######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004503 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن أبي العز الحنفي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 792 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح العقيدة الطحاوية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند السنيين #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004503 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4503_شرح-العقيدة-الطحاوية-ابن-أبي-العز-الحنفي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الرابعة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1391 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # = شرح العقيدة الطحاوية PageV00P001 # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ~~ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن ~~يضلل فلا هادي له واشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ان سيدنا ~~محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد ~~فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم إذ شرف العلم بشرف المعلوم وهو ~~الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة رحمة الله ~~عليه ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين الفقه الأكبر وحاجة العباد اليه ~~فوق كل حاجة وضرورتهم اليه فوق كل ضرورة لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا ~~طمأنينة الا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله ويكون ~~مع ذلك كله أحب إليها مما سواه ويكون سعيها فيما يقربها اليه دون غيره من ~~سائر خلقه ومن المحال ان تستقل العقول بمعرفة ذلك وادراكه على التفصيل ~~فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين واليه داعين ولم أجابهم ~~مبشرين ولمن خالفهم منذرين وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود ~~سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها ~~من أولها إلى آخرها ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان أحدهما تعريف الطريق الموصل ~~اليه وهى شريعته المتضمنة لأمره ونهيه PageV00P065 # والثاني تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول اليه من النعيم المقيم فأعرف ~~الناس بالله عز وجل اتبعهم للطريق الموصل اليه واعرفهم بحال السالكين عند ~~القدوم عليه ولهذا سمى الله ما أنزله على رسوله روحا لتوقف الحياة الحقيقية ~~عليه ونورا لتوقف الهداية عليه فقال الله تعالى * (يلقي الروح من أمره على ~~من يشاء من عباده) * غافر 15 وقال تعالى * (وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء ~~من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في ms001 السماوات ~~وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور) * الشورى ولاروح الا فيما جاء به ~~الرسول ولا نور الا في الاستضاءة به وسماه الشفاء كما قال الله تعالى * (قل ~~هو للذين آمنوا هدى وشفاء) * فصلت 44 فهو وان كان هدى وشفاء مطلقا لكن لما ~~كان المنتفع بذلك هم المؤمنين خصوا بالذكر والله تعالى ارسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق فلا هدى الا فيما جاء به ولا ريب أنه يجب على كل أحد ان يؤمن بما ~~جاء به الرسول ايمانا عاما مجملا ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على ~~التفصيل فرض على الكفاية فان ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله وداخل ~~في تدبر القرآن وعقله وفهمه وعلم الكتاب والحكمة وحفظ الذكر والدعاء إلى ~~الخير والامر بالمعروف والنهى عن المنكر والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة ~~والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على ~~المؤمنين فهو واجب على الكفاية منهم PageV00P066 # وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم وما ~~امر به أعيانهم ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقة ما ~~يجب على القادر على ذلك ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما ~~لا يجب على من لم يسمعها ويجب على المفتى والمحدث والحاكم ما لا يجب على من ~~ليس كذلك وينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة ~~الحق فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول وترك النظر والاستدلال ~~الموصل إلى معرفته فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا كما قال تعالى * (فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ~~قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) * طه 123 126 قال ابن عباس ~~رضي الله عنهما تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل ms002 بما فيه أن لا يضل في الدنيا ~~ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآيات وكما في الحديث الذي رواه الترمذي ~~وغيره عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انها ~~ستكون فتن قلت فما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ ما ~~قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار ~~قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو ~~الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيع به الأهواء ولا تلتبس ~~به الألسن ولا تنقضي عجائبه ولا تشبع منه العلماء من قال به صدق ومن عمل به ~~أجر PageV00P067 # ومن حكم به عدل ومن دعا اليه هدي إلى صراط مستقيم إلى غير ذلك من الآيات ~~والآحاديث الدالة على مثل هذا المعنى ولا يقبل الله من الأولين والآخرين ~~دينا يدينون به الا أن يكون موافقا لدينه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم ~~السلام وقد نزه الله تعالى نفسه عما يصفه العباد الا ما وصفه به المرسلون ~~بقوله سبحانه * (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد ~~لله رب العالمين) * الصافات 180182 فنزه نفسه سبحانه عما يصفه به الكافرون ~~ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب ثم حمد نفسه ~~على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد ومضى على ما كان عليه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم خير القرون وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان ~~يوصي به الأول والآخر ويقتدي فيه اللاحق بالسابق وهم في ذلك كله بنبيهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم مقتدون وعلى منهاجه سالكون كما قال تعالى في كتابه ~~العزيز * (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) * يوسف ~~108 فإن كان قوله * (ومن اتبعني) * معطوفا على الضمير في * (أدعو) * فهو ~~دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله وان كان معطوفا على الضمير المنفصل ~~فهو صريح أن أتباعه هم ms003 أهل البصيرة فما جاء به دون غيرهم وكلا المعنيين حق ~~PageV00P068 # وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين وأوضح الحجة للمستبصرين ~~وسلك سبيله خير القرون ثم خلف من بعدهم خلف اتبعوا أهواءهم وافترقوا فأقام ~~الله لهذه الأمة من يحفظ عليها أصول دينها كما أخبر الصادق صلى الله عليه ~~وسلم بقوله لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم وممن ~~قام بهذا الحق من علماء المسلمين الامام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة ~~الأزدي الطحاوي تغمده الله برحمته بعد المائتين فان مولده سنة تسع وثلاثين ~~ومائتين ووفاته سنة احدى وعشرين وثلاثمائة فأخبر رحمه الله عما كان عليه ~~السلف ونقل عن الامام أبي حنيفة النعمان ابن ثابت الكوفي وصاحبيه أبى يوسف ~~يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصاري ومحمد بن الحسن الشيباني رضي الله عنهم ~~ما كانوا يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين وكلما بعد العهد ~~ظهرت البدع وكثر التحريف الذي سماه أهله تأويلا ليقبل وقل من يهتدي إلى ~~الفرق بين التحريف والتأويل إذ قد يسمى صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى آخر ~~يحتمله اللفظ في PageV00P069 # الجملة تأويلا وان لم يكن ثم قرينة توجب ذلك ومن هنا حصل الفساد فإذا ~~سموه تأويلا قبل وراج على من لا يهتدى إلى الفرق بينها فاحتاج المؤمنون بعد ~~ذلك إلى ايضاح الأدلة ودفع الشبه الواردة عليها وكثير الكلام والشغب وسبب ~~ذلك اصغاؤهم إلى شبه المبطلين وخوضهم في الكلام المذموم الذي عابه السلف ~~ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به والاصغاء اليه امتثالا لامر ربهم حيث قال ~~* (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) ~~* الانعام 68 فان معنى الآية يشملهم وكل من التحريف والانحراف على مراتب ~~فقد يكون كفرا وقد يكون فسقا وقد يكون معصية وقد يكون خطئا فالواجب اتباع ~~المرسلين واتباع ما أنزله الله عليهم وقد ختمهم الله بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فجعله آخر الأنبياء وجعل كتابه مهيمنا على ما بين يديه من كتب ms004 السماء ~~وأنزل عليه الكتاب والحكمة وجعل دعوته عامة لجميع الثقلين الجن والإنس ~~باقية إلى يوم القيامة وانقطعت به حجة العباد على الله وقد بين الله به كل ~~شئ وأكمل له ولأمته الدين خبرا وأمرا وجعل طاعته طاعة له ومعصيته معصية له ~~وأقسم بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم وأخبر أن المنافقين ~~يريدون ان يتحاكموا إلى غيره وأنهم إذا دعوا إلى الله والرسول وهو الدعاء ~~إلى كتاب الله وسنة رسوله صدوا صدودا وأنهم يزعمون أنهم انما أرادوا احسانا ~~وتوفيقا كما يقوله كثير من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم انما نريد ان نحس ~~الأشياء بحقيقتها أي ندركها ونعرفها ونريد التوفيق بين الدلائل التي ~~يسمونها العقليات وهى في الحقيقة جهليات وبين الدلائل النقلية المنقولة عن ~~الرسول PageV00P070 # أو نريد التوفيق بين الشريعة والفلسفة وكما يقوله كثير من المبتدعة من ~~المتنسكة والمتصوفة انما نريد الاعمال بالعمل الحسن والتوفيق بين الشريعة ~~وبين ما يدعونه من الباطل الذي يسمونه حقائق وهى جهل وضلال وكما يقوله كثير ~~من المتملكة والمتأثرة انما نريد الاحسان بالسياسة الحسنة والتوفيق بينها ~~وبين الشريعة ونحو ذلك فكل من طلب أن يحكم في شئ من أمر الدين غير ما جاء ~~به الرسول ويظن ان ذلك حسن وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول وبين ما ~~يخالفه فله نصيب من ذلك بل ما جاء به الرسول كاف كامل يدخل فيه كل حق وانما ~~وقع التقصير من كثير من المنتسبين اليه فلم يعلم ما جاء به الرسول في كثير ~~من الأمور الكلامية الاعتقادية ولا في كثير من الأحوال العبادية ولا في ~~كثير من الامارة السياسية أو نسبوا إلى شريعة الرسول بظنهم وتقليدهم ما ليس ~~منها وأخرجوا عنها كثيرا مما هو منها فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم ~~وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم كثر النفاق ودرس كثير من علم الرسالة بل ~~انما يكون البحث التام والنظر القوى والاجتهاد الكامل