القرامطة ~~والفلاسفة وقال ان الله لا يقال له عالم ولا قادر يزعم أن من سماه بذلك فهو ~~مشبه لان الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه ومن أثبت الاسم وقال هو ~~مجاز كغالية الجهمية يزعم أن من قال ان الله عالم حقيقة قادر حقيقة فهو ~~مشبه ومن أنكر الصفات وقال ان الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام ولا محبة ~~ولا ارادة قال لمن أثبت الصفات انه مشبه وانه مجسم ولهذا كتب نفات الصفات ~~من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم كلها مشحونة بتسمية مثبتة الصفات ~~مشبهة ومجسمة ويقولون في كتبهم ان من جملة المجسمة قوما يقال لهم المالكية ~~ينسبون إلى رجل يقال له مالك بن أنس وقوما يقال لهم الشافعية ينسبون إلى ~~رجل يقال له محمد بن ادريس حتى الذين يفسرون القرآن منهم كعبد الجبار ~~والزمخشري وغيرهما يسمون كل من أثبت شيئا من الصفات وقال بالرؤية مشبها ~~وهذا الاستعمال قد غلب عند المتأخرين من غالب الطوائف # ولكن المشهور من استعمال هذا اللفظ عند علماء السنة المشهورين أنهم لا ~~يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات ولا يصفون به كل من اثبت الصفات بل مرادهم ~~أنه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله كما تقدم من كلام ms044 أبي حنيفة ~~رحمه الله أنه تعالى يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا وهذا ~~معنى قوله تعالى @QB@ ليس @QE@ PageV01P121 @QB@ كمثله شيء وهو السميع ~~البصير @QE@ فنفى المثل وأثبت الصفة # وسيأتي في كلام الشيخ اثبات الصفات تنبيها على أنه ليس نفي التشبيه ~~مستلزما لنفي الصفات # ومما يوضح هذا أن العلم الالهي لا يجوز ان يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي ~~فيه الاصل والفرع ولا بقياس شمولي يستوي افراده فان الله سبحانه ليس كمثله ~~شىء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية يستوي ~~افرادها ولهذا لما سلكت طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الاقيسة في ~~المطالب الالهية لم يصلوا بها إلى اليقين بل تناقضت أدلتهم وغلب عليهم بعد ~~التناهي الحيرة والاضطراب لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافيها # ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى سواء كان تمثيلا أو شمولا كما قال تعالى ~~@QB@ ولله المثل الأعلى @QE@ مثل أن يعلم أن كل كمال للممكن أو للمحدث لا ~~نقص فيه بوجه من الوجوه وهو ما كان كمالا للوجود غير مستلزم للعدم بوجه ~~فالواجب القديم أولى به وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه ~~للمخلوق والمربوب المدبر فانما استفاده من خالقه وربه ومدبره وهو أحق به ~~منه وأن كل نقص وعيب في نفسه وهو ما تضمن سلب هذا الكمال اذا وجب نفيه عن ~~شىء من أنواع المخلوقات والممكنات والمحدثات فانه يجب نفيه عن الرب تعالى ~~بطريق الاولى # ومن أعجب العجب أن من غلاة نفاة الصفات الذين يستدلون بهذه الآية الكريمة ~~على نفي الصفات والاسماء ويقولون واجب الوجود PageV01P122 لا يكون كذا ولا ~~يكون كذا ثم يقولون أصل الفلسفة هي التشبيه بالاله على قدر الطاقة ويجعلون ~~هذا غاية الحكمة ونهاية الكمال الانساني ويوافقهم على ذلك بعض من يطلق هذه ~~العبارة ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تخلقوا بأخلاق الله ~~فاذا كانوا ينفون الصفات فبأي شىء يتخلق العبد على زعمهم وكما أنه لا يشبه ~~شيئا من مخلوقاته ms045 تعالى لا يشبهه شىء من مخلوقاته ولكن المخالف في هذا ~~النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله تعالى ونفي مشابهة شيء من ~~مخلوقاته له مستلزم لنفي مشابهته لشىء من مخلوقاته فلذلك اكتفى الشيخ رحمه ~~الله بقوله ولا يشبهه الانام والانام الناس وقيل كل ذي روح وقيل الثقلان ~~وظاهر قوله تعالى @QB@ والأرض وضعها للأنام @QE@ يشهد للأول أكثر من الباقي ~~والله أعلم # # | قوله حي لا يموت قيوم لا ينام # ش قال تعالى @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ~~@QE@ فنفي السنة والنوم دليل على كمال حياته وقيوميته وقال تعالى @QB@ الم ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وعنت الوجوه للحي القيوم @QE@ وقال تعالى @QB@ وتوكل على الحي الذي لا ~~يموت وسبح بحمده @QE@ وقال تعالى @QB@ هو الحي لا إله إلا هو @QE@ وقال صلى ~~الله عليه وسلم ان الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام الحديث PageV01P123 # لما نفى الشيخ رحمه الله التشبيه أشار إلى ما تقع به التفرقة بينه وبين ~~خلقه بما يتصف به تعالى دون خلقه فمن ذلك انه حي لا يموت لأن صفة الحياة ~~الباقية مختصة به تعالى دون خلقه فانهم يموتون ومنه أنه قيوم لا ينام اذ هو ~~مختص بعدم النوم والسنة دون خلقه فانهم ينامون وفي ذلك اشارة إلى أن نفي ~~التشبيه ليس المراد منه الصفات بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال لكمال ذاته ~~فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة زائلة ولهذا كانت الحياة الدنيا ~~متاعا ولهوا ولعبا وان الدار الاخرة لهم الحيوان فالحياة الدنيا كالمنام ~~والحياة الآخرة كاليقظة ولا يقال فهذه الحياة الآخرة كاملة وهي للمخلوق ~~لأنا نقول الحي الذي الحياة من صفات ذاته اللازمة لها هو الذي وهب المخلوق ~~تلك الحياة الدائمة فهي دائمة بإدامة الله لها لا أن الدوام وصف لازم لها ~~لذاتها بخلاف حياة الرب تعالى وكذلك سائر صفاته فصفات الخالق كما يليق به ~~وصفات المخلوق كما يليق به # وأعلم أن هذين الاسمين أعني الحي القيوم ms046 مذكوران في القرآن معا في ثلاث ~~سور كما تقدم وهما من أعظم أسماء الله الحسنى حتى قيل انهما الاسم الاعظم ~~فانهما يتضمنان اثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه ويدل القيوم على معنى ~~الازلية والابدية ما لا يدل عليه لفظ القديم ويدل ايضا على كونه موجودا ~~بنفسه وهو معنى كونه واجب الوجود والقيوم أبلغ من القيام لان الواو اقوى من ~~الالف ويفيد قيامه بنفسه باتفاق المفسرين وأهل اللغة وهو معلوم بالضرورة ~~وهل تفيد اقامته لغيره وقيامه عليه فيه قولان أصحهما أنه يفيد ذلك وهو يفيد ~~دوام قيامه وكل قيامه لما فيه من المبالغة فهو سبحانه PageV01P124 لا يزول ~~و لا يأفل فان الافل قد زال قطعا أي لا يغيب ولا ينقص ولا يفنى ولا يعدم بل ~~هو الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال واقترانه بالحي ~~يستلزم سائر صفات الكمال ويدل على دوامها وبقائها وانتفاء النقص والعدم ~~عنها ازلا وأبدا ولهذا كان قوله @QB@ الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ ~~أعظم آية في القرآن كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعلى هذين الاسمين مدار الاسماء الحسنى كلها واليهما ترجع معانيها فان ~~الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال فلا يتخلف عنها صفة منها الا لضعف الحياة ~~فاذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها استلزم اثباتها اثبات كل كمال يضاد ~~نفيه كمال الحياة وأما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته فانه القائم ~~بنفسه فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه المقيم لغيره فلا قيام لغيره الا ~~باقامته فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام # # | قوله خالق بلا حاجة رازق بلا مؤنة # ش قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق ~~وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين @QE@ @QB@ أيها ~~الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد @QE@ @QB@ والله الغني ~~وأنتم الفقراء @QE@ @QB@ قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو ~~يطعم ولا يطعم @QE@ وقال صلى الله عليه ms047 وسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه ~~يا عبادي لو أن اولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ~~منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو ان أولكم وآخركم وانسكم وجنكم ~~كانوا على أفجر قلب PageV01P125 رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئا يا ~~عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت ~~كل انسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي الا كما ينقص المخيط اذا أدخل البحر ~~الحديث رواه مسلم وقوله بلا مؤنة بلا ثقل ولا كلفة # # | قوله مميت بلا مخافة باعث بلا مشقة # ش الموت صفة وجودية خلافا للفلاسفة ومن وافقهم قال تعالى @QB@ الذي خلق ~~الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ والعدم لا يوصف بكونه مخلوقا ~~وفي الحديث أنه يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة ~~والنار وهو وان كان عرضا فالله تعالى يقلبه عينا كما ورد في العمل الصالح ~~أنه يأتي صاحبه في صورة الشاب الحسن والعمل القبيح على أقبح صورة وورد في ~~القرآن أنه يأتي على صورة الشاب الشاحب اللون الحديث أي قراءة القارىء وورد ~~في الاعمال أنها PageV01P126 توضع في الميزان والاعيان هي التي تقبل الوزن ~~دون الاعراض وورد في سورة البقرة وآل عمران أنهما يوم القيامة يظلان ~~صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف وفي الصحيح أن ~~أعمال العباد تصعد إلى السماء وسيأتي الكلام على البعث والنشور ان شاء الله ~~تعالى # # | قوله ما زال بصفاته قديما قبل خلقه لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم ~~من صفته وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا # ش أي أن الله سبحانه وتعالى لم يزل متصفا بصفات الكمال صفات الذات وصفات ~~الفعل ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفا بها لان ~~صفاته سبحانه صفات كمال وفقدها PageV01P127 صفة نقص ولا يجوز أن يكون قد ~~حصل له الكمال بعد أن كان متصفا بضده ولا ms048 يرد على هذه صفات الفعل والصفات ~~الاختيارية ونحوها كالخلق والتصوير والامانة والاحياء والقبض والبسط والطي ~~والاستواء والاتيان والمجيء والنزول والغضب والرضى ونحو ذلك مما وصف به ~~نفسه ووصفه به رسوله وان كنا لا ندرك كنهة وحقيقته التي هي تأويله ولا ندخل ~~في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ولكن أصل معناه معلوم لنا كما ~~قال الامام مالك رضي الله عنه لما سئل عن قوله تعالى @QB@ ثم استوى على ~~العرش @QE@ وغيرها كيف استوى فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول وان كانت ~~هذه الاحوال تحدث في وقت دون وقت كما في حديث الشفاعة ان ربي قد غضب اليوم ~~غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله لان هذا الحدوث بهذا الاعتبار ~~غير ممتنع ولا يطلق عليه انه حدث بعد أن لم يكن الا ترى أن من تكلم اليوم ~~وكان متكلما بالامس لا يقال انه حدث له الكلام ولو كان غير متكلم لانه لآفة ~~كالصغر والخرس ثم تكلم يقال حدث له الكلام فالساكت لغير آفة يسمى متكلما ~~بالقوة بمعنى أنه يتكلم اذا شاء وفي حال تكلمه يسمى متكلما بالفعل وكذلك ~~الكاتب في حال الكتابة هو كاتب بالفعل ولا يخرج عن كونه كاتبا في حال عدم ~~مباشرته الكتابة # وحلول الحوادث بالرب تعالى المنفي في علم الكلام المذموم لم PageV01P128 ~~يرد نفيه ولا اثباته في كتاب ولا سنة وفيه اجمال فان أريد بالنفي أنه ~~سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شىء من مخلوقاته المحدثة أو لا يحدث له وصف ~~متجدد لم يكن فهذا نفي صحيح وان اريد به نفي الصفات الاختيارية من أنه لا ~~يفعل ما يريد ولا يتكلم بما شاء اذا شاء ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من ~~الورى ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والاتيان كما يليق ~~بجلاله وعظمته فهذا نفي باطل # وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث فيسلم السني للمتكلم ذلك ~~على ظن أنه نفي عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله فاذا سلم له هذا النفي ألزمه ~~نفي ms049 الصفات الاختيارية وصفات الفعل وهو غير لازم له وانما آتي السني من ~~تسليم هذا النفي المجمل وإلا فلو استفسر واستفصل لم ينقطع معه # وكذلك مسالة الصفة هل هي زائدة على الذات أم لا لفظها مجمل وكذلك لفظ ~~الغير فيه اجمال فقد يراد به ما ليس هو اياه وقد يراد به ما جاز مفارقته له # ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا يطلقون على صفات الله وكلامه ~~أنه غيره ولا انه ليس غيره لان اطلاق الاثبات قد يشعر ان ذلك مباين له ~~واطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو اذا كان لفظ الغير فيه اجمال فلا يطلق الا ~~مع البيان والتفصيل فان اريد به أن هناك ذاتا مجردة قائمة بنفسها منفصلة عن ~~الصفات الزائدة عليها فهذا غير صحيح وان أريد به أن الصفات زائدة على الذات ~~التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة فهذا حق ولكن ليس في الخارج ~~ذات مجردة عن الصفات بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل ~~عنها وانما يفرض الذهن ذاتا وصفة كلا وحده ولكن ليس PageV01P129 # في الخارج ذات غير موصوفة فان هذا محال ولو لم يكن الا صفة الوجود فانها ~~لا تنفك عن الموجود وان كان الذهن يفرض ذاتا ووجودا يتصور هذا وحده وهذا ~~وحده لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج # وقد يقول بعضهم الصفة لا عين الموصوف ولا غيره هذا له معنى صحيح وهو أن ~~الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها وليست غير ~~الموصوف بل الموصوف بصفاته شىء واحد غير متعدد فاذا قلت أعوذ بالله فقد عذت ~~بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة الثابتة التي لا تقبل ~~الانفصال بوجه من الوجوه # واذا قلت أعوذ بعزة الله فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى ولم أعذ بغير ~~الله وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات فان ذات في أصل معناها لا تستعمل الا ~~مضافة أي ذات وجود ذات قدرة ذات عز ذات علم ms050 ذات كرم إلى غير ذلك من الصفات ~~فذات كذا بمعنى صاحبة كذا تأنيث ذو هذا أصل معنى الكلمة فعلم أن الذات لا ~~يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه وان كان الذهن قد يفرض ذاتا مجردة ~~عن الصفات كما يفرض المحال وقد قال صلى الله عليه وسلم أعوذ بعزة الله ~~وقدرته من شر ما اجد واحاذر PageV01P130 وقال صلى الله عليه وسلم أعوذ ~~بكلمات الله التامات من شر ما خلق ولا يعوذ صلى الله عليه وسلم بغير الله ~~وكذا قال صلى الله عليه وسلم اللهم اني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من ~~عقوبتك وأعوذ بك منك وقال صلى الله عليه وسلم ونعوذ بعظمتك أن نغتال من ~~تحتنا وقال صلى الله عليه وسلم أعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات # وكذلك قولهم الاسم عين المسمى أو غيره وطالما غلط كثير من الناس في ذلك ~~وجهلوا الصواب فيه فالاسم يراد به المسمى تارة و يراد به اللفظ الدال عليه ~~أخرى فاذا قلت قال الله كذا أو سمع الله لمن حمده ونحو ذلك فهذا المراد به ~~المسمى نفسه واذا قلت الله اسم عربي والرحمن اسم عربي والرحيم من أسماء ~~الله تعالى ونحو ذلك فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى ولا يقال غيره لما ~~في لفظ الغير من الاجمال فان أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق وأن ~~أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء أو حتى سماه خلقه ~~بأسماء من صنعهم فهذا من أعظم الضلال والالحاد في اسماء الله تعالى ~~PageV01P131 والشيخ رحمه الله أشار بقوله ما زال بصفاته قديما قبل خلقه إلى ~~آخر كلامه إلى الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة فانهم ~~قالوا انه تعالى صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه ~~لكونه صار الفعل والكلام ممكنا بعد أن كان ممتنعا وانه انقلب من الامتناع ~~الذاتي إلى الامكان الذاتي وعلي بن كلاب والاشعري ومن وافقهما فانهم قالوا ~~ان الفعل صار ممكنا له ms051 بعد أن كان ممتنعا منه وأما الكلام عندهم فلا يدخل ~~تحت المشيئة والقدرة بل هو شىء واحد لازم لذاته # وأصل هذا الكلام من الجهمية فانهم قالوا ان دوام الحوادث ممتنع وانه يجب ~~أن يكون للحوادث مبدأ لامتناع حوادث لا أول لها فيمتنع أن يكون البارىء عز ~~وجل لم يزل فاعلا متكلما بمشيئة بل يمتنع أن يكون قادرا على ذلك لان القدرة ~~على الممتنع ممتنعة وهذا فاسد فانه يدل على امتناع حدوث العالم وهو حادث ~~والحادث اذا حدث بعد أن لم يكن محدثا فلا بد أن يكون ممكنا والامكان ليس له ~~وقت محدود وما من وقت يقدر الا والامكان ثابت فيه وليس لامكان الفعل وجوازه ~~وصحته مبدأ ينتهي اليه فيجب انه لم يزل الفعل ممكنا جائزا صحيحا فيلزم أنه ~~لم يزل الرب قادرا عليه فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها # قالت الجهمية ومن وافقهم نحن لا نسلم أن امكان الحوادث لا بداية له لكن ~~نقول امكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له وذلك لان الحوادث ~~عندنا تمتنع أن تكون قديمة النوع بل يجب حدوث نوعها ويمتنع قدم نوعها لكن ~~لا يجب الحدوث في وقت PageV01P132 # بعينه فامكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا أول له بخلاف جنس ~~الحوادث # فيقال لهم هب انكم تقولون ذلك لكن يقال امكان جنس الحوادث عندكم له بداية ~~فانه صار جنس الحدوث عندكم ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا وليس لهذا الامكان ~~وقت معين بل ما من وقت يفرض الا والامكان ثابت قبله فيلزم دوام الامكان ~~والا لزم انقلاب الجنس من الامتناع إلى الامكان من غير حدوث شىء ومعلوم أن ~~انقلاب حقيقة جنس الحدوث أو جنس الحوادث أو جنس الفعل أو جنس الاحداث أو ما ~~أشبه هذا من العبارات من الامتناع إلى الامكان وهو مصير ذلك ممكنا جائزا ~~بعد أن كان ممتنعا من غير سبب تجدد وهذا ممتنع في صريح العقل وهو أيضا ~~انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إلى الامكان الذاتي فان ذات جنس الحوادث ~~عندهم ms052 تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة وهذا الانقلاب لا يختص بوقت معين فانه ~~ما من وقت يقدر ولا والامكان ثابت قبله فيلزم أنه لم يزل هذا الانقلاب ~~ممكنا فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكنا وهذا أبلغ في الامتناع من قولنا لم ~~يزل الحادث ممكنا فقد لزمهم فيما فروا اليه أبلغ مما لزمهم فيما فروا منه ~~فانه يعقل كون الحادث ممكنا ويعقل ان هذا الامكان لم يزل وأما كون الممتنع ~~ممكنا فهو ممتنع في نفسه فكيف اذا قيل لم يزل امكان هذا الممتنع وهذا مبسوط ~~في موضعه # فالحاصل أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا أو في ~~المستقبل فقط أو الماضي فقط فيه ثلاثة أقوال معروفة لاهل النظر من المسلمين ~~وغيرهم # أضعفها قول من يقول لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل كقول ~~جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف PageV01P133 وثانيها قول من يقول يمكن ~~دوامها في المستقبل دون الماضي كقول كثير من أهل الكلام ومن وافقهم من ~~الفقهاء وغيرهم # والثالث قول من يقول يمكن دوامها في الماضي والمستقبل كما يقوله أئمة ~~الحديث هي من المسائل الكبار ولم يقل أحد يمكن دوامها في الماضي دون ~~المستقبل # ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوئف يقولون ان كل ما سوى الله تعالى ~~مخلوق كائن بعد أن لم يكن وهذا قول الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود ~~والنصارى وغيرهم # ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارنا لفاعله لم يزل ولا يزال معه ~~ممتنع محال ولما كان تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الرب ~~سبحانه هو الآخر الذي بعده شىء فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن ~~يكون سبحانه وتعالى هو الاول الذي ليس قبله شىء فان الرب سبحانه وتعالى لم ~~يزل ولا يزال يفعل ما يشاء ويتكلم اذا يشاء قال تعالى @QB@ قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء @QE@ وقال تعالى @QB@ ولكن الله يفعل ما يريد @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ذو العرش المجيد فعال لما يريد @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو أنما ms053 في ~~الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن ~~تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا @QE@ # والمثبت انما هو الكمال الممكن الوجود وحينئذ فاذا كان النوع دائما ~~فالممكن والاكمل هو التقدم على كل فرد من الافراد PageV01P134 بحيث لا يكون ~~في أجزاء العالم شىء يقارنه بوجه من الوجوه # وأما دوام الفعل فهو ايضا من الكمال فان الفعل اذا كان صفة كمال فدوامه ~~دوام كمال # قالوا والتسلسل لفظ مجمل لم يرد بنفيه ولا اثباته كتاب ولا سنة ليجب ~~مراعاة لفظه وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن فالتسلسل في المؤثرين محال ~~ممتنع لذاته وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا ~~إلى غاية # والتسلسل الواجب ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب تعالى في ~~الابد وانه كلما انقضى لاهل الجنة نعيم احدث لهم نعيما آخر لا نقاد له ~~وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الازل وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر ~~فهذا واجب في كلامه فانه لم يزل متكلما اذا شاء ولم تحدث له صفة الكلام في ~~وقت وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته فان كل حي فعال والفرق بين الحي ~~والميت الفعل ولهذا قال غير واحد من السلف الحي الفعال وقال عثمان بن سعيد ~~كل حي فعال ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الاوقات معطلا عن كماله من ~~الكلام والارادة والفعل # وأما التسلسل الممكن فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف كما تتسلسل في ~~طرف الابد فانه اذا لم يزل حيا قادرا مريدا متكلما وذلك من لوازم ذاته ~~فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل ولا يلزم ~~من هذا أنه لم يزل الخلق معه فانه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته ~~تقدما لا أول له فلكل مخلوق اول والخالق سبحانه لا اول له فهو وحده الخالق ms054 ~~وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن # قالوا وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه PageV01P135 وكل ~~من اعترف بأن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل لزمه أحد أمرين لا بد له ~~منهما اما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنا واما أن يقول لم يزل واقعا والا ~~تناقض تناقضا بينا حيث زعم أن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل والفعل ~~محال ممتنع لذاته لو اراده لم يمكن وجوده بل فرض ارادته عنده محال وهو ~~مقدور له وهذا قول ينقض بعضه بعضا # والمقصود أن الذي دل عليه الشرع والعقل أن كل ما سوى الله تعالى محدث ~~كائن بعد أن لم يكن أما كون الرب تعالى لم يزل معطلا عن الفعل ثم فعل فليس ~~في الشرع ولا في العقل ما يثبته بل كلاهما يدل على نقيضه # وقد أورد أبو المعالي في ارشاده وغيره من النظار على التسلسل في الماضي ~~فقالوا انك لو قلت لا أعطيك درهما الا أعطيك بعده درهما كان هذا ممكنا ولو ~~قلت لا أعطيك درهما حتى أعطيك قبله درهما كان هذا ممتنعا # وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة بل الموازنة الصحيحة أن تقول ما أعطيتك ~~درهما الا أعطيتك قبله درهما فتجعل ماضيا قبل ماض كما جعلت هناك مستقبلا ~~بعد مستقبل واما قول القائل لا أعطيك حتى أعطيك قبله فهو نفي للمستقبل حتى ~~يحصل في المستقبل ويكون قبله فقد نفى المستقبل حتى يوجد المستقبل وهذا ~~ممتنع أما نفي الماضي حتى يكون قبله ماض فان هذا ممكن والعطاء المستقبل ~~ابتداؤه من المستقبل والمعطي الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله ما لا ~~نهاية له فان ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع PageV01P136 # # | قوله ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بأحداثه البرية استفاد ~~اسم الباري # ش ظاهر كلام الشيخ رحمه الله أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي ويأتي في ~~كلامه ما يدل على انه لا يمنعه في المستقبل وهو قوله والجنة والنار ~~مخلوقتان لا تفنيان ms055 أبدا ولا تبيدان وهذا مذهب الجمهور كما تقدم ولا شك في ~~فساد قول من منع ذلك في الماضي والمستقبل كما ذهب اليه الجهم وأتباعه وقال ~~بفناء الجنة والنار لما يأتي من الادلة ان شاء الله تعالى # وأما قول من قال بجواز حوادث لا أول لها من القائلين بحوادث لا آخر لها ~~فأظهر في الصحة من قول من فرق بينهما فانه سبحانه لم يزل حيا والفعل من ~~لوازم الحياة فلم يزل فاعلا لما يريد كما وصف بذلك نفسه حيث يقول @QB@ ذو ~~العرش المجيد فعال لما يريد @QE@ والآية تدل على أمور # أحدها أنه تعالى يفعل بارادته ومشيئته # الثاني انه لم يزل كذلك لانه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه و ~~أن ذلك من كماله سبحانه ولا يجوز أن يكون عادما لهذا الكمال في وقت من ~~الاوقات وقد قال تعالى @QB@ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون @QE@ ولما ~~كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا بعد ان لم يكن # الثالث أنه اذا اراد شيئا فعله فان ما موصولة عامة اي يفعل كل ما يريد أن ~~يفعله وهذا في ارادته المتعلقة بفعله واما ارادته المتعلقة بفعل العبد فتلك ~~لها شأن آخر فان اراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه ويجعله ~~فاعلا لم يوجد الفعل وان أراده حتى يريد PageV01P137 من نفسه أن يجعله ~~فاعلا وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية وخبطوا في مسألة ~~القدر لغفلتهم عنها وفرق بين ارادته أن يفعل العبد وارادة أن يجعله فاعلا ~~وسيأتي الكلام على مسألة القدر في موضعه ان شاء الله تعالى # الرابع ان فعله وارادته متلازمان فما اراد ان يفعل فعل وما فعله فقد ~~اراده بخلاف المخلوق فانه يريد ما لا يفعل وقد يفعل ما لا يريده فما ثم ~~فعال لما يريد الا الله وحده # الخامس اثبات ارادات متعددة بحسب الافعال وأن كل فعل له ارادة تخصه هذا ~~هو المعقول في الفطر فشأنه سبحانه أنه يريد على الدوام ويفعل ا ms056 يريد # السادس أن كل ما صح أن تتعلق به ارادته جاز فعله فاذا أراد أن ينزل كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء وأن يري عباده نفسه ~~وأن يتجلى لهم كيف شاء ويخاطبهم ويضحك اليهم غير ذلك مما يريد سبحانه لم ~~يمتنع عليه فعله فانه تعالى فعال لما يريد وانما يتوقف صحة ذلك على اخبار ~~الصادق به فاذا أخبر وجب التصديق وكذلك محو ما يشاء واثبات ما يشاء كل يوم ~~هو في شأن سبحانه وتعالى # والقول بأن الحوادث لها اول يلزم منه التعطيل قبل ذلك وأن الله سبحانه ~~وتعالى لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلا ولا يلزم من ذلك قدم العالم لان كل ما ~~سوى الله تعالى محدث ممكن الوجود موجود بايجاد الله تعالى له ليس له من ~~نفسه الا العدم والفقر والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما سوى الله تعالى ~~والله تعالى واجب الوجود لذاته غني لذاته والغنى وصف ذاتي لازم له سبحانه ~~وتعالى # والناس قولان في هذا العالم هل هو مخلوق من مادة أم لا PageV01P138 ~~واختلفوا في أول هذا العالم ما هو وقد قال تعالى @QB@ وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء @QE@ # وروى البخاري وغيره عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال قال أهل اليمن ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن اول هذا ~~الامر فقال كان الله ولم يكن شىء قبله وفي رواية ولم يكن شىء معه وفي رواية ~~غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شىء وخلق السموات والأرض وفي ~~لفظ ثم خلق السموات والأرض فقوله كتب في الذكر يعني اللوح المحفوظ كما قال ~~تعالى @QB@ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر @QE@ يسمى ما يكتب في الذكر ~~ذكرا كما يسمى ما يكتب في الكتاب كتابا # والناس في هذا الحديث على قولين منهم من قال ان المقصود اخباره بأن الله ~~كان موجودا وحده ولم يزل كذلك دائما ثم ابتدأ ms057 احداث جميع الحوادث فجنسها ~~وأعيانها مسبوقة بالعدم وان جنس الزمان PageV01P139 حادث لا في زمان وأن ~~الله صار فاعلا بعد ان لم يكن يفعل شيئا من الازل إلى حين ابتداء الفعل ولا ~~كان الفعل ممكنا والقول الثاني المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم ~~المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش كما أخبر القرآن ~~بذلك في غير موضع وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قدر الله تعالى مقادير الخلق قبل أن يخلق ~~السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء فأخبر صلى الله عليه ~~وسلم أن تقدير هذا العالم المخلوق في ستة ايام كان قبل خلقه الأرض و ~~السموات بخمسين ألف سنة وأن عرش الرب تعالى كان حينئذ على الماء # دليل صحة هذا القول الثاني من وجوه أحدهما ان قول اهل اليمن جئناك لنسألك ~~عن أول هذا الامر وهو اشارة إلى حاضر مشهود موجود والامر هنا بمعنى المأمور ~~أي الذي كونه الله بأمره وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم عن بدء هذا ~~العالم الموجود لا عن جنس المخلوقات لانهم لم يسألوه عنه وقد أخبرهم عن خلق ~~السموات والأرض حال كون عرشه على الماء ولم يخبرهم عن خلق العرش وهو مخلوق ~~قبل خلق السموات والأرض وأيضا فانه قال كان الله ولم يكن شىء قبله وقد روي ~~معه وروي غيره والمجلس كان واحدا فعلم انه قال أحد الالفاظ والآخران رؤيا ~~بالمعنى ولفظ القبل ثبت عنه في غير هذا الحديث ففي حديث مسلم عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول في PageV01P140 ~~دعائه اللهم أنت الاول فليس قبلك شىء الحديث واللفظان الآخران لم يثبت واحد ~~منهما في موضع آخر ولهذا كان كثير من أهل الحديث انما يرويه بلفظ القبل ~~كالحميدي والبغوي وابن الاثير واذا كان كذلك لم يكن في هذا اللفظ تعرض ~~لابتداء الحوادث ولا لاول مخلوق وأيضا ms058 فانه يقال كان الله ولم يكن شيء قبله ~~أو معه أو غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء فاخبر عن هذه ~~الثلاث بالواو وخلق السموات والأرض روي بالواو وبثم فظهر أن مقصوده اخباره ~~اياهم ببدء خلق السموات والأرض وما بينهما وهي المخلوقات التي خلقت في ستة ~~أيام لا ابتداء خلق ما خلقه الله قبل ذلك وذكر السموات والأرض بما يدل على ~~خلقهما وذكر ما قبلهما بما يدل على كونه ووجوده ولم يتعرض لابتداء خلقه له ~~وأيضا فانه اذا كان الحديث قد ورد بهذا وهذا فلا يجزم بأحدهما الا بدليل ~~فاذا رجح أحدهما فمن جزم بأن الرسول اراد المعنى الآخر فهو مخطيء قطعا ولم ~~يأت في الكتاب ولا في السنة ما يدل على المعنى الآخر فلا يجوز اثباته بما ~~يظن أنه معنى الحديث ولم يرد كان الله ولا شيء معه مجردا وانما ورد على ~~السياق المذكور فلا يظن أن معناه الاخبار بتعطيل الرب تعالى دائما عن الفعل ~~حتى خلق السموات والأرض وايضا فقوله صلى الله عليه وسلم كان الله ولا شيء ~~قبله أو معه أو غيره وكان عرشه على الماء لا يصح ان يكون المعنى أنه تعالى ~~موجود وحده لا مخلوق معه أصلا لأن قوله وكان عرشه على الماء يرد ذلك فإن ~~هذه الجملة وهي ( وكان عرشه على الماء ) اما حالية أو معطوفة وعلى كلا ~~التقديرين فهو مخلوق موجود في ذلك الوقت فعلم أن المراد ولم يكن شىء من هذا ~~العالم المشهود PageV01P141 # | قوله له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق # ش يعني أن الله تعالى موصوف بأنه الرب قبل أن يوجد مربوب وموصوف بأنه ~~خالق قبل أن يوجد مخلوق قال بعض المشايخ الشارحين وانما قال له معنى ~~الربوبية ومعنى الخالق دون الخالقية لان الخالق هو المخرج للشيء من العدم ~~إلى الوجود لا غير والرب يقتضي معاني كثيرة وهي الملك والحفظ والتدبير ~~والتربية وهي تبليغ الشيء كماله بالتدريج فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه ~~المعاني وهي الربوبية ms059 انتهى وفيه نظر لان الخلق يكون بمعنى التقدير أيضا # # | قوله وكما أنه محبي الموتى بعد ما احيا استحق هذا الاسم قبل احيائهم ~~كذلك استحق اسم الخالق قبل انشائهم # ش يعني أنه سبحانه وتعالى موصوف بأنه محيي الموتى قبل احيائهم فكذلك يوصف ~~بأنه خالق قبل خلقهم الزاما للمعتزلة ومن قال بقولهم كما حكينا عنهم فيما ~~تقدم وتقدم تقرير انه تعالى لم يزل يفعل ما يشاء # # | قوله ذلك بأنه على كل شىء قدير وكل شىء اليه فقير وكل امر عليه يسير لا ~~يحتاج إلى شيء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # ش ذلك اشارة إلى ثبوت صفاته في الازل قبل خلقه والكلام على كل وشمولها ~~وشمول كل في كل مقام بحسب ما يحتف به من القرائن يأتي في مسألة الكلام ان ~~شاء الله تعالى # وقد حرفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله تعالى @QB@ والله على كل شيء ~~قدير @QE@ فقالوا انه قادر على كل ما هو مقدور له وأما نفس أفعال العباد ~~فلا يقدر عليها عندهم وتنازعوا هل يقدر على مثلها أم لا ولو كان المعنى على ~~ما قالوا لكان هذا بمنزلة أن يقال هو عالم بكل ما يعلمه وخالق لكل ما يخلقه ~~ونحو ذلك من العبارات التي لا PageV01P142 فائدة فيها فسلبوا صفة كمال ~~قدرته على كل شيء # وأما أهل السنة فعندهم أن الله على كل شيء قدير وكل ممكن فهو مندرج في ~~هذا وأما المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجودا معدوما في حال واحدة ~~فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده ولا يسمى شيئا باتفاق العقلاء ومن هذا ~~الباب خلق مثل نفسه واعدام نفسه وأمثال ذلك من المحال # وهذا الاصل هو الايمان بربوبيته العامة التامة فانه لا يؤمن بأنه رب كل ~~شيء الا من آمن أنه قادر على تلك الاشياء ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها ~~الا من آمن بأنه على كل شيء قدير وانما تنازعوا في المعدوم الممكن هل هو ~~شيء أم لا والتحقيق أن المعدوم ليس بشيء في الخارج ولكن الله ms060 يعلم ما يكون ~~قبل أن يكون ويكتبه وقد يذكره ويخبر به كقوله تعالى @QB@ إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم @QE@ فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج كما قال ~~تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ قال تعالى ~~@QB@ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا @QE@ أي لم تكن شيئا في الخارج وان كان ~~شيئا في علمه تعالى وقال تعالى @QB@ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم ~~يكن شيئا مذكورا @QE@ # وقوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ رد على المشبهة وقوله تعالى @QB@ وهو ~~السميع البصير @QE@ رد على المعطلة فهو سبحانه وتعالى موصوف بصفات الكمال ~~وليس له فيها شبيه فالمخلوق وان كان يوصف بأنه سميع بصير فليس سمعه وبصره ~~كسمع الرب وبصره ولا يلزم من اثبات الصفة تشبيه اذ صفات المخلوق كما يليق ~~به وصفات الخالق كما يليق به # ولا تنف عن الله ما وصف به نفسه وما وصفه به أعرف الخلق PageV01P143 بربه ~~وما يجب له وما يمتنع عليه وأنصحهم لأمته وأفصحهم وأقدرهم على البيان فانك ~~ان نفيت شيئا من ذلك كنت كافرا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم واذا ~~وصفته بما وصف به نفسه فلا تشبهه بخلقه فليس كمثله شيء فاذا شبهته بخلقه ~~كنت كافرا به قال نعيم ابن حماد الخزاعي شيخ البخاري من شبه الله بخلقه فقد ~~كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما ~~وصفه به رسوله تشبيها وسيأتي في كلام الشيخ الطحاوي رحمه الله ومن لم يتوق ~~النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه # وقد وصف الله تعالى نفسه بأن له المثل الاعلى فقال تعالى @QB@ للذين لا ~~يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى @QE@ وقال تعالى @QB@ وله ~~المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم @QE@ فجعل سبحانه مثل ~~السوء المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال لاعدائه المشركين وأوثانهم ~~وأخبر أن المثل الاعلى المتضمن لاثبات الكمال كله لله وحده فمن سلب صفة ~~الكمال عن الله تعالى فقد ms061 جعل له مثل السوء ونفى عنه ما وصف به نفسه من ~~المثل الاعلى و هو الكمال المطلق المتضمن للامور الوجودية والمعاني ~~الثبوتية التي كلما كانت اكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل واعلى من غيره # ولما كانت صفات الرب سبحانه وتعالى أكثر وأكمل كان له المثل الاعلى وكان ~~أحق به من كل ما سواه بل يستحيل ان يشترك في المثل الاعلى المطلق اثنان ~~لانهما ان تكافآ من كل وجه لم يكن أحدهما أعلى من الآخر وان لم يتكافآ ~~فالموصوف به احدهما وحده فيستحيل أن يكون لمن له المثل الاعلى مثل أو نظير # واختلفت عبارات المفسرين في المثل الاعلى ووفق بين أقوالهم من وفقه الله ~~وهداه فقال المثل الاعلى يتضمن الصفة العليا وعلم PageV01P144 العالمين بها ~~ووجودها العلمي والخبر عنها وذكرها وعبادة الرب تعالى بواسطة العلم ~~والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه # فها هنا أمور اربعة الأول ثبوت الصفات العليا لله سبحانه وتعالى سواء ~~علمها العباد أو لا وهذا معنى قول من فسرها بالصفة # الثاني وجودها في العلم والشعور وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف ~~انه ما في قلوب عابديه وذاكرية من معرفته وذكره ومحبته وجلاله وتعظيمه ~~وخوفه ورجائه والتوكل عليه والانابة اليه وهذا الذي في قلوبهم من المثل ~~الاعلى لا يشركه فيه غيره أصلا بل يختص به في قلوبهم كما اختص به في ذاته ~~وهذا معنى قول من قال من المفسرين ان معناه اهل السموات يعظمونه ويحبونه ~~ويعبدونه واهل الأرض كذلك وان اشرك به من اشرك وعصاه من عصاه وجحد صفاته من ~~جحدها فأهل الأرض معظمون له مجلون خاضعون لعظمته مستكينون لعزته وجبروته ~~قال تعالى @QB@ وله من في السماوات والأرض كل له قانتون @QE@ # الثالث ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها من العيوب والنقائص والتمثيل # الرابع محبة الموصوف بها وتوحيده والاخلاص له والتوكل عليه والانابة اليه ~~وكلما كان الايمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والاخلاص أقوى # فعبارات السلف كلها تدور على هذه المعاني الاربعة فمن أضل ممن يعارض بين ~~قوله تعالى @QB@ وله ms062 المثل الأعلى @QE@ وبين قوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ ~~ويستدل بقوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ على نفي الصفات PageV01P145 ويعمى عن ~~تمام الآية وهو قوله @QB@ وهو السميع البصير @QE@ حتى أفضى هذا الضلال ~~ببعضهم وهو أحمد بن أبي دؤاد القاضي إلى أن اشار على الخليفة المأمون أن ~~يكتب على ستر الكعبة ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم حرف كلام الله لينفي ~~وصفه تعالى بأنه السميع البصير كما قال الضال الآخر جهم بن صفوان وددت أني ~~أحك من المصحف قوله تعالى @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ فنسأل الله العظيم ~~السميع البصير أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة بمنه ~~وكرمه # وفي اعراب كمثله وجوه احدهما أن الكاف صلة زيدت للتأكيد قال أوس بن حجر % ~~ليس كمثل الفتى زهير % % خلق يوازيه في الفضائل % $ وقال آخر ما أن كمثلهم ~~في الناس من بشر وقال آخر ومثلي كمثل جذوع النخيل # فيكون مثله خبر ليس واسمها شيء وهذا وجه قوي حسن تعرف العرب معناه في ~~لغتها ولا يخفى عنها اذا خوطبت به وقد جاء عن العرب أيضا زيادة الكاف ~~للتأكيد في قول بعضهم وصاليات ككمايؤثفين وقول الآخر فأصبحت مثل كعصف مأكول ~~PageV01P146 الوجه الثاني أن الزائد مثل أي ليس كهو شيء وهذا القول بعيد ~~لان مثل اسم والقول بزيادة الحرف للتأكيد أولى من القول بزيادة الاسم # الثالث أنه ليس ثم زيادة أصلا بل هذا من باب قولهم مثلك لا يفعل كذا أي ~~أنت لا تفعله وأتى بمثل للمبالغة وقالوا في معنى المبالغة هنا أي ليس كمثله ~~مثل لو فرض المثل فكيف ولا مثل له وقيل غير ذلك والاول أظهر # # | قوله خلق الخلق بعلمه # ش خلق أي أوجد وأنشأ وابدع ويأتي خلق أيضا بمعنى قدر والخلق مصدر وهو هنا ~~بمعنى المخلوق وقوله بعلمه في محل نصب على الحال اي خلقهم عالما بهم قال ~~تعالى @QB@ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ وقال تعالى @QB@ وعنده ~~مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة ~~إلا يعلمها ms063 ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وهو ~~الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار @QE@ وفي ذلك رد على المعتزلة # قال الامام عبد العزيز المكي صاحب الامام الشافعي رحمه الله وجليسه في ~~كتاب الحيدة الذي حكى فيه مناظرته بشرالمريسي عند المأمون حين ساله عن علمه ~~تعالى فقال بشر أقول لا يجهل فجعل يكرر السؤال عن صفة العلم تقريرا له وبشر ~~يقول لا يجهل ولا يعترف له أنه عالم بعلم فقال الامام عبد العزيز نفي الجهل ~~لا يكون صفة مدح فان هذه الاسطوانة لا تجهل وقد مدح الله تعالى الانبياء ~~والملائكة والمؤمنين بالعلم لا ينفي الجهل فمن أثبت العلم فقد نفى ~~PageV01P147 الجهل ومن نفى الجهل لم يثبت العلم وعلى الخلق أن يثبتوا ما ~~أثبته الله تعالى لنفسه وينفوا ما نفاه ويمسكوا عما أمسك عنه # والدليل العقلي على علمه تعالى أنه يستحيل ايجاده الاشياء مع الجهل ولان ~~ايجاده الاشياء بارادته والارادة تستلزم تصور المراد وتصور المراد هو العلم ~~بالمراد فكان الايجاد مستلزما للارادة والارادة مستلزمة للعلم فالايجاد ~~مستلزم للعلم ولان المخلوقات فيها من الاحكام والاتقان ما يستلزم علم ~~الفاعل لها لان الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم ولان من ~~المخلوقات ما هو عالم والعلم صفة كمال ويمتنع أن لا يكون الخالق عالما وهذا ~~له طريقان أحدهما أن يقال نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق وأن ~~الواجب أكمل من الممكن ونعلم ضرورة أنا لو فرضنا شيئين أحدهما عالم والآخر ~~غير عالم كان العالم أكمل فلو لم يكن الخالق عالما لزم أن يكون الممكن أكمل ~~منه وهو ممتنع الثاني أن يقال كل علم في الممكنات التي هي المخلوقات فهو ~~منه ومن الممتنع ان يكون فاعل الكمال ومبدعه عاريا منه بل هو أحق به والله ~~تعالى له المثل الاعلى ولا يستوي هو والمخلوقات لا في قياس تمثيلي ولا في ~~قياس شمولي بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق به أحق وكل نقص تنزه عنه ms064 ~~مخلوق ما فتنزيه الخالق عنه أولى # # | قوله وقدر لهم أقدارا # ش قال تعالى @QB@ وخلق كل شيء فقدره تقديرا @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا كل ~~شيء خلقناه بقدر @QE@ وقال تعالى @QB@ وكان أمر الله قدرا مقدورا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى @QE@ وفي صحيح مسلم عن عبد الله ~~بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه PageV01P148 # قال قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وكان عرشه على الماء # # | قوله وضرب لهم آجالا # ش يعني أن الله سبحانه وتعالى قدر آجال الخلائق بحيث اذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قال تعالى @QB@ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن ~~الله كتابا مؤجلا @QE@ وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال قالت أم ~~حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها اللهم أمتعني بزوجي رسول ~~الله وبأبي سفيان وبأخي معاوية قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد سالت ~~الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وارزاق مقسومة لن يعجل شيئا قبل أجله ولن ~~يؤخر شيئا عن أجله ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار وعذاب في ~~القبر كان خيرا وأفضل فالمقتول ميت بأجله فعلم الله تعالى وقدر وقضي ان هذا ~~يموت بسبب المرض وهذا بسبب القتل وهذا بسبب الهدم وهذا بسبب الحرق وهذا ~~بالغرق إلى غير ذلك من الأسباب والله سبحانه خلق الموت والحياة وخلق سبب ~~الموت والحياة وعند المعتزلة المقتول مقطوع عليه أجله ولو لم يقتل لعاش إلى ~~أجله فكأن له أجلان وهذا باطل لانه لا يليق أن ينسب إلى الله تعالى أنه جعل ~~له اجلا يعلم انه لا يعيش اليه البتة أو يجعل أجله أحد الامرين كفعل الجاهل ~~بالعواقب ووجوب القصاص والضمان على القاتل لارتكابه المنهي عنه ومباشرته ~~PageV01P149 السبب المحظور وعلى هذا يخرج قوله صلى الله عليه وسلم صلة ~~الرحم تزيد في العمر أي سبب طول العمر وقد ms065 قدر الله أن هذا يصل رحمه فيعيش ~~بهذا السبب إلى هذه الغاية ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية ولكن قدر ~~هذا السبب وقضاه وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا كما قلنا في ~~القتل وعدمه # فان قيل هل يلزم من تأثير صلة الرحم في زيادة العمر ونقصانه تأثير الدعاء ~~في ذلك أم لا # فالجواب أن ذلك غير لازم لقوله صلى الله عليه وسلم لام حبيبة رضي الله ~~عنها قد سألت الله تعالى لآجال مضروبة الحديث كما تقدم فعلم أن الاعمار ~~مقدرة لم يشرع الدعاء بتغيرها بخلاف النجاة من عذاب الآخرة فان الدعاء ~~مشروع له نافع فيه الا ترى أن الدعاء بتغيير العمر لما تضمن النفع الاخروي ~~شرع كما في الدعاء رواه النسائي من حديث عمار بن ياسر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت ~~الحياة خيرا لي وتوفني اذا كانت الوفاة خيرا لي إلى آخر الدعاء ويؤيد هذا ~~ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يرد القدر الا الدعاء ولا يزيد في العمر الا البر وان ~~PageV01P150 الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفي الحديث رد على من يظن ان ~~النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال انه لا يأتي بخير وانما يستخرج به من ~~البخيل # واعلم أن الدعاء يكون مشروعا نافعا في بعض الاشياء دون بعض وكذلك هو ~~ولهذا لا يجيب الله المعتدين في الدعاء وكان الامام أحمد رحمه الله يكره ان ~~يدعى له بطول العمر ويقول هذا أمر قد فرغ منه # وأما قوله تعالى @QB@ وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ~~@QE@ فقد قيل في الضمير المذكور في قوله تعالى @QB@ من عمره @QE@ أنه ~~بمنزلة قولهم عندي درهم ونصفه أي ونصف درهم آخر فيكون المعنى لا ينقص من ms066 ~~عمر معمر آخر وقيل الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة وحمل ~~قوله تعالى @QB@ لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ~~@QE@ على أن المحو والاثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة وأن قوله @QB@ ~~وعنده أم الكتاب @QE@ اللوح المحفوظ ويدل على هذا الوجه سياق الآية وهو ~~قوله @QB@ لكل أجل كتاب @QE@ ثم قال PageV01P151 @QB@ يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت @QE@ أي من ذلك الكتاب @QB@ وعنده أم الكتاب @QE@ أي أصله وهو اللوح ~~المحفوظ وقيل يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه ~~والسياق أدل على هذا الوجه من الوجه الاول وهو قوله تعالى @QB@ وما كان ~~لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب @QE@ فأخبر تعالى ان الرسول ~~لا يأتي بالآيات من قبل نفسه بل من عند الله ثم قال @QB@ لكل أجل كتاب يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت @QE@ أي أن الشرائع لها أجل وغاية تنتهي اليها ثم تنسخ ~~بالشريعة الاخرى فينسخ الله ما يشاء من الشرائع عندانقضاء الاجل ويثبت ما ~~يشاء وفي الآية أقوال أخرى والله أعلم بالصواب # # | قوله ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم # ش فانه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون كما ~~قال تعالى @QB@ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه @QE@ وان كان يعلم أنهم لا ~~يردون ولكن اخبر أنهم لو ردوا لعادو كما قال تعالى @QB@ ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون @QE@ وفي ذلك رد على الرافضة ~~والقدرية والذين قالوا انه لا يعلم الشيء قبل أن يخلقه ويوجده وهي من فروع ~~مسألة القدر وسيأتي لها زيادة بيان ان شاء الله تعالى # # | قوله وامرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته # ش ذكر الشيخ الامر والنهي بعد ذكره الخلق والقدر اشارة إلى أن الله تعالى ~~خلق الخلق لعبادته كما قال تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ms067 @QE@ ~~PageV01P152 # # | قوله وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد الا ~~ما شاء لهم فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن # ش قال تعالى @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما ~~@QE@ وقال @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء ~~قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو شاء ربك ~~ما فعلوه @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء @QE@ وقال تعالى حكاية عن ~~نوح عليه السلام اذ قال لقومه @QB@ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم @QE@ وقال تعالى @QB@ من يشإ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم @QE@ إلى غير ذلك من الادلة على أنه ما شاء الله كان ~~وما لم يشأ لم يكن وكيف يكون في ملكه ما لا يشاء ومن أضل سبيلا وأكفر ممن ~~يزعم ان الله شاء الايمان من الكافر والكافر شاء الكفر فغلبت مشيئة الكافر ~~مشيئة الله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا # فان قيل يشكل على هذا قوله تعالى @QB@ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا @QE@ الاية وقوله تعالى @QB@ وقال الذين أشركوا لو شاء ~~الله ما عبدنا من دونه من شيء @QE@ الآية وقوله تعالى @QB@ وقالوا لو شاء ~~الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون @QE@ فقد ذمهم الله ~~تعالى حيث جعلوا الشرك كائنا منهم بمشيئة الله وكذلك ذم ابليس حيث أضاف ~~الاغواء إلى الله تعالى اذ قال @QB@ رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين @QE@ PageV01P153 قيل قد أجيب على هذا بأجوبة من أحسنها ~~أنه أنكر عليهم ذلك لانهم احتجوا بمشيئته على رضاه ومحبته وقالوا لو كره ~~ذلك وسخطه لما شاءه فجعلوا ms068 مشيئته دليل رضاه فرد الله عليهم ذلك أو أنه ~~أنكر عليهم اعتقادهم أن مشيئة الله دليل على أمره به أو أنه أنكر عليهم ~~بمعارضته شرعه وأمره الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه بقضائه وقدره فجعلوا ~~المشيئة العامة دافعة للأمر فلم يذكروا المشيئة على جهة التوحيد وانما ~~ذكروها معارضين بها لأمره دافعين بها لشرعه كفعل الزنادقة والجهال إذا ~~أمروا أو نهوا احتجوا بالقدر وقد احتج سارق على عمر رضي الله عنه بالقدر ~~فقال وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره يشهد لذلك قوله تعالى في الآية @QB@ ~~كذلك كذب الذين من قبلهم @QE@ فعلم أن مرادهم التكذيب فهو من قبل الفعل من ~~أين له أن الله لم يقدره أطلع الغيب # فان قيل فما يقولون في احتجاج آدم على موسى عليهما السلام بالقدر اذ قال ~~له أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاما وشهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن آدم حج موسى أي غلب عليه بالحجة # قيل نتلقاه بالقبول السمع والطاعة لصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولا نتلقاه بالرد والتكذيب للرواية كما فعلت القدرية ولا بالتأويلات ~~الباردة بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب وهو كان أعلم ~~بربه وذنبه بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر فإنه باطل وموسى عليه ~~السلام كان أعلم بأبيه وبذنبه من ان يلوم آدم على ذنب قد تاب منه وتاب الله ~~عليه واجتباه وهداه وانما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من ~~الجنة فاحتج آدم بالقدر على المصيبة لا على الخطيئة فان القدر يحتج به عند ~~PageV01P154 # المصائب لا عند المعائب وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث فما قدر من ~~المصائب يجب الاستسلام له فإنه من تمام الرضى بالله ربا وأما الذنوب فليس ~~للعبد أن يذنب واذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب فيتوب من المعائب ويصبر على ~~المصائب قال تعالى @QB@ فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ms069 شيئا @QE@ # وأما قول ابليس @QB@ رب بما أغويتني @QE@ انما ذم على احتجاجه بالقدر لا ~~على اعترافه بالمقدر واثباته له ألم تسمع قول نوح عليه السلام @QB@ ولا ~~ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ~~ترجعون @QE@ ولقد أحسن القائل % فما شئت كان و ان لم أشأ % % وما شئت إن لم ~~تشأ لم يكن % $ # وعن وهب بن منبه أنه قال نظرت في القدر فتحيرت ثم نظرت فيه فتحيرت ووجدت ~~أعلم الناس بالقدر اكفهم عنه وأجهل الناس بالقدر أنطقهم به # # | قوله يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا # ش هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الاصلح للعبد على الله وهي ~~مسألة الهدى والضلال قالت المعتزلة الهدى من الله بيان طريق الصواب ~~والإضلال تسمية العبد ضالا وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد ~~الضلال في نفسه وهذا مبني على أصلهم الفاسد أن أفعال العباد مخلوقة لهم ~~والدليل على ما قلناه قوله تعالى @QB@ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي ~~من يشاء @QE@ ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه لانه ~~PageV01P155 صلى الله عليه وسلم بين الطريق لمن أحب وأبغض وقوله تعالى @QB@ ~~ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها @QE@ @QB@ يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ~~@QE@ ولو كان الهدى من الله البيان وهو عام في كل نفس لما صح التقييد ~~بالمشيئة وكذلك قوله تعالى @QB@ ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين @QE@ ~~وقوله @QB@ من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم @QE@ # # | قوله وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله # ش فانهم كما قال تعالى @QB@ هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن @QE@ ~~فمن هداه الله إلى الأيمان فبفضله وله الحمد ومن أضله فبعدله وله الحمد ~~وسيأتي لهذا المعنى زيادة ايضاح ان شاء الله تعالى فان الشيخ رحمه الله لم ~~يجمع الكلام في القدر في مكان واحد بل فرقة فأتيت به على ترتيبه # # | قوله وهو متعال عن الاضداد والانداد ms070 # ش الضد المخالف والند المثل فهو سبحانه لا معارض له بل ما شاء كان وما لم ~~يشأ لم يكن ولا مثل له كما قال تعالى @QB@ ولم يكن له كفوا أحد @QE@ ويشير ~~الشيخ رحمه الله بنفي الضد والند إلى الرد على المعتزلة في زعمهم ان العبد ~~يخلق فعله # # | قوله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لامره # ش أي لا يرد قضاء الله راد ولا يعقب اي لا يؤخر حكمه مؤخر ولا يغلب أمره ~~غالب بل هو الله الواحد القهار # # | قوله أمنا بذلك كله وايقنا ان كلا من عنده # ش اما الايمان فسيأتي الكلام عليه ان شاء الله تعالى والايقان والاستقرار ~~من قر الماء في الحوض اذا استقر والتنوين في كلا PageV01P156 بدل الاضافة ~~اي كل كائن محدث من عند الله اي بقضائه وقدره وارادته ومشيئته وتكوينه ~~وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه ان شاء الله تعالى # # | قوله وان محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى # ش الاصطفاء والاجتباء والارتضاء متقارب المعنى واعلم ان كمال المخلوق في ~~تحقيق عبوديته لله تعالى وكلما ازداد العبد تحقيقا للعبودية ازداد كماله ~~وعلت درجته ومن توهم ان المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه وأن ~~الخروج عنها أكمل فهو من اجل الخلق وأضلهم قال تعالى @QB@ وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون @QE@ إلى غير ذلك من الآيات وذكر الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم باسم العبد في اشرف المقامات فقال في ذكر @QB@ ~~سبحان الذي أسرى بعبده @QE@ وقال تعالى @QB@ وأنه لما قام عبد الله يدعوه ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فأوحى إلى عبده ما أوحى @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن ~~كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا @QE@ وبذلك استحق التقديم على الناس في ~~الدنيا والآخرة ولذلك يقول المسيح عليه السلام يوم القيامة اذا طلبوا منه ~~الشفاعة بعد الانبياء عليهم السلام اذهبوا إلى محمد عبد غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى # وقوله وإن محمدا بكسر الهمزة عطفا على قوله ان الله ms071 واحد لا شريك له لان ~~الكل معمول القول أعني قوله تقول في توحيد الله PageV01P157 # والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر تقرير نبوة الانبياء بالمعجزات ~~لكن كثير منهم لا يعرف نبوة الانبياء الا بالمعجزات وقرروا ذلك بطرق مضطربة ~~والتزم كثير منهم انكار خرق العادات لغير الانبياء حتى أنكروا كرامات ~~الاولياء والسحر ونحو ذلك # ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لكن الدليل غير محصور في المعجزات فإن ~~النبوة انما يدعيها اصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين ولا يلتبس هذا بهذا الا ~~على أجهل الجاهلين بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما وتعرف بهما والتمييز بين ~~الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة فكيف بدعوة النبوة وما ~~احسن ما قال حسان رضي الله عنه % لو لم يكن فيه آيات مبينة % % كانت بديهته ~~تأتيك بالخبر % $ # وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين الا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب ~~والفجور واستحواذ الشيطان عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز فان الرسول لا بد ~~أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولا بد أن يفعل أمورا يبين بها صدقه ~~والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به كذبه من ~~وجوه كثيرة والصادق ضده بل كل شخصين ادعيا امرا أحدهما صادق والآخر كاذب لا ~~بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدة اذ الصدق مستلزم للبر والكذب ~~مستلزم للفجور كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم ~~بالصدق فان الصدق يهدي إلى البر وان البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل ~~يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عن الله صديقا واياكم والكذب فان الكذب يهدي ~~إلى الفجور PageV01P158 وان الفجور يهدي إلى لنار وما يزال الرجل يكذب ~~ويتحرى الكذب حتى يكتب عن الله كذابا ولهذا قال تعالى @QB@ هل أنبئكم على ~~من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون ~~والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون @QE@ فالكهان ms072 ونحوهم وان كانوا أحيانا يخبرون بشيء من المغيبات ~~ويكون صدقا فمعهم من الكذب والفجور ما يبين ان الذي يخبرون به ليس عن ملك ~~وليسوا بأنبياء ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد قد خبأت ~~لك خبأ فقال هو الدخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم اخسأ فلن تعدوا قدرك ~~يعني إنما أنت كاهن وقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم يأتي صادق وكاذب وقال ~~أرى عرشا على الماء وذلك هو عرش الشيطان وبين PageV01P159 ان الشعراء ~~يتبعهم الغاوون والغاوي الذي يتبع هواه وشهوته وان كان ذلك مضرا له في ~~العاقبة # فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله علم علما يقينا انه ليس ~~بشاعر ولا كاهن # والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الادلة حتى في المدعى ~~للصناعات والمقالات كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابة وعلم النحو والطب ~~والفقه وغير ذلك والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها ~~وهي أشرف العلوم واشرف الاعمال فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب ولا ريب أن ~~المحققين على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما ~~يحصل معه العلم ضروري كما يعرف الرجل رضى الرجل وحبه وبغضه وفرحه وحزنه ~~وغير ذلك مما في نفسه بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكن التعبير عنها كما قال ~~تعالى @QB@ ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم @QE@ ثم قال @QB@ ~~ولتعرفنهم في لحن القول @QE@ وقد قيل ما أسر أحد سريرة الا أظهرها الله على ~~صفحات وجهه وفلتات لسانه فاذا كان صدق المخبر وكذبه يعلم بما يقترن من ~~القرائن فكيف بدعوى المدعي أنه رسول الله كيف يخفى صدق هذا من كذبه وكيف لا ~~يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الادلة # ولهذا لما كانت خديجة رضي الله عنها تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه الصادق البار قال لها لم جاءه الوحي إني قد خشيت على نفسي PageV01P160 # فقالت كلا والله لا يخزيك الله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل ~~وتقري الضيف ms073 وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق فهو لم يخف من تعمد الكذب ~~فهو يعلم من نفسه صلى الله عليه وسلم أنه لم يكذب وإنما خاف أن يكون قد عرض ~~له عارض سوء وهو المقام الثاني فذكرت خديجة ما ينفي هذا وهو ما كان مجبولا ~~عليه من مكارم الاخلاق ومحاسن الشيم وقد علم من سنة الله أن من جبله على ~~الاخلاق المحمودة ونزهه عن الاخلاق المذمومة فانه لا يخزيه # وكذلك قال النجاشي لما استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القرآن فقرأوا ~~عليه إن هذا والذي جاء به موسى عليه السلام ليخرج من مشكاة واحدة وكذلك ~~ورقة ابن نوفل لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه وكان ورقة قد ~~تنصر وكان يكتب الانجيل بالعربية فقالت له خديجة أي عم اسمع من ابن أخيك ما ~~يقول فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى فقال هذا هو الناموس الذي ~~كان يأتي موسى # وكذلك هرقل ملك الروم فان النبي صلى الله عليه وسلم لما كتب اليه كتابا ~~يدعوه فيه إلى الاسلام طلب من كان هناك من العرب وكان أبو سفيان قد قدم في ~~طائفة من قريش في تجارة إلى الشام وسألهم عن أحوال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسأل أبا سفيان وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه فصاروا بسكوتهم موافقين ~~له في الاخبار سألهم هل كان في آبائه من ملك فقالوا لا قال هل قال هذا ~~القول أحد قبله فقالوا لا وسألهم أهو ذو نسب فيكم فقالوا PageV01P161 نعم ~~وسألهم هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فقالوا لا ما جربنا عليه ~~كذبا وسألهم هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم فذكروا أن الضعفاء اتبعوه ~~وسألهم هل يزيدون أم ينقصون فذكروا أنهم يزيدون وسألهم هل يرجع أحد منهم عن ~~دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه فقالوا لا وسألهم هل قاتلتموه قالوا نعم ~~وسألهم عن الحرب بينهم وبينه فقالوا يدال علينا مرة وندال عليه اخرى وسألهم ~~هل يغدر فذكروا أنه لا يغدر وسألهم ms074 بماذا يأمركم فقالوا يأمرنا أن نعبد ~~الله وحده ولا نشرك به شيئا وينهانا عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة ~~والصدق والعفاف والصلة وهذه أكثر من عشر مسائل ثم بين لهم ما في هذه ~~المسائل من الادلة فقال سألتكم هل كان في آبائه من ملك فقلتم لا قلت لو كان ~~في آبائه من ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه وسألتكم هل قال هذا القول فيكم أحد ~~قبله فقلتم لا فقلت لو قال هذا القول أحد قبله لقلت رجل ائتم بقول قيل قبله ~~وسألتكم هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فقلتم لا فقلت قد علمت ~~أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله تعالى وسألتكم ~~أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم فقلتم ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل يعني في ~~أول أمرهم ثم قال وسألتكم هل يزيدون أم ينقصون فقلتم بل يزيدون وكذلك ~~الايمان حتى يتم وسألتكم هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه ~~فقلتم لا وكذلك الايمان اذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد # وهذا من أعظم علامات الصدق والحق فان الكذب والباطل لابد ينكشف في آخر ~~الامر فيرجع عنه أصحابه ويمتنع عنه من لم PageV01P162 يدخل فيه والكذب لا ~~يروج الا قليلا ثم ينكشف # وسألتكم كيف الحرب بينكم وبينه فقلتم انها دول وكذلك الرسل تبتلى وتكون ~~العاقبة لها قال وسالتكم هل يغدر فقلتم لا وكذلك الرسل لا تغدر وهو لما كان ~~عنده من علمه بعادة الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم وتارة يبتليهم ~~وأنهم لا يغدرون علم أن هذه علامات الرسل وأن سنة الله في الانبياء ~~والمؤمنين أن يبتليهم بالسراء والضراء لينالوا درجة الشكر والصبر # كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده لا ~~يقضي الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له وليس ذلك لاحد إلا للمؤمن إن أصابته ~~سراء شكر فكان خيرا له وان اصابته ضراء صبر فكان خيرا له # والله تعالى قد بين ms075 في القرآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من الحكمة ~~فقال @QB@ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون @QE@ ~~إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سنته في خلقه وحكمته التي بهرت ~~العقول PageV01P163 # قال وسألتكم عما يأمر به فذكرتم أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ~~وهذه صفة نبي وقد كنت أعلم أن نبيا يبعث ولم أكن أظنه منكم ولوددت أني أخلص ~~اليه ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت اليه وإن يكن ما تقول حقا فسيملك ~~موضع قدمي هاتين وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب وهو حينئذ كافر من أشد ~~الناس بغضا وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم قال أبو سفيان بن حرب فقلت ~~لأصحابي ونحن خروج لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه ليعظمه ملك بني الأصفر وما ~~زلت موقنا بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم سيظهر حتى أدخل الله علي ~~الاسلام وأنا كاره # ومما ينبغي أن يعرف أن ما يحصل في القلب بمجموع أمور قد لا يستقل بعضها ~~به بل ما يحصل للانسان من شبع وري وشكر وفرح وغم فأمور مجتمعة لا يحصل ~~ببعضها لكن ببعضها قد يحصل بعض الامر # وكذلك العلم بخبر من الاخبار فان خبر الواحد يحصل للقلب نوع ظن ثم الآخر ~~يقويه إلى أن ينتهي إلى العلم حتى يتزايد ويقوى وكذلك الادلة على الصدق ~~والكذب ونحو ذلك # وأيضا فان الله سبحانه أبقى في العالم الآثار الدالة على ما فعله ~~بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة وما فعله بمكذبيهم من العقوبة كثبوت ~~PageV01P164 الطوفان وإغراق فرعون وجنوده ولما ذكر سبحانه قصص الانبياء ~~نبيا بعد نبي في سورة الشعراء كقصة موسى وابراهيم ونوح ومن بعده يقول في ~~آخر كل قصة إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم # وبالجملة فالعلم بأنه كان في الأرض ms076 من يقول إنه رسول الله وأن أقواما ~~اتبعوهم وأن أقواما خالفوهم وأن الله نصر الرسل والمؤمنين وجعل العاقبة لهم ~~وعاقب أعداءهم هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها ونقل أخبار هذه الامور ~~أظهر واوضح من نقل أخبار من مضى من الامم من ملوك الفرس وعلماء الطب كبقراط ~~وجالينوس وبطليموس وسقراط وافلاطون وأرسطو وأتباعه # ونحن اليوم اذا علمنا بالتواتر من أحوال الانبياء وأوليائهم وأعدائهم ~~علمنا يقينا أنهم كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة منها أنهم أخبروا ~~الامم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء العاقبة لهم ومنها ما ~~أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم إذا عرف الوجه الذي حصل عليه كغرق ~~فرعون وغرق قوم نوح وبقية أحوالهم عرف صدق الرسل ومنها أن من عرف ما جاءت ~~به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها تبين له أنهم اعلم الخلق وأنه لا يحصل ~~مثل ذلك من كذاب جاهل وأن فيما جاؤوا به من المصلحة والرحمة والهدى والخير ~~ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم ~~بر يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق # ولذكر دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات وبسطها موضع آخر ~~وقد افردها الناس بمصنفات كالبيهقي وغيره # بل إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم طعن في الرب تبارك وتعالى ~~PageV01P165 ونسبه له إلى الظلم والسفه تعالى الله عن ذلك علو كبيرا بل جحد ~~للرب بالكلية وإنكار # وبيان ذلك أنه إذا كان محمد عندهم ليس بنبي صادق بل ملك ظالم فقد تهيأ له ~~أن يفتري على الله ويتقول عليه ويستمر حتى يحلل ويحرم ويفرض الفرائض ويشرع ~~الشرائع وينسخ الملل ويضرب الرقاب ويقتل أتباع الرسل وهم أهل الحق ويسبي ~~نساءهم ويغنم اموالهم ودراريهم وديارهم ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض وينسب ~~ذلك كله إلى أمر الله له به ومحبته له والرب تعالى يشاهده وهو يفعل بأهل ~~الحق وهو مستمر في الافتراء عليه ثلاثا وعشرين سنة وهو مع ذلك كله يؤيده ~~وينصره ويعلي أمره ويمكن له ms077 من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر وأبلغ من ~~ذلك أنه يجيب دعواته ويهلك أعداءه ويرفع له ذكره هذا وهو عندهم في غاية ~~الكذب والافتراء والظلم فإنه لا أظلم ممن كذب على الله وأبطل شرائع أنبيائه ~~وبدلها وقتل أولياءه واستمرت نصرته عليهم دائما والله تعالى يقره على ذلك ~~ولا يأخذ منه باليمين ولا يقطع منه الوتين فيلزمهم أن يقولوا لا صانع ~~للعالم ولا مدبر ولو كان له مدبر قدير حكيم لأخذ على يديه ولقابله أعظم ~~مقابلة وجعله نكالا للصالحين إذ لا يليق بالملوك غير ذلك فكيف بملك الملوك ~~وأحكم الحاكمين ولا ريب أن الله تعالى قد رفع له ذكره وأظهر دعوته والشهادة ~~له بالنبوة على رؤوس الاشهاد في سائر البلاد ونحن لا ننكر أن كثيرا من ~~الكذابين قام في الوجود وظهرت له شوكة ولكن لم يتم أمره PageV01P166 ولم ~~تطل مدته بل سلط الله عليه رسله وأتباعهم وقطعوا دابره واستأصلوه هذه سنة ~~الله التي قد خلت من قبل حتى إن الكفار يعلمون ذلك قال تعالى @QB@ أم ~~يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين @QE@ ~~أفلا تراه يخبر أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض ~~الاقاويل لا بد أن يجعله عبرة لعباده كما جرت بذلك سنته في المتقولين عليه ~~وقال تعالى @QB@ أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ~~@QE@ وهنا انتهى جواب الشرط ثم أخبر خبرا جازما غير معلق أنه يمحو الباطل ~~ويحق الحق وقال تعالى @QB@ وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله ~~على بشر من شيء @QE@ فأخبر سبحانه أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره ~~حق قدره # وقد ذكروا فروقا بين النبي والرسول وأحسنها أن من نبأه الله بخبر السماء ~~إن أمره أن يبلغ غيره فهو نبي رسول وان لم يأمره أن يبلغ غيره فهو نبي وليس ~~برسول فالرسول أخص من النبي فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا ولكن الرسالة ~~أعم من جهة نفسها ms078 فالنبوة جزء من الرسالة إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها ~~بخلاف الرسل فإنهم لا يتناولون الانبياء وغيرهم بل الامر بالعكس فالرسالة ~~أعم من جهة نفسها وأخص من جهة اهلها # وإرسال الرسل من أعظم نعم الله على خلقه وخصوصا محمد صلى الله عليه وسلم ~~كما قال تعالى @QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ~~ضلال مبين @QE@ وقال PageV01P167 تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ~~@QE@ # $ قوله وانه خاتم الانبياء # ش قال تعالى @QB@ ولكن رسول الله وخاتم النبيين @QE@ وقال صلى الله عليه ~~وسلم مثلي ومثل الانبياء كمثل قصر أحسن بناؤه وترك منه موضع لبنة فطاف به ~~النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها فكنت أنا ~~سددت موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل أخرجاه في الصحيحين ~~وقال صلى الله عليه وسلم إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي يمحو ~~الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب والعاقب ~~الذي ليس بعده نبي # وفي صحيح مسلم عن ثوبات قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه سيكون ~~في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ~~الحديث ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فضلت على الانبياء بست ~~أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بن النبيون PageV01P168 $ قوله وامام ~~الاتقياء # ش صلى الله عليه وسلم الامام الذي يؤتم به أي يقتدون به والنبي صلى الله ~~عليه وسلم انما بعث للاقتداء به لقوله تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله @QE@ وكل من اتبعه واقتدى به فهو من الاتقياء # قوله وسيد المرسلين ش قال صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم يوم ~~القيامة وأول من ينشق عنه القبر واول شافع وأول مشفع رواه مسلم وفي أول ~~حديث ms079 الشفاعة أنا سيد الناس يوم القيامة وروى مسلم والترمذي عن وائلة بن ~~الاسقع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله اصطفى ~~كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم ~~واصطفاني من بني هاشم # فان قيل يشكل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم لا تفضلوني على موسى فان ~~الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بساق العرش ~~فلا أدري هل أفاق قبلي أو كان PageV01P169 ممن استثنى الله خرجاه في ~~الصحيحين فكيف يجمع بين هذا وبين قوله أنا سيد ولد آدم ولا فخر # فالجواب أن هذا كان له سبب فانه كان قد قال يهودي لا والذي اصطفى موسى ~~على البشر فلطمه مسلم وقال أتقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~أظهرنا فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذا لان التفضيل اذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان ~~مذموما بل نفس الجهاد اذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموما فان الله حرم ~~الفخر وقد قال تعالى @QB@ ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض @QE@ وقال ~~PageV01P170 تعالى @QB@ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ~~ورفع بعضهم درجات @QE@ فعلم ان المذموم انما هو التفضيل على وجه الفخر أو ~~على وجه الانتقاص بالمفضول وعلى هذا يحمل أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لا ~~تفضلوا بين الانبياء إن كان ثابتا فان هذا قد روي في نفس حديث موسى وهو في ~~البخاري وغيره لكن بعض الناس يقول ان فيه علة بخلاف حديث موسى فانه صحيح لا ~~علة فيه باتفاقهم PageV01P171 # وقد أجاب بعضهم بجواب آخر وهو أن قوله صلى الله عليه وسلم لا تفضلوني على ~~موسى وقوله لا تفضلوا بين الانبياء نهى عن التفضيل الخاص أي لا يفضل بعض ~~الرسل على بعض بعينه بخلاف قوله أنا سيد ولد آدم ولا فخر فانه تفضيل عام ~~فلا يمنع منه وهذا كما لو قيل ms080 فلان أفضل أهل البلد لا ينصب على أفرادهم ~~بخلاف ما لو قيل لاحدهم فلان أفضل منك ثم اني رأيت الطحاوي رحمه الله قد ~~أجاب بهذا الجواب في شرح معاني الآثار # وأما ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تفضلوني على يونس بن ~~متي وأن بعض الشيوخ قال لا يفسر لهم هذا الحديث حتى يعطى مالا جزيلا فلما ~~أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله وهو في بطن الحوت كقربي من الله ليلة ~~المعراج وعدوا هذا تفسيرا عظيما وهذا يدل على جهلهم بكلام الله وبكلام ~~رسوله لفظا ومعنى فإن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي ~~يعتمد عليها وإنما اللفظ الذي في الصحيح لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من ~~يونس بن متي وفي رواية من قال اني خير من يونس ابن متى فقد كذب وهذا اللفظ ~~يدل على العموم لا ينبغي لاحد أن PageV01P172 يفضل نفسه على يونس بن متي ~~ليس فيه نهي المسلمين أن يفضلوا محمدا على يونس وذلك لان الله تعالى قد ~~أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم أي فاعل ما يلام عليه وقال تعالى @QB@ ~~وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين @QE@ فقد يقع في نفس بعض الناس أنه ~~أكمل من يونس فلا يحتاج إلى هذا المقام اذ لا يفعل ما يلام عليه ومن ظن هذا ~~فقد كذب بل كل عبد من عباد الله يقول ما قال يونس @QB@ أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين @QE@ كما قال أول الانبياء وآخرهم فأولهم آدم ~~قد قال @QB@ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ~~@QE@ وآخرهم وأفضلهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح ~~حديث الاستفتاح من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره بعد قوله وجهت ~~وجهي آخره اللهم أنت الملك لا اله الا أنت ms081 أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي ~~واعترفت بذنبي فاغبر لي ذنوبي جميعا لا يغفر الذنوب الا أنت إلى آخر الحديث ~~وكذا قال موسى عليه السلام @QB@ رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو ~~الغفور الرحيم @QE@ وأيضا فيونس صلى الله عليه وسلم لما قيل فيه @QB@ فاصبر ~~لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت @QE@ فنهى نبينا صلى الله عليه وسلم عن ~~التشبه به وأمره بالتشبه بأولي العزم حيث قيل له @QB@ فاصبر كما صبر أولوا ~~العزم من الرسل @QE@ فقد يقول من يقول أنا خير من يونس للافضل أن يفخر على ~~من دونه فكيف إذا لم يكن أفضل فان الله لا يحب كل مختال فخور وفي صحيح مسلم ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أوحي الي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد ~~على أحد ولا يبغي أحد على أحد فالله PageV01P173 تعالى نهى أن يفخر على ~~عموم المؤمنين فكيف على نبي كريم فلهذا قال لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير ~~من يونس بن متي فهذا نهي عام لكل أحد أن يتفضل ويفتخر على يونس وقوله من ~~قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب فانه لو قدر أنه كان أفضل فهذا الكلام ~~يصير نقصا فيكون كاذبا وهذا لا يقوله نبي كريم بل هو تقدير مطلق أي من قال ~~هذا فهو كاذب وان كان لا يقوله نبي كما قال تعالى @QB@ لئن أشركت ليحبطن ~~عملك @QE@ وان كان صلى الله عليه وسلم معصوما من الشرك لكن الوعد والوعيد ~~لبيان مقادير الاعمال # وانما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولد آدم لأنا لا يمكننا أن نعلم ~~ذلك الا بخبره إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله كما أخبرنا هو ~~بفضائل الانبياء قبله صلى الله عليه وسلم أجمعين ولهذا اتبعه بقوله ولا فخر ~~كما جاء في رواية وهل يقول من يؤمن بالله واليوم والآخر إن مقام الذي أسري ~~به إلى ربه وهو مقرب معظم مكرم كمقام الذي ألقي في بطن الحوت وهو ms082 مليم وأين ~~المعظم المقرب من الممتحن المؤدب فهذا في غاية التقريب وهذا في غاية ~~التأديب فانظر إلى هذا الاستدلال لانه بهذا المعنى المحرف اللفظ لم يقله ~~الرسول وهل يقاوم هذا الدليل على نفي علو الله تعالى عن خلقه الادلة ~~الصحيحة الصريحة القطعية على علو الله تعالى على خلقه التي تزيد على ألف ~~دليل كما يأتي الاشارة اليها عند قول الشيخ رحمه الله محيط بكل شيء وفوقه ~~إن شاء الله تعالى # $ قوله وحبيب رب العالمين # ش ثبت له صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المحبة وهي الخلة كما صح عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إن الله اتخذني خليلا كما PageV01P174 اتخذ إبراهيم ~~خليلا وقال ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن ~~صاحبكم خليل الرحمن والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قال الخلة ~~لابراهيم والمحبة لمحمد فإبراهيم خليل الله ومحمد حبيبه وفي الصحيح أيضا ~~إني أبرأ إلى كل خليل من خلته والمحبة قد ثبتت لغيره قال تعالى @QB@ والله ~~يحب المحسنين @QE@ @QB@ فإن الله يحب المتقين @QE@ @QB@ إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين @QE@ فبطل قول من خص الخلة بإبراهيم والمحبة بمحمد ~~بل الخلة خاصة بهما والمحبة عامة وحديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه ~~الترمذي الذي فيه إن إبراهيم خليل الله ألا وأنا حبيب الله ولا فخر لم يثبت # والمحبة مراتب # أولها العلاقة وهي تعلق القلب بالمحبوب # والثانية الارادة وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له # الثالثة الصبابة وهي انصباب القلب اليه بحيث لا يملكه صاحبه كانصباب ~~الماء في الحدور # الرابعة الغرام وهي الحب اللازم للقلب ومنه الغريم لملازمته ومنه إن ~~عذابها كان غراما # الخامسة المودة والود وهي صفو المحبة وخالصها ولبها قال تعالى @QB@ سيجعل ~~لهم الرحمن ودا @QE@ # السادسة الشغف وهي وصول المحبة إلى شغاف القلب # السابعة العشق وهو الحب المفرط PageV01P175 الذي يخاف على صاحبه منه ولكن ~~لا يوصف به الرب تعالى ولا العبد في محبة ربه وان كان قد أطلقه بعضهم ~~واختلف في سبب المنع فقيل ms083 عدم التوقيف وقيل غير ذلك ولعل امتناع اطلاقه أن ~~العشق محبة مع شهوة # الثامنة التيم وهو بمعنى التعبد # التاسعة التعبد # العاشرة الخلة وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبة وقيل في ترتيبها ~~غير ذلك وهذا الترتيب تقريب حسن لا يعرف حسنة الا بالتأمل في معانيه # واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تعالى ~~وعظمته كسائر صفاته تعالى وانما يوصف الله تعالى من هذه الانواع بالارادة ~~والود والمحبة والخلة حسبما ورد النص # وقد اختلف في تحديد المحبة على أقوال نحو ثلاثين قولا ولا تحد المحبة بحد ~~أوضح منها فالحدود لا تزيدها الا خفاء وهذه الاشياء الواضحة لا تحتاج إلى ~~تحديد كالماء والهواء والتراب والجوع ونحو ذلك # $ قوله وكل دعوى النبوة بعده ففي وهوى # ش لما ثبت أنه خاتم النبيين علم أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب ولا ~~يقال فلو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة كيف يقال ~~بتكذيبه لانا نقول هذا لا يتصور أن يوجد وهو من باب فرضه المحال لان الله ~~تعالى لما أخبر أنه خاتم النبيين فمن المحال أن يأتي مدع يدعي النبوة ولا ~~يظهر أمارة كذبه في دعواه والغي ضد الرشاد والهوى عبارة عن شهوة النفس أي ~~أن تلك الدعوة بسبب هوى النفس لا عن دليل فتكون باطلة # $ قوله وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور ~~والضياء PageV01P176 # ش أما كونه مبعوثا إلى عامة الجن فقال تعالى حكاية عن قول الجن @QB@ يا ~~قومنا أجيبوا داعي الله @QE@ وكذا سورة الجن تدل على أنه أرسل اليهم أيضا ~~قال مقاتل لم يبعث الله رسولا إلى الانس والجن قبله وهذا قول بعيد فقد قال ~~تعالى @QB@ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم @QE@ الآية والرسل من ~~الانس فقط وليس من الجن رسول كذا قال مجاهد وغيره من السلف والخلق وقال ابن ~~عباس رضي الله عنهما الرسل من بني آدم ومن الجن نذر وظاهر قوله تعالى حكاية ~~عن الجن @QB@ إنا سمعنا كتابا أنزل من ms084 بعد موسى @QE@ الآية تدل على أن موسى ~~مرسل اليهم أيضا والله أعلم # وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم أنه زعم أن في الجن رسلا واحتج بهذه ~~الآية الكريمة وفي الاستدلال بها على ذلك نظر لانها محتملة وليست بصريحة ~~وهي والله أعلم كقوله @QB@ يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان @QE@ والمراد من ~~أحدهما # وأما كونه مبعوثا إلى كافة الورى فقد قال @QB@ وما أرسلناك إلا كافة ~~للناس بشيرا ونذيرا @QE@ وقد قال تعالى @QB@ قل يا أيها الناس إني رسول ~~الله إليكم جميعا @QE@ وقال تعالى @QB@ وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ~~ومن بلغ @QE@ أي وأنذر من بلغه وقال تعالى @QB@ وأرسلناك للناس رسولا وكفى ~~بالله شهيدا @QE@ وقال تعالى @QB@ أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم @QE@ الآية وقال ~~تعالى @QB@ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا @QE@ وقد ~~قال تعالى @QB@ وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد ~~اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ @QE@ PageV01P177 وقال صلى الله عليه ~~وسلم أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الانبياء قبلي قصرت بالرعب مسيرة شهر ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت ~~لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه ~~خاصة وبعثت إلى الناس عامة أخرجاه في الصحيحين وقال صلى الله عليه وسلم لا ~~يسمع بي رجل من هذه الامة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي الا دخل النار ~~رواه مسلم وكونه صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الناس كافة معلوم من دين ~~الاسلام بالضرورة # وأما قول بعض النصارى إنه رسول إلى العرب خاصة فظاهر البطلان فإنهم لما ~~صدقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به وقد قال إنه رسول الله إلى ~~الناس عامة والرسول لا يكذب فلزم تصديقه حتما فقد أرسل رسله وبعث كتبه في ~~اقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وسائر ملوك الاطراف يدعو إلى ~~الاسلام # وقوله وكافة الورى في جر ms085 كافة نظر فإنهم قالوا لم تستعمل كافة في كلام ~~العرب الا حالا واختلفوا في اعرابها في قوله تعالى @QB@ وما أرسلناك إلا ~~كافة للناس @QE@ على ثلاثة أقوال # أحدها أنها حال من الكاف في أرسلناك وهي اسم فاعل والتاء فيها للمبالغة ~~أي إلا كافا للناس عن الباطل وقيل هي مصدر كف فهي بمعنى PageV01P178 كفا أي ~~إلا أن تكف الناس كفا ووقوع المصدر حالا كثير # الثاني أنها حال من الناس واعترض بأن حال المجرور لا يتقدم عليه عند ~~الجمهور وأجيب بأنه قد جاء عن العرب كثيرا فوجب قبوله وهو اختيار ابن مالك ~~رحمه الله أي وما أرسلناك الا للناس كافة # الثالث أنها صفة لمصدر محذوف أي رسالة كافة واعتراض بما تقدم أنها لم ~~تستعمل الا حالا # وقوله بالحق والهدى وبالنور والضياء هذه اوصاف ما جاء به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الدين والشرع المؤيد بالبراهين الباهرة من القرآن وسائر ~~الادلة والضياء أكمل من النور قال تعالى @QB@ هو الذي جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا @QE@ # # | قوله وان القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا وانزله على رسوله ~~وحيا وصدقه المؤمنون على ذلك حقا وايقنوا انه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس ~~بمخلوق ككلام البربة فمن سمعه فزعم انه كلام البشر فقد كفر وقد ذمه الله ~~وعابه وأوعده بسقر حيث قال تعالى @QB@ سأصليه سقر @QE@ فلما اوعد الله بسقر ~~لمن قال @QB@ إن هذا إلا قول البشر @QE@ علمنا وايقنا انه قول خالق البشر ~~ولا يشبه قول البشر # # ش هذه قاعدة شريفة وأصل كبير من أصول الدين ضل فيه طوائف كثيرة من الناس ~~وهذا الذي حكاه الطحاوي رحمه الله هو الحق الذي دلت عليه الادلة من الكتاب ~~والسنة لمن تدبرهما وشهدت به الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات والشكوك ~~والآراء الباطلة # وقد افترق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال # أحدها أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من معاني إما من العقل الفعال ~~عند بعضهم أو من غيره وهذا قول الصابئة والمتفلسفة PageV01P179 وثانيها أنه ~~مخلوق ms086 خلقه الله منفصلا عنه وهذا قول المعتزلة # وثالثها أنه معنى واحد قائم بذات الله هو الامر والنهي والخبر والاستخبار ~~وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة وهذا قول ~~ابن كلاب ومن وافقه كالاشعري وغيره # ورابعها أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الازل وهذا قول طائفة من أهل ~~الكلام ومن أهل الحديث # وخامسها أنه حروف وأصوات لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلما وهذا ~~قول الكرامية وغيرهم # وسادسها أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وارادته القائم بذاته وهذا ~~يقوله صاحب المعتبر ويميل اليه الرازي في المطالب العالية # وسابعها أن كلامه يتضمن معنى قائما بذاته هو ما خلقه في غيره وهذا قول ~~أبي منصور الماتريدي # وثامنها أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في ~~غيره من الاصوات وهذا قول أبي المعالي ومن اتبعه # وتاسعها أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وهو يتكلم به ~~بصوت يسمع وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما وهذا المأثور ~~عن أئمة الحديث والسنة # وقول الشيخ رحمه الله وإن القرآن كلام الله إن بكسر الهمزة عطف على قوله ~~ان الله واحد لا شريك له ثم قال وإن محمدا عبده المصطفى وكسر همزة إن في ~~المواضع الثلاثة لانها معمول القول اعني قوله في أول كلامه نقول في توحيد ~~الله # وقوله كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا رد على المعتزلة وغيرهم فان ~~المعتزلة تزعم أن القرآن لم يبد منه كما تقدم حكاية قولهم قالوا ~~PageV01P180 وإضافته اليه اضافة تشريف كبيت الله وناقة الله يحرفون الكلام ~~عن مواضعه وقولهم باطل فإن المضاف إلى الله تعالى معان وأعيان فاضافة ~~الاعيان إلى الله للتشريف وهي مخلوقة له كبيت الله وناقة الله بخلاف إضافة ~~المعاني كعلم الله وقدرته وعزته وجلاله وكبريائه وكلامه وحياته وعلوه وقهره ~~فإن هذا كله من صفات لا يمكن ان يكون شيء من ذلك مخلوقا # والوصف بالتكلم من أوصاف الكمال وضده ms087 من اوصاف النقص قال تعالى @QB@ ~~واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ~~ولا يهديهم سبيلا @QE@ فكان عباد العجل مع كفرهم أعرف بالله من المعتزلة ~~فانهم لم يقولوا لموسى وربك لا يتكلم أيضا وقال تعالى عن العجل أيضا @QB@ ~~أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا @QE@ فعلم ان نفي ~~رجوع القول ونفي التكلم نقص يستدل به على عدم ألوهية العجل # وغاية شبهتهم أنهم يقولون يلزم منه التشبيه والتجسيم فيقال لهم إذا قلنا ~~إنه تعالى يتكلم كما يليق بجلاله انتفت شبهتهم ألا ترى أنه تعالى قال @QB@ ~~اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم @QE@ فنحن نؤمن أنها ~~تتكلم ولا نعلم كيف تتكلم وكذا قوله تعالى @QB@ وقالوا لجلودهم لم شهدتم ~~علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء @QE@ وكذلك تسبيح الحصا والطعام ~~وسلام الحجر كل ذلك بلا فم يخرج منه الصوت الصاعد من لديه المعتمد على ~~مقاطع الحروف # والى هذا أشار الشيخ رحمه الله بقوله منه بدا بلا كيفية قولا أي ظهر منه ~~ولا ندري كيفية تكلمه به وأكد هذا المعنى بقوله قولا أتى بالمصدر المعرف ~~للحقيقة كما أكد الله تعالى التكليم بالمصدر المثبت PageV01P181 النافي ~~للمجاز في قوله @QB@ وكلم الله موسى تكليما @QE@ فماذا بعد الحق إلا الضلال # ولقد قال بعضهم لابي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة أريد أن تقرأ كلم ~~الله موسى بنصب اسم الله ليكون موسى هو المتكلم لا الله فقال أبو عمرو هب ~~أني قرأت هذه الآية كذا فكيف تصنع بقوله تعالى @QB@ ولما جاء موسى لميقاتنا ~~وكلمه ربه @QE@ فبهت المعتزلي # وكم في الكتاب والسنة من دليل على تكليم الله تعالى لاهل الجنة وغيرهم ~~قال تعالى @QB@ سلام قولا من رب رحيم @QE@ فعن جابر رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أهل الجنة في نعيمهم اذ سطع لهم نور ~~فرفعوا أبصارهم فإذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام ~~عليكم يا ms088 أهل الجنة وهو قول الله تعالى @QB@ سلام قولا من رب رحيم @QE@ فلا ~~يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون اليه حتى يحتجب عنهم ~~وتبقى بركته ونوره رواه ابن ماجه وغيره ففي PageV01P182 هذا الحديث إثبات ~~صفة الكلام وإثبات الرؤية واثبات العلو وكيف يصح مع هذا أن يكون كلام الرب ~~كله معنى واحدا وقد قال تعالى @QB@ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ~~@QE@ فأهانهم بترك تكليمهم والمراد أنه لا يكلمهم تكليم تكريم وهو الصحيح ~~إذ قد أخبر في الآية الاخرى أنه يقول لهم في النار @QB@ اخسؤوا فيها ولا ~~تكلمون @QE@ فلو كان لا يكلم عباده المؤمنين لكانوا في ذلك هم وأعداؤه سواء ~~ولم يكن في تخصيص أعدائه بأنه لا يكلمهم فائدة أصلا وقال البخاري في صحيحه ~~باب كلام الرب تبارك وتعالى مع أهل الجنة وساق فيه عدة أحاديث فأفضل نعيم ~~أهل الجنة رؤية وجهه تبارك وتعالى وتكليمه لهم فإنكار ذلك إنكار لروح الجنة ~~وأعلى نعيمها وأفضله الذي ما طابت لاهلها إلا به # وأما استدلالهم بقوله تعالى @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ والقرآن شيء ~~فيكون داخلا في عموم كل فيكون مخلوقا فمن أعجب العجب وذلك أن أفعال العباد ~~كلها عندهم غير مخلوقة لله تعالى وانما يخلقها العباد جميعها لا يخلقها ~~الله فأخرجوها من عموم كل وأدخلوا كلام الله في عمومها مع أنه صفة من صفاته ~~به تكون الاشياء المخلوقة إذ بأمره تكون المخلوقات قال تعالى @QB@ والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر @QE@ ففرق بين الخلق ~~والامر فلو كان الامر مخلوقا للزم أن يكون مخلوقا بأمر آخر والآخر بآخر إلى ~~ما لا نهاية له فيلزم التسلسل وهو باطل وطرد باطلهم أن تكون جميع صفاته ~~تعالى مخلوقة كالعلم والقدرة وغيرهما وذلك صريح الكفر فإن علمه شيء وقدرته ~~شيء وحياته شيء فيدخل ذلك في عموم كل فيكون مخلوقا بعد أن لم يكن تعالى ~~الله عما يقولون علوا كبيرا PageV01P183 وكيف ms089 يصح أن يكون متكلما بكلام ~~يقوم بغيره ولو صح ذلك للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه ~~وكذلك أيضا ما خلقه في الحيوانات ولا يفرق حينئذ بين نطق وأنطق وإنما قالت ~~الجلود @QB@ أنطقنا الله @QE@ ولم تقل نطق الله بل يلزم ان يكون متكلما بكل ~~كلام خلقه في غيره زورا كان أو كذبا أو كفرا أو هذيانا تعالى الله عن ذلك ~~وقد طرد ذلك الاتحادية فقال ابن عربي % وكل كلام في الوجود كلامه % % سواء ~~علينا نثره ونظامه % $ # ولو صح ان يوصف أحد بصفة قامت