######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010549 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: صدر الدين محمد بن علاء الدين علي بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي (المتوفى: 792هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 792 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح العقيدة الطحاوية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010549 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10549 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10549 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: جماعة من العلماء، تخريج: ناصر الدين الألباني #META# 041.EdNUMBER :: الطبعة المصرية الأولى، 1426هـ - 2005م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار السلام للطباعة والنشر التوزيع والترجمة (عن مطبوعة المكتب الإسلامي) #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [شرح العقيدة الطحاوية] # المؤلف: علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي (المتوفى: 792ه) # تحقيق: جماعة من العلماء، تخريج: ناصر الدين الألباني # الناشر: دار السلام للطباعة والنشر التوزيع والترجمة (عن مطبوعة المكتب ~~الإسلامي) # الطبعة: الطبعة المصرية الأولى 1426ه - 2005م # عدد الأجزاء: 1 # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بحواشي وتعليقات الشيخ الألباني] ~~PageV00P000 ### | مقدمات ### | مقدمة الناشر # [[زهير الشاويش]] # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن ~~سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن ~~لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. # أما بعد, فهذا شرح عقيدة الإمام جعفر الطحاوي، نقدمه في طبعة جديدة إلى ~~الراغبين في الوقوف على عقيدة السلف الصالح، والتوحيد الخالص، الذي بعث ~~الله تعالى به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، ونستطيع أن نقول: إن ~~هذا الكتاب القيم يقل نظيره في التحقيق والبيان، والعمق والإحاطة، والتزام ~~منهج الحق الذي كان عليه السلف الصالح. # لذلك لاقت هذه العقيدة مدح عدد كبير جدا من العلماء1, وشرحها عدد كبير ~~منهم أيضا، وكان أحسن شروحها المعروفة هذا الشرح، وهو يمثل عقيدة السلف ~~أحسن تمثيل، والمؤلف يكثر من النقل عن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ~~ابن القيم من غير إحالة عليها، ولعل له عذرا في ذلك2، وهو: أن عقيدة السلف ~~كانت تحارب من المتعصبين والحشويين وعلماء السوء الذين كان لهم تأثير كبير ~~على PageV01P005 # بعض الحكام، مما جعل بعض أصحاب هذه العقيدة لا يتظاهرون بها -غالبا- في ~~تلك الأيام التي كان فيها بعض الناس مغرما بإتلاف كتب شيخ الإسلام, الأمر ~~الذي أدى إلى فقدان أو ندرة بعض مؤلفات هذا الإمام العظيم مما حفز ابن عروة ~~الحنبلي الدمشقي إلى حفظها في مجموعه الضخم المعروف ب"الكواكب الدراري في ~~ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني" فإنه أدخل فيه العديد من كتب شيخ الإسلام ~~لأدنى مناسبة. # وقد استمرت هذه المحنة حتى العصور المتأخرة, فقد كان أحد المتنفذين في ms001 ~~دمشق في أواخر القرن الماضي يتلف ما يستطيع جمعه مع كتب شيخ الإسلام ~~وتلامذته وما وجد من كتبهم على رأيهم. # مستخدما في ذلك ما له من جاه وسلطان انتصارا لمذهبه واعتقاده في "الحلول ~~والاتحاد"1. # وظني أن هذه المحنة وهذا العداء لعقيدة السلف الصالح كانا وراء خفاء اسم ~~المؤلف لهذا الشرح المبارك، وكانا وراء خفاء اسم شيخ الإسلام ابن تيمية ~~والإمام ابن القيم من الشرح، مع أنه نقل عنهما في كتابه نقولا جمة، ربما ~~تبلغ في بعض المواطن صفحات. # وقد سبق لهذا الكتاب أن طبع مرتين2، لكن طبعتنا هذه تمتاز بأنها مقابلة ~~PageV01P006 # على نسخة خطية كاملة وقعت لي ويسر الله تملكي لها جلية الخط، حسنة الضبط, ~~أما ما وقع فيها من غلط في بعض المواضع، فإنه من النوع الذي يسهل تداركه, ~~وقد جاء في ختامها ما نصه: "قد تم تحريرها على يد الفقير الحقير خادم ~~العلماء الأعلام، والمحرري الكتب في جامع مدرسة مرجان عليه الرحمة ~~والرضوان؛ عبد المحيي بن عبد الحميد بن الحاج محمد مكي الشيخلي البغدادي، ~~يوم الاثنين التاسع من شهر رجب الأصم من شهور سنة اثني "كذا" وعشرين ~~وثلاثمائة بعد الألف. # فاستظهرنا من أن الأصل الذي نسخت عنه ينبغي أن يكون في بغداد, فحرصت على ~~أن أظفر بصورة منه، وكتبت في ذلك إلى علامة العراق الشيخ بهجة الأثري، مع ~~تزكية لطلبي من أستاذي الجليل الشيخ بهجة البيطار، غير أن الأستاذ الأثري ~~لم يوفق في الحصول على الأصل، أو معرفة شيء عنه، واستعنت بعدد من الأفاضل, ~~منهم الصديق الأديب الدكتور عبد الله جبوري، والأستاذ الفاضل الدكتور عبد ~~الكريم زيدان، وغيرهم جزاهم الله كل خير، وزرت العراق أكثر من مرة وبحثت ~~عنها فلم أوفق إلى شيء حتى الآن. # ولما كانت الطبعة الأولى خلوا من اسم المؤلف، تبعا للأصل الذي طبعت عنه, ~~وفي الطبعة الثانية استظهر أستاذنا الشيخ أحمد شاكر1 أن مؤلفه هو علي بن ~~علي بن محمد بن أبي العز الحنفي2 اعتمادا على ما أرشده إليه العالم الكريم ~~الفاضل الشيخ محمد ms002 بن حسين نصيف3، من أن السيد مرتضى الزبيدي نقل عن هذا ~~الكتاب قطعة في "شرح الإحياء" "2/ 146" وعزاها إلى ابن أبي العز المذكور. # وأما نسختنا فقد كان اسم مؤلفها مثبتا على الورقة الأولى منها، إلا أن ~~بعض PageV01P007 # الأيدي قد لعبت فيه بالمحو والكتابة أكثر من مرة، وأخيرا أثبت عليه ما ~~أثبته الشيخ أحمد شاكر. # وقد استطعنا أن نتبين من بقايا الكتابة الأولى الكلمات التالية "جمال ~~الدين ... ابن صلاح الدين أبي البركات موسى بن محمد الملطي الحنفي" ~~فاستظهرنا أنه: يوسف بن موسى بن محمد أبو المحاسن جمال الدين الملطي ~~المتوفى سنة 803ه وترجمته في "الضوء اللامع" للسخاوي "10/ 335 - 336", ~~و"شذرات الذهب" لابن العماد "7/ 40" وابن إياس في تاريخه "315" وغيرهم. # ولكن حال دون القطع بذلك أن صاحب هذا الشرح, كما ذكر هو نفسه في غير موضع ~~من الكتاب من تلامذة ابن كثير، ولم يذكر أحد ممن ترجموا للملطي المذكور أنه ~~تلميذ لابن كثير، كما لم يذكروا أيضا أن له شرحا على الطحاوية، ويبعد أن ~~يؤلف مثل هذا الشرح السلفي المعتمد على الحديث النبوي الشريف وهو القائل ~~كما في "شذرات الذهب" 7/ 40: من نظر في البخاري فقد تزندق. فبقيت المسألة ~~معلقة تنتظر الدليل القاطع للبت في طبعتنا الثالثة، وأما في طبعتنا هذه ~~تيقنا أنها لابن أبي العز جزاه الله خيرا عن الإسلام وأهله1. # هذا وقد قمنا بمقابلة مخطوطتنا على مطبوعة مكة، ومطبوعة الشيخ أحمد شاكر، ~~وبما أننا قد جعلنا مخطوطتنا هي الأصل، فكل زيادة كانت فيها، أدرجت دون ~~الإشارة إليها، وهو كثير2 وما كان من زيادة في إحدى المطبوعتين أثبتناه ضمن ~~حاضرتين هكذا [] , كما أننا قمنا بترقيم الآيات, والعناية بالطبع، ~~والتصحيح, ومراجعة النصوص على أصولها، وضبط ما أشكل منها قدر المستطاع. # ثم يسر الله لي مصورتين لمخطوطتين لم نكن نعرف عنهما شيئا. # كما أننا قابلنا المتن على عدد كبير من المخطوطات وقد قام أستاذنا الجليل ~~PageV01P008 # المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بتخريج ما فيها من الأحاديث وأعاد ~~النظر في تخريجه مرة أخرى بما زاد طبعتنا هذه حسنا ms003 وإفادة. # وساعد على مقابلتها وإعدادها للطبع، وتحقيق نصوصها، وضبط ألفاظها في ~~طبعتها الثالثة -الأولى بالنسبة لنا- كل من الأساتذة الأفاضل: عبد الرحمن ~~الباني، وهبي سليمان غاوجي، سعيد الطنطاوي، شعيب الأرناؤوط، عبد القادر ~~الأرناؤوط1، مساهمة منهم في نشر العلم -جزاهم الله كل خير. # وقد تلقى العلماء طبعتنا بالقبول، كما قرر تدريسها في المعاهد والكليات ~~بالرياض، والجامعة الإسلامية بالمدينة أستاذنا الجليل المفتي الأكبر محمد ~~بن إبراهيم آل الشيخ -عليه رحمة الله. # وقامت كلية الدراسات الإسلامية في بغداد بتدريسها ثم اختصارها -بإذن منا- ~~وكذلك اعتمدها مرجعا لا غنى عنه في كلية الشريعة بجامعة دمشق أستاذنا ~~المفضال الدكتور مصطفى السباعي عميد كلية الشريعة آنذاك -عليه رحمة الله. # وقد امتازت طبعتنا هذه بإضافات جليلة القدر، عظيمة النفع منها: # - تعليق سماحة أستاذي العلامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز الذي تجده ~~في الصفحة 109. # - إحالات أستاذي العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي على كتب شيخ الإسلام ابن ~~تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم مما هو مثبت في هذا الشرح. # - إعادة النظر في تخريج الأحاديث من قبل أستاذي المحدث الشيخ محمد ناصر ~~الدين الألباني، مع الإبقاء على مقدمته القيمة. PageV01P009 # - كذلك إبقائي للتوضيح، الذي دعت الحاجة إلى نشره، رغم رغبتي وسعيي ~~الحثيث لرفعه مع المقدمة، ولكن الذين بدءوا الاعتداء وعملوا على نشر الباطل ~~في تقريرهم، واستمرار مسعاهم في نشر الرسائل والتعليقات والمقالات، والعمل ~~على طبع شرح الطحاوية محرفا ومدلسا على الناس أنه طبعتنا، وما زلت عند قولي ~~في "التوضيح"1. # وإليك بعض ما ذكرت في مقدمتي "للعقيدة الطحاوية؛ شرح وتعليق" للمحدث ~~الألباني: # فإن عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي، هي عقيدة أهل السنة والجماعة ~~المتفق على اتباعها من علماء الأمة؛ لأنها وافقت معتقد علماء هذه الملة ~~خلال قرون متعددة, ومنهم أبو حنيفة النعمان، ومالك، والشافعي، وأحمد بن ~~حنبل، وأكثر أتباعهم, كما أنها عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري، التي استقر ~~عليها أخيرا بالجملة, ولم يشذ عنها إلا من أشرب في قلبه نوع من الاعتزال، ~~والجهمية، ومناصبة السنة العداوة. # وقد امتن الله علي، فيسر لي طبع ms004 "شرح العقيدة الطحاوية" للعلامة ابن أبي ~~العز الحنفي، بعد حصولي على مخطوطة قيمة2. # ولم أجزم في طبعتنا بنسبة الشرح لابن أبي العز -رحمه الله- غير أن أستاذي ~~الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، في سفرته الأولى إلى المغرب سنة 1395، ~~أهدى إليه الأستاذ الفاضل الشيخ محمد أبو خبزة مدير مكتبة مدينة "تطون" من ~~المملكة PageV01P010 # المغربية، رسالة مصورة من مخطوط، ذكر تحت عنوانها، أن مؤلف شرح العقيدة ~~الطحاوية، هو ابن أبي العز الحنفي. # وهذا مما حداني إلى مراجعة ما سبق وجمعته بشأن معرفة الشارح، واستبعدت أن ~~يكون جمال الدين يوسف بن الملطي، كما كان ظاهرا من بعض الكلمات الممحية من ~~المخطوطة، لاستبعاد أن يؤلف الملطي مثل هذا الشرح السلفي المعتمد على ~~الحديث النبوي، وهو القائل كما في "شذرات الذهب" "7/ 40": من نظر في صحيح ~~البخاري فقد تزندق؟! # وكان يفتي بأكل الحشيشة، ووجوه الحيل في أكل الربا، زاعما أن يخرج ذلك ~~على نصوص مذهبه، هو بلا شك افتراء منه، ومن أتباعه حتى يومنا هذا على ~~الإمام أبي حنيفة ورجال مذهبه الأفاضل الأتقياء. # وقد أشار ابن الشحنة إلى ذلك، حيث هجاه بقوله: # عجبت لشيخ يأمر الناس بالتقى ... وما راقب الرحمن يوما وما اتقى # يرى جائزا أكل الحشيشة والربا ... ومن يستمع للوحي حقا تزندقا # ثم اتضح أن السبب في إخفاء ابن أبي العز، أو النساخ لاسمه، وهو الخوف من ~~الهجمة الشرسة، التي كانت سائدة في عصره من قبل المخرفين، والمتعصبين، ~~مؤيدين بقوة السلاطين الجاهلين ... الظاهر برقوق، وابنه الناصر فرج، ولاجين ~~بن عبد الله الشركسي وأمثالهم، وكانوا على عقيدة سيئة، فضلا عما في سلوكهم ~~من انحراف، وكانوا يقربون أصحاب وحدة الوجود، وأهل السحر، والزيج، وضرب ~~الرمل, ولا تكاد تجد من المقربين إليهم إلا من اشتهر بذلك أو بما هو أسوأ!! # ولا أدل على هذا مما رواه ابن حجر وإليك كلامه بنصه1: # وفي سنة 784 كانت واقعة الشيخ صدر الدين علي بن أبي العز الحنفي ~~PageV01P011 # بدمشق، وأولها أن الأديب علي بن أيبك الصفدي، عمل قصيدة لامية على وزن ~~"بانت سعاد", ms005 وعرضها على الأدباء والعلماء فقرظوه، ومنهم صدر الدين علي بن ~~علاء الدين ابن أبي العز الحنفي، ثم انتقد فيها أشياء، فوقف عليها علي بن ~~أيبك المذكور، فساءه ذلك ودار بالورقة على بعض العلماء، فأنكر غالب من وقف ~~عليها وشاع الأمر. # فالتمس ابن أيبك من ابن أبي العز أن يعطيه شيئا ويعيد إليه الورقة ~~فامتنع، فدار على المخالفين وألبهم عليه، وشاع الأمر، إلى أن انتهى إلى مصر ~~فقام بعض المتعصبين إلى أن انتهت القضية للسلطان، فكتب مرسوما طويلا منه: # "بلغنا أن علي بن أيبك مدح النبي -صلى الله عليه سلم- بقصيدة، وأن علي ~~ابن أبي العز اعترض عليه وأنكر أمورا منها التوسل بالنبي -صلى الله عليه ~~وسلم- والقدح في عصمته وغير ذلك، وأن العلماء بالديار المصرية -خصوصا أهل ~~مذهبه من الحنفية- أنكروا ذلك فيتقدم بطلبه وطلب القضاة والعلماء من أهل ~~المذاهب ويعمل معه ما يقتضيه الشرع من تعزير وغيره". وفي المرسوم أيضا: # "بلغنا أن جماعة بدمشق ينتحلون مذهب ابن حزم وداود ويدعون إليه، منهم ~~القرشي وابن ألجاي "كذا"1 وابن الحسباني، والياسوفي، فيتقدم بطلبهم، فإن ~~ثبت عليهم منه شيء عمل بمقتضاه من ضرب ونفي وقطع معلوم، ويقرر في وظائفهم ~~غيرهم من أهل السنة والجماعة". وفيه: # "وبلغنا أن جماعة من الشافعية والحنابلة والمالكية يظهرون البدع ومذهب ~~ابن تيمية". فذكر نحو ما تقدم في الظاهرية، فطلب النائب القضاء وغيرهم، ~~فحضر أول مرة القضاة ونوابهم وبعض المفتيين، فقرئ عليهم المرسوم، وأحضر خط ~~ابن أبي العز فوجد فيه قوله: "حسبي رسول الله: هذا لا يقال إلا لله! " ~~وقوله: "اشفع PageV01P012 # لي"، قال: "لا تطلب منه الشفاعة". ومنها "توسلت بك" فقال: "لا يتوسل به". # وقوله: "المعصوم من الزلل"، قال: "إلا من زلة العتاب". # وقوله: "يا خير خلق الله" الراجح تفضيل الملائكة إلى غير ذلك. # فسئل فاعترف ثم قال: "رجعت عن ذلك، وأنا الآن أعتقد غير ما قلت أولا" ~~فكتب ما قال وانفصل المجلس. # ثم طلب بقية العلماء فحضروا المجلس الثاني وحضر القضاة أيضا، وممن حضر ~~القاضي شمس الدين الصرخدي، والقاضي شرف ms006 الدين ابن الشريشي، والقاضي شهاب ~~الدين الزهري، وجمع كثير, وأعيد الكلام، فقال بعضهم: "يعزر" وقال بعضهم: ~~"ما وقع معه من الكلام أولا كاف في تعزير مثله" وانفصلوا. # ثم طلبوا ثالثا، وطلب من تأخر وكتبت أسماؤهم في ورقة، فحضر القاضي ~~الشافعي، وحضر ممن لم يحضر أولا: أمين الدين الأتقى، وبرهان الدين ~~الصنهاجي، وشمس الدين ابن عبيد الحنبلي وجماعة. # ودار الكلام أيضا بينهم ثم انفصلوا. # وشدد الأمر على من تأخر فحضروا أيضا, وممن حضر سعد الدين النووي وجمال ~~الدين الكردي، وشرف الدين الغزي، وزين الدين ابن رجب، وتقي الدين ابن مفلح، ~~وأخوه، وشهاب الدين ابن حجي، فتواردوا على الإنكار على ابن أبي العز في ~~أكثر ما قاله. # ثم سئلوا ن قضية الذين نسبوا إلى الظاهر، وإلى ابن تيمية، فأجابوا كلهم ~~أنهم لا يعلمون في المسنون من جهة الاعتقاد إلا خيرا، وتوقف ابن مفلح في ~~بعضهم، ثم حضروا خامس مرة واتفق رأيهم على أن لا بد من تعزير ابن أبي العز، ~~إلا الحنبلي. # فسئل ابن أبي العز عما أراد بما كتب فقال: "ما أردت إلا تعظيم جانب # PageV01P013 # النبي -صلى الله عليه وسلم- وامتثال أمره: أنه لا يعطي فوق حقه". # فأفتى القاضي شهاب الدين الزهري بأن ذلك كاف في قبول قوله، وإن أساء في ~~التعبير، وكتب خطه بذلك. # وأفتى ابن الشريشي وغيره بتعزيره، فحكم القاضي الشافعي بحبسه، فحبس ~~بالعذراوية ثم نقل إلى القلعة، ثم حكم برفع ما سوى الحبس من التعزيرات، ~~ونفذه بقية القضاة. # ثم كتبت نسخة بصورة ما وقع وأخذ فيها خطوط القضاة والعلماء وأرسلت مع ~~البرية إلى مصر فجاء المرسوم في ذي الحجة بإخراج وظائف ابن أبي العز، فأخذ ~~تدريس العزية البرانية شرف الدين الهروي، والجوهرية علي الملقب الأكبر، ~~واستمر ابن أبي العز في الاعتقال إلى شهر ربيع الأول من السنة المقبلة. # وأحدث من يومئذ -عقب صلاة الصبح- التوسل بجاه النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~أمر القاضي الشافعي بذلك المؤذنين، ففعلوه. # وفي الرابع من ذي القعدة طلب ابن الزهري شمس الدين محمد بن خليل الحريري ms007 ~~المنصفي فعزره بسبب فتواه بمسألة الطلاق على رأي ابن تيمية، وبسبب قوله: ~~"الله في السماء". # وكان الذي شكاه القرشي فضربه بالدرة وأمر بتطويفه على أبواب دور القضاة، ~~ثم اعتذر ابن الزهري بعد ذلك وقال: "ما ظننته إلا من العوام لأنهم أنهوا ~~إلي أن فلانا الحريري قال: كيت وكيت". # حكى ذلك ابن الحجي، وهذا العذر دال على أنه تهور في أمره ولم يثبت, فلله ~~الأمر. # ومن أطرف ما حكي عن ابن المنصفي أن بعض الناس اغتم له مما جرى فقال: "ما ~~أسفي إلا على أخذهم خطي بأني أشعري فيراه عيسى بن مريم إذا نزل". انتهى. # وهذه أسباب أوجبت إخفاء المؤلف ابن أبي العز اسمه، أو أن النساخ حذفوا ~~اسمه خوفا من بطش هؤلاء الحكام وأتباعهم الظالمين, وإذا تتبعنا تلك الحقبة، # PageV01P014 # وما جرى فيها على العلماء من الإيذاء والإهانات، لطال بنا البحث. # ولا تغتر بتعليقات الكوثري التي يدافع بها عن برقوق ولاجين وأمثالهما، ~~فإن للعصبية لأبناء جنسه "الشركسي" دخلا في ذلك، إضافة إلى العصبية للمذهب ~~والمعتقد. # - وقد امتازت طبعتنا هذه بالفهرس الذي جمعنا فيه أطراف الأحاديث والآثار ~~وبعض الألفاظ الواردة في الكتاب تسهيلا للمراجع والمطالع وهو بعض الواجب ~~علينا في خدمة عقيدتنا، وسنة نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم. # ولما كان هذا الفهرس هو لسهولة الرجوع إلى ما في الكتاب، فقد دمجنا به ~~الأحاديث الصحيحة الموصولة وغيرها مما لم يصح، أو كان معلقا أو موقوفا أو ~~مرسلا، وبذلك فإن يشمل الآثار أيضا وقد أدخلنا الأحاديث المحلاة ب"أل" مع ~~جسم الحرف من غير فصل مثال حديث: "الإسلام شهادة: أن لا إله إلا الله" فإنك ~~تجده بعد حديث: "أسري بجسده ... " كما أننا فهرسنا بعض الألفاظ وجعلناها ~~أطرافا لحديث مع أن طرف الحديث لفظ آخر: "يا غلام! ألا أعلمك كلمات: احفظ ~~الله ... " , فإنك ستجده عند حرف "يا غلام" وعند " ... احفظ الله". # وقد ساعد بالجهد الأكبر في الفهرسة الأخ الفاضل الأستاذ رجب قمرية. # والله تعالى نسأل أن يجعل عملنا هذا خالصا لوجهه، وفي سبيل مرضاته، وأن ms008 ~~يحسن مثوبة كل من ساعد في نشر عقيدة السلف، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب ~~العالمين. # بيروت 15 المحرم 1407 # زهير الشاويش # PageV01P015 ### | ترجمة ابن أبي العز الحنفي # هو العلامة صدر الدين محمد بن علاء الدين علي بن محمد ابن أبي العز ~~الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي ولد سنة 731. # اشتغل بالعلوم، وكان ماهرا في دروسه وفتاويه، وخطب بحسبان قاعدة البلقاء ~~مدة، ثم ولي قضاء دمشق في المحرم سنة 779، ثم ولي قضاء مصر فأقام شهرا ثم ~~استعفى، ورجع إلى دمشق على وظائفه. # وذكر ابن العماد خبر اعتقاله لبيانه ما في قصيدة ابن أيبك من الشرك، وأنه ~~أقام مقترا عليه، إلى أن جاء الناصري، فرفع إليه أمره، فأمر برد وظائفه، ~~ولم تطل مدته فقد توافاه الله بعد ذلك. # وإصرار الكوثري وأتباعه على إنكار نسبة شرح الطحاوية إلى مؤلف حنفي، نوع ~~من المكابرة بالمحسوس الملموس!! بل شرحها أكثر من عالم حنفي، وقرظها ~~العشرات من الأحناف، وكيف لا يشرحها حنفي وهي عقيدة الإمام أبي حنيفة ~~وأصحابه -رحمهم الله- وهل المذهب الحنفي غير ما كان عليه أبو حنيفة ~~وأصحابه!! # وبما تقدم من نقول وصورة المخطوط لم يعد هناك من مجال للشك بأن الشرح هو ~~لابن أبي العز، جزاه عن الإسلام والمسلمين كل خير. # وقد كانت وفاته بدمشق سنة "792"1 - عليه رحمة الله. PageV01P016 ### | ترجمة الإمام الطحاوي "صاحب العقيدة" # وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الله بن سلمة بن سليم ~~بن سليمان بن جواب الأزدي الطحاوي -نسبة إلى قرية بصعيد مصر- الإمام المحدث ~~الفقيه الحافظ. # ولد رحمه الله سنة تسع وثلاثين ومائتين، وعندما بلغ سن الإدراك تحول إلى ~~مصر لطلب العلم، وأخذ يتلقى العلم على خاله إسماعيل بن يحيى المزني أفقه ~~أصحاب الإمام الشافعي, وكان كلما اتسعت دائرة أفقه يجد نفسه حائرا أمام ~~كثير من المسائل الفقهية، ولم يكن ليجد عند خاله ما يشفي غليله عنها، فأخذ ~~يترقب ما يصنعه خاله عندما تعترضه تلك المسائل، فإذا هو كثير من التعريج ~~على كتب أصحاب أبي حنيفة، ms009 وإذا هو يختار ما ذهب إليه أبو حنيفة في كثير ~~منها، وقد أودع هذه الاختيارات في كتابه "مختصر المزني". # فلم يسعه بعد ذلك إلا أن ينظر في كتب أصحاب أبي حنيفة ويطلع على منهجهم ~~في التأصيل والتفريع حتى إذا اكتملت معرفته بمذهب الإمام أبي حنيفة تحول ~~إليه واقتدى به وأصبح من أتباعه, ولم يمنعه ذلك من مخالفته لبعض أقوال ~~الإمام وترجيح ما ذهب إليه غيره من الأئمة لأنه -رحمه الله- لم يكن مقلدا ~~لأبي حنيفة، إنما كان يرى أن منهجه في التفقه أمثل المناهج في نظره فكان ~~يسير عليه، ويأتم به، ولذلك تجده في كتابه "معاني الآثار" يرجح ما لم يقبل ~~به إمامه, ومما يؤيد ما ذكرناه ما قاله ابن زولاق: سمعت أبا الحسن علي بن ~~أبي جعفر الطحاوي يقول سمعت أبي يقول وذكر فضل أبي عبيد حربويه وفقهه فقال: ~~كان يذاكرني في # PageV01P017 # المسائل فأجبته يوما في مسألة فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة فقلت له ~~أيها القاضي: أوكل ما قاله أبو حنيفة أقول به؟ فقال: ما ظننتك إلا مقلدا, ~~فقلت له: وهل يقلد إلا عصبي, فقال لي: أو غبي. قال فطارت هذه بمصر حتى صارت ~~مثلا وحفظها الناس1. # وقد تخرج على كثير من الشيوخ، وأخذ عنهم، وأفاد منهم، وقد أربى عددهم على ~~ثلاثمائة شيخ، وكان شديد الملازمة لكل قادم إلى مصر من أهل العلم من شتى ~~الأقطار، حتى جمع إلى علمه ما عندهم من العلوم، وهذا يدلك على مبلغ عنايته ~~في الاستفادة، وحرصه الأكيد على العلم, وقد أثنى عليه غير واحد من أهل ~~العلم، ووصفوه بأنه ثقة ثبت فقيه عاقل حافظ دين، له اليد الطولى في الفقه ~~والحديث. # قال ابن يونس: كان الطحاوي ثقة ثبتا فقيها عاقلا لم يخلف مثله. # وقال الذهبي في "تاريخه" الكبير: الفقيه المحدث الحافظ أحد الأعلام وكان ~~ثقة ثبتا فقيها عاقلا. # وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": هو أحد الثقات الأثبات والحفاظ ~~الجهابذة. # وأما تصانيفه -رحمه الله- فهي غاية في التحقيق والجمع وكثرة الفوائد وحسن ~~العرض. ms010 # فمن مصنفاته "العقيدة الطحاوية" وهي التي نقدمها مع شرحها في طبعتها ~~الأنيقة للقراء وهي على صغر حجمها غزيرة النفع سلفية المنهج تجمع بين ~~دفتيها كل ما يحتاج إليه المسلم في عقيدته, ومنها كتاب "معاني الآثار" وهو ~~كتاب يعرض فيه الأبحاث الفقهية مقرونة بدليلها، ويذكر في غضون بحثه المسائل ~~الخلافية، ويسرد أدلتها ويناقشها، ثم يرجح ما استبان له الصواب منها، وهذا ~~الكتاب يدرب طالب العلم على التفقه، ويطلعه على وجوه الخلاف، ويربي فيه ~~ملكة الاستنباط، ويكون له شخصية مستقلة. PageV01P018 # ومنها كتاب "مشكل الآثار"1 في نفي التضاد واستخراج الأحكام منها، ومنها ~~"أحكام القرآن" و"المختصر" و"شرح الجامع الكبير" و"شرح الجامع الصغير" ~~وكتاب "الشروط" و"النوادر الفقهية" و"الرد على أبي عبيد" و"الرد على عيسى ~~بن أبان" وغير ذلك من التصانيف الجليلة المعتبرة. # توفي -رحمه الله- سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ليلة الخميس مستهل ذي القعدة ~~بمصر ودفن بالقرافة. PageV01P019 ### | مقدمة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، ~~وصلاة الله وسلامه على نبينا محمد سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله ~~الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. # أما بعد, فلقد يسر الله تبارك وتعالى للأخ الفاضل الأستاذ زهير الشاويش ~~أن يعيد طبع الكتاب العظيم "شرح العقيدة الطحاوية" طبعة رابعة مهذبة، فرأيت ~~أنا بدوري أن أعيد النظر في تخريج أحاديثه، وأستدرك ما كان قد فاتني من ~~تحقيق القول في بعضها، أو سهو وقع لي في بعض أفرادها، وأن أنسق الكلام ~~عليها، فإن التخريج بأول أمره كان أشبه شيء بالتعليقات السريعة التي من ~~طبيعتها أن لا تمكن صاحبها من مراجعة الكتب من أجلها إلا قليلا، ولا من ~~إعادة النظر فيها، لأني كنت يومئذ على سفر، والمكتب راغب في سرعة طبع ~~الكتاب. # ولقد كنت استدركت شيئا من ذلك فيما بعد، في مقدمتي التي كان الأخ زهير ~~تفضل بإلحاقها بالنسخ الباقية من الطبعة الثالثة، كما هو معلوم عند من وقعت ~~له نسخة منها، أو أرسلت إليه هذه ms011 المقدمة مفردة. # وكان مما فاتني يومئذ توحيد طريقة التخريج في أحاديث الكتاب التي أخرجها ~~الشيخان أو أحدهما، فقد جريت في كثير من تخريجاتي وتأليفاتي على التصريح في ~~أول التخريج بمرتبة الحديث التي ينتهي إليها التحقيق، سواء كان مما أخرجه # PageV01P021 # الشيخان أو أحدهما، فاقول مثلا: "صحيح، أخرجه الشيخان", أو "صحيح، أخرجه ~~البخاري"، أو "صحيح، رواه مسلم" ونحو ذلك, ولكن لم يطرد لي ذلك في كل ~~أحاديثهما، بل وقع هذا التصريح في بعضها دون بعض. # وكان قد بلغني عن بعضهم أنه استشكل أو استنكر هذا التصريح، فحملني ذلك ~~على أن كتبت كلمة في المقدمة التي سبقت الإشارة إليها، أدفع بها الاستشكال ~~المشار إليه، فقلت فيها ما نصه: # "يلاحظ القارئ الكريم أن كثيرا من الأحاديث التي جاءت في الكتاب معزوة ~~إلى "الصحيحين" أو أحدهما، قد علقنا عليه بقولنا: "صحيح". وتارة نقول: ~~"صحيح، متفق عليه"، أو "صحيح، رواه البخاري"، أو "صحيح، رواه مسلم", وذلك ~~حين يكون الحديث غير مخرج في الكتاب، فالذي نريد بيانه حول ذلك، أنه يقول ~~قائل: إن الجمع بين "صحيح" و"متفق عليه" ونحوه، اصطلاح غير معروف، وقد ~~يتوهم فيه البعض أن أحاديث "الصحيحين" كأحاديث "السنن" وغيرها من الكتب ~~التي تجمع الصحيح والضعيف من الحديث ولم يفرد للصحيح فقط. # وجوابا على ذلك نقول: # إن الذي دعانا إلى هذا الاصطلاح، إنما هو شيء واحد، ألا وهو رغبتنا في ~~إيقاف القارئ بأقرب طريق على درجة الحديث بعبارة قصيرة صريحة، مثل قولنا: ~~"صحيح"، جرينا على هذا في كل حديث صحيح، ولو كان من المتفق عليه، لما ~~ذكرنا، ولسنا نعني بذلك ما أشرنا إليه مما قد توهمه البعض, كيف والصحيحان ~~هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين ~~وغيرهم، فقد امتازا على غيرهما من كتب السنة يتفردهما بجمع أصح الأحاديث ~~الصحيحة، وطرح الأحاديث الضعيفة والمتون المنكرة، على قواعد متينة، وشروط ~~دقيقة، وقد وفقوا في ذلك توفيقا بالغا لم يوفق إليه من بعدهم ممن نحا نحوهم ~~في جمع الصحيح، كابن خزيمة، وابن حبان، ms012 والحاكم، وغيرهم حتى صار عرفا عاما ~~أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما، فقد جاوز القنطرة، ودخل في طريق # PageV01P022 # الصحة والسلامة, ولا ريب في ذلك، وأنه هو الأصل عندنا، وليس معنى ذلك أن ~~كل حرف أو لفظة أو كلمة في "الصحيحين" هو بمنزلة ما في "القرآن" لا يمكن أن ~~يكون فيه وهم أو خطأ في شيء من ذلك من بعض الرواة، كلا فلسنا نعتقد العصمة ~~لكتاب بعد كتاب الله تعالى أصلا، فقد قال الإمام الشافعي وغيره: "أبى الله ~~أن يتم إلا كتابه"، ولا يمكن أن يدعي ذلك أحد من أهل العلم ممن درسوا ~~الكتابين دراسة تفهم وتدبر مع نبذ التعصب، وفي حدود القواعد العلمية ~~الحديثة، لا الأهواء الشخصية، أو الثقافة الأجنبية عن الإسلام وقواعد ~~علمائه، فهذا مثلا حديثهما الذي أخرجاه بإسنادهما عن ابن عباس "أن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة وهو محرم" فإن من المقطوع به أنه -صلى ~~الله عليه وسلم- تزوج ميمونة وهو غير محرم، ثبت ذلك عن ميمونة نفسها, ولذلك ~~قال العلامة المحقق محمد بن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" "2/ 104/ 1" وقد ~~ذكر حديث ابن عباس: # "وقد عد هذا من الغلطات التي وقعت في "الصحيح"، وميمونة أخبرت أن هذا ما ~~وقع، والإنسان أعرف بحال نفسه ... ". انظر الحديث "1037" من "إرواء الغليل ~~في تخريج أحاديث منار السبيل". # وعلى الرغم من هذا البيان القاضي على الإشكال، فقد علمت في هذه الأيام أن ~~أحد أعداء عقيدة أهل السنة والجماعة من متعصبة الحنفية -قد رفع تقريرا إلى ~~بعض المراجع المسئولة في الدولة السعودية التي هو مدرس في بعض معاهدها؛ يحط ~~فيه من قيمة هذا التخريج، وينسب إلي ما لم يخطر لي على بال، فرأيت أن ألخص ~~هنا مآخذه علي، لأعود بعد ذلك، فأكر عليها بالرد والنقض, ويمكن تلخيصها في ~~خمسة أمور. # الأول: قولي فيما عزاه المصنف للشيخين أو أحدهما: "صحيح" وقولي أحيانا: ~~"صحيح، أخرجه مسلم" أو "صحيح، متفق عليه", وأحيانا لا أقول في كل ذلك ~~"صحيح": فاستنتج المتعصب المشار إليه ما أفصح عنه بقوله: ms013 # "ما لم يقل فيه ذلك يكون متوقفا فيه تحت النظر والمراجعة له فيه حتى يأتي ~~هو بحكمه، فجاء بشيء لم يسبقه إليه المتقدمون ولا المتأخرون! ". # PageV01P023 # الثاني: قولي في بعض الأحاديث والآثار: "لا أعرفه", ويرد عليه بقوله: ~~"فكان ماذا إذا عرفه غيره كالشارح أو غيره مثلا"! وقال في أثر ابن مسعود ~~"هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر" الذي قلت فيه: لا أعرفه: ~~فقال في ذلك: "فهل المراد من هذا أنه لا يعرف المعروف من المنكر، أولا يعرف ~~كلام عبد الله بن مسعود"!!. # الثالث: أخذ علي قولي في حديث صحيح مستدركا على الشارح عزوه إياه ~~ل"الصحيح": لكن لم يروه أحد من أهل "الصحيح" والمراد به البخاري أو مسلم. # الرابع: قال: "استدرك بعض المصححين حديثا نفاه "كذا الأصل" أن يكون ~~موجودا في كتب السنة التي اطلع عليها، وقال: لا أصل له باللفظ المذكور في ~~شيء من كتب السنة التي وقفت عليها وأظنه وهما من المؤلف. فإذا به قد رواه ~~الترمذي في سننه وابن جرير أيضا كما قد نبهه إلى ذلك أحد المصححين في ~~"المكتب الإسلامي" وأن الحديث بلفظه الذي نفاه جاء في "مشكاة المصابيح" ~~برقم 234 فيها"!. # الخامس: أخذ علي أيضا قولي في حديث: "من عادى لي وليا ... ": "رواه ~~البخاري، وفي سنده ضعف، لكن له طرق لعله يتقوى بها، ولم يتيسر لي حتى الآن ~~تتبعها وتحقيق الكلام عليها". # هذه هي الأمور الهامة التي أخذها علي ذلك المتعصب، وثمة أمور أخرى لا ~~تستحق الذكر ضربت لذلك الذكر عنها صفحا. # ولما كان كلامه قد ينطلي على البعض، لا سيما الذين لم يتح لهم الاطلاع ~~على المقدمة الملحقة بالطبعة الثالثة، كان لا بد من أن أكشف النقاب عما فيه ~~من البعد عن الحق والإنصاف، بل وتعمد الكذب والتزوير وكتم الحقيقة عن الذين ~~رفع تقريره إليهم، والطعن في مخرج الكتاب بغير حق، ظلمات بعضها فوق بعض. ~~فأقول مجيبا على كل أمر من تلك الأمور الخمسة مراعيا ترتيبها: # PageV01P024 ### | 1 - # إن قولي فيما رواه الشيخان ms014 أو أحدهما: "صحيح" وكنت قدمت الجواب عنه في ~~المقدمة الملحقة المشار إليها آنفا وهو قولنا فيها: # "رغبتنا في إيقاف القارئ بأقرب طريق على درجة الحديث بعبارة قصيرة صريحة ~~... " واطرادا لطريقتي في تخريج الأحاديث حسبما شرحته في مطلع هذه المقدمة, ~~غاية ما في الأمر أنه لم يطرد لي ذلك في بعض الأحاديث للسبب الذي سبق بيانه ~~فجاء هذا المتعصب فعلل ذلك بتعليل من عند نفسه إرواء منه لحقده وغيظه، فقال ~~كما تقدم نقله عنه: # "وما لم يقل فيه ذلك يكون متوقفا فيه ... إلخ", ثم أعاد هذا فقال: "ص4" ~~عن تقريره متسائلا، مجيبا نفسه بنفسه: # "فهل الحكم لهذا الحديث بالصحة آت من حكمه هو له، أو من إخراج مسلم لهذا ~~الحديث في صحيحه وحكمه له بالصحة, الجواب أن الصحة لهذا الحديث وآمثاله ~~آتية من حكمه هو له بالصحة، وليس من حكم الإمام مسلم، بدليل أنه علق على ~~غيره مما أخرجه مسلم بقوله "صحيح" وتارة يقول: "صحيح، متفق عليه". # فأقول، وبالله أستعين: # إن هذا الجواب الذي أجاب به نفسه لهو محض تخرص واختلاق؛ لأن كل من شم ~~رائحة العلم بالحديث الشريف يعلم بداهة أن قول المحدث في حديث ما: "رواه ~~الشيخان"، أو "البخاري أو مسلم" إنما يعني أنه صحيح, فإذا قال في بعض ~~المرات: "صحيح، رواه الشيخان" أو "صحيح، رواه البخاري" أو "صحيح، رواه ~~مسلم" أو نحوه فلا ينافي أنه صحيح, غاية ما في الأمر أن التعبير مختلف ~~والمعنى متحد, فأي شيء في هذا الاختلاف في التعبير؟ وإنما أتي هذا المتعصب ~~من جهله بهذا العلم، وضيق فكره وعطنه، إن سلم من سوء قصده، وفساد طويته، ~~الذي يدل عليه بعض أقواله المتقدمة مما سيأتي التعليق عليه، ولفت النظر ~~إليه، وإنما قلت: "من جهله"؛ لأني لا أستبعد على مثله أن يخفى عليه مثل # PageV01P025 # هذا التوجيه بين التعبرين؛ لأن الجمود على التقليد الذي ران على قلبه، لا ~~يفسح له المجال أن يتفهم الحقائق الظاهرة لكل ذي لب وبصيرة، إلا أن يلقنها ~~إياه شيخ مقلد مثله وهيهات! ms015 وظني به أنه يجهل أن قولي: "صحيح، رواه ~~الشيخان" ونحو مما تقدم، قد سبقت إليه، وإلا لم يبادر إلى الإنكار وإلى هذا ~~الافتراء الذي نسبه إلي من أني إذا قلت: "رواه الشيخان" فأنا متوقف في صحته ~~-زعم- ولما قال أيضا ما سبق نقله عنه. "فجاء بشيء لم يسبقه إليه المتقدمون ~~ولا المتأخرون"! # وقد سبقني إلى ما ذكرت إمام كبير من أئمة الحديث وحفاظه ألا وهو شيخ ~~الإسلام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي مؤلف الكتاب ~~الجليل: "شرح السنة" الذي يقوم بطبعه المكتب الإسلامي لأول مرة1، فقد جرى ~~فيه مؤلفه -رحمه الله تعالى- على مثل ما جريت أنا عليه في تخريج هذا ~~الكتاب: "شرح الطحاوية"، فهو تارة يكتفي بعزو الحديث إلى الشيخين أو ~~أحدهما، وتارة يضم إلى ذلك التصريح بالصحة، والاستعمال الأول، لا شبهة فيه ~~عند صاحب التقرير الجائر، ولذلك فلا فائدة من تسويد الورقة بنقل الأمثلة ~~عنه فيه, وإنما المستنكر عنده الاستعمال الآخر: الجمع بين التصريح بالصحة ~~مع العزو إلى الشيخين أو أحدهما، فهذا الذي ينبغي ضرب الأمثلة له من الكتاب ~~المذكور، لعل ذلك المتعصب يرتدع عن جهله وغيه. # لقد رأيت للحافظ البغوي في المجلد الأول من كتابه المذكور أنواعا من ~~التعابير، أنقلها مع الإشارة إلى أحاديث كل نوع منها برقمها. # الأول: "صحيح، متفق على صحته", يعني بين الشيخين. # انظر الأحاديث "6، 68، 132"، وقد يقول: # "صحيح، أخرجاه". رقم "154". PageV01P026 # الثاني: "حديث صحيح، أخرجه محمد", يعني الإمام البخاري1. # انظر الأحاديث: "41، 113، 171". # الثالث: "هذا حديث صحيح"، يقوله في الأحاديث التي يرويها بسنده عن ~~البخاري، وهذا بإسناده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي في "صحيحه". # انظر الأحاديث: "12، 23، 34، 44, 57، 86، 94، 108، 116، 125، 141، 158، ~~203، 230". # الرابع: "هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم". # وهذا النوع كثير جدا عنده فانظر الأحاديث: "2، 4، 8، 16، 17، 24، 36، 47، ~~50، 53، 56، 59، 62، 64، 67، 74، 78، 80، 81، 85، 91، 93، 101، 109، 123، ~~127، 139، 148، 151، 152، 157، 191، 201، 205، 211، 219، 231، 232, 236، ~~238". # الخامس: ورأيته مرة قال: "هذا حديث حسن، أخرجه مسلم" فلم يصححه! راجع رقم ~~"107". # وظني أن عنده أمثلة أخرى من كل نوع من هذه الأنواع الخمسة ولا سيما ~~الرابع منها، ولكني لا أطول الآن بقية الأجزاء، وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد ~~الله له الهداية. # وبهذا البيان يتبين ms016 للقارئ الكريم بوضوح تام بطلان ما رماني به المتعصب ~~الجائر في قوله السابق: # "فجاء بشيء لم يسبقه إليه المتقدمون ولا المتأخرون"! # وإن أراد به ما سبق أن نقلته عنه ما لم أقل فيه: "صحيح" مما أخرجه ~~الشيخان PageV01P027 # أو أحدهما: أني متوقف فيه تحت النظر والمراجعة! فهو باطل وزور، كما سبق ~~بيانه في مطلع هذا الجواب، وأزيد هنا فأقول: # إن الدليل الذي استدل به على هذا الباطل لو كان صحيحا، لشمل معي الإمام ~~البغوي، ومن قال مثل ذلك، فقد قدمت عنه الأمثلة الكثيرة في قوله: "صحيح، ~~متفق عليه" ونحوه، مع أنه في أحاديث أخرى مما أخرجه الشيخان أو أحدهما لم ~~يقل فيها: "صحيح" كما سبقت الإشارة إليه، فهل معنى ذلك عند هذا المتعصب ~~الجائر: أن البغوي أيضا متوقف في هذا النوع الذي لم يقل فيه: صحيح؟! # ومما يزيد القارئ الكريم علما ببطلان ما اتهمني به المتعصب المشار إليه ~~أن أذكره بأن الأحاديث التي عزاها الشارح -رحمه الله تعالى- أو عزوتها أنا ~~إلى الشيخين أو أحدهما، ولم أقل فيها "صحيح" هي أكثر -باعتراف المتعصب في ~~تقريره- من الأحاديث التي قلت فيها: "صحيح"، فلو كان ما رماني به حقا وصدقا ~~لكان مساويا لقوله -لو قال- "إن أكثر الأحاديث المعزوة في الكتاب للصحيحين ~~أو أحدهما هي مما توقف فيه الألباني وتحت نظره ومراجعته حتى يأتي هو ~~بحكمه"! لو قال هذا أحد لبادر كل القراء الذين لهم اطلاع على شيء من كتبي ~~وتخريجاتي إلى تكذيبه، وهذا المتعصب الجائر وإن لم يقل هذا القول الذي ~~افترضته، فقد قال القول المساوي له والمؤدي إليه، فعليه وزره! بل إن هذا ~~القول الذي رماني به يبلطه أيضا ما كنت صرحت به في مقدمة الطبعة الثالثة: ~~"إن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما، فقد جاوز القنطرة، ودخل في طريق ~~الصحة والسلامة ... " والمتعصب الجائر على علم بهذا يقينا، فلئن جاز له أن ~~ينسب إلى ما لم يخطر في بالي مطلقا بنوع من الاجتهاد منه -إن كان أهلا له- ~~قبل أن يطلع على هذا النص، فكيف ms017 جاز له ذلك بعد أن علم به, فالله تعالى ~~يتولى جزاءه. ### | 2 - # إن قولي في بعض الأحاديث والآثار: "لا أعرفه" معناه معروف عند طلاب هذا ~~العلم الشريف فضلا عن العالمين به: لا أعرف إسناده، فأحكم عليه بما يستحق ~~من صحة أو ضعف، وبعض العلماء يعبر في مثل هذا بتعبير آخر، فيقول: # PageV01P028 # لم أجده1 أو لم أجد له أصلا وبعضهم يقول لا أصل له. وهذا كله معروف عند ~~العلماء، وهذا التعبير الأخير منتقد عند بعض المحققين، لما فيه من الاطلاع ~~الموهم أنه لا أصل له عند العلماء قاطبة، ومثل هذا الحكم صعب، فبالأولى ~~التعابير التي قبله. # فهل المتعصب الجائر على جهل بهذا، أم هو يتجاهل لغاية في نفسه, فإن كنت ~~لا تدري. # وغالب الظن أنه جمع المصيبتين الجهل والتجاهل معا، أما الجهل فيدل عليه ~~قوله المتقدم ذكره عنه: "فكان ماذا إذا عرف غيره كالشارح أو غيره مثلا". # قلت: فظاهر هذه العبارة أنه أراد المتن، أي أن الشارح عرف المتن الذي لم ~~أعرف أنا! وأنا إنما أعني كما جرى عليه من قبلي من المحدثين: لم أعرف ~~إسناده، فما الفائدة من معرفة الشارح لهذا المتن, وكل أحد يعلم ذلك من ~~كتابه، وإن كان يعني المتعصب الجائر أن الشارح عرف إسناده -وهذا بعيد جدا ~~عن ظاهر كلامه- فمن أين له ذلك والشارح، لم يخرجه، ليمكننا الرجوع إلى ~~مخرجه ولننظر في إسناده؟ PageV01P029 # وأما التجاهل فهو واضح من قوله: "فهل المراد من هذا أنه لا يعرف المعروف ~~من المنكر"! فإن هذا لا علاقة له البتة بقولي في تخريج الخبر: "لا أعرفه". ~~فما معنى تساؤله المذكور إلا لتجاهل المقصود للمراد، وصرف الكلام إلى ما ~~ليس له علاقة بالبحث، ليروي بذلك غيظ قلبه، ويظهر للناس كمين حقده، وعظيم ~~حسده، بسوء لفظه، حتى لا يدري ما يخرج من فمه. نسأل الله العافية. # وبعد كتابة ما تقدم رجعت إلى كتاب "المصنوع في معرفة الموضوع" للشيخ ~~العلامة ملا علي القاري، المطبوع حديثا بتحقيق وتعليق صاحب التقرير الجائر، ~~فوجدت فيه عديدا من الأحاديث ms018 التي قال الحافظ السخاوي في كل واحد منها: "لا ~~أعرفه" وهي برقم: "1، 2، 12، 16، 43، 83، 98، 158، 163، 186، 205، 282، ~~294، 309، 336، 381"، وذكر مثله عن الحافظ ابن حجر في الحديث "273"، وقال ~~هو في الحديثين "297، 302": غير معروف. # قلت: فهل معنى قولهم: "لا أعرفه"، أو "غير معروف" أنهم لا يعرفون المتن؟ ~~طبعا لا، لما سبق بيانه. # وقد رأيت هذا المتعصب قال في تقدمته للكتاب "ص8" تحت عنوان "شذرات في ~~بيان بعض عبارات المحدثين حول الأحاديث الموضوعة": # "1 - قولهم في الحديث: لا أصل له، أو لا أصل له بهذا اللفظ، أو ليس له ~~أصل، أو لا يعرف له أصل، أو لم يوجد له أصل، أو لم يوجد، أو نحو هذه ~~الألفاظ، يريدون أن الحديث المذكور ليس له إسناد ينقل به". ثم نقل عن ابن ~~تيمية أن معنى قولهم: ليس له أصل، أو لا أصل له، معناه: ليس له إسناد. # قلت: فأنت ترى أن المنفي في هذه الأقوال إنما هو الإسناد، وليس المتن، ~~باعتراف المتعصب نفسه، فهو على علم به، فهذا يرجح أنه تجاهل هذه الحقيقة، ~~حيث انتقدني على قولي في بعض الأحاديث: "لا أعرفه"، وعليه فقوله: "فكان ~~ماذا إذا عرفه غيره كالشارح أو غيره مثلا"، يعني أنه عرف إسناده الشارح أو ~~غيره، فنقول: هذه دعوى، والله عز وجل يقول: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم ~~صادقين}، ورحم الله من قال: # PageV01P030 # والدعاوي ما لم تقيموا عليها ... بينات أبناؤها أدعياء # أقول هذا دون أن يفوتني التنبيه على أنه من المحتمل أنه كان ناسيا لقول ~~ابن تيمية السابق لما انتقدني في تقريره, فإن الرجل على كثرة نقله عن كتب ~~العلماء، فهو فيها كحاطب ليل؛ لأن في كثير من الأحيان ينقل عنهم ما لم يهضم ~~معناه، فهو لذلك لا يستحضره عند الحاجة إليه، بل قد ينساه مطلقا فلا يتخذه ~~له منهجا في منطلقه في هذا العلم، ولذلك تراه متناقضا في تعليقاته أشد ~~التناقض فيقر في بعضها ما كان انتقده سابقا، أو العكس، ولست الآن في صدد ~~شرح ذلك في هذه المقدمة، ولا هو يستحق ذلك، وإنما بين يدي ms019 الآن مثالان من ~~تعليق "المصنوع"! لا أريد أن أفوت على نفسي فائدة التنبيه عليهما: # الأول: قال بعد الفقرة السابقة مباشرة: # "2 - لا أعرف، أو لم أعرفه أو لم أقف عليه ... أو ... أو ... ونحو هذه ~~العبارات إذا صدر من أحد الحفاظ المعروفين، ولم يتعقبه أحد كفى للحكم على ~~ذلك الحديث بالوضع"! # كذا قال: وهو خطأ واضح، يدل على بعده عن هذا العلم، فإن هذه العبارات ~~التي ساقها في هذه الفقرة هي في الدلالة على المراد منها كالعبارات التي ~~ذكرها في الفقرة الأولى السابقة، فكما أن تلك معناها: ليس له إسناد، فكذلك ~~هذه ولا فرق، وإذا كان كذلك، فكون الحديث لم يقف المخرج على إسناده، فليس ~~معناه عنده أنه موضوع؛ لأن الحديث الموضوع، إما أن يكون وضعه من قبل ~~إسناده، وذلك بأن يكون فيه كذاب أو وضاع، وهذا لا سبيل إليه إلا من إسناده، ~~والفرض هنا أنه غير معروف، وإما أن يكون من قبل متنه، وذلك بأن يكون فيه ما ~~يخالف القرآن أو السنة الصحيحة، أو غير ذلك مما هو مذكور في "مصطلح ~~الحديث"، ومن المعلوم بداهة، أنه ليس كل حديث لا إسناد له؛ في متنه ما يدل ~~على وضعه، بل لعل العكس هو الصواب، أعني أن غالبها ليس فيها ما يدل على ~~وضعها، كما أشار إلى ذلك العلامة القارئ في الكتاب المذكور "ص137" وإن ~~تعقبه المتعصب، فإن موضع الشاهد منه مسلم به اتفاقا، وهو أن كثيرا منها ليس ~~عليها # PageV01P031 # أمارات الوضع، وهذا مما يدل عليه تعليق المتعصب نفسه هناك, فثبت بذلك ~~خطؤه في قوله المتقدم أن قول أحد الحفاظ "لا أعرفه" أو نحوه كاف للحكم على ~~الحديث بالوضع! ولو بالشرط الذي ذكره, وبالجملة فقولهم: لا أعرفه، أو لا ~~أصل له، لا يساوي في اصطلاحهم قولهم: حديث موضوع. إلا إذا كان هناك قرينة ~~في متنه تدل على وضعه، فيشيرون إلى ذلك بإضافة لفظة "باطل" كقول الحافظ ~~العراقي في حديث الصلاة ليلة الجمعة بين المغرب والعشاء 12 ركعة، وحديث ~~الصلاة ليلة الجمعة بعد ms020 العشاء وسنتها عشر ركعات "1/ 200 - "تخريج الإحياء" ~~المطبعة التجارية" قال في كل منهما: "باطل لا أصل له" وقال مثله في حديث ~~رواه الخضر عن النبي صلى الله عليه وسلم! "1/ 352". وكذلك قال في حديث رابع ~~"1/ 353"، بينما لم يقل ذلك في عشرات الأحاديث الأخرى مما لا أصل له، فانظر ~~الصفحات "92، 148، 150، 157، 159، 166، 170، 183، 187، 192، 299، 307 - ~~ولفظه فيها: لم أجده" و"60، 156 بلفظ: لم أجده بهذا اللفظ" و"62، 76، 125، ~~237 بلفظ: لم أجده هكذا" و"72، 152، 169، 243، 260، 312، 320، 354 بلفظ: لم ~~أقف له على أصل، ومرة: ليس له أصل، و"76، 81، 102، 135، 141، 177، 198، ~~200، 232، 240، 241، 296، 317، بلفظ، لم أجد له أصلا، ومرة: إسنادا". # وكذلك وجدت في "المصنوع" خمسة أمثلة في أحاديثها: "باطل لا أصل له" فانظر ~~"75، 248، 261، 379، 383"، وسائر الأحاديث التي لا أصل لها مما جاء فيه لم ~~يقل فيها: "باطل"، كل ذلك إشارة إلى ما ذكرنا، وهذا النوع "باطل لا أصل له" ~~مما فات على المتعصب ذكره في تلك الأنواع مع استيفائه إياها، وذلك دليلا ~~أيضا على بعده عن التحقيق العلمي. # المثال الآخر: جاء في "المصنوع" حديث رد الشمس على علي رضي الله عنه ~~ليصلي العصر بعد أن غربت ولم يصل, فذكر المتعصب في التعليق عليه: جماعة من ~~العلماء قالوا بأنه حديث موضوع، وآخرون ذهبوا إلى تصحيحه منهم شيخه ~~الكوثري، فضل المتعصب بين هذين الحكمين المتناقضين، ولم يستطع -وهو الأمر ~~الطبيعي الملازم له! أن يرجح أحدهما على الآخر، ولكنه حاول باديء الرأي أن # PageV01P032 # يرجح التصحيح بدون مرجح، وإنما تقليدا منه لشيخه الكوثري فقال: "ص215": # "وقد جاءت كلمته رحمه الله تعالى على وجازتها ملخصة المسألة أحسن تلخيص، ~~إذ قال: "ولا كلام في صحة الحديث من حيث الصناعة، لكن حكمه حكم أخبار ~~الآحاد الصحيحة في المطالب العلمية", فأفاد بهذا الإيجاز البالغ أن الخبر ~~على صحته لا ينهض في بابه وموضوعه؛ لأنه من المطالب العلمية التي تتوقف على ~~اليقينيات وما قاربها, فلا بد على هذا من تأويل الخبر مع قولنا بصحته ~~لمخالفته ما هو من الأمور العلمية، والله تعالى أعلم". # هكذا قال هذا المسكين، ولم يدر أنه بهذه الفلسفة التي تلقاها ms021 من شيخه ~~يجعله كما تقول العامة: "كنا تحت المطر، فصرنا تحت المزارب"؛ لأنه فتح على ~~نفسه بابا للشباب الذين لا علم لهم بالسنة أن يردوا كل حديث صحيح ورد في ~~الأمور التي ليست من الأحكام، وإنما هي في المعجزات أو بدء الخلق والجنة ~~والنار، وبكلمة واحدة في الغيبيات التي تتوقف على اليقينيات بزعمه ويعني ~~بذلك الأحاديث المتواترة، ثم تحفظ فقال: "أو ما قاربها" ويعني الأحاديث ~~المشهورة التي رواها أكثر من اثنين, أما الحديث الذي تفرد به الثقة وهو ~~صحيح عند أهل العلم فليس حجة في الغيبيات عنده فلا بد من تأويله بزعمه، ~~وليت شعري كيف يؤول مثل هذا الحديث الذي يتحدث عن واقعة معينة؟ اللهم إلا ~~بإنكار معناه وتعطيله حتى يتفق مع العقول المريضة والقلوب العليلة، تماما ~~كما فعلوا في آيات الصفات وأحاديثها! ثم إن المتعصب المذكور يبدو أنه بعد ~~أن كتب عن شيخه ما كتب وقف على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث ~~فألحقه بكلام شيخه قائلا: # "على أن الذي يقرأ كلام الشيخ ابن تيمية يجزم بوضع الحديث"! # هكذا قال بالحرف الواحد، فليتأمل القارئ كيف حكم في أول الأمر بصحة ~~الحديث، ثم ختمه بهذه العبارة التي توهم أنه قد مال أخيرا إلى أن الحديث ~~موضوع! والحقيقة أنه لضعفه في هذا العلم لا يستطيع أن يقطع فيه برأي، هذا ~~إذا أحسنا الظن به، وإلا فمن غير المعقول أن يخالف شيخه الكوثري إلى رأي ~~ابن تيمية الذي حكم عليه شيخه بأن أكبر بلية أصيب المسلمون بها إنما هو ابن ~~تيمية! وإنما # PageV01P033 # حكى القولين المتناقضين ليفسح له المجال للدفاع عن نفسه إذا ما خاصمه ~~أنصار أحدهما, ولله عاقبة الأمور1. # 3، 4 - يريد المتعصب الجائر بما أخذه علي في الفقرتين السابقتين، الطعن ~~في قيمة تخريجي لأحاديث الكتاب، كأنه يقول: كما وهم في إنكاره اللفظ المخرج ~~عند الترمذي، فمن الممكن أن يكون نفيه لكون الحديث الآخر في "الصحيح" وهما ~~منه أيضا! # وجوابي على ذلك أن أقول: إذا فتح باب رد كلام الثقة بدون ms022 حجة، وإنما ~~لمجرد إمكان كونه أخطأ، أو لأنه أخطأ فعلا في بعض المواطن، لم يبق هناك ~~مجال لقبول خبر أو علم أي ثقة أو عالم في الدنيا؛ لأنه لا عصمة لأحد بعد ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإن مما ~~يدلك أيها القارئ على تحامل هذا المتعصب، وأنه يقول في نقده إياي ما لا ~~يعتقد، أنه هو نفسه قد طبع في تعليقه على "الرفع والتكميل" "ص122 - الطبعة ~~الثانية" ما نصه: # "وقد يقع للثقة وهم أو أوهام يسيرة، فلا يخرجه ذلك عن كونه ثقة! ". # فهل نسي المتعصب الجائر قوله هذا أم تناساه؟! وصدق الله العظيم: {يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون} , {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت ~~الوهاب}. # وإذا كان هذا المتعصب الجائر يحاول أن يسقط الثقة بمخرج "شرح الطحاوية" ~~لوهم أو أكثر من وهم، فماذا يقول في شارح "الطحاوية" نفسه الذي يتظاهر هو ~~بتبجيله والثقة به في مطلع تقريره وهو قوله: # "يرى الناظر في شرح الطحاوية أن الشارح لها من أهل التوثق والضبط ~~والإتقان فيما ينقله من الأحاديث". # ونحن وإن كنا نعتقد أن الشارح رحمه الله تعالى هو من أهل الثقة والضبط ~~حقا، فإني أريد أن أحصر هنا الأوهام التي تنبهت لها، وليس ذلك من باب الطعن ~~فيه، ورفع الثقة عنه، كما هو ظاهر من ردنا الآنف على المتعصب الجائر، وإنما ~~لأمرين: PageV01P034 # الأول: إما أن أكون مصيبا فيما نسبت إلى الشارح من الأوهام عند المتعصب ~~الجائر, وحينئذ نسأله: هل الشارح لا زال عندك "من أهل التوثق والضبط ~~والإتقان" على الرغم من أوهامه كما هو عندنا قبل ذلك وبعده لما سبق ذكره من ~~أن العصمة لله وحده؟ فإن أجاب بالإيجاب، قلنا: فكيف يلتقي ذلك مع سعيك ~~الحثيث لرفع الثقة عن مخرج أحاديث كتابه لمجرد أنه وهم في تخريج حديث واحد؟ ~~أليس هذا من باب الوزن ms023 بميزانين والكيل بكيلين، أو من قبيل الجمع بين الصيف ~~والشتاء على سطح واحد؟! # وإن أجاب بالنفي، فقد ظهر للناس حقيقة ما تخفيه نفسك، وعرفوا أن ما تظهر ~~على خلاف ما تبطن! # والأمر الآخر: إذا كنت مخطئا في ذلك عنده، فيرجى منه أن يبين لنا ذلك ~~لنرجع عنه كما رجعنا عن الوهم السابق ذكره, وبذلك يعرف الناس أن للألباني ~~أخطاء كثيرة، وأوهاما عديدة، وهذا هدف هام للمتعصب يسعى إليه حثيثا؛ لأنه ~~بذلك ترتفع -بزعمه- ثقة الناس عن الألباني فعلا! # إذا تبين هذا، فلنذكر الأوهام المشار إليها، في خطوط عريضة -كما يقال ~~اليوم- دون أن نذكرها مفصلا بمفرداتها، مكتفين بالإشارة إلى صفحاتها من هذه ~~الطبعة. ### | 1 - # عزا للصحيحين أو أحدهما وإلى أصحاب السنن الأربعة ما ليس عندهم، فانظر ~~الصفحات "159، 314، 361، 451، 462، 475، 476، 485، 486، 511". ### | 2 - # يذكر الحديث عن صحابي يسميه، وهو في الحقيقة لغيره. انظر الصفحة "283، ~~380، 393، 518". ### | 3 - # صدر حديثا عزاه لمسلم بصيغة "روي"، وهي في اصطلاح العلماء موضوعة للحديث ~~الضعيف، مع أن الحديث صحيح، أيضا فقد رواه البخاري دون مسلم!! "314". ### | 4 - # أشار إلى تضعيف حديث أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"! دون أن يذكر وجه ~~تضعيفه، ولا علة فيه عندي، بل له شاهد يقويه ذكرته هناك "ص161". # PageV01P035 ### | 5 - # عزا إلى "الصحيح" حديثا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من ~~فعل بعض أصحابه، ولكنه صلى الله عليه وسلم قد أقره. "ص367". ### | 6 - # رفع حديثا موقوفا. "ص453". ### | 7 - # ذكر حديثين لا أصل لهما. "ص120، 394". # إلى غير ذلك من الأوهام التي بيناها في محالها، مما لا يخلو منه كتاب إلا ~~نادرا، لا سيما إذا كان مؤلفه ليس له اختصاص معرفة بعلم الحديث الشريف. # فما رأي المتعصب الحنفي في هذه الأوهام، وهل تسقط بها عنده ثقة شارح ~~الطحاوية التي يتظاهر بها ليتخذها سلاحا للطعن في الألباني وإسقاط الثقة ~~به، مع أنه لم يعلم منه سوى وهم واحد؟! أم هو يلعب على الحبلين -كما تقول ~~العامة عندنا- فالرجل ثقة عنده إذا كان مرضيا لديه, ويكفي في ذلك أن يكون ~~حنفيا كالشارح! أو كانت له ms024 مصلحة في التظاهر بالرضا عنه لدى القوم المقدرين ~~له! مهما كانت أخطاؤه! وآخر غير ثقة عنده إذا كان هواه في عدائه وإسقاط ~~الثقة به، مهما قلت أخطاؤه، ولا ذنب له سوى أنه -في نظرك- طلق حنفيته ~~البتة! واتخذ السلفية مذهبا له ومشربا. # وقبل أن أنهي الكلام على هاتين الفقرتين أريد أن ألفت النظر إلى تدليس ~~خبيث لهذا المتعصب، فإن قوله عني: "وفي ص536"1 استدرك بعض المصححين ... " ~~يشعر من لم يقف على الاستدراك المشار إليه في الصفحة المذكورة أنه لبعض ~~المصححين، والواقع خلافه، فأنا الذي كتبته ووقعته باسمي، ورغبت في طبعه في ~~آخر الكتاب، خضوعا للحق واعترافا بالخطأ، دون أن أنسى وجوب نسبة الفضل إلى ~~الذي نبهني عليه، فقد قلت في الاستدراك المشار إليه: # "قلت: ثم تبين إلي أنني وهمت في توهيم المؤلف رحمه الله تعالى فإن اللفظ ~~المذكور قد أخرجه الترمذي في تمام الحديث: "اتقوا الحديث ... " ورواه ابن ~~جرير أيضا وقد خرجته على الصواب في تحقيق "المشكاة", رقم الحديث "234". ~~والفضل في هذا الاستدراك يعود إلى أحد المصححين في المكتب الإسلامي -جزاه ~~الله خيرا. محمد ناصر الدين الألباني". PageV01P036 # فترى أن كاتب الاستدراك إنما هو أنا، والمصحح المشار إليه إنما له فضل ~~التنبيه إلى وجود الحديث في الترمذي، فلما راجعت له بعض المصادر وجدتني قد ~~كنت خرجته في تعليقي على "المشكاة" قبل تخريجي لشرح الطحاوية بسنوات. # فتأمل أيها القارئ الكريم هل في استدراكي هذا معترفا بالوهم، وعدم ~~المكابرة فيه -كما قد يفعل غيري- ما يذم عليه صاحبه أم يمدح؟ ثم انظر كيف ~~يقلب الحقائق فيأخذ من كلامي المذكور في "الاستدراك" نفسه أن الحديث في ~~"المشكاة" وأنه رواه ابن جرير أيضا, وأنا الذي ذكرته فيه معزوا إليه! ~~فيتجاهل ذلك، ولا ينسبه إلي، وإنما إلى غيري! فهو يشيع الخطأ عن أخيه ~~المسلم ولو بعد اعترافه، ويكتم فضله عن الناس، أهكذا يكون حال المسلم الذي ~~علق في كتاب "الرفع والتكميل" "ص51": قال التابعي الجليل محمد بن سيرين: # "ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم، وتكتم خيره" ms025 وصدق الله العظيم: { ~~... كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} , ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذ يقول: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت". ### | 5 - # من الواضح أن المتعصب الجائر يشير في هذه الفقرة إلى الطعن في لتضعيفي ~~إسناد هذا الحديث, وقد رواه البخاري, وجوابي عليه من وجهين: # الأول: إنني لست مبتدعا بهذا التضعيف، بل أنا متبع فيه لغيري ممن سبقني ~~من كبار أئمة الحديث وحفاظه، مثل الذهبي في "الميزان", وابن رجب الحنبلي في ~~"شرح الأربعين النووية"، والحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" -كتاب ~~الرقاق- وقد نقل هذا عن الذهبي أنه قال في ترجمة راويه خالد بن مخلد: # "هذا حديث غريب جدا، لولا هيبة "الصحيح" لعدوه في منكرات خالد بن مخلد، ~~فإن هذا المتن لم يرو إلا بهذا الإسناد، ولا خرجه من عدا البخاري، ولا أظنه ~~في "مسند أحمد" قال الحافظ ابن حجر: "قلت: ليس هو في مسند أحمد جزما، ~~وإطلاق أنه لم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد مردود، ومع ذلك فشريك شيخ ~~شيخ خالد -فيه مقال أيضا- وهو راوي حديث المعراج الذي زاد فيه ونقص، # PageV01P037 # وقدم وأخر، وتفرد فيه بأشياء لم يتابع عليها .. ولكن للحديث طرقا أخرى، ~~يدل مجموعها على أن له أصلا". # ثم خرج الحافظ هذه الطرق التي أشار إليها، وبعضها حسن عنده، وابن رجب ~~يقول فيها: "لا تخلو من مقال", ولذلك كنت توقفت عن إعطاء حكم صريح لهذا ~~الحديث بالصحة حتى يتيسر لي النظر في طرقه، ثم يسر لي ذلك، منذ بضع سنين، ~~فتبين لي أنه صحيح بمجموعها، وأودعت تحقيق الكلام فيها، وبيان ما لها وما ~~عليها في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" "1640", وبناء على ذلك جزمت بصحته في ~~هذه الطبعة كما تراه في الصفحة "498". # والوجه الآخر: إذا كان المتعصب الجائر أخذ علي تضعيفي لإسناد الحديث دون ~~متنه الذي كنت توقفت فيه إلى أن يتيسر لي تتبع طرقه، فماذا يقول في شيخه ~~زاهد الكوثري الذي علق عليه في "الأسماء والصفات" للبيهقي "ص 491" بما يؤخذ ~~منه أنه حديث ms026 منكر عنده جزما؛ لأنه نقل كلام الذهبي المتقدم وفيه "ولم يرو ~~هذا المتن إلا بهذا الإسناد" ثم أقره عليه، ولم يتعقبه بشيء كما فعل ~~الحافظ، ولا تحفظ تحفظي السابق، الأمر الذي يشعر الواقف على كلامه بأن ~~الحديث عنده منكر لا يحتمل تقويه بطرقه، خلافا لما صنعته أنا. # فيا أيها القارئ الفاضل: أليس الواجب على هذا المتعصب الجائر، أن يقدر ~~تحفظي هذا حق قدره، بدل أن ينتقدني، بل أن يوجه نقده إلى شيخه؟ بلى ثم بلى، ~~ذلك هو الواجب عليه لو تجرد عن الغرض والهوى، وصدق من قال: # وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا # وإذا كان هذا الجائر لم يجد في كل ما خرجته من أحاديث الكتاب -وهي تبلغ ~~المئات- ما يتشبث به لينتقدني فيه إلا هذا الحديث الفرد على التفصيل الذي ~~سلف، ولي فيه سلف كما رأيت، فماذا يقول في نقد شيخه الكوثري لعشرات ~~الأحاديث الصحيحة مما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" أو أحدهما، فضلا عن ~~غيرها من الأحاديث الثابتة عند أهل الحديث، وذلك في رسائله وتعليقاته على ~~بعض كتب السنة وغيرها، ولا سلف له في تضعيف أكثرها! ولا بأس من أن أذكر في ~~هذه # PageV01P038 # العجالة ما تيسر لي منها الآن، وبجانب كل حديث ذكر الكتاب والصفحة ومن ~~خرجه. ### | 1 - # حديث "خلق الله التربة ... " رواه مسلم, التعليق على "الأسماء والصفات" ~~"ص26، 383". ### | 2 - # حديث مراجعة موسى للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الخمسين صلاة التي فرضت ~~أول الأمر في ليلة الإسراء. متفق عليه "منه ص189". ### | 3 - # حديث الرؤية يوم القيامة، وفيه أن الله تعالى يأتي المنافقين في غير ~~صورته. أخرجه الشيخان "ص292 منه". ### | 4 - # حديث: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة ... " أخرجه الشيخان. "ص320 منه". ### | 5 - # حديث ضحكه -صلى الله عليه وسلم- تصديقا لليهودي ... أخرجه الشيخان ~~"ص336". ### | 6 - # حديث الحشر والساق. أخرجه الشيخان. "ص344". ### | 7 - # حديث قوله -صلى الله عليه وسلم- للجارية: "أين الله؟ " , رواه مسلم. ~~"ص421". ### | 8 - # حديث أن الطلاق بلفظ الثلاث كان يحسب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ms027 ~~وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلقة واحدة. رواه مسلم "الإشفاق على أحكام ~~الطلاق" "ص52 - 56 طبعة حمص". ### | 9 - # حديث علي رضي الله عنه في أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- إياه بهدم ~~القبور المشرفة. رواه مسلم. "ص159 - مقالات الكوثري". ### | 10 - # حديث جابر: "نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تجصيص القبور". رواه ~~مسلم. "ص159 - مقالات الكوثري". ### | 11 - # حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه. أخرجه ~~الشيخان. "ص83 - تأنيب الخطيب". ### | 12 - # حديث وائل بن حجر في رفع اليدين أيضا. رواه مسلم "ص83 منه". ### | 13 - # حديث أنس في رضخ رأس اليهودي لرضخه رأس جارية ... رواه الشيخان "ص23 - ~~منه". ### | 14 - # حديث ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "قضى بيمين وشاهد ... ~~رواه مسلم. "ص185 - منه". # PageV01P039 # هذه الأحاديث كلها في "الصحيحين" أو أحدهما كما رأيت، وقد ضعفها الكوثري ~~كلها، ومعها أمثالها، لو تتبعها أحد من أهل العلم في كتبه وتعليقاته لجاءت ~~في مجلد! وأما الأحاديث التي ضعفها مما ليس عند الشيخين فحدث ولا حرج، وتجد ~~بعض الأمثلة منها مع الرد عليه فيها عند الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني ~~رحمه الله تعالى في كتابه الفذ "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من ~~الأباطيل"1، وقد كنت قمت على تحقيقه وطبعه منذ بضع سنين. # فما رأي التلميذ البار في شيخه "العلامة المحقق الحجة الإمام ... ~~الكوثري" وقد ضعف هذه الأحاديث الصحيحة كلها؟! # بل ما رأيه هو نفسه في تضعيفه لحديث رواه مسلم في "صحيحه"؟! فقد قال ~~تعليقا على قول اللكنوي في "الرفع" "ص134 - 135": ولا يصح الحديث لكونه ~~شاذا أو معللا, قال المتعصب الجائر في تعليقه عليه: # "مثاله ما انفرد به مسلم في "صحيحه" "4/ 111" من رواية قتادة عن أنس بن ~~مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر ~~وعثمان، فكانوا يستفتحون ب {الحمد لله رب العالمين}، لا يذكرون: "بسم الله ~~الرحمن الرحيم" في أول قراءة ولا في آخرها". # ثم نقل عن ابن الصلاح وجه الإعلال المشار إليه. # فما قول المتعصب الجائر ms028 في إقدامه المكشوف على تضعيفه لهذا الحديث في ~~"صحيح مسلم"، وهو ينقم على توقفي عن تصحيح حديث البخاري المتقدم؟! مع ضعف ~~سنده عند المحققين؟! # فإن قال: أنا في ذلك تابع لابن الصلاح. فالجواب: إن كان هذا لك عذرا، ~~فأنا أولى به منك لأن متبوعي في التضعيف المشار إليه أكثر وأشهر، كما يعلم ~~مما سبق! مع الفرق الكبير في ذلك وهو أنني ألمحت إلى إمكان ثبوت حديثي ~~بطرقه، وهذا ما لم يصنعه هو في حديثه الذي أعله، بل إن الحافظ في "الفتح" ~~دفع علته ورحم الله من قال: PageV01P040 # فحسبكمو هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بالذي فيه ينضح # بل ماذا يقول هذا المتعصب الجائر الجاني على نفسه فيما جاء في "مقدمة ~~إعلاء السنن" تحت عنوان "ذكر بعض المغامز في "الصحيحين" وتكلف الجواب ~~عنها"! قال مؤلفه الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي عقبه "ص463": # "وما يقوله الناس: إن من روى له الشيخان فقد جاوز القنطرة، هذا من التجوه ~~"أي التكلف" ولا يقوى ... " ثم أطال في الاستدلال لما قال! # والغرض من إيراد هذا هنا أن يعلم القارئ الكريم أن هذه المقدمة قام على ~~طبعها والتعليق عليها المتعصب الجائر، وقد علق في أكثر من موضع منها متعقبا ~~على المؤلف، وأما هنا فإنه سكت عنه، ولم يتعقبه بشيء البتة, الأمر الذي يدل ~~على أنه مع المؤلف فيما غمز به "الصحيحين"، وفي رد قول الناس المذكور، وقد ~~كنت ذكرت نحوه في مقدمة الطبعة الثالثة، وقد سبق حكايته في هذه المقدمة ~~"ص21"، وإن القارئ ليزداد عجبا من هذا العنوان وما تحته إذا علم أن لفظة ~~"الناس" فيه، إنما المراد به الحافظ الذهبي وأمثاله من كبار المحدثين، ~~الذين يعرفون فضل "الصحيحين"، ودقة تحريهما للأحاديث الصحيحة، على ما هو ~~مشروح في كتب "علم مصطلح الحديث" و"مقدمة فتح الباري" للحافظ ابن حجر، ~~وغيره، فتجد هذا المتعصب يتابع المؤلف المشار إليه في نقد "الصحيحين" نقدا ~~عاما انتصارا لمذهبهم الحنفي، الذي لا يأخذ بكثير من أحاديثهما، وقد مضت ~~بعض الأمثلة على ذلك مما رده ms029 الكوثري شيخ هذا المتعصب المشار إليه من ~~أحاديثهما. # هذا حال هذا المتعصب الهالك، وموقفه من "الصحيحين" الحالك، ومع ذلك، فهو ~~لا يستحيي أن يتظاهر بالغيرة عليهما، والمدافعة عنهما، من أجل حديث واحد ~~لأحدهما، قلنا في إسناده ما قاله أهل الاختصاص فيه، دون أن نتجرأ على تضعيف ~~متنه، حتى يتيسر لنا البحث في طرقه، فلما من الله علينا به، تبينت لنا صحته ~~والحمد لله تعالى. # وهذه خدمة لصحيح الإمام البخاري أقدمها بفضل الله بعد أن قرأت ما قاله ~~الحافظ الذهبي وابن رجب وغيرهما، وهنا يصح لنا أن نتمثل بقول الشاعر: # PageV01P041 # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # لقد أراد هذا المتعصب أن يظهرنا أمام الناس بمظهر الطاعنين في "صحيح ~~البخاري" وكذا "مسلم" فإذا بالحقائق تشهد أنه هو الطاعن، مصداقا للمثل ~~السائر: "من حفر بئرا لأخيه وقع فيه"1 والمثل الآخر: "من كان بيته من زجاج ~~فلا يرم الناس بالحجارة"! # إن مبلغ تعصب هذا الحنفي تبعا لشيوخه الأحناف على أهل الحديث عامة، ~~والبخاري ومسلم خاصة، لا يعلمه إلا من تتبع مؤلفاتهم، أو تعليقاتهم على ~~غيرها وقد سبق ذكر بعض النماذج منها، ومن الأدلة الجديدة التي وقفت عليها، ~~تلك المقدمة التي مضت الإشارة إليها والتي قام هذا المتعصب الجائر على ~~طبعها حديثا والتعليق عليها، فقد ذكر مؤلفها في مطلعها "ص20": # "أنه جعلها أساسا لكلامه في كتابه "إعلاء السنن" في تصحيح الأحاديث ~~وتحسينها، مبينة لقواعد خالف فيها علماءنا الحنفية جماعة المحدثين، "كذابا ~~بالضبط وليس العكس! " ولكل وجهة هو موليها في باب التصحيح والتحسين ~~والتضعيف، فرب ضعيف عند المحدثين صحيح عند غيرهم، وكذا العكس"!! # ثم ذكر مخالفة ابن حبان جمهور المحدثين في قبوله رواية المجهول والاحتجاج ~~بها، والتي ردها الحافظ ابن حجر وغيره من المحدثين، على ما هو مفصل في محله ~~من "علم المصطلح"، ذكر ذلك ليتخذها ذريعة لتبرير مخالفة الحنفية أيضا إياهم ~~في كثير من قواعدهم متسائلا بقوله "ص2": # "فماذا على الحنفية لو خالفوا كذلك بعض الأصول! ". ثم يتدرج من ذلك إلى ms030 ~~القول "ص20": # "قلت: ولا يخفى أن ظن المجتهد لا يكون حجة على مجتهد آخر". # يشير بذلك إلى أن الحنفية مجتهدون في مخالفتهم لأئمة الحديث في أصولهم، ~~فمهما خالفوهم في شيء من قواعدهم، فلا لوم عليهم في ذلك, وبناء على ما سبق، ~~PageV01P042 # صرح "ص461": بأن للحنفية في الحديث أصولا، كما أن للمحدثين أصولا! وكل ~~هذه الأقوال مر عليها المتعصب الجائر مرور المسلم بها، فإنه سكت عنها، ولم ~~يتعقبها بشيء، بل ذكر في تعليقه على الصفحة "21" أنه عدل اسم هذه المقدمة ~~بموافقة المؤلف إلى: "قواعد في علوم الحديث"! # قلت: وكم كان يكون طريفا جدا لو أنه ألحق بهذا الاسم الجديد قوله: "على ~~مذهب الحنفية"، ليكون عنوانا صادقا عن مضمون الكتاب وحقيقته، فإنه في ~~الواقع، قد اشتمل على قواعد كثيرة لهم، خالفوا فيها جماهير علماء الحديث ~~قديما وحديثا, وما ذلك إلا ليتسنى لهم -بناء عليهما- تصحيح ما ضعفه علماء ~~الحديث، أو تضعيف ما صححوا! كما أشار إلى ذلك بقوله المتقدم: "فرب ضعيف عند ~~المحدثين صحيح عند غيرهم" يعني الحنفية! # يقول هذا مع أن من فصول كتابه "ص440": "يرجع في كل علم إلى أهله ورجاله"! # ثم أيده بكلام جيد نقله من "منهاج السنة"، لشيخ الإسلام ابن تيمية فكيف ~~يتفق هذا مع ما قبله يا أولى النهى! # والحقيقة أن هذه المقدمة لم تأت بجديد بالنسبة للعارفين بما عليه الحنفية ~~من التعصب لأقوال علمائهم، حتى المتأخرين منهم، الذين يصرحون بأنهم مقلدون ~~لمن قبلهم -زعموا- وليسوا مجتهدين أي علماء، عند أهل العلم والتحقيق! وذلك ~~بتأويلهم النصوص، أو رد ما يمكن رده منها حين لا يساعدهم التأويل، ~~وبتقويتهم للأحاديث المعروفة الضعف عند المحدثين، وإنما الجديد في المقدمة ~~المذكورة هو التصريح بما لا يعرفه أكثر الناس عنهم، حتى عامة الحنفية ~~أنفسهم، ألا وهو أن للحنفية في الحديث أصولا كما أن للمحدثين أصولا! وذلك ~~ليرجعوا إليها عند الاختلاف في المسائل الفقهية أو غيرها، ويبرروا لأنفسهم ~~عدم الرجوع إلى القواعد المعروفة عند أهل العلم المتخصصين في الحديث! # وعلى هذا فلا لوم على الفرق ms031 الضالة المخالفة لأهل السنة، إذا ما رجعوا ~~عند الاختلاف إلى أصولهم التي ارتضوها لأنفسهم، كاحتجاج الشيعة مثلا، بكل ~~ما يروى عن أئمة أهل البيت رضي الله عنهم، بدعوى أنهم معصومون! # PageV01P043 # وليتأمل العاقل المنصف كم تتسع شقة الخلاف بين المذاهب الأربعة فضلا عن ~~غيرهم، إذا ما قامت كل طائفة منهم لتضع لها أصولا في رواية الحديث غير ~~مبالية بجهود أهل الحديث واختصاصهم فيه؟! # وإليك الآن بعض تلك القواعد التي بينها المؤلف المشار إليه في "المقدمة" ~~وارتضاها المتعصب: ### | 1 - # المجتهد إذا استدل بحديث كان تصحيحا له. "ص57 - 59, ص65 - تعليق". # وغرضهم من هذه القاعدة التمهيد لرد تضعيف المحدثين لكثير من أحاديثهم ~~التي يستدلون بها في كتبهم، وهي على قواعدهم معلولة، بالركون إلى هذه ~~القاعدة المزعومة، وصححوا الحديث بها! ومما يؤكد ما قلنا قول المؤلف "ص59": # "قلت: فكل حديث ذكره محمد بن الحسن الإمام، أو المحدث الطحاوي محتجين به ~~فهو حجة صحيحة على هذا الأصل لكونهما محدثين مجتهدين"! # قلت: يقول هذا مع أن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى على جلالته في الفقه، ~~فهو مضعف عند المحدثين، لسوء حفظه، كما تراه مشروحا في "ميزان الاعتدال" ~~للحافظ الذهبي وغيره, ومن تعصبهم على المحدثين وسوء ظنهم بهم، ما نقله ~~المعلق على الكتاب "ص343" عن الكشميري الحنفي أن وجه تضعيفهم إياه بأنه كان ~~أول من جرد الفقه من الحديث، وكانت مشاكلة التصنيف قبل ذلك ذكر الآثار ~~والفقه مختلطا، فلما خالف رأيهم طعنوا عليه في ذلك"! # هكذا قال! مع أنه يعلم أن الطعن عندهم فيه، إنما هو سوء الحفظ قال الذهبي ~~في ترجمته محمد بن الحسن في "الميزان": # "لينه النسائي وغيره من قبل حفظه". # وقد حكاه عنه المؤلف نفسه "ص344"، ولكنه جاء بباقعة1 أخرى فقال في ~~التعليق عليه: # "قلت: تشدده معلوم", يعني الإمام النسائي! ### | 2 - # قبول مرسل غير الصحابي من أهل القرن الثاني والثالث "ص138"، والقرن ~~الرابع أيضا "ص450". PageV01P044 # قلت: ومعنى ذلك أن التابعي، أو تابعه، أو تابع تابعه، أو تابعه، إذا قال: ~~قال رسول الله -صلى الله ms032 عليه وسلم- فهو حجة عندهم يثبت به الحكم الشرعي أي ~~بالحديث المعضل, والمعلق ولو من رجل القرن الرابع! وهذا ضعيف باتفاق علماء ~~الحديث، وغرضهم من ذلك أنه إذا أورد أحد أئمتهم حديثا ما ولو بدون إسناد ~~إطلاقا، وكان في قرن من القرون الثلاثة من بعد الأول، ورده علماء الحديث ~~بأنه لا أصل له، أو لا يعرف له إسناد، عارضوا ذلك بهذه القاعدة! # قلت: وهذا أمر خطير جدا إذ يتنافى مع ما هو مقرر عند العلماء: أن الإسناد ~~مطلوب في الدين، وأنه من خصائص هذه الأمة الإسلامية، وعليه يقوم علم الحديث ~~والرواية، ولذلك قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: الإسناد من الدين، ولولا ~~الإسناد لقال من شاء ما شاء. وقال الشافعي رحمه الله: مثل الذي يطلب الحديث ~~بلا إسناد كمثل حاطب ليل. والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا، وقد ساق الكثير ~~الطيب منها أبو الحسنات اللكنوي رحمه الله في كتابه "الأجوبة الفاضلة" ثم ~~عقب عليها بقوله: # "فهذه العبارات بصراحتها أو بإشارتها تدل على أنه لا بد من الإسناد في كل ~~أمر من أمور الدين، سواء كان ذلك من قبيل الأخبار النبوية أو الأحكام ~~الشرعية أو المناقب والفضائل، فشيء من هذه الأمور لا ينبغي عليه الاعتماد، ~~ما لم يتأكد بالإسناد، لا سيما بعد القرون المشهود لهم بالخيرية", ثم ذكر ~~الوضاعين وأنواعهم ثم قال "ص29": # "ومن هنا نصوا: أنه لا عبرة بالأحاديث المنقولة في الكتب المبسوطة ما لم ~~يظهر سندها، أو يعلم اعتماد أرباب الحديث عليها، وإن كان مصنفها فقيها ~~جليلا ... " إلخ كلامه. فراجعه فإنه مهم جدا. # قلت: وإذا عرفت هذا، وأن الإسناد لا بد منه حتى في القرون الثلاثة فضلا ~~عن الرابع وما دونه، وتذكرت أن أكثر كتب الحديث المعتمدة مؤلفوها في قرن من ~~هذه القرون كمسند الطيالسي وأحمد وأبي يعلى وغيرهم، وأصحاب الكتب الستة ~~وغيرهم، ومثل معاجم الطبراني الثلاثة وغيرها، فعلى هذه القاعدة الباطلة إذا ~~قال # PageV01P045 # أحد هؤلاء: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكر إسناده وصار الحديث ~~بذلك صحيحا, فما قيمة ms033 الإسناد حينئذ، ويا ضيعة جهود المحدثين في جمع ~~الأسانيد! # هذا مع أن المعروف عنهم أنهم يردون كثيرا من الأحاديث المرسلة، فضلا عن ~~المعضلة إذا كانت خلاف مذهبهم، وما لهم لا يفعلون ذلك، وهم يردون أيضا ~~الأحاديث الموصولة أيضا، وتجد بعض الأمثلة على ذلك في كتابي "أحكام الجنائز ~~وبدعها" فهل هذه القواعد وضعت لأجل الرد على خصومهم والتستر بها، فإذا كانت ~~عليهم لم يلتفتوا إليها؟! # وقابل هذه القاعدة بقاعدتهم الآتية: ### | 3 - # لا يقبل قول أئمة الحديث: "هذا الحديث غير ثابت، أو منكر ... من غير أن ~~يذكر الطعن"! # سبحان الله! ما هذه المفارقات، قول أهل الاختصاص في الحديث إذا ضعفوا ~~الحديث لا يقبل ... واستدلال المجتهد بحديث ما تصحيح له, فهذا يقبل مع أنه ~~لم يصرح بالتصحيح، وكذلك قول من دون التابعين: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- يقبل حديثه على أنه صحيح وقد لا يكون من العلماء بالحديث؟! # أليس معنى هذه القاعدة هدم جانب كبير من علم الحديث وأقوال العارفين به، ~~فإن هناك مئات بل ألوف الأحاديث لا نعرف ضعفها ونكارتها إلا من قول ~~المحدثين بذلك فيها, فإذا قال مثل الحافظ الزيلعي والذهبي والعراقي في حديث ~~ما: إنه ضعيف، فكيف لا يقبل منهم وهم أهل الاختصاص!! ولكن لعلهم يستثنون ~~منهم الحافظ الزيلعي لأنه حنفي المذهب! # نعم لو قيدوا قولهم أو قاعدتهم هذه بما إذا كان هناك مخالف من علماء ~~الحديث ذهب إلى تصحيحه، فالأمر في هذا قريب، ومع ذلك، فالصواب في هذه ~~الحالة أنه لا بد من الرجوع إلى قاعدة أخرى معروفة في علم الحديث وهي: إذا ~~تعارض الجرح والتعديل، فأيهما المتقدم؟ والصحيح أن الجرح هو المقدم إذا كان ~~سببه مبينا وكان في نفسه جارحا، وبيانه هناك، ومن الغريب أن صاحب المقدمة ~~قد رجح فيها "ص175" هذا الذي صححته، فكيف قعد هذه القاعدة المنافية ~~لترجيحه؟! ولماذا # PageV01P046 # خص بالذكر فيها أئمة الحديث دون أئمة الحنفية الذين يصححون ويضعفون حسب ~~قواعدهم! هل هو تنفيس عما يضمرون في نفوسهم من العداء الشديد لائمة الحديث ~~أم ms034 ماذا؟! ### | 4 - # شيوخ إمامنا الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه ثقات. "ص219 - 220". # قلت: يقول هذا مع علمه أن من شيوخ أبي حنيفة رحمه الله تعالى جابر ~~الجعفي، فقد ذكر هو نفسه "ص348": أنه ثبت عن أبي حنيفة أنه قال في جابر ~~الجعفي: ما رأيت أكذب منه! # ولذلك لم يسع المعلق عليه -على بالغ تعصبه- من أن يستدرك على المؤلف ~~فيقول: "إن القاعدة على الأغلب الأكثر". # والمتقرر عند علماء الحديث: أن رواية العدل ليست بمجردها توثيقا. # ثم إنني لا أدري كيف يتجرأ هذا المؤلف على مثل هذه القاعدة. # والواقع في "مسانيد أبي حنيفة" التي جمعها أبو المؤيد الخوارزمي الحنفي ~~يكذبها بشهادة الجامع نفسه، وإليك عشرة من شيوخ أبي حنيفة الذين أوردهم ~~الخوارزمي مع بيانه لضعفهم، وفيهم غير واحد من المتهمين! ### | 1 - # محمد بن الزبير الحنظلي. قال البخاري: فيه نظر. 2/ 350. ### | 2 - # محمد بن السائب الكلبي. قال البخاري: تركه يحيى بن سعيد وابن مهدي. 2/ ~~350. ### | 3 - # إبراهيم بن مسلم الهجري. قال البخاري: كان ابن عيينة يضعفه. 2/ 382. ### | 4 - # إسماعيل بن مسلم المكي. تركه ابن المبارك وابن مهدي. 2/ 382 - 383. ### | 5 - # أيوب بن عتبة. قال البخاري: ضعيف عندهم. 2/ 383 - 384. ### | 6 - # حكيم بن جبير. قال البخاري: كان شعبة يتكلم فيه. 2/ 426. ### | 7 - # مسلم بن كيسان أبو عبد الله الضرير. قال البخاري: يتكلمون فيه. 2/ 551. ### | 8 - # مجالد بن سعيد. ضعفه يحيى القطان. 20/ 554. # PageV01P047 ### | 9 - # نصر بن طريف. قال البخاري: سكتوا عنه. 2/ 562. ### | 10 - # يزيد بن ربيعة أبو كامل الرحبي. قال البخاري: في حديثه مناكير. 2/ 574. # وأما شيوخه الذين سرد الخوارزمي أسماءهم وبيض لهم، وهم ممن تكلم العلماء ~~فيهم فحدث ولا حرج، فضلا عن غيرهم ممن لم يذكرهم مثل عطية العوفي. 1/ 103, ~~وعبد الكريم ابن أبي أمية 2/ 51 - 52, وأبي سفيان طريف بن شهاب السعدي 1/ ~~312, وغيرهم. # هذا، وبعد أن فرغت من الرد على ما جاء في ذلك التقرير الجائر، من الزور ~~والباطل، فقد قوي في نفسي الشعور بأن القارئ قد يتساءل بعد فراغه من قراءة ~~هذا الرد: من هو صاحب ذلك التقرير الجائر حقا؟ وقد بدا لي أن ms035 من حقهم علي ~~أن أجيبهم عن ذلك التساؤل، على الرغم من أنني حاولت في أثناء كتابته أن لا ~~أبوح باسمه، فقد ظهر لي أخيرا أن الأولى بل الواجب الكشف عن هويته، ليعرف ~~كل قارئ عدوه من صديقه، وحبيبه من بغيضه، فيحب في الله، ويبغض في الله، ولي ~~في ذلك من أهل العلم بالحديث وأصوله أحسن أسوة، الذين صرحوا بجواز بل وجوب ~~ذكر رواة الحديث بأسمائهم وعيوبهم في الرواية ليعرفوا، فما أكثر ما ترى في ~~كتبهم مثل قولهم: فلان وضاع، أو كذاب، أو سيئ الحفظ، ونحو ذلك، حتى أنهم لم ~~يتورعوا عن وصف بعض الأئمة المتبوعين في بعض المذاهب بما علموا فيهم من سوء ~~الحفظ، وقد مضى قريبا قولهم في محمد بن الحسن الشيباني، كل ذلك نصحا منهم ~~للمسلمين، وغيرة على الدين، وقد صرحوا بأن غيبة الرجل حيا وميتا تجوز لغرض ~~شرعي، لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وقد جمعها بعضهم في قوله: # القدح ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرفة ومحذر # ومجاهر فسقا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر # ولا يخفى على القارئ الحبيب بأن الأغراض الستة هذه أكثرها يمكن الاعتماد ~~عليها فيما نحن فيه، وعليه أقول: # PageV01P048 # هو الشيخ عبد الفتاح أبو غدة الحنفي الحلبي، المعروف بشدة عدائه لأهل ~~السنة والحديث، لا سيما في بلده "حلب" حين كان يخطب على منبر مسجده يوم ~~الجمعة، ويستغله للطعن في أهل التوحيد المعروفين في بلده -بالسلفيين- خاصة، ~~وفي أهل التوحيد السعوديين وغيرهم الذين ينبزهم بلقب الوهابية عامة، ويعلن ~~عداءه الشديد لهم، ويصرح بتضليلهم بقوله: "إن الاستعانة بالموتى من دون ~~الله تعالى وطلب الغوث منهم جائز، وليست شركا، ومن زعم أنها شرك أو كفر فهو ~~كافر، ويتهمهم جميعا بشتى التهم، التي كنا نظن أن أمرها قد انتهى ودفن؛ لأن ~~الناس قد عرفوا حقيقة أمرهم، وأن دعوتهم تنحصر في تحقيق العبادة لله تعالى، ~~وإخلاص الاتباع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإذا بأبي غدة هذا، يتجاهل ~~كل ذلك، ويحيي ما كان ميتا من التهم حولهم، ويلصقها بهم، ms036 بل ويزيد عليها ما ~~لم نسمعه من قبل، فيقول من على المنبر: "إن هؤلاء الوهابيين تتقزز نفوسهم ~~أو تشمئز حينما يذكر اسم محمد -صلى الله عليه وسلم- "سبحانك هذا بهتان ~~عظيم" إلى غير ذلك من التهم الباطلة مما سمعه منه أهل بلده الذين حضروا ~~خطبه بذلك، وغيره مما جاء في التعليق على كتاب الأستاذ الفاضل فهر الشقفة: ~~"التصوف بين الحق والخلق" "ص220" الطبعة الثانية، وهذا موافق تماما لما ~~قاله متعصب آخر مثله، من حملة "الدكتوراه" في كتاب له: # "ضل قوم لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وراحوا ~~يستنكرون التوسل بذاته -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته". # فهل هذا توافق غير مقصود بذاته من هذين المتعصبين، وإنما التقيا عليه ~~بجامع الاشتراك في الحقد على أهل السنة ومعاداتهم، دون اتفاق سابق بينهما ~~على اتهامهم بهذه التهمة الباطلة التي نخشى أن يكونا أحق بها وأهلها أم ~~الأمر كما قال تعالى: {أتواصوا به بل هم قوم طاغون}. # فلما كتب الله على البلاد السعودية أن يكون أبو غدة مدرسا في بعض معاهدها ~~كتم عداءه الشديد إياهم ولدعوتهم، وتظاهر بأنه من المحبين لهم، ولسان حاله ~~ينشد: # ودارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم # ودعم ذلك بقيامه على طبع بعض كتب الحديث والتعليق عليها، وأحدها من # PageV01P049 # كتب الإمام ابن القيم، ويزين بعضها بالنقل عنه وعن شيخ الإسلام ابن تيمية ~~رحمهما الله تعالى, ولكنه في الوقت نفسه لا يتمالك من النقل عن عدوهما ~~اللدود وعدو أهل الحديث جميعا، بل والإكثار عنه، ألا وهو المدعو زاهد ~~الكوثري، الذي كان -والحق يقال- على حظ وافر من العلم بالحديث ورجاله، ~~ولكنه مع الأسف كان علمه حجة عليه ووبالا؛ لأنه لم يزدد به هدى ونورا، لا ~~في الفروع ولا في الأصول، فهو جهمي معطل، حنفي هالك في التعصب، شديد الطعن ~~والتحامل على أهل الحديث قاطبة، المتقدمين منهم والمتأخرين. # فهو في العقيدة يتهمهم بالتشبيه والتجسيم ويلقبهم في مقدمة "السيف ~~الصقيل" "ص5" بالحشوية السخفاء، ويقول في كتاب "التوحيد" للإمام ابن خزيمة: ms037 ~~"أنه كتاب الشرك"! أو يرمي نفس الإمام بأنه مجسم جاهل بأصول الدين! # وفي الفقه يرميهم بالجمود وقلة الفهم، وأنهم حملة أسفار! ". # وفي الحديث طعن في نحو ثلاثمائة من الرواة أكثرهم ثقات، وفيهم نحو تسعين ~~حافظا، وجماعة من الأئمة الفقهاء، كمالك والشافعي وأحمد، ويصرح بأنه لا يثق ~~بأبي الشيخ ابن حيان، ولا بالخطيب البغدادي ونحوهما! ويكذب الإمام عبد الله ~~ابن الإمام أحمد بن حنبل المتفرد برواية "المسند" عن أبيه، وكأنه لذلك لا ~~يعتبره من المسانيد التي ينبغي الرجوع إليها، والاعتماد عليها فيقول في ~~كتابه "الإشفاق على أحكام الطلاق" "ص23 طبع حمص". # "مسند أحمد على انفراد من انفرد به ليس من دواوين الصحة أصلا", ثم قال ~~"ص24": "ومثل مسند أحمد لا يسلم من إقامة السماع والتحديث مقام العنعنة، ~~لقلة ضبط من انفرد برواية مثل هذا المسند الضخم"! # ثم هو يصف الحافظ العقيلي بقوله: "المتعصب الخاسر"، وبالجملة فقل من ينجو ~~من الحفاظ المشهورين وكتبهم من غمز ولمز هذا المتعصب الخاسر حقا مثل ابن ~~عدي في "كامله" والآجري في "شريعته"! وغيرهما. # وهو إلى ذلك يضعف من الحديث ما اتفقوا على تصحيحه، ولو كان مما أخرجه # PageV01P050 # البخاري ومسلم في "صحيحيهما" دون علة قادحة فيه، وقد سبق ذكر بعض ما ضعفه ~~منها، وعلى العكس من ذلك فهو يصحح انتصارا لعصبيته المذهبية ما يشهد كل ~~عارف بهذا العلم أنه ضعيف بل موضوع، مثل حديث: "أبو حنيفة سراج أمتي"! إلى ~~غير ذلك من الأمور التي لا مجال لسردها، وبسط القول فيها الآن, وقد رد عليه ~~وفصل القول فيها بطريقة علمية سامية، وبحث منطقي نزيه، العلامة عبد الرحمن ~~المعلمي اليماني في كتابه "طليعة التنكيل" ثم في كتابه الفذ العظيم ~~"التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، فليراجعهما من شاء الوقوف على ~~حقيقة ما ذكرنا، فإنه سيجد الأمر فوق ما وصفنا, والله المستعان. # هذا شيء من حال الكوثري، وأبو غدة -دون شك- على علم بها؛ لأنه إن كان لم ~~يتعرف عليها بنفسه من بطون كتب الكوثري التي هو شغوف بمطالعتها, وهذا ms038 أبعد ~~ما يكون عنه, فقد اطلع عليها بواسطة رد العلامة اليماني عليها ردا علميا ~~نزيها كما سبق. # وإن تعليقات أبي غدة الكثيرة على الكتب التي يقوم بطبعها، والنقول التي ~~يودعها فيها من كلام الكوثري، كل هذا وذاك ليدل دلالة واضحة على أنه معجب ~~به أشد الإعجاب، وأنه كوثري المشرب, وكيف لا وهو يضفي عليه الألقاب الضخمة، ~~التي لا يطلقها عليه غيره، فيقول: "العلامة المحقق الإمام" "ص68" من ~~التعليق على "الرفع والتكميل", بل يقول قبيل مقدمته عليه: # "الإهداء إلى روح أستاذ المحققين الحجة المحدث الفقيه الأصولي المتكلم ~~النظار المؤرخ النقاد الإمام"!! "وقد بلغ من شدة تعلقه به أن نسب نفسه إليه ~~فهو الشيخ عبد الفتاح أبو غدة الحنفي الكوثري"1، وأن سمى ابنه الكبير باسم: ~~زاهد، تبركا به وإحياء لذكره! فهو إذن راض عنه وعن أفكاره وآرائه مائة في ~~المائة! فهو مشترك معه في تحمل مسئولياتها, ويؤكده أنه لم يبد أي نقد أو ~~اعتراض في شيء منها في أي تعليق من تعليقاته الكثيرة، بل هو متأثر به إلى ~~أبعد حد، فإنك تراه بينما هو يضفي عليه ما سبق من الألقاب الضخمة، يضن على ~~شيخ الإسلام ابن تيمية PageV01P051 # ببعضها، فهو إذا ذكره لا يزيد على قوله: "الشيخ ابن تيمية" "ص55، 60 - ~~الرفع والتكميل"، مع الاعتراف بأننا لا ندري على وجه اليقين بقصده ب"الشيخ" ~~هنا، هل يعني في العلم والفضل، أم في العمر والسن، أم في الزيغ والضلال, ~~وكان المفروض أن لا نتوقف في حمله على المعنى الأول، ولكن منعني من ذلك ~~علمي أن أبا عدة "كوثري" كما عرفت، والكوثري يرمي ابن تيمية في كثير من ~~تعليقاته بالزيغ والضلال! بل لقد قال في كتابه "الإشفاق" "ص89": # "إن كان ابن تيمية لا يزال يعد شيخ الإسلام، فعلى الإسلام السلام"! وغالب ~~ظني أن هذه الكلمة -وأبو غدة متأثر بها قطعا لأنها من شيخه "أستاذ المحققين ~~الحجة ... "- هي السبب في اقتصار أبي غدة على لفظ "الشيخ ابن تيمية" دون ~~"شيخ الإسلام" لأنه لو فعل لكان عاقا لشيخه ms039 وذلك ما لا يكون منه إلا أن ~~يشاء الله هدايته! أقول هذا مع علمي أنه أطلق مرة هذا اللقب عليه في تعليقه ~~على "الأجوبة الفاضلة" "ص92"، فإن كان ذلك عن اعتقاد منه بما كتب ورام، ولم ~~يكن منه رمية من غير رام، ولا على سبيل ما يعتقده الناس في بلد إقامته ~~الموقتة "الرياض" ولا من قبيل الزلفى به إليهم، أو غير ذلك من الاحتمالات ~~التي قد تخطر في البال، فيكون أبو غدة بإطلاقه المذكور، قد أعلن براءته من ~~شيخه الكوثري في كلمته السابقة, فلعل عنده من الشجاعة الأدبية ما يتجرأ به ~~على أن يعلن صراحة أنه كتب ذلك عن قناعة واعتقاد فقط، وأن ابن تيمية رحمه ~~الله هو شيخ الإسلام حقا, وأن كلمة شيخه الكوثري المتقدم في رد ذلك هو كافر ~~بها ومتبرئ منها، فإن فعل، وذلك مما أشك فيه، سألت الله لنا وله التثبيت! # ومهما يكن قصد أبي غدة من قوله: "الشيخ ابن تيمية"، فالذي لا نشك فيه أنه ~~تلميذ الكوثري حقيقة ومذهبا, وإذا كان كذلك فلا يمكن أن يكون سلفي المذهب ~~في التوحيد والصفات، كما كان عليه ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب، ~~رحمة الله عليهم؛ لأن شيخه الكوثري يعاديهم في ذلك أشد المعاداة، وقد قدمت ~~إليك بعد ما رماهم به من التهم كالتجسيم وغيره، ومن نسبته ابن تيمية خاصة ~~إلى # PageV01P052 # الكذب والخيانة في النقل! مما يدل على أنه ألد أعداء أهل السنة والحديث ~~إطلاقا في العصر الحاضر. # وإذا كان كذلك، فأبو غدة عدو لدود أيضا لهم، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، ~~وهو يضفي تلك الألقاب الضخمة عليه1، فإلى أن يتبرأ من شيخه في معاداته ~~PageV01P053 # تلك لأهل السنة، فهو ملحق به, وليس هذا مما ينافي قوله تعالى: {ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى}. # كلا، وإنما هو من باب المؤاخذة على اعترافه بأنه كوثري، وبعلمه بانحراف ~~شيخه وطعنه في أهل السنة وأئمة الحديث والفقه وغير ذلك من مخازيه التي منها ~~مطاعنه العديدة في شيخ الإسلام ابن تيمية حتى ms040 لقد قال -عامله الله بما ~~يستحق: # "ولو قلنا لم يبل الإسلام في الأدوار الأخيرة بمن هو أضر من ابن تيمية في ~~تفريق كلمة المسلمين لما كنا مبالغين في ذلك، وهو سهل متسامح مع اليهود ~~والنصاري ... " الإشفاق" "ص86". # إن أبا غدة يعلم هذا وغيره مما ذكرنا وما لم نذكره عن شيخه الكوثري، ولم ~~نره يتعقبه في شيء من ذلك إطلاقا، الأمر الذي يجعلنا نعتقد أنه مع شيخه في ~~عدائه PageV01P054 # لأهل السنة والحديث، وإلا فليعلن براءته منه جملة وتفصيلا، فإن فعل, وما ~~إخاله أخذنا بظاهر كلامه، ووكلنا سريرته إلى ربه سبحانه وتعالى. # وبعد هذا كله: أليس لنا أن نتساءل إذا كان أبو غدة بهذا البعد عن أهل ~~السنة والتوحيد تبعا لشيخه الكوثري، حتى كان يعلن في حلب تكفير القائلين ~~بأن الاستغاثة بغير الله كفر، كما سبق، فكيف طاب له المقام في البلاد ~~السعودية هذه السنين حتى الآن، وهو يعلم أنهم هم الذين كان يعنيهم أصالة ~~بتكفيره المذكور؟ فهل رجع هو عن تكفيرهم وعن القول بجواز الاستغاثة بغير ~~الله، إلى القول الذي كان ينقمه عليهم: إن الاستغاثة كفر. وبذلك حصل ~~الوئام، فطاب له المقام؟ # فأقول: الجواب في قلب أبي غدة، ولكن الذي نعلمه عنه هو ما سبق ذكره، ومن ~~القواعد الأصولية المقررة عند الحنفية وغيرهم قاعدة استصحاب الحال إلا لنص، ~~ولما كان لا نص لدينا برجوع أبي غدة عن تكفيره المذكور، فالواجب علينا ~~البقاء على ما نعلمه عنه، وعلى ذلك فلم يحصل الوئام المزعوم؛ لأن السعوديين ~~-وخصوصا أهل العلم منهم- لا يزالون -والحمد لله- محتفظين بعقيدتهم في ~~التوحيد، محاربين للشركيات والوثنيات، التي منها الاستغاثة بغير الله تعالى ~~من الأموات، فكيف إذن طاب له المقام بين ظهرانيهم؟ # الذي أتصور أنه لم يكن بينهم كما يجب أن يكون "المربي الناصح الرشيد"! ~~يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر، ويبين لهم أن ما أنتم عليه من أمور منكر ~~وضلال، منها إنكار قولهم: إن الاستغاثة بغير الله تعالى كفر، فإنه لو فعل، ~~لكان أمر من ثلاثة أمور: # إما ان يقنعهم بضلالهم، ms041 بخطبة نارية يلقيها هناك، كما كان يفعل في بلده ~~"حلب"، وهذا مستحيل. # وإما أن يقنعوه هو بضلاله بما عندهم من حجج ناطقة وأدلة قاطعة من كتاب ~~الله وسنة رسوله، وهذا بعيد! # وإما أن تكون الثالثة ولا بد هي ... إلا أن يشاء الله تعالى. # ولما كان يعلم بأن النتيجة هو ما أشرنا إليه، وكان يستحب البقاء بين ~~أظهرهم، # PageV01P055 # لسبب لا يخفى على القارئ اللبيب، آثر أن يظل بينهم كأي إنسان آخر ليس له ~~هدف إلا ... على حد قول الشاعر: # ودارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم # ولا يستغربن هذا أحد ممن يحسنون الظن بأبي غدة، ولم يعرفوا حتى الآن ~~عقيدته، فإن لدي البرهان القاطع على ما نسبت إليه من المدارة ولم أقل: ~~المداهنة! # لقد قال في مطلع تقريره الجائر ما نصه: # "يرى الناظر في شرح الطحاوية أن الشارح لها من أهل التوثق والضبط ~~والإتقان فيما ينقله من الأحاديث الشريفة وغيرها ... بعبارة واضحة، لا لبس ~~فيها ولا غموض، وبإمامة ملموسة مشهورة". # قلت: فإذا كان أبو غدة مؤمنا حقا بهذه الإمامة الملموسة المشهورة فأنا ~~أختار له من كلام هذا الإمام سبع مسائل، فإن أجاب عنها بما يوافق ما ذهب ~~إليه هذا الإمام المشهور من قلب مخلص فذلك ما نرجوه، وأعتذر إليه من إساءة ~~الظن به، وإن كانت الأخرى فذلك مما يؤيد -مع الأسف- ما رميته به من ~~المداراة. # المسألة الأولى: # قال الإمام "ص125": # "وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث". # قلت: وهذا الإطلاق هو مما يدندن به شيخه الكوثري في تعليقاته، ليتوصل، ~~إلى نفي حقيقة الكلام الإلهي المسموع, وراجع له "شرح الطحاوية" "ص168 - ~~188", و"التنكيل" "2/ 360 - 362". # المسألة الثانية: # قال الإمام تبعا لأبي جعفر الطحاوي "ص168". # وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزل على رسوله وحيا، ~~وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أن كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس ~~بمخلوق كلام البشرية". # ثم شرح "الإمام" مذاهب الناس في مسألة الكلام الإلهي على تسعة مذاهب # PageV01P056 # وبين أن مذهب السلف: أنه تعالى لم ms042 يزل متكلما إذا شاء، ومتى شاء، وكيف ~~شاء، وإنه يتكلم بصوت. # وشيخ أبي غدة ينفي الصوت المسموع "مقالات الكوثري ص26"، ويقول في تعليقه ~~على "كتاب البيهقي": "الأسماء والصفات" "ص194": "إن موسى عليه السلام لما ~~كلمه الله تعالى تكليما لم يسمعه صوته، وإنما أفهمه كلامه بصوت تولى خلقه ~~من غير كسب لأحد ... "! # المسألة الثالثة: # قال "الإمام" "ص280" تبعا للطحاوي: # "وهو "تعالى" مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه" # والكوثري لا يؤمن بفوقية الله تعالى على خلقه حقيقة كما يليق بجلاله، بل ~~إنه ينسب القائلين بها من الأئمة إلى القول بالجهة والتجسيم! # المسألة الرابعة: # يثبت الإمام "الفوقية المذكورة بأدلة كثيرة جدا، في بعضها التصريح بلفظ ~~"الأين" الذي سأل به رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارية ليتعرف على ~~إيمانها", وشيخك يا أبا غدة ينكر مثل هذا السؤال تبعا لتشكيكه في صحة ~~الحديث كما سبق "ص27"، فهل تؤمن أنت بهذا الحديث، وتجيز هذا السؤال الذي ~~سأله الرسول صلى الله عليه وسلم. # المسألة الخامسة: # يقول "الإمام" تبعا للأئمة مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن ~~راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة: # "إنما الإيمان هو تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان, وقالوا: ~~يزيد وينقص". # وشيختك تعصبا لأبي حنيفة يخالفهم مع صراحة الأدلة التي تؤيدهم من الكتاب ~~والسنة وآثار السلف الصالح رضي الله عنهم، بل ويغمز منهم جميعا مشيرا إليهم ~~بقوله في "التأنيب" "ص44 - 45" إلى "أناس صالحون" يشير أنهم لا علم عندهم ~~فيما ذهبوا إليه ولا فقه، وإنما الفقه عند أبي حنيفة دونهم، ثم يقول: إنه ~~الإيمان والكلمة، وإنه الحق الصراح, وعليه فالسلف وأولئك الأئمة الصالحون ~~هم عنده على الباطل في قولهم: بأن الأعمال من الإيمان، وأنه يزيد وينقص. ~~وقد # PageV01P057 # نقل أبو غدة كلام شيخه الذي نقلنا موضوع الشاهد منه، نقله بحرفة، في ~~التعليق على "الرفع والتكميل" "ص67 - 69"، ثم أشار إليه في مكان آخر منه ~~ممجدا به ومكبرا له بقوله "ص218": # "وانظر لزاما ما سبق نقله تعليقا فإنك لا تظفر بمثله في كتاب", ثم أعاد ms043 ~~الإشارة إليه "ص223" مع بالغ إعجاب به, وظني به أنه يجهل -أن هذا التعريف ~~للإيمان الذي زعم شيخه أنه الحق الصراح- مع ما فيه من المخالفة لما عليه ~~السلف كما عرفت، مخالف لما عليه المحققون من علماء الحنفية أنفسهم الذين ~~ذهبوا إلى: أن الإيمان هو التصديق فقط ليس معه الإقرار! كما في "البحر ~~الرائق" لابن نجيم الحنفي "5/ 129"، والكوثري في كلمته المشار إليها يحاول ~~فيها أن يصور للقارئ أن الخلاف بين السلف والحنفية في الإيمان لفظي، يشير ~~بذلك إلى أن الأعمال ليست ركنا أصليا، ثم يتناسى أنهم يقولون: بأنه يزيد ~~وينقص، وهذا ما لا يقول به الحنفية إطلاقا، بل إنهم قالوا في صدد بيان ~~الألفاظ المكفرة عندهم: "وبقوله: الإيمان يزيد وينقص" كما في "البحر ~~الرائق", "باب أحكام المرتدين"! فالسلف على هذا كفار عندهم مرتدون!! راجع ~~شرح الطحاوية "ص338 - 360"، و"التنكيل" "2/ 362 - 373" الذي كشف عن مراوغة ~~الكوثري في هذه المسألة. # وليعلم القارئ الكريم أن أقل ما يقال في الخلاف المذكور في المسألة أن ~~الحنفية يتجاهلون أن قول أحدهم -ولو كان فاسقا فاجرا: أنا مؤمن حقا، ينافي ~~مهما تكلفوا في التأويل التأدب مع القرآن ولو من الناحية اللفظية على الأقل ~~الذي يقول: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا}. # فليتأمل المؤمن الذي عافاه الله تعالى مما ابتلى به هؤلاء المتعصبة، من ~~هو المؤمن حقا عند الله تعالى، ومن هو المؤمن حقا عند هؤلاء؟! # المسألة السادسة: # ذهب "الإمام" شارح الطحاوية "ص351" إلى جواز # PageV01P058 # الاستثناء في "الإيمان" وهو قول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى, على ~~تفصيل في ذلك بينه، والحنفية يمنعون منه مطلقا، بل إن طائفة منهم ذهبوا إلى ~~تكفير من قال ذلك، ولم يقيدوه بأن يكون في إيمانه، ومنهم الإتقاني في "غاية ~~البيان"، وصرح في "روضة العلماء" "من كتبهم" بأن قوله "إن شاء الله" يرفع ~~إيمانه، فلا يجوز الاقتداء به "يعني في الصلاة", وفي ms044 "الخلاصة" و"البزازية" ~~في كتاب النكاح، عن الإمام أبي بكر محمد بن الفضل: من قال: أنا مؤمن إن شاء ~~الله فهو كافر لا تجوز المناكحة معه. قال الشيخ أبو حفص في "فوائده": لا ~~ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شفعوي المذهب. وهكذا قال بعض مشايخنا، ~~ولكن يتزوج بنتهم. زاد "في البزازية" تنزيلا لهم منزلة أهل الكتاب. كذا في ~~"البحر الرائق" "2/ 51"1. # المسألة السابعة: # ذهب شارح الطحاوية "ص236 - 239" تبعا لإمامه أبي حنيفة وصاحبيه إلى كراهة ~~التوسل بحق الأنبياء وجاههم. # وهذا مما خالف فيه الكوثري إمامه أبا حنيفة رحمه الله تعالى، اتباعا ~~لأهواء العامة، ونكاية بأهل السنة. كما يعلم ذلك من اطلع على رسالة "محق ~~التوسل" وغيرها. وقد كنت بينت شيئا من تعصبه واتباعه لهواه في محاولة ~~تقويته إسناد حديث PageV01P059 # في التوسل، فيه من هو ضعيف عنده، كما هو مشروح في الجزء الأول من "سلسلة ~~الأحاديث الضعيفة" رقم "24"، فليراجعه من شاء. # قلت: "فهذه سبع مسائل هامة، كلها في العقيدة، إلا الأخيرة منها، قد ~~وجهتها إلى أبي غدة الذي تظاهر بالثناء على شارح "الطحاوية"، ووصفه بأنه ~~صاحب "إمامة ملموسة مشهورة"، فإذا أجاب بمتابعته له فيها -وهذا ما أستبعده ~~على كوثريته- فالحمد لله, وإن خالفه فيها، وظل على كوثريته, فقد تبين للناس ~~-إن شاء الله تعالى- أن ثناءه على شارح "الطحاوية" "الإمام"، لم يكن عن ~~اعتقاد وثقه به كما زعم، وإن ليتخذه سلما للطعن بمخرج أحاديثه، وإلا كيف ~~ساغ له أن يسكت عن الشارح في هذه الأخطاء بل الضلالات السبع بزعمه تبعا ~~لشيخه الكوثري، وعن أخطائه الأخرى الحديثية التي سبقت الإشارة إلى أنواع ~~منها، وينتقدني شاكيا إلى بعض رؤسائه أو المسئولين هناك في أمور -لو صح ~~نقده فيها- لا تكاد تذكر تجاه تلك، كما ولا كيفا؟! # وليت شعري ما الذي منع أبا غدة، إذا كان لديه من الانتقادات عدة، حول هذا ~~الكتاب أو غيره من مؤلفاتي، أن يفضي بها إلى مباشرة حينما كنا نلتقي مرات ~~في أشهر العطلة الصيفية، في المكتب الإسلامي، بدل أن يغافلني، ويرفع ذلك ms045 ~~التقرير الجائر خلسة دون علمي أو علم صديقه صاحب المكتب الإسلامي، ترى ماذا ~~يقول عامة الناس فضلا عن خاصتهم فيمن كان هذا صنيعه مع أخيه؟! فإن قالوا ~~فيه: إنه ... فلا يلومن إلا نفسه، وعلى نفسها جنت براقش، وصدق الله العظيم ~~القائل: {والله مخرج ما كنتم تكتمون}. # وختاما أقول: # لقد كنت أود لو أن الإدارة التي رفع إليها هذا المتعصب الجائر تقريره ~~بادرت إلى إعلامي به قبل أن تلوكه ألسنة الناس، أو إحالته مع صاحبه على ~~لجنة من أهل العلم في بلادها وهم كثر والحمد لله. ليناقشوه على ما ادعاه ~~على كتاب يدرس في معهدها منذ عشر سنوات، وحاز الرضى والقبول من كافة ~~علمائها، وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد اللطيف ~~رحمهما الله تعالى والشيخ عبد # PageV01P060 # العزيز بن باز، والشيخ عبد الرزاق عفيفي بارك الله فيهما وغيرهم، وكذلك ~~الأمر عند علماء سائر الأمصار. # والحقيقة التي تنبه لها بعض الأفاضل أن القصد الكامن وراء ما ادعاه ذلك ~~المتعصب على كتاب "شرح العقيدة الطحاوية" متسترا بالطعن بمخرج أحاديثها ~~إنما هو الطعن في العقيدة نفسها وبمن يؤمن بها في العصر الحاضر، وخصوصا وهي ~~تؤيد عقيدة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، ومجدد دعوة ~~التوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عليهم، تعصبا للكوثري، بل ~~العلقمي، الذي يتهم هؤلاء الأعلام بالتهم الباطلة، ويلصق بهم وبعقيدتهم ~~أشنع الأوصاف. # وإلا فما الذي يضر القارئ لو سكت الألباني عن تخريج حديث قال الشارح عنه: ~~متفق عليه عند البخاري ومسلم، أو قال هو كذلك، أو قال: صحيح متفق عليه ~~عندهما أو أحدهما، أو نحو ذلك، وقد قدمنا الحجة على ذلك!! ومنه تعلم أن هذا ~~لا يضر القارئ، فكذلك لا يضر الألباني الذي زادت مؤلفاته في الحديث الشريف ~~وفقهه على الخمسين كتابا، جعلها الله تعالى خالصة لوجهه الكريم، وتقبلها ~~منه بمنه وفضله ... # وكذلك فلن يضر ذلك ناشر الكتاب، فإن المكتب الإسلامي، وصاحبه الأخ السلفي ~~الأستاذ زهير الشاويش، وقد نشر حتى الآن ما يزيد على ms046 أربعمائة كتاب في ~~العقيدة، والتفسير والحديث، والفقه، لن يؤذيه تعطل كتاب له عند الجهة التي ~~قدم المخبر تقريره إليها، ولن يوقفه ذلك عن نشر كتب السلف بالروح العلمية ~~والإتقان ... التي اشتهر بها، فإنه مؤمن بهذه العقيدة، ومن الدعاة إليها، ~~الذين آمنوا بها منذ نعومة أظفارهم، خالصا لوجه الله، دون ما رغبة أو رهبة، ~~بل نالهم الأذى في بلادهم، والبلاد التي هاجروا إليها، وأكثر ما نالهم ~~الأذى بسبب هذه التقارير التي يقدمها الجواسيس والمخبرون، المنتشرون في كل ~~مكان، مثل مقدم ذلك التقرير الجائر. # PageV01P061 # أسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من الغل والحقد والحسد، وأن يعمرها ~~بالإيمان والتوحيد الخالص، مصفى من كل أوضار الشرك والوثنية، وأن يلهمنا ~~العمل الصالح، والحب في الله، والبغض في الله، {ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف ~~رحيم}. # بيروت, 19 رجب سنة 1391 # محمد ناصر الدين الألباني # PageV01P062 # سكانر # PageV01P063 # سكانر # PageV01P064 # سكانر # PageV01P065 # سكانر # PageV01P066 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة الشارح # وبه نستعين: # الحمد لله [نحمده، و] نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ~~سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ~~ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد: فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف ~~المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو ~~حنيفة رحمة الله عليه ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين: الفقه الأكبر ~~وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة ~~للقلوب، ولا نعيم ولا طمأنينة، إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها، ~~بأسمائه وصفاته وأفعاله. ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها ~~فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه. # ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل، فاقتضت رحمة ms047 ~~العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين، وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ~~ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم، وزبدة رسالتهم، معرفة المعبود ~~سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة ~~كلها من أولها إلى آخرها. # ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان: # PageV01P069 ### | وجوب الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إيمانا عاما مجملا على كل أحد: # أحدهما: تعريف الطريق الموصل إليه، [وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه. # والثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه] من النعيم المقيم, ~~فأعرف الناس بالله عز وجل أتبعهم للطريق الموصل إليه، وأعرفهم بحال ~~السالكين عند القدوم عليه, ولهذا سمى الله ما أنزله على رسوله روحا، لتوقف ~~الحياة الحقيقية عليه، ونورا لتوقف الهداية عليه, فقال الله تعالى: {يلقي ~~الروح من أمره على من يشاء من عباده}. [المؤمن: 15]. وقال تعالى: {وكذلك ~~أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله ~~الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} [سورة ~~الشورى: 52، 53] , ولا روح إلا فيما جاء به الرسول، ولا نور إلا في ~~الاستضاءة به، وسماه الشفاء، كما قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} ~~[سورة فصلت: 44] , فهو وإن كان هدى، وشفاء مطلقا، لكن لما كان المنتفع بذلك ~~هم المؤمنين، خصوا بالذكر. # والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فلا هدى إلا فيما جاء به. # ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما ~~مجملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية، ~~فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله، وداخل في تدبر القرآن وعقله ~~وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر، والدعاء إلى الخير، والأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة ~~الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما1 أوجبه الله على المؤمنين، ms048 ~~فهو واجب على الكفاية منهم. # وأما ما يجب على أعيانهم؛ فهذا يتنوع بتنوع قدرهم، وحاجتهم, ومعرفتهم، ~~وما أمر به أعيانهم، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ~~ما يجب على القادر على ذلك, ويجب على من سمع النصوص، وفهمها من علم التفصيل ~~ما لا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي والمحدث والحاكم ما لا يجب ~~على من ليس كذلك. PageV01P070 # وينبغي أن [يعرف] أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق، ~~فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر والاستدلال الموصل ~~إلى معرفته, فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال تعالى: {فإما يأتينكم ~~مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ~~ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال ~~كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} [سورة طه: 123 - 126]. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، ~~[أن] لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآيات, وكما في ~~الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إنها ستكون فتن" قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ ~~قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو ~~الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره ~~أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، ~~وهو الذي لا تزيع به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا ~~تشبع1 منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن ~~دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم"2 إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث، الدالة ~~على مثل هذا المعنى. # ولا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا يدينون ms049 به، إلا أن يكون موافقا ~~لدينه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم السلام. # وقد نزه الله تعالى نفسه عما يصفه العباد، إلا ما وصفه به المرسلون بقوله ~~سبحانه: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد ~~PageV01P071 # لله رب العالمين} [سورة الصافات: 180 - 182]. فنزه نفسه سبحانه عما يصفه ~~به الكافرون، ثم سلم على المرسلين، لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، ~~ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد. # ومضى على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم خير القرون، وهم الصحابة ~~والتابعون لهم بإحسان، يوصي به الأول الآخر1 ويقتدي فيه اللاحق بالسابق, ~~وهم في ذلك كله بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم مقتدون، وعلى منهاجه ~~سالكون، كما قال تعالى في كتابه العزيز: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني} [سورة يوسف: 108]. فإن كان قوله. {ومن اتبعني} ~~معطوفا على الضمير في {أدعو}، فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله2, ~~وإن كان معطوفا على الضمير المنفصل، فهو صريح أن أتباعه هم أهل البصيرة ~~فيما جاء به دون غيرهم، وكلا المعنيين حق. # وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين، وأوضح الحجة ~~للمستبصرين، وسلك سبيله خير القرون. # ثم خلف من بعدهم خلف اتبعوا أهواءهم، وافترقوا، فأقام الله لهذه الأمة من ~~يحفظ عليها أصول دينها، كما أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا ~~تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم"3. PageV01P072 ### | التعريف بالإمام أبي جعفر الطحاوي # وممن قام بهذا الحق من علماء المسلمين: الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن ~~سلامة الأزدي الطحاوي، تغمده الله برحمته، بعد المائتين، فإن مولده سنة تسع ~~وثلاثين ومائتين، ووفاته [سنة إحدى وعشرين] وثلاثمائة1. # فأخبر رحمه الله عما كان عليه السلف، ونقل عن الإمام أبي حنيفة النعمان ~~بن ثابت الكوفي، وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصاري، ~~ومحمد بن الحسن الشيباني رضي الله عنهم, ما كانوا يعتقدون من أصول الدين، ~~ويدينون ms050 به رب العالمين. # وكلما بعد العهد، ظهرت البدع، وكثر التحريف، الذي سماه أهله تأويلا ~~ليقبل، وقل من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل. إذ قد يسمى2 صرف ~~الكلام عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله اللفظ في الجملة تأويلا، وإن لم يكن ~~ثم قرينة توجب ذلك، ومن هنا حصل الفساد, فإذا سموه تأويلا قبل وراج على من ~~لا يهتدي إلى الفرق بينهما. # فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى إيضاح الأدلة، ودفع الشبه الواردة عليها، ~~وكثر الكلام والشغب، وسبب ذلك إصغاؤهم إلى شبه المبطلين، وخوضهم في الكلام ~~المذموم، الذي عابه السلف، ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به والإصغاء إليه، ~~امتثالا لأمر ربهم، حيث قال: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره} [الأنعام: 68] فإن معنى الآية يشملهم. # وكل من التحريف والانحراف على مراتب: فقد يكون كفرا، وقد يكون فسقا، وقد ~~يكون معصية، وقد يكون خطأ. # فالواجب اتباع المرسلين، واتباع ما أنزله الله عليهم. و [قد] ختمهم الله ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، فجعله آخر الأنبياء، وجعل كتابه مهيمنا على ما ~~بين يديه من كتب السماء، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، وجعل دعوته عامة لجميع ~~الثقلين: الجن والإنس، باقية إلى يوم القيامة، وانقطعت به حجة العباد على ~~الله. وقد بين الله به كل شيء، PageV01P073 # وأكمل له ولأمته الدين خبرا وأمرا، وجعل طاعته طاعة له، ومعصيته معصية ~~له، وأقسم بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم، وأخبر أن ~~المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى غيره، وأنهم إذا دعوا إلى الله والرسول، ~~وهو الدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله صدوا صدودا، وأنهم يزعمون أنهم إنما ~~أرادوا إحسانا وتوفيقا، كما يقوله كثير من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم: ~~إنما نريد أن نحس الأشياء بحقيقتها، أي ندركها ونعرفها، ونريد التوفيق بين ~~الدلائل التي يسمونها العقليات، وهي في الحقيقة: جهليات, وبين الدلائل ~~النقلية المنقولة عن الرسول، أو نريد التوفيق بين الشريعة والفلسفة, وكما ~~يقوله كثير من المبتدعة، من المتنسكة والمتصوفة: إنما نريد الأعمال بالعمل ~~الحسن، والتوفيق ms051 بين الشريعة وبين ما يدعونه من الباطل، الذي يسمونه: حقائق ~~وهي جهل وضلال, وكما يقوله كثير من المتكلمة والمتأثرة: إنما نريد الإحسان ~~بالسياسة الحسنة، والتوفيق بينها وبين الشريعة، ونحو ذلك. # فكل من طلب أن يحكم في شيء من أمر الدين غير ما جاء به الرسول، ويظن أن ~~ذلك حسن، وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول وبين ما يخالفه, فله نصيب من ~~ذلك، بل ما جاء به الرسول كاف كامل، يدخل فيه كل حق، وإنما وقع التقصير من ~~كثير من المنتسبين إليه، فلم يعلم ما جاء به الرسول في كثير من الأمور ~~الكلامية الاعتقادية، ولا في كثير من الأحوال العبادية، ولا في كثير من ~~الإمارة السياسية، أو نسبوا إلى شريعة الرسول، بظنهم وتقليدهم، ما ليس ~~منها، وأخرجوا عنها كثيرا مما هو منها. # فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم، وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم، ~~كثر النفاق، ودرس كثير من علم الرسالة. # بل [إنما يكون] البحث التام، والنظر القوي، والاجتهاد الكامل، فيما جاء ~~به الرسول صلى الله عليه وسلم، ليعلم ويعتقد، ويعمل به ظاهرا وباطنا فيكون ~~قد تلي حق تلاوته، وأن لا يهمل منه شيء. # وإن كان العبد عاجزا عن معرفة بعض ذلك، أو العمل به، فلا ينهى عما عجز ~~عنه مما جاء به الرسول، بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه، لكن عليه أن يفرح # PageV01P074 # بقيام غيره به، ويرضى بذلك، ويود أن يكون قائما به، وأن لا يؤمن ببعضه ~~ويترك بعضه، بل يؤمن بالكتاب كله، وأن يصان عن أن يدخل فيه ما ليس منه، من ~~رواية أو رأي، أو يتبع ما ليس من عند الله، اعتقادا أو عملا، كما قال ~~تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 42]. # وهذه كانت طريقة السابقين الأولين، [وهي طريقة التابعين لهم بإحسان إلى ~~يوم القيامة, وأولهم السلف القديم من التابعين الأولين]، ثم من بعدهم, ومن ~~هؤلاء أئمة الدين المشهود لهم عند الأمة الوسط1 بالإمامة. # فعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه قال لبشر ms052 المريسي2: العلم بالكلام هو ~~الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأسا في الكلام قيل: ~~زنديق، أو رمي بالزندقة. أراد بالجهل به اعتقاد عدم صحته، فإن ذلك علم ~~نافع، أو أراد به الإعراض عنه أو ترك الالتفات إلى اعتباره, فإن ذلك يصون ~~علم الرجل وعقله فيكون علما بهذا الاعتبار, والله أعلم. # وعنه أيضا أنه قال: من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء ~~أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب. # وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا ~~بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر [والقبائل]، ويقال: هذا جزاء من ترك ~~الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. # وقال أيضا رحمه الله تعالى "شعرا": # كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين # العلم ما كان فيه قال حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين PageV01P075 # وذكر الأصحاب في الفتاوى: أنه لو أوصى لعلماء بلده: لا يدخل المتكلمون، ~~وأوصى إنسان أن يوقف من كتبه ما هو من كتب العلم، فأفتى السلف أن يباع ما ~~فيها من كتب الكلام, ذكر ذلك بمعناه في "الفتاوى الظهيرية". # فكيف يرام الوصول إلى علم الأصول، بغير اتباع ما جاء به الرسول؟! ولقد ~~أحسن القائل: # أيها المغتدي ليطلب علما ... كل علم عبد لعلم الرسول # تطلب الفرع تصحح أصلا ... كيف أغفلت علم أصل الأصول # ونبينا صلى الله عليه وسلم أوتي فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، فبعث ~~بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والأخروية على أتم الوجوه، ولكن كلما ابتدع ~~شخص بدعة اتسعوا في جوابها، فلذلك صار كلام المتأخرين كثيرا، قليل البركة، ~~بخلاف كلام المتقدمين، فإنه قليل، كثير البركة، [لا] كما يقوله ضلال ~~المتكلمين وجهلتهم: إن طريقة القوم أسلم، وإن طريقتنا أحكم وأعلم! ولا كما ~~يقوله من لم يقدرهم من المنتسبين إلى الفقه: إنهم لم يتفرغوا لاستنباط ~~الفقه وضبط قواعده وأحكامه اشتغالا منهم بغيره! والمتأخرون تفرغوا لذلك، ~~فهم أفقه! # فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف، وعمق علومهم، وقلة تكلفهم، ~~وكمال بصائرهم, وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف ms053 والاشتغال ~~بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها، وضبط قواعدها، وشد معاقدها، ~~وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء, فالمتأخرون1 في شأن، والقوم ~~في شأن آخر، وقد جعل الله لكل شيء قدرا. # وقد شرح هذه العقيدة غير واحد من العلماء، ولكن رأيت بعض الشارحين قد ~~أصغى إلى أهل الكلام المذموم، واستمد منهم، وتكلم بعباراتهم. # والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه ~~اصطلاحا جديدا على معان صحيحة، كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة، ولا ~~كرهوا أيضا الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على ~~أمور كاذبة مخالفة للحق، ومن ذلك مخالفتها الكتاب والسنة، ولهذا لا تجد عند ~~أهلها من اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين، فضلا عن علمائهم. # ولاشتمال مقدماتهم على الحق والباطل، كثر المراء والجدال، وانتشر القيل ~~والقال، وتولد [لهم] عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ~~ما يضيق عنه المجال, وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله: "فمن رام علم ما حظر ~~عنه علمه". PageV01P076 ### | التوحيد ومعناه # وقد أحببت أن أشرحها سالكا طريق السلف في عباراتهم، وأنسج على منوالهم، ~~متطفلا عليهم، لعلي أن أنظم في سلكهم، وأدخل في عدادهم، وأحشر في زمرتهم ~~{مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن ~~أولئك رفيقا} [سورة النساء: 69] , ولما رأيت النفوس مائلة إلى الاختصار، ~~آثرته على التطويل والإسهاب, {وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} ~~[سورة هود: 88]. [هو حسبنا ونعم الوكيل]. # قوله: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله إن الله واحد لا شريك ~~له". # ش: اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم ~~فيه السالك إلى الله عز وجل. قال تعالى: {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا ~~قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [سورة الأعراف: 59] , وقال هود عليه ~~السلام لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [سورة الأعراف: 65] , وقال ~~صالح عليه السلام لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [سورة الأعراف: ~~73]. وقال شعيب عليه ms054 السلام لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [سورة ~~الأعراف: 85] , وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36] , وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] , وقال صلى الله ~~عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله"1. ولهذا كان الصحيح أن PageV01P077 # أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد ~~إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم, بل أئمة السلف ~~كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ~~ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة ~~إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك, ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه ~~حينئذ بتجديد الشهادتين، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبا باتفاق ~~المسلمين، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة، لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك. # وهنا مسائل تكلم فيها الفقهاء: كمن صلى ولم يتكلم بالشهادتين، أو أتى ~~[بغير ذلك من خصائص الإسلام، ولم يتكلم بهما، هل يصير مسلما أم لا؟ والصحيح ~~أنه يصير مسلما بكل ما هو من خصائص الإسلام, "فالتوحيد أول ما يدخل به في ~~الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا"، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" 1]. وهو أول واجب وآخر واجب. # فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني: توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاثة ~~أنواع: # أحدها: الكلام في الصفات2. والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده ~~خالق كل شيء. والثالث: توحيد الإلهية، وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد ~~وحده لا شريك له. # أما الأول: فإن نفات الصفات أدخلوا نفي الصفات [في] مسمى التوحيد، كجهم ~~بن صفوان3 ومن وافقه، فإنهم قالوا: إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب، وهذا ~~القول معلوم الفساد بالضرورة، فإن إثبات ذات ms055 مجردة عن جميع الصفات لا يتصور ~~لها وجود في الخارج، وإنما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله وهذا غاية ~~التعطيل, وهذا القول قد أفضى بقوم إلى القول بالحلول والاتحاد، وهو ~~PageV01P078 # أقبح من كفر النصارى، فإن النصارى خصوه بالمسيح، وهؤلاء عموا1 جميع ~~المخلوقات, ومن فروع هذا التوحيد: أن فرعون وقومه كاملو الإيمان، عارفون ~~بالله على الحقيقة. # ومن فروعه: أن عباد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم إنما عبدوا الله لا ~~غيره. # ومن فروعه: أنه لا فرق في التحريم والتحليل بين الأم والأخت والأجنبية، ~~ولا فرق بين الماء والخمر، والزنا والنكاح، والكل من عين واحدة، لا بل هو ~~العين الواحدة. # ومن فروعه: أن الأنبياء ضيقوا على الناس. # تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. # وأما الثاني: وهو توحيد الربوبية، كالإقرار بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس ~~للعالم صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، وهذا التوحيد حق لا ريب فيه، ~~وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية، وهذا التوحيد ~~لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار ~~به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل ~~فيما حكى الله عنهم: {قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض} [سورة ~~إبراهيم: 10]. # وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنا به في ~~الباطن، كما قال له موسى: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض ~~بصائر} [الإسراء: 102]. وقال تعالى عنه وعن قومه. {وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا} [سورة النمل: 14]. ولهذا [لما] قال: وما رب العالمين؟ ~~على وجه الإنكار له تجاهل العارف، قال [له] موسى: {رب السموات والأرض وما ~~بينهما إن كنتم موقنين، قال لمن حوله ألا تستمعون، قال ربكم ورب آبائكم ~~PageV01P079 # الأولين، قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، قال رب المشرق والمغرب ~~وما بينهما إن كنتم تعقلون} [سورة الشعراء: 24 - 28]. # وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهما عن الماهية، وأن المسئول عنه ~~لما لم تكن له ماهية عجز ms056 موسى عن الجواب وهذا غلط, وإنما هذا استفهام إنكار ~~وجحد، كما دل سائر آيات القرآن على أن فرعون كان جاحدا لله نافيا له، لم ~~يكن مثبتا له طالبا للعلم بماهيته, فلهذا بين لهم موسى أنه معروف، وأن ~~آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو؟ بل هو سبحانه أعرف ~~وأظهر وأبين من أن يجهل، بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل ~~معروف, ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال: إن العالم له صانعان متماثلان ~~في الصفات والأفعال، فإن الثنوية من المجوس، والمانوية القائلين بالأصلين: ~~النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما. متفقون على أن النور خير من الظلمة، ~~وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة، هل ~~هي قديمة أو محدثة؟ فلم يثبتوا ربين متماثلين. # وأما النصارى القائلون بالتثليت، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ~~ينفصل بعضهم عن بعض، بل متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم ~~الابن والأب وروح القدس إله واحد. وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، ~~وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا كانوا مضطربين في فهمه، وفي التعبير عنه، ~~لا يكاد واحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى ~~واحد، فإنهم يقولون: هو واحد بالذات، ثلاثة بالأقنوم! والأقانيم يفسرونها ~~تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص. وقد فطر الله العباد على ~~فساد [هذه] الأقوال بعد التصور التام, وبالجملة فهم لا يقولون بإثبات ~~خالقين متماثلين. # والمقصود هنا: أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين، مع أن ~~كثيرا من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في إثبات هذا المطلوب وتقريره, ~~ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل، وزعم أنه يتلقى من السمع. # والمشهور عند أهل النظر إثباته بدليل التمانع، وهو: أنه لو كان للعالم ~~صانعان # PageV01P080 # فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه، أو يريد ~~أحدهما إحياءه والآخر إماتته, فإما أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا ~~يحصل مراد واحد منهما, والأول ms057 ممتنع، لأنه يستلزم الجمع بين الضدين، ~~والثالث ممتنع، لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون، وهو ممتنع، ويستلزم ~~أيضا عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلها، واذا حصل مراد أحدهما دون الآخر، ~~كان هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزا لا يصلح للإلهية. # وتمام الكلام على هذا الأصل معروف في موضعه، وكثير من أهل النظر يزعمون ~~أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ~~[الأنبياء: 22]؛ لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية ~~الذي بينه القرآن، ودعت إليه الرسل عليهم السلام، وليس الأمر كذلك، بل ~~التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن ~~توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن المشركين من العرب ~~كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر ~~تعالى عنهم بقوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [سورة ~~لقمان: 25]. {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون لله قل أفلا ~~تذكرون} [سورة المؤمنون: 84، 85] , ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا ~~يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال ~~أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم، تارة يعتقدون أن ~~هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم1 شفعاء، ويتوسلون ~~بهم إلى الله، وهذا كان أصل شرك العرب، قال تعالى حكاية عن قوم نوح. ~~{وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} ~~[سورة نوح: 23] وقد ثبت في "صحيح البخاري"، وكتب التفسير، وقصص الأنبياء ~~وغيرها، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وغيره من السلف، أن هذه أسماء قوم ~~صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم ~~طال عليهم الأمد، فعبدوهم PageV01P081 # وأن هذه الأصنام بعينها صارت إلى قبائل العرب، ذكرها ابن عباس رضي الله ~~عنهما قبيلة قبيلة1, وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال ~~لي علي بن أبي طالب رضي ms058 الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ "أمرني أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا ~~طمسته"2, وفي "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مرض موته: ~~"لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 3 يحذره ما فعلوا، ~~قالت عائشة رضي الله عنها: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا، ~~وفي الصحيحين أنه ذكر في مرض موته كنيسة بأرض الحبشة، وذكر من حسنها ~~وتصاوير فيها، فقال: "إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره ~~مسجدا، وصورا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" 4. ~~وفي "صحيح مسلم" عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس: "إن من ~~كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا ~~القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" 5. # ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب ~~للكواكب [من] طباعها. # وشرك قوم إبراهيم عليه السلام كان -فيما يقال- من هذا الباب, وكذلك الشرك ~~بالملائكة والجن واتخاذ الأصنام لهم. # وهؤلاء كانوا مقرين بالصانع، وأنه ليس للعالم صانعان، ولكن اتخذوا هؤلاء ~~PageV01P082 # شفعاء، كما أخبر عنهم تعالى بقوله: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [سورة الزمر: 3]. {ويعبدون من دون الله ~~ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله ~~بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} [سورة ~~يونس: 18]. # وكذلك كان حال الأمم السالفة المشركين الذين كذبوا الرسل, [كما] حكى الله ~~تعالى عنهم في قصة صالح عليه السلام عن التسعة الرهط الذين تقاسموا بالله، ~~[أي تحالفوا بالله]، لنبيتنه وأهله, فهؤلاء المفسدون المشركون تحالفوا ~~بالله عند قتل نبيهم وأهله، وهذا بين أنهم كانوا مؤمنين بالله إيمان ~~المشركين. # فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية1، الذي يتضمن توحيد الربوبية, ~~قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا ms059 ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [سورة الروم: ~~30]. {منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين، من الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون، وإذا مس الناس ضر دعوا ~~ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون، ~~ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون، أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو ~~يتكلم بما كانوا به يشركون، وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم ~~سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} [سورة الروم: 31 - 36]. وقال تعالى: ~~{أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} [سورة إبراهيم: 10] , وقال صلى الله ~~عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه" 2, ولا يقال: إن معناه يولد ساذجا لا يعرف توحيدا ولا شركا، كما ~~قال بعضهم؛ لما تلونا، ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل: ~~"خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين" 3 الحديث. وفي الحديث المتقدم ما ~~يدل على ذلك، حيث قال: "يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" , ولم يقل: ~~ويسلمانه. وفي PageV01P083 # رواية يولد على الملة, وفي أخرى: على هذه الملة. # وهذا الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم هو الذي تشهد الأدلة العقلية ~~بصدقه. منها، أن يقال: لا ريب أن الإنسان قد يحصل له من الاعتقادات ~~والإرادات ما يكون حقا، وتارة ما يكون باطلا، وهو حساس متحرك بالإرادات1، ~~ولا بد له من أحدهما، ولا بد له من مرجح لأحدهما, ونعلم أنه إذا عرض على كل ~~أحد أن يصدق وينتفع وأن يكذب ويتضرر، مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع، ~~وحينئذ فالاعتراف بوجود الصانع الإيمان به هو الحق أو نقيضه، والثاني فاسد ~~قطعا، فتعين الأول، فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان ~~به, وبعد ذلك: أما أن يكون في فطرته [محبته أنفع للعبد أولا, والثاني فاسد ~~قطعا، فوجب أن يكون في فطرته] محبة ما ينفعه. # ومنها: أنه مفطور على جلب المنافع ودفع المضار بحسه, وحينئذ لم تكن ms060 فطرة ~~كل واحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج إلى سبب معين للفطرة، كالتعليم ونحوه، ~~فإذا وجد الشرط وانتفى المانع استجابت لما فيها من المقتضي لذلك. # ومنها: أن يقال: من المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق، ومجرد ~~التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة، لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك، ~~وإلا فلو علم الجهال والبهائم وحضضا لم يقبلا, ومعلوم أن حصول إقرارها ~~بالصانع ممكن من غير سبب منفصل من خارج، وتكون الذات كافية في ذلك، فإذا ~~كان المقتضي قائما في النفس وقدر عدم المعارض، فالمقتضي السالم عن المعارض ~~يوجب مقتضاه، فعلم أن الفطرة2 السليمة إذا لم يحصل لها ما يفسدها، كانت ~~مقرة بالصانع عابدة له. # ومنها: أن يقال: أنه إذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح الخارج، كانت ~~الفطرة مقتضية للصلاح؛ لأن المقتضي فيها للعلم والإرادة قائم، والمانع ~~منتف. # ويحكى عن أبي حنيفة رحمه الله: أن قوما من أهل الكلام أرادوا البحث معه ~~في PageV01P084 # تقرير توحيد الربوبية, فقال لهم: أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن ~~سفينة في دجلة، تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها، ~~فترسي بنفسها، وتفرغ وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟!! فقالوا: هذا ~~محال لا يمكن أبدا! فقال لهم: إذا كان هذا محالا في سفينة، فكيف في هذا ~~العالم كله علوه وسفله!! وتحكى هذه الحكاية أيضا عن غير أبي حنيفة. # فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية، الذي يقر به هؤلاء النظار، ويفنى فيه كثير ~~من أهل التصوف، ويجعلونه غاية السالكين، كما ذكره صاحب منازل السائرين ~~وغيره، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه كان مشركا ~~من جنس أمثاله من المشركين. # والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه وضرب الأمثال له, ومن ذلك أنه ~~يقرر توحيد الربوبية، ويبين أنه لا خالق إلا الله، وأن ذلك مستلزم أن لا ~~يعبد إلا الله، فيجعل الأول دليلا على الثاني، إذ كانوا يسلمون [في] ~~الأول1, وينازعون في الثاني، فيبين لهم ms061 سبحانه أنكم إذا كنتم تعلمون أنه لا ~~خالق إلا الله [وحده]، وأنه هو الذي يأتي العباد بما ينفعهم، ويدفع عنهم ما ~~يضرهم، لا شريك له في ذلك، فلم تعبدون غيره، وتجعلون معه آلهة أخرى؟ # كقوله تعالى: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما ~~يشركون، أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ~~ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أئله مع الله بل هم قوم يعدلون} [سورة ~~النمل: 59] الآيات. يقول الله تعالى في آخر كل آية: {أئله مع الله} أي أإله ~~مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار، يتضمن نفي ذلك، وهم كانوا مقرين بأنه ~~لم يفعل ذلك غير الله، [فاحتج عليهم بذلك، وليس المعنى أنه استفهام هل مع ~~الله إله، كما ظنه بعضهم؛ لأن هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام، والقوم ~~كانوا يجعلون مع الله] آلهة أخرى، كما قال تعالى: {أئنكم لتشهدون أن مع ~~الله آلهة أخرى قل لا أشهد} [الأنعام: 19] , وكانوا يقولون: {أجعل الآلهة ~~إلها واحدا إن هذا لشيء PageV01P085 # عجاب} [سورة ص: 5]. لكنهم ما كانوا يقولون: إن معه إلها {جعل الأرض قرارا ~~وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا} [سورة النمل: ~~61] , بل هم مقرون بأن الله وحده فعل هذا، وهكذا سائر الآيات. وكذلك قوله ~~تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون} [سورة البقرة: 21] , وكذلك قوله في سورة الأنعام: {قل أرأيتم إن أخذ ~~الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به} [سورة ~~الأنعام: 46] , وأمثال ذلك. # واذا كان توحيد الربوبية، الذي يجعله هؤلاء النظار، ومن وافقهم من ~~الصوفية هو الغاية في التوحيد: داخلا في التوحيد الذي جاءت به الرسل، ونزلت ~~به الكتب، فليعلم أن دلائله متعددة، كدلائل إثبات الصانع ودلائل صدق ~~الرسول، فإن العلم كلما كان الناس إليه أحوج كانت أدلته أظهر، رحمة من الله ~~بخلقه. # والقرآن قد ضرب الله للناس فيه من كل مثل، وهي المقاييس العقلية ms062 المفيدة ~~للمطالب الدينية، لكن القرآن يبين الحق في الحكم والدليل، فماذا بعد الحق ~~إلا الضلال؟ وما كان من المقدمات معلومة ضرورية متفقا عليها، استدل بها، ~~ولم يحتج إلى الاستدلال عليها. # والطريقة الصحيحة في البيان أن تحذف، وهي طريقة [القرآن، بخلاف ما يدعيه ~~الجهال، الذين يظنون أن القرآن ليس فيه طريقة] برهانية، بخلاف ما قد يشتبه ~~ويقع فيه نزاع، فإنه يبينه ويدل عليه. # ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم، باعتبار ~~إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ~~ثم خالقا خلق بعض العالم، كما يقوله الثنوية في الظلمة، وكما يقوله القدرية ~~في أفعال الحيوان، وكما يقوله الفلاسفه الدهرية في حركة الأفلاك أو حركات ~~النفوس، أو الأجسام الطبيعية، فإن هؤلاء يثبتون أمورا محدثة بدون إحداث ~~الله إياها، فهم مشركون في بعض الربوبية، وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد ~~يظن في آلهته شيئا من نفع أو ضر، بدون أن يخلق الله ذلك. # PageV01P086 # فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجودا في الناس، بين القرآن بطلانه، كما ~~في قوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} [سورة المؤمنون: 91]. فتأمل هذا البرهان ~~الباهر، بهذا اللفظ الوجيز الظاهر, فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقا ~~فاعلا، يوصل إلى عابده1 النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله آخر ~~يشركه في ملكه، لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة، بل إن قدر ~~على قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك والإلهية دونه فعل، وإن لم يقدر على ذلك ~~انفرد [بخلقه وذهب بذلك الخلق، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بملكه، ~~إذا لم يقدر المنفرد] منهم على قهر الآخر والعلو عليه, فلا بد من أحد ثلاثة ~~أمور: # إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه. # وإما أن يعلو بعضهم على بعض. # وإما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء، ولا يتصرفون فيه، ms063 ~~بل يكون وحده هو الإله، وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه. # وانتظام أمر العالم كله وإحكام أمره، من أدل دليل على أن مدبره إله واحد، ~~وملك واحد، ورب واحد، لا إله للخلق غيره، ولا رب لهم سواه, كما قد دل ~~[دليل] التمانع على أن خالق العالم واحد، لا رب غيره ولا إله سواه، فذلك ~~تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في العبادة والإلهية, فكما يستحيل أن ~~يكون للعالم ربان خالقان متكافئان، كذلك يستحيل أن يكون [لهم] إلهان ~~معبودان. # فالعلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته، مستقر في الفطر ~~معلوم بصريح العقل بطلانه، فكذا تبطل إلهية اثنين, فالآية الكريمة موافقة ~~لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد ~~الإلهية. # وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا} [الأنبياء: 22] , وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ~~ذكره، وهو أنه لو PageV01P087 # كان للعالم صانعان الخ، وغفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو ~~كان فيهما آلهة غيره، ولم يقل أرباب. # وأيضا فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان ~~آلهة سواه لفسدتا. # وأيضا فإنه قال: "لفسدتا"، وهذا فساد بعد الوجود، ولم يقل: لم يوجدا, ~~ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله ~~إلا واحد، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله سبحانه ~~وتعالى، وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة، ومن كون ~~الإله الواحد غير الله وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله ~~وحده لا غيره, فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله، فإن قيامه ~~إنما هو بالعدل، وبه قامت السموات والأرض. # وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك، وأعدل العدل التوحيد. # وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس, فمن لا يقدر على أن ~~يخلق يكون عاجزا، والعاجز لا يصلح أن يكون إلها. قال تعالى: {أيشركون ms064 ما لا ~~يخلق شيئا وهم يخلقون} [الأعراف: 191] , وقال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق أفلا تذكرون} [النحل: 17] , وقال تعالى: {قل لو كان معه آلهة كما ~~يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا} [الإسراء: 42]. # وفيها للمتأخرين قولان: أحدهما: لاتخذوا سبيلا إلى مغالبته، والثاني، وهو ~~الصحيح المنقول عن السلف، كقتادة وغيره، وهو الذي ذكره ابن جرير ولم يذكر ~~غيره: لاتخذوا سبيلا بالتقرب إليه، كقوله تعالى: {إن هذه تذكرة فمن شاء ~~اتخذ إلى ربه سبيلا} [سورة الدهر: 29] , وذلك أنه قال: {لو كان معه آلهة ~~كما يقولون} وهم لم يقولوا: أن العالم [له] صانعان، بل جعلوا معه آلهة ~~اتخذوهم شفعاء، وقالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [سورة ~~الزمر: 3]، بخلاف الآية الأولى. # PageV01P088 ### | أنواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل # ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في ~~الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد. # فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس ~~كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر به عن نفسه، وكما أخبر رسوله صلى الله عليه ~~وسلم, وقد أفصح القرآن عن هذا [النوع] كل الإفصاح، كما في أول "الحديد" ~~و"طه" وآخر "الحشر" وأول "الم تنزيل، السجدة" وأول "آل عمران" وسورة ~~"الإخلاص" بكمالها، وغير ذلك. # والثاني: وهو توحيد الطلب والقصد، مثل ما تضمنته سورة: {قل يا أيها ~~الكافرون}، {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} [سورة آل ~~عمران: 64]، وأول سورة "تنزيل الكتاب" وآخرها، وأول سورة "يونس" وأوسطها ~~وآخرها، وأول سورة "الأعراف" وآخرها، وجملة سورة "الأنعام". # وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل سورة في القرآن, فالقرآن ~~إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمي الخبري, وإما دعوة إلى ~~عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي ~~الطلبي. وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته, وإما ~~خبر عن إكرامه لأهل توحيده، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في ~~الآخرة، فهو جزاء توحيده, ms065 وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في [الدنيا] ~~1 من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم ~~التوحيد. # فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم. ف ~~{الحمد لله رب العالمين} توحيد، {الرحمن الرحيم} توحيد، {مالك يوم الدين} ~~توحيد، {إياك نعبد وإياك نستعين} توحيد، {اهدنا الصراط المستقيم} ~~PageV01P089 # توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، {الذين أنعمت عليهم}، ~~{غير المغضوب عليهم ولا الضالين} الذين فارقوا التوحيد. # وكذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد، وشهدت له به ملائكته وأنبياؤه ورسله. ~~قال تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، إن الدين عند الله الإسلام} [سورة آل ~~عمران: 18، 19] , فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد، والرد على ~~جميع طوائف الضلال، فتضمنت أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها، من أجل ~~شاهد، بأجل مشهود به. # وعبارات السلف في "شهد" تدور على الحكم، والقضاء، والإعلام، والبيان، ~~والإخبار, وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها؛ فإن الشهادة تتضمن كلام ~~الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه. # فلها أربع مراتب: فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به ~~وثبوته. وثانيها: تكلمه بذلك، وإن لم يعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ~~ويتذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها: أن يعلم غيره بما يشهد به ويخبره ~~[به] ويبينه له. ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به. # فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب ~~الأربع: علمه بذلك سبحانه، وتكلمه به، وإعلامه وإخباره لخلقه به، وأمرهم ~~وإلزامهم به. # فأما مرتبة العلم فإن الشهادة تضمنتها ضرورة1، وإلا كان الشاهد شاهدا بما ~~لا علم له به, قال تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [سورة الزخرف: 86] ~~, وقال صلى الله عليه وسلم: "على مثلها فاشهد"2، وأشار إلى الشمس. ~~PageV01P090 # وأما مرتبة التكلم والخبر، فقال تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون} [سورة الزخرف: 19] , ~~فجعل ذلك منهم ms066 شهادة، وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم. # وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل, وهذا ~~شأن كل معلم لغيره بأمر: تارة يعلمه به بقوله، وتارة بفعله, ولهذا كان من ~~جعل داره مسجدا وفتح بابها وأفرزها بطريقها وأذن للناس بالدخول والصلاة ~~فيها: معلما أنها وقف، وإن لم يتلفظ به, وكذلك من وجد متقربا إلى غيره ~~بأنواع المسار، يكون معلما له ولغيره أنه يحبه، وإن لم يتلفظ بقوله، وكذلك ~~بالعكس, وكذلك شهادة الرب عز وجل وبيانه وإعلامه، يكون بقوله تارة، وبفعله ~~أخرى, فالقول ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه, وأما بيانه وإعلامه بفعله ~~فكما قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه: أنه ~~لا إله إلا هو. وقال آخر: # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # ومما يدل على أن الشهادة تكون بالفعل، قوله تعالى: {ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر} [التوبة: 17]. [فهذه شهادة ~~منهم على أنفسهم] 1 بما يفعلونه. # [والمقصود أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته] 2 المخلوقة دالة عليه، ~~ودلالتها إنما هي بخلقه وجعله. # وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به، وأن مجرد الشهادة لا يستلزمه، لكن ~~الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه, فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم ~~به، وقضى وأمر وألزم عباده به، كما قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه}. وقال الله تعالى: {لا تتخذوا إلهين اثنين} [سورة النحل: 51]. وقال ~~تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [سورة البينة: 5] , ~~{وما أمروا إلا PageV01P091 # ليعبدوا إلها واحدا} [سورة التوبة: 31] , وقال تعالى: {لا تجعل مع الله ~~إلها آخر} [سورة الإسراء: 22 و39]. وقال تعالى: {ولا تدع مع الله إلها آخر} ~~[سورة القصص: 88] , والقرآن كله شاهد بذلك. # ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك: أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو، فقد ~~أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله، أو إلهية ما سواه باطلة، ~~فلا يستحق العبادة سواه، كما ms067 لا تصلح الإلهية لغيره، وذلك يستلزم الأمر ~~باتخاذه وحده إلها، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها، وهذا يفهمه المخاطب من ~~هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلا يستفتي رجلا أو يستشهده أو يستطبه ~~وهو ليس أهلا لذلك، ويدع من هو أهل له، فتقول: هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا ~~طبيب، المفتي فلان، والشاهد فلان، والطبيب فلان، فإن هذا أمر منه ونهي. # وأيضا: فالآية دلت على أنه وحده المستحق للعبادة، فإذا أخبر أنه هو وحده ~~المستحق للعبادة، تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحق ~~الرب تعالى عليهم، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم. # وأيضا: فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجملة الخبرية، ويقال للجملة ~~الخبرية: قضية، وحكم، وقد حكم فيها بكذا, قال تعالى: {ألا إنهم من إفكهم ~~ليقولون، ولد الله وإنهم لكاذبون، أصطفى البنات على البنين، ما لكم كيف ~~تحكمون} [سورة الصافات: 151 - 154] , فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكما ~~وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون} [سورة القلم: ~~35 - 36] , لكن هذا حكم لا إلزام معه. # والحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو متضمن الإلزام, ولو كان المراد مجرد ~~شهادة لم يتمكنوا من العلم بها، [ولم ينتفعوا بها] , ولم تقم عليهم بها ~~الحجة, بل قد تضمنت البيان للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به، كما أن ~~الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها، لم ينتفع بها ~~أحد، ولم تقم بها حجة. # PageV01P092 # وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها، فهو سبحانه قد بينها غاية البيان ~~بطرق ثلاثة: السمع، والبصر، والعقل؛ أما السمع: فبسمع آياته المتلوة ~~المبينة لما عرفنا إياه من صفات كماله كلها، الوحدانية وغيرها، غاية ~~البيان، لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة ومعطلة بعض الصفات من ~~دعوى احتمالات توقع الحيرة، تنافي البيان الذي وصف الله به كتابه العزيز ~~ورسوله الكريم، كما قال تعالى: {حم، والكتاب المبين} , {الر, تلك آيات ~~الكتاب المبين} [سورة يوسف: 1، 2] , {الر, تلك آيات الكتاب وقرآن مبين} ~~[سورة الحجر: 1، 2] , {هذا بيان ms068 للناس وهدى وموعظة للمتقين} [سورة آل ~~عمران: 138] , {فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} [المائدة: 92، ~~والتغابن: 12] , {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم ~~يتفكرون} [النحل: 44] , وكذلك السنة تأتي مبينة أو مقررة لما دل عليه ~~القرآن، لم يحوجنا ربنا سبحانه وتعالى إلى رأي فلان، [ولا إلى ذوق فلان] ~~ووجده في أصول ديننا. # ولهذا نجد من خالف الكتاب والسنة مختلفين مضطرين, بل قد قال تعالى: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [سورة ~~المائدة: 3] , فلا يحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة. # وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو جعفر الطحاوي فيما يأتي من كلامه من ~~قوله: لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم ~~في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. # وأما آياته العيانية الخلقية: فالنظر فيها والاستدلال بها يدل على ما تدل ~~عليه آياته القولية السمعية، والعقل يجمع بين هذه وهذه، ويجزم بصحة ما جاءت ~~به الرسل، فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة. # فهو سبحانه لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر وإقامة الحجة, ~~لم يبعث نبيا إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به، قال تعالى: {لقد ~~أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} ~~[سورة الحديد: 25]. # PageV01P093 # وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون، بالبينات والزبر} [سورة النحل: 43، 44] , [وقال تعالى: ~~{قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم}] [سورة آل عمران: 183]. ~~وقال تعالى: {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب ~~المنير} [سورة آل عمران: 184] , وقال تعالى: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان} [سورة الشورى: 17] , حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود، حتى ~~قال له قومه: يا هود ما جئتنا ببينة، ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن ~~وفقه الله لتدبرها، وقد أشار إليه بقوله: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء ~~مما تشركون، من دونه ms069 فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، إني توكلت على الله ربي ~~وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود: 54 - ~~56] , فهذا من أعظم الآيات: أن رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب، ~~غير جزع ولا فزع ولا خوار، بل هو واثق بما قاله، جازم به، فأشهد الله أولا ~~على براءته من دينهم وما هم عليه، إشهاد واثق به معتمد عليه، معلم لقومه ~~أنه وليه وناصره وغير مسلط لهم عليه, ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة ~~أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون عليها ويبذلون دماءهم ~~وأموالهم في نصرتهم لها، ثم أكد ذلك عليهم بالاستهانة لهم واحتقارهم ~~وازدرائهم, ولو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه، ثم يعاجلونه ولا ~~يمهلونه [لم يقدروا على ذلك إلا ما كتبه الله عليه] , ثم قرر دعوتهم أحسن ~~تقرير، وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم ~~بنصره وتأييده، وأنه على صراط مستقيم، فلا يخذل من توكل عليه وأقر به، ولا ~~يشمت به أعداءه. # فأي آية وبرهان أحسن من آيات الأنبياء عليهم السلام وبراهينهم وأدلتهم؟ ~~وهي شهادة من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان. # ومن أسمائه تعالى "المؤمن" وهو في أحد التفسيرين: المصدق الذي يصدق ~~الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، فإنه لا بد أن يري العباد من الآيات ~~الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغه رسله حق [قال] تعالى: # PageV01P094 # {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [سورة ~~فصلت: 53]. أي القرآن، فإنه هو المتقدم في قوله: {قل أرأيتم إن كان من عند ~~الله} [سورة فصلت: 52] , ثم قال: {أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} ~~[سورة فصلت: 53] , فشهد سبحانه لرسوله بقوله أن ما جاء به حق، ووعد أنه يري ~~العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضا, ثم ذكر ما هو أعظم من ~~ذلك كله وأجل، وهو شهادته سبحانه [بأنه] على كل شيء شهيد، فإن من ms070 أسمائه ~~الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه، بل هو مطلع على كل شيء مشاهد ~~له، عليم بتفاصيله, وهذا استدلال بأسمائه وصفاته، والأول استدلال بقوله ~~وكلماته، واستدلاله بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته. # فإن قلت: كيف يستدل بأسمائه وصفاته، فإن الاستدلال بذلك لا يعهد في ~~الاصطلاح؟ # فالجواب: أن الله تعالى قد أودع في الفطرة التي لم تتنجس بالجحود ~~والتعطيل، ولا بالتشبيه والتمثيل، أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته، ~~وأنه الموصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله، وما خفي عن الخلق من كماله ~~أعظم وأعظم مما يعرفونه منه. ومن كماله المقدس شهادته على كل شيء واطلاعه ~~عليه، بحيث لا يغيب عنه ذرة في السموات ولا في الأرض باطنا وظاهرا, ومن هذا ~~شأنه كيف يليق بالعباد أن يشركوا به، وأن يعبدوا غيره ويجعلوا معه إلها ~~آخر؟ وكيف يليق بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب، ويخبر عنه بخلاف ما ~~الأمر عليه، ثم ينصره على ذلك ويؤيده ويعلي شأنه ويجيب دعوته ويهلك عدوه، ~~ويظهر على دينه من الآيات والبراهين ما يعجز عن مثله قوى البشر، وهو مع ذلك ~~كاذب غير مفتر؟! # ومعلوم أن شهادته سبحانه على كل شيء وقدرته وحكمته وعزته وكماله المقدس ~~يأبى ذلك, ومن جوز ذلك فهو من أبعد الناس عن معرفته. # والقرآن مملوء من هذه الطريق، وهي طريق الخواص، يستدلون بالله على أفعاله ~~وما يليق به أن يفعل [ولا يفعله]، قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل, # PageV01P095 # {لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين} ~~[الحاقة: 44 - 47] , وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى, ويستدل ~~أيضا بأسمائه وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك، كما في قوله تعالى: ~~{هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون} [سورة الحشر: 23] , وأضعاف ذلك في ~~القرآن. وهذه الطريق قليل سالكها، لا يهتدي إليها إلا الخواص, وطريقة ~~الجمهور الاستدلال بالآيات المشاهدة؛ لأنها أسهل تناولا وأوسع, ms071 والله ~~سبحانه يفضل بعض خلقه على بعض. # فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره، فإنه الدليل والمدلول ~~عليه، والشاهد والمشهود له. قال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: ~~{أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون} [العنكبوت: 51] الآيات. # وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به ~~الكتب، كما تقدمت إليه الإشارة, فلا يلتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ~~ثلاثة أنواع، وجعل هذا النوع توحيد العامة، والنوع الثاني توحيد الخاصة، ~~وهو الذي يثبت بالحقائق، والنوع الثالث توحيد قائم بالقدم، وهو توحيد خاصة ~~الخاصة، فإن أكمل الناس توحيدا الأنبياء [صلوات الله عليهم] , والمرسلون ~~منهم أكمل في ذلك، وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيدا، وهم: نوح، ~~وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلى الله وسلم عليهم أجمعين, وأكملهم ~~توحيدا الخليلان: محمد وإبراهيم، صلوات الله عليهما وسلامه، فإنهما قاما من ~~التوحيد بما لم يقم به غيرهما علما، ومعرفة، وحالا، ودعوة للخلق وجهادا، ~~فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل، ودعوا إليه، وجاهدوا الأمم عليه, ~~ولهذا أمر سبحانه نبيه أن يقتدي بهم فيه, كما قال تعالى، بعد ذكر مناظرة ~~إبراهيم قومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ذريته: {أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] فلا أكمل من توحيد من أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم, وكان صلى الله عليه وسلم يعلم ~~أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: "أصبحنا على فطرة الإسلام # PageV01P096 # وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان ~~من المشركين"1, فملة إبراهيم: التوحيد، ودين محمد صلى الله عليه وسلم: ما ~~جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا, وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا ~~إله إلا الله. وفطرة الإسلام: هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده ~~لا شريك له، والاستسلام له عبودية وذلا وانقيادا وإنابة. # فهذا توحيد خاصة الخاصة، الذي من رغب عنه فهو من ms072 أسفه السفهاء, قال ~~تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين، إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} ~~[البقرة: 131، 132] , وكل من له حس سليم وعقل يميز به، لا يحتاج في ~~الاستدلال إلى أوضاع أهل الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم البتة، بل ربما ~~يقع بسببها في شكوك وشبه يحصل له بها الحيرة والضلال والريبة، فإن التوحيد ~~إنما ينفع إذا سلم قلب صاحبه من ذلك، وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح ~~إلا من أتى الله به, ولا شك أن النوع الثاني والثالث من التوحيد الذي ادعوا ~~أنه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة، ينتهي إلى الفناء الذي يشمر إليه غالب ~~الصوفية، وهو درب خطر، يفضي إلى الاتحاد. انظر إلى ما أنشد شيخ الإسلام أبو ~~إسماعيل الأنصاري رحمه الله تعالى حيث يقول: # ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد # توحيد من ينطق عن نعته ... عارية أبطلها الواحد # توحيده إياه توحيده ... ونعت من ينعته لاحد PageV01P097 # وإن كان قائله رحمه الله لم يرد به الاتحاد، لكن ذكر لفظا مجملا محتملا ~~جذبه به الاتحادي إليه، وأقسم بالله جهد أيمانه إنه معه، ولو سلك الألفاظ ~~الشرعية التي لا إجمال فيها كان أحق، مع أن المعنى الذي حام حوله لو كان ~~مطلوبا منا لنبه الشارع عليه ودعا الناس إليه وبينه، فإن على الرسول البلاغ ~~المبين، فأين قال الرسول: هذا توحيد العامة، وهذا توحيد الخاصة، وهذا توحيد ~~خاصة الخاصة؟ أو ما يقرب من هذا المعنى؟ أو أشار إلى هذه النقول والعقول ~~حاضرة. # فهذا كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه سنة الرسول، ~~وهذا كلام خير القرون بعد الرسول، وسادات العارفين من الأئمة، هل جاء ذكر ~~الفناء فيها، وهذا التقسيم عن أحد منهم؟ وإنما حصل هذا من زيادة الغلو في ~~الدين، المشبه لغلو [الخوارج، بل] لغلو النصارى في دينهم, وقد ذم الله ~~تعالى الغلو في الدين ونهى عنه، فقال: {يا أهل الكتاب لا ms073 تغلوا في دينكم ~~ولا تقولوا على الله إلا الحق} [سورة النساء 171] , {قل يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل} [سورة المائدة: 77]. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تشددوا فيشدد الله عليكم، فإن من كان قبلكم شددوا فشدد الله عليهم، فتلك ~~بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم", رواه ~~أبو داود1. # قوله: "ولا شيء مثله". # ش: اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ~~ولا في أفعاله, ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام الناس لفظا مجملا يراد به ~~المعنى الصحيح، وهو ما نفاه القرآن ودل عليه العقل، من أن خصائص الرب تعالى ~~لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من ~~صفاته: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، رد على الممثلة المشبهة {وهو ~~PageV01P098 # السميع البصير}، رد على النفاة المعطلة، فمن جعل صفات الخالق مثل صفات ~~المخلوق، فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات ~~الخالق، فهو نظير النصارى في كفرهم، ويراد به أنه لا يثبت لله شيء من ~~الصفات، فلا يقال: [له] قدرة، ولا علم، ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه ~~الصفات! ولازم هذا القول أنه لا يقال له: حي، عليم، قدير؛ لأن العبد يسمى ~~بهذه الأسماء، وكذلك كلامه وسمعه وبصره1 [وإرادته] وغير ذلك, وهم يوافقون ~~أهل السنة على أنه موجود، عليم, قدير حي. والمخلوق يقال له: موجود حي عليم ~~قدير، ولا يقال: هذا تشبيه يجب نفيه، وهذا مما دل عليه الكتاب والسنة وصريح ~~العقل، ولا يخالف فيه عاقل، فإن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده بها، ~~وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى ببعضها صفات خلقه، وليس المسمى كالمسمي فسمى ~~نفسه: حيا، عليما، قديرا، رؤوفا، رحيما، عزيزا، حكيما، سميعا، بصيرا، ملكا، ~~مؤمنا، جبارا، متكبرا. وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء فقال: {يخرج الحي من ~~الميت} [سورة الأنعام: 95, والروم: 19]. {وبشروه بغلام ms074 عليم} [الذاريات: ~~28]. {فبشرناه بغلام حليم} [سورة الصافات: 101]. {بالمؤمنين رءوف رحيم} ~~[سورة التوبة: 128]. {فجعلناه سميعا بصيرا} [سورة الدهر: 2]. {قالت امرأت ~~العزيز} [سورة يوسف: 51]. {وكان وراءهم ملك} [سورة الكهف: 79]. {أفمن كان ~~مؤمنا} [سورة السجدة: 18]. {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} [سورة ~~المؤمن: 35] ومعلوم أنه لا يماثل الحي الحي، ولا العليم العليم، ولا العزيز ~~العزيز، وكذلك سائر الأسماء، وقال تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه} [سورة ~~البقرة: 255]. {أنزله بعلمه} [سورة النساء: 166]. {وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه} [سورة فاطر: 11]. {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} ~~[الذاريات: 58]. {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة} [سورة ~~السجدة: 15]. وعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعلمنا الاستخارة في الأمور PageV01P099 # كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ~~ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك ~~بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم1، وأنت ~~علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة ~~أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسره لي2، ثم بارك لي فيه، ~~وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل ~~أمري وآجله- فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني ~~به". قال: "ويسمي حاجته"3، رواه البخاري, وفي حديث عمار بن ياسر الذي رواه ~~النسائي وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يدعو بهذا الدعاء: ~~"اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، ~~وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ~~وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك ~~نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد ~~العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، غير ~~ضراء مضرة، ms075 ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين" ~~4, فقد سمى الله ورسوله صفات الله علما وقدرة وقوة, وقال تعالى: {ثم جعل من ~~بعد ضعف قوة} [سورة الروم: 54] , {وإنه لذو علم لما علمناه} [سورة يوسف: ~~68] , ومعلوم PageV01P100 # أنه ليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة، ونظائر هذا كثيرة, وهذا لازم ~~لجميع العقلاء, فإن من نفى صفة من صفاته التي وصف الله بها نفسه، كالرضى ~~والغضب، والحب والبغض، ونحو ذلك، ورغم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم! قيل ~~له: فأنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر، مع أن ما تثبته له ليس ~~مثل صفات المخلوقين، فقل فيما نفيته وأثبته الله ورسوله مثل قولك فيما ~~أثبته، إذ لا فرق بينهما. # فإن قال: أنا لا أثبت شيئا من الصفات! قيل له: فأنت تثبت له الأسماء ~~الحسنى، مثل: عليم، حي، قادر. والعبد يسمى بهذه الأسماء، وليس ما يثبت للرب ~~من هذه الأسماء مماثلا لما يثبت للعبد فقل في صفاته نظير قولك في مسمى ~~أسمائه. # فإن قال: وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى، بل أقول. هي مجاز، وهي أسماء ~~لبعض مبتدعاته، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة! # قيل له: فلا بد أن تعتقد أنه موجود وحق1 قائم بنفسه، والجسم موجود قائم ~~بنفسه، وليس هو مماثلا له. # فإن قال: أنا لا أثبت شيئا، بل أنكر وجود الواجب. # قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه، وإما غير واجب ~~بنفسه، وإما قديم أزلي، وإما حادث كائن بعد أن لم يكن، وإما مخلوق مفتقر ~~إلى خالق، وإما غير مخلوق ولا مفتقر إلى خالق، وإما فقير إلى ما سواه، وإما ~~غني عما سواه، وغير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه، والحادث لا ~~يكون إلا بقديم، والمخلوق لا يكون إلا بخالق، والفقير لا يكون إلا بغني ~~عنه، فقد لزم على تقدير النقيضين وجود موجود واجب بنفسه قديم أزلي خالق ~~[غني] عما سواه، وما سواه بخلاف ذلك, وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود ~~حادث كائن بعد أن لم يكن، والحادث لا يكون ms076 واجبا بنفسه، ولا قديما أزليا، ~~ولا خالقا لما سواه، ولا غنيا عما سواه، فثبت بالضرورة وجود موجودين: ~~أحدهما واجب، والآخر ممكن، PageV01P101 # أحدهما قديم، والآخر حادث، أحدهما غني، والآخر فقير، أحدهما خالق، والآخر ~~مخلوق, وهما متفقان في كون كل منهما شيئا موجودا ثابتا، ومن المعلوم أيضا ~~أن أحدهما ليس مماثلا للآخر في حقيقته، إذ لو كان كذلك لتماثلا فيما يجب ~~ويجوز ويمتنع، وأحدهما يجب قدمه وهو موجود بنفسه، والآخر لا يجب قدمه ولا ~~هو موجود بنفسه، وأحدهما خالق والآخر ليس بخالق، وأحدهما غني عما سواه، ~~والآخر فقير. # فلو تماثلا للزم أن يكون كل منهما واجب القدم ليس بواجب القدم، موجودا ~~بنفسه غير موجود بنفسه، خالقا ليس بخالق، غنيا غير غني، فيلزم اجتماع ~~الضدين على تقدير تماثلهما, فعلم أن تماثلهما منتف بصريح العقل، كما هو ~~منتف بنصوص الشرع. # فعلم بهذه الأدلة اتفاقهما من وجه، واختلافهما من وجه, فمن نفى ما اتفقا ~~فيه كان معطلا قائلا بالباطل، ومن جعلهما متماثلين كان مشبها قائلا ~~بالباطل، والله أعلم, وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه، فالله ~~[تعالى] مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته، والعبد لا يشركه في شيء من ~~ذلك، والعبد أيضا مختص بوجوده وعلمه، وقدرته، والله تعالى منزه عن مشاركة ~~العبد في خصائصه. # وإذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة، فهذا المشترك مطلق كلي يوجد ~~في الأذهان لا في الأعيان، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه. # وهذا موضع اضطرب فيه كثير من النظار، حيث توهموا أن الاتفاق في مسمى هذه ~~الأشياء يوجب أن يكون الوجود الذي للرب كالوجود الذي للعبد. # وطائفة ظنت أن لفظ الوجود يقال بالاشتراك اللفظي، وكابروا عقولهم، فإن ~~هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم، كما يقال: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، ~~وقديم وحادث, ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، واللفظ المشترك كلفظ ~~المشتري الواقع على المبتاع والكوكب، لا ينقسم معناه، ولكن يقال: لفظ ~~المشتري يقال على كذا [أو على كذا]، وأمثال هذه المقالات التي قد بسط ~~الكلام عليها في موضعه. ms077 # PageV01P102 # وأصل الخطأ والغلط: توهمهم أن هذه الأسماء1 العامة الكلية يكون مسماها ~~المطلق الكلي هو بعينه ثابتا في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما ~~يوجد في الخارج لا يوجد مطلقا كليا، [بل] لا يوجد إلا معينا مختصا، وهذه ~~الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معينا مختصا به، فإذا سمي بها العبد ~~كان مسماها مختصا به. فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا ~~الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟ ألا ترى أنك تقول: ~~هذا هو ذاك، فالمشار إليه واحد لكن بوجهين مختلفين. # وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى وزادوا فيه على الحق ~~فضلوا، وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه, وزادوا فيه على ~~الحق حتى ضلوا, وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة ~~الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه. # فالنفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه بشيء من خلقه، ولكن ~~أساءوا في نفي المعاني الثابتة لله تعالى في نفس الأمر. # والمشبهة أحسنوا في إثبات الصفات، ولكن أساءوا بزيادة التشبيه. # واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عنها ~~أو ما يناسب عينها، ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا ~~يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط، حتى في أول تعليم معاني الكلام بتعليم ~~معاني الألفاظ المفردة، مثل تربية الصبي الذي يعلم البيان واللغة، ينطق له ~~باللفظ المفرد ويشار له إلى معناه إن كان مشهودا بالإحساس الظاهر أو ~~الباطن، فيقال له: لبن، خبز، أم، أب، سماء، أرض، شمس، قمر، ماء، ويشار له ~~مع العبارة إلى كل مسمى من هذه المسميات، وإلا لم يفهم معنى اللفظ ومراد ~~الناطق به، وليس أحد من بني آدم يستغني عن التعليم السمعي، كيف وآدم أبو ~~البشر وأول ما علمه الله تعالى أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها، ~~وكلمه وعلمه بخطاب الوحي ما لم يعلمه بمجرد العقل. PageV01P103 # فدلالة اللفظ على المعنى هي بواسطة ms078 دلالته على ما عناه المتكلم وأراده، ~~وإرادته وعنايته في قلبه، فلا يعرف باللفظ ابتداء، ولكن [لا] يعرف المعنى ~~بغير اللفظ حتى يعلم أولا أن هذا المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ~~ويعنى به، فإذا عرف ذلك ثم سمع اللفظ مرة ثانية، عرف المعنى المراد بلا ~~إشارة إليه, وإن كانت الإشارة إلى ما يحس بالباطن، مثل الجوع والشبع والري ~~والعطش والحزن والفرح، فإنه لا يعرف اسم ذلك حتى يجده من نفسه، فإذا وجده ~~أشير له إليه، وعرف أن اسمه كذا، والإشارة تارة تكون إلى جوع نفسه أو عطش ~~نفسه، مثل أن يراه أنه قد جاع فيقول له: جعت، أنت جائع، فيسمع اللفظ ويعلم ~~ما عينه بالإشارة أو ما يجري مجراها من القرائن التي تعين المراد، مثل نظر ~~أمه إليه في حال جوعه وإدراكه بنظرها أو نحوه أنها تعني جوعه، أو يسمعهم ~~يعبرون بذلك عن جوع غيره. # إذا عرف ذلك فالمخاطب المتكلم إذا أراد بيان معان، فلا يخلو إما أن يكون ~~مما أدركها المخاطب المستمع بإحساسه وشهوده، أو بمعقوله، وإما أن لا يكون ~~كذلك, فإن كانت من القسمين الأولين لم يحتج إلا إلى معرفة اللغة، بأن يكون ~~قد عرف معاني الألفاظ المفردة ومعنى التركيب، فإذا قيل له بعد ذلك: {ألم ~~نجعل له عينين، ولسانا وشفتين} [البلد 8, 9]، أو قيل له: {والله أخرجكم من ~~بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم ~~تشكرون} [النحل: 78] , ونحو ذلك، فهم المخاطب بما أدركه بحسه، وإن كانت ~~المعاني التي يراد تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده بعينه، ولا بحيث صار له ~~معقول كلي يتناولها حتى يفهم به المراد بتلك الألفاظ، بل هي مما [لا] يدركه ~~بشيء من حواسه الباطنة والظاهرة، فلا بد في تعريفه من طريق القياس والتمثيل ~~والاعتبار بما بينه وبين معقولات الأمور التي شاهدها من التشابه والتناسب، ~~وكلما كان التمثيل أقوى، كان البيان أحسن، والفهم أكمل. # فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما بين لنا أمورا لم تكن معروفة قبل ~~ذلك، وليس في ms079 لغتهم لفظ يدل عليها بعينها، أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك ~~المعاني، وجعلها أسماء لها، فيكون بينها قدر مشترك، كالصلاة، والزكاة، ~~والصوم، والإيمان، والكفر, وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله ~~وباليوم الآخر، وهم # PageV01P104 # لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها، أخذ من ~~اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك ~~المعاني الغيبية، والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها، وقرن بذلك من ~~الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد، كتعليم الصبي، كما قال ربيعة ابن ~~أبي عبد الرحمن1: الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم. # وأما ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة، فقد يكون مما أدركوا نظيره ~~بحسهم وعقلهم، كإخبارهم بأن الريح قد أهلكت عادا، فإن عادا من جنسهم والريح ~~من جنس ريحهم، وإن كانت أشد. وكذلك غرق فرعون في البحر، وكذا بقية الأخبار ~~عن الأمم الماضية, ولهذا كان الإخبار بذلك فيه عبرة لنا، كما قال تعالى: ~~{لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف: 111]. وقد يكون الذي يخبر به ~~الرسول ما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه لكن في مفرداته ~~ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه, كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية ~~المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلا بد أن يعلموا معنى مشتركا وشبها بين ~~مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم, فإذا كان ~~ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد، ويريد أن يجعلهم يشهدونه مشاهدة ~~كامله ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب، أشهدهم إياه، ~~وأشار لهم إليه، وفعل قولا يكون حكاية له وشبها، به يعلم المستعمون أن ~~معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة. ~~PageV01P105 ### | المراتب الثلاثة التي لا بد منها في كل خطاب # ... # فينبغي أن يعرف هذه الدرجات: أولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية ~~المشاهدة. وثانيها: عقله لمعانيها الكلية. وثالثها: تعريف الألفاظ الدالة ~~على تلك المعاني الحسية والعقلية. فهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل ~~خطاب, ms080 فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة ~~بينها وبين الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور ~~المشهودة, ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق، كما تقدم في قصص ~~الأمم، وإن لم يكن مثلها بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا، ~~ونحو ذلك. وإذا تقرر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان ~~الفارق، وانتفاء التساوي لا يمنع وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ ~~المشترك، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك ~~قط. # قوله: "ولا شيء يعجزه". # ش: لكمال قدرته, قال تعالى: {إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 20]. ~~{وكان الله على كل شيء مقتدرا} [الكهف: 45]. {وما كان الله ليعجزه من شيء ~~في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا} [سورة فاطر: 44]. {وسع ~~كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم} [البقرة: 255]. ~~"لا يئوده" أي: لا يكرثه1 ولا يثقله ولا يعجزه, فهذا النفي لثبوت كمال ضده، ~~وكذلك كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ~~ضده، كقوله تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49]، لكمال عدله. {لا يعزب ~~عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} [سورة سبإ: 3]، لكمال علمه. وقوله ~~تعالى: {وما مسنا من لغوب} [ق: 38]، لكمال قدرته. {لا تأخذه سنة ولا نوم} ~~[البقرة: 255] لكمال حياته وقيوميته. {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103]، ~~لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه، ألا ترى أن ~~قول الشاعر: # قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل # لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم ~~بقوله "قبيلة" علم أن المراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم, وقول الآخر: # لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا ~~PageV01P106 # لما اقترن بنفي الشر عنهم ما يدل على ذمهم، علم أن المراد عجزهم وضعفهم ~~أيضا. # ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلا، والنفي مجملا، ms081 عكس طريقة ~~أهل الكلام المذموم؛ فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل، يقولون: ~~ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا ~~عرض ولا بذي لون ولا رائحة ولا طعم، ولا مجسة1 ولا بذي حرارة ولا برودة ولا ~~رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق، ولا يتحرك ~~ولا يسكن ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ~~ولا بذي يمين ولا شمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان ولا يجري ~~عليه زمان ولا يجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن، ولا ~~يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف ~~بمساحة ولا ذهاب في الجهات وليس بمحدود، ولا والد ولا مولود، ولا تحيط به ~~الأقدار ولا تحجبه الأستار إلى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري رحمه الله عن ~~المعتزلة. # وفي هذه الجملة حق وباطل, ويظهر ذلك لمن يعرف الكتاب والسنة, وهذا النفي ~~المجرد مع كونه لا مدح فيه، [فيه] إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست ~~بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك! لأدبك على هذا الوصف وإن كنت صادقا، ~~وإنما تكون مادحا إذا أجملت النفي فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت ~~أعلى منهم وأشرف وأجل. فإذا أجملت في النفي أجملت في الأدب. # والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة ~~والجماعة. والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات، ولا ~~يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي ~~يجب اعتقاده واعتماده. [وأما أهل الحق والسنة والإيمان فيجعلون ما قاله ~~الله ورسوله هو الحق PageV01P107 # الذي يجب اعتقاده واعتماده] , والذي قاله هؤلاء إما أن يعرضوا عنه إعراضا ~~جمليا، أو يبينوا حاله تفصيلا، ويحكم عليه بالكتاب والسنة، [لا يحكم به على ~~الكتاب والسنة]. # والمقصود: أن غالب عقائدهم السلوب، ليس بكذا، ليس بكذا، وأما الإثبات فهو ~~قليل، وهي أنه ms082 عالم قادر حي، وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب ~~والسنة، ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات، فإن الله ~~تعالى قال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. ففي هذا ~~الإثبات ما يقرر معنى النفي. ففهم أن المراد إنفراده سبحانه بصفات الكمال، ~~فهو سبحانه وتعالى موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، ليس كمثله شيء في ~~صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله، مما أخبرنا به من صفاته، وله صفات لم ~~يطلع عليها أحد من خلقه، كما قال رسوله الصادق صلى الله عليه وسلم في دعاء ~~الكرب: "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو ~~علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ~~[العظيم] ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي" 1. وسيأتي ~~التنبيه على فساد طريقتهم في الصفات إن شاء الله تعالى. # وليس قول الشيخ رحمه الله تعالى "ولا شيء يعجزه من النفي المذموم، فإن ~~الله تعالى قال: {وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه ~~كان عليما قديرا} [فاطر: 44]، فنبه سبحانه وتعالى في آخر الآية على دليل ~~انتفاء العجز، وهو كمال العلم والقدرة، فإن العجز إنما ينشا إما من الضعف ~~عن القيام بما يريده الفاعل، وإما من عدم علمه به، والله تعالى لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة، وهو على كل شيء قدير، وقد علم ببدائه العقول والفطر كمال قدرته ~~وعلمه، فانتفى العجز، لما PageV01P108 # بينه وبين القدرة من التضاد؛ ولأن العاجز لا يصلح أن يكون إلها، تعالى ~~الله عن ذكر ذلك علوا كبيرا. # قوله: "ولا إله غيره". # ش: هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم، كما تقدم ذكره, وإثبات ~~التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر، فإن الإثبات ~~المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال. ولهذا -والله أعلم- لما قال تعالى: {وإلهكم ~~إله واحد} [البقرة: 163]، قال بعده: {لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} ~~[البقرة: 163]. فإنه قد يخطر ms083 ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد، ~~فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: {لا إله إلا هو [الرحمن الرحيم]}. # وقد اعترض صاحب "المنتخب" على النحويين في تقدير "الخبر في لا إله إلا ~~هو"1 فقالوا: تقديره: لا إله في الوجود إلا الله، فقال: يكون ذلك نفيا ~~لوجود PageV01P109 # الإله. ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان ~~إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى. # وأجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي1 في "ري الظمآن" فقال: هذا ~~كلام من لا يعرف لسان العرب، فإن "إله" في موضع المبتدأ على قول ~~PageV01P110 # سيبويه، وعند غيره اسم لا، وعلى التقديرين فلا بد من خبر المبتدأ، وإلا ~~فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد. وأما قوله: إذا لم يضمر يكون نفيا ~~للماهية, فليس بشيء، لأن نفي الماهية هو نفي الوجود، لا تتصور الماهية إلا ~~مع الوجود، فلا فرق بين "لا ماهية" و"لا وجود". وهذا مذهب أهل السنة، خلافا ~~للمعتزلة، فإنهم يثبتون ماهية عارية عن الوجود، و"إلا الله" مرفوع، بدلا من ~~"لا إله" لا يكون خبرا ل"لا"، ولا للمبتدإ. وذكر الدليل على ذلك. # وليس المراد هنا ذكر الإعراب، بل المراد رفع الإشكال الوارد على النحاة ~~في ذلك، وبيان أنه من جهة المعتزلة, وهو فاسد؛ فإن قولهم: نفي الوجود ليس ~~تقييدا؛ لأن العدم ليس بشيء، قال تعالى: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} ~~[مريم: 9]. ولا يقال: ليس قوله: غيره. كقوله: إلا الله؛ لأن غير تعرب ~~بإعراب الاسم الواقع بعد إلا, فيكون التقدير للخبر فيهما واحدا, فلهذا ذكرت ~~هذا الإشكال وجوابه هنا. # قوله: "قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء". # ش: قال الله تعالى: {هو الأول والآخر} [الحديد: 3]. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء" 1. فقول ~~الشيخ قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء هو معنى اسمه الأول والآخر. والعلم ~~بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطر، فإن الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب ms084 ~~الوجود لذاته، قطعا للتسلسل, فإنا نشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن ~~وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك، وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة، ~~فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة الوجود بنفسها، فإن واجب الوجود بنفسه لا ~~يقبل العدم، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، فعدمها ينفي وجودها، ووجودها ينفي ~~امتناعها، وما كان قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه، كما قال تعالى: ~~PageV01P111 # {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} [الطور: 35] , يقول سبحانه: أحدثوا ~~من غير محدث أم هم أحدثوا أنفسهم؟ ومعلوم أن الشيء المحدث لا يوجد نفسه، ~~فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجودا بنفسه، بل إن حصل ~~ما يوجده وإلا كان معدوما، وكل ما أمكن وجوده بدلا عن عدمه وعدمه بدلا عن ~~وجوده، فليس له من نفسه وجود ولا عدم لازم له. # وإذا تأمل الفاضل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية، ~~وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية بأفصح ~~عبارة وأوجزها، وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما لا يوجد عندهم ~~مثله، قال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} ~~[الفرقان: 33]. # ولا نقول: لا ينفع الاستدلال بالمقدمات الخفية والأدلة النظرية؛ فإن ~~الخفاء والظهور من الأمور النسبية، فربما ظهر لبعض الناس ما خفي على غيره، ~~ويظهر للإنسان الواحد في حال ما خفي عليه في حال أخرى. وأيضا فالمقدمات وإن ~~كانت خفية فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو أجلى منها، وقد تفرح النفس ~~بما علمته من البحث والنظر ما لا تفرح بما علمته من الأمور الظاهرة. ولا شك ~~أن العلم بإثبات الصانع ووجوب وجوده أمر ضروري فطري، وإن كان يحصل لبعض ~~الناس من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية. # وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى القديم، وليس هو من الأسماء ~~الحسنى، فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو المتقدم على ~~غيره، فيقال: هذا قديم، للعتيق، وهذا حديث للجديد, ولم يستعملوا هذا الاسم ms085 ~~إلا في المتقدم على غيره، لا فيما [لم] يسبقه عدم، كما قال تعالى: {حتى عاد ~~كالعرجون القديم} [يس: 39] , والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود ~~العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم، وقال تعالى: {وإذ لم ~~يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم} [سورة الأحقاف: 11]، أي متقدم في الزمان. ~~وقال تعالى: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون} [سورة ~~الشعراء: 75]. فالأقدم مبالغة في القديم، ومنه: القول القديم والجديد ~~للشافعي رحمه الله تعالى. وقال تعالى: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم ~~النار} [سورة هود: 98]، أي # PageV01P112 # يتقدمهم, ويستعمل منه الفعل لازما ومتعديا، كما يقال: أخذت ما قدم وما ~~حدث، ويقال: هذا قدم هذا وهو يقدمه, ومنه سميت القدم قدما؛ لأنها تقدم بقية ~~بدن الإنسان وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى، فهو مشهور عند أكثر ~~أهل الكلام. وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف، منهم ابن حزم. ولا ريب أنه ~~إذا كان مستعملا في نفس التقدم، فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق ~~بالتقدم من غيره. لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل [على] ~~خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، ~~فلا يكون من الأسماء الحسنى. وجاء الشرع باسمه الأول. وهو أحسن من القديم، ~~لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له، بخلاف القديم. والله تعالى له ~~الأسماء الحسنى لا الحسنة. # قوله: "لا يفنى ولا يبيد". # ش: إقرار بدوام بقائه سبحانه وتعالى، قال عز من قائل: {كل من عليها فان، ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [سورة الرحمن: 26 - 27] , والفناء ~~والبيد متقاربان في المعنى، والجمع بينهما في الذكر للتأكيد، وهو أيضا مقرر ~~ومؤكد لقوله: دائم بلا انتهاء. # قوله: "ولا يكون إلا ما يريد". # ش: هذا رد لقول القدرية والمعتزلة، فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من ~~الناس كلهم والكافر أراد الكفر, وقولهم فاسد مردود، لمخالفته الكتاب والسنة ~~والمعقول الصحيح، وهي مسألة القدر المشهورة، وسيأتي لها زيادة بيان إن شاء ~~الله تعالى. # وسموا ms086 قدرية لإنكارهم القدر، وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية ~~أيضا. والتسمية على الطائفة الأولى أغلب. # أما أهل السنة [فيقولون]: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرا -فهو لا ~~يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها. ~~وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن, ولهذا ~~اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله -لم ~~يحنث- إذا لم يفعله وإن كان واجبا أو مستحبا, ولو قال: إن أحب الله -حنث- ~~إذا كان واجبا أو مستحبا. # PageV01P113 ### | الفرق بين الإرادة الدينية والإرادة الكونية # والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية ~~كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية هي المتضمنة ~~للمحبة والرضى، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات. # وهذا كقوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} [سورة الأنعام: 125]. ~~وقوله تعالى عن نوح عليه السلام: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم} [سورة هود: 34]. وقوله تعالى: {ولكن الله يفعل ما ~~يريد} [سورة البقرة: 253]. # وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية، فكقوله تعالى: {يريد الله بكم ~~اليسر ولا يريد بكم العسر} [سورة البقرة: 185]، وقوله تعالى: {يريد الله ~~ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم} [سورة ~~النساء: 26]. {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن ~~تميلوا ميلا عظيما، يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} [سورة ~~النساء: 27، 28]. وقوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم} [سورة المائدة: 6]. وقوله تعالى: {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [سورة الأحزاء: 33]. # فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ~~ما لا يريده الله، أي: لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به. # وأما الإرادة الكونية فهي الإرادة المذكورة في ms087 قول المسلمين: ما شاء الله ~~كان وما لم يشأ لم يكن. # والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل، وبين إرادته من غيره أن يفعل, ~~فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلا فهذه الإرادة معلقة بفعله، وإذا أراد من ~~غيره أن يفعل فعلا # PageV01P114 # فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين معقول للناس، والأمر يستلزم ~~الإرادة الثانية دون الأولى، فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر فقد يريد ~~إعانة المأمور على [ما] أمر به وقد لا يريد ذلك، وإن كان مريدا منه فعله. # وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع في أمر الله تعالى: هل هو مستلزم لإرادته ~~أم لا؟ فهو سبحانه أمر الخلق على ألسن رسله عليهم السلام بما ينفعهم ونهاهم ~~عما يضرهم، ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله، فأراد سبحانه أن يخلق ذلك ~~الفعل ويجعله فاعلا له, ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله، فجهة خلقه سبحانه ~~لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات، غير جهة أمره للعبد على وجه البيان لما ~~هو مصلحة للعبد أو مفسدة، وهو سبحانه -إذ أمر فرعون وأبا لهب وغيرهما ~~بالإيمان- كان قد بين لهم ما ينفعهم ويصلحهم إذا فعلوه، ولا يلزم إذا أمرهم ~~أن يعينهم، بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه مفسدة من ~~حيث هو فعل له، فإنه يخلق ما يخلق لحكمة، ولا يلزم إذا كان الفعل المأمور ~~به مصلحة للمأمور، إذا فعله أن يكون مصلحة للآمر إذا فعله هو أو جعل ~~المأمور فاعلا له, فأين جهة الخلق من جهة الأمر؟ فالواحد من الناس يأمر ~~غيره وينهاه مريدا النصيحة ومبينا لما ينفعه، وإن كان مع ذلك لا يريد أن ~~يعينه على ذلك الفعل، إذ ليس كل ما كان مصلحتي في أن آمر به غيري وأنصحه ~~يكون مصلحتي في أن أعاونه أنا عليه، بل قد تكون مصلحتي إرادة ما يضاده, ~~فجهة أمره لغيره نصحا غير جهة فعله لنفسه، وإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين ~~فهو في حق الله أولى بالإمكان. # والقدرية تضرب مثلا بمن أمر غيره ms088 بأمره، فإنه لا بد أن يفعل ما يكون ~~المأمور أقرب إلى فعله، كالبشر والطلاقة وتهيئة المساند والمقاعد ونحو ذلك. # فيقال لهم: هذا يكون على وجهين: أحدهما: أن تكون مصلحة الأمر تعود إلى ~~الآمر، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه، وأمر السيد عبده بما يصلح ملكه، ~~وأمر الإنسان شريكه بما يصلح الأمر المشترك بينهما، ونحو ذلك. # الثاني: أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له، كالأمر بالمعروف، ~~وإذا أعان المأمور على البر والتقوى فإنه قد علم أن الله يثيبه على إعانته ~~على الطاعة، وأنه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. فأما إذا قدر أن ~~الآمر إنما أمر المأمور # PageV01P115 # لمصلحة المأمور، لا لنفع يعود على الآمر من فعل المأمور، كالناصح المشير، ~~وقدر أنه إذا أعانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر، وأن في حصول مصلحة المأمور ~~مضرة على الآمر، مثل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى وقال لموسى عليه ~~السلام: {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين} [سورة ~~القصص: 20]. فهذا مصلحته في أن يأمر موسى عليه السلام بالخروج، لا [في] أن ~~يعينه على ذلك، إذ لو أعانه لضره قومه, ومثل هذا كثير. # وإذا قيل: إن الله أمر العباد بما يصلحهم، لم يلزم من ذلك أن يعينهم على ~~[ما] أمرهم به، لا سيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحدا على ما به يصير ~~فاعلا. وإذا عللت أفعاله بالحكمة، فهي ثابتة في نفس الأمر، وإن كنا نحن لا ~~نعلمها. فلا يلزم إذا كان نفس الآمر له حكمة في الأمر أن يكون في الإعانة ~~على فعل المأمور به حكمة، بل قد تكون الحكمة تقتضي أن لا يعينه على ذلك، ~~فإنه إذا أمكن في المخلوق أن يكون مقتضى الحكمة والمصلحة أن يأمر لمصلحة ~~المأمور، وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر أن لا يعينه على ذلك, فإمكان ذلك ~~في حق الرب أولى وأحرى. # والمقصود: أنه يمكن في حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمر ولا يعينه ~~عليه، فالخالق أولى بإمكان ذلك في ms089 حقه مع حكمته, فمن أمره وأعانه على فعل ~~المأمور كان ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره إنشاء وخلقا ومحبة، فكان ~~مرادا بجهة الخلق ومرادا بجهة الأمر, ومن لم يعنه على فعل المأمور كان ذلك ~~المأمور قد تعلق به أمره ولم يتعلق به خلقه، لعدم الحكمة المقتضية لتعلق ~~الخلق به، ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده. وخلق أحد الضدين ينافي خلق ~~الضد الآخر، فإن خلق المرض الذي يحصل به ذل العبد لربه ودعاؤه وتوبته ~~وتكفير خطاياه ويرق به قلبه ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان, يضاد خلق ~~الصحة التي لا تحصل معها هذه المصالح, ولذلك [كان] خلق ظلم الظالم الذي ~~يحصل به للمظلوم من جنس ما يحصل بالمرض - يضاد خلق عدله الذي لا يحصل به ~~هذه المصالح، وإن كانت مصلحته هو في أن يعدل. # وتفصيل حكمة الله عز وجل في خلقه وأمره، يعجز عن معرفته عقول البشر # PageV01P116 # والقدرية دخلوا في التعليل1 على طريقة فاسدة: مثلوا الله فيها يخلقه، ولم ~~يثبتوا حكمة تعود إليه. # قوله: "لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام". # ش: قال الله تعالى: {ولا يحيطون به علما} [سورة طه: 110]. قال في الصحاح: ~~توهمت الشيء: ظننته، وفهمت الشيء: علمته. فمراد الشيخ رحمه الله: أنه لا ~~ينتهي إليه وهم، ولا يحيط به علم. قيل: الوهم ما يرجى كونه، أي: يظن أنه ~~على صفة كذا، والفهم: هو ما يحصله العقل ويحيط به. والله تعالى لا يعلم كيف ~~هو إلا هو سبحانه وتعالى، وإنما نعرفه سبحانه بصفاته، وهو أنه أحد، صمد، لم ~~يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا ~~تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض} [سورة البقرة: 255]. ~~{هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق البارئ المصور له ~~الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [سورة ~~الحشر: 23, 24]. # قوله: "ولا يشبهه الأنام". # ش: ms090 هذا رد لقول المشبهة، الذين يشبهون الخالق بالمخلوق، سبحانه وتعالى، ~~قال عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [سورة الشورى: 11]. وليس ~~المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع فمن كلام أبي حنيفة رحمه الله في ~~"الفقه الأكبر": لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه, ثم قال بعد ~~ذلك: وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ~~ويرى لا كرؤيتنا. انتهى. وقال نعيم بن حماد2: من شبه الله بشيء من خلقه فقد ~~كفر، PageV01P117 # ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا ~~رسوله تشبيه. وقال إسحاق بن راهويه1: من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من ~~خلق الله فهو كافر بالله العظيم. وقال: علامة جهم وأصحابه، دعواهم على أهل ~~السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب: أنهم مشبهة، بل هم المعطلة. وكذلك ~~قال خلق كثير من أئمة السلف: علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، فإنه ~~ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبها، فمن ~~أنكر أسماء الله بالكلية من غالية الزنادقة؛ القرامطة والفلاسفة، وقال: إن ~~الله لا يقال له: عالم ولا قادر, يزعم أن من سماه بذلك فهو مشبه، لأن ~~الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه، ومن أثبت الاسم وقال: هو مجاز، ~~كغالية الجهمية، يزعم أن من قال: إن الله عالم حقيقة، قادر حقيقة؛ فهو ~~مشبه، ومن أنكر الصفات وقال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام ولا ~~محبة ولا إرادة, قال لمن أثبت الصفات: إنه مشبه، وإنه مجسم. ولهذا كتب نفاة ~~الصفات، من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم كلها مشحونة بتسمية مثبتة ~~الصفات مشبهة ومجسمة، ويقولون في كتبهم: إن من جملة المجسمة قوما يقال لهم: ~~المالكية، ينسبون إلى رجل يقال له: مالك بن أنس، وقوما يقال لهم الشافعية، ~~ينسبون إلى رجل يقال له: محمد بن إدريس!! حتى الذين يفسرون القرآن منهم، ~~كعبد الجبار، والزمخشري، وغيرهما، يسمون كل من ms091 أثبت شيئا من الصفات وقال ~~بالرؤية مشبها، وهذا الاستعمال قد غلب عند المتأخرين من غالب الطوائف. # ولكن المشهور من استعمال هذا اللفظ عند علماء السنة المشهورين: أنهم لا ~~يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات، ولا يصفون به كل من أثبت الصفات, بل ~~PageV01P118 # مرادهم أنه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله، كما تقدم من كلام ~~أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا ~~كرؤيتنا. وهذا معنى قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [سورة ~~الشورى: 11]. فنفى المثل وأثبت الصفة. # وسيأتي في كلام الشيخ إثبات الصفات، تنبيها على أنه ليس نفي التشبيه ~~مستلزما لنفي الصفات. # ومما يوضح هذا: أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي ~~فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده، فإن الله سبحانه ليس ~~كمثله شيء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية ~~كلية يستوي أفرادها, ولهذا لما سلكت طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه ~~الأقيسة في المطالب الإلهية, لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم، ~~وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب، لما يرونه من فساد أدلتهم أو ~~تكافيها1. # ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى، سواء كان تمثيلا أو شمولا، كما قال ~~تعالى: {ولله المثل الأعلى} [سورة النحل: 60]. مثل أن يعلم أن كل كمال ~~للممكن أو للمحدث، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهو ما كان كمالا للوجود غير ~~مستلزم للعدم بوجه؛ فالواجب القديم أولى به. وكل كمال لا نقص فيه بوجه من ~~الوجوه، ثبت نوعه للمخلوق والمربوب المدبر؛ فإنما استفاده من خالقه وربه ~~ومدبره، وهو أحق به منه, وأن كل نقص وعيب في نفسه، وهو ما تضمن سلب هذا ~~الكمال، إذا وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات والممكنات والمحدثات؛ فإنه ~~يجب نفيه عن الرب تعالى بطريق الأولى. # ومن أعجب العجب: أن من غلاة نفاة الصفات الذين يستدلون بهذه الآية ~~الكريمة على نفي الصفات والأسماء، ويقولون: واجب الوجود لا يكون ms092 كذا ولا ~~يكون كذا, ثم يقولون: أصل الفلسفة هي التشبيه بالإله على قدر الطاقة، ~~PageV01P119 # ويجعلون هذا غاية الحكمة ونهاية الكمال الإنساني، ويوافقهم على ذلك بعض ~~من يطلق هذه العبارة, ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تخلقوا ~~بأخلاق الله"1، فإذا كانوا ينفون الصفات، فبأي شيء يتخلق العبد على زعمهم؟! ~~وكما أنه لا يشبه شيئا من مخلوقاته تعالى، لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن ~~المخالف في هذا النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله تعالى, ونفي ~~مشابهة شيء من مخلوقاته له، مستلزم لنفي مشابهته لشيء من مخلوقاته. فلذلك ~~اكتفى الشيخ رحمه الله بقوله ولا يشبهه الأنام, والأنام: الناس، وقيل، كل ~~ذي روح، وقيل: الثقلان. وظاهر قوله تعالى: {والأرض وضعها للأنام} [سورة ~~الرحمن: 10] , يشهد للأول أكثر من الباقي. والله أعلم. # قوله: "حي لا يموت قيوم لا ينام". # ش: قال تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} ~~[سورة البقرة: 255]، فنفي السنة والنوم دليل على كمال حياته وقيوميته. وقال ~~تعالى: {الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، نزل عليك الكتاب بالحق}. ~~وقال تعالى: {وعنت الوجوه للحي القيوم} [سورة طه: 111]. وقال تعالى: {وتوكل ~~على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده} [الفرقان: 58]. وقال تعالى: {هو الحي لا ~~إله إلا هو} [سورة غافر: 65] , وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينام ~~ولا ينبغي له أن ينام" 2، الحديث. # لما نفى الشيخ رحمه الله التشبيه، أشار إلى ما تقع به التفرقة بينه وبين ~~خلقه، بما يتصف به تعالى دون خلقه, فمن ذلك أنه حي لا يموت؛ لأن صفة الحياة ~~الباقية مختصة به تعالى، دون خلقه، فإنهم يموتون, ومنه: أنه قيوم لا ينام، ~~إذ هو مختص PageV01P120 # بعدم النوم والسنة، دون خلقه، فإنهم ينامون, وفي ذلك إشارة إلى [أن] نفي ~~التشبيه ليس المراد منه نفي الصفات، بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال، ~~لكمال ذاته, فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة زائلة، ولهذا كانت ~~الحياة الدنيا متاعا ولهوا ولعبا, وأن الدار الآخرة لهي ms093 الحيوان، فالحياة ~~الدنيا كالمنام، والحياة الآخرة كاليقظة، ولا يقال: فهذه الحياة الآخرة ~~كاملة، وهي للمخلوق؛ لأنا نقول: الحي الذي الحياة من صفات ذاته اللازمة ~~لها، هو الذي وهب المخلوق تلك الحياة الدائمة، فهي دائمة بإدامة الله لها، ~~لا أن الدوام وصف لزم لها لذاتها، بخلاف حياة الرب تعالى, وكذلك سائر ~~صفاته، فصفات الخالق كما يليق به، وصفات المخلوق كما يليق به. # واعلم أن هذين الاسمين، أعني: الحي القيوم مذكوران في القرآن معا في ثلاث ~~سور كما تقدم، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى، حتى قيل: إنهما الاسم ~~الأعظم، فإنهما يتضمنان إثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه، ويدل القيوم ~~على معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ القديم, ويدل أيضا على كونه ~~موجودا بنفسه، وهو معنى كونه واجب الوجود, والقيوم أبلغ من "القيام" لأن ~~الواو أقوى من الألف، ويفيد قيامه بنفسه، باتفاق المفسرين وأهل اللغة، وهو ~~معلوم بالضرورة, وهل تفيد إقامته لغيره وقيامه عليه؟ فيه قولان، أصحهما: ~~أنه يفيد ذلك, وهو يفيد دوام قيامه [وكل1 قيامه]، لما فيه من المبالغة، فهو ~~سبحانه لا يزول [و] لا يأفل، فإن الآفل قد زال قطعا، أي: لا يغيب ولا ينقص ~~ولا يفنى ولا يعدم، بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال، موصوفا ~~بصفات الكمال. واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال، ويدل على دوامها ~~وبقائها، وانتفاء النقص والعدم عنها أزلا وأبدا, ولهذا كان قوله: {الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] , أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك ~~في "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم2, فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء ~~الحسنى كلها، وإليهما ترجع معانيها. PageV01P121 # فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف ~~الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها، استلزم إثباتها إثبات كل ~~كمال يضاد نفيه كمال الحياة, وأما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، ~~فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه, المقيم لغيره، فلا ~~قيام لغيره إلا بإقامته, ms094 فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام. # قوله: "خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة". # ش: قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق ~~وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [الذاريات: 56 - ~~58]. {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [سورة ~~فاطر: 15]. {والله الغني وأنتم الفقراء} [سورة محمد: 38]. {قل أغير الله ~~أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم} [سورة الأنعام: 14]. ~~وقال صلى الله عليه وسلم، من حديث أبي ذر رضي الله عنه: "يا عبادي لو أن ~~أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ~~ملكي شيئا، [يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب ~~رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئا]، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ~~وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ~~ذلك مما عندي إلا كما ينقص 1 المخيط إذا أدخل البحر". الحديث. رواه مسلم2. ~~وقوله: بلا مؤنة. بلا ثقل ولا كلفة. # قوله: "مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة". # ش: الموت صفة وجودية، خلافا للفلاسفة ومن وافقهم, قال تعالى: {الذي خلق ~~الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [سورة الملك: 2] , والعدم لا ~~PageV01P122 # يوصف بكونه مخلوقا, وفي الحديث: أنه "يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة ~~كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار" 1. وهو وإن كان عرضا فالله تعالى يقلبه ~~عينا، كما ورد في العمل الصالح: "أنه يأتي صاحبه في صورة الشاب الحسن، ~~والعمل القبيح على أقبح صورة"2. وورد في القرآن: "أنه يأتي على صورة الشاب ~~الشاحب اللون"3، الحديث. أي قراءة القارئ, وورد في الأعمال: "أنها توضع في ~~الميزان"4، والأعيان هي التي تقبل الوزن دون الأعراض, وورد في سورة البقرة ~~وآل عمران: أنهما يوم القيامة "يظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان5 ~~أو فرقان6 من طير صواف7"8, وفي الصحيح: أن أعمال العباد تصعد إلى السماء9 ~~وسيأتي الكلام على البعث ms095 والنشور, إن شاء الله تعالى. PageV01P123 # قوله: "ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم ~~من صفته، وكما كان بصفاته أزليا، كذلك لا يزال عليها أبديا". # ش: أي: أن الله سبحانه وتعالى لم يزل متصفا بصفات الكمال: صفات الذات ~~وصفات الفعل, ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفا بها، ~~لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له ~~الكمال بعد أن كان متصفا بضده, ولا يرد على هذه صفات الفعل والصفات ~~الاختيارية ونحوها، كالخلق والتصوير، والإماتة والإحياء، والقبض والبسط ~~والطي، والاستواء والإتيان والمجيء، والنزول، والغضب والرضى، ونحو ذلك مما ~~وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله، ~~ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، ولكن أصل معناه ~~معلوم لنا، كما قال الإمام مالك رضي الله عنه، لما سئل عن قوله تعالى: {ثم ~~استوى على العرش} [سورة الأعراف: 54] وغيرها: كيف استوى؟ فقال: الاستواء ~~معلوم، والكيف مجهول1. وإن كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت، كما في ~~حديث الشفاعة: "إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده ~~مثله" 2؛ لأن هذا الحدوث بهذا PageV01P124 # الاعتبار غير ممتنع، ولا يطلق [عليه] أنه حدث بعد أن لم يكن، ألا ترى أن ~~من تكلم اليوم وكان متكلما بالأمس لا يقال: إنه حدث له الكلام، ولو كان غير ~~متكلم؛ لأنه لآفة كالصغر1, والخرس، ثم تكلم يقال: حدث له الكلام، فالساكت ~~لغير آفة يسمى متكلما بالقوة، بمعنى أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى ~~متكلما بالفعل، وكذلك الكاتب في حال الكتابة هو كاتب بالفعل، ولا يخرج عن ~~كونه كاتبا في حال عدم مباشرته الكتابة. # وحول الحوادث بالرب تعالى، المنفي في علم الكلام المذموم، لم يرد نفيه ~~ولا إثباته في كتاب ولا سنة، وفيه إجمال: فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا ~~يحل في ذاته المقدسة لشيء من مخلوقاته ms096 المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم ~~يكن, فهذا نفي صحيح, وإن أريد [به] نفي الصفات الاختيارية، من أنه لا يفعل ~~ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ~~ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله ~~وعظمته, فهذا نفي باطل. # وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث، فيسلم السني للمتكلم ذلك، ~~على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه ~~نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل، وهو [غير] لازم له, وإنما أتي السني من ~~تسليم هذا النفي المجمل، وإلا فلو استفسر واستفصل لم ينقطع معه. # وكذلك مسألة الصفة: هل هي زائدة على الذات أم لا؟ لفظها مجمل، وكذلك لفظ ~~الغير، فيه إجمال، فقد يراد [به] ما ليس هو إياه، وقد يراد به ما جاز ~~مفارقته له. # ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا يطلقون على صفات الله وكلامه ~~أنه غيره، ولا أنه ليس غيره؛ لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، ~~وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو، إذا كان لفظ الغير فيه إجمال، فلا يطلق ~~إلا مع البيان والتفصيل: فإن أريد به أن هناك ذاتا مجردة قائمة بنفسها ~~منفصلة عن الصفات الزائدة عليها, فهذا غير صحيح، وإن أريد به أن الصفات ~~زائدة على الذات التي PageV01P125 # يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة, فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ~~ذات مجردة عن الصفات، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل ~~عنها، وإنما يفرض الذهن1 ذاتا وصفة، كلا وحده، ولكن ليس في الخارج ذات غير ~~موصوفة، فإن هذا محال, ولو لم يكن إلا صفة الوجود، فإنها لا تنفك عن ~~الموجود، وإن كان الذهن يفرض ذاتا ووجودا، يتصور هذا وحده، وهذا وحده، لكن ~~لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج. # وقد يقول بعضهم: الصفة لا عين الموصوف ولا غيره, هذا له معنى صحيح، وهو: ms097 ~~أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها، وليست ~~غير الموصوف، بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد, فإذا قلت: أعوذ بالله ~~فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة الثابتة التي لا ~~تقبل الانفصال بوجه من الوجوه. # وإذا قلت: أعوذ بعزة الله، فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى، ولم أعذ ~~بغير الله, وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات، فإن ذات في أصل معناها لا ~~تستعمل إلا مضافة، أي: ذات وجود، ذات قدرة، ذات عز، ذات علم، ذات كرم، إلى ~~غير ذلك من الصفات, فذات كذا بمعنى صاحبة كذا: تأنيث ذو, هذا أصل معنى ~~الكلمة، فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه، وإن ~~كان الذهن قد يفرض ذاتا مجردة عن الصفات، كما يفرض المحال, و [قد] قال صلى ~~الله عليه وسلم: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" 2. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: "أعوذ PageV01P126 # بكلمات الله التامات من شر ما خلق"1. ولا يعوذ صلى الله عليه وسلم بغير ~~الله. وكذا قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، ~~وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك" 2. وقال صلى الله عليه وسلم: "ونعوذ ~~بعظمتك أن نغتال من تحتنا" 3. وقال صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بنور وجهك ~~الذي أشرقت له الظلمات"4. # وكذلك قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟ وطالما غلط كثير من الناس في ~~ذلك، وجهلوا الصواب فيه؛ فالاسم يراد به المسمى تارة، [و] يراد به اللفظ ~~الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك, ~~فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، ~~والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك, فالاسم ها هنا [هو المراد لا] ~~المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال. فإن أريد بالمغايرة ~~أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق ~~لنفسه أسماء، ms098 أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم, فهذا من أعظم الضلال ~~والإلحاد في أسماء الله تعالى. # والشيخ رحمه الله أشار بقوله: ما زال بصفاته قديما قبل خلقه إلى آخر ~~كلامه إلى الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة, فإنهم قالوا: ~~إنه تعالى صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه؛ لكونه ~~صار الفعل والكلام ممكنا بعد أن كان ممتنعا، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي ~~إلى الإمكان الذاتي! وعلي بن كلاب والأشعري ومن وافقهما، فإنهم قالوا: إن ~~الفعل صار ممكنا له بعد أن PageV01P127 # كان ممتنعا منه, وأما الكلام عندهم فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو ~~شيء واحد لازم لذاته. # وأصل هذا الكلام من الجهمية، فإنهم قالوا: إن دوام الحوادث ممتنع، وإنه ~~يجب أن يكون للحوادث مبدأ، لامتناع حوادث لا أول لها، فيمتنع أن يكون ~~الباري عز وجل لم يزل فاعلا متكلما بمشيئة، بل يمتنع أن يكون قادرا على ~~ذلك؛ لأن القدرة على الممتنع ممتنعة! وهذا فاسد، فإنه يدل على امتناع حدوث ~~العالم وهو حادث، والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثا فلا بد أن يكون ~~ممكنا، والإمكان ليس له وقت محدود، وما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت فيه، ~~وليس لإمكان الفعل وجوازه وصحته مبدأ ينتهي إليه، فيجب أنه لم يزل الفعل ~~ممكنا جائزا صحيحا، فيلزم أنه لم يزل الرب قادرا عليه، فيلزم جواز حوادث لا ~~نهاية لأولها. # قالت الجهمية ومن وافقهم: نحن لا نسلم أن إمكان الحوادث لا بداية له، لكن ~~نقول، إمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له، وذلك لأن ~~الحوادث عندنا تمتنع أن تكون قديمة النوع، [بل] يجب حدوث نوعها ويمتنع قدم ~~نوعها، لكن لا يجب الحدوث في وقت بعينه، فإمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة ~~بالعدم لا أول له، بخلاف جنس الحوادث. # فيقال لهم: هب أنكم تقولون ذلك، لكن يقال: إمكان جنس الحوادث عندكم له ~~بداية، فإنه صار جنس الحدوث عندكم ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا، وليس لهذا ~~الإمكان ms099 وقت معين، بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم دوام ~~الإمكان، وإلا لزم انقلاب الجنس من الامتناع إلى الإمكان من غير حدوث شيء. ~~ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحدوث أو جنس الحوادث، أو جنس الفعل، أو جنس ~~الأحداث، أو ما أشبه هذا من العبارات من الامتناع إلى الإمكان، وهو مصير ~~ذلك ممكنا جائزا بعد أن كان ممتنعا من غير سبب تجدد، وهذا ممتنع في صريح ~~العقل، وهو أيضا انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، فإن ~~ذات جنس الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة، وهذا الانقلاب لا ~~يختص بوقت معين، فإنه ما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم أنه لم ~~يزل هذا الانقلاب ممكنا، فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكنا! وهذا أبلغ في # PageV01P128 # الامتناع من قولنا: لم يزل الحادث ممكنا، فقد لزمهم فيما فروا إليه أبلغ ~~مما لزمهم فيما فروا منه! فإنه يعقل كون الحادث ممكنا، ويعقل أن هذا ~~الإمكان لم يزل، وأما كون الممتنع ممكنا فهو ممتنع في نفسه، فكيف إذا قيل: ~~لم يزل إمكان هذا الممتنع؟! وهذا مبسوط في موضعه. # فالحاصل: أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا؟ أو ~~في المستقبل فقط؟ أو الماضي فقط؟ # فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم: # أضعفها: قول من يقول، لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل، كقول ~~جهم بن صفوان وأبي الهديل العلاف. # وثانيها قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي، كقول كثير من ~~أهل الكلام ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم. # والثالث: قول من يقول: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل، كما يقوله أئمة ~~الحديث، هي [من] المسائل الكبار, ولم يقل أحد يمكن دوامها في الماضي دون ~~المستقبل. # ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون: إن كل ما سوى الله تعالى ~~مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وهذا قول الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود ~~والنصارى وغيرهم. # ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول ms100 مقارنا لفاعله لم يزل ولا يزال معه ~~ممتنع [محال]، ولما كان تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الرب ~~سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع ~~أن يكون سبحانه وتعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء, فإن الرب سبحانه وتعالى ~~لم يزل ولا يزال، يفعل ما يشاء ويتكلم إذا يشاء, قال تعالى: {قال كذلك الله ~~يفعل ما يشاء} [سورة آل عمران: 40] , وقال تعالى: {ولكن الله يفعل ما يريد} ~~[سورة البقرة: 253]. وقال تعالى: {ذو العرش المجيد، فعال لما يريد} [سورة ~~البروج: 15، 16]. وقال تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} [سورة لقمان: 27]. وقال تعالى: ~~{قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي # PageV01P129 # لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} [الكهف: 109]. # والمثبت إنما هو الكمال1 الممكن الوجود، وحينئذ فإذا كان النوع دائما ~~فالممكن والأكمل هو التقدم2 على كل فرد من الأفراد بحيث لا يكون في أجزاء ~~العالم شيء يقارنه بوجه من الوجوه. # وأما دوام الفعل فهو أيضا من الكمال، فإن الفعل إذا كان صفة كمال فدوامه ~~دوام كمال. # قالوا: والتسلسل لفظ مجمل، لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ولا سنة، ليجب ~~مراعاة لفظه، وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن, فالتسلسل في المؤثرين محال ~~ممتنع لذاته، وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا ~~إلى غاية. # والتسلسل الواجب: ما دل عليه العقل والشرع، من دوام أفعال الرب تعالى في ~~الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيما آخر لا نفاد له، ~~وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر، ~~فهذا واجب في كلامه، فإنه لم يزل متكلما إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام ~~في وقت، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإن كل حي فعال، والفرق بين ~~الحي والميت: الفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف: الحي الفعال، ms101 وقال عثمان ~~بن سعيد: كل حي فعال، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلا عن ~~كماله، من الكلام والإرادة والفعل. # وأما التسلسل الممكن: فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما تتسلسل في ~~طرف الأبد، فإنه إذا لم يزل حيا قادرا مريدا متكلما، وذلك من لوازم ذاته, ~~فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا ~~يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه، فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من ~~مخلوقاته تقدما لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو ~~وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن. PageV01P130 # قالوا: وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه، وكل من اعترف ~~بأن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل لزمه أحد أمرين، لا بد له منهما: ~~إما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنا، وإما أن يقول لم يزل واقعا، وإلا ~~تناقض تناقضا بينا، حيث زعم أن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل، والفعل ~~محال ممتنع لذاته، لو أراده لم يمكن وجوده، بل فرض إرادته عنده محال وهو ~~مقدور له, وهذا قول ينقض بعضه بعضا. # والمقصود: أن الذي دل عليه الشرع والعقل، أن كل ما سوى الله تعالى محدث ~~كائن بعد أن لم يكن, أما كون الرب تعالى لم يزل معطلا عن الفعل ثم فعل، ~~فليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته، بل كلاهما يدل على نقيضه. # وقد أورد أبو المعالي في إرشاده وغيره من النظار على التسلسل في الماضي، ~~فقالوا: إنك لو قلت: لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده درهما، كان هذا ممكنا، ~~ولو قلت: لا أعطيك درهما حتى أعطيك قبله درهما، كان هذا ممتنعا. # وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة، بل الموازنة الصحيحة أن تقول: ما ~~أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما، فتجعل ماضيا قبل ماض، كما جعلت هناك ~~مستقبلا بعد مستقبل, وأما قول القائل: لا أعطيك حتى أعطيك قبله، فهو ms102 نفي ~~للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله, فقد نفى المستقبل حتى يوجد ~~المستقبل، وهذا ممتنع, أما نفي الماضي حتى يكون قبله ماض، فإن هذا ممكن, ~~والعطاء المستقبل ابتداؤه من المستقبل1, والمعطى2 الذي له ابتداء وانتهاء ~~لا يكون قبله ما لا نهاية له، فإن ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع. # قوله: "ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم "الخالق" ولا بإحداثه البرية استفاد ~~اسم "الباري"". # ش: ظاهر كلام الشيخ رحمه الله أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي، ويأتي ~~في PageV01P131 # كلامه ما يدل على أنه لا يمنعه في المستقبل، وهو قوله والجنة والنار ~~مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، وهذا مذهب الجمهور كما تقدم, ولا شك ~~في فساد قول من منع ذلك في الماضي والمستقبل، كما ذهب إليه الجهم وأتباعه، ~~وقال بفناء الجنة والنار، لما يأتي من الأدلة إن شاء الله تعالى. # وأما قول من قال بجواز حوادث لا أول لها، من القائلين بحوادث لا آخر لها, ~~فأظهر في الصحة من قول من فرق بينهما، فإنه سبحانه لم يزل حيا، والفعل من ~~لوازم الحياة، فلم يزل فاعلا لما يريد، كما وصف بذلك نفسه، حيث يقول: {ذو ~~العرش المجيد، فعال لما يريد} [سورة البروج: 15، 16]. # والآية تدل على أمور: # أحدها: أنه تعالى يفعل بإرادته ومشيئته. # الثاني: أنه لم يزل كذلك، لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه، ~~[و] أن ذلك من كماله سبحانه، ولا يجوز أن يكون عادما لهذا الكمال في وقت من ~~الأوقات. وقد قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} [سورة النحل: ~~17]. ولما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا بعد أن لم يكن. # الثالث: أنه إذا أراد شيئا فعله، فإن ما موصولة عامة، أي: يفعل كل ما ~~يريد أن يفعله، وهذا في إرادته المتعلقة بفعله, وأما إرادته المتعلقة بفعل ~~العبد فتلك لها شأن آخر, فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه ~~ويجعله فاعلا لم يوجد الفعل وإن أراده حتى يريد ms103 من نفسه أن يجعله فاعلا, ~~وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية، وخبطوا في مسألة القدر، ~~لغفلتهم عنها، وفرق بين إرادته أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله فاعلا، ~~وسيأتي الكلام على مسألة القدر في موضعه إن شاء الله تعالى. # الرابع: أن فعله وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعل فعل، وما فعله فقد ~~أراده. بخلاف المخلوق، فإنه يريد ما لا يفعل، [وقد يفعل] ما لا يريده, فما ~~ثم فعال لما يريد إلا الله وحده. # الخامس: إثبات إرادات متعددة بحسب الأفعال، وأن كل فعل له إرادة # PageV01P132 # تخصه، هذا هو المعقول في الفطر، فشأنه سبحانه أنه يريد على الدوام ويفعل ~~ما يريد. # السادس: أن كل ما صح أن تتعلق به إرادته جاز فعله، فإذا أراد أن ينزل كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا، وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، وأن يري عباده ~~نفسه، وأن يتجلى لهم كيف شاء، ويخاطبهم، ويضحك إليهم، وغير ذلك مما يريد ~~سبحانه, لم يمتنع عليه فعله، فإنه تعالى فعال لما يريد. وإنما يتوقف صحة ~~ذلك على إخبار الصادق به، فإذا أخبر وجب التصديق، وكذلك محو ما يشاء، ~~وإثبات ما يشاء، كل يوم هو في شأن، سبحانه وتعالى. # والقول بأن الحوادث لها أول، يلزم منه التعطيل قبل ذلك، وأن الله سبحانه ~~وتعالى لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلا, ولا يلزم من ذلك قدم العالم؛ لأن كل ~~ما سوى الله تعالى محدث ممكن الوجود، موجود بإيجاد الله تعالى له، ليس له ~~من نفسه إلا العدم، والفقر والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما سوى الله تعالى، ~~والله تعالى واجب الوجود لذاته، غني لذاته، والغنى وصف ذاتي لازم له سبحانه ~~وتعالى. # والناس قولان في هذا العالم: هل هو مخلوق من مادة أم لا؟ واختلفوا في أول ~~هذا العالم ما هو؟ وقد قال تعالى: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام وكان عرشه على الماء} [سورة هود: 7]. # وروى البخاري وغيره عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: قال أهل اليمن ~~لرسول ms104 الله صلى الله عليه وسلم: جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن [أول] ~~هذا الأمر، فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله" 1، وفي رواية: "ولم يكن شيء ~~معه"، PageV01P133 # وفي رواية غيره: وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق ~~السماوات والأرض، وفي لفظ: ثم خلق السماوات والأرض, فقوله: "كتب في الذكر", ~~[يعني اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر} ~~[الأنبياء: 105] من بعد الذكر يسمى ما يكتب في الذكر ذكرا] , كما يسمى ما ~~يكتب في الكتاب كتابا. # والناس في هذا الحديث على قولين: منهم من قال: إن المقصود إخباره بأن ~~الله كان موجودا وحده ولم يزل كذلك دائما، ثم ابتدأ إحداث جميع الحوادث، ~~فجنسها وأعيانها مسبوقة بالعدم، وأن جنس الزمان حادث لا في زمان، وأن الله ~~صار فاعلا بعد أن لم يكن يفعل شيئا من الأزل إلى حين ابتداء الفعل كان ~~الفعل ممكنا, والقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم المشهود ~~الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش، كما أخبر القرآن بذلك في ~~غير موضع، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "قدر الله تعالى مقادير الخلق قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" 1. فأخبر صلى الله ~~عليه وسلم "أن تقدير هذا العالم المخلوق في ستة أيام كان قبل خلقه السماوات ~~بخمسين ألف سنة، وأن عرش الرب تعالى كان حينئذ على الماء". # دليل صحة هذا القول الثاني من وجوه: أحدها: أن قول أهل اليمن PageV01P134 # "جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر"، وهو إشارة إلى حاضر مشهود موجود، ~~والأمر هنا بمعنى المأمور، أي الذي كونه الله بأمره, وقد أجابهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن بدء هذا العالم الموجود، لا عن جنس المخلوقات، لأنهم لم ~~يسألوه عنه، وقد أخبرهم عن خلق السماوات والأرض حال كون عرشه على الماء، ~~ولم يخبرهم عن خلق العرش، وهو مخلوق ms105 قبل خلق السماوات والأرض, وأيضا فإنه ~~قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله"، وقد روي معه، وروي غيره، والمجلس كان ~~واحدا، فعلم أنه قال أحد الألفاظ والآخران رؤيا بالمعنى، ولفظ "القبل" ثبت ~~عنه في غير هذا الحديث, ففي حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول في دعائه: "اللهم أنت الأول فليس قبلك ~~شيء" 1، الحديث. واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما في موضع آخر، ولهذا ~~كان كثير من أهل الحديث إنما يرويه بلفظ القبل، كالحميدي والبغوي وابن ~~الأثير. وإذا كان كذلك لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث، ولا لأول ~~مخلوق. وأيضا فإنه يقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله أو معه أو غيره، وكان ~~عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء". فأخبر عن هذه الثلاثة بالواو، و"خلق ~~السماوات والأرض" روي بالواو وبثم، فظهر أن مقصوده إخباره إياهم ببدء خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام، لا ~~ابتداء خلق ما خلقه الله قبل ذلك، وذكر السماوات والأرض بما يدل على ~~خلقهما، وذكر ما قبلهما بما يدل على كونه ووجوده، ولم يتعرض لابتداء خلقه ~~له, وأيضا فإنه إذا كان الحديث قد ورد بهذا وهذا، فلا يجزم بأحدهما إلا ~~بدليل، فإذا رجح أحدهما فمن جزم بأن الرسول أراد المعنى الآخر فهو مخطئ ~~قطعا، ولم يأت في الكتاب ولا في السنة ما يدل على المعنى الآخر، فلا يجوز ~~إثباته بما يظن أنه معنى الحديث، ولم يرد كان الله ولا شيء معه مجردا، ~~وإنما ورد على السياق المذكور، فلا يظن أن معناه الإخبار بتعطيل الرب تعالى ~~دائما عن الفعل حتى خلق السماوات والأرض, وأيضا فقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"كان الله ولا شيء قبله - أو معه، أو غيره - وكان عرشه على PageV01P135 # الماء"، لا يصح أن يكون المعنى أنه تعالى موجود وحده لا مخلوق معه أصلا؛ ~~لأن قوله: "وكان عرشه على الماء". يرد ذلك، فإن هذه الجملة وهي وكان ms106 عرشه ~~على الماء إما حالية، أو معطوفة، وعلى كلا التقديرين هو مخلوق موجود في ذلك ~~الوقت، فعلم أن المراد ولم يكن شيء من هذا العالم المشهود. # قوله: "له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق". # ش: يعني أن الله تعالى موصوف بأنه الرب قبل أن يوجد مربوب، وموصوف بأنه ~~"خالق" قبل أن يوجد مخلوق, قال بعض المشايخ الشارحين: وإنما قال: "له معنى ~~الربوبية ومعنى الخالق" دون الخالقية، لأن الخالق هو المخرج للشيء من العدم ~~إلى الوجود لا غير، والرب يقتضي معاني كثيرة، وهي: الملك والحفظ والتدبير ~~والتربية وهي تبليغ الشيء كماله بالتدريج، فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه ~~المعاني، وهي الربوبية. انتهى. وفيه نظر؛ لأن الخلق يكون بمعنى التقدير ~~أيضا. # قوله: "وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، ~~كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم". # ش: يعني: أنه سبحانه وتعالى موصوف بأنه محيي الموتى قبل إحيائهم، فكذلك ~~يوصف بأنه خالق قبل خلقهم، إلزاما للمعتزلة ومن قال بقولهم، كما حكينا عنهم ~~فيما تقدم, وتقدم تقرير أنه تعالى لم يزل يفعل ما يشاء. # قوله: "ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ~~لا يحتاج إلى شيء، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير". # ش: ذلك إشارة إلى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه, والكلام على كل وشمولها ~~وشمول كل [في كل] مقام بحسب ما يحتف به من القرائن، يأتي في مسألة الكلام ~~إن شاء الله تعالى. # وقد حرفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله تعالى: {والله على كل شيء ~~قدير} [سورة البقرة: 284]، فقالوا: إنه قادر على كل ما هو مقدور له، وأما ~~نفس أفعال العباد # PageV01P136 # فلا يقدر عليها عندهم، وتنازعوا: هل يقدر على مثلها أم لا؟! ولو كان ~~المعنى على ما قالوا لكان هذا بمنزلة أن يقال: هو عالم بكل ما يعلمه وخالق ~~لكل ما يخلقه ونحو ذلك من العبارات التي لا فائدة فيها, فسلبوا صفة كمال ~~قدرته على كل شيء. # وأما أهل ms107 السنة، فعندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في ~~هذا, وأما المحال لذاته، مثل كون الشيء الواحد موجودا معدوما في حال واحدة، ~~فهذا لا حقيقة له، ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئا باتفاق العقلاء, ومن هذا ~~الباب: خلق مثل نفسه، وإعدام نفسه وأمثال ذلك من المحال. # وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة، فإنه لا يؤمن بأنه رب كل ~~شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها ~~إلا من آمن بأنه على كل شيء قدير, وإنما تنازعوا في المعدوم الممكن: هل هو ~~شيء أم لا؟ والتحقيق: أن المعدوم ليس بشيء في الخارج، ولكن الله يعلم ما ~~يكون قبل أن يكون، ويكتبه، وقد يذكره ويخبر به، كقوله تعالى: {إن زلزلة ~~الساعة شيء عظيم} [سورة الحج: 1]، فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب، لا ~~في الخارج، كما قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} ~~[سورة يس: 82]، قال تعالى: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} [سورة مريم: 9]، ~~أي: لم تكن شيئا في الخارج وإن كان شيئا في علمه تعالى. وقال تعالى: {هل ~~أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} [سورة الدهر: 1]. # وقوله: {ليس كمثله شيء}، رد على المشبهة. وقوله تعالى: {وهو السميع ~~البصير} [سورة الشورى: 11]، رد على المعطلة، فهو سبحانه وتعالى موصوف بصفات ~~الكمال، وليس له فيها شبيه, فالمخلوق وإن كان يوصف بأنه سميع بصير, فليس ~~سمعه وبصره كسمع الرب وبصره، ولا يلزم من إثبات الصفة تشبيه، إذ صفات ~~المخلوق كما يليق به، وصفات الخالق كما يليق به. # ولا تنف1 "عن الله ما وصف به نفسه وما وصفه به أعرف الخلق بربه وما يجب ~~PageV01P137 # له وما يمتنع عليه، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم وأقدرهم على البيان, فإنك إن ~~نفيت شيئا من ذلك كنت كافرا بما أنزل [على] محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا ~~وصفته بما وصف به نفسه فلا تشبهه بخلقه، فليس كمثله شيء، فإذا شبهته بخلقه ms108 ~~كنت كافرا به. قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله [بخلقه] ~~فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ~~ولا ما وصفه به رسوله تشبيها. وسيأتي في كلام الشيخ الطحاوي رحمه الله ومن ~~لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه". # وقد وصف الله تعالى نفسه بأن له المثل الأعلى، فقال تعالى: {للذين لا ~~يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى} [النحل: 60]، وقال تعالى: ~~{وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [سورة الروم: ~~27]. فجعل سبحانه مثل السوء -المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال- لأعدائه ~~المشركين وأوثانهم، وأخبر أن المثل الأعلى -المتضمن لإثبات الكمال كله- لله ~~وحده. فمن سلب صفة الكمال عن الله تعالى فقد جعل له مثل السوء، ونفى عنه ما ~~وصف به نفسه من المثل الأعلى، [و] هو الكمال المطلق، المتضمن للأمور ~~الوجودية، والمعاني الثبوتية، التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان ~~بها أكمل وأعلى من غيره. # ولما كانت صفات الرب [سبحانه] وتعالى أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى، ~~وكان أحق به من كل ما سواه, بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق ~~اثنان؛ لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم ~~يتكافآ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل ~~أو نظير. # واختلفت عبارات المفسرين في المثل الأعلى, ووفق بين أقوالهم من وفقه الله ~~وهداه، فقال: المثل الأعلى يتضمن: الصفة العليا، وعلم العالمين بها، ~~ووجودها العلمي، والخبر عنها وذكرها، وعبادة الرب تعالى بواسطة العلم ~~والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه. # PageV01P138 # فها هنا أمور أربعة: # الأول1: ثبوت الصفات العليا لله سبحانه وتعالى، سواء علمها العباد أو لا، ~~وهذا معنى قول من فسرها بالصفة. # الثاني: وجودها في العلم والشعور، وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف: ~~إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه، من معرفته, وذكره، ومحبته, وجلاله، ~~وتعظيمه، وخوفه ورجائه، والتوكل عليه والإنابة إليه, وهذا الذي في ms109 قلوبهم ~~من المثل الأعلى لا يشركه فيه غيره أصلا، بل يختص به في قلوبهم، كما اختص ~~به في ذاته, وهذا معنى قول من قال من المفسرين: أن معناه: أهل السموات ~~يعظمونه ويحبونه ويعبدونه، وأهل الأرض كذلك، وإن أشرك [به من أشرك]، وعصاه ~~من عصاه، وجحد صفاته من جحدها، فأهل الأرض معظمون له، مجلون، خاضعون ~~لعظمته، مستكينون لعزته وجبروته. قال تعالى: {وله من في السموات والأرض كل ~~له قانتون} [سورة الروم: 26]. # الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها من العيوب والنقائص والتمثيل. # الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده، والإخلاص له، والتوكل عليه، والإنابة ~~إليه. وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص [أقوى]. # فعبارات السلف كلها تدور على هذه المعاني الأربعة, فمن أضل ممن يعارض بين ~~قوله تعالى: {وله المثل الأعلى} [سورة الروم: 27] وبين قوله: {ليس كمثله ~~شيء} [سورة الشورى: 11]؟ ويستدل بقوله: {ليس كمثله شيء} على نفي الصفات ~~ويعمى عن تمام الآية وهو قوله: {وهو السميع البصير} [الشورى: 11]! حتى أفضى ~~هذا الضلال ببعضهم، وهو أحمد بن أبي دؤاد القاضي، إلى أن أشار على الخليفة ~~المأمون أن يكتب على ستر الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم، حرف ~~كلام الله لينفي2 وصفه تعالى بأنه السميع البصير كما قال الضال الآخر، جهم ~~بن صفوان: وددت أني أحك من المصحف قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} ~~[الأعراف: 54] فنسأل الله العظيم السميع البصير أن يثبتنا بالقول الثابت في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة، بمنه وكرمه. PageV01P139 # وفي إعراب "كمثله" وجوه: أحدها: [أن] الكاف صلة زيدت للتأكيد، قال أوس بن ~~حجر: # ليس كمثل الفتى زهير ... خلق يوازيه في الفضائل # وقال آخر: ما إن كمثلهم في الناس من بشر # وقال آخر: وقتلى كمثل جذوع النخيل # فيكون "مثله" خبر "ليس" واسمها "شيء", وهذا وجه قوي حسن، تعرف العرب ~~معناه في لغتها، ولا يخفى عنها إذا خوطبت به، وقد جاء عن العرب أيضا زيادة ~~الكاف للتأكيد في قول بعضهم: # وصاليات ككما يؤثفين1 # وقول الآخر: فأصبحت مثل كعصف مأكول # الوجه الثاني: أن الزائد ms110 مثل أي: ليس كهو شيء، وهذا القول بعيد؛ لأن مثل ~~اسم والقول بزيادة الحرف للتأكيد أولى من القول بزيادة الاسم. # الثالث: أنه ليس ثم زيادة أصلا، بل هذا من باب قولهم: مثلك لا يفعل كذا، ~~أي: أنت لا تفعله، وأتى بمثل للمبالغة، وقالوا في معنى المبالغة هنا: أي: ~~ليس كمثله مثل لو فرض المثل، فكيف ولا مثل له, وقيل غير ذلك، والأول أظهر. ~~PageV01P140 # قوله: "خلق الخلق بعلمه". # ش: خلق: أي: أوجد وأنشأ وأبدع. ويأتي خلق أيضا بمعنى: قدر. والخلق: مصدر، ~~وهو هنا بمعنى المخلوق. وقوله: بعلمه في محل نصب على الحال، أي: خلقهم ~~عالما بهم، قال تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [سورة الملك: ~~14]. وقال تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر ~~والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين، وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} ~~[سورة الأنعام: 59, 60]. وفي ذلك رد على المعتزلة. # قال الإمام عبد العزيز المكي صاحب الإمام الشافعي رحمه الله وجليسه، في ~~كتاب "الحيدة"1، الذي حكى فيه مناظرته بشرا المريسي عند المأمون حين سأله ~~عن علمه تعالى: فقال بشر: أقول: لا يجهل، فجعل يكرر السؤال عن صفة العلم، ~~تقريرا له، وبشر يقول: لا يجهل، ولا يعترف له أنه عالم بعلم، فقال الإمام ~~عبد العزيز: نفي الجهل لا يكون صفة مدح، فإن هذه الأسطوانة لا تجهل، وقد ~~مدح الله تعالى الأنبياء والملائكة والمؤمنين بالعلم، لا بنفي الجهل, فمن ~~أثبت العلم فقد نفى الجهل، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم، وعلى الخلق أن ~~يثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه، وينفوا ما نفاه، ويمسكوا عما أمسك عنه. # والدليل العقلي على علمه تعالى: أنه يستحيل إيجاده الأشياء بالجهل، ولأن ~~إيجاده الأشياء بإرادته، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد: هو ~~العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزما للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم، ~~فالإيجاد مستلزم للعلم. ولأن المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان ما يستلزم ~~علم ms111 الفاعل لها؛ لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم2؛ ولأن من ~~المخلوقات ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالما. ~~وهذا له طريقان: أحدهما: أن يقال: نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من ~~المخلوق، وأن PageV01P141 # الواجب أكمل من الممكن، ونعلم ضرورة أنا لو فرضنا شيئين، أحدهما عالم ~~والآخر غير عالم, كان العالم أكمل، فلو لم يكن الخالق عالما لزم أن يكون ~~الممكن أكمل منه، وهو ممتنع. الثاني: أن يقال: كل علم في الممكنات، التي هي ~~المخلوقات, فهو منه، ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عاريا منه بل ~~هو أحق به, والله تعالى له المثل الأعلى، ولا يستوي هو والمخلوقات، لا في ~~قياس تمثيلي، ولا في قياس شمولي، بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق به ~~أحق، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ما فتنزيه الخالق عنه أولى. # قوله: "وقدر لهم أقدارا". # ش: قال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}. # وقال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [سورة القمر: 49]. وقال تعالى: ~~{وكان أمر الله قدرا مقدورا} [سورة الأحزاب: 38]. وقال تعالى: {الذي خلق ~~فسوى، والذي قدر فهدى} [سورة الأعلى: 2, 3]. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن ~~عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قدر الله ~~مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على ~~الماء" 1. # قوله: "وضرب لهم آجالا". # ش: يعني: أن الله سبحانه وتعالى قدر آجال الخلائق، بحيث إذا جاء أجلهم لا ~~يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. قال تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون} [سورة النحل: 61]. وقال تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا ~~بإذن الله كتابا مؤجلا} [سورة آل عمران: 145]. وفي صحيح مسلم عن عبد الله ~~بن مسعود قال: "قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله ~~عنها: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "قد سألت الله لآجال مضروبة، ms112 وأيام معدودة، ~~وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئا قبل أجله، ولن يؤخر شيئا عن أجله، ولو كنت ~~سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار PageV01P142 # وعذاب في القبر كان خيرا وأفضل"1, فالمقتول ميت بأجله، فعلم الله تعالى ~~وقدر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا ~~بسبب الحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ذلك من الأسباب, والله سبحانه خلق الموت ~~والحياة، وخلق سبب الموت والحياة. وعند المعتزلة: المقتول مقطوع عليه أجله، ~~ولو لم يقتل لعاش إلى أجله فكأن له أجلان وهذا باطل؛ لأنه لا يليق أن ينسب ~~إلى الله تعالى أنه جعل له أجلا يعلم أنه لا يعيش إليه البتة، أو يجعل أجله ~~أحد الأمرين، كفعل الجاهل بالعواقب، ووجوب القصاص والضمان على القاتل، ~~لارتكابه المنهي عنه ومباشرته السبب المحظور, وعلى هذا يخرج قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "صلة الرحم تزيد في العمر" 2 أي: سبب طول العمر, وقد قدر الله ~~أن هذا يصل رحمه فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل ~~إلى هذه الغاية، ولكن قدر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه ~~فيعيش إلى كذا، كما قلنا في القتل وعدمه. # فإن قيل: هل يلزم من تأثير صلة الرحم في زيادة العمر ونقصانه تأثير ~~الدعاء في ذلك أم لا؟ # فالجواب: أن ذلك غير لازم، لقوله صلى الله عليه وسلم لأم حبيبة رضي الله ~~عنها: "قد سألت الله تعالى لآجال مضروبة ... " الحديث، كما تقدم. فعلم أن ~~الأعمار مقدرة، لم يشرع الدعاء بتغيرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة, فإن ~~الدعاء مشروع له نافع فيه، ألا ترى أن الدعاء بتغيير العمر لما تضمن النفع ~~الأخروي, شرع كما في الدعاء رواه النسائي من حديث عمار بن ياسر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما ~~كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت PageV01P143 # الوفاة خيرا لي"1، إلى آخر الدعاء. ويؤيد هذا ما رواه الحاكم في صحيحه2 ~~من حديث ms113 ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يرد القدر ~~إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب ~~يصيبه" 3. وفي الحديث رد على من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول ~~النعماء، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن ~~النذر، وقال: "أنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" 4. # واعلم أن الدعاء يكون مشروعا نافعا في بعض الأشياء دون بعض، وكذلك هو. ~~وكذلك لا يجيب الله المعتدين في الدعاء. وكان الإمام أحمد رحمه الله يكره ~~أن يدعى له بطول العمر، ويقول: هذا أمر قد فرغ منه. # وأما قوله تعالى: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} [سورة ~~فاطر: 11]، فقد قيل في الضمير المذكور في قوله تعالى: {من عمره} أنه بمنزلة ~~قولهم: عندي درهم ونصفه، أي: ونصف درهم آخر، فيكون المعنى: ولا ينقص من عمر ~~معمر آخر، وقيل: الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة، وحمل ~~قوله تعالى: {لكل أجل كتاب، يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ~~[سورة الرعد: 38, 39]، [على أن المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي ~~الملائكة، وأن قوله: {وعنده أم الكتاب}]. اللوح المحفوظ. ويدل على هذا ~~PageV01P144 # الوجه سياق الآية، وهو قوله: {لكل أجل كتاب}، ثم قال: {يمحوا الله ما ~~يشاء ويثبت} [سورة الرعد: 39]، أي: من ذلك الكتاب، {وعنده أم الكتاب}، أي: ~~أصله، وهو اللوح المحفوظ, وقيل: يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه ويثبت ~~ما يشاء فلا ينسخه، والسياق أدل على هذا الوجه من الوجه الأول، وهو قوله ~~تعالى: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب}. فأخبر ~~تعالى أن الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه، بل من عند الله، ثم قال: ~~{لكل أجل كتاب، يمحوا الله ما يشاء ويثبت} [سورة الرعد: 38, 39]، أي: إن ~~الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها، ثم تنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ الله ~~ما يشاء من الشرائع ms114 عند انقضاء الأجل، ويثبت ما يشاء. وفي الآية أقوال ~~أخرى، والله أعلم بالصواب. # قوله: "ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن ~~يخلقهم". # ش: فإنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون [و] ما لم يكن أن لو كان كيف يكون، ~~كما قال تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [سورة الأنعام: 28]. وإن ~~كان يعلم أنهم لا يردون، ولكن أخبر أنهم لو ردوا لعادوا، كما قال تعالى: ~~{ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [سورة ~~الأنفال: 23]. وفي ذلك رد على الرافضة والقدرية، والذين قالوا: إنه لا يعلم ~~الشيء قبل أن يخلقه ويوجده, وهي من فروع مسألة القدر، وسيأتي لها زيادة ~~بيان، إن شاء الله تعالى. # قوله: "وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته". # ش: ذكر الشيخ الأمر والنهي، بعد ذكره الخلق والقدر، إشارة إلى أن الله ~~تعالى خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} [سورة الذاريات: 56]، وقال تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [سورة الملك: 2]. # قوله: "وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد، ~~إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن". # ش: قال تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما} ~~[الدهر: 31]. # PageV01P145 # وقال: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [سورة التكوير: 29]. ~~وقال تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل ~~شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} [سورة الأنعام: 111]. وقال ~~تعالى: {ولو شاء ربك ما فعلوه} [سورة الأنعام: 112]. وقال تعالى: {ولو شاء ~~ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [سورة يونس: 99]. وقال تعالى: {فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السماء} [سورة الأنعام: 125]. وقال تعالى حكاية [عن] نوح ~~عليه السلام إذ قال لقومه: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان ~~الله يريد ms115 أن يغويكم} [سورة هود: 34]. وقال تعالى: {من يشأ الله يضلله ومن ~~يشأ يجعله على صراط مستقيم} [سورة الأنعام: 39]. إلى غير ذلك من الأدلة على ~~أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وكيف [يكون] في ملكه ما لا يشاء! ~~ومن أضل سبيلا وأكفر ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر والكافر شاء ~~الكفر فغلبت مشيئة الكافر مشيئة الله!! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. # فإن قيل: يشكل على هذا قوله تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا} [سورة الأنعام: 148] الآية, وقوله تعالى: {وقال الذين ~~أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} [سورة النحل: 35]، الآية. ~~وقوله تعالى: {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يخرصون} [سورة الزخرف: 20]. فقد ذمهم الله تعالى حيث جعلوا الشرك كائنا ~~منهم بمشيئة الله، وكذلك ذم إبليس حيث أضاف الإغواء إلى الله تعالى، إذ ~~قال: {رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين} [سورة الحجر: ~~39]. # قيل: قد أجيب على هذا بأجوبة، من أحسنها: أنه أنكر عليهم ذلك لأنهم ~~احتجوا بمشيئته على رضاه ومحبته، وقالوا: لو [كره] ذلك وسخطه لما شاءه، ~~فجعلوا مشيئته دليل رضاه، فرد الله عليهم ذلك, أو أنه أنكر عليهم اعتقادهم ~~أن مشيئة الله دليل على أمره به, أو أنه أنكر عليهم معارضته شرعه وأمره ~~الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه بقضائه وقدره، فجعلوا المشيئة العامة ~~دافعة للأمر، فلم يذكروا المشيئة على جهة التوحيد، وإنما ذكروها معارضين ~~بها لأمره، دافعين بها لشرعه، # PageV01P146 # كفعل الزنادقة، والجهال إذا أمروا أو نهوا احتجوا بالقدر. وقد احتج سارق ~~على عمر رضي الله عنه بالقدر، فقال: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره. يشهد ~~لذلك قوله تعالى في الآية: {كذلك كذب الذين من قبلهم} [سورة الأنعام: 148]. ~~فعلم أن مرادهم التكذيب، فهو من قبل الفعل، من أين له أن الله لم يقدره؟ ~~أطلع الغيب؟ فإن قيل: فما يقولون في احتجاج آدم على موسى ms116 عليهما السلام ~~بالقدر، إذ قال له: أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين ~~عاما؟ وشهد النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم حج موسى، أي: غلب عليه بالحجة؟ # قيل.: تتلقاه بالقبول والسمع والطاعة، لصحته عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولا تتلقاه بالرد والتكذيب لراويه، كما فعلت القدرية، ولا بالتأويلات ~~الباردة, بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم ~~بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل. وموسى ~~عليه السلام كان أعلم بأبيه وبذنبه [من] أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه ~~وتاب الله عليه واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت ~~أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر ~~يحتج به عند المصائب، لا عند المعائب, وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث, ~~فما قدر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضى بالله ربا، وأما ~~الذنوب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب, فيتوب من ~~المعائب، ويصبر على المصائب. قال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر ~~لذنبك} [سورة المؤمن: 55]. وقال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ~~شيئا} [سورة آل عمران: 120]. # وأما قول إبليس: {رب بما أغويتني}، إنما ذم على احتجاجه بالقدر، لا على ~~اعترافه بالمقدر وإثباته له. ألم تسمع قول نوح عليه السلام: {ولا ينفعكم ~~نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ~~ترجعون}. ولقد أحسن القائل: # فما شئت كان [و] إن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن # وعن وهب بن منبه، أنه قال: نظرت في القدر فتحيرت، ثم نظرت فيه # PageV01P147 # فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم ~~به. # قوله: "يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي, فضلا, ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي، ~~عدلا". # ش: هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله، وهي ms117 ~~مسألة الهدى والضلال. قالت المعتزلة: الهدى من الله: بيان طريق الصواب، ~~والإضلال: تسمية العبد ضالا، وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد ~~الضلال في نفسه, وهذا مبني على أصلهم الفاسد؛ أن أفعال العباد مخلوقة لهم. ~~والدليل على ما قلناه قوله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشاء} [سورة القصص: 56] , ولو كان الهدى بيان الطريق, لما صح هذا النفي عن ~~نبيه، لأنه صلى الله عليه وسلم بين الطريق لمن أحب وأبغض. وقوله تعالى: ~~{ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} [سورة السجدة: 13] , {يضل الله من يشاء ~~ويهدي من يشاء} [سورة المدثر: 31]. ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عام ~~في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة. وكذلك قوله تعالى: {ولولا نعمة ربي ~~لكنت من المحضرين} [الصافات: 57]. وقوله {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله ~~على صراط مستقيم} [سورة الأنعام: 39] # قوله: "وكلهم يتقلبون في مشيئته، بين فضله وعدله". # ش: فإنهم كما قال تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [سورة ~~التغابن: 2] , فمن هداه إلى الإيمان فبفضله، وله الحمد، ومن أضله فبعدله، ~~وله الحمد, وسيأتي لهذا المعنى زيادة إيضاح، إن شاء الله تعالى، فإن الشيخ ~~رحمه الله لم يجمع الكلام في القدر في مكان واحد، بل فرقه، فأتيت به على ~~ترتيبه. # قوله: "وهو متعال عن الأضداد والأنداد". # ش: الضد: المخالف، والند: المثل. فهو سبحانه لا معارض له، بل ما شاء كان ~~وما لم يشأ لم يكن، ولا مثل له، كما قال تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} ~~[سورة الإخلاص: 4]. ويشير الشيخ رحمه الله -بنفي الضد والند- إلى الرد على ~~المعتزلة، في زعمهم أن العبد يخلق فعله. # PageV01P148 # قوله: "لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره". # ش: أي: لا يرد قضاء الله راد، ولا يعقب، أي لا يؤخر حكمه مؤخر، ولا يغلب ~~أمره غالب، بل هو الله الواحد القهار. # قوله: "آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلا من عنده". # ش: أما الإيمان فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. والإيقان: ms118 ~~الاستقرار، من قر الماء في الحوض إذا استقر, والتنوين في "كلا" بدل ~~الإضافة1، أي: كل كائن محدث من عند الله، أي: بقضائه وقدره [وإرادته] ~~ومشيئته وتكوينه, وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P149 ### | وجوب الإيمان بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته # قوله: "وإن محمدا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى". # ش: الاصطفاء والاجتباء والارتضاء: متقارب المعنى. واعلم أن كمال المخلوق ~~في تحقيق عبوديته لله تعالى. وكلما ازداد العبد تحقيقا للعبودية ازداد ~~كماله وعلت درجته ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، ~~وأن الخروج عنها أكمل، فهو [من] أجهل الخلق وأضلهم، قال تعالى: {وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} [سورة الأنبياء: 26] , إلى غير ~~ذلك من الآيات. وذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم باسم العبد في أشرف ~~المقامات، فقال في ذكر الإسراء: {سبحان الذي أسرى بعبده} [سورة الإسراء: ~~1]. وقال تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} [سورة الجن: 19]. وقال ~~تعالى: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} [سورة النجم: 10]. وقال تعالى: {وإن كنتم ~~في ريب مما نزلنا على عبدنا} [سورة البقرة: 23]. وبذلك استحق التقديم على ~~الناس في الدنيا والآخرة. ولذلك يقول المسيح عليه السلام يوم القيامة، إذا ~~طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء عليهم السلام: "اذهبوا إلى محمد، عبد غفر ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"1. فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله ~~تعالى. PageV01P149 # وقوله: "وإن محمدا" بكسر الهمزة، عطفا على قوله: "إن الله واحد لا شريك ~~له". لأن الكل معمول القول، أعني: قوله "نقول في توحيد الله". # والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر، تقرير نبوة الأنبياء ~~بالمعجزات، لكن كثيرا منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات، وقرروا1 ~~ذلك بطرق مضطربة، والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء، حتى ~~أنكروا كرامات الأولياء والسحر، ونحو ذلك. # ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لكن الدليل غير محصور في المعجزات، فإن ~~النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا ~~إلا على أجهل ms119 الجاهلين, بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما، وتعرف بهما ~~والتمييز2 بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف ~~بدعوة النبوة؟ وما أحسن ما قال حسان رضي الله عنه: # لو لم يكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر # وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب ~~والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز, فإن الرسول لا ~~بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور، ولا بد أن يفعل أمورا [يبين بها ~~صدقه]. والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به ~~كذبه من وجوه كثيرة. والصادق ضده, بل كل شخصين ادعيا أمرا: أحدهما صادق ~~والآخر كاذب لا بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدة، إذ الصدق مستلزم ~~للبر، والكذب مستلزم للفجور، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، [وإن] البر يهدي إلى ~~الجنة، وما يزال الرجل يصدق [ويتحرى الصدق]، ح تى يكتب عند الله صديقا، ~~وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما ~~يزال PageV01P150 # الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابا" 1. ولهذا قال تعالى: ~~{هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع ~~وأكثرهم كاذبون، والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون} [سورة الشعراء: 221 - 226]. فالكهان ونحوهم، ~~وإن كانوا أحيانا يخبرون بشيء من المغيبات، ويكون صدقا, فمعهم من الكذب ~~والفجور ما يبين2 أن الذي يخبرون به ليس عن ملك، وليسوا بأنبياء3, ولهذا ~~لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد: "قد خبأت لك خبأ"، فقال: [هو] ~~الدخ", قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اخسأ، فلن تعدو قدرك" 4 يعني: ~~إنما أنت كاهن. وقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "يأتيني صادق وكاذب"5. ~~وقال: "أرى عرشا على الماء"6، وذلك هو عرش ms120 الشيطان وبين أن الشعراء يتبعهم ~~الغاوون، والغاوي: الذي يتبع هواه وشهوته، وإن كان ذلك مضرا له في العاقبة. ~~PageV01P151 # فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله1, علم علما يقينا أنه ~~ليس بشاعر ولا كاهن. # والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة، حتى في المدعي ~~للصناعات والمقالات، كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابة، وعلم النحو والطب ~~والفقه وغير ذلك, والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول ~~بها، وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال, فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب؟ ولا ~~ريب أن المحققين على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة, قد يقترن به من ~~القرائن ما يحصل معه العلم ضروري، كما يعرف الرجل رضى الرجل وحبه [وبغضه] ~~وفرحه وحزنه وغير ذلك مما في نفسه، بأمور تظهر على وجهه، قد لا يمكن ~~التعبير عنها، كما قال تعالى: {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم} [سورة ~~محمد: 30] ثم قال: {ولتعرفنهم في لحن القول} [سورة محمد: 30]. وقد قيل: ما ~~أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفات وجهه وفلتات لسانه. فإذا كان صدق ~~المخبر وكذبه يعلم بما يقترن من القرائن، فكيف بدعوى المدعي أنه رسول الله، ~~كيف يخفى صدق هذا من كذبه؟ وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من ~~الأدلة؟ # ولهذا لما كانت خديجة رضي الله عنها تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه الصادق البار، قال لها لما جاءه الوحي: "إني قد خشيت على نفسي" 2، ~~فقالت: كلا والله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل ~~الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب PageV01P152 # الحق1. فهو لم يخف من تعمد الكذب، فهو يعلم من نفسه صلى الله عليه وسلم ~~أنه لم يكذب، وإنما خاف أن يكون [قد] عرض له عارض سوء، وهو المقام الثاني، ~~فذكرت خديجة ما ينفي هذا، وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن ~~الشيم، وقد علم من سنة الله أن من جبله على الأخلاق المحمودة ونزهه عن ~~الأخلاق المذمومة, فإنه لا يخزيه. # وكذلك قال النجاشي ms121 لما استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القرآن فقرءوا ~~عليه: "إن هذا والذي جاء به موسى عليه السلام ليخرج من مشكاة واحدة"2. ~~وكذلك ورقة ابن نوفل، لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه، وكان ~~ورقة [قد] تنصر، وكان يكتب الإنجيل بالعربية، فقالت له خديجة: "أي عم! اسمع ~~من ابن أخيك ما يقول، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى فقال: هذا ~~[هو] الناموس الذي كان يأتي موسى"3. # وكذلك هرقل ملك الروم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما كتب إليه كتابا ~~يدعوه فيه إلى الإسلام، طلب من كان هناك من العرب، وكان أبو سفيان قد قدم ~~في طائفة من قريش في تجارة إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فسأل أبا سفيان، وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه، فصاروا بسكوتهم ~~موافقين له في الأخبار، سألهم: هل كان في آبائه من ملك؟ فقالوا: لا، قال: ~~هل قال هذا القول أحد قبله؟ فقالوا: لا، وسألهم: أهو ذو نسب فيكم؟ فقالوا: ~~نعم، وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا، ما ~~جربنا عليه كذبا، وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فذكروا أن ~~الضعفاء اتبعوه؟ وسألهم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون، وسألهم: ~~هل يرجع PageV01P153 # أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقالوا: لا، وسألهم: هل ~~قاتلتموه؟ قالوا: نعم، وسألهم عن الحرب بينهم وبينه؟ فقالوا: يدال علينا ~~مرة وندال عليه أخرى، وسألهم: هل يغدر؟ فذكروا أنه لا يغدر، وسألهم: بماذا ~~يأمركم؟ فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عما ~~كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. وهذه أكثر من عشر ~~مسائل، ثم بين لهم ما في هذه المسائل من الأدلة، فقال: سألتكم هل كان في ~~آبائه من ملك؟ فقلتم: لا، قلت: لو كان في آبائه [من] ملك لقلت: رجل يطلب ~~ملك أبيه، وسألتكم هل قال هذا القول [فيكم] أحد قبله؟ فقلتم: لا، فقلت: لو ~~قال ms122 هذا القول أحد [قبله] لقلت: رجل ائتم بقول قيل قبله، وسألتكم هل كنتم ~~تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلتم: لا، فقلت: قد علمت أنه لم يكن ~~ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله تعالى، وسألتكم أضعفاء الناس ~~يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل، يعني في أول أمرهم، ~~ثم قال: وسألتكم هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلتم، بل يزيدون، وكذلك الإيمان حتى ~~يتم، وسألتكم هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقلتم: ~~لا، وكذلك الإيمان، إذا خالطت بشاشتة القلوب لا يسخطه أحد1. # وهذا من أعظم علامات الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في ~~آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه، ويمتنع عنه من لم يدخل فيه، والكذب لا يروج ~~إلا قليلا ثم ينكشف. # وسألتكم كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم: إنها دول، وكذلك الرسل تبتلى ~~وتكون العاقبة لها، قال: وسألتكم هل يغدر؟ فقلتم: لا، وكذلك الرسل لا تغدر، ~~وهو لما كان عنده من علمه بعادة الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم ~~وتارة يبتليهم وأنهم لا يغدرون علم أن هذه علامات الرسل، وأن سنة الله في ~~الأنبياء PageV01P154 # والمؤمنين أن يبتليهم بالسراء والضراء، لينالوا درجة الشكر والصبر1. # كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والذي نفسي بيده، ~~لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن ~~أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له" 2. # والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من الحكمة ~~فقال: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: ~~139]، الآيات. وقال تعالى: {الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم ~~لا يفتنون}، الآيات. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سنته في ~~خلقه وحكمته التي بهرت العقول. # قال: وسألتكم عما يأمر به؟ فذكرتم أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا ~~به شيئا، ويأمركم ms123 بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، وينهكم عما كان يعبد ~~آباؤكم، وهذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أن نبيا يبعث، ولم أكن أظنه منكم، ~~ولوددت أني أخلص إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما ~~تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين, وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب، وهو ~~حينئذ كافر من أشد الناس بغضا وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو ~~سفيان بن حرب: فقلت3 لأصحابي ونحن خروج، لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ~~ليعظمه ملك بني الأصفر، وما زلت موقنا بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~سيظهر، حتى أدخل الله علي الإسلام وأنا كاره. PageV01P155 # ومما ينبغي أن يعرف: أن ما يحصل في القلب بمجموع أمور، قد لا يستقل بعضها ~~به، بل ما يحصل للإنسان من شبع وري1 وشكر وفرح وغم فأمور مجتمعة، لا يحصل ~~ببعضها2، لكن ببعضها قد يحصل بعض الأمر3. # وكذلك العلم بخبر من الأخبار، فإن خبر الواحد يحصل للقلب نوع ظن، ثم ~~الآخر يقويه، إلى أن ينتهي إلى العلم، حتى يتزايد ويقوى, وكذلك الأدلة على ~~الصدق والكذب ونحو ذلك. # وأيضا: فإن الله سبحانه أبقى في العالم الآثار الدالة على ما فعله ~~بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة، وما فعله بمكذبيهم من العقوبة، كثبوت ~~الطوفان، وإغراق فرعون وجنوده، ولما ذكر سبحانه قصص الأنبياء نبيا بعد نبي، ~~في سورة الشعراء، كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده، يقول في آخر كل قصة: ~~{إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم}. # وبالجملة: فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول: إنه رسول الله، وأن أقواما ~~اتبعوهم، وأن أقواما خالفوهم، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين، وجعل العاقبة ~~لهم، وعاقب أعداءهم, هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها. ونقل أخبار هذه ~~الأمور أظهر وأوضح من نقل أخبار من مضى من الأمم من ملوك الفرس وعلماء ~~الطب، كبقراط وجالينوس وبطليموس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وأتباعه. # ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم, ~~علمنا يقينا أنهم ms124 كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة: منها: أنهم أخبروا ~~الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء العاقبة لهم. ومنها: ما ~~أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم، إذا عرف الوجه الذي حصل عليه، كغرق ~~فرعون وغرق قوم نوح وبقية أحوالهم, عرف صدق الرسل. ومنها: أن من عرف ما ~~جاءت به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها، تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه ~~PageV01P156 # لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاءوا به من المصلحة والرحمة ~~والهدى والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أنه لا ~~يصدر إلا عن راحم بر يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق. # ولذكر دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات وبسطها موضع آخر، ~~وقد أفردها الناس بمصنفات، كالبيهقي وغيره. # بل إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم طعن في الرب تبارك وتعالى، ونسبة له ~~إلى الظلم والسفه، تعالى الله عن ذلك1 علوا كبيرا، بل جحد للرب بالكلية ~~وإنكار. # وبيان ذلك: أنه إذا كان محمد عندهم ليس بنبي صادق، بل ملك ظالم، فقد تهيأ ~~له أن يفتري على الله ويتقول عليه، ويستمر حتى يحلل2 ويحرم، ويفرض الفرائض، ~~ويشرع الشرائع وينسخ الملل، ويضرب الرقاب، ويقتل أتباع الرسل [وهم] أهل ~~الحق، ويسبي نساءهم ويغنم أموالهم وذراريهم وديارهم، ويتم له ذلك حتى يفتح ~~الأرض، وينسب ذلك كله إلى أمر الله له به ومحبته له، والرب تعالى يشاهده ~~وهو يفعل بأهل الحق، وهو مستمر في الافتراء عليه ثلاثا وعشرين سنة، وهو مع ~~ذلك كله يؤيده وينصره، ويعلي أمره، ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن ~~عادة البشر، وأبلغ من ذلك أنه يجيب دعواته، ويهلك أعداءه، ويرفع له ذكره، ~~هذا وهو عندهم في غاية الكذب والافتراء والظلم، فإنه لا أظلم ممن كذب على ~~الله وأبطل شرائع أنبيائه وبدلها وقتل أولياءه، واستمرت نصرته عليهم دائما، ~~والله تعالى يقره على ذلك، ولا يأخذ منه باليمين، ولا يقطع منه الوتين ~~فيلزمهم أن يقولوا: لا صانع للعالم ولا مدبر، ولو ms125 كان له مدبر قدير حكيم، ~~لأخذ على يديه ولقابله أعظم مقابلة، وجعله نكالا للصالحين. إذ لا يليق ~~[بالملوك] غير ذلك، فكيف بملك الملوك وأحكم الحاكمين؟ ولا ريب أن الله ~~[تعالى] قد رفع له ذكره، وأظهر دعوته والشهادة له بالنبوة على رءوس الأشهاد ~~في سائر البلاد، ونحن لا ننكر أن كثيرا من الكذابين قام في الوجود، وظهرت ~~له شوكة، ولكن لم يتم أمره، ولم تطل مدته، بل سلط الله PageV01P157 # عليه رسله وأتباعهم، وقطعوا دابره واستأصلوه. هذه سنة الله التي قد خلت ~~من قبل، حتى إن الكفار يعلمون ذلك. قال تعالى: {أم يقولون شاعر نتربص به ~~ريب المنون، قل تربصوا فإني معكم من المتربصين} [الطور: 30, 31]. أفلا تراه ~~يخبر أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض الأقاويل، لا بد ~~أن يجعله عبرة لعباده كما جرت بذلك سنته في المتقولين1 عليه. وقال تعالى: ~~{أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك} [الشورى: 24]. ~~وهنا انتهى جواب الشرط، ثم أخبر خبرا جازما غير معلق: أنه يمحو الباطل ويحق ~~الحق. وقال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر ~~من شيء} [سورة الأنعام: 91]. فأخبر سبحانه أن من نفى عنه الإرسال والكلام ~~لم يقدره حق قدره. # وقد ذكروا فروقا بين النبي والرسول، وأحسنها: أن من نبأه الله بخبر ~~السماء، إن أمره أن يبلغ غيره، فهو نبي رسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره، ~~فهو نبي وليس برسول, فالرسول أخص من النبي، فكل رسول نبي، وليس كل نبي ~~رسولا، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة ~~تتناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، بل ~~الأمر بالعكس, فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها. # وإرسال الرسل من أعظم نعم الله على خلقه، وخصوصا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، كما قال [تعالى]: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ms126 الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل ~~لفي ضلال مبين} [سورة آل عمران: 164]. وقال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين} [سورة الأنبياء: 107]. # قوله: "وأنه خاتم الأنبياء". # ش: قال تعالى: {ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [سورة الأحزاب: 40]. وقال ~~صلى الله عليه وسلم: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بناؤه، وترك منه ~~موضع لبنة، فطاف PageV01P158 # به النظار يتعجبون من حسن بنائه، إلا موضع تلك اللبنة، لا يعيبون سواها، ~~فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل"1، أخرجاه في ~~الصحيحين. وقال صلى الله عليه وسلم: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، ~~وأنا الماحي، يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر، الذي يحشر الناس على قدمي، ~~وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي" 2، [وفي صحيح مسلم عن ثوبان، قال: ~~قال رسول الله: "وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي]، ~~وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي" 3، الحديث. ولمسلم: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، ~~وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت [إلى] الخلق كافة، ~~وختم بي النبيون" 4. # قوله: "وإمام الأتقياء". # ش: هو صلى الله عليه وسلم، الإمام الذي يؤتم به، أي: يقتدون به. والنبي ~~صلى الله عليه وسلم إنما بعث للاقتداء به، لقوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31]. وكل من اتبعه واقتدى به فهو من ~~الأتقياء. # قوله: "وسيد المرسلين". # ش: قال صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق ~~عنه القبر، PageV01P159 # وأول شافع، وأول مشفع"1. رواه مسلم. وفي أول حديث الشفاعة: "أنا سيد ~~الناس يوم القيامة" 2 [و] روى مسلم والترمذي عن واثلة بن الأسقع رضي الله ~~عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله اصطفى كنانة من ولد ~~إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني ~~هاشم" 3. # فإن قيل: يشكل على هذا قوله صلى الله عليه ms127 وسلم: "لا تفضلوني على موسى، ~~فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشا بساق ~~العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله؟ " 4, خرجاه في ~~الصحيحين، فكيف يجمع بين هذا وبين قوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" 5. ~~PageV01P160 # فالجواب: أن هذا كان له سبب، فإنه كان قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى ~~على البشر، فلطمه مسلم، وقال: أتقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~أظهرنا؟ فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذا؛ لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس ~~كان مذموما، بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموما، فإن ~~الله حرم الفخر، وقد قال تعالى: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} [سورة ~~الإسراء: 55]. وقال تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم ~~الله ورفع بعضهم درجات} [سورة البقرة: 253]. فعلم أن المذموم إنما هو ~~التفضيل على وجه الفخر، أو على وجه الانتقاص بالمفضول. وعلى هذا يحمل أيضا ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تفضلوا بين الأنبياء" 1، إن كان ثابتا، فإن ~~هذا قد روي في نفس حديث موسى، وهو في PageV01P161 # البخاري وغيره. لكن بعض الناس يقول: إن فيه علة، بخلاف حديث موسى، فإنه ~~صحيح لا علة فيه باتفاقهم. # وقد أجاب بعضهم بجواب آخر، وهو: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تفضلوني ~~على موسى" 1، وقوله: "لا تفضلوا بين الأنبياء" نهي عن التفضيل الخاص، أي: ~~لا يفضل بعض الرسل على بعض بعينه، بخلاف قوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" 2 ~~فإنه تفضيل عام فلا يمنع منه. وهذا كما لو قيل: فلان أفضل أهل البلد، لا ~~ينصب على أفرادهم، بخلاف ما لو قيل لأحدهم: فلان أفضل منك. ثم إني رأيت ~~الطحاوي رحمه الله قد أجاب بهذا الجواب في "شرح معاني الآثار". # وأما ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تفضلوني على يونس [بن ~~متى] "3، وأن بعض ms128 الشيوخ قال: لا يفسر لهم هذا الحديث حتى يعطى مالا جزيلا، ~~فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله وهو في بطن الحوت كقربي من الله ليلة ~~المعراج وعدوا هذا تفسيرا عظيما, وهذا يدل على جهلهم بكلام الله وبكلام ~~رسوله لفظا ومعنى، فإن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب ~~التي يعتمد عليها، وإنما اللفظ الذي في الصحيح: "لا ينبغي لعبد أن يقول أنا ~~خير من يونس ابن متى" 4. وفي رواية: "من قال: إني خير من يونس بن متى فقد ~~كذب". وهذا اللفظ يدل على العموم، "لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه على يونس بن ~~متى"، ليس فيه نهي المسلمين أن يفضلوا محمدا على يونس، وذلك لأن الله تعالى ~~قد أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم، أي: فاعل ما يلام عليه. وقال ~~تعالى: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن ~~لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [سورة الأنبياء: 87]. فقد يقع ~~في نفس بعض PageV01P162 # الناس أنه أكمل من يونس، فلا يحتاج إلى هذا المقام، إذ لا يفعل ما يلام ~~عليه, ومن ظن هذا فقد كذب، بل كل عبد من عباد الله يقول ما قال يونس: {أن ~~لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}، كما قال أول الأنبياء وآخرهم، ~~فأولهم آدم، قد قال: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين} [سورة الأعراف: 23]. وآخرهم وأفضلهم وسيدهم: محمد صلى الله عليه ~~وسلم، قال في الحديث الصحيح، حديث الاستفتاح، من رواية علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه وغيره، بعد قوله: وجهت وجهي آخره: "اللهم أنت الملك لا إله إلا ~~أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، ~~لا يغفر الذنوب إلا أنت" 1، إلى آخر الحديث، وكذا قال موسى عليه السلام: ~~{رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} [سورة القصص: ~~16]. وأيضا فيونس صلى الله عليه ms129 وسلم لما قيل فيه: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن ~~كصاحب الحوت} [سورة القلم: 48]، فنهي نبينا صلى الله عليه وسلم عن التشبه ~~به، وأمره بالتشبه بأولي العزم حيث قيل له: {فاصبر كما صبر أولو العزم من ~~الرسل} [سورة الأحقاف: 35]، فقد يقول من يقول: "أنا خير من يونس", للأفضل ~~أن يفخر على من دونه، فكيف إذا لم يكن أفضل، فإن الله لا يحب كل مختال ~~فخور، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أوحي إلي أن ~~تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" 2. [فالله تعالى ~~نهى أن يفخر على عموم المؤمنين]، فكيف على نبي كريم؟ فلهذا قال: "لا ينبغي ~~لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". فهذا نهي عام لكل أحد أن يتفضل ~~ويفتخر على يونس. وقوله: من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب، فإنه لو ~~قدر أنه كان أفضل، فهذا الكلام يصير نقصا، فيكون كاذبا، وهذا لا يقوله نبي ~~كريم، بل هو تقدير مطلق، أي: من قال هذا PageV01P163 # فهو كاذب، وإن كان لا يقوله نبي، كما قال تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} ~~[سورة الزمر: 65]، وإن كان صلى الله عليه وسلم معصوما من الشرك، لكن الوعد ~~والوعيد لبيان مقادير الأعمال. # وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولد آدم؛ لأنا لا يمكننا أن نعلم ~~ذلك إلا بخبره، إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله، كما أخبرنا هو ~~بفضائل الأنبياء قبله، صلى الله عليهم وسلم أجمعين, ولهذا أتبعه بقوله ولا ~~فخر، كما جاء في رواية. وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: أن مقام الذي ~~أسري به إلى ربه وهو مقرب معظم مكرم كمقام الذي ألقي في بطن الحوت وهو ~~مليم؟! وأين المعظم المقرب من الممتحن المؤدب؟! فهذا في غاية التقريب، وهذا ~~في غاية التأديب. فانظر إلى هذا الاستدلال؛ لأنه بهذا المعنى المحرف اللفظ ~~لم يقله الرسول، وهل يقاوم هذا الدليل على نفي علو الله تعالى ms130 عن خلقه ~~الأدلة الصحيحة الصريحة القطعية على علو الله تعالى على خلقه، التي تزيد ~~على ألف دليل، كما يأتي الإشارة إليها عند قول الشيخ رحمه الله "محيط بكل ~~شيء وفوقه"، إن شاء الله تعالى. # قوله: "وحبيب رب العالمين". # ش: ثبت له صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المحبة، وهي الخلة، كما صح عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم ~~خليلا" 1. وقال: "ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ~~ولكن صاحبكم خليل الرحمن" 2. والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قال: ~~الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومحمد حبيبه. وفي الصحيح ~~أيضا: "إني أبرأ إلى كل خليل من خلته 3. والمحبة قد ثبتت لغيره. قال تعالى: ~~{والله يحب PageV01P164 # المحسنين} [آل عمران: 134] , {فإن الله يحب المتقين} [آل عمران: 76] {إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [سورة البقرة: 222]. فبطل قول من خص ~~الخلة بإبراهيم والمحبة بمحمد، بل الخلة خاصة بهما، والمحبة عامة, وحديث ~~ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه الترمذي الذي فيه: "إن إبراهيم خليل ~~الله، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر"1 لم يثبت. # والمحبة مراتب: أولها: العلاقة، وهي تعلق القلب بالمحبوب. والثانية: ~~الإرادة، وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له. الثالثة: الصبابة، وهي انصباب ~~القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماء في الحدور. الرابعة: ~~الغرام، وهي الحب اللازم للقلب، ومنه الغريم، لملازمته، ومنه: {إن عذابها ~~كان غراما} [سورة الفرقان: 65]. الخامسة: المودة، والود، وهي صفو المحبة ~~وخالصها ولبها، قال تعالى: {سيجعل لهم الرحمن ودا} [سورة مريم: 96]. ~~السادسة: الشغف، وهي وصول المحبة إلى شغاف القلب. السابعة: العشق: وهو الحب ~~المفرط الذي يخاف على صاحبه منه، ولكن لا يوصف به الرب تعالى ولا العبد في ~~محبة ربه، وإن كان قد أطلقه بعضهم, واختلف في سبب المنع، فقيل: عدم ~~التوقيف، وقيل غير ذلك. ولعل امتناع إطلاقه أن العشق محبة مع شهوة. ~~الثامنة: التيم، وهو بمعنى التعبد. التاسعة: التعبد. العاشرة: الخلة، وهي ~~المحبة التي تخللت ms131 روح المحب وقلبه. وقيل في ترتيبها غير ذلك. وهذا الترتيب ~~تقريب حسن، [لا] يعرف حسنه [إلا] بالتأمل في معانيه. # واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تعالى ~~وعظمته، كسائر صفاته تعالى، وإنما يوصف الله تعالى من هذه الأنواع بالإرادة ~~والود والمحبة والخلة، حسبما ورد النص. # وقد اختلف في تحديد المحبة على أقوال، نحو ثلاثين قولا. ولا تحد المحبة ~~بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء. وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج ~~إلى تحديد، كالماء والهواء والتراب والجوع ونحو ذلك. PageV01P165 # قوله: "وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى". # ش: لما ثبت أنه خاتم النبيين، علم أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب. ولا ~~يقال: فلو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة كيف يقال ~~بتكذيبه؟ لأنا نقول: هذا لا يتصور أن يوجد، وهو من باب فرض المحال؛ لأن ~~الله تعالى لما أخبر أنه خاتم النبيين، فمن المحال أن يأتي مدع يدعي النبوة ~~ولا يظهر إمارة كذبه في دعواه. والغي: ضد الرشاد. والهوى: عبارة عن شهوة ~~النفس. أي: أن تلك الدعوى بسبب هوى النفس، لا عن دليل، فتكون باطلة. # قوله: "وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور ~~والضياء". # ش: أما كونه مبعوثا إلى عامة الجن، فقال تعالى حكاية عن قول الجن: {يا ~~قومنا أجيبوا داعي الله} [سورة الأحقاف: 31]، الآية. وكذا سورة الجن تدل ~~على أنه أرسل إليهم أيضا. قال مقاتل: لم يبعث الله رسولا إلى الإنس والجن ~~قبله, وهذا قول بعيد. فقد قال تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ~~منكم} [سورة الأنعام: 130]، الآية، والرسل من الإنس فقط، وليس من الجن ~~رسول، كذا قال مجاهد وغيره من السلف والخلف, وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر. وظاهر قوله تعالى حكاية عن الجن: {إنا ~~سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} [سورة الأحقاف: 30]، الآية: تدل على أن موسى ~~مرسل إليهم أيضا. والله أعلم. # وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم: ms132 أنه زعم أن في الجن رسلا، واحتج بهذه ~~الآية الكريمة. وفي الاستدلال بها على ذلك نظر لأنها محتملة وليست بصريحة، ~~وهي -والله أعلم- كقوله: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [سورة الرحمن: 22] ~~والمراد: من أحدهما. # وأما كونه مبعوثا إلى كافة الورى، فقد قال: {وما أرسلناك إلا كافة للناس ~~بشيرا ونذيرا} [سبإ: 28]. وقد قال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله ~~إليكم جميعا} [سورة الأعراف: 158]. وقال تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به # PageV01P166 # ومن بلغ} [سورة الأنعام: 19]. أي: وأنذر من بلغه. وقال تعالى: {وأرسلناك ~~للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} [سورة النساء: 79] وقال تعالى: {أكان للناس ~~عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم ~~صدق عند ربهم} [سورة يونس: 2]، الآية. وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان ~~على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [سورة الفرقان: 1]. وقد قال تعالى: {وقل ~~للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ} [سورة آل عمران: 20]. وقال صلى الله عليه وسلم: "أعطيت ~~خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي ~~الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه ~~خاصة وبعثت إلى الناس عامة" 1، أخرجاه في الصحيحين. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: "لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا ~~دخل النار" 2، رواه مسلم. وكونه صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى الناس كافة ~~معلوم من دين الإسلام بالضرورة. # وأما قول بعض النصارى أنه رسول إلى العرب خاصة, فظاهر البطلان، فإنهم لما ~~صدقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قال أنه رسول الله إلى ~~الناس عامة، والرسول لا يكذب، فلزم تصديقه حتما، فقد أرسل رسله وبعث كتبه ~~في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وسائر ملوك الأطراف، يدعو ~~إلى الإسلام. # وقوله: وكافة الورى في جر كافة نظر، فإنهم قالوا: ms133 لم تستعمل كافة في كلام ~~العرب إلا حالا، واختلفوا في إعرابها في قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة ~~للناس} [سورة سبإ: 28]، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها حال من الكاف في ~~PageV01P167 # "أرسلناك" وهي اسم فاعل والتاء فيها للمبالغة، أي: إلا كافا للناس عن ~~الباطل، وقيل: هي مصدر كف، فهي بمعنى كفا أي: إلا [أن] تكف الناس كفا، [و] ~~وقوع المصدر حالا كثير. الثاني: أنها حال من "الناس". واعترض بأن حال ~~المجرور لا يتقدم عليه عند الجمهور، وأجيب بأنه قد جاء عن العرب كثيرا فوجب ~~قبوله، وهو اختيار ابن مالك رحمه الله، أي: وما أرسلناك إلا للناس كافة. ~~الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: رسالة كافة. واعترض بما تقدم أنها لم ~~تستعمل إلا حالا. # وقوله: بالحق والهدى وبالنور والضياء. هذه أوصاف ما جاء به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الدين والشرع المؤيد بالبراهين الباهرة من القرآن وسائر ~~الأدلة. والضياء: أكمل من النور، قال تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء ~~والقمر نورا} [سورة يونس: 5]. # PageV01P168 ### | القرآن كلام الله تعالى # قوله: "وإن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله ~~وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ~~ليس بمخلوق ككلام البرية, فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه ~~الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال تعالى: {إن هذا إلا قول البشر} [سورة ~~المدثر: 25] , علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر". # ش: هذه قاعدة شريفة، وأصل كبير من أصول الدين، ضل فيه طوائف كثيرة من ~~الناس, وهذا الذي حكاه الطحاوي رحمه الله هو الحق الذي دلت عليه الأدلة من ~~الكتاب والسنة لمن تدبرهما، وشهدت به الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات ~~والشكوك والآراء الباطلة. # وقد افترق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال: # أحدها: أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من معاني، إما من العقل ~~الفعال عند بعضهم، أو من غيره، وهذا قول الصابئة والمتفلسفة. # وثانيها: أنه مخلوق خلقه ms134 الله منفصلا عنه، وهذا قول المعتزلة. # وثالثها: أنه معنى واحد قائم بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر ~~والاستخبار، # PageV01P168 # وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وهذا ~~قول ابن كلاب ومن وافقه، كالأشعري وغيره. # ورابعها: أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل ~~الكلام ومن أهل الحديث. # وخامسها: أنه حروف وأصوات، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلما، وهذا ~~قول الكرامية وغيرهم. # وسادسها: أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته، وهذا ~~يقوله صاحب المعتبر، ويميل إليه الرازي في المطالب العالية. # وسابعها: أن كلامه يتضمن معنى قائما بذاته هو ما خلقه في غيره، وهذا قول ~~أبي منصور الماتريدي. # وثامنها: أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في ~~غيره من الأصوات، وهذا قول أبي المعالي ومن اتبعه. # وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم ~~به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما، وهذا ~~المأثور عن أئمة الحديث والسنة. # وقول الشيخ رحمه الله وإن القرآن كلام الله إن بكسر الهمزة عطف على قوله: ~~إن الله واحد لا شريك له ثم قال: وإن محمدا عبده المصطفى, وكسر همزة إن في ~~المواضع الثلاثة؛ لأنها معمول القول، أعني قوله في أول كلامه: نقول في ~~توحيد الله. # وقوله: كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا: رد على المعتزلة وغيرهم, فإن ~~المعتزلة تزعم أن القرآن لم يبد منه، كما تقدم حكاية قولهم، قالوا: وإضافته ~~إليه إضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله، يحرفون الكلام عن مواضعه! وقولهم ~~باطل، فإن المضاف إلى الله تعالى معان وأعيان، فإضافة الأعيان إلى الله ~~للتشريف، وهي مخلوقة له، كبيت الله، وناقة الله، بخلاف إضافة المعاني، كعلم ~~الله، وقدرته، وعزته، وجلاله، وكبريائه، وكلامه، وحياته، وعلوه، وقهره, فإن ~~هذا كله من صفاته، لا يمكن أن يكون شيء من ذلك مخلوقا. # PageV01P169 # والوصف بالتكلم من أوصاف الكمال، وضده من ms135 أوصاف النقص. قال تعالى: {واتخذ ~~قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا} [سورة الأعراف: 148]. فكان عباد العجل -مع كفرهم- أعرف بالله ~~من المعتزلة، فإنهم لم يقولوا لموسى: وربك لا يتكلم أيضا. وقال تعالى عن ~~العجل أيضا: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} ~~[سورة طه: 89]. فعلم أن نفي رجوع القول ونفي التكلم نقص يستدل به على عدم ~~ألوهية العجل. # وغاية شبهتهم أنهم يقولون: يلزم منه التشبيه والتجسيم؟ فيقال لهم: إذا ~~قلنا أنه تعالى يتكلم كما يليق بجلاله انتفت شبهتهم, ألا ترى أنه تعالى ~~قال: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} [سورة يس: 65]. ~~فنحن نؤمن أنها تتكلم، ولا نعلم كيف تتكلم, وكذا قوله تعالى: {وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} [سورة فصلت: ~~21]. وكذلك تسبيح الحصا والطعام، وسلام الحجر، كل ذلك بلا فم يخرج منه ~~الصوت الصاعد من لديه المعتمد على مقاطع الحروف. # وإلى هذا أشار الشيخ رحمه الله بقوله: منه بدا بلا كيفية قولا، أي: ظهر ~~منه ولا ندري كيفية تكلمه به. وأكد هذا المعنى بقوله: قولا، أتى بالمصدر ~~المعرف للحقيقة، كما أكد الله تعالى التكليم بالمصدر المثبت النافي للمجاز ~~في قوله: {وكلم الله موسى تكليما}. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! # ولقد قال بعضهم لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة: أريد أن تقرأ: ~~{وكلم الله موسى}، بنصب اسم الله، ليكون موسى هو المتكلم لا الله! فقال أبو ~~عمرو: هب أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى: {ولما جاء موسى ~~لميقاتنا وكلمه ربه}؟! فبهت المعتزلي! # وكم في الكتاب والسنة من دليل على تكليم الله تعالى لأهل الجنة وغيرهم. ~~قال تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} [سورة يس: 58]، فعن جابر رضي الله عنه، ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أهل الجنة في نعيم إذ سطع ~~لهم نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الرب جل جلاله قد ms136 أشرف عليهم من فوقهم، ~~فقال: السلام # PageV01P170 # عليكم يا أهل الجنة، وهو قول الله تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} [سورة ~~يس: 58]، فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم، ما داموا ينظرون إليه، ~~حتى يحتجب عنهم، وتبقى بركته ونوره"1. رواه ابن ماجه وغيره. ففي هذا الحديث ~~إثبات صفة الكلام، وإثبات الرؤية، وإثبات العلو، وكيف يصح مع هذا أن يكون ~~كلام الرب كله معنى واحدا، و [قد] قال تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر ~~إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} [سورة آل عمران: 77]، ~~فأهانهم بترك تكليمهم، والمراد أنه لا يكلمهم تكليم تكريم، [و] هو الصحيح، ~~إذ قد أخبر في الآية الأخرى أنه يقول لهم في النار: {اخسئوا فيها ولا ~~تكلمون} [المؤمنون: 108]، فلو كان لا يكلم عباده المؤمنين، لكانوا في ذلك ~~هم وأعداؤه سواء، ولم يكن في تخصيص أعدائه بأنه لا يكلمهم فائدة أصلا. وقال ~~البخاري في "صحيحه": باب كلام الرب تبارك وتعالى مع أهل الجنة، وساق فيه ~~عدة أحاديث. فأفضل نعيم أهل الجنة رؤية وجهه تبارك وتعالى، وتكليمه لهم. ~~فإنكار ذلك إنكار لروح الجنة, وأعلى نعيمها وأفضله الذي ما طابت لأهلها إلا ~~به. # وأما استدلالهم بقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [سورة الرعد: 16]، ~~والقرآن شيء، فيكون داخلا في عموم "كل" فيكون مخلوقا!! فمن أعجب العجب. ~~وذلك: أن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة لله تعالى، وإنما يخلقها ~~العباد PageV01P171 # جميعها، لا يخلقها الله فأخرجوها من عموم "كل"، وأدخلوا كلام الله في ~~عمومها، مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة، إذ بأمره تكون ~~المخلوقات، قال تعالى: {والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق ~~والأمر} [سورة الأعراف: 53]. ففرق بين الخلق والأمر، فلو كان الأمر مخلوقا ~~لزم أن يكون مخلوقا بأمر آخر، والآخر بآخر، إلى ما لا نهاية له، فيلزم ~~التسلسل، وهو باطل. وطرد باطلهم: أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة، كالعلم ~~والقدرة وغيرهما، وذلك ms137 صريح الكفر، فإن علمه شيء، وقدرته شيء، وحياته شيء، ~~فيدخل ذلك في عموم كل، فيكون مخلوقا بعد أن لم يكن، تعالى الله عما يقولون ~~علوا كبيرا. # وكيف يصح أن يكون متكلما بكلام يقوم بغيره؟ ولو صح ذلك للزم أن يكون ما ~~أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه! وكذلك أيضا ما خلقه في الحيوانات، لا ~~يفرق حينئذ بين نطق وأنطق. وإنما قالت الجلود: {أنطقنا الله} [سورة فصلت: ~~21]، ولم تقل: نطق الله، بل يلزم أن يكون متكلما بكل كلام خلقه في غيره، ~~زورا كان أو كذبا أو كفرا أو هذيانا!! تعالى الله عن ذلك. وقد طرد ذلك ~~الاتحادية، فقال ابن عربي: # وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه # ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره، لصح أن يقال للبصير: أعمى، وللأعمى: ~~بصير! لأن البصير قد قام وصف العمى بغيره، والأعمى قد قام وصف البصر بغيره! ~~ولصح أن يوصف الله تعالى بالصفات التي خلقها في غيره، من الألوان والروائح ~~والطعوم والطول والقصر ونحو ذلك. # وبمثل ذلك ألزم الإمام عبد العزيز المكي بشرا المريسي بين يدي المأمون1، ~~بعد أن تكلم معه ملتزما أن لا يخرج عن نص التنزيل، وألزمه الحجة، فقال بشر: ~~PageV01P172 # يا أمير المؤمنين، ليدع مطالبتي بنص التنزيل، ويناظرني بغيره، فإن لم يدع ~~قوله ويرجع عنه، ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال, قال عبد العزيز: ~~تسألني أم أسألك؟ فقال بشر: [اسأل] أنت، وطمع في فقلت له: يلزمك واحدة من ~~ثلاث لا بد منها: إما أن تقول: إن الله خلق القرآن، وهو عندي أنا كلامه في ~~نفسه، أو خلقه قائما بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره؟ قال: أقول: خلقه كما ~~خلق الأشياء كلها. وحاد عن الجواب. فقال المأمون: اشرح أنت هذه المسألة، ~~ودع بشرا فقد انقطع. فقال عبد العزيز: إن قال خلق كلامه في نفسه، فهذا ~~محال؛ لأن الله لا يكون محلا للحوادث المخلوقة، ولا يكون فيه شيء مخلوق, ~~وإن قال خلقه في غيره فيلزم في النظر والقياس أن كل ms138 كلام خلقه الله في غيره ~~فهو كلامه، فهو محال أيضا؛ لأنه يلزم قائله أن يجعل كل كلام خلقه الله في ~~غيره هو كلام الله! وإن قال خلقه قائما بنفسه وذاته، فهذا محال: لا يكون ~~الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من ~~عالم، ولا يعقل كلام قائم بنفسه يتكلم بذاته, فلما استحال من هذه الجهات أن ~~يكون مخلوقا، علم أنه صفة لله. هذا مختصر من كلام الإمام عبد العزيز في ~~الحيدة. # وعموم كل في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن. ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~{تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [سورة الأحقاف: 25]، ~~ومساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح؟ وذلك لأن المراد تدمر ~~كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة وما يستحق التدمير. وكذا قوله تعالى حكاية ~~عن بلقيس: {وأوتيت من كل شيء} [سورة النمل: 23]، المراد من كل شيء يحتاج ~~إليه الملوك، وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام, إذ مراد الهدهد أنها ملكة ~~كاملة في أمر الملك، غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها، ولهذا نظائر ~~كثيرة. # والمراد من قوله تعالى: {خالق كل شيء} [سورة الرعد: 16]، أي كل شيء ~~مخلوق، وكل موجود سوى الله فهو مخلوق، فدخل في هذا العموم أفعال العباد ~~حتما، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى، وصفاته ليست غيره؛ لأنه سبحانه ~~وتعالى هو الموصوف بصفات الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة، لا يتصور ~~انفصال صفاته عنه، كما تقدم الإشارة إلى هذا المعنى عند قوله: ما زال قديما ~~بصفاته قبل # PageV01P173 # خلقه, بل نفس ما استدلوا به يدل عليهم, فإذا كان قوله تعالى: {الله خالق ~~كل شيء}، لا يصح أن يكون دليلا. # وأما استدلالهم بقوله تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} [الزخرف: 3]، فما ~~أفسده من استدلال! فإن "جعل" إذا كان بمعنى خلق يتعدى إلى مفعول واحد، ~~كقوله تعالى: {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1]، وقوله تعالى: {وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} [سورة الأنبياء: 30] , {وجعلنا في ms139 الأرض ~~رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون} [سورة الأنبياء: ~~31]. {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} [سورة الأنبياء: 32]. وإذا تعدى إلى ~~مفعولين لم يكن بمعنى خلق، قال تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد ~~جعلتم الله عليكم كفيلا} [سورة النحل: 91]. وقال تعالى: {ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم} [سورة البقرة: 224]. وقال تعالى: {الذين جعلوا القرآن عضين} ~~[سورة الحجر: 91] , وقال تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [سورة ~~الإسراء: 29] وقال تعالى: {ولا تجعل مع الله إلها آخر} [الإسراء: 39]. وقال ~~تعالى: {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} [الزخرف: 19]. ~~ونظائره كثيرة. فكذا قوله تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} [سورة الزخرف: ~~3]. # وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى: {نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة} [سورة القصص: 30] على أن الكلام خلقه الله تعالى في ~~الشجرة فسمعه موسى منها! وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها، فإن الله ~~تعالى قال: {فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن} [سورة القصص: 30]، ~~والنداء هو الكلام من بعد، فسمع موسى عليه السلام النداء من حافة الوادي، ~~ثم قال: {في البقعة المباركة من الشجرة} [سورة القصص: 30]. أي إن النداء ~~كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، كما يقول سمعت كلام زيد من البيت، ~~يكون من البيت لابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم! ولو كان الكلام ~~مخلوقا في الشجرة، لكانت الشجرة هي القائلة: {يا موسى إني أنا الله رب ~~العالمين} [سورة القصص: 30]. وهل قال: {إني أنا الله رب العالمين} [سورة ~~القصص: 30]، غير رب العالمين؟ ولو كان هذا الكلام بدا من غير الله لكان قول ~~فرعون: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] # PageV01P174 # صدقا، إذ كل من الكلامين عندهم مخلوق قد قاله غير الله! وقد فرقوا بين ~~الكلامين على أصولهم الفاسدة: أن ذاك كلام خلقه الله في الشجرة، وهذا كلام ~~خلقه فرعون!! فحرفوا وبدلوا واعتقدوا خالقا غير الله. وسيأتي الكلام على ~~مسألة أفعال العباد، إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: فقد قال تعالى: {إنه لقول رسول كريم} [سورة الحاقة: 40, ~~والتكوير: 19]. وهذا يدل ms140 على أن الرسول أحدثه، إما جبرائيل أو محمد. # قيل: ذكر الرسول معرف أنه مبلغ عن مرسله؛ لأنه لم يقل أنه قول ملك أو ~~نبي، فعلم أنه بلغه عمن أرسله به، لا أنه أنشأ من جهة نفسه, وأيضا: فالرسول ~~في إحدى الآيتين جبرائيل، وفي الأخرى محمد، فإضافته إلى كل منهما تبين أن ~~الإضافة للتبليغ، إذ لو أحدثه أحدهما امتنع أن يحدثه الآخر, وأيضا فقوله: ~~رسول أمين1، دليل على أنه لا يزيد في الكلام الذي أرسل بتبليغه ولا ينقص ~~منه، بل هو أمين على ما أرسل به، يبلغه عن مرسله, وأيضا فإن الله قد كفر من ~~جعله قول البشر، ومحمد صلى الله عليه وسلم بشر، فمن جعله قول محمد، بمعنى ~~أنه أنشأه, فقد كفر, ولا فرق بين أن يقول: إنه قول بشر، أو جني، أو ملك، ~~والكلام كلام من قاله مبتدئا، لا من قاله مبلغا. ومن سمع قائلا يقول: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # قال: هذا شعر امرئ القيس، ومن سمعه يقول: "إنما الأعمال بالنيات وإنما ~~لكل امرئ ما نوى" 2 قال: هذا كلام الرسول، وإن سمعه PageV01P175 # يقول: {الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد ~~وإياك نستعين} , قال: هذا كلام الله، إن كان عنده خبر ذلك، وإلا قال: لا ~~أدري كلام من هذا؟ ولو أنكر عليه أحد ذلك لكذب, ولهذا من سمع من غيره نظما ~~أو نثرا، يقول له: هذا كلام من؟ هذا كلامك أو كلام غيرك؟ # وبالجملة، فأهل السنة كلهم، من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف ~~والخلف، متفقون على أن كلام الله غير مخلوق, ولكن بعد ذلك تنازع المتأخرون ~~في أن كلام الله هل هو معنى واحد قائم بالذات، أو أنه حروف وأصوات تكلم ~~الله بها بعد أن لم يكن متكلما، أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء ~~وكيف شاء وأن نوع الكلام قديم، وقد يطلق بعض المعتزلة على القرآن أنه غير ~~مخلوق، ومرادهم أنه غير مختلق1 مفترى مكذوب، بل هو حق وصدق، ms141 ولا ريب أن هذا ~~المعنى منتف باتفاق المسلمين. # والنزاع بين أهل القبلة إنما هو في كونه مخلوقا خلقه الله، أو هو كلامه ~~الذي تكلم به وقام بذاته؟ وأهل السنة إنما سئلوا عن هذا، وإلا فكونه مكذوبا ~~مفترى مما لا ينازع مسلم في بطلانه, ولا شك أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من ~~أهل البدع معترفون2 بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا ~~عن كتاب ولا سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون ~~أن عقلهم دلهم عليه، وإنما يزعمون أنهم تلقوا من الأئمة الشرائع. # ولو ترك الناس على فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة، لم يكن بينهم نزاع، ~~ولكن ألقى الشيطان إلى بعض الناس أغلوطة من أغاليطه، فرق بها بينهم. {وإن ~~الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} [سورة البقرة: 176] , والذي يدل ~~عليه كلام الطحاوي رحمه الله: أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء كيف شاء، ~~وأن نوع كلامه قديم. وكذلك ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه في ~~الفقه الأكبر، فإنه قال: والقرآن في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى ~~الألسن مقروء، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق، ~~والقرآن غير مخلوق، وما ذكر الله في PageV01P176 # القرآن عن موسى عليه السلام وغيره، وعن فرعون وإبليس, فإن ذلك كلام الله ~~إخبارا عنهم، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق، والقرآن كلام الله لا ~~كلامهم، وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى، فلما كلم موسى كلمه بكلامه ~~الذي هو من صفاته لم يزل، وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا ~~كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا. انتهى. ~~فقوله: ولما كلم1 موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته يعلم منه أنه حين جاء ~~كلمه، لا أنه لم يزل ولا يزال أزلا وأبدا يقول يا موسى، كما يفهم ذلك من ~~قوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} [سورة الأعراف: 143]، ففهم ~~منه الرد على من يقول من أصحابه أنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتصور أن ms142 ~~يسمع، وإنما يخلق الله الصوت في الهواء، كما قال أبو منصور الماتريدي ~~وغيره. وقوله: الذي هو من صفاته لم يزل رد على من يقول أنه حدث له وصف ~~الكلام بعد أن لم يكن متكلما. # وبالجملة: فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل على أنه كلام متعلق بمشيئته ~~وقدرته، وأنه يتكلم إذا شاء، وأنه يتكلم شيئا بعد شيء، فهو حق يجب قبوله, ~~وما يقوله من يقول: إن كلام الله قائم بذاته، وأنه صفة له, والصفة لا تقوم ~~إلا بالموصوف: فهو حق يجب قبوله والقول به, فيجب الأخذ بما في قول كل من ~~الطائفتين من الصواب، والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما. # فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به, قلنا: هذا القول ~~مجمل، ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى به تعالى من الأئمة؟ ونصوص ~~القرآن والسنة تتضمن ذلك، ونصوص الأئمة أيضا، مع صريح العقل. # ولا شك أن الرسل الذين خاطبوا الناس وأخبروهم أن الله قال ونادى وناجى ~~ويقول، لم يفهموهم أن هذه مخلوقات منفصلة عنه، بل الذي أفهموهم إياه أن ~~الله نفسه هو الذي تكلم، والكلام قائم به لا بغيره، وأنه هو الذي تكلم به ~~وقاله، كما قالت عائشة رضي الله عنها في حديث الإفك: "ولشأني في نفسي كان ~~أحقر PageV01P177 # من أن يتكلم الله في بوحي يتلى"1. ولو كان المراد من ذلك كله خلاف مفهومه ~~لوجب بيانه، إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز, ولا يعرف في لغة ولا ~~عقل قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام وإن زعموا أنهم فروا من ذلك حذرا ~~من التشبيه، فلا يثبتوا صفة غيره، فإنهم إذا قالوا: يعلم لا كعلمنا، قلنا: ~~ويتكلم لا كتكلمنا، وكذلك سائر الصفات, وهل يعقل قادر لا تقوم به القدرة، ~~أو حي لا تقوم به الحياة؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بكلمات الله ~~التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" 2، فهل يقول عاقل: أنه صلى الله عليه ~~وسلم عاذ بمخلوق؟ بل هذا ms143 كقوله: "أعوذ برضاك من سخطك, وأعوذ بمعافاتك من ~~عقوبتك" 3، وكقوله: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"4. وكقوله: ~~"وأعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا" 5, كل هذه من صفات الله تعالى. # وهذه المعاني مبسوطة في مواضعها، وإنما أشير إليها هنا إشارة. # وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد، والتعدد والتكثر والتجزؤ ~~والتبعض حاصل في الدلالات، لا في المدلول. وهذه العبارات مخلوقة، وسميت ~~"كلام الله" لدلالتها عليه وتأديه بها، فإن عبر بالعربية فهو قرآن، وإن عبر ~~بالعبرانية فهو توراة، فاختلفت العبارات لا الكلام. قالوا: وتسمى هذه ~~العبارات كلام الله مجازا! # وهذا الكلام فاسد، فإن لازمه أن معنى قوله: {ولا تقربوا الزنا} [الإسراء: ~~32]، هو معنى قوله: {وأقيموا الصلاة} [البقرة: 43]. ومعنى آية الكرسي هو ~~معنى آية الدين! ومعنى سورة الإخلاص هو معنى {تبت يدا أبي لهب} [المسد: 1]. ~~وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده، وعلم أنه مخالف لكلام السلف. ~~PageV01P178 # والحق: أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام ~~الله تعالى لا يتناهى، فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ولا ~~يزال كذلك. قال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ~~أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} [الكهف: 109]. وقال تعالى: {ولو ~~أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله إن الله عزيز حكيم} [لقمان: 27]. ولو كان ما في المصحف عبارة عن كلام ~~الله، وليس هو كلام الله، لما حرم على الجنب المحدث مسه، ولو كان ما يقرأه ~~القارئ ليس كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث قراءته, بل كلام الله ~~محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن، مكتوب في المصاحف، كما قال أبو حنيفة في ~~الفقه الأكبر, وهو في هذه المواضع كلها حقيقة، وإذا قيل: فيه خط فلان ~~وكتابته, فهم منه معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: فيه مداد قد كتب به. فهم منه ~~معنى صحيح حقيقي، وإذا قيل: المداد في المصحف. كانت الظرفية فيه ms144 غير ~~الظرفية المفهومة من قول القائل: فيه السموات والأرض، وفيه محمد وعيسى، ~~ونحو ذلك. وهذان المعنيان مغايران لمعنى قول القائل: فيه كلام الله. ومن لم ~~يتنبه للفروق بين هذه المعاني ضل ولم يهتد للصواب, وكذلك الفرق بين القراءة ~~التي هي فعل القارئ، والمقروء الذي هو قول الباري، من لم يهتد له فهو ضال ~~أيضا، ولو أن إنسانا وجد في ورقة مكتوبا: ألا كل شيء ما خلا الله باطل من ~~خط كاتب معروف. لقال: هذا من كلام لبيد حقيقة، وهذا خط فلان حقيقة، وهذا كل ~~شيء حقيقة، وهذا خبر حقيقة، ولا تشتبه هذه الحقيقة بالأخرى. # والقرآن في الأصل: مصدر، فتارة يذكر ويراد به القراءة، قال تعالى: {وقرآن ~~الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78]. وقال صلى الله عليه وسلم: ~~"زينوا القرآن بأصواتكم" 1. وتارة يذكر ويراد به المقروء، قال تعالى: {فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98]. وقال تعالى: ~~{وإذا PageV01P179 # قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204]. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" 1. إلى غير ذلك من ~~الآيات والأحاديث الدالة على كل من المعنيين المذكورين, فالحقائق لها وجود ~~عيني وذهني ولفظي ورسمي، ولكن الأعيان تعلم، ثم تذكر، ثم تكتب, فكتابتها في ~~المصحف هي المرتبة الرابعة, وأما الكلام فإنه ليس بينه وبين المصحف واسطة، ~~بل هو الذي يكتب بلا واسطة ولا لسان. # والفرق بين كونه في زبر الأولين، وبين كونه في رق منشور، أو لوح محفوظ، ~~أو في كتاب مكنون واضح. فقوله عن القرآن: {وإنه لفي زبر الأولين} [الشعراء: ~~196]، أي ذكره ووصفه والإخبار عنه، كما أن محمدا مكتوب عندهم. إذ القرآن ~~أنزله الله على محمد، لم ينزله على غيره أصلا، ولهذا قال في الزبر، ولم يقل ~~في الصحف، ولا في الرق؛ لأن "الزبر" جمع "زبور" والزبر هو: الكتابة والجمع، ~~فقوله: {وإنه لفي زبر الأولين} [الشعراء: 196] أي: مزبور الأولين، ففي نفس ~~اللفظ واشتقاقه ما يبين المعنى المراد، ويبين كمال بيان القرآن وخلوصه من ~~اللبس. وهذا ms145 مثل قوله: {الذي يجدونه مكتوبا عندهم} [سورة الأعراف: 156]، ~~أي: ذكره، بخلاف قوله: {في رق منشور} [الطور: 3] و {لوح محفوظ} [البروج: ~~22] و {كتاب مكنون} [الواقعة: 78]؛ لأن العامل في الظرف إما أن يكون من ~~الأفعال العامة، مثل الكون والاستقرار والحصول ونحو ذلك، أو يقدر: مكتوب في ~~كتاب، أو في رق. والكتاب: تارة يذكر ويراد به محل الكتابة، وتارة يذكر ~~ويراد به الكلام المكتوب. ويجب التفريق بين كتابة الكلام في الكتاب، وكتابة ~~الأعيان الموجودة في الخارج فيه, فإن تلك إنما يكتب ذكرها. وكلما تدبر ~~الإنسان هذا المعنى وضح له الفرق. # وحقيقة كلام الله تعالى الخارجية: هي ما يسمع منه أو من المبلغ عنه، فإذا ~~سمعه السامع علمه وحفظه, فكلام الله مسموع له معلوم محفوظ، فإذا قاله ~~السامع PageV01P180 # فهو مقروء له متلو، فإن كتبه فهو مكتوب له مرسوم, وهو حقيقة في هذه ~~الوجوه كلها لا يصح نفيه, والمجاز يصح نفيه، فلا يجوز أن يقال: ليس في ~~المصحف كلام الله، ولا ما قرأ القارئ كلام الله، وقد قال تعالى: {وإن أحد ~~من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6]. وهو لا يسمع ~~كلام الله من الله، وإنما يسمعه من مبلغه عن الله, والآية تدل على فساد قول ~~من قال: إن المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله، فإنه تعالى قال: ~~{حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6]، ولم يقل حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام ~~الله, والأصل الحقيقة, ومن قال: إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام الله، ~~أو حكاية كلام الله، وليس فيها كلام الله, فقد خالف الكتاب والسنة وسلف ~~الأمة، وكفى بذلك ضلالا. # وكلام الطحاوي رحمه الله يرد قول من قال: أنه معنى واحد لا يتصور سماعه ~~منه، وأن المسموع المنزل المقروء والمكتوب ليس كلام الله، وإنما هو عبارة ~~عنه, فإن الطحاوي رحمه الله يقول: كلام الله منه بدا. وكذلك قال غيره من ~~السلف، ويقولون: منه بدا، وإليه يعود. وإنما قالوا: منه بدا. لأن الجهمية ~~من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون: إنه ms146 خلق الكلام في محل، فبدأ الكلام من ~~ذلك المحل. فقال السلف: "منه بدا" أي هو المتكلم به، فمنه بدا، لا من بعض ~~المخلوقات، كما قال تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} [الزمر: ~~1]. {ولكن حق القول مني} [السجدة: 13]. {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} ~~[النحل: 102]. ومعنى قولهم: وإليه يعود. يرفع من الصدور والمصاحف، فلا يبقى ~~في الصدور منه آية ولا في المصاحف, كما جاء ذلك في عدة آثار. # وقوله بلا كيفية: أي: لا تعرف كيفية تكلمه به قولا ليس بالمجاز، وأنزله ~~على رسوله وحيا، أي: أنزله إليه على لسان الملك، فسمعه الملك جبرائيل من ~~الله، وسمعه الرسول صلى الله عليه وسلم من الملك، وقرأ على الناس. قال ~~تعالى: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} [الإسراء: ~~106]. وقال تعالى: {نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، ~~بلسان عربي مبين} [الشعراء: 193 - 195]. وفي ذلك إثبات صفة العلو لله ~~تعالى. # PageV01P181 # وقد أورد على ذلك أن إنزال القرآن نظير إنزال المطر، أو إنزاله الحديد، ~~وإنزال ثمانية أزواج من الأنعام. # والجواب: أن إنزال القرآن فيه مذكور أنه إنزال من الله, قال تعالى: {حم، ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم} [سورة غافر: 2]. وقال تعالى: {تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز الحكيم} [الزمر: 1]. وقال تعالى: {تنزيل من الرحمن ~~الرحيم} [فصلت: 2]. وقال تعالى: {تنزيل من حكيم حميد} [السجدة: 42]. وقال ~~تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل أمر ~~حكيم، أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين} [الدخان: 3 - 5]. وقال تعالى: {فأتوا ~~بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين} [القصص: 49]. وقال ~~تعالى: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق} [الأنعام: ~~114]. وقال تعالى: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} [النحل: 102]. وإنزال ~~المطر مقيد بأنه منزل من السماء. قال تعالى: {أنزلنا من السماء ماء طهورا} ~~[الفرقان: 48]. والسماء: العلو. وقد جاء في مكان آخر أنه منزل من المزن، ~~والمزن: السحاب. وفي مكان آخر أنه منزل من المعصرات. وإنزال ms147 الحديد ~~والأنعام مطلق، فكيف يشبه هذا الإنزال بهذا الإنزال؟! فالحديد إنما يكون من ~~المعادن التي في الجبال، وهي عالية على الأرض، وقد قيل: إنه كلما كان معدنه ~~أعلى كان حديده أجود. والأنعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء ~~من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا يقال: أنزل, ولم يقل: نزل ثم الأجنة ~~تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض. ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها ~~إناثها عند الوطء، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى، وتلقي ولدها عند ~~الولادة من علو إلى سفل. وعلى هذا فيحتمل قوله، {وأنزل لكم من الأنعام} ~~[الزمر: 6] وجهين: أحدهما: أن تكون "من" لبيان الجنس. الثاني: أن تكون "من" ~~لابتداء الغاية, وهذان الوجهان يحتملان في قوله: {جعل لكم من أنفسكم أزواجا ~~ومن الأنعام أزواجا} [الشورى: 11]. # وقوله: وصدقه المؤمنون على ذلك حقا الإشارة إلى ما ذكره من التكلم على # PageV01P182 # الوجه المذكور وإنزاله، أي هذا قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهم ~~السلف الصالح، وأن هذا حق وصدق. # وقوله: وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية, ~~رد على المعتزلة وغيرهم بهذا القول ظاهر, وفي قوله: بالحقيقة رد على من ~~قال: إنه معنى واحد قام بذات الله لم يسمع منه وإنما هو الكلام النفساني؛ ~~لأنه لا يقال لمن قام به الكلام النفساني ولم يتكلم به: أن هذا كلام حقيقة، ~~وإلا للزم أن يكون الأخرس متكلما، ولزم أن لا يكون الذي في المصحف عند ~~الإطلاق هو القرآن ولا كلام الله، ولكن عبارة عنه ليست هي كلام الله، كما ~~لو أشار أخرس إلى شخص بإشارة فهم بها مقصوده، فكتب ذلك الشخص عبارته عن ~~المعنى الذي أوحاه إليه ذلك الأخرس، فالمكتوب هو عبارة ذلك الشخص عن ذلك ~~المعنى, وهذا المثل مطابق غاية المطابقة لما يقولونه، وإن كان الله تعالى ~~لا يسميه أحد "أخرس"، لكن عندهم أن الملك فهم منه معنى قائما بنفسه، لم ~~يسمع منه حرفا ولا صوتا، بل فهم معنى مجردا، ثم عبر عنه، فهو الذي أحدث نظم ~~القرآن ms148 وتأليفه العربي، وأن الله خلق في بعض الأجسام كالهوى الذي هو دون ~~الملك هذه العبارة. # ويقال لمن قال: إنه معنى واحد: هل سمع موسى عليه السلام جميع المعنى أو ~~بعضه؟ فإن قال: سمعه كله، فقد زعم أنه سمع جميع كلام الله! وفساد هذا ظاهر, ~~وإن قال: بعضه، فقد قال: يتبعض. وكذلك كل من كلمه الله أو أنزل إليه شيئا ~~من كلامه. # ولما قال تعالى للملائكة: {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30]. ولما ~~قال لهم: {اسجدوا لآدم}. وأمثال ذلك, هل هذا جميع كلامه أو بعضه؟ فإن قال: ~~إنه جميعه، فهذا مكابرة، وإن قال: بعضه، فقد اعترف بتعدده. # وللناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال: أحدها: أنه ~~يتناول اللفظ والمعنى جميعا، كما يتناول لفظ الإنسان الروح والبدن معا، ~~وهذا قول السلف. الثاني: اسم اللفظ فقط، والمعنى ليس جزء مسماه، بل هو ~~مدلول مسماه، وهذا قول جماعة من المعتزلة وغيرهم. الثالث: أنه اسم "للمعنى" ~~فقط، وإطلاقه على اللفظ مجاز؛ لأنه دال عليه، وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه. # PageV01P183 # الرابع: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، وهذا قول بعض المتأخرين من ~~الكلابية، ولهم قول خامس، يروى عن أبي الحسن، أنه مجاز في كلام الله، حقيقة ~~في كلام الآدميين لأن حروف الآدميين تقوم بهم، فلا يكون الكلام قائما بغير ~~المتكلم، بخلاف كلام الله، فإنه لا يقوم عنده بالله، فيمتنع أن يكون كلامه, ~~وهذا مبسوط في موضعه, وأما من قال إنه معنى واحد، واستدل عليه بقول الأخطل: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا # فاستدلال فاسد, ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين لقالوا هذا خبر واحد! ~~ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به! فكيف وهذا ~~البيت قد قيل إنه موضوع1 منسوب إلى الأخطل، وليس هو في ديوانه؟! وقيل إنما ~~قال: "إن البيان لفي الفؤاد وهذا أقرب إلى الصحة، وعلى تقدير صحته عنه فلا ~~يجوز الاستدلال به، فإن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام، وزعموا أن عيسى ~~عليه السلام نفس ms149 كلمة الله واتحد اللاهوت بالناسوت! أي: شيء من الإله بشيء ~~من الناس! أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام، ~~ويترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب؟! وأيضا: فمعناه غير صحيح، إذ ~~لازمه أن الأخرس يسمى متكلما لقيام الكلام بقلبه وإن لم ينطق به ولم يسمع ~~منه، والكلام على ذلك مبسوط في موضعه، وإنما أشير إليه إشارة. # وهنا معنى عجيب، وهو: أن هذا القول له شبه قوي بقول النصارى القائلين ~~باللاهوت والناسوت! فإنهم يقولون: كلام الله هو المعنى القائم بذات الله ~~الذي لا يمكن سماعه، وأما النظم المسموع فمخلوق، فإفهام المعنى القديم ~~بالنظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى ~~عليه السلام، فانظر إلى هذا الشبه ما أعجبه! # ويرد قول من قال: بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس, قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "إن PageV01P184 # صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس"1. وقال: "إن الله يحدث من ~~أمره ما يشاء، وإنما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة, واتفق العلماء على أن ~~المصلي إذا تكلم في الصلاة" 2, عامدا لغير مصلحتها بطلت صلاته, واتفقوا ~~كلهم على أن ما يقوم بالقلب، من تصديق بأمور دنيوية وطلب, لا يبطل الصلاة، ~~وإنما يبطلها التكلم بذلك, فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام. # وأيضا: ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله ~~تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به" 3, فقد أخبر ~~أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، ~~وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد: حتى ينطق به اللسان، باتفاق ~~العلماء, فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة، لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة ~~العرب. # وأيضا ففي "السنن": أن معاذا رضي الله عنه قال: يا رسول الله، وإنا ~~لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا ~~حصائد ألسنتهم" 4. فبين أن الكلام إنما ms150 هو باللسان, فلفظ القول والكلام وما ~~تصرف منهما، من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل؛ إنما يعرف في القرآن والسنة ~~وسائر كلام العرب إذا كان لفظا ومعنى, ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء ~~أهل البدع، ثم انتشر. # ولا ريب أن مسمى الكلام والقول ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول ~~PageV01P185 # شاعر، فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة، وعرفوا معناه، ~~كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ونحو ذلك. # ولا شك أن من قال: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى وإن المتلو ~~المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق؛ فقد قال ~~بخلق القرآن وهو لا يشعر، فإن الله يقول: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} [الإسراء: 88]. أفتراه سبحانه ~~وتعالى يشير إلى ما في نفسه أو إلى المتلو المسموع؟ ولا شك أن الإشارة إنما ~~هي إلى هذا المتلو المسموع، إذ ما في ذات الله غير مشار إليه، ولا منزل ولا ~~متلو ولا مسموع. # وقوله: {لا يأتون بمثله} أفتراه سبحانه يقول: لا يأتون بمثل ما في نفسي ~~مما لم يسمعوه ولم يعرفوه، وما في نفس الله عز وجل لا حيلة إلى الوصول ~~إليه، ولا إلى الوقوف عليه. # فإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته وهو المتلو المكتوب ~~المسموع، فأما أن يشير إلى ذاته فلا, فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق، بل ~~هم في ذلك أكفر من المعتزلة، فإن حكاية الشيء بمثله وشبهه, وهذا تصريح بأن ~~صفات الله محكية، ولو كانت هذه التلاوة حكاية لكان الناس قد أتوا بمثل كلام ~~الله، فأين عجزهم؟! ويكون التالي -في زعمهم- قد حكى بصوت وحرف ما ليس بصوت ~~وحرف, وليس القرآن إلا سورا مسورة، وآيات مسطرة، في صحف مطهرة. قال تعالى: ~~{فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} [هود: 13]. {بل هو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم وما ms151 يجحد بآياتنا إلا الظالمون} [العنكبوت: 49]. {في صحف ~~مكرمة، مرفوعة مطهرة} [عبس: 13, 14]. ويكتب لمن قرأ بكل حرف عشر حسنات. قال ~~صلى الله عليه وسلم: "أما إني لا أقول "الم" حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، ~~وميم حرف" 1. وهو المحفوظ في صدور الحافظين المسموع من ألسن التالين. قال ~~الشيخ حافظ الدين النسفي رحمه الله في "المنار": إن القرآن اسم للنظم ~~والمعنى, وكذا قال غيره من أهل الأصول, وما ينسب إلى أبي حنيفة رحمه ~~PageV01P186 # الله: أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزأه -فقد رجع عنه- وقال: لا يجوز ~~القراءة مع القدرة بغير العربية. وقالوا: لو قرأ بغير العربية إما أن يكون ~~مجنونا فيداوى، أو زنديقا فيقتل، لأن الله تكلم به بهذه اللغة، والإعجاز ~~حصل بنظمه ومعناه. # وقوله: ومن سمعه وقال إنه كلام البشر فقد كفر, لا شك في تكفير من أنكر أن ~~القرآن كلام الله، بل قال إنه كلام محمد أو غيره من الخلق، ملكا كان أو ~~بشرا. وأما إذا أقر أنه كلام الله، ثم أول وحرف, فقد وافق قول من قال: {إن ~~هذا إلا قول البشر}. في بعض ما به كفر، وأولئك الذين استزلهم الشيطان, ~~وسيأتي الكلام عليه عند قول الشيخ: "ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما ~~لم يستحله" إن شاء الله تعالى. # وقوله: ولا يشبه قول البشر، يعني أنه أشرف وأفصح وأصدق. قال تعالى: {ومن ~~أصدق من الله حديثا} [النساء: 87] وقال تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} [الإسراء: 88]. الآية. وقال ~~تعالى: {قل فأتوا بسورة مثله} [يونس: 38]. فلما عجزوا, وهم فصحاء العرب، مع ~~شدة العداوة عن الإتيان بسورة مثله، تبين صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أنه من عند الله, وإعجازه من جهة نظمه ومعناه، لا من جهة أحدهما فقط. هذا ~~مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج بلسان عربي مبين، أي بلغة العربية. فنفي ~~المشابهة من حيث التكلم، ومن حيث التكلم به، ومن حيث النظم والمعنى، لا من ~~حيث الكلمات والحروف, ms152 وإلى هذا وقعت الإشارة بالحروف المقطعة في أوائل ~~السور، أي أنه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي يخاطبون بها, ألا ترى أنه يأتي ~~بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن؟ كما في قوله تعالى: {الم، ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه} [البقرة: 1, 2]. {الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم، نزل عليك ~~الكتاب بالحق} [1 - 3] الآية. {المص، كتاب أنزل إليك} [الأعراف: 1, 2]، ~~الآية. {الر تلك آيات الكتاب الحكيم} [يونس: 1, 2]. وكذلك الباقي ينبههم أن ~~هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه، بل خاطبكم بلسانكم. # ولكن أهل المقالات الفاسدة يتذرعون بمثل هذا إلى نفي تكلم الله به، وسماع # PageV01P187 # جبرائيل منه، كما يتذرعون بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]، ~~إلى نفي الصفات, وفي الآية ما يرد عليهم قولهم، وهو قوله تعالى: {وهو ~~السميع البصير} [الشورى: 11]. كما في قوله تعالى: {فأتوا بسورة مثله} ~~[يونس: 38] ما يرد على من ينفي الحرف، فإنه قال: {فأتوا بسورة}، ولم يقل ~~فأتوا بحرف، أو بكلمة, وأقصر سورة في القرآن ثلاث آيات, ولهذا قال أبو يوسف ~~ومحمد: إن أدنى ما يجزئ في الصلاة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة؛ لأنه لا ~~يقع الإعجاز بدون ذلك. والله أعلم. # قوله: "ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر، فقد كفر, من أبصر هذا اعتبر, ~~وعن مثل قول الكفار انزجر, علم أنه بصفاته ليس كالبشر". # ش: لما ذكر فيما تقدم أن القرآن كلام الله حقيقة، منه بدا، نبه بعد ذلك ~~على أنه تعالى بصفاته ليس كالبشر، نفيا للتشبيه عقيب الإثبات، يعني أن الله ~~تعالى وإن وصف بأنه متكلم، لكن لا يوصف بمعنى من معاني البشر التي يكون ~~الإنسان بها متكلما، فإن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير, وما أحسن ~~المثل المضروب للمثبت للصفات من غير تشبيه ولا تعطيل باللبن الخالص السائغ ~~للشاربين، يخرج من بين فرث التعطيل ودم التشبيه, والمعطل يعبد عدما، ~~والمشبه يعبد صنما, وسيأتي في كلام الشيخ: ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ~~ولم يصب التنزيه, وكذا قوله: وهو بين التشبيه والتعطيل, أي دين الإسلام، ms153 ~~ولا شك أن التعطيل شر من التشبيه، بما سأذكره إن شاء الله تعالى, وليس ما ~~وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيها، بل صفات الخالق كما يليق ~~به، وصفات المخلوق كما يليق به. # وقوله: فمن أبصر هذا اعتبر. أي من نظر بعين بصيرته فيما قاله من إثبات ~~الوصف ونفي التشبيه ووعيد المشبه اعتبر وانزجر عن مثل قول الكفار. # PageV01P188 ### | رؤية الله تعالى لأهل الجنة والرد على المخالفين # ... # قوله: "والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ~~ربنا: {وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22, 23]. وتفسيره على ~~ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك ~~متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ~~عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم, ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه". # ش: المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية, ~~وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة, وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة ~~والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر ~~طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة. # وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر ~~إليها المشمرون، وتنافس المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن ~~بابه مردودون. # وقد ذكر الشيخ رحمه الله من الأدلة قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة، إلى ~~ربها ناظرة} [القيامة: 22, 23]. وهي من أظهر الأدلة, وأما من أبى إلا ~~تحريفها بما يسميه تأويلا؛ فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب، أسهل ~~من تأويلها على أرباب التأويل, ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن ~~مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص. # وهذا الذي أفسد الدنيا والدين, وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص ~~التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم, وأبى المبطلون إلا سلوك ~~سبيلهم، وكم جنى التأويل ms154 الفاسد على الدين وأهله من جناية, فهل قتل عثمان ~~رضي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد؟ وكذا ما جرى في يوم الجمل، وصفين، ومقتل ~~الحسين، والحرة؟ وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، ~~وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد؟! # وإضافة النظر إلى الوجه، الذي هو محله، في هذه الآية، وتعديته بأداة إلى ~~الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه حقيقة1 موضوعة ~~صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله. ~~PageV01P189 # فإن النظر له عدة استعمالات، بحسب صلاته وتعديه بنفسه؛ فإن عدي بنفسه ~~فمعناه: التوقف والانتظار: {انظرونا نقتبس من نوركم} [الحديد: 13]. وإن عدي ~~ب"في" فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات ~~والأرض} [الأعراف: 185]. وإن عدي ب"إلى" فمعناه: المعاينة بالأبصار، كقوله ~~تعالى: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 99]. فكيف إذا أضيف إلى الوجه ~~الذي هو محل البصر؟ وروى ابن مردويه بسنده إلى ابن عمرو، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم, في قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة}، قال: "من ~~البهاء والحسن", {إلى ربها ناظرة}، قال: "في وجه الله عز وجل"1. عن الحسن ~~قال: نظرت إلى ربها فنضرت بنوره. وقال أبو صالح عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، [{إلى ربها ناظرة} قال: تنظر إلى وجه ربها عز وجل. وقال عكرمة: ~~{وجوه يومئذ ناضرة}، قال: من النعيم، {إلى ربها ناظرة}، قال: تنظر إلى ربها ~~نظرا، ثم حكى عن ابن عباس مثله]. وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث, ~~وقال تعالى: {لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد} [ق: 35]. قال الطبري: قال ~~علي بن أبي طالب وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله عز وجل. وقال تعالى: ~~{للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26]، فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي ~~النظر إلى وجهه الكريم، فسرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة ~~من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب، قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} ms155 [يونس: 26]، قال: "إذا دخل أهل الجنة ~~الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا ~~يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا ~~الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب ~~إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة" 2. ورواه غيره بأسانيد PageV01P190 # متعددة وألفاظ أخر، معناها أن الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل, وكذلك ~~فسرها الصحابة رضي الله عنهم. روى ابن جرير [ذلك] عن جماعة، منهم: أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، رضي الله ~~عنهم. # وقال تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15]. احتج ~~الشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة بهذه الآية على الرؤية لأهل الجنة، ذكر ~~ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي, وقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا ~~الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من ~~الصعيد فيها: ما تقول في قول الله عز وجل: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون}؟ [المطففين: 15] فقال الشافعي: لما أن حجب هؤلاء في السخط، كان ~~في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى. # وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: {لن تراني} [الأعراف: 143]، وبقوله ~~تعالى: {لا تدركه الأبصار} , فالآيتان دليل عليهم: # أما الآية الأولى: فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه: أحدها: أنه ~~لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته, أن يسأل ما لا ~~يجوز عليه، بل هو عندهم من أعظم المحال. الثاني: أن الله لم ينكر عليه ~~سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله، وقال: {إني أعظك أن تكون من ~~الجاهلين} [هود: 46]. الثالث: أنه تعالى قال: {لن تراني}، ولم يقل: إني لا ~~أرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي, والفرق بين الجوابين ظاهر, ألا ترى ~~أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاما فقال: أطعمنيه، فالجواب الصحيح: أنه ~~لا يؤكل، أما إذا كان طعاما صح أن يقال: إنك لن تأكله, وهذا ms156 يدل على أنه ~~سبحانه مرئي، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار، لضعف قوى البشر ~~فيها عن رؤيته تعالى. يوضحه الوجه الرابع, وهو قوله: {ولكن انظر إلى الجبل ~~فإن استقر مكانه فسوف تراني} [الأعراف: 143]. فأعلمه أن الجبل مع قوته ~~وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟ ~~الخامس: أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا، وذلك ممكن، وقد علق ~~به الرؤية، # PageV01P191 # ولو كانت محالا لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام. ~~والكل عندهم سواء. السادس: قوله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} ~~[الأعراف: 143]، فإذا جاز أن يتجلى للجبل، الذي هو جماد لا ثواب له ولا ~~عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته؟ ولكن الله أعلم ~~موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف. السابع: أن ~~الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع ~~مخاطبه كلامه بغير واسطة, فرؤيته أولى بالجواز؛ ولهذا لا يتم إنكار رؤيته ~~إلا بإنكار كلامه، وقد جمعوا بينهما, وأما دعواهم تأييد النفي ب"لن" وأن ~~ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة؛ ففاسد، فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل ~~على دوام النفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت؟ قال تعالى: {ولن يتمنوه أبدا} ~~[البقرة: 95]، مع قوله: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك} [الزخرف: 77] , ~~ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك، ~~قال تعالى: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي} [يوسف: 80] , فثبت أن لن لا ~~تقتضي النفي المؤبد. # قال الشيخ جمال الدين ابن مالك رحمه الله: # ومن رأى النفي بلن مؤبدا ... فقوله اردد وسواه فاعضدا # وأما الآية الثانية: فالاستدلال بها على الرؤية من وجه حسن لطيف، وهو: أن ~~الله تعالى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات ~~الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به، وإنما يمدح الرب تعالى ~~بالنفي إذا تضمن أمرا وجوديا، ms157 كمدحه بنفي السنة والنوم، المتضمن كمال ~~القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء، المتضمن ~~كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير، المتضمن كمال الربوبية ~~والألوهية وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه، ونفي ~~الشفاعة عنده إلا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم، ~~المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه، المتضمن ~~كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل، المتضمن لكمال ذاته وصفاته, ولهذا لم يتمدح ~~بعدم محض لم يتضمن أمرا ثبوتيا، فإن المعدم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ~~ولا يوصف الكامل بأمر # PageV01P192 # يشترك هو والمعدوم فيه، فإن المعنى: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، ~~فقوله: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103]، يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر ~~من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة ~~بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: {فلما تراءى الجمعان قال ~~أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا} [الشعراء: 62]، فلم ينف موسى الرؤية، ~~وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب ~~تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علما، وهذا هو الذي فهمه الصحابة ~~والأئمة من الآية، كما ذكرت أقوالهم في تفسير الآية, بل هذه الشمس المخلوقة ~~لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه. # وأما الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الدالة على الرؤية ~~فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن, فمنها: حديث أبي هريرة: أن ~~ناسا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول ~~الله، قال: "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا، قال: "فإنكم ~~ترونه كذلك" 1، الحديث، أخرجاه في "الصحيحين" بطوله. وحديث أبي سعيد الخدري ~~أيضا في "الصحيحين" نظيره. وحديث جرير بن عبد الله البجلي، قال: كنا جلوسا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة أربع ms158 عشرة، فقال: "إنكم ~~سترون ربكم عيانا، كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته" 2، الحديث أخرجاه في ~~"الصحيحين". وحديث صهيب المتقدم، رواه مسلم وغيره. وحديث أبي موسى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال: "وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ~~ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم تبارك وتعالى إلا ~~رداء الكبرياء على وجهه في جنة PageV01P193 # عدن" 1، أخرجاه في "الصحيحين". ومن حديث عدي بن حاتم: "وليلقين الله ~~أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فيقول: ألم ~~أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ألم أعطك مالا وأفضل ~~عليك؟ فيقول، بلى يا رب" 2. أخرجه البخاري في "صحيحه". # وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا, ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن ~~الرسول قالها، ولولا أني التزمت الاختصار لسقت ما في الباب من الأحاديث. # ومن أراد الوقوف عليها فليواظب سماع الأحاديث النبوية، فإن فيها مع إثبات ~~الرؤية أنه يكلم من شاء إذا شاء، وأنه يأتي لفصل القضاء يوم القيامة، وأنه ~~فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى ~~لعباده، وأنه يضحك، إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية بمنزلة ~~الصواعق, وكيف تعلم أصول دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله؟ وكيف ~~يفسر كتاب الله بغير ما فسره به رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان ~~الله عليهم، الذين نزل القرآن بلغتهم؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من قال ~~في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار"3. وفي رواية: "من قال في القرآن ~~بغير علم فليتبوأ مقعده من النار"4. وسئل أبو بكر رضي الله عنه عن قوله ~~تعالى: {وفاكهة وأبا} [عبس: 31]. ما الأب؟ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض ~~تقلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ PageV01P194 # وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها لله، بل هو تشبيه ~~الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن فيه دليل على علو الله على ms159 ~~خلقه, وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يرى لا في جهة, فليراجع ~~عقله!! فإما أن يكون مكابرا لعقله وفي عقله شيء، وإلا فإذا قال يرى لا أمام ~~الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، رد عليه كل ~~من سمعه بفطرته السليمة. # ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل ~~رؤية بلا مقابلة بغير جهة، وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا ~~لامتناع الرؤية، فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها، ~~لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل ~~الله قوى الآدميين حتى أطاقوا رؤيته, ولهذا لما تجلى الله للجبل: {خر موسى ~~صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: 143]، ~~بأنه لا يراك حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، ولهذا كان البشر يعجزون عن ~~رؤية الملك في صورته، إلا من أيده الله كما أيد نبينا، قال تعالى: {وقالوا ~~لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} [الأنعام: 8]. قال غير ~~واحد من السلف: لا يطيقون أن يروا الملك في صورته، فلو أنزلنا عليهم ملكا ~~لجعلناه في صورة بشر، وحينئذ يشتبه عليهم: هل هو بشر أو ملك؟ ومن تمام نعمة ~~الله علينا أن بعث فينا رسولا منا. # وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ~~ولا خارجه. لكن قول من أثبت موجودا يرى لا في جهة, أقرب إلى العقل من قول ~~من أثبت موجودا قائما بنفسه لا يرى ولا في جهة. # ويقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها وهو الجهة: أتريد بالجهة أمرا ~~وجوديا؟ أو أمرا عدميا؟ فإن أراد بها أمرا وجوديا كان التقرير: كل ما ليس ~~في شيء موجود لا يرى، وهذه المقدمة ممنوعة، ولا دليل على إثباتها، بل هي ~~باطلة، فإن سطح العالم يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر. وإن أردت ~~بالجهة أمرا عدميا، فالمقدمة الثانية ms160 ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا ~~الاعتبار. # وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة، وإنما يتلقاه ~~من # PageV01P195 # قول فلان؟! وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب الله من ~~أحاديث الرسول، ولا ينظر فيها، ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان، المنقول إلينا عن الثقات النقلة، الذين تخيرهم النقاد، فإنهم لم ~~ينقلوا نظم القرآن وحده، بل نقلوا نظمه ومعناه، ولا كانوا يتعلمون القرآن ~~كما يتعلم الصبيان، بل يتعلمونه بمعانيه. ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم ~~برأيه، ومن يتكلم برأيه وما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو ~~مأثوم وإن أصاب، ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ، لكن إن أصاب ~~يضاعف أجره. # وقوله: والرؤية حق لأهل الجنة، تخصيص أهل الجنة بالذكر، يفهم منه نفي ~~الرؤية عن غيرهم, ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في ~~المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم1. ويدل عليه قوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} [الأحزاب: ~~44]. واختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يراه إلا ~~المؤمنون. الثاني: يراه أهل الموقف، مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار ~~ولا يرونه بعد ذلك. الثالث: يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار. ~~وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف. # واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه، ولم يتنازعوا في ذلك ~~إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة: منهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من ~~أثبتها له صلى الله عليه وسلم, وحكى القاضي عياض في كتابه الشفا اختلاف ~~الصحابة ومن بعدهم في رؤيته صلى الله عليه وسلم، وإنكار عائشة رضي الله ~~عنها أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه، وأنها قالت لمسروق حين ~~سألها: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن ~~محمدا رأى ربه فقد كذب2. ms161 ثم قال: وقال جماعة بقول عائشة رضي الله عنها، وهو ~~المشهور عن ابن مسعود وأبي هريرة واختلف عنه، وقال بإنكار هذا وامتناع ~~رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. وعن ابن ~~PageV01P196 # عباس رضي الله عنهما: أنه صلى الله عليه وسلم رآه بعينه1، وروى عطاء عنه: ~~أنه رآه بقلبه, ثم ذكر أقوالا وفوائد، ثم قال: وأما وجوبه لنبينا صلى الله ~~عليه وسلم والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع ولا نص، والمعول فيه على ~~آيتي النجم، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن، وهذا القول الذي ~~قاله القاضي عياض رحمه الله هو الحق، فإن الرؤية في الدنيا ممكنة، إذ لو لم ~~تكن ممكنة، لما سألها موسى عليه السلام، لكن لم يرد نص بأنه صلى الله عليه ~~وسلم رأى ربه بعين رأسه، بل ورد ما يدل على نفي الرؤية، وهو ما رواه مسلم ~~في صحيحه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" 2. وفي رواية: "رأيت نورا". وقد روى ~~مسلم أيضا عن أبي موس الأشعري رضي الله عنه أنه قال: قام فينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ~~ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار ~~قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية: النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ~~ما انتهى إليه بصره من خلقه" 3. فيكون -والله أعلم- معنى قوله لأبي ذر: ~~"رأيت نورا": أنه رأى الحجاب، ومعنى قوله: "نور أنى أراه". النور الذي هو ~~الحجاب يمنع من رؤيته، فأنى أراه؟ أي فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه ~~يمنعني من رؤيته؟ فهذا صريح في نفي الرؤية. والله أعلم. # وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك، ونحن إلى تقرير رؤيته ~~لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته4 لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب تعالى ~~أعظم وأعلى، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبتة. # وقوله: بغير ms162 إحاطة ولا كيفية, هذا لكمال عظمته وبهائه، سبحانه وتعالى، لا ~~تدركه الأبصار ولا تحيط به، كما يعلم ولا يحاط به علما, قال تعالى: {لا ~~تدركه الأبصار} [الأنعام: 103]. وقال تعالى: {ولا يحيطون به علما} [طه: ~~110]. PageV01P197 ### | تأويل المعتزلة نصوص الكتاب والسنة تحريف للكلام عن موضعه # وقوله: وتفسيره على ما أراد الله وعلمه، إلى أن قال: لا ندخل في ذلك ~~متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا. أي كما فعلت المعتزلة بنصوص الكتاب ~~والسنة في الرؤية، وذلك تحريف لكلام الله وكلام رسوله عن مواضعه, فالتأويل ~~الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة، والفاسد المخالف له, فكل تأويل لم ~~يدل عليه دليل من السياق، ولا معه قرينة تقتضيه، فإن هذا لا يقصده المبين ~~الهادي بكلامه، إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف ~~لظاهره، حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ، فإن الله أنزل كلامه بيانا ~~وهدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره، ولم يحف به قرائن تدل على المعنى الذي ~~يتبادر غيره إلى فهم كل أحد، لم يكن بيانا ولا هدى, فالتأويل إخبار بمراد ~~المتكلم، لا إنشاء. # وفي هذا الموضع يغلط كثير من الناس، فإن المقصود فهم مراد المتكلم ~~بكلامه، فإذا قيل: معنى اللفظ كذا وكذا، كان إخبارا بالذي عنى المتكلم، فإن ~~لم يكن الخبر مطابقا كان كذبا على المتكلم، ويعرف مراد المتكلم بطرق ~~متعددة: منها: أن يصرح بإرادة ذلك المعنى, ومنها: أن يستعمل اللفظ الذي له ~~معنى ظاهر بالوضع، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى، ~~فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له، كقوله: ~~{وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 163]. و "إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون ~~الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب" 1. فهذا مما يقطع به السامع له بمراد ~~المتكلم، فإذا أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع ~~القرائن المؤكدة، كان صادقا في إخباره, وأما إذا تأول الكلام بما لا يدل ~~عليه ولا اقترن به ما يدل ms163 عليه، فإخباره بأن هذا مراده كذب عليه، وهو تأويل ~~بالرأي، وتوهم بالهوى. PageV01P198 # وحقيقة الأمر أن قول القائل: نحمله على كذا، أو: نتأوله بكذا، إنما هو من ~~باب دفع دلالة اللفظ عما وضع له، فإن منازعه لما احتج عليه به ولم يمكنه ~~دفع وروده، دفع معناه، وقال: أحمله على خلاف ظاهره. # فإن قيل: بل للحمل معنى آخر، لم تذكروه، وهو: أن اللفظ لما استحال أن ~~يراد به حقيقته وظاهره، ولا يمكن تعطيله، استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره ~~على أن مجازه هو المراد، فحملناه عليه دلالة لا ابتداء. # قيل: فهذا المعنى هو الإخبار عن المتكلم أنه أراده، وهو إما صدق وإما ~~كذب، كما تقدم، ومن الممتنع أن يريد خلاف حقيقته وظاهره ولا يبين للسامع ~~المعنى الذي أراده، بل يعرف بكلامه ما يؤكد إرادة الحقيقة، ونحن لا نمنع أن ~~المتكلم قد يريد بكلامه خلاف ظاهره، إذا قصد التعمية على السامع حيث يسوغ ~~ذلك، ولكن المنكر أن يريد بكلامه خلاف حقيقته وظاهره إذا قصد البيان ~~والإيضاح وإفهام مراده! كيف والمتكلم يؤكد كلامه بما ينفي المجاز، ويكرره ~~غير مرة، ويضرب له الأمثال. # وقوله: فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه ~~وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه. أي: سلم لنصوص الكتاب والسنة، ولم ~~يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة، أو بقوله: العقل يشهد بضد ~~ما دل عليه النقل! والعقل أصل النقل!! فإذا عارضه قدمنا العقل!! وهذا لا ~~يكون قط, لكن إذا جاء ما يوهم مثل ذلك, فإن كان النقل صحيحا فذلك الذي يدعى ~~أنه معقول إنما هو مجهول، ولو حقق النظر لظهر ذلك, وإن كان النقل غير صحيح ~~فلا يصلح للمعارضة، فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبدا. ويعارض ~~كلام من يقول ذلك بنظيره، فيقال: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل، ~~لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع النقيضين، وتقديم ~~العقل ممتنع؛ لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ms164 ما أخبر به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، ولو ~~أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضا للنقل؛ لأن ما ليس بدليل لا ~~يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجبا عدم تقديمه، فلا يجوز ~~تقديمه, وهذا بين # PageV01P199 # واضح، فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته، وأن خبره مطابق لمخبره، ~~فإن جاز أن تكون الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلا ~~صحيحا، وإذا لم يكن دليلا صحيحا لم يجز أن يتبع بحال، فضلا عن أن يقدم، ~~فصار تقديم العقل على النقل قدحا في العقل. # فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم، والانقياد لأمره، وتلقي ~~خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولا، أو نحمله ~~شبهة أو شكا، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم ~~والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحد المرسل بالعبادة والخصوع والذل ~~والإنابة والتوكل. # فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل، ~~وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحكم غيره، ولا نوقف ~~تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ~~ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم ~~وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرفه عن مواضعه، وسمى تحريفه تأويلا وحملا، ~~فقال: نؤوله ونحمله. فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب -ما خلا الإشراك بالله- ~~خير له من أن يلقاه بهذه الحال. بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه ~~سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل يسوغ أن يؤخر قبوله والعمل به ~~حتى يعرضه على رأي فلان وكلامه ومذهبه؟! بل كان الفرض المبادرة إلى ~~امتثاله، من غير التفات إلى سواه، ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان، بل ~~يستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل نهدر الأقيسة، ونتلقى نصوصه، ~~ولا نحرف كلامه عن حقيقته، لخيال يسميه أصحابه معقولا، نعم هو مجهول، وعن ms165 ~~الصواب معزول! ولا يوفق قبول قوله على موافقة فلان دون فلان، كائنا من كان. # قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، ~~عن أبيه، عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم، ~~أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس ~~عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة، إذ ذكروا آية من ~~القرآن، فتماروا فيها، حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مغضبا، قد احمر # PageV01P200 # وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: "مهلا يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، ~~باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب ~~بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه ~~فردوه إلى عالمه" 1. # ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم، قال تعالى: {قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33]. وقال ~~تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36]. فعلى العبد أن يجعل ما ~~بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، فيصدق بأنه حق ~~وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس يعرضه عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن ~~خالفه فهو باطل، وإن لم يعلم: هل خالفه أو وافقه, يكون ذلك الكلام مجملا لا ~~يعرف مراد صاحبه، أو قد عرف مراده لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو ~~بتكذيبه فإنه يمسك عنه، ولا يتكلم إلا بعلم، والعلم ما قام عليه الدليل، ~~والنافع منه ما جاء به الرسول، وقد يكون علم من غير الرسول، لكن في الأمور ~~الدنيوية، مثل الطب والحساب والفلاحة، وأما الأمور الإلهية والمعارف ~~الدينية، فهذه العلم فيها ما أخذ عن الرسول لا غير. # قوله: "ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ms166 ظهر التسليم والاستسلام". # ش: هذا من باب الاستعارة، إذ القدم الحسي لا تثبت إلا على ظهر شيء. أي لا ~~يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين، وينقاد إليها، ولا يعترض عليها ولا ~~يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه. روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري ~~رحمه الله أنه قال: من الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. ~~وهذا كلام جامع نافع. # وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو: أن العقل مع النقل كالعامي ~~PageV01P201 # المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير، فإن العامي يمكنه أن ~~يصير عالما، ولا يمكن العالم أن يصير نبيا رسولا، فإذا عرف العامي المقلد ~~عالما، فدل عليه عاميا آخر, ثم اختلف المفتي والدال، فإن المستفتي يجب عليه ~~قبول قول المفتي، دون الدال، فلو قال الدال: الصواب معي دون المفتي؛ لأني ~~أنا الأصل في علمك بأنك مفت، فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي ~~به عرف أنه مفت، فلزم القدح في فرعه! فيقول له المستفتي: أنت لما شهدت له ~~بأنه مفت، ودللت عليه، شهدت له بوجوب تقليده دونك، فموافقتي لك في هذا ~~العلم المعين، لا تستلزم موافقتك في كل مسألة، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي ~~الذي هو أعلم منك، لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت، هذا مع علمه أن ذلك ~~المفتي قد يخطئ. # والعاقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله تعالى، لا يجوز عليه ~~الخطأ، فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره، وقد علمنا بالاضطرار من دين ~~الإسلام أن الرجل لو قال للرسول: هذا القرآن الذي تلقيه علينا، والحكمة ~~التي جئتنا بها، قد تضمن كل منهما أشياء كثيرة تناقض ما علمناه بعقولنا، ~~ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا، فلو قبلنا جميع ما تقوله مع أن عقولنا تناقض ~~ذلك لكان قدحا في ما علمنا به صدقك، فنحن نعتقد موجب العقول الناقضة لما ~~ظهر من كلامك، وكلامك نعرض عنه، لا نتلقى منه هديا ولا علما، لم يكن مثل ~~هذا الرجل مؤمنا بما جاء به الرسول، ms167 ولم يرض منه الرسول بهذا، بل يعلم أن ~~هذا لو ساغ لأمكن كل أحد أن يؤمن بشيء مما جاء به الرسول، إذ العقول ~~متفاوتة، والشبهات كثيرة، والشياطين لا تزال تلقي الوسواس في النفوس، فيمكن ~~كل أحد أن يقول مثل هذا في كل ما أخبر به الرسول وما أمر به!! وقد قال ~~تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ} [النور: 54]. وقال: {فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين} [النحل: 35]. وقال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} [إبراهيم: 4]. {قد جاءكم ~~من الله نور وكتاب مبين} [المائدة: 15]. {حم، والكتاب المبين} [الدخان: 1, ~~2]. {تلك آيات الكتاب المبين} [يوسف: 2]. {ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق ~~الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [يوسف: 111]. {ونزلنا ~~عليك # PageV01P202 # الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} [النحل: 89]. ونظائر ~~ذلك كثيرة في القرآن, فأمر الإيمان بالله واليوم الآخر؛ إما أن يكون الرسول ~~تكلم فيه بما يدل على الحق أم لا؟ الثاني باطل، وإن كان قد تكلم [بما يدل] ~~على الحق بألفاظ مجملة محتملة، فما بلغ البلاغ المبين، وقد شهد له خير ~~القرون بالبلاغ، وأشهد الله عليهم في الموقف الأعظم، فمن يدعي أنه في أصول ~~الدين لم يبلغ البلاغ المبين، فقد افترى عليه صلى الله عليه وسلم. # قوله: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه ~~عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان". # ش: هذا تقرير للكلام الأول، وزيادة تحذير أن يتكلم في أصول الدين, بل وفي ~~غيرها, بغير علم. وقال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} [الإسراء: 36]. وقال تعالى: {ومن الناس ~~من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد، كتب عليه أنه من تولاه ~~فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير} [الحج: 3, 4]. وقال تعالى: {ومن الناس ~~من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثاني عطفه ليضل عن ms168 سبيل ~~الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق} [الحج 8, 9]. وقال ~~تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين} [القصص: 50]. وقال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ~~ولقد جاءهم من ربهم الهدى} [النجم: 23]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ~~هذا المعنى. # وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" , ثم تلا: {ما ضربوه ~~لك إلا جدلا} 1 [الزخرف: 58]. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وعن عائشة رضي ~~الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أبغض الرجال إلى ~~الله الألد الخصم". خرجاه في "الصحيحين". PageV01P203 # ولا شك أن من لم يسلم للرسول نقص توحيده، فإنه يقول برأيه وهواه، ويقلد ~~ذا رأي وهوى بغير هدى من الله، فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جاء به ~~الرسول، فإنه قد اتخذه في ذلك إلها غير الله. قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه} [الفرقان: 43]. أي: عبد ما تهواه نفسه. وإنما دخل الفساد في ~~العالم من ثلاث فرق، كما قال عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه: # رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها # وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها # وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها # فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة، ويعارضونها بها، ~~ويقدمونها على حكم الله ورسوله. وأحبار السوء، وهم العلماء الخارجون عن ~~الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة، المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله، ~~وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، ~~وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك. والرهبان وهم جهال المتصوفة، المعترضون على ~~حقائق الإيمان والشرع، بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة ~~الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان ~~وحظوظ النفس. فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة ms169 والشرع قدمنا السياسة! وقال ~~الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل! وقال أصحاب الذوق إذا تعارض ~~الذوق والكشف، وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف. # ومن كلام أبي حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الذي سماه إحياء علوم ~~الدين وهو من أجل كتبه، أو أجلها: "فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم ~~النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه؟ فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا في ~~أطراف. فمن قائل: إنه بدعة وحرام، وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى ~~الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام. ومن قائل: إنه فرض، إما على الكفاية، ~~وإما على الأعيان، وإنه أفضل الأعمال وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم ~~التوحيد ونضال # PageV01P204 # عن دين الله. قال: وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان ~~وجميع أئمة الحديث من السلف وساق الألفاظ عن هؤلاء. قال: وقد اتفق أهل ~~الحديث من السلف على هذا. لا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، قالوا: ~~ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم ~~إلا لما يتولد منه من الشر. وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: "هلك المتنطعون" ~~1. أي المتعمقون في البحث والاستقصاء. واحتجوا أيضا بأن ذلك لو كان من ~~الدين لكان أهم ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلم طريقه ويثني ~~على أربابه. ثم ذكر بقية استدلالهم، ثم ذكر استدلال الفريق الآخر. إلى أن ~~قال: فإن قلت: فما المختار عندك؟ فأجاب بالتفصيل، فقال: فيه منفعة، وفيه ~~مضرة: فهو في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب، كما يقتضيه الحال. وهو ~~باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام. قال: فأما مضرته، فإثارة ~~الشبهات، وتحريف العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل ~~بالابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص. فهذا ضرره في ~~اعتقاد الحق، وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة، وتثبيتها في صدورهم، بحيث ~~تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب ~~الذي يثور من الجدل. قال: ms170 وأما منفعته، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ~~ومعرفتها على ما هي عليه وهيئتها، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ~~ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف. قال: وهذا إذا سمعته من ~~محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر ~~الكلام، ثم قاله بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة ~~المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر سوى نوع الكلام، وتحقق أن ~~الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود. ولعمري لا ينفك الكلام عن ~~كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور. انتهى ما نقلته عن ~~الغزالي رحمه الله. # وكلام مثله في ذلك حجة بالغة، والسلف لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحا ~~PageV01P205 # جديدا على معان صحيحة، كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة، ولا كرهوا ~~أيضا الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمور ~~كاذبة مخالفة للحق, ومن ذلك: مخالفتها للكتاب والسنة وما فيه من علوم ~~صحيحة، فقد وعروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة ~~نفعها، فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى. ~~وأحسن ما عندهم فهو في القرآن أصح تقريرا، وأحسن تفسيرا، فليس عندهم إلا ~~التكلف والتطويل والتعقيد. كما قيل: # لولا التنافس في الدنيا لما وضعت ... كتب التناظر لا المغني ولا العمد # يحللون بزعم منهم عقدا ... وبالذي وضعوه زادت العقد # فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه، الشبه والشكوك، والفاضل الذي يعلم ~~أن الشبه والشكوك زادت بذلك. # ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام ~~رسوله، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين. بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ~~ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقله، ويعرف برهانه ودليله العقلي والخبري ~~السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه ~~متشابهة مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا ~~بها ما يوافق خبر الرسول قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه ms171 رد. وهذا مثل لفظ ~~المركب والجسم والتحيز والجوهر والجهة والحيز والعرض، ونحو ذلك. فإن هذه ~~الألفاظ لم تأت في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل الاصطلاح، بل ولا ~~في اللغة، بل هم يخصون بالتعبير بها عن معان لم يعبر غيرهم عنها بها، فتفسر ~~تلك المعاني بعبارات أخر، وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية ~~والسمعية، وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل. # مثال ذلك، في التركيب. فقد صار له معان: أحدها. التركيب من متباينين ~~فأكثر. ويسمى: تركيب مزج، كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع والأعضاء ونحو ~~ذلك، وهذا المعنى منفي عن الله سبحانه وتعالى، ولا يلزم من وصف الله تعالى ~~بالعلو نحوه من صفات الكمال، أن يكون مركبا بهذا المعنى المذكور. # PageV01P206 # والثاني: تركيب الجوار، كمصراعي الباب ونحو ذلك، ولا يلزم أيضا من ثبوت ~~صفاته تعالى إثبات هذا التركيب. الثالث: التركيب من الأجزاء المتماثلة، ~~وتسمى: الجواهر المفردة. الرابع: التركيب من الهيولى والصورة، كالخاتم ~~مثلا، هيولاه: الفضة، وصورته معروفة. وأهل الكلام قالوا: إن الجسم يكون ~~مركبا من الجواهر المفردة، ولهم كلام في ذلك يطول، ولا فائدة فيه، وهو أنه: ~~هل يمكن التركيب من جزئين، أو من أربعة، أو ستة، أو ثمانية، أو ستة عشر؟ ~~وليس هذا التركيب لازما لثبوت صفاته تعالى وعلوه على خلقه. والحق أن الجسم ~~غير مركب من هذه الأشياء، وإنما قولهم مجرد دعوى، وهذا مبسوط في موضعه. ~~الخامس: التركيب من الذات والصفات، هم سموه تركيبا لينفوا به صفات الرب ~~تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة، ولا في استعمال الشارع، فلسنا ~~نوافقهم على هذه التسمة ولا كرامة. ولئن سموا إثبات الصفات تركيبا؛ فنقول ~~لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، ولا يترتب على التسمية بدون ~~المعنى حكم! فلو اصطلح على تسمية اللبن خمرا، لم يحرم بهذه التسمية. ~~السادس: التركيب من الماهية ووجودها، وهذا يفرضه الذهن أنهما غيران، وأما ~~في الخارج، هل يمكن ذات مجردة عن وجودها، ووجودها مجرد عنها؟ هذا محال. ~~فترى أهل الكلام يقولون: هل ms172 ذات الرب وجوده أم غير وجوده؟ ولهم في ذلك خبط ~~كثير. وأمثلهم طريقة رأي الوقف والشك في ذلك. وكم يزول بالاستفسار والتفصيل ~~كثير من الأضاليل والأباطيل. # وسبب الإضلال الإعراض عن تدبر كلام الله وكلام رسوله، والاشتغال بكلام ~~اليونان والآراء المختلفة, وإنما سمي هؤلاء: أهل الكلام، لأنهم لم يفيدوا ~~علما لم يكن معروفا، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد، وهو ما يضربونه من ~~القياس لإيضاح ما علم بالحس، وإن كان هذا القياس وأمثاله ينتفع به في موضع ~~آخر، ومع من ينكر الحس, وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أو ~~عارض النص بالمعقول, فقد ضاهى إبليس، حيث لم يسلم لأمر ربه، بل قال: {أنا ~~خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12]. وقال تعالى: {من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا} [النساء: 80]. ~~وقال # PageV01P207 # تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ~~والله غفور رحيم} [آل عمران: 31]. وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما} [النساء: 65]. أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ~~ويرضوا بحكمه ويسلموا تسليما. # قوله: "فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار ~~والإنكار، موسوسا تائها، شكا، لا مؤمنا مصدقا، ولا جاحدا مكذبا". # ش: يتذبذب: يضطرب ويتردد, وهذه الحالة التي وصفها الشيخ رحمه الله حال كل ~~من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه ~~وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء ~~المختلفة، فيؤول أمره إلى الحيرة والضلال والشك، كما قال ابن رشد الحفيد، ~~وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم، في كتابه تهافت التهافت: ومن ~~الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به؟ وكذلك الآمدي، أفضل أهل زمانه، واقف في ~~المسائل الكبار حائر, وكذلك الغزالي رحمه الله، انتهى آخر أمره إلى الوقف ~~والحيرة في المسائل الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على ms173 أحاديث ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، فمات و [صحيح الإمام] البخاري على صدره. وكذلك ~~أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، قال في كتابه الذي صنفه: [أقسام] اللذات: # نهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا # فكم قد رأينا من رجال ودولة ... فبادوا جميعا مسرعين وزالوا # وكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فزالوا والجبال جبال # لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ~~ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: {الرحمن ~~على العرش استوى} [طه: 5]. {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10]. وأقرأ في # PageV01P208 # النفي: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] {ولا يحيطون به علما} [طه: 110]. ثم ~~قال: "ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي". # وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، أنه لم يجد ~~عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال: # لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم # وكذلك قال أبو المعالي الجويني: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت ~~أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به. وقال عند موته: لقد خضت البحر ~~الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم ~~يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، ~~أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور. وكذلك قال شمس الدين الخسروشاهي، وكان من ~~أجل تلامذة فخر الدين الرازي، لبعض الفضلاء، وقد دخل عليه يوما، فقال: ما ~~تعتقده؟ قال: ما يعتقده المسلمون، فقال: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ ~~أو كما قال، فقال: نعم، فقال: أشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما ~~أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى ~~أخضل لحيته. ولابن أبي الحديد. الفاضل ms174 المشهور بالعراق: # فيك يا أغلوطة الفكر ... حار أمري وانقضى عمري # سافرت فيك العقول فما ... ربحت إلا أذى السفر # فلحى الله الأولى زعموا ... أنك المعروف بالنظر # كذبوا إن الذي ذكروا ... خارج عن قوة البشر # وقال الخوفجي عند موته: ما عرفت مما حصلته شيئا سوى أن الممكن يفتقر إلى ~~المرجح، ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئا. وقال آخر: أضطجع ~~على فراشي وأضع اللحفة على وجهي، وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع ~~الفجر، ولم يترجح عندي منها شيء. # ومن يصل إلى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق، كما ~~قال أبو يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ~~ومن # PageV01P209 # طلب غريب الحديث كذب. وقال الشافعي رحمه الله: حكمي في أهل الكلام أن ~~يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء ~~من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وقال: لقد اطلعت من أهل الكلام على ~~شيء ما ظننت مسلما يقوله، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه -ما خلا ~~الشرك بالله- خير له من أن يبتلى بالكلام. انتهى. # وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز، فيقر بما أقروا به ~~ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك، التي كان يقطع بها، ثم تبين له ~~فسادها، أو لم يتبين له صحتها، فيكونون في نهاياتهم -إذا سلموا من العذاب- ~~بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب. # والدواء النافع لمثل هذا المرض، ما كان طبيب القلوب صلوات الله وسلامه ~~عليه يقوله إذا قام من الليل يفتتح الصلاة: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل ~~وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك ~~فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من ~~تشاء إلى صراط مستقيم" 1. خرجه مسلم. توجه صلى الله عليه وسلم إلى ربه ~~بربوبية جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، ~~إذ حياة القلب بالهداية. وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الثلاثة بالحياة: ~~فجبرائيل ms175 موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو ~~سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب ~~حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها. فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية ~~هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير عظيم في حصول المطلوب. ~~والله المستعان. # قوله: "ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم، ~~أو تأولها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية -وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية- ~~بترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي ~~والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه". PageV01P210 # ش: يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على المعتزلة ومن يقول بقولهم في نفي ~~الرؤية، وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته, فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر" 1، الحديث: أدخل كاف ~~التشبيه على ما المصدرية [أو] الموصولة بترون التي تتأول مع صلتها إلى ~~المصدر الذي هو الرؤية، فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي. وهذا بين ~~واضح في أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها، ودفع الاحتمالات عنها. وماذا بعد ~~هذا البيان وهذا الإيضاح؟! فإذا سلط التأويل على مثل هذا النص، كيف يستدل ~~بنص من النصوص؟! وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه: إنكم تعلمون ربكم كما ~~تعلمون القمر ليلة البدر؟! ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى: {ألم ~~تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} [الفيل: 1]. ونحو ذلك مما استعمل فيه رأى ~~التي من أفعال القلوب!! ولا شك أن ترى تارة تكون بصرية، وتارة تكون قلبية، ~~وتارة تكون من رؤيا الحلم، وغير ذلك، ولكن ما يخلو الكلام من قرينة تخلص ~~أحد معانيه من الباقي, وإلا لو أخلى المتكلم كلامه من القرينة المخلصة لأحد ~~المعاني لكان مجملا ملغزا، لا مبينا موضحا. وأي بيان وقرينة فوق قوله: ~~"ترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب؟ " , فهل مثل هذا مما ~~يتعلق برؤية البصر، أو برؤية القلب؟ وهل يخفى مثل هذا إلا على من أعمى الله ~~قلبه؟ # فإن قالوا: ms176 ألجأنا إلى هذا التأويل، حكم العقل بأن رؤيته تعالى محال لا ~~يتصور إمكانها! # فالجواب: أن هذه دعوى منكم، خالفكم فيها أكثر العقلاء، وليس في العقل ما ~~يحيلها، بل لو عرض على العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن هذا ~~محال. # وقوله: "لمن اعتبرها منهم بوهم"، أي توهم أن الله تعالى يرى على صفة كذا، ~~فيتوهم تشبيها، ثم بعد هذا التوهم -إن أثبت ما توهمه من الوصف- فهو مشبه، ~~وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهم, فهو جاحد معطل, بل PageV01P211 # الواجب دفع ذلك الوهم وحده، ولا يعم بنفيه الحق والباطل، فينفيهما ردا ~~على من أثبت الباطل، بل الواجب رد الباطل وإثبات الحق. # وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله بقوله: ومن لم يتوق النفي ~~والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه فإن هؤلاء المعتزلة يزعمون أنهم ينزهون الله ~~بهذا النفي! وهل يكون التنزيه بنفي صفة الكمال؟ فإن نفي الرؤية ليس بصفة ~~كمال، إذ المعدوم لا يرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي ~~له إدراك إحاطة، كما في العلم، فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال ~~في إثبات العلم ونفي الإحاطة به علما. فهو سبحانه لا يحاط به رؤية، كما لا ~~يحاط به علما. # وقوله: "أو تأولها بفهم" أي ادعى أنه فهم لها تأويلا يخالف ظاهرها، وما ~~يفهمه كل عربي من معناها، فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل: ~~أنه صرف اللفظ عن ظاهره، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص، وقالوا: نحن ~~نتأول ما يخالف قولنا، فسموا التحريف: تأويلا، تزيينا له وزخرفة ليقبل، وقد ~~ذم الله الذين زخرفوا الباطل، قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين ~~الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} [الأنعام: 112]. والعبرة ~~للمعاني لا للألفاظ, فكم من باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف عورض به دليل ~~الحق. وكلامه هنا نظير قوله فيما تقدم: لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ~~ولا متوهمين بأهوائنا. ثم أكد هذا المعنى بقوله: إذا كان تأويل الرؤية, ~~وتأويل كل ms177 معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين ~~المسلمين. ومراده ترك التأويل [الذي] يسمونه تأويلا، وهو تحريف, ولكن الشيخ ~~رحمه الله تأدب وجادل بالتي هي أحسن، كما أمر الله تعالى بقوله: {وجادلهم ~~بالتي هي أحسن} [النحل: 125]. وليس مراده ترك كل ما يسمى تأويلا، ولا ترك ~~شيئا من الظواهر لبعض الناس لدليل راجح من الكتاب والسنة, وإنما مراده ترك ~~التأويلات الفاسدة المبتدعة، المخالفة لمذهب السلف، التي يدل الكتاب والسنة ~~على فسادها، وترك القول على الله بلا علم. # فمن التأويلات الفاسدة، تأويل أدلة الرؤية، وأدلة العلو، وأنه لم يكلم ~~موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا! ثم قد صار لفظ "التأويل" مستعملا في ~~غير معناه الأصلي. # PageV01P212 ### | معنى التأويل في كلام السنة # فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام, ~~فتأويل الخبر: هو عن المخبر به، وتأويل الأمر: نفس الفعل المأمور به. كما ~~قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~ركوعه: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن1. وقال ~~تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 53]. ومنه تأويل الرؤيا، وتأويل العمل، ~~كقوله: {هذا تأويل رؤياي من قبل} [يوسف: 100]. وقوله: {ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث} [يوسف: 6]. وقوله: {ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59]. وقوله: ~~{سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا} [الكهف: 82]، إلى قوله: {ذلك تأويل ~~ما لم تسطع عليه صبرا} [الكهف: 82]، فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل، والعلم ~~بما تعلق بالأمر والنهي منه؟ وأما ما كان خبرا، كالإخبار عن الله واليوم ~~الآخر، فهذا قد لا يعلم تأويله، الذي هو حقيقته، إذ كانت لا تعلم بمجرد ~~الإخبار، فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبر به، أو ما يعرفه قبل ذلك, لم ~~يعرف حقيقته، التي هي تأويله، بمجرد الإخبار, وهذا هو التأويل الذي لا ~~يعلمه إلا الله. لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي ~~قصد المخاطب ms178 إفهام المخاطب إياه، فما في القرآن آية إلا وقد أمر الله ~~بتدبرها، وما أنزل آية إلا وهو يحب أن يعلم ما عنى بها، وإن كان من تأويله ~~ما لا يعلمه إلا الله, فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف، ~~وسواء كان هذا التأويل موافقا للظاهر أو مخالفا له. # والتأويل في كلام كثير من المفسرين، كابن جرير ونحوه، يريدون به تفسير ~~الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو خالف، وهذا اصطلاح معروف, وهذا ~~التأويل كالتفسير، يحمد حقه، ويرد باطله, وقوله تعالى: {وما يعلم تأويله ~~إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: 7]، الآية فيها قراءتان. قراءة من ~~يقف PageV01P213 # على قوله "إلا الله"، وقراءة من لا يقف عندها، وكلتا القراءتين حق, ويراد ~~بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله, ويراد بالثانية ~~المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره، وهو تأويله, ولا يريد من وقف ~~على قوله "إلا الله" أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى، فإن لازم هذا ~~أن يكون الله أنزل على رسوله كلاما لا يعلم معناه جميع الأمة ولا الرسول، ~~ويكون الراسخون في العلم لا حظ لهم في معرفة معناها سوى قولهم: {آمنا به كل ~~من عند ربنا} [آل عمران: 7]. وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من ~~المؤمنين، والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك, وقد ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون ~~تأويله, ولقد صدق رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له وقال: ~~"اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" 1. رواه البخاري وغيره. ودعاؤه صلى ~~الله عليه وسلم لا يرد. قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس، من أوله إلى ~~آخره، أقفه عند كل آية وأسله عنها, وقد تواترت النقول عنه أنه تكلم في جميع ~~معاني القرآن، ولم يقل عن آية إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله ~~إلا الله. # وقول الأصحاب رحمهم الله في الأصول: المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل ~~السور، ويروى هذا عن ms179 ابن عباس. مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر ~~الناس، فإن كان معناها معروفا، فقد عرف معنى المتشابه، وإن لم يكن معروفا، ~~وهي المتشابه، كان ما سواها معلوم المعنى، وهذا المطلوب. # وأيضا فإن الله قال: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل ~~عمران: 7]. وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادين. PageV01P214 # والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين: هو صرف اللفظ عن ~~الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك, وهذا هو التأويل ~~الذي تنازع الناس فيه في كثير من الأمور الخبرية والطلبية, فالتأويل الصحيح ~~منه: الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك فهو التأويل ~~الفاسد، وهذا مبسوط في موضعه, وذكر في التبصرة أن نصير بن يحيى البلخي روى ~~عن عمرو بن إسماعيل بن حماد بن أبي يحيى بن محمد بن الحسن رحمهم الله: أنه ~~سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تعالى ما يؤدي ظاهره إلى ~~التشبيه؟ فقال: نمرها كما جاءت، ونؤمن بها، ولا نقول: كيف وكيف. ويجب أن ~~يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك ~~منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه، وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس: # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم # وقيل: # علي نحت القوافي من معادنها ... وما علي إذا لم تفهم البقر1 # كيف يقال في قول الله، الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث، وهو الكتاب ~~الذي {أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [هود: 1]. إن حقيقة قولهم إن ~~ظاهر القرآن والحديث هو الضلال، وإنه ليس فيه بيان ما يصلح من الاعتقاد، ~~ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه؟! هذا حقيقة قول المتأولين. والحق أن ما دل ~~عليه القرآن فهو حق، وما كان باطلا لم يدل عليه. والمنازعون يدعون دلالته ~~على الباطل الذي يتعين صرفه! # فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على ~~إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية, فقد ms180 فتحتم عليكم بابا لأنواع ~~المشركين والمبتدعين، لا تقدرون على سده، فإنكم إذا سوغتم صرف القرآن عن ~~دلالته المفهومة بغير دليل شرعي، فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟ ~~فإن PageV01P215 # قلتم: ما دل القاطع العقلي على استحالته تأولناه، وإلا أقررناه! قيل لكم: ~~وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على ~~بطلان ظواهر الشرع! ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد! ~~ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى، وعلى امتناع قيام ~~عالم أو كلام أو رحمة به تعالى!! وباب التأويلات التي يدعي أصحابها وجوبها ~~بالمعقولات أعظم من أن تنحصر في هذا المقام، ويلزم حينئذ محذوران عظيمان: ~~أحدهما: أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث قبل ذلك بحوثا ~~طويلة عريضة في إمكان ذلك بالعقل! وكل طائفة من المختلفين في الكتاب يدعون ~~أن العقل يدل على ما ذهبوا إليه، فيؤول الأمر إلى الحيرة المحذورة. الثاني: ~~أن القلوب تتخلى عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول. إذ لا يوثق بأن ~~الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة ~~والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد، وخاصة النبي هي الإنباء، والقرآن هو ~~النبأ العظيم. ولهذا نجد أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة ~~للاعتضاد لا للاعتماد، إن وافقت ما ادعوا أن العقل دل عليه قبلوه، وإن ~~خالفته أولوه! وهذا فتح باب الزندقة، نسأل الله العافية. # قوله: "ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه". # ش: النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب، فإن أمراض القلوب نوعان: مرض ~~شبهة، ومرض شهوة، وكلاهما مذكور في القرآن، قال تعالى: {فلا تخضعن بالقول ~~فيطمع الذي في قلبه مرض} [الأحزاب: 32]. فهذا مرض الشهوة، وقال تعالى: {في ~~قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} [البقرة: 10]. وقال تعالى: {وأما الذين في ~~قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 125]. فهذا مرض الشبهة، وهو ~~أردأ من مرض الشهوة، إذ مرض الشهوة يرجى له الشفاء بقضاء الشهوة، ومرض ~~الشبهة لا شفاء له إن ms181 لم يتداركه الله برحمته. والشبهة التي في مسألة ~~الصفات نفيها وتشبيهها، وشبه النفي أردأ من شبه التشبيه، فإن شبه النفي رد ~~وتكذيب لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وشبه التشبيه غلو مجاوزة ~~للحد فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. وتشبيه الله بخلقه كفر فإن ~~الله تعالى يقول: {ليس كمثله # PageV01P216 # شيء} [الشورى: 11]، ونفي الصفات كفر، فإن الله تعالى يقول: {وهو السميع ~~البصير} [الشورى: 11]. وهذا أصل نوعي التشبيه، فإن التشبيه نوعان: تشبيه ~~الخالق بالمخلوق، وهذا الذي يتعب أهل الكلام في رده وإبطاله، وأهله في ~~الناس أقل من النوع الثاني، الذين هم أهل تشبيه المخلوق بالخالق، كعباد ~~المشايخ، وعزير، والشمس والقمر، والأصنام، والملائكة، والنار، والماء، ~~والعجل، والقبور، والجن، وغير ذلك. وهؤلاء هم الذين أرسلت لهم الرسل ~~يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. # قوله: "فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ~~ليس في معناه أحد من البرية". # ش: يشير الشيخ رحمه الله إلى تنزيه الرب تعالى بالذي هو وصفه كما وصف ~~نفسه نفيا وإثباتا, وكلام الشيخ مأخوذ من معنى سورة الإخلاص, فقوله: موصوف ~~بصفات الوحدانية مأخوذ من قوله تعالى: {قل هو الله أحد، الله الصمد} ~~[الإخلاص: 1, 2]. وقوله: منعوت بنعوت الفردانية من قوله تعالى: {الله ~~الصمد، لم يلد ولم يولد} [الإخلاص: 2, 3]. وقوله: ليس في معناه أحد من ~~البرية من قوله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} [الإخلاص: 4]. وهو أيضا مؤكد ~~لما تقدم من إثبات الصفات ونفي التشبيه, والوصف والنعت مترادفان، وقيل: ~~متقاربان. فالوصف للذات، والنعت للفعل، وكذلك الوحدانية والفردانية, وقيل ~~في الفرق بينهما: إن الوحدانية للذات، والفردانية للصفات، فهو تعالى موحد ~~في ذاته، منفرد بصفاته, وهذا المعنى حق ولم ينازع فيه أحد، ولكن في اللفظ ~~نوع تكرير, وللشيخ نظير هذا التكرير في مواضع من العقيدة، وهو بالخطب ~~والأدعية أشبه منه بالعقائد، والتسجيع1 بالخطب أليق. و {ليس كمثله شيء} ~~[الشورى: 11]. أكمل في التنزيه من قوله: ليس في معناه أحد من البرية. ~~PageV01P217 # قوله: "وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان ms182 والأعضاء والأدوات، لا تحويه ~~الجهات الست كسائر المبتدعات". # ش: أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ رحمه الله مقدمة، وهي: أن الناس ~~في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، ~~وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا ~~تبين، ما أثبت بها فهو ثابت، وما نفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت ~~هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، ~~فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي, ولهذا كان النفاة ينفون بها حقا ~~وباطلا، ويذكرون عن مثبتها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل لها ~~معنى باطلا، مخالفا لقول السلف، ولما دل عليه الكتاب والميزان, ولم يرد نص ~~من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها، وليس لنا أن نصف الله تعالى ~~بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفيا ولا إثباتا، وإنما نحن متبعون ~~لا مبتدعون. # فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله ~~أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه, والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم ~~بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني, ~~وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود ~~قائلها: فإن كان معنى صحيحا قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص، دون ~~الألفاظ المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد، والحاجة مثل أن ~~يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، ونحو ذلك. # والشيخ رحمه الله أراد الرد بهذا الكلام على المشبهة، كداود الجواربي ~~وأمثاله القائلين: إن الله جسم، وإنه جثة وأعضاء وغير ذلك! تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا, فالمعنى الذي أراده الشيخ رحمه الله من النفي الذي ذكره ~~هنا حق، لكن حدث بعده من أدخل في عموم نفيه حقا وباطلا، فيحتاج إلى بيان ~~ذلك. وهو: أن السلف متفقون على أن البشر لا يعلمون لله حدا، وأنهم لا يحدون ~~شيئا من ms183 صفاته. قال أبو داود الطيالسيى: كان سفيان وشعبة وحماد بن زيد ~~وحماد بن سلمة # PageV01P218 # وشريك وأبو عوانة, لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، يروون الحديث ولا ~~يقولون: كيف؟ وإذا سئلوا قالوا بالأثر, وسيأتي في كلام الشيخ: وقد أعجز ~~خلقه عن الإحاطة به, فعلم أن مراده أن الله يتعالى عن أن يحيط أحد بحده، ~~لأن المعنى أنه متميز عن خلقه منفصل عنهم مباين لهم. سئل عبد الله بن ~~المبارك: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على العرش، بائن من خلقه، قيل: بحد؟ قال: ~~بحد، انتهى. ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن ~~غيره، والله تعالى غير حال في خلقه، ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم ~~بنفسه، المقيم لما سواه, فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في ~~نفس الأمر أصلا، فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب ونفي حقيقته, وأما ~~الحد بمعنى العلم والقول، وهو أن يحده العباد، فهذا منتف بلا منازعة بين ~~أهل السنة. قال أبو القاسم القشيري في رسالته: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن ~~السلمي، سمعت أبا منصور بن عبد الله، سمعت أبا الحسن العنبري، سمعت سهل بن ~~عبد الله التستري يقول، وقد سئل عن ذات الله فقال: ذات الله موصوفة بالعلم، ~~غير مدركة بالإحاطة، ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق ~~الإيمان، من غير حد ولا إحاطة ولا حلول، وتراه العيون في العقبى، ظاهرا في ~~ملكه وقدرته، وقد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب ~~تعرفه، والعيون لا تدركه، ينظر إليه المؤمن بالأبصار، من غير إحاطة ولا ~~إدراك نهاية. # وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات, فيستدل بها النفاة على نفي بعض ~~الصفات الثابتة بالأدلة القطعية، كاليد والوجه. قال أبو حنيفة رضي الله عنه ~~في "الفقه الأكبر": له يد ووجه ونفس، كما ذكر تعالى في القرآن من ذكر اليد ~~والوجه والنفس، فهو له صفة بلا كيف، ولا يقال: إن يده قدرته ونعمته؛ لأن ~~فيه إبطال الصفة، ms184 انتهى. وهذا الذي قاله الإمام رضي الله عنه، ثابت بالأدلة ~~القاطعة؛ قال تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75]. {والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: 67]. وقال ~~تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88]. {ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام} [الرحمن: 27]. وقال تعالى: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في ~~نفسك} [المائدة: 116] # PageV01P219 # وقال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54]. وقال تعالى: ~~{واصطنعتك لنفسي} [طه: 41]. وقال تعالى: {ويحذركم الله نفسه} [آل عمران: ~~28]. وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة لما يأتي الناس آدم فيقولون ~~له: "خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء" 1، الحديث. ولا ~~يصح تأويل من قال: إن المراد باليد: بالقدرة، فإن قوله: {لما خلقت بيدي} ~~[ص: 75]. لا يصح أن يكون معناه بقدرتي مع تثنية اليد، ولو صح ذلك لقال ~~إبليس: وأنا أيضا خلقتني بقدرتك، فلا فضل له علي بذلك. فإبليس -مع كفره- ~~كان أعرف بربه من الجهمية, ولا دليل لهم في قوله تعالى: {أولم يروا أنا ~~خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون} [يس: 71]؛ لأنه تعالى ~~جمع الأيدي لما أضافها إلى ضمير الجمع، ليتناسب الجمعان، فاللفظان للدلالة ~~على الملك والعظمة, ولم يقل: أيدي مضافا إلى ضمير المفرد، ولا يدينا بتثنية ~~اليد مضافا إلى ضمير الجمع, فلم يكن قوله: {مما عملت أيدينا} نظير قوله: ~~{لما خلقت بيدي}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: "حجابه ~~النور، ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" 2. # ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء، أو جوارح، أو أدوات، أو أركان؛ لأن ~~الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد الصمد، لا يتجزأ، سبحانه وتعالى، ~~والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية3، تعالى الله عن ذلك، ومن هذا المعنى ~~قوله تعالى: {الذين جعلوا القرآن عضين} [الحجر: 91]. والجوارح فيها معنى ~~الاكتساب والانتفاع, وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب ~~المنفعة ودفع المضرة, وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى، ms185 ولهذا لم يرد ~~ذكرها في صفات الله تعالى, فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمة من ~~الاحتمالات الفاسدة، PageV01P220 # فكذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفيا ولا إثباتا، لئلا يثبت ~~معنى فاسد، أو ينفى معنى صحيح, وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق ~~والمبطل. # وأما لفظ الجهة، فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن ~~المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير ~~الله تعالى كان مخلوقا، والله تعالى لا يحصره شيء، ولا يحيط به شيء من ~~المخلوقات، تعالى الله عن ذلك, وإن أريد بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق ~~العالم، فليس هناك إلا الله وحده, فإذا قيل: أنه في جهة بهذا الاعتبار، فهو ~~صحيح، ومعناه: أنه فوق العالم حيث انتهت المخلوقات فهو فوق الجميع، عال ~~عليه, ونفاة لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي العلو، يذكرون من أدلتهم: أن ~~الجهات كلها مخلوقة، وأنه كان قبل الجهات، وأن من قال: إنه في جهة يلزمه ~~القول بقدم شيء من العالم، وأنه كان مستغنيا عن الجهة ثم صار فيها, وهذه ~~الألفاظ ونحوها إنما تدل على أنه ليس في شيء من المخلوقات، سواء سمي جهة أو ~~لم يسم، وهذا حق, ولكن الجهة ليست أمرا وجوديا، بل أمر اعتباري، ولا شك أن ~~الجهات لا نهاية لها، وما لا يوجد فيما لا نهاية له فليس بموجود. # وقول الشيخ رحمه الله: لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات, هو حق، ~~باعتبار أنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، بل هو محيط بكل شيء وفوقه, وهذا ~~المعنى هو الذي أراده الشيخ رحمه الله، لما يأتي في كلامه: أنه تعالى محيط ~~بكل شيء وفوقه. فإذا جمع بين كلاميه، وهو قوله: لا تحويه الجهات الست كسائر ~~المبتدعات، وقوله: محيط بكل شيء وفوقه, علم أن مراده أن الله تعالى لا ~~يحويه شيء، ولا يحيط به شيء، كما يكون لغيره من المخلوقات، وأنه تعالى هو ~~المحيط بكل شيء، العالي عن كل شيء. # لكن بقي في ms186 كلامه شيئان: أن إطلاق مثل هذا اللفظ, مع ما فيه من الإجمال ~~والاحتمال, كان تركه أولى، وإلا تسلط عليه، وألزم بالتناقض في إثبات ~~الإحاطة والفوقية ونفي جهة العلو، وإن أجيب عنه بما تقدم، من أنه إنما نفى ~~أن يحويه شيء # PageV01P221 # من مخلوقاته، فالاعتصام بالألفاظ الشرعية أولى. الثاني: أن قوله: كسائر ~~المبتدعات يفهم منه أنه ما من مبتدع إلا وهو محوي!! وفي هذا نظر, فإنه إن ~~أراد أنه محوي بأمر وجودي، فممنوع، فإن العالم ليس في عالم آخر، وإلا لزم ~~التسلسل، وإن أراد أمرا عدميا، فليس كل مبتدع في العدم، بل منها [ما هو ~~داخل في غيره، كالسماوات والأرض في الكرسي، ونحو ذلك، ومنها] ما هو منتهى ~~المخلوقات، كالعرش, فسطح العالم ليس في غيره من المخلوقات، قطعا للتسلسل، ~~كما تقدم. ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال: بأن "سائر" بمعنى البقية، لا ~~بمعنى الجميع، وهذا أصل معناها، ومنه "السؤر"، وهو ما يبقيه الشارب في ~~الإناء, فيكون مراده غالب المخلوقات، لا جميعها، إذ "السائر" على الغالب ~~أدل منه على الجميع، فيكون المعنى: أن الله تعالى غير محوي, كما يكون أكثر ~~المخلوقات محويا، بل هو غير محوي بشيء، تعالى الله عن ذلك, ولا نظن بالشيخ ~~رحمه الله أنه ممن يقول أن الله تعالى ليس داخل العالم ولا خارجه بنفي ~~التعيينين، كما ظنه بعض الشارحين، بل مراده: أن الله تعالى منزه عن أن يحيط ~~به شيء من مخلوقاته، وأن يكون مفتقرا إلى شيء منها، العرش أو غيره. # وفي ثبوت هذا الكلام عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه نظر، فإن أضداده ~~قد شنعوا عليه بأشياء أهون منه، فلو سمعوا مثل هذا الكلام لشاع عنهم ~~تشنيعهم عليه به، وقد نقل أبو مطيع البلخي عنه إثبات العلو، كما سيأتي ذكره ~~إن شاء الله تعالى, وظاهر هذا الكلام يقتضي نفيه، ولم يرد بمثله كتاب ولا ~~سنة، فلذلك قلت: إن في ثبوته عن الإمام نظرا، وإن الأولى التوقف في إطلاقه، ~~فإن الكلام بمثله خطر، بخلاف الكلام بما ورد عن ms187 الشارع، كالاستواء والنزول ~~ونحو ذلك, ومن ظن من الجهال أنه إذا "نزل إلى سماء الدنيا"1 كما أخبر ~~الصادق صلى الله عليه وسلم, يكون العرش فوقه، ويكون محصورا بين طبقتين من ~~العالم! فقوله مخالف لإجماع السلف، مخالف للكتاب والسنة. وقال شيخ الإسلام ~~أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن PageV01P222 # الصابوني: سمعت الأستاذ أبا منصور بن [حماد]-بعد روايته حديث النزول- ~~يقول: سئل أبو حنيفة رضي الله عنه؟ فقال: ينزل بلا كيف. انتهى. # وإنما توقف من توقف في نفي ذلك، لضعف علمه بمعاني الكتاب والسنة وأقوال ~~السلف، ولذلك ينكر بعضهم أن يكون فوق العرش، بل يقول: لا مباين، ولا ~~مجانب1، لا داخل العالم ولا خارجه، فيصفونه بصفة العدم والممتنع، ولا ~~يصفونه2 بما وصف به نفسه من العلو والاستواء على العرش، ويقول بعضهم: ~~بحلوله في كل موجود، أو يقول: هو وجود كل موجود ونحو ذلك، تعالى الله عما ~~يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. # وسيأتي لإثبات صفة العلو لله تعالى زيادة بيان، عند الكلام على قول الشيخ ~~رحمه الله: محيط بكل شيء وفوقه، إن شاء الله تعالى. # قوله: "والمعراج حق، وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في ~~اليقظة، إلى السماء, ثم إلى حيث شاء الله من العلا وأكرمه الله بما شاء، ~~وأوحى إليه ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى, فصلى الله عليه وسلم في الآخرة ~~والأولى". # ش: "المعراج": مفعال، من العروج3، أي الآلة التي يعرج فيها، أي يصعد، وهو ~~بمنزلة السلم، لكن لا يعلم كيف هو، وحكمه كحكم غيره من المغيبات، نؤمن به ~~ولا نشتغل بكيفيته. # وقوله: وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة, اختلف ~~الناس في الإسراء. # فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية ~~رضي الله عنهما، ونقل عن الحسن البصري نحوه, لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين ~~أن يقال: كان الإسراء مناما، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده، ~~PageV01P223 # وبينهما فرق عظيم, فعائشة ومعاوية رضي الله عنهما لم يقولا: كان مناما، ms188 ~~وإنما قالا: أسري بروحه ولم يفقد جسده، وفرق ما بين الأمرين: [أن] ما يراه ~~النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد ~~عرج إلى السماء، وذهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك ~~الرؤيا ضرب له المثال, فما أراد1 أن الإسراء مناما، وإنما أراد أن الروح ~~ذاتها أسري بها، ففارقت الجسد ثم عادت إليه، ويجعلان هذا من خصائصه، فإن ~~غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت. # وقيل: كان الإسراء مرتين، مرة يقظة، ومرة مناما, وأصحاب هذا القول كأنهم ~~أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله: ثم "استيقظت"، وبين سائر الروايات. ~~وكذلك منهم من قال: بل كان مرتين، مرة قبل الوحي، ومرة بعده, ومنهم من قال: ~~بل ثلاث مرات، مرة قبل الوحي، ومرتين بعده, وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا ~~مرة، للتوفيق!! وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة النقل: ~~أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة، بعد البعثة، قبل الهجرة بسنة، وقيل: بسنة ~~وشهرين، ذكره ابن عبد البر, قال شمس الدين ابن القيم: يا عجبا لهؤلاء الذين ~~زعموا أنه كان مرارا! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة يفرض عليهم ~~الصلوات خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، فيقول: أمضيت ~~فريضتي وخففت عن عبادي، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها ~~إلى خمس؟! وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد ~~المسند منه، ثم قال: "فقدم وأخر وزاد ونقص", ولم يسرد الحديث, وأجاد رحمه ~~الله. انتهى كلام الشيخ شمس الدين رحمه الله. # وكان من حديث الإسراء: أنه صلى الله عليه وسلم أسري بجسده في اليقظة، على ~~الصحيح، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، راكبا على البراق، صحبة ~~جبرائيل عليه السلام، فنزل هناك، وصلى بالأنبياء إماما، وربط البراق بحلقة ~~باب المسجد, وقد قيل: إنه نزل بيت لحم وصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك ألبتة, ثم ~~عرج من بيت PageV01P224 # المقدس تلك ms189 الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبرائيل، ففتح لهما، ~~فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلم عليه، فرحب به ورد عليه السلام، وأقر ~~بنبوته، ثم عرج [به] إلى السماء الثانية. فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن ~~زكريا وعيسى ابن مريم، فلقيهما، فسلم عليهما، فردا عليه السلام، ورحبا به، ~~وأقرا بنبوته ثم عرج [به] إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف، فسلم عليه ~~ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج [به] إلى السماء الرابعة، فرأى فيها إدريس، ~~فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج [به] إلى السماء الخامسة، فرأى فيها ~~هارون بن عمران، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج إلى السماء ~~السادسة، فلقي فيها موسى فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، فلما جاوزه بكى ~~موسى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته ~~أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم عرج إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم، ~~فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم رفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت ~~المعمور، ثم عرج به إلى الجبار، جل جلاله وتقدست أسماؤه، فدنا منه حتى كان ~~قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع ~~حتى مر على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: "بخمسين صلاة"، فقال: [إن] أمتك لا ~~تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبرائيل كأنه ~~يستشيره في ذلك، فأشار: أن نعم، إن شئت، فعلا به جبرائيل حتى أتى به [إلى] ~~الجبار تبارك وتعالى وهو في مكانه -هذا لفظ البخاري في صحيحه وفي بعض ~~الطرق- فوضع عنه عشرا، ثم نزل حتى مر بموسى، فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك ~~فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله تبارك وتعالى، حتى جعلها ~~خمسا، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: "قد استحييت من ربي، ولكن ~~أرضى وأسلم"، فلما نفذ، نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي1. ~~PageV01P225 # وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه ms190 عز وجل ~~بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه، وقوله: {ما كذب ~~الفؤاد ما رأى} [النجم: 11]، {ولقد رآه نزلة أخرى} [النجم: 13]، صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي [جبرائيل]، رآه مرتين على صورته ~~التي خلق عليها. # وأما قوله تعالى في سورة النجم: {ثم دنا فتدلى}، فهو غير الدنو والتدلي ~~المذكورين في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبرائيل وتدليه، ~~كما قالت عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما، فإنه قال: {علمه شديد القوى، ذو ~~مرة فاستوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى} [النجم: 5 - 8] , فالضمائر ~~كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى، وأما الدنو والتدلي الذي في حديث ~~الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى وتدليه1. وأما الذي في سورة ~~النجم: أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، فهذا هو جبرائيل، رآه مرتين، ~~مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى. # ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة، قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1]. والعبد ~~عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا ~~هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح, فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا ~~يمتنع ذلك عقلا، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، ~~وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر. # فإن قيل: فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس أولا؟ فالجواب, والله ~~أعلم أن ذلك كان إظهارا لصدق دعوى الرسول صلى الله عليه وسلم المعراج حين ~~سألته قريش عن نعت بيت المقدس فنعته لهم وأخبرهم عن غيرهم التي مر عليها في ~~طريقه، ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك، إذ لا يمكن اطلاعهم ~~على ما في السماء لو أخبرهم عنه، وقد اطلعوا على بيت المقدس، فأخبرهم ~~بنعته. # وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو لله تعالى من وجوه، لمن تدبره، ~~وبالله التوفيق. PageV01P226 ### | الحوض الذي أكرم الله به رسوله صلى الله ms191 عليه وسلم # قوله: "والحوض -الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لأمته- حق". # ش: الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع ~~وثلاثون صحابيا، ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير، تغمده ~~الله برحمته، في آخر تاريخه الكبير، المسمى ب"البداية والنهاية". فمنها: ما ~~رواه البخاري رحمه الله تعالى، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء من اليمن، ~~وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء" 1, وعنه أيضا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "ليردن علي ناس من أصحابي، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، ~~فأقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك" 2. رواه مسلم. وروى الإمام ~~أحمد عن أنس بن مالك، قال: أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاة، فرفع ~~رأسه مبتسما، إما قال لهم، وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إنه أنزلت علي آنفا سورة"، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. ~~{إنا أعطيناك الكوثر} [الكوثر: 1]، حتى ختمها، ثم قال لهم: "هل تدرون ما ~~الكوثر؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هو نهر أعطانيه ربي عز وجل في ~~الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، ~~يختلج العبد منهم، فأقول: يا رب إنه من أمتي، فيقال لي: إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك" 3. ورواه مسلم، ولفظه: "هو نهر وعدنيه ربي، عليه خير كثير، هو ~~حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة"، والباقي مثله. ومعنى ذلك أنه يشخب فيه ~~ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض، والحوض في العرصات PageV01P227 # قبل الصراط؛ لأنه يختلج عنه، ويمنع منه، أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، ~~ومثل هؤلاء لا يجاوزون الصراط, وروى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله ~~البجلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا فرطكم على ~~الحوض" 1. والفرط: الذي يسبق إلى الماء. وروى البخاري عن سهل بن سعد ~~الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى ms192 الله عليه وسلم: "إني فرطكم على الحوض، ~~من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ~~ثم يحال بيني وبينهم" 2. قال أبو حازم: فسمعني النعمان ابن أبي عياش فقال: ~~هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري، سمعته وهو ~~يزيد: فأقول: "إنهم من أمتي" فقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فقال: ~~"سحقا سحقا لمن غير بعدي". سحقا: أي بعدا. # والذي يتخلص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض: أنه حوض عظيم، ومورد ~~كريم، يمد من شراب الجنة، من نهر الكوثر، الذي هو أشد بياضا من اللبن، ~~وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحا من المسك، وهو في غاية ~~الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر, وفي بعض ~~الأحاديث: أنه كلما شرب منه وهو في زيادة واتساع، وأنه ينبت في خلاله من ~~المسك والرضراض من اللؤلؤ [و] قضبان الذهب، ويثمر ألوان الجواهر، فسبحان ~~الخالق الذي لا يعجزه شيء, وقد ورد في أحاديث: إن لكل نبي حوضا، وإن حوض ~~نبينا صلى الله عليه وسلم أعظمها وأحلاها وأكثرها واردا3. جعلنا الله منهم ~~بفضله وكرمه. PageV01P228 # قال العلامة أبو عبد الله القرطبي [رحمه الله] في "التذكرة": واختلف في ~~الميزان والحوض: أيهما يكون قبل الآخر؟ فقيل: الميزان، وقيل: الحوض. قال ~~أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل. قال القرطبي: والمعنى يقتضيه، ~~فإن الناس يخرجون عطاشا من قبورهم، كما تقدم فيقدم قبل الميزان والصراط, ~~قال أبو حامد الغزالي رحمه الله، في كتاب "كشف علم الآخرة": حكى بعض السلف ~~من أهل التصنيف، أن الحوض يورد بعد الصراط، وهو غلط من قائله. قال القرطبي: ~~هو كما قال، ثم قال القرطبي: ولا يخطر ببالك أنه في هذه الأرض، بل في الأرض ~~المبدلة، أرض بيضاء كالفضة، لم يسفك فيها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد قط، ~~تظهر لنزول الجبار جل جلاله لفصل القضاء. انتهى. فقاتل الله المنكرين لوجود ~~الحوض، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده يوم العطش ms193 الأكبر. # قوله: "والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار". # ش: الشفاعة أنواع: منها ما هو متفق عليه بين الأمة، ومنها ما خالف فيه ~~المعتزلة ونحوهم من أهل البدع. # النوع الأول: الشفاعة الأولى، وهي العظمى، الخاصة بنبينا صلى الله عليه ~~وسلم من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين. ~~"في الصحيحين" وغيرهما عن جماعة من الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين، أحاديث ~~الشفاعة. # منها: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: "أتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بلحم، فدفع إليه منها الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، ثم قال: ~~أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين ~~في صعيد [واحد]، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون ~~إلى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: ~~أبوكم آدم، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، فاشفع لنا إلى ~~ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد ~~غضب اليوم غضبا لم # PageV01P229 # يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي ~~نفسي، [نفسي نفسي]، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا، ~~فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدا شكورا، ~~فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول ~~نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ~~وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي [نفسي نفسي]، اذهبوا إلى ~~غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم، فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي ~~الله وخليله من أهل الأرض، ألا ترى [إلى] ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ ~~فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ~~وذكر كذباته، نفسي نفسي [نفسي نفسي]، ms194 اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، ~~فيأتون موسى: فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، اصطفاك الله برسالاته ~~وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد ~~بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن ~~يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي [نفسي نفسي]، ~~اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول ~~الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، قال: هكذا هو، وكلمت الناس في ~~المهد، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى [إلى] ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ ~~فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب ~~بعده [مثله، ولم يذكر له ذنبا]، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فيأتوني، فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، غفر ~~الله لك ذنبك، ما تقدم منه وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما ~~نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي عز ~~وجل، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه ~~على أحد قبلي، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، فأقول: [يا] ~~رب أمتي أمتي، [يا رب أمتي أمتي، يا رب أمتي أمتي]، فيقول: أدخل من أمتك من ~~لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه ~~من # PageV01P230 # الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، لما بين مصراعين من مصاريع الجنة كما ~~بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى"1. # أخرجاه في الصحيحين بمعناه، واللفظ للإمام أحمد. # والعجب كل العجب، من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه، لا يذكرون ~~أمر الشفاعة الأولى، في مأتى الرب سبحانه وتعالى لفصل القضاء، كما ورد هذا ~~في حديث الصور2، فإنه المقصود في هذا المقام، ومقتضى سياق أول الحديث، ms195 فإن ~~الناس إنما يستشفعون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس ~~ويستريحوا من مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه، فإذا وصلوا إلى ~~الجزاء إنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار, وكان مقصود ~~السلف -في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث- هو الرد على الخوارج ومن ~~تابعهم من المعتزلة، الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها، فيذكرون ~~هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم، فيما ذهبوا إليه ~~من البدعة المخالفة للأحاديث, وقد جاء التصريح بذلك في حديث الصور، ولولا ~~خوف الإطالة لسقته بطوله، لكن من مضمونه: أنهم يأتون آدم ثم نوحا، ثم ~~إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم يأتون رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم، ~~فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفحص، فيقول الله: ما شأنك؟ وهو ~~أعلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقول: "يا رب، وعدتني الشفاعة، ~~فشفعني، في خلقك، فاقض بينهم، فيقول سبحانه وتعالى: شفعتك، أنا آتيكم فأقضي ~~بينهم، قال: فأرجع فأقف مع الناس"، ثم ذكر انشقاق السموات، وتنزل الملائكة ~~في الغمام، ثم يجيء الرب سبحانه وتعالى لفصل القضاء، والكروبيون والملائكة ~~المقربون يسبحون بأنواع التسبيح، قال: فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه، ثم ~~يقول: إني أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع أقوالكم، وأرى أعمالكم، ~~فأنصتوا PageV01P231 # إلي، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن ~~وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، إلى أن قال: فإذا أفضى أهل الجنة إلى ~~الجنة، قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من ~~أبيكم، إنه خلقه الله بيده، ونفخ فيه روحه، [وكلمه] قبلا، فيأتون آدم، ~~فيطلبون1 ذلك إليه، وذكر نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمد صلى ~~الله عليه وسلم إلى أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فآتي ~~الجنة، فآخذ بحلقة الباب، ثم أستفتح، فيفتح لي، فأحيا ويرحب بي، فإذا ms196 دخلت ~~الجنة فنظرت إلى ربي عز وجل خررت له ساجدا، فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ~~ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول الله لي: ارفع يا محمد، واشفع تشفع، وسل ~~تعطه، فإذا رفعت رأسي، قال الله وهو أعلم: ما شأنك؟ فأقول: يا رب، وعدتني ~~الشفاعة، فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة، فيقول الله عز وجل: قد شفعتك، ~~وأذنت لهم في دخول الجنة"2 ... الحديث. رواه الأئمة: ابن جرير في تفسيره، ~~والطبراني، وأبو يعلى الموصلي، والبيهقي وغيرهم. # النوع الثاني والثالث من الشفاعة: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام قد ~~تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر ~~بهم إلى النار، أن لا يدخلونها. # النوع الرابع: شفاعته صلى الله عليه وسلم في رفع درجات من يدخل الجنة ~~فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم, وقد وافقت المعتزلة هذه الشفاعة ~~خاصة، وخالفوا فيما عداها من المقامات، مع تواتر الأحاديث فيها. # النوع الخامس: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا3 الجنة بغير حساب، ويحسن ~~PageV01P232 # أن يستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن، حين دعا له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب1، ~~والحديث مخرج في الصحيحين. # النوع السادس: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي ~~طالب أن يخفف عنه عذابه2, ثم قال القرطبي في التذكرة بعد ذكر هذا النوع: ~~فإن قيل: فقد قال تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر: 48]. قيل ~~له: لا تنفعه في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحدين، الذين يخرجون ~~منها ويدخلون الجنة. # النوع السابع: شفاعته أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة، كما تقدم. ~~وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أنا أول شفيع في الجنة"3. # النوع الثامن: شفاعته في أهل الكبائر من أمته، ممن دخل النار، فيخرجون ~~منها، وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث, وقد خفي علم ذلك على الخوارج ~~والمعتزلة، فخالفوا في ذلك، جهلا ms197 منهم بصحة الأحاديث، وعنادا ممن علم ذلك ~~واستمر على بدعته, وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون ~~أيضا, وهذه الشفاعة تتكرر منه صلى الله عليه وسلم أربع مرات, ومن أحاديث ~~هذا النوع، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" 4. رواه الإمام أحمد رحمه الله. ~~وروى البخاري رحمه الله في كتاب PageV01P233 # "التوحيد": حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا معبد بن هلال ~~العنزي، قال: اجتمعنا، ناس من أهل البصرة، فذهبنا إلى أنس بن مالك، وذهبنا ~~معنا بثابت [البناني إليه]، يسأله لنا عن حديث الشفاعة، فإذا هو في قصره، ~~فوافقناه يصلي الضحى، فاستأذنا، فأذن لنا وهو قاعد على فراشه، فقلنا لثابت: ~~لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة، [فقال: يا أبا حمزة، هؤلاء إخوانك من ~~أهل البصرة، جاءوك يسألونك عن حديث الشفاعة]، فقال: حدثنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم، قال: "إذا كان يوم القيامة، ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون ~~آدم، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست لها ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه ~~خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم ~~الله، فيأتون موسى، فيقول: لست لها، لكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله ~~وكلمته، فيأتون عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد [صلى الله عليه ~~وسلم]، فيأتوني، فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي فيؤذن لي، ويلهمني محامد ~~أحمده بها، لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجدا، فيقال: يا ~~محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط، فأقول: يا رب أمتي ~~أمتي، فيقال: انطلق فأخرج [منها] من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، ~~فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا ~~محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع، وسل تعط، فأقول: يا رب أمتي ~~أمتي، فيقال: انطلق فأخرج [منها] من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من ~~إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم ms198 أعود بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا ~~محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي ~~أمتي، فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من ~~إيمان، فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل". قال: فلما خرجنا من عند أنس، قلت ~~[لبعض أصحابنا] لو مررنا بالحسن، وهو متوار في منزل أبي خليفة، فحدثناه بما ~~حدثنا به أنس بن مالك، فأتيناه، فسلمنا عليه، فأذن لنا، فقلنا له: يا أبا ~~سعيد، جئناك من عند أخيك أنس بن مالك، فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة، ~~فقال: هيه؟ فحدثناه بالحديث، فانتهى إلى هذا الموضع، فقال: هيه؟ فقلنا لم ~~يزد لنا على # PageV01P234 # هذا، فقال: لقد حدثني وهو جميع، منذ عشرين سنة، فما أدري، أنسي أم كره أن ~~تتكلوا؟ فقلنا: يا أبا سعيد، فحدثنا، فضحك وقال: خلق الإنسان عجولا! ما ~~ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم، حدثني كما حدثكم [به]، قال: "ثم أعود ~~الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: يا محمد، ارفع ~~رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال: لا ~~إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي، وكبريائي وعظمتي، لأخرجن منها من قال: ~~لا إله إلا الله" 1. وهكذا رواه مسلم. وروى الحافظ أبو يعلى عن عثمان رضي ~~الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يشفع يوم القيامة ~~ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء" 2. وفي الصحيح من حديث أبي سعيد ~~رضي الله عنه مرفوعا، قال: فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، ~~وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها ~~قوما لم يعملوا خيرا قط"3، الحديث. # ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال: فالمشركون والنصارى والمبتدعون ~~من الغلاة في المشايخ وغيرهم: يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة ~~المعروفة في الدنيا, والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه ~~وسلم وغيره في أهل الكبائر. وأما أهل السنة والجماعة، ms199 فيقرون بشفاعة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر، وشفاعة غيره، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن ~~الله له ويحد له حدا، كما في الحديث الصحيح، حديث الشفاعة: "إنهم يأتون ~~آدم، ثم نوحا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فيقول لهم عيسى عليه السلام: ~~اذهبوا إلى محمد، فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، ~~فأذهب، فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي، لا ~~أحسنها الآن، فيقول: أي محمد، PageV01P235 # ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأقول: ربي: أمتي، فيحد لي حدا، ~~فأدخلهم الجنة، ثم أنطلق فأسجد، فيحد لي حدا" 1 ذكرها ثلاث مرات. # وأما الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره في الدنيا إلى الله ~~تعالى في الدعاء، ففيه تفصيل: فإن الداعي تارة يقول: بحق نبيك أو بحق فلان، ~~يقسم على الله بأحد من مخلوقاته، فهذا محذور من وجهين: أحدهما: أنه أقسم ~~بغير الله. والثاني: اعتقاده أن لأحد على الله حقا. ولا يجوز الحلف بغير ~~الله، وليس لأحد على الله حق إلا ما أحقه على نفسه، كقوله تعالى: {وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين} [الروم: 47]. وكذلك ما ثبت في "الصحيحين" من صلى الله ~~عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه، وهو رديفه: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على ~~عباده؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به ~~شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ " قلت: الله ورسوله ~~أعلم، قال: "حقهم عليه أن لا يعذبهم"2. فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده ~~الصادق، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئا كما يكون للمخلوق على ~~المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو أن ~~لا يعذبهم، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يقسم به، ولا أن يسأل بسببه ~~ويتوسل به، لأن السبب هو ما نصبه الله سببا. وكذلك الحديث الذي في المسند ~~من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ms200 في قول الماشي إلى الصلاة: ~~"أسألك بحق ممشاي هذا، وبحق السائلين عليك"3، فهذا حق السائلين، هو أوجبه ~~على نفسه، فهو الذي أحق للسائلين أن يجيبهم، وللعابدين أن يثيبهم، ولقد ~~أحسن القائل: # ما للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعي لديه ضائع # إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم السامع PageV01P236 # فإن قيل: فأي فرق بين قول الداعي: "بحق السائلين عليك" وبين قوله: "بحق ~~نبيك" أو نحو ذلك؟ فالجواب: أن معنى قوله: "بحق السائلين عليك" أنك وعدت ~~السائلين بالإجابة، وأنا من جملة السائلين، فأجب دعائي، بخلاف قوله: بحق ~~فلان, فإن فلانا وإن كان له حق على الله بوعده الصادق, فلا مناسبة بين ذلك ~~وبين إجابة دعاء هذا السائل, فكأنه يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب ~~دعاي! وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء! وقد ~~قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55]. ~~وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن أحد من الأئمة رضي الله عنهم، ~~وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتب بها الجهال والطرقية. ~~والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على السنة والاتباع، لا على ~~الهوى والابتداع. # وإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان، فذلك محذور أيضا؛ لأن الإقسام ~~بالمخلوق لا يجوز، فكيف على الخالق؟! وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من حلف ~~بغير الله فقد أشرك" 1. ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه رضي الله عنهم: يكره ~~أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، ~~والمشعر الحرام، ونحو ذلك حتى كره أبو حنيفة ومحمد رضي الله عنهما أن يقول ~~الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك، ولم يكرهه أبو يوسف رحمه الله ~~لما بلغه الأثر فيه2. وتارة يقول: بجاه فلان عندك، يقول: نتوسل إليك ~~بأنبيائك ورسلك وأوليائك. ومراده أن فلانا عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب ~~دعاءنا. وهذا أيضا ms201 محذور، فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة ~~يفعلونه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لفعلوه بعد موته، وإنما كانوا ~~يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم، وهم يؤمنون على دعائه، ~~كما في الاستسقاء وغيره, فلما مات صلى الله عليه وسلم PageV01P237 # قال عمر رضي الله عنه لما خرجوا يستسقون: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل ~~إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. معناه بدعائه هو ربه ~~وشفاعته وسؤاله، ليس المراد أنا نقسم عليك [به]، أو نسألك بجاهه عندك، إذ ~~لو كان ذلك مرادا لكان جاه النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وأعظم من جاه ~~العباس. # وتارة يقول: باتباعي لرسولك ومحبتي له وإيماني به وسائر أنبيائك ورسلك ~~وتصديقي لهم، ونحو ذلك. فهذا من أحسن ما يكون في الدعاء والتوسل ~~والاستشفاع. # فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال، غلط بسببه1 من لم يفهم معناه: ~~فإن أريد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا، وهذا في حياته يكون، أو لكون ~~الداعي محبا له، مطيعا لأمره، مقتديا به، وذلك أهل للمحبة والطاعة ~~والاقتداء، فيكون التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته، وإما بمحبة السائل ~~واتباعه، أو يراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ~~ونهوا عنه. # وكذلك السؤال بالشيء، قد يراد به التسبب به، لكونه سببا في حصول المطلوب، ~~وقد يراد [به] الإقسام به. # ومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، وهو حديث مشهور في ~~"الصحيحين" وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم، فتوسلوا إلى الله بذكر ~~أعمالهم الصالحة الخالصة، وكل واحد منهم يقول: فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء ~~وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون2. فهؤلاء: دعوا ~~الله بصالح الأعمال؛ لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى ~~الله، ويتوجه به إليه، ويسأله به؛ لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ويزيدهم من فضله. # فالحاصل أن الشفاعة عند الله [ليست] كالشفاعة عند البشر، فإن الشفيع عند ~~البشر كما أنه شافع للطالب شفعه ms202 في الطلب، بمعنى أنه صار شفعا فيه بعد أن ~~كان PageV01P238 # وترا، فهو أيضا قد شفع المشفوع إليه، وبشفاعته صار فاعلا للمطلوب، فقد ~~شفع الطالب والمطلوب منه، والله تعالى وتر، لا يشفعه أحد، [فلا يشفع عنده ~~أحد] إلا بإذنه، فالأمر كله إليه، فلا شريك له بوجه. فسيد الشفعاء يوم ~~القيامة إذا سجد وحمد الله تعالى فقال له الله: ارفع رأسك، وقل يسمع، ~~[واسأل تعطه]، واشفع تشفع، فيحد له حدا فيدخلهم الجنة، فالأمر كله لله. كما ~~قال تعالى: {قل إن الأمر كله لله} [آل عمران: 154]. وقال تعالى: {ليس لك من ~~الأمر شيء} [آل عمران: 128]. وقال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} [الأعراف: ~~54]، فإذا كان لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن يشاء، ولكن يكرم الشفيع ~~بقبول شفاعته، كما قال صلى الله عليه وسلم: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على ~~لسان نبيه ما يشاء". وفي "الصحيح": أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا ~~بني عبد مناف، لا أملك لكم من الله شيئا، يا صفية يا عمة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لا أملك لك من الله شيئا، يا عباس عم رسول الله، لا أملك لك ~~من الله شيئا" 3. وفي "الصحيح" أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ~~ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، أو شاة لها يعار، أو ~~رقاع تخفق، فيقول: أغثني أغثني، فأقول: قد أبلغتك، لا أملك لك من الله من ~~شيء" 4. فإذا كان سيد الخلق وأفضل الشفعاء يقول لأخص الناس به: لا أملك لكم ~~من الله من شيء فما الظن بغيره؟ وإذا دعاه الداعي، وشفع عنده الشفيع، فسمع ~~الدعاء، وقبل الشفاعة، لم يكن هذا هو المؤثر فيه كما يؤثر المخلوق في ~~المخلوق، فإنه سبحانه [وتعالى] هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع، وهو الخالق ~~لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها، وهو الذي وفقه للعمل ~~ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه. وهذا مستقيم على أصول أهل السنة ~~المؤمنين بالقدر، وأن الله خالق كل ms203 شيء. PageV01P239 ### | الميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته: # قوله: "والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق". # ش: قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين} [الأعراف: 172]. أخبر سبحانه أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم ~~شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو. وقد وردت ~~أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم عليه السلام، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين ~~وإلى أصحاب الشمال، وفي بعضها الإشهاد عليهم بأن الله ربهم: # فمنها: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال: "إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان ~~يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلا، ~~قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، شهدنا ... إلى قوله: المبطلون" 1. ورواه ~~النسائي أيضا، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم في "المستدرك"، وقال: ~~صحيح الإسناد ولم يخرجاه. # وروى الإمام أحمد أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه سئل عن هذه ~~الآية، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها، فقال: "إن الله ~~خلق آدم عليه السلام، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، قال: خلقت ~~هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية قال: ~~خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون" , فقال رجل: يا رسول الله، ففيم ~~العمل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " [إن الله عز وجل] إذا خلق ~~العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، ~~فيدخل [به] الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت ~~على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار" 2. ورواه أبو داود، والترمذي، ~~والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن حبان في "صحيحه". # وروى الترمذي عن أبي هريرة، قال: ms204 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما ~~خلق الله آدم PageV01P240 # مسح على ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، ~~وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب، ~~من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا منهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، ~~فقال: أي رب، من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له: داود، ~~قال: [رب]، كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: أي رب، زده من عمري أربعين سنة، ~~فلما انقضى عمر آدم، جاء ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ ~~قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد! فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ~~ذريته، وخطئ آدم، فخطئت ذريته"1. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه ~~الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. # وروى الإمام أحمد أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: "يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما ~~على الأرض من شيء، أكنت مفتديا به؟ قال: فيقول: نعم، قال: فيقول: قد أردت ~~منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن ~~تشرك بي شيئا" 2. وأخرجاه في الصحيحين أيضا. # وذكر أحاديث أخرى أيضا كلها دالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه، ~~وميز بين أهل النار وأهل الجنة. ومن هنا قال من قال: إن الأرواح مخلوقة قبل ~~الأجساد3. وهذه الآثار لا تدل على سبق الأرواح الأجساد4 سبقا مستقرا ثابتا، ~~وغايتها أن تدل على أن باريها وفاطرها سبحانه صور النسمة وقدر خلقها وأجلها ~~PageV01P241 # وعملها، واستخرج تلك الصور من مادتها، ثم أعادها إليها، وقدر خروج كل فرد ~~من أفرادها في وقته المقدر له، ولا يدل على أنها خلقت خلقا مستقرا واستمرت ~~موجودة ناطقة كلها في موضع واحد ثم يرسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة، ~~كما ms205 قاله ابن حزم. فهذا لا تدل الآثار عليه. نعم، الرب سبحانه يخلق منها ~~جملة بعد جملة، [كما قاله] على الوجه الذي سبق به التقدير1 أولا، فيجيء ~~الخلق الخارجي مطابقا للتقدير السابق، كشأنه سبحانه في جميع مخلوقاته، فإنه ~~قدر لها أقدارا وآجالا، وصفات وهيآت، ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك ~~التقدير السابق. فالآثار المروية في ذلك إنما تدل على القدر السابق، وبعضها ~~يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة من أهل ~~الشقاوة. وأما الإشهاد عليهم هناك، فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن ~~عباس وعمر رضي الله عنهم. ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد ~~بهذا الإشهاد إنما هو فطرتهم2 على التوحيد، كما تقدم [كلام المفسرين على ~~هذه الآية الكريمة] في حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ومعنى قوله "شهدنا": ~~أي قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا, وهذا قول ابن عباس وأبي بن كعب. وقال ابن ~~عباس أيضا: أشهد بعضهم على بعض. وقيل: "شهدنا" من قول الملائكة، [و] الوقف ~~على قوله "بلى". وهذا قول مجاهد والضحاك وقال السدي أيضا: هو خبر من الله ~~تعالى عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. والأول أظهر، وما ~~عداه احتمال لا دليل عليه، وإنما يشهد ظاهر الآية للأول. # واعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول بأن الله استخرج ذرية آدم من ~~ظهره وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم، كالثعلبي والبغوي وغيرهما. ومنهم من لم ~~يذكره، بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم ~~وبصائرهم التي ركبها الله فيهم، كالزمخشري وغيره، ومنهم من ذكر القولين، ~~كالواحدي والرازي والقرطبي وغيرهم، لكن نسب الرازي القول الأول إلى أهل ~~السنة، والثاني إلى المعتزلة. ولا ريب أن الآية لا تدل على القول الأول، ~~أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم، وإنما فيها أن الأخذ من ظهور بني آدم، وإنما ~~ذكر الأخذ من PageV01P242 # ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض الأحاديث، وفي بعضها الأخذ والقضاء ~~بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم ms206 إلى النار، كما في حديث عمر رضي الله عنه، وفي ~~بعضها الأخذ وإراء آدم إياهم من غير قضاء ولا إشهاد، كما في حديث أبي ~~هريرة. والذي فيه الإشهاد -على الصفة التي قالها أهل القول الأول- موقوف ~~على ابن عباس وعمر، وتكلم فيه أهل الحديث، ولم يخرجه أحد من أهل الصحيح غير ~~الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" والحاكم معروف التساهل رحمه الله. # والذي فيه القضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار دليل على مسألة ~~القدر. وذلك شواهده كثيرة، ولا نزاع فيه بين أهل السنة، وإنما يخالف فيه ~~القدرية المبطلون المبتدعون. # وأما الأول: فالنزاع فيه بين أهل السنة من السلف والخلف، ولولا ما ~~التزمته من الاختصار لبسطت الأحاديث الواردة في ذلك، وما قيل من الكلام ~~عليها، وما ذكر فيها من المعاني المعقولة ودلالة ألفاظ الآية الكريمة. # قال القرطبي: وهذه الآية مشكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها، فنذكر ما ~~ذكروه من ذلك، حسب ما وقفنا عليه. فقال قوم: معنى الآية: أن الله أخرج من ~~ظهر بني آدم بعضهم من بعض، ومعنى {أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم} [الأعراف: ~~172]. دلهم على توحيده، لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربا واحدا [سبحانه ~~وتعالى] قال: فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم، كما قال تعالى في السماوات ~~والأرض: {قالتا أتينا طائعين}، ذهب إلى هذا القفال وأطنب. وقيل: إنه ~~[سبحانه وتعالى] أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وإنه جعل فيها من المعرفة ~~ما علمت به ما خاطبها. ثم ذكر القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك، ~~إلى آخر كلامه. # وأقوى ما يشهد لصحة القول الأول: حديث أنس المخرج في الصحيحين! الذي فيه: ~~قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي ~~شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي1. ولكن قد روي PageV01P243 # من طريق أخرى: قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل، فيرد إلى النار. وليس ~~فيه: في ظهر آدم. وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم على الصفة ~~التي ذكرها ms207 أصحاب القول الأول. # بل القول الأول متضمن1 لأمرين عجيبين: أحدهما: كون الناس تكلموا حينئذ ~~وأقروا بالإيمان وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يوم القيامة. والثاني: أن ~~الآية دلت على ذلك، والآية لا تدل عليه لوجوه: أحدها: أنه قال: من بني آدم، ~~ولم يقل: من آدم. الثاني: أنه قال: من ظهورهم، ولم يقل: من ظهره، وهذا بدل ~~بعض، أو بدل اشتمال، وهو أحسن. الثالث: أنه قال: ذرياتهم ولم يقل: ذريته. ~~الرابع: أنه قال: "وأشهدهم على أنفسهم"، ولا بد أن يكون الشاهد ذاكرا لما ~~شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار -كما تأتي الإشارة ~~إلى ذلك- لا يذكر شهادة قبله. الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد ~~إقامة للحجة عليهم، لئلا يقولوا يوم القيامة: {إنا كنا عن هذا غافلين}، ~~والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها، كما قال تعالى: ~~{رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: ~~165]. السادس: تذكيرهم بذلك، لئلا يقولوا يوم القيامة: {إنا كنا عن هذا ~~غافلين} [الأعراف: 172]، ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم ~~كلهم وإشهادهم جميعا ذلك الوقت، فهذا لا يذكره أحد منهم. السابع: قوله ~~تعالى: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم} [الأعراف: ~~173]، فذكر حكمتين في هذا الإشهاد2: لئلا يدعوا الغفلة، أو يدعوا التقليد، ~~فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره. ولا تترتب هاتان ~~الحكمتان إلا على ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة. الثامن: قوله: ~~PageV01P244 # {أفتهلكنا بما فعل المبطلون} [الأعراف: 173]، أي توعدهم1 بجحودهم وشركهم ~~لما قالوا ذلك، وهو سبحانه إنما يهلكهم بمخالفة رسله وتكذيبهم، وقد أخبر ~~سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد ~~الإعذار والإنذار بإرسال الرسل. التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه ~~أنه ربه وخالقه، واحتج عليه بهذا في غير موضع من كتابه، كقوله: {ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25]، فهذه هي الحجة ~~التي أشهدهم2 على أنفسهم بمضمونها، ms208 وذكرتهم بها رسله، بقولهم: {أفي الله شك ~~فاطر السماوات والأرض} [إبراهيم: 10]. العاشر: أنه جعل هذا آية، وهي ~~الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها، وهذا شأن آيات الرب تعالى، ~~فقال تعالى: {وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون} [الأعراف: 174]، وإنما ذلك ~~بالفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، فما من مولود إلا يولد ~~على الفطرة، لا يولد مولود على غير هذه الفطرة، هذا أمر مفروغ منه، لا ~~تبديل ولا تغيير. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا. والله أعلم. # وقد تفطن لهذا ابن عطية وغيره، ولكن هابوا مخالفة [ظاهر] تلك الأحاديث ~~التي فيها التصريح بأن الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم. وكذلك ~~حكى القولين الشيخ أبو منصور الماتريدي في شرح التأويلات ورجح القول ~~الثاني، وتكلم عليه ومال إليه3. # ولا شك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري، والشرك حادث طارئ، والأبناء ~~تقلدوه4 عن الآباء، فإذا احتجوا يوم القيامة بأن الآباء أشركوا ونحن جرينا ~~على عادتهم كما يجري الناس على عادة آبائهم في المطاعم والملابس والمساكن، ~~يقال لهم: أنتم كنتم معترفين5 بالصانع، مقرين بأن الله ربكم لا شريك له، ~~وقد PageV01P245 # شهدتم بذلك على أنفسكم، فإن شهادة المرء على نفسه هي إقراره بالشيء ليس ~~إلا، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ~~ولو على أنفسكم} [النساء: 135]. وليس المراد أن يقول: أشهد على نفسي بكذا، ~~بل من أقر بشيء فقد شهد على نفسه به، فلم عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار ~~الذي شهدتم به على أنفسكم إلى الشرك؟ بل عدلتم عن المعلوم المتيقن إلى ما ~~لا يعلم له حقيقة، تقليدا لمن لا حجة معه، بخلاف اتباعهم في العادات ~~الدنيوية، فإن تلك لم يكن عندكم ما يعلم به فسادها، وفيه مصلحة لكم، بخلاف ~~الشرك، فإنه كان عندكم من المعرفة والشهادة على أنفسكم ما يبين فساده ~~وعدولكم فيه عن الصواب. # فإن الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو: دين التربية والعادة، وهو لأجل ~~مصلحة الدنيا، فإن الطفل لا بد له من كافل، وأحق الناس به أبواه، ms209 ولهذا ~~جاءت الشريعة بأن الطفل1 مع أبويه على دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة، ~~وهذا الدين لا يعاقبه الله عليه -على الصحيح- حتى يبلغ ويعقل وتقوم عليه ~~الحجة، وحينئذ فعليه أن يتبع: دين العلم والعقل، وهو الذي يعلم بعقله هو ~~أنه دين صحيح، فإن كان آباؤه مهتدين، كيوسف الصديق مع آبائه، قال: {واتبعت ~~ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} [يوسف: 38]، وقال ليعقوب بنوه: {نعبد ~~إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} [البقرة: 133]، وإن كان الآباء ~~مخالفين الرسل، كان عليه أن يتبع الرسل، كما قال تعالى: {ووصينا الإنسان ~~بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} [العنكبوت: ~~8]، الآية2. # فمن اتبع دين آبائه بغير بصيرة وعلم، بل يعدل عن الحق المعلوم إليه، فهذا ~~اتبع هواه، كما قال تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} ~~[البقرة: 110]. # وهذه حال كثير من الناس من الذين ولدوا على الإسلام، يتبع أحدهم أباه ~~فيما كان عليه من اعتقاد ومذهب، وإن كان خطأ ليس هو فيه على بصيرة، بل هو ~~PageV01P246 # من مسلمة الدار، لا مسلمة الاختيار، وهذا إذا قيل له في قبره: من ربك؟ ~~قال: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. # فليتأمل اللبيب هذا المحل، ولينصح نفسه، وليقم معه، ولينظر من أي ~~الفريقين هو؟ والله الموفق، فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل، فإنه ~~مركوز في الفطر, وأقرب ما ينظر فيه المرء1 أمر نفسه لما كان نطفة، وقد خرج ~~من بين الصلب والترائب [والترائب]: عظام الصدر2، ثم صارت تلك النطفة في ~~قرار مكين، في ظلمات ثلاث، وانقطع عنها تدبير الأبوين وسائر الخلائق، ولو ~~كانت موضوعة على لوح أو طبق، واجتمع حكماء العالم على أن يصوروا منها شيئا ~~لم يقدروا, ومحال توهم عمل الطبائع فيها، لأنها موات عاجزة، ولا توصف ~~بحياة، ولن يتأتى من الموات فعل وتدبير، فإذا تفكر في ذلك وانتقال هذه ~~النطفة من حال إلى حال، علم ms210 بذلك توحيد الربوبية، فانتقل منه إلى توحيد ~~الإلهية, فإنه إذا علم بالعقل أن له ربا أوجده، كيف يليق به أن يعبد غيره؟ ~~وكلما تفكر وتدبر ازداد يقينا وتوحيدا، والله الموفق، لا رب غيره، ولا إله ~~سواه. # قوله: "وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل ~~النار، جملة واحدة، فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه, وكذلك أفعالهم ~~فيما علم منهم أن يفعلوه". # ش: قال الله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} [الأنفال: 75]. {وكان الله ~~بكل شيء عليما} [الأحزاب: 40]. فالله تعالى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلا ~~وأبدا، لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة, وما كان ربك نسيا, وعن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس رأسه فجعل ينكت ~~بمخصرته ثم قال: "ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة ~~والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة"، قال: فقال رجل: يا رسول الله، أفلا ~~نمكث على كتابنا وندع العمل؟ PageV01P247 # فقال: "من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من ~~أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة". ثم قال: "اعملوا فكل ميسر لما ~~خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة ~~فييسرون لعمل أهل الشقاوة"، ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، ~~فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى} ~~[الليل: 5 - 10] 1، خرجاه في "الصحيحين". # قوله: "وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء ~~الله، والشقي من شقي بقضاء الله". # ش: تقدم حديث علي رضي الله عنه وقوله صلى الله عليه وسلم: "اعملوا فكل ~~ميسر لما خلق له"، وعن زهير عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنهما، قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله، بين لنا ديننا ~~كأنا خلقنا الآن، فيم ms211 العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، ~~أم فيما يستقبل؟ قال: "لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير"، قال: ~~ففيم العمل؟ قال زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت. ما قال؟ ~~فقال: "اعملوا فكل ميسر" 2. رواه مسلم, وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله ~~عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ~~فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما ~~يبدو للناس وهو من أهل الجنة" 3، خرجاه في "الصحيحين" وزاد البخاري: "وإنما ~~الأعمال بالخواتيم". وفي "الصحيحين" أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله ~~عنه، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو الصادق المصدوق: "إن ~~أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم ~~يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ PageV01P248 # فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ~~فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه ~~وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه ~~الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"1. والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ~~وكذلك الآثار عن السلف. قال أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد": قد أكثر ~~الناس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من الكلام فيه، وأهل ~~السنة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار واعتقادها وترك المجادلة فيها، ~~وبالله العصمة والتوفيق. # وقوله: "وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ~~ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة ~~الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى ~~علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: {لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون} ms212 [الأنبياء: 23]. فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ~~ومن رد حكم الكتاب، كان من الكافرين". # ش: أصل القدر سر الله في خلقه، وهو كونه أوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وأمات ~~وأحيا، وأضل وهدى, قال علي كرم الله وجهه ورضي الله عنه: القدر سر الله فلا ~~نكشفه, والنزاع بين الناس في مسألة القدر مشهور. # والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن الله ~~تعالى خالق أفعال العباد. قال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: ~~49]. وقال تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 2] وأن الله تعالى ~~يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كونا، ولا يرضاه ~~دينا. # وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة، وزعموا: أن الله شاء الإيمان من الكافر، ~~ولكن الكافر شاء الكفر، فردوا إلى هذا لئلا يقولوا: شاء الكفر من الكافر ~~وعذبه عليه! ولكن صاروا: كالمستجير من الرمضاء بالنار! 2. فإنهم هربوا من ~~شياء PageV01P249 # فوقعوا فيما هو شر منه! فإنه يلزم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله ~~تعالى، فإن الله قد شاء الإيمان منه -على قولهم- والكافر شاء الكفر، فوقعت ~~مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى!! وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا ~~دليل عليه، بل هو مخالف للدليل. # روى اللالكائي، من حديث بقية عن الأوزاعي، حدثنا العلاء بن الحجاج، عن ~~محمد بن عبيد المكي: عن ابن عباس قال: قيل لابن عباس: إن رجلا قدم علينا ~~يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه، وهو يومئذ قد عمي، فقالوا له: ما تصنع به؟ ~~فقال: والذي نفسي بيده، لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت ~~رقبته بيدي لأدقنها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كأني ~~بنساء بني فهر1 يطفن بالخزرج، تصطفق ألياتهن مشركات، هذا أول شرك في ~~الإسلام، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن ~~يقدر الخير، كما أخرجوه من أن يقدر الشر"2. قوله: وهذا أول شرك في الإسلام, ~~إلى آخره، من كلام ابن عباس. وهذا يوافق قوله: "القدر ms213 نظام التوحيد، فمن ~~وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده"3. وروى عمرو بن الهيثم قال: خرجنا ~~في سفينة، وصحبنا فيها قدري ومجوسي، فقال القدري للمجوسي: أسلم، قال ~~المجوسي: حتى يريد الله فقال القدري: إن الله يريد ولكن الشيطان لا يريد! ~~قال المجوسي: أراد الله وأراد الشيطان، فكان ما أراد الشيطان! هذا شيطان ~~قوي!! وفي رواية أنه قال: فأنا مع أقواهما!! ووقف أعرابي على حلقة فيها ~~عمرو بن عبيد، فقال: يا هؤلاء إن ناقتي سرقت فادعوا الله أن يردها علي، ~~PageV01P250 # فقال عمرو بن عبيد: اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت، فارددها عليه! ~~فقال الأعرابي: لا حاجة لي في دعائك! قال: ولم؟ قال: أخاف -كما أراد أن لا ~~تسرق فسرقت- أن يريد ردها فلا ترد!! وقال رجل لأبي عصام القسطلاني1: أرأيت ~~إن منعني الهدى وأوردني الضلال ثم عذبني، أيكون منصفا؟ فقال له أبو عصام: ~~إن يكن الهدى شيئا هو له فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء. # وأما الأدلة من الكتاب والسنة: فقد قال تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [السجدة: ~~13]. وقال تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره ~~الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99]. وقال تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله رب العالمين} [التكوير: 30]. {وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله ~~كان عليما حكيما} [الدهر: 30]. وقال تعالى: {من يشأ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم} [الأنعام: 39]. وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء} [الأنعام: 125]. # ومنشأ الضلال: من التسوية بين: المشيئة، والإرادة، وبين: المحبة، والرضى، ~~فسوى الجبرية والقدرية، ثم اختلفوا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضائه ~~وقدره، فيكون محبوبا مرضيا. وقالت القدرية النفاة: ليست المعاصي محبوبة لله ~~ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه, وقد دل ~~PageV01P251 # على الفرق بين: المشيئة، والمحبة. الكتاب ms214 والسنة والفطرة الصحيحة. أما ~~نصوص المشيئة والإرادة من الكتاب، فقد تقدم ذكر بعضها, وأما نصوص المحبة ~~والرضى، فقال تعالى: {والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205]. {ولا يرضى ~~لعباده الكفر} [الزمر: 7] , وقال تعالى عقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم ~~والفواحش والكبر: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} [الإسراء: 38] , وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، ~~وكثرة السؤال، وإضاعة المال" 1. وفي "المسند": "إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، ~~كما يكره أن تؤتى معصيته" 2. وكان من دعائه: "اللهم إني أعوذ برضاك من ~~سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك" 3. فتأمل ذكر استعاذته بصفة ~~الرضى من صفة السخط، وبفعل المعافاة من فعل العقوبة. فالأول: الصفة، ~~والثاني: أثرها المرتب عليها، ثم ربط ذلك كله بذاته سبحانه، وأن ذلك كله ~~راجع إليه وحده لا إلى غيره، فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك، وما أعوذ ~~به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك، إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه، ~~وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه، فإعاذتي مما أكره ومنعه أن يحل بي، هي ~~بمشيئتك أيضا، فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك، فعياذي بك منك، ~~وعياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقولك وعدلك وحكمتك، فلا أستعيذ ~~بغيرك من غيرك ولا أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك، بل هو منك. فلا ~~يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية، إلا الراسخون في ~~العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته. # فإن قيل: كيف يريد الله أمرا ولا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يشاؤه ويكونه؟ ~~وكيف يجمع إرادته له وبغضه وكراهته؟ قيل: هذا السؤال هو الذي افترق الناس ~~لأجله فرقا، وتباينت طرقهم وأقوالهم. فاعلم أن المراد نوعان: مراد لنفسه، ~~ومراد لغيره. PageV01P252 # فالمراد لنفسه، مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير، فهو مراد إرادة ~~الغايات والمقاصد, والمراد لغيره، قد لا يكون مقصودا لما يريد، ولا فيه ~~مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده، فهو مكروه له ~~من حيث ms215 نفسه وذاته، مراد له من حيث قضاؤه وإيصاله إلى مراده, فيجتمع فيه ~~الأمران: بغضه، وإرادته, ولا يتنافيان، لاختلاف متعلقهما, وهذا كالدواء ~~الكريه، إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه، وقطع العضو المتآكل، إذا علم أن ~~في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقة، إذا علم أنها توصل إلى مراده ~~ومحبوبه, بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه وإرادته بالظن الغالب، وإن ~~خفيت عنه عاقبته، فكيف ممن لا يخفى عليه خافية, فهو سبحانه يكره الشيء، ولا ~~ينافي ذلك إرادته لأجل غيره، وكونه سببا إلى أمر هو أحب إليه من فوقه. من ~~ذلك: أنه خلق إبليس، الذي هو مادة الفساد الأديان والأعمال والاعتقادات ~~والإرادات، وهو سبب لشقاوة كثير من العباد، وعملهم بما يغضب الرب سبحانه ~~تبارك وتعالى1 وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه, ومع هذا فهو ~~وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه، ووجودها أحب إليه من ~~عدمها, منها: أنه يظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات ~~المتقابلات، فخلق هذا الذات، التي هي أخبث الذوات وشرها، وهي سبب كل شر، في ~~مقابلة ذات جبرائيل، التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي مادة كل ~~خير، فتبارك خالق هذا وهذا. كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار، والدواء ~~والداء، والحياة والموت، والحسن والقبيح، والخير والشر, وذلك أدل دليل على ~~كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه، فإنه خلق هذه المتضادات، وقابلها بعضها ~~ببعض، وجعلها محال تصرفه وتدبيره, فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل ~~لحكمته وكمال تصرفه وتدبير ملكه, ومنها: ظهور آثار أسمائه القهرية، مثل: ~~القهار، والمنتقم، والعدل، والضار، والشديد العقاب، والسريع العقاب، وذي ~~البطش الشديد، والخافض، والمذل. فإن هذه PageV01P253 # الأسماء والأفعال كمال، لا بد من وجود متعلقها، ولو كان الجن والإنس على ~~طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء, ومنها: ظهور آثار أسمائه المتضمنة ~~لحلمه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا ~~خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه ms216 ~~الحكم والفوائد, وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: "لو لم ~~تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم" 1. ومنها: ~~ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم الخبير، الذي يضع الأشياء ~~مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه، ولا ~~ينزله غير منزلته التي يقتضيها كمال علمه وحكمته وخبرته, فهو أعلم حيث يجعل ~~رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه، وأعلم بمن لا ~~يصلح لذلك, فلو قدر عدم الأسباب المكروهة، لتعطلت حكم كثيرة، ولفاتت مصالح ~~عديدة، ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر، لتعطل الخير الذي هو أعظم ~~من الشر الذي في تلك الأسباب، وهذا كالشمس والمطر والرياح2، التي فيها من ~~المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر, ومنها: حصول العبودية ~~المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت، فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع ~~العبودية إليه سبحانه. ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية ~~وتوابعها من الموالات لله سبحانه [وتعالى] والمعاداة فيه، وعبودية الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر ومخالفة الهوى وإيثار محاب الله ~~تعالى، وعبودية التوبة والاستغفار، وعبودية الاستعاذة بالله أن يجيره من ~~عدوه ويعصمه من كيده وأذاه. إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن ~~إدراكها. # فإن قيل: فهل كان يمكن وجود تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟ PageV01P254 # فهذا سؤال فاسد! وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه، كفرض وجود الابن بدون ~~الأب. والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب. # فإن قيل: فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم، فهل تكون ~~مرضية محبوبة من هذا الوجه، أم هي مسخوطة من جميع الوجوه؟ هذا السؤال يرد ~~على وجهين: أحدهما: من جهة الرب تعالى، وهل يكون محبا لها من جهة إفضالها ~~إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذاتها؟ والثاني: من جهة العبد، وهو أنه هل ~~يسوغ له الرضى بها من تلك الجهة أيضا؟ فهذا سؤال له شأن. # فاعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم، ms217 أعني عدم الخير وأسبابه المفضية إليه، ~~وهو من هذه الجهة شر، وأما من جهة وجوده المحض فلا شر فيه. مثاله: أن ~~النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة، وإنما حصل لها الشر بقطع مادة ~~الخير عنها، فإنها خلقت في الأصل متحركة، فإن أعينت بالعلم وإلهام الخير ~~تحركت به، وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه, وحركتها من حيث هي حركة: خير، ~~وإنما تكون شرا بالإضافة، لا من حيث هي حركة، والشر كله ظلم، وهو وضع الشيء ~~في غير محله، فلو وضع في موضعه لم يكن شرا، فعلم أن جهة الشر فيه نسبية ~~إضافية, ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالها خيرا في نفسها، وإن كانت ~~شرا بالنسبة إلى المحل الذي حلت به، لما أحدثت فيه من الألم الذي كانت ~~الطبيعة قابلة لضده من اللذة مستعدة له، فصار ذلك الألم شرا بالنسبة إليها، ~~وهو خير بالنسبة إلى الفاعل حيث وضعه في موضعه، فإنه سبحانه لم يخلق شرا ~~محضا من جميع الوجوه والاعتبارات، فإن حكمته تأبى ذلك, فلا يكون في جناب ~~الحق تعالى أن يريد شيئا يكون فسادا من كل وجه، لا مصلحة في خلقه بوجه ما، ~~هذا من أبين المحال، فإنه سبحانه الخير كله بيديه، والشر ليس إليه، بل كل ~~ما إليه فخير، والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة والنسبة إليه، فلو كان إليه ~~لم يكن شرا، فتأمله. فانقطاع نسبته إليه هو1 الذي صيره شرا. # فإن قيل: لم تنقطع نسبته إليه خلقا ومشيئة؟ قيل: هو من هذه الجهة ليس ~~بشر، فإن وجوده هو المنسوب إليه، وهو من هذه الجهة ليس بشر، والشر الذي فيه ~~من عدم إمداده بالخير وأسبابه، والعدم ليس بشيء، حتى ينسب إلى من بيده ~~الخير. PageV01P255 ### | أسباب الخير ثلاثة "الإيجاد والإعداد والإمداد" # فإن أردت مزيد إيضاح لذلك، فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد، ~~والإعداد، والإمداد, فإيجاد هذا خير، وهو إلى الله، وكذلك إعداده وإمداده، ~~فإن لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى ms218 ~~الفاعل، وإنما إليه ضده. # فإن قيل: هلا أمده إذا أوجده؟ قيل: ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده، ~~وإنما اقتضت إيجاده وترك إمداده, فإيجاده خير، والشر وقع من عدم إمداده. # فإن قيل: فهلا أمد الموجودات كلها؟ فهذا سؤال فاسد، يظن مورده أن التسوية ~~بين الموجودات أبلغ في الحكمة! وهذا عين الجهل! بل الحكمة في هذا التفاوت ~~العظيم الذي بين الأشياء، وليس في خلق كل نوع منها تفاوت، فكل نوع منها ليس ~~في خلقه تفاوت، والتفاوت إنما وقع لأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق، وإلا ~~فليس في الخلق من تفاوت, فإن اعتاص عليك هذا، ولم تفهمه حق الفهم، فراجع ~~قول القائل: # إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع1 # فإن قيل: كيف يرضى لعبده شيئا ولا يعينه عليه؟ قيل: لأن إعانته عليه قد ~~تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة2 التي رضيها له، وقد يكون ~~وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك ~~الطاعة. وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ~~ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم} [التوبة: 46] الآيتين. فأخبر سبحانه أنه ~~كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله، وهو طاعة، فلما كرهه منهم ثبطهم عنه، ثم ~~ذكر PageV01P256 # سبحانه بعض المفاسد التي تترتب على خروجهم مع رسوله، فقال: {لو خرجوا ~~فيكم ما زادوكم إلا خبالا} [التوبة: 47]، أي فسادا وشرا، {ولأوضعوا خلالكم} ~~[التوبة: 47]، أي سعوا بينكم بالفساد والشر، {يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون ~~لهم} [التوبة: 47]، أي قابلون منهم1 مستجيبون لهم، فيتولد من سعي هؤلاء ~~وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم، فاقتضت الحكمة والرحمة أن ~~أقعدهم عنه, فاجعل هذا المثال أصلا، وقس عليه. # وأما الوجه الثاني، وهو الذي من جهة العبد: فهو أيضا ممكن، بل واقع, فإن ~~العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها، من حيث هي فعل العبد، واقعة بكسبه ~~وإرادته واختياره، ويرضى بعلم الله وكتابه ومشيئته وإرادته وأمره الكوني، ~~فيرضى بما من الله ويسخط ما هو منه. فهذا مسلك طائفة ms219 من أهل العرفان. ~~وطائفة أخرى كرهتها مطلقا، وقولهم يرجع إلى هذا القول، لأن إطلاقهم الكراهة ~~لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابه2 ومشيئته. وسر المسألة: أن الذي إلى ~~الرب منها غير مكروه، والذي إلى العبد مكروه. # فإن قيل: ليس إلى العبد شيء منها. قيل: هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن ~~صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق، والقدري المنكر أقرب إلى التخلص منه من ~~الجبري, وأهل السنة، المتوسطون بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من ~~الفريقين. # فإن قيل: كيف يتأتى الندم والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير، ومع شهود ~~القيومية والمشيئة النافذة؟ قيل: هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود ~~الأمر على غير ما هو عليه، فرأى تلك الأفعال طاعات، لموافقته فيها المشيئة ~~والقدر، وقال: إن عصيت أمره فقد أطعت إرادته! [و] في ذلك قيل: # أصبحت منفعلا لما يختاره ... مني ففعلي كله طاعات # وهؤلاء أعمى الخلق بصائر، وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية، فإن ~~الطاعة PageV01P257 # هي موافقة الأمر الديني الشرعي، لا موافقة القدر والمشيئة، ولو كان ~~موافقة القدر طاعة لكان إبليس من أعظم المطيعين له، ولكان قوم نوح وهود ~~وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون كلهم مطيعين! وهذا غاية الجهل، لكن إذا شهد ~~العبد عجز نفسه، ونفوذ الأقدار فيه، وكمال فقره إلى ربه، وعدم استغنائه عن ~~عصمته وحفظه طرفة عين: كان بالله في هذه الحال لا بنفسه، فوقوع الذنب منه ~~لا يتأتى في هذه الحال ألبتة، فإن عليه حصنا حصينا، فبي يسمع، وبي يبصر، ~~وبي يبطش، وبي يمشي، فلا يتصور منه الذنب في هذه الحال، فإذا حجب عن هذا ~~المشهد وبقي بنفسه، استولى عليه حكم النفس، فهنالك نصبت عليه الشباك ~~والأشراك، وأرسلت عليه الصيادون، فإذا انقشع عنه ضباب ذلك الوجود الطبعي، ~~فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة، فإنه كان في المعصية محجوبا بنفسه عن ~~ربه، فلما فارق ذلك الوجود صار في وجود آخر، فبقي بربه لا بنفسه. # فإن قيل: إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره، ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء ~~الله، فكيف ms220 ننكره ونكرهه؟! # فالجواب: أن يقال أولا: نحن غير مأمورين بالرضى بكل ما يقضيه الله ~~ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة، بل من المقضي ما يرضى به، ومنه ما يسخط ~~ويمقت، كما لا يرضى به القاضي لأقضيته سبحانه، بل من القضاء ما يسخط، كما ~~أن من الأعيان المقضية ما يغضب عليه ويمقت ويلعن ويذم. # ويقال ثانيا: هنا أمران: قضاء الله، وهو فعل قائم بذات الله تعالى. ~~ومفضي: وهو المفعول المنفصل عنه. فالقضاء كله خير وعدل وحكمة، نرضى به كله. ~~والمقضي قسمان: منه ما يرضى به، ومنه ما لا يرضى به. # ويقال ثالثا: القضاء له وجهان: أحدهما: تعلقه بالرب تعالى ونسبته إليه، ~~فمن هذا الوجه يرضى به. والوجه الثاني: تعلقه بالعبد ونسبته إليه، فمن هذا ~~الوجه ينقسم إلى ما يرضى به وإلى ما لا يرضى به. مثال ذلك: قتل النفس، له ~~اعتباران: فمن حيث قدره الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلا للمقتول ونهاية ~~لعمره يرضى به، ومن حيث صدر من القتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره ~~وعصى الله بفعله, نسخطه ولا نرضى به. # PageV01P258 # وقوله: والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان. آخره التعمق: هو المبالغة ~~في طلب الشيء. والمعنى: أن المبالغة في طلب القدر والغوص في الكلام فيه ~~ذريعة الخذلان. الذريعة: الوسيلة. والذريعة والدرجة والسلم متقاربة المعنى، ~~وكذلك الخذلان والحرمان والطغيان متقاربة المعنى أيضا. لكن الخذلان في ~~مقابلة الظفر, والطغيان في مقابلة الاستقامة. # وقوله: فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة. عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه، قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ ~~قال: "وقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم، قال: "ذلك صريح الإيمان" 1. رواه مسلم، ~~الإشارة بقوله: ذلك صريح الإيمان إلى تعاظم أن يتكلموا به. ولمسلم أيضا عن ~~عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الوسوسة؟ فقال: "تلك محض الإيمان" 2. فهو ms221 بمعنى حديث أبي هريرة، فإن وسوسة ~~النفس أو مدافعة وسواسها بمنزلة المحادثة الكائنة بين اثنين، فمدافعة ~~الوسوسة الشيطانية واستعظامها صريح الإيمان ومحض الإيمان. هذه طريقة ~~الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان, ثم خلف من بعدهم خلف، سودوا ~~الأوراق بتلك الوساوس، التي هي شكوك وشبه، بل سودوا الأوراق بتلك الوساوس، ~~التي هي شكوك وشبه، بل وسودوا القلوب، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، ~~ولذلك أطنب الشيخ رحمه الله في ذم الخوض في الكلام في القدر والفحص عنه. ~~وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" 3. وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية ~~حدثنا داود ابن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: خرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، قال4: فكأنما ~~تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، PageV01P259 # قال: فقال لهم: "ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان ~~قبلكم". قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله لم أشهده، بما غبطت نفسي ~~بذلك المجلس، أني لم أشهده1. ورواه ابن ماجه أيضا. وقال تعالى: {فاستمتعتم ~~بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا} [التوبة: ~~69]، الخلاق: النصيب، قال تعالى: {وما له في الآخرة من خلاق} [البقرة: ~~200]، أي استمتعتم بنصيبكم كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبهم وخضتم كالذي ~~خاضوا، أي كالخوض الذي خاضوه، أو كالفوج أو الصنف أو الجيل الذي خاضوا. ~~وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض، لأن فساد الدين إما في ~~العمل وإما في الاعتقاد، فالأول من جهة الشهوات، والثاني من جهة الشبهات. ~~وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لتأخذن أمتي مآخذ القرون قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع"، قالوا: فارس ~~والروم؟ قال: "فمن الناس إلا أولئك" 2. وعن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي ما ms222 أتى ~~على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان ~~من أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة، ~~وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة". قالوا: من ~~هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" 3. رواه الترمذي. وعن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تفرقت [اليهود] على إحدى ~~وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة" 4، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ~~ثلاث وسبعين فرقة. رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. ~~PageV01P260 # وعن معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة" 1، ~~وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة. يعني: الأهواء، كلها2 في النار ~~إلا واحدة، وهي الجماعة. # وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة: مسألة القدر, وقد اتسع ~~الكلام فيها غاية الاتساع. # وقوله: فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من ~~الكافرين. # اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله, على التسليم وعدم ~~الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع. ولهذا لم يحك الله ~~سبحانه عن أمة نبي صدقت بنبيها وآمنت بما جاء به، أنها سألته عن تفاصيل ~~الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلغها عن ربها، ولو فعلت ذلك لما كانت ~~مؤمنة بنبيها، بل انقادت وسلمت وأذعنت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي ~~عنها لم تتوقف في انقيادها وتسليمها على معرفته، ولا جعلت ذلك من شأنها، ~~وكان رسولها أعظم عندها من أن تسأله عن ذلك، كما في الإنجيل: "يا بني ~~إسرائيل لا تقولوا: لم أمر ربنا؟ ولكن قولوا: بم أمر ربنا، ولهذا كان سلف ~~هذه الأمة، التي هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما, لا تسأل نبيها: لم أمر ~~الله بكذا؟ ولم نهى عن كذا؟ ولم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ ms223 لعلمهم أن ذلك مضاد ~~للإيمان والاستسلام، وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم, فأول ~~مراتب تعظيم الأمر التصديق به، ثم العزم الجازم على امتثاله، ثم المسارعة ~~إليه والمبادرة به، والحذر عن القواطع والموانع، ثم بذل الجهد والنصح في ~~الإتيان به على أكمل الوجوه، ثم فعله لكونه مأمورا، بحيث لا يتوقف الإتيان ~~به على معرفة حكمته, فإن ظهرت له PageV01P261 # فعله وإلا عطله، فإن هذا ينافي الانقياد، ويقدح في الامتثال, قال القرطبي ~~ناقلا عن ابن عبد البر: فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفي الجهل عن ~~نفسه، باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه. فلا بأس به، فشفاء العي ~~السؤال. ومن سأل متعنتا غير متفقه ولا متعلم، فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ~~ولا كثيره. قال ابن العربي1: الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة، ~~وإيضاح سبل النظرة، وتحصيل مقدمات الاجتهاد، وإعداد الآلة المعينة على ~~الاستمداد. قال: فإذا عرضت نازلة، أتيت من بابها، ونشدت من مظانها، والله ~~يفتح وجه الصواب فيها. انتهى. وقال صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام ~~المرء تركه ما لا يعنيه" 2. رواه الترمذي وغيره, ولا شك في تكفير من رد حكم ~~الكتاب، ولكن من تأول حكم الكتاب لشبهة عرضت له، بين له الصواب ليرجع إليه، ~~فالله سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل، لكمال حكمته ورحمته وعدله، لا لمجرد ~~قهره وقدرته، كما يقول جهم وأتباعه. وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قول الشيخ: ~~ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله. # قوله: "فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، ~~وهي درجة الراسخين في العلم، لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في ~~الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا ~~يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود". # ش: الإشارة بقوله: فهذا. إلى ما تقدم ذكره، مما يجب اعتقاده والعمل به، ~~مما جاءت به الشريعة, وقوله: وهي درجة الراسخين في العلم, ms224 أي علم ما جاء به ~~الرسول جملة وتفصيلا، نفيا وإثباتا, ويعني بالعلم المفقود: علم القدر الذي ~~طواه الله عن أنامه، ونهاهم عن مرامه. ويعني بالعلم الموجود: علم الشريعة، ~~أصولها وفروعها، فمن أنكر شيئا مما جاء به الرسول كان من الكافرين، ومن ~~ادعى PageV01P262 # علم الغيب كان من الكافرين. قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا، إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 26 - 27]، الآية. وقال تعالى: {إن الله ~~عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب ~~غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان: 34]. # ولا يلزم من خفاء حكمة الله علينا عدمها، ولا من جهلنا انتفاء حكمته1. ~~ألا ترى أن خفاء حكمة الله علينا في خلق الحيات والعقارب والفأر والحشرات، ~~التي لا يعلم منها إلا المضرة: لم ينف أن يكون الله تعالى خالقا لها، ولا ~~يلزم أن لا يكون فيها حكمة خفيت علينا، لأن عدم العلم لا يكون علما ~~بالمعدوم. PageV01P263 ### | الإيمان باللوح والقلم # قوله: "ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم". # ش: قال تعالى: {بل هو قرآن مجيد، في لوح محفوظ} [البروج: 21 - 22] وروى ~~الحافظ أبو القاسم الطبراني بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"إن الله خلق لوحا محفوظا، من درة بيضاء، صفحاتها ياقوتة حمراء، قلمه نور ~~وكتابه نور، لله فيه كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، وعرضه ما بين السماء ~~والأرض، ينظر فيه كل يوم ستين وثلاثمائة نظرة، يخلق ويرزق ويميت ويحيي، ~~ويعز ويذل، ويفعل ما يشاؤه"1. # اللوح المذكور هو الذي كتب الله مقادير الخلائق فيه، والقلم PageV01P263 # المذكور هو الذي خلقه الله وكتب به في اللوح المذكور المقادير، كما في ~~سنن أبي داود، عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " [إن] أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب، وما [ذا] ~~أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" 1. PageV01P264 # واختلف العلماء: هل القلم أول المخلوقات، أو ms225 العرش؟ على قولين، ذكرهما ~~الحافظ أبو العلاء الهمداني، أصحهما: أن العرش قبل القلم، لما ثبت في ~~الصحيح «من حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ~~[قال]: وعرشه على الماء» 1. # فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش، والتقدير وقع عند أول خلق ~~القلم، بحديث عبادة هذا. # ولا يخلو قوله: «أول ما خلق الله القلم»، إلخ - إما أن يكون جملة أو ~~جملتين. # فإن كان جملة، وهو الصحيح، كان معناه: أنه عند أول خلقه قال له: اكتب، ~~[كما في اللفظ: «أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب]» بنصب أول والقلم، ~~وإن كان جملتين، وهو مروي برفع أول والقلم، فيتعين حمله على أنه أول ~~المخلوقات من هذا العالم، فيتفق الحديثان، إذ حديث عبد الله بن عمرو صريح ~~في أن العرش سابق على التقدير، والتقدير مقارن لخلق القلم. # وفي اللفظ الآخر: «لما خلق الله القلم قال له: اكتب»، فهذا القلم أول ~~الأقلام وأفضلها وأجلها. # وقد قال غير واحد من أهل التفسير: إنه القلم الذي أقسم الله به في قوله ~~تعالى: {ن والقلم وما يسطرون}. # والقلم الثاني: قلم الوحي: وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله، ~~وأصحاب هذا القلم هم: الحكام على العالم. # والأقلام كلها خدم لأقلامهم. # وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم لله ليلة أسري به إلى مستوى يسمع فيه ~~PageV01P265 # صريف الأقلام، فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى من ~~الأمور التي يدبرها، أمر العالم العلوي والسفلي. # قوله: "فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن، ~~ليجعلوه غير كائن -لم يقدروا عليه, ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله ~~تعالى فيه، ليجعلوه كائنا- لم يقدروا عليه. جف القلم بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة". # ش: تقدم حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: جاء سراقة بن ~~مالك بن جعشم، فقال: يا رسول ms226 الله، بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم ~~العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما استقبل؟ قال: ~~"لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير" 1. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: "يا غلام ~~ألا أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فسأل ~~الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك ~~بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء ~~لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف" 2. رواه ~~الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي: "احفظ الله تجده ~~أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ~~ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع ~~الكرب، وأن مع العسر يسرا". # وقد جاءت "الأقلام" في هذه الأحاديت وغيرها مجموعة، فدل ذلك على أن ~~للمقادير أقلاما غير القلم الأول، الذي تقدم ذكره مع اللوح المحفوظ. # والذي دلت عليه السنة أن الأقلام أربعة، وهذا التقسيم غير التقسيم المقدم ~~ذكره: PageV01P266 # القلم الأول: العام الشامل لجميع المخلوقات، وهو الذي تقدم ذكره مع ~~اللوح. # القلم الثاني: خبر1 خلق آدم، وهو قلم عام أيضا، لكن لبني آدم، ورد في هذا ~~آيات تدل على أن الله قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم، عقيب ~~خلق أبيهم. # القلم الثالث: حين يرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه، فينفخ فيه الروح، ~~ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد2. كما ورد ذلك ~~في الأحاديث الصحيحة. # القلم الرابع: الموضوع على العبد عند بلوغه، الذي بأيدي الكرام الكاتبين، ~~الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم، كما ورد ذلك في الكتاب والسنة. # وإذا علم العبد أن كلا من عند الله، فالواجب إفراده سبحانه بالخشية ~~والتقوى. قال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} [المائدة: 44]. {وإياي ms227 ~~فارهبون} [البقرة: 40]. {وإياي فاتقون} [البقرة: 41]. {ومن يطع الله ورسوله ~~ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} [النور: 52]. {هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة} [المدثر: 56]. # ونظائر هذا المعنى في القرآن كثيرة, ولا بد لكل عبد أن يتقي أشياء، فإنه ~~لا يعيش وحده، ولو كان ملكا مطاعا فلا بد أن يتقي أشياء يراعي بها رعيته, ~~فحينئذ فلا بد لكل إنسان أن يتقي، فإن لم يتق الله اتقى المخلوق، والخلق لا ~~يتفق حبهم كلهم وبغضهم، بل الذي يريده هذا يبغضه هذا، فلا يمكن إرضاؤهم ~~كلهم، كما قال الشافعي رضي الله عنه: رضى الناس غاية لا تدرك، فعليك بالأمر ~~الذي يصلحك فالزمه، ودع ما سواه فلا تعانه, فإرضاء الخلق لا مقدور3 ولا ~~مأمور، وإرضاء الخالق مقدور ومأمور, [و] أيضا فالمخلوق لا يغني عنه من الله ~~شيئا، فإذا اتقى العبد ربه كفاه مؤنة الناس, كما كتبت عائشة إلى معاوية، ~~روي PageV01P267 # مرفوعا، وروي موقوفا عليها: من أرضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى ~~عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، عاد حامده من الناس [له] ذاما1. ~~PageV01P268 # فمن أرضى الله كفاه مؤنة الناس ورضي عنه، ثم فيما بعد يرضون، إذ العاقبة ~~للتقوى، ويحبه الله فيحبه الناس. كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "إذا أحب الله العبد نادى: يا جبرائيل، إني أحب فلانا فأحبه، ~~فيحبه جبرائيل، ثم ينادي جبرائيل في السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، ~~فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" 1، وقال في البغض مثل ذلك. ~~فقد بين أنه لا بد لكل مخلوق من أن يتقي إما المخلوق، وإما الخالق. وتقوى ~~المخلوق ضررها راجح على نفعها من وجوه كثيرة، وتقوى الله هي التي يحصل بها2 ~~سعادة الدنيا والآخرة، فهو سبحانه أهل التقوى، وهو أيضا أهل المغفرة، فإنه ~~هو الذي يغفر الذنوب، لا يقدر مخلوق على أن يغفر الذنوب ويجير من عذابها ~~غيره، وهو الذي يجير ولا يجار عليه. قال بعض السلف: ما احتاج تقي قط، لقوله ~~تعالى: {ومن يتق الله ms228 يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2, ~~3]، فقد ضمن الله للمتقين أن يجعل لهم مخرجا مما يضيق على الناس، وأن ~~يرزقهم من حيث لا يحتسبون، فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللا، ~~فليستغفر الله وليتب إليه، ثم قال تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} ~~[الطلاق: 3]، أي فهو كافيه، لا يحوجه إلى غيره. PageV01P269 # وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور ~~إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا فاسد، فإن الاكتساب: منه فرض، ~~ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، كما قد عرف في موضعه. وقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل المتوكلين، يلبس لأمة الحرب، ويمشي في ~~الأسواق للاكتساب، حتى قال الكافرون: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق} [الفرقان: 7]. ولهذا تجد كثيرا ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل ~~يرزقون على يد من يعطيهم، إما صدقة، وإما هدية، وقد يكون [ذلك] من مكاس، أو ~~والي شرطة، أو نحو ذلك، وهذا مبسوط في موضعه، لا يسعه هذا المختصر. وقد ~~تقدمت الإشارة إلى بعض الأقوال التي في [تفسير] قوله تعالى: {يمحوا الله ما ~~يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} [الرعد: 39]. وأما قوله تعالى: {كل يوم هو في ~~شأن} [الرحمن: 29] فقال البغوي. قال مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن ~~الله لا يقضي يوم السبت! قال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق، ~~ويعز قوما ويذل آخرين، ويشفي مريضا، ويفك عانيا، ويفرج مكروبا، ويجيب ~~داعيا، ويعطي سائلا، ويغفر ذنبا، إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ~~ما يشاء. # قوله: "وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه". # ش: هذا بناء على ما تقدم من أن المقدور كائن لا محالة، ولقد أحسن القائل ~~حيث يقول: # ما قضى الله كائن لا محاله ... والشقي الجهول من لام حاله # والقائل الآخر: # اقنع بما ترزق يا ذا الفتى ... فليس ينسى ربنا نمله # إن أقبل الدهر فقم قائما ... وإن تولى مدبرا نم ms229 له # قوله: "وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ~~ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقض، ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا ~~ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه". # PageV01P270 # ش: هذا بناء على ما تقدم من أن الله تعالى قد سبق علمه بالكائنات، وأنه ~~قدر مقاديرها قبل خلقها، كما قال صلى الله عليه وسلم: "قدر الله مقادير ~~الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء" 1. ~~فيعلم أن الله قد علم أن الأشياء تصير موجودة لأوقاتها، على ما اقتضته ~~حكمته البالغة [فكانت كما علم]. فإن حصول المخلوقات على ما فيها من غرائب ~~الحكم لا يتصور إلا من عالم قد سبق علمه على إيجادها, قال تعالى: {ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14]. وأنكر غلاة المعتزلة أن الله كان ~~عالما في الأزل، وقالوا: إن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد [حتى يفعلوا]! ~~تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: ~~ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروا كفروا. فإن الله ~~[تعالى] يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما استطاعه فيثيبه، وهذا مستطيع لا يفعل ~~ما استطاعه فيعذبه، فإنما يعذبه لأنه لا يفعل مع القدرة، وقد علم الله ذلك ~~منه، ومن لا يستطيع لا يأمره ولا يعذبه على ما لم يستطعه. # وإذا قيل: فيلزم أن يكون العبد قادرا على تغيير علم الله، لأن الله علم ~~أنه لا يفعل، فإذا قدر على الفعل قدر على تغيير علم الله؟ قيل: هذه مغالطة، ~~وذلك أن مجرد مقدرته على الفعل لا تستلزم تغيير العلم، وإنما يظن من يظن ~~تغيير العلم إذا وقع الفعل، ولو وقع الفعل لكان المعلوم وقوعه لا عدم ~~وقوعه، فيمتنع أن يحصل وقوع الفعل مع علم الله بعدم وقوعه، بل إن وقع كان ~~الله قد علم أنه يقع، وإن لم يقع كان الله قد علم أنه لا يقع, ونحن لا نعلم ~~علم الله إلا ms230 بما يظهر، وعلم الله مطابق للواقع، فيمتنع أن يقع شيء يستلزم ~~تغيير العلم، بل أي شيء وقع كان هو المعلوم، والعبد الذي لم يفعل لم يأت ~~بما يغير العلم، [بل هو قادر على فعل لم يقع، ولو وقع لكان الله قد علم أنه ~~يقع، لا أنه لا يقع. # وإذا قيل: فمن عدم وقوعه يعلم الله أنه لا يقع، فلو قدر العبد على وقوعه ~~قدر على تغيير العلم]؟ قيل: ليس الأمر كذلك، بل العبد يقدر على وقوعه وهو ~~لم يوقعه، ولو أوقعه لم يكن المعلوم إلا وقوعه، [فمقدور العبد إذا وقع لم ~~يكن المعلوم PageV01P271 # إلا وقوعه, وهؤلاء فرضوا وقوعه مع العلم بعدم وقوعه! وهو فرض محال, وذلك ~~بمنزلة من يقول: افرض وقوعه مع عدم وقوعه]! وهو جمع بين النقيضين. # فإن قيل: فإذا كان وقوعه مع علم الرب [عدم] وقوعه محالا لم يكن مقدورا؟ ~~قيل: لفظ المحال مجمل، وهذا ليس محالا لعدم استطاعته له ولا لعجزه عنه ولا ~~لامتناعه في نفسه، بل هو ممكن مقدور مستطاع، ولكن إذا وقع كان الله عالما ~~بأنه سيقع، وإذا لم يقع كان عالما بأنه لا يقع، فإذا فرض وقوعه مع انتفاء ~~لازم الوقوع صار محالا من جهة إثبات الملزوم بدون لازمه, وكل الأشياء بهذا ~~الاعتبار هي محال! مما يلزم هؤلاء: أن لا يبقى أحد قادرا على شيء، لا الرب، ~~ولا الخلق، فإن الرب إذا علم من نفسه أنه سيفعل كذا لا يلزم من علمه ذلك ~~انتفاء قدرته على تركه، وكذلك إذا علم من نفسه أنه لا يفعله لا يلزم منه ~~انتفاء قدرته على فعله، فكذلك ما قدره من أفعال عباده. والله تعالى أعلم. # قوله: "وذلك من عقد1 الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى ~~وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}. وقال ~~تعالى: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} [الأحزاب: 38]. # ش: الإشارة إلى ما تقدم من الإيمان بالقدر وسبق علمه بالكائنات قبل ~~خلقها, قال صلى الله عليه وسلم في جواب السائل عن الإيمان: ms231 "أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" 2. وقال صلى ~~الله عليه وسلم في آخر الحديث: "يا عمر أتدري من السائل؟ " قال: الله ~~ورسوله أعلم، قال: "فإنه جبرائيل، أتاكم يعلمكم دينكم". رواه مسلم. # وقوله: والإقرار بتوحيد الله وربوبيته، أي لا يتم التوحيد والإقرار ~~بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته تعالى، فإن من زعم خالقا غير الله فقد أشرك، ~~فكيف بمن يزعم أن كل أحد يخلق فعله؟! ولهذا كانت القدرية مجوس هذه الأمة، ~~وأحاديثهم في "السنن". وروى أبو داود عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال: "القدرية PageV01P272 # مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم"1. وروى ~~أبو داود أيضا عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من ~~مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، ~~وحق على الله أن يلحقهم بالدجال"2. وروى أبو داود أيضا عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لا تجالسوا أهل القدر ~~ولا تفاتحوهم"3. وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من بني آدم ليس لهم في الإسلام نصيب: ~~المرجئة والقدرية"4. لكن كل أحاديث القدرية المروعة ضعيفة. وإنما يصح ~~الموقوف منها: فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: القدر نظام التوحيد، ~~فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده5. وهذا لأن الإيمان بالقدر ~~يتضمن الإيمان بعلم الله القديم وما أظهر من علمه الذي لا يحاط به وكتابه ~~مقادير الخلائق. وقد ضل في هذا الموضع خلائق من المشركين والصابئين ~~والفلاسفة وغيرهم، ممن ينكر علمه بالجزئيات أو بغير ذلك، فإن ذلك كله مما ~~يدخل في التكذيب بالقدر, وأما قدرة الله على كل شيء فهو الذي يكذب به ~~القدرية جملة، حيث جعلوه لم يخلق أفعال العباد، فأخرجوها عن قدرته وخلقه. # والقدر، ms232 الذي لا ريب في دلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه، وأن الذي ~~جحدوه هم القدرية المحضة بلا نزاع: هو ما قدره الله من مقادير العباد. ~~وعامة ما PageV01P273 # يوجد من كلام الصحابة والأئمة في ذم القدرية يعني به هؤلاء، كقول ابن عمر ~~رضي الله عنهما، لما قيل له: يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف: أخبرهم أني ~~منهم بريء وأنهم مني براء. # والقدر، الذي هو التقدير المطابق للعلم يتضمن أصولا عظيمة: أحدها: أنه ~~عالم بالأمور المقدرة قبل كونها، فيثبت علمه القديم، وفي ذلك الرد على من ~~ينكر علمه القديم. الثاني: أن التقدير يتضمن مقادير المخلوقات، ومقاديرها ~~هي صفاتها المعينة المختصة بها، فإن الله قد جعل لكل شيء قدرا، قال تعالى: ~~{وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 2]. فالخلق يتضمن التقدير، تقدير ~~الشيء في نفسه، بأن يجعل له قدرا، وتقديره قبل وجوده, فإذا كان قد كتب لكل ~~مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته، كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور ~~الجزئية المعينة، خلافا لمن أنكر ذلك وقال: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات! ~~فالقدر يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات, الثالث: أنه يتضمن أنه أخبر ~~بذلك وأظهره قبل وجود المخلوقات إخبارا مفصلا، فيقضي أنه يمكن أن يعلم ~~العباد الأمور قبل وجودها علما مفصلا، فيدل ذلك بطريق التنبيه على أن ~~الخالق أولى بهذا العلم، فإنه كان يعلم عباده بذلك فكيف لا يعلمه هو؟! ~~الرابع: أنه يتضمن أنه مختار لما يفعله، محدث له بمشيئته وإرادته، ليس ~~لازما لذاته. الخامس: أنه يدل على حدوث هذا المقدور، وأنه كان بعد أن لم ~~يكن، فإنه يقدره ثم يخلقه. # قوله: "فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما، وأحضر للنظر فيه قلبا ~~سقيما، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما، وعاد بما قال فيه أفكا ~~أثيما". # ش: [اعلم أن] القلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن. قال ~~تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله ~~في الظلمات ليس بخارج منها} [الأنعام: 122]. أي ms233 كان ميتا بالكفر فأحييناه ~~بالإيمان, فالقلب الصحيح الحي إذا عرض عليه الباطل والقبائح نفر منها بطبعه ~~وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرق بين الحسن ~~والقبيح، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هلك من لم يكن له قلب # PageV01P274 # يعرف به المعروف والمنكر1. وكذلك القلب المريض بالشهوة، فإنه لضعفه يميل ~~إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه. # ومرض القلب نوعان، كما تقدم: مرض شهوة، ومرض شبهة، وأردؤها مرض الشبهة، ~~وأردأ الشبه ما كان من أمر القدر, وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يشعر2 به ~~صاحبه، لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا ~~يشعر بموته، وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق ~~وعقائده الباطلة, فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، ~~وتألم بأهله بالحق بحسب حياته. ما لجرح بميت إيلام. وقد يشعر بمرضه، ولكن ~~يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها، فيؤثر بقاء ألمه على مشقة ~~الدواء فإن دواءه في مخالفة الهوى، وذلك أصعب شيء على النفس، وليس له أنفع ~~منه، وتارة يوطن نفسه على الصبر، ثم ينفسخ عزمه ولا يستمر معه، لضعف علمه ~~وبصيرته وصبره، كمن دخل في طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن، وهو يعلم أنه إن ~~صبر عليه انقضى في الخوف وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر وقوة يقين ~~بما يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق ولم يتحمل مشقتها، ولا ~~سيما إن عدم الرفيق واستوحش من الوحدة وجعل يقول: أين ذهب الناس فلي أسوة ~~بهم! وهذه حال أكثر الخلق، وهي التي أهلكتهم. فالصابر3 الصادق لا يستوحش من ~~قلة الرفيق ولا من فقده، إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول، {الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} ~~[النساء: 69]. # وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في ~~كتاب "الحوادث والبدع": حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد لزوم ms234 الحق ~~واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا، لأن الحق هو الذي ~~كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي ~~الله عنهم، ولا ننظر إلى كثرة PageV01P275 # أهل الباطل بعدهم, وعن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: السنة -والذي لا ~~إله إلا هو- بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة ~~كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين [لم] يذهبوا مع ~~أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعتهم، وصبروا على سنتهم حتى ~~لقوا ربهم، فكذلك فكونوا. # وعلامة مرض القلب عدوله عن الأغذية النافعة الموافقة، إلى الأغذية ~~الضارة، وعدوله عن دوائه النافع، إلى دوائه الضار. فههنا أربعة أشياء: غذاء ~~نافع، ودواء شاف، وغذاء ضار، ودواء مهلك. فالقلب الصحيح يؤثر النافع ~~الشافي، على الضار المؤذي، والقلب المريض بضد ذلك. وأنفع الأغذية غذاء ~~الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القرآن، وكل منهما فيه الغذاء والدواء، فمن ~~طلب الشفاء في غير الكتاب والسنة فهو من أجهل الجاهلين وأضل الضالين، فإن ~~الله تعالى يقول: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44]. وقال تعالى: ~~{وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} ~~[الإسراء: 82]. و"من" في قوله: {من القرآن} لبيان الجنس، لا للتبعيض. وقال ~~تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ~~ورحمة للمؤمنين} [يونس: 57]. فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء ~~القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل للاستشفاء به. ~~وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام ~~واعتقاد جازم واستيفاء شروطه: لم يقاوم الداء أبدا. وكيف تقاوم الأدواء ~~كلام رب الأرض والسماء، الذي لو نزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض ~~لقطعها؟! فما من مرض [من أمراض] القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل ~~الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه، لمن رزقه الله ms235 فهما في كتابه. # وقوله: لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما. أي طلب بوهمه في البحث ~~عن الغيب سرا مكتوما، إذ القدر سر الله في خلقه، فهو يروم ببحثه الاطلاع ~~على الغيب، وقد قال تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا، إلا من ~~ارتضى من رسول} [الجن: 26، 27] إلى آخر السورة. وقوله: وعاد بما قال فيه، ~~أي في القدر: أفاكا كذابا أثيما، أي مأثوما. # PageV01P276 ### | العرش والكرسي حق # وقوله: "والعرش والكرسي حق". # ش: كما بين تعالى في كتابه، قال تعالى: {ذو العرش المجيد، فعال لما يريد} ~~[البروج: 15, 16]. {رفيع الدرجات ذو العرش} [غافر: 15]. {ثم استوى على ~~العرش} [الأعراف: 54]، في غير ما آية من القرآن1: {الرحمن على العرش استوى} ~~[طه: 5]. {لا إله إلا هو رب العرش الكريم} [المؤمنون: 116]. {الله لا إله ~~إلا هو رب العرش العظيم} [النمل: 26]. {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون ~~بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} [غافر: 7]. {ويحمل عرش ربك ~~فوقهم يومئذ ثمانية}. {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم} ~~[الزمر: 75]. وفي دعاء الكرب المروي في "الصحيح": "لا إله إلا الله العظيم ~~الحليم، لا إله إلا هو رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب ~~الأرض رب العرش الكريم" 2. وروى الإمام أحمد في حديث الأوعال عن العباس بن ~~عبد المطلب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل ~~تدرون كم بين السماء والأرض؟ ", قال: قلنا الله ورسوله أعلم، قال: "بينهما ~~مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء ~~مسيرة خمسمائة، وفوق السماء السابعة بحر [بين] أسفله وأعلاه كما بين السماء ~~والأرض، [ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء ~~والأرض]، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله ~~فوق ذلك، ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء"3. ورواه أبو داود والترمذي ~~وابن ماجه. وروى أبو PageV01P277 # داود وغيره، بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ms236 حديث الأطيط، ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن عرشه على سمواته لهكذا"، وقال بأصابعه، ~~مثل القبة1. الحديث، وفي صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وفوقه عرش ~~الرحمن" 2. يروى "وفوقه" بالنصب على الظرفية، وبالرفع على الابتداء، أي: ~~وسقفه. # وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط ~~بالعالم من كل جهة، وربما سموه: الفلك الأطلس، والفلك التاسع! وهذا ليس ~~بصحيح، لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: "فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ ~~بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور" 3. والعرش ~~في اللغة: عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: {ولها عرش ~~عظيم} [النمل: 23]. وليس هو فلكا، ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما ~~نزل بلغة العرب، فهو: سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على ~~العالم، وهو سقف المخلوقات, فمن شعر أمية ابن أبي الصلت: # مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا # بالناء العالي الذي بهر النا ... س وسوى فوق السماء سريرا # شرجعا لا يناله بصر العي ... ن ترى حوله الملائك صورا # الصور هنا: جمع: أصور، وهو: المائل العنق لنظره إلى العلو. والشرجع: هو ~~العالي المنيف. والسرير: هو العرش في اللغة. ومن شعر عبد الله بن رواحة رضي ~~الله عنه، الذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته: PageV01P278 # شهدت بأن وعد الله حق ... [وأن] النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا # وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا # ذكره ابن عبد البر وغيره من الأئمة، وروى أبو داود عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة ~~العرش، إن ما بين [شحمة] أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" ms237 1. ورواه ابن ~~أبي حاتم ولفظه: "تخفق الطير سبعمائة عام". # وأما من حرف كلام الله، وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله ~~تعالى: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} [الحاقة: 17]. وقوله: {وكان ~~عرشه على الماء} [هود: 7]. أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟! وكان ملكه على ~~الماء! ويكون موسى عليه السلام آخذا من قوائم الملك؟! هل يقول هذا عاقل ~~يدري ما يقول؟! # وأما الكرسي فقال تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: 255]. وقد ~~قيل: هو العرش، والصحيح أنه غيره، نقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~وغيره, روى ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش، والحاكم في مستدركه، وقال: إنه ~~على شرط الشيخين ولم يخرجاه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قوله تعالى: ~~{وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: 255]، أنه قال: الكرسي موضع القدمين، ~~والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى2. وقد روي مرفوعا، والصواب أنه موقوف ~~على ابن عباس, وقال السدي: السماوات والأرض في جوف الكرسي بين يدي العرش. ~~وقال ابن جرير: قال أبو ذر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت PageV01P279 # بين ظهري فلاة من الأرض"1. وقيل: كرسيه علمه، وينسب إلى ابن عباس ~~والمحفوظ عنه ما رواه ابن أبي شيبة، كما تقدم. ومن قال غير ذلك فليس له ~~دليل إلا مجرد الظن, والظاهر أنه من جراب الكلام المذموم، كما قيل في ~~العرش, وإنما هو كما قال غير واحد من السلف: بين يدي العرش كالمرقاة إليه. # قوله: "وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن ~~الإحاطة خلقه". # ش: أما قوله: وهو مستغن عن العرش وما دونه, فقال تعالى: {إن الله لغني عن ~~العالمين} [العنكبوت: 6]. وقال تعالى: {والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15]. ~~وإنما قال الشيخ رحمه الله هذا الكلام هنا؛ لأنه لما ذكر العرش والكرسي، ~~ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش، ليبين أن خلقه العرش ~~لاستوائه عليه، ليس لحاجته ms238 إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون العالي ~~فوق السافل، لا يلزم أن يكون السافل حاويا للعالي، محيطا به، حاملا له، ~~[ولا] أن يكون الأعلى2 مفتقرا إليه, فانظر إلى السماء، كيف هي فوق الأرض ~~وليست مفتقرة إليها؟ فالرب تعالى أعظم شأنا وأجل من أن يلزم من علوه ذلك، ~~بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو ~~سبحانه عن السافل، وإحاطته عز وجل به، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته للعرش ~~وحملته، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة ~~العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له. وهذه اللوازم منتفية عن ~~المخلوق. # ونفاة العلو، [أهل التعطيل]، لو فصلوا بهذا التفصيل، لهدوا إلى سواء ~~السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل، ولسلكوا خلف الدليل، ولكن فارقوا ~~الدليل، فضلوا عن سواء السبيل, والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك رحمه ~~الله، لما سئل عن قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} [الأعراف: 53] وغيرها: ~~كيف PageV01P280 # استوى؟ فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول, ويروى هذا الجواب عن أم سلمة ~~رضي الله عنها موقوفا ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم1. # وأما قوله: محيط بكل شيء وفوقه، وفي بعض النسخ: محيط بكل شيء فوقه، [بحذف ~~الواو] من قوله: فوقه، والنسخة الأولى هي الصحيحة، ومعناها. أنه، تعالى ~~محيط بكل شيء وفوق كل شيء. ومعنى الثانية: أنه محيط بكل شيء فوق العرش. ~~وهذه -والله أعلم- إما أن يكون أسقطها بعض النساخ سهوا، ثم استنسخ بعض ~~الناس من تلك النسخة، أو أن بعض المحرفين الضالين أسقطها قصدا للفساد، ~~وإنكار لصفة الفوقية! وإلا فقد قام الدليل على أن العرش فوق المخلوقات وليس ~~فوقه شيء من المخلوقات، فلا يبقى لقوله: محيط بمعنى: محيط بكل شيء فوق ~~العرش، والحالة هذه: معنى! إذ ليس فوق العرش من المخلوقات ما يحيط به، ~~فتعين ثبوت الواو, ويكون المعنى: أنه سبحانه محيط بكل شيء، وفوق كل شيء. # أما كونه محيطا بكل شيء، فقال تعالى: {والله من ورائهم محيط} [البروج: ~~20]. {ألا إنه بكل ms239 شيء محيط} [حم السجدة: 54]. {ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله بكل شيء محيطا} [النساء: 126]. وليس المراد من إحاطته ~~بخلقه أنه كالفلك، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. وإنما المراد: إحاطة عظمته. وسعة علمه وقدرته1، وأنها بالنسبة ~~إلى عظمته كخردلة. كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما السموات ~~السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد ~~أحدكم. ومن المعلوم -ولله المثل الأعلى- أن الواحد منا إذا كان عنده خردلة، ~~إن شاء قبضها وأحاط قبضته بها، وإن شاء جعلها تحته، وهو في الحالين مباين ~~لها، عال عليها فوقها من جميع الوجوه، فكيف بالعظيم الذي لا يحيط بعظمته ~~وصف واصف, فلو شاء PageV01P281 # لقبض السماوات والأرض اليوم، وفعل بها كما يفعل بها يوم القيامة، فإنه لا ~~يتجدد به إذ ذاك قدرة ليس عليها الآن، فكيف يستبعد العقل مع ذلك أنه يدنو ~~سبحانه من بعض أجزاء العالم وهو على عرشه فوق سماواته؟ أو يدني إليه من ~~يشاء من خلقه؟ فمن نفى ذلك لم يقدره حق قدره. وفي حديث أبي رزين المشهور ~~الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم في رؤية الرب تعالى: فقال له أبو ~~زرين: كيف يسعنا -يا رسول الله- وهو واحد ونحن جميع؟ فقال: "سأنبئك بمثل ~~ذلك في آلاء الله: هذا القمر، آية من آيات الله، كلكم يراه مخليا به، والله ~~أكبر من ذلك، وإذا أفل تبين أنه أعظم وأكبر من كل شيء"1. فهذا يزيل كل ~~إشكال، ويبطل كل خيال. # وأما كونه فوق المخلوقات، فقال تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: ~~18 و61]. {يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50]. وقال صلى الله عليه وسلم في ~~حديث الأوعال المتقدم ذكره: "والعرش فوق ذلك، والله فوق ذلك كله"2. وقد ~~أنشد عبد الله بن رواحة شعره المذكور بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأقره على ما قال: وضحك منه3. وكذا أنشده حسان بن ثابت رضي الله عنه قوله: # شهدت ms240 بإذن الله أن محمدا ... رسول الذي فوق السماوات من عل # وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما ... له عمل من ربه متقبل # وأن الذي عادى اليهود ابن مريم ... رسول أتى من عند ذي العرش مرسل # وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم ... يجاهد في ذات الإله ويعدل # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وأنا أشهد"4. وعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لما قضى الله الخلق كتب في ~~كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي" 5 وفي رواية: "تغلب غضبي" ~~رواه البخاري PageV01P282 # وغيره. وروى ابن ماجه عن جابر يرفعه، قال: "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ ~~سطع لهم نور، فرفعوا إليه رءوسهم، فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من ~~فوقهم، وقال: يا أهل الجنة، سلام عليكم، ثم قرأ قوله تعالى: {سلام قولا من ~~رب رحيم} [يس: 58]. فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من ~~النعيم ما داموا ينظرون إليه"1. وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، في ~~تفسير قوله تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} [الحديد: 3] بقوله: ~~"أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" 2. والمراد بالظهور ~~هنا: العلو. ومنه قوله تعالى: {فما اسطاعوا أن يظهروه} [الكهف: 97]، أي ~~يعلوه. فهذه الأسماء الأربعة متقابلة: اسمان منها لأزلية الرب سبحانه ~~وتعالى وأبديته، واسمان لعلوه وقربه. وروى أبو داود عن جبير بن محمد بن ~~جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده، قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعرابي، فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس [وضاعت العيال] ونهكت الأموال، ~~[وهلكت الأنعام]، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله ~~عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك! أتدري ما تقول؟ " وسبح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ~~ثم قال: "ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ~~ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ إن الله ms241 فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته -وقال ~~بأصابعه! مثل القبة [عليه]- وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب"3. وفي قصة ~~سعد بن معاذ يوم بني قريظة، لما حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع ~~سماوات" 4. وهو حديث صحيح، أخرجه الأموي في مغازيه، وأصله في PageV01P283 # "الصحيحين". وروى البخاري عن زينب رضي الله عنها، أنها كانت تفخر على ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق ~~سبع سماوات1. وعن عمر رضي الله عنه: أنه مر بعجوز فاستوقفته، فوقف معها ~~يحدثها، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، حبست الناس بسبب هذه العجوز؟ فقال: ~~ويلك! أتدري من هذه؟ امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة ~~التي أنزل الله فيها: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى ~~الله} 2 [المجادلة: 1] أخرجه الدارمي. وروى عكرمة عن ابن عباس، في قوله: ~~{ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} [الأعراف: ~~17]، قال: ولم يستطع أن يقول من فوقهم؛ لأنه قد علم أن الله سبحانه من ~~فوقهم. # ومن سمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وكلام السلف، وجد منه في إثبات ~~الفوقية ما لا ينحصر, ولا ريب أن الله سبحانه لما خلق الخلق لم يخلقهم في ~~ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك، فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ~~فتعين أنه خلقهم خارجا عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات، مع أنه ~~قائم بنفسه غير مخالط للعالم، لكان متصفا بضد ذلك؛ لأن القابل للشيء لا ~~يخلو منه أو من ضده، وضد الفوقية: السفول، وهو مذموم على الإطلاق؛ لأنه ~~مستقر إبليس وأتباعه وجنوده. # فإن قيل: لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها. قيل: لو ~~لم يكن قابلا للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى أقررتم ~~بأنه PageV01P284 # ذات قائم بنفسه، غير مخالط للعالم، وأنه موجود في الخارج، ليس وجوده ms242 ~~ذهنيا فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعا، وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة أن ~~ما كان وجوده كذلك فهو: إما داخل العالم وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ~~ما هو أجلى وأظهر من الأمور البديهيات الضرورية بلا ريب، فلا يستدل على ذلك ~~بدليل إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه، وأوضح وأبين. وإذا كان صفة العلو ~~والفوقية صفة كمال، لا نقص فيه، ولا يستلزم نقصا، ولا يوجب محذورا، ولا ~~يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا، فنفي حقيقته يكون عين الباطل والمحال الذي ~~لا تأتي به شريعة أصلا. فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده وتصديق رسله، ~~والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله, إلا بذلك؟ فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة ~~العقول السليمة، والفطر [المستقيمة]، والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على ~~علو الله على خلقه، وكونه فوق عباده، التي تقرب من عشرين نوعا: أحدها: ~~التصريح بالفوقية مقرونا بأداة: من، المعينة للفوقية بالذات، كقوله تعالى: ~~{يخافون ربهم من فوقهم} [النحل: 50]. الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله ~~تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} [الأنعام: 18 و61]. الثالث: التصريح بالعروج ~~إليه نحو: {تعرج الملائكة والروح إليه}. وقوله صلى الله عليه وسلم: "يعرج ~~الذين باتوا فيكم فيسألهم" 1. الرابع: التصريح بالصعود إليه. كقوله تعالى: ~~{إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10]. الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات ~~إليه، كقوله تعالى: {بل رفعه الله إليه} [النساء: 158]. وقوله: {إني متوفيك ~~ورافعك إلي} [آل عمران: 55]. السادس: التصريح بالعلو المطلق، الدال على ~~جميع مراتب العلو، ذاتا وقدرا وشرفا، كقوله تعالى: {وهو العلي العظيم} ~~[البقرة: 255]. {وهو العلي الكبير} [سبأ: 23]. {إنه علي حكيم} [الشورى: ~~51]. السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله تعالى: {تنزيل الكتاب من ~~الله العزيز العليم} [غافر: 2]. {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ~~PageV01P285 # الحكيم} [الزمر: 1]. {تنزيل من الرحمن الرحيم} [فصلت: 2]. {تنزيل من حكيم ~~حميد} [فصلت: 42]. {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} [النحل: 102]. {حم، ~~والكتاب المبين، إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين، فيها يفرق كل ~~أمر حكيم، أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين} [الدخان:1 - 5]. الثامن: التصريح ms243 ~~باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: {إن ~~الذين عند ربك} [الأعراف: 206]. {وله من في السماوات والأرض ومن عنده} ~~[الأنبياء: 19]. ففرق بين من له عموما وبين من عنده من ملائكته وعبيده ~~خصوصا. وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على ~~نفسه: "أنه عنده فوق العرش" 1. التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء، وهذا ~~عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون "في" بمعنى "على"، ~~وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز الحمل على غيره. ~~العاشر: التصريح بالاستواء مقرونا بأداة "على" مختصا بالعرش، الذي هو أعلى ~~المخلوقات، مصاحبا في الأكثر لأداة "ثم" الدالة على الترتيب والمهلة. ~~الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا" 2. ~~والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من ~~نفسه كل داع، كما يأتي إن شاء الله تعالى. الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو ~~إلى سفل. الثالث عشر: الإشارة إليه حسا إلى العلو، كما أشار إليه من هو ~~أعلم بربه3 وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر، لما كان بالمجمع الأعظم ~~[الذي لم يجتمع لأحد مثله، في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: ~~"أنتم PageV01P286 # مسؤولون عني، فماذا أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ~~ونصحت1، فرفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعا لها إلى من هو فوقها وفوق كل ~~شيء، قائلا: "اللهم اشهد". فكأنا نشاهد تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى ~~الله، وذلك اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع أصبعه إليه: "اللهم اشهد"، ~~ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين، وأدى رسالة ربه كما أمر، ونصح أمته غاية ~~النصيحة، فلا يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطع المتنطعين، ~~وحذلقة المتحذلقين! والحمد لله رب العالمين. الرابع عشر: التصريح بلفظ: ms244 ~~"الأين" كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بيانا عن المعنى ~~الصحيح، بلفظ لا يوهم باطلا بوجه: "أين الله" 2، في غير موضع. الخامس عشر: ~~شهادته صلى الله عليه وسلم لمن قال إن ربه في السماء بالإيمان. السادس عشر: ~~إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء، ليطلع إلى إله موسى ~~فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السماوات، فقال: {يا هامان ابن لي ~~صرحا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه ~~كاذبا} [المؤمن: 36]. فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني، ومن أثبته فهو ~~موسوي محمدي. السابع عشر: إخباره صلى الله عليه وسلم: أنه تردد بين موسى ~~عليه السلام وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة، فيصعد إلى ربه ثم ~~يعود إلى موسى عدة مرار3. الثامن عشر: النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة له ~~تعالى، من الكتاب والسنة، وإخبار النبي PageV01P287 # صلى الله عليه وسلم أنهم يرونه كرؤية الشمس والقمر ليلة البدر ليس دونه ~~سحاب، فلا يرونه إلا من فوقهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: "بينا أهل ~~الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم، فإذا الجبار جل جلاله قد ~~أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة، سلام عليكم، ثم قرأ قوله تعالى: ~~{سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58]. ثم يتوارى عنهم، وتبقى رحمته وبركته ~~عليهم في ديارهم"1 رواه الإمام أحمد في المسند، وغيره، من حديث جابر رضي ~~الله عنه. ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية. ولهذا طرد الجهمية ~~الشقين2، وصدق أهل السنة بالأمرين معا، وأقروا بهما، وصار من أثبت الرؤية ~~ونفى العلو مذبذبا بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء! وهذه الأنواع من ~~الأدلة لو بسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك ~~كله! وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك! # وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جدا؛ فمنه: ما روى شيخ الإسلام أبو ~~إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق، بسنده إلى مطيع البلخي: أنه سأل أبا ms245 ~~حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال: قد كفر، لأن الله ~~يقول: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] وعرشه فوق سبع سماواته، قلت: فإن ~~قال: إنه على العرش، ولكن يقول: لا أدري آلعرش في السماء أم في الأرض؟ قال: ~~هو كافر، لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر. وزاد ~~غيره: لأن الله في أعلى عليين، وهو يدعى من أعلى، لا من أسفل. انتهى. ولا ~~يلتفت إلى من أنكر ذلك ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة، فقد انتسب إليه طوائف ~~معتزلة وغيرهم، مخالفون له في كثير من اعتقاداته. وقد ينتسب إلى مالك ~~والشافعي وأحمد من يخالفهم في [بعض] اعتقاداتهم. وقصة أبي يوسف في استتابة ~~بشر المريسي، لما أنكر أن يكون الله عز وجل فوق العرش مشهورة. رواها عبد ~~الرحمن بن أبي حاتم وغيره. # ومن تأول "فوق"، بأنه خير من عباده وأفضل منهم، وأنه خير من العرش ~~PageV01P288 # وأفضل منه، كما يقال: الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم. فذلك مما ~~تنفر عنه العقول السليمة، وتشمئز منه القلوب الصحيحة! فإن قول القائل ~~[ابتداء]: الله خير من عباده، وخير من عرشه. من جنس قوله: الثلج بارد، ~~والنار حارة، والشمس أضوأ من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار، والجبل ~~أثقل من الحصى، ورسول الله أفضل من فلان اليهود [ي]، والسماء فوق الأرض!! ~~وليس في ذلك تمجيد ولا تعظيم ولا مدح، بل هو من أرذل الكلام وأسمجه وأهجنه! ~~فكيف يليق بكلام الله، الذي لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لما ~~أتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟! بل في ذلك تنقص، كما قيل في المثل ~~السائر: # ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا # ولو قال قائل: الجوهر فوق قشر البصل وقشر السمك! لضحك منه العقلاء، ~~للتفاوت الذي بينهما، فإن التفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم. ~~بخلاف ما إذا كان المقام يقتضي ذلك، بأن كان احتجاجا على مبطل، كما في ms246 قول ~~يوسف الصديق عليه السلام: {أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} ~~[يوسف: 39]. وقوله تعالى: {آلله خير أما يشركون} [النمل: 59]. {والله خير ~~وأبقى} [طه: 73]. # وإنما يثبت هذا المعنى من الفوقية في ضمن ثبوت الفوقية المطلقة من كل ~~وجه، فله سبحانه وتعالى فوقية القهر، وفوقية القدر، وفوقية الذات1. ومن ~~أثبت البعض ونفى البعض فقد تنقص، وعلوه تعالى مطلق من كل الوجوه. فإن ~~قالوا، بل علو المكانة لا المكان؟ فالمكانة: تأنيث المكان، والمنزلة: تأنيث ~~المنزل، فلفظ المكانة والمنزلة تستعمل في المكانات النفسانية والروحانية2، ~~كما يستعمل لفظ المكان والمنزل في الأمكنة الجسمانية، فإذا قيل: لك في ~~قلوبنا منزلة، ومنزلة فلان في قلوبنا وفي نفوسنا أعظم من منزلة فلان، كما ~~جاء في الأثر: "إذا PageV01P289 # أحب أحدكم أن يعرف كيف منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله في قلبه، ~~فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه"1. فقوله: "منزلة ~~الله في قلبه". هو ما يكون في قلبه من معرفة الله ومحبته وتعظيمه وغير ذلك، ~~فإذا عرف أن المكانة والمنزلة: تأنيث المكان والمنزل، والمؤنث فرع على ~~المذكر في اللفظ والمعنى، وتابع له، فعلو المثل الذي يكون في الذهن يتبع ~~علو2 الحقيقة، إذا كان مطابقا كان حقا، وإلا باطلا. فإن قيل: المراد علوه ~~في القلوب، وأنه أعلى في القلوب من كل شيء. قيل: وكذلك هو، وهذا العلو ~~مطابق لعلوه في نفسه على كل شيء، فإن لم يكن عاليا بنفسه على كل شيء، كان ~~علوه في القلوب غير مطابق، كمن جعل ما ليس بأعلى أعلى. # وعلوه سبحانه وتعالى كما هو ثابت بالسمع، ثابت بالعقل والفطرة، أما ثبوته ~~بالعقل فمن وجوه: أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كل موجودين، إما أن يكون ~~أحدهما ساريا في الآخر قائما به كالصفات، وإما أن يكون قائما بنفسه بائنا ~~من الآخر. الثاني: أنه لما خلق العالم، فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجا ~~عن ذاته، والأول باطل: أما أولا: فبالاتفاق، وأما ثانيا: فلأنه يلزم أن ~~يكون محلا للخسائس3 والقاذورات تعالى ms247 الله عن ذلك علوا كبيرا. والثاني ~~يقتضي كون العلم واقعا خارج ذاته، فيكون منفصلا، فتعينت المباينة، لأن ~~القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول. الثالث: أن كونه ~~تعالى لا داخل PageV01P290 # العالم ولا خارجه يقتضي [نفي] وجوده بالكلية، لأنه غير معقول: فيكون ~~موجودا إما داخله وإما خارجه. والأول باطل فتعين الثاني، فلزمت المباينة. # وأما ثبوته بالفطرة، فإن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون ~~أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى, ~~وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ ~~أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلم في نفي صفة العلو، ~~ويقول: كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان! فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا ~~يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: يا ~~الله، إلا وجد في قلبه ضرورة طلب1 العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ~~ندفع بهذه الضرورة عن أنفسنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل! وأظنه ~~قال: وبكى! وقال: حيرني الهمداني حيرني! أراد الشيخ: أن هذا أمر فطر الله ~~عليه عباده، من غير أن يتلقوه من المرسلين، يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا ~~يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو. # وقد اعترض على الدليل العقلي بإنكار بداهته، لأنه أنكره جمهور العقلاء، ~~فلو كان بديهيا لما كان مختلفا فيه بين العقلاء، بل هو قضية وهمية خيالية؟ ~~والجواب عن هذا الاعتراض مبسوط في موضعه، ولكن أشير إليه هنا إشارة مختصرة، ~~وهو أن يقال: إن العقل إن قبل قولكم فهو لقولنا أقبل، وإن رد العقل قولنا ~~فهو لقولكم أعظم فإن كان قولنا باطلا في العقل، فقولكم أبطل، وإن كان قولكم ~~حقا مقبولا في العقل، فقولنا أولى أن يكون مقبولا في العقل. فإن دعوى ~~الضرورة مشتركة، فإنا نقول: نعلم بالضرورة بطلان قولكم، وأنتم تقولون كذلك، ~~فإذا قلتم: تلك الضرورة التي تحكم ببطلان قولنا هي من حكم الوهم لا من حكم ~~العقل؟ قابلناكم بنظير ms248 قولكم، وعامة فطر الناس -ليسوا منكم ولا منا- ~~موافقون لنا2 على هذا، فإن كان حكم فطر بني آدم مقبولا ترجحنا عليكم، وإن ~~كان PageV01P291 # مردودا غير مقبول بطل قولكم بالكلية، فإنكم إنما بنيتم قولكم على ما ~~تدعون أنه مقدمات معلومة بالفطرة الآدمية، وبطلت عقلياتنا أيضا، وكان السمع ~~الذي جاءت به الأنبياء معنا لا معكم، فنحن مختصون بالسمع دونكم، والعقل ~~مشترك بيننا وبينكم. # فإن قلتم: أكثر العقلاء يقولون بقولنا؟ قيل: ليس الأمر كذلك، فإن الذين ~~يصرحون [بأن] صانع العالم شيء موجود ليس فوق العالم، وأنه لا مباين للعالم ~~ولا حال في العالم؛ طائفة من النظار، وأول من عرف عنه ذلك في الإسلام جهم ~~بن صفوان وأتباعه. # واعترض على الدليل الفطري: أن ذلك إنما لكون السماء قبلة للدعاء، كما أن ~~الكعبة قبلة للصلاة1، ثم هو منقوض بوضع الجبهة على الأرض مع أنه ليس في جهة ~~الأرض؟ وأجيب على هذا الاعتراض من وجوه: # أحدها: أن قولكم: إن السماء قبلة للدعاء. لم يقله أحد من سلف الأمة، ولا ~~أنزل الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يخفى ~~على جميع سلف الأمة وعلمائها. # الثاني: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحث للداعي أن يستقبل ~~القبلة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل القبلة في دعائه في مواطن ~~كثيرة2، فمن قال إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة، أو إن له قبلتين: إحداهما ~~الكعبة والأخرى السماء؛ فقد ابتدع في الدين، وخالف جماعة المسلمين. # الثالث: أن القبلة هي ما يستقبله العابد بوجهه، كما تستقبل الكعبة في ~~الصلاة والدعاء، والذكر والذبح، وكما يوجه المحتضر والمدفون، ولذلك سميت ~~وجهة. والاستقبال خلاف الاستدبار، فالاستقبال بالوجه، والاستدبار بالدبر, ~~PageV01P292 # فأما ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو جنبه فهذا لا يسمى قبلة، لا ~~حقيقة ولا مجازا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي ~~وجهه إليها، وهذا لم يشرع، والموضع الذي ترفع اليد إليه لا يسمى قبلة، لا ~~حقيقة ولا مجازا، ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي ms249 تنبع فيه الشرائع، ولم ~~تأمر الرسل أن الداعي يستقل السماء بوجهه، بل نهوا [عن] ذلك, ومعلوم أن ~~التوجه بالقلب، واللجأ والطلب الذي يجده الداعي من نفسه أمر فطري، يفعله ~~المسلم والكافر والعالم والجاهل، وأكثر ما يفعله المضطر والمستغيث بالله، ~~كما فطر على أنه إذا مسه الضر يدعو الله، مع أن أمر القبلة مما يقبل النسخ ~~والتحويل، كما تحولت القبلة من الصخرة إلى الكعبة, وأمر التوجه في الدعاء ~~إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر، والمستقبل للكعبة يعلم أن الله تعالى ~~ليس هناك، بخلاف الداعي، فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه، ويرجو الرحمة أن تنزل ~~من عنده, وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض، فإن واضع الجبهة إنما ~~قصده الخضوع لمن فوقه بالذل له، لا أن يميل إليه إذ هو تحته! هذا لا يخطر ~~في قلب ساجد. لكن يحكى عن بشر المريسي أنه سمع وهو يقول [في سجوده]: سبحان ~~ربي الأسفل!! تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا, وإن من ~~أفضى به النفي إلى هذه الحال حري أن يتزندق، إن لم يتداركه الله برحمته، ~~وبعيد من مثله الصلاح، قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة} [الأنعام: 110]. وقال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} ~~[الصف: 5]. فمن لم يطلب الاهتداء من مظانه يعاقب بالحرمان. نسأل الله العفو ~~والعافية. # وقوله: وقد أعجز عن الإحاطة خلقه, أي لا يحيطون به علما ولا رؤية، ولا ~~غير ذلك من وجوه الإحاطة، بل هو سبحانه محيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء. # قوله: "ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، ~~إيمانا وتصديقا وتسليما". # ش: قال [الله] تعالى: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} [النساء: 125]، وقال ~~تعالى: {وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164]. الخلة: كمال المحبة. # PageV01P293 # وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين، زعما منهم أن المحبة لا تكون ~~إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب ~~المحبة! وكذلك أنكروا حقيقة التكليم، كما تقدم، وكان أول من ابتدع هذا في ~~الإسلام هو ms250 الجعد بن درهم، في أوائل المائة الثانية فضحى به خالد بن عبد ~~الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط، خطب الناس يوم الأضحى فقال: أيها ~~الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني1 مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله ~~لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، ثم نزل فذبحه, وكان ذلك ~~بفتوى أهل زمانه من علماء التابعين رضي الله عنهم، فجزاه الله عن الدين ~~وأهله خيرا. وأخذ هذا المذهب [عن الجعد] , الجهم بن صفوان، فأظهره وناظر ~~عليه، وإليه أضيف قول: الجهمية. فقتله مسلم بن أحوز أمير خراسان بها، ثم ~~انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم في أثناء خلافة ~~المأمون، حتى امتحن أئمة الإسلام، ودعوهم إلى الموافقة لهم على ذلك. وأصل ~~هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة، وهم ينكرون أن يكون إبراهيم خليلا وموسى ~~كليما، لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب، كما قيل: # قد تخللت مسلك الروح مني ... ولذا سمي الخليل خليلا # ولكن محبته وخلته كما يليق به تعالى، كسائر صفاته, ويشهد لما دلت عليه ~~الآية الكريمة ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ~~ولكن صاحبكم خليل الله" 2، يعني نفسه, وفي رواية: "إني أبرأ إلى كل خليل من ~~خلته، ولو كنت [متخذا] من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا". وفي ~~رواية: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا". فبين صلى الله عليه ~~وسلم أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلا، وأنه لو أمكن ذلك لكان ~~أحق الناس به أبو بكر الصديق, مع أنه صلى الله عليه وسلم قد وصف نفسه بأنه ~~يحب أشخاصا، كقوله لمعاذ: "والله إني PageV01P294 # لأحبك"1, وكذلك قوله للأنصار2. وكان زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وابنه أسامة حبه. وأمثال ذلك. وقال له عمرو بن العاص: أي الناس ~~أحب إليك؟ قال: "عائشة"، قال: فمن الرجال؟ قال: "أبوها" 3. فعلم ms251 أن الخلة ~~أخص من مطلق المحبة، والمحبوب بها لكمالها يكون محبا لذاته، لا لشيء آخر، ~~إذ المحبوب لغيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير، ومن كمالها لا تقبل الشركة ~~[ولا] المزاحمة، لتخللها المحبة، ففيها كمال التوحيد وكمال الحب, ولذلك لما ~~اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكان إبراهيم قد سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا، ~~فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار الخليل على قلب خليله ~~أن يكون فيه مكان لغيره، فامتحنه به بذبحه، ليظهر سر الخلة في تقديمه محبة ~~خليله على محبة ولده، فلما استسلم لأمر ربه، وعزم على فعله، فظهر سلطان ~~الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثارا لمحبة خليله على محبته، نسخ الله ~~ذلك عنه، وفداه بالذبح العظيم؛ لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم ~~وتوطين النفس على ما أمر، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح نفسه مفسدة، ~~فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في أتباعه ~~إلى يوم القيامة. وكما أن منزلة الخلة الثابتة لإبراهيم صلوات الله عليه قد ~~شاركه فيها نبينا صلى الله عليه وسلم كما تقدم، كذلك منزلة التكليم الثابتة ~~لموسى صلوات الله عليه قد شاركه فيها نبينا صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ~~ذلك في حديث الإسراء. # وهنا سؤال مشهور، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم، فكيف طلب له من الصلاة مثل ما لإبراهيم، مع أن المشبه به ~~أصله أن يكون فوق المشبه؟ وكيف PageV01P295 # الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين؟ وقد أجاب عنه العلماء بأجوبة عديدة، ~~يضيق هذا المكان عن بسطها, وأحسنها: أن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس ~~في آل محمد مثلهم، فإذا طلب للنبي صلى الله عليه وسلم ولآله من الصلاة مثل ~~ما لإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء، حصل لآل محمد ما يليق بهم لأنهم لا ~~يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء وفيهم إبراهيم لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، فيحصل له من المزية ما لم يحصل لغيره. ms252 وأحسن من هذا: ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم، بل هو أفضل آل إبراهيم، فيكون ~~قولنا: كما صليت على [آل] إبراهيم متناولا الصلاة عليه وعلى سائر النبيين ~~من ذرية إبراهيم وهو متناول لإبراهيم أيضا. كما في قوله تعالى: {إن الله ~~اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} [آل عمران: 33] ~~فإبراهيم وعمران دخلا في آل إبراهيم وآل عمران، وكما في قوله تعالى: {إلا ~~آل لوط نجيناهم بسحر} [القمر: 34]. فإن لوطا داخل في آل لوط، وكما في قوله ~~تعالى: {إذ نجيناكم من آل فرعون} [البقرة: 49] وقوله: {أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب} [المؤمن: 46] فإن فرعون داخل في آل فرعون. ولهذا والله أعلم، أكثر ~~روايات حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إنما فيها كما صليت على ~~آل إبراهيم, وفي كثير منها: كما صليت على إبراهيم ولم يرد: كما صليت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إلا في قليل من الروايات وما ذلك إلا لأن في قوله: ~~كما صليت على إبراهيم، يدخل آله تبعا. وفي قوله: كما صليت على آل إبراهيم، ~~هو داخل آل إبراهيم, وكذلك لما جاء أبو أوفى رضي الله عنه بصدقة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "اللهم صل على ~~آل أبي أوفى" 2. ولما كان بيت إبراهيم عليه السلام أشرف بيوت العالم على ~~الإطلاق، خصهم الله بخصائص, منها: أنه جعل فيه النبوة والكتاب، فلم يأت بعد ~~إبراهيم نبي إلا من أهل بيته. ومنها: أنه سبحانه جعلهم أئمة يهدون بأمره ~~إلى يوم القيامة، فكل من دخل الجنة من أولياء الله بعدهم فإنما دخل من ~~طريقهم وبدعوتهم, ومنها: أنه سبحانه اتخذ منهم الخليلين، كما تقدم ذكره. ~~ومنها: أنه جعل صاحب هذا البيت إماما للناس. قال تعالى: {إني جاعلك للناس ~~إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} [البقرة: 124]. ومنها: أنه ~~أجرى على يديه بناء بيته الذي جعله قياما للناس ومثابة للناس وأمنا، وجعله ~~قبلة لهم وحجا، فكان ظهور هذا ms253 البيت في الأكرمين, ومنها: أنه أمر عباده أن ~~يصلوا على أهل البيت, إلى غير ذلك من الخصائص. PageV01P296 ### | وجوب الإيمان بالملائكة والنبين والكتب المنزلة # قوله: "ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد ~~أنهم كانوا على الحق المبين". # ش: هذه الأمور من أركان الإيمان. قال تعالى: {آمن الرسول بما أنزل إليه ~~من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285] ~~الآيات. وقال تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين} [البقرة: 177] ~~الآية. فجعل الله سبحانه وتعالى الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة، وسمى من ~~آمن بهذه الجملة مؤمنين، كما جعل الكافرين من كفر بهذه الجملة، بقوله: {ومن ~~يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} ~~[النساء: 136]. وقال صلى الله عليه وسلم، في الحديث المتفق على صحته، حديث ~~جبرائيل وسؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" 1. فهذه ~~الأصول التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه، ولم ~~يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل. # وأما أعداؤهم ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وأهل البدع، فهم متفاوتون في ~~جحدها وإنكارها، وأعظم الناس لها إنكارا الفلاسفة المسمون عند من يعظمهم ~~بالحكماء، فإن من علم حقيقة قولهم علم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا رسله ولا ~~كتبه ولا ملائكته ولا باليوم الآخر، فإن مذهبهم أن الله سبحانه موجود لا ~~ماهية له ولا PageV01P297 # حقيقة، فلا يعلم الجزئيات بأعيانها، وكل موجود في الخارج فهو جزئي، ولا ~~يفعل عندهم بقدرته ومشيئته، وإنما العالم عندهم لازم له أزلا وأبدا، وإن ~~سموه مفعولا له فمصانعة ومصالحة للمسلمين في اللفظ، وليس عندهم بمفعول ولا ~~مخلوق ولا مقدور عليه، وينفون عنه سمعه وبصره وسائر صفاته! فهذا إيمانهم ~~بالله. وأما كتبه عندهم، فإنهم لا يصفونه بالكلام، فلا يكلم ولا يتكلم، ولا ~~قال ولا يقول، والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر زاكي ~~النفس ms254 طاهر، متميز عن النوع الإنساني بثلاث خصائص: قوة الإدراك وسرعته، ~~لينال [من] العلم أعظم ما يناله غيره! وقوة النفس، ليؤثر بها في هيولى ~~العالم يقلب صورة إلى صورة! وقوة التخييل، ليخيل بها القوى العقلية في ~~أشكال محسوسة، وهي الملائكة عندهم! وليس في الخارج ذات منفصلة تصعد وتنزل ~~وتذهب وتجيء وترى وتخاطب الرسول، وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها ~~في الأعيان, وأما اليوم الآخر، فهم أشد الناس تكذيبا وإنكارا له في ~~الأعيان، وعندهم أن هذا العالم لا يخرب، ولا تنشق السماوات ولا تنفطر، ولا ~~تنكدر النجوم ولا تكور الشمس والقمر، ولا يقوم الناس من قبورهم ويبعثون إلى ~~جنة ونار! كل هذا عندهم أمثال مضروبة لتفهيم العوام، لا حقيقة لها في ~~الخارج، كما يفهم منها أتباع الرسل, فهذا إيمان هذه الطائفة -الذليلة ~~الحقيرة- بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر, وهذه هي أصول الدين ~~الخمسة. # وقد أبدلتها المعتزلة بأصولهم الخمسة التي هدموا بها كثيرا من الدين: ~~فإنهم بنوا أصل دينهم على الجسم والعرض، الذي هو الموصوف والصفة عندهم، ~~واحتجوا بالصفات التي هي الأعراض، على حدوث الموصوف الذي هو الجسم، وتكلموا ~~في التوحيد على هذا الأصل، فنفوا عن الله كل صفة، تشبيها بالصفات الموجودة ~~في الموصوفات التي هي الأجسام، ثم تكلموا بعد ذلك في أفعاله التي هي القدر، ~~وسموا ذلك العدل، ثم تكلموا في النبوة والشرائع والأمر والنهي والوعد ~~والوعيد، وهي مسائل الأسماء والأحكام، التي هي المنزلة بين المنزلتين، ~~ومسألة إنقاذ الوعيد، ثم تكلموا في إلزام الغير بذلك، الذي هو الأمر ~~بالمعروف والنهي عن # PageV01P298 # المنكر، وضمنوه جواز الخروج على الأئمة بالقتال, فهذه أصولهم الخمسة، ~~التي وضعوها بإزاء أصول الدين الخمسة التي بعث بها الرسول. # والرافضة المتأخرون، جعلوا الأصول أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، ~~والإمامة. # وأصول أهل السنة والجماعة تابعة لما جاء به الرسول. وأصل الدين: الإيمان ~~بما جاء به الرسول، كما تقدم بيان ذلك، ولهذا كانت الآيتان من آخر سورة ~~البقرة, لما تضمنتا هذا الأصل: لهما شأن عظيم ليس لغيرهما، ففي الصحيحين عن ~~أبي ms255 مسعود عقبة بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من قرأ ~~الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" 1. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، قال: "بينا جبرائيل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع ~~نقيضا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط ~~إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا ~~اليوم، فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة ~~الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته" 2. وقال أبو ~~طالب المكي: أركان الإيمان سبعة، يعني هذه الخمسة، والإيمان بالقدر، ~~والإيمان بالجنة والنار. وهذا حق، والأدلة عليه ثابتة محكمة قطعية. وقد ~~تقدمت الإشارة إلى دليل التوحيد والرسالة. # وأما الملائكة فهم الموكلون بالسماوات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ~~ناشئة عن الملائكة، كما قال تعالى: {فالمدبرات أمرا} [النازعات: 5]. ~~{فالمقسمات أمرا} [الذاريات: 4]. وهم الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع ~~الرسل، وأما المكذبون بالرسل المنكرون للصانع فيقولون: هي النجوم. وقد دل ~~الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه ~~سبحانه وكل PageV01P299 # بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر ~~أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ1 ما يعمله وإحصائه ~~وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ~~ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب ~~أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغرسها وعمل آلاتها ملائكة. ~~فالملائكة أعظم جنود الله ومنهم: {المرسلات عرفا} [المرسلات: 1]، ~~{والناشرات نشرا} [المرسلات: 3]، {فالفارقات فرقا} [المرسلات: 4]، ~~{فالملقيات ذكرا} [المرسلات: 5] ومنهم: {النازعات غرقا} [النازعات: 1] , ~~{والناشطات نشطا} [النازعات: 2] , {والسابحات سبحا} [النازعات: 3] , ~~{فالسابقات سبقا} [النازعات: 4] , ومنهم: {والصافات صفا، فالزاجرات زجرا، ~~فالتاليات ذكرا} [الصافات: 1 - 3]. ومعنى جمع التأنيث في ذلك كله: الفرق ~~والطوائف والجماعات، التي مفردها: فرقة وطائفة وجماعة، ومنهم ملائكة ~~الرحمة، وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا ~~بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقدير، إلى غير ms256 ذلك من أصناف الملائكة ~~التي لا يحصيها إلا الله, ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسله، فليس ~~لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله للواحد القهار، وهم ينفذون أمره: {لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} [الأنبياء: 27]. {يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم} [البقرة: 255]. {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} ~~[الأنبياء: 28]. {يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50]. ~~فهم عباد مكرمون، منهم الصافون، ومنهم المسبحون، ليس منهم إلا له مقام ~~معلوم، ولا يتخطاه، وهو على عمل قد أمر به، لا يقصر عنه ولا يتعداه، ~~وأعلاهم الذين عنده {لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون} [الأنبياء: 19 - 20]، ورؤساؤهم الأملاك الثلاثة: ~~جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، الموكلون بالحياة، فجبرائيل موكل بالوحي ~~PageV01P300 # الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض ~~والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد ~~مماتهم, فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، ينزلون ~~الأمر من عنده في أقطار العالم، ويصعدون إليه بالأمر، قد أطت السماوات بهم، ~~وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد ~~لله، ويدخل البيت المعمور منهم كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما ~~عليهم, والقرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم، فتارة يقرن الله ~~تعالى اسمه باسمهم، وصلاته بصلاتهم، ويضيفهم إليه في مواضع التشريف، وتارة ~~يذكر حفهم بالعرش وحملهم له، ومراتبهم من الدنو1، وتارة يصفهم بالإكرام ~~والكرم، والتقريب والعلو والطهارة والقوة والإخلاص. قال تعالى: {كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله} [البقرة: 285]. {شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم} [آل عمران: 18]. {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور}، {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} [غافر: 7]. {وترى الملائكة حافين ~~من حول العرش يسبحون بحمد ربهم} [الزمر: 75]. {بل عباد مكرمون} [الأنبياء: ~~26]. {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه ms257 وله يسجدون} ~~[الأعراف: 206]. {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار ~~وهم لا يسأمون} [فصلت: 38]. {كراما كاتبين} [الانفطار: 11]. {كرام بررة} ~~[عيسى: 16]. {يشهده المقربون} [المطففين: 21]. {لا يسمعون إلى الملإ ~~الأعلى} [الصافات: 8]. وكذلك الأحاديث النبوية طافحة بذكرهم, فلهذا كان ~~الإيمان بالملائكة أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان. # وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وينسب إلى أهل ~~السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيل ~~PageV01P301 # الملائكة. وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضل الأنبياء والأولياء، ~~ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولا. وحكي عن بعضهم ميلهم إلى تفضيل ~~الملائكة. وحكي ذلك عن غيرهم من أهل السنة وبعض الصوفية, وقالت الشيعة: إن ~~جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة, ومن الناس من فصل تفصيلا آخر, ولم يقل ~~أحد ممن له قول يؤثر إن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء دون بعض, وكنت ترددت ~~في الكلام على هذه المسألة، لقلة ثمرتها، وأنها قريب مما لا يعني، و "من ~~حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" 1. والشيخ رحمه الله لم يتعرض إلى هذه ~~المسألة بنفي ولا إثبات، ولعله يكون قد ترك الكلام فيها قصدا، فإن الإمام ~~أبا حنيفة رضي الله عنه وقف في الجواب عنها [على] ما ذكره في "مآل ~~الفتاوى"2، فإنه ذكر مسائل لم يقطع أبو حنيفة فيها بجواب، وعد منها: ~~التفضيل بين الملائكة والأنبياء. وهذا هو الحق، فإن الواجب علينا الإيمان ~~بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل، فإن هذا لو كان ~~من الواجب لبين لنا نصا. وقد قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: ~~3]. {وما كان ربك نسيا} [مريم: 64]. وفي "الصحيح": "إن الله فرض فرائض فلا ~~تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء ~~-رحمة بكم غير نسيان- فلا تسألوا عنها" 3, فالسكوت4 عن الكلام في هذه ~~المسألة نفيا وإثباتا والحالة هذه أولى, ولا يقال: إن هذه المسألة نظير ~~غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة هنا متكافئة، على ~~ما ms258 أشير إليه، إن شاء الله تعالى, وحملني على بسط الكلام هنا: أن بعض ~~الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم: كان الملك خادما PageV01P302 # للنبي صلى الله عليه وسلم! أو: إن بعض الملائكة خدام بني آدم!! يعنون ~~الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع، المجانبة ~~للأدب. والتفضيل إذا كان على وجه التنقص أو الحمية والعصبية للجنس؛ لا شك ~~في رده، وليس هذه [المسألة] نظير المفاضلة بين الأنبياء، فإن تك قد وجد ~~فيها نص، وهو قوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} [البقرة: 253] ~~الآية. وقوله تعالى: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} [الإسراء: 55]. وقد ~~تقدم الكلام في ذلك عند قول الشيخ: وسيد المرسلين، يعني النبي صلى الله ~~عليه وسلم. والمعتبر رجحان الدليل، ولا يهجر القول لأن بعض أهل الأهواء ~~وافق عليه، بعد أن تكون المسألة مختلفا فيها بين أهل السنة, وقد كان أبو ~~حنيفة رضي الله عنه يقول أولا بتفضيل الملائكة على البشر، ثم قال بعكسه، ~~والظاهر أن القول بالتوقف أحد أقواله, والأدلة في هذه المسألة من الجانبين ~~إنما تدل على الفضل، لا على الأفضلية، ولا نزاع في ذلك, وللشيخ تاج الدين ~~الفزاري رحمه الله مصنف سماه الإشارة في البشارة في تفضيل البشر على الملك، ~~قال في آخره: اعلم أن هذه المسألة من بدع علم الكلام، التي لم يتكلم فيها ~~الصدر الأول من الأمة، ولا من بعدهم من أعلام الأئمة، ولا يتوقف عليها أصل ~~من أصول العقائد، ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كبير من المقاصد, ولهذا ~~خلا عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن، وامتنع من الكلام فيها جماعة من ~~الأعيان، وكل متكلم فيها من علماء الظاهر بعلمه، لم يخل كلامه عن ضعف ~~واضطراب. انتهى والله الموفق للصواب. # فما استدل به على تفضيل الأنبياء على الملائكة: أن الله أمر الملائكة أن ~~يسجدوا لآدم، وذلك دليل على تفضيله عليهم، ولذلك امتنع إبليس واستكبر وقال، ~~{قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي} [الإسراء: 62]. قال الآخرون: إن سجود ~~الملائكة كان امتثالا لأمر ربهم، وعبادة [وانقيادا] وطاعة ms259 له، وتكريما لآدم ~~وتعظيما، ولا يلزم من ذلك الأفضلية، كما لم يلزم من سجود يعقوب لابنه ~~عليهما السلام تفضيل ابنه عليه، ولا تفضيل الكعبة على بني آدم بسجودهم ~~إليها امتثالا PageV01P303 # لأمر ربهم, وأما امتناع إبليس، فإنه عارض النص برأيه وقياسه الفاسد بأنه ~~خير منه، وهذه المقدمة الصغرى، والكبرى محذوفة، تقديرها: والفاضل لا يسجد ~~للمفضول! وكلتا المقدمتين فاسدة: أما الأولى: فإن التراب يفوق النار في ~~أكثر صفاته، ولهذا خان إبليس عنصره، فأبى واستكبر، فإن من صفات النار طلب ~~العلو والخفة والطيش والرعونة، وإفساد ما تصل إليه ومحقه وإهلاكه وإحراقه، ~~ونفع آدم عنصره، في التوبة والاستكانة، والانقياد والاستسلام لأمر الله، ~~والاعتراف وطلب المغفرة، فإن من صفات التراب الثبات والسكون والرصانة، ~~والتواضع والخضوع والخشوع والتذلل، وما دنا منه ينبت ويزكو، وينمي ويبارك ~~فيه، ضد النار, وأما المقدمة الثانية، وهي: أن الفاضل لا يسجد المفضول؛ ~~فباطلة، فإن السجود طاعة لله وامتثال لأمره، ولو أمر الله عباده أن يسجدوا ~~لحجر لوجب عليهم الامتثال والمبادرة، ولا يدل ذلك على أن المسجود له أفضل ~~من الساجد، وإن كان فيه تكريمه وتعظيمه، وإنما يدل على فضله. قالوا: وقد ~~يكون قوله: {هذا الذي كرمت علي} [الإسراء: 62]، بعد طرده لامتناعه عن ~~السجود له، لا قبله، لينتفي الاستدلال به. # ومنه: أن الملائكة لهم عقول وليست لهم شهوات، والأنبياء لهم عقول وشهوات، ~~فلما نهوا أنفسهم عن الهوى، ومنعوها عما تميل إليه الطباع، كانوا بذلك ~~أفضل. وقال الآخرون: يجوز أن يقع [من الملائكة] [من] مداومة الطاعة وتحمل ~~العبادة وترك الونى والفتور فيها؛ ما يفي بتجنب الأنبياء شهواتهم، مع طول ~~مدة عبادة الملائكة. ومنه: أن الله تعالى جعل [الملائكة] رسلا إلى ~~الأنبياء، وسفراء بينه وبينهم. وهذا الكلام قد اعتل به من قال: إن الملائكة ~~أفضل، واستدلالتهم به أقوى، فإن الأنبياء المرسلين، إن ثبت تفضيلهم على ~~المرسل إليهم بالرسالة، ثبت تفضيل الرسل من الملائكة إليهم عليهم، فإن ~~الرسول الملكي يكون رسولا إلى الرسول البشري. # ومنه: قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31]، الآيات. قال ~~الآخرون: ms260 وهذا دليل على الفضل لا على التفضيل، وآدم والملائكة لا يعلمون ~~إلا ما علمهم الله، وليس الخضر أفضل من موسى، بكونه عالم ما لم يعلمه موسى، # PageV01P304 # وقد سافر موسى وفتاه في طلب العلم إلى الخضر، وتزود لذلك، وطلب موسى منه ~~العلم صريحا، وقال له الخضر: إنك على علم من علم الله، إلى آخر كلامه. ولا ~~الهدهد أفضل من سليمان عليه السلام، بكونه أحاط بما لم يحط به سليمان عليه ~~السلام [علما]. # ومنه: قوله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75]. قال ~~الآخرون: هذا دليل الفضل لا الأفضلية، وإلا لزم تفضيله على محمد صلى الله ~~عليه وسلم. فإن قلتم: هو من ذريته؟ فمن ذريته البر والفاجر، بل يوم القيامة ~~إذا قيل لآدم: "ابعث من ذريتك بعثا إلى النار"، "يبعث من كل ألف تسعمائة ~~وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدا إلى الجنة" 1. فما بال هذا التفضيل سرى إلى ~~هذا الواحد من الألف فقط. # ومنه: قول عبد الله بن سلام رضي الله عنه: ما خلق الله خلقا أكرم عليه من ~~محمد صلى الله عليه وسلم2، الحديث، فالشأن في ثبوته وإن صح عنه فالشأن في ~~ثبوته في نفسه، فإنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات. # ومنه: حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "إن الملائكة قالت: يا ربنا، أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ~~ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت ~~لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة؟ قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت ~~له: كن فكان"3. أخرجه الطبراني. وأخرجه عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل ~~PageV01P305 # عن عروة بن رويم، [أنه] قال: أخبرني الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم "أن الملائكة قالوا"، الحديث، وفيه: "وينامون ويستريحون، فقال الله ~~تعالى: لا، فأعادوا القول ثلاث مرات، كل ذلك يقول: لا". والشأن في ثبوتهما، ~~فإن في سنديهما مقالا، وفي متنهما شيئا، فكيف يظن بالملائكة الاعتراض على ~~الله ms261 مرات عديدة؟ وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون؟ وهل يظن بهم أنهم متبرمون بأحوالهم، متشوفون إلى ما سواها من ~~شهوات بني آدم؟ والنوم أخو الموت، فكيف يغبطونهم به؟ وكيف يظن بهم أنهم ~~يغبطونهم باللهو، وهو من الباطل؟ قالوا: بل الأمر بالعكس، فإن إبليس إنما ~~وسوس إلى آدم ودلاه بغرور، PageV01P306 # إذ أطمعه [في] أن يكون ملكا بقوله: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا ~~أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} [الأعراف: 20]. فدل أن أفضلية الملك ~~أمر معلوم مستقر في الفطرة، يشهد لذلك قوله تعالى، حكاية عن النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن عند رؤية يوسف وقلن: {حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك ~~كريم} [يوسف: 31]. وقال تعالى: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول لكم إني ملك} [الأنعام: 50]. قال الأولون: إن هذا إنما كان ~~لما هو مركوز في النفس: أن الملائكة خلق جميل عظيم، مقتدر على الأفعال ~~الهائلة، خصوصا العرب، فإن الملائكة كانوا في نفوسهم من العظمة بحيث قالوا ~~إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. PageV01P307 # ومنه قوله تعالى: {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين} [آل عمران: 33]. قال الآخرون: قد يذكر "العالمون"، ولا يقصد به ~~العموم المطلق، بل في كل مكان بحسبه، كما في قوله تعالى: {ليكون للعالمين ~~نذيرا} [الفرقان: 1]. {قالوا أولم ننهك عن العالمين} [الحجر: 70]. {أتأتون ~~الذكران من العالمين} [الشعراء: 165]. {ولقد اخترناهم على علم على ~~العالمين} [الدخان: 22]. ومنه قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك هم خير البرية} [البينة: 7]. والبرية: مشتقة من البرء، بمعنى الخلق، ~~فثبت أن صالحي البشر خير الخلق. قال الآخرون: إنما صاروا خير البرية لكونهم ~~آمنوا وعملوا الصالحات، PageV01P308 # والملائكة في هذا الوصف أكمل، فإنهم لا يسأمون ولا يفترون، فلا يلزم أن ~~يكونوا خيرا من الملائكة, هذا على قراءة من قرأ "البريئة"، بالهمز وعلى ~~قراءة من قرأ بالياء، إن قلنا: إنها مخففة من الهمزة، وإن قلنا: إنها ms262 نسبة ~~إلى البرى وهو التراب، كما قاله الفراء فيما نقله عنه الجوهري في "الصحاح"؛ ~~يكون المعنى: أنهم خير من خلق من التراب، فلا عموم فيها، إذ الغير من خلق ~~من التراب. قال الأولون: إنما تكلمنا في [تفضيل] صالحي البشر إذا كملوا، ~~ووصلوا إلى غايتهم وأقصى نهايتهم، وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة، ونالوا ~~الزلفى، وسكنوا الدرجات العلى، وحباهم الرحمن بمزيد قربه، وتجلى لهم ~~ليستمتعوا بالنظر إلى وجهه الكريم. وقال الآخرون: الشأن في أنهم هل صاروا ~~إلى حالة يفوقون فيها الملائكة أو يساوونهم فيها؟ فإن كان قد ثبت لهم أنهم ~~يصيرون إلى حال يفوقون فيها الملائكة سلم المدعى، وإلا فلا. # ومما استدل به على تفضيل الملائكة على البشر: قوله تعالى: {لن يستنكف ~~المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} [النساء: 172]. وقد ثبت من ~~طريق اللغة أن مثل هذا الكلام يدل على أن المعطوف أفضل من المعطوف عليه؛ ~~لأنه لا يجوز أن يقال: لن يستنكف الوزير أن يكون خادما للملك، ولا الشرطي ~~أو الحارس! وإنما يقال: لن يستنكف الشرطي أن يكون خادما للملك [ولا] ~~الوزير. ففي مثل هذا التركيب يترقى من الأدنى إلى الأعلى، فإذا ثبت تفضيلهم ~~على عيسى عليه السلام ثبت في حق غيره، إذ1 لم يقل أحد إنهم أفضل من بعض ~~الأنبياء دون بعض, أجاب الآخرون بأجوبة، أحسنها، أو من أحسنها: أنه لا نزاع ~~في فضل قوة الملك وقدرته وشدته وعظم خلقه، وفي العبودية خضوع وذل وانقياد، ~~وعيسى عليه السلام لا يستنكف عنها ولا من هو أقدر منه وأقوى وأعظم خلقا، ~~ولا يلزم من مثل هذا التركيب الأفضلية المطلقة من كل وجه. # ومنه قوله تعالى: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا ~~أقول لكم إني ملك} [الأنعام: 50]. ومثل هذا يقال بمعنى: إني لو قلت ذلك ~~PageV01P309 # لادعيت فوق منزلتي، ولست ممن يدعي ذلك. أجاب الآخرون: إن الكفار كانوا قد ~~قالوا: {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} [الفرقان: 7]. فأمر ~~أن يقول لهم: إني بشر مثلكم ms263 أحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر من الاكتساب ~~والأكل والشرب، لست من الملائكة الذين لم يجعل الله لهم حاجة إلى الطعام ~~والشراب، فلا يلزم حينئذ الأفضلية المطلقة. # ومنه ما روى مسلم بإسناده، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن ~~الضعيف، وفي كل خير" 1. ومعلوم أن قوة البشر لا تداني قوة الملك ولا ~~تقاربها. قال الآخرون. [الظاهر] أن المراد المؤمن من البشر -والله أعلم- ~~فلا تدخل الملائكة في هذا العموم. # ومنه ما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال فيما يروي عن ربه عز وجل، قال: "يقول الله تعالى: أنا ~~عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ~~ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" 2، الحديث. وهذا نص في الأفضلية. قال ~~الآخرون: يحتمل أن يكون المراد خيرا منه للمذكور لا الخيرية المطلقة. # ومنه ما رواه إمام الأئمة محمد بن خزيمة، بسنده في كتاب التوحيد عن أنس ~~رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا جالس إذ ~~جاء جبرائيل، فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة مثل وكري الطير، فقعد في ~~إحداها، وقعدت في الأخرى، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب بصري، ~~ولو شئت أن أمس السماء مسست، فنظرت إلى جبرائيل كأنه حلس لاطىء، فعرفت فضل ~~علمه بالله [علي] "3، الحديث. قال الآخرون: في سنده [مقال] فلا نسلم ~~الاحتجاج به إلا بعد ثبوته. PageV01P310 # وحاصل الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل, ولهذا لم يتعرض لها كثير ~~من أهل الأصول، وتوقف أبو حنيفة رضي الله عنه في الجواب عنها، كما تقدم. ~~والله أعلم بالصواب. # وأما الأنبياء والمرسلون، فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من ~~رسله، والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلا سواهم وأنبياء، لا يعلم أسماءهم ~~وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم. فعلينا الإيمان ms264 بهم جملة لأنه لم يأت ~~في عددهم نص, وقد قال تعالى: {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك} [النساء: 164]. وقال تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم ~~من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} [غافر: 78]. وعلينا الإيمان بأنهم ~~بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به، وأنهم بينوه1 بيانا لا يسع ~~أحدا ممن أرسلوا إليه جهله، ولا يحل خلافه. قال تعالى: {فهل على الرسل إلا ~~البلاغ المبين} [النحل: 82]. {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين} [النحل: ~~82]. [{وإن تطيعوه تهتدوا}] {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [النور: ~~54]. {وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين} ~~[التغابن: 12]. # وأما أولو العزم من الرسل. فقد قيل فيهم أقوال أحسنها: ما نقله البغوي ~~وغيره عن ابن عباس وقتادة: أنهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد، صلوات ~~PageV01P311 # الله وسلامه عليهم. قال: وهم المذكورون في قوله تعالى: {وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} [الأحزاب: ~~7]. وفي قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه} [الشورى: 13]. # وأما الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فتصديقه واتباع ما جاء به من ~~الشرائع إجمالا وتفصيلا. # وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين، فنؤمن بما سمى الله تعالى ~~منها في كتابه، من التوراة والإنجيل والزبور، ونؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك ~~كتبا أنزلها على أنبيائه، لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله [تعالى]. # وأما الإيمان بالقرآن، فالإقرار به، [و] اتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على ~~الإيمان بغيره من الكتب, فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله ~~أتتهم1 من عند الله، وأنها حق وهدى ونور وبيان وشفاء. قال تعالى: {قولوا ~~آمنا بالله وما أنزل إلينا} [البقرة: 136]. إلى قوله: {وما أوتي النبيون من ~~ربهم} [البقرة: 136]. {الم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [آل عمران: 1، ~~2]. إلى قوله: {وأنزل الفرقان} [آل ms265 عمران: 2]. {آمن الرسول بما أنزل إليه ~~من ربه} [البقرة: 285]. {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: 82]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ~~أن الله تكلم بها، وأنها نزلت من عنده, وفي ذلك إثبات صفة الكلام والعلو, ~~وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق} [البقرة: 213]. {وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [حم السجدة: 42]. {ويرى الذين ~~أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} [سبأ: 6]. {يا أيها الناس قد ~~جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين} [يونس: ~~57]. {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} [حم السجدة: 44]. {فآمنوا بالله ورسوله ~~والنور الذي أنزلنا} [التغابن: 8]. وأمثال ذلك في القرآن كثيرة. ~~PageV01P312 ### | أهل القبلة مسلمون مؤمنون # قوله: "ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين". # ش: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، ~~وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا" 1. ويشير الشيخ رحمه ~~الله بهذا الكلام إلى أن الإسلام والإيمان واحد، وأن المسلم لا يخرج من ~~الإسلام بارتكاب الذنب ما لم يستحله. والمراد بقوله: أهل قبلتنا، من يدعي ~~الإسلام ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء، أو من أهل المعاصي، ما لم ~~يكذب بشيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم, وسيأتي الكلام على هذين ~~المعنيين عند قول الشيخ: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله. ~~وعند قوله: والإسلام والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء. # قوله: "ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله". # ش: يشير الشيخ رحمه الله إلى الكف عن كلام المتكلمين الباطل، وذم علمهم، ~~فإنهم يتكلمون في الإله بغير علم وغير سلطان أتاهم, {إن يتبعون إلا الظن ~~وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} [النجم: ms266 23]. وعن أبي حنيفة ~~رحمه الله، أنه قال: لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات بشيء، بل يصفه بما وصف ~~به نفسه. وقال بعضهم: الحق سبحانه يقول: من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي ~~ألزمته الأدب، ومن كشفت له حقيقة ذاتي ألزمته العطب، فاختر الأدب أو العطب. ~~ويشهد لهذا: أنه سبحانه لما كشف للجبل عن ذاته ساخ الجبل وتدكدك ولم يثبت ~~على عظمة الذات. قال الشبلي: الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب. وقوله: ~~ولا نماري في دين الله. معناه: لا نخاصم أهل الحق بإلقاء شبهات أهل الأهواء ~~عليهم، التماسا لامترائهم وميلهم، لأنه في معنى الدعاء إلى الباطل، وتلبيس ~~الحق، وإفساد دين الإسلام. PageV01P313 # قوله: "ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح ~~الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه وسلم, وهو كلام الله ~~تعالى، لا يساويه شيء من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة ~~المسلمين". # ش: فقوله ولا نجادل في القرآن، يحتمل أنه أراد: أنا لا نقول فيه كما قال ~~أهل الزيغ واختلفوا، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، بل نقول: إنه كلام ~~رب العالمين، نزل به الروح الأمين، إلى آخر كلامه, ويحتمل أنه أراد: أنا لا ~~نجادل في القراءة الثابتة، بل نقرؤه بكل ما ثبت وصح. وكل من المعنيين حق. ~~[و] يشهد بصحة المعنى الثاني، ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ~~أنه قال: سمعت رجلا قرأ آية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ~~ذلك له، فعرفت في وجهه الكراهة، وقال: "كلاكما محسن، لا تختلفوا، فإن من ~~كان قبلكم اختلفوا فهلكوا" رواه مسلم1. نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين ما مع صاحبه من الحق؛ لأن ~~كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه، وعلل ذلك بأن من كان قبلنا اختلفوا ~~فهلكوا, ولهذا قال حذيفة رضي الله عنه، لعثمان رضي الله ms267 عنه: أدرك هذه ~~الأمة لا تختلف كما اختلفت الأمم قبلهم, فجمع الناس على حرف واحد اجتماعا ~~سائغا, وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة، ولم يكن في ذلك ترك لواجب2، ولا ~~فعل لمحظور، إذ كانت قراءة القرآن على سبعة أحرف جائزة لا واجبة، رخصة من ~~الله تعالى، وقد جعل الاختيار إليهم في أي حرف اختاروه, كما أن ترتيب السور ~~لم يكن واجبا عليهم منصوصا؛ ولهذا كان ترتيب مصحف عبد الله على غير ترتيب ~~المصحف العثماني، وكذلك مصحف غيره, وأما ترتيب آيات السور فهو ترتيب منصوص ~~عليه، فلم يكن لهم أن يقدموا آية على آية، بخلاف السور. PageV01P314 # فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إن لم تجتمع على حرف ~~واحد جمعهم الصحابة عليه. هذا قول جمهور السلف من العلماء والقراء. قاله ~~ابن جرير وغيره: منهم من يقول: إن الترخص في الأحرف السبعة كان في أول ~~الإسلام، لما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولا، فلما تذللت ~~ألسنتهم بالقراءة، وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيرا عليهم، وهو أوفق لهم, ~~أجمعوا على الحرف الذي كان في العرضة الأخيرة, وذهب طوائف من الفقهاء وأهل ~~الكلام إلى أن المصحف يشتمل على الأحرف السبعة لأنه لا يجوز أن يهمل شيء من ~~الأحرف السبعة, وقد اتفقوا على نقل المصحف العثماني, وترك ما سواه, وقد ~~تقدمت الإشارة إلى الجواب، وهو: أن ذلك كان جائزا لا واجبا، أو أنه صار ~~منسوخا. وأما من قال عن ابن مسعود: إنه كان يجوز القراءة بالمعنى! فقد كذب ~~عليه، وإنما قال: قد نظرت إلى القرأة1 فرأيت قراءتهم متقاربة، وإنما هو ~~كقول أحدكم: هلم، وأقبل، وتعال، فاقرءوا كما علمتم, أو كما قال. والله ~~تعالى قد أمرنا أن لا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا ~~منهم، فكيف بمناظرة أهل القبلة؟ فإن أهل القبلة من حيث الجملة خير من أهل ~~الكتاب، فلا يجوز أن يناظر من لم يظلم منهم إلا بالتي هي أحسن، وليس إذا ~~أخطأ يقال: إنه كافر، قبل ms268 أن تقام عليه الحجة التي حكم الرسول بكفر من ~~تركها, والله تعالى قد عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان, ولهذا ذم السلف ~~أهل الأهواء، وذكر [وا] أن آخر أمرهم السيف, وسيأتي لهذا المعنى زيادة ~~بيان، إن شاء الله تعالى، عند قول الشيخ: ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة ~~زيغا وعذابا. # وقوله: ونشهد أنه كلام رب العالمين، قد تقدم الكلام على هذا المعنى عند ~~قوله: وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا. # وقوله: {نزل به الروح الأمين} [الشعراء: 193]، هو جبرائيل عليه السلام، ~~سمي روحا لأنه حامل الوحي الذي به حياة القلوب إلى الرسل من البشر صلوات ~~الله عليهم أجمعين، وهو أمين حق أمين، صلوات الله عليه. قال تعالى: {نزل به ~~PageV01P315 # الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين} [الشعراء: ~~193 - 195]. وقال تعالى: {إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، ~~مطاع ثم أمين} [التكوير: 19 - 21]. وهذا وصف جبرائيل بخلاف قوله تعالى: ~~{إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر} [الحاقة: 40 - 41] الآيات. فإن ~~الرسول هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم. # وقوله: فعلمه سيد المرسلين، تصريح بتعليم جبرائيل إياه، إبطالا لتوهم ~~القرامطة وغيرهم أنه تصوره في نفسه إلهاما. # وقوله: ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين، تنبيه على أن من قال ~~بخلق القرآن فقد خالف جماعة المسلمين، فإن سلف الأمة كلهم متفقون على أنه ~~كلام الله بالحقيقة غير مخلوق، بل قوله: ولا نخالف جماعة المسلمين، مجرى ~~على إطلاقه. أنا لا نخالف جماعة المسلمين في جميع ما اتفقوا عليه فإن ~~خلافهم زيغ وضلال وبدعة. # قوله: "ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر ~~مع الإيمان ذنب لمن عمله". # ش: أراد بأهل القبلة الذين تقدم ذكرهم في قوله: ونسمي أهل قبلتنا مسلمين ~~مؤمنين، [ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين، وله بكل ~~ما قال وأخبر مصدقين]، يشير الشيخ رحمه الله [بهذا الكلام] إلى الرد على ~~الخوارج القائلين بالتكفير ms269 بكل ذنب. # واعلم -رحمك الله وإيانا- أن باب التكفير وعدم التكفير، باب عظمت الفتنة ~~والمحنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتتت فيه الأهواء والآراء، وتعارضت فيه ~~دلائلهم. فالناس فيه، في جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة، ~~المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس الأمر، أو المخالفة لذلك في ~~اعتقادهم، على طرفين ووسط، من جنس الاختلاف في تكفير أهل الكبائر العملية. # فطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدا، فتنفي التكفير نفيا عاما، مع ~~العلم بأن في أهل القبلة المنافقين، الذين فيهم من هو أكفر من اليهود ~~والنصارى # PageV01P316 # بالكتاب والسنة والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم ~~يتظاهرون بالشهادتين. وأيضا: فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار ~~الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك، فإنه ~~يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل كافرا مرتدا, والنفاق والردة مظنتها البدع ~~والفجور، كما ذكره الخلال في كتاب السنة، بسنده إلى محمد بن سيرين، أنه ~~قال: إن أسرع الناس ردة أهل الأهواء، وكان يرى هذه الآية نزلت فيهم: {وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} ~~[الأنعام: 68]. ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر ~~أحدا بذنب، بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب، كما تفعله1 الخوارج. وفرق بين ~~النفي العام ونفي العموم. والواجب إنما هو نفي العموم، مناقضة لقول الخوارج ~~الذين يكفرون بكل ذنب. ولهذا -والله أعلم- قيده الشيخ رحمه الله [بقوله]: ~~ما لم يستحله. وفي قوله: ما لم يستحله إشارة إلى أن مراده من هذا النفي ~~العام لكل ذنب [من] الذنوب العملية لا العلمية. وفيه إشكال فإن الشارع لم ~~يكتف من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العلميات بمجرد ~~العلم دون العمل، وليس العمل مقصورا على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل ~~لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع. إلا أن يضمن قوله: يستحله بمعنى: ~~يعتقده، أو نحو ذلك. # وقوله: ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ... إلى آخر كلامه، ms270 رد ~~على المرجئة، فإنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر ~~طاعة. فهؤلاء في طرف، والخوارج في طرف، فإنهم يقولون نكفر المسلم بكل ذنب، ~~أو بكل ذنب كبير، وكذلك المعتزلة الذين يقولون يحبط إيمانه كله بالكبيرة، ~~فلا يبقى معه شيء من الإيمان. لكن الخوارج يقولون: يخرج من الإيمان ويدخل ~~في الكفر! والمعتزلة يقولون: يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، وهذه ~~المنزلة بين المنزلتين!! وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في ~~النار! وطوائف من أهل PageV01P317 # الكلام والفقه والحديث لا يقولون ذلك في الأعمال، لكن في الاعتقادات ~~البدعية، وإن كان صاحبها متأولا، فيقولون: يكفر كل من قال هذا القول، لا ~~يفرقون بين المجتهد المخطئ وغيره، أو يقولون: يكفر كل مبتدع, وهؤلاء يدخل ~~عليهم في هذا الإثبات العام أمور عظيمة، فثان النصوص المتواترة قد دلت على ~~أنه يخرج من النار من في قلبه [مثقال] ذرة من إيمان، ونصوص الوعد التي يحتج ~~بها هؤلاء تعارض نصوص الوعيد التي يحتج بها أولئك, والكلام في الوعيد مبسوط ~~في موضعه, وسيأتي بعضه عند الكلام على قول الشيخ: وأهل الكبائر في النار لا ~~يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون. والمقصود هنا: أن البدع هي من هذا الجنس، ~~فإن الرجل يكون مؤمنا باطنا وظاهرا، لكن تأول تأويلا أخطأ فيه، إما مجتهدا ~~وإما مفرطا مذنبا، فلا يقال. إن إيمانه حبط لمجرد ذلك، إلا أن يدل على ذلك ~~دليل شرعي، بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة، ولا نقول: لا يكفر، بل ~~العدل هو الوسط، وهو: أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما ~~أثبته الرسول، أو إثبات ما نفاه، أو الأمر بما نهى عنه، أو النهي عما أمر ~~به, يقال فيها الحق، ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها ~~كفر، ويقال: من قالها فهو كافر، ونحو ذلك، كما يذكر من الوعيد في الظلم في ~~النفس والأموال، وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال ~~بخلق القرآن [وأن الله لا يرى ms271 في الآخرة ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها, وعن ~~أبي يوسف رحمه الله، أنه قال: ناظرت أبا حنيفة رحمه الله مدة، حتى اتفق ~~رأيي ورأيه: أن من قال بخلق القرآن فهو كافر]. وأما الشخص المعين، إذا قيل: ~~هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز ~~معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا ~~يرحمه بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت. ولهذا ذكر أبو ~~داود في سننه في كتاب الأدب: "باب النهي عن البغي"، وذكر فيه عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كان رجلان في ~~بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا ~~يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب، فقال ~~له: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ فقال: # PageV01P318 # والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك [ال له] الجنة فقبض أرواحهما، ~~فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما؟ أو كنت على ما ~~في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا ~~به إلى النار. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده، لتكلم بكلمة أو بقت دنياه ~~وآخرته" 1. وهو حديث حسن؛ ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدا مخطئا ~~مغفورا له، [ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص]، ويمكن أن ~~يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله، كما غفر للذي قال: إذا مت ~~فاسحقوني ثم اذروني، ثم غفر الله له لخشيته2, وكان يظن أن الله لا يقدر على ~~جمعه وإعادته، أو شك في ذلك, لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن ~~نعاقبه في الدنيا، لمنع بدعته، وأن نستتيبه، فإن تاب وإلا قتلناه, ثم إذا ~~كان القول في نفسه كفرا قيل: إنه كفر والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع، ~~ولا يكون ذلك ms272 إلا [إذا] صار منافقا زنديقا, فلا يتصور أن يكفر أحد من أهل ~~القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا, وكتاب الله يبين ذلك، ~~فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف: صنف كفار من المشركين ومن أهل الكتاب، ~~وهم الذين لا يقرون بالشهادتين, وصنف المؤمنون باطنا وظاهرا. وصنف أقروا به ~~ظاهرا لا باطنا, وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة, وكل من ~~ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقرا بالشهادتين, فإنه لا يكون إلا زنديقا، ~~والزنديق هو المنافق. # وهنا يظهر غلط الطرفين، فإنه من كفر كل من قال القول المبتدع في الباطن، ~~يلزمه أن يكفر أقواما ليسوا في الباطن منافقين، بل هم في الباطن يحبون الله ~~ورسوله ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين، كما ثبت في صحيح البخاري، ~~عن أسلم مولى عمر [رضي الله عنه]، عن عمر: أن رجلا كان على عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان اسمه: عبد الله، وكان يلقب: حمارا، وكان يضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان PageV01P319 # رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأتي به يوما، فأمر به ~~فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه! ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنه، [فوالله ما علمت]، إنه يحب الله ورسوله" 1 ~~وهذا أمر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين، وفيهم بعض مقالات ~~الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج, ولكن الأئمة في العلم ~~والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدعة، بل بفرع منها, ولهذا انتحل أهل ~~هذه الأهواء لطوائف2 من السلف المشاهير. فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم ~~بعضا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون. # ولكن بقي هنا إشكال يرد على كلام الشيخ رحمه الله، وهو: أن الشارع قد سمى ~~بعض الذنوب كفرا، قال الله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 44]. وقال صلى الله عليه وسلم: "سباب المسلم 3 فسوق، ~~وقتاله ms273 كفر" 4. متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. وقال صلى الله ~~عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" 5. و "إذا قال ~~الرجل لأخيه: يا كافر, فقد باء بها أحدهما" 6. متفق عليهما من حديث ابن عمر ~~رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ~~ومن كانت فيه [خصلة منهن كان فيه] خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا حدث كذب، ~~وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" 7. متفق عليه من حديث عبد ~~الله بن عمر رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو PageV01P320 # مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو ~~مؤمن، والتوبة معروضة بعد" 1. وقال صلى الله عليه وسلم: "بين المسلم وبين ~~الكفر ترك الصلاة" 2. رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: "من أتى كاهنا فصدقه، أو أتى امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على ~~محمد" 3. وقال صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد كفر" 4. رواه ~~الحاكم بهذا اللفظ. وقال صلى الله عليه وسلم: "ثنتان في أمتي [بهم] كفر: ~~الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت" 5. ونظائر ذلك كثيرة. # والجواب: أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ~~ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفرا ينقل عن الملة ~~لكان مرتدا يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في ~~الزنا والسرقة وشرب الخمر! وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين ~~الإسلام, ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ~~ولا يستحق الخلود مع الكافرين، كما قالت المعتزلة. فإن قولهم باطل أيضا، إذ ~~قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178]، إلى أن قال: {فمن عفي له من ~~أخيه شيء فاتباع ms274 بالمعروف} [البقرة: 178]. فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، ~~وجعله أخا لولي القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب. وقال تعالى: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9]، إلى أن قال: ~~{إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10]. ونصوص الكتاب ~~والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل، بل يقام عليه ~~الحد، PageV01P321 # فدل على أنه ليس بمرتد, وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "من كانت عنده لأخيه اليوم مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه ~~اليوم، قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر ~~مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه، ثم ألقي في ~~النار" 1. أخرجاه في الصحيحين. فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي ~~المظلوم منها حقه, وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "ما تعدون المفلس فيكم؟ " قالوا: المفلس فينا من لا له درهم ولا ~~دينار، قال: "المفلس من يأتي يوم القيامة وله حسنات أمثال الجبال، [فيأتي] ~~وقد شتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، وقذف هذا، وضرب هذا، فيقتص هذا من ~~حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من ~~خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار" 2. رواه مسلم. وقد قال تعالى: {إن ~~الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 115]. فدل ذلك على أنه في حال إساءته يعمل3 ~~حسنات تمحو سيئاته. وهذا مبسوط في موضعه. # والمعتزلة موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة، فإنهم وافقوهم على أن ~~مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لكن قالت الخوارج. نسميه كافرا، وقالت ~~المعتزلة: نسميه فاسقا، فالخلاف بينهم لفظي فقط. وأهل السنة أيضا متفقون ~~على أنه يستحق الوعيد المرتب على ذلك الذنب، كما وردت به النصوص, لا كما ~~يقوله المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا ينفع مع الكفر طاعة! وإذا ~~اجتمعت نصوص الوعد التي استدلت بها المرجئة، ونصوص الوعيد التي استدلت بها ~~الخوارج ms275 والمعتزلة, تبينت لك فساد القولين! ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى ~~أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد مذهب الطائفة الأخرى. PageV01P322 # ثم بعد هذا الاتفاق تبين أن أهل السنة اختلفوا خلافا لفظيا، لا يترتب ~~عليه فساد، وهو: أنه هل يكون الكفر على مراتب، كفرا دون كفر؟ كما اختلفوا: ~~هل يكون الإيمان على مراتب، إيمانا دون إيمان؟ وهذا اختلاف نشأ من اختلافهم ~~في مسمى الإيمان: هل هو قول وعمل يزيد وينقص، أم لا؟ بعد اتفاقهم على أن من ~~سماه الله تعالى ورسوله كافرا نسميه كافرا، إذ من الممتنع أن يسمي الله ~~سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا، ويسمي رسوله من تقدم ذكره كافرا, ~~ولا نطلق عليهما اسم الكفر, ولكن من قال: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ~~قال: هو كفر عملي لا اعتقادي، والكفر عنده على مراتب، كفر دون كفر، ~~كالإيمان عنده. ومن قال: إن الإيمان هو التصديق، ولا يدخل العمل في مسمى ~~الإيمان، والكفر هو الجحود، ولا يزيدان ولا ينقصان، قال: هو كفر مجازي غير ~~حقيقي، إذ الكفر الحقيقي هو الذي ينقل عن الملة, وكذلك يقول في تسمية بعض ~~الأعمال بالإيمان، كقوله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: ~~143]، أي صلاتكم إلى بيت المقدس، إنها سميت إيمانا مجازا، لتوقف صحتها عن ~~الإيمان، أو لدلالتها على الإيمان، إذ هي دالة على كون مؤديها مؤمنا. ولهذا ~~يحكم بإسلام الكافر إذا صلى صلاتنا. فليس بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب ~~الذنوب، إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما جاء به الرسول وما تواتر عنهم ~~أنهم من أهل الوعيد, ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار، ~~كالخوارج والمعتزلة. ولكن أراد ما في ذلك التعصب على من يضادهم، وإلزامه ~~لمن يخالف قوله بما لا يلزمه، والتشنيع عليه! وإذا كنا مأمورين بالعدل في ~~مجادلة الكافرين، وأن يجادلوا بالتي هي أحسن، فكيف لا يعدل بعضنا على بعض ~~في مثل هذا الخلاف؟! قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ~~شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن ms276 قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} ~~[المائدة: 8] الآية. # وهنا أمر يجب أن يتفطن له، وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا ~~ينقل عن الملة، وقد يكون معصية: كبيرة أو صغيرة، ويكون كفرا: إما مجازيا، ~~وإما كفرا أصغر، على القولين المذكورين. وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن ~~اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع ~~تيقنه أنه # PageV01P323 # حكم الله: فهذا كفر أكبر1. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في ~~هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى ~~كافرا كفرا مجازيا، أو كفرا أصغر, وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده ~~واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطىء، له أجر على اجتهاده، ~~وخطؤه مغفور. # وأراد الشيخ رحمه الله بقوله: ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ~~مخالفة المرجئة. وشبهتهم كانت قد وقعت لبعض الأولين، فاتفق الصحابة على ~~قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك, فإن قدامة بن عبد الله شرب الخمر بعد تحريمها ~~هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات} [المائدة: 93] الآية. ~~فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، اتفق هو وعلي بن أبي طالب ~~وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على ~~استحلالها قتلوا. وقال عمر لقدامة: أخطأت استك الحفرة، أما إنك لو اتقيت ~~وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر, وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب أن الله ~~سبحانه لما حرم الخمر، وكان تحريمها بعد وقعة أحد، قال بعض الصحابة: فكيف ~~بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فأنزل الله هذه الآية, بين فيها أن ~~من طعم الشيء في الحال التي لم يحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من ~~المؤمنين المتقين المصلحين، كما كان من أمر استقبال بيت المقدس, ثم إن ~~أولئك الذين فعلوا [ذلك يذمون] على أنهم أخطأوا وأيسوا من التوبة, ms277 فكتب عمر ~~إلى قدامة يقول له: {حم، تنزيل الكتاب من PageV01P324 # الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب} [غافر: 1 - 3]. ~~ما أدري أي ذنبيك أعظم؟ استحلالك المحرم أولا؟ أم يأسك من رحمة الله ثانيا؟ ~~وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام. # قوله: "ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ~~ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا ~~نقنطهم". # ش: وعلى المؤمن أن يعتقد هذا الذي قاله الشيخ رحمه الله في حق نفسه وفي ~~حق غيره. قال تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: 57]. وقال ~~تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175]. وقال تعالى: ~~{وإياي فاتقون} [البقرة: 41]. {وإياي فارهبون} [البقرة: 40]. {فلا تخشوهم ~~واخشوني} [البقرة:150]. ومدح أهل الخوف، فقال تعالى: {إن الذين هم من خشية ~~ربهم مشفقون، والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} [المؤمنون: 57 - 58]. إلى قوله: ~~{أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} [المؤمنون: 61]. وفي المسند ~~والترمذي عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله، {الذين يؤتون ~~ما آتوا وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60]، هو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ ~~قال: "لا، يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل ~~منه" 1. قال الحسن رضي الله عنه: عملوا -والله- بالطاعات، واجتهدوا فيها، ~~وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانا وخشية، والمنافق جمع إساءة ~~وأمنا. انتهى. وقد قال تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم} [البقرة: 218] , فتأمل ~~كيف جعل رجاءهم مع إيمانهم بهذه الطاعات؟ فالرجاء إنما يكون مع الإتيان ~~بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله تعالى، PageV01P325 # شرعة وقدرته1 وثوابه وكرامته. ولو أن رجلا له أرض يؤمل أن يعود عليه من ~~مغلها ما ينفعه، فأهملها ولم يحرثها ولم يبذرها، ورجا أنه يأتي من مغلها ~~مثل ما يأتي من حرث وزرع وتعاهد الأرض, لعده الناس من ms278 أسفه السفهاء! وكذا ~~لو رجا وحسن ظنه أن يجيئه ولد من غير جماع! أو يصير أعلم أهل زمانه من غير ~~طلب العلم وحرص تام! وأمثال ذلك, فكذلك من حسن ظنه وقوي رجاؤه في الفوز ~~بالدرجات العلى والنعيم المقيم، من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى ~~بامتثال أوامره واجتناب نواهيه, ومما ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا استلزم ~~رجاؤه أمورا: أحدها: محبة ما يرجوه. الثاني: خوفه من فواته. الثالث: سعيه ~~في تحصيله بحسب الإمكان. وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك، فهو من باب ~~الأماني، والرجاء شيء والأماني شيء آخر, فكل راج خائف، والسائر على الطريق ~~إذا خاف أسرع السير، مخافة الفوات. وقال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48، 116]. فالمشرك لا ترجى له ~~المغفرة، لأن الله نفى عنه المغفرة، وما سواه من الذنوب في مشيئة الله، إن ~~شاء غفر له، وإن شاء عذبه. وفي معجم الطبراني: الدواوين عند الله يوم ~~القيامة ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفر الله منه شيئا، وهو الشرك بالله، ثم ~~قرأ: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [النساء: 48، 116]. وديوان لا يترك الله ~~منه شيئا، مظالم العباد بعضهم بعضا. وديوان لا يعبأ الله به، وهو ظلم العبد ~~نفسه بينه وبين ربه2. # وقد اختلفت عبارات العلماء في الفرق بين الكبائر والصغائر، وستأتي ~~الإشارة إلى ذلك عند قول الشيخ رحمه الله: وأهل الكبائر من أمة محمد في ~~النار لا يخلدون. ولكن ثم أمر ينبغي التفطن له، وهو: أن الكبيرة قد يقترن ~~بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقرن ~~بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها ~~بالكبائر, وهذا أمر مرجعه إلى ما PageV01P326 # يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ~~وغيره. # [وأيضا]: فإنه قد يعفى لصاحب الإحسان1 العظيم ما لا يعفى لغيره، فإن فاعل ~~السيئات يسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب، عرفت بالاستقراء من الكتاب ms279 ~~والسنة: السبب الأول: التوبة، قال تعالى: {إلا من تاب} [مريم: 60, الفرقان: ~~70]. {إلا الذين تابوا} [البقرة: 160]، وغيرها. والتوبة النصوح، وهي ~~الخالصة، لا يختص بها ذنب دون ذنب، لكن هل تتوقف صحتها على أن تكون عامة؟ ~~حتى لو تاب من ذنب وأصر على آخر لا تقبل؟ والصحيح أنها تقبل. وهل يجب ~~الإسلام ما قبله من الشرك وغيره من الذنوب وإن لم يتب منها؟ أم لا بد مع ~~الإسلام من التوبة من غير الشرك؟ حتى لو أسلم وهو مصر على الزنا وشرب الخمر ~~مثلا، هل يؤاخذ بما كان منه في كفره من الزنا وشرب الخمر؟ أم لا بد أن يتوب ~~من ذلك الذنب مع إسلامه؟ أو يتوب توبة عامة من كل ذنب؟ وهذا هو الأصح: أنه ~~لا بد من التوبة مع الإسلام، وكون التوبة سببا لغفران الذنوب وعدم المؤاخذة ~~بها, مما لا خلاف فيه بين الأمة. وليس شيء يكون سببا لغفران جميع الذنوب ~~إلا التوبة، قال تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من ~~رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53]، ~~وهذا لمن تاب، ولهذا قال: {لا تقنطوا}، وقال بعدها: {وأنيبوا إلى ربكم} ~~[الزمر: 54] الآية. السبب الثاني: الاستغفار، قال تعالى: {وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33]. لكن الاستغفار تارة يذكر وحده، وتارة ~~يقرن بالتوبة، فإن ذكره وحده دخلت معه التوبة، كما إذا ذكرت التوبة وحدها ~~شملت الاستغفار. فالتوبة تتضمن الاستغفار، والاستغفار يتضمن التوبة، وكل ~~واحد منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين ~~بالأخرى، فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ~~ما يخافه في المستقبل PageV01P327 # من سيئات أعماله, ونظير هذا: الفقير والمسكين، إذا ذكر أحد اللفظين شمل ~~الآخر، وإذا ذكرا معا كان لكل منهما معنى. قال تعالى: {إطعام عشرة مساكين} ~~[المائدة: 89]. {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4]. {وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271]. لا خلاف أن كل واحد من الاسمين في هذه ~~الآيات لما أفرد شمل ms280 المقل والمعدم، ولما قرن أحدهما بالآخر في قوله تعالى: ~~{إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] الآية, كان المراد بأحدهما ~~المقل، والآخر المعدم، على خلاف فيه, وكذلك: الإثم والعدوان، والبر ~~والتقوى، والفسوق والعصيان. ويقرب من هذا [المعنى]: الكفر والنفاق، فإن ~~الكفر أعم، فإذا ذكر الكفر شمل النفاق، وإن ذكرا معا كان لكل منهما معنى. ~~وكذلك الإيمان والإسلام1، على ما يأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى. ~~السبب الثالث: الحسنات: فإن الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، فالويل ~~لمن [غلبت] آحاده عشراته وقال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: ~~114]. وقال صلى الله عليه وسلم. "وأتبع السيئة الحسنة تمحها" 2. السبب ~~الرابع: المصائب الدنيوية، قال صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المؤمن من وصب ~~ولا نصب، ولا غم ولا هم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه" ~~3. وفي المسند: أنه لما نزل قوله تعالى: {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: ~~123] , قال أبو بكر: يا رسول الله، نزلت قاصمة الظهر4، وأينا لم يعمل سوءا؟ ~~فقال: "يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست يصيبك اللأواء؟ فذلك ما ~~تجزون به"5. PageV01P328 # فالمصائب نفسها مكفرة، وبالصبر عليها يثاب العبد، وبالسخط يأثم. والصبر ~~والسخط أمر آخر غير المصيبة، فالمصيبة من فعل الله لا من فعل العبد، وهي ~~جزاء من الله للعبد على ذنبه، ويكفر ذنبه بها، وإنما يثاب المرء ويأثم على ~~فعله، والصبر والسخط من فعله، وإن كان الأجر قد يحصل بغير عمل من العبد، بل ~~هدية من الغير، أو فضلا من الله من غير سبب، قال تعالى: {ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما} [النساء: 40]. فنفس المرض جزاء وكفارة لما تقدم. وكثيرا ما يفهم من ~~الأجر غفران الذنوب، وليس ذلك مدلوله، وإنما يكون من لازمه. السبب الخامس: ~~عذاب القبر. وسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. السبب السادس: دعاء ~~المؤمنين واستغفارهم في الحياة وبعد الممات. السبب السابع: ما يهدى إليه ~~بعد الموت، من ثواب صدقة أو قراءة أو حج، ونحو ذلك، وسيأتي الكلام على ذلك ~~إن شاء الله تعالى. ms281 السبب الثامن: أهوال يوم القيامة وشدائده. السبب ~~التاسع: ما ثبت في "الصحيحين": "أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على ~~قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في ~~دخول الجنة" 1. السبب العاشر: شفاعة الشافعين، كما تقدم عند ذكر الشفاعة ~~وأقسامها. السبب الحادي عشر: عفو أرحم الراحمين من غير شفاعة، كما قال ~~PageV01P329 # تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48، 116]. فإن كان ممن لم ~~يشأ الله أن يغفر له لعظم جرمه، فلا بد من دخوله إلى الكير، ليخلص طيب ~~إيمانه من خبث معاصيه، فلا يبقى في النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ~~ذرة من إيمان، بل من قال: لا إله إلا الله، كما تقدم من حديث أنس رضي الله ~~عنه1. وإذا كان الأمر كذلك، امتنع القطع لأحد معين من الأمة، غير من شهد له ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، ولكن نرجو للمحسنين، ونخاف عليهم. # قوله: "والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل ~~القبلة". # ش: يجب أن يكون العبد خائفا راجيا، فإن الخوف المحمود الصادق: ما حال بين ~~صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط, والرجاء ~~المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه، أو رجل ~~أذنب ذنبا ثم تاب منه إلى الله، فهو راج لمغفرته. قال الله تعالى: {إن ~~الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله ~~والله غفور رحيم} [البقرة: 218]. أما إذا كان الرجل متماديا في التفريط ~~والخطايا، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب. ~~قال: أبو علي الروذباري رحمه الله: الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا ~~استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا ~~صار الطائر في حد الموت, وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء بقوله: {أم من هو ~~قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} [الزمر: 9] ~~الآية. وقال: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ms282 ربهم خوفا وطمعا} [السجدة: ~~16] الآية. فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنا، والخوف يستلزم ~~الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطا ويأسا. وكل أحد إذا خفته هربت منه، إلا الله ~~تعالى، فإنك إذا خفته هربت إليه، فالخائف هارب من ربه إلى ربه. وقال صاحب ~~منازل السائرين رحمه الله: الرجاء أضعف منازل المريد. وفي كلامه نظر، بل ~~الرجاء والخوف على PageV01P330 # الوجه المذكور من أشرف منازل المريد, وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي, فليظن [بي] ما شاء" 1, وفي ~~"صحيح مسلم" عن جابر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول قبل موته بثلاث: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه" 2، ولهذا ~~قيل: إن العبد ينبغي أن يكون رجاؤه في مرضه أرجح من خوفه، بخلاف زمن الصحة، ~~فإنه يكون خوفه أرجح من رجائه. وقال بعضهم: من عبد الله بالحب [وحده] فهو ~~زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، [وروي]: ومن عبده بالرجاء وحده فهو ~~مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد. ولقد أحسن محمود ~~الوراق في قوله: # لو قد رأيت الصغير من عمل الخ ... ير ثوابا عجبت من كبره # أو قد رأيت الحقير من عمل الش ... ر جزاء أشفقت من حذره # قوله: "ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه". # ش: يشير الشيخ إلى الرد على الخوارج والمعتزلة في قوله بخروجه من الإيمان ~~بارتكاب الكبيرة, وفيه تقرير لما قال أولا: لا نكفر أحدا من أهل القبلة ~~بذنب، ما لم يستحله, وتقدم الكلام على هذا المعنى. PageV01P331 ### | تعريف الإيمان واختلاف الناس فيه # قوله: "والإيمان: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان, وجميع ما صح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق, والإيمان واحد، ~~وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، ~~وملازمة الأولى". # ش: اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان، اختلافا كثيرا: فذهب مالك ~~والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر ms283 أهل الحديث وأهل المدينة ~~رحمهم الله وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين: إلى أنه تصديق بالجنان، ~~وإقرار باللسان، وعمل بالأركان, وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكره الطحاوي ~~رحمه الله: أنه الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان, ومنهم من يقول: إن ~~الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي، وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي ~~رحمه الله، ويروى عن أبي حنيفة رضي الله عنه. وذهب الكرامية إلى أن الإيمان ~~هو الإقرار باللسان فقط! فالمنافقون عندهم مؤمنون كاملو الإيمان، ولكنهم ~~يقولون بأنهم يستحقون الوعيد الذي أوعدهم الله به! وقولهم ظاهر الفساد, ~~وذهب الجهم بن صفوان وأبو الحسن الصالحي أحد رؤساء القدرية, إلى أن الإيمان ~~هو المعرفة بالقلب! وهذا القول أظهر فسادا مما قبله! فإن لازمه أن فرعون ~~وقومه كانوا مؤمنين، فإنهم عرفوا صدق موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، ~~ولم يؤمنوا بهما، ولهذا قال موسى لفرعون: {لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصائر} [الإسراء: 102]. وقال تعالى: {وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} [النمل: 14]. ~~وأهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، ~~ولم يكونوا مؤمنين به، بل كافرين به، معادين له، وكذلك أبو طالب عنده يكون ~~مؤمنا، فإنه قال: # ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا # بل إبليس يكون عند الجهم مؤمنا كامل الإيمان! فإنه لم يجهل ربه، بل هو ~~عارف به، {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} [الحجر: 36]. {قال رب بما ~~أغويتني} [الحجر: 39] {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} [ص: 82]. والكفر عند ~~الجهم هو الجهل بالرب تعالى، ولا أحد أجهل منه بربه! فإنه جعله الوجود ~~المطلق، وسلب عنه جميع صفاته، ولا جهل أكبر من هذا، فيكون كافرا بشهادته ~~على نفسه! وبين هذه المذاهب مذاهب أخر، بتفاصيل وقيود، أعرضت # PageV01P332 # عن ذكرها اختصارا، ذكر هذه المذاهب أبو المعين النسفي1 في تبصرة الأدلة" ~~وغيره. # وحاصل الكل [يرجع] إلى أن الإيمان: إما أن يكون ما يقوم بالقلب واللسان ~~وسائر ms284 الجوارح، كما ذهب إليه جمهور السلف من الأئمة الثلاثة وغيرهم رحمهم ~~الله، كما تقدم، أو بالقلب واللسان دون الجوارح، كما ذكره الطحاوي عن أبي ~~حنيفة وأصحابه رحمهم الله, أو باللسان وحده، كما تقدم ذكره عن الكرامية, أو ~~بالقلب وحده، وهو إما المعرفة، كما قاله الجهم، أو التصديق كما قاله أبو ~~منصور الماتريدي رحمه الله, وفساد قول الكرامية والجهم بن صفوان ظاهر. # والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة, اختلاف ~~صوري. فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، أو جزءا من الإيمان، مع ~~الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله، إن ~~شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه: نزاع لفظي، لا يترتب عليه فساد اعتقاد. ~~والقائلون بتكفير تارك الصلاة، ضموا إلى هذا الأصل أدلة أخرى, وإلا فقد نفى ~~النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب، ~~ولم يوجب ذلك زوال اسم الإيمان عنهم بالكلية، اتفاقا. ولا خلاف بين أهل ~~السنة أن الله تعالى أراد من العباد القول والعمل، وأعني بالقول: التصديق ~~بالقلب والإقرار باللسان، وهذا الذي يعنى به عند إطلاق قولهم: الإيمان قول ~~وعمل. لكن هذا المطلوب من العباد: هل يشمله اسم الإيمان؟ أم الإيمان ~~أحدهما، وهو القول وحده، والعمل مغاير له لا يشمله اسم الإيمان عند إفراده ~~بالذكر، وإن أطلق عليهما كان مجازا؟ هذا محل النزاع. # وقد أجمعوا على أنه لو صدق بقلبه وأقر بلسانه، وامتنع عن العمل بجوارحه: ~~[أنه] عاص لله ورسوله، مستحق للوعيد، لكن فيمن يقول: إن الأعمال غير داخلة ~~في مسمى الإيمان من قال: لما كان الإيمان شيئا واحدا فإيماني كإيمان أبي ~~بكر PageV01P333 # الصديق وعمر رضي الله عنهما! بل قال: كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبرائيل ~~وميكائيل عليهم السلام!! وهذا غلو منه, فإن الكفر مع الإيمان كالعمى مع ~~البصر، ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه، فمنهم الأخفش ~~والأعشى، و [من] يرى الخط الثخين، دون الدقيق1 إلا بزجاجة ونحوها، ومن يرى ~~عن قرب زائد ms285 على العادة، وآخر بضده. # ولهذا -والله أعلم- قال الشيخ رحمه الله: وأهله في أصله سواء، يشير إلى ~~أن التساوي إنما هو في أصله2، ولا يلزم منه التساوي من كل وجه، بل تفاوت ~~[درجات] نور "لا إله إلا الله" في قلوب أهلها لا يحصيها إلا الله تعالى: ~~فمن الناس من نور ["لا إله إلا الله"] في قلبه كالشمس، ومنهم من نورها في ~~قلبه كالكوكب الدري، وآخر كالمشعل العظيم، وآخر كالسراج المضيء، وآخر ~~كالسراج الضعيف؛ ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على ~~هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور الإيمان والتوحيد علما وعملا، وكلما ~~اشتد نور هذه الكلمة وعظم أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته، بحيث إنه ~~ربما وصل إلى حال لا يصادف شهوة ولا شبهة ولا ذنبا إلا أحرقه، وهذه حال ~~الصادق في توحيده، فسماء إيمانه قد حرس بالرجوم من كل سارق, ومن عرف هذا ~~عرف معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله حرم على النار من قال: لا ~~إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله" 3، وقوله: "لا يدخل النار من قال: لا ~~إله إلا الله" 4، وما جاء من هذا النوع من الأحاديث التي أشكلت على كثير من ~~الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قبل ورود الأوامر والنواهي، ~~وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار، وأول بعضهم الدخول بالخلود، ونحو ~~ذلك. والشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلا بمجرد قول اللسان ~~فقط، فإن هذا PageV01P334 # من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم، ~~وهم تحت الجاحدين في الدرك الأسفل من النار، فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها ~~وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب, وتأمل حديث البطاقة التي توضع ~~في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة، ~~وتطيش السجلات، فلا يعذب صاحبها1. ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، ~~وكثير منهم يدخل النار, وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان، ~~التي لم تشغله عند السياق عن السير ms286 إلى القرية، وحملته وهو في تلك الحال أن ~~جعل ينوء بصدره وهو يعالج سكرات الموت وتأمل ما قام بقلب البغي من الإيمان، ~~حيث نزعت موقها وسقت الكلب من الركية، فغفر لها, وهكذا العقل أيضا، فإنه ~~يقبل التفاضل، وأهله في أصله سواء، مستوون في أنهم عقلاء غير مجانين، ~~وبعضهم أعقل من بعض, وكذلك الإيجاب والتحريم، فيكون إيجاب دون إيجاب، ~~وتحريم دون تحريم, هذا هو الصحيح، وإن كان بعضهم قد طرد ذلك في العقل ~~والوجوب. # وأما زيادة الإيمان من جهة الإجمال والتفصيل: فمعلوم أنه لا يجب في أول ~~الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على كل أحد من الإيمان المفصل ~~مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه خبره، كما في حق النجاشي وأمثاله, ~~وأما الزيادة بالعمل والتصديق، المستلزم لعمل القلب والجوارح: [فهو] أكمل ~~من التصديق الذي لا يستلزمه، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي ~~لا يعمل به، فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم؛ ولهذا قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "ليس المخبر كالمعاين" 2, وموسى عليه السلام لما أخبر أن ~~قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها، وليس ذلك لشك ~~موسى في خبر الله، PageV01P335 # لكن المخبر، وإن جزم بصدق المخبر، فقد لا يتصور [المخبر به نفسه، كما ~~يتصوره] إذا عاينه، كما قال إبراهيم الخليل صلوات الله على نبينا محمد ~~وعليه: {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} ~~[البقرة: 260]. وأيضا: فمن وجب عليه الحج والزكاة مثلا، يجب عليه [من] ~~الإيمان أن يعلم ما أمر به، ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره ~~[الإيمان به] إلا مجملا، وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل, وكذلك الرجل ~~أول ما يسلم، إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة كان ~~عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها، فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان. ~~ولا شك أن من قال بقلبه التصديق الجازم، الذي لا ms287 يقوى على معارضته شهوة ولا ~~شبهة: لا تقع معه معصية، ولولا ما حصل له من الشهوة والشبهة أو إحداهما لما ~~عصى، بل يشتغل قلبه ذلك الوقت بما يواقعه من المعصية، فيغيب عنه التصديق ~~والوعيد فيعصي. ولهذا -والله أعلم- قال صلى الله عليه وسلم: "لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن" 1، الحديث. فهو حين يزني يغيب عنه تصديقه بحرمة ~~الزنا، وإن بقي أصل التصديق في قلبه، ثم يعاوده. فإن المتقين كما وصفهم ~~الله بقوله: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون} [الأعراف: 201]. قال ليث عن مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله ~~فيدعه. والشهوة والغضب مبدأ السيئات، [فإذا أبصر رجع. ثم قال تعالى: ~~{وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} [الأعراف: 202]، أي: وإخوان ~~الشياطين تمدهم الشياطين في الغي ثم لا يقصرون, قال ابن عباس: لا الإنس ~~تقصر عن السيئات]، ولا الشياطين تمسك عنهم, فإذا لم يبصر بقي قلبه في عمى، ~~والشيطان يمده في غيه، وإن كان التصديق في قلبه لم يكذب، فذلك النور ~~والإبصار، وتلك الخشية والخوف تخرج من قلبه, وهذا كما أن الإنسان يغمض عينه ~~فلا يرى، وإن لم يكن أعمى، فكذلك القلب، بما يغشاه من رين الذنوب، لا يبصر ~~الحق وإن لم يكن أعمى PageV01P336 # كعمى الكافر, وجاء هذا المعنى مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ~~قال: "إذا زنا العبد نزع منه الإيمان، فإذا تاب أعيد إليه" 1. # إذا كان النزاع في هذه المسألة بين أهل السنة نزاعا لفظيا، فلا محذور ~~فيه، سوى ما يحصل من عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى والافتراق بسبب ذلك، ~~وأن يصير ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء ونحوهم، ~~وإلى ظهور الفسق والمعاصي، بأن يقول: أنا مؤمن مسلم حقا كامل الإيمان ~~والإسلام ولي من أولياء الله! فلا يبالي بما يكون منه من المعاصي, وبهذا ~~المعنى قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله! وهذا باطل قطعا. ~~فالإمام أبو حنيفة رضي الله عنه نظر إلى حقيقة الإيمان ms288 لغة مع أدلة من كلام ~~الشارع, وبقية الأئمة رحمهم الله نظروا إلى حقيقته في عرف الشارع، فإن ~~الشارع ضم إلى التصديق أوصافا وشرائط، كما في الصلاة والصوم والحج ونحو ~~ذلك. # فمن أدلة الأصحاب لأبي حنيفة رحمه الله: أن الإيمان في اللغة عبارة عن ~~التصديق، قال تعالى خبرا عن إخوة يوسف: {وما أنت بمؤمن لنا} [يوسف، 17]، أي ~~بمصدق لنا، ومنهم من ادعى إجماع أهل اللغة على ذلك, ثم هذا المعنى اللغوي، ~~وهو التصديق بالقلب، هو الواجب على العبد حقا لله، وهو أن يصدق الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله، فمن صدق الرسول فيما جاء به من ~~عند الله فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى، والإقرار شرط إجراء أحكام ~~الإسلام في الدنيا, هذا على أحد القولين، كما تقدم، ولأنه ضد الكفر، وهو ~~التكذيب والجحود، وهما يكونان بالقلب، فكذا ما يضادهما. وقوله: {إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106]، يدل على أن القلب هو موضع ~~الإيمان، لا اللسان؛ ولأنه لو كان مركبا من قول وعمل، لزال كله بزوال جزئه، ~~ولأن العمل قد عطف على الإيمان، والعطف يقتضي المغايرة، قال تعالى: {آمنوا ~~وعملوا الصالحات} [البقرة: 25] وغيرها، في مواضع من القرآن. PageV01P337 # وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق بمنع ~~الترادف بين التصديق والإيمان، وهب أن الأمر يصح في موضع، فلم قلتم إنه ~~يوجب الترادف مطلقا؟ وكذلك اعترض على دعوى الترادف بين الإسلام والإيمان, ~~ومما يدل على عدم الترادف: أنه يقال للمخبر إذا صدق: صدقه، ولا يقال: آمنه، ~~ولا آمن به، بل يقال: آمن له، كما قال تعالى: {فآمن له لوط} [العنكبوت: ~~26]. {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف} [يونس: 83]. وقال تعالى: ~~{يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} [التوبة: 61]، ففرق بين المعدى بالباء والمعدى ~~باللام، فالأول يقال للمخبر به، والثاني للمخبر. ولا يرد كونه يجوز أن ~~يقال: ما أنت بمصدق لنا؛ لأن دخول اللام لتقوية العامل، [كما إذا تقدم ~~المعمول، أو كان العامل] اسم فاعل، أو ms289 مصدرا، على ما عرف في موضعه, فالحاصل ~~أنه لا يقال: قد آمنته، ولا صدقت له، إنما يقال: آمنت له، كما يقال: أقررت ~~له. فكان تفسيره بأقررت, أقرب من تفسيره بصدقت، مع الفرق بينهما؛ لأن الفرق ~~بينهما ثابت في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهد أو غيب، يقال له في اللغة: ~~صدقت، كما يقال له: كذبت. فمن قال: السماء فوقنا، قيل له: صدقت. وأما لفظ ~~الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب، فيقال لمن قال: طلعت الشمس: ~~صدقناه، ولا يقال: آمنا له، فإن فيه أصل معنى الأمن، والائتمان إنما يكون ~~في الخبر عن الغائب، فالأمر الغائب هو الذي يؤتمن عليه المخبر, ولهذا لم ~~يأت في القرآن وغيره لفظ آمن له, إلا في هذا النوع, ولأنه لم يقابل لفظ ~~الإيمان قط بالتكذيب كما يقابل لفظ التصديق، وإنما يقابل بالكفر، والكفر لا ~~يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك، بل أعاديك ~~وأبغضك وأخالفك: لكان كفرا أعظم، فعلم أن الايمان ليس التصديق فقط، ولا ~~الكفر التكذيب فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيبا، ويكون مخالفة ومعاداة ~~بلا تكذيب, فكذلك الإيمان، يكون تصديقا وموافقة وانقيادا، ولا يكفي مجرد ~~التصديق، فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان. ولو سلم الترادف، فالتصديق يكون ~~بالأفعال أيضا. كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"العينان تزنيان، وزناهما النظر، والأذن تزني، وزناها السمع" , إلى أن قال: ~~"والفرج # PageV01P338 # يصدق ذلك ويكذبه"1. وقال الحسن البصري رحمه الله: ليس الإيمان بالتحلي ~~ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في الصدور وصدقته الأعمال, ولو كان تصديقا فهو ~~تصديق مخصوص، كما في الصلاة ونحوها كما قد تقدم، وليس هذا نقلا للفظ ولا ~~تغييرا له، فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص، وصفه وبينه. ~~فالتصديق الذي هو الإيمان، أدنى أحواله أن يكون نوعا من التصديق العام، فلا ~~يكون مطابقا له في العموم والخصوص، من غير تغير اللسان ولا قلبه، بل يكون ~~الإيمان في كلام الشارع مؤلفا من ms290 العام والخاص، كالإنسان الموصوف بأنه ~~حيوان ناطق؛ ولأن التصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال ~~القلب والجوارح، فإن هذه من لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على ~~انتفاء الملزوم, ونقول: إن هذه لوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة، وتخرج عنه ~~أخرى، أو إن اللفظ باق على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكاما، أو ~~أن يكون الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية، مجاز لغوي، أو ~~أن يكون قد نقله الشارع2. وهذه الأقوال لمن سلك هذا الطريق. # وقالوا: إن الرسول قد وافقنا على معاني الإيمان، وعلمنا من مراده علما ~~ضروريا أن من قيل إنه صدق ولم يتكلم بلسانه بالإيمان، مع قدرته على ذلك، ~~ولا صلى، ولا صام، ولا أحب الله ورسوله، ولا خاف الله بل كان مبغضا للرسول، ~~معاديا له يقاتله: أن هذا ليس بمؤمن, كما علمنا أنه رتب الفوز والفلاح على ~~التكلم بالشهادتين مع الإخلاص والعمل بمقتضاهما. فقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها ~~إماطة الأذى عن الطريق" 3. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: "الحياء شعبة من ~~الإيمان" 4. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم ~~خلقا" 5. PageV01P339 # وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: البذاذة من الإيمان1. فإذا كان الإيمان ~~أصلا له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى: إيمانا، فالصلاة من الإيمان، ~~وكذلك الزكاة والصوم والحج، والأعمال الباطنة، كالحياء والتوكل والخشية من ~~الله والإنابة إليه، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، فإنه ~~من شعب الإيمان. وهذه الشعب، منها ما يزول الإيمان بزوالها [إجماعا]، كشعبة ~~الشهادتين، ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعا، كترك إماطة الأذى على الطريق، ~~وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما، منها ما يقرب من شعبة الشهادة، ومنها ما ~~يقرب من شعبة إماطة الأذى, وكما أن شعب الإيمان إيمان، فكذا شعب الكفر كفر، ~~فالحكم بما أنزل الله مثلا من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله كفر, ~~وقد قال صلى الله ms291 عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم ~~يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" 2. رواه مسلم. وفي ~~لفظ: "ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" , وروى الترمذي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله: فقد ~~استكمل الإيمان" 3. ومعناه -والله أعلم- أن الحب والبغض أصل حركة القلب، ~~وبذل المال ومنعه هو كمال ذلك، فإن المال آخر المتعلقات بالنفس، والبدن ~~متوسط بين القلب والمال، فمن كان أول أمره وآخره كله لله، كان الله إلهه في ~~كل شيء، فلم يكن فيه شيء من الشرك، وهو إرادة غير الله وقصده ورجاؤه، فيكون ~~مستكملا الإيمان, إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على قوة الإيمان وضعفه ~~بحسب العمل. # وسيأتي في كلام الشيخ رحمه الله في شأن الصحابة رضي الله عنهم: وحبهم دين ~~وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. فسمى حب الصحابة إيمانا، وبغضهم ~~كفرا. PageV01P340 # وما أعجب ما أجاب به أبو المعين النسفي وغيره، عن استدلالهم بحديث شعب ~~الإيمان المذكور، وهو: أن الراوي قال: بضع وستون أو بضع وسبعون، فقد شهد ~~الراوي بفعله نفسه حيث شك فقال: بضع وستون أو بضع وسبعون، ولا يظن برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الشك في ذلك! وأن هذا الحديث مخالف للكتاب. # فطعن فيه بغفلة الراوي ومخالفته الكتاب, فانظر إلى هذا الطعن ما أعجبه! ~~فإن تردد الراوي بين الستين والسبعين لا يلزم منه عدم ضبطه، مع أن البخاري ~~رحمه الله إنما رواه: بضع وستون من غير شك1. وأما الطعن بمخالفة الكتاب، ~~فأين في الكتاب ما يدل على خلافه؟! وإنما فيه ما يدل على وفاقه، وإنما هذا ~~الطعن من ثمرة شؤم التقليد والتعصب. # وقالوا أيضا: وهنا أصل آخر، وهو أن القول قسمان: قول القلب وهو الاعتقاد، ~~وقون اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام, والعمل قسمان: عمل القلب، وهو نيته ~~وإخلاصه، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا ~~زال تصديق القلب لم ينفع بقية الأخر2، فإن ms292 تصديق القلب شرط في اعتبارها ~~وكونها نافعة، وإذا بقي تصديق القلب وزال الباقي فهذا موضع المعركة!! # ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب ~~وانقاد، لأطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده عدم ~~التصديق المستلزم للطاعة, قال صلى الله عليه وسلم: "إن في الجسد مضغة إذا ~~صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب" 3. ~~فمن صلح قلبه صلح جسده قطعا، بخلاف العكس, وأما كونه يلزم من زوال جزئه ~~PageV01P341 # زوال كله، فإن أريد أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت، فمسلم، ~~ولكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الأجزاء، فيزول عنه الكمال فقط. # والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة والآثار السلفية ~~كثيرة جدا؛ منها: قوله تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} ~~[الأنفال:2]. {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} [مريم: 76]. {ويزداد الذين ~~آمنوا إيمانا} [المدثر: 31]. {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4] {الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل ~~عمران: 173] , وكيف يقال في هذه الآية والتي قبلها إن الزيادة باعتبار ~~زيادة المؤمن به؟ فهل في قول الناس: {قد جمعوا لكم فاخشوهم} [آل عمران: ~~173] زيادة مشروع؟ وهل في إنزال السكينة على قلوب المؤمنين زيادة مشروع؟ ~~وإنما أنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين مرجعهم الحديبية ليزدادوا ~~طمأنينة ويقينا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} ~~[آل عمران: 167] , وقال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} [التوبة: ~~124 - 125]. وأما ما رواه الفقيه أبو الليث السمرقندي رحمه الله، في تفسيره ~~عند هذه الآية، فقال: حدثنا محمد بن الفضل وأبو القاسم الساباذي، قالا: ~~حدثنا فارس بن مردويه، قال: حدثنا محمد بن الفضل العابد، قال: حدثنا ms293 يحيى ~~بن عيسى، قال: حدثنا أبو مطيع، عن حماد بن سلمة عن أبي المهزم، عن أبي ~~هريرة، قال: جاء وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا ~~رسول الله، الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: "لا الإيمان مكمل في القلب، زيادته ~~كفر، ونقصانه شرك"1. فقد سئل شيخنا عماد الدين ابن كثير رحمه الله عن هذا ~~الحديث؟ فأجاب: بأن الإسناد من أبي ليث إلى أبي PageV01P342 # مطيع مجهولون لا يعرفون في شيء من كتب التواريخ المشهورة, وأما أبو مطيع، ~~فهو: الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي، ضعفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن ~~معين، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم ~~الرازي، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي1، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني، ~~وغيرهم. وأما أبو المهزم، الراوي عن أبي هريرة، وقد تصحف على الكتاب، ~~واسمه: يزيد بن سفيان، فقد ضعفه أيضا، غير واحد، وتركه شعبة بن الحجاج، ~~وقال النسائي: متروك، وقد اتهمه شعبة بالوضع، حيث قال: لو أعطوه فلسين ~~لحدثهم سبعين حديثا! # وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم النساء بنقصان العقل والدين وقال صلى ~~الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس ~~أجمعين" 2, والمراد نفي الكمال، ونظائره كثيرة، وحديث شعب الإيمان، وحديث ~~الشفاعة، وأنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من ~~إيمان، فكيف يقال بعد هذا: إن إيمان أهل السماوات والأرض سواء؟! وإنما ~~التفاضل بينهم بمعان أخر غير الإيمان؟! وكلام الصحابة رضي الله عنهم في هذا ~~المعنى كثير أيضا, منه: قول أبي الدرداء رضي الله عنه: من فقه العبد أن ~~يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينتقص، ~~وكان عمر رضي الله عنه يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيمانا، فيذكرون الله ~~تعالى عز وجل, وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم زدنا ~~إيمانا ويقينا وفقها. وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول لرجل: اجلس بنا ~~نؤمن ساعة3. ms294 ومثله عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه. وصح عن عمار بن ياسر ~~رضي الله عنه أنه قال: ثلاث من كن فيه فقد استكمل PageV01P343 # الإيمان: إنصاف من نفسه، والإنفاق من إقتار، وبذل السلام للعالم1 ذكره ~~البخاري رحمه الله في صحيحه, وفي هذا المقدار كفاية وبالله التوفيق. # وأما كون عطف العمل على الإيمان يقتضي المغايرة، فلا يكون العمل داخلا في ~~مسمى الإيمان: فلا شك أن الإيمان تارة يذكر مطلقا عن العمل عن الإسلام، ~~وتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام, فالمطلق مستلزم للأعمال، ~~قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] ~~الآية. {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} [الحجرات: ~~15] الآية. {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم ~~أولياء} [المائدة: 81]. وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني ~~وهو مؤمن" 2، الحديث. "لا تؤمنوا حتى تحابوا" 3. "من غشنا فليس منا" 4. "من ~~حمل علينا السلاح فليس منا" 5. وما أبعد قول من قال: إن معنى قوله: "فليس ~~منا" أي فليس مثلنا! فليت شعري فمن لم يغش يكون مثل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه. # أما إذا عطف عليه العمل الصالح، فاعلم أن عطف الشيء على الشيء يقتضي ~~المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع الاشتراك في الحكم الذي ذكر لهما، ~~والمغايرة PageV01P344 # على مراتب: أعلاها: أن يكونا متباينين، ليس أحدهما هو الآخر، ولا جزءا ~~منه، ولا بينهما تلازم، كقوله تعالى: {خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور} [الأنعام: 1]. {وأنزل التوراة والإنجيل} [آل عمران: 3] , وهذا هو ~~الغالب، ويليه: أن يكون بينهما تلازم، كقوله تعالى: {ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 42]. {وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول} [المائدة: 92]. الثالث: عطف بعض الشيء عليه، كقوله تعالى: {حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238]. {من كان عدوا لله وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكال} [البقرة: 98]، {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك} ~~[الأحزاب: 7]. وفي مثل هذا وجهان: أحدهما: أن يكون داخلا في الأول، فيكون ~~مذكورا مرتين, والثاني: أن عطفه عليه يقتضي أنه ليس ms295 داخلا فيه هنا، وإن كان ~~داخلا فيه منفردا، كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين ونحوهما، ~~تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران. الرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف ~~الصفتين، كقوله تعالى: {غافر الذنب وقابل التوب} [غافر: 3]. وقد جاء في ~~الشعر العطف لاختلاف اللفظ فقط، كقوله: # فألفى قولها كذبا ومينا # ومن الناس من زعم أن في القرآن من ذلك قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا} [المائدة: 48] , والكلام على ذلك معروف في موضعه. # فإذا كان العطف في الكلام يكون على هذه الوجوه، نظرنا في كلام الشارع: ~~كيف ورد فيه الإيمان فوجدناه إذا أطلق يراد به ما يراد بلفظ البر، والتقوى، ~~والدين، ودين الإسلام. ذكر في أسباب النزول أنهم سألوا عن الإيمان؟ فأنزل ~~الله هذه الآية: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} [البقرة: ~~177] الآيات. قال محمد بن نصر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن ~~يزيد المقرئ، والملائي، قالا: حدثنا المسعودي، عن القاسم، قال: جاء رجل إلى ~~أبي ذر رضي الله عنه، فسأله عن الإيمان؟ فقرأ: {ليس البر أن تولوا وجوهكم} ~~[البقرة: 177] إلى آخر الآية، فقال الرجل: ليس عن هذا سألتك، فقال: جاء # PageV01P345 # رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه، فقرأ [عليه] ~~الذي قرأت عليك1، فقال له الذي قلت لي، فلما أبى أن يرضى، قال: "إن المؤمن ~~الذي إذا عمل الحسنة سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل السيئة ساءته وخاف ~~عقابها"2. وكذلك أجاب جماعة من السلف بهذا الجواب. وفي الصحيح قوله لوفد ~~عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا ~~الخمس من المغنم" 3. ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله ~~بدون إيمان القلب، لما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان القلب، فعلم أن ~~هذه مع إيمان القلب هو الإيمان, وأي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى ~~الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه ms296 فسر الإيمان بالأعمال ولم يذكر التصديق، ~~للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد [مع] الجحود. وفي المسند عن أنس، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب"4. وفي ~~هذا الحديث دليل على المغايرة بين الإسلام والإيمان, ويؤيده قوله [في حديث ~~سؤالات جبريل، في معنى الإسلام والإيمان] وقد قال فيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم PageV01P346 # دينكم"1. فجعل الدين هو الإسلام والإيمان والإحسان، فتبين أن ديننا يجمع ~~الثلاثة. لكن هو درجات ثلاثة: فمسلم، ثم مؤمن، ثم محسن. والمراد بالإيمان ~~ما ذكر مع الإسلام قطعا، كما أنه أريد بالإحسان ما ذكر مع الإيمان ~~والإسلام، لا أن الإحسان يكون مجردا عن الإيمان. هذا محال. وهذا كما قال ~~تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ~~مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} [فاطر: 32] , والمقتصد والسابق ~~كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه، فإنه معرض للوعيد, وهكذا ~~من أتى بالإسلام الظاهر مع التصديق بالقلب، لكن لم يقم بما يجب عليه من ~~الإيمان الباطن فإنه معرض للوعيد, فأما الإحسان فهو أعم من جهة نفسه وأخص ~~من جهة أهله، والإيمان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أهله من الإسلام, ~~فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من ~~المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين, وهذا كالرسالة والنبوة، فالنبوة ~~داخلة في الرسالة، والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها، فكل رسول ~~نبي، ولا ينعكس. # وقد صار الناس في مسمى الإسلام على ثلاثة أقوال: فطائفة جعلت الإسلام هو ~~الكلمة، وطائفة أجابوا بما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن ~~الإسلام والإيمان، حيث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان [بالإيمان] ~~بالأصول الخمسة2, وطائفة جعلوا الإسلام مرادفا للإيمان، وجعلوا معنى قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: "الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وإقام ~~الصلاة" 3، الحديث: شعائر الإسلام. والأصل عدم التقدير، مع أنهم قالوا: إن ~~الإيمان هو التصديق بالقلب، ثم قالوا الإسلام والإيمان ms297 لشيء واحد، فيكون ~~الإسلام هو التصديق! وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة، وإنما هو الانقياد ~~والطاعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم لك PageV01P347 # أسلمت وبك آمنت" 1. وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان ~~بالأصول الخمسة, فليس لنا إذا جمعنا بينهم أن نجيب بغير ما أجاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم, وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، وإذا أفرد ~~الإسلام فقد يكون مع الإسلام مؤمنا بلا نزاع، وهذا هو الواجب، وهل يكون ~~مسلما ولا يقال له مؤمن؟ وقد تقدم الكلام فيه. # وكذلك هل يستلزم الإسلام الإيمان؟ فيه النزاع المذكور, وإنما وعد الله ~~بالجنة في القرآن وبالنجاة من النار باسم الإيمان، كما قال تعالى: {ألا إن ~~أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون} [يونس: ~~62, 63]. وقال تعالى: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء ~~والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} [الحديد: 21] وأما اسم الإسلام مجردا ~~فما علق به في القرآن دخول الجنة، لكنه فرضه وأخبر أنه دينه الذي لا يقبل ~~من أحد سواه، وبه بعث النبيين، {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} ~~[آل عمران: 85]. # فالحاصل أن حالة اقتران الإسلام بالإيمان غير حالة إفراد أحدهما عن ~~الآخر، فمثل الإسلام من الإيمان، كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى، فشهادة ~~الرسالة غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان وإحداهما مرتبطة ~~بالأخرى في المعنى والحكم، كشيء واحد, كذلك الإسلام والإيمان، لا إيمان لمن ~~لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان [له]، إذ لا يخل المؤمن من إسلام به ~~يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه, ونظائر ذلك في كلام ~~الله ورسوله وفي كلام الناس كثيرة، أعني في الإفراد والاقتران، منها: لفظ ~~الكفر والنفاق، فالكفر إذا ذكر مفردا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون، ~~كقوله تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} ~~[المائدة: 5]. ونظائره كثيرة. وإذا قرن بينهما كان الكافر من أظهر كفره، ~~والمنافق من آمن بلسانه ms298 ولم يؤمن بقلبه. وكذلك لفظ البر والتقوى، ولفظ ~~الإثم والعدوان، ولفظ التوبة والاستغفار، ولفظ الفقير والمسكين، وأمثال ~~ذلك. PageV01P348 # ويشهد للفرق بين الإسلام والإيمان، قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14] إلى آخر السورة, وقد اعترض على ~~هذا بأن معنى الآية: {قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14]: انقدنا بظواهرنا، فهم ~~منافقون في الحقيقة، وهذا أحد قولي المفسرين في هذه الآية الكريمة, وأجيب ~~بالقول الآخر، ورجح، وهو أنهم ليسوا بمؤمنين كاملي الإيمان، لا أنهم ~~منافقون، كما نفى الإيمان عن القاتل، والزاني، والسارق، ومن لا أمانة له. ~~ويؤيد هذا سياق الآية، فإن السورة من أولها إلى هنا في النهي عن المعاصي، ~~وأحكام بعض العصاة، ونحو ذلك، وليس فيها ذكر المنافقين. ثم قال بعد ذلك: ~~{وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا} [الحجرات: 14]، ولو ~~كانوا منافقين ما نفعتهم الطاعة، ثم قال: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا} [الحجرات: 15] الآية، يعني -والله أعلم- أن المؤمنين ~~الكاملي الإيمان، هم هؤلاء، لا أنتم، بل أنتم منتف عنكم الإيمان الكامل, ~~يؤيد هذا: أنه أمرهم، أو أذن لهم، أن يقولوا: أسلمنا، والمنافق لا يقال له ~~ذلك، ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام، كما نفى عنهم الإيمان، ونهاهم ~~أن يمنوا بإسلامهم، فأثبت لهم إسلاما، ونهاهم أن يمنوا به على رسوله، ولو ~~لم يكن إسلاما صحيحا لقال: لم تسلموا، بل أنتم كاذبون، كما كذبهم في قولهم: ~~{نشهد إنك لرسول الله} [المنافقون: 1]. والله أعلم بالصواب. # وينتفي بعد هذا التقدير والتفصيل دعوى الترادف، وتشنيع من ألزم بأن ~~الإسلام لو كان [هو] الأمور الظاهرة لكان ينبغي أن لا يقابل بذلك، ولا يقبل ~~إيمان المخلص! وهذا ظاهر الفساد، فإنه قد تقدم تنظير الإيمان والإسلام ~~بالشهادتين وغيرهما، وأن حالة الاقتران غير حالة الانفراد. فانظر إلى كلمة ~~الشهادة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله" 1، الحديث، فلو قالوا: لا إله إلا الله، وأنكروا ~~الرسالة: [ما] كانوا يستحقون العصمة، بل PageV01P349 # لا بد ms299 أن يقولوا: لا إله إلا الله قائمين بحقها، ولا يكون قائما ب"لا إله ~~إلا الله" حق القيام، إلا من صدق بالرسالة، وكذا من شهد أن محمدا رسول ~~الله، [لا يكون قائما بهذه الشهادة حق القيام، إلا من صدق هذا الرسول في كل ~~ما جاء به, فتضمنت التوحيد وإذا ضممت شهادة أن لا إله إلا الله إلى شهادة ~~أن محمدا رسول الله] , كان المراد من شهادة أن لا إله إلا الله ثبات ~~التوحيد، ومن شهادة أن محمدا رسول الله إثبات الرسالة, كذلك الإسلام ~~والإيمان: إذا قرن أحدهما بالآخر، كما في قوله تعالى: {إن المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} [الأحزاب: 35] , وقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"اللهم لك أسلمت وبك آمنت" 1: كان المراد من أحدهما غير المراد من الآخر, ~~وكما قال صلى الله عليه وسلم: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب"2. وإذا ~~انفرد أحدهما شمل معنى الآخر وحكمه، وكما في الفقير والمسكين ونظائره، فإن ~~لفظي الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، فهل يقال في قوله تعالى: {إطعام ~~عشرة مساكين} [المائدة: 89] , أنه يعطى المقل دون المعدم، أو بالعكس؟ وكذا ~~في قوله تعالى: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271]. # ويندفع أيضا تشنيع من قال: ما حكم من آمن ولم يسلم؟ أو أسلم ولم يؤمن؟ في ~~الدنيا والآخرة؟ فمن يثبت لأحدهما حكما ليس بثابت للآخر ظهر بطلان قوله! ~~ويقال له في مقابلة تشنيعه: أنت تقول: المسلم هو المؤمن، والله تعالى يقول: ~~{إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} [الأحزاب: 35] فجعلهما غيرين، ~~وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك عن فلان والله إني لأراه ~~مؤمنا؟ قال: "أو مسلما" 3، قالها ثلاثا، فأثبت له الإسلام وتوقف في اسم ~~الإيمان، فمن قال: هما سواء كان مخالفا، والواجب رد موارد النزاع إلى الله ~~ورسوله, وقد يتراءى في بعض النصوص معارضة، ولا معارضة بحمد الله تعالى، ~~ولكن الشأن في التوفيق، وبالله التوفيق. PageV01P350 # وأما الاحتجاج بقوله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا ~~فيها غير بيت من المسلمين} [الذاريات: 35 - 36] على ترادف ms300 الإسلام ~~والإيمان، فلا حجة فيه؛ لأن البيت المخرج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان، ~~ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادفهما. # والظاهر أن هذه المعارضات لم تثبت عن أبي حنيفة رضي الله عنه، وإنما هي ~~من الأصحاب، فإن غالبها ساقط لا يرتضيه أبو حنيفة! وقد حكى الطحاوي حكاية ~~أبي حنيفة مع حماد بن زيد، [وأن حماد بن زيد] لما روى له حديث: أي الإسلام ~~أفضل1 إلى آخره، قال له: ألا تراه يقول: أي الإسلام أفضل، قال: الإيمان، ثم ~~جعل الهجرة والجهاد من الإيمان؟ فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحابه: ألا ~~تجيبه يا أبا حنيفة؟ قال: بما أجيبه؟ وهو يحدثني بهذا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # ومن ثمرات هذا الاختلاف: مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول [أي] ~~الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله, والناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، ~~منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، ~~وهذا أصح الأقوال. # أما من يوجبه فلهم مأخذان: أحدهما: أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، ~~والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنا أو كافرا باعتبار الموافاة وما سبق في ~~علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به، قالوا: والإيمان الذي ~~يعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرا: ليس بإيمان، كالصلاة التي أفسدها صاحبها ~~قبل الكمال، والصيام الذي في صاحبه قبل الغروب، وهذا مأخذ كثير من الكلابية ~~وغيرهم، وعند هؤلاء أن الله يحب في الأزل من كان كافرا إذا علم منه أنه ~~يموت مؤمنا، فالصحابة ما زالوا محبوبين قبل إسلامهم، وإبليس ومن ارتد عن ~~دينه ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد! وليس هذا قول السلف، ولا كان ~~يقول بهذا من PageV01P351 # يستثني من السلف في إيمانه، وهو فاسد، فإن الله تعالى قال: {قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31]، فأخبر أنهم يحبهم إن ~~اتبعوا الرسول، فاتباع الرسول شرط المحبة، والمشروط يتأخر عن الشرط، وغير ~~ذلك من الأدلة, ثم صار إلى هذا القول طائفة غلوا ms301 فيه، حتى صار الرجل منهم ~~يستثني في الأعمال الصالحة، يقول: صليت إن شاء الله! ونحو ذلك، يعني ~~القبول. ثم صار كثير منهم يستثنون في كل شيء، فيقول أحدهم: هذا ثوب إن شاء ~~الله! هذا حبل إن شاء الله! فإذا قيل لهم: هذا لا شك فيه؟ يقولون: نعم، لكن ~~إذا شاء الله أن يغيره غيره!! المأخذ الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ~~ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن، ~~بهذا الاعتبار؛ فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين، القائمين بجميع ما ~~أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله المقربين! وهذا مع ~~تزكية الإنسان لنفسه، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي أن يشهد ~~لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال. وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا ~~يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء، بمعنى آخر، كما سنذكره إن شاء الله ~~تعالى. ويحتجون أيضا بجواز الاستثناء فيما لا شك فيه، كما قال تعالى: ~~{لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} [الفتح: 27] , وقال صلى الله ~~عليه وسلم حين وقف على المقابر: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" 1. وقال ~~أيضا: "إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله" 2. ونظائر هذا. # وأما من يحرمه، فكل من جعل الإيمان شيئا واحدا، فيقول: أنا أعلم أني ~~مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، فقولي: أنا مؤمن، كقولي: أنا مسلم، ~~فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه، وسموا الذين يستثنون في إيمانهم ~~الشكاكة. وأجابوا عن الاستثناء الذي في قوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام ~~إن شاء الله آمنين} [الفتح: 27] , بأنه يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول ~~فلا شك PageV01P352 # فيه! وقيل: لتدخلن جميعكم أو بعضكم؛ لأنه علم أن بعضهم يموت! وفي كلا ~~الجوابين نظر: فإنهم وقعوا فيما فروا منه، فأما الأمن والخوف فقد أخبر أنهم ~~يدخلون آمنين، مع علمه بذلك، فلا شك في الدخول، ولا في الأمن، ولا في دخول ~~الجميع أو البعض، فإن الله قد علم من يدخل فلا شك فيه ms302 أيضا، فكان قول: إن ~~شاء الله هنا تحقيقا للدخول، كما يقول الرجل فيما عزم على شيء أن يفعله لا ~~محالة: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لا يقولها لشك في إرادته وعزمه، ولكن ~~إنما لا يحنث الحالف في مثل هذه اليمين لأنه لا يجزم بحصول مراده, وأجيب ~~بجواب آخر لا بأس به، وهو: أنه قال [ذلك] تعليما لنا كيف نستثني إذا أخبرنا ~~عن مستقبل1. وفي كون هذا المعنى مرادا من النص, نظر فإنه ما سيق الكلام إلا ~~أن يكون مرادا من إشارة النص. وأجاب الزمخشري بجوابين آخرين باطلين، وهما: ~~أن يكون الملك قد قاله، فأثبت قرآنا! أو أن الرسول قاله!! فعند هذا المسكين ~~يكون من القرآن ما هو غير كلام الله! فيدخل في وعيد من قال: {إن هذا إلا ~~قول البشر} [المدثر: 25]. نسأل الله العافية. # وأما من يجوز الاستثناء وتركه، فهم أسعد بالدليل من الفريقين، وخير ~~الأمور أوسطها: فإن أراد المستثني الشك في أصل إيمانه منه من الاستثناء، ~~وهذا مما لا خلاف فيه, وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم الله في ~~قوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون، أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} ~~[الأنفال 2 - 4]، وفي قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ~~[الحجرات: 15]. فالاستثناء حينئذ جائز, وكذلك من استثنى وأراد عدم علمه ~~بالعاقبة، وكذلك من استثنى تعليقا للأمر بمشيئة الله، لا شكا في إيمانه, ~~وهذا القول في القوة كما ترى. PageV01P353 # قوله: وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله ~~حق, يشير الشيخ رحمه الله بذلك إلى الرد على الجهمية والمعطلة والمعتزلة ~~والرافضة، القائلين بأن الأخبار قسمان1: متواتر وآحاد، فالمتواتر, وإن كان ~~قطعي السند, لكنه غير قطعي الدلالة، فإن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين!! ~~ولهذا قدحوا ms303 في دلالة القرآن على الصفات! قالوا: والآحاد لا تفيد العلم، ~~ولا يحتج بها من جهة طريقها، ولا من جهة متنها! فسدوا على القلوب معرفة ~~الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة الرسول، وأحالوا الناس على قضايا ~~وهمية، ومقدمات خيالية2، سموها قواطع علقية، وبراهين يقينية!! وهي في ~~التحقيق {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب 3، أو كظلمات في بحر لجي يغشاه ~~موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد ~~يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 39, 40]. ومن العجب ~~أنهم قدموها على نصوص الوحي، وعزلوا لأجلها النصوص، فأقفرت قلوبهم من ~~الاهتداء بالنصوص، ولم يظفروا 4 بالعقول الصحيحة المؤيدة بالفطرة السليمة ~~والنصوص النبوية, ولو حكموا نصوص الوحي لفازوا بالمعقول الصحيح، الموافق ~~للفطرة السليمة. # بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته، وما ظنه معقولا: فما ~~وافقه قال: إنه محكم، وقبله واحتج به!! وما خالفه قال: إنه متشابه، ثم رده، ~~وسمى رده تفويضا! أو حرفه، وسمى تحريفه تأويلا!! فلذلك اشتد إنكار أهل ~~السنة عليهم. # وطريق أهل السنة: أن لا يعدلوا عن النص الصحيح، ولا يعارضوه بمعقول، ~~PageV01P354 # ولا قول فلان، كما أشار إليه الشيخ رحمه الله, وكما قال البخاري رحمه ~~الله: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي رحمه الله، فأتاه رجل فسأله عن ~~مسألة، فقال قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال رجل ~~للشافعي: ما تقول أنت؟! فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة! تراني في بيعة! ~~تراني على وسطي زنار؟! أقول لك: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت ~~تقول: ما تقول أنت؟! ونظائر ذلك في كلام السلف كثير. وقال تعالى: {وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} ~~[الأحزاب: 36]. # وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، عملا به وتصديقا له: يفيد العلم ~~[اليقيني] عند جماهير ms304 الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر, ولم يكن بين سلف الأمة ~~في ذلك نزاع، كخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنما الأعمال بالنيات" 1، ~~وخبر ابن عمر رضي الله عنهما: نهى عن بيع الولاء وهبته2، وخبر أبي هريرة: ~~"لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" 3، وكقوله: "يحرم من الرضاع ما ~~يحرم من النسب" 4، وأمثال ذلك, وهو نظير خبر الذي أتى مسجد قباء وأخبر أن ~~القبلة تحولت إلى الكعبة، فاستداروا إليها5. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل رسله آحادا، ويرسل كتبه مع ~~الآحاد، ولم يكن المرسل إليهم يقولون لا نقبله لأنه خبر واحد! وقد قال ~~تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} ~~[التوبة: 33]. فلا بد أن يحفظ الله حججه وبيناته على خلقه، لئلا تبطل حججه ~~وبيناته. # ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد وفاته، وبين حاله للناس, ~~قال سفيان بن عيينة: ما ستر الله أحدا يكذب في الحديث, وقال عبد الله بن ~~PageV01P355 # المبارك: لو هم رجل في البحر1 أن يكذب في الحديث، لأصبح والناس يقولون: ~~فلان كذاب, وخبر الواحد وإن كان يحتمل الصدق والكذب, ولكن التفريق بين صحيح ~~الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلا بالحديث، ~~والبحث عن سير الرواة، ليقف على أحوالهم وأقوالهم، وشدة حذرهم من الطغيان ~~والزلل، وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدا في كلمة يتقولها على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك, وقد نقلوا هذا الدين ~~إلينا كما نقل إليهم، فهم ترك الإسلام2 وعصابة الإيمان، وهم نقاد الأخبار، ~~وصيارفة الأحاديث. فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم، وعرف حالهم، وخبر ~~صدقهم وورعهم وأمانتهم ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه, ومن له عقل ومعرفة ~~يعلم أن أهل الحديث لهم [من] العلم بأحوال نبيهم وسيرته وأخباره، ما ليس ~~لغيرهم به شعور، فضلا أن يكون معلوما لهم أو مظنونا, كما أن النحاة عندهم ~~من أخبار سيبويه والخليل وأقوالهما ما ليس ms305 عند غيرهم، وعند الأطباء من كلام ~~بقراط وجالينوس ما ليس عند غيرهم، وكل ذي صنعة هو أخبر بها من غيره، فلو ~~سألت البقال عن أمر العطر، أو العطار عن البز، ونحو ذلك!! لعد ذلك جهلا ~~كبيرا. # ولكن النفاة قد جعلوا قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} مستندا لهم في رد ~~الأحاديث الصحيحة، فكلما جاءهم حديث يخالف قواعدهم وآراءهم، وما وضعته3 ~~خواطرهم وأفكارهم ردوه ب {ليس كمثله شيء}، تلبيسا منهم وتدليسا على من هو ~~أعمى قلبا منهم، وتحريفا لمعنى الآي عن مواضعه, ففهموا من أخبار الصفات ما ~~لم يرده الله ولا رسوله، ولا فهمه أحد من أئمة الإسلام، أنه4 يقتضي إثباتها ~~التمثيل بما5 للمخلوقين! ثم PageV01P356 # ثم استدلوا على بطلان ذلك ب {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] تحريفا ~~للنصين!! ويصنفون الكتب، ويقولون: هذا أصول دين الإسلام الذي أمر الله به ~~وجاء من عنده، ويقرءون كثيرا من القرآن ويخوضون معناه إلى الله تعالى، من ~~غير تدبر لمعناه الذي بينه الرسول، وأخبر أنه معناه الذي أراده الله, وقد ~~ذم الله تعالى أهل الكتاب الأول على هذه الصفات الثلاث، وقص ذلك علينا من ~~خبرهم لنعتبر وننزجر عن مثل طريقتهم, فقال تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ~~وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم ~~يعلمون} [البقرة: 75]، إلى أن قال: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني وإن هم إلا يظنون} [البقرة: 78]. والأماني: التلاوة المجردة، ثم قال ~~تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ~~ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} ~~[البقرة: 79] , فذمهم على نسبة ما كتبوه إلى الله، وعلى اكتسابهم بذلك، ~~فكلا الوصفين ذميم: أن ينسب إلى الله ما ليس من عنده، وأن يأخذ بذلك عوضا ~~من الدنيا مالا أو رياسة. نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزلل، في القول ~~والعمل، بمنه وكرمه. # ويشير الشيخ رحمه الله بقوله: من الشرع والبيان إلى أن ما صح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms306 نوعان: شرع ابتدائي، وبيان لما شرعه الله في كتابه ~~العزيز، وجميع ذلك حق واجب الاتباع, وقوله: وأهله في أصله سواء، والتفاضل ~~بينهم بالحقيقة ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى, وفي بعض النسخ: بالخشية ~~والتقى بدل قوله: بالحقيقة, ففي العبارة الأولى يشير إلى أن الكل مشتركون ~~في أصل التصديق، ولكن التصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت، كما تقدم نظيره ~~بقوة البصر وضعفه, وفي العبارة الأخرى يشير إلى أن التفاوت بين المؤمنين ~~بأعمال القلوب، وأما التصديق فلا تفاوت فيه, والمعنى الأول أظهر قوة، والله ~~أعلم بالصواب. # قوله: "والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن". # ش: قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون} [يونس: 62, 63] الآية. الولي: من الولاية بفتح الواو، # PageV01P357 # التي هي ضد العداوة, وقد قرأ حمزة: "ما لكم من ولايتهم من شيء" [الأنفال: ~~72] بكسرالواو، والباقون بفتحها, وقيل: هما لغتان. وقيل: بالفتح النصرة، ~~وبالكسر الإمارة, قال الزجاج: وجاز الكسر، لأن في تولي [بعض] القوم بعضا ~~جنسا من الصناعة والعمل، وكل ما كان كذلك مكسور، مثل: الخياطة ونحوها. ~~فالمؤمنون أولياء الله، والله تعالى وليهم، قال الله تعالى: {الله ولي ~~الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات]} [البقرة: 257]، الآية. وقال تعالى: {ذلك ~~بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} [محمد: 11]. ~~{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: 71] الآية. وقال تعالى: ~~{إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 72] إلى آخر السورة, وقال ~~تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون} [المائدة: 55, 56]. فهذه النصوص [كلها] ثبت فيها موالاة المؤمنين ~~بعضهم لبعض، وأنهم أولياء الله، وأن الله وليهم ومولاهم, فالله يتولى عباده ~~المؤمنين، فيحبهم ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، ومن عادى له وليا فقد ~~بارزه بالمحاربة, وهذه الولاية من رحمته وإحسانه، ليست كولاية المخلوق ms307 ~~للمخلوق لحاجة إليه، قال تعالى: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن ~~له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} [الإسراء: 111]. ~~فالله تعالى ليس له ولي من الذل، بل لله العزة جميعا، خلاف الملوك وغيرهم ~~ممن يتولاه1 لذله وحاجته إلى ولي ينصره. # والولاية أيضا نظير الإيمان، فيكون مراد الشيخ: أن أهلها في أصلها سواء، ~~وتكون كاملة وناقصة, فالكاملة تكون للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: {ألا ~~إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم ~~البشرى PageV01P358 # في الحياة الدنيا وفي الآخرة}، ف {الذين آمنوا وكانوا يتقون} منصوب على ~~أنه صفة أولياء الله، أو بدل منه، أو بإضمار أمدح، أو مرفوع بإضمار "هم"، ~~أو خبر ثان ل"إن"، وأجيز فيه الجر، بدلا من ضمير عليهم, وعلى هذه الوجوه ~~كلها فالولاية لمن كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم أهل الوعد المذكور ~~في الآيات الثلاث, وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، ~~ليست بكثرة صوم ولا صلاة، ولا تملق ولا رياضة. وقيل: الذين آمنوا مبتدأ، ~~والخبر: لهم البشرى، وهو بعيد، لقطع الجملة عما قبلها، وانتثار نظم الآية. # ويجتمع في المؤمن ولاية من وجه، وعداوة من وجه، كما قد يكون فيه كفر ~~وإيمان، وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور، ونفاق وإيمان. وإن كان في هذا الأصل ~~نزاع لفظي بين أهل السنة، ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع، كما تقدم في ~~الإيمان, ولكن موافقة الشارع في اللفظ والمعنى أولى من موافقته في المعنى ~~وحده، قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106]. ~~وقال تعالى: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [الحجرات: 14]، الآية. وقد ~~تقدم الكلام على هذه الآية، وأنهم ليسوا منافقين على أصح القولين. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن ~~كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد ~~أخلف، وإذا خاصم فجر" 1. وفي رواية: "وإذا ms308 ائتمن خان" بدل: "وإذا وعد ~~أخلف". أخرجاه في الصحيحين. وحديث: شعب الإيمان تقدم. وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" 2. فعلم أن من ~~كان معه من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار، وإن كان معه كثير من ~~النفاق، فهو يعذب في النار على قدر [ما معه] من ذلك، ثم يخرج من النار. ~~فالطاعات من شعب الإيمان، والمعاصي من شعب الكفر، وإن كان رأس شعب الكفر ~~الجحود، ورأس شعب الإيمان التصديق. وأما ما يروى مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "ما PageV01P359 # من جماعة اجتمعت إلا وفيهم ولي لله، لا هم يدرون به، ولا هو يدري ~~بنفسه"1, فلا أصل له، وهو كلام باطل، فإن الجماعة قد يكونون كفارا، وقد ~~يكونون فساقا يموتون على الفسق, وأما أولياء الله الكاملون فهم الموصوفون ~~في قوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 62 - ~~64] الآية, والتقوى هي المذكورة في قوله تعالى: {ولكن البر من آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين}، إلى قوله: {أولئك الذين صدقوا ~~وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] , وهم قسمان: مقتصدون، ومقربون. ~~فالمقتصدون: الذين يتقربون إلى الله بالفرائض من أعمال القلوب والجوارح. ~~والسابقون: الذين يتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض, كما في صحيح ~~البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب ~~إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل، حتى ~~أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي ~~يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني ~~لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره ~~الموت وأكره مساءته" 2. والولي: خلاف3 العدو، وهو مشتق من الولاء وهو الدنو ms309 ~~والتقرب، فولي الله: هو من والى الله بموافقته محبوباته، والتقرب إليه ~~بمرضاته، وهؤلاء كما قال الله تعالى فيهم: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2, 3]. قال أبو ذر رضي الله عنه: لما ~~نزلت الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر، لو عمل PageV01P360 # الناس بهذه الآية لكفتهم"1، فالمتقون يجعل الله لهم مخرجا مما ضاق على ~~الناس، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، فيدفع الله عنهم المضار، ويجلب لهم ~~المنافع، ويعطيهم الله أشياء يطول شرحها، من المكاشفات والتأثيرات. # قوله: "وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن". # ش: أراد أكرم المؤمنين هو الأطوع لله والأتبع للقرآن، وهو الأتقى، ~~والأتقى هو الأكرم، قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13] ~~, وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا فضل لعربي على عجمي، ~~ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، ~~الناس من آدم، وآدم من تراب" 2. وبهذا الدليل يظهر ضعف تنازعهم في مسألة ~~الفقير الصابر والغني الشاكر، وترجيح أحدهما على الآخر، وأن التحقيق أن ~~التفضيل لا يرجع إلى ذات الفقر والغنى، وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال ~~والحقائق، فالمسألة فاسدة في نفسها. فإن التفضل عند الله بالتقوى وحقائق ~~الإيمان، لا بفقر ولا غنى. ولهذا -والله أعلم- قال عمر رضي الله عنه: الغنى ~~والفقر مطيتان، لا أبالي أيهما ركبت. والفقر والغنى ابتلاء من الله تعالى ~~لعبده، كما قال تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ~~ربي أكرمن} [الفجر: 15] الآية. فإن استويا، الفقير الصابر والغني الشاكر في ~~التقوى، استويا في الدرجة، وإن فضل أحدهما فيها فهو الأفضل عند الله، فإن ~~الفقر والغنى لا يوزنان، وإنما يوزن الصبر والشكر. ومنهم من أحال المسألة ~~من وجه آخر: وهو أن الإيمان "نصف" صبر ونصف شكر، فكل منهما لا بد له من صبر ~~وشكر, وإنما أخذ الناس فرعا من الصبر وفرعا من الشكر، وأخذوا في الترجيح، ~~فجردوا غنيا PageV01P361 # منفقا متصدقا باذلا ماله في وجوب ms310 القرب شاكرا لله عليه، وفقيرا متفرغا ~~لطاعة الله ولأداء العبادات صابرا على فقره. # وحينئذ يقال: إن أكملهما أطوعهما وأتبعهما، فإن تساويا تساوت درجتهما. # والله أعلم. # ولو صح التجريد، لصح أن يقال: أيما أفضل معافى شاكر، أو مريض صابر، أو ~~مطاع شاكر، أو مهان صابر، أو آمن شاكر، أو خائف صابر؟ ونحو ذلك. # قوله: (والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم ~~الآخر، والقدر، خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى). # ش: تقدم أن هذه الخصال هي أصول الدين، وبها أجاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم في حديث جبرائيل المشهور المتفق على صحته، حين جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم على صورة رجل أعرابي، وسأله عن الإسلام؟ فقال: «أن تشهد لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، ~~وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. # وسأله عن الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم ~~الآخر، وتؤمن بالقدر، خيره وشره. # وسأله عن الإحسان؟ فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك» 1. # وقد ثبت كذلك في الصحيح «عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقرأ في ركعتي ~~الفجر تارة بسورتي الإخلاص: {قل يا أيها الكافرون}، و {قل هو الله أحد} ~~الاخلاص. # وتارة بآيتي الإيمان والإسلام: التي في سورة البقرة: {قولوا آمنا بالله ~~وما أنزل إلينا} الآية، والتي في آل عمران: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى ~~كلمة سواء بيننا وبينكم}، الآية» 2. # [و] «فسر صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث وفد عبد القيس، المتفق على ~~صحته، حيث قال لهم: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله ~~وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء ~~الزكاة PageV01P362 # وأن تؤدوا خمس ما غنمتم"1. ومعلوم أنه لم يرد [أن] هذه الأعمال تكون ~~إيمانا بالله بدون إيمان القلب، لما قد أخبر في غير موضع أنه لا بد من ~~إيمان القلب. فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان، وقد ms311 تقدم الكلام على ~~هذا. # والكتاب والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا ~~بالعمل مع التصديق، وهذا أكثر من معنى الصلاة والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها ~~السنة، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة, فمن الكتاب قوله تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال: 2] الآية. وقوله ~~تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا} [الحجرات: ~~15] الآية. وقوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]، فنفي ~~الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس، فمن ~~تركها كان من أهل الوعيد [و] لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب، الذي وعد أهله ~~بدخول الجنة بلا عذاب. ولا يقال إن بين تفسير النبي صلى الله عليه وسلم ~~الإيمان في حديث جبرائيل وتفسيره إياه في حديث وفد عبد القيس معارضة؛ لأنه ~~فسر الإيمان في حديث جبرائيل بعد تفسير الإسلام، فكان المعنى أنه الإيمان ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر مع الأعمال التي ذكرها في تفسير ~~الإسلام، كما أن الإحسان متضمن للإيمان الذي قدم تفسيره قبل ذكره. بخلاف ~~حديث وفد عبد القيس، لأنه فسره ابتداء، لم يتقدم قبله تفسير الإسلام, ولكن ~~هذا الجواب لا يتأتى على ما ذكره الشيخ رحمه الله من تفسير الإيمان، فحديث ~~وفد عبد القيس مشكل عليه. # ومما يسأل عنه: أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من ~~الخصال الخمس التي أجاب "بها" النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل ~~المذكور، فلم قال: إن الإسلام هذه الخصال الخمس؟ وقد أجاب بعض الناس بأن ~~هذه أظهر شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يشعر ~~بانحلال قيد انقياده, والتحقيق: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدين ~~الذي هو استسلام العبد لربه مطلقا PageV01P363 # الذي يجب لله "على" عبادة محضة على الأعيان، فيجب على كل من كان قادرا ~~عليه، ليعبد الله مخلصا له ms312 الدين، وهذه هي الخمس، وما سوى ذلك فإنما يجب ~~بأسباب مصالح، فلا يعلم وجوبها جميع الناس، بل إما أن يكون فرضا على ~~الكفاية كالجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما يتبع ذلك من ~~إمارة، وحكم، وفتيا، وإقراء، وتحديث، وغير ذلك, وأما ما يجب1 بسبب حق ~~الآدميين، فيختص به من وجب له وعليه، وقد يسقط بإسقاطه من قضاء الديون، ورد ~~الأمانات والغصوب، والإنصاف من المظالم، من الدماء والأموال والأعراض، ~~وحقوق الزوجة والأولاد، وصلة الأرحام، ونحو ذلك، فإن الواجب من ذلك على زيد ~~غير الواجب على عمرو, بخلاف صوم رمضان وحج البيت والصلوات الخمس والزكاة، ~~فإن الزكاة وإن كانت حقا ماليا فإنها واجبة لله، والأصناف الثمانية ~~مصارفها، ولهذا وجبت فيها النية، ولم يجز أن يفعلها الغير بلا إذنه، ولم ~~تطلب من الكفار، وحقوق العباد لا يشترط لها النية، ولو أداها غيره عنه بغير ~~إذنه برئت ذمته، ويطالب بها الكفار. وما يجب حقا لله تعالى، كالكفارات، هو ~~بسبب من العبد، وفيها معنى العقوبة، ولهذا كان التكليف شرطا في الزكاة، فلا ~~تجب على الصغير والمجنون عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى، على ما ~~عرف في موضعه. PageV01P364 ### | الإيمان بالقدر خيره وشره # ... # وقوله"والقدر خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى"- # تقدم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل: "وتؤمن بالقدر خيره وشره" ~~1، وقال تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} [التوبة: 51]. وقال ~~تعالى: {إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه ~~من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} ~~[النساء: 78] {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ~~[النساء: 79] الآية. # فإن قيل: فكيف الجمع بين قوله: {كل من عند الله} [النساء: 78]، وبين ~~قوله: {فمن نفسك}؟ [النساء: 79]، قيل: قوله: {كل من عند الله}: الخصب ~~والجدب، والنصر والهزيمة، [كلها من عند الله]، وقوله: {فمن نفسك}: أي ما ~~أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك، كما قال تعالى: {وما ms313 أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم} [الشورى: 30]. يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس رضي ~~الله عنه: أنه قرأ: {وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79]، وأنا ~~كتبتها عليك. والمراد بالحسنة هنا النعمة، وبالسيئة البلية، في أصح ~~الأقوال, وقد قيل: الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية. [و] قيل: الحسنة ما ~~أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد, والقول الأول شامل لمعنى القول ~~الثالث, والمعنى الثاني ليس مرادا دون الأول قطعا، ولكن لا منافاة بين أن ~~تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه2، مع أن الجميع مقدر، فإن المعصية ~~الثانية قد تكون عقوبة الأولى، فتكون من سيئات الجزاء، مع أنها من سيئات ~~العمل، والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى، كما دل على ذلك الكتاب ~~والسنة. وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى: {فمن نفسك}، فإنهم يقولون: إن ~~فعل العبد -حسنة كان أو سيئة- فهو منه لا من الله! والقرآن قد فرق بينهما، ~~وهم لا يفرقون؛ ولأنه قال تعالى: {كل من عند الله}، فجعل الحسنات من عند ~~الله، كما جعل السيئات من عند الله، وهم لا يقولون بذلك في الأعمال، بل في ~~الجزاء. وقوله بعد هذا: "ما أصابك من حسنة" و"من سيئة"، [مثل قوله: "وإن ~~تصبهم حسنة" و"إن تصبهم سيئة"]. وفرق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي ~~النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله، وهذه من نفس ~~الإنسان، لأن الحسنة مضافة إلى الله، إذ هو أحسن بها من كل وجه، فما من وجه ~~من أوجهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه، وأما السيئة، فهو إنما يخلقها ~~لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل ~~فعله كله حسن وخير. # ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الاستفتاح: "والخير كله ~~بيديك، والشر ليس PageV01P365 # إليك". أي: فإنك لا تخلق شرا محضا، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة، هو ~~باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، فهذا شر جزئي إضافي، فأما ~~شر كلي، أو شر ms314 مطلق فالرب سبحانه وتعالى منزه عنه. وهذا هو الشر الذي ليس ~~إليه، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردا قط، بل إما أن يدخل في عموم ~~المخلوقات، كقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الرعد: 18]، {كل من عند الله} ~~[النساء: 78]، وإما أن يضاف إلى السبب، كقوله: {من شر ما خلق} [الفلق: 2]، ~~وإما أن يحذف فاعله، كقول الجن: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم ~~أراد بهم ربهم رشدا} [الجن: 10]، وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا ~~يكون فيه حكمة، بل لله من الرحمة والحكمة ما لا يقدر قدره إلا الله تعالى، ~~وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة, يكون شرا كليا [عاما]، ~~بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيرا أو مصلحة للعباد، كالمطر العام، ~~وكإرسال رسول عام, وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيد كذابا عليه ~~بالمعجزات التي أيد بها الصادقين، فإن هذا شر عام للناس، يضلهم، فيفسد ~~عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم, وليس هذا كالملك الظالم [والعدو، فإن الملك ~~الظالم] لا بد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه، وقد قيل: ستون سنة ~~بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام، وإذا قدر كثرة ظلمه، فذاك خير في ~~الدين، كالمصائب، تكون كفارة لذنوبهم، ويثابون على الصبر عليه، ويرجعون فيه ~~إلى الله، ويستغفرونه ويتوبون إليه، وكذلك ما يسلط عليهم من العدو. ولهذا ~~قد يمكن الله كثيرا من الملوك الظالمين مدة، وأما المتنبئون الكذابون فلا ~~يطيل تمكينهم، بل لا بد أن يهلكهم؛ لأن فسادهم عام في الدين والدنيا ~~والآخرة، قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم ~~لقطعنا منه الوتين} [الحاقة: 44 - 46]. # وفي قوله: {فمن نفسك} من الفوائد: أن العبد لا يطمئن إلى نفسه ولا يسكن ~~إليها، فإن الشر كامن فيها، لا يجيء إلا منها، ولا يشتغل بملام الناس ولا ~~ذمهم إذا أساءوا إليه، فإن ذلك من السيئات التي أصابته، وهي إنما أصابته ~~بذنوبه، فيرجع إلى الذنوب، ويستعيذ بالله من ms315 شر نفسه وسيئات عمله، ويسأل ~~الله أن يعينه على طاعته, فبذلك يحصل له كل خير، ويندفع عنه كل شر. # PageV01P366 # ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: {اهدنا الصراط ~~المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ~~[الفاتحة: 5 - 7]. فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، ~~فلم يصبه شر، لا في الدنيا ولا في الآخرة, لكن الذنوب هي لوازم نفس ~~الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام ~~والشراب, ليس كما يقوله بعض المفسرين: إنه قد هداه! فلماذا يسأل الهدى؟! ~~وإن المراد التثبيت، أو مزيد الهداية! بل العبد محتاج إلى أن يعلمه الله ما ~~يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتركه من تفاصيل الأمور، في كل يوم، وإلى ~~أن يلهمه أن يعمل ذلك, فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله مريدا للعمل بما ~~يعلمه، وإلا كان العلم حجة عليه، ولم يكن مهتديا, ومحتاج إلى أن يجعله ~~قادرا على العمل بتلك الإرادة الصالحة، فإن المجهول لنا من الحق أضعاف ~~المعلوم، وما لا نريد فعله تهاونا وكسلا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، ~~وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر ~~يفوت الحصر, ونحن محتاجون إلى الهداية التامة، فمن كملت له هذه الأمور كان ~~سؤاله سؤال تثبيت، وهي آخر الرتب, وبعد ذلك كله هداية أخرى، وهي الهداية ~~إلى طريق الجنة في الآخرة؛ ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل ~~صلاة، لفرط حاجتهم إليه، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء. فيجب أن ~~يعلم أن الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير، ~~المانعة من الشر، فقد بين القرآن أن السيئات من النفس، وإن كانت بقدر الله، ~~وأن الحسنات كلها من الله تعالى, وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يشكر سبحانه، ~~وأن يستغفره العبد من ذنوبه، وألا يتوكل إلا عليه وحده، فلا يأتي بالحسنات ~~إلا هو, فأوجب ذلك ms316 توحيده، والتوكل عليه وحده، والشكر له وحده، والاستغفار ~~من الذنوب. # وهذه الأمور كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمعها في الصلاة، كما ثبت عنه ~~في الصحيح أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "ربنا لك الحمد، حمدا ~~كثيرا طيبا مباركا فيه" 1. "ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء ~~بعد, أهل PageV01P367 # الثناء والمجد، أحق ما قاله العبد، وكلنا لك عبد"1. فهذا حمد، وهو شكر ~~لله تعالى، وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد، ثم يقول بعد ذلك: لا مانع لما ~~أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وهذا تحقيق ~~لوحدانيته، لتوحيد الربوبية، خلقا وقدرا، وبداية ونهاية2، هو المعطي ~~المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وتوحيد الإلهية، شرعا وأمرا ~~ونهيا، وإن العباد وإن كانوا يعطون جدا ملكا وعظمة وبختا ورياسة، في ~~الظاهر، أو في الباطن، كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة، فلا ينفع ذا ~~الجد منك الجد، أي لا ينجيه ولا يخلصه، ولهذا قال: لا ينفعه منك3، ولم يقل: ~~ولا ينفعه عندك؛ لأنه لو قيل ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك، لكن قد لا ~~يضره, فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد، أو تحقيق قوله: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} [الفاتحة: 4]، فإنه لو قدر أن شيئا من الأسباب يكون مستقلا ~~بالمطلوب، وإنما يكون بمشيئة الله وتيسيره لكان الواجب أن لا يرجى إلا ~~الله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يسأل إلا هو، ولا يستغاث إلا به، ولا يستعان ~~إلا هو، فله الحمد وإليه المشتكى، وهو المستعان، وبه المستغاث، ولا حول ولا ~~قوة إلا به, فكيف وليس شيء من الأسباب مستقلا بمطلوب، بل لا بد من انضمام ~~أسباب أخر إليه، ولا بد أيضا من صرف الموانع والمعارضات عنه، حتى يحصل ~~المقصود، فكل سبب فله شريك، وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه، ولم ينصرف عنه ~~ضده لم يحصل مسببه, والمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من ~~الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف ms317 عنه الآفات المفسدة له، ~~والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى، ومجموع ~~ذلك لا يفيد إن لم تصرف عنه المفسدات. # والمخلوق الذي يعطيك أو ينصرك، فهو -مع أن الله يجعل فيه الإرادة والقوة ~~PageV01P368 # والفعل- فلا يتم ما يفعله إلا بأسباب كثيرة، خارجة عن قدرته، تعاونه على ~~مطلوبه، ولو كان ملكا مطاعا، ولا بد أن يصرف عن الأسباب المتعاونة ما ~~يعارضها ويمانعها، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع. # وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضي، فليس في الوجود شيء واحد هو مقتض ~~تام، وإن سمي مقتضيا، وسمي سائر ما يعينه شروطا, فهذا نزاع لفظي, وأما أن ~~يكون في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها فهذا باطل. # ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله، وعلم أنه لا يستحق أن ~~يسأل غيره، فضلا عن أن يعبد غيره، ولا يتوكل على غيره، ولا يرجى غيره. # قوله: "ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ~~ما جاءوا به". # ش: الإشارة بذلك إلى ما تقدم، مما يجب الإيمان به تفصيلا، وقوله: لا نفرق ~~بين أحد من رسله، إلى آخر كلامه أي: لا نفرق بينهم بأن نؤمن ببعض ونكفر ~~ببعض1، بل نؤمن بهم ونصدقهم كلهم، فإن من آمن ببعض وكفر ببعض، كافر بالكل. ~~قال تعالى: {ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا} [النساء: 150 - 151]. فإن المعنى الذي ~~لأجله2 آمن بمن آمن [به] منهم, موجود في الذي لم يؤمن به، وذلك الرسول الذي ~~آمن به قد جاء بتصديق [بقية] المرسلين، فإذا لم يؤمن ببعض المرسلين كان ~~كافرا بمن في زعمه أنه مؤمن به؛ لأن ذلك الرسول قد جاء بتصديق المرسلين ~~كلهم، فكان كافرا حقا، وهو يظن أنه مؤمن، فكان من الأخسرين أعمالا، الذين ~~ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # قوله: "وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا ms318 يخلدون، ~~إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين. وهم ~~في مشيئته وحكمه PageV01P369 # إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر عز وجل في كتابه: {ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء} [النساء: 48 و116] وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم ~~منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته, وذلك بأن ~~الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين ~~خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته, اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا ~~على الإسلام حتى نلقاك به". # ش: فقوله: وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا ~~يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون, رد لقول الخوارج والمعتزلة، القائلين بتخليد ~~أهل الكبائر في النار, لكن الخوارج تقول بتكفيرهم، والمعتزلة بخروجهم عن ~~الإيمان، لا بدخولهم في الكفر، بل لهم منزلة بين منزلتين، كما تقدم عند ~~الكلام على قول الشيخ رحمه الله: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم ~~يستحله. # وقوله: وأهل الكبائر من أمة محمد. تخصيصه أمة محمد، يفهم منه أن أهل ~~الكبائر من أمة غير محمد صلى الله عليه وسلم قبل نسخ تلك الشرائع به، ~~[حكمهم] مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد, وفي ذاك نظر، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أخبر أنه: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" 1. ~~ولم يخص أمته بذلك، بل ذكر الإيمان مطلقا، فتأمله. وليس في بعض النسخ ذكر ~~الأمة. وقوله: في النار. معمول لقوله: لا يخلدون. وإنما قدمه لأجل السجعة، ~~لا أن يكون [في النار] خبر لقوله: وأهل الكبائر، كما ظنه بعض الشارحين. # واختلف العلماء في الكبائر على أقوال، فقيل: سبعة، وقيل: سبعة عشر. وقيل: ~~ما اتفقت الشرائع على تحريمه. وقيل: ما يسد باب المعرفة بالله. وقيل: ذهاب ~~الأموال والأبدان. وقيل: سميت كبائر بالنسبة والإضافة إلى ما دونها. وقيل: ~~لا تعلم أصلا. أو أنها أخفيت كليلة القدر. وقيل: إنها إلى السبعين أقرب. ms319 ~~وقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة. وقيل: إنها ما يترتب عليها حد أو توعد ~~عليها بالنار، أو اللعنة، أو الغضب. وهذا أمثل الأقوال, واختلفت عبارات ~~PageV01P370 # السلف1 في تعريف الصغائر: منهم من قال: الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا ~~وحد الآخرة. ومنهم من قال: كل ذنب لم يختم بلعنة أو غضب أو نار. ومنهم من ~~قال: الصغيرة ما ليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة، والمراد ~~بالوعيد: الوعيد الخاص بالنار أو اللعنة أو الغضب، فإن الوعيد الخاص في ~~الآخرة كالعقوبة الخاصة في الدنيا، أعني المقدرة، فالتعزير في الدنيا نظير ~~الوعيد بغير النار أو اللعنة أو الغضب. وهذا الضابط يسلم من القوادح ~~الواردة على غيره، فإنه يدخل فيه كل ما ثبت بالنص أنه كبيرة، كالشرك، ~~والقتل، والزنا، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، ونحو ذلك، ~~كالفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعقوق الوالدين، واليمين ~~الغموس، وشهادة الزور، وأمثال ذلك. # وترجيح هذا القول من وجوه: أحدها: أنه هو المأثور عن السلف، كابن عباس، ~~وابن عيينة، وابن حنبل رضي الله عنهم، وغيرهم. الثاني: أن الله تعالى قال: ~~{إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} ~~[النساء: 31]. فلا يستحق هذا الوعد الكريم من أوعد بغضب الله ولعنته وناره، ~~وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب ~~الكبائر. الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب، ~~فهو حد متلقى من خطاب الشارع. الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين ~~الكبائر والصغائر، بخلاف تلك الأقوال2، فإن من قال: سبعة، أو سبعة عشرة، أو ~~إلى السبعين أقرب مجرد دعوى. ومن قال: ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما ~~اختلفت فيه يقتضي أن شرب الخمر، والفرار من الزحف، والتزوج ببعض المحارم3، ~~والمحرم بالرضاعة والصهرية، ونحو ذلك, ليس من الكبائر! وأن PageV01P371 # الحبة من مال اليتيم، والسرقة لها، والكذبة الواحدة الخفيفة، ونحو ذلك من ~~الكبائر! وهذا فاسد, ومن قال: ما سد باب ms320 المعرفة بالله، أو ذهاب الأموال ~~والأبدان يقتضي أن شرب الخمر، وأكل الخنزير والميتة والدم، وقذف المحصنات ~~ليس من الكبائر! وهذا فاسد, ومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما ~~دونها، أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم ~~إلى صغائر وكبائر! وهذا فاسد؛ لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب ~~إلى صغائر وكبائر. ومن قال: إنها لا تعلم أصلا، أو إنها مبهمة, فإنما أخبر ~~عن نفسه أنه لا يعلمها، فلا يمنع أن يكون قد علمها غيره, والله أعلم. # وقوله: وإن لم يكونوا تائبين؛ لأن التوبة لا خلاف أنها تمحو الذنوب، ~~وإنما الخلاف في غير التائب, وقوله: بعد أن لقوا الله تعالى عارفين, لو ~~قال: مؤمنين، بدل قوله: عارفين، كان أولى؛ لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو ~~كافر, وإنما اكتفى بالمعرفة وحدها الجهم، وقوله مردود باطل، كما تقدم. فإن ~~إبليس عارف بربه، {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} [الحجر: 36]. {قال ~~فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82، 83]. وكذلك ~~فرعون وأكثر الكافرين. قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله} [لقمان: 25]. {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون، سيقولون ~~لله} [المؤمنون: 84 - 85]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى, ~~وكأن الشيخ رحمه الله أراد المعرفة الكاملة المستلزمة للاهتداء، التي يشير ~~إليها أهل الطريقة، وحاشا أولئك أن يكونوا من أهل الكبائر، بل هم سادة ~~الناس وخاصتهم. # وقوله: وهم في مشيئة الله وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، إلى ~~آخر كلامه فصل الله تعالى بين الشرك وغيره لأن الشرك أكبر الكبائر، كما قال ~~صلى الله عليه وسلم، وأخبر الله تعالى أن الشرك غير مغفور، وعلق غفران ما ~~دونه بالمشيئة، والجائز يعلق بالمشيئة دون الممتنع، ولو كان الكل سواء لما ~~كان للتفصيل معنى؛ ولأنه علق هذا الغفران بالمشيئة، وغفران الكبائر ~~والصغائر بعد التوبة مقطوع به، غير معلق بالمشيئة، كما قال تعالى: {قل يا ~~عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ms321 لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر: 53]. # PageV01P372 # فوجب أن يكون الغفران المعلق بالمشيئة هو غفران الذنوب سوى الشرك بالله ~~[قبل التوبة]. # وقوله: ذلك أن الله مولى أهل معرفته, فيه مؤاخذة لطيفة، كما تقدم. وقوله: ~~اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام، وفي نسخة: ثبتنا على الإسلام ~~حتى نلقاك به, روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه "الفاروق"، ~~بسنده عن أنس رضي الله عنه، قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "يا ولي الإسلام وأهله، مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه"1. ومناسبة ~~ختم الكلام المتقدم بهذا الدعاء ظاهرة. وبمثل هذا الدعاء دعا يوسف الصديق ~~صلوات الله عليه، حيث قال: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين} [يوسف: 101]. وبه دعا السحرة الذين كانوا أول من آمن ~~بموسى صلوات الله على نبينا وعليه، حيث قالوا: {ربنا أفرغ علينا صبرا ~~وتوفنا مسلمين} [الأعراف: 126]. ومن استدل بهاتين الآيتين على جواز تمني ~~الموت فلا دليل له فيه، فإن الدعاء إنما هو بالموت على الإسلام، لا بمطلق ~~الموت، ولا بالموت الآن، والفرق ظاهر. # قوله: "ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم". # ش: قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا خلف كل بر وفاجر"2. رواه مكحول عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه، وأخرجه الدارقطني، قال: مكحول لم يلق أبا هريرة. وفي ~~إسناده معاوية بن صالح، متكلم فيه، وقد احتج به مسلم في صحيحه. وخرج له ~~PageV01P373 # الدارقطني أيضا وأبو داود، عن مكحول، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم، برا ~~كان أو فاجرا، وإن عمل بالكبائر، والجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برا كان ~~أو فاجرا، وإن عمل الكبائر"1. وفي صحيح البخاري: أن عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنه كان يصلي خلف الحجاج [بن ms322 يوسف] الثقفي، وكذا أنس بن مالك، وكان ~~الحجاج فاسقا ظالما. وفي صحيحه أيضا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وأن أخطئوا فلكم وعليهم" 2. وعن عبد ~~الله بن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا خلف ~~من قال لا إله إلا الله، وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا الله"3. أخرجه ~~الدارقطني من طرق، وضعفها. # اعلم، رحمك الله وإيانا: أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ~~ولا فسقا، باتفاق الأئمة، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد ~~إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول: ماذا تعتقد؟! بل يصلي خلف المستور الحال، ولو ~~صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي ~~لا يمكنه الصلاة إلا خلفه، كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج ~~بعرفة، ونحو ذلك, فإن المأموم يصلي خلفه، عند عامة السلف والخلف, ومن ترك ~~الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر، فهو مبتدع عند أكثر العلماء. والصحيح ~~أنه يصليها ولا يعيدها، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون الجمعة ~~والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف ~~الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس رضي الله عنه، كما تقدم، وكذلك عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يشرب ~~الخمر، حتى إنه صلى بهم الصبح مرة أربعا، ثم قال: أزيدكم؟! فقال له ابن ~~مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة!! وفي "الصحيح": أن عثمان بن عفان ~~رضي الله PageV01P374 # عنه لما حصر صلى بالناس شخص، فسأل سائل عثمان: إنك إمام عامة، وهذا الذي ~~صلى بالناس إمام فتنة؟ فقال: يابن أخي، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، ~~فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم1. # والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل ~~صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه؛ ms323 لأن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر واجب. # ومن ذلك: أن من أظهر بدعة وفجورا لا يرتب إماما للمسلمين، فإنه يستحق ~~التعزير حتى يتوب، فإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا، وإذا كان بعض الناس ~~إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو ~~يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه, فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك ~~مصلحة شرعية، ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة, وأما إذا كان ترك الصلاة ~~خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة، فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع ~~مخالف للصحابة رضي الله عنهم, وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور، ~~ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فهنا لا يترك الصلاة خلفه، بل الصلاة ~~خلفه أفضل2، فإذا أمكن الإنسان أن لا يقدم مظهرا للمنكر في الإمامة، وجب ~~عليه ذلك، لكن إذا ولاه غيره، ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان لا يتمكن ~~من صرفه عن الإمامة إلا بشر أعظم ضررا من ضرر ما أظهر من المنكر-: فلا يجوز ~~دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما، فإن ~~الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب ~~الإمكان, فتفويت الجمع والجماعات أعظم فسادا من الاقتداء فيهما بالإمام ~~الفاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجورا، فيبقى تعطيل المصلحة ~~الشرعية بدون دفع تلك المفسدة. # وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر، فهذا أولى من فعلها خلف ~~الفاجر. وحينئذ، فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر، فهو موضع اجتهاد ~~PageV01P375 # العلماء: [منهم من قال: يعيد]، ومنهم من قال: يعيد. وموضع بسط ذلك في كتب ~~الفروع. # وأما الإمام إذا نسي أو أخطأ، ولم يعلم المأموم بحاله، فلا إعادة على ~~المأموم، للحديث المتقدم, وقد صلى عمر رضي الله عنه وغيره وهو جنب ناسيا ~~للجنابة, فأعاد الصلاة، ولم يأمر المأمومين بالإعادة1, ولو علم أن إمامه ~~بعد فراغه كان على غير طهارة، أعاد عند أبي حنيفة، خلافا لمالك والشافعي ms324 ~~وأحمد في المشهور عنه, وكذلك لو فعل الإمام ما لا يسوغ عند المأموم, وفيه ~~تفاصيل موضعها كتب الفروع, ولو علم أن إمامه يصلي على غير وضوء!! فليس له ~~أن يصلي خلفه، لأنه لاعب، وليس بمصل. # وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام ~~الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة, يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس ~~عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم ~~لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر ~~المسائل الجزئية, ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض. والصواب ~~المقطوع به صحة صلاة بعض هؤلاء خلف بعض, يروى عن أبي يوسف: أنه لما حج مع ~~هارون الرشيد، فاحتجم الخليفة، وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ، وصلى بالناس، ~~فقيل لأبي يوسف: أصليت خلفه؟ قال: سبحان الله! أمير المؤمنين, يريد بذلك أن ~~ترك الصلاة خلف ولاة الأمور من فعل أهل البدع. وحديث أبي هريرة، الذي رواه ~~البخاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يصلون لكم، فإن أصابوا ~~فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم" 2, نص صحيح صريح في أن الإمام إذا أخطأ ~~فخطؤه عليه، لا على المأموم, والمجتهد غايته أنه أخطأ بترك واجب اعتقد أنه ~~ليس واجبا، أو فعل محظورا اعتقد أنه ليس محظورا, ولا يحل PageV01P376 # لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخالف هذا الحديث الصريح الصحيح بعد أن ~~يبلغه، وهو حجة على من يطلق من الحنفية والشافعية والحنبلية أن الإمام إذا ~~ترك ما يعتقد المأموم وجوبه لم يصح اقتداؤه به!! فإن الاجتماع والائتلاف ~~مما يجب رعايته وترك الخلاف المفضي إلى الفساد. # وقوله: وعلى من مات منهم, أي ونرى الصلاة على من مات من الأبرار والفجار، ~~وإن كان يستثنى من هذا العموم البغاة وقطاع الطريق، وكذا قاتل نفسه، خلافا ~~لأبي بوسف، لا الشهيد، خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله، على ما عرف في ~~موضعه, لكن الشيخ إنما ساق هذا لبيان أنا لا نترك الصلاة على من مات ms325 من أهل ~~البدع والفجور، لا للعموم الكلي، ولكن المظهرون للإسلام قسمان: إما مؤمن، ~~وإما منافق، فمن علم نفاقه لم تجز الصلاة عليه والاستغفار له، ومن لم يعلم ~~ذلك منه صلي عليه, فإذا علم شخص نفاق شخص لم يصل هو عليه، وصلى عليه من لم ~~يعلم نفاقه، وكان عمر رضي الله عنه لا يصلي على من لم يصل عليه حذيفة؛ لأنه ~~كان في غزوة تبوك قد عرف المنافقين، وقد نهى الله سبحانه وتعالى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين، وأخبر أنه لا يغفر لهم باستغفاره، ~~وعلل ذلك بكفرهم بالله ورسوله، فمن كان مؤمنا بالله ورسوله لم ينه عن ~~الصلاة عليه، ولو كان له من الذنوب الاعتقادية البدعية أو العملية أو ~~الفجورية ما له، بل قد أمره الله تعالى بالاستغفار للمؤمنين، فقال تعالى: ~~{فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: ~~19]. فأمره سبحانه بالتوحيد والاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات، ~~فالتوحيد أصل الدين، والاستغفار له وللمؤمنين كما له, فالدعاء لهم بالمغفرة ~~والرحمة وسائر الخيرات، إما واجب وإما مستحب، وهو على نوعين: عام وخاص، أما ~~العام فظاهر، كما في هذه الآية، وأما الدعاء الخاص، فالصلاة على الميت، فما ~~من مؤمن يموت إلا وقد أمر المؤمنون أن يصلوا عليه صلاة الجنازة، وهم ~~مأمورون في صلاتهم عليه أن يدعوا له، كما روى أبو داود وابن ماجه عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ~~صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" 1. PageV01P377 # قوله: "ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا". # ش: يريد: أنا لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة أو من ~~أهل النار، إلا من أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة ~~كالعشرة رضي الله عنهم. وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل ~~الكبائر من شاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا ~~نقف في الشخص المعين، فلا نشهد له ms326 بجنة ولا نار إلا عن علم؛ لأن الحقيقة ~~باطنة، وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسنين، ونخاف على المسيئين. # وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال: أحدها: أن لا يشهد لأحد إلا ~~للأنبياء، وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية، والأوزاعي, والثاني: أنه يشهد ~~بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قول كثير من العلماء وأهل الحديث, ~~والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون، كما في الصحيحين: ~~أنه مر بجنازة، فأثنوا عليها بخير، فقال صلى الله عليه وسلم: "وجبت"، ومر ~~بأخرى، فأثني عليها بشر، فقال: "وجبت" , وفي رواية كرر: وجبت ثلاث مرات، ~~فقال عمر: يا رسول الله، ما وجبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا ~~أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، أنتم ~~شهداء الله في الأرض" 1. وقال صلى الله عليه وسلم: "توشكون أن تعلموا أهل ~~الجنة من أهل النار"، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء ~~السيئ" 2. فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار. # قوله: "ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ~~ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى". PageV01P378 # ش: لأنا قد أمرنا بالحكم بالظاهر، ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به ~~علم, قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا ~~خيرا منهم} [الحجرات: 11] الآية, وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا ~~كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12] , وقال تعالى: {ولا تقف ما ~~ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} [الإسراء: ~~36]. # قوله: "ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب ~~عليه السيف". # ش: في "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا يحل دم امرئ ~~مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب ~~الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه ms327 المفارق للجماعة" 1. # قوله: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو ~~عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما ~~لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة". # ش: قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم} [النساء: 59] , وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ~~قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير ~~فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني" 2, وعن أبي ذر رضي الله عنه, قال: ~~إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف3. وعند ~~PageV01P379 # البخاري: "ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة"1. وفي "الصحيحين" أيضا: "على المرء ~~المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، [فإن أمر بمعصية] ~~فلا سمع ولا طاعة" 2. وعن حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: ~~يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا ~~الخير من شر؟ قال: "نعم"، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه ~~دخن"، قال: قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يسنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، ~~تعرف منهم وتنكر"، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم, دعاة على ~~أبواب جهنم, من أجابهم إليها قذفوه فيها" , فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا؟ ~~قال: "نعم، قوم من جلدتنا، يتكلمون بألستنا"، قلت: يا رسول الله، فما ترى ~~إذا أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم" , فقلت: فإن لم يكن ~~لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل ~~شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" 3. وعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، ~~فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتته جاهلية" 4, وفي رواية: ms328 "فقد خلع ~~ربقة الإسلام من عنقه" 5. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بويع PageV01P380 # لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" 1. وعن عوف بن مالك رضي الله عنه، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ~~وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، ~~وتلعنونهم ويلعنونكم"، فقلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ ~~قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من ~~معصية الله، [فليكره ما يأتي من معصية الله]، ولا ينزعن يدا من طاعته" 2. # فقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، ~~فتأمل قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: ~~59] , كيف قال: وأطيعوا الرسول، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؟ لأن ~~أولي الأمر لا يفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله, وأعاد ~~الفعل مع الرسول لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير ~~طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله، ~~فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله, وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه ~~يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في ~~الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم ~~علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في ~~الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل, قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما ~~كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] , وقال تعالى: {أولما أصابتكم ~~مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] ~~, وقال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ~~[النساء: 79] , وقال تعالى: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون} [الأنعام: 129]. فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير ~~الظالم، فليتركوا الظلم, وعن مالك بن دينار: ms329 PageV01P381 # أنه جاء في بعض كتب الله: أنا الله مالك الملك، قلوب الملوك بيدي، فمن ~~أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم ~~بسب الملوك، لكن توبوا أعطفهم عليكم1. # قوله: "ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة". # ش: السنة: طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، والجماعة: جماعة المسلمين، ~~وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين, فاتباعهم هدى، وخلافهم ~~ضلال. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل عمران: 31] , ~~وقال: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115] , وقال تعالى: {قل ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ~~وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [النور: 54] , وقال ~~تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: 153] , وقال تعالى: {ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب ~~عظيم} [آل عمران: 105] , وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} ~~[الأنعام: 159]. # وثبت في السنن الحديث الذي صححه الترمذي، عن العرباض بن سارية، قال: ~~وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت ~~منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع, فماذا تعهد ~~إلينا؟ فقال: "أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى ~~PageV01P382 # اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، ~~تمسكوا بها، [وعضوا عليها] بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ~~ضلالة"1. وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ~~ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، يعني ~~الأهواء، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة" 2. وفي رواية: ms330 قالوا: من ~~هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" 3 فبين صلى الله عليه وسلم أن ~~عامة المختلفين هالكون من الجانبين، إلا أهل السنة والجماعة. # وما أحسن قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حيث قال: من كان منكم ~~مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما ~~وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم ~~فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم ~~كانوا على الهدي المستقيم, وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان إن شاء الله ~~تعالى، عند قول الشيخ: ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا. # قوله: "ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة". # ش: وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية، فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ~~ونهايتها، وكمال الذل ونهايته. فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من ~~محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في ~~الله، لا مع الله، فإن PageV01P383 # المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض، ويوالي من يواليه، ويعادي من ~~يعاديه، ويرضى لرضائه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما ينهى ~~عنه، فهو موافق لمحبوبه في كل حال, والله تعالى يحب المسحنين، ويحب ~~المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحبه الله, والله لا ~~يحب الخائنين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المستكبرين، ونحن لا نحبهم أيضا، ~~ونبغضهم، موافقة له سبحانه وتعالى, وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر ~~بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار" 1. فالمحبة التامة ~~مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه، وولايته وعداوته, ومن المعلوم ~~أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن ms331 يبغض أعداءه، ولا بد أن يحب ما ~~يحبه من جهادهم، كما قال تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4] , والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير ~~والشر، فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة، والحب والبغض، فيكون ~~محبوبا من وجه ومبغوضا من وجه، والحكم للغالب, وكذلك حكم العبد عند الله، ~~فإن الله قد يحب الشيء من وجه ويكرهه من وجه آخر، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم، فيما يروي عن ربه عز وجل: "وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض ~~نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه" 2. فبين ~~أنه يتردد، لأن التردد تعارض إرادتين، وهو سبحانه يحب ما يحب عبده المؤمن، ~~ويكره ما يكرهه، وهو يكره الموت فهو يكرهه، كما قال: وأنا أكره مساءته، وهو ~~سبحانه قضى بالموت فهو يريد كونه، فسمى ذلك ترددا، ثم بين أنه لا بد من ~~وقوع ذلك، إذ هو يفضي إلى ما أحب منه. PageV01P384 # قوله: "ونقول: الله أعلم، فيما اشتبه علينا علمه". # ش: تقدم في كلام الشيخ رحمه الله أنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز ~~وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه, ومن ~~تكلم بغير علم فإنما يتبع هواه، وقد قال تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله} [القصص: 50] , وقال تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله ~~بغير علم ويتبع كل شيطان مريد، كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى ~~عذاب السعير} [الحج: 3, 4]. وقال تعالى: {الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب ~~متكبر جبار} [غافر: 35]. وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ~~وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33]. وقد أمر الله نبيه ms332 صلى ~~الله عليه وسلم أن يرد علم ما لم يعلم إليه، فقال تعالى: {قل الله أعلم بما ~~لبثوا له غيب السماوات والأرض} [الكهف: 26] {أبصر به وأسمع لهم}. {قل ربي ~~أعلم بعدتهم} [الكهف: 22]. وقد قال صلى الله عليه وسلم، لما سئل عن أطفال ~~المشركين: "الله أعلم بما كانوا عاملين" 1. وقال عمر رضي الله عنه: اتهموا ~~الرأي في الدين، فلو رأيتني يوم أبي جندل، فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم برأي، فأجتهد ولا آلو، وذلك يوم أبي جندل، والكتاب ~~يكتب، وقال: اكتب {بسم الله الرحمن الرحيم}، قال: اكتب باسمك اللهم، فرضي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب وأبيت، فقال: "يا عمر تراني قد رضيت ~~وتأبى؟ " 2. وقال أيضا رضي الله عنه: السنة ما سنه الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة, وقال أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إن قلت في آية PageV01P385 # من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم. وذكر الحسن بن علي الحلواني، حدثنا ~~عارم، حدثنا حماد بن زيد، عن سعيد بن أبي صدقة، عن ابن سيرين قال: لم يكن ~~أحد أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من ~~عمر رضي الله عنه، وإن أبا بكر نزلت به قضية، فلم يجد في كتاب الله منها ~~أصلا، ولا في السنة أثرا، فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صوابا ~~فمن الله، وإن يكن خطأ فمني، وأستغفر الله. # قوله: "ونرى المسح على الخفين، في السفر والحضر، كما جاء في الأثر". # ش: تواترت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسح على الخفين ~~وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، فيقال لهم: الذين ~~نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء قولا وفعلا، والذين تعلموا ~~الوضوء منه توضئوا على عهده وهو يراهم ويقرهم، ونقلوه إلى من بعدهم, أكثر ~~عددا من الذين نقلوا لفظ هذه الآية. فإن ms333 جميع المسلمين كانوا يتوضئون على ~~عهده، ولم يتعلموا الوضوء إلا منه، فإن هذا العمل لم يكن معهودا عندهم في ~~الجاهلية، وهم قد رأوه يتوضأ ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى، ونقلوا عنه ~~ذكر غسل الرجلين في ما شاء الله من الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه، في ~~كتب الصحيح وغيرها، أنه قال: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" 1. # مع أن الفرض إذا كان مسح ظاهر القدم، كان غسل الجميع كلفة لا تدعو إليها ~~الطباع، كما تدعو الطباع إلى طلب الرياسة والمال، فلو جاز الطعن في تواتر ~~صفة الوضوء، لكان في نقل لفظ آية "الوضوء" أقرب إلى الجواز، وإذا قالوا: ~~لفظ الآية ثبت بالتواتر الذي لا يمكن فيه الكذب ولا الخطأ، فثبوت التواتر ~~في نقل الوضوء عنه أولى وأكمل، ولفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، فإن ~~المسح كما يطلق ويراد به الإصابة, كذلك يطلق ويراد به الإسالة، كما تقول ~~[العرب]: تمسحت للصلاة، وفي الآية ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين ~~المسح الذي هو قسيم الغسل، بل PageV01P386 # المسح الذي الغسل قسم منه، فإنه قال: {إلى الكعبين} [المائدة: 6]، ولم ~~يقل: إلى الكعاب، كما قال: {إلى المرافق} [المائدة: 6]، فدل على أنه ليس في ~~كل رجل كعب واحد، كما في كل يد مرفق واحد، بل في كل رجل كعبان، فيكون تعالى ~~قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو الغسل، فإن من يسمح المسح ~~الخاص يجعل المسح لظهور القدمين، وجعل الكعبين في الآية غاية يرد قولهم, ~~فدعواهم أن الفرض مسح الرجلين إلى الكعبين، اللذين هما مجتمع الساق والقدم ~~عند معقد الشراك, مردود بالكتاب والسنة. # وفي الآية قراءتان مشهورتان: النصب والخفض، وتوجيه إعرابهما مبسوط في ~~موضعه, وقراءة النصب نص في وجوب الغسل؛ لأن العطف على المحل إنما يكون إذا ~~كان المعنى واحدا، كقوله: # فلسنا بالجبال ولا الحديدا # وليس معنى: مسحت برأسي ورجلي, هو معنى: مسحت رأسي ورجلي، بل ذكر الباء ~~يفيد معنى زائدا على مجرد المسح، وهو إلصاق شيء من ms334 الماء بالرأس، فتعين ~~العطف على قوله: {وأيديكم}. فالسنة المتواترة تقضي على ما يفهمه بعض الناس ~~من ظاهر القرآن، فإن الرسول بين للناس لفظ القرآن ومعناه. كما قال أبو عبد ~~الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان، وعبد ~~الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها, وفي ذكر المسح في الرجلين ~~تنبيه على قلة الصب في الرجلين، فإن السرف يعتاد فيهما كثيرا. والمسألة ~~معروفة، والكلام عليها في كتب الفروع. # PageV01P387 ### | الحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين إلى قيام الساعة # ... # قوله: "والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم، ~~إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما". # ش: يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الرافضة، حيث قالوا: لا جهاد في ~~سبيل الله حتى يخرج الرضى من آل محمد، وينادي مناد من السماء: اتبعوه!! ~~وبطلان هذا القول أظهر من أن يستدل عليه بدليل, وهم شرطوا في الإمام أن ~~يكون معصوما، اشتراطا، من غير دليل! بل في صحيح مسلم عن عوف بن مالك ~~الأشجعي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خيار أئمتكم الذين ~~تحبونهم ويحبونكم، [وتصلون عليهم] ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين ~~تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"، قال: قلت: يا رسول الله، أفلا ~~ننابذهم عند ذلك؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال ~~فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن ~~يدا من طاعته" 1. وقد تقدم بعض نظائر هذا الحديث في الإمامة, ولم يقل: إن ~~الإمام يجب أن يكون معصوما, والرافضة أخسر الناس صفقة في هذه المسألة؛ ~~لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هو الإمام المعدوم، الذي لم ينفعهم في دين ولا ~~دنيا!! فإنهم يدعون أنه الإمام المنتظر، محمد بن الحسن العسكري، الذي دخل ~~السرداب في زعمهم، سنة ستين ومائتين، أو قريبا من ذلك بسامرا! وقد يقيمون ~~هناك دابة، إما بغلة وإما فرسا، ليركبها ms335 إذا خرج! ويقيمون هناك في أوقات ~~عينوا فيها من ينادي عليه بالخروج. يا مولانا، اخرج! يا مولانا، اخرج! ~~ويشهرون السلاح، ولا أحد هناك يقاتلهم! إلى غير ذلك من الأمور التي يضحك ~~عليهم منها العقلاء!! # وقوله: مع أولي الأمر برهم وفاجرهم؛ لأن الحج والجهاد فرضان يتعلقان ~~بالسفر، فلا بد من سائس يسوس الناس فيهما، ويقاوم العدو، وهذا المعنى كما ~~يحصل بالإمام البر يحصل بالإمام الفاجر. # قوله: "ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين". # ش: قال تعالى: {وإن عليكم لحافظين، كراما كاتبين، يعلمون ما تفعلون}. ~~وقال تعالى: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من ~~قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 17, 18]. وقال تعالى: {له معقبات من بين يديه ~~ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11]. وقال تعالى: {أم يحسبون أنا لا ~~نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} [الزخرف: 80]. وقال تعالى: ~~{هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ PageV01P388 # ما كنتم تعملون} [الجاثية: 28]. وقال تعالى: {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} ~~[يونس: 21]. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يتعاقبون ~~فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ~~فيصعد إليه الذين كانوا فيكم، فيسألهم، والله أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ ~~فيقولون: أتياناهم وهم يصلون، وفارقناهم وهم يصلون" 1. وفي الحديث الآخر: ~~"إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم، ~~وأكرموهم"2. جاء في التفسير: اثنان عن اليمين وعن الشمال، يكتبان الأعمال، ~~صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران ~~يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه، وواحد أمامه، فهو بين أربعة أملاك ~~بالنهار، وأربعة آخرين بالليل، بدلا، حافظان وكاتبان، وقال عكرمة عن بن ~~عباس: {يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11]، قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ~~ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه. # وروى مسلم والإمام أحمد عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من ms336 الملائكة"، ~~قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، لكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا ~~يأمرني إلا بخير" 3. الرواية بفتح الميم من "فأسلم" [ومن رواه فأسلم برفع ~~الميم, فقد حرف لفظه. ومعنى "فأسلم"]، أي: فاستسلم وانقاد لي، في أصح ~~القولين، ولهذا قال: "فلا يأمرني إلا بخير"، ومن قال: إن الشيطان صار ~~مؤمنا, فقد حرف معناه، فإن الشيطان لا يكون مؤمنا4. ومعنى: {يحفظونه ~~PageV01P389 # من أمر الله} [الرعد: 11] من أمر الله, قيل: حفظهم له من أمر الله، أي ~~الله أمرهم بذلك، يشهد لذلك قراءة من قرأ: يحفظونه بأمر الله. # ثم قد ثبت بالنصوص المذكورة أن الملائكة تكتب القول والفعل, وكذلك النية، ~~لأنها فعل القلب، فدخلت في عموم {يعلمون ما تفعلون} [الانفطار: 12]. ويشهد ~~لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: إذا هم عبدي بسيئة فلا ~~تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة، وإذا هم عبدي بحسنة فلم ~~يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا" 1. وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "قالت الملائكة: ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة، وهو أبصر به، ~~فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، ~~إنما تركها من جرائي" 2 خرجاهما في "الصحيحين" واللفظ لمسلم. # قوله: "ونؤمن بملك الموت، الموكل بقبض أرواح العالمين". # ش: قال تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} ~~[الم السجدة: 11] , ولا تعارض هذه الآية قوله: {حتى إذا جاء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا وهم لا يفرطون} [الأنعام: 61]، وقوله تعالى: {الله PageV01P390 # يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها ~~الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} [الزمر: 42]؛ لأن ملك الموت يتولى قبضها ~~واستخراجها، ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، ويتولونها ~~بعده، كل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره، وحكمه وأمره، فصحت إضافة التوفي إلى ~~كل بحسبه. # وقد اختلف في حقيقة النفس ما هي؟ وهل هي جزء من أجزاء البدن؟ أو عرض من ~~أعراضه؟ أو جسم مساكن له مودع فيه؟ أو ms337 جوهر مجرد؟ وهل هي الروح أو غيرها؟ ~~وهل الأمارة، و [هل] اللوامة، والمطمئنة نفس واحدة، أم هي ثلاثة أنفس؟ وهل ~~تموت الروح، أو الموت للبدن وحده؟ وهذه المسألة تحتمل مجلدا، ولكن أشير إلى ~~الكلام عليها مختصرا، إن شاء الله تعالى: # فقيل: الروح قديمة، وقد أجمعت الرسل على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة ~~مدبرة, وهذا معلوم بالضرورة من دينهم، أن العالم محدث، ومضى على هذا ~~الصحابة والتابعون، حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة، فزعم ~~أنها قديمة، واحتج بأنها من أمر الله، وأمره غير مخلوق! وبأن الله أضافها ~~إليه بقوله: {قل الروح من أمر ربي} [الإسراء: 85]، وبقوله: {ونفخت فيه من ~~روحي} [الحجر: 29]، كما أضاف إليه علمه وقدرته وسمعه وبصره ويده, وتوقف ~~آخرون, واتفق أهل السنة والجماعة أنها مخلوقة, وممن نقل الإجماع على ذلك: ~~محمد بن نصر المروزي، وابن قتيبة وغيرهما, ومن الأدلة "على" أن الروح ~~مخلوقة، قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الرعد: 18 والزمر: 62]، فهذا عام ~~لا تخصيص فيه بوجه ما، ولا يدخل في ذلك صفات الله تعالى، فإنها داخلة في ~~مسمى اسمه, فالله تعالى هو الإله الموصوف بصفات الكمال، فعلمه وقدرته ~~وحياته وسمعه وبصره وجميع صفاته داخل في مسمى اسمه فهو سبحانه بذاته وصفاته ~~الخالق، وما سواه مخلوق، ومعلوم قطعا أن الروح ليس هي الله، ولا صفة من ~~صفاته، وإنما هي من مصنوعاته, ومنها قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين ~~من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} [الدهر: 1] , وقوله تعالى لزكريا: {وقد خلقتك ~~من قبل ولم تك شيئا} [مريم: 9]. والإنسان اسم لروحه وجسده، والخطاب # PageV01P391 # لزكريا، لروحه وبدنه، والروح توصف بالوفاة والقبض [والإمساك] والإرسال، ~~وهذا شأن المخلوق المحدث, وأما احتجاجهم بقوله: {من أمر ربي} [الإسراء: 85] ~~, فليس المراد هنا بالأمر الطلب، بل المراد به المأمور، والمصدر يذكر ويراد ~~به اسم المفعول، وهذا معلوم مشهور, وأما استدلالهم بإضافتها إليه بقوله: ~~{من روحي} [الحجر: 29] , فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله نوعان: صفات لا ~~تقوم بأنفسها، كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، ms338 فهذه إضافة صفة إلى ~~الموصوف بها، فعلمه وكلامه وقدرته وحياته صفات له، وكذا وجهه ويده سبحانه. ~~والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه، كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح، ~~فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، لكن إضافة تقتضي تخصيصا وتشريفا، يتميز بها ~~المضاف عن غيره. # واختلف في الروح: هل هي مخلوقة قبل الجسد أم بعده؟ وقد تقدم عند ذكر ~~الميثاق الإشارة إلى ذلك. # واختلف في الروح: ما هي؟ قيل: هي جسم، وقيل: عرض، وقيل: لا ندري ما ~~الروح، أجوهر أم عرض؟ وقيل: ليس الروح شيئا أكثر من اعتدال الطبائع الأربع، ~~وقيل: هي الدم الصافي الخالص من الكدرة والعفونات1، وقيل: هي الحرارة ~~الغريزية، وهي الحياة، وقيل: [هو] جوهر بسيط منبث في العالم كله من ~~الحيوان، على جهة الإعمال له والتدبير، [وهي] على ما وصفت من الانبساط في ~~العالم، غير منقسمة الذات والبنية، وأنها في كل حيوان العالم بمعنى واحد لا ~~غير، وقيل: النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفس، وقيل غير ذلك. وللناس ~~في مسمى الإنسان: هل هو الروح فقط، أو البدن فقط، أو مجموعهما، أو كل ~~منهما؟ وهذه الأقوال الأربعة لهم في كلامه: هل هو اللفظ، أو المعنى فقط، أو ~~هما، أو كل منهما؟ 2 فالخلاف بينهم في الناطق ونطقه. والحق: أن الإنسان اسم ~~لهما، وقد يطلق على أحدهما بقرينه، وكذا الكلام. PageV01P392 # والذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل: أن النفس جسم ~~مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي، خفيف حي متحرك، ~~ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في ~~الزيتون، والنار في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار ~~الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي ذلك الجسم اللطيف ساريا في هذه ~~الأعضاء، وأفادها هذه الآثار، من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه، ~~بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار، فارق الروح ~~البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح. والدليل على ذلك قوله تعالى: {الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها} [الزمر: 42]، الآية. ففيها الإخبار ms339 بتوفيها وإمساكها ~~وإرسالها. وقوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة ~~باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم} [الأنعام: 93]، ففيها بسط الملائكة أيديهم ~~لتناولها، ووصفها بالإخراج والخروج، والإخبار بعذابها ذلك اليوم، والإخبار ~~عن مجيئها إلى ربها. وقوله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه} [الأنعام: 60] الآية. ففيها الإخبار بتوفي النفس ~~بالليل، وبعثها إلى أجسادها بالنهار، وتوفي الملائكة لها عند الموت. وقوله ~~تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في ~~عبادي، وادخلي جنتي} [الفجر: 27 - 30] , ففيها وصفها بالرجوع والدخول ~~والرضى. وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر" 1. ففيه ~~وصفه بالقبض، وأن البصر يراه. وقال صلى الله عليه وسلم في حديث بلال: "قبض ~~أرواحكم وردها عليكم" 2. وقال صلى الله عليه وسلم: "نسمة المؤمن طائر يعلق ~~في شجر الجنة" 3. وسيأتي في الكلام على عذاب القبر أدلة كثيرة من خطاب ملك ~~الموت لها، وأنها تخرج تسيل كما تسيل القطرة من في PageV01P393 # السقاء وأنها تصعد ويوجد منها [من المؤمن] كأطيب ريح، ومن الكافر كأنتن ~~ريح، إلى غير ذلك، من الصفات, وعلى ذلك أجمع السلف ودل العقل، وليس مع من ~~خالف سوى الظنون الكاذبة، والشبه الفاسدة، التي لا يعارض بها ما دل عليه ~~نصوص الوحي والأدلة العقلية. # وأما اختلاف الناس في مسمى النفس والروح: هل هما متغايران، أو مسماهما ~~واحد؟ فالتحقيق: أن النفس تطلق على أمور، وكذلك الروح، فيتحد مدلولهما ~~تارة، ويختلف تارة. فالنفس تطلق على الروح، ولكن غالب ما يسمى نفسا إذا ~~كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها. ويطلق ~~على الدم، ففي الحديث: "ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه"1. ~~والنفس: العين، يقال: أصابت فلانا نفس، أي عين. والنفس: الذات، {فسلموا على ~~أنفسكم} [النور: 61] {لا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 28]، ونحو ذلك. وأما ~~الروح فلا يطلق على البدن، لا بانفراده، ولا مع النفس, وتطلق الروح على ~~القرآن، وعلى جبرائيل، {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: ms340 52]. ~~{نزل به الروح الأمين} [الشعراء: 193]. ويطلق الروح على الهواء المتردد في ~~بدن الإنسان أيضا, وأما ما يؤيد الله به أولياءه، فهي روح أخرى، كما قال ~~تعالى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 22]. ~~وكذلك القوى التي في البدن، فإنها أيضا تسمى أرواحا، فيقال: الروح الباصر، ~~والروح السامع، والروح الشام2. ويطلق الروح على أخص من هذا كله، وهو: قوة ~~المعرفة بالله والإنابة إليه ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته. ونسبة ~~هذا الروح إلى الروح، كنسبة الروح إلى البدن، فالعلم روح، والإحسان روح، ~~والمحبة روح، والتوكل روح، والصدق روح، والناس متفاوتون في هذه الروح: فمن ~~الناس من تغلب عليه هذه الأرواح فيصير روحانيا، ومنهم من يفقدها أو أكثرها ~~فيصير أرضيا بهميا, وقد وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم PageV01P394 # ثلاثة أنفس: مطمئنة، ولوامة، وأمارة، قالوا: وإن منهم من تغلب عليه هذه، ~~ومنهم من تغلب عليه هذه، كما قال تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة} [الفجر: ~~27]. {ولا أقسم بالنفس اللوامة} [القيامة: 2]. {إن النفس لأمارة بالسوء} ~~[يوسف: 53]. والتحقيق: أنها نفس واحدة، لها صفات، فهي أمارة بالسوء، فإذا ~~عارضها الإيمان صارت لوامة، تفعل الذنب ثم تلوم صاحبها، وتلوم بين الفعل ~~والترك، فإذا قوي الإيمان صارت مطمئنة. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "من ~~سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن" 1. مع قوله: "لا يزني الزاني حين يزني ~~وهو مؤمن"، الحديث. # واختلف الناس: هل تموت الروح أم لا؟ فقالت طائفة: تموت؛ لأنها نفس، وكل ~~نفس ذائقة الموت، وقد قال تعالى: {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام} [الرحمن: 26, 27] , وقال تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} ~~[القصص: 88]. قالوا: وإذا كانت الملائكة تموت، فالنفوس البشرية أولى ~~بالموت. وقال آخرون: لا تموت الأرواح، فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت ~~الأبدان. قالوا: وقد دل على ذلك الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها ~~بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها, والصواب أن يقال: موت النفوس ~~هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر، فهي ms341 ذائقة ~~الموت، وإن أريد أنها تعدم وتفنى بالكلية، فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل ~~هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى, وقد ~~أخبر سبحانه أن أهل الجنة {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} ~~[الدخان: 56]، وتلك الموتة هي مفارقة الروح للجسد. وأما قول أهل النار: ~~{ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [المؤمن: 11]، وقوله تعالى: {كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} [البقرة: 28] ~~فالمراد: أنهم كانوا أمواتا PageV01P395 # وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم بعد ذلك، ثم ~~أماتهم، ثم يحييهم يوم النشور، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة، ~~وإلا كانت ثلاث موتات, وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها، ~~فإن الناس يصعقون يوم القيامة إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض ~~بنوره، وليس ذلك بموت, وسيأتي ذكر ذلك، إن شاء الله تعالى, وكذلك صعق موسى ~~عليه السلام لم يكن موتا، والذي يدل عليه أن نفخة الصعق -والله أعلم- موت ~~كل من لم يذق الموت قبلها من الخلائق، وأما من ذاق الموت، أو لم يكتب عليه ~~الموت من الحور والولدان وغيرهم، فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية, ~~والله أعلم. # PageV01P396 ### | الإيمان بعذاب القبر ونعيمه # ... # قوله: "وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ~~ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن ~~الصحابة رضوان الله عليهم, والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر ~~النيران". # ش: قال تعالى: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غدوا ~~وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 45, 46] وقال ~~تعالى: {فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون، يوم لا يغني عنهم كيدهم ~~شيئا ولا هم ينصرون، وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون} ~~[الطور: 45 - 47]. وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، ~~وأن يراد به عذابهم في ms342 البرزخ، وهو أظهر، لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في ~~الدنيا، أو المراد أعم من ذلك. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: كنا ~~في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم، فقعد وقعدنا ~~حوله، كأن على رءوسنا الطير، وهو يلحد له، فقال: "أعوذ بالله من عذاب ~~القبر"، ثلاث مرات، ثم قال: "إن العبد [المؤمن] إذا كان في إقبال من الآخرة ~~وانقطاع من الدنيا، نزلت إليه الملائكة، كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من ~~أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت ~~حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله # PageV01P396 # ورضوان"، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا ~~أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك ~~الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها، ~~فلا يمرون بها، يعني على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ ~~فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، ~~حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء ~~مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله، ~~فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني ~~منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في ~~جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربي الله، ~~فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي ~~بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب ~~الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من ~~الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له ~~في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، ~~فيقول: أبشر ms343 بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك ~~الوجه [الذي] يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب، أقم ~~الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، قال: # وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل ~~إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم ~~يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى ~~سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من ~~الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى ~~يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، ~~فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح # PageV01P397 # الخبيث؟ 1 فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها ~~في الدنيا، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له"، ثم ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون ~~الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40]، فيقول الله عز وجل: ~~"اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا"، ثم قرأ: {ومن ~~يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان ~~سحيق} [الحج: 31]، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: ~~من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث ~~فيكم، فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من ~~النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه ~~قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب منتن الريح، ~~فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت، فوجهك ~~الوجه "الذي" يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول رب لا تقم ~~الساعة"2. رواه الإمام أحمد وأبو داود، وروى النسائي وابن ماجه أوله ms344 ورواه ~~الحاكم وأبو عوانة الإسفرائيني في صحيحيهما، وابن حبان. # وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله شواهد من الصحيح, ~~فذكر البخاري رحمه الله عن سعيد عن قتادة عن أنس، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع ~~نعالهم، فيأتيه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، ~~محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، ~~فيقول له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما ~~جميعا" 3. قال قتادة: وروي لنا أنه يفسح له في قبره، وذكر الحديث, وفي ~~"الصحيحين" عن ابن PageV01P398 # عباس رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين، فقال: ~~إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، ~~وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة، فشقها نصفين، وقال: لعله ~~يخفف عنهما ما لم ييبسا" 1. وفي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة، قال: قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قبر أحدكم، أو الإنسان أتاه ملكان أسودان ~~أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير" 2، وذكر الحديث ... إلخ. # وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ~~ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان ~~به، ولا تتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له ~~به في هذا الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار ~~فيه العقول. فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل ~~تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا, فالروح لها بالبدن ~~خمسة أنواع من التعلق، متغايرة الأحكام: أحدها: تعلقها به في بطن الأم ~~جنينا. الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض, الثالث: تعلقها به في ~~حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه, الرابع: تعلقها ms345 به في ~~البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم تفارقه فراقا كليا بحيث لا ~~يبقى لها إليه التفات ألبتة، فإنه ورد ردها إليه وقت سلام المسلم، وورد أنه ~~يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه, وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن ~~قبل يوم القيامة, الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع ~~تعلقها البدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه، إذ هو تعلق لا يقبل ~~البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا، فالنوم أخو الموت, فتأمل هذا يزح عنك ~~إشكالات كثيرة. PageV01P399 # وليس السؤال في القبر للروح وحدها، كما قال ابن حزم وغيره، وأفسد منه قول ~~من قال: إنه للبدن بلا روح! والأحاديث الصحيحة ترد القولين, وكذلك عذاب ~~القبر يكون للنفس والبدن جميعا، باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس ~~وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به. # واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله ~~نصيبه منه، [قبر أو لم يقبر]، أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادا ونسف في ~~الهواء، أو صلب أو غرق في البحر, وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى ~~المقبور, وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه ونحو ذلك, فيجب أن يفهم عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مراده من [غير] غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ~~ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان، فكم حصل ~~بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله, ~~بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، وهو أصل ~~كل خطأ في الفروع والأصول، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد, والله ~~المستعان. # فالحاصل أن الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار, وقد جعل ~~الله لكل دار أحكاما تخصها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام ~~الدنيا على الأبدان، والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، ~~والأبدان تبع لها، فإذا جاء ms346 يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم, صار ~~الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعا, فإذا تأملت هذا المعنى ~~حق التأمل، ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ~~مطابق للعقل، وأنه حق1 لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم. ~~ويجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم، ليس من جنس نار الدنيا ولا ~~نعيمها، وإن كان الله تعالى يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه وتحته حتى ~~يكون أعظم حرا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بها. بل أعجب ~~من هذا أن الرجلين يدفن أحدهما إلى جنب صاحبه، وهذا في حفرة من النار، وهذا ~~في روضة PageV01P400 # من رياض الجنة، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره، ولا من هذا إلى ~~جاره شيء من نعيمه, وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب، ولكن النفوس مولعة ~~بالتكذيب بما لم تحط به علما, وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ~~ما هو أبلغ من هذا بكثير, وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده أطلعه ~~وغيبه عن غيره، ولو أطلع الله على ذلك العباد كلهم لزالت حكمة التكليف ~~والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس، كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: ~~"لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع" 1. ولما ~~كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعته وأدركته. # وللناس في سؤال منكر ونكير: هل هو خاص بهذه الأمة أم لا ثلاثة أقوال: ~~الثالث التوقف، وهو قول جماعة، منهم أبو عمر بن عبد البر، فقال: وفي حديث ~~زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إن هذه الأمة تبتلى في ~~قبورها" 2, منهم من يرويه تسأل، وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة قد ~~خصت بذلك، وهذا أمر لا يقطع به، ويظهر عدم الاختصاص، والله أعلم, وكذلك ~~اختلف في سؤال الأطفال أيضا: وهل يدوم عذاب القبر أو ينقطع؟ جوابه ms347 أنه ~~نوعان: منه ما هو دائم، كما قال تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ~~ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46] , وكذلك في حديث ~~البراء بن عازب في قصة الكافر: "ثم يفتح له باب إلى النار فينظر إلى مقعده ~~فيها حتى تقوم الساعة" 3، رواه الإمام أحمد في بعض طرقه. والنوع الثاني: ~~أنه مدة ثم ينقطع، وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم، فيعذب بحسب ~~جرمه، ثم يخفف عنه، كما تقدم ذكره [في] الممحصات العشرة. # وقد اختلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة: فقيل: أرواح ~~المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في النار، وقيل: إن أرواح المؤمنين ~~بفناء الجنة PageV01P401 # على بابها، يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها, وقيل: على أفنية قبورهم, ~~وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة، تذهب حيث شاءت. وقالت طائفة: بل أرواح ~~المؤمنين عند الله عز وجل، ولم يزيدوا على ذلك. وقيل: إن أرواح المؤمنين ~~بالجابية من دمشق، وأرواح الكافرين ببرهوت بئر بحضرموت! وقال كعب: أرواح ~~المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكافرين في سجين في الأرض ~~السابعة تحت خد إبليس1! وقيل: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكافرين ~~ببئر برهوت. وقيل: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله, ~~قال ابن حزم وغيره: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها, وقال أبو عمر بن عبد ~~البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم, وعن ~~ابن شهاب أنه قال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش، تغدو ~~وتروح إلى رياض الجنة، تأتي ربها كل يوم تسلم عليه, وقالت فرقة: مستقرها ~~العدم المحض, وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من أعراض البدن، كحياته ~~وإدراكه! وقولهم مخالف للكتاب والسنة, وقالت فرقة: مستقرها بعد الموت أبدان ~~أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها، فتصير كل روح إلى ~~بدن حيوان يشاكل تلك الروح! وهذا قول التناسخية منكري المعاد، وهو قول خارج ~~عن أهل الإسلام كلهم, ويضيق هذا المختصر عن بسط أدلة هذه الأقوال ms348 والكلام ~~عليها. # ويتلخص من أدلتها: أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت، فمنها: ~~أرواح في أعلى عليين، في الملأ الأعلى2، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله ~~عليهم وسلامه، وهم متفاوتون في منازلهم, ومنها أرواح في حواصل طير خضر، ~~تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء، لا كلهم، بل من الشهداء من ~~تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه, كما في "المسند" عن PageV01P402 # عبد الله بن جحش1: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ~~رسول الله: ما لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: "الجنة"، فلما ولى، قال: "إلا ~~الدين، سارني به جبرائيل آنفا" 2. ومن الأرواح من يكون محبوسا على باب ~~الجنة، كما في الحديث [الذي] قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت ~~صاحبكم محبوسا على باب الجنة" 3 ومنهم من يكون محبوسا في قبره، ومنهم من ~~يكون في الأرض، ومنها أرواح في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم ~~تسبح فيه وتلقم الحجارة، كل ذلك تشهد له السنة، والله أعلم, وأما الحياة ~~التي اختص بها الشهيد وامتاز بها عن غيره، في قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}، وقوله تعالى: {ولا ~~تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} , [فهي]: أن ~~الله تعالى جعل أرواحهم في أجواف طير خضر, كما في حديث عبد الله بن عباس ~~رضي الله عنهما، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أصيب ~~إخوانكم، يعني يوم أحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار ~~الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مظلة في ظل العرش" 4، ~~الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود، وبمعناه في حديث ابن مسعود، رواه مسلم. ~~فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله عز وجل حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها في ~~البرزخ أبدانا خيرا منها، تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون تنعمها بواسطة ~~تلك الأبدان، أكمل من تنعم الأرواح ms349 المجردة عنها, ولهذا كانت نسمة المؤمن ~~في صورة طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير, وتأمل لفظ الحديثين، ففي ~~الموطأ أن كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "إن ~~نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه PageV01P403 # [الله] إلى جسده يوم يبعثه"1, فقوله نسمة المؤمن تعم الشهيد وغيره، ثم خص ~~الشهيد بأن قال: هي في جوف طير خضر، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق ~~عليها أنها طير، فتدخل في عموم الحديث الآخر بهذا الاعتبار، فنصيبهم من ~~النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم، وإن كان الميت ~~أعلى درجة من كثير منهم، فلهم نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه، ~~والله أعلم, وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، كما روي في ~~السنن. وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير، ~~فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة، ~~والله أعلم, وكأنه -والله أعلم- كلما كانت الشهادة أكمل، والشهيد أفضل، كان ~~بقاء جسده أطول. PageV01P404 ### | الإيمان بالبعث والجزاء والآيات الدالة على معاد البدن عند القيامة الكبرى # قوله: "ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، و ### | العرض والحساب، # وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب والصراط والميزان". # ش: الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة، والعقل والفطرة السليمة, ~~فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على منكريه ~~في غالب سور القرآن. وذلك: أن الأنبياء عليهم السلام كلهم متفقون على ~~الإيمان بالله1، فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري، كلهم يقر ~~بالرب، إلا من عاند، كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه ~~كثيرون، ومحمد صلى الله عليه وسلم لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو ~~والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفي, بين تفضيل الآخرة بيانا لا يوجد في ~~شيء من كتب الأنبياء. ولهذا ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم، أنه لم يفصح ~~بمعاد الأبدان إلا ms350 محمد صلى الله عليه وسلم، وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من ~~باب التخييل والخطاب الجمهوري. # والقرآن بين معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في ~~غير موضع, وهؤلاء ينكرون القيامة الكبرى، وينكرون معاد الأبدان، ويقول من ~~يقول منهم: إنه لم يخبر به إلا محمد صلى الله عليه وسلم على طريق التخييل! ~~وهذا كذب، فإن PageV01P404 # القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء، من آدم إلى نوح، إلى إبراهيم ~~وموسى وعيسى وغيرهم عليهم السلام، وقد أخبر الله بها من حين أهبط آدم، فقال ~~تعالى: {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} ~~[الأعراف: 24]، {قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} [الأعراف: 25]. ~~ولما قال إبليس اللعين: {رب فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين، ~~إلى يوم الوقت المعلوم} [ص: 79 - 81] , وأما نوح عليه السلام فقال: {والله ~~أنبتكم من الأرض نباتا، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا} [نوح: 17, 18] , ~~وقال إبراهيم عليه السلام: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} ~~[الشعراء: 82] إلى آخر القصة. وقال: {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم ~~يقوم الحساب} [إبراهيم: 41]. وقال: {رب أرني كيف تحيي الموتى} [البقرة: ~~260] الآية، وأما موسى عليه السلام، فقال الله تعالى لما ناجاه: {إن الساعة ~~آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى، فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها ~~واتبع هواه فتردى} [طه: 15, 16] , بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد، وإنما ~~آمن بموسى، قال تعالى حكاية عنه: {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم ~~تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد} [غافر: ~~32, 33]، إلى قوله تعالى: {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة ~~هي دار القرار} [غافر: 39]، إلى قوله: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: ~~46]. وقال موسى: {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك} ~~[الأعراف: 156]. وقد أخبر الله في قصة البقرة: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك ~~يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون} [البقرة: 73]. وقد أخبر ms351 الله ~~أنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، في آيات [من] القرآن، وأخبر عن أهل النار ~~أنهم إذا قال لهم خزنتها: {ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} ~~[الزمر: 71]. وهذا اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم ~~لقاء يومهم هذا, فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم، من عقوبات ~~المذنبين في الدنيا والآخرة, فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد ~~والوعيد، يذكر ذلك فيها: في الدنيا والآخرة. وأمر نبيه أن يقسم به # PageV01P405 # على المعاد، فقال: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي ~~لتأتينكم عالم الغيب} [سبأ: 3] الآيات, وقال تعالى: {ويستنبئونك أحق هو قل ~~إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} [يونس: 53]. وقال تعالى: {زعم الذين ~~كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله ~~يسير} [التغابن: 7]. وأخبر عن اقترابها، فقال: {اقتربت الساعة وانشق القمر} ~~[القمر: 1]. {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} [الأنبياء: 1]، {سأل ~~سائل بعذاب واقع، للكافرين} [المعارج: 1, 2]، إلى أن قال: {إنهم يرونه ~~بعيدا، ونراه قريبا} [المعارج: 6, 7]. وذم المكذبين بالمعاد، فقال: {قد خسر ~~الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين} [يونس: 45] [{حتى إذا جاءتهم ~~الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها}] [الأنعام: 31]. {ألا إن ~~الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد} [الشورى: 18]. {بل ادارك علمهم في ~~الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون} [النمل: 66]. {وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا} [النحل: 38]، إلى أن قال: ~~{وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} [النحل: 39]. {إن الساعة لآتية لا ~~ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} [غافر: 59]. {ونحشرهم يوم القيامة على ~~وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإسراء: 97]. ~~{ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا} [الإسراء: 98]. {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ms352 وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا ~~كفورا} [الإسراء: 99]. قالوا: {أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا، قل كونوا حجارة أو حديدا، أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من ~~يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى ~~أن يكون قريبا، يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} ~~[الإسراء: 49, 52]. # فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل: فإنهم قالوا أولا: {أئذا كنا ~~عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا}؟! [الإسراء: 49]، فقيل لهم في جواب ~~هذا السؤال: إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب لكم، فهلا كنتم خلقا لا ~~يفنيه # PageV01P406 # الموت، كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك؟! فإن قلتم: كنا ~~خلقا على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء, فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم ~~وبين إعادتكم خلقا جديدا؟! وللحجة تقدير آخر، وهو: لو كنتم من حجارة أو ~~حديد أو خلق أكبر منهما، [فإنه] قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم، وينقلها ~~من حال إلى حال، ومن يقدر على التصرف في هذه الأجسام، مع شدتها وصلابتها، ~~بالإفناء والإحالة, فما الذي يعجزه فيما دونها؟ ثم أخبر أنهم يسألون آخرا ~~بقولهم: من يعيدنا إذا استحالت جسومنا وفنيت؟ فأجابهم بقوله: {قل الذي ~~فطركم أول مرة} [الإسراء: 51] , فلما أخذتهم الحجة، ولزمهم حكمها، انتقلوا ~~إلى سؤال آخر يتعللون به بعلل المنقطع، وهو قولهم: متى هو؟ فأجيبوا بقوله: ~~{عسى أن يكون قريبا}. # ومن هذا قوله: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم}؟ ~~[يس: 78] إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان، ~~أن يأتي بأحسن من هذه الحجة، أو بمثلها بألفاظ تشابه هذه الألفاظ في ~~الإيجاز ووضح الأدلة وصحة البرهان لما قدر, فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة ~~بسؤال أورده ملحد، اقتضى جوابا، فكان في قوله: {ونسي خلقه} [يس: 78] ما وفى ~~بالجواب, وأقام الحجة وأزال الشبهة لما أراد سبحانه من تأكيد الحجة وزيادة ~~تقريرها فقال: {قل يحييها الذي ms353 أنشأها أول مرة} [يس: 79]، فاحتج بالإبداء ~~على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى. إذ كل عاقل يعلم ضروريا ~~أن من قدر على هذه قدر على هذه، وأنه لو كان عاجزا عن الثانية لكان عن ~~الأولى أعجز وأعجز, ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق، وعلمه ~~بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله: {وهو بكل خلق عليم} [يس: 79]. فهو عليم ~~بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته، ومواده وصورته، فكذلك الثاني. فإذا كان تام ~~العلم، كامل القدرة، كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم؟ ثم أكد الأمر ~~بحجة قاهرة، وبرهان ظاهر، يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول: العظام إذا ~~صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لا بد أن تكون مادتها ~~وحاملها طبيعة حارة رطبة بما يدل على أمر البعث، ففيه الدليل والجواب معا، ~~فقال: {الذي جعل لكم من # PageV01P407 # الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} [يس: 80] , فأخبر سبحانه بإخراج ~~هذا العنصر، الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة، من الشجر الأخضر الممتلئ ~~بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده، وتنقاد له مواد المخلوقات ~~وعناصرها [و] لا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه، من إحياء ~~العظام وهي رميم, ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم، [على] ~~الأيسر الأصغر، فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما ~~دونه بكثير أقدر وأقدر، فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد ~~اقتدارا، فقال: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}؟ ~~[يس: 81] , فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض1، على جلالتهما، وعظم ~~شأنهما، وكبر أجسامهما، وسعتهما، وعجيب خلقهما، أقدر على أن يحيي عظاما قد ~~صارت رميما، فيردها إلى حالتها الأولى, كما قال في موضع آخر: {لخلق ~~السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [غافر: 57] ~~, وقال: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو ~~الخلاق العليم} [يس: 81] , ثم أكد سبحانه ذلك وبينه ببيان آخر، وهو أنه ليس ms354 ~~فعله بمنزلة غيره، الذي يفعل بالآلات والكلفة، والنصب والمشقة، ولا يمكنه ~~الاستقلال بالفعل، بل لا بد معه من آلة ومعين، بل يكفي في خلقه لما يريد أن ~~يخلقه ويكونه نفس إرادته، وقوله للمكون: "كن"، فإذا هو كائن كما شاءه ~~وأراده, ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله ~~وقوله: {وإليه ترجعون} [يس: 83] , ومن هذا قوله سبحانه: {أيحسب الإنسان أن ~~يترك سدى، ألم يك نطفة من مني يمنى، ثم كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه ~~الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} [القيامة: 36 - ~~40]. فاحتج سبحانه على أنه لا يتركه مهملا عن الأمر والنهي، والثواب ~~والعقاب، وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك أشد الإباء، كما قال تعالى: {أفحسبتم ~~أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115]، إلى آخر ~~السورة, فإن من نقله من النطفة إلى العلقة، ثم إلى PageV01P408 # المضغة، ثم شق سمعه وبصره، وركب فيه الحواس والقوى1، والعظام والمنافع، ~~والأعصاب والرباطات التي هي أشده، وأحكم خلقه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا ~~الشكل والصورة، التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته ~~وإنشائه مرة ثانية؟ أم كيف تقتضي حكمته وعنايته أن يتركه سدى؟ فلا يليق ذلك ~~بحكمته، ولا تعجز عنه قدرته, فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب، بالقول ~~الوجيز، الذي لا يكون أوجز منه، والبيان الجليل، الذي لا يتوهم أوضح منه، ~~ومأخذه لقريب، الذي لا تقع الظنون على أقرب منه. # وكم في القرآن [من] مثل هذا الاحتجاج، كما في قوله تعالى: {يا أيها الناس ~~إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة} [الحج: 5]، إلى ~~أن قال: {وأن الله يبعث من في القبور} [الحج: 7]. وقوله تعالى: {ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون: 12]، إلى أن قال: {ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون} [المؤمنون: 16]. وذكر قصة أصحاب الكهف، وكيف أبقاهم موتى ~~ثلاثماثة سنة شمسية، وهي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية، وقال فيها: {وكذلك ~~أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة ms355 لا ريب فيها} [الكهف: 21]. # والقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، لهم في المعاد خبط ~~واضطراب. وهم فيه على قولين: منهم من يقول: تعدم الجواهر ثم تعاد. ومنهم من ~~يقول: تفرق الأجزاء ثم تجمع. فأورد عليهم: الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك ~~الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تعد من هذا؟ وأورد ~~عليهم: أن الإنسان يتحلل دائما، فماذا الذي يعاد؟ أهو الذي كان وقت الموت؟ ~~فإن قيل بذلك، لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، ~~وإن كان غير ذلك، فليس بعض الأبدان بأولى من بعض! فادعى بعضهم أن في ~~الإنسان أجزاء أصلية لا تتحلل، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله ~~الثاني! والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل، PageV01P409 # ليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه في المعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في ~~إنكار معاد الأبدان. # والقول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء: أن الأجسام تنقلب1 من حال إلى ~~حال، فتستحيل ترابا، ثم ينشئها الله نشأة أخرى، كما استحال في النشأة ~~الأولى: فإنه كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظاما ولحما، ثم ~~أنشأه خلقا سويا. كذلك الإعادة: يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب2 ~~الذنب، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "كل ابن ~~آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم، ومنه يركب" 3. وفي حديث آخر: "إن ~~السماء4 تمطر مطرا كمني الرجال، ينبتون في القبور كما ينبت النبات"5. # فالنشأتان نوعان تحت جنس6، يتفقان ويتماثلان من وجه، ويفترقان ويتنوعان ~~من وجه, والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة ولوازم البداءة ~~فرق، فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره فيستحيل، فيعاد من المادة التي ~~استحال PageV01P410 # إليها, ومعلوم أن من رأى شخصا وهو صغير، ثم رآه وقد صار شيخا، علم أن هذا ~~هو ذاك، مع أنه دائما في تحلل واستحالة, وكذلك سائر الحيوان والنبات، فمن ~~رأى شجرة وهي صغيرة، ms356 ثم رآها كبيرة، قال: هذه تلك, وليست "صفة" تلك النشأة ~~الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال إن الصفات هي المغيرة، لا سيما ~~أهل الجنة إذا دخلوها فإنهم يدخلونها على صورة آدم، طوله ستون ذراعا، كما ~~ثبت في "الصحيحين" وغيرهما، وروي: أن عرضه سبعة أذرع. وتلك نشأة باقية غير ~~معرضة للآفات، وهذه النشأة فانية1 معرضة للآفات. # وقوله: وجزاء الأعمال, قال تعالى: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 3]. {يومئذ ~~يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين} [النور: 25]. ~~[والدين: الجزاء، يقال: كما تدين تدان، أي كما تجازي تجازى]، وقال تعالى: ~~{جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17, والأحقاف: 14, الواقعة: 24] , {جزاء ~~وفاقا} [النبأ: 26] , {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون} [الأنعام: 160]، {من جاء بالحسنة فله خير ~~منها وهم من فزع يومئذ آمنون، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون} [القصص: 84]. من جاء بالحسنة فله خير منها، ومن ~~جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون, وأمثال ~~ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه عز وجل، من حديث أبي ذر ~~الغفاري رضي الله عنه: "يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم ~~إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" 2. ~~وسيأتي لذلك زيادة بيان عن قريب، إن شاء الله تعالى. PageV01P411 ### | العرض والحساب # وقوله: والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب. قال تعالى: ~~{فيومئذ وقعت الواقعة، وانشقت السماء فهي يومئذ واهية، والملك على أرجائها ~~ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} ~~[الحاقة: 15 - 18] إلى آخر السورة. {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه، فأما من أوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حسابا يسيرا، وينقلب إلى ~~أهله مسرورا، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبورا، ويصلى سعيرا، ~~إنه كان في أهله مسرورا، إنه ظن أن لن يحور، بلى إن ربه كان به ms357 بصيرا} ~~[الانشقاق: 6 - 15]. {وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} ~~[الكهف: 48]. {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ~~مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ~~ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49]. {يوم تبدل الأرض غير الأرض [والسموات] ~~وبرزوا لله الواحد القهار} [إبراهيم: 48]، إلى آخر السورة. {رفيع الدرجات ~~[ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ]} [غافر: 15]، إلى ~~قوله: {إن الله سريع الحساب} [غافر: 17]. {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ~~ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} [البقرة: 281]. وروى البخاري رحمه ~~الله في صحيحه، عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس أحد يحاسب ~~يوم القيامة إلا هلك"، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: {فأما ~~من أوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حسابا يسيرا} [الانشقاق: 7, 8]، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما ذلك العرض 1، وليس أحد يناقش الحساب ~~يوم القيامة إلا عذب" 2. يعني أنه لو ناقش في حسابه لعبيده لعذبهم وهو غير ~~ظالم لهم، ولكنه تعالى يعفو ويصفح. وسيأتي لذلك زيادة "بيان"، إن شاء الله ~~تعالى, وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "إن الناس يصعقون ~~يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري ~~أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة يوم الطور؟ " 3, وهذا صعق في موقف القيامة، إذا ~~جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، فحينئذ يصعق الخلائق كلهم, فإن ~~قيل: كيف PageV01P412 # تصنعون بقوله في الحديث: "إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من ~~تنشق عنه الأرض، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش؟ " 1, قيل: لا ريب أن هذا ~~اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال, ولكنه دخل فيه على الراوي حديثا في ~~حديث، فركب بين اللفظين، فجاء هذان الحديثان هكذا: أحدهما: "إن الناس ~~يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق"، كما تقدم، والثاني: "أنا أول من ~~تنشق عنه الأرض يوم القيامة" 2، فدخل على ms358 الراوي هذا الحديث في الآخر. وممن ~~نبه على هذا أبو الحجاج المزي، وبعده الشيخ شمس الدين بن القيم، وشيخنا ~~الشيخ عماد بن كثير، رحمهم الله. وكذلك اشتبه على بعض الرواة، فقال: "فلا ~~أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله عز وجل؟ " 3, والمحفوظ PageV01P413 # الذي تواطأت عليه الروايات الصحيحة هو الأول، وعليه المعنى الصحيح، فإن ~~الصعق يوم القيامة لتجلي الله لعباده إذا لفصل القضاء، فموسى عليه السلام ~~إن كان لم يصعق معهم، فيكون قد جوزي بصعقة يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكا، ~~فجعلت صعقة هذا التجلي عوضا عن صعقة الخلائق لتجلي ربه يوم القيامة, فتأمل ~~هذا المعنى العظيم ولا تهمله, وروى الإمام أحمد، والترمذي، وأبو بكر بن أبي ~~الدنيا، عن الحسن، قال: سمعت أبا موسى الأشعري يقول: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فعرضتان جدال ~~ومعاذير، وعرضة تطاير الصحف، فمن أوتي كتابه بيمينه، وحوسب حسابا يسيرا، ~~دخل الجنة، ومن أوتي كتابه بشماله، دخل النار"1. وقد روى ابن أبي الدنيا ~~[عن ابن المبارك] أنه أنشد في ذلك شعرا: # وطارت الصحف في الأيدي منشرة ... فيها السرائر والأخبار تطلع2 # فكيف سهوك والأنباء واقعة ... عما قليل ولا تدري بما تقع # أفي الجنان وفوز لا انقطاع له ... أم الجحيم فلا تبقي ولا تدع # تهوي بساكنها طورا وترفعهم ... إذا رجوا مخرجا من غمها قمعوا # طال البكاء3 فلم يرحم تضرعهم ... فيها ولا رقية4 تغني ولا جزع # لينفع العلم قبل الموت عالمه ... قد سال قوم بها الرجعى فما رجعوا ~~PageV01P414 # قوله: والصراط، أي: وتؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس ~~بعد مفارقتهم مكان الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة رضي ~~الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض والسماوات؟ فقال: "هم في الظلمة دون الجسر" 1. وفي هذا الموضع ~~يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال ~~بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم, وروى البيهقي بسنده، عن مسروق، عن ms359 عبد ~~الله، قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة"، إلى أن [قال]: "فيعطون نورهم ~~على قدر أعمالهم، وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من ~~يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى ~~دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ ~~مرة، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفئ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، ~~والصراط كحد السيف، دحض، مزلة، فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من ~~يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من ~~يمر كشد الرجل، يرمل رملا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على ~~إبهام قدمه، تخر يد، وتعلق يد، وتخر 2 رجل، وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، ~~فيخلصون، فإذا خلصوا قالوا: الحمد الله الذي نجانا منك بعد أن أراناك، لقد ~~أعطانا الله ما لم يعط أحد" 3 ... الحديث. PageV01P415 # واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: {وإن منكم إلا ~~واردها} [مريم: 71]، ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط، قال ~~تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 72] , وفي ~~الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده، لا يلج النار أحد ~~بايع تحت الشجرة، قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله، أليس الله يقول: {وإن ~~منكم إلا واردها} [مريم: 71]، فقال: ألم تسمعيه قال: {ثم ننجي الذين اتقوا ~~ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم: 72] 1, أشار صلى الله عليه وسلم إلى أن ~~ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله، بل ~~تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه ~~الله منهم؛ ولهذا قال تعالى: {ولما جاء أمرنا نجينا هودا} [هود: 58] , ~~{فلما جاء أمرنا نجينا صالحا} [هود: 66]. {ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا} ~~[هود: 94] ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به ~~من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك, وكذلك حال الوارد في ms360 النار، يمرون ~~فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا, فقد ~~بين صلى الله عليه وسلم في حديث جابر المذكور: أن الورود هو الورود على ~~الصراط, وروى الحافظ أبو نصر الوائلي2، عن أبي هريرة رضي الله PageV01P416 # عنه، قال: قال صلى الله عليه وسلم: "علم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن ~~أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة، فلا تحدثن في دين ~~الله حدثا برأيك"1, أورد القرطبي, وروى أبو بكر بن أحمد بن سليمان النجار، ~~عن يعلى بن منية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "تقول النار ~~للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي"2. # وقوله: والميزان، أي: ونؤمن بالميزان. قال تعالى: {ونضع الموازين القسط ~~ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى ~~بنا حاسبين} [الأنبياء: 47]. وقال تعالى: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} ~~[المؤمنون: 102 - 103]. قال القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان ~~بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن ~~المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها. ~~قال: وقوله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} [الأنبياء: 47] , ~~يحتمل أن يكون ثم موازين متعددة توزن فيها الأعمال، ويحتمل أن يكون المراد ~~الموزونات، فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة، والله أعلم. # والذي دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان, روى ~~الإمام أحمد، من حديث أبي عبد الرحمن الحبلي، قال سمعت عبد الله بن عمرو ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن الله سيختص رجلا من أمتي على ~~رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ~~ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئا أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا، يا رب، ~~فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك ~~عندنا حسنة واحدة، لا ms361 ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول أحضروه، فيقول: يا رب، وما ~~PageV01P417 # هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في ~~كفة، [والبطاقة في كفة]، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء ~~بسم الله الرحمن الرحيم"1. وهكذا روى الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي الدنيا، ~~من حديث الليث، زاد الترمذي: "ولا يثقل مع اسم الله شيء". وفي سياق آخر: ~~"توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة"2 وفي هذا السياق ~~فائدة جليلة، وهي أن العامل يوزن مع عمله، ويشهد له ما روى البخاري عن أبي ~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين ~~يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا إن شئتم: {فلا نقيم ~~لهم يوم القيامة وزنا} [الكهف: 106] " 3. وروى الإمام أحمد، عن ابن مسعود: ~~أنه كان يجني4 سواكا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، ~~فضحك القوم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مم تضحكون؟ " قالوا: ~~يا نبي الله! من دقة ساقيه، فقال: "والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان ~~من أحد" 5. وقد وردت الأحاديث أيضا بوزن الأعمال أنفسها، كما في صحيح مسلم، ~~عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر ~~الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان" 6. وفي الصحيح، وهو خاتمة كتاب البخاري، ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ~~ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان PageV01P418 # الله العظيم" 1. وروى الحافظ أبو بكر البيهقي، عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "يؤتى بابن آدم يوم القيامة، فيوقف ~~بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه، نادى الملك بصوت يسمع ~~الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا"2، وإن خف ميزانه، نادى الملك ~~بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا. فلا يلتفت ms362 إلى ملحد ~~معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام!! فإن ~~الله يقلب الأعراض أجساما، كما تقدم، وكما روى الإمام أحمد، عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يؤتى بالموت كبشا أغر ~~3، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال، يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، ويقال: ~~يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، ويرون أن قد جاء الفرج، فيذبح، ويقال: ~~خلود لا موت" 4. ورواه البخاري بمعناه. فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف ~~الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان. والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من ~~الكيفيات. # فعلينا الإيمان بالغيب، كما أخبرنا الصادق صلى الله عليه وسلم، من غير ~~زيادة ولا نقصان, ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما ~~أخبر الشارع5، لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى ~~الميزان إلا البقال والفوال!! وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله ~~لهم يوم القيامة وزنا. ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله ~~سبحانه لجميع عباده، [فإنه] لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك ~~أرسل الرسل مبشرين ومنذرين. فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه. ~~فتأمل قول الملائكة، لما قال PageV01P419 # "الله" لهم: {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} ~~[البقرة: 30] , وقال تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: ~~85]. وقد تقدم عند ذكر الحوض كلام القرطبي رحمه الله، أن الحوض قبل ~~الميزان، والصراط بعد الميزان, ففي "الصحيحين": أن المؤمنين إذا عبروا ~~الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ~~ونقوا أذن لهم في دخول الجنة1. وجعل القرطبي في "التذكرة" هذه القنطرة ~~صراطا ثانيا للمؤمنين خاصة، وليس يسقط منه أحد في النار، والله تعالى أعلم. # وقوله: "والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، فإن الله ~~تعالى خلق الجنة والنار قبل ms363 الخلق، وخلق لهما أهلا، فمن شاء منهم إلى الجنة ~~فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه، وكل يعمل لما "قد" فرغ له، ~~وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد". # ش: أما قوله: إن الجنة والنار مخلوقتان، فاتفق أهل السنة على أن الجنة ~~والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك، حتى نبغت نابغة ~~من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة!! ~~وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ~~ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا!! وقاسوه على خلقه في ~~أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة! ~~وقالوا: خلق الجنة قبل الجراء عبث! لأنها تصير معطلة مددا متطاولة!! فردوا ~~من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا ~~النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم. # فمن نصوص الكتاب: قوله تعالى عن الجنة: {أعدت للمتقين} [آل عمران: 33]. ~~PageV01P420 # {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} [الحديد: 21]. وعن النار: {أعدت ~~للكافرين} [آل عمران: 131]. {إن جهنم كانت مرصادا، للطاغين مآبا} [النبأ: ~~21 - 22]. وقال تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة ~~المأوى} [النجم: 13 - 15] , وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة ~~المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى, كما في "الصحيحين"، من حديث أنس رضي الله ~~عنه، في قصة الإسراء، وفي آخره: "ثم انطلق بي جبرائيل، حتى أتى سدرة ~~المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ ~~اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك" 1, وفي "الصحيحين" من حديث عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحدكم إذا مات عرض ~~عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من ~~أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة" 2. ~~وتقدم حديث البراء بن عازب، وفيه: "ينادي مناد من ms364 السماء: أن صدق عبدي، ~~فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها ~~وطيبها"3. وتقدم حديث أنس بمعنى حديث البراء. وفي "صحيح مسلم"، عن عائشة ~~رضي الله عنها، قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فذكرت الحديث، وفيه: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت في مقامي ~~هذا كل شيء وعدتم به، حتى لقد رأيتني آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني تقدمت ~~ولقد رأيت النار يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخرت"4. وفي "الصحيحين"، ~~واللفظ للبخاري، عن عبد الله بن عباس، قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا رسول الله رأيناك ~~تناولت شيئا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت؟ فقال: "إني رأيت الجنة، وتناولت ~~عنقودا، PageV01P421 # ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظرا كاليوم ~~قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء"، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: ~~"بكفرهن"، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو ~~أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت خيرا قط" 1, ~~وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس: وايم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، ~~لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: "رأيت ~~الجنة والنار" 2 وفي الموطأ والسنن، من حديث كعب بن مالك، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "إنما نسمة المؤمن طير 3 تعلق في شجر الجنة، حتى ~~يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة" 4. وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل ~~يوم القيامة. وفي "صحيح مسلم" و"السنن" و"المسند". من حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله الجنة ~~والنار، أرسل جبرائيل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت ~~لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: ~~وعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة، فحفت بالمكاره، فقال: ms365 ارجع ~~فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، ثم رجع فقال: ~~وعزتك، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب ~~فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب 5 ~~بعضها بعضا، ثم رجع فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت ~~بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، ~~فرجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها" 6. PageV01P422 # ونظائر ذلك في السنة كثيرة. # وأما على قول من قال: إن الجنة الموعود بها هي الجنة التي كان فيها آدم ~~ثم أخرج منها، فالقول بوجودها الآن ظاهر، والخلاف في ذلك معروف. # وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد، وهي: أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب ~~اضطرارا أن تفنى يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ويموت، لقوله تعالى: {كل ~~شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88]. {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185]، ~~وقد روى الترمذي في جامعه، من حديث ابن مسعود رضي الله عنهما، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، ~~أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها ~~قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" ~~1، قال: هذا حديث حسن غريب. وفيه أيضا من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "من قال سبحان الله وبحمده، غرست له ~~نخلة في الجنة" 2، قال: هذا حديث حسن صحيح، قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغا ~~منها لم تكن قيعانا، ولم يكن لهذا الغراس معنى. قالوا: وكذا قوله تعالى عن ~~امرأة فرعون أنها قالت: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} [التحريم: 11] ~~فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور ~~وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم ~~يذكر، وإن ms366 أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا ~~يزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند ~~دخولهم أمورا أخر, فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا ~~القدر, وأما احتجاجكم بقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88]، ~~فأتيتم من سوء فهمكم PageV01P423 # معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن, نظير احتجاج ~~إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما!! فلم توفقوا أنتم لا إخوانكم ~~لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام, فمن كلامهم: أن المراد كل ~~شيء مما كتب [الله] عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقتا للبقاء ~~لا للفناء، وكذلك العرش، فإنه سقف الجنة, وقيل: المراد إلا ملكه, وقيل: إلا ~~ما أريد به وجهه, وقيل: إن الله تعالى أنزل: {كل من عليها فان} [الرحمن: ~~26]، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء، فأخبر تعالى عن أهل ~~السماء والأرض أنهم يموتون، فقال: {كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88]، ~~لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت, وإنما قالوا ذلك توفيقا ~~بينها وبين النصوص المحكمة، الدالة على بقاء الجنة، وعلى بقاء النار أيضا، ~~على ما يذكر عن قريب، إن شاء الله تعالى. # وقوله: لا تفنيان أبدا ولا تبيدان هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف. ~~وقال ببقاء الجنة وبفناء النار جماعة من السلف والخلف1، والقولان مذكوران ~~في كثير من كتب التفسير وغيرها. قال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان ~~إمام المعطلة، وليس له سلف قط2، لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ~~ولا من أئمة المسلمين، ولا من أهل السنة. وأنكره عليه عامة أهل السنة، ~~وكفروه به، وصاحوا به وبأتباعه من أقطار الأرض, وهذا قاله لأصله الفاسد ~~الذي اعتقده، وهو امتناع وجود [ما] لا يتناهى من الحوادث! وهو عمدة أهل ~~الكلام PageV01P424 # المذموم، التي استدلوا بها على حدوث الأجسام، وحدوث ما لم يخل من ~~الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم, فرأى جهم أن ms367 ما يمنع من حوادث ~~لا أول لها في الماضي، يمنعه في المستقبل!! فدوام الفعل عنده على الرب في ~~المستقبل ممتنع، كما هو ممتنع عنده عليه في الماضي!! وأبو الهذيل العلاف ~~شيخ المعتزلة، وافقه على هذا الأصل، لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات، ~~فقال بفناء حركات أهل الجنة والنار، حتى يصيروا في سكون دائم، لا يقدر أحد ~~منهم على حركة!! وقد تقدم الإشارة إلى اختلاف النار في تسلسل الحوادث في ~~الماضي والمستقبل، وهي مسألة دوام فاعلية الرب تعالى، وهو لم يزل ربا قادرا ~~فعالا لما يريد، فإنه لم يزل حيا عليما قديرا. ومن المحال أن يكون الفعل ~~ممتنعا عليه لذاته، ثم ينقلب فيصير ممكنا لذاته، من غير تجدد "شيء"، وليس ~~للأول حد محدود حتى يصير الفعل ممكنا له عند ذلك الحد، ويكون قبله ممتنعا ~~عليه. فهذا القول تصوره كاف في الجزم بفساده. # فأما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به، قال تعالى: {وأما الذين سعدوا ففي ~~الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} ~~[هود: 108]، أي غير مقطوع، ولا ينافي "ذلك" قوله: {إلا ما شاء ربك}. واختلف ~~السلف في هذا الاستثناء: فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون ~~لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها، لا لكلهم. وقيل: إلا مدة مقامهم في ~~الموقف. وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. وقيل: هو استثناء الرب ~~ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل ~~تجزم بضربه. وقيل: إلا بمعنى الواو، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف. ~~وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن، فيكون الاستثناء منقطعا، ورجحه ابن جرير وقال: ~~إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: {عطاء غير مجذوذ} ~~[هود: 108]. قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولا إلا ما شئت، أي سوى ~~ما شئت، ولكن ما شئت من الزيادة عليه. وقيل: ms368 الاستثناء لإعلامهم، بأنهم مع # PageV01P425 # خلودهم في مشيئة الله، لأنهم يخرجون1 عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته ~~وجزمه لهم بالخلود2، كما في قوله تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا ~~إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا} [الإسراء: 86]، وقوله تعالى: {فإن يشأ ~~الله يختم على قلبك} [الشورى: 24]، وقوله: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ~~ولا أدراكم به} [يونس: 16] , ونظائره كثيرة، يخبر عباده سبحانه أن الأمور ~~كلها بمشيئته، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وقيل: إن "ما" بمعنى "من" ~~أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء3. وقيل غير ذلك. وعلى ~~كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: {عطاء غير مجذوذ} [هود: ~~108]، محكم. وكذلك قوله تعالى: {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد} [ص: 54]. ~~وقوله: {أكلها دائم وظلها} [الرعد: 35] 4. وقوله: {وما هم منها بمخرجين} ~~[الحجر: 48]. وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من ~~القرآن، وأخبر أنهم: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان: ~~56]، وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: {إلا ~~ما شاء رب} [هود: 108] تبين أن المراد من الآيتين استثناء الوقت الذي لم ~~يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، ~~فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم ~~فيها. # والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة: كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت" 5. وقوله: "ينادي ~~مناد: يا أهل الجنة، إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وأن تشبوا فلا ~~تهرموا أبدا، وأن تحيوا PageV01P426 # فلا تموتوا أبدا"1. وتقدم ذكر ذبح الموت بين الجنة والنار، ويقال: "يا ~~أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت" 2. # وأما أبدية النار ودوامها، فللناس في ذلك ثمانية أقوال: أحدها: أن من ~~دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة. والثاني: أن ~~أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة النارية يتلذذون بها ms369 ~~لموافقتها لطبعهم! وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي!! الثالث: أن ~~أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم ~~آخرون3، وهذا القول حكاه اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم، وأكذبهم فيه، ~~وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز من قائل: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما ~~لا تعلمون، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون} [البقرة: 80 - 81]. الرابع: يخرجون منها، وتبقى على حالها ليس فيها ~~أحد. الخامس: أنها تفنى بنفسها، لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه!! ~~وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار، كما تقدم. ~~السادس: تفنى حركات أهلها ويصيرون جمادا، لا يحسون بألم، وهذا قول أبي ~~الهذيل العلاف كما تقدم. السابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في ~~الحديث، ثم يبقيها شيئا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه. الثامن: ~~أن الله تعالى يخرج منها من شاء، كما ورد في السنة، ويبقى فيها الكفار، ~~بقاء لا انقضاء له، كما قال الشيخ رحمه الله. وما عدا هذين القولين ~~الأخيرين ظاهر البطلان. # وهذان القولان لأهل السنة ينظر في أدلتهما. PageV01P427 # فمن أدلة القول الأول منهما: قوله تعالى: {قال النار مثواكم خالدين فيها ~~إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم}. [الأنعام: 128] وقوله تعالى. {فأما ~~الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق، خالدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} [هود: 106 - 107]. ولم يأت ~~بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: ~~{عطاء غير مجذوذ} [هود: 108]. وقوله تعالى: {لابثين فيها أحقابا} [النبأ: ~~23]. وهذا القول، أعني القول بفناء النار دون الجنة منقول عن عمر، وابن ~~مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهم. وقد روى عبد بن حميد في تفسيره ~~المشهور، بسنده إلى عمر رضي الله عنه، أنه قال: "لو لبث ms370 أهل النار في النار ~~كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه"1، ذكر ذلك في تفسير قوله ~~تعالى: PageV01P428 # {لابثين فيها أحقابا} [النبأ: 23]. قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب ~~رحمته. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لما قضى الله الخلق، كتب كتابا، فهو ~~عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي" 1. وفي رواية: "تغلب غضبي". رواه ~~البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قالوا: والله سبحانه ~~يخبر عن العذاب أنه: {عذاب يوم عظيم} [الأنعام:15]. و {أليم} [هود: 26]. و ~~{عقيم} [الحج: 55]. [ولم يخبر] ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم. ~~وقد قال تعالى: {عذابي أصيب به من أشاء 2 ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: ~~156]. وقال تعالى حكاية عن الملائكة: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} [غافر: ~~7]. فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية ~~لم تسعهم رحمته, وقد ثبت في "الصحيح" تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة 3، ~~والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، PageV01P429 # وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقا يعذبهم أبد ~~الآباد عذابا سرمدا لا نهاية له. وأما أنه يخلق خلقا ينعم عليهم ويحسن ~~إليهم نعيما سرمدا، فمن مقتضى الحكمة. والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد ~~بالعرض. قالوا: وما ورد من الخلود فيها، والتأبيد، وعدم الخروج، وأن عذابها ~~مقيم، وأنه غرام, كله حق مسلم، لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار ~~العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد. ففرق ~~بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس ~~وانتقاضه. # ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها: قوله: {ولهم عذاب مقيم} ~~[المائدة: 37]. {لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون} [الزخرف: 75]. {فلن نزيدكم ~~إلا عذابا} [النبأ: 30]. {خالدين فيها أبدا} [البينة: 8]. {وما هم منها ~~بمخرجين} [الحجر: 48] 1. {وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 167]. {لا ~~يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40]. {لا يقضى عليهم ms371 ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} [فاطر: 36]. {إن عذابها كان غراما}، ~~[الفرقان: 65] أي مقيما لازما. وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار ~~من قال: لا إله إلا الله: وأحاديث الشفاعة2 صريحة في خروج عصاة الموحدين من ~~النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم ~~يختص الخروج بأهل الإيمان. وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله ~~لهما3. # وقوله: وخلق لهما أهلا, قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~PageV01P430 # والإنس} [الأعراف: 179] الآية. وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: دعي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، ~~طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءا ولم يدركه، فقال: أو غير ~~ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، ~~وخلق للنار أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم"1. رواه مسلم وأبو داود ~~والنسائي, وقال تعالى: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه ~~سميعا بصيرا، إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} [الدهر: 2, 3]. ~~والمراد الهداية العامة، وأعم منها الهداية المذكورة في قوله تعالى: {الذي ~~أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه: 50]. فالموجودات نوعان: أحدهما مسخر بطبعه، ~~والثاني متحرك بإرادته فهدى الأول لما سخره له طبيعة، وهدى الثاني هداية ~~إرادية تابعة لشعوره وعلمه بما ينفعه ويضره, ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة ~~أنواع: نوع لا يريد إلا الخير ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالملائكة، ونوع ~~لا يريد إلا الشر ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالشياطين، ونوع يتأتى منه ~~إرادة القسمين، كالإنسان, ثم جعله ثلاثة أصناف: صنفا يغلب إيمانه ومعرفته ~~وعقله هواه وشهوته، فيلتحق بالملائكة. وصنفا عكسه، فيلتحق بالشياطين, وصنفا ~~تغلب شهوته البهيمية عقله، فيلتحق بالبهائم. والمقصود: أنه سبحانه أعطى ~~الوجودين: العيني والعلمي، فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده، فلا هداية إلا ~~بتعليمه، وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته، وثبوت وحدانيته، وتحقيق ~~ربوبيته، سبحانه وتعالى. # وقوله: فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا ms372 منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا ~~منه ... إلخ, مما يجب أن يعلم: أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا إذا منع ~~سببه، وهو العمل الصالح، فإنه: {من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما} [طه: 112]. وكذلك لا يعاقب أحدا إلا بعد حصول سبب العقاب، ~~فإن الله تعالى يقول: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير} [الشورى: 30]. وهو سبحانه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي ~~لما منع. PageV01P431 # لكن إذا من على الإنسان بالإيمان [والعمل] الصالح، فلا1 يمنعه موجب ذلك ~~أصلا، بل يعطيه من الثواب والقرب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر, وحيث منعه ذلك فلانتفاء سببه، وهو العمل الصالح, ولا ريب أنه يهدي ~~من يشاء، ويضل من يشاء، لكن ذلك كله حكمة منه وعدل، فمنعه للأسباب التي هي ~~الأعمال الصالحة من حكمته وعدله, وأما المسببات بعد وجود أسبابها، فلا ~~يمنعها بحال، إذا لم تكن أسبابا غير صالحة، إما لفساد في العمل، وإما لسبب ~~يعارض موجبه ومقتضاه، فيكون ذلك لعدم المقتضي، أو لوجود المانع. وإذا كان ~~منعه وعقوبته من عدم الإيمان والعمل الصالح، وهو لم يعط ذلك "ابتلاء" ~~وابتداء "إلا" حكمة منه وعدلا, فله الحمد في الحالين، وهو المحمود على كل ~~حال، كل عطاء منه فضل، وكل عقوبة منه عدل، فإن الله تعالى حكيم يضع الأشياء ~~في مواضعها التي تصلح لها، كما قال تعالى: {وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن ~~حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124]. ~~وكما قال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] , ونحو ذلك. وسيأتي "لذلك" ~~زيادة، إن شاء الله تعالى. # قوله: "والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا [يجوز أن] ~~يوصف المخلوق به [تكون] مع الفعل, وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع، ~~والتمكن2 وسلامة الآلات, فهي قبل الفعل، وبما يتعلق الخطاب، وهو كما ms373 قال ~~تعالى {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286]. # ش: الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع، ألفاظ متقاربة, وتنقسم الاستطاعة ~~إلى قسمين، كما ذكره الشيخ رحمه الله، وهو قول عامة أهل السنة، وهو الوسط. ~~وقالت القدرية والمعتزلة: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل, وقابلهم طائفة من ~~أهل السنة [فقالوا لا تكون إلا مع الفعل. PageV01P432 # والذي قاله عامة أهل السنة]: أن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه ~~قد تكون قبله، لا يجب أن تكون معه، والقدرة التي بها الفعل لا بد أن تكون ~~مع الفعل، لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة. # وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات, فقد تتقدم ~~الأفعال, وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97]. فأوجب الحج على المستطيع، فلو لم يستطع ~~إلا من حج لم يكن الحج قد وجب إلا على من حج، ولم يعاقب أحدا على ترك الحج! ~~وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام, وكذلك قوله تعالى: {فاتقوا ~~الله ما استطعتم} [التغابن: 16] , فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة، فلو كان من ~~لم يتق الله لم يستطع التقوى، لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من اتقى، ولم ~~يعاقب من لم يتق! وهذا معلوم الفساد, وكذا قوله تعالى: {فمن لم يستطع ~~فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] , والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات ~~وكذا ما حكاه سبحانه من قول المنافقين: {لو استطعنا لخرجنا معكم} [التوبة: ~~43] , وكذبهم في ذلك القول، ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة ~~الفعل, ما كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين، وحيث كذبهم دل "على" أنهم أرادوا ~~بذلك المرض أو فقد المال، على ما بين تعالى بقوله: {ليس على الضعفاء ولا ~~على المرضى} [التوبة: 91]، إلى أن قال: {إنما السبيل على الذين يستأذنونك ~~وهم أغنياء} [التوبة: 93]. وكذلك قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ~~ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم} [النساء: 25]. والمراد: ~~استطاعة الآلات والأسباب. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن ms374 حصين: ~~"صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب" 1. إنما نفى ~~استطاعة الفعل معها. # وأما ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة، فقد ذكروا فيها قوله تعالى: ~~{ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} [هود: 20]. والمراد نفي حقيقة ~~PageV01P433 # القدرة، لا نفي الأسباب والآلات، لأنها كانت ثابتة, وسيأتي لذلك زيادة ~~بيان عند قوله: ولا يطيقون إلا ما كلفهم، إن شاء الله تعالى, وكذا قول صاحب ~~موسى: {إنك لن تستطيع معي صبرا} [الكهف: 67]. وقوله: {ألم أقل لك إنك لن ~~تستطيع معي صبرا} , والمراد منه حقيقة قدرة الصبر، لا أسباب [الصبر] ~~وآلاته، فإن تلك كانت ثابتة له، ألا ترى أنه عاتبه على ذلك؟ ولا يلام من ~~عدم آلات الفعل وأسبابه على عدم الفعل، وإنما يلام من امتنع من الفعل ~~لتضييع قدرة الفعل، لاشتغاله بغير ما أمر به، أو [لعدم] شغله إياها بفعل ما ~~أمر به, ومن قال: إن القدرة لا تكون إلا حين الفعل, يقولون: إن القدرة لا ~~تصلح للضدين، فإن القدرة المقارنة للفعل لا تصلح إلا لذلك الفعل، وهي ~~مستلزمة له، لا توجد بدونه, وما قالته القدرية, بناء على أصلهم الفاسد، وهو ~~إقدار1 الله للمؤمن والكافر والبر والفاجر سواء، فلا يقولون إن الله خص ~~المؤمن المطيع بإعانة حصل بها الإيمان، بل هذا بنفسه رجح الطاعة، وهذا ~~بنفسه رجح المعصية! كالوالد الذي أعطى كل واحد من بنيه سيفا، فهذا جاهد به ~~في سبيل الله، وهذا قطع به الطريق: وهذا القول فاسد باتفاق أهل السنة ~~والجماعة المثبتين للقدر، فإنهم متفقون على أن لله على عبده المطيع نعمة ~~دينية، خصه بها دون الكافر، وأنه أعانه على الطاعة إعانة لم يعن بها ~~الكافر. كما قال تعالى: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7]، فالقدرية ~~يقولون: إن هذا التحبيب والتزيين عام في كل الخلق، وهو بمعنى البيان وإظهار ~~دلائل الحق. والآية تقتضي أن هذا خاص بالمؤمن، ولهذا قال: {أولئك هم ~~الراشدون} [الحجرات: 7]. والكفار ليسوا راشدين, ms375 وقال تعالى: {فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما ~~يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} [الأنعام: 125]. ~~وأمثال هذه الآية في القرآن كثير، يبين أن سبحانه هدى هذا وأضل هذا. قال ~~تعالى: {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل PageV01P434 # فلن تجد له وليا مرشدا} [الكهف: 17]. وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان، إن ~~شاء الله تعالى. # وأيضا فقول القائل: يرجح بلا مرجح, إن كان لقوله: يرجح، معنى زائد على ~~الفعل، فذاك هو السبب المرجح، وإن لم يكن له معنى زائد كان حال الفاعل قبل ~~وجود الفعل كحاله عند الفعل، ثم الفعل حصل في إحدى الحالتين دون الأخرى بلا ~~مرجح! وهذا مكابرة للعقل!! فلما كان أصل قول القدرية إن فاعل الطاعات ~~وتاركها كلاهما في الإعانة والإقدار سواء, امتنع على أصلهم أن يكون مع ~~الفعل قدرة تخصه؛ لأن القدرة التي تخص الفعل لا تكون للتارك، وإنما تكون ~~للفاعل، ولا تكون القدرة إلا من الله تعالى, وهم لما رأوا أن القدرة لا بد ~~أن تكون قبل الفعل، قالوا: لا تكون مع الفعل، لأن القدرة هي التي يكون بها ~~الفعل والترك، وحال وجود الفعل يمتنع الترك، فلهذا قالوا: القدرة لا تكون ~~إلا قبل الفعل! وهذا باطل مطلقا، فإن وجود الأمر مع عدم بعض شروطه الوجودية ~~ممتنع، بل لا بد أن يكون جميع ما يتوقف عليه الفعل من الأمور الوجودية ~~موجودا عند الفعل. فنقيض قولهم حق، وهو: أن الفعل لا بد أن يكون معه قدرة. # لكن صار أهل الإثبات هنا حزبين: حزب قالوا: لا تكون القدرة إلا معه، ظنا ~~منهم أن القدرة نوع واحد لا يصلح للضدين، وظنا من بعضهم أن القدرة عرض، فلا ~~تبقى زمانين، فيمتنع وجودها قبل الفعل. والصواب: أن القدرة نوعان كما تقدم: ~~نوع مصحح للفعل، يمكن معه الفعل والترك، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر ~~والنهي، وهذه تحصل للمطيع والعاصي، وتكون قبل الفعل، وهذه تبقى إلى حين ~~الفعل، إما ms376 بنفسها عند من يقول ببقاء الأعراض، وإما بتجدد أمثالها عند من ~~يقول: إن الأعراض لا تبقى زمانين، وهذه قد تصلح للضدين، وأمر الله مشروط ~~بهذه الطاقة، فلا يكلف الله من ليس معه هذه الطاقة، وضد هذه العجز، كما ~~تقدم. وأيضا: فالاستطاعة المشروطة في الشرع أخص من الاستطاعة التي يمتنع ~~الفعل مع عدمها، فإن الاستطاعة الشرعية قد تكون ما يتصور الفعل مع عدمها ~~وإن لم يعجز عنه, فالشارع ييسر على عباده، ويريد بهم اليسر ولا يريد بهم ~~العسر، وما جعل عليكم في الدين من حرج، والمريض قد يستطيع القيام مع زيادة # PageV01P435 # المرض وتأخر برئه، فهذا في الشرع غير مستطيع؛ لأجل حصول الضرر عليه، وإن ~~كان قد يسمى مستطيعا, فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان ~~الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإن كان الفعل ممكنا بالمفسدة الراجحة لم ~~تكن هذه استطاعة شرعية، كالذي يقدر على الحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله، ~~أو يصلي قائما مع زيادة مرضه، أو يصوم الشهرين مع انقطاعه عن معيشته، ونحو ~~ذلك. فإذا كان الشارع قد اعتبر في المكنة عدم المفسدة الراجحة، فكيف يكلف ~~مع العجز؟ ولكن هذه الاستطاعة مع بقائها إلى حين الفعل لا تكفي في وجود ~~الفعل، ولو كانت كافية لكان التارك كالفاعل، بل لا بد من إحداث إعانة أخرى ~~تقارن، مثل جعل الفاعل مريدا، فإن الفعل لا يتم إلا بقدرة واردة، ~~والاستطاعة المقارنة تدخل فيها الإرادة الجازمة، بخلاف المشروطة في ~~التكليف، فإنه لا يشترط فيها الإرادة, فالله تعالى يأمر بالفعل من لا ~~يريده، لكن لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه, وهكذا أمر الناس بعضهم لبعض، ~~فالإنسان يأمر عبده بما لا يريده العبد، لكن لا يأمره بما يعجز عنه العبد، ~~وإذا اجتمعت الإرادة الجازمة والقوة التامة، لزم وجود الفعل, وعلى هذا ~~ينبني تكليف ما لا يطاق، فإن من قال: القدرة لا تكون إلا مع الفعل, يقول: ~~كل كافر وفاسق قد كلف ما لا يطيق. وما لا يطاق يفسر بشيئين: ms377 بما لا يطاق ~~للعجز عنه، فهذا لم يكلفه الله أحدا، ويفسر بما لا يطاق للاشتغال بضده، ~~فهذا هو الذي وقع فيه التكليف، كما في أمر العباد بعضهم بعضا، فإنهم يفرقون ~~بين هذا وهذا، فلا يأمر السيد عبده الأعمى بنقط المصاحف! ويأمره إذا كان ~~قاعدا أن يقوم، ويعلم الفرق بين الأمرين بالضرورة. # PageV01P436 ### | أفعال العباد خلق لله وكسب من العباد # قوله: "وأفعال العباد [هي] خلق الله وكسب من العباد". # ش: اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية, فزعمت الجبرية ورئيسهم الجهم ~~بن صفوان السمرقندي: أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها ~~اضطرارية، كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار، وإضافتها إلى ~~الخلق مجاز! وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله! ~~وقابلتهم المعتزلة، فقالوا: إن جميع الأفعال الاختيارية من جميع الحيوانات ~~بخلقها، لا تعلق لها بخلق الله تعالى. واختلفوا فيما بينهم: أن الله تعالى ~~يقدر على أفعال العباد أم لا؟! # وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله ~~تعالى، والحق سبحانه وتعالى منفرد بخلق المخلوقات، لا خالق لها سواه, ~~فالجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفوا صنع العبد "أصلا"، كما عملت المشبهة ~~في إثبات الصفات، فشبهوا, والقدرية نفاة القدر جعلوا العباد خالقين مع الله ~~تعالى, ولهذا كانوا مجوس هذه الأمة، بل أردأ من المجوس، من حيث إن المجوس ~~أثبتوا خالقين، وهم أثبتوا خالقين!! وهدى الله المؤمنين أهل السنة لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فكل دليل ~~صحيح يقيمه الجبري، فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء ~~قدير، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن، ولا يدل على أن العبد ليس بفاعل في الحقيقة ولا مريد ولا مختار، وأن ~~حركاته الاختيارية بمنزلة حركة المرتعش وهبوب الرياح وحركات الأشجار, وكل ~~دليل صحيح يقيمه القدري فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأنه ~~مريد له ms378 مختار له حقيقة، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدل على أنه ~~غير مقدور لله تعالى وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته, فإذا ضممت ما مع كل ~~طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى, فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن ~~وسائر كتب الله المنزلة، من عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من ~~الأعيان والأفعال، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، وأنهم يستوجبون عليها ~~المدح والذم. # وهذا هو الواقع في نفس الأمر، فإن أدلة الحق لا تتعارض، والحق يصدق بعضه ~~بعضا. ويضيق هذا المختصر عن ذكر أدلة الفريقين، ولكنها تتكافأ وتتساقط، ~~ويستفاد من دليل كل فريق بطلان قول الآخر, ولكن أذكر شيئا مما استدل به كل ~~من الفريقين، ثم أبين أنه لا يدل على ما استدل عليه من الباطل: # فما استدلت به الجبرية، قوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} ~~[الأنفال: 17]. فنفى الله عن نبيه الرمي، وأثبته لنفسه سبحانه، فدل على أنه ~~لا صنع للعبد, قالوا: والجزاء غير مرتب على الأعمال، بدليل قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "لن يدخل أحد الجنة بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ~~"ولا أنا، إلا أن # PageV01P437 # يتغمدني الله برحمة منه وفضل" 1. # ومما استدل به القدرية، قوله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} ~~[المؤمنون: 14] , قالوا: والجزاء مرتب على الأعمال ترتب العوض، كما قال ~~تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} [الم السجدة: 17 والأحقاف: 14 والواقعة: ~~24]. {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} [الأعراف: 42]. ونحو ~~ذلك. # فأما ما استدلت به الجبرية من قوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى} [الأنفال: 17] , فهو دليل عليهم، لأنه تعالى أثبت لرسوله [صلى الله ~~عليه وسلم] رميا، بقوله: {إذ رميت}، فعلم أن المثبت غير المنفي، وذلك أن ~~الرمي له ابتداء وانتهاء: فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكل منهما ~~يسمى رميا، فالمعنى حينئذ, والله تعالى أعلم: وما أصبت إذ حذفت ولكن الله ~~أصاب, وإلا فطرد قولهم: وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى! وما صمت إذ صمت! ~~وما ms379 زنيت إذ زنيت! وما سرقت إذ سرقت!! وفساد هذا ظاهر. # وأما ترتب الجزاء على الأعمال، فقد ضلت فيه الجبرية والقدرية، وهدى الله ~~أهل السنة، وله الحمد والمنة. فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في ~~الإثبات، فالمنفي في قوله صلى الله عليه وسلم: "لن يدخل الجنة أحد بعمله" ~~باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، كما زعمت ~~المعتزلة أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله! بل ذلك برحمة الله ~~وفضله, والباء التي في قوله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} [الم السجدة: ~~17] وغيرها، باء السبب، أي بسبب عملكم، والله تعالى هو خالق الأسباب ~~والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته. # وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} ~~[المؤمنون: 14] , فمعنى الآية: أحسن المصورين المقدرين, والخلق يذكر ويراد ~~به التقدير، وهو المراد هنا، بدليل قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [الرعد: ~~18 والزمر: 62]. PageV01P438 # أي الله خالق كل شيء مخلوق، فدخلت أفعال العباد في عموم: كل, وما أفسد ~~قولهم في إدخال كلام الله تعالى في عموم: كل، الذي هو صفة من صفاته، يستحيل ~~عليه أن يكون مخلوقا! وأخرجوا أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم: كل!! وهل ~~يدخل في عموم: كل إلا ما هو مخلوق؟ فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا ~~العموم، ودخل سائر المخلوقات في عمومها, وكذا قوله تعالى: {والله خلقكم وما ~~تعملون} [الصافات: 96]. ولا نقول إن: ما مصدرية، أي خلقكم وعملكم, إذ سياق ~~الآية يأباه؛ لأن إبراهيم عليه السلام إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت، لا ~~النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتا إلا ~~بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقا لله تعالى، ولو لم يكن النحت ~~مخلوقا لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقا له، بل الخشب أو الحجر لا غير, ~~وذكر أبو الحسين البصري إمام المتأخرين من المعتزلة: أن العلم بأن العبد ~~يحدث فعله, ضروري. وذكر الرازي أن افتقار الفعل المحدث الممكن إلى مرجح يجب ~~وجوده ms380 عنده ويمتنع عنده عدمه, ضروري، وكلاهما صادق فيما ذكره من العلم ~~الضروري، ثم ادعاء كل منهما أن هذا العلم الضروري يبطل ما ادعاه الآخر من ~~الضرورة, غير مسلم، بل كلاهما صادق فيما ادعاه من العلم الضروري، وإنما وقع ~~غلطه في إنكاره ما مع الآخر من الحق, فإنه لا منافاة بين كون العبد محدثا ~~لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة الله تعالى، كما قال تعالى: {ونفس ~~وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 8]. فقوله: {فألهمها فجورها ~~وتقواها} , إثبات للقدر بقوله: {فألهمها}، وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور ~~والتقوى إلى نفسه، ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية. وقوله بعد ذلك: {قد ~~أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها} [الشمس: 9, 10] , إثبات أيضا لفعل العبد, ~~ونظائر ذلك كثيرة. # وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم، بل مزقتهم كل ممزق، وهي: أنهم ~~قالوا؟ كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو ~~خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم؟ وهذا ~~السؤال لم يزل مطروقا في العالم على ألسنة الناس، وكل منهم يتكلم في جوابه # PageV01P439 # بحسب علمه ومعرفته، وعنه تفرقت بهم الطرق: فطائفة أخرجت أفعالهم عن قدرة ~~الله تعالى، وطائفة أنكرت الحكم والتعليل، وسدت باب السؤال, وطائفة أثبتت ~~كسبا لا يعقل! جعلت الثواب "والعقاب" عليه, وطائفة التزمت لأجله وقوع مقدور ~~بين قادرين، ومفعول بين فاعلين! وطائفة التزمت الجبر، وأن الله يعذبهم على ~~ما لا يقدرون عليه! وهذا السؤال هو الذي أوجب التفرق والاختلاف. # والجواب الصحيح عنه، أن يقال: إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية، ~~وإن كانت خلقا لله تعالى، فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب، ~~ومن عقاب السيئة السيئة بعدها. فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضا. ~~يبقى أن يقال: فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟ يقال: هو ~~عقوبة أيضا على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه، فإن الله سبحانه خلقه لعبادته ~~وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتأليهه والإنابة ms381 إليه، كما قال تعالى: ~~{فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها} [الروم: 30] , فإن ~~لم يفعل ما خلق له وفطر عليه، من محبة الله وعبوديته، والإنابة إليه, عوقب ~~على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فإنه صادف قلبا ~~خاليا قابلا للخير والشر، ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن منه ~~الشر، كما قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين} [يوسف: 24]. وقال إبليس: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك ~~منهم المخلصين} [ص: 82, 83] , وقال الله عز وجل: {هذا صراط علي مستقيم، إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 41, 42] , والإخلاص: خلوص القلب من ~~تأليه ما سوى الله تعالى وإرادته ومحبته، فخلص لله، فلم يتمكن منه الشيطان, ~~وأما إذا صادفه فارغا من ذلك، تمكن منه بحسب فراغه، فيكون جعله مذنبا مسيئا ~~في هذه الحال عقوبة له على عدم هذا الإخلاص. وهي محض العدل. فإن قلت: فذلك ~~العدم من خلقه فيه؟ قيل: هذا سؤال فاسد، فإن العدم كاسمه، لا يفتقر إلى ~~تعلق التكوين والإحداث به، فإن عدم الفعل ليس أمرا وجوديا حتى يضاف إلى ~~الفاعل، بل هو شر محض، والشر ليس إلى الله سبحانه، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم في حديث الاستفتاح: "لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، # PageV01P440 # والشر ليس إليك"1, وكذا في حديث الشفاعة يوم القيامة، حين يقول الله له: ~~يا محمد، فيقول: "لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك" 2, وقد ~~أخبر الله تعالى أن تسليط الشيطان إنما هو على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون، فلما تولوه دون الله وأشركوا به معه, عوقبوا على ذلك بتسليطه ~~عليهم، وكانت هذه الولاية والإشراك عقوبة خلو القلب وفراغه من الإخلاص, ~~فإلهام البر والتقوى ثمرة هذا الإخلاص ونتيجته، وإلهام الفجور عقوبة على ~~خلوه من الإخلاص. # فإن قلت: إن كان هذا الترك أمرا وجوديا عاد السؤال جذعا3، وإن كان أمرا ~~عدميا فكيف يعاقب على العدم المحض؟ قيل: ليس هنا ترك هو كف النفس ومنعها ~~عما ms382 تريده وتحبه، فهذا قد يقال: إنه أمر وجودي، وإنما هنا عدم وخلو من ~~أسباب الخير، وهذا العدم هو محض خلوها مما هو أنفع شيء لها، والعقوبة على ~~الأمر العدمي هي بفعل السيئات، لا بالعقوبات التي تناله بعد إقامة الحجة ~~عليه بالرسل. فلله فيه عقوبتان: إحداهما: جعله مذنبا خاطئا، وهذه عقوبة عدم ~~إخلاصه وإنابته وإقباله على الله، وهذه العقوبة قد لا يحس بألمها ومضرتها، ~~لموافقتها شهوته وإرادته، وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات, والثانية: ~~العقوبات المؤلمة بعد فعله للسيئات, وقد قرن الله تعالى بين هاتين ~~العقوبتين في قوله تعالى: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل ~~شيء} [الأنعام: 44]. PageV01P441 # فهذه العقوبة الأولى، ثم قال: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة} ~~[الأنعام: 44]، فهذه العقوبة الثانية. # فإن قيل: فهل كان يمكنهم أن يأتوا بالإخلاص والإنابة والمحبة له وحده, من ~~غير أن يخلق ذلك في قلوبهم ويجعلهم مخلصين له منيبين له محبين له؟ أم ذلك ~~محض جعله في قلوبهم وإلقائه فيها؟ قيل: لا، بل هو محض منته وفضله، وهو من ~~أعظم الخير الذي هو بيده، والخير كله في يديه، ولا يقدر أحد أن يأخذ من ~~الخير إلا ما أعطاه، ولا يتقي من الشر إلا ما وقاه. # فإن قيل: فإذا لم يخلق ذلك في قلوبهم ولم يوفقوا له، ولا سبيل لهم إليه ~~بأنفسهم، عاد السؤال؟ وكان منعهم منه ظلما، ولزمكم القول بأن العدل هو تصرف ~~المالك في ملكه بما يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون؟ قيل: لا يكون ~~سبحانه بمنعهم من ذلك ظالما، وإنما يكون المانع ظالما إذا منع غيره حقا ~~لذلك الغير عليه، وهذا هو الذي حرمه الرب على نفسه، وأوجب على نفسه خلافه, ~~وأما إذا منع غيره ما ليس بحق له، بل هو محض فضله ومنته عليه, لم يكن ظالما ~~بمنعه، فمنع الحق ظلم، ومنع الفضل والإحسان عدل, وهو سبحانه العدل في منعه، ~~كما هو المحسن المنان بعطائه. # فإن قيل: فإذا كان العطاء والتوفيق إحسانا ورحمة، فهلا كان العمل له ms383 ~~والغلبة، كما أن رحمته تغلب غضبه؟ قيل: المقصود في هذا المقام بيان أن هذه ~~العقوبة المترتبة على هذا المنع، والمنع المستلزم للعقوبة, ليس بظلم، بل هو ~~محض العدل, وهذا سؤال عن الحكمة التي أوجبت تقديم العدل1 على الفضل في بعض ~~المحال؟ وهلا سوى بين العباد في الفضل؟ وهذا السؤال حاصله: لم تفضل على هذا ~~ولم يتفضل على الآخر؟ وقد تولى الله سبحانه الجواب عنه بقوله: {ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 21] , وقوله: {لئلا ~~يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 29]. ولما سأله اليهود ~~PageV01P442 # والنصارى عن تخصيص هذه الأمة بأجرين وإعطائهم هم أجرا أجرا، قال: "هل ~~ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء"1 وليس في ~~الحكمة إطلاع كل فرد من أفراد الناس على كمال حكمته في عطائه ومنعه، بل إذا ~~كشف الله عن بصيرة العبد، حتى أبصر طرفا يسيرا من حكمته في خلقه، وأمره ~~وثوابه وعقابه، وتخصيصه وحرمانه، وتأمل أحوال محال ذلك، استدل بما علمه على ~~ما لم يعلمه, ولما استشكل أعداؤه المشركون هذا التخصيص، قالوا: {أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا}؟ قال تعالى مجيبا لهم: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} ~~[الأنعام: 53]. فتأمل هذا الجواب2، تر في ضمنه أنه سبحانه أعلم بالمحل الذي ~~يصلح لغرس شجرة النعمة فتثمر بالشكر، من المحل الذي لا يصلح لغرسها، فلو ~~غرست فيه لم تثمر، فكان غرسها هناك ضائعا لا يليق بالحكمة، كما قال تعالى: ~~{الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] , فإن قيل: إذا حكمتم باستحالة ~~الإيجاد من العبد، فإذا لا فعل للعبد أصلا؟ قيل: العبد فاعل لفعله حقيقة، ~~"وله قدرة حقيقة". قال تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} [البقرة: ~~197] , {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون} [هود: 36]، وأمثال ذلك. وإذا ثبت كون ~~العبد فاعلا، فأفعاله نوعان: نوع يكون منه من غير اقتران قدرته وإرادته، ~~فيكون صفة له ولا يكون فعلا، كحركات المرتعش. ms384 ونوع يكون منه مقارنا لإيجاد ~~قدرته واختياره، فيوصف بكونه صفة وفعلا وكسبا للعبد، كالحركات الاختيارية, ~~والله تعالى هو الذي جعل العبد فاعلا مختارا، وهو الذي يقدر على ذلك وحده ~~لا شريك له, ولهذا أنكر السلف الجبر، فإن الجبر لا يكون إلا من عاجز، فلا ~~يكون إلا مع الإكراه، يقال: للأب "ولاية" إجبار البكر الصغيرة على النكاح3، ~~وليس له إجبار الثيب البالغ، أي: ليس له أن يزوجها مكرهة, والله تعالى لا ~~يوصف بالإجبار بهذا الاعتبار؛ لأنه سبحانه خالق الإرادة PageV01P443 # والمراد، قادر على أن يجعله مختارا بخلاف غيره, ولهذا جاء في ألفاظ ~~الشارع: "الجبل" دون "الجبر"، كما قال صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: ~~"إن فيك لخلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" 1 فقال: أخلقين تخلقت بهما؟ أم ~~خلقين جبلت عليهما؟ فقال: "بل خلقان جبلت عليهما" فقال: الحمد لله الذي ~~جبلني على خلقين يحبهما الله تعالى2. والله تعالى إنما يعذب عبده على فعله ~~الاختياري. والفرق بين العقاب على الفعل الاختياري وغير الاختياري مستقر في ~~الفطر والعقول. # وإذا قيل: خلق الفعل مع العقوبة عليه ظلم؟! كان بمنزلة أن يقال: خلق أكل ~~السم ثم حصول الموت به ظلم!! فكما أن هذا سبب للموت، فهذا سبب للعقوبة، ولا ~~ظلم فيهما. # فالحاصل: أن فعل العبد فعل له حقيقة3، ولكنه مخلوق لله تعالى، ومفعول لله ~~تعالى، ليس هو نفس فعل الله, ففرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق. ~~وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله بقوله: وأفعال العباد خلق الله وكسب ~~من العباد, أثبت للعباد فعلا وكسبا، وأضاف الخلق لله تعالى, والكسب: هو ~~الفعل الذي يعود على فاعله منه نفغ أو ضرر، كما قال تعالى: {لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286]. # قوله: "ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم, ~~وهو تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد، [ولا تحول لأحد]، ~~ولا حركة لأحد عن معصية الله، إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة ~~طاعة الله والثبات عليها ms385 إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى ~~وعلمه وقضائه وقدره. غلبت مشيئته المشيئات كلها، [وعكست إرادته الإرادات ~~كلها]، وغلب PageV01P444 # قضاؤه الحيل كلها, يفعل ما يشاء، وهو غير ظالم أبدا. {لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون} [الأنبياء: 23] ". # ش: فقوله: لم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون, قال تعالى: {لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286]. {لا نكلف نفسا إلا وسعها} [الأنعام: 152 ~~والأعراف: 42 والمؤمنون: 62]. وعند أبي الحسن الأشعري أن تكليف ما لا يطاق ~~جائز عقلا، ثم تردد أصحابه [أنه]: هل ورد به الشرع أم لا؟ واحتج من قال ~~بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان، فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن، [وأنه سيصلى ~~نارا ذات لهب، فكان مأمورا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن, وهذا تكليف بالجمع بين ~~الضدين، وهو محال, والجواب عن هذا بالمنع: فلا نسلم بأنه مأمور] بأن يؤمن ~~[بأنه لا يؤمن]، والاستطاعة التي بها يقدر على الإيمان كانت حاصلة، فهو غير ~~عاجز عن تحصيل الإيمان1، فما كلف إلا ما يطيقه كما تقدم في تفسير ~~الاستطاعة. ولا يلزم قوله تعالى للملائكة: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين} [البقرة: 31] , مع عدم علمهم بذلك، ولا للمصورين يوم القيامة: ~~"أحيوا ما خلقتم"، وأمثال ذلك, لأنه ليس بتكليف طلب فعل يثاب فاعله ويعاقب ~~تاركه، بل هو خطاب تعجيز, وكذا لا يلزم دعاء المؤمنين في قوله تعالى: {ربنا ~~ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286]؛ لأن تحميل ما لا يطاق ليس ~~تكليفا، بل يجوز أن يحمله جبلا لا يطيقه فيموت, وقال ابن الأنباري: أي لا ~~تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه، قال: ~~فخاطب العرب على حسب ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق ~~النظر إليك، وهو مطيق لذلك، لكنه يثقل عليه, ولا يجوز في الحكمة أن يكلفه ~~بحمل جبل بحيث لو فعل يثاب ولو امتنع يعاقب، كما أخبر سبحانه عن نفسه أنه ~~لا يكلف نفسا إلا وسعها. # ومنهم من يقول: يجوز تكليف الممتنع ms386 عادة، دون الممتنع لذاته، لأن ذلك لا ~~يتصور وجوده، فلا يعقل الأمر به، بخلاف هذا. PageV01P445 # ومنهم من يقول: ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز تكليفه، بخلاف ما لا يطاق ~~للاشتغال بضده، فإنه يجوز تكليفه, وهؤلاء موافقون للسلف والأئمة في المعنى، ~~لكن كونهم جعلوا ما يتركه العبد لا يطاق لكونه تاركا له مشتغلا بضده بدعة ~~في الشرع واللغة, فإن مضمونه أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه! وهم ~~التزموا هذا، لقولهم: إن الطاقة -التي هي الاستطاعة وهي القدرة- لا تكون ~~إلا مع الفعل! فقالوا: كل من لم يفعل فعلا فإنه لا يطيقه! وهذا خلاف الكتاب ~~والسنة وإجماع السلف، وخلاف ما عليه عامة العقلاء، كما تقدمت الإشارة إليه ~~عند ذكر الاستطاعة. # وأما ما لا يكون إلا مقارنا للفعل، فذلك ليس شرطا في التكليف، مع أنه في ~~الحقيقة [إنما] هناك إرادة الفعل, وقد يحتجون بقوله تعالى: {ما كانوا ~~يستطيعون السمع} [هود: 20]. {إنك لن تستطيع معي صبرا} [الكهف: 67، 72، 75] ~~, وليس في ذلك إرادة ما سموه استطاعة، وهو ما لا يكون إلا مع الفعل، فإن ~~الله ذم هؤلاء على كونهم لا يستطيعون السمع، ولو أراد بذلك المقارن لكان ~~جميع الخلق لا يستطيعون السمع قبل السمع! فلم يكن لتخصيص هؤلاء بذلك معنى، ~~ولكن هؤلاء لبغضهم الحق وثقله عليهم، إما حسدا لصاحبه، وإما اتباعا للهوى, ~~لا يستطيعون السمع, وموسى عليه السلام لا يستطيع الصبر، لمخالفة ما يراه ~~لظاهر الشرع، وليس عنده منه علم, وهذه لغة العرب وسائر الأمم، فمن يبغض ~~غيره يقال: إنه لا يستطيع الإحسان إليه، ومن يحبه يقال: إنه لا يستطيع ~~عقوبته، لشدة محبته له، لا لعجزه عن عقوبته، فيقال ذلك للمبالغة، كما ~~تقول1: لأضربنه حتى يموت، والمراد الضرب الشديد. وليس هذا عذرا، فلو لم ~~يأمر العباد إلا بما يهوونه لفسدت السماوات والأرض، قال تعالى: {ولو اتبع ~~الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن} [المؤمنون: 71]. # وقوله: ولا يطيقون إلا ما كلفهم به، إلى آخر كلامه. أي: ولا يطيقون إلا ~~ما أقدرهم عليه, وهذه الطاقة هي ms387 التي من نحو التوفيق، لا التي من جهة الصحة ~~PageV01P446 # والوسع والتمكن وسلامة الآلات، و "لا حول ولا قوة إلا بالله", دليل على ~~إثبات القدر, وقد فسرها الشيخ بعدها, ولكن في كلام الشيخ إشكال: فإن ~~التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، وهو قد ~~قال: لا يكلفهم إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم, وظاهره أنه يرجع ~~إلى معنى واحد، ولا يصح ذلك، لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به، لكنه سبحانه ~~يريد بعباده اليسر والتخفيف، كما قال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر} [البقرة: 185] , وقال تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم} [النساء: ~~28] , وقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] , فلو زاد ~~فيما كلفنا به لأطقناه، ولكنه تفضل علينا ورحمنا، وخفف عنا، ولم يجعل علينا ~~في الدين من حرج, ويجاب عن هذا الإشكال بما تقدم: أن المراد الطاقة التي من ~~نحو التوفيق، لا من جهة التمكن وسلامة الآلات، ففي العبارة قلق، فتأمله. # وقوله: وكل [شيء] يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره, يريد بقضائه ~~القضاء الكوني لا الشرعي، فإن القضاء يكون كونيا وشرعيا، وكذلك الإرادة ~~والأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات، ونحو ذلك. أما القضاء ~~الكوني، ففي قوله تعالى: {فقضاهن سبع سموات في يومين} [الم السجدة: 12]. ~~والقضاء الديني الشرعي، في قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} ~~[الإسراء: 23] , وأما الإرادة الكونية والدينية، فقد تقدم ذكرها عند قول ~~الشيخ: ولا يكون إلا ما يريد, وأما الأمر الكوني، ففي قوله تعالى: {إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] , وكذا قوله تعالى: ~~{وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ~~فدمرناها تدميرا} [الإسراء: 16]، في أحد الأقوال، وهو أقواها, والأمر ~~الشرعي، في قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] الآية. ~~وقوله: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] , وأما ~~الإذن الكوني، ففي قوله تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} ~~[البقرة: 102]. والإذن ms388 الشرعي، في قوله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو ~~تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} [الحشر: 5] , وأما الكتاب الكوني، ~~ففي قوله تعالى: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب # PageV01P447 # إن ذلك على الله يسير} [فاطر: 11]. وقوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور ~~من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105]. والكتاب ~~الشرعي الديني، في قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} ~~[المائدة: 45] , {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] , ~~وأما الحكم الكوني، ففي قوله تعالى عن ابن يعقوب عليه السلام: {فلن أبرح ~~الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين} [يوسف: 80] , ~~وقوله تعالى: {قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} ~~[الأنبياء: 112] , والحكم الشرعي، في قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد} ~~[المائدة: 1]. وقال تعالى: {ذلكم حكم الله يحكم بينكم} [الممتحنة: 10] , ~~وأما التحريم الكوني، ففي قوله تعالى: {قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ~~يتيهون في الأرض} [المائدة: 26]. {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} ~~[الأنبياء: 95]. والتحريم الشرعي، في قوله: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير} [المائدة: 3]. و {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] الآية. وأما ~~الكلمات الكونية، ففي قوله تعالى: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل ~~بما صبروا} [الأعراف: 137]. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بكلمات ~~الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" 1. والكلمات الشرعية الدينية، ~~في قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} [البقرة: 124]. # وقوله: يفعل ما يشاء، وهو غير ظالم أبدا, الذي دل عليه القرآن من تنزيه ~~الله نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولا وسطا بين قولي القدرية والجبرية، فليس ~~ما كان من بني آدم ظلما وقبيحا يكون منه ظلما وقبيحا، كما تقوله القدرية ~~والمعتزلة ونحوهم! فإن ذلك تمثيل لله بخلقه! وقياس له عليهم! هو الرب الغني ~~القادر، وهم العباد الفقراء المقهورون, وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي ~~لا يدخل تحت ms389 القدرة، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم، يقولون: إنه ~~يمتنع أن يكون PageV01P448 # [في] الممكن المقدور ظلم! بل كان ما كان ممكنا فهو منه -لو فعله- عدل، إذ ~~الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك, فإن قوله تعالى: ~~{ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} [طه: 112] وقوله ~~تعالى: {ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} [ق: 29]، وقوله تعالى: ~~{وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} [الزخرف: 76]، وقوله تعالى: ~~{ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49]، وقوله تعالى: ~~{اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} [غافر: ~~17]. بدل على نقيض هذا القول. # ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، ~~وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا" 1. فهذا دل على شيئين: أحدهما: أنه حرم ~~على نفسه الظلم، والممتنع لا يوصف بذلك. الثاني: أنه أخبر أنه حرمه على ~~نفسه، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة، وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا ~~يكون إلا من مأمور منهي، والله ليس كذلك. فيقال لهم: هو سبحانه كتب على ~~نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم، وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما هو ~~قادر عليه، لا ما هو ممتنع عليه. # وأيضا: فإن قوله: {فلا يخاف ظلما ولا هضما} [طه: 112] , قد فسره السلف، ~~بأن الظلم: أن توضع عليه سيئات غيره، والهضم: أن ينقص من حسناته، كما قال ~~تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الإسراء: 15]. # وأيضا فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة حتى يأمن من ~~ذلك، وإنما يأمن مما يمكن، فلما آمنه من الظلم بقوله: {فلا يخاف} [طه: 112] ~~, علم أنه ممكن مقدور عليه. وكذا قوله: {لا تختصموا لدي} [ق: 28]، إلى ~~قوله: {وما أنا بظلام للعبيد} [ق: 29] , لم يعن بها نفي ما لا يقدر عليه ~~ولا يمكن منه، وإنما نفى ما هو مقدور عليه ممكن، وهو أن يجزوا بغير ~~أعمالهم, فعلى قول هؤلاء ليس الله ms390 منزها عن شيء من الأفعال أصلا، ولا مقدسا ~~عن أن يفعله، PageV01P449 # بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله، بل فعله حسن، ولا حقيقة للفعل السوء، ~~بل ذلك ممتنع، والممتنع لا حقيقة له!! والقرآن يدل على نقيض هذا القول، في ~~مواضع، نزه الله نفسه فيها عن فعل ما لا يصلح له ولا ينبغي له، فعلم أنه ~~منزه مقدس عن فعل السوء والفعل المعيب المذموم، كما أنه منزه مقدس عن وصف ~~السوء والوصف المعيب المذموم, وذلك كقوله تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115]. فإنه نزه نفسه عن خلق الخلق ~~عبثا، وأنكر على من حسب ذلك، وهذا فعل, وقوله تعالى: {أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين} [القلم: 35]. وقوله تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28] , إنكار منه ~~على من جوز أن يسوي الله بين هذا وهذا, وكذا قوله: {أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم1 ساء ~~ما يحكمون} [الجاثية: 21] , إنكار على من حسب أنه يفعل هذا، وإخبار أن هذا ~~حكم سيئ قبيح، وهو مما ينزه الرب عنه. # وروى أبو داود، والحاكم في المستدرك، من حديث ابن عباس، وعبادة بن ~~الصامت، وزيد بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لو أن الله عذب أهل ~~سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا ~~لهم من أعمالهم" 2. وهذا الحديث مما يحتج به الجبرية، وأما القدرية فلا ~~يتأتى على أصولهم الفاسدة! ولهذا قابلوه إما بالتكذيب أو بالتأويل!! وأسعد ~~الناس به أهل السنة، الذين قابلوه بالتصديق، وعلموا من عظمة الله وجلاله، ~~قدر نعم الله على خلقه، وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم، إما عجزا، وإما ~~جهلا، وإما تفريطا وإضاعة، وإما تقصيرا في المقدور من الشكر، ولو من بعض ~~الوجوه, فإن حقه على أهل السماوات والأرض أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ~~ينسى، ويشكر فلا يكفر، PageV01P450 # وتكون قوة الحب والإنابة، والتوكل والخشية والمراقبة والخوف والرجاء ~~جميعها ms391 متوجهة إليه، ومتعلقة به، بحيث يكون القلب عاكفا على محبته وتأليهه، ~~بل على إفراده بذلك، واللسان محبوسا على ذكره، والجوارح وقفا على طاعته. ~~ولا ريب أن هذا مقدور في الجملة، ولكن النفوس تشح به، وهي في الشح على ~~مراتب لا يحصيها إلا الله تعالى, وأكثر المطيعين تشح به نفسه من وجه، وإن ~~أتى به من وجه آخر, فأين الذي لا تقع منه إرادة تزاحم مراد الله وما يحبه ~~منه؟ ومن [ذا] الذي لم يصدر منه خلاف ما خلق له، ولو في وقت من الأوقات؟ ~~فلو وضع الرب سبحانه عدله على أهل سماواته وأرضه، لعذبهم بعدله، ولم يكن ~~ظالما لهم, وغاية ما يقدر، توبة العبد من ذلك واعترافه، وقبول التوبة محض ~~فضله وإحسانه، وإلا فلو عذب عبده على جنايته لم يكن ظالما ولو قدر أنه تاب ~~منها, لكن أوجب على نفسه -بمقتضى فضله ورحمته- أنه لا يعذب من تاب، وقد كتب ~~على نفسه الرحمة، فلا يسع الخلائق إلا رحمته وعفوه، ولا يبلغ عمل أحد منهم ~~أن ينجو به من النار، أو يدخل الجنة، كما قال أطوع الناس لربه، وأفضلهم ~~عملا، وأشدهم تعظيما لربه وإجلالا: "لن ينجي أحدا منكم عمله"، قالوا: ولا ~~أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" 1, ~~وسأله الصديق دعاء يدعو به في صلاته، فقال: قل: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما ~~كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك ~~الغفور الرحيم" 2. فإذا كان هذا حال الصديق، الذي هو أفضل الناس بعد ~~الأنبياء والمرسلين, فما الظن بسواه؟ بل إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام ~~حقه، الذي يتضمن معرفة ربه، وحقه وعظمته، وما ينبغي له، وما يستحقه على ~~عبده، ومعرفة تقصيره. فسحقا وبعدا لمن زعم أن المخلوق يستغني عن مغفرة ربه ~~ولا يكون به حاجة إليها! وليس وراء هذا الجهل بالله وحقه غاية!! فإن لم ~~يتسع فهمك لهذا، فانزل إلى وطأة النعيم، وما عليها من الحقوق، ووازن من3 ~~شكرها وكفرها، فحينئذ ms392 تعلم أنه سبحانه لو عذب أهل سماواته وأرضه، لعذبهم ~~وهو غير ظالم لهم. PageV01P451 ### | في دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات # قوله: "وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم للأموات". # ش: اتفق أهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين: أحدهما: ما ~~تسبب إليه الميت في حياته1. والثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم له، والصدقة ~~والحج، على نزاع فيما يصل إليه من ثواب الحج؛ فعن محمد بن الحسن: أنه إنما ~~يصل إلى الميت ثواب النفقة، والحج للحاج, وعند عامة العلماء: ثواب الحج ~~للمحجوج عنه، وهو الصحيح. واختلف في العبادات البدنية، كالصوم والصلاة ~~وقراءة القرآن والذكر: فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها، ~~والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها. وذهب بعض أهل البدع من أهل ~~الكلام إلى عدم وصول شيء البتة، لا الدعاء ولا غيره, وقولهم مردود بالكتاب ~~والسنة، لكنهم استدلوا بالمتشابه من قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى} [النجم: 39]. وقوله: {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} [يس: 54]. قوله: ~~{لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286]. وقد ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، ~~أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده" 2. فأخبر أنه إنما ينتفع ~~بما كان تسبب فيه في الحياة، وما لم يكن تسبب فيه في الحياة فهو منقطع عنه, ~~واستدل المقتصرون على وصول العبادات التي [[تدخلها النيابة كالصدقة والحج ~~بأن النوع الذي لا تدخله النيابة بحال، كالإسلام والصلاة والصوم وقراءة ~~القرآن، - يختص ثوابه بفاعله لا يتعداه، كما أنه في الحياة لا يفعله أحد عن ~~أحد، ولا ينوب فيه عن فاعله غيره، وقد]] (*) روى النسائي بسنده، عن ابن ~~عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا يصلي أحد PageV01P452 # عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة"1. # والدليل على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه، الكتاب والسنة والإجماع ~~والقياس الصحيح, أما الكتاب، فقال تعالى: {والذين جاءوا ms393 من بعدهم يقولون ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر: 10]. فأثنى عليهم ~~باستغفارهم للمؤمنين قبلهم، فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء, وقد دل على ~~انتفاع الميت بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة، والأدعية ~~التي وردت بها السنة في صلاة الجنازة مستفيضة, وكذا الدعاء له بعد الدفن، ~~ففي سنن أبي داود، من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم، ~~واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل" 2. وكذلك الدعاء لهم عند زيارة ~~قبورهم، كما في صحيح مسلم، من حديث بريدة بن الحصيب، قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: "السلام عليكم ~~أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله ~~لنا ولكم العافية" 3. وفي صحيح مسلم أيضا، عن عائشة رضي الله عنها: سألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تقول إذا استغفرت لأهل4 القبور؟ قال: "قولي: ~~السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا ~~[ومنكم] والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" 5. PageV01P453 # وأما وصول ثواب الصدقة1، ففي "الصحيحين"، عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إن أمي افتلتت نفسها، ~~ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم" 2. ~~وفي "صحيح البخاري" عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن سعد بن عبادة ~~توفيت أمه وهو غائب عنها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله! إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت؟ قال: "نعم"، قال: ~~فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها3. وأمثال ذلك كثيرة في السنة. # وأما وصول ثواب الصوم، ففي "الصحيحين"، عن عائشة رضي الله عنها، إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" 4. وله ~~نظائر في الصحيح, ولكن ms394 أبو حنيفة رحمه الله قال بالإطعام عن الميت دون ~~الصيام عنه، لحديث ابن عباس المتقدم5, والكلام على ذلك معروف في كتب ~~الفروع. # وأما وصول ثواب الحج، ففي صحيح البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ~~امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي نذرت أن ~~تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: "حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك ~~دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء" 6. ونظائره أيضا كثيرة. ~~واجتمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمة الميت، ولو كان من أجنبي، ~~ومن غير تركته, وقد دل على ذلك حديث أبي قتادة، حيث ضمن الدينارين عن ~~PageV01P454 # الميت، فلما قضاهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن بردت عليه ~~جلدته" 1. وكل ذلك جار على قواعد الشرع, وهو محض القياس، فإن الثواب حق ~~العامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك، كما لم يمنع من هبة ماله ~~في حياته، وإبرائه له منه بعد وفاته, وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصوم على ~~وصول ثواب القراءة ونحوها من العبادات البدنية. يوضحه: أن الصوم كف النفس ~~عن المفطرات بالنية، وقد نص الشارع على وصول ثوابه إلى الميت، فكيف ~~بالقراءة التي هي عمل ونية؟! # والجواب عما استدلوا به من قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~[النجم: 39] , قد أجاب العلماء بأجوبة: أصحها جوابان: # أحدهما: أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ~~ونكح الأزواج، وأسدى الخير وتودد إلى الناس، فترحموا عليه، ودعوا له، ~~وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم مع جملة ~~المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى ~~صاحبه، في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. يوضحه أن الله ~~تعالى جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، ~~فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه ذلك. # الثاني، وهو أقوى منه: أن القرآن لم ينف انتفاع ms395 الرجل بسعي غيره وإنما ~~نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين فرق لا يخفى, فأخبر تعالى أنه لا يملك ~~إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء ~~أن يبقيه لنفسه. # وقوله سبحانه: {ألا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~[النجم: 38, 39]. آيتان محكمتان، مقتضيتان عدل الرب تعالى: فالأولى تقتضي ~~أنه لا يعاقب أحدا بجرم غيره، ولا يؤاخذه بجريرة غيره، كما يفعله ملوك ~~الدنيا. والثانية تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله، لينقطع طمعه من نجاته بعمل ~~آبائه وسلفه PageV01P455 # ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، وهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلا ~~بما سعى. # وكذلك قوله تعالى: {لها ما كسبت} [البقرة: 286]. وقوله: {ولا تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون} [يس: 54]. على أن سياق هذه الآية يدل على أن المنفي عقوبة ~~العبد بعمل غيره، فإنه تعالى قال: {فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون} [يس: 54]. # وأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله" ~~1 فاستدلال ساقط، فإنه لم يقل انقطاع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله, ~~وأما عمل غيره فهو لعامله، "فإن" وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل، لا ~~ثواب عمله هو، وهذا كالدين يوفيه الإنسان عن غيره، فتبرأ ذمته، ولكن ليس له ~~ما وفى به2 الدين. # وأما تفريق من فرق بين العبادات المالية والبدنية, فقد شرع النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الميت، كما تقدم، مع أن الصوم لا تجزئ فيه النيابة، ~~وكذلك حديث جابر رضي الله عنه، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال: "بسم الله والله أكبر، اللهم ~~هذا عني وعمن لم يضح من أمتي" 3، رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحديث ~~الكبشين اللذين قال في أحدهما: "اللهم هذا عن أمتي جميعا" 4، وفي الآخر: ~~"اللهم هذا عن محمد وآل محمد"، رواه أحمد. والقربة في الأضحية إراقة الدم، ~~وقد جعلها لغيره. # وكذلك عبادة الحج ms396 بدنية، وليس [المال] ركنا فيه، وإنما هو وسيلة، ألا ترى ~~أن المكي يجب عليه الحج إذا قدر على المشي إلى عرفات، من غير شرط المال, ~~وهذا هو الأظهر، أعني أن الحج غير مركب من مال وبدن، بل بدني محض، كما قد ~~نص PageV01P456 # عليه جماعة من أصحاب أبي حنيفة المتأخرين, وانظر إلى فروض الكفايات: كيف ~~قام فيها البعض عن الباقين؟ ولأن هذا إهداء ثواب، وليس من باب النيابة، كما ~~أن الأجير الخاص ليس له أن يستنيب عنه، وله أن يعطي أجرته لمن شاء1. # وأما استئجار قوم يقرءون القرآن ويهدونه للميت!! فهذا لم يفعله أحد من ~~السلف ولا أمر به أحد من أئمة الدين، ولا رخص فيه, والاستئجار على نفس ~~التلاوة غير جائز بلا خلاف, وإنما اختلفوا في جواز الاستئجار على التعليم ~~ونحوه، مما فيه منفعة تصل إلى الغير, والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان ~~العمل لله، وهذا لم يقع عبادة خالصة، فلا يكون [له من] ثوابه ما يهدى إلى ~~الموتى!! ولهذا لم يقل أحد أنه يكتري من يصوم ويصلي ويهدي ثواب ذلك إلى ~~الميت، لكن إذا أعطى لمن يقرأ القرآن ويعلمه ويتعلمه معونة لأهل القرآن على ~~ذلك، كان هذا من جنس الصدقة عنه، فيجوز. وفي الاختيار: لو أوصى بأن يعطى ~~شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره، فالوصية باطلة؛ لأنه في معنى ~~الأجرة، انتهى. وذكر الزاهدي في الغنية: أنه لو وقف على من يقرأ عند قبره، ~~فالتعيين باطل. # وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة، فهذا يصل إليه، كما يصل ~~ثواب الصوم والحج. فإن قيل: هذا لم يكن معروفا في السلف، ولا أرشدهم إليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب: إن كان مورد هذا السؤال معترفا بوصول ~~ثواب الحج والصيام والدعاء، قيل له: ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة ~~القرآن؟ وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول، ومن أين لنا هذا ~~النفي العام؟ فإن قيل: فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى ms397 الصوم ~~والحج والصدقة دون القراءة؟ قيل: هو صلى الله عليه وسلم لم يبتدئهم بذلك، ~~بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له فيه، ~~وهذا سأله عن الصوم عنه، فأذن له فيه، ولم يمنعهم مما سوى ذلك، وأي فرق بين ~~وصول ثواب الصوم -الذي هو مجرد نية وإمساك- وبين وصول ثواب القراءة والذكر؟ ~~فإن قيل: ما تقولون في الإهداء إلى رسول صلى الله عليه وسلم؟ PageV01P457 # قيل: من المتأخرين من استحبه، ومنهم من رآه بدعة؛ لأن الصحابة لم يكونوا ~~يفعلونه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم له مثل أجر كل من عمل خيرا من ~~أمته، من غير أن ينقص من أجر العامل شيء؛ لأنه هو الذي دل أمته على كل خير، ~~وأرشدهم إليه. # ومن قال: إن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده، باعتبار سماعه كلام الله, ~~فهذا لم يصح عن أحد من الأئمة المشهورين, ولا شك في سماعه1, ولكن انتفاعه ~~بالسماع لا يصح، فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة، فإنه عمل اختياري، وقد ~~انقطع بموته، بل ربما يتضرر ويتألم، لكونه لم يمتثل أوامر الله ونواهيه، أو ~~لكونه لم يزدد من الخير. # واختلف العلماء في قراءة القرآن عند القبور، على ثلاثة أقوال: هل تكره، ~~أم لا بأس بها وقت الدفن، وتكره بعده؟ فمن قال بكراهتها، كأبي حنيفة ومالك ~~وأحمد في رواية, قالوا: لأنه محدث، لم ترد به السنة، والقراءة تشبه الصلاة، ~~والصلاة عند القبور منهي عنها، فكذلك القراءة, ومن قال: لا بأس بها، كمحمد ~~بن الحسن وأحمد في رواية, استدلوا بما نقل عن ابن عمر رضي الله عنه: أنه ~~أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها2, ونقل أيضا ~~عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة1. ومن قال: لا بأس بها وقت الدفن فقط، ~~وهو رواية عن أحمد, أخذ بما نقل عن عمر وبعض المهاجرين1. وأما بعد ذلك، ~~كالذين يتناوبون القبر للقراءة عنده, فهذا مكروه، فإنه لم تأت به السنة، ~~ولم ينقل عن أحد من السلف مثل ms398 ذلك أصلا, وهذا القول لعله أقوى من غيره، لما ~~فيه من التوفيق بين الدليلين. # [قوله]: "والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات". # ش: قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60]. {وإذا ~~PageV01P458 # سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186]. ~~والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم؛ أن الدعاء من ~~أقوى الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار، وقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم ~~إذا مسهم الضر في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، وأن الإنسان إذا مسه ~~الضر دعاه لجنبه أو قاعدا أو قائما, وإجابة الله لدعاء العبد، مسلما كان أو ~~كافرا، وإعطاؤه سؤله, من جنس رزقه لهم، ونصره لهم, وهو مما توجبه الربوبية ~~للعبد مطلقا، ثم قد يكون ذلك فتنة في حقه ومضرة عليه، إذ كان كفره وفسوقه ~~يقتضي ذلك, وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "من لم يسأل الله يغضب عليه" 1, وقد نظم بعضهم هذا المعنى، ~~فقال: # الرب يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب # قال ابن عقيل: قد ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معان: أحدها: ~~الوجود، فإن ليس بموجود لا يدعى. الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يدعى. ~~الثالث: السمع، فإن الأصم لا يدعى. الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يدعى. ~~الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يدعى. السادس: القدرة، فإن العاجز لا يدعى. ~~ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا يقال لها: كفي! ولا النجم يقال ~~PageV01P459 # له: أصلح مزاجي!! لأن هذه عندهم مؤثرة طبعا لا اختيارا، فشرع الدعاء ~~وصلاة الاستسقاء ليبين كذب أهل الطبائع. # وذهب قوم من المتفلسفة وغالية المتصوفة [إلى] 1 أن الدعاء لا فائدة فيه! ~~قالوا: لأن المشيئة الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء، ~~وإن لم تقتضه فلا فائدة في الدعاء!! وقد يخص بعضهم بذلك خواص العارفين! ~~ويجعل الدعاء علة في مقام الخواص!! وهذا من غلطات بعض الشيوخ, فكما أنه ~~معلوم الفساد بالاضطرار من دين ms399 الإسلام, فهو معلوم الفساد بالضرورة ~~العقلية، فإن منفعة الدعاء أمر أنشئت2 عليه تجارب الأمم، حتى إن الفلاسفة ~~تقول: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات، بفنون اللغات، يحلل ما عقدته ~~الأفلاك المؤثرات!! هذا وهم مشركون. # وجواب الشبهة يمنع المقدمتين1: فإن قولهم عن المشيئة الإلهية: إما أن ~~تقتضيه أولا, [ف] ثم قسم ثالث، وهو: أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد ~~يكون الدعاء من شرطه، كما توجب الثواب مع العمل الصالح، ولا توجبه مع عدمه، ~~وكما توجب الشبع والري عند الأكل والشرب، ولا توجبه مع عدمهما، وحصول الولد ~~بالوطء، والزرع بالبذر, فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال لا ~~فائدة في الدعاء، كما [لا] يقال لا فائدة في الأكل والشرب والبذر وسائر ~~الأسباب, فقول هؤلاء, كما أنه مخالف للشرع، فهو مخالف للحس والفطرة. # ومما ينبغي أن يعلم، ما قاله طائفة من العلماء، وهو: أن الالتفات إلى ~~الأسباب شرك في التوحيد! ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، ~~والإعراض عن الأسباب كالكلية قدح في الشرع, ومعنى التوكل والرجاء، يتألف من ~~وجوب التوحيد والعقل والشرع. # وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد ~~إليه, وليس في المخلوقات ما يستحق هذا؛ لأنه ليس بمستقل، ولا بد له من ~~شركاء وأضداد مع هذا كله، فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر. PageV01P460 # وقولهم: إن اقتضت المشيئة المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء؟ قلنا: بل قد تكون ~~إليه حاجة، من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة، ودفع مضرة أخرى عاجلة وآجلة, ~~وكذلك قولهم: وإن لم تقتضه فلا فائدة فيه؟ قلنا: بل فيه فوائد عظيمة، من ~~جلب منافع، ودفع مضار، كما نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم، بل ما يعجل ~~للعبد، من معرفته بربه، وإقراره به، وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم، ~~وإقراره بفقره إليه واضطراره إليه، وما يتبع ذلك من العلوم العلية والأحوال ~~الزكية، التي هي من أعظم المطالب, فإن قيل: إذا كان إعطاء الله معللا بفعل ~~العبد، كما يفعل من ms400 إعطاء المسئول للسائل، كان السائل قد أثر في المسئول ~~حتى أعطاه؟! قلنا: الرب سبحانه هو الذي حرك العبد إلى دعائه، فهذا الخير ~~منه، وتمامه عليه, كما قال عمر رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة، ~~وإنما أحمل هم الدعاء، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه, وعلى هذا ~~قوله تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون} [الم السجدة: 5]. فأخبر سبحانه أنه يبتدئ بتدبير ~~[الأمر]، ثم يصعد إليه الأمر الذي دبره، فالله سبحانه هو الذي يقذف في قلب ~~العبد حركة الدعاء، ويجعلها سببا للخير الذي يعطيه إياه، كما في العمل ~~والثواب، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها، [وهو الذي وفقه للعمل ثم ~~أثابه]، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، فما أثر فيه شيء من المخلوقات، بل ~~هو جعل ما يفعله سببا لما يفعله, قال مطرف بن عبد الله بن الشخير، أحد أئمة ~~التابعين: نظرت في هذا الأمر، فوجدت مبدأه من الله، وتمامه على الله، ووجدت ~~ملاك ذلك الدعاء. # وهنا سؤال معروف، وهو: أن من الناس من قد يسأل الله فلا يعطى شيئا، أو ~~يعطى غير ما سأل؟ وقد أجيب عنه بأجوبة، فيها ثلاثة أجوبة محققة: # أحدها: أن الآية لم تتضمن عطية السؤال مطلقا، وإنما تضمنت إجابة الداعي، ~~والداعي أعم من السائل، وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل؛ ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من ~~يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " 1, ففرق بين ~~PageV01P461 # الداعي والسائل، وبين الإجابة والإعطاء، وهو فرق بين العموم والخصوص، كما ~~أتبع ذلك بالمستغفر، وهو نوع من السائل، فذكر العام ثم الخاص ثم الأخص, ~~وإذا علم العباد أنه قريب، يجيب دعوة الداعي، علموا قربه منهم، وتمكنهم من ~~سؤاله, وعلموا علمه ورحمته وقدرته، فدعوه دعاء العبادة في حال، ودعاء ~~المسألة في حال، [وجمعوا بينهما في حال]، إذ الدعاء اسم يجمع العبادة ~~والاستعانة، وقد فسر ms401 قوله: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] ~~بالدعاء، الذي هو العبادة، والدعاء الذي هو الطلب, وقوله بعد ذلك: {إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي} [غافر: 60] يؤيد المعنى الأول. # الجواب الثاني: أن إجابة دعاء السؤال أعم من إعطاء عين السؤال، كما فسره ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: "ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا ~~أعطاه بها إحدى ثلاث خصال, إما أن يعجل له دعوته، أو يدخر له من الخير ~~مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها"، قالوا: يا رسول الله، إذا نكثر، قال: ~~"الله أكثر" 1, فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا بد في الدعوة الخالية عن ~~العدوان من إعطاء السؤال معجلا، أو مثله من الخير مؤجلا، أو يصرف عنه من ~~السوء مثله. # الجواب الثالث: أن الدعاء سبب مقتض لنيل المطلوب، والسبب له شروط وموانع، ~~فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب، وإلا فلا يحصل ذلك المطلوب، بل ~~قد يحصل غيره, وهكذا سائر الكلمات الطيبات، من الأذكار المأثورة المعلق ~~عليها جلب منافع أو دفع مضار، فإن الكلمات بمنزلة الآلة في يد الفاعل، ~~تختلف باختلاف قوته وما يعنيها، وقد يعارضها مانع من الموانع, ونصوص الوعد ~~والوعيد -المتعارضة في الظاهر- من هذا الباب, وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها ~~قوم PageV01P462 # فاستجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله، أو ~~حسنة تقدمت منه، جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكر الحسنة، أو صادف وقت ~~إجابة، ونحو ذلك, فأجيبت دعوته، فيظن أن السر في ذلك الدعاء، فيأخذه مجردا ~~عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي, وهذا كما إذا استعمل رجل دواء ~~نافعا في الوقت الذي ينبغي، فانتفع به، فظن آخر أن استعمال هذا الدواء ~~بمجرده كاف في حصول المطلوب، وكان غالطا, وكذا قد يدعو باضطرار عند قبر، ~~فيجاب، فيظن أن السر للقبر، ولم يدر أن السر للاضطرار وصدق اللجء1 إلى الله ~~تعالى, فالأدعية والتعوذات والرقى بمنزلة السلاح، ms402 والسلاح بضاربه، لا بحده ~~فقط، فمتى كان السلاح سلاحا تاما والساعد قويا، والمحل قابلا، والمانع ~~مفقودا: حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف ~~التأثير, فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ~~ولسانه في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر. # قوله: "ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء, ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ~~ومن استغنى عن الله طرفة عين؛ فقد كفر وصار من أهل الحين". # ش: كلام حق ظاهر لا خفاء فيه, والحين بالفتح: الهلاك. # قوله: "والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى". # ش: قال تعالى: {رضي الله عنهم} [المائدة: 119، والتوبة: 100، والمجادلة: ~~22، والبينة: 8] , {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} ~~[الفتح: 18] , وقال تعالى: {من لعنه الله وغضب عليه} [المائدة: 60] {وغضب ~~الله عليه ولعنه} [النساء: 93] {وباءوا بغضب من الله} [البقرة: 61] , ~~ونظائر ذلك كثيرة, ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضى، ~~والعداوة، والولاية، والحب، والبغض، ونحو ذلك من PageV01P463 # الصفات، التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن ~~حقائقها اللائقة1 بالله تعالى, كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام ~~وسائر الصفات، كما أشار إليه الشيخ فيما تقدم بقوله: إذا كان تأويل الرؤية ~~وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية, ترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين ~~المسلمين2. وانظر إلى جواب الإمام مالك رضي الله عنه في صفة [الاستواء] كيف ~~قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول, وروي أيضا عن أم سلمة رضي الله عنها ~~موقوفا عليها، ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم3, وكذلك قال الشيخ ~~رحمه الله فيما تقدم: من لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه, ~~ويأتي في كلامه أن الإسلام بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل, ~~فقول الشيخ رحمه الله: لا كأحد من الورى، نفي التشبيه. ولا يقال: إن الرضى ~~إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام, فإن هذا نفي للصفة, وقد اتفق أهل ~~السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان ms403 لا يريده ولا يشاؤه، ~~وينهى عما يسخطه ويكرهه، ويبغضه ويغضب على فاعله، وإن كان قد شاءه وأراده, ~~فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده، ويكره ويسخط لما أراده. # ويقال لمن تأول الغضب والرضى بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلا بد أن ~~يقول: إن الغضب غليان دم القلب، والرضى الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله ~~تعالى! فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب، لا أنه ~~الغضب, ويقال له أيضا: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا، فهي ميل الحي إلى ~~الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له ~~منفعة أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه، ويزداد ~~بوجوده، وينتقص بعدمه. فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته ~~عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذاك، وإن امتنع هذا امتنع ذاك. PageV01P464 # فإن قال: [الإرادة] التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها ~~العبد، وإن كان كل منهما حقيقة؟ قيل له: فقل: إن الغضب والرضى الذي يوصف ~~الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة, فإذا كان ما ~~يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات، لم يتعين التأويل، بل يجب ~~تركه، لأنك تسلم من التناقض، وتسلم أيضا من تعطيل معنى أسماء الله تعالى ~~وصفاته بلا موجب, فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام، ولا ~~يكون الموجب للصرف ما دله عليه عقله، إذ العقول مختلفة، فكل يقول إن عقله ~~دله على خلاف ما يقوله الآخر! # وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى، لامتناع مسمى ذلك ~~في المخلوق، فإنه لا بد أن يثبت شيئا لله تعالى على خلاف ما يعهده حتى صفة ~~الوجود، فإن وجود العبد كما يليق به، ووجود الباري تعالى كما يليق به، ~~فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم، ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم، وما ~~سمى به الرب نفسه وسمى به مخلوقاته، مثل الحي والعليم والقدير، أو ms404 سمى به ~~بعض صفاته، كالغضب والرضى، وسمى به بعض صفات عباده؛ فنحن نعقل بقلوبنا ~~معاني هذه الأسماء في حق الله تعالى، وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضا معاني ~~هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل أن بين المعنيين قدرا مشتركا، لكن هذا ~~المعنى لا يوجد في الخارج مشتركا، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركا ~~إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معينا مختصا, فيثبت [في] كل منهما ~~كما يليق به. بل لو قيل: غضب مالك خازن النار وغضب غيره من الملائكة, لم ~~يجب أن يكون مماثلا لكيفية غضب الآدميين؛ لأن الملائكة ليسوا من الأخلاط ~~الأربعة، حتى تغلي دماء قلوبهم كما يغلي دم قلب الإنسان عند غضبه. فغضب ~~الله أولى. # وقد نفى الجهم ومن وافقه كل ما وصف الله به نفسه، من كلامه ورضاه وغضبه ~~وحبه وبغضه وأسفه ونحو ذلك، وقالوا: إنما هي أمور مخلوقة منفصلة عنه، ليس ~~هو في نفسه متصفا بشيء من ذلك!! وعارض هؤلاء من الصفاتية ابن كلاب ومن ~~وافقه، فقالوا: لا يوصف الله بشيء يتعلق بمشيئته وقدرته أصلا، بل جميع هذه ~~الأمور صفات لازمة لذاته، قديمة أزلية، فلا يرضى في وقت دون وقت، ولا # PageV01P465 # يغضب في وقت دون وقت, كما قال في حديث الشفاعة: "إن ربي قد غضب اليوم ~~غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله" 1, وفي "الصحيحين" عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى ~~يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، ~~فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط ~~أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء ~~أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا" 2. ~~فيستدل به على أنه يحل رضوانه في وقت دون وقت، وأنه قد يحل رضوانه ثم يسخط، ~~كما يحل السخط ثم يرضى، لكن هؤلاء أحل عليهم رضوانا ms405 لا يتعقبه سخط, وهم ~~قالوا: لا يتكلم إذا شاء، ولا يضحك إذا شاء، ولا يغضب إذا شاء، ولا يرضى ~~إذا شاء، بل إما أن يجعلوا الرضى والغضب والحب والبغض هو الإرادة، أو ~~يجعلوها صفات أخرى، وعلى التقديرين فلا يتعلق شيء من ذلك لا بمشيئته ولا ~~بقدرته، إذ لو تعلق بذلك لكان محلا للحوادث!! فنفى هؤلاء الصفات الفعلية ~~الذاتية بهذا الأصل، كما نفى أولئك الصفات مطلقا بقولهم ليس محلا للأعراض. ~~وقد يقال: بل هي أفعال، ولا تسمى حوادث، كما سميت تلك صفات، ولم تسم ~~أعراضا. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى، ولكن الشيخ رحمه الله لم يجمع ~~الكلام في الصفات في المختصر في مكان واحد، وكذلك الكلام في القدر ونحو ~~ذلك، ولم يعتن فيه بترتيب, وأحسن ما يرتب عليه كتاب أصول الدين ترتيب جواب ~~النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام، حين سأله عن الإيمان، فقال: ~~"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر [خيره وشره] " 3, ~~الحديث, فيبدأ بالكلام على التوحيد والصفات وما يتعلق بذلك، ثم بالكلام على ~~الملائكة، ثم وثم، إلى آخره. PageV01P466 ### | نحب أصحاب رسول الله من غير افراط # وقوله: "ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد ~~منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم, ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم, ولا ~~نذكرهم إلا بخير, وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان". # ش: يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الروافض والنواصب, وقد أثنى الله ~~تعالى على الصحابة هو ورسوله، ورضي عنهم، ووعدهم الحسنى، كما قال تعالى: ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم} [التوبة: 100]. وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه ~~أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا} [الفتح: 29]، إلى آخر ~~السورة. وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} ~~[الفتح: 18]. وقال تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم ms406 في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض} ~~[الأنفال: 72]. إلى آخر السورة. وقال تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله ~~الحسنى 1 والله بما تعملون خبير} [الحديد: 10]. وقال تعالى: {للفقراء ~~المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون، والذين تبوءوا الدار والإيمان من ~~قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، والذين ~~جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا ~~تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} [الحشر: 8 - 10]. وهذه ~~الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم، ~~يستغفرون لهم، ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم، وتتضمن أن هؤلاء ~~[هم] المستحقون للفيء, فمن كان في قلبه غل للذين PageV01P467 # آمنوا ولم يستغفر لهم لا يستحق في الفيء نصيبا، بنص القرآن, وفي الصحيحين ~~عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد ~~الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تسبوا أحدا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مد أحدهم ~~ولا نصيفه" 1. انفرد مسلم بذكر سب خالد لعبد الرحمن، دون البخاري, فالنبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول لخالد ونحوه: "لا تسبوا أصحابي"، يعني عبد الرحمن ~~وأمثاله، لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من ~~قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، [فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم ~~بعد بيعة الرضوان]، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي صلى ~~الله عليه وسلم أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر ~~إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء، منهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية، ~~والمقصود ms407 أنه نهى من له صحبة آخرا أن يسب من له صحبة أولا، لامتيازهم عنهم ~~من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبا ما ~~بلغ مد أحدهم ولا نصيفه, فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن ~~كان قبل فتح مكة فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة؟ رضي الله ~~عنهم أجمعين. # والسابقون الأولون -من المهاجرين والأنصار- هم الذين أنفقوا من قبل الفتح ~~وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة. ~~وقيل: إن السابقين الأولين من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف2. فإن الصلاة ~~إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة؛ لأن النسخ ليس من فعلهم، ولم يدل ~~على التفضيل به دليل شرعي، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد ~~والمبايعة التي كانت تحت الشجرة. # وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أصحابي كالنجوم، ~~بأيهم اقتديتم PageV01P468 # اهتديتم"1, فهو حديث ضعيف، قال البزار: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وليس هو في كتب الحديث المعتمدة. # وفي صحيح مسلم عن جابر، قال: قيل لعائشة رضي الله عنها: إن ناسا يتناولون ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر! فقالت: وما تعجبون ~~من هذا! انقطع عنهم العمل، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر 2. وروى ابن ~~بطة بإسناد صحيح، عن ابن عباس، أنه قال: لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم، خير من عمل ~~أحدكم أربعين سنة3, وفي رواية وكيع: خير من عبادة أحدكم عمره, وفي ~~"الصحيحين" من حديث عمران بن حصين وغيره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، قال عمران: فلا ~~أدري: أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة4، الحديث. وقد ثبت في صحيح مسلم عن ~~جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل النار أحد بايع ms408 تحت ~~الشجرة" 5, وقال تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين ~~اتبعوه في ساعة العسرة} [التوبة: 117] الآيات, ولقد صدق عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه في وصفهم، حيث قال: إن PageV01P469 # الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، ~~وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، ~~فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ1, ~~[وفي رواية]: وقد رأى أصحاب محمد جميعا أن يستخلفوا أبا بكر, وتقدم قول ابن ~~مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات ... إلخ, عند قول الشيخ: ونتبع ~~السنة والجماعة. # فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين، وسادات أولياء الله ~~تعالى بعد النبيين؟ بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير ~~أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: ~~أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد!! لم ~~يستثنوا منهم إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف ~~مضاعفة. # وقوله: ولا نفرط في حب أحد منهم, أي لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم، كما ~~تفعل الشيعة، فنكون من المعتدين. قال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم} [النساء: 171]. # وقوله: ولا نتبرأ [من أحد] منهم, كما فعلت الرافضة! فعندهم لا ولاء إلا ~~ببراء، أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما!! ~~وأهل السنة يوالونهم كلهم، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها، بالعدل ~~والإنصاف، لا بالهوى والتعصب, فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد، ~~كما قال تعالى: {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} ~~[الجاثية: 17]. وهذا معنى قول من قال من السلف: الشهادة بدعة، والبراءة ~~بدعة, يروى ذلك عن جماعة من السلف، من الصحابة والتابعين، منهم: أبو سعيد ~~الخدري، والحسن PageV01P470 # البصري، ms409 وإبراهيم النخعي، والضحاك، وغيرهم. ومعنى الشهادة: أن يشهد على ~~معين من المسلمين أنه من أهل النار، أو أنه كافر، بدون العلم بما ختم الله ~~[له] به. # وقوله: وحبهم دين وإيمان وإحسان؛ لأنه امتثال لأمر الله فيما تقدم من ~~النصوص. وروى الترمذي عن عبد الله بن مغفل، قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا [بعدي]، فمن أحبهم ~~فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني ~~فقد آذى الله [تعالى]، [ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه"1. وتسمية حب الصحابة ~~إيمانا مشكل على الشيخ رحمه الله، لأن الحب عمل القلب، وليس هو التصديق، ~~فيكون العمل داخلا في مسمى الإيمان, وقد تقدم في كلامه: أن الإيمان هو ~~الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، ولم يجعل العمل داخلا في مسمى الإيمان، ~~وهذا هو المعروف من مذهب أهل السنة، إلا أن تكون هذه التسمية مجازا. # وقوله: وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. تقدم الكلام في تكفير أهل البدع، وهذا ~~الكفر نظير الكفر المذكور في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 44]. وقد تقدم الكلام في ذلك. # قوله: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه، تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة". # ش: اختلف أهل السنة في خلافة الصديق رضي الله عنه: هل كانت بالنص، أو ~~بالاختيار؟ فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث إلى أنها ثبتت بالنص ~~الخفي والإشارة، ومنهم من قال بالنص الجلي, وذهب جماعة من أهل الحديث ~~والمعتزلة والأشعرية إلى أنها ثبتت بالاختيار. # والدليل على إثباتها بالنص أخبار: من ذلك ما أسنده البخاري عن جبير بن ~~مطعم، قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن ترجع إليه، ~~قالت: أرأيت إن PageV01P471 # جئت فلم أجدك؟ كأنها تريد الموت، قال: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" 1. ~~وذكر له سياق آخر، وأحاديث أخر, وذلك نص على إمامته, وحديث حذيفة بن ~~اليمان، قال: قال رسول الله ms410 صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي: ~~أبي بكر وعمر" 2. رواه أهل السنن, وفي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها ~~وعن أبيها، قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي بدئ ~~فيه، فقال: "ادعي لي أباك وأخاك، حتى أكتب لأبي بكر كتابا"، ثم قال: "يأبى ~~الله والمسلمون إلا أبا بكر" 3. وفي رواية: "فلا يطمع في هذا الأمر طامع" , ~~وفي رواية قال: "ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر، لأكتب لأبي بكر كتابا لا ~~يختلف عليه"، ثم قال. "معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر". وأحاديث ~~تقديمه في الصلاة مشهورة معروفة، وهو يقول: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" 4. ~~وقد روجع في ذلك مرة بعد مرة، فصلى بهم مدة مرض النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب، عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ~~ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذنوبا أوذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله ~~يغفر له، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس يفري ~~فريه، حتى ضرب الناس بعطن" 5. وفي "الصحيح" أنه صلى الله عليه وسلم قال على ~~منبره: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، لا يبقين ~~في المسجد خوخة إلا سدت، إلا خوخة أبي بكر" 6. وفي سنن أبي داود وغيره، من ~~حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات ~~يوم: "من رأى منكم رؤيا؟ " فقال رجل: أنا PageV01P472 # رأيت ميزانا [أنزل] من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بأبي بكر، ~~ثم وزن عمر وأبو بكر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر، ثم رفع، ~~فرأيت الكراهة في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "خلافة نبوة، ثم ~~يؤتي الله الملك من يشاء" 1. # فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة، ثم بعد ~~ذلك ms411 ملك, وليس فيه ذكر علي رضي الله عنه؛ لأنه لم يجتمع الناس في زمانه، بل ~~كانوا مختلفين، لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك, وروى أبو داود أيضا ~~عن جابر رضي الله عنه، أنه كان يحدث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونيط ~~عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر"، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأما المنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه2, وروى ~~أبو داود أيضا عن سمرة بن جندب: أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلوا ~~دلي من السماء، فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها، فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر ~~فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ~~ثم جاء علي فأخذ بعراقيها، فانتشطت منه، فانتضح عليه منها شيء3. وعن سعيد ~~بن جمهان، عن سفينة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلافة النبوة ~~ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" 4. أو "الملك". PageV01P473 # واحتج من قال لم يستخلف، بالخبر المأثور، عن عبد الله بن عمر، عن عمر رضي ~~الله عنهما، أنه قال: "إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، يعني أبا بكر، ~~وإن لا أستخلف، فلم يستخلف من هو خير [مني]، يعني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، [قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ~~مستخلف] 1. وبما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت من كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مستخلفا لو استخلف. والظاهر -والله أعلم- أن المراد أنه ~~لم يستخلف بعهد مكتوب، ولو كتب عهدا لكتبه لأبي بكر، بل قد أراد كتابته ثم ~~تركه، وقال: "يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر" 2. فكان هذا أبلغ من مجرد ~~العهد، فإن النبي صلى الله ms412 عليه وسلم دل المسلمين على استخلاف أبي بكر، ~~وأرشدهم إليه بأمور متعددة، من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض ~~بذلك، حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهدا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون ~~عليه، فترك الكتاب اكتفاء بذلك، ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس، ثم لما ~~حصل لبعضهم شك: هل ذلك القول من جهة المرض؟ أو هو قول يجب اتباعه؟ ترك ~~الكتابة، اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر, فلو ~~كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه بيانا قاطعا للعذر، لكن لما دلهم ~~دلالات متعددة على أن أبا بكر المتعين، وفهموا ذلك, حصل المقصود. ولهذا قال ~~عمر رضي الله عنه في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: أنت ~~خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر ذلك منهم ~~أحد، ولا قال أحد من الصحابة إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة ~~منه، ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار، طمعا في أن يكون من الأنصار ~~أمير ومن المهاجرين أمير، وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بطلانه, ثم الأنصار كلهم بايعوا أبا بكر، إلا سعد بن عبادة، ~~لكونه هو الذي كان يطلب الولاية, ولم يقل أحد من الصحابة قط: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نص على غير أبي بكر، لا علي، ولا العباس، ولا غيرهما، كما ~~قد قال أهل البدع! وروى ابن بطة بإسناده: PageV01P474 # أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن، فقال: هل ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر؟ فقال: أو في شك صاحبك؟ نعم، ~~والله الذي لا إله إلا هو استخلفه، لهو كان أتقى لله من أن يتوثب عليها. # وفي الجملة: فجميع من نقل عنه أنه طلب تولية غير أبي بكر، لم يذكر حجة ~~شرعية، ولا ذكر أن غير أبي بكر أفضل منه، أو أحق بها، وإنما نشأ من حب ~~قبيلته وقومه فقط، ms413 وهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر رضي الله عنه، وحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم له. ففي "الصحيحين"، عن عمرو بن العاص: أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته، فقلت: أي الناس ~~أحب إليك؟ قال: "عائشة"، قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها"، قلت: ثم من؟ قال: ~~"عمر"، وعد رجالا1. وفيهما أيضا، عن أبي الدرداء، قال: كنت جالسا عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما صاحبكم فقد غامر"، فسلم، وقال: [يا ~~رسول الله]، إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه، ثم ندمت، ~~فسألته أن يغفر لي [فأبى علي، فأقبلت إليك]، فقال: "يغفر الله لك يا أبا ~~بكر" ثلاثا، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: ~~لا، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، [فسلم عليه]، فجعل وجه النبي صلى ~~الله عليه وسلم يسفر، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول ~~الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله ~~بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل ~~أنتم تاركوا لي صاحبي؟ " مرتين، فما أوذي بعدها2. ومعنى: غامر: غاضب وخاصم. ~~ويضيق هذا المختصر عن ذكر فضائله. # وفي "الصحيحين" أيضا، عن عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم PageV01P475 # مات وأبو بكر بالسنح1 - فذكرت الحديث- إلى أن قالت: واجتمعت الأنصار إلى ~~سعد بن عبادة، في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير، ومنكم أمير! فذهب ~~إليهم أبو بكر [الصديق]، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر ~~يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني [قد] ~~هيأت في نفسي كلاما قد أعجلني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر! ثم تكلم أبو بكر، ~~فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال ms414 حباب ~~ابن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا ~~ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء, هم أوسط العرب، وأعزهم أحسابا، فبايعوا عمر ~~[بن الخطاب]، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك، فأنت سيدنا، ~~وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ عمر بيده، فبايعه، ~~وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعدا، فقال عمر: قتله الله2. والسنح: ~~العالية، وهي حديقة بالمدينة معروفة بها. # قوله: "ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه". # ش: أي ونثبت الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه، [لعمر رضي الله عنه] , ~~وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه, وفضائله رضي ~~الله عنه أشهر من أن تنكر، وأكثر من أن تذكر, فقد روي عن محمد بن الحنفية ~~أنه قال: قلت لأبي: فقلت يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال: يا بني، أوما تعرف؟ فقلت: لا، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ~~عمر، وخشيت أن يقول: ثم عثمان! فقلت: ثم أنت؟ فقال. ما أنا إلا رجل من ~~PageV01P476 # المسلمين1. وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي ~~بكر وعمر" 2. وفي "صحيح مسلم"، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: وضع عمر ~~على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه، قبل أن يرفع، وأنا ~~فيهم، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه، فإذا هو ~~علي، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله ~~منك، وايم الله، إن كنت [لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت] ~~كثيرا ما أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ~~ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو، أو لأظن ~~أن يجعلك الله معهما3. وتقدم حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في رؤيا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ونزعه من القليب، ثم نزع ms415 أبي بكر، ثم استحالت ~~الدلو غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ~~ضرب الناس بعطن4. وفي "الصحيحين"، من حديث سعد بن أبي وقاص, قال: استأذن ~~عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده نساء من قريش، ~~يكلمنه، عالية أصواتهن ... الحديث، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إيه يابن الخطاب! والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا ~~سلك فجا غير فجك" 5. وفي "الصحيحين" أيضا، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أنه كان يقول: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، ~~فإن عمر بن الخطاب منهم" 6. قال ابن وهب: تفسير "محدثون": ملهمون. ~~PageV01P477 # قوله: "ثم لعثمان رضي الله عنه". # ش: أي وثبت الخلافة بعد عمر لعثمان رضي الله عنهما، وقد ساق البخاري رحمه ~~الله قصة قتل عمر رضي الله عنه، وأمر الشورى والمبايعة لعثمان، في صحيحه، ~~فأحببت أن أسردها، كما رواها بسنده عن عمرو بن ميمون، قال: # رأيت عمر [بن الخطاب] رضي الله عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة، وقف على ~~حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف، فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد ~~حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرا هي له مطيقة، ما فيها كبير ~~فضل، قال: انظر أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: لا، فقال عمر: لئن ~~سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما ~~أتت عليه [إلا] أربعة حتى أصيب، قال: # إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر ~~بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم [فكبر، وربما قرأ ~~سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما ~~هو إلا أن كبر]، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العلج ~~بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينا وشمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة ms416 عشر ~~رجلا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين، طرح عليه برنسا، فلما ~~ظن [العلج] أنه مأخوذ، نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، ~~فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون غير أنهم ~~قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فصلى بهم عبد ~~الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا، قال: يابن عباس انظر من قتلني؟ فجال ~~ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصنع؟ 1 قال: نعم، قال: قاتله! لقد ~~أمرت به معروفا! الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل PageV01P478 # يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان ~~العباس أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلت؟ أي: إن شئت قتلنا؟ قال: كذبت! بعد ~~ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم؟ فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا ~~معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس عليه، وقائل ~~يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه، فخرج ~~من جوفه، فعرفوا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل ~~شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقدم1في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، ~~قال: وددت أن ذلك كفاف، لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، ~~قال: ردوا علي الغلام، قال: يابن أخي، "ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى ~~لربك"2، يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين؟ فحسبوه، فوجدوه ستة ~~وثمانون ألفا أو نحوه، قال: [إن] وفى له مال آل عمر، "فأده من أموالهم"، ~~وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تعدهم ~~إلى غيرهم، فأد عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ ~~عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، ~~وقل: يستأذن عمر ms417 بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، ~~فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر [بن الخطاب] السلام، ويستأذن أن ~~يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما ~~أقبل، قيل: هذا عبد الله [بن عمر] قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، ~~قال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله، ما ~~كان شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلم فقل: يستأذن عمر ~~بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر PageV01P479 # المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء يسرن معها1، فلما رأيناها ~~قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلا لهم، ~~فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف؟ قال: ما ~~أجد2 أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط، الذين توفي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى عليا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدا، ~~وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كهيئة ~~التعزية له، فإن أصابت الإمارة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، ~~فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين ~~الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، الذين ~~تبئوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم, ~~وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وجباة الأموال، وغيظ العدو، ~~وأن لا يأخذ منهم إلا فضلهم، عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل ~~العرب، ومادة الإسلام، أن يأخذ من حواشي أموالهم، وأن ترد على فقرائهم، ~~وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ~~ولا يكلفوا [إلا طاقتهم]، فلما قبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلم عبد الله ~~بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب؟ قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هنالك مع ~~صاحبيه، فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: ms418 اجعلوا ~~أمركم إلى ثلاثة منكم، قال الزبير: [قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة]: قد ~~جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن [بن عوف]، ~~فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه؟ والله عليه ~~والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: ~~أفتجعلونه إلي؟ والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد ~~أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ~~ما قد علمت، فالله عليك، PageV01P480 # لئن أمرتك لتعدلن؟ ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن؟ ثم خلا بالآخر، فقال ~~له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له ~~علي، وولج أهل الدار فبايعوه"1. # وعن حميد بن عبد الرحمن: أن المسور بن مخرمة أخبره: # أن [الرهط] الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، قال لهم عبد الرحمن: لست ~~بالذي أنافسكم عن هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم؟ فجعلوا ذلك ~~إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم، فمال الناس على عبد الرحمن، ~~حتى ما أرى أحدا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على ~~عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت تلك الليلة "التي" أصبحنا ~~فيها فبايعنا عثمان، قال المسور بن مخرمة: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من ~~الليل، فضرب الباب حتى استقيظت، فقال: أراك نائما؟! فوالله ما اكتحلت هذه ~~الثلاث بكبير2 نوم، انطلق فادع لي الزبير وسعدا، فدعوتهما "له"، فشاورهما ~~ثم دعاني، فقال: ادع لي عليا، فدعوته، فناجاه حتى ابهار3 الليل، ثم قام علي ~~من عنده وهو على طمع4، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئا5، ثم قال: ادع ~~لي عثمان، "فدعوته"، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى الناس ~~الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضرا من ~~المهاجرين والأنصار، و"أرسل" إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع ~~عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن، ثم قال: أما بعد، ms419 يا علي، إني قد نظرت ~~في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا، فقال ~~لعثمان: أبايعك على سنة [الله و] رسوله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من ~~بعده، فبايعه عبد الرحمن، PageV01P481 # وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون"1. # ومن فضائل عثمان رضي الله عنه الخاصة: كونه ختن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ابنتيه. وفي "صحيح مسلم"، عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مضطجعا [في بيته]، كاشفا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، ~~فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، ~~فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه، ~~فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، [ثم ~~دخل عمر فلم تهتش ولم تباله]، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟ فقال: "ألا ~~أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة" 2. وفي "الصحيح": لما كان يوم بيعة ~~الرضوان، وأن عثمان رضي الله عنه كان قد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~مكة، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم [بيده] اليمنى: "هذه يد عثمان"، فضرب بها على يده، فقال: ~~"هذه لعثمان" 3. # قوله: "ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه". # ش: أي: ونثبت الخلافة بعد عثمان لعلي رضي الله عنهما, لما قتل عثمان ~~وبايع الناس عليا صار إماما حقا واجب الطاعة، وهو الخليفة في زمانه خلافة ~~نبوة، كما دل عليه حديث سفينة المقدم ذكره، أنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" 4. # وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ~~ونصفا، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، ~~PageV01P482 # وخلافة الحسن ستة أشهر, وأول ملوك المسلمين معاوية رضي الله عنه، وهو خير ~~ملوك المسلمين، لكنه إنما صار إماما ms420 حقا لما فوض إليه الحسن بن علي رضي ~~الله عنهم الخلافة، فإن الحسن رضي الله عنه بايعه أهل العراق بعد موت أبيه، ~~ثم بعد ستة أشهر فوض الأمر إلى معاوية، فظهر صدق قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" 1. ~~والقصة معروفة في موضعها. # فالخلافة ثبتت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد عثمان ~~رضي الله عنه، بمبايعة الصحابة، سوى معاوية مع أهل الشام, والحق مع علي رضي ~~الله عنه، فإن عثمان رضي الله عنه لما قتل كثر الكذب والافتراء على عثمان ~~وعلى من كان بالمدينة من أكابر الصحابة كعلي وطلحة والزبير، وعظمت الشبهة ~~عند من لم يعرف الحال، وقويت الشهوة في نفوس ذوي الأهواء والأغراض، ممن ~~بعدت داره من أهل الشام، ويحمي الله عثمان، أن يظن بالأكابر ظنون سوء، ~~ويبلغه عنهم أخبار2، منها ما هو كذب، ومنها ما هو محرف، ومنها ما لم يعرف ~~وجهه، وانضم إلى ذلك أهواء أقوام يحبون العلو في الأرض, وكان في عسكر علي ~~رضي الله عنه -من أولئك الطغاة الخوارج، الذين قتلوا عثمان- من لم يعرف ~~بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومن في قلبه ~~نفاق لم يتمكن من إظهاره كله، ورأى طلحة والزبير أنه إن لم ينتصر للشهيد ~~المظلوم، ويقمع أهل الفساد والعدوان، وإلا استوجبوا غضب الله وعقابه, فجرت ~~فتنة الجمل على غير اختيار من علي، ولا من طلحة والزبير، وإنما أثارها ~~المفسدون بغير اختيار السابقين، ثم جرت فتنة صفين لرأي، وهو أن أهل الشام ~~لم يعدل عليهم، أو لا يتمكن من العدل عليهم, وهم كافون، حتى يجتمع أمر ~~الأمة، وأنهم يخافون طغيان من في العسكر، كما طغوا على الشهيد المظلوم، ~~وعلي رضي الله عنه هو الخليفة الراشد المهدي الذي تجب طاعته، ويجب أن يكون ~~الناس مجتمعين عليه، فاعتقد أن الطاعة والجماعة الواجبتين عليهم تحصل ~~بقتالهم، بطلب الواجب عليهم، بما اعتقد PageV01P483 # أنه يحصل به أداء ms421 الواجب، ولم يعتقد أن التأليف لهم كتأليف المؤلفة ~~قلوبهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده مما يسوغ، ~~فحمله ما رآه, من أن الدين إقامة الحد عليهم ومنعهم من الإثارة، دون ~~تأليفهم, على القتال، وقعد عن القتال أكثر الأكابر، لما سمعوه من النصوص في ~~الأمر بالقعود [في الفتنة]، ولما رأوه من الفتنة التي تربو مفسدتها على ~~مصلحتها, ونقول في الجميع بالحسنى: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} [الحشر: ~~10] , والفتن التي كانت في أيامه قد صان الله عنها أيدينا، فنسأل الله أن ~~يصون عنها ألسنتنا، بمنه وكرمه. # ومن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما في ~~"الصحيحين"، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون [من موسى]، إلا أنه لا نبي بعدي" 1. # وقال صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ~~ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليا، فأتي ~~به أرمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه2. ولما نزلت هذه ~~الآية: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} ~~[آل عمران: 61] , دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا ~~وحسينا، فقال: "اللهم هؤلاء أهلي" 3. # قوله: "وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون". # ش: تقدم الحديث الثابت في "السنن"، وصححه الترمذي، عن العرباض ~~PageV01P484 # ابن سارية، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، ذرفت ~~منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة ~~مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم ~~بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من ~~بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل ~~بدعة ضلالة" 1. وترتيب الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين في الفضل، ~~كترتيبهم في الخلافة. ولأبي ms422 بكر وعمر رضي الله عنهما من المزية: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ولم يأمرنا في ~~الاقتداء في الأفعال إلا بأبي بكر وعمر، فقال: "اقتدوا باللذين من بعدي: ~~أبي بكر وعمر" 2، وفرق بين اتباع سنتهم والاقتداء بهم، فحال أبي بكر وعمر ~~فوق حال عثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين, وقد روي عن أبي حنيفة تقديم علي ~~على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان [على علي] , وعلى هذا عامة أهل ~~السنة, [وقد] تقدم3 قول عبد الرحمن بن عوف لعلي رضي الله عنهما: إني قد ~~نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان, وقال أيوب السختياني من لم يقدم ~~عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار, وفي "الصحيحين" عن ابن عمر، ~~قال: كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي: أفضل أمة النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان4. # قوله: "وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم ~~بالجنة، نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله الحق، وهم: أبو بكر، وعمر، PageV01P485 # وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو ~~عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة، رضي الله عنهم أجمعين". # ش: تقدم ذكر بعض فضائل الخلفاء الأربعة. ومن فضائل الستة الباقين من ~~العشرة رضي الله عنهم أجمعين: ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها: أرق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقال: "ليت رجلا صالحا من أصحابي ~~يحرسني الليلة"، قالت: وسمعنا صوت السلاح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"من هذا؟ " فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، جئت أحرسك وفي لفظ آخر: ~~وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه، فدعا له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام1. وفي "الصحيحين": أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جمع لسعد بن أبي وقاص أبويه يوم أحد، فقال: ms423 "ارم، فداك أبي ~~وأمي" 2. وفي "صحيح مسلم"، عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت يد طلحة التي وقى ~~بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد قد شلت3. وفيه أيضا عن أبي عثمان ~~النهدي، قال: لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام ~~التي قاتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم غير طلحة وسعد4. وفي "الصحيحين"، ~~واللفظ لمسلم، عن جابر بن عبد الله قال: ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الناس يوم الخندق فانتدب الزبير، ثم ندبهم، فانتدب الزبير، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لكل نبي حواري، وحواريي الزبير" 5. وفيهما أيضا عن الزبير ~~رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من يأتي بني قريظة ~~فيأتيني بخبرهم؟ " فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبويه، فقال: "فداك أبي وأمي" 6. وفي PageV01P486 # "صحيح مسلم"، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إن لكل أمة أمينا، وإن أميننا أيتها الأمة: أبو عبيدة بن الجراح" 1. وفي ~~"الصحيحين" عن حذيفة بن اليمان، قال: جاء أهل نجران إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، ابعث إلينا [رجلا] أمينا، فقال: "لأبعثن ~~إليكم رجلا أمينا حق [أمين] "، قال: فاستشرف لها الناس، قال: فبعث أبا ~~عبيدة بن الجراح2. وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه، قال: أشهد على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إني سمعته يقول: "عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو ~~بكر في الجنة، وطلحة في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وسعد بن ~~مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة"، ولو شئت لسميت العاشر، قال: ~~فقالوا: من هو؟ قال: سعيد بن زيد، وقال: لمشهد رجل منهم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، يغبر منه وجهه، خير من عمل أحدكم، ولو عمر عمر نوح3. رواه ~~أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وصححه. ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف, ~~وعن عبد الرحمن ms424 بن عوف رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة ~~في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد ~~بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" 4. رواه ~~الإمام أحمد في "مسنده", ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة، وقدم فيه عثمان على ~~علي، رضي الله عنهما. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على حراء، [هو] وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، ~~فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اهدأ، فما عليك إلا ~~نبي أو صديق أو شهيد" 5. رواه مسلم والترمذي وغيرهما. وروي من طرق. ~~PageV01P487 # وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم، لما اشتهر من ~~فضائلهم ومناقبهم, ومن أجهل ممن يكره التكلم بلفظ العشرة، أو فعل شيء يكون ~~عشر!! لكونهم يبغضون خيار الصحابة، وهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وهم ~~يستثنون منهم عليا رضي الله عنه! فمن العجب: أنهم يوالون لفظ التسعة! وهم ~~يبغضون التسعة من العشرة! ويبغضون سائر المهاجرين والأنصار، من السابقين ~~الأولين، الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وقد ~~رضي الله عنهم. كما قال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة} [الفتح: 18]. وثبت في "صحيح مسلم"، عن جابر رضي الله عنه، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" 1. وفي ~~"صحيح مسلم" أيضا، عن جابر أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال: يا رسول الله! ~~ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذبت، [لا ~~يدخلها]، فإنه شهد بدرا والحديبية" 2. والرافضة يتبرءون من جمهور هؤلاء، بل ~~يتبرءون من سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا من نفر قليل، نحو ~~بضعة عشر نفرا!! ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس، لم ms425 يهجر ~~هذا الاسم لذلك، كما أنه سبحانه لما قال: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون ~~في الأرض ولا يصلحون} [النمل: 48]، لم يجب هجر اسم التسعة مطلقا, بل اسم ~~العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع من القرآن: {تلك عشرة كاملة} [البقرة: ~~196]. {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} [الأعراف: 142]. {والفجر، ~~وليال عشر} [الفجر: 1, 2]. وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من ~~رمضان3، وقال في ليلة القدر: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان" 4. ~~وقال: "ما من أيام العمل PageV01P488 # الصالح فيهن أحب إلى الله من أيام العشر" 1. يعني عشر ذي الحجة. # والرافضة توالي بدل العشرة المبشرين بالجنة، اثني عشر إماما، أولهم علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه، ويدعون أنه وصي النبي صلى الله عليه وسلم، دعوى ~~مجردة عن الدليل، ثم الحسن رضي الله عنه، ثم الحسين رضي الله عنه، ثم علي ~~بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ~~ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضي، ثم محمد بن علي الجواد، ثم ~~علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم محمد بن الحسن، ويغالون ~~في محبتهم، ويتجاوزون الحد!! ولم يأت ذكر الأئمة الاثني عشر، إلا على صفة ~~ترد قولهم وتبطله، وهو ما خرجاه في "الصحيحين"، عن جابر بن سمرة، قال: دخلت ~~مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم، فسمعته يقول: "لا يزال أمر الناس ~~ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا"، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة ~~خفيت علي، فسألت أبي: ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: "كلهم من ~~قريش" 2. وفي لفظ: "لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة" 3 وفي لفظ: ~~"لا يزال هذا الأمر عزيزا إلى اثني عشر خليفة". وكان الأمر كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم. والاثنا عشر: الخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية، ~~وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان، وأولاده الأربعة، وبينهم عمر بن عبد ~~العزيز، ثم أخذ الأمر في الانحلال, وعند ms426 الرافضة أن أمر الأمة لم يزل في ~~أيام هؤلاء فاسدا منغصا، يتولى عليهم الظالمون المعتدون، بل المنافقون ~~الكافرون، وأهل الحق أذل من اليهود4, وقولهم ظاهر البطلان، بل لم يزل ~~الإسلام عزيزا في ازدياد في أيام هؤلاء الاثني عشر. PageV01P489 # قوله: "ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأزواجه ~~الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق". # ش: تقدم بعض ما ورد في الكتاب والسنة من فضائل الصحابة رضي الله عنهم. ~~وفي صحيح مسلم، عن زيد بن أرقم، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خطيبا، بماء يدعى: خما، بين مكة والمدينة، فقال: "أما بعد، ألا أيها ~~الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي، فأجيب، وأنا تارك فيكم ~~ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا ~~به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل ~~بيتي"، ثلاثا1. وخرج البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: "ارقبوا ~~محمدا في أهل بيته" 2. # وإنما قال الشيخ رحمه الله: فقد برئ من النفاق؛ لأن أصل الرفض إنما أحدثه ~~منافق زنديق، قصده إبطال دين الإسلام، والقدح في الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، كما ذكر ذلك العلماء. فإن عبد الله بن سبأ لما أظهر الإسلام، أراد أن ~~يفسد دين الإسلام بمكره وخبثه، كما فعل بولس بدين النصرانية، فأظهر التنسك، ~~ثم أظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى سعى في فتنة عثمان وقتله، ثم ~~لما قدم علي الكوفة أظهر الغلو في علي والنصر له، ليتمكن بذلك من أغراضه، ~~وبلغ ذلك عليا، فطلب قتله، فهرب منه إلى قرقيس, وخبره معروف في التاريخ, ~~وتقدم أن من فضله على أبي بكر وعمر جلده جلد المفتري, وبقيت في نفوس ~~المبطلين خمائر بدعة الخوارج، من الحرورية والشيعة، ولهذا كان الرفض باب ~~الزندقة، كما حكاه القاضي أبو بكر ابن الطيب3 عن الباطنية وكيفية إفسادهم ~~لدين الإسلام، قال: فقالوا للداعي: يجب عليك ms427 إذا وجدت من تدعوه مسلما أن ~~تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المدخل من جهة ظلم السلف لعلي وقتلهم ~~الحسين، والتبري من PageV01P490 # تيم وعدي، وبني أمية وبني العباس، "وقل بالرجعة" وأن عليا يعلم الغيب! ~~يفوض إليه خلق العالم!! وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم، فإذا أنست1 ~~من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ورشدا، أوقفته على مثالب علي وولده، "رضي ~~الله عنهم". انتهى. ولا شك أنه يتطرق من سب الصحابة إلى سب أهل البيت، ثم ~~إلى سب الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ أهل بيته وأصحابه مثل هؤلاء [عند] 2 ~~الفاعلين الضالين. # قوله: "وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين أهل الخير ~~والأثر، وأهل الفقه والنظر, لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على ~~غير السبيل". # ش: قال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 115]. فيجب على ~~[كل] مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، ~~خصوصا الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يهتدى3 بهم ~~في ظلمات البر والبحر, وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة ~~قبل4 مبعث محمد صلى الله عليه وسلم علماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن ~~علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمحيون لما مات من سنته، ~~فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون ~~اتفاقا يقينا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم, ولكن إذا وجد ~~لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه, فلا بد له في تركه من عذر, وجماع ~~الأعذار ثلاثة أصناف: # أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. # والثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول. # والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. فلهم الفضل علينا والمنة بالسبق، ~~وتبليغ ما أرسل به الرسول صلى الله عليه وسلم إلينا، وإيضاح ما كان منه ~~يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم. {ربنا ms428 اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} ~~[الحشر: 10] PageV01P491 # قوله: "ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام، ~~ونقول ### | : نبي واحد أفضل من جميع الأولياء". # ش: يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة، وإلا ~~فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع, فقد أوجب الله على ~~الخلق كلهم متابعة الرسل، قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك} [النساء: 64]، إلى أن قال: {ويسلموا ~~تسليما} [النساء: 65]. وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل عمران: 31]. قال أبو عثمان ~~النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا، نطق بالحكمة، ومن أقر الهوى ~~على نفسه، نطق بالبدعة, وقال بعضهم: ما ترك بعضهم شيئا من السنة إلا لكبر ~~في نفسه, والأمر كما قال، فإنه إذا لم يكن متبعا للأمر الذي جاء به الرسول، ~~كان يعمل بإرادة نفسه، فيكون متبعا لهواه، بغير هدى من الله، وهذا غش ~~النفس، وهو من الكبر، فإنه شبيه بقول الذين قالوا: {لن نؤمن حتى نؤتى مثل ~~ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] , وكثير من ~~هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة، وتصفية نفسه، إلى ما وصلت ~~إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم! ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من ~~الأنبياء!! ومنهم من يقول إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من ~~مشكاة خاتم الأولياء!! ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء!! ويكون ذلك [العلم ~~هو] حقيقة قول فرعون، وهو أن هذا الوجود المشهود واجب بنفسه، ليس له صانع ~~مباين له، لكن هذا يقول: هو الله! وفرعون أظهر الإنكار بالكلية، لكن كان ~~فرعون في الباطن أعرف بالله منهم، فإنه كان مثبتا للصانع، وهؤلاء ظنوا أن ~~الوجود المخلوق هو الوجود الخالق، كابن عربي وأمثاله!! وهو لما رأى أن ~~الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره, قال: النبوة ختمت، ms429 # PageV01P492 # لكن الولاية لم تختم! وادعى من الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون ~~للأنبياء والمرسلين، وأن الأنبياء مستفيدون منها! كما قال: # مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي # وهذا قلب للشريعة، فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: ~~{ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون} [يونس: 62, 63]. والنبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة، ~~كما تقدم التنبيه على ذلك1. وقال ابن عربي أيضا في "فصوصه": # "ولما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد ~~كملت إلا موضع لبنة، فكان هو صلى الله عليه وسلم موضع اللبنة، [غير أنه صلى ~~الله عليه وسلم لا يراها، كما قال: لبنة واحدة]، وأما خاتم الأولياء فلا بد ~~له من هذه الرؤية، فيرى ما مثله النبي صلى الله عليه وسلم، ويرى نفسه في ~~الحائط في موضع لبنتين!! ويرى نفسه تنطبع في موضع اللبنتين، فتكمل الحائط!! ~~والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين: أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، ~~واللبنة الفضة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو أخذ عن الله في ~~الشرع2 ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، ~~فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن! فإنه يأخذ من ~~المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى إليه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~قال: فإن فهمت ما أشرنا إليه فقد حصل لك العلم النافع! "3, فمن أكفر ممن ~~ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب، وللرسل المثل بلبنة فضة، فيجعل نفسه أعلى وأفضل ~~من الرسل؟! تلك أمانيهم: {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} [غافر: 56]. ~~وكيف يخفى كفر من هذا كلامه؟ وله من الكلام أمثال هذا، وفيه ما يخفى منه ~~الكفر، ومنه ما يظهر، فلهذا يحتاج إلى نقد جيد، ليظهر زيفه، فإن من الزغل ~~ما يظهر لكل ناقد، PageV01P493 # ومنه ما لا يظهر إلا للناقد الحاذق البصير1. وكفر ابن عربي وأمثاله ms430 فوق ~~كفر القائلين: {لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} [الأنعام: 124]. ~~ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون زنادقة، اتحادية في الدرك الأسفل من النار، ~~والمنافقون يعاملون معاملة المسلمين، لإظهارهم الإسلام، كما كان يظهره ~~المنافقون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ويبطنون الكفر، وهو يعاملهم ~~معاملة المسلمين لما يظهر منهم, فلو أنه ظهر من أحد منهم ما يبطنه من ~~الكفر، لأجرى عليه حكم المرتد. ولكن في قبول توبته خلاف، والصحيح عدم ~~قبولها، وهي رواية معلى عن أبي حنيفة رضي الله عنه. والله المستعان. # قوله: "ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم". # ش: فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة، و"كذلك الكرامة" في عرف أئمة ~~أهل العلم المتقدمين. ولكن كثيرا من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما، ~~فيجعلون المعجزة للنبي، والكرامة للولي, وجماعها: الأمر الخارق للعادة, ~~فصفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى. وهذه الثلاثة لا ~~تصلح على الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علما، وهو على كل ~~شيء قدير، وهو غني عن العالمين؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يتبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا ~~أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [الأنعام: 50]. ~~وكذلك قال نوح عليه السلام، فهذا أول أولي العزم، وأول رسول بعثه الله إلى ~~أهل الأرض، وهذا خاتم الرسل، وخاتم أولي العزم، وكلاهما تبرأ من ذلك، وهذا ~~لأنهم يطالبونهم تارة بعلم الغيب، كقوله تعالى: {يسألونك عن الساعة أيان ~~مرساها} [النازعات: 42]، وتارة بالتأثير، كقوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك ~~حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90] الآيات، وتارة يعيبون عليهم ~~الحاجة البشرية، كقوله تعالى: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق} [الفرقان: 7] الآية. فأمر الرسول أن PageV01P494 # يخبرهم بأنه لا يملك ذلك، وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله، ~~فيعلم ما علمه الله [إياه]، ويستغني عما أغناه عنه، ويقدر على ما أقدر ms431 عليه ~~من الأمور المخالفة للعادة المطردة، أو لعادة أغلب الناس, فجميع المعجزات ~~والكرامات ما تخرج عن هذه الأنواع. # ثم الخارق: إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين، كان من الأعمال الصالحة ~~المأمور بها دينا وشرعا، إما واجب أو مستحب، وإن حصل به أمر مباح، كان من ~~نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرا، وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه ~~نهي تحريم أو نهي تنزيه، كان سببا للعذاب أو البغض، كالذي أوتي الآيات ~~فانسلخ منها: بلعام بن باعورا، لاجتهاد أو تقليد، أو نقص عقل أو علم، أو ~~غلبة حال، أو عجز أو ضرورة. # فالخارق ثلاثة أنواع: محمود في الدين، ومذموم، ومباح, فإن كان المباح فيه ~~منفعة كان نعمة، وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها. قال أبو علي ~~الجوزجاني: كن طالبا للاستقامة، لا طالبا للكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب ~~الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة. # قال الشيخ السهروردي في "عوارفه": وهذا أصل كبير في الباب، فإن كثيرا من ~~المجتهدين المتعبدين سمعوا بالسلف1 الصالحين المتقدمين، وما منحوا به من ~~الكرامات وخوارق العادات، فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن ~~يرزقوا شيئا منه، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب، متهما لنفسه في صحة عمله، ~~حيث لم يحصل له خارق، ولو علموا بسر ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله ~~يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابا، والحكمة فيه أن يزداد بما ~~يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، ~~والخروج عن دواعي الهوى, فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل ~~الكرامة. # ولا ريب أن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان، لكن إن كانت صالحة كان ~~PageV01P495 # تأثيرها صالحا، وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا, فالأحوال يكون تأثيرها ~~محبوبا لله تعالى تارة، ومكروها لله أخرى. # وقد تكلم الفقهاء في وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن, وهؤلاء ~~يشهدون بواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني، ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم أنه ~~كرامة من الله له، ولا ms432 يعلمون أنه في الحقيقة إنما الكرامة لزوم الاستقامة، ~~وأن الله تعالى لم يكرم عبدا بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو ~~طاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه, وهؤلاء هم أولياء ~~الله الذين قال الله فيهم: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون} [يونس: 62]. # وأما ما يبتلي الله به عبده، من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء, ~~فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه، بل قد سعد بها قوم إذا ~~أطاعوه، وشقي بها قوم إذا عصوه، كما قال تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ~~ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه ~~رزقه فيقول ربي أهانن، كلا} [الفجر: 15 - 17] , ولهذا كان الناس في هذه ~~الأمور ثلاثة أقسام: # قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة. # قسم يتعرضون بها لعذاب الله. # وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات، كما تقدم. # وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله, وكلمات الله نوعان: ~~كونية، ودينية: # فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ~~"أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" 1. قال تعالى: ~~{إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82]. وقال تعالى: ~~{وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته} [الأنعام: 115]. والكون كله ~~داخل تحت هذه الكلمات، وسائر الخوارق. # والنوع الثاني: الكلمات الدينية، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به ~~PageV01P496 # رسوله، وهي أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها، والعمل1، والأمر ~~بما أمر الله به، كما أن حظ العباد عموما وخصوصا العلم بالكونيات والتأثير ~~فيها، أي بموجبها, فالأولى تدبيرية كونية، والثانية شرعية دينية, فكشف ~~الأولى العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية, ~~وقدرة الأولى التأثير في الكونيات، إما في نفسه كمشيه على الماء، وطيرانه ~~في الهواء، وجلوسه في النار، وإما في غيره، بإصحاح وإهلاك، وإغناء وإفقار, ~~وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات، إما في نفسه بطاعة الله ورسوله والتمسك ~~بكتاب الله وسنة رسوله باطنا ms433 وظاهرا، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ~~ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية. # فإذا تقرر ذلك، فاعلم أن عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه، ~~فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيئا من الكونيات؛ لا ينقص ~~ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له، فإنه إن اقترن به ~~الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، فإن الخارق قد يكون مع الدين، وقد ~~يكون مع عدمه، أو فساده، أو نقصه. فالخوارق النافعة تابعة للدين، خادمة له، ~~كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين، وكذلك المال النافع، كما كان ~~السلطان والمال [النافع] بيد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر, فمن ~~جعلها هي المقصودة، وجعل الدين تابعا لها، ووسيلة إليها، لا لأجل الدين في ~~الأصل, فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليست حاله كحال من تدين خوف ~~العذاب، أو رجاء الجنة، فإن ذلك ما هو مأمور به، وهو على سبيل نجاة، وشريعة ~~صحيحة. والعجب أن كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أن يكون خوفا من النار ~~أو طلبا للجنة, يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا!! # ثم إن الدين إذا صح علما وعملا فلا بد أن يوجب خرق العادة، إذا احتاج إلى ~~ذلك صاحبه. قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا ~~يحتسب} [الطلاق: 2, 3]. وقال تعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} ~~[الأنفال: 29]. وقال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~وأشد PageV01P497 # تثبيتا، وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما، ولهديناهم صراطا مستقيما} ~~[النساء: 66 - 68]. وقال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة} [يونس: 62 - 64] , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا ~~فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله", ثم قرأ قوله: {إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين} [الحجر: 75] 1. رواه الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري, وقال ms434 ~~تعالى، فيما يرويه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عادى لي وليا فقد ~~بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال ~~عبد يتقرب إلي بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، ~~وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني ~~لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض ~~نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه" 2. # فظهر أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس, وبالله التوفيق. # وقول المعتزلة في إنكار الكرامة: ظاهر البطلان، فإنه بمنزلة إنكار ~~المحسوسات. وقولهم: لو صحت لأشبهت المعجزة، فيؤدي إلى التباس النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالولي، وذلك لا يجوز! وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي ~~يأتي بالخارق ويدعي النبوة، وهذا لا يقع، ولو ادعى النبوة لم يكن وليا، بل ~~كان متنبئا كذابا، وقد تقدم الكلام في الفرق بين النبي والمتنبئ، عند قول ~~الشيخ: وأن محمدا عبده المجتبى ونبيه المصطفى3. # ومما ينبغي التنبيه عليه ههنا: أن الفراسة ثلاثة أنواع: # إيمانية، وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده، وحقيقتها أنها خاطر يهجم4، ~~PageV01P498 # على القلب، يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة، ومنها اشتقاقها1، وهذه ~~الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانا فهو أحد فراسة, قال أبو ~~سليمان الداراني رحمه الله: الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب، وهي من ~~مقامات الإيمان. انتهى. # وفراسة رياضية، وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي، فإن النفس إذا ~~تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة ~~مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان، ولا على ولاية، ولا تكشف عن ~~حق نافع، ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبادة ~~الرؤساء والأظناء2 ونحوهم. # وفراسة خلقية، وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، واستدلوا بالخلق على ~~الخلق، لما بينهما من الارتباط، الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر ~~الرأس الخارج عن العادة على ms435 صغر العقل، وبكبره على كبره، وسعة الصدر على ~~سعة الخلق، وبضيقه على ضيقه، وبجمود العينين وكلال نظرهما على بلادة ~~صاحبهما وضعف حرارة قلبه، ونحو ذلك. PageV01P499 ### | أشرطة الساعة # قوله: "ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليه ~~السلام من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من ~~موضعها". # ش: عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~[تبوك]، وهو في قبة [من] أدم، فقال: "اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم ~~فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى ~~يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا ~~دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين ~~غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا" 1. وروي "راية"، بالراء والغين، وهما ~~بمعنى. رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه والطبراني, وعن حذيفة بن أسيد، ~~قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر الساعة، فقال: "ما ~~تذاكرون؟ " قالوا: نذكر الساعة، فقال: "إنها لن تقوم حتى ترون [قبلها] عشر ~~آيات"، [فذكر]: "الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول ~~عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، ~~وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"2. ~~رواه مسلم، وفي "الصحيحين"، واللفظ للبخاري، عن ابن عمر رضي الله عنهما، ~~قال: ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "إن الله لا يخفى ~~عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه، وإن المسيح الدجال أعور ~~عين اليمنى 3، كأن عينه عنبة طافية" 4. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من نبي إلا وأنذر قومه الأعور ~~الدجال، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه ك ف ر" 5، ~~فسره في رواية: "أي كافر". وروى البخاري وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ~~قال: قال ms436 رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل ~~فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية 6، ~~ويفيض المال PageV01P500 # حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها"1. ثم يقول ~~أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ~~ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} [النساء: 159] , وأحاديث الدجال، وعيسى ابن ~~مريم عليه السلام، ينزل من السماء ويقتله، ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد ~~قتله الدجال، فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم: ويضيق ~~هذا المختصر عن بسطها. # وأما خروج الدابة وطلوع الشمس من المغرب, فقال تعالى: {وإذا وقع القول ~~عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون} ~~[النمل: 82]. وقال تعالى: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ~~أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ~~آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون} [الأنعام: ~~158] , وروى البخاري عند تفسير الآية، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها ~~الناس آمن [من] عليها، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" ~~2. وروى PageV01P501 # مسلم، عن عبد الله بن عمرو، قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول ~~الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما ~~كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا" 1. أي أول الآيات التي ليست ~~مألوفة، وإن كان الدجال ونزول عيسى عليه السلام من السماء قبل ذلك، وكذلك ~~خروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشر، مشاهدة مثلهم مألوفة، ~~وأما خروج الدابة بشكل غريب غير مألوف، ثم مخاطبتها الناس ووسمها إياهم ~~بالإيمان أو الكفر فأمر خارج عن مجاري العادات, وذلك ms437 أول الآيات الأرضية، ~~كما أن طلوع الشمس من مغربها، على خلاف عادتها المألوفة, أول الآيات ~~السماوية, وقد أفرد الناس [في] أحاديث أشراط الساعة مصنفات مشهورة، يضيق ~~على بسطها هذا المختصر. # قوله: "ولا نصدق كاهنا ولا عرافا، ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة ~~وإجماع الأمة". # ش: روى مسلم والإمام أحمد عن صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من أتى عرافا فسأله عن ~~شيء، لم يقبل له صلاة أربعين ليلة" 2. وروى الإمام أحمد في "مسنده"، عن أبي ~~هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى عرافا أو كاهنا، فصدقه ~~بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" 3. والمنجم يدخل في اسم العراف عند ~~بعض العلماء، وعند بعضهم هو في معناه, فإذا كانت هذه حال السائل، فكيف ~~بالمسئول؟ وفي "الصحيحين" و"مسند الإمام أحمد"، عن عائشة، قالت: سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان؟ فقال: "ليسوا بشيء"، فقالوا: يا رسول ~~الله! إنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "تلك الكلمة من الحق يخطفها PageV01P502 # الجني فيقرها في أذن وليه، فيخلطون فيها [أكثر من] مائة كذبة"1. وفي ~~الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، ~~وحلوان الكاهن خبيث" 2. وحلوانه: الذي تسميه العامة حلاوته. ويدخل في هذا ~~المعنى ما تعاطاه المنجم وصاحب الأزلام التي يستقسم بها، مثل الخشبة ~~المكتوب عليها "اب ج د" والضارب بالحصى، والذي يخط في الرمل, وما تعاطاه ~~هؤلاء حرام, وقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد من العلماء، كالبغوي ~~والقاضي عياض وغيرهما. # وفي "الصحيحين" عن زيد بن خالد، قال: خطبنا رسول صلى الله عليه وسلم ~~بالحديبية، على إثر سماء كانت من الليل، فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم ~~الليلة؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " [قال]: أصبح من عبادي مؤمن بي ~~وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، ~~[وأما ms438 من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب] " 3. وفي ~~"صحيح مسلم" و"مسند الإمام أحمد"، عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في ~~الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" 4. والنصوص عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر الأئمة، بالنهي عن ذلك, أكثر من أن ~~يتسع هذا الموضع لذكرها, وصناعة التنجيم، التي مضمونها الإحكام والتأثير، ~~وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية أو التمريح بين القرى ~~الفلكية والفوايل الأرضية: صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على ~~لسان جميع المرسلين، قال تعالى: PageV01P503 # {ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه: 69] , وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} [النساء: 51]. قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه وغيره: الجبت السحر1. وفي "صحيح البخاري"، عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكر غلام يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء، ~~فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري مم هذا؟ قال: وما هو؟ قال: كنت ~~تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة، إلا أني خدعته، فلقيني، ~~فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في ~~بطنه2. # والواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى في إزالة هؤلاء المنجمين والكهان ~~والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى والقرع والقالات3، ومنعهم من الجلوس ~~في الحوانيت والطرقات، أو يدخلوا على الناس في منازلهم لذلك, ويكفي من يعلم ~~تحريم ذلك ولا يسعى في إزالته، مع قدرته على ذلك, قوله تعالى: {كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [المائدة: 79]. وهؤلاء ~~الملاعين يقولون الإثم ويأكلون السحت، بإجماع المسلمين, وثبت في السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم برواية الصديق رضي الله عنه4، أنه قال: "إن الناس ~~إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" 5. # وهؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة، أنواع: نوع ~~منهم: أهل تلبيس وكذب وخداع، ms439 الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له، أو يدعي الحال ~~من أهل المحال، من المشايخ النصابين، والفقراء الكاذبين، والطرقية ~~المكارين، فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب ~~والتلبيس, وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل، كمن يدعي النبوة بمثل هذه ~~PageV01P504 # الخزعبلات، أو يطلب تغيير شيء من الشريعة، ونحو ذلك, ونوع يتكلم في هذه ~~الأمور على سبيل الجد والحقيقة، بأنواع السحر, وجمهور العلماء يوجبون قتل ~~الساحر، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه، وهذا هو ~~المأثور عن الصحابة، كعمر وابنه وعثمان وغيرهم, ثم اختلف هؤلاء: هل يستتاب ~~أم لا؟ وهل يكفر بالسحر؟ أم يقتل لسعيه في الأرض بالفساد؟ وقالت طائفة: إن ~~قتل بالسحر يقتل، وإلا عوقب بدون القتل، إذا لم يكن في قوله وعمله كفر، ~~وهذا هو المنقول عن الشافعي، وهو قول في مذهب أحمد. # وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه: والأكثرون يقولون: إنه قد ~~يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه، وزعم بعضهم أنه مجرد ~~تخييل, واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة، أو غيرها، ~~أو خطابها، أو السجود لها، والتقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم ~~والبخور ونحو ذلك, فإنه كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك، فيجب غلقه، بل سده, ~~وهو من جنس فعل قوم إبراهيم عليه السلام، ولهذا قال ما حكى الله عنه بقوله: ~~{فنظر نظرة في النجوم، فقال إني سقيم} [الصافات: 88, 89]. وقال تعالى: ~~{فلما جن عليه الليل رأى كوكبا} [الأنعام: 76] الآيات إلى قوله تعالى: ~~{الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} ~~[الأنعام: 82]. واتفقوا كلهم أيضا على أن كل رقية وتعزيم أو قسم، فيه شرك ~~بالله، فإنه لا يجوز التكلم به، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل ~~كلام فيه كفر لا يجوز التكلم به، وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم ~~به، لإمكان أن يكون فيه شرك لا يعرف, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"لا بأس ms440 بالرقى ما لم تكن شركا" 1. ولا يجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله ~~الكافرين على ذلك، فقال تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا} [الجن: 6]. قالوا: كان الإنسي إذا نزل بالوادي يقول: ~~أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح، {فزادوهم ~~رهقا} [الجن: 6]، يعني الإنس للجن، PageV01P505 # باستعاذتهم بهم، رهقا، أي إثما وطغيانا وجراءة وشرا، وذلك أنهم قالوا: قد ~~سدنا الجن، والإنس! فالجن تعاظم في أنفسها وتزداد كفرا إذا عاملتها الإنس ~~بهذه المعاملة, وقد قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون، قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ~~أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأ: 40, 41]. فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يدعون ~~الملائكة ويخاطبونهم بهذه العزائم، وأنها تنزل عليهم ضالون، وإنما تنزل ~~عليهم الشياطين، وقد قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا ~~أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك ~~حكيم عليم} [الأنعام: 128]. فاستمتاع الإنسي بالجني: في قضاء حوائجه، ~~وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات، ونحو ذلك، واستمتاع الجن ~~بالإنس: تعظيمه إياه، واستعانته به، واستغاثته وخضوعه له. # ونوع منهم بالأحوال الشيطانية، والكشوف ومخاطبته رجال الغيب، وأن لهم ~~خوارق تقتضي أنهم أولياء الله! وكان من هؤلاء من يعين المشركين على ~~المسلمين! ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين، لكون ~~المسلمين قد عصوا! وهؤلاء في الحقيقة إخوان المشركين. والناس من أهل العلم ~~فيهم [على] ثلاثة أحزاب: حزب يكذبون بوجود رجال الغيب، ولكن قد عاينهم ~~[الناس]، [وثبت عمن عاينهم] أو حدثه الثقات بما رأوه، وهؤلاء إذا رأوهم ~~وتيقنوا وجودهم خضعوا لهم, وحزب عرفوهم، ورجعوا إلى القدر، واعتقدوا أن ثم ~~في الباطن طريقا إلى الله غير طريقة الأنبياء! وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا ~~وليا خارجا عن دائرة الرسول، فقالوا: يكون الرسول هو ممدا للطائفتين, ~~فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه، والحق: أن ms441 هؤلاء [من] أتباع ~~الشياطين، وأن رجال الغيب هم الجن، ويسمون رجالا، كما قال تعالى: {وأنه كان ~~رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} [الجن: 6]. وإلا فالإنس ~~يؤنسون، أي يشهدون ويرون، وإنما يحتجب الإنسي أحيانا، لا يكون دائما محتجبا ~~عن أبصار الإنس، ومن ظنهم أنهم من الإنس فمن غلطه وجهله, وسبب الضلال # PageV01P506 # فيهم، وافتراق هذه الأحزاب الثلاثة, عدم الفرقان بين أولياء الشيطان ~~وأولياء الرحمن. ويقول بعض الناس: الفقراء يسلم إليهم حالهم! وهذا كلام ~~باطل، بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية، فما وافقها ~~قبل! وما خالفها رد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس ~~عليه أمرنا فهو رد" 1. وفي رواية: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ~~رد". فلا طريقة إلا طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا حقيقة إلا ~~حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحد [من ~~الخلق بعده] إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته إلا بمتابعته باطنا ~~وظاهرا, ومن لم يكن له مصدقا فيما أخبر، ملتزما لطاعته فيما أمر، في الأمور ~~الباطنة التي في القلوب، والأعمال الظاهرة التي على الأبدان, لم يكن مؤمنا، ~~فضلا عن أن يكون وليا لله تعالى، ولو طار في الهواء، ومشى على الماء، وأنفق ~~من الغيب، وأخرج الذهب من الخشب2، ولو حصل له من الخوارق ماذا عسى أن ~~يحصل!! فإنه لا يكون، مع تركه الفعل المأمور وعزل المحظور, إلا من أهل ~~الأحوال الشيطانية، المبعدة لصاحبها عن الله تعالى، المقربة إلى سخطه ~~وعذابه, لكن من ليس يكلف من الأطفال والمجانين، قد رفع عنهم القلم، فلا ~~يعاقبون، وليس لهم من الإيمان بالله والإقرار باطنا وظاهرا ما يكونون به من ~~أولياء الله المقربين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين, لكن يدخلون في ~~الإسلام تبعا لآبائهم، كما قال تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب ~~رهين} [الطور: 21]. # فمن اعتقد في بعض البله أو المولعين3، مع ms442 تركه لمتابعة الرسول في أقواله ~~وأفعاله وأحواله, أنه من أولياء الله، ويفضله على متبعي طريقة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، فهو ضال مبتدع، مخطئ في اعتقاده, فإن ذاك الأبله، إما أن ~~يكون شيطانا زنديقا، أو PageV01P507 # زوكاريا1 متحيلا، أو مجنونا معذورا! فكيف يفضل على من هو من أولياء الله، ~~المتبعين لرسوله؟! أو يساوى به؟! ولا يقال: يمكن أن يكون هذا متبعا في ~~الباطن وإن كان تاركا للاتباع في الظاهر؟ فإن هذا خطأ أيضا، بل الواجب ~~متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا. قال يونس2 بن عبد الأعلى ~~الصدفي: قلت للشافعي: إن صاحبنا الليث كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على ~~الماء فلا تغتروا3 به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة؟ فقال الشافعي: ~~قصر الليث رحمه الله، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء، ~~فلا تغتروا4 به حتى تعرضوا أمره على الكتاب. # وأما ما يقوله بعض الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البله"4, فهذا لا يصح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي PageV01P508 # نسبته إليه، فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب، الذين أرشدتهم عقولهم ~~وألبابهم إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر, وقد ذكر ~~الله أهل الجنة بأوصافهم في كتابه، فلم يذكر في أوصافهم البله، الذي هو ضعف ~~العقل، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر ~~أهلها الفقراء" 1. ولم يقل البله! # والطائفة الملامية، وهم الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويقولون نحن متبعون ~~في الباطن، ويقصدون إخفاء المرائين! ردوا باطلهم بباطل آخر!! والصراط ~~المستقيم بين ذلك, وكذلك الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة، مبتدعون ~~ضالون! وليس للإنسان أن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله! ولم يكن في الصحابة ~~والتابعين من يفعل ذلك، ولو عند سماع القرآن، بل كانوا كما وصفهم الله ~~تعالى: {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ~~وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: 2]. وكما قال تعالى: ms443 {الله نزل أحسن الحديث ~~كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم ~~وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له ~~من هاد} [الزمر: 23]. PageV01P509 # وأما الذين ذكرهم العلماء بخير من عقلاء المجانين، فأولئك كان فيهم خير، ~~ثم زالت عقولهم, ومن علامة هؤلاء، أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصحو، ~~تكلموا بما كان في قلوبهم من الإيمان, [[ويهذون]] (*) بذلك في حال زوال ~~عقلهم. بخلاف [[غيرهم ممن تكلم إذا حصل لهم نوع إفاقة بالكفر والشرك، ~~ويهذون بذلك في حال زوال عقلهم. و]] (**) من كان قبل جنونه كافرا أو فاسقا، ~~لم يكن حدوث جنونه مزيلا لما ثبت من كفره أو فسقه, وكذلك من جن من المؤمنين ~~المتقين، يكون محشورا مع المؤمنين المتقين, وزوال العقل بجنون أو غيره، ~~"سواء" سمي صاحبه مولعا أو متولها لا يوجب مزيد حال، [بل] حال صاحبه من ~~الإيمان والتقوى يبقى على ما كان عليه من خير وشر، لا أنه يزيده أو ينقصه، ~~ولكن جنونه يحرمه الزيادة من الخير، كما أنه يمنع عقوبته على الشر، ولا ~~يمحو عنه ما كان عليه قبله. # وما يحصل لبعضهم عند سماع الأنغام المطربة، من الهذيان، والتكلم لبعض ~~اللغات المخالفة للسانه المعروف منه!! فذلك شيطان يتكلم على لسانه، كما ~~يتكلم على لسان المصروع، وذلك كله من الأحوال الشيطانية! وكيف يكون زوال ~~العقل سببا أو شرطا أو تقربا إلى ولاية الله، كما يظنه كثير من أهل ~~الضلال؟! حتى قال قائلهم: # هم معشر حلوا النظام وخرقوا ال ... سياج فلا فرض لديهم ولا نفل # مجانين إلا أن سر جنونهم ... عزيز على أبوابه يسجد العقل # وهذا كلام ضال، بل كافر، يظن أن "في" الجنون سرا يسجد العقل على بابه!! ~~لما رآه من بعض المجانين من نوع مكاشفة، أو تصرف عجيب خارق للعادة، ويكون ~~ذلك سبب ما اقترن به من الشياطين، كما يكون للسحرة والكهان! فيظن هذا الضال ~~أن كل من خبل أو خرق عادة1 كان وليا لله!! ms444 ومن اعتقد هذا فهو كافر، فقد قال ~~تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم} [الشعراء: ~~221, 222]. فكل من تنزل عليه الشياطين لا بد أن يكون عنده كذب وفجور. ~~PageV01P510 # وأما الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات، ويتركون الجمع والجماعات، فهم ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، قد طبع ~~الله على قلوبهم, كما قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "من ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر، طبع الله على قلبه" 1. وكل من ~~عدل عن اتباع سنة الرسول، إن كان عالما بها فهو مغضوب عليه، وإلا فهو ضال, ~~ولهذا شرع الله لنا أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط ~~الذين أنعم عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك ~~رفيقا، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. # وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر عليه السلام، في تجويز الاستغناء عن ~~الوحي بالعلم اللدني، الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق, فهو ملحد زنديق. فإن ~~موسى عليه السلام لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته, ~~ولهذا قال له: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم2, ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~مبعوث إلى جميع الثقلين، ولو كان موسى وعيسى حيين3 لكانا من أتباعه، وإذا ~~نزل عيسى عليه السلام إلى الأرض، إنما يحكم بشريعة محمد، فمن ادعى أنه مع ~~محمد صلى الله عليه وسلم كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من الأمة, فليجدد ~~إسلامه، وليشهد شهادة الحق، فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلا عن أن ~~يكون من أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان, وهذا الموضع مفرق بين ~~زنادقة القوم وأهل PageV01P511 # الاستقامة، وحرك تر. وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث ~~كانوا!! فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين أحصر عنها، وهو يود منها نظرة؟! وهؤلاء لهم شبه بالذين وصفهم الله ~~تعالى حيث يقول: {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى ms445 صحفا منشرة} [المدثر: 52]، ~~إلى آخر السورة. # [قوله]: "ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا". # ش: قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: ~~103]. وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} [آل عمران: 105]. وقال تعالى: {إن الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم ~~بما كانوا يفعلون} [الأنعام: 159]. وقال تعالى: {ولا يزالون مختلفين، إلا ~~من رحم ربك} [هود: 119]. فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف. وقال تعالى: ~~{ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق ~~بعيد} [البقرة: 176]. وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الكتابين ~~افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث ~~وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة" 1. وفي ~~رواية: قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" , فبين أن ~~عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة والجماعة، وأن الاختلاف واقع لا محالة ~~وروى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن ~~[الشيطان] ذئب الإنسان، كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية، [والناحية]، ~~فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة، والعامة، والمسجد" 2. وفي "الصحيحين" عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال لما نزل PageV01P512 # قوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم} [الأنعام: 65]، قال: "أعوذ بوجهك" , {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم ~~بأس بعض} [الأنعام: 65] قال: "هاتان أهون" 1. فدل على أنه لا بد أن يلبسهم ~~شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، مع براءة الرسول من هذه الحال، وهم فيها في ~~جاهلية, ولهذا قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم متوافرون، فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو قرح أصيب بتأويل القرآن, ~~فهو هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية. وقد روى مالك2 بإسناده الثابت عن عائشة ~~رضي الله عنها، أنها كانت تقول: ترك الناس العمل ms446 بهذه الآية، يعني قوله ~~تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات: 9] , فإن ~~المسلمين لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم كما أمر الله تعالى، فلما ~~لم يعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية، وهكذا تسلسل النزاع. PageV01P513 ### | يجب رد جميع الأمور المتنازع فيها إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم # "والأمور" التي تتنازع فيها الأمة، في الأصول والفروع, إذا لم ترد إلى ~~الله والرسول، لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة ~~من أمرهم، فإن رحمهم الله أقر بعضهم بعضا، ولم يبغ بعضهم على بعض، كما كان ~~الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيقر بعضهم ~~بعضا، ولا يعتدي ولا يعتدى عليه، وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف ~~المذموم، فبغى بعضهم على بعض، إما بالقول، مثل تكفيره وتفسيقه، وإما ~~بالفعل، مثل حبسه وضربه وقتله. والذين امتحنوا الناس بخلق القرآن، كانوا من ~~هؤلاء، ابتدعوا بدعة، وكفروا من خالفهم فيها، واستحلوا منع حقه وعقوبته. # فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول: إما عادلون وإما ~~ظالمون، فالعادل فيهم: الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء، ولا يظلم ~~غيره، والظالم: الذي يعتدي على غيره. وأكثرهم إنما يظلمون مع علمهم بأنهم ~~يظلمون، كما قال تعالى: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم} [آل عمران: 19]. وإلا فلو سلكوا ما علموه من العدل، أقر ~~بعضهم بعضا، كالمقلدين لأئمة العلم، الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن ~~معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل، فجعلوا أئمتهم نوابا عن الرسول، ~~وقالوا: هذا غاية ما قدرنا عليه، فالعادل منهم لا يظلم الآخر، ولا يعتدي ~~عليه بقول ولا فعل، مثل أن يدعي أن قول مقلده هو الصحيح بلا حجة يبديها، ~~ويذم من خالفه، مع أنه معذور. # PageV01P513 ### | أنواع الاختلاف # ... # أنوع الاختلاف: # ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان: # اختلاف تنوع، واختلاف تضاد. # واختلاف التنوع ms447 على وجوه: # منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعا، كما في القراءات ~~التي اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم، حتى زجرهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقال: "كلاكما محسن" 1، ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، ~~والإقامة، والاستفتاح، ومحل سجود السهو، والتشهد، وصلاة الخوف، وتكبيرات ~~العيد، ونحو ذلك، مما قد شرع جميعه، وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل, ثم ~~تجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع ~~الإقامة وإيتارها ونحو ذلك! وهذا عين المحرم, وكذا تجد كثيرا منهم في قلبه ~~من الهوى لأحد هذه الأنواع، والإعراض عن الآخر والنهي عنه: ما دخل به فيما ~~نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. # ومنه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر، لكن العبارتان ~~مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصيغ الأدلة، ~~والتعبير عن المسميات، ونحو ذلك, ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى ~~المقالتين وذم الأخرى والاعتداء على قائلها! ونحو ذلك. PageV01P514 # وأما اختلاف التضاد، فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول، وإما في ~~الفروع، عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد. والخطب في هذا أشد، لأن ~~القولين يتنافيان، لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع ~~منازعه فيه حق ما، أو معه دليل يقتضي حقا ما، فيرد الحق مع الباطل، حتى ~~يبقى هذا مبطلا في البعض، كما كان الأول مبطلا في الأصل، وهذا يجري كثيرا ~~لأهل السنة. # وأما أهل البدعة، فالأمر فيهم ظاهر. ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من ~~هذا ما تبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه، ~~وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا، لكن نور على نور. # والاختلاف الأول، الذي هو اختلاف التنوع، الذم فيه واقع على من بغى على ~~الآخر فيه, وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل ذلك، إذا ~~لم يحصل بغي، كما في قوله تعالى: {ما ms448 قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ~~أصولها فبإذن الله} [الحشر: 5] , وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار، فقطع ~~قوم، وترك آخرون. وكما في قوله تعالى: {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ~~إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان وكلا آتينا ~~حكما وعلما} [الأنبياء: 78, 79]، فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالحكم ~~والعلم. وكما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة1 لمن صلى ~~العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة1, وكما في قوله: "إذا ~~اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" 2. # والاختلاف الثاني، هو ما حمد فيه إحدى الطائفتين، وذمت الأخرى، كما في ~~قوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم ~~البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر} [البقرة: 253]. وقوله ~~تعالى: PageV01P515 # {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار} [الحج: ~~19]، الآيات. # وأكثر الاختلاف الذي يئول إلى الأهواء بين الأمة, من القسم الأول، وكذلك ~~إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء؛ لأن إحدى الطائفتين لا ~~تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من ~~الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك, ولذلك جعل الله مصدره البغي في قوله: ~~{وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم} ~~[البقرة: 213]؛ لأن البغي مجاوزة الحد، وذكر هذا في غير موضع من القرآن ~~ليكون عبرة لهذه الأمة, وقريب من هذا الباب ما خرجاه في "الصحيحين"، عن أبي ~~الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ~~واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر ~~فأتوا منه ما استطعتم" 1. فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به، معللا بأن سبب ~~هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية. # ثم الاختلاف في الكتاب، من ms449 الذين يقرون به, على نوعين: أحدهما اختلاف في ~~تنزيله، والثاني اختلاف في تأويله, وكلاهما فيه إيمان ببعض دون بعض: # فالأول كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، فطائفة قالت: هذا الكلام ~~حصل بقدرته ومشيئته لكونه مخلوقا في غيره لم يقم به، وطائفة قالت: بل هو ~~صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق، لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته, وكل من ~~الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل، فآمنت ببعض الحق، وكذبت بما تقوله ~~الأخرى من الحق، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. # وأما الاختلاف في تأويله، الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض، فكثير، ~~PageV01P516 # كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر، هذا ينزع بآية وهذا ~~ينزع بآية، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: "أبهذا أمرتم؟ أم بهذا ~~وكلتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما ~~نهيتم عنه فانتهوا" 1. وفي رواية: "يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم، باختلافهم ~~على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ~~ببعض، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه ~~فآمنوا به". وفي رواية: "فإن الأمم قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا، وإن ~~المراء في القرآن كفر" 2. وهو حديث مشهور، مخرج في "المسانيد والسنن". وقد ~~روى أصل الحديث مسلم في "صحيحه"، من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري، أن ~~عبد الله بن عمرو قال: هجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوما، فسمع أصوات ~~رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في ~~وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب" 3. # وجميع أهل البدع مختلفون في تأويله، مؤمنون ببعضه دون بعض، يقرون بما ~~يوافق رأيهم من الآيات، وما يخالفه: إما أن يتأوله تأويلا يحرفون فيه الكلم ~~عن مواضعه، وإما أن يقولوا: هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدوا ما ~~أنزله ms450 من معانيه! وهو في معنى الكفر بذلك؛ لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو ~~من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم ~~يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا} [الجمعة: 5]. وقال تعالى: {ومنهم أميون ~~لا يعلمون الكتاب إلا أماني} [البقرة: 78]، أي: إلا تلاوة من غير فهم ~~معناه. وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به، واشتبه عليه ~~بعضه فوكل علمه إل PageV01P517 # الله، كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "فما عرفتم منه فاعملوا ~~به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" 1، فامتثل ما أمر به صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله: "ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله ~~تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}. وقال تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا} ~~[المائدة: 3]. وهو بين [الغلو و] التقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين ~~الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس". # ش: ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد" , وقوله تعالى: {ومن يبتغ ~~غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85] , عام في كل زمان، ولكن ~~الشرائع تتنوع، كما قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: ~~48] , فدين الإسلام هو ما شرعه الله سبحانه وتعالى لعباده على ألسنة رسله، ~~وأصل هذا الدين وفروعه روايته عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل ~~مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجم، وذكي وبليد, أن يدخل فيه بأقصر زمان، ~~وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو ~~كذب على الله، أو ارتياب في قول الله تعالى، أو رد لما أنزل، أو شك فيما ~~نفى الله عنه الشك، أو غير ذلك مما في معناه, فقد دل الكتاب والسنة على ~~ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه الوافد ثم يولي في وقته, ~~واختلاف تعليم النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن ~~كان بعيد الوطن، كضمام بن ms451 ثعلبة النجدي، ووفد عبد القيس، علمهم ما لم يسعهم ~~جهله، مع علمه أن دينه سينشر في الآفاق، ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما ~~يحتاجون إليه، ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت، بحيث يتعلم على ~~التدريج، أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه, أجابه بحسب حاله ~~وحاجته، على ما تدل قرينة حال السائل، كقوله: "قل آمنت بالله ثم استقم". ~~وأما من شرع دينا لم يأذن به PageV01P518 # الله، فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا عن غيره من المرسلين، إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل، ~~كما أن لازم الحق حق. # وقوله: بين الغلو والتقصير, قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم غير الحق} [المائدة: 77]. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، وكلوا ~~مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} [المائدة: 87, ~~88]. وفي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها: أن ناسا من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمله في ~~السر؟ فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: ~~لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما بال أقوام ~~يقول أحدهم كذا وكذا؟! لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج ~~النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" 1. وفي غير "الصحيحين": سألوا عن عبادته ~~في السر، فكأنهم تقالوها2. وذكر في سبب نزول الآية الكريمة عن ابن جريج، عن ~~عكرمة: أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن ~~الأسود، وسالم مولى أبي حذيفة، رضي الله عنهم في أصحابه, تبتلوا، فجلسوا في ~~البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ~~ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام ~~الليل ms452 وصيام النهار، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87]، يقول: لا ~~تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما ~~أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فلما نزلت ~~فيهم، بعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: "إن لأنفسكم PageV01P519 # عليكم حقا، وإن لأعينكم حقا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ~~ترك سنتنا", فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت1. # وقوله: وبين التشبيه والتعطيل, تقدم أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يوصف ~~بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تشبيه، فلا يقال: سمع كسمعنا، ~~ولا بصر كبصرنا، ونحوه، ومن غير تعطيل، فلا ينفى عنه ما وصف به نفسه، أو ~~وصفه به أعرف الناس2 به, رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك تعطيل، وقد ~~تقدم الكلام في هذا المعنى, ونظير هذا القول قوله: ومن لم يتوق النفي ~~والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه, وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى: {ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. فقوله: {ليس كمثله شيء} ~~[الشورى: 11] , رد على المشبهة، وقوله: وهو {السميع البصير} [الشورى: 11] , ~~رد على المعطلة. # وقوله: وبين الجبر والقدر, تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى، وأن العبد ~~غير مجبور على أفعاله وأقواله، وأنها "ليست" بمنزلة حركات المرتعش وحركات ~~الأشجار بالرياح وغيرها، وليست مخلوقة للعباد، بل هي فعل العبد وكسبه وخلق ~~الله تعالى. # وقوله: وبين الأمن والإياس تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى، وأنه يجب أن ~~يكون العبد خائفا من عذاب ربه، راجيا رحمته، وأن الخوف والرجاء بمنزلة ~~الجناحين للعبد، في سيره إلى الله تعالى والدار الآخرة. # قوله: "فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا، ونحن براء إلى الله تعالى من ~~كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ~~ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب ~~الردية، مثل المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، وغيرهم، من ~~الذين ms453 خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ~~ضلال وأردياء. وبالله العصمة والتوفيق". PageV01P520 # ش: الإشارة بقوله: "فهذا" كل ما تقدم من أول الكتاب إلى هنا. # والمشبهة: هم الذين شبهوا الله سبحانه بالخلق في صفاته، وقولهم عكس قول ~~النصارى، شبهوا المخلوق -وهو عيسى عليه السلام- بالخالق وجعلوه إلها، ~~وهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق، كداود الجواربي وأشباهه. # والمعتزلة: هم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهما، سموا بذلك ~~لما اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري رحمه الله، في أوائل المائة ~~الثانية، وكانوا يجلسون معتزلين، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، وقيل: ~~إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة، وتابعه عمرو بن عبيد ~~تلميذ الحسن البصري، فلما كان زمن هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل كتابين، ~~وبين مذهبهم، وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة، التي سموها: العدل، والتوحيد، ~~وإنفاذ الوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! ~~ولبسوا فيها الحق بالباطل، إذ شأن البدع هذا، اشتمالها على حق وباطل, وهم ~~مشبهة الأفعال؛ لأنهم قاسوا أفعال الله تعالى على أفعال عباده، وجعلوا ما ~~يحسن من العباد يحسن منه، وما يقبح من العباد يقبح منه! وقالوا: يجب عليه ~~أن يفعل كذا، ولا يجوز له أن يفعل كذا، بمقتضى ذلك القياس الفاسد!! فإن ~~السيد من بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه ولا يمنعهم من ذلك لعد إما ~~مستحسنا للقبيح، وإما عاجزا، فكيف يصح قياس أفعاله سبحانه وتعالى على أفعال ~~عباده؟! والكلام على هذا المعنى مبسوط في موضعه, فأما العدل، فستروا تحته ~~نفي القدر، وقالوا: إن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به، إذ لو خلقه ثم ~~يعذبهم عليه يكون ذلك جورا!! والله تعالى عادل لا يجور. ويلزم على هذا ~~الأصل الفاسد أن الله تعالى يكون في ملكه ما لا يزيده، فيريد الشيء ولا ~~يكون، ولازمه وصفه بالعجز! تعالى الله عن ذلك, وأما التوحيد فستروا تحت ~~القول بخلق القرآن، إذ لو كان غير مخلوق لزم تعدد القدماء!! ويلزمهم على ~~هذا القول الفاسد أن ms454 علمه وقدرته وسائر صفاته مخلوقة، أو التناقض! وأما ~~الوعيد، فقالوا: إذا أوعد بعض عبيده وعيدا فلا يجوز أن لا يعذبهم ويخلف ~~وعيده؛ لأنه لا يخلف الميعاد، فلا يعفو عمن يشاء، ولا يغفر لمن يريد، ~~عندهم!! وأما المنزلة بين المنزلتين، فعندهم أن من ارتكب كبيرة يخرج # PageV01P521 # من الإيمان ولا يدخل في الكفر!! وأما الأمر بالمعروف، فهو أنهم قالوا: ~~علينا أن نأمر غيرنا بما أمرنا به، وأن نلزمه بما يلزمنا، وذلك هو الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه أنه يجوز الخروج على الأئمة بالقتال إذا ~~جاروا!! # وقد تقدم جواب هذه الشبه الخمس في مواضعها, وعندهم أن التوحيد والعدل من ~~الأصول العقلية التي لا يعلم صحة السمع إلا بعدها، وإذا استدلوا على ذلك ~~بأدلة سمعية، فإنما يذكرونها للاعتضاد بها، لا للاعتماد عليها، فهم يقولون: ~~لا نثبت هذه بالسمع، بل العلم بها متقدم على العلم بصحة النقل! فمنهم من لا ~~يذكرها في الأصول، إذ لا فائدة فيها عندهم، ومنهم من يذكرها ليبين موافقة ~~السمع للعقل، ولإيناس الناس بها، لا للاعتماد عليها! والقرآن والحديث فيه ~~عندهم بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب! والمدد اللاحق بعسكر مستغن عنهم! ~~وبمنزلة من يتبع هواه واتفق أن الشرع ما يهواه!! كما قال عمر بن عبد ~~العزيز: لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه، ويخالفه إذا خالف هواه، فإذا ~~أنت لا تثاب على ما وافقته من الحق، وتعاقب على ما تركته منه؛ لأنك إنما ~~اتبعت هواك في الموضعين, وكما أن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، ~~والعمل يتبع قصد صاحبه وإرادته، فالاعتقاد القوي يتبع أيضا علم ذلك ~~وتصديقه، فإذا كان تابعا للإيمان كان من الإيمان، كما أن العمل الصالح إذا ~~كان عن نية صالحة كان صالحا، وإلا فلا، فقول أهل الإيمان التابع لغير ~~الإيمان، كعمل أهل الصلاح التابع لغير قصد أهل الصلاح, وفي المعتزلة زنادقة ~~كثيرة، وفيهم من ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # والجهمية: هم المنتسبون إلى جهم بن صفوان السمرقندي، وهو الذي أظهر ms455 نفي ~~الصفات والتعطيل، وهو أخذ ذلك عن الجعد بن درهم، الذي ضحى به خالد بن عبد ~~الله القسري بواسط، فإنه خطب الناس في يوم عيد الأضحى، وقال: أيها الناس، ~~ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا ~~كبيرا! ثم نزل فذبحه, وكان ذلك بعد استفتاء علماء زمانه، وهم السلف الصالح ~~رحمهم الله تعالى, وكان جهم بعده بخراسان، فأظهر مقالته هناك، وتبعه عليها # PageV01P522 # ناس، بعد أن ترك الصلاة أربعين يوما شكا في ربه! وكان ذلك لمناظرته قوما ~~من المشركين، يقال لهم السمنية، [من فلاسفة الهند]، الذين ينكرون من العلم ~~ما سوى الحسيات، قالوا له: هذا ربك الذي تعبده، هل يرى أو يشم أو يذاق أو ~~يلمس؟ فقال: لا، فقالوا: هو معدوم!! فبقي أربعين يوما لا يعبد شيئا، ثم لما ~~خلا قلبه من معبود يؤلهه، نقش الشيطان اعتقادا نحته فكره، فقال: إنه الوجود ~~المطلق!! ونفى جميع الصفات، واتصل بالجعد, وقد قيل: إن جعدا كان [قد] اتصل ~~بالصابئة الفلاسفة من أهل حران، وأنه أيضا أخذ شيئا عن بعض اليهود المحرفين ~~لدينهم، المتصلين بلبيد بن الأعصم، الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه ~~وسلم, فقتل جهم بخراسان، قتله سلم بن أحوز ولكن كانت قد فشت مقالته في ~~الناس، وتقلدها بعده المعتزلة, ولكن كان جهم أدخل في التعطيل منهم، لأنه ~~ينكر الأسماء حقيقة، وهم لا ينكرون الأسماء بل الصفات, وقد تنازع العلماء ~~في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة أم لا؟ ولهم في ذلك قولان: وممن ~~قال إنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة, عبد الله بن المبارك، ويوسف بن ~~أسباط, وإنما اشتهرت مقالة الجهمية من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره ~~من علماء السنة، فإنه من إمارة المأمون قووا وكثروا، فإنه قد أقام بخراسان ~~مدة واجتمع بهم، ثم كتب بالمحنة من طرسوس1 سنة ثمان عشرة ومائتين وفيها ~~مات، وردوا الإمام أحمد إلى الحبس ببغداد ms456 إلى سنة عشرين، وفيها كانت محنته ~~مع المعتصم ومناظرته لهم بالكلام، فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه، وبين ~~أنه لا حجة لهم في شيء من ذلك، وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم وامتحانهم ~~إياهم جهل وظلم، وأراد المعتصم إطلاقه، أشار عليه من أشار بأن المصلحة ~~ضربه، لئلا تنكسر حرمة الخلافة من بعد مرة! فلما ضربوه قامت الشناعة في ~~العامة، وخافوا، فأطلقوه. وقصته مذكورة في كتب التاريخ, ومما انفرد به جهم: ~~أن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، والكفر هو الجهل فقط، ~~وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأن الناس إنما PageV01P523 # تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز، كما يقال تحركت الشجرة، ودار الفلك، ~~وزالت الشمس! ولقد أحسن القائل: # عجبت لشيطان دعا الناس جهرة ... إلى النار واشتق اسمه من جهنم # وقد نقل أن أبا حنيفة رحمه الله، لما سئل عن الكلام في الأعراض والأجسام؟ ~~فقال: لعن الله عمرو بن عبيد، هو فتح على الناس الكلام في هذا. # والجبرية: أصل قولهم من جهم بن صفوان، كما تقدم، وأن فعل العبد بمنزلة ~~طوله ولونه! وهم عكس القدرية نفاة القدر، فإن القدرية إنما نسبوا إلى القدر ~~لنفيهم إياه، كما سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء، وأنه لا أحد مرجأ لأمر الله ~~إما يعذبهم وإما يتوب عليهم, وقد تسمى الجبرية "قدرية" لأنهم غلوا في إثبات ~~القدر، وكما يسمى الذين لا يجزمون بشيء من الوعد والوعيد، بل يغلون في ~~إرجاء كل أمر حتى الأنواع، فلا يجزمون بثواب من تاب، كما لا يجزمون بعقوبة ~~من لم يتب، وكما لا يجزم لمعين, وكانت المرجئة الأولى يرجئون عثمان وعليا، ~~ولا يشهدون بإيمان ولا كفر!! # وقد ورد في ذم القدرية أحاديث في السنن: منها ما روى أبو داود في سننه، ~~من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، قال: "القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا ~~فلا تشهدوهم"1. وروي في ذم القدرية أحاديث أخر ms457 كثيرة، تكلم أهل الحديث في ~~صحة رفعها، والصحيح أنها موقوفة، بخلاف الأحاديث الواردة في ذم الخوارج، ~~فإن فيهم في الصحيح وحده عشرة أحاديث، أخرج البخاري منها ثلاثة، وأخرج مسلم ~~سائرها, ولكن مشابهتهم للمجوس ظاهرة، بل قولهم أرادأ من قول المجوس، فإن ~~المجوس اعتقدوا وجود خالقين، والقدرية اعتقدوا خالقين!! # وهذه البدع المتقابلة حدثت من الفتن المفرقة بين الأمة، كما ذكر البخاري ~~في "صحيحه"، عن سعيد بن المسيب، قال: وقعت الفتنة الأولى، يعني مقتل ~~PageV01P524 # عثمان، فلم تبق من أصحاب بدر أحدا, ثم وقعت الفتنة الثانية، فلم تبق من ~~أصحاب الحديبية أحدا, ثم وقعت الثالثة، فلم ترتفع وللناس طباخ، أي عقل ~~وقوة, فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى، والقدرية والمرجئة في ~~الفتنة الثانية، والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة, فصار هؤلاء {الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا} [الأنعام: 195] , يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك ~~غلوا في علي، وأولئك كفروه! وأولئك غلوا في الوعيد، حتى خلدوا بعض ~~المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعيد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة! وأولئك ~~غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في ~~التشبيه! وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويعرضون عن ~~الأمر المشروع، وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود ~~والنصارى والمجوس والصابئين، فثانهم قرءوا كتبهم، فصار عندهم من ضلالتهم ما ~~أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة، وفي المعنى أخرى! ~~فلبسوا الحق بالباطل، وكتموا حقا جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا وتكلموا ~~حينئذ في الجسم والعرض والتجسيم، نفيا وإثباتا. # وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم، عدولهم عن الصراط المستقيم، الذي أمرنا ~~الله باتباعه، فقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153]. وقال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو ~~إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} [يوسف: 108] فوحد لفظ "صراطه" ~~و"سبيله"، وجمع "السبل" المخالفة له, وقال ابن مسعود رضي الله عنه: خط لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، وقال: "هذا سبيل الله"، ثم خط خطوطا عن ms458 ~~يمينه وعن يساره، وقال: "هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ: ~~{وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون} [الأنعام: 153] 1, ومن ههنا يعلم أن اضطرار العبد ~~إلى سؤال هداية الصراط المستقيم فوق كل ضرورة، ولهذا شرع الله تعالى في ~~الصلاة PageV01P525 # قراءة أم القرآن في كل ركعة، إما فرضا أو إيجابا، على حسب اختلاف العلماء ~~في ذلك، لاحتياج العبد إلى هذا الدعاء العظيم القدر، المشتمل على أشرف ~~المطالب وأجلها, فقد أمرنا الله تعالى أن نقول: {اهدنا الصراط المستقيم، ~~صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 5 - 7] , ~~وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم، ~~والنصارى ضالون" 1, وثبت في "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟! " 2. # قال طائفة من السلف: من انحرف من العلماء ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف ~~من العباد ففيه شبه من النصارى, فلهذا تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام، ~~من المعتزلة ونحوهم, فيه شبه من اليهود، حتى أن علماء اليهود يقرءون كتب ~~شيوخ المعتزلة، ويستحسنون طريقتهم، وكذا شيوخ المعتزلة يميلون إلى اليهود ~~ويرجحونهم على النصارى, وأكثر المنحرفين من العباد، من المتصوفة ونحوهم, ~~فيهم شبه من النصارى، ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد ~~ونحو ذلك, وشيوخ هؤلاء يذمون الكلام وأهله، وشيوخ أولئك يعيبون طريقة هؤلاء ~~ويصنفون في ذم السماع والوجد وكثير من الزهد والعبادة التي أحدثها هؤلاء. ~~PageV01P526 # ولفرق الضلال في الوحي طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل. أما أهل ~~التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل، وأهل التحريف والتأويل. # فأهل الوهم والتخييل، هم الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله ~~واليوم الآخر والجنة والنار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه! لكنهم خاطبوهم ~~بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله شيء عظيم كبير، وأن الأبدان تعاد، ms459 وأن ~~لهم نعيما محسوسا، وعقابا محسوسا، وإن كان الأمر ليس كذلك، لأن مصلحة ~~الجمهور في ذلك، وإن كان كذبا فهو كذب لمصلحة الجمهور!! وقد وضع ابن سينا ~~وأمثاله قانونهم على هذا الأصل. # وأما أهل التحريف والتأويل، فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا ~~بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر، وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه ~~بعقولنا! ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع ~~التأويلات!! ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن يراد ~~كذا, وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ. # وأما أهل التجهيل والتضليل، الذين حقيقة قولهم: إن الأنبياء وأتباع ~~الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف [به] نفسه من ~~الآيات وأقوال الأنبياء! ويقولون: يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه إلا ~~الله، لا يعلمه جبرائيل ولا محمد ولا غيره من الأنبياء، فضلا عن الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: {الرحمن على ~~العرش استوى} [طه: 5] 1, {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر: 10] , {ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75] , وهو لا يعرف معاني هذه الآيات! بل معناها ~~الذي دلت عليه لا يعرفه إلا الله تعالى!! ويظنون أن هذه طريقة السلف!! # ثم منهم من يقول: إن المراد بهذا خلاف مدلولها الظاهر المفهوم، ولا يعرفه ~~PageV01P527 # أحد، كما لا يعلم وقت الساعة! ومنهم من يقول: بل تجرى على ظاهرها!! ~~[[وتحمل على ظاهرها!! ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله، فيتناقضون حيث ~~أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا مع هذا: إنها تحمل على ظاهرها!!]] ~~(*) وهؤلاء يشتركون1 في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي ~~يجعلونها مشكلة أو متشابهة، ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما ~~يجعله الفريق الآخر مشكلا! ثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضا! ومنهم ~~من يقول: علمها ولم يبينها، بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية، وعلى من ~~يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص!! فهم مشتركون في أن الرسول ms460 لم يعلم أو ~~لم يعلم، بل نحن عرفنا الحق بعقولنا ثم اجتهدنا في حمل كلام الرسول على ما ~~يوافق عقولنا، وأن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات!! ولا يفهمون ~~السمعيات!! وكل ذلك ضلال وتضليل عن سواء السبيل. # نسأل الله السلامة والعافية، من هذه الأقوال الواهية، المفضية بقائلها ~~إلى الهاوية. # سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب ~~العالمين. # وجد في نهاية الأصل المخطوط ما يلي: # قد تم تحريرها على يد الفقير خادم العلماء الأعلام والمحرري الكتب في ~~جامع مدرسة مرجان عليه الرحمة والرضوان عبد المحيي بن عبد الحميد بن الحاج ~~محمد مكي الشيخلي البغدادي, يوم الاثنين التاسع من شهر رجب الأصم من شهور ~~سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة بعد الألف. PageV01P528 ### | فهرس الموضوعات # الصفحة الموضوع # 5 مقدمة الناشر # 15 ترجمة ابن أبي العز الحنفي # 17 ترجمة الإمام الطحاوي # 21 مقدمة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني # 69 مقدمة الشارح # 70 وجوب الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إيمانا عاما مجملا ~~على كل أحد # 72 التعريف بالإمام أبي جعفر الطحاوي # 73 وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أمر به وعموم رسالته # 74 ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كامل واف # 77 التوحيد ومعناه # 79 توحيد الإلهية والربوبية # 83 التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية الذي يتضمن توحيد الربوبية # 87 تفسير قوله تعالى: {ما اتخذ الله من ولد} # 89 أنواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل # 98 تفسير قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} # 103 الموجود في الخارج لا يوجد مطلقا كليا بل لا يوجد إلا معينا مختصا # 103 المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عينها أو ما ~~يناسب عينها # 105 المراتب الثلاثة التي لا بد منها في كل خطاب # 106 تفسير القدرة وبيان أن الله تعالى لا يعجزه شيء # 107 التعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة ~~والجماعة # 109 تفسير كلمة: "لا إله إلا الله" # 109 استدراك ms461 العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية # 111 تفسير صفتي القدم والبقاء # 113 بيان أن الله تعالى لا يفني ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد # 114 الفرق بين الإرادة الدينية والإرادة الكونية # 117 الرد على المشبهة # 120 الكلام على صفة الحياة # 122 تفسير صفتي الخلق والرزق # PageV01P529 # الصفحة الموضوع # 124 استمرار صفات الكمال وصفات الذات والفعل لله تعالى # 125 هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ # 127 بحث في الاسم هل هو عين المسمى أو لا؟ # 127 الرد على الجهمية والمعتزلة في الصفات # 130 البحث في التسلسل # 131 تفسير صفتي الخالق والبارئ # 133 اختلاف العلماء في أول مخلوق لله # 136 اتصاف الله تعالى بالرب قبل أن يوجد مربوب واتصافه بالخالق قبل أن ~~يوجد مخلوق، وهو على # كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير # 138 لله المثل الأعلى # 140 إعراب {ليس كمثله شيء} # 141 خلق الله تعالى الخلق بعلمه # 142 تقدير الأقدار وضرب الآجال # 144 الدعاء المشروع وآثاره # 145 مشيئة الله نافذة، لا مشيئة العباد # 148 الهدى والضلال والرد على المعتزلة في قولهم بالأصلح # 149 وجوب الإيمان بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسالته # 150 البحث في المعجزات # 152 القرائن التي استدلت بها خديجة والنجاشي وهرقل على صدق رسالة محمد ~~صلى الله عليه # وسلم # 157 إنكار رسالة محمد صلى الله عليه وسلم طعن في الرب تعالى # 158 الفرق بين النبي والرسول # 158 محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين # 161 بحث في التفضيل بين الأنبياء # 164 محمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله تعالى # 165 الفرق بين المحبة والخلة # 166 كذب كل من يدعي النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم # 166 عموم بعثته إلى الجن والإنس # 167 إعراب: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} # 168 القرآن كلام الله تعالى # PageV01P530 # الصفحة الموضوع # 168 افتراق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال # 170 مذهب أهل السنة في كلام الله تعالى والرد على مخالفيهم # 170 ms462 تكليم الله لأهل الجنة # 171 الرد على من ادعى أن كلام الله تعالى مخلوق # 172 إلزام عبد العزيز الكناني لبشر المريسي في مسألة خلق القرآن # 173 الرد على من ادعى خلق القرآن # 176 أهل السنة كلهم متفقون على أن كلام الله غير مخلوق # 178 الرد على بعض الحنفية الزاعمين أن كلام الله معنى واحد # 179 الذي في المصحف هو كلام الله # 181 كلام الله بلا كيفية # 183 مذاهب الناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق # 183 عود إلى الرد على من قال: إن الكلام معنى واحد # 187 تكفير من أنكر أن القرآن كلام الله وزعم أنه قول البشر # 188 كفر من وصف الله تعالى بمعنى من معاني البشر # 188 رؤية الله تعالى لأهل الجنة والرد على المخالفين # 193 تواتر الأحاديث الدالة على رؤية الله تعالى # 195 كيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة # 196 اتفاق الأمة على أنه لا يرى الله تعالى أحد في الدنيا بعينه وتنازعهم ~~في رؤية النبي ربه ليلة # المعراج # 198 تأويل المعتزلة نصوص الكتاب والسنة تحريف للكلام عن موضعه # 200 وجوب التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد لأمره # 200 لا ينجي العبد من عذاب الله تعالى إلا توحيد المرسل وتوحيد متابعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم # 201 العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد # 203 النهي عن التكلم في أصول الدين وغيرها بغير علم # 204 من لم يسلم للرسول صلى الله عليه وسلم نقص توحيده # 204 وقوع الفساد في العالم من ثلاث # 204 علم الجدل والكلام وحكمه # 207 سبب الإضلال الإعراض عن تدبر كلام الله تعالى وكلام رسوله، والاشتغال ~~بكلام اليونان والآراء # المختلفة # PageV01P531 # الصفحة الموضوع # 208 اعتراف كبار علماء الكلام بوقوعهم في الحيرة والشك # 210 الرد على من أنكر رؤية الله تعالى ولو تأولها # 213 معنى التأويل في الكتاب والسنة # 215 معنى التأويل في كلام المتأخرين # 216 النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب # 218 تنزيه الله تعالى عن الحدود والغايات ms463 # 218 الواجب في باب الصفات: إثبات ما أثبته الله تعالى ورسول، ونفي ما ~~نفاه الله تعالى # 223 الإسراء والمعراج حق # 227 الحوض الذي أكرم الله به رسوله صلى الله عليه وسلم # 229 الشفاعة وأنواعها # 233 شفاعة الرسول لأهل الكبائر من أمته # 236 حكم الاستشفاع برسول الله وغيره في الدنيا # 238 الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر # 240 الميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته # 245 الإقرار بالربوبية أمر فطري والشرك حادث طارئ # 247 قد علم الله في الأزل أهل الجنة وأهل النار # 248 كل إنسان ميسر لما خلق له والأعمال بالخواتيم # 249 أصل القدر سر الله في خلقه والنهي عن السؤال: لما فعل؟ # 251 منشأ ضلال الفرق: التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضى # 256 أسباب الخير ثلاثة: الإيجاد والإعداد والإمداد # 258 ما يرضي من المقضي وما يسخط # 261 مبنى العبودية والإيمان على التسليم # 263 الإيمان باللوح والقلم # 265 اختلاف العلماء في القلم هل هو أول المخلوقات # 266 جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة # 270 الرد على من يظن أن التوكل ينافي تعاطي الأسباب # 271 سبق علم الله بالكائنات قبل خلقها # 272 القدرية مجوس هذه الأمة # 274 القدر يتضمن أصولا عظيمة # 274 للقلب حياة وموت ومرض وشفاء # PageV01P532 # الصفحة الموضوع # 277 العرش والكرسي حق # 280 استغناء الله عن العرش وإحاطته بكل شيء # 282 بحث الفوقية # 288 كلام السلف في إثبات صفة العلو # 292 بحث في كونها السماء قبلة الدعاء # 293 إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وكلم موسى تكليما # 294 محبة الله وخلقه كما يليق به # 297 وجوب الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة # 297 حقيقة قول الفلاسفة أنهم لم يؤمنوا بالله ولا كتبه ولا رسله # 298 أصول المعتزلة الخمسة التي هدموا بها كثيرا من الدين # 301 كلام الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر # 311 أولو العزم من الرسل # 313 أهل القبلة مسلمون مؤمنون # 313 لا نخوض في الله ولا نماري في دين الله # 314 لا نجادل في ms464 القرآن ونشهد أنه كلام رب العالمين # 316 ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله # 320 الجواب عن الإشكال، بأن الشارع قد سمى بعض الذنوب كفرا # 323 الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرا يخرج عن الملة # 325 نرجو للمحسنين العفو والجنة # 327 عشرة أسباب تسقط معها العقوبة # 330 الأمن واليأس ينقلان عن الملة # 331 تعريف الإيمان واختلاف الناس فيه # 334 نور الإيمان في القلوب درجات # 335 الكلام في زيادة الإيمان إجمالا وتفصيلا # 337 أدلة أصحاب أبي حنيفة ومناقشتها # 342 الأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة كثيرة جدا # 347 أقوال العلماء في مسمى الإسلام # 348 حال اقتران الإسلام بالإيمان غير حالة إفراد أحدهما عن الآخر # 351 حكم الاستثناء في الإيمان # 354 أهل البدع يعرضون النصوص على بدعتهم # PageV01P533 # الصفحة الموضوع # 354 طريق أهل السنة ألا يعدلوا عن النص الصحيح ولا يعارضوه بمعقول # 355 خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملا به وتصديقا له أفاد العلم ~~اليقيني # 356 نفاة الصفات جعلوا قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} مستندا لهم في رد ~~الأحاديث الصحيحة # 357 المؤمنون كلهم أولياء الرحمن # 358 تفسير معنى الولاية # 362 أركان الإيمان # 363 الكتاب والسنة مملوءان بما يدل على أن حكم الإيمان لا يثبت إلا ~~بالعمل مع التصديق # 364 الإيمان بالقدر خيره وشره # 369 أهل الكبائر من أمة محمد لا يخلدون في النار # 370 اختلاف العلماء في تعريف الكبائر والصغائر # 373 الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة # 375 من أظهر بدعة أو فجورا لا يرتب إماما للمسلمين # 376 إمام الصلاة والحاكم وأمير الحرب يطاع في مواضع الاجتهاد # 377 يصلى على من مات من الأبرار والفجار # 378 لا نشهد لأحد معين بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار # 379 أمرنا أن نحكم بالظاهر ونهينا عن اتباع الظن # 379 وجوب طاعة ولي الأمر وإن جار إلا في معصية # 382 نتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة # 383 نحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور ms465 والخيانة # 385 لا نقول في شيء بغير علم # 386 تواتر المسح على الخفين # 387 الحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين إلى قيام الساعة # 388 الإيمان بالكرام الكاتبين # 390 الإيمان بملك الموت # 391 البحث في الروح والنفس # 396 الإيمان بعذاب القبر ونعيمه # 400 الدور ثلاثة دار الدنيا، دار البرزخ، ودار القرار # 401 سؤال منكر ونكير # 401 اختلاف الناس في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة # 404 الإيمان بالبعث والجزاء والآيات الدالة على معاد البدن عند القيامة ~~الكبرى # 409 تخبط القائلين بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة # PageV01P534 # الصفحة الموضوع # 411 العرض والحساب # 415 الصراط # 416 تفسير قوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها} # 417 الميزان # 420 الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان # 427 اختلاف الناس في أبدية النار # 430 إن الله خلق للجنة أهلا وللنار أهلا # 432 الاستطاعة التي هي مناط التكليف # 436 أفعال العباد خلق لله وكسب من العباد # 438 الرد على القدرية والمعتزلة # 440 الذنب يكسب الذنب # 444 العبد فاعل لفعله حقيقة ولكنه مخلوق لله # 444 لا يكلف الله العبد إلا ما يطيق # 447 القضاء الكوني والقضاء الشرعي # 448 تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد # 452 في دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات # 453 الدليل على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه # 454 وصول ثواب الصدقة والصوم والحج # 457 استئجار قوم للقرآن ويهدونه للميت لم يفعله أحد من السلف # 457 قراءة القرآن وإهداؤها للميت تطوعا بغير أجرة يصل إلى الميت # 458 الله يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات # 460 الرد على من يدعي أن الدعاء لا فائدة فيه # 460 الإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرح # 461 من يسأل الله ولا يعطيه أو يعطيه غير ما سأل # 463 الله يملك كل شيء ولا يملكه شيء ويغضب ويرضى لا كأحد من الورى 467 ~~نحب أصحاب رسول # الله من غير إفراط # 471 خلافة أبي بكر الصديق وثبوتها بالنص # 476 خلافة عمر الفاروق # 478 خلافة عثمان ذي النورين # 482 خلافة علي بن ms466 أبي طالب رضي الله عنه # PageV01P535 # الصفحة الموضوع # 484 هم الخلفاء الراشدون # 485 العشرة المبشرون بالجنة # 491 لا نذكر علماء السلف من السابقين ومن بعدهم إلا بالجميل # 492 نبي واحد أفضل من جميع الأولياء # 494 الإيمان بكرامات الأولياء # 498 الفراسة ثلاثة أنواع # 499 أشراطة الساعة: خروج الدجال وإن أحاديثه متواترة, نزول عيسى وإن ~~أحاديثه متواترة, طلوع # الشمس من مغربها, خروج الدابة # 502 عدم تصديق الكاهن والعراف # 504 وجوب إزالة الكهان والمنجمين # 505 حقيقة السحر # 506 أدعياء الولاية من أصحاب الأحوال الشيطانية # 509 الملامية والفرق الصوفية # 511 أصحاب الخلوات # 511 تحقيق قصة موسى والخضر # 512 وجوب التزام الجماعة # 513 يجب رد جميع الأمور المتنازع فيها إلى الله والرسول صلى الله عليه ~~وسلم # 514 أنواع الاختلاف # 518 دين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام # 519 الإسلام وسط بين الغلو والتقصير # 520 الإسلام وسط بين التشبيه والتعطيل # 520 الإسلام وسط بين الجبر والقدر # 520 البراءة من الفرق الضالة # 521 من الفرق الضالة: المعتزلة # 522 من الفرقة الضالة: الجهمية # 524 من الفرق الضالة: الجبرية # 526 خاتمة تخريج الأحاديث للشيخ ناصر الدين الألباني # 527 أهل البدع من المحرفة وأهل التأويل # 527 ومن الضالين أهل التجهيل والتضليل # 528 خاتمة الشرح المبارك # 529 الفهرس PageV01P536 ms467