فيما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ليعلم ويعتقد ويعمل به ظاهرا وباطنا فيكون قد تلى ms005 حق ~~تلاوته وأن لا يهمل منه شئ وان كان العبد عاجزا عن معرفة بعض ذلك أو العمل ~~به فلا ينهى عما عجز عنه مما جاء به الرسول بل حسبه أن يسقط عنه اللوم ~~لعجزه لكن عليه أن يفرح بقيام غيره به ويرضى بذلك ويود أن يكون قائما به ~~وأن لا يؤمن ببعضه ويترك بعضه بل يؤمن بالكتاب كله وأن يصان عن أن يدخل فيه ~~ما ليس منه من رواية أو رأى أو يتبع ما ليس من عند الله اعتقادا أو عملا ~~كما قال تعالى * (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) * ~~PageV00P071 # البقرة 42 وهذه كانت طريقة السابقين الأولين وهى طريقة التابعين لهم ~~بإحسان إلى يوم القيامة وأولهم السلف القديم من التابعين الأولين ثم من ~~بعدهم ومن هؤلاء أئمة الدين المشهود لهم عند الأمة الوسط بالإمامة فعن أبي ~~يوسف رحمه الله تعالى أنه قال لبشر المريسي العلم بالكلام هو الجهل والجهل ~~بالكلام هو العلم وإذا صار الرجل رأسا في الكلام قيل زنديق أو رمى بالزندقة ~~أراد بالجهل به اعتقاد عدم صحته فإن ذلك علم نافع أو أراد به الاعراض عنه ~~أو ترك الالتفات إلى اعتباره فان ذلك يصون علم الرجل وعقله فيكون علما بهذا ~~الاعتبار والله أعلم وعنه أيضا أنه قال من طلب العلم بالكلام تزندق ومن طلب ~~المال بالكيميا أفلس ومن طلب غريب الحديث كذب وقال الإمام الشافعي رحمه ~~الله تعالى حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في ~~العشائر والقبائل ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام ~~وقال أيضا رحمه الله تعالى شعرا * كل العلوم سوى القرآن مشغلة * الا الحديث ~~والا الفقه في الدين * العلم ما كان فيه قال حدثنا * وما سوى ذاك وسواس ~~الشياطين * PageV00P072 # وذكر الأصحاب في الفتاوى أنه لو أوصى لعلماء بلده لا يدخل المتكلمون ~~وأوصى انسان أن يوقف من كتبه ما هو من كتب العلم فأفتى السلف ان يباع ما ~~فيها من كتب الكلام ذكر ذلك بمعناه في الفتاوى ms006 الظهيرية فكيف يرام الوصول ~~إلى علم الأصول بغير اتباع ما جاء به الرسول ولقد أحسن القائل * أيها ~~المغتذى ليطلب علما * كل علم عبد لعلم الرسول * تطلب الفرع كي تصحح أصلا * ~~كيف أغفلت علم أصل الأصول * ونبينا صلى الله عليه وسلم أوتى فواتح الكلم ~~وخواتمه وجوامعه فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والأخروية على أتم ~~الوجوه ولكن كلما ابتدع شخص بدعة اتسعوا في جوابها فلذلك صار كلام ~~المتأخرين كثيرا قليل البركة بخلاف كلام المتقدمين فإنه قليل كثير البركة ~~لا كما يقوله ضلال المتكلمين وجهلتهم أن طريقة القوم اسلم وان طريقتنا أحكم ~~وأعلم ولا كما يقوله من لم يقدرهم من المنتسبين إلى الفقه انهم لم يتفرغوا ~~لاستنباط الفقه وضبط قواعده وأحكامه اشتغالا منهم بغيره والمتأخرون تفرغوا ~~لذلك فهم أفقه فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف وعمق علومهم وقلة ~~تكلفهم وكمال بصائرهم وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون الا بالتكلف ~~والاشتغال بالاطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها وضبط قواعدها وشد ~~معاقدها وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شئ فالمتأخرون في شأن ~~والقوم في شأن آخر وقد جعل الله لكل شئ قدرا وقد شرح هذه العقيدة غير واحد ~~من العلماء ولكن رأيت بعض PageV00P073 # الشارحين قد أصغى إلى أهل الكلام المذموم واستمد منهم وتكلم بعباراتهم ~~والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه ~~اصطلاحا جديدا على معان صحيحة كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة ولا ~~كرهوا أيضا الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل بل كرهوه لاشتماله على ~~أمور كاذبة مخالفة للحق ومن ذلك مخالفتها الكتاب والسنة ولهذا لا تجد عند ~~أهلها من اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين فضلا عن علمائهم ولاشتمال ~~مقدماتهم على الحق والباطل كثر المراء والجدال وانتشر القيل والقال وتولد ~~لهم عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما يضيق عنه ~~المجال وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله فمن رام علم ما حظر عنه علمه وقد ~~أحببت أن أشرحها سالكا طريق السلف في عباراتهم وأنسج على منوالهم متطفلا ms007 ~~عليهم لعلي أن أنظم في سلكهم وأدخل في عدادهم وأحشر في زمرتهم مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ~~النساء 69 ولما رأيت النفوس مائلة إلى الاختصار آثرته على التطويل والاسهاب ~~* (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) * هود 88 وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل قوله نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله ان الله واحد لا شريك ~~له ش اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق وأول مقام يقوم فيه ~~السالك إلى الله عز وجل قال تعالى * (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) * الأعراف 59 PageV00P074 # وقال هود عليه السلام لقومه * (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) * ~~الأعراف 65 وقال صالح عليه السلام لقومه * (اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره) * الأعراف 73 وقال شعيب عليه السلام لقومه * (اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره) * الأعراف 85 وقال تعالى * (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) * النحل 36 وقال تعالى * (وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) * الأنبياء 25 ~~وقال صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف ~~شهادة أن لا إله إلا الله لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي ~~أقوال لأرباب الكلام المذموم بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر ~~به العبد الشهادتان ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ~~ذلك عقيب بلوغه بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك ~~ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين وان كان ~~الاقرار بالشهادتين واجبا باتفاق المسلمين ووجوبه يسبق وجوب الصلاة لكن هو ~~أدى هذا الواجب قبل ذلك وهنا مسائل تكلم فيها ms008 الفقهاء كمن صلى ولم يتكلم ~~بالشهادتين أو أتى بغير ذلك من خصائص الاسلام ولم يتكلم بهما هل يصير مسلما ~~أم لا والصحيح أنه يصير مسلما بكل ما هو من خصائص الاسلام فالتوحيد أول ما ~~يدخل به في الاسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة وهو أول واجب وآخر واجب ~~PageV00P075 # فالتوحيد أول الأمر وآخره أعنى توحيد الإلهية فان التوحيد يتضمن ثلاث ~~أنواع أحدها الكلام في الصفات والثاني توحيد الربوبية وبيان أن الله وحده ~~خالق كل شئ والثالث توحيد الإلهية وهو استحقاقه سبحانه وتعالى ان يعبد وحده ~~لا شريك له أما الأول فان نفاة الصفات أدخلوا نفى الصفات في مسمى التوحيد ~~كجهم بن صفوان ومن وافقه فإنهم قالوا اثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب وهذا ~~القول معلوم الفساد بالضرورة فان اثبات ذات مجردة عن جميع الصفات لا يتصور ~~لها وجود في الخارج وانما الذهن قد يفرض المحال ويتخيله وهذا غاية التعطيل ~~وهذا القول قد أفضى بقوم إلى القول بالحلول والاتحاد وهو أقبح من كفر ~~النصارى فان النصارى خصوه بالمسيح وهؤلاء عموا جميع المخلوقات ومن فروع هذا ~~التوحيد أن فرعون وقومه كاملوا الايمان عارفون بالله على الحقيقة ومن فروعه ~~أن عباد الأصنام على الحق والصواب وأنهم انما عبدوا الله لا غيره ومن فروعه ~~أنه لا فرق في التحريم والتحليل بين الام والأخت والأجنبية ولا فرق بين ~~الماء والخمر والزنا والنكاح والكل من عين واحدة لا بل هو العين الواحدة ~~ومن فروعه أن الأنبياء ضيقوا على الناس تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ~~وأما الثاني وهو توحيد الربوبية كالاقرار بأنه خالق كل شئ PageV00P076 # وانه ليس للعالم صانعان متكافئان في الصفات والافعال وهذا التوحيد حق لا ~~ريب فيه وهو الغاية عند كثير من أهل النظر والكلام وطائفة من الصوفية وهذا ~~التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم بل القلوب مفطورة على ~~الاقرار به أعظم من كونها ms009 مفطورة على الاقرار بغيره من الموجودات كما قالت ~~الرسل فيما حكى الله عنهم * (قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض) ~~* وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بانكار الصانع فرعون وقد كان مستيقنا به في ~~الباطن كما قال له موسى * (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ~~بصائر) * وقال تعالى عنه وعن قومه * (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا) * ولهذا لما قال وما رب العالمين على وجه الانكار له تجاهل العارف ~~قال له موسى * (رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ~~ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم ~~لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون) * وقد زعم طائفة ~~أن فرعون سأل موسى مستفهما عن الماهية وأن المسؤول عنه لما لم تكن له ماهية ~~عجز موسى عن الجواب وهذا غلط وانما هذا استفهام انكر وجحد كما دل سائر آيات ~~القرآن على أن فرعون كان جاحدا لله نافيا له لم يكن مثبتا له طالبا للعلم ~~بماهيته فلهذا بين لهم موسى أنه معروف وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر ~~من أن يسأل عنه بما هو بل هو سبحانه أعرف واظهر وأبين من أن يجهل بل معرفته ~~مستقرة في الفطر أعظم من معرفة كل معروف ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه ~~قال إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والافعال فان الثنوية من ~~المجوس والمانوية القائلين بالأصلين PageV00P077 # النور والظلمة وأن العالم صدر عنهما متفقون على أن النور خير من الظلمة ~~وهو الاله المحمود وأن الظلمة شريرة مذمومة وهم متنازعون في الظلمة هل هي ~~قديمة أو محدثة فلم يثبتوا ربين متماثلين وأما النصارى القائلون بالتثليث ~~فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض بل متفقون على أن ~~صانع العالم واحد ويقولون باسم الابن والأب وروح القدس اله واحد وقولهم في ~~التثليث متناقض في نفسه وقولهم في الحلول أفسد منه ولهذا كانوا مضطربين في ~~فهمه وفى التعبير عنه الا ms010 يكاد واحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول ولا يكاد ~~اثنان يتفقان على معنى واحد فإنهم يقولون هو واحد بالذات ثلاثة بالأقنوم ~~والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص وتارة بالصفات وتارة بالاشخاص وقد فطر ~~الله العباد على فساد هذه الأقوال بعد التصور التام وبالجملة فهم لا يقولون ~~باثبات خالقين متماثلين والمقصود هنا أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم ~~صانعين متماثلين مع أن كثيرا من أهل الكلام والنظر والفلسفة تعبوا في اثبات ~~هذا المطلوب وتقريره ومنهم من