بغيره لصح أن يقال للبصير أعمى وللاعمى ~~بصيرلأن البصير قد قام وصف العمى بغيره والاعمى قد قام وصف البصر بغيره ~~ولصح أن يوصف الله تعالى بالصفات التي خلقها في غيره من الالوان والروائح ~~والطعوم والطول والقصر ونحو ذلك # وبمثل ذلك ألزم الامام عبد العزيز المكي بشرا المريسي بين يدي المأمون ~~بعد أن تكلم معه ملتزما أن لا يخرج عن نص التنزيل وألزمه الحجة فقال بشر يا ~~أمير المؤمنين ليدع مطالبتي بنص التنزيل ويناظرني بغيره فان لم يدع قوله ~~ويرجع عنه ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال قال عبد العزيز تسألني ~~أم أسألك فقال بشر اسأل أنت وطمع في فقلت له يلزمك واحدة من ثلاث لا بد ~~منها إما أن تقول ان الله خلق القرآن وهو عندي انا كلامه في PageV01P184 ~~نفسه أو خلقه قائما بذاته ونفسه أو خلقه في غيره قال أقول خلقه كما خلق ~~الاشياء كلها وحاد عن الجواب فقال المأمون اشرح أنت هذه المسألة ودع بشرا ~~فقد انقطع فقال عبد العزيز أن قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال لان الله لا ~~يكون محلا للحوادث المخلوقة ولا يكون فيه شيء مخلوق وان قال خلقه في غيره ~~فيلزم في النظر والقياس أن كل كلام خلقه الله في غيره فهو كلام فهو محال ~~أيضا لانه يلزم قائله أن يجعل كل كلام خلقه الله في غيره هو كلام الله وان ~~قال خلقه قائما بنفسه وذاته ms090 فهذا محال لا يكون الكلام الا من متكلم كما لا ~~تكون الارادة الا من مريد ولا العلم الا من عالم ولا يعقل كلام قائم بنفسه ~~يتكلم بذاته فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقا علم أنه صفة لله هذا ~~مختصر من كلام الامام عبد العزيز في الحيدة # وعموم كل في كل موضع بحسبه ويعرف ذلك بالقرائن ألا ترى إلى قوله تعالى ~~@QB@ تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم @QE@ ومساكنهم شيء ~~ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح وذلك لان المراد تدمر كل شيء يقبل ~~التدمير بالريح عادة وما يستحق التدمير وكذا قوله تعالى حكاية عن بلقيس ~~@QB@ وأوتيت من كل شيء @QE@ المراد من كل شيء يحتاج اليه الملوك وهذا القيد ~~يفهم من قرائن الكلام اذ مراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك غير ~~محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها ولهذا نظائر كثيرة # والمراد من قوله تعالى @QB@ خالق كل شيء @QE@ أي كل شيء مخلوق وكل موجود ~~سوى الله فهو مخلوق فدخل في هذا العموم PageV01P185 أفعال العباد حتما ولم ~~يدخل في العموم الخالق تعالى وصفاته ليست غيره لانه سبحانه وتعالى هو ~~الموصوف بصفات الكمال وصفاته ملازمة لذاته المقدسة لا يتصور انفصال صفاته ~~عنه كما تقدم الاشارة إلى هذا المعنى عند قوله ما زال قديما بصفاته قبل ~~خلقه بل نفس ما استدلوا به يدل عليهم فاذا كان قوله تعالى @QB@ الله خالق ~~كل شيء @QE@ مخلوقا لا يصح أن يكون دليل # وأما استدلالهم بقوله تعالى @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ فما أفسده ~~من استدلال فان جعل إذا كان بمعنى خلق يتعدى مفعول واحد كقوله تعالى @QB@ ~~وجعل الظلمات والنور @QE@ وقوله تعالى @QB@ وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا ~~يؤمنون @QE@ @QB@ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا ~~سبلا لعلهم يهتدون @QE@ @QB@ وجعلنا السماء سقفا محفوظا @QE@ واذا تعدى إلى ~~مفعولين لم يكن بمعنى خلق قال تعالى @QB@ ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ~~وقد جعلتم الله عليكم كفيلا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تجعلوا الله ms091 عرضة ~~لأيمانكم @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين جعلوا القرآن عضين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تجعل مع الله ~~إلها آخر @QE@ وقال تعالى @QB@ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ~~@QE@ ونظائره كثيرة فكذا قوله تعالى @QB@ إنا جعلناه قرآنا عربيا @QE@ # وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى @QB@ نودي من شاطئ الوادي الأيمن في ~~البقعة المباركة من الشجرة @QE@ على ان الكلام خلقه الله تعالى في الشجرة ~~فسمعه موسى منها وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها فإن الله تعالى قال ~~@QB@ فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن @QE@ PageV01P186 والنداء هو ~~الكلام من بعد فسمع موسى عليه السلام النداء من حافة الوادي ثم قال @QB@ في ~~البقعة المباركة من الشجرة @QE@ أي أن النداء كان في البقعة المباركة من ~~عند الشجرة كما يقول سمعت كلام زيد من البيت يكون من البيت لابتداء الغاية ~~لا أن البيت هو المتكلم ولو كان الكلام مخلوقا في الشجرة لكانت الشجرة هي ~~القائلة @QB@ يا موسى إني أنا الله رب العالمين @QE@ وهل قال @QB@ إني أنا ~~الله رب العالمين @QE@ غير رب العالمين ولو كان هذا الكلام بدا من غير الله ~~لكان قول فرعون @QB@ أنا ربكم الأعلى @QE@ صدقا إذ كل من الكلامين عندهم ~~مخلوق قد قاله غير الله وقد فرقوا بين الكلامين على اصولهم الفاسدة أن ذاك ~~كلام خلقه الله في الشجرة وهذا كلام خلقه فرعون فحرفوا وبدلوا واعتقدوا ~~خالقا غير الله وسيأتي الكلام على مسألة أفعال العباد إن شاء الله تعالى # فإن قيل فقد قال تعالى @QB@ إنه لقول رسول كريم @QE@ وهذا يدل على أن ~~الرسول أحدثه إما جبرائيل أو محمد # قيل ذكر الرسول معرف أنه مبلغ عن مرسله لانه لم يقل إنه قول ملك أو نبي ~~فعلم أنه بلغه عمن أرسله به لا أنه أنشأ من جهة نفسه وايضا فالرسول في إحدى ~~الآيتين جبرائيل وفي الاخرى محمد فإضافته إلى كل منهما تبين أن الاضافة ~~للتبليغ اذ لو أحدثه أحدهما امتنع أن يحدثه وأيضا فقوله رسول أمين دليل على ~~أنه لا PageV01P187 يزيد في ms092 اكلام الذي أرسل بتبليغه ولا ينقص منه بل هو ~~أمين على ما أرسل به يبلغه عن مرسله وأيضا فإن الله قد كفر من جعله قول ~~البشر ومحمد صلى الله عليه وسلم بشر فمن جعله قول محمد بمعنى أنه أنشأه فقد ~~كفر ولا فرق بين أن يقول إنه قول بشر أو جني أو ملك والكلام كلام من قاله ~~مبتدئا لا من قاله مبلغا ومن سمع قائلا يقول % قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ~~% $ # قال هذا شعر امرىء القيس ومن سمعه يقول إنما الاعمال بالنيات وانما لكل ~~امرىء ما نوى قال هذا كلام الرسول وان سمعه يقول @QB@ الحمد لله رب ~~العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ قال ~~هذا كلام الله ان كان عنده خبر ذلك والا قال لا أدري كلام من هذا ولو أنكر ~~عليه أحد ذلك لكذب ولهذا من سمع من غيره نظما أو نثرا يقول له هذا كلام من ~~هذا كلامك أو كلام غيرك # وبالجملة فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الاربعة وغيرهم من السلف والخلف ~~متفقون على أن كلام الله غير مخلوق ولكن بعد ذلك تنازك المتأخرون في أن ~~كلام الله هل هو معنى واحد قائم بالذات أو أنه حروف وأصوات تكلم الله بها ~~بعد أن لم يكن متكلما أو أنه لم يزل متكلما اذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وأن ~~نوع الكلام قديم وقد يطلق بعض المعتزلة على القرآن أنه غير مخلوق ومرادهم ~~أنه غير مختلق مفترى مكذوب بل هو حق وصدق ولا ريب أن هذا المعنى منتف ~~باتفاق المسلمين # والنزاع بين أهل القبلة انما هو في كونه مخلوقا خلقه الله أو هو ~~PageV01P188 # كلامه الذي تكلم به وقام بذاته وأهل السنة انما سئلوا عن هذا والا فكونه ~~مكذوبا مفترى مما لا ينازع مسلم في بطلانه ولا شك أن مشايخ المعتزلة وغيرهم ~~من اهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا ~~عن كتاب ولا سنة ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم ms093 باحسان وانما يزعمون أن ~~عقلهم دلهم عليه وانما يزعمون انهم تلقوا من الائمة الشرائع # ولو ترك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة لم يكن بينهم نزال ~~ولكن ألقى الشيطان إلى بعض الناس أغلوطة من أغاليطه فرق بها بينهم @QB@ وإن ~~الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ والذي يدل عليه كلام الطحاوي ~~رحمه الله أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء كيف شاء وأن نوع كلامه قديم ~~وكذلك ظاهر كلام الامام أبي حنيفة رضي الله عنه في الفقه الاكبر فإنه قال ~~والقرآن في المصاحف مكتوب وفي القلوب محفوظ وعلى الالسن مقروء وعلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم منزل ولفظنا بالقرآن مخلوق والقرآن غير مخلوق وما ذكر ~~الله في القرآن عن موسى عليه السلام وغيره وعن فرعون وابليس فان ذلك كلام ~~الله إخبارا عنهم وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق والقرآن كلام الله ~~لا كلامهم وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى فلما كلم موسى كلمه ~~بكلامه الذي هو من صفاته لم يزل وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين يعلم لا ~~كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا ويتكلم لا ككلامنا انتهى فقوله ~~ولما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته يعلم منه أنه حين جاء كلمه لا ~~أنه لم يزل ولا يزال أزلا وأبدا يقول يا موسى PageV01P189 كما يفهم ذلك من ~~قوله تعالى @QB@ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه @QE@ ففهم منه الرد على ~~من يقول من أصحابه أنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتصور أن يسمع وإنما يخلق ~~الله الصوت في الهواء كما قال أبو منصور الماتريدي وغيره وقوله الذي هو من ~~صفاته لم يزل رد على من يقول إنه حدث له وصف الكلام بعد أن لم يكن متكلما # وبالجملة فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل على أنه كلام متعلق بمشيئته ~~وقدرته وأنه يتكلم اذا شاء وأنه يتكلم شيئا بعد شيء فهو حق يجب قبوله وما ~~يقوله من يقول إن كلام الله قائم بذاته وأنه صفة له والصفة لا تقوم ms094 الا ~~بالموصوف فهو حق يجب قبوله والقول به فيجب الأخذ بما في قول كل من ~~الطائفتين من الصواب والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما # فإذا قالوا لنا فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به قلنا هذا القول مجمل ~~ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى به تعالى من الائمة ونصوص القرآن ~~والسنة تتضمن ذلك ونصوص الأئمة أيضا مع صريح العقل # ولا شك أن الرسل الذين خاطبوا الناس وأخبروهم أن الله قال ونادى وناجى ~~ويقول لم يفهموهم أن هذه مخلوقات منفصلة عنه بل الذي أفهموهم إياه أن الله ~~نفسه هو الذي تكلم والكلام قائم به لا بغيره وأنه هو الذي تكلم به وقاله ~~كما قالت عائشة رضي الله عنها في حديث الافك ولشأني في نفسي كان احقر من أن ~~يتكلم الله في بوحي يتلى ولو كان المراد من ذلك كله خلاف مفهومه لوجب بيانه ~~إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ولا يعرف في لغة PageV01P190 ولا ~~عقل قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام وإن زعموا أنهم فروا من ذلك حذرا ~~من التشبيه فلا يثبتوا صفة غيره فإنهم اذا قالوا يعلم لا كعلمنا قلنا ~~ويتكلم لا كتكلمنا وكذلك سائر الصفات وهل يعقل قادر لا تقوم به القدرة أو ~~حي لا تقوم به الحياة وقد قال صلى الله عليه وسلم أعوذ بكلمات الله التامات ~~التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر فهل يقول عاقل إنه صلى الله عليه وسلم عاذ ~~بمخلوق بل هذا كقوله أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وكقوله ~~أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر وكقوله وأعوذ بعظمتك أن نغتال ~~من تحتنا كل هذه من صفات الله تعالى # وهذه المعاني مبسوطة في مواضعها وإنما أشير إليها هنا اشارة وكثير من ~~متأخري الحنفية على انه معنى واحد والتعدد والتكثر والتجزؤ والتبعض حاصل في ~~الدلالات لا في المدلول وهذه العبارات مخلوقة وسميت كلام الله لدلالتها ~~عليه وتأديه بها فإن عبر بالعربية فهو قرآن وإن ms095 عبر بالعبرانية فهو توراة ~~فاختلفت العبارات لا الكلام قالوا وتسمى هذه العبارات كلام الله مجازا # وهذا الكلام فاسد فإن لازمه أن معنى قوله @QB@ ولا تقربوا الزنى @QE@ هو ~~معنى قوله @QB@ وأقيموا الصلاة @QE@ ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين ~~ومعنى سورة الاخلاص هو معنى PageV01P191 @QB@ تبت يدا أبي لهب @QE@ وكلما ~~تأمل الانسان هذا القول تبين له فساده وعلم أنه مخالف كلام السلف والحق أن ~~التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة وكلام الله تعالى لا ~~يتناهى فإنه لم يزل يتكلم بما شاء اذا شاء كيف شاء ولا يزال كذلك قال تعالى ~~@QB@ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ~~ولو جئنا بمثله مددا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ~~والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم @QE@ ~~ولو كان ما في المصحف عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله لما حرم على ~~الجنب والمحدث مسه ولو كان ما يقرأه القارىء ليس كلام الله لما حرم على ~~الجنب والمحدث قراءته بل كلام الله محفوظ في الصدور مقورء بالالسن مكتوب في ~~المصاحف كما قال أبو حنيفة في الفقه الاكبر وهو في هذه المواضع كلها حقيقة ~~واذا قيل فيه خط فلان وكتابته # فهم منه معنى صحيح حقيقي واذا قيل فيه مداد قد كتب به فهم منه معنى صحيح ~~حقيقي وإذا قيل المداد في المصحف كانت الظرفية فيه غير الظرفية المفهومة من ~~قول القائل فيه السموات والأرض وفيه محمد وعيسى ونحو ذلك وهذان المعنيان ~~مغايران لمعنى قول القائل فيه كلام الله ومن لم يتنبه للفروق بين هذه ~~المعاني ضل ولم يهتد للصواب وكذلك الفرق بين القراءة التي هي فعل القارىء ~~والمقروء الذي هو قول الباريء من لم يهتد له فهو ضال ايضا ولو أن انسان وجد ~~في ورقة مكتوبا ألا كل شيء ما خلا الله باطل من خط كاتب معروف لقال هذا من ~~كلام لبيد حقيقة وهذا خط فلان ms096 حقيقة وهذا كل شيء حقيقة وهذا خبر حقيقة ولا ~~تشتبه هذه الحقيقة بالاخرى PageV01P192 # والقرآن في الاصل مصدر فتارة يذكر ويراد به القراءة قال تعالى @QB@ وقرآن ~~الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن ~~بأصواتكم وتارة يذكر ويراد به المقروء قال تعالى @QB@ فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم إن هذا ~~القرآن أنزل على سبعة أحرف إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على كل ~~من المعنيين المذكورين فالحقائق لها وجود عيني وذهني ولفظي ورسمي ولكن ~~الاعيان تعلم ثم تذكر ثم تكتب فكتابتها في المصحف هي المرتبة الرابعة وأما ~~الكلام فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة بل هو الذي يكتب بلا واسطة ولا ~~لسان # والفرق بين كونه في زبر الاولين وبين كونه في رق منشور أو لوح محفوظ أو ~~في كتاب مكنون واضح فقوله عن القرآن @QB@ وإنه لفي زبر الأولين @QE@ اي ~~ذكره ووصفه والاخبار عنه كما أن محمدا مكتوب عندهم إذ القرآن أنزله الله ~~على محمد لم ينزله على غيره أصلا ولهذا قال في الزبر ولم يقل في الصحف ولا ~~في الرق لأن الزبر جمع زبور والزبر هو الكتابة والجمع فقوله @QB@ وإنه لفي ~~زبر الأولين @QE@ أي مزبور الاولين ففي نفس اللفظ واشتقاقه ما يبين المعنى ~~المراد ويبين كمال بيان القرآن وخلوصه من اللبس وهذا مثل قوله @QB@ الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم @QE@ اي ذكره بخلاف قوله @QB@ في رق @QE@ PageV01P193 ~~منشور @QB@ لوح محفوظ @QE@ @QB@ وكتاب مبين @QE@ لأن العامل في الظرف إما ~~أن يكون من الافعال العامة مثل الكون والاستقرار والحصول ونحو ذلك أو يقدر ~~مكتوب في كتاب أو في رق والكتاب تارة يذكر ويراد به محل الكتابة وتارة يذكر ~~ويراد به الكلام المكتوب ويجب التفريق بين كتابة الكلام في الكتاب وكتابة ~~الاعيان الموجودة في الخارج فيه فإن تلك إنما يكتب ذكرها وكلما تدبر ~~الانسان هذا المعنى وضح له الفرق # وحقيقة كلام الله تعالى الخارجية هو ms097 ما يسمع منه أو من المبلغ عنه فإذا ~~سمعه السامع علمه وحفظه فكلام الله مسموع له معلوم محفوظ فاذا قاله السامع ~~فهو مقروء له متلو فإن كتبه فهو مكتوب له مرسوم وهو حقيقة في هذه الوجوه ~~كلها لا يصح نفيه والمجاز يصح نفيه فلا يجوز أن يقال ليس في المصحف كلام ~~الله ولا ما قرأ القارىء كلام الله وقد قال تعالى @QB@ وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله @QE@ وهو لا يسمع كلام الله من الله ~~وإنما يسمعه من مبلغه عن الله والاية تدل على فساد قول من قال إن المسموع ~~عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله فإنه تعالى قال @QB@ حتى يسمع كلام ~~الله @QE@ ولم يقل حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله والاصل الحقيقة ومن ~~قال إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام الله أو حكاية كلام الله وليس ~~فيها كلام الله فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة وكفى بذلك ضلالا # وكلام الطحاوي رحمه الله يرد قول من قال إنه معنى واحد لا يتصور سماعه ~~منه وأن المسموع المنزل المقروء والمكتوب ليس كلام الله وإنما هو عبارة عنه ~~فإن الطحاوي رحمه الله يقول كلام الله منه بدا وكذلك قال غيره من السلف ~~ويقولون منه بدا وإليه يعود وإنما PageV01P194 قالوا منه بدا لان الجهمية ~~من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون إنه خلق الكلام في محل فبدأ الكلام من ذلك ~~المحل فقال السلف منه بدا أي هو المتكلم به فمنه بدا لا من بعض المخلوقات ~~كما قال تعالى @QB@ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم @QE@ @QB@ ولكن حق ~~القول مني @QE@ @QB@ قل نزله روح القدس من ربك بالحق @QE@ ومعنى قولهم ~~وإليه يعود يرفع من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الصدور منه آية ولا في ~~المصاحف كما جاء ذلك في عدة آثار # وقوله بلا كيفية أي لا تعرف كيفية تكلمه به قولا ليس بالمجاز وأنزله على ~~رسوله وحيا اي أنزله اليه على لسان الملك فسمعه الملك جبرائيل من الله ~~وسمعه الرسول ms098 محمد صلى الله عليه وسلم من الملك وقرأ على الناس قال تعالى ~~@QB@ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي ~~مبين @QE@ وفي ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى # وقد أورد على ذلك أن إنزال القرآن نظير إنزال المطر أو انزاله الحديد ~~وانزال ثمانية أزواج من الأنعام # والجواب أن انزال القرآن فيه مذكور أنه أنزال من الله قال تعالى @QB@ حم ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم @QE@ وقال تعالى @QB@ تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز الحكيم @QE@ وقال تعالى @QB@ تنزيل من الرحمن الرحيم @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ تنزيل من حكيم حميد @QE@ وقال تعالى @QB@ إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم ~~صادقين @QE@ PageV01P195 وقال تعالى @QB@ والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه ~~منزل من ربك بالحق @QE@ وقال تعالى @QB@ قل نزله روح القدس من ربك بالحق ~~@QE@ وإنزال المطر مقيد بأنه منزل من السماء قال تعالى @QB@ وأنزلنا من ~~السماء ماء طهورا @QE@ والسماء العلو وقد جاء في مكان آخر أنه منزل من ~~المزن والمزن السحاب وفي مكان آخر أنه منزل من المعصرات وإنزال الحديد ~~والانعام مطلق فكيف يشبه هذا الانزال بهذا الانزال فالحديد إنما يكون من ~~المعادن التي في الجبال وهي عالية على الأرض وقد قيل انه كلما كان معدنه ~~أعلى كان حديده أجود والانعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء ~~من اصلابها إلى أرحام الإناث ولهذا يقال أنزل ولم يقل نزل ثم الأجنة تنزل ~~من بطون الامهات إلى وجه الأرض ومن المعلوم أن الانعام تعلو فحولها إناثها ~~عند الوطء وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الانثى وتلقي ولدها عند الولادة ~~من علو إلى سفل وعلى هذا فيحتمل قوله @QB@ وأنزل لكم من الأنعام @QE@ وجهين ~~أحدهما أن تكون من لبيان الجنس الثاني أن تكون من لابتداء الغاية وهذان ~~الوجهان يحتملان في قوله @QB@ جعل لكم ms099 من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا ~~@QE@ # وقوله وصدقه المؤمنون على ذلك حقا الاشارة إلى ما ذكره من التكلم على ~~الوجه المذكور وإنزاله اي هذا قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان وهم السلف ~~الصالح وأن هذا حق وصدق # وقوله وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية رد ~~على المعتزلة بهذا القول ظاهر وفي قوله بالحقيقة رد على من قال إنه معنى ~~واحد واحد قام بذات الله لم يسمع منه وانما هو PageV01P196 # الكلام النفساني لأنه لا يقال لمن قام به الكلام النفساني ولم يتكلم به ~~أن هذا كلام حقيقة وإلا للزم ان يكون الاخرس متكلما ولزم أن لا يكون الذي ~~في المصحف عند الإطلاق هو القرآن ولا كلام الله ولكن عبارة عنه ليست هي ~~كلام الله كما لو اشار أخرس إلى شخص بإشارة فهم بها مقصوده فكتب ذلك الشخص ~~عبارته عن المعنى الذي أوحاه إليه ذلك الاخرس فالمكتوب هو عبارة ذلك الشخص ~~عن ذلك المعنى وهذا المثل مطابق غاية المطابقة لما يقولونه وإن كان الله ~~تعالى لا يسمسه أحد أخرس لكن عندهم أن الملك فهم منه معنى قائما بنفسه لم ~~يسمع منه حرفا ولا صوتا بل فهم معنى مجردا ثم عبر عنه فهو الذي أحدث نظم ~~القرآن وتأليفه العربي وأن الله خلق في بعض الاجسام كالهوى الذي هو دون ~~الملك هذه العبارة # ويقال لمن قال إنه معنى واحد هل سمع موسى عليه السلام جميع المعنى أو ~~بعضه فإن قال سمعه كله فقد زعم انه سمع جميع كلام الله وفساد هذا ظاهر وإن ~~قال بعضه فقد قال يتبعض وكذلك كل من كلمه الله أو أنزل إليه شيئا من كلامه # ولما قال تعالى للملائكة @QB@ إني جاعل في الأرض خليفة @QE@ ولما قال لهم ~~@QB@ اسجدوا لآدم @QE@ وأمثال ذلك هل هذا جميع كلامه أو بعضه فإن قال إنه ~~جميعه فهذا مكابرة وإن قال بعضه فقد اعترف بتعدده # وللناس في مسمى الكلام والقول عند الاطلاق أربعة أقوال أحدها أنه يتناول ~~اللفظ والمعنى جميعا كما يتناول لفظ ms100 الانسان الروح والبدن معا وهذا قول ~~السلف الثاني اسم اللفظ فقط والمعنى ليس جزء مسماه بل هو مدلول مسماه وهذا ~~قول جماعة من المعتزلة وغيرهم الثالث أنه اسم للمعنى فقط وإطلاقه على ~~PageV01P197 # اللفظ مجاز لأنه دال عليه وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه الرابع أنه مشترك ~~بين اللفظ والمعنى وهذا قول بعض المتأخرين من الكلابية ولهم قول خامس يروى ~~عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين لأن حروف ~~الآدميين تقوم بهم فلا يكون الكلام قائما بغير المتكلم بخلاف كلام الله ~~فإنه لا يقوم عنده بالله فيمتنع أن يكون كلامه وهذا مبسوط في موضعه وأما من ~~قال إنه معنى واحد واستدل عليه بقول الاخطل % إن كلام لفي الفؤاد وإنما % % ~~جعل اللسان على الفؤاد دليلا % $ # فاستدلال فاسد ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين لقالوا هذا خبر واحد ~~ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به فكيف وهذا ~~البيت قد قيل إنه موضوع منسوب إلى الأخطل وليس هو في ديوانه وقيل إنما قال ~~إن البيان لفي الفؤاد وهذا أقرب إلى الصحة وعلى تقدير صحته عنه فلا يجوز ~~الاستدلال به فإن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام وزعموا أن عيسى عليه ~~السلام نفس كلمة الله واتحد اللاهوت بالناسوت اي شيء من الإله بشيء من ~~الناس أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام ويترك ما ~~يعلم من معنى الكلام في لغة العرب وأيضا فمعناه غير صحيح إذ لازمه أن ~~الاخرس يسمى متكلما لقيام الكلام بقلبه وإن لم ينطق به ولم يسمع منه ~~والكلام على ذلك مبسوط في موضعه وإنما أشير إليه إشارة # وهنا معنى عجيب وهو أن هذا القول له شبه قوي بقول النصارى القائلين ~~باللاهوت والناسوت فإنهم يقولون كلام الله هو المعنى القائم بذات الله الذي ~~لا يمكن سماعه وأما النظم المسموع PageV01P198 # فمخلوق فإفهام المعنى القديم بالنظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت ~~بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى عليه السلام فانظر إلى هذا الشبه ms101 ما ~~أعجبه # ويرد قول من قال بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس قوله صلى الله عليه ~~وسلم إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس وقال إن الله يحدث من ~~امره ما يشاء وإنما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة واتفق العلماء على أن ~~المصلي إذا تكلم في الصلاة عامدا لغير مصلحتها بطلت صلاته واتفقوا كلهم على ~~أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة وإنما يبطلها ~~التكلم بذلك فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام # وأيضا ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تجاوز ~~لامتي عما حدثت به انفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به فقد أخبر أن الله عفا ~~عن حديث النفس الا أن تتكلم ففرق بين حديث النفس وبين الكلام واخبر أنه لا ~~يؤاخذ به حتى يتكلم به والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء فعلم أن ~~هذا هو الكلام في اللغة لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب # وأيضا ففي السنن أن معاذا رضي الله عنه قال يا رسول الله وإنا لمؤاخذون ~~بما نتكلم به فقال وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ~~فبين أن الكلام إنما هو باللسان فلفظ PageV01P199 # القول والكلام وما تصرف منهما من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل إنما ~~يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظا ومعنى ولم يكن في ~~مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وإنما حصل النزال بين ~~المتأخرين من علماء اهل البدع ثم انتشر # ولا ريب أن مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول ~~شاعر فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة وعرفوا معناه كما ~~عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ونحو ذلك # ولا شك أن من قال إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى وأن المتلو ~~المحفوظ المكتوب المسموع من القارىء حكاية كلام الله وهو مخلوق فقد قال ~~بخلق القرآن وهو ms102 لا يشعر فإن الله يقول @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله @QE@ أفتراه سبحانه وتعالى يشير ~~إلى ما في نفسه أو إلى المتلو المسموع ولا شك ان الإشارة إنما هي إلى هذا ~~المتلو المسموع اذ ما في ذات الله غير مشار إليه ولا منزل ولا متلو ولا ~~مسموع # وقوله @QB@ لا يأتون بمثله @QE@ افتراه سبحانه يقول لا يأتون بمثل ما في ~~نفسي مما لم يسمعوه ولم يعرفوه وما في نفس الله عز وجل لا حيلة إلى الوصول ~~إليه ولا إلى الوقوف عليه # فإن قالوا انما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته وهو المتلو المكتوب ~~المسموع فأما أن يشير إلى ذاته فلا فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق بل هم ~~في ذلك أكفر من المعتزلة فإن حكاية الشيء بمثله وشبهه وهذا تصريح بأن صفات ~~الله محكية ولو كانت هذه التلاوة حكاية لكان الناس قد اتوا بمثل كلام الله ~~فأين عجزهم PageV01P200 ويكون التالي في زعمهم قد حكى بصوت وحرف ما ليس ~~بصوت وحرف وليس القرآن إلا سورا مسورة وآيات مسطرة في صحف مطهرة قال تعالى ~~@QB@ فأتوا بعشر سور مثله مفتريات @QE@ @QB@ بل هو آيات بينات في صدور ~~الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون @QE@ @QB@ في صحف مكرمة ~~مرفوعة مطهرة @QE@ ويكتب لمن قرأ بكل حرف عشر حسنات قال صلى الله عليه وسلم ~~أما إني لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف وهو المحفوظ في ~~صدور الحافظين المسموع من السن التالين قال الشيخ حافظ الدين النسفي رحمه ~~الله في المنار إن القرآن اسم للنظم والمعنى وكذا قال غيره من أهل الاصول ~~وما ينسب إلى أبي حنيفة رحمه الله أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزأه فقد ~~رجع عنه وقال لا يجوز القراءة مع القدرة بغير العربية وقالوا لو قرأ بغير ~~العربية إما أن يكون مجنونا فيداوى أو زنديقا فيقتل لأن الله تكلم به بهذه ~~اللغة والإعجاز حصل بنظمه ومعناه # وقوله ومن سمعه وقال ms103 إنه كلام البشر فقد كفر لا شك في تكفير من أنكر ان ~~القرآن كلام الله بل قال إنه كلام محمد أو غيره من الخلق ملكا كان أو بشرا ~~وأما إذا أقر أنه كلام الله ثم أول وحرف فقد وافق قول من قال إن هذا إلا ~~قول البشر في بعض ما به كفر وأولئك الذين استزلهم الشيطان وسيأتي الكلام ~~عليه عند قول الشيخ ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله إن شاء ~~الله تعالى PageV01P201 # وقوله ولا يشبه قول البشر يعني أنه اشرف وأفصح وأصدق قال تعالى @QB@ ومن ~~أصدق من الله حديثا @QE@ وقال تعالى @QB@ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل فأتوا بسورة ~~مثله @QE@ فلما عجزوا وهم فصحاء العرب مع شدة العداوة عن الإتيان بسورة ~~مثله تبين صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أنه من عند الله وإعجازه من جهة ~~نظمه ومعناه لا من جهة أحدهما فقط هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج بلسان ~~عربي مبين اي بلغة العربية فنفي المشابهة من حيث التكلم ومن حيث التكلم به ~~ومن حيث النظم والمعنى لا من حيث الكلمات والحروف والى هذا وقعت الاشارة ~~بالحروف المقطعة في أوائل السور أي انه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي ~~يخاطبون بها الا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن كما في قوله ~~تعالى @QB@ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه @QE@ @QB@ الم الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق @QE@ @QB@ المص كتاب أنزل إليك @QE@ ~~@QB@ الر تلك آيات الكتاب الحكيم @QE@ وكذلك الباقي ينبههم أن هذا الرسول ~~الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه بل خاطبكم بلسانكم # ولكن أهل المقالات الفاسدة يتذرعون بمثل هذا إلى نفي تكلم الله به وسماع ~~جبرائيل منه كما يتذرعون بقوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ إلى نفي ~~الصفات وفي الآية ما يرد عليهم قولهم وهو قوله تعالى @QB@ وهو السميع ~~البصير @QE@ كما في قوله تعالى @QB@ فأتوا بسورة مثله @QE@ ما يرد على ms104 من ~~ينفي الحرف فإنه قال @QB@ فأتوا بسورة @QE@ ولم يقل فأتوا بحرف أو بكلمة ~~وأقصر سورة في القرآن ثلاث آيات ولهذا قال أبو يوسف ومحمد إن أدنى ~~PageV01P202 # ما يجزىء في الصلاة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة لأنه لا يقع الإعجاز ~~بدون ذلك والله أعلم # # | قوله ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر من ابصر هذا اعتبر وعن ~~مثل قول الكفار انزجر علم انه بصفاته ليس كالبشر # ش لما ذكر فيما تقدم ان القرآن كلام الله حقيقة منه بدا نبه بعد ذلك على ~~أنه تعالى بصفاته ليس كالبشر نفيا للتشبيه عقيب الإثبات يعني أن الله تعالى ~~وإن وصف بأنه متكلم لكن لا يوصف بمعنى من معاني البشر التي يكون الانسان ~~بها متكلما فإن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وما أحسن المثل ~~المضروب للمثبت للصفات من غير تشبيه ولا تعطيل باللبن الخالص السائغ ~~للشاربين يخرج من بين فرث التعطيل ودم التشبيه والمعطل يعبد عدما والمشبه ~~يعبد صنما وسيأتي في كلام الشيخ ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب ~~التنزيه وكذا قوله وهو بين التشبيه والتعطيل اي دين الاسلام ولا شك أن ~~التعطيل شر من التشبيه بما سأذكره إن شاء الله تعالى وليس ما وصف الله به ~~نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيها بل صفات الخالق كما يليق به وصفات ~~المخلوق كما يليق به # وقوله فمن أبصر هذا اعتبر أي من نظر بعين بصيرته فيما قاله من إثبات ~~الوصف ونفي التشبيه ووعيد المشبه اعتبر وانزجر عن مثل قول الكفار # # | قوله والرؤية حق لاهل الجنة بغير احاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا ~~@QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة @QE@ وتفسيره على ما أراد الله تعالى ~~وعلمه وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فهو كما قال ومعناه على # PageV01P203 $ ما أراد لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين ~~باهوائنا فانه ما سلم في دينه الا من سلم لله عز ms105 وجل ولرسوله صلى الله عليه ~~وسلم ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه # ش المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية ~~وقولهم باطل مردود بالكتاب السنة وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون ~~وأئمة الاسلام المعروفون بالامامة في الدين وأهل الحديث وسائر طوائف اهل ~~الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة # وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين واجلها وهي الغاية التي شمر اليها ~~المشمرون وتنافس المتنافسون وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون وعن بابه ~~مردودون # وقد ذكر الشيخ رحمه الله من الآدلة قوله تعالى @QB@ وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة @QE@ وهي من أظهر الادلة وأما من أبى إلا تحريفها بما يسميه ~~تأويلا فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل من تأويلها على ~~أرباب التأويل ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد ~~إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص # وهذا الذي أفسد الدنيا والدين وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص ~~التوراة والانجيل وحذرنا الله أن نفعل مثلهم وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم ~~وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية فهل قتل عثمان رضي الله ~~عنه الا بالتأويل الفاسد وكذا ما جرى في يوم الجمل وصفين ومقتل الحسين ~~والحرة وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة ورفضت الروافض وافترقت الامة على ~~ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد PageV01P204 # وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بأداة إلى ~~الصرحية في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافة حقيقة موضوعة ~~صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله # فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه فان عدي بنفسه ~~فمعناه التوقف والانتظار @QB@ انظرونا نقتبس من نوركم @QE@ وإن عدي ب في ~~فمعناه التفكر والاعتبار كقوله @QB@ أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ~~@QE@ وإن عدي ب إلى فمعناه المعاينة بالابصار كقوله تعالى @QB@ انظروا إلى ~~ثمره إذا أثمر @QE@ فكيف اذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر وروى ms106 ابن ~~مردويه بسنده إلى ابن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى @QB@ وجوه يومئذ ناضرة @QE@ قال من البهاء والحسن @QB@ إلى ربها ~~ناظرة @QE@ قال في وجه الله عز وجل عن الحسن قال نظرت إلى ربها فنضرت بنوره ~~وقال أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما @QB@ إلى ربها ناظرة @QE@ قال ~~تنظر إلى وجه ربها عز وجل وقال عكرمة @QB@ وجوه يومئذ ناضرة @QE@ قال من ~~النعيم @QB@ إلى ربها ناظرة @QE@ قال تنظر إلى ربها نظرا ثم حكى عن ابن ~~عباس مثله وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث وقال تعالى @QB@ لهم ما ~~يشاؤون فيها ولدينا مزيد @QE@ قال الطبري قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك ~~هو النظر إلى وجه الله عز وجل وقال تعالى @QB@ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ~~@QE@ فالحسنى الجنة PageV01P205 والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم فسرها ~~بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده كما روى مسلم في صحيحه ~~عن صهيب قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم @QB@ للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة @QE@ قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا ~~أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجز كموه فيقولون ما هو ألم يثقل ~~موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون ~~اليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر اليه وهي الزيادة ورواه غيره ~~بأسانيد متعددة وألفاظ أخر معناها أن الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل ~~وكذلك فسرها الصحابة رضي الله عنهم روى ابن جرير ذلك عن جماعة منهم أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه وحذيفة وأبو موسى الاشعري وابن عباس رضي الله عنهم # وقال تعالى @QB@ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون @QE@ احتج الشافعي رحمه ~~الله وغيره من الأئمة بهذه الاية على الرؤية لاهل الجنة ذكر ذلك الطبري ~~وغيره عن المزني عن الشافعي وقال الحاكم حدثنا الاصم حدثنا الربيع بن ~~سليمان قال حضرت محمد إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها ما ms107 تقول ~~في قول الله عز وجل @QB@ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون @QE@ فقال ~~الشافعي لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه ~~في الرضى # وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى @QB@ لن تراني @QE@ وبقوله تعالى @QB@ ~~لا تدركه الأبصار @QE@ فالآيتان دليل عليهم # أما الاية الاولى فالإستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه # أحدها أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته ~~PageV01P206 أن يسأل ما لا يجوز عليه بل هو عندهم من أعظم المحال # الثاني أن الله لم ينكر عليه سؤاله ولما سال نوح ربه نجاه ابنه أنكر ~~سؤاله وقال @QB@ إني أعظك أن تكون من الجاهلين @QE@ # الثالث أنه تعالى قال @QB@ لن تراني @QE@ ولم يقل اني لا أرى أو لا تجوز ~~رؤيتي أو لست بمرئي والفرق بين الجوابين ظاهر ألا ترى أن من كان في كمه حجر ~~فظنه رجل طعاما فقال أطعمنيه فالجواب الصحيح أنه لا يؤكل أما اذا كان طعاما ~~صح أن يقال انك لن تأكله وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي ولكن موسى لا تحتمل ~~قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى يوضحه الوجه # الرابع وهو قوله @QB@ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ~~@QE@ فأعلمه ان الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار فكيف ~~بالبشر الذي خلق من ضعف # الخامس أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا وذلك ممكن وقد علق ~~به الرؤية ولو كان محالا لكان نظير أن يقول إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب ~~وأنام والكل عندهم سواء # السادس قوله تعالى @QB@ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا @QE@ فاذا جاز أن ~~يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله ~~وأوليائه في دار كرامته ولكن الله اعلم موسى ان الجبل اذا لم يثبت لرؤيته ~~في هذه الدار فالبشر أضعف # السابع أن الله كلم موسى وناداه وناجاه ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن ~~يسمع مخاطبه ms108 كلامه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز ولهذا لا يتم إنكار ~~رؤيته الا بإنكار كلامه وقد جمعوا بينهما وأما دعواهم تأييد النفي ب لن وأن ~~ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة ففاسد فانها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على ~~دوام النفي في الآخرة فكيف اذا أطلقت قال PageV01P207 تعالى @QB@ ولن ~~يتمنوه أبدا @QE@ مع قوله @QB@ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك @QE@ ولأنها ~~لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها وقد جاء ذلك قال تعالى ~~@QB@ فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي @QE@ فثبت أن لن لا تقتضى المنفي ~~المؤبد # قال الشيخ جمال الدين ابن مالك رحمه الله % ومن رأى النفي بلن مؤبدا % % ~~فقوله اردد وسواه فاعضدا % $ # وأما الآية الثانية فالاستدلال بها على الرؤية من وجه حسن لطيف وهو أن ~~الله تعالى انما ذكرها في سياق التمدح ومعلوم أن المدح انما يكون بالصفات ~~الثبوتية وأما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به وانما يمدح الرب تعالى ~~بالنفي اذا تضمن أمرا وجوديا كمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال ~~القيومية ونفي الموت المتضمن كمال الحياة ونفي اللغوب والاعياء المتضمن ~~كمال القدرة ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال الربوبية ~~والالوهية وقهره ونفي الاكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه ونفي الشفاعة ~~عنده الا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن خلقه ونفي الظلم المتضمن كمال ~~عدله وعلمه وغناه ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه ~~واحاطته ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته ولهذا لم يمتدح بعدم محض لم ~~يتضمن أمرا ثبوتيا فان المعدم يشارك الموصوف في ذلك العدم ولا يوصف الكامل ~~بأمر يشترك هو والمعدوم فيه فان المعنى أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به فقوله ~~@QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ يدل على كمال عظمته وأنه أكبر من كل شيء وأنه ~~لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به فان الادراك هو الاحاطة بالشيء وهو قدر ~~زائد على الرؤية كما قال تعالى @QB@ فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون قال كلا @QE@ PageV01P208 فلم ينف موسى الرؤية وانما ms109 نفى الإدراك ~~فالرؤية والادراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه فالرب تعالى يرى ولا يدرك ~~كما يعلم ولا يحاط به علما وهذا هو الذي فهمه الصحابة والآئمة من الآية كما ~~ذكرت أقوالهم في تفسير الآية بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من ~~إدراكها على ما هي عليه # وأما الاحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدالة على الرؤية ~~فمتواترة رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن فمنها حديث أبي هريرة أن ~~ناسا قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا لا يا رسول الله قال ~~هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فإنكم ترونه كذلك الحديث ~~أخرجاه في الصحيحين بطوله وحديث أبي سعيد الخدري أيضا في الصحيحين نظيره ~~وحديث جرير بن عبد الله البجلي قال كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال انكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا لا ~~تضامون في رؤيته الحديث أخرجاه في الصحيحين وحديث صهيب المتقدم رواه مسلم ~~وغيره وحديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وجنتان من فضة ~~آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ~~يروا ربهم تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن أخرجاه في ~~الصحيحين ومن حديث عدي بن حاتم وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس ~~PageV01P209 بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له فيقول ألم أبعث إليك ~~رسولا فيبلغك فيقول بلى يا رب فيقول ألم أعطك مالا وأفضل عليك فيقول بلى يا ~~رب أخرجه البخاري في صحيحه # وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن ~~الرسول قالها ولولا أني التزمت الاختصار لسقت ما في الباب من الاحاديث # ومن أراد الوقوف عليها فليواظب سماع الاحاديث النبوية فإن فيها مع إثبات ~~الرؤية أنه يكلم من شاء إذا شاء وأنه يأتي ms110 لفصل القضاء يوم القيامة وأنه ~~فوق العالم وأنه يناديهم بصوت يسمع من بعد كما يسمعه من قرب وأنه يتجلى ~~لعباده وأنه يضحك إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية بمنزلة ~~الصواعق وكيف تعلم أصول دين الاسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله وكيف يفسر ~~كتاب الله بغير ما فسره به رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله ~~عليهم الذين نزل القرآن بلغتهم وقد قال صلى الله عليه وسلم من قال في ~~القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وفي رواية من قال في القرآن بغير علم ~~فليتبوأ مقعده من النار وسئل أبو بكر رضي الله عنه عن قوله تعالى @QB@ ~~وفاكهة وأبا @QE@ ما الأب فقال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في ~~كتاب الله ما لا أعلم PageV01P210 وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس ~~والقمر تشبيها لله بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي ~~ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة ومن ~~قال يرى لا في جهة فليراجع عقله فاما أن يكون مكابرا لعقله وفي عقله شيء ~~وإلا فاذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا ~~فوقه ولا تحته رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة # ولهذا ألزم المعتزلة من نفي العلو بالذات بنفي الرؤية وقالوا كيف تعقل ~~رؤية بلا مقابلة بغير جهة وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا لا لامتناع ~~الرؤية فهذه الشمس اذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها لا ~~لامتناع في ذات المرئي بل لعجز الرائي فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله ~~فتوى الآدميين حتى أطاقوا رؤيته ولهذا لما تجلى الله للجبل @QB@ وخر موسى ~~صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين @QE@ بأنه لا يراك ~~حي الا مات ولا يابس الا تدهده ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملك في ~~صورته الا من أيده الله كما أيد نبينا قال تعالى @QB@ وقالوا لولا ms111 أنزل ~~عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر @QE@ قال غير واحد من السلف لا يطيقون ~~أن يروا الملك في صورته فلو أنزلنا عليهم ملكا لجعلناه في صورة بشر وحينئذ ~~يشتبه عليهم هل هو بشر أو ملك ومن تمام نعمة الله علينا أن بعث فينا رسولا ~~منا # وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام الا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ~~ولا خارجه لكن قول من أثبت موجودا يرى لا في وجهة أقرب إلى العقل من قول من ~~اثبت موجودا قائما بنفسه لا يرى ولا في جهة # ويقال لمن قال الرؤية لانتفاء لازمها وهو الجهة اتريد PageV01P211 الجهة ~~أمرا وجوديا أو أمرا عدميا فإن أراد بها أمرا وجوديا كان التقرير كل ما ليس ~~في شيء موجود لا يرى وهذه المقدمة ممنوعة ولا دليل على إثباتها بل هي باطلة ~~فان سطح العالم يمكن أن يرى وليس العالم في عالم آخر وان اردت بالجهة أمرا ~~عدميا فالمقدمة الثانية ممنوعة فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا الاعتبار # وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة وإنما يتلقاه من ~~قول فلان وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب الله من ~~أحاديث الرسول ولا ينظر فيها ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان ~~المنقول إلينا عن الثقات النقلة الذين تخيرهم النقاد فانهم لم ينقلوا نظم ~~القرآن وحده بل نقلوا نظمه ومعناه ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم ~~الصبيان بل يتعلمونه بمعانيه ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه ومن ~~يتكلم برأيه وما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو مأثوم وإن أصاب ~~ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ لكن إن أصاب يضاعف أجره # وقوله والرؤية حق لأهل الجنة تخصيص أهل الجنة بالذكر يفهم منه نفي الرؤية ~~عن غيرهم ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة وكذلك يرونه في المحشر ~~قبل دخولهم الجنة كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه ms112 وسلم ~~ويدل عليه قوله تعالى @QB@ تحيتهم يوم يلقونه سلام @QE@ واختلف في رؤية أهل ~~المحشر على ثلاث أقوال أحدها أنه لا يراه إلا المؤمنون الثاني يراه أهل ~~الموقف مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك الثالث يراه ~~مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف ~~PageV01P212 # واتفقت الامة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه ولم يتنازعوا في ذلك ~~إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة منهم من نفى رؤيته بالعين ومنهم من ~~أثبتها له صلى الله عليه وسلم وحكى القاضي عياض في كتابه الشفا اختلاف ~~الصحابة ومن بعدهم في رؤيته صلى الله عليه وسلم وإنكار عائشة رضي الله عنها ~~أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين راسه وأنها قالت لمسروق حين سألها ~~هل رأى محمد ربه فقالت لقد قف شعري مما قلت ثم قالت من حدثك أن محمدا رأى ~~ربه فقد كذب ثم قال وقال جماعة بقول عائشة رضي الله عنها وهو المشهور عن ~~ابن مسعود وأبي هريرة واختلف عنه وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا ~~جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~صلى الله عليه وسلم رآه بعينه وروى عطاء عنه أنه رآه بقلبه ثم ذكر أقوالا ~~وفوائد ثم قال وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه بعينه ~~فليس فيه قاطع ولا نص والمعول فيه على آيتي النجم والتنازع فيهما مأثور ~~والاحتمال لهما ممكن وهذا القول الذي قاله القاضي عياض رحمه الله هو الحق ~~فإن الرؤية في الدنيا ممكنة إذا لو لم تكن ممكنة لما سألها موسى عليه ~~السلام لكن لم يرد نص بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه بل ورد ما ~~يدل على نفي الرؤية وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال نور أني اراه وفي ~~PageV01P213 رواية رأيت نورا ms113 وقد روى مسلم أيضا عن أبي موسى الاشعري رضي ~~الله عنه أنه قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال ~~إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل ~~الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور وفي رواية ~~النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه فيكون والله ~~أعلم معنى قوله لابي ذر رأيت نورا انه رأى الحجاب ومعنى قوله نور أنى أراه ~~النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته فأنى أراه أي فكيف أراه والنور حجاب ~~بيني وبينه يمنعني من رؤيته فهذا صريح في نفي الرؤية والله أعلم # وحكى عثمان بن سعيد الدرامي اتفاق الصحابة على ذلك ونحن إلى تقرير رؤيته ~~لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى وإن كانت رؤية الرب تعالى أعظم ~~وأعلى فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة # وقوله بغير إحاطة ولا كيفية هذا لكمال عظمته وبهائه سبحانه وتعالى لا ~~تدركه الابصار ولا تحيط به كما يعلم ولا يحاط به علما قال تعالى @QB@ لا ~~تدركه الأبصار @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ # وقوله وتفسيره على ما أراد الله وعلمه إلى أن قال لا ندخل في ذلك متأولين ~~بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا اي كما فعلت المعتزلة بنصوص الكتاب والسنة في ~~الرؤية وذلك تحريف لكلام الله وكلام PageV01P214 رسوله عن مواضعه فالتأويل ~~الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة والفاسد المخالف له فكل تأويل لم ~~يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة تقتضيه فإن هذا لا يقصده المبين ~~العادي بكلامه إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره ~~حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ فان الله أنزل كلامه بيان وهدى فإذا ~~أراد به خلاف ظاهره ولم يحف به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى ~~فهم كل أحد لم يكن بيانا ولا هدى فالتأويل إخبار بمراد المتكلم لا إنشاء # وفي هذا الموضع ms114 يغلط كثير من الناس فإن المقصود فهم مراد المتكلم بكلامه ~~فاذا قيل معنى اللفظ كذا وكذا كان إخبارا بالذي عنى المتكلم فإن لم يكن ~~الخبر مطابقا كان كذبا على المتكلم ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة منها أن ~~يصرح بارادة ذلك المعنى ومنها أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع ~~ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى فكيف إذا حف بكلامه ما ~~يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له كقوله @QB@ وكلم الله موسى تكليما ~~@QE@ إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب فهذا ~~مما يقطع به السامع له بمراد المتكلم فإذا أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة ~~لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكة كان صادقا في إخباره وأما إذا تأول ~~الكلام بما لا يدل عليه ولا اقترن به ما يدل عليه فإخباره بأن هذا مراده ~~كذب عليه وهو تأويل بالرأي وتوهم بالهوى # وحقيقة الامر أن قول القائل نحمله على كذا أو نتأوله بكذا إنما هو من باب ~~دفع دلالة اللفظ عما وضع له فان منازعه لما احتج PageV01P215 عليه به ولم ~~يمكنه دفع وروده دفع معناه وقال أحمله على خلاف ظاهره # فإن قيل بل للحمل معنى آخر لم تذكروه وهو أن اللفظ لما استحال ان يراد به ~~حقيقته وظاهره ولا يمكن تعطيله استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره على أن ~~مجازه هو المراد فحملناه عليه دلالة لا ابتداء # قيل فهذا المعنى هو الإخبار عن المتكلم أنه أراده وهو إما صدق وإما كذب ~~كما تقدم ومن الممتنع أن يريد خلاف حقيقته وظاهره ولا يبين للسامع المعنى ~~الذي أراده بل يعرف بكلامه ما يؤكد إرادة الحقيقة ونحن لا نمنع أن المتكلم ~~قد يريد بكلامه خلاف ظاهره إذا قصد التعمية على السامع حيث يسوغ ذلك ولكن ~~المنكر أن يريد بكلامه خلاف حقيقته وظاهره إذا قصد البيان والإيضاح وإفهام ~~مراده فكيف والمتكلم يؤكد كلامه بما ينفي المجاز ويكرره غير مرة ويضرب له ~~الامثال # وقوله فإنه ms115 ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه ~~وسلم ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه أي سلم لنصوص الكتاب والسنة ولم ~~يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة أو بقوله العقل يشهد بضد ما ~~دل عليه النقل أو العقل اصل النقل فإذا عارضه قدمنا العقل وهذا لا يكون قط ~~لكن إذا جاء ما يوهم مثل ذلك فان كان النقل صحيحا فذلك الذي يدعى أنه معقول ~~إنما هو مجهول ولو حقق النظر لظهر ذلك وإن كان النقل غير صحيح فلا يصلح ~~للمعارضة فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبدا ويعارض كلام من يقول ~~ذلك بنظيره فيقال اذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل لأن الجمع بين ~~المدلولين جمع بين PageV01P216 النقيضين ورفعهما رفع النقيضين وتقديم العقل ~~ممتنع لان العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فلو ابطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل ولو أبطلنا ~~دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضا للنقل لان ما ليس بدليل لا يصلح ~~لمعارضة شيء من الاشياء فكان تقديم العقل موجبا عدم تقديمه فلا يجوز تقديمه ~~وهذا بين واضح فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته وأن خبره مطابق ~~لمخبره فان جاز أن تكون الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل ~~دليلا صحيحا وإذا لم يكن دليلا صحيحا لم يجز أن يتبع بحال فضلا عن أن يقدم ~~فصار تقديم العقل على النقل قدحا في العقل # فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد لأمره وتلقي ~~خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولا أو نحمله ~~شبهة أو شكا أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم فنوحده بالتحكيم ~~والتسليم والانقياد والإذعان كما نوحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل ~~والانابة والتوكل # فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله الا بهما توحيد المرسل وتوحيد ~~متابعة الرسول فلا نحاكم إلى غيره ولا نرضى بحكم غيره ولا ms116 نوقف تنفيذ أمره ~~وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه ~~فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره وإلا فإن طلب السلامة فوضه اليهم وأعرض عن ~~أمره وخبره وإلا حرفه عن مواضعه وسمى تحريفه تأويلا وحملا فقال نؤوله ~~ونحمله فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خيرا له من أن ~~يلقاه بهذه الحال بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فهل يسوغ أن يؤخر قبوله PageV01P217 والعمل به حتى ~~يعرضه على رأي فلان وكلامه ومذهبه بل كان الفرض المبادرة إلى امتثاله من ~~غير التفات إلى سواه ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان بل يستشكل الآراء ~~لقوله ولا يعارض نصه بقياس بل نهدر الأقيسة ونتلقى نصوصه ولا نحرف كلامه عن ~~حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا نعم هو مجهول وعن الصواب معزول ولا يوقف ~~قبول قوله على موافقة فلان دون فلان كائنا من كان # قال الأمام أحمد حدثنا أنس بن عياض حدثنا أبو حازم عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده قال لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم أقبلت ~~أنا وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب ~~من أبوابه فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القرآن ~~فتماروا فيها حتى ارتفعت اصواتهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا ~~قد احمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول مهلا يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم ~~باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض إن القرآن لم ينزل يكذب ~~بعضه بعضا بل يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه ~~إلى عالمه # ولا شك ان الله قد حرم القول عليه بغير علم قال تعالى @QB@ قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ms117 الله ما لا تعلمون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم @QE@ فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به ~~رسله وانزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه فيصدق بأنه حق وصدق وما سواه ~~من كلام سائر الناس يعرضه عليه فإن وافقه فهو حق وإن خالفه فهو باطل ~~PageV01P218 # وأن لم يعلم هل خالفه أو وافقه يكون ذلك الكلام مجملا لا يعرف مراد صاحبه ~~أو قد عرف مراده لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو بتكذيبه فإنه يمسك ~~عنه ولا يتكلم إلا بعلم والعلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء به ~~الرسول وقد يكون علم من غير الرسول لكن في الامور الدنيوية مثل الطب ~~والحساب والفلاحة وأما الامور الإلهية والمعارف الدينية فهذه العلم فيها ما ~~أخذ عن الرسول لا غيره # $ قوله ولا تثبت قدم الاسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام # ش هذا من باب الاستعارة اذ القدم الحسي لا تثبت الا على ظهر شيء أي لا ~~يثبت اسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين وينقاد اليها ولا يعترض عليها ولا ~~يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري ~~رحمه الله أنه قال من الله الرسالة ومن الرسول البلاغ وعلينا التسليم وهذا ~~كلام جامع نافع # وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل وهو أن العقل مع النقل كالعامي ~~المقلد مع العالم المجتهد بل هو دون ذلك بكثير فإن العامي يمكنه أن يصير ~~عالما ولا يمكن العالم أن يصير نبيا رسولا فإذا عرف العامي المقلد عالما ~~فدل عليه عاميا آخر ثم اختلف المفتي والدال فإن المستفتي يجب عليه قبول قول ~~المفتي دون الدال فلو قال الدال الصواب معي دون المفتي لأني أنا الأصل في ~~علمك بأنك مفت فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفت ~~فلزم القدح في فرعه فيقول له المستفتي أنت لما شهدت له بأنه مفت ودللت عليه ~~شهدت له بوجوب تقليده دونك فموافقتي لك في هذا العلم ms118 المعين لا تستلزم ~~موافقتك في كل مسألة وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو اعلم منك لا ~~يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت هذا مع علمه أن ذلك المفتي قد يخطيء ~~PageV01P219 والعاقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله تعالى لا يجوز ~~عليه الخطأ فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره وقد علمنا بالاضطرار من ~~دين الاسلام ان الرجل لو قال للرسول هذا القرآن الذي تلقيه علينا والحكمة ~~التي جئتنا بها قد تضمن كل منهما أشياء كثيرة تناقض ما علمناه بعقولنا ونحن ~~إنما علمنا صدقك بعقولنا فلو قبلنا جميع ما تقوله مع أن عقولنا تناقض ذلك ~~لكان قدحا في ما علمنا به صدقك فنحن نعتقد موجب العقول الناقضة لما ظهر من ~~كلامك وكلامك نعرض عنه لا نتلقى منه هديا ولا علما لم يكن مثل هذا الرجل ~~مؤمنا بما جاء به الرسول ولم يرض منه الرسول بهذا بل يعلم أن هذا لو ساغ ~~لأمكن كل أحد أن يؤمن بشيء مما جاء به الرسول إذ العقول متفاوتة والشبهات ~~كثيرة والشياطين لا تزال تلقي الوسواس في النفوس فيمكن كل أحد أن يقول مثل ~~هذا في كل ما أخبر به الرسول وما أمر به وقد قال تعالى @QB@ وما على الرسول ~~إلا البلاغ @QE@ وقال @QB@ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ~~ويهدي من يشاء @QE@ @QB@ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين @QE@ @QB@ حم ~~والكتاب المبين @QE@ @QB@ تلك آيات الكتاب المبين @QE@ @QB@ ما كان حديثا ~~يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون @QE@ ~~@QB@ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين @QE@ ~~ونظائر ذلك كثيرة في القرآن فأمر الإيمان بالله واليوم الآخر إما أن يكون ~~الرسول تكلم فيه بما يدل على الحق أم لا الثاني باطل وإن كان قد تكلم بما ~~يدل على الحق بألفاظ مجملة محتملة فما بلغ البلاغ المبين وقد شهد له خير ~~PageV01P220 القرون بالبلاغ وأشهد الله ms119 عليهم في الموقف الأعظم فمن يدعي ~~أنه في أصول الدين لم يبلغ البلاغ المبين فقد افترى عليه صلى الله عليه ~~وسلم # $ قوله فمن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه ~~عن خالص التوحيد وصافى المعرفة وصحيح الايمان # ش هذا تقرير للكلام الاول وزيادة تحذير أن يتكلم في اصول الدين بل وفي ~~غيرها بغير علم وقال تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يجادل ~~في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ~~ويهديه إلى عذاب السعير @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن الناس من يجادل في الله ~~بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا ~~خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق @QE@ وقال تعالى @QB@ ومن أضل ممن اتبع ~~هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ ~~إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى # وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا @QB@ ما ضربوه ~~لك إلا جدلا @QE@ رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن عائشة رضي الله عنها قالت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ~~خرجاه في الصحيحين PageV01P221 # ولا شك أن من لم يسلم للرسول نقص توحيده فإنه يقول برايه وهواه ويقلد ذا ~~رأي وهوى بغير هدى من الله فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جاء به الرسول ~~فانه قد اتخذه في ذلك إلها غير الله قال تعالى @QB@ أفرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه @QE@ أي عبد ما تهواه نفسه وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق ~~كما قال عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه % رأيت ms120 الذنوب تميت القلوب % ~~وقد يورث الذل إدمانها % % وترك الذنوب حياة القلوب % وخير لنفسك عصيانها % ~~% وهل أفسد الدين إلا الملوك % وأحبار سوء ورهبانها % $ # فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة ويعارضونها بها ~~ويقدمونها على حكم الله ورسوله وأحبار السوء وهم العلماء الخارجون عن ~~الشريعة بآرائهم واقيستهم الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله ~~وتحريم ما أباحه واعتبار ما ألغاه وإلغاء ما اعتبره واطلاق ما قيده وتقييد ~~ما أطلقه ونحو ذلك والرهبان وهم جهال المتصوفة المعترضون على حقائق الإيمان ~~والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمنة ~~شرع دين لم يأذن به الله وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه صلى الله ~~عليه وسلم والتعوض عن حقائق الايمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس فقال الأولون ~~إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة وقال الآخرون إذا تعارض العقل ~~والنقل قدمنا العقل وقال أصحاب الذوق إذا تعارض الذوق والكشف وظاهر الشرع ~~قدمنا الذوق والكشف # ومن كلام أبي حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الذي سماه إحياء علوم ~~الدين وهو من أجل كتبه أو اجلها فإن قلت فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم ~~النجوم أو هو مباح أو مندوب اليه فاعلم أن PageV01P222 للناس في هذا غلوا ~~وإسرافا في أطراف فمن قائل أنه بدعة وحرام وان العبد أن يلقى الله بكل ذنب ~~سوى الشرك خير له من ان يلقاه بالكلام ومن قائل إنه فرض إما على الكفاية ~~واما على الاعيان وانه أفضل الأعمال وأعلى القربات فإنه تحقيق لعلم التوحيد ~~ونضال عن دين الله قال وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل ~~وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف وساق الالفاظ عن هؤلاء قال وقد اتفق أهل ~~الحديث من السلف على هذا لا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه قالوا ما ~~سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم الا ~~لما يتولد منه من الشر وكذلك قال صلى الله عليه وسلم هلك المتنطعون اي ~~المتعمقون في البحث والاستقصاء واحتجوا أيضا بأن ذلك لو كان من ms121 الدين لكان ~~أهم ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني على اربابه ~~ثم ذكر بقية استدلالهم ثم ذكر استدلال الفريق الآخر إلى أن قال فإن قلت فما ~~المختار عندك فأجاب بالتفصيل فقال فيه منفعة وفيه مضرة فهو في وقت الانتفاع ~~حلال أو مندوب أو واجب كما يقتضيه الحال وهو باعتبار مضرته في وقت ~~الاستضرار ومحله حرام قال فأما مضرته فإثارة الشبهات وتحريك العقائد ~~وإزالتها عن الجزم والتصميم وذلك مما يحصل بالابتداء ورجوعها بالدليل مشكوك ~~فيه ويختلف فيه الأشخاص فهذا ضرره في اعتقاد الحق وله ضرر في تأكيد اعتقاد ~~البدعة وتثبيتها في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الاصرار ~~عليه ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل قال وأما منفعته فقد ~~يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها عى ما هي عليه وهيئتها PageV01P223 # فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف ولعل التخبيط والتضليل اكثر من ~~الكشف والتعريف قال وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك ان ~~الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قاله بعد حقيقة الخبرة ~~وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم ~~أخر سوى نوع الكلام وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود ~~ولعمري لا ينفك الكلام عن الكشف وتعريف وإيضاح لبعض الامور ولكن على الندور ~~انتهى ما نقلته عن الغزالي رحمه الله # وكلام مثله في ذلك حجة بالغة والسلف لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحا جديدا ~~على معان صحيحة كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة ولا كرهوا أيضا الدلالة ~~على الحق والمحاجة لأهل الباطل بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة ~~للحق ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة وما فيه من علوم صحيحة فقد وعروا ~~الطريق إلى تحصيلها وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها فهي لحم جمل غث ~~على راس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى وأحسن ما عندهم فهو في ~~القرآن أصح تقريرا واحسن تفسيرا ms122 فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد ~~كما قيل % لولا التنافس في الدنيا لما وضعت % % كتب التناظر لا المغني ولا ~~العمد % يحللون بزعم منهم عقدا % % وبالذي وضعوه زادت العقد % $ # فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك والفاضل الذي يعلم أن ~~الشبه والشكوك زادت بذلك # ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم اليقين من كتاب الله وكلام ~~رسوله ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ~~ورسوله هو الاصل ويتدبر معناه ويعقله ويعرف برهانه ودليله PageV01P224 ~~العقلي والخبري السمعي ويعرف دلالته على هذا وهذا ويجعل أقوال الناس التي ~~توافقه وتخالفه متشابهة مجملة فيقال لأصحابها هذه الالفاظ تحتمل كذا وكذا ~~فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قبل وإن أرادوا بها ما يخالفه رد وهذا ~~مثل لفظ المركب والجسم والتحيز والجوهر والجهة والحيز والعرض ونحو ذلك فإن ~~هذه الالفاظ لم تأت في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل الاصطلاح بل ~~ولا في اللغة بل هم يخصون بالتعبير بها عن معان لم يعبر غيرهم عنها بها ~~فتفسر تلك المعاني بعبارات أخر وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية ~~والسمعية وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل # مثال ذلك في التركيب فقد صار له معاني # أحدها التركيب من متباينين فأكثر ويسمى تركيب مزج كتركيب الحيوان من ~~الطبائع الأربع والأعضاء ونحو ذلك وهذا المعنى منفي عن الله سبحانه وتعالى ~~ولا يلزم من وصف الله تعالى بالعلو ونحوه من صفات الكمال أن يكون مركبا ~~بهذا المعنى المذكور # والثاني تركيب الجوار كمصراعي الباب ونحو ذلك ولا يلزم أيضا من ثبوت ~~صفاته تعالى إثبات هذا التركيب # الثالث التركيب من الأجزاء المتماثلة وتسمى الجواهر المفردة # الرابع التركيب من الهيولى والصورة كالخاتم مثلا هيولاه الفضة وصورته ~~معروفة وأهل الكلام قالوا إن الجسم يكون مركبا من الجواهر المفردة ولهم ~~كلام في ذلك يطول ولا فائدة فيه وهو أنه هل يمكن التركيب من جزئين أو من ~~أربعة أو ستة أو ثمانية أو ستة عشر وليس هذا ms123 التركيب لازما لثبوت صفاته ~~تعالى وعلوه على خلقه والحق أن الجسم غير مركب من هذه الاشياء وإنما قولهم ~~مجرد دعوى وهذا مبسوط في موضعه # الخامس التركيب من الذات والصفات PageV01P225 هم سموه تركيبا لينفوا به ~~صفات الرب تعالى وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة ولا في استعمال الشارع ~~فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة ولئن سموا إثبات الصفات تركيبا ~~فنقول لهم العبرة للمعاني لا للالفاظ سموه ما شئتم ولا يترتب على التسمية ~~بدون المعنى حكم فلو اصطلح على تسمية اللبن خمرا لم يحرم بهذه التسمية # السادس التركيب من الماهية ووجودها وهذا يفرضه الذهن أنهما غيران وأما في ~~الخارج هل يمكن ذات مجردة عن وجودها ووجودها مجرد عنها هذا محال فترى أهل ~~الكلام يقولون هل ذات الرب وجوده أم غير وجوده ولهم في ذلك خبط كثير ~~وأمثلهم طريقة رأي الوقف والشك في ذلك وكم يزول بالاستفسار والتفصيل كثير ~~من الأضاليل والأباطيل # وسبب الإضلال الاعراض عن تدبر كلام الله وكلام رسوله والاشتغال بكلام ~~اليونان والآراء المختلفة وإنما سمي هؤلاء اهل الكلام لأنهم لم يفيدوا علما ~~لم يكن معروفا وإنما اتوا بزيادة كلام قد لا يفيد وهو ما يضربونه من القياس ~~لإيضاح ما علم بالحس وإن كان هذا القياس وأمثاله ينتفع به في موضع آخر ومع ~~من ينكر الحس وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص أو عارض النص ~~بالمعقول فقد ضاهى إبليس حيث لم يسلم لآمر ربه بل قال @QB@ أنا خير منه ~~خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ وقال تعالى @QB@ من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا ~~في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ PageV01P226 أقسم سبحانه ~~بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا تسليما $ قوله ~~فيتذبذب بين الكفر والايمان والتصديق والتكذيب ms124 والاقرار والانكار موسوسا ~~تائها شاكا لا مؤمنا مصدقا ولا حاجدا مكذبا # ش يتذبذب يضطرب ويتردد وهذه الحالة التي وصفها الشيخ رحمه الله حال كل من ~~عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم أو أراد ان يجمع بينه وبين ~~الكتاب والسنة وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة ~~فيؤول أمره إلى الحيرة والضلال والشك كما قال ابن رشد الحفيد وهو من أعلم ~~الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم في كتابه تهافت التهافت ومن الذي قال في ~~الإلهيات شيئا يعتد به وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه واقف في المسائل الكبار ~~حائر وكذلك الغزالي رحمه الله انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل ~~الكلامية ثم اعرض عن تلك الطرق وأقبل على احاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فمات والبخاري على صدره وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي قال في ~~كتابه الذي صنفه أقسام اللذات % نهاية إقدام العقول عقال % % وغاية سعي ~~العالمين ضلال % وأرواحنا في وحشة من جسومنا % % وحاصل دنيانا أذى ووبال % ~~ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا % % سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا % فكم قد ~~رأينا من رجال ودولة % % فبادوا جميعا مسرعين وزالوا % وكم من جبال قد علت ~~شرفاتها % % رجال فزالوا والجبال جبال % $ # لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا ~~تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات @QB@ الرحمن على ~~العرش استوى @QE@ @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ PageV01P227 وأقرأ في ~~النفي @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ @QB@ ولا يحيطون به علما @QE@ ثم قال ومن ~~جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد ~~الكريم الشهرساني إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم ~~حيث قال % لعمري لقد طفت المعاهد كلها % % وسيرت طرفي بين تلك المعالم % ~~فلم أر إلا واضعا كف حائر % % على ذقن أو قارعا سن نادم % $ # وكذلك قال أبو المعالي الجويني يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت ~~أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به وقال عند ms125 موته لقد خضت البحر ~~الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه والآن فإن لم ~~يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي أو ~~قال على عقيدة عجائز نيسابور وكذلك قال شمس الدين الخسرو شاهي وكان من أجل ~~تلامذة فخر الدين الرازي لبعض الفضلاء وقد دخل عليه يوما فقال ما تعتقده ~~قال ما يعتقده المسلمون فقال وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به أو كما قال ~~فقال نعم فقال أشكر الله على هذه النعمة لكني والله ما أدري ما أعتقد والله ~~ما أدري ما أعتقد والله ما أدري ما أعتقد وبكى حتى أخضل لحيته ولابن أبي ~~الحديد الفاضل المشهور بالعراق % فيك يا أغلوطة الفكر % % حار أمري وانقضى ~~عمري % سافرت فيك العقول فما % % ربحت إلا أذى السفر % فلحى الله الأولى ~~زعموا % % أنك المعروف بالنظر % كذبوا إن الذي ذكروا % % خارج عن قوة البشر ~~% $ # وقال الخوفجي عند موته ما عرفت مما حصلته شيئا سوى أن الممكن يفتقر إلى ~~المرجح ثم قال الافتقار وصف سلبي أموت وما عرفت PageV01P228 # شيئا وقال آخر اضطجع على فراشي وأضع اللحفة على وجهي وأقابل بين حجج ~~هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي منها شيء # ومن يصل إلى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته والا تزندق كما قال ~~أبو يوسف من طلب الدين باكلام تزندق ومن طلب المال بالكيمياء أفلس ومن طلب ~~غريب الحديث كذب وقال الشافعي رحمه الله حكمي في أهل الكلام أن يضربوا ~~بالجريدة والنعال ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك ~~الكتاب والسنة وأقبل على الكلام وقال لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ~~ظننت مسلما يقوله ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله ~~خير له من أن يبتلى بالكلام انتهى # وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز فيقر بما اقروا به ويعرض ~~عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كان يقطع بها ثم تبين له فسادها ms126 أو لم ~~يتبين له صحتها فيكونون في نهاياتهم إذا سلموا من العذاب بمنزلة أتباع أهل ~~العلم من الصبيان والنساء والأعراب # والدواء النافع لمثل هذا المرض ما كان طبيب القلوب صلوات الله وسلامه ~~عليه يقوله إذا قام من الليل يفتتح الصلاة اللهم رب جبرائيل وميكائيل ~~وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما ~~كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى ~~صراط مستقيم خرجه مسلم توجه صلى الله عليه وسلم إلى ربه بربوبية جبرائيل ~~وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق PageV01P229 # بإذنه إذ حياة القلب بالهداية وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الثلاثة بالحياة ~~فجبرائيل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب وميكائيل بالقطر الذي هو سبب ~~حياة الأبدان وسائر الحيوان وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة ~~العالم وعود الأرواح إلى أجسادها فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه ~~الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول المطلوب والله ~~المستعان # # | قوله ولا يصح الايمان بالرؤية لاهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم ~~أو تأولها بفهم اذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك ~~التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ~~ولم يصب التنزيه # ش يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على المعتزلة ومن يقول بقولهم في نفي ~~الرؤية وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر الحديث أدخل كاف التشبيه على ~~ما المصدرية أو الموصولة بترون التي تتأول مع صلتها إلى المصدر الذي هو ~~الرؤية فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي وهذا بين واضح في أن المراد ~~إثبات الرؤية وتحقيقها ودفع الاحتمالات عنها ومادا بعد هذا البيان وهذا ~~الإيضاح فإذا سلط التأويل على مثل هذا النص كيف يستدل بنص من النصوص وهل ~~يحتمل هذا النص أن يكون معناه إنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ms127 ليلة ~~البدر ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى @QB@ ألم تر كيف فعل ربك ~~بأصحاب الفيل @QE@ ونحو ذلك مما استعمل فيه رأى التي من أفعال القلوب ولا ~~شك أن ترى تارة تكون بصرية وتارة تكون قلبية وتارة PageV01P230 # تكون من رؤيا الحلم وغير ذلك ولكن ما يخلو الكلام من قرينة تخلص أحد ~~معانيه من الباقي وإلا لو أخلى المتكلم كلامه من القرينة المخلصة لأحد ~~المعاني لكان مجملا ملغزا لا مبينا موضحا وأي بيان وقرينة فوق قوله ترون ~~ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب فهل مثل هذا مما يتعلق ~~برؤية البصر أو برؤية القلب وهل يخفى مثل هذا إلا على من أعمى الله قلبه # فإن قالوا ألجأنا إلى هذا التأويل حكم العقل بأن رؤيته تعالى محال لا ~~يتصور إمكانها # فالجواب أن هذه دعوى منكم خالفكم فيها أكثر العقلاء وليس في العقل ما ~~يحيلها بل لو عرض على العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن هذا ~~محال # وقوله لمن اعتبرها منهم بوهم أي توهم أن الله تعالى يرى على صفة كذا ~~فيتوهم تشبيها ثم بعد هذا التوهم إن أثبت ما توهمه من الوصف فهو مشبه وإن ~~نفى الرؤية من اصلها لأجل ذلك التوهم فهو جاحد معطل بل الواجب دفع ذلك ~~الوهم وحده ولا يعم بنفيه الحق والباطل فينفيهما ردا على من أتيت الباطل بل ~~الواجب رد الباطل وإثبات الحق # وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله بقوله ومن لم يتوق النفي والتشبيه ~~زل ولم يصب التنزيه فإن هؤلاء المعتزلة يزعمون انهم ينزهون الله بهذا النفي ~~وهل يكون التنزيه بنفي صفة الكمال فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال إذ المعدوم ~~لا يرى وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي له إدراك احاطة كما ~~في العلم فإن نفي العلم به ليس بكمال وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي ~~الإحاطة به علما فهو سبحانه لا يحاط به رؤية كما لا يحاط به علما ~~PageV01P231 # وقوله أو تأولها بفهم أي ادعى أنه فهم ms128 لها تأويلا يخالف ظاهرها وما يفهمه ~~كل عربي من معناها فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل أنه صرف ~~اللفظ عن ظاهره وبهذا تسلط المحرفون على النصوص وقالوا نحن نتأول ما يخالف ~~قولنا فسموا التحريف تأويلا تزيينا له وزخرفة ليقبل وقد ذم الله الذين ~~زخرفوا الباطل قال تعالى @QB@ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا @QE@ والعبرة للمعاني لا للألفاظ فكم ~~من باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف عورض به دليل الحق وكلامه هنا نظير قوله ~~فيما تقدم لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ثم أكد هذا ~~المعنى بقوله إذا كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك ~~التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين ومراده ترك التأويل الذي يسمونه ~~تأويلا وهو تحريف ولكن الشيخ رحمه الله تأدب وجادل بالتي هي أحسن كما أمر ~~الله تعالى بقوله @QB@ وجادلهم بالتي هي أحسن @QE@ وليس مراده ترك كل ما ~~يسمى تأويلا ولا ترك شيء من الظواهر لبعض الناس لدليل راجح من الكتاب ~~والسنة وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة المبتدعة المخالفة لمذهب السلف ~~التي يدل الكتاب والسنة على فسادها وترك القول على الله بلا علم # فمن التأويلات الفاسدة تأويل أدلة الرؤية وأدلة العلو وأنه لم يكلم موسى ~~تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا # ثم قد صار لفظ التأويل مستعملا في غير معناه الأصلي # فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ~~فتأويل الخبر هو عين المخبر به وتأويل الامر نفس الفعل PageV01P232 # المأمور به كما قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول في ركوعه سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن ~~وقال تعالى @QB@ هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من ~~قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق @QE@ ومنه تأويل الرؤيا وتأويل العمل كقوله ~~@QB@ هذا تأويل رؤياي من قبل @QE@ وقوله @QB@ ويعلمك من تأويل الأحاديث ~~@QE@ وقوله @QB@ ذلك خير وأحسن تأويلا @QE@ وقوله ms129 @QB@ سأنبئك بتأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا @QE@ إلى قوله @QB@ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا @QE@ ~~فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه وأما ما ~~كان خبرا كالإخبار عن الله واليوم الآخر فهذا قد لايعلم تأويله الذي هو ~~حقيقته أذ كانت لا تعلم بمجرد الإخبار فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبر ~~به أو ما يعرفه قبل ذلك لم يعرف حقيقته التي هي تأويله بمجرد الإخبار وهذا ~~هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي ~~العلم بالمعنى الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه فما في القرآن آية الا ~~وقد أمر الله بتدبرها وما أنزل آية الا وهو يحب أن يعلم ما عنى بها وان كان ~~من تأويله ما لا يعلمه إلا الله فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام ~~السلف وسواء كان هذا التأويل موافقا للظاهر أو مخالفا له # والتأويل في كلام كثير من المفسرين كابن جرير ونحوه يريدون به تفسير ~~الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو خالف وهذا اصطلاح معروف وهذا ~~التأويل كالتفسير يحمد حقه ويرد باطله وقوله تعالى @QB@ وما يعلم تأويله ~~إلا الله والراسخون في العلم @QE@ آل PageV01P233 # عمران الآية فيها قراءتان قراءة من يقف على قوله إلا الله وقراءة من لا ~~يقف عندها وكلتا القراءتين حق ويراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر ~~الله بعلم تأويله ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون ~~تفسيره وهو تأويله ولا يريد من وقف على قوله الا الله أن يكون التأويل ~~بمعنى التفسير للمعنى فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاما لا ~~يعلم معناه جميع الأمة ولا الرسول ويكون الراسخون في العلم لاحظ لهم في ~~معرفة معناها سوى قولهم @QB@ آمنا به كل من عند ربنا @QE@ وهذا القدر يقوله ~~غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام ~~المؤمنين في ذلك وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما أنا من الراسخين في ms130 العلم ~~الذين يعلمون تأويله ولقد صدق رضي الله عنه فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~دعا له وقال اللهم فقهة في الدين وعلمه التأويل رواه البخاري وغيره ودعاؤه ~~صلى الله عليه وسلم لا يرد قال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى ~~آخره أقفه عند كل آية وأسأله عنها وقد تواترت النقول عنه أنه تكلم في جميع ~~معاني القرآن ولم يقل عن آية إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا ~~الله PageV01P234 # وقول الأصحاب رحمهم الله في الأصول المتشابه الحروف المقطعة في أوائل ~~السور ويروى هذا عن ابن عباس مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها اكثر ~~الناس فإن كان معناها معروفا فقد عرف معنى المتشابه وإن لم يكن معروفا وهي ~~المتشابه كان ما سواها معلوم المعنى وهذا المطلوب # وأيضا فإن الله قال @QB@ منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~@QE@ وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادين # والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين هو صرف اللفظ عن ~~الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك وهذا هو التأويل ~~الذي تنازع الناس فيه في كثير من الامور الخبرية والطلبية فالتأويل الصحيح ~~منه الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وما خالف ذلك فهو التأويل ~~الفاسد وهذا مبسوط في موضعه وذكر في التبصرة أن نصير بن يحيى البلخي روى عن ~~عمرو بن إسماعيل ابن حماد بن أبي يحيى بن محمد بن الحسن رحمهم الله أنه سئل ~~عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تعالى ما يؤدي ظاهره إلى ~~التشهبيه فقال نمرها كما جاءت ونؤمن بها ولا نقول كيف وكيف ويجب أن يعلم أن ~~المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه وأن من فهم ذلك منه فهو ~~لقصور فهمه ونقص علمه وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس % وكم من عائب قولا ~~صحيحا % % وآفته من الفهم السقيم % # | وقيل % علي نحت القوافي من مقاطعها % % وما علي لهم أن تفهم البقر % # فكيف يقال في ms131 قول الله الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث PageV01P235 # وهو الكتاب الذي @QB@ أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير @QE@ أن ~~حقيقة قولهم إن ظاهر القرآن والحديث هو الضلال وانه ليس فيه بيان ما يصلح ~~من الاعتقا ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه هذا حقيقة قول المتأولين والحق ~~أن ما دل عليه القرآن فهو حق وما كان باطلا لم يدل عليه والمنازعون يدعون ~~دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه # فيقال لهم هذا الباب الذي فتحتموه وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على ~~إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية فقد فتحتم عليكم بابا لأنواع ~~المشركين والمبتدعين لا تقدرون على سده فإنكم إذا سوغتم صرف القرآن عن ~~دلالته المفهومة بغير دليل شرعي فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ ~~فان قلتم ما دل القاطع العقلي على استحالته تأولناه وإلا أقررناه قيل لكم ~~وبأي عقل نزن القاطع العقلي فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على ~~بطلان ظواهر الشرع ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد ~~ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى وعلى امتناع قيام ~~علم أو كلام أو رحمة به تعالى وباب التأويلات التي يدعي أصحابها وجوبها ~~بالمعقولات أعظم من أن تنحصر في هذا المقام ويلزم حينئذ محذوران عظيمان # أحدهما أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث قبل ذلك بحوثا ~~طويلة عريضة في إمكان ذلك بالعقل وكل طائفة من المختلفين في الكتاب يدعون ~~أن العقل يدل على ما ذهبوا إليه فيؤول الأمر إلى الحيرة المحذورة # الثاني ان القلوب تتخلى عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول اذ لا ~~يوثق بأن الظاهر هو المراد والتأويلات مضطربة فيلزم عزل الكتاب والسنة عن ~~الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد وخاصة النبي هي الانباء ~~والقرآن PageV01P236 # هو النبأ العظيم ولهذا نجد أهل التأويل انما يذكرون نصوص الكتاب والسنة ~~للاعتضاد لا للاعتماد إن وافقت ما ادعوا ان العقل دل عليه قبلوه وان خالفته ~~أولوه وهذا فتح باب الزندقة نسأل الله ms132 العافية # $ قوله ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه # ش النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب فإن أمراض القلوب نوعان مرض شبهة ~~ومرض شهوة وكلاهما مذكور في القرآن قال تعالى @QB@ فلا تخضعن بالقول فيطمع ~~الذي في قلبه مرض @QE@ فهذا مرض الشهوة وقال تعالى @QB@ في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا @QE@ وقال تعالى @QB@ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم ~~رجسا إلى رجسهم @QE@ فهذا مرض الشبهة وهو أردأ من مرض الشهوة اذ مرض الشهوة ~~يرجى له الشفاء بقضاء الشهوة ومرض الشبهة لا شفاء له إن لم يتدراكه الله ~~برحمته والشبهة التي في مسألة الصفات نفيها وتشبيهها وشبه النفي أردأ من ~~شبه التشبيه فإن شبه النفي رد وتكذيب لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وشبه التشبيه غلو ومجاوزة للحد فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وتشبيه الله بخلقه كفر فإن الله تعالى يقول @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ ونفي ~~الصفات كفر فان الله تعالى يقول @QB@ وهو السميع البصير @QE@ وهذا أصل نوعي ~~التشبيه فإن التشبيه نوعان تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا الذي يتعب اهل ~~الكلام في رده وإبطاله وأهله في الناس أقل من النوع الثاني الذين هم أهل ~~تشبيه المخلوق بالخالق كعباد المشايخ وعزير والشمس والقمر والأصنام ~~والملائكة والنار والماء والعجل والقبور والجن وغير ذلك وهؤلاء هم الذين ~~أرسلت لهم الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له PageV01P237 # $ قوله فان ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية ~~ليس في معناه أحد من البرية # ش يشير الشيخ رحمه الله إلى تنزيه الرب تعالى بالذي هو وصفه كما وصف نفسه ~~نفيا واثباتا وكلام الشيخ مأخوذ من معنى سورة الأخلاص فقوله موصوف بصفات ~~الوحدانية مأخوذ من قوله تعالى @QB@ قل هو الله أحد الله الصمد @QE@ وقوله ~~منعوت بنعوت الفردانية من قوله تعالى @QB@ الله الصمد لم يلد ولم يولد @QE@ ~~وقوله ليس في معناه أحد من البرية من قوله تعالى @QB@ ولم يكن له كفوا أحد ~~@QE@ وهو أيضا مؤكد لما تقدم من إثبات الصفات ونفي التشبيه ms133 والوصف والنعت ~~مترادفان وقيل متقاربان فالوصف للذات والنعت للفعل وكذلك الوحدانية ~~والفردانية وقيل في الفرق بينهما إن الوحدانية للذات والفردانية للصفات فهو ~~تعالى موحد في ذاته منفرد بصفاته وهذا المعنى حق ولم ينازع فيه أحد ولكن في ~~اللفظ نوع تكرير وللشيخ نظير هذا التكرير في مواضع من العقيدة وهو بالخطب ~~والأدعية اشبه منه بالعقائد والتسجيع بالخطب أليق و ليس كمثله شيء 11 أكمل ~~في التنزيه من قوله ليس في معناه أحد من البرية # $ قوله وتعالى عن الحدود والغايات والأركان والاعضاء والادوات لا تحويه ~~الجهات الست كسائر المبتدعات # ش أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ رحمه الله مقدمة وهي أن الناس في ~~إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال فطائفة تنفيها وطائفة تثبتها وطائفة ~~تفصل وهم المتبعون للسلف فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها الا اذا تبين ما ~~أثبت بها فهو ثابت وما نفي بها فهو منفي PageV01P238 # لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وابهام كغيرها ~~من الألفاظ الاصطلاحية فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي ولهذا كان ~~النفاة ينفون بها حقا وباطلا ويذكرون عن مثبتها ما لا يقولون به وبعض ~~المثبتين لها يدخل لها معنى باطلا مخالفا لقول السلف ولما دل عليه الكتاب ~~والميزان ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها وليس لنا ~~أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفيا ولا إثباتا ~~وانما نحن متبعون لا مبتدعون # فالواجب أن ينظر في هذا الباب أعني باب الصفات فما أثبته الله ورسوله ~~أثبتناه وما نفاه الله ورسوله نفيناه والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها ~~في الإثبات والنفي فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني وننفي ~~ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني وأما الالفاظ التي لم يرد نفيها ولا ~~اثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها فإن كان معنى صحيحا قبل لكن ~~ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع ~~قرائن تبين المراد ms134 والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه ان ~~لم يخاطب بها ونحو ذلك # والشيخ رحمه الله اراد الرد بهذا الكلام على المشبهة كداود الجواربي ~~وأمثاله القائلين إن الله جسم وانه جثة واعضاء وغير ذلك تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا فالمعنى الذي أراده الشيخ رحمه الله من النفي الذي ذكره ~~هنا حق لكن حدث بعده من أدخل في عموم نفيه حقا وباطلا فيحتاج إلى بيان ذلك ~~وهو أن السلف متفقون على أن البشر لا يعلمون لله حدا وانهم لا يحدون شيئا ~~من صفاته قال أبو داود الطيالسي كان سفيان وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن ~~سلمة وشريك وابو عوانة لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون يروون PageV01P239 # الحديث ولا يقولون كيف وإذا سئلوا قالوا بالأثر وسيأتي في كلام الشيخ وقد ~~أعجز خلقه عن الإحاطة به فعلم ان مراده أن الله يتعالى عن أن يحيط أحد بحده ~~لأن المعنى أنه متميز عن خلقه منفصل عنهم مباين لهم سئل عبد الله بن ~~المبارك بم نعرف ربنا قال بأنه على العرش بائن من خلقه قيل بحد قال بحد ~~انتهى ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره ~~والله تعالى غير حال في خلقه ولا قائم بهم بل هو القيوم القائم بنفسه ~~المقيم لما سواه فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس ~~الأمر أصلا فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب ونفي حقيقته وأما الحد ~~بمعنى العلم والقول وهو أن يحده العباد فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة ~~قال أبو القاسم القشيري في رسالته سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي سمعت ~~أبا منصور بن عبد الله سمعت أبا الحسن العنبري سمعت سهل بن عبد الله ~~التستري يقول وقد سئل عن ذات الله فقال ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة ~~بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا وهي موجودة بحقائق الإيمان من ~~غير حد ولا إحاطة ولا حلول وتراه العيون ms135 في العقبى ظاهرا في ملكه وقدرته ~~وقد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته ودلهم عليه بآياته فالقلوب تعرفه والعيون ~~لا تدركه ينظر إليه المؤمن بالأبصار من غير إحاطة ولا ادراك نهاية # وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات فيستدل بها النفاة على نفي بعض ~~الصفات الثابتة بالأدلة القطعية كاليد والوجه قال أبو حنيفة رضي الله عنه ~~في الفقه الأكبر له يد ووجه ونفس كما ذكر تعالى في القرآن من ذكر اليد ~~والوجه والنفس فهو له صفة بلا كيف ولا يقال أن يده قدرته ونعمته لأن فيه ~~إبطال الصفة انتهى وهذا الذي PageV01P240 # قاله الإمام رضي الله عنه ثابت بالأدلة القاطعة قال تعالى @QB@ ما منعك ~~أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ @QB@ والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه @QE@ وقال تعالى @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ @QB@ ويبقى ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ وقال تعالى @QB@ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ~~ما في نفسك @QE@ وقال تعالى @QB@ كتب ربكم على نفسه الرحمة @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ واصطنعتك لنفسي @QE@ وقال تعالى @QB@ ويحذركم الله نفسه @QE@ وقال صلى ~~الله عليه وسلم في حديث الشفاعة لما يأتي الناس آدم فيقولون له خلقك الله ~~بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء الحديث ولا يصح تأويل من قال إن ~~المراد باليد بالقدرة فإن قوله @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ لا يصح أن يكون ~~معناه بقدرتي مع تثنية اليد ولو صح ذلك لقال إبليس وأنا أيضا خلقتني بقدرتك ~~فلا فضل له علي بذلك فإبليس مع كفره كان أعرف بربه من الجهمية ولا دليل لهم ~~في قوله تعالى @QB@ أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم ~~لها مالكون @QE@ لأنه تعالى جمع الأيدي لما اضافها إلى ضمير الجمع ليتناسب ~~الجمعان فاللفظان للدلالة على الملك والعظمة ولم يقل أيدي مضافا إلى ضمير ~~المفرد ولا يدينا بتثنية اليد مضافا إلى ضمير الجمع فلم يكن قوله @QB@ مما ~~عملت أيدينا @QE@ نظير قوله @QB@ لما خلقت بيدي @QE@ وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن ربه عز وجل حجابه النور ولو كشفه لأحرقت ms136 سبحات وجهه ما انتهى ~~إليه بصره من خلقه PageV01P241 # ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء أو جوارح أو أدوات أو أركان لأن ~~الركن جزء الماهية والله تعالى هو الأحد الصمد لا يتجزأ سبحانه وتعالى ~~والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضيه تعالى الله عن ذلك ومن هذا المعنى ~~قوله تعالى @QB@ الذين جعلوا القرآن عضين @QE@ والجوارح فيها معنى الاكتساب ~~والانتفاع وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع ~~المضرة وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى ولهذا لم يرد ذكرها في صفات ~~الله تعالى فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني سالمة من الاحتمالات الفاسدة ~~فكذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفيا ولا إثباتا لئلا يثبت معنى ~~فاسد أو ينفي معنى صحيح وكل هذه الالفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل # وأما لفظ الجهة فقد يراد به ما هو موجود وقد يراد به ما هو معدوم ومن ~~المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير ~~الله تعالى كان مخلوقا والله تعالى لا يحصره شيء ولا يحيط به شيء من ~~المخلوقات تعالى الله عن ذلك وإن أريد بالجهة امر عدمي وهو ما فوق العالم ~~فليس هناك إلا الله وحده فإذا قيل إنه في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح ~~ومعناه أنه فوق العالم حيث انتهت المخلوقات فهو فوق الجميع عال عليه ونقاه ~~لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي العلو يذكرون من أدلتهم أن الجهات كلها ~~مخلوقة وانه كان قبل الجهات وأن من قال إنه في جهة يلزمه القول بقدم شيء من ~~العالم وأنه كان مستغنيا عن الجهة ثم صار فيها وهذه الألفاظ ونحوها إنما ~~تدل على أنه ليس في شيء من المخلوقات وسواء سمي جهة أو لم يسم وهذا حق ولكن ~~الجهة PageV01P242 # ليست أمرا وجوديا بل أمر إعتباري ولا شك أن الجهات لا نهاية لها وما لا ~~يوجد فيما لا نهاية له فليس بموجود # وقول الشيخ رحمه الله لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات هو حق ~~باعتبار أنه لا يحيط ms137 به شيء من مخلوقاته بل هو محيد بكل شيء وفوقه وهذا ~~المعنى هو الذي أراده الشيخ رحمه الله لما يأتي في كلامه أنه تعالى محيط ~~بكل شيء وفوقه فإذا جمع بين كلاميه وهو قوله لا تحويه الجهات الست كسائر ~~المبتدعات وقوله محيط بكل شيء وفوقه علم أن مراده أن الله تعالى لا يحويه ~~شيء ولا يحيط به شيء كما يكون لغيره من المخلوقات وأنه تعالى هو المحيط بكل ~~شيء العالي عن كل شيء # لكن بقي في كلامه شيئان # أحدهما أن إطلاق مثل هذا اللفظ مع ما فيه من الإجمال والإحتمال كان تركه ~~أولى وإلا تسلط عليه وألزم بالتناقض في اثبات الإحاطة والفوقية ونفي جهة ~~العلو وإن أجيب عنه بما تقدم من أنه انما نفى أن يحويه شيء من مخلوقاته ~~فالاعتصام بالالفاظ الشرعية اولى # الثاني أن قوله كسائر المبتدعات يفهم منه أنه ما من مبتدع إلا وهو محوي ~~وفي هذا نظر فإنه ان أراد أنه محوي بأمر وجودي فممنوع فان العالم ليس في ~~عالم آخر وإلا لزم التسلسل وان أراد أمرا عدميا فليس كل مبتدع في العدم بل ~~منها ما هو داخل في غيره كالسموات والأرض في الكرسي ونحو ذلك ومنها ما هو ~~منتهى المخلوقات كالعرش فسطح العالم ليس في PageV01P243 # غيره من المخلوقات قطعا للتسلسل كما تقدم ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال ~~بأن سائر بمعنى البقية لا بمعنى الجميع هذا اصل معناها ومنه السؤر وهو ما ~~يبقيه الشارب في الإناء فيكون مراده غالب المخلوقات لا جميعها إذ السائر ~~على الغالب أدل منه على الجميع فيكون المعنى أن الله تعالى غير محوي كما ~~يكون أكثر المخلوقات محويا بل هو غير محوي بشيء تعالى الله عن ذلك ولا نظن ~~بالشيخ رحمه الله انه ممن يقول إن الله تعالى ليس داخل العالم ولا خارجه ~~بنفي التعيينين كما ظنه بعض الشارحين بل مراده أن الله تعالى منزه عن أن ~~يحيط به شيء من مخلوقاته وأن يكون مفتقرا إلى شيء منها العرش أو غيره # وفي ms138 ثبوت هذا الكلام عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه نظر فإن أضداده قد ~~شنعوا عليه بأشياء أهون منه فلو سمعوا مثل هذا الكلام لشاع عنهم تشنيعهم ~~عليه به وقد نقل أبو مطيع البلخي عنه إثبات العلو كما سيأتي ذكره ان شاء ~~الله تعالى وظاهر هذا الكلام يقتضي نفيه ولم يرد بمثله كتاب ولا سنة فلذلك ~~قلت إن في ثبوته عن الإمام نظرا وان الأولى التوقف في إطلاقه فإن الكلام ~~بمثله خطر بخلاف الكلام بما ورد عن الشارع كالاستواء والنزول ونحو ذلك ومن ~~ظن من الجهال أنه اذا نزل إلى سماء الدنيا كما أخبر الصادق صلى الله عليه ~~وسلم يكون العرش فوقه ويكون محصورا بين طبقتين من العالم فقوله مخالف ~~لإجماع السلف مخالف للكتاب والسنة وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن ~~عبد الرحمن PageV01P244 # الصابوني سمعت الأستاذ أبا منصور بن حماد بعد روايته حديث النزول يقول ~~سئل أبو حنيفة رضي الله عنه عنه فقال ينزل بلا كيف انتهى # وإنما توقف من توقف في نفي ذلك لضعف علمه بمعاني الكتاب والسنة وأقوال ~~السلف لذلك ينكر بعضهم أن يكون فوق العرش بل يقول لا مباين ولا مجانب لا ~~داخل العالم ولا خارجه فيصفونه بصفة العدم والممتنع ولا يصفونه بما وصف به ~~نفسه من العلو والاستواء على العرش ويقول بعضهم بحلوله في كل موجود أو يقول ~~هو وجود كل موجود ونحو ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا ~~كبيرا وسيأتي لإثبات صفة العلو لله تعالى زيادة بيان عند الكلام على قول ~~الشيخ رحمه الله محيط بكل شيء وفوقه إن شاء الله تعالى # # | قوله والمعراج حق وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في ~~اليقظة إلى السماء ثم إلى حيث شاء الله من العلا واكرمه الله بما شاء واوحى ~~اليه ما اوحى ما كذب الفؤاد ما راى ف صلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى # ش المعراج مفعال من العروج أي الآلة التي يعرج فيها أي يصعد وهو بمنزلة ~~السلم لكن ms139 لا يعلم كيف هو وحكمه كحكم غيره من المغيبات نؤمن به ولا نشتغل ~~بكيفيته # وقوله وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة اختلف ~~الناس في الإسراء PageV01P245 # فقيل كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية ~~رضي الله عنهما ونقل عن الحسن البصري نحوه لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن ~~يقال كان الإسراء مناما وبين أن يقال كان بروحه دون جسده وبينهما فرق عظيم ~~فعائشة ومعاوية رضي الله عنهما لم يقولا كان مناما وإنما قالا أسري بروحه ~~ولم يفقد جسده وفرق ما بين الأمرين أن ما يراه النائم قد يكون أمثالا ~~مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة فيرى كأنه قد عرج إلى السماء وذهب به ~~إلى مكة وروحه لم تصعد ولم تذهب وانما ملك الرؤيا ضرب له المثال فما أراد ~~أن الإسراء مناما وإنما اراد أن الروح ذاتها أسري بها ففارقت الجسد ثم عادت ~~اليه ويجعلان هذا من خصائصه فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى ~~السماء إلا بعد الموت # وقيل كان الإسراء مرتين مرة يقظة ومرة مناما وأصحاب هذا القول كأنهم ~~أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله ثم استيقظت وبين سائر الروايات وكذلك ~~منهم من قال بل كان مرتين مرة قبل الوحي ومرة بعده ومنهم من قال بل ثلاث ~~مرات مرة قبل الوحي ومرتين بعده وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة للتوفيق ~~وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث وإلا فالذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان ~~مرة واحدة بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة وقيل بسنة وشهرين ذكره ابن عبد ~~البر قال شمس الدين ابن القيم يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارا ~~كيف ساغ لهم ان يظنوا انه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين ثم يتردد بين ~~ربه وبين موسى PageV01P246 # حتى تصير خمسا فيقول أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ثم يعيدها في المرة ~~الثانية إلى خمسين ثم يحطها إلى خمس وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث ms140 ~~الإسراء ومسلم أورد المسند منه ثم قال فقدم وأخر وزاد ونقص ولم يسرد الحديث ~~وأجاد رحمه الله انتهى كلام الشيخ شمس الدين رحمه الله # وكان من حديث الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم أسري بجسده في اليقظة على ~~الصحيح من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكبا على البراق صحبة جبرائيل ~~عليه السلام فنزل هناك وصلى بالأنبياء إماما وربط البراق بحلقه باب المسجد ~~وقد قيل انه نزل بيت لحم وصلى فيه ولا يصح عنه ذلك البتة ثم عرج من بين ~~المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا فاستفتح له جبرائيل ففتح لهما فرأى ~~هناك آدم أبا البشر فسلم عليه فرحب به ورد عليه السلام وأقر بنبوته ثم عرج ~~به إلى السماء الثانية فاستفتح له فرأى فيها يحيى ابن زكريا وعيسى ابن مريم ~~فلقيهما فسلم عليهما فردا عليه السلام ورحبا به وأقرا بنبوته ثم عرج به إلى ~~السماء الثالثة فرأى فيها يوسف فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم عرج به ~~إلى السماء الرابعة فرأى فيها إدريس فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم عرج ~~به إلى السماء الخامسة فرأى فيها هارون بن عمران فسلم عليه ورحب به وأقر ~~بنبوته ثم عرج به إلى السماء السادسة فلقي فيها موسى فسلم عليه ورحب به ~~وأقر بنبوته فلما جاوزه بكى موسى فقيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث ~~بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي ثم عرج به إلى السماء ~~السابعة فلقي فيها إبراهيم فسلم عليه ورحب به واقر بنبوته ثم رفع إلى سدرة ~~المنتهى ثم رفع له البيت المعمور ثم عرج به إلى الجبار جل PageV01P247 # جلاله وتقدست أسماؤه فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ~~ما أوحى وفرض عليه خمسين صلاة فرجع حتى مر على موسى فقال بم أمرت قال ~~بخمسين صلاة فقال إن أمتك لا تطيق ذلك ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ~~فالتفت إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك فأشار أن نعم إن ms141 شئت فعلا به ~~جبرائيل حتى أتى به إلى الجبار تبارك وتعالى وهو في مكانه هذا لفظ البخاري ~~في صحيحه وفي بعض الطرق فوضع عنه عشرا ثم نزل حتى مر بموسى فأخبره فقال ~~ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله تبارك ~~وتعالى حتى جعلها خمسا فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف فقال قد استحييت ~~من ربي ولكن ارضى واسلم فلما نفذ نادى مناد قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي # وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل ~~بعين رأسه وأن الصحيح أنه رآه بقلبه ولم يره بعين رأسه وقوله @QB@ ما كذب ~~الفؤاد ما رأى @QE@ @QB@ ولقد رآه نزلة أخرى @QE@ صح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ان هذا المرئي جبرائيل رآه مرتين على صورته التي خلق عليها # وأما قوله تعالى في سورة النجم ثم دنى فتدلى فهو غير الدنو PageV01P248 # والتدلي المذكورين في قصة الإسراء فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبرائيل ~~وتدليه كما قالت عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما فإنه قال @QB@ علمه شديد ~~القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى @QE@ فالضمائر كلها ~~راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى وأما الدنو والتدلي الذي في حديث ~~الاسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى وتدليه وأما الذي في سورة النجم ~~أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى فهذا هو جبرائيل رآه مرتين مرة في ~~الأرض ومرة عند سدرة المنتهى # ومما يدل على أن الاسراء بجسده في اليقظة قوله تعالى @QB@ سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى @QE@ والعبد عبارة عن ~~مجموع الجسد والروح كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح هذا هو المعروف ~~عند الإطلاق وهو الصحيح فيكون الإسراء بهذا المجموع ولا يمتنع ذلك عقلا ولو ~~جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة وذلك يؤدي إلى إنكار ~~النبوة وهو كفر # فإن قيل فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس اولا فالجواب والله أعلم ~~أن ذلك ms142 كان إظهارا لصدق دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم المعراج حين سألته ~~قريش عن نعت بيت المقدس فنعته لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه ~~ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك إذ لا يمكن اطلاعهم على ما في ~~السماء لو أخبرهم عنه وقد اطلعوا على بيت المقدس فأخبرهم بنعته # وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو لله تعالى من وجوه لمن تدبره ~~وبالله التوفيق PageV01P249 # $ قوله والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لامته حق # ش الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر رواها من الصحابة بضع ~~وثلاثون صحابيا ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير تغمده ~~الله برحمته في آخر تاريخه الكبير المسمى ب البداية والنهاية فمنها ما رواه ~~البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء من اليمن وان فيه ~~من الأباريق كعدد نجوم السماء وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم ليردن ~~علي ناس من أصحابي حتى اذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول أصحابي فيقول لا تدري ~~ما أحدثوا بعدك رواه مسلم وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال أغفى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اغفاة فرفع رأسه مبتسما إما قال لهم وإما قالوا له ~~لم ضحكت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أنزلت علي آنفا سورة فقرأ ~~بسم الله الرحمن الرحيم @QB@ إنا أعطيناك الكوثر @QE@ حتى ختمها ثم قال لهم ~~هل تدرون ما الكوثر قالوا الله ورسوله أعلم قال هو نهر أعطانيه ربي عز وجل ~~في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج ~~العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي فيقال لي انك لا تدري ما أحدثوا بعدك ~~ورواه مسلم ولفظه هو نهر وعدنيه PageV01P250 # ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة والباقي مثله ومعنى ms143 ~~ذلك أنه يشخب فيه ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض والحوض في العرصات قبل ~~الصراط لأنه يختلج عنه ويمنع منه أقوام قد ارتدوا على أعقابهم ومثل هؤلاء ~~لا يجاوزون الصراط وروى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنا فرطكم على الحوض والفرط الذي يسبق ~~إلى الماء وروى البخاري عن سهل بن سعد الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا ليردن ~~علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم قال أبو حازم فسمعني ~~النعمان بن أبي عياش فقال هكذا سمعت من سهل فقلت نعم فقال نعم أشهد على أبي ~~سعيد الخدري سمعته وهو يزيد فأقول إنهم من أمتي فقال إنك لا تدري ما أحدثوا ~~بعدك فقال سحقا سحقا لمن غير بعدي سحقا أي بعدا # والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض أنه الحوض عظيم ومورد كريم ~~يمد من شراب الجنة من نهر الكوثر الذي هو أشد بياضا من اللبن وأبرد من ~~الثلج وأحلى من العسل وأطيب ريحا من المسك وهو في غاية الاتساع عرضه وطوله ~~سواء كل زاوية من زواياه مسيرة شهر وفي بعض الأحاديث أنه كلما شرب منه وهو ~~في زيادة واتساع وأنه ينبت في خلاله من المسك والرضراض من اللؤلؤ و قضبان ~~الذهب ويثمر ألوان الجواهر فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء وقد ورد في ~~أحاديث أن لكل نبي حوضا وأن حوض PageV01P251 # نبينا صلى الله عليه وسلم أعظمها وأحلاها وأكثرها واردا جعلنا الله منهم ~~بفضله وكرمه # قال العلامة أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في التذكرة واختلف في ~~الميزان والحوض أيهما يكون قبل الآخر فقيل الميزان وقيل الحوض قال أبو ~~الحسن القابسي والصحيح أن الحوض قبل قال القرطبي والمعنى يقتضيه فإن الناس ~~يخرجون عطاشا من قبورهم كما تقدم فيقدم قبل الميزان والصراط قال أبو حامد ~~الغزالي رحمه الله في كتاب كشف علم ms144 الآخرة حكى بعض السلف من أهل التصنيف أن ~~الحوض يورد بعد الصراط وهو غلط من قائله قال القرطبي هو كما قال ثم قال ~~القرطبي ولا يخطر ببالك أنه في هذه الأرض بل في الأرض المبدلة أرض بيضاء ~~كالفضة لم يسفك فيها دم ولم يظلم على ظهرها أحد قط تظهر لنزول الجبار جل ~~جلاله لفصل القضاء انتهى فقاتل الله المنكرين لوجود الحوض وأخلق بهم ان ~~يحال بينهم وبين وروده يوم العطش الأكبر # $ قوله والشفاعة التي ادخرها لهم حق كما روي في الأخبار # ش الشفاعة أنواع منها ما هو متفق عليه بين الامة ومنها ما خالف فيه ~~المعتزلة ونحوهم من اهل البدع PageV01P252 # النوع الأول الشفاعة الأولى وهي العظمة الخاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم ~~من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين في ~~الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أحاديث الشفاعة # منها عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلحم فدفع إليه منها الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة ثم قال أنا سيد ~~الناس يوم القيامة وهل تدرون لم ذلك يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد ~~واحد فيقول بعض الناس لبعض ألا ترون إلى ما أنتم فيه ألا ترون إلى ما قد ~~بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض أبوكم آدم ~~فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه ~~وأمر الملائكة فسجدوا لك فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى ~~ما قد بلغنا فيقول آدم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن ~~يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي نفسي نفسي اذهبوا ~~إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل ~~الآرض وسماك الله عبدا شكورا فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ~~ترى ms145 ما قد بلغنا فيقول نوح إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن ~~يغضب بعده مثله وانه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي نفسي ~~اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت ~~نبي الله وخليله من أهل الأرض ألا ترى إلى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا ~~فيقول ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن PageV01P253 # يغضب بعده مثله وذكر كذباته نفسي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا ~~إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله اصطفاك الله برسالاته ~~وبتكليمه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد ~~بلغنا فيقول لهم موسى ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب ~~بعده مثله وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى ~~غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه قال هكذا هو وكلمت الناس في المهد فاشفع لنا ربك ~~ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم عيسى ان ربي قد غضب ~~اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر له ذنبا اذهبوا ~~إلى غيري اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتوني فيقولون يا محمد أنت ~~رسول الله وخاتم الأنبياء غفر الله لك ذنبك ما تقدم منه وما تأخر فاشفع لنا ~~إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا فأقوم فآتي تحت العرش ~~فأقع ساجدا لربي عز وجل ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء ~~عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي فيقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه اشفع ~~تشفع فأقول يا رب أمتي امتي يا رب أمتي أمتي يا رب أمتي أمتي فيقول ادخل من ~~أمتك من لا ms146 حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما ~~سواه من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده لما بين مصراعين من مصاريع الجنة ~~كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى أخرجاه في الصحيحين بمعناه واللفظ ~~للإمام أحمد PageV01P254 # والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه لا يذكرون أمر ~~الشفاعة الأولى في مأتى الرب سبحانه وتعالى لفصل القضاء كما ورد هذا في ~~حديث الصور فإنه المقصود في هذا المقام ومقتضى سياق أول الحديث فان الناس ~~إنما يستشفعون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس ~~ويستريحوا من مقامهم كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه فإذا وصلوا إلى ~~الجزاء إنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار وكان مقصود ~~السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث هو الرد على الخوارج ومن ~~تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها فيذكرون هذا ~~القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم فيما ذهبوا اليه من ~~البدعة المخالفة للأحاديث وقد جاء التصريح بذلك في حديث الصور ولولا خوف ~~الإطالة لسقته بطوله لكن من مضمونه أنهم يأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم ~~موسى ثم عيسى ثم يأتون رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم فيذهب فيسجد تحت ~~العرش في مكان يقال له الفحص فيقول الله ما شأنك وهو أعلم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأقول يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم ~~فيقول سبحانه وتعالى شفعتك أنا آتيكم فأقضي بينهم قال فأرجع فأقف مع الناس ~~ثم ذكر انشقاق السموات وتنزل الملائكة في الغمام ثم يجيء الرب سبحانه ~~وتعالى لفصل القضاء والكروبيون والملائكة المقربون يسبحون بأنواع التسبيح ~~قال فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه ثم يقول إني أنصت لكم منذ خلقتكم إلى ~~يومكم هذا أسمع أقوالكم وأرى أعمالكم فأنصتوا الي فإنما PageV01P255 # هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن ms147 وجد غير ذلك ~~فلا يلومن إلا نفسه إلى أن قال فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة قالوا من ~~يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة فيقولون من أحق بذلك من أبيكم إنه خلقه الله ~~بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه وذكر نوحا ~~ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أن قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فآتي الجنة بحلقة الباب ثم استفتح فيفتح لي فأحيا ~~ويرحب بي فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي عز وجل خررت له ساجدا فيأذن لي من ~~حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ثم يقول الله لي ارفع يا محمد ~~واشفع تشفع وسل تعطه فاذا رفعت رأسي قال الله وهو أعلم ما شأنك فأقول يا رب ~~وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة فيقول الله عز وجل قد ~~شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة الحديث رواه الأئمة ابن جرير في تفسيره ~~والطبراني وأبو يعلى الموصلي والبيهقي وغيرهم PageV01P256 # النوع الثاني والثالث من الشفاعة شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام قد ~~تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة وفي أقوام آخرين قد أمر ~~بهم إلى النار ان لا يدخلونها # النوع الرابع شفاعته صلى الله عليه وسلم في رفع درجات من يدخل الجنة فيها ~~فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم وقد وافقت المعتزلة على هذه الشفاعة خاصة ~~وخالفوا فيما عداها من المقامات مع تواتر الاحاديث فيها # النوع الخامس الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب ويحسن أن ~~يستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن حين دعا له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب والحديث مخرج ~~في الصحيحين # النوع السادس الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه كشفاعته في عمه أبي ~~طالب أن يخفف عنه عذابه ثم قال القرطبي في التذكرة بعد ذكر هذا النوع فإن ~~قيل فقد قال تعالى @QB@ فما تنفعهم شفاعة ms148 الشافعين @QE@ قيل له لا تنفعه في ~~الخروج من النار كما تنفع عصاه الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة # النوع السابع شفاعته أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة كما تقدم وفي ~~صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنا ~~أول شفيع في الجنة PageV01P257 # النوع الثامن شفاعته في أهل الكبائر من أمته ممن يدخل النار فيخرجون منها ~~وقد تواترت بهذا النوع الاحاديث وقد خفي علم ذلك على الخوارج والمعتزلة ~~فخالفوا في ذلك جهلا منهم بصحة الأحاديث وعنادا ممن علم ذلك واستمر على ~~بدعته وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضا وهذه ~~الشفاعة تتكرر منه صلى الله عليه وسلم أربع مرات ومن أحاديث هذا النوع حديث ~~أنس ابن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعتي ~~لأهل الكبائر من أمتي رواه الإمام أحمد رحمه الله وروى البخاري رحمه الله ~~في كتاب التوحيد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال ~~العنزي قال اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا ~~بثابت البناني اليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة فإذا هو في قصره فوافقناه ~~يصلي الضحى فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه فقلنا لثابت لا تسأله عن ~~شيء أول من حديث الشفاعة فقال يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة ~~جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة فقال حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال إذا ~~كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا لى ~~ربك فيقول لست بها ولكن عليكم بإبراهيم فانه خليل الرحمن فيأتون إبراهيم ~~فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى فيقول لست لها ~~ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقول لست لها ولكن ~~عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيأتوني فأقول أنا لها فأستأذن علي ربي ~~فيؤذن لي ويلهمني محامد احمده بها لا تحضرني الآن ms149 PageV01P258 # فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك ~~واشفع تشفع وسل تعط فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان ~~في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم ~~أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وسل تعط ~~فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو ~~خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال ~~يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي ~~فيقول انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ~~فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل قال فلما خرجنا من عند أنس قلت لبعض أصحابنا ~~لو مررنا بالحسن وهو متوار في منزل أبي خليفة فحدثناه بما حدثنا به أنس بن ~~مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك ~~أنس بن مالك فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة فقال هيه وحدثناه بالحديث ~~فانتهى إلى هذا الموضع فقال هيه فقلنا لم يزد لنا على هذا فقال لقد حدثني ~~وهو جميع منذ عشرين سنة فما أدري أنسي أم كره أن تتكلوا فقلنا يا أبا سعيد ~~فحدثنا فضحك وقال خلق الإنسان عجولا ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم ~~حدثني كما حدثكم به قال ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ~~ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب ~~ائذن لي فيمن قال لا إله الا الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي ~~لأخرجن منها من قال لا إله الا الله وهكذا رواه مسلم وروى الحافظ أبو يعلى ~~عن عثمان PageV01P259 # رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفع يوم القيامة ~~ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ms150 وفي الصحيح من حديث أبي سعيد رضي ~~الله عنه مرفوعا قال فيقول الله تعالى شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع ~~المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما ~~لم يعملوا خيرا قط الحديث # ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال فالمشركون والنصارى والمبتدعون ~~من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة ~~المعروفة في الدنيا والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه ~~وسلم وغيره في أهل الكبائر واما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر وشفاعة غيره لكن لا يشفع أحد حتى يأذن ~~الله له ويحد له حدا كما في الحديث الصحيح حديث الشفاعة إنهم يأتون آدم ثم ~~نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى فيقول لهم عيسى عليه السلام اذهبوا إلى ~~محمد فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني فأذهب فإذا ~~رأيت ربي خررت له ساجدا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقول ~~أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع فأقول ربي أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم ~~الجنة ثم انطلق فأسجد فيحد لي حدا ذكرها ثلاث مرات PageV01P260 # وأما الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره في الدنيا إلى الله ~~تعالى في الدعاء ففيه تفصيل فإن الداعي تارة يقول بحق نبيك أو بحق فلان ~~يقسم على الله بأحد من مخلوقاته فهذا محذور من وجهين أحدهما أنه أقسم بغير ~~الله والثاني اعتقاده أن لأحد على الله حقا ولا يجوز الحلف بغير الله وليس ~~لأحد على الله حق إلا ما أحقه على نفسه كقوله تعالى @QB@ وكان حقا علينا ~~نصر المؤمنين @QE@ وكذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم ~~لمعاذ رضي الله عنه وهو رديفه يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده قلت الله ~~ورسوله أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق ~~العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت الله ms151 ورسوله أعلم قال حقهم عليه أن لا ~~يعذبهم فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق لا أن العبد نفسه مستحق ~~على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق فإن الله هو المنعم على العباد ~~بكل خير وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن ~~يقسم به ولا أن يسأل بسببه ويتوسل به لأن السبب هو ما نصبه الله سببا وكذلك ~~الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قول الماشي إلى الصلاة أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك فهذا حق ~~السائلين هو أوجبه على نفسه فهو الذي أحق للسائلين أن يجيبهم وللعابدين أن ~~يثيبهم ولقد أحسن القائل % ما للعباد عليه حق واجب % % كلا ولا سعي لديه ~~ضائع % # | PageV01P261 % إن عذبوا فبعدله أو نعموا % % فبفضله وهو الكريم السامع ~~% # فإن قيل فإي فرق بين قول الداعي بحق السائلين عليك وبين قوله بحق نبيك أو ~~نحو ذلك فالجواب أن معنى قوله بحق السائلين عليك أنك وعدت السائلين ~~بالإجابة وأنا من جملة السائلين فأجب دعائي بخلاف قوله بحق فلان فإن فلانا ~~وإن كان له حق على الله بوعده الصادق فلا مناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء ~~هذا السائل فكأنه يقول لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعاي وأي مناسبة في ~~هذا وأي ملازمة وإنما هذا من الإعتداء في الدعاء وقد قال تعالى @QB@ ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين @QE@ وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة ~~ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا ~~عن أحد من الأئمة رضي الله عنهم وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل ~~التي يكتب بها الجهال والطرقية والدعاء من أفضل العبادات والعبادات مبناها ~~على السنة والاتباع لا على الهوى والابتداع # وإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان فذلك محذور أيضا لأن الإقسام ~~بالمخلوق لا يجوز فكيف على الخالق وقد قال صلى الله عليه وسلم من حلف بغير ~~الله فقد ms152 اشرك ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه رضي الله عنهم يكره أن يقول ~~الداعي أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر ~~الحرام ونحو ذلك حتى كره أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما أن يقول الرجل ~~اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك ولم يكرهه أبو يوسف رحمه الله لما بلغه ~~الأثر فيه وتارة يقول بجاه فلان عندك أو يقول نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك ~~وأوليائك ومراده أن فلانا PageV01P262 # عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا وهذا أيضا محذور فإنه لو كان هذا ~~هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ~~لفعلوه بعد موته وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه يطلبون منه أن يدعو ~~لهم وهم يؤمنون على دعائه كما في الاستسقاء وغيره فلما مات صلى الله عليه ~~وسلم قال عمر رضي الله عنه لما خرجوا يستسقون اللهم إنا كنا اذا أجدبنا ~~نتوسل اليك بنبينا فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا معناه بدعائه هو ربه ~~وشفاعته وسؤاله ليس المراد أنا نقسم عليك به أو نسألك بجاهة عندك إذ لو كان ~~ذلك مرادا لكان جاه النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وأعظم من جاه العباس # وتارة يقول باتباعي لرسولك ومحبتي له وإيماني به وسائر أنبيائك ورسلك ~~وتصديقي لهم ونحو ذلك فهذا من أحسن ما يكون في الدعاء والتوسل والاستشفاع # فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال غلط بسببه من لم يفهم معناه فإن ~~أريد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا وهذا في حياته يكون أو لكون الداعي ~~محبا له مطيعا لأمره مقتديا به وذلك أهل للمحبة والطاعة والاقتداء فيكون ~~التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته وإما بمحبة السائل واتباعه أو يراد به ~~الاقسام به والتوسل بذاته فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه # وكذلك السؤال بالشيء قد يراد به التسبب به لكونه سببا في حصول المطلوب ~~وقد يراد به الإقسام به # ومن الأول جاءت الثلاثة الذين أووا إلى الغار وهو حديث مشهور في الصحيحين ~~وغيرهما فإن ms153 الصخرة انطبقت عليهم PageV01P263 # فتوسلوا إلى الله بذكر أعمالهم الصالحة الخالصة وكل واحد منهم يقول فإن ~~كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا ~~يمشون فهؤلاء دعوا الله بصالح الأعمال لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما ~~يتوسل به العبد إلى الله ويتوجه به اليه ويسأله به لأنه وعد أن يستجيب ~~للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله # فالحاصل أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر فإن الشفيع عند ~~البشر كما أنه شافع للطالب شفعة في الطلب بمعنى أنه صار شفعا فيه بعد أن ~~كان وترا فهو أيضا قد شفع المشفوع إليه وبشفاعته صار فاعلا للمطلوب فقد شفع ~~الطالب والمطلوب منه والله تعالى وتر لا يشفعه أحد فلا يشفع عنده أحد إلا ~~بإذنه فالأمر كله اليه فلا شريك له بوجه فسيد الشفعاء يوم القيامة اذا سجد ~~وحمد الله تعالى فقال له الله ارفع رأسك وقل يسمع واسأل تعطه واشفع تشفع ~~فيحد له حدا فيدخلهم الجنة فالأمر كله لله كما قال تعالى @QB@ قل إن الأمر ~~كله لله @QE@ وقال تعالى @QB@ ليس لك من الأمر شيء @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~ألا له الخلق والأمر @QE@ # فإذا كان لا يشفع عنده أحد إلا باذنه لمن يشاء ولكن يكرم الشفيع بقبول ~~شفاعته كما قال صلى الله عليه وسلم اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ~~ما يشاء وفي الصحيح أن النبي PageV01P264 # صلى الله عليه وسلم قال يا بني عبد مناف لا أملك لكم من الله شيئا يا ~~صفية يا عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أملك لك من الله شيئا يا عباس ~~عم رسول الله لا أملك لك من الله شيئا وفي الصحيح أيضا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو شاة ~~لها يعار أو رقاع تخفق فيقول أغثني أغثني فأقول قد أبلغتك لا أملك لك من ~~الله من شيء فإذا كان سيد الخلق وأفضل الشفعاء يقول لأخص الناس به لا ms154 أملك ~~لكم من الله من شيء فما الظن بغيره وإذا دعاه الداعي وشفع عنده الشفيع فسمع ~~الدعاء وقبل الشفاعة لم يكن هذا هو المؤثر فيه كما يؤثر المخلوق في المخلوق ~~فإنه سبحانه وتعالى هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع وهو الخالق لأفعال العباد ~~فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه وهو الذي ~~وفقه للدعاء ثم أجابه وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر وأن ~~الله خالق كل شيء # $ قوله والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق # ش قال تعالى @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين @QE@ أخبر سبحانه أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على ~~أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله الا هو وقد وردت أحاديث في أخذ ~~الذرية من صلب آدم عليه السلام وتمييزهم إلى أصحاب اليمين والى أصحاب ~~PageV01P265 الشمال وفي بعضها الإشهاد عليهم بأن الله ربهم # فمنها ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة ~~فأخرج من صلبة كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا إلى قوله المبطلون ورواه النسائي أيضا وابن جرير وابن أبي ~~حاتم والحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه # وروى الإمام أحمد أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن هذه ~~الآية فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال إن الله خلق ~~آدم عليه السلام ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للجنة ~~وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره باستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للنار ~~وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل قال رسول الله ~~صلى ms155 الله عليه وسلم إن الله عز وجل اذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل ~~الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة واذا خلق العبد ~~للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل ~~به النار ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير وابن ~~حبان في صحيحه # وروى الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خلق ~~الله آدم مسح على ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم ~~القيامة وجعل بين عيني كل انسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال ~~اي رب من هؤلاء قال PageV01P266 # هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا ~~قال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود قال رب كم عمره قال ستون ~~سنة قال أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت ~~قال أولم يبق من عمري أربعون سنة قال أو لم تعطها ابنك داود قال فجحد فجحدت ~~ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطى آدم فخطيت ذريته ثم قال الترمذي هذا حديث ~~حسن صحيح ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه # وروى الإمام أحمد أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على ~~الأرض من شيء أكنت مفتديا به قال فيقول نعم قال فيقول قد اردت اهون من ذلك ~~قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي شيئا ~~وأخرجاه في الصحيحين أيضا # وذكر أحاديث اخرى أيضا كلها دالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه ~~وميز بين أهل النار وأهل الجنة ومن هنا قال من قال إن الأرواح مخلوقة قبل ~~الأجساد وهذه الآثار لا ms156 تدل على سبق الأرواح والأجساد سبقا مستقرا ثابتا ~~وغايتها أن تدل على أن باريها وفاطرها سبحانه صور النسمة وقدر خلقها وأجلها ~~وعملها واستخرج تلك الصور من مادتها ثم أعادها إليها وقدر خروج كل فرد من ~~PageV01P267 أفرادها في وقته المقدر له ولا يدل على أنها خلقت خلقا مستقر و ~~استمرت موجودة ناطقة كلها في موضع واحد ثم يرسل منها إلى الأبدان جملة بعد ~~جملة كما قاله ابن حزم فهذا لا تدل الآثار عليه نعم الرب سبحانه يخلق منها ~~جملة بعد جملة كما قاله على الوجه الذي سبق به التقدير أولا فيجيء الخلق ~~الخارجي مطابقا للتقدير السابق كشأنه سبحانه في جميع مخلوقاته فإنه قدر لها ~~أقدارا وآجالا وصفات وهيآت ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير ~~السابق فالآثار المروية في ذلك إنما تدل على القدر السابق وبعضها يدل على ~~أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة وأما ~~الإشهاد عليهم هناك فانما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وعمر رضي الله ~~عنهم ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف إن المراد بهذا الأشهاد انما هو ~~فطرتهم على التوحيد كما تقدم كلام المفسرين على هذه الآية الكريمة في حديث ~~أبي هريرة رضي الله عنه ومعنى قوله @QB@ شهدنا @QE@ أي قالوا بلى شهدنا أنك ~~ربنا وهذا قول ابن عباس وأبي ابن كعب وقال ابن عباس أيضا اشهد بعضهم على ~~بعض وقيل @QB@ شهدنا @QE@ من قول الملائكة والوقف على قوله @QB@ بلى @QE@ ~~وهذا قول مجهاهد والضحاك وقال السدي أيضا هو خبر من الله تعالى عن نفسه ~~وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم والأول أظهر وما عداه احتمال لا ~~دليل عليه وانما يشهد ظاهر الآية للأول # واعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول بأن الله استخرج ذرية آدم من ~~ظهره واشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم كالثعلبي والبغوي وغيرهما ومنهم من لم ~~يذكره بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته PageV01P268 # ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها الله فيهم كالزمخشري ~~وغيره ومنهم ms157 من ذكر القولين كالواحدي والرازي والقرطبي وغيرهم لكن نسب ~~الرازي القول الأول إلى أهل السنة والثاني إلى المعتزلة ولا ريب أن الآية ~~لا تدل على القول الأول أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم وإنما فيها أن الأخذ ~~من ظهور بني آدم وإنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض ~~الأحاديث وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار ~~كما في حديث عمر رضي الله عنه وفي بعضها الأخذ وإراء آدم اياهم من غير قضاء ~~ولا اشهاد كما في حديث أبي هريرة والذي فيه الإشهاد على الصفة التي قالها ~~أهل القول الأول موقوف على ابن عباس وعمر وتكلم فيه أهل الحديث ولم يخرجه ~~أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك على الصحيحين والحاكم معروف ~~التساهل رحمه الله # والذي فيه القضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار دليل على مسألة ~~القدر وذلك شواهده كثيرة ولا نزاع فيه بين أهل السنة وإنما يخالف فيه ~~القدرية المبطلون المبتدعون # وأما الأول فالنزاع فيه بين أهل السنة من السلف والخلف ولولا ما التزمته ~~من الاختصار لبسطت الأحاديث الواردة في ذلك وما قيل من الكلام عليها وما ~~ذكر فيها من المعاني المعقولة ودلالة ألفاظ الآية الكريمة # قال القرطبي وهذه الآية مشكلة وقد تكلم العلماء في تأويلها فنذكر ما ~~ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه فقال قوم معنى الآية أن الله أخرج من ظهر ~~بني آدم بعضهم من بعض ومعنى @QB@ وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم @QE@ دلهم ~~على توحيده لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربا واحدا سبحانه وتعالى قال فقام ~~ذلك PageV01P269 # مقام الإشهاد عليهم كما قال تعالى في السموات والأرض @QB@ قالتا أتينا ~~طائعين @QE@ ذهب إلى هذا القفال وأطنب وقيل انه سبحانه وتعالى أخرج الأرواح ~~قبل خلق الاجساد وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها ثم ذكر ~~القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك إلى آخر كلامه وأقوى ما يشهد لصحة ~~القول الأول حديث أنس ms158 المخرج في الصحيحين الذي فيه قد أردت منك ما هو أهون ~~من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي ~~ولكن قد روي من طريق آخرى قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل فيرد إلى ~~النار وليس فيه في ظهر آدم وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم على ~~الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول # بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين أحدهما كون الناس تكلموا حينئذ ~~وأقروا بالإيمان وانه بهذا تقوم الحجة عليهم يوم القيامة والثاني أن الآية ~~دلت على ذلك والآية لا تدل عليه لوجوه # أحدها أنه قال من بني آدم ولم يقل من آدم # الثاني أنه قال من ظهورهم ولم يقل من ظهره وهذا بدل بعض أو بدل اشتمال ~~وهو أحسن # الثالث أنه قال ذرياتهم ولم يقل ذريته # الرابع أنه قال وأشهدهم على أنفسهم ولا بد أن يكون الشاهد ذاكرا ~~PageV01P270 لما شهد به وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار كما ~~تأتي الاشارة إلى ذلك لا يذكر شهادة قبله # الخامس أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة للحجة عليهم لئلا ~~يقولوا يوم القيامة @QB@ إنا كنا عن هذا غافلين @QE@ والحجة انما قامت ~~عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها كما قال تعالى @QB@ رسلا مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ # السادس تذكيرهم بذلك لئلا يقولوا يوم القيامة @QB@ إنا كنا عن هذا غافلين ~~@QE@ ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جميعا ~~ذلك الوقت فهذا لا يذكره أحد منهم # السابع قوله تعالى @QB@ أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من ~~بعدهم @QE@ فذكر حكمتين في هذا الإشهاد لئلا يدعوا الغفلة أو يدعوا التقيلد ~~فالغافل لا شعور له والمقلد متبع في تقليده لغيره ولا تترتب هاتان الحكمتان ~~إلا على ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة # الثامن قوله @QB@ أفتهلكنا بما فعل المبطلون @QE@ أي توعدهم بجحودهم ~~وشركهم لما قالوا ذلك وهو سبحانه ms159 إنما يهلكهم بمخالفة رسله وتكذيبهم وقد ~~أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون وإنما يهلكهم بعد ~~الإعذار والإنذار بإرسال الرسل # التاسع أنه سبحانه اشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه واحتج عليه بهذا ~~في غير موضع من كتابه كقوله @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله @QE@ فهذه هي الحجة التي اشهدهم على أنفسهم PageV01P271 # بمضمونها وذكرتهم بها رسله بقولهم @QB@ أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ~~@QE@ # العاشر أنه جعل هذا آية وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها ~~وهذا شأن آيات الرب تعالى فقال تعالى @QB@ وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ~~@QE@ وانما ذلك بالفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله فما من ~~مولود إلا يولد على الفطرة لا يولد مولود على غير هذه الفطرة هذا أمر مفروغ ~~منه لا تبديل ولا تغيير وقد تقدمت الإشارة إلى هذا والله أعلم # وقد تفطن لهذا ابن عطية وغيره ولكن هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث التي ~~فيها التصريح بأن الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم وكذلك حكى ~~القولين الشيخ أبو منصور الماتريدي في شرح التأويلات ورجح القول الثاني ~~وتكلم عليه ومال إليه # ولا شك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري والشرك حادث طاريء والأبناء تقلدوه ~~عن الآباء فإذا احتجوا يوم القيامة بأن الآباء أشركوا ونحن جرينا على ~~عادتهم كما يجري الناس على عادة آبائهم في المطاعم والملابس والمساكن يقال ~~لهم أنتم كنتم معترفين بالصانع مقرين بأن الله ربكم لا شريك له وقد شهدتم ~~بذلك على أنفسكم فإن شهادة المرء على نفسه هي إقراره بالشيء ليس إلا قال ~~الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو ~~على أنفسكم @QE@ وليس المراد أن يقول أشهد على نفسي بكذا بل من أقر بشيء ~~فقد شهد على نفسه به فلم عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به على ~~أنفسكم إلى الشرك بل عدلتم عن المعلوم المتيقن PageV01P272 # إلى ما لا يعلم له حقيقة تقليدا لمن لا حجة معه بخلاف اتباعهم في العادات ms160 ~~الدنيوية فإن تلك لم يكن عندكم ما يعلم به فسادها وفيه مصلحة لكم بخلاف ~~الشرك فإنه كان عندكم من المعرفة والشهادة على أنفسكم ما يبين فساده ~~وعدولكم فيه عن الصواب # فان الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو دين التربية والعادة وهو لأجل ~~مصلحة الدنيا فإن الطفل لا بد له من كافل وأحق الناس به أبواه ولهذا جاءت ~~الشريعة بأن الطفل مع أبويه على دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة وهذا الدين ~~لا يعاقبه الله عليه على الصحيح حتى يبلغ ويعقل وتقوم عليه الحجة وحينئذ ~~فعليه أن يتبع دين العلم والعقل وهو الذي يعلم بعقله هو أنه دين صحيح فإن ~~كان آباؤه مهتدين كيوسف الصديق مع آبائه قال @QB@ واتبعت ملة آبائي إبراهيم ~~وإسحاق ويعقوب @QE@ وقال ليعقوب بنوه @QB@ نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق @QE@ وان كان الآباء مخالفين الرسل كان عليه أن يتبع الرسل ~~كما قال تعالى @QB@ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما @QE@ # فمن اتبع دين آبائه بغير بصيرة وعلم بل يعدل عن الحق المعلوم إليه فهذا ~~اتبع هواه كما قال تعالى @QB@ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ~~@QE@ # وهذه حال كثير من الناس من الذين ولدوا على الاسلام يتبع أحدهم أباه فيما ~~كان عليه من اعتقاد ومذهب وإنه كان خطأ ليس PageV01P273 # هو فيه على بصيرة بل هو من مسلمة الدار لا مسلمة الاختيار وهذا إذا قيل ~~له في قبره من ربك قال هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته # فليتأمل اللبيب هذا المحل ولينصح نفسه وليقم معه ولينظر من أي الفريقين ~~هو والله الموفق فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل فإنه مركوز في الفطر ~~وأقرب ما ينظر فيه المرء أمر نفسه لما كان نطفة وقد خرج من بين الصلب ~~والترائب والترائب عظام الصدر ثم صارت تلك النطفة في قرار مكين في ظلمات ~~ثلاث ms161 وانقطع عنها تدبير الأبوين وسائر الخلائق ولو كانت موضوعة على لوح أو ~~طبق واجتمع حكماء العالم على أن يصوروا منها شيئا لم يقدروا ومحال توهم عمل ~~الطبائع فيها لأنها موات عاجزة ولا توصف بحياة ولن يتأتى من الموات فعل ~~وتدبير فإذا تفكر في ذلك وانتقال هذه النطفة من حال إلى حال علم بذلك توحيد ~~الربوبية فانتقل منه إلى توحيد الإلهية فإنه اذا علم بالعقل أن له ربا ~~أوجده كيف يليق به أن يعبد غيره وكلما تفكر وتدبر ازداد يقينا وتوحيدا ~~والله الموفق لا رب غيره ولا إله سواه # # | قوله وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل ~~النار جملة واحدة فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه وكذلك أفعالهم فيما ~~علم منهم أن يفعلوه # ش قال الله تعالى @QB@ أن الله بكل شيء عليم @QE@ @QB@ وكان الله بكل شيء ~~عليما @QE@ فالله تعالى موصوف بأنه بكل شيء PageV01P274 # عليم أزلا وأبدا لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة وما كان ربك نسيا وعن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه قال كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس رأسه فجعل ينكت ~~بمخصرته ثم قال ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار ~~وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة قال فقال رجل يا رسول الله أفلا تمكث على ~~كتابنا وندع العمل فقال من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ~~ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير لي عمل أهل الشقاوة ثم قال اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة ~~فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ @QB@ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ~~فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى @QE@ ~~خرجاه في الصحيحين # $ قوله وكل ميسر لما خلق له والاعمال بالخواتيم والسعيد من سعد بقضاء ~~الله والشقي من شقي بقضاء الله # ش ms162 تقدم حديث علي رضي الله عنه وقوله صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له وعن زهير عن أبي الزبير عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما ~~قال جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا ~~الآن فيم العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما ~~يستقبل قال لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير قال ففيم العمل قال ~~زهير ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه فسألت ما قال فقال اعملوا فكل ميسر ~~رواه مسلم وعن سهل بن سعد الساعدي رضي PageV01P275 # الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل ليعمل بعمل اهل ~~الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار ~~فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة خرجاه في الصحيحين وزاد البخاري وإنما ~~الأعمال بالخواتيم وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع ~~خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ~~ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه واجله ~~وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ~~ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ~~فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها # والأحاديث في هذا الباب كثيرة وكذلك الآثار عن السلف قال أبو عمر بن عبد ~~البر في التمهيد قد أكثر الناس من تخريج الآثار في هذا الباب وأكثر ~~المتكلمون من الكلام فيه وأهل السنة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار ~~واعتقادها وترك المجادلة فيها وبالله العصمة والتوفيق # # | وقوله واصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم ms163 يطلع على ذلك ملك مقرب ولا ~~نبي مرسل والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان ~~فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة فان الله تعالى طوى علم القدر عن ~~أنامه ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى في كتابه @QB@ لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون @QE@ فمن سأل لم فعل فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب كان من ~~الكافرين # PageV01P276 # ش أصل القدر سر الله في خلقه وهو كونه أوجد وأفنى وأفقر وأغنى وأمات ~~وأحيا وأضل وهدى قال علي كرم الله وجهه ورضي عنه القدر سر الله فلا نكشفه ~~والنزاع بين الناس في مسألة القدر مشهور # والذي عليه أهل السنة والجماعة أن كل شيء بقضاء الله وقدره وأن الله ~~تعالى خالق أفعال العباد قال تعالى @QB@ إنا كل شيء خلقناه بقدر @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ وخلق كل شيء فقدره تقديرا @QE@ وأن الله تعالى يريد الكفر من ~~الكافر ويشاؤه ولا يرضاه ولا يحبه فيشاؤه كونا ولا يرضاه دينا # وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة وزعموا أن الله شاء الإيمان من الكافر ~~ولكن الكافر شاء الكفر فردوا إلى هذا لئلا يقولوا شاء الكفر من الكافر ~~وعذبه عليه ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار فإنهم هربوا من شيء ~~فوقعوا فيما هو شر منه فإنه يلزم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله تعالى ~~فإن الله قد شاء الإيمان منه على قولهم والكافر شاء الكفر فوقعت مشيئة ~~الكافر دون مشيئة الله تعالى وهذا من أقبح الإعتقاد وهو قول لا دليل عليه ~~بل هو مخالف للدليل # روى اللالكائي من حديث بقية عن الأوزاعي حدثنا العلاء بن الحجاج عن محمد ~~بن عبيد المكي عن ابن عباس قال قيل لابن عباس إن رجلا قدم علينا يكذب ~~بالقدر فقال دلوني عليه وهو يومئذ قد عمي فقالوا له ما تصنع به فقال والذي ~~نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه ولئن وقعت رقبته بيدي ~~لأدقنها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كأني بنساء بني فهم ~~يطفن ms164 بالخزرج تصطفق ألياتهن مشركات هذا أول شرك في الإسلام PageV01P277 # والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يقدر الخبر ~~كما أخرجوه من أن يقدر الشر قوله وهذا أول شرك في الإسلام إلى آخره من كلام ~~ابن عباس وهذا يوافق قوله القدر نظام التوحيد فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض ~~تكذيبه توحيده وروى عمرو بن الهيثم قال خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدري ~~ومجوسي فقال القدري للمجوسي أسلم قال المجوسي حتى يريد الله فقال القدري إن ~~الله يريد ولكن الشيطان لا يريد قال المجوسي اراد الله وأراد الشيطان فكان ~~ما أراد الشيطان هذا شيطان قوي وفي رواية أنه قال فأنا مع أقواهما ووقف ~~أعرابي على حلقة فيها عمرو بن عبيد فقال يا هؤلاء إن ناقتي سرقت فادعوا ~~الله أن يردها علي فقال عمرو بن عبيد اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت ~~فارددها عليه فقال الأعرابي لا حاجة لي في دعائك قال ولم قال أخاف كما أراد ~~أن لا تسرق فسرقت أن يريد ردها فلا ترد وقال رجل لأبي عصام القسطلاني أرأيت ~~إن منعني الهدى PageV01P278 # وأوردني الضلال ثم عذبني أيكون منصفا فقال له أبو عصام إن يكن الهدى شيئا ~~هو له فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء # وأما الأدلة من الكتاب والسنة فقد قال تعالى @QB@ ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين @QE@ وقال تعالى @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب ~~العالمين @QE@ @QB@ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء @QE@ # ومنشأ الضلال من التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضي فسوى ms165 ~~بينهما الجبرية والقدرية ثم اختلفوا فقالت الجبرية الكون كله بقضائه وقدره ~~فيكون محبوبا مرضيا وقالت القدرية النفاة ليست المعاصي محبوبة لله ولا ~~مرضية له فليست مقدرة ولا مقضية فهي خارجة عن مشيئته وخلقه وقد دل على ~~الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة أما نصوص المشيئة ~~والإرادة من الكتاب فقد تقدم ذكر بعضها وأما نصوص المحبة والرضى فقال تعالى ~~@QB@ والله لا يحب الفساد @QE@ @QB@ ولا يرضى لعباده الكفر @QE@ وقال تعالى ~~عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر @QB@ كل ذلك كان سيئه عند ~~ربك مكروها @QE@ وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إن PageV01P279 # الله كره لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال وفي المسند إن ~~الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته وكان من دعائه صلى الله ~~عليه وسلم اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك ~~منك فتأمل ذكر استعاذته بصفة الرضى من صفة السخط وبفعل المعافاة من فعل ~~العقوبة فالأول الصفة والثاني أثرها المرتب عليها ثم ربط ذلك كله بذاته ~~سبحانه وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره فما أعوذ منه واقع بمشيئتك ~~وإرادتك وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك ان شئت أن ترضى ~~عن عبدك وتعافيه وان شئت أن تغضب عليه وتعاقبه فإعاذتي مما أكره ومنعه أن ~~يحل بي هي بمشيئتك أيضا فالمحبوب المكروه كله بقضائك ومشيئتك فعياذي بك منك ~~وعياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك فلا أستعيذ ~~بغيرك من غيرك ولا أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك بل هو منك فلا يعلم ~~ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية إلا الراسخون في العلم ~~بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته # فإن قيل كيف يريد الله أمرا ولا يرضاه ولا يحبه وكيف يشاؤه ويكونه وكيف ~~يجمع إرادته له وبغضه وكراهته قيل هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله ~~فرقا وتباينت طرقهم وأقوالهم فاعلم أن المراد نوعان مراد لنفسه ms166 ومراد لغيره ~~فالمراد لنفسه مطلوب PageV01P280 # محبوب لذاته وما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد والمراد ~~لغيره قد لا يكون مقصودا لما يريد ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته وإن ~~كان وسيلة إلى مقصوده ومراده فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته مراد له من ~~حيث قضاؤه وايصاله إلى مراده فيجتمع فيه الامران بغضه وارادته ولا يتنافيان ~~لاختلاف متعلقهما وهذا كالدواء الكريه إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه ~~وقطع العضو المتأكل اذا علم أن في قطعه بقاء جسده وكقطع المسافة الشاقة اذا ~~علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه ~~وإرادته بالظن الغالب وان خفيت عنه عاقبته فكيف ممن لا يخفى عليه خافية فهو ~~سبحانه يكره الشيء ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره وكونه سببا إلى أمر هو ~~أحب إليه من فوقه من ذلك أنه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان ~~والأعمال والاعتقادات والإرادات وهو سبب لشقاوة كثير من العباد وعملهم بما ~~يغضب الرب سبحانه تبارك وتعالى وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ~~ويرضاه ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه ~~ووجودها أحب إليه من عدمها منها أنه يظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق ~~المتضادات المتقابلات فخلق هذا الذات التي هي أخبث الذوات وشرها وهي سبب كل ~~شر في مقابلة ذات جبرائيل التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها وهي مادة ~~كل خير فتبارك خالق هذا وهذا كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار والدواء ~~والداء والحياة والموت والحسن والقبيح والخير والشر وذلك من أدل دليل على ~~كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه فإنه خلق هذه المتضادات وقابلها بعضها ببعض ~~وجعلها محال تصرفه وتدبيره فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته ~~وكمال تصرفه وتدبير ملكه ومنها ظهور آثار أسمائه PageV01P281 # القهرية مثل القهار والمنتقم والعدل والضار والشديد العقاب والسريع ~~العقاب وذي البطش الشديد والخافض والمذل فإن هذه الأسماء والأفعال كمال لا ~~بد من وجود متعلقها ms167 ولو كان الجن والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر ~~هذه الأسماء ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره ~~وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب ~~المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد وقد اشار ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء ~~بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة ~~فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة بها ~~فلا يضع الشيء في غير موضعه ولا ينزله في غير منزلته التي يقتضيها كمال ~~علمه وحكمته وخبرته فهو أعلم حيث يجعل رسالاته وأعلم بمن يصلح لقبولها ~~ويشكره على انتهائها اليه وأعلم بمن لا يصلح لذلك فلو قدر عدم الاسباب ~~المكروهة لتعطلت حكم كثيرة ولفاتت مصالح عديدة ولو عطلت تلك الأسباب لما ~~فيها من الشر لتعطل الخير الذي هو اعظم من الشر الذي في تلك الاسباب وهذا ~~كالشمس والمطر والرياح التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها ~~من الشر ومنها حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت فإن ~~عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية اليه سبحانه ولو كان الناس كلهم ~~مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة لله سبحانه وتعالى ~~والمعاداة فيه وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعبوية الصبر ~~ومخالفة الهوى وإيثار محاب الله تعالى وعبودية التوبة والاستغفار وعبودية ~~PageV01P282 # الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه ويعصمه من كيده وأذاه إلى غير ذلك من ~~الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها # فإن قيل فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الاسباب فهذا سؤال فاسد ~~وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه كفرض وجود الابن بدون الأب والحركة بدون ~~المتحرك والتوبة بدون التائب # فإن قيل فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم فهل تكون ~~مرضية محبوبة من هذا الوجه أم هي مسخوطة من جميع الوجوه قيل هذا السؤال يرد ~~على ms168 وجهين أحدهما من جهة الرب تعالى وهل يكون محبا لها من جهة إفضالها إلى ~~محبوبه وان كان يبغضها لذاتها والثاني من جهة العبد وهو أنه هل يسوغ له ~~الرضى بها من تلك الجهة ايضا فهذا سؤال له شأن # فاعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه ~~وهو من هذه الجهة شر واما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه مثاله أن النفوس ~~الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير ~~عنها فإنها خلقت في الأصل متحركة فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به ~~وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه وحركتها من حيث هي حركة خير وإنما تكون ~~شرا بالإضافة لا من حيث هي حركة والشر كله ظلم وهو وضع الشيء في غير محله ~~فلو وضع في موضعه لم يكن شرا فعلم ان جهة الشر فيه نسبية إضافية ولهذا كانت ~~العقوبات الموضوعة في محالها خيرا من نفسها وإن كانت شرا بالنسبة إلى المحل ~~الذي حلت به لما احدثت فيه من الألم الذي كانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة ~~مستعدة له فصار ذلك الألم شرا بالنسبة اليها وهو خير بالنسبة إلى الفاعل ~~حيث وضعه في موضعه فإنه سبحانه لم يخلق شرا محضا من جميع الوجوه ~~والاعتبارات فإن PageV01P283 # حكمته تأبى ذلك فلا يكون في جناب الحق تعالى ان يريد شيئا يكون فسادا من ~~كل وجه لا مصلحة في خلقه بوجه ما هذا من أبين المحال فإنه سبحانه الخير كله ~~بيده والشر ليس إليه بل كل ما إليه فخير والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة ~~والنسبة إليه فلو كان اليه لم يكن شرا فتأمله فانقطاع نسبته اليه هو الذي ~~صيره شرا # فإن قيل لم تنقطع نسبته إليه خلقا ومشيئة قيل هو من هذه الجهة ليس بشر ~~فإن وجوده هو المنسوب إليه وهو من هذه الجهة ليس بشر والشر الذي فيه من عدم ~~إمداده بالخير وأسبابه والعدم ليس بشيء حتى ينسب إلى من بيده ms169 الخير # فإن أردت مزيد إيضاح لذلك فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة الإيجاد والإعداد ~~والامداد فإيجاد هذا خير وهو إلى الله وكذلك إعداده وإمداده فإن لم يحدث ~~فيه اعداد ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل ~~وإنما إليه ضده # فإن قيل هلا أمده إذ أوجده قيل ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده وانما ~~اقتضت إيجاده وترك امداده وفإيجاده خير والشر وقع من عدم امداده # فإن قيل فهلا أمد الموجودات كلها فهذا سؤال فاسد يظن مورده أن التسوية ~~بين الموجودات أبلغ في الحكمة وهذا عين الجهل بل الحكمة في هذا التفاوت ~~العظيم الذي بين الأشياء وليس في خلق كل نوع منها تفاوت فكل نوع منها ليس ~~في خلقه تفاوت والتفاوت إنما وقع لأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق وإلا فليس ~~في الخلق من تفاوت فإن اعتاص عليك هذا ولم تفهمه حق الفهم فراجع قول القائل ~~PageV01P284 % إذا لم تستطع شيئا فدعه % % وجاوزه إلى ما تستطيع % $ # فإن قيل كيف يرضى لعبده شيئا ولا يعينه عليه قيل لأن إعانته عليه قد ~~تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له وقد يكون وقوع ~~تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة وقد ~~اشار تعالى إلى ذلك في قوله @QB@ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره ~~الله انبعاثهم فثبطهم @QE@ فأخبر سبحانه انه كره انبعاثهم إلى الغزو مع ~~رسوله وهو طاعة فلما كرهه منهم ثبطهم عنه ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي ~~تترتب على خروجهم مع رسوله فقال @QB@ لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ~~@QE@ اي فسادا وشرا @QB@ ولأوضعوا خلالكم @QE@ أي سعوا بينكم بالفساد والشر ~~@QB@ يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم @QE@ أي قابلون منهم مستجيبون لهم ~~فيتولد من سعى هؤلاء وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم ~~فاقتضت الحكمة والرحمة ان أقعدهم عنه فاجعل هذا المثال أصلا وقس عليه # وأما الوجه الثاني وهو الذي من جهة العبد فهو أيضا ممكن بل واقع ms170 فإن ~~العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها من حيث هي فعل العبد واقعة بكسبه ~~وإرادته واختياره ويرضى بعلم الله وكتابه ومشيئته وإرادته وأمره الكوني ~~فيرضى بما من الله ويسخط ما هو منه فهذا مسلك طائفة من اهل العرفان وطائفة ~~أخرى كرهتها مطلقا وقولهم يرجع إلى هذا القول لأن إطلاقهم الكراهة لا ~~يريدون به شموله لعلم الرب وكتابه ومشيئته وسر المسألة ان الذي الى ~~PageV01P285 # الرب منها غير مكروه والذي إلى العبد مكروه # فإن قيل ليس إلى العبد شيء منها قيل هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن ~~صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق والقدري المنكر أقرب إلى التخلص منه من ~~الجبري وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من ~~الفريقين # فإن قيل كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير ومع شهود ~~القيومية والمشيئة النافذة قيل هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود ~~الأمر على غير ما هو عليه فرأى تلك الأفعال طاعات لموافقته فيها المشيئة ~~والقدر وقال إن عصيت أمره فقد أطعت إرادته و في ذلك قيل % أصبحت منفعلا لما ~~يختاره % % مني ففعلي كله طاعات % $ # وهؤلاء أعمى الخلق بصائر وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية فإن ~~الطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي لا موافقة القدر والمشيئة ولو كان ~~موافقة القدر طاعة لكان إبليس من أعظم المطيعين له ولكان قوم نوح وهود ~~وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون كلهم مطيعين وهذا غاية الجهل لكن إذا شهد ~~العبد عجز نفسه ونفوذ الأقدار فيه وكمال فقره إلى ربه وعدم استغنائه عن ~~عصمته وحفظه طرفة عين كان بالله في هذه الحال لا بنفسه فوقوع الذنب منه ~~لايتأتى في هذه الحال البتة فإن عليه حصنا حصينا فبي يسمع وبي يبصر وبي ~~يبطش وبي يمشي فلا يتصور منه الذنب في هذه الحالة فإذا حجب عن هذا المشهد ~~وبقي بنفسه استولى عليه حكم النفس فهناك نصبت عليه الشباك والأشراك وأرسلت ~~عليه الصيادون فإذا انقشع عنه ضباب ذلك الوجود الطبعي فهنالك يحضره الندم ~~والتوبة والإنابة فإنه كان ms171 في المعصية محجوبا بنفسه عن ربه فلما فارق ذلك ~~الوجود PageV01P286 صار في وجود آخر فبقي بربه لا بنفسه # فإن قيل إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله ~~فكيف ننكره ونكرهه # فالجواب أن يقال أولا نحن غير مأمورين بالرضى بكل ما يقضيه الله ويقدره ~~ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة بل من المقضي ما يرضى به ومنه ما يسخط ويمقت كما ~~لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه بل من القضاء ما يسخط كما أن من الأعيان ~~المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذم # ويقال ثانيا هنا أمران قضاء الله وهو فعل قائم بذات الله تعالى ومقضي وهو ~~المفعول المنفصل عنه فالقضاء كله خير وعدل وحكمة نرضى به كله والمقضي قسمان ~~منه ما يرضى به ومنه ما لا يرضى به # ويقال ثالثا القضاء له وجهان أحدهما تعلقه بالرب تعالى ونسبته اليه فمن ~~هذا الوجه يرضي به والوجه الثاني تعلقه بالعبد ونسبته إليه فمن هذا الوجه ~~ينقسم إلى ما يرضى به والى مالا يرضى به مثال ذلك قتل النفس له اعتباران ~~فمن حيث قدره الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلا للمقتول ونهاية لعمره يرضى ~~به ومن حيث صدر من القائل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله ~~بفعله نسخطه ولا نرضى به # وقوله والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان إلى آخره التعمق هو المبالغة ~~في طلب الشيء والمعنى أن المبالغة في طلب القدر والغوص في الكلام فيه ذريعة ~~الخذلان الذريعة الوسيلة والذريعة والدرجة والسلم متقاربة المعنى وكذلك ~~الخذلان والحرمان والطغيان متقاربة المعنى أيضا لكن الخذلان في مقابلة ~~النصر والحرمان في مقابلة PageV01P287 الظفر والطغيان في مقابلة الاستقامة # وقوله فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال وقد ~~وجدتموه قالوا نعم قال ذلك صريح الإيمان ms172 رواه مسلم الإشارة بقوله ذلك صريح ~~الإيمان إلى تعاظم أن يتكلموا به ولمسلم أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقال تلك محض ~~الإيمان وهو بمعنى حديث أبي هريرة فإن وسوسة النفس أو مدافعة وسواسها ~~بمنزلة المحادثة الكائنة بين اثنين فمدافعة الوسوسة الشيطانية واستعظامها ~~صريح الإيمان ومحض الإيمان هذه طريقة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم ~~بإحسان ثم خلف من بعدهم خلف سودوا الأوراق بتلك الوساوس التي هي شكوك وشبه ~~بل وسودوا القلوب وجالدوا بالباطل ليدحضوا به الحق ولذلك أطنب الشيخ رحمه ~~الله في ذم الخوض في الكلام في القدر والفحص عنه وعن عائشة رضي الله عنها ~~أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبغض الرجال إلى الله الألد ~~الخصم وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا داود بن أبي هند عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات PageV01P288 # يوم والناس يتكلمون في القدر قال فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب ~~قال فقال لهم ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض بهذا هلك من كان قبلكم قال ~~فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس أني ~~لم أشهده ورواه ابن ماجه أيضا وقال تعالى @QB@ فاستمتعتم بخلاقكم كما ~~استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا @QE@ الخلاق النصيب قال ~~تعالى @QB@ وما له في الآخرة من خلاق @QE@ أي استمتعتم بنصيبكم كما استمتع ~~الذين من قبلكم بنصيبهم وخضتم كالذي خاضوا أي كالخوض الذي خاضوه أو كالفوج ~~أو الصنف أو الجيل الذي خاضوا وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق وبين ~~الخوض لأن فساد الدين إما في العمل وإما في الإعتقاد فالأول من جهة الشهوات ~~والثاني من جهة الشبهات وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لتأخذن أمتي مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا ~~بذراع قالوا فارس ms173 والروم قال فمن الناس إلا أولئك وعن عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتين على أمتي ما أتى على ~~بني اسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان من ~~أمتي من يصنع ذلك وإن بني اسرائيل تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة وتفترق ~~أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول ~~الله قال ما أنا عليه وأصحابي رواه الترمذي وعن أبي هريرة أن رسول الله ~~PageV01P289 صلى الله عليه وسلم قال تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو ~~اثنتين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ~~رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن معاوية بن أبي ~~سفيان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهل الكتابين ~~افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث ~~وسبعين ملة يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وأكبر ~~المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة مسألة القدر وقد اتسع الكلام فيها ~~غاية الاتساع # وقوله فمن سأل لم فعل فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب كان من ~~الكافرين # اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم ~~الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع ولهذا لم يحك الله ~~سبحانه عن أمة نبي صدقت بنبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل ~~الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلغها عن ربها ولو فعلت ذلك لما كانت ~~مؤمنة بنبيها بل انقادت وسلمت وأذعنت وما عرفت من الحكمة عرفته وما خفي ~~عنها لم تتوقف في انقيادها وتسليمها على معرفته ولا جعلت ذلك من شأنها وكان ~~رسولها أعظم عندها من أن تسأله عن ذلك كما في الإنجيل يا بني اسرائيل لا ~~تقولوا لم أمر ربنا ولكن قولوا بم أمر ربنا ولهذا كان سلف ms174 هذه الامة التي ~~PageV01P290 # هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما لا تأسل نبيها لم أمر الله بكذا ولم ~~نهى عن كذا ولم قدر كذا ولم فعل كذا لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام ~~وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم فأول مراتب تعظيم الأمر ~~والتصديق به ثم العزم الجازم على امتثاله ثم المسارعة اليه والمبادرة به ~~والحذر عن القواطع والموانع ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به على أكمل ~~الوجوه ثم فعله لكونه مأمورا بحيث لا يتوقف الإتيان به على معرفة حكمته فإن ~~ظهرت له فعله وإلا عطله فإن هذا ينافي الانقياد ويقدح في الامتثال قال ~~القرطبي ناقلا عن ابن عبد البر فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفي الجهل ~~عن نفسه باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه فلا بأس به فشفعاء العي ~~السؤال ومن سال متعنتا غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا ~~كثيره قال ابن العربي الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة وإيضاح ~~سبل النظر وتحصيل مقدمات الاجتهاد وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد قال ~~فإذا عرضت نازلة أتيت من بابها ونشدت من مظانها والله يفتح وجه الصواب فيها ~~انتهى وقال صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه رواه ~~الترمذي وغيره ولا شك في تكفير من رد حكم الكتاب ولكن من تأول حكم الكتاب ~~لشبهة عرضت له بين له الصواب ليرجع اليه فالله سبحانه وتعالى لا يسأل عما ~~يفعل لكمال حكمته ورحمته وعدله لا لمجرد قهره وقدرته كما يقول جهم وأتباعه ~~وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قول الشيخ ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما ~~لم يستحله PageV01P291 # | قوله فهذا جملة ما يحتاج اليه من هو منور قبله من أولياء الله تعالى ~~وهي درجة الراسخين في العلم لأن العلم علمان علم في الخلق موجود وعلم في ~~الخلق مفقود فانكار العلم الموجود كفر وادعاء العلم المفقود كفر ولا يثبت ~~الايمان الا بقبول العلم الموجود وترك ms175 طلب العلم المفقود # ش الإشارة بقوله فهذا إلى ما تقدم ذكره مما يجب اعتقاده والعمل به مما ~~جاءت به الشريعة وقوله وهي درجة الراسخين في العلم أي علم ما جاء به الرسول ~~جملة وتفصيلا نفيا وإثباتا ويعني بالعلم المفقود علم القدر الذي طواه الله ~~عن أنامه ونهاهم عن مرامه ويعني بالعلم الموجود علم الشريعة أصولها وفروعها ~~فمن أنكر شيئا مما جاء به الرسول كان من الكافرين ومن ادعى علم الغيب كان ~~من الكافرين قال تعالى @QB@ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ~~ارتضى من رسول @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ~~ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ~~إن الله عليم خبير @QE@ ولا يلزم من خفاء حكمة الله علينا عدمها ولا من ~~جهلنا انتفاء حكمته ألا ترى أن خفاء حكمة الله علينا في خلق الحيات ~~والعقارب والفأر والحشرات التي لا يعلم منها إلا المضرة لم ينف أن يكون ~~الله تعالى خالقا لها ولا يلزم أن لا يكون فيها حكمة خفيت علينا لأن عدم ~~العلم لا يكون علما بالمعدوم # # | قوله ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم # PageV01P292 # ش قال تعالى @QB@ بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ @QE@ البروج وروى الحافظ ~~أبو القاسم الطبراني بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله ~~خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها ياقوته حمراء قلمه نور وكتابه نور ~~لله فيه كل يوم ستون وثلاثمئة لحظة وعرضه ما بين السماء والأرض ينظر فيه كل ~~يوم ستين وثلاثمائة نظرة يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويفعل ما يشاؤه ~~اللوح المذكور هو الذي كتب الله مقادير الخلائق فيه والقلم المذكور هو الذي ~~خلقه الله وكتب به في اللوح المذكور المقادير كما في سنن أبي داود عن عبادة ~~بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله ~~القلم فقال له اكتب قال يا رب ms176 وماذا أكتب قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم ~~PageV01P293 الساعة واختلف العلماء هل القلم أول المخلوقات أو العرش على ~~قولين PageV01P294 ذكرهما الحافظ أبو العلاء الهمداني أصحهما أن العرش قبل ~~القلم لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ~~ألف سنة قال وعرشه على الماء فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش ~~والتقدير وقع عند أول خلق القلم بحديث عباده هذا ولا يخلو قوله أول ما خلق ~~الله القلم إلخ إما أن يكون جملة أو جملتين فإن كان جملة وهو الصحيح كان ~~معناه أنه عند أول خلقه قال له اكتب كما في اللفظ أول ما خلق الله القلم ~~قال له اكتب بنصب أول والقلم وإن كان جملتين وهو مروي برفع أول والقلم ~~فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم فيتفق الحديثان ~~PageV01P295 # إذ حديث عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير والتقدير ~~مقارن لخلق القلم وفي اللفظ الآخر لما خلق الله القلم قال له اكتب فهذا ~~القلم أول الأقلام وافضلها وأجلها وقد قال غير واحد من أهل التفسير إنه ~~القلم الذي أقسم الله به في قوله تعالى @QB@ ن والقلم وما يسطرون @QE@ ~~والقلم الثاني قلم الوحي وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله ~~وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم والأقلام كلها خدم لأقلامهم وقد رفع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليلة اسري به إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام ~~فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى وتعالى من الأمور ~~التي يدبرها أمر العالم العلوي والسفلي # # | قوله فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه انه كائن ~~ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله ~~تعالى فيه ليجعلوه كائنا لم يقدروا عليه جف القلم بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة # ش تقدم حديث ms177 جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جاء سراقة بن مالك ~~بن جعشم فقال يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم ~~أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما استقبل قال لا بل فيما جفت ~~به الأقلام وجرت به المقادير وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنت خلف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال يا غلام ألا أعلمك كلمات احفظ الله ~~يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله واذا استعنت فاستعن بالله ~~واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه ~~الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء PageV01P296 # لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف رواه ~~الترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي رواية غير الترمذي احفظ الله تجده أمامك ~~تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ~~وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن ~~العسر يسرا # وقد جاءت الأقلام في هذه الأحاديث وغيرها مجموعة فدل ذلك على أن للمقادير ~~أقلاما غير القلم الأول الذي تقدم ذكره مع اللوح المحفوظ # والذي دلت عليه السنة أن الأقلام أربعة وهذا التقسيم غير التقسيم المقدم ~~ذكره # القلم الأول العام الشامل لجميع المخلوقات وهو الذي تقدم ذكره مع اللوح # القلم الثاني خبر خلق آدم وهو قلم عام أيضا لكن لبني آدم ورد في هذا آيات ~~تدل على أن الله قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم عقيب خلق ~~أبيهم # القلم الثالث حين يرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه فينفخ فيه الروح ~~ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد كما ورد ذلك في ~~الأحاديث الصحيحة # القلم الرابع الموضوع على العبد عند بلوغه الذي بأيدي الكرام الكاتبين ~~الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم كما ورد ذلك في الكتاب والسنة # واذا علم العبد أن ms178 كلا من عند الله فالواجب إفراده سبحانه بالخشية ~~PageV01P297 # والتقوى قال تعالى @QB@ فلا تخشوا الناس واخشون @QE@ @QB@ وإياي فارهبون ~~@QE@ @QB@ وإياي فاتقون @QE@ @QB@ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون @QE@ @QB@ هو أهل التقوى وأهل المغفرة @QE@ ونظائر هذا ~~المعنى في القرآن كثيرة ولا بد لكل عبد أن يتقي أشياء فإنه لا يعيش وحده ~~ولو كان ملكا مطاعا فلا بد أن يتقي أشياء يراعي بها رعيته فحينئذ فلا بد ~~لكل إنسان أن يتقي فإن لم يتق الله اتقى المخلوق والخلق لا يتفق حبهم كلهم ~~وبغضهم بل الذي يريده هذا يبغضه هذا فلا يمكن إرضاؤهم كلهم كما قال الشافعي ~~رضي الله عنه رضى الناس غاية لا تدرك فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه ودع ~~ما سواه فلا تعانه فإرضاء الخلق لا مقدور ولا مأمور وإرضاء الخالق مقدور ~~ومأمور وأيضا فالمخلوق لا يغني عنه من الله شيئا فإذا اتقى العبد ربه كفاه ~~مؤنة الناس كما كتبت عائشة إلى معاوية روي مرفوعا وروي موقوفا عليها من ~~أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ومن أرضى الناس بسخط ~~الله عاد حامده من الناس له ذاما فمن ارضى الله كفاه مؤنة الناس ورضي عنه ~~ثم فيما بعد PageV01P298 # يرضون إذ العاقبة للتقوى ويحبه الله فيحبه الناس كما في الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اذا أحب الله العبد نادى يا جبرائيل إني ~~أحب فلانا فأحبه فيحبه جبرائيل ثم ينادي جبرائيل في السماء إن الله يحب ~~فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وقال في البغض ~~مثل ذلك فقد بين أنه لا بد لكل مخلوق من أن يتقي إما المخلوق واما الخالق ~~وتقوى المخلوق ضررها راجح على نفعها من وجوه كثيرة وتقوى الله هي التي يحصل ~~PageV01P299 # بها سعادة الدنيا والآخرة فهو سبحانه أهل التقوى وهو ايضا أهل المغفرة ~~فإنه هو الذي يغفر الذنوب لا يقدر مخلوق على أن يغفر الذنوب ويجير من ~~عذابها غيره وهو الذي يجير ولا يجار عليه قال ms179 بعض السلف ما احتاج تقي قط ~~لقوله تعالى @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ ~~فقد ضمن الله للمتقين أن يجل لهم مخرجا مما يضيق على الناس وأن يرزقهم من ~~حيث PageV01P300 # لا يحتسبون فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللا فليستغفر الله ~~وليتب إليه ثم قال تعالى @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ اي فهو ~~كافيه لا يحوجه إلى غيره # وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب وأن الأمور ~~إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب وهذا فاسد فإن الاكتساب منه فرض ومنه ~~مستحب ومنه مباح ومنه مكروه ومنه حرام كما قد عرف في موضعه وقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم أفضل المتوكلين يلبس لأمة الحرب ويمشي في الأسواق ~~للاكتساب حتى قال الكافرون @QB@ ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق @QE@ ولهذا تجد كثيرا ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يرزقون على يد ~~من يعطيهم إما صدقة واما هدية وقد يكون ذلك من مكاس أو والي شرطة أو نحو ~~ذلك وهذا مبسوط في موضعه لا يسعه هذا المختصر وقد تقدمت الإشارة إلى بعض ~~الأقوال التي في تفسير قوله تعالى @QB@ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم ~~الكتاب @QE@ وأما قوله تعالى @QB@ كل يوم هو في شأن @QE@ فقال البغوي قال ~~مقاتل نزلت في اليهود حين قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت قال المفسرون من ~~شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق ويعز قوما ويذل آخرين ويشفي مريضا ويفك عانيا ~~ويفرج مكروبا ويجيب داعيا ويعطي سائلا ويغفر ذنبا إلى ما لا يحصى من أفعاله ~~وإحداثه في خلقه ما يشاء # $ قوله وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه وما اصابه لم يكن ليخطئه # ش هذا بناء على ما تقدم من أن المقدور كائن لا محالة ولقد أحسن القائل ~~حيث يقول % ما قضى الله كائن لا محاله % والشقي الجهول من لام حاله % # | PageV01P301 والقائل الآخر % اقنع بما ترزق ياذا الفتى % فليس ينسي ~~ربنا نمله % % إن أقبل الدهر فقم ms180 قائما % وان تولى مدبرا نم له % # # | قوله وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه فقدر ~~ذلك تقديرا محكما مبرما ليس فيه ناقض ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا ناقص ~~ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه # ش هذا بناء على ما تقدم من أن الله تعالى قد سبق علمه بالكائنات وانه قدر ~~مقاديرها قبل خلقها كما قال صلى الله عليه وسلم قدر الله مقادير الخلق قبل ~~أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء فيعلم أن الله قد ~~علم أن الأشياء تصير موجودة لأوقاتها على ما اقتضته حكمته البالغة فكانت ~~كما علم فإن حصول المخلوقات على ما فيها من غرائب الحكم لا يتصور إلا من ~~عالم قد سبق علمه على ايجادها قال تعالى @QB@ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير @QE@ وأنكر غلاة المعتزلة أن الله كان عالما في الأزل وقالوا إن ~~الله تعالى لا يعلم أفعال العباد حتى يفعلوا تعالى الله عما يقولون علو ~~كبيرا قال الإمام الشافعي رضي الله عنه ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به ~~خصموا وإن أنكروا كفرا فإن الله تعالى يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما استطاعه ~~فيثيبه وهذا مستطيع لا يفعل ما استطاعه فيعذبه فإنما يعذبه لأنه لا يفعل مع ~~القدرة وقد علم الله ذلك منه ومن لا يستطيع لا يأمره ولا يعذبه على ما لم ~~يستطعه # وإذا قيل فيلزم أن يكون العبد قادرا على تغيير علم الله لأن الله علم أنه ~~لا يفعل فإذا قدر على الفعل قدر على تغيير علم الله قيل هذه مغالطة وذلك أن ~~مجرد قدرته على الفعل لا تستلزم تغيير العلم وإنما PageV01P302 # يظن من يظن تغيير العلم اذا وقع الفعل ولو وقع الفعل لكان المعلوم وقوعه ~~لا عدم وقوعه فيمتنع أن يحصل وقوع الفعل مع علم الله بعدم وقوعه بل إن وقع ~~كان الله علم أنه يقع وإن لم يقع كان الله قد علم أنه لا يقع ونحن لا نعلم ms181 ~~علم الله إلا بما يظهر وعلم الله مطابق للواقع فيمتنع أن يقع شيء يستلزم ~~تغيير العلم بل أي شيء وقع كان هو المعلوم والعبد الذي لم يفعل لم يأت بما ~~يغير العلم بل هو قادر على فعل لم يقع ولو وقع لكان الله قد علم أنه يقع لا ~~أنه لا يقع # وإذا قيل فمن عدم وقوعه يعلم الله أنه لا يقع فلو قدر العبد على وقوعه ~~قدر على تغيير العلم قيل ليس الأمر كذلك بل العبد يقدر على وقوعه وهو لم ~~يوقعه ولو أوقعه لم يكن المعلوم إلا وقوعه فمقدور العبد إذا وقع لم يكن ~~المعلوم إلا وقوعه وهؤلاء فرضوا وقوعه مع العلم بعدم وقوعه وهو فرض محال ~~وذلك بمنزلة من يقول افرض وقوعه مع عدم وقوعه وهو جمع بين النقيضين # فإن قيل فإذا كان وقوعه مع علم الرب عدم وقوعه محالا لم يكن مقدورا قيل ~~لفظ المحال مجمل وهذا ليس محالا لعدم استطاعته له ولا لعجزه عنه ولا ~~لامتناعه في نفسه بل هو ممكن مقدور مستطاع ولكن اذا وقع كان الله عالما ~~بأنه سيقع وإذا لم يقع كان عالما بأنه لا يقع فإذا فرض وقوعه مع انتفاء ~~لازم الوقوع صار محالا من جهة إثبات الملزوم بدون لازمه وكل الأشياء بهذا ~~الاعتبار هي محال مما يلزم هؤلاء أن لا يبقى أحد قادرا على شيء لا الرب ولا ~~الخلق فإن الرب إذا علم من نفسه أنه سيفعل كذا لا يلزم من علمه ذلك انتفاء ~~قدرته على تركه وكذلك إذا علم من نفسه أنه لا يفعله لا يلزم منه انتفاء ~~قدرته على فعله فكذلك ما قدره من أفعال عباده والله تعالى أعلم # $ قوله وذلك من عقد الايمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد PageV01P303 # الله تعالى وربوبيته كما قال تعالى في كتابه @QB@ وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا @QE@ وقال تعالى @QB@ وكان أمر الله قدرا مقدورا @QE@ $ # ش الإشارة إلى ما تقدم من الإيمان بالقدر وسبق علمه بالكائنات قبل خلقها ~~قال صلى الله عليه وسلم في جواب السائل ms182 عن الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره وقال صلى الله عليه وسلم ~~في آخر الحديث يا عمر أتدري من السائل قال الله ورسوله أعلم قال فإنه ~~جبرائيل أتاكم يعلمكم دينكم # وقوله والاقرار بتوحيد الله وربوبيته اي لا يتم التوحيد والاقرار ~~بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته تعالى فإن من زعم خالقا غير الله فقد أشرك ~~فكيف بمن يزعم أن كل أحد يخلق فعله ولهذا كانت القدرية مجوس هذه الأمة ~~وأحاديثهم في السنن وروى أبو داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم ~~وروى أبو داود ايضا عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر من مات ~~منهم فلا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوهم وهم شيعة الدجال وحق على ~~الله ان يلحقهم بالدجال وروى أبو داود أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم ~~PageV01P304 # وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صنفان من بني آدم ليس لهم في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية لكن كل ~~أحاديث القدرية المرفوعة ضعيفة وإنما يصح الموقوف منها فعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال القدر نظام التوحيد فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض ~~تكذيبه توحيده وهذا لأن الإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله القديم وما ~~أظهر من علمه الذي لا يحاط به وكتابة مقادير الخلائق وقد ضل في هذا الموضع ~~خلائق من المشركين والصابئين والفلاسفة وغيرهم ممن ينكر علمه بالجزئيات أو ~~بغير ذلك فإن ذلك كله مما يدخل في التكذيب بالقدر وأما قدرة الله على كل ~~شيء فهو الذي يكذب به القدرية جملة حيث جعلوه لم يخلق أفعال العباد ~~فأخرجوها عن قدرته وخلقه # والقدر ms183 الذي لا ريب في دلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه وأن الذي جحدوه ~~هم القدرية المحضة بلا نزاع هو ما قدره الله من مقادير العباد وعامة ما ~~يوجد من كلام الصحابة والأئمة في ذم القدرية يعني به هؤلاء كقول ابن عمر ~~رضي الله عنهما لما قيل له يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف أخبرهم أني منهم ~~بريء وانهم مني برآء # والقدر الذي هو التقدير المطابق للعلم يتضمن أصولا عظيمة # أحدها أنه عالم بالأمور المقدرة قبل كونها فيثبت علمه القديم وفي ~~PageV01P305 ذلك الرد على من ينكر علمه القديم # الثاني ان التقدير يتضمن مقادير المخلوقات ومقاديرها هي صفاتها المعينة ~~المختصة بها فإن الله قد جعل لكل شيء قدرا قال تعالى @QB@ وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا @QE@ فالخلق يتضمن التقدير تقدير الشيء في نفسه بأن يجعل له ~~قدرا وتقديره قبل وجوده فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته ~~وكيفيته كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجزئية المعينة خلافا لمن أنكر ذلك ~~وقال إنه يعلم الكليات دون الجزئيات فالقدر يتضمن العلم القديم والعلم ~~بالجزئيات # الثالث انه يتضمن انه أخبر بذلك وأظهره قبل وجود المخلوقات إخبارا مفصلا ~~فيقضي انه يمكن أن يعلم العباد الأمور قبل وجودها علما مفصلا فيدل ذلك ~~بطريق التنبيه على أن الخالق أولى بهذا العلم فإنه إذا كان يعلم عباده بذلك ~~فكيف لا يعلمه هو # الرابع أنه يتضمن أنه مختار لما يفعله محدث له بمشيئته وإرادته ليس لازما ~~لذاته # الخامس انه يدل على حدوث هذا المقدور وأنه كان بعد أن لم يكن فإنه يقدره ~~ثم يخلقه # $ قوله فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما واحضر للنظر فيه قلبا ~~سقيما لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما وعاد بما قال فيه أفاكا ~~اثيما # ش اعلم أن القلب له حياة وموت ومرض وشفاء وذلك أعظم مما للبدن قال تعالى ~~@QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها @QE@ أي ms184 كان ميتا بالكفر فأحييناه بالإيمان فالقلب ~~الصحيح الحي إذا عرض عليه الباطل والقبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم ~~يلتفت اليها بخلاف القلب الميت فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح كما قال عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر ~~PageV01P306 # وكذلك القلب المريض بالشهوة فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب ~~قوة المرض وضعفه # ومرض القلب نوعان كما تقدم مرض شهوة ومرض شبهة وأردؤها مرض الشبهة وأردأ ~~الشبه ما كان من أمر القدر وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يشعر به صاحبه ~~لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته ~~وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده ~~الباطلة فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه وتألم بجهله ~~بالحق بحسب حياته % ما لجرح بميت إيلام % $ وقد يشعر بمرضه ولكن يشتد عليه ~~تحمل مرارة الدواء والصبر عليها فيؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء فإن دواءه ~~في مخالفة الهوى وذلك أصعب شيء على النفس وليس له أنفع منه وتارة يوطن نفسه ~~على الصبر ثم ينفسخ عزمه ولا يستمر معه لضعف علمه وبصيرته وصبره كمن دخل في ~~طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه ~~الأمن فهو محتاج إلى قوة صبر وقوة يقين بما يصير إليه ومتى ضعف صبره ويقينه ~~رجع من الطريق ولم يتحمل مشقتها ولا سيما إن عدم الرفيق واستوحش من الوحدة ~~وجعل يقول أين ذهب الناس فلي أسوة بهم وهذه حال اكثر الخلق وهي التي ~~أهلكتهم فالصابر الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق ولا من فقده إذا استشعر ~~قلبه مرافقة الرعيل الأول @QB@ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا @QE@ # وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي ~~PageV01P307 # شامة في كتاب الحوادث والبدع حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد لزوم ~~الحق واتباعه ms185 وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا لأن الحق هو الذي ~~كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه رضي ~~الله عنهم ولا ننظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم وعن الحسن البصري رحمه الله ~~أنه قال السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي فاصبروا عليها رحمكم ~~الله فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أهل الناس فيما بقي الذين ~~لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم ولا مع أهل البدع في بدعتهم وصبروا ~~على سنتهم حتى لقوا ربهم فكذلك فكونوا # وعلامة مرض القلب عدوله عن الأغذية النافعة الموافقة إلى الأغذية الضارة ~~وعدوله عن دوائه النافع إلى دوائه الضار فههنا أربعة أشياء غذاء نافع ودواء ~~شاف وغذاء ضار ودواء مهلك فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضار ~~المؤذي والقلب المريض بضد ذلك وأنفع الأغذية غذاء الإيمان وأنفع الأدوية ~~دواء القرآن وكل منهما فيه الغذاء والدواء فمن طلب الشفاء في غير الكتاب ~~والسنة فهو من أجهل الجاهلين وأضل الضالين فإن الله تعالى يقول @QB@ قل هو ~~للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد @QE@ وقال تعالى @QB@ وننزل من القرآن ما هو شفاء ~~ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا @QE@ @QB@ ومن @QE@ في قوله ~~@QB@ من القرآن @QE@ لبيان الجنس لا للتبعيض وقال تعالى @QB@ يا أيها الناس ~~قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين @QE@ ~~فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا ~~والآخرة وما كل أحد يؤهل للاستشفاء به وأذا أحسن العليل التداوي به ~~PageV01P308 # ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه لم ~~يقاوم الداء ابدا وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل ~~على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها فما من مرض من أمراض القلوب ~~والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن ~~رزقه الله فهما في كتابه # وقوله ms186 لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما اي طلب بوهمه في البحث عن ~~الغيب سرا مكتوما إذ القدر سر الله في خلقه فهو يروم ببحثه الاطلاع على ~~الغيب وقد قال تعالى @QB@ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى ~~من رسول @QE@ إلى آخر السورة وقوله وعاد بما قال فيه أي في القدر أفاكا ~~كذابا اثيما أي مأثوما # $ وقوله والعرش والكرسي حق # ش كما بين تعالى في كتابه قال تعالى @QB@ ذو العرش المجيد فعال لما يريد ~~@QE@ @QB@ رفيع الدرجات ذو العرش @QE@ @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ في غير ~~ما آية من القرآن @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ @QB@ لا إله إلا هو رب ~~العرش الكريم @QE@ @QB@ الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم @QE@ @QB@ ~~الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ~~آمنوا @QE@ @QB@ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ @QB@ وترى الملائكة ~~حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم @QE@ وفي دعاء الكرب المروي في الصحيح ~~لا إله إلا الله العظيم الحليم لا اله الا هو رب العرش PageV01P309 العظيم ~~لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم وروى الإمام أحمد في ~~حديث الأوغال عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هل تدرون كم بين السماء والأرض قال قلنا الله ورسوله اعلم ~~قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكشف ~~كل سماء مسيرة خمسمائة وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين ~~السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية اوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء ~~والأرض ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله فوق ~~ذلك ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ~~وروى أبو داود وغيره بمسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ~~الأطيط أنه صلى الله عليه وسلم قال إن عرشه على سمواته لهكذا وقال بأصابعه ~~مثل ms187 القبة الحديث وفي صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه ~~قال إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وفوقه عرش ~~الرحمن يروى وفوقه بالنصب على الظرفية وبالرفع على الابتداء أي وسقفه # وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط ~~بالعالم من كل جهة وربما سموه الفلك الأطلس والفلك التاسع وهذا ليس بصحيح ~~لأنه قد ثبت في الشرع أن له PageV01P310 # قوائم تحمله الملائكة كما قال صلى الله عليه وسلم فإن الناس يصعقون فأكون ~~أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا ادري أفاق قبلي ~~أم جوزي بصعقة الطور والعرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك كما قال ~~تعالى عن بلقيس @QB@ ولها عرش عظيم @QE@ وليس هو فلكا ولا تفهم منه العرب ~~ذلك والقرآن إنما نزل بلغة العرب فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وهو ~~كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات فمن شعر أمية بن أبي الصلت % مجدوا ~~الله فهو للمجد أهل % ربنا في السماء أمسى كبيرا % % بالبناء العالي الذي ~~بهر النا % س وسوى فوق السماء سريرا % % شرجعا لا يناله بصر العين % ترى ~~حوله الملائك صورا % $ # الصور هنا جمع أصور وهو المائل العنق لنظره إلى العلو والشرجع هو العالي ~~المنيف والسرير هو العرش في اللغة ومن شعر عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ~~الذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته % شهدت بأن وعد الله حق ~~% وأن النار مثوى الكافرينا % % وأن العرش فوق الماء طاف % وفوق العرش رب ~~العالمينا % % وتحمله ملائكة شداد % ملائكة الإله مسومينا % $ # ذكره ابن عبد البر وغيره من الأئمة وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم انه قال أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش ~~إن ما بين شحمة أذنه غلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام ورواه ابن أبي حاتم ولفظه ~~تخفق الطير سبعمائة عام PageV01P311 # وأما من حرف كلام الله وجعل العرش عبارة عن ms188 الملك كيف يصنع بقوله تعالى ~~@QB@ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية @QE@ الحاقة وقوله @QB@ وكان عرشه ~~على الماء @QE@ أيقول ويحمل ملكه يومئذ ثمانية وكان ملكه على الماء ويكون ~~موسى عليه السلام آخذا بقائمة من قوائم الملك هل يقول هذا عاقل يدري ما ~~يقول # وأما الكرسي فقال تعالى @QB@ وسع كرسيه السماوات والأرض @QE@ وقد قيل هو ~~العرش والصحيح أنه غيره نقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره روى ابن ~~أبي شيبة في كتاب صفة العرش والحاكم في مستدركه وقال إنه على شرط الشيخين ~~ولم يخرجاه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى @QB@ وسع كرسيه ~~السماوات والأرض @QE@ أنه قال الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا ~~الله تعالى وقد روى مرفوعا والصواب أنه موقوف على ابن عباس وقال السدي ~~السموات والأرض في جوف الكرسي بين يدي العرش وقال ابن جرير قال أبو ذر رضي ~~الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما الكرسي في العرش إلا ~~كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض وقيل كرسيه علمه وينسب إلى ابن ~~عباس والمحفوظ عنه ما رواه ابن أبي شيبة كما تقدم ومن قال غير ذلك فليس له ~~دليل إلا مجرد الظن والظاهر أنه من جراب الكلام المذموم كما قيل في العرش ~~PageV01P312 وإنما هو كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة ~~إليه # # | قوله وهو مستغن عن العرش وما دونه محيط بكل شيء وفوقه وقد أعجز عن ~~الاحاطة خلقه # ش أما قوله وهو مستغن عن العرش وما دونه فقال تعالى @QB@ إن الله لغني عن ~~العالمين @QE@ وقال تعالى @QB@ والله هو الغني الحميد @QE@ وإنما قال الشيخ ~~رحمه الله هذا الكلام هنا لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه ~~سبحانه عن العرش وما دون العرش ليبين أن خلقه العرش لاستوائه عليه ليس ~~لحاجته إليه بل له في ذلك حكمة اقتضته وكون العالي فوق السافل لا يلزم أن ~~يكون السافل حاويا للعالي محيطا به حاملا له ms189 ولا أن يكون الأعلى مفتقرا ~~إليه فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة اليها فالرب تعالى ~~أعظم شأنا واجل من أن يلزم من علوه ذلك بل لوازم علوه من خصائصه وهي حمله ~~بقدرته للسافل وفقر السافل وغناه هو سبحانه عن السافل وإحاطته عز وجل به ~~فهو فوق العرش مع حمله بقدرته للعرش وحملته وغناه عن العرش وفقر العرش اليه ~~وإحاطته بالعرش وعدم إحاطة العرش به وحصره للعرش وعدم حصر العرش له وهذه ~~اللوازم منتفية عن المخلوق # ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل ~~وعلموا مطابقة العقل للتنزيل ولسلكوا خلف الدليل ولكن فارقوا الدليل فضلوا ~~عن سواء السبيل والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك رحمه الله لما سئل عن ~~قوله تعالى @QB@ ثم استوى على العرش @QE@ وغيرها كيف استوى فقال الاستواء ~~معلوم والكيف مجهول ويروى هذا الجواب عن أم سلمة رضي الله عنها موقوفا ~~PageV01P313 ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم # وأما قوله محيط بكل شيء وفوقه وفي بعض النسخ محيط بكل شيء فوقه بحذف ~~الواو من قوله فوقه والنسخة الأولى هي الصحيحة ومعناها أنه تعالى محيط بكل ~~شيء وفوق كل شيء ومعنى الثانية أنه محيط بكل شيء فوق العرش وهذه والله اعلم ~~إما أن يكون أسقطها بعض النساخ سهوا ثم استنسخ بعض الناس من تلك النسخة أو ~~أن بعض المحرفين الضالين أسقطها قصدا للفساد وإنكارا لصفة الفوقية وإلا فقد ~~قام الدليل على أن العرش فوق المخلوقات وليس فوقه شيء من المخلوقات فلا ~~يبقى لقوله محيط بمعنى محيط بكل شيء فوق العرش والحالة هذه معنى إذ ليس فوق ~~العرش من المخلوقات ما يحيط به فتعين ثبوت الواو ويكون المعنى أنه سبحانه ~~محيط بكل شيء وفوق كل شيء # أما كونه محيطا بكل شيء فقال تعالى @QB@ والله من ورائهم محيط @QE@ @QB@ ~~ألا إنه بكل شيء محيط @QE@ @QB@ ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان ~~الله بكل شيء محيطا @QE@ وليس المراد من إحاطته بخلقه أنه كالفلك وأن ~~المخلوقات ms190 داخل ذاته المقدسة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وإنما المراد ~~إحاطة عظمته # وسعة علمه وقدرته وانها بالنسبة إلى عظمته كخردلة كما روي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما انه قال ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما ~~بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم ومن المعلوم ولله المثل الأعلى ~~أن الواحد منا إذا كان عنده خردلة إن شاء قبضها وأحاط قبضته بها وان شاء ~~جعلها تحته وهو في الحالين مباين لها عال عليها فوقها من جميع الوجوه فكيف ~~بالعظيم الذي لا يحيط بعظمته وصف واصف فلو شاء لقبض السموات والأرض ~~PageV01P314 اليوم وفعل بها كما يفعل بها يوم القيامة فإنه لا يتجدد به إذ ~~ذاك قدرة ليس عليها الآن فكيف يستبعد العقل مع ذلك أنه يدنو سبحانه من بعض ~~أجزاء العالم وهو على عرشه فوق سمواته أو يدني إليه من يشاء من خلقه فمن ~~نفى ذلك لم يقدره حق قدره وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في رؤية الرب تعالى فقال له أبو رزين كيف يسعنا يا رسول ~~الله وهو واحد ونحن جميع فقال سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله هذا القمر آية ~~من آيات الله كلكم يراه مخليا به والله أكبر من ذلك وإذا أفل تبين أنه أعظم ~~وأكبر من كل شيء فهذا يزيل كل إشكال ويبطل كل خيال # وأما كونه فوق المخلوقات فقال تعالى @QB@ وهو القاهر فوق عباده @QE@ @QB@ ~~يخافون ربهم من فوقهم @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الأوعال ~~المتقدم ذكره والعرش فوق ذلك والله فوق ذلك كله وقد أنشد عبد الله بن رواحة ~~شعره المذكور بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأقره على ما قال وضحك منه ~~وكذا أنشهده حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه قوله % شهدت بإذن الله أن ~~محمدا % رسول الذي فوق السموات من عل % % وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما % له ~~عمل من ربه متقبل % % PageV01P315 % وأن الذي عادى اليهود ابن مريم % رسول ms191 ~~أتى من عند ذي العرش مرسل % % وأنا أخاف الأحقاف إذ قام فيهم % يجاهد في ~~ذات الإله ويعدل % $ # فقال النبي صلى الله عليه وسلم وأنا اشهد وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده ~~فوق العرش ان رحمتي سبقت غضبي وفي رواية تغلب غضبي رواه البخاري وغيره وروى ~~ابن ماجه عن جابر يرفعه قال بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور ~~فرفعوا إليه رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم وقال يا ~~أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله تعالى @QB@ سلام قولا من رب رحيم @QE@ ~~فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون ~~اليه وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى @QB@ هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن @QE@ بقوله أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت ~~الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ~~والمراد بالظهور هنا العلو ومنه قوله تعالى @QB@ فما اسطاعوا أن يظهروه ~~@QE@ أي يعلوه فهذه الأسماء الأربعة متقابلة اسمان منها لأزلية الرب سبحانه ~~وتعالى وأبديته واسمان لعلوه وقربه وروي أبو داود عن جبير بن محمد بن جبير ~~بن مطعم عن أبيه عن جده قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرابي فقال ~~يا رسول الله جهدت الأنفس وضاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت الانعام ~~PageV01P316 # فاستسق الله لنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ويحك أتدري ما تقول وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه اصحابه ثم قال ويحك إنه لا يستشفع بالله ~~على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك اتدري ما الله إن الله فوق عرشه ~~وعرشه فوق سمواته وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئبط به أطيط الرحل ~~بالراكب وفي قصة سعد بن معاذ يوم ms192 بني قريظة لما حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم ~~وتسبى ذراريهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الملك من ~~فوق سبع سموات وهو حديث صحيح أخرجه الأموي في مغازيه وأصله في الصحيحين ~~وروى البخاري عن زينب رضي الله عنها أنها كانت تفخر عن أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات وعن عمر ~~رضي الله عنه أنه مر بعجوز فاستوقفته فوقف معها يحدثها فقال رجل يا امير ~~المؤمنين حبست الناس بسبب هذه العجوز فقال ويلك أتدري من هذه أمرأة سمع ~~الله شكواها من فوق سبع سموات هذه خولة التي أنزل الله فيها PageV01P317 ~~@QB@ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله @QE@ المجادلة ~~أخرجه الدارمي وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله @QB@ ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم @QE@ قال ولم يستطع أن يقول من ~~فوقهم لأنه قد علم أن الله سبحانه من فوقهم # ومن سمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام السلف وجد منه في إثبات ~~الفوقية ما لا ينحصر ولا ريب أن الله سبحانه لما خلق الخلق لم يخلقهم في ~~ذاته المقدسة تعالى الله عن ذلك فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ~~فتعين أنه خلقهم خارجا عن ذلك ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات مع أنه قائم ~~بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفا بضد ذلك لأن القابل للشيء لا يخلو منه ~~أو من ضده وضد الفوقية السفول وهو مذموم على الإطلاق لأنه مستقر إبليس ~~وأتباعه وجنوده # فإن قيل لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها قيل لو لم ~~يكن قابلا للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها فمتى أقررتم بأنه ~~ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنيا فقط ~~بل وجوده خارج الأذهان قطعا وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة أن ما كان وجوده ~~كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارج ms193 عنه وانكار ذلك انكار ما هو أجلى وأظهر ~~من الأمور البديهيات الضرورية بلا ريب فلا يستدل على ذلك بدليل إلا كان ~~العلم بالمباينة أظهر منه وأوضح وأبين وإذا كان صفة العلو والفوقية صفة ~~PageV01P318 # كمال لا نقص فيه ولا يستلزم نقصا ولا يوجب محذورا ولا يخالف كتابا ولا ~~سنة ولا إجماعا فنفي حقيقته يكون عين الباطل والمحال الذي لا تأتي به شريعة ~~أصلا فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده وتصديق رسله والإيمان بكتابه ~~وبما جاء به رسوله إلا بذلك فكيف اذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة ~~والفطر المستقيمة والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه ~~وكونه فوق عباده التي تقرب من عشرين نوعا # أحدها التصريح بالفوقية مقرونا بأداة من المعينة للفوقية بالذات كقوله ~~تعالى @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ # الثاني ذكرها مجردة عن الأداة كقوله تعالى @QB@ وهو القاهر فوق عباده ~~@QE@ # الثالث التصريح بالعروج اليه نحو @QB@ تعرج الملائكة والروح إليه @QE@ ~~وقوله صلى الله عليه وسلم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم # الرابع التصريح بالصعود إليه كقوله تعالى @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب ~~@QE@ # الخامس التصريح برفعه بعض المخلوقات اليه كقوله تعالى @QB@ بل رفعه الله ~~إليه @QE@ وقوله @QB@ إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ # السادس التصريح بالعلو المطلق والدال على جميع مراتب العلو ذاتا وقدرا ~~وشرفا كقوله تعالى @QB@ وهو العلي العظيم @QE@ @QB@ وهو العلي الكبير @QE@ ~~@QB@ والله عليم حكيم @QE@ # السابع التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله تعالى @QB@ تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز العليم @QE@ @QB@ تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم @QE@ @QB@ ~~تنزيل من الرحمن الرحيم @QE@ @QB@ تنزيل من حكيم حميد @QE@ @QB@ قل نزله ~~روح القدس من ربك @QE@ PageV01P319 بالحق @QB@ حم والكتاب المبين إنا ~~أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من ~~عندنا إنا كنا مرسلين @QE@ # الثامن التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب اليه من ~~بعض كقوله @QB@ إن الذين عند ربك @QE@ @QB@ وله من في السماوات والأرض ومن ~~عنده @QE@ ففرق بين من له عموما وبين من عنده من ملائكته وعبيده خصوصا وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms194 في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه أنه ~~عنده فوق العرش # التاسع التصريح بأنه تعالى في السماء وهذا عند المفسرين من أهل السنة على ~~أحد وجهين إما أن تكون في بمعنى على وإما أن يراد بالسماء العلو لا يختلفون ~~في ذلك ولا يجوز الحمل على غيره # العاشر التصريح بالاستواء مقرونا بأداة على مختصا بالعرش الذي هو أعلى ~~المخلوقات مصاحبا في الأكثر لأداة ثم الدالة على الترتيب والمهلة # الحادي عشر التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى كقوله صلى الله عليه وسلم ~~إن الله يستحيي من عبده إذا رفع اليه يديه أن يردهما صفرا والقول بأن العلو ~~قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة وهذا يجده من نفسه كل داع كما يأتي ~~إن شاء الله تعالى # الثاني عشر التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا والنزول المعقول عند ~~جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل # الثالث عشر الإشارة اليه حسا إلى العلو كما أشار اليه من هو أعلم بربه ~~وبما يجب له PageV01P320 ويمتنع عليه من جميع البشر لما كان بالمجمع الأعظم ~~الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم في المكان الأعظم قال لهم أنتم ~~مسؤولون عني فماذا أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فرفع ~~اصبعه الكريمة إلى السماء رافعا لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء قائلا ~~اللهم اشهد فكأنا نشاهد تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله وذلك ~~اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع اصبعه اليه اللهم اشهد ونشهد أنه بلغ ~~البلاغ المبين وأدى رسالة ربه كما أمر ونصح أمته غاية النصيحة فلا يحتاج مع ~~بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطع المتنطعين وحذلقة المتحذلقين والحمد ~~لله رب العالمين # الرابع عشر التصريح بلفظ الأين كقول أعلم الخلق به وأنصحهم لأمته وأفصحهم ~~بيانا عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلا بوجه أين الله في غير موضع # الخامس عشر شهادته صلى الله عليه وسلم لمن قال إن ربه في السماء بالإيمان # السادس عشر إخباره تعالى عن فرعون أنه ms195 رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى ~~إله موسى فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السموات فقال @QB@ يا هامان ~~ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه كاذبا @QE@ فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني ومن أثبته فهو موسوي ~~PageV01P321 # محمدي # السابع عشر إخباره صلى الله عليه وسلم أنه تردد بين موسى عليه السلام ~~وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة فيصعد إلى ربه ثم يعود إلى موسى ~~عدة مرار # الثامن عشر النصوص الدالة على رؤية اهل الجنة له تعالى من الكتاب والسنة ~~وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يرونه كرؤية الشمس والقمر ليلة البدر ~~ليس دونه سحاب فلا يرونه إلا من فوقهم كما قال صلى الله عليه وسلم بينا أهل ~~الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله قد ~~أشرف عليهم من فوقهم وقال يا اهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله تعالى @QB@ ~~سلام قولا من رب رحيم @QE@ ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته وبركته عليهم في ~~ديارهم رواه الإمام أحمد في المسند وغيره من حديث جابر رضي الله عنه ولا ~~يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية ولهذا طرد الجهمية الشقين وصدق أهل ~~السنة بالأمرين معا وأقروا بهما وصار من أثبت الرؤية ونفي العلو مذبذبا بين ~~ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وهذه الأنواع من الأدلة لو بسطت افرادها ~~لبلغت نحو ألف دليل فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله وهيهات له بجواب صحيح ~~عن بعض ذلك # وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جدا فمنه ما روى شيخ الإسلام أبو ~~إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق بسنده إلى مطيع البلخي أنه سأل أبا ~~حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقال قد كفر لأن الله ~~يقول @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ وعرشه فوق سبع سمواته قلت فإن قال ~~إنه على العرش PageV01P322 # ولكن يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض قال هو كافر لأنه ms196 انكر ~~أنه في السماء فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر وزاد غيره لأن الله في أعلى ~~عليين وهو يدعي من أعلى لا من أسفل انتهى ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك ممن ~~ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم مخالفون له ~~في كثير من اعتقاداته وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد من يخالفهم في بعض ~~اعتقاداتهم وقصة أبي يوسف في استتابة بشر المريسي لما أنكر أن يكون الله عز ~~وجل فوق العرش مشهورة رواها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره # ومن تأول فوق بأنه خير من عباده وأفضل منهم وأنه خير من العرش وأفضل منه ~~كما يقال الأمير فوق الوزير والدينار فوق الدرهم فذلك مما تنفر عنه العقول ~~السليمة وتشمئز منه القلوب الصحيحة فإن قول القائل ابتداء الله خير من ~~عباده وخير من عرشه من جنس قوله الثلج بارد والنار حارة والشمس اضوأ من ~~السراج والسماء أعلى من سقف الدار والجبل أثقل من الحصى ورسول الله أفضل من ~~فلان اليهودي والسماء فوق الأرض وليس في ذلك تمجيد ولا تعظيم ولا مدح بل هو ~~من ارذل الكلام وأسمجه وأهجنه فكيف يليق بكلام الله الذي لو اجتمع الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثله لما أتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا بل في ~~ذلك تنقص كما قيل في المثل السائر % ألم تر أن السيف ينقص قدره % إذا قيل ~~أن السيف أمضى من العصا % $ # ولو قال قائل الجوهر فوق قشر البصل وقشر السمك لضحك منه العقلاء للتفاوت ~~الذي بينهما فإن التفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم بخلاف ما إذا ~~كان المقام يقتضي ذلك بأن كان PageV01P323 # احتجاجا على مبطل كما في قول يوسف الصديق عليه السلام @QB@ أأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار @QE@ وقوله تعالى @QB@ آلله خير أما ~~يشركون @QE@ @QB@ والله خير وأبقى @QE@ # وإنما يثبت هذا المعنى من الفوقية في ضمن ثبوت الفوقية المطلقة من كل وجه ~~فله سبحانه وتعالى فوقية القهر وفوقية القدر وفوقية الذات ومن أثبت البعض ms197 ~~ونفي البعض فقد تنقص وعلوه تعالى مطلق من كل الوجوه فإن قالوا بل علو ~~المكانة لا المكان فالمكانة تأنيث المكان والمنزلة تأنيث المنزل فلفظ ~~المكانة والمنزلة تستعمل في المكانات النفسانية والروحانية كما يستعمل لفظ ~~المكان والمنزل في الأمكنة الجسمانية فإذا قيل لك في قلوبنا منزلة ومنزلة ~~فلان في قلوبنا وفي نفوسنا أعظم من منزلة فلان كما جاء في الاثر إذا أحب ~~أحدكم أن يعرف كيف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله في قلبه فإن الله ~~ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه فقوله منزلة الله في قلبه هو ~~ما يكون في قلبه من معرفة الله ومحبته وتعظيمه وغير ذلك فإذا عرف ان ~~المكانة والمنزلة تأنيث المكان والمنزل والمؤنث فرع على المذكر في اللفظ ~~والمعنى وتابع له فعلو المثل الذي يكون في الذهن يتبع علو الحقيقة إذا كان ~~مطابقا كان حقا وإلا كان باطلا فإن قيل المراد علوه في القلوب وأنه أعلى في ~~القلوب من كل شيء قيل وكذلك هو وهذا العلو مطابق لعلوه في PageV01P324 # نفسه على كل شيء فإن لم يكن عاليا بنفسه على كل شيء كان علوه في القلوب ~~غير مطابق كمن جعل ما ليس بأعلى أعلى # وعلوه سبحانه وتعالى كما هو ثابت بالسمع ثابت بالعقل والفطرة أما ثبوته ~~بالعقل فمن وجوه # أحدها العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين إما أن يكون احدهما ساريا في ~~الآخر قائما به كالصفات وإما أن يكون قائما بنفسه بائنا من الآخر # الثاني انه لما خلق العالم فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجا عن ذاته ~~والأول باطل اما أولا فبالاتفاق وأما ثانيا فلأنه يلزم ان يكون محلا ~~للخسائس والقاذورات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا والثاني يقتضي كون العلم ~~واقعا خارج ذاته فيكون منفصلا فتعينت المباينة لأن القول بأنه غير متصل ~~بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول # الثالث أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية ~~لأنه غير معقول فيكون موجودا إما داخله وإما خارجه ms198 والأول باطل فتعين ~~الثاني فلزمت المباينة # وأما ثبوته بالفطرة فإن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون ~~أيديهم عند الدعاء ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى ~~وذكر محمد بن طاهر المقدسي ان الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الاستاذ ~~أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين وهو يتكلم في نفي صفة العلو ~~ويقول كان الله ولا عرش وهو الان على ما كان فقال الشيخ أبو جعفر أخبرنا يا ~~أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإن ما قال عارف قط يا الله إلا ~~وجد في قلبه ضرورة طلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع بهذه ~~PageV01P325 # الضرورة عن أنفسنا قال فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل وأظنه قال وبكى ~~وقال حيرني الهمداني حيرني أراد الشيخ أن هذا أمر فطر الله عليه عباده من ~~غير ان يتلقوه من المرسلين يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يتوجه إلى الله ~~ويطلبه في العلو # وقد اعترض على الدليل العقلي بإنكار بداهته لأنه أنكره جمهور العقلاء فلو ~~كان بديهيا لما كان مختلفا فيه بين العقلاء بل هو قضية وهمية خيالية ~~والجواب عن هذا الاعتراض مبسوط في موضعه ولكن أشير إليه هنا إشارة مختصرة ~~وهو أن يقال إن العقل إن قبل قولكم فهو لقولنا أقبل وأن رد العقل قولنا فهو ~~لقولكم أعظم ردا فإن كان قولنا باطلا في العقل فقولكم أبطل وإن كان قولكم ~~حقا مقبولا في العقل فقولنا أولى أن يكون مقبولا في العقل فإن دعوى الضرورة ~~مشتركة فإنا نقول نعلم بالضرورة بطلان قولكم وأنتم تقولون كذلك فإذا قلتم ~~تلك الضرورة التي تحكم ببطلان قولنا هي من حكم الوهم لا من حكم العقل ~~قابلناكم بنظير قولكم وعامة فطر الناس ليسوا منكم ولا منا موافقون لنا على ~~هذا فإن كان حكم فطر بني آدم مقبولا ترجحنا عليكم وإن كان مردودا غير مقبول ~~بطل قولكم بالكلية فإنكم إنما بنيتم قولكم على ما تدعون أنه مقدمات معلومة ~~بالفطرة الآدمية وبطلت عقلياتنا ايضا وكان السمع الذي جاءت ms199 به الأنبياء ~~معنا لا معكم فنحن مختصون بالسمع دونكم والعقل مشترك بيننا وبينكم # فإن قلتم أكثر العقلاء يقولون بقولنا قيل ليس الأمر كذلك فإن الذين ~~يصرحون بأن صانع العالم شيء موجود ليس فوق العالم وأنه لا مباين للعالم ولا ~~حال في العالم طائفة من النظار PageV01P326 # وأول من عرف عنه ذلك في الإسلام جهم بن صفوان وأتباعه # واعترض على الدليل الفطري أن ذلك إنما لكون السماء قبلة للدعاء كما أن ~~الكعبة قبلة للصلاة ثم هو منقوض بوضع الجبهة على الأرض مع أنه ليس في جهة ~~الأرض وأجيب على هذا الأعتراض من وجوه # أحدها أن قولكم إن السماء قبلة للدعاء لم يقله أحد من سلف الأمة ولا انزل ~~الله به من سلطان وهذا من الأمور الشرعية الدينية فلا يجوز أن يخفى على ~~جميع سلف الأمة وعلمائها # الثاني أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة فإن يستحب للداعي ان يستقبل القبلة ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة فمن ~~قال إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة أو أن له قبلتين إحداهما الكعبة ~~والأخرى السماء فقد ابتدع في الدين وخالف جماعة المسلمين # الثالث ان القبلة هي ما يستقبله العابد بوجهه كما تستقبل الكعبة في ~~الصلاة والدعاء والذكر والذبح وكما يوجه المحتضر والمدفون ولذلك سميت وجهة ~~والاستقبال خلاف الاستدبار فالاستقبال بالوجه والاستدبار بالدبر فأما ما ~~حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو جنبه فهذا لا يسمى قبلة لا حقيقة ولا مجازا ~~فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه اليها وهذا ~~لم يشرع والموضع الذي ترفع اليد اليه لا يسمى قبلة لا حقيقة ولا مجازا ولأن ~~القبلة في الدعاء أمر شرعي تتبع فيه الشرائع ولم تأمر الرسل أن الداعي ~~يستقبل السماء بوجهه بل نهوا عن ذلك ومعلوم أن التوجه بالقلب واللجأ والطلب ~~الذي يجده الداعي من نفسه أمر فطري يفعله المسلم والكافر والعالم والجاهل ~~وأكثر PageV01P327 # ما يفعله المضطر والمستغيث بالله كما فطر على انه إذا مسه الضر يدعو ms200 الله ~~مع أن أمر القبلة مما يقبل النسخ والتحويل كما تحولت القبلة من الصخرة إلى ~~الكعبة وأمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر والمستقبل ~~للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك بخلاف الداعي فإنه يتوجه إلى ربه ~~وخالقه ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من ~~نقض فإن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع لمن فوقه بالذل له لا أن يميل اليه ~~إذ هو تحته هذا لا يخطر في قلب ساجد لكن يحكى عن بشر المريسي انه سمع وهو ~~يقول في سجوده سبحان ربي الأسفل تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون ~~علوا كبيرا وإن من أفضى به النفي إلى هذه الحال حري أن يتزندق إن لم ~~يتداركه الله برحمته وبعيد من مثله الصلاح قال تعالى @QB@ ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة @QE@ وقال تعالى @QB@ فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم @QE@ فمن لم يطلب الاهتداء من مظانه يعاقب بالحرمان نسال الله ~~العفو والعافية # وقوله وقد أعجز عن الإحاطة خلقه أي لا يحيطون به علما ولا رؤية ولا غير ~~ذلك من وجوه الإحاطة بل هو سبحانه محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء # # | قوله ونقول ان الله اتخذ إبراهيم خليلا وكلم الله موسى تكليما ايمانا ~~وتصديقا وتسليما # ش قال الله تعالى @QB@ واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وكلم الله موسى تكليما @QE@ الخلة كمال المحبة وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة ~~من الجانبين زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب ~~وانه لا مناسبة بين القديم PageV01P328 والمحدث توجب المحبة وكذلك أنكروا ~~حقيقة التكليم كما تقدم وكان اول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم ~~في أوائل المائة الثانية فضحى به خالد بن عبد الله القسري امير العراق ~~والمشرق بواسط خطب الناس يوم الأضحى فقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ~~ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه وكان ذلك ms201 بفتوى اهل زمانه من علماء ~~التابعين رضي الله عنهم فجزاه الله عن الدين وأهله خيرا وأخذ هذا المذهب عن ~~الجعد الجهم بن صفوان فأظهره وناظر عليه وإليه أضيف قول الجهمية فقتله مسلم ~~بن أحوز امير خراسان بها ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد ~~وظهر قولهم في أثناء خلافة المأمون حتى امتحن أئمة الإسلام ودعوهم إلى ~~الموافقة لهم على ذلك وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة وهم ينكرون ان ~~يكون إبراهيم خيلا وموسى كليما لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب ~~كما قيل % قد تخللت مسلك الروح مني % ولذا سمي الخليل خليلا % $ # ولكن محبته وخلته كما يليق به تعالى كسائر صفاته ويشهد لما دلت عليه ~~الآية الكريمة ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن ~~صاحبكم خليل الله يعني نفسه وفي رواية إني أبرأ إلى كل خليل من خلته ولو ~~كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وفي رواية إن الله ~~اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا فبين صلى الله عليه وسلم أنه ~~PageV01P329 # لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلا وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس ~~به أبو بكر الصديق مع انه صلى الله عليه وسلم قد وصف نفسه بأنه يحب اشخاصا ~~كقوله لمعاذ والله إني لأحبك وكذلك قوله للانصار وكان زيد بن حارثة حب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وابنه أسامة حبه وأمثال ذلك وقال له عمرو بن العاص ~~أي الناس أحب اليك قال عائشة قال فمن الرجال قال أبوها فعلم ان الخلة أخص ~~من مطلق المحبة والمحبوب بها لكمالها يكون محبا لذاته لا لشيء آخر إذ ~~المحبوب لغيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير ومن كمالهالا تقبل الشركة ولا ~~المزاحمة لتخللها المحبة ففيها كمال التوحيد وكمال الحب ولذلك لما اتخذ ~~الله إبراهيم خليلا وكان إبراهيم قد سأل ربه أن يهب ms202 له ولدا صالحا فوهب له ~~إسماعيل فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه فغار الخليل على قلب خليله أن يكون في ~~مكان لغيره فامتحنه به بذبحه ليظهر سر الخلة في تقديمه محبة خليله على محبة ~~ولده فلما استسلم لأمر ربه وعزم على فعله فظهر سلطان الخلة في الإقدام على ~~ذبح الولد إيثارا لمحبة خليله على محبته نسخ الله ذلك عنه وفداه بالذبح ~~العظيم لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أمر ~~فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح نفسه مفسدة فنسخ في حقه وصارت الذبائح ~~والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في أتباعه إلى يوم القيامة وكما أن ~~منزلة الخلة الثابتة لإبراهيم صلوات عليه قد شاركه فيها نبينا صلى الله ~~عليه وسلم عليه كما تقدم كذلك منزلة التكليم الثابتة لموسى صلوات الله عليه ~~قد شارك فيها نبينا صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في حديث الإسراء ~~PageV01P330 # وهنا سؤال مشهور وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم فكيف طلب له من الصلاة مثل مالإبراهيم مع أن المشبه به أصله ~~أن يكون فوق المشبه وكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين وقد أجاب عنه ~~العلماء بأجوبة عديدة يضيق هذا المكان عن بسطها وأحسنها ان آل إبراهيم فيهم ~~الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم فإذا طلب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ولآلة من الصلاة مثل مالإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء حصل لآل محمد ما يليق ~~بهم لانهم لا يبلغون مراتب الأنبياء وتبقى الزيادة التي للأنبياء وفيهم ~~إبراهيم لمحمد صلى الله عليه وسلم فيحصل له من المزية ما لم يحصل لغيره ~~وأحسن من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم بل هو أفضل آل ~~إبراهيم فيكون قولنا كما صليت على آل إبراهيم متناولا الصلاة عليه وعلى ~~سائر النبيين من ذرية إبراهيم وهو متناول لإبراهيم أيضا كما في قوله تعالى ~~@QB@ إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين @QE@ ~~فإبراهيم وعمران ms203 دخلا في آل إبراهيم وآل عمران وكما في قوله تعالى @QB@ إلا ~~آل لوط نجيناهم بسحر @QE@ فإن لوطا داخل في آل لوط وكما في قوله تعالى @QB@ ~~وإذ نجيناكم من آل فرعون @QE@ وقوله @QB@ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب @QE@ ~~فإن فرعون داخل في آل فرعون ولهذا والله أعلم أكثر روايات حديث الصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما فيها كما صليت على آل إبراهيم وفي كثير منها ~~كما صليت على إبراهيم ولم يرد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إلا في ~~قليل من الروايات وما ذلك لا لأن في قوله كما صليت على إبراهيم يدخل آله ~~تبعا وفي قوله كما صليت على آل إبراهيم هو داخل في آل إبراهيم وكذلك لما ~~جاء أبو أوفى رضي الله عنه بصدقة إلى النبي PageV01P331 # صلى الله عليه وسلم دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وقال اللهم صل على ~~آل أبي أوفى ولما كان بيت إبراهيم عليه السلام أشرف بيوت العالم على ~~الإطلاق خصهم الله بخصائص منها أنه جعل فيه النبوة والكتاب فلم يأت بعد ~~إبراهيم نبي إلا من أهل بيته ومنها أنه سبحانه جعلهم أئمة يهدون بأمره إلى ~~يوم القيامة فكل من دخل الجنة من اولياء الله بعدهم فإنما دخل من طريقهم ~~وبدعوتهم ومنها أنه سبحانه اتخذ منهم الخليلين كما تقدم ذكره ومنها أنه جعل ~~صاحب هذا البيت إماما للناس قال تعالى @QB@ إني جاعلك للناس إماما قال ومن ~~ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين @QE@ ومنها أنه أجرى على يديه بناء بيته ~~الذي جعله قياما للناس ومثابة للناس وأمنا وجعله قبلة لهم وحجا فكان ظهور ~~هذا البيت في الأكرمين ومنها أنه أمر عباده أن يصلوا على أهل البيت إلى غير ~~ذلك من الخصائص # $ قوله ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين ونشهد أنهم ~~كانوا على الحق المبين # ش هذه الأمور من اركان الإيمان قال تعالى @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه ~~من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله @QE@ الآيات وقال ~~تعالى @QB@ ليس البر أن ms204 تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين @QE@ الآية فجعل الله ~~سبحانه وتعالى الايمان هو الإيمان بهذه الجملة وسمى من آمن بهذه الجملة ~~مؤمنين كما جعل الكافرين من كفر بهذه الجملة بقوله @QB@ ومن يكفر بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا @QE@ وقال صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته حديث جبرائيل PageV01P332 # وسؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره فهذه الأصول الي اتفقت ~~عليها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان ~~إلا اتباع الرسل # وأما أعداؤهم ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وأهل البدع فهم متفاوتون في ~~جحدها وإنكارها واعظم الناس لها إنكارا الفلاسفة المسمون عند من يعظمهم ~~بالحكماء فإن من علم حقيقة قولهم علم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا رسله ولا ~~كتبه ولا ملائكته ولا باليوم الآخر فإن مذهبهم ان الله سبحانه موجود لا ~~ماهية له ولا حقيقة فلا يعلم الجزئيات بأعيانها وكل موجود في الخارج فهو ~~جزئي ولا يفعل عندهم بقدرته ومشيئته وإنما العالم عندهم لازم له أزلا وأبدا ~~وإن سموه مفعولا له فمصانعة ومصالحة للمسلمين في اللفظ وليس عندهم بمفعول ~~ولا مخلوق ولا مقدور عليه وينفون عنه سمعه وبصره وسائر صفاته فهذا ايمانهم ~~بالله واما كتبه عندهم فإنهم لا يصفونه بالكلام فلا يكلم ولا يتكلم ولا قال ~~ولا يقول والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر زاكي النفس ~~طاهر متميز عن النوع الإنساني بثلاث خصائص قوة الإدراك وسرعته لينال من ~~العلم أعظم ما يناله غيره وقوة النفس ليؤثر بها في هيولى العالم يقلب صورة ~~إلى صورة وقوة التخييل ليخيل بها القوى العقلية في اشكال محسوسة وهي ~~الملائكة عندهم وليس في الخارج ذات منفصلة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء وترى ~~وتخاطب الرسول وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان واما ~~اليوم الآخر فهم أشد الناس ms205 تكذيبا وإنكارا له في الأعيان وعندهم أن هذا ~~العالم PageV01P333 # لا يحرب ولا تنشق السموات ولا تنفطر ولا تنكدر النجوم ولا تكور الشمس ~~والقمر ولا يقوم الناس من قبورهم ويبعثون إلى جنة ونار كل هذا عندهم أمثال ~~مضروبة لتفهيم العوام لا حقيقة لها في الخارج كما يفهم منها أتباع الرسل ~~فهذا إيمان هذه الطائفة الذليلة الحقيرة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر وهذه هي اصول الدين الخمسة # وقد أبدلتها المعتزلة بأصولهم الخمسة التي هدموا بها كثيرا من الدين ~~فإنهم بنوا أصل دينهم على الجسم والعرض الذي هو الموصوف والصفة عندهم ~~واحتجوا بالصفات التي هي الأعراض على حدوث الموصوف الذي هو الجسم وتكلموا ~~في التوحيد على هذا الأصل فنفوا عن الله كل صفة تشبيها بالصفات الموجودة في ~~الموصوفات التي هي الأجسام ثم تكلموا بعد ذلك في أفعاله التي هي القدر ~~وسموا ذلك العدل ثم تكلموا في النبوة والشرائع والأمر والنهي والوعد ~~والوعيد وهي مسائل الأسماء والأحكام التي هي المنزلة بين المنزلتين ومسألة ~~إنفاذ الوعيد ثم تكلموا في إلزام الغير بذلك الذي هو الأمر بالعروف والنهي ~~عن المنكر وضمنوه جواز الخروج على الأئمة بالقتال فهذه أصولهم الخمسة التي ~~وضعوها بإزاء أصول الدين الخمسة التي بعث بها الرسول # والرافضة المتأخرون جعلوا الأصول أربعة التوحيد والعدل النبوة والإمامة # وأصول أهل السنة والجماعة تابعة لما جاء به الرسول واصل الدين الإيمان ~~بما جاء به الرسول كما تقدم بيان ذلك ولهذا كانت الآيتان من آخر سورة ~~البقرة لما تضمنتا هذا الأصل لهما شأن عظيم ليس لغيرهما ففي الصحيحين عن ~~أبي مسعود عقبة بن عمرو PageV01P334 # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ~~ليلة كفتاه وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينا جبرائيل ~~قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا ~~باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك ~~نزل إلى الأرض ms206 لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين اوتيتهما لم ~~يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلا ~~أوتيته وقال أبو طالب المكي أركان الإيمان سبعة يعني هذه الخمسة والإيمان ~~بالقدر والايمان بالجنة والنار وهذا حق والأدلة عليه ثابتة محكمة قطعية وقد ~~تقدمت الإشارة إلى دليل التوحيد والرسالة # وأما الملائكة فهم الموكلون بالسموات والأرض فكل حركة في العالم فهي ~~ناشئة عن الملائكة كما قال تعالى @QB@ فالمدبرات أمرا @QE@ @QB@ فالمقسمات ~~أمرا @QE@ وهم الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل وأما المكذبون بالرسل ~~المنكرون للصانع فيقولون هي النجوم وقد دل الكتاب والسنة على أصناف ~~الملائكة وأنها موكلة بأصناف المخلوقات وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة ~~ووكل بالسحاب والمطر ملائكة ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم ~~خلقها ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابة ووكل بالموت ~~ملائكة ووكل بالسؤال في القبر ملائكة ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها ووكل ~~بالشمس والقمر PageV01P335 ملائكة ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها ~~وعمارتها ملائكة ووكل بالجنة وعمارتها وغرسها وعمل آلاتها ملائكة فالملائكة ~~اعظم جنود الله ومنهم المرسلات عرفا و الناشرات نشرا و الفارقات فرقا و ~~الملقيات ذكرا ومنهم النازعات غرقا و الناشطات نشطا و السابحات سبحا @QB@ ~~فالسابقات سبقا @QE@ ومنهم الصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا ~~ومعنى جمع التأنيت في ذلك كله الفرق والطوائف والجماعات التي مفردها فرقة ~~وطائفة وجماعة ومنهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب وملائكة قد وكلوا بحمل ~~العرش وملائكة قد وكلوا بعمارة السموات بالصلاة والتسبيح والتقديس إلى غير ~~ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله ولفظ الملك يشعر بأنه رسول ~~منفذ لأمر مرسله فليس لهم من الأمر شيء بل الأمر كله للواحد القهار وهم ~~ينفذون امره @QB@ لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون @QE@ @QB@ يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم @QE@ @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته ~~مشفقون @QE@ @QB@ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون @QE@ فهم عباد ~~مكرمون منهم الصافون ومنهم المسبحون ليس منهم إلا له مقام معلوم ولا يتخطاه ~~وهو ms207 على عمل قد أمر به لا يقصر عنه ولا يتعداه وأعلاهم الذين عنده @QB@ لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون @QE@ ~~ورؤساؤهم الأملاك الثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرافيل الموكلون بالحياة ~~فجبرائيل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح وميكائيل موكل بالقطر ~~الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان وإسرافيل PageV01P336 # موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم فهم رسل الله في ~~خلقه وأمره وسفراؤه بينه وبين عباده ينزلون الأمر من عنده في أقطار العالم ~~ويصعدون اليه بالأمر قد أطت السموات بهم وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع ~~أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد لله ويدخل البيت المعمور منهم كل يوم ~~سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم والقرآن مملوء بذكر الملائكة ~~وأصنافهم ومراتبهم فتارة يقرن الله تعالى اسمه باسمهم وصلاته بصلاتهم ~~ويضيفهم اليه في مواضع التشريف وتارة يذكر حفهم بالعرش وحملهم له ومراتبهم ~~من الدنو وتارة يصفهم بالإكرام والكرم والتقريب والعلو والطهارة والقوة ~~والإخلاص قال تعالى @QB@ كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله @QE@ @QB@ شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم @QE@ @QB@ هو الذي يصلي ~~عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور @QE@ @QB@ الذين يحملون العرش ~~ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا @QE@ @QB@ ~~وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم @QE@ @QB@ بل عباد ~~مكرمون @QE@ @QB@ إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون @QE@ @QB@ فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار ~~وهم لا يسأمون @QE@ @QB@ كراما كاتبين @QE@ @QB@ كرام بررة @QE@ @QB@ يشهده ~~المقربون @QE@ @QB@ لا يسمعون إلى الملإ الأعلى @QE@ وكذلك الأحاديث ~~النبوية طافحة بذكرهم فلهذا كان الإيمان بالملائكة أحد الأصول الخمسة التي ~~هي أركان الإيمان # وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر وينسب PageV01P337 # إلى أهل السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة والى ~~المعتزلة تفضيل الملائكة وأتباع الأشعري على قولين منهم من يفضل الأنبياء ~~والأولياء ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولا وحكي عن بعضهم ميلهم ms208 إلى ~~تفضيل الملائكة وحكي ذلك عن غيرهم من اهل السنة وبعض الصوفية وقالت الشيعة ~~إن جميع الأئمة افضل من جميع الملائكة ومن الناس من فصل تفصيلا آخر ولم يقل ~~أحد ممن له قول يؤثر إن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء دون بعض وكنت ترددت ~~في الكلام على هذه المسألة لقلة ثمرتها وأنها قريب مما لا يعني و من حسن ~~إسلام المرء تركه ما لا يعنيه والشيخ رحمه الله لم يتعرض إلى هذه المسألة ~~بنفي ولا إثبات ولعله يكون قد ترك الكلام فيها قصدا فإن الإمام أبا حنيفة ~~رضي الله عنه وقف في الجواب عنها على ما ذكره في مآل الفتاوى فإنه ذكر ~~مسائل لم يقطع أبو حنيفة فيها بجواب وعد منها التفضيل بين الملائكة ~~والأنبياء وهذا هو الحق فإن الواجب علينا الأيمان بالملائكة والنبيين وليس ~~علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصا ~~وقد قال تعالى @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ @QB@ وما كان ربك نسيا @QE@ ~~وفي الصحيح إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم ~~أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها ~~فالسكوت عن الكلام في هذه المسألة نفيا وإثباتا والحالة هذه أولى ~~PageV01P338 # ولا يقال إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب ~~والسنة لأن الأدلة هنا متكافئة على ما أشير اليه إن شاء الله تعالى وحملني ~~على بسط الكلام هنا أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم كان الملك خادما ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أو أن بعض الملائكة خدام بني آدم يعنون الملائكة ~~الموكلين بالبشر ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع المجانبة للأدب ~~والتفضيل إذا كان على وجه التنقص أو الحمية والعصبية للجنس لا شك في رده ~~وليس هذه المسألة نظير المفاضلة بين الأنبياء فإن تلك قد وجد فيها نص وهو ~~قوله تعالى @QB@ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولقد ~~فضلنا بعض النبيين على بعض @QE@ وقد تقدم الكلام في ذلك ms209 عند قول الشيخ وسيد ~~المرسلين يعني النبي صلى الله عليه وسلم والمعتبر رجحان الدليل ولا يجهر ~~القول لأن بعض أهل الأهواء وافق عليه بعد أن تكون المسالة مختلفا فيها بين ~~أهل السنة وقد كان أبو حنيفة رضي الله عنه يقول اولا بتفضيل الملائكة على ~~البشر ثم قال بعكسه والظاهر أن القول بالتوقف أحد اقواله والأدلة في هذه ~~المسألة من الجانبين إنما تدل على الفضل لا على الأفضلية ولا نزاع في ذلك ~~وللشيخ تاج الدين الفزاري رحمه الله مصنف سماه الإشارة في البشارة في تفضيل ~~البشر على الملك قال في آخره اعلم أن هذه المسألة من بدع علم الكلام التي ~~لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة ولا من بعدهم من أعلام الأئمة ولا ~~يتوقف عليها أصل من أصول العقائد ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كبير من ~~المقاصد ولهذا خلا عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن وامتنع من الكلام فيها ~~جماعة من الأعيان وكل متكلم فيها من علماء الظاهر بعلمه لم يخل كلامه عن ~~ضعف واضطراب انتهى والله الموفق للصواب PageV01P339 # فمما استدل به على تفضيل الأنبياء على الملائكة أن الله أمر الملائكة أن ~~يسجدوا لآدم وذلك دليل على تفضيله عليهم ولذلك امتنع إبليس واستكبر وقال ~~@QB@ أرأيتك هذا الذي كرمت علي @QE@ قال الآخرون إن سجود الملائكة كان ~~إمتثالا لأمر ربهم وعبادة وانقيادا وطاعة له وتكريما لآدم وتعظيما ولا يلزم ~~من ذلك الأفضلية كما لم يلزم من سجود يعقوب لأبنه عليهما السلام تفضيل ابنه ~~عليه ولا تفضيل الكعبة على بني آدم بسجودهم إليها امتثالا لأمر ربهم وأما ~~امتناع إبليس فإنه عارض النص برأيه وقياسه الفاسد بأنه خير منه وهذه ~~المقدمة الصغرى والكبرى محذوفة تقديرها والفاضل لا يسجد للمفضول وكلتا ~~المقدمتين فاسدة أما الأولى فإن التراب يفوق النار في أكثر صفاته ولهذا خان ~~إبليس عنصره فأبى واستكبر فإن من صفات النار طلب العلو والخفة والطيش ~~والرعونة وإفساد ما تصل اليه ومحقه وإهلاكه وإحراقه ونفع آدم عنصره في ~~التوبة والإستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله ms210 والاعتراف وطلب المغفرة ~~فإن من صفات التراب الثبات والسكون والرصانة والتواضع والخضوع والخشوع ~~والتذلل وما دنا منه ينبت ويزكو وينمي ويبارك فيه ضد النار وأما المقدمة ~~الثانية وهي أن الفاضل لا يسجد للمفضول فباطلة فإن السجود طاعة لله وامتثال ~~لأمره ولو أمر الله عباده ان يسجدوا لحجر لوجب عليهم الامتثال والمبادرة ~~ولا يدل ذلك على أن المسجود له أفضل من الساجد وإن كان فيه تكريمه وتعظيمه ~~وإنما يدل على فضله قالوا وقد يكون قوله @QB@ هذا الذي كرمت علي @QE@ بعد ~~طرده لامتناعه عن السجود له لا قبله فينتفي الاستدلال به # ومنه أن الملائكة لهم عقول وليست لهم شهوات والأنبياء لهم PageV01P340 ~~عقول وشهوات فلما نهوا أنفسهم عن الهوى ومنعوها عما تميل إليه الطباع كانوا ~~بذلك أفضل وقال الآخرون يجوز أن يقع من الملائكة من مداومة الطاعة وتحمل ~~العبادة وترك الونى والفتور فيها ما يفي بتجنب الأنبياء شهواتهم مع طول مدة ~~عبادة الملائكة ومنه أن الله تعالى جعل الملائكة رسلا إلى الأنبياء وسفراء ~~بينه وبينهم وهذا الكلام قد اعتل به من قال إن الملائكة أفضل واستدلالهم به ~~أقوى فإن الأنبياء المرسلين إن ثبت تفضيلهم على المرسل إليهم بالرسالة ثبت ~~تفضيل الرسل من الملائكة إليهم عليهم فإن الرسول الملكي يكون رسولا إلى ~~الرسول البشري # ومنه قوله تعالى @QB@ وعلم آدم الأسماء كلها @QE@ الآيات قال الآخرون ~~وهذا دليل على الفضل لا على التفضيل وآدم والملائكة لا يعلمون إلا ما علمهم ~~الله وليس الخضر أفضل من موسى بكونه علم ما لم يعلمه موسى وقد سافر موسى ~~وفتاه في طلب العلم إلى الخضر وتزود لذلك وطلب موسى منه العلم صريحا وقال ~~له الخضر إنك على علم من علم الله إلى آخر كلامه ولا الهدهد أفضل من سليمان ~~عليه السلام بكونه أحاط بما لم يحط به سليمان عليه السلام علما # ومنه قوله تعالى @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي @QE@ قال الآخرون ~~هذا دليل الفضل لا الأفضلية وإلا لزم تفضيله على محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإن قلتم هو ms211 من ذريته فمن ذريته البر والفاجر بل يوم القيامة إذا قيل لآدم ~~ابعث من ذريتك بعثا إلى النار يبعث من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى ~~النار وواحدا إلى الجنة فما بال هذا التفضيل سرى إلى هذا الواحد من الألف ~~فقط PageV01P341 # ومنه قول عبد الله بن سلام رضي الله عنه ما خلق الله خلقا أكرم عليه من ~~محمد صلى الله عليه وسلم الحديث فالشأن في ثبوته وإن صح عنه فالشأن في ~~ثبوته في نفسه فإنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات # ومنه حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال إن الملائكة قالت يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ~~ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ولا ناكل ولا نشرب ولا نلهو فكما جعلت لهم ~~الدنيا فاجعل لنا الآخرة قال لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن ~~فكان PageV01P342 # أخرجه الطبراني وأخرجه عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل عن عروة بن رويم ~~أنه قال أخبرني الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة قالوا ~~الحديث وفيه وينامون ويستريحون فقال الله تعالى لا فأعادوا القول ثلاث مرات ~~كل ذلك يقول لا والشأن في ثبوتها فإن في سنديهما مقالا وفي متنهما شيئا ~~فكيف يظن بالملائكة الاعتراض على الله مرات عديدة وقد أخبر الله تعالى عنهم ~~أنهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون وهل يظن بهم أنهم متبرمون ~~بأحوالهم متشوفون إلى ما سواها من شهوات بني آدم والنوم أخو الموت فكيف ~~يغبطونهم به وكيف يظن بهم أنهم يغبطونهم باللهو PageV01P343 # وهو من الباطل قالوا بل الأمر بالعكس فإن إبليس إنما سوس إلى آدم ودلاه ~~بغرور إذ أطعمه في أن يكون ملكا بقوله @QB@ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة ~~إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين @QE@ فدل أن أفضلية الملك أمر ~~معلوم مستقر في الفطرة يشهد لذلك قوله تعالى حكاية عن النسوة اللاتي قطعن ~~أيديهن عند رؤية يوسف @QB@ وقلن حاش لله ms212 ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا ~~أقول لكم إني ملك @QE@ قال الأولون إن هذا إنما كان لما هو مركوز في النفس ~~أن الملائكة خلق جميل عظيم مقتدر على الأفعال الهائلة خصوصا العرب فإن ~~الملائكة PageV01P344 # كانوا في نفوسهم من العظمة بحيث قالوا إن الملائكة بنات الله تعالى الله ~~عن قولهم علوا كبيرا # ومنه قوله تعالى @QB@ إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين @QE@ قال الآخرون قد يذكر العالمون ولا يقصد به العموم المطلق بل ~~في كل مكان بحسبه كما في قوله تعالى @QB@ ليكون للعالمين نذيرا @QE@ @QB@ ~~قالوا أو لم ننهك عن العالمين @QE@ @QB@ أتأتون الذكران من العالمين @QE@ ~~PageV01P345 @QB@ ولقد اخترناهم على علم على العالمين @QE@ # ومنه قوله تعالى @QB@ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير ~~البرية @QE@ والبرية مشتقة من البرء بمعنى الخلق فثبت أن صالحي البشر خير ~~الخلق قال الآخرون إنما صاروا خير البرية لكونهم آمنوا وعملوا الصالحات ~~والملائكة في هذا الوصف اكمل فإنهم لا يسأمون ولا يفترون فلا يلزم أن ~~يكونوا خيرا من الملائكة هذا على قراءة من قرأ البريئة بالهمز وعلى قراءة ~~من قرأ بالياء إن قلنا إنها مخففة من الهمزة وإن قلنا انها نسبة إلى البري ~~وهو التراب كما قاله الفراء فيما نقله عنه الجوهري في الصحاح يكون المعني ~~أنهم خير من خلق من التراب فلا عموم فيها إذ الغير من خلق من التراب قال ~~الأولون إنما تكلمنا في تفضيل صالحي البشر إذا كملوا ووصلوا إلى غايتهم ~~وأقصى نهايتهم وذلك إنما يكون اذا دخلوا الجنة ونالوا الزلفى وسكنوا ~~الدرجات العلى وحباهم الرحمن بمزيد قربه وتجلى لهم ليستمتعوا بالنظر إلى ~~وجهه الكريم وقال الآخرون الشأن في أنهم هل صاروا إلى حالة يفوقون فيها ~~الملائكة أو يساوونهم فيها فإن كان قد ثبت لهم أنهم يصيرون إلى حال يفوقون ~~فيها الملائكة سلم المدعى وإلا فلا # ومما استدل به على تفضيل الملائكة على البشر قوله تعالى @QB@ لن ms213 يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون @QE@ وقد ثبت من طريق اللغة ~~ان مثل هذا الكلام يدل على ان المعطوف أفضل من المعطوف عليه لأنه لا يجوز ~~أن يقال لن يستنكف الوزير أن يكون خادما للملك ولا الشرطي أو الحارس وإنما ~~يقال لن يستنكف الشرطي أن يكون خادما للملك ولا الوزير ففي مثل هذا التركيب ~~يترقى من الأدنى إلى الأعلى فإذا ثبت تفضيلهم على عيسى PageV01P346 # عليه السلام ثبت في حق غيره إذ لم يقل أحد أنهم أفضل من بعض الأنبياء دون ~~بعض أجاب الآخرون بأجوبة أحسنها أو من أحسنها أنه لا نزاع في فضل قوة الملك ~~وقدرته وشدته وعظم خلقه وفي العبودية خضوع وذل وانقياد وعيسى عليه السلام ~~لا يستنكف عنها ولا من هو أقدر منه واقوى وأعظم خلقا ولا يلزم من مثل هذا ~~التركيب الأفضلية المطلقة من كل وجه # ومنه قوله تعالى @QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا ~~أقول لكم إني ملك @QE@ ومثل هذا يقال بمعنى إني لو قلت ذلك لادعيت فوق ~~منزلتي ولست ممن يدعي ذلك أجاب الآخرون أن الكفار كانوا قد قالوا @QB@ ما ~~لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق @QE@ فأمر أن يقول لهم إني بشر ~~مثلكم أحتاج إلى ما يحتاج اليه البشر من الاكتساب والأكل والشرب لست من ~~الملائكة الذين لم يجعل الله لهم حاجة إلى الطعام والشراب فلا يلزم حينئذ ~~الأفضلية المطلقة # ومنه ما روى مسلم بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير واحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي ~~كل خير ومعلوم ان قوة البشر لا تداني قوة الملك ولا تقاربها قال الآخرون ~~الظاهر أن المراد المؤمن من البشر والله أعلم فلا تدخل الملائكة في هذا ~~العموم # ومنه ما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال فيما يروي عن ربه عز وجل قال يقول الله تعالى ms214 أنا عند ظن عبدي ~~بي وأنا معه إذا ذكرني فإن PageV01P347 ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ~~ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم الحديث وهذا نص في الأفضلية قال ~~الآخرون يحتمل أن يكون المراد خيرا منه للمذكور لا الخيرية المطلقة # ومنه ما رواه إمام الأئمة محمد بن خزيمة بسنده في كتاب التوحيد عن أنس ~~رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا جالس إذ جاء ~~جبرائيل فوكز بين كتفي فقمت إلى شجرة مثل وكري الطير فقعد في إحداها وقعت ~~في الأخرى فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين وأنا أقلب بصري ولو شئت أن أمس ~~السماء مسست فنظرت إلى جبرائيل كأنه حلس لاطىء فعرفت فضل علمه بالله علي ~~الحديث قال الآخرون في سنده مقال فلا نسلم الاحتجاج به إلا بعد ثبوته # وحاصل الكلام أن هذه المسالة من فضول المسائل ولهذا لم يتعرض لها كثير من ~~أهل الأصول وتوقف أبو حنيفة رضي الله عنه في الجواب عنها كما تقدم والله ~~أعلم بالصواب PageV01P348 # وأما الأنبياء والمرسلون فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من ~~رسله والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلا سواهم وأنبياء لا يعلم أسماءهم ~~وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم فعلينا الإيمان بهم جملة لأنه لم يأت في ~~عددهم نص وقد قال تعالى @QB@ ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم ~~عليك @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ~~ومنهم من لم نقصص عليك @QE@ وعلينا الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما ارسلوا به ~~على ما امرهم الله به وانهم بينوه بيانا لا يسع أحدا ممن ارسلوا اليه جهله ~~ولا يحل خلافه قال تعالى @QB@ فهل على الرسل إلا البلاغ المبين @QE@ @QB@ ~~فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين @QE@ @QB@ وإن تطيعوه تهتدوا @QE@ @QB@ ~~وما على الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ @QB@ وأطيعوا الرسول فإن توليتم ~~فإنما على رسولنا البلاغ المبين @QE@ # وأما أولو العزم من الرسل فقد قيل فيهم أقوال أحسنها ما نقله البغوي ~~وغيره عن ابن عباس ms215 وقتادة انهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله ~~وسلامه عليهم قال وهم المذكورون في قوله تعالى @QB@ وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم @QE@ وفي قوله تعالى ~~@QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه @QE@ # وأما الأيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فتصديقه واتباع ما جاء به من ~~الشرائع إجمالا وتفصيلا PageV01P349 # وأما الأيمان بالكتب المنزلة على المرسلين فنؤمن بما سمى الله تعالى منها ~~في كتابه من التوراة والإنجيل والزبور ونؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتبا ~~أنزلها على انبيائه لا يعرف اسماءها وعددها إلا الله تعالى # وأما الإيمان بالقرآن فالإقرار به واتباع ما فيه وذلك امر زائد على ~~الإيمان بغيره من الكتب فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله ~~أتتهم من عند الله وأنها حق وهدى ونور وبيان وشفاء قال تعالى @QB@ قولوا ~~آمنا بالله وما أنزل إلينا @QE@ إلى قوله @QB@ وما أوتي النبيون من ربهم ~~@QE@ @QB@ الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم @QE@ إلى قوله @QB@ وأنزل ~~الفرقان @QE@ @QB@ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه @QE@ @QB@ أفلا يتدبرون ~~القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا @QE@ إلى غير ذلك ~~من الآيات الدالة على ان الله تكلم بها وأنها نزلت من عنده وفي ذلك إثبات ~~صفة الكلام والعلو وقال تعالى @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق @QE@ @QB@ وإنه لكتاب عزيز لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد @QE@ @QB@ ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق @QE@ @QB@ يا أيها الناس ~~قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين @QE@ ~~@QB@ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء @QE@ @QB@ فآمنوا بالله ورسوله والنور ~~الذي أنزلنا @QE@ وأمثال ذلك في القرآن كثيرة # # | قوله ونسمى أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ماداموا بما جاء به PageV01P350 ~~النبي ms216 صلى الله عليه وسلم معترفين وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين # ش قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا واكل ~~ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا ويشير الشيخ رحمه الله بهذا ~~الكلام إلى ان الإسلام والإيمان واحد وأن المسلم لا يخرج من الإسلام ~~بارتكاب الذنب ما لم يستحله والمراد بقوله أهل قبلتنا من يدعي الإسلام ~~ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء أو من أهل المعاصي ما لم يكذب بشيء ~~مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وسيأتي الكلام على هذين المعنيين عند ~~قول الشيخ ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله وعند قوله ~~والإسلام والإيمان واحد وأهله في أصله سواء # | قوله ولا نخوض في الله ولا نماري في دين الله # ش يشير الشيخ رحمه الله إلى الكف عن كلام المتكلمين الباطل وذم علمهم ~~فإنهم يتكلمون في الإله بغير علم وغير سلطان أتاهم @QB@ إن يتبعون إلا الظن ~~وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ وعن أبي حنيفة رحمه الله ~~أنه قال لا ينبغي لأحد ان ينطق في ذات الله بشيء بل يصفه بما وصف به نفسه ~~وقال بعضهم الحق سبحانه يقول من ألزمته القيام مع اسمائي وصفاتي الزمته ~~الأدب ومن كشفت له حقيقة ذاتي الزمته العطب فاختر الأدب أو العطب ويشهد ~~لهذا انه سبحانه لما كشف للجبل عن ذاته ساخ الجبل وتدكدك ولم يثبت على عظمة ~~الذات قال الشبلي الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب وقوله ولا نماري في ~~دين الله معناه لا نخاصم أهل الحق بإلقاء شبهات اهل الأهواء عليهم التماسا ~~لامترائهم وميلهم لأنه في معنى الدعاء إلى الباطل وتلبيس الحق وإفساد دين ~~الإسلام PageV01P351 # # | قوله ولا نجادل في القرآن ونشهد انه كلام رب العالمين نزل به الروح ~~الامين فطمه سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وهو كلام الله تعالى لا ~~يساويه شيء من كلام المخلوقين ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين # ش فقوله ولا ms217 نجادل في القرآن يحتمل أنه أراد أنا لا نقول فيه كما قال أهل ~~الزيع واختلفوا وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق بل نقول إنه كلام رب ~~العالمين نزل به الروح الأمين إلى آخر كلامه ويحتمل أنه أراد أنا لا نجادل ~~في القراءة الثابتة بل نقرؤه بكل ما ثبت وصح وكل من المعنيين حق ويشهد بصحة ~~المعنى الثاني ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال سمعت رجلا ~~قرأ آية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت ~~به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فعرفت في وجهه الكراهة ~~وقال كلاكما محسن لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا رواه مسلم ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من ~~المختلفين ما مع صاحبه من الحق لأن كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه وعلل ~~ذلك بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا ولهذا قال حذيفة رضي الله عنه لعثمان ~~رضي الله عنه أدرك هذه الأمة لا تختلف كما اختلفت الأمم قبلهم فجمع الناس ~~على حرف واحد اجتماعا سائغا وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة ولم يكن في ~~ذلك ترك لواجب ولا فعل PageV01P352 # لمحظور إذ كانت قراءة القرآن على سبعة أحرف جائزة لا واجبة رخصة من الله ~~تعالى وقد جعل الاختيار اليهم في أي حرف اختاروه # أن ترتيب السور لم يكن واجبا عليهم منصوصا ولهذا كان ترتيب مصحف عبد الله ~~على غير ترتيب المصحف العثماني وكذلك مصحف غيره وأما ترتيب آيات السور فهو ~~ترتيب منصوص عليه فلم يكن لهم أن يقدموا آية على آية بخلاف السور فلما رأى ~~الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إن لم تجتمع على حرف واحد جمعهم ~~الصحابة عليه هذا قول جمهور السلف من العلماء والقراء قاله ابن جرير وغيره ~~منهم من يقول إن الترخص في الأحرف السبعة كان في أول الإسلام لما في ~~المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم ms218 اولا فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة ~~وكان اتفاقهم على حرف واحد يسير عليهم وهو أوفق لهم اجمعوا على الحرف الذي ~~كان في العرضة الأخيرة وذهب طوائف من الفقهاء وأهل الكلام إلى ان المصحف ~~يشتمل على الأحرف السبعة لأنه لا يجوز أن يهمل شيء من الأحرف السبعة وقد ~~اتفقوا على نقل المصحف العثماني وترك ما سواه وقد تقدمت الإشارة إلى الجواب ~~وهو أن ذلك كان جائزا لا واجبا أو أنه صار منسوخا وأما من قال عن ابن مسعود ~~إنه كان يجوز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه وإنما قال قد نظرت إلى القراءة ~~فرأيت قراءتهم متقاربة وإنما هو كقول أحدكم هلم وأقبل وتعال فاقرؤوا كما ~~علمتم أو كما قال والله تعالى قد أمرنا أن لا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي ~~هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم فكيف بمناظرة أهل القبلة فإن أهل القبلة من ~~حيث الجملة خير من أهل الكتاب فلا يجوز أن يناظر من لم يظلم منهم إلا بالتي ~~هي احسن وليس إذا اخطأ يقال إنه PageV01P353 # كافر قل أن تقام عليه الحجة التي حكم الرسول بكفر من تركها والله تعالى ~~قد عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان ولهذا ذم السلف أهل الأهواء وذكروا أن ~~آخر امرهم السيف وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان إن شاء الله تعالى عند قول ~~الشيخ ونرى الجماعة حقا وصوابا والفرقة زيغا وعذابا # وقوله ونشهد أنه كلام رب العالمين قد تقدم الكلام على هذا المعنى عند ~~قوله وان القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا # وقوله @QB@ نزل به الروح الأمين @QE@ هو جبرائيل عليه السلام سمي روحا ~~لأنه حامل الوحي الذي به حياة القلوب إلى الرسل من البشر صلوات الله عليهم ~~أجمعين وهو أمين حق امين صلوات الله عليه قال تعالى @QB@ نزل به الروح ~~الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين @QE@ وهذا وصف ~~جبرائيل بخلاف قوله تعالى @QB@ إنه لقول رسول كريم وما ms219 هو بقول شاعر @QE@ ~~الآيات فإن الرسول هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم # وقوله فعلمه سيد المرسلين تصريح بتعليم جبرائيل إياه إبطالا لتوهم ~~القرامطة وغيرهم أنه تصوره في نفسه إلهاما # وقوله ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين تنبيه على أن من قال بخلق ~~القرآن فقد خالف جماعة المسلمين فإن سلف الأمة كلهم متفقون على أنه كلام ~~الله بالحقيقة غير مخلوق بل قوله ولا نخالف جماعة المسلمين مجرى على إطلاقه ~~أنا لا نخالف جماعة المسلمين في جميع ما اتفقوا عليه فإن خلافهم زيغ وضلال ~~وبدعة PageV01P354 # # | قوله ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ولا نقول لا يضر ~~مع الإيمان ذنب لمن عمله # ش أراد بأهل القبلة الذين تقدم ذكرهم في قوله ونسمي أهل قبلتنا مسلمين ~~مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين وله بكل ما ~~قال وأخبر مصدقين يشير الشيخ رحمه الله بهذا الكلام إلى الرد على الخوارج ~~القائلين بالتكفير بكل ذنب # واعلم رحمك الله وإينا أن باب التكفير وعدم التكفير باب عظمت الفتنة ~~والمحنة فيه وكثر فيه الافتراق وتشتتت فيه الأهواء والآراء وتعارضت فيه ~~دلائلهم فالناس فيه في جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة المخالفة ~~للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس الأمر أو المخالفة لذلك في اعتقادهم ~~على طرفين ووسط من جنس الاختلاف في تكفير أهل الكبائر العملية # فطائفة تقول لا نكفر من أهل القبلة احدا فتنفي التكفير نفيا عاما مع ~~العلم بأن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو أكفر من اليهود ~~والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم وهم ~~يتظاهرون بالشهادتين وأيضا فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار ~~الواجبات الظاهرة المتواترة والمحرمات الظاهرة المتواترة ونحو ذلك فإنه ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا مرتدا والنفاق والردة مظنتها البدع والفجور ~~كما ذكره الخلال في كتاب السنة بسنده إلى محمد بن سيرين أنه قال إن أسرع ~~الناس رده أهل الأهواء ms220 وكان يرى هذه الآية نزلت فيهم @QB@ وإذا رأيت الذين ~~يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره @QE@ ولهذا امتنع ~~كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر احدا بذنب بل يقال لا نكفرهم ~~بكل ذنب كما PageV01P355 # تفعله الخوارج وفرق بين النفي العام ونفي العموم والواجب إنما هو نفي ~~العموم مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب ولهذا والله اعلم قيده ~~الشيخ رحمه الله بقوله ما لم يستحله وفي قوله ما لم يستحله إشارة إلى أن ~~مراده من هذا النفي العام لكل ذنب من الذنوب العملية لا العلمية وفيه إشكال ~~فإن الشارع لم يكتف من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم ولا في ~~العلميات بمجرد العلم دون العمل وليس العمل مقصورا على عمل الجوارح بل ~~أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح وأعمال الجوارح تبع إلا أن يضمن قوله يستحله ~~بمعنى يعتقده أو نحو ذلك # وقوله ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله إلى آخر كلامه رد على ~~المرجئة فإنهم يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة ~~فهؤلاء في طرف والخوارج في طرف فإنهم يقولون نكفر المسلم بكل ذنب أو بكل ~~ذنب كبير وكذلك المعتزلة الذين يقولون يحبط إيمانه كله بالكبيرة فلا يبقى ~~معه شيء من الإيمان لكن الخوارج يقولون يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر ~~والمعتزلة يقولون يخرج من الايمان ولا يدخل في الكفر وهذه المنزلة بين ~~المنزلتين وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في النار وطوائف من ~~اهل الكلام والفقه والحديث لا يقولون ذلك في الأعمال لكن في الاعتقادات ~~البدعية وإن كان صاحبها متأولا فيقولون يكفر كل من قال هذا القول لا يفرقون ~~بين المجتهد المخطيء وغيره أو يقولون يكفر كل مبتدع وهؤلاء يدخل عليهم في ~~هذا الإثبات العام أمور عظيمة فإن النصوص المتواترة قد دلت على أنه يخرج من ~~النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ونصوص الوعد PageV01P356 التي يحتج ~~بها هؤلاء تعارض نصوص الوعيد التي يحتج ms221 بها أولئك والكلام في الوعيد مبسوط ~~في موضعه وسيأتي بعضه عند الكلام على قول الشيخ وأهل الكبائر في النار لا ~~يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون والمقصود هنا أن البدع هي من هذا الجنس فإن ~~الرجل يكون مؤمنا باطنا وظاهرا لكن تأول تأويلا اخطأ فيه إما مجتهدا وإما ~~مفرطا مذنبا فلا يقال إن إيمانه حبط لمجرد ذلك إلا أن يدل على ذلك دليل ~~شرعي بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة ولا نقول لا يكفر بل العدل هو ~~الوسط وهو أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما أثبته ~~الرسول أو إثبات ما نفاه أو الأمر بما نهى عنه أو النهي عما أمر به يقال ~~فيها الحق ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص ويبين أنها كفر ويقال من ~~قالها فهو كافر ونحو ذلك كما يذكر من الوعيد في الظلم في النفس والأموال ~~وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق القرآن وأن ~~الله لا يرى في الآخرة ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها وعن أبي يوسف رحمة الله ~~أنه قال ناظرت أبا حنيفة رحمه الله مدة حتى اتفق رأيي ورأيه أن من قال بخلق ~~القرآن فهو كافر وأما الشخص المعين إذا قيل هل تشهدون انه من أهل الوعيد ~~وانه كافر فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة فإنه من أعظم البغي ~~أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار فإن هذا ~~حكم الكافر بعد الموت ولهذا ذكر أبو داود في سننه في كتاب الأدب باب النهي ~~عن البغي وذكر فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين فكان أحدهما يذنب والآخر ~~مجتهد في العبادة فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول أقصر ~~فوجده يوما PageV01P357 # على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيبا فقال والله لا يغفر ~~الله لك أولايدخلك ms222 الله الجنة فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين فقال ~~لهذا المجتهد أكنت بي عالما أو كنت على ما في يدي قادرا وقال للمذنب اذهب ~~فادخل الجنة برحمتي وقال للآخر اذهبوا به إلى النار قال أبو هريرة والذي ~~نفسي بيده لتكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته وهو حديث حسن ولأن الشخص المعين ~~يمكن أن يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ~~ذلك من النصوص ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله كما ~~غفر للذي قال إذا مت فاسحقوني ثم اذروني ثم غفر الله له لخشيته وكان يظن أن ~~الله لا يقدر على جمعه وإعادته أو شك في ذلك لكن هذا التوقف في أمر الآخرة ~~لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا لمنع بدعته وأن نستتيبه فإن تاب وإلا قتلناه ~~ثم إذا كان القول في نفسه كفرا قيل إنه كفر والقائل له يكفر بشروط وانتفاء ~~موانع ولا يكون ذلك إلا إذا صار منافقا زنديقا فلا يتصور أن يكفر أحد من ~~اهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا وكتاب الله يبين ~~ذلك فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف صنف كفار من المشركين ومن أهل ~~الكتاب وهم الذين لا يقرون بالشهادتين وصنف المؤمنون باطنا وظاهرا وصنف ~~أقروا به ظاهرا لا باطنا وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة ~~وكل من ثبت انه كافر في نفس الأمر وكان مقرا بالشهادتين فإنه لا يكون إلا ~~زنديقا والزنديق هو المنافق # وهنا يظهر غلط الطرفين فإنه من كفر كل من قال القول المبتدع في ~~PageV01P358 # الباطن يلزمه أن يكفر أقواما ليسوا في الباطن منافقين بل هم في الباطن ~~يحبون الله ورسوله ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين كما ثبت في صحيح ~~البخاري عن أسلم مولى عمر رضي الله عنه عن عمر أن رجلا كان على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms223 وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب ~~فأتى به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى ~~به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فوالله ما علمت إنه يحب ~~الله ورسوله وهذا امر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين وفيهم ~~بعض مقالات الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج ولكن ~~الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدعة بل بفرع منها ~~ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء لطوائف من السلف المشاهير فمن عيوب اهل البدع ~~تكفير بعضهم بعضا ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون # ولكن بقي هنا إشكال يرد على كلام الشيخ رحمه الله وهو أن الشارع قد سمى ~~بعض الذنوب كفرا قال الله @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم سباب المسلم فسوق وقتاله كفر متفق ~~عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وقال صلى الله عليه وسلم لا ~~PageV01P359 # ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وإذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد ~~باء بها احدهما متفق عليهما من حديث ابن عمرو رضي الله عنه وقال صلى الله ~~عليه وسلم أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه ~~خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا ~~خاصم فجر متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وقال صلى الله ~~عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن والتوبة معروضة بعد وقال صلى الله ~~عليه وسلم بين المسلم وبين الكفر ترك الصلاة رواه مسلم عن جابر رضي الله ~~عنه وقال صلى الله عليه وسلم من أتى كاهنا فصدقه أو أتى امرأة في دبرها فقد ~~كفر بما أنزل على محمد وقال ms224 صلى الله عليه وسلم من حلف بغير الله فقد كفر ~~رواه الحاكم بهذا اللفظ وقال صلى الله عليه وسلم ثنتان في أمتي بهم كفر ~~الطعن في الأنساب والنياحة على الميت ونظائر ذلك كثيرة # والجواب ان أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ~~ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج أذ لو كفر PageV01P360 # كفر ينقل عن الملة لكان مرتدا يقتل على كل حال ولا يقبل عفو ولي القصاص ~~ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر وهذا القول معلوم بطلانه ~~وفساده بالضرورة من دين الإسلام ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان ~~والإسلام ولا يدخل في الكفر ولا يستحق الخلود مع الكافرين كما قالت ~~المعتزلة فإن قولهم باطل أيضا إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين ~~قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى @QE@ إلى ~~أن قال @QB@ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف @QE@ فلم يخرج القاتل ~~من الذين آمنوا وجعله أخا لولي القصاص والمراد أخوة الدين بلا ريب وقال ~~تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما @QE@ إلى أن ~~قال @QB@ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم @QE@ ونصوص الكتاب والسنة ~~والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل بل يقام عليه الحد فدل ~~على أنه ليس بمرتد وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~من كانت عنده لأخيه اليوم مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن ~~لا يكون درهم ولا دينار إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن ~~له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم ألقي في النار أخرجاه في ~~الصحيحين فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي المظلوم منها حقه وكذلك ثبت ~~في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما تعدون المفلس فيكم قالوا ~~المفلس فينا من لا له درهم ولا دينار قال المفلس من يأتي يوم القيامة وله ~~حسنات أمثال الجبال ms225 فيأتي وقد شتم هذا وأخذ مال هذا وسفك دم هذا وقذف هذا ~~وضرب هذا فيقتص هذا PageV01P361 # من حسناته وهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من ~~خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار رواه مسلم وقد قال تعالى @QB@ إن ~~الحسنات يذهبن السيئات @QE@ فدل ذلك على أنه في حال إساءة يعمل حسنات تمحو ~~سيئاته وهذا مبسوط في موضعه # والمعتزلة موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة فإنهم وافقوهم على أن مرتكب ~~الكبيرة مخلد في النار لكن قالت الخوارج نسميه كافرا وقالت المعتزلة نسميه ~~فاسقا فالخلاف بينهم لفظي فقط وأهل السنة أيضا متفقون على أنه يستحق الوعيد ~~المرتب على ذلك الذنب كما وردت به النصوص لا كما يقوله المرجئة من انه لا ~~يضر مع الإيمان ذنب ولا ينفع مع الكفر طاعة وإذا اجتمعت نصوص الوعد التي ~~استدلت بها المرجئة ونصوص الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة تبين ~~لك فساد القولين ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة ~~فساد مذهب الطائفة الأخرى # ثم بعد هذا الاتفاق تبين أن أهل السنة اختلفوا خلافا لفظيا لا يترتب عليه ~~فساد وهو أنه هل يكون الكفر على مراتب كفرا دون كفر كما اختلفوا هل يكون ~~الإيمان على مراتب إيمانا دون إيمان وهذا الاختلاف نشا من اختلافهم في مسمى ~~الإيمان هل هو قول وعمل يزيد وينقص أم لا بعد اتفاقهم على أن من سماه الله ~~تعالى ورسوله كافرا نسميه كافرا إذ من الممتنع ان يسمي الله سبحانه الحاكم ~~بغير ما أنزل الله كافرا ويسمي رسوله من تقدم ذكره كافرا ولا نطلق عليهما ~~اسم الكفر ولكن من قال إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص قال PageV01P362 # هو كفر عملي لا اعتقادي والكفر عنده على مراتب كفر دون كفر كالإيمان عنده ~~ومن قال إن الإيمان هو التصديق ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان والكفر هو ~~الجحود ولا يزيدان ولا ينقصان قال هو كفر مجازي غير حقيقي إذ الكفر الحقيقي ~~هو الذي ينقل ms226 عن الملة وكذلك يقول في تسمية بعض الأعمال بالإيمان كقوله ~~تعالى @QB@ وما كان الله ليضيع إيمانكم @QE@ اي صلاتكم إلى بيت المقدس انها ~~سميت إيمانا مجازا لتوقف صحتها عن الإيمان أو لدلالتها على الإيمان إذ هي ~~دالة على كون مؤديها مؤمنا ولهذا يحكم بإسلام الكافر إذا صلى صلاتنا فليس ~~بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما ~~جاء به الرسول وما تواتر عنهم أنهم من أهل الوعيد ولكن الأقوال المنحرفة ~~قول من يقول بتخليدهم في النار كالخوارج والمعتزلة ولكن أردأ ما في ذلك ~~التعصب على من يضادهم وإلزامه لمن يخالف قوله بما لا يلزمه والتشنيع عليه ~~واذا كنا مأمورين بالعدل في مجادلة الكافرين وأن يجادلوا بالتي هي أحسن ~~فكيف لا يعدل بعضنا على بعض في مثل هذا الخلاف قال تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا ~~تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى @QE@ # وهنا أمر يجب ان يتفطن له وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ~~ينقل عن الملة وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة ويكون كفرا إما مجازيا وإما ~~كفرا أصغر على القولين المذكورين وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد ان ~~الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو استهان به مع تيقنه أنه حكم ~~الله فهذا PageV01P363 # كفر أكبر وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل ~~عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافرا كفرا مجازيا أو ~~كفرا أصغر وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم ~~وأخطأه فهذا مخطىء له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور # وأراد الشيخ رحمه الله بقوله ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ~~مخالفة المرجئة وشبهتهم كانت قد وقعت لبعض الأولين فاتفق الصحابة على قتلهم ~~إن لم يتوبوا من ذلك فإن قدامة بن عبد الله شرب الخمر بعد تحريمها هو ~~وطائفة وتأولوا قوله ms227 تعالى @QB@ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات @QE@ فلما ذكروا ذلك لعمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم ~~إن اعترفوا بالتحريم جلدوا وإن اصروا على استحلالها قتلوا وقال عمر لقدامة ~~اخطأت استك الحفرة أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخبر ~~وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب ان الله سبحانه لما حرم الخمر وكان تحريمها ~~بعد وقعة أحد قال بعض الصحابة فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ~~PageV01P364 # فأنزل الله هذه الآية يبين فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم يحرم ~~فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين كما كان من امر ~~استقبال بيت المقدس ثم إن أولئك الذين فعلوا ذلك يذمون على أنهم أخطأوا ~~وأيسوا من التوبة فكتب عمر إلى قدامة يقول له @QB@ حم تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب @QE@ ما أدري أي ذنبيك ~~أعظم استحلالك المحرم أولا أم يأسك من رحمة الله ثانيا وهذا الذي اتفق عليه ~~الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام # # | قوله ونرجو للمحسنين من المؤمنين ان يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ~~ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا ~~نقنطهم # ش وعلى المؤمن أن يعتقد هذا الذي قاله الشيخ رحمه الله في حق نفسه وفي حق ~~غيره قال تعالى @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين @QE@ وقال تعالى @QB@ وإياي فاتقون @QE@ ~~@QB@ وإياي فارهبون @QE@ @QB@ فلا تخشوهم واخشوني @QE@ ومدح أهل الخوف فقال ~~تعالى @QB@ إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ~~@QE@ إلى قوله @QB@ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون @QE@ وفي ~~المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله @QB@ والذين ~~يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة @QE@ هو ms228 الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال لا يا ~~ابنة الصديق PageV01P365 # ولكنه الرجل يصوم ويصلى ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه قال الحسن رضي الله ~~عنه عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا ان ترد عليهم إن المؤمن جمع ~~إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وامنا انتهى وقد قال تعالى @QB@ إن الذين ~~آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله ~~غفور رحيم @QE@ فتأمل كيف جعل رجاءهم مع إيمانهم بهذه الطاعات فالرجاء إنما ~~يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله تعالى شرعه وقدرته وثوابه ~~وكرامته ولو أن رجلا له أرض يؤمل ان يعود عليه من مغلها ما ينفعه فأهملها ~~ولم يحرثها ولم يبذرها ورجا أنه يأتي من مغلها مثل ما يأتي من حرث وزرع ~~وتعاهد الأرض لعدة الناس من أسفه السفهاء وكذا لو رجا وحسن ظنه أن يجيئه ~~ولد من غير جماع أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب العلم وحرص تام وأمثال ~~ذلك فكذلك من حسن ظنه وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلى والنعيم المقيم ~~من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ومما ~~ينبغي أن يعلم ان من رجا شيئا إستلزم رجاؤه أمورا أحدها محبة ما يرجوه ~~الثاني خوفه من فواته الثالث سعيه في تحصيله بحسب الإمكان وأما رجاء لا ~~يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني والرجاء شيء والأماني شيء آخر فكل ~~راج خائف والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات وقال تعالى ~~@QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ فالمشرك ~~لا ترجى له المغفرة لأن الله نفى عنه المغفرة وما سواه من الذنوب في مشيئة ~~الله إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه PageV01P366 # وفي معجم الطبراني الدواوين عند الله يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان لا ~~يغفر الله منه شيئا وهو الشرك بالله ثم قرأ @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به @QE@ وديوان لا يترك الله منه شيئا وهو مظالم العباد ms229 بعضهم بعضا وديوان ~~لا يعبأ الله به وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه # وقد اختلفت عبارات العلماء في الفرق بين الكبائر والصغائر وستأتي الإشارة ~~إلى ذلك عند قول الشيخ رحمه الله واهل الكبائر من امة محمد في النار لا ~~يخلدون ولكن ثم امر ينبغي التفطن له وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء ~~والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر وقد يقترن بالصغيرة من قلة ~~الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر وهذا ~~امر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب وهو قدر زائد على مجرد الفعل والإنسان يعرف ~~ذلك من نفسه وغيره # وأيضا فإنه قد يعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره فإن فاعل ~~السيئات يسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة اسباب عرفت بالاستقراء من الكتاب ~~والسنة # السبب الأول التوبة قال تعالى @QB@ إلا من تاب @QE@ @QB@ إلا الذين تابوا ~~@QE@ وغيرها والتوبة النصوح وهي الخالصة لا يختص بها ذنب دون ذنب لكن هل ~~تتوقف صحتها على ان تكون عامة حتى لو تاب من ذنب وأصر على آخر لا تقبل ~~والصحيح أنها تقبل PageV01P367 # وهل يجب الإسلام ما قبله من الشرك وغيره من الذنوب وإن لم يتب منها أم لا ~~بد مع الإسلام من التوبة من غير الشرك حتى لو أسلم وهو مصر على الزنا وشرب ~~الخمر مثلا هل يؤاخذ بما كان منه في كفره من الزنا وشرب الخمر أم لا بد أن ~~يتوب من ذلك الذنب مع اسلامه أو يتوب توبة عامة من كل ذنب وهذا هو الأصح ~~أنه لا بد من التوبة مع الإسلام وكون التوبة سببا لغفران الذنوب وعدم ~~المؤاخذة بها مما لا خلاف فيه بين الأمة وليس شيء يكون سببا لغفران جميع ~~الذنوب إلا التوبة قال تعالى @QB@ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم @QE@ ~~وهذا لمن تاب ولهذا قال @QB@ لا تقنطوا @QE@ وقال بعدها @QB@ وأنيبوا إلى ~~ربكم @QE@ # السبب الثاني الاستغفار قال تعالى @QB@ وما ms230 كان الله معذبهم وهم يستغفرون ~~@QE@ لكن الاستغفار تارة يذكر وحده وتارة يقرن بالتوبة فإن ذكره وحده دخلت ~~معه التوبة كما إذا ذكرت التوبة وحدها شملت الاستغفار فالتوبة تتضمن ~~الاستغفار والاستغفار يتضمن التوبة وكل واحد منهما يدخل في مسمى الآخر عند ~~الإطلاق واما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار طلب وقاية شر ما ~~مضى والتوبة الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله ~~ونظير هذا الفقير والمسكين إذا ذكر أحد اللفظين شمل الآخر وإذا ذكرا معا ~~كان لكل منهما معنى قال تعالى @QB@ إطعام عشرة مساكين @QE@ @QB@ فإطعام ~~ستين مسكينا @QE@ @QB@ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم @QE@ لا ~~خلاف أن كل واحد من الاسمين في هذه الآيات لما أفرد شمل المقل والمعدم ولما ~~قرن أحدهما بالآخر في قوله تعالى @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ ~~PageV01P368 # وكان المراد بأحدهما المقل والآخر المعدم على خلاف فيه وكذلك الإثم ~~والعدوان والبر والتقوى والفسوق والعصيان ويقرب من هذا المعنى الكفر ~~والنفاق فإن الكفر أعم فإذا ذكر الكفر شمل النفاق وإن ذكر معا كان لكل ~~منهما معنى وكذلك الإيمان والإسلام على ما يأتي الكلام فيه إن شاء الله ~~تعالى # السبب الثالث الحسنات فإن الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها فالويل لمن ~~غلبت آحاده عشراته وقال تعالى @QB@ إن الحسنات يذهبن السيئات @QE@ وقال صلى ~~الله عليه وسلم وأتبع السيئة الحسنة تمحها # والسبب الرابع المصائب الدنيوية قال صلى الله عليه وسلم ما يصيب المؤمن ~~من وصب ولا نصب ولا غم ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من ~~خطاياه وفي المسند أنه لما نزل قوله تعالى @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ ~~قال أبو بكر يا رسول الله نزلت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا فقال يا أبا ~~بكر الست تنصب ألست تحزن ألست يصيبك اللأواء فذلك ما تجزون به فالمصائب ~~نفسها PageV01P369 # مكفرة وبالصبر علها يثاب العبد وبالسخط يأثم والصبر والسخط امر آخر غير ~~المصيبة فالمصيبة من فعل الله لا من فعل العبد وهي جزاء من الله للعبد على ms231 ~~ذنبه ويكفر ذنبه بها وإنما يثاب المرء ويأثم على فعله والصبر والسخط من ~~فعله وإن كان الأجر قد يحصل بغير عمل من العبد بل هديه من الغير أو فضلا من ~~الله من غير سبب قال تعالى @QB@ ويؤت من لدنه أجرا عظيما @QE@ فنفس المرض ~~جزاء وكفارة لما تقدم وكثيرا ما يفهم من الأجر غفران الذنوب وليس ذلك ~~مدلوله وإنما يكون من لازمه # السبب الخامس عذاب القبر وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى # السبب السادس دعاء المؤمنين واستغفارهم في الحياة وبعد الممات # السبب السابع ما يهدي اليه بعد الموت من ثواب صدقة أو قراءة أو حج ونحو ~~ذلك وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى # السبب الثامن أهوال يوم القيامة وشدائده # السبب التاسع ما ثبت في الصحيحين أن المؤمنين اذا عبروا الصراط وقفوا على ~~قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في ~~دخول الجنة # السبب العاشر شفاعة الشافعين كما تقدم عند ذكر الشفاعة وأقسامها ~~PageV01P370 # السبب الحادي عشر عفو أرحم الراحمين من غير شفاعة كما قال تعالى @QB@ ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ فإن كان ممن لم يشأ الله أن يغفر له لعظم ~~جرمه فلا بد من دخوله إلى الكير ليخلص طيب إيمانه من خبث معاصيه فلا يبقى ~~في النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان بل من قال لا إله ~~إلا الله كما تقدم من حديث أنس رضي الله عنه وإذا كان الأمر كذلك امتنع ~~القطع لأحد معين من الأمة غير من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة ~~ولكن نرجو للمحسنين ونخاف عليهم # # | قوله والأمن والأياس ينقلان عن ملة الاسلام وسبيل الحق بينهما لأهل ~~القبلة # ش يجب أن يكون العبد خائفا راجيا فإن الخوف المحمود الصادق ما حال بين ~~صاحبه وبين محارم الله فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط والرجاء ~~المحمود رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه أو رجل ~~أذنب ذنبا ms232 ثم تاب منه إلى الله فهو راج لمغفرته قال الله تعالى @QB@ إن ~~الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ~~والله غفور رحيم @QE@ أما إذا كان الرجل متماديا في التفريط والخطايا يرجو ~~رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب قال أبو علي ~~الروذباري رحمه الله الخوف والرجاء كجناحي الطائر اذا استوي استوى الطير ~~وتم طيرانه واذا نقص أحدهما وقع فيه النقص واذا ذهبا صار الطائر في حد ~~الموت وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء بقوله @QB@ أم من هو قانت آناء الليل ~~ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه @QE@ PageV01P371 وقال @QB@ ~~تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا @QE@ فالرجاء يستلزم الخوف ~~ولولا ذلك لكان امنا والخوف يستلزم الرجاء ولولا ذلك لكان قنوطا ويأسا وكل ~~أحد اذا خفته هربت منه إلا الله تعالى فإنك إذا خفته هربت إليه فالخائف ~~هارب من ربه إلى ربه وقال صاحب منازل السائرين رحمه الله الرجاء أضعف منازل ~~المريد وفي كلامه نظر بل الرجاء والخوف على الوجه المذكور من أشرف منازل ~~المريد وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل أنا عند ~~ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث لا يموتن أحدكم إلا وهو ~~يحسن الظن بربه ولهذا قيل إن العبد ينبغي أن يكون رجاؤه في مرضه أرجح من ~~خوفه بخلاف زمن الصحة فإنه يكون خوفه أرجح من رجائه وقال بعضهم من عبد الله ~~بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري وروي ومن عبده ~~بالرجاء وحده فهو مرجيء ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد ولقد ~~أحسن محمود الوراق في قوله % لو قد رأيت الصغير من عمل الخ % ير ثوابا عجبت ~~من كبره % % أو قد رأيت الحقير من عمل الش % ر جزاء أشفقت من حذره % $ # $ قوله ولا يخرج العبد من الإيمان الا ms233 بجحود ما ادخله فيه # ش يشير الشيخ إلى الرد على الخوارج والمعتزلة في قولهم بخروجه من الإيمان ~~بارتكاب الكبيرة وفيه تقرير لما قال أولا لا نكفر أحدا PageV01P372 # من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله وتقدم الكلام على هذا المعنى # # | قوله والإيمان هو الاقرار باللسان والتصديق بالجنان وجميع ما صح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق والإيمان واحد واهله ~~في أصله سواء والتفاضل بينهم بالخشية والتقي ومخالفة الهوى وملازمة الأولى # ش اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافا كثيرا فذهب مالك ~~والشافعي وأحمد والاوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة ~~رحمهم الله وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى أنه تصديق بالجنان وإقرار ~~باللسان وعمل بالأركان وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكره الطحاوي رحمه الله ~~أنه الإقرار باللسان والتصديق بالجنان ومنهم من يقول إن الإقرار باللسان ~~ركن زائد ليس بأصلي والى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي رحمه الله ويروى عن ~~أبي حنيفة رضي الله عنه وذهب الكرامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان ~~فقط فالمنافقون عندهم مؤمنون كاملو الإيمان ولكنهم يقولون بأنهم يستحقون ~~الوعيد الذي اوعدهم الله به وقولهم ظاهر الفساد وذهب الجهم بن صفوان وأبو ~~الحسن الصالحي أحد رؤساء القدرية إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب وهذا ~~القول أظهر فسادا مما قبله فإن لازمه أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين فإنهم ~~عرفوا صدق موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ولم يؤمنوا بهما ولهذا قال ~~موسى لفرعون @QB@ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف ~~كان عاقبة المفسدين @QE@ وأهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما يعرفون أبناءهم ولم يكونوا مؤمنين به بل كافرين به معادين له ~~وكذلك PageV01P373 أبو طالب عنده يكون مؤمنا فإنه قال % ولقد علمت بأن دين ~~محمد % من خير أديان البرية دينا % % لولا الملامة أو حذار مسبة % لوجدتني ~~سمحا بذاك مبينا % $ # بل إبليس يكون عند الجهم مؤمنا ms234 كامل الإيمان فإنه لم يجهل ربه بل هو عارف ~~به @QB@ قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون @QE@ @QB@ قال رب بما أغويتني @QE@ ~~@QB@ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين @QE@ والكفر عند الجهم هو الجهل بالرب ~~تعالى ولا أحد أجهل منه بربه فإنه جعله الوجود المطلق وسلب عنه جميع صفاته ~~ولا جهل أكبر من هذا فيكون كافرا بشهادته على نفسه وبين هذه المذاهب مذهب ~~آخر بتفاصيل وقيود أعرضت عن ذكرها اختصارا ذكر هذه المذاهب أبو المعين ~~النسفي في تبصرة الأدلة وغيره # وحاصل الكل يرجع إلى أن الإيمان إما أن يكون ما يقوم به القلب واللسان ~~وسائر الجوارح كما ذهب اليه جمهور السلف من الائمة الثلاثة وغيرهم رحمهم ~~الله كما تقدم أو بالقلب واللسان دون الجوارح كما ذكره الطحاوي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه رحمهم الله أو باللسان وحده كما تقدم ذكره عن الكرامية أو ~~بالقلب وحده وهو إما المعرفة كما قاله الجهم أو التصديق كما قاله أبو منصور ~~الماتريدي رحمه الله وفساد قول الكرامية والجهم بن صفوان ظاهر # والإختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة اختلاف صوري ~~فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب أو جزءا من الإيمان مع الاتفاق ~~على أن مرتكب الكبير لا يخرج من الإيمان بل هو في مشيئة الله إن شاء عذبه ~~وإن شاء عفا عنه نزاع لفظي لا يترتب عليه فساد اعتقاد والقائلون بتكفير ~~تارك الصلاة ضموا إلى هذا الأصل أدلة أخرى وإلا فقد نفى النبي صلى الله ~~عليه وسلم PageV01P374 # الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب ولم يوجب ذلك زوال اسم ~~الإيمان عنهم بالكلية اتفاقا ولا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى أراد من ~~العباد القول والعمل وأعني بالقول التصديق بالقلب والإقرار باللسان وهذا ~~الذي يعنى به عند إطلاق قولهم الإيمان قول وعمل لكن هذا المطلوب من العباد ~~هل يشمله اسم الإيمان أم الإيمان أحدهما وهو القول وحده والعمل مغاير له لا ~~يشمله اسم الإيمان عند إفراده بالذكر وإن أطلق عليهما كان مجازا هذا محل ~~النزاع # وقد ms235 أجمعوا على أنه لو صدق بقلبه وأقر بلسانه وامتنع عن العمل بجوارحه ~~أنه عاص لله ورسوله مستحق للوعيد لكن فيمن يقول إن الأعمال غير داخلة في ~~مسمى الإيمان من قال لما كان الإيمان شيئا واحدا فإيماني كإيمان أبي بكر ~~الصديق وعمر رضي الله عنهما بل قال كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبرائيل ~~وميكائيل عليهم السلام وهذا غلو منه فان الكفر مع الإيمان كالعمى مع البصر ~~ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه فمنهم الخفش والأعشى و من ~~يرى الخط الثخين دون الدقيق إلا بزجاجة ونحوها ومن يرى عن قرب زائد على ~~العادة وآخر بضده # ولهذا والله أعلم قال الشيخ رحمه الله وأهله في أصله سواء يشير إلى ان ~~التساوي إنما هو في أصله ولا يلزم منه بالتساوي من كل وجه بل تفاوت درجات ~~نور لا إله إلا الله في قلوب أهلها لا يحصيها إلا الله تعالى فمن الناس من ~~نور لا إله إلا الله في قلبه كالشمس ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري ~~وآخر كالمشعل PageV01P375 # العظيم وآخر كالسراج المضيء وآخر كالسراج الضعيف ولهذا تظهر الأنوار يوم ~~القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار بحسب ما في قلوبهم من نور ~~الإيمان والتوحيد علما وعملا وكلما اشتد نور هذه الكلمة وعظم أحرق من ~~الشبهات والشهوات بحسب قوته بحيث إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف شهوة ولا ~~شبهة ولا نذنبا إلا أحرقه وهذه حال الصادق في توحيده فسماء إيمانه قد حرس ~~بالرجوم من كل سارق ومن عرف هذا عرف معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله وقوله لا ~~يدخل النار من قال لا إله إلا الله وما جاء من هذا النوع من الأحاديث التي ~~أشكلت على كثير من الناس حتى ظنها بعضهم منسوخة وظنها بعضهم قبل ورود ~~الأوامر والنواهي وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار وأول بعضهم الدخول ~~بالخلود ونحو ذلك والشارع صلوات الله وسلامه عليه ms236 لم يجعل ذلك حاصلا بمجرد ~~قول اللسان فقد فإن هذا من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام فإن المنافقين ~~يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين في الدرك الأسفل من النار فإن الأعمال ~~لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب وتأمل حديث ~~البطاقة التي توضع في كفة ويقابلها تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ~~فتثقل البطاقة وتطيش السجلات فلا يعذب صاحبها ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه ~~البطاقة وكثير منهم يدخل النار وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق ~~الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن السير الى PageV01P376 # القرية وحملته وهو في تلك الحال أن جعل ينوء بصدره وهو يعالج سكرات الموت ~~وتأمل ما قام بقلب البغي من الإيمان حيث نزعت موقها وسقت الكلب من الركية ~~فغفر لها وهكذا العقل أيضا فإنه يقبل التفاضل واهله في أصله سواء متسوون في ~~أنهم عقلاء غير مجانين وبعضهم أعقل من بعض وكذلك الإيجاب والتحريم فيكون ~~إيجاب دون إيجاب وتحريم دون تحريم هذا هو الصحيح وإن كان بعضهم قد طرد ذلك ~~في العقل والوجوب # وأما زيادة الإيمان من جهة الإجمال والتفصيل فمعلوم أنه لا يجب في أول ~~الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله ولا يجب على كل أحد من الإيمان المفصل ~~مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه خبره كما في حق النجاشي وامثاله ~~وأما الزيادة بالعمل والتصديق المستلزم لعمل القلب والجوارح فهو أكمل من ~~التصديق الذي لا يستلزمه فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا ~~يعمل به فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليس المخبر كالمعاين وموسى عليه السلام لما أخبر أن قومه عبدوا ~~العجل لم يلق الألواح فلما رآهم قد عبدوه ألقاها وليس ذلك لشك موسى في خبر ~~الله لكن المخبر وإن جزم بصدق المخبر فقد لا يتصور المخبر به نفسه كما ~~يتصوره إذا عاينه كما قال إبراهيم الخليل صلوات الله على نبينا ms237 محمد وعليه ~~@QB@ رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ~~@QE@ وايضا فمن وجب عليه الحج والزكاة مثلا يجب عليه الإيمان ان يعلم ما ~~أمر به ويؤمن بأن الله أوجب عليه PageV01P377 # ما لا يجب على غيره الإيمان به إلا مجملا وهذا يجب عليه فيه الإيمان ~~المفصل وكذلك الرجل أول ما يسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل ثم إذا جاء ~~وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها فلم يتساو الناس فيما أمروا ~~به من الإيمان ولا شك أن من قام بقلبه التصديق الجازم الذي لا يقوى على ~~معارضته شهوة ولا شبهة لا تقع معه معصية ولولا ما حصل له من الشهوة والشبهة ~~أو إحداهما لما عصى بل يشتغل قلبه ذلك الوقت بما يواقعه من المعصية فيغيب ~~عنه التصديق والوعيد فيعصي ولهذا والله أعلم قال صلى الله عليه وسلم لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن الحديث فهو حين يزني يغيب عنه تصديقه بحرمة ~~الزنا وإن بقي أصل التصديق في قلبه ثم يعاوده فإن المتقين كما وصفهم الله ~~بقوله @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ~~@QE@ قال ليث عن مجاهد هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه والشهوة ~~والغضب مبدأ السيئات فإذا ابصر رجع ثم قال تعالى @QB@ وإخوانهم يمدونهم في ~~الغي ثم لا يقصرون @QE@ أي وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي ثم لا ~~يقصرون قال ابن عباس لا الإنس تقصر عن السيئات ولا الشياطين تمسك عنهم فإذا ~~لم يبصر بقي قلبه في عمى والشيطان يمده في غيه وإن كان التصديق في قلبه لم ~~يكذب فذلك النور والإبصار وتلك الخشية والخوف تخرج من قلبه وهذا كما أن ~~الإنسان يغمض عينه فلا يرى وإن لم يكن أعمى فكذلك القلب بما يغشاه من رين ~~الذنوب لا يبصر الحق وإن لم يكن أعملى كعمى الكافر وجاء هذا المعنى مرفوعا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه PageV01P378 # قال إذا زنا العبد نزع منه الإيمان فإذا تاب ms238 أعيد إليه وإذا كان النزاع ~~في هذه المسألة بين اهل السنة نزاعا لفظيا فلا محذور فيه سوى ما يحصل من ~~عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى والافتراق بسبب ذلك وأن يصير ذلك ذريعة ~~إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء ونحوهم ولى ظهور الفسق والمعاصي ~~بأن يقول أنا مؤمن مسلم حقا كامل الإيمان والإسلام ولي من أولياء الله فلا ~~يبالي بما يكون منه من المعاصي وبهذا المعنى قالت المرجئة لا يضر مع ~~الإيمان ذنب لمن عمله وهذا باطل قطعا فالإمام أبو حنيفة رضي الله عنه نظر ~~إلى حقيقة الإيمان لغة مع أدلة من كلام الشارع وبقية الأئمة رحمهم الله ~~نظروا إلى حقيقته في عرف الشارع فإن الشارع ضم إلى التصديق أوصافا وشرائط ~~كما في الصلاة والصوم والحج ونحو ذلك # فمن أدلة الأصحاب لأبي حنيفة رحمه الله أن الإيمان في اللغة عبارة عن ~~التصديق قال تعالى خبرا عن إخوة يوسف @QB@ وما أنت بمؤمن لنا @QE@ أي بمصدق ~~لنا ومنهم من ادعى إجماع أهل اللغة على ذلك ثم هذا المعنى اللغوي وهو ~~التصديق بالقلب هو الواجب على العبد حقا لله وهو أن يصدق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فيما جاء به من عند الله فمن صدق الرسول فيما جاء به من عند الله ~~فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى والإقرار شرط إجراء أحكام الإسلام في ~~الدنيا هذا على أحد القولين كما تقدم ولأنه ضد الكفر وهو التكذيب والجحود ~~وهما يكونان بالقلب فكذا ما يضادهما وقوله @QB@ إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان @QE@ يدل على أن القلب هو موضع الإيمان لا اللسان ولأنه لو كان ~~مركبا من قول وعمل لزال كله بزوال جزئه ولأن العمل قد عطف على الإيمان ~~والعطف يقتضي PageV01P379 # المغايرة قال تعالى @QB@ آمنوا وعملوا الصالحات @QE@ وغيرها في مواضع من ~~القرآن # وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق بمنع ~~الترادف بين التصديق والإيمان وهب أن الأمر يصح في موضع فلم قلتم إنه يوجب ~~الترادف مطلقا وكذلك اعترض على دعوى ms239 الترادف بين الإسلام والإيمان ومما يدل ~~على عدم الترادف أنه يقال للمخبر إذا صدق صدقه ولا يقال آمنه ولا آمن به بل ~~يقال آمن له كما قال تعالى @QB@ فآمن له لوط @QE@ @QB@ فما آمن لموسى إلا ~~ذرية من قومه على خوف @QE@ وقال تعالى @QB@ يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين @QE@ ~~ففرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام فالأول يقال للمخبر به والثاني ~~للمخبر ولا يرد كونه يجوز أن يقال ما انت بمصدق لنا لأن دخول اللام لتقوية ~~العامل كما إذا تقدم المعمول أو كان العامل اسم فاعل أو مصدرا على ما عرف ~~في موضعه فالحاصل أنه لا يقال قد آمنته ولا صدقت له إنما يقال آمنت له كما ~~يقال أقررت له فكان تفسيره بأقررت أقرب من تفسيرة بصدقت مع الفرق بينهما ~~لأن الفرق بينهما ثابت في المعنى فإن كل مخبر عن مشاهد أو غيب يقال له في ~~اللغة صدقت كما يقال له كذبت فمن قال السماء فوقنا قيل له صدقت وأما لفظ ~~الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب فيقال لمن قال طلعت الشمس ~~صدقناه ولا يقال آمنا له فإن فيه أصل معنى الأمن والائتمان إنما يكون في ~~الخبر عن الغائب فالأمر الغائب هو الذي يؤتمن عليه المخبر ولهذا لم يأت في ~~القرآن وغيره PageV01P380 # لفظ أمن له إلا في هذا النوع ولأنه لم يقابل لفظ الإيمان قط بالتكذيب كما ~~يقابل لفظ التصديق وإنما يقابل بالكفر والكفر لا يختص بالتكذيب بل لو قال ~~أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك لكان كفرا أعظم ~~فعلم أن الإيمان ليس التصديق فقط ولا الكفر التكذيب فقط بل اذا كان الكفر ~~يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة بل تكذيب فكذلك الإيمان يكون تصديقا ~~وموافقة وموالاة وانقيادا ولا يكفي مجرد التصديق فيكون الإسلام جزء مسمى ~~الإيمان ولو سلم الترادف فالتصديق يكون بالأفعال أيضا كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال العينان تزنيان وزناهما النظر والأذن ~~تزني وزناها السمع إلى أن قال والفرج ms240 يصدق ذلك ويكذبه وقال الحسن البصري ~~رحمه الله ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في الصدور وصدقته ~~الأعمال ولو كان تصديقا فهو تصديق مخصوص كما في الصلاة ونحوها كما قد تقدم ~~وليس هذا نقلا للفظ ولا تغييرا له فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق بل ~~بإيمان خاص وصفه وبينه فالتصديق الذي هو الإيمان أدنى أحواله أن يكون نوعا ~~من التصديق العام فلا يكون مطابقا له في العموم والخصوص من غير تغير اللسان ~~ولا قلبه بل يكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفا من العام والخاص كالإنسان ~~الموصوف بأنه حيوان ناطق ولأن التصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب ~~من أعمال القلب والجوارح فإن هذه من لوازم الإيمان التام وانتفاء اللازم ~~دليل على انتفاء الملزوم ونقول إن هذه لوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة وتخرج ~~عنه أخرى أو إن اللفظ باق على معناه في اللغة ولكن الشارع زاد فيه أحكاما ~~أو أن PageV01P381 # يكون الشارع استعمله في معناه المجازي فهو حقيقة شرعية مجاز لغوي أو أن ~~يكون قد نقله الشارع وهذه الأقوال لمن سلك الطريق # وقالوا إن الرسول قد وافقنا على معاني الإيمان وعلمنا من مراده علما ~~ضروريا ان من قيل إنه صدق ولم يتكلم بلسانه بالإيمان مع قدرته على ذلك ولا ~~صلى ولا صام ولا أحب الله ورسوله ولا خاف الله بل كان مبغضا للرسول معاديا ~~له يقاتله أن هذا ليس بمؤمن كما علمنا أنه رتب الفوز والفلاح على التكلم ~~بالشهادتين مع الإخلاص والعمل بمقتضاهما فقد قال صلى الله عليه وسلم ~~الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا اله الا الله وأدناها إماطة الأذى ~~عن الطريق وقال أيضا صلى الله عليه وسلم الحياء شعبة من الإيمان وقال ايضا ~~صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وقال أيضا صلى الله ~~عليه وسلم البذاذة من الإيمان فإذا كان الإيمان أصلا له شعب متعددة وكل ~~شعبة منها تسمى إيمانا فالصلاة من الإيمان وكذلك الزكاة والصوم والحج ~~والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية ms241 من الله والإنابة إليه حتى تنتهي ~~هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق فإنه من شعب الإيمان وهذه الشعب منها ~~ما يزول الإيمان بزوالها إجماعا كشعبة الشهادتين ومنها ما لا يزول بزوالها ~~إجماعا كترك إماطة الأذى عن الطريق وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما منها ~~ما يقرب من شعبة الشهادة ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى وكما أن ~~PageV01P382 # شعب الإيمان إيمان فكذا شعب الكفر كفر فالحكم بما أنزل الله مثلا من شعب ~~الإيمان والحكم بغير ما أنزل الله كفر وقد قال صلى الله عليه وسلم من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك ~~أضعف الإيمان رواه مسلم وفي لفظ ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل وروى ~~الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من أحب لله وأبغض لله ~~وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ومعناه والله أعلم أن الحب والبغض ~~أصل حركة القلب وبذل المال ومنعه هو كمال ذلك فإن المال آخر المتعلقات ~~بالنفس والبدن متوسط بين القلب والمال فمن كان أول أمره وآخره كله لله كان ~~الله إلهه في كل شيء فلم يكن فيه شيء من الشرك وهو إرادة غير الله وقصده ~~ورجاؤه فيكون مستكملا الإيمان إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على قوة ~~الإيمان وضعفه بحسب العمل # وسيأتي في كلام الشيخ رحمه الله في شأن الصحابة رضي الله عنهم وحبهم دين ~~وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان فسمى حب الصحابة إيمانا وبغضهم كفرا # وما أعجب ما اجاب به أبو المعين النسفي وغيره عن استدلالهم بحديث شعب ~~الإيمان المذكور وهو أن الراوي قال بضع وستون أو بضع وسبعون فقد شهد الراوي ~~بفعله نفسه حيث شك فقال بضع وستون أو بضع وسبعون ولا يظن برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الشك في ذلك وأن هذا الحديث مخالف للكتاب # فطعن فيه بغفلة الراوي ومخالفته الكتاب فانظر إلى هذا الطعن ما أعجبه فإن ~~تردد الراوي بين الستين والسبعين لا يلزم ms242 منه عدم ضبطه PageV01P383 مع أن ~~البخاري رحمه الله إنما رواه بضع وستون من غير شك وأما الطعن بمخالفة ~~الكتاب فأين في الكتاب ما يدل على خلافه وإنما فيه ما يدل على وفاقه وإنما ~~هذا الطعن من ثمرة شؤم التقليد والتعصب # وقالوا أيضا وهنا أصل آخر وهو أن القول قسمان قول القلب وهو الإعتقاد ~~وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام والعمل قسمان عمل القلب وهو نيته ~~وإخلاصه وعمل الجوارح فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله وإذا زال ~~تصديق القلب لم ينفع بقية الأخر فإن تصديق القلب شرط في اعتبارها وكونها ~~نافعة وإذا بقي تصديق القلب وزال الباقي فهذا موضع المعركة # ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب إذ لو أطاع القلب ~~وانقاد لأطاعت الجوارح وانقادت ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم ~~التصديق المستلزم للطاعة قال صلى الله عليه وسلم إن في الجسد مضغة إذا صلحت ~~صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب فمن صلح ~~قلبه صلح جسده قطعا بخلاف العكس واما كونه يلزم من زوال جزئه زوال كله فإن ~~أريد أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت فمسلم ولكن لا يلزم من ~~زوال بعضها زوال سائر الأجزاء فيزول عنه الكمال فقط # والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة والآثار السلفية ~~كثيرة جدا منها قوله تعالى @QB@ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا @QE@ ~~@QB@ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى @QE@ @QB@ ويزداد الذين آمنوا إيمانا ~~@QE@ @QB@ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم @QE@ PageV01P384 @QB@ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل @QE@ وكيف يقال في ~~هذه الآية والتي قبلها إن الزيادة باعتبار زيادة المؤمن به فهل في قول ~~الناس @QB@ قد جمعوا لكم فاخشوهم @QE@ زيادة مشروع وهل في إنزال السكينة ~~على قلوب المؤمنين زيادة مشروع وإنما إنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين ~~مرجعهم من الحديبية ليزدادوا طمأنينة ويقينا ويؤيد ذلك قوله تعالى ms243 @QB@ هم ~~للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان @QE@ وقال تعالى @QB@ وإذا ما أنزلت سورة ~~فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم ~~يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون @QE@ وأما ما رواه الفقيه أبو الليث السمرقندي رحمه الله في تفسيره ~~عند هذه الآية فقال حدثنا محمد بن الفضل وابو القاسم الساباذي قالا حدثنا ~~فارس بن مردويه قال حدثنا محمد بن الفضل بن العابد قال حدثنا يحيى بن عيسى ~~قال حدثنا أبو مطيع عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة قال جاء ~~وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله الإيمان ~~يزيد وينقص فقال لا الإيمان مكمل في القلب زيادته كفر ونقصانه شرك فقد سئل ~~شيخنا الشيخ عماد الدين بن كثير رحمه الله عن هذا الحديث فأجاب بأن الإسناد ~~من أبي الليث إلى أبي مطيع مجهولون لا يعرفون في شيء من كتب التواريخ ~~المشهورة وأما أبو مطيع فهو الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي ضعفه أحمد ~~PageV01P385 # ابن حنبل ويحيى بن معين وعمرو بن علي الفلاس والبخاري وابو داود والنسائي ~~وابو حاتم الرازي وأبو حاتم محمد بن حبان البستي والعقيلي وابن عدي ~~والدارقطني وغيرهم وأما أبو المهزم الراوي عن أبي هريرة وقد تصحف على ~~الكتاب واسمه يزيد بن سفيان فقد ضعفه ايضا غير واحد وتركه شعبة بن الحجاج ~~وقال النسائي متروك وقد اتهمه شعبة بالوضع حيث قال لو أعطوه فلسين لحدثهم ~~سبعين حديثا # وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم النساء بنقصان العقل والدين وقال صلى ~~الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس ~~أجمعين والمراد نفي الكمال ونظائره كثيرة وحديث شعب الإيمان وحديث الشفاعة ~~وانه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان فكيف ~~يقال بعد هذا أن إيمان أهل السموات والأرض سواء وإنما التفاضل بينهم بمعان ~~أخر غير الإيمان وكلام الصحابة ms244 رضي الله عنهم في هذا المعنى كثير أيضا منه ~~قول أبي الدرداء رضي الله عنه من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه ~~ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينتقص وكان عمر رضي الله عنه يقول ~~لأصحابه هلموا نزدد إيمانا فيذكرون الله تعالى عز وجل وكان ابن مسعود رضي ~~الله عنه يقول في دعائه اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها وكان معاذ بن جبل ~~رضي الله عنه يقول لرجل اجلس بنا نؤمن ساعة ومثله عن عبد الله بن رواحة رضي ~~الله عنه وصح عن عمار بن ياسر رضي الله عنه انه قال ثلاث من كن فيه فقد ~~استكمل الإيمان إنصاف من نفسه والإنفاق من أقتار وبذل PageV01P386 # السلام للعالم ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه وفي هذا المقدار كفاية ~~وبالله التوفيق # وأما كون عطف العمل على الإيمان يقتضي المغايرة فلا يكون العمل داخلا في ~~مسمى الإيمان فلا شك ان الإيمان تارة يذكر مطلقا عن العمل وعن الإسلام ~~وتارة يقرن بالعمل الصالح وتارة يقرن بالإسلام فالمطلق مستلزم للأعمال قال ~~تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا @QE@ @QB@ ولو كانوا ~~يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء @QE@ وقال صلى الله ~~عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن الحديث لا تؤمنوا حتى تحابوا ~~من غشنا فليس منا من حمل علينا السلاح فليس منا وما أبعد قول من قال إن ~~معنى قوله فليس منا أي فليس مثلنا فليت شعري فمن لم يغش يكون مثل النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه # أما إذا عطف عليه العمل الصالح فاعلم أن عطف الشيء على الشيء يقتضي ~~المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع الاشتراك في الحكم الذي ذكر لهما ~~والمغايرة على مراتب اعلاها أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا ~~جزءا منه ولا بينهما تلازم كقوله تعالى PageV01P387 # @QB@ خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور @QE@ @QB@ وأنزل التوراة ~~والإنجيل @QE@ وهذا هو الغالب ويليه أن يكون ms245 بينهما تلازم كقوله تعالى @QB@ ~~ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون @QE@ @QB@ وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول @QE@ الثالث عطف بعض الشيء عليه كقوله تعالى @QB@ حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ @QB@ من كان عدوا لله وملائكته ورسله ~~وجبريل وميكال @QE@ @QB@ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك @QE@ وفي مثل ~~هذا وجهان احدهما أن يكون داخلا في الأول فيكون مذكورا مرتين والثاني أن ~~عطفه عليه يقتضي انه ليس داخلا فيه هنا وإن كان داخلا فيه منفردا كما قيل ~~مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين ونحوهما تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران ~~الرابع عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين كقوله تعالى @QB@ غافر الذنب ~~وقابل التوب @QE@ وقد جاء في الشعر العطف لاختلاف اللفظ فقط % كقوله فألفى ~~قولها كذبا ومينا % $ # ومن الناس من زعم ان في القرآن من ذلك قوله تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا @QE@ والكلام على ذلك معروف في موضعه # فإذا كان العطف في الكلام يكون على هذه الوجوه نظرنا في كلام الشارع كيف ~~ورد فيه الإيمان فوجدناه إذا أطلق يراد به ما يراد بلفظ البر والتقوى ~~والدين ودين الإسلام ذكر في أسباب النزول انهم سألوا عن الإيمان فأنزل الله ~~هذه الآية @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب @QE@ الآيات ~~قال محمد بن نصر حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الله بن يزيد المقرىء ~~PageV01P388 # والملائي قالا حدثنا المسعودي عن القاسم قال جاء رجل إلى أبي ذر رضي الله ~~عنه فسأله عن الأيمان فقرأ @QB@ ليس البر أن تولوا وجوهكم @QE@ إلى آخر ~~الآية فقال الرجل ليس عن هذا سألتك فقال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه فقرأ عليه الذي قرأت عليك فقال له الذي قلت ~~لي فلما أبى أن يرضى قال إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سرته ورجا ثوابها ~~وإذا عمل السيئة ساءته وخاف عقابها وكذلك أجاب جماعة من السلف بهذا الجواب ~~وفي الصحيح قوله لوفد عبد القيس آمركم بالإيمان بالله وحده اتدرون ما ~~الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله ms246 وحده لا شريك له وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا الخمس من المغنم ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال ~~تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب لما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من ~~إيمان القلب فعلم أن هذه مع ايمان القلب هو الإيمان واي دليل على أن ~~الأعمال داخله في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل فإنه فسر الإيمان بالأعمال ~~ولم يذكر التصديق للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود وفي المسند عن ~~انس عن النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P389 # أنه قال الإسلام علانية والإيمان في القلب وفي هذا الحديث دليل على ~~المغايرة بين الإسلام والإيمان ويؤيده قوله في حديث سؤالات جبريل في معنى ~~الاسلام والإيمان وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا جبرائيل اتاكم ~~يعلمكم دينكم فجعل الدين هو الإسلام والإيمان والإحسان فتبين أن ديننا يجمع ~~الثلاثة لكن هو درجات ثلاثة مسلم ثم مؤمن ثم محسن والمراد بالإيمان ما ذكر ~~مع الإسلام قطعا كما أنه أريد بالإحسان ما ذكر مع الإيمان والإسلام لا أن ~~الإحسان يكون مجردا عن الإيمان هذا محال وهذا ما قال تعالى @QB@ ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات بإذن الله @QE@ والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة ~~بخلاف الظالم لنفسه فإنه معرض للوعيد وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع ~~التصديق بالقلب لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن فإنه معرض ~~للوعيد فأما الإحسان فهو أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أهله والإيمان أعم من ~~جهة نفسه وأخص من جهة أهله من الإسلام فالإحسان يدخل فيه الإيمان والإيمان ~~يدخل فيه الإسلام والمحسنون اخص من المؤمنين والمؤمنون أخص من المسلمين ~~وهذا كالرسالة والنبوة فالنبوة داخلة في الرسالة والرسالة أعم من جهة نفسها ~~وأخص من جهة اهلها فكل رسول نبي ولا ينعكس # وقد صار الناس في مسمى الاسلام على ثلاثة أقوال فطائفة PageV01P390 # جعلت الإسلام هو الكلمة وطائفة أجابوا بما اجاب به النبي صلى ms247 الله عليه ~~وسلم حين سئل عن الإسلام والإيمان حيث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة ~~والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة وطائفة جعلوا الإسلام مرادفا للإيمان ~~وجعلوا معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام شهادة أن لا إله إلا ~~الله وإقام الصلاة الحديث شعائر الإسلام والأصل عدم التقدير مع أنهم قالوا ~~إن الإيمان هو التصديق بالقلب ثم قالوا الإسلام والإيمان شيء واحد فيكون ~~الإسلام هو التصديق وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة وإنما هو الأنقياد ~~والطاعة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لك أسلمت وبك آمنت وفسر ~~الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة فليس لنا إذا ~~جمعنا بينهما ان نجيب بغير ما أجاب النبي صلى الله عليه وسلم وأما إذا أفرد ~~اسم الإيمان فانه يتضمن الإسلام وإذا افرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام ~~مؤمنا بلا نزاع وهذا هو الواجب وهل يكون مسلما ولا يقال له مؤمن وقد تقدم ~~الكلام فيه # وكذلك هل يستلزم الإسلام الإيمان فيه النزاع المذكور وإنما وعد الله ~~بالجنة في القرآن وبالنجاة من النار باسم الإيمان كما قال تعالى @QB@ ألا ~~إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ~~أعدت للذين آمنوا بالله ورسله @QE@ وأما اسم الإسلام مجردا فما علق به في ~~القرآن دخلول الجنة لكنه فرضه وأخبر انه دينه الذي لا يقبل من أحد سواه ~~PageV01P391 # وبه بعث النبيين @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه @QE@ # فالحاصل أن حالة اقتران الإسلام بالإيمان غير حالة إفراد أحدهما عن الآخر ~~فمثل الاسلام من الايمان كمثل الشهادتين إحداهما من الاخرى فشهادة الرسالة ~~غير شهادة الوحدانية فهما شيئان في الأعيان وإحداهما مرتبطة بالأخرى في ~~المعنى والحكم كشيء واحد كذلك الاسلام والايمان لاإيمان لمن لا إسلام له ~~ولا إسلام لمن لا إيمان له إذ لا يخلوا المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه ~~ولا يخلوا المسلم من إيمان به يصح إسلامه ونظائر ذلك في كلام ms248 الله ورسوله ~~وفي كلام الناس كثيرة أعني في الإفراد والاقتران منها لفظ الكفر والنفاق ~~فالكفر إذا ذكر مفردا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون كقوله تعالى @QB@ ~~ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين @QE@ ونظائره ~~كثيرة وإذا قرن بينهما كان الكافر من اظهر كفره والمنافق من آمن بلسانه ولم ~~يؤمن بقلبه وكذلك لفظ البر والتقوى ولفظ الإثم والعدوان ولفظ التوبة ~~والاستغفار ولفظ الفقير والمسكين وأمثال ذلك # ويشهد للفرق بين الإسلام والإيمان قوله تعالى @QB@ قالت الأعراب آمنا قل ~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا @QE@ إلى آخر السورة وقد اعترض على هذا بأن ~~معنى الآية @QB@ قولوا أسلمنا @QE@ أنقدنا بظواهرنا فهم منافقون في الحقيقة ~~وهذا أحد قولي المفسرين في هذه الآية الكريمة وأجيب بالقول الآخر ورجح وهو ~~أنهم ليسوا بمؤمنين كاملي الإيمان لا أنهم منافقون كما نفى الإيمان عن ~~القاتل والزاني والسارق ومن لا امانة له ويؤيد هذا سياق الآية فإن السورة ~~من أولها إلى هنا في النهي عن PageV01P392 # المعاصي وأحكام بعض العصاة ونحو ذلك وليس فيها ذكر المنافقين ثم قال بعد ~~ذلك @QB@ وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا @QE@ ولو كانوا ~~منافقين ما نفعتهم الطاعة ثم قال @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا @QE@ يعني والله أعلم ان المؤمنين الكاملي الإيمان هم ~~هؤلاء لا أنتم بل أنتم منتف عنكم الإيمان الكامل يؤيد هذا انه أمرهم أو أذن ~~لهم أن يقولوا أسلمنا والمنافق لا يقال له ذلك ولو كانوا منافقين لنفى عنهم ~~الإسلام كما نفى عنهم الإيمان ونهاهم أن يمنوا بإسلامهم فأثبت لهم إسلاما ~~ونهاهم أن يمنوا به على رسوله ولو لم يكن إسلاما صحيحا لقال لم تسلموا بل ~~أنتم كاذبون كما كذبهم في قولهم @QB@ نشهد إنك لرسول الله @QE@ والله اعلم ~~بالصواب # وينتفي بعد هذا التقدير والتفصيل دعوى الترادف وتشنيع من ألزم بأن ~~الإسلام لو كان هو الأمور الظاهرة لكان ينبغي أن لا يقابل بذلك ولا يقبل ~~إيمان المخلص وهذا ظاهر الفساد فإنه قد تقدم تنظير الإيمان ms249 والإسلام ~~بالشهادتين وغيرهما وأن حالة الاقتران غير حالة الانفراد فانظر إلى كلمة ~~الشهادة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله الحديث فلو قالوا لا إله إلا الله وأنكروا الرسالة ما ~~كانوا يستحقون العصمة بل لا بد أن يقولوا لا إله إلا الله قائمين بحقها ولا ~~يكون قائما ب لا إله إلا الله حق القيام إلا من صدق الرسالة وكذا من شهد أن ~~محمدا رسول الله لا يكون قائما بهذه الشهادة حق القيام إلا من صدق هذا ~~الرسول في كل ما جاء به PageV01P393 # فتضمنت التوحيد وإذا ضممت شهادة أن لا إله إلا الله إلى شهادة أن محمدا ~~رسول الله كان المراد من شهادة أن لا إله إلا الله إثبات التوحيد ومن شهادة ~~أن محمدا رسول الله إثبات الرسالة كذلك الاسلام والإيمان إذا قرن أحدهما ~~بالآخر كما في قوله تعالى @QB@ إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ~~@QE@ وقوله صلى الله عليه وسلم اللهم لك أسلمت وبك آمنت كان المراد من ~~أحدهما غير المراد من الآخر وكما قال صلى الله عليه وسلم الإسلام علانية ~~والإيمان في القلب وإذا انفرد أحدهما شمل معنى الآخر وحكمه وكما في الفقير ~~والمسكين ونظائره فإن لفظي الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا ~~اجتمعا فهل يقال في قوله تعالى @QB@ إطعام عشرة مساكين @QE@ أنه يعطى المقل ~~دون المعدم أو بالعكس وكذا في قوله تعالى @QB@ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ~~فهو خير لكم @QE@ # ويندفع أيضا تشنيع من قال ما حكم من آمن ولم يسلم أو أسلم ولم يؤمن في ~~الدنيا والآخرة فمن أثبت لأحدهما حكما ليس بثابت للآخر ظهر بطلان قوله ~~ويقال له في مقابلة تشنيعه أنت تقول المسلم هو المؤمن والله تعالى يقول ~~@QB@ إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات @QE@ فجعلهما غيرين وقد ~~قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالك عن فلان والله إني لأراه مؤمنا قال ~~أو مسلما قالها ثلاثا فأثبت له الإسلام وتوقف في إسم الإيمان فمن قال هما ~~سواء كان ms250 مخالفا والواجب رد موارد النزاع PageV01P394 # إلى الله ورسوله وقد يتراءى في بعض النصوص معارضة ولا معارضة بحمد الله ~~تعالى ولكن الشان في التوفيق وبالله التوفيق # وأما الاحتجاج بقوله تعالى @QB@ فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما ~~وجدنا فيها غير بيت من المسلمين @QE@ على ترادف الإسلام والإيمان فلا حجة ~~فيه لأن البيت المخرج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان ولا يلزم من الإتصاف ~~بهما ترادفهما # والظاهر أن هذه المعارضات لم تثبت عن أبي حنيفة رضي الله عنه وإنما هي من ~~الأصحاب فإن غالبها ساقط لا يرتضيه أبو حنيفة وقد حكى الطحاوي حكاية أبي ~~حنيفة مع حماد بن زيد وان حماد بن زيد لما روي له حديث أي الإسلام أفضل إلى ~~آخره قال له ألا تراه يقول أي الإسلام أفضل قال الإيمان ثم جعل الهجرة ~~والجهاد من الإيمان فسكت أبو حنيفة فقال بعض أصحابه ألا تجيبه يا أبا حنيفة ~~قال بما أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # ومن ثمرات هذا الاختلاف مسألة الاستثناء في الإيمان وهو أن يقول أي الرجل ~~انا مؤمن إن شاء الله والناس فيه على ثلاثة أقوال طرفان ووسط منهم من يوجبه ~~ومنهم من يحرمه ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار وهذا أصح الأقوال # أما من يوجبه فلهم مأخذان أحدهما أن الإيمان هو ما مات الأنسان عليه ~~والأنسان إنما يكون عند الله مؤمنا أو كافرا باعتبار الموافاة وما سبق في ~~علم الله أنه يكون عليه وما قبل ذلك لا عبرة به قالوا والإيمان الذي يعقبه ~~الكفر فيموت صاحبه كافرا ليس PageV01P395 # بإيمان كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال والصيام الذي يفطر صاحبه ~~قبل الغروب وهذا مأخذ كثير من الكلابية وغيرهم وعند هؤلاء أن الله يحب في ~~الأزل من كان كافرا إذا علم منه أنه يموت مؤمنا فالصحابة ما زالوا محبوبين ~~قبل إسلامهم وإبليس ومن ارتد عن دينه ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر ~~بعد وليس هذا قول السلف ولا كان يقول بهذا من يستثني من ms251 السلف في إيمانه ~~وهو فاسد فإن الله تعالى قال @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله @QE@ فأخبر أنهم يحبهم إن اتبعوا الرسول فاتباع الرسول شرط المحبة ~~والمشروط يتأخر عن الشرط وغير ذلك من الأدلة ثم صار إلى هذا القول طائفة ~~غلوا فيه حتى صار الرجل منهم يستثني في الأعمال الصالحة يقول صليت إن شاء ~~الله ونحو ذلك يعني القبول ثم صار كثير منهم يستثنون في كل شيء فيقول أحدهم ~~هذا ثوب إن شاء الله هذا حبل إن شاء الله فإذا قيل لهم هذا لا شك فيه ~~يقولون نعم لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره المأخذ الثاني أن الأيمان ~~المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله وترك ما نهاه عنه كله فإذا قال ~~الرجل مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين القائمين ~~بجميع ما أمروا به وترك كل ما نهوا عنه فيكون من أولياء الله المقربين وهذا ~~مع تزكية الإنسان لنفسه ولو كانت هذه الشهادة صحيحة لكان ينبغي أن يشهد ~~لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا ~~يستثنون وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر كما سنذكره إن شاء الله تعالى ~~ويحتجون أيضا بجواز الاستثناء فيما لا شك فيه كما قال تعالى @QB@ لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم PageV01P396 # حين وقف على المقابر وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وقال أيضا إني لأرجو أن ~~أكون أخشاكم لله ونظائر هذا # وأما من يحرمه فكل من جعل الإيمان شيئا واحدا فيقول أنا أعلم اني مؤمن ~~كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين فقولي أنا مؤمن كقولي انا مسلم فمن استثنى ~~في إيمانه فهو شاك فيه وسموا الذين يستثنون في إيمانهم الشكاكة وأجابوا عن ~~الاستثناء الذي في قوله تعالى @QB@ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~@QE@ بأنه يعود إلى الأمن والخوف فأما الدخول فلا شك فيه وقيل لتدخلن ~~جميعكم أو بعضكم لأنه علم أن بعضهم يموت وفي كلا الجوابين ms252 نظر فإنهم وقعوا ~~فيما فروا منه فأما الأمن والخوف فقد أخبر أنهم يدخلون آمنين مع علمه بذلك ~~فلا شك في الدخول ولا في الأمن ولا في دخول الجميع أو البعض فإن الله قد ~~علم من يدخل فلا شك فيه أيضا فكان قول إن شاء الله هنا تحقيقا للدخول كما ~~يقول الرجل فيما عزم على شيء أن يفعله لا محالة والله لأفعلن كذا إن شاء ~~الله لا يقولها لشك في إرادته وعزمه ولكن إنما لا يحنث الحالف في مثل هذه ~~اليمين لأنه لا يجزم بحصول مراده واجيب بجواب آخر لا بأس به وهو أنه قال ~~ذلك تعليما لنا كيف نستثني إذا أخبرنا عن مستقبل وفي كون هذا المعنى مرادا ~~من النص نظر فإنه ما سيق الكلام إلا أن يكون مرادا من إشارة النص واجاب ~~الزمخشري بجوابين آخرين باطلين وهما أن يكون الملك قد قاله فأثبت قرآنا أو ~~أن الرسول قاله فعند هذا المسكين يكون من القرآن ما هو غير كلام الله فيدخل ~~في وعيد من قال @QB@ إن هذا إلا قول البشر @QE@ نسال الله العافية ~~PageV01P397 # وأما من يجوز الاستثناء وتركه فهم أسعد بالدليل من الفريقين وخير الأمور ~~أوسطها فإن اراد المستثني الشك في أصل إيمانه منع من الاستثناء وهذا مما لا ~~خلاف فيه وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم الله في قوله @QB@ ~~إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ~~أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم @QE@ وفي قوله ~~تعالى @QB@ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون @QE@ فالاستثناء حينئذ ~~جائز وكذلك من استثنى واراد عدم علمه بالعاقبة وكذلك من استثني تعليقا ~~للأمر بمشيئة الله لا شكا في إيمانه وهذا القول في القوة كما ترى # قوله وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله ~~حق ms253 يشير الشيخ رحمه الله بذلك إلى الرد على الجهمية والمعطلة والمعتزلة ~~والرافضة القائلين بأن الأخبار قسمان متواتر وآحاد فالمتواتر وإن كان قطعي ~~السند لكنه غير قطعي الدلالة فإن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ولهذا ~~قدحوا في دلالة القرآن على الصفات قالوا والآحاد لا تفيد العلم ولا يحتج ~~بها من جهة طريقها ولا من جهة متنها فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى ~~وأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة الرسول واحالوا الناس على قضايا وهمية ~~ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية وبراهين يقينية وهي في التحقيق @QB@ ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده ~~فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج ~~من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور @QE@ PageV01P398 ومن العجب أنهم قدموها على ~~نصوص الوحي وعزلوا لأجلها النصوص فأقفرت قلوبهم من الاهتداء بالنصوص ولم ~~يظفروا بالعقول الصحيحة المؤيدة بالفطرة السليمة والنصوص النبوية ولو حكموا ~~نصوص الوحي لفازوا بالمعقول الصحيح الموافق للفطرة السلمية # بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته وما ظنه معقولا فما ~~وافقه قال إنه محكم وقبله واحتج به وما خالفه قال إنه متشابه ثم رده وسمى ~~رده تفويضا أو حرفه وسمى تحريفه تأويلا فلذلك اشتد إنكار اهل السنة عليهم # وطريق أهل السنة أن لا يعدلوا عن النص الصحيح ولا يعارضوه بمعقول ولا قول ~~فلان كما أشار إليه الشيخ رحمه الله وكما قال البخاري رحمه الله سمعت ~~الحميدي يقول كنا عند الشافعي رحمه الله فأتاه رجل فسأله عن مسألة فقال قضى ~~فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا فقال رجل للشافعي ما تقول أنت ~~فقال سبحان الله تراني في كنيسة تراني في بيعة تراني على وسطي زنار أقول لك ~~قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تقول ما تقول أنت ونظائر ذلك في ~~كلام السلف كثير وقال ms254 تعالى @QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم @QE@ # وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملا به وتصديقا له يفيد العلم ~~اليقيني عند جماهير الأمة وهو أحد قسمي المتواتر ولم يكن PageV01P399 # بين سلف الأمة في ذلك نزاع كخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما الأعمال ~~بالنيات وخبر ابن عمر رضي الله عنهما من نهى عن بيع الولاء وهبته وخبر أبي ~~هريرة لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها وكقوله يحرم من الرضاع ما ~~يحرم من النسب وأمثال ذلك وهو نظير خبر الذي أتى مسجد قباء وأخبر أن القبلة ~~تحولت إلى الكعبة فاستداروا اليها # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل رسله آحادا ويرسل كتبه مع الآحاد ~~ولم يكن المرسل إليهم يقولون لا نقبله لأنه خبر واحد وقد قال تعالى @QB@ هو ~~الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله @QE@ فلا بد أن ~~يحفظ الله حججه وبيناته على خلقه لئلا تبطل حججه وبيناته # ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد وفاته وبين حاله للناس ~~قال سفيان بن عيينة ما ستر الله احدا يكذب في الحديث وقال عبد الله بن ~~المبارك لو هم رجل في البحر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون فلان ~~كذاب وخبر الواحد وإن كان يحتمل الصدق والكذب ولكن التفريق بين صحيح ~~الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلا بالحديث ~~والبحث عن سير الرواة ليقف على أحوالهم وأقوالهم وشدة حذرهم من الطغيان ~~والزلل وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدا في كلمة يتقولها على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك PageV01P400 # وقد نقلوا هذا الدين الينا كما نقل اليهم فهم ترك الإسلام وعصابة الإيمان ~~وهم نقاد الأخبار وصيارفة الأحاديث فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم وعرف ~~حالهم وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه ومن له ~~عقل ومعرفة يعلم أن ms255 أهل الحديث لهم من العلم بأحوال نبيهم وسيرته وأخباره ~~ما ليس لغيرهم به شعور فضلا أن يكون معلوما لهم أو مظنونا كما أن النحاة ~~عندهم من أخبار سيبويه والخليل وأقوالهما ما ليس عند غيرهم وعند الأطباء من ~~كلام بقراط وجالينوس ما ليس عند غيرهم وكل ذي صنعة هو أخبر بها من غيره فلو ~~سألت البقال عن أمر العطر أو العطار عن البز ونحو ذلك لعد ذلك جهلا كبيرا # ولكن النفاة قد جعلوا قوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ مستندا لهم في ~~رد الأحاديث الصحيحة فكلما جاءهم حديث يخالف قواعدهم وآراءهم وما وضعته ~~خواطرهم وأفكارهم ردوه ب @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ تلبيسا منهم وتدليسا على ~~من هو أعمى قلبا منهم وتحريفا لمعنى الآي عن مواضعه ففهموا من أخبار الصفات ~~ما لم يرده الله ولا رسوله ولا فهمه أحد من أئمة الإسلام أنه يقتضي إثباتها ~~التمثيل بما للمخلوقين ثم استدلوا على بطلان ذلك ب @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ ~~تحريفا للنصين ويصنفون الكتب ويقولون هذا أصول دين الإسلام الذي امر الله ~~به وجاء من عنده ويقرأون كثيرا من القرآن ويفوضون معناه إلى الله ~~PageV01P401 # تعالى من غير تدبر لمعناه الذي بينه الرسول وأخبر أنه معناه الذي اراده ~~الله وقد ذم الله تعالى أهل الكتاب الأول على هذه الصفات الثلاث وقص ذلك ~~علينا من خبرهم لنعتبر وننزجر عن مثل طريقتهم فقال تعالى @QB@ أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ~~وهم يعلمون @QE@ إلى أن قال @QB@ ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ~~وإن هم إلا يظنون @QE@ والأماني التلاوة المجردة ثم قال تعالى @QB@ فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون @QE@ فذمهم على نسبة ~~ما كتبوه إلى الله وعلى اكتسابهم بذلك فكلا الوصفين ذميم أن ينسب إلى الله ~~ما ليس من عنده وأن يأخذ بذلك عوضا من الدنيا مالا أو رياسة نسأل الله أن ms256 ~~يعصمنا من الزلل في القول والعمل بمنه وكرمه # ويشير الشيخ رحمه الله بقوله من الشرع والبيان إلى أن ما صح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نوعان شرع ابتدائي وبيان لما شرعه الله في كتابه العزيز ~~وجميع ذلك حق واجب الاتباع وقوله وأهله في أصله سواء والتفاضل بينهم ~~بالحقيقة ومخالفة الهوى وملازمة الأولى وفي بعض النسخ بالخشية والتقى بدل ~~قوله بالحقيقة ففي العبارة الاولى يشير إلى أن الكل مشتركون في أصل التصديق ~~ولكن التصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت كما تقدم نظيره بقوة البصر وضعفه ~~وفي العبارة الأخرى يشير إلى ان التفاوت بين المؤمنين بأعمال القلوب وأما ~~التصديق فلا تفاوت فيه والمعنى الأول أظهر قوة والله اعلم بالصواب $ قوله ~~والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن PageV01P402 # ش قال تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون @QE@ الولي من الولاية بفتح الواو التي هي ضد العداوة ~~وقد قرأ حمزة @QB@ ما لكم من ولايتهم من شيء @QE@ بكسر الواو والباقون ~~بفتحها وقيل هما لغتان وقيل بالكسر النصرة وبالكسر الإمارة قال الزجاج وجاز ~~الكسر لأن في تولي بعض القوم بعضا جنسا من الصناعة العمل وكل ما كان كذلك ~~مكسور مثل الخياطة ونحوها فالمؤمنون أولياء الله والله تعالى وليهم قال ~~الله تعالى @QB@ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين ~~كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم @QE@ @QB@ ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك ~~بعضهم أولياء بعض @QE@ إلى آخر السورة وقال تعالى @QB@ إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن ~~يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون @QE@ فهذه النصوص ~~كلها ثبت فيها موالاة المؤمنين بعضهم لبعض وأنهم أولياء الله وأن الله ~~وليهم ومولاهم فالله يتولى عباده المؤمنين فيحبهم ويحبونه ويرضى عنهم ms257 ~~ويرضون عنه ومن عادى له وليا فقد بارزه بالمحاربة وهذه الولاية من رحمته ~~وإحسانه ليست كولاية المخلوق للمخلوق لحاجة اليه قال تعالى @QB@ وقل الحمد ~~لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل ~~وكبره تكبيرا @QE@ فالله تعالى ليس له ولي من PageV01P403 # الذل بل لله العزة جميعا خلاف الملوك وغيرهم ممن يتولاه لذله وحاجته إلى ~~ولي ينصره # والولاية ايضا نظير الإيمان فيكون مراد الشيخ ان أهلها في أصلها سواء ~~وتكون كاملة وناقصة فالكاملة تكون للمؤمنين المتقين كما قال تعالى @QB@ ألا ~~إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة @QE@ ف @QB@ الذين آمنوا وكانوا يتقون ~~@QE@ منصوب على أنه صفة أولياء الله أو بدل منه أو بإضمار امدح أو مرفوع ~~بإضمار هم أو خبر ثان ل إن وأجيز فيه الجر بدلا من ضمير عليهم وعلى هذه ~~الوجوه كلها فالولاية لمن كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون وهم أهل الوعد ~~المذكور في الآيات الثلاث وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ~~ومساخطه ليس بكثرة صوم ولا صلاة ولا تملق ولا رياضة وقيل الذين آمنوا مبتدأ ~~والخبر لهم البشرى وهو بعيد لقطع الجملة عما قبلها وانتثار نظم الآية # ويجتمع في المؤمن ولاية من وجه وعداوة من وجه كما قد يكون فيه كفر وإيمان ~~وشرك وتوحيد وتقوى وفجور ونفاق وإيمان وإن كان في هذا الأصل نزاع لفظي بين ~~أهل السنة ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع كما تقدم في الإيمان ولكن ~~موافقة الشارع في اللفظ والمعنى أولى من موافقته في المعنى وحده قال تعالى ~~@QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ وقال تعالى @QB@ قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا @QE@ الآية وقد تقدم الكلام على هذه الآية وأنهم ~~ليسوا منافقين على اصح القولين وقال صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه كان ~~منافقا خالصا ومن كانت فيه PageV01P404 # خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ms258 إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر ~~وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر وفي رواية وإذا ائتمن خان بدل وإذا وعد أخلف ~~أخرجاه في الصحيحين وحديث شعب الإيمان تقدم وقوله صلى الله عليه وسلم يخرج ~~من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فعلم أن من كان معه من الإيمان ~~أقل القليل لم يخلد في النار وإن كان معه كثير من النفاق فهو يعذب في النار ~~على قدر ما معه من ذلك ثم يخرج من النار فالطاعات من شعب الإيمان والمعاصي ~~من شعب الكفر وإن كان راس شعب الكفر الجحود ورأس شعب الإيمان التصديق وأما ~~ما يروى مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من جماعة اجتمعت ~~إلا وفيهم ولي لله لا هم يدرون به ولا هو يدري بنفسه فلا أصل له وهو كلام ~~باطل فإن الجماعة قد يكونون كفارا وقد يكونون فساقا يموتون على الفسق واما ~~أولياء الله الكاملون فهم الموصوفون في قوله تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة @QE@ والتقوى هي المذكورة في قوله تعالى @QB@ ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين @QE@ إلى قوله @QB@ ~~أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون @QE@ وهم قسمان مقتصدون ومقربون ~~فالمقتصدون الذين يتقربون إلى الله بالفرائض من أعمال القلوب والجوارح ~~والسابقون الذين يتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض كما في صحيح ~~البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول الله تعالى من عادى PageV01P405 # لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل اداء ما افترضت ~~عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن ~~سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء انا فاعله ترددي عن ~~قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت ms259 وأكره مساءته والولي خلاف العدو وهو مشتق ~~من الولاء وهو الدنو والتقرب فولي الله هو من والى الله بموافقته محبوباته ~~والتقرب اليه بمرضاته وهؤلاء كما قال الله تعالى فيهم @QB@ ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ قال أبو ذر رضي الله عنه لما ~~نزلت الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم ( يا أبا ذر لو عمل الناس بهذه ~~الآية لكفتهم فالمتقون يجعل الله لهم مخرجا مما ضاق على الناس ويرزقهم من ~~حيث لا يحتسبون فيدفع الله عنهم المضار ويجلب لهم المنافع ويعطيهم الله ~~أشياء يطول شرحها من المكاشفات والتأثيرات # $ قوله وأكرمهم عند الله أطوعهم واتبعهم للقرآن # ش أراد أكرم المؤمنين هو الأطوع لله والأتبع للقرآن وهو الأتقى والأتقى ~~هو الأكرم قال تعالى @QB@ إن أكرمكم عند الله أتقاكم @QE@ وفي السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على ~~عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على ابيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم ~~من تراب وبهذا الدليل يظهر ضعف تنازعهم في مسألة الفقير PageV01P406 الصابر ~~والغني الشاكر وترجيح أحدهما على الآخر وأن التحقيق ان التفضيل لا يرجع إلى ~~ذات الفقر والغنى وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق فالمسألة فاسدة ~~في نفسها فإن التفضيل عند الله بالتقوى وحقائق الإيمان لا بفقر ولا غنى ~~ولهذا والله أعلم قال عمر رضي الله عنه الغنى والفقر مطيتان لا أبالي أيهما ~~ركبت والفقر والغنى ابتلاء من الله تعالى لعبده كما قال تعالى @QB@ فأما ~~الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن @QE@ فإن استويا ~~الفقير الصابر والغني الشاكر في التقوى استويا في الدرجة وإن فضل أحدهما ~~فيها فهو الأفضل عند الله فإن الفقر والغنى لا يوزنان وإنما يوزن الصبر ~~والشكر ومنهم من احال المسألة من وجه آخر وهو أن الإيمان نصف صبر ونصف شكر ~~فكل منهما لا بد له من صبر وشكر وإنما أخذ الناس فرعا من الصبر وفرعا من ~~الشكر وأخذوا في الترجيح ms260 فجردوا غنيا منفقا متصدقا باذلا ماله في وجوب ~~القرب شاكرا لله عليه وفقيرا متفرغا لطاعة الله ولأداء العبادات صابرا على ~~فقره وحينئذ يقال إن أكملها أطوعهما وأتبعهما فإن تساويا تساوت درجتهما ~~والله أعلم ولو صح التجريد لصح أن يقال أيما أفضل معافى شاكر أو مريض صابر ~~أو مطاع شاكر أو مهان صابر أو آمن شاكر أو خائف صابر ونحو ذلك # # | قوله والايمان هو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر ~~والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى # ش تقدم أن هذه الخصال هي اصول الدين وبها اجاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~في حديث جبرائيل المشهور المتفق على صحته حين جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم على صورة رجل أعرابي وسأله عن الإسلام فقال أن تشهد لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله PageV01P407 # وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا ~~وسأله عن الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~وتومن بالقدر خيره وشره وسأله عن الإحسان فقال ان تعبد الله كأنك تراه فإن ~~لم تكن تراه فإنه يراك وقد ثبت كذلك في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يقرأ في ركعتي الفجر تارة بسورتي الإخلاص @QB@ قل يا أيها الكافرون ~~@QE@ @QB@ قل هو الله أحد @QE@ وتارة بآيتي الإيمان والإسلام التي في سورة ~~البقرة @QB@ قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا @QE@ الآية والتي في آل عمران ~~@QB@ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم @QE@ و فسر صلى ~~الله عليه وسلم الإيمان في حديث وفد عبد القيس المتفق على صحته حيث قال لهم ~~آمركم بالإيمان بالله وحده أتدرون ما الإيمان بالله وحده شهادة أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما ~~غنمتم ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان ~~القلب لما قد أخبر في غير موضع أنه لا بد من إيمان القلب فعلم أن هذه مع ms261 ~~إيمان القلب هو الإيمان وقد تقدم الكلام على هذا # والكتاب والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا ~~بالعمل مع التصديق وهذا اكثر من معنى الصلاة والزكاة فإن تلك إنما فسرتها ~~السنة والإيمان بين معناه الكتاب والسنة فمن الكتاب قوله تعالى @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ وقوله تعالى @QB@ إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا @QE@ PageV01P408 وقوله ~~تعالى @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ فنفي الإيمان حتى توجد هذه ~~الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس فمن تركها كان من اهل الوعيد ~~ولم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب ولا ~~يقال إن بين تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث جبرائيل ~~وتفسيره إياه في حديث وفد عبد القيس معارضة لأنه فسر الإيمان في حديث ~~جبرائيل بعد تفسير الإسلام فكان المعنى أنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر مع الأعمال التي ذكرها في تفسير الإسلام كما أن الإحسان ~~متضمن للإيمان الذي قدم تفسيره قبل ذكره بخلاف حديث وفد عبد القيس لأنه ~~فسره ابتداء لم يتقدم قبله تفسير الإسلام ولكن هذا الجواب لا يتأتى على ما ~~ذكره الشيخ رحمه الله من تفسير الإيمان فحديث وفد عبد القيس مشكل عليه # ومما يسأل عنه أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة اكثر من ~~الخصال الخمس التي أجاب بها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل ~~المذكور فلم قال إن الإسلام هذه الخصال الخمس وقد أجاب بعض الناس بأن هذه ~~أظهر شعائر الإسلام واعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها يشعر ~~بانحلال قيد انقياده والتحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدين الذي ~~هو استسلام العبد لربه مطلقا الذي يجب لله على عباده محضه على الاعيان فيجب ~~على كل من كان قادرا عليه ليعبد الله مخلصا له الدين ms262 وهذه هي الخمس وما سوى ~~ذلك فإنما يجب بأسباب مصالح فلا يعم وجوبها جميع الناس بل إما أن يكون فرضا ~~على الكفاية كالجهاد والأمر بالمعروف PageV01P409 # والنهي عن المنكر وما يتبع ذلك من إمارة وحكم وفتيا وإقراء وتحديث وغير ~~ذلك وأما ما يجب بسبب حق الآدميين فيختص به من وجب له وعليه وقد يسقط ~~بإسقاطه من قضاء الديون ورد الأمانات والغصوب والإنصاف من المظالم من ~~الدماء والأموال والأعراض وحقوق الزوجة والاولاد وصلة الارحام ونحو ذلك فإن ~~الواجب من ذلك على زيد غير الواجب على عمرو بخلاف صوم رمضان وحج البيت ~~والصلوات الخمس والزكاة فإن الزكاة وإن كانت حقا ماليا فإنها واجبة لله ~~والأصناف الثمانية مصارفها ولهذا وجبت فيها النية ولم يجز ان يفعلها الغير ~~بلا إذنه ولم تطلب من الكفار وحقوق العباد لا يشترط لها النية ولو أداها ~~غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته ويطالب بها الكفار وما يجب حقا لله تعالى ~~كالكفارات هو بسبب من العبد وفيها معنى العقوبة ولهذا كان التكليف شرطا في ~~الزكاة فلا تجب على الصغير والمجنون عند أبي حنيفة واصحابه رحمهم الله ~~تعالى على ما عرف في موضعه # وقوله والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى تقدم قوله صلى الله ~~عليه وسلم في حديث جبرائيل وتؤمن بالقدر خيره وشره وقال تعالى @QB@ قل لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله لنا @QE@ وقال تعالى @QB@ وإن تصبهم حسنة يقولوا ~~هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما ~~لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا @QE@ @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ # فإن قيل فكيف الجمع بين قوله @QB@ كل من عند الله @QE@ PageV01P410 # وبين قوله @QB@ فمن نفسك @QE@ قيل قوله @QB@ كل من عند الله @QE@ الخصب ~~والجدب والنصر والهزيمة كلها من عند الله وقوله @QB@ فمن نفسك @QE@ أي ما ~~أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك كما قال تعالى @QB@ وما أصابكم ~~من مصيبة فبما كسبت أيديكم @QE@ يدل على ذلك ms263 ما روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنه أنه قرأ @QB@ وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ وأنا كنبتها عليك ~~والمراد بالحسنة هنا النعمة وبالسيئة البلية في أصح الأقوال وقد قيل الحسنة ~~الطاعة والسيئة المعصية وقيل الحسنة ما أصابه يوم بدر والسيئة ما أصابه يوم ~~أحد والقول الأول شامل لمعنى القول الثالث والمعنى الثاني ليس مرادا دون ~~الأول قطعا ولكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه مع ~~أن الجميع مقدر فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى فتكون من سيئات ~~الجزاء مع أنها من سيئات العمل والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى كما ~~دل على ذلك الكتاب والسنة وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى فمن نفسك ~~فإنهم يقولون إن فعل العبد حسنة كان أو سيئة فهو منه لا من الله والقرآن قد ~~فرق بينهما وهم لا يفرقون ولأنه قال تعالى @QB@ كل من عند الله @QE@ فجعل ~~الحسنات من عند الله كما جعل السيئات من عند الله وهم لا يقولون بذلك في ~~الأعمال بل في الجزاء وقوله بعد هذا @QB@ ما أصابك من حسنة @QE@ و @QB@ من ~~سيئة @QE@ مثل قوله @QB@ وإن تصبهم حسنة @QE@ و @QB@ وإن تصبهم سيئة @QE@ ~~وفرق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم وبين السيئات التي هي ~~المصائب فجعل هذه من الله وهذه من نفس الإنسان لأن الحسنة مضافة إلى الله ~~إذ هو أحسن بها من كل وجه فما من وجه من أوجهها إلا وهو يقتضي الإضافة اليه ~~وأما السيئة PageV01P411 # فهو إنما يخلقها لحكمة وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب لا ~~يفعل سيئة قط بل فعله كله حسن وخير # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الاستفتاح والخير كله بيدك ~~والشر ليس إليك أي فإنك لا تخلق شرا محضا بل كل ما يخلقه ففيه حكمة هو ~~باعتبارها خير ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس فهذا شر جزئي إضافي فأما شر ~~كلي أو شر مطلق فالرب سبحانه وتعالى منزه عنه وهذا هو الشر ms264 الذي ليس اليه ~~ولهذا لا يضاف الشر اليه مفردا قط بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات كقوله ~~تعالى @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ @QB@ كل من عند الله @QE@ وإما أن يضاف ~~إلى السبب كقوله @QB@ من شر ما خلق @QE@ وإما أن يحذف فاعله كقول الجن @QB@ ~~وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا @QE@ وليس إذا ~~خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة بل الله من الرحمة والحكمة ~~لا يقدر قدره إلا الله تعالى وليس اذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي ~~بالإضافة يكون شرا كليا عاما بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيرا أو ~~مصلحة للعباد كالمطر العام وكإرسال رسول عام وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن ~~يؤد كذابا عليه بالمعجزات التي أيد بها الصادقين فإن هذا شر عام للناس ~~يضلهم فيفسد عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم وليس هذا كالملك الظالم والعدو ~~فإن الملك الظالم لا بد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه وقد قيل ستون ~~سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام وإذا قدر كثرة ظلمه فذاك خير في ~~الدين كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم ويثابون على الصبر عليه ويرجعون فيه إلى ~~الله ويستغفرونه ويتوبون اليه وكذلك ما يسلط عليهم من العدو ولهذا قد يمكن ~~الله PageV01P412 # كثيرا من الملوك الظالمين مدة وأما المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم ~~بل لا بد أن يهلكهم لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة قال تعالى ~~@QB@ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ~~@QE@ # وفي قوله فمن نفسك من الفوائد أن العبد لا يطمئن إلى نفسه ولا يسكن اليها ~~فإن الشر كامن فيها لا يجيء إلا منها ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا ~~أساؤوا اليه فإن ذلك من السيئات التي أصابته وهي إنما أصابته بذنوبه فيرجع ~~إلى الذنوب ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله ويسأل الله ان يعينه على ~~طاعته فبذلك يحصل له كل خير ويندفع ms265 عنه كل شر # ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه واحكمه دعاء الفاتحة @QB@ اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ فإنه ~~إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته فلم يصبه شر لا في الدنيا ~~ولا في الآخرة لكن الذنوب هي لوازم نفس الانسان وهو محتاج إلى الهدى كل ~~لحظة وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب ليس كما يقوله بعض ~~المفسرين انه قد هداه فلماذا يسأل الهدى وان المراد التثبيت أو مزيد ~~الهداية بل العبد محتاج إلى أن يعلمه الله ما يفعله من تفاصيل أحواله والى ~~ما يتركه من تفاصيل الأمور في كل يوم والى ان يلهمه أن يعمل ذلك فإنه لا ~~يكفي مجرد علمه إن لم يجعله مريدا للعمل بما يعلمه وإلا كان العلم حجة عليه ~~ولم يكن مهتديا ومحتاج إلى ان يجعله قادرا على العمل بتلك الإرادة الصالحة ~~فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم وما لا نريد فعله تهاونا وكسلا مثل ~~ما نريده أو أكثر منه أو دونه وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك وما نعرف ~~جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر ونحن محتاجون الى PageV01P413 # الهداية التامة فمن كملت له هذه الأمور كان سؤاله سؤال تثبيت وهي آخر ~~الرتب وبعد ذلك كله هداية أخرى وهي الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة ولهذا ~~كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة لفرط حاجتهم اليه فليسوا إلى شيء ~~أحوج منهم إلى هذا الدعاء فيجب أن يعلم ان الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء ~~من أعظم الأسباب المقتضية للخير المانعة من الشر فقد بين القرآن أن السيئات ~~من النفس وإن كانت بقدر الله وأن الحسنات كلها من الله تعالى وإذا كان ~~الأمر كذلك وجب أن يشكر سبحانه وأن يستغفره العبد من ذنوبه وألا يتوكل إلا ~~عليه وحده فلا يأتي بالحسنات إلا وهو فأوجب ذلك توحيده والتوكل عليه وحده ~~والشكر له وحده والاستغفار من الذنوب # وهذه الأمور كان النبي صلى الله عليه وسلم ms266 يجمعها في الصلاة كما ثبت عنه ~~في الصحيح أنه كان إذا رفع راسه من الركوع يقول ربنا لك الحمد حمدا كثيرا ~~طيبا مباركا فيه ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء ~~والمجد أحق ما قاله العبد وكلنا لك عبد فهذا حمد وهو شكر لله تعالى وبيان ~~ان حمده أحق ما قاله العبد ثم يقول بعد ذلك لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما ~~منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وهذا تحقيق لوحدانيته لتوحيد الربوبية خلقا ~~وقدرا وبداية ونهاية PageV01P414 # هو المعطي المانع لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولتوحيد الإلهية ~~شرعا وأمرا ونهيا وإن العباد وإن كانوا يعطون جدا ملكا وعظمة وبختا ورياسة ~~في الظاهر أو في الباطن كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة فلا ينفع ذا ~~الجد منك الجد أي لا ينجيه ولا يخلصه ولهذا قال لا ينفعه منك ولم يقل ولا ~~ينفعه عندك لأنه لو قيل ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك لكن قد لا يضره ~~فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد أو تحقيق قوله @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين ~~@QE@ فإنه لو قدر ان شيئا من الأسباب يكون مستقلا بالمطلوب وإنما يكون ~~بمشيئة الله وتيسيره لكان الواجب ان لا يرجى إلا الله ولا يتوكل إلا عليه ~~ولا يسأل إلا هو ولا يستغاث إلا به ولا يستعان إلا هو فله الحمد وإليه ~~المشتكى وهو المستعان وبه المستغاث ولا حول ولا قوة إلا به فكيف وليس شيء ~~من الأسباب مستقلا بمطلوب بل لا بد من انضمام أسباب أخر اليه ولا بد أيضا ~~من صرف الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود فكل سبب فله شريك وله ضد ~~فإن لم يعاونه شريكه ولم ينصرف عنه ضده لم يحصل مسببه والمطر وحده لا ينبت ~~النبات إلا بما يضم اليه من الهواء والتراب وغير ذلك ثم الزرع لا يتم حتى ~~تصرف عنه الآفات المفسدة له والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن ~~من الأعضاء والقوى ومجموع ذلك لا ms267 يفيد إن لم تصرف عنه المفسدات # والمخلوق الذي يعطيك أو ينصرك فهو مع أن الله يجعل فيه الإرادة والقوة ~~والفعل فلا يتم ما يفعله إلا بأسباب كثيرة خارجة عن قدرته تعاونه على ~~مطلوبه ولو كان ملكا مطاعا ولا بد أن يصرف عن الأسباب المتعاونة ما يعارضها ~~ويمانعها فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع PageV01P415 # وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضى فليس في الوجود شيء واحد هو مقتضى ~~تام وإن سمي مقتضيا وسمي سائر ما يعينه شروطا فهذا نزاع لفظي وأما أن يكون ~~في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها فهذا باطل # ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله وعلم أنه لا يستحق أن ~~يسأل غيره فضلا عن ان يعبد غيره ولا يتوكل على غيره ولا يرجى غيره # # | قوله ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق بين أحد من رسله ونصدقهم كلهم على ~~ما جاؤوا به # ش الإشارة بذلك إلى ما تقدم مما يجب الإيمان به تفصيلا وقوله لا نفرق بين ~~أحد من رسله إلى آخر كلامه اي لا نفرق بينهم بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض بل ~~نؤمن بهم ونصدقهم كلهم فإن من آمن ببعض وكفر ببعض كافر بالكل قال تعالى ~~@QB@ ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك ~~هم الكافرون حقا @QE@ فإن المعنى الذي لأجله آمن بمن آمن به منهم موجود في ~~الذي لم يؤمن به وذلك الرسول الذي آمن به قد جاء بتصديق بقية المرسلين فإذا ~~لم يؤمن ببعض المرسلين كان كافرا بمن في زعمه أنه مؤمن به لأن ذلك الرسول ~~قد جاء بتصديق المرسلين كلهم فكان كافرا حقا وهو يظن انه مؤمن فكان من ~~الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا # $ قوله وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون ~~اذا ماتوا وهم موحدون وان لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله PageV01P416 # عارفين وهم في مشيئته وحكمه ان شاء ms268 غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر عز ~~وجل في كتابه @QB@ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء @QE@ وان شاء عذبهم في النار ~~بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى ~~جنته وذلك بان الله تعالى تولى اهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل ~~نكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته اللهم يا ولي الاسلام ~~وأهله ثبتنا على الاسلام حتى نلقاك به $ # ش فقوله وأهل الكبائر من امة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون ~~إذا ماتوا وهم موحدون رد لقول الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل ~~الكبائر في النار لكن الخوارج تقول بتكفيرهم والمعتزلة بخروجهم عن الإيمان ~~لا بدخولهم في الكفر بل لهم منزلة بين منزلتين كما تقدم عند الكلام على قول ~~الشيخ رحمه الله ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله # وقوله وأهل الكبائر من أمة محمد تخصيصه أمة محمد يفهم منه أن أهل الكبائر ~~من امة غير محمد صلى الله عليه وسلم قبل نسخ تلك الشرائع به حكمهم مخالف ~~لأهل الكبائر من أمة محمد وفي ذاك نظر فإن النبي صلى الله عليه وسلم اخبر ~~أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ولم يخص أمته بذلك بل ~~ذكر الإيمان مطلقا فتأمله وليس في بعض النسخ ذكر الأمة وقوله في النار ~~معمول لقوله لا يخلدون وإنما قدمه لأجل السجعة لا أن يكون في النار خبر ~~لقوله وأهل الكبائر كما ظنه بعض الشارحين # واختلف العلماء في الكبائر على أقوال فقيل سبعة وقيل سبعة عشر وقيل ما ~~اتفقت الشرائع على تحريمه وقيل ما يسد باب المعرفة بالله وقيل ذهاب الأموال ~~والأبدان وقيل سميت كبائر PageV01P417 # بالنسبة والإضافة إلى ما دونها وقيل لا تعلم أصلا أو أنها اخفيت كليلة ~~القدر وقيل إنها إلى السبعين أقرب وقيل كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة وقيل ~~إنها ما يترتب عليها حد أو توعد عليها بالنار أو اللعنة أو الغضب وهذا ms269 امثل ~~الأقوال واختلفت عبارات السلف في تعريف الصغائر منهم من قال الصغيرة ما دون ~~الحدين حد الدنيا وحد الآخرة ومنهم من قال كل ذنب لم يختم بلعنة أو غضب أو ~~نار ومنهم من قال الصغيرة ما ليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة ~~والمراد بالوعيد الوعيد الخاص بالنار أو اللعنة أو الغضب فإن الوعيد الخاص ~~في الآخرة كالعقوبة الخاصة في الدنيا أعني المقدرة فالتعزير في الدنيا نظير ~~الوعيد بغير النار أو اللعنة أو الغضب وهذا الضابط يسلم من القوادح الواردة ~~على غيره فإنه يدخل فيه كل ما ثبت بالنص أنه كبيرة كالشرك والقتل والزنا ~~والسحر وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ونحو ذلك كالفرار من الزحف وأكل ~~مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة الزور وأمثال ~~ذلك # وترجيح هذا القول من وجوه # أحدها أنه هو المأثور عن السلف كابن عباس وابن عيينة وابن حنبل رضي الله ~~عنهم وغيرهم # الثاني أن الله تعالى قال @QB@ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما @QE@ فلا يستحق هذا الوعد الكريم من أوعد بغضب ~~الله ولعنته وناره وكذلك من استحق ان يقام عليه PageV01P418 # الحد لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر # الثالث أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب فهو حد ~~متلقى من خطاب الشارع # الرابع أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر بخلاف تلك ~~الأقوال فإن من قال سبعة أو سبعة عشر أو إلى السبعين اقرب مجرد دعوى ومن ~~قال ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما اختلفت فيه يقتضي ان شرب الخمر ~~والفرار من الزحف والتزوج ببعض المحارم والمحرم بالرضاعة والصهرية ونحو ذلك ~~ليس من الكبائر وأن الحبة من مال اليتيم والسرقة لها والكذبة الواحدة ~~الخفيفة ونحو ذلك من الكبائر وهذا فاسد ومن قال ما سد باب المعرفة بالله أو ~~ذهاب الأموال والأبدان يقتضي ان شرب الخمر وأكل الخنزير والميتة والدم وقذف ~~المحصنات ليس من الكبائر وهذا فاسد ومن قال إنها ms270 سميت كبائر بالنسبة إلى ما ~~دونها أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم ~~إلى صغائر وكبائر وهذا فاسد لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى ~~صغائر وكبائر ومن قال إنها لا تعلم أصلا أو إنها مبهمة فإنما أخبر عن نفسه ~~أنه لا يعلمها فلا يمنع أن يكون قد علمها غيره والله أعلم # وقوله وإن لم يكونوا تائبين لأن التوبة لا خلاف أنها تمحو الذنوب وإنما ~~الخلاف في غير التائب وقوله بعد أن لقوا الله تعالى عارفين لو قال