######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008352 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: صدر الدين محمد بن علاء الدين علي بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (المتوفى: 792هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 792 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح العقيدة الطحاوية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008352 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8352 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8352 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: شعيب الأرنؤوط - عبد الله بن المحسن التركي #META# 041.EdNUMBER :: العاشرة، 1417هـ - 1997م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مؤسسة الرسالة - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة الشارح ### | [علم أصول الدين أفضل العلوم] # بسم الله الرحمن الرحيم. # حسبي الله ونعم الوكيل. # الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ~~ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد: فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف ~~المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو ~~حنيفة رحمة الله عليه ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين: " الفقه ~~الأكبر " وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، # PageV01P005 # وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، لأنه لا حياة للقلوب، ولا نعيم ولا طمأنينة، ~~إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها، بأسمائه وصفاته وأفعاله. ويكون مع ذلك ~~كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر ~~خلقه. # ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل، فاقتضت رحمة ~~العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين، وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ~~ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم، وزبدة رسالتهم، معرفة المعبود ~~سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة ~~كلها من أولها إلى آخرها. ### | [أعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه] # ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان: # أحدهما: تعريف الطريق الموصل إليه، وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه. # والثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم. # فأعرف الناس بالله عز وجل أتبعهم للطريق الموصل إليه، وأعرفهم بحال ~~السالكين عند القدوم عليه. ولهذا سمى الله ما أنزله على رسوله روحا، لتوقف ~~الحياة الحقيقية عليه، ونورا لتوقف الهداية عليه. فقال تعالى: {يلقي الروح ~~من أمره على من يشاء من عباده} [غافر: 15] (غافر: 15) . وقال تعالى: # PageV01P006 # {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ~~ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من ms001 عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم - ~~صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} ~~[الشورى: 52 - 53] (الشورى: 52 - 53) . ولا روح إلا فيما جاء به الرسول، ~~ولا نور إلا في الاستضاءة به، # وهو الشفاء، كما قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} [فصلت: 44] ~~(فصلت: 44) . فهو وإن كان هدى، وشفاء مطلقا، لكن لما كان المنتفع بذلك هم ~~(المؤمنين) ، خصوا بالذكر. # والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فلا هدى إلا فيما جاء به. ### | [وجوب الإيمان المجمل على كل أحد] # ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما ~~مجملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل # PageV01P007 # فرض على الكفاية، فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في ~~تدبر القرآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر، والدعاء إلى ~~الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة ~~والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله على ~~المؤمنين، فهو واجب على الكفاية منهم. # وأما ما يجب على أعيانهم: فهذا يتنوع بتنوع قدرهم، وحاجتهم ومعرفتهم، وما ~~أمر به أعيانهم، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما ~~يجب على القادر على ذلك. # ويجب على من سمع النصوص، وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم ~~يسمعها، ويجب على المفتي والمحدث والحاكم ما لا يجب على من ليس كذلك. ### | [عامة من ضل في باب العقائد إثما لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول] # وينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه # PageV01P008 # عن معرفة الحق، فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر ~~والاستدلال الموصل إلى معرفته. فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال ~~تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى - ومن أعرض ~~عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ms002 ونحشره يوم القيامة أعمى - قال رب لم حشرتني ~~أعمى وقد كنت بصيرا - قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} [طه: ~~123 - 126] (طه: 123 126) . # قال ابن عباس رضي الله عنه: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، أن ~~لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية. # وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها ستكون فتن قلت: فما المخرج منها يا ~~رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما ~~بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من # PageV01P009 # جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله ~~المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به ~~الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من ~~قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط ~~مستقيم» إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، الدالة على مثل هذا المعنى. # PageV01P010 # ولا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا يدينونه، إلا أن يكون موافقا ~~لدينه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم السلام. # وقد نزه الله تعالى نفسه عما يصفه به العباد، إلا ما وصفه به المرسلون ~~بقوله سبحانه: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون - وسلام على المرسلين - ~~والحمد لله رب العالمين} [الصافات: 180 - 182] (الصافات: 180 - 182) . فنزه ~~نفسه سبحانه عما يصفه به الكافرون، ثم سلم على المرسلين، لسلامة ما وصفوه ~~به من النقائص والعيوب، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها ~~كمال الحمد. # ومضى على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم خير القرون، وهم الصحابة ~~والتابعون لهم بإحسان، يوصي به الأول الآخر ويقتدي فيه اللاحق بالسابق. وهم ~~في ذلك كله بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم مقتدون، وعلى منهاجه سالكون، ~~كما قال تعالى في كتابه العزيز: {قل هذه سبيلي أدعو إلى ms003 الله على بصيرة أنا ~~ومن اتبعني} [يوسف: 108] (يوسف: 108) . فإن كان قوله. ومن اتبعني معطوفا ~~على الضمير في أدعو، فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله. وإن كان ~~معطوفا على الضمير المنفصل، فهو صريح أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جاء به ~~دون غيرهم، وكلا المعنيين حق. # وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين، وأوضح الحجة ~~للمستبصرين، وسلك سبيله خير القرون. # ثم خلف من بعدهم خلف اتبعوا أهواءهم، # PageV01P011 # وافترقوا، فأقام الله لهذه الأمة من يحفظ عليها أصول دينها، كما أخبر ~~الصادق صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، ~~لا يضرهم من خذلهم.» # PageV01P012 ### | التعريف بأبي جعفر الطحاوي # وممن قام بهذا الحق من علماء المسلمين: الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن ~~سلامة الأزدي الطحاوي، تغمده الله برحمته، بعد المائتين، فإن مولده سنة تسع ~~وثلاثين ومائتين، ووفاته سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. # فأخبر رحمه الله عما كان عليه السلف، ونقل عن الإمام أبي حنيفة النعمان ~~بن ثابت الكوفي، وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصاري، ~~ومحمد بن الحسن الشيباني رضي الله عنهم - ما كانوا يعتقدون من أصول الدين، ~~ويدينون به رب العالمين. # وكلما بعد العهد، ظهرت البدع، وكثر التحريف الذي سماه أهله تأويلا ليقبل، ~~وقل من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل. إذ قد يسمى صرف الكلام عن ~~ظاهره إلى معنى آخر يحتمله اللفظ في الجملة تأويلا، وإن لم يكن ثم قرينة ~~توجب ذلك، ومن هنا حصل الفساد. فإذا سموه تأويلا قبل وراج على من لا يهتدي ~~إلى الفرق بينهما. # PageV01P013 # فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى إيضاح الأدلة، ودفع الشبه الواردة عليها، ~~وكثر الكلام والشغب، وسبب ذلك إصغاؤهم إلى شبه المبطلين، وخوضهم في الكلام ~~المذموم، الذي عابه السلف، ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به والإصغاء إليه، ~~امتثالا لأمر ربهم، حيث قال: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره} [الأنعام: 68] (الأنعام: 68) فإن معنى الآية ~~يشملهم. # وكل من التحريف والانحراف ms004 على مراتب: فقد يكون كفرا، وقد يكون فسقا، وقد ~~يكون معصية، وقد يكون خطأ. ### | [نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء] # فالواجب اتباع المرسلين، واتباع ما أنزله الله عليهم. وقد ختمهم الله ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، فجعله آخر الأنبياء، وجعل كتابه مهيمنا على ما ~~بين يديه من كتب السماء، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وجعل دعوته عامة لجميع ~~الثقلين، الجن والإنس، باقية إلى يوم القيامة، وانقطعت به حجة العباد على ~~الله. وقد بين الله به كل شيء، وأكمل # PageV01P014 # له ولأمته الدين خبرا وأمرا، وجعل طاعته طاعة له، ومعصيته معصية له، ~~وأقسم بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم، وأخبر أن المنافقين ~~يريدون أن يتحاكموا إلى غيره، وأنهم إذا دعوا إلى الله والرسول - وهو ~~الدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله - صدوا صدودا، وأنهم يزعمون أنهم إنما ~~أرادوا إحسانا وتوفيقا. # كما يقوله كثير من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم: إنما نريد أن نحس الأشياء ~~بحقيقتها، أي: ندركها ونعرفها، ونريد التوفيق بين الدلائل التي يسمونها ~~العقليات، - وهي في الحقيقة: جهليات - وبين الدلائل النقلية المنقولة عن ~~الرسول، أو نريد التوفيق بين الشريعة والفلسفة. وكما يقوله كثير من ~~المبتدعة، من المتنسكة والمتصوفة: إنما نريد الأعمال بالعمل الحسن، ~~والتوفيق بين الشريعة وبين ما يدعونه من الباطل، الذي يسمونه: حقائق وهي ~~جهل وضلال. # وكما يقوله كثير من المتملكة والمتأمرة: إنما نريد الإحسان بالسياسة ~~الحسنة، والتوفيق بينها وبين الشريعة، ونحو ذلك. ### | [ما جاء به الرسول يدخل فيه كل حق وهو كاف كامل] # وكل من طلب أن يحكم في شيء من أمر الدين غير ما جاء به الرسول، ويظن أن ~~ذلك حسن، وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول وبين ما يخالفه - فله نصيب من ~~ذلك، بل ما جاء به الرسول كاف كامل، يدخل فيه كل حق، وإنما وقع التقصير من ~~كثير من المنتسبين إليه، فلم يعلموا ما جاء به الرسول في كثير من الأمور ~~الكلامية الاعتقادية، # PageV01P015 # ولا في كثير من الأحوال العبادية، ولا في كثير من ms005 الإمارة السياسية، أو ~~نسبوا إلى شريعة الرسول، بظنهم وتقليدهم ما ليس منها، وأخرجوا عنها كثيرا ~~مما هو منها. # فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم، وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم، ~~كثر النفاق، ودرس كثير من علم الرسالة. # بل البحث التام، والنظر القوي، والاجتهاد الكامل، فيما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، ليعلم ويعتقد، ويعمل به ظاهرا وباطنا، فيكون قد تلي حق ~~تلاوته، وأن لا يهمل منه شيء. # وإن كان العبد عاجزا عن معرفة بعض ذلك، أو العمل به، فلا ينهى عما عجز ~~عنه مما جاء به الرسول، بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه، لكن عليه أن يفرح ~~بقيام غيره به، ويرضى بذلك، ويود أن يكون قائما به، وأن لا يؤمن ببعضه ~~ويترك بعضه، بل يؤمن بالكتاب كله، وأن يصان عن أن يدخل فيه ما ليس منه، من ~~رواية أو رأي، أو يتبع ما ليس من عند الله، اعتقادا أو عملا، كما قال ~~تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 42] ~~(البقرة: 42) . # وهذه كانت طريقة السابقين الأولين، وهي طريقة التابعين لهم بإحسان إلى ~~يوم القيامة. وأولهم السلف القديم من التابعين الأولين، ثم من بعدهم. ومن ~~هؤلاء أئمة الدين المشهود لهم عند الأمة الوسط بالإمامة. # PageV01P016 ### | [نقول عن السلف في ذم علم الكلام] # فعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال لبشر المريسي: العلم بالكلام هو ~~الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأسا في الكلام قيل: ~~زنديق، أو رمي بالزندقة. أراد بالجهل به اعتقاد عدم صحته، فإن ذلك علم ~~نافع، أو أراد به الإعراض عنه أو ترك الالتفات إلى اعتباره. فإن ذلك يصون ~~علم الرجل وعقله، فيكون علما بهذا الاعتبار. والله أعلم. # وعنه أيضا أنه قال: من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء ~~أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب. # وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا ~~بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: # PageV01P017 # هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على ms006 الكلام. # وقال أيضا رحمه الله تعالى (شعرا) : # كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين # العلم ما كان فيه قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين # وذكر الأصحاب في الفتاوى: أنه لو أوصى لعلماء بلده: لا يدخل المتكلمون، ~~ولو أوصى إنسان أن يوقف من كتبه ما هو من كتب العلم، فأفتى السلف أن يباع ~~ما فيها من كتب الكلام. ذكر ذلك بمعناه في الفتاوى الظهيرية. # فكيف يرام الوصول إلى علم الأصول، بغير اتباع ما جاء به الرسول؟ ! ولقد ~~أحسن القائل: # أيها المغتدي ليطلب علما ... كل علم عبد لعلم الرسول # تطلب الفرع كي تصحح أصلا ... كيف أغفلت علم أصل الأصول # PageV01P018 # ونبينا صلى الله عليه وسلم أوتي فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، فبعث ~~بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والآخرية على أتم الوجوه، ولكن كلما ابتدع ~~شخص بدعة اتسعوا في جوابها، فلذلك صار كلام المتأخرين كثيرا، قليل البركة، ~~بخلاف كلام المتقدمين، فإنه قليل، كثير البركة، لا كما يقوله ضلال ~~المتكلمين وجهلتهم: إن طريقة القوم أسلم، وإن طريقتنا أحكم وأعلم، وكما ~~يقوله من لم يقدرهم قدرهم من المنتسبين إلى الفقه: إنهم لم يتفرغوا ~~لاستنباطه، وضبط قواعده وأحكامه اشتغالا منهم بغيره! والمتأخرون تفرغوا ~~لذلك، فهم أفقه! ! فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف، وعمق علومهم، ~~وقلة تكلفهم، وكمال بصائرهم. وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف ~~والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها، # PageV01P019 # وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء. ~~فالمتأخرون في شأن، والقوم في شأن آخر، وقد جعل الله لكل شيء قدرا. # وقد شرح هذه العقيدة غير واحد من العلماء، ولكن رأيت بعض الشارحين قد ~~أصغى إلى أهل الكلام المذموم، واستمد منهم، وتكلم بعباراتهم. ### | [كراهة السلف التكلم بألفاظ لاشتمالها على حق وباطل] # والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه ~~اصطلاحا جديدا على معان صحيحة، كالاصطلاح على ألفاظ لعلوم صحيحة، ولا كرهوا ~~أيضا الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمور ms007 ~~كاذبة مخالفة للحق، ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة، ولهذا لا تجد عند ~~أهلها من اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين، فضلا عن علمائهم. # ولاشتمال مقدماتهم على الحق والباطل، كثر المراء والجدال، وانتشر القيل ~~والقال، وتولد لهم عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما ~~يضيق عنه المجال. وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله: " فمن رام علم ما حظر ~~عنه علمه. . . ". # وقد أحببت أن أشرحها سالكا طريق السلف في عباراتهم، وأنسج على منوالهم، ~~متطفلا عليهم، لعلي أن أنظم في سلكهم، وأدخل في عدادهم، وأحشر في زمرتهم ~~{مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ~~أولئك رفيقا} [النساء: 69] (النساء: 69) . # PageV01P020 # ولما رأيت النفوس مائلة إلى الاختصار، آثرته على التطويل والإسهاب. {وما ~~توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} [هود: 88] (هود: 88) . # وهو حسبنا ونعم الوكيل. ### | [التوحيد] ### | [التوحيد هو أول دعوة الرسل] # قوله: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك ~~له) . # ش: اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم ~~فيه السالك إلى الله عز وجل. قال تعالى: {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ~~ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 59] (الأعراف: 59) . وقال ~~هود عليه السلام لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 65] ~~(الأعراف: 65) . وقال صالح عليه السلام لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره} [الأعراف: 73] (الأعراف: 73) . وقال شعيب عليه السلام لقومه: {اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره} [الأعراف: 85] (الأعراف: 85) . وقال تعالى: {ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] ~~(النحل: 36) . وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] (الأنبياء: 25) . وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل # PageV01P021 # الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله» . # PageV01P022 ### | [أول واجب على المكلف هو الشهادتان] # ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، ~~لا ms008 النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام ~~المذموم. بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد ~~الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب ~~بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك. ولم يوجب ~~أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين، وإن كان الإقرار ~~بالشهادتين واجبا باتفاق المسلمين، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة، لكن هو أدى ~~هذا الواجب قبل ذلك. # وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء: فمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى ~~بغير ذلك من خصائص الإسلام، ولم يتكلم بهما، هل يصير مسلما أم لا؟ والصحيح ~~أنه يصير مسلما بكل ما هو من خصائص الإسلام. فالتوحيد أول ما يدخل به في ~~الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» . وهو أول واجب وآخر واجب. # PageV01P023 ### | أنواع التوحيد ومعانيه # فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني: توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاث ~~أنواع: # أحدها: الكلام في الصفات. # والثاني ### | : توحيد الربوبية، # وبيان أن الله وحده خالق كل شيء. # والثالث: توحيد الإلهية، وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا ~~شريك له. ### | [توحيد الصفات] # أما الأول: فإن نفاة الصفات أدخلوا نفي الصفات في مسمى التوحيد، كالجهم ~~بن صفوان ومن وافقه، فإنهم قالوا: إثبات # PageV01P024 # الصفات يستلزم تعدد الواجب، وهذا القول معلوم الفساد بالضرورة، فإن إثبات ~~ذات مجردة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود في الخارج، وإنما الذهن قد ~~يفرض المحال ويتخيله وهذا غاية التعطيل. # وهذا القول قد أفضى بقوم إلى القول بالحلول أو الاتحاد، وهو أقبح من كفر ~~النصارى، فإن النصارى خصوه بالمسيح، وهؤلاء عموا جميع المخلوقات. # ومن فروع هذا التوحيد: أن فرعون وقومه كاملو الإيمان، عارفون بالله على ~~الحقيقة. # ومن فروعه: أن عباد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم إنما عبدوا الله لا ~~غيره. # ومن فروعه: أنه لا فرق ms009 في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية، ~~ولا فرق بين الماء والخمر، والزنا والنكاح، والكل من عين واحدة، لا بل هو ~~العين الواحدة. # ومن فروعه: أن الأنبياء ضيقوا على الناس، تعالى الله عما يقولون علوا ~~كبيرا. ### | [توحيد الربوبية] # وأما الثاني: وهو توحيد الربوبية، كالإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس ~~للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، ~~وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية. وهذا التوحيد ~~لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل # PageV01P025 # القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من ~~الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: {قالت رسلهم أفي الله شك ~~فاطر السماوات والأرض} [إبراهيم: 10] (إبراهيم: 10) . # وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنا به في ~~الباطن، كما قال له موسى: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ~~بصائر} [الإسراء: 102] (الإسراء: 102) . وقال تعالى عنه وعن قومه. {وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل: 14] . ولهذا قال: {وما رب ~~العالمين} [الشعراء: 23] ؟ على وجه الإنكار له تجاهل العارف، قال له موسى: ~~{رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين - قال لمن حوله ألا تستمعون ~~- قال ربكم ورب آبائكم الأولين - قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون - ~~قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} [الشعراء: 24 - 28] ~~(الشعراء: 24 - 28) . # وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهما عن الماهية، وأن المسؤول عنه ~~لما لم تكن له ماهية، عجز موسى عن الجواب وهذا غلط. وإنما هذا استفهام ~~إنكار وجحد، كما دل سائر آيات القرآن على أن فرعون كان جاحدا لله، نافيا ~~له، لم يكن مثبتا له طالبا للعلم بماهيته. فلهذا بين لهم موسى أنه معروف، ~~وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو؟ بل هو سبحانه ~~أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل، بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل ~~معروف. # PageV01P026 # ولم يعرف عن ms010 أحد من الطوائف أنه قال: إن العالم له صانعان متماثلان في ~~الصفات والأفعال، فإن الثنوية من المجوس، والمانوية القائلين بالأصلين: ~~النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما: متفقون على أن النور خير من الظلمة، ~~وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة، هل ~~هي قديمة أو محدثة؟ فلم يثبتوا ربين متماثلين. # وأما النصارى القائلون بالتثليت، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ~~ينفصل بعضهم عن بعض، بل متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم ~~الأب والابن وروح القدس إله واحد. # وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا ~~كانوا مضطربين في فهمه، وفي التعبير عنه، لا يكاد واحد منهم يعبر عنه بمعنى ~~معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد، فإنهم يقولون: هو واحد ~~بالذات، ثلاثة بالأقنوم! والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص، وتارة بالصفات، ~~وتارة بالأشخاص. وقد فطر الله العباد على # PageV01P027 # فساد هذه الأقوال بعد التصور التام. وفي الجملة فهم لا يقولون بإثبات ~~خالقين متماثلين. # والمقصود هنا: أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين، مع أن ~~كثيرا من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في إثبات هذا المطلوب وتقريره. ~~ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل، وزعم أنه يتلقى من السمع. # والمشهور عند أهل النظر إثباته بدليل التمانع، وهو: أنه لو كان للعالم ~~صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه، أو يريد ~~أحدهما إحياءه والآخر إماتته: فإما أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا ~~يحصل مراد واحد منهما. والأول ممتنع، لأنه يستلزم الجمع بين الضدين، ~~والثالث ممتنع، لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون، وهو ممتنع، ويستلزم ~~أيضا عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلها، واذا حصل مراد أحدهما دون الآخر، ~~كان هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزا لا يصلح للإلهية، وتمام الكلام على ~~هذا الأصل معروف في موضعه. ### | [توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية] # وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: {لو كان ms011 ~~فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] (الأنبياء: 22) . لاعتقادهم أن ~~توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن، ودعت إليه ~~الرسل عليهم السلام، وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذي # PageV01P028 # دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد ~~الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن المشركين من العرب كانوا ~~يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر تعالى ~~عنهم بقوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25] ~~(لقمان: 25) . {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون - سيقولون لله قل ~~أفلا تذكرون} [المؤمنون: 84 - 85] (المؤمنون: 84 - 85) . ومثل هذا كثير في ~~القرآن. # ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان ~~حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم، ~~تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم ~~شفعاء، ويتوسلون بهم إلى الله، وهذا كان أصل شرك العرب، قال تعالى حكاية عن ~~قوم نوح. {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا} [نوح: 23] (نوح: 23) ، وقد ثبت في صحيح البخاري، وكتب التفسير، وقصص ~~الأنبياء وغيرها، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وغيره من السلف، أن هذه ~~أسماء قوم صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا ~~تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم وأن هذه الأصنام بعينها صارت إلى ~~قبائل العرب، ذكرها ابن عباس رضي الله عنهما، قبيلة قبيلة. # PageV01P029 # وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه: «ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~أمرني أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته» # وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض موته: # PageV01P030 # «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، ~~قالت عائشة رضي الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن ms012 يتخذ مسجدا، ~~وفي الصحيحين «أنه ذكر في مرض موته كنيسة بأرض الحبشة، وذكر له من حسنها ~~وتصاوير فيها، فقال: إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره ~~مسجدا، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة # » وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس: «إن ~~من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» . # PageV01P031 # ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب، واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب ~~للكواكب من طباعها. وشرك قوم إبراهيم عليه السلام كان - فيما يقال - من هذا ~~الباب. وكذلك الشرك بالملائكة والجن، واتخاذ الأصنام لهم. # وهؤلاء كانوا مقرين بالصانع، وأنه ليس للعالم صانعان، ولكن اتخذوا هؤلاء ~~شفعاء، كما أخبر عنهم تعالى بقوله: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] (الزمر: 3) . وقال تعالى: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى ~~عما يشركون} [يونس: 18] (يونس: 18) . # وكذلك كان حال الأمم السالفة المشركين الذين كذبوا الرسل. كما حكى الله ~~تعالى في قصة صالح عليه السلام عن التسعة رهط الذين تقاسموا بالله، أي: ~~تحالفوا بالله، لنبيتنه وأهله. فهؤلاء المفسدون المشركون تحالفوا بالله عند ~~قتل نبيهم وأهله، وهذا يبين أنهم كانوا مؤمنين بالله إيمان المشركين. # فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية، الذي يتضمن توحيد الربوبية. ~~قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [الروم: 30] ~~إلى قوله: {إذا هم يقنطون} [الروم: 36] (الروم: 30 - 36) . # PageV01P032 # وقال تعالى: {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} [إبراهيم: 10] (إبراهيم: ~~10) . وقال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه ~~أو ينصرانه أو يمجسانه» ولا يقال: إن معناه يولد ساذجا لا يعرف توحيدا ولا ~~شركا، كما قاله ms013 بعضهم - لما تلونا، ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن # PageV01P033 # ربه عز وجل: «خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين» الحديث. # وفي الحديث المتقدم ما يدل على ذلك، حيث قال: «يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه» ولم يقل: ويسلمانه. وفي رواية: يولد على الملة وفي أخرى: على هذه ~~الملة. ### | [الأدلة العقلية على صدق ما أخبر به الرسول] # وهذا الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم هو الذي تشهد الأدلة العقلية ~~بصدقه. منها، أن يقال: لا ريب أن الإنسان قد يحصل له من الاعتقادات ~~والإرادات ما يكون حقا، وتارة ما يكون باطلا، وهو حساس متحرك بالإرادة، فلا ~~بد له من أحدهما، ولا بد له من مرجح لأحدهما. ونعلم أنه إذا عرض على كل أحد ~~أن يصدق وينتفع وأن يكذب ويتضرر، مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع، وحينئذ ~~فالاعتراف بوجود الصانع والإيمان به هو الحق أو نقيضه، والثاني فاسد قطعا، ~~فتعين الأول، فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان به. ~~وبعد ذلك: إما أن تكون في فطرته محبته أنفع للعبد أو لا. والثاني فاسد ~~قطعا، فوجب أن يكون في فطرته محبة ما ينفعه. # ومنها: أنه مفطور على جلب المنافع ودفع المضار بحسبه. # PageV01P034 # وحينئذ وإن لم تكن فطرة كل واحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج إلى سبب ~~معين للفطرة، كالتعليم ونحوه، فإذا وجد الشرط، وانتفى المانع، استجابت لما ~~فيها من المقتضي لذلك. # ومنها: أن يقال: من المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق، ومجرد ~~التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك، ~~وإلا فلو علم الجماد والبهائم وحضضا لم يقبلا. ومعلوم أن حصول إقرارها ~~بالصانع ممكن من غير سبب منفصل من خارج، وتكون الذات كافية في ذلك، فإذا ~~كان المقتضي قائما في النفس وقدر عدم المعارض، فالمقتضي السالم عن المعارض ~~يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها من يفسدها، كانت مقرة ~~بالصانع عابدة له. # ومنها: أن يقال، أنه إذا لم يحصل المفسد الخارج، ms014 ولا المصلح الخارج، كانت ~~الفطرة مقتضية للصلاح، لأن المقتضي فيها للعلم والإرادة قائم، والمانع ~~منتف. # ويحكى عن أبي حنيفة رحمه الله: أن قوما من أهل الكلام أرادوا البحث معه ~~في تقرير توحيد الربوبية. فقال لهم: أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة ~~عن سفينة في دجلة، تذهب، فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود ~~بنفسها، فترسي بنفسها، وتتفرغ وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟ ! ! ~~فقالوا: هذا محال لا يمكن أبدا! فقال لهم: إذا كان هذا محالا في سفينة، ~~فكيف في هذا العالم كله علوه # PageV01P035 # وسفله! ! وتحكى هذه الحكاية أيضا عن غير أبي حنيفة أيضا. # فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية، الذي يقر به هؤلاء النظار، ويفنى فيه كثير ~~من أهل التصوف، ويجعلونه غاية السالكين، كما ذكره صاحب منازل السائرين ~~وغيره، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه - كان ~~مشركا من جنس أمثاله من المشركين. ### | [القرآن مملوء بالآيات التي تقرر توحيد الألوهية] # والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه وضرب الأمثال له. # ومن ذلك أنه يقرر توحيد الربوبية، ويبين أنه لا خالق إلا الله، وأن ذلك ~~مستلزم أن لا يعبد إلا الله، فيجعل الأول دليلا على الثاني، إذ كانوا ~~يسلمون الأول، وينازعون في الثاني، فيبين لهم سبحانه أنكم إذا كنتم تعلمون ~~أنه لا خالق إلا الله، وأنه هو الذي يأتي العباد بما ينفعهم، ويدفع عنهم ما ~~يضرهم، لا شريك له في ذلك، فلم تعبدون غيره، وتجعلون معه آلهة أخرى؟ كقوله ~~تعالى: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون - ~~أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات ~~بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} [النمل: ~~59 - 60] الآيات (النمل: 59 - 60) . # PageV01P036 # يقول الله تعالى في آخر كل آية: {أإله مع الله} [النمل: 60] أي أءله مع ~~الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار، يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه لم ~~يفعل ms015 ذلك غير الله، فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى استفهام: هل مع الله ~~إله؟ كما ظنه بعضهم، لأن هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام، والقوم كانوا ~~يجعلون مع الله آلهة أخرى كما قال تعالى. {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة ~~أخرى قل لا أشهد} [الأنعام: 19] (الأنعام: 19) ، وكانوا يقولون: {أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5] (ص: 5) . لكنهم ما كانوا ~~يقولون: إن معه إلها جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي ~~وجعل بين البحرين حاجزا. بل هم مقرون بأن الله وحده فعل هذا، وهكذا سائر ~~الآيات. # وكذلك قوله تعالى: {ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون} [البقرة: 21] . وكذلك قوله في سورة الأنعام: (البقرة: 21) {قل ~~أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم ~~به} [الأنعام: 46] (الأنعام: 46) . وأمثال ذلك. # واذا كان توحيد الربوبية، الذي يجعله هؤلاء النظار، ومن وافقهم من ~~الصوفية هو الغاية في التوحيد: داخلا في التوحيد الذي جاءت به الرسل عليهم ~~السلام، ونزلت به الكتب، فليعلم أن دلائله متعددة، # PageV01P037 # كدلائل إثبات الصانع ودلائل صدق الرسول، فإن العلم كلما كان الناس إليه ~~أحوج كانت أدلته أظهر، رحمة من الله بخلقه. ### | [الأمثال المضروبة في القرآن هي المقاييس العقلية المفيدة للمطالب الدينية] # والقرآن قد ضرب الله للناس فيه من كل مثل، وهي المقاييس العقلية المفيدة ~~للمطالب الدينية، لكن القرآن يبين الحق في الحكم والدليل، فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال؟ وما كان من المقدمات معلومة ضرورية متفقا عليها، استدل بها، ~~ولم يحتج إلى الاستدلال عليها. والطريقة الصحيحة في البيان أن تحذف، وهي ~~طريقة القرآن، بخلاف ما يدعيه الجهال، الذين يظنون أن القرآن ليس فيه طريقة ~~برهانية، بخلاف ما قد يشتبه ويقع فيه نزاع، فإنه يبينه ويدل عليه. # ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم، باعتبار ~~إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ~~ثم خالقا خلق بعض العالم، كما يقوله الثنوية في الظلمة، وكما يقوله ms016 القدرية ~~في أفعال الحيوان، وكما يقوله الفلاسفه الدهرية في حركة الأفلاك أو حركات ~~النفوس، أو الأجسام الطبيعية، فإن هؤلاء يثبتون أمورا محدثة بدون إحداث ~~الله إياها، فهم مشركون في بعض الربوبية، وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد ~~يظن في آلهته شيئا من نفع أو ضر، بدون أن يخلق الله ذلك. ### | [استحالة وجود شريك له سبحانه] # فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجودا في الناس، بين القرآن # PageV01P038 # بطلانه، كما في قوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} [المؤمنون: 91] (المؤمنون: 91) . ~~فتأمل هذا البرهان الباهر، بهذا اللفظ الوجيز الظاهر. فإن الإله الحق لا بد ~~أن يكون خالقا فاعلا، يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه ~~سبحانه إله آخر يشركه في ملكه، لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى تلك ~~الشركة، بل إن قدر على قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك والإلهية دونه فعل، ~~وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب بذلك الخلق، كما ينفرد ملوك الدنيا ~~بعضهم عن بعض بممالكه، إذا لم يقدر المنفرد منهم على قهر الآخر والعلو ~~عليه. فلا بد من أحد ثلاثة أمور: # إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه. # وإما أن يعلو بعضهم على بعض. # وإما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء، ولا يتصرفون فيه، ~~بل يكون وحده هو الإله، وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه. # وانتظام أمر العالم كله وإحكام أمره، من أدل دليل على أن مدبره إله واحد، ~~وملك واحد، ورب واحد، لا إله للخلق غيره، ولا رب لهم سواه. كما قد دل دليل ~~التمانع على أن خالق العالم واحد، لا رب غيره ولا إله سواه، فذاك تمانع في ~~الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في # PageV01P039 # العبادة والإلهية. فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان، ~~كذلك يستحيل أن يكون لهم إلهان معبودان. # فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته، مستقر في الفطر ~~معلوم ms017 بصريح العقل بطلانه، فكذا تبطل إلهية اثنين. فالآية الكريمة موافقة ~~لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد ~~الإلهية. # وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا} [الأنبياء: 22] (الأنبياء: 22) . وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع ~~الذي تقدم ذكره، وهو أنه لو كان للعالم صانعان. . . . . الخ، وغفلوا عن ~~مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره، ولم يقل: ~~أرباب. # وأيضا فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان ~~آلهة سواه لفسدتا. # وأيضا فإنه قال: لفسدتا، وهذا فساد بعد الوجود، ولم يقل: لم يوجدا. # ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله ~~إلا الواحد، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله سبحانه ~~وتعالى، وأن فساد السماوات والأرض يلزم من كون # PageV01P040 # الآلهة فيهما متعددة، ومن كون الإله الواحد غير الله وأنه لا صلاح لهما ~~إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره. فلو كان للعالم إلهان ~~معبودان لفسد نظامه كله، فإن قيامه إنما هو بالعدل، وبه قامت السماوات ~~والأرض. # وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك، وأعدل العدل التوحيد. ### | [توحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية لا العكس] # وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس. فمن لا يقدر على أن ~~يخلق يكون عاجزا، والعاجز لا يصلح أن يكون إلها. قال تعالى: {أيشركون ما لا ~~يخلق شيئا وهم يخلقون} [الأعراف: 191] (الأعراف: 191) . وقال تعالى: {أفمن ~~يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} [النحل: 17] (النحل: 17) . وكذا قوله تعالى: ~~{قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} [الإسراء: ~~42] (الإسراء: 42) . # وفيها للمتأخرين قولان: # أحدهما: لاتخذوا سبيلا إلى مغالبته. # والثاني، وهو الصحيح المنقول عن السلف، كقتادة وغيره، وهو الذي ذكره ابن ~~جرير لم يذكر غيره: لاتخذوا سبيلا بالتقرب إليه، كقوله تعالى: {إن هذه ~~تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} [الإنسان: 29] (الدهر: 29) . وذلك أنه ~~قال: {لو كان معه ms018 آلهة كما يقولون} [الإسراء: 42] وهم # PageV01P041 # لم يقولوا: أن العالم له صانعان، بل جعلوا معه آلهة اتخذوهم شفعاء، ~~وقالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3] (الزمر: 3) ، ~~بخلاف الآية الأولى. ### | [التوحيد في الإثبات والمعرفة والتوحيد في الطلب والقصد] # ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في ~~الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد. # فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس ~~كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر به عن نفسه، وكما أخبر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول (الحديد) و ~~(طه) وآخر (الحشر) وأول (الم تنزيل) السجدة، وأول (آل عمران) وسورة ~~(الإخلاص) بكمالها، وغير ذلك. # والثاني: وهو توحيد الطلب والقصد، مثل ما تضمنته سورة {قل ياأيها ~~الكافرون} [الكافرون: 1] ، و {قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم} [آل عمران: 64] (آل عمران: 64) ، وأول سورة (تنزيل الكتاب) وآخرها، ~~وأول سورة (يونس) وأوسطها وآخرها، وأول سورة (الأعراف) وآخرها، وجملة سورة ~~(الأنعام) . ### | [معظم سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد] # وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل سورة في # PageV01P042 # القرآن. فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، فهو التوحيد العلمي ~~الخبري. وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو ~~التوحيد الإرادي الطلبي. وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق ~~التوحيد ومكملاته. وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده، وما فعل بهم في الدنيا ~~وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده. وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل ~~بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج ~~عن حكم التوحيد. # فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم. ف ~~{الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] توحيد، {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 3] ~~توحيد، {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] توحيد، {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~[الفاتحة: 5] توحيد، {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] توحيد متضمن ~~لسؤال الهداية إلى ms019 طريق أهل التوحيد، {الذين أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] ، ~~{غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7] الذين فارقوا التوحيد. # وكذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد، وشهدت له به ملائكته # PageV01P043 # وأنبياؤه ورسله. قال تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو ~~العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم - إن الدين عند الله ~~الإسلام} [آل عمران: 18 - 19] (آل عمران: 18 - 19) . فتضمنت هذه الآية ~~الكريمة إثبات حقيقة التوحيد، والرد على جميع طوائف الضلال، فتضمنت أجل ~~شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها، من أجل شاهد، بأجل مشهود به. ### | [معنى الشهادة ومراتبها] # وعبارات السلف في (شهد) - تدور على الحكم، والقضاء، والإعلام، والبيان، ~~والإخبار. وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها: فإن الشهادة تتضمن كلام ~~الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه. فلها أربع مراتب: # فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته. # وثانيها: تكلمه بذلك، وإن لم يعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويذكرها ~~وينطق بها أو يكتبها. # وثالثها: أن يعلم غيره بما يشهد به ويخبره به ويبينه له. # ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به. # فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب ~~الأربع: علمه سبحانه بذلك، وتكلمه به، وإعلامه، وإخباره لخلقه به، وأمرهم ~~وإلزامهم به. # فأما مرتبة العلم فإن الشهادة تضمنتها ضرورة، وإلا كان الشاهد شاهدا بما ~~لا علم له به. قال تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] ~~(الزخرف: 86) . # PageV01P044 # وقال صلى الله عليه وسلم: «على مثلها فاشهد» ، وأشار إلى الشمس. # وأما مرتبة التكلم والخبر، فقال تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} [الزخرف: 19] (الزخرف: ~~19) . فجعل ذلك منهم شهادة، وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند ~~غيرهم. # وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل. وهذا ~~شأن كل معلم لغيره بأمر: تارة يعلمه به بقوله، وتارة بفعله. ولهذا كان من ~~جعل داره مسجدا وفتح بابها، وأفرزها بطريقها وأذن للناس بالدخول والصلاة ~~فيها: معلما أنها وقف، وإن لم يتلفظ به. وكذلك من وجد ms020 متقربا إلى غيره ~~بأنواع المسار، يكون معلما له ولغيره أنه يحبه، وإن لم يتلفظ بقوله، وكذلك ~~بالعكس. # وكذلك شهادة الرب عز وجل وبيانه وإعلامه، يكون بقوله تارة، وبفعله أخرى. ~~فالقول ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه. وأما بيانه وإعلامه بفعله، فكما قال ~~ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب # PageV01P045 # وأموره المحكمة عند خلقه: أنه لا إله إلا هو. وقال آخر: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # ومما يدل على أن الشهادة تكون بالفعل، قوله تعالى: {ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر} [التوبة: 17] (التوبة: 17) . ~~فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه. # والمقصود أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه، ودلالتها ~~إنما هي بخلقه وجعله. # وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به، وأن مجرد الشهادة لا يستلزمه، لكن ~~الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه - فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم ~~به، وقضى وأمر وألزم عباده به، كما قال تعالى: # PageV01P046 # {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] (الإسراء: 23) . وقال الله ~~تعالى: {لا تتخذوا إلهين اثنين} [النحل: 51] (النحل: 51) . وقال تعالى: ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا} [التوبة: 31] (التوبة: 31) . وقال ~~تعالى: {لا تجعل مع الله إلها آخر} [الإسراء: 22] (الإسراء: 39) . وقال ~~تعالى: {ولا تدع مع الله إلها آخر} [القصص: 88] (القصص: 88) . والقرآن كله ~~شاهد بذلك. # ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك: أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو، فقد ~~أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله، وأن إلهية ما سواه باطلة، ~~فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، وذلك يستلزم الأمر ~~باتخاذه وحده إلها، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها، وهذا يفهمه المخاطب من ~~هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلا يستفتي رجلا أو يستشهده أو يستطبه ~~وهو ليس أهلا لذلك، ويدع من هو أهل له، فتقول: هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا ~~طبيب، المفتي فلان، والشاهد فلان، والطبيب فلان، فإن هذا أمر منه ونهي. # وأيضا: فالآية دلت على أنه وحده ms021 المستحق للعبادة، فإذا أخبر أنه هو وحده ~~المستحق للعبادة، تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحق ~~الرب تعالى عليهم، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم. # وأيضا: فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجملة الخبرية، ويقال للجملة ~~الخبرية: قضية، وحكم، وقد حكم فيها بكذا. قال تعالى: {ألا إنهم من إفكهم ~~ليقولون - ولد الله وإنهم لكاذبون - أصطفى البنات على البنين - ما لكم كيف ~~تحكمون} [الصافات: 151 - 154] (الصافات: 151 - 154) . # PageV01P047 # فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكما وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين - ما لكم كيف تحكمون} [القلم: 35 - 36] (القلم: 35 - 36) . لكن ~~هذا حكم لا إلزام معه. والحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو متضمن الإلزام. # ولو كان المراد مجرد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها، ولم ينتفعوا بها، ~~ولم تقم عليهم بها الحجة. بل قد تضمنت البيان للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما ~~شهد به، كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها، ~~لم ينتفع بها أحد، ولم تقم بها حجة. # وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها، فهو سبحانه قد بينها غاية البيان ~~بطرق ثلاثة: السمع، والبصر، والعقل. # أما السمع: فبسمع آياته المتلوة المبينة لما عرفنا إياه من صفات كماله ~~كلها، الوحدانية وغيرها غاية البيان، لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من ~~المعتزلة ومعطلة بعض الصفات من دعوى احتمالات توقع في الحيرة، تنافي البيان ~~الذي وصف الله به كتابه العزيز ورسوله الكريم، كما قال تعالى: {حم - ~~والكتاب المبين} [الزخرف: 1 - 2] (الزخرف: 1 - 2) . {الر تلك آيات الكتاب ~~المبين} [يوسف: 1] (يوسف: 1) . {الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} [الحجر: ~~1] (الحجر: 1) . {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} [آل عمران: 138] (آل ~~عمران: 138) . {فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} [المائدة: 92] ~~(المائدة: 92) . {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون} [النحل: 44] (النحل: 44) . # PageV01P048 # وكذلك السنة تأتي مبينة أو مقررة لما دل عليه القرآن، لم يحوجنا ربنا ~~سبحانه وتعالى إلى رأي فلان، ولا إلى ذوق فلان ووجده في أصول ديننا. # ولهذا نجد من خالف الكتاب والسنة ms022 مختلفين مضطربين. بل قد قال تعالى: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ~~[المائدة: 3] (المائدة: 3) . فلا يحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب ~~والسنة. # وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو جعفر الطحاوي رحمه الله فيما يأتي من ~~كلامه بقوله: لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ~~ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. # وأما آياته العيانية الخلقية: فالنظر فيها والاستدلال بها يدل على ما تدل ~~عليه آياته القولية السمعية، والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحة ما جاءت ~~به الرسل، فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة. ### | [ما بعث الله نبيا إلا ومعه آية تدل على صدقه] # فهو سبحانه لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر وإقامة الحجة ~~- لم يبعث نبيا إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به، قال تعالى: {لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} ~~[الحديد: 25] (الحديد: 25) . # وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر} [النحل: 43] (النحل: 43 - 44) . وقال ~~تعالى: {قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم} [آل عمران: 183] ~~(آل عمران: 183) . # PageV01P049 # وقال تعالى: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤوا بالبينات والزبر ~~والكتاب المنير} [آل عمران: 184] (آل عمران: 184) . وقال تعالى: {الله الذي ~~أنزل الكتاب بالحق والميزان} [الشورى: 17] (الشورى: 17) . حتى إن من أخفى ~~آيات الرسل آيات هود، حتى قال له قومه: {ياهود ما جئتنا ببينة} [هود: 53] ~~(هود: 53) ، ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن وفقه الله لتدبرها، وقد ~~أشار إليها بقوله: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون - من دونه ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون - إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا ~~هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 54 - 56] (هود: 54 - 55) . ~~فهذا من أعظم الآيات: أن رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب، غير جزع ~~ولا فزع ms023 ولا خوار، بل هو واثق بما قاله، جازم به، فأشهد الله أولا على ~~براءته من دينهم وما هم عليه، إشهاد واثق به معتمد عليه، معلم لقومه أنه ~~وليه وناصره وغير مسلط لهم عليه. ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه ~~بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون عليها ويبذلون دماءهم ~~وأموالهم في نصرتهم لها، ثم أكد ذلك عليهم بالاستهانة بهم واحتقارهم ~~وازدرائهم. ولو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه، ثم يعاجلونه ولا ~~يمهلونه، ثم قرر دعوتهم أحسن تقرير، وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم ~~بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده، وأنه # PageV01P050 # على صراط مستقيم، فلا يخذل من توكل عليه وأقر به، ولا يشمت به أعداءه. # فأي آية وبرهان أحسن من آيات الأنبياء عليهم السلام وبراهينهم وأدلتهم؟ ~~وهي شهادة من الله سبحانه لهم، بينها لعباده غاية البيان. # ومن أسمائه تعالى المؤمن وهو في أحد التفسيرين: المصدق الذي يصدق ~~الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، فإنه لا بد أن يري العباد من الآيات ~~الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله حق قال تعالى: ~~{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت: 53] ~~(فصلت: 53) : أي القرآن، فإنه هو المتقدم في قوله: {قل أرأيتم إن كان من ~~عند الله} [فصلت: 52] (فصلت: 52) . ثم قال: {أولم يكف بربك أنه على كل شيء ~~شهيد} [فصلت: 53] (فصلت: 53) . فشهد سبحانه لرسوله بقوله أن ما جاء به حق، ~~ووعد أن يري العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضا. ثم ذكر ما ~~هو أعظم من ذلك كله وأجل، وهو شهادته سبحانه بأنه على كل شيء شهيد، فإن من ~~أسمائه الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه، بل هو مطلع على كل شيء ~~مشاهد له، عليم بتفاصيله. # وهذا استدلال بأسمائه وصفاته، والأول استدلال بقوله وكلماته، واستدلال ~~بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته. ### | [الاستدلال بأسماء الله وصفاته وأفعاله على وحدانيته] # فإن قلت: كيف يستدل بأسمائه وصفاته، فإن الاستدلال ms024 بذلك لا يعهد في ~~الاصطلاح؟ # PageV01P051 # فالجواب: أن الله تعالى قد أودع في الفطر التي لم تتنجس بالجحود ~~والتعطيل، ولا بالتشبيه والتمثيل، أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته، ~~وأنه الموصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله، وما خفي عن الخلق من كماله ~~أعظم وأعظم مما عرفوه منه. # ومن كماله المقدس شهادته على كل شيء واطلاعه عليه، بحيث لا يغيب عنه ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض باطنا وظاهرا. ومن هذا شأنه كيف يليق بالعباد أن ~~يشركوا به، وأن يعبدوا غيره ويجعلوا معه إلها آخر؟ وكيف يليق بكماله أن يقر ~~من يكذب عليه أعظم الكذب، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثم ينصره على ذلك ~~ويؤيده ويعلي شأنه، ويجيب دعوته ويهلك عدوه، ويظهر على يديه من الآيات ~~والبراهين ما يعجز عن مثله قوى البشر، وهو مع ذلك كاذب عليه مفتر؟ ! ومعلوم ~~أن شهادته سبحانه على كل شيء وقدرته وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك. ~~ومن جوز ذلك فهو من أبعد الناس عن معرفته. # والقرآن مملوء من هذه الطريق، وهي طريق الخواص، يستدلون بالله على أفعاله ~~وما يليق به أن يفعله ولا يفعله، قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل ~~- لأخذنا منه باليمين - ثم لقطعنا منه الوتين - فما منكم من أحد عنه ~~حاجزين} [الحاقة: 44 - 47] (الحاقة: 44 - 47) . وسيأتي لذلك زيادة بيان إن ~~شاء الله تعالى. # ويستدل أيضا بأسمائه وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك، # PageV01P052 # كما في قوله تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام ~~المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون} [الحشر: 23] ~~(الحشر: 23) . وأضعاف ذلك في القرآن. # وهذه الطريق قليل سالكها، لا يهتدي إليها إلا الخواص. وطريقة الجمهور ~~الاستدلال بالآيات المشاهدة، لأنها أسهل تناولا وأوسع. والله سبحانه يفضل ~~بعض خلقه على بعض. # فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره، فإنه الدليل والمدلول ~~عليه، والشاهد والمشهود له. قال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: ~~{أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ms025 إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون} [العنكبوت: 51] (العنكبوت: 51) . ### | [أكمل الناس توحيدا الأنبياء والمرسلون] # وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به ~~الكتب، كما تقدمت إليه الإشارة - فلا يلتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ~~ثلاثة أنواع، وجعل هذا النوع توحيد العامة، والنوع الثاني توحيد الخاصة، ~~وهو الذي يثبت بالحقائق، والنوع الثالث توحيد قائم بالقدم، وهو توحيد خاصة ~~الخاصة، فإن أكمل الناس توحيدا الأنبياء صلوات الله عليهم، والمرسلون منهم ~~أكمل في ذلك، وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيدا، وهم: نوح، وإبراهيم، ~~وموسى، وعيسى، ومحمد، صلى الله وسلم عليهم أجمعين. # PageV01P053 # وأكملهم توحيدا الخليلان: محمد وإبراهيم، صلوات الله عليهما وسلامه، ~~فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علما، ومعرفة، وحالا، ودعوة ~~للخلق وجهادا، فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل، ودعوا إليه، وجاهدوا ~~الأمم عليه. ولهذا أمر سبحانه نبيه أن يقتدي بهم فيه. كما قال تعالى، بعد ~~ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك، وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ~~ذريته: - {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] (الأنعام: ~~90) فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم. # وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: «أصبحنا على ~~فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفا ~~مسلما وما كان من المشركين» . # فملة إبراهيم: التوحيد، ودين محمد صلى الله عليه وسلم: ما جاء به من عند ~~الله قولا وعملا واعتقادا. وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا إله إلا الله. ~~وفطرة الإسلام: هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له، ~~والاستسلام له عبودية وذلا وانقيادا وإنابة. # فهذا توحيد خاصة الخاصة، الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء. قال ~~تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين - إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} ~~[البقرة: 130 - 131] (البقرة: 130 ms026 - 131) . # PageV01P054 ### | [صاحب الحس السليم والعقل المميز ليس بحاجة إلى طريقة أهل الكلام] # وكل من له حس سليم وعقل يميز به، يحتاج في الاستدلال إلى أوضاع أهل ~~الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم البتة، بل ربما يقع بسببها في شكوك وشبه ~~يحصل له بها الحيرة والضلال والريبة، فإن التوحيد إنما ينفع إذا سلم قلب ~~صاحبه من ذلك، وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من أتى الله به. # ولا شك أن النوع الثاني والثالث من التوحيد الذي ادعوا أنه توحيد الخاصة ~~وخاصة الخاصة، ينتهي إلى الفناء الذي يشمر إليه غالب الصوفية، وهو درب خطر، ~~يفضي إلى الاتحاد. انظر إلى ما أنشد شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري رحمه ~~الله تعالى حيث يقول: # ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد # توحيد من ينطق عن نعته ... عارية أبطلها الواحد # توحيده إياه توحيده ... ونعت من ينعته لاحد # PageV01P055 # وإن كان قائله رحمه الله لم يرد [به] الاتحاد، لكن ذكر لفظا مجملا محتملا ~~جذبه به الاتحادي إليه، وأقسم بالله جهد أيمانه إنه معه، ولو سلك الألفاظ ~~الشرعية التي لا إجمال فيها كان أحق، مع أن المعنى الذي حام حوله لو كان ~~مطلوبا منا لنبه الشارع عليه ودعا الناس إليه وبينه، فإن على الرسول البلاغ ~~المبين، فأين قال الرسول: هذا توحيد العامة، وهذا توحيد الخاصة، وهذا توحيد ~~خاصة الخاصة؟ أو ما يقرب من هذا المعنى؟ أو أشار إليه. # هذه النقول والعقول حاضرة. ### | [ذم الغلو في الدين] # فهذا كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه سنة الرسول، ~~وهذا كلام خير القرون بعد الرسول، وسادات العارفين من الأئمة، هل جاء ذكر ~~الفناء فيها، وهذا التقسيم عن أحد منهم؟ وإنما حصل هذا من زيادة الغلو في ~~الدين، المشبه لغلو الخوارج، بل لغلو النصارى في دينهم. وقد ذم الله تعالى ~~الغلو في الدين ونهى عنه، فقال: {ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق} [النساء: 171] (النساء: 171) . {قل ياأهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم غير ms027 الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا ~~كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77] (المائدة: 77) . وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «لا تشددوا فيشدد الله عليكم، فإن من كان قبلكم شددوا فشدد الله ~~عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم» رواه أبو داود. # PageV01P056 ### | [الله ليس كمثله شيء "] ### | [معنى قوله تعالى " ليس كمثله شيء "] # قوله: (ولاشيء مثله) . # ش: اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ~~ولا في أفعاله. ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام الناس لفظا مجملا يراد به ~~المعنى الصحيح، وهو ما نفاه القرآن ودل عليه العقل، من أن خصائص الرب تعالى ~~لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من ~~صفاته: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] (الشورى: 11) ، رد على الممثلة ~~المشبهة {وهو السميع البصير} [الشورى: 11] ، رد على النفاة المعطلة، فمن ~~جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق، فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل ~~صفات المخلوق مثل صفات الخالق، فهو نظير النصارى في كفرهم. # ويراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال: له قدرة، ولا علم، ~~ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات! ولازم هذا القول أنه لا يقال له: ~~حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذلك كلامه وسمعه وبصره ~~وإرادته وغير ذلك. وهم يوافقون أهل السنة على أنه موجود، عليم قدير، حي. ~~والمخلوق يقال له: موجود حي عليم قدير، ولا يقال: هذا تشبيه يجب نفيه، وهذا ~~مما دل عليه الكتاب والسنة وصريح العقل، ولا يخالف فيه # PageV01P057 # عاقل، فإن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده بها، وكذلك سمى صفاته ~~بأسماء، وسمى ببعضها صفات خلقه، وليس المسمى كالمسمي فسمى نفسه: حيا، ~~عليما، قديرا، رؤوفا، رحيما، عزيزا، حكيما، سميعا، بصيرا، ملكا، مؤمنا، ~~جبارا، متكبرا. وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء فقال: {يخرج الحي من الميت} ~~[الأنعام: 95] (الأنعام: 95، والروم: 19) . {وبشروه بغلام عليم} [الذاريات: ~~28] (الذاريات: 28) . {فبشرناه بغلام حليم} [الصافات: 101] (الصافات: 101) ~~{بالمؤمنين ms028 رءوف رحيم} [التوبة: 128] (التوبة: 128) . {فجعلناه سميعا ~~بصيرا} [الإنسان: 2] (الدهر: 2) . {قالت امرأة العزيز} [يوسف: 51] (يوسف: ~~51) . {وكان وراءهم ملك} [الكهف: 79] (الكهف: 79) . {أفمن كان مؤمنا} ~~[السجدة: 18] (السجدة: 18) . {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} ~~[غافر: 35] (المؤمن: 35) . ومعلوم أنه لا يماثل الحي الحي، ولا العليم ~~العليم، ولا العزيز العزيز، وكذلك سائر الأسماء. # وقال تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه} [البقرة: 255] (البقرة: 255) . ~~{أنزله بعلمه} [النساء: 166] (النساء: 166) . {وما تحمل من أنثى ولا تضع ~~إلا بعلمه} [فاطر: 11] (فاطر: 11) . {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} ~~[الذاريات: 58] (الذاريات: 58) . {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد ~~منهم قوة} [فصلت: 15] (السجدة: 15) . # وعن جابر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ~~الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم ~~بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، ~~وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا ~~أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن # PageV01P058 # هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله ~~- فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي ~~في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني، ~~واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به. قال: ويسمي حاجته» ، ~~رواه البخاري. # وفي حديث عمار بن ياسر الذي رواه النسائي وغيره، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم بعلمك الغيب # PageV01P059 # وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة ~~خيرا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في ~~الغضب والرضا، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيما لا ينفد، وقرة ~~عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، ~~وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ~~ولا فتنة مضلة، اللهم ms029 زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين» . ### | [إثبات الصفات لله لا يستلزم التشبيه والتجسيم] # فقد سمى الله ورسوله صفات الله علما وقدرة وقوة. وقال تعالى: {ثم جعل من ~~بعد ضعف قوة} [الروم: 54] (الروم: 54) . {وإنه لذو علم لما علمناه} [يوسف: ~~68] (يوسف: 68) . ومعلوم أنه ليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة، ونظائر ~~هذا كثيرة. وهذا لازم لجميع العقلاء. فإن من نفى صفة من صفاته التي وصف ~~الله بها نفسه، كالرضا والغضب، والحب والبغض، ونحو ذلك، وزعم أن ذلك يستلزم ~~التشبيه والتجسيم! قيل له: فأنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر، مع ~~أن ما تثبته له ليس مثل صفات المخلوقين، فقل فيما نفيته وأثبته الله ورسوله ~~مثل قولك # PageV01P060 # فيما أثبته، إذ لا فرق بينهما. # فإن قال: أنا لا أثبت شيئا من الصفات! قيل له: فأنت تثبت له الأسماء ~~الحسنى، مثل: حي، عليم، قدير. والعبد يسمى بهذه الأسماء، وليس ما يثبت للرب ~~من هذه الأسماء مماثلا لما يثبت للعبد، فقل في صفاته نظير قولك في مسمى ~~أسمائه. # فإن قال: وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى، بل أقول: هي مجاز، وهي أسماء ~~لبعض مبتدعاته، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة! قيل له: فلا بد أن تعتقد ~~أنه موجود وحق قائم بنفسه، والجسم موجود قائم بنفسه، وليس هو مماثلا له. # فإن قال: أنا لا أثبت شيئا، بل أنكر وجود الواجب. # قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه، وإما غير واجب ~~بنفسه، وإما قديم أزلي، وإما حادث كائن بعد أن لم يكن، وإما مخلوق مفتقر ~~إلى خالق، وإما غير مخلوق ولا مفتقر إلى خالق، وإما فقير إلى ما سواه، وإما ~~غني عما سواه، # PageV01P061 # وغير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه، والحادث لا يكون إلا ~~بقديم، والمخلوق لا يكون إلا بخالق، والفقير لا يكون إلا بغني عنه، فقد لزم ~~على تقدير النقيضين وجود موجود واجب بنفسه قديم أزلي خالق غني عما سواه، ~~وما سواه بخلاف ذلك. ### | [انتفاء التماثل بين الخالق والمخلوق] # وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث ms030 كائن بعد أن لم يكن، والحادث لا ~~يكون واجبا بنفسه، ولا قديما أزليا، ولا خالقا لما سواه، ولا غنيا عما ~~سواه، فثبت بالضرورة وجود موجودين: أحدهما واجب، والآخر ممكن، أحدهما قديم، ~~والآخر حادث، أحدهما غني، والآخر فقير، أحدهما خالق، والآخر مخلوق. وهما ~~متفقان في كون كل منهما شيئا موجودا ثابتا. ومن المعلوم أيضا أن أحدهما ليس ~~مماثلا للآخر في حقيقته، إذ لو كان كذلك لتماثلا فيما يجب ويجوز ويمتنع، ~~وأحدهما يجب قدمه وهو موجود بنفسه، والآخر لا يجب قدمه ولا هو موجود بنفسه، ~~وأحدهما خالق والآخر ليس بخالق، وأحدهما غني عما سواه، والآخر فقير. # فلو تماثلا للزم أن يكون كل منهما واجب القدم ليس بواجب القدم، موجودا ~~بنفسه غير موجود بنفسه، خالقا ليس بخالق، غنيا غير غني، فيلزم اجتماع ~~الضدين على تقدير تماثلهما. فعلم أن تماثلهما منتف بصريح العقل، كما هو ~~منتف بنصوص الشرع. # فعلم بهذه الأدلة اتفاقهما من وجه، واختلافهما من وجه. فمن نفى ما اتفقا ~~فيه كان معطلا قائلا بالباطل، ومن جعلهما متماثلين كان مشبها # PageV01P062 # قائلا بالباطل، والله أعلم. وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه، ~~فالله تعالى مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته، والعبد لا يشركه في شيء ~~من ذلك، والعبد أيضا مختص بوجوده وعلمه، وقدرته، والله تعالى منزه عن ~~مشاركة العبد في خصائصه. ### | [المطلق الكلي يوجد في الأذهان لا في الأعيان] # وإذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة، فهذا المشترك مطلق كلي يوجد ~~في الأذهان لا في الأعيان، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه. # وهذا موضع اضطرب فيه كثير من النظار، حيث توهموا أن الاتفاق في مسمى هذه ~~الأشياء يوجب أن يكون الوجود الذي للرب كالوجود الذي للعبد. # وطائفة ظنت أن لفظ الوجود يقال بالاشتراك اللفظي، وكابروا عقولهم، فإن ~~هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم، كما يقال: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، ~~وقديم وحادث. ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، واللفظ المشترك كلفظ ~~المشتري الواقع على المبتاع والكوكب، لا ينقسم معناه، ولكن يقال: لفظ " ~~المشتري ms031 " يقال على كذا أو على كذا، وأمثال هذه المقالات التي قد بسط ~~الكلام عليها في موضعه. # وأصل الخطأ والغلط: توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها ~~المطلق الكلي هو بعينه ثابتا في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما ~~يوجد في الخارج لا يوجد مطلقا كليا، بل لا يوجد إلا معينا مختصا، وهذه ~~الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معينا مختصا به، فإذا سمي بها العبد ~~كان مسماها مختصا به. فوجود الله وحياته لا يشاركه # PageV01P063 # فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود ~~الخالق؟ ألا ترى أنك تقول: هذا هو ذاك، فالمشار إليه واحد لكن بوجهين ~~مختلفين. # وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى وزادوا فيه على الحق ~~فضلوا، وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه. وزادوا فيه على ~~الحق حتى ضلوا. وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة ~~الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه. # فالنفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه بشيء من خلقه، ولكن ~~أساؤوا في نفي المعاني الثابتة لله تعالى في نفس الأمر. # والمشبهة أحسنوا في إثبات الصفات، ولكن أساؤوا بزيادة التشبيه. ### | [توقف فهم المعاني المعبر عنها باللفظ على معرفة عينها] # واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها ~~أو ما يناسب عينها، ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا ~~يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط، حتى في أول تعليم معاني الكلام بتعليم ~~معاني الألفاظ المفردة، مثل تربية الصبي الذي يعلم البيان واللغة، ينطق له ~~باللفظ المفرد ويشار له إلى معناه إن كان مشهودا بالإحساس الظاهر أو ~~الباطن، فيقال له: لبن، خبز، أم، أب، سماء، أرض، شمس، قمر، ماء، ويشار له ~~مع العبارة إلى كل مسمى من هذه المسميات، وإلا لم يفهم معنى اللفظ ومراد ~~الناطق به، وليس أحد من بني آدم يستغني عن التعليم السمعي، كيف وآدم أبو ~~البشر وأول ms032 ما علمه الله تعالى أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها، ~~وكلمه وعلمه بخطاب الوحي ما لم يعلمه بمجرد العقل. # PageV01P064 # فدلالة اللفظ على المعنى هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده، ~~وإرادته وعنايته في قلبه، فلا يعرف باللفظ ابتداء، ولكن لا يعرف المعنى ~~بغير اللفظ حتى يعلم أولا أن هذا المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ~~ويعنى به، فإذا عرف ذلك ثم سمع اللفظ مرة ثانية، عرف المعنى المراد بلا ~~إشارة إليه. وإن كانت الإشارة إلى ما يحس بالباطن، مثل الجوع والشبع والري ~~والعطش والحزن والفرح، فإنه لا يعرف اسم ذلك حتى يجده من نفسه، فإذا وجده ~~أشير له إليه، وعرف أن اسمه كذا. # والإشارة تارة تكون إلى جوع نفسه أو عطش نفسه، مثل أن يراه أنه قد جاع ~~فيقول له: جعت، أنت جائع، فيسمع اللفظ ويعلم ما عينه بالإشارة أو ما يجري ~~مجراها من القرائن التي تعين المراد، مثل نظر أمه إليه في حال جوعه وإدراكه ~~بنظرها أو نحوه أنها تعني جوعه، أو يسمعهم يعبرون بذلك عن جوع غيره. # إذا عرف ذلك فالمخاطب المتكلم إذا أراد بيان معان، فلا يخلو إما أن يكون ~~مما أدركها المخاطب المستمع بإحساسه وشهوده، أو بمعقوله، وإما أن لا يكون ~~كذلك. فإن كانت من القسمين الأولين لم يحتج إلا إلى معرفة اللغة، بأن يكون ~~قد عرف معاني الألفاظ المفردة ومعنى التركيب، فإذا قيل له بعد ذلك: {ألم ~~نجعل له عينين - ولسانا وشفتين} [البلد: 8 - 9] (البلد: 8 - 9) ، أو قيل ~~له: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة لعلكم تشكرون} [النحل: 78] (النحل: 78) . # PageV01P065 # ونحو ذلك، فهم المخاطب بما أدركه بحسه، وإن كانت المعاني التي يراد ~~تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده بعينه، ولا بحيث صار له معقول كلي يتناولها ~~حتى يفهم به المراد بتلك الألفاظ، بل هي مما لا يدركه بشيء من حواسه ~~الباطنة والظاهرة، فلا بد في تعريفه من طريق القياس والتمثيل والاعتبار بما ~~بينه وبين معقولات الأمور التي ms033 شاهدها من التشابه والتناسب، وكلما كان ~~التمثيل أقوى، كان البيان أحسن، والفهم أكمل. # فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما بين لنا أمورا لم تكن معروفة قبل ~~ذلك، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها، أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك ~~المعاني، وجعلها أسماء لها، فيكون بينها قدر مشترك، كالصلاة، والزكاة، ~~والصوم، والإيمان، والكفر. وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله ~~وباليوم الآخر، وهم لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل ~~عليها بعينها، أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر ~~المشترك بين تلك المعاني الغيبية، والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها، ~~وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد، كتعليم الصبي، كما ~~قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور ~~آبائهم. ### | [ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة نوعان] # وأما ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة، فقد يكون مما أدركوا # PageV01P066 # نظيره بحسهم وعقلهم، كإخبارهم بأن الريح قد أهلكت عادا، فإن عادا من ~~جنسهم والريح من جنس ريحهم، وإن كانت أشد. وكذلك غرق فرعون في البحر، وكذا ~~بقية الأخبار عن الأمم الماضية. ولهذا كان الإخبار بذلك فيه عبرة لنا، كما ~~قال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف: 111] (يوسف: 111) ~~. وقد يكون الذي يخبر به الرسول ما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة ~~من كل وجه لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه. كما إذا أخبرهم ~~عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلا بد أن يعلموا معنى ~~مشتركا وشبها بين مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم ~~وعقلهم. فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد، ويريد أن ~~يجعلهم يشهدونه مشاهدة كامله ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى ~~الغائب، أشهدهم إياه، وأشار لهم إليه، وفعل قولا يكون حكاية له وشبها به، ~~يعلم المستمعون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها ~~الأمور الغائبة. # فينبغي أن تعرف هذه ms034 الدرجات: # أولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة. # وثانيها: عقله لمعانيها الكلية. # وثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية. فهذه ~~المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب. فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلا ~~بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق # PageV01P067 # المشهودة والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة. ثم إن ~~كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق، كما تقدم في قصص الأمم، وإن لم يكن ~~مثلها، بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا، ونحو ذلك. وإذا ~~تقرر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء ~~التساوي لا يمنع منه وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك، وبه ~~صرنا نفهم الأمور الغائبة ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط. ### | [كمال قدرته سبحانه وتعالى] ### | [كمال قدرته سبحانه وانتفاء العجز عنه] # قوله: (ولا شيء يعجزه) . # ش: لكمال قدرته. قال تعالى: {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20] ~~(البقرة: 20) . {وكان الله على كل شيء مقتدرا} [الكهف: 45] (الكهف: 45) . ~~{وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما ~~قديرا} [فاطر: 44] (فاطر: 44) . {وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده ~~حفظهما وهو العلي العظيم} [البقرة: 255] (البقرة: 255) . لا يؤوده أي: لا ~~يكرثه ولا يثقله ولا يعجزه. فهذا النفي لثبوت كمال ضده، وكذلك كل نفي يأتي ~~في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، كقوله تعالى: ~~{ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] (الكهف: 49) ، لكمال عدله. {لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} [سبأ: 3] (سبإ: 3) ، لكمال علمه. ~~وقوله تعالى: {وما مسنا من لغوب} [ق: 38] (ق: 38) ، لكمال قدرته. {لا تأخذه ~~سنة ولا نوم} [البقرة: 255] (البقرة: 255) لكمال حياته وقيوميته. {لا تدركه ~~الأبصار} [الأنعام: 103] (الأنعام: 103) ، لكمال جلاله وعظمته # PageV01P068 # وكبريائه، وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه، ألا يرى أن قول الشاعر: # قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل # لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم ~~بقوله: قبيلة علم ms035 أن المراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم. وقول الآخر: # لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا # لما اقترن بنفي الشر عنهم ما يدل على ذمهم، علم أن المراد عجزهم وضعفهم ~~أيضا. ### | [منهج السلف الإثبات المفصل والنفي المجمل] # ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلا، والنفي مجملا، عكس طريقة ~~أهل الكلام المذموم: فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل، يقولون: ~~ليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا شخص، ولا ~~جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون، ولا رائحة، ولا طعم، ولا مجسة، ولا بذي حرارة، ~~ولا برودة، ولا رطوبة، ولا يبوسة، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا اجتماع، ~~ولا افتراق، ولا يتحرك، ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح ~~وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي # PageV01P069 # يمين ولا شمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه ~~زمان ولا يجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف ~~بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف ~~بمساحة، ولا ذهاب في الجهات، وليس بمحدود، ولا والد ولا مولود، ولا تحيط به ~~الأقدار ولا تحجبه الأستار إلى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري رحمه الله عن ~~المعتزلة. # وفي هذه الجملة حق وباطل. ويظهر ذلك لمن يعرف الكتاب والسنة. وهذا النفي ~~المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست ~~بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك! لأدبك على هذا الوصف وإن كنت صادقا، ~~وإنما تكون مادحا إذا أجملت النفي فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت ~~أعلى منهم وأشرف وأجل. فإذا أجملت في النفي أجملت في الأدب. ### | [التعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية] # والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة ~~والجماعة. والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات، ولا ~~يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني # PageV01P070 # والألفاظ هو المحكم ms036 الذي يجب اعتقاده واعتماده. وأما أهل الحق والسنة ~~والإيمان فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده. ~~والذي قاله هؤلاء إما أن يعرضوا عنه إعراضا جميلا، أو يبينوا حاله تفصيلا، ~~ويحكم عليه بالكتاب والسنة، لا يحكم به على الكتاب والسنة. # والمقصود: أن غالب عقائدهم السلوب، ليس بكذا، ليس بكذا، وأما الإثبات فهو ~~قليل، وهي أنه عالم قادر حي، وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب ~~والسنة، ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات، فإن الله ~~تعالى قال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] (الشورى: 11) . ~~ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي. ففهم أن المراد إنفراده سبحانه بصفات ~~الكمال، فهو سبحانه وتعالى موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، ليس ~~كمثله شيء في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله، مما أخبرنا به من صفاته، ~~وله صفات لم يطلع عليها أحد من خلقه، كما قال رسوله الصادق صلى الله عليه ~~وسلم في دعاء الكرب: «اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو ~~أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، ~~أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي.» # PageV01P071 # وسيأتي التنبيه على فساد طريقتهم في الصفات إن شاء الله تعالى. # وليس قول الشيخ رحمه الله تعالى: ولا شيء يعجزه من النفي المذموم، فإن ~~الله تعالى قال: {وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه ~~كان عليما قديرا} [فاطر: 44] (فاطر: 44) ، فنبه سبحانه وتعالى في آخر الآية ~~على دليل انتفاء العجز، وهو كمال العلم والقدرة، فإن العجز إنما ينشا إما ~~من الضعف عن القيام بما يريده الفاعل، وإما من عدم علمه به، والله تعالى لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة، وهو على كل شيء قدير، وقد علم ببدائه العقول والفطر ~~كمال قدرته وعلمه، فانتفى العجز، لما بينه وبين القدرة من التضاد، ولأن ~~العاجز لا يصلح أن يكون إلها، ms037 تعالى الله عن ذكر ذلك علوا كبيرا. ### | [كلمة التوحيد] ### | [كلمة التوحيد لا إله إلا الله] # قوله: (ولا إله غيره) . # ش: هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلها، كما تقدم ذكره. وإثبات ~~التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر، فإن الإثبات ~~المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال. ولهذا - والله # PageV01P072 # أعلم - لما قال تعالى: {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] ، قال بعده: {لا ~~إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة: 163] (البقرة: 163) . فإنه قد يخطر ~~ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: ~~{لا إله إلا هو} [البقرة: 163] . ### | [تقدير الخبر في لا إله إلا الله] # ! وقد اعترض صاحب المنتخب على النحويين في تقدير الخبر في لا إله إلا هو ~~- فقالوا: تقديره: لا إله في الوجود إلا الله، فقال: يكون ذلك نفيا لوجود ~~الإله. ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان ~~إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى. # وأجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في (ري الظمآن) فقال: هذا ~~كلام من لا يعرف لسان العرب، فإن (إله) في موضع المبتدأ على قول سيبويه، ~~وعند غيره اسم لا، وعلى التقديرين فلا بد من خبر للمبتدإ، وإلا فما قاله من ~~الاستغناء عن الإضمار فاسد. # PageV01P073 # وأما قوله: إذا لم يضمر يكون نفيا للماهية - فليس بشيء، لأن نفي الماهية ~~هو نفي الوجود، لا تتصور الماهية إلا مع الوجود، فلا فرق بين لا ماهية ولا ~~وجود. وهذا مذهب أهل السنة، خلافا للمعتزلة، فإنهم يثبتون ماهية عارية عن ~~الوجود، وإلا الله - مرفوع، بدلا من لا إله لا يكون خبرا ل لا، ولا ~~للمبتدإ. وذكر الدليل على ذلك. # PageV01P074 # وليس المراد هنا ذكر الإعراب، بل المراد رفع الإشكال الوارد على النحاة ~~في ذلك، وبيان أنه من جهة المعتزلة. وهو فاسد: فإن قولهم: نفي الوجود ليس ~~تقييدا، لأن العدم ليس بشيء، قال تعالى: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} ~~[مريم: 9] (مريم: 9) . ولا يقال: ليس قوله: غيره كقوله: إلا الله، ms038 لأن غير ~~تعرب بإعراب الاسم الواقع بعد إلا. فيكون التقدير للخبر فيهما واحدا. فلهذا ~~ذكرت هذا الإشكال وجوابه هنا. ### | [صفتا القدم والبقاء] ### | [معنى اسمه الأول والآخر] # قوله: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء) ش: قال الله تعالى: {هو الأول ~~والآخر} [الحديد: 3] (الحديد: 3) . [و] قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم أنت ~~الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء» . فقول الشيخ: قديم بلا ~~ابتداء، دائم بلا انتهاء، هو معنى اسمه الأول والآخر. # PageV01P075 # والعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطر، فإن الموجودات لا بد أن تنتهي ~~إلى واجب الوجود لذاته، قطعا للتسلسل. فإنا نشاهد حدوث الحيوان والنبات ~~والمعادن وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك، وهذه الحوادث وغيرها ليست ~~ممتنعة، فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة الوجود بنفسها، فإن واجب الوجود ~~بنفسه لا يقبل العدم، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، فعدمها ينفي وجوبها، ~~ووجودها ينفي امتناعها، وما كان قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه، ~~كما قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} [الطور: 35] (الطور: ~~35) . يقول سبحانه: أحدثوا من غير محدث أم هم أحدثوا أنفسهم؟ ومعلوم أن ~~الشيء المحدث لا يوجد نفسه، فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا ~~يكون موجودا بنفسه، بل إن حصل ما يوجده، وإلا كان معدوما، وكل ما أمكن ~~وجوده بدلا عن عدمه، وعدمه بدلا عن وجوده، فليس له من نفسه وجود ولا عدم ~~لازم له. ### | [الصواب من طرق المتكلمين يعود إلى ما ذكر في القرآن] # وإذا تأمل الفاضل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية، ~~وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية بأفصح ~~عبارة وأوجزها، وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما لا يوجد عندهم ~~مثله، قال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} ~~[الفرقان: 33] (الفرقان: 33) . # ولا نقول: لا ينفع الاستدلال بالمقدمات الخفية والأدلة الطويلة: فإن ~~الخفاء والظهور من الأمور النسبية، فربما ظهر لبعض # PageV01P076 # الناس ما خفي على غيره، ويظهر للإنسان ms039 الواحد في حال ما خفي عليه في حال ~~أخرى. وأيضا فالمقدمات وإن كانت خفية فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو ~~أجلى منها، وقد تفرح النفس بما علمته بالبحث والنظر ما لا تفرح بما علمته ~~من الأمور الظاهرة. ولا شك أن العلم بإثبات الصانع ووجوب وجوده أمر ضروري ~~فطري، وإن كان يحصل لبعض الناس من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية. ### | [إدخال المتكلمين " القديم " في أسمائه تعالى وليس هو من أسمائه الحسنى] # وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى القديم، وليس هو من الأسماء ~~الحسنى، فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو المتقدم على ~~غيره، فيقال: هذا قديم، للعتيق، وهذا حديث، للجديد. ولم يستعملوا هذا الاسم ~~إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى: {حتى عاد ~~كالعرجون القديم} [يس: 39] (يس: 39) . والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين ~~وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم، وقال تعالى: {وإذ ~~لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} [الأحقاف: 11] (الأحقاف: 11) ، أي ~~متقدم في الزمان. وقال تعالى: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون - أنتم وآباؤكم ~~الأقدمون} [الشعراء: 75 - 76] (الشعراء: 75 - 76) . فالأقدم مبالغة في ~~القديم، ومنه: القول القديم والجديد للشافعي رحمه الله تعالى. وقال تعالى: ~~{يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} [هود: 98] (هود: 98) ، أي يتقدمهم. ~~ويستعمل منه الفعل لازما ومتعديا، كما يقال: أخذني ما قدم وما حدث، ويقال: ~~هذا قدم هذا # PageV01P077 # وهو يقدمه. ومنه سميت القدم قدما، لأنها تقدم بقية بدن الإنسان وأما ~~إدخال القديم في أسماء الله تعالى، فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام. وقد ~~أنكر ذلك كثير من السلف والخلف، منهم ابن حزم. # ولا ريب أنه إذا كان مستعملا في نفس التقدم، فإن ما تقدم على الحوادث ~~كلها فهو أحق بالتقدم من غيره. لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى ~~التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على ~~الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى. وجاء الشرع باسمه الأول. وهو ms040 ~~أحسن من القديم، لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له، بخلاف القديم. ~~والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة. # قوله: (يفنى ويبيد) . # ش: إقرار بدوام بقائه سبحانه وتعالى، قال عز من قائل: {كل من عليها فان - ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 26 - 27] (الرحمن: 26 - 27) . ~~والفناء والبيد متقاربان في المعنى، والجمع بينهما في الذكر للتأكيد، وهو ~~أيضا مقرر ومؤكد لقوله: دائم بلا انتهاء. ### | [كل ما يحدث في الكون فهو بإرادته سبحانه] ### | [الرد على قول القدرية والمعتزلة] # قوله: (ولا يكون إلا ما يريد) . # ش: هذا رد لقول القدرية والمعتزلة، فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من ~~الناس كلهم والكافر أراد الكفر. وقولهم فاسد مردود، لمخالفته الكتاب والسنة ~~والمعقول الصحيح، وهي مسألة القدر المشهورة، وسيأتي لها زيادة بيان إن شاء ~~الله تعالى. # PageV01P078 # وسموا قدرية لإنكارهم القدر، وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية ~~أيضا. والتسمية على الطائفة الأولى أغلب. ### | [الفرق بين الإرادة والمحبة] # أما أهل السنة فيقولون: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرا - فهو لا ~~يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها. ~~وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ولهذا ~~اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله - لم ~~يحنث - إذا لم يفعله وإن كان واجبا أو مستحبا. ولو قال: إن أحب الله - حنث ~~- إذا كان واجبا أو مستحبا. ### | [أنواع الإرادة] # والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية ~~كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية هي المتضمنة ~~للمحبة والرضا، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث. # وهذا كقوله # PageV01P079 # تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} [الأنعام: 125] (الأنعام: 125) . ~~وقوله تعالى عن نوح عليه السلام: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم} [هود: 34] (هود: 34) . وقوله تعالى: {ولكن الله ms041 ~~يفعل ما يريد} [البقرة: 253] (البقرة: 253) . # وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية، فكقوله تعالى: {يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] (البقرة: 185) ، وقوله تعالى: ~~{يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ~~حكيم} [النساء: 26] . {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون ~~الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما - يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ~~ضعيفا} [النساء: 27 - 28] (النساء: 26 - 27) . وقوله تعالى: {ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} [المائدة: 6] ~~(المائدة: 6) . وقوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] (الأحزاب: 33) . # فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ~~ما لا يريده الله، أي: لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به. # وأما الإرادة الكونية فهي الإرادة المذكورة في قول المسلمين: ما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن. # والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل، وبين إرادته من غيره أن يفعل. ~~فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلا فهذه الإرادة معلقة بفعله، وإذا أراد من ~~غيره أن يفعل فعلا فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين معقول # PageV01P080 # للناس، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى، فالله تعالى إذا أمر ~~العباد بأمر فقد يريد إعانة المأمور على ما أمر به وقد لا يريد ذلك، وإن ~~كان مريدا منه فعله. ### | [هل الأمر مستلزم للإرادة] # وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع في أمر الله تعالى: هل هو مستلزم لإرادته ~~أم لا؟ فهو سبحانه أمر الخلق على ألسن رسله عليهم السلام بما ينفعهم ونهاهم ~~عما يضرهم، ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله، فأراد سبحانه أن يخلق ذلك ~~الفعل ويجعله فاعلا له. ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله، فجهة خلقه سبحانه ~~لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات، غير جهة أمره للعبد على وجه البيان لما ~~هو مصلحة للعبد أو مفسدة، وهو سبحانه - إذا أمر فرعون وأبا لهب وغيرهما ~~بالإيمان - كان قد بين لهم ما ينفعهم ويصلحهم إذا ms042 فعلوه، ولا يلزم إذا ~~أمرهم أن يعينهم، بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه ~~مفسدة من حيث هو فعل له، فإنه يخلق ما يخلق لحكمة، ولا يلزم إذا كان الفعل ~~المأمور به مصلحة للمأمور إذا فعله - أن يكون مصلحة للآمر إذا فعله هو أو ~~جعل المأمور فاعلا له. فأين جهة الخلق من جهة الأمر؟ فالواحد من الناس يأمر ~~غيره وينهاه مريدا لنصحه ومبينا لما ينفعه، وإن كان مع ذلك لا يريد أن ~~يعينه على ذلك الفعل، إذ ليس كل ما كان مصلحتي في أن آمر به غيري وأنصحه - ~~يكون مصلحتي في أن أعاونه أنا عليه، بل قد تكون مصلحتي إرادة ما يضاده. ~~فجهة أمره لغيره نصحا غير جهة فعله لنفسه، وإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين ~~فهو في حق الله أولى بالإمكان. # PageV01P081 # والقدرية تضرب مثلا بمن أمر غيره بأمره، فإنه لا بد أن يفعل ما يكون ~~المأمور أقرب إلى فعله، كالبشر والطلاقة وتهيئة المساند والمقاعد ونحو ذلك. # فيقال لهم: هذا يكون على وجهين: أحدهما: أن تكون مصلحة الأمر تعود إلى ~~الآمر، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه، وأمر السيد عبده بما يصلح ملكه، ~~وأمر الإنسان شريكه بما يصلح الأمر المشترك بينهما، ونحو ذلك. # الثاني: أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له، كالأمر بالمعروف، ~~وإذا أعان المأمور على البر والتقوى فإنه قد علم أن الله يثيبه على إعانته ~~على الطاعة، وأنه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. فأما إذا قدر أن ~~الآمر إنما أمر المأمور لمصلحة المأمور، لا لنفع يعود على الآمر من فعل ~~المأمور، كالناصح المشير، وقدر أنه إذا أعانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر، وأن ~~في حصول مصلحة المأمور مضرة على الآمر، مثل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى ~~وقال لموسى عليه السلام: {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من ~~الناصحين} [القصص: 20] (القصص: 20) . فهذا مصلحته في أن يأمر موسى عليه ~~السلام بالخروج، لا في أن يعينه على ذلك، إذ ms043 لو أعانه لضره قومه. ومثل هذا ~~كثير. # وإذا قيل: إن الله أمر العباد بما يصلحهم، لم يلزم من ذلك أن يعينهم على ~~ما أمرهم به، لا سيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحدا # PageV01P082 # على ما به يصير فاعلا. وإذا عللت أفعاله بالحكمة، فهي ثابتة في نفس ~~الأمر، وإن كنا نحن لا نعلمها. فلا يلزم إذا كان في نفس الآمر له حكمة في ~~الأمر أن يكون في الإعانة على فعل المأمور به حكمة، بل قد تكون الحكمة ~~تقتضي أن لا يعينه على ذلك، فإنه إذا أمكن في المخلوق أن يكون مقتضى الحكمة ~~والمصلحة أن يأمر لمصلحة المأمور، وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر أن لا ~~يعينه على ذلك: فإمكان ذلك في حق الرب أولى وأحرى. # والمقصود: أنه يمكن في حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمر ولا يعينه ~~عليه، فالخالق أولى بإمكان ذلك في حقه مع حكمته. فمن أمره وأعانه على فعل ~~المأمور كان ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره إنشاء وخلقا ومحبة، فكان ~~مرادا بجهة الخلق ومرادا بجهة الأمر. ومن لم يعنه على فعل المأمور كان ذلك ~~المأمور قد تعلق به أمره ولم يتعلق به خلقه، لعدم الحكمة المقتضية لتعلق ~~الخلق به، ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده. وخلق أحد الضدين ينافي خلق ~~الضد الآخر، فإن خلق المرض - الذي يحصل به ذل العبد لربه ودعاؤه وتوبته ~~وتكفير خطاياه ويرق به قلبه ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان - يضاد ~~خلق الصحة التي لا تحصل معها هذه المصالح. ولذلك كان خلق ظلم الظالم - الذي ~~يحصل به للمظلوم من جنس ما يحصل بالمرض - يضاد خلق عدله الذي لا يحصل به ~~هذه المصالح، وإن كانت مصلحته هو في أن يعدل. # وتفصيل حكمة الله عز وجل في خلقه وأمره، يعجز عن معرفتها # PageV01P083 # عقول البشر، والقدرية دخلوا في التعليل على طريقة فاسدة: مثلوا الله فيها ~~بخلقه، ولم يثبتوا حكمة تعود إليه. ### | [معرفة البشر بأسمائه وصفاته وعجزهم عن الإحاطة بكنهه وحقيقته] # قوله: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه ms044 الأفهام] ش: قال الله تعالى: {ولا ~~يحيطون به علما} [طه: 110] (طه: 110) . قال في الصحاح: توهمت الشيء: ظننته، ~~وفهمت الشيء: علمته. فمراد الشيخ رحمه الله: أنه لا ينتهي إليه وهم، ولا ~~يحيط به علم. قيل: الوهم ما يرجى كونه، أي: يظن أنه على صفة كذا، والفهم: ~~هو ما يحصله العقل ويحيط به. والله تعالى لا يعلم كيف هو إلا هو سبحانه ~~وتعالى، وإنما نعرفه سبحانه بصفاته، وهو أنه أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ~~ولم يكن له كفوا أحد، {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا ~~نوم له ما في السماوات وما في الأرض} [البقرة: 255] (البقرة: 255) . {هو ~~الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر سبحان الله عما يشركون - هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء ~~الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الحشر: 23 - 24] ~~(الحشر: 23 - 24) . ### | [تنزيه الله عن مشابهة مخلوقاته] ### | [الرد على المشبهة] # قوله: (ولا يشبهه الأنام) . # ش: هذا رد لقول المشبهة، الذين يشبهون الخالق بالمخلوق، سبحانه # PageV01P084 # وتعالى، قال عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] ~~(الشورى: 11) . وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع فمن كلام أبي ~~حنيفة رحمه الله في الفقه الأكبر: لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من ~~خلقه. ثم قال بعد ذلك: وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ~~ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا. انتهى. # وقال نعيم بن حماد: من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف ~~الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه. وقال ~~إسحاق بن راهويه: من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر ~~بالله العظيم. وقال: علامة جهم وأصحابه، دعواهم على أهل السنة والجماعة ما ~~أولعوا به من الكذب: أنهم مشبهة، بل هم المعطلة. # PageV01P085 ### | [علامة الجهمية] # وكذلك قال خلق كثير من أئمة السلف: علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة ms045 ~~مشبهة، فإنه ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها ~~مشبها، فمن أنكر أسماء الله بالكلية من غالية الزنادقة، القرامطة ~~والفلاسفة، وقال: إن الله لا يقال له: عالم ولا قادر -: يزعم أن من سماه ~~بذلك فهو مشبه، لأن الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه، ومن أثبت ~~الاسم وقال: هو مجاز، كغالية الجهمية، يزعم أن من قال: إن الله عالم حقيقة، ~~قادر حقيقة: فهو مشبه، ومن أنكر الصفات وقال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ~~ولا كلام ولا محبة ولا إرادة - قال لمن أثبت الصفات: إنه مشبه، وإنه: مجسم. ~~ولهذا كتب نفاة الصفات، من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم، كلها مشحونة ~~بتسمية مثبتة الصفات مشبهة ومجسمة، ويقولون في كتبهم: إن من جملة المجسمة ~~قوما يقال لهم: المالكية، ينسبون إلى رجل يقال له: مالك بن أنس، وقوما يقال ~~لهم الشافعية، ينسبون إلى رجل يقال له: محمد بن إدريس! حتى الذين يفسرون ~~القرآن منهم، كعبد الجبار، والزمخشري، وغيرهما، يسمون كل من أثبت شيئا من ~~الصفات وقال # PageV01P086 # بالرؤية - مشبها، وهذا الاستعمال قد غلب عند المتأخرين من غالب الطوائف. ### | [مقالة أهل السنة في نفي التشبيه] # ولكن المشهور من استعمال هذا اللفظ عند علماء السنة المشهورين: أنهم لا ~~يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات، ولا يصفون به كل من أثبت الصفات. بل ~~مرادهم أنه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله، كما تقدم من كلام ~~أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا ~~كرؤيتنا. وهذا معنى قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ~~[الشورى: 11] (الشورى: 11) . فنفى المثل وأثبت الصفة. # وسيأتي في كلام الشيخ إثبات الصفات، تنبيها على أنه ليس نفي التشبيه ~~مستلزما لنفي الصفات. ### | [لا يجوز الاستدلال في العلم الإلهي بقياس تمثيل ولا بقياس شمولي] # ومما يوضح هذا: أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي ~~فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده، فإن الله سبحانه ليس ~~كمثله شيء، فلا ms046 يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية ~~كلية يستوي أفرادها. ولهذا لما سلكت طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه ~~الأقيسة في المطالب الإلهية - لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم، ~~وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب، لما يرونه من فساد أدلتهم أو ~~تكافئها. ### | [يستعمل في حق الله قياس الأولى] # ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى، سواء كان تمثيلا أو شمولا، كما قال ~~تعالى: {ولله المثل الأعلى} [النحل: 60] (النحل: 60) . مثل أن يعلم أن كل ~~كمال للممكن أو للمحدث، لا نقص فيه بوجه من # PageV01P087 # الوجوه، وهو ما كان كمالا للوجود غير مستلزم للعدم بوجه: فالواجب القديم ~~أولى به. وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ثبت نوعه للمخلوق والمربوب ~~المدبر -: فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره، وهو أحق به منه. وأن كل نقص ~~وعيب في نفسه، وهو ما تضمن سلب هذا الكمال، إذا وجب نفيه عن شيء من أنواع ~~المخلوقات والممكنات والمحدثات: فإنه يجب نفيه عن الرب تعالى بطريق الأولى. # ومن أعجب العجب: أن من غلاة نفاة الصفات الذين يستدلون بهذه الآية ~~الكريمة على نفي الصفات والأسماء، ويقولون: واجب الوجود لا يكون كذا ولا ~~يكون كذا - ثم يقولون: أصل الفلسفة هي التشبه بالإله على قدر الطاقة، ~~ويجعلون هذا غاية الحكمة ونهاية الكمال الإنساني، ويوافقهم على ذلك بعض من ~~يطلق هذه العبارة. ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تخلقوا ~~بأخلاق الله» ، فإذا كانوا ينفون الصفات، فبأي شيء يتخلق العبد على زعمهم؟ ~~! وكما أنه لا يشبه شيئا من مخلوقاته تعالى، لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن ~~المخالف في هذا النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله تعالى. ونفي ~~مشابهة شيء من مخلوقاته له، مستلزم لنفي مشابهته لشيء من مخلوقاته. فلذلك ~~اكتفى الشيخ رحمه الله بقوله: ولا يشبه الأنام، # PageV01P088 # والأنام: الناس، وقيل، كل ذي روح، وقيل: الثقلان. وظاهر قوله تعالى: ~~{والأرض وضعها للأنام} [الرحمن: 10] (الرحمن: 10) . يشهد للأول أكثر من ~~الباقي. والله أعلم. ### | [صفتا الحياة والقيومية] ### | [الأدلة على ms047 صفتي الحياة والقيومية] # قوله: (حي لا يموت قيوم لا ينام) . # ش: قال تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} ~~[البقرة: 255] (البقرة: 255) ، فنفي السنة والنوم دليل على كمال حياته ~~وقيوميته. وقال تعالى: {الم - الله لا إله إلا هو الحي القيوم - نزل عليك ~~الكتاب بالحق} [آل عمران: 1 - 3] (آل عمران: 1 - 3) . وقال تعالى: {وعنت ~~الوجوه للحي القيوم} [طه: 111] (طه: 111) . وقال تعالى: {وتوكل على الحي ~~الذي لا يموت وسبح بحمده} [الفرقان: 58] (الفرقان: 58) . وقال تعالى: {هو ~~الحي لا إله إلا هو} [غافر: 65] . وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ~~ينام ولا ينبغي له أن ينام» ، الحديث. # لما نفى الشيخ رحمه الله التشبيه، أشار إلى ما تقع به التفرقة بينه وبين ~~خلقه، بما يتصف به تعالى دون خلقه: فمن ذلك: أنه حي لا يموت، لأن صفة ~~الحياة الباقية مختصة به تعالى، دون خلقه، فإنهم يموتون. # PageV01P089 # ومنه: أنه قيوم لا ينام، إذ هو مختص بعدم النوم والسنة، دون خلقه، فإنهم ~~ينامون. وفي ذلك إشارة إلى أن نفي التشبيه ليس المراد منه نفي الصفات، بل ~~هو سبحانه موصوف، بصفات الكمال، لكمال ذاته. # فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة زائلة، ولهذا كانت الحياة الدنيا ~~متاعا ولهوا ولعبا وأن الدار الآخرة لهي الحيوان، فالحياة الدنيا كالمنام، ~~والحياة الآخرة كاليقظة، ولا يقال: فهذه الحياة الآخرة كاملة، وهي للمخلوق: ~~لأنا نقول: الحي الذي الحياة من صفات ذاته اللازمة لها، هو الذي وهب ~~المخلوق تلك الحياة الدائمة، فهي دائمة بإدامة الله لها، لا أن الدوام وصف ~~لازم لها لذاتها، بخلاف حياة الرب تعالى. وكذلك سائر صفاته، فصفات الخالق ~~كما يليق به، وصفات المخلوق كما يليق به. # واعلم أن هذين الاسمين، أعني: الحي القيوم مذكوران في القرآن معا في ثلاث ~~سور كما تقدم، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى، حتى قيل: إنهما الاسم ~~الأعظم، فإنهما يتضمنان إثبات # PageV01P090 # صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه، ويدل القيوم على معنى الأزلية والأبدية ما ~~لا يدل عليه لفظ القديم. ويدل ms048 أيضا على كونه موجودا بنفسه، وهو معنى كونه ~~واجب الوجود. والقيوم أبلغ من القيام لأن الواو أقوى من الألف، ويفيد قيامه ~~بنفسه، باتفاق المفسرين وأهل اللغة، وهو معلوم بالضرورة. وهل يفيد إقامته ~~لغيره وقيامه عليه؟ فيه قولان، أصحهما: أنه يفيد ذلك. وهو يفيد دوام قيامه ~~وكمال قيامه، لما فيه من المبالغة، فهو سبحانه لا يزول لا يأفل، فإن الآفل ~~قد زال قطعا، أي: لا يغيب ولا ينقص ولا يفنى ولا يعدم، بل هو الدائم الباقي ~~الذي لم يزل ولا يزال، موصوفا بصفات الكمال. واقترانه بالحي يستلزم سائر ~~صفات الكمال، ويدل على بقائها ودوامها، وانتفاء النقص والعدم عنها أزلا ~~وأبدا. ولهذا كان قوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] ~~(البقرة: 255) . أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ### | [مدار الأسماء الحسنى كلها على اسمي الحي القيوم] # فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما ترجع معانيها. # فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها # PageV01P091 # صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها، ~~استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة. # وأما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه، فلا ~~يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه. المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته. ~~فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام. ### | [صفتا الخلق والرزق] # قوله: (خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤونة) ش: قال تعالى: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون - ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون - إن الله هو ~~الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 56 - 58] (الذاريات: 56 - 58) . ~~{ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15] ~~(فاطر: 15) . {والله الغني وأنتم الفقراء} [محمد: 38] (محمد: 38) . {قل ~~أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم} [الأنعام: ~~14] (الأنعام: 14) . وقال صلى الله عليه وسلم، من حديث أبي ذر رضي الله ~~عنه: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى ms049 قلب رجل ~~واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي ~~لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل ~~إنسان مسألته - ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» ~~الحديث. رواه مسلم. # PageV01P092 # وقوله بلا مئونة: بلا ثقل ولا كلفة. ### | [الإماتة والبعث] # قوله: (مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة) ش: الموت صفة وجودية، خلافا ~~للفلاسفة ومن وافقهم. قال تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا} [الملك: 2] (الملك: 2) . والعدم لا يوصف بكونه مخلوقا. وفي ~~الحديث: «أنه يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة ~~والنار» . وهو وإن كان عرضا فالله تعالى يقلبه عينا، كما ورد في العمل ~~الصالح: أنه # PageV01P093 # يأتي صاحبه في صورة الشاب الحسن، والعمل القبيح على أقبح صورة وورد في ~~القرآن: أنه يأتي على صورة الشاب الشاحب اللون، الحديث أي قراءة القارئ ~~وورد في الأعمال: أنها توضع في الميزان، والأعيان هي التي تقبل الوزن دون ~~الأعراض. # PageV01P094 # وورد في سورة البقرة وآل عمران: أنهما يوم القيامة يظلان صاحبهما كأنهما ~~غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف. وفي الصحيح: «أن أعمال العباد ~~تصعد إلى السماء» وسيأتي الكلام على البعث والنشور. إن شاء الله تعالى. # PageV01P095 ### | [اتصاف الله تعالى بصفات الكمال] ### | [اتصاف الرب تعالى بصفات الكمال أزلا وأبدا] # قوله: (ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم ~~من صفته، وكما كان بصفاته أزليا، كذلك لا يزال عليها أبديا.) . # ش: أي: أن الله سبحانه وتعالى لم يزل متصفا بصفات الكمال: صفات الذات ~~وصفات الفعل. ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفا بها، ~~لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له ~~الكمال بعد أن كان متصفا بضده. ولا يرد على هذه ms050 صفات الفعل والصفات ~~الاختيارية ونحوها، كالخلق والتصوير، والإماتة والإحياء، والقبض والبسط ~~والطي، والاستواء والإتيان والمجيء، والنزول، والغضب والرضا، ونحو ذلك مما ~~وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله، ~~ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، ولكن أصل معناه ~~معلوم لنا، كما قال الإمام مالك رضي الله عنه، لما سئل عن قوله تعالى: {ثم ~~استوى على العرش} [الأعراف: 54] (الأعراف: 54) : كيف استوى؟ فقال: الاستواء ~~معلوم، والكيف مجهول. وإن كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت، كما في ~~حديث الشفاعة: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده ~~مثله» . لأن هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع، # PageV01P096 # ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن، ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان ~~متكلما بالأمس لا يقال: إنه حدث له الكلام، ولو كان غير متكلم لآفة كالصغر ~~والخرس، ثم تكلم يقال: حدث له الكلام، فالساكت لغير آفة يسمى متكلما ~~بالقوة، بمعنى أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى متكلما بالفعل، وكذلك ~~الكاتب في حال الكتابة هو كاتب بالفعل، ولا يخرج عن كونه كاتبا في حال عدم ~~مباشرته للكتابة. ### | [حكم الألفاظ المجملة التي لم يرد نفيها ولا إثباتها في كتاب ولا سنة] # وحلول الحوادث بالرب تعالى، المنفي في علم الكلام المذموم، لم يرد نفيه ~~ولا إثباته في كتاب ولا سنة، وفيه إجمال: فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا ~~يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم ~~يكن - فهذا نفي صحيح. وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية، من أنه لا يفعل ~~ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ~~ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله ~~وعظمته - فهذا نفي باطل. # وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث، فيسلم السني للمتكلم ذلك، ~~على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما ms051 لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه ~~نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل، وهو لازم له. وإنما أتي السني من تسليم ~~هذا النفي المجمل، وإلا فلو استفسر واستفصل لم ينقطع معه. # وكذلك مسألة الصفة: هل هي زائدة على الذات أم لا؟ لفظها # PageV01P097 # مجمل، وكذلك لفظ الغير، فيه إجمال، فقد يراد به ما ليس هو إياه، وقد يراد ~~به ما جاز مفارقته له. # ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا يطلقون على صفات الله وكلامه ~~أنه غيره، ولا أنه ليس غيره. لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، ~~وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو، إذا كان لفظ الغير فيه إجمال، فلا يطلق ~~إلا مع البيان والتفصيل: فإن أريد به أن هناك ذاتا مجردة قائمة بنفسها ~~منفصلة عن الصفات الزائدة عليها - فهذا غير صحيح، وإن أريد به أن الصفات ~~زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة - فهذا حق، ~~ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال ~~الثابتة لها لا تنفصل عنها، وإنما يفرض الذهن ذاتا وصفة، كلا وحده، ولكن ~~ليس في الخارج ذات غير موصوفة، فإن هذا محال. ولو لم يكن إلا صفة الوجود، ~~فإنها لا تنفك عن الموجود، وإن كان الذهن يفرض ذاتا ووجودا، يتصور هذا ~~وحده، وهذا وحده، لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج. # وقد يقول بعضهم: الصفة لا عين الموصوف ولا غيره. هذا له معنى صحيح، وهو: ~~أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها، وليست ~~غير الموصوف، بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد. # PageV01P098 # والتحقيق أن يفرق بين قول القائل: الصفات غير الذات، وبين قوله: صفات ~~الله غير الله، فإن الثاني باطل ; لأن مسمى الله يدخل فيه صفته بخلاف مسمى ~~الذات، فإنه لا يدخل فيه الصفات ; لأن المراد أن الصفات زائدة على ما أثبته ~~المثبتون من الذات، والله تعالى هو الموصوف بالذات الموصوفة بصفاته ~~اللازمة، ms052 ولهذا قال الشيخ رحمه الله: " لا زال بصفاته " ولم يقل: لا زال ~~وصفاته ; لأن العطف يؤذن بالمغايرة، وكذلك قال الإمام أحمد رضي الله عنه في ~~مناظرته الجهمية، لا نقول: الله وعلمه، الله وقدرته، الله ونوره، ولكن ~~نقول: الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد سبحانه وتعالى. # فإذا قلت: أعوذ بالله فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال ~~المقدس الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه # وإذا قلت: أعوذ بعزة الله، فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى، ولم أعذ ~~بغير الله. وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات، فإن ذات في أصل معناها لا ~~تستعمل إلا مضافة، أي: ذات وجود، ذات قدرة، ذات عز، ذات علم، ذات كرم، إلى ~~غير ذلك من الصفات. فذات كذا بمعنى صاحبة كذا: تأنيث ذو. هذا أصل معنى ~~الكلمة. ### | [لا يتصور انفصال الصفات عن الذات بوجه من الوجوه] # فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه، وإن كان ~~الذهن قد يفرض ذاتا مجردة عن الصفات، كما يفرض المحال. وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم: «أعوذ بعزة الله وقدرته من # PageV01P099 # شر ما أجد وأحاذر» . وقال صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بكلمات الله التامات ~~من شر ما خلق» . ولا يعوذ صلى الله عليه وسلم بغير الله. # PageV01P100 # وكذا قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك ~~من عقوبتك، وأعوذ بك منك» . وقال صلى الله عليه وسلم: «ونعوذ بعظمتك أن ~~نغتال من تحتنا» . وقال صلى الله عليه # PageV01P101 # وسلم: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» . ### | [هل الاسم عين المسمى أو غيره] # وكذلك قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟ وطالما غلط كثير من الناس في ~~ذلك، وجهلوا الصواب فيه: فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال ~~عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك - فهذا ~~المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، ~~والرحمن من أسماء الله تعالى ونحو ذلك - فالاسم ms053 هاهنا للمسمى، ولا يقال ~~غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير ~~المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، ~~أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم: فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء ~~الله تعالى. # PageV01P102 # والشيخ رحمه الله أشار بقوله: ما زال بصفاته قديما قبل خلقه إلى آخر ~~كلامه - إلى الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة. فإنهم ~~قالوا: إنه تعالى صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه، ~~لكونه صار الفعل والكلام ممكنا بعد أن كان ممتنعا، وأنه انقلب من الامتناع ~~الذاتي إلى الإمكان الذاتي! وعلى ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما، فإنهم ~~قالوا: إن الفعل صار ممكنا له بعد أن كان ممتنعا منه. وأما الكلام عندهم ~~فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد لازم لذاته. ### | [دعوى الجهمية امتناع حوادث لا أول لها] # وأصل هذا الكلام من الجهمية، فإنهم قالوا: إن دوام الحوادث ممتنع، وإنه ~~يجب أن يكون للحوادث مبدأ، لامتناع حوادث لا أول لها، فيمتنع أن يكون ~~الباري عز وجل لم يزل فاعلا متكلما بمشيئته، بل يمتنع أن يكون قادرا على ~~ذلك، لأن القدرة على الممتنع ممتنعة! وهذا فاسد، فإنه يدل على امتناع حدوث ~~العالم وهو حادث، والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثا فلا بد أن يكون ~~ممكنا، والإمكان ليس له وقت محدود، وما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت فيه، ~~وليس لإمكان الفعل وجوازه وصحته مبدأ ينتهي إليه، فيجب أنه لم يزل الفعل ~~ممكنا جائزا صحيحا، فيلزم أنه لم يزل الرب قادرا عليه، # PageV01P103 # فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها. # قالت الجهمية ومن وافقهم: نحن لا نسلم أن إمكان الحوادث لا بداية له، لكن ~~نقول، إمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له، وذلك لأن ~~الحوادث عندنا تمتنع أن تكون قديمة النوع، بل يجب حدوث نوعها ويمتنع قدم ~~نوعها، لكن لا يجب الحدوث في وقت بعينه، فإمكان ms054 الحوادث بشرط كونها مسبوقة ~~بالعدم لا أول له، بخلاف جنس الحوادث. # فيقال لهم: هب أنكم تقولون ذلك، لكن يقال: إمكان جنس الحوادث عندكم له ~~بداية، فإنه صار جنس الحدوث عندكم ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا، وليس لهذا ~~الإمكان وقت معين، بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم دوام ~~الإمكان، وإلا لزم انقلاب الجنس من الامتناع إلى الإمكان من غير حدوث شيء. ~~ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحدوث أو جنس الحوادث، أو جنس الفعل، أو جنس ~~الأحداث، أو ما أشبه هذا من العبارات - من الامتناع إلى الإمكان، هو يصير ~~ذلك ممكنا جائزا بعد أن كان ممتنعا من غير سبب تجدد، وهذا ممتنع في صريح ~~العقل. # وهو أيضا انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، فإن ذات ~~جنس الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة، وهذا الانقلاب لا يختص ~~بوقت معين، فإنه ما من وقت يقدر إلا # PageV01P104 # والإمكان ثابت قبله، فيلزم أنه لم يزل هذا الانقلاب ممكنا، فيلزم أنه لم ~~يزل الممتنع ممكنا! وهذا أبلغ في الامتناع من قولنا: لم يزل الحادث ممكنا، ~~فقد لزمهم فيما فروا إليه أبلغ مما لزمهم فيما فروا منه! فإنه يعقل كون ~~الحادث ممكنا، ويعقل أن هذا الإمكان لم يزل، وأما كون الممتنع ممكنا فهو ~~ممتنع في نفسه، فكيف إذا قيل: لم يزل إمكان هذا الممتنع؟ ! وهذا مبسوط في ~~موضعه. ### | [أقوال أهل النظر في إمكانية دوام نوع الحوادث] # فالحاصل: أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا؟ أو ~~في المستقبل فقط؟ أو الماضي فقط؟ فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من ~~المسلمين وغيرهم: # أضعفها: قول من يقول، لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل، كقول ~~جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف. # وثانيها قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي، كقول كثير من ~~أهل الكلام ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم. # والثالث: قول من يقول: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل، كما يقوله أئمة ~~الحديث، وهي من ms055 المسائل الكبار. ولم يقل أحد يمكن دوامها في الماضي دون ~~المستقبل. # PageV01P105 # ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون: إن كل ما سوى الله تعالى ~~مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وهذا قول الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود ~~والنصارى وغيرهم: # ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارنا لفاعله لم يزل ولا يزال معه - ~~ممتنع محال، ولما كان تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الرب ~~سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع ~~أن يكون سبحانه وتعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء. فإن الرب سبحانه وتعالى ~~لم يزل ولا يزال، يفعل ما يشاء ويتكلم إذا يشاء. قال تعالى: {قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء} [آل عمران: 40] (آل عمران: 40) . وقال تعالى: {ولكن الله ~~يفعل ما يريد} [البقرة: 253] (البقرة: 253) . وقال تعالى: {ذو العرش المجيد ~~- فعال لما يريد} [البروج: 15 - 16] (البروج: 15 - 16) . وقال تعالى: {ولو ~~أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله} [لقمان: 27] (لقمان: 27) . وقال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} [الكهف: ~~109] (الكهف: 109) . # والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود، وحينئذ فإذا كان النوع دائما ~~فالممكن والأكمل هو التقدم على كل فرد من الأفراد بحيث لا يكون في أجزاء ~~العالم شيء يقارنه بوجه من الوجوه. # وأما دوام الفعل فهو أيضا من الكمال، فإن الفعل إذا كان صفة كمال فدوامه ~~دوام الكمال. # قالوا: والتسلسل لفظ مجمل، لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ولا سنة، ليجب ~~مراعاة لفظه، وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن، # PageV01P106 # وكالتسلسل في المؤثرين محال ممتنع لذاته، وهو أن يكون مؤثرون كل واحد ~~منهم استفاد تأثيره ممن قبله لا إلى غاية. # والتسلسل الواجب: ما دل عليه العقل والشرع، من دوام أفعال الرب تعالى في ~~الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيما آخر لا نفاد له، ~~وكذلك التسلسل في أفعاله ms056 سبحانه من طرف الأزل، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر، ~~فهذا واجب في كلامه، فإنه لم يزل متكلما إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام ~~في وقت، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإن كل حي فعال، والفرق بين ~~الحي والميت بالفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف: الحي الفعال، وقال عثمان ~~بن سعيد: كل حي فعال، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلا عن ~~كماله، من الكلام والإرادة والفعل. # وأما التسلسل الممكن: فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما تتسلسل في ~~طرف الأبد، فإنه إذا لم يزل حيا قادرا مريدا متكلما، وذلك من لوازم ذاته - ~~فالفعل ممكن له بوجوب هذه الصفات له، # PageV01P107 # وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه، ~~فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدما لا أول له، فلكل مخلوق ~~أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن ~~بعد أن لم يكن. # قالوا: وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه، وكل من اعترف ~~بأن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل لزمه أحد أمرين، لا بد له منهما: ~~إما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنا، وإما أن يقول لم يزل واقعا، وإلا ~~تناقض تناقضا بينا، حيث زعم أن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل، والفعل ~~محال ممتنع لذاته، لو أراده لم يمكن وجوده، بل فرض إرادته عنده محال وهو ~~مقدور له. وهذا قول ينقض بعضه بعضا. # والمقصود: أن الذي دل عليه الشرع والعقل، أن كل ما سوى الله تعالى محدث ~~كائن بعد أن لم يكن. أما كون الرب تعالى لم يزل معطلا عن الفعل ثم فعل، ~~فليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته، بل كلاهما يدل على نقيضه. # وقد أورد أبو المعالي في إرشاده وغيره من النظار على # PageV01P108 # التسلسل في الماضي، فقالوا: لأنك لو قلت: لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده ~~درهما، ms057 كان هذا ممكنا، ولو قلت: لا أعطيك درهما حتى أعطيك قبله درهما، كان ~~هذا ممتنعا. # وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة، بل الموازنة الصحيحة أن تقول: ما ~~أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما، فتجعل ماضيا قبل ماض، كما جعلت هناك ~~مستقبلا بعد مستقبل. وأما قول القائل: لا أعطيك حتى أعطيك قبله، فهو نفي ~~للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله. فقد نفى المستقبل حتى يوجد ~~المستقبل، وهذا ممتنع. لم ينف الماضي حتى يكون قبله ماض، فإن هذا ممكن. ~~والعطاء المستقبل ابتداؤه من المعطي. والمستقبل الذي له ابتداء وانتهاء لا ~~يكون قبله ما لا نهاية له، فإن ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع. ### | [صفتا الخالق والبارئ] ### | [تسلسل الحوادث في الماضي والمستقبل] # قوله: (ليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بإحداثه البرية استفاد ~~اسم الباري) ش: ظاهر كلام الشيخ رحمه الله أنه يمنع تسلسل الحوادث في ~~الماضي، ويأتي في كلامه ما يدل على أنه لا يمنعه في المستقبل، وهو قوله ~~والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، وهذا مذهب الجمهور كما ~~تقدم. ولا شك في فساد قول من منع ذلك في الماضي والمستقبل، كما ذهب إليه ~~الجهم وأتباعه، وقال بفناء الجنة والنار، لما يأتي من الأدلة إن شاء الله ~~تعالى. # PageV01P109 # وأما قول من قال بجواز حوادث لا أول لها، من القائلين بحوادث لا آخر لها ~~- فأظهر في الصحة من قول من فرق بينهما، فإنه سبحانه لم يزل حيا، والفعل من ~~لوازم الحياة، فلم يزل فاعلا لما يريد، كما وصف بذلك نفسه، حيث يقول: {ذو ~~العرش المجيد - فعال لما يريد} [البروج: 15 - 16] (البروج: 15 - 16) . ### | [المعاني المستنبطة من قوله تعالى " فعال لما يريد "] # والآية تدل على أمور: # أحدها: أنه تعالى يفعل بإرادته ومشيئته. # الثاني: أنه لم يزل كذلك، لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه، ~~وأن ذلك من كماله سبحانه، ولا يجوز أن يكون عادما لهذا الكمال في وقت من ~~الأوقات. وقد قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا ms058 تذكرون} [النحل: 17] ~~(النحل: 17) . ولما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا بعد أن لم ~~يكن. # الثالث: أنه إذا أراد شيئا فعله، فإن ما موصولة عامة، أي: يفعل كل ما ~~يريد أن يفعله، وهذا في إرادته المتعلقة بفعله. وأما إرادته المتعلقة بفعل ~~العبد فتلك لها شأن آخر: فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه ~~ويجعله فاعلا لم يوجد الفعل وإن أراده حتى يريد من نفسه أن يجعله فاعلا. ~~وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية، وخبطوا في مسألة القدر، ~~لغفلتهم عنها، وفرق بين إرادته أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله فاعلا، ~~وسيأتي الكلام على مسألة القدر في موضعه إن شاء الله تعالى. # الرابع: أن فعله وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعله فعله، # PageV01P110 # وما فعله فقد أراده. بخلاف المخلوق، فإنه يريد ما لا يفعل، وقد يفعل ما ~~لا يريد. فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده. # الخامس: إثبات إرادات متعددة بحسب الأفعال، وأن كل فعل له إرادة تخصه، ~~هذا هو المعقول في الفطر، فشأنه سبحانه أنه يريد على الدوام ويفعل ما يريد. # السادس: أن كل ما صح أن تتعلق به إرادته جاز فعله، فإذا أراد أن ينزل كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا، وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، وأن يري عباده ~~نفسه، وأن يتجلى لهم كيف شاء، ويخاطبهم، ويضحك إليهم، وغير ذلك مما يريد ~~سبحانه - لم يمتنع عليه فعله، فإنه تعالى فعال لما يريد. وإنما يتوقف صحة ~~ذلك على إخبار الصادق به، فإذا أخبر وجب التصديق، وكذلك محو ما يشاء، ~~وإثبات ما يشاء، كل يوم هو في شأن، سبحانه وتعالى. # والقول بأن الحوادث لها أول، يلزم منه التعطيل قبل ذلك، وأن الله سبحانه ~~وتعالى لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلا. ولا يلزم من ذلك قدم العالم، لأن كل ~~ما سوى الله تعالى محدث ممكن الوجود، موجود بإيجاد الله تعالى له، ليس له ~~من نفسه إلا العدم، والفقر والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما ms059 سوى الله تعالى، ~~والله تعالى واجب الوجود لذاته، غني لذاته، والغنى وصف ذاتي لازم له سبحانه ~~وتعالى. ### | [اختلاف العلماء في أول هذا العالم] # وللناس قولان في هذا العالم: هل هو مخلوق من مادة أم لا؟ # PageV01P111 # واختلفوا في أول هذا العالم ما هو؟ وقد قال تعالى: {وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء} [هود: 7] (هود: 7) . # وروى البخاري وغيره عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: «قال أهل اليمن ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا ~~الأمر، فقال: " كان الله ولم يكن شيء قبله "، وفي رواية: " ولم يكن شيء معه ~~"، وفي رواية " غيره "، " وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق ~~السماوات والأرض "، وفي لفظ: " ثم خلق السماوات والأرض» . فقوله: " كتب في ~~الذكر "، يعني اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر} [الأنبياء: 105] (الأنبياء: 105) سمى ما يكتب في الذكر ذكرا، كما ~~يسمى ما يكتب في الكتاب كتابا. # والناس في هذا الحديث على قولين: منهم من قال: إن المقصود إخباره بأن ~~الله كان موجودا وحده ولم يزل كذلك دائما، ثم ابتدأ إحداث جميع الحوادث، ~~فجنسها وأعيانها مسبوقة بالعدم، وأن جنس الزمان حادث لا في زمان، وأن الله ~~صار فاعلا بعد أن لم يكن يفعل شيئا من الأزل إلى حين ابتداء الفعل كان ~~الفعل ممكنا. # PageV01P112 # والقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم الموجود الذي خلقه ~~الله في ستة أيام ثم استوى على العرش، كما أخبر القرآن بذلك في غير موضع، ~~وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «قدر الله تعالى مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض ~~بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء. فأخبر صلى الله عليه وسلم أن تقدير ~~هذا العالم المخلوق في ستة أيام كان قبل خلقه السماوات بخمسين ألف سنة، وأن ~~عرش الرب تعالى كان حينئذ على ms060 الماء» . # دليل صحة هذا القول الثاني من وجوه: أحدها: أن قول أهل اليمن جئناك ~~لنسألك عن أول هذا الأمر، وهو إشارة إلى حاضر مشهود موجود، والأمر هنا ~~بمعنى المأمور، أي الذي كونه الله بأمره. وقد أجابهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن بدء هذا العالم الموجود، لا عن جنس المخلوقات، لأنهم لم يسألوه ~~عنه، وقد أخبرهم عن خلق السماوات والأرض حال كون عرشه على الماء، # PageV01P113 # ولم يخبرهم عن خلق العرش، وهو مخلوق قبل خلق السماوات والأرض. وأيضا فإنه ~~قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله» . وقد روي (معه) ، وروي (غيره) ، والمجلس ~~كان واحدا، فعلم أنه قال أحد الألفاظ والآخران رويا بالمعنى، ولفظ القبل ~~ثبت عنه في غير هذا الحديث. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان يقول في دعائه: اللهم أنت الأول فليس ~~قبلك شيء» ، الحديث. واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما في موضع آخر، ~~ولهذا كان كثير من أهل الحديث إنما يرويه بلفظ القبل، كالحميدي والبغوي ~~وابن الأثير. وإذا كان كذلك لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث، ولا ~~لأول مخلوق. # PageV01P114 # وأيضا: فإنه يقال: «كان الله ولم يكن شيء قبله أو معه أو غيره، وكان عرشه ~~على الماء وكتب في الذكر كل شيء» . فأخبر عن هذه الثلاثة بالواو، و «خلق ~~السماوات والأرض» روي بالواو وبثم، فظهر أن مقصوده إخباره إياهم ببدء خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام، لا ~~ابتداء خلق ما خلقه الله قبل ذلك، وذكر السماوات والأرض بما يدل على ~~خلقهما، وذكر ما قبلهما بما يدل على كونه ووجوده، ولم يتعرض لابتداء خلقه ~~له. وأيضا: فإنه إذا كان الحديث قد ورد بهذا وهذا، فلا يجزم بأحدهما إلا ~~بدليل، فإذا رجح أحدهما فمن جزم بأن الرسول أراد المعنى الآخر فهو مخطئ ~~قطعا، ولم يأت في الكتاب ولا في السنة ما يدل على المعنى الآخر، فلا يجوز ~~إثباته بما يظن أنه معنى الحديث، ms061 ولم يرد (كان الله ولا شيء معه) مجردا، ~~وإنما ورد على السياق المذكور، فلا يظن أن معناه الإخبار بتعطيل الرب تعالى ~~دائما عن الفعل حتى خلق السماوات والأرض. وأيضا: فقوله صلى الله عليه وسلم: ~~«كان الله ولا شيء قبله، أو معه، أو غيره، وكان عرشه على الماء» ، لا يصح ~~أن يكون المعنى أنه تعالى موجود وحده لا مخلوق معه أصلا، لأن قوله: «وكان ~~عرشه على الماء» . يرد ذلك، فإن هذه الجملة وهي: وكان عرشه على الماء إما ~~حالية، أو معطوفة، وعلى كلا التقديرين فهو مخلوق موجود # PageV01P115 # في ذلك الوقت، فعلم أن المراد ولم يكن شيء من هذا العالم المشهود. # قوله: (له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق) . # ش: يعني أن الله تعالى موصوف بأنه الرب قبل أن يوجد مربوب، وموصوف بأنه ~~خالق قبل أن يوجد مخلوق. قال بعض المشايخ الشارحين: وإنما قال: له معنى ~~الربوبية ومعنى الخالق دون الخالقية، لأن الخالق هو المخرج للشيء من العدم ~~إلى الوجود لا غير، والرب يقتضي معاني كثيرة، وهي: الملك والحفظ والتدبير ~~والتربية وهي تبليغ الشيء كماله بالتدريج، فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه ~~المعاني، وهي الربوبية. انتهى. وفيه نظر، لأن الخلق يكون بمعنى التقدير ~~أيضا. # قوله: (وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، ~~كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم) . # ش: يعني: أنه سبحانه وتعالى موصوف بأنه محيي الموتى قبل إحيائهم، فكذلك ~~يوصف بأنه خالق قبل خلقهم، إلزاما للمعتزلة ومن قال بقولهم، كما حكينا عنهم ~~فيما تقدم. وتقدم تقرير أنه تعالى لم يزل يفعل ما يشاء. # PageV01P116 ### | [متعلقات القدرة والرد على المعتزلة] ### | [ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه] # قوله: (ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ~~لا يحتاج إلى شيء، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] . # ش: ذلك إشارة إلى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه. والكلام على (كل) ~~وشمولها وشمول كل [في كل] مقام بحسب ما يحتف به من ms062 القرائن، يأتي في مسألة ~~الكلام إن شاء الله تعالى. # وقد حرفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله تعالى: {والله على كل شيء ~~قدير} [البقرة: 284] (البقرة: 284) ، فقالوا: إنه قادر على كل ما هو مقدور ~~له، وأما نفس أفعال العباد فلا يقدر عليها عندهم، وتنازعوا: هل يقدر على ~~مثلها أم لا؟ ! ولو كان المعنى على ما قالوا لكان هذا بمنزلة أن يقال: هو ~~عالم بكل ما يعلمه، وخالق لكل ما يخلقه، ونحو ذلك من العبارات التي لا ~~فائدة فيها. فسلبوا صفة كمال قدرته على كل شيء. # وأما أهل السنة، فعندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في ~~هذا. وأما المحال لذاته، مثل كون الشيء الواحد موجودا معدوما في حال واحدة، ~~فهذه لا حقيقة له، ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئا، باتفاق العقلاء. ومن ~~هذا الباب: خلق مثل نفسه، وإعدام نفسه وأمثال ذلك من المحال. # وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة، فإنه لا يؤمن بأنه رب كل ~~شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها ~~إلا من آمن بأنه على كل شيء قدير. # PageV01P117 ### | [المعدوم الممكن ليس بشيء في الخارج] # وإنما تنازعوا في المعدوم الممكن: هل هو شيء أم لا؟ والتحقيق: أن المعدوم ~~ليس بشيء في الخارج، ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون، ويكتبه، وقد ~~يذكره ويخبر به، كقوله تعالى: {إن زلزلة الساعة شيء عظيم} [الحج: 1] (الحج: ~~1) ، فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب، لا في الخارج، كما قال تعالى: ~~{إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] (يس: 82) ، قال ~~تعالى: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} [مريم: 9] (مريم: 9) ، أي: لم تكن ~~شيئا في الخارج وإن كان شيئا في علمه تعالى. وقال تعالى: {هل أتى على ~~الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} [الإنسان: 1] (الدهر: 1) . # وقوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ، رد على المشبهة. وقوله تعالى: ~~{وهو السميع البصير} [الشورى: 11] (الشورى: 11) ، رد على المعطلة، فهو ~~سبحانه وتعالى موصوف بصفات ms063 الكمال، وليس له فيها شبيه. فالمخلوق وإن كان ~~يوصف بأنه سميع بصير - فليس سمعه وبصره كسمع الرب وبصره، ولا يلزم من إثبات ~~الصفة تشبيه، إذ صفات المخلوق كما يليق به، وصفات الخالق كما يليق به. # ولا تنف عن الله ما وصف به نفسه، وما وصفه به أعرف الخلق بربه وما يجب له ~~وما يمتنع عليه، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم وأقدرهم على البيان. فإنك إن نفيت ~~شيئا من ذلك كنت كافرا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا وصفته ~~بما وصف به نفسه فلا تشبهه بخلقه، فليس كمثله شيء، # PageV01P118 # فإذا شبهته بخلقه كنت كافرا به. # قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن ~~جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به ~~رسوله تشبيها. وسيأتي في كلام الشيخ الطحاوي رحمه الله: " ومن لم يتوق ~~النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه ". ### | [المثل الأعلى المتضمن إثبات الكمال هو لله وحده] # وقد وصف الله تعالى نفسه بأن له المثل الأعلى، فقال تعالى: {للذين لا ~~يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى} [النحل: 60] (النحل: 60) ، ~~وقال تعالى: {وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} ~~[الروم: 27] (الروم: 27) . فجعل سبحانه مثل السوء - المتضمن للعيوب ~~والنقائص وسلب الكمال - لأعدائه المشركين وأوثانهم، وأخبر أن المثل الأعلى ~~- المتضمن لإثبات الكمال كله - لله وحده. فمن سلب صفات الكمال عن الله ~~تعالى فقد جعل له مثل السوء، ونفى عنه ما وصف به نفسه من المثل الأعلى، وهو ~~الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية، والمعاني الثبوتية، التي كلما ~~كانت أكثر في الموصوف وأكمل - كان بها أكمل وأعلى من غيره. # ولما كانت صفات الرب سبحانه وتعالى أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى، ~~وكان أحق به من كل ما سواه. بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق ~~اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم ~~يتكافآ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل ms064 أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل ~~أو نظير. # PageV01P119 ### | [اختلاف عبارات المفسرين في المثل الأعلى] # واختلفت عبارات المفسرين في المثل الأعلى. ووفق بين أقوالهم بعض من وفقه ~~الله وهداه، فقال: المثل الأعلى يتضمن: الصفة العليا، وعلم العالمين بها، ~~ووجودها العلمي، والخبر عنها وذكرها، وعبادة الرب تعالى بواسطة العلم ~~والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه. # فهاهنا أمور أربعة: # [الأول] : ثبوت الصفات العليا لله سبحانه وتعالى، سواء علمها العباد أو ~~لا، وهذا معنى قول من فسرها بالصفة. # الثاني: وجودها في العلم والشعور، وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف: ~~إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه، من معرفته وذكره، ومحبته وجلاله، وتعظيمه، ~~وخوفه ورجائه، والتوكل عليه والإنابة إليه. وهذا الذي في قلوبهم من المثل ~~الأعلى لا يشركه فيه غيره أصلا، بل يختص به في قلوبهم، كما اختص به في ~~ذاته. وهذا معنى قول من قال من المفسرين: إن معناه: أهل السماوات يعظمونه ~~ويحبونه ويعبدونه، وأهل الأرض كذلك، وإن أشرك به من أشرك، وعصاه من عصاه، ~~وجحد صفاته من جحدها، فأهل الأرض معظمون له، مجلون، خاضعون لعظمته، ~~مستكينون لعزته وجبروته. قال تعالى: {وله من في السماوات والأرض كل له ~~قانتون} [الروم: 26] (الروم: 26) . # الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها من العيوب والنقائص والتمثيل. # PageV01P120 # الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده، والإخلاص له، والتوكل عليه، والإنابة ~~إليه. وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى. # فعبارات السلف كلها تدور على هذه المعاني الأربعة. فمن أضل ممن يعارض بين ~~قوله تعالى: {وله المثل الأعلى} [الروم: 27] (الروم: 27) وبين قوله: {ليس ~~كمثله شيء} [الشورى: 11] ؟ ويستدل بقوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] على ~~نفي الصفات ويعمى عن تمام الآية وهو قوله: {وهو السميع البصير} [الشورى: ~~11] (الشورى: 11) حتى أفضى هذا الضلال ببعضهم، وهو أحمد بن أبي دواد ~~القاضي، إلى أن أشار على الخليفة المأمون أن يكتب على ستر الكعبة: ليس ~~كمثله شيء وهو العزيز الحكيم، حرف كلام الله لينفي وصفه تعالى بأنه السميع ~~البصير كما قال الضال الآخر جهم بن صفوان: وددت ms065 أني أحك من المصحف قوله ~~تعالى: {ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] (الأعراف: 54) فنسأل الله ~~العظيم السميع البصير أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة، بمنه وكرمه. ### | [بيان وجوه إعراب " كمثله "] # وفي إعراب كمثله - وجوه، # PageV01P121 # أحدها: أن الكاف صلة زيدت للتأكيد، قال أوس بن حجر: # ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يوازيه في الفضائل # وقال آخر: # ما إن كمثلهم في الناس من بشر # وقال آخر: # وقتلى كمثل جذوع النخيل # فيكون (مثله) خبر ليس واسمها شيء. وهذا وجه قوي حسن، تعرف العرب معناه في ~~لغتها، ولا يخفى عنها إذا خوطبت به، وقد جاء عن العرب أيضا زيادة الكاف ~~للتأكيد في قول بعضهم: # وصاليات ككما يؤثفين # PageV01P122 # وقول الآخر: # فأصبحت مثل كعصف مأكول # PageV01P123 # الوجه الثاني: أن الزائد (مثل) أي: ليس كهو شيء، وهذا القول بعيد، لأن ~~مثل اسم والقول بزيادة الحرف للتأكيد أولى من القول بزيادة الاسم. # الوجه الثالث: أنه ليس ثم زيادة أصلا، بل هذا من باب قولهم: مثلك لا يفعل ~~كذا، أي: أنت لا تفعله، وأتى بمثل للمبالغة، وقالوا في معنى المبالغة هنا: ~~أي: ليس لمثله مثل لو فرض المثل، فكيف ولا مثل له. وقيل غير ذلك، والأول ~~أظهر. ### | [خلقه سبحانه للخلق وهو عالم بهم] # قوله: (خلق الخلق بعلمه) # ش: خلق: أي: أوجد وأنشأ وأبدع. ويأتي خلق أيضا بمعنى: قدر. والخلق: مصدر، ~~وهو هنا بمعنى المخلوق. وقوله: بعلمه في محل نصب على الحال، أي: خلقهم ~~عالما بهم، قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] ~~(الملك: 14) . وقال تعالى: # PageV01P124 # {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط ~~من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين - وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} [الأنعام: 59 - ~~60] (الأنعام: 59 - 60) . وفي ذلك رد على المعتزلة. # قال الإمام عبد العزيز المكي صاحب الإمام الشافعي رحمه الله وجليسه، في ~~كتاب الحيدة، الذي حكى فيه مناظرته بشرا المريسي عند المأمون حين ms066 سأله عن ~~علمه تعالى: فقال بشر: أقول: لا يجهل، فجعل يكرر السؤال عن صفة العلم، ~~تقريرا له، وبشر يقول: لا يجهل، ولا يعترف له أنه عالم بعلم، فقال الإمام ~~عبد العزيز: نفي الجهل لا يكون صفة مدح، فإن [قولي] : هذه الأسطوانة لا ~~تجهل [ليس هو إثبات العلم لها] وقد مدح الله تعالى الأنبياء والملائكة ~~والمؤمنين بالعلم، لا بنفي الجهل. فمن أثبت العلم فقد نفى الجهل، ومن نفى ~~الجهل لم يثبت العلم، وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه، ~~وينفوا ما نفاه، ويمسكوا عما أمسك عنه. # والدليل العقلي على علمه تعالى: أنه يستحيل إيجاده الأشياء مع # PageV01P125 # الجهل، ولأن إيجاده الأشياء بإرادته، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور ~~المراد: هو العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزما للإرادة، والإرادة مستلزمة ~~للعلم، فالإيجاد مستلزم للعلم. ولأن المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان ما ~~يستلزم علم الفاعل لها، لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم، ~~ولأن من المخلوقات ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق ~~عالما. وهذا له طريقان: أحدهما: أن يقال: نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل ~~من المخلوق، وأن الواجب أكمل من الممكن، ونعلم ضرورة أنا لو فرضنا شيئين، ~~أحدهما عالم والآخر غير عالم - كان العالم أكمل، فلو لم يكن الخالق عالما ~~لزم أن يكون الممكن أكمل منه، وهو ممتنع. الثاني: أن يقال: كل علم في ~~الممكنات، التي هي المخلوقات - فهو منه، ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ~~ومبدعه عاريا منه بل هو أحق به. والله تعالى له المثل الأعلى، ولا يستوي هو ~~والمخلوقات، لا في قياس تمثيلي، ولا في قياس شمولي، بل كل ما ثبت للمخلوق ~~من كمال فالخالق به أحق، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ما فتنزيه الخالق عنه ~~أولى. ### | [أقدار وآجال الخلائق] ### | [آجال الخلائق مقدرة وأسبابها مختلفة] # قوله: (وقدر لهم أقدارا) . # ش: قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 2] (الفرقان: 2) ~~وقال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49] (القمر: 49) . وقال ~~تعالى: {وكان أمر الله ms067 قدرا مقدورا} [الأحزاب: 38] (الأحزاب: 38) . وقال ~~تعالى: {الذي خلق فسوى - والذي قدر فهدى} [الأعلى: 2 - 3] (الأعلى: 2 - 3) ~~. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم # PageV01P126 # أنه قال: «قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف ~~سنة، وكان عرشه على الماء» . # قوله: (وضرب لهم آجالا) ش: يعني: أن الله سبحانه وتعالى قدر آجال ~~الخلائق، بحيث إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. قال تعالى: ~~{إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [يونس: 49] (يونس: 49) . ~~وقال تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا} [آل عمران: ~~145] (آل عمران: 145) . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: «قالت أم ~~حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها: اللهم أمتعني بزوجي ~~رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل ~~شيئا قبل أجله، ولن يؤخر شيئا عن أجله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب ~~في النار وعذاب في القبر -: كان خيرا وأفضل» . # فالمقتول ميت بأجله، فعلم الله تعالى وقدر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، ~~وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ~~ذلك من الأسباب. والله سبحانه خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة. # PageV01P127 # وعند المعتزلة: المقتول مقطوع عليه أجله، ولو لم يقتل لعاش إلى أجله فكأن ~~له أجلان وهذا باطل، لأنه لا يليق أن ينسب إلى الله تعالى أنه جعل له أجلا ~~يعلم أنه لا يعيش إليه البتة، أو يجعل أجله أحد الأمرين، كفعل الجاهل ~~بالعواقب، ووجوب القصاص والضمان على القاتل، لارتكابه المنهي عنه ومباشرته ~~السبب المحظور. وعلى هذا يخرج قوله صلى الله عليه وسلم: «صلة الرحم تزيد في ~~العمر» أي: سبب طول # PageV01P128 # العمر. وقد قدر الله أن هذا يصل رحمه فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ~~ولولا ذلك السبب لم ms068 يصل إلى هذه الغاية، ولكن قدر هذا السبب وقضاه، وكذلك ~~قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا، كما قلنا في القتل وعدمه. ### | [الدعاء المشروع وآثاره] # فإن قيل: هل يلزم من تأثير صلة الرحم في زيادة العمر ونقصانه تأثير ~~الدعاء في ذلك أم لا؟ فالجواب: أن ذلك غير لازم، لقوله صلى الله عليه وسلم ~~لأم حبيبة رضي الله عنها: «قد سألت الله تعالى لآجال مضروبة» الحديث، كما ~~تقدم. فعلم أن الأعمار مقدرة، لم يشرع الدعاء بتغيرها، بخلاف النجاة من ~~عذاب الآخرة. فإن الدعاء مشروع له نافع فيه، ألا ترى أن الدعاء بتغيير ~~العمر لما تضمن النفع الأخروي - شرع كما في الدعاء رواه النسائي من حديث ~~عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم بعلمك الغيب ~~وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة ~~خيرا لي» ، إلى آخر الدعاء. ويؤيد هذا ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث ~~ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرد القدر إلا ~~الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا # PageV01P129 # البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه» . # وفي الحديث رد على من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء، وقد ~~ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه نهى عن النذر، وقال: ~~أنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» . # واعلم أن الدعاء يكون مشروعا نافعا في بعض الأشياء دون # PageV01P130 # بعض، وكذلك هو. وكذلك لا يجيب الله المعتدين في الدعاء. وكان الإمام أحمد ~~رحمه الله يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: هذا أمر قد فرغ منه. ### | [تأويل قوله تعالى " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب "] # وأما قوله تعالى: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} ~~[فاطر: 11] (فاطر: 11) ، فقد قيل في الضمير المذكور في قوله تعالى: {من ~~عمره} [فاطر: 11] أنه بمنزلة قولهم: عندي درهم ونصفه، أي: ونصف درهم آخر، ~~فيكون المعنى: ولا ينقص ms069 من عمر معمر آخر، وقيل: الزيادة والنقصان في الصحف ~~التي في أيدي الملائكة، وحمل قوله تعالى: {لكل أجل كتاب - يمحو الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 38 - 39] (الرعد: 38 - 39) ، على أن ~~المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة، وأن قوله: {وعنده أم ~~الكتاب} [الرعد: 39] . اللوح المحفوظ. ويدل على هذا الوجه سياق الآية، وهو ~~قوله: {لكل أجل كتاب} [الرعد: 38] ، # PageV01P131 # ثم قال: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 39] (الرعد: 39) ، أي: من ذلك ~~الكتاب، {وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39] ، أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ. ~~وقيل: يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، ~~والسياق أدل على هذا الوجه من الوجه الأول، وهو قوله تعالى: {وما كان لرسول ~~أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب} [الرعد: 38] . فأخبر تعالى أن ~~الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه، بل من عند الله، ثم قال: {لكل أجل ~~كتاب - يمحو الله ما يشاء ويثبت} [الرعد: 38 - 39] (الرعد: 38 - 39) ، أي: ~~إن الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها، ثم تنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ ~~الله ما يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل، ويثبت ما يشاء. وفي الآية أقوال ~~أخرى، والله أعلم بالصواب. ### | [شمول علمه سبحانه وتعالى] # قوله: (ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن ~~يخلقهم) . # ش: فإنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون، كما ~~قال تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] (الأنعام: 28) . ~~وإن كان يعلم أنهم لا يردون، ولكن أخبر أنهم لو ردوا لعادوا، كما قال ~~تعالى: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} ~~[الأنفال: 23] (الأنفال: 23) . وفي ذلك رد على الرافضة والقدرية، والذين ~~قالوا: إنه لا يعلم الشيء قبل أن يخلقه ويوجده. وهي من فروع مسألة القدر، ~~وسيأتي لها زيادة بيان، إن شاء الله تعالى. # قوله: (وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته) . # ش: ذكر الشيخ الأمر والنهي، بعد ذكره الخلق والقدر، إشارة # PageV01P132 # إلى أن ms070 الله تعالى خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56] (الذاريات: 56) ، وقال تعالى: {الذي ~~خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [الملك: 2] (الملك: 2) . ### | [ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن] ### | [الأدلة على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن] # قوله: (وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد، ~~إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن) ش: قال تعالى: {وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما} [الإنسان: 30] (الدهر: ~~30) وقال: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: 29] ~~(التكوير: 23) . وقال تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ~~وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} [الأنعام: ~~111] (الأنعام: 111) . وقال تعالى: {ولو شاء ربك ما فعلوه} [الأنعام: 112] ~~(الأنعام: 112) . وقال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} ~~[يونس: 99] (يونس: 99) وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} ~~[الأنعام: 125] (الأنعام: 125) . وقال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام إذ ~~قال لقومه: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم} [هود: 34] (هود: 34) . وقال تعالى: {من يشأ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم} [الأنعام: 39] (الأنعام: 39) . إلى غير ذلك من ~~الأدلة على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وكيف يكون في ملكه ما ~~لا يشاء! ومن أضل سبيلا وأكفر ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر، ~~والكافر شاء الكفر فغلبت مشيئة الكافر مشيئة الله! ! تعالى الله عما يقولون ~~علوا كبيرا. # PageV01P133 ### | [الإشكال المتوهم في ثلاث آيات والجواب عليه] # فإن قيل: يشكل على هذا قوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا} [الأنعام: 148] (الأنعام: 48) ، الآية. وقوله تعالى: ~~{وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} [النحل: ms071 35] ~~(النحل: 35) ، الآية. وقوله تعالى: {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما ~~لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} [الزخرف: 20] (الزخرف: 20) . فقد ذمهم ~~الله تعالى حيث جعلوا الشرك كائنا منهم بمشيئة الله، وكذلك ذم إبليس حيث ~~أضاف الإغواء إلى الله تعالى، إذ قال: {رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين} [الحجر: 39] (الحجر: 39) . # قيل: قد أجيب على هذا بأجوبة، من أحسنها: أنه أنكر عليهم ذلك لأنهم ~~احتجوا بمشيئته على رضاه ومحبته، وقالوا: لو كره ذلك وسخطه لما شاءه، ~~فجعلوا مشيئته دليل رضاه، فرد الله عليهم ذلك. أو أنه أنكر عليهم اعتقادهم ~~أن مشيئة الله دليل على أمره به. # PageV01P134 # أو أنه أنكر عليهم معارضة شرعه وأمره الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه ~~بقضائه وقدره، فجعلوا المشيئة العامة دافعة للأمر، فلم يذكروا المشيئة على ~~جهة التوحيد، وإنما ذكروها معارضين بها لأمره، دافعين بها لشرعه، كفعل ~~الزنادقة، والجهال إذا أمروا أو نهوا احتجوا بالقدر. وقد احتج سارق على عمر ~~رضي الله عنه بالقدر، فقال: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره. يشهد لذلك ~~قوله تعالى في الآية: {كذلك كذب الذين من قبلهم} [الأنعام: 148] (الأنعام: ~~148) . فعلم أن مرادهم التكذيب، فهو من قبل الفعل، من أين له أن الله لم ~~يقدره؟ أطلع الغيب؟ ! ### | [حديث احتجاج آدم على موسى وبيان معناه] # فإن قيل: فما تقولون في احتجاج آدم على موسى عليهما السلام بالقدر، إذ ~~قال له: أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاما؟ وشهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم حج موسى، أي: غلب عليه بالحجة؟ # PageV01P135 # قيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة، لصحته عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولا نتلقاه بالرد والتكذيب لراويه، كما فعلت القدرية، ولا بالتأويلات ~~الباردة. بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم ~~بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل. وموسى ~~عليه السلام كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم على ذنب قد ms072 تاب منه وتاب ~~الله عليه واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده ~~من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج ~~به عند المصائب، لا عند المعائب. وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث. فما ~~قدر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضى بالله ربا، وأما ~~الذنوب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب. فيتوب من ~~المعائب، ويصبر على المصائب. قال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر ~~لذنبك} [غافر: 55] (المؤمن: 55) . وقال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا} [آل عمران: 120] (آل عمران: 120) . # وأما قول إبليس: {رب بما أغويتني} [الحجر: 39] ، إنما ذم على احتجاجه ~~بالقدر، لا على اعترافه بالمقدر وإثباته له. ألم تسمع قول نوح عليه السلام: ~~{ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم ~~وإليه ترجعون} [هود: 34] (هود: 34) . ولقد أحسن القائل: # PageV01P136 # فما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن # وعن وهب بن منبه، أنه قال: نظرت في القدر فتحيرت، ثم نظرت فيه فتحيرت، ~~ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم به. ### | [مسألة الهدى والضلال] # قوله: (يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلا. ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي ~~عدلا) . # ش: هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله، وهي ~~مسألة الهدى والضلال. قالت المعتزلة: الهدى من الله: بيان طريق الصواب، ~~والإضلال: تسمية العبد ضالا، أو حكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق ~~العبد الضلال في نفسه. وهذا مبني على أصلهم الفاسد: أن أفعال العباد مخلوقة ~~لهم. والدليل على ما قلناه قوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله ~~يهدي من يشاء} [القصص: 56] (القصص: 56) . ولو كان الهدى بيان الطريق - لما ~~صح هذا النفي عن نبيه، لأنه صلى الله عليه وسلم بين الطريق لمن # PageV01P137 # أحب وأبغض. وقوله تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} [السجدة: 13] ~~(السجدة: 13) . {يضل الله من ms073 يشاء ويهدي من يشاء} [المدثر: 31] (المدثر: ~~31) . ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عام في كل نفس - لما صح التقييد ~~بالمشيئة. وكذلك قوله تعالى: {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} [الصافات: ~~57] (الصافات: 57) . وقوله {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم} [الأنعام: 39] (الأنعام: 39) . # قوله: (وكلهم يتقلبون في مشيئته، بين فضله وعدله) . # ش: فإنهم كما قال تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ~~[التغابن: 2] (التغابن: 2) . فمن هداه إلى الإيمان فبفضله، وله الحمد، ومن ~~أضله فبعدله، وله الحمد. وسيأتي لهذا المعنى زيادة إيضاح، إن شاء الله ~~تعالى، فإن الشيخ رحمه الله لم يجمع الكلام في القدر في مكان واحد، بل ~~فرقه، فأتيت به على ترتيبه. # قوله: (وهو متعال عن الأضداد والأنداد) . # ش: الضد: المخالف، والند: المثل. فهو سبحانه لا معارض له، بل ما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن، ولا مثل له، كما قال تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} ~~[الإخلاص: 4] (الإخلاص: 4) . ويشير الشيخ رحمه الله - بنفي الضد والند - ~~إلى الرد على المعتزلة، في زعمهم أن العبد يخلق فعله. # قوله: (لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره) . # ش: أي: لا يرد قضاء الله راد، ولا يعقب، أي لا يؤخر حكمه، مؤخر، ولا يغلب ~~أمره غالب، بل هو الله الواحد القهار. # PageV01P138 # قوله: (آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده) ش: أما الإيمان فسيأتي ~~الكلام عليه إن شاء الله تعالى. والإيقان: الاستقرار، من يقن الماء في ~~الحوض إذا استقر. والتنوين في (كلا) بدل الإضافة، أي: كل كائن محدث من عند ~~الله، أي: بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته وتكوينه. وسيأتي الكلام على ذلك في ~~موضعه، إن شاء الله تعالى. ### | [كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى] ### | [توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه] # قوله: (وإن محمدا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى) . # ش: الاصطفاء والاجتباء والارتضاء: متقارب المعنى. واعلم أن كمال المخلوق ~~في تحقيق عبوديته لله تعالى. وكلما ازداد العبد تحقيقا للعبودية ازداد ~~كماله وعلت درجته ومن ms074 توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، ~~وأن الخروج عنها أكمل، فهو من أجهل الخلق وأضلهم، قال تعالى: {وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} [الأنبياء: 26] (الأنبياء: 29) . إلى ~~غير ذلك من الآيات. وذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم باسم العبد في أشرف ~~المقامات، فقال في ذكر الإسراء: {سبحان الذي أسرى بعبده} [الإسراء: 1] ~~(الإسراء: 1) . وقال تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} [الجن: 19] ~~(الجن: 19) . وقال تعالى: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} [النجم: 10] (النجم: ~~10) . وقال تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} [البقرة: 23] ~~(البقرة: 23) . وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة. ولذلك ~~«يقول المسيح عليه السلام يوم القيامة، إذا طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء ~~عليهم السلام: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر له ما # PageV01P139 # تقدم من ذنبه وما تأخر» . فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله ~~تعالى. # وقوله: وإن محمدا بكسر الهمزة، عطفا على قوله: إن الله واحد لا شريك له. ~~لأن الكل معمول القول، أعني: قوله (نقول في توحيد الله) . ### | [دلائل نبوة الأنبياء كثيرة ومتنوعة] # والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر، تقرير نبوة الأنبياء ~~بالمعجزات، لكن كثير منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات، وقرروا ذلك ~~بطرق مضطربة، والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء، حتى ~~أنكروا كرامات الأولياء والسحر، ونحو ذلك. # ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لكن الدليل غير محصور في المعجزات، فإن ~~النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا ~~إلا على أجهل الجاهلين. بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما، وتعرف بهما، ~~والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف ~~بدعوى النبوة؟ وما أحسن ما قال حسان رضي الله عنه: # PageV01P140 # لو لم يكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر # وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب ~~والفجور واستحواذ الشياطين عليه - ما ظهر لمن له أدنى تمييز. فإن الرسول لا ~~بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور، ms075 ولا بد أن يفعل أمورا [يبين بها ~~صدقه] . والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به ~~كذبه من وجوه كثيرة. والصادق ضده. بل كل شخصين ادعيا أمرا: أحدهما صادق ~~والآخر كاذب - لا بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدة، إذ الصدق ~~مستلزم للبر، والكذب مستلزم للفجور، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، [وإن] البر ~~يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق [ويتحرى الصدق] ، حتى يكتب عند الله ~~صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى ~~النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند # PageV01P141 # الله كذابا» . ولهذا قال تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين - تنزل ~~على كل أفاك أثيم - يلقون السمع وأكثرهم كاذبون - والشعراء يتبعهم الغاوون ~~- ألم تر أنهم في كل واد يهيمون - وأنهم يقولون ما لا يفعلون} [الشعراء: ~~221 - 226] (الشعراء: 221 - 226) . فالكهان ونحوهم، وإن كانوا أحيانا ~~يخبرون بشيء من الغيبيات، ويكون صدقا - فمعهم من الكذب والفجور ما يبين أن ~~الذي يخبرون به ليس عن ملك، وليسوا بأنبياء ولهذا «لما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لابن صياد: قد خبأت لك خبيئا، فقال: هو الدخ - قال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: اخسأ، فلن تعدو قدرك يعني: إنما أنت كاهن» . وقد قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: يأتيني # PageV01P142 # صادق وكاذب. وقال: أرى عرشا على الماء، وذلك هو عرش الشيطان وبين أن ~~الشعراء يتبعهم الغاوون، والغاوي: الذي يتبع هواه وشهوته، وإن كان ذلك مضرا ~~له في العاقبة. # فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله - علم علما يقينا أنه ~~ليس بشاعر ولا كاهن. # والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة، حتى في المدعي ~~للصناعات والمقالات، كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابة، وعلم النحو والطب ~~والفقه وغير ذلك. ### | [قد يقترن بخبر الواحد من القرائن ما يحصل معه العلم الضروري] # والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا ms076 بد أن يتصف الرسول بها، وهي أشرف ~~العلوم وأشرف الأعمال. فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب؟ ولا ريب أن ~~المحققين على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة: قد يقترن به من القرائن ما ~~يحصل معه العلم الضروري، كما يعرف الرجل رضى الرجل وحبه وبغضه وفرحه وحزنه ~~وغير ذلك مما في نفسه، بأمور تظهرعلى وجهه، قد لا يمكن التعبير عنها، كما ~~قال تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم} [محمد: 30] (محمد: 30) ~~ثم قال: {ولتعرفنهم في لحن القول} [محمد: 30] . # PageV01P143 # وقد قيل: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه. ### | [يعلم صدق المخبر بما يقترن به من القرائن] # فإذا كان صدق المخبر وكذبه يعلم بما يقترن من القرائن، فكيف بدعوى المدعي ~~أنه رسول الله، كيف يخفى صدق هذا من كذبه؟ وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من ~~الكاذب بوجوه من الأدلة؟ ولهذا لما كانت خديجة رضي الله عنها تعلم من النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه الصادق البار، قال لها لما جاءه الوحي: «إني قد ~~خشيت على نفسي، فقالت: كلا - والله لا يخزيك الله [أبدا] ، إنك لتصل الرحم، ~~وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين # PageV01P144 # على نوائب الحق» . فهو لم يخف من تعمد الكذب، فهو يعلم من نفسه صلى الله ~~عليه وسلم أنه لم يكذب، وإنما خاف أن يكون قد عرض له عارض سوء، وهو المقام ~~الثاني، فذكرت خديجة ما ينفي هذا، وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق ~~ومحاسن الشيم، وقد علم من سنة الله أن من جبله على الأخلاق المحمودة ونزهه ~~عن الأخلاق المذمومة: فإنه لا يخزيه. # وكذلك قال النجاشي لما استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القرآن فقرؤوا ~~عليه: إن هذا والذي جاء به موسى عليه السلام ليخرج من مشكاة واحدة. # PageV01P145 # وكذلك ورقة ابن نوفل، لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه، وكان ~~ورقة قد تنصر، وكان يكتب الإنجيل بالعربية، فقالت له خديجة: أي عم، اسمع من ~~ابن أخيك ما يقول، فأخبره النبي صلى الله ms077 عليه وسلم بما رأى فقال: هذا هو ~~الناموس الذي كان يأتي موسى. # «وكذلك هرقل ملك الروم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما كتب إليه كتابا ~~يدعوه فيه إلى الإسلام، طلب من كان هناك من العرب، وكان أبو سفيان قد قدم ~~في طائفة من قريش في تجارة إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فسأل أبا سفيان، وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه، فصاروا بسكوتهم ~~موافقين له في الأخبار، سألهم: هل كان في آبائه من ملك؟ فقالوا: لا، قال: ~~هل قال هذا القول أحد قبله؟ فقالوا: لا، وسألهم: أهو ذو نسب فيكم؟ فقالوا: ~~نعم، وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا، ما ~~جربنا عليه كذبا، # PageV01P146 # وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه؟ ~~وسألهم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون، وسألهم: هل يرجع أحد ~~منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقالوا: لا، وسألهم: هل قاتلتموه؟ ~~قالوا: نعم، وسألهم عن الحرب بينهم وبينه؟ فقالوا: يدال علينا مرة وندال ~~عليه أخرى، وسألهم: هل يغدر؟ فذكروا أنه لا يغدر، وسألهم: بماذا يأمركم؟ ~~فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد ~~آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة» . وهذه أكثر من عشر مسائل، ~~ثم بين لهم ما في هذه المسائل من الأدلة، فقال: سألتكم هل كان في آبائه من ~~ملك؟ فقلتم: لا، قلت: لو كان في آبائه من ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، ~~وسألتكم هل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ فقلتم: لا، فقلت: لو قال هذا ~~القول أحد قبله لقلت: رجل ائتم بقول قيل قبله، وسألتكم هل كنتم تتهمونه ~~بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلتم: # PageV01P147 # لا، فقلت: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على ~~الله، وسألتكم أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم وهم أتباع ~~الرسل، يعني في أول أمرهم، ثم قال: وسألتكم هل يزيدون ms078 أم ينقصون؟ فقلتم، بل ~~يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتكم هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له ~~بعد أن يدخل فيه؟ فقلتم: لا، وكذلك الإيمان، إذا خالطت بشاشتة القلوب لا ~~يسخطه أحد. # وهذا من أعظم علامات الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في ~~آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه، ويمتنع عنه من لم يدخل فيه، والكذب لا يروج ~~إلا قليلا ثم ينكشف. # وسألتكم كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم: إنها دول، وكذلك الرسل تبتلى ~~وتكون العاقبة لها، قال: وسألتكم هل يغدر؟ فقلتم: لا، وكذلك الرسل لا تغدر، # PageV01P148 # وهو لما كان عنده من علمه بعادة الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم ~~وتارة يبتليهم وأنهم لا يغدرون - علم أن هذه علامات الرسل، وأن سنة الله في ~~الأنبياء والمؤمنين أن يبتليهم بالسراء والضراء، لينالوا درجة الشكر ~~والصبر. # كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده، ~~لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن ~~أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له» . # والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من الحكمة ~~فقال: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: ~~139] (آل عمران: 139) ، الآيات. وقال تعالى: {الم - أحسب الناس أن يتركوا ~~أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} [العنكبوت: 1 - 2] (العنكبوت: 1 - 2) ، # PageV01P149 # الآيات. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سنته في خلقه وحكمته ~~التي بهرت العقول. # قال: وسألتكم عما يأمر به؟ فذكرتم أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا ~~به شيئا، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، وينهاكم عما كان يعبد ~~آباؤكم، وهذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أن نبيا يبعث، ولم أكن أظنه منكم، ~~ولوددت أني أخلص إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما ~~تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب، وهو ~~حينئذ ms079 كافر من أشد الناس بغضا وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو ~~سفيان بن حرب: فقلت لأصحابي ونحن خروج، لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ~~ليعظمه ملك بني الأصفر، وما زلت موقنا بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~سيظهر، حتى أدخل الله علي الإسلام وأنا كاره. # ومما ينبغي أن يعرف: أن ما يحصل في القلب بمجموع أمور، قد لا يستقل بعضها ~~به، بل ما يحصل للإنسان - من شبع وري وشكر وفرح وغم - فأمور مجتمعة، لا ~~يحصل ببعضها، لكن ببعضها قد يحصل بعض الأمر. # وكذلك العلم بخبر من الأخبار، فإن خبر الواحد يحصل للقلب # PageV01P150 # نوع ظن، ثم الآخر يقويه، إلى أن ينتهي إلى العلم، حتى يتزايد ويقوى. ~~وكذلك الأدلة على الصدق والكذب ونحو ذلك. # وأيضا: فإن الله سبحانه أبقى في العالم الآثار الدالة على ما فعله ~~بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة، وما فعله بمكذبيهم من العقوبة، كتواتر ~~الطوفان، وإغراق فرعون وجنوده، ولما ذكر سبحانه قصص الأنبياء نبيا بعد نبي، ~~في سورة الشعراء، كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده، يقول في آخر كل قصة: ~~{إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين - وإن ربك لهو العزيز الرحيم} ~~[الشعراء: 67 - 68] (الشعراء: 67 - 68) . # وبالجملة: فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول إنه رسول الله، وأن أقواما ~~اتبعوهم، وأن أقواما خالفوهم، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين، وجعل العاقبة ~~لهم، وعاقب أعداءهم: هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها. ونقل أخبار هذه ~~الأمور أظهر وأوضح من نقل أخبار من مضى من الأمم من ملوك الفرس وعلماء ~~الطب، كبقراط وجالينوس # PageV01P151 # وبطليموس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وأتباعه. # ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم - ~~علمنا يقينا أنهم كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة: منها: أنهم أخبروا ~~الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء العاقبة لهم. ومنها: ما ~~أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم، إذا عرف الوجه الذي حصل عليه، - ~~كغرق فرعون وغرق قوم نوح وبقية أحوالهم - عرف صدق الرسل. # PageV01P152 # ومنها: أن من ms080 عرف ما جاءت به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها، تبين له ~~أنهم أعلم الخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاءوا به من ~~الرحمة والمصلحة والهدى والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم - ~~ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم بر يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق. # ولذكر دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات وبسطها موضع آخر، ~~وقد أفردها الناس بمصنفات، كالبيهقي وغيره. ### | [إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم طعن في الرب تبارك وتعالى] # بل إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم طعن في الرب تبارك وتعالى، ونسبته له ~~إلى الظلم والسفه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، بل جحد للرب بالكلية ~~وإنكار. # وبيان ذلك: أنه إذا كان محمد عندهم ليس بنبي صادق، بل ملك ظالم، فقد تهيأ ~~له أن يفتري على الله ويتقول عليه، ويستمر حتى يحلل ويحرم، ويفرض الفرائض، ~~ويشرع الشرائع، وينسخ الملل، ويضرب الرقاب، ويقتل أتباع الرسل وهم أهل ~~الحق، ويسبي نساءهم ويغنم أموالهم وديارهم، ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض، ~~وينسب ذلك كله إلى أمر الله له به ومحبته له، والرب تعالى يشاهده وهو يفعل ~~بأهل الحق، وهو مستمر في الافتراء عليه ثلاثا وعشرين سنة، وهو مع ذلك كله ~~يؤيده وينصره، ويعلي أمره، ويمكن له من أسباب # PageV01P153 # النصر الخارجة عن عادة البشر، وأبلغ من ذلك أنه يجيب دعواته، ويهلك ~~أعداءه، ويرفع له ذكره، هذا وهو عندهم في غاية الكذب والافتراء والظلم، ~~فإنه لا أظلم ممن كذب على الله وأبطل شرائع أنبيائه وبدلها وقتل أولياءه، ~~واستمرت نصرته عليهم دائما، والله تعالى يقره على ذلك، ولا يأخذ منه ~~باليمين، ولا يقطع منه الوتين. # فيلزمهم أن يقولوا: لا صانع للعالم ولا مدبر، ولو كان له مدبر قدير حكيم، ~~لأخذ على يديه ولقابله أعظم مقابلة، وجعله نكالا للصالحين. إذ لا يليق ~~بالملوك غير ذلك، فكيف بملك الملوك وأحكم الحاكمين؟ . # ولا ريب أن الله تعالى قد رفع له ذكره، وأظهر دعوته والشهادة له ms081 بالنبوة ~~على رؤوس الأشهاد في سائر البلاد، ونحن لا ننكر أن كثيرا من الكذابين قام ~~في الوجود، وظهرت له شوكة، ولكن لم يتم أمره، ولم تطل مدته، بل سلط الله ~~عليه رسله وأتباعهم، وقطعوا دابره واستأصلوه. هذه سنة الله التي قد خلت من ~~قبل، حتى إن الكفار يعلمون ذلك. قال تعالى: {أم يقولون شاعر نتربص به ريب ~~المنون - قل تربصوا فإني معكم من المتربصين} [الطور: 30 - 31] (الطور: 30 - ~~31) . أفلا تراه يخبر أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض ~~الأقاويل، لا بد أن يجعله عبرة لعباده كما جرت بذلك سنته في المتقولين ~~عليه. وقال تعالى: {أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على ~~قلبك} [الشورى: 24] (الشورى: 24) . وهنا انتهى جواب الشرط، ثم أخبر خبرا ~~جازما # PageV01P154 # غير معلق: أنه يمحو الباطل ويحق الحق. وقال تعالى: {وما قدروا الله حق ~~قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] (الأنعام: 91) . ~~فأخبر سبحانه أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره. ### | [الفرق بين النبي والرسول] # وقد ذكروا فروقا بين النبي والرسول، وأحسنها. أن من نبأه الله بخبر ~~السماء، إن أمره أن يبلغ غيره، فهو نبي رسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره، ~~فهو نبي وليس برسول. فالرسول أخص من النبي، فكل رسول نبي، وليس كل نبي ~~رسولا، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة ~~تتناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، بل ~~الأمر بالعكس. فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها. # PageV01P155 # وإرسال الرسل من أعظم نعم الله على خلقه، وخصوصا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل ~~لفي ضلال مبين} [آل عمران: 164] (آل عمران: 164) . وقال تعالى: {وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: 107] (الأنبياء: 107) . ### | [ختم النبوة] ### | [ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه ms082 وسلم] # قوله: (وأنه خاتم الأنبياء) ش: قال تعالى: {ولكن رسول الله وخاتم ~~النبيين} [الأحزاب: 40] (الأحزاب: 40) . وقال صلى الله عليه وسلم: «مثلي ~~ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بناؤه، وترك منه موضع لبنة، فطاف به النظار ~~يتعجبون من حسن بنائه، إلا موضع تلك اللبنة، لا يعيبون سواها، فكنت أنا ~~سددت موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل» ، أخرجاه في الصحيحين. # PageV01P156 # وقال صلى الله عليه وسلم: «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا ~~الماحي، يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر، الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا ~~العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي،» وفي صحيح مسلم عن ثوبان، قال: قال ~~رسول الله: «وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا ~~خاتم النبيين، لا نبي بعدي» ، الحديث. ولمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت ~~لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي ~~النبيون. # PageV01P157 # قوله: (وإمام الأتقياء) ش: هو صلى الله عليه وسلم، الإمام الذي يؤتم به، ~~أي: يقتدون به. والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث للاقتداء به، لقوله ~~تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] (آل ~~عمران: 31) . وكل من اتبعه واقتدى به فهو من الأتقياء. # قوله: (وسيد المرسلين) ش: قال صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم ~~القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع» . رواه مسلم. وفي ~~أول حديث الشفاعة: «أنا سيد الناس يوم القيامة» وروى مسلم والترمذي عن ~~واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش ~~بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» . ### | [جواز التفضيل بين الأنبياء إلا إذا كان على وجه الحمية] # فإن قيل: يشكل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على موسى، ~~فإن الناس يصعقون يوم القيامة، ms083 فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشا # PageV01P158 # بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله؟» خرجاه في ~~الصحيحين، فكيف يجمع بين هذا وبين قوله «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» . # فالجواب: أن هذا كان له سبب، فإنه كان قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى ~~على البشر، فلطمه مسلم، وقال: أتقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~أظهرنا؟ فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذا، لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس ~~كان مذموما، بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموما، فإن ~~الله حرم الفخر، وقد قال تعالى: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} ~~[الإسراء: 55] (الإسراء: 55) . وقال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ~~منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات} [البقرة: 253] (البقرة: 253) . فعلم أن ~~المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر، أو على وجه الانتقاص بالمفضول. ~~وعلى هذا يحمل أيضا # PageV01P159 # قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوا بين الأنبياء» ، إن كان ثابتا، فإن ~~هذا قد روي في نفس حديث موسى، وهو في البخاري وغيره. لكن بعض الناس يقول: ~~إن فيه علة، بخلاف حديث موسى، فإنه صحيح لا علة فيه باتفاقهم. # وقد أجاب بعضهم بجواب آخر، وهو: أن قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني ~~على موسى» ، وقوله: «لا تفضلوا بين الأنبياء» نهي عن التفضيل الخاص، أي: لا ~~يفضل بعض الرسل على بعض بعينه، بخلاف قوله: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» فإنه ~~تفضيل عام فلا يمنع منه. وهذا كما لو قيل: فلان أفضل أهل البلد، لا يصعب ~~على أفرادهم، بخلاف ما لو قيل لأحدهم: فلان أفضل منك. ثم إني رأيت الطحاوي ~~رحمه الله قد أجاب بهذا الجواب في شرح معاني الآثار. # PageV01P160 # وأما ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تفضلوني على يونس بن ~~متى» ، وأن بعض الشيوخ قال: لا يفسر لهم هذا الحديث حتى يعطى مالا جزيلا، ms084 ~~فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله وهو في بطن الحوت كقربي من الله ليلة ~~المعراج وعدوا هذا تفسيرا عظيما. وهذا يدل على جهلهم بكلام الله وبكلام ~~رسوله لفظا ومعنى، فإن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب ~~التي يعتمد عليها، وإنما اللفظ الذي في الصحيح: «لا ينبغي لعبد أن يقول أنا ~~خير من يونس بن متى» . وفي رواية: «من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب» ~~. وهذا اللفظ يدل على العموم، لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه على يونس بن متى، ~~ليس فيه نهي المسلمين أن يفضلوا محمدا على يونس، وذلك لأن الله تعالى قد ~~أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم، أي: فاعل ما يلام عليه. وقال تعالى: ~~{وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87] (الأنبياء: 87) . فقد ~~يقع في نفس بعض # PageV01P161 # الناس أنه أكمل من يونس، فلا يحتاج إلى هذا المقام، إذ لا يفعل ما يلام ~~عليه. ومن ظن هذا فقد كذب، بل كل عبد من عباد الله يقول ما قال يونس: {أن ~~لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87] ، كما قال أول ~~الأنبياء وآخرهم، فأولهم: آدم، قد قال: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [الأعراف: 23] (الأعراف: 23) . وآخرهم وأفضلهم ~~وسيدهم: محمد صلى الله عليه وسلم، قال في الحديث الصحيح، حديث الاستفتاح، ~~من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره، بعد قوله (وجهت وجهي) إلى ~~آخره: «اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، ~~واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، لا يغفر الذنوب إلا أنت» ، إلى آخر ~~الحديث، وكذا قال موسى عليه السلام: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له ~~إنه هو الغفور الرحيم} [القصص: 16] (القصص: 16) . وأيضا: فيونس صلى الله ~~عليه وسلم لما قيل فيه: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن ms085 كصاحب الحوت} [القلم: 48] ~~(القلم: 48) ، فنهي نبينا صلى الله عليه وسلم عن التشبه به، وأمره بالتشبه ~~بأولي العزم حيث قيل له: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} [الأحقاف: ~~35] (الأحقاف: 35) ، فقد يقول من يقول: أنا خير من يونس: وليس للأفضل أن ~~يفخر على من دونه، فكيف إذا لم يكن أفضل، فإن الله لا يحب كل مختال فخور، ~~وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أوحي إلي # PageV01P162 # أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» . فالله ~~تعالى نهى أن يفخر على عموم المؤمنين، فكيف على نبي كريم؟ فلهذا قال: «لا ~~ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» . فهذا نهي عام لكل أحد أن ~~يتفضل ويفتخر على يونس. وقوله: «من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب» ، ~~فإنه لو قدر أنه كان أفضل، فهذا الكلام يصير نقصا، فيكون كاذبا، وهذا لا ~~يقوله نبي كريم، بل هو تقدير مطلق، أي: من قال هذا فهو كاذب، وإن كان لا ~~يقوله نبي، كما قال تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65] (الزمر: ~~65) ، وإن كان صلى الله عليه وسلم معصوما من الشرك، لكن الوعد والوعيد ~~لبيان مقادير الأعمال. # وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولد آدم، لأنا لا يمكننا أن نعلم ~~ذلك إلا بخبره، إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله، كما أخبرنا هو ~~بفضائل الأنبياء قبله، صلى الله عليهم وسلم أجمعين. ولهذا أتبعه بقوله ولا ~~فخر، كما جاء في رواية. وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: أن مقام الذي ~~أسري به إلى ربه وهو مقرب معظم مكرم - كمقام الذي ألقي في بطن الحوت وهو ~~مليم؟ ! وأين المعظم المقرب من الممتحن المؤدب؟ ! فهذا في غاية التقريب، ~~وهذا في غاية التأديب. فانظر إلى هذا الاستدلال، لأنه بهذا المعنى المحرف ~~للفظ لم يقله الرسول، # PageV01P163 # وهل يقاوم هذا الدليل على نفي علو الله تعالى عن خلقه الأدلة الصحيحة ~~الصريحة القطعية على علو ms086 الله تعالى على خلقه، التي تزيد على ألف دليل، كما ~~يأتي الإشارة إليها عند قول الشيخ رحمه الله (محيط بكل شيء وفوقه) ، إن شاء ~~الله تعالى. ### | [الخلة لنبينا صلى الله عليه وسلم] ### | [ثبوت الخلة لنبينا صلى الله عليه وسلم] # قوله: (وحبيب رب العالمين) . # ش: ثبت له صلى الله عليه وسلم أعلى ### | مراتب المحبة، # وهي الخلة، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله اتخذني ~~خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. وقال: ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا ~~لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن» . والحديثان في الصحيح ~~وهما يبطلان # PageV01P164 # قول من قال: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومحمد ~~حبيبه. وفي الصحيح أيضا: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته» . والمحبة قد ثبتت ~~لغيره. قال تعالى: {والله يحب المحسنين} [آل عمران: 134] (آل عمران: 134) . ~~{فإن الله يحب المتقين} [آل عمران: 76] (آل عمران: 76) . {إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: 222] (البقرة: 222) . # فبطل قول من خص الخلة بإبراهيم والمحبة بمحمد، بل الخلة خاصة بهما، ~~والمحبة عامة. وحديث ابن عباس رضي الله عنهم الذي رواه الترمذي الذي فيه: ~~«إن إبراهيم خليل الله، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر» : لم يثبت. ### | [مراتب المحبة] # والمحبة مراتب: # أولها: العلاقة، وهي تعلق القلب بالمحبوب. والثانية: الإرادة، وهي ميل ~~القلب إلى محبوبه وطلبه له. الثالثة: الصبابة، وهي انصباب القلب إليه بحيث ~~لا يملكه صاحبه، كانصباب الماء في الحدور. # الرابعة: الغرام، وهي الحب اللازم للقلب، ومنه الغريم، لملازمته، ومنه: ~~{إن عذابها كان غراما} [الفرقان: 65] (الفرقان: 65) . # PageV01P165 # الخامسة: المودة، والود، وهي صفو المحبة وخالصها ولبها، قال تعالى: ~~{سيجعل لهم الرحمن ودا} [مريم: 96] (مريم: 96) . السادسة: الشغف، وهي وصول ~~المحبة إلى شغاف القلب. السابعة: العشق: وهو الحب المفرط الذي يخاف على ~~صاحبه منه، ولكن لا يوصف به الرب تعالى ولا العبد في محبة ربه، وإن كان قد ~~أطلقه بعضهم. واختلف في سبب المنع، فقيل: عدم التوقيف، وقيل غير ذلك. ولعل ~~امتناع إطلاقه: أن العشق محبة مع شهوة. الثامنة: التتيم، ms087 وهو بمعنى التعبد. ~~التاسعة: التعبد. العاشرة: الخلة، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه. ~~وقيل في ترتيبها غير ذلك. وهذا الترتيب تقريب حسن، يعرف حسنه بالتأمل في ~~معانيه. # PageV01P166 # واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تعالى ~~وعظمته، كسائر صفاته تعالى، وإنما يوصف الله تعالى من هذه الأنواع بالإرادة ~~والود والمحبة والخلة، حسبما ورد النص. # وقد اختلف في تحديد المحبة على أقوال، نحو ثلاثين قولا. ولا تحد المحبة ~~بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء. وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج ~~إلى تحديد، كالماء والهواء والتراب والجوع والشبع ونحو ذلك. ### | [كل من ادعى النبوة بعده صلى الله عليه وسلم كاذب] # قوله: (وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى) ش: لما ثبت أنه خاتم النبيين، علم ~~أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب. ولا يقال: فلو جاء المدعي للنبوة ~~بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة كيف يقال بتكذيبه؟ لأنا نقول: هذا لا ~~يتصور أن يوجد، وهو من باب فرض المحال، لأن الله تعالى لما أخبر أنه خاتم ~~النبيين، فمن المحال أن يأتي مدع يدعي النبوة ولا يظهر إمارة كذبه في ~~دعواه. والغي: ضد الرشاد. والهوى: عبارة عن شهوة النفس. أي: أن تلك الدعوى ~~بسبب هوى النفس، لا عن دليل، فتكون باطلة. ### | [عموم بعثته صلى الله عليه وسلم] ### | [عموم بعثته صلى الله عليه وسلم للإنس والجن] # قوله: (وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور ~~والضياء) . # ش: أما كونه مبعوثا إلى عامة الجن، فقال تعالى حكاية عن قول الجن: ~~{ياقومنا أجيبوا داعي الله} [الأحقاف: 31] (الأحقاف: 31) ، الآية. وكذا # PageV01P167 # سورة الجن تدل على أنه أرسل إليهم أيضا. قال مقاتل: لم يبعث الله رسولا ~~إلى الإنس والجن قبله. وهذا قول بعيد. فقد قال تعالى: {يامعشر الجن والإنس ~~ألم يأتكم رسل منكم} [الأنعام: 130] (الأنعام: 130) ، الآية، والرسل من ~~الإنس فقط، وليس من الجن رسول، كذا قال مجاهد وغيره من السلف والخلف. وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر. ms088 وظاهر قوله ~~تعالى حكاية عن الجن: {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} [الأحقاف: 30] ~~(الأحقاف: 30) الآية: يدل على أن موسى مرسل إليهم أيضا. والله أعلم. # وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن في الجن رسلا، واحتج بهذه ~~الآية الكريمة. وفي الاستدلال بها على ذلك نظر لأنها محتملة وليست بصريحة، ~~وهي - والله أعلم - كقوله: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22] ~~(الرحمن: 22) والمراد: من أحدهما. # PageV01P168 # وأما كونه مبعوثا إلى كافة الورى، فقد قال: {وما أرسلناك إلا كافة للناس ~~بشيرا ونذيرا} [سبأ: 28] (سبإ: 28) . وقد قال تعالى: {قل ياأيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] (الأعراف: 128) . وقال تعالى: ~~{وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] (الأنعام: 19) . ~~أي: وأنذر من بلغه. وقال تعالى: {وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} ~~[النساء: 79] (النساء: 39) وقال تعالى: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل ~~منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} [يونس: 2] ~~(يونس: 2) ، الآية. وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] (الفرقان: 1) . وقد قال تعالى: {وقل للذين ~~أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ} [آل عمران: 20] (آل عمران: 20) . وقال صلى الله عليه وسلم: «أعطيت ~~خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي ~~الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه ~~[خاصة] وبعثت إلى الناس عامة» ، أخرجاه في الصحيحين. # PageV01P169 # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ~~ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» ، رواه مسلم. وكونه صلى الله عليه وسلم ~~مبعوثا إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة. # وأما قول بعض النصارى أنه رسول إلى العرب خاصة: فظاهر البطلان، فإنهم لما ~~صدقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قال أنه رسول الله إلى ~~الناس عامة، ms089 والرسول لا يكذب، فلزم تصديقه حتما، فقد أرسل رسله وبعث كتبه ~~في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وسائر ملوك الأطراف، يدعو ~~إلى الإسلام. ### | [اختلاف أهل العربية في إعراب " كافة "] # وقوله: (وكافة الورى) في جر (كافة) نظر، فإنهم قالوا: لم تستعمل كافة في ~~كلام العرب إلا حالا، واختلفوا في إعرابها في قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا ~~كافة للناس} [سبأ: 28] (سبإ: 28) ، على ثلاثة أقوال: # PageV01P170 # أحدها: أنها حال من الكاف في أرسلناك وهي اسم فاعل والتاء فيها للمبالغة، ~~أي: إلا كافا للناس عن الباطل، وقيل: هي مصدر كف، فهي بمعنى كفا أي: إلا ~~[أن] تكف الناس كفا، ووقوع المصدر حالا كثير. الثاني: أنها حال من الناس. ~~واعترض بأن حال المجرور لا يتقدم عليه عند الجمهور، وأجيب بأنه قد جاء عن ~~العرب كثيرا فوجب قبوله، وهو اختيار ابن مالك رحمه الله، أي: وما أرسلناك ~~إلا للناس كافة. # PageV01P171 # الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: إرسالة كافة. واعترض بما تقدم أنها لم ~~تستعمل إلا حالا. # وقوله: بالحق والهدى وبالنور والضياء. هذه أوصاف ما جاء به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الدين والشرع المؤيد بالبراهين الباهرة من القرآن وسائر ~~الأدلة. والضياء: أكمل من النور، قال تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا} [يونس: 5] (يونس: 5) . ### | ### | [القرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق] # # قوله: و (وإن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزله على ~~رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى ~~بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية. فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، ~~وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال تعالى: {سأصليه سقر} [المدثر: 26] ~~(المدثر: 26) - فلما أوعد الله بسقر لمن قال: {إن هذا إلا قول البشر} ~~[المدثر: 25] (المدثر: 25) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول ~~البشر) . # ش: هذه قاعدة شريفة، وأصل كبير من أصول الدين، ضل فيه طوائف كثيرة من ~~الناس. وهذا الذي حكاه الطحاوي رحمه الله هو الحق الذي دلت عليه الأدلة ms090 من ~~الكتاب والسنة لمن تدبرهما، وشهدت به الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات ~~والشكوك والآراء الباطلة. ### | [افتراق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال] # وقد افترق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال: # PageV01P172 # أحدها: أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من معاني، إما من العقل ~~الفعال عند بعضهم، أو من غيره، وهذا قول الصابئة والمتفلسفة. # وثانيها: أنه مخلوق خلقه الله منفصلا عنه، وهذا قول المعتزلة. # وثالثها: أنه معنى واحد قائم بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر ~~والاستخبار، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبريه كان ~~توراة، وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه، كالأشعري وغيره. # ورابعها: أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل ~~الكلام ومن أهل الحديث. # وخامسها: أنه حروف وأصوات، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلما، وهذا ~~قول الكرامية وغيرهم. # وسادسها: أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته، وهذا ~~يقوله صاحب المعتبر، ويميل إليه الرازي في المطالب العالية. # PageV01P173 # وسابعها: أن كلامه يتضمن معنى قائما بذاته هو ما خلقه في غيره، وهذا قول ~~أبي منصور الماتريدي. # وثامنها: أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في ~~غيره من الأصوات، وهذا قول أبي المعالي ومن تبعه. # وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم ~~به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما، وهذا ~~المأثور عن أئمة الحديث والسنة. # وقول الشيخ رحمه الله: وإن القرآن كلام الله. إن بكسر الهمزة - عطف على ~~قوله: إن الله واحد لا شريك له ثم قال: وإن محمدا عبده المصطفى. وكسر همزة ~~إن في المواضع الثلاثة، لأنها معمول القول، أعني قوله في أول كلامه: نقول ~~في توحيد الله. # وقوله: كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا: - رد على المعتزلة وغيرهم. فإن ~~المعتزلة تزعم أن القرآن لم يبد منه، كما تقدم حكاية قولهم، قالوا: وإضافته ~~إليه إضافة تشريف، كبيت ms091 الله، وناقة الله، يحرفون الكلم عن مواضعه! وقولهم ~~باطل # فإن المضاف إلى الله تعالى معان وأعيان، فإضافة الأعيان إلى الله ~~للتشريف، وهي مخلوقة له، كبيت الله، وناقة الله، بخلاف إضافة المعاني، كعلم ~~الله، وقدرته، وعزته، وجلاله، وكبريائه، وكلامه، # PageV01P174 # وحياته، وعلوه، وقهره - فإن هذا كله من صفاته، لا يمكن أن يكون شيء من ~~ذلك مخلوقا. ### | [مذهب أهل السنة والجماعة في صفة الكلام] # والوصف بالتكلم من أوصاف الكمال، وضده من أوصاف النقص. قال تعالى: {واتخذ ~~قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا} [الأعراف: 148] (الأعراف: 148) . فكان عباد العجل - مع كفرهم ~~- أعرف بالله من المعتزلة، فإنهم لم يقولوا لموسى: وربك لا يتكلم أيضا. ~~وقال تعالى عن العجل أيضا: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ~~ضرا ولا نفعا} [طه: 89] (طه: 89) . فعلم أن نفي رجوع القول ونفي التكلم نقص ~~يستدل به على عدم ألوهية العجل. # وغاية شبهتهم أنهم يقولون: يلزم منه التشبيه والتجسيم؟ فيقال لهم: إذا ~~قلنا أنه تعالى يتكلم كما يليق بجلاله انتفت شبهتهم. ألا ترى أنه تعالى ~~قال: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} [يس: 65] (يس: ~~65) . فنحن نؤمن أنها تتكلم، ولا نعلم كيف تتكلم. وكذا قوله تعالى: {وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} [فصلت: 21] ~~(فصلت: 21) . وكذلك تسبيح الحصا والطعام، # PageV01P175 # وسلام الحجر، كل ذلك بلا فم يخرج منه الصوت الصاعد من الرئة، المعتمد على ~~مقاطع الحروف. # وإلى هذا أشار الشيخ رحمه الله بقوله: منه بدا بلا كيفية قولا، أي: ظهر ~~منه ولا ندري كيفية تكلمه به. وأكد هذا المعنى بقوله قولا، أتى بالمصدر ~~المعرف للحقيقة، كما أكد الله تعالى التكليم بالمصدر المثبت النافي للمجاز ~~في قوله: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164] (النساء: 164) . فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال؟ ! # PageV01P176 # ولقد قال بعضهم لأبي عمرو بن العلاء - أحد القراء السبعة: أريد أن تقرأ: ~~وكلم الله موسى، بنصب اسم الله، ليكون موسى هو المتكلم لا الله! فقال ms092 أبو ~~عمرو: هب أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى: {ولما جاء موسى ~~لميقاتنا وكلمه ربه} [الأعراف: 143] (الأعراف: 143) ؟ ! فبهت المعتزلي! ### | [ثبوت تكليم الله لأهل الجنة وغيرهم] # وكم في الكتاب والسنة من دليل على تكليم الله تعالى لأهل الجنة وغيرهم. ~~قال تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] (يس: 58) ، فعن جابر رضي الله ~~عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أهل الجنة في نعيم إذ ~~سطع لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم، ~~فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وهو قول الله تعالى: {سلام قولا من رب ~~رحيم} [يس: 58] (يس: 58) ، فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم، ما ~~داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، وتبقى بركته ونوره [عليهم في ديارهم] » ~~. رواه ابن ماجه وغيره. # PageV01P177 # ففي هذا الحديث إثبات صفة الكلام، وإثبات الرؤية، وإثبات العلو، وكيف يصح ~~مع هذا أن يكون كلام الرب كله معنى واحدا، وقد قال تعالى: {إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم} [آل عمران: 77] (آل عمران: 77) ، فأهانهم بترك ~~تكليمهم، والمراد أنه لا يكلمهم تكليم تكريم، وهو الصحيح، إذ قد أخبر في ~~الآية الأخرى أنه يقول لهم في النار: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: ~~108] (المؤمنون: 108) ، فلو كان لا يكلم عباده المؤمنين، لكانوا في ذلك هم ~~وأعداؤه سواء، ولم يكن في تخصيص أعدائه بأنه لا يكلمهم فائدة أصلا. وقال ~~البخاري في صحيحه: باب كلام الرب تبارك وتعالى مع أهل الجنة، وساق فيه عدة ~~أحاديث. فأفضل نعيم أهل الجنة رؤية وجهه تبارك وتعالى، وتكليمه لهم. فإنكار ~~ذلك إنكار لروح الجنة وأعلى نعيمها وأفضله الذي ما طابت لأهلها إلا به. ### | [كلام الله صفة له وليس بمخلوق] # وأما استدلالهم بقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الرعد: 16] (الرعد: 16) ~~، والقرآن شيء، فيكون داخلا في عموم كل فيكون مخلوقا! ! فمن أعجب العجب. ~~وذلك: أن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة ms093 لله تعالى، وإنما يخلقها ~~العباد جميعها، لا يخلقها الله فأخرجوها من عموم كل، وأدخلوا كلام الله في ~~عمومها، مع أنه صفة من # PageV01P178 # صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة، إذ بأمره تكون المخلوقات، قال تعالى: ~~{والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: 54] ~~(الأعراف: 54) . ففرق بين الخلق والأمر، فلو كان الأمر مخلوقا لزم أن يكون ~~مخلوقا بأمر آخر، والآخر بآخر، إلى ما لا نهاية له، فيلزم التسلسل، وهو ~~باطل. وطرد باطلهم: أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة، كالعلم والقدرة ~~وغيرهما، وذلك صريح الكفر، فإن علمه شيء، وقدرته شيء، وحياته شيء، فيدخل ~~ذلك في عموم كل، فيكون مخلوقا بعد أن لم يكن، تعالى الله عما يقولون علوا ~~كبيرا. # وكيف يصح أن يكون متكلما بكلام يقوم بغيره؟ ولو صح ذلك للزم أن يكون ما ~~أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه! وكذلك أيضا ما خلقه في الحيوانات، لا ~~يفرق حينئذ بين نطق وأنطق. وإنما قالت الجلود: {أنطقنا الله} [فصلت: 21] ~~(فصلت: 21) ، ولم تقل: نطق الله، بل يلزم أن يكون متكلما بكل كلام خلقه في ~~غيره، زورا كان أو كذبا أو كفرا أو هذيانا! ! تعالى الله عن ذلك. وقد طرد ~~ذلك الاتحادية، فقال ابن عربي: # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه! # PageV01P179 # ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره، لصح أن يقال للبصير: أعمى، وللأعمى: ~~بصير! لأن البصير قد قام وصف العمى بغيره، والأعمى قد قام وصف البصر بغيره! ~~ولصح أن يوصف الله تعالى بالصفات التي خلقها في غيره، من الألوان والروائح ~~والطعوم والطول والقصر ونحو ذلك. ### | [دحض حجج المريسي في خلق القرآن] # وبمثل ذلك ألزم الإمام عبد العزيز المكي بشرا المريسي بين يدي المأمون، ~~بعد أن تكلم معه ملتزما أن لا يخرج عن نص التنزيل، وألزمه الحجة، فقال بشر: ~~يا أمير المؤمنين، ليدع مطالبتي بنص التنزيل، ويناظرني بغيره، فإن لم يدع ~~قوله ويرجع عنه، ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال. قال عبد العزيز: ~~تسألني أم أسألك؟ فقال بشر: [اسأل] أنت، ms094 وطمع في فقلت له: يلزمك واحدة من ~~ثلاث لا بد منها: إما أن تقول: إن الله خلق القرآن، وهو عندي أنا كلامه - ~~في نفسه، أو خلقه قائما بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره؟ قال: أقول: خلقه كما ~~خلق الأشياء كلها. وحاد عن الجواب. فقال المأمون: اشرح أنت هذه المسألة، ~~ودع بشرا فقد انقطع. فقال عبد العزيز: إن قال خلق كلامه في نفسه، فهذا ~~محال، لأن الله لا يكون محلا للحوادث المخلوقة، ولا يكون فيه شيء مخلوق وإن ~~قال خلقه في غيره فيلزم في النظر والقياس أن كل كلام خلقه الله في غيره فهو ~~كلامه، فهو محال أيضا، لأنه يلزم قائله أن يجعل كل كلام خلقه الله في غيره ~~- هو كلام الله! وإن قال خلقه قائما بنفسه وذاته، فهذا محال: لا يكون ~~الكلام إلا من # PageV01P180 # متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا ~~يعقل كلام قائم بنفسه يتكلم بذاته. فلما استحال من هذه الجهات أن يكون ~~مخلوقا، علم أنه صفة لله. هذا مختصر من كلام الإمام عبد العزيز في الحيدة. # وعموم كل في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن. ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~{تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25] ~~(الأحقاف: 25) ، ومساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح؟ وذلك ~~لأن المراد تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة وما يستحق التدمير. وكذا ~~قوله تعالى حكاية عن بلقيس: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] (النمل: 23) ، ~~المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام. إذ ~~مراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك، غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ~~ملكها، ولهذا نظائر كثيرة. ### | [المراد من قوله تعالى " خالق كل شيء "] # والمراد من قوله تعالى: {خالق كل شيء} [الرعد: 16] (الرعد: 16) ، أي: كل ~~شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله فهو مخلوق، فدخل في هذا العموم أفعال العباد ~~حتما، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى، وصفاته ليست ms095 غيره، لأنه سبحانه ~~وتعالى هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة، لا يتصور ~~انفصال صفاته عنه، كما تقدم # PageV01P181 # الإشارة إلى هذا المعنى عند قوله: ما زال قديما بصفاته قبل خلقه. بل نفس ~~ما استدلوا به يدل عليهم. فإذا كان قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الرعد: ~~16] مخلوقا، لا يصح أن يكون دليلا. ### | [فساد استدلال من يقول بخلق القرآن] # وأما استدلالهم بقوله تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} [الزخرف: 3] ~~(الزخرف: 3) ، فما أفسده من استدلال! فإن (جعل) إذا كان بمعنى خلق يتعدى ~~إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1] ~~(الأنعام: 1) ، وقوله تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون - ~~وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون} ~~[الأنبياء: 30 - 31] (الأنبياء: 30 - 31) . وإذا تعدى إلى مفعولين لم يكن ~~بمعنى خلق، قال تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله ~~عليكم كفيلا} [النحل: 91] (النحل: 91) . وقال تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم} [البقرة: 224] (البقرة: 224) . وقال تعالى: {الذين جعلوا القرآن ~~عضين} [الحجر: 91] (الحجر: 91) وقال تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} ~~[الإسراء: 29] (الإسراء: 29) وقال تعالى: {ولا تجعل مع الله إلها آخر} ~~[الإسراء: 39] (الإسراء: 39) . وقال تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا} [الزخرف: 19] (الزخرف: 19) . ونظائره كثيرة. فكذا قوله تعالى ~~{إنا جعلناه قرآنا عربيا} [الزخرف: 3] (الزخرف: 3) . # وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى: {نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة} [القصص: 30] (القصص: 30) . على أن الكلام خلقه الله ~~تعالى في الشجرة فسمعه موسى منها! وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها، فإن ~~الله تعالى قال: {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن} [القصص: 30] ، ~~والنداء هو الكلام من بعد، فسمع موسى عليه السلام # PageV01P182 # النداء من حافة الوادي، ثم قال: {في البقعة المباركة من الشجرة} [القصص: ~~30] . أي: إن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، كما يقول سمعت ~~كلام زيد من البيت، يكون من البيت لابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم! ~~ولو كان الكلام مخلوقا في الشجرة، لكانت ms096 الشجرة هي القائلة: {ياموسى إني ~~أنا الله رب العالمين} [القصص: 30] . وهل قال: {إني أنا الله رب العالمين} ~~[القصص: 30] ، غير رب العالمين؟ ولو كان هذا الكلام بدا من غير الله لكان ~~قول فرعون: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] (النازعات: 24) صدقا، إذ كل ~~من الكلامين عندهم مخلوق قد قاله غير الله! وقد فرقوا بين الكلامين على ~~أصولهم الفاسدة: أن ذاك كلام خلقه الله في الشجرة، وهذا كلام خلقه فرعون! ! ~~فحرفوا وبدلوا واعتقدوا خالقا غير الله. وسيأتي الكلام على مسألة أفعال ~~العباد، إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: فقد قال تعالى: {إنه لقول رسول كريم} [الحاقة: 40] (الحاقة: 40، ~~والتكوير: 19) . وهذا يدل على أن الرسول أحدثه، إما جبرائيل أو محمد. # قيل: ذكر الرسول معرف أنه مبلغ عن مرسله، لأنه لم يقل أنه قول ملك أو ~~نبي، فعلم أنه بلغه عمن أرسله به، لا أنه أنشأه من جهة نفسه. وأيضا: ~~فالرسول في إحدى الآيتين جبريل، وفي الأخرى محمد، فإضافته إلى كل منهما ~~تبين أن الإضافة للتبليغ، إذ لو أحدثه أحدهما امتنع أن يحدثه الآخر. # PageV01P183 # وأيضا: فقوله رسول أمين، دليل على أنه لا يزيد في الكلام الذي أرسل ~~بتبليغه ولا ينقص منه، بل هو أمين على ما أرسل به، يبلغه عن مرسله. وأيضا: ~~فإن الله قد كفر من جعله قول البشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم بشر، فمن ~~جعله قول محمد، بمعنى أنه أنشأه - فقد كفر. ولا فرق بين أن يقول: إنه قول ~~بشر، أو جني، أو ملك، والكلام كلام من قاله مبتدئا، لا من قاله مبلغا. ومن ~~سمع قائلا يقول: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # - قال: هذا شعر امرئ القيس، ومن سمعه يقول: «إنما الأعمال بالنيات # PageV01P184 # وإنما لكل امرئ ما نوى» : قال: هذا كلام الرسول، وإن سمعه يقول: {الحمد ~~لله رب العالمين - الرحمن الرحيم - مالك يوم الدين - إياك نعبد وإياك ~~نستعين} [الفاتحة: 2 - 5] قال: هذا كلام الله، إن كان عنده خبر ذلك، وإلا ~~قال: لا أدري كلام من هذا؟ ولو أنكر عليه أحد ذلك لكذبه. ولهذا ms097 من سمع من ~~غيره نظما أو نثرا، يقول له: هذا كلام من؟ هذا كلامك أو كلام غيرك؟ ### | [اتفاق أهل السنة والجماعة أن كلام الله غير مخلوق] # وبالجملة، فأهل السنة كلهم، من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف ~~والخلف، متفقون على أن كلام الله غير مخلوق. ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون ~~في أن كلام الله هل هو معنى واحد قائم بالذات، أو أنه حروف وأصوات تكلم ~~الله بها بعد أن لم يكن متكلما، أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء ~~وكيف شاء وأن نوع الكلام قديم. # وقد يطلق بعض المعتزلة على القرآن أنه غير مخلوق، ومرادهم أنه # PageV01P185 # غير مختلق مفترى مكذوب، بل هو حق وصدق، ولا ريب أن هذا المعنى منتف ~~باتفاق المسلمين. # والنزاع بين أهل القبلة إنما هو في كونه مخلوقا خلقه الله، أو هو كلامه ~~الذي تكلم به وقام بذاته؟ وأهل السنة إنما سئلوا عن هذا، وإلا فكونه مكذوبا ~~مفترى مما لا ينازع مسلم في بطلانه. ولا شك أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من ~~أهل البدع - معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا ~~عن كتاب ولا سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون ~~أن العقل دلهم عليه، وإنما يزعمون أنهم تلقوا من الأئمة الشرائع. # ولو ترك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة، لم يكن بينهم نزاع، ~~ولكن ألقى الشيطان إلى بعض الناس أغلوطة من أغاليطه، فرق بها بينهم. {وإن ~~الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} [البقرة: 176] (البقرة: 176) . # والذي يدل عليه كلام الطحاوي رحمه الله: أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ~~كيف شاء، وأن نوع كلامه قديم. وكذلك ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة رضي الله ~~عنه في الفقه الأكبر، فإنه قال: والقرآن [كلام الله] في المصاحف مكتوب، وفي ~~القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم منزل، ~~ولفظنا بالقرآن مخلوق [وكتابتنا له مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة] والقرآن ~~غير مخلوق، وما ذكره الله في # PageV01P186 # القرآن [حكاية] عن موسى عليه ms098 السلام وغيره، [من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام] وعن فرعون وإبليس - فإن ذلك [كله] كلام الله إخبارا عنهم، [كلام ~~الله غير مخلوق] وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله ~~لا كلامهم، وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى، فلما كلم موسى كلمه ~~بكلامه الذي هو من صفاته لم يزل، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا ~~كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا. انتهى. ~~فقوله: ولما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته - يعلم منه أنه حين جاء ~~كلمه، لا أنه لم يزل ولا يزال أزلا وأبدا يقول يا موسى، كما يفهم ذلك من ~~قوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} [الأعراف: 143] (الأعراف: ~~143) ، ففهم منه الرد على من يقول من أصحابه أنه معنى واحد قائم بالنفس لا ~~يتصور أن يسمع، وإنما يخلق الله الصوت في الهواء، كما قال أبو منصور ~~الماتريدي وغيره. # وقوله: الذي هو من صفاته لم يزل رد على من يقول أنه حدث له وصف الكلام ~~بعد أن لم يكن متكلما. # وبالجملة: فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل على أنه كلام متعلق بمشيئته ~~وقدرته، وأنه يتكلم إذا شاء، وأنه يتكلم شيئا بعد شيء، فهو حق يجب قبوله. ~~وما يقول به من يقول: إن كلام الله قائم بذاته، وأنه صفة له. والصفة لا ~~تقوم إلا بالموصوف: فهو حق يجب قبوله والقول به. فيجب الأخذ بما في قول كل ~~من الطائفتين من الصواب، والعدول عما # PageV01P187 # يرده الشرع والعقل من قول كل منهما. # فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به. قلنا: هذا القول ~~مجمل، ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى به تعالى من الأئمة؟ ونصوص ~~القرآن والسنة تتضمن ذلك، ونصوص الأئمة أيضا، مع صريح العقل. # ولا شك أن الرسل الذين خاطبوا الناس وأخبروهم أن الله قال ونادى وناجى ~~ويقول، لم يفهموهم أن هذه مخلوقات منفصلة عنه، بل الذي أفهموهم إياه: أن ~~الله نفسه هو الذي تكلم، والكلام قائم به لا ms099 بغيره، وأنه هو الذي تكلم به ~~وقاله، كما قالت عائشة رضي الله عنها في حديث الإفك: ولشأني في نفسي كان ~~أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى. ولو كان المراد من ذلك كله خلاف ~~مفهومه لوجب بيانه، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. # ولا يعرف في لغة ولا عقل قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام وإن زعموا ~~أنهم فروا من ذلك حذرا من التشبيه، فلا يثبتوا صفة غيره، فإنهم إذا قالوا: ~~يعلم لا كعلمنا، قلنا: ويتكلم لا كتكلمنا، وكذلك سائر الصفات. # وهل يعقل قادر لا تقوم به القدرة، أو حي لا تقوم # PageV01P188 # به الحياة؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بكلمات الله التامات التي ~~لا يجاوزهن بر ولا فاجر،» فهل يقول عاقل أنه صلى الله عليه وسلم عاذ ~~بمخلوق؟ بل هذا كقوله: «أعوذ برضاك من سخطك. وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك،» ~~وكقوله: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» . وكقوله: «وأعوذ ~~بعظمتك أن نغتال من تحتنا» . كل هذه من صفات الله تعالى. # وهذه المعاني مبسوطة في مواضعها، وإنما أشير إليها هنا إشارة. # وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد، والتعدد والتكثر والتجزؤ ~~والتبعض في الحاصل في الدلالات، لا في المدلول. وهذه العبارات مخلوقة، ~~وسميت كلام الله لدلالتها عليه وتأديه بها، فإن عبر بالعربية فهو قرآن، وإن ~~عبر بالعبرية فهو توراة، فاختلفت العبارات لا الكلام. قالوا: وتسمى هذه ~~العبارات كلام الله مجازا! وهذا الكلام فاسد، فإن لازمه أن معنى قوله: {ولا ~~تقربوا الزنا} [الإسراء: 32] (الإسراء: 32) ، هو معنى قوله: {وأقيموا ~~الصلاة} [البقرة: 43] (البقرة: 43) ومعنى # PageV01P189 # آية الكرسي هو معنى آية الدين! ومعنى سورة الإخلاص هو معنى {تبت يدا أبي ~~لهب} [المسد: 1] (المسد: 1) . وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده، ~~وعلم أنه مخالف لكلام السلف. والحق: أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن ~~من كلام الله حقيقة، وكلام الله تعالى لا يتناهى، فإنه لم يزل يتكلم بما ~~شاء إذا شاء كيف شاء، ولا يزال كذلك. قال تعالى: {قل ms100 لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} [الكهف: ~~109] (الكهف: 109) . وقال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} [لقمان: 27] ~~(لقمان: 27) . ### | [كلام الله محفوظ في الصدور مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف] # ولو كان ما في المصحف عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله، لما حرم ~~على الجنب والمحدث مسه، ولو كان ما يقرؤه القارئ ليس كلام الله لما حرم على ~~الجنب والمحدث قراءته. # بل كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن، مكتوب في المصاحف، كما قال ~~أبو حنيفة في الفقه الأكبر. وهو في هذه المواضع كلها حقيقة، وإذا قيل: فيه ~~خط فلان وكتابته: فهم منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: فيه مداد قد كتب به: ~~فهم منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: المداد في المصحف: كانت الظرفية فيه ~~غير الظرفية المفهومة من قول القائل: فيه السماوات والأرض، وفيه محمد ~~وعيسى، ونحو ذلك. وهذان المعنيان مغايران لمعنى قول القائل: # PageV01P190 # فيه خط فلان الكاتب، وهذه المعاني الثلاثة مغايرة لمعنى قول القائل: فيه ~~كلام الله. ومن لم يتنبه للفروق بين هذه المعاني ضل ولم يهتد للصواب. وكذلك ~~الفرق بين القراءة التي هي فعل القارئ، والمقروء الذي هو قول الباري، من لم ~~يهتد له فهو ضال أيضا، ولو أن إنسانا وجد في ورقة مكتوبا # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # من خط كاتب معروف. لقال: هذا من كلام لبيد حقيقة، وهذا خط فلان حقيقة، ~~وهذا كل شيء حقيقة، وهذا خبر حقيقة، ولا تشتبه هذه الحقيقة بالأخرى. # والقرآن في الأصل: مصدر، فتارة يذكر ويراد به القراءة، قال تعالى: {وقرآن ~~الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78] (الإسراء: 78) . # PageV01P191 # وقال صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم» . وتارة يذكر ويراد به ~~المقروء، قال تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} ~~[النحل: 98] (النحل: 98) . وقال تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا ms101 لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204] (الأعراف: 204) . وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف» . إلى غير ذلك من الآيات ~~والأحاديث الدالة على # PageV01P192 # كل من المعنيين المذكورين. فالحقائق لها وجود عيني وذهني ولفظي ورسمي، ~~ولكن الأعيان تعلم، ثم تذكر، ثم تكتب. فكتابتها في المصحف هي المرتبة ~~الرابعة. وأما الكلام فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة، بل هو الذي يكتب ~~بلا واسطة ولا لسان. # والفرق بين كونه في زبر الأولين، وبين كونه في رق منشور، أو في كتاب ~~مكنون: واضح. # فقوله عن القرآن: {وإنه لفي زبر الأولين} [الشعراء: 196] (الشعراء: 196) ~~، أي ذكره ووصفه والإخبار عنه، كما أن محمدا مكتوب عندهم. إذ القرآن أنزله ~~الله على محمد، لم ينزله على غيره أصلا، ولهذا قال في الزبر، ولم يقل في ~~الصحف، ولا في الرق، لأن الزبر جمع زبور والزبر هو: الكتابة والجمع، فقوله: ~~{وإنه لفي زبر الأولين} [الشعراء: 196] (الشعراء: 196) أي: مزبور الأولين، ~~ففي نفس اللفظ واشتقاقه ما يبين المعنى المراد، ويبين كمال بيان القرآن ~~وخلوصه من اللبس. وهذا مثل قوله: {الذي يجدونه مكتوبا عندهم} [الأعراف: ~~157] (الأعراف: 156) ، أي: ذكره، بخلاف قوله. {في رق منشور} [الطور: 3] ~~(الطور: 3) و {لوح محفوظ} [البروج: 22] (البروج: 22) و {كتاب مكنون} ~~[الواقعة: 78] (الواقعة: 78) ، لأن العامل في الظرف إما أن يكون من الأفعال ~~العامة، مثل الكون والاستقرار والحصول ونحو ذلك، أو يقدر: مكتوب في كتاب، ~~أو في رق. # PageV01P193 # والكتاب: تارة يذكر ويراد به محل الكتابة، وتارة يذكر ويراد به الكلام ~~المكتوب. ويجب التفريق بين كتابة الكلام في الكتاب، وكتابة الأعيان ~~الموجودة في الخارج فيه - فإن تلك إنما يكتب ذكرها. وكلما تدبر الإنسان هذا ~~المعنى وضح له الفرق. # وحقيقة كلام الله تعالى الخارجية: هي ما يسمع منه أو من المبلغ عنه، فإذا ~~سمعه السامع علمه وحفظه. فكلام الله مسموع له معلوم محفوظ، فإذا قاله ~~السامع فهو مقروء له متلو، فإن كتبه فهو مكتوب له مرسوم. وهو حقيقة في هذه ~~الوجوه كلها لا يصح نفيه. والمجاز يصح نفيه، فلا يجوز أن يقال: ليس في ms102 ~~المصحف كلام الله، ولا: ما قرأ القارئ كلام الله، وقد قال تعالى: {وإن أحد ~~من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] (التوبة: 6) . ~~وهو لا يسمع كلام الله من الله، وإنما يسمعه من مبلغه عن الله. والآية تدل ~~على فساد قول من قال: إن المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله، ~~فإنه تعالى قال: {حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] (التوبة: 6) ، ولم يقل ~~حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله. والأصل الحقيقة. ومن قال: إن المكتوب ~~في المصاحف عبارة عن كلام الله، أو حكاية كلام الله، وليس فيها كلام الله: ~~فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة، وكفى بذلك ضلالا. # وكلام الطحاوي رحمه الله يرد قول من قال أنه معنى واحد # PageV01P194 # لا يتصور سماعه منه، وأن المسموع المنزل المقروء والمكتوب ليس كلام الله، ~~وإنما هو عبارة عنه. فإن الطحاوي رحمه الله يقول: كلام الله منه بدا. وكذلك ~~قال غيره من السلف، ويقولون: منه بدا، وإليه يعود. وإنما قالوا: منه بدا، ~~لأن الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون إنه خلق الكلام في محل، فبدأ ~~الكلام من ذلك المحل. فقال السلف: منه بدا أي هو المتكلم به، فمنه بدا، لا ~~من بعض المخلوقات، كما قال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} ~~[الزمر: 1] (الزمر: 1) . {ولكن حق القول مني} [السجدة: 13] (السجدة: 13) . ~~{قل نزله روح القدس من ربك بالحق} [النحل: 102] (النحل: 102) . ومعنى ~~قولهم: وإليه يعود -: يرفع من الصدور والمصاحف، فلا يبقى في الصدور منه آية ~~ولا في المصاحف. كما جاء ذلك في عدة آثار. ### | [عجز العقل عن إدراك كيفية تكلمه سبحانه بالقرآن] # وقوله " بلا كيفية " أي: لا تعرف كيفية تكلمه به قولا ليس بالمجاز، ~~وأنزله على رسوله وحيا، أي: أنزله إليه على لسان الملك، فسمعه الملك جبريل ~~من الله، وسمعه الرسول صلى الله عليه وسلم من الملك، # PageV01P195 # وقرأه على الناس. قال تعالى: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلناه تنزيلا} [الإسراء: 106] (الإسراء: 106) . وقال تعالى: {نزل به ~~الروح الأمين - على قلبك لتكون ms103 من المنذرين - بلسان عربي مبين} [الشعراء: ~~193 - 195] (الشعراء: 195) . وفي ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى. # وقد أورد على ذلك أن إنزال القرآن نظير إنزال المطر، وإنزال الحديد، ~~وإنزال ثمانية أزواج من الأنعام. # والجواب: أن إنزال القرآن فيه مذكور أنه إنزال من الله. قال تعالى: {حم - ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} [غافر: 1 - 2] (غافر: 1 - 2) . وقال ~~تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} [الزمر: 1] (الزمر: 1) . وقال ~~تعالى: {تنزيل من الرحمن الرحيم} [فصلت: 2] (فصلت: 2) . وقال تعالى: {تنزيل ~~من حكيم حميد} [فصلت: 42] . وقال تعالى: (فصلت: 42) {إنا أنزلناه في ليلة ~~مباركة إنا كنا منذرين - فيها يفرق كل أمر حكيم - أمرا من عندنا إنا كنا ~~مرسلين} [الدخان: 3 - 5] (الدخان: 53) . وقال تعالى: {فأتوا بكتاب من عند ~~الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين} [القصص: 49] (القصص: 49) . وقال ~~تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} [الأنعام: ~~114] (الأنعام: 114) . وقال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} ~~[النحل: 102] (النحل: 102) . وإنزال المطر مقيد بأنه منزل من السماء. قال ~~تعالى: {أنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48] (الرعد: 17) . والسماء: ~~العلو. وقد جاء في مكان آخر أنه منزل من المزن، والمزن: السحاب. وفي مكان ~~آخر أنه منزل من المعصرات. وإنزال الحديد والأنعام مطلق، فكيف يشتبه هذا ~~الإنزال # PageV01P196 # بهذا الإنزال، وهذا الإنزال بهذا الإنزال؟ ! فالحديد إنما يكون من ~~المعادن التي في الجبال، وهي عالية على الأرض، وقد قيل: إنه كلما كان معدنه ~~أعلى كان حديده أجود. والأنعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء ~~من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا يقال: أنزل ولم ينزل ثم الأجنة تنزل من ~~بطون الأمهات إلى وجه الأرض. ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها ~~عند الوطء، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى، وتلقي ولدها عند ~~الولادة من علو إلى سفل. وعلى هذا فيحتمل قوله، {وأنزل لكم من الأنعام} ~~[الزمر: 6] (الزمر: 6) : وجهين: أحدهما، أن تكون (من) لبيان الجنس. الثاني: ~~أن تكون (من) لابتداء الغاية. وهذان الوجهان يحتملان في قوله: {جعل لكم من ~~أنفسكم ms104 أزواجا ومن الأنعام أزواجا} [الشورى: 11] (الشورى: 11) # وقوله: " وصدقه المؤمنون على ذلك حقا " الإشارة إلى ما ذكره من التكلم به ~~على الوجه المذكور وإنزاله، أي: هذا قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهم ~~السلف الصالح، وأن هذا حق وصدق. ### | [الرد على من يقول بالكلام النفسي] # وقوله: وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية. ~~رده على المعتزلة وغيرهم بهذا القول ظاهر. وفي قوله: بالحقيقة رد على من ~~قال: إنه معنى واحد قام بذات الله لم يسمع منه وإنما # PageV01P197 # هو الكلام النفساني، لأنه لا يقال لمن قام به الكلام النفساني ولم يتكلم ~~به: أن هذا كلام حقيقة، وإلا للزم أن يكون الأخرس متكلما، ولزم أن لا يكون ~~الذي في المصحف عند الإطلاق هو القرآن ولا كلام الله، ولكن عبارة عنه ليست ~~هي كلام الله، كما لو أشار أخرس إلى شخص بإشارة فهم بها مقصوده، فكتب ذلك ~~الشخص عبارته عن المعنى الذي أوحاه إليه ذلك الأخرس، فالمكتوب هو عبارة ذلك ~~الشخص عن ذلك المعنى. وهذا المثل مطابق غاية المطابقة لما يقولونه، وإن كان ~~الله تعالى لا يسميه أحد أخرس، لكن عندهم أن الملك فهم منه معنى قائما ~~بنفسه، لم يسمع منه حرفا ولا صوتا، بل فهم معنى مجردا، ثم عبر عنه، فهو ~~الذي أحدث نظم القرآن وتأليفه العربي، أو أن الله خلق في بعض الأجسام ~~كالهوى الذي هو دون الملك هذه العبارة. # ويقال لمن قال إنه معنى واحد: هل سمع موسى عليه السلام جميع المعنى أو ~~بعضه؟ فإن قال: سمعه كله، فقد زعم أنه سمع جميع كلام الله وفساد هذا ظاهر. ~~وإن قال: بعضه، فقد قال يتبعض. وكذلك كل من كلمه الله أو أنزل إليه شيئا من ~~كلامه. # ولما قال تعالى للملائكة: {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30] ~~(البقرة: 30) . ولما قال لهم. {اسجدوا لآدم} [البقرة: 34] (البقرة: 34) . ~~وأمثال ذلك: هل هذا جميع كلامه أو بعضه؟ فإن قال: إنه جميعه، فهذا مكابرة، ~~وإن قال: بعضه، فقد اعترف بتعدده. ### | [مذاهب الناس في مسمى الكلام والقول] ms105 # وللناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق: أربعة أقوال: # PageV01P198 # أحدها: أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعا، كما يتناول لفظ الإنسان الروح ~~والبدن معا، وهذا قول السلف. # الثاني: اسم للفظ فقط، والمعنى ليس جزء مسماه، بل هو مدلول مسماه، وهذا ~~قول جماعة من المعتزلة وغيرهم. # الثالث: أنه اسم للمعنى فقط، وإطلاقه على اللفظ مجاز، لأنه دال عليه، ~~وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه. # الرابع: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، وهذا قول بعض المتأخرين من ~~الكلابية، ولهم قول خامس، يروى عن أبي الحسن، أنه مجاز في كلام الله، حقيقة ~~في كلام الآدميين لأن حروف الآدميين تقوم بهم، فلا يكون الكلام قائما بغير ~~المتكلم، بخلاف كلام الله، فإنه لا يقوم عنده بالله، فيمتنع أن يكون كلامه. ~~وهذا مبسوط في موضعه. وأما من قال إنه معنى واحد، واستدل عليه بقول الأخطل: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # : فاستدلال فاسد. ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين لقالوا هذا خبر ~~واحد! ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به! فكيف ~~وهذا البيت قد قيل إنه موضوع منسوب إلى الأخطل، وليس هو في ديوانه؟ ! وقيل ~~إنما قال: إن البيان لفي الفؤاد وهذا أقرب إلى الصحة، وعلى تقدير صحته عنه ~~فلا يجوز الاستدلال # PageV01P199 # به، فإن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام، وزعموا أن عيسى عليه السلام نفس ~~كلمة الله واتحد اللاهوت بالناسوت! أي: شيء من الإله بشيء من الناس! ~~أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام، ويترك ما يعلم ~~من معنى الكلام في لغة العرب؟ ! وأيضا: فمعناه غير صحيح، إذ لازمه أن ~~الأخرس يسمى متكلما لقيام الكلام بقلبه وإن لم ينطق به ولم يسمع منه، ~~والكلام على ذلك مبسوط في موضعه، وإنما أشير إليه إشارة. # وهنا معنى عجيب، وهو: أن هذا القول له شبه قوي بقول النصارى القائلين ~~باللاهوت والناسوت! فإنهم يقولون: كلام الله هو المعنى القائم بذات الله ~~الذي لا يمكن سماعه، وأما النظم المسموع فمخلوق، فإفهام المعنى ms106 القديم ~~بالنظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى ~~عليه السلام، فانظر إلى هذا الشبه ما أعجبه! # ويرد قول من قال: بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس: قوله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس # PageV01P200 # وقال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في ~~الصلاة» . واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامدا لغير ~~مصلحتها بطلت صلاته. واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور ~~دنيوية وطلب، لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك. فعلم اتفاق ~~المسلمين على أن هذا ليس بكلام. # وأيضا: ففي ((الصحيحين)) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله ~~تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به» . فقد أخبر أن ~~الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، ~~وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد: حتى ينطق به اللسان، باتفاق ~~العلماء. فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة، لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة ~~العرب. # PageV01P201 # وأيضا ففي السنن: «أن معاذا رضي الله عنه قال: يا رسول الله، وإنا ~~لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا ~~حصائد ألسنتهم» . فبين أن الكلام إنما هو باللسان. فلفظ القول والكلام وما ~~تصرف منهما، من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل -: إنما يعرف في القرآن ~~والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظا ومعنى. ولم يكن في مسمى الكلام نزاع ~~بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من ~~علماء أهل البدع، ثم انتشر. # ولا ريب أن مسمى الكلام والقول ونحوهما - ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول ~~شاعر، فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة، وعرفوا معناه، ~~كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ونحو ذلك. # ولا شك أن من قال: إن كلام الله معنى واحد قائم ms107 بنفسه تعالى وإن المتلو ~~المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق، فقد قال ~~بخلق القرآن في المعنى وهو لا يشعر، فإن # PageV01P202 # الله تعالى يقول: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله} [الإسراء: 88] (الإسراء: 88) . أفتراه سبحانه ~~وتعالى يشير إلى ما في نفسه أو إلى المتلو المسموع؟ ولا شك أن الإشارة إنما ~~هي إلى هذا المتلو المسموع، إذ ما في ذات الله غير مشار إليه، ولا منزل ولا ~~متلو ولا مسموع. # وقوله: {لا يأتون بمثله} [الإسراء: 88] أفتراه سبحانه يقول: لا يأتون ~~بمثل ما في نفسي مما لم يسمعوه ولم يعرفوه، وما في نفس الباري عز وجل لا ~~حيلة إلى الوصول إليه، ولا إلى الوقوف عليه. # فإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته وهو المتلو المكتوب ~~المسموع، فأما أن يشير إلى ذاته فلا - فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق، ~~بل هم في ذلك أكفر من المعتزلة، فإن حكاية الشيء بمثله وشبهه. وهذا تصريح ~~بأن صفات الله محكية، ولو كانت هذه التلاوة حكاية لكان الناس قد أتوا بمثل ~~كلام الله، فأين عجزهم؟ ! ويكون التالي - في زعمهم - قد حكى بصوت وحرف ما ~~ليس بصوت وحرف. وليس القرآن إلا سورا مسورة، وآيات مسطرة، في صحف مطهرة. ~~قال تعالى: {فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} [هود: 13] (هود: 13) . {بل هو ~~آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون} ~~[العنكبوت: 49] (العنكبوت: 49) . {في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة} [عبس: 13] ~~(عبس: 13 - 14) . ويكتب لمن قرأه بكل حرف عشر حسنات. قال صلى الله عليه ~~وسلم: «أما إني لا أقول (الم) حرف، ولكن ألف حرف، # PageV01P203 # ولام حرف، وميم حرف» . وهو المحفوظ في صدور الحافظين المسموع من ألسن ~~التالين. قال الشيخ حافظ الدين النسفي رحمه الله في ((المنار)) : إن القرآن ~~اسم للنظم والمعنى. وكذا قال غيره من أهل الأصول. وما ينسب إلى أبي حنيفة ~~رحمه الله: أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزأه - فقد رجع عنه - وقال: لا ~~يجوز ms108 القراءة مع القدرة بغير العربية. وقالوا: لو قرأ بغير العربية فإما أن ~~يكون مجنونا فيداوى، أو زنديقا فيقتل، لأن الله تكلم به بهذه اللغة، ~~والإعجاز حصل بنظمه ومعناه. ### | [كفر من أنكر أن القرآن كلام الله] # وقوله: ((ومن سمعه، وقال: إنه كلام البشر، فقد كفر)) لا شك في تكفير من ~~أنكر أن القرآن كلام الله، بل قال إنه كلام محمد أو غيره من الخلق، ملكا ~~كان أو بشرا. وأما إذا أقر أنه كلام الله، ثم أول وحرف - # PageV01P204 # فقد وافق قول من قال: {إن هذا إلا قول البشر} [المدثر: 25] (المدثر: 25) ~~. في بعض ما به كفر، وأولئك الذين استزلهم الشيطان - وسيأتي الكلام عليه ~~عند قول الشيخ ((ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)) إن شاء ~~الله تعالى. ### | [إعجاز القرآن من جهة اللفظ والمعنى] # وقوله: ((ولا يشبه قول البشر)) يعني أنه أشرف وأفصح وأصدق. قال تعالى: ~~{ومن أصدق من الله حديثا} [النساء: 87] (النساء: 87) وقال تعالى: {قل لئن ~~اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} ~~[الإسراء: 88] الآية. (الإسراء: 88) . وقال تعالى: {قل فأتوا بعشر سور ~~مثله} [هود: 13] (هود: 13) وقال تعالى: {قل فأتوا بسورة مثله} [يونس: 38] ~~(يونس: 38) . فلما عجزوا - وهم فصحاء العرب، مع شدة العداوة - عن الإتيان ~~بسورة مثله، تبين صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أنه من عند الله. وإعجازه ~~من جهة نظمه ومعناه، لا من جهة أحدهما فقط. هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي ~~عوج بلسان عربي مبين، أي بلغة العربية. فنفي المشابهة من حيث التكلم، ومن ~~حيث النظم والمعنى، لا من حيث الكلمات والحروف. وإلى هذا وقعت الإشارة ~~بالحروف المقطعة في أوائل السور، أي: أنه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي ~~يتخاطبون بها. ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن؟ كما في ~~قوله تعالى: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه} [البقرة: 1] (البقرة: 1 - 2) . ~~{الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق} [آل عمران: 1] ~~(آل عمران: 1 - 3) الآية. {المص كتاب أنزل ms109 إليك} [الأعراف: 1] (الأعراف: 1 ~~- 2) ، الآية. {الر تلك آيات الكتاب الحكيم} [يونس: 1] (يونس: 1 - 2) . ~~وكذلك الباقي ينبههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه، بل ~~خاطبكم بلسانكم. # ولكن أهل المقالات الفاسدة يتذرعون بمثل هذا إلى نفي تكلم # PageV01P205 # الله به، وسماع جبريل منه، كما يتذرعون بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} ~~[الشورى: 11] (الشورى: 11) ، إلى نفي الصفات. وفي الآية ما يرد عليهم ~~قولهم، وهو قوله تعالى: {وهو السميع البصير} [الشورى: 11] (الشورى: 11) . ~~كما في قوله تعالى: {فأتوا بسورة مثله} [يونس: 38] (يونس: 38) ما يرد على ~~من ينفي الحرف، فإنه قال: {فأتوا بسورة} [يونس: 38] ، ولم يقل فأتوا بحرف، ~~أو بكلمة. وأقصر سورة في القرآن ثلاث آيات. ولهذا قال أبو يوسف ومحمد ~~رحمهما الله: إن أدنى ما يجزئ في الصلاة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة، لأنه ~~لا يقع الإعجاز بدون ذلك. والله أعلم. ### | [صفات الله ليست كصفات البشر] # قوله: (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر، فقد كفر. من أبصر هذا اعتبر. ~~وعن مثل قول الكفار انزجر. وعلم أن الله بصفاته ليس كالبشر) . # ش: لما ذكر فيما تقدم أن القرآن كلام الله حقيقة، منه بدا، نبه بعد ذلك ~~على أنه تعالى بصفاته ليس كالبشر، نفيا للتشبيه عقيب الإثبات، يعني أن الله ~~تعالى وإن وصف بأنه متكلم، لكن لا يوصف بمعنى من # PageV01P206 # معاني البشر التي يكون الإنسان بها متكلما، فإن الله ليس كمثله شيء وهو ~~السميع البصير. وما أحسن المثل المضروب للمثبت للصفات من غير تشبيه ولا ~~تعطيل، باللبن الخالص السائغ للشاربين، يخرج من بين فرث التعطيل ودم ~~التشبيه. والمعطل يعبد عدما، والمشبه يعبد صنما. وسيأتي في كلام الشيخ، ~~((ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه)) . وكذا قوله: ((وهو ~~بين التشبيه والتعطيل)) أي: دين الإسلام، ولا شك أن التعطيل شر من التشبيه، ~~بما سأذكره إن شاء الله تعالى. وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به ~~رسوله تشبيها، بل صفات الخالق كما يليق به، وصفات المخلوق كما يليق به. # وقوله: ((فمن أبصر ms110 هذا اعتبر)) . أي: من نظر بعين بصيرته فيما قاله من ~~إثبات الوصف ونفي التشبيه ووعيد المشبه اعتبر وانزجر عن مثل قول الكفار. ### | [رؤية أهل الجنة ربهم بغير إحاطة] ### | [ثبوت رؤية أهل الجنة ربهم بغير إحاطة] # قوله: (والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ~~ربنا: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22] (القيامة: 22 - 23) ~~وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل ~~في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من ~~سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. ورد علم ما اشتبه عليه إلى ~~عالمه) . # ش: المخالف في الرؤية: الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج ~~والإمامية. وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة. وقد قال بثبوت الرؤية # PageV01P207 # الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل ~~الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة. # وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر ~~إليها المشمرون، وتنافس المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن ~~بابه مردودون. # وقد ذكر الشيخ رحمه الله من الأدلة قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة} [القيامة: 22] (القيامة: 22 - 23) . وهي من أظهر الأدلة. وأما ~~من أبى إلا تحريفها بما يسميه تأويلا، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار ~~والحساب، أسهل من تأويلها على أرباب التأويل. ولا يشاء مبطل أن يتأول ~~النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه ~~النصوص. ### | [جناية التأويل الفاسد على الدين وأهله] # وهذا الذي أفسد الدنيا والدين. وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص ~~التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم. وأبى المبطلون إلا سلوك ~~سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية. فهل قتل عثمان ~~رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد! وكذا ما جرى في يوم الجمل، وصفين، ومقتل # PageV01P208 # الحسين ms111 رضي الله عنه، والحرة؟ وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت ~~الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد؟ ! ~~وإضافة النظر إلى الوجه، الذي هو محله، في هذه الآية، وتعديته بأداة إلى ~~الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلاف حقيقة موضوعة ~~صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله. ### | [معاني النظر تختلف بحسب استعمالاته] # فإن النظر له عدة استعمالات، بحسب صلاته وتعديه بنفسه: فإن عدي بنفسه ~~فمعناه: التوقف والانتظار، {انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد: 13] (الحديد: ~~13) . وإن عدي ب " في " فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: {أولم ينظروا في ~~ملكوت السماوات والأرض} [الأعراف: 185] (الأعراف: 185) . وإن عدي ب " إلى " ~~فمعناه: المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر} ~~[الأنعام: 99] (الأنعام: 99) . فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟ ~~وروى ابن مردويه بسنده إلى ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~- «في قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة،} [القيامة: 22] قال: من البهاء ~~والحسن {إلى ربها ناظرة} [القيامة: 23] ، قال في وجه # PageV01P209 # الله عز وجل» . عن الحسن قال: نظرت إلى ربها فنضرت بنوره. وقال أبو صالح ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما، {إلى ربها ناظرة} [القيامة: 23] قال: تنظر إلى ~~وجه ربها عز وجل. وقال عكرمة: {وجوه يومئذ ناضرة} [القيامة: 22] ، قال: من ~~النعيم، {إلى ربها ناظرة} [القيامة: 23] ، قال: تنظر إلى ربها نظرا، ثم حكى ~~عن ابن عباس مثله. وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث. # وقال تعالى: {لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد} [ق: 35] (ق: 35) . قال ~~الطبري: قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك رضي الله عنهما: هو النظر إلى ~~وجه الله عز وجل. # وقال تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] (يونس: 26) ، # PageV01P210 # فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم، فسرها بذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده، كما روى مسلم في ((صحيحه)) عن ~~صهيب، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: « {للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة} ms112 [يونس: 26] (يونس: 26) ، قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل ~~النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ~~ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ~~ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم ~~من النظر إليه، وهي الزيادة)) » . ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أخر، ~~معناها أن الزيادة: النظر إلى وجه الله عز وجل. وكذلك فسرها الصحابة رضي ~~الله عنهم. روى ابن جرير ذلك عن جماعة، منهم: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ~~وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، رضي الله عنهم. # وقال تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15] ~~(المطففين: 15) . # PageV01P211 # احتج الشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة بهذه الآية على الرؤية لأهل ~~الجنة، ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي. وقال الحاكم: حدثنا ~~الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته ~~رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله عز وجل: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون} [المطففين: 15] (المطففين: 15) ؟ فقال الشافعي: لما أن حجب هؤلاء ~~في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا. ### | [الرد على المعتزلة في نفي الرؤية] # وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: {قال لن تراني} [الأعراف: 143] ~~(الأعراف: 143) ، وبقوله تعالى: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] ~~(الأنعام: 103) . فالآيتان دليل عليهم: # PageV01P212 # أما الآية الأولى: فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه: أحدها: أنه ~~لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته - أن يسأل ما لا ~~يجوز عليه، بل هو عندهم من أعظم المحال. # الثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر ~~سؤاله، وقال: {إني أعظك أن تكون من الجاهلين} [هود: 46] (هود: 46) . # الثالث: أنه تعالى قال: {لن تراني} [الأعراف: 143] ، ولم يقل: إني لا ~~أرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي. والفرق بين الجوابين ظاهر. ألا ترى ~~أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاما فقال: أطعمنيه، فالجواب ms113 الصحيح: أنه ~~لا يؤكل، أما إذا كان طعاما صح أن يقال: إنك لن تأكله. وهذا يدل على أنه ~~سبحانه مرئي، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار، لضعف قوى البشر ~~فيها عن رؤيته تعالى. يوضحه: # الوجه الرابع: وهو قوله: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ~~تراني} [الأعراف: 143] (الأعراف: 143) . فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته ~~لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟ الخامس: أن ~~الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ~~ولو كانت محالا لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام. ~~والكل عندهم سواء. # السادس: قوله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} [الأعراف: 143] ~~(الأعراف: 143) ، فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا ~~عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسله وأوليائه في دار كرامته؟ ولكن # PageV01P213 # الله تعالى أعلم موسى عليه السلام أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه ~~الدار، فالبشر أضعف. # السابع: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم ~~وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة - فرؤيته أولى بالجواز. ولهذا لا يتم ~~إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وقد جمعوا بينهما. وأما دعواهم تأييد النفي ~~ب ((لن)) وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة، ففاسد، فإنها لو قيدت ~~بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت؟ قال تعالى: ~~{ولن يتمنوه أبدا} [البقرة: 95] (البقرة: 95) ، مع قوله: {ونادوا يامالك ~~ليقض علينا ربك} [الزخرف: 77] (الزخرف: 77) . ولأنها لو كانت للتأبيد ~~المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك، قال تعالى: {فلن أبرح ~~الأرض حتى يأذن لي أبي} [يوسف: 80] (يوسف: 80) . فثبت أن ((لن)) لا تقتضي ~~النفي المؤبد. # قال الشيخ جمال الدين بن مالك رحمه الله تعالى: # ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا وأما الآية الثانية: ~~فالاستدلال بها على الرؤية من وجه حسن لطيف، وهو: أن الله تعالى إنما ذكرها ~~في سياق التمدح، ms114 ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية، وأما العدم ~~المحض فليس بكمال فلا يمدح به، وإنما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمرا ~~وجوديا، كمدحه بنفي السنة والنوم، المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت ~~المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء، المتضمن كمال القدرة، # PageV01P214 # ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير، المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته ~~وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه، ونفي الشفاعة عنده ~~إلا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم، المتضمن كمال ~~عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه، المتضمن كمال علمه ~~وإحاطته، ونفي المثل، المتضمن لكمال ذاته وصفاته. ولهذا لم يتمدح بعدم محض ~~لم يتضمن أمرا ثبوتيا، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف ~~الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فإن المعنى: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط ~~به، فقوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] (الأنعام: 103) ، يدل على ~~كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، ~~فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ~~{فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا} [الشعراء: 61] ~~(الشعراء: 61 - 62) ، فلم ينف موسى الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية ~~والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما ~~يعلم ولا يحاط به علما، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية، كما ~~ذكرت أقوالهم في تفسير الآية. بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من ~~إدراكها على ما هي عليه. ### | [تواتر أحاديث الرؤية] # وأما الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ~~الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن. # PageV01P215 # فمنها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن ناسا قالوا: يا رسول الله، هل ~~نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في ~~رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ~~ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال ms115 فإنكم ترونه كذلك» ، الحديث، أخرجاه في ~~((الصحيحين)) بطوله. # وحديث أبي سعيد الخدري أيضا في ((الصحيحين)) نظيره. وحديث جرير بن عبد ~~الله البجلي، قال: «كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ~~ليلة أربع عشرة، فقال: إنكم سترون ربكم عيانا، كما ترون هذا، لا تضامون في ~~رؤيته» ، الحديث أخرجاه في ((الصحيحين)) . # PageV01P216 # وحديث صهيب رضي الله عنه المتقدم، رواه مسلم وغيره. وحديث أبي موسى عن ~~«النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، ~~وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم تبارك ~~وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)) » ، أخرجاه في ~~((الصحيحين)) . ومن حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه: «وليلقين الله أحدكم ~~يوم يلقاه، وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فليقولن: ألم أبعث ~~إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ ~~فيقول، بلى يا رب» . أخرجه البخاري في ((صحيحه)) . # وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا. ومن أحاط بها # PageV01P217 # معرفة يقطع بأن الرسول قالها، ولولا أني التزمت الاختصار لسقت ما في ~~الباب من الأحاديث. # ومن أراد الوقوف عليها فليواظب سماع الأحاديث النبوية، فإن فيها مع إثبات ~~الرؤية أنه يكلم من شاء إذا شاء، وأنه يأتي لفصل القضاء يوم القيامة، وأنه ~~فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى ~~لعباده، وأنه يضحك، إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية بمنزلة ~~الصواعق. ### | [أصول الدين لا تعلم إلا من كتاب الله وسنة رسوله] # وكيف تعلم أصول دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله؟ وكيف يفسر كتاب ~~الله بغير ما فسره به رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحاب رسوله، الذين نزل ~~القرآن بلغتهم؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه ~~فليتبوأ # PageV01P218 # مقعده من النار. وفي رواية: ((من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده ~~من النار» . وسئل أبو بكر الصديق رضي ms116 الله عنه عن قوله تعالى: {وفاكهة ~~وأبا} [عبس: 31] (عبس: 31) . ما الأب؟ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، ~~إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس ~~والقمر تشبيها لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، ~~ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه. وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن ~~قال: يرى لا في جهة، فليراجع عقله! ! فإما أن يكون مكابرا لعقله وفي عقله ~~شيء، وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ~~ولا فوقه ولا تحته، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة. # PageV01P219 ### | [عجز الأبصار عن رؤيته سبحانه في الدنيا] # ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل ~~رؤية بغير جهة. # وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤية، فهذه الشمس إذا ~~حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها، لا لامتناع في ذات المرئي، بل ~~لعجز الرائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قوى الآدميين حتى أطاقوا ~~رؤيته. ولهذا لما تجلى الله للجبل، {خر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت ~~إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143] (الأعراف: 143) ، بأنه لا يراك حي ~~إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملك في ~~صورته، إلا من أيده الله كما أيد نبينا، قال تعالى: {وقالوا لولا أنزل عليه ~~ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} [الأنعام: 8] (الأنعام: 8) . قال غير واحد ~~من السلف: لا يطيقون أن يروا الملك في صورته، فلو أنزلنا عليهم ملكا ~~لجعلناه في صورة بشر، وحينئذ يشتبه عليهم: هل هو بشر أو ملك؟ ومن تمام نعمة ~~الله علينا أن بعث فينا رسولا منا. # وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ~~ولا خارجه. لكن قول من أثبت موجودا يرى لا في جهة، أقرب إلى العقل من قول ~~من أثبت موجودا قائما بنفسه لا يرى ولا في جهة. ms117 # ويقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها وهو الجهة: أتريد بالجهة أمرا ~~وجوديا أو أمرا عدميا؟ فإن أراد بها أمرا وجوديا كان التقدير: كل ما ليس في ~~شيء موجود لا يرى، وهذه المقدمة ممنوعة، ولا دليل على إثباتها، بل هي ~~باطلة، فإن سطح العالم يمكن أن يرى، وليس # PageV01P220 # العالم في عالم آخر. وإن أردت بالجهة أمرا عدميا، فالمقدمة الثانية ~~ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا الاعتبار. # وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة، وإنما يتلقاه ~~من قول فلان؟ ! وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب الله ~~من أحاديث الرسول، ولا ينظر فيها، ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان، المنقول إلينا عن الثقات النقلة، الذين تخيرهم النقاد، فإنهم لم ~~ينقلوا نظم القرآن وحده، بل نقلوا نظمه ومعناه، ولا كانوا يتعلمون القرآن ~~كما يتعلم الصبيان، بل يتعلمونه بمعانيه. ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم ~~برأيه، ومن يتكلم برأيه وما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب والسنة ~~فهو مأثوم وإن أصاب، ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ، لكن إن ~~أصاب يضاعف أجره. # وقوله: ((والرؤية حق لأهل الجنة)) تخصيص أهل الجنة بالذكر، يفهم منه نفي ~~الرؤية عن غيرهم. ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في ~~المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في ((الصحيحين)) عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ويدل عليه قوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} [الأحزاب: ~~44] (الأحزاب: 44) . واختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا يراه إلا المؤمنون. # الثاني: يراه أهل الموقف، مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه ~~بعد ذلك. # الثالث: يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار. وكذلك الخلاف في ~~تكليمه لأهل الموقف. # PageV01P221 ### | [الاتفاق على أنه لا يرى الله تعالى أحد في الدنيا بعينيه] # واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه، ولم يتنازعوا في ذلك ~~إلا في نبينا صلى الله ms118 عليه وسلم خاصة: منهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من ~~أثبتها له صلى الله عليه وسلم. وحكى القاضي عياض في كتابه " الشفا " اختلاف ~~الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في رؤيته صلى الله عليه وسلم، وإنكار ~~عائشة رضي الله عنها أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه، وأنها ~~قالت لمسروق حين سألها: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، ثم ~~قالت: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب. ثم قال: وقال # PageV01P222 # جماعة بقول عائشة رضي الله عنها، وهو المشهور عن ابن مسعود وأبي هريرة ~~واختلف عنه، وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين ~~والفقهاء والمتكلمين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه صلى الله عليه وسلم ~~رأى ربه بعينه، وروى عطاء عنه: أنه رآه بقلبه. ثم ذكر أقوالا وفوائد، ثم ~~قال: # وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه ~~قاطع ولا نص، والمعول فيه على آية النجم، والتنازع فيها مأثور، والاحتمال ~~لها ممكن، # PageV01P223 # وهذا القول الذي قاله القاضي عياض رحمه الله هو الحق، فإن الرؤية في ~~الدنيا ممكنة، إذ لو لم تكن ممكنة، لما سألها موسى عليه السلام، لكن لم يرد ~~نص بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه، بل ورد ما يدل على نفي ~~الرؤية، وهو ما رواه مسلم في ((صحيحه)) ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنى أراه» . وفي ~~رواية: «رأيت نورا» . وقد روى مسلم أيضا عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ~~أنه قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: ((إن ~~الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل ~~الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور» ، (وفي ~~رواية: النار) ، «لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» . ~~فيكون - والله ms119 أعلم - معنى قوله لأبي ذر «رأيت نورا» : أنه رأى الحجاب، ~~ومعنى قوله " «نور أنى أراه» : النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته، فأنى ~~أراه؟ أي فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته؟ فهذا صريح في ~~نفي الرؤية. والله أعلم. # وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك، # PageV01P224 # ونحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن ~~كانت رؤية الرب تعالى أعظم وأعلى، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة. # وقوله: ((بغير إحاطة ولا كيفية)) هذا لكمال عظمته وبهائه - سبحانه ~~وتعالى، لا تدركه الأبصار ولا تحيط به، كما يعلم ولا يحاط به علما. قال ~~تعالى: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] (الأنعام: 103) . وقال تعالى: ~~{ولا يحيطون به علما} [طه: 110] (طه: 110) . ### | [تأويل المعتزلة تحريف لكلام الله ورسوله] # وقوله: ((وتفسيره على ما أراد الله وعلمه)) إلى أن قال: ((لا ندخل في ذلك ~~متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا)) أي كما فعلت المعتزلة بنصوص الكتاب ~~والسنة في الرؤية، وذلك تحريف لكلام الله وكلام رسوله عن مواضعه. فالتأويل ~~الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة، والفاسد المخالف له. فكل تأويل لم ~~يدل عليه دليل من السياق، ولا معه قرينة تقتضيه، فإن هذا لا يقصده المبين ~~الهادي بكلامه، إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف ~~لظاهره، حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ، فإن الله أنزل كلامه بيانا ~~وهدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره، ولم يحف به قرائن تدل على المعنى الذي ~~يتبادر غيره إلى فهم كل أحد، لم يكن بيانا ولا هدى. فالتأويل إخبار بمراد ~~المتكلم لا إنشاء. # وفي هذا الموضع يغلط كثير من الناس، فإن المقصود فهم مراد # PageV01P225 # المتكلم بكلامه، فإذا قيل: معنى اللفظ كذا وكذا، كان إخبارا بالذي عناه ~~المتكلم، فإن لم يكن الخبر مطابقا كان كذبا على المتكلم. ### | [الطرق التي يعرف بها مراد المتكلم] # ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة: # منها: أن يصرح بإرادة ذلك المعنى. # ومنها: أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع، ms120 ولا يبين بقرينة تصحب ~~الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى، فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما ~~أراد حقيقته وما وضع له، كقوله: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164] ~~(النساء: 163) . «وإنكم ترون ربكم عيانا كما ترون الشمس في الظهيرة ليس ~~دونها سحاب» . فهذا مما يقطع به السامع له بمراد المتكلم، فإذا أخبر عن ~~مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكدة، كان صادقا ~~في إخباره. وأما إذا تأول الكلام بما لا يدل عليه ولا اقترن به ما يدل ~~عليه، فإخباره بأن هذا مراده كذب عليه، وهو تأويل بالرأي، وتوهم بالهوى. # وحقيقة الأمر: أن قول القائل: نحمله على كذا، أو: نتأوله بكذا، إنما هو ~~من باب دفع دلالة اللفظ عما وضع له، فإن منازعه لما احتج عليه به ولم يمكنه ~~دفع وروده، دفع معناه، وقال: أحمله على خلاف ظاهره. # فإن قيل: بل للحمل معنى آخر، لم تذكروه، وهو: أن اللفظ لما استحال أن ~~يراد به حقيقته وظاهره، ولا يمكن تعطيله، استدللنا بوروده # PageV01P226 # وعدم إرادة ظاهره على أن مجازه هو المراد، فحملناه عليه دلالة لا ابتداء. # قيل: فهذا المعنى هو الإخبار عن المتكلم أنه أراده، وهو إما صدق وإما ~~كذب، كما تقدم، ومن الممتنع أن يريد خلاف حقيقته وظاهره ولا يبين للسامع ~~المعنى الذي أراده، بل يقرن بكلامه ما يؤكد إرادة الحقيقة، ونحن لا نمنع أن ~~المتكلم قد يريد بكلامه خلاف ظاهره، إذا قصد التعمية على السامع حيث يسوغ ~~ذلك، ولكن المنكر أن يريد بكلامه خلاف حقيقته وظاهره إذا قصد البيان ~~والإيضاح وإفهام مراده! كيف والمتكلم يؤكد كلامه بما ينفي المجاز، ويكرره ~~غير مرة، ويضرب له الأمثال. ### | [لا تعارض بين منقول صحيح ومعقول صريح] # وقوله: فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه ~~وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه. أي: سلم لنصوص الكتاب والسنة، ولم ~~يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة، أو بقوله: العقل يشهد بضد ~~ما دل ms121 عليه النقل! والعقل أصل النقل! ! فإذا عارضه قدمنا العقل! ! وهذا لا ~~يكون قط. لكن إذا جاء ما يوهم مثل ذلك، فإن كان النقل صحيحا فذلك الذي يدعى ~~أنه معقول إنما هو مجهول، ولو حقق النظر لظهر ذلك. وإن كان النقل غير صحيح ~~فلا يصلح للمعارضة، فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبدا. ويعارض ~~كلام من يقول ذلك بنظيره، فيقال: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل، ~~لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما # PageV01P227 # رفع النقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب ~~قبول ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو أبطلنا النقل لكنا قد ~~أبطلنا دلالة العقل، ولو أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضا للنقل، ~~لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجبا ~~عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه. وهذا بين واضح، فإن العقل هو الذي دل على صدق ~~السمع وصحته، وأن خبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون الدلالة باطلة لبطلان ~~النقل لزم أن لا يكون العقل دليلا صحيحا، وإذا لم يكن دليلا صحيحا لم يجز ~~أن يتبع بحال، فضلا عن أن يقدم، فصار تقديم العقل على النقل قدحا في العقل. ### | [وجوب كمال التسليم للرسول] # فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم، والانقياد لأمره، وتلقي ~~خبره بالقبول والتصديق، دون أن يعارضه بخيال باطل يسميه معقولا، أو يحمله ~~شبهة أو شكا، أو يقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فيوحده بالتحكيم ~~والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل ~~والإنابة والتوكل. ### | [التوحيدان اللذان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما] # فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل، ~~وتوحيد متابعة الرسول، فلا يحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يقف ~~تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ~~ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم ms122 ~~وأعرض عن أمره # PageV01P228 # وخبره، وإلا حرفه عن مواضعه، وسمى تحريفه تأويلا وحملا، فقال: نؤوله ~~ونحمله. فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب - ما خلا الإشراك بالله - خير له من ~~أن يلقاه بهذه الحال. # بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فهل يسوغ أن يؤخر قبوله والعمل به حتى يعرضه على رأي فلان ~~وكلامه ومذهبه؟ ! بل كان الفرض المبادرة إلى امتثاله، من غير التفات إلى ~~سواه، ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان، بل تستشكل الآراء لقوله، ولا ~~يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة، وتلغى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن ~~حقيقته، لخيال يسميه أصحابه معقولا، نعم هو مجهول، وعن الصواب معزول! ولا ~~يوقف قبول قوله على موافقة فلان دون فلان، كائنا من كان. # قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، ~~عن أبيه، عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم، ~~«أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس ~~عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة، إذ ذكروا آية من ~~القرآن، فتماروا فيها، حتى # PageV01P229 # ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا، قد احمر وجهه، ~~يرميهم بالتراب، ويقول: مهلا يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم ~~على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، ~~بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى ~~عالمه» . # ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم، قال تعالى: {قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] ~~(الأعراف: 33) . وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] ~~(الإسراء: 36) . فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله، وأنزل به ms123 كتبه هو ~~الحق الذي يجب اتباعه، فيصدق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس ~~يعرض عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل، وإن لم يعلم هل خالفه أو ~~وافقه لكون ذلك الكلام مجملا لا يعرف مراد صاحبه، أو قد عرف مراده لكن لم ~~يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو بتكذيبه - فإنه يمسك عنه، ولا يتكلم إلا ~~بعلم، والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول. ### | [لا حرج في أخذ الأمور المادية عن غير الرسول] # وقد يكون علم عن غير الرسول، لكن في الأمور الدنيوية، مثل الطب والحساب ~~والفلاحة، وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية، فهذه العلم فيها ما أخذ ~~عن الرسول لا غير. # PageV01P230 ### | [العقل مع النقل كالمقلد مع المجتهد] # قوله: (ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام) . # ش: هذا من باب الاستعارة، إذ القدم الحسي لا تثبت إلا على ظهر شيء. أي لا ~~يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين، وينقاد إليها، ولا يعترض عليها ولا ~~يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه. روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري ~~رحمه الله أنه قال: من الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. ~~وهذا كلام جامع نافع. # وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو: أن العقل مع النقل كالعامي ~~المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير، فإن العامي يمكنه أن يصير ~~عالما، ولا يمكن للعالم أن يصير نبيا رسولا، فإذا عرف العامي المقلد عالما، ~~فدل عليه عاميا آخر. ثم اختلف المفتي والدال، فإن المستفتي يجب عليه قبول ~~قول المفتي، دون الدال، فلو قال الدال: الصواب معي دون المفتي، لأني أنا ~~الأصل في علمك بأنه مفت، فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به ~~عرفت أنه مفت، فلزم القدح في فرعه! فيقول له المستفتي: أنت لما شهدت له # PageV01P231 # بأنه مفت، ودللت عليه، شهدت له بوجوب تقليده دونك، فموافقتي لك في هذا ~~العلم المعين، لا تستلزم موافقتك في كل مسألة، وخطؤك فيما ms124 خالفت فيه المفتي ~~الذي هو أعلم منك، لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت، هذا مع علمه أن ذلك ~~المفتي قد يخطئ. # والعاقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله تعالى، لا يجوز عليه ~~الخطأ، فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره، وقد علمنا بالاضطرار من دين ~~الإسلام أن الرجل لو قال للرسول: هذا القرآن الذي تلقيه علينا، والحكمة ~~التي جئتنا بها، قد تضمن كل منهما أشياء كثيرة تناقض ما علمناه بعقولنا، ~~ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا، فلو قبلنا جميع ما تقوله مع أن عقولنا تناقض ~~ذلك لكان قدحا في ما علمنا به صدقك، فنحن نعتقد موجب الأقوال المناقضة لما ~~ظهر من كلامك، وكلامك نعرض عنه، لا نتلقى منه هديا ولا علما، لم يكن مثل ~~هذا الرجل مؤمنا بما جاء به الرسول، ولم يرض منه الرسول بهذا، بل يعلم أن ~~هذا لو ساغ لأمكن كل أحد أن لا يؤمن بشيء مما جاء به الرسول، إذ العقول ~~متفاوتة، والشبهات كثيرة، والشياطين لا تزال تلقي الوساوس في النفوس، فيمكن ~~كل أحد أن يقول مثل هذا في كل ما أخبر به الرسول وما أمر به! ! وقد قال ~~تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ} [النور: 54] (النور: 54) . وقال: {فهل ~~على الرسل إلا البلاغ المبين} [النحل: 35] (النحل: 35) . وقال تعالى: {وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} ~~[إبراهيم: 4] (إبراهيم: 4) . {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} [المائدة: ~~15] (المائدة: 15) . {حم - والكتاب المبين} [الدخان: 1 - 2] (الدخان: 1 - ~~2، والزخرف: 1 - 22) . {تلك آيات الكتاب المبين} [يوسف: 1] (يوسف: 2) . {ما ~~كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون} [يوسف: 111] (يوسف: 111) . # PageV01P232 # {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} [النحل: ~~89] (النحل: 89) . ونظائر ذلك كثيرة في القرآن. # فأمر الإيمان بالله واليوم الآخر: إما أن يكون الرسول تكلم فيه بما يدل ~~على الحق أم لا؟ الثاني باطل، وإن كان قد تكلم على الحق بألفاظ مجملة ~~محتملة، فما بلغ ms125 البلاغ المبين، وقد شهد له خير القرون بالبلاغ، وأشهد الله ~~عليهم في الموقف الأعظم، فمن يدعي أنه في أصول الدين لم يبلغ البلاغ ~~المبين، فقد افترى عليه صلى الله عليه وسلم. ### | [التكلم في أمور الدين بغير علم] ### | [النهي عن التكلم في أمور الدين بغير علم] # قوله: (فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه ~~عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان) . # ش: هذا تقرير للكلام الأول، وزيادة تحذير أن يتكلم في أصول الدين - بل ~~وفي غيرها - بغير علم. وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} [الإسراء: 36] (الإسراء: 36) . ~~وقال تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد - ~~كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} [الحج: 3 - 4] ~~(الحج: 3 - 4) . وقال تعالى: # PageV01P233 # {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير - ثاني عطفه ~~ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق} ~~[الحج: 8 - 9] (الحج: 8 - 9) . وقال تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} [القصص: 50] (القصص: 50) . ~~وقال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى} [النجم: 23] (النجم: 23) . إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا ~~المعنى. # وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: «قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا: {ما ضربوه لك ~~إلا جدلا} [الزخرف: 58] » . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وعن عائشة رضي ~~الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبغض الرجال إلى ~~الله الألد الخصم» . خرجاه في ((الصحيحين)) . ### | [نقض توحيد من لم يسلم] # ولا شك أن من لم يسلم للرسول نقص توحيده، فإنه يقول برأيه وهواه، أو يقلد ~~ذا رأي وهوى بغير هدى من الله، فينقص من ms126 توحيده بقدر خروجه عما جاء به ~~الرسول، فإنه قد اتخذه في ذلك إلها غير الله. # PageV01P234 # قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: 23] (الجاثية: 23) . ~~أي: عبد ما تهواه نفسه. وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق، كما قال ~~عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه: # رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها # وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها # وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها # . فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة، ويعارضونها ~~بها، ويقدمونها على حكم الله ورسوله. وأحبار السوء، وهم العلماء الخارجون ~~عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة، المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله، ~~وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، ~~وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك. والرهبان وهم جهال المتصوفة، المعترضون على ~~حقائق الإيمان والشرع، بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة ~~الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان ~~وحظوظ النفس. فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة! وقال # PageV01P235 # الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل! وقال أصحاب الذوق: إذا ~~تعارض الذوق والكشف، وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف. ### | [كلام الإمام الغزالي في علم الجدل والكلام] # ومن كلام أبي حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الذي سماه إحياء علوم ~~الدين وهو من أجل كتبه، أو أجلها: فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم ~~النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه؟ فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا في ~~أطراف. فمن قائل: إنه بدعة وحرام، وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى ~~الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام. ومن قائل: إنه فرض، إما على الكفاية، ~~وإما على الأعيان، وإنه أفضل الأعمال وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم ~~التوحيد ونضال عن دين الله. قال: وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن ~~حنبل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف وساق الألفاظ عن هؤلاء. قال: وقد ~~اتفق ms127 أهل الحديث من السلف على هذا. لا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، ~~قالوا: ما سكت عنه الصحابة - مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ ~~من # PageV01P236 # غيرهم - إلا لما يتولد منه من الشر. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«هلك المتنطعون» . أي المتعمقون في البحث والاستقصاء. واحتجوا أيضا بأن ذلك ~~لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم ~~طريقه ويثني على أربابه. ثم ذكر بقية استدلالهم، ثم ذكر استدلال الفريق ~~الآخر. إلى أن قال: فإن قلت: فما المختار عندك؟ فأجاب بالتفصيل، فقال: فيه ~~منفعة، وفيه مضرة، فهو في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب، كما يقتضيه ~~الحال. وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام. قال: فأما مضرته، ~~فإثارة الشبهات، وتحريف العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل ~~بالابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص. فهذا ضرره في ~~اعتقاد الحق، وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة، وتثبيتها في صدورهم، بحيث ~~تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب ~~الذي يثور من الجدل. # PageV01P237 # قال: وأما منفعته، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي ~~عليه وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط ~~والتضليل [فيه] أكثر من الكشف والتعريف. قال: وهذا إذا سمعته من محدث أو ~~حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ~~ثم قاله بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، ~~وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى ~~حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود. ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف ~~وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور. انتهى ما نقلته عن الغزالي رحمه ~~الله. ### | [ذم السلف لعلم الكلام لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق] # وكلام مثله في ذلك حجة بالغة، والسلف لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحا جديدا ~~على معان صحيحة، كالاصطلاح على ms128 ألفاظ لعلوم صحيحة، ولا كرهوا أيضا الدلالة ~~على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة ~~للحق. ومن ذلك: مخالفتها للكتاب والسنة وما فيه من علوم صحيحة، فقد وعروا ~~الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها، فهي لحم جمل ~~غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل. # PageV01P238 # وأحسن ما عندهم فهو في القرآن أصح تقريرا، وأحسن تفسيرا، فليس عندهم إلا ~~التكلف والتطويل والتعقيد. كما قيل: # لولا التنافس في الدنيا لما وضعت ... كتب التناظر لا المغني ولا العمد # يحللون بزعم منهم عقدا ... وبالذي وضعوه زادت العقد # فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك، والفاضل الذكي الذي ~~يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك. ### | [ما قاله الله ورسوله أصل لتحديد الألفاظ المجملة في كلام الناس] # ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام ~~رسوله، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين. بل # PageV01P239 # الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقله، ~~ويعرف برهانه ودليله إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا ~~وهذا، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال ~~لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول ~~قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد. وهذا مثل لفظ المركب والجسم والمتحيز ~~والجوهر والجهة والحيز والعرض، ونحو ذلك. فإن هذه الألفاظ لم تأت في الكتاب ~~والسنة بالمعنى الذي يريده أهل الاصطلاح، بل ولا في اللغة، بل هم يختصون ~~بالتعبير بها عن معان لم يعبر غيرهم عنها بها، فتفسر تلك المعاني بعبارات ~~أخر، وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية، وإذا وقع ~~الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل. # مثال ذلك، في التركيب. فقد صار له معان: # أحدها. التركيب من متباينين فأكثر. ويسمى: تركيب مزج، كتركيب الحيوان من ~~الطبائع الأربع والأعضاء ونحو ذلك، وهذا المعنى منفي عن الله سبحانه ~~وتعالى، ولا يلزم من وصف الله تعالى بالعلو ونحوه من صفات ms129 الكمال، أن يكون ~~مركبا بهذا المعنى المذكور. # والثاني: تركيب الجوار، كمصراعي الباب ونحو ذلك، ولا يلزم أيضا من ثبوت ~~صفاته تعالى إثبات هذا التركيب. # الثالث: التركيب من الأجزاء المتماثلة، وتسمى: الجواهر المفردة. # PageV01P240 # الرابع: التركيب من الهيولى والصورة، كالخاتم مثلا، هيولاه: الفضة، ~~وصورته معروفة. وأهل الكلام قالوا: إن الجسم يكون مركبا من الجواهر ~~المفردة، ولهم كلام في ذلك يطول، ولا فائدة فيه، وهو أنه: هل يمكن التركيب ~~من جزءين، أو من أربعة، أو من ستة، أو من ثمانية، أو ستة عشر؟ وليس هذا ~~التركيب لازما لثبوت صفاته تعالى وعلوه على خلقه. والحق أن الجسم غير مركب ~~من هذه الأشياء، وإنما قولهم مجرد دعوى، وهذا مبسوط في موضعه. # الخامس: التركيب من الذات والصفات، هم سموه تركيبا لينفوا به صفات الرب ~~تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة، ولا في استعمال الشارع، فلسنا ~~نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة. ولئن سموا إثبات الصفات تركيبا، فنقول ~~لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، ولا يترتب على التسمية بدون ~~المعنى حكم! فلو اصطلح على تسمية اللبن خمرا، لم يحرم بهذه التسمية. # السادس: التركيب من الماهية ووجودها، وهذا يفرضه الذهن أنهما غيران، وأما ~~في الخارج، هل يمكن ذات مجردة عن وجودها، ووجودها مجرد عنها؟ هذا محال. ~~فترى أهل الكلام يقولون: هل ذات الرب وجوده أم غير وجوده؟ ولهم في ذلك خبط ~~كثير. وأمثلهم طريقة رأي الوقف والشك في ذلك. وكم زال بالاستفسار والتفصيل ~~كثير من الأضاليل والأباطيل. # PageV01P241 ### | [سبب الانحراف هو الإعراض عن تدبر كلام الله ورسوله] # وسبب الإضلال الإعراض عن تدبر كلام الله وكلام رسوله، والاشتغال بكلام ~~اليونان والآراء المختلفة. وإنما سمي هؤلاء: أهل الكلام، لأنهم لم يفيدوا ~~علما لم يكن معروفا، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد، وهو ما يضربونه من ~~القياس لإيضاح ما علم بالحس، وإن كان هذا القياس وأمثاله ينتفع به في موضع ~~آخر، ومع من ينكر الحس. وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته - مع وجود النص، أو ~~عارض النص ms130 بالمعقول - فقد ضاهى إبليس، حيث لم يسلم لأمر ربه، بل قال: {أنا ~~خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] (الأعراف: 12) . وقال ~~تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا} ~~[النساء: 80] (النساء: 80) . وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل عمران: 31] (آل عمران: ~~31) . وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] (النساء: 65) ~~. أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا ~~تسليما. ### | [انتياب الحيرة لمن عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام] # قوله: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار ~~والإنكار، موسوسا تائها، شاكا زائغا، لا مؤمنا مصدقا، ولا جاحدا مكذبا) . # ش: يتذبذب: يضطرب ويتردد. وهذه الحالة التي وصفها الشيخ رحمه الله حال كل ~~من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام # PageV01P242 # المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول ~~النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة، فيئول أمره إلى الحيرة والضلال ~~والشك، كما قال ابن رشد الحفيد، وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ~~ومقالاتهم، في كتابه ((تهافت التهافت)) : ومن الذي قال في الإلهيات شيئا ~~يعتد به؟ . وكذلك الآمدي، أفضل أهل زمانه، واقف في المسائل الكبار حائر. ~~وكذلك الغزالي رحمه الله، انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل ~~الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، فمات # PageV01P243 # والبخاري على صدره. وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، قال في كتابه ~~الذي صنفه في أقسام اللذات: # نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه: قيل وقالوا # فكم ند رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا # وكم من جبال قد علت شرفاتها رجال ... ، فزالوا والجبال جبال # . لقد تأملت الطرق ms131 الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ~~ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: {الرحمن ~~على العرش استوى} [طه: 5] (طه: 5) . {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] ~~(فاطر: 10) . واقرأ في النفي: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] (الشورى: 11) ~~{ولا يحيطون به علما} [طه: 110] (طه: 110) . ثم قال: ((ومن جرب مثل تجربتي ~~عرف مثل معرفتي)) . # وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، أنه لم يجد ~~عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال: # PageV01P244 # لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم # . وكذلك قال أبو المعالي الجويني: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو ~~عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به. وقال عند موته: لقد خضت ~~البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن ~~فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على ~~عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور. وكذلك قال شمس الدين ~~الخسروشاهي، وكان من أجل تلامذة # PageV01P245 # فخر الدين الرازي، لبعض الفضلاء، وقد دخل عليه يوما، فقال: ما تعتقد؟ ~~قال: ما يعتقده المسلمون، فقال: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ أو كما ~~قال، فقال: نعم، فقال: أشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما ~~أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى أخضل ~~لحيته. ولابن أبي الحديد الفاضل المشهور بالعراق: # فيك يا أغلوطة الفكر ... حار أمري وانقضى عمري # سافرت فيك العقول ... فما ربحت إلا أذى السفر # فلحى الله الألى ... زعموا أنك المعروف بالنظر # كذبوا إن الذي ذكروا ... خارج عن قوة البشر # . وقال الخونجي عند موته: ما عرفت مما حصلته شيئا سوى أن الممكن يفتقر ~~إلى المرجح، ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئا. # PageV01P246 # وقال آخر: أضطجع على فراشي وأضع الملحفة على وجهي، وأقابل بين حجج هؤلاء ~~وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح ms132 عندي منها شيء. # ومن يصل إلى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق، كما ~~قال أبو يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ~~ومن طلب غريب الحديث كذب. وقال الشافعي رحمه الله: حكمي في أهل الكلام أن ~~يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء ~~من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وقال: لقد اطلعت من أهل الكلام على ~~شيء ما ظننت مسلما يقوله، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه - ما خلا ~~الشرك بالله - خير له من أن يبتلى بالكلام. انتهى. # وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز، فيقر بما أقروا به ~~ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك، التي كان يقطع # PageV01P247 # بها، ثم تبين له فسادها، أو لم يتبين له صحتها، فيكونون في نهاياتهم - ~~إذا سلموا من العذاب - بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء ~~والأعراب. # والدواء النافع لمثل هذا المرض، ما كان طبيب القلوب صلوات الله وسلامه ~~عليه يقوله - إذا قام من الليل يفتتح صلاته: «اللهم رب جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من ~~تشاء إلى صراط مستقيم» . خرجه مسلم. توسل صلى الله عليه وسلم إلى ربه ~~بربوبية جبريل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إذ ~~حياة القلب بالهداية. وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الثلاثة بالحياة: فجبريل ~~موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة ~~الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم ~~وعود الأرواح إلى أجسادها. فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح ~~العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير عظيم في حصول المطلوب. والله المستعان. # PageV01P248 ### | [رؤية الله تعالى] ### | [الرد على من أنكر أو تأول رؤية الله تعالى] # قوله: (ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم، ~~أو تأولها بفهم، ms133 إذ كان تأويل الرؤية - وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية - ~~ترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي ~~والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه) . # ش: يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على المعتزلة ومن يقول بقولهم في نفي ~~الرؤية، وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» ، الحديث: أدخل ((كاف)) ~~التشبيه على ((ما)) المصدرية أو الموصولة ب " ترون " التي تنحل مع صلتها ~~إلى المصدر الذي هو الرؤية، فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي. وهذا ~~بين واضح في أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها، ودفع الاحتمالات عنها. وماذا ~~بعد هذا البيان وهذا الإيضاح؟ ! فإذا سلط التأويل على مثل هذا النص، كيف ~~يستدل بنص من النصوص؟ ! وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه: إنكم تعلمون ~~ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر؟ ! ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله ~~تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1] (الفيل: 1) . ونحو ~~ذلك مما استعمل فيه ((رأى)) التي من أفعال القلوب! ! ولا شك أن رأى تارة ~~تكون بصرية، وتارة تكون قلبية، وتارة تكون من رؤيا الحلم، وغير ذلك، ولكن ~~ما يخلو الكلام من قرينة تخلص أحد معانيه من الباقي. وإلا لو أخلى المتكلم ~~كلامه من القرينة المخلصة لأحد المعاني لكان # PageV01P249 # مجملا ملغزا، لا مبينا موضحا. وأي بيان وقرينة فوق قوله: «ترون ربكم كما ~~ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب» ؟ فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية ~~البصر، أو برؤية القلب؟ وهل يخفى مثل هذا إلا على من أعمى الله قلبه؟ فإن ~~قالوا: ألجأنا إلى هذا التأويل، حكم العقل بأن رؤيته تعالى محال لا يتصور ~~إمكانها! فالجواب: أن هذه دعوى منكم، خالفكم فيها أكثر العقلاء، وليس في ~~العقل ما يحيلها، بل لو عرض على العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم ~~بأن هذا محال. # وقوله: ((لمن اعتبرها منهم بوهم)) ، أي توهم أن الله تعالى يرى على صفة ~~كذا، فيتوهم تشبيها، ثم ms134 بعد هذا التوهم - إن أثبت ما توهمه من الوصف - فهو ~~مشبه، وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهم - فهو جاحد معطل. بل الواجب ~~دفع ذلك الوهم وحده، ولا يعم بنفيه الحق والباطل، فينفيهما ردا على من أثبت ~~الباطل، بل الواجب رد الباطل وإثبات الحق. # وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله بقوله: ومن لم يتوق النفي ~~والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه فإن هؤلاء المعتزلة يزعمون أنهم ينزهون الله ~~بهذا النفي! وهل يكون التنزيه بنفي صفة الكمال؟ فإن نفي الرؤية ليس بصفة ~~كمال، إذ المعدوم لا يرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي ~~له إدراك إحاطة، كما في # PageV01P250 # العلم، فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي ~~الإحاطة به علما. فهو سبحانه لا يحاط به رؤية، كما لا يحاط به علما. ### | [اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل] # وقوله: ((أو تأولها بفهم)) أي ادعى أنه فهم لها تأويلا يخالف ظاهرها، وما ~~يفهمه كل عربي من معناها، فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل: ~~أنه صرف اللفظ عن ظاهره، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص، وقالوا: نحن ~~نتأول ما يخالف قولنا، فسموا التحريف تأويلا، تزيينا له وزخرفة ليقبل، وقد ~~ذم الله الذين زخرفوا الباطل، قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين ~~الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [الأنعام: 112] ~~(الأنعام: 112) . والعبرة للمعاني لا للألفاظ. فكم من باطل قد أقيم عليه ~~دليل مزخرف عورض به دليل الحق. وكلامه هنا نظير قوله فيما تقدم: ((لا ندخل ~~في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا)) . ثم أكد هذا المعنى ~~بقوله: ((إذا كان تأويل الرؤية - وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية: ترك ~~التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين)) . ومراده ترك التأويل الذي ~~يسمونه تأويلا، وهو تحريف. ولكن الشيخ رحمه الله تأدب وجادل بالتي هي أحسن، ~~كما أمر الله تعالى بقوله: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] (النحل: ~~125) . وليس مراده ترك كل ما يسمى تأويلا، ولا ترك شيء من الظواهر لبعض ms135 ~~الناس لدليل راجح من الكتاب والسنة. وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة ~~المبتدعة، المخالفة لمذهب السلف، التي يدل الكتاب والسنة على فسادها، وترك ~~القول على الله بلا علم. # PageV01P251 ### | [معنى التأويل في الكتاب والسنة] # فمن التأويلات الفاسدة، تأويل أدلة الرؤية، وأدلة العلو، وأنه لم يكلم ~~موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا! ثم قد صار لفظ التأويل مستعملا في ~~غير معناه الأصلي. # فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله: هو الحقيقة التي يئول إليها الكلام. ~~فتأويل الخبر: هو عين المخبر به، وتأويل الأمر نفس الفعل المأمور به. كما ~~قالت عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~ركوعه: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)) يتأول القرآن» . وقال ~~تعالى: # PageV01P252 # {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت ~~رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 53] (الأعراف: 53) . ومنه تأويل الرؤيا، وتأويل ~~العمل، كقوله: {هذا تأويل رؤياي من قبل} [يوسف: 100] (يوسف: 100) . وقوله: ~~{ويعلمك من تأويل الأحاديث} [يوسف: 6] (يوسف: 6) . وقوله: {ذلك خير وأحسن ~~تأويلا} [النساء: 59] (النساء: 59) . وقوله: {سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ~~عليه صبرا} [الكهف: 78] (الكهف: 78) ، إلى قوله: {ذلك تأويل ما لم تسطع ~~عليه صبرا} [الكهف: 82] (الكهف: 82) ، فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل، ~~والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه؟ وأما ما كان خبرا، كالإخبار عن الله ~~واليوم الآخر، فهذا قد لا يعلم تأويله، الذي هو حقيقته، إذ كانت لا تعلم ~~بمجرد الإخبار، فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبر به، أو ما يعرفه قبل ~~ذلك، لم يعرف حقيقته، التي هي تأويله، بمجرد الإخبار. وهذا هو التأويل الذي ~~لا يعلمه إلا الله. لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى ~~الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه، فما في القرآن آية إلا وقد أمر الله ~~بتدبرها، وما أنزل آية إلا وهو يحب أن يعلم ما عنى بها، وإن كان من تأويله ~~ما لا يعلمه إلا الله. فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف، ~~وسواء كان هذا التأويل موافقا ms136 للظاهر أو مخالفا له. ### | [التأويل عند المفسرين هو تفسير الكلام وبيان معناه] # والتأويل في كلام كثير من المفسرين، كابن جرير ونحوه، يريدون # PageV01P253 # به تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو خالف، وهذا اصطلاح ~~معروف. وهذا التأويل كالتفسير، يحمد حقه، ويرد باطله - وقوله تعالى: {وما ~~يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: 7] (آل عمران: 7) ، ~~الآية - فيها قراءتان. قراءة من يقف على قوله {إلا الله} [آل عمران: 7] ، ~~وقراءة من لا يقف عندها، وكلتا القراءتين حق. ويراد بالأولى المتشابه في ~~نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله. ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي ~~يعرف الراسخون تفسيره، وهو تأويله. ولا يريد من وقف على قوله {إلا الله} ~~[آل عمران: 7] أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى، فإن لازم هذا أن يكون ~~الله أنزل على رسوله كلاما لا يعلم معناه جميع الأمة ولا الرسول، ويكون ~~الراسخون في العلم لا حظ لهم في معرفة معناها سوى قولهم: {آمنا به كل من ~~عند ربنا} [آل عمران: 7] (آل عمران: 77) . وهذا القدر يقوله غير الراسخ في ~~العلم من المؤمنين، والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ~~ذلك. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من الراسخين في العلم الذين ~~يعلمون تأويله. ولقد صدق رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ~~له وقال: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» . رواه البخاري وغيره. ~~ودعاؤه # PageV01P254 # صلى الله عليه وسلم لا يرد. قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس، من ~~أوله إلى آخره، أقفه عند كل آية وأسأله عنها. وقد تواترت النقول عنه أنه ~~تكلم في جميع معاني القرآن، ولم يقل عن آية: إنها من المتشابه الذي لا يعلم ~~أحد تأويله إلا الله. # وقول الأصحاب رحمهم الله في الأصول: إن المتشابه الحروف المقطعة في أوائل ~~السور، ويروى هذا عن ابن عباس. مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر ~~الناس، فإن كان معناها معروفا، فقد عرف معنى المتشابه، وإن لم يكن معروفا، ~~وهي المتشابه، كان ما ms137 سواها معلوم المعنى، وهذا المطلوب. # وأيضا فإن الله قال: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل ~~عمران: 7] (آل عمران: 7) . وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادين. ### | [التأويل الصحيح هو الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة] # والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين: هو صرف # PageV01P255 # اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك. وهذا هو ~~التأويل الذي يتنازع الناس فيه في كثير من الأمور الخبرية والطلبية. ~~فالتأويل الصحيح منه: الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ~~ذلك فهو التأويل الفاسد، وهذا مبسوط في موضعه. وذكر في ((التبصرة)) أن نصير ~~بن يحيى البلخي روى عن عمر بن إسماعيل بن حماد بن أبي يحيى بن محمد بن ~~الحسن رحمهم الله: أنه سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله ~~تعالى ما يؤدي ظاهره إلى التشبيه؟ فقال: نمرها كما جاءت، ونؤمن بها، ولا ~~نقول: كيف وكيف. ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ~~ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه، وإذا كان قد قيل ~~في قول بعض الناس: # وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم وقيل: # علي نحت القوافي من أماكنها ... وما علي إذا لم تفهم البقر # ، فكيف يقال في قول الله، الذي هو أصدق الكلام وأحسن # PageV01P256 # الحديث، وهو الكتاب الذي {أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [هود: ~~1] (هود: 1) . إن حقيقة قولهم إن ظاهر القرآن والحديث هو الكفر والضلال، ~~وإنه ليس فيه بيان لما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه؟ ! ~~هذا حقيقة قول المتأولين. # والحق أن ما دل عليه القرآن فهو حق، وما كان باطلا لم يدل عليه. ~~والمنازعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه! # فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على ~~إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة حقيقة، فقد فتحتم عليكم بابا لأنواع ~~المشركين والمبتدعين، لا تقدرون على سده، فإنكم إذا سوغتم ms138 صرف القرآن عن ~~دلالته المفهومة بغير دليل شرعي، فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟ ~~فإن قلتم: ما دل القاطع العقلي على استحالته تأولناه، وإلا أقررناه! قيل ~~لكم: وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع ~~على بطلان ظواهر الشرع! ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر ~~الأجساد! ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى، وعلى ~~امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى! ! وباب التأويلات التي يدعي ~~أصحابها وجوبها بالمعقولات أعظم من أن تنحصر في هذا المقام. # ويلزم حينئذ محذوران عظيمان: # أحدهما: أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث # PageV01P257 # قبل ذلك بحوثا طويلة عريضة في إمكان ذلك بالعقل! وكل طائفة من المختلفين ~~في الكتاب يدعون أن العقل يدل على ما ذهبوا إليه، فيؤول الأمر إلى الحيرة. # المحذور الثاني: أن القلوب تنحل عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به ~~الرسول. إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل ~~الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد، وخاصة ~~النبي هي الإنباء، والقرآن هو النبأ العظيم. ولهذا نجد أهل التأويل إنما ~~يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتضاد لا للاعتماد، إن وافقت ما ادعوا أن ~~العقل دل عليه، وإن خالفته أولوه! وهذا فتح باب الزندقة، نسأل الله ~~العافية. ### | [النفي والتشبيه من أمراض القلوب] # قوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه) . # ش: النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب، فإن أمراض القلوب نوعان: مرض ~~شبهة، ومرض شهوة، وكلاهما مذكور في القرآن، قال تعالى: {فلا تخضعن بالقول ~~فيطمع الذي في قلبه مرض} [الأحزاب: 32] (الأحزاب: 32) . فهذا مرض الشهوة، ~~وقال تعالى: {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} [البقرة: 10] (البقرة: 10) . ~~وقال تعالى: {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: ~~125] (التوبة: 125) . فهذا مرض الشبهة، وهو أردأ من مرض الشهوة، إذ مرض ~~الشهوة يرجى له الشفاء بقضاء الشهوة، ومرض الشبهة لا شفاء له إن لم يتداركه ~~الله برحمته. # PageV01P258 # والشبهة التي ms139 في مسألة الصفات نفيها وتشبيهها، وشبهة النفي أردأ من شبهة ~~التشبيه، فإن شبهة النفي رد وتكذيب لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~وشبهة التشبيه غلو ومجاوزة للحد فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~وتشبيه الله بخلقه كفر فإن الله تعالى يقول: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] ~~(الشورى: 11) ، ونفي الصفات كفر، فإن الله تعالى يقول: {وهو السميع البصير} ~~[الشورى: 11] (الشورى: 11) . وهذا أحد نوعي التشبيه، فإن التشبيه نوعان: ~~تشبيه الخالق بالمخلوق، وهذا الذي يتعب أهل الكلام في رده وإبطاله، وأهله ~~في الناس أقل من النوع الثاني، الذين هم أهل تشبيه المخلوق بالخالق، كعباد ~~المسيح، وعزير، والشمس والقمر، والأصنام، والملائكة، والنار، والماء، ~~والعجل، والقبور، والجن، وغير ذلك. وهؤلاء هم الذين أرسلت لهم الرسل ~~يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. ### | [تنزيه الرب هو وصفه كما وصف نفسه نفيا وإثباتا] # قوله: (فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ~~ليس في معناه أحد من البرية) . # ش: يشير الشيخ رحمه الله إلى تنزيه الرب تعالى بالذي هو وصفه كما وصف ~~نفسه نفيا وإثباتا. وكلام الشيخ مأخوذ من معنى سورة الإخلاص. فقوله: موصوف ~~بصفات الوحدانية مأخوذ من قوله تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] . ~~وقوله: منعوت بنعوت الفردانية، من قوله تعالى: {الله الصمد لم يلد ولم ~~يولد} [الإخلاص: 2] . وقوله: ليس في معناه أحد من البرية من قوله تعالى: ~~{ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4] . وهو أيضا مؤكد لما تقدم من إثبات ~~الصفات ونفي التشبيه. والوصف والنعت مترادفان، # PageV01P259 # وقيل: متقاربان. فالوصف للذات، والنعت للفعل، وكذلك الوحدانية ~~والفردانية. وقيل في الفرق بينهما: إن الوحدانية للذات، والفردانية للصفات، ~~فهو تعالى متوحد في ذاته، متفرد بصفاته. وهذا المعنى حق ولم ينازع فيه أحد، ~~ولكن في اللفظ نوع تكرير. وللشيخ نظير هذا التكرير في مواضع من العقيدة، ~~وهو بالخطب والأدعية أشبه منه بالعقائد، والتسجيع بالخطب أليق. و {ليس ~~كمثله شيء} [الشورى: 11] (الشورى: 11) . أكمل في التنزيه من قوله: ليس في ~~معناه أحد من البرية. ### | [تعالى ربنا ms140 عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات] ### | [ما لم يرد نفيه ولا إثباته من الصفات لا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها] # قوله: (وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه ~~الجهات الست كسائر المبتدعات) . # ش: أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ رحمه الله مقدمة، وهي: أن الناس ~~في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، ~~وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا ~~بين ما أثبت بها فهو ثابت، وما نفي بها فهو منفي. لأن المتأخرين قد صارت ~~هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، ~~فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي. ولهذا كان النفاة ينفون بها حقا ~~وباطلا، ويذكرون عن مثبتيها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل فيها ~~معنى باطلا، مخالفا لقول السلف، ولما دل عليه الكتاب والميزان. ولم يرد نص ~~من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها، وليس لنا أن # PageV01P260 # نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفيا ولا إثباتا، ~~وإنما نحن متبعون لا مبتدعون. # فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله ~~أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه. والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم ~~بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني. ~~وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود ~~قائلها: فإن كان معنى صحيحا قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص، دون ~~الألفاظ المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد والحاجة مثل أن ~~يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، ونحو ذلك. # والشيخ رحمه الله أراد الرد بهذا الكلام على المشبهة، كداود الجواربي ~~وأمثاله القائلين: إن الله جسم، وإنه جثة وأعضاء وغير ذلك، تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا. # PageV01P261 # فالمعنى الذي أراده الشيخ رحمه الله من النفي الذي ذكره هنا حق، لكن حدث ~~بعده ms141 من أدخل في عموم نفيه حقا وباطلا، فيحتاج إلى بيان ذلك. وهو: أن السلف ~~متفقون على أن البشر لا يعلمون لله حدا، وأنهم لا يحدون شيئا من صفاته. ### | [اتفاق السلف أنهم لا يحدون ولا يشبهون] # قال أبو داود الطيالسي: كان سفيان وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة ~~وشريك وأبو عوانة - لا يحدون # PageV01P262 # ولا يشبهون ولا يمثلون، يروون الحديث ولا يقولون: كيف؟ وإذا سئلوا قالوا ~~بالأثر. وسيأتي في كلام الشيخ: وقد أعجز خلقه عن الإحاطة به. فعلم أن مراده ~~أن الله يتعالى عن أن يحيط أحد بحده، لأن المعنى أنه متميز عن خلقه منفصل ~~عنهم مباين لهم. سئل عبد الله بن المبارك: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على ~~العرش، بائن من خلقه، قيل: بحد؟ قال: بحد، انتهى. ### | [تحقيق معنى الحد] # ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره، ~~والله تعالى غير حال في خلقه، ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه، ~~المقيم لما سواه. فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس ~~الأمر أصلا، فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب ونفي حقيقته. وأما الحد ~~بمعنى العلم والقول، وهو أن يحده العباد، فهذا منتف بلا منازعة بين أهل ~~السنة. قال أبو القاسم القشيري في # PageV01P263 # رسالته: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، سمعت منصور بن عبد الله، سمعت ~~أبا الحسن العنبري، سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول، وقد سئل عن ذات ~~الله فقال: ذات الله موصوفة بالعلم، غير مدركة بالإحاطة، ولا مرئية ~~بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق الإيمان، من غير حد ولا إحاطة ~~ولا حلول، وتراه العيون في العقبى، ظاهرا في ملكه وقدرته، وقد حجب الخلق عن ~~معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه، والعيون لا تدركه، ينظر ~~إليه المؤمن بالأبصار، من غير إحاطة ولا إدراك نهاية. ### | [كلام أبي حنيفة في إثبات اليد والوجه والنفس له تعالى بلا كيف] # وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات - فيتسلط بها ms142 النفاة على نفي بعض ~~الصفات الثابتة بالأدلة القطعية، كاليد والوجه. قال أبو حنيفة رضي الله عنه ~~في ((الفقه الأكبر)) : له يد ووجه ونفس، كما ذكر تعالى في القرآن من ذكر ~~اليد والوجه والنفس، فهو له صفة بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته ونعمته، ~~لأن فيه إبطال الصفة، انتهى. وهذا الذي قاله الإمام رضي الله عنه، ثابت ~~بالأدلة القاطعة، قال تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75] (ص: ~~75) . {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: ~~67] (الزمر: 67) . وقال تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] (القصص: ~~88) . {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27] (الرحمن: 27) . # PageV01P264 # وقال تعالى: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} [المائدة: 116] ~~(المائدة: 116) . وقال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54] ~~(الأنعام: 54) . وقال تعالى: {واصطنعتك لنفسي} [طه: 41] (طه: 41) . وقال ~~تعالى: {ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: 28] (آل عمران: 28) . وقال صلى الله ~~عليه وسلم في حديث الشفاعة «لما يأتي الناس آدم فيقولون له: خلقك الله بيده ~~وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء» ، الحديث. ولا يصح تأويل من قال: إن ~~المراد باليد القدرة، فإن قوله: {لما خلقت بيدي} [ص: 75] (ص: 75) . لا يصح ~~أن يكون معناه بقدرتي مع تثنية اليد، ولو صح ذلك لقال إبليس: وأنا أيضا ~~خلقتني بقدرتك، فلا فضل له علي بذلك. فإبليس - مع كفره - كان أعرف بربه من ~~الجهمية. ولا دليل لهم في قوله تعالى: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت ~~أيدينا أنعاما فهم لها مالكون} [يس: 71] (يس: 71) . لأنه تعالى جمع الأيدي ~~لما أضافها إلى ضمير الجمع، ليتناسب الجمعان، فاللفظان للدلالة على الملك ~~والعظمة. ولم يقل: ((أيدي)) مضاف إلى ضمير المفرد، ولا ((يدينا)) بتثنية ~~اليد مضافة إلى ضمير الجمع. فلم يكن قوله: {مما عملت أيدينا} [يس: 71] نظير ~~قوله: {لما خلقت بيدي} [ص: 75] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز ~~وجل: «حجابه النور، ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من ~~خلقه» . # PageV01P265 # ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء، ms143 أو جوارح، أو أدوات، أو أركان، لأن ~~الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد الصمد، لا يتجزأ - سبحانه وتعالى، ~~والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية، تعالى الله عن ذلك، ومن هذا المعنى ~~قوله تعالى: {الذين جعلوا القرآن عضين} [الحجر: 91] (الحجر: 91) . والجوارح ~~فيها معنى الاكتساب والانتفاع. وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في ~~جلب المنفعة ودفع المضرة. وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى، ولهذا لم ~~يرد ذكرها في صفات الله تعالى. فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمة من ~~الاحتمالات الفاسدة، فكذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفيا ولا ~~إثباتا، لئلا يثبت معنى فاسد، أو ينفى معنى صحيح. وكل هذه الألفاظ المجملة ~~عرضة للمحق والمبطل. ### | [يراد بلفظ الجهة ما هو موجود وما هو معدوم] # وأما لفظ الجهة، فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن ~~المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير ~~الله تعالى كان مخلوقا، والله تعالى لا يحصره شيء، ولا يحيط به شيء من ~~المخلوقات، تعالى الله عن ذلك. وإن أريد بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق ~~العالم، فليس هناك إلا الله وحده. فإذا قيل: أنه في جهة بهذا الاعتبار، فهو ~~صحيح، ومعناه: أنه فوق العالم حيث انتهت المخلوقات فهو فوق الجميع، عال ~~عليه. # ونفاة لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي العلو، يذكرون من أدلتهم: أن ~~الجهات كلها مخلوقة، وأنه كان قبل الجهات، وأن من قال: # PageV01P266 # إنه في جهة يلزمه القول بقدم شيء من العالم، أو أنه كان مستغنيا عن الجهة ~~ثم صار فيها. وهذه الألفاظ ونحوها إنما تدل على أنه ليس في شيء من ~~المخلوقات، سواء سمي جهة أو لم يسم، وهذا حق. ولكن الجهة ليست أمرا وجوديا، ~~بل أمر اعتباري، ولا شك أن الجهات لا نهاية لها، وما لا يوجد فيما لا نهاية ~~له فليس بموجود. ### | [بيان المراد من قول الطحاوي لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات] # وقول الشيخ رحمه الله: ((لا تحويه الجهات الست ms144 كسائر المبتدعات)) هو حق، ~~باعتبار أنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، بل هو محيط بكل شيء وفوقه. وهذا ~~المعنى هو الذي أراده الشيخ رحمه الله، لما يأتي في كلامه: أنه تعالى محيط ~~بكل شيء وفوقه. فإذا جمع بين كلاميه، وهو قوله: ((لا تحويه الجهات الست ~~كسائر المبتدعات)) وقوله: ((محيط بكل شيء وفوقه)) علم أن مراده أن الله ~~تعالى لا يحويه شيء، ولا يحيط به شيء، كما يكون لغيره من المخلوقات، وأنه ~~تعالى هو المحيط بكل شيء، العالي عن كل شيء. # لكن بقي في كلامه شيئان: # أحدهما أن إطلاق مثل هذا اللفظ - مع ما فيه من الإجمال والاحتمال - كان ~~تركه أولى، وإلا تسلط عليه، وألزم بالتناقض في إثبات الإحاطة والفوقية ونفي ~~جهة العلو، وإن أجيب عنه بما تقدم، من أنه إنما نفى أن يحويه شيء من ~~مخلوقاته، فالاعتصام بالألفاظ الشرعية أولى. # الثاني: أن قوله: ((كسائر المبتدعات)) يفهم منه أنه ما من مبتدع إلا وهو ~~محوي وفي هذا نظر. فإنه إن أراد أنه محوي بأمر وجودي، # PageV01P267 # فممنوع، فإن العالم ليس في عالم آخر، وإلا لزم التسلسل، وإن أراد أمرا ~~عدميا، فليس كل مبتدع في العدم، بل منها ما هو داخل في غيره، كالسماوات ~~والأرض في الكرسي، ونحو ذلك، ومنها ما هو منتهى المخلوقات، كالعرش. فسطح ~~العالم ليس في غيره من المخلوقات، قطعا للتسلسل، كما تقدم. ويمكن أن يجاب ~~عن هذا الإشكال: بأن ((سائر)) بمعنى البقية، لا بمعنى الجميع، وهذا أصل ~~معناها، ومنه ((السؤر)) ، وهو ما يبقيه الشارب في الإناء. فيكون مراده غالب ~~المخلوقات، لا جميعها، إذ السائر على الغالب أدل منه على الجميع، فيكون ~~المعنى: أن الله تعالى غير محوي - كما يكون أكثر المخلوقات محويا، بل هو ~~غير محوي - بشيء، تعالى الله عن ذلك. ولا نظن بالشيخ رحمه الله أنه ممن ~~يقول أن الله تعالى ليس داخل العالم ولا خارجه بنفي النقيضين، كما ظنه بعض ~~الشارحين، بل مراده: أن الله تعالى منزه عن أن يحيط به شيء من مخلوقاته، ~~وأن يكون ms145 مفتقرا إلى شيء منها، العرش أو غيره. # وفي ثبوت هذا الكلام عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه نظر، فإن أضداده ~~قد شنعوا عليه بأشياء أهون منه، فلو سمعوا مثل هذا الكلام لشاع عنهم ~~تشنيعهم عليه به، وقد نقل أبو مطيع البلخي عنه إثبات العلو، كما سيأتي ذكره ~~إن شاء الله تعالى. وظاهر هذا الكلام يقتضي نفيه، ولم يرد بمثله كتاب ولا ~~سنة، فلذلك قلت: إن في ثبوته # PageV01P268 # عن الإمام نظرا، وإن الأولى التوقف في إطلاقه، فإن الكلام بمثله خطر، ~~بخلاف الكلام بما ورد عن الشارع، كالاستواء والنزول ونحو ذلك. ومن ظن من ~~الجهال أنه إذا نزل إلى سماء الدنيا كما أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم - ~~يكون العرش فوقه، ويكون محصورا بين طبقتين من العالم. فقوله مخالف لإجماع ~~السلف، مخالف للكتاب والسنة. وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد ~~الرحمن الصابوني: سمعت الأستاذ أبا منصور بن حمشاذ - بعد روايته حديث ~~النزول - يقول: سئل أبو حنيفة رضي الله عنه؟ فقال: ينزل بلا كيف. انتهى. # وإنما توقف من توقف في نفي ذلك، لضعف علمه بمعاني الكتاب والسنة وأقوال ~~السلف، ولذلك ينكر بعضهم أن يكون فوق # PageV01P269 # العرش، بل يقول: لا مباين، ولا محايث، لا داخل العالم ولا خارجه، فيصفونه ~~بصفة العدم والممتنع، ولا يصفونه بما وصف به نفسه من العلو والاستواء على ~~العرش، ويقول بعضهم بحلوله في كل موجود، أو يقول: هو وجود كل موجود ونحو ~~ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. # وسيأتي لإثبات صفة العلو لله تعالى زيادة بيان، عند الكلام على قول الشيخ ~~رحمه الله: ((محيط بكل شيء وفوقه)) إن شاء الله تعالى. ### | [الإسراء والمعراج له صلى الله عليه وسلم باليقظة] ### | [ثبوت الإسراء والمعراج له صلى الله عليه وسلم باليقظة] # قوله: (والمعراج حق، وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في ~~اليقظة، إلى السماء. ثم إلى حيث شاء الله من العلا وأكرمه الله بما شاء، ~~وأوحى إليه ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى. ms146 فصلى الله عليه وسلم في الآخرة ~~والأولى) . # ش: ((المعراج)) : مفعال، من العروج، أي الآلة التي يعرج فيها، أي يصعد، ~~وهو بمنزلة السلم، لكن لا نعلم كيف هو، وحكمه كحكم غيره من المغيبات، نؤمن ~~به ولا نشتغل بكيفيته. # وقوله: وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة - اختلف ~~الناس في الإسراء. # فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، نقله ابن إسحاق # PageV01P270 # عن عائشة ومعاوية رضي الله عنهما، ونقل عن الحسن البصري نحوه. لكن ينبغي ~~أن يعرف الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناما، وبين أن يقال: كان بروحه ~~دون جسده، وبينهما فرق عظيم. فعائشة ومعاوية رضي الله عنهما لم يقولا: كان ~~مناما، وإنما قالا: أسري بروحه ولم يفقد جسده، وفرق ما بين الأمرين إذ ما ~~يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه ~~قد عرج به إلى السماء، وذهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك ~~الرؤيا ضرب له المثال. فما أراد أن الإسراء مناما، وإنما أراد أن الروح ~~ذاتها أسري بها، ففارقت الجسد ثم عادت إليه، ويجعلان هذا من خصائصه، فإن ~~غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت. # وقيل: كان الإسراء مرتين، مرة يقظة، ومرة مناما. وأصحاب هذا القول كأنهم ~~أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله: ((ثم استيقظت)) وبين سائر الروايات. # PageV01P271 # وكذلك منهم من قال: بل كان مرتين، مرة قبل الوحي، ومرة بعده. ومنهم من ~~قال: بل ثلاث مرات، مرة قبل الوحي، ومرتين بعده. وكلما اشتبه عليهم لفظ ~~زادوا مرة، للتوفيق! وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة ~~النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة، بعد البعثة، قبل الهجرة بسنة، وقيل: ~~بسنة وشهرين، ذكره ابن عبد البر. # قال شمس الدين ابن القيم: يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارا! كيف ~~ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليهم الصلوات خمسين، ثم يتردد بين ~~ربه وبين موسى حتى تصير # PageV01P272 # خمسا، فيقول: ms147 أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم يعيدها في المرة الثانية ~~إلى خمسين، ثم يحطها إلى خمس؟ ! وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث ~~الإسراء، ومسلم أورد المسند منه، ثم قال: فقدم وأخر وزاد ونقص. ولم يسرد ~~الحديث. وأجاد رحمه الله. انتهى كلام الشيخ شمس الدين رحمه الله. ### | [نص حديث الإسراء والمعراج] # وكان من حديث الإسراء: «أنه صلى الله عليه وسلم أسري بجسده في اليقظة، ~~على الصحيح، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، راكبا على البراق، صحبة ~~جبريل عليه السلام، فنزل هناك، صلى بالأنبياء إماما، وربط البراق بحلقة باب ~~المسجد. وقد قيل: إنه نزل بيت لحم وصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك ألبتة. ثم عرج ~~به من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبريل، ففتح ~~لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلم عليه، فرحب به ورد عليه السلام، وأقر ~~بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الثانية. فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن ~~زكريا وعيسى ابن مريم، فلقيهما، فسلم عليهما، فردا عليه السلام، ورحبا به، ~~وأقرا بنبوته ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف، فسلم عليه فرد ~~عليه # PageV01P273 # السلام ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فرأى فيها ~~إدريس، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فرأى ~~فيها هارون بن عمران، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج به إلى السماء ~~السادسة، فلقي فيها موسى فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، فلما جاوزه بكى ~~موسى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته ~~أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فلقي فيها ~~إبراهيم، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم رفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع ~~له البيت المعمور، ثم عرج به إلى الجبار، جل جلاله وتقدست أسماؤه، فدنا منه ~~حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، ~~فرجع حتى ms148 مر على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال؟ بخمسين صلاة، فقال: إن أمتك لا ~~تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبرائيل كأنه # PageV01P274 # يستشيره في ذلك، فأشار أن نعم إن شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به إلى ~~الجبار تبارك وتعالى وهو في مكانه - هذا لفظ البخاري في ((صحيحه)) وفي بعض ~~الطرق - فوضع عنه عشرا، ثم نزل حتى مر بموسى، فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك ~~فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله تبارك وتعالى، حتى جعلها ~~خمسا، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: قد استحييت من ربي، ولكن ~~أرضى وأسلم، فلما نفذ، نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» . # وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل ~~بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه، وقوله: {ما كذب ~~الفؤاد ما رأى} [النجم: 11] (النجم: 11) ، {ولقد رآه نزلة أخرى} [النجم: ~~13] (النجم: 13) ، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبريل، ~~رآه مرتين # PageV01P275 # على صورته التي خلق عليها. ### | [بين المعنى المراد من قوله تعالى " ثم دنا فتدلى "] # وأما قوله تعالى في سورة النجم: {ثم دنا فتدلى} [النجم: 8] ، فهو غير ~~الدنو والتدلي المذكورين في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو ~~جبريل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما، فإنه قال: {علمه ~~شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى} [النجم: 5] ~~(النجم: 5 - 8) . فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى، وأما ~~الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى ~~وتدليه. وأما الذي في سورة النجم: أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، ~~فهذا هو جبريل، رآه مرتين، مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى. # ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة، قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1] (الإسراء: ~~11) . والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن ms149 الإنسان اسم لمجموع ~~الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح. فيكون الإسراء بهذا ~~المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلا، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد ~~نزول الملائكة، # PageV01P276 # وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر. # فإن قيل: فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس أولا؟ فالجواب - والله ~~أعلم -: أنه كان ذلك إظهارا لصدق دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم المعراج ~~حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس فنعته لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر ~~عليها في طريقه، ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك، إذ لا يمكن ~~اطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه، وقد اطلعوا على بيت المقدس، ~~فأخبرهم بنعته. # وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو لله تعالى من وجوه، لمن تدبره، ~~وبالله التوفيق. ### | [ذكر الحوض] ### | [ذكر الحوض وصفته] # قوله: (والحوض - الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لأمته - حق) . # ش: الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع ~~وثلاثون صحابيا، ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين بن كثير، تغمده ~~الله برحمته، في آخر تاريخه الكبير، المسمى ب " البداية والنهاية ". # PageV01P277 # فمنها: ما رواه البخاري رحمه الله تعالى، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء ~~من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء» . وعنه أيضا عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «ليردن علي ناس من أصحابي، حتى إذا عرفتهم اختلجوا ~~دوني، فأقول: أصيحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك» . رواه مسلم. # PageV01P278 # وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك، قال: أغفى «رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إغفاة، فرفع رأسه مبتسما، إما قال لهم، وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه أنزلت علي آنفا سورة، فقرأ: بسم الله ~~الرحمن الرحيم {إنا أعطيناك الكوثر} [الكوثر: 1] ، حتى ختمها، ثم قال لهم: ~~هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله ms150 أعلم، قال: هو نهر أعطانيه ربي عز ~~وجل في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد ~~الكواكب، يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب إنه من أمتي، فيقال لي: إنك لا ~~تدري ما أحدثوا بعدك» . ورواه مسلم، ولفظه: «هو نهر وعدنيه ربي، عليه خير ~~كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة» ، والباقي مثله. # ومعنى ذلك أنه يشخب فيه ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض، والحوض في ~~العرصات قبل الصراط، لأنه يختلج عنه، ويمنع منه أقوام قد ارتدوا على ~~أعقابهم، ومثل هؤلاء لا يجاوزون الصراط. وروى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد ~~الله البجلي رضي الله # PageV01P279 # عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا فرطكم على ~~الحوض» . والفرط: الذي يسبق إلى الماء. # وروى البخاري عن سهل بن سعد الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ ~~أبدا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم» . قال أبو ~~حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش [وأنا أحدثهم هذا] فقال: هكذا سمعت من ~~سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد: فأقول: ~~«إنهم من أمتي فقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فقال: سحقا سحقا لمن غير ~~بعدي» . سحقا: أي بعدا. ### | [صفة الحوض من الأحاديث الواردة فيه] # والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض: أنه حوض عظيم، ومورد ~~كريم، يمد من شراب الجنة، من نهر الكوثر، الذي هو أشد بياضا من اللبن، ~~وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب # PageV01P280 # ريحا من المسك، وهو في غاية الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من ~~زواياه مسيرة شهر. وفي بعض الأحاديث: أنه كلما شرب منه وهو في زيادة ~~واتساع، وأنه ينبت في حال من المسك والرضراض من اللؤلؤ قضبان الذهب، ويثمر ~~ألوان الجواهر، فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء. وقد ورد في أحاديث: إن ~~لكل نبي حوضا، وإن ms151 حوض نبينا صلى الله عليه وسلم أعظمها وأحلاها وأكثرها ~~واردا. جعلنا الله منهم بفضله وكرمه. # قال العلامة أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في # PageV01P281 # ((التذكرة)) : واختلف في الميزان والحوض: أيهما يكون قبل الآخر؟ فقيل: ~~الميزان، وقيل: الحوض. قال أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل. قال ~~القرطبي: والمعنى يقتضيه، فإن الناس يخرجون عطاشا من قبورهم، كما تقدم ~~فيقدم قبل الميزان والصراط. قال أبو حامد الغزالي رحمه الله، في كتاب ((كشف ~~علم الآخرة)) : حكى بعض السلف من أهل التصنيف، أن الحوض يورد بعد الصراط، ~~وهو غلط من قائله. قال القرطبي: هو كما قال، ثم قال القرطبي: ولا يخطر ~~ببالك أنه في هذه الأرض، بل في الأرض المبدلة، أرض بيضاء كالفضة، لم يسفك ~~فيها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد قط، تظهر لنزول الجبار جل جلاله لفصل ~~القضاء. انتهى. # فقاتل الله المنكرين لوجود الحوض، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده ~~يوم العطش الأكبر. ### | [الشفاعة] ### | [أنواع الشفاعة] # قوله: (والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار) . # ش: الشفاعة أنواع: منها ما هو متفق عليه بين الأمة، ومنها ما خالف فيه ~~المعتزلة ونحوهم من أهل البدع. # PageV01P282 # النوع الأول: الشفاعة الأولى، وهي العظمى، الخاصة بنبينا صلى الله عليه ~~وسلم من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين. ~~في ((الصحيحين)) وغيرهما عن جماعة من الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين، ~~أحاديث الشفاعة. # منها: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «أتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بلحم، فدفع إليه منها الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، ثم قال: ~~أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين ~~في صعيد [واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من ~~الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون] ، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ~~ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ ~~فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتون آدم، فيقولون: ms152 يا آدم، أنت أبو ~~البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع ~~لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي ~~قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن ~~الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون ~~نوحا، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدا ~~شكورا، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ ~~فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده ~~مثله، وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى ~~غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم، أنت # PageV01P283 # نبي الله وخليله من أهل الأرض، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد ~~بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده ~~مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى: ~~فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه على ~~الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول ~~لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده ~~مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، ~~اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه، قال: هكذا هو، وكلمت الناس في المهد، فاشفع لنا ~~إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ~~ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن # PageV01P284 # يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبا، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فيأتوني، فيقولون: يا محمد، ms153 أنت رسول الله، وخاتم ~~الأنبياء، غفر الله لك ذنبك، ما تقدم منه وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ~~ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم، فآتي تحت العرش، فأقع ~~ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ~~شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع ~~تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي، فيقول: ~~أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء ~~الناس فيما سواه من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، لما بين مصراعين من ~~مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى» . # أخرجاه في ((الصحيحين)) بمعناه، واللفظ للإمام أحمد. # والعجب كل العجب، من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه، لا يذكرون ~~أمر الشفاعة الأولى، في مأتى الرب سبحانه وتعالى لفصل القضاء، كما ورد هذا ~~في حديث الصور، فإنه المقصود في هذا المقام، ومقتضى سياق أول الحديث، فإن ~~الناس إنما يستشفعون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس ~~ويستريحوا من # PageV01P285 # مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه، فإذا وصلوا إلى الجزاء إنما ~~يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار. وكان مقصود السلف - في ~~الاقتصار على هذا المقدار من الحديث - هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من ~~المعتزلة، الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر ~~من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم، فيما ذهبوا إليه من البدعة ~~المخالفة للأحاديث. # وقد جاء التصريح بذلك في حديث الصور، ولولا خوف الإطالة لسقته بطوله، لكن ~~من مضمونه: أنهم يأتون آدم ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم ~~يأتون رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان ~~يقال له: الفحص، فيقول الله: ما شأنك؟ وهو أعلم، «قال رسول الله صلى الله ms154 ~~عليه وسلم، فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني، في خلقك، فاقض بينهم، ~~فيقول سبحانه وتعالى: شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينهم، قال: فأرجع فأقف مع ~~الناس، ثم ذكر انشقاق السماوات، وتنزل الملائكة في الغمام، ثم يجيء الرب ~~سبحانه وتعالى لفصل القضاء، والكروبيون والملائكة المقربون يسبحون بأنواع ~~التسبيح، قال: فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثم يقول: إني أنصت لكم منذ ~~خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع أقوالكم، وأرى أعمالكم، فأنصتوا إلي، فإنما هي ~~أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا ~~يلومن إلا نفسه، إلى # PageV01P286 # أن قال: فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة، قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا ~~فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم، إنه خلقه الله بيده، ونفخ فيه ~~روحه، وكلمه قبلا، فيأتون آدم، فيطلبون ذلك إليه، وذكر نوحا، ثم إبراهيم، ~~ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدا صلى الله عليه وسلم. . . إلى أن قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: فآتي الجنة، فآخذ بحلقة الباب، ثم أستفتح، فيفتح ~~لي، فأحيي ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي عز وجل خررت له ساجدا، ~~فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول الله لي: ~~ارفع يا محمد، واشفع تشفع، وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي، قال الله - وهو أعلم ~~-: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني الشفاعة، فشفعني في أهل الجنة يدخلون ~~الجنة، فيقول الله عز وجل: قد شفعتك، وأذنت لهم في دخول الجنة» . . . ~~الحديث. رواه الأئمة: ابن جرير في تفسيره، # PageV01P287 # والطبراني، وأبو يعلى الموصلي، والبيهقي وغيرهم. # النوع الثاني والثالث من الشفاعة: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام قد ~~تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر ~~بهم إلى النار أن لا يدخلونها. # النوع الرابع: شفاعته صلى الله عليه وسلم في رفع درجات من يدخل الجنة ~~فيها # PageV01P288 # فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم. وقد وافقت المعتزلة هذه الشفاعة خاصة، ~~وخالفوا فيما عداها ms155 من المقامات، مع تواتر الأحاديث فيها. # النوع الخامس: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب، ويحسن أن ~~يستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن، حين دعا له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والحديث ~~مخرج في ((الصحيحين)) . # النوع السادس: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي ~~طالب أن يخفف عنه عذابه. ثم قال القرطبي في التذكرة بعد ذكر هذا النوع: فإن ~~قيل: فقد قال تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر: 48] (المدثر: ~~48) . قيل له: لا تنفعه في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحدين، الذين ~~يخرجون منها ويدخلون الجنة. # PageV01P289 # النوع السابع: شفاعته أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة، كما تقدم. ~~وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أنا أول شفيع في الجنة» . ### | [ثبوت شفاعة الرسول لأهل الكبائر من أمته] # النوع الثامن: شفاعته في أهل الكبائر من أمته، ممن دخل النار، فيخرجون ~~منها، وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث. وقد خفي علم ذلك على الخوارج ~~والمعتزلة، فخالفوا في ذلك، جهلا منهم بصحة الأحاديث، وعنادا ممن علم ذلك ~~واستمر على بدعته. وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون ~~أيضا. وهذه الشفاعة تتكرر منه صلى الله عليه وسلم أربع مرات. ومن أحاديث ~~هذا النوع، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» . رواه الإمام أحمد رحمه الله. # وروى البخاري رحمه الله في كتاب التوحيد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا ~~حماد بن زيد، حدثنا معبد بن هلال العنزي، قال: # PageV01P290 # اجتمعنا ناس من أهل البصرة، فذهبنا إلى أنس بن مالك، وذهبنا معنا بثابت ~~البناني إليه، يسأله لنا عن حديث الشفاعة، فإذا هو في قصره، فوافقناه يصلي ~~الضحى، فاستأذنا، فأذن لنا وهو قاعد على فراشه، فقلنا لثابت: لا تسأله عن ~~شيء أول من حديث الشفاعة، فقال: يا أبا حمزة، هؤلاء إخوانك من ms156 أهل البصرة، ~~جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة، فقال: «حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~قال: إذا كان يوم القيامة، ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم، فيقولون: ~~اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست لها ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه خليل الرحمن، ~~فيأتون إبراهيم، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله، فيأتون ~~موسى، فيقول: لست لها، لكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيأتون ~~عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيأتوني، ~~فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها، لا ~~تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجدا، فيقال: يا محمد، ارفع ~~رأسك، وقل # PageV01P291 # يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق ~~فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود ~~فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل ~~يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج ~~منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود ~~بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، ~~وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقول: انطلق فأخرج من كان ~~في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجه من النار، فأنطلق ~~فأفعل» . قال: فلما خرجنا من عند أنس، قلت لبعض أصحابنا لو مررنا بالحسن، ~~وهو متوار في منزل أبي خليفة، فحدثناه بما حدثنا به أنس بن مالك، فأتيناه، ~~فسلمنا عليه، فأذن لنا، فقلنا له: يا أبا سعيد، جئناك من عند أخيك أنس بن ~~مالك، فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة، فقال: هيه؟ فحدثاه بالحديث، فانتهى ~~إلى هذا الموضع، فقال: هيه؟ فقلنا لم يزد لنا على هذا، فقال: لقد حدثني وهو ~~جميع منذ عشرين سنة، فما أدري، أنسي أم كره أن تتكلوا؟ فقلنا: يا أبا سعيد، ~~فحدثنا، ms157 فضحك وقال: خلق الإنسان عجولا! ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم، # PageV01P292 # حديثي كما حدثكم به، قال: «ثم أعود الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر ~~له ساجدا، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، ~~فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي، ~~وكبريائي وعظمتي، لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله» . وهكذا رواه مسلم. # وروى الحافظ أبو يعلى عن عثمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم ~~الشهداء» . وفي الصحيح من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا، قال: «فيقول ~~الله تعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم ~~الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط» ، ~~الحديث. # ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: # فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ # PageV01P293 # وغيرهم: يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا. ~~والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل ~~الكبائر. وأما أهل السنة والجماعة، فيقرون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم ~~في أهل الكبائر، وشفاعة غيره، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له ~~حدا، كما في الحديث الصحيح، حديث الشفاعة: «إنهم يأتون آدم، ثم نوحا، ثم ~~إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فيقول لهم عيسى عليه السلام: اذهبوا إلى محمد، ~~فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأذهب، فإذا رأيت ~~ربي خررت له ساجدا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي، لا أحسنها الآن، فيقول: ~~أي محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأقول: ربي أمتي، فيحد لي حدا، ~~فأدخلهم الجنة، ثم أنطلق فأسجد، فيحد لي حدا ذكرها ثلاث مرات» . ### | [حكم الاستشفاع بالرسول وغيره في الدنيا] # وأما الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره في الدنيا إلى الله ~~تعالى في الدعاء، ففيه تفصيل: فإن الداعي تارة يقول: بحق ms158 نبيك أو بحق فلان، ~~يقسم على الله بأحد من مخلوقاته، فهذا محذور من وجهين: أحدهما: أنه أقسم ~~بغير الله. والثاني: اعتقاده أن لأحد على الله حقا. ولا يجوز الحلف بغير ~~الله، وليس لأحد على الله حق إلا ما أحقه على نفسه، كقوله تعالى: {وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين} [الروم: 47] . وكذلك ما ثبت في ((الصحيحين)) من قوله ~~صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه، وهو رديفه: «يا معاذ، أتدري ما حق ~~الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: # PageV01P294 # حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله ~~إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم» . ~~فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه مستحق على الله ~~شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل ~~خير، وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن ~~يقسم به، ولا أن يسأل بسببه ويتوسل به، لأن السبب هو ما نصبه الله سببا. ~~وكذلك الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، في قول الماشي إلى الصلاة: «أسألك بحق ممشاي هذا، وبحق السائلين ~~عليك» ، فهذا حق السائلين، هو أوجبه # PageV01P295 # على نفسه، فهو الذي أحق للسائلين أن يجيبهم، وللعابدين أن يثيبهم، ولقد ~~أحسن القائل: # ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع # إن عذبوا فبعدله، أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع # . فإن قيل: فأي فرق بين قول الداعي: ((بحق السائلين عليك)) وبين قوله: ~~((بحق نبيك)) أو نحو ذلك؟ فالجواب: أن معنى قوله: بحق السائلين عليك أنك ~~وعدت السائلين بالإجابة، وأنا من جملة السائلين، فأجب دعائي، بخلاف قوله: ~~بحق فلان - فإن فلانا وإن كان له حق على الله بوعده الصادق - فلا مناسبة ~~بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل. فكأنه يقول: لكون فلان من عبادك ~~الصالحين أجب دعائي! وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة؟ وإنما ms159 هذا من الاعتداء ~~في الدعاء! وقد قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} ~~[الأعراف: 55] (الأعراف: 55) . وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة، ولم ينقل ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن أحد ~~من الأئمة # PageV01P296 # رضي الله عنهم، وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتب بها ~~الجهال والطرقية. والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على السنة ~~والاتباع، لا على الهوى والابتداع. ### | [عدم جواز الحلف بغير الله] # وإن كان مراده الإقسام على الله، فذلك محذور أيضا، لأن الإقسام بالمخلوق ~~على المخلوق لا يجوز، فكيف على الخالق؟ ! وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من ~~حلف بغير الله فقد أشرك» . ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه رضي الله عنهم: ~~يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت ~~الحرام، والمشعر الحرام، ونحو ذلك حتى كره أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما ~~أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ولم يكرهه أبو يوسف ~~رحمه الله لما بلغه الأثر فيه. # PageV01P297 # وتارة يقول: بجاه فلان عندك، يقول: نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك. ~~ومراده أن فلانا عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا. وهذا أيضا محذور، ~~فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، ~~يطلبون منه أن يدعو لهم، وهم يؤمنون على دعائه، كما في الاستسقاء وغيره. ~~فلما مات صلى الله عليه وسلم قال عمر رضي الله عنه - لما خرجوا يستسقون -: ~~اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك # PageV01P298 # بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. معناه بدعائه هو ربه وشفاعته ~~وسؤاله، ليس المراد أنا نقسم عليك به، أو نسألك بجاهه عندك، إذ لو كان ذلك ~~مرادا لكان جاه النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وأعظم من جاه العباس. # وتارة يقول: باتباعي لرسولك ومحبتي له وإيماني به وسائر أنبيائك ورسلك ~~وتصديقي لهم، ونحو ذلك. فهذا ms160 من أحسن ما يكون في الدعاء والتوسل ~~والاستشفاع. # فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال، غلط بسببه من لم يفهم معناه: ~~فإن أريد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا، وهذا في حياته يكون، أو لكون ~~الداعي محبا له، مطيعا لأمره، مقتديا به، وذلك أهل للمحبة والطاعة ~~والاقتداء، فيكون التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته، وإما بمحبة السائل ~~واتباعه، أو يراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ~~ونهوا عنه. # وكذلك السؤال بالشيء، قد يراد به التسبب به، لكونه سببا في حصول المطلوب، ~~وقد يراد به الإقسام به. # ومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، وهو حديث # PageV01P299 # مشهور في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم، فتوسلوا إلى الله ~~بذكر أعمالهم الصالحة الخالصة، وكل واحد منهم يقول: فإن كنت فعلت ذلك ~~ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون. فهؤلاء: ~~دعوا الله بصالح الأعمال، لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد ~~إلى الله، ويتوجه به إليه، ويسأله به، لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. ### | [الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر] # فالحاصل أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر، فإن الشفيع عند ~~البشر كما أنه شافع للطالب شفعه في الطلب، بمعنى أنه صار شفعا فيه بعد أن ~~كان وترا، فهو أيضا قد شفع المشفوع إليه، وبشفاعته صار فاعلا للمطلوب، فقد ~~شفع الطالب والمطلوب منه، والله تعالى وتر، لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده ~~أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه، فلا شريك له بوجه. فسيد الشفعاء يوم ~~القيامة إذا سجد # PageV01P300 # وحمد الله تعالى فقال له الله: ارفع رأسك، وقل يسمع، واسأل تعطه، واشفع ~~تشفع، فيحد له حدا فيدخلهم الجنة، فالأمر كله لله. كما قال تعالى: {قل إن ~~الأمر كله لله} [آل عمران: 154] (آل عمران: 154) . وقال تعالى: {ليس لك من ~~الأمر شيء} [آل عمران: 128] (آل عمران: 128) . وقال تعالى: {ألا له الخلق ~~والأمر} [الأعراف: 54] (الأعراف: 54) ، فإذا كان لا يشفع عنده أحد ms161 إلا ~~بإذنه لمن يشاء، ولكن يكرم الشفيع بقبول شفاعته، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء» . وفي الصحيح أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا بني عبد مناف، لا أملك لكم من الله ~~شيئا، يا صفية يا عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أملك لك من الله ~~شيئا، يا عباس عم رسول الله، لا أملك لك من الله شيئا» . وفي الصحيح أيضا ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على # PageV01P301 # رقبته بعير له رغاء، أو شاة لها يعار، أو رقاع تخفق، فيقول: أغثني أغثني، ~~فأقول: قد أبلغتك، لا أملك لك من الله من شيء» . # فإذا كان سيد الخلق وأفضل الشفعاء يقول لأخص الناس به: لا أملك لكم من ~~الله من شيء فما الظن بغيره؟ وإذا دعاه الداعي، وشفع عنده الشفيع، فسمع ~~الدعاء، وقبل الشفاعة، لم يكن هذا هو المؤثر فيه كما يؤثر المخلوق في ~~المخلوق، فإنه سبحانه وتعالى هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع، وهو الخالق ~~لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها، وهو الذي وفقه للعمل ~~ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه. وهذا مستقيم على أصول أهل السنة ~~المؤمنين بالقدر، وأن الله خالق كل شيء. ### | [الميثاق الذي أخذه الله من آدم وذريته] ### | [الميثاق الذي أخذه الله من آدم وذريته حق] # قوله: (والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق) . # ش: قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين} [الأعراف: 172] (الأعراف: 172) # PageV01P302 # أخبر سبحانه أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن ~~الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو. وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من ~~صلب آدم عليه السلام، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وإلى أصحاب الشمال، وفي ~~بعضها الإشهاد عليهم بأن الله ربهم: # فمنها: ما ms162 رواه الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان ~~- يعني: عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم ~~قبلا، قال: {ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} [الأعراف: 172] . إلى قوله: ~~المبطلون» . # PageV01P303 # ورواه النسائي أيضا، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم في المستدرك، ~~وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. # وروى الإمام أحمد أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه سئل عن هذه ~~الآية، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها، فقال: «إن الله ~~خلق آدم عليه السلام، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت ~~هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية قال: ~~خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل: يا رسول الله، ففيم ~~العمل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الله عز وجل] إذا خلق العبد ~~للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخل ~~به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل ~~من أعمال أهل النار فيدخل به النار» . ورواه أبو داود، والترمذي، # PageV01P304 # والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن حبان في صحيحه. # PageV01P305 # وروى الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما ~~خلق الله آدم مسح على ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى ~~يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور، ثم عرضهم على آدم، ~~فقال: أي رب، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا منهم، فأعجبه وبيص ما ~~بين عينيه، فقال: أي رب، من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال ~~له: داود، قال: رب، كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: أي رب، زده من عمري ~~أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم، جاء ملك الموت، قال: أولم يبق ms163 من عمري ~~أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد فجحدت ذريته، ونسي آدم، ~~فنسيت ذريته، وخطئ آدم، فخطئت ذريته» . ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ~~ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. # وروى الإمام أحمد أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما ~~على الأرض من شيء، أكنت مفتديا به؟ قال: فيقول: نعم، قال: فيقول: قد أردت ~~منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر # PageV01P306 # آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي شيئا» . وأخرجاه في ~~الصحيحين أيضا. # وفي ذلك أحاديث أخر أيضا كلها دالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه، ~~وميز بين أهل النار وأهل الجنة. # ومن هنا قال من قال: إن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد. وهذه الآثار لا تدل ~~على سبق الأرواح الأجساد سبقا مستقرا ثابتا، وغايتها أن تدل على أن بارئها ~~وفاطرها سبحانه صور النسمة وقدر خلقها وأجلها وعملها، واستخرج تلك الصور من ~~مادتها، ثم أعادها إليها، وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، ~~ولا يدل على أنها خلقت خلقا مستقرا واستمرت موجودة ناطقة كلها في موضع واحد ~~ثم يرسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة، كما قاله ابن حزم. فهذا لا تدل ~~الآثار عليه، نعم، الرب سبحانه يخلق منها جملة بعد جملة، كما قاله على ~~الوجه الذي سبق به التقدير أولا، فيجيء الخلق الخارجي مطابقا للتقدير ~~السابق، كشأنه سبحانه في جميع مخلوقاته، فإنه قدر لها أقدارا وآجالا، وصفات ~~وهيئات، ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير السابق. # فالآثار المروية في ذلك إنما تدل على القدر السابق، وبعضها يدل # PageV01P307 # على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة. ### | [بيان المراد من الإشهاد على بني آدم] # وأما الإشهاد عليهم هناك، فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وعمر ~~رضي الله عنهم. ms164 ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد ~~إنما هو فطرتهم على التوحيد، كما تقدم كلام المفسرين على هذه الآية الكريمة ~~في حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ومعنى قوله شهدنا: أي قالوا: بلى شهدنا ~~أنك ربنا. وهذا قول ابن عباس وأبي بن كعب. وقال ابن عباس أيضا: أشهد بعضهم ~~على بعض. وقيل: شهدنا من قول الملائكة، والوقف على قوله بلى. وهذا قول ~~مجاهد والضحاك وقال السدي أيضا: هو خبر من الله تعالى عن نفسه # PageV01P308 # وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. والأول أظهر، وما عداه احتمال لا ~~دليل عليه، وإنما يشهد ظاهر الآية للأول. # واعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول بأن الله استخرج ذرية آدم من ~~ظهره وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم، كالثعلبي والبغوي وغيرهما. ومنهم من لم ~~يذكره، بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم ~~وبصائرهم التي ركبها الله فيهم، كالزمخشري وغيره، ومنهم من ذكر القولين، ~~كالواحدي والرازي والقرطبي وغيرهم، لكن نسب الرازي القول الأول إلى أهل ~~السنة، والثاني إلى المعتزلة. # ولا ريب أن الآية لا تدل على القول الأول، أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم، ~~وإنما فيها أن الأخذ من ظهور بني آدم، وإنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد ~~عليهم هناك في بعض الأحاديث، وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة ~~وبعضهم إلى النار، كما في # PageV01P309 # حديث عمر رضي الله عنه، وفي بعضها الأخذ وإراءة آدم إياهم من غير قضاء ~~ولا إشهاد، كما في حديث أبي هريرة. والذي فيه الإشهاد - على الصفة التي ~~قالها أهل القول الأول - موقوف على ابن عباس وعمر، وتكلم فيه أهل الحديث، ~~ولم يخرجه أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك على الصحيحين والحاكم ~~معروف تساهله رحمه الله. # والذي فيه القضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار دليل على مسألة ~~القدر. وذلك شواهده كثيرة، ولا نزاع فيه بين أهل السنة، وإنما يخالف فيه ~~القدرية المبطلون المبتدعون. # وأما ms165 الأول: فالنزاع فيه بين أهل السنة من السلف والخلف، ولولا ما ~~التزمته من الاختصار لبسطت الأحاديث الواردة في ذلك، وما قيل من الكلام ~~عليها، وما ذكر فيها من المعاني المعقولة ودلالة ألفاظ الآية الكريمة. # قال القرطبي: وهذه الآية مشكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها، فنذكر ما ~~ذكروه من ذلك، حسب ما وقفنا عليه. فقال قوم: معنى الآية: أن الله أخرج من ~~ظهر بني آدم بعضهم من بعض، [قالوا] ومعنى {أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم} ~~[الأعراف: 172] ، دلهم على توحيده، لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربا ~~واحدا. {ألست بربكم} [الأعراف: 172] أي: # PageV01P310 # قال، فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم، كما قال تعالى في السماوات والأرض: ~~{قالتا أتينا طائعين} [فصلت: 11] (فصلت: 11) ، ذهب إلى هذا القفال وأطنب. ~~وقيل: إنه سبحانه وتعالى أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وإنه جعل فيها من ~~المعرفة ما علمت به ما خاطبها. ثم ذكر القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ~~ذلك، إلى آخر كلامه. # وأقوى ما يشهد لصحة القول الأول: حديث أنس المخرج في الصحيحين الذي فيه: ~~«قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي ~~شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي» . ولكن قد روي من طريق أخرى: «قد سألتك أقل من ~~ذلك وأيسر فلم تفعل، فيرد إلى النار» . وليس فيه: في ظهر آدم. وليس في ~~الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم على الصفة التي ذكرها أصحاب القول ~~الأول. # بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين: # أحدهما: كون الناس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان وأنه بهذا تقوم الحجة ~~عليهم يوم القيامة. # PageV01P311 # والثاني: أن الآية دلت على ذلك، والآية لا تدل عليه لوجوه: # أحدها: أنه قال: من بني آدم، ولم يقل: من آدم. # الثاني: أنه قال: من ظهورهم، ولم يقل: من ظهره، وهذا بدل بعض، أو بدل ~~اشتمال، وهو أحسن. # الثالث: أنه قال: ذرياتهم ولم يقل: ذريته. # الرابع: أنه قال: وأشهدهم على أنفسهم، ولا بد أن يكون الشاهد ذاكرا لما ~~شهد به، وهو إنما ms166 يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار - كما تأتي الإشارة ~~إلى ذلك - لا يذكر شهادة قبله. # الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة للحجة عليهم، لئلا ~~يقولوا يوم القيامة: {إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف: 172] ، والحجة إنما ~~قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها، كما قال تعالى: {رسلا مبشرين ~~ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165] (النساء: ~~165) . # السادس: تذكيرهم بذلك، لئلا يقولوا يوم القيامة: {إنا كنا عن هذا غافلين} ~~[الأعراف: 172] (الأعراف: 172) ، ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب ~~آدم كلهم وإشهادهم جميعا ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم. # PageV01P312 # السابع: قوله تعالى: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من ~~بعدهم} [الأعراف: 173] (الأعراف: 173) ، فذكر حكمتين في هذا الإشهاد؛ لئلا ~~يدعوا الغفلة، أو يدعوا التقليد، فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في ~~تقليده لغيره. ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا على ما قامت به الحجة من الرسل ~~والفطرة. # الثامن: قوله: {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} [الأعراف: 173] (الأعراف: ~~173) ، أي لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك، وهو سبحانه إنما يهلكهم ~~بمخالفة رسله وتكذيبهم، وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم ~~وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل. # التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليه ~~بهذا في غير موضع من كتابه، كقوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله} [لقمان: 25] (لقمان: 25) ، فهذه هي الحجة التي أشهدهم على ~~أنفسهم بمضمونها، وذكرتهم بها رسله، بقولهم: {أفي الله شك فاطر السماوات ~~والأرض} [إبراهيم: 10] (إبراهيم: 10) . # PageV01P313 # العاشر: أنه جعل هذا آية، وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها ~~[بحيث لا يتخلف عنها المدلول] وهذا شأن آيات الرب تعالى، [فإنها أدلة معينة ~~على مطلوب معين مستلزمة للعلم به] فقال تعالى: {وكذلك نفصل الآيات ولعلهم ~~يرجعون} [الأعراف: 174] (الأعراف: 174) ، وإنما ذلك بالفطرة التي فطر الناس ~~عليها لا تبديل لخلق الله، فما من مولود إلا يولد على الفطرة، لا يولد ~~مولود على غير هذه الفطرة، هذا أمر ms167 مفروغ منه، لا يتبدل ولا يتغير. وقد ~~تقدمت الإشارة إلى هذا. والله أعلم. # وقد تفطن لهذا ابن عطية وغيره، ولكن هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث التي ~~فيها التصريح بأن الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم. وكذلك حكى ~~القولين الشيخ أبو منصور الماتريدي في شرح التأويلات ورجح القول الثاني، ~~وتكلم عليه ومال إليه. ### | [الإقرار بالربوبية أمر فطري والشرك أمر طارئ] # ولا شك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري، والشرك حادث طارئ، والأبناء ~~تقلدوه عن الآباء، فإذا احتجوا يوم القيامة بأن الآباء أشركوا ونحن جرينا ~~على عادتهم كما يجري الناس على عادة آبائهم في المطاعم # PageV01P314 # والملابس والمساكن، يقال لهم: أنتم كنتم معترفين بالصانع، مقرين بأن الله ~~ربكم لا شريك له، وقد شهدتم بذلك على أنفسكم، فإن شهادة المرء على نفسه هي ~~إقراره بالشيء ليس إلا، قال الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135] (النساء: 135) . وليس ~~المراد أن يقول: أشهد على نفسي بكذا، بل من أقر بشيء فقد شهد على نفسه به، ~~فلم عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به على أنفسكم إلى الشرك؟ بل ~~عدلتم عن المعلوم المتيقن إلى ما لا يعلم له حقيقة، تقليدا لمن لا حجة معه، ~~بخلاف اتباعهم في العادات الدنيوية، فإن تلك لم يكن عندكم ما يعلم به ~~فسادها، وفيه مصلحة لكم، بخلاف الشرك، فإنه كان عندكم من المعرفة والشهادة ~~على أنفسكم ما يبين فساده وعدولكم فيه عن الصواب. # فإن الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو: دين التربية والعادة، وهو لأجل ~~مصلحة الدنيا، فإن الطفل لا بد له من كافل، وأحق الناس به أبواه، ولهذا ~~جاءت الشريعة بأن الطفل مع أبويه على دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة، وهذا ~~الدين لا يعاقبه الله عليه - على الصحيح - حتى يبلغ ويعقل وتقوم عليه ~~الحجة، وحينئذ فعليه أن يتبع دين العلم والعقل، وهو الذي يعلم بعقله هو أنه ~~دين صحيح، فإن كان آباؤه مهتدين، كيوسف الصديق مع آبائه، قال: {واتبعت ملة ~~آبائي إبراهيم ms168 وإسحاق ويعقوب} [يوسف: 38] (يوسف: 38) ، وقال ليعقوب بنوه: ~~{نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} [البقرة: 133] (البقرة: ~~133) ، وإن كان الآباء مخالفين الرسل، كان عليه أن يتبع الرسل، كما قال ~~تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما} [العنكبوت: 8] الآية (العنكبوت: 8) . # PageV01P315 # فمن اتبع دين آبائه بغير بصيرة وعلم، بل يعدل عن الحق المعلوم إليه، فهذا ~~اتبع هواه، كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} ~~[البقرة: 170] (البقرة: 170) . ### | [مسلمة الدار ومسلمة الاختيار] # وهذه حال كثير من الناس من الذين ولدوا على الإسلام، يتبع أحدهم أباه ~~فيما كان عليه من اعتقاد ومذهب، وإن كان خطأ ليس هو فيه على بصيرة، بل هو ~~من مسلمة الدار، لا مسلمة الاختيار، وهذا إذا قيل له في قبره: من ربك؟ قال؟ ~~هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. # فليتأمل اللبيب هذا المحل، ولينصح نفسه، وليقم معه، ولينظر من أي ~~الفريقين هو؟ والله الموفق، فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل، فإنه ~~مركوز في الفطر. وأقرب ما ينظر فيه المرء أمر نفسه لما كان نطفة، وقد خرج ~~من بين الصلب والترائب، والترائب: عظام الصدر، ثم صارت تلك النطفة في قرار ~~مكين، في ظلمات ثلاث، وانقطع عنها تدبير الأبوين وسائر الخلائق، ولو كانت ~~موضوعة على لوح أو طبق، واجتمع حكماء العالم على أن يصوروا منها شيئا لم ~~يقدروا. ومحال توهم عمل الطبائع فيها، لأنها موات عاجزة، ولا توصف بحياة، ~~ولن يتأتى من الموات فعل وتدبير، فإذا تفكر في ذلك وانتقال # PageV01P316 # هذه النطفة من حال إلى حال، علم بذلك توحيد الربوبية، فانتقل منه إلى ~~توحيد الإلهية. فإنه إذا علم بالعقل أن له ربا أوجده، كيف يليق به أن يعبد ~~غيره؟ وكلما تفكر وتدبر ازداد يقينا وتوحيدا، والله الموفق، لا رب غيره، ~~ولا إله سواه. ### | [علم الله أزلا بأهل الجنة وأهل النار] # قوله: (وقد علم ms169 الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل ~~النار، جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه. وكذلك أفعالهم ~~فيما علم منهم أن يفعلوه) . # ش: قال الله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} [الأنفال: 75] (الأنفال: 75) ~~. {وكان الله بكل شيء عليما} [الأحزاب: 40] (الأحزاب: 40) . فالله تعالى ~~موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلا وأبدا، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة. {وما ~~كان ربك نسيا} [مريم: 64] # [مريم 64] . وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: «كنا في جنازة في ~~بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقعد وقعدنا حوله، ومعه ~~مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب ~~الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة، قال: فقال رجل: ~~يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل ~~السعادة فسيصير إلى عمل [أهل] السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى ~~عمل أهل الشقاوة. ثم قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة ~~فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم ~~قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى - فسنيسره لليسرى - وأما من بخل ~~واستغنى - وكذب بالحسنى - فسنيسره للعسرى} [الليل: 5 - 10] » (الليل: 5 - ~~10) # PageV01P317 # خرجاه في الصحيحين. # قوله: (وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء ~~الله، والشقي من شقي بقضاء الله) . # ش: تقدم حديث علي رضي الله عنه وقوله صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ~~ميسر لما خلق له» ، وعن زهير عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنهما، قال: «جاء سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله، بين لنا ~~ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به ~~المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به ~~المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم ms170 أفهمه، ~~فسألت. ما قال؟ فقال: اعملوا فكل ميسر» . رواه مسلم. # وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، ~~وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل # PageV01P318 # الجنة» . خرجاه في الصحيحين وزاد البخاري: وإنما الأعمال بالخواتيم. # وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: حدثنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق -: «إن أحدكم يجمع خلقه في ~~بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ~~يرسل [إليه] الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله ~~وعمله وشقي أم سعيد، # PageV01P319 # فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» . والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ~~وكذلك الآثار عن السلف. قال أبو عمر بن عبد البر في ((التمهيد)) : قد أكثر ~~الناس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من الكلام فيه، وأهل ~~السنة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار واعتقادها وترك المجادلة فيها، ~~وبالله العصمة والتوفيق. ### | [مسألة القدر] ### | [أصل القدر سر الله في خلقه] # وقوله: ((وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ~~ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة ~~الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى ~~علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: {لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] (الأنبياء: 23) . فمن سأل: لم فعل؟ ~~فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب، كان من الكافرين)) . # ش: أصل القدر سر الله في خلقه، وهو ms171 كونه أوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وأمات ~~وأحيا، وأضل وهدى. قال علي رضي الله عنه: # PageV01P320 # القدر سر الله فلا تكشفه. ### | [رأي أهل السنة والجماعة في مسألة القدر] # والنزاع بين الناس في مسألة القدر مشهور. # والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله ~~تعالى خالق أفعال العباد. قال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 49] ~~(القمر: 49) . وقال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 2] ~~(الفرقان: 2) . وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا ~~يحبه، فيشاؤه كونا، ولا يرضاه دينا. # وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا: أن الله شاء الإيمان من الكافر، ~~ولكن الكافر شاء الكفر، فروا إلى هذا لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر ~~وعذبه عليه! ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار! . فإنهم هربوا من شيء ~~فوقعوا فيما هو شر منه! فإنه يلزمهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله ~~تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه - على قولهم - والكافر شاء الكفر، ~~فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى! ! وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو ~~قول لا دليل عليه، بل هو مخالف للدليل. # PageV01P321 # روى اللالكائي، من حديث بقية عن الأوزاعي، حدثنا العلاء بن الحجاج، عن ~~محمد بن عبيد المكي، عن ابن عباس قال: قيل لابن عباس: إن رجلا قدم علينا ~~يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه، وهو يومئذ أعمى، فقالوا له: ما تصنع به؟ ~~فقال: والذي نفسي بيده، لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت ~~رقبته بيدي لأدقنها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كأني ~~بنساء بني فهم يطفن بالخزرج، تصطك ألياتهن مشركات، وهذا أول شرك في ~~الإسلام، والذي نفسي بيده لا ينتهي بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن ~~يقدر الخير، كما أخرجوه من أن يقدر الشر» . قوله: وهذا أول شرك في الإسلام. ~~إلى آخره، من كلام ابن عباس. وهذا يوافق قوله: القدر نظام التوحيد، فمن وحد ~~الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده. # PageV01P322 # وروى عمر بن الهيثم قال: خرجنا في ms172 سفينة، وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فقال ~~القدري للمجوسي: أسلم، قال المجوسي: حتى يريد الله فقال القدري: إن الله ~~يريد، ولكن الشيطان لا يريد! قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ~~ما أراد الشيطان! هذا شيطان قوي! ! وفي رواية أنه قال: فأنا مع أقواهما! ! ~~. ووقف أعرابي على حلقة فيها عمرو بن عبيد، فقال: يا هؤلاء إن ناقتي سرقت ~~فادعوا الله أن يردها علي، فقال عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ~~ناقته فسرقت، فارددها عليه! فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك! قال: ولم؟ ~~قال: أخاف - كما أراد أن لا تسرق فسرقت - أن يريد ردها فلا ترد! ! . # وقال رجل لأبي عصام القسطلاني: أرأيت إن منعني الهدى وأوردني الضلال ثم ~~عذبني، أيكون منصفا؟ فقال له أبو عصام: إن # PageV01P323 # يكن الهدى شيئا هو له فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء. # وأما الأدلة من الكتاب والسنة: فقد قال تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [السجدة: 13] ~~(السجدة: 13) . وقال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99] (يونس: 99) . وقال تعالى: ~~{وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [التكوير: 29] (التكوير: 29) . ~~{وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما} [الإنسان: 30] ~~(الدهر: 30) . وقال تعالى: {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط ~~مستقيم} [الأنعام: 39] (الأنعام: 39) . وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء} [الأنعام: 125] (الأنعام: 125) . ### | [منشأ الضلال التسوية بين المشيئة والإرادة والمحبة والرضا] # ومنشأ الضلال من التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضا، فسوى ~~بينهما الجبرية والقدرية، ثم اختلفوا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه ~~وقدره، فيكون محبوبا مرضيا. وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ~~ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه. وقد دل ~~على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتاب والسنة ms173 والفطرة الصحيحة. أما نصوص ~~المشيئة والإرادة من الكتاب، فقد تقدم ذكر # PageV01P324 # بعضها. وأما نصوص المحبة والرضا، فقال تعالى: {والله لا يحب الفساد} ~~[البقرة: 205] (البقرة: 205) . {ولا يرضى لعباده الكفر} [الزمر: 7] (الزمر: ~~7) . وقال تعالى عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر: {كل ذلك ~~كان سيئه عند ربك مكروها} [الإسراء: 38] (الإسراء: 38) . وفي ((الصحيح)) عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة ~~السؤال، وإضاعة المال» . وفي ((المسند)) : «إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما ~~يكره أن تؤتى معصيته» . # PageV01P325 # وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ ~~بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك» . فتأمل ذكر استعاذته بصفة الرضا من صفة ~~السخط، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة. فالأول للصفة، والثاني: لأثرها ~~المرتب عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا ~~إلى غيره، فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ به من رضاك ~~ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك، إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه، وإن شئت أن ~~تغضب عليه وتعاقبه، فإعاذتي مما أكره ومنعه أن يحل بي، هي بمشيئتك أيضا، ~~فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك، فعياذي بك منك، وعياذي بحولك وقوتك ~~ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك، فلا أستعيذ بغيرك من غيرك ولا ~~أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك، بل هو منك. فلا يعلم ما في هذه ~~الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية، إلا الراسخون في العلم بالله ~~ومعرفته ومعرفة عبوديته. ### | [المراد نوعان مراد لنفسه ومراد لغيره] # فإن قيل: كيف يريد الله أمرا ولا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يشاؤه ويكونه؟ ~~وكيف يجتمع إرادته له وبغضه وكراهته؟ # قيل: هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله فرقا، وتباينت طرقهم ~~وأقوالهم. # PageV01P327 # فاعلم أن المراد نوعان: مراد لنفسه، ومراد لغيره. # فالمراد لنفسه، مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير، فهو مراد إرادة ~~الغايات والمقاصد. والمراد لغيره، قد لا يكون مقصودا لما يريد، ولا فيه ~~مصلحة له بالنظر إلى ms174 ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده، فهو مكروه له ~~من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث قضاؤه وإيصاله إلى مراده. فيجتمع فيه ~~الأمران: بغضه وإرادته. ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما. وهذا كالدواء ~~الكريه، إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه، وقطع العضو المتآكل، إذا علم أن ~~في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقة، إذا علم أنها توصل إلى مراده ~~ومحبوبه. بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب، وإن ~~خفيت عنه عاقبته، فكيف ممن لا يخفى عليه خافية. فهو سبحانه يكره الشيء، ولا ~~ينافي ذلك إرادته لأجل غيره، وكونه سببا إلى أمر هو أحب إليه من فوته. # من ذلك: أنه خلق إبليس، الذي هو مادة لفساد الأديان والأعمال والاعتقادات ~~والإرادات، وهو سبب لشقاوة كثير من العباد، وعملهم بما يغضب الرب سبحانه ~~تبارك وتعالى وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه. ومع هذا فهو ~~وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه، ووجودها أحب إليه من ~~عدمها. منها: أنه تظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات ~~المتقابلات، فخلق هذه الذات، التي هي أخبث الذوات وشرها، وهي # PageV01P328 # سبب كل شر، في مقابلة ذات جبريل، التي هي من أشرف الذوات وأطهرها ~~وأزكاها، وهي مادة كل خير، فتبارك خالق هذا وهذا. كما ظهرت قدرته في خلق ~~الليل والنهار، والداء والدواء، والحياة والموت، والحسن والقبيح، والخير ~~والشر. وذلك أدل دليل على كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه، فإنه خلق هذه ~~المتضادات، وقابل بعضها ببعض، وجعلها محال تصرفه وتدبيره. فخلو الوجود عن ~~بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته. ومنها: ظهور آثار ~~أسمائه القهرية، مثل: القهار، والمنتقم، والعدل، والضار، والشديد العقاب، ~~والسريع الحساب، وذي البطش الشديد، والخافض، والمذل. فإن هذه الأسماء ~~والأفعال كمال، لا بد من وجود متعلقها، ولو كان الجن والإنس على طبيعة ~~الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء. # ومنها: ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن ~~حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ms175 ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ~~ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد. وقد أشار النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى هذا بقوله: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ~~ويستغفرون فيغفر لهم» . # PageV01P329 # ومنها: ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم الخبير، الذي يضع ~~الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير ~~موضعه، ولا ينزله غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته. فهو ~~أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه، ~~وأعلم بمن لا يصلح لذلك. فلو قدر عدم الأسباب المكروهة، لتعطلت حكم كثيرة، ~~ولفاتت مصالح عديدة، ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر، لتعطل الخير ~~الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب، وهذا كالشمس والمطر والرياح، ~~التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر. # ومنها: حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت، فإن عبودية ~~الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه. ولو كان الناس كلهم مؤمنين ~~لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة لله سبحانه وتعالى والمعاداة ~~فيه، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر ومخالفة ~~الهوى وإيثار محاب الله تعالى، وعبودية التوبة والاستغفار، وعبودية ~~الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه ويعصمه من كيده وأذاه. إلى غير ذلك من ~~الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها. # فإن قيل: فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟ فهذا سؤال فاسد! ~~وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون الأب. والحركة بدون ~~المتحرك، والتوبة بدون التائب. # PageV01P330 # فإن قيل: فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم، فهل تكون ~~مرضية محبوبة من هذا الوجه، أم هي مسخوطة من جميع الوجوه؟ هذا السؤال يرد ~~على وجهين: أحدهما: من جهة الرب تعالى، وهل يكون محبا لها من جهة إفضائها ~~إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذاتها؟ والثاني: من جهة العبد، وهو أنه هل ~~يسوغ له الرضا بها من تلك الجهة ms176 أيضا؟ فهذا سؤال له شأن. # فاعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم، أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، ~~وهو من هذه الجهة شر، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه. مثاله: أن ~~النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة ~~الخير عنها، فإنها خلقت في الأصل متحركة، فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير ~~تحركت به، وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه. وحركتها من حيث هي حركة: خير، ~~وإنما تكون شرا بالإضافة، لا من حيث هي حركة، والشر كله ظلم، وهو وضع الشيء ~~في غير محله، فلو وضع في موضعه لم يكن شرا، فعلم أن جهة الشر فيه نسبية ~~إضافية. ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالها خيرا في نفسها، وإن كانت ~~شرا بالنسبة إلى المحل الذي حلت به، لما أحدثت فيه من الألم الذي كانت ~~الطبيعة قابلة لضده من اللذة مستعدة له، فصار ذلك الألم شرا بالنسبة إليها، ~~وهو خير بالنسبة إلى الفاعل حيث وضعه في موضعه، فإنه سبحانه لم يخلق شرا ~~محضا من جميع الوجوه والاعتبارات، فإن # PageV01P331 # حكمته تأبى ذلك. فلا يمكن في جناب الحق تعالى أن يريد شيئا يكون فسادا من ~~كل وجه، لا مصلحة في خلقه بوجه ما، هذا من أبين المحال، فإنه سبحانه الخير ~~كله بيديه، والشر ليس إليه، بل كل ما إليه فخير، والشر إنما حصل لعدم هذه ~~الإضافة والنسبة إليه، فلو كان إليه لم يكن شرا، فتأمله. فانقطاع نسبته ~~إليه هو الذي صيره شرا. # فإن قيل: لم تنقطع نسبته إليه خلقا ومشيئة؟ قيل: هو من هذه الجهة ليس ~~بشر، فإن وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشر، والشر الذي فيه ~~من عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء، حتى ينسب إلى من بيده ~~الخير. ### | [أسباب الخير ثلاثة الإيجاد والإعداد والإمداد] # فإن أردت مزيد إيضاح لذلك، فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد، ~~والإعداد، والإمداد. فإيجاد هذا خير، وهو إلى الله، وكذلك إعداده وإمداده، ~~فإن لم يحدث فيه ms177 إعداد ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى ~~الفاعل، وإنما إليه ضده. # فإن قيل: هلا أمده إذا أوجده؟ قيل: ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده، ~~وإنما اقتضت إيجاده وترك إمداده. فإيجاده خير، والشر وقع من عدم إمداده. # فإن قيل: فهلا أمد الموجودات كلها؟ فهذا سؤال فاسد، يظن مورده أن التسوية ~~بين الموجودات أبلغ في الحكمة! وهذا عين الجهل! # PageV01P332 # بل الحكمة في هذا التفاوت العظيم الذي بين الأشياء، وليس في خلق كل نوع ~~منها تفاوت، فكل نوع منها ليس في خلقه تفاوت، والتفاوت إنما وقع لأمور ~~عدمية لم يتعلق بها الخلق، وإلا فليس في الخلق من تفاوت. فإن اعتاص عليك ~~هذا، ولم تفهمه حق الفهم، فراجع قول القائل: # إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع، # فإن قيل: كيف يرضى لعبده شيئا ولا يعينه عليه؟ قيل: لأن إعانته عليه قد ~~تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له، وقد يكون ~~وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك ~~الطاعة. وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم} [التوبة: 46] (التوبة: 46 - 47) . الآيتين. ~~فأخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله، وهو طاعة، فلما كرهه ~~منهم ثبطهم عنه، ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي تترتب على خروجهم مع ~~رسوله، فقال: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} [التوبة: 47] ، أي فسادا ~~وشرا، {ولأوضعوا خلالكم} [التوبة: 47] ، أي سعوا بينكم بالفساد والشر، ~~{يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم} [التوبة: 47] (التوبة: 47) ، أي قابلون ~~منهم مستجيبون لهم، # PageV01P333 # فيتولد من سعي هؤلاء وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم، ~~فاقتضت الحكمة والرحمة أن أقعدهم عنه. فاجعل هذا المثال أصلا، وقس عليه. # وأما الوجه الثاني، وهو الذي من جهة العبد: فهو أيضا ممكن، بل واقع. فإن ~~العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها، من حيث هي فعل العبد، واقعة بكسبه ~~وإرادته واختياره، ويرضى بعلم الله وكتابه ms178 ومشيئته وإرادته وأمره الكوني، ~~فيرضى بما من الله ويسخط ما هو منه. فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان. ~~وطائفة أخرى كرهتها مطلقا، وقولهم يرجع إلى هذا القول، لأن إطلاقهم الكراهة ~~لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابته ومشيئته. وسر المسألة: أن الذي إلى ~~الرب منها غير مكروه، والذي إلى العبد مكروه. # فإن قيل: ليس إلى العبد شيء منها. قيل: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن ~~صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق، والقدري المنكر أقرب إلى التخلص منه من ~~الجبري. وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من ~~الفريقين. # فإن قيل: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير، ومع شهود ~~القيومية والمشيئة النافذة؟ قيل: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود ~~الأمر على خلاف ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال # PageV01P334 # طاعات، لموافقته فيها المشيئة والقدر، وقال: إن عصيت أمره فقد أطعت ~~إرادته! وفي ذلك قيل: # أصبحت منفعلا لما تختاره ... مني، ففعلي كله طاعات! # وهؤلاء أعمى الخلق بصائر، وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية، فإن ~~الطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي، لا موافقة القدر والمشيئة، ولو كان ~~موافقة القدر طاعة لكان إبليس من أعظم المطيعين له، ولكان قوم نوح وهود ~~وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون - كلهم مطيعين! وهذا غاية الجهل، لكن إذا شهد ~~العبد عجز نفسه، ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربه، وعدم استغنائه عن ~~عصمته وحفظه طرفة عين، كان بالله في هذه الحال لا بنفسه، فوقوع الذنب منه ~~لا يتأتى في هذه الحال ألبتة، فإن عليه حصنا حصينا من، فبي يسمع، وبي يبصر، ~~وبي يبطش، وبي يمشي، فلا يتصور منه الذنب في هذه الحال، فإذا حجب عن هذا ~~المشهد وبقي بنفسه، استولى عليه حكم النفس، فهنالك نصبت عليه الشباك ~~والأشراك، وأرسلت عليه الصيادون، فإذا انقشع عنه ضباب ذلك الوجود الطبعي، ~~فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة، فإنه كان في المعصية محجوبا بنفسه عن ~~ربه، فلما فارق ذلك الوجود صار في وجود آخر، فبقي بربه لا بنفسه. ms179 # PageV01P335 ### | [ما يرضى من المقضي وما يسخط] # فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء ~~الله، فكيف ننكره ونكرهه؟ ! فالجواب: أن يقال أولا: نحن غير مأمورين بالرضا ~~بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة، بل من المقضي ما ~~يرضى به، ومنه ما يسخط ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من ~~القضاء ما يسخط، كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذم. # ويقال ثانيا: هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى. ~~ومقضي: وهو المفعول المنفصل عنه. فالقضاء كله خير وعدل وحكمة، نرضى به كله. ~~والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به. # ويقال ثالثا: القضاء له وجهان: أحدهما: تعلقه بالرب تعالى ونسبته إليه، ~~فمن هذا الوجه يرضى به. والوجه الثاني: تعلقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا ~~الوجه ينقسم إلى ما يرضى به وإلى ما لا يرضى به. مثال ذلك: قتل النفس، له ~~اعتباران: فمن حيث قدره الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلا للمقتول ونهاية ~~لعمره - يرضى به، ومن حيث صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره ~~وعصى الله بفعله - نسخطه ولا نرضى به. ### | [المبالغة في الكلام في القدر ذريعة الخذلان] # وقوله: والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان. إلى آخره. التعمق: هو ~~المبالغة في طلب الشيء. والمعنى: أن المبالغة في طلب القدر والغوص في ~~الكلام فيه ذريعة الخذلان. الذريعة: الوسيلة. والذريعة والدرجة والسلم - ~~متقارب المعنى، وكذلك الخذلان والحرمان والطغيان متقارب المعنى أيضا. لكن ~~الخذلان في مقابلة النصر، والحرمان في مقابلة الظفر. والطغيان في مقابلة ~~الاستقامة. # PageV01P336 # وقوله: فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة. عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه، قال: «جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ ~~قال: وقد وجدتموه؟ [قالوا: نعم] ، قال: ذلك صريح الإيمان» . رواه مسلم، ~~الإشارة بقوله: ms180 ذلك صريح الإيمان إلى تعاظمهم أن يتكلموا به. ولمسلم أيضا ~~عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الوسوسة؟ فقال: تلك محض الإيمان» . وهو بمعنى حديث أبي هريرة، فإن ~~وسوسة النفس أو مدافعة وسواسها بمنزلة المحادثة الكائنة بين اثنين، فمدافعة ~~الوسوسة الشيطانية واستعظامها صريح الإيمان ومحض الإيمان. هذه طريقة ~~الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان. ثم # PageV01P337 # خلف من بعدهم خلف، سودوا الأوراق بتلك الوساوس، التي هي شكوك وشبه، بل ~~وسودوا القلوب، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ولذلك أطنب الشيخ رحمه ~~الله في ذم الخوض في الكلام في القدر والفحص عنه. وعن عائشة رضي الله عنها ~~أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبغض الرجال إلى الله الألد ~~الخصم» . وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا داود بن أبي هند عن عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ~~والناس يتكلمون في القدر، قال: فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، ~~قال: فقال لهم: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم» ~~. قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله لم أشهده، بما غبطت نفسي بذلك ~~المجلس، أني لم أشهده. ورواه ابن ماجه أيضا. وقال تعالى: {فاستمتعتم ~~بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: ~~69] (التوبة: 69) ، الخلاق: النصيب، # PageV01P338 # قال تعالى: {وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200] (البقرة: 200) ، ~~أي: استمتعتم بنصيبكم كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبهم وخضتم كالذي ~~خاضوا، أي: كالخوض الذي خاضوه، أو كالفوج أو الصنف أو الجيل الذي خاضوا. ### | [فساد الدين يأتي من الشبهات والشهوات] # وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض، لأن فساد الدين إما في ~~العمل وإما في الاعتقاد، فالأول من جهة الشهوات، والثاني من جهة الشبهات. ~~وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لتأخذن أمتي مآخذ القرون قبلها ms181 شبرا بشبر، وذراعا بذراع، قالوا: فارس ~~والروم؟ قال: فمن الناس إلا أولئك» . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني ~~إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي ~~من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقوا على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي ~~على # PageV01P339 # ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: من هي يا رسول ~~الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي» . رواه الترمذي. # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تفرقت اليهود على ~~إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي ~~على ثلاث وسبعين فرقة» . رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن ~~صحيح. # وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه ~~الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني: الأهواء - كلها في النار إلا ~~واحدة، وهي الجماعة» . # وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة: مسألة القدر. وقد اتسع ~~الكلام فيها غاية الاتساع. # PageV01P340 # وقوله: فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من ~~الكافرين. ### | [مبنى العبودية والإيمان على التسليم] # اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله - على التسليم وعدم ~~الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع. ولهذا لم يحك الله ~~سبحانه عن أمة نبي صدقت بنبيها وآمنت بما جاء به، أنها سألته عن تفاصيل ~~الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلغها عن ربها، ولو فعلت ذلك لما كانت ~~مؤمنة بنبيها، بل انقادت وسلمت وأذعنت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي ~~عنها لم تتوقف في انقيادها وتسليمها على معرفته، ولا جعلت ذلك من شأنها، ~~وكان رسولها أعظم عندها من أن تسأله عن ذلك، كما في الإنجيل: يا بني ~~إسرائيل لا تقولوا: ms182 لم أمر ربنا؟ ولكن قولوا: بم أمر ربنا، ولهذا كان سلف ~~هذه الأمة، التي هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما - لا تسأل نبيها: لم ~~أمر الله بكذا؟ ولم نهى عن كذا؟ ولم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ لعلمهم أن ذلك ~~مضاد للإيمان والاستسلام، وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم. ~~فأول مراتب تعظيم الأمر التصديق به، ثم العزم الجازم على امتثاله، ثم ~~المسارعة إليه والمبادرة به القواطع والموانع، ثم بذل الجهد والنصح في ~~الإتيان به على أكمل الوجوه، ثم فعله لكونه مأمورا، بحيث لا يتوقف الإتيان ~~به على معرفة حكمته - فإن ظهرت له فعله وإلا عطله، فإن هذا ينافي الانقياد، ~~ويقدح في الامتثال. # قال القرطبي ناقلا عن ابن عبد البر: فمن سأل مستفهما راغبا في # PageV01P341 # العلم ونفي الجهل عن نفسه، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه. ~~فلا بأس به، فشفاء العي السؤال. ومن سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم، فهو ~~الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره. قال ابن العربي: الذي ينبغي للعالم أن ~~يشتغل به هو بسط الأدلة، وإيضاح سبل النظرة، وتحصيل مقدمات الاجتهاد، ~~وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد. قال: فإذا عرضت نازلة، أتيت من بابها، ~~ونشدت من مظانها، والله يفتح وجه الصواب فيها. انتهى. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . رواه الترمذي وغيره. ### | [عدم تكفير من تأول حكم الكتاب لشبهة عرضت له] # ولا شك في تكفير من رد حكم الكتاب، ولكن من تأول حكم الكتاب لشبهة عرضت ~~له، بين له الصواب ليرجع إليه، فالله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل، ~~لكمال حكمته ورحمته وعدله، لا لمجرد قهره وقدرته، كما يقول جهم وأتباعه. ~~وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قول الشيخ: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ~~ما لم يستحله. # PageV01P342 ### | [حكم من أنكر شيئا مما جاء به الرسول] # قوله: (فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، ~~وهي درجة الراسخين في العلم، لأن ms183 العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في ~~الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا ~~يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود) . # ش: الإشارة بقوله: فهذا. إلى ما تقدم ذكره، مما يجب اعتقاده والعمل به، ~~مما جاءت به الشريعة. وقوله: وهي درجة الراسخين في العلم. أي علم ما جاء به ~~الرسول جملة وتفصيلا، نفيا وإثباتا. ويعني بالعلم المفقود: علم القدر الذي ~~طواه الله عن أنامه، ونهاهم عن مرامه. ويعني بالعلم الموجود: علم الشريعة، ~~أصولها وفروعها، فمن أنكر شيئا مما جاء به الرسول كان من الكافرين، ومن ~~ادعى علم الغيب كان من الكافرين. قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 26] (الجن: 26 - 27) ، الآية. وقال ~~تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان: ~~34] (لقمان: 34) . ولا يلزم من خفاء حكمة الله علينا عدمها، ولا من جهلنا ~~انتفاء حكمته. ألا ترى أن خفاء حكمة الله علينا في خلق الحيات والعقارب ~~والفأر والحشرات، التي لا يعلم منها إلا المضرة، لم ينف أن يكون الله تعالى ~~خالقا لها، ولا يلزم أن لا يكون فيها حكمة خفيت علينا، لأن عدم العلم لا ~~يكون علما بالمعدوم. # PageV01P343 ### | [اللوح المحفوظ والقلم] ### | [الإيمان باللوح المحفوظ والقلم] # قوله: (ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم) . ش: قال تعالى: {بل ~~هو قرآن مجيد - في لوح محفوظ} [البروج: 21 - 22] # [البروج 21 - 22] . وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني بسنده إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله خلق لوحا محفوظا، من درة بيضاء، صفحاتها ~~ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، لله فيه كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، ~~يخلق ويرزق ويميت ويحيي، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاؤه» . # اللوح المذكور هو الذي كتب الله مقادير الخلائق فيه، والقلم المذكور هو ~~الذي خلقه الله وكتب به في اللوح المذكور المقادير، ms184 كما في سنن أبي داود، ~~عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب، وما أكتب؟ ~~قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» # PageV02P344 ### | [اختلاف العلماء في القلم والعرش أيهما خلق أولا] # . واختلف العلماء: هل القلم أول المخلوقات، أو العرش؟ على قولين، ذكرهما ~~الحافظ أبو العلاء الهمذاني، أصحهما: أن العرش قبل القلم، لما ثبت في ~~الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض ~~بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء» . # فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش، والتقدير وقع عند أول خلق ~~القلم، بحديث عبادة هذا. ولا يخلو قوله: أول ما خلق الله القلم، إلخ - إما ~~أن يكون جملة أو جملتين. فإن كان جملة، وهو الصحيح، كان معناه: أنه عند أول ~~خلقه قال له: اكتب، [كما في اللفظ: أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب] ~~بنصب " أول " و " القلم "، وإن كان جملتين، وهو مروي برفع " أول " و " ~~القلم "، فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق ~~الحديثان، إذ حديث عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير، ~~والتقدير مقارن لخلق القلم. وفي اللفظ الآخر: لما خلق الله القلم قال له: ~~اكتب. # فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها. وقد قال غير واحد من أهل ~~التفسير: إنه القلم الذي أقسم الله به في قوله تعالى: # PageV02P345 # {ن - والقلم وما يسطرون} [القلم: 1] . [القلم: 1، 2] . # . والقلم الثاني: قلم الوحي: وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ~~ورسله، وأصحاب هذا القلم هم: الحكام على العالم. والأقلام كلها خدم ~~لأقلامهم. وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم لله ليلة أسري به إلى مستوى ~~يسمع فيه صريف الأقلام، فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك ~~وتعالى من الأمور التي يدبر بها أمر العالم ms185 العلوي والسفلي. ### | [جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة] # قوله: (فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن، ~~ليجعلوه غير كائن - لم يقدروا عليه. ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه ~~الله تعالى فيه، ليجعلوه كائنا - لم يقدروا عليه. جف القلم بما هو كائن إلى ~~يوم القيامة) . # ش: تقدم حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «جاء سراقة بن ~~مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله، بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم ~~العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما يستقبل؟ قال: ~~لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير» . # وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P346 # يوما، فقال: يا غلام ألا أعلمك كلمات؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده ~~تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو ~~اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو ~~اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت ~~الأقلام، وجفت الصحف» . رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. # وفي رواية غير الترمذي: «احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء ~~يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ~~ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» ~~. # PageV02P347 ### | [الأقلام أربعة] # وقد جاءت الأقلام في هذه الأحاديث وغيرها مجموعة، فدل ذلك على أن ~~للمقادير أقلاما غير القلم الأول، الذي تقدم ذكره مع اللوح المحفوظ. # والذي دلت عليه السنة أن الأقلام أربعة، وهذا التقسيم غير التقسيم المقدم ~~ذكره: # القلم الأول: العام الشامل لجميع المخلوقات، وهو الذي تقدم ذكره مع ~~اللوح. # القلم الثاني: حين خلق آدم، وهو قلم عام أيضا، لكن لبني آدم، ورد في هذا ~~آيات تدل على أن الله قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم، عقيب ~~خلق ms186 أبيهم. # القلم الثالث: حين يرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه، فينفخ فيه الروح، ~~ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. كما ورد ذلك في ~~الأحاديث الصحيحة. # القلم الرابع: الموضوع على العبد عند بلوغه، الذي بأيدي الكرام الكاتبين، ~~الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم، كما ورد ذلك في الكتاب والسنة. # PageV02P348 ### | [الواجب إفراد الله بالخشية والتقوى] # وإذا علم العبد أن كلا من عند الله، فالواجب إفراده سبحانه بالخشية ~~والتقوى. قال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} [المائدة: 44] . {وإياي ~~فارهبون} [البقرة: 40] . {وإياي فاتقون} [البقرة: 41] . {ومن يطع الله ~~ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} [النور: 52] . {هو أهل التقوى ~~وأهل المغفرة} [المدثر: 56] ، ونظائر هذا المعنى في القرآن كثيرة. ولا بد ~~لكل عبد أن يتقي أشياء، فإنه لا يعيش وحده، ولو كان ملكا مطاعا فلا بد أن ~~يتقي أشياء يراعي بها رعيته. فحينئذ فلا بد لكل إنسان أن يتقي، فإن لم يتق ~~الله اتقى المخلوق، والخلق لا يتفق حبهم كلهم وبغضهم، بل الذي يريده هذا ~~يبغضه هذا، فلا يمكن إرضاؤهم كلهم، كما قال الشافعي رضي الله عنه: رضا ~~الناس غاية لا تدرك، فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه، ودع ما سواه فلا ~~تعانه. فإرضاء الخلق لا مقدور ولا مأمور، وإرضاء الخالق مقدور ومأمور. # وأيضا فالمخلوق لا يغني عنه من الله شيئا، فإذا اتقى العبد ربه، # PageV02P349 # كفاه مئونة الناس. كما كتبت عائشة إلى معاوية - رضي الله عنهما -، روي ~~مرفوعا، وروي موقوفا عليها: «من أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى ~~عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، عاد حامده من الناس له ذاما» . فمن ~~أرضى الله كفاه مؤنة الناس ورضي عنه، ثم فيما بعد يرضون، إذ العاقبة ~~للتقوى، ويحبه الله فيحبه الناس. كما في ((الصحيحين)) عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «إذا أحب الله العبد نادى: يا جبريل، إني أحب فلانا ~~فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي # PageV02P350 # جبريل في السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع ~~له القبول ms187 في الأرض» ، وقال في البغض مثل ذلك. # فقد بين أنه لا بد لكل مخلوق من أن يتقي إما المخلوق، وإما الخالق. وتقوى ~~المخلوق ضررها راجح على نفعها من وجوه كثيرة، وتقوى الله هي التي يحصل بها ~~سعادة الدنيا والآخرة، فهو سبحانه أهل للتقوى، وهو أيضا أهل للمغفرة، فإنه ~~هو الذي يغفر الذنوب، لا يقدر مخلوق على أن يغفر الذنوب ويجير من عذابها ~~غيره، وهو الذي يجير ولا يجار عليه. قال بعض السلف: ما احتاج تقي قط، لقوله ~~تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2] ~~فقد ضمن الله للمتقين أن يجعل لهم مخرجا مما يضيق على الناس، وأن يرزقهم من ~~حيث لا يحتسبون، فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللا، فليستغفر الله ~~وليتب إليه، ثم قال تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 3] . ~~[الطلاق: 3] ، أي فهو كافيه، لا يحوجه إلى غيره. ### | [تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل] # وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور ~~إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا فاسد، فإن الاكتساب: منه فرض، ~~ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه # PageV02P351 # مكروه، ومنه حرام، كما قد عرف في موضعه. وقد كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم أفضل المتوكلين، يلبس لأمة الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب، حتى قال ~~الكافرون: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} [الفرقان: 7] . ~~ولهذا تجد كثيرا ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يرزقون على يد من يعطيهم، ~~إما صدقة، وإما هدية، وقد يكون ذلك من مكاس، أو والي شرطة، أو نحو ذلك، ~~وهذا مبسوط في موضعه، لا يسعه هذا المختصر. وقد تقدمت الإشارة إلى بعض ~~الأقوال التي في تفسير قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم ~~الكتاب} [الرعد: 39] . # وأما قوله تعالى: {كل يوم هو في شأن} [الرحمن: 29] قال البغوي. قال ~~مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا! قال ~~المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق، ms188 ويعز قوما ويذل آخرين، ويشفي ~~مريضا، ويفك عانيا، ويفرج مكروبا، ويجيب داعيا، ويعطي سائلا، ويغفر ذنبا، ~~إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء. # قوله: (وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه) . ش: هذا ~~بناء على ما تقدم من أن المقدور كائن لا محالة، ولقد أحسن القائل: # PageV02P352 # ما قضى الله كائن لا محاله ... والشقي الجهول من لام حاله # والقائل الآخر: # اقنع بما ترزق يا ذا الفتى ... فليس ينسى ربنا نمله # إن أقبل الدهر فقم قائما ... وإن تولى مدبرا نم له ### | [سبق علم الله بالكائنات] # قوله: (وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ~~ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقض، ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا ~~محول ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه) . # ش: هذا بناء على ما تقدم من أن الله تعالى قد سبق علمه بالكائنات، وأنه ~~قدر مقاديرها قبل خلقها، كما قال صلى الله عليه وسلم: «قدر الله مقادير ~~الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء» . ~~فيعلم أن الله قد علم أن الأشياء تصير موجودة لأوقاتها، على ما اقتضته ~~حكمته البالغة فكانت كما علم. فإن حصول المخلوقات على ما فيها من غرائب ~~الحكم لا يتصور إيجادها إلا من عالم قد سبق علمه على إيجادها. قال تعالى: ~~{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] . وأنكر غلاة المعتزلة أن ~~الله كان عالما في الأزل، وقالوا: إن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد حتى ~~يفعلوا! تعالى الله عما يقولون علوا # PageV02P353 # كبيرا. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ناظروا القدرية بالعلم، فإن ~~أقروا به خصموا، وإن أنكروا كفروا. فالله تعالى يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما ~~استطاعه فيثيبه، وهذا مستطيع لا يفعل ما استطاعه فيعذبه، فإنما يعذبه لأنه ~~لا يفعل مع القدرة، وقد علم الله ذلك منه، ومن لا يستطيع لا يأمره ولا ~~يعذبه على ما لم يستطعه. ms189 # وإذا قيل: فيلزم أن يكون العبد قادرا على تغيير علم الله، لأن الله علم ~~أنه لا يفعل، فإذا قدر على الفعل قدر على تغيير علم الله # قيل: هذه مغالطة، وذلك أن مجرد مقدرته على الفعل لا تستلزم تغيير العلم، ~~وإنما يظن من يظن تغيير العلم إذا وقع الفعل، ولو وقع الفعل لكان المعلوم ~~وقوعه لا عدم وقوعه، فيمتنع أن يحصل وقوع الفعل مع علم الله بعدم وقوعه، بل ~~إن وقع كان الله قد علم أنه يقع، وإن لم يقع كان الله قد علم أنه لا يقع. ~~ونحن لا نعلم علم الله إلا بما يظهر، وعلم الله مطابق للواقع، فيمتنع أن ~~يقع شيء يستلزم تغيير العلم، بل أي شيء وقع كان هو المعلوم، والعبد الذي لم ~~يفعل لم يأت بما يغير العلم، [بل هو قادر على فعل لم يقع، ولو وقع لكان ~~الله قد علم أنه يقع، لا أنه لا يقع. # وإذا قيل: فمع عدم وقوعه يعلم الله أنه لا يقع، فلو قدر العبد على وقوعه ~~قدر على تغيير العلم؟ قيل: ليس الأمر كذلك، بل العبد يقدر على وقوعه وهو لم ~~يوقعه، ولو أوقعه لم يكن المعلوم إلا وقوعه، فمقدور العبد إذا وقع لم يكن ~~المعلوم إلا وقوعه. وهؤلاء فرضوا وقوعه مع العلم بعدم وقوعه! وهو فرض محال. ~~وذلك بمنزلة من يقول: افرض وقوعه مع عدم وقوعه! وهو جمع بين النقيضين. # PageV02P354 # فإن قيل: فإذا كان وقوعه مع علم الرب بعدم وقوعه محالا لم يكن مقدورا؟ ~~قيل: لفظ المحال مجمل، وهذا ليس محالا لعدم استطاعته له ولا لعجزه عنه ولا ~~لامتناعه في نفسه، بل هو ممكن مقدور مستطاع، ولكن إذا وقع كان الله عالما ~~بأنه سيقع، وإذا لم يقع كان عالما بأنه لا يقع، فإذا فرض وقوعه مع انتفاء ~~لازم الوقوع صار محالا من جهة إثبات الملزوم بدون لازمه. وكل الأشياء بهذا ~~الاعتبار هي محال! # ومما يلزم هؤلاء: أن لا يبقى أحد قادرا على شيء، لا الرب، ولا الخلق، فإن ~~الرب إذا ms190 علم من نفسه أنه سيفعل كذا لا يلزم من علمه ذلك انتفاء قدرته على ~~تركه، وكذلك إذا علم من نفسه أنه لا يفعله لا يلزم منه انتفاء قدرته على ~~فعله، فكذلك ما قدره من أفعال عباده. والله تعالى أعلم. ### | [من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته] ### | [لا يتم التوحيد والاعتراف بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته تعالى] # قوله: (وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى ~~وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: ~~2] . وقال تعالى: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} [الأحزاب: 38] ) # ش: الإشارة إلى ما تقدم من الإيمان بالقدر وسبق علمه بالكائنات قبل ~~خلقها. قال صلى الله عليه وسلم في جواب السائل عن الإيمان: «أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» . وقال صلى ~~الله عليه وسلم في آخر الحديث: «يا عمر أتدري من السائل؟ قال: الله # PageV02P355 # ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم» . رواه مسلم. # وقوله: (والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته) أي لا يتم التوحيد والاعتراف ~~بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته تعالى، فإن من زعم خالقا غير الله فقد أشرك، ~~فكيف بمن يزعم أن كل أحد يخلق فعله؟ ! ولهذا كانت القدرية مجوس هذه الأمة، ~~وأحاديثهم في السنن. # روى أبو داود عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «القدرية ~~مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» . # PageV02P356 ### | [أحاديث في ذم القدرية] # وروى أبو داود أيضا عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، ~~من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة ~~الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال» . # وروى أبو داود أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم» . # وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ms191 قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «صنفان من بني آدم ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية» ~~. # PageV02P357 # لكن كل أحاديث القدرية المرفوعة ضعيفة. وإنما يصح الموقوف منها: فعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه قال: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذب ~~بالقدر نقض تكذيبه توحيده. وهذا لأن الإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بعلم ~~الله القديم وما أظهر من علمه بخطابه وكتابه مقادير الخلائق. وقد ضل في هذا ~~الموضع خلائق من المشركين والصابئين والفلاسفة وغيرهم، ممن ينكر علمه ~~بالجزئيات أو بغير ذلك، فإن ذلك كله مما يدخل في التكذيب بالقدر. # وأما قدرة الله على كل شيء فهو الذي يكذب به القدرية جملة، حيث جعلوه لم ~~يخلق أفعال العباد، فأخرجوها عن قدرته وخلقه. # والقدر، الذي لا ريب في دلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه، وأن الذي ~~جحدوه هم القدرية المحضة بلا نزاع: هو ما قدره الله من مقادير العباد. ~~وعامة ما يوجد من كلام الصحابة والأئمة في ذم القدرية يعني به هؤلاء، كقول ~~ابن عمر رضي الله عنهما، لما قيل له: يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف: ~~أخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني براء. ### | [تضمن القدر لأصول عظيمة] # والقدر، الذي هو التقدير المطابق للعلم: يتضمن أصولا عظيمة: # PageV02P358 # أحدها: أنه عالم بالأمور المقدرة قبل كونها، فيثبت علمه القديم، وفي ذلك ~~الرد على من ينكر علمه القديم. # الثاني: أن التقدير يتضمن مقادير المخلوقات، ومقاديرها هي صفاتها المعينة ~~المختصة بها، فإن الله قد جعل لكل شيء قدرا، قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا} [الفرقان: 2] . فالخلق يتضمن التقدير، تقدير الشيء في نفسه، بأن ~~يجعل له قدر، وتقديره قبل وجوده. فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه ~~في كميته وكيفيته، كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجزئية المعينة، خلافا ~~لمن أنكر ذلك وقال: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات! فالقدر يتضمن العلم ~~القديم والعلم بالجزئيات. # الثالث: أنه يتضمن أنه أخبر بذلك وأظهره قبل وجود المخلوقات إخبارا ~~مفصلا، فيقضي أنه يمكن أن يعلم العباد الأمور ms192 قبل وجودها علما مفصلا، فيدل ~~ذلك بطريق التنبيه على أن الخالق أولى بهذا العلم، فإنه كان يعلم عباده ~~بذلك فكيف لا يعلمه هو؟ ! # الرابع: أنه يتضمن أنه مختار لما يفعله، محدث له بمشيئته وإرادته، ليس ~~لازما لذاته. # الخامس: أنه يدل على حدوث هذا المقدور، وأنه كان بعد أن لم يكن، فإنه ~~يقدره ثم يخلقه. # PageV02P359 ### | [حياة القلب] ### | [حياة القلب ومرضه وشفاؤه] # قوله: (فويل لمن ضاع له في القدر قلبا سقيما - وفي نسخة: فويل لمن صار ~~قلبه في القدر قلبا سقيما -، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما، وعاد ~~بما قال فيه أفاكا أثيما) . # ش: القلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن. قال تعالى: ~~{أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها} [الأنعام: 122] . أي كان ميتا بالكفر فأحييناه ~~بالإيمان. فالقلب الصحيح الحي إذا عرض عليه الباطل والقبائح نفر منها بطبعه ~~وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرق بين الحسن ~~والقبيح، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هلك من لم يكن له قلب ~~يعرف به المعروف والمنكر. # وكذلك القلب المريض بالشهوة، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب ~~قوة المرض وضعفه. # ومرض القلب نوعان، كما تقدم: مرض شهوة، ومرض شبهة، وأردؤهما مرض الشبهة، ~~وأردأ الشبه ما كان من أمر القدر. وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يشعر به ~~صاحبه، لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا ~~يشعر بموته، وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق ~~وعقائده # PageV02P360 # الباطلة. فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم ~~بجهله بالحق بحسب حياته و: # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ما لجرح بميت إيلام # وقد يشعر بمرضه، ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها، فيؤثر ~~بقاء ألمه على مشقة الدواء فإن دواءه في مخالفة الهوى، وذلك أصعب شيء على ~~النفس، وليس له أنفع منه. # وتارة يوطن نفسه على ms193 الصبر، ثم ينفسخ عزمه ولا يستمر معه، لضعف علمه ~~وبصيرته وصبره، كمن دخل في طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن، وهو يعلم أنه إن ~~صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر وقوة يقين بما ~~يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق ولم يتحمل مشقتها، ولا سيما ~~إن عدم الرفيق واستوحش من الوحدة وجعل يقول: أين ذهب الناس فلي أسوة بهم! ~~وهذه حال أكثر الخلق، وهي التي أهلكتهم. فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة ~~الرفيق ولا من فقده، إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول: {الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} ~~[النساء: 69] . # PageV02P361 # وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة - في ~~كتاب (الحوادث والبدع) : حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد لزوم الحق ~~واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا، لأن الحق هو الذي ~~كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي ~~الله عنهم، ولا ننظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم. وعن الحسن البصري رحمه ~~الله أنه قال: السنة - والذي لا إله إلا هو - بين الغالي والجافي، فاصبروا ~~عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس ~~فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في ~~بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك فكونوا. # وعلامة مرض القلب عدوله عن الأغذية النافعة الموافقة، إلى الأغذية ~~الضارة، وعدوله عن دوائه النافع، إلى دوائه الضار. # فهاهنا أربعة أشياء: غذاء نافع، ودواء شاف، وغذاء ضار، ودواء مهلك. # PageV02P362 # فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي، على الضار المؤذي، والقلب المريض بضد ~~ذلك. ### | [أنفع الأغذية الإيمان وأنفع الأدوية القرآن] # وأنفع الأغذية غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القرآن، وكل منهما فيه ~~الغذاء والدواء، فمن طلب الشفاء في غير الكتاب والسنة فهو من أجهل الجاهلين ~~وأضل الضالين، فإن الله تعالى يقول: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ms194 والذين ~~لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: ~~44] . وقال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82] . ومن في قوله: من القرآن لبيان الجنس، ~~لا للتبعيض. وقال تعالى: {ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما ~~في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57] . # فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء ~~الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل للاستشفاء به. وإذا أحسن العليل التداوي ~~به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه: لم ~~يقاوم الداء أبدا. وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء، الذي لو نزل ~~على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها؟ ! فما من مرض من أمراض القلوب ~~والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه، لمن ~~رزقه الله فهما في كتابه. # وقوله: لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما. أي طلب بوهمه في البحث ~~عن الغيب سرا مكتوما، إذ القدر سر الله في خلقه، # PageV02P363 # فهو يروم ببحثه الاطلاع على الغيب، وقد قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر ~~على غيبه أحدا} [الجن: 26] إلى آخر السورة. # وقوله: وعاد بما قال فيه، أي في القدر: أفاكا: كذابا. أثيما: أي مأثوما. ### | [العرش والكرسي] # وقوله: (والعرش والكرسي حق) . # ش: كما بين تعالى في كتابه، قال تعالى: {ذو العرش المجيد} [البروج: 15] . ~~{رفيع الدرجات ذو العرش} [غافر: 15] . {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] ~~{ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] في غير ما آية من القرآن: {لا إله إلا ~~هو رب العرش الكريم} [المؤمنون: 116] . {الله لا إله إلا هو رب العرش ~~العظيم} [النمل: 26] . {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به} [غافر: 7] . {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} [الحاقة: 17] ~~. {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم} [الزمر: 75] . # وفي دعاء الكرب المروي في الصحيح: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا ~~إله إلا هو رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب ms195 السماوات ورب الأرض رب ~~العرش الكريم. # PageV02P364 # وروى الإمام أحمد في حديث الأوعال عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ ~~قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء ~~إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وفوق السماء ~~السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين ~~أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، ليس يخفى عليه من ~~أعمال بني آدم شيء» . ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. وروى أبو داود ~~وغيره، بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حديث الأطيط، أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: " «إن عرشه على سماواته كهاكذا، وقال بأصابعه، مثل ~~القبة» الحديث. # PageV02P365 # وفي صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا سألتم ~~الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وفوقه عرش ~~الرحمن» . يروى وفوقه بالنصب على الظرفية، وبالرفع على الابتداء، أي: ~~وسقفه. # وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط ~~بالعالم من كل جهة، وربما سموه: الفلك الأطلس، والفلك التاسع! وهذا ليس ~~بصحيح، لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: «فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ ~~بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» . # والعرش في اللغة: عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: ~~{ولها عرش عظيم} [النمل: 23] . وليس هو فلكا، ولا تفهم منه العرب ذلك، ~~والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو: سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو ~~كالقبة على العالم، وهو سقف # PageV02P366 # المخلوقات. فمن شعر أمية بن أبي الصلت: # مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا # بالبناء العالي الذي بهر النا ... س وسوى فوق السماء سريرا # شرجعا ms196 لا يناله بصر الع ي # ن ترى حوله الملائك صورا # الصور هنا: جمع: أصور، وهو: المائل العنق لنظره إلى العلو. والشرجع: هو ~~العالي المنيف. والسرير: هو العرش في اللغة. # ومن شعر عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، الذي عرض به عن القراءة لامرأته ~~حين اتهمته بجاريته: # شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا # وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا # PageV02P367 # ذكره ابن عبد البر وغيره من الأئمة. # وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أذن لي أن أحدث عن ~~ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش، إن ما بين أذنيه إلى عاتقه مسيرة ~~سبعمائة عام» . ورواه ابن أبي حاتم ولفظه: " «مخفق الطير سبعمائة عام» ". # وأما من حرف كلام الله، وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله ~~تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} [الحاقة: 17] . وقوله: {وكان ~~عرشه على الماء} [هود: 7] . أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟ ! وكان ملكه ~~على الماء! ويكون موسى عليه السلام آخذا من قوائم الملك؟ ! هل يقول هذا ~~عاقل يدري ما يقول؟ ! # وأما الكرسي فقال تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: 255] . # وقد قيل: هو العرش، والصحيح أنه غيره، نقل ذلك عن ابن # PageV02P368 # عباس رضي الله عنهما وغيره. روى ابن أبي شيبة في كتاب " صفة العرش "، ~~والحاكم في " مستدركه "، وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه، عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: ~~255] أنه قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى. ~~وقد روي مرفوعا، والصواب أنه موقوف على ابن عباس. # PageV02P369 # وقال السدي: السماوات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش. وقال ~~ابن جرير: قال أبو ذر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من ~~الأرض» . # PageV02P370 # وقيل: كرسيه: علمه، وينسب إلى ابن عباس ms197 والمحفوظ عنه ما رواه ابن أبي ~~شيبة، كما تقدم. ومن قال غير ذلك فليس له دليل إلا مجرد الظن. والظاهر أنه ~~من جراب الكلام المذموم، كما قيل في العرش. وإنما هو - كما قال غير واحد من ~~السلف: بين يدي العرش كالمرقاة إليه. # PageV02P371 ### | [الله سبحانه مستغن عن العرش] ### | [الله سبحانه مستغن عن العرش محيط بكل شيء وفوقه] # قوله: (وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن ~~الإحاطة خلقه) . # ش: أما قوله: وهو مستغن عن العرش وما دونه. فقال تعالى: {فإن الله غني عن ~~العالمين} [آل عمران: 97] . وقال تعالى: {والله هو الغني الحميد} [فاطر: ~~15] . وإنما قال الشيخ رحمه الله هذا الكلام هنا، لأنه لما ذكر العرش ~~والكرسي، ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش، ليبين أن خلقه ~~للعرش واستواءه عليه، ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون ~~العالي فوق السافل، لا يلزم أن يكون السافل حاويا للعالي، محيطا به، حاملا ~~له، ولا أن يكون الأعلى مفتقرا إليه. فانظر إلى السماء، كيف هي فوق الأرض ~~وليست مفتقرة إليها؟ فالرب تعالى أعظم شأنا وأجل من أن يلزم من علوه ذلك، ~~بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو ~~سبحانه عن السافل، وإحاطته عز وجل به، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته للعرش ~~وحملته، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة ~~العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له. وهذه اللوازم منتفية عن ~~المخلوق. # ونفاة العلو، أهل التعطيل، لو فصلوا بهذا التفصيل، لهدوا إلى سواء ~~السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل، ولسلكوا خلف الدليل، ولكن فارقوا ~~الدليل، فضلوا عن سواء السبيل. والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك رحمه ~~الله، لما سئل عن قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] # PageV02P372 # [الأعراف: 53] وغيرها: كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول. ~~ويروى هذا الجواب عن أم سلمة رضي الله عنها موقوفا ومرفوعا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وأما ms198 قوله: محيط بكل شيء وفوقه، وفي بعض النسخ: محيط بكل شيء فوقه، بغير ~~واو من قوله: فوقه، والنسخة الأولى هي الصحيحة، ومعناها أنه تعالى محيط بكل ~~شيء وفوق كل شيء. ومعنى الثانية: أنه محيط بكل شيء فوق العرش. وهذه - والله ~~أعلم - إما أن يكون أسقطها بعض النساخ سهوا، ثم استنسخ بعض الناس من تلك ~~النسخة، أو أن بعض المحرفين الضالين أسقطها قصدا للفساد، وإنكارا لصفة ~~الفوقية! وإلا فقد قام الدليل على أن العرش فوق المخلوقات وليس فوقه شيء من ~~المخلوقات، فلا يبقى لقوله: محيط بكل شيء فوق العرش، - والحالة هذه -: ~~معنى! إذ ليس فوق العرش من المخلوقات ما يحاط به، فتعين ثبوت الواو. ويكون ~~المعنى: أنه سبحانه محيط بكل شيء، وفوق كل شيء. # PageV02P373 # أما كونه محيطا بكل شيء، فقال تعالى: {والله من ورائهم محيط} [البروج: ~~20] . {ألا إنه بكل شيء محيط} [فصلت: 54] . {ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله بكل شيء محيطا} [النساء: 126] . وليس المراد من إحاطته ~~بخلقه أنه كالفلك، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. وإنما المراد: إحاطة عظمة وسعة وعلم وقدرة، وأنها بالنسبة إلى ~~عظمته كالخردلة. كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما السماوات ~~السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن، إلا كخردلة في يد ~~أحدكم. # ومن المعلوم - ولله المثل الأعلى - أن الواحد منا إذا كان عنده خردلة، إن ~~شاء قبضها وأحاطت قبضته بها، وإن شاء جعلها تحته، وهو في الحالين مباين ~~لها، عال عليها فوقها من جميع الوجوه، فكيف بالعظيم الذي لا يحيط بعظمته ~~وصف واصف. فلو شاء لقبض السماوات والأرض اليوم، وفعل بها كما يفعل بها يوم ~~القيامة، فإنه لا يتجدد به إذ ذاك قدرة ليس عليها الآن، فكيف يستبعد العقل ~~مع ذلك أنه يدنو سبحانه من بعض أجزاء العالم وهو على عرشه فوق سماواته؟ أو ~~يدني إليه من يشاء من خلقه؟ فمن نفى ذلك لم يقدره حق قدره. وفي حديث أبي ~~رزين ms199 المشهور الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في رؤية الرب تعالى: ~~فقال له أبو رزين: كيف يسعنا - يا رسول الله - وهو واحد # PageV02P374 # ونحن جميع؟ فقال: سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله: هذا القمر، آية من آيات ~~الله، كلكم يراه مخليا به، والله أكبر من ذلك، وإذ قد تبين أنه أعظم وأكبر ~~من كل شيء. فهذا يزيل كل إشكال، ويبطل كل خيال. ### | [بحث الفوقية] # وأما كونه فوق المخلوقات، فقال تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: ~~18 و 61] . {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50] # [النحل: 50] . وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الأوعال المتقدم ذكره: ~~والعرش فوق ذلك، والله فوق ذلك كله. وقد أنشد عبد الله بن رواحة رضي الله ~~عنه شعره المذكور بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأقره على ما قال: ~~وضحك منه. وكذا «أنشده حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه قوله: # شهدت بإذن الله أن محمدا ... رسول الذي فوق السماوات من عل # وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما ... له عمل من ربه متقبل # وأن الذي عادى اليهود ابن مريم ... رسول أتى من عند ذي العرش مرسل # PageV02P375 # وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم # يجاهد في ذات الإله ويعدل # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وأنا أشهد» . وعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لما قضى الله الخلق كتب في ~~كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» وفي رواية: تغلب غضبي رواه ~~البخاري وغيره. وروى ابن ماجه عن جابر يرفعه، قال: «بينا أهل الجنة في ~~نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا إليه رءوسهم، فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف ~~عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة، سلام عليكم، ثم قرأ قوله تعالى: {سلام ~~قولا من رب رحيم} [يس: 58] . فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى ~~شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه» . وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، في تفسير قوله تعالى: # PageV02P376 # {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} [الحديد: ms200 3] بقوله: أنت الأول فليس ~~قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت ~~الباطن فليس دونك شيء. والمراد بالظهور هنا: العلو. ومنه قوله تعالى: {فما ~~اسطاعوا أن يظهروه} [الكهف: 97] أي يعلوه. # فهذه الأسماء الأربعة متقابلة: اسمان منها لأزلية الرب سبحانه وتعالى ~~وأبديته، واسمان لعلوه وقربه. # وروى أبو داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده، قال: ~~«أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله، جهدت ~~الأنفس ونهكت الأموال، أو هلكت، فاستسق لنا، فإنا نستشفع بك إلى الله، ~~ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك! أتدري ما ~~تقول؟ وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في ~~وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله ~~أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته، ~~وقال بأصابعه! مثل القبة، وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب» . # PageV02P377 # وفي قصة سعد بن معاذ يوم بني قريظة، لما حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ~~ذراريهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق ~~سبع سماوات» . وهو حديث صحيح، أخرجه الأموي في ((مغازيه)) ، وأصله في ~~((الصحيحين)) . # وروى البخاري عن زينب رضي الله عنها، أنها كانت تفخر على أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. # PageV02P378 # وعن عمر رضي الله عنه: أنه مر بعجوز فاستوقفته، فوقف معها يحدثها، فقال ~~رجل: يا أمير المؤمنين، حبست الناس بسبب هذه العجوز؟ فقال: ويلك! أتدري من ~~هذه؟ هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة التي أنزل ~~الله فيها: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} ~~[المجادلة: 1] أخرجه الدارمي. # وروى عكرمة عن ابن عباس، في قوله: {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ~~وعن أيمانهم وعن شمائلهم} [الأعراف: ms201 17] قال: ولم يستطع أن يقول من فوقهم، ~~لأنه قد علم أن الله سبحانه من فوقهم. ومن سمع أحاديث الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وكلام السلف، وجد منه في إثبات الفوقية ما لا ينحصر. # PageV02P379 # ولا ريب أن الله سبحانه لما خلق الخلق، لم يخلقهم في ذاته المقدسة، تعالى ~~الله عن ذلك، فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم ~~خارجا عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات، مع أنه قائم بنفسه غير ~~مخالط للعالم، لكان متصفا بضد ذلك، لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ~~ضده، وضد الفوقية: السفول، وهو مذموم على الإطلاق، لأنه مستقر إبليس ~~وأتباعه وجنوده. # فإن قيل: لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها. قيل: لو ~~لم يكن قابلا للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى أقررتم ~~بأنه ذات قائم بنفسه، غير مخالط للعالم، وأنه موجود في الخارج، ليس وجوده ~~ذهنيا فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعا، وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة أن ~~ما كان وجوده كذلك فهو: إما داخل العالم وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ~~ما هو أجلى وأظهر الأمور البديهيات الضرورية بلا ريب، فلا يستدل على ذلك ~~بدليل إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه، وأوضح وأبين. وإذا كان صفة العلو ~~والفوقية صفة كمال، لا نقص فيه، ولا يستلزم نقصا، ولا يوجب محذورا، ولا ~~يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا، فنفي حقيقته يكون عين الباطل والمحال الذي ~~لا تأتي به شريعة أصلا. فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده وتصديق رسله، ~~والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله -: إلا بذلك؟ فكيف إذا انضم إلى ذلك ~~شهادة العقول السليمة، والفطر المستقيمة. ### | [النصوص الواردة المتنوعة في إثبات العلو] # والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه، وكونه فوق ~~عباده، التي تقرب من عشرين نوعا: # PageV02P380 # أحدها: التصريح بالفوقية مقرونا بأداة ((من)) المعينة للفوقية بالذات، ~~كقوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50] . # الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله: {وهو ms202 القاهر فوق عباده} [الأنعام: ~~18] # [الأنعام: 18 و 61] . # الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو: {تعرج الملائكة والروح إليه} ~~[المعارج: 4] . وقوله صلى الله عليه وسلم: «فيعرج الذين باتوا فيكم ~~فيسألهم» . # الرابع: التصريح بالصعود إليه. كقوله تعالى: {إليه يصعد الكلم الطيب} ~~[فاطر: 10] . # الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله تعالى: {بل رفعه الله ~~إليه} [النساء: 158] . وقوله: {إني متوفيك ورافعك إلي} [آل عمران: 55] . # PageV02P381 # السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو، ذاتا وقدرا ~~وشرفا، كقوله تعالى: {وهو العلي العظيم} [البقرة: 255] . {وهو العلي ~~الكبير} [سبأ: 23] . {إنه علي حكيم} [الشورى: 51] . # السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله تعالى: {تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم} [الزمر: 1] . {تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} [غافر: ~~2] . {تنزيل من الرحمن الرحيم} [فصلت: 2] . {تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: ~~42] . {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} [النحل: 102] . {حم - والكتاب ~~المبين - إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين - فيها يفرق كل أمر ~~حكيم - أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين} [الدخان: 1 - 5] # [الدخان: 1 - 5] . # PageV02P382 # الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه ~~من بعض، كقوله: {إن الذين عند ربك} [الأعراف: 206] . {وله من في السماوات ~~والأرض ومن عنده} [الأنبياء: 19] . ففرق بين ((من له)) عموما وبين ((من ~~عنده)) من ملائكته وعبيده خصوصا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب ~~الذي كتبه الرب تعالى على نفسه: «أنه عنده فوق العرش» . # التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء، وهذا عند المفسرين من أهل السنة ~~على أحد وجهين: إما أن تكون ((في)) بمعنى ((على)) ، وإما أن يراد بالسماء ~~العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز الحمل على غيره. # العاشر: التصريح بالاستواء مقرونا بأداة ((على)) مختصا بالعرش، الذي هو ~~أعلى المخلوقات، مصاحبا في الأكثر لأداة ((ثم)) الدالة على الترتيب ~~والمهلة. # الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # PageV02P383 # «إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا» . # والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط - باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من ~~نفسه ms203 كل داع، كما يأتي إن شاء الله تعالى. # الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والنزول المعقول ~~عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل. # الثالث عشر: الإشارة إليه حسا إلى العلو، كما أشار إليه من هو أعلم بربه ~~وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر، لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم ~~يجتمع لأحد مثله، في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: أنتم ~~مسئولون عني، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا. نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، ~~فرفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعا لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء، ~~قائلا: اللهم اشهد. فكأنا نشاهد تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله، # PageV02P384 # وذلك اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع أصبعه إليه: اللهم اشهد، ونشهد أنه ~~بلغ البلاغ المبين، وأدى رسالة ربه كما أمر، ونصح أمته غاية النصيحة، فلا ~~يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطع المتنطعين، وحذلقة ~~المتحذلقين! والحمد لله رب العالمين. # الرابع عشر: التصريح بلفظ " الأين " كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، ~~وأفصحهم بيانا عن المعنى الصحيح، بلفظ لا يوهم باطلا بوجه: " أين الله "، ~~في غير موضع. # الخامس عشر: شهادته صلى الله عليه وسلم لمن قال إن ربه في السماء - ~~بالإيمان. # السادس عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء، ليطلع إلى ~~إله موسى فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السماوات، فقال: {ياهامان ~~ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه كاذبا} [غافر: 36 - 37] # [غافر: 36 - 37] . فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني، ومن أثبته فهو ~~موسوي محمدي. # السابع عشر: إخباره صلى الله عليه وسلم: أنه تردد بين موسى عليه السلام ~~وبين ربه # PageV02P385 # ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة، فيصعد إلى ربه ثم يعود إلى موسى عدة ~~مرار. # الثامن عشر: النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة له تعالى، من الكتاب ~~والسنة، وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يرونه كرؤية الشمس والقمر ~~ليلة البدر ليس دونه ms204 سحاب، فلا يرونه إلا من فوقهم، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم: «بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم، فإذا ~~الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة، سلام عليكم، ~~ثم قرأ قوله تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] » [يس: 58] . ثم ~~يتوارى عنهم، وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم رواه الإمام أحمد في ~~المسند، وغيره، من حديث جابر رضي الله عنه. # ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية. ولهذا طرد الجهمية النفيين، ~~وصدق أهل السنة بالأمرين معا، وأقروا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى العلو ~~مذبذبا بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء! وهذه الأنواع من الأدلة لو ~~بسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله! وهيهات ~~له بجواب صحيح عن بعض ذلك! ### | [كلام السلف في إثبات صفة العلو] # وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جدا: فمنه: ما روى شيخ الإسلام أبو ~~إسماعيل الأنصاري في كتابه " الفاروق "، بسنده إلى # PageV02P386 # أبي مطيع البلخي: أنه سأل أبا حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم ~~في الأرض؟ فقال: قد كفر، لأن الله يقول: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ~~وعرشه فوق سبع سماوات، قلت: فإن قال: إنه على العرش، ولكن يقول: لا أدري ~~آلعرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر، لأنه أنكر أنه في السماء، فمن ~~أنكر أنه في السماء فقد كفر. وزاد غيره: لأن الله في أعلى عليين، وهو يدعى ~~من أعلى، لا من أسفل. انتهى. # ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة، فقد انتسب إليه ~~طوائف معتزلة وغيرهم، مخالفون له في كثير من اعتقاداته. وقد ينتسب إلى مالك ~~والشافعي وأحمد من يخالفهم في بعض اعتقاداتهم. وقصة أبي يوسف في استتابتة ~~لبشر المريسي، لما أنكر أن يكون الله عز وجل فوق العرش -: مشهورة. رواها ~~عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره. # ومن تأول " فوق "، بأنه خير من عباده وأفضل ms205 منهم، وأنه خير من العرش ~~وأفضل منه، كما يقال: الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم -: فذلك مما ~~تنفر عنه العقول السليمة، وتشمئز منه القلوب الصحيحة! فإن قول القائل ~~ابتداء: الله خير من عباده، وخير من عرشه: من جنس قوله: الثلج بارد، والنار ~~حارة، والشمس أضوأ من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار، والجبل أثقل من ~~الحصى، ورسول الله أفضل من فلان اليهودي، والسماء فوق الأرض! ! وليس في ذلك ~~تمجيد ولا تعظيم ولا مدح، بل هو من أرذل الكلام وأسمجه وأهجنه! فكيف يليق ~~بكلام الله، الذي لو اجتمع الإنس # PageV02P387 # والجن على أن يأتوا بمثله لما أتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟ ! بل ~~في ذلك تنقص، كما قيل في المثل السائر: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل ~~إن السيف أمضى من العصا ولو قال قائل: الجوهر فوق قشر البصل وقشر السمك! ~~لضحك منه العقلاء، للتفاوت الذي بينهما، فإن التفاوت الذي بين الخالق ~~والمخلوق أعظم وأعظم. بخلاف ما إذا كان المقام يقتضي ذلك، بأن كان احتجاجا ~~على مبطل، كما في قول يوسف الصديق عليه السلام: {أأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار} [يوسف: 39] . وقوله تعالى: {آلله خير أما يشركون} ~~[النمل: 59] . {والله خير وأبقى} [طه: 73] . # وإنما يثبت هذا المعنى من الفوقية في ضمن ثبوت الفوقية المطلقة من كل ~~وجه، فله سبحانه وتعالى فوقية القهر، وفوقية القدر، وفوقية الذات. ومن أثبت ~~البعض ونفى البعض فقد تنقص. # وعلوه تعالى مطلق من كل الوجوه. فإن قالوا، بل علو المكانة لا المكان؟ ~~فالمكانة: تأنيث المكان، والمنزلة: تأنيث المنزل، فلفظ المكانة والمنزلة ~~تستعمل في المكانات النفسانية والروحانية، كما يستعمل لفظ المكان والمنزل ~~في الأمكنة الجسمانية، فإذا قيل: لك في قلوبنا منزلة، ومنزلة فلان في ~~قلوبنا وفي نفوسنا أعظم من منزلة # PageV02P388 # فلان، كما جاء في الأثر: إذا أحب أحدكم أن يعرف كيف منزلته عند الله، ~~فلينظر كيف منزلة الله في قلبه، فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله ~~العبد من قلبه. فقوله: منزلة الله في قلبه: ms206 هو ما يكون في قلبه من معرفة ~~الله ومحبته وتعظيمه وغير ذلك، فإذا عرف أن المكانة والمنزلة: تأنيث المكان ~~والمنزل، والمؤنث فرع على المذكر في اللفظ والمعنى، وتابع له، فعلو المثل ~~الذي يكون في الذهن يتبع علو الحقيقة، إذا كان مطابقا كان حقا، وإلا كان ~~باطلا. # فإن قيل: المراد علوه في القلوب، وأنه أعلى في القلوب من كل شيء. قيل: ~~وكذلك هو، وهذا العلو مطابق لعلوه في نفسه على كل شيء، فإن لم يكن عاليا ~~بنفسه على كل شيء، كان علوه في القلوب غير مطابق، كمن جعل ما ليس بأعلى ~~أعلى. ### | [ثبوت علو الله سبحانه بالعقل من وجوه] # وعلوه سبحانه وتعالى كما هو ثابت بالسمع، ثابت بالعقل والفطرة، أما ثبوته ~~بالعقل، فمن وجوه: # أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين، إما أن يكون أحدهما ساريا ~~في الآخر قائما به كالصفات، وإما أن يكون قائما بنفسه بائنا من الآخر. # الثاني: أنه لما خلق العالم، فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجا عن ~~ذاته، والأول باطل: أما أولا: فبالاتفاق، وأما ثانيا: فلأنه يلزم أن يكون ~~محلا للخسائس والقاذورات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # PageV02P389 # والثاني يقتضي كون العالم واقعا خارج ذاته، فيكون منفصلا، فتعينت ~~المباينة، لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه - غير معقول. # الثالث: أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه -: يقتضي نفي وجوده ~~بالكلية، لأنه غير معقول: فيكون موجودا إما داخله وإما خارجه. والأول باطل ~~فتعين الثاني، فلزمت المباينة. # وأما ثبوته بالفطرة، فإن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون ~~أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى. ~~وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمذاني حضر مجلس الأستاذ ~~أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلم في نفي صفة العلو، ~~ويقول: كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان! فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا ~~يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: يا ms207 ~~الله، إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ~~ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل! وأظنه ~~قال: وبكى! وقال: حيرني الهمذاني حيرني! أراد الشيخ أن هذا أمر فطر الله ~~عليه عباده، من غير أن يتلقوه من المعلمين، # PageV02P390 # يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو. # وقد اعترض على الدليل العقلي بإنكار بداهته، لأنه أنكره جمهور العقلاء، ~~فلو كان بديهيا لما كان مختلفا فيه بين العقلاء، بل هو قضية وهمية خيالية. # والجواب عن هذا الاعتراض مبسوط في موضعه، ولكن أشير إليه هنا إشارة ~~مختصرة، وهو أن يقال: إن العقل إن قبل قولكم فهو لقولنا أقبل، وإن رد العقل ~~قولنا فهو لقولكم أعظم ردا، فإن كان قولنا باطلا في العقل، فقولكم أبطل، ~~وإن كان قولكم حقا مقبولا في العقل، فقولنا أولى أن يكون مقبولا في العقل. ~~فإن دعوى الضرورة مشتركة. # فإنا نقول: نعلم بالضرورة بطلان قولكم، وأنتم تقولون كذلك، فإذا قلتم: ~~تلك الضرورة التي تحكم ببطلان قولنا هي من حكم الوهم لا من حكم العقل، ~~قابلناكم بنظير قولكم، وعامة فطر الناس، - ليسوا منكم ولا منا - يوافقونا ~~على هذا، فإن كان حكم فطر بني آدم مقبولا ترجحنا عليكم، وإن كان مردودا غير ~~مقبول بطل قولكم بالكلية، فإنكم إنما بنيتم قولكم على ما تدعون أنه مقدمات ~~معلومة بالفطرة الآدمية، وبطلت عقلياتنا أيضا، وكان السمع الذي جاءت به ~~الأنبياء معنا لا معكم، فنحن مختصون بالسمع دونكم، والعقل مشترك بيننا ~~وبينكم. # فإن قلتم: أكثر العقلاء يقولون بقولنا؟ قيل: ليس الأمر كذلك، فإن الذين ~~يصرحون بأن صانع العالم ليس فوق العالم وليس فوق # PageV02P391 # العالم شيء موجود، وأنه لا مباين للعالم ولا حال في العالم -: طائفة من ~~النظار، وأول من عرف عنه ذلك في الإسلام جهم بن صفوان وأتباعه. ### | [خطأ من ظن أن السماء قبلة الدعاء] # واعترض على الدليل الفطري: أن ذلك إنما كان لكون السماء قبلة للدعاء، كما ~~أن الكعبة قبلة للصلاة، ثم ms208 هو منقوض بوضع الجبهة على الأرض مع أنه ليس في ~~جهة الأرض؟ وأجيب على هذا الاعتراض من وجوه: # أحدها: أن قولكم: إن السماء قبلة للدعاء - لم يقله أحد من سلف الأمة، ولا ~~أنزل الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يخفى ~~على جميع سلف الأمة وعلمائها. # الثاني: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحب للداعي أن يستقبل ~~القبلة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل القبلة في دعائه في مواطن ~~كثيرة، فمن قال إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة، أو إن له قبلتين: إحداهما ~~الكعبة والأخرى السماء -: فقد ابتدع في الدين، وخالف جماعة المسلمين. # الثالث: أن القبلة: هي ما يستقبله العابد بوجهه، كما تستقبل # PageV02P392 # الكعبة في الصلاة والدعاء، والذكر والذبح، وكما يوجه المحتضر والمدفون، ~~ولذلك سميت وجهة. والاستقبال خلاف الاستدبار، فالاستقبال بالوجه، ~~والاستدبار بالدبر، فأما ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو جنبه فهذا لا ~~يسمى قبلة، لا حقيقة ولا مجازا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع ~~أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع، والموضع الذي ترفع اليد إليه لا ~~يسمى قبلة، لا حقيقة ولا مجازا، ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي تتبع فيه ~~الشرائع، ولم تأمر الرسل أن الداعي يستقبل السماء بوجهه، بل نهوا عن ذلك. ~~ومعلوم أن التوجه بالقلب، واللجأ والطلب الذي يجده الداعي من نفسه أمر ~~فطري، يفعله المسلم والكافر والعالم والجاهل، وأكثر ما يفعله المضطر ~~والمستغيث بالله، كما فطر على أنه إذا مسه الضر يدعو الله، مع أن أمر ~~القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كما تحولت القبلة من الصخرة إلى الكعبة. # وأمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر، والمستقبل ~~للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك، بخلاف الداعي، فإنه يتوجه إلى ربه ~~وخالقه، ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده. # وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض، فإن واضع الجبهة إنما قصده ~~الخضوع لمن فوقه بالذل له، لا بأن يميل إليه إذ هو تحته! هذا ms209 لا يخطر في ~~قلب ساجد. لكن يحكى عن بشر المريسي # PageV02P393 # أنه سمع وهو يقول في سجوده: سبحان ربي الأسفل! ! تعالى الله عما يقول ~~الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. وإن من أفضى به النفي إلى هذه الحال حري أن ~~يتزندق، إن لم يتداركه الله برحمته، وبعيد من مثله الصلاح، قال تعالى: ~~{ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} [الأنعام: 110] . وقال ~~تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] . فمن لم يطلب الاهتداء من ~~مظانه يعاقب بالحرمان. نسأل الله العفو والعافية. # وقوله: وقد أعجز عن الإحاطة خلقه - أي لا يحيطون به علما ولا رؤية، ولا ~~غير ذلك من وجوه الإحاطة، بل هو سبحانه محيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء. ### | [اتخذ الله إبراهيم خليلا] ### | [اتخذ الله إبراهيم خليلا وكلم موسى تكليما] # قوله: (ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، ~~إيمانا وتصديقا وتسليما) . # ش: قال تعالى: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125] وقال تعالى: ~~{وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164] . الخلة: كمال المحبة. وأنكرت ~~الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا ~~لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب ~~المحبة! وكذلك أنكروا حقيقة التكليم، كما تقدم، وكان أول من ابتدع هذا في ~~الإسلام هو الجعد بن درهم، في # PageV02P394 # أوائل المائة الثانية فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق ~~والمشرق بواسط، خطب الناس يوم الأضحى فقال: أيها الناس ضحوا، تقبل الله ~~ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ~~ولم يكلم موسى تكليما، ثم نزل فذبحه. وكان ذلك بفتوى أهل زمانه من علماء ~~التابعين رضي الله عنهم، فجزاه الله عن الدين وأهله خيرا. # وأخذ هذا المذهب عن الجعد الجهم بن صفوان، فأظهره وناظر عليه، وإليه أضيف ~~قول الجهمية. فقتله سلم بن أحوز أمير # PageV02P395 # خراسان بها، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم ~~في أثناء خلافة المأمون، حتى امتحن أئمة الإسلام، ودعوهم إلى الموافقة ms210 لهم ~~على ذلك. # وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة، وهم ينكرون أن يكون إبراهيم خليلا ~~وموسى كليما، لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب، كما قيل: # قد تخللت مسلك الروح مني ... ولذا سمي الخليل خليلا ### | [محبة الله وخلته كما يليق به سبحانه] # ولكن محبته وخلته كما يليق به تعالى، كسائر صفاته. ويشهد لما دلت عليه ~~الآية الكريمة ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ~~ولكن صاحبكم خليل الله» ، يعني نفسه. # وفي رواية: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت متخذا من أهل الأرض ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» . # وفي رواية: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا» . # PageV02P396 # فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلا، ~~وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس به أبو بكر الصديق. مع أنه صلى الله عليه ~~وسلم قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصا، كقوله لمعاذ: «والله إني لأحبك» . وكذلك ~~قوله للأنصار، وكان زيد بن حارثة حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وابنه أسامة حبه، وأمثال ذلك، وقال له عمرو بن العاص: «أي الناس أحب إليك؟ ~~قال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها» . ### | [الخلة أخص من المحبة] # فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة، والمحبوب بها لكمالها يكون محبا ~~لذاته، لا لشيء آخر، إذ المحبوب لغيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير، ومن ~~كمالها لا تقبل الشركة [ولا] المزاحمة، لتخللها المحب، ففيها كمال التوحيد ~~وكمال الحب. ولذلك لما اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكان إبراهيم قد سأل ربه ~~أن يهب له ولدا صالحا، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار ~~الخليل على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره، فامتحنه به بذبحه، ليظهر سر ~~الخلة # PageV02P397 # في تقديمه محبة خليله على محبة ولده، فلما استسلم لأمر ربه، وعزم على ~~فعله، فظهر سلطان الخلة في الإقدام ms211 على ذبح الولد إيثارا لمحبة خليله على ~~محبته، نسخ الله ذلك عنه، وفداه بالذبح العظيم، لأن المصلحة في الذبح كانت ~~ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أمر، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح ~~نفسه مفسدة، فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا سنة ~~في أتباعه إلى يوم القيامة. # وكما أن منزلة الخلة الثابتة لإبراهيم صلوات الله عليه قد شاركه فيها ~~نبينا صلى الله عليه وسلم كما تقدم، كذلك منزلة التكليم الثابتة لموسى ~~صلوات الله عليه قد شاركه فيها نبينا صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في ~~حديث الإسراء. ### | [الجواب عما في الصلاة الإبراهيمية من إشكال متوهم] # وهنا سؤال مشهور، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم، فكيف طلب له من الصلاة مثل ما لإبراهيم، مع أن المشبه به ~~أصله أن يكون فوق المشبه؟ وكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين؟ # وقد أجاب عنه العلماء بأجوبة عديدة، يضيق هذا المكان عن بسطها. # وأحسنها: أن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا ~~طلب للنبي صلى الله عليه وسلم ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله وفيهم ~~الأنبياء، حصل لآل محمد ما يليق بهم لأنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، # PageV02P398 # وتبقى الزيادة التي للأنبياء وفيهم إبراهيم لمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~فيحصل له من المزية ما لم يحصل لغيره. # وأحسن من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم، بل هو أفضل آل ~~إبراهيم، فيكون قولنا: كما صليت على آل إبراهيم متناولا الصلاة عليه وعلى ~~سائر النبيين من ذرية إبراهيم وهو متناول لإبراهيم أيضا. كما في قوله ~~تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} [آل ~~عمران: 33] . فإبراهيم وعمران دخلا في آل إبراهيم وآل عمران، وكما في قوله ~~تعالى: {إلا آل لوط نجيناهم بسحر} [القمر: 34] . فإن لوطا داخل في آل لوط، ~~وكما في قوله تعالى: {إذ نجيناكم من آل فرعون} [البقرة: 49] وقوله: {أدخلوا ~~آل ms212 فرعون أشد العذاب} [غافر: 46] فإن فرعون داخل في آل فرعون. ولهذا - ~~والله أعلم - أكثر روايات حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~فيها كما صليت على آل إبراهيم. وفي كثير منها: كما صليت على إبراهيم ولم ~~يرد: كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إلا في قليل من الروايات وما ~~ذلك إلا لأن في قوله: كما صليت على إبراهيم، يدخل آله تبعا. وفي قوله: كما ~~صليت على آل إبراهيم، هو داخل في آل إبراهيم. # وكذلك لما جاء أبو أوفى رضي الله عنه بصدقته إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم # PageV02P399 # دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «اللهم صل على آل أبي أوفى،» فعلى ~~رواية من روى: كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم لا يدخل فيهم لإفراده ~~بالذكر. ### | [ما خص الله به بيت إبراهيم من الخصائص] # ولما كان بيت إبراهيم عليه السلام أشرف بيوت العالم على الإطلاق، خصهم ~~الله بخصائص: # منها: أنه جعل فيه النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من أهل ~~بيته. # ومنها: أنه سبحانه جعلهم أئمة يهدون بأمره إلى يوم القيامة، فكل من دخل ~~الجنة من أولياء الله بعدهم فإنما دخل من طريقهم وبدعوتهم. # ومنها: أنه سبحانه اتخذ منهم الخليلين، كما تقدم ذكره. # ومنها: أنه جعل صاحب هذا البيت إماما للناس. قال تعالى: {إني جاعلك للناس ~~إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} [البقرة: 124] . # PageV02P400 # ومنها: أنه أجرى على يديه بناء بيته الذي جعله قياما للناس ومثابة للناس ~~وأمنا، وجعله قبلة لهم وحجا، فكان ظهور هذا البيت من أهل هذا البيت ~~الأكرمين. # ومنها: أنه أمر عباده أن يصلوا على أهل البيت. إلى غير ذلك من الخصائص. ### | [الإيمان بالملائكة والكتب المنزلة والمرسلين] ### | [وجوب الإيمان بالملائكة والكتب المنزلة والمرسلين] # قوله: (ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد ~~أنهم كانوا على الحق المبين) . ش: هذه الأمور من أركان الإيمان، قال تعالى: ~~{آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ms213 ~~ورسله} [البقرة: 285] الآيات. وقال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين} [البقرة: 177] الآية. # فجعل الله سبحانه وتعالى الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة، وسمى من آمن ~~بهذه الجملة مؤمنين، كما جعل الكافرين من كفر بهذه الجملة، بقوله: {ومن ~~يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} ~~[النساء: 136] . وقال صلى الله عليه وسلم، في الحديث المتفق على صحته، حديث ~~جبريل وسؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: «أن # PageV02P401 # تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» ~~. فهذه الأصول التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه، ~~ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل. ### | [إنكار الفلاسفة لحقيقة الإيمان بالله وكتبه ورسله] # وأما أعداؤهم ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وأهل البدع، فهم متفاوتون في ~~جحدها وإنكارها، وأعظم الناس لها إنكارا الفلاسفة المسمون عند من يعظمهم ~~بالحكماء، فإن من علم حقيقة قولهم علم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا رسله ولا ~~كتبه ولا ملائكته ولا باليوم الآخر، فإن مذهبهم أن الله سبحانه وجود مجرد ~~لا ماهية له ولا حقيقة، فلا يعلم الجزئيات بأعيانها، وكل موجود في الخارج ~~فهو جزئي، ولا يفعل عندهم بقدرته ومشيئته، وإنما العالم عندهم لازم له أزلا ~~وأبدا، وإن سموه مفعولا له فمصانعة ومصالحة للمسلمين في اللفظ، وليس عندهم ~~بمفعول ولا مخلوق ولا مقدور عليه، وينفون عنه سمعه وبصره وسائر صفاته! فهذا ~~إيمانهم بالله. # وأما كتبه عندهم، فإنهم لا يصفونه بالكلام، فلا تكلم ولا يتكلم، ولا قال ~~ولا يقول، والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر زاكي النفس ~~طاهر، متميز عن النوع الإنساني بثلاث خصائص: قوة الإدراك وسرعته، لينال ~~العلم أعظم مما يناله غيره! وقوة النفس، ليؤثر بها في هيولى العالم بقلب ~~صورة إلى صورة! # PageV02P402 # وقوة التخييل، ليخيل بها القوى العقلية في أشكال محسوسة، وهي الملائكة ~~عندهم! وليس في الخارج ذات منفصلة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء وترى وتخاطب ms214 ~~الرسول، وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان. # وأما اليوم الآخر، فهم أشد الناس تكذيبا به وإنكارا له، وعندهم أن هذا ~~العالم لا يخرب، ولا تنشق السماوات ولا تنفطر، ولا تنكدر النجوم، ولا تكور ~~الشمس والقمر، ولا يقوم الناس من قبورهم ويبعثون إلى جنة ونار! كل هذا ~~عندهم أمثال مضروبة لتفهيم العوام، لا حقيقة لها في الخارج، كما يفهم منها ~~أتباع الرسل. فهذا إيمان هذه الطائفة - الذليلة الحقيرة - بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر. وهذه هي أصول الدين الخمسة. ### | [أصول المعتزلة الخمسة] # وقد أبدلتها المعتزلة بأصولهم الخمسة التي هدموا بها كثيرا من الدين: ~~فإنهم بنوا أصل دينهم على الجسم والعرض، الذي هو الموصوف والصفة عندهم، ~~واحتجوا بالصفات التي هي الأعراض، على حدوث الموصوف الذي هو الجسم، وتكلموا ~~في التوحيد على هذا الأصل، فنفوا عن الله كل صفة، تشبيها بالصفات الموجودة ~~في الموصوفات التي هي الأجسام، ثم تكلموا بعد ذلك في أفعاله التي هي القدر، ~~وسموا ذلك العدل، ثم تكلموا في النبوة والشرائع والأمر والنهي والوعد ~~والوعيد، وهي مسائل الأسماء والأحكام، التي هي المنزلة بين المنزلتين، ~~ومسألة إنفاذ الوعيد، ثم تكلموا في إلزام الغير بذلك، الذي هو الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه جواز الخروج على الأئمة بالقتال. فهذه ~~أصولهم الخمسة، التي وضعوها بإزاء أصول الدين الخمسة التي بعث بها الرسول. # PageV02P403 # والرافضة المتأخرون، جعلوا الأصول أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، ~~والإمامة. ### | [أصول أهل السنة تابعة لما جاء به الرسول] # وأصول أهل السنة والجماعة تابعة لما جاء به الرسول. # وأصل الدين: الإيمان بما جاء به الرسول، كما تقدم بيان ذلك، ولهذا كانت ~~الآيتان من آخر سورة البقرة - لما تضمنتا هذا الأصل -: لهما شأن عظيم ليس ~~لغيرهما، ففي ((الصحيحين)) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» . # وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «بينا جبريل قاعد عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms215 سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه، # PageV02P404 # فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، ~~فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر ~~بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، ~~لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته» . # وقال أبو طالب المكي: أركان الإيمان سبعة، يعني هذه الخمسة، والإيمان ~~بالقدر والإيمان بالجنة والنار. وهذا حق، والأدلة عليه ثابتة محكمة قطعية. ~~وقد تقدمت الإشارة إلى دليل التوحيد والرسالة. ### | [أصناف الملائكة وتنوع أعمالهم التي كلفوا بها] # وأما الملائكة فهم الموكلون بالسماوات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ~~ناشئة عن الملائكة، كما قال تعالى: {فالمدبرات أمرا} [النازعات: 5] . ~~{فالمقسمات أمرا} [الذاريات: 4] . وهم الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع ~~الرسل، وأما المكذبون بالرسل المنكرون للصانع فيقولون: هي النجوم. # وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة # PageV02P405 # بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ~~ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ~~ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال ~~في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ~~ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة ~~وعمارتها وغراسها وعمل آلاتها ملائكة. # فالملائكة أعظم جنود الله ومنهم: المرسلات عرفا والناشرات نشرا والفارقات ~~فرقا والملقيات ذكرا. # PageV02P406 # ومنهم: النازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا. # ومنهم: الصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا. ومعنى جمع التأنيث في ~~ذلك كله: الفرق والطوائف والجماعات، التي مفردها: فرقة وطائفة وجماعة. # ومنهم ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، ~~وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك ~~من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله تعالى. ### | [الملك رسول منفذ لأمر مرسله] # ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسله، فليس لهم من الأمر شيء، بل ~~الأمر كله للواحد القهار، وهم ينفذون أمره: " {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون - يعلم ms216 ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من ~~خشيته مشفقون} [النحل: 50] . # PageV02P407 # فهم عباد مكرمون، منهم الصافون، ومنهم المسبحون، ليس منهم إلا له مقام ~~معلوم، ولا يتخطاه، وهو على عمل قد أمر به، لا يقصر عنه ولا يتعداه، ~~وأعلاهم الذين عنده: " {لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون - يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون} [الأنبياء: 19 - 20] " [الأنبياء: 19 - 20] . # ورؤساؤهم الأملاك الثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، الموكلون بالحياة، ~~فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر ~~الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي ~~به حياة الخلق بعد مماتهم. # فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، ينزلون الأمر من ~~عنده في أقطار العالم، ويصعدون إليه بالأمر، قد أطت السماوات بهم، وحق لها ~~أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك # PageV02P408 # قائم أو راكع أو ساجد لله، ويدخل البيت المعمور منهم كل يوم سبعون ألفا ~~لا يعودون إليه آخر ما عليهم. ### | [آيات كثيرة وردت في ذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم] # والقرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم، فتارة يقرن الله تعالى ~~اسمه باسمهم، وصلاته بصلاتهم، ويضيفهم إليه في مواضع التشريف. # وتارة يذكر حفهم بالعرش وحملهم له، وبراءتهم من الذنوب، وتارة يصفهم ~~بالإكرام والكرم، والتقريب والعلو والطهارة والقوة والإخلاص. قال تعالى: ~~{كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285] . {شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو والملائكة وأولو العلم} [آل عمران: 18] . {هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الأحزاب: 43] . {الذين يحملون ~~العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} [غافر: ~~7] . {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم} [الزمر: 75] # PageV02P409 # [الأنبياء: 26] . {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون} [الأعراف: 206] . {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل ~~والنهار وهم لا يسأمون} [فصلت: 38] . {كراما كاتبين} [الانفطار: 11] . ~~{كرام بررة} [عبس: 16] . {يشهده المقربون} [المطففين: 21] . {لا يسمعون إلى ~~الملأ الأعلى} [الصافات: 8] . # وكذلك الأحاديث النبوية طافحة بذكرهم. فلهذا كان الإيمان ms217 بالملائكة أحد ~~الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان. ### | [مذاهب الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر] # وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وينسب إلى أهل ~~السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيل ~~الملائكة. # وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضل الأنبياء والأولياء، ومنهم من ~~يقف ولا يقطع في ذلك قولا. وحكي عن بعضهم ميلهم إلى تفضيل الملائكة. وحكي ~~ذلك عن غيرهم من أهل السنة وبعض الصوفية. # وقالت الشيعة: إن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة. ومن الناس من فصل ~~تفصيلا آخر. ولم يقل أحد ممن له قول يؤثر إن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء ~~دون بعض. وكنت ترددت في الكلام على هذه المسألة، لقلة ثمرتها، وأنها قريب ~~مما لا يعني، و «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . # PageV02P410 # والشيخ رحمه الله لم يتعرض إلى هذه المسألة بنفي ولا إثبات، ولعله يكون ~~قد ترك الكلام فيها قصدا، فإن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه وقف في الجواب ~~عنها على ما ذكره في مآل الفتاوى، فإنه ذكر مسائل لم يقطع أبو حنيفة فيها ~~بجواب، وعد منها: التفضيل بين الملائكة والأنبياء. # فإن الواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أي ~~الفريقين أفضل، فإن هذا لو كان من الواجبات لبين لنا نصا. وقد قال تعالى: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] . {وما كان ربك نسيا} [مريم: 64] . # وفي الصحيح: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد # PageV02P411 # حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء - رحمة بكم ~~غير نسيان - فلا تسألوا عنها» . # فالسكوت عن الكلام في هذه المسألة نفيا وإثباتا - والحالة هذه - أولى. # ولا يقال: إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب ~~والسنة، لأن الأدلة هنا متكافئة، على ما أشير إليه، إن شاء الله تعالى. ~~وحملني على بسط الكلام هنا: أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم: كان ~~الملك خادما للنبي صلى الله عليه وسلم! أو: إن بعض الملائكة خدام بني آدم! ~~! يعنون ms218 الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع، ~~المجانبة للأدب. # والتفضيل إذا كان على وجه التنقص أو الحمية والعصبية للجنس -: لا شك في ~~رده، وليس هذه [البقرة: 253] الآية. وقوله تعالى: # PageV02P412 # {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} [الإسراء: 55] . وقد تقدم الكلام في ~~ذلك عند قول الشيخ: وسيد المرسلين، يعني النبي صلى الله عليه وسلم. # والمعتبر رجحان الدليل، ولا يهجر القول لأن بعض أهل الأهواء وافق عليه، ~~بعد أن تكون المسألة مختلفا فيها بين أهل السنة. وقد كان أبو حنيفة رضي ~~الله عنه يقول أولا بتفضيل الملائكة على البشر، ثم قال بعكسه، والظاهر أن ~~القول بالتوقف أحد أقواله. # والأدلة في هذه المسألة من الجانبين إنما تدل على الفضل، لا على ~~الأفضلية، ولا نزاع في ذلك. # وللشيخ تاج الدين الفزاري رحمه الله مصنف سماه الإشارة في البشارة في ~~تفضيل البشر على الملك، قال في آخره: اعلم أن هذه المسألة من بدع علم ~~الكلام، التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة، ولا من بعدهم من أعلام ~~الأئمة، ولا يتوقف عليها أصل من أصول العقائد، ولا يتعلق بها من الأمور ~~الدينية كثير من المقاصد. ولهذا خلا # PageV02P413 # عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن، وامتنع من الكلام فيها جماعة من ~~الأعيان، وكل متكلم فيها من علماء الظاهر بعلمه، لم يخل كلامه عن ضعف ~~واضطراب. انتهى. # فمما استدل به على تفضيل الأنبياء على الملائكة: أن الله أمر الملائكة أن ~~يسجدوا لآدم، وذلك دليل على تفضيله عليهم، ولذلك امتنع إبليس واستكبر وقال، ~~{أرأيتك هذا الذي كرمت علي} [الإسراء: 62] . قال الآخرون: إن سجود الملائكة ~~كان امتثالا لأمر ربهم، وعبادة وانقيادا وطاعة له، وتكريما لآدم وتعظيما، ~~ولا يلزم من ذلك الأفضلية، كما لم يلزم من سجود يعقوب لابنه عليهما السلام ~~تفضيل ابنه عليه، ولا تفضيل الكعبة على بني آدم بسجودهم إليها امتثالا لأمر ~~ربهم. وأما امتناع إبليس، فإنه عارض النص برأيه وقياسه الفاسد بأنه خير ~~منه، وهذه المقدمة الصغرى، والكبرى محذوفة، تقديرها: والفاضل لا يسجد ~~للمفضول! وكلتا المقدمتين فاسدة: ms219 # أما الأولى: فإن التراب يفوق النار في أكثر صفاته، ولهذا خان إبليس ~~عنصره، فأبى واستكبر، فإن من صفات النار طلب العلو والخفة والطيش والرعونة، ~~وإفساد ما تصل إليه ومحقه وإهلاكه وإحراقه، ونفع آدم عنصره، في التوبة ~~والاستكانة، والانقياد والاستسلام لأمر الله، والاعتراف وطلب المغفرة، فإن ~~من صفات التراب الثبات والسكون والرصانة، والتواضع والخضوع والخشوع ~~والتذلل، وما دنا منه ينبت ويزكو، وينمي ويبارك فيه، ضد النار. # PageV02P414 # وأما المقدمة الثانية، - وهي: أن الفاضل لا يسجد للمفضول -: فباطلة، فإن ~~السجود طاعة لله وامتثال لأمره، ولو أمر الله عباده أن يسجدوا لحجر لوجب ~~عليهم الامتثال والمبادرة، ولا يدل ذلك على أن المسجود له أفضل من الساجد، ~~وإن كان فيه تكريمه وتعظيمه، وإنما يدل على فضله. قالوا: وقد يكون قوله: ~~{هذا الذي كرمت علي} [الإسراء: 62] بعد طرده لامتناعه عن السجود له، لا ~~قبله، فينتفي الاستدلال به. # ومنه: أن الملائكة لهم عقول وليست لهم شهوات، والأنبياء لهم عقول وشهوات، ~~فلما نهوا أنفسهم عن الهوى، ومنعوها عما تميل إليه الطباع، كانوا بذلك ~~أفضل. # وقال الآخرون: يجوز أن يقع من الملائكة من مداومة الطاعة وتحمل العبادة ~~وترك الونى والفتور فيها ما يفي بتجنب الأنبياء شهواتهم، مع طول مدة عبادة ~~الملائكة. # ومنه: أن الله تعالى جعل الملائكة رسلا إلى الأنبياء، وسفراء بينه ~~وبينهم. وهذا الكلام قد اعتل به من قال: إن الملائكة أفضل، واستدلالهم به ~~أقوى، فإن الأنبياء المرسلين، إن ثبت تفضيلهم على المرسل إليهم بالرسالة، ~~ثبت تفضيل الرسل من الملائكة إليهم عليهم، فإن الرسول الملكي يكون رسولا ~~إلى الرسول البشري. # ومنه: قوله تعالى: " {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31] الآيات ~~[البقرة: 31] . # PageV02P415 # قال الآخرون: وهذا دليل على الفضل لا على التفضيل، وآدم والملائكة لا ~~يعلمون إلا ما علمهم الله، وليس الخضر أفضل من موسى، بكونه علم ما لم يعلمه ~~موسى، وقد سافر موسى وفتاه في طلب العلم إلى الخضر، وتزود لذلك، وطلب موسى ~~منه العلم صريحا، وقال له الخضر: إنك على علم من علم الله، إلى آخر كلامه. ~~ولا الهدهد ms220 أفضل من سليمان عليه السلام، بكونه أحاط بما لم يحط به سليمان ~~علما. # ومنه: قوله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75] . # قال الآخرون: هذا دليل الفضل لا الأفضلية، وإلا لزم تفضيله على محمد صلى ~~الله عليه وسلم. فإن قلتم: هو من ذريته؟ فمن ذريته البر والفاجر، بل يوم ~~القيامة إذا قيل لآدم: «ابعث من ذريتك بعثا إلى النار، يبعث من كل ألف ~~تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدا إلى الجنة» . فما بال هذا التفضيل ~~سرى إلى هذا الواحد من الألف فقط. # PageV02P416 # ومنه: قول عبد الله بن سلام رضي الله عنه: ما خلق الله خلقا أكرم عليه من ~~محمد صلى الله عليه وسلم، الحديث، فالشأن في ثبوته وإن صح عنه فالشأن في ~~ثبوته في نفسه، فإنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات. # ومنه: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن الملائكة قالت: يا ربنا، أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ~~ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت ~~لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة؟ قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت ~~له: كن فكان» . أخرجه الطبراني. # وأخرجه عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل عن عروة بن رويم، أنه قال: ~~أخبرني الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة قالوا. . . . . ~~. .، الحديث، وفيه: وينامون ويستريحون، فقال الله تعالى: # PageV02P417 # لا، فأعادوا القول ثلاث مرات، كل ذلك يقول: لا. والشأن في ثبوتهما، فإن ~~في سندهما مقالا، وفي متنهما شيئا، فكيف يظن بالملائكة الاعتراض على الله ~~تعالى مرات عديدة؟ وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم {لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون} [الأنبياء: 27] وهل يظن بهم أنهم بأحوالهم متشوفون إلى ما ~~سواها من شهوات بني آدم؟ والنوم أخو الموت، فكيف يغبطونهم به؟ وكيف يظن بهم ~~أنهم يغبطونهم باللهو، وهو من الباطل؟ قالوا: بل الأمر بالعكس، فإن إبليس ~~إنما وسوس إلى آدم ودلاه بغرور، إذ أطمعه ms221 [الأعراف: 20] . فدل أن أفضلية ~~الملك أمر معلوم مستقر في الفطرة، يشهد لذلك قوله تعالى، حكاية عن النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن عند رؤية يوسف وقلن: {حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ~~ملك كريم} [يوسف: 31] . # وقال تعالى: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~لكم إني ملك} [الأنعام: 50] . # PageV02P418 # قال الأولون: إن هذا إنما كان لما هو مركوز في النفوس: أن الملائكة خلق ~~جميل عظيم، مقتدر على الأفعال الهائلة، خصوصا العرب، فإن الملائكة كانوا في ~~نفوسهم من العظمة بحيث قالوا إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم ~~علوا كبيرا. # ومنه قوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين} [آل عمران: 33] . # قال الآخرون: قد يذكر العالمون، ولا يقصد به العموم المطلق، بل في كل ~~مكان بحسبه، كما في قوله تعالى: {ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] . ~~{قالوا أولم ننهك عن العالمين} [الحجر: 70] . {أتأتون الذكران من العالمين} ~~[الشعراء: 165] . {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} [الدخان: 32] . # ومنه قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} ~~[البينة: 7] . والبرية: مشتقة من البرء، بمعنى الخلق، فثبت أن صالحي البشر ~~خير الخلق. # قال الآخرون: إنما صاروا خير البرية لكونهم آمنوا وعملوا الصالحات، ~~والملائكة في هذا الوصف أكمل، فإنهم لا يسأمون ولا يفترون، فلا يلزم أن ~~يكونوا خيرا من الملائكة. هذا على قراءة من قرأ " البريئة "، بالهمز وعلى ~~قراءة من قرأ بالياء، إن قلنا: إنها مخففة # PageV02P419 # من الهمزة، وإن قلنا: إنها نسبة إلى البرى وهو التراب، كما قاله الفراء ~~فيما نقله عنه الجوهري في الصحاح -: يكون المعنى: أنهم خير من خلق من ~~التراب، فلا عموم فيها إذا لغير من خلق من التراب. # قال الأولون: إنما تكلمنا في تفضيل صالحي البشر إذا كملوا، ووصلوا إلى ~~غايتهم وأقصى نهايتهم، وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة، ونالوا الزلفى، ~~وسكنوا الدرجات العلا، وحباهم الرحمن بمزيد قربه، وتجلى لهم ليستمتعوا ~~بالنظر إلى وجهه الكريم. # وقال الآخرون: الشأن في أنهم هل صاروا إلى ms222 حالة يفوقون فيها الملائكة أو ~~يساوونهم فيها؟ فإن كان قد ثبت أنهم يصيرون إلى حال يفوقون فيها الملائكة ~~سلم المدعى، وإلا فلا. # ومما استدل به على تفضيل الملائكة على البشر: قوله تعالى: {لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} [النساء: 172] . وقد ثبت ~~من طريق اللغة أن مثل هذا الكلام يدل على أن المعطوف أفضل من المعطوف عليه، ~~لأنه لا يجوز أن يقال: لن يستنكف الوزير أن يكون خادما للملك، ولا الشرطي ~~أو الحارس! وإنما يقال: لن يستنكف الشرطي أن يكون خادما للملك ولا الوزير. ~~ففي مثل هذا التركيب يترقى من الأدنى إلى الأعلى، فإذا ثبت تفضيلهم على # PageV02P420 # عيسى عليه السلام ثبت في حق غيره، إذ لم يقل أحد إنهم أفضل من بعض ~~الأنبياء دون بعض. # أجاب الآخرون بأجوبة، أحسنها، أو من أحسنها: أنه لا نزاع في فضل قوة ~~الملك وقدرته وشدته وعظم خلقه، وفي العبودية خضوع وذل وانقياد، وعيسى عليه ~~السلام لا يستنكف عنها ولا من هو أقدر منه وأقوى وأعظم خلقا، ولا يلزم من ~~مثل هذا التركيب الأفضلية المطلقة من كل وجه. # ومنه قوله تعالى: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا ~~أقول لكم إني ملك} [الأنعام: 50] . ومثل هذا يقال بمعنى: إني لو قلت ذلك ~~لادعيت فوق منزلتي، ولست ممن يدعي ذلك. # أجاب الآخرون: إن الكفار كانوا قد قالوا: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ~~ويمشي في الأسواق} [الفرقان: 7] . فأمر أن يقول لهم: إني بشر مثلكم أحتاج ~~إلى ما يحتاج إليه البشر من الاكتساب والأكل والشرب، لست من الملائكة الذين ~~لم يجعل الله لهم حاجة إلى الطعام والشراب، فلا يلزم حينئذ الأفضلية ~~المطلقة. # ومنه ما روى مسلم بإسناده، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن ~~الضعيف، وفي كل خير» . ومعلوم أن قوة البشر لا تداني قوة الملك ولا ~~تقاربها. # PageV02P421 # قال الآخرون. الظاهر أن المراد المؤمن من البشر - والله ms223 أعلم - فلا تدخل ~~الملائكة في هذا العموم. # ومنه ما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، «عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال فيما يروي عن ربه عز وجل، قال: يقول الله تعالى: أنا عند ~~ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ~~ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» ، الحديث. وهذا نص في الأفضلية. # قال الآخرون: يحتمل أن يكون المراد خيرا منه للمذكور لا الخيرية المطلقة. # ومنه ما رواه ابن خزيمة، بسنده في كتاب التوحيد عن أنس رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أنا جالس إذ جاء جبريل، فوكز ~~بين كتفي، فقمت إلى شجرة مثل وكري الطير، فقعد في إحداهما، وقعدت في ~~الأخرى، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب بصري، ولو شئت أن أمس ~~السماء مسيت، فنظرت إلى جبريل كأنه حلس # PageV02P422 # لاطئ، فعرفت فضل علمه بالله علي» # قال الآخرون: في سنده مقال فلا نسلم الاحتجاج به إلا بعد ثبوته. وحاصل ~~الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل. ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل ~~الأصول، وتوقف أبو حنيفة رضي الله عنه في الجواب عنها، كما تقدم. والله ~~أعلم بالصواب. ### | [وجوب الإيمان بمن سمى الله في كتابه من رسله وأنبيائه] # وأما الأنبياء والمرسلون، فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من ~~رسله، والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلا سواهم وأنبياء، لا يعلم أسماءهم ~~وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم. # فعلينا الإيمان بهم جملة لأنه لم يأت في عددهم نص. وقد قال تعالى: {ورسلا ~~قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك} [النساء: 164] . وقال تعالى: ~~{ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} ~~[غافر: 78] . # وعلينا الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به، ~~وأنهم بينوه بيانا لا يسع أحدا ممن أرسلوا إليه جهله، ولا يحل له خلافه. ~~قال تعالى: {فهل على ms224 الرسل إلا البلاغ المبين} [النحل: 35] # PageV02P423 # [النحل: 82] . {وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين} ~~[النور: 54] . {وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين} ~~[التغابن: 12] . ### | [أولو العزم من الرسل] # وأما أولو العزم من الرسل. فقد قيل فيهم أقوال أحسنها: ما نقله البغوي ~~وغيره عن ابن عباس وقتادة: أنهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد، صلوات ~~الله وسلامه عليهم. قال: وهم المذكورون في قوله تعالى: {وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} [الأحزاب: 7] ~~. وفي قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: ~~13] . # وأما الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فتصديقه واتباع ما جاء به من ~~الشرائع إجمالا وتفصيلا. ### | [الإيمان بما سمى الله من الكتب المنزلة] # وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين، فنؤمن بما سمى الله تعالى ~~منها في كتابه، من التوراة والإنجيل والزبور، ونؤمن بأن لله # PageV02P424 # تعالى سوى ذلك كتبا أنزلها على أنبيائه، لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله ~~تعالى. # وأما الإيمان بالقرآن، فالإقرار به، واتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على ~~الإيمان بغيره من الكتب. فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله ~~أتتهم من عند الله، وأنها حق وهدى ونور وبيان وشفاء. قال تعالى: {قولوا ~~آمنا بالله وما أنزل إلينا} [البقرة: 136] . {الم الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم} [آل عمران: 1 - 2] . {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} [البقرة: ~~285] # [النساء: 82] . إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تكلم بها، ~~وأنها نزلت من عنده. وفي ذلك إثبات صفة الكلام والعلو. وقال تعالى: {كان ~~الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق} [البقرة: 213] . # PageV02P425 # {وإنه لكتاب عزيز - لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~حكيم حميد} [سبأ: 6] . {ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في ~~الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57] . {قل هو للذين آمنوا هدى ms225 وشفاء} ~~[فصلت: 44] . {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} [التغابن: 8] . ~~وأمثال ذلك كثيرة في القرآن. ### | [أهل القبلة مسلمون مؤمنون] # قوله: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين) . ش: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو ~~المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا» . ويشير الشيخ رحمه الله بهذا الكلام ~~إلى أن الإسلام والإيمان واحد، وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب ~~الذنب ما لم يستحله. # والمراد بقوله: " أهل قبلتنا "، من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة # PageV02P426 # وإن كان من أهل الأهواء، أو من أهل المعاصي، ما لم يكذب بشيء مما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. وسيأتي الكلام على هذين المعنيين عند قول ~~الشيخ: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله. وعند قوله: ~~والإسلام والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء. ### | [الكف عن كلام المتكلمين الباطل وذم علمهم لأنهم يتكلمون في الإله بغير علم] # قوله: (ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله) . ش: يشير الشيخ رحمه ~~الله إلى الكف عن كلام المتكلمين الباطل، وذم علمهم، فإنهم يتكلمون في ~~الإله بغير علم وغير سلطان أتاهم. {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى} [النجم: 23] . # وعن أبي حنيفة رحمه الله، أنه قال: لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله ~~بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسه. وقال بعضهم: الحق سبحانه يقول: من ألزمته ~~القيام مع أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب، ومن كشفت له حقيقة ذاتي ألزمته ~~العطب، فاختر الأدب أو العطب. ويشهد لهذا: أنه سبحانه لما كشف للجبل عن ~~ذاته ساخ الجبل وتدكدك ولم يثبت على عظمة الذات. قال الشبلي: الانبساط ~~بالقول مع الحق ترك الأدب. # PageV02P427 # وقوله: ولا نماري في دين الله. معناه: لا نخاصم أهل الحق بإلقاء شبهات ~~أهل الأهواء عليهم، التماسا لامترائهم وميلهم، لأنه في معنى الدعاء إلى ~~الباطل، وتلبيس الحق، وإفساد ms226 دين الإسلام. ### | [النهي عن الجدال في القرآن] # قوله: (ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح ~~الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه وسلم. وهو كلام الله ~~تعالى، لا يساويه شيء من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة ~~المسلمين) . # ش: فقوله ولا نجادل في القرآن، يحتمل أنه أراد: أنا لا نقول فيه كما قال ~~أهل الزيغ واختلفوا، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، بل نقول: إنه كلام ~~رب العالمين، نزل به الروح الأمين، إلى آخر كلامه. # ويحتمل أنه أراد: أنا لا نجادل في القراءة الثابتة، بل نقرؤه بكل ما ثبت ~~وصح. وكل من المعنيين حق. يشهد بصحة المعنى الثاني، ما روي عن عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه، أنه قال: «سمعت رجلا قرأ آية سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فعرفت في وجهه الكراهة، وقال: كلاكما محسن، لا ~~تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» رواه مسلم. # نهى صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين # PageV02P428 # ما مع صاحبه من الحق، لأن كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه، وعلل ذلك ~~بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا. ولهذا قال حذيفة رضي الله عنه، لعثمان ~~رضي الله عنه: «أدرك هذه الأمة لا تختلف كما اختلفت الأمم قبلهم» . فجمع ~~الناس على حرف واحد اجتماعا سائغا. وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة، ولم ~~يكن في ذلك ترك لواجب، ولا فعل لمحظور، إذ كانت قراءة القرآن على سبعة أحرف ~~جائزة لا واجبة، رخصة من الله تعالى، وقد جعل الاختيار إليهم في أي حرف ~~اختاروه. # كما أن ترتيب السور لم يكن واجبا عليهم منصوصا. ولهذا كان ترتيب مصحف عبد ~~الله على غير ترتيب المصحف العثماني، وكذلك مصحف غيره. وأما ترتيب آيات ~~السور فهو ترتيب منصوص عليه، فلم يكن لهم أن يقدموا آية على آية، بخلاف ~~السور، فلما ms227 رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إن لم تجتمع على ~~حرف واحد، جمعهم # PageV02P429 # الصحابة عليه. هذا قول جمهور السلف من العلماء والقراء. قاله ابن جرير ~~وغيره. # منهم من يقول: إن الترخص في الأحرف السبعة كان في أول الإسلام، لما في ~~المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولا، فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة، ~~وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيرا عليهم، وهو أوفق لهم -: أجمعوا على الحرف ~~الذي كان في العرضة الأخيرة. # وذهب طوائف من الفقهاء وأهل الكلام إلى أن المصحف يشتمل على الأحرف ~~السبعة لأنه لا يجوز أن يهمل شيء من الأحرف السبعة. وقد اتفقوا على نقل ~~المصحف العثماني. وترك ما سواه. وقد تقدمت الإشارة إلى الجواب، وهو: أن ذلك ~~كان جائزا لا واجبا، أو أنه صار منسوخا. # وأما من قال عن ابن مسعود: إنه كان يجوز القراءة بالمعنى! فقد كذب عليه، ~~وإنما قال: قد نظرت إلى القراء فرأيت قراءتهم متقاربة، وإنما هو كقول ~~أحدكم: هلم، وأقبل، وتعال، فاقرءوا كما علمتم. أو كما قال. # والله تعالى قد أمرنا أن لا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # PageV02P430 # إلا الذين ظلموا منهم، فكيف بمناظرة أهل القبلة؟ فإن أهل القبلة من حيث ~~الجملة خير من أهل الكتاب، فلا يجوز أن يناظر من لم يظلم منهم إلا بالتي هي ~~أحسن، وليس إذا أخطأ يقال: إنه كافر، قبل أن تقام عليه الحجة التي حكم ~~الرسول بكفر من تركها. والله تعالى قد عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان. ~~ولهذا ذم السلف أهل الأهواء، وذكروا أن آخر أمرهم السيف. وسيأتي لهذا ~~المعنى زيادة بيان، إن شاء الله تعالى، عند قول الشيخ: ونرى الجماعة حقا ~~وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا. # وقوله: ونشهد أنه كلام رب العالمين، قد تقدم الكلام على هذا المعنى عند ~~قوله: وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا. # وقوله: نزل به الروح الأمين هو جبريل عليه السلام، سمي روحا لأنه حامل ~~الوحي الذي به حياة القلوب إلى الرسل من البشر صلوات الله عليهم ms228 أجمعين، ~~وهو أمين حق أمين، صلوات الله عليه. قال تعالى: {نزل به الروح الأمين - على ~~قلبك لتكون من المنذرين - بلسان عربي مبين} [الشعراء: 193 - 195] # PageV02P431 # [الشعراء: 193 - 195] . وقال تعالى: {إنه لقول رسول كريم - ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين - مطاع ثم أمين} [التكوير: 19 - 21] # [التكوير: 19 - 21] . وهذا وصف جبريل. بخلاف قوله تعالى: {إنه لقول رسول ~~كريم - وما هو بقول شاعر} [الحاقة: 40 - 41] # [الحاقة: 40 - 41] الآيات. فإن الرسول هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم. # وقوله: فعلمه سيد المرسلين، تصريح بتعليم جبريل إياه، إبطالا لتوهم ~~القرامطة وغيرهم أنه تصوره في نفسه إلهاما. # وقوله: ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين، تنبيه على أن من قال ~~بخلق القرآن فقد خالف جماعة المسلمين، فإن سلف الأمة كلهم متفقون على أن ~~القرآن كلام الله بالحقيقة غير مخلوق، بل قوله: ولا نخالف جماعة المسلمين، ~~مجرى على إطلاقه: أنا لا نخالف جماعة المسلمين في جميع ما اتفقوا عليه فإن ~~خلافهم زيغ وضلال وبدعة. ### | [الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب] ### | [لا يجوز تكفير المسلم بذنب لم يستحله] # قوله. (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر ~~مع الإيمان ذنب لمن عمله) . ش: أراد بأهل القبلة الذين تقدم ذكرهم في قوله: ~~ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على ~~الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب. # واعلم - رحمك الله وإيانا - أن باب التكفير وعدم التكفير، باب عظمت ~~الفتنة والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتتت فيه الأهواء والآراء، ~~وتعارضت فيه دلائلهم. فالناس فيه، في جنس تكفير أهل # PageV02P432 # المقالات والعقائد الفاسدة، المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس ~~الأمر، أو المخالفة لذلك في اعتقادهم، على طرفين ووسط، من جنس الاختلاف في ~~تكفير أهل الكبائر العملية. # فطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدا، فتنفي التكفير نفيا عاما، مع ~~العلم بأن في أهل القبلة المنافقين، الذين فيهم من هو أكفر من اليهود ~~والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ms229 ذلك حيث يمكنهم، ~~وهم يتظاهرون بالشهادتين. # وأيضا: فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة ~~المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك، فإنه يستتاب، فإن تاب، ~~وإلا قتل كافرا مرتدا. والنفاق والردة مظنتهما البدع والفجور، كما ذكره ~~الخلال في كتاب السنة، بسنده إلى محمد بن سيرين، أنه قال: إن أسرع الناس ~~ردة أهل الأهواء، وكان يرى هذه الآية نزلت فيهم: {وإذا رأيت الذين يخوضون ~~في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} [الأنعام: 68] . # ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدا # PageV02P433 # بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب، كما تفعله الخوارج. وفرق بين النفي ~~العام ونفي العموم. والواجب إنما هو نفي العموم، مناقضة لقول الخوارج الذين ~~يكفرون بكل ذنب. # ولهذا - والله أعلم - قيده الشيخ رحمه الله [بقوله] : ما لم يستحله. وفي ~~قوله: ما لم يستحله إشارة إلى أن مراده من هذا النفي العام لكل ذنب، الذنوب ~~العملية لا العلمية. وفيه إشكال فإن الشارع لم يكتف من المكلف في العمليات ~~بمجرد العمل دون العلم، ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل، وليس العمل ~~مقصورا على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح ~~تبع. إلا أن يضمن قوله: يستحله بمعنى: يعتقده، أو نحو ذلك. # وقوله: ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله. . . إلى آخر كلامه، رد ~~على المرجئة، فإنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر ~~طاعة. فهؤلاء في طرف، والخوارج في طرف، فإنهم يقولون نكفر المسلم بكل ذنب، ~~أو بكل ذنب كبير، وكذلك المعتزلة الذين يقولون يحبط إيمانه كله بالكبيرة، ~~فلا يبقى معه شيء من الإيمان. لكن الخوارج يقولون: يخرج من الإيمان ويدخل ~~في الكفر! والمعتزلة يقولون: يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، وهذه ~~المنزلة بين المنزلتين! ! وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في ~~النار! . # PageV02P434 # وطوائف من أهل الكلام والفقه والحديث لا يقولون ذلك في الأعمال، لكن في ~~الاعتقادات البدعية، وإن كان صاحبها ms230 متأولا، فيقولون: يكفر كل من قال هذا ~~القول، لا يفرقون بين المجتهد المخطئ وغيره، أو يقولون: يكفر كل مبتدع. ~~وهؤلاء يدخل عليهم في هذا الإثبات العام أمور عظيمة، فإن النصوص المتواترة ~~قد دلت على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ونصوص الوعد ~~التي يحتج بها هؤلاء تعارض نصوص الوعيد التي يحتج بها أولئك. # والكلام في الوعيد مبسوط في موضعه. وسيأتي بعضه عند الكلام على قول ~~الشيخ: وأهل الكبائر في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون. # والمقصود هنا: أن البدع هي من هذا الجنس، فإن الرجل يكون مؤمنا باطنا ~~وظاهرا، لكن تأول تأويلا أخطأ فيه، إما مجتهدا وإما مفرطا مذنبا، فلا يقال ~~إن إيمانه حبط بمجرد ذلك، إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي، بل هذا من جنس قول ~~الخوارج والمعتزلة، ولا نقول: لا يكفر، بل العدل هو الوسط، وهو: أن الأقوال ~~الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما أثبته الرسول، أو إثبات ما نفاه، ~~أو الأمر بما نهى عنه، أو النهي عما أمر به -: يقال فيها الحق، ويثبت لها ~~الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها كفر، ويقال: من قالها فهو كافر، ~~ونحو ذلك، كما يذكر من الوعيد في الظلم في النفوس والأموال، وكما قد قال ~~كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في ~~الآخرة، ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها. وعن أبي يوسف رحمه الله، أنه قال: ~~ناظرت أبا حنيفة رحمه الله مدة، حتى اتفق رأيي # PageV02P435 # ورأيه: أن من قال بخلق القرآن فهو كافر. ### | [من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له] # وأما الشخص المعين، إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ ~~فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد ~~على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار، فإن هذا حكم ~~الكافر بعد الموت. ولهذا ذكر أبو داود في ms231 سننه في كتاب الأدب: " باب النهي ~~عن البغي "، وذكر فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما ~~يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، ~~فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب، فقال له: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت ~~علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة، فقبض ~~أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما؟ أو ~~كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل # PageV02P436 # الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار» . قال أبو هريرة: والذي ~~نفسي بيده، لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. وهو حديث حسن. # ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له، أو يمكن أن يكون ~~ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات ~~أوجبت له رحمة الله، كما غفر للذي قال: إذا مت فاسحقوني ثم ذروني، ثم غفر ~~الله له لخشيته، وكان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته، أو شك في ذلك. ~~لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا، لمنع بدعته، ~~وأن نستتيبه، فإن تاب وإلا قتلناه. # ثم إذا كان القول في نفسه كفرا قيل: إنه كفر والقائل له يكفر بشروط ~~وانتفاء موانع، ولا يكون ذلك إلا إذا صار منافقا زنديقا. فلا يتصور أن يكفر ~~أحد من أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا. وكتاب الله ~~يبين ذلك، فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف: صنف: كفار من المشركين ومن ~~أهل الكتاب، وهم الذين لا يقرون بالشهادتين. وصنف: مؤمنون باطنا وظاهرا. ~~وصنف أقروا به # PageV02P437 # ظاهرا لا باطنا. وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة. وكل من ~~ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقرا بالشهادتين. فإنه لا يكون إلا زنديقا، ~~والزنديق هو المنافق. # وهنا يظهر غلط الطرفين، فإنه ms232 من كفر كل من قال القول المبتدع في الباطن، ~~يلزمه أن يكفر أقواما ليسوا في الباطن منافقين، بل هم في الباطن يحبون الله ~~ورسوله ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين، كما ثبت في صحيح البخاري، ~~عن أسلم مولى عمر [رضي الله عنه] ، عن عمر: «أن رجلا كان على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان اسمه: عبد الله، وكان يلقب: حمارا، وكان يضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلده من الشراب، ~~فأتي به يوما، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه! ما أكثر ما ~~يؤتى به! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه، فإنه يحب الله ~~ورسوله» وهذا أمر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين، وفيهم ~~بعض مقالات الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج. ولكن ~~الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين # PageV02P438 # بجملة تلك البدعة، بل بفرع منها. ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء لطوائف من ~~السلف المشاهير. ### | [أهل البدع يكفر بعضهم بعضا وأهل السنة والجماعة يخطئون ولا يكفرون] # فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ~~ولا يكفرون. # ولكن بقي هنا إشكال يرد على كلام الشيخ رحمه الله، وهو: أن الشارع قد سمى ~~بعض الذنوب كفرا، قال الله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 44] . وقال صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، ~~وقتاله كفر» . متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» . # PageV02P439 # و «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر - فقد باء بها أحدهما» . متفق عليهما من ~~حديث ابن عمر رضي الله عنهما. # وقال صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت ~~فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها. إذا حدث كذب، وإذا وعد ~~أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» ms233 . متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو ~~رضي الله عنهما. # PageV02P440 # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة ~~معروضة بعد» . وقال صلى الله عليه وسلم: «بين المسلم وبين الكفر ترك ~~الصلاة» . رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه. # وقال صلى الله عليه وسلم: «من أتى كاهنا فصدقه، أو أتى امرأة في دبرها، ~~فقد كفر بما أنزل على محمد» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد كفر» . رواه الحاكم بهذا ~~اللفظ. # PageV02P441 # وقال صلى الله عليه وسلم: «ثنتان في أمتي هما كفر: الطعن في النسب، ~~والنياحة على الميت» . ونظائر ذلك كثيرة. # والجواب: أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ~~ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفرا ينقل عن الملة ~~لكان مرتدا يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في ~~الزنا والسرقة وشرب الخمر! وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين ~~الإسلام. # ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا ~~يستحق الخلود مع الكافرين، كما قالت المعتزلة. فإن قولهم باطل أيضا، إذ قد ~~جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين، قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] إلى أن قال: {فمن عفي له من أخيه ~~شيء فاتباع بالمعروف} [البقرة: 178] . فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، ~~وجعله أخا لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب. وقال تعالى: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9] إلى أن قال: ~~{إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] . # PageV02P442 # ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا ~~يقتل، بل يقام عليه الحد، فدل على أنه ليس بمرتد. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كانت عنده ~~لأخيه اليوم مظلمة من عرض أو شيء ms234 فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون درهم ~~ولا دينار، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات ~~أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه، ثم ألقي في النار» . أخرجاه في ~~((الصحيحين)) . # فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي المظلوم منها حقه. وكذلك ثبت في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما تعدون المفلس فيكم؟ ~~قالوا: المفلس فينا من لا له درهم ولا دينار، قال: المفلس من يأتي يوم ~~القيامة وله حسنات أمثال الجبال، قد شتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، ~~وقذف هذا، وضرب هذا، فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت ~~حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» . ~~رواه مسلم. # وقد قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] # PageV02P443 # [هود: 114] . فدل ذلك على أنه في حال إساءته يعمل حسنات تمحو سيئاته. ~~وهذا مبسوط في موضعه. # والمعتزلة موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة، فإنهم وافقوهم على أن ~~مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لكن قالت الخوارج. نسميه كافرا، وقالت ~~المعتزلة: نسميه فاسقا، فالخلاف بينهم لفظي فقط. # وأهل السنة أيضا متفقون على أنه يستحق الوعيد المرتب على ذلك الذنب، كما ~~وردت به النصوص. لا كما يقوله المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا ~~ينفع مع الكفر طاعة! وإذا اجتمعت نصوص الوعد التي استدلت بها المرجئة، ~~ونصوص الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة -: تبين لك فساد القولين! ~~ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد مذهب ~~الطائفة الأخرى. ### | [الكفر نوعان اعتقادي وعملي] # ثم بعد هذا الاتفاق بين أهل السنة اختلفوا خلافا لفظيا، لا يترتب عليه ~~فساد، وهو: أنه هل يكون الكفر على مراتب، كفرا دون كفر؟ كما اختلفوا: هل ~~يكون الإيمان على مراتب، إيمانا دون إيمان؟ وهذا اختلاف نشأ من اختلافهم في ~~مسمى الإيمان: هل هو قول وعمل يزيد وينقص، أم لا؟ بعد اتفاقهم على أن من ms235 ~~سماه الله تعالى ورسوله كافرا نسميه كافرا، إذ من الممتنع أن يسمي الله ~~سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا، ويسمي رسوله من تقدم ذكره كافرا - ~~ولا نطلق عليهما اسم الكفر. ولكن من قال: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ~~قال: # PageV02P444 # هو كفر عملي لا اعتقادي، والكفر عنده على مراتب، كفر دون كفر، كالإيمان ~~عنده. # ومن قال: إن الإيمان هو التصديق، ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان، والكفر ~~هو الجحود، ولا يزيدان ولا ينقصان، قال: هو كفر مجازي غير حقيقي، إذ الكفر ~~الحقيقي هو الذي ينقل عن الملة. وكذلك يقول في تسمية بعض الأعمال بالإيمان، ~~كقوله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] أي صلاتكم إلى ~~بيت المقدس، إنها سميت إيمانا مجازا، لتوقف صحتها عن الإيمان، أو لدلالتها ~~على الإيمان، إذ هي دالة على كون مؤديها مؤمنا. ولهذا يحكم بإسلام الكافر ~~إذا صلى صلاتنا. فليس بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب الذنوب، إذا كانوا ~~مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول وما تواتر عنهم أنهم من أهل الوعيد. ~~ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار، كالخوارج والمعتزلة. ~~ولكن أردأ ما في ذلك التعصب من بعضهم، وإلزامه لمن يخالف قوله بما لا ~~يلزمه، والتشنيع عليه! وإذا كنا مأمورين بالعدل في مجادلة الكافرين، وأن ~~يجادلوا بالتي هي أحسن، فكيف لا يعدل بعضنا على بعض في مثل هذا الخلاف؟ ! ~~قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم ~~شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [المائدة: 8] الآية. ~~[المائدة: 8] # PageV02P445 # وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ~~ينقل عن الملة، وقد يكون معصية: كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرا: إما مجازيا، ~~وإما كفرا أصغر، على القولين المذكورين. وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن ~~اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع ~~تيقنه أنه حكم الله -: فهذا كفر أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما ms236 أنزل الله، ~~وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ~~ويسمى كافرا كفرا مجازيا، أو كفرا أصغر. وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل ~~جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطئ، له أجر على اجتهاده، ~~وخطؤه مغفور. # وأراد الشيخ رحمه الله بقوله: ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله - ~~مخالفة المرجئة. وشبهتهم كانت قد وقعت لبعض الأولين، فاتفق الصحابة على ~~قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك. فإن قدامة بن مظعون شرب الخمر بعد تحريمها هو ~~وطائفة، وتأولوا قوله تعالى: # PageV02P446 # {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات} [المائدة: 93] الآية. فلما ذكروا ذلك لعمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن ~~اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا. وقال عمر لقدامة: ~~أخطأت استك الحفرة، أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر. # وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب أن الله سبحانه لما حرم الخمر، وكان تحريمها ~~بعد وقعة أحد، قال بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون ~~الخمر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، بين فيها # PageV02P447 # أن من طعم الشيء في الحال التي لم يحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من ~~المؤمنين المتقين المصلحين، كما كان من أمر استقبال بيت المقدس. ثم إن ~~أولئك الذين فعلوا ذلك ندموا وعلموا أنهم أخطأوا وأيسوا من التوبة. فكتب ~~عمر إلى قدامة يقول له: {حم - تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم - غافر ~~الذنب وقابل التوب شديد العقاب} [غافر: 1 - 3] # [غافر: 1 - 3] . ما أدري أي ذنبيك أعظم؟ استحلالك المحرم أولا؟ أم يأسك ~~من رحمة الله ثانيا؟ وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة ~~الإسلام. ### | [ما ينبغي على المؤمن أن يعتقده] ### | [ما ينبغي على المؤمن أن يعتقده في حق نفسه وفي حق غيره] # قوله: (ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ~~ولا ms237 نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئيهم، ونخاف عليهم، ولا ~~نقنطهم) . ش: وعلى المؤمن أن يعتقد هذا الذي قاله الشيخ رحمه الله في حق ~~نفسه وفي حق غيره. قال تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ~~أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: ~~57] . وقال تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175] . ~~وقال تعالى: {وإياي فاتقون} [البقرة: 41] . {وإياي فارهبون} [البقرة: 40] . ~~{فلا تخشوا الناس واخشون} [المائدة: 44] . ومدح أهل الخوف، فقال تعالى: {إن ~~الذين هم من خشية ربهم مشفقون - والذين هم بآيات ربهم يؤمنون - والذين هم ~~بربهم لا يشركون - والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ~~- أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} [المؤمنون: 57 - 61] # [المؤمنون: 57 - 61] . وفي المسند والترمذي «عن عائشة رضي الله عنها، ~~قالت: قلت: يا رسول # PageV02P448 # الله، الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة [المؤمنون: 60] أهو الذي يزني ~~ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: لا، يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ~~ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه» . قال الحسن رضي الله عنه: عملوا - والله - ~~بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانا ~~وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا. انتهى. # وقد قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم} [البقرة: 218] . فتأمل كيف جعل ~~رجاءهم مع إيمانهم بهذه الطاعات؟ فالرجاء إنما يكون مع الإتيان بالأسباب ~~التي اقتضتها حكمة الله تعالى، شرعه وقدره وثوابه وكرامته. ولو أن رجلا له ~~أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه، فأهملها ولم يحرثها ولم يبذرها، ~~ورجا أنه يأتي من مغلها مثل ما يأتي من حرث وزرع وتعاهد الأرض -: لعده ~~الناس من أسفه السفهاء! وكذا لو رجا وحسن ظنه أن يجيئه ولد من غير جماع! أو ~~يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب العلم وحرص تام! وأمثال ذلك. فكذلك من حسن ~~ظنه وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلى والنعيم المقيم، من غير طاعة ولا ms238 ~~تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ### | [من رجا شيئا استلزم رجاؤه أمورا] # ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا استلزم رجاؤه أمورا: # PageV02P449 # أحدها: محبة ما يرجوه. # الثاني: خوفه من فواته. # الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان. # وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك، فهو من باب الأماني، والرجاء شيء ~~والأماني شيء آخر. فكل راج خائف، والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير، ~~مخافة الفوات. # وقال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~[النساء: 48] # [النساء: 48 و 116] . فالمشرك لا ترجى له المغفرة، لأن الله نفى عنه ~~المغفرة، وما سواه من الذنوب في مشيئة الله، إن شاء الله غفر له، وإن شاء ~~عذبه. # وفي معجم الطبراني: عند الله يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفر ~~الله منه شيئا، وهو الشرك بالله، ثم قرأ: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} ~~[النساء: 48] # [النساء: 48 و 116] . وديوان لا يترك الله منه شيئا، وهو مظالم العباد ~~بعضهم بعضا. وديوان لا يعبأ الله به، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه. # وقد اختلفت عبارات العلماء في الفرق بين الكبائر والصغائر، وستأتي ~~الإشارة إلى ذلك عند قول الشيخ رحمه الله: وأهل الكبائر من أمة محمد في ~~النار لا يخلدون. # PageV02P450 # ولكن ثم أمر ينبغي التفطن له، وهو: أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء ~~والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة ~~الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر. وهذا ~~أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ~~ذلك من نفسه وغيره. ### | [سقوط العقوبة عن المسيء بأحد عشر سببا] # وأيضا: فإنه قد يعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، فإن فاعل ~~السيئات تسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب، عرفت بالاستقراء من الكتاب ~~والسنة: # السبب الأول: التوبة، قال تعالى: {إلا من تاب} [مريم: 60، والفرقان 70] . ~~{إلا الذين تابوا} [البقرة: 160] # [البقرة: 160] . والتوبة النصوح، وهي الخالصة، لا يختص ms239 بها ذنب دون ذنب، ~~لكن هل تتوقف صحتها على أن تكون عامة؟ حتى لو تاب من ذنب وأصر على آخر لا ~~تقبل؟ والصحيح أنها تقبل. وهل يجب الإسلام ما قبله من الشرك وغيره من ~~الذنوب وإن لم يتب منها؟ أم لا بد مع الإسلام من التوبة من غير الشرك؟ حتى ~~لو أسلم وهو مصر على الزنا وشرب الخمر مثلا، هل يؤاخذ بما كان منه في كفره ~~من الزنا وشرب الخمر؟ أم لا بد أن يتوب من ذلك الذنب مع إسلامه؟ أو يتوب ~~توبة عامة من كل ذنب؟ وهذا هو الأصح: أنه لا بد من التوبة مع الإسلام، وكون ~~التوبة سببا لغفران الذنوب وعدم المؤاخذة بها - مما لا خلاف فيه بين الأمة، ~~وليس شيء # PageV02P451 # يكون سببا لغفران جميع الذنوب إلا التوبة، قال تعالى: {قل ياعبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه ~~هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53] وهذا لمن تاب، ولهذا قال: {لا تقنطوا} ~~[الزمر: 53] وقال بعدها: {وأنيبوا إلى ربكم} [الزمر: 54] الآية [الزمر: 54] ~~. # السبب الثاني: الاستغفار، قال تعالى: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} ~~[الأنفال: 33] . لكن الاستغفار تارة يذكر وحده، وتارة يقرن بالتوبة، فإن ~~ذكر وحده دخل معه التوبة، كما إذا ذكرت التوبة وحدها شملت الاستغفار. ~~فالتوبة تتضمن الاستغفار، والاستغفار يتضمن التوبة، وكل واحد منهما يدخل في ~~مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، ~~فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه ~~في المستقبل من سيئات أعماله. ونظير هذا: الفقير والمسكين، إذا ذكر أحد ~~اللفظين شمل الآخر، وإذا ذكرا معا كان لكل منهما معنى. قال تعالى: {إطعام ~~عشرة مساكين} [المائدة: 89] . {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] . {وإن ~~تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271] . لا خلاف أن كل واحد ~~من الاسمين في هذه الآيات لما أفرد شمل المقل والمعدم، ولما قرن أحدهما ~~بالآخر في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] ~~الآية [التوبة: 60]-: كان المراد بأحدهما المقل، والآخر ms240 المعدم، على خلاف ~~فيه. # PageV02P452 # وكذلك: الإثم والعدوان، والبر والتقوى، والفسوق والعصيان. ويقرب من هذا ~~المعنى: الكفر والنفاق، فإن الكفر أعم، فإذا ذكر الكفر شمل النفاق، وإن ~~ذكرا معا كان لكل منهما معنى. وكذلك الإيمان والإسلام، على ما يأتي الكلام ~~فيه، إن شاء الله تعالى. # السبب الثالث: الحسنات: فإن الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها، فالويل ~~لمن غلبت آحاده أعشاره وقال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] ~~. وقال صلى الله عليه وسلم: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» . # السبب الرابع: المصائب الدنيوية قال صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المؤمن ~~من وصب ولا نصب، ولا غم ولا هم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها - إلا كفر بها ~~من خطاياه» . وفي المسند: أنه لما نزل قوله تعالى: # PageV02P453 # {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: 123]- «قال أبو بكر: يا رسول الله، نزلت ~~قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءا؟ فقال: يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ~~ألست يصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به» . فالمصائب نفسها، مكفرة، وبالصبر ~~عليها يثاب العبد، وبالتسخط يأثم. فالصبر والتسخط أمر آخر غير المصيبة، ~~فالمصيبة من فعل الله لا من فعل العبد، وهي جزاء من الله للعبد على ذنبه، ~~ويكفر ذنبه بها، وإنما يثاب المرء ويأثم على فعله، والصبر والسخط من فعله، ~~وإن كان الثواب والأجر قد يحصل بغير عمل من العبد، بل هدية من الغير، أو ~~فضلا من الله من غير سبب، قال تعالى: {ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء: ~~40] . فنفس المرض جزاء وكفارة لما تقدم. # PageV02P454 # وكثيرا ما يفهم من الأجر غفران الذنوب، وليس ذلك مدلوله، وإنما يكون من ~~لازمه. # السبب الخامس: عذاب القبر. ويأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. # السبب السادس: دعاء المؤمنين واستغفارهم في الحياة وبعد الممات. # السبب السابع: ما يهدى إليه بعد الموت من ثواب صدقة أو قراءة أو حج، ونحو ~~ذلك، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. # السبب الثامن: أهوال يوم القيامة وشدائده. # السبب التاسع: ما ثبت في ((الصحيحين)) : «أن المؤمنين إذا عبروا الصراط ~~وقفوا على ms241 قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا ~~أذن لهم في دخول الجنة» . # السبب العاشر: شفاعة الشافعين، كما تقدم عند ذكر الشفاعة وأقسامها. # السبب الحادي عشر: عفو أرحم الراحمين للذنوب من غير شفاعة، كما قال ~~تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] # [النساء: 4 8، و 116] . فإن كان ممن لم يشأ الله أن يغفر له لعظم جرمه، ~~فلا بد من دخوله إلى الكير، ليخلص طيب إيمانه من خبث معاصيه، فلا يبقى في ~~النار من في # PageV02P455 # قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، بل من قال: لا إله إلا الله، ~~كما تقدم من حديث أنس رضي الله عنه. # وإذا كان الأمر كذلك، امتنع القطع لأحد معين من الأمة، غير من شهد له ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، ولكن نرجو للمحسنين، ونخاف عليهم. ### | [الجمع بين الخوف والرجاء] # قوله: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل ~~القبلة) # ش: يجب أن يكون العبد خائفا راجيا، فإن الخوف المحمود الصادق: ما حال بين ~~صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. والرجاء ~~المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه، أو رجل ~~أذنب ذنبا ثم تاب منه إلى الله، فهو راج لمغفرته. قال الله تعالى: {إن ~~الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ~~والله غفور رحيم} [البقرة: 218] . # أما إذا كان الرجل متماديا في التفريط والخطايا، يرجو رحمة الله بلا عمل، ~~فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب. قال: أبو علي الروذباري رحمه الله: ~~الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا # PageV02P456 # استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار ~~الطائر في حد الموت. # وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء بقوله: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا ~~وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} [الزمر: 9] الآية. وقال: " {تتجافى ~~جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} [السجدة: 16] الآية [السجدة: 16] ~~. فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان ms242 أمنا، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا ~~ذلك لكان قنوطا ويأسا. وكل أحد إذا خفته هربت منه، إلا الله تعالى، فإنك ~~إذا خفته هربت إليه، فالخائف هارب من ربه إلى ربه. # وقال صاحب " منازل السائرين " رحمه الله: الرجاء أضعف منازل المريد. وفي ~~كلامه نظر، بل الرجاء والخوف على الوجه المذكور من أشرف منازل المريد. وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي ~~بي. فليظن بي ما شاء،» وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل # PageV02P457 # موته بثلاث: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه» ، ولهذا قيل: إن ~~العبد ينبغي أن يكون رجاؤه في مرضه أرجح من خوفه، بخلاف زمن الصحة، فإنه ~~يكون خوفه أرجح من رجائه. # وقال بعضهم: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو ~~حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو ~~مؤمن موحد. ولقد أحسن محمود الوراق في قوله: # لو قد رأيت الصغير من عمل ال ... خير ثوابا عجبت من كبره # أو قد رأيت الحقير من عمل الش ... ر جزاء أشفقت من حذره # قوله: (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه) . ش: يشير ~~الشيخ إلى الرد على الخوارج والمعتزلة في قوله بخروجه من الإيمان بارتكاب ~~الكبيرة. وفيه تقرير لما قال أولا: إنه لا يكفر # PageV02P458 # أحد من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله. وتقدم الكلام على هذا المعنى. ### | [ما يقع عليه اسم الإيمان] ### | [الاختلاف فيما يقع عليه اسم الإيمان] # قوله: (والإيمان: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان. وجميع ما صح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق. والإيمان واحد، ~~وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، ~~وملازمة الأولى) . # ش: اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان، اختلافا كثيرا: فذهب مالك ~~والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث، وأهل المدينة ~~رحمهم ms243 الله، وأهل الظاهر، وجماعة من المتكلمين: إلى أنه تصديق بالجنان، ~~وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. # وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكره الطحاوي رحمه الله: أنه الإقرار ~~باللسان، والتصديق بالجنان. # ومنهم من يقول: إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي، وإلى # PageV02P459 # هذا ذهب أبو منصور الماتريدي رحمه الله، ويروى عن أبي حنيفة رضي الله ~~عنه. # وذهب الكرامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط! فالمنافقون عندهم ~~مؤمنون كاملو الإيمان، ولكنهم يقولون بأنهم يستحقون الوعيد الذي أوعدهم ~~الله به! وقولهم ظاهر الفساد. # وذهب الجهم بن صفوان وأبو الحسين الصالحي أحد رؤساء القدرية - إلى أن ~~الإيمان هو المعرفة بالقلب! وهذا القول أظهر فسادا مما قبله! فإن لازمه أن ~~فرعون وقومه كانوا مؤمنين، فإنهم عرفوا صدق موسى وهارون عليهما الصلاة ~~والسلام، ولم يؤمنوا بهما، ولهذا قال موسى لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء ~~إلا رب السماوات والأرض بصائر} [الإسراء: 102] . وقال تعالى: {وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} [النمل: 14] . ~~وأهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، ~~ولم يكونوا مؤمنين به، بل كافرين به، معادين له، وكذلك # PageV02P460 # أبو طالب عنده يكون مؤمنا، فإنه قال: # ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا # بل إبليس يكون عند الجهم مؤمنا كامل الإيمان! فإنه لم يجهل ربه، بل هو ~~عارف به، {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} [الحجر: 36] . {قال رب بما ~~أغويتني} [الحجر: 39] . {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} [ص: 82] . والكفر عند ~~الجهم هو الجهل بالرب تعالى، ولا أحد أجهل منه بربه! فإنه جعله الوجود ~~المطلق، وسلب عنه جميع صفاته، ولا جهل أكبر من هذا، فيكون كافرا بشهادته ~~على نفسه! # PageV02P461 # وبين هذه المذاهب مذاهب أخر، بتفاصيل وقيود، أعرضت عن ذكرها اختصارا، ذكر ~~هذه المذاهب أبو المعين النسفي في " تبصرة الأدلة " وغيره. # وحاصل الكل يرجع إلى أن الإيمان: إما أن يكون ما يقوم بالقلب واللسان ~~وسائر الجوارح، كما ذهب إليه جمهور ms244 السلف من الأئمة الثلاثة وغيرهم رحمهم ~~الله، كما تقدم، أو بالقلب واللسان دون الجوارح، كما ذكره الطحاوي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه رحمهم الله. أو باللسان وحده، كما تقدم ذكره عن الكرامية. أو ~~بالقلب وحده، وهو إما المعرفة، كما قاله الجهم، أو التصديق كما قاله أبو ~~منصور الماتريدي رحمه الله. وفساد قول الكرامية والجهم بن صفوان ظاهر. ### | [الاختلاف بين أبي حنيفة وسائر الأئمة فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلاف صوري] # والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة - اختلاف ~~صوري. فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، أو جزءا من الإيمان، مع ~~الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله، إن ~~شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه -: نزاع لفظي، لا يترتب عليه فساد اعتقاد. ~~والقائلون بتكفير تارك الصلاة، ضموا إلى هذا الأصل أدلة أخرى. وإلا فقد نفى ~~النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب، ~~ولم يوجب ذلك زوال اسم الإيمان عنهم بالكلية، اتفاقا. # PageV02P462 # ولا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى أراد من العباد القول والعمل، ~~وأعني بالقول: التصديق بالقلب والإقرار باللسان، وهذا الذي يعنى به عند ~~إطلاق قولهم: الإيمان قول وعمل. لكن هذا المطلوب من العباد: هل يشمله اسم ~~الإيمان؟ أم الإيمان أحدهما، وهو القول وحده، والعمل مغاير له لا يشمله اسم ~~الإيمان عند إفراده بالذكر، وإن أطلق عليهما كان مجازا؟ هذا محل النزاع. # وقد أجمعوا على أنه لو صدق بقلبه وأقر بلسانه، وامتنع عن العمل بجوارحه: ~~أنه عاص لله ورسوله، مستحق الوعيد، لكن فيمن يقول: إن الأعمال غير داخلة في ~~مسمى الإيمان من قال: لما كان الإيمان شيئا واحدا فإيماني كإيمان أبي بكر ~~الصديق وعمر رضي الله عنهما! بل قال: كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبريل ~~وميكائيل عليهم السلام! ! وهذا غلو منه. فإن الكفر مع الإيمان كالعمى مع ~~البصر، ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه، فمنهم الأخفش # PageV02P463 # والأعشى، ومن يرى الخط الثخين، دون الدقيق إلا ms245 بزجاجة ونحوها، ومن يرى عن ~~قرب زائد على العادة، وآخر بضده. # ولهذا - والله أعلم - قال الشيخ رحمه الله: وأهله في أصله سواء، يشير إلى ~~أن التساوي إنما هو في أصله، ولا يلزم منه التساوي من كل وجه، بل تفاوت نور ~~لا إله إلا الله في قلوب أهلها لا يحصيه إلا الله تعالى: فمن الناس من ~~نورها في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في قلبه كالكوكب الدري، وآخر كالمشعل ~~العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر كالسراج الضعيف. ولهذا تظهر الأنوار يوم ~~القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور ~~الإيمان والتوحيد علما وعملا، وكلما اشتد نور هذه الكلمة وعظم أحرق من ~~الشبهات والشهوات بحسب قوته، بحيث إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف شهوة ولا ~~شبهة ولا ذنبا إلا أحرقه، وهذه حال الصادق في توحيده، فسماء إيمانه قد حرست ~~بالرجوم من كل سارق. ومن عرف هذا عرف معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» ، ~~وقوله: «لا يدخل النار من قال: لا إله إلا الله» ، وما جاء من هذا النوع من ~~الأحاديث التي أشكلت # PageV02P464 # على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قبل ورود الأوامر ~~والنواهي، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم الدخول ~~بالخلود، ونحو ذلك. # والشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلا بمجرد قول اللسان فقط، ~~فإن هذا من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن المنافقين يقولونها ~~بألسنتهم، وهم تحت الجاحدين في الدرك الأسفل من النار، فإن الأعمال لا ~~تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب. # وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون # PageV02P465 # سجلا، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلات، فلا يعذب ~~صاحبها. # ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار. وتأمل ما ~~قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان، التي لم تشغله عند ms246 السياق عن السير ~~إلى القرية، وحملته وهو في تلك الحال أن جعل ينوء بصدره وهو يعالج سكرات ~~الموت. # وتأمل ما قام بقلب البغي من الإيمان، حين نزعت موقها وسقت الكلب من ~~الركية، فغفر لها. # وهكذا العقل أيضا، فإنه يقبل التفاضل، وأهله في أصله سواء، مستوون في ~~أنهم عقلاء غير مجانين، وبعضهم أعقل من بعض. # وكذلك الإيجاب والتحريم، فيكون إيجاب دون إيجاب، وتحريم دون تحريم. هذا ~~هو الصحيح، وإن كان بعضهم قد طرد ذلك في العقل والوجوب. ### | [الكلام في زيادة الإيمان إجمالا وتفصيلا] # وأما زيادة الإيمان من جهة الإجمال والتفصيل -: فمعلوم أنه لا يجب في أول ~~الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على كل أحد من الإيمان المفصل ~~مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه خبره، كما في حق النجاشي وأمثاله. # PageV02P466 # وأما الزيادة بالعمل والتصديق، المستلزم لعمل القلب والجوارح -: [فهو] ~~أكمل من التصديق الذي لا يستلزمه، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم ~~الذي لا يعمل به، فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم. ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «ليس المخبر كالمعاين،» وموسى عليه السلام لما أخبر أن ~~قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها، وليس ذلك لشك ~~موسى في خبر الله، لكن المخبر وإن جزم بصدق المخبر، فقد لا يتصور المخبر به ~~في نفسه، كما يتصوره إذ عاينه، كما قال إبراهيم الخليل صلوات الله عليه: ~~{رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} ~~[البقرة: 260] # PageV02P467 # [البقرة: 260] . # وأيضا: فمن وجب عليه الحج والزكاة مثلا، يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما ~~أمر به، ويؤمن بأن الله أوجبه ما لا يجب على غيره إلا مجملا، وهذا يجب عليه ~~فيه الإيمان المفصل. # وكذلك الرجل أول ما يسلم، إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت ~~الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها، فلم يتساو الناس فيما أمروا به ~~من الإيمان. # ولا شك أن من قام ms247 بقلبه التصديق الجازم، الذي لا يقوى على معارضته شهوة ~~ولا شبهة -: لا تقع معه معصية، ولولا ما حصل له من الشهوة والشبهة أو ~~إحداهما لما عصى، بل يشتغل قلبه ذلك الوقت بما يواقعه من المعصية، فيغيب ~~عنه التصديق والوعيد فيعصي. ولهذا - والله أعلم - قال صلى الله عليه وسلم: ~~«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» ، الحديث. فهو حين يزني يغيب عنه ~~تصديقه بحرمة الزنا، وإن بقي أصل التصديق في قلبه، ثم يعاوده. فإن المتقين ~~كما وصفهم الله تعالى بقوله: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201] # PageV02P468 # [الأعراف: 202] أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي ثم لا ~~يقصرون. قال ابن عباس: لا الإنس تقصر عن السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم. ~~فإذا لم يبصر يبقى قلبه في عمى، والشيطان يمده في غيه، وإن كان التصديق في ~~قلبه لم يكذب، فذلك النور والإبصار، وتلك الخشية والخوف تخرج من قلبه. وهذا ~~كما أن الإنسان يغمض عينيه فلا يرى، وإن لم يكن أعمى، فكذلك القلب، بما ~~يغشاه من رين الذنوب، لا يبصر الحق وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر. وجاء هذا ~~المعنى مرفوعا إلى # PageV02P469 # النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «إذا زنى العبد نزع منه الإيمان، فإن ~~تاب أعيد إليه» . ### | [النزاع في زيادة الإيمان ونقصانه لفظي] # وإذا كان النزاع في هذه المسألة بين أهل السنة نزاعا لفظيا، فلا محذور ~~فيه سوى ما يحصل من عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى والافتراق بسبب ذلك، ~~وأن يصير ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء ونحوهم، ~~وإلى ظهور الفسق والمعاصي، بأن يقول: أنا مؤمن مسلم حقا كامل الإيمان ~~والإسلام ولي من أولياء الله! فلا يبالي بما يكون منه من المعاصي. وبهذا ~~المعنى قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله! وهذا باطل قطعا. # فالإمام أبو حنيفة رضي الله عنه نظر إلى حقيقة الإيمان لغة مع أدلة من ~~كلام الشارع. وبقية الأئمة رحمهم الله نظروا إلى حقيقته في عرف ms248 الشارع، فإن ~~الشارع ضم إلى التصديق أوصافا وشرائط، كما في الصلاة والصوم والحج ونحو ~~ذلك. ### | [أدلة أصحاب أبي حنيفة] # فمن أدلة الأصحاب لأبي حنيفة على أن الإيمان إقرار بالقلب رحمه الله: أن ~~الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، قال تعالى خبرا عن إخوة يوسف: {وما أنت ~~بمؤمن لنا} [يوسف: 17] # PageV02P470 # [النحل: 106] يدل على أن القلب هو موضع الإيمان، لا اللسان، ولأنه لو كان ~~مركبا من قول وعمل، لزال كله بزوال جزئه، ولأن العمل قد عطف على الإيمان، ~~والعطف يقتضي المغايرة، قال تعالى: {آمنوا وعملوا الصالحات} [البقرة: 25] ، ~~في مواضع من القرآن. # وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق - بمنع ~~الترادف بين التصديق والإيمان، وهب أن الأمر يصح في موضع، فلم قلتم إنه ~~يوجب الترادف مطلقا؟ وكذلك اعترض على دعوى الترادف بين الإسلام والإيمان. ~~ومما يدل على عدم الترادف: أنه يقال للمخبر إذا صدق: صدقه، ولا يقال: آمنه، ~~ولا آمن به، بل يقال: آمن له، كما قال تعالى: {فآمن له لوط} [العنكبوت: 26] ~~. # PageV02P471 # {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} [يونس: 83] . وقال تعالى: {يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61] ففرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام، ~~فالأول يقال للمخبر به، والثاني للمخبر. ولا يرد كونه يجوز أن يقال: ما أنت ~~بمصدق لنا، لأن دخول اللام لتقوية العامل، كما إذا تقدم المعمول، أو كان ~~العامل اسم فاعل، أو مصدرا، على ما عرف في موضعه. # فالحاصل أنه لا يقال قط: قد آمنته، ولا صدقت له، إنما يقال. آمنت له، كما ~~يقال: أقررت له. فكان تفسيره بأقررت - أقرب من تفسيره بصدقت، مع الفرق ~~بينهما، لأن الفرق بينهما ثابت في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب، ~~يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال له: كذبت. فمن قال: السماء فوقنا، قيل ~~له: صدقت. # وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب، فيقال لمن قال: ~~طلعت الشمس -: صدقناه، ولا يقال: آمنا له، فإن فيه أصل معنى الأمن، ~~والائتمان إنما يكون في الخبر عن الغائب، ms249 فالأمر الغائب هو الذي يؤتمن عليه ~~المخبر. ولهذا لم يأت في القرآن وغيره لفظ آمن له - إلا في هذا النوع. ~~ولأنه لم يقابل لفظ الإيمان قط بالتكذيب كما يقابل لفظ التصديق، وإنما ~~يقابل بالكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق ولكن ~~لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك -: لكان كفره أعظم، فعلم أن الإيمان ~~ليس هو التصديق فقط، ولا الكفر هو التكذيب فقط، بل إذا كان الكفر # PageV02P472 # يكون تكذيبا، ويكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب. فكذلك الإيمان، يكون ~~تصديقا وموافقة وانقيادا، ولا يكفي مجرد التصديق، فيكون الإسلام جزء مسمى ~~الإيمان. # ولو سلم الترادف، فالتصديق يكون بالأفعال أيضا. كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العينان تزنيان، وزناهما النظر، والأذن ~~تزني، وزناها السمع» إلى أن قال: «والفرج يصدق ذلك ويكذبه» . وقال الحسن ~~البصري رحمه الله: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في الصدر ~~وصدقته الأعمال. ولو كان تصديقا فهو تصديق مخصوص، كما في الصلاة ونحوها كما ~~قد تقدم، وليس هذا نقلا للفظ ولا تغييرا له، فإن الله لم يأمرنا بإيمان # PageV02P473 # مطلق، بل بإيمان خاص، وصفه وبينه. فالتصديق الذي هو الإيمان، أدنى أحواله ~~أن يكون نوعا من التصديق العام، فلا يكون مطابقا له في العموم والخصوص، من ~~غير تغيير للبيان ولا قلبه، بل يكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفا من العام ~~والخاص، كالإنسان الموصوف بأنه حيوان ناطق. أو لأن التصديق التام القائم ~~بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإن هذه من لوازم الإيمان ~~التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم. # ونقول: إن هذه اللوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة، وتخرج عنه أخرى، أو إن ~~اللفظ باق على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكاما، أو أن يكون ~~الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية، مجاز لغوي، أو أن يكون ~~قد نقله الشارع. وهذه أقوال لمن سلك هذه الطريق. # وقالوا: إن الرسول قد وقفنا على معاني الإيمان، وعلمنا من ms250 مراده علما ~~ضروريا أن من قيل إنه صدق ولم يتكلم بلسانه بالإيمان، مع قدرته على ذلك، ~~ولا صلى، ولا صام، ولا أحب الله ورسوله، ولا خاف الله بل كان مبغضا للرسول، ~~معاديا له يقاتله -: أن هذا ليس بمؤمن. ### | [الأحاديث الدالة على دخول الأعمال في مسمى الإيمان] # كما علمنا أنه رتب الفوز والفلاح على التكلم بالشهادتين مع الإخلاص ~~والعمل بمقتضاهما. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون # PageV02P474 # شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» . # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: «الحياء شعبة من الإيمان» . # وقال أيضا: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» . # وقال أيضا: «البذاذة من الإيمان» . # PageV02P475 # فإذا كان الإيمان أصلا له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى: إيمانا، ~~فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والصوم والحج، والأعمال الباطنة، كالحياء ~~والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة ~~الأذى عن الطريق، فإنه من شعب الإيمان. وهذه الشعب، منها ما يزول الإيمان ~~بزوالها [إجماعا] ، كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها، كترك إماطة ~~الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما، منها ما يقرب من شعبة ~~الشهادة، ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى. وكما أن شعب الإيمان إيمان، ~~فكذا شعب الكفر كفر، فالحكم بما أنزل الله - مثلا من شعب الإيمان، والحكم ~~بغير ما أنزل الله كفر. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا ~~فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف ~~الإيمان» . رواه مسلم. وفي لفظ: «ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» . وروى ~~الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحب لله، وأبغض لله، ~~وأعطى لله، ومنع لله -: فقد استكمل الإيمان» . ومعناه - والله # PageV02P476 # أعلم - أن الحب والبغض أصل حركة القلب، وبذل المال ومنعه هو كمال ذلك، ~~فإن المال آخر المتعلقات بالنفس، والبدن متوسط بين القلب والمال، فمن كان ~~أول أمره وآخره كله لله، كان الله إلهه في كل شيء، فلم ms251 يكن فيه شيء من ~~الشرك، وهو إرادة غير الله وقصده ورجاؤه، فيكون مستكمل الإيمان. إلى غير ~~ذلك من الأحاديث الدالة على قوة الإيمان وضعفه بحسب العمل. # ويأتي في كلام الشيخ رحمه الله في شأن الصحابة رضي الله عنهم: " وحبهم ~~دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان ". فسمى حب الصحابة إيمانا، ~~وبغضهم كفرا. # وما أعجب ما أجاب به أبو المعين النسفي وغيره، عن استدلالهم بحديث شعب ~~الإيمان المذكور، وهو: أن الراوي قال: بضع وستون أو بضع وسبعون، فقد شهد ~~الراوي بغفلة نفسه حيث شك فقال: بضع وستون أو بضع وسبعون، ولا يظن برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الشك في ذلك! وأن هذا الحديث مخالف للكتاب. # فطعن فيه بغفلة الراوي ومخالفته الكتاب. فانظر إلى هذا الطعن ما أعجبه! ~~فإن تردد الراوي بين الستين والسبعين لا يلزم منه عدم ضبطه، مع أن البخاري ~~رحمه الله إنما رواه: بضع وستون من غير شك. # PageV02P477 # وأما الطعن بمخالفة الكتاب، فأين في الكتاب ما يدل على خلافه؟ ! وإنما ~~فيه ما يدل على وفاقه، وإنما هذا الطعن من ثمرة شؤم التقليد والتعصب. # وقالوا أيضا: وهنا أصل آخر، وهو: أن القول قسمان: قول القلب وهو ~~الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب، ~~وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان ~~بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم ينفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط ~~في اعتبارها وكونها نافعة، وإذا بقي تصديق القلب وزال الباقي فهذا موضع ~~المعركة! ! # ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب ~~وانقاد، لأطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم ~~التصديق المستلزم للطاعة. قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة إذا ~~صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب» . ~~فمن صلح قلبه صلح جسده قطعا، بخلاف العكس. وأما كونه يلزم من زوال جزئه ~~زوال كله، فإن أريد أن الهيئة الاجتماعية لم ms252 تبق مجتمعة كما كانت، فمسلم، ~~ولكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الأجزاء، فيزول عنه الكمال فقط. # PageV02P478 ### | [أدلة الكتاب والسنة على زيادة الإيمان ونقصانه] # والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة والآثار السلفية ~~كثيرة جدا: منها: قوله تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} ~~[الأنفال: 2] . {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} [مريم: 76] . {ويزداد الذين ~~آمنوا إيمانا} [المدثر: 31] . {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4] . الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل [آل عمران: ~~173] . # وكيف يقال في هذه الآية والتي قبلها إن الزيادة باعتبار زيادة المؤمن به؟ ~~فهل في قول الناس: قد جمعوا لكم فاخشوهم زيادة مشروع؟ وهل في إنزال السكينة ~~على قلوب المؤمنين زيادة مشروع؟ وإنما أنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين ~~مرجعهم من الحديبية ليزدادوا طمأنينة ويقينا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {هم ~~للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} [آل عمران: 167] . وقال تعالى: {وإذا ما ~~أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون - وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ~~وماتوا وهم كافرون} [التوبة: 124 - 125] # [التوبة: 124 - 125] . # وأما ما رواه الفقيه أبو الليث السمرقندي رحمه الله، في تفسيره عند هذه ~~الآية، فقال: حدثنا محمد بن الفضل وأبو القاسم # PageV02P479 # الساباذي، قالا: حدثنا فارس بن مردويه، قال: حدثنا محمد بن الفضل العابد، ~~قال: حدثنا يحيى بن عيسى، قال: حدثنا أبو مطيع، عن حماد بن سلمة عن ابن ~~المهزم، عن أبي هريرة، قال: «جاء وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا: يا رسول الله، الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: لا، الإيمان مكمل ~~في القلب، زيادته ونقصانه كفر» . # فقد سئل شيخنا الشيخ عماد الدين بن كثير رحمه الله تعالى عن هذا الحديث؟ ~~فأجاب: بأن الإسناد من أبي ليث إلى أبي مطيع مجهولون لا يعرفون في شيء من ~~كتب التواريخ المشهورة. وأما أبو مطيع، فهو: الحكم بن عبد ms253 الله بن مسلمة ~~البلخي، ضعفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، ~~وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي، ~~والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم. وأما أبو المهزم، الراوي عن أبي ~~هريرة، وقد تصحف على الكاتب، واسمه: يزيد بن سفيان، فقد ضعفه أيضا، غير ~~واحد، وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك، وقد اتهمه شعبة بالوضع، ~~حيث قال: لو أعطوه فلسين لحدثهم بسبعين حديثا! # PageV02P480 # وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم النساء بنقصان العقل والدين. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس ~~أجمعين» . والمراد نفي الكمال، ونظائره كثيرة، وحديث شعب الإيمان، وحديث ~~الشفاعة، وأنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من ~~إيمان. # فكيف يقال بعد هذا: إن إيمان أهل السماوات والأرض سواء؟ ! وإنما التفاضل ~~بينهم بمعان أخر غير الإيمان؟ ! ### | [نقول الصحابة في زيادة الإيمان ونقصانه] # وكلام الصحابة رضي الله عنهم في هذا المعنى كثير أيضا: # منه: قول أبي الدرداء رضي الله عنه: من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما ~~نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينتقص، وكان عمر رضي الله عنه ~~يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيمانا، # PageV02P481 # فيذكرون الله عز وجل. # وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانا ويقينا ~~وفقها. # وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة. ومثله عن ~~عبد الله بن رواحة رضي الله عنه. # وصح عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال: ثلاث من كن فيه فقد استكمل ~~الإيمان: إنصاف من نفسه، والإنفاق من إقتار، وبذل السلام للعالم، ذكره ~~البخاري رحمه الله في صحيحه. وفي هذا المقدار كفاية وبالله التوفيق. # PageV02P482 # وأما كون عطف العمل على الإيمان يقتضي المغايرة، فلا يكون العمل داخلا في ~~مسمى الإيمان -: فلا شك أن الإيمان تارة يذكر مطلقا عن العمل وعن الإسلام، ~~وتارة يقرن بالعمل الصالح، ms254 وتارة يقرن بالإسلام. فالمطلق مستلزم للأعمال، ~~قال تعالى: " {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [المائدة: ~~81] . # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» ، الحديث. # «لا تؤمنوا حتى تحابوا» . # «من غشنا فليس منا» . من حمل علينا السلاح فليس منا. # PageV02P483 # وما أبعد قول من قال: إن معنى قوله: فليس منا - أي فليس مثلنا! فليت شعري ~~فمن لم يغش يكون مثل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ # أما إذا عطف عليه العمل الصالح، فاعلم أن عطف الشيء على الشيء يقتضي ~~المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع الاشتراك في الحكم الذي ذكر لهما، ~~والمغايرة على مراتب: # أعلاها: أن يكونا متباينين، ليس أحدهما هو الآخر، ولا جزءا منه، ولا ~~بينهما تلازم، كقوله تعالى: {خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} ~~[الأنعام: 1] . {وأنزل التوراة والإنجيل} [آل عمران: 3] . وهذا هو الغالب. # ويليه: أن يكون بينهما تلازم، كقوله تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل ~~وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 42] . {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} ~~[المائدة: 92] . # الثالث: عطف بعض الشيء عليه، كقوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى} [البقرة: 238] . {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} ~~[البقرة: 98] {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك} [الأحزاب: 7] . # وفي مثل هذا وجهان: # أحدهما: أن يكون داخلا في الأول، فيكون مذكورا مرتين. # والثاني: أن عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا، وإن كان # PageV02P484 # داخلا فيه منفردا، كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين ونحوهما، ~~تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران. # الرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين، كقوله تعالى: {غافر الذنب ~~وقابل التوب} [غافر: 3] . وقد جاء في الشعر العطف لاختلاف اللفظ فقط، ~~كقوله: # فألفى قولها كذبا ومينا # ومن الناس من زعم أن في القرآن من ذلك قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا} [المائدة: 48] . والكلام على ذلك معروف في موضعه. # فإذا كان العطف في الكلام يكون على هذه الوجوه، نظرنا في كلام الشارع: ~~كيف ورد فيه الإيمان فوجدناه إذا أطلق يراد به ما يراد بلفظ البر، والتقوى، ~~والدين، ودين الإسلام. ms255 # ذكر في أسباب النزول أنهم سألوا عن الإيمان؟ فأنزل الله هذه الآية: {ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} [البقرة: 177] الآيات [البقرة: ~~177] . # قال محمد بن نصر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن يزيد ~~المقرئ، والملائي، قالا: حدثنا المسعودي، عن القاسم، قال: # PageV02P485 # جاء رجل إلى أبي ذر رضي الله عنه، فسأله عن الإيمان؟ فقرأ: {ليس البر أن ~~تولوا وجوهكم} [البقرة: 177] إلى آخر الآية [البقرة: 177] ، فقال الرجل: ~~ليس عن هذا سألتك، فقال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ~~الذي سألتني عنه، فقرأ عليه الذي قرأت عليك، فقال له الذي قلت لي، فلما أبى ~~أن يرضى، قال: إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل ~~السيئة ساءته وخاف عقابها. وكذلك أجاب جماعة من السلف بهذا الجواب. # وفي الصحيح قوله لوفد عبد القيس: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما ~~الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم. # ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب، ~~لما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان القلب، فعلم أن هذه مع إيمان ~~القلب هو الإيمان. # PageV02P486 # وأي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسر ~~الإيمان بالأعمال ولم يذكر التصديق، للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع ~~الجحود. ### | [الدين ينتظم الإيمان والإسلام والإحسان] # وفي المسند عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: الإسلام ~~علانية، والإيمان في القلب. # وفي هذا الحديث دليل على المغايرة بين الإسلام والإيمان ويؤيده قوله ~~[فاطر: 32] . والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة، بخلاف الظالم ~~لنفسه، فإنه معرض للوعيد. # PageV02P487 # وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع التصديق بالقلب، لكن لم يقم بما يجب ~~عليه من الإيمان الباطن فإنه معرض للوعيد. # فأما الإحسان فهو أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أهله، والإيمان أعم من جهة ~~نفسه وأخص من ms256 جهة أهله من الإسلام. فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان ~~يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين. ~~وهذا كالرسالة والنبوة، فالنبوة داخلة في الرسالة، والرسالة أعم من جهة ~~نفسها وأخص من جهة أهلها، فكل رسول نبي، ولا ينعكس. ### | [أقوال أهل العلم في مسمى الإسلام] # وقد صار الناس في مسمى الإسلام على ثلاثة أقوال: # فطائفة جعلت الإسلام هو الكلمة. # وطائفة أجابوا بما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الإسلام ~~والإيمان، حيث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول ~~الخمسة. # وطائفة جعلوا الإسلام مرادفا للإيمان، وجعلوا معنى قول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم: «الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة» ، # PageV02P488 # الحديث -: شعائر الإسلام. والأصل عدم التقدير، مع أنهم قالوا: إن الإيمان ~~هو التصديق بالقلب، ثم قالوا الإسلام والإيمان شيء واحد، فيكون الإسلام هو ~~التصديق! وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة، وإنما هو الانقياد والطاعة، وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لك أسلمت وبك آمنت» . وفسر الإسلام ~~بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة. فليس لنا إذا جمعنا ~~بينهما أن نجيب بغير ما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم. # وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، وإذا أفرد الإسلام فقد ~~يكون مع الإسلام مؤمنا بلا نزاع، وهذا هو الواجب، وهل يكون مسلما ولا يقال ~~له مؤمن؟ وقد تقدم الكلام فيه. # وكذلك هل يستلزم الإسلام الإيمان؟ فيه النزاع المذكور. وإنما وعد الله ~~بالجنة في القرآن وبالنجاة من النار باسم الإيمان، كما قال تعالى: {ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون - الذين آمنوا وكانوا يتقون} ~~[الحديد: 21] وأما اسم الإسلام مجردا فما علق به في القرآن دخول الجنة، ~~لكنه فرضه وأخبر أنه دينه الذي لا يقبل من أحد سواه، وبه بعث # PageV02P489 # النبيين، {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] . ### | [حالة اقتران الإسلام بالإيمان غير حالة إفراد أحدهما عن الآخر] # فالحاصل أن حالة اقتران الإسلام بالإيمان غير حالة ms257 إفراد أحدهما عن ~~الآخر، فمثل الإسلام من الإيمان، كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى، فشهادة ~~الرسالة غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان وإحداهما مرتبطة ~~بالأخرى في المعنى والحكم، كشيء واحد. كذلك الإسلام والإيمان، لا إيمان لمن ~~لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المؤمن من إسلام به ~~يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه. # ونظائر ذلك في كلام الله ورسوله وفي كلام الناس كثيرة، أعني في الإفراد ~~والاقتران. # منها: لفظ الكفر والنفاق، فالكفر إذا ذكر مفردا في وعيد الآخرة دخل فيه ~~المنافقون، كقوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من ~~الخاسرين} [المائدة: 5] . ونظائره كثيرة. وإذا قرن بينهما كان الكافر من ~~أظهر كفره، والمنافق من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه. # وكذلك لفظ البر والتقوى، ولفظ الإثم والعدوان، ولفظ التوبة والاستغفار، ~~ولفظ الفقير والمسكين، وأمثال ذلك. # ويشهد للفرق بين الإسلام والإيمان، قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] إلى آخر السورة. وقد اعترض على ~~هذا بأن معنى الآية: {قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] : انقدنا بظواهرنا، فهم ~~منافقون في الحقيقة، وهذا أحد قولي المفسرين في هذه الآية الكريمة. وأجيب ~~بالقول الآخر، ورجح، وهو أنهم ليسوا بمؤمنين # PageV02P490 # كاملي الإيمان، لا أنهم منافقون، كما نفى الإيمان عن القاتل، والزاني، ~~والسارق، ومن لا أمانة له. ويؤيد هذا سباق الآية وسياقها، فإن السورة من ~~أولها إلى هنا في النهي عن المعاصي، وأحكام بعض العصاة، ونحو ذلك، وليس ~~فيها ذكر المنافقين. ثم قال بعد ذلك: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من ~~أعمالكم شيئا} [الحجرات: 14] ولو كانوا منافقين ما نفعتهم الطاعة، ثم قال: ~~{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} [الحجرات: 15] ~~الآية، يعني - والله أعلم - أن المؤمنين الكاملي الإيمان، هم هؤلاء، لا ~~أنتم، بل أنتم منتف عنكم الإيمان الكامل. يؤيد هذا: أنه أمرهم، أو أذن لهم، ~~أن يقولوا: أسلمنا، والمنافق لا يقال له ذلك، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم ~~الإسلام، كما ms258 نفى عنهم الإيمان، ونهاهم أن يمنوا بإسلامهم، فأثبت لهم ~~إسلاما، ونهاهم أن يمنوا به على رسوله، ولو لم يكن إسلاما صحيحا لقال: لم ~~تسلموا، بل أنتم كاذبون، كما كذبهم في قولهم: {نشهد إنك لرسول الله} ~~[المنافقون: 1] . والله أعلم بالصواب. # وينتفي بعد هذا التقدير والتفصيل دعوى الترادف، وتشنيع من ألزم بأن ~~الإسلام لو كان هو الأمور الظاهرة لكان ينبغي أن لا يقبل ذلك، # PageV02P491 # ولا يقبل إيمان المخلص! وهذا ظاهر الفساد، فإنه قد تقدم تنظير الإيمان ~~والإسلام بالشهادتين وغيرهما، وأن حالة الاقتران غير حالة الانفراد. فانظر ~~إلى كلمة الشهادة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا لا إله إلا الله» ، الحديث، فلو قالوا: لا إله إلا الله، ~~وأنكروا الرسالة -: ما كانوا يستحقون العصمة، بل لا بد أن يقولوا: لا إله ~~إلا الله قائمين بحقها، ولا يكون قائما ب لا إله إلا الله حق القيام، إلا ~~من صدق بالرسالة، وكذا من شهد أن محمدا رسول الله، [الأحزاب: 35] . وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: «اللهم لك أسلمت وبك آمنت» -: كان المراد من أحدهما ~~غير المراد من الآخر. وكما قال صلى الله عليه وسلم: «الإسلام علانية، ~~والإيمان في القلب» . وإذا انفرد أحدهما شمل معنى الآخر وحكمه، وكما في ~~الفقير والمسكين ونظائره، فإن لفظي الفقير والمسكين إذا اجتمعا، # PageV02P492 # افترقا، فهل يقال في قوله تعالى: {إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89]- أنه ~~يعطى المقل دون المعدم، أو بالعكس؟ وكذا في قوله تعالى: {وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271] . # ويندفع أيضا تشنيع من قال: ما حكم من آمن ولم يسلم؟ أو أسلم ولم يؤمن؟ في ~~الدنيا والآخرة؟ فمن أثبت لأحدهما حكما ليس بثابت للآخر ظهر بطلان قوله. # ويقال له في مقابلة تشنيعه: أنت تقول: المسلم هو المؤمن، والله تعالى ~~يقول: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} [الأحزاب: 35] فجعلهما ~~غيرين، وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما لك عن فلان والله إني ~~لأراه مؤمنا؟ قال: أو مسلما» ، قالها ثلاثا، فأثبت له الإسلام وتوقف ms259 في اسم ~~الإيمان، فمن قال: هما سواء - كان مخالفا، والواجب رد موارد النزاع إلى ~~الله ورسوله. وقد يتراءى في بعض النصوص معارضة، ولا معارضة بحمد الله ~~تعالى، ولكن الشأن في التوفيق، وبالله التوفيق. # وأما الاحتجاج بقوله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين - فما ~~وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} [الذاريات: 35 - 36] # [الذاريات: 35 - 36] على ترادف الإسلام والإيمان، فلا حجة فيه، لأن البيت ~~المخرج كانوا موصوفين بالإسلام والإيمان، ولا يلزم من الاتصاف بهما ~~ترادفهما. # PageV02P493 # والظاهر أن هذه المعارضات لم تثبت عن أبي حنيفة رضي الله عنه، وإنما هي ~~من الأصحاب، فإن غالبها ساقط لا يرتضيه أبو حنيفة! وقد حكى الطحاوي حكاية ~~أبي حنيفة مع حماد بن زيد، وأن حماد بن زيد لما روى له حديث: أي الإسلام ~~أفضل إلى آخره، قال له: ألا تراه يقول: أي الإسلام أفضل، قال: الإيمان، ثم ~~جعل الهجرة والجهاد من الإيمان؟ فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحابه: ألا ~~تجيبه يا أبا حنيفة؟ قال: بما أجيبه؟ وهو يحدثني بهذا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ### | [أقوال العلماء في مسألة الاستثناء في الإيمان] # ومن ثمرات هذا الاختلاف: مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول الرجل: ~~أنا مؤمن إن شاء الله. والناس فيه على ثلاثة أقوال: # PageV02P494 # طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ~~ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال. # أما من يوجبه فلهم مأخذان: أحدهما: أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، ~~والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنا أو كافرا باعتبار الموافاة وما سبق في ~~علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به، قالوا: والإيمان الذي ~~يتعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرا -: ليس بإيمان، كالصلاة التي أفسدها صاحبها ~~قبل الكمال، والصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وهذا مأخذ كثير من ~~الكلابية وغيرهم، وعند هؤلاء أن الله يحب في الأزل من كان كافرا إذا علم ~~منه أنه يموت مؤمنا، فالصحابة ما زالوا محبوبين قبل إسلامهم، وإبليس ومن ~~ارتد عن دينه ما زال ms260 الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد! وليس هذا قول السلف، ~~ولا كان يعلل بهذا من يستثني من السلف في إيمانه، وهو فاسد، فإن الله تعالى ~~قال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] فأخبر ~~أنهم يحبهم إن اتبعوا الرسول، فاتباع الرسول شرط المحبة، والمشروط يتأخر عن ~~الشرط، وغير ذلك من الأدلة. # ثم صار إلى هذا القول طائفة غلوا فيه، حتى صار الرجل منهم يستثني في ~~الأعمال الصالحة، يقول: صليت إن شاء الله! ونحو ذلك، يعني القبول. ثم صار ~~كثير منهم يستثنون في كل شيء، فيقول أحدهم: هذا ثوب إن شاء الله! هذا حبل ~~إن شاء الله! فإذا قيل لهم: هذا لا شك فيه؟ يقولون: نعم، لكن إذا شاء الله ~~أن يغيره غيره! ! # المأخذ الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله ~~وترك ما نهاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن، بهذا الاعتبار: # PageV02P495 # فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين، القائمين بجميع ما أمروا به، وترك ~~كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله المقربين! وهذا مع تزكية الإنسان ~~لنفسه، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن ~~مات على هذه الحال. # وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء، ~~بمعنى آخر، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. ويحتجون أيضا بجواز الاستثناء ~~فيما لا شك فيه، كما قال تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} ~~[الفتح: 27] . وقال صلى الله عليه وسلم حين وقف على المقابر: وإنا إن شاء ~~الله بكم لاحقون. وقال أيضا: إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله. ونظائر هذا. # وأما من يحرمه، فكل من جعل الإيمان شيئا واحدا، فيقول: أنا أعلم أني ~~مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، فقولي: أنا مؤمن، # PageV02P496 # كقولي: أنا مسلم، فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه، وسموا الذين يستثنون ~~في إيمانهم الشكاكة. وأجابوا عن الاستثناء الذي في قوله تعالى: {لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} [الفتح: ms261 27] ، بأنه يعود إلى الأمن ~~والخوف، فأما الدخول فلا شك فيه! وقيل: لتدخلن جميعكم أو بعضكم، لأنه علم ~~أن بعضهم يموت. # وفي كلا الجوابين نظر: فإنهم وقعوا فيما فروا منه، فأما الأمن والخوف فقد ~~أخبر أنهم يدخلون آمنين، مع علمه بذلك، فلا شك في الدخول، ولا في الأمن، ~~ولا في دخول الجميع أو البعض، فإن الله قد علم من يدخل فلا شك فيه أيضا، ~~فكان قول: {إن شاء الله} [الفتح: 27] هنا تحقيقا للدخول، كما يقول الرجل ~~فيما عزم على شيء أن يفعله لا محالة: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لا ~~يقولها لشك في إرادته وعزمه، ولكن إنما لا يحنث الحالف في مثل هذه اليمين ~~لأنه لا يجزم بحصول مراده. # وأجيب بجواب آخر لا بأس به، وهو: أنه قال ذلك تعليما لنا كيف نستثني إذا ~~أخبرنا عن مستقبل. وفي كون هذا المعنى مرادا من النص - نظر فإنه ما سيق ~~الكلام له إلا أن يكون مرادا من إشارة النص. # وأجاب الزمخشري بجوابين آخرين باطلين، وهما: أن يكون # PageV02P497 # الملك قد قاله، فأثبت قرآنا! أو أن الرسول قاله! ! # وأما من يجوز الاستثناء وتركه، فهم أسعد بالدليل من الفريقين، وخير ~~الأمور أوسطها: فإن أراد المستثني الشك في أصل إيمانه منع من الاستثناء، ~~وهذا مما لا خلاف فيه. وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم الله في ~~قوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون - الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون - أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} ~~[الحجرات: 15] . فالاستثناء حينئذ جائز. وكذلك من استثنى وأراد عدم علمه ~~بالعاقبة، وكذلك من استثنى تعليقا للأمر بمشيئة الله، لا شكا في إيمانه. ~~وهذا القول في القوة كما ترى. # قوله: وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله ~~حق. يشير الشيخ رحمه الله بذلك إلى الرد على الجهمية والمعطلة والمعتزلة ~~والرافضة، القائلين بأن الأخبار قسمان: متواتر وآحاد، فالمتواتر ms262 - وإن كان ~~قطعي السند - لكنه غير قطعي الدلالة، فإن الأدلة اللفظية # PageV02P498 # لا تفيد اليقين! ! ولهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات! قالوا: ~~والآحاد لا تفيد العلم، ولا يحتج بها من جهة طريقها، ولا من جهة متنها! ~~فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة الرسول، ~~وأحالوا الناس على قضايا وهمية، ومقدمات خيالية، سموها قواطع عقلية، ~~وبراهين يقينية! ! وهي في التحقيق {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب - أو ~~كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ~~إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} ~~[النور: 39 - 40] # [النور: 39 - 40] . # ومن العجب أنهم قدموها على نصوص الوحي، وعزلوا لأجلها # PageV02P499 # النصوص، فأقفرت قلوبهم من الاهتداء بالنصوص، ولم يظفروا بالعقول الصحيحة ~~المؤيدة بالفطرة السليمة والنصوص النبوية. ولو حكموا نصوص الوحي لفازوا ~~بالمعقول الصحيح، الموافق للفطرة السليمة. # بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته، وما ظنه معقولا: فما ~~وافقه قال: إنه محكم، وقبله واحتج به! ! وما خالفه قال: إنه متشابه، ثم ~~رده، وسمى رده تفويضا! أو حرفه، وسمى تحريفه تأويلا! ! فلذلك اشتد إنكار ~~أهل السنة عليهم. ### | [أهل السنة لا يعدلون عن النص الصحيح] # وطريق أهل السنة: أن لا يعدلوا عن النص الصحيح، ولا يعارضوه بمعقول، ولا ~~قول فلان، كما أشار إليه الشيخ رحمه الله. وكما قال البخاري رحمه الله: ~~سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي رحمه الله، فأتاه رجل فسأله عن مسألة، ~~فقال قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال الرجل للشافعي: ~~ما تقول أنت؟ ! فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة! تراني في بيعة! ترى على ~~وسطي زنارا؟ ! أقول لك: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: ما ~~تقول أنت؟ ! # ونظائر ذلك في كلام السلف كثير. # وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى ms263 الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] . # PageV02P500 ### | [خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول يفيد العلم اليقيني] # وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملا به وتصديقا له -: يفيد العلم ~~اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر. ولم يكن بين سلف الأمة ~~في ذلك نزاع، كخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنما الأعمال بالنيات» ، ~~وخبر ابن عمر رضي الله عنهما: «نهى عن بيع الولاء وهبته،» وخبر أبي هريرة: ~~«لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» ، وكقوله: «يحرم من الرضاع ما ~~يحرم من النسب» ، وأمثال ذلك. وهو نظير خبر الذي أتى مسجد قباء وأخبر أن # PageV02P501 # القبلة تحولت إلى الكعبة، فاستداروا إليها. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل رسله آحادا، ويرسل كتبه مع ~~الآحاد، ولم يكن المرسل إليهم يقولون لا نقبله لأنه خبر واحد! وقد قال ~~تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} ~~[التوبة: 33] . فلا بد أن يحفظ الله حججه وبيناته على خلقه، لئلا تبطل حججه ~~وبيناته. # ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد وفاته، وبين حاله للناس. ~~قال سفيان بن عيينة: ما ستر الله أحدا يكذب في الحديث. وقال عبد الله بن ~~المبارك: لو هم رجل في البحر أن يكذب في الحديث، لأصبح والناس يقولون: فلان ~~كذاب. # وخبر الواحد وإن كان يحتمل الصدق والكذب - ولكن التفريق بين صحيح الأخبار ~~وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلا بالحديث، والبحث ~~عن سيرة الرواة، ليقف على أحوالهم وأقوالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، ~~وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدا في كلمة يتقولها على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك. وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما ~~نقل إليهم، فهم يزك # PageV02P502 # الإسلام وعصابة الإيمان، وهم نقاد الأخبار، وصيارفة الأحاديث. فإذا وقف ~~المرء على هذا من شأنهم، وعرف حالهم، وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم -: ظهر له ~~العلم فيما نقلوه ورووه. # ومن له عقل ومعرفة ms264 يعلم أن أهل الحديث لهم من العلم بأحوال نبيهم وسيرته ~~وأخباره، ما ليس لغيرهم به شعور، فضلا أن يكون معلوما لهم أو مظنونا. كما ~~أن النحاة عندهم من أخبار سيبويه والخليل وأقوالهما ما ليس عند غيرهم، وعند ~~الأطباء من كلام بقراط وجالينوس ما ليس عند غيرهم، وكل ذي صنعة هو أخبر بها ~~من غيره، فلو سألت البقال عن أمر العطر، أو العطار عن البز، ونحو ذلك! ! ~~لعد ذلك جهلا كثيرا. # ولكن النفاة قد جعلوا قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] : مستندا ~~لهم في رد الأحاديث الصحيحة، فكلما جاءهم حديث يخالف قواعدهم وآراءهم، وما ~~وضعته خواطرهم وأفكارهم - ردوه ب " {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] تلبيسا ~~منهم وتدليسا على من هو أعمى قلبا منهم، وتحريفا لمعنى الآي عن مواضعه. # ففهموا من أخبار الصفات ما لم يرده الله ولا رسوله، ولا فهمه أحد من أئمة ~~الإسلام، أنه يقتضي إثباتها التمثيل بما للمخلوقين! ثم استدلوا على بطلان ~~ذلك ب " {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] تحريفا للنصين! ! ويصنفون الكتب، ~~ويقولون: هذا أصول دين الإسلام الذي أمر الله به وجاء من عنده، ويقرءون ~~كثيرا من القرآن ويفوضون معناه إلى الله تعالى، من غير تدبر لمعناه الذي ~~بينه الرسول، وأخبر أنه معناه الذي أراده الله. # PageV02P503 # وقد ذم الله تعالى أهل الكتاب الأول على هذه الصفات الثلاث، وقص ذلك ~~علينا من خبرهم لنعتبر وننزجر عن مثل طريقتهم. فقال تعالى: {أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ~~وهم يعلمون} [البقرة: 75] إلى أن قال: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني وإن هم إلا يظنون} [البقرة: 78] . والأماني: التلاوة المجردة، ثم قال ~~تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ~~ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} ~~[البقرة: 79] . فذمهم على نسبة ما كتبوه إلى الله، وعلى اكتسابهم بذلك، ~~فكلا الوصفين ذميم: أن ينسب إلى الله ما ليس من عنده، وأن يأخذ بذلك عوضا ms265 ~~من الدنيا مالا أو رياسة. نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزلل، في القول ~~والعمل، بمنه وكرمه. ### | [السنة نوعان شرع ابتدائي وبيان لما شرعه الله في كتابه] # ويشير الشيخ رحمه الله بقوله: من الشرع والبيان. إلى أن ما صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نوعان: شرع ابتدائي، وبيان لما شرعه الله في كتابه ~~العزيز، وجميع ذلك حق واجب الاتباع. # وقوله: وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالحقيقة ومخالفة الهوى، ~~وملازمة الأولى. وفي بعض النسخ: بالخشية والتقى بدل قوله: # PageV02P504 # بالحقيقة. ففي العبارة الأولى يشير إلى أن الكل مشتركون في أصل التصديق، ~~ولكن التصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت، كما تقدم نظيره بقوة البصر ~~وضعفه. وفي العبارة الأخرى يشير إلى أن التفاوت بين المؤمنين بأعمال ~~القلوب، وأما التصديق فلا تفاوت فيه. والمعنى الأول أظهر قوة، والله أعلم ~~بالصواب. ### | [أولياء الرحمن] ### | [المؤمنون كلهم أولياء الرحمن] # قوله: (والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن) . ش: قال تعالى: {ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون} [الأنفال: 72] ~~بكسر الواو، والباقون بفتحها. وقيل: هما لغتان. وقيل: بالفتح النصرة، ~~وبالكسر الإمارة. قال الزجاج: وجاز الكسر، لأن في تولي [بعض] القوم بعضا ~~جنسا من الصناعة والعمل، وكل ما كان كذلك مكسور، مثل: الخياطة ونحوها. # فالمؤمنون أولياء الله، والله تعالى وليهم، قال الله تعالى: {الله ولي ~~الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [محمد: 11] . والمؤمنون بعضهم أولياء بعض ~~قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71] الآية ~~[التوبة: 71] ، # PageV02P505 # وقال تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 72] إلى آخر ~~السورة. وقال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون - ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون} [المائدة: 55 - 56] # [المائدة: 55 - 56] . # فهذه النصوص كلها ثبت فيها موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وأنهم أولياء ~~الله، وأن الله ms266 وليهم ومولاهم. فالله يتولى عباده المؤمنين، فيحبهم ~~ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، ومن عادى له وليا فقد بارزه بالمحاربة. ~~وهذه الولاية من رحمته وإحسانه، ليست كولاية المخلوق للمخلوق لحاجته إليه، ~~قال تعالى: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم ~~يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} [الإسراء: 111] . فالله تعالى ليس له ولي ~~من الذل، بل لله العزة جميعا، خلاف الملوك وغيرهم ممن يتولاه لذله وحاجته ~~إلى ولي ينصره. ### | [تفسير معنى الولاية] # والولاية أيضا نظير الإيمان، فيكون مراد الشيخ: أن أهلها في أصلها سواء، ~~وتكون كاملة وناقصة: فالكاملة تكون للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: {ألا ~~إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم ~~البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 62] ف {الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون} [يونس: 63] ، منصوب على أنه صفة أولياء الله، أو بدل منه، أو بإضمار ~~أمدح، أو مرفوع بإضمار هم، أو خبر ثان ل إن، وأجيز فيه الجر، بدلا من ضمير ~~عليهم. # PageV02P506 # وعلى هذه الوجوه كلها فالولاية لمن كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم ~~أهل الوعد المذكور في الآيات الثلاث. وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في ~~محابه ومساخطه، ليست بكثرة صوم ولا صلاة، ولا تمزق ولا رياضة. وقيل: الذين ~~آمنوا مبتدأ، والخبر: {لهم البشرى} [يونس: 64] ، وهو بعيد، لقطع الجملة عما ~~قبلها، وانتثار نظم الآية. # ويجتمع في المؤمن ولاية من وجه، وعداوة من وجه، كما قد يكون فيه كفر ~~وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان. وإن كان في هذا الأصل ~~نزاع لفظي بين أهل السنة، ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع، كما تقدم في ~~الإيمان. ولكن موافقة الشارع في اللفظ والمعنى - أولى من موافقته في المعنى ~~وحده، قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] . ~~وقال تعالى: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] الآية. وقد ~~تقدم الكلام على هذه الآية، وأنهم ليسوا منافقين على أصح القولين. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: ms267 «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خلة منهن ~~كانت فيه خلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد ~~أخلف، وإذا خاصم فجر» . وفي رواية «وإذا ائتمن خان بدل: وإذا وعد أخلف» . ~~أخرجاه في ((الصحيحين)) . وحديث شعب الإيمان تقدم. وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» . # PageV02P507 # فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار، وإن كان معه ~~كثير من النفاق، فهو يعذب في النار على قدر [ما معه] من ذلك، ثم يخرج من ~~النار. # فالطاعات من شعب الإيمان، والمعاصي من شعب الكفر، وإن كان رأس شعب الكفر ~~الجحود، ورأس شعب الإيمان التصديق. # وأما ما يروى مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من جماعة ~~اجتمعت إلا وفيهم ولي لله، لا هم يدرون به، ولا هو يدري بنفسه» -: فلا أصل ~~له، وهو كلام باطل، فإن الجماعة قد يكونون كفارا، وقد يكونون فساقا يموتون ~~على الفسق. ### | [أولياء الله الكاملون] # وأما أولياء الله الكاملون فهم الموصوفون في قوله تعالى: {ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون - الذين آمنوا وكانوا يتقون - لهم البشرى ~~في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 62 - 64] الآية. [يونس: 62 - 64] # والتقوى هي المذكورة في قوله تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} [البقرة: 177] . وهم قسمان: مقتصدون، ~~ومقربون. فالمقتصدون: الذين يتقربون إلى الله بالفرائض من أعمال القلوب ~~والجوارح. والسابقون: الذين يتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض. كما في ~~صحيح # PageV02P508 # البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب ~~إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل، حتى ~~أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي ~~يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ms268 ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني ~~لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره ~~الموت وأكره مساءته» . # والولي: خلاف العدو، وهو مشتق من الولاء وهو الدنو والتقرب، فولي الله: ~~هو من والى الله بموافقته محبوباته، والتقرب إليه بمرضاته، وهؤلاء كما قال ~~الله تعالى فيهم: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} ~~[الطلاق: 2] # [الطلاق: 2 - 3] . قال أبو ذر رضي الله عنه: لما نزلت الآية، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، لو عمل الناس بهذه الآية لكفتهم» ، ~~فالمتقون يجعل الله لهم مخرجا مما ضاق على الناس، ويرزقهم من حيث لا ~~يحتسبون، فيدفع الله عنهم المضار، ويجلب لهم المنافع، ويعطيهم الله أشياء ~~يطول شرحها، من المكاشفات والتأثيرات. # PageV02P509 ### | [أكرم المؤمنين عند الله] # قوله: (وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن) . ش: أي أكرم المؤمنين ~~هو الأطوع لله والأتبع للقرآن، وهو الأتقى، والأتقى هو الأكرم، قال تعالى: ~~{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] . وفي السنن عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض ~~على أسود، ولا لأسود على أبيض -: إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب» ~~. وبهذا الدليل يظهر ضعف تنازعهم في مسألة الفقير الصابر والغني الشاكر، ~~وترجيح أحدهما على الآخر، وأن التحقيق أن التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر ~~والغنى، وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق، فالمسألة فاسدة في ~~نفسها. فإن التفضيل عند الله بالتقوى وحقائق ### | الإيمان، # لا بفقر ولا غنى. ولهذا - والله أعلم - قال عمر رضي الله عنه: الغنى ~~والفقر مطيتان، لا أبالي أيهما ركبت. والفقر والغنى ابتلاء من الله تعالى ~~لعبده، كما قال تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ~~ربي أكرمن} [الفجر: 15] الآية [الفجر: 15] . # PageV02P510 # فإن استوى الفقير الصابر والغني الشاكر - في التقوى، استويا في الدرجة، ~~وإن فضل أحدهما فيها فهو الأفضل عند الله، فإن الفقر والغنى لا يوزنان، ~~وإنما يوزن الصبر والشكر. # ومنهم من أحال ms269 المسألة من وجه آخر: وهو أن الإيمان [نصف] صبر ونصف شكر، ~~فكل منهما لا بد له من صبر وشكر. وإنما أخذ الناس فرعا من الصبر وفرعا من ~~الشكر، وأخذوا في الترجيح، فجردوا غنيا منفقا متصدقا باذلا ماله في وجوب ~~القرب شاكرا لله عليه، وفقيرا متفرغا لطاعة الله ولأداء العبادات صابرا على ~~فقره. وحينئذ يقال: إن أكملهما أطوعهما وأتبعهما، فإن تساويا تساوت ~~درجتهما. والله أعلم. ولو صح التجريد، لصح أن يقال: أيما أفضل معافى شاكر، ~~أو مريض صابر؟ ومطاع شاكر، أو مهان صابر؟ أو آمن شاكر، أو خائف صابر؟ ونحو ~~ذلك. ### | [الإيمان] ### | [أركان الإيمان] # قوله: (والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم ~~الآخر، والقدر، خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى) . ش: تقدم أن هذه ~~الخصال هي أصول الدين، وبها أجاب النبي صلى الله عليه وسلم في «حديث جبريل ~~المشهور المتفق على صحته، حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم على صورة ~~رجل أعرابي، وسأله عن الإسلام؟ فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن ~~استطعت إليه سبيلا. وسأله عن # PageV02P511 # الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ~~وتؤمن بالقدر، خيره وشره. وسأله عن الإحسان؟ فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، ~~فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . وقد ثبت كذلك في الصحيح عنه صلى الله عليه ~~وسلم: أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر تارة بسورتي الإخلاص: {قل ياأيها ~~الكافرون} [الكافرون: 1] و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] . وتارة بآيتي ~~الإيمان والإسلام: التي في سورة البقرة: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا} ~~[البقرة: 136] الآية [البقرة: 136] ، والتي في آل عمران: {قل ياأهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [آل عمران: 64] الآية [آل عمران: 64] . ~~وفسر صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث وفد عبد القيس، المتفق على صحته، ~~حيث قال لهم: «آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ ~~شهادة أن لا إله إلا الله وحده ms270 لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ~~وأن تؤدوا خمس ما غنمتم» . # PageV02P512 # ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب، ~~لما قد أخبر في غير موضع أنه لا بد من إيمان القلب. فعلم أن هذه مع إيمان ~~القلب هو الإيمان، وقد تقدم الكلام على هذا. ### | [لا يثبت حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق] # والكتاب والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا ~~بالعمل مع التصديق، وهذا أكثر من معنى الصلاة والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها ~~السنة، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] الآية [الأنفال: 2] ~~. وقوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} ~~[الحجرات: 15] الآية [الحجرات: 15] . وقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} [النساء: 65] # [النساء:] نفي الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على ~~الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب، الذي ~~وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب. ولا يقال إن بين تفسير النبي صلى الله عليه ~~وسلم الإيمان في حديث جبريل وتفسيره إياه في حديث وفد عبد القيس معارضة، ~~لأنه فسر الإيمان في حديث جبريل بعد تفسير الإسلام، فكان المعنى أنه ~~الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر مع الأعمال التي ذكرها في ~~تفسير الإسلام، كما أن الإحسان متضمن للإيمان الذي قدم تفسيره قبل ذكره. ~~بخلاف حديث وفد عبد القيس، لأنه فسره ابتداء، لم يتقدم قبله تفسير الإسلام. ~~ولكن هذا # PageV02P513 # الجواب لا يتأتى على ما ذكره الشيخ رحمه الله من تفسير الإيمان، فحديث ~~وفد عبد القيس مشكل عليه. # ومما يسأل عنه: أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من ~~الخصال الخمس التي أجاب بها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل ~~المذكور، فلم قال إن الإسلام هذه ms271 الخصال الخمس؟ وقد أجاب بعض الناس بأن هذه ~~أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر ~~بانحلال قيد انقياده. # والتحقيق: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدين الذي هو استسلام العبد ~~لربه مطلقا، الذي يجب لله عبادة محضة على الأعيان، فيجب على كل من كان ~~قادرا عليه، ليعبد الله بها مخلصا له الدين، وهذه هي الخمس، وما سوى ذلك ~~فإنما يجب بأسباب ومصالح، فلا يعلم وجوبها جميع الناس، بل إما أن يكون فرضا ~~على الكفاية كالجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما يتبع ذلك من ~~إمارة، وحكم، وفتيا، وإقراء، وتحديث، وغير ذلك. # وإما أن يجب بسبب حق الآدميين، فيختص به من وجب له وعليه، وقد يسقط ~~بإسقاطه، من قضاء الديون، ورد الأمانات والمغصوب، والإنصاف من المظالم، من ~~الدماء والأموال والأعراض، وحقوق الزوجة والأولاد، وصلة الأرحام، ونحو ذلك، ~~فإن الواجب من ذلك على زيد غير الواجب على عمرو. بخلاف صوم رمضان وحج # PageV02P514 # البيت والصلوات الخمس والزكاة، فإن الزكاة وإن كانت حقا ماليا فإنها ~~واجبة لله، والأصناف الثمانية مصارفها، ولهذا وجبت فيها النية، ولم يجز أن ~~يفعلها الغير بلا إذنه، ولم تطلب من الكفار، وحقوق العباد لا يشترط لها ~~النية، ولو أداها غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته، ويطالب بها الكفار. وما ~~يجب حقا لله تعالى، كالكفارات، هو بسبب من العبد، وفيها معنى العقوبة، ~~ولهذا كان التكليف شرطا في الزكاة، فلا تجب على الصغير والمجنون عند أبي ~~حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى، على ما عرف في موضعه. ### | [الإيمان بالقدر خيره وشره] # وقوله: والقدر خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى - تقدم قوله صلى ~~الله عليه وسلم في حديث جبريل: وتؤمن بالقدر خيره وشره، وقال تعالى: {قل لن ~~يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} [التوبة: 51] . وقال تعالى: {إن تصبهم حسنة ~~يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند ~~الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا - ما أصابك من حسنة فمن ms272 الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 78 - 79] الآية [النساء: 78 - 79] . # فإن قيل: فكيف الجمع بين قوله: كل من عند الله وبين قوله: {فمن نفسك} ~~[النساء: 79] ، قيل: قوله: {كل من عند الله} [النساء: 78] : الخصب والجدب، ~~والنصر والهزيمة، كلها من عند الله، وقوله: {فمن نفسك} [النساء: 79] : أي: # PageV02P515 # ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك، كما قال تعالى: {وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30] . يدل على ذلك ما روي عن ~~ابن عباس رضي الله عنه: أنه قرأ: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: ~~79] ، وأنا كتبتها عليك. # والمراد بالحسنة هنا النعمة، وبالسيئة البلية، في أصح الأقوال. وقد قيل: ~~الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية. وقيل: الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ~~ما أصابه يوم أحد. والقول الأول شامل لمعنى القول الثالث. والمعنى الثاني ~~ليس مرادا دون الأول قطعا، ولكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة ~~الجزاء من نفسه، مع أن الجميع مقدر، فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة ~~الأولى، فتكون من سيئات الجزاء، مع أنها من سيئات العمل، والحسنة الثانية ~~قد تكون من ثواب الأولى، كما دل على ذلك الكتاب والسنة. وليس للقدرية أن ~~يحتجوا بقوله تعالى: فمن نفسك، فإنهم يقولون: إن فعل العبد - حسنة كان أو ~~سيئة - فهو منه لا من الله! والقرآن قد فرق بينهما، وهم لا يفرقون، ولأنه ~~قال تعالى: كل من عند الله # PageV02P516 # فجعل الحسنات من عند الله، كما جعل السيئات من عند الله، وهم لا يقولون ~~بذلك في الأعمال، بل في الجزاء. وقوله بعد هذا: " {ما أصابك من حسنة} ~~[النساء: 79] " " ومن سيئة "، مثل قوله: " {وإن تصبهم حسنة} [النساء: 78] " ~~" {وإن تصبهم سيئة} [النساء: 78] ". # وفرق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي ~~المصائب، فجعل هذه من الله، وهذه من نفس الإنسان، لأن الحسنة مضافة إلى ~~الله، إذ هو أحسن بها من كل وجه، فما من وجه من أوجهها إلا وهو يقتضي ~~الإضافة إليه، وأما السيئة، فهو إنما يخلقها لحكمة، ms273 وهي باعتبار تلك الحكمة ~~من إحسانه، فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وخير. ### | [لا يخلق الله شرا محضا] # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الاستفتاح: «والخير كله ~~بيديك، والشر ليس إليك» . أي: فإنك لا تخلق شرا محضا، بل كل ما يخلقه ففيه ~~حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، فهذا شر جزئي ~~إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق -: فالرب سبحانه وتعالى منزه عنه. وهذا هو ~~الشر الذي ليس إليه. # ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردا قط، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، ~~كقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الزمر: 62] {كل من عند الله} [النساء: ~~78] وإما أن يضاف إلى السبب، كقوله: {من شر ما خلق} [الفلق: 2] وإما أن ~~يحذف فاعله، كقول الجن: وأنا # PageV02P517 # {لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن: 10] # وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل لله من ~~الرحمة والحكمة ما لا يقدر قدره إلا الله تعالى، وليس إذا وقع في المخلوقات ~~ما هو شر جزئي بالإضافة يكون شرا كليا عاما، بل الأمور العامة الكلية لا ~~تكون إلا خيرا أو مصلحة للعباد، كالمطر العام، وكإرسال رسول عام. # وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيد كذابا عليه بالمعجزات التي أيد بها ~~الصادقين، فإن هذا شر عام للناس، يضلهم، فيفسد عليهم دينهم ودنياهم ~~وأخراهم. # وليس هذا كالملك الظالم والعدو، فإن الملك الظالم لا بد أن يدفع الله به ~~من الشر أكثر من ظلمه، وقد قيل: ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا ~~إمام، وإذا قدر كثرة ظلمه، فذاك خير في الدين، كالمصائب، تكون كفارة ~~لذنوبهم، ويثابون على الصبر عليه، ويرجعون فيه إلى الله، ويستغفرونه ~~ويتوبون إليه، وكذلك ما يسلط عليهم من العدو. ولهذا قد يمكن الله كثيرا من ~~الملوك الظالمين مدة، وأما المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم، بل لا بد ~~أن يهلكهم، لأن فسادهم ms274 عام في الدين والدنيا والآخرة، قال تعالى: {ولو تقول ~~علينا بعض الأقاويل - لأخذنا منه باليمين - ثم لقطعنا منه الوتين} [الحاقة: ~~44 - 46] # [الحاقة: 44 - 46] . # وفي قوله: فمن نفسك - من الفوائد: أن العبد لا يطمئن إلى نفسه # PageV02P518 # ولا يسكن إليها، فإن الشر كامن فيها، لا يجيء إلا منها، ولا يشتغل بملام ~~الناس ولا ذمهم إذا أساءوا إليه، فإن ذلك من السيئات التي أصابته، وهي إنما ~~أصابته بذنوبه، فيرجع إلى الذنوب، ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله، ~~ويسأل الله أن يعينه على طاعته. فبذلك يحصل له كل خير، ويندفع عنه كل شر. ### | [أنفع الدعاء دعاء الفاتحة] # ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: {اهدنا الصراط ~~المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: ~~6] . فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر، ~~لا في الدنيا ولا في الآخرة. # لكن الذنوب هي لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة، وهو إلى ~~الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب. ليس كما يقوله بعض المفسرين: إنه قد ~~هداه! فلماذا يسأل الهدى؟ ! وإن المراد التثبيت، أو مزيد الهداية! بل العبد ~~محتاج إلى أن يعلمه الله ما يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتركه من ~~تفاصيل الأمور، في كل يوم، وإلى أن يلهمه أن يعمل ذلك. فإنه لا يكفي مجرد ~~علمه إن لم يجعله مريدا للعمل بما يعلمه، وإلا كان العلم حجة عليه، ولم يكن ~~مهتديا. و [العبد] محتاج إلى أن يجعله [الله] قادرا على العمل بتلك الإرادة ~~الصالحة، فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم، وما لا نريد فعله تهاونا ~~وكسلا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك، ~~وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر، # PageV02P519 # ونحن محتاجون إلى الهداية التامة، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤاله سؤال ~~تثبيت، وهي آخر الرتب. # وبعد ذلك كله هداية أخرى، وهي الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة. ولهذا ~~كان الناس ms275 مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة، لفرط حاجتهم إليه، فليسوا إلى ~~شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء. فيجب أن يعلم أن الله بفضل رحمته جعل هذا ~~الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير، المانعة من الشر، فقد بين القرآن ~~أن السيئات من النفس، وإن كانت بقدر الله، وأن الحسنات كلها من الله تعالى. # وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يشكر سبحانه، وأن يستغفره العبد من ذنوبه، ~~وألا يتوكل إلا عليه وحده، فلا يأتي بالحسنات إلا هو. فأوجب ذلك توحيده، ~~والتوكل عليه وحده، والشكر له وحده، والاستغفار من الذنوب. # وهذه الأمور كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمعها في الصلاة، كما ثبت عنه ~~في الصحيح: أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: «ربنا لك الحمد، حمدا ~~كثيرا طيبا مباركا فيه. ملء السماوات، وملء الأرض، وملء # PageV02P520 # ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد» ~~. فهذا حمد، وهو شكر لله تعالى، وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد، ثم يقول ~~بعد ذلك: «لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد» . ### | [تحقيق توحيد الربوبية والإلهية] # وهذا تحقيق لوحدانيته، لتوحيد الربوبية، خلقا وقدرا، وبداية ونهاية، هو ~~المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولتوحيد الإلهية، شرعا ~~وأمرا ونهيا، وإن العباد وإن كانوا يعطون جدا ملكا وعظمة وبختا ورياسة، في ~~الظاهر، أو في الباطن، كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة، فلا ينفع ذا ~~الجد منك الجد، أي لا ينجيه ولا يخلصه، ولهذا قال: لا ينفعه منك، ولم يقل ~~ولا ينفعه # PageV02P521 # عندك لأنه لو قيل ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك، لكن قد لا يضره. فتضمن ~~هذا الكلام تحقيق التوحيد، وتحقيق قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~[الفاتحة: 5] فإنه لو قدر أن شيئا من الأسباب يكون مستقلا بالمطلوب، وإنما ~~يكون بمشيئة الله وتيسيره -: لكان الواجب أن لا يرجى إلا الله، ولا يتوكل ~~إلا عليه، ولا يسأل إلا هو، ولا يستغاث إلا به، ولا ms276 يستعان إلا هو، فله ~~الحمد وإليه المشتكى، وهو المستعان، وبه المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا به. ~~فكيف وليس شيء من الأسباب مستقلا بمطلوب، بل لا بد من انضمام أسباب أخر ~~إليه، ولا بد أيضا من صرف الموانع والمعارضات عنه، حتى يحصل المقصود، فكل ~~سبب فله شريك، وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه، ولم ينصرف عنه ضده -: لم تحصل ~~مشيئته. # والمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ~~ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا ~~يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى، ومجموع ذلك لا يفيد إن لم ~~تصرف عنه المفسدات. # والمخلوق الذي يعطيك أو ينصرك، فهو - مع أن الله يجعل فيه الإرادة والقوة ~~والفعل -: فلا يتم ما يفعله إلا بأسباب كثيرة، خارجة عن قدرته، تعاونه على ~~مطلوبه، ولو كان ملكا مطاعا، ولا بد أن يصرف عن الأسباب المتعاونة ما ~~يعارضها ويمانعها، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع. # وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضي، فليس في الوجود # PageV02P522 # شيء واحد هو مقتض تام، وإن سمي مقتضيا، وسمي سائر ما يعينه شروطا - فهذا ~~نزاع لفظي. وأما أن يكون في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها فهذا باطل. # ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله، وعلم أنه لا يستحق أن ~~يسأل غيره، فضلا عن أن يعبد غيره، ولا يتوكل على غيره، ولا يرجى غيره. ### | [وجوب الإيمان بجميع الرسل] # قوله: (ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ~~ما جاءوا به) . ش: الإشارة بذلك إلى ما تقدم، مما يجب الإيمان به تفصيلا، ~~وقوله: {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] إلى آخر كلامه - أي: لا ~~نفرق بينهم بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض، بل نؤمن بهم ونصدقهم كلهم، فإن من ~~آمن ببعض وكفر ببعض، كافر بالكل. قال تعالى: {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ~~ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك ms277 هم الكافرون حقا} [النساء: 150] # [النساء: 150 - 151] . فإن المعنى الذي لأجله آمن بمن آمن منهم - موجود ~~في الذي لم يؤمن به، وذلك الرسول الذي آمن به قد جاء بتصديق بقية المرسلين، ~~فإذا لم يؤمن ببعض المرسلين كان كافرا بمن في زعمه أنه مؤمن به، لأن ذلك ~~الرسول قد جاء بتصديق المرسلين كلهم، فكان كافرا حقا، وهو يظن أنه مؤمن، ~~فكان من الأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا. # PageV02P523 ### | [أهل الكبائر] ### | [العصاة من أهل الكبائر لا يخلدون في النار إذا ماتوا وهم موحدون] # قوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون، ~~إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين. وهم ~~في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر عز وجل في ~~كتابه: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] # [النساء: 48 و 116] وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته ~~وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته. وذلك بأن الله تعالى ~~تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من ~~هدايته، ولم ينالوا من ولايته. اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على ~~الإسلام حتى نلقاك به) . ش: فقوله: وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون - رد لقول الخوارج ~~والمعتزلة، القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار. لكن الخوارج تقول ~~بتكفيرهم، والمعتزلة بخروجهم عن الإيمان، لا بدخولهم في الكفر، بل لهم ~~منزلة بين منزلتين، كما تقدم عند الكلام على قول الشيخ رحمه الله: ولا نكفر ~~أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله. # وقوله: وأهل الكبائر من أمة محمد - تخصيصه أمة محمد، يفهم منه أن أهل ~~الكبائر من أمة غير محمد صلى الله عليه وسلم قبل نسخ تلك الشرائع به، حكمهم ~~مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد. وفي ذاك نظر، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms278 أخبر أنه: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» . # PageV02P524 # ولم يخص أمته بذلك، بل ذكر الإيمان مطلقا، فتأمله. وليس في بعض النسخ ذكر ~~الأمة. # وقوله: في النار - معمول لقوله: لا يخلدون. وإنما قدمه لأجل السجعة، لا ~~أن يكون [في النار] خبرا لقوله: وأهل الكبائر، كما ظنه بعض الشارحين. ### | [اختلاف العلماء في تحديد الكبيرة] # واختلف العلماء في الكبائر على أقوال: # فقيل: سبع. # وقيل: سبع عشرة. # وقيل: ما اتفقت الشرائع على تحريمه. # وقيل: ما يسد باب المعرفة بالله. # وقيل: ذهاب الأموال والأبدان. # وقيل: سميت كبائر بالنسبة والإضافة إلى ما دونها. # وقيل: لا تعلم أصلا. أو: أنها أخفيت كليلة القدر. # وقيل: إنها إلى السبعين أقرب. # وقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة. # وقيل: إنها ما يترتب عليها حد أو توعد عليها بالنار، أو اللعنة، أو ~~الغضب، وهذا أمثل الأقوال. # واختلفت عبارة قائليه: # منهم من قال: الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة. # ومنهم من قال: كل ذنب لم يختم بلعنة أو غضب أو نار. # PageV02P525 # ومنهم من قال: الصغيرة ما ليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة، ~~والمراد بالوعيد: الوعيد الخاص بالنار أو اللعنة أو الغضب، فإن الوعيد ~~الخاص في الآخرة كالعقوبة الخاصة في الدنيا، أعني المقدرة، فالتعزير في ~~الدنيا نظير الوعيد بغير النار أو اللعنة أو الغضب. # وهذا الضابط يسلم من القوادح الواردة على غيره، فإنه يدخل فيه كل ما ثبت ~~بالنص أنه كبيرة، كالشرك، والقتل، والزنا، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات ~~المؤمنات، ونحو ذلك، كالفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعقوق ~~الوالدين، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وأمثال ذلك. # وترجيح هذا القول من وجوه: # أحدها: أنه هو المأثور عن السلف، كابن عباس، وابن عيينة، وابن حنبل رضي ~~الله عنهم، وغيرهم. # الثاني: أن الله تعالى قال: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [النساء: 31] . فلا يستحق هذا الوعد الكريم ~~من أوعد بغضب الله ولعنته وناره، وكذلك من استحق أن يقام ms279 عليه الحد لم تكن ~~سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر. # الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب، فهو حد ~~متلقى من خطاب الشارع. # الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، # PageV02P526 # بخلاف تلك الأقوال، فإن من قال: سبع، أو سبع عشرة، أو إلى السبعين أقرب ~~-: مجرد دعوى. # ومن قال: ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما اختلفت فيه -: يقتضي أن شرب ~~الخمر، والفرار من الزحف، والتزوج ببعض المحارم، والمحرم بالرضاعة ~~والصهرية، ونحو ذلك - ليس من الكبائر! وأن الحبة من مال اليتيم، والسرقة ~~لها، والكذبة الواحدة الخفيفة، ونحو ذلك -: من الكبائر! وهذا فاسد. # ومن قال: ما سد باب المعرفة بالله، أو ذهاب الأموال والأبدان -: يقتضي أن ~~شرب الخمر، وأكل الخنزير والميتة والدم، وقذف المحصنات - ليس من الكبائر! ~~وهذا فاسد. # ومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها، أو كل ما نهى الله عنه ~~فهو كبيرة -: يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم إلى صغائر وكبائر! وهذا ~~فاسد، لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر. # ومن قال: إنها لا تعلم أصلا، أو إنها مبهمة -: فإنما أخبر عن نفسه أنه لا ~~يعلمها، فلا يمنع أن يكون قد علمها غيره. والله أعلم. وقوله: وإن لم يكونوا ~~تائبين - لأن التوبة لا خلاف أنها تمحو الذنوب، وإنما الخلاف في غير ~~التائب. # وقوله: بعد أن لقوا الله تعالى عارفين - لو قال: مؤمنين، بدل قوله: ~~عارفين، كان أولى، لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر. وإنما اكتفى ~~بالمعرفة وحدها الجهم، وقوله مردود باطل، كما تقدم. فإن # PageV02P527 # إبليس عارف بربه، {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} [الحجر: 36] . {قال ~~فبعزتك لأغوينهم أجمعين - إلا عبادك منهم المخلصين} [لقمان: 25] . {قل لمن ~~الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون - سيقولون لله} [المؤمنون: 84 - 85] # [المؤمنون: 84 - 85] . إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى. # وكأن الشيخ رحمه الله أراد المعرفة الكاملة المستلزمة للاهتداء، التي ~~يشير إليها أهل الطريقة، وحاشا أولئك أن يكونوا ms280 من أهل الكبائر، بل هم سادة ~~الناس وخاصتهم. # وقوله: وهم في مشيئة الله وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، إلى ~~آخر كلامه - فصل الله تعالى بين الشرك وغيره لأن الشرك أكبر الكبائر، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم، وأخبر الله تعالى أن الشرك غير مغفور، وعلق غفران ~~ما دونه بالمشيئة، والجائز يعلق بالمشيئة دون الممتنع، ولو كان الكل سواء ~~لما كان للتفصيل معنى. ولأنه علق هذا الغفران بالمشيئة، وغفران الكبائر ~~والصغائر بعد التوبة مقطوع به، غير معلق بالمشيئة، كما قال تعالى: {قل ~~ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53] . فوجب أن يكون الغفران ~~المعلق بالمشيئة هو غفران الذنوب سوى الشرك بالله قبل التوبة. # PageV02P528 # وقوله: ذلك أن الله مولى أهل معرفته - فيه مؤاخذة لطيفة، كما تقدم. # وقوله: «اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام، وفي نسخة: ثبتنا على ~~الإسلام حتى نلقاك به» - روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه ~~الفاروق، بسنده عن أنس رضي الله عنه، قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «يا ولي الإسلام وأهله، مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه» . ~~ومناسبة ختم الكلام المتقدم بهذا الدعاء ظاهرة. وبمثل هذا الدعاء دعا يوسف ~~الصديق صلوات الله عليه، حيث قال: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101] . وبه دعا السحرة الذين كانوا أول من آمن ~~بموسى صلوات الله على نبينا وعليه، حيث قالوا: {ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين} [الأعراف: 126] . ومن استدل بهاتين الآيتين على جواز تمني ~~الموت فلا دليل له فيه، فإن الدعاء إنما هو بالموت على الإسلام، لا بمطلق ~~الموت، ولا بالموت الآن، والفرق ظاهر. ### | [الصلاة خلف كل بر وفاجر] ### | [جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة] # قوله: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم) . ~~قال ms281 صلى الله عليه وسلم: صلوا خلف كل بر وفاجر. رواه مكحول عن # PageV02P529 # أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه الدارقطني، قال: مكحول لم يلق أبا هريرة. ~~وفي إسناده معاوية بن صالح، متكلم فيه، وقد احتج به مسلم في صحيحه. وخرج له ~~الدارقطني أيضا وأبو داود، عن مكحول، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم، بر أو ~~فاجر، وإن هو عمل بالكبائر، والجهاد واجب عليكم مع كل أمير، بر أو فاجر، ~~[وإن] عمل الكبائر» . وفي صحيح البخاري: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ~~كان # PageV02P530 # يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك، وكان الحجاج فاسقا ~~ظالما. # وفي صحيحه أيضا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يصلون لكم، فإن ~~أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم» . # وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«صلوا خلف من قال لا إله إلا الله، وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا ~~الله» . أخرجه الدارقطني من طرق، وضعفها. ### | [الصلاة خلف مستور الحال] # اعلم، رحمك الله وإيانا: أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ~~ولا فسقا، باتفاق الأئمة، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد ~~إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول: ماذا تعتقد؟ ! بل يصلي خلف المستور الحال ~~الصلاة خلف مستور الحال. # PageV02P531 ### | [الصلاة خلف المبتدع والفاسق] # ولو صلى خلف مبتدع الصلاة خلف المبتدع والفاسق يدعو إلى بدعته، أو فاسق ~~ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه، كإمام ~~الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك -: فإن المأموم ~~يصلي خلفه، عند عامة السلف والخلف. # ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر، فهو مبتدع عند أكثر العلماء. ~~والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون ~~الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر ms282 ~~يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس رضي الله عنه، كما تقدم، وكذلك عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ~~وكان يشرب الخمر، حتى إنه صلى بهم الصبح مرة أربعا، ثم قال: أزيدكم؟ ! فقال ~~له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة! ! # وفي الصحيح: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما حصر صلى بالناس شخص، فسأل ~~سائل عثمان: إنك إمام عامة، وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة؟ فقال: يا ابن ~~أخي، إن الصلاة من أحسن # PageV02P532 # ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. # والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل ~~صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر واجب. # ومن ذلك: أن من أظهر بدعة وفجورا لا يرتب إماما للمسلمين، فإنه يستحق ~~التعزير حتى يتوب، فإذا أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا، وإذا كان بعض الناس ~~إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو ~~يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه -: فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ~~ذلك مصلحة شرعية، ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة. # وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة، فهنا لا ~~يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة رضي الله عنهم. وكذلك إذا كان ~~الإمام قد رتبه ولاة الأمور، ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فهنا لا ~~يترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلفه أفضل، فإذا أمكن الإنسان أن لا يقدم ~~مظهرا للمنكر في الإمامة، وجب عليه ذلك، لكن إذا ولاه غيره، ولم يمكنه صرفه ~~عن الإمامة، أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشر أعظم ضررا من ضرر ~~ما أظهر من المنكر -: فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، # PageV02P533 # ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما، فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح ~~وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب ms283 الإمكان. فتفويت الجمع والجماعات ~~أعظم فسادا من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنها ~~لا يدفع فجورا، فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. # وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر، فهذا أولى من فعلها خلف ~~الفاجر. وحينئذ، فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر، فهو موضع اجتهاد العلماء: ~~منهم من قال. يعيد، ومنهم من قال: لا يعيد. وموضع بسط ذلك في كتب الفروع. # وأما الإمام إذا نسي أو أخطأ، ولم يعلم المأموم بحاله، فلا إعادة على ~~المأموم، للحديث المتقدم. وقد صلى عمر رضي الله عنه وغيره وهو جنب ناسيا ~~للجنابة. فأعاد الصلاة، ولم يأمر المأمومين بالإعادة. ولو علم بعد فراغه أن ~~إمامه كان على غير طهارة، أعاد عند أبي حنيفة، خلافا لمالك والشافعي وأحمد ~~في المشهور عنه. وكذلك لو فعل الإمام ما لا يسوغ عند المأموم. وفيه تفاصيل ~~موضعها كتب الفروع. ولو علم أن إمامه يصلي على غير وضوء فليس له أن يصلي ~~خلفه، لأنه لاعب، وليس بمصل. ### | [المطاعون في مواضع الاجتهاد] # وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام ~~الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة -: يطاع # PageV02P534 # في مواضع الاجتهاد، المطاعون في مواضع الاجتهاد وليس عليه أن يطيع أتباعه ~~في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة ~~الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية. ~~ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض. والصواب المقطوع به صحة صلاة ~~بعض هؤلاء خلف بعض. يروى عن أبي يوسف: أنه لما حج مع هارون الرشيد، فاحتجم ~~الخليفة، وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ، وصلى بالناس، فقيل لأبي يوسف: أصليت ~~خلفه؟ قال: سبحان الله! أمير المؤمنين. يريد بذلك أن ترك الصلاة خلف ولاة ~~الأمور من فعل أهل البدع. وحديث أبي هريرة، الذي رواه البخاري، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن ~~أخطأوا فلكم وعليهم» -: نص صحيح صريح في أن ms284 الإمام إذا أخطأ فخطؤه عليه، لا ~~على المأموم. والمجتهد غايته أنه أخطأ بترك واجب اعتقد أنه ليس واجبا، أو ~~فعل محظورا اعتقد أنه ليس محظورا. ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~يخالف هذا الحديث الصريح الصحيح بعد أن يبلغه، وهو حجة على من يطلق من ~~الحنفية والشافعية والحنبلية أن الإمام إذا ترك ما يعتقد المأموم وجوبه لم ~~يصح اقتداؤه به! ! فإن الاجتماع والائتلاف مما يجب رعايته وترك الخلاف ~~المفضي إلى الفساد. # وقوله: وعلى من مات منهم - أي ونرى الصلاة على من مات من الأبرار ~~والفجار، وإن كان يستثنى من هذا العموم البغاة وقطاع # PageV02P535 # الطريق، وكذا قاتل نفسه، خلافا لأبي يوسف، لا الشهيد، خلافا لمالك ~~والشافعي رحمهما الله، على ما عرف في موضعه. لكن الشيخ إنما ساق هذا الكلام ~~لبيان أنا لا نترك الصلاة على من مات من أهل البدع والفجور، لا للعموم ~~الكلي. # ولكن المظهرون للإسلام قسمان: إما مؤمن، وإما منافق، فمن علم نفاقه لم ~~تجز الصلاة عليه والاستغفار له، ومن لم يعلم ذلك منه صلي عليه. فإذا علم ~~شخص نفاق شخص لم يصل هو عليه، وصلى عليه من لم يعلم نفاقه، وكان عمر رضي ~~الله عنه لا يصلي على من لم يصل عليه حذيفة، لأنه كان في غزوة تبوك قد عرف ~~المنافقين، وقد نهى الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ~~على المنافقين، وأخبر أنه لا يغفر لهم باستغفاره، وعلل ذلك بكفرهم بالله ~~ورسوله، فمن كان مؤمنا بالله ورسوله لم ينه عن الصلاة عليه، ولو كان له من ~~الذنوب الاعتقادية البدعية أو العملية أو الفجورية ما له، بل قد أمره الله ~~تعالى بالاستغفار للمؤمنين، فقال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله ~~واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: 19] # PageV02P536 # [محمد: 19] . فأمره سبحانه بالتوحيد والاستغفار لنفسه وللمؤمنين ~~والمؤمنات، فالتوحيد أصل الدين، والاستغفار له وللمؤمنين كماله. فالدعاء ~~لهم بالمغفرة والرحمة وسائر الخيرات، إما واجب وإما مستحب، وهو على نوعين: ~~عام وخاص، أما العام فظاهر، كما في هذه الآية، ms285 وأما الدعاء الخاص، فالصلاة ~~على الميت، فما من مؤمن يموت إلا وقد أمر المؤمنون أن يصلوا عليه صلاة ~~الجنازة، وهم مأمورون في صلاتهم عليه أن يدعوا له، كما روى أبو داود وابن ~~ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» . ### | [لا يقطع لأحد معين من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا بنص] # قوله: (ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا) . ش: يريد: أنا لا نقول عن أحد ~~معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة أو من أهل النار، إلا من أخبر الصادق ~~صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة كالعشرة رضي الله عنهم. وإن كنا نقول: ~~إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من يشاء الله إدخاله النار، ثم ~~يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا نقف في الشخص المعين، فلا نشهد له بجنة ~~ولا نار إلا عن علم، لأن حقيقته # PageV02P537 # باطنة، وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء. # وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال: # أحدها: أن لا يشهد لأحد إلا للأنبياء، وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية، ~~والأوزاعي. # والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قول كثير من ~~العلماء وأهل الحديث. # والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون، كما في ~~((الصحيحين)) : أنه «مر بجنازة، فأثنوا عليها بخير، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: وجبت، ومر بأخرى، فأثني عليها بشر، فقال: وجبت. وفي رواية كرر: ~~وجبت ثلاث مرات، فقال عمر: يا رسول الله، ما وجبت؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: هذا أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا وجبت ~~له النار، أنتم شهداء الله في الأرض» . وقال صلى الله عليه وسلم: «توشكون ~~أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء ~~الحسن والثناء السيئ» . فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل ms286 النار. # PageV02P538 ### | [لا نشهد على أحد من أهل القبلة بالكفر ما لم يظهر منه ذلك] # قوله: (ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك أهل القبلة لا يكفرون ولا بنفاق، ما ~~لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى) . ش: لأنا قد أمرنا ~~بالحكم بالظاهر، ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم. قال تعالى: ~~{ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم} ~~[الحجرات: 11] الآية [الحجرات: 11] . وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا ~~اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12] الآية [الحجرات: 12] ~~. وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك ~~كان عنه مسئولا} [الإسراء: 36] الآية [الإسراء: 36] . قوله: (ولا نرى السيف ~~على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف) . ش: في ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ~~أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس ~~بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» . # PageV02P539 ### | [وجوب طاعة ولي الأمر إلا في معصية] # قوله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو ~~عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما ~~لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة) . ش: قال تعالى: {ياأيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59] . ~~وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من أطاعني فقد أطاع ~~الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير ~~فقد عصاني» . # وعن أبي ذر رضي الله عنه. قال: «إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان ~~عبدا حبشيا مجدع الأطراف» . وعند البخاري: «ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة» . # وفي ((الصحيحين)) أيضا: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، ~~إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» . # PageV02P540 # «وعن حذيفة بن اليمان ms287 قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، ~~إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ ~~قال: نعم، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قال: قلت: ~~وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، ~~فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم: دعاة على أبواب جهنم من أجابهم ~~إليها قذفوه فيها، فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا؟ قال: نعم، قوم من جلدتنا، ~~يتكلمون بألسنتنا، قلت: يا رسول الله، فما ترى إذا أدركني ذلك؟ قال: تلزم ~~جماعة المسلمين، وإمامهم. فقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ~~فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ~~ذلك» . # وعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتة ~~جاهلية» . # PageV02P541 # وفي رواية: «فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» . # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» . # وعن عوف بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ~~«خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار ~~أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، فقلنا: يا رسول ~~الله، أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا ~~من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية ~~الله، ولا ينزعن يدا من طاعة» . # فقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، ~~فتأمل قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: ~~59]- كيف قال: {وأطيعوا الرسول} [النساء: 59] ، ولم يقل: # PageV02P542 # وأطيعوا أولي الأمر منكم؟ لأن أولي الأمر ms288 لا يفردون بالطاعة، بل يطاعون ~~فيما هو طاعة لله ورسوله. وأعاد الفعل مع الرسول لأن من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ~~ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله. # وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من ~~المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ~~ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء ~~من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل. قال ~~تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] ~~. وقال تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من ~~عند أنفسكم} [آل عمران: 165] وقال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79] . وقال تعالى: {وكذلك نولي بعض ~~الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} [الأنعام: 129] . فإذا أراد الرعية أن ~~يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم، فليتركوا الظلم. # وعن مالك بن دينار: أنه جاء في بعض كتب الله: أنا الله مالك الملك، قلوب ~~الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، # PageV02P543 # ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، لكن توبوا ~~أعطفهم عليكم. ### | [الأمر باتباع السنة والجماعة] # قوله: (ونتبع السنة والجماعة، الالتزام بالسنة والجماعة ونجتنب الشذوذ ~~والخلاف والفرقة) . # ش: السنة: طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، والجماعة: جماعة المسلمين، ~~وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين. فاتباعهم هدى، وخلافهم ~~ضلال. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل عمران: 31] . # وقال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] . # وقال تعالى: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما ms289 حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين} ~~[النور: 54] . # وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: 153] . # وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ~~وأولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران: 105] . # وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما ~~أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} [الأنعام: 159] # PageV02P544 # [الأنعام: 159] . # وثبت في السنن الحديث الذي صححه الترمذي، عن العرباض بن سارية، قال: ~~«وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت ~~منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع؟ فماذا تعهد ~~إلينا؟ فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا ~~كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، ~~وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» . وقال ~~صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ~~ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، يعني الأهواء، كلها في ~~النار إلا واحدة، وهي الجماعة. # وفي رواية: قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي» # فبين صلى الله عليه وسلم أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين، إلا أهل ~~السنة والجماعة. # PageV02P545 # وما أحسن قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حيث قال: من كان منكم ~~مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما ~~وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم ~~فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم ~~كانوا على الهدي المستقيم. وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان إن شاء الله ~~تعالى، عند قول الشيخ: ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا. ### | [حب أهل العدل من كمال الإيمان] # قوله: (ونحب أهل العدل والأمانة، ms290 حب أهل العدل من كمال الإيمان ونبغض أهل ~~الجور والخيانة) . # ش وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية، فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ~~ونهايتها، وكمال الذل ونهايته. فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من ~~محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في ~~الله، لا مع الله، فإن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض، ويوالي من ~~يواليه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضائه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، ~~وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق لمحبوبه في كل حال. # والله تعالى يحب المحسنين، ويحب المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ~~ونحن نحب من أحبه الله. # والله لا يحب الخائنين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المستكبرين، ونحن لا ~~نحبهم أيضا، ونبغضهم، موافقة له سبحانه وتعالى. # PageV02P546 # وفي ((الصحيحين)) عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد ~~حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء ~~لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، ~~كما يكره أن يلقى في النار» . # فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه، وولايته ~~وعداوته. ومن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض ~~أعداءه، ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم، كما قال تعالى: {إن الله يحب ~~الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4] . # والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر، فإن العبد يجتمع فيه سبب ~~الولاية وسبب العداوة، والحب والبغض، فيكون محبوبا من وجه مبغوضا من وجه، ~~والحكم للغالب. وكذلك حكم العبد عند الله، فإن الله قد يحب الشيء من وجه ~~ويكرهه من وجه آخر، كما قال صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه عز وجل: ~~«وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، ~~وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه» . # فبين أنه يتردد، لأن التردد تعارض إرادتين، وهو سبحانه يحب ms291 # PageV02P547 # ما يحب عبده المؤمن، ويكره ما يكرهه، وهو يكره الموت فهو يكرهه، كما قال: ~~وأنا أكره مساءته، وهو سبحانه قضى بالموت فهو يريد كونه، فسمى ذلك ترددا، ~~ثم بين أنه لا بد من وقوع ذلك، إذ هو يفضي إلى ما هو أحب منه. ### | [ما اشتبه علينا علمه نكله إلى الله] # قوله: (ونقول: الله أعلم، فيما اشتبه علينا علمه) . ش: تقدم في كلام ~~الشيخ رحمه الله أنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى ~~الله عليه وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه. # ومن تكلم بغير علم فإنما يتبع هواه، وقد قال تعالى: {ومن أضل ممن اتبع ~~هواه بغير هدى من الله} [القصص: 50] . # وقال تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد - ~~كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} [الحج: 3 - 4] # [الحج: 3 - 4] . # وقال تعالى: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند ~~الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} [غافر: 35] . # PageV02P548 # وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي ~~بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما ~~لا تعلمون} [الأعراف: 33] . # وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد علم ما لم يعلم إليه، فقال ~~تعالى: {قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض} [الكهف: 26] . {قل ~~ربي أعلم بعدتهم} [الكهف: 22] . وقد قال صلى الله عليه وسلم، «لما سئل عن ~~أطفال المشركين: الله أعلم بما كانوا عاملين» # وقال عمر رضي الله عنه: اتهموا الرأي في الدين، فلو رأيتني يوم أبي جندل، ~~فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي، فأجتهد ولا ~~آلو، وذلك يوم أبي جندل، والكتاب يكتب، وقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم ~~قال: اكتب باسمك اللهم، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب وأبيت، ~~فقال: يا عمر ms292 تراني قد رضيت وتأبى # PageV02P549 # وقال أيضا رضي الله عنه: السنة ما سنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ~~لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة. # وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه؟ أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إن قلت ~~في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم. # وذكر الحسن بن علي الحلواني، حدثنا عارم، حدثنا حماد بن # PageV02P550 # زيد، عن سعيد بن أبي صدقة، عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب لما لا ~~يعلم من أبي بكر، ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر رضي الله ~~عنه، وإن أبا بكر نزلت به قضية، فلم يجد في كتاب الله منها أصلا، ولا في ~~السنة أثرا، فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن ~~يكن خطأ فمني، وأستغفر الله. ### | [المسح على الخفين في السفر والحضر] # قوله: (ونرى المسح على الخفين، في السفر والحضر، كما جاء في الأثر) . ش: ~~تواترت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسح على الخفين وبغسل ~~الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، فيقال لهم: الذين نقلوا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء قولا وفعلا، والذين تعلموا الوضوء منه ~~وتوضئوا على عهده وهو يراهم ويقرهم، ونقلوه إلى من بعدهم، أكثر عددا من ~~الذين نقلوا لفظ هذه الآية. فإن جميع المسلمين كانوا يتوضئون على عهده، ولم ~~يتعلموا الوضوء إلا منه، فإن هذا العمل لم يكن معهودا عندهم في الجاهلية، ~~وهم قد رأوه يتوضأ ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى، ونقلوا عنه ذكر غسل ~~الرجلين في ما شاء الله من الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه، في كتب ~~الصحيح وغيرها، أنه قال: «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» # PageV02P551 # مع أن الفرض إذا كان مسح ظاهر القدم، كان غسل الجميع كلفة لا تدعو إليها ~~الطباع، كما تدعو الطباع إلى طلب الرياسة والمال، فلو جاز الطعن في تواتر ~~صفة الوضوء، لكان في نقل لفظ آية [الوضوء] أقرب إلى الجواز. ms293 # وإذا قالوا: لفظ الآية ثبت بالتواتر الذي لا يمكن فيه الكذب ولا الخطأ، ~~فثبوت التواتر في نقل الوضوء عنه أولى وأكمل، ولفظ الآية لا يخالف ما تواتر ~~من السنة، فإن المسح كما يطلق ويراد به الإصابة - كذلك يطلق ويراد به ~~الإسالة، كما تقول # PageV02P552 # العرب: تمسحت للصلاة، وفي الآية ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين ~~المسح الذي هو قسيم الغسل، بل المسح الذي الغسل قسم منه، فإنه قال: إلى ~~الكعبين ولم يقل: إلى الكعاب، كما قال: إلى المرافق فدل على أنه ليس في كل ~~رجل كعب واحد، كما في كل يد مرفق واحد، بل في كل رجل كعبان، فيكون تعالى قد ~~أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو الغسل، فإن من يمسح المسح الخاص ~~يجعل المسح لظهور القدمين، وجعل الكعبين في الآية غاية يرد قولهم. فدعواهم ~~أن الفرض مسح الرجلين إلى الكعبين، اللذين هما مجتمع الساق والقدم عند معقد ~~الشراك - مردود بالكتاب والسنة. # وفي الآية قراءتان مشهورتان: النصب والخفض، وتوجيه إعرابهما مبسوط في ~~موضعه. وقراءة النصب نص في وجوب الغسل، لأن العطف على المحل إنما يكون إذا ~~كان المعنى واحدا، كقوله: # فلسنا بالجبال ولا الحديدا # PageV02P553 # وليس معنى: مسحت برأسي ورجلي - هو معنى: مسحت رأسي ورجلي، بل ذكر الباء ~~يفيد معنى زائدا على مجرد المسح، وهو إلصاق شيء من الماء بالرأس، فتعين ~~العطف على قوله: وأيديكم فالسنة المتواترة تقضي على ما يفهمه بعض الناس من ~~ظاهر القرآن، فإن الرسول بين للناس لفظ القرآن ومعناه. كما قال أبو عبد ~~الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان، وعبد ~~الله بن # PageV02P554 # مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ~~آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها. # وفي ذكر المسح في الرجلين تنبيه على قلة الصب في الرجلين، فإن السرف ~~يعتاد فيهما كثيرا. والمسألة معروفة، والكلام عليها في كتب الفروع. ### | [الحج والجهاد ماضيان إلى قيام الساعة] # قوله: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم، ms294 ~~إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما) . ش: يشير الشيخ رحمه الله ~~إلى الرد على الرافضة، حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضا من ~~آل محمد، وينادي مناد من السماء: اتبعوه! ! وبطلان هذا القول أظهر من أن ~~يستدل عليه بدليل. وهم شرطوا في الإمام أن يكون معصوما، اشتراطا، من غير ~~دليل! بل في صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ~~ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، # PageV02P555 # وتلعنونهم ويلعنونكم قال: قلت: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: ~~لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية ~~الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعته» # وقد تقدم بعض نظائر هذا الحديث في الإمامة. ولم يقل: إن الإمام يجب أن ~~يكون معصوما. والرافضة أخسر الناس صفقة في هذه المسألة، لأنهم جعلوا الإمام ~~المعصوم هو الإمام المعدوم، الذي لم ينفعهم في دين ولا دنيا! ! فإنهم يدعون ~~أن الإمام المنتظر، محمد بن الحسن العسكري، الذي دخل السرداب في زعمهم، سنة ~~ستين ومائتين، أو قريبا من ذلك بسامرا! وقد يقيمون هناك دابة، إما بغلة ~~وإما فرسا، ليركبها إذا خرج! ويقيمون هناك في أوقات عينوا فيها من ينادي ~~عليه بالخروج. يا مولانا، اخرج! يا مولانا، اخرج! ويشهرون السلاح، ولا أحد ~~هناك يقاتلهم! إلى غير ذلك من الأمور التي يضحك عليهم فيها العقلاء! ! # وقوله: مع أولي الأمر برهم وفاجرهم - لأن الحج والجهاد فرضان # PageV02P556 # يتعلقان بالسفر، فلا بد من سائس يسوس الناس فيهما، ويقاوم العدو، وهذا ~~المعنى كما يحصل بالإمام البر يحصل بالإمام الفاجر. ### | [الإيمان بالملائكة الكرام الكاتبين] # قوله: (ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين) . # ش: قال تعالى: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون} ~~[الانفطار: 10] # [الانفطار: 10 - 12] . # وقال تعالى: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد - ما يلفظ من ~~قول ms295 إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 17 - 18] # [ق: 17 - 18] . # وقال تعالى: {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} ~~[الرعد: 11] . # وقال تعالى: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم ~~يكتبون} [الزخرف: 80] . # وقال تعالى: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون} [الجاثية: 59] . # وقال تعالى: {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} [يونس: 21] . # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة # PageV02P557 # بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه ~~الذين كانوا فيكم، فيسألهم - وهو أعلم بهم -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: ~~أتيناهم وهم يصلون، وفارقناهم وهم يصلون» وفي الحديث الآخر: «إن معكم من لا ~~يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم، وأكرموهم» # PageV02P558 # جاء في التفسير: اثنان عن اليمين وعن الشمال، يكتبان الأعمال، صاحب ~~اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ~~ويحرسانه، واحد من ورائه، وواحد أمامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، ~~وأربعة آخرين بالليل، بدلا، حافظان وكاتبان. # وقال عكرمة عن ابن عباس: {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11] قال: ملائكة ~~يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه. # وروى مسلم والإمام أحمد عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة ~~قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، لكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا ~~يأمرني إلا بخير» الرواية بفتح الميم من فأسلم، ومن رواه فأسلم برفع الميم ~~- فقد حرف لفظه. ومعنى فأسلم، أي: فاستسلم وانقاد لي، في أصح القولين، ~~ولهذا قال: فلا يأمرني # PageV02P559 # إلا بخير، ومن قال: إن الشيطان صار مؤمنا - فقد حرف معناه، فإن الشيطان ~~لا يكون مؤمنا. # ومعنى: {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11]- قيل: حفظهم له من أمر الله، ~~أي الله أمرهم بذلك، يشهد لذلك قراءة من قرأ: يحفظونه بأمر الله. # PageV02P560 # ثم قد ثبت بالنصوص المذكورة أن الملائكة تكتب القول والفعل. وكذلك النية، ~~لأنها ms296 فعل القلب، فدخلت في عموم يعلمون ما تفعلون [الانفطار: 12] . ويشهد ~~لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: إذا هم عبدي بسيئة فلا ~~تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة، وإذا هم عبدي بحسنة فلم ~~يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا» وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «قالت الملائكة: ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به ~~- فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، ~~إنما تركها من جراي» خرجاهما في ((الصحيحين)) واللفظ لمسلم. ### | [ملك الموت] ### | [الإيمان بملك الموت] # قوله: (ونؤمن بملك الموت، الموكل بقبض أرواح العالمين) . ش: قال تعالى: ~~{قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} [السجدة: 11] # PageV02P561 # [الأنعام: 61] وقوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} [الزمر: ~~42]-: لأن ملك الموت يتولى قبضها واستخراجها، ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة ~~أو ملائكة العذاب، ويتولونها بعده، كل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره، وحكمه ~~وأمره، فصحت إضافة التوفي إلى كل بحسبه. ### | [حقيقة النفس والروح] # وقد اختلف في حقيقة النفس ما هي؟ وهل هي جزء من أجزاء البدن؟ أو عرض من ~~أعراضه؟ أو جسم مساكن له مودع فيه؟ أو جوهر مجرد؟ وهل هي الروح أو غيرها؟ ~~وهل الأمارة، واللوامة، والمطمئنة - نفس واحدة، أم هي ثلاثة أنفس؟ وهل تموت ~~الروح، أو الموت للبدن وحده؟ وهذه المسألة تحتمل مجلدا، ولكن أشير إلى ~~الكلام عليها مختصرا، إن شاء الله تعالى: # فقيل: الروح قديمة، وقد أجمعت الرسل على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة ~~مدبرة. وهذا معلوم بالضرورة من دينهم، أن العالم محدث، ومضى على هذا ~~الصحابة والتابعون، حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة، فزعم ~~أنها قديمة، واحتج بأنها من أمر الله، وأمره غير مخلوق! وبأن الله أضافها ~~إليه بقوله: {قل الروح من أمر ربي} [الإسراء: 85] وبقوله: {ونفخت فيه من ~~روحي} [الحجر: 29] # PageV02P562 # [الحجر: 29] كما أضاف إليه علمه وقدرته وسمعه ms297 وبصره ويده. وتوقف آخرون. # واتفق أهل السنة والجماعة أنها مخلوقة. وممن نقل الإجماع على ذلك: محمد ~~بن نصر المروزي، وابن قتيبة وغيرهما. ومن الأدلة [الزمر: 62] فهذا عام لا ~~تخصيص فيه بوجه ما، ولا يدخل في ذلك صفات الله تعالى، فإنها داخلة في مسمى ~~اسمه. فالله تعالى هو الإله الموصوف بصفات الكمال، فعلمه وقدرته وحياته ~~وسمعه وبصره وجميع صفاته - داخل في مسمى اسمه فهو سبحانه بذاته وصفاته ~~الخالق، وما سواه مخلوق، ومعلوم قطعا أن الروح ليس هي الله، ولا صفة من ~~صفاته، وإنما هي من مصنوعاته. ومنها قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين ~~من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} [الدهر: 1] . وقوله تعالى لزكريا: {وقد خلقتك ~~من قبل ولم تك شيئا} [مريم: 9] . والإنسان اسم لروحه وجسده، والخطاب ~~لزكريا، لروحه وبدنه، والروح توصف بالوفاة والقبض والإمساك والإرسال، وهذا ~~شأن المخلوق المحدث. # وأما احتجاجهم بقوله: {من أمر ربي} [الإسراء: 85]- فليس المراد هنا ~~بالأمر الطلب، بل المراد به المأمور، والمصدر يذكر ويراد به اسم المفعول، ~~وهذا معلوم مشهور. ### | [المضاف إلى الله تعالى نوعان] # وأما استدلالهم بإضافتها إليه بقوله: {من روحي} [الحجر: 29]- فينبغي أن ~~يعلم أن المضاف إلى الله تعالى نوعان: # PageV02P563 # صفات لا تقوم بأنفسها، كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، فهذه إضافة ~~صفة إلى الموصوف بها، فعلمه وكلامه وقدرته وحياته صفات له، وكذا وجهه ويده ~~سبحانه. # والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه، كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح، ~~فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصا وتشريفا، يتميز بها ~~المضاف عن غيره. ### | [ماهية الروح] # واختلف في الروح: هل هي مخلوقة قبل الجسد أم بعده؟ وقد تقدم عند ذكر ~~الميثاق الإشارة إلى ذلك. # واختلف في الروح: ما هي؟ قيل: هي جسم، وقيل: عرض، وقيل: لا ندري ما ~~الروح، أجوهر أم عرض؟ وقيل: ليس الروح شيئا أكثر من اعتدال الطبائع الأربع، ~~وقيل: هي الدم الصافي الخالص من الكدر والعفونات، وقيل: هي الحرارة ~~الغريزية، وهي الحياة، وقيل: هو جوهر بسيط منبث في العالم كله من الحيوان، ~~على جهة الإعمال ms298 له والتدبير، وهي على ما وصفت من الانبساط في العالم، غير ~~منقسمة الذات والبنية، وأنها في كل حيوان العالم بمعنى واحد لا غير، وقيل: ~~النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفس، وقيل غير ذلك. # PageV02P564 # وللناس في مسمى الإنسان: هل هو الروح فقط، أو البدن فقط، أو مجموعهما، أو ~~كل منهما؟ وهذه الأقوال الأربعة لهم في كلامه: هل هو اللفظ، أو المعنى فقط، ~~أو هما، أو كل منهما؟ فالخلاف بينهم في الناطق ونطقه. # والحق: أن الإنسان اسم لهما، وقد يطلق على أحدهما بقرينه، وكذلك الكلام. ### | [الأدلة على أن النفس جسم مخالف بالماهية للجسم المحسوس] # والذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل: أن النفس جسم ~~مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي، خفيف حي متحرك، ~~ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في ~~الزيتون، والنار في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار ~~الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي ذلك الجسم اللطيف ساريا في هذه ~~الأعضاء، وأفادها هذه الآثار، من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه، ~~بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار، فارق الروح ~~البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح. # والدليل على ذلك قوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} [الزمر: 42] ~~الآية [الزمر: 42] . ففيها الإخبار بتوفيها وإمساكها وإرسالها. # وقوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو ~~أيديهم أخرجوا أنفسكم} [الأنعام: 93] ففيها بسط الملائكة أيديهم لتناولها، ~~ووصفها بالإخراج والخروج، والإخبار بعذابها ذلك اليوم، والإخبار عن مجيئها ~~إلى ربها. # وقوله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم ~~فيه} [الأنعام: 60] # PageV02P565 # الآية [الأنعام: 60] . ففيها الإخبار بتوفي النفس بالليل، وبعثها إلى ~~أجسادها بالنهار، وتوفي الملائكة لها عند الموت. # وقوله تعالى: {ياأيتها النفس المطمئنة - ارجعي إلى ربك راضية مرضية - ~~فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} [الفجر: 27 - 29] . [الفجر: 27 - 30] ففيها ~~وصفها بالرجوع والدخول والرضا. وقال صلى الله عليه وسلم: إن الروح إذا قبض ~~تبعه البصر. ففيه وصفه بالقبض، وأن ms299 البصر يراه. وقال صلى الله عليه وسلم في ~~حديث بلال: «قبض أرواحكم [حين شاء] وردها عليكم [حين شاء] .» وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «نسمة المؤمن # PageV02P566 # طائر يعلق في شجر الجنة» . # وسيأتي في الكلام على عذاب القبر أدلة كثيرة من خطاب ملك الموت لها، ~~وأنها تخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، وأنها تصعد ويوجد منها [من ~~المؤمن] كأطيب ريح، ومن الكافر كأنتن ريح، إلى غير ذلك من الصفات. وعلى ذلك ~~أجمع السلف ودل العقل، وليس مع من خالف سوى الظنون الكاذبة، والشبه ~~الفاسدة، التي لا يعارض بها ما دل عليه نصوص الوحي والأدلة العقلية. ### | [الاختلاف في مسمى النفس والروح] # وأما اختلاف الناس في مسمى النفس والروح: هل هما متغايران، أو مسماهما ~~واحد؟ فالتحقيق: أن النفس تطلق على أمور، وكذلك الروح، فيتحد مدلولهما ~~تارة، ويختلف تارة. # فالنفس تطلق على الروح، ولكن غالب ما يسمى نفسا إذا كانت متصلة بالبدن، ~~وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها. # PageV02P567 # ويطلق على الدم، ففي الحديث: «ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات ~~فيه» . # والنفس: العين، يقال: أصابت فلانا نفس، أي عين. # والنفس: الذات، كقوله تعالى: {فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] {لا تقتلوا ~~أنفسكم} [النساء: 29] ونحو ذلك. # وأما الروح فلا يطلق على البدن، لا بانفراده، ولا مع النفس. وتطلق الروح ~~على القرآن، وعلى جبريل، {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52] . ~~{نزل به الروح الأمين} [الشعراء: 193] . # ويطلق الروح على الهواء المتردد في بدن الإنسان أيضا. # وأما ما يؤيد الله به أولياءه، فهي روح أخرى، كما قال تعالى: {أولئك كتب ~~في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 22] . وكذلك القوى التي في ~~البدن، فإنها أيضا تسمى أرواحا، فيقال: الروح الباصر، والروح السامع، ~~والروح الشام. # وتطلق الروح على أخص من هذا كله، وهو: قوة المعرفة بالله، # PageV02P568 # والإنابة إليه ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته. ونسبة هذه الروح ~~إلى الروح، كنسبة الروح إلى البدن، فللعلم روح، وللإحسان روح، وللمحبة روح، ~~وللتوكل روح، وللصدق روح. # والناس متفاوتون ms300 في هذه الأرواح: فمن الناس من تغلب عليه هذه الأرواح ~~فيصير روحانيا، ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير أرضيا بهيميا. # وقد وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة أنفس: مطمئنة، ولوامة، ~~وأمارة، قالوا: وإن منهم من تغلب عليه هذه، ومنهم من تغلب عليه هذه، كما ~~قال تعالى: {ياأيتها النفس المطمئنة} [الفجر: 27] . {ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة} [القيامة: 2] . {إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف: 53] . ### | [النفس واحدة ولها صفات] # والتحقيق: أنها نفس واحدة، لها صفات، فهي أمارة بالسوء، فإذا عارضها ~~الإيمان صارت لوامة، تفعل الذنب ثم تلوم صاحبها، وتلوم بين الفعل والترك، ~~فإذا قوي الإيمان صارت مطمئنة. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «من سرته ~~حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن» . مع قوله: # PageV02P569 # «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» . . . الحديث. ### | [الاختلاف في موت الروح] # واختلف الناس: هل تموت الروح أم لا؟ فقالت طائفة: تموت، لأنها نفس، وكل ~~نفس ذائقة الموت، وقد قال تعالى: {كل من عليها فان - ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام} [القصص: 88] . قالوا: وإذا كانت الملائكة تموت، فالنفوس ~~البشرية أولى بالموت. # وقال آخرون: لا تموت الأرواح، فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان. ~~قالوا: وقد دل على ذلك الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد ~~المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها. # والصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن ~~أريد بموتها هذا القدر، فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها # PageV02P570 # تعدم وتفنى بالكلية، فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها ~~في نعيم أو في عذاب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. # وقد أخبر سبحانه أن أهل الجنة {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} ~~[الدخان: 56] وتلك الموتة هي مفارقة الروح للجسد. وأما قول أهل النار: ~~{ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [غافر: 11] وقوله تعالى: {كيف تكفرون ~~بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} [البقرة: 28] فالمراد: ~~أنهم كانوا أمواتا وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم ~~بعد ذلك، ثم أماتهم، ثم يحييهم ms301 يوم النشور، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل ~~يوم القيامة، وإلا كانت ثلاث موتات. # وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها، فإن الناس يصعقون ~~يوم القيامة إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، وليس ذلك بموت. ~~وسيأتي ذكر ذلك، إن شاء الله تعالى. وكذلك صعق موسى عليه السلام لم يكن ~~موتا، والذي يدل عليه أن نفخة الصعق # PageV02P571 # - والله أعلم - موت كل من لم يذق الموت قبلها من الخلائق، وأما من ذاق ~~الموت، أو لم يكتب عليه الموت من الحور والولدان وغيرهم، فلا تدل الآية على ~~أنه يموت موتة ثانية. والله أعلم. ### | [عذاب القبر ونعيمه] ### | [الإيمان بعذاب القبر ونعيمه] # قوله: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ~~ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن ~~الصحابة رضوان الله عليهم. والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر ~~النيران) . ش: قال تعالى: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب - النار يعرضون عليها ~~غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 45 - 46] # [غافر: 45 - 46] . # وقال تعالى: {فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون - يوم لا يغني عنهم ~~كيدهم شيئا ولا هم ينصرون - وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون} [الطور: 45 - 47] # PageV02P572 # [الطور: 45 - 47] . وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في ~~الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر، لأن كثيرا منهم مات ولم ~~يعذب في الدنيا، أو المراد أعم من ذلك. # وعن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: «كنا في جنازة في بقيع الغرقد، ~~فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم، فقعد وقعدنا حوله، كأن على رءوسنا الطير، ~~وهو يلحد له، فقال: أعوذ بالله من عذاب القبر، ثلاث مرات، ثم قال: إن العبد ~~المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، نزلت إليه الملائكة، ~~كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط ms302 الجنة، ~~فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا ~~أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما ~~تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، ~~حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك ~~وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون بها، يعني على ملأ من ~~الملائكة، إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن ~~أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، ~~فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي ~~تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب ~~عبدي في # PageV02P573 # عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم ~~تارة أخرى. # قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ ~~فيقول ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما ~~هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: ما علمك؟ ~~فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق ~~عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها ~~وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، ~~طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من ~~أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب، ~~أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. # قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، ~~نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ~~ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي ~~إلى سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من ~~الصوف المبلول، ms303 فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى ~~يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، ~~فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: # PageV02P574 # ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كانوا ~~يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا ~~يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تفتح لهم أبواب السماء ~~ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] فيقول الله عز ~~وجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ: ~~{ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في ~~مكان سحيق} [الحج: 31] . # فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ~~هاه هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم، فيقول: هاه ~~هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا ~~له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف ~~أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي ~~يسوءك، هذا # PageV02P575 # يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت، فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا ~~عملك الخبيث، فيقول رب لا تقم الساعة» . # رواه الإمام أحمد وأبو داود، وروى النسائي، وابن ماجه أوله، ورواه الحاكم ~~وأبو عوانة الإسفراييني في ((صحيحيهما)) وابن حبان. # وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله شواهد من الصحيح. ~~فذكر البخاري رحمه الله عن سعيد عن قتادة عن أنس، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع ~~نعالهم، فيأتيه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، ~~محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، ~~فيقول له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به ms304 مقعدا من الجنة، فيراهما ~~جميعا. # » قال قتادة: وروي لنا أنه يفسح له في قبره، وذكر الحديث. # وفي ((الصحيحين)) عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مر بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما # PageV02P576 # أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فدعا ~~بجريدة رطبة، فشقها نصفين، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» . وفي صحيح ~~أبي حاتم عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قبر ~~الميت، أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، وللآخر: ~~النكير» وذكر الحديث. . . إلخ. # PageV02P577 # وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ~~ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان ~~به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له ~~به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار ~~فيه العقول. فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل ~~تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا. ### | [تعلقات الروح بالبدن] # فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق، متغايرة الأحكام: أحدها: تعلقها ~~به في بطن الأم جنينا. # الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض. # الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه. # الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه، فإنها لم ~~تفارقه فراقا كليا بحيث لا يبقى لها إليه التفات ألبتة، فإنه ورد # PageV02P578 # ردها إليه وقت سلام المسلم، وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه. ~~وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة. # الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا ~~نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ~~ولا نوما ولا فسادا، فالنوم أخو الموت. فتأمل هذا يزيح عنك ms305 إشكالات كثيرة. ### | [السؤال في القبر للروح والجسد] # وليس السؤال في القبر للروح وحدها، كما قال ابن حزم وغيره، وأفسد منه قول ~~من قال: إنه للبدن بلا روح! والأحاديث الصحيحة ترد القولين. # وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعا، باتفاق أهل السنة والجماعة، ~~تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به. # واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله ~~نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أكلته السباع # PageV02P579 # أو احترق حتى صار رمادا ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر - وصل ~~إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور. # وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه ونحو ذلك - فيجب أن يفهم عن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ~~ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان، فكم حصل بإهمال ذلك ~~والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله. بل سوء ~~الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، وهو أصل كل خطأ ~~في الفروع والأصول، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد. والله المستعان. ### | [الدور ثلاثة ولكل دار أحكام] # فالحاصل أن الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. وقد جعل ~~الله لكل دار أحكاما تخصها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام ~~الدنيا على الأبدان، والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، ~~والأبدان تبع لها، فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم - صار ~~الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعا. فإذا تأملت هذا المعنى ~~حق التأمل، ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ~~مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم. # ويجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا ولا ~~نعيمها، وإن كان الله تعالى يحمي عليه التراب والحجارة # PageV02P580 # التي فوقه ms306 وتحته حتى يكون أعظم حرا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا ~~لم يحسوا بها. بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفن أحدهما إلى جنب صاحبه، وهذا ~~في حفرة من النار، وهذا في روضة من رياض الجنة، لا يصل من هذا إلى جاره شيء ~~من حر ناره، ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه. وقدرة الله أوسع من ذلك ~~وأعجب، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما. وقد أرانا الله في ~~هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير. وإذا شاء الله أن يطلع ~~على ذلك بعض عباده أطلعه وغيبه عن غيره، ولو أطلع الله على ذلك العباد كلهم ~~لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس، كما في الصحيح عنه ~~صلى الله عليه وسلم: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب ~~القبر ما أسمع» . ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعت [ذلك] ~~وأدركته. ### | [سؤال منكر ونكير] # وللناس في سؤال منكر ونكير: هل هو خاص بهذه الأمة أم لا ثلاثة أقوال: ~~الثالث التوقف، وهو قول جماعة، منهم أبو عمر بن عبد البر، فقال: وفي حديث ~~زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن هذه الأمة تبتلى في ~~قبورها» - منهم من يرويه تسأل، وعلى هذا # PageV02P581 # اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة قد خصت بذلك، وهذا أمر لا يقطع به، ويظهر ~~عدم الاختصاص، والله أعلم. # وكذلك اختلف في سؤال الأطفال أيضا. ### | [عذاب القبر نوعان] # وهل يدوم عذاب القبر أو ينقطع؟ جوابه أنه نوعان: منه ما هو دائم، كما قال ~~تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب} [غافر: 46] . وكذلك في حديث البراء بن عازب في قصة الكافر: «ثم ~~يفتح له باب إلى النار فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة» ، رواه ~~الإمام أحمد في بعض طرقه. # والنوع الثاني: أنه مدة ثم ينقطع، وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت ~~جرائمهم، فيعذب بحسب جرمه، ms307 ثم يخفف عنه، كما تقدم ذكره في الممحصات العشر. ### | [الاختلاف في مستقر الأرواح بعد الموت] # وقد اختلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة: # فقيل: أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في النار. # وقيل: إن أرواح المؤمنين بفناء الجنة على بابها، يأتيهم من روحها ونعيمها ~~ورزقها. # وقيل: على أفنية قبورهم. # وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة، تذهب حيث شاءت. # PageV02P582 # وقالت طائفة: بل أرواح المؤمنين عند الله عز وجل، ولم يزيدوا على ذلك. # وقيل: إن أرواح المؤمنين بالجابية من دمشق، وأرواح الكافرين ببرهوت بئر ~~بحضرموت! # وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكافرين ~~في سجين في الأرض السابعة تحت خد إبليس! # وقيل: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكافرين ببئر برهوت. # وقيل: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله. # وقال ابن حزم وغيره: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها. # PageV02P583 # وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين ~~على أفنية قبورهم. # وعن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش، ~~تغدو وتروح إلى رياض الجنة، تأتي ربها كل يوم تسلم عليه. # وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض. وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من ~~أعراض البدن، كحياته وإدراكه! وقولهم مخالف للكتاب والسنة. # وقالت فرقة: مستقرها بعد الموت أبدان أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي ~~اكتسبتها في حال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الروح! وهذا ~~قول التناسخية منكري المعاد، وهو قول خارج عن أهل الإسلام كلهم. ويضيق هذا ~~المختصر عن بسط أدلة هذه الأقوال والكلام عليها. ### | [تفاوت منازل الأرواح في البرزخ] # ويتلخص من أدلتها: أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت. # فمنها: أرواح في أعلى عليين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات ~~الله عليهم وسلامه، وهم متفاوتون في منازلهم. # PageV02P584 # ومنها أرواح في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض ~~الشهداء، لا كلهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول ms308 الجنة لدين عليه. ~~كما في المسند عن عبد الله بن جحش: «أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: يا رسول الله: ما لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: الجنة، فلما ~~ولى، قال: إلا الدين، سارني به جبريل آنفا» . # ومن الأرواح من يكون محبوسا على باب الجنة، كما في الحديث الذي قال فيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت صاحبكم محبوسا على باب الجنة» # PageV02P585 # ومنهم من يكون محبوسا في قبره، ومنهم من يكون في الأرض، ومنها أرواح في ~~تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة، كل ذلك ~~تشهد له السنة، والله أعلم. # وأما الحياة التي اختص بها الشهيد وامتاز بها عن غيره، في قوله تعالى: ~~{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل ~~عمران: 169] وقوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل ~~أحياء ولكن لا تشعرون} [البقرة: 154]-[فهي] : أن الله تعالى جعل أرواحهم في ~~أجواف طير خضر. كما في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أصيب إخوانكم - يعني يوم أحد - جعل ~~الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي ~~إلى قناديل من ذهب مذللة في ظل العرش» الحديث، رواه الإمام أحمد وأبو داود، ~~وبمعناه في حديث ابن مسعود، رواه مسلم. # PageV02P586 # فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله عز وجل حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها ~~في البرزخ أبدانا خيرا منها، تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون تنعمها ~~بواسطة تلك الأبدان، أكمل من تنعم الأرواح المجردة عنها. # ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير. ~~وتأمل لفظ الحديثين، ففي الموطأ أن كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه ~~الله إلى جسده يوم يبعثه» . # فقوله نسمة المؤمن تعم ms309 الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال: هي في جوف ~~طير خضر، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير، فتدخل في ~~عموم الحديث الآخر بهذا الاعتبار، # PageV02P587 # فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم، ~~وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم، فله نعيم يختص به لا يشاركه فيه من ~~هو دونه، والله أعلم. # وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، كما روي في السنن. وأما ~~الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك ~~في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة، والله أعلم. وكأنه ~~- والله أعلم - كلما كانت الشهادة أكمل، والشهيد أفضل، كان بقاء جسده أطول. ### | [الإيمان بالمعاد] ### | [الإيمان بالبعث والجزاء] # قوله: (ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض # PageV02P588 # والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب والصراط والميزان) . # ش: الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة، والعقل والفطرة السليمة. ~~فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على منكريه ~~في غالب سور القرآن. # وذلك: أن الأنبياء عليهم السلام كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن ~~الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر بالرب، إلا من عاند، ~~كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون، ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو ~~الحاشر المقفي - بين تفصيل الآخرة بيانا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء. ~~ولهذا ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم، أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وجعلوا هذه حجة # PageV02P589 # لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري. # والقرآن بين معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في ~~غير موضع. وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من ~~يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد صلى الله عليه وسلم على طريق التخييل! ~~وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي ms310 معروفة عند الأنبياء، من آدم إلى نوح، إلى ~~إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم عليهم السلام. # وقد أخبر الله بها من حين أهبط آدم، فقال تعالى: {قال اهبطوا بعضكم لبعض ~~عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين - قال فيها تحيون وفيها تموتون ~~ومنها تخرجون} [الأعراف: 24 - 25] # [الأعراف: 24 - 25] . ولما قال إبليس اللعين: {رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ~~- قال فإنك من المنظرين - إلى يوم الوقت المعلوم} [ص: 79 - 81] # [ص: 79 - 81] . # وأما نوح عليه السلام فقال: {والله أنبتكم من الأرض نباتا - ثم يعيدكم ~~فيها ويخرجكم إخراجا} [نوح: 17 - 18] # [نوح: 17 - 18] . # وقال إبراهيم عليه السلام: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} ~~[الشعراء: 82] . إلى آخر القصة. وقال: {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم ~~يقوم الحساب} [إبراهيم: 41] . وقال: {رب أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: ~~260] الآية، [البقرة: 260] . # وأما موسى عليه السلام، فقال الله تعالى لما ناجاه: {إن الساعة آتية أكاد ~~أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى - فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه ~~فتردى} [طه: 15 - 16] # [طه: 15 - 16] . # بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد، وإنما آمن بموسى، قال # PageV02P590 # تعالى حكاية عنه: {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد - يوم تولون مدبرين ~~ما لكم من الله من عاصم - ومن يضلل الله فما له من هاد} [غافر: 39] إلى ~~قوله: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46] . وقال موسى: {واكتب لنا في ~~هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك} [الأعراف: 156] . # وقد أخبر الله في قصة البقرة: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله ~~الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون} [البقرة: 73] . # وقد أخبر الله أنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، في آيات من القرآن، وأخبر ~~عن أهل النار أنهم إذا قال لهم خزنتها: {ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم ~~آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين} [الزمر: 71] . # وهذا اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم ~~هذا. فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم، من عقوبات المذنبين في الدنيا ms311 ~~والآخرة. فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد والوعيد، يذكر ذلك فيها: في ~~الدنيا والآخرة. # وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد، فقال: {وقال الذين كفروا لا تأتينا ~~الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب} [يونس: 53] . وقال تعالى: {زعم ~~الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على ~~الله يسير} [التغابن: 7] . # PageV02P591 # وأخبر عن اقترابها، فقال: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر: 1] . ~~{اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} [الأنبياء: 1] . {سأل سائل بعذاب ~~واقع للكافرين} [المعارج: 1 - 2] إلى أن قال: {إنهم يرونه بعيدا ونراه ~~قريبا} [المعارج: 6] # [المعارج: 6 - 7] . # وذم المكذبين بالمعاد، فقال: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا ~~مهتدين} [يونس: 45] . {ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد} ~~[الشورى: 18] . {بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها ~~عمون} [النمل: 66] . {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى ~~وعدا عليه حقا} [النحل: 38] ، إلى أن قال: {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين} [النحل: 39] . {إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون} [غافر: 59] . {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما ~~مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا - ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا ~~وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا - أولم يروا أن ~~الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب ~~فيه فأبى الظالمون إلا كفورا} [الإسراء: 97 - 99] # [الإسراء: 97 - 99] . # PageV02P592 # {وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا - قل كونوا ~~حجارة أو حديدا - أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي ~~فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا - ~~يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: 49 - 52] # [الإسراء: 49 - 52] . # فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل: فإنهم قالوا أولا: {أإذا كنا ~~عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا} [الإسراء: 49] فقيل لهم في جواب ~~هذا ms312 السؤال: إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب لكم، فهلا كنتم خلقا لا ~~يفنيه الموت، كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك؟ ! فإن قلتم: ~~كنا خلقا على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء - فما الذي يحول بين خالقكم ~~ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا جديدا؟ ! # وللحجة تقدير آخر، وهو: لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما، ~~فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم، وينقلها من حال إلى حال، ومن يقدر ~~على التصرف في هذه الأجسام، مع شدتها وصلابتها، بالإفناء والإحالة - فما ~~الذي يعجزه فيما دونها؟ ثم أخبر أنهم يسألون سؤالا آخر بقولهم: {من يعيدنا} ~~[الإسراء: 51] . فلما أخذتهم الحجة، ولزمهم حكمها، انتقلوا إلى سؤال آخر ~~يتعللون به بعلل # PageV02P593 # المنقطع، وهو قولهم: متى هو؟ فأجيبوا بقوله: {عسى أن يكون قريبا} ~~[الإسراء: 51] . # ومن هذا قوله: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} ~~[يس: 78] إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان، ~~أن يأتي بأحسن من هذه الحجة، أو بمثلها بألفاظ تشابه هذه الألفاظ في ~~الإيجاز ووضع الأدلة وصحة البرهان لما قدر. فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة ~~بسؤال أورده ملحد، اقتضى جوابا، فكان في قوله: {ونسي خلقه} [يس: 79] . فهو ~~عليم بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته، ومواده وصورته، فكذلك الثاني. فإذا كان ~~تام العلم، كامل القدرة، كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم؟ # ثم أكد الأمر بحجة قاهرة، وبرهان ظاهر، يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر ~~يقول: العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لا بد أن ~~تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة بما يدل على أمر البعث، ففيه الدليل ~~والجواب معا، فقال: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه ~~توقدون} [يس: 80] # PageV02P594 # [يس: 80] . فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر، الذي هو في غاية الحرارة ~~واليبوسة، من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ~~ضده، وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها، ولا تستعصي عليه، هو الذي يفعل ما ~~أنكره ms313 الملحد ودفعه، من إحياء العظام وهي رميم. # ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم، على الأيسر الأصغر، فإن ~~كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر ~~وأقدر، فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا، فقال: {أوليس ~~الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} [يس: 81] فأخبر أن الذي ~~أبدع السماوات والأرض، على جلالتهما، وعظم شأنهما، وكبر أجسامهما، وسعتهما، ~~وعجيب خلقهما، أقدر على أن يحيي عظاما قد صارت رميما، فيردها إلى حالتها ~~الأولى. كما قال في موضع آخر: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [غافر: 57] . وقال: {أولم يروا أن الله الذي ~~خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى} [الأحقاف: ~~33] . ثم أكد سبحانه ذلك وبينه ببيان آخر، وهو أنه ليس فعله بمنزلة غيره، ~~الذي يفعل بالآلات والكلفة، والتعب والمشقة، ولا يمكنه الاستقلال بالفعل، # PageV02P595 # بل لا بد معه من آلة ومعين، بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه ~~نفس إرادته، وقوله للمكون: كن، فإذا هو كائن كما شاءه وأراده. # ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله وقوله: ~~{وإليه ترجعون} [يس: 83] . # ومن هذا قوله سبحانه: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى - ألم يك نطفة من مني ~~يمنى - ثم كان علقة فخلق فسوى - فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى - أليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى} [المؤمنون: 115] ، إلى آخر السورة. فإن من نقله ~~من النطفة إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم شق سمعه وبصره، وركب فيه الحواس ~~والقوى، والعظام والمنافع، والأعصاب والرباطات التي هي أشده، وأحكم خلقه ~~غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة، التي هي أتم الصور وأحسن ~~الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرة ثانية؟ أم # PageV02P596 # كيف تقتضي حكمته وعنايته أن يتركه سدى؟ فلا يليق ذلك بحكمته، ولا تعجز ~~عنه قدرته. # فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب، بالقول الوجيز، الذي لا يكون أوجز منه، ms314 ~~والبيان الجليل، الذي لا يتوهم أوضح منه، ومأخذه القريب، الذي لا تقع ~~الظنون على أقرب منه. # وكم في القرآن من مثل هذا الاحتجاج، كما في قوله تعالى: {ياأيها الناس إن ~~كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة} [الحج: 5] إلى أن ~~قال: {وأن الله يبعث من في القبور} [الحج: 7] . وقوله تعالى: {ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] إلى أن قال: {ثم إنكم يوم القيامة ~~تبعثون} [المؤمنون: 16] . وذكر قصة أصحاب الكهف، وكيف أبقاهم موتى ثلاثمائة ~~سنة شمسية، وهي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية، وقال فيها: {وكذلك أعثرنا عليهم ~~ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها} [الكهف: 21] . # والقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، لهم في المعاد خبط ~~واضطراب. وهم فيه على قولين: منهم من يقول: تعدم الجواهر ثم تعاد. ومنهم من ~~يقول: تفرق الأجزاء ثم تجمع. فأورد عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك ~~الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تعد من هذا؟ وأورد ~~عليهم: أن الإنسان يتحلل # PageV02P597 # دائما، فماذا الذي يعاد؟ أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك، لزم أن ~~يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك، فليس ~~بعض الأبدان بأولى من بعض! فادعى بعضهم أن في الإنسان أجزاء أصلية لا ~~تتحلل، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني! والعقلاء ~~يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل، ليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه في ~~المعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان. # والقول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء: أن الأجسام تنقلب من حال إلى ~~حال، فتستحيل ترابا، ثم ينشئها الله نشأة أخرى، كما استحال في النشأة ~~الأولى: فإنه كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظاما ولحما، ثم ~~أنشأه خلقا سويا. كذلك الإعادة: يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب، ~~كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ms315 قال: «كل ابن آدم يبلى ~~إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم، ومنه يركب» . # PageV02P598 # وفي حديث آخر: «إن الأرض تمطر مطرا كمني الرجال، ينبتون في القبور كما ~~ينبت النبات.» # فالنشأتان نوعان تحت جنس، يتفقان ويتماثلان من وجه، ويفترقان ويتنوعان من ~~وجه. والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة ولوازم البداءة ~~فرق، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره فيستحيل، فيعاد من المادة التي ~~استحال إليها. ومعلوم أن من رأى شخصا وهو صغير، ثم رآه وقد صار شيخا، علم ~~أن هذا هو ذاك، مع أنه دائما في تحلل واستحالة. وكذلك سائر الحيوان ~~والنبات، فمن رأى شجرة وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك. وليست صفة ~~تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال إن الصفات هي ~~المغيرة، لا سيما أهل الجنة إذا دخلوها فإنهم يدخلونها على صورة آدم، طوله ~~ستون ذراعا، كما ثبت في ((الصحيحين)) وغيرهما، وروي: أن عرضه سبعة أذرع. ~~وتلك نشأة باقية غير معرضة للآفات، وهذه النشأة فانية معرضة للآفات. # PageV02P599 # وقوله: " وجزاء الأعمال " - قال تعالى: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 3] . ~~{يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين} [النور: ~~25] . والدين: الجزاء، يقال: كما تدين تدان، أي كما تجازي تجازى] ، وقال ~~تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] و [النبأ: 26] . {من جاء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا ~~يظلمون} [الأنعام: 160] {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ ~~آمنون - ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون} [القصص: 84] . وأمثال ذلك. # وقال صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه عز وجل، من حديث أبي ذر ~~الغفاري رضي الله عنه: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم ~~إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» . # وسيأتي لذلك زيادة بيان عن قريب، إن شاء الله تعالى. ### | [الإيمان بالعرض والحساب] # وقوله: والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب ms316 والعقاب. قال تعالى: ~~{فيومئذ وقعت الواقعة - وانشقت السماء فهي يومئذ واهية - والملك على ~~أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية - يومئذ تعرضون لا تخفى منكم ~~خافية} [الحاقة: 15 - 18] # PageV02P600 # [الحاقة: 15 - 18] إلى آخر السورة. # {ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه - فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا - وينقلب إلى أهله مسرورا - وأما من أوتي ~~كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا - ويصلى سعيرا - إنه كان في أهله مسرورا - ~~إنه ظن أن لن يحور - بلى إن ربه كان به بصيرا} [الانشقاق: 6 - 15] # [الانشقاق: 6 - 15] . # {وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} [الكهف: 48] . # {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا ~~الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] . # {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار} ~~[إبراهيم: 48] ، إلى آخر السورة. # {رفيع الدرجات ذو العرش} [غافر: 15] ، الآية إلى قوله: {إن الله سريع ~~الحساب} [غافر: 17] # [غافر: 15 - 17] . # {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} ~~[البقرة: 181] . # وروى البخاري رحمه الله في صحيحه، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال ~~الله تعالى: " {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا} ~~[الانشقاق: 7] # [الانشقاق: 7 - 8] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # PageV02P601 # إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب» . يعني أنه ~~لو ناقش في حسابه لعبيده لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولكنه تعالى يعفو ويصفح. ~~وسيأتي لذلك زيادة بيان، إن شاء الله تعالى. # وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن الناس يصعقون يوم ~~القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أفاق ~~قبلي، أم جوزي بصعقة يوم الطور؟» # وهذا صعق في موقف القيامة، إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض ~~بنوره، ms317 فحينئذ يصعق الخلائق كلهم. # فإن قيل: كيف تصنعون بقوله في الحديث: «إن الناس يصعقون يوم القيامة، ~~فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش» # PageV02P602 # قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال. ولكنه دخل فيه ~~على الراوي حديث في حديث، فركب بين اللفظين، فجاء هذان الحديثان هكذا: ~~أحدهما: «إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق» ، كما تقدم، ~~والثاني: «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة» ، فدخل على الراوي هذا ~~الحديث في الآخر. وممن نبه على هذا أبو الحجاج المزي، وبعده الشيخ شمس ~~الدين بن القيم، وشيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير، رحمهم الله. # وكذلك اشتبه على بعض الرواة، فقال: فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى ~~الله عز وجل؟ والمحفوظ الذي تواطأت عليه الروايات الصحيحة هو الأول، وعليه ~~المعنى الصحيح، فإن الصعق يوم القيامة لتجلي الله لعباده إذا جاء لفصل ~~القضاء، فموسى عليه السلام إن كان لم يصعق معهم، فيكون قد جوزي بصعقة يوم ~~تجلى ربه للجبل فجعله دكا، فجعلت صعقة هذا التجلي عوضا عن صعقة الخلائق ~~لتجلي الرب يوم القيامة. فتأمل هذا المعنى العظيم ولا تهمله. # PageV02P603 # وروى الإمام أحمد، والترمذي، وأبو بكر ابن أبي الدنيا، عن الحسن، قال: ~~سمعت أبا موسى الأشعري يقول: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعرض ~~الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فعرضتان جدال ومعاذير، وعرضة تطاير الصحف، ~~فمن أوتي كتابه بيمينه، وحوسب حسابا يسيرا، دخل الجنة، ومن أوتي كتابه ~~بشماله، دخل النار» . وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك: أنه أنشد في ~~ذلك شعرا: # وطارت الصحف في الأيدي منشرة ... فيها السرائر والأخبار تطلع # فكيف سهوك والأنباء واقعة ... عما قليل، ولا تدري بما تقع # أفي الجنان وفوز لا انقطاع له ... أم الجحيم فلا تبقي ولا تدع # تهوي بساكنها طورا وترفعهم ... إذا رجوا مخرجا من غمها قمعوا # طال البكاء فلم يرحم تضرعهم ... فيها، ولا رقة تغني ولا جزع # لينفع العلم قبل الموت عالمه ... قد ms318 سال قوم بها الرجعى فما رجعوا # PageV02P604 # وقوله: والصراط، أي: ونؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس ~~بعد مفارقتهم مكان الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة رضي ~~الله عنها: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أين الناس يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر» . وفي هذا ~~الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ~~ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم. # وروى البيهقي بسنده، عن مسروق، عن عبد الله، قال: «يجمع الله الناس يوم ~~القيامة، إلى أن قال: فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، وقال: فمنهم من يعطى ~~نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره ~~مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر (ذلك) من ~~يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ مرة، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا ~~طفئ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف، دحض، مزلة، ~~فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من ~~يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملا، ~~فيمرون على قدر أعمالهم، # PageV02P605 # حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تجر يد، وتعلق يد، وتجر رجل، وتعلق ~~رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون، فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا ~~منك بعد أن أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يعط أحدا» ، الحديث. ### | [معنى الورود في قوله تعالى " وإن منكم إلا واردها "] # واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: {وإن منكم إلا ~~واردها} [مريم: 71] ، ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط، قال ~~تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 72] . وفي ~~الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم، قال: «والذي نفسي بيده، لا يلج النار أحد ~~بايع تحت الشجرة، قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله، أليس الله يقول: وإن منكم ~~إلا واردها [مريم: 71] فقال: ألم تسمعيه قال: ms319 {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا} [مريم: 72] » [مريم: 72] . أشار صلى الله عليه وسلم ~~إلى أن ورود النار # PageV02P606 # لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله، بل يستلزم انعقاد ~~سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم. ولهذا ~~قال تعالى: {ولما جاء أمرنا نجينا هودا} [هود: 58] {فلما جاء أمرنا نجينا ~~صالحا} [هود: 66] . {ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا} [هود: 94] . ولم يكن ~~العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة ~~لأصابهم ما أصاب أولئك. # وكذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين ~~اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا. فقد بين صلى الله عليه وسلم في حديث جابر ~~المذكور: أن الورود هو الورود على الصراط. # وروى الحافظ أبو نصر الوائلي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال صلى ~~الله عليه وسلم: «علم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على ~~الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة، فلا تحدثن في دين # PageV02P607 # الله حدثا برأيك» أورده القرطبي. # وروى أبو بكر بن أحمد بن سليمان النجاد، عن يعلى بن منية، عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قال: «تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن، فقد ~~أطفأ نورك لهبي» . ### | [الإيمان بالميزان وحقيقته] # وقوله: " والميزان " أي: ونؤمن بالميزان. قال تعالى: # PageV02P608 # {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة ~~من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [الأنبياء: 47] . وقال تعالى: {فمن ~~ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون - ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم في جهنم خالدون} [المؤمنون: 102 - 103] # [المؤمنون: 102 - 103] . # قال القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال، لأن ~~الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، ~~والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها. قال: وقوله تعالى: {ونضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] . يحتمل أن يكون ثم موازين ~~متعددة توزن فيها الأعمال، ويحتمل أن يكون المراد الموزونات، فجمع ms320 باعتبار ~~تنوع الأعمال الموزونة، والله أعلم. # والذي دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان. روى ~~الإمام أحمد، من حديث أبي عبد الرحمن الحبلي، قال سمعت عبد الله بن عمرو ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سيختص رجلا من أمتي على ~~رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ~~ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئا أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا، يا رب، ~~فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك ~~عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول أحضروه، فيقول: يا رب، وما هذه ~~البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، ~~والبطاقة في كفة، قال: # PageV02P609 # فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم» . ~~وهكذا روى الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي الدنيا، من حديث الليث، زاد ~~الترمذي: ولا يثقل مع اسم الله شيء. وفي سياق آخر: «توضع الموازين يوم ~~القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة» ، الحديث. # وفي هذا السياق فائدة جليلة، وهي أن العامل يوزن مع عمله، ويشهد له ما ~~روى البخاري عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنه ليأتي ~~الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: ~~اقرءوا إن شئتم: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} [الكهف: 105] » [الكهف: ~~105] . # PageV02P610 # وروى الإمام أحمد، «عن ابن مسعود: أنه كان يجني سواكا من الأراك، وكان ~~دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي ~~بيده، لهما أثقل في الميزان من أحد.» # وقد وردت الأحاديث أيضا بوزن الأعمال أنفسها، كما في صحيح مسلم، عن أبي ~~مالك الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر ms321 ~~الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان» الحديث. # وفي الصحيحين، وهو خاتمة كتاب البخاري، قوله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان ~~خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في # PageV02P611 # الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» . # وروى الحافظ أبو بكر البيهقي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: «يؤتى بابن آدم يوم القيامة، فيوقف بين كفتي الميزان، ~~ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه، نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان ~~سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإن خف ميزانه، نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: ~~شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا» . # فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل ~~الوزن الأجسام! ! فإن الله يقلب الأعراض أجساما، كما تقدم، وكما روى الإمام ~~أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«يؤتى بالموت كبشا أغر، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال، يا أهل الجنة، ~~فيشرئبون وينظرون، ويقال: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، ويرون أن قد جاء ~~الفرج، فيذبح، ويقال: خلود # PageV02P612 # لا موت» . ورواه البخاري بمعناه. فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف ~~الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان. والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من ~~الكيفيات. # فعلينا الإيمان بالغيب، كما أخبرنا الصادق صلى الله عليه وسلم من غير ~~زيادة ولا نقصان. # ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع، ~~لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا ~~البقال والفوال! ! وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم ~~القيامة وزنا. ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه ~~لجميع عباده، فلا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل ~~مبشرين ومنذرين. فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه. فتأمل قول ~~الملائكة، لما قال الله لهم: {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح ms322 بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون} [البقرة: 30] # PageV02P613 # [الإسراء: 85] . # وقد تقدم عند ذكر الحوض كلام القرطبي رحمه الله، أن الحوض قبل الميزان، ~~والصراط بعد الميزان. ففي الصحيحين: «أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا ~~على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن ~~لهم في دخول الجنة» . وجعل القرطبي في التذكرة هذه القنطرة صراطا ثانيا ~~للمؤمنين خاصة، وليس يسقط منه أحد في النار، والله تعالى أعلم. ### | [الجنة والنار مخلوقتان وهما موجودتان الآن] ### | [الجنة والنار مخلوقتان وهما موجودتان الآن ولا تفنيان أبدا] # وقوله: (والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، فإن الله ~~تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلا، فمن شاء منهم إلى الجنة ~~فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه، وكل يعمل لما [قد] فرغ له، ~~وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد) . # ش: أما قوله: إن الجنة والنار مخلوقتان، فاتفق أهل السنة على أن الجنة ~~والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، # PageV02P614 # حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما ~~الله يوم القيامة! ! وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما ~~يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا! ! وقاسوه ~~على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ~~ذلك معطلة! وقالوا: خلق الجنة قبل الجزاء عبث؛ لأنها تصير معطلة مددا ~~متطاولة! ! فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب ~~تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم. # فمن نصوص الكتاب: قوله تعالى عن الجنة: {أعدت للمتقين} [آل عمران: 133] . ~~{أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} [الحديد: 21] . وعن النار: {أعدت للكافرين} ~~[آل عمران: 131] . {إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا} [النبأ: 21 - 22] . ~~وقال تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى} ~~[النجم: 13] # [النجم: 13 - 15] . وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى، ورأى ms323 ~~عندها جنة المأوى. كما في الصحيحين، من حديث أنس رضي الله عنه، في قصة ~~الإسراء، وفي آخره: «ثم انطلق بي جبرائيل، حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ~~ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ اللؤلؤ، وإذا ~~ترابها المسك» # وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة # PageV02P615 # والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن ~~أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» . # وتقدم حديث البراء بن عازب، وفيه: «ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، ~~فافرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها ~~وطيبها» . . . . # وتقدم حديث أنس بمعنى حديث البراء. # وفي صحيح مسلم، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «خسفت الشمس على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت الحديث، وفيه: وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به، حتى لقد رأيتني آخذ قطفا من ~~الجنة حين رأيتموني أقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني ~~تأخرت» . # وفي الصحيحين، واللفظ للبخاري، عن عبد الله ابن عباس، قال: «انخسفت الشمس ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، وفيه: # PageV02P616 # فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت؟ ~~فقال: إني رأيت الجنة، وتناولت عنقودا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت ~~الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها ~~النساء، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: ~~يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك ~~شيئا، قالت: ما رأيت خيرا قط! !» # وفي صحيح مسلم من حديث أنس: «وايم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، ~~لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة ~~والنار» ms324 . # وفي الموطأ والسنن، من حديث كعب ابن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى ~~جسده يوم القيامة» . # PageV02P617 # وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة. # وفي صحيح مسلم والسنن والمسند. من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما، «أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل ~~إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر ~~إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد ~~إلا دخلها، فأمر بالجنة، فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما ~~أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، ثم رجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ~~يدخلها أحد، قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت ~~لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب بعضها بعضا، ثم رجع فقال: ~~وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر ~~إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن ~~لا ينجو منها أحد إلا دخلها» . ونظائر ذلك في السنة كثيرة. # وأما على قول من قال: إن الجنة الموعود بها هي الجنة التي كان فيها آدم ~~ثم أخرج منها، فالقول بوجودها الآن ظاهر، والخلاف في ذلك معروف. # وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد، وهي: أنها لو كانت # PageV02P618 # مخلوقة الآن لوجب اضطرارا أن تفنى يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ~~ويموت، لقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] . و {كل نفس ذائقة ~~الموت} [آل عمران: 185] . # وقد روى الترمذي في جامعه، من حديث ابن مسعود رضي الله عنهما، قال: «قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، ~~أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها ~~قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ms325 ولا إله إلا الله، والله أكبر» ~~، قال: هذا حديث حسن غريب. # وفيه أيضا من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه قال: «من قال سبحان الله وبحمده، غرست له نخلة في الجنة» ، قال: هذا ~~حديث حسن صحيح، قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغا منها لم تكن قيعانا، ولم يكن ~~لهذا الغراس معنى. # قالوا: وكذا قوله تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت: {رب ابن لي عندك بيتا ~~في الجنة} [التحريم: 11] . # PageV02P619 # فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور ~~وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم ~~يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا ~~يزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند ~~دخولهم أمورا أخر - فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا ~~القدر. # وأما احتجاجكم بقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] فأتيتم ~~من سوء فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن - ~~نظير احتجاج إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما! ! فلم توفقوا أنتم ~~ولا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام. فمن كلامهم: أن ~~المراد كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقتا ~~للبقاء لا للفناء، وكذلك العرش، فإنه سقف الجنة. وقيل: المراد إلا ملكه. ~~وقيل: إلا ما أريد به وجهه. وقيل: إن الله تعالى أنزل: " {كل من عليها فان} ~~[الرحمن: 26] ، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء، فأخبر ~~تعالى عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون، فقال: {كل شيء هالك إلا وجهه} ~~[القصص: 88] ، لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت. وإنما ~~قالوا ذلك توفيقا بينها وبين النصوص المحكمة، الدالة على بقاء الجنة، وعلى ~~بقاء النار أيضا، على ما يذكر عن قريب، إن شاء الله تعالى. # وقوله: " لا تفنيان أبدا ولا تبيدان " - هذا قول جمهور الأئمة من ms326 السلف ~~والخلف. # PageV02P620 # وقال ببقاء الجنة وبفناء النار جماعة من السلف والخلف، والقولان مذكوران ~~في كثير من كتب التفسير وغيرها. # وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط، ~~لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، ولا من ~~أهل السنة. وأنكره عليه عامة أهل السنة، وكفروه به، وصاحوا به وبأتباعه من ~~أقطار الأرض. وهذا قاله لأصله الفاسد الذي اعتقده، وهو امتناع وجود ما لا ~~يتناهى من الحوادث! وهو عمدة أهل الكلام المذموم، التي استدلوا بها على ~~حدوث الأجسام، وحدوث ما لم يخل من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث ~~العالم. فرأى الجهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي، يمنعه في ~~المستقبل! ! فدوام الفعل عنده على الرب في المستقبل ممتنع، كما هو ممتنع ~~عنده عليه في الماضي! ! وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة، وافقه على هذا ~~الأصل، لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات، فقال بفناء حركات أهل الجنة ~~والنار، حتى يصيروا في سكون دائم، لا يقدر أحد منهم على حركة! ! وقد تقدم ~~الإشارة إلى اختلاف الناس في # PageV02P621 # تسلسل الحوادث في الماضي والمستقبل، وهي مسألة دوام فاعلية الرب تعالى، ~~وهو لم يزل ربا قادرا فعالا لما يريد، فإنه لم يزل حيا عليما قديرا. ومن ~~المحال أن يكون الفعل ممتنعا عليه لذاته، ثم ينقلب فيصير ممكنا لذاته، من ~~غير تجدد شيء، وليس للأول حد محدود حتى يصير الفعل ممكنا له عند ذلك الحد، ~~ويكون قبله ممتنعا عليه. فهذا القول تصوره كاف في الجزم بفساده. فأما أبدية ~~الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أخبر به، قال تعالى: {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} [هود: 108] أي غير ~~مقطوع، ولا ينافي ذلك قوله: {إلا ما شاء ربك} [هود: 108] . # واختلف السلف في هذا الاستثناء: فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، ~~وهذا يكون ms327 لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها، لا لكلهم. وقيل: إلا مدة ~~مقامهم في الموقف. وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. # وقيل: هو استثناء استثناه الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا ~~أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. # وقيل: " إلا " بمعنى الواو، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف. وسيبويه ~~يجعل " إلا " بمعنى لكن، فيكون الاستثناء منقطعا، ورجحه ابن جرير وقال: إن ~~الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: # PageV02P622 # " {عطاء غير مجذوذ} [هود: 108] ". قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري ~~حولا إلا ما شئت، أي سوى ما شئت، أو لكن ما شئت من الزيادة عليه. # وقيل: الاستثناء لإعلامهم، بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله، لا أنهم ~~يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، كما في قوله ~~تعالى: " {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا ~~وكيلا} [الإسراء: 86] " [الإسراء: 86] وقوله تعالى: " {فإن يشأ الله يختم ~~على قلبك} [الشورى: 24] " [الشورى: 24] وقوله: " {قل لو شاء الله ما تلوته ~~عليكم ولا أدراكم به} [يونس: 16] " [يونس: 16] . ونظائره كثيرة، يخبر عباده ~~سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. # وقيل: إن (ما) بمعنى (من) أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من ~~السعداء. وقيل: غير ذلك. وعلى كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه، ~~وقوله: " {عطاء غير مجذوذ} [الحجر: 48] . # وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر ~~أنهم: " {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان: 56] " [الدخان: ~~56] وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: # PageV02P623 # " {إلا ما شاء ربك} [هود: 107] " تبين أن المراد من الآيتين استثناء ~~الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى ~~من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذاك مفارقة للجنة ~~تقدمت على خلودهم فيها. # والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة: كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " «من ms328 يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت» . وقوله: " ينادي ~~مناد: «يا أهل الجنة، إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وأن تشبوا فلا ~~تهرموا أبدا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا» . # وتقدم ذكر ذبح الموت بين الجنة والنار، ويقال: «يا أهل الجنة، خلود فلا ~~موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت» . ### | [الأقوال في أبدية النار] # وأما أبدية النار ودوامها، فللناس في ذلك ثمانية أقوال: # أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج ~~والمعتزلة. # والثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة # PageV02P624 # نارية يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم! وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي ~~الطائي! ! # الثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم ~~فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم، وأكذبهم ~~فيه، وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز من قائل: " {وقالوا لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون ~~على الله ما لا تعلمون - بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون} [البقرة: 80 - 81] # [البقرة: 80 - 81] . # الرابع: يخرجون منها، وتبقى على حالها ليس فيها أحد. # الخامس: أنها تفنى بنفسها، لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه! ! ~~وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار، كما تقدم. # السادس: تفنى حركات أهلها ويصيرون جمادا، لا يحسون بألم، وهذا قول أبي ~~الهذيل العلاف كما تقدم. # السابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئا، ~~ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه. # الثامن: أن الله تعالى يخرج منها من شاء، كما ورد في السنة، ويبقى فيها ~~الكفار، بقاء لا انقضاء له، كما قال الشيخ رحمه الله. # PageV02P625 # وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان. وهذان القولان لأهل السنة ~~ينظر في دليلهما. # فمن أدلة القول الأول منهما: قوله تعالى: " {قال النار مثواكم خالدين ~~فيها إلا ما شاء الله إن ms329 ربك حكيم عليم} [الأنعام: 128] " [الأنعام: 128] . ~~وقوله تعالى. " {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق - خالدين ~~فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} [هود: ~~106 - 107] " [هود: 106 - 107] . ولم يأت بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد ~~الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: " {عطاء غير مجذوذ} [هود: 108] " ~~[هود: 108] . وقوله تعالى: " {لابثين فيها أحقابا} [النبأ: 23] " [النبأ: ~~23] . # وهذا القول، أعني القول بفناء النار دون الجنة - منقول عن عمر، وابن ~~مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهم. # PageV02P626 # وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور، بسنده إلى عمر رضي الله عنه، أنه ~~قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك وقت ~~يخرجون فيه، ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: " {لابثين فيها أحقابا} [النبأ: ~~23] " [النبأ: 23] . قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته. وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم: " «لما قضى الله الخلق، كتب كتابا، فهو عنده فوق ~~العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» . وفي رواية: تغلب غضبي. رواه البخاري في صحيحه ~~من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه: ~~" {عذاب يوم عظيم} [الأنعام: 15] " [الأنعام: 15] . وأليم [هود: 26] . ~~وعقيم [الحج: 55] . ولم يخبر ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم. وقد ~~قال تعالى: " {عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156] " ~~[الأعراف: 156] . وقال تعالى حكاية عن الملائكة: " {ربنا وسعت كل شيء رحمة ~~وعلما} [غافر: 7] " [غافر: 7] . فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو ~~بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته. وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم ~~القيامة بخمسين ألف سنة، والمعذبون فيها # PageV02P628 # متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، وليس في حكمة أحكم ~~الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقا يعذبهم أبد الآباد عذابا سرمدا ~~لا نهاية له. وأما أنه يخلق خلقا ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيما سرمدا، فمن ~~مقتضى الحكمة. والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض. # قالوا: وما ورد من الخلود فيها، والتأبيد، ms330 وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، ~~وأنه غرام -: كله حق مسلم، لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ~~ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد. ففرق بين من ~~يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه. # ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها: قوله: " {ولهم عذاب مقيم} ~~[المائدة: 37] . " {لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون} [الزخرف: 75] " [الزخرف: ~~75] . " {فلن نزيدكم إلا عذابا} [النبأ: 30] " [النبأ: 30] . " {خالدين ~~فيها أولئك} [البينة: 6] " [البينة: 8] . " {وما هم منها بمخرجين} [الحجر: ~~48] " [الحجر: 48] . " {وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 167] " [البقرة: ~~167] . " {لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] " ~~[الأعراف: 40] . " {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} [فاطر: ~~36] " [فاطر: 36] . " {إن عذابها كان غراما} [الفرقان: 65] " [الفرقان: 65] ~~أي مقيما لازما. # وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله: ~~وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص ~~بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان. ~~وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما. # PageV02P629 # وقوله: وخلق لهما أهلا - قال تعالى: " {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس} [الأعراف: 179] " الآية [الأعراف: 179] . وعن عائشة رضي الله عنها، ~~قالت: «دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: ~~يا رسول الله، طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءا ولم يدركه، ~~فقال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في ~~أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» . رواه ~~مسلم وأبو داود والنسائي. # وقال تعالى: " {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا ~~بصيرا - إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} [طه: 50] . # فالموجودات نوعان: أحدهما مسخر بطبعه، والثاني متحرك # PageV02P630 # بإرادته فهدى الأول لما سخره له طبيعة، وهدى الثاني هداية إرادية تابعة ~~لشعوره وعلمه بما ينفعه ويضره. # ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة أنواع: ms331 # نوع لا يريد إلا الخير ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالملائكة. # ونوع لا يريد إلا الشر ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالشياطين. # ونوع يتأتى منه إرادة القسمين، كالإنسان. ثم جعله ثلاثة أصناف: صنفا يغلب ~~إيمانه ومعرفته وعقله هواه وشهوته، فيلتحق بالملائكة. وصنفا عكسه، فيلتحق ~~بالشياطين. وصنفا تغلب شهوته البهيمية عقله، فيلتحق بالبهائم. ### | [لا موجود إلا بإيجاد الله] # والمقصود: أنه سبحانه أعطى الوجودين: العيني والعلمي، فكما أنه لا موجود ~~إلا بإيجاده، فلا هداية إلا بتعليمه، وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته، ~~وثبوت وحدانيته، وتحقيق ربوبيته، سبحانه وتعالى. # وقوله: فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا ~~منه، إلخ - مما يجب أن يعلم: أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا إذا منع ~~سببه، وهو العمل الصالح، فإنه: {من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما} [طه: 112] . وكذلك لا يعاقب أحدا إلا بعد حصول سبب العقاب، ~~فإن الله تعالى يقول: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير} [الشورى: 30] . # PageV02P631 # وهو سبحانه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. لكن إذا ~~من على الإنسان بالإيمان والعمل الصالح، فلا يمنعه موجب ذلك أصلا، بل يعطيه ~~من الثواب والقرب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وحيث ~~منعه ذلك فلانتفاء سببه، وهو العمل الصالح. # ولا ريب أنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لكن ذلك كله حكمة منه وعدل، ~~فمنعه للأسباب التي هي الأعمال الصالحة من حكمته وعدله. وأما المسببات بعد ~~وجود أسبابها، فلا يمنعها بحال، إذا لم تكن أسبابا غير صالحة، إما لفساد في ~~العمل، وإما لسبب يعارض موجبه ومقتضاه، فيكون ذلك لعدم المقتضي، أو لوجود ~~المانع. وإذا كان منعه وعقوبته من عدم الإيمان والعمل الصالح، وهو لم يعط ~~ذلك ابتداء حكمة منه وعدلا. فله الحمد في الحالين، وهو المحمود على كل حال، ~~كل عطاء منه فضل، وكل عقوبة منه عدل، فإن الله تعالى حكيم يضع ms332 الأشياء في ~~مواضعها التي تصلح لها، كما قال تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى ~~نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] . ~~وكما قال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] # PageV02P632 # [الأنعام: 53] . ونحو ذلك. وسيأتي لهذا زيادة بيان، إن شاء الله تعالى. ### | [الاستطاعة تكون مع الفعل وقبله] # قوله: (والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يوصف ~~المخلوق به -[البقرة: 286] . # ش: الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع، ألفاظ متقاربة. وتنقسم الاستطاعة ~~إلى قسمين، كما ذكره الشيخ رحمه الله، وهو قول عامة أهل السنة، وهو الوسط. ~~وقالت القدرية والمعتزلة: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل. وقابلهم طائفة من ~~أهل السنة [فقالوا لا تكون إلا مع الفعل. # والذي قاله عامة أهل السنة: أن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه قد ~~تكون قبله، لا يجب أن تكون معه، والقدرة التي بها الفعل لا بد أن تكون مع ~~الفعل، لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة. # وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات - فقد ~~تتقدم الأفعال. وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى: # PageV02P633 # {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] . فأوجب ~~الحج على المستطيع، فلو لم يستطع إلا من حج لم يكن الحج قد وجب إلا على من ~~حج، ولم يعاقب أحد على ترك الحج! وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين ~~الإسلام. # وكذلك قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] . فأوجب ~~التقوى بحسب الاستطاعة، فلو كان من لم يتق الله لم يستطع التقوى، لم يكن قد ~~أوجب التقوى إلا على من اتقى، ولم يعاقب من لم يتق! وهذا معلوم الفساد. # وكذا قوله تعالى: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] . ~~والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات. # وكذا ما حكاه سبحانه من قول المنافقين: {لو استطعنا لخرجنا معكم} ~~[التوبة: 43] . وكذبهم في ذلك القول، ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي ~~حقيقة قدرة الفعل - ما ms333 كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين، وحيث كذبهم دل أنهم ~~أرادوا بذلك المرض أو فقد المال، على ما بين تعالى بقوله: {ليس على الضعفاء ~~ولا على المرضى} [التوبة: 91] إلى أن قال: {إنما السبيل على الذين ~~يستأذنونك وهم أغنياء} [التوبة: 93] . وكذلك قوله تعالى: {ومن لم يستطع ~~منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات} [النساء: 25] . والمراد: استطاعة # PageV02P634 # الآلات والأسباب. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: «صل ~~قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» . وإنما نفى استطاعة ~~الفعل معها. # وأما دليل ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة، فقد ذكروا فيها قوله ~~تعالى: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} [هود: 20] . والمراد ~~نفي حقيقة القدرة، لا نفي الأسباب والآلات، لأنها كانت ثابتة. وسيأتي لذلك ~~زيادة بيان عند قوله: ولا يطيقون إلا ما كلفهم، إن شاء الله تعالى. وكذا ~~قول صاحب موسى: {إنك لن تستطيع معي صبرا} [الكهف: 67] . وقوله: {ألم أقل لك ~~إنك لن تستطيع معي صبرا} [الكهف: 72] . والمراد منه حقيقة قدرة الصبر، لا ~~أسباب الصبر وآلاته، فإن تلك كانت ثابتة له، ألا ترى أنه عاتبه على ذلك؟ ~~ولا يلام من عدم آلات الفعل وأسبابه على عدم الفعل، وإنما يلام من امتنع ~~منه الفعل لتضييعه قدرة الفعل، لاشتغاله بغير ما أمر به، أو شغله إياها بضد ~~ما أمر به. ومن قال: إن القدرة لا تكون إلا حين الفعل - يقولون: إن القدرة ~~لا تصلح للضدين، فإن القدرة المقارنة للفعل لا تصلح إلا لذلك الفعل، وهي ~~مستلزمة له، لا توجد بدونه. # PageV02P635 # وما قالته القدرية - بناء على أصلهم الفاسد، وهو إقدار الله للمؤمن ~~والكافر والبر والفاجر سواء، فلا يقولون إن الله خص المؤمن المطيع بإعانة ~~حصل بها الإيمان، بل هذا بنفسه رجح الطاعة، وهذا بنفسه رجح المعصية! ~~كالوالد الذي أعطى كل واحد من بنيه سيفا، فهذا جاهد به في سبيل الله، وهذا ~~قطع به الطريق. # وهذا القول فاسد باتفاق أهل السنة والجماعة المثبتين للقدر، فإنهم متفقون ~~على أن لله على عبده المطيع نعمة ms334 دينية، خصه بها دون الكافر، وأنه أعانه ~~على الطاعة إعانة لم يعن بها الكافر. كما قال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم ~~الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون} [الحجرات: 7] فالقدرية يقولون: إن هذا التحبيب والتزيين عام في ~~كل الخلق، وهو بمعنى البيان وإظهار دلائل الحق. والآية تقتضي أن هذا خاص ~~بالمؤمن، ولهذا قال: {أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7] . والكفار ليسوا ~~راشدين. وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على ~~الذين لا يؤمنون} [الأنعام: 125] . وأمثال هذه الآية في القرآن كثير، يبين ~~أنه سبحانه هدى هذا وأضل هذا. قال تعالى: {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل ~~فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف: 17] . وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان، إن ~~شاء الله تعالى. # وأيضا فقول القائل: يرجح بلا مرجح - إن كان لقوله: " يرجح " # PageV02P636 # معنى زائد على الفعل، فذاك هو السبب المرجح، وإن لم يكن له معنى زائد كان ~~حال الفاعل قبل وجود الفعل كحاله عند الفعل، ثم الفعل حصل في إحدى الحالتين ~~دون الأخرى بلا مرجح! وهذا مكابرة للعقل! ! فلما كان أصل قول القدرية إن ~~فاعل الطاعات وتاركها كلاهما في الإعانة والإقدار سواء - امتنع على أصلهم ~~أن يكون مع الفعل قدرة تخصه، لأن القدرة التي تخص الفعل لا تكون للتارك، ~~وإنما تكون للفاعل، ولا تكون القدرة إلا من الله تعالى. وهم لما رأوا أن ~~القدرة لا بد أن تكون قبل الفعل، قالوا: لا تكون مع الفعل، لأن القدرة هي ~~التي يكون بها الفعل والترك، وحال وجود الفعل يمتنع الترك، فلهذا قالوا: ~~القدرة لا تكون إلا قبل الفعل! وهذا باطل مطلقا، فإن وجود الأمر مع عدم بعض ~~شروطه الوجودية ممتنع، بل لا بد أن يكون جميع ما يتوقف عليه الفعل من ~~الأمور الوجودية موجودا عند الفعل. فنقيض قولهم حق، وهو: أن الفعل لا بد أن ~~يكون معه قدرة. # لكن صار أهل ms335 الإثبات هنا حزبين: حزب قالوا: لا تكون القدرة إلا معه، ظنا ~~منهم أن القدرة نوع واحد لا يصلح للضدين، وظنا من بعضهم أن القدرة عرض، فلا ~~تبقى زمانين، فيمتنع وجودها قبل الفعل. # والصواب: أن القدرة نوعان كما تقدم: نوع مصحح للفعل، يمكن معه الفعل ~~والترك، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي، وهذه تحصل للمطيع والعاصي، ~~وتكون قبل الفعل، وهذه تبقى إلى حين الفعل، إما بنفسها عند من يقول ببقاء ~~الأعراض، وإما بتجدد أمثالها عند # PageV02P637 # من يقول إن الأعراض لا تبقى زمانين، وهذه قد تصلح للضدين، وأمر الله ~~مشروط بهذه الطاقة، فلا يكلف الله من ليس معه هذه الطاقة، وضد هذه العجز، ~~كما تقدم. # وأيضا: فالاستطاعة المشروطة في الشرع أخص من الاستطاعة التي يمتنع الفعل ~~مع عدمها، فإن الاستطاعة الشرعية قد تكون ما يتصور الفعل مع عدمها وإن لم ~~يعجز عنه. فالشارع ييسر على عباده، ويريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، ~~وما جعل عليكم في الدين من حرج، والمريض قد يستطيع القيام مع زيادة المرض ~~وتأخر برئه، فهذا في الشرع غير مستطيع، لأجل حصول الضرر عليه، وإن كان قد ~~يسمى مستطيعا. فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، ~~بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإن كان الفعل ممكنا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه ~~استطاعة شرعية، كالذي يقدر على الحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله، أو يصلي ~~قائما مع زيادة مرضه، أو يصوم الشهرين مع انقطاعه عن معيشته، ونحو ذلك. ~~فإذا كان الشارع قد اعتبر في المكنة عدم المفسدة الراجحة، فكيف يكلف مع ~~العجز؟ ! # ولكن هذه الاستطاعة - مع بقائها إلى حين الفعل لا تكفي في وجود الفعل، ~~ولو كانت كافية لكان التارك كالفاعل، بل لا بد من إحداث إعانة أخرى تقارن، ~~مثل جعل الفاعل مريدا، فإن الفعل لا يتم إلا بقدرة وإرادة، والاستطاعة ~~المقارنة تدخل فيها الإرادة الجازمة، بخلاف المشروطة في التكليف، فإنه لا ~~يشترط فيها الإرادة. فالله تعالى # PageV02P638 # يأمر بالفعل من لا يريده، لكن ms336 لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه. وهكذا ~~أمر الناس بعضهم لبعض، فالإنسان يأمر عبده بما لا يريده العبد، لكن لا ~~يأمره بما يعجز عنه العبد، وإذا اجتمعت الإرادة الجازمة والقوة التامة، لزم ~~وجود الفعل. وعلى هذا ينبني تكليف ما لا يطاق، فإن من قال: القدرة لا تكون ~~إلا مع الفعل - يقول: كل كافر وفاسق قد كلف ما لا يطيق. وما لا يطاق يفسر ~~بشيئين: بما لا يطاق للعجز عنه، فهذا لم يكلفه الله أحدا، ويفسر بما لا ~~يطاق للاشتغال بضده، فهذا هو الذي وقع فيه التكليف، كما في أمر العباد ~~بعضهم بعضا، فإنهم يفرقون بين هذا وهذا، فلا يأمر السيد عبده الأعمى بنقط ~~المصاحف! ويأمره إذا كان قاعدا أن يقوم، ويعلم الفرق بين الأمرين بالضرورة. ### | [أفعال العباد] ### | [أفعال العباد خلق الله وهم فاعلون لها حقيقة] # قوله: (وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد) . # ش: اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية. # فزعمت الجبرية ورئيسهم الجهم بن صفوان الترمذي: أن التدبير في أفعال ~~الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها اضطرارية، كحركات المرتعش، والعروق ~~النابضة، وحركات الأشجار، وإضافتها إلى الخلق مجاز! وهي على حسب ما يضاف ~~الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله! # وقابلتهم المعتزلة، فقالوا: إن جميع الأفعال الاختيارية من جميع # PageV02P639 # الحيوانات بخلقها، لا تعلق لها بخلق الله تعالى. واختلفوا فيما بينهم: أن ~~الله تعالى يقدر على أفعال العباد أم لا؟ ! # وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله ~~تعالى، والحق سبحانه وتعالى منفرد بخلق المخلوقات، لا خالق لها سواه. ~~فالجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفوا صنع العبد أصلا، كما عملت المشبهة في ~~إثبات الصفات، فشبهوا. والقدرية نفاة القدر جعلوا العباد خالقين مع الله ~~تعالى. ولهذا كانوا مجوس هذه الأمة، بل أردأ من المجوس، من حيث إن المجوس ~~أثبتوا خالقين، وهم أثبتوا خالقين! ! # وهدى الله المؤمنين أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم. فكل دليل صحيح يقيمه ms337 الجبري، فإنما يدل على أن ~~الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن أفعال العباد من جملة ~~مخلوقاته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يدل على أن العبد ليس ~~بفاعل في الحقيقة ولا مريد ولا مختار، وأن حركاته الاختيارية بمنزلة حركة ~~المرتعش وهبوب الرياح وحركات الأشجار. # وكل دليل صحيح يقيمه القدري فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة، ~~وأنه مريد له مختار له حقيقة، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدل ~~على أنه غير مقدور لله تعالى وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته. # فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى، # PageV02P640 # فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة، من عموم ~~قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأن العباد ~~فاعلون لأفعالهم حقيقة، وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم. # وهذا هو الواقع في نفس الأمر، فإن أدلة الحق لا تتعارض، والحق يصدق بعضه ~~بعضا. ويضيق هذا المختصر عن ذكر أدلة الفريقين، ولكنها تتكافأ وتتساقط، ~~ويستفاد من دليل كل فريق بطلان قول الآخرين. ولكن أذكر شيئا مما استدل به ~~كل من الفريقين، ثم أبين أنه لا يدل على ما استدل عليه من الباطل. ### | [الرد على الجبرية والمعتزلة في مسألة الكلام] # فمما استدلت به الجبرية، قوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} ~~[الأنفال: 17] . فنفى الله عن نبيه الرمي، وأثبته لنفسه سبحانه، فدل على ~~أنه لا صنع للعبد. قالوا: والجزاء غير مرتب على الأعمال، بدليل قوله صلى ~~الله عليه وسلم: «لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ ~~قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» . # ومما استدل به القدرية، قوله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} ~~[المؤمنون: 14] # PageV02P641 # [فصلت: 17] و [الزخرف: 72] . ونحو ذلك. # فأما ما استدلت به الجبرية من قوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى} [الأنفال: 17]- فهو دليل عليهم، لأنه تعالى أثبت لرسوله [صلى الله ~~عليه وسلم] ms338 رميا، بقوله: {إذ رميت} [الأنفال: 17] فعلم أن المثبت غير ~~المنفي، وذلك أن الرمي له ابتداء وانتهاء: فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه ~~الإصابة، وكل منهما يسمى رميا، فالمعنى حينئذ - والله تعالى أعلم: وما أصبت ~~إذ حذفت ولكن الله أصاب. وإلا فطرد قولهم: وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى! ~~وما صمت إذ صمت! وما زنيت إذ زنيت! وما سرقت إذ سرقت! ! وفساد هذا ظاهر. # وأما ترتب الجزاء على الأعمال، فقد ضلت فيه الجبرية والقدرية، # PageV02P642 # وهدى الله أهل السنة، وله الحمد والمنة. فإن الباء التي في النفي غير ~~الباء التي في الإثبات، فالمنفي في قوله صلى الله عليه وسلم: " «لن يدخل ~~الجنة أحد بعمله» باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى ~~الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله! بل ~~ذلك برحمة الله وفضله. والباء التي في قوله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} ~~[فصلت: 17] ونحوها، باء السبب، أي بسبب عملكم، والله تعالى هو خالق الأسباب ~~والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته. ### | [لا يدخل في عموم " كل " إلا المخلوقات] # وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} ~~[المؤمنون: 14] ، فمعنى الآية: أحسن المصورين المقدرين. والخلق يذكر ويراد ~~به التقدير، وهو المراد هنا، بدليل قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الرعد: ~~16] و [الصافات: 96] . ولا نقول لأن: " ما " مصدرية، أي: # PageV02P643 # خلقكم وعملكم - إذ سياق الآية يأباه، لأن إبراهيم عليه السلام إنما أنكر ~~عليهم عبادة المنحوت، لا النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله ~~تعالى، وهو ما صار منحوتا إلا بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقا ~~لله تعالى، ولو لم يكن النحت مخلوقا لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقا له، ~~بل الخشب أو الحجر لا غير. وذكر أبو الحسين البصري إمام المتأخرين من ~~المعتزلة: أن العلم بأن العبد يحدث فعله - ضروري. وذكر الرازي أن افتقار ~~الفعل المحدث الممكن إلى مرجح يجب وجوده عنده ويمتنع عند عدمه - ضروري، ~~وكلاهما صادق فيما ذكره من العلم الضروري، ثم ادعاء ms339 كل منهما أن هذا العلم ~~الضروري يبطل ما ادعاه الآخر من الضرورة - غير مسلم، بل كلاهما صادق فيما ~~ادعاه من العلم الضروري، وإنما وقع غلطه في إنكاره ما مع الآخر من الحق. ~~فإنه لا منافاة بين كون العبد محدثا لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده ~~بمشيئة الله تعالى، كما قال تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها ~~وتقواها} [الشمس: 7 - 8] . فقوله: " {فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 8] ~~إثبات للقدر بقوله: فألهمها وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى ~~نفسه، ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية. وقوله بعد ذلك: {قد أفلح من زكاها ~~وقد خاب من دساها} [الشمس: 9] # [الشمس: 9 - 10]- إثبات أيضا لفعل العبد، ونظائر ذلك كثيرة. # PageV02P644 # وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم، بل مزقتهم كل ممزق، وهي: أنهم ~~قالوا؟ كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو ~~خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم؟ وهذا ~~السؤال لم يزل مطروقا في العالم على ألسنة الناس، وكل منهم يتكلم في جوابه ~~بحسب علمه ومعرفته، وعنه تفرقت بهم الطرق: فطائفة أخرجت أفعالهم عن قدرة ~~الله تعالى، وطائفة أنكرت الحكم والتعليل، وسدت باب السؤال. وطائفة أثبتت ~~كسبا لا يعقل! جعلت الثواب [والعقاب] عليه. وطائفة التزمت لأجله وقوع مقدور ~~بين قادرين، ومفعول بين فاعلين! وطائفة التزمت الجبر، وأن الله يعذبهم على ~~ما لا يقدرون عليه! وهذا السؤال هو الذي أوجب التفرق والاختلاف. # والجواب الصحيح عنه، أن يقال: إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية، ~~وإن كانت خلقا لله تعالى، فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب، ~~ومن عقاب السيئة السيئة بعدها. فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضا. # يبقى أن يقال: فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟ يقال: ~~هو عقوبة أيضا على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه، فإن الله سبحانه خلقه ~~لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته، # PageV02P645 # وتألهه والإنابة إليه، كما قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله ms340 ~~التي فطر الناس عليها} [الروم: 30] . فإن لم يفعل ما خلق له وفطر عليه، من ~~محبة الله وعبوديته، والإنابة إليه - عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما ~~يفعله من الشرك والمعاصي، فإنه صادف قلبا خاليا قابلا للخير والشر، ولو كان ~~فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن منه الشر، كما قال تعالى: {كذلك لنصرف ~~عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} [يوسف: 24] . وقال إبليس: ~~{فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82 - 83] . وقال ~~الله عز وجل: {هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: ~~41] # [الحجر: 41 - 42] . والإخلاص: خلوص القلب من تأليه ما سوى الله تعالى ~~وإرادته ومحبته، فخلص لله، فلم يتمكن منه الشيطان. وأما إذا صادفه فارغا من ~~ذلك، تمكن منه بحسب فراغه، فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة له ~~على عدم هذا الإخلاص. وهي محض العدل. # فإن قلت: فذلك العدم من خلقه فيه؟ قيل: هذا سؤال فاسد، فإن العدم كاسمه، ~~لا يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به، فإن عدم الفعل ليس أمرا وجوديا حتى ~~يضاف إلى الفاعل، بل هو شر محض، والشر ليس إلى الله سبحانه، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم في حديث الاستفتاح: «لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، ~~والشر ليس إليك» . وكذا في حديث الشفاعة يوم القيامة، حين يقول له الله: # PageV02P646 # يا محمد، «فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك» . # وقد أخبر الله تعالى أن تسليط الشيطان إنما هو على الذين يتولونه والذين ~~هم به مشركون، فلما تولوه دون الله وأشركوا به معه - عوقبوا على ذلك ~~بتسليطه عليهم، وكانت هذه الولاية والإشراك عقوبة خلو القلب وفراغه من ~~الإخلاص. فإلهام البر والتقوى ثمرة هذا الإخلاص ونتيجته، وإلهام الفجور ~~عقوبة على خلوه من الإخلاص. # فإن قلت: إن كان هذا الترك أمرا وجوديا عاد السؤال جذعا، وإن كان أمرا ~~عدميا فكيف يعاقب على العدم المحض؟ # قيل: ليس هنا ترك هو كف النفس ومنعها عما تريده وتحبه، فهذا قد يقال: إنه ~~أمر ms341 وجودي، وإنما هنا عدم وخلو من أسباب الخير، وهذا العدم هو محض خلوها ~~مما هو أنفع شيء لها، والعقوبة على الأمر # PageV02P647 # العدمي هي بفعل السيئات، لا بالعقوبات التي تناله بعد إقامة الحجة عليه ~~بالرسل. فلله فيه عقوبتان: # إحداهما: جعله مذنبا خاطئا، وهذه عقوبة عدم إخلاصه وإنابته وإقباله على ~~الله، وهذه العقوبة قد لا يحس بألمها ومضرتها، لموافقتها شهوته وإرادته، ~~وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات. # والثانية: العقوبات المؤلمة بعد فعله للسيئات. وقد قرن الله تعالى بين ~~هاتين العقوبتين في قوله تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء} [الأنعام: 44] . فهذه العقوبة الأولى، ثم قال: {حتى إذا فرحوا بما ~~أوتوا أخذناهم بغتة} [الأنعام: 44] فهذه العقوبة الثانية. # فإن قيل: فهل كان يمكنهم أن يأتوا بالإخلاص والإنابة والمحبة له وحده - ~~من غير أن يخلق ذلك في قلوبهم ويجعلهم مخلصين له منيبين له محبين له؟ أم ~~ذلك محض جعله في قلوبهم وإلقائه فيها؟ قيل: لا، بل هو محض منته وفضله، وهو ~~من أعظم الخير الذي هو بيده، والخير كله في يديه، ولا يقدر أحد أن يأخذ من ~~الخير إلا ما أعطاه، ولا يتقي من الشر إلا ما وقاه. # فإن قيل: فإذا لم يخلق ذلك في قلوبهم ولم يوفقوا له، ولا سبيل لهم إليه ~~بأنفسهم، عاد السؤال؟ وكان منعهم منه ظلما، ولزمكم القول بأن العدل هو تصرف ~~المالك في ملكه بما يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # قيل: لا يكون سبحانه بمنعهم من ذلك ظالما، وإنما يكون المانع ظالما إذا ~~منع غيره حقا لذلك الغير عليه، وهذا هو الذي حرمه الرب # PageV02P648 # على نفسه، وأوجب على نفسه خلافه. وأما إذا منع غيره ما ليس بحق له، بل هو ~~محض فضله ومنته عليه - لم يكن ظالما بمنعه، فمنع الحق ظلم، ومنع الفضل ~~والإحسان عدل. وهو سبحانه العدل في منعه، كما هو المحسن المنان بعطائه. # فإن قيل: فإذا كان العطاء والتوفيق إحسانا ورحمة، فهلا كان العمل له ~~والغلبة، كما أن رحمته تغلب غضبه؟ # قيل: ms342 المقصود في هذا المقام بيان أن هذه العقوبة المترتبة على هذا المنع، ~~والمنع المستلزم للعقوبة - ليس بظلم، بل هو محض العدل. # وهذا سؤال عن الحكمة التي أوجبت تقديم العدل على الفضل في بعض المحال؟ ~~وهلا سوى بين العباد في الفضل؟ وهذا السؤال حاصله: لم تفضل على هذا ولم ~~يتفضل على الآخر؟ وقد تولى الله سبحانه الجواب عنه بقوله: {ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 21] . وقوله: {لئلا يعلم ~~أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 29] . ولما سأله اليهود والنصارى عن ~~تخصيص هذه الأمة بأجرين وإعطائهم هم أجرا أجرا، قال: هل ظلمتكم من حقكم ~~شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء وليس في الحكمة إطلاع كل ~~فرد من أفراد الناس على # PageV02P649 # كمال حكمته في عطائه ومنعه، بل إذا كشف الله عن بصيرة العبد، حتى أبصر ~~طرفا يسيرا من حكمته في خلقه، وأمره وثوابه وعقابه، وتخصيصه وحرمانه، وتأمل ~~أحوال محال ذلك، استدل بما علمه على ما لم يعلمه. # ولما استشكل أعداؤه المشركون هذا التخصيص، قالوا: {أهؤلاء من الله عليهم ~~من بيننا} [الأنعام: 53] . فتأمل هذا الجواب، تر في ضمنه أنه سبحانه أعلم ~~بالمحل الذي يصلح لغرس شجرة النعمة فتثمر بالشكر، من المحل الذي لا يصلح ~~لغرسها، فلو غرست فيه لم تثمر، فكان غرسها هناك ضائعا لا يليق بالحكمة، كما ~~قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] . ### | [العبد فاعل لفعله حقيقة ولكن مخلوق لله] # فإن قيل: إذا حكمتم باستحالة الإيجاد من العبد، فإذا لا فعل للعبد أصلا؟ ~~قيل: العبد فاعل لفعله حقيقة، وله قدرة حقيقة. قال تعالى: {وما تفعلوا من ~~خير يعلمه الله} [البقرة: 197] . {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} [هود: 124] ~~وأمثال ذلك. # وإذا ثبت كون العبد فاعلا، فأفعاله نوعان: # نوع يكون منه من غير اقتران قدرته وإرادته، فيكون صفة له ولا يكون فعلا، ~~كحركات المرتعش. # ونوع يكون منه مقارنا لإيجاد قدرته واختياره، فيوصف ms343 بكونه صفة وفعلا ~~وكسبا للعبد، كالحركات الاختيارية. والله تعالى هو الذي جعل العبد فاعلا ~~مختارا، وهو الذي يقدر على ذلك وحده لا شريك له. ولهذا أنكر السلف الجبر، ~~فإن الجبر لا يكون إلا من عاجز، فلا يكون إلا مع # PageV02P650 # الإكراه، يقال: للأب ولاية إجبار البكر الصغيرة على النكاح، وليس له ~~إجبار الثيب البالغ، أي: ليس له أن يزوجها مكرهة. ### | [لا يوصف الله بالإجبار] # والله تعالى لا يوصف بالإجبار بهذا الاعتبار، لأنه سبحانه خالق الإرادة ~~والمراد، قادر على أن يجعله مختارا بخلاف غيره. ولهذا جاء في ألفاظ الشارع. ~~" الجبل " دون " الجبر "، كما قال صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: «إن ~~فيك لخلتين يحبهما الله: الحلم والأناة فقال: أخلقين تخلقت بهما؟ أم خلقين ~~جبلت عليهما؟ فقال: بل خلقين جبلت عليهما فقال: الحمد لله الذي جبلني على ~~خلقين يحبهما الله [ورسوله» ] . والله تعالى # PageV02P651 # إنما يعذب عبده على فعله الاختياري. والفرق بين العقاب على الفعل ~~الاختياري وغير الاختياري مستقر في الفطر والعقول. # وإذا قيل: خلق الفعل مع العقوبة عليه ظلم؟ ! كان بمنزلة أن يقال. خلق أكل ~~السم ثم حصول الموت به ظلم! ! فكما أن هذا سبب للموت، فهذا سبب للعقوبة، ~~ولا ظلم فيهما. # فالحاصل: أن فعل العبد فعل له حقيقة، ولكنه مخلوق لله تعالى، ومفعول لله ~~تعالى، ليس هو نفس فعل الله. ففرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق. ~~وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله بقوله: وأفعال العباد خلق الله وكسب ~~من العباد - أثبت للعباد فعلا وكسبا، وأضاف الخلق لله تعالى. والكسب: هو ~~الفعل الذي يعود على فاعله منه نفع أو ضرر، كما قال تعالى: {لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286] . ### | [التكليف بحسب الطاقة] # قوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم. ~~وهو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد، [ولا تحول لأحد] ~~، ولا حركة لأحد عن معصية الله، إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة ~~طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق ms344 الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى ~~وعلمه وقضائه وقدره. غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها. ~~يفعل ما يشاء، # PageV02P652 # وهو غير ظالم أبدا. {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 23] . # ش: فقوله: لم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون - قال تعالى: {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] . {لا نكلف نفسا إلا وسعها} [الأنعام: ~~152] و [الأعراف: 42] و [المؤمنون: 62] . # وعن أبي الحسن الأشعري أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلا، ثم تردد أصحابه ~~أنه: هل ورد به الشرع أم لا؟ واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان، ~~فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن، وأنه سيصلى نارا ذات لهب، فكان مأمورا بأن ~~يؤمن بأنه لا يؤمن. وهذا تكليف بالجمع بين الضدين، وهو محال. # والجواب عن هذا بالمنع: فلا نسلم أنه مأمور بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، ~~والاستطاعة التي بها يقدر على الإيمان كانت حاصلة، فهو غير عاجز عن تحصيل ~~الإيمان، فما كلف إلا ما يطيقه كما تقدم في تفسير الاستطاعة. ولا يلزم قوله ~~تعالى للملائكة: {أنبئوني بأسماء هؤلاء} [البقرة: 31] . مع عدم علمهم بذلك، ~~ولا للمصورين يوم القيامة: أحيوا ما خلقتم، وأمثال ذلك - لأنه ليس بتكليف ~~طلب فعل يثاب فاعله ويعاقب تاركه، بل هو خطاب تعجيز. # PageV02P653 # وكذا لا يلزم دعاء المؤمنين في قوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به} [البقرة: 286] لأن تحميل ما لا يطاق ليس تكليفا، بل يجوز أن يحمله ~~جبلا لا يطيقه فيموت. وقال ابن الأنباري: أي لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه ~~وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه، قال: فخاطب العرب على حسب ما ~~تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك، وهو مطيق ~~لذلك، لكنه يثقل عليه. ولا يجوز في الحكمة أن يكلفه بحمل جبل بحيث لو فعل ~~يثاب ولو امتنع يعاقب، كما أخبر سبحانه عن نفسه أنه لا يكلف نفسا إلا ~~وسعها. # ومنهم من يقول: يجوز تكليف الممتنع عادة، دون الممتنع لذاته، لأن ذلك لا ~~يتصور وجوده، ms345 فلا يعقل الأمر به، بخلاف هذا. # ومنهم من يقول: ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز تكليفه، بخلاف ما لا يطاق ~~للاشتغال بضده، فإنه يجوز تكليفه. وهؤلاء موافقون للسلف والأئمة في المعنى، ~~لكن كونهم جعلوا ما يتركه العبد لا يطاق لكونه تاركا له مشتغلا بضده - بدعة ~~في الشرع واللغة. فإن مضمونه أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه! . # وهم التزموا هذا، لقولهم: إن الطاقة - التي هي الاستطاعة وهي القدرة - لا ~~تكون إلا مع الفعل! فقالوا: كل من لم يفعل فعلا، فإنه # PageV02P654 # لا يطيقه! وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف، وخلاف ما عليه عامة ~~العقلاء، كما تقدمت الإشارة إليه عند ذكر الاستطاعة. # وأما ما لا يكون إلا مقارنا للفعل، فذلك ليس شرطا في التكليف، مع أنه في ~~الحقيقة إنما هناك إرادة الفعل. وقد يحتجون بقوله تعالى: " {ما كانوا ~~يستطيعون السمع} [هود: 20] . {إنك لن تستطيع معي صبرا} [الكهف: 75] . وليس ~~في ذلك إرادة ما سموه استطاعة، وهو ما لا يكون إلا مع الفعل، فإن الله ذم ~~هؤلاء على كونهم لا يستطيعون السمع، ولو أراد بذلك المقارن لكان جميع الخلق ~~لا يستطيعون السمع قبل السمع! فلم يكن لتخصيص هؤلاء بذلك معنى، ولكن هؤلاء ~~لبغضهم الحق وثقله عليهم، إما حسدا لصاحبه، وإما اتباعا للهوى - لا ~~يستطيعون السمع. وموسى عليه السلام لا يستطيع الصبر، لمخالفة ما يراه لظاهر ~~الشرع، وليس عنده منه علم. وهذه لغة العرب وسائر الأمم، فمن يبغض غيره ~~يقال: إنه لا يستطيع الإحسان إليه، ومن يحبه يقال: إنه لا يستطيع عقوبته، ~~لشدة محبته له، لا لعجزه عن عقوبته، فيقال ذلك للمبالغة، كما تقول: لأضربنه ~~حتى يموت، والمراد الضرب الشديد. وليس هذا عذرا، فلو لم يأمر العباد إلا ~~بما يهوونه لفسدت السماوات والأرض، قال تعالى: {ولو اتبع الحق أهواءهم ~~لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} [المؤمنون: 71] . # وقوله: ولا يطيقون إلا ما كلفهم به، إلى آخر كلامه - أي: ولا يطيقون إلا ~~ما أقدرهم عليه. وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق، لا التي من جهة ms346 الصحة ~~والوسع والتمكن وسلامة الآلات، ولا حول ولا قوة إلا بالله - دليل على إثبات ~~القدر. وقد فسرها الشيخ بعدها. # PageV02P655 # ولكن في كلام الشيخ إشكال: فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما ~~يستعمل بمعنى الأمر والنهي، وهو قد قال: لا يكلفهم إلا ما يطيقون، ولا ~~يطيقون إلا ما كلفهم. وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد، ولا يصح ذلك، لأنهم ~~يطيقون فوق ما كلفهم به، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف، كما قال ~~تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] . وقال ~~تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم} [النساء: 28] . وقال تعالى: {وما جعل ~~عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] . فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه، ولكنه ~~تفضل علينا ورحمنا، وخفف عنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج. ففي العبارة ~~قلق، فتأمله. ### | [الفرق بين القضاء الشرعي والقضاء الكوني] # وقوله: وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره - يريد بقضائه ~~القضاء الكوني لا الشرعي، فإن القضاء يكون كونيا وشرعيا، وكذلك الإرادة ~~والأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات، ونحو ذلك. # أما القضاء الكوني، ففي قوله تعالى: {فقضاهن سبع سماوات في يومين} [فصلت: ~~12] . # والقضاء الديني الشرعي، في قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} ~~[الإسراء: 23] . # PageV02P656 # وأما الإرادة الكونية والدينية، فقد تقدم ذكرها عند قول الشيخ: ولا يكون ~~إلا ما يريد. # وأما الأمر الكوني، ففي قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون} [يس: 82] . وكذا قوله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} [الإسراء: 16] في ~~أحد الأقوال، وهو أقواها. # والأمر الشرعي، في قوله تعالى: " {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} ~~[النساء: 58] . # وأما الإذن الكوني، ففي قوله تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ~~الله} [البقرة: 102] . والإذن الشرعي، في قوله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} [الحشر: 5] . # وأما الكتاب الكوني، ففي قوله تعالى: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره ~~إلا في كتاب إن ms347 ذلك على الله يسير} [فاطر: 11] . وقوله تعالى: {ولقد كتبنا ~~في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] . # والكتاب الشرعي الديني، في قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس} [المائدة: 45] . {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} [البقرة: ~~183] . # PageV02P657 # وأما الحكم الكوني، ففي قوله تعالى عن ابن يعقوب عليه السلام: {فلن أبرح ~~الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين} [يوسف: 80] . ~~وقوله تعالى: {قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} ~~[الأنبياء: 112] . والحكم الشرعي، في قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد} ~~[المائدة: 1] . وقال تعالى: {ذلكم حكم الله يحكم بينكم} [الممتحنة: 10] . # وأما التحريم الكوني، ففي قوله تعالى: " {قال فإنها محرمة عليهم أربعين ~~سنة يتيهون في الأرض} [المائدة: 26] . " {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا ~~يرجعون} [الأنبياء: 95] . والتحريم الشرعي، في قوله: " {حرمت عليكم الميتة ~~والدم} [المائدة: 3] . و {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] الآية [النساء: ~~23] . # وأما الكلمات الكونية، ففي قوله تعالى: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني ~~إسرائيل بما صبروا} [الأعراف: 137] . وفي قوله صلى الله عليه وسلم: أعوذ ~~بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر. # PageV02P658 # والكلمات الشرعية الدينية، في قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~فأتمهن} [البقرة: 124] . ### | [كتب الله على نفسه الرحمة] # وقوله: يفعل ما يشاء، وهو غير ظالم أبدا - الذي دل عليه القرآن من تنزيه ~~الله نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولا وسطا بين قولي القدرية والجبرية، فليس ~~ما كان من بني آدم ظلما وقبيحا يكون منه ظلما وقبيحا، كما تقوله القدرية ~~والمعتزلة ونحوهم! فإن ذلك تمثيل لله بخلقه! وقياس له عليهم! هو الرب الغني ~~القادر، وهم العباد الفقراء المقهورون. وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي ~~لا يدخل تحت القدرة، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم، يقولون: إنه ~~يمتنع أن يكون [طه: 112] وقوله تعالى: {ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام ~~للعبيد} [ق: 29] وقوله تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا ms348 هم الظالمين} ~~[الزخرف: 76] وقوله تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} ~~[الكهف: 49] وقوله تعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن ~~الله سريع الحساب} [غافر: 17] . يدل على نقيض هذا القول. # ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، ~~وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا» . فهذا دل على شيئين: # PageV02P659 # أحدهما: أنه حرم على نفسه الظلم، والممتنع لا يوصف بذلك. # الثاني: أنه أخبر أنه حرمه على نفسه، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة، ~~وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي، والله ليس كذلك. ~~فيقال لهم: هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم، وإنما كتب ~~على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه، لا ما هو ممتنع عليه. # وأيضا: فإن قوله: " {فلا يخاف ظلما ولا هضما "} [طه: 112]- قد فسره ~~السلف، بأن الظلم: أن توضع عليه سيئات غيره، والهضم: أن ينقص من حسناته، ~~كما قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الإسراء: 15] . # وأيضا فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة حتى يأمن من ~~ذلك، وإنما يأمن مما يمكن، فلما آمنه من الظلم بقوله: {فلا يخاف} [طه: ~~112]- علم أنه ممكن مقدور عليه. وكذا قوله: {لا تختصموا لدي} [ق: 28] إلى ~~قوله: {وما أنا بظلام للعبيد} [ق: 29]- لم يعن بها نفي ما لا يقدر عليه ولا ~~يمكن منه، وإنما نفى ما هو مقدور عليه ممكن، وهو أن يجزوا بغير أعمالهم. ~~فعلى قول هؤلاء ليس الله منزها عن شيء من الأفعال أصلا، ولا مقدسا عن أن ~~يفعله، بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله، بل فعله حسن، ولا حقيقة للفعل ~~السوء، بل ذلك ممتنع، والممتنع لا حقيقة له! ! # والقرآن يدل على نقيض هذا القول، في مواضع، نزه الله نفسه فيها عن فعل ما ~~لا يصلح له ولا ينبغي له، فعلم أنه منزه مقدس عن فعل السوء والفعل المعيب ~~المذموم، كما أنه منزه مقدس عن وصف السوء ms349 # PageV02P660 # والوصف المعيب المذموم. وذلك كقوله تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115] . فإنه نزه نفسه عن خلق الخلق ~~عبثا، وأنكر على من حسب ذلك، وهذا فعل. وقوله تعالى: {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين} [القلم: 35] . وقوله تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28]- إنكار منه ~~على من جوز أن يسوي الله بين هذا وهذا. وكذا قوله: {أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون} [الجاثية: 21]- إنكار على من حسب أنه يفعل هذا، وإخبار أن هذا ~~حكم سيء قبيح، وهو مما ينزه الرب عنه. # وروى أبو داود، والحاكم في المستدرك، من حديث ابن عباس، وعبادة بن ~~الصامت، وزيد بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله لو عذب أهل ~~سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا ~~لهم من أعمالهم» . # PageV02P661 # وهذا الحديث مما يحتج به الجبرية، وأما القدرية فلا يتأتى على أصولهم ~~الفاسدة! ولهذا قابلوه إما بالتكذيب أو بالتأويل! ! # وأسعد الناس به أهل السنة، الذين قابلوه بالتصديق، وعلموا من عظمة الله ~~تعالى وجلاله، قدر نعم الله على خلقه، وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم، ~~إما عجزا، وإما جهلا، وإما تفريطا وإضاعة، وإما تقصيرا في المقدور من ~~الشكر، ولو من بعض الوجوه. فإن حقه على أهل السماوات والأرض أن يطاع فلا ~~يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وتكون قوة الحب والإنابة، والتوكل ~~والخشية والمراقبة والخوف والرجاء -: جميعها متوجهة إليه، ومتعلقة به، بحيث ~~يكون القلب عاكفا على محبته وتأليهه، بل على إفراده بذلك، واللسان محبوسا ~~على ذكره، والجوارح وقفا على طاعته. # ولا ريب أن هذا مقدور في الجملة، ولكن النفوس تشح به، وهي في الشح على ~~مراتب لا يحصيها إلا الله تعالى. وأكثر المطيعين تشح به نفسه من وجه، وإن ~~أتى به من وجه آخر. فأين الذي لا تقع منه إرادة تزاحم مراد الله وما يحبه ~~منه؟ ومن ms350 الذي لم يصدر منه خلاف ما خلق له، ولو في وقت من الأوقات؟ فلو وضع ~~الرب سبحانه عدله على أهل سماواته وأرضه، لعذبهم بعدله، ولم يكن ظالما لهم. # وغاية ما يقدر، توبة العبد من ذلك واعترافه، وقبول التوبة محض فضله ~~وإحسانه، وإلا فلو عذب عبده على جنايته لم يكن ظالما ولو قدر أنه تاب منها. ~~لكن أوجب على نفسه - بمقتضى فضله ورحمته - أنه لا يعذب من تاب، وقد كتب على ~~نفسه الرحمة، فلا يسع الخلائق # PageV02P662 # إلا رحمته وعفوه، ولا يبلغ عمل أحد منهم أن ينجو به من النار، أو يدخل ~~الجنة، كما قال أطوع الناس لربه، وأفضلهم عملا، وأشدهم تعظيما لربه ~~وإجلالا: «لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا ~~أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» # وسأله الصديق دعاء يدعو به في صلاته، فقال: قل: «اللهم إني ظلمت نفسي ~~ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك ~~أنت الغفور الرحيم» . # فإذا كان هذا حال الصديق، الذي هو أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين - ~~فما الظن بسواه؟ بل إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام حقه، الذي يتضمن ~~معرفة ربه، وحقه وعظمته، وما ينبغي له، وما يستحقه على عبده، ومعرفة ~~تقصيره. فسحقا وبعدا لمن زعم أن المخلوق يستغني عن مغفرة ربه ولا يكون به ~~حاجة إليها! وليس وراء هذا الجهل بالله وحقه غاية! ! فإن لم يتسع فهمك ~~لهذا، فانزل إلى وطأة النعم، وما عليها من الحقوق، ووازن من شكرها وكفرها، ~~فحينئذ تعلم أنه سبحانه لو عذب أهل سماواته وأرضه، لعذبهم وهو غير ظالم ~~لهم. ### | [الأموات ينتفعون من سعي الأحياء] ### | [انتفاع الأموات من سعي الأحياء] # قوله: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات) . # PageV02P663 # ش: اتفق أهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين: أحدهما: ما ~~تسبب إليه الميت في حياته. # والثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم له، والصدقة والحج، على نزاع فيما يصل ~~إليه من ثواب الحج: فعن محمد بن الحسن رحمه الله: ms351 أنه إنما يصل إلى الميت ~~ثواب النفقة، والحج للحاج. وعند عامة العلماء: ثواب الحج للمحجوج عنه، وهو ~~الصحيح. # واختلف في العبادات البدنية، كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر: فذهب ~~أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها، والمشهور من مذهب الشافعي ومالك ~~عدم وصولها. # وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شيء البتة، لا الدعاء ولا ~~غيره. وقولهم مردود بالكتاب والسنة، لكنهم استدلوا بالمتشابه من قوله ~~تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] . وقوله: {ولا تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون} [يس: 54] . وقوله: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ~~[البقرة: 286] . # وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا مات ابن آدم انقطع ~~عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من ~~بعده» . فأخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب فيه في الحياة، # PageV02P664 # وما لم يكن تسبب فيه في الحياة فهو منقطع عنه. # واستدل المقتصرون على وصول العبادات التي تدخلها النيابة، كالصدقة والحج ~~بأن النوع الذي لا تدخله النيابة بحال، كالإسلام والصلاة والصوم وقراءة ~~القرآن، يختص ثوابه بفاعله لا يتعداه، كما أنه في الحياة لا يفعله أحد عن ~~أحد، ولا ينوب فيه عن فاعله غيره - وقد روى النسائي بسنده، عن ابن عباس، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن ~~أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة» . # والدليل على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه، الكتاب والسنة والإجماع ~~والقياس الصحيح. # أما الكتاب، فقال تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر: 10] . فأثنى عليهم باستغفارهم ~~للمؤمنين قبلهم، فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء. وقد دل على انتفاع ~~الميت بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة، والأدعية التي ~~وردت بها السنة في صلاة الجنازة مستفيضة. وكذا الدعاء له بعد الدفن، ففي ~~سنن أبي داود، من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: ms352 «كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: استغفروا لأخيكم، ~~واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل» . # PageV02P665 # وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم، كما في صحيح مسلم، من حديث بريدة بن ~~الحصيب، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى ~~المقابر أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا ~~إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» . وفي صحيح مسلم ~~أيضا، عن عائشة رضي الله عنها: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تقول ~~إذا استغفرت لأهل القبور؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم ~~للاحقون» . # وأما وصول ثواب الصدقة، ففي الصحيحين، عن عائشة رضي الله عنها: «أن رجلا ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها، ~~ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم» . # وفي صحيح البخاري، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: # PageV02P666 # أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: «يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت؟ ~~قال: نعم» ، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها «. وأمثال ذلك ~~كثيرة في السنة. # وأما وصول ثواب الصوم، ففي الصحيحين، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال:» من مات وعليه صيام صام عنه وليه «. وله ~~نظائر في الصحيح. # ولكن أبو حنيفة رحمه الله قال بالإطعام عن الميت دون الصيام عنه، لحديث ~~ابن عباس المتقدم. والكلام على ذلك معروف في كتب الفروع. # وأما وصول ثواب الحج، ففي صحيح البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما:» أن ~~امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن # PageV02P667 # أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: [نعم] حجي عنها، ~~أرأيت ms353 لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء «. ~~ونظائره أيضا كثيرة. # وأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمة الميت، ولو كان من أجنبي، ~~ومن غير تركته. وقد دل على ذلك حديث أبي قتادة، حيث ضمن الدينارين عن ~~الميت، فلما قضاهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن بردت عليه جلدته» . # وكل ذلك جار على قواعد الشرع. وهو محض القياس، فإن الثواب حق العامل، ~~فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك، كما لم يمنع من هبة ماله في حياته، ~~وإبرائه له منه بعد وفاته. # وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب القراءة ونحوها من ~~العبادات البدنية. يوضحه: أن الصوم كف النفس عن # PageV02P668 # المفطرات بالنية، وقد نص الشارع على وصول ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة ~~التي هي عمل ونية؟ ! ### | [معنى قوله تعالى " وأن ليس للإنسان إلا ما سعى "] # والجواب عما استدلوا به من قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~[النجم: 39] قد أجاب العلماء بأجوبة: أصحها جوابان: # أحدهما: أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ~~ونكح الأزواج، وأسدى الخير وتودد إلى الناس، فترحموا عليه، ودعوا له، ~~وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم مع جملة ~~المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى ~~صاحبه، في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. # يوضحه: أن الله تعالى جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من ~~المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه ذلك. # PageV02P669 # الثاني: - وهو أقوى منه -: أن القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره ~~وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى. فأخبر تعالى ~~أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله ~~لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه. # وقوله سبحانه: {ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~[النجم: 38] # [النجم: ms354 38 - 39] . آيتان محكمتان، مقتضيتان عدل الرب تعالى: # فالأولى تقتضي أنه لا يعاقب أحدا بجرم غيره، ولا يؤاخذه بجريرة غيره، كما ~~يفعله ملوك الدنيا. # والثانية تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله، ليقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه ~~وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع ~~إلا بما سعى. # وكذلك قوله تعالى: {لها ما كسبت} [البقرة: 286] . وقوله: {ولا تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون} [يس: 54] . على أن سياق هذه الآية يدل على أن المنفي عقوبة ~~العبد بعمل غيره، فإنه تعالى قال: {فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون} [يس: 54] . # وأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم: " «إذا مات ابن آدم انقطع ~~عمله» فاستدلال ساقط، فإنه لم يقل انقطع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع ~~عمله. وأما عمل غيره فهو لعامله، فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل # PageV02P670 # العامل، لا ثواب عمله هو، وهذا كالدين يوفيه الإنسان عن غيره، فتبرأ ~~ذمته، ولكن ليس له ما وفى به الدين. # وأما تفريق من فرق بين العبادات المالية والبدنية - فقد شرع النبي صلى ~~الله عليه وسلم الصوم عن الميت، كما تقدم، مع أن الصوم لا تجزئ فيه ~~النيابة، وكذلك حديث جابر رضي الله عنه، قال: «صليت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال: بسم الله والله ~~أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي، ~~وحديث الكبشين اللذين قال في أحدهما: «اللهم هذا عن أمتي جميعا» ، وفي ~~الآخر: «اللهم هذا عن محمد وآل محمد» ، رواه أحمد. والقربة في الأضحية ~~إراقة الدم، وقد جعلها لغيره. # PageV02P671 # وكذلك عبادة الحج بدنية، وليس المال ركنا فيه، وإنما هو وسيلة، ألا ترى ~~أن المكي يجب عليه الحج إذا قدر على المشي إلى عرفات، من غير شرط المال. ~~وهذا هو الأظهر، أعني أن الحج غير مركب من مال وبدن، بل بدني محض، كما قد ~~نص عليه جماعة من أصحاب أبي حنيفة المتأخرين. ms355 # وانظر إلى فروض الكفايات: كيف قام فيها البعض عن الباقين؟ ولأن هذا إهداء ~~ثواب، وليس من باب النيابة، كما أن الأجير الخاص ليس له أن يستنيب عنه، وله ~~أن يعطي أجرته لمن شاء. ### | [الاستئجار على تلاوة القرآن وإهدائه للميت] # وأما استئجار قوم يقرءون القرآن ويهدونه للميت! ! فهذا لم يفعله أحد من ~~السلف ولا أمر به أحد من أئمة الدين، ولا رخص فيه. والاستئجار على نفس ~~التلاوة غير جائز بلا خلاف. وإنما اختلفوا في جواز الاستئجار على التعليم ~~ونحوه، مما فيه منفعة تصل إلى الغير. والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان ~~العمل لله، وهذا لم يقع عبادة # PageV02P672 # خالصة، فلا يكون ثوابه ما يهدى إلى الموتى! ! ولهذا لم يقل أحد أنه يكتري ~~من يصوم ويصلي ويهدي ثواب ذلك إلى الميت، لكن إذا أعطى لمن يقرأ القرآن ~~ويعلمه ويتعلمه معونة لأهل القرآن على ذلك، كان هذا من جنس الصدقة عنه، ~~فيجوز. # وفي الاختيار: لو أوصى بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره، ~~فالوصية باطلة، لأنه في معنى الأجرة، انتهى. # وذكر الزاهدي في القنية: أنه لو وقف على من يقرأ عند قبره، فالتعيين ~~باطل. ### | [قراءة القرآن وإهداؤها للميت بغير أجرة] # وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة، فهذا يصل إليه، كما يصل ~~ثواب الصوم والحج. # فإن قيل: هذا لم يكن معروفا في السلف، ولا أرشدهم إليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم؟ # فالجواب: إن كان مورد هذا السؤال معترفا بوصول ثواب الحج والصيام ~~والدعاء، قيل له: ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة # PageV02P673 # القرآن؟ وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول، ومن أين لنا هذا ~~النفي العام؟ # فإن قيل: فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى الصوم والحج والصدقة ~~دون القراءة؟ قيل: هو صلى الله عليه وسلم لم يبتدئهم بذلك، بل خرج ذلك منه ~~مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له فيه، وهذا سأله عن ~~الصوم عنه، فأذن له فيه، ولم ms356 يمنعهم مما سوى ذلك، وأي فرق بين وصول ثواب ~~الصوم - الذي هو مجرد نية وإمساك - وبين وصول ثواب القراءة والذكر؟ # فإن قيل: ما تقولون في الإهداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ # قيل: من المتأخرين من استحبه، ومنهم من رآه بدعة، لأن الصحابة لم يكونوا ~~يفعلونه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم له مثل أجر كل من عمل خيرا من ~~أمته، من غير أن ينقص من أجر العامل شيء، لأنه هو الذي دل أمته على كل خير، ~~وأرشدهم إليه. # ومن قال: إن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده، باعتبار سماعه كلام الله - ~~فهذا لم يصح عن أحد من الأئمة المشهورين. ولا شك في # PageV02P674 # سماعه، ولكن انتفاعه بالسماع لا يصح، فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة، ~~فإنه عمل اختياري، وقد انقطع بموته، بل ربما يتضرر ويتألم، لكونه لم يمتثل ~~أوامر الله ونواهيه، أو لكونه لم يزدد من الخير. ### | [اختلاف العلماء في حكم قراءة القرآن عند القبور] # واختلف العلماء في قراءة القرآن عند القبور، على ثلاثة أقوال: هل تكره، ~~أم لا بأس بها وقت الدفن، وتكره بعده؟ # فمن قال بكراهتها، كأبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية - قالوا: لأنه محدث، ~~لم ترد به السنة، والقراءة تشبه الصلاة، والصلاة عند القبور منهي عنها، ~~فكذلك القراءة. # ومن قال: لا بأس بها، كمحمد بن الحسن وأحمد في رواية - استدلوا بما نقل ~~عن ابن عمر رضي الله عنه: أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة ~~البقرة وخواتمها. ونقل أيضا عن بعض # PageV02P675 # المهاجرين قراءة سورة البقرة. # ومن قال: لا بأس بها وقت الدفن فقط، وهو رواية عن أحمد - أخذ بما نقل عن ~~عمر وبعض المهاجرين. # وأما بعد ذلك، كالذين يتناوبون القبر للقراءة عنده - فهذا مكروه، فإنه لم ~~تأت به السنة، ولم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا. وهذا القول لعله ~~أقوى من غيره، لما فيه من التوفيق بين الدليلين. ### | [استجابة الله الدعاء] ### | [استجابة الله دعاء عبده] # قوله: (والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات) . # ش: ms357 قال تعالى: " {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] . {وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186] . والذي عليه ~~أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم -: أن الدعاء من أقوى ~~الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار، وقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم إذا ~~مسهم الضر في البحر # PageV02P676 # دعوا الله مخلصين له الدين، وأن الإنسان إذا مسه الضر دعاه لجنبه أو ~~قاعدا أو قائما. وإجابة الله لدعاء العبد، مسلما كان أو كافرا، وإعطاؤه ~~سؤله -: من جنس رزقه لهم، ونصره لهم. وهو مما توجبه الربوبية للعبد مطلقا، ~~ثم قد يكون ذلك فتنة في حقه ومضرة عليه، إذ كان كفره وفسوقه يقتضي ذلك. وفي ~~سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~من لم يسأل الله يغضب عليه. وقد نظم بعضهم هذا المعنى، فقال: # الرب يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب # PageV02P677 # قال ابن عقيل: قد ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معان: # أحدها: الوجود، فإن من ليس بموجود لا يدعى. # الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يدعى. # الثالث: السمع، فإن الأصم لا يدعى. # الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يدعى. # الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يدعى. # السادس: القدرة، فإن العاجز لا يدعى. # ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا يقال لها: كفي! ولا النجم يقال له: ~~أصلح مزاجي! ! لأن هذه عندهم مؤثرة طبعا لا اختيارا، فشرع الدعاء وصلاة ~~الاستسقاء ليبين كذب أهل الطبائع. ### | [الرد على من يزعم عدم فائدة الدعاء] # وذهب قوم من المتفلسفة وغالية المتصوفة إلى أن الدعاء لا فائدة فيه! ~~قالوا: لأن المشيئة الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء، ~~وإن لم تقتضه فلا فائدة في الدعاء! ! وقد يخص بعضهم بذلك خواص العارفين! ~~ويجعل الدعاء علة في مقام الخواص! ! وهذا # PageV02P678 # من غلطات بعض الشيوخ. فكما أنه معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام - ~~فهو معلوم الفساد بالضرورة العقلية، فإن منفعة الدعاء أمر اتفقت عليه تجارب ~~الأمم، حتى ms358 إن الفلاسفة تقول: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات، بفنون ~~اللغات، يحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات! ! هذا وهم مشركون. # وجواب الشبهة بمنع المقدمتين: فإن قولهم عن المشيئة الإلهية: إما أن ~~تقتضيه أو لا، ثم قسم ثالث، وهو: أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد ~~يكون الدعاء من شرطه، كما توجب الثواب مع العمل الصالح، ولا توجبه مع عدمه، ~~وكما توجب الشبع والري عند الأكل والشرب، ولا توجبه مع عدمهما، وحصول الولد ~~بالوطء، والزرع بالبذر. فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال لا ~~فائدة في الدعاء، كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب والبذر وسائر ~~الأسباب. فقول هؤلاء - كما أنه مخالف للشرع، فهو مخالف للحس والفطرة. # ومما ينبغي أن يعلم، ما قاله طائفة من العلماء، وهو: أن الالتفات إلى ~~الأسباب شرك في التوحيد! ومحو الأسباب أن تكون أسبابا، نقص في العقل، ~~والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. ومعنى التوكل والرجاء، يتألف من ~~وجوب التوحيد والعقل والشرع. # وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه، # PageV02P679 # ورجاؤه والاستناد إليه. وليس في المخلوقات ما يستحق هذا، لأنه ليس ~~بمستقل، ولا بد له من شركاء وأضداد مع هذا كله، فإن لم يسخره مسبب الأسباب ~~لم يسخر. # وقولهم: إن اقتضت المشيئة المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء؟ قلنا: بل قد تكون ~~إليه حاجة، من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة، ودفع مضرة أخرى عاجلة وآجلة. # وكذلك قولهم: وإن لم تقتضه، فلا فائدة فيه؟ قلنا: بل فيه فوائد عظيمة، من ~~جلب منافع، ودفع مضار، كما نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم، بل ما يعجل ~~للعبد، من معرفته بربه، وإقراره به، وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم، ~~وإقراره بفقره إليه واضطراره إليه، وما يتبع ذلك من العلوم العلية والأحوال ~~الزكية، التي هي من أعظم المطالب. # فإن قيل: إذا كان إعطاء الله معللا بفعل العبد، كما يعقل من إعطاء ~~المسئول للسائل، كان السائل قد أثر في المسئول حتى أعطاه؟ ! # قلنا: الرب سبحانه هو ms359 الذي حرك العبد إلى دعائه، فهذا الخير منه، وتمامه ~~عليه. كما قال عمر رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم ~~الدعاء، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه. وعلى هذا قوله تعالى: ~~{يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون} [فصلت: 5] . فأخبر سبحانه أنه يبتدئ بالتدبير، ثم يصعد إليه ~~الأمر الذي دبره، فالله سبحانه هو الذي يقذف في قلب العبد حركة الدعاء، ~~ويجعلها سببا للخير # PageV02P680 # الذي يعطيه إياه، كما في العمل والثواب، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم ~~قبلها، وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، فما ~~أثر فيه شيء من المخلوقات، بل هو جعل ما يفعله سببا لما يفعله. قال مطرف بن ~~عبد الله بن الشخير، أحد أئمة التابعين: نظرت في هذا الأمر، فوجدت مبدأه من ~~الله، وتمامه على الله، ووجدت ملاك ذلك الدعاء. ### | [بيان الحكمة أن الداعي قد لا يعطى شيئا أو يعطى غير ما سأل] # وهنا سؤال معروف، وهو: أن من الناس من قد يسأل الله فلا يعطى شيئا، أو ~~يعطى غير ما سأل؟ وقد أجيب عنه بأجوبة، فيها ثلاثة أجوبة محققة: # أحدها: أن الآية لم تتضمن عطية السؤال مطلقا، وإنما تضمنت إجابة الداعي، ~~والداعي أعم من السائل، وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل. ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من ~~يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» . # ففرق بين الداعي والسائل، وبين الإجابة والإعطاء، وهو فرق بالعموم ~~والخصوص، كما أتبع ذلك بالمستغفر، وهو نوع من السائل، فذكر العام ثم الخاص ~~ثم الأخص. وإذا علم العباد أنه قريب، يجيب دعوة الداعي، علموا قربه منهم، ~~وتمكنهم من سؤاله -: وعلموا علمه # PageV02P681 # ورحمته وقدرته، فدعوه دعاء العبادة في حال، ودعاء المسألة في حال، [غافر: ~~60] بالدعاء، الذي هو العبادة، والدعاء الذي هو الطلب. وقوله بعد ذلك: {إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي} ms360 [غافر: 60]- يؤيد المعنى الأول. # الجواب الثاني: أن إجابة دعاء السؤال أعم من إعطاء عين السؤال، كما فسره ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: «ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا ~~أعطاه بها إحدى ثلاث خصال. إما أن يعجل له دعوته، أو يدخر له من الخير ~~مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها» ، قالوا: يا رسول الله، إذا نكثر، قال: ~~الله أكثر. فقد أخبر الصادق # PageV02P682 # المصدوق أنه لا بد في الدعوة الخالية عن العدوان من إعطاء السؤال معجلا، ~~أو مثله من الخير مؤجلا، أو يصرف عنه من السوء مثله. # الجواب الثالث: أن الدعاء سبب مقتض لنيل المطلوب، والسبب له شروط وموانع، ~~فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب، وإلا فلا يحصل ذلك المطلوب، بل ~~قد يحصل غيره. وهكذا سائر الكلمات الطيبات، من الأذكار المأثورة المعلق ~~عليها جلب منافع أو دفع مضار، فإن الكلمات بمنزلة الآلة في يد الفاعل، ~~تختلف باختلاف قوته وما يعينها، وقد يعارضها مانع من الموانع. ونصوص الوعد ~~والوعيد المتعارضة في الظاهر -: من هذا الباب. وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها ~~قوم فاستجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله، أو ~~حسنة تقدمت منه، جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته، أو صادف وقت ~~إجابة، ونحو ذلك - فأجيبت دعوته، فيظن أن السر في ذلك الدعاء، فيأخذه مجردا ~~عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي. # وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي، فانتفع به، فظن ~~آخر أن استعمال هذا الدواء بمجرده كاف في حصول المطلوب، فكان غالطا. # وكذا قد يدعو باضطرار عند قبر، فيجاب، فيظن أن السر للقبر، ولم يدر أن ~~السر للاضطرار وصدق اللجء إلى الله تعالى، فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت ~~الله تعالى كان أفضل وأحب إلى الله تعالى. # PageV02P683 # فالأدعية والتعوذات والرقى بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه، لا بحده فقط، ~~فمتى كان ms361 السلاح سلاحا تاما والساعد ساعدا قويا، والمحل قابلا، والمانع ~~مفقودا -: حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف ~~التأثير. # فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في ~~الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة -: لم يحصل الأثر. # قوله: (ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء. ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ~~ومن استغنى عن الله طرفة عين، فقد كفر وصار من أهل الحين) . # ش: كلام حق ظاهر لا خفاء فيه. والحين، بالفتح: الهلاك. ### | [غضب الله ورضاه] # قوله: (والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى) . # ش: قال تعالى: {رضي الله عنهم} [المائدة: 119] # [البينة: 8] . {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} ~~[الفتح: 18] . وقال تعالى: {من لعنه الله وغضب عليه} [المائدة: 60] . {وغضب ~~الله عليه ولعنه} [النساء: 93] . {وباءوا بغضب من الله} [البقرة: 61] . ~~ونظائر ذلك كثيرة. # PageV02P684 # ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضى، والعداوة، والولاية، ~~والحب، والبغض، ونحو ذلك من الصفات، التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع ~~التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى. كما يقولون مثل ذلك ~~في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات، كما أشار إليه الشيخ فيما تقدم ~~بقوله: إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية - ترك ~~التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين. # وانظر إلى جواب الإمام مالك رضي الله عنه في صفة الاستواء كيف قال: ~~الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وروي أيضا عن أم سلمة رضي الله عنها موقوفا ~~عليها، ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # وكذلك قال الشيخ رحمه الله فيما تقدم: من لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم ~~يصب التنزيه. ويأتي في كلامه أن الإسلام بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه ~~والتعطيل. # فقول الشيخ رحمه الله: لا كأحد من الورى، نفي التشبيه. ولا يقال: إن ~~الرضى إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام - فإن هذا نفي للصفة. وقد اتفق ~~أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه، ~~وينهى ms362 عما يسخطه ويكرهه، ويبغضه ويغضب على فاعله، وإن كان قد شاءه وأراده. ~~فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده، ويكره ويسخط ويغضب لما أراده. # PageV02P685 # ويقال لمن تأول الغضب والرضى بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلابد أن ~~يقول: لأن الغضب غليان دم القلب، والرضى الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله ~~تعالى! فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب، لا أنه ~~الغضب. ويقال له أيضا: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا، فهي ميل الحي إلى ~~الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له ~~منفعة أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه، ويزداد ~~بوجوده، وينتقص بعدمه. فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته ~~عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذاك، وإن امتنع هذا امتنع ذاك. # فإن قال: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها ~~العبد، وإن كان كل منهما حقيقة؟ قيل له: فقل: إن الغضب والرضى الذي يوصف ~~الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة. فإذا كان ما ~~يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات، لم يتعين التأويل، بل يجب ~~تركه، لأنك تسلم من التناقض، وتسلم أيضا من تعطيل معنى أسماء الله تعالى ~~وصفاته بلا موجب. فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام، ولا ~~يكون الموجب للصرف ما دله عليه عقله، إذ العقول مختلفة، فكل يقول إن عقله ~~دله على خلاف ما يقوله الآخر! # وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى، لامتناع مسمى ذلك ~~في المخلوق، فإنه لا بد أن يثبت شيئا لله تعالى # PageV02P686 # على خلاف ما يعهده حتى في صفة الوجود، فإن وجود العبد كما يليق به، ووجود ~~الباري تعالى كما يليق به، فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم، ووجود المخلوق ~~لا يستحيل عليه العدم، وما سمى به الرب نفسه وسمى به مخلوقاته، مثل الحي ~~والعليم والقدير، أو سمى به بعض صفاته، ms363 كالغضب والرضى، وسمى به بعض صفات ~~عباده -: فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله تعالى، وأنه حق ~~ثابت موجود، ونعقل أيضا معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل أن بين ~~المعنيين قدرا مشتركا، لكن هذا المعنى لا يوجد في الخارج مشتركا، إذ المعنى ~~المشترك الكلي لا يوجد مشتركا إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا ~~معينا مختصا. فيثبت في كل منهما كما يليق به. بل لو قيل: غضب مالك خازن ~~النار وغضب غيره من الملائكة -: لم يجب أن يكون مماثلا لكيفية غضب ~~الآدميين، لأن الملائكة ليسوا من الأخلاط الأربعة، حتى تغلي دماء قلوبهم ~~كما يغلي دم قلب الإنسان عند غضبه. فغضب الله أولى. # وقد نفى الجهم ومن وافقه كل ما وصف الله به نفسه، من كلامه ورضاه وغضبه ~~وحبه وبغضه وأسفه ونحو ذلك، وقالوا: إنما هي أمور مخلوقة منفصلة عنه، ليس ~~هو في نفسه متصفا بشيء من ذلك! ! # وعارض هؤلاء من الصفاتية ابن كلاب ومن وافقه، فقالوا: لا يوصف الله بشيء ~~يتعلق بمشيئته وقدرته أصلا، بل جميع هذه الأمور صفات لازمة لذاته، قديمة ~~أزلية، فلا يرضى في وقت دون وقت، ولا يغضب في وقت دون وقت. كما قال في حديث ~~الشفاعة: إن # PageV02P687 # ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله «وفي ~~الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم:» ~~إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك ~~والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب؟ وقد ~~أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ~~يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده ~~أبدا. # فيستدل به على أنه يحل رضوانه في وقت دون وقت، وأنه قد يحل رضوانه ثم ~~يسخط، كما يحل السخط ثم يرضى، لكن هؤلاء أحل عليهم رضوانا لا يتعقبه سخط. # وهم ms364 قالوا: لا يتكلم إذا شاء، ولا يضحك إذا شاء، ولا يغضب إذا شاء، ولا ~~يرضى إذا شاء، بل إما أن يجعلوا الرضى والغضب والحب والبغض هو الإرادة، أو ~~يجعلوها صفات أخرى، وعلى التقديرين فلا يتعلق شيء من ذلك لا بمشيئته ولا ~~بقدرته، إذ لو تعلقت بذلك لكان محلا للحوادث! ! فنفى هؤلاء الصفات الفعلية ~~الذاتية بهذا الأصل، كما نفى أولئك الصفات مطلقا بقولهم ليس محلا للأعراض. ~~وقد يقال: بل هي أفعال، ولا تسمى حوادث، كما سميت # PageV02P688 # تلك صفات، ولم تسم أعراضا. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى، ولكن الشيخ ~~رحمه الله لم يجمع الكلام في الصفات في المختصر في مكان واحد، وكذلك الكلام ~~في القدر ونحو ذلك، ولم يعتن فيه بترتيب. # وأحسن ما يرتب عليه كتاب أصول الدين ترتيب جواب النبي صلى الله عليه وسلم ~~لجبريل عليه السلام، حين سأله عن الإيمان، فقال: أن تؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، الحديث - فيبدأ بالكلام على التوحيد ~~والصفات وما يتعلق بذلك، ثم بالكلام على الملائكة، ثم وثم، إلى آخره. ### | [الثناء على الصحابة] ### | [ما ورد من النصوص في الثناء على الصحابة] # وقوله: (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد ~~منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم. ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم. ولا ~~نذكرهم إلا بخير. وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) . # ش: يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الروافض والنواصب. وقد أثنى الله ~~تعالى على الصحابة هو ورسوله، ورضي عنهم، ووعدهم الحسنى. # كما قال تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين ~~فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} [التوبة: 100] . # PageV02P689 # وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا} [الفتح: 29] إلى آخر السورة. # وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} [الفتح: ~~18] . # وقال تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ms365 ~~الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 72] . إلى آخر ~~السورة. # وقال تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون ~~خبير} [الحديد: 10] . # وقال تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون - والذين ~~تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون - والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رءوف رحيم} [الحشر: 8 - 10] # [الحشر: 8 - 10] . # PageV02P690 # وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من ~~بعدهم، يستغفرون لهم، ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم، وتتضمن ~~أن هؤلاء هم المستحقون للفيء. فمن كان في قلبه غل للذين آمنوا ولم يستغفر ~~لهم لا يستحق في الفيء نصيبا، بنص القرآن. وفي الصحيحين «عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف ~~شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أحدا من ~~أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» . ~~انفرد مسلم بذكر سب خالد لعبد الرحمن، دون البخاري. # فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لخالد ونحوه: لا تسبوا أصحابي، يعني عبد ~~الرحمن وأمثاله، لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين ~~أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، فهم أفضل وأخص بصحبته ~~ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين # PageV02P691 # أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة، ~~ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا ~~الطلقاء، منهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية. # والمقصود أنه ms366 نهى من له صحبة آخرا أن يسب من له صحبة أولا، لامتيازهم ~~عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. # فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة فكيف ~~حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة؟ رضي الله عنهم أجمعين. # والسابقون الأولون - من المهاجرين والأنصار - هم الذين أنفقوا من قبل ~~الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف ~~وأربعمائة. # وقيل: إن السابقين الأولين من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف. فإن الصلاة ~~إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة، لأن النسخ ليس من فعلهم، ولم يدل ~~على التفضيل به دليل شرعي، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد ~~والمبايعة التي كانت تحت الشجرة. # وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أصحابي كالنجوم، ~~بأيهم اقتديتم اهتديتم» - فهو حديث ضعيف، قال البزار: هذا حديث # PageV02P692 # لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هو في كتب الحديث ~~المعتمدة. # وفي صحيح مسلم عن جابر، قال: قيل لعائشة رضي الله عنها: إن ناسا يتناولون ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر! فقالت: وما تعجبون ~~من هذا! انقطع عنهم العمل، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر. # وروى ابن بطة بإسناد صحيح، عن ابن عباس، أنه قال: لا تسبوا أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة - يعني مع # PageV02P693 # النبي صلى الله عليه وسلم، خير من عمل أحدكم أربعين سنة. وفي رواية وكيع: ~~خير من عبادة أحدكم عمره. # وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين وغيره، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ، قال ~~عمران: فلا أدري: أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، الحديث. # PageV02P694 # وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا ~~يدخل النار أحد بايع ms367 تحت الشجرة» . # PageV02P695 # وقال تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه ~~في ساعة العسرة} [التوبة: 117] ، الآيات. # ولقد صدق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في وصفهم، حيث قال: إن الله نظر ~~في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه ~~برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، فوجد ~~قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما ~~رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئا فهو عند الله سيء. # وفي رواية: وقد رأى أصحاب محمد جميعا أن يستخلفوا أبا بكر. وتقدم قول ابن ~~مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات. . . إلخ، عند قول الشيخ: ~~ونتبع السنة والجماعة. # فمن أضل ممن يكون في قلبه غل لخيار المؤمنين، وسادات أولياء الله تعالى ~~بعد النبيين؟ بل قد فضلتهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ~~ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب ~~عيسى، وقيل للرافضة: من شر # PageV02P696 # أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد! ! لم يستثنوا منهم إلا القليل، وفيمن ~~سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة. # وقوله: ولا نفرط في حب أحد منهم - أي لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم، كما ~~تفعل الشيعة، فنكون من المعتدين. قال تعالى: {ياأهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم} [النساء: 171] . ### | [لا يجوز التبرؤ من أحد من الصحابة] # وقوله: ولا نتبرأ من أحد منهم - كما فعلت الرافضة! فعندهم لا ولاء إلا ~~ببراء، أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما! ! ~~وأهل السنة يوالونهم كلهم، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها، بالعدل ~~والإنصاف، لا بالهوى والتعصب. فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد، ~~كما قال تعالى: {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} ~~[الجاثية: 17] . وهذا معنى قول من قال من السلف: الشهادة بدعة، والبراءة ~~بدعة. يروى ذلك عن جماعة من السلف، من الصحابة والتابعين، منهم: ms368 أبو سعيد ~~الخدري، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وغيرهم. # ومعنى الشهادة: أن يشهد على معين من المسلمين أنه من أهل النار، أو أنه ~~كافر، بدون العلم بما ختم الله له به. # وقوله: وحبهم دين وإيمان وإحسان - لأنه امتثال لأمر الله فيما تقدم من ~~النصوص. وروى الترمذي عن عبد الله بن مغفل، قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم # PageV02P697 # غرضا [بعدي] ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن ~~آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه. # وتسمية حب الصحابة إيمانا مشكل على الشيخ رحمه الله، لأن الحب عمل القلب، ~~وليس هو التصديق، فيكون العمل داخلا في مسمى الإيمان. وقد تقدم في كلامه: ~~أن الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، ولم يجعل العمل داخلا في ~~مسمى الإيمان، وهذا هو المعروف من مذهب أهل السنة، إلا أن تكون هذه التسمية ~~مجازا. # وقوله: وبغضهم كفر ونفاق وطغيان - تقدم الكلام في تكفير أهل البدع، وهذا ~~الكفر نظير الكفر المذكور في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 44] . وقد تقدم الكلام في ذلك. ### | [ثبوت الخلافة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه بالنص] # قوله: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه، تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة) . # ش: اختلف أهل السنة في خلافة الصديق رضي الله عنه: هل كانت بالنص، أو ~~بالاختيار؟ فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث # PageV02P698 # إلى أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة، ومنهم من قال بالنص الجلي. وذهب ~~جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية إلى أنها ثبتت بالاختيار. # والدليل على إثباتها بالنص أخبار: # من ذلك ما أسنده البخاري عن جبير بن مطعم، قال: «أتت امرأة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ كأنها ~~تريد الموت، قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر. وذكر له سياقا آخر، وأحاديث ms369 ~~أخر. وذلك نص على إمامته.» # وحديث حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا ~~باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر.» رواه أهل السنن. # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، قالت: «دخل علي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي بدئ فيه، فقال: ادعي لي أباك وأخاك، ~~حتى أكتب لأبي بكر كتابا، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر» . # وفي رواية: «فلا يطمع في هذا الأمر طامع» . # PageV02P699 # وفي رواية: قال: «ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر، لأكتب لأبي بكر كتابا ~~لا يختلف عليه، ثم قال. معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر» . # وأحاديث تقديمه في الصلاة مشهورة معروفة، وهو يقول: «مروا أبا بكر فليصل ~~بالناس» . # وقد روجع في ذلك مرة بعد مرة، فصلى بهم مدة مرض النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # PageV02P700 # وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: بينا أنا نائم رأيتني على قليب، عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ~~ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله ~~يغفر له، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس يفري ~~فريه، حتى ضرب الناس بعطن.» # PageV02P701 # وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال على منبره: «لو كنت متخذا من أهل ~~الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت، إلا ~~خوخة أبي بكر» . # وفي سنن أبي داود وغيره، من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة، «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل أنا: رأيت ~~[كأن] ميزانا أنزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بأبي بكر، ثم ~~وزن عمر وأبو بكر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر، ثم رفع ~~[الميزان] ، فرأيت الكراهة في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: خلافة ~~نبوة، ثم يؤتي الله الملك من ms370 يشاء. # » فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة، ثم بعد ~~ذلك ملك. # وليس فيه ذكر علي رضي الله عنه، لأنه لم يجتمع الناس في # PageV02P702 # زمانه، بل كانوا مختلفين، لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك. # وروى أبو داود أيضا عن جابر رضي الله عنه، أنه كان يحدث، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر، قال جابر: فلما ~~قمنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: أما الرجل الصالح فرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأما المنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي ~~بعث الله به نبيه. # وروى أبو داود أيضا عن سمرة بن جندب: أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت ~~كأن دلوا دلي من السماء، فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها، فشرب شربا ضعيفا، ثم ~~جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم # PageV02P703 # جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها، ~~فانتشطت منه، فانتضح عليه منها شيء» . # وعن سعيد بن جمهان، عن سفينة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء أو الملك» . # واحتج من قال لم يستخلف، بالخبر المأثور، عن عبد الله بن عمر، عن عمر رضي ~~الله عنهما، أنه قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، يعني أبا بكر، ~~وإن لا أستخلف، فلم يستخلف من # PageV02P704 # هو خير مني، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وبما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت من كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مستخلفا لو استخلف. # والظاهر - والله أعلم - أن المراد أنه لم يستخلف بعهد مكتوب، ولو كتب ~~عهدا لكتبه لأبي بكر، بل قد أراد كتابته ثم تركه، وقال: يأبى الله ~~والمسلمون إلا أبا بكر. # فكان هذا أبلغ من مجرد العهد، فإن النبي ms371 صلى الله عليه وسلم دل المسلمين ~~على استخلاف أبي بكر، وأرشدهم إليه بأمور متعددة، من أقواله وأفعاله، وأخبر ~~بخلافته إخبار راض بذلك، حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهدا، ثم علم أن ~~المسلمين يجتمعون عليه، فترك الكتاب اكتفاء بذلك، ثم عزم على ذلك في مرضه ~~يوم الخميس، ثم لما حصل لبعضهم شك: هل ذلك القول من جهة المرض؟ أو هو قول ~~يجب # PageV02P705 # اتباعه؟ ترك الكتابة، اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة ~~أبي بكر. # PageV02P706 # فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه بيانا قاطعا للعذر، لكن لما ~~دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر المتعين، وفهموا ذلك - حصل المقصود. ~~ولهذا قال عمر رضي الله عنه، في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين ~~والأنصار: أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ~~ينكر ذلك منهم أحد، ولا قال أحد من الصحابة إن غير أبي بكر من المهاجرين ~~أحق بالخلافة منه، ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار، طمعا في أن ~~يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير، وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم بطلانه. # ثم الأنصار كلهم بايعوا أبا بكر، إلا سعد بن عبادة، لكونه هو الذي كان ~~يطلب الولاية. ولم يقل أحد من الصحابة قط أن النبي صلى الله عليه وسلم نص ~~على غير أبي بكر، لا علي، ولا العباس، ولا غيرهما، كما قد قال أهل البدع! # وروى ابن بطة بإسناده أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي ~~إلى الحسن، فقال: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر؟ فقال: ~~أو في شك صاحبك؟ نعم، والله الذي لا إله إلا هو استخلفه، لهو كان أتقى لله ~~من أن يتوثب عليها. # PageV02P707 # وفي الجملة: فجميع من نقل عنه أنه طلب تولية غير أبي بكر، لم يذكر حجة ~~شرعية، ولا ذكر أن غير أبي بكر أفضل منه، أو أحق بها، وإنما نشأ من حب ~~قبيلته ms372 وقومه فقط، وهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر رضي الله عنه، وحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم له. ففي الصحيحين، «عن عمرو بن العاص: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته، فقلت: أي الناس ~~أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر، ~~وعد رجالا» . # وفيهما أيضا، عن أبي الدرداء، قال: «كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم، إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أما صاحبكم فقد غامر، فسلم، وقال: إنه كان بيني وبين ابن ~~الخطاب شيء فأسرعت إليه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت ~~إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر، ثلاثا، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي ~~بكر، فسأل: أثم هو هوهو؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فسلم عليه، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر، حتى أشفق أبو بكر ~~فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو ~~بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين، فما أوذي ~~بعدها» . # PageV02P708 # ومعنى: غامر: غاضب وخاصم. ويضيق هذا المختصر عن ذكر فضائله. # وفي الصحيحين أيضا، عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مات وأبو بكر بالسنح - فذكرت الحديث - إلى أن قالت: واجتمعت الأنصار ~~إلى سعد بن عبادة، في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير، ومنكم أمير! فذهب ~~إليهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم، ~~فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني هيأت في نفسي ~~كلاما قد أعجلني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر! ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ ~~الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال حباب ابن ms373 المنذر: ~~لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء ~~وأنتم الوزراء. هم أوسط العرب، وأعزهم أحسابا، فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة ~~بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك، فأنت # PageV02P709 # سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ عمر بيده، ~~فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعدا، فقال عمر: قتله الله. # والسنح: العالية، وهي حديقة بالمدينة معروفة بها. ### | [خلافة عمر الفاروق رضي الله عنه] # قوله: (ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه) . # ش: أي ونثبت الخلافة بعد أبي بكر، لعمر رضي الله عنهما. وذلك بتفويض أبي ~~بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه. وفضائله رضي الله عنه أشهر من ~~أن تنكر، وأكثر من أن تذكر. فقد روي عن محمد بن الحنفية أنه قال: قلت لأبي: ~~يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا بني، ~~أوما تعرف؟ فقلت؟ لا، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: ~~ثم عثمان! فقلت: ثم أنت؟ فقال. ما أنا إلا رجل من المسلمين. # وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر» ~~. # PageV02P710 # وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: وضع عمر على سريره، ~~فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه، قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني ~~إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه، فإذا هو علي، فترحم على ~~عمر، وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله، ~~إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت كثيرا ما أسمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر ~~وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو، أو لأظن أن يجعلك الله ~~معهما. # وتقدم حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في رؤيا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ونزعه من القليب، ثم نزع أبي بكر، ms374 ثم استحالت الدلو غربا، فأخذها ابن ~~الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن. # وفي الصحيحين، من حديث سعد بن أبي وقاص: قال: استأذن عمر بن الخطاب على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده نساء من قريش، يكلمنه، عالية أصواتهن ~~- الحديث، وفيه - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إيها يا ابن الخطاب! ~~والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكا # PageV02P711 # فجا إلا سلك فجا غير فجك» . # وفي الصحيحين أيضا، «عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول: قد كان ~~في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم» ~~. # قال ابن وهب: تفسير محدثون: ملهمون. ### | [خلافة عثمان رضي الله عنه] # قوله: (ثم لعثمان رضي الله عنه) . # ش: أي ونثبت الخلافة بعد عمر لعثمان رضي الله عنهما، وقد ساق البخاري ~~رحمه الله قصة قتل عمر رضي الله عنه، وأمر الشورى والمبايعة لعثمان، في ~~صحيحه، فأحببت أن أسردها، كما رواها بسنده: عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت ~~عمر رضي الله عنه قبل أن يصاب # PageV02P712 # بالمدينة بأيام، ووقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف، فقال: كيف ~~فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرا ~~هي له مطيقة، ما فيها كثير فضل، قال: انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا ~~تطيق؟ قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن ~~إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه أربعة حتى أصيب. # قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا ~~مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم [فكبر، وربما قرأ ~~سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما ~~هو إلا أن كبر] ، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار ~~العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينا وشمالا إلا طعنه، حتى طعن ms375 ~~ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين، طرح عليه ~~برنسا، فلما ظن أنه مأخوذ، نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف، ~~فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون ~~غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: # PageV02P713 # سبحان الله، سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا، ~~قال: يا ابن عباس انظر من قتلني؟ فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة، ~~قال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله! لقد أمرت به معروفا! الحمد لله ~~الذي لم يجعل منيتي على يد رجل يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن ~~تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلت؟ أي: ~~إن شئت قتلنا؟ قال: كذبت! بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا ~~حجكم؟ فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل ~~يومئذ، فقائل يقول: لا بأس عليه، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، ~~فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه، فخرج من جوفه، فعرفوا أنه ميت. # PageV02P714 # فدخلنا عليه، وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير ~~المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدم في ~~الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كان كفافا، ~~لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا علي الغلام، قال: ~~يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر، ~~انظر ما علي من الدين؟ فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفا ونحوه، قال: إن وفى ~~له مال آل عمر، فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف ~~أموالهم، فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال، انطلق إلى ~~عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، ~~فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، ms376 وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع ~~صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك ~~عمر [بن الخطاب] السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده ~~لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله قد جاء، ~~قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، قال. ما لديك؟ قال. الذي تحب يا أمير # PageV02P715 # المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا ~~قضيت فاحملوني، ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، ~~وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسرب ~~معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، ~~فولجت داخلا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، ~~استخلف؟ قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط، الذين توفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى عليا، وعثمان، والزبير، ~~وطلحة، وسعدا، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من ~~الأمر شيء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن ~~به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة. # وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف # PageV02P716 # لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، الذين تبوءوا الدار ~~والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم. وأوصيه بأهل ~~الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وجباة الأموال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ ~~منهم إلا فضلهم، عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة ~~الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، وأن يرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله ~~وذمة رسوله، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا [إلا ~~طاقتهم] . # فلما قبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلم عبد الله بن عمر، قال: يستأذن ~~عمر بن الخطاب؟ قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هنالك مع صاحبيه، فلما فرغ من ~~دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد ms377 الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، ~~قال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال [طلحة] : قد جعلت أمري إلى عثمان، ~~وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن [بن عوف] ، فقال عبد الرحمن: أيكما ~~تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه؟ والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في ~~نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي؟ والله علي أن لا آلو ~~عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، [فقال] : # PageV02P717 # لك قرابة [من] رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد ~~علمت، فبالله عليك، لئن أمرتك لتعدلن؟ ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن؟ ثم ~~خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، ~~فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه. # وعن حميد بن عبد الرحمن: أن المسور بن مخرمة [أخبره] : أن الذين ولاهم ~~عمر اجتمعوا فتشاوروا، قال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم عن هذا ~~الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم؟ فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ~~ولوا عبد الرحمن أمرهم، مال الناس إلى # PageV02P718 # عبد الرحمن، حتى ما أرى أحدا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ~~ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت تلك الليلة ~~[التي] أصبحنا فيها فبايعنا عثمان، - قال المسور بن مخرمة -: طرقني عبد ~~الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائما؟ ! ~~فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكبير نوم، انطلق فادع لي الزبير وسعدا، ~~فدعوتهما [له] ، فشاورهما ثم دعاني، فقال: ادع لي عليا، فدعوته، فناجاه حتى ~~ابهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من ~~علي شيئا، ثم قال: ادع لي عثمان، [فدعوته] ، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن ~~بالصبح، فلما صلى الناس الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، وأرسل إلى ~~من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار، و [أرسل] إلى أمراء الأجناد، وكانوا ~~وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن، ثم قال: أما ms378 بعد، ~~يا علي، إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على ~~نفسك سبيلا، فقال # PageV02P719 # لعثمان: أبايعك على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من ~~بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد ~~والمسلمون. # ومن فضائل عثمان رضي الله عنه الخاصة: كونه ختن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ابنتيه. # وفي صحيح مسلم، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مضطجعا في بيته، كاشفا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو ~~على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن ~~عثمان، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما ~~خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهش # PageV02P720 # له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهش ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ~~ثيابك؟ فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة» . # وفي الصحيح: لما كان يوم بيعة الرضوان، «وأن عثمان رضي الله عنه كان قد ~~بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب ~~عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: هذه يد ~~عثمان، فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان» . ### | [خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفضائله] # قوله: (ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه) . ش: أي: ونثبت الخلافة بعد ~~عثمان لعلي رضي الله عنهما. لما قتل عثمان وبايع الناس عليا صار إماما حقا ~~واجب الطاعة، وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة، كما دل عليه حديث سفينة ~~المقدم ذكره، أنه قال: # PageV02P721 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي ~~الله ملكه من يشاء» . # وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ~~ونصفا، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، ~~وخلافة الحسن ابنه ستة أشهر. # وأول ملوك المسلمين معاوية رضي ms379 الله عنه، وهو خير ملوك المسلمين، لكنه ~~إنما صار إماما حقا لما فوض إليه الحسن بن علي رضي الله عنهم الخلافة، فإن ~~الحسن رضي الله عنه بايعه أهل العراق بعد موت أبيه، ثم بعد ستة أشهر فوض ~~الأمر إلى معاوية، فظهر صدق قول النبي صلى الله عليه وسلم: إن ابني هذا ~~سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. والقصة معروفة في ~~موضعها. # فالخلافة ثبتت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد عثمان ~~رضي الله عنه، بمبايعة الصحابة، سوى معاوية مع أهل الشام. # PageV02P722 # والحق مع علي رضي الله عنه، فإن عثمان رضي الله عنه لما قتل كثر الكذب ~~والافتراء على عثمان وعلى من كان بالمدينة من أكابر الصحابة كعلي وطلحة ~~والزبير، وعظمت الشبهة عند من لم يعرف الحال، وقويت الشهوة في نفوس ذوي ~~الأهواء والأغراض، ممن بعدت داره من أهل الشام، ومحبي عثمان تظن بالأكابر ~~ظنون سوء، وبلغ عنهم أخبارا، منها ما هو كذب، ومنها ما هو محرف، ومنها ما ~~لم يعرف وجهه، وانضم إلى ذلك أهواء قوم يحبون العلو في الأرض. وكان في عسكر ~~علي رضي الله عنه - من أولئك الطغاة الخوارج، الذين قتلوا عثمان - من لم ~~يعرف بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومن في ~~قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله، ورأى طلحة والزبير أنه إن لم ينتصر ~~للشهيد المظلوم، ويقمع أهل الفساد والعدوان، وإلا استوجبوا غضب الله ~~وعقابه. فجرت فتنة الجمل على غير اختيار من علي، ولا من طلحة والزبير، ~~وإنما أثارها المفسدون بغير اختيار السابقين، ثم جرت فتنة صفين لرأي، وهو ~~أن أهل الشام لم يعدل عليهم، أو لا يتمكن من العدل عليهم - وهم كافون، حتى ~~يجتمع أمر الأمة، وأنهم يخافون طغيان من في # PageV02P723 # العسكر، كما طغوا على الشهيد المظلوم، وعلي رضي الله عنه هو الخليفة ~~الراشد المهدي الذي تجب طاعته، ويجب أن يكون الناس مجتمعين عليه، اعتقد أن ~~الطاعة والجماعة الواجبتين عليهم تحصل بقتالهم، ms380 بطلب الواجب عليهم، بما ~~اعتقد أنه يحصل به أداء الواجب، ولم يعتقد أن التأليف لهم كتأليف المؤلفة ~~قلوبهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده مما يسوغ، ~~فحمله ما رآه - من أن الدين إقامة الحد عليهم ومنعهم من الإثارة، دون ~~تأليفهم -: على القتال، وقعد عن القتال أكثر الأكابر، لما سمعوه من النصوص ~~في الأمر بالقعود في الفتنة، ولما رأوه من الفتنة التي تربو مفسدتها على ~~مصلحتها. ونقول في الجميع بالحسنى: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} [الحشر: ~~10] . # والفتن التي كانت في أيامه قد صان الله عنها أيدينا، فنسأل الله # PageV02P724 # أن يصون عنها ألسنتنا، بمنه وكرمه. # ومن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما في الصحيحين، ~~عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي. وقال صلى الله ~~عليه وسلم يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ~~ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليا، فأتي به # PageV02P725 # أرمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه» . # «ولما نزلت هذه الآية: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم} [آل عمران: 61] ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ~~وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي» . ### | [الخلفاء الأربعة هم الخلفاء الراشدون] # قوله: (وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون) . # ش: تقدم الحديث الثابت في السنن، وصححه الترمذي، عن العرباض بن سارية، ~~قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، ذرفت # PageV02P726 # منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة ~~مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم ~~بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من ~~بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل ~~بدعة ms381 ضلالة» . # وترتيب الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين في الفضل، كترتيبهم في ~~الخلافة. ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما من المزية: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ولم يأمرنا في الاقتداء في ~~الأفعال إلا بأبي بكر وعمر، فقال: اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر، ~~وفرق بين اتباع سنتهم والاقتداء بهم، فحال أبي بكر وعمر فوق حال عثمان وعلي ~~رضي الله عنهم أجمعين. # وقد روي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان، ~~وعلى هذا عامة أهل السنة. # وقد تقدم قول عبد الرحمن بن عوف لعلي رضي الله عنهما: إني قد نظرت في أمر ~~الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان. # PageV02P727 # وقال أيوب السختياني من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين ~~والأنصار. # وفي الصحيحين «عن ابن عمر، قال: كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حي: أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم بعده - أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان.» ### | [المبشرون بالجنة] ### | [العشرة المبشرون بالجنة] # قوله: (وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم ~~بالجنة، نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله الحق، وهم. أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، ~~وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة، رضي ~~الله عنهم أجمعين) . ش: تقدم ذكر بعض فضائل الخلفاء الأربعة. ومن فضائل ~~الستة الباقين من العشرة رضي الله عنهم أجمعين: ما رواه مسلم: عن عائشة رضي ~~الله عنها: «أرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، [فقال] : ليت رجلا ~~صالحا من أصحابي يحرسني الليلة، قالت: وسمعنا صوت السلاح، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: من هذا؟ فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، # PageV02P728 # جئت أحرسك - وفي لفظ آخر: وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام» . # وفي ms382 الصحيحين: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع لسعد بن أبي وقاص ~~أبويه يوم أحد، فقال: ارم، فداك أبي وأمي» . # وفي صحيح مسلم، «عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد قد شلت» . # وفيه أيضا عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم غير طلحة ~~وسعد. # PageV02P729 # وفي الصحيحين، واللفظ لمسلم، عن جابر بن عبد الله قال: «ندب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير، ثم ندبهم، فانتدب ~~الزبير، ثم ندبهم، فانتدب الزبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكل نبي ~~حواري، وحواري الزبير» # وفيهما أيضا عن الزبير رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ~~من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أبويه، فقال: فداك أبي وأمي» . # وفي صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إن لكل أمة أمينا، وإن أميننا أيتها الأمة: أبو عبيدة بن الجراح» . وفي ~~الصحيحين عن حذيفة بن اليمان، قال. «جاء أهل نجران # PageV02P730 # إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ابعث إلينا [رجلا] ~~أمينا، فقال: لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين، [قال] : فاستشرف لها الناس، ~~قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح» . # وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه، قال: «أشهد على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أني سمعته يقول: عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، ~~وطلحة في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، ~~وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ ~~قال: سعيد بن زيد، وقال. لمشهد رجل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~يغبر منه وجهه، خير من عمل أحدكم، ms383 ولو عمر عمر نوح» . رواه أبو داود، وابن ~~ماجه، والترمذي وصححه. ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف. # PageV02P731 # وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة ~~في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد ~~بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة.» # رواه الإمام أحمد في مسنده. ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة، وقدم فيه عثمان ~~على علي، رضي الله عنهما. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~حراء، هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» . ~~رواه مسلم والترمذي وغيرهما. وروي من طرق. # PageV02P732 ### | [الاتفاق على تعظيم هؤلاء العشرة] # وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم، لما اشتهر من ~~فضائلهم ومناقبهم. ومن أجهل ممن يكره التكلم بلفظ العشرة، أو فعل شيء يكون ~~عشرة! ! لكونهم يبغضون خيار الصحابة، وهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وهم ~~يستثنون منهم عليا رضي الله عنه! فمن العجب: أنهم يوالون لفظ التسعة! وهم ~~يبغضون التسعة من العشرة! ويبغضون سائر المهاجرين والأنصار، من السابقين ~~الأولين، الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وقد ~~رضي الله عنهم. كما قال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة} [الفتح: 18] . # وثبت في صحيح مسلم، عن جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه # PageV02P733 # قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» . # وفي صحيح مسلم أيضا، عن جابر: أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال يا رسول ~~الله: «ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبت، لا ~~يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية.» # والرافضة يتبرءون من جمهور هؤلاء، بل يتبرءون من سائر ms384 أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، إلا من نفر قليل، نحو بضعة عشر رجلا! ! # ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس، لم يجب هجر هذا الاسم ~~لذلك، كما أنه سبحانه لما قال: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ~~ولا يصلحون} [النمل: 48] ، لم يجب هجر اسم التسعة مطلقا. بل اسم العشرة قد ~~مدح الله مسماه في مواضع من القرآن: {تلك عشرة كاملة} [البقرة: 196] . ~~{وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} [الأعراف: 142] . {والفجر وليال ~~عشر} [الفجر: 1] # [الفجر: 1 - 2] . # وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان. # PageV02P734 # وقال في ليلة القدر: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان. وقال: ما من ~~أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من أيام العشر. يعني عشر ذي الحجة» . ### | [الأئمة الاثنا عشر عند الإمامية] # والرافضة توالي بدل العشرة المبشرين بالجنة، الاثني عشر إماما، أولهم علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه، ويدعون أنه وصي النبي صلى الله عليه وسلم، دعوى ~~مجردة عن الدليل، ثم الحسن رضي الله عنه، ثم الحسين رضي الله عنه، ثم علي ~~بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ~~ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضي، ثم محمد بن علي الجواد، # PageV02P735 # ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم محمد بن الحسن، ~~ويغالون في محبتهم، ويتجاوزون الحد! ! ولم يأت ذكر الأئمة الاثني عشر، إلا ~~على صفة ترد قولهم وتبطله، وهو ما خرجاه في الصحيحين، عن جابر بن سمرة، ~~قال: «دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: لا يزال أمر ~~الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بكلمة خفيت عني، فسألت أبي: ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: كلهم ~~من قريش.» # وفي لفظ: «لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة» # وفي لفظ: «لا يزال هذا الأمر عزيزا إلى اثني عشر خليفة» . # وكان ms385 الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. والاثنا عشر: الخلفاء ~~الراشدون الأربعة، ومعاوية، وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان، وأولاده # PageV02P736 # الأربعة، وبينهم عمر بن عبد العزيز، ثم أخذ الأمر في الانحلال. # وعند الرافضة أن أمر الأمة لم يزل في أيام هؤلاء فاسدا منغصا، يتولى ~~عليهم الظالمون المعتدون، بل المنافقون الكافرون، وأهل الحق أذل من اليهود! ~~! وقولهم ظاهر البطلان، بل لم يزل الإسلام عزيزا في ازدياد في أيام هؤلاء ~~الاثني عشر. ### | [أصل الرفض أحدثه منافق زنديق] # قوله: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأزواجه ~~الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق) . # ش: تقدم بعض ما ورد في الكتاب والسنة من فضائل الصحابة رضي الله عنهم. # وفي صحيح مسلم، عن زيد بن أرقم، قال: «قام فينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خطيبا، بماء يدعى: خما، بين مكة والمدينة، فقال: أما بعد، ألا أيها ~~الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي، فأجيب ربي، وأنا تارك فيكم ~~ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، # PageV02P737 # فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل ~~بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، ثلاثا» . # وخرج البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: ارقبوا محمدا في أهل ~~بيته. # وإنما قال الشيخ رحمه الله: فقد برئ من النفاق - لأن أصل الرفض إنما ~~أحدثه منافق زنديق، قصده إبطال دين الإسلام، والقدح في الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، كما ذكر ذلك العلماء. فإن عبد الله بن سبأ لما أظهر # PageV02P738 # الإسلام، أراد أن يفسد دين الإسلام بمكره وخبثه، كما فعل بولص بدين ~~النصرانية، فأظهر التنسك، ثم أظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى ~~سعى في فتنة عثمان وقتله، ثم لما قدم علي الكوفة أظهر الغلو في علي والنصر ~~له، ليتمكن بذلك من أغراضه، وبلغ ذلك عليا، فطلب قتله، فهرب منه إلى ~~قرقيسيا. وخبره معروف في التاريخ. وتقدم أنه من فضله على ms386 أبي بكر وعمر جلده ~~جلد المفتري. # وبقيت في نفوس المبطلين خمائر بدعة الخوارج، من الحرورية والشيعة، ولهذا ~~كان الرفض باب الزندقة، كما حكاه القاضي أبو بكر بن # PageV02P739 # الطيب عن الباطنية وكيفية إفسادهم لدين الإسلام، قال: فقالوا للداعي: يجب ~~عليك إذا وجدت من تدعوه مسلما أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل ~~المدخل من جهة ظلم السلف لعلي وقتلهم الحسين، والتبري من تيم وعدي، وبني ~~أمية وبني العباس، وأن عليا يعلم الغيب! يفوض إليه خلق العالم! ! وما أشبه ~~ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم، إلى أن قال فإذا أنست من بعض الشيعة عند ~~الدعوة إجابة ورشدا، أوقفته على مثالب علي وولده، رضي الله عنهم. انتهى. # ولا شك أنه يتطرق من سب الصحابة إلى سب أهل البيت، ثم إلى سب الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، إذ أهل بيته وأصحابه مثل هؤلاء الفاعلين الصانعين. ### | [وجوب موالاة المؤمنين وبخاصة أهل العلم] # قوله: (وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين - أهل الخير ~~والأثر، وأهل الفقه والنظر - لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو ~~على غير السبيل) . # ش: قال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] . فيجب على ~~كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة # PageV02P740 # المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصا الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم ~~الله بمنزلة النجوم، يهدى بهم في ظلمات البر والبحر. وقد أجمع المسلمون على ~~هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم علماؤها ~~شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول من أمته، ~~والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه ~~نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقا يقينا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه -: فلابد له في ~~تركه من عذر. # وجماع الأعذار ثلاثة أصناف: # أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه ms387 وسلم قاله. # والثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول. # والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. # فلهم الفضل علينا والمنة بالسبق، وتبليغ ما أرسل به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم. " ~~{ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ~~للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} [الحشر: 10] . ### | [لا يفضل الأولياء على الأنبياء] ### | [لا يفضل أحد من الأولياء على أحد من الأنبياء] # قوله: (ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام، ~~ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء) . # PageV02P741 # ش: يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة، وإلا ~~فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع. فقد أوجب الله على ~~الخلق كلهم متابعة الرسل، قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك} [النساء: 64] إلى أن قال: {ويسلموا ~~تسليما} [النساء: 65] . وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل عمران: 31] . # قال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا، نطق ~~بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه، نطق بالبدعة. # وقال بعضهم: ما ترك بعضهم شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه. # والأمر كما قال، فإنه إذا لم يكن متبعا للأمر الذي جاء به الرسول، كان ~~يعمل بإرادة نفسه، فيكون متبعا لهواه، بغير هدى من الله، وهذا غش النفس، ~~وهو من الكبر، فإنه شبيه بقول الذين قالوا: {لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي ~~رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] . # PageV02P742 # وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة، وتصفية نفسه، ~~إلى ما وصلت إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم! # ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء! ! # ومنهم من يقول إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم ~~الأولياء! ! ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء! ! ويكون ذلك العلم هو حقيقة ~~قول فرعون، ms388 وهو أن هذا الوجود المشهود واجب بنفسه، ليس له صانع مباين له، ~~لكن هذا يقول: هو الله! وفرعون أظهر الإنكار بالكلية، لكن كان فرعون في ~~الباطن أعرف بالله منهم، فإنه كان مثبتا للصانع، وهؤلاء ظنوا أن الوجود ~~المخلوق هو الوجود الخالق، كابن عربي وأمثاله! ! وهو لما رأى أن الشرع ~~الظاهر لا سبيل إلى تغييره - قال: النبوة ختمت، لكن الولاية لم تختم! وادعى ~~من الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون للأنبياء والمرسلين، وأن ~~الأنبياء مستفيدون منها! كما قال: # مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي! # PageV02P743 # وهذا قلب للشريعة، فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: ~~{ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون} ~~[يونس: 62] # [يونس: 62 - 63] . والنبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة، كما ~~تقدم التنبيه على ذلك. # وقال ابن عربي أيضا في فصوصه: ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة ~~بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة، فكان هو صلى الله عليه وسلم ~~موضع اللبنة، وأما خاتم الأولياء فلابد له من هذه الرؤية، فيرى ما مثله ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ويرى نفسه في الحائط في موضع لبنتين! ! ويرى ~~نفسه تنطبع في موضع [تينك] اللبنتين، فيكمل الحائط! ! والسبب الموجب لكونه ~~يراها لبنتين: أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضة هي ظاهره ~~وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو أخذ عن الله في الشرع ما هو في الصورة ~~الظاهرة متبع فيه، لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلابد أن يراه هكذا، وهو ~~موضع اللبنة الذهبية في الباطن! فإنه يأخذ من المعدن # PageV02P744 # الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى إليه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: ~~فإن فهمت ما أشرنا إليه فقد حصل لك العلم النافع! ! ### | [كفر ابن عربي وأمثاله] # فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب، وللرسل المثل بلبنة فضة، فيجعل ~~نفسه أعلى وأفضل من الرسل؟ ! تلك أمانيهم: {إن في صدورهم إلا ms389 كبر ما هم ~~ببالغيه} [غافر: 56] . وكيف يخفى كفر من هذا كلامه؟ وله من الكلام أمثال ~~هذا، وفيه ما يخفى منه الكفر، ومنه ما يظهر، فلهذا يحتاج إلى ناقد جيد، ~~ليظهر زيفه، فإن من الزغل ما يظهر لكل ناقد، ومنه ما لا يظهر إلا للناقد ~~الحاذق البصير. وكفر ابن عربي وأمثاله فوق كفر القائلين: {لن نؤمن حتى نؤتى ~~مثل ما أوتي رسل الله} [الأنعام: 124] . ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون ~~زنادقة، اتحادية في الدرك الأسفل من النار، والمنافقون يعاملون معاملة ~~المسلمين، لإظهارهم الإسلام، كما كان يظهره المنافقون في حياة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويبطنون الكفر، وهو يعاملهم معاملة المسلمين لما يظهر منهم. ~~فلو أنه ظهر من أحد منهم ما يبطنه من الكفر، لأجرى عليه حكم المرتد. ولكن ~~في قبول توبته خلاف، والصحيح عدم قبولها، وهي رواية معلى عن أبي حنيفة رضي ~~الله عنه. والله المستعان. ### | [كرامات الأولياء] ### | [ثبوت كرامات الأولياء] # قوله: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم) . # PageV02P745 # ش: المعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة، وفي عرف أئمة أهل العلم ~~المتقدمين [كالإمام أحمد بن حنبل وغيره ويسمونها الآيات] . ولكن كثير من ~~المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما، فيجعلون المعجزة للنبي، والكرامة للولي. ~~وجماعهما: الأمر الخارق للعادة. # فصفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى. وهذه الثلاثة لا ~~تصلح على الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علما، وهو على كل ~~شيء قدير، وهو غني عن العالمين. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [الأنعام: 50] . # وكذلك قال نوح عليه السلام، فهذا أول أولي العزم، وأول رسول بعثه الله ~~إلى أهل الأرض، وهذا خاتم الرسل، وخاتم أولي العزم، وكلاهما تبرأ من ذلك، ~~وهذا لأنهم يطالبونهم: # تارة بعلم الغيب، كقوله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} ~~[النازعات: 42] # وتارة بالتأثير، كقوله تعالى: ms390 " {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90] الآيات [الإسراء: 90] . # وتارة يعيبون عليهم الحاجة البشرية، كقوله تعالى: " {وقالوا مال هذا ~~الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} [الفرقان: 7] الآية [الفرقان: 7] . # PageV02P746 # فأمر الرسول أن يخبرهم بأنه لا يملك ذلك، وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ~~ما يعطيه الله، فيعلم ما علمه الله إياه، ويستغني عما أغناه عنه، ويقدر على ~~ما أقدره عليه من الأمور المخالفة للعادة المطردة، أو لعادة أغلب الناس. ~~فجميع المعجزات والكرامات ما تخرج عن هذه الأنواع. # ثم الخارق: إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين، كان من الأعمال الصالحة ~~المأمور بها دينا وشرعا، إما واجب أو مستحب، وإن حصل به أمر مباح، كان من ~~نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرا، وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه ~~نهي تحريم أو نهي تنزيه، كان سببا للعذاب أو البغض، كالذي أوتي الآيات ~~فانسلخ منها: بلعام بن باعورا، لاجتهاد أو تقليد، أو نقص عقل أو علم، أو ~~غلبة حال، أو عجز أو ضرورة. ### | [المحمود من الخوارق والمذموم والمباح] # فالخارق ثلاثة أنواع: محمود في الدين، ومذموم، ومباح. فإن كان المباح فيه ~~منفعة كان نعمة، وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها. قال أبو علي ~~الجوزجاني: كن طالبا للاستقامة، لا طالبا للكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب ~~الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة. # قال الشيخ السهروردي في عوارفه: وهذا أصل كبير في # PageV02P747 # الباب، فإن كثيرا من المجتهدين المتعبدين سمعوا بالسلف الصالحين ~~المتقدمين، وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات، فنفوسهم لا تزال ~~تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئا منه، ولعل أحدهم يبقى منكسر ~~القلب، متهما لنفسه في صحة عمله، حيث لم يحصل له خارق، ولو علموا بسر ذلك ~~لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك ~~بابا، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة - ~~يقينا، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، والخروج عن دواعي الهوى. فسبيل ~~الصادق ms391 مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة. # ولا ريب أن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان، لكن إن كانت صالحة كان ~~تأثيرها صالحا، وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا. فالأحوال يكون تأثيرها ~~محبوبا لله تعالى تارة، ومكروها لله أخرى. # وقد تكلم الفقهاء في وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن. وهؤلاء ~~يشهدون ببواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني، ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم أنه ~~كرامة من الله له، ولا يعلمون أنه في الحقيقة إنما الكرامة لزوم الاستقامة، ~~وأن الله تعالى لم يكرم عبدا بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو ~~طاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه. وهؤلاء هم أولياء ~~الله الذين قال الله فيهم: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} [يونس: 62] . # PageV02P748 # وأما ما يبتلي الله به عبده، من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء - ~~فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه، بل قد سعد بها قوم إذا ~~أطاعوه، وشقي بها قوم إذا عصوه، كما قال تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن - وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه فيقول ربي أهانن - كلا} [الفجر: 15 - 17] # [الفجر: 15 - 17] . # ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام: قسم ترتفع درجتهم بخرق ~~العادة، وقسم يتعرضون بها لعذاب الله، وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات، ~~كما تقدم. ### | [كلمات الله نوعان كونية ودينية] # وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله. وكلمات الله نوعان: ~~كونية، ودينية. # فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ~~«أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر» . قال تعالى: # PageV02P749 # {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] . وقال تعالى: ~~{وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته} [الأنعام: 115] . والكون كله ~~داخل تحت هذه الكلمات، وسائر الخوارق. # والنوع الثاني: الكلمات الدينية، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به ~~رسوله، وهي أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها، والعمل، ms392 والأمر ~~بما أمر الله به، كما أن حظ العباد عموما وخصوصا العلم بالكونيات والتأثير ~~فيها، أي بموجبها. فالأولى تدبيرية كونية، والثانية شرعية دينية. فكشف ~~الأولى العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية. # وقدرة الأولى التأثير في الكونيات، إما في نفسه كمشيه على الماء، وطيرانه ~~في الهواء، وجلوسه في النار، وإما في غيره، بإصحاح وإهلاك، وإغناء وإفقار. # وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات، إما في نفسه بطاعة الله ورسوله ~~والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطنا وظاهرا، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة ~~الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية. # فإذا تقرر ذلك، فاعلم أن عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه، ~~فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيء من الكونيات -: لا ينقص ~~ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون # PageV02P750 # عدم ذلك أنفع له، فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا ~~والآخرة، فإن الخارق قد يكون مع الدين، وقد يكون مع عدمه، أو فساده، أو ~~نقصه. ### | [الخوارق النافعة تابعة للدين خادمة له] # فالخوارق النافعة تابعة للدين، خادمة له، كما أن الرياسة النافعة هي ~~التابعة للدين، وكذلك المال النافع، كما كان السلطان والمال النافع بيد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. فمن جعلها هي المقصودة، وجعل ~~الدين تابعا لها، ووسيلة إليها، لا لأجل الدين في الأصل -: فهو شبيه بمن ~~يأكل الدنيا بالدين، وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب، أو رجاء الجنة، ~~فإن ذلك ما هو مأمور به، وهو على سبيل نجاة، وشريعة صحيحة. # والعجب أن كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أن يكون خوفا من النار أو ~~طلبا للجنة - يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا! ! ثم إن الدين إذا ~~صح علما وعملا فلابد أن يوجب خرق العادة، إذا احتاج إلى ذلك صاحبه. قال ~~تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا - ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الأنفال: ~~29] . وقال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ms393 لهم وأشد تثبيتا ~~- وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما} [النساء: 66 ~~- 67] # [النساء: 66 - 68] . وقال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون - الذين آمنوا وكانوا يتقون - لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة} [يونس: 62 - 64] # [يونس: 62 - 64] . # PageV02P751 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور ~~الله ثم قرأ قوله {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} [الحجر: 75] » [الحجر: 75] . ~~رواه الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري. # وقال تعالى، فيما يرويه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عادى لي ~~وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ~~ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ~~ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ~~ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولابد له منه» . # فظهر أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس. وبالله التوفيق. # وقول المعتزلة في إنكار الكرامة: ظاهر البطلان، فإنه بمنزلة إنكار # PageV02P752 # المحسوسات. وقولهم: لو صحت لاشتبهت بالمعجزة، فيؤدي إلى التباس النبي ~~بالولي، وذلك لا يجوز! وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق ~~ويدعي النبوة، وهذا لا يقع، ولو ادعى النبوة لم يكن وليا، بل كان متنبئا ~~كذابا، وقد تقدم الكلام في الفرق بين النبي والمتنبئ، عند قول الشيخ: وأن ~~محمدا عبده المجتبى ونبيه المصطفى. ### | [أنواع الفراسة] # ومما ينبغي التنبيه عليه هاهنا: أن الفراسة ثلاثة أنواع: # إيمانية، وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده، وحقيقتها أنها خاطر يهجم، ~~على القلب، يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة، ومنها اشتقاقها، وهذه ~~الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانا فهو أحد فراسة. قال أبو ~~سليمان الداراني رحمه الله: الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب، وهي من ~~مقامات الإيمان. انتهى. # وفراسة رياضية، وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي، فإن ms394 النفس إذا ~~تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة ~~مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان، ولا على ولاية، ولا تكشف عن ~~حق نافع، ولا عن طريق مستقيم، بل # PageV02P753 # كشفها من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبارة الرؤا والأطباء ونحوهم. # وفراسة خلقية، وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، واستدلوا بالخلق على ~~الخلق، لما بينهما من الارتباط، الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر ~~الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبره على كبره، وسعة الصدر على ~~سعة الخلق، وبضيقه على ضيقه، وبجمود العينين وكلال نظرهما على بلادة ~~صاحبهما وضعف حرارة قلبه، ونحو ذلك. ### | [الإيمان بأشراط الساعة] # قوله: (ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليه ~~السلام من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من ~~موضعها) . # ش: «عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك، وهو في قبة [من] أدم، فقال: اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح ~~بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص # PageV02P754 # الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة ~~لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، ~~فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا» . وروي ~~راية، بالراء والغين، وهما بمعنى. رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه ~~والطبراني. # وعن حذيفة بن أسيد، قال: «اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن ~~نتذاكر الساعة، فقال: ما تذكرون؟ قالوا: نذكر الساعة، فقال: إنها لن تقوم # PageV02P755 # حتى ترى عشر آيات: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ~~ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف ~~بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى ~~محشرهم» . رواه مسلم. # وفي الصحيحين، واللفظ للبخاري، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: «ذكر ~~الدجال عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله لا يخفى ms395 عليكم، وإن ~~الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه، وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، ~~كأن عينه عنبة طافية» . # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ما من نبي إلا وأنذر قومه الأعور الدجال، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس ~~بأعور، ومكتوب بين عينيه ك ف ر» ، فسره في رواية: أي كافر. # وروى البخاري وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم # PageV02P756 # حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى ~~لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها» . # ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به ~~قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} [النساء: 159] . # وأحاديث الدجال، وعيسى ابن مريم عليه السلام، ينزل من السماء ويقتله، ~~ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال، فيهلكهم الله أجمعين في ليلة ~~واحدة ببركة دعائه عليهم: يضيق هذا المختصر عن بسطها. # وأما خروج الدابة وطلوع الشمس من المغرب - فقال تعالى: {وإذا وقع القول ~~عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} ~~[النمل: 82] . # وقال تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض ~~آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ~~أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون} [الأنعام: 158] . # PageV02P757 # وروى البخاري عند تفسير الآية، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها ~~الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» . # وروى مسلم، عن عبد الله بن عمرو، قال: «حفظت من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ms396 ~~الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما ~~كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا» . # أي أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال ونزول عيسى عليه السلام ~~من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك أمور مألوفة، لأنهم ~~بشر، مشاهدة مثلهم مألوفة، وأما خروج الدابة بشكل غريب غير مألوف، ثم ~~مخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر فأمر خارج عن مجاري ~~العادات. وذلك أول الآيات الأرضية، كما أن طلوع الشمس من مغربها، على خلاف ~~عادتها المألوفة - أول الآيات السماوية. # PageV02P758 # وقد أفرد الناس أحاديث أشراط الساعة [في] مصنفات مشهورة، يضيق على بسطها ~~هذا المختصر. ### | [الكاهن والعراف] ### | [كذب الكاهن والعراف] # قوله: (ولا نصدق كاهنا ولا عرافا، ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة) # ش: روى مسلم والإمام أحمد عن صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من أتى عرافا فسأله عن ~~شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» . # وروى الإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «من أتى عرافا أو كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد» ~~. # والمنجم يدخل في اسم العراف عند بعض العلماء، وعند بعضهم هو في معناه. ~~فإذا كانت هذه حال السائل، فكيف بالمسئول؟ # وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد، عن عائشة، قالت: «سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الكهان؟ فقال: ليسوا بشيء، فقالوا: يا رسول الله، إنهم ~~يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا؟ فقال رسول # PageV02P759 # الله صلى الله عليه وسلم: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في ~~أذن وليه، فيخلطون معها [أكثر من] مائة كذبة» . # وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي ~~خبيث، وحلوان الكاهن خبيث» . # وحلوانه: الذي تسميه العامة حلاوته. # ويدخل في هذا المعنى ما يعطاه المنجم وصاحب الأزلام التي يستقسم بها، مثل ~~الخشبة المكتوب عليها " اب ms397 ج د " والضارب بالحصى، والذي يخط في الرمل. وما ~~تعاطاه هؤلاء حرام. وقد حكى # PageV02P760 # الإجماع على تحريمه غير واحد من العلماء، كالبغوي والقاضي عياض وغيرهما. # وفي الصحيحين عن زيد بن خالد، قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالحديبية، على إثر سماء كانت من الليل، فقال: أتدرون ماذا قال ربكم ~~الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما ~~من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: ~~مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب» . # وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد، عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في ~~الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» . # والنصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر الأئمة، بالنهي عن # PageV02P761 # ذلك، أكثر من أن يتسع هذا الموضع لذكرها. # وصناعة التنجيم، التي مضمونها الإحكام والتأثير، وهو الاستدلال على ~~الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية أو التمزيج بين القرى الفلكية والغوائل ~~الأرضية -: صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع ~~المرسلين، قال تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه: 69] . وقال تعالى: ~~{ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} [النساء: ~~51] . # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره: الجبت السحر. # وفي صحيح البخاري، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكر غلام يأكل ~~من خراجه، فجاء يوما بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري مم هذا؟ ~~قال: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة، إلا ~~أني خدعته، فلقيني، فأعطاني # PageV02P762 # بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه. # والواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى في إزالة هؤلاء المنجمين والكهان ~~والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى والقرع والفالات، ومنعهم من الجلوس ~~في الحوانيت والطرقات، أو يدخلوا على الناس في منازلهم لذلك. ويكفي من يعلم ms398 ~~تحريم ذلك ولا يسعى في إزالته، مع قدرته على ذلك - قوله تعالى: {كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة: 79] . وهؤلاء ~~الملاعين يقولون الإثم ويأكلون السحت، بإجماع المسلمين. وثبت في السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم برواية الصديق رضي الله عنه، أنه قال: «إن الناس ~~إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» . # وهؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة، أنواع: # نوع منهم: أهل تلبيس وكذب وخداع، الذين يظهر أحدهم طاعة # PageV02P763 # الجن له، أو يدعي الحال من أهل المحال، من المشايخ النصابين، والفقراء ~~الكذابين، والطرقية المكارين، فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم ~~وأمثالهم عن الكذب والتلبيس. وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل، كمن يدعي ~~النبوة بمثل هذه الخزعبلات، أو يطلب تغيير شيء من الشريعة، ونحو ذلك. # ونوع يتكلم في هذه الأمور على سبيل الجد والحقيقة، بأنواع السحر. وجمهور ~~العلماء يوجبون قتل الساحر، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص ~~عنه، وهذا هو المأثور عن الصحابة، كعمر وابنه وعثمان وغيرهم. ثم اختلف ~~هؤلاء: هل يستتاب أم لا؟ وهل يكفر بالسحر؟ أم يقتل لسعيه في الأرض بالفساد؟ ~~وقال طائفة: إن قتل بالسحر قتل، وإلا عوقب بدون القتل، إذا لم يكن في قوله ~~وعمله كفر، وهذا هو المنقول عن الشافعي، وهو قول في مذهب أحمد رحمهما الله. ### | [التنازع في حقيقة السحر وأنواعه] # وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه: والأكثرون يقولون: إنه قد ~~يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه، وزعم بعضهم أنه مجرد ~~تخييل. # واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة، أو غيرها، أو ~~خطابها، أو السجود لها، والتقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم ~~والبخور ونحو ذلك - فإنه كفر، وهو من أعظم أبواب # PageV02P764 # الشرك، فيجب غلقه، بل سده. وهو من جنس فعل قوم إبراهيم عليه السلام، ~~ولهذا قال ما حكى الله عنه بقوله: {فنظر نظرة في النجوم - فقال إني سقيم} ~~[الأنعام: ms399 76] الآيات، إلى قوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82] . # واتفقوا كلهم أيضا على أن كل رقية وتعزيم أو قسم، فيه شرك بالله، فإنه لا ~~يجوز التكلم به، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر لا ~~يجوز التكلم به، وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به، لإمكان أن ~~يكون فيه شرك لا يعرف. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا بأس بالرقى ~~ما لم تكن شركا» . # ولا يجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، فقال تعالى: ~~{وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} [الجن: 6] . ~~قالوا: كان الإنسي إذا نزل بالوادي يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، ~~فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح، {فزادوهم رهقا} [الجن: 6] يعني الإنس للجن، ~~باستعاذتهم بهم، رهقا، أي إثما وطغيانا وجراءة وشرا، وذلك أنهم قالوا: قد ~~سدنا الجن، والإنس! فالجن تعاظم في أنفسها وتزداد كفرا إذا عاملتها الإنس ~~بهذه # PageV02P765 # المعاملة. وقد قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون - قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن أكثرهم بهم مؤمنون} [الأنعام: 128] . فاستمتاع الإنسي بالجني: في قضاء ~~حوائجه، وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات، ونحو ذلك، واستمتاع ~~الجن بالإنس: تعظيمه إياه، واستعانته به، واستغاثته وخضوعه له. # ونوع منهم [يتكلم] بالأحوال الشيطانية، والكشوف ومخاطبة رجال الغيب، وأن ~~لهم خوارق تقتضي أنهم أولياء الله! وكان من هؤلاء من يعين المشركين على ~~المسلمين! ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين، لكون ~~المسلمين قد عصوا! ! وهؤلاء في الحقيقة إخوان المشركين. # والناس من أهل العلم فيهم [على] ثلاثة أحزاب: # حزب يكذبون بوجود رجال الغيب، ولكن قد عاينهم الناس، وثبت عمن عاينهم أو ~~حدثه الثقات بما رأوه، وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم خضعوا لهم. # PageV02P766 # وحزب عرفوهم، ورجعوا إلى القدر، واعتقدوا أن ثم في الباطن طريقا إلى الله ~~غير طريقة الأنبياء! # وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا وليا ms400 خارجا عن دائرة الرسول، فقالوا: يكون ~~الرسول هو ممدا للطائفتين. فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه. # والحق: أن هؤلاء من أتباع الشياطين، وأن رجال الغيب هم الجن، ويسمون ~~رجالا، كما قال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا} [الجن: 6] . وإلا فالإنس يؤنسون، أي يشهدون ويرون، وإنما ~~يحتجب الإنسي أحيانا، لا يكون دائما محتجبا عن أبصار الإنس، ومن ظن أنهم من ~~الإنس فمن غلطه وجهله. وسبب الضلال فيهم، وافتراق هذه الأحزاب الثلاثة - ~~عدم الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن. # ويقول بعض الناس: الفقراء يسلم إليهم حالهم! وهذا كلام باطل، بل الواجب ~~عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية، فما وافقها قبل! وما خالفها ~~رد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ~~رد» . # PageV02P767 # وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . # فلا طريقة إلا طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا حقيقة إلا حقيقته، ~~ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحد من الخلق بعده ~~إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته إلا بمتابعته باطنا وظاهرا. # ومن لم يكن له مصدقا فيما أخبر، ملتزما لطاعته فيما أمر، في الأمور ~~الباطنة التي في القلوب، والأعمال الظاهرة التي على الأبدان -: لم يكن ~~مؤمنا، فضلا عن أن يكون وليا لله تعالى، ولو طار في الهواء، ومشى على ~~الماء، وأنفق من الغيب، وأخرج الذهب من الجيب، ولو حصل له من الخوارق ماذا ~~عسى أن يحصل! ! فإنه لا يكون، مع تركه الفعل المأمور وعزل المحظور - إلا من ~~أهل الأحوال الشيطانية، المبعدة لصاحبها عن الله تعالى، المقربة إلى سخطه ~~وعذابه. لكن من ليس يكلف من الأطفال والمجانين، قد رفع عنهم القلم، فلا ~~يعاقبون، وليس لهم من الإيمان بالله والإقرار باطنا وظاهرا ما يكونون به من ~~أولياء الله المقربين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين. لكن يدخلون في ~~الإسلام تبعا لآبائهم، كما قال تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم ms401 من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب ~~رهين} [الطور: 21] . # PageV02P768 ### | [اعتقاد الولاية في بعض البله بدعة وضلال] # فمن اعتقد في بعض البله أو المولعين، مع تركه لمتابعة الرسول في أقواله ~~وأفعاله وأحواله - أنه من أولياء الله، ويفضله على متبعي طريقة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، فهو ضال مبتدع، مخطئ في اعتقاده. فإن ذاك الأبله، إما أن ~~يكون شيطانا زنديقا، أو زوكاريا متحيلا، أو مجنونا معذورا! فكيف يفضل على ~~من هو من أولياء الله، المتبعين لرسوله؟ ! أو يساوى به؟ ! ولا يقال: يمكن ~~أن يكون هذا متبعا في الباطن وإن كان تاركا للاتباع في الظاهر؟ فإن هذا خطأ ~~أيضا، بل الواجب متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا. قال يونس ~~بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: إن صاحبنا الليث كان يقول: إذا رأيتم ~~الرجل يمشي على الماء فلا تعتبروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة؟ ~~فقال الشافعي: قصر الليث رحمه الله، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ~~ويطير في الهواء، فلا تعتبروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. # وأما ما يقوله بعض الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ~~«اطلعت # PageV02P769 # على الجنة فرأيت أكثر أهلها البله» " فهذا لا يصح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولا ينبغي نسبته إليه، فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب، ~~الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر. وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصافهم في كتابه، فلم يذكر في ~~أوصافهم البله، الذي هو ضعف العقل، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء» . ولم يقل البله! # PageV02P770 # والطائفة الملامية، وهم الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويقولون نحن متبعون ~~في الباطن، ويقصدون إخفاء المرائين! ردوا باطلهم بباطل آخر! ! والصراط ~~المستقيم بين ذلك. ### | [تبديع من يصعق عند سماع الأنغام الحسنة] # وكذلك الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة، مبتدعون ضالون! وليس ~~للإنسان أن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله! ولم يكن في الصحابة ms402 والتابعين من ~~يفعل ذلك، ولو عند سماع القرآن، بل كانوا كما وصفهم الله تعالى: " {إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} ~~[الأنفال: 2] . وكما قال تعالى: " {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ~~مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد} [الزمر: ~~23] . # وأما الذين ذكرهم العلماء بخير من عقلاء المجانين، فأولئك كان فيهم خير، ~~ثم زالت عقولهم. ومن علامة هؤلاء، أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصحو، ~~تكلموا بما كان في قلوبهم من الإيمان. ويهذون بذلك في حال زوال عقلهم. ومن ~~كان قبل جنونه كافرا أو فاسقا، لم يكن حدوث جنونه مزيلا # PageV02P771 # لما ثبت من كفره أو فسقه. وكذلك من جن من المؤمنين المتقين، يكون محشورا ~~مع المؤمنين المتقين. وزوال العقل بجنون أو غيره، سواء سمي صاحبه مولعا أو ~~متولها لا يوجب مزيد حال صاحبه من الإيمان والتقوى يبقى على ما كان عليه من ~~خير وشر، لا أنه يزيده أو ينقصه، ولكن جنونه يحرمه الزيادة من الخير، كما ~~أنه يمنع عقوبته على الشر، ولا يمحو عنه ما كان عليه قبله. # وما يحصل لبعضهم عند سماع الأنغام المطربة، من الهذيان، والتكلم لبعض ~~اللغات المخالفة للسانه المعروف منه! ! فذلك شيطان يتكلم على لسانه، كما ~~يتكلم على لسان المصروع، وذلك كله من الأحوال الشيطانية! وكيف يكون زوال ~~العقل سببا أو شرطا أو تقربا إلى ولاية الله، كما يظنه كثير من أهل الضلال؟ ~~! حتى قال قائلهم: # هم معشر حلوا النظام وخرقوا ال ... سياج فلا فرض لديهم ولا نفل # مجانين، إلا أن سر جنونهم ... عزيز على أبوابه يسجد العقل # وهذا كلام ضال، بل كافر، يظن أن للجنون سرا يسجد العقل على بابه! ! لما ~~رآه من بعض المجانين من نوع مكاشفة، أو تصرف عجيب خارق للعادة، ويكون ذلك ~~بسبب ما اقترن به من الشياطين، كما يكون للسحرة والكهان! فيظن هذا ms403 الضال أن ~~كل من # PageV02P772 # كاشف أو خرق عادة كان وليا لله! ! ومن اعتقد هذا فهو كافر، فقد قال ~~تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين - تنزل على كل أفاك أثيم} ~~[الشعراء: 221 - 222] # [الشعراء: 221 - 222] . فكل من تنزل عليه الشياطين لا بد أن يكون عنده ~~كذب وفجور. # وأما الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات، ويتركون الجمع والجماعات، فهم ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، قد طبع ~~الله على قلوبهم. كما قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «من ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر، طبع الله على قلبه» . وكل من عدل ~~عن اتباع سنة الرسول، إن # PageV02P773 # كان عالما بها فهو مغضوب عليه، وإلا فهو ضال. ولهذا شرع الله لنا أن ~~نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين. # وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر عليهما السلام، في تجويز الاستغناء عن ~~الوحي بالعلم اللدني، الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق -: فهو ملحد زنديق. ~~فإن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورا ~~بمتابعته. ولهذا قال له: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين، ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من ~~أتباعه، وإذا نزل عيسى عليه السلام إلى الأرض، إنما يحكم بشريعة محمد، فمن ~~ادعى أنه مع محمد صلى الله عليه وسلم كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من ~~الأمة -: فليجدد إسلامه، وليشهد شهادة الحق، فإنه مفارق لدين الإسلام ~~بالكلية، فضلا عن أن يكون من أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان. ~~وهذا الموضع مفرق بين زنادقة القوم وأهل الاستقامة، فحرك تر. # وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث كانوا! ! فهلا خرجت الكعبة ~~إلى الحديبية فطافت برسول الله صلى الله عليه وسلم حين أحصر عنها، وهو يود ~~منها نظرة؟ ! وهؤلاء لهم ms404 شبه بالذين وصفهم الله تعالى حيث # PageV02P774 # يقول: {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة} [المدثر: 52] إلى آخر ~~السورة. ### | [الجماعة حق] ### | [الجماعة حق والفرقة زيغ] # [قوله] : (ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا) . # ش: قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: ~~103] . وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران: 105] . وقال تعالى: {إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم ~~بما كانوا يفعلون} [الأنعام: 159] . وقال تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا ~~من رحم ربك} [هود: 118] # [هود: 118 - 119] . فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف. # وقال تعالى: {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب ~~لفي شقاق بعيد} [البقرة: 76] . # وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم ~~على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، يعني ~~الأهواء، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» . # وفي رواية: «قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي» . ~~فبين أن عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة والجماعة، وأن الاختلاف واقع ~~لا محالة. # PageV02P775 # وروى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن ~~الشيطان ذئب الإنسان، كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية، فإياكم والشعاب، ~~وعليكم بالجماعة، والعامة، والمسجد» . وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «أنه قال لما نزل قوله تعالى: " {قل هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم} [الأنعام: 65] قال: هاتان أهون» . # فدل على أنه لا بد أن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، مع براءة الرسول ~~من هذه الحال، وهم فيها في جاهلية. ولهذا قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو ~~فرج أصيب بتأويل القرآن - فهو هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية. # PageV02P776 # وقد روى مالك بإسناده الثابت عن عائشة رضي الله ms405 عنها، أنها كانت تقول: ~~ترك الناس العمل بهذه الآية، يعني قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9] . فإن المسلمين لما اقتتلوا كان ~~الواجب الإصلاح بينهم كما أمر الله تعالى، فلما لم يعمل بذلك صارت فتنة ~~وجاهلية. ### | [وجوب رد المسائل المتنازع فيها إلى الله ورسوله] # وهكذا مسائل النزاع التي تتنازع فيها الأمة، في الأصول والفروع - إذا لم ~~ترد إلى الله والرسول - لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على ~~غير بينة من أمرهم، فإن رحمهم الله أقر بعضهم بعضا، ولم يبغ بعضهم على بعض، ~~كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيقر ~~بعضهم بعضا، ولا يعتدي ولا يعتدى عليه، وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف ~~المذموم، فبغى بعضهم على بعض، إما بالقول، مثل تكفيره وتفسيقه، وإما ~~بالفعل، مثل حبسه وضربه وقتله. والذين امتحنوا الناس بخلق القرآن، كانوا من ~~هؤلاء، ابتدعوا بدعة، وكفروا من خالفهم فيها، واستحلوا منع حقه وعقوبته. # فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول: إما عادلون وإما ~~ظالمون، فالعادل فيهم: الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء، # PageV02P777 # ولا يظلم غيره، والظالم: الذي يعتدي على غيره. وأكثرهم إنما يظلمون مع ~~علمهم بأنهم يظلمون، كما قال تعالى: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من ~~بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} [آل عمران: 19] . وإلا فلو سلكوا ما علموه ~~من العدل، أقر بعضهم بعضا، كالمقلدين لأئمة العلم، الذين يعرفون من أنفسهم ~~أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل، فجعلوا أئمتهم نوابا ~~عن الرسول، وقالوا: هذه غاية ما قدرنا عليه، فالعادل منهم لا يظلم الآخر، ~~ولا يعتدي عليه بقول ولا فعل، مثل أن يدعي أن قول مقلده هو الصحيح بلا حجة ~~يبديها، ويذم من خالفه، مع أنه معذور. ### | [الاختلاف نوعان اختلاف تنوع واختلاف تضاد] # ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف ~~تضاد: # واختلاف التنوع على وجوه: # منه ما يكون كل واحد من القولين أو ms406 الفعلين حقا مشروعا، كما في القراءات ~~التي اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم، حتى زجرهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقال: «كلاكما محسن» . # ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، ومحل سجود ~~السهو، والتشهد، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، ونحو ذلك، مما قد شرع جميعه، ~~وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل. # ثم تجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على ~~شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك! وهذا عين المحرم. وكذا تجد كثيرا منهم في ~~قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع، والإعراض عن الآخر والنهي عنه -: ما دخل ~~به فيما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV02P778 # ومنه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر، لكن العبارتان ~~مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصيغ الأدلة، ~~والتعبير عن المسميات، ونحو ذلك. ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى ~~المقالتين وذم الأخرى والاعتداء على قائلها! ونحو ذلك. # وأما اختلاف التضاد، فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول، وإما في ~~الفروع، عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد. والخطب في هذا أشد، لأن ~~القولين يتنافيان، لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع ~~منازعه فيه حق ما، أو معه دليل يقتضي حقا ما، فيرد الحق مع الباطل، حتى ~~يبقى هذا مبطلا في البعض، كما كان الأول مبطلا في الأصل، وهذا يجري كثيرا ~~لأهل السنة. # وأما أهل البدعة، فالأمر فيهم ظاهر. ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من ~~هذا ما يبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه، ~~وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا، لكن نور على نور. # والاختلاف الأول، الذي هو اختلاف التنوع، الذم فيه واقع على من بغى على ~~الآخر فيه. وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل ذلك، إذا ~~لم يحصل بغي، كما في قوله تعالى: # PageV02P779 # {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} ms407 [الحشر: 5] ~~. وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار، فقطع قوم، وترك آخرون. # وكما في قوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين - ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} ~~[الأنبياء: 78 - 79] # [الأنبياء: 78 - 79] فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالحكم والعلم. # وكما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة لمن صلى العصر في ~~وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة. # PageV02P780 # وكما في قوله: إذا «اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله ~~أجر» ونظائر ذلك. # والاختلاف الثاني، هو ما حمد فيه إحدى الطائفتين، وذمت الأخرى، كما في ~~قوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم ~~البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر} [البقرة: 253] . # وقوله تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من ~~نار} [الحج: 19] الآيات. # PageV02P781 # وأكثر الاختلاف الذي يئول إلى الأهواء بين الأمة - من القسم الأول، وكذلك ~~إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء. لأن إحدى الطائفتين لا ~~تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من ~~الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك. ولذلك جعل الله مصدره البغي في قوله: ~~{وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم} ~~[البقرة: 213] . لأن البغي مجاوزة الحد، وذكر هذا في غير موضع من القرآن ~~ليكون عبرة لهذه الأمة. # PageV02P782 # وقريب من هذا الباب ما خرجاه في الصحيحين، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «ذروني ما ~~تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا ~~نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . # فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به، معللا بأن سبب هلاك الأولين إنما كان ~~كثرة السؤال ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية. ### | [الاختلاف في الكتاب] # ثم الاختلاف في الكتاب، من الذين يقرون ms408 به - على نوعين: # أحدهما اختلاف في تنزيله. # والثاني اختلاف في تأويله. وكلاهما فيه إيمان ببعض دون بعض. # فالأول كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، فطائفة قالت: هذا الكلام ~~حصل بقدرته ومشيئته لكنه مخلوق في غيره لم يقم به، وطائفة قالت: بل هو صفة ~~له قائم بذاته ليس بمخلوق، لكنه لا يتكلم # PageV02P783 # بمشيئته وقدرته. وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل، فآمنت ~~ببعض الحق، وكذبت بما تقوله الأخرى من الحق، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. # وأما الاختلاف في تأويله، الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض، فكثير، كما ~~في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر، هذا ينزع بآية وهذا ينزع ~~بآية، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ أم بهذا وكلتم؟ أن ~~تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه ~~فانتهوا» . وفي رواية: يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم، باختلافهم على ~~أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ~~ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه ~~فآمنوا به. وفي رواية: «فإن الأمم قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا، وإن المراء ~~في القرآن كفر» . وهو حديث مشهور، مخرج في المساند والسنن. # وقد روى أصل الحديث مسلم في صحيحه، من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري، ~~أن عبد الله بن عمرو قال: «هجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، ~~فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا # PageV02P784 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب، فقال: إنما هلك من كان ~~قبلكم باختلافهم في الكتاب» . # وجميع أهل البدع مختلفون في تأويله، مؤمنون ببعضه دون بعض، يقرون بما ~~يوافق رأيهم من الآيات، وما يخالفه: إما أن يتأولوه تأويلا يحرفون فيه ~~الكلم عن مواضعه، وإما أن يقولوا: هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدون ~~ما أنزله الله ms409 من معانيه! وهو في معنى الكفر بذلك، لأن الإيمان باللفظ بلا ~~معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ~~ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} [الجمعة: 5] . وقال تعالى: {ومنهم ~~أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني} [البقرة: 78] أي: إلا تلاوة من # PageV02P785 # غير فهم معناه. وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به، ~~واشتبه عليه بعضه فوكل علمه إلى الله، كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه، فامتثل ~~أمر نبيه صلى الله عليه وسلم. ### | [الإسلام هو دين الله] ### | [الإسلام هو دين الله وهو واحد في الأرض والسماء] # قوله: (ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله ~~تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} [آل عمران: 19] . وقال تعالى: {ورضيت ~~لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] . وهو بين [الغلو و] التقصير، وبين التشبيه ~~والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس) . # ش: ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد» . وقوله تعالى: # PageV02P786 # {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85]- عام في كل ~~زمان، ولكن الشرائع تتنوع، كما قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} ~~[المائدة: 48] . # فدين الإسلام هو ما شرعه الله سبحانه وتعالى لعباده على ألسنة رسله، ~~وأصول هذا الدين وفروعه موروثة عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل ~~مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجم، وذكي وبليد -: أن يدخل فيه بأقصر زمان، ~~وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو ~~كذب على الله، أو ارتياب في قول الله تعالى، أو رد لما أنزل، أو شك فيما ~~نفى الله عنه الشك، أو غير ذلك مما في معناه. ### | [سهولة تعلم الإسلام] # فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه ~~الوافد ثم يولي في وقته. واختلاف تعليم ms410 النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ~~الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن كان بعيد الوطن، كضمام بن ثعلبة النجدي، ووفد ~~عبد القيس، علمهم ما لا يسعهم جهله، مع علمه أن دينه سينتشر في الآفاق، ~~ويرسل إليهم من يفقههم في سائر # PageV02P787 # ما يحتاجون إليه، ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت، بحيث يتعلم ~~على التدريج، أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه - أجابه بحسب حاله ~~وحاجته، على ما تدل قرينة حال السائل، كقوله: «قل آمنت بالله ثم استقم» . # وأما من شرع دينا لم يأذن به الله، فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز ~~أن تكون منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن غيره من المرسلين، إذ ~~هو باطل، وملزوم الباطل باطل، كما أن لازم الحق حق. ### | [وهو بين الغلو والتقصير] # وقوله: بين الغلو والتقصير - قال تعالى: {ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ~~ولا تقولوا على الله إلا الحق} [النساء: 171] {قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم غير الحق} [المائدة: 77] . # وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين - وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا ~~الله الذي أنتم به مؤمنون} [المائدة: 87 - 88] # [المائدة: 87 - 88] . # وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: «أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سألوا أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ ~~فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا ~~أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما بال أقوام ~~يقول أحدهم كذا وكذا؟ ! لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، # PageV02P788 # وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» . # وفي غير الصحيحين: «سألوا عن عبادته في السر، فكأنهم تقالوها» . # وذكر في سبب نزول الآية الكريمة: عن ابن جريج، عن عكرمة أن عثمان بن ~~مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، ms411 وسالما مولى أبي ~~حذيفة، رضي الله عنهم في أصحابه - تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا ~~النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس ~~أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام ~~النهار، فنزلت: {ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87] . # يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام ~~واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا # PageV02P789 # به من الاختصاء، فنزلت فيهم، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: ~~إن لأنفسكم عليكم حقا، وإن لأعينكم حقا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس ~~منا من ترك سنتنا فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت. ### | [وهو بين التشبيه والتعطيل] # وقوله: وبين التشبيه والتعطيل - تقدم أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يوصف ~~بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تشبيه، فلا يقال: سمع كسمعنا، ~~ولا بصر كبصرنا، ونحوه، ومن غير تعطيل، فلا ينفى عنه ما وصف به نفسه، أو ~~وصفه به أعرف الناس به: رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك تعطيل، وقد تقدم ~~الكلام في هذا المعنى. # ونظير هذا القول قوله فيما تقدم: ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب ~~التنزيه. وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع ~~البصير} [الشورى: 11] . فقوله: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]- رد على ~~المشبهة، وقوله: {وهو السميع البصير} [الشورى: 11]- رد على المعطلة. ### | [وهو بين الجبر والقدر] # وقوله: وبين الجبر والقدر - تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى، وأن العبد ~~غير مجبور على أفعاله وأقواله، وأنها [ليست] بمنزلة حركات المرتعش وحركات ~~الأشجار بالرياح وغيرها، وليست مخلوقة للعباد، بل هي فعل العبد وكسبه وخلق ~~الله تعالى. ### | [وهو بين الأمن واليأس] # وقوله: وبين الأمن والإياس - تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى، # PageV02P790 # وأنه يجب أن يكون العبد خائفا من عذاب ربه، راجيا رحمته، وأن الخوف ~~والرجاء بمنزلة الجناحين للعبد، في سيره إلى الله تعالى ms412 والدار الآخرة. ### | [البراءة من الفرق الضالة] # قوله: (فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا، ونحن براء إلى الله تعالى من ~~كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ~~ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب ~~الردية، مثل المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، وغيرهم، من ~~الذين خالفوا الجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال ~~وأردياء. وبالله العصمة والتوفيق) . # ش: الإشارة بقوله: فهذا إلى كل ما تقدم من أول الكتاب إلى هنا. والمشبهة: ~~هم الذين شبهوا الله سبحانه بالخلق في صفاته، وقولهم عكس قول النصارى، ~~شبهوا المخلوق - وهو عيسى عليه السلام - بالخالق وجعلوه إلها، وهؤلاء شبهوا ~~الخالق بالمخلوق، كداود الجواربي وأشباهه. ### | [أصول المعتزلة الخمسة] # والمعتزلة: هم عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهما، سموا بذلك ~~لما اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن # PageV02P791 # البصري رحمه الله، في أوائل المائة الثانية، وكانوا يجلسون معتزلين، ~~فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة. # وقيل: إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة، وتابعه عمرو بن ~~عبيد تلميذ الحسن البصري، فلما كان زمن هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل ~~كتابين، وبين مذهبهم، وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة، التي سموها: العدل، ~~والتوحيد، وإنفاذ الوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر! ولبسوا فيها الحق بالباطل، إذ شأن البدع هذا، اشتمالها على حق ~~وباطل. # وهم مشبهة الأفعال، لأنهم قاسوا أفعال الله تعالى على أفعال عباده، ~~وجعلوا ما يحسن من العباد يحسن منه، وما يقبح من العباد يقبح منه! وقالوا: ~~يجب عليه أن يفعل كذا، ولا يجوز له أن يفعل كذا، بمقتضى ذلك القياس الفاسد! ~~! فإن السيد من بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه ولا يمنعهم من ذلك لعد ~~إما مستحسنا للقبيح، وإما عاجزا، فكيف يصح قياس أفعاله سبحانه وتعالى على ~~أفعال عباده؟ ! والكلام على هذا المعنى مبسوط في موضعه. # فأما العدل، فستروا تحته نفي القدر، وقالوا: إن الله لا يخلق الشر ولا ~~يقضي به، إذ لو خلقه ثم يعذبهم ms413 عليه يكون ذلك جورا! ! والله تعالى عادل لا ~~يجور. ويلزمهم على هذا الأصل الفاسد أن الله تعالى يكون في ملكه ما لا ~~يريده، فيريد الشيء ولا يكون، ولازمه وصفه بالعجز! تعالى الله عن ذلك. # PageV02P792 # وأما التوحيد فستروا تحته القول بخلق القرآن، إذ لو كان غير مخلوق لزم ~~تعدد القدماء! ! ويلزمهم على هذا القول الفاسد أن علمه وقدرته وسائر صفاته ~~مخلوقة، أو التناقض! . # وأما الوعيد، فقالوا: إذا أوعد بعض عبيده وعيدا فلا يجوز أن لا يعذبهم ~~ويخلف وعيده، لأنه لا يخلف الميعاد، فلا يعفو عمن يشاء، ولا يغفر لمن يريد، ~~عندهم! ! # وأما المنزلة بين المنزلتين، فعندهم أن من ارتكب كبيرة يخرج من الإيمان ~~ولا يدخل في الكفر! ! # وأما الأمر بالمعروف، وهو أنهم قالوا: علينا أن نأمر غيرنا بما أمرنا به، ~~وأن نلزمه بما يلزمنا، وذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه ~~أنه يجوز الخروج على الأئمة بالقتال إذا جاروا! ! وقد تقدم جواب هذه الشبه ~~الخمس في مواضعها. # وعندهم أن التوحيد والعدل من الأصول العقلية التي لا يعلم صحة السمع إلا ~~بعدها، وإذا استدلوا على ذلك بأدلة سمعية، إنما يذكرونها للاعتضاد بها، لا ~~للاعتماد عليها، فهم يقولون: لا تثبت هذه بالسمع، بل العلم بها متقدم على ~~العلم بصحة النقل! فمنهم من لا يذكرها في الأصول، إذ لا فائدة فيها عندهم، ~~ومنهم من يذكرها ليبين موافقة السمع للعقل، ولإيناس الناس بها، لا للاعتماد ~~عليها! والقرآن والحديث فيه عندهم بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب! ~~والمدد اللاحق بعسكر مستغن عنهم! وبمنزلة من يتبع هواه واتفق أن الشرع # PageV02P793 # ما يهواه! ! كما قال عمر بن عبد العزيز: لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق ~~هواه، ويخالفه إذا خالف هواه، فإذا أنت لا تثاب على ما وافقته من الحق، ~~وتعاقب على ما تركته منه، لأنك إنما اتبعت هواك في الموضعين. وكما أن ~~الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، والعمل يتبع قصد صاحبه وإرادته، ~~فالاعتقاد القوي يتبع أيضا علم ذلك وتصديقه، فإذا كان ذلك تابعا للإيمان ~~كان ms414 من الإيمان، كما أن العمل الصالح إذا كان عن نية صالحة كان صالحا، وإلا ~~فلا، فقول أهل الإيمان التابع لغير الإيمان، كعمل أهل الصلاح التابع لغير ~~قصد أهل الصلاح. وفي المعتزلة زنادقة كثيرة، وفيهم من ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ### | [الجهمية وأصل مذهبهم] # والجهمية: هم المنتسبون إلى جهم بن صفوان الترمذي، وهو الذي أظهر نفي ~~الصفات والتعطيل، وهو أخذ ذلك عن الجعد بن درهم، الذي ضحى به خالد بن عبد ~~الله القسري بواسط، فإنه خطب الناس في يوم عيد الأضحى، وقال: أيها الناس، ~~ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا ~~كبيرا! ثم نزل فذبحه. وكان ذلك بعد استفتاء علماء زمانه، وهم السلف الصالح ~~رحمهم الله تعالى. # وكان جهم بعده بخراسان، فأظهر مقالته هناك، وتبعه عليها ناس، # PageV02P794 # بعد أن ترك الصلاة أربعين يوما شكا في ربه! وكان ذلك لمناظرته قوما من ~~المشركين، يقال لهم السمنية، من فلاسفة الهند، الذين ينكرون من العلم ما ~~سوى الحسيات، قالوا له: هذا ربك الذي تعبده، هل يرى أو يشم أو يذاق أو ~~يلمس؟ فقال: لا، فقالوا: هو معدوم! ! فبقي أربعين يوما لا يعبد شيئا، ثم ~~لما خلا قلبه من معبود يألهه، نقش الشيطان اعتقادا نحته فكره، فقال: إنه ~~الوجود المطلق! ! ونفى جميع الصفات، واتصل بالجعد. # وقد قيل: إن الجعد كان قد اتصل بالصابئة الفلاسفة من أهل حران، وأنه أيضا ~~أخذ شيئا عن بعض اليهود المحرفين لدينهم، المتصلين بلبيد بن الأعصم، الساحر ~~الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم. فقتل جهم بخراسان، قتله سلم بن أحوز ~~ولكن كانت قد فشت مقالته في الناس، وتقلدها بعده المعتزلة. ولكن كان الجهم ~~أدخل في التعطيل منهم، لأنه ينكر الأسماء حقيقة، وهم لا ينكرون الأسماء بل ~~الصفات. # وقد تنازع العلماء في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة أم لا؟ ولهم ~~في ذلك قولان: وممن ms415 قال إنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة - عبد الله بن ~~المبارك، ويوسف بن أسباط. # PageV02P795 # وإنما اشتهرت مقالة الجهمية من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من ~~علماء السنة، فإنه من إمارة المأمون قووا وكثروا، فإنه كان قد أقام بخراسان ~~مدة واجتمع بهم، ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثمان عشرة ومائتين وفيها مات، ~~وردوا الإمام أحمد إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين، وفيها كانت محنته مع ~~المعتصم ومناظرته لهم بالكلام، فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه، وبين أنه ~~لا حجة لهم في شيء من ذلك، وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم وامتحانهم إياهم ~~-: جهل وظلم، وأراد المعتصم إطلاقه، أشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه، ~~لئلا تنكسر حرمة الخلافة مرة بعد مرة! فلما ضربوه قامت الشناعة في العامة، ~~وخافوا، فأطلقوه. وقصته مذكورة في كتب التاريخ. # ومما انفرد به جهم: أن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، ~~والكفر هو الجهل فقط، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأن الناس ~~إنما تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز، كما يقال تحركت الشجرة، ودار ~~الفلك، وزالت الشمس! ولقد أحسن القائل: # عجبت لشيطان دعا الناس جهرة ... إلى النار واشتق اسمه من جهنم # وقد نقل أن أبا حنيفة رحمه الله، لما سئل عن الكلام في الأعراض والأجسام؟ ~~فقال: لعن الله عمرو بن عبيد، هو فتح على الناس الكلام في هذا. # PageV02P796 ### | [الجبرية وأصل قولهم] # والجبرية: أصل قولهم من الجهم بن صفوان، كما تقدم، وأن فعل العبد بمنزلة ~~طوله ولونه! وهم عكس القدرية نفاة القدر، فإن القدرية إنما نسبوا إلى القدر ~~لنفيهم إياه، كما سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء، وأنه لا أحد مرجأ لأمر الله ~~إما يعذبهم وإما يتوب عليهم. وقد تسمى الجبرية " قدرية " لأنهم غلوا في ~~إثبات القدر، وكما يسمى الذين لا يجزمون بشيء من الوعد والوعيد، بل يغلون ~~في إرجاء كل أمر حتى الأنواع، فلا يجزمون بثواب من تاب، كما لا يجزمون ~~بعقوبة من لم يتب، وكما لا يجزم لمعين. ms416 وكانت المرجئة الأولى يرجئون عثمان ~~وعليا، ولا يشهدون بإيمان ولا كفر! ! # وقد ورد في ذم القدرية أحاديث في السنن: منها ما روى أبو داود في سننه، ~~من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا ~~فلا تشهدوهم» . وروي في ذم القدرية أحاديث أخر كثيرة، تكلم أهل الحديث في ~~صحة رفعها، والصحيح أنها موقوفة، بخلاف الأحاديث الواردة في ذم الخوارج، ~~فإن فيهم في الصحيح وحده عشرة أحاديث، أخرج البخاري منها ثلاثة، وأخرج مسلم ~~سائرها. ولكن مشابهتهم للمجوس ظاهرة، بل قولهم أردأ من قول المجوس، فإن ~~المجوس اعتقدوا وجود خالقين، والقدرية اعتقدوا خالقين! ! # وهذه البدع المتقابلة حدثت من الفتن المفرقة بين الأمة، كما ذكر # PageV02P797 # البخاري في صحيحه، عن سعيد بن المسيب، قال: وقعت الفتنة الأولى، يعني ~~مقتل عثمان، فلم تبق من أصحاب بدر أحدا. ثم وقعت الفتنة [يعني الحرة] ، فلم ~~تبق من أصحاب الحديبية أحدا. ثم وقعت الثالثة، فلم ترتفع وللناس طباخ، أي ~~عقل وقوة. # PageV02P798 # فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى، والقدرية والمرجئة في الفتنة ~~الثانية، والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة. فصار هؤلاء {الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا} [الأنعام: 159]- يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في ~~علي، وأولئك كفروه! وأولئك غلوا في الوعيد، حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك ~~غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة! وأولئك غلوا في التنزيه ~~حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات، حتى وقعوا في التشبيه! وصاروا ~~يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويعرضون عن الأمر المشروع، ~~وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود والنصارى والمجوس ~~والصابئين، فإنهم قرءوا كتبهم، فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ~~ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة، وفي المعنى أخرى! فلبسوا الحق بالباطل، ~~وكتموا حقا جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا وتكلموا حينئذ في الجسم والعرض ~~والتجسيم، نفيا وإثباتا. ### | [سبب الضلال العدول عن الصراط المستقيم الذي أمر الله ms417 باتباعه] # وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم، عدولهم عن الصراط المستقيم، الذي أمرنا ~~الله باتباعه، فقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] . # وقال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} ~~[يوسف: 108] # فوحد لفظ صراطه وسبيله، وجمع السبل المخالفة له. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، # PageV02P799 # وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، ~~على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: ~~153] » [الأنعام: 153] . # ومن هاهنا يعلم أن اضطرار العبد إلى سؤال هداية الصراط المستقيم فوق كل ~~ضرورة، ولهذا شرع الله تعالى في الصلاة قراءة أم القرآن في كل ركعة، إما ~~فرضا أو إيجابا، على حسب اختلاف العلماء في ذلك، لاحتياج العبد إلى هذا ~~الدعاء العظيم القدر، المشتمل على أشرف المطالب وأجلها. فقد أمرنا الله ~~تعالى أن نقول: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 6] # [الفاتحة: 6 - 7] . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون» . # وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول ~~الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» ! . # PageV02P800 # قال طائفة من السلف: من انحرف من العلماء ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف ~~من العباد ففيه شبه من النصارى. فلهذا تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام، ~~من المعتزلة ونحوهم - فيه شبه من اليهود، حتى أن علماء اليهود يقرءون كتب ~~شيوخ المعتزلة، ويستحسنون طريقتهم، وكذا شيوخ المعتزلة يميلون إلى اليهود ~~ويرجحونهم على النصارى. وأكثر المنحرفين من العباد، من المتصوفة ونحوهم - ~~فيهم شبه من النصارى، ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد ~~ونحو ذلك. وشيوخ هؤلاء ms418 يذمون الكلام وأهله، وشيوخ أولئك يعيبون طريقة هؤلاء ~~ويصنفون في ذم السماع والوجد وكثير من الزهد والعبادة التي أحدثها هؤلاء. ### | [لفرق الضلال طريقتان في الوحي] # ولفرق الضلال في الوحي طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل. أما أهل ~~التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل، وأهل التحريف والتأويل. # فأهل الوهم والتخييل، هم الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن # PageV02P801 # الله واليوم الآخر والجنة والنار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه! لكنهم ~~خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله شيء عظيم كبير، وأن الأبدان ~~تعاد، وأن لهم نعيما محسوسا، وعقابا محسوسا، وإن كان الأمر ليس كذلك، لأن ~~مصلحة الجمهور في ذلك، وإن كان كذبا فهو كذب لمصلحة الجمهور! ! وقد وضع ابن ~~سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل. # وأما أهل التحريف والتأويل، فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا ~~بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر، وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه ~~بعقولنا! ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع ~~التأويلات! ! ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن ~~يراد كذا. وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ. # وأما أهل التجهيل والتضليل، الذين حقيقة قولهم: إن الأنبياء وأتباع ~~الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات ~~وأقوال الأنبياء! ويقولون: يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه إلا الله، لا ~~يعلمه جبرائيل ولا محمد ولا غيره من الأنبياء، فضلا عن الصحابة والتابعين ~~لهم بإحسان، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: {الرحمن على العرش ~~استوى} [طه: 5] . {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] . {ما منعك أن تسجد ~~لما خلقت بيدي} [ص: 75] # PageV02P802 # وهو لا يعرف معاني هذه الآيات! بل معناها الذي دلت عليه لا يعرفه إلا ~~الله تعالى! ! ويظنون أن هذه طريقة السلف! ! # ثم منهم من يقول: إن المراد بها خلاف مدلولها الظاهر المفهوم، ولا يعرفه ~~أحد، كما لا يعلم وقت الساعة! ومنهم من يقول: بل تجرى على ظاهرها وتحمل على ~~ظاهرها! ! ومع هذا، ms419 فلا يعلم تأويلها إلا الله، فيتناقضون حيث أثبتوا لها ~~تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا مع هذا: إنها تحمل على ظاهرها، وهؤلاء مشتركون ~~في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة أو ~~متشابهة، ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعله الفريق الآخر ~~مشكلا. # ثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضا! ومنهم من يقول: علمها ولم ~~يبينها، بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية، وعلى من يجتهد في العلم ~~بتأويل تلك النصوص! ! فهم مشتركون في أن الرسول لم يعلم أو لم يعلم، بل نحن ~~عرفنا الحق بعقولنا ثم اجتهدنا في حمل كلام الرسول على ما يوافق عقولنا، ~~وأن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات! ! ولا يفهمون السمعيات! ! وكل ~~ذلك ضلال وتضليل عن سواء السبيل. # نسأل الله السلامة والعافية، من هذه الأقوال الواهية، المفضية بقائلها ~~إلى الهاوية. # {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب ~~العالمين} [الصافات: 180] . PageV02P803 ms420