اعترف بالعجز عن تقرير هذا بالعقل وزعم أنه ~~يتلقى من السمع والمشهور عند أهل النظر اثباته بدليل التمانع وهو أنه لو ~~كان للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر ~~تسكينه أو يريد أحدهما احياءه والآخر اماتته فإما أن يحصل مرادهما أو مراد ~~أحدهما أو لا يحصل مراد واحد منهما والأول ممتنع لأنه يستلزم الجمع بين ~~الضدين والثالث ممتنع لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهو ممتنع ~~ويستلزم أيضا عجز كل PageV00P078 # منهما والعاجز لا يكون الها وإذا حصل مراد أحدهما دون الاخر كان هذا هو ~~الاله القادر والاخر عاجزا لا يصلح للالهية وتمام الكلام على هذا الأصل ~~معروف في موضعه وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله ~~تعالى * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) * لاعتقادهم ان توحيد ~~الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينته القرآن ودعت اليه الرسل ~~عليهم السلام وليس الامر كذلك بل التوحيد الذي دعت اليه الرسل ونزلت به ~~الكتب هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية وهو عبادة الله وحده لا ~~شريك له فان المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وأن خالق ~~السماوات والأرض واحد كما اخبر تعالى عنهم بقوله * (ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله) * * (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل أفلا تذكرون) * ومثل هذا كثير في القرآن ولم يكونوا يعتقدون ~~في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم ms011 ~~من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم تارة يعتقدون أن هذه تماثيل ~~قوم صالحين من الأنبياء والصالحين ويتخذونهم شفعاء ويتوسلون بهم إلى الله ~~وهذا كان أصل شرك العرب قال تعالى حكاية عن قوم نوح * (وقالوا لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) * وقد ثبت في صحيح ~~البخاري وكتب التفسير وقصص الأنبياء وغيرها عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~وغيره من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على ~~قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم وان هذه الأصنام ~~PageV00P079 # بعينها صارت إلى قبائل العرب ذكرها ابن عباس رضي الله عنهما قبيلة قبيلة ~~وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال قال لي علي بن أبى طالب رضي ~~الله عنه ألا أبعثك على ما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا ~~أدع قبرا مشرفا الا سويته ولا تمثالا الا طمسته وفى الصحيحين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال في مرض موته لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا قالت عائشة رضي الله عنها ولولا ذلك لابرز ~~قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا وفى الصحيحين أنه ذكر في مرض موته كنيسة بأرض ~~الحبشة وذكر من حسنها وتصاوير فيها فقال ان أولئك إذا مات فيهم الرجل ~~الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند ~~الله يوم القيامة وفى صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن ~~يموت بخمس ان من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد الا ~~فلا تتخذوا القبور مساجد فانى أنهاكم عن ذلك ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب ~~واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها وشرك قوم إبراهيم ~~عليه السلام كان فيما يقال من هذا الباب PageV00P080 # وكذلك الشرك بالملائكة والجن واتخاذ الأصنام لهم وهؤلاء كانوا مقرين ~~بالصانع وأنه ليس للعالم صانعان ولكن اتخذوا هؤلاء شفعاء ms012 كما أخبر عنهم ~~تعالى بقوله * (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى) * * (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ~~سبحانه وتعالى عما يشركون) * وكذلك كان حال الأمم السالفة المشركين الذين ~~كذبوا الرسل كما حكى الله تعالى عنهم في قصة صالح عليه السلام عن التسعة ~~الرهط الذين تقاسموا بالله أي تحالفوا بالله لنبيتنه وأهله فهؤلاء المفسدون ~~المشركون تحالفوا بالله على قتل نبيهم وأهله وهذا بين أنهم كانوا مؤمنين ~~بالله ايمان المشركين فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية الذي يتضمن ~~توحيد الربوبية قال تعالى * (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر ~~الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون) * * (منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم ~~يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون أم أنزلنا عليهم سلطانا ~~فهو يتكلم بما كانوا به يشركون وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم ~~سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) * وقال تعالى * (أفي الله شك فاطر ~~السماوات والأرض) * PageV00P081 # إبراهيم وقال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ولا يقال إن معناه يولد ساذجا لا يعرف ~~توحيدا ولا شركا كما قال بعضهم لما تلونا ولقوله صلى الله عليه وسلم فيما ~~يروى عن ربه عز وجل خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين الحديث وفى الحديث ~~المتقدم ما يدل على ذلك حيث قال يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ولم يقل ~~يسلمانه وفى رواية يولد على الملة وفى أخرى على هذه الملة وهذا الذي أخبر ~~به صلى الله عليه وسلم هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقة منها أن يقال لا ~~ريب أن الانسان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقا وتارة ما ~~يكون باطلا وهو حساس متحرك بالارادات ولا بد له من أحدهما ولا ms013 بد له من ~~مرجح لأحدهما ونعلم أنه إذا عرض على كل أحد أن يصدق وينتفع وأن يكذب ويتضرر ~~مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع وحينئذ فالاعتراف بوجود الصانع الايمان به ~~هو الحق أو نقيضه والثاني فاسد قطعا فتعين الأول فوجب أن يكون في الفطرة ما ~~يقتضى معرفة الصانع والايمان به وبعد ذلك اما ان يكون في فطرته محبته أنفع ~~للعبد أو لا والثاني فاسد قطعا فوجب أن يكون في فطرته محبة ما ينفعه ومنها ~~أنه مفطور على جلب المنافع ودفع المضار بحسه وحينئذ لم تكن فطرة كل واحد ~~مستقلة بتحصيل ذلك بل يحتاج إلى سبب معين للفطرة كالتعليم ونحوه فإذا وجد ~~الشرط وانتفى المانع استجابت لما فيها من المقتضى لذلك PageV00P082 # ومنها أن يقال من المعلوم أن كل نفس قابلة للعلم وإرادة الحق ومجرد ~~التعليم والتحضيض لا يوجب العلم والإرادة لولا أن في النفس قوة تقبل ذلك ~~والا فلو علم الجهال والبهائم وحضضا لم يقبلا ومعلوم ان حصول اقرارها ~~بالصانع ممكن من غير سبب منفصل من خارج وتكون الذات كافية في ذلك فإذا كان ~~المقتضي قائما في النفس وقدر عدم المعارض فالمقتضي السالم عن المعارض يوجب ~~مقتضاه فعلم أن الفطرة السليمة إذا لم يحصل لها ما يفسدها كانت مقرة ~~بالصانع عابدة له ومنها أن يقال أنه إذا لم يحصل المفسد الخارج ولا المصلح ~~الخارج كانت الفطرة مقتضية للصلاح لان المقتضى فيها للعلم والإرادة قائم ~~والمانع منتف ويحكى عن أبي حنيفة رحمه الله أن قوما من أهل الكلام أرادوا ~~البحث معه في تقرير توحيد الربوبية فقال لهم اخبرونى قبل ان نتكلم في هذه ~~المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلىء من الطعام والمتاع وغيره بنفسها ~~وتعود بنفسها فترسي بنفسها وتفرغ وترجع كل ذلك من غير أن يدبرها أحد فقالوا ~~هذا محال لا يمكن أبدا فقال لهم إذا كان هذا محالا في سفينة فكيف في هذا ~~العالم كله علوه وسفله وتحكى هذه الحكاية أيضا عن غير أبي حنيفة فلو أقر ~~رجل بتوحيد الربوبية ms014 الذي يقر به هؤلاء النظار ويفنى فيه كثير من أهل ~~التصوف ويجعلونه غاية السالكين كما ذكره صاحب منازل السائرين وغيره وهو مع ~~ذلك ان لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه كان مشركا من جنس أمثاله ~~من المشركين والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه وضرب الأمثال له ~~ومن ذلك أنه يقرر توحيد الربوبية ويبين أنه لا خالق إلا الله وأن ذلك ~~PageV00P083 # مستلزم أن لا يعبد الا الله فيجعل الأول دليلا على الثاني إذ كانوا ~~يسلمون في الأول وينازعون في الثاني فيبين لهم سبحانه انكم إذا كنتم تعلمون ~~أنه لا خالق الا الله وحده وأنه هو الذي يأتي العباد بما ينفعهم ويدفع عنهم ~~ما يضرهم لا شريك له في ذلك فلم تعبدون غيره وتجعلون معه آلهة أخرى كقوله ~~تعالى * (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون أم ~~من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ~~ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون) * أي أإله مع ~~الله فعل هذا وهذا استفهام انكار يتضمن نفى ذلك وهم كانوا مقرين بأنه لم ~~يفعل ذلك غير الله فاحتج عليهم بذلك وليس المعنى أنه استفهام هل مع الله ~~اله كما ظنه بعضهم لان هذا المعنى لا يناسب سياق الكلام والقوم كانوا ~~يجعلون مع الله آلهة أخرى كما قال تعالى * (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة ~~أخرى قل لا أشهد) * وكانوا يقولون * (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء ~~عجاب) * لكنهم ما كانوا يقولون إن معه الها * (جعل الأرض قرارا وجعل خلالها ~~أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا) * بل هم مقرون بأن الله ~~وحده فعل هذا وهكذا سائر الآيات وكذلك قوله تعالى * (يا أيها الناس اعبدوا ~~ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) * وكذلك قوله في سورة ~~الأنعام * (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله ~~غير الله يأتيكم به) ms015 * وأمثال ذلك وإذا كان توحيد الربوبية الذي يجعله ~~هؤلاء النظار ومن PageV00P084 # وافقهم من الصوفية هو الغاية في التوحيد داخلا في التوحيد الذي جاءت به ~~الرسل ونزلت به الكتب فليعلم أن دلائله متعددة كدلائل اثبات الصانع ودلائل ~~صدق الرسول فان العلم كلما كان الناس اليه أحوج كانت أدلته أظهر رحمة من ~~الله بخلقه والقرآن قد ضرب الله للناس فيه من كل مثل وهى المقاييس العقلية ~~المفيدة للمطالب الدينية لكن القرآن يبين الحق في الحكم والدليل فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال وما كان من المقدمات معلومة ضرورية متفقا عليها استدل بها ~~ولم يحتج إلى الاستدلال عليها والطريقة الفصيحة في البيان أن تحذف وهى ~~طريقة القرآن بخلاف ما يدعيه الجهال الذين يظنون أن القرآن ليس فيه طريقة ~~برهانية بخلاف ما قد يشتبه ويقع فيه نزاع فإنه يبينه ويدل عليه ولما كان ~~الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم باعتبار اثبات خالقين ~~متماثلين في الصفات والافعال وانما ذهب بعض المشركين إلى أن ثم خالقا خلق ~~بعض العالم كما يقوله الثنوية في الظلمة وكما يقوله القدرية في أفعال ~~الحيوان وكما يقوله الفلاسفة الدهرية في حركة الأفلاك أو حركات النفوس أو ~~الأجسام الطبيعية فان هؤلاء يثبتون أمورا محدثة بدون احداث الله