مؤمنين ~~بدل قوله عارفين كان أولى لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر وإنما ~~اكتفى بالمعرفة وحدها الجهم وقوله مردود باطل كما تقدم فإن إبليس عارف بربه ~~@QB@ قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون @QE@ @QB@ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ~~إلا عبادك منهم المخلصين @QE@ وكذلك PageV01P419 # فرعون وأكثر الكافرين قال تعالى @QB@ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله @QE@ @QB@ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله ~~@QE@ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى وكأن الشيخ رحمه الله ~~أراد المعرفة الكاملة المستلزمة للإهتداء التي يشير اليها أهل الطريقة ~~وحاشا أولئك ان يكونوا من أهل الكبائر بل هم سادة الناس وخاصتهم # وقوله وهم في مشيئة الله وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله إلى آخر ~~كلامه فصل الله تعالى بين الشرك وغيره لأن الشرك اكبر الكبائر كما قال صلى ~~الله عليه وسلم وأخبر الله تعالى أن الشرك غير مغفور وعلق غفران ما دونه ~~بالمشيئة والجائز يعلق بالمشيئة دون الممتنع ولو كان الكل سواء لما كان ~~للتفصيل معنى ولأنه علق هذا الغفران بالمشيئة وغفران الكبائر والصغائر بعد ~~التوبة مقطوع به غير معلق بالمشيئة كما قال تعالى @QB@ قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه ~~هو الغفور الرحيم @QE@ فوجب أن يكون الغفران المعلق بالمشيئة هو غفران ~~الذنوب سوى الشرك بالله قبل التوبة # وقوله ms271 ذلك أن الله مولى اهل معرفته فيه مؤاخذة لطيفة كما تقدم وقوله ~~اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام وفي نسخة ثبتنا على الإسلام حتى ~~نلقاك به روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق بسنده عن ~~أنس رضي الله عنه قال كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا ~~ولي الإسلام وأهله مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه ومناسبة PageV01P420 # ختم الكلام المتقدم بهذا الدعاء ظاهرة وبمثل هذا الدعاء دعا يوسف الصديق ~~صلوات الله عليه حيث قال @QB@ رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين @QE@ وبه دعا السحرة الذين كانوا اول من آمن بموسى صلوات ~~الله على نبينا وعليه حيث قالوا @QB@ ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ~~@QE@ ومن استدل بهاتين الآيتين على جواز تمني الموت فلا دليل له فيه فإن ~~الدعاء إنما هو بالموت على الإسلام لا بمطلق الموت ولا بالموت الآن والفرق ~~ظاهر # $ قوله ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم # ش قال صلى الله عليه وسلم صلوا خلف كل بر وفاجر رواه مكحول عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه وأخرجه الدارقطني وقال مكحول لم يلق أبا هريرة وفي إسناده ~~معاوية بن صالح متكلم فيه وقد احتج به مسلم في صحيحه وخرج له الدارقطني ~~أيضا وابو داود عن مكحول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل ~~بالكبائر والجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر ~~وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان يصلي خلف الحجاج بن ~~يوسف الثقفي وكذا أنس بن مالك وكان الحجاج فاسقا ظالما وفي صحيحه أيضا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وأن أخطأوا ~~فلكم وعليهم وعن عبد ms272 الله بن عمر رضي PageV01P421 # الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلوا خلف من قال لا إله ~~إلا الله وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا الله أخرجه الدارقطني من طرق ~~وضعفها # اعلم رحمك الله وإيانا أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعو ~~ولا فسقا باتفاق الأئمة وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه ~~ولا أن يمتحنه فيقول ماذا تعتقد بل يصلي خلف المستور الحال ولو صلى خلف ~~مبتدع يدعوا إلى بدعته أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه ~~الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ~~ذلك فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف ومن ترك الجمعة والجماعة ~~خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء والصحيح أنه يصليها ولا ~~يعيدها فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة ~~الفجار ولا يعيدون كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف وكذلك ~~أنس رضي الله عنه كما تقدم وكذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره ~~يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان يشرب الخمر حتى إنه صلى بهم ~~الصبح مرة اربعا ثم قال ازيدكم فقال له ابن مسعود ما زلنا معك منذ اليوم في ~~زيادة وفي الصحيح أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما حصر صلى بالناس شخص ~~فسأل سائل عثمان انك إمام عامة وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة فقال يا ابن ~~أخي إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس فإذا احسنوا فأحسن معهم وإذا أساؤوا ~~فاجتنب إساءتهم # والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة فإذا صلى المأموم PageV01P422 ~~خلفه لم تبطل صلاته لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر واجب # ومن ذلك أن من أظهر بدعة وفجورا لا يترتب إماما للمسلمين فإنه يستحق ~~التعزيز حتى يتوب فإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا وإذا ms273 كان بعض الناس إذا ~~ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو يعزل ~~أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة ~~شرعية ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت ~~المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ~~رضي الله عنهم وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور ليس في ترك الصلاة ~~خلفه مصلحة شرعية فهنا لا يترك الصلاة خلفه بل الصلاة خلفه أفضل فإذا أمكن ~~الإنسان ان لا يقدم مظهرا للمنكر في الإمامة وجب عليه ذلك لكن إذا ولاه ~~غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا ~~بشر أعظم ضررا من ضرر ما أظهر من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل ~~بالفساد الكثير ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما فإن الشرائع جاءت بتحصيل ~~المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسن الإمكان فتفويت الجمع ~~والجماعات أعظم فسادا من الأقتداء فيهما بالإمام الفاجر لا سيما إذا كان ~~التخلف عنها لا يدفع فجورا فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك ~~المفسدة # وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهذا أولى من فعلها خلف ~~الفاجر وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد العلماء ~~منهم من قال يعيد ومنهم من قال لا يعيد وموضع بسط ذلك في كتب الفروع ~~PageV01P423 # وأما الإمام إذا نسي أو أخطأ ولم يعلم المأموم بحاله فلا إعادة على ~~المأموم للحديث المتقدم وقد صلى عمر رضي الله عنه وغيره وهو جنب ناسيا ~~للجنابة فأعاد الصلاة ولم يأمر المؤمومين بالإعادة ولو علم أن إمامه بعد ~~فراغه كان على غير طهارة أعاد عند أبي حنيفة خلافا لمالك والشافعي وأحمد في ~~المشهور عنه وكذلك لو فعل الإمام ما لا يسوغ عند المأموم وفيه تفاصيل ~~موضعها كتب الفروع ولو علم أن إمامه يصلي على غير وضوء فليس له أن يصلي ms274 ~~خلفه لأنه لاعب وليس بمصل # وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر وإمام الصلاة ~~والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد وليس عليه أن ~~يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد بل عليهم طاعته في ذلك وترك رأيهم لرأيه فإن ~~مصلحة الجماعة والائتلاف ومفسدة الفرقة والاختلاف أعظم من أمر المسائل ~~الجزئية ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض والصواب المقطوع به صحة ~~صلاة بعض هؤلاء خلف بعض يروى عن أبي يوسف أنه لم حج مع هرون الرشيد فاحتجم ~~الخليفة وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ وصلى بالناس فقيل لأبي يوسف أصليت خلفه ~~قال سبحان الله أمير المؤمنين يريد بذلك أن ترك الصلاة خلف ولاة الأمور من ~~فعل أهل البدع وحديث أبي هريرة والذي رواه البخاري أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم نص ~~صحيح صريح في أن الإمام إذا أخطأ فخطؤه عليه لا على المأموم والمجتهد غايته ~~أنه أخطأ بترك واجب اعتقد أنه PageV01P424 # ليس واجب أو فعل محظور أعتقد أنه ليس محظورا ولا يحل لأحد يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يخالف هذا الحديث الصريح الصحيح بعد أن يبلغه وهو حجة على ~~من يطلق من الحنفية والشافعية والحنبلية أن الإمام إذا ترك ما يعتقد ~~المأموم وجوبه لم يصح اقتداؤه به فإن الاجتماع والائتلاف مما يجب رعايته ~~وترك الخلاف المفضي إلى الفساد # وقوله وعلى من مات منهم أي ونرى الصلاة على من مات من الأبرار والفجار ~~وإن كان يستثني من هذا العموم البغاة وقطاع الطريق وكذا قاتل نفسه خلافا ~~لأبي يوسف لا الشهيد خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله على ما عرف في موضعه ~~لكن الشيخ إنما ساق هذا لبيان أنا لا نترك الصلاة على من مات من أهل البدع ~~والفجور لا للعموم الكلي ولكن المظهرون للإسلام قسمان إما مؤمن وإما منافق ~~فمن علم نفاقه لم تجز الصلاة عليه والاستغفار له ومن لم يعلم ذلك منه صلي ms275 ~~عليه فإذا علم شخص نفاق شخص لم يصل هو عليه وصلى عليه من لم يعلم نفاقه ~~وكان عمر رضي الله عنه لا يصلي على من لم يصل عليه حذيفة لأنه كان في غزوة ~~تبوك قد عرف المنافقين وقد نهى الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم عن الصلاة على المنافقين وأخبر أنه لا يغفر لهم باستغفاره وعلل ذلك ~~بكفرهم بالله ورسوله فمن كان مؤمنا بالله ورسوله لم ينه عن الصلاة عليه ولو ~~كان له من الذنوب الاعتقادية البدعية أو العملية أو الفجور ما له بل قد ~~أمره الله تعالى بالاستغفار للمؤمنين فقال تعالى @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا ~~الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات @QE@ فأمره سبحانه بالتوحيد ~~والاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات فالتوحيد أصل الدين والاستغفار له ~~وللمؤمنين كماله فالدعاء لهم PageV01P425 # بالمغفرة والرحمة وسائر الخيرات إما واجب وإما مستحب وهو على نوعين عام ~~وخاص أما العام فظاهر كما في هذه الآية وأما الدعاء الخاص فالصلاة على ~~الميت فما من مؤمن يموت إلا وقد أمر المؤمنون أن يصلوا عليه صلاة الجنازة ~~وهم مأمورون في صلاتهم عليه أن يدعوا له كما روى أبو داود وابن ماجه عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا صليتم ~~على الميت فأخلصوا له الدعاء # $ قوله ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا # ش يريد انا لا نقول عن أحد معين من اهل القبلة إنه من أهل الجنة أو من ~~أهل النار إلا من أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة كالعشرة ~~رضي الله عنهم وإن كنا نقول إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من شاء ~~الله إدخاله النار ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين ولكنا نقف في الشخص المعين ~~فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم لأن الحقيقة باطنة وما مات عليه لا ~~نحيط به لكن نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين # وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال # أحدها أن لا يشهد لأحد ms276 إلا للأنبياء وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية ~~والأوزاعي # والثاني أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص وهذا قول كثير من العلماء ~~وأهل الحديث # والثالث أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون كما في الصحيحين ~~أنه مر بجنازة فأثنوا عليها بخير فقال النبي صلى الله عليه وسلم وجبت ومر ~~بأخرى فأثنى عليها بشر فقال وجبت وفي رواية كرر وجبت ثلاث مرات فقال عمر يا ~~رسول الله ما وجبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P426 # هذا أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا وجبت له النار ~~أنتم شهداء الله في الأرض وقال صلى الله عليه وسلم توشكون أن تعلموا أهل ~~الجنة من اهل النار قالوا بم يا رسول الله قال بالثناء الحسن والثناء السيء ~~فأخبر ان ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار # # | قوله ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ~~ذلك ونذر سرائرهم إلى الله تعالى # ش لآنا قد أمرنا بالحكم بالظاهر ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم ~~قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم @QE@ وقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن ~~بعض الظن إثم @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا @QE@ # $ قوله ولا نرى السيف على أحد من امة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب ~~عليه السيف # ش في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل دم امرىء مسلم ~~يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني ~~والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة PageV01P427 # $ قوله ولا نرى الخروج على ائمتنا وولاة امورنا وإن جاروا ولا ندعوا ~~عليهم ولا ننزع يدا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ما لم ~~يأمروا بمعصية وندعو لهم بالصلاح ms277 والمعافاة # ش قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم @QE@ وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من أطاعني ~~فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص ~~الأمير فقد عصاني وعن أبي ذر رضي الله عنه قال إن خليلي أوصاني أن أسمع ~~وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف وعند البخاري ولو لحبشي كأن رأسه ~~زبيبة وفي الصحيحين أيضا على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا ~~أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة وعن حذيفة بن اليمان قال ~~كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن ~~الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله ~~بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير ~~قال نعم وفيه دخن قال قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير ~~هديي تعرف منهم وتنكر فقلت هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب ~~جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم ~~من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا قلت يا رسول الله فما ترى إذا أدركني ذلك قال ~~تلزم جماعة المسلمين PageV01P428 # وإمامهم فقلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ~~ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى من اميره شيئا يكرهه ~~فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية وفي رواية فقد خلع ~~ربقة الإسلام من عنقه وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منها وعن عوف بن مالك ~~رضي الله عنه عن رسول ms278 الله صلى الله عليه وسلم قال خيار أئمتكم الذين ~~تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ~~ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم فقلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف عند ~~ذلك قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من ~~معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعته # فقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر ما لم يأمروا بمعصية ~~فتأمل قوله تعالى @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم @QE@ ~~كيف قال @QB@ وأطيعوا الرسول @QE@ ولم يقل وأطيعوا أولي الأمر منكم لأن ~~أولي الامر لا يفردون بالطاعة بل يطاعون فيما هو طاعة الله ورسوله واعاد ~~الفعل مع الرسول لأن من PageV01P429 يطع الرسول فقد أطاع الله فإن الرسول ~~لا يأمر بغير طاعة الله بل هو معصوم في ذلك وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير ~~طاعة الله فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله وأما لزوم طاعتهم وإن ~~جاروا فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد اضعاف ما يحصل من جورهم ~~بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور فإن الله تعالى ما ~~سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا والجزاء من جنس العمل فعلينا الإجتهاد في ~~الإستغفار والتوبة وإصلاح العمل قال تعالى @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ وقال تعالى @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد ~~أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم @QE@ وقال تعالى @QB@ ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون @QE@ فإذا أراد الرعية أن ~~يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم فليتركوا الظلم وعن مالك بن دينار أنه جاء في ~~بعض كتب الله أنا الله مالك الملك قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه ~~رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك لكن توبوا ~~أعطفهم عليكم # $ قوله ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة # ش ms279 السنة طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم والجماعة جماعة المسلمين وهم ~~الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين فاتباعهم هدى وخلافهم ضلال قال ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم PageV01P430 @QB@ قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم @QE@ وقال ~~@QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا @QE@ وقال تعالى @QB@ قل أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه ~~تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين @QE@ وقال تعالى @QB@ وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تتقون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم @QE@ وقال تعالى @QB@ إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم ~~بما كانوا يفعلون @QE@ # وثبت في السنن الحديث الذي صححه الترمذي عن العرباض بن سارية قال وعظنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها ~~القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال ~~اوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم ~~بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها ~~بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وقال صلى الله عليه وسلم ~~إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ~~ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي ~~الجماعة PageV01P431 # وفي رواية قالوا من هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي فبين صلى ~~الله عليه وسلم أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين إلا أهل السنة ~~والجماعة # وما احسن قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال من كان منكم مستنا ~~فليستن بمن قد مات فإن الحي لا ms280 تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم كانوا افضل هذه الأمة ابرها قلوبا وأعمقها علما واقلها تكلفا قوم ~~اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم ~~وتمسكوا بما استطعم من اخلاقهم ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ~~وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان إن شاء الله تعالى عند قول الشيخ ونرى ~~الجماعة حقا وصوابا والفرقة زيغا وعذابا # $ قوله ونحب أهل العدل والامانة ونبغض أهل الجور والخيانة # ش وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ~~ونهايتها وكمال الذل ونهايته فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من ~~محبة الله وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره فغير الله يحب في الله ~~لا مع الله فإن المحب يحب ما يحب محبوبه ويبغض ما يبغض ويوالي من يواليه ~~ويعادي من يعاديه ويرضى لرضائه ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينهي عما ~~ينهى عنه فهو موافق لمحبوبه في كل حال والله تعالى يحب المحسنين ويحب ~~المتقين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ونحن نحب من أحبه الله والله لا يحب ~~الخائنين ولا يحب المفسدين ولا يحب المستكبرين ونحن لا نحبهم أيضا ونبغضهم ~~موافقه له سبحانه وتعالى وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث من ~~كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن ~~PageV01P432 # كان يحب المرء لا يحبه إلا الله ومن كان يكره ان يرجع في الكفر بعد أن ~~أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة ~~المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته ومن المعلوم أن من أحب الله ~~المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم كما ~~قال تعالى @QB@ إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ~~@QE@ والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر فإن العبد يجتمع فيه ~~سبب الولاية وسبب العداوة والحب والبغض فيكون محبوبا من وجه ومبغوضا من وجه ms281 ~~والحكم للغالب وكذلك حكم العبد عند الله فإن الله قد يحب الشيء من وجه ~~ويكرهه من وجه آخر كما قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل وما ~~ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره ~~مساءته ولا بد له منه فبين أنه يتردد لأن التردد تعارض إرادتين وهو سبحانه ~~يحب ما يحب عبده المؤمن ويكره ما يكرهه وهو يكره الموت فهو يكرهه كما قال ~~وأنا أكره مساءته وهو سبحانه قضى بالموت فهو يريد كونه فسمى ذلك ترددا ثم ~~بين أنه لا بد من وقوع ذلك إذ هو يفضي إلى ما هو أحب منه # $ قوله ونقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه # ش تقدم في كلام الشيخ رحمه الله أنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز ~~وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه ومن تكلم ~~بغير علم فإنما يتبع هواه وقد قال تعالى @QB@ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله @QE@ وقال تعالى PageV01P433 @QB@ ومن الناس من يجادل في الله ~~بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى ~~عذاب السعير @QE@ وقال تعالى @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ~~أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ~~جبار @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون @QE@ وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد ~~علم ما لم يعلم اليه فقال تعالى @QB@ قل الله أعلم بما لبثوا له غيب ~~السماوات والأرض @QE@ @QB@ قل ربي أعلم بعدتهم @QE@ وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم لما سئل عن اطفال المشركين الله أعلم بما كانوا عاملين وقال عمر رضي ~~الله عنه اتهموا الرأي في الدين فلو رأيتني يوم ms282 أبي جندل فلقد رأيتني وإني ~~لأرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيي فأجتهد ولا آلو وذلك يوم أبي ~~جندل والكتاب يكتب وقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال اكتب باسمك اللهم ~~فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب وأبيت فقال يا عمر تراني قد رضيت ~~وتأبى وقال ايضا رضي الله عنه السنة ما سنه PageV01P434 # الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة وقال أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من ~~كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم وذكر الحسن بن علي الحلواني حدثنا عارم ~~حدثنا حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين قال لم يكن أحد أهيب ~~لما لا يعلم من أبي بكر ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر رضي ~~الله عنه وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلا ولا في ~~السنة أثرا فاجتهد برأيه ثم قال هذا رأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن ~~خطأ فمني وأستغفر الله # $ قوله ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر # ش تواترت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسح على الخفين وبغسل ~~الرجلين والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة فيقال لهم الذين نقلوا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء قولا وفعلا والذين تعلموا الوضوء منه ~~وتوضؤوا على عهده وهو يراهم ويقرهم ونقلوه إلى من بعدهم أكثر عددا من الذين ~~نقلوا لفظ هذه الآية فإن جميع المسلمين كانوا يتوضؤون على عهده ولم يتعلموا ~~الوضوء إلا منه فإن هذا العمل لم يكن معهودا عندهم في الجاهلية وهم قد رأوه ~~يتوضأ ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين في ما ~~شاء الله من الحديث حتى نقلوا عنه من غير وجه في كتب الصحيح وغيرها أنه قال ~~ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار ms283 PageV01P435 # مع أن الفرض اذا كان مسح ظاهر القدم كان غسل الجميع كلفة لا تدعوا اليها ~~الطباع كما تدعو الطباع إلى طلب الرياسة والمال فلو جاز الطعن في تواتر صفة ~~الوضوء لكان في نقل لفظ آية الوضوء أقرب إلى الجواز واذا قالوا لفظ الآية ~~ثبت بالتواتر الذي لا يمكن فيه الكذب ولا الخطأ فثبوت التواتر في نقل ~~الوضوء عنه أولى وأكمل وللظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة فإن المسح ~~كما يطلق ويراد به الإصابة كذلك يطلق ويراد به الإسالة كما تقول العرب ~~تمسحت للصلاة وفي الآية ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين المسح الذي هو ~~قسيم الغسل بل المسح الذي الغسل قسم منه فإنه قال @QB@ إلى الكعبين @QE@ ~~ولم يقل إلى الكعاب كما قال إلى المرافق فدل على أنه ليس في كل رجل كعب ~~واحد كما في كل يد مرفق واحد بل في كل رجل كعبان فيكون تعالى قد أمر بالمسح ~~إلى العظمين الناتئين وهذا هو الغسل فإن من يمسح المسح الخاص يجعل المسح ~~لظهور القدمين وجعل الكعبين في الآية غاية يرد قولهم فدعواهم أن الفرض مسح ~~الرجلين إلى الكعبين اللذين هما مجتمع الساق والقدم عند معقد الشراك مردود ~~بالكتاب والسنة # وفي الآية قراءتان مشهورتان النصب والخفض وتوجيه إعرابهما مبسوط في موضعه ~~وقراءة النصب نص في وجوب الغسل لأن العطف على المحل إنما يكون اذا كان ~~المعنى واحدا كقوله فلسنا بالجبال ولا الحديدا # وليس معنى مسحت برأسي ورجلي هو معنى مسحت رأسي ورجلي بل ذكر الباء يفيد ~~معنى زائدا على مجرد المسح وهو إلصاق شيء من الماء بالرأس فتعين العطف على ~~قوله @QB@ وأيدكم @QE@ فالسنة المتواترة تقضي على ما يفهمه بعض الناس من ~~ظاهر القرآن PageV01P436 # فإن الرسول بين للناس لفظ القرآن ومعناه كما قال أبو عبد الرحمن السلمي ~~حدثنا الذين كانوا يقرئونا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود ~~وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم وسلم عشر آيات ~~لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها ms284 وفي ذكر المسح في الرجلين تنبيه على قلة ~~الصب في الرجلين فإن السرف يعتاد فيهما كثيرا والمسألة معروفة والكلام ~~عليها في كتب الفروع # $ قوله والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى ~~قيام الساعة الساعة لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما # ش يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الرافضة حيث قالوا لا جهاد في سبيل ~~الله حتى يخرج الرضى من آل محمد وينادي مناد من السماء اتبعوه وبطلان هذا ~~القول أظهر من أن يستدل عليه بدليل وهم شرطوا في الإمام أن يكون معصوما ~~اشتراطا من غير دليل بل في صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون ~~عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ~~ويلعنونكم قال قلت يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال لا ما أقاموا ~~فيكم الصلاة الا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما ~~يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعته وقد تقدم بعض نظائر هذا الحديث ~~في الإمامة ولم يقل إن الإمام يجب أن يكون معصوما والرافضة أخسر الناس صفقة ~~في هذه المسألة لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هو الإمام المعدوم الذي لم ~~ينفعهم في دين ولا دنيا فإنهم يدعون أنه الإمام المنتظر محمد بن الحسن ~~العسكري الذي دخل السرادب في PageV01P437 # زعمهم سنة ستين ومائتين أو قريبا من ذلك بسامرا وقد يقيمون هناك دابة إما ~~بغله وإما فرسا ليركبها إذا خرج ويقيمون هناك في أوقات عينوا فيها من ينادي ~~عليه بالخروج يا مولانا اخرج يا مولانا اخرج ويشهرون السلاح ولا أحد هناك ~~يقاتلهم إلى غير ذلك من الأمور التي يضحك عليهم منها العقلاء # وقوله مع أولي الأمر برهم وفاجرهم لأن الحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر ~~فلا بد من سائس يسوس الناس فيهما ويقاوم العدو وهذا المعنى كما يحصل ~~بالإمام البر يحصل بالإمام الفاجر # $ قوله ونؤمن بالكرام الكاتبين فان الله قد ms285 جعلهم علينا حافظين # ش قال تعالى @QB@ وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون @QE@ ~~وقال تعالى @QB@ إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من ~~قول إلا لديه رقيب عتيد @QE@ وقال تعالى @QB@ له معقبات من بين يديه ومن ~~خلفه يحفظونه من أمر الله @QE@ وقال تعالى @QB@ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون @QE@ وقال تعالى @QB@ هذا كتابنا ينطق ~~عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون @QE@ وقال تعالى @QB@ إن رسلنا ~~يكتبون ما تمكرون @QE@ وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة ~~العصر فيصعد اليه الذين كانوا فيكم فيسألهم والله أعلم بهم كيف تركتم عبادي ~~فيقولون أتيناهم وهم يصلون وفارقناهم وهم يصلون وفي الحديث الآخر إن معكم ~~من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع فاستحيوهم واكرموهم PageV01P438 # جاء في التفسير اثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال صاحب اليمين ~~يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه ~~واحد من ورائه وواحد أمامه فهو بين أربعة املاك بالنهار وأربعة آخرين ~~بالليل بدلا حافظان وكاتبان وقال عكرمة عن ابن عباس @QB@ يحفظونه من أمر ~~الله @QE@ قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدر الله خلوا ~~عنه # وروى مسلم والإمام أحمد عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة ~~قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي لكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني ~~إلا بخير الرواية بفتح الميم من فأسلم ومن رواه فأسلم برفع الميم فقد حرف ~~لفظه ومعنى فأسلم اي فاستسلم وانقاد لي في أصح القولين ولهذا قال فلا ~~يأمرني إلا بخير ومن قال إن الشيطان صار مؤمنا فقد حرف معناه فإن الشيطان ~~لا يكون مؤمنا ومعنى @QB@ يحفظونه من أمر الله @QE@ PageV01P439 قيل حفظهم ~~له من أمر الله أي الله امرهم بذلك يشهد لذلك قراءة ms286 من قرأ يحفظونه بأمر ~~الله # ثم قد ثبت بالنصوص المذكورة أن الملائكة تكتب القول والفعل وكذلك النية ~~لأنها فعل القلب فدخلت في عموم @QB@ يعلمون ما تفعلون @QE@ ويشهد لذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه ~~فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة وإذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له ~~حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ~~الملائكة ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو ابصر به فقال ارقبوه فإن عملها ~~فاكتبوها بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرائي خرجاهما ~~في الصحيحين واللفظ لمسلم # $ قوله ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين # ش قال تعالى @QB@ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ~~@QE@ PageV01P440 ولا تعارض هذه الآية قوله @QB@ حتى إذا جاء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا وهم لا يفرطون @QE@ وقوله تعالى @QB@ الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى ~~أجل مسمى @QE@ لأن ملك الموت يتولى قبضها واستخراجها ثم يأخذها منه ملائكة ~~الرحمة أو ملائكة العذاب وتولونها بعده كل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره ~~وحكمه وامره فصحت إضافة التوفي إلى كل بحسبه # وقد اختلف في حقيقة النفس ما هي وهل هي جزء من أجزاء البدن أو عرض من ~~اعراضه أو جسم ساكن له مودع فيه أو جوهر مجرد وهل هي الروح أو غيرها وهل ~~الامارة وهل اللوامة والمطمئنة نفس واحدة أم هي ثلاثة أنفس وهل تموت الروح ~~أو الموت للبدن وحده وهذه المسألة تحتمل مجلدا ولكن أشير إلى الكلام عليها ~~مختصرا إن شاء الله تعالى # فقيل الروح قديمة وقد أجمعت الرسل على انها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة ~~مدبرة وهذا معلوم بالضرورة من دينهم ان العالم محدث ومضى على هذا الصحابة ~~والتابعون حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة فزعم أنها قديمة ~~واحتج بأنها من أمر الله وأمره غير مخلوق وبأن الله ms287 أضافها إليه بقوله @QB@ ~~قل الروح من أمر ربي @QE@ وبقوله @QB@ ونفخت فيه من روحي @QE@ كما أضاف ~~اليه علمه وقدرته وسمعه وبصره ويده وتوقف آخرون واتفق أهل السنة والجماعة ~~أنها مخلوقة وممن نقل الإجماع على ذلك محمد بن نصر المروزي وابن قتيبة ~~وغيرهما ومن الأدلة على أن الروح مخلوقة قوله تعالى @QB@ الله خالق كل شيء ~~@QE@ PageV01P441 # فهذا عام لا تخصيص فيه بوجه ما ولا يدخل في ذلك صفات الله تعالى فإنها ~~داخلة في مسمى اسمه فالله تعالى هو الإله الموصوف بصفات الكمال فعلمه ~~وقدرته وحياته وسمعه وبصره وجميع صفاته داخل في مسمى اسمه فهو سبحانه بذاته ~~وصفاته الخالق وما سواه مخلوق ومعلوم قطعا ان الروح ليست هي الله ولا صفة ~~من صفاته وإنما هي من مصنوعاته ومنها قوله تعالى @QB@ هل أتى على الإنسان ~~حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا @QE@ وقوله تعالى لزكريا @QB@ وقد خلقتك ~~من قبل ولم تك شيئا @QE@ والانسان اسم لروحه وجسده والخطاب لزكريا لروحه ~~وبدنه والروح توصف بالوفاة والقبض والإمساك والإرسال وهذا شان المخلوق ~~المحدث واما احتجاجهم بقوله @QB@ من أمر ربي @QE@ فليس المراد هنا بالامر ~~الطلب بل المراد به المأمور والمصدر يذكر ويراد به اسم المفعول وهذا معلوم ~~مشهور وأما استدلالهم بإضافتها إليه بقوله @QB@ من روحي @QE@ فينبغي أن ~~يعلم أن المضاف إلى الله تعالى نوعان صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم والقدرة ~~والكلام والسمع والبصر فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها فعلمه وكلامه وقدرته ~~وحياته صفات له وكذا وجهه ويده سبحانه والثاني إضافة أعيان منفصلة عنه ~~كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه لكن ~~إضافة تقتضي تخصيصا وتشريفا يتميز به المضاف عن غيره # واختلف في الروح هل هي مخلوقة قبل الجسد أم بعده وقد تقدم عند ذكر ~~الميثاق الإشارة إلى ذلك # واختلف في الروح ما هي فقيل هي جسم وقيل عرض وقيل لا ندري ما الروح أجوهر ~~أم عرض وقيل ليس الروح شيئا PageV01P442 # أكثر من اعتدال الطبائع الأربع وقيل هي الدم الصافي الخالص من الكدرة ~~والعفونات وقيل هي ms288 الحرارة الغريزية وهي الحياة وقيل هو جوهر بسيط منبث في ~~العالم كله من الحيوان على جهة الإعمال له والتدبير وهي على ما وصفت من ~~الانبساط في العالم غير منقسمة الذات والبنية وأنها في كل حيوان العالم ~~بمعنى واحد لا غير وقيل النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفس وقيل غير ~~ذلك وللناس في مسمى الإنسان هل هو الروح فقط أو البدن فقط أو مجموعهما أو ~~كل منهما وهذه الأقوال الأربعة لهم في كلامه هل هو اللفظ أو المعنى فقط أو ~~هما أو كل منهما فالخلاف بينهم في الناطق ونطقه والحق أن الإنسان اسم لهما ~~وقد يطلق على أحدهما بقرينة وكذا الكلام # والذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل أن النفس جسم ~~مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ ~~في جوهر الاعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد وسريان الدهن في الزيتون ~~والنار في الفحم فما دامت هذه الاعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من ~~هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف ساريا في هذه الاعضاء وأفادها هذه ~~الآثار من الحس والحركة الإرادية وإذا فسدت هذه بسبب استيلاء الأخلاط ~~الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم ~~الأرواح والدليل على ذلك قوله تعالى @QB@ الله يتوفى الأنفس حين موتها @QE@ ~~ففيها الإخبار بتوفيها وإمساكها وإرسالها وقوله تعالى @QB@ ولو ترى إذ ~~الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم @QE@ ~~PageV01P443 # ففيها بسط الملائكة أيديهم لتناولها ووصفها بالإخراج والخروج والإخبار ~~بعذابها ذلك اليوم والإخبار عن مجيئها إلى ربها وقوله تعالى @QB@ وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه @QE@ ففيها الإخبار ~~بتوفي النفس بالليل وبعثها إلى أجسادها بالنهار وتوفي الملائكة لها عند ~~الموت وقوله تعالى @QB@ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ~~فادخلي في عبادي وادخلي جنتي @QE@ ففيها وصفها بالرجوع والدخول وقال صلى ~~الله عليه وسلم إن الروح إذا قبض تبعه البصر ففيه وصفه بالقبض وأن البصر ~~يراه وقال ms289 صلى الله عليه وسلم في حديث بلال قبض أرواحكم وردها عليكم وقال ~~صلى الله عليه وسلم نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة وسيأتي في الكلام ~~على عذاب القبر أدلة كثيرة من خطاب ملك الموت لها وأنها تخرج تسيل كما تسيل ~~القطرة من في السقاء وأنها تصعد ويوجد منها من المؤمن كأطيب ريح ومن الكافر ~~كأنتن ريح إلى غير ذلك من الصفات وعلى ذلك أجمع السلف ودل العقل وليس مع من ~~خالف سوى الظنون الكاذبة والشبه الفاسدة التي لا يعارض بها ما دل عليه نصوص ~~الوحي والأدلة العقيلة # وأما اختلاف الناس في مسمى النفس والروح هل هما متغايران أو مسماهما واحد ~~فالتحقيق أن النفس تطلق على أمور وكذلك الروح فيتحد مدلولها تارة ويختلف ~~تارة فالنفس تطلق على الروح ولكن غالب ما يسمى نفسا إذا كانت متصلة بالبدن ~~وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها ويطلق على الدم ففي ~~PageV01P444 # الحديث ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه والنفس العين يقال ~~أصابت فلانا نفس أي عين والنفس الذات @QB@ فسلموا على أنفسكم @QE@ @QB@ ولا ~~تقتلوا أنفسكم @QE@ ونحو ذلك وأما الروح فلا يطلق على البدن لا بانفراده ~~ولا مع النفس وتطلق الروح على القرآن وعلى جبرائيل @QB@ وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا @QE@ @QB@ نزل به الروح الأمين @QE@ ويطلق الروح على الهواء ~~المتردد في بدن الإنسان أيضا وأما ما يؤيد الله به أولياءه فهي روح أخرى ~~كما قال تعالى @QB@ أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه @QE@ ~~وكذلك القوى التي في البدن فإنها أيضا تسمى ارواحا فيقال الروح الباصر ~~والروح السامع والروح الشام ويطلق الروح على أخص من هذا كله وهو قوة ~~المعرفة بالله والإنابة إليه ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته ونسبة ~~هذا الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن فالعلم روح والإحسان روح ~~والمحبة روح والتوكل روح والصدق روح والناس متفاوتون في هذه الروح فمن ~~الناس من تغلب عليه هذه الأرواح فيصير روحانيا ومنهم من يفقدها أو أكثرها ~~فيصير أرضيا ms290 بهميا وقد وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة انفس ~~مطمئنة ولوامة وأمارة قالوا وإن منهم من تغلب عليه هذه ومنهم من تغلب عليه ~~هذه كما قال تعالى @QB@ يا أيتها النفس المطمئنة @QE@ @QB@ ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة @QE@ @QB@ إن النفس لأمارة بالسوء @QE@ والتحقيق أنها نفس واحدة ~~لها صفات فهي أمارة بالسوء فإذا عارضها الإيمان صارت لوامة تفعل الذنب ثم ~~تلوم صاحبها وتلوم بين الفعل والترك فإذا قوي PageV01P445 # الإيمان صارت مطمئنة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم من سرته حسنته ~~وسائته سيئته فهو مؤمن مع قوله لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن الحديث # واختلف الناس هل تموت الروح أم لا فقالت طائفة تموت لأنها نفس وكل نفس ~~ذائفة الموت وقد قال تعالى @QB@ كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام @QE@ وقال تعالى @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ قالوا وإذا كانت ~~الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت وقال آخرون لا تموت الأرواح ~~فإنها خلقت للبقاء وإنما تموت الأبدان قالوا وقد دل على ذلك الأحاديث ~~الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في ~~اجسادها والصواب أن يقال موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها فإن ~~أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت وإن أريد أنها تعدم وتفنى بالكلية ~~فهي لا تموت بهذا الاعتبار بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب كما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى وقد أخبر سبحانه ان اهل الجنة @QB@ لا يذوقون فيها ~~الموت إلا الموتة الأولى @QE@ وتلك الموتة هي مفارقة الروح للجسد وأما قول ~~أهل النار @QB@ ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم @QE@ فالمراد ~~أنهم كانوا أمواتا وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي ارحام أمهاتهم ثم احياهم ~~بعد ذلك ثم أماتهم ثم يحييهم يوم النشور وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم ~~القيامة وإلا كانت ثلاث موتات وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه ~~موتها فإن ms291 الناس يصعقون يوم القيامة PageV01P446 # إذا جاء الله لفصل الفضاء وأشرقت الأرض بنوره وليس ذلك بموت وسيأتي ذكر ~~ذلك إن شاء الله تعالى وكذلك صعق موسى عليه السلام لم يكن موتا والذي يدل ~~عليه أن نفخة الصعق والله أعلم موت كل من لم يذق الموت قبلها من الخلائق ~~وأما من ذاق الموت أو لم يكتب عليه الموت من الحور والولدان وغيرهم فلا تدل ~~الآية على أنه يموت موتة ثانية والله أعلم # # | قوله وبعذاب القبر لمن كان له أهلا وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ~~ودينه ونبيه على ما جاءت به الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ~~الصحابة رضوان الله عليهم والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر ~~النيران # ش قال تعالى @QB@ وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا ~~وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب @QE@ وقال تعالى @QB@ ~~فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا ~~هم ينصرون وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون @QE@ وهذا ~~يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا وان يراد به عذابهم في ~~البرزخ وهو أظهر لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في الدنيا أو المراد أعم من ~~ذلك وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال كنا في جنازة في بقيع الغرقد ~~فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله كأن على رؤوسنا الطير ~~وهو يلحد له فقال أعوذ بالله من عذاب القبر ثلاث مرات ثم قال إن العبد ~~المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت اليه الملائكة ~~كأن على وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة فجلسوا ~~منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت PageV01P447 # حتى يجلس عند رأسه فيقول يا أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ~~ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا اخذها لم ~~يدعوها في يده ms292 طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط ~~ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون ~~بها يعني على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة فيقولون فلان ~~ابن فلان بأحسن اسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى ~~السماء فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي ~~تليها حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله فيقول الله عز وجل اكتبوا ~~كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها ~~أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له ~~من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الاسلام فيقولان له ~~ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان له ما علمك فيقول ~~قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء ان صدق عبدي فافرشوه ~~من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له ~~في قبره مد بصره قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول ابشر ~~بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء ~~بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول يا رب أقم الساعة حتى أرجع إلى اهلي ~~ومالي قال وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة ~~نزل اليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم ~~PageV01P448 يجيء ملك الموت حتى يجلس عند راسه فيقول أيتها النفس الخبيثة ~~اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال تتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود ~~من الصوف المبلول فيأخذها فإذا اخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى ~~يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض ~~فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملاء من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح ~~الخبيث ms293 فيقولون فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في ~~الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم @QB@ لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون ~~الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط @QE@ فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في ~~سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا ثم قرأ @QB@ ومن يشرك بالله فكأنما ~~خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق @QE@ فتعاد روحه ~~في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري ~~فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد ~~من السماء أن كذب فافرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من ~~حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف اضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح ~~الثياب منتن الريح فيقول ابشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من ~~أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم ~~الساعة رواه الامام أحمد وأبو داود وروى النسائي وابن ماجه اوله ورواه ~~الحاكم وأبو عوانة الإسفرائيني في صحيحهما وابن حبان PageV01P449 # وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع اهل السنة والحديث وله شواهد من الصحيح ~~فذكر البخاري رحمه الله عن سعيد عن قتادة عن أنس ان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع ~~نعالهم فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ~~صلى الله عليه وسلم فأما المؤمن فيقول اشهد أنه عبد الله ورسوله فيقول له ~~انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا قال ~~قتادة وروي لنا أنه يفسح له في قبره وذكر الحديث وفي الصحيحين عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال إنهما ليعذبان ~~وما يعذبان في كبير ms294 أما أحدهما فكان لا يستبرىء من البول وأما الآخر فكان ~~يمشي بالنميمة فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين وقال لعله يخفف عنهما ما لم ~~ييبسا وفي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه ملكان أسودان ازرقان يقال لأحدهما المنكر ~~وللآخر النكير وذكر الحديث الخ # وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ~~ونعيمه لمن كان لذلك أهلا وسؤال الملكين فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به ~~ولا نتكلم في كيفيته إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته لكونه لا عهد له به في ~~هذا الدار والشرع لا يأتي بما PageV01P450 # تحيلة العقول ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول فإن عود الروح إلى الجسد ~~ليس على الوجه المعهود في الدنيا بل تعاد الروح اليه إعادة غير الإعادة ~~المألوفة في الدنيا فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة ~~الأحكام # أحدها تعلقها به في بطن الام جنينا # الثاني تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض # الثالث تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه # الرابع تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه ~~فراقا كليا بحيث لا يبقى لها اليه التفات البتة فإنه ورد ردها إليه وقت ~~سلام المسلم وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه وهذا الرد إعادة خاصة ~~لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة # الخامس تعلقها به يوم بعث الأجساد وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن ولا نسبة ~~لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ~~ولا فسادا فالنوم أخو الموت فتأمل هذا يزح عنك إشكالات كثيرة # وليس السؤال في القبر للروح وحدها كما قال ابن حزم وغيره وأفسد منه قول ~~من قال إنه للبدن بلا روح والأحاديث الصحيحة ترد القولين وكذلك عذاب القبر ~~يكون للنفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والجماعة تنعم النفس وتعذب مفردة ~~عن ms295 البدن ومتصلة به # واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله ~~نصيبه منه قبر أو لم يقبر أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادا ونسف في ~~الهواء أو صلب أو غرق في البحر وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى ~~المقبور وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه ونحو ذلك فيجب أن يفهم عن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم مراده من غير غلو ولا تقصير فلا يحمل كلامه PageV01P451 ~~ما لا يحتمله ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان فكم حصل ~~بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله ~~بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام وهو أصل ~~كل خطأ في الفروع والأصول ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد والله المستعان # فالحاصل أن الدور ثلاث دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار وقد جعل الله ~~لكل دار أحكاما تخصها وركب هذا الإنسان من بدن ونفس وجعل أحكام الدنيا على ~~الأبدان والأرواح تبع لها وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها ~~فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب ~~على الأرواح والأجساد جميعا فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل ظهر لك أن كون ~~القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل وأنه حق لا ~~مرية فيه وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم ويجب أن يعلم أن النار التي ~~في القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها وإن كان الله تعالى ~~يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه وتحته حتى يكون أعظم حرا من جمر ~~الدنيا ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بها بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفن ~~أحدهما إلى جنب صاحبه وهذا في حفرة من النار وهذا في روضة من رياض الجنة لا ~~يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره ولا من هذا إلى جاره ms296 شيء من نعيمه ~~وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به ~~علما وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير ~~وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده أطلعه وغيبه عن غيره ولو اطلع ~~الله على PageV01P452 # ذلك العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب ولما تدافن الناس ~~كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن ~~يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم ~~سمعته وأدركته # وللناس في سؤال منكر ونكير هل هو خاص بهذه الأمة أم لا ثلاثة أقوال ~~الثالث التوقف وهو قول جماعة منهم أبو عمر بن عبد البر فقال وفي حديث زيد ~~بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ~~منهم من يرويه تسأل وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة قد خصت بذلك ~~وهذا أمر لا يقطع به ويظهر عدم الإختصاص والله أعلم وكذلك اختلف في سؤال ~~الأطفال أيضا وهل يدوم عذاب القبر أو ينقطع جوابه أنه نوعان منه ما هو دائم ~~كما قال تعالى @QB@ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب @QE@ وكذلك في حديث البراء بن عازب في قصة الكافر ثم ~~يفتح له باب إلى النار فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة رواه الإمام ~~أحمد في بعض طرقه والنوع الثاني أنه مدة ثم ينقطع وهو عذاب بعض العصاة ~~الذين خفت جرائمهم فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه كما تقدم ذكره في الممحصات ~~العشرة # وقد اختلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة فقيل أرواح ~~المؤمنين في الجنة وأرواح الكافرين في النار وقيل إن أرواح المؤمنين بفناء ~~الجنة على بابها يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها وقيل على أفنية قبورهم ~~وقال مالك بلغني أن الروح PageV01P453 # مرسلة تذهب حيث شاءت وقالت طائفة بل أرواح المؤمنين ms297 عند الله عز وجل ولم ~~يزيدوا على ذلك وقيل إن أرواح المؤمنين بالجابية من دمشق وأرواح الكافرين ~~ببرهوت بئر بحضرموت وقال كعب ارواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة ~~وأرواح الكافرين في سجين في الأرض السابعة تحت خد إبليس وقيل أرواح ~~المؤمنين ببئر زمزم وأرواح الكافرين ببئر برهوت وقيل أرواح المؤمنين عن ~~يمين آدم وأرواح الكفار عن شماله قال ابن حزم وغيره مستقرها حيث كانت قبل ~~خلق أجسادها وقال أبو عمر بن عبد البر أرواح الشهداء في الجنة وأرواح عامة ~~المؤمنين على أفنية قبورهم وعن ابن شهاب أنه قال بلغني أن أرواح الشهداء ~~كطير خضر معلقة بالعرش تغدو وتروح إلى رياض الجنة تأتي ربها كل يوم تسلم ~~عليه وقالت فرقة مستقرها العدم المحض وهذا قول من يقول إن النفس عرض من ~~أعراض البدن كحياته وإدراكه وقولهم مخالف للكتاب والسنة وقالت فرقة مستقرها ~~بعد الموت أبدان أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها ~~فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الروح وهذا قول التناسخية منكري ~~المعاد وهو قول خارج عن أهل الإسلام كلهم ويضيق هذا المختصر عن بسط أدلة ~~هذه الأقوال والكلام عليها # ويتلخص من أدلتها أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت فمنها أرواح ~~في أعلى عليين في الملأ الأعلى وهي أرواح الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ~~وهم متفاوتون في منازلهم ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث ~~شاءت وهي أرواح بعض الشهداء لا كلهم بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول ~~الجنة لدين عليه كما في المسند عن عبد الله بن جحش أن رجلا جاء الى ~~PageV01P454 # النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما لي إن قتلت في سبيل الله ~~قال الجنة فلما ولى قال إلا الدين سارني به جبرائيل آنفا ومن الأرواح من ~~يكون محبوسا على باب الجنة كما في الحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأيت صاحبكم محبوسا على باب الجنة ومنهم من يكون ms298 محبوسا في قبره ~~ومنهم من يكون في الأرض ومنها أرواح تكون في تنور الزناة والزواني وأرواح ~~في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة كل ذلك تشهد له السنة والله أعلم وأما ~~الحياة التي اختص بها الشهيد وامتاز بها عن غيره في قوله تعالى @QB@ ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا ~~تشعرون @QE@ فهي أن الله تعالى جعل أرواحهم في أجواف طير خضر كما في حديث ~~عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما أصيب إخوانكم يعني يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد ~~أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب مظلة في ظل العرش ~~الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود وبمعناه في حديث ابن مسعود رواه مسلم ~~فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله عز وجل حتى أتلفها أعداؤه فيه أعاضهم منها في ~~البرزخ أبدانا خيرا منها تكون فيها إلى يوم القيامة ويكون تنعمها بواسطة ~~تلك الأبدان أكمل من تنعم الأرواح المجردة عنها ولهذا كانت نسمة المؤمن في ~~صورة طير أو PageV01P455 # كطير ونسمة الشهيد في جوف طير وتأمل لفظ الحديثين ففي الموطأ أن كعب بن ~~مالك كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن نسمة المؤمن طائر ~~يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه فقوله نسمة المؤمن ~~تعم الشهيد وغيره ثم خص الشهيد بأن قال هي في جوف طير خضر ومعلوم أنها إذا ~~كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير فتدخل في عموم الحديث الآخر بهذا ~~الاعتبار فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على ~~فرشهم وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم فلهم نعيم يختص به لا يشاركه ~~فيه من هو دونه والله أعلم وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما ~~روي ms299 في السنن وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير ~~فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة ~~والله أعلم وكأنه والله أعلم كلما كانت الشهادة أكمل والشهيد أفضل كان بقاء ~~جسده أطول # # | قوله ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب وقراءة ~~الكتاب والثواب والعقاب والصراط والميزان # ش الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة ~~فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه العزيز وأقام الدليل عليه ورد على منكريه ~~في غالب سور القرآن وذلك أن الأنبياء عليهم السلام كلهم متفقون على الإيمان ~~بالله فإن الاقرار بالرب عام في بني آدم وهو فطري كلهم يقر بالرب إلا من ~~عائد كفرعون بخلاف الإيمان باليوم الآخر فإن منكريه كثيرون ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم لما كان PageV01P456 خاتم الأنبياء وكان قد بعث هو والساعة ~~كهاتين وكان هو الحاشر المقفي بين تفصيل الآخرة بيانا لا يوجد شيء من كتاب ~~الأنبياء ولهذا ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم أنه لم يفصح بمعاد الأبدان ~~إلا محمد صلى الله عليه وسلم وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من باب التخييل ~~والخطاب الجمهوري # والقرآن بين معاد النفس عند الموت ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير ~~موضع وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى وينكرون معاد الأبدان ويقول من يقول ~~منهم إنه لم يخبر به إلا محمد صلى الله عليه وسلم على طريق التخيل وهذا كذب ~~فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم ~~وموسى وعيسى وغيرهم عليهم السلام وقد أخبر الله بها من حين أهبط آدم فقال ~~تعالى @QB@ قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ~~@QE@ @QB@ قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون @QE@ ولما قال إبليس ~~اللعين @QB@ رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم @QE@ وأما نوح عليه السلام فقال @QB@ والله أنبتكم من الأرض نباتا ~~ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا @QE@ وقال إبراهيم عليه السلام ms300 @QB@ والذي ~~أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين @QE@ إلى آخر القصة وقال @QB@ ربنا اغفر ~~لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب @QE@ وقال @QB@ رب أرني كيف تحيي ~~الموتى @QE@ وأما موسى عليه السلام فقال الله تعالى لما ناجاه @QB@ إن ~~الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن ~~بها واتبع هواه فتردى @QE@ بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد وإنما آمن ~~بموسى قال تعالى PageV01P457 حكاية عنه @QB@ ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ~~التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من ~~هاد @QE@ إلى قوله تعالى @QB@ يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن ~~الآخرة هي دار القرار @QE@ إلى قوله @QB@ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب @QE@ ~~وقال موسى @QB@ واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك ~~@QE@ وقد أخبر الله في قصة البقرة @QB@ فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله ~~الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون @QE@ وقد أخبر الله أنه أرسل الرسل ~~مبشرين ومنذرين في آيات من القرآن وأخبر عن أهل النار أنهم إذا قال لهم ~~خزنتها @QB@ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين @QE@ وهذا اعتراف ~~من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم هذا فجميع ~~الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم من عقوبات المذنبين في الدنيا والآخرة ~~فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد والوعيد يذكر ذلك فيها في الدنيا ~~والآخرة وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد فقال @QB@ وقال الذين كفروا لا ~~تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب @QE@ الآيات وقال تعالى ~~@QB@ ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما ~~عملتم وذلك على الله يسير @QE@ وأخبر عن اقترابها فقال @QB@ اقتربت الساعة ~~وانشق القمر @QE@ @QB@ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون @QE@ @QB@ ~~سأل سائل بعذاب واقع للكافرين @QE@ إلى ms301 أن قال @QB@ إنهم يرونه بعيدا ونراه ~~قريبا @QE@ وذم المكذبين بالمعاد فقال PageV01P458 @QB@ قد خسر الذين كذبوا ~~بلقاء الله وما كانوا مهتدين @QE@ @QB@ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا ~~يا حسرتنا على ما فرطنا فيها @QE@ @QB@ ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ~~ضلال بعيد @QE@ @QB@ بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها ~~عمون @QE@ @QB@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا ~~عليه حقا @QE@ إلى أن قال @QB@ وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين @QE@ ~~@QB@ إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون @QE@ @QB@ ~~ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت ~~زدناهم سعيرا @QE@ @QB@ ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا ~~عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا @QE@ @QB@ أولم يروا أن الله الذي ~~خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى ~~الظالمون إلا كفورا @QE@ @QB@ وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون ~~خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون ~~من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل ~~عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ~~@QE@ # فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل فإنهم قالوا أولا @QB@ أئذا ~~كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا @QE@ فقيل لهم في جواب هذا ~~السؤال إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب لكم فهلا كنتم خلقا لا يفنيه ~~الموت كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك فإن قلتم كنا خلقا ~~على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين ~~إعادتكم خلقا PageV01P459 # جديدا وللحجة تقدير آخر وهو لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما ~~فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال ومن يقدر على ~~التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة فما الذي يعجزه ms302 ~~فيما دونها ثم أخبر أنهم يسألون آخر بقولهم من يعيدنا اذا استحالت جسومنا ~~وفنيت فأجابهم بقوله @QB@ قل الذي فطركم أول مرة @QE@ فلما أخذتهم الحجة ~~ولزمهم حكمها انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به بعلل المنقطع وهو قولهم @QB@ ~~متى هو @QE@ فأجيبوا بقوله @QB@ عسى أن يكون قريبا @QE@ # ومن هذا قوله @QB@ وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ~~@QE@ إلى آخر السورة فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن ~~يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها بألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز ~~ووضح الأدلة وصحة البرهان لما قدر فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ~~ملحد اقتضى جوابا فكان في قوله @QB@ ونسي خلقه @QE@ ما وفى بالجواب وأقام ~~الحجة وأزال الشبهة لما أراد سبحانه من تأكيد الحجة وزيادة تقريرها فقال ~~@QB@ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة @QE@ فاحتج بالإبداء على الإعادة ~~وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى إذ كل عاقل يعلم ضروريا أن من قدر على ~~هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز ~~ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ~~ذلك بقوله @QB@ وهو بكل خلق عليم @QE@ فهو عليم بتفاصيل الخلق الأول ~~وجزئياته ومواده وصورته فكذلك الثاني فإذا كان تام العلم كامل القدرة كيف ~~يتعذر عليه أن يحيى العظام PageV01P460 وهي رميم ثم اكد الأمر بحجة قاهرة ~~وبرهان ظاهر يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول العظام اذا صارت رميما عادت ~~طبيعتها باردة يابسة والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعة حارة رطبة ~~بما يدل على امر البعث ففيه الدليل والجواب معا فقال @QB@ الذي جعل لكم من ~~الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون @QE@ فأخبر سبحانه بإخراج هذا ~~العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتليء ~~بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات ~~وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء ~~العظام وهي رميم ثم أكد هذا بأخذ ms303 الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر ~~الأصغر فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه ~~بكثير أقدر وأقدر فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا ~~فقال @QB@ أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم @QE@ ~~فأخبر أن الذي أبدع السموات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهما وكبر أجسامها ~~وسعتهما وعجيب خلقهما أقدر على أن يحيى عظاما قد صارت رميما فيردها إلى ~~حالتها الأولى كما قال في موضع آخر @QB@ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون @QE@ وقال @QB@ أو ليس الذي خلق السماوات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم @QE@ ثم أكد سبحانه ~~ذلك وبينه ببيان آخر وهو أنه ليس فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلآت ~~والكلفة والنصب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آله ~~ومعين بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكون ~~كن فإذا هو كائن PageV01P461 # كما شاءه وأراده ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف ~~فيه بفعله وقوله @QB@ وإليه ترجعون @QE@ ومن هذا قوله سبحانه @QB@ أيحسب ~~الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل ~~منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى @QE@ فاحتج ~~سبحانه على أنه لا يتركه مهملا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب وأن حكمته ~~وقدرته تأبى ذلك أشد الإباء كما قال تعالى @QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~وأنكم إلينا لا ترجعون @QE@ إلى آخر السورة فإن من نقله من النطفة إلى ~~العلقة ثم إلى المضغة ثم شق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى والعظام ~~والمنافع والأعصاب والرباطات التي هي أشده وأحكم خلقه غاية الاحكام وأخرجه ~~على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته ~~وإنشائه مرة ثانية أم كيف تقتضي حكمته وعنايته أن يتركه سدى فلا يليق ذلك ~~بحكمته ولا تعجز ms304 عنه قدرته فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب بالقول الوجيز ~~الذي لا يكون اوجز منه والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه ~~القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه # وكم في القرآن من مثل هذا الاحتجاج كما في قوله تعالى @QB@ يا أيها الناس ~~إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة @QE@ إلى أن قال ~~@QB@ وأن الله يبعث من في القبور @QE@ وقوله تعالى @QB@ ولقد خلقنا الإنسان ~~من سلالة من طين @QE@ إلى أن قال @QB@ ثم إنكم يوم القيامة تبعثون @QE@ ~~وذكر قصة أصحاب الكهف وكيف أبقاهم موتى ثلاثمائة سنة شمسية وهي ثلاثمائة ~~وتسع سنين قمرية وقال فيها @QB@ وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق ~~وأن الساعة لا ريب فيها @QE@ PageV01P462 والقائلون بأن الاجسام مركبة من ~~الجواهر المفردة لهم في المعاد خبط واضطراب وهم فيه على قولين منهم من يقول ~~تعدم الجواهر ثم تعاد ومنهم من يقول تفرق الأجزاء ثم تجمع فأورد عليهم ~~الإنسان الذي يأكله حيوان وذلك الحيوان أكله انسان فإن أعيدت تلك الأجزاء ~~من هذا لم تعد من هذا وأورد عليهم أن الإنسان يتحلل دائما فماذا الذي يعاد ~~أهو الذي كان وقت الموت فإن قيل بذلك لزم أن يعاد على صورة ضعيفة وهو خلاف ~~ما جاءت به النصوص وأن كان غير ذلك فليس بعض الأبدان بأولى من بعض فادعى ~~بعضهم أن في الإنسان أجزاء أصلية لا تتحلل ولا يكون فيها شيء من ذلك ~~الحيوان الذي أكله الثاني والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل ~~ليس فيه شيء باق فصار ما ذكروه في الميعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار ~~معاد الأبدان # والقول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال ~~فتستحيل ترابا ثم ينشئها الله نشأة أخرى كما استحال في النشأة الأولى فإنه ~~كان نطفة ثم صار علقة ثم صار مضغة ثم صار عظاما ولحما ثم أنشأه خلقا سويا ~~كذلك الإعادة يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب كما ms305 ثبت في الصحيح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه ~~خلق ابن آدم ومنه يركب وفي حديث آخر PageV01P463 # إن السماء تمطر مطرا كمني الرجال ينبتون في القبور كما ينبت النبات ~~فالنشأتان نوعان تحت جنس يتفقان ويتماثلان من وجه ويفترقان ويتنوعان من وجه ~~والمعاد هو الأول بعينه وإن كان بين لوازم الإعادة ولوازم البداءة فرق فعجب ~~الذنب هو الذي يبقى وأما سائره فيستحيل فيعاد من المادة التي استحال اليها ~~ومعلوم أن من رأى شخصا وهو صغير ثم رآه وقد صار شيخا علم أن هذا هو ذاك مع ~~أنه دائما في تحلل واستحالة وكذلك سائر الحيوان والنبات فمن رأى شجرة وهي ~~صغيرة ثم رآها كبيرة قال هذه تلك وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة ~~هذه النشأة حتى يقال إن الصفات هي المغيرة لا سيما أهل الجنة إذا دخلوها ~~فإنهم يدخلونها على صورة آدم طوله ستون ذراعا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما ~~وروي أن عرضه سبعة أذرع وتلك نشأة باقية غير معرضة للآفات وهذه النشأة ~~فانية معرضة للآفات # وقوله وجزاء الأعمال قال تعالى @QB@ مالك يوم الدين @QE@ PageV01P464 ~~@QB@ يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين @QE@ ~~والدين الجزاء يقال كما تدين تدان أي كما تجازي تجازى وقال تعالى @QB@ جزاء ~~بما كانوا يعملون @QE@ @QB@ جزاء وفاقا @QE@ @QB@ من جاء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون @QE@ @QB@ من ~~جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت ~~وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون @QE@ @QB@ من جاء بالحسنة فله ~~خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا ~~يعملون @QE@ وأمثال ذلك وقال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل ~~من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ~~ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك ms306 فلا يلومن إلا ~~نفسه وسيأتي لذلك زيادة بيان عن قريب إن شاء الله تعالى # وقوله والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب قال تعالى @QB@ ~~فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها ~~ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية @QE@ ~~إلى آخر السورة @QB@ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه فأما ~~من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما ~~من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله ~~مسرورا إنه ظن أن لن يحور بلى إن ربه كان به بصيرا @QE@ PageV01P465 @QB@ ~~وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة @QE@ @QB@ ووضع الكتاب ~~فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا @QE@ ~~@QB@ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار @QE@ ~~إلى آخر السورة @QB@ رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء ~~من عباده @QE@ إلى قوله @QB@ إن الله سريع الحساب @QE@ @QB@ واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون @QE@ وروى ~~البخاري رحمه الله في صحيحه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس ~~أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى ~~@QB@ فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا @QE@ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك العرض وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة ~~إلا عذاب يعني أنه لو ناقش في حسابه لعبيده لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولكنه ~~تعالى يعفو ويصفح وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى وفي الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول ~~من يفيق فإذا موسى آخذ بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم ~~الطور وهذا صعق ms307 في موقف القيامة اذا جاء الله PageV01P466 # لفصل القضاء وأشرقت الأرض بنوره فحينئذ يصعق الخلائق كلهم فإن قيل كيف ~~تصنعون بقوله في الحديث إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه ~~الأرض فأجد موسى باطشا بقائمة العرش قيل لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا ~~ومنه نشأ الإشكال ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث فركب بين اللفظين ~~فجاء هذان الحديثان هكذا أحدهما أن الناس يصعقون PageV01P467 يوم القيامة ~~فاكون اول من يفيق كما تقدم والثاني أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ~~فدخل على الراوي هذا الحديث في الآخر وممن نبه على هذا أبو الحجاج المزي ~~وبعده الشيخ شمس الدين بن القيم وشيخنا الشيخ عماد بن كثير رحمهم الله ~~وكذلك اشتبه على بعض الرواة فقال فلا أدري افاق قبلي أم كان ممن استثنى ~~الله عز وجل والمحفوظ الذي تواطأت عليه الروايات الصحيحة هو الأول وعليه ~~المعنى الصحيح فإن الصعق يوم القيامة لتجلى الله لعباده إذا جاء لفصل ~~القضاء فوسى عليه السلام إن كان لم يصعق معهم فيكون قد جوزي بصعقة يوم تجلى ~~ربه للجبل فجعله دكا فجعلت صعقة هذا التجلي عوضا عن صعقة الخلائق لتجلى ربه ~~يوم القيامة فتأمل هذا المعنى العظيم ولا تهمله وروى الإمام أحمد والترمذي ~~وأبو بكر بن أبي الدنيا عن الحسن قال سمعت أبا موسى الأشعري يقول قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فعرضتان جدال ~~ومعاذير وعرضة تطاير الصحف فمن أوتي كتابه بيمينه وحوسب حسابا يسيرا دخل ~~الجنة ومن أوتي كتابه بشماله دخل النار وقد روى ابن أبي PageV01P468 الدنيا ~~عن ابن المبارك أنه أنشد في ذلك شعرا % وطارت الصحف في الأيدي منشرة % فيها ~~السرائر والأخبار تطلع % % فكيف سهوك والأنباء واقعة % عما قليل ولا تدري ~~بما تقع % % أفي الجنان وفوز لا انقطاع له % أم الجحيم فلا تبقي ولا تدع % ~~% تهوى بساكنها طورا وترفعهم % إذا رجوا مخرجا من غمها قمعوا % % طال ~~البكاء فلم يرحم تضرعهم % فيها ولا ms308 رقية تغني ولا جزع % % لينفع العلم قبل ~~الموت عالمه % قد سأل قوم بها الرجعى فما رجعوا % $ # قوله والصراط أي ونؤمن بالصراط وهو جسر على جهنم إذا انتهى الناس بعد ~~مفارقتهم مكان الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط كما قالت عائشة رضي الله ~~عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض والسموات فقال هم في الظلمة دون الجسر وفي هذا الموضع يفترق ~~المنافقون على المؤمنين ويتخلفون عنهم ويسبقهم المؤمنون ويحال بينهم بسور ~~يمنعهم من الوصول اليهم وروى البيهقي بسنده عن مسروق عن عبد الله قال يجمع ~~الله الناس يوم القيامة إلى أن قال فيعطون نورهم على قدر أعمالهم وقال ~~فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك ومنهم ~~من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه حتى يكون آخر ~~من يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ مرة إذا أضاء قدم قدمه وإذا ~~طفىء قام قال فيمر ويمرون على الصراط والصراط كحد السيف دحض مزلة فيقال لهم ~~امضوا على PageV01P469 # قدر نوركم فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر ~~كالطرف ومنهم من يمر كشد الرجل يرمل رملا فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر ~~الذي نوره على إبهام قدمه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه ~~النار فيخلصون فإذا خلصوا قالوا الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك ~~لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد الحديث PageV01P470 # واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى @QB@ وإن منكم ~~إلا واردها @QE@ ما هو والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط قال تعالى ~~@QB@ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا @QE@ وفي الصحيح أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة قالت ~~حفصة فقلت يا رسول الله أليس الله يقول @QB@ وإن منكم إلا واردها @QE@ فقال ~~ألم تسمعيه قال @QB@ ثم ننجي الذين ms309 اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا @QE@ ~~أشار صلى الله عليه وسلم إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها وأن النجاة من ~~الشر لا تستلزم حصوله بل تستلزم انعقاد سببه فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم ~~يتمكنوا منه يقال نجاه الله منهم ولهذا قال تعالى @QB@ ولما جاء أمرنا ~~نجينا هودا @QE@ @QB@ فلما جاء أمرنا نجينا صالحا @QE@ @QB@ ولما جاء أمرنا ~~نجينا شعيبا @QE@ ولم يكن العذاب أصابهم ولكن أصاب غيرهم ولولا ما خصهم ~~الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك وكذلك حال الوارد في النار ~~يمرون فوقها على الصراط ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا ~~فقد بين صلى الله عليه وسلم في حديث جابر المذكور أن الورود هو الورود على ~~الصراط وروى الحافظ أبو نصر الوائلي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال صلى ~~الله عليه وسلم علم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك وإن أحببت أن لا توقف على ~~الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا PageV01P471 # تحدثن في دين الله حدثا برأيك أورده القرطبي وروى أبو بكر ابن أحمد بن ~~سليمان النجار عن يعلى بن منية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تقول ~~النار للمؤمن يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي # وقوله والميزان أي ونؤمن بالميزان قال تعالى @QB@ ونضع الموازين القسط ~~ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى ~~بنا حاسبين @QE@ وقال تعالى @QB@ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن ~~خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون @QE@ قال القرطبي ~~قال العلماء إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال لأن الوزن للجزاء ~~فينبغي أن يكون بعد المحاسبة فإن المحاسبة لتقرير الأعمال والوزن لإظهار ~~مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها قال وقوله تعالى @QB@ ونضع الموازين القسط ~~ليوم القيامة @QE@ يحتمل أن يكون ثم موازين متعددة توزن فيها الأعمال ~~ويحتمل أن يكون المراد الموزونات فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة والله ~~أعلم والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان ms310 روى ~~الإمام أحمد من حديث أبي عبد الرحمن الحبلي قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس ~~الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول ~~له أتنكر من هذا شيئا أظلمتنك كتبتي الحافظون قال لا يا رب PageV01P472 # فيقول ألك عذر أو حسنة فيبهت الرجل فيقول لا يارب فيقول بلى إن لك عندنا ~~حسنة واحدة لا ظلم اليوم عليك فتخرج له بطاعة فيها أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا عبده ورسوله فيقول أحضروه فيقول يا رب وما هذه البطاقة مع هذه ~~السجلات فيقال إنك لا تظلم قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة قال ~~فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم وهكذا ~~روى الترمذي وابن ماجه وابن أبي الدنيا من حديث الليث زاد الترمذي ولا يثقل ~~مع اسم الله شيء وفي سياق آخر توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل ~~فيوضع في كفة الحديث وفي هذا السياق فائدة جليلة وهي أن العامل يوزن مع ~~عمله ويشهد له ما روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ~~وقال اقرؤوا إن شئتم @QB@ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا @QE@ وروى الإمام ~~أحمد عن ابن مسعود أنه كان يجني سواكا من الأراك وكان دقيق الساقين فجعلت ~~الريح تكفؤه فضحك القوم PageV01P473 # منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مم تضحكون قالوا يا نبي الله من ~~دقة ساقيه فقال والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد وقد وردت ~~الأحاديث أيضا بوزن الأعمال أنفسها كما في صحيح مسلم عن أبي مالك الاشعري ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ ~~الميزان وفي الصحيح وهو خاتمة كتاب البخاري قوله صلى الله عليه وسلم كلمتان ~~خفيفتان على اللسان ms311 حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان سبحان الله ~~وبحمده سبحان الله العظيم وروى الحافظ أبو بكر البيهقي عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يؤتى بابن آدم يوم القيامة فيوقف ~~بين كفتي الميزان ويوكل به ملك فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع ~~الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف ميزانه نادى الملك بصوت ~~يسمع الخلائق شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا فلا يلتفت إلى ملحد معاند ~~يقول الأعمال أعراض لا تقبل الوزن وإنما يقبل الوزن الأجسام فإن الله يقلب ~~الأعراض أجساما كما تقدم وكما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يؤتى بالموت كبشا أغر فيوقف بين الجنة ~~والنار فيقال يا أهل PageV01P474 # الجنة فيشرئبون وينظرون ويقال يا أهل النار فيشرئبون وينظرون ويرون أن قد ~~جاء الفرج فيذبح ويقال خلود لا موت ورواه البخاري بمعناه فثبت وزن الأعمال ~~والعامل وصحائف الأعمال وثبت أن الميزان له كفتان والله تعالى أعلم بما ~~وراء ذلك من الكيفيات # فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق صلى الله عليه وسلم من غير ~~زيادة ولا نقصان ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما ~~أخبر الشارع لخفاء الحكمة عليه ويقدح في النصوص بقوله لا يحتاج إلى الميزان ~~إلا البقال والفوال وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم ~~القيامة وزنا ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه ~~لجميع عباده فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل ~~مبشرين ومنذرين فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه فتأمل قول ~~الملائكة لما قال الله لهم @QB@ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها ~~من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون @QE@ وقال تعالى @QB@ وما أوتيتم من العلم إلا قليلا @QE@ وقد تقدم ~~عند ms312 ذكر الحوض كلام القرطبي رحمه الله أن الحوض قبل الميزان والصراط بعد ~~الميزان ففي الصحيحين أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين ~~الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ~~وجعل القرطبي في التذكرة هذه القنطرة صراطا ثانيا للمؤمنين خاصة وليس يسقط ~~منه أحد في النار والله تعالى أعلم PageV01P475 # # | وقوله والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان فان الله ~~تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما اهلا فمن شاء منهم إلى الجنة ~~فضلا منه ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه وكل يعمل لما قد فرغ له وصائر ~~إلى ما خلق له والخير والشر مقدران على العباد # ش أما قوله إن الجنة والنار مخلوقتان فاتفق أهل السنة على أن الجنة ~~والنار مخلوقتان موجودتان الآن ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة ~~من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك وقالت بل ينشئهما الله يوم القيامة وحملهم ~~على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله وأنه ينبغي أن ~~يفعل كذا ولا ينبغي له أن يفعل كذا وقاسوه على خلقه في أفعالهم فهم مشبهة ~~في الأفعال ودخل التجهم فيهم فصاروا مع ذلك معطلة وقالوا خلق الجنة قبل ~~الجزاء عبث لأنها تصير معطلة مددا متطاولة فردوا من النصوص ما خالف هذه ~~الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى وحرفوا النصوص عن مواضعها وضللوا ~~وبدعوا من خالف شريعتهم # فمن نصوص الكتاب قوله تعالى عن الجنة @QB@ أعدت للمتقين @QE@ @QB@ أعدت ~~للذين آمنوا بالله ورسله @QE@ وعن النار @QB@ أعدت للكافرين @QE@ @QB@ إن ~~جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولقد رآه نزلة أخرى ~~عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى @QE@ وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله ~~عنه في قصة الإسراء وفي آخره ثم انطلق بي جبرائيل حتى أتى سدرة المنتهى ~~فغشيها ألوان لا أدري ما هي قال ثم دخلت الجنة فإذا هي جنابذة اللؤلؤ ms313 واذا ~~ترابها المسك وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر PageV01P476 # رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أحدكم إذا مات ~~عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان ~~من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ~~وتقدم حديث البراء بن عازب وفيه ينادى منادي من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه ~~من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها وتقدم حديث ~~أنس بمعنى حديث البراء وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت خسفت ~~الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت الحديث وفيه قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به حتى لقد رأيتني ~~آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني تقدمت ولقد رأيت النار يحطم بعضها بعضا حين ~~رأيتموني تأخرت وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس قال ~~انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه ~~فقالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت فقال ( ~~إني رأيت الجنة وتناولت عنقودا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت ~~النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء قالوا بم يا ~~رسول الله قال بكفرهن قيل أيكفرن بالله قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو ~~أحسن إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت خيرا قط وفي صحيح ~~مسلم PageV01P477 # من حديث أنس وايم الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا وبكيتم ~~كثيرا قالوا وما رأيت يا رسول الله قال رأيت الجنة والنار وفي الموطأ ~~والسنن من حديث كعب بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ~~نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة ~~وهذا صريح دخول في الروح الجنة قبل يوم ms314 القيامة وفي صحيح مسلم والسنن ~~والمسند من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبرائيل إلى الجنة فقال اذهب فانظر ~~اليها والى ما أعددت لأهلها فيها فذهب فنظر اليها والى ما أعد الله لأهلها ~~فيها فرجع فقال وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فأمر بالجنة فحفت بالمكاره ~~فقال ارجع فانظر اليها والى ما أعددت لأهلها فيها قال فنظر اليها ثم رجع ~~فقال وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد قال ثم أرسله إلى النار قال اذهب ~~فانظر اليها والى ما أعددت لأهلها فيها قال فنظر اليها فإذا هي يركب بعضها ~~بعضا ثم رجع فقال وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها فأمر بها فحفت بالشهوات ثم ~~قال اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها فذهب فنظر اليها فرجع فقال وعزتك ~~لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها ونظائر ذلك في السنة كثيرة # وأما على قول من قال إن الجنة الموعود بها هي الجنة التي كان فيها آدم ثم ~~أخرج منها فالقول بوجودها الآن ظاهر والخلاف في ذلك معروف PageV01P478 # وأما شبهة من قال إنها لم تخلق بعد وهي أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب ~~اضطرارا أن تفني يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ويموت لقوله تعالى @QB@ ~~كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ و @QB@ كل نفس ذائقة الموت @QE@ وقد روى الترمذي ~~في جامعه من حديث ابن مسعود رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرىء أمتك مني السلام ~~وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال هذا حديث حسن غريب وفيه ~~أيضا من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة قال هذا حديث حسن صحيح ms315 قالوا ~~فلو كانت مخلوقة مفروغا منها لم تكن قيعانا ولم يكن لهذا الغراس معنى قالوا ~~وكذا قوله تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت @QB@ رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة @QE@ فالجواب إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في ~~الصور وقيام الناس من القبور فهذا باطل يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها ~~مما لم يذكر وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها ~~وأنها لا يزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء وإذا دخلها المؤمنون احدث الله ~~فيها عند دخولهم أمورا أخر فهذا حق لا يمكن رده وأدلتكم هذه إنما تدل على ~~هذا القدر وأما احتجاجكم بقوله تعالى @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ ~~فأتيتم من سوء فهمكم معنى الآية واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار ~~الآن نظير احتجاج PageV01P479 # إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم ~~لفهم معنى الآية وإنما وفق لذلك أئمة الاسلام فمن كلامهم أن المراد كل شيء ~~مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا ~~للفناء وكذلك العرش فإنه سقف الجنة وقيل المراد إلا ملكه وقيل إلا ما أريد ~~به وجهه وقيل إن الله تعالى أنزل @QB@ كل من عليها فان @QE@ فقالت الملائكة ~~هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء فأخبر تعالى عن أهل السماء والأرض أنهم ~~يموتون فقال @QB@ كل شيء هالك إلا وجهه @QE@ لأنه حي لا يموت فأيقنت ~~الملائكة عند ذلك بالموت وإنما قالوا ذلك توفيقا بينها وبين النصوص المحكمة ~~الدالة على بقاء الجنة وعلى بقاء النار أيضا على ما يذكر عن قريب إن شاء ~~الله تعالى # وقوله لا تفنيان أبدا ولا تبيدان هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف ~~وقال ببقاء الجنة وبفناء النار جماعة من السلف والخلف والقولان مذكوران في ~~كثير من كتب التفسير وغيرها وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان إمام ~~المعطلة وليس له سلف قط لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ولا من ~~أئمة المسلمين ولا من ms316 أهل السنة وأنكره عليه عامة أهل السنة وكفروه به ~~وصاحوا به وباتباعه من أقطار الأرض وهذا قاله لأصله الفاسد الذي اعتقده وهو ~~امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث وهو عمدة أهل الكلام المذموم التي ~~استدلوا بها على حدوث الأجسام وحدوث ما لم يخل من الحوادث وجعلوا ذلك ~~عمدتهم في حدوث العالم فرأى جهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي ~~يمنعه في المستقبل فدوام الفعل عنده على الرب في المستقبل ممتنع كما هو ~~ممتنع عنده عليه في الماضي وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا ~~PageV01P480 الأصل لكن قال إن هذا يقتضي فناء الحركات فقال بفناء حركات أهل ~~الجنة حتى يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة وقد تقدم الإشارة ~~إلى اختلاف الناس في تسلسل الحوادث في الماضي والمستقبل وهي مسألة دوام ~~فاعلية الرب تعالى وهو لم يزل ربا قادرا فعالا لما يريد فإنه لم يزل حيا ~~عليما قديرا ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعا عليه لذاته ثم ينقلب فيصير ~~ممكنا لذاته من غير تجدد شيء وليس للأول حد محدود حتى يصير الفعل ممكنا له ~~عند ذلك الحد ويكون قبله ممتنعا عليه فهذا القول تصوره كاف في الجزم بفساده # فأما أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد فهذا مما يعلم بالضرورة أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به قال تعالى @QB@ وأما الذين سعدوا ففي ~~الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ~~@QE@ أي غير مقطوع ولا ينافي ذلك قوله @QB@ إلا ما شاء ربك @QE@ واختلف ~~السلف في هذا الاستثناء فقيل معناه إلا مدة مكثهم في النار وهذا يكون لمن ~~دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها لا لكلهم وقيل إلا مده مقامهم في الموقف ~~وقيل إلا مده مقامهم في القبور والموقف وقيل هو استثناء الرب ولا يفعله كما ~~تقول والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا تراه بل تجزم بضربه وقيل ~~إلا بمعنى الواو وهذا ms317 على قول بعض النحاة وهو ضعيف وسيبويه يجعل إلا بمعنى ~~لكن فيكون الاستثناء منقطعا ورجحه ابن جرير وقال إن الله تعالى لا خلف ~~لوعده وقد وصل الاستثناء بقوله @QB@ عطاء غير مجذوذ @QE@ قالوا ونظيره أن ~~تقول أسكنتك داري حولا إلا ما شئت أي سوى ما شئت ولكن ما شئت من الزيادة ~~عليه وقيل PageV01P481 الاستثناء لإعلامهم بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله ~~لأنهم يخرجون عن مشيئته ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود كما في ~~قوله تعالى @QB@ ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا @QE@ وقوله تعالى @QB@ فإن يشأ الله يختم على قلبك @QE@ وقوله @QB@ ~~قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به @QE@ ونظائره كثيرة يخبر ~~عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وقيل إن ~~ما بمعنى من أي إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء وقيل غير ~~ذلك وعلى كل تقدير فهذا الاستثناء من المتشابه وقوله @QB@ عطاء غير مجذوذ ~~@QE@ محكم وكذلك قوله تعالى @QB@ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد @QE@ وقوله ~~@QB@ أكلها دائم وظلها @QE@ وقوله @QB@ وما هم منها بمخرجين @QE@ وقد أكد ~~الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن وأخبر أنهم @QB@ لا ~~يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى @QE@ وهذا الاستثناء منقطع وإذا ضممته ~~إلى الاستثناء في قوله تعالى @QB@ إلا ما شاء ربك @QE@ تبين أن المراد من ~~الآيتين استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود كاستثناء ~~الموتة الأولى من جملة الموت فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية وذلك ~~مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها # والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة كقوله صلى الله عليه ~~وسلم من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت PageV01P482 # وقوله يناد مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وأن تشبوا ~~فلا تهرموا أبدا وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا وتقدم ذكر ذبح الموت بين الجنة ~~والنار ويقال يا أهل الجنة خلود ms318 فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت # وأما أبدية النار ودوامها فللناس في ذلك ثمانية أقوال # أحدها أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد وهذا قول الخوارج والمعتزلة # والثاني أن أهلها يعذبون فيها ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة النارية ~~يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي # الثالث أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها ويخلفهم فيها ~~قوم آخرون وهذا القول حكاه اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم وأكذبهم فيه ~~وقد أكذبهم الله تعالى فقال عز من قائل @QB@ وقالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على ~~الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون @QE@ # الرابع يخرجون منها وتبقى على حالها ليس فيها أحد # الخامس أنها تفنى بنفسها لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه وهذا ~~قول الجهم وشيعته ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار كما تقدم # السادس تفنى حركات أهلها ويصيرون جمادا لا يحسون بألم وهذا قول أبي ~~الهذيل العلاف كما تقدم # السابع أن الله يخرج منها من يشاء كما ورد في الحديث ثم يبقيها شيئا ثم ~~يفنيها فإنه جعل لها أمدا تنتهي اليه # الثامن أن الله تعالى يخرج منها من شاء كما ورد في السنة ويبقى فيها ~~الكفار PageV01P483 بقاء لا انقضاء له كما قال الشيخ رحمه الله وما عدا ~~هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان # وهذان القولان لأهل السنة ينظر في أدلتهما # فمن أدلة القول الأول منهما قوله تعالى @QB@ قال النار مثواكم خالدين ~~فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم @QE@ وقوله تعالى @QB@ فأما الذين ~~شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ~~إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد @QE@ ولم يأت بعد هذين الاستثناءين ما ~~أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة وهو قوله @QB@ عطاء غير مجذوذ @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ لابثين فيها أحقابا ms319 @QE@ وهذا القول أعني القول بفناء ~~النار دون الجنة منقول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم وقد ~~روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور بسنده إلى عمر رضي الله عنه أنه قال لو ~~لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه ذكر ~~ذلك في تفسير قوله تعالى @QB@ لابثين فيها أحقابا @QE@ قالوا والنار موجب ~~غضبه والجنة موجب رحمته وقد قال صلى الله عليه وسلم لما قضى الله الخلق كتب ~~كتابا فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي وفي PageV01P484 # رواية تغلب غضبي رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~قالوا والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه @QB@ عذاب يوم عظيم @QE@ و @QB@ ~~أليم @QE@ و @QB@ عقيم @QE@ ولم يخبر ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم ~~يوم وقد قال تعالى @QB@ عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء @QE@ ~~وقال تعالى حكاية عن الملائكة @QB@ ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما @QE@ فلا ~~بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم ~~رحمته وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين الف سنة والمعذبون فيها ~~متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم وليس في حكمة أحكم الحاكمين ~~ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقا يعذبهم أبد الآباد عذابا سرمدا لا نهاية ~~له وأما أنه يخلق خلقا ينعم عليهم ويحسن اليهم نعيما سرمدا فمن مقتضى ~~الحكمة والإحسان مراد لذاته والانتقام مراد بالعرض قالوا وما ورد من الخلود ~~فيها والتأييد وعدم الخروج وأن عذابها مقيم وأنه غرام كله حق مسلم لا نزاع ~~فيه وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية وإنما يخرج منها في حال ~~بقائها أهل التوحيد ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله وبين من ~~يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه # ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها قوله @QB@ ولهم عذاب مقيم @QE@ ~~@QB@ لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون @QE@ @QB@ فلن نزيدكم إلا عذابا @QE@ ~~@QB@ خالدين فيها ms320 أبدا @QE@ @QB@ وما هم منها بمخرجين @QE@ @QB@ وما هم ~~بخارجين من النار @QE@ PageV01P485 @QB@ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في ~~سم الخياط @QE@ @QB@ لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها @QE@ ~~@QB@ إن عذابها كان غراما @QE@ أي مقيما لازما وقد دلت السنة المستفيضة أنه ~~يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة ~~الموحدين من النار وأن هذا حكم مختص بهم فلو خرج الكفار منها لكانوا ~~بمنزلتهم ولم يختص الخروج بأهل الإيمان وبقاء الجنة والنار ليس لذاتها بل ~~بإبقاء الله لهما وقوله وخلق لهما أهلا قال تعالى @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس @QE@ الآية وعن عائشة رضي الله عنها قالت دعي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت يا رسول الله طوبى ~~لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا ولم يدركه فقال أو غير ذلك يا ~~عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار ~~أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم رواه مسلم وأبو داود والنسائي وقال ~~تعالى @QB@ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ~~إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا @QE@ والمراد الهداية العامة وأعم ~~منها الهداية المذكورة في قوله تعالى @QB@ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ~~@QE@ فالموجودات نوعان احدهما مسخر بطبعه والثاني متحرك بإرادته فهدى الأول ~~لما سخره له طبيعة وهدى الثاني هداية إرادية تابعة لشعوره وعلمه بما ينفعه ~~ويضره ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة انواع نوع لا يريد إلا الخير ولا يتأتى ~~منه إرادة سواه كالملائكة ونوع لا يريد إلا الشر ولا يتأتى منه إرادة سواه ~~كالشياطين ونوع يتأتى منه إرادة القسمين كالإنسان ثم جعله ثلاثة أصناف صنفا ~~يغلب إيمانه PageV01P486 # ومعرفته وعقله هواه وشهوته فيلتحق بالملائكة وصنفا عكسه فيلتحق بالشياطين ~~وصنفا تغلب شهوته البهيمية عقله فيلتحق بالبهائم والمقصود أنه سبحانه أعطى ~~الوجودين العيني والعلمي فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده فلا هداية إلا ~~بتعليمه وذلك كله من ms321 الأدلة على كمال قدرته وثبوت وحدانيته وتحقيق ربوبيته ~~سبحانه وتعالى # وقوله فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه ~~إلخ مما يجب ان يعلم أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا إذا منع سببه وهو ~~العمل الصالح فإنه @QB@ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا ~~هضما @QE@ وكذلك لا يعاقب أحدا إلا بعد حصول سبب العقاب فإن الله تعالى ~~يقول @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ وهو ~~سبحانه المعطي المانع لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع لكن إذا من على ~~الإنسان بالإيمان والعمل الصالح فلا يمنعه موجب ذلك أصلا بل يعطيه من ~~الثواب والقرب مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وحيث منعه ~~ذلك فلإ نتفاء سببه وهو العمل الصالح ولا ريب أنه يهدي من يشاء ويضل من ~~يشاء لكن ذلك كله حكمة منه وعدل فمنعه للأسباب التي هي الأعمال الصالحة من ~~حكمته وعدله وأما المسببات بعد وجود أسبابها فلا يمنعها بحال إذا لم تكن ~~اسبابا غير صالحة إما لفساد في العمل وإما لسبب يعارض موجبه ومقتضاه فيكون ~~ذلك لعدم المقتضى أو لوجود المانع وإذا كان منعه وعقوبته من عدم الإيمان ~~والعمل الصالح وهو لم يعط ذلك ابتلاء وابتداء إلا حكمة منه وعدلا فله ~~PageV01P487 الحمد في الحالين وهو المحمود على كل حال كل عطاء منه فضل وكل ~~عقوبة منه عدل فإن الله تعالى حكيم يضع الأشياء في مواضعها التي تصلح لها ~~كما قال تعالى @QB@ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي ~~رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته @QE@ وكما قال تعالى @QB@ وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين @QE@ ونحو ذلك وسيأتي لذلك زيادة إن شاء الله تعالى # # | قوله والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن ~~يوصف المخلوق به تكون مع الفعل وأما الاستطاعة من جهة ms322 الصحة والوسع والتمكن ~~وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب وهو كما قال تعالى @QB@ لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها @QE@ # ش الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع ألفاظ متقاربة وتنقسم الاستطاعة إلى ~~قسمين كما ذكره الشيخ رحمه الله وهو قول عامة أهل السنة وهو الوسط وقالت ~~القدرية والمعتزلة لا تكون القدرة الا قبل الفعل وقابلهم طائفة من أهل ~~السنة فقالوا لا تكون إلا مع الفعل # والذي قاله عامة أهل السنة أن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي وهذه قد ~~تكون قبله لا يجب أن تكون معه والقدرة التي بها الفعل لا بد أن تكون مع ~~الفعل لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة # وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فقد تتقدم ~~الأفعال وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى @QB@ ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا @QE@ PageV01P488 فأوجب الحج على المستطيع فلو لم ~~يستطع إلا من حج لم يكن الحج قد وجب إلا على من حج ولم يعاقب أحدا على ترك ~~الحج وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين الاسلام وكذلك قوله تعالى @QB@ ~~فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة فلو كان من لم ~~يتق الله لم يستطع التقوى لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من اتقى ولم يعاقب ~~من لم يتق وهذا معلوم الفساد وكذا قوله تعالى @QB@ فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا @QE@ والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات وكذا ما حكاه سبحانه ~~من قول المنافقين @QB@ لو استطعنا لخرجنا معكم @QE@ وكذبهم في ذلك القول ~~ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة الفعل ما كانوا بنفيهم عن ~~أنفسهم كاذبين وحيث كذبهم دل على أنهم أرادوا بذلك المرض أو فقد المال على ~~ما بين تعالى بقوله @QB@ ليس على الضعفاء ولا على المرضى @QE@ إلى أن قال ~~@QB@ إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء @QE@ وكذلك قوله تعالى ~~@QB@ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~أيمانكم @QE@ والمراد استطاعة الآلات والأسباب ومن ذلك قوله صلى الله ms323 عليه ~~وسلم لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ~~إنما نفى استطاعة الفعل معها # وأما ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة فقد ذكروا فيها قوله تعالى ~~@QB@ ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون @QE@ والمراد نفي حقيقة ~~القدرة لا نفي الأسباب والآلات لأنها كانت ثابتة PageV01P489 # وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله ولا يطيقون إلا ما كلفهم إن شاء الله ~~تعالى وكذا قول صاحب موسى @QB@ إنك لن تستطيع معي صبرا @QE@ وقوله @QB@ ألم ~~أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا @QE@ والمراد منه حقيقة قدرة الصبر لا أسباب ~~الصبر وآلاته فإن تلك كانت ثابتة له ألا ترى أنه عاتبه على ذلك ولا يلام من ~~عدم آلات الفعل وأسبابه على عدم الفعل وإنما يلام من امتنع من الفعل لتضييع ~~قدرة الفعل لاشتغاله بغير ما أمر به أو لعدم شغله إياها بفعل ما أمر به ومن ~~قال إن القدرة لا تكون إلا حين الفعل يقولون ان القدرة لا تصلح للضدين فإن ~~القدرة المقارنة للفعل لا تصلح إلا لذلك الفعل وهي مستلزمة له لا توجد ~~بدونه وما قالته القدرية بناء على أصلهم الفاسد وهو إقدار الله للمؤمن ~~والكافر والبر والفاجر سواء فلا يقولون إن الله خص المؤمن المطيع بإعانة ~~حصل بها الإيمان بل هذا بنفسه رجح الطاعة وهذا بنفسه رجح المعصية كالوالد ~~الذي أعطى كل واحد من بنيه سيفا فهذا جاهد به في سبيل الله وهذا قطع به ~~الطريق وهذا القول فاسد باتفاق أهل السنة والجماعة المثبتين للقدر فإنهم ~~متفقون على أن لله على عبده المطيع نعمة دينية خصه بها دون الكافر وأنه ~~أعانه على الطاعة إعانة لم يعن بها الكافر كما قال تعالى @QB@ ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون @QE@ فالقدرية يقولون إن هذا التحبيب والتزيين عام في كل ~~الخلق وهو بمعنى البيان وإظهار دلائل الحق والآية تقتضي أن هذا خاص بالمؤمن ~~ولهذا قال @QB@ أولئك هم الراشدون @QE@ والكفار ليسوا راشدين ms324 وقال ~~PageV01P490 تعالى @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ~~أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس ~~على الذين لا يؤمنون @QE@ وأمثال هذه الآية في القرآن كثير يبين أن سبحانه ~~هدى هذا وأضل هذا قال تعالى @QB@ من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~له وليا مرشدا @QE@ وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء الله تعالى # وأيضا فقول القائل يرجح بلا مرجح إن كان لقوله يرجح معنى زائد على الفعل ~~فذاك هو السبب المرجح وان لم يكن له معنى زائد كان حال الفاعل قبل وجود ~~الفعل كحاله عند الفعل ثم الفعل حصل في احدى الحالتين دون الأخرى بلا مرجح ~~وهذا مكابرة للعقل فلما كان أصل قول القدرية أن فاعل الطاعات وتاركها ~~كلاهما في الإعانة والإقدار سواء امتنع على أصلهم أن يكون مع الفعل قدرة ~~تخصه لأن القدرة التي تخص الفعل لا تكون للتارك وإنما تكون للفاعل ولا تكون ~~القدرة إلا من الله تعالى وهم لما رأوا أن القدرة لا بد أن تكون قبل الفعل ~~قالوا لا تكون مع الفعل لأن القدرة هي التي يكون بها الفعل والترك وحال ~~وجود الفعل يمتنع الترك فلهذا قالوا القدرة لا تكون إلا قبل الفعل وهذا ~~باطل مطلقا فإن وجود الأمر مع عدم بعض شروطه الوجودية موجودا عند الفعل ~~فنقيض قولهم حق وهو أن الفعل لا بد أن يكون معه قدرة # لكن صار أهل الإثبات هنا حزبين حزب قالوا لا تكون القدرة إلا معه ظنا ~~منهم أن القدرة نوع واحد لا يصلح للضدين وظنا من بعضهم أن القدرة عرض فلا ~~تبقى زمانين فيمتنع وجودها قبل الفعل والصواب أن القدرة نوعان كما تقدم نوع ~~مصحح للفعل يمكن PageV01P491 # معه الفعل والترك وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي وهذه تحصل للمطيع ~~والعاصي وتكون قبل الفعل وهذه تبقى إلى حين الفعل إما بنفسها عند من يقول ~~ببقاء الاعراض وإما بتجدد أمثالها عند من يقول إن الأعراض لا تبقى ms325 زمانين ~~وهذه قد تصلح للضدين وأمر الله مشروط بهذه الطاقة فلا يكلف الله من ليس معه ~~هذه الطاقة وضد هذه العجز كما تقدم وأيضا فالاستطاعة المشروطة في الشرع اخص ~~من الاستطاعة التي يمتنع الفعل مع عدمها فإن الاستطاعة الشرعية قد تكون ما ~~يتصور الفعل مع عدمها وإن لم يعجز عنه فالشارع ييسر على عباده ويريد بهم ~~اليسر ولا يريد بهم العسر وما جعل عليكم في الدين من حرج والمريض قد يستطيع ~~القيام مع زيادة المرض وتأخر برئه فهذا في الشرع غير مستطيع لأجل حصول ~~الضرر عليه وإن كان قد يسمى مستطيعا فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية ~~إلى مجرد إمكان الفعل بل ينظر إلى لوازم ذلك فإن كان الفعل ممكنا مع ~~المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية كالذي يقدر على الحج مع ضرر ~~يلحقه في بدنه أو ماله أو يصلي قائما مع زيادة مرضه أو يصوم الشهرين مع ~~انقطاعه عن معيشته ونحو ذلك فإذا كان الشارع قد اعتبر في المكنة عدم ~~المفسدة الراجحة فكيف يكلف مع العجز ولكن هذه الاستطاعة مع بقائها إلى حين ~~الفعل لا تكفي في وجود الفعل ولو كانت كافية لكان التارك كالفاعل بل لا بد ~~من إحداث إعانة أخرى تقارن مثل جعل الفاعل مريدا فإن الفعل لا يتم إلا ~~بقدرة وارادة والاستطاعة المقارنة تدخل فيها الإرادة الجازمة بخلاف ~~المشروطة في التكليف فإنه لا يشترط فيها الإرادة فالله تعالى يأمر بالفعل ~~من لا يريده لكن لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه وهكذا أمر الناس بعضهم ~~لبعض فالانسان يأمر عبده بما لا يريده PageV01P492 # العبد لكن لا يأمره بما يعجز عنه العبد وإذا اجتمعت الإرادة الجازمة ~~والقوة التامة لزم وجود الفعل وعلى هذا ينبني تكليف ما لا يطاق فإن من قال ~~القدرة لا تكون إلا مع الفعل يقول كل كافر وفاسق قد كلف ما لا يطيق وما لا ~~يطاق يفسر بشيئين بما يطاق للعجز عنه فهذا لم يكلفه الله أحدا ويفسر بما لا ~~يطاق للاشتغال بضده ms326 فهذا هو الذي وقع فيه التكليف كما في أمر العباد بعضهم ~~بعضا فإنهم يفرقون بين هذا وهذا فلا يأمر السيد عبده الأعمى بنقط المصاحف ~~ويأمره إذا كان قاعدا أن يقوم ويعلم الفرق بين الأمرين بالضرورة # $ قوله وافعال العباد هي خلق الله وكسب من العباد # ش اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية فزعمت الجبرية ورئيسهم الجهم ~~بن صفوان السمرقندي أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى وهي كلها ~~اضطرارية كحركات المرتعش والعروق النابضة وحركات الاشجار وإضافتها إلى ~~الخلق مجاز وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله ~~وقابلتهم المعتزلة فقالوا إن جميع الافعال الاختيارية من جميع الحيوانات ~~بخلقها لا تعلق لها بخلق الله تعالى واختلفوا فيما بينهم أن الله تعالى ~~يقدر على أفعال العباد أم لا # وقال أهل الحق أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة وهي مخلوقة لله تعالى ~~والحق سبحانه وتعالى منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه فالجبرية غلوا ~~في إثبات القدر فنفوا صنع العبد أصلا كما عملت المشبهة في أثبات الصفات ~~فشبهوا والقدرية نفاة القدر جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى ولهذا كانوا ~~مجوس هذه الامة بل أردأ من المجوس من حيث إن المجوس أثبتوا خالقين ~~PageV01P493 # وهم أثبتوا خالقين وهدى الله المؤمنين أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فكل دليل صحيح يقيمه الجبري ~~فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء وأنه على كل شيء قدير وأن أفعال العباد ~~من جملة مخلوقاته وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا يدل على أن العبد ~~ليس بفاعل في الحقيقة ولا مريد ولا مختار وأن حركاته الاختيارية بمنزلة ~~حركة المرتعش وهبوب الرياح وحركات الاشجار وكل دليل صحيح يقيمه القدري ~~فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة وأنه مريد له مختار له حقيقة وأن ~~إضافته ونسبته إليه إضافة حق ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى وأنه ~~واقع بغير مشيئته وقدرته فإذا ms327 ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق ~~الأخرى فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة من ~~عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال وأن العباد ~~فاعلون لأفعالهم حقيقة وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم # وهذا هو الواقع في نفس الأمر فإن أدلة الحق لا تتعارض والحق يصدق بعضه ~~بعضا ويضيق هذا المختصر عن ذكر أدلة الفريقين ولكنها تتكافأ وتتساقط ~~ويستفاد من دليل كل فريق بطلان قول الآخر ولكن أذكر شيئا مما استدل به كل ~~من الفريقين ثم أبين أنه لا يدل على ما استدل عليه من الباطل # فما استدلت به الجبرية قوله تعالى @QB@ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~@QE@ فنفى الله عن نبيه الرمي وأثبته لنفسه سبحانه فدل على أنه لا صنع ~~للعبد قالوا والجزاء غير مرتب على الأعمال بدليل قوله صلى الله عليه وسلم ~~لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن ~~PageV01P494 # يتغمدني الله برحمة منه وفضل # ومما استدل به القدرية قوله تعالى @QB@ فتبارك الله أحسن الخالقين @QE@ ~~قالوا والجزاء مرتب على الأعمال ترتب العوض كما قال تعالى @QB@ جزاء بما ~~كانوا يعملون @QE@ @QB@ وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون @QE@ ~~ونحو ذلك # فأما ما استدلت به الجبرية من قوله تعالى @QB@ وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى @QE@ فهو دليل عليهم لأنه تعالى أثبت لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~رميا بقوله إذ رميت فعلم أن المثبت غير المنفي وذلك أن الرمي له ابتداء ~~وانتهاء فابتداؤه الحذف وانتهاؤه الإصابة وكل منهما يسمى رميا فالمعنى ~~حينئذ والله تعالى أعلم وما أصبت إذ حذفت ولكن الله أصاب وإلا فطرد قولهم ~~وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى وما صمت إذ صمت وما زنيت إذ زنيت وما سرقت ~~إذ سرقت وفساد هذا ظاهر # وأما ترتب الجزاء على الأعمال فقد ضلت فيه الجبرية والقدرية وهدى الله ~~أهل السنة وله الحمد والمنة فإن الباء التي في النفي غير ms328 الباء التي في ~~الإثبات فالمنفي في قوله صلى الله عليه وسلم لن يدخل الجنة أحد بعمله باء ~~العوض وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة كما زعمت المعتزلة ~~أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله بل ذلك برحمة الله وفضله والباء ~~التي في قوله تعالى @QB@ جزاء بما كانوا يعملون @QE@ وغيرها باء السبب أي ~~بسبب عملكم والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات فرجع الكل إلى محض فضل ~~الله ورحمته PageV01P495 # وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى @QB@ فتبارك الله أحسن الخالقين @QE@ ~~فمعنى الآية أحسن المصورين المقدرين والخلق يذكر ويراد به التقدير وهو ~~المراد هنا بدليل قوله تعالى @QB@ الله خالق كل شيء @QE@ أي الله خالق كل ~~شيء مخلوق فدخلت أفعال العباد في عموم كل وما أفسد قولهم في إدخال كلام ~~الله تعالى في عموم كل الذي هو صفة من صفاته يستحيل عليه أن يكون مخلوقا ~~وأخرجوا أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم كل وهل يدخل في عموم كل إلا ما هو ~~مخلوق فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا العموم ودخل سائر المخلوقات ~~في عمومها وكذا قوله تعالى @QB@ والله خلقكم وما تعملون @QE@ ولا نقول إن ~~ما مصدرية أي خلقكم وعملكم إذ سياق الآية يأباه لأن إبراهيم عليه السلام ~~إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت لا النحت والآية تدل على أن المنحوت مخلوق ~~لله تعالى وهو ما صار منحوتا إلا بفعلهم فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقا ~~لله تعالى ولو لم يكن النحت مخلوقا لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقا له بل ~~الخشب أو الحجر لا غير وذكر أبو الحسين البصري إمام المتأخرين من المعتزلة ~~أن العلم بأن العبد يحدث فعله ضروري وذكر الرازي أن افتقار الفعل المحدث ~~الممكن إلى مرجح يجب وجوده عنده ويمتنع عند عدمه ضروري وكلاهما صادق فيما ~~ذكره من العلم الضروري ثم ادعاء كل منهما أن هذا العلم الضروري يبطل ما ~~ادعاه الآخر من الضرورة غير مسلم بل كلاهما صادق فيما ادعاه من العلم ~~الضروري وإنما وقع غلطه في ms329 إنكاره ما مع الآخر من الحق فإنه لا منافاة بين ~~كون العبد محدثا لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة الله تعالى كما ~~قال تعالى @QB@ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها @QE@ PageV01P496 # فقوله @QB@ فألهمها فجورها وتقواها @QE@ إثبات للقدر بقوله فألهمها ~~وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه ليعلم أنها هي الفاجرة ~~والمتقية وقوله بعد ذلك @QB@ قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها @QE@ إثبات ~~أيضا لفعل العبد ونظائر ذلك كثيرة # وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم بل مزقتهم كل ممزق وهي أنهم ~~قالوا كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو ~~خلقها فيهم فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم وهذا السؤال ~~لم يزل مطروقا في العالم على ألسنة الناس وكل منهم يتكلم في جوابه بحسب ~~علمه ومعرفته وعنه تفرقت بهم الطرق فطائفة أخرجت أفعالهم عن قدرة الله ~~تعالى وطائفة أنكرت الحكم والتعليل وسدت باب السؤال وطائفة أثبتت كسبا لا ~~يعقل جعلت الثواب والعقاب عليه وطائفة التزمت لأجله وقوع مقدور بين قادرين ~~ومفعول بين فاعلين وطائفة التزمت الجبر وأن الله يعذبهم على ما لا يقدرون ~~عليه وهذا السؤال هو الذي أوجب التفرق والاختلاف # والجواب الصحيح عنه أن يقال إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية وإن ~~كانت خلقا لله تعالى فهي عقوبة له على ذنوب قبلها فالذنب يكسب الذنب ومن ~~عقاب السيئة السيئة بعدها فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضا يبقى أن ~~يقال فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب يقال هو عقوبة أيضا ~~على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه فإن الله سبحانه خلقه لعبادته وحده لا ~~شريك له وفطره على محبته وتأليهه والإنابة اليه كما قال تعالى @QB@ فأقم ~~وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها @QE@ PageV01P497 # فلما لم يفعل ما خلق له وفطر عليه من محبة الله وعبوديته والإنابة اليه ~~عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي فإنه صادف ms330 ~~قلبا خاليا قابلا للخير والشر ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن ~~منه الشر كما قال تعالى @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين @QE@ وقال إبليس @QB@ فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين @QE@ وقال الله عز وجل @QB@ هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان @QE@ والإخلاص خلوص القلب من تأليه ما سوى الله تعالى وإرادته ~~ومحبته فخلص لله فلم يتمكن منه الشيطان وأما إذا صادفه فارغا من ذلك تمكن ~~منه بحسب فراغه فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة له على عدم هذا ~~الإخلاص وهي محض العدل # فإن قلت فذلك العدم من خلقه فيه قيل هذا سؤال فاسد فإن العدم كاسمه لا ~~يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به فإن عدم الفعل ليس أمرا وجوديا حتى ~~يضاف إلى الفاعل بل هو شر محض والشر ليس إلى الله سبحانه كما قال صلى الله ~~عليه وسلم في حديث الاستفتاح لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس ~~اليك وكذا في حديث الشفاعة يوم القيامة حين يقول الله له يا محمد فيقول ~~لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس اليك وقد أخبر الله تعالى أن تسليط ~~الشيطان إنما هو على PageV01P498 الذين يتولونه والذين هم به مشركون فلما ~~تولوه دون الله وأشركوا به معه عوقبوا على ذلك بتسليطه عليهم وكانت هذه ~~الولاية والإشراك عقوبة خلو القلب وفراغه من الإخلاص فإلهام البر والتقوى ~~ثمرة هذا الإخلاص ونتيجته وإلهام الفجور عقوبة على خلوه من الإخلاص # فإن قلت إن كان هذا الترك أمرا وجوديا عاد السؤال جذعا وإن كان أمرا ~~عدميا فكيف يعاقب على العدم المحض قيل ليس هنا ترك هو كف النفس ومنعها عما ~~تريده وتحبه فهذا قد يقال إنه أمر وجودي وإنما هنا عدم وخلو من أسباب الخير ~~وهذا العدم هو محض خلوها مما هو أنفع شيء لها والعقوبة على الأمر العدمي هي ~~بفعل السيئات لا بالعقوبات التي تناله بعد إقامة الحجة عليه بالرسل فلله ~~فيه عقوبتان إحداهما جعله ms331 مذنبا خاطئا وهذه عقوبة عدم إخلاصه وإنابته ~~وإقباله على الله وهذه العقوبة قد لا يحس بألمها ومضرتها لموافقتها شهوته ~~وارادته وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات والثانية العقوبات المؤلمة بعد ~~فعله للسيئات وقد قرن الله تعالى بين هاتين العقوبتين في قوله تعالى @QB@ ~~فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء @QE@ فهذه العقوبة الأولى ~~ثم قال @QB@ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة @QE@ فهذه العقوبة ~~الثانية # فإن قيل فهل كان يمكنهم أن يأتوا بالإخلاص والإنابة والمحبة له وحده من ~~غير أن يخلق ذلك في قلوبهم ويجعلهم مخلصين له منيبين له محبين له أم ذلك ~~محض جعله في قلوبهم وإلقائه فيها قيل لا بل هو محض منته وفضله وهو من أعظم ~~الخير الذي هو بيده والخير كله في يديه ولا يقدر أحد أن يأخذ من الخير إلا ~~ما أعطاه ولا يتقي من الشر إلا ما وقاه PageV01P499 # فإن قيل فإذا لم يخلق ذلك في قلوبهم ولم يوفقوا له ولا سبيل لهم اليه ~~بأنفسهم عاد السؤال وكان منعهم منه ظلما ولزمكم القول بأن العدل هو تصرف ~~المالك في ملكه بما يشاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون قيل لا يكون سبحانه ~~بمنعهم من ذلك ظالما وإنما يكون المانع ظالما إذا منع غيره حقا لذلك الغير ~~عليه وهذا هو الذي حرمه الرب على نفسه وأوجب على نفسه خلافه وأما اذا منع ~~غيره ما ليس بحق له بل هو محض فضله ومنته عليه لم يكن ظالما بمنعه فمنع ~~الحق ظلم ومنع الفضل والإحسان عدل وهو سبحانه العدل في منعه كما هو المحسن ~~المنان بعطائه # فإن قيل فإذا كان العطاء والتوفيق إحسانا ورحمة فهلا كان العمل له ~~والغلبة كما أن رحمته تغلب غضبه قيل المقصود في هذا المقام بيان أن هذه ~~العقوبة المترتبة على هذا المنع والمنع المستلزم للعقوبة ليس بظلم بل هو ~~محض العدل وهذا سؤال عن الحكمة التي أوجبت تقديم العدل على الفضل في بعض ~~المحال وهلا سوى بين العباد في الفضل وهذا ms332 السؤال حاصله لم تفضل على هذا ~~ولم يتفضل على الآخر وقد تولى الله سبحانه الجواب عنه بقوله @QB@ ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ وقوله @QB@ لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم @QE@ ولما سأله اليهود والنصارى عن تخصيص هذه الأمة ~~بأجرين وإعطائهم هم أجرا أجرا قال هل ظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال ~~فذلك فضلي أوتيه من أشاء وليس في الحكمة إطلاع كل فرد من أفراد الناس على ~~كمال حكمته في عطائه ومنعه بل إذا PageV01P500 # كشف الله عن بصيرة العبد حتى أبصر طرفا يسيرا من حكمته في خلقه وأمره ~~وثوابه وعقابه وتخصيصه وحرمانه وتأمل أحوال محال ذلك استدل بما علمه على ما ~~لم يعلمه ولما استشكل أعداؤه المشركون هذا التخصيص قالوا اهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا قال تعالى مجيبا لهم @QB@ أليس الله بأعلم بالشاكرين @QE@ ~~فتأمل هذا الجواب تر في ضمنه أنه سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لغرس شجرة ~~النعمة فتثمر بالشكر من المحل الذي لا يصلح لغرسها فلو غرست فيه لم تثمر ~~فكان غرسها هناك ضائعا لا يليق بالحكمة كما قال تعالى @QB@ الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته @QE@ # فإن قيل إذا حكمتم باستحالة الإيجاد من العبد فإذا لا فعل للعبد أصلا قيل ~~العبد فاعل لفعله حقيقة وله قدرة حقيقة قال تعالى @QB@ وما تفعلوا من خير ~~يعلمه الله @QE@ @QB@ فلا تبتئس بما كانوا يفعلون @QE@ وأمثال ذلك وإذا ثبت ~~كون العبد فاعلا فأفعاله نوعان نوع يكون منه من غير اقتران قدرته وإرادته ~~فيكون صفة له ولا يكون فعلا كحركات المرتعش ونوع يكون منه مقارنا لإيجاد ~~قدرته واختياره فيوصف بكونه صفة وفعلا وكسبا للعبد كالحركات الاختيارية ~~والله تعالى هو الذي جعل العبد فاعلا مختارا وهو الذي يقر على ذلك وحده لا ~~شريك له ولهذا انكر السلف الجبر فإن الجبر لا يكون إلا من عاجز فلا يكون ~~إلا مع الإكراه يقال للأب ولاية إجبار البكر الصغيرة ms333 على النكاح وليس له ~~إجبار الثيب البالغ أي ليس له أن يزوجها مكرهة والله تعالى لا يوصف ~~بالإجبار بهذا الاعتبار لأنه سبحانه خالق الإرادة والمراد قادر على أن ~~يجعله مختارا بخلاف غيره ولهذا جاء في ألفاظ الشارع الجبل دون الجبر كما ~~قال صلى الله عليه وسلم PageV01P501 # وسلم لأشج عبد القيس إن فيك لخلتين يحبهما الله الحلم والأناة فقال ~~اخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما فقال بل خلقان جبلت عليهما فقال ~~الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله تعالى والله تعالى إنما يعذب ~~عبده على فعله الاختياري والفرق بين العقاب على الفعل الاختياري وغير ~~الاختياري مستقر في الفطر والعقول # وإذا قيل خلق الفعل مع العقوبة عليه ظلم كان بمنزلة أن يقال خلق أكل السم ~~ثم حصول الموت به ظلم فكما أن هذا سبب للموت فهذا سبب للعقوبة ولا ظلم ~~فيهما # فالحاصل أن فعل العبد فعل له حقيقة ولكنه مخلوق لله تعالى ومفعول لله ~~تعالى ليس هو نفس فعل الله ففرق بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق والى ~~هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله بقوله وأفعال العباد خلق الله وكسب من ~~العباد أثبت للعباد فعلا وكسبا وأضاف الخلق لله تعالى والكسب هو الفعل الذي ~~يعود على فاعله منه نفع أو ضرر كما قال تعالى @QB@ لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت @QE@ # $ قوله ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم وهو ~~تفسير لا حول ولا قوة الا بالله نقول لا حيلة لاحد ولا تحول لاحد ولا حركة ~~لاحد عن معصية الله الا بمعونة الله ولا قوة لاحد على اقامة طاعة الله ~~والثبات عليها الا بتوفيق الله وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه ~~وقضائه وقدره غلبت مشيئته المشيئات كلها وعكست ارادته الارادات كلها وغلب ~~قضاؤه الحيل كلها يفعل ما يشاء وهو غير ظالم ابدا @QB@ لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون @QE@ PageV01P502 # ش فقوله لم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون قال تعالى @QB@ لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها @QE@ @QB@ لا ms334 نكلف نفسا إلا وسعها @QE@ وعند أبي الحسن ~~الأشعري أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلا ثم تردد أصحابه أنه هل ورد به الشرع ~~أم لا واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان فإنه تعالى أخبر بأنه لا ~~يؤمن وأنه سيصلى نارا ذات لهب فكان مأمورا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن وهذا ~~تكليف بالجمع بين الضدين وهو محال والجواب عن هذا بالمنع فلا نسلم بأنه ~~مأمور بأن يؤمن بأنه لا يؤمن والاستطاعة التي بها يقدر على الإيمان كانت ~~حاصلة فهو غير عاجز عن تحصيل الإيمان فما كلف إلا ما يطيقه كما تقدم في ~~تفسير الاستطاعة ولا يلزم قوله تعالى للملائكة @QB@ أنبئوني بأسماء هؤلاء ~~إن كنتم صادقين @QE@ مع عدم علمهم بذلك ولا للمصورين يوم القيامة احيوا ما ~~خلقتم وأمثال ذلك لأنه ليس بتكليف طلب فعل يثاب فاعله ويعاقب تاركه بل هو ~~خطاب تعجيز وكذا لا يلزم دعاء المؤمنين في قوله تعالى @QB@ ربنا ولا تحملنا ~~ما لا طاقة لنا به @QE@ لأن تحميل ما لا يطاق ليس تكليفا بل يجوز أن يحمله ~~جبلا لا يطيقه فيموت وقال ابن الأنباري أي لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه ~~وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه قال فخاطب العرب على حسب ما تعقل ~~فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه ما أطيق النظر إليك وهو مطيق لذلك لكنه ~~يثقل عليه ولا يجوز في الحكمة أن يكلفه بحمل جبل بحيث لو فعل يثاب ولو ~~امتنع يعاقب كما أخبر سبحانه عن نفسه أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها # ومنهم من يقول يجوز تكليف الممتنع عادة دون الممتنع PageV01P503 لذاته ~~لأن ذلك لا يتصور وجوده فلا يعقل الأمر به بخلاف هذا # ومنهم من يقول ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز تكليفه بخلاف ما لا يطاق ~~للاشتغال بضده فإنه يجوز تكليفه وهؤلاء موافقون للسلف والأئمة في المعنى ~~لكن كونهم جعلوا ما بتركه العبد لا يطاق لكونه تاركا له مشتغلا بضده بدعة ~~في الشرع واللغة فإن مضمونة أن فعل ما لا ms335 يفعله العبد لا يطيقه وهم التزموا ~~هذا لقولهم إن الطاقة التي هي الاستطاعة وهي القدرة لا تكون إلا مع الفعل ~~فقالوا كل من لم يفعل فعلا فإنه لا يطيقه وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع ~~السلف وخلاف ما عليه عامة العقلاء كما تقدمت الإشارة اليه عند ذكر ~~الاستطاعة # وأما ما لا يكون إلا مقارنا للفعل فذلك ليس شرطا في التكليف مع أنه في ~~الحقيقة إنما هناك إرادة الفعل وقد يحتجون بقوله تعالى @QB@ ما كانوا ~~يستطيعون السمع @QE@ @QB@ إنك لن تستطيع معي صبرا @QE@ وليس في ذلك ارادة ~~ما سموه استطاعة وهو ما لا يكون إلا مع الفعل فإن الله ذم هؤلاء على كونهم ~~لا يستطيعون السمع ولو أراد بذلك المقارن لكان جميع الخلق لا يستطيعون ~~السمع قبل السمع فلم يكن لتخيص هؤلاء بذلك معنى ولكن هؤلاء لبغضهم الحق ~~وثقله عليهم إما حسدا لصاحبه وإما اتباعا للهوى لا يستطيعون السمع وموسى ~~عليه السلام لا يستطيع الصبر لمخالفة ما يراه لظاهر الشرع وليس عنده منه ~~علم وهذه لغة العرب وسائر الأمم فمن يبغض غيره يقال إنه لا يستطيع الإحسان ~~إليه ومن يحبه يقال إنه لا يستطيع عقوبته لشدة محبته له لا لعجزه عن عقوبته ~~فيقال ذلك للمبالغة كما تقول لأضربنه PageV01P504 # حتى يموت والمراد الضرب الشديد وليس هذا عذرا فلو لم يأمر العباد إلا بما ~~يهوونه لفسدت السموات والأرض قال تعالى @QB@ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن @QE@ # وقوله ولا يطيقون إلا ما كلفهم به إلى آخر كلامه أي ولا يطيقون إلا ما ~~أقدرهم عليه وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق لا التي من جهة الصحة ~~والوسع والتمكن وسلامة الآلات ولا حول ولا قوة الا بالله دليل على اثبات ~~القدر وقد فسرها الشيخ بعدها ولكن في كلام الشيخ إشكال فإن التكليف لا ~~يستعمل بمعنى الإقدار وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي وهو قد قال لا ~~يكلفهم إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم وظاهره أنه يرجع إلى معنى ~~واحد ولا يصح ذلك لأنهم ms336 يطيقون فوق ما كلفهم به لكنه سبحانه يريد بعباده ~~اليسر والتخفيف كما قال تعالى @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ يريد الله أن يخفف عنكم @QE@ وقال تعالى @QB@ وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج @QE@ فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه ولكنه تفضل ~~علينا ورحمنا وخفف عنا ولم يجعل علينا في الدين من حرج ويجاب عن هذا ~~الإشكال بما تقدم أن المراد الطاقة التي من نحو التوفيق لا من جهة التمكن ~~وسلامة الآلات ففي العبارة قلق فتأمله # وقوله وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره يريد بقضائه القضاء ~~الكوني لا الشرعي فإن القضاء يكون كونيا وشرعيا وكذلك الإرادة والأمر ~~والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات ونحو ذلك أما القضاء الكوني ففي ~~قوله تعالى @QB@ فقضاهن سبع سماوات في يومين @QE@ والقضاء PageV01P505 ~~الديني الشرعي في قوله تعالى @QB@ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ وأما ~~الإرادة الكونية والدينية فقد تقدم ذكرها عند قول الشيخ ولا يكون إلا ما ~~يريد وأما الأمر الكوني ففي قوله تعالى @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون @QE@ وكذا قوله تعالى @QB@ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا @QE@ في أحد الأقوال ~~وهو أقواها والأمر الشرعي في قوله تعالى @QB@ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~@QE@ وقوله @QB@ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها @QE@ وأما ~~الإذن الكوني ففي قوله تعالى @QB@ وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ~~@QE@ والإذن الشرعي في قوله تعالى @QB@ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة ~~على أصولها فبإذن الله @QE@ وأما الكتاب الكوني ففي قوله تعالى @QB@ وما ~~يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير @QE@ ~~وقوله تعالى @QB@ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون @QE@ والكتاب الشرعي الديني في قوله تعالى @QB@ وكتبنا عليهم فيها ~~أن النفس بالنفس @QE@ @QB@ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام @QE@ وأما ~~الحكم الكوني ففي قوله تعالى عن ابن يعقوب ms337 عليه السلام @QB@ فلن أبرح الأرض ~~حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون @QE@ والحكم الشرعي ~~في قوله تعالى @QB@ أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي ~~الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد @QE@ وقال تعالى @QB@ ذلكم حكم الله ~~يحكم بينكم @QE@ وأما PageV01P506 # التحريم الكوني ففي قوله تعالى @QB@ قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ~~يتيهون في الأرض @QE@ @QB@ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون @QE@ ~~والتحريم الشرعي في قوله @QB@ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير @QE@ و ~~@QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ وأما الكلمات الكونية ففي قوله تعالى @QB@ ~~وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا @QE@ وفي قوله صلى الله ~~عليه وسلم أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر والكلمات ~~الشرعية الدينية في قوله تعالى @QB@ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~@QE@ # وقوله يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله ~~نفسه عن ظلم العباد يقتضي قولا وسطا بين قولي القدرية والجبرية فليس ما كان ~~من بني آدم ظلما وقبيحا يكون منه ظلما وقبيحا كما تقوله القدرية والمعتزلة ~~ونحوهم فإن ذلك تمثيل لله بخلقه وقياس له عليهم هو الرب الغني القادر وهم ~~العباد الفقراء المقهورون وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت ~~القدرة كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم يقولون إنه يمتنع أن يكون ~~في الممكن المقدور ظلم بل كان ما كان ممكنا فهو منه لو فعله عدل إذ الظلم ~~لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي والله ليس كذلك فإن قوله تعالى @QB@ ومن ~~يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما @QE@ وقوله تعالى @QB@ ~~ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد @QE@ وقوله تعالى @QB@ وما ظلمناهم ~~ولكن كانوا هم الظالمين @QE@ وقوله تعالى @QB@ ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا @QE@ PageV01P507 وقوله تعالى @QB@ اليوم تجزى كل نفس بما ~~كسبت لا ظلم اليوم إن الله ms338 سريع الحساب @QE@ يدل على نقيض هذا القول # ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته ~~بينكم محرما فلا تظالموا فهذا دل على شيئين # أحدهما أنه حرم على نفسه الظلم والممتنع لا يوصف بذلك # الثاني أنه أخبر أنه حرمه على نفسه كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة ~~وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي والله ليس كذلك ~~فيقال لهم هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم وإنما كتب ~~على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه لا ما هو ممتنع عليه # وأيضا فإن قوله @QB@ فلا يخاف ظلما ولا هضما @QE@ قد فسره السلف بأن ~~الظلم أن توضع عليه سيئات غيره والهضم أن ينقص من حسناته كما قال تعالى ~~@QB@ ولا تزر وازرة وزر أخرى @QE@ # وأيضا فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة حتى يأمن من ~~ذلك وأنما يأمن مما يمكن فلما آمنه من الظلم بقوله @QB@ فلا يخاف @QE@ علم ~~أنه ممكن مقدور عليه وكذا قوله @QB@ لا تختصموا لدي @QE@ إلى قوله @QB@ وما ~~أنا بظلام للعبيد @QE@ لم يعن بها نفي ما لا يقدر عليه ولا يمكن منه وإنما ~~نفى ما هو مقدور عليه ممكن وهو أن يجزوا بغير أعمالهم فعلى قول هؤلاء ليس ~~الله منزها عن شيء من الأفعال أصلا ولا مقدسا عن أن يفعله بل كل ممكن فإنه ~~لا ينزه عن فعله بل فعله حسن ولا حقيقة للفعل السوء بل ذلك ممتنع والممتنع ~~لا حقيقة له والقرآن PageV01P508 # يدل على نقيض هذا القول في مواضع نزه الله نفسه فيها عن فعل ما لا يصلح ~~له ولا ينبغي له فعلم أنه منزه مقدس عن فعل السوء والفعل المعيب المذموم ~~كما أنه منزه مقدس عن وصف السوء والوصف المعيب المذموم وذلك كقوله تعالى ~~@QB@ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون @QE@ فإنه نزه نفسه ~~عن خلق الخلق عبثا وأنكر على من حسب ذلك وهذا فعل وقوله تعالى @QB@ أفنجعل ~~المسلمين كالمجرمين ms339 @QE@ وقوله تعالى @QB@ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار @QE@ إنكار منه على ~~من جوز أن يسوي الله بين هذا وهذا وكذا قوله @QB@ أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون @QE@ إنكار على من حسب أنه يفعل هذا وإخبار أن هذا حكم سيء قبيح ~~وهو مما ينزه الرب عنه # وروى أبو داود والحاكم في المستدرك من حيث ابن عباس وعبادة بن الصامت ~~وزيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل ~~أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ~~وهذا الحديث مما يحتج به الجبرية وأما القدرية فلا يتأتى على اصولهم ~~الفاسدة ولهذا قابلوه إما بالتكذيب أو بالتأويل وأسعد الناس به أهل السنة ~~الذين قابلوه بالتصديق وعلموا من عظمة الله وجلاله قدر نعم الله على خلقه ~~وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم إما عجزا وإما جهلا وإما تفريطا واضاعة ~~واما تقصيرا في المقدور من الشكر ولو من بعض الوجوه فإن حقه على أهل ~~PageV01P509 # السموات والأرض أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر وتكون ~~قوة الحب والإنابة والتوكل والخشية والمراقبة والخوف والرجاء جميعها متوجهة ~~اليه ومتعلقة به بحيث يكون القلب عاكفا على محبته وتأليهه بل على إفراده ~~بذلك واللسان محبوسا على ذكره والجوارح وقفا على طاعته ولا ريب أن هذا ~~مقدور في الجملة ولكن النفوس تشح به وهي في الشح على مراتب لا يحصيها إلا ~~الله تعالى وأكثر المطيعين تشح به نفسه من وجه وإن أتى به من وجه آخر فأين ~~الذي لا تقع منه إرادة تزاحم مراد الله وما يحبه منه ومن ذا الذي لم يصدر ~~منه خلاف ما خلق له ولو في وقت من الأوقات فلو وضع الرب سبحانه عدله على ~~أهل سمواته وأرضه لعذبهم بعدله ولم يكن ظالما لهم وغاية ما يقدر توبة العبد ~~من ذلك واعترافه وقبول ms340 التوبة محض فضله وإحسانه وإلا فلو عذب عبده على ~~جنايته لم يكن ظالما ولو قدر أنه تاب منها لكن أوجب على نفسه بمقتضى فضله ~~ورحمته أنه لا يعذب من تاب وقد كتب على نفسه الرحمة فلا يسع الخلائق إلا ~~رحمته وعفوه ولا يبلغ عمل أحد منهم أن ينجو به من النار أو يدخل الجنة كما ~~قال أطوع الناس لربه وأفضلهم عملا وأشدهم تعظيما لربه وإجلالا لن ينجي أحدا ~~منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله ~~برحمة منه وفضل وسأله الصديق دعاء يدعو به في صلاته فقال قل اللهم إني ظلمت ~~نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني ~~إنك أنت الغفور الرحيم فإذا كان هذا حال PageV01P510 # الصديق الذي هو أفضل الناس بعد الانبياء والمرسلين فما الظن بسواه بل ~~إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام حقه الذي يتضمن معرفة ربه وحقه وعظمته ~~وما ينبغي له وما يستحقه على عبده ومعرفة تقصيره فسحقا وبعدا لمن زعم أن ~~المخلوق يستغني عن مغفرة ربه ولا يكون به حاجة اليها وليس وراء هذا الجهل ~~بالله وحقه غاية فإن لم يتسع فهمك لهذا فانزل إلى وطأة النعم وما عليها من ~~الحقوق ووازن من شكرها وكفرها فحينئذ تعلم أنه سبحانه لو عذب أهل سمواته ~~وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم # $ قوله وفي دعاء الاحياء وصدقاتهم للأموات # ش اتفق اهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين # احدهما ما تسبب إليه الميت في حياته والثاني دعاء المسلمين واستغفارهم له ~~والصدقة والحج على نزاع فيما يصل اليه من ثواب الحج فعن محمد بن الحسن أنه ~~إنما يصل إلى الميت ثواب النفقة والحج للحاج وعند عامة العلماء ثواب الحج ~~للمحجوج عنه وهو الصحيح واختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة ~~القرآن والذكر فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها والمشهور من ~~مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى ms341 عدم ~~وصول شيء البتة لا الدعاء ولا غيره وقولهم مردود بالكتاب والسنة لكنهم ~~استدلوا بالمتشابه من قوله تعالى @QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى @QE@ ~~وقوله @QB@ ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون @QE@ وقوله @QB@ لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت @QE@ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا ~~مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو PageV01P511 ولد صالح ~~يدعو له أو علم ينتفع به من بعده فاخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب فيه في ~~الحياة وما لم يكن تسبب فيه في الحياة فهو منقطع عنه واستدل المقتصرون على ~~وصول العبادات التي لا تدخلها النيابة بحال كالإسلام والصلاة والصوم وقراءة ~~القرآن وأنه يختص ثوابها بفاعله لا يتعداه كما أنه في الحياة لا يفعله أحد ~~عن أحد ولا ينوب فيه عن فاعله غيره بما روى النسائي بسنده عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ~~ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة # والدليل على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه الكتاب والسنة والإجماع ~~والقياس الصحيح أما الكتاب فقال تعالى @QB@ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان @QE@ فأثنى عليهم ~~باستغفارهم للمؤمنين قبلهم فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء وقد دل على ~~انتفاع الميت بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة الجنازة ~~والأدعية التي وردت بها السنة في صلاة الجنازة مستفيضة وكذا الدعاء له بعد ~~الدفن ففي سنن أبي داود من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال استغفروا لأخيكم ~~وأسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل وكذلك الدعاء PageV01P512 # لهم عند زيارة قبورهم كما في صحيح مسلم من حديث بريدة ابن الحصيب قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم اذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا ~~السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ms342 وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفي صحيح مسلم أيضا عن عائشة رضي الله ~~عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم كيف تقول اذا استغفرت لأهل القبور قال ~~قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين ~~منا ومنكم والمستأخرين وإنا ان شاء الله بكم لاحقون # وأما وصول ثواب الصدقة ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص ~~وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها قال نعم وفي صحيح البخاري ~~عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن سعد ابن عبادة توفيت أمه وهو غائب ~~عنها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ان أمي توفيت وأنا ~~غائب عنها فهل ينفعها إن تصدقت عنها قال نعم قال فإني أشهدك أن حائطي ~~المخراف صدقة عنها وأمثال ذلك كثيرة في السنة # وأما وصول ثواب الصوم ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه وله نظائر في ~~الصحيح ولكن أبو PageV01P513 # حنيفة رحمه الله قال بالإطعام عن الميت دون الصيام عنه لحديث ابن عباس ~~المتقدم والكلام على ذلك معروف في كتب الفروع # وأما وصول ثواب الحج ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي نذرت أن ~~تحج فلم تحج حتى ماتت أفاحج عنها قال حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين ~~أكنت قاضيته اقضوا الله فالله احق بالوفاء ونظائره أيضا كثيرة وأجمع ~~المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمة الميت ولو كان من اجنبي ومن غير ~~تركته وقد دل على ذلك حديث أبي قتادة حيث ضمن الدينارين عن الميت فلما ~~قضاهما قال النبي صلى الله عليه وسلم الآن بردت عليه جلدته وكل ذلك ms343 جار على ~~قواعد الشرع وهو محض القياس فإن الثواب حق العامل فإذا وهبه لأخيه المسلم ~~لم يمنع من ذلك كما لم يمنع من هبة ماله في حياته وإبرائه له منه بعد وفاته ~~وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب القراءة ونحوها من العبادات ~~البدنية يوضحه أن الصوم كف النفس عن المفطرات بالنية وقد نص الشارع على ~~وصول ثوابه إلى الميت فكيف بالقراءة التي هي عمل ونية # والجواب عما استدلوا به من قوله تعالى @QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~@QE@ قد أجاب العلماء بأجوبة أصحها جوبان # أحدهما أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء وأولد الأولاد ونكح ~~الأزواج وأسدى الخير وتودد إلى الناس فترحموا عليه ودعوا له وأهدوا له ثواب ~~الطاعات فكان ذلك أثر PageV01P514 # سعيه بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الاسلام من اعظم الأسباب في ~~وصول تقع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته ودعوة المسلمين ~~تحيط من ورائهم يوضحه أن الله تعالى جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء ~~إخوانه من المؤمنين وسعيهم فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل اليه ~~ذلك الثاني وهو أقوى منه أن القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره وإنما ~~نفى ملكه لغير سعيه وبين الأمرين فرق مالا يخفى فأخبر تعالى أنه لا يملك ~~إلا سعيه وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن ~~يبقيه لنفسه # وقوله سبحانه @QB@ ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ~~@QE@ آيتان محكمتان مقتضيتان عدل الرب تعالى فالأولى تقتضي أنه لا يعاقب ~~أحدا بجرم غيره ولا يؤاخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا والثانية ~~تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله لينقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ~~ومشايخه كما عليه أصحاب الطمع الكاذب وهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلا بما ~~سعى # وكذلك قوله تعالى @QB@ لها ما كسبت @QE@ وقوله @QB@ ولا تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون @QE@ على أن سياق هذه الآية يدل على أن ms344 المنفي عقوبة العبد ~~بعمل غيره فإنه تعالى قال @QB@ فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون @QE@ # وأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم إذا مات ابن آدم انقطع عمله ~~فاستدلال ساقط فإنه لم يقل انقطاع انتفاعه وإنما أخبر عن انقطاع عمله وأما ~~عمل غيره فهو لعامله فإن وهبه له PageV01P515 # وصل اليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله هو وهذا كالدين يوفيه الإنسان عن ~~غيره فتبرأ ذمته ولكن ليس له ما وفى به الدين # وأما تفريق من فرق بين العبادات المالية والبدنية فقد شرع النبي صلى الله ~~عليه وسلم الصوم عن الميت كما تقدم مع أن الصوم لا تجزىء فيه النيابة وكذلك ~~حديث جابر رضي الله عنه قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيد ~~الأضحى فلما انصرف أتى بكبش فذبحه فقال بسم الله والله أكبر اللهم هذا عنى ~~وعمن لم يضح من أمتي رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحديث الكبشين اللذين ~~قال في أحدهما اللهم هذا عن أمتي جميعا وفي الآخر اللهم هذا عن محمد وآل ~~محمد رواه أحمد والقربة في الأضحية إراقة الدم وقد جعلها لغيره # وكذلك عبادة الحج بدنية وليس المال ركنا فيه وإنما هو وسيلة إلا ترى أن ~~المكي يجب عليه الحج إذا قدر على المشي إلى عرفات من غير شرط المال وهذا هو ~~الأظهر أعني أن الحج غير مركب من مال وبدن بل بدني محض كما قد نص عليه ~~جماعة من أصحاب أبي PageV01P516 # حنيفة المتأخرين وانظر إلى فروض الكفايات كيف قام فيها البعض عن الباقين ~~ولأن هذا اهداء ثواب وليس من باب النيابة كما أن الأجير الخاص ليس له أن ~~يستنيب عنه وله أن يعطي أجرته لمن شاء # وأما استئجار قوم يقرؤون القرآن ويهدونه للميت فهذا لم يفعله أحد من ~~السلف ولا أمر به أحد من أئمة الدين ولا رخص فيه والاستئجار على نفس ~~التلاوة غير جائز بلا خلاف وإنما اختلفوا في جواز الاستئجار على التعليم ~~ونحوه مما فيه منفعة تصل ms345 إلى الغير والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان ~~العمل لله وهذا لم يقع عبادة خالصة فلا يكون له من ثوابه ما يهدي إلى ~~الموتى ولهذا لم يقل أحد أنه يكتري من يصوم ويصلي ويهدي ثواب ذلك إلى الميت ~~لكن اذا أعطى لمن يقرأ القرآن ويعلمه ويتعلمه معونة لأهل القرآن على ذلك ~~كان هذا من جنس الصدقة عنه فيجوز وفي الاختيار لو أوصى بأن يعطي شيء من ~~ماله لمن يقرأ القرآن على قبره فالوصية باطلة لأنه في معنى الأجرة انتهى ~~وذكر الزاهدي في الغنية أنه لو وقف على من يقرأ عند قبره فالتعيين باطل # وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة فهذا يصل اليه كما يصل ~~ثواب الصوم والحج فإن قيل هذا لم يكن معروفا في السلف ولا أرشدهم اليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فالجواب إن كان مورد هذا السؤال معترفا بوصول ~~ثواب الحج والصيام والدعاء قيل له ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة ~~القرآن وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول ومن أين لنا هذا النفي ~~العام فإن قيل فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى الصوم والحج ~~والصدقة دون القراءة قيل هو صلى الله عليه وسلم لم يبتدئهم بذلك ~~PageV01P517 # بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له فيه ~~وهذا سأله عن الصوم عنه فأذن له فيه ولم يمنعهم مما سوى ذلك وأي فرق بين ~~وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر ~~فإن قيل ما تقولون في الإهداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل من ~~المتأخرين من استحبه ومنهم من رآه بدعة لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه ولأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم له مثل أجر كل من عمل خيرا من امته من غير أن ~~ينقص من أجر العامل شيء لأنه هو الذي دل أمته على كل خير وارشدهم اليه # ومن قال إن الميت ينتفع بقراءة ms346 القرآن عنده باعتبار سماعه كلام الله فهذا ~~لم يصح عن أحد من الأئمة المشهورين ولا شك في سماعه ولكن انتفاعه بالسماع ~~لا يصح فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة فإنه عمل اختياري وقد انقطع بموته ~~بل ربما يتضرر ويتألم لكونه لم يمتثل أوامر الله ونواهيه أو لكونه لم يزدد ~~من الخير # واختلف العلماء في قراءة القرآن عند القبور على ثلاثة أقوال هل تكره أم ~~لا بأس بها وقت الدفن وتكره بعده فمن قال بكراهتها كأبي حنيفة ومالك وأحمد ~~في رواية قالوا لأنه محدث لم ترد به السنة والقراءة تشبه الصلاة والصلاة ~~عند القبور منهي عنها فكذلك القراءة ومن قال لا بأس بها كمحمد بن الحسن ~~وأحمد في رواية استدلوا بما نقل عن ابن عمر رضي الله عنه أنه أوصى أن يقرأ ~~على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها ونقل أيضا عن بعض ~~المهاجرين قراءة سورة البقرة ومن قال لا بأس بها وقت الدفن فقط وهو رواية ~~عن أحمد اخذ بما نقل عن ابن عمر وبعض المهاجرين وأما بعد ذلك كالذين ~~يتناوبون القبر للقراءة عنده فهذا مكروه فإنه لم تأت به السنة ولم ينقل عن ~~أحد من السلف مثل PageV01P518 # ذلك أصلا وهذا القول لعله أقوى من غيره لما فيه من التوفيق بين الدليلين ~~$ قوله والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات # ش قال تعالى @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم @QE@ @QB@ وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان @QE@ والذي عليه أكثر الخلق من ~~المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع ~~ودفع المضار وقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم اذا مسهم الضر في البحر دعوا ~~الله مخلصين له الدين وأن الإنسان اذا مسه الضر دعاه لجنبه أو قاعدا أو ~~قائما وإجابة الله لدعاء العبد مسلما كان أو كافرا وإعطاؤه سؤله من جنس ~~رزقه لهم ونصره لهم وهو مما توجبه الربوبية للعبد مطلقا ثم قد يكون ذلك ~~فتنة في حقه ومضرة عليه اذ كان كفره وفسوقه ms347 يقتضي ذلك وفي سنن ابن ماجه من ~~حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يسأل الله يغضب ~~عليه وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال % الرب يغضب إن تركت سؤاله % وبني آدم ~~حين يسأل يغضب % $ # قال ابن عقيل قد ندب الله تعالى إلى الدعاء وفي ذلك معان # أحدها الوجود فإن ليس بموجود لا يدعي # الثاني الغنى فإن الفقير لايدعى # الثالث السمع فإن الأصم لايدعى # الرابع الكرم فإن البخيل لا يدعى الخامس الرحمة فإن القاسي لا يدعي # السادس القدرة فإن العاجز لا يدعي ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا ~~يقال لها كفي ولا النجم يقال له أصلح مزاجي لأن هذه عندهم مؤثرة طبعا لا ~~اختيارا فشرع الدعاء وصلاة الاستسقاء ليبين كذب أهل الطبائع PageV01P519 # وذهب قوم من المتفلسفة وغالية المتصوفة إلى أن الدعاء لا فائدة فيه قالوا ~~لأن المشيئة الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء وإن لم ~~تقتضه فلا فائدة في الدعاء وقد يخص بعضهم بذلك خواص العارفين ويجعل الدعاء ~~علة في مقام الخواص وهذا من غلطات بعض الشيوخ فكما أنه معلوم الفساد ~~بالاضطرار من دين الاسلام فهو معلوم الفساد بالضرورة العقلية فإن منفعة ~~الدعاء أمر انشئت عليه تجارب الامم حتى إن الفلاسفة تقول ضجيج الأصوات في ~~هياكل العبادات بفنون اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات هذا وهم ~~مشركون # وجواب الشبهة بمنع المقدمتين فإن قولهم عن المشيئة الإلهية إما أن تقتضيه ~~أو لا فثم قسم ثالث وهو أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه وقد يكون الدعاء ~~من شرطه كما توجب الثواب مع العمل الصالح ولا توجبه مع عدمه وكما توجب ~~الشبع والري عند الأكل والشرب ولا توجبه مع عدمهما وحصول الولد بالوطء ~~والزرع بالبذر فإذا قدر وقوع المدعوا به بالدعاء لم يصح أن يقال لا فائدة ~~في الدعاء كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب والبذر وسائر الأسباب فقول ~~هؤلاء كما أنه مخالف للشرع فهو مخالف للحس والفطرة # ومما ينبغي أن ms348 يعلم ما قاله طائفة من العلماء وهو أن الالتفات إلى ~~الاسباب شرك في التوحيد ومحو الاسباب أن تكون اسبابا نقص في العقل والإعراض ~~عن الاسباب الكلية قدح في الشرع ومعنى التوكل والرجاء يتألف من وجوب ~~التوحيد والعقل والشرع PageV01P520 # وبيان ذلك أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد ~~اليه وليس في المخلوقات ما يستحق هذا لأنه ليس بمستقل ولا بد له من شركاء ~~وأضداد مع هذا كله فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر # وقولهم إن اقتضت المشيئة المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء قلنا بل قد تكون ~~اليه حاجة من تحصيل مصلحة اخرى عاجلة وآجلة ودفع مضرة أخرى عاجلة وآجلة ~~وكذلك قولهم وإن لم تقتضه فلا فائدة فيه قلنا بل فيه فوائد عظيمة من جلب ~~منافع ودفع مضار كما نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم بل ما يعجل للعبد ~~من معرفته بربه وإقراره به وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم وإقراره بفقره ~~اليه واضطراره اليه وما يتبع ذلك من العلوم العلية والاحوال الزكية التي هي ~~من أعظم المطالب فإن قيل إذا كان إعطاء الله معللا بفعل العبد كما يعقل من ~~إعطاء المسؤول للسائل كان السائل قد اثر في المسؤول حتى أعطاه قلنا الرب ~~سبحانه هو الذي حرك العبد إلى دعائه فهذا الخير منه وتمامه عليه كما قال ~~عمر رضي الله عنه إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء ولكن إذا ~~ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه وعلى هذا قوله تعالى @QB@ يدبر الأمر من ~~السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون @QE@ ~~فأخبر سبحانه أنه يبتدىء بتدبير الأمر ثم يصعد إليه الأمر الذي دبره فالله ~~سبحانه هو الذي يقذف في قلب العبد حركة الدعاء ويجعلها سببا للخير الذي ~~يعطيه إياه كما في العمل والثواب فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو ~~الذي وفقه للعمل ثم أثابه وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه فما أثر فيه شيء ~~من المخلوقات بل هو ms349 جعل ما يفعله سببا لما يفعله قال مطرف بن عبد الله ~~PageV01P521 # ابن الشخير أحد أئمة التابعين نظرت في هذا الامر فوجدت مبدأه من الله ~~وتمامه على الله ووجدت ملاك ذلك الدعاء # وهنا سؤال معروف وهو أن من الناس من قد يسأل الله فلا يعطى شيئا أو يعطى ~~غير ما سأل وقد أجيب عنه بأجوبة فيها ثلاثة أجوبة محققة # أحدها أن الآية لم تتضمن عطية السؤال مطلقا وإنما تضمنت إجابة الداعي ~~والداعي أعم من السائل وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول من يدعوني ~~فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ففرق بين الداعي والسائل ~~وبين الإجابة والإعطاء وهو فرق بين العموم والخصوص كما أتبع ذلك بالمستغفر ~~وهو نوع من السائل فذكر العام ثم الخاص ثم الأخص وإذا علم العباد أنه قريب ~~يجيب دعوة الداعي علموا قربه منهم وتمكنهم من سؤاله وعلموا علمه ورحمته ~~وقدرته فدعوه دعاء العبادة في حال ودعاء المسألة في حال وجمعوا بينهما في ~~حال إذ الدعاء اسم يجمع العبادة والاستعانة وقد فسر قوله @QB@ وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم @QE@ بالدعاء الذي هو العبادة والدعاء الذي هو الطلب ~~وقوله بعد ذلك @QB@ إن الذين يستكبرون عن عبادتي @QE@ يؤيد المعنى الأول # الجواب الثاني أن إجابة دعاء السؤال أعم من إعطاء عين السؤال كما فسره ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه أن النبي قال ما من رجل ~~يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال ~~إما أن يعجل له دعوته أو يدخر له من الخير مثلها أو يصرف عنه من الشر مثلها ~~قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر PageV01P522 # فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا بد في الدعوة الخالية عن العدوان من ~~إعطاء السؤال معجلا أو مثله من الخير مؤجلا أو يصرف عنه من السوء مثله # الجواب الثالث أن الدعاء سبب مقتض لنيل ms350 المطلوب والسبب له شروط وموانع ~~فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب وإلا فلا يحصل ذلك المطلوب بل ~~قد يحصل غيره وهكذا سائر الكلمات الطيبات من الأذكار المأثورة المعلق عليها ~~جلب منافع أو دفع مضار فإن الكلمات بمنزلة الآلة في يد الفاعل تختلف ~~باختلاف قوته وما يعنيها وقد يعارضها مانع من الموانع ونصوص الوعد والوعيد ~~المتعارضة في الظاهر من هذا الباب وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب ~~لهم ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله أو حسنة تقدمت ~~منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكر الحسنة أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك ~~فإجيبت دعوته فيظن أن السر في ذلك الدعاء فيأخذه مجردا عن تلك الأمور التي ~~قارنته من ذلك الداعي وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ~~ينبغي فانتفع به فظن آخر أن استعمال هذا الدواء بمجرده كاف في حصول المطلوب ~~وكان غالطا وكذا قد يدعوا باضطرار عند قبر فيجاب فيظن أن السر للقبر ولم ~~يدر أن السر للاضطرار وصدق اللجء إلى الله تعالى فإذا حصل ذلك في بيت من ~~بيوت الله تعالى كان أفضل وأحب إلى الله تعالى فالأدعية والتعوذات والرقي ~~بمنزلة السلاح والسلاح بضاربه لا بحده فقط فمتى كان السلاح سلاحا تاما ~~والساعد ساعدا قويا والمحل قابلا والمانع مفقودا حصلت به النكاية في العدو ~~ومتى تخلف واحد من هذه الثلاث تخلف التأثير فإذا كان الدعاء في نفسه غير ~~صالح أو الداعي لم يجمع بين PageV01P523 # قلبه ولسانه في الدعاء أو كان ثم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر # # | قوله ويملك كل شيء ولا يملكه شيء ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين ومن ~~استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين # ش كلام حق ظاهر لا خفاء فيه والحين بالفتح الهلاك $ قوله والله يغضب ~~ويرضى لا كأحد من الورى # ش قال تعالى @QB@ رضي الله عنهم @QE@ @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة @QE@ وقال تعالى @QB@ من لعنه الله ms351 وغضب عليه @QE@ ~~@QB@ وغضب الله عليه ولعنه @QE@ @QB@ وباؤوا بغضب من الله @QE@ ونظائر ذلك ~~كثيرة ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضى والعداوة والولاية ~~والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة ومنع التأويل ~~الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى كما يقولون مثل ذلك في السمع ~~والبصر والكلام وسائر الصفات كما أشار اليه الشيخ فيما تقدم بقوله اذا كان ~~تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم ~~وعليه دين المسلمين وانظر إلى جواب الإمام مالك رضي الله عنه في صفة ~~الاستواء كيف قال الاستواء معلوم والكيف مجهول وروي أيضا عن أم سلمة رضي ~~الله عنها موقوفا عليها ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك قال ~~الشيخ رحمه الله فيما تقدم من PageV01P524 لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم ~~يصب التنزيه ويأتي في كلامه أن الإسلام بين الغلو والتقصير وبين التشبيه ~~والتعطيل فقول الشيخ رحمه الله لا كأحد من الورى نفى التشبيه ولا يقال إن ~~الرضى إرادة الإحسان والغضب إرادة الانتقام فإن هذا نفي للصفة وقد اتفق أهل ~~السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه وإن كان لا يريده ولا يشاؤه وينهى ~~عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله وإن كان قد شاءه وأراده فقد يحب ~~عندهم ويرضى ما لا يريده ويكره ويسخط لما أراده # ويقال لمن تأول الغضب والرضى بأرادة الإحسان لم تأولت ذلك فلا بد أن يقول ~~إن الغضب غليان دم القلب والرضى الميل والشهوة وذلك لا يليق بالله تعالى ~~فيقال له غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب لا أنه الغضب ~~ويقال له أيضا كذلك الإرادة والمشيئة فينا فهي ميل الحي إلى الشيء أو إلى ~~ما يلائمه ويناسبه فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه ~~مضرة وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر اليه ويزداد بوجوده وينتقص بعدمه ~~فالمعنى الذي صرفت اليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء فإن جاز هذا جاز ms352 ~~ذاك وإن امتنع هذا امتنع ذاك # فإن قال الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد ~~وإن كان كل منهما حقيقة قيل له فقل إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به ~~مخالف لما يوصف به العبد وإن كان كل منهما حقيقة فإذا كان ما يقوله في ~~الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل بل يجب تركه لأنك ~~تسلم من التناقض وتسلم أيضا من تعطيل معنى أسماء الله تعالى وصفاته ~~PageV01P525 # بلا موجب فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ولا يكون ~~الموجب للصرف ما دله عليه عقله إذ العقول مختلفة فكل يقول إن عقله دله على ~~خلاف ما يقوله الآخر # وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى لامتناع مسمى ذلك في ~~المخلوق فإنه لا بد أن يثبت شيئا لله تعالى على خلاف ما يعهده حتى في صفة ~~الوجود فإن وجود العبد كما يليق به ووجود الباري تعالى كما يليق به فوجوده ~~تعالى يستحيل عليه العدم ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم وما سمى به ~~الرب نفسه وسمى به مخلوقاته مثل الحي والعليم والقدير أو سمى به بعض صفاته ~~كالغضب والرضى وسمى به بعض صفات عباده فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء ~~في حق الله تعالى وأنه حق ثابت موجود ونعقل أيضا معاني هذه الاسماء في حق ~~المخلوق ونعقل أن بين المعنيين قدرا مشتركا لكن هذا المعنى لا يوجد في ~~الخارج مشتركا إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركا إلا في الأذهان ولا ~~يوجد في الخارج إلا معينا مختصا فيثبت في كل منهما كما يليق به بل لو قيل ~~غضب مالك خازن النار وغضب غيره من الملائكة لم يجب أن يكون مماثلا لكيفية ~~غضب الآدميين لأن الملائكة ليسوا من الأخلاط الأربعة حتى تغلي دماء قلوبهم ~~كما يغلي دم قلب الإنسان عند غضبه فغضب الله أولى # وقد نفى الجهم ومن وافقه كل ما وصف الله به نفسه من كلامه ورضاه وغضبه ms353 ~~وحبه وبغضه وأسفه ونحوه ذلك وقالوا إنما هي أمور مخلوقة منفصلة عنه ليس هو ~~في نفسه متصفا بشيء من ذلك وعارض هؤلاء من الصفاتية ابن كلاب ومن وافقه ~~فقالوا لا يوصف الله بشيء يتعلق بمشيئته وقدرته أصلا بل جميع هذه الأمور ~~صفات PageV01P526 # لازمة لذاته قديمة أزلية فلا يرضى في وقت دون وقت ولا يغضب في وقت دون ~~وقت كما قال في حديث الشفاعة إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ~~ولن يغضب بعده مثله وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون ~~لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى ~~يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحد من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك ~~فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم ~~بعده ابدا فيستدل به على أنه يحل رضوانه في وقت دون وقت وأنه قد يحل رضوانه ~~ثم يسخط كما يحل السخط ثم يرضى لكن هؤلاء أحل عليهم رضوانا لا يتعقبه سخط ~~وهم قالوا لا يتكلم إذا شاء ولا يضحك اذا شاء ولا يغضب اذا شاء ولا يرضى ~~اذا شاء بل إما أن يجعلوا الرضى والغضب والحب والبغض هو الإرادة أو يجعلوها ~~صفات أخرى وعلى التقديرين فلا يتعلق شيء من ذلك لا بمشيئته ولا بقدرته إذ ~~لو تعلق بذلك لكان محلا للحوادث فنفى هؤلاء الصفات الفعلية الذاتية بهذا ~~الأصل كما نفى أولئك الصفات مطلقا بقولهم ليس محلا للأعراض وقد يقال بل هي ~~أفعال ولا تسمى حوادث كما سميت تلك صفات ولم تسم اعراضا وقد تقدمت الإشارة ~~إلى هذا المعنى ولكن الشيخ رحمه الله لم يجمع الكلام في الصفات في المختصر ~~في مكان واحد وكذلك الكلام في القدر ونحو ذلك ولم يعتن فيه بترتيب وأحسن ما ~~يرتب عليه كتاب اصول الدين ترتيب جواب النبي صلى ms354 الله عليه وسلم لجبريل ~~عليه السلام حين سأله عن الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته PageV01P527 ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره الحديث فيبدأ بالكلام على ~~التوحيد والصفات وما يتعلق بذلك ثم بالكلام على الملائكة ثم وثم إلى آخره # # | وقوله ونحب اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد ~~منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم ~~إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان # ش يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الروافض والنواصب وقد أثنى الله ~~تعالى على الصحابة هو ورسوله ورضي عنهم ووعدهم الحسنى كما قال تعالى @QB@ ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم @QE@ وقال تعالى @QB@ محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا @QE@ إلى آخر السورة وقال تعالى @QB@ ~~لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة @QE@ وقال تعالى @QB@ إن ~~الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض @QE@ وقال تعالى @QB@ لا يستوي منكم من أنفق ~~من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا ~~وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير @QE@ وقال تعالى @QB@ للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤوا الدار والإيمان من ~~قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاؤوا ~~من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل ~~في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم @QE@ PageV01P528 وهذه ~~الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاؤوا من بعدهم ~~يستغفرون لهم ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم ms355 وتتضمن أن هؤلاء ~~هم المستحقون للفيء فمن كان في قلبه غل للذين آمنوا ولم يستغفر لهم لا ~~يستحق في الفيء نصيبا بنص القرآن وفي الصحيحين عن أبي سعيدالخدري رضي الله ~~عنه قال كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق ~~مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه انفرد مسلم بذكر سب خالد لعبد ~~الرحمن دون البخاري فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لخالد ونحوه لا تسبوا ~~أصحابي يعني عبد الرحمن وأمثاله لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون ~~وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا وهم أهل بيعة الرضوان فهم أفضل وأخص ~~بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان وهم الذين أسلموا بعد الحديبية وبعد ~~مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة ومنهم خالد بن الوليد وهؤلاء اسبق ~~ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة وسموا الطلقاء منهم أبو سفيان وابناه يزيد ~~ومعاوية والمقصود أنه نهى من له صحبة آخرا أن يسب من له صحبة أولا ~~لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه حتى لو PageV01P529 # أنفق أحدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه فإذا كان هذا حال ~~الذين أسلموا بعد الحديبية وإن كان قبل فتح مكة فكيف حال من ليس من الصحابة ~~بحال مع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم الذين أنفقوا من قبل الفتح ~~وقاتلوا وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة وقيل إن ~~السابقين الاولين من صلى إلى القبلتين وهذا ضعيف فإن الصلاة إلى القبلة ~~المنسوخة ليس بمجرده فضيلة لأن النسخ ليس من فعلهم ولم يدل على التفضيل به ~~دليل شرعي كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة التي ~~كانت تحت الشجرة # وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أصحابي كالنجوم بأيهم ~~اقتديتم اهتديتم فهو حديث ms356 ضعيف قال البزار هذا حديث لا يصح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وليس هو في كتب الحديث المعتمدة # وفي صحيح مسلم عن جابر قال قيل لعائشة رضي الله عنها إن ناسا يتناولون ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر فقالت وما تعجبون من ~~هذا انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر وروى ابن بطة بإسناد ~~صحيح عن ابن PageV01P530 # عباس أنه قال لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة ~~يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة وفي رواية ~~وكيع خير من عبادة أحدكم عمره وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين وغيره أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة الحديث وقد ثبت في ~~صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل النار أحد بايع ~~تحت الشجرة وقال تعالى @QB@ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ~~الذين اتبعوه في ساعة العسرة @QE@ الآيات ولقد صدق عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه في وصفهم حيث قال إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير ~~قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب ~~محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب اصحاب خير قلوب العباد فجعلهم وزراء ~~نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه ~~سيئا فهو عند الله سيء وفي رواية وقد رأى أصحاب محمد جميعا أن يستخلفوا أبا ~~بكر وتقدم قول ابن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات عند قول ~~الشيخ ونتبع السنة والجماعة # فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى ~~بعد النبيين بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة PageV01P531 # قيل لليهود من خير أهل ملتكم قالوا ms357 أصحاب موسى وقيل للنصارى من خير أهل ~~ملتكم قالوا أصحاب عيسى وقيل للرافضة من شر أهل ملتكم قالوا أصحاب محمد لم ~~يستثنوا منهم الا القليل وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة # وقوله ولا نفرط في حب أحد منهم أي لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم كما ~~تفعل الشيعة فنكون من المعتدين قال تعالى @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم @QE@ # وقوله ولا نتبرأ من أحد منهم كما فعلت الرافضة فعندهم لا ولاء إلا ببراء ~~أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأهل ~~السنة يوالونهم كلهم وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف لا ~~بالهوى والتعصب فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد كما قال تعالى ~~@QB@ فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم @QE@ وهذا معنى قول ~~من قال من السلف الشهادة بدعة والبراءة بدعة يروى ذلك عن جماعة من السلف من ~~الصحابة والتابعين منهم أبو سعيد الخدري والحسن البصري وإبراهيم النخعي ~~والضحاك وغيرهم ومعنى الشهادة أن يشهد على معين من المسلمين أنه من أهل ~~النار أو أنه كافر بدون العلم بما ختم الله له به # وقوله وحبهم دين وإيمان وإحسان لأنه امتثال لأمر الله فيما تقدم من ~~النصوص وروى الترمذي عن عبد الله بن مغفل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ~~ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ~~PageV01P532 # تعالى ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه وتسمية حب الصحابة إيمانا مشكل على ~~الشيخ رحمه الله لأن الحب عمل القلب وليس هو التصديق فيكون العمل داخلا في ~~مسمى الإيمان وقد تقدم في كلامه أن الإيمان هو الاقرار باللسان والتصديق ~~بالجنان ولم يجعل العمل داخلا في مسمى الايمان وهذا هو المعروف من مذهب أهل ~~السنة إلا أن تكون هذه التسمية مجازا # وقوله وبغضهم كفر ونفاق وطغيان تقدم الكلام ms358 في تكفير أهل البدع وهذا ~~الكفر نظير الكفر المذكور في قوله @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الكافرون @QE@ وقد تقدم الكلام في ذلك # # | قوله ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة # ش اختلف أهل السنة في خلافة الصديق رضي الله عنه هل كانت بالنص أو ~~بالاختيار فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث إلى أنها ثبتت بالنص ~~الخفي والإشارة ومنهم من قال بالنص الجلي وذهب جماعة من أهل الحديث ~~والمعتزلة والأشعرية إلى أنها ثبتت بالاختيار # والدليل على إثباتها بالنص أخبار من ذلك ما أسنده البخاري عن جبير بن ~~مطعم قال أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع اليه قالت ~~أرأيت إن جئت فلم أجدك كأنها تريد الموت قال إن لم تجدني فأتى أبا بكر وذكر ~~له سياق آخر PageV01P533 # وأحاديث أخر وذلك نص على إمامته وحديث حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ورواه أهل السنن ~~وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت دخل علي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في اليوم الذي بدىء فيه فقال ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب ~~لأبي بكر كتابا ثم قال يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر وفي رواية فلا يطمع ~~في هذا الأمر طامع وفي رواية قال ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر لأكتب لأبي ~~بكر كتابا لا يختلف عليه ثم قال معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر ~~وأحاديث تقديمه في الصلاة مشهورة معروفة وهو يقول مروا أبا بكر فليصل ~~بالناس وقد روجع في ذلك مرة بعد مرة فصلى بهم مدة مرض النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلوا فنزعت منها ماشاء الله ثم ~~أخذها ابن ms359 أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ~~ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى ~~ضرب الناس بعطن وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال على منبره لو كنت ~~متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا لا يبقين في المسجد خوخة ~~إلا سدت إلا خوخة أبي بكر وفي سنن أبي داود وغيره من حديث الأشعث عن الحسن ~~عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P534 # قال ذات يوم من رأى منكم رؤيا فقال رجل أنا رأيت ميزانا أنزل من السماء ~~فوزنت أنت أبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر ثم وزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر ~~ووزن عمر وعثمان فرجح عمر ثم رفع فرايت الكراهة في وجه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء فبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة ثم بعد ذلك ملك وليس فيه ذكر علي رضي ~~الله عنه لأنه لم يجتمع الناس في زمانه بل كانوا مختلفين لم ينتظم فيه ~~خلافة النبوة ولا الملك وروى أبو دواود ايضا عن جابر رضي الله عنه أنه كان ~~يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر ~~نيط برسول الله صلى الله عليه وسلم ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر قال ~~جابر فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا أما الرجل الصالح ~~فرسول الله صلى الله عليه وسلم وأما المنوط بعضهم ببعض فهو ولاة هذا الأمر ~~الذي بعث الله به نبيه وروى أبو داود أيضا عن سمرة بن جندب أن رجلا قال يا ~~رسول الله رأيت كأن دلوا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب ~~شربا ضعيفا ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء عثمان فأخذ ~~بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء علي فأخذ ms360 بعراقيها PageV01P535 # فانتشطت منه فانتضح عليه منها شيء وعن سعيد بن جمهان عن سفينة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه ~~من يشاء أو الملك # واحتج من قال لم يستخلف بالخبر المأثور عن عبد الله بن عمر عن عمر رضي ~~الله عنهما أنه قال إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا بكر وإن ~~لا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~عبد الله فعرفت أنه حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مستخلف وبما ~~روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مستخلفا لو استخلف والظاهر والله أعلم أن المراد أنه لم يستخلف بعهد مكتوب ~~ولو كتب عهدا لكتبه لأبي بكر بل قد أراد كتابته ثم تركه وقال يأبى الله ~~والمسلمون إلا أبا بكر فكان هذا أبلغ من مجرد العهد فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم اليه بأمور متعددة من ~~أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له وعزم على أن يكتب ~~بذلك عهدا ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك ثم عزم ~~على ذلك في مرضه يوم الخميس ثم لما حصل لبعضهم شك هل ذلك القول من جهة ~~المرض أو هو قول يجب اتباعه ترك الكتابة اكتفاء بما علم ان الله يختاره ~~والمؤمنون من خلافة أبي بكر فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه ~~بيانا قاطعا للعذر لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر المتعين ~~وفهموا ذلك حصل المقصود ولهذا قال عمر رضي الله عنه في خطبته التي خطبها ~~بمحضر من المهاجرين والانصار أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول PageV01P536 # الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر ذلك منهم أحد ولا قال أحد من الصحابة ~~إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه ولم ينازع أحد ms361 في خلافته إلا ~~بعض الانصار طمعا في أن يكون من الانصار أمير ومن المهاجرين أمير وهذا مما ~~ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم بطلانه ثم الأنصار كلهم ~~بايعوا أبا بكر إلا سعد بن عبادة لكونه هو الذي كان يطلب الولاية ولم يقل ~~أحد من الصحابة قط أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على غير أبي بكر لا علي ~~ولا العباس ولا غيرهما كما قد قال أهل البدع وروى ابن بطه باسناده أن عمر ~~بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن فقال هل كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم استخلف أبا بكر فقال أو في شك صاحبك نعم والله الذي لا إله ~~إلا هو استخلفه لهو كان أتقى لله من أن يتوثب عليها # وفي الجملة فجميع من نقل عنه أنه طلب توليه غير أبي بكر لم يذكر حجة ~~دينية شرعية ولا ذكر أن غير أبي بكر أفضل منه أو أحق بها وإنما نشأ من حب ~~قبيلته وقومه فقط وهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر رضي الله عنه وحب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم له ففي الصحيحين عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك ~~قال عائشة قلت من الرجال قال أبوها قلت ثم من قال عمر وعد رجالا وفيهما ~~أيضا عن أبي الدرداء قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل ~~أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أما صاحبكم فقد غامر فسلم وقال يا رسول الله PageV01P537 # إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت اليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي ~~فأبى علي فأقبلت اليك فقال يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا ثم إن عمر ندم ~~فأتى منزل أبي بكر فسأل أثم أبو بكر فقالوا لا فأتى إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسلم عليه فجعل ms362 وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر حتى اشفق أبو ~~بكر فجثا على ركبتيه فقال يارسول الله والله أنا كنت أظلم مرتين فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الله بعثني اليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق ~~وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي مرتين فما أوذي بعدها ومعنى ~~غامر غاضب وخاصم ويضيق هذا المختصر عن ذكر فضائله # وفي الصحيحين أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مات وأبو بكر بالسنح فذكرت الحديث إلى أن قالت واجتمعت الأنصار إلى ~~سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا منا أمير ومنكم أمير فذهب اليهم ~~أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فذهب عمر يتكلم ~~فأسكته أبو بكر وكان عمر يقول والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت في نفسي ~~كلاما قد أعجلني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ ~~الناس فقال في كلامه نحن الأمراء وأنتم الوزراء فقال حباب بن المنذر لا ~~والله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر لا ولكنا الأمراء وأنتم ~~الوزراء هم أوسط العرب وأعزهم PageV01P538 # أحسابا فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح فقال عمر بل نبايعك ~~فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عمر بيده ~~فبايعه وبايعه الناس فقال قائل قتلتم فقال عمر قتله الله والسنح العالية ~~وهي حديقة بالمدينة معروفة بها # $ قوله ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه # ش أي ونثبت الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه وذلك ~~بتفويض أبي بكر الخلافة اليه واتفاق الأمة بعده عليه وفضائله رضي الله عنه ~~أشهر من أن تنكر وأكثر من أن تذكر فقد روي عن محمد بن الحنيفة أنه قال قلت ~~لأبي يا أبت من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا بني أو ~~ما تعرف فقلت لا قال أبو بكر قلت ms363 ثم من قال عمر وخشيت أن يقول ثم عثمان ~~فقلت ثم أنت فقال ما أنا إلا رجل من المسلمين وتقدم قوله صلى الله عليه ~~وسلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه ~~قبل أن يرفع وأنا فيهم فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت ~~اليه فإذا هو علي فترحم على عمر وقال ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله ~~بمثل عمله منك وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذلك أني كنت ~~كثيرا ما أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جئت أنا وأبو بكر وعمر ~~ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فإن كنت لأرجو أو لأظن أن ~~يجعلك الله معهما وتقدم حديث أبي هريرة رضي الله PageV01P539 # عنه في رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزعه من القليب ثم نزع أبي ~~بكر ثم استحالت الدلو غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع ~~نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال ~~استأذن عمر ابن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من ~~قريش يكلمنه عالية أصواتهن الحديث وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إيه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا ~~غير فجك وفي الصحيحين أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قد ~~كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب ~~منهم وقال ابن وهب تفسير محدثون ملهمون # $ قوله ثم لعثمان رضي الله عنه # ش أي ونثبت الخلافة بعد عمر لعثمان رضي الله عنهما وقد ساق البخاري رحمه ~~الله قصة قتل عمر رضي الله عنه وأمر الشورى والمبايعة لعثمان في صحيحه ~~فأحببت أن أسردها كما رواها ms364 بسنده عن عمرو بن ميمون قال رأيت عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان ~~ابن حنيف فقال كيف فعلتما أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق ~~قالا حملناها أمرا هي له مطيقة ما فيها كبير فضل قال انظر أن تكونا حملتما ~~الأرض ما لا تطيق قالا لا فقال عمر لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق ~~لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا قال فما أتت عليه إلا أربعة حتى أصيب قال إني ~~لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب وكان إذا مر بين ~~الصفين PageV01P540 # قال استووا حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم فكبر وربما قرأ سورة يوسف أو ~~النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن كبر ~~فسمعته يقول قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه فطار العلج بسكين ذات طرفين لا ~~يمر على أحد يمينا وشمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة ~~فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر ~~نفسه وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى ~~وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون ~~سبحان الله سبحان الله فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال يا ~~ابن عباس انظر من قتلني فجال ساعة ثم جاء فقال غلام المغيرة قال الصنع قال ~~نعم قال قاتله الله لقد أمرت به معروفا الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على ~~يد رجل يدعي الإسلام قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة وكان ~~العباس أكثرهم رقيقا فقال إن شئت فعلت أي إن شئت قتلنا قال كذبت بعد ما ~~تكلموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجوا حجكم فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه وكأن ~~الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ فقائل يقول لا بأس عليه ms365 وقائل يقول أخاف ~~عليه فأتى بنبيذ فشربه فخرج من جوفه ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جوفه فعرفوا ~~أنه ميت فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه وجاء رجل شاب فقال ابشر يا أمير ~~المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم في ~~الاسلام ما قد علمت ثم وليت فعدلت ثم شهادة قال وددت أن ذلك كفاف لا علي ~~ولا لي فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض قال ردوا علي الغلام قال يا ابن أخي ~~ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك يا عبد الله بن عمر انظر PageV01P541 # ما علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانون ألفا أو نحوه قال إن وفى له ~~مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم ~~فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم فأد عني هذا المال انطلق إلى عائشة أم ~~المؤمنين فقل يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين فإن لست اليوم ~~للمؤمنين أميرا وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه فسلم واستأذن ~~ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ~~ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت كنت أريده لنفسي ولأوثرن به اليوم على ~~نفسي فلما أقبل قيل هذا عبد الله بن عمر قد جاء قال ارفعوني فأسنده رجل ~~اليه قال ما لديك قال الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت قال الحمد لله ما كان ~~شيء أهم إلي من ذلك فإذا أنا قضيت فاحملوني ثم سلم فقل يستأذن عمر بن ~~الخطاب فإن أذنت لي فادخلوني وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين وجاءت أم ~~المؤمنين حفصة والنساء يسترنها فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده ~~ساعة واستأذن الرجال فولجت داخلا لهم فسمعنا بكاءها من الداخل فقالوا أوص ~~يا أمير المؤمنين استخلف قال ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أي ~~الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض فسمى ms366 عليا ~~وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وقال يشهدكم عبد الله بن عمر وليس ~~له من الامر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمارة سعدا فهو ذاك وإلا ~~فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة وقال أوصي الخليفة ~~من PageV01P542 # بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم وأوصيه ~~بالأنصار خيرا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم ~~ويتجاوز عن مسيئهم وأوصيه بأهل الامصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وجباة ~~الأموال وغيظ العدو وأن لا يأخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم وأوصيه بالأعراب ~~خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن يأخذ من حواشي أموالهم وأن ترد على ~~فقرائهم وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفى لهم بعدهم وأن يقاتل من ~~ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبد ~~الله بن عمر قال يستأذن عمر بن الخطاب قالت أدخلوه فأدخل فوضع هنالك مع ~~صاحبيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم ~~إلى ثلاثة منكم قال الزبير قد جعلت أمري إلى علي فقال طلحة قد جعلت أمري ~~إلى عثمان وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن ~~أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله اليه والله عليه والاسلام لينظرن أفضلهم في ~~نفسه فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن ~~أفضلكم قالا نعم فأخذ بيد أحدهما فقال لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والقدم في الاسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت ~~عثمان لتسمعن وتطيعن ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال ~~ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه # وعن حميد بن عبد الرحمن أن المسور بن مخرمة أخبره PageV01P543 # أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا قال لهم عبد الرحمن لست بالذي ~~أنافسكم عن هذا الامر ولكنكم إن شئتم ms367 اخترت لكم منكم فجعلوا ذلك إلى عبد ~~الرحمن فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى ~~أحدا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبة ومال الناس على عبد الرحمن ~~يشاورونه تلك الليالي حتى اذا كانت تلك الليلة التي أصبحنا فيها فبايعنا ~~عثمان قال المسور بن مخرمة طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب ~~حتى استيقظت فقال أراك نائما فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكبير نوم انطلق ~~فادع لي الزبير وسعدا فدعوتهما له فشاورهما ثم دعاني فقال ادع لي عليا ~~فدعوته فناجاه حتى ابهار الليل ثم قام علي من عنده وهو على طمع وقد كان عبد ~~الرحمن يخشى من علي شيئا ثم قال ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما ~~المؤذن بالصبح فلما صلى الناس الصبح واجتمع اولئك الرهط عند المنبر فأرسل ~~إلى من كان حاضرا من المهاجرين والانصار وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا ~~وافوا تلك الحجة مع عمر فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال أما بعد يا ~~علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك ~~سبيلا فقال لعثمان أبايعك على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~والخليفتين من بعده فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس والمهاجرون والانصار ~~وأمراء الأجناد والمسلمون # ومن فضائل عثمان رضي الله عنه الخاصة كونه ختن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ابنتيه وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو ~~على تلك الحال PageV01P544 # فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه فدخل فتحدث فلما خرج قالت عائشة دخل ~~أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عمر فلم تهتش ولم تباله ثم دخل عثمان ~~فجلست وسويت ثيابك فقال ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ms368 وفي الصحيح ~~لما كان يوم بيعة الرضوان وأن عثمان رضي الله عنه كان قد بعثه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى مكة وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده ~~فقال هذه لعثمان # $ قوله ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه # ش أي ونثبت الخلافة بعد عثمان لعلي رضي الله عنهما لما قتل عثمان وبايع ~~الناس عليا صار إماما حقا واجب الطاعة وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة كما ~~دل عليه حديث سفينة المقدم ذكره أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء # وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر وخلافة عمر عشر سنين ونصفا ~~وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وخلافة علي اربع سنين وتسعة أشهر وخلافة الحسن ~~ستة أشهر وأول ملوك المسلمين معاوية رضي الله عنه وهو خير ملوك المسلمين ~~لكنه إنما صار إماما حقا لما فوض اليه الحسن بن علي رضي الله عنهم الخلافة ~~فإن الحسن رضي الله عنه بايعه أهل العراق بعد موت أبيه ثم بعد ستة أشهر فوض ~~PageV01P545 # الامر إلى معاوية فظهر صدق قول النبي صلى الله عليه وسلم إن ابني هذا سيد ~~وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين والقصة معروفة في موضعها # فالخلافة ثبتت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد عثمان ~~رضي الله عنه بمبايعة الصحابة سوى معاوية مع أهل الشام والحق مع علي رضي ~~الله عنه فإن عثمان رضي الله عنه لما قتل كثر الكذب والافتراء على عثمان ~~وعلى من كان بالمدينة من أكابر الصحابة كعلي وطلحة والزبير وعظمت الشبهة ~~عند من لم يعرف الحال وقويت الشهوة في نفوس ذوي الاهواء والأغراض ممن بعدت ~~داره من أهل الشام ويحمي الله عثمان أن يظن بالأكابر ظنون سوء ويبلغه عنهم ~~أخبار منها ما هو كذب ومنها ما هو محرف ومنها ms369 ما لم يعرف وجهه وانضم إلى ~~ذلك أهواء أقوام يحبون العلو في الأرض وكان في عسكر علي رضي الله عنه من ~~أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه ومن تنتصر له ~~قبيلته ومن لم تقم عليه حجة بما فعله ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره ~~كله ورأى طلحة والزبير أنه إن لم ينتصر للشهيد المظلوم ويقمع أهل الفساد ~~والعدوان وإلا استوجبوا غضب الله وعقابه فجرت فتنة الجمل على غير اختيار من ~~علي ولا من طلحة والزبير وإنما أثارها المفسدون بغير اختيار السابقين ثم ~~جرت فتنة صفين لرأي وهو أن أهل الشام لم يعدل عليهم أو لا يتمكن من العدل ~~عليهم وهم كافون حتى يجتمع أمر الأمة وأنهم يخافون طغيان من في العسكر كما ~~طغوا على الشهيد المظلوم وعلي رضي الله عنه هو الخليفة الراشد المهدي الذي ~~تجب PageV01P546 # طاعته ويجب أن يكون الناس مجتمعين عليه فاعتقد أن الطاعة والجماعة ~~الواجبتين عليهم تحصل بقتالهم بطلب الواجب عليهم بما اعتقد أنه يحصل به ~~أداء الواجب ولم يعتقد أن التأليف لهم كتأليف المؤلفة قلوبهم على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده مما يسوغ فحمله ما رآه من أن الدين ~~إقامة الحد عليهم ومنعهم من الإثارة دون تأليفهم على القتال وقعد عن القتال ~~أكثر الأكابر لما سمعوه من النصوص في الأمر بالقعود في الفتنة ولما رأوه من ~~الفتنة التي تربو مفسدتها على مصلحتها ونقول في الجميع بالحسنى @QB@ ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ~~آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم @QE@ والفتن التي كانت في أيامه قد صان الله عنها ~~أيدينا فنسأل الله أن يصون عنها ألسنتنا بمنته وكرمه # ومن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما في الصحيحين عن ~~سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي ~~أنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وقال صلى ms370 الله عليه وسلم ~~يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال ~~فتطاولنا لها فقال ادعوا لي عليا فأتي به أرمد فبصق في عينيه ودفع الراية ~~اليه ففتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية @QB@ فقل تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم @QE@ دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي PageV01P547 # # | قوله وهم الخلفاء الراشدون والائمة المهديون # ش تقدم الحديث الثابت في السنن وصححه الترمذي عن العرباض بن سارية قال ~~وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت ~~منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد الينا ~~فقال أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا ~~فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها عضوا ~~عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الامور فإن كل بدعة ضلاله وترتيب الخلفاء ~~الراشدين رضي الله عنهم أجمعين في الفضل كترتيبهم في الخلافة ولأبي بكر ~~وعمر رضي الله عنهما من المزية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا باتباع ~~سنة الخلفاء الراشدين ولم يأمرنا في الاقتداء في الافعال إلا بأبي بكر وعمر ~~فقال اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وفرق بين اتباع سنتهم والاقتداء ~~بهم فحال أبي بكر وعمر فوق حال عثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين وقد روي عن ~~أبي حنيفة تقديم علي على عثمان ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على علي وعلى ~~هذا عامة أهل السنة وقد تقدم قول عبد الرحمن بن عوف لعلي رضي الله عنهما ~~إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان وقال أيوب السختياني من ~~لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وفي الصحيحين عن ابن ~~عمر قال كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي أفضل أمة النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان PageV01P548 # | قوله وان العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله ms371 عليه وسلم وبشرهم ~~بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله ~~الحق وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن ~~بن عوف وابو عبيدة بن الجراح وهو امين هذه الامة رضي الله عنهم اجمعين # ش تقدم ذكر بعض فضائل الخلفاء الأربعة ومن فضائل الستة الباقين من العشرة ~~رضي الله عنهم أجمعين ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أرق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة ~~قالت وسمعنا صوت السلاح فقال النبي صلى الله عليه وسلم من هذا فقال سعد ابن ~~أبي وقاص يا رسول الله جئت أحرسك وفي لفظ آخر وقع في نفسي خوف على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم نام وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع لسعد بن أبي وقاص ~~أبويه يوم أحد فقال أرم فداك أبي وأمي وفي صحيح مسلم عن قيس بن أبي حازم ~~قال رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد قد شلت ~~وفيه أيضا عن أبي عثمان النهدي قال لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم غير طلحة وسعد ~~وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله قال ندب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير ~~PageV01P549 # فقال النبي صلى الله عليه وسلم لكل نبي حواري وحواريي الزبير وفيهما أيضا ~~عن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من يأتي بني قريظة ~~فيأتيني بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبويه فقال فداك أبي وأمي وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms372 إن لكل امة أمينا وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن ~~الجراح وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال جاء أهل نجران إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ابعث الينا رجلا أمينا فقال لأبعثن ~~اليكم رجلا أمينا حق أمين قال فاستشرف لها الناس قال فبعث أبا عبيدة بن ~~الجراح وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال اشهد على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أني سمعته يقول عشرة في الجنة النبي في الجنة وأبو بكر في الجنة وطلحة ~~في لجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وسعد بن مالك في الجنة وعبد الرحمن ~~بن عوف في الجنة ولو شئت لسميت العاشر قال فقالوا من هو قال سعيد بن زيد ~~وقال لمشهد رجل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يغبر منه وجهه خير من ~~عمل أحدكم ولو عمر عمر نوح رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه ورواه ~~الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعلي في الجنة ~~وعثمان في الجنة وطلحة في الجنة والزبير بن العوام PageV01P550 في الجنة ~~وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة وأبو ~~عبيدة بن الجراح في الجنة رواه الإمام أحمد في مسنده ورواه أبو بكر بن أبي ~~خيثمة وقدم فيه عثمان على علي رضي الله عنهما وعن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان ~~وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اهدأ ~~فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد رواه مسلم والترمذي وغيرهما وروي من طرق # وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم لما اشتهر من ~~فضائلهم ومناقبهم ومن أجهل ممن يكره التكلم بلفظ العشرة أو فعل شيء يكون ms373 ~~عشرة لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة وهم ~~يستثنون منهم عليا رضي الله عنه فمن العجب أنهم يوالون لفظ التسعة وهم ~~يبغضون التسعة من العشرة ويبغضون سائر المهاجرين والانصار من السابقين ~~الأولين الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائة وقد رضي ~~الله عنهم كما قال تعالى @QB@ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة @QE@ وثبت في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة وفي صحيح مسلم أيضا ~~عن جابر أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال يا رسول الله ليدخلن حاطب النار ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرا والحديبية ~~والرافضة يتبرؤون من جمهور هؤلاء PageV01P551 # بل يتبرؤون من سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من نفر قليل ~~نحو بضعة عشر نفرا ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس لم يهجر ~~هذا الاسم لذلك كما أنه سبحانه لما قال @QB@ وكان في المدينة تسعة رهط ~~يفسدون في الأرض ولا يصلحون @QE@ لم يجب هجر اسم التسعة مطلقا بل اسم ~~العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع من القرآن @QB@ تلك عشرة كاملة @QE@ ~~@QB@ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر @QE@ @QB@ والفجر وليال عشر ~~@QE@ وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان وقال في ليلة ~~القدر التمسوها في العشر الأواخر من رمضان وقال من أيام العمل الصالح فيهن ~~أحب إلى الله من أيام العشر يعني عشر ذي الحجة # والرافضة توالي بدل العشرة المبشرين بالجنة اثني عشر إماما أولهم علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه ويدعون أنه وصي النبي صلى الله عليه وسلم دعوى مجردة ~~عن الدليل ثم الحسن رضي الله عنه ثم الحسين رضي الله عنه ثم علي بن الحسين ~~زين العابدين ثم محمد بن علي الباقر ثم جعفر بن محمد الصادق ثم موسى بن ~~جعفر الكاظم ثم علي بن موسى ms374 الرضى ثم محمد بن علي الجواد ثم علي بن محمد ثم ~~الحسن بن علي العسكري ثم محمد بن الحسن ويغالون في محبتهم ويتجاوزون الحد ~~ولم يأت ذكر الأئمة الاثني عشر إلا على صفة ترد قولهم وتبطله وهو ما خرجاه ~~في الصحيحين عن جابر بن سمرة قال دخلت مع أبي علي النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسمعته يقول لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا PageV01P552 # ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي فسألت أبي ماذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال كلهم من قريش وفي لفظ لا يزال الإسلام عزيزا ~~إلى اثني عشر خليفة وفي لفظ لا يزال هذا الامر عزيزا إلى اثني عشر خليفة ~~وكان الامر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم والاثنا عشر الخلفاء الراشدون ~~الاربعة ومعاوية وابنه يزيد وعبد الملك بن مروان وأولاده الاربعة وبينهم ~~عمر بن عبد العزيزي ثم أخذ الامر في الانحلال وعند الرافضة أن أمر الأئمة ~~لم يزل في أيامة هؤلاء فاسدا منغصا يتولى عليهم الظالمون المعتدون بل ~~المنافقون الكافرون وأهل الحق أذل من اليهود وقولهم ظاهر البطلان بل لم يزل ~~الاسلام عزيزا في ازدياد في أيام هؤلاء الاثني عشر # # | قوله ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وازواجه ~~الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برىء من النفاق # ش تقدم بعض ما ورد في الكتاب والسنة من فضائل الصحابة رضي الله عنهم وفي ~~صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا ~~بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فقال أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر ~~يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه ~~الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم ~~قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثا وخرج البخاري عن أبي بكر ~~الصديق رضي الله ms375 عنه قال ارقبوا محمدا في أهل بيته PageV01P553 # وانما قال الشيخ رحمه الله فقد برىء من النفاق لأن أصل الرفض إنما أحدثه ~~منافق زنديق قصده إبطال دين الإسلام والقدح في الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كما ذكر ذلك العلماء فإن عبد الله ابن سبأ لما أظهر الاسلام أراد أن يفسد ~~دين الاسلام بمكره وخبثه كما فعل بولس بدين النصرانية فأظهر التنسك ثم أظهر ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى سعى في فتنة عثمان وقتله ثم لما قدم ~~علي الكوفة أظهر الغلو في علي والنصر له ليتمكن بذلك من أغراضه وبلغ ذلك ~~عليا فطلب قتله فهرب منه إلى قرقيس وخبره معروف في التاريخ وتقدم أن من ~~فضله على أبي بكر وعمر جلده جلد المفتري وبقيت في نفوس المبطلين خمائر بدعة ~~الخوارج من الحرورية والشيعة ولهذا كان الرفض باب الزندقة كما حكاه القاضي ~~أبو بكر بن الطيب عن الباطنية وكيفية افسادهم لدين الاسلام قال فقالوا ~~للداعي يجب عليك اذا وجدت من تدعوه مسلما أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك ~~واجعل المدخل من جهة ظلم السلف لعلي وقتلهم الحسين والتبري من تيم وعدي ~~وبني أمية وبني العباس وأن عليا يعلم الغيب يفوض اليه خلق العالم وما أشبه ~~ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم فإذا أنست من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ~~ورشدا أوقفته على مثالب علي وولده رضي الله عنهم انتهى ولا شك أنه يتطرق من ~~سب الصحابة إلى سب أهل البيت ثم إلى سب الرسول صلى الله عليه وسلم إذ أهل ~~بيته وأصحابه مثل هؤلاء الفاعلين الضالين # # | قوله وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر ~~وأهل الفقه والنظر لا يذكرون الا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير ~~السبيل # PageV01P554 # ش قال تعالى @QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا @QE@ فيجب على كل مسلم ~~بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن خصوصا الذين هم ~~ورثة ms376 الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر ~~والبحر وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم إذ كل أمة قبل مبعث محمد ~~صلى الله عليه وسلم علماؤها شرارها إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم فإنهم ~~خلفاء الرسول من أمته والمحيون لما مات من سنته فبهم قام الكتاب وبه قاموا ~~وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا وكلهم متفقون اتفاقا يقينا على وجوب اتباع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح ~~بخلافة فلا بد له في تركه من عذر وجماع الاعذار ثلاثة أصناف أحدها عدم ~~اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله والثاني عدم اعتقاده أنه أراد ~~تلك المسألة بذلك القول والثالث اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ فلهم الفضل ~~علينا والمنة بالسبق وتبليغ ما أرسل به الرسول صلى الله عليه وسلم الينا ~~وإيضاح ما كان منه يخفى علينا فرضي الله عنهم وأرضاهم @QB@ ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رؤوف رحيم @QE@ # $ قوله ولا نفضل أحدا من الاولياء على أحد من الانياء عليهم السلام ونقول ~~نبي واحد افضل من جميع الاولياء # ش يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الاتحادية وجهله المتصوفة وإلا فأهل ~~الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع فقد أوجب الله على الخلق كلهم ~~متابعة الرسل قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك @QE@ PageV01P555 الى أن قال @QB@ ويسلموا ~~تسليما @QE@ وقال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم @QE@ قال أبو عثمان النيسابوري من أمر ~~السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة ~~وقال بعضهم ما ترك بعضهم شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه والأمر كما قال ~~فإنه إذا لم يكن متبعا للأمر الذي جاء به الرسول كان يعمل بإراة نفسه فيكون ~~متبعا لهواه بغير هدى من الله وهذا غش النفس وهو ms377 من الكبر فإنه شبيه بقول ~~الذين قالوا @QB@ لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته @QE@ وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة ~~وتصفية نفسه إلى ما وصلت اليه الانبياء من غير اتباع لطريقتهم ومنهم من يظن ~~أنه قد صار أفضل من الانبياء ومنهم من يقول إن الانبياء والرسل إنما يأخذون ~~العلم بالله من مشكاة خاتم الاولياء ويدعي لنفسه أنه خاتم الاولياء ويكون ~~ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون وهو أن هذا الوجود المشهود واجب بنفسه ليس له ~~صانع مباين له لكن هذا يقول هو الله وفرعون أظهر الإنكار بالكية لكن كان ~~فرعون في الباطن اعرف بالله منهم فإنه كان مثبتا للصانع وهؤلاء ظنوا أن ~~الوجود المخلوق هو الوجود الخالق كابن عربي وأمثاله وهو لما رأى أن الشرع ~~الظاهر لا سبيل إلى تغييره قال النبوة ختمت لكن الولاية لم تختم وادعى من ~~الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون للأنبياء والمرسلين وأن الانبياء ~~مستفيدون منها كما قال % مقام النبوة في برزخ % فويق الرسول ودون الولي % $ # وهذا قلب للشريعة فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين كما PageV01P556 # قال تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون @QE@ والنبوة أخص من الولاية والرسالة أخص من النبوة ~~كما تقدم التنبيه على ذلك وقال ابن عربي أيضا في فصوصه ولما مثل النبي صلى ~~الله عليه وسلم النبوة بالحائظ من اللبن فرآها قد كملت الا موضع لبنة فكان ~~هو صلى الله عليه وسلم موضع اللبنة وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه ~~الرؤية فيرى ما مثله النبي صلى الله عليه وسلم ويرى نفسه في الحائظ في موضع ~~لبنتين ويرى نفسه تنطبع في موضع اللبنتين فتكمل الحائط والسبب الموجب لكونه ~~يراها لبنتين أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب واللبنة الفضة هي ظاهره ~~وما يتبعه فيه من الأحكام كما هو أخذ عن الله في الشرع ما هو في الصورة ~~الظاهرة متبع ms378 فيه لانه يرى الامر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا وهو ~~موضع اللبنة الذهبية في الباطن فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ~~الذي يوحى اليه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال فإن فهمت ما أشرنا اليه ~~فقد حصل لك العلم النافع فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب وللرسل ~~المثل بلبنة فضة فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسل تلك أمانيهم @QB@ إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه @QE@ وكيف يخفى كفر من هذا كلامه وله من ~~الكلام أمثال هذا وفيه ما يخفى منه الكفر ومنه ما يظهر فلهذا يحتاج إلى نقد ~~جيد ليظهر زيفه فإن من الزغل ما يظهر لكل ناقد ومنه ما لا يظهر إلا للناقد ~~الحاذق البصير وكفر ابن عربي وأمثاله فوق كفر القائلين @QB@ لن نؤمن حتى ~~نؤتى مثل ما أوتي رسل الله @QE@ ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون زنادقة ~~اتحادية في الدرك الأسفل من النار والمنافقون يعاملون PageV01P557 # معاملة المسلمين لإظهارهم الإسلام كما كان يظهره المنافقون في حياة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويبطنون الكفر وهو يعاملهم معاملة المسلمين لما يظهر ~~منهم فلو أنه ظهر من أحد منهم ما يبطنه من الكفر لأجرى عليه حكم المرتد ~~ولكن في قبول توبته خلاف والصحيح عدم قبولها وهي رواية معلى عن أبي حنيفة ~~رضي الله عنه والله المستعان # $ قوله ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم # ش فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة و كذلك الكرامة في عرف أئمة أهل ~~العلم المتقدمين ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما فيجعلون ~~المعجزة للنبي والكرامة للولي وجماعها الأمر الخارق للعادة فصفات الكمال ~~ترجع إلى ثلاثة العلم والقدرة والغني وهذه الثلاثة لا تصلح على الكمال إلا ~~لله وحده فإنه الذي أحاط بكل شيء علما وهو على كل شيء قدير وهو غني عن ~~العالمين ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبرأ من دعوى هذه الثلاثة ~~بقوله @QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن ms379 الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم ~~إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ وكذلك قال نوح عليه السلام فهذا أول ~~أولي العزم وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض وهذا خاتم الرسل وخاتم أولي ~~العزم وكلاهما تبرأ من ذلك وهذا لأنهم يطالبونهم تارة بعلم الغيب كقوله ~~تعالى @QB@ يسألونك عن الساعة أيان مرساها @QE@ وتارة بالتأثير كقوله تعالى ~~@QB@ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا @QE@ الآيات وتارة ~~يعيبون عليهم الحاجة البشرية كقوله تعالى @QB@ وقالوا ما لهذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق @QE@ فأمر الرسول أن يخبرهم بأنه لا يملك ذلك ~~وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله فيعلم ما علمه الله إياه ~~ويستغني عما أغناه عنه PageV01P558 # ويقدر على ما أقدره عليه من الأمور المخالفة للعادة المطردة أو لعادة ~~أغلب الناس فجميع المعجزات والكرامات ما تخرج عن هذه الانواع # ثم الخارق إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من الأعمال الصالحة ~~المأمور بها دينا وشرعا إما واجب أو مستحب وإن حصل به أمر مباح كان من نعم ~~الله الدنيوية التي تقتضي شكرا وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي ~~تحريم أو نهي تنزيه كان سببا للعذاب أو البغض كالذي أوتي الآيات فانسلخ ~~منها بلعام بن باعورا لاجتهاد أو تقليد أو نقص عقل أو علم أو غلبة حال أو ~~عجز أو ضرورة فالخارق ثلاثة أنواع محمود في الدين ومذموم ومباح فإن كان ~~المباح فيه منفعة كان نعمة وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها قال ~~أبو علي الجوزجاني كن طالبا للاستقامة لا طالبا للكرامة فإن نفسك متحركة في ~~طلب الكرامة وربك يطلب منك الاستقامة # قال الشيخ السهروردي في عوارفه وهذا أصل كبير في الباب فإن كثير من ~~المجتهدين المتعبدين سمعوا السلف الصالحين المتقدمين وما منحوا به من ~~الكرامات وخوارق العادات فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك ويحبون أن ~~يرزقوا شيئا منه ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهما لنفسه في صحة ms380 عمله حيث ~~لم يحصل له خارق ولو علموا بسر ذلك لهان عليهم الأمر فيعلم أن الله يفتح ~~على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابا والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من ~~خوارق العادات وآثار القدرة يقينا فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا والخروج ~~عن دواعي الهوى فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة في كل الكرامة # ولا ريب لأن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان لكن إن كانت PageV01P559 # صالحة كان تأثيرها صالحا وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا فالاحوال يكون ~~تأثيرها محبوبا لله تعالى تارة ومكروها لله اخرى # وقد تكلم الفقهاء في وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن وهؤلاء ~~يشهدون بواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم أنه ~~كرامة من الله له ولا يعلمون أنه في الحقيقة انما الكرامة لزوم الاستقامة ~~وأن الله تعالى لم يكرم عبدا بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو ~~طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله ~~الذين قال الله فيهم @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~@QE@ # وأما ما يبتلي الله به عبده من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء ~~فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه بل قد سعد بها قوم إذا ~~أطاعوه وشقي بها قوم إذا عصوه كما قال تعالى @QB@ فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن @QE@ ولهذا كان الناس في هذه ~~الامور ثلاثة اقسام قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة وقسم يتعرضون بها لعذاب ~~الله وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات كما تقدم # وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله وكلمات الله نوعان كونية ~~ودينية فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر قال تعالى @QB@ ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ وقال تعالى @QB@ وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته @QE@ والكون كله داخل PageV01P560 # تحت هذه ms381 الكلمات وسائر الخوارق والنوع الثاني الكلمات الدينية وهي القرآن ~~وشرع الله الذي بعث به رسوله وهي أمره ونهيه وخبره وحظ العبد منها العلم ~~بها والعمل والأمر بما أمر الله به كما أن حظ العباد عموما وخصوصا العلم ~~بالكونيات والتأثير فها أي بموجبها فالأولى تدبيره كونية والثانية شرعية ~~دينية فكشف الاولى العلم بالحوادث الكونية وكشف الثانية العلم بالمأمورات ~~الشرعية وقدرة الاولى التأثير في الكونيات إما في نفسه كمشيه على الماء ~~وطيرانه في الهواء وجلوسه في النار وإما في غيره بإصحاح وإهلاك وإغناء ~~وإفقار وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات إما في نفسه بطاعة الله ورسوله ~~والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطنا وظاهرا وإما في غيره بأن يأمر بطاعة ~~الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية # فإذا تقرر ذلك فاعلم أن عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه ~~فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات ولم يسخر له شيء من الكونيات لا ينقص ذلك ~~في مرتبته عند الله بل قد يكون عدم ذلك أنفع له فإنه إن اقترن به الدين ~~وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة فإن الخارق قد يكون مع الدين وقد يكون مع ~~عدمه أو فساده أو نقصه فالخوارق النافعة تابعة للدين خادمة له كما أن ~~الرياسة النافعة هي التابعة للدين وكذلك المال النافع كما كان السلطان ~~والمال النافع بيد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فمن جعلها هي ~~المقصودة وجعل الدين تابعا لها ووسيلة إليها لا لأجل الدين في الأصل فهو ~~شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب أو رجاء ~~الجنة فإن ذلك ما هو مأمور به وهو على سبيل نجاة وشريعة صحيحة والعجب أن ~~كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أن يكون خوفا من النار أو طلبا للجنة ~~يجعل PageV01P561 # همه بدينه أدنى خالق من خوارق الدنيا ثم إن الدين إذا صح علما وعملا فلا ~~بد أن يوجب خرق العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه قال تعالى @QB@ ومن يتق ms382 ~~الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ وقال تعالى @QB@ إن تتقوا ~~الله يجعل لكم فرقانا @QE@ وقال تعالى @QB@ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ~~لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم ~~صراطا مستقيما @QE@ وقال تعالى @QB@ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة @QE@ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ~~ينظر بنور الله ثم قرأ قوله @QB@ إن في ذلك لآيات للمتوسمين @QE@ رواه ~~الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري وقال تعالى فيما يرويه عنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي ~~بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله ~~التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء ~~أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له ~~منه فظهر أن الاستقامة حظ الرب وطلب الكرامة حظ النفس وبالله التوفيق # وقول المعتزلة في إنكار الكرامة ظاهر البطلان فإنه بمنزلة إنكار ~~PageV01P562 # المحسوسات وقولهم لو صحت لأشبهت المعجزة فيؤدي إلى التباس النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالولي وذلك لا يجوز وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي يأتي ~~بالخارق ويدعي النبوة وهذا لا يقع ولو ادعى النبوة لم يكن وليا بل كان ~~متنبئا كذابا وقد تقدم الكلام في الفرق بين النبي والمتنبىء عند قول الشيخ ~~وأن محمدا عبده المجتبي ونبيه المصطفى # ومما ينبغي التنبيه عليه ههنا أن الفراسة ثلاثة أنواع إيمانية وسببها نور ~~يقذفه الله في قلب عبده وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب يثب عليه كوثوب ~~الأسد على الفريسة ومنها اشتقاقها وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن ~~كان أقوى إيمانا فهو أحد فراسة قال أبو سليمان الداراني رحمه ms383 الله الفراسة ~~مكاشفة النفس ومعاينة الغيب وهي من مقامات الإيمان انتهى وفراسة رياضية وهي ~~التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها ~~من الفراسة والكشف بحسب تجردها وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر ولا ~~تدل على ايمان ولا على ولاية ولا تكشف عن حق نافع ولا عن طريق مستقيم بل ~~كشفها من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبادة الرؤساء والأظناء ونحوهم وفراسة ~~خلقية وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم واستدلوا بالخلق على الخلق لما ~~بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن ~~العادة على صغر العقل وبكبره على كبره وسعة الصدر على سعة الخلق وبضيقه على ~~ضيقه وبجمود العينين PageV01P563 # وكلال نظرهما على بلاده صاحبهما وضعف حرارة قلبه ونحو ذلك # # | قوله ونؤمن باشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليه ~~السلام من السماء ونؤمن بطلوع الشمس من مغريها وخروج دابة الأرض من موضعها # ش عن عوف بن مالك الأشجعي قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك وهو في قبة من أدم فقال اعدد ستا بين يدي الساعة موتي ثم فتح بيت ~~المقدس ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل ~~مائة دينار فيظل ساخطا ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته ثم هدنة ~~تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية ~~اثنا عشر ألفا وروي راية بالراء والغين وهما بمعنى رواه البخاري وأبو داود ~~وابن ماجة والطبراني وعن حذيفة ابن أسيد قال اطلع النبي صلى الله عليه وسلم ~~علينا ونحن نتذاكر الساعة فقال ما تذاكرون قالوا نذكر الساعة فقال إنها لن ~~تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من ~~مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف ~~بالمغرب وخسف بجريرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى ~~محشرهم رواه مسلم وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن ms384 ابن عمر رضي الله عنهما ~~قال ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن الله لا يخفى عليكم ~~إن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينه وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى ~~كأن عينه عنبة طافية وعن أنس بن مالك رضي الله عنه PageV01P564 # قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نبي إلا وأنذر قومه الأعور ~~الدجال ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور ومكتوب بين عينك كفر فسره في رواية ~~أي كافر وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما ~~عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ~~حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم ~~@QB@ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم ~~شهيدا @QE@ وأحاديث الدجال وعيسى بن مريم عليه السلام ينزل من السماء ~~ويقتله ويخرج يأجوج وأجوج في أيامه بعد قتله الدجال فيهلكهم الله اجمعين في ~~ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم ويضيق هذا المختصر عن بسطها # وأما خروج الدابة وطلوع الشمس من المغرب فقال تعالى @QB@ وإذا وقع القول ~~عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو ~~يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت ~~من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون @QE@ PageV01P565 ~~وروى البخاري عند تفسير الآية عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن ~~عليها فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل وروى مسلم عن عبد ~~الله بن عمرو قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا ms385 لم أنسه بعد ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من ~~مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على ~~إثرها قريبا أي أول الآيات التي ليست مألوفة وإن كان الدجال ونزول عيسى ~~عليه السلام من السماء قبل ذلك وكذلك خروج يأجوج ومأجوج كل ذلك أمور مألوفة ~~لأنهم بشر مشاهدة مثلهم مألوفة وأما خروج الدابة بشكل غريب غير مألوف ثم ~~مخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر فأمر خارج عن مجاري العادات ~~وذلك أول الآيات الأرضية كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها ~~المألوفة أول الآيات السماوية وقد أفرد الناس في أحاديث أشراط الساعة ~~مصنفات مشهورة يضيق على بسطها هذا المختصر # # | قوله ولا نصدق كاهنا ولا عرافا ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة ~~وإجماع الامة # ش روى مسلم والإمام أحمد عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أتى عرافا فسأله عن شيء ~~لم يقبل له صلاة أربعين PageV01P566 ليلة وروى الامام أحمد في مسنده عن أبي ~~هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما ~~يقول فقد كفر بما أنزل على محمد والمنجم يدخل في اسم العراف عند بعض ~~العلماء وعند بعضهم هو في معناه فإذا كانت هذه حال السائل فكيف بالمسؤول ~~وفي الصحيحين مسند الامام أحمد عن عائشة قالت سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الكهان فقال ليسوا بشيء فقالوا يا رسول الله إنهم يحدثون أحيانا ~~بالشيء يكون حقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة من الحق ~~يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة وفي ~~الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث ~~وحلوان الكاهن خبيث وحلوانه الذي تسميه العامة حلاوته ويدخل في هذا المعنى ~~ما تعاطاه المنجم وصاحب الأزلام ms386 التي يستقسم بها مثل الخشبة المكتوب عليها ~~ا ب ج د والتضارب بالحصى والذي يخط في الرمل وما تعاطاه هؤلاء حرام وقد حكى ~~الإجماع على تحريمه غير واحد من العلماء كالبغوي والقاضي عياض وغيرهما # وفي الصحيحين عن زيد بن خالد قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فقال أتدرون ماذا قال ربكم الليلة ~~قلنا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال ~~مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا ~~PageV01P567 بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب وفي صحيح مسلم ومسند ~~الامام أحمد عن أبي مالك الاشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربع في ~~أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الاحساب والطعن في الانساب ~~والاستسقاء بالنجوم والنياحة والنصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~وسائر الائمة بالنهي عن ذلك أكثر من أن يتسع هذا الموضع لذكرها وصناعة ~~التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الارضية ~~بالاحوال الفلكية أو التمريح بين القرى الفلكية والفوايل الأرضية صناعة ~~محرمة بالكتاب والسنة بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين قال تعالى @QB@ ~~ولا يفلح الساحر حيث أتى @QE@ وقال تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت @QE@ قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه وغيره الجبت السحر وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنه عنها قالت ~~كان لأبي بكر غلام يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له ~~الغلام تدري مم هذا قال وما هو قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن ~~الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه فادخل أبو ~~بكر يده فقاء كل شيء في بطنه # والواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى في إزالة هؤلاء المنجمين والكهان ~~والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى والقرع والقالات ومنعهم من الجلوس في ~~الحوانيت والطرقات أو ms387 يدخلوا PageV01P568 على الناس في منازلهم لذلك ويكفي ~~من يعلم تحريم ذلك ولا يسعى في إزالته مع قدرته على ذلك قوله تعالى @QB@ ~~كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون @QE@ وهؤلاء الملاعين ~~يقولون الإثم ويأكلون السحت بإجماع المسلمين وثبت في السنن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم برواية الصديق رضي الله عنه أنه قال إن الناس إذا رأوا ~~المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه # وهؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة أنواع نوع ~~منهم أهل تلبيس وكذب وخداع الذين يظهر احدهم طاعة الجن له أو يدعي الحال من ~~أهل المحال من المشايخ النصابين والفقراء الكاذبين والطرقية المكارين ~~فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس ~~وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل كمن يدعي النبوة بمثل هذه الخزعبلات أو ~~يطلب تغيير شيء من الشريعة ونحو ذلك ونوع يتكلم في هذه الأمور على سبيل ~~الجد والحقيقة بأنواع السحر وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر كما هو مذهب ~~أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه وهذا هو المأثور عن الصحابة كعمر ~~وابنه وعثمان وغيرهم ثم اختلف هؤلاء هل يستتاب أم لا وهل يكفر بالسحر أم ~~يقتل لسعيه في الأرض بالفساد وقال طائفة إن قتل بالسحر يقتل وإلا عوقب بدون ~~القتل إذا لم يكن في قوله وعمله كفر وهذا هو المنقول عن الشافعي وهو قول في ~~مذهب أحمد # وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه والأكثرون يقولون إنه قد يؤثر ~~في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه وزعم بعضهم أنه مجرد تخييل ~~واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس PageV01P569 # دعوة الكواكب السبعة أو غيرها أو خطابها أو السجود لها والتقرب اليها بما ~~يناسبها من اللباس والخواتم والبخور ونحو ذلك فإنه كفر وهو من أعظم أبواب ~~الشرك فيجب غلقه بل سده وهو من جنس فعل قوم إبراهيم عليه السلام ولهذا قال ~~ما حكى الله عنه بقوله @QB@ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم ms388 @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ فلما جن عليه الليل رأى كوكبا @QE@ الآيات إلى قوله تعالى @QB@ ~~الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون @QE@ ~~واتفقوا كلهم أيضا على أن كل رقية وتعزيم أو قسم فيه شرك بالله فإنه لا ~~يجوز التكلم به وإن أطاعته به الجن أو غيرهم وكذلك كل كلام فيه كفر لا يجوز ~~التكلم به وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به لإمكان أن يكون فيه ~~شرك لا يعرف ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس بالرقى ما لم تكن ~~شركا ولا يجوز الاستعاذة بالجن فقد ذم الله الكافرين على ذلك فقال تعالى ~~@QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ قالوا ~~كان الإنسي إذا نزل بالوادي يقول أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه فيبيت في ~~أمن وجوار حتى يصبح فزادوهم رهقا يعني الإنس للجن باستعاذتهم بهم رهقا أي ~~إثما وطغيانا وجراءة وشرا وذلك أنهم قالوا قد سدنا الجن والإنس فالجن تعاظم ~~في أنفسها وتزداد كفرا إذا عاملتها الانس بهذه المعاملة وقد قال تعالى @QB@ ~~ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا ~~سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون @QE@ ~~فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة ويخاطبونهم PageV01P570 # بهذه العزائم وأنها تنزل عليهم ضالون وإنما تنزل علهم الشياطين وقد قال ~~تعالى @QB@ ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال ~~أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم @QE@ فاستمتاع ~~الإنسي بالجني في قضاء حوائجه وامتثال أوامره وإخباره بشيء من المغيبات ~~ونحو ذلك واستمتاع الجن بالإنس تعظيمه إياه واستعانته به واستغاثته وخضوعه ~~له # ونوع منهم بالأحوال الشيطانية والكشوف ومخاطبته رجال الغيب وأن لهم خوارق ~~تقتضي أنهم أولياء الله وكان من هؤلاء من يعين المشركين على المسلمين ويقول ~~إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين لكون المسلمين قد عصوا ms389 وهؤلاء ~~في الحقيقة إخوان المشركين والناس من أهل العلم فيهم على ثلاثة احزاب حزب ~~يكذبون بوجود رجال الغيب ولكن قد عاينهم الناس وثبت عمن عاينهم أو حدثه ~~الثقات بما رأوه وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم خضعوا لهم وحزب عرفوهم ~~ورجعوا إلى القدر واعتقدوا أن ثم في الباطن طريقا إلى الله غير طريقة ~~الانبياء وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا وليا خارجا عن دائرة الرسول فقالوا يكون ~~الرسول هو ممدا للطائفين فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه والحق أن ~~هؤلاء من أتباع الشياطين وأن رجال الغيب هم الجن ويسمون رجالا كما قال ~~تعالى @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ ~~وإلا فالإنس يؤنسون أي يشهدون ويرون وإنما يحتجب الإنسي أحيانا لايكون ~~دائما محتجبا عن أبصار الإنس ومن ظنهم أنهم من الإنس فمن غلطه وجهله وسبب ~~PageV01P571 # الضلال فيهم وافتراق هذه الاحزاب الثلاثة عدم الفرقان بين أولياء الشيطان ~~وأولياء الرحمن ويقول بعض الناس الفقراء يسلم اليهم حالهم وهذا كلام باطل ~~بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية فما وافقها قبل وما ~~خالفها رد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا ~~فهو رد وفي رواية من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد فلا طريقة إلا ~~طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا حقيقة إلا حقيقته ولا شريعة إلا ~~شريعته ولا عقيدة إلا عقيدته ولا يصل أحد من الخلق بعده إلى الله والى ~~رضوانه وجنته وكرامته إلا بمتابعته باطنا وظاهرا ومن لم يكن له مصدقا فيما ~~أخبر ملتزما لطاعته فيما أمر في الأمور الباطنة التي في القلوب والأعمال ~~الظاهرة التي على الابدان لم يكن مؤمنا فضلا عن أن يكون وليا لله تعالى ولو ~~طار في الهواء ومشى على الماء وأنفق من الغيب وأخرج الذهب من الخشب ولو حصل ~~له من الخوارق ماذا عسى أن يحصل فإنه لا يكون مع تركه الفعل المأمور وعزل ~~المحظور إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن ms390 الله تعالى ~~المقربة إلى سخطه وعذابه لكن من ليس يكلف من الأطفال والمجانين قد رفع عنهم ~~القلم فلا يعاقبون وليس لهم من الإيمان بالله والإقرار باطنا وظاهرا ما ~~يكونون به من أولياء الله المقربين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين لكن ~~يدخلون في الإسلام تبعا لآبائهم كما قال تعالى @QB@ والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما ~~كسب رهين @QE@ PageV01P572 # فمن اعتقد في بعض البله أو المولعين مع تركه لمتابعة الرسول في أقواله ~~وأفعاله وأحواله أنه من أولياء الله ويفضله على متبعي طريقة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فهو ضال مبتدع مخطىء في اعتقاده فإن ذاك الأبله إما أن يكون ~~شيطانا زنديقا أو زوكاريا متحيلا أو مجنونا معذورا فكيف يفضل على من هو من ~~أولياء الله المتبعين لرسوله أو يساوى به ولا يقال يمكن أن يكون هذا متبعا ~~في الباطن وإن كان تاركا للاتباع في الظاهر فإن هذا خطأ أيضا بل الواجب ~~متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا قال يونس بن عبد الأعلى ~~الصدفي قلت للشافعي إن صاحبنا الليث كان يقول إذا رأيتم الرجل يمشي على ~~الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة فقال الشافعي قصر ~~الليث رحمه الله بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا ~~تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب # وأما ما يقوله بعض الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال اطلعت ~~على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البله فهذا لا يصح PageV01P573 # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي نسبته اليه فإن الجنة إنما ~~خلقت لأولي الألباب الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم إلى الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصافهم في ~~كتابه فلم يذكر في أوصافهم البله الذي هو ضعف العقل وإنما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ولم يقل البله ~~PageV01P574 # والطائفة الملامية وهم الذين ms391 يفعلون ما يلامون عليه ويقولون نحن متبعون ~~في الباطن ويقصدون إخفاء المرائين ردوا باطلهم بباطل آخر والصراط المستقيم ~~بين ذلك وكذلك الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة مبتدعون ضالون وليس ~~للإنسان أن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله ولم يكن في الصحابة والتابعين من ~~يفعل ذلك ولو عند سماع القرآن بل كانوا كما وصفهم الله تعالى @QB@ إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ~~@QE@ وكما قال تعالى @QB@ الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر ~~منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى ~~الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد @QE@ # وأما الذين ذكرهم العلماء بخير من عقلاء المجانين فأولئك كان فيهم خير ثم ~~زالت عقولهم ومن علامة هؤلاء أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصحو تكلموا ~~بما كان في قلوبهم من الإيمان ويهتدون بذلك في حال زوال عقلهم بخلاف من كان ~~قبل جنونه كافرا أو فاسقا لم يكن حدوث جنونه مزيلا لما ثبت من كفره أو فسقه ~~وكذلك من جن من المؤمنين المتقين يكون محشورا مع المؤمنين المتقين وزوال ~~العقل بجنون أو غيره سواء سمي صاحبه مولعا أو متولها لا يوجب مزيد حال بل ~~حال صاحبه من الإيمان والتقوى يبقى على ما كان عليه من خير وشر لا أنه ~~يزيده أو ينقصه ولكن جنونه يحرمه الزيادة PageV01P575 # من الخير كما أنه يمنع عقوبته على الشر ولا يمحو عنه ما كان عليه قبله # وما يحصل لبعضهم عند سماع الأنغام المطربة من الهذيان والتكلم ببعض ~~اللغات المخالفة للسانه المعروف منه فذلك شيطان يتكلم على لسانه كما يتكلم ~~على لسان المصروع وذلك كله من الأحوال الشيطانية وكيف يكون زوال العقل سببا ~~أو شرطا أو تقربا إلى ولاية الله كما يظنه كثير من أهل الضلال حتى قال ~~قائلهم # % هم معشر حلوا النظام وخرقوا % السياج فلا فرض لديهم ولا نفل % % مجانين ~~إلا أن سر جنونهم % عزيز على أبوابه ms392 يسجد العقل % $ # وهذا كلام ضال بل كافر يظن أن في الجنون سرا يسجد العقل على بابه لما رآه ~~من بعض المجانين من نوع مكاشفة أو تصرف عجيب خارق للعادة ويكون ذلك سبب ما ~~اقترن به من الشياطين كما يكون للسحرة والكهان فيظن هذا الضال أن كل من خبل ~~أو خرق عادة كان وليا لله ومن اعتقد هذا فهو كافر فقد قال تعالى @QB@ هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم @QE@ فكل من تنزل عليه ~~الشياطين لا بد أن يكون عنده كذب وفجور # وأما الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات ويتركون الجمع والجماعات فهم ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا قد طبع الله ~~على قلوبهم كما قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر طبع الله على قلبه وكل من عدل عن اتباع سنة ~~PageV01P576 # الرسول إن كان عالما بها فهو مغضوب عليه وإلا فهو ضال ولهذا شرع الله لنا ~~أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين # وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر عليه السلام في تجويز الاستغناء عن ~~الوحي بالعلم اللدني الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق فهو ملحد زنديق فإن ~~موسى عليه السلام لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته ~~ولهذا قال له أنت موسى بني إسرائيل قال نعم ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث ~~إلى جميع الثقلين ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه وإذا نزل عيسى ~~عليه السلام إلى الأرض إنما يحكم بشريعة محمد فمن ادعى أنه مع محمد صلى ~~الله عليه وسلم كالخضر مع موسى أو جوز ذلك لأحد من الأمة فليجدد إسلامه ~~وليشهد شهادة الحق فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية فضلا عن أن يكون من ~~اولياء الله وإنما هو من أولياء الشيطان وهذا الموضع ms393 مفرق بين زنادقة القوم ~~وأهل الاستقامة وحرك تر وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث كانوا ~~فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~احصر عنها وهو يود منها نظرة وهؤلاء لهم شبه بالذين وصفهم الله تعالى حيث ~~يقول @QB@ بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة @QE@ إلى آخر السورة # $ قوله ونرى الجماعة حقا وصوابا والفرقة زيغا وعذابا # ش قال الله تعالى @QB@ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا @QE@ وقال ~~تعالى @QB@ ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب عظيم @QE@ PageV01P577 # وقال تعالى @QB@ إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما ~~أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون @QE@ وقال تعالى @QB@ ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك @QE@ فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف ~~وقال تعالى @QB@ ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب لفي شقاق @QE@ وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم إن أهل الكتابين ~~افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث ~~وسبعين ملة يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وفي رواية ~~قالوا من هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي فبين أن عامة المختلفين ~~هالكون إلا أهل السنة والجماعة وأن الاختلاف واقع لا محالة وروى الامام ~~أحمد عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الشيطان ذئب ~~الانسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية فإياكم والشعاب وعليكم ~~بالجماعة والعامة والمسجد وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال لما نزل قوله تعالى @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم أو من تحت أرجلكم @QE@ قال أعوذ بوجهك @QB@ أو يلبسكم شيعا ويذيق ~~بعضكم بأس بعض @QE@ قال هاتان أهون فدل على أنه لا بد أن يلبسهم شيعا ويذيق ~~بعضهم بأس بعض مع براءة الرسول من هذه الحال وهم فيها في جاهلية ولهذا قال ~~الزهري ms394 وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون فأجمعوا ~~على أن كل دم أو مال أو قرح أصيب بتأويل القرآن فهو هدر أنزلوهم منزلة ~~الجاهلية وقد روى مالك PageV01P578 # بإسناده الثابت عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول ترك الناس العمل ~~بهذه الآية يعني قوله تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله @QE@ فإن المسلمين لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم كما أمر الله ~~تعالى فلما لم يعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية وهكذا تسلسل النزاع # والأمور التي تتنازع فيها الأمة في الأصول والفروع إذا لم رد إلى الله ~~والرسول لم يتبين فيها الحق بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة من امرهم ~~فإن رحمهم الله اقر بعضهم بعضا ولم يبغ بعضهم على بعض كما كان الصحابة في ~~خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد فيقر بعضهم بعضا ولا ~~يعتدي ولا يعتدى عليه وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم فبغى بعضهم ~~على بعض إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه وإما بالفعل مثل حبسه وضربه وقتله ~~والذين امتحنوا الناس بخلق القرآن كانوا من هؤلاء ابتدعوا بدعه وكفروا من ~~خالفهم فيها واستحلوا منع حقه وعقوبته # فالناس اذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول إما عادلون وإما ظالمون ~~فالعادل فيهم الذي يعمل بما وصل اليه من آثار الأنبياء ولا يظلم غيره ~~والظالم الذي يعتدي على غيره وأكثرهم إنما يظلمون مع علمهم بأنهم يظلمون ~~كما قال تعالى @QB@ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم @QE@ وإلا فلو سلكوا ما علموه من العدل أقر بعضهم بعضا ~~كالمقلدين لأئمة العلم الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم ~~الله ورسوله في تلك المسائل فجعلوا أئمتهم نوابا عن الرسول وقالوا ~~PageV01P579 # PageV01P580 # هذا غاية ما قدرنا عليه فالعادل منهم لا يظلم الآخر ولا يعتدي عليه بقول ~~ولا فعل مثل أن يدعي أن قول مقلده هو الصحيح ms395 بلا حجة يبديها ويذم من خالفه ~~مع أنه معذور # ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان اختلاف تنوع واختلاف تضاد # واختلاف التنوع على وجوه منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا ~~مشروعا كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم حتى زجرهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال كلاكما محسن ومثله اختلاف الأنواع في صفة ~~الأذان والإقامة والاستفتاح ومحل سجود السهو والتشهد وصلاة الخوف وتكبيرات ~~العيد ونحو ذلك مما قد شرع جميعه وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل ثم تجد ~~لكثير من الأمة في ذلك الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة ~~وإيتارها ونحو ذلك وهذا عين المحرم وكذا تجد كثيرا منهم في قلبه من الهوى ~~لأحد هذه الانواع والإعراض عن الآخر والنهي عنه ما دخل به فيما نهى عنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم ومنه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول ~~الآخر لكن العبارتان مختلفتان كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود ~~وصيغ الأدلة والتعبير عن المسميات ونحو ذلك ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد ~~إحدى المقالتين وذم الأخرى والاعتداء على قائلها ونحو ذلك # وأما اختلاف التضاد فهو القولان المتنافيات إما في الأصول وإما في الفروع ~~عند الجمهور الذين يقولون المصيب واحد والخطب في هذا أشد لأن القولين ~~يتنافيان لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون PageV01P581 # القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما أو معه دليل يقتضي حقا ما فيرد ~~الحق مع الباطل حتى يبقى هذا مبطلا في البعض كما كان الاول مبطلا في الأصل ~~وهذا يجري كثير لأهل السنة # وأما أهل البدعة فالأمر فيهم ظاهر ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من ~~هذا ما تبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه وإن ~~كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا لكن نور على نور # والاختلاف الأول الذي هو اختلاف التنوع الذم فيه واقع على من بغى على ~~الآخر ms396 فيه وقد دل القرآن على حمد كل واحد من الطائفتين في مثل ذلك إذا لم ~~يحصل بغي كما في قوله تعالى @QB@ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله @QE@ وقد كانوا اختلفوا في قطع الاشجار فقطع قوم وترك ~~آخرون وكما في قوله تعالى @QB@ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ~~@QE@ فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالحكم والعلم وكما في إقرار النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها ولمن اخرها إلى ~~أن وصل إلى بني قريظة وكما في قوله إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا ~~اجتهد فأخطأ فله أجر # والاختلاف الثاني هو ما حمد فيه إحدى الطائفتين وذمت الاخرى كما في قوله ~~تعالى @QB@ ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ~~ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر @QE@ PageV01P582 وقوله تعالى @QB@ ~~هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار @QE@ # وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الاهواء بين الامة من القسم الأول وكذلك ~~إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء لأن إحدى الطائفتين لا ~~تعترف للأخرى بما معها من الحق ولا تنصفها بل تزيد على ما مع نفسها من الحق ~~زيادات من الباطل والأخرى كذلك ولذلك جعل الله مصدره البغي في قوله @QB@ ~~وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم @QE@ ~~لأن البغي مجاوزة الحد وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه ~~الأمة وقريب من هذا الباب ما خرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد عن الأعرج عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذروني ما ~~تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا ~~نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فأمرهم ~~بالإمساك عما لم يؤمروا به معللا بأن سبب ms397 هلاك الأولين إنما كان كثرة ~~السؤال ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية # ثم الاختلاف في الكتاب من الذين يقرون به على نوعين احدهما اختلاف في ~~تنزيله والثاني اختلاف في تأويله وكلاهما فيه إيمان ببعض دون بعض # فالأول كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله فطائفة قالت هذا الكلام ~~حصل بقدرته ومشيئته لكونه مخلوقا في غيره لم يقم به وطائفة قالت بل هو صفة ~~له قائم بذاته ليس بمخلوق لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته وكل من الطائفتين ~~جمعت في كلامها بين حق وباطل فآمنت ببعض الحق وكذبت بما تقوله الآخرى من ~~الحق وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك PageV01P583 # وأما الاختلاف في تأويله الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض فكثير كما في ~~حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على اصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية ~~فكأنما فقىء في وجهه حب الرمان فقال أبهذا أمرتم أم بهذا وكلتم أن تضربوا ~~كتاب الله بعضه ببعض أنظروا ما أمرتم به فاتبعوه وما نهيتم عنه فانتهوا وفي ~~رواية يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب ~~بعضه ببعض وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض ولكن نزل القرآن يصدق بعضه ~~بعضا ما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به وفي رواية فإن الأمم ~~قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا وإن المراء في القرآن كفر وهو حديث مشهور مخرج ~~في المسانيد والسنن وقد روى أصل الحديث مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن ~~رباح الانصاري أن عبد الله بن عمرو قال هجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوما فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال إنما هلك من كان قبلكم بإختلافهم في الكتاب # وجميع أهل البدع مختلفون في تأويله مؤمنون ببعضه دون بعض يقرون بما يوافق ~~رأيهم من الآيات وما يخالفه إما أن يتأوله تأويلا يحرفون ms398 فيه الكلم عن ~~مواضعه وإما أن يقولوا هذا متشابه لا يعلم أحد معناه فيجحدوا ما أنزله من ~~معانيه وهو في معنى الكفر بذلك لأن الايمان باللفظ بلا معنى هو من جنس ~~إيمان أهل الكتاب كما قال تعالى @QB@ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا @QE@ PageV01P584 وقال تعالى @QB@ ومنهم ~~أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني @QE@ أي إلا تلاوة من غير فهم معناه وليس ~~هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به واشتبه عليه بعضه فوكل علمه ~~إلى الله كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فما عرفتم منه فاعملوا ~~به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه فامتثل ما أمر به صلى الله عليه وسلم # # | قوله ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الاسلام قال الله تعالى ~~@QB@ إن الدين عند الله الإسلام @QE@ وقال تعالى @QB@ ورضيت لكم الإسلام ~~دينا @QE@ وهو بين الغلو والتقصير وبين التشبيه والتعطيل وبين الجبر والقدر ~~وبين الامن والإياس # ش ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد وقوله تعالى @QB@ ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه @QE@ عام في كل زمان ولكن الشرائع تتنوع كما قال ~~تعالى @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ فدين الاسلام هو ما شرعه الله ~~سبحانه وتعالى لعباده على السنة رسله وأصل هذا الدين وفروعه روايته عن ~~الرسل وهو ظاهر غاية الظهور يمكن كل مميز من صغير وكبير وفصيح وأعجم وذكي ~~وبليد أن يدخل فيه بأقصر زمان وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك من إنكار ~~كلمة أو تكذيب أو معارضة أو كذب على الله أو ارتياب في قول الله تعالى أو ~~رد لما أنزل أو شك فيما نفى الله عنه الشك أو غير ذلك مما في معناه فقد دل ~~الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام وسهولة تعلمه وأنه يتعلمه PageV01P585 # الوافد ثم يولي في وقته واختلاف تعليم النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ~~الألفاظ ms399 بحسب من يتعلم فإن كان بعيد الوطن كضمام بن ثعلبة النجدي ووفد عبد ~~القيس علمهم ما لم يسعهم جهله مع علمه أن دينه سينشر في الآفاق ويرسل اليهم ~~من يفقههم في سائر ما يحتاجون اليه ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل ~~وقت بحيث يتعلم على التدريج أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه ~~أجابه بحسب حاله وحاجته على ما تدل قرينة حال السائل كقوله قل آمنت بالله ~~ثم استقم وأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له ~~لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن غيره من ~~المرسلين إذ هو باطل وملزوم الباطل باطل كما أن لازم الحق حق # وقوله بين الغلو والتقصير قال تعالى @QB@ قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم غير الحق @QE@ وقال تعالى @QB@ أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما ~~أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله ~~حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون @QE@ وفي الصحيحين عن عائشة ~~رضي الله عنها أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم لا آكل اللحم ~~وقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا أنام على فراش فبلغ ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا لكني أصوم وأفطر ~~وأنام واقوم وآكل اللحم وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني وفي غير ~~الصحيحين سألوا عن عبادته في السر فكأنهم تقالوها PageV01P586 # وذكر في سبب نزول الآية الكريمة عن ابن جريج عن عكرمة أن عثمان ابن مظعون ~~وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالما مولى أبي حذيفة رضي ~~الله عنهم في أصحابه تبتلوا فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا ~~المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني ms400 ~~اسرائيل وهموا بالاختصاء واجمعوا لقيام الليل وصيام النهار فنزلت @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين @QE@ يقول لا تسيروا بغير سنة المسلمين يريد ما حرموا من ~~النساء والطعام واللباس وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار وما هموا ~~به من الاختصاء فلما نزلت فيهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم اليهم فقال إن ~~لأنفسكم عليكم حقا وإن لأعينكم حقا صوموا وأفطروا وصلوا وناموا فليس منا من ~~ترك سنتنا فقالوا اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت # وقوله وبين التشبيه والتعطيل تقدم أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يوصف بما ~~وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تشبيه فلا يقال سمع كسمعنا ولا بصر ~~كبصرنا ونحوه ومن غير تعطيل فلا ينفي عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به اعرف ~~الناس به رسوله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك تعطيل وقد تقدم الكلام في هذا ~~المعنى ونظير هذا القول قوله ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب ~~التنزيه وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى @QB@ ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير @QE@ فقوله @QB@ ليس كمثله شيء @QE@ رد على المشبهة وقوله @QB@ وهو ~~السميع البصير @QE@ رد على المعطلة PageV01P587 # وقوله وبين الجبر والقدر تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى وأن العبد غير ~~مجبور على أفعاله وأقواله وأنها ليست بمنزلة حركات المرتعش وحركات الاشجار ~~بالرياح وغيرها وليست مخلوقة للعباد بل هي فعل العبد وكسبه وخلق الله تعالى # وقوله وبين الأمن الإياس تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى وأنه يجب أن ~~يكون العبد خائفا من عذاب ربه راجيا رحمته وأن الخوف والرجاء بمنزلة ~~الجناحين للعبد في سيره إلى الله تعالى والدار الآخرة # # | قوله فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا ونحن براء إلى الله تعالى من ~~كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه ونسأل الله تعالى ان يثبتنا على الايمان ~~ويختم لنا به ويعصمنا من الاهواء المختلفة والاراء المتفرقة والمذاهب ~~الردية مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم ms401 من الذين ~~خالفوا السنة والجماعة وحالفوا الضلالة ونحن منهم براء وهم عندنا ضلال ~~واردياء وبالله العصمة والتوفيق # ش الإشارة بقوله فهذا كل ما تقدم من أول الكتاب إلى هنا والمشبة هم الذين ~~شبهوا الله سبحانه بالخلق في صفاته وقولهم عكس قول النصارى شبهوا المخلوق ~~وهو عيسى عليه السلام بالخالق وجعلوه إلها وهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق ~~كداود الجواربي وأشباهه # والمعتزلة هم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهما سموا بذلك لما ~~اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري رحمه الله في أوائل المائة الثانية ~~وكانوا يجلسون معتزلين فيقول قتادة وغيره أولئك المعتزلة وقيل إن واصل بن ~~عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة وتابعه عمرو بن عبيد تلميذ الحسن ~~البصري فلما كان زمن PageV01P588 هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل كتابين ~~وبين مذهبهم وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة التي سموها العدل والتوحيد ~~وإنفاذ الوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~ولبسوا فيها الحق بالباطل إذ شأن البدع هذا اشتمالها على حق وباطل وهم ~~مشبهة الأفعال لأنهم قاسوا أفعال الله تعالى على أفعال عباده وجعلوا ما ~~يحسن من العباد يحسن منه وما يقبح من العباد يقبح منه وقالوا يجب عليه أن ~~يفعل كذا ولا يجوز له أن يفعل كذا بمقتضى ذلك القياس الفاسد فإن السيد من ~~بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه ولا يمنعهم من ذلك لعد إما مستحسنا ~~للقبيح وإما عاجزا فكيف يصح قياس أفعاله سبحانه وتعالى على أفعال عباده ~~والكلام على هذا المعنى مبسوط في موضعه فأما العدل فستروا تحته نفي القدر ~~وقالوا إن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به إذ لو خلقه ثم يعذبهم عليه يكون ~~ذلك جورا والله تعالى عادلا لا يجور ويلزم على هذا الأصل الفاسد أن الله ~~تعالى يكون في ملكه ما لا يريده فيريد الشيء ولا يكون ولازمه وصفه بالعجز ~~تعالى الله عن ذلك وأما التوحيد فستروا تحته القول بخلق القرآن إذ لو كان ~~غير مخلوق لزم تعدد القدماء ويلزمهم على هذا ms402 القول الفاسد أن علمه وقدرته ~~وسائر صفاته مخلوقة أو التناقض وأما الوعيد فقالوا إذا أوعد بعض عبيده ~~وعيدا فلا يجوز أن لا يعذبهم ويخلف وعيده لأنه لا يخلف الميعاد فلا يعفو ~~عمن يشاء ولا يغفر لمن يريد عندهم وأما المنزلة بين المنزلتين فعندهم أن من ~~ارتكب كبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر وأما الأمر بالمعروف فهو ~~أنهم قالوا علينا أن نأمر غيرنا بما أمرنا به وأن نلزمه بما يلزمنا وذلك هو ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضمنوه أنه يجوز الخروج على الأئمة ~~بالقتال إذا جاروا PageV01P589 # وقد تقدم جواب هذه الشبه الخمس في مواضعها وعندهم أن التوحيد والعدل من ~~الأصول العقلية التي لا يعلم صحة السمع إلا بعدها وإذا استدلوا على ذلك ~~بأدلة سمعية فإنما يذكرونها للاعتضاد بها لا للاعتماد عليها فهم يقولون لا ~~نثبت هذه بالسمع بل العلم بها متقدم على العلم بصحة النقل فمنهم من لا ~~يذكرها في الأصول إذ لا فائدة فيها عندهم ومنهم من يذكرها ليبين موافقة ~~السمع للعقل ولإيناس الناس بها لا للاعتماد عليها والقرآن والحديث فيه ~~عندهم بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب والمدد اللاحق بعسكر مستغن عنهم ~~وبمنزلة من يتبع هواه واتفق أن الشرع ما يهواه كما قال عمر بن عبد العزيز ~~لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه ويخالفه اذا خالف هواه فإذا أنت لا ~~تثاب على ما وافقته من الحق وتعاقب على ما تركته منه لأنك إنما اتبعت هواك ~~في الموضعين وكما أن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى والعمل يتبع ~~قصد صاحبه وإرادته فالاعتقاد القوي يتبع أيضا علم ذلك وتصديقه فإذا كان ~~تابعا للإيمان كان من الإيمان كما أن العمل الصالح إذا كان عن نية صالحة ~~كان صالحا وإلا فلا فقول أهل الإيمان التابع لغير الإيمان كعمل أهل الصلاح ~~التابع لغير قصد أهل الصلاح وفي المعتزلة زنادقة كثيرة وفيهم من ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا # والجهمية هم المنتسبون إلى جهم بن صفوان السمرقندي ms403 وهو الذي أظهر نفي ~~الصفات والتعطيل وهو أخذ ذلك عن الجعد بن درهم الذي ضحى به خالد بن عبد ~~الله القسري بواسط فإنه خطب الناس في يوم عيد الاضحى وقال أيها الناس ضحوا ~~تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم ان الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ~~ثم نزل PageV01P590 # فذبحه وكان ذلك بعد استفتاء علماء زمانه وهم السلف الصالح رحمهم الله ~~تعالى وكان جهم بعده بخراسان فأظهر مقالته هناك وتبعه عليها ناس بعد أن ترك ~~الصلاة اربعين يوما شكا في ربه وكان ذلك لمناظرته قوما من المشركين يقال ~~لهم السمنية من فلاسفة الهند الذين ينكرون من العلم ما سوى الحسيات قالوا ~~له هذا ربك الذي تعبده هل يرى أو يشم أو يذاق أو يلمس فقال لا فقالوا هو ~~معدوم فبقي اربعين يوما لا يعبد شيئا ثم لما خلا قلبه من معبود يؤلهه نقش ~~الشيطان اعتقادا نحته فكره فقال إنه الوجود المطلق ونفى جميع الصفات واتصل ~~بالجعد وقد قيل إن جعدا كان قد اتصل بالصابئة الفلاسفة من أهل حران وأنه ~~أيضا أخذ شيئا عن بعض اليهود المحرفين لدينهم المتصلين بلبيد بن الأعصم ~~الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم فقتل جهم بخراسان قتله سلم بن ~~أحوز ولكن كانت قد فشت مقالته في الناس وتقلدها بعده المعتزلة ولكن كان جهم ~~أدخل في التعطيل منهم لأنه ينكر الاسماء حقيقة وهم لا ينكرون الاسماء بل ~~الصفات وقد تنازع العلماء في الجهمية هل هم من الثنتين وسبعين فرقة أم لا ~~ولهم في ذلك قولان وممن قال إنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة عبد الله بن ~~المبارك ويوسف بن أسباط وإنما اشتهرت مقالة الجهمية من حين محنة الإمام ~~أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة فإنه من إمارة المأمون قووا وكثروا فإنه ~~قد أقام بخراسان مدة واجتمع بهم ثم كتب بالمحنة من طرطوس سنة ثمان عشرة ~~ومائتين وفيها مات وردوا الإمام أحمد ms404 إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين وفيما ~~كانت محنته مع المعتصم ومناظرته لهم بالكلام فلما PageV01P591 رد عليهم ما ~~احتجوا به عليه وبين أنه لا حجة لهم في شيء من ذلك وأن طلبهم من الناس أن ~~يوافقوهم وامتحانهم إياهم جهل وظلم وأراد المعتصم اطلاقه اشار عليه من اشار ~~بان المصلحة ضربه لئلا تنكسر حرمة الخلافة من بعد مرة فلما ضربوه قامت ~~الشناعة في العامة وخافوا فأطلقوه وقصته مذكورة في كتب التاريخ ومما انفرد ~~به جهم أن الجنة والنار تفنيان وأن الإيمان هو المعرفة فقط والكفر هو الجهل ~~فقط وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده وأن الناس إنما تنسب إليهم ~~أفعالهم على سبيل المجاز كما يقال تحركت الشجرة ودار الفلك وزالت الشمس ~~ولقد أحسن القائل % عجبت لشيطان دعا الناس جهرة % إلى النار واشتق اسمه من ~~جهنم % $ # وقد نقل أن أبا حنيفة رحمه الله لما سئل عن الكلام في الأعراض والأجسام ~~فقال لعن الله عمرو بن عبيد هو فتح على الناس الكلام في هذا # والجبرية اصل قولهم من جهم بن صفوان كما تقدم وأن فعل العبد بمنزلة طوله ~~ولونه وهم عكس القدرية نفاه القدرة فإن القدرية إنما نسبوا إلى القدر ~~لنفيهم إياه كما سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء وأنه لا أحد مرجأ لأمر الله ~~إما يعذبهم وإما يتوب عليهم وقد تسمى الجبرية قدرية لأنهم غلوا في إثبات ~~القدر وكما يسمى الذين لا يجزمون بشيء من الوعد والوعيد بل يغلون في إرجاء ~~كل امر حتى الأنواع فلا يجزمون بثواب من تاب كما لا يجزمون بعقوبة من لم ~~يتب وكما لا يجزم لمعين وكانت المرجئة الأولى يرجئون عثمان وعليا ولا ~~يشهدون بإيمان ولا كفر # وقد ورد في ذم القدرية أحاديث في السنن منها ما روى أبو داود في سننه من ~~حديث عبد العزيز بن أبي حازم عن ابيه PageV01P592 عن ابن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال القدرية محبوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ~~ماتوا فلا تشهدوهم وروي في ذم ms405 القدرية احاديث أخر كثيرة تكلم أهل الحديث في ~~صحة رفعها والصحيح أنها موقوفة بخلاف الأحاديث الواردة في ذم الخوارج فإن ~~فيهم في الصحيح وحده عشرة احاديث أخرج البخاري منها ثلاثة وأخرج مسلم ~~سائرها ولكن مشابهتهم للمجوس ظاهرة بل قولهم أردأ من قول المجوس فإن المجوس ~~اعتقدوا وجود خالقين والقدرية اعتقدوا خالقين # وهذه البدع المتقابلة حدثت من الفتن المفرقة بين الامة كما ذكر البخاري ~~في صحيحه عن سعيد بن المسيب قال وقعت الفتنة الآولى يعني مقتل عثمان فلم ~~تبق من أصحاب بدر أحدا ثم وقعت الفتنة الثانية فلم تبق من أصحاب الحديبية ~~أحدا ثم وقعت الثالثة فلم ترتفع وللناس طباخ أي عقل وقوة فالخوارج والشعية ~~حدثوا في الفتنة الأولى والقدرية والمرجئة في الفتنة الثانية والجهمية ~~ونحوهم بعد الفتنة الثالثة فصار هولاء @QB@ الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~@QE@ يقابلون البدعة بالبدعة أولئك غلوا في علي واولئك كفروه وأولئك غلوا ~~في الوعيد حتى خلدوا بعض المؤمنين وأولئك غلو في الوعيد حتى نفوا بعض ~~الوعيد أعني المرجئة وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات وهؤلاء غلوا ~~في الإثبات حتى وقعوا في التشبه وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس ~~بمشروع ويعرضون عن الأمر المشروع وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب ~~الأوائل اليهود والنصارى والمجوس والصابئين فإنهم قرؤوا كتبهم فصار عندهم ~~من ضلالتهم ما ادخلوه في مسائلهم ودلائلهم وغيروه في اللفظ تاره ~~PageV01P593 # وفي المعنى أخرى فلبسوا الحق بالباطل وكتموا حقا جاء به نبيهم فتفرقوا ~~واختلفوا وتكلموا حينئذ في الجسم والعرض والتجسيم نفيا واثباتا # وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله ~~باتباعه فقال تعالى @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله @QE@ وقال تعالى @QB@ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني @QE@ فوحد لفظ صراطه وسبيله وجمع السبل المخالفة له ~~وقال ابن مسعود رضي الله عنه خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وقال ~~هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن ms406 يمينه وعن يساره وقال هذه سبل على كل سبيل ~~شيطان يدعو اليه ثم قرأ @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون @QE@ ومن هنا يعلم أن ~~اضطرار العبد إلى سؤال هداية الصراط المستقيم فوق كل ضرورة ولهذا شرع الله ~~تعالى في الصلاة قراءة أم القرآن في كل ركعة اما فرضا أو ايجابا على حسب ~~اختلاف العلماء في ذلك لإحتياج العبد إلى هذا الدعاء العظيم القدر المشتمل ~~على أشرف المطالب وأجلها فقد أمرنا الله تعالى أن نقول @QB@ اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ وقد ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ~~ضالون وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لتتبعن سنن من ~~كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا ~~PageV01P594 يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن # قال طائفة من السلف من انحرف من العلماء ففيه شبه من اليهود ومن انحرف من ~~العباد ففيه شبه من النصارى فلهذا تجد اكثر المنحرفين من أهل الكلام من ~~المعتزلة ونحوهم فيه شبه من اليهود حتى أن علماء اليهود يقرؤون كتب شيوخ ~~المعتزلة ويستحسنون طريقتهم وكذا شيوخ المعتزلة يميلون إلى اليهود ~~ويرجحونهم على النصارى وأكثر المنحرفين من العباد من المتصوفة ونحوهم فيهم ~~شبه من النصارى ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد ونحو ~~ذلك وشيوخ هؤلاء يذمون الكلام وأهله وشيوخ أولئك يعيبون طريقة هؤلاء ~~ويصنفون في ذم السماع والوجد وكثير من الزهد والعبادة التي أحدثها هؤلاء # ولفرق الضلال في الوحي طريقتان طريقة التبديل وطريقة التجهيل أما أهل ~~التبديل فهم نوعان أهل الوهم والتخييل وأهل التحريف والتأويل # فأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون أن الانبياء أخبروا عن الله واليوم ~~الآخر والجنة والنار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه لكنهم خاطبوهم بما ~~يتخيلون به ويتوهمون به أن الله شيء عظيم كبير وأن الأبدان تعاد وأن لهم ~~نعيما ms407 محسوسا وعقابا محسوسا وإن كان الأمر ليس كذلك لأن مصلحة الجمهور في ~~ذلك وان كان كذبا فهو كذب لمصلحة الجمهور وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم ~~على هذا الأصل PageV01P595 # وأما أهل التحريف والتأويف فهم الذين يقولون أن الانبياء لم يقصدوا بهذه ~~الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر وأن الحق في نفس الامر هو ما علمناه ~~بعقولنا ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع ~~التأويلات ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل بل يقولون يجوز أن يراد كذا ~~وغاية ما معهم امكان احتمال اللفظ # وأما أهل التجهيل والتضليل الذين حقيقة قولهم ان الأنبياء وأتباع ~~الأنبياء جاهلون ضالون لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات ~~وأقوال الانبياء ويقولون يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه الا الله لا ~~يعلمه جبرائيل ولا محمد ولا غيره من الأنبياء فضلا عن الصحابة والتابعين ~~لهم باحسان وأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقرأ @QB@ الرحمن على العرش ~~استوى @QE@ @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ @QB@ ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي @QE@ وهو لا يعرف معاني هذه الآيات بل معناها الذي دلت عليه لا يعرفه ~~الا الله تعالى ويظنون أن هذه طريقة السلف # ثم منهم من يقول ان المراد بهذا خلاف مدلولها الظاهر المفهوم ولا يعرفه ~~أحد كما لا يعلم وقت الساعة ومنهم من يقول بل تجري على ظاهرها وهؤلاء ~~يشتركون في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة ~~أو متشابهة ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعله الفريق الآخر ~~مشكلا ثم منهم من يقول لم يعلم معانيها ايضا ومنهم من يقول علمها ولم ~~يبينها بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية وعلى من يجتهد في العلم ~~بتأويل تلك النصوص فهم مشتركون في أن الرسول لم يعلم أو لم يعلم بل ~~PageV01P596 نحن عرفنا الحق بعقولنا ثم اجتهدنا في حمل كلام الرسول على ما ~~يوافق عقولنا وأن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات ولا يفهمون ~~السميعات وكل ms408 ذلك ضلال وتضليل عن سواء السبيل # نسأل الله السلامة والعافية من هذه الأقوال الواهية المفضية بقائلها إلى ~~الهاوية سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب ~~العالمين # وجد في نهاية الأصل المخطوط ما يلي # قد تم تحريرها على يد الفقير خادم العلماء الأعلام والمحرري الكتب في ~~جامع مدرسة مرجان عليه الرحمة والرضوان عبد المحي بن عبد الحميد بن الحاج ~~محمد مكي الشيخلي البغدادي يوم الاثنين التاسع من شهر رجب الأصم من شهور ~~سنة اثنتين وعشرين وثلاثمئة بعد الألف PageV01P597 ms409