إياها فهم ~~مشركون في بعض الربوبية وكثير من مشركي العرب وغيرهم قد يظن في آلهته شيئا ~~من نقع أو ضر بدون أن يخلق الله ذلك فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجودا ~~في الناس بين القرآن بطلانه كما في قوله تعالى * (ما اتخذ الله من ولد وما ~~كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) * فتأمل هذا ~~البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز الظاهر فان الاله الحق لا بد أن يكون ~~خالقا فاعلا يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر فلو PageV00P085 # كان معه سبحانه اله آخر يشركه في ملكه لكان له خلق وفعل وحينئذ فلا يرضى ~~تلك الشركة بل إن قدر على قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك والإلهية دونه ms016 فعل ~~وان لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب بذلك الخلق كما ينفرد ملوك الدنيا ~~بعضهم عن بعض بملكه إذا لم يقدر المنفرد منهم على قهر الآخر والعلو عليه ~~فلا بد من أحد ثلاثة أمور اما ان يذهب كل اله بخلقه وسلطانه واما أن يعلو ~~بعضهم على بعض وأما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء ولا ~~يتصرفون فيه بل يكون وحده هو الاله وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل ~~وجه وانتظام أمر العالم كله واحكام أمره من أدل دليل على أن مدبره اله واحد ~~وملك واحد ورب واحد لا اله للخلق غيره ولا رب لهم سواه كما قد دل دليل ~~التمانع على أن خالق العالم واحد لا رب غيره ولا اله سواه فذلك تمانع في ~~الفعل والايجاد وهذا تمانع في العبادة والإلهية فكما يستحيل أن يكون العالم ~~ربان خالقان متكافئان كذلك يستحيل أن يكون لهم الهان معبودان فالعلم بأن ~~وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته مستقر في الفطر معلوم بصريح ~~العقل بطلانه فكذا تبطل الهية اثنين فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر ~~في الفطر من توحيد الربوبية دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الإلهية وقريب من ~~معنى هذه الآية قوله تعالى * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) * وقد ظن ~~طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره وهو أنه لو كان للعالم صانعان ~~الخ وغفلوا عن مضمون الآية فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره ~~ولم يقل أرباب PageV00P086 # وأيضا فان هذا انما هو بعد وجودهما وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة ~~سواء لفسدتا وأيضا فإنه قال * (لفسدتا) * وهذا فساد بعد الوجود ولم يقل لم ~~يوجدا ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة بل لا يكون ~~الاله الا واحدا وعلى انه لا يجوز أن يكون هذا الاله الواحد الا الله ~~سبحانه وتعالى وأن فساد السماوات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة ~~ومن كون الاله الواحد غير الله وأنه لا ms017 صلاح لهما الا بأن يكون الاله فيهما ~~هو الله وحده لا غيره فلو كان للعالم الهان معبودان لفسد نظامه كله فان ~~قيامه انما هو بالعدل وبه قامت السماوات والأرض وأظلم الظلم على الاطلاق ~~الشرك وأعدل العدل التوحيد وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس ~~فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزا والعاجز لا يصلح أن يكون الها قال ~~تعالى * (أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون) * وقال تعالى * (أفمن يخلق ~~كمن لا يخلق أفلا تذكرون) * وقال تعالى * (قل لو كان معه آلهة كما يقولون ~~إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) * وفيها للمتأخرين قولان أحدهما لاتخذوا ~~سبيلا إلى مغالبته والثاني وهو الصحيح المنقول عن السلف كقتادة وغيره وهو ~~الذي ذكره ابن جرير ولم يذكر غيره لاتخذوا سبيلا بالتقرب اليه كقوله تعالى ~~* (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) * وذلك أنه قال * (لو كان معه ~~آلهة كما يقولون) * وهم لم يقولوا ان العالم له صانعان بل جعلوا معه آلهة ~~اتخذوهم شفعاء وقالوا * (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) * بخلاف ~~الآية الأولى PageV00P087 # أنواع التوحيد الذي دعت اليه الرسل ثم التوحيد الذي دعت اليه رسل الله ~~ونزلت به كتبه نوعان توحيد في الاثبات والمعرفة وتوحيد في الطلب والقصد ~~فالأول هو اثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه * (ليس كمثله ~~شيء) * في ذلك كله كما اخبر به عن نفسه وكما اخبر رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الافصاح كما في أول الحديد وطه وآخر الحشر ~~وأول ألم تنزيل السجدة وأول آل عمران وسورة الاخلاص بكمالها وغير ذلك ~~والثاني وهو توحيد الطلب والقصد مثل ما تضمنته سورة قل يا أيها الكافرون ~~وقل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم آل عمران وأول سورة ~~تنزيل الكتاب وآخرها وأول سورة يونس وأوسطها وآخرها وأول سورة الأعراف ~~وآخرها وجملة سورة الأنعام وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد بل كل ~~سورة في القرآن فالقرآن اما خبر عن ms018 الله وأسمائه وصفاته وهو التوحيد العلمي ~~الخبري واما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو ~~التوحيد الإرادي الطلبي واما أمر ونهي والزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ~~ومكملاته واما خبر عن اكرامه لأهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم ~~به في الآخرة فهو جزاء توحيده واما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا ~~من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد ~~فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفى شأن الشرك وأهله PageV00P088 # وجزائهم ف الحمد لله رب العالمين توحيد الرحمن الرحيم توحيد مالك يوم ~~الدين توحيد إياك نعبد وإياك نستعين توحيد اهدنا الصراط المستقيم توحيد ~~متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد الذين أنعمت عليهم غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين الذين فارقوا التوحيد وكذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد ~~وشهدت له به ملائكته وأنبياؤه ورسله قال تعالى * (شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن ~~الدين عند الله الإسلام) * فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد ~~والرد على جميع طوائف الضلال فتضمنت أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من ~~أجل شاهد بأجل مشهود به وعبارات السلف في شهد تدور على الحكم والقضاء ~~والاعلام والبيان والاخبار وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها فان ~~الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وتتضمن اعلامه واخباره وبيانه فلها أربع ~~مراتب فأول مراتبها علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته وثانيها ~~تكلمه بذلك وان لم يعلم به غيره بل يتكلم بها مع نفسه ويتذكرها وينطق بها ~~أو يكتبها و ثالثها أن يعلم غيره بما يشهد به ويخبره به ويبينه له ورابعها ~~أن يلزمه بمضمونها ويأمره به فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام ~~بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع علمه بذلك سبحانه وتكلمه به واعلامه ~~واخباره لخلقه به وأمرهم والزامهم به PageV00P089 # فأما مرتبة العلم فان الشهادة تضمنتها ضرورة والا كان الشاهد ms019 شاهدا بما ~~لا علم له به قال تعالى * (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) * وقال صلى الله ~~عليه وسلم على مثلها فاشهد وأشار إلى الشمس وأما مرتبة التكلم والخبر فقال ~~تعالى * (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب ~~شهادتهم ويسألون) * فجعل ذلك منهم شهادة وان لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم ~~يؤدوها عند غيرهم وأما مرتبة الإعلام والاخبار فنوعان اعلام بالقول واعلام ~~بالفعل وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر تارة يعلمه به بقوله وتارة بفعله ولهذا ~~كان من جعل داره مسجدا وفتح بابها وأفرزها بطريقها وأذن للناس بالدخول ~~والصلاة فيها معلما أنها وقف وان لم يتلفظ به وكذلك من وجد متقربا إلى غيره ~~بأنواع المسار يكون معلما له ولغيره أنه يحبه وان لم يتلفظ بقوله وكذلك ~~بالعكس وكذلك شهادة الرب عز وجل وبيانه واعلامه يكون بقوله تارة وبفعله ~~أخرى فالقول ما ارسل به رسله وانزل به كتبه وأما بيانه واعلامه بفعله فكما ~~قال ابن كيسان شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه أنه لا إله ~~إلا هو وقال آخر * وفي كل شئ له آية * تدل على أنه واحد * ومما يدل على أن ~~الشهادة تكون بالفعل قوله تعالى * (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ~~شاهدين على أنفسهم بالكفر) * PageV00P090 # فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه والمقصود أنه سبحانه يشهد بما ~~جعل آياته المخلوقة دالة عليه ودلالتها انما هي بخلقه وجعله وأما مرتبة ~~الامر بذلك والالزام به وأن مجرد الشهادة لا يستلزمه لكن الشهادة في هذا ~~الموضع تدل عليه وتتضمنه فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به وقضى وامر ~~والزم عباده به كما قال تعالى * (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) * وقال ~~الله تعالى * (لا تتخذوا إلهين اثنين) * وقال تعالى * (وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * * (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا) * ~~وقال تعالى * (لا تجعل مع الله إلها آخر) * وقال تعالى * (ولا تدع مع الله ~~إلها آخر) * والقرآن كله شاهد بذلك ووجه استلزم شهادته ms020 سبحانه لذلك انه ~~إذاشهد انه لا إله إلا هو فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس ~~بإله أو آلهية ما سواه باطلة فلا يستحق العبادة سواه كما لا تصلح الإلهية ~~لغيره وذلك يستلزم الامر باتخاذه وحده الها والنهى عن اتخاذ غيره معه الها ~~وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والاثبات كما إذا رأيت رجلا يستفتى رجلا ~~أو يستشهده أو يستطبه وهو ليس أهلا لذلك ويدع من هو أهل له فتقول هذا ليس ~~بمفت ولا شاهد ولا طبيب المفتي فلان والشاهد فلان والطبيب فلان فان هذا أمر ~~منه ونهي وأيضا فالآية دلت على أنه وحده المستحق للعبادة فإذا أخبر ~~PageV00P091 # أنه هو وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الاخبار أمر العباد والزامهم بأداء ~~ما يستحق الرب تعالى عليهم وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم وأيضا فلفظ ~~الحكم والقضاء يستعمل في الجملة الخبرية ويقال للجملة الخبرية قضية وحكم ~~وقد حكم فيها بكذا قال تعالى * (ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم ~~لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون) * فجعل هذا الاخبار ~~المجرد منهم حكما وقال تعالى * (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف ~~تحكمون) * لكن هذا حكم لا الزام معه والحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو ~~متضمن الالزام ولو كان المراد مجرد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها ولم ~~ينتفعوا بها ولم تقم عليهم بها الحجة بل قد تضمنت البيان للعباد ودلالتهم ~~وتعريفهم بما شهد به كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم ~~يبينها بل كتمها لم ينتفع بها أحد ولم تقم بها حجة وإذا كان لا ينتفع بها ~~الا ببيانها فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة السمع والبصر ~~والعقل أما السمع فبسمع آياته المتلوة المبينة لما عرفنا إياه من صفات ~~كماله كلها الوحدانية وغيرها غاية البيان لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم ~~من المعتزلة ومعطلة بعض الصفات من دعوى احتمالات توقع في الحيرة تنافى ~~البيان الذي وصف الله به كتابه العزيز ms021 ورسوله الكريم كما قال تعالى * (حم ~~والكتاب المبين) * * (الر تلك آيات الكتاب المبين) * * (الر تلك آيات ~~الكتاب وقرآن مبين) * * (هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) * ~~PageV00P092 # * (فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين) * * (وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) * وكذلك السنة تأتي مبينة أو ~~مقررة لما دل عليه القرآن لم يحوجنا ربنا سبحانه وتعالى إلى رأى فلان ولا ~~إلى ذوق فلان ووجده في أصول ديننا ولهذا نجد من خالف الكتاب ولا سنة ~~مختلفين مضطربين بل قد قال تعالى * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) * فلا يحتاج إلى تكميله إلى أمر خارج عن ~~الكتاب والسنة والى هذا المعنى أشار الشيخ أبو جعفر الطحاوي فيما يأتي من ~~كلامه من قوله لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا فإنه ~~ما سلم في دينه الا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وأما ~~آياته العيانية الخلقية فالنظر فيها والاستدلال بها يدل على ما تدل عليه ~~آياته القولية السمعية والعقل يجمع بين هذه وهذه ويجزم بصحة ما جاءت به ~~الرسل فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة فهو سبحانه لكمال عدله ~~ورحمته واحسانه وحكمته ومحبته للعذر وإقامة الحجة لم يبعث نبيا الا ومعه ~~آية تدل على صدقه فيما أخبر به قال تعالى * (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) * وقال تعالى * (وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~بالبينات والزبر) * وقال وقال تعالى * (قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ~~وبالذي قلتم) * آل عمران وقال تعالى * (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك ~~جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير) * آل عمران وقال تعالى * (الله الذي ~~أنزل الكتاب بالحق والميزان) * PageV00P093 # الشورى حتى أن من أخفى أيات الرسل آيات هود حتى قال له قومه يا هود ما ~~جئتنا ببينة ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن وفقه الله لتدبرها وقد ~~أشار اليه بقوله * (إني أشهد ms022 الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا ~~هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم) * هود فهذا من أعظم الآيات أن ~~رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب غير جزع ولا فزع ولا خوار بل هو ~~واثق بما قاله جازم به فأشهد الله أولا على براءته من دينهم وما هم عليه ~~اشهاد واثق به معتمد عليه معلم لقومه أنه وليه وناصره وغير مسلط لهم عليه ~~ثم أشهدهم اشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه برئ من دينهم وآلهتهم التي يوالون ~~عليها ويعادون عليها ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتهم لها ثم أكد ذلك ~~عليهم بالاستهانة لهم واحتقارهم وازدرائهم ولو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء ~~غيظهم منه ثم يعاجلونه ولا يمهلونه لم يقدروا على ذلك الا ما كتبه الله ~~عليه ثم قرر دعوتهم أحسن تقرير وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده ~~هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده وأنه على صراط مستقيم فلا يخذل من ~~توكل عليه وأقر به ولا يشمت به أعدائه فأي آية وبرهان أحسن من آيات ~~الأنبياء عليهم السلام وبراهينهم وأدلتهم وهى شهادة من الله سبحانه لهم ~~بينها لعباده غاية البيان ومن أسمائه تعالى المؤمن وهو في أحد التفسيرين ~~المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم فإنه لا بد أن يرى ~~العباد من الآيات الافقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغه رسله حق ~~قال تعالى * (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) ~~* فصلت أي القرآن فإنه هو المتقدم في قوله PageV00P094 # * (قل أرأيتم إن كان من عند الله) * فصلت ثم قال * (أولم يكف بربك أنه ~~على كل شيء شهيد) * فصلت فشهد سبحانه لرسوله بقوله أن ما جاء به حق ووعد ~~أنه يري العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضا ثم ذكر ما هو ~~أعظم من ذلك كله وأجل وهو شهادته سبحانه بأنه على كل ms023 شئ شهيد فان من أسمائه ~~الشهيد الذي لا يغيب عنه شئ ولا يعزب عنه بل هو مطلع على كل شئ مشاهد له ~~عليم بتفاصيله وهذا استدلال بأسمائه وصفاته والأول استدلال بقوله وكلماته ~~واستدلاله بالآيات الافقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته فان قلت كيف ~~يستدل بأسمائه وصفاته فان الاستدل بذلك لا يعهد في الاصطلاح فالجواب أن ~~الله تعالى قد أودع في الفطرة التي لم تتنجس بالجحود والتعطيل ولا بالتشبيه ~~والتمثيل أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته وأنه الموصوف بما وصف به نفسه ~~ووصفه به رسله وما خفي عن الخلق من كماله أعظم وأعظم مما يعرفونه منه ومن ~~كماله المقدس شهادته على كل شئ واطلاعه عليه بحيث لا يغيب عنه ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض باطنا وظاهرا ومن هذا شأنه كيف يليق بالعباد أن ~~يشركوا به وأن يعبدوا غيره ويجعلوا معه الها آخر وكيف يليق بكماله أن يقر ~~من يكذب عليه أعظم الكذب ويخبر عنه بخلاف ما الامر عليه ثم ينصره على ذلك ~~ويؤيده ويعلي شأنه ويجيب دعوته ويهلك عدوه ويظهر على دينه من الآيات ~~والبراهين ما يعجز عن مثله قوى البشر وهو مع ذلك كاذب غير مفتر ومعلوم أن ~~شهادته سبحانه على كل شئ وقدرته وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك ومن ~~جوز ذلك فهو من أبعد الناس عن معرفته PageV00P095 # والقرآن مملوء من هذه الطريق وهى طريق الخواص يستدلون بالله على أفعاله ~~وما يليق به ان يفعل ولا يفعله قال تعالى * (ولو تقول علينا بعض الأقاويل ~~لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين) * ~~الحاقة وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى ويستدل أيضا بأسمائه ~~وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك كما في قوله تعالى * (هو الله الذي ~~لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ~~سبحان الله عما يشركون) * الحشر وأضعاف ذلك في القرآن وهذه الطريق قليل ~~سالكها لا يهتدي إليها الا الخواص وطريقة الجمهور الاستدلال بالآيات ~~المشاهدة لأنها أسهل ms024 تناولا وأوسع والله سبحانه يفضل بعض خلقه على بعض ~~فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره فإنه الدليل والمدلول ~~عليه والشاهد والمشهود له قال تعالى لم طلب آية تدل على صدق رسوله * (أو لم ~~يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون) * العنكبوت الآيات وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي ~~أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب كما تقدمت اليه الإشارة فلا يلتفت إلى قول ~~من قسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع وجعل هذا النوع توحيد العامة والنوع الثاني ~~توحيد الخاصة وهو الذي يثبت بالحقائق والنوع الثالث توحيد قائم بالقدم وهو ~~توحيد خاص الخاصة فان أكمل الناس توحيدا الأنبياء صلوات الله عليهم ~~والمرسلون منهم أكمل في ذلك وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيدا وهم نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أجمعين وأكملهم توحيدا ~~الخليلان محمد وإبراهيم صلوات الله عليهما وسلامه فإنهما قاما من ~~PageV00P096 # التوحيد بما لم يقم به غيرهما علما ومعرفة وحالا ودعوة للخلق وجهادا فلا ~~توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل ودعوا اليه وجاهدوا الأمم عليه ولهذا أمر ~~سبحانه نبيه ان يقتدي بهم فيه كما قال تعالى بعد ذكر مناظرة إبراهيم قومه ~~في بطلان الشرك وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ذريته * (أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم اقتده) * الانعام فلا أكمل من توحيد من امر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقتدى بهم وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا ~~أصبحوا أن يقولوا أصبحنا على فطرة الاسلام وكلمة الاخلاص ودين نبينا محمد ~~وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين فملة إبراهيم التوحيد ~~ودين محمد صلى الله عليه وسلم ما جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا ~~وكلمة الاخلاص هي شهادة أن لا إله إلا الله وفطرة الاسلام هي ما فطر عليه ~~عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له والاستسلام له عبودية وذلا ~~وانقيادا وإنابة فهذا توحيد خاصة الخاصة الذي من رغب ms025 عنه فهو من أسفه ~~السفهاء قال تعالى * (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال ~~أسلمت لرب العالمين) * البقرة وكل من له حس سليم وعقل PageV00P097 # يميز به لا يحتاج في الاستدلال إلى أوضاع أهل الكلام والجدل واصطلاحهم ~~وطرقهم البتة بل ربما يقع بسببها في شكوك وشبه يحصل له بها الحيرة والضلال ~~والريبة فان التوحيد انما ينفع إذا سلم قلب صاحبه من ذلك وهذا هو القلب ~~السليم الذي لا يفلح الا من اتى الله به ولا شك ان النوع الثاني والثالث من ~~التوحيد الذي ادعوا انه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة ينتهي إلى الفناء الذي ~~يشمر اليه غالب الصوفية وهو درب خطر يفضي إلى الاتحاد انظر إلى ما أنشد شيخ ~~الاسلام أبو إسماعيل الأنصاري رحمه الله تعالى حيث يقول * ما وحد الواحد من ~~واحد * إذ كل من وحده جاحد * توحيد من ينطق عن نعته * عارية أبطلها الواحد ~~* توحيده إياه توحيده * ونعت من ينعته لاحد * وان كان قائله رحمه الله لم ~~يرد به الاتحاد لكن ذكر لفظا مجملا محتملا جذبه به الاتحادي اليه وأقسم ~~بالله جهد أيمانه انه معه ولو سلك الالفاظ الشرعية التي لا اجمال فيها كان ~~أحق مع أن المعنى الذي حام حوله لو كان مطلوبا منا لنبه الشارع عليه ودعا ~~الناس اليه وبينه فان على الرسول البلاغ المبين فأين قال الرسول هذا توحيد ~~العامة وهذا توحيد الخاصة وهذا توحيد خاصة الخاصة أو ما يقرب من هذا المعنى ~~أو أشار إلى هذه النقول والعقول حاضرة فهذا كلام الله المنزل على رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وهذه سنة الرسول وهذا كلام خير القرون بعد الرسول وسادات ~~العارفين من الأئمة هل جاء ذكر الفناء فيها وهذا التقسيم عن أحد منهم وانما ~~حصل هذا من زيادة الغلو في الدين المشبه لغلو الخوارج بل لغو النصارى في ~~دينهم وقد ذم الله تعالى الغلو في الدين ونهى عنه فقال * (يا ms026 أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) * PageV00P098 # النساء * (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) * المائدة وقال صلى ~~الله عليه وسلم لا تشددوا فيشدد الله عليكم فان من كان قبلكم شددوا فشدد ~~الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها ~~عليهم رواه أبو داود قوله ولا شئ مثله ش اتفق أهل السنة على أن الله ليس ~~كمثله شئ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في افعاله ولكن لفظ التشبيه قد صار ~~في كلام الناس لفظا مجملا يراد به المعنى الصحيح وهو ما نفاه القرآن ودل ~~عليه العقل من أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شئ من المخلوقات ولا يماثله ~~شئ من المخلوقات في شئ من صفاته * (ليس كمثله شيء) * الشورى 11 رد على ~~الممثلة المشبهة * (وهو السميع البصير) * رد على النفاة فمن جعل صفات ~~الخالق مثل صفات المخلوق فهو المشبه المبطل المذموم ومن جعل صفات المخلوق ~~مثل صفات الخالق فهو نظير النصارى في كفرهم ويراد به أنه لا يثبت لله شئ من ~~الصفات فلا يقال له قدرة ولا علم ولا حياة لان العبد موصوف بهذه الصفات ~~ولازم هذا القول أنه لا يقال له حي عليم قدير لان العبد يسمى بهذه الأسماء ~~وكذلك كلامه وسمعه وبصره وارادته وغير ذلك وهم يوافقون أهل السنة على أنه ~~موجود عليم قدير حي والمخلوق يقال له موجود حي عليم قدير ولا يقال هذا ~~تشبيه يجب PageV00P099 # نفيه وهذا مما دل عليه الكتاب والسنة وصريح العقل ولا يخالف فيه عاقل فإن ~~الله سمى نفسه بأسماء وسمى بعض عباده بها وكذلك سمى صفاته بأسماء وسمى ~~ببعضها صفات خلقه وليس المسمى كالمسمي فسمى نفسه حيا عليما قديرا رؤوفا ~~رحيما عزيزا حكيما سميعا بصيرا ملكا مؤمنا جبارا متكبرا وقد سمى بعض عباده ~~بهذه الأسماء فقال * (يخرج الحي من الميت) * الانعام والروم * (وبشروه ~~بغلام ms027 عليم) * الذاريات * (فبشرناه بغلام حليم) * الصافات * (بالمؤمنين ~~رؤوف رحيم) * التوبة * (فجعلناه سميعا بصيرا) * الدهر * (قالت امرأة ~~العزيز) * يوسف * (وكان وراءهم ملك) * الكهف * (أفمن كان مؤمنا) * السجدة * ~~(كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) * المؤمن ومعلوم أنه لا يماثل الحي ~~الحي ولا العليم العليم ولا العزيز العزيز وكذلك سائر الأسماء وقال تعالى * ~~(ولا يحيطون بشيء من علمه) * البقرة * (أنزله بعلمه) * النساء * (وما تحمل ~~من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) * فاطر * (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) ~~* الذاريات * (أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) * حم السجدة ~~وعن جابر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ~~الاستخارة في الأمور كلها كما يلعمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم ~~بالامر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك ~~وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا اعلم ~~وأنت علام الغيوب اللهم ان كنت تعلم أن هذا الامر خير لي في ديني ومعاشي ~~وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم PageV00P100 # بارك لي فيه وان كنت تعلم أن هذا الامر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ~~أو قال عاجل أمري وآجله فاصرفه عنى واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم ~~رضني به قال ويسمى حاجته رواه البخاري وفي حديث عمار بن ياسر الذي رواه ~~النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يدعو بهذا الدعاء اللهم ~~بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحييني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا ~~كانت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك نعيما ~~لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضى بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد ~~الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ~~ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين فقد سمى الله ~~ورسوله صفات الله علما وقدرة ms028 وقوة وقال تعالى * (ثم جعل من بعد ضعف قوة) * ~~الروم * (وإنه لذو علم لما علمناه) * يوسف ومعلوم أنه ليس العلم كالعلم ولا ~~القوة كالقوة ونظائر هذا كثيرة وهذا لازم لجميع العقلاء فان من نفى صفة من ~~صفاته التي وصف الله بها نفسه كالرضى والغضب والحب والبغض ونحو ذلك وزعم أن ~~ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم قيل له فأنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع ~~والبصر مع أن ما تثبته له ليس مثل صفات المخلوقين فقل فيما نفيته وأثبته ~~الله ورسوله مثل قولك فيما PageV00P101 # أثبته إذ لا فرق بينهما فإن قال أنا لا أثبت شيئا من الصفات قيل له فأنت ~~تثبت له الأسماء الحسنى مثل عليم حي قادر والعبد يسمى بهذه الأسماء وليس ما ~~يثبت للرب من هذه الأسماء مماثلا لما يثبت للعبد فقل في صفاته نظير قولك في ~~مسمى أسمائه فان قال وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى بل أقول هي مجاز وهى ~~أسماء لبعض مبتدعاته كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة 8 قيل له فلا بد أن ~~تعتقد أنه موجود وحق قائم بنفسه والجسم موجود قائم بنفسه وليس هو مماثلا له ~~فان قال انا لا أثبت شيئا بل انكر وجود الواجب قيل له معلوم بصريح العقل أن ~~الموجود اما واجب بنفسه واما غير واجب بنفسه واما قديم أزلي واما حادث كائن ~~بعد ان لم يكن واما مخلوق مفتقر إلى خالق واما غير مخلوق ولا مفتقر إلى ~~خالق واما فقير إلى ما سواه واما غني عما سواه وغير الواجب بنفسه لا يكون ~~الا بالواجب بنفسه والحادث لا يكون الا بقديم والمخلوق لا يكون الا بخالق ~~والفقير لا يكون الا بغني عنه فقد لزم على تقدير النقيضين وجود موجود واجب ~~بنفسه قديم أزلي خلق غني عما سواه وما سواه بخلاف ذلك وقد علم بالحس ~~والضرورة وجود موجود حادث كائن بعد أن لم يكن والحادث لا يكون واجبا بنفسه ~~ولا قديما أزليا ولا خالقا لما سواه ولا غنيا عما سواه فثبت بالضرورة وجود ~~موجودين أحدهما واجب ms029 والآخر ممكن أحدهما قديم والاخر حادث أحدهما غني ~~والاخر فقير أحدهما خالق والاخر مخلوق وهما متفقان في كون كل منهما شيئا ~~موجودا ثابتا ومن المعلوم أيضا ان أحدهما ليس PageV00P102 # مماثلا للاخر في حقيقته إذ لو كان كذلك لتماثلا فيما يجب ويجوز ويمتنع ~~وأحدهما يجب قدمه وهو موجود بنفسه والاخر لا يجب قدمه ولا هو موجود بنفسه ~~وأحدهما خالق والاخر ليس بخالق وأحدهما غني عما سواه والاخر فقير فلو ~~تماثلا للزم أن يكون كل منهما واجب القدم ليس بواجب القدم موجودا بنفسه غير ~~موجود بنفسه خالقا ليس بخالق غنيا ليس غني فيلزم اجتماع الضدين على تقدير ~~تماثلهما فعلم أن تماثلهما منتف بصريح العقل كما هو منتف بنصوص الشرع فعلم ~~بهذه الأدلة اتفاقهما من وجه واختلافهما من وجه فمن نفى ما اتفقا فيه كان ~~معطلا قائلا بالباطل ومن جعلهما متماثلين كان مشبها قائلا بالباطل والله ~~أعلم وذلك لأنهما وان اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه فالله تعالى مختص بوجوده ~~وعلمه وقدرته وسائر صفاته والعبد لا يشركه في شئ من ذلك والعبد أيضا مختص ~~بوجوده وعلمه وقدرته والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه وإذا ~~اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في ~~الأذهان لا في الأعيان والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه وهذا موضع ~~اضطراب فيه كثير من النظار حيث توهموا ان الاتفاق في مسمى هذه الأشياء يوجب ~~ان يكون الوجود الذي للرب كالوجود الذي للعبد وطائفة ظنت أن لفظ الوجود ~~يقال بالاشتراك اللفظي وكابروا عقولهم فان هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم ~~كما يقال الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم وحادث ومورد التقسيم مشترك ~~بين الاقسام واللفظ المشترك كلفظ المشتري الواقع على المبتاع PageV00P103 # والكوكب لا ينقسم معناه ولكن يقال لفظ المشتري يقال على كذا أو على كذا ~~وأمثال هذه المقالات التي قد بسط الكلام عليها في موضعه وأصل الخطأ والغلط ~~توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ~~ثابتا في هذا المعين ms030 وهذا المعين وليس كذلك فان ما يوجد في الخارج لا يوجد ~~مطلقا كليا بل لا يوجد الا معينا مختصا وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان ~~مسماها معينا مختصا به فإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصا به فوجود الله ~~وحياته لا يشاركه فيها غيره بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره ~~فكيف بوجود الخالق الا ترى انك تقول هذا هو ذاك فالمشار اليه واحد لكن ~~بوجهين مختلفين وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى وزادوا ~~فيه على الحق فضلوا وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا ~~فيه على الحق حتى ضلوا وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول ~~السليمة الصحيحة وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه فالنفاة أحسنوا في ~~تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه بشئ من خلقه ولكن أساؤوا في نفي المعاني ~~الثابتة لله تعالى في نفس الامر والمشبهة أحسنوا في اثبات الصفات ولكن ~~أساؤوا بزيادة التشبيه وأعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها ~~باللفظ الا أن يعرف عنها أو ما يناسب عينها ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة ~~في أصل المعنى والا فلا يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط حتى في أول تعليم ~~معاني الكلام بتعليم معاني الالفاظ المفردة مثل تربية الصبي الذي يعلم ~~PageV00P104 # البيان واللغة ينطق له باللفظ المفرد ويشار له إلى معناه ان كان مشهودا ~~بالاحساس الظاهر أو الباطن فيقال له لبن خبز أم أب سماء أرض شمس قمر ماء ~~ويشار له مع العبارة إلى كل مسمى من هذه المسميات والا لم يفهم معنى اللفظ ~~ومراد الناطق به وليس أحد من بني آدم يستغني عن التعليم السمعي كيف وآدم ~~أبو البشر وأول ما علمه الله تعالى أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها ~~وكلمه وعلمه بخطاب الوحي ما لم يعلمه بمجرد العقل فدلالة اللفظ على المعنى ~~هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده وارادته وعنايته في قلبه فلا ~~يعرف باللفظ ابتداء ولكن لا يعرف المعنى بغير ms031 اللفظ حتى يعلم أولا ان هذا ~~المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ويعنى به فإذا عرف ذلك ثم سمع اللفظ ~~مرة ثانية عرف المعنى المراد بلا إشارة اليه وان كانت الإشارة إلى ما يحس ~~بالباطن مثل الجوع والشبع والري والعطش والحزن والفرح فإنه لا يعرف اسم ذلك ~~حتى يجده من نفسه فإذا وجده أشير له اليه وعرف أن اسمه كذا والإشارة تارة ~~تكون إلى جوع نفسه أو عطش نفسه مثل أن يراه انه قد جاع فيقول له جعت أنت ~~جائع فيسمع اللفظ ويعلم ما عينه بالإشارة أو ما يجري مجراها من القرائن ~~التي تعين المراد مثل نظر أمه اليه في حال جوعه وادراكه بنظرها أو نحوه ~~أنها تعني جوعه أو يسمعهم يعبرون بذلك عن جوع غيره إذا عرف ذلك فالمخاطب ~~المتكلم إذا أراد بيان معان فلا يخلو اما أن يكون مما أدركها المخاطب ~~المستمع باحساسه وشهوده أو بمعقوله وأما أن لا يكون كذلك فان كانت من ~~القسمين الأولين لم يحتج الا إلى معرفة اللغة بأن يكون قد عرف معاني ~~الالفاظ المفردة ومعنى التركيب فإذا قيل له بعد ذلك * (ألم نجعل له عينين ~~ولسانا وشفتين) * PageV00P105 # البلد أو قيل له * (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل ~~لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) * النحل ونحو ذلك فهم المخاطب ~~بما أدركه بحسه وان كانت المعاني التي يراد تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده ~~بعينه ولا بحيث صار له معقول كلي يتناولها حتى يفهم به المراد بتلك الالفاظ ~~بل هي مما لا يدركه بشئ من حواسه الباطنة والظاهرة فلا بد من تعريفه من ~~طريق القياس والتمثيل والاعتبار بما بينه وبين معقولات الأمور التي شاهدها ~~من التشابه والتناسب وكلما كان التمثيل أقوى كان البيان أحسن والفهم أكمل ~~فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما بين لنا أمورا لم تكن معروفة قبل ذلك ~~وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني ~~وجعلها أسماء لها فيكون بينها قدر مشترك كالصلاة ms032 والزكاة والصوم والايمان ~~والكفر وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالايمان بالله وباليوم الآخر وهم لم ~~يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها أخذ من اللغة ~~الالفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني ~~الغيبية والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها وقرن بذلك من الإشارة ~~ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد كتعليم الصبي كما قال ربيعة ابن أبي عبد ~~الرحمن الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم وأما ما يخبر به ~~الرسول من الأمور الغائبة فقد يكون مما أدركوا نظيره بحسهم وعقلهم كإخبارهم ~~بأن الريح قد أهلكت عادا فان عادا PageV00P106 # من جنسهم والريح من جنس ريحهم وان كانت أشد وكذلك غرق فرعون في البحر ~~وكذا بقية الاخبار عن الأمم الماضية ولهذا كان الاخبار بذلك فيه عبرة لنا ~~كما قال تعالى * (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) * يوسف وقد يكون ~~الذي يخبر به الرسول ما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه ~~لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه كما إذا أخبرهم عن الأمور ~~الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر فلا بد أن يعلموا معنى مشتركا وشبها ~~بين مفردات تلك الالفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم فإذا ~~كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد ويريد أن يجعلهم يشهدونه ~~مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب أشهدهم ~~إياه وأشار لهم اليه وفعل قولا يكون حكاية له وشبها به يعلم المستمعون ان ~~معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة ~~فينبغي أن يعرف هذه الدرجات أولها ادراك الانسان المعاني الحسية المشاهدة ~~وثانيها عقله لمعانيها الكلية وثالثها تعريف الالفاظ الدالة على تلك ~~المعاني الحسية والعقلية فهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب فإذا ~~أخبرنا عن الأمور الغائبة فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين ~~الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة ثم ~~إن كانت مثلها لم يحتج ms033 إلى ذكر الفارق كما تقدم في قصص الأمم وان لم يكن ~~مثلها بين ذلك بذكر الفارق بأن يقال ليس ذلك مثل هذا ونحو ذلك وإذا تقرر ~~انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق وانتفاء التساوي ~~لا يمنع وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك وبه صرنا نفهم ~~الأمور الغائبة ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط PageV00P107 # قوله ولا شئ يعجزه ش لكمال قدرته قال تعالى * (إن الله على كل شيء قدير) ~~* البقرة * (وكان الله على كل شيء مقتدرا) * الكهف * (وما كان الله ليعجزه ~~من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا) * فاطر * (وسع كرسيه ~~السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم) * البقرة لا يؤده اي ~~لا يكرثه ولا يثقله ولا يعجزه فهذا النفي لثبوت كمال ضده وكذلك كل نفي يأتي ~~في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة انما هو لثبوت كمال ضده كقوله تعالى * ~~(ولا يظلم ربك أحدا) * الكهف لكمال عدله * (لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض) * سبأ لكمال علمه وقوله تعالى * (وما مسنا من لغوب) ~~* ق لكمال قدرته * (لا تأخذه سنة ولا نوم) * البقرة لكمال حياته وقيوميته * ~~(لا تدركه الأبصار) * الانعام لكمال جلاله وعظمته وكبريائه والا فالنفي ~~الصرف لا مدح فيه الا ترى أن قول الشاعر * قبيلة لا يغدرون بذمة * ولا ~~يظلمون الناس حبة خردل * لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا ~~البيت وبعده وتصغيرهم بقوله قبيلة علم أن المراد عجزهم وضعفهم لا كمال ~~قدرتهم وقول الآخر * لكن قومي وان كانوا ذوي عدد * ليسوا من الشر في شئ وان ~~هانا * لما اقترن بنفي الشر عنهم ما يدل على ذمهم علم أن المراد عجزهم ~~وضعفهم أيضا ولهذا يأتي الاثبات للصفات في كتاب الله مفصلا والنفي مجملا ~~عكس طريقة أهل الكلام المذموم فإنهم يأتون بالنفي المفصل والاثبات ~~PageV00P108 # المجمل يقولون ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ~~ولا جوهر ولا عرض ms034 ولا بذي لون ولا رائحة ولا طعم ولا مجسة ولا بذي حرارة ~~ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا ~~افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء ~~وليس بذي جهات ولا بذي يمين ولا شمال وأمام وخلف وفوق وتحت ولا يحيط به ~~مكان ولا يجري عليه زمان ولا يجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في ~~الأماكن ولا يوصف بشئ من صفات الخلق الدالة على حدوثهم ولا يوصف بأنه متناه ~~ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات وليس بمحدود ولا والد ولا مولود ولا ~~تحيط به الاقدار ولا تحجبه الاستار إلى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري رحمه ~~الله عن المعتزلة وفي هذه الجملة حق وباطل ويظهر ذلك لمن يعرف الكتاب ~~والسنة وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه فيه إساءة أدب فإنك لو قلت ~~للسلطان أنت لست بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك لأدبك على هذا الوصف وان ~~كنت صادقا وانما تكون مادحا إذا أجملت النفي فقلت أنت لست مثل أحد من رعيتك ~~أنت أعلى منهم وأشرف واجل فإذا أجملت في النفي أجملت في الأدب والتعبير عن ~~الحق بالألفاظ الشرعية النبوية والآلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة ~~والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات ولا يتدبرون معانيها ~~ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني PageV00P109 # والالفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده وأما أهل الحق والسنة ~~والايمان فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده ~~والذي قاله هؤلاء اما أن يعرضوا عنه اعراضا جمليا أو يبينوا حاله تفصيلا ~~ويحكم عليه بالكتاب والسنة لا يحكم به على الكتاب والسنة والمقصود أن غالب ~~عقائدهم السلوب ليس بكذا ليس بكذا وأما الاثبات فهو قليل وهي انه عالم قادر ~~حي وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة ولا عن الطرق العقلية ~~التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات فان الله تعالى قال * (ليس كمثله شيء وهو ~~السميع ms035 البصير) * الشورى ففي هذا الاثبات ما يقرر معنى النفي ففهم أن ~~المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال فهو سبحانه وتعالى موصوف بما وصف به ~~نفسه ووصفه به رسله ليس كمثله شئ في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله مما ~~أخبرنا به من صفاته وله صفات لم يطلع عليها أحد من خلقه كما قال رسوله ~~الصادق صلى الله عليه وسلم في دعاء الكرب اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك ~~سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في ~~علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذاب ~~همي وغمي وسيأتي التنبيه على فساد طريقتهم في الصفات إن شاء الله تعالى ~~وليس قول الشيخ رحمه الله تعالى ولا شئ يعجزه من النفي PageV00P110 # المذموم فان الله تعالى قال * (وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ~~ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا) * فاطر فنبه سبحانه وتعالى في آخر الآية ~~على دليل انتفاء العجز وهو كمال العلم والقدرة فان العجز انما ينشأ إما من ~~الضعف عن القيام بما يريده الفاعل واما من عدم علمه به والله تعالى لا يعزب ~~عنه مثقال ذرة وهو على كل شئ قدير وقد علم ببدائه العقول والفطر كمال قدرته ~~وعلمه فانتفى العجز لما بينه وبين القدرة من التضاد ولان العاجز لا يصلح أن ~~يكون الها تعالى الله عن ذكر ذلك علوا كبيرا قوله ولا اله غيره ش هذه كلمة ~~التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم كما تقدم ذكره واثبات التوحيد بهذه ~~الكلمة باعتبار النفي والاثبات المقتضي للحصر فان الاثبات المجرد قد يتطرق ~~اليه الاحتمال ولهذا والله أعلم لما قال تعالى * (وإلهكم إله واحد) * ~~البقرة قال بعده * (لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) * البقرة فإنه قد يخطر ~~ببال أحد خاطر شيطاني هب ان الهنا واحد فلغيرنا اله غيره فقال تعالى * (لا ~~إله إلا هو الرحمن الرحيم) * وقد اعترض صاحب المنتخب على النحويين في تقدير ~~الخبر في ms036 * (لا إله إلا هو) * فقالوا تقديره لا اله في الوجود الا الله ~~فقال يكون ذلك نفيا لوجود الاله ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد ~~الصرف من نفي الوجود فكان إجراء الكلام على ظاهره والاعراض عن هذا الاضمار ~~أولى PageV00P111 # وأجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في ري الظمآن فقال هذا كلام ~~من لا يعرف لسان العرب فان اله في موضع المبتدأ على قول سيبويه وعند غيره ~~اسم لا وعلى التقديرين فلا بد من خبر المبتدأ والا فما قاله من الاستغناء ~~عن الاضمار فاسد وأما قوله إذا لم يضمر يكون نفيا للماهية فليس بشئ لان نفي ~~الماهية هو نفي الوجود لا تتصور الماهية الا مع الوجود فلا فرق بين لا ~~ماهية ولا وجود وهذا مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة فإنهم يثبتون ماهية ~~عارية عن الوجود و الا الله مرفوع بدلا من لا اله لا يكون خبرا ل لا ولا ~~للمبتدأ وذكر الدليل على ذلك وليس المراد هنا ذكر الاعراب بل المراد رفع ~~الاشكال الوارد على النحاة في ذلك وبيان انه من جهة المعتزلة وهو فاسد فان ~~قولهم نفي الوجود ليس تقييدا لان العدم ليس بشئ قال تعالى * (وقد خلقتك من ~~قبل ولم تك شيئا) * PageV00P112 # مريم ولا يقال ليس قوله غيره كقوله الا الله لان غير تعرب باعراب الاسم ~~الواقع بعد الا فيكون التقدير للخبر فيهما واحدا فلهذا ذكرت هذا الاشكال ~~وجوابه هنا قوله قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء ش قال الله تعالى * (هو ~~الأول والآخر) * الحديد وقال صلى الله عليه وسلم اللهم أنت الأول فليس قبلك ~~شئ وأنت الاخر فليس بعدك شئ فقول الشيخ قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء هو ~~معنى اسمه الأول والاخر والعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطر فان ~~الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته قطعا للتسلسل فإنا نشاهد ~~حدوث الحيوان والنبات والمعادن وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك وهذه ~~الحوادث وغيرها ليست ممتنعة فان الممتنع لا يوجد ولا واجبة ms037 الوجود بنفسها ~~فان واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم وهذه كانت معدومة ثم وجدت فعدمها ينفي ~~وجودها ووجودها ينفي امتناعها وما كان قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده ~~بنفسه كما قال تعالى * (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) * الطور يقول ~~سبحانه أحدثوا من غير محدث أم هم أحدثوا أنفسهم ومعلوم أن الشيء المحدث لا ~~يوجد نفسه فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجودا بنفسه ~~بل إن حصل ما يوجده والا كان معدوما وكل ما أمكن وجوده بدلا عن عدمه وعدمه ~~بدلا عن وجوده فليس له من نفسه وجود ولا عدم لازم له PageV00P113 # وإذا تأمل الفاضل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية ~~وحد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية بأفصح ~~عبارة وأوجزها وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما لا يوجد عندهم ~~مثله قال تعالى * (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) * ~~الفرقان ولا نقول لا ينفع الاستدلال بالمقدمات الخفية والأدلة النظرية فان ~~الخفاء والظهور من الأمور النسبية فربما ظهر لبعض الناس ما خفي على غيره ~~ويظهر للانسان الواحد في حال ما خفي عليه في حال أخرى وأيضا فالمقدمات وان ~~كانت خفية فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو أجلى منها وقد تفرح النفس ~~بما علمته من البحث والنظر ما لا تفرح بما علمته من الأمور الظاهرة ولا شك ~~أن العلم باثبات الصانع ووجوب وجوده أمر ضروري فطري وان كان يحصل لبعض ~~الناس من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية وقد أدخل المتكلمون في أسماء ~~الله تعالى القديم وليس هو من الأسماء الحسنى فان القديم في لغة العرب التي ~~نزل بها القرآن هو المتقدم على غيره فيقال هذا قديم للعتيق وهذا حديث ~~للجديد ولم يستعملوا هذا الاسم الا في المتقدم على غيره لا فيما لم يسبقه ~~عدم كما قال تعالى * (حتى عاد كالعرجون القديم) * يس والعرجون القديم الذي ~~يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني ms038 فإذا وجد الجديد قيل للأول قديم وقال ~~تعالى * (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم) * الأحقاف أي متقدم في ~~الزمان وقال تعالى * (أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون) * ~~الشعراء فالأقدم مبالغة في القديم ومنه القول القديم والجديد للشافعي رحمه ~~الله تعالى وقال تعالى * (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار) * ~~PageV00P114 # هود اي يتقدمهم ويستعمل منه الفعل لازما ومتعديا كما يقال أخذت ما قدم ~~وما حدث ويقال هذا قدم هذا وهو يقدمه ومنه سميت القدم قدما لأنها تقدم بقية ~~بدن الانسان واما ادخال القديم في أسماء الله تعالى فهو مشهور عند أكثر أهل ~~الكلام وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف منهم ابن حزم ولا ريب انه إذا ~~كان مستعملا في نفس التقدم فان ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم ~~من غيره لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح ~~به والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها فلا يكون من ~~الأسماء الحسنى وجاء الشرع باسمه الأول وهو أحسن من القديم لأنه يشعر بأن ~~ما بعده آيل اليه وتابع له بخلاف القديم والله تعالى له الأسماء الحسنى لا ~~الحسنة قوله لا يفني ولا يبيد ش اقرار بدوام بقائه سبحانه وتعالى قال عز من ~~قائل * (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) * الرحمن ~~والفناء والبيد متقاربان في المعنى والجمع بينهما في الذكر للتأكيد وهو ~~أيضا مقرر ومؤكد لقوله دائم بلا انتهاء قوله ولا يكون الا ما يريد ش هذا رد ~~لقول القدرية والمعتزلة فإنهم زعموا ان الله أراد الايمان من الناس كلهم ~~والكافر أراد الكفر وقولهم فاسد مردود لمخالفته الكتاب والسنة والمعقول ~~الصحيح وهي مسالة القدر المشهورة وسيأتي لها زيادة بيان إن شاء الله تعالى ~~وسموا قدرية لانكارهم القدر وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضا ~~والتسمية على الطائفة الأولى أغلب PageV00P115 # أما أهل السنة فيقولون أن الله وان كان يريد المعاصي قدرا فهو لا يحبها ~~ولا يرضاها ولا ms039 يأمر بها بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها وهذا قول ~~السلف قاطبة فيقولون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولهذا اتفق الفقهاء ~~على أن الحالف لو قال والله لأفعلن كذا إن شاء الله لم يحنث إذا لم يفعله ~~وان كان واجبا أو مستحبا ولو قال إن أحب الله حنث إذا كان واجبا أو مستحبا ~~والمحققون من أهل السنة يقولون الإرادة في كتاب الله نوعان إرادة قدرية ~~كونية خلقية وإرادة دينية امرية شرعية فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة ~~والرضى والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات وهذا كقوله تعالى * ~~(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ~~حرجا كأنما يصعد في السماء) * الانعام وقوله تعالى عن نوح عليه السلام * ~~(ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) * هود ~~وقوله تعالى * (ولكن الله يفعل ما يريد) * البقرة وأما الإرادة الدينية ~~الشرعية الامرية فكقوله تعالى * (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ~~* البقرة وقوله تعالى * (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ~~ويتوب عليكم والله عليم حكيم) * النساء * (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد ~~الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق ~~الإنسان ضعيفا) * النساء وقوله تعالى * (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) * المائدة وقوله تعالى * (إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * الأحزاب PageV00P116 # فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح هذا يفعل ما ~~لا يريده الله أي لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به وأما الإرادة الكونية فهي ~~الإرادة المذكورة في قول المسلمين ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~والفرق ثابت بين إرادة المريد ان يفعل وبين ارادته من غيره ان يفعل فإذا ~~أراد الفاعل أن يفعل فعلا فهذه الإرادة معلقة بفعله وإذا أراد من غيره ان ~~يفعل فعلا فهذه الإرادة لفعل ms040 الغير وكلا النوعين معقول للناس والامر يستلزم ~~الإرادة الثانية دون الأولى فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر فقد يريد ~~إعانة المأمور على ما امر به وقد لا يريد ذلك وان كان مريدا منه فعله ~~وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع في أمر الله تعالى هل هو مستلزم لإرادته أم ~~لا فهو سبحانه امر الخلق على ألسن رسله عليهم السلام بما ينفعهم ونهاهم عما ~~يضرهم ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله فأراد سبحانه أن يخلق ذلك الفعل ~~ويجعله فاعلا له ومنهم من لم يرد ان يخلق فعله فجهة خلقه سبحانه لافعال ~~العباد وغيرها من المخلوقات غير جهة أمره للعبد على وجه البيان لما هو ~~مصلحة للعبد أو مفسدة وهو سبحانه إذ أمر فرعون وأبا لهب وغيرهما بالايمان ~~كان قد بين لهم ما ينفعهم ويصلحهم إذا فعلوه ولا يلزم إذا أمرهم ان يعينهم ~~بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل واعانتهم عليه وجد مفسدة من حيث هو فعل ~~له فإنه يخلق ما يخلق لحكمه ولا يلزم إذا كان الفعل المأمور به مصلحة ~~للمأمور إذا فعله أن يكون مصلحة للامر إذا فعله هو أو جعل المأمور فاعلا له ~~فأين جهة الخلق من جهة الامر فالواحد من الناس يأمر غيره وينهاه مريدا ~~النصيحة ومبينا لما ينفعه وان كان مع ذلك لا يريد أن يعينه على ذلك الفعل ~~إذ ليس كل ما كان مصلحتي في أن آمر به غيري وأنصحه يكون مصلحتي في أن ~~أعاونه أنا عليه بل قد تكون مصلحتي PageV00P117 # إرادة ما يضاده فجهة أمره لغيره نصحا غير جهة فعله لنفسه وإذا أمكن الفرق ~~في حق الخلوقين فهو في حق الله أولى بالامكان والقدرية تضرب مثلا بمن أمر ~~غيره بأمره فإنه لا بد أن يفعل ما يكون المأمور أقرب إلى فعله كالبشر ~~والطلاقة وتهيئة المساند والمقاعد ونحو ذلك فيقال لهم هذا يكون على وجهين ~~أحدهما أن تكون مصلحة الامر تعود إلى الآمر كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه ~~وأمر السيد عبده بما ms041 يصلح ملكه وأمر الانسان شريكه بما يصلح الامر المشترك ~~بينهما ونحو ذلك الثاني أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له كالأمر ~~بالمعروف وإذا أعان المأمون على البر والتقوى فإنه قد علم أن الله يثيبه ~~على اعانته على الطاعة وأنه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه فأما ~~إذا قدر ان الآمر انما أمر المأمور لمصلحة المأمور لا لنفع يعود على الآمر ~~من فعل المأمور كالناصح المشير وقدر أنه إذا أعانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر ~~وأن في حصول مصلحة المأمور مضرة على الآمر مثل الذي جاء من أقصى المدينة ~~يسعى وقال لموسى عليه السلام * (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأخرج إني لك ~~من الناصحين) * القصص فهذا مصلحته في أن يأمر موسى عليه السلام بالخروج لا ~~في أن يعينه على ذلك إذ لو اعانه لضره قومه ومثل هذا كثير وإذا قيل أن الله ~~أمر العباد بما يصلحهم لم يلزم من ذلك أن يعينهم على ما امرهم به لا سيما ~~وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحدا على ما به يصير فاعلا وإذا عللت أفعاله ~~بالحكمة فهي ثابتة في نفس الامر وان كنا نحن لا نعلمها فلا يلزم إذا كان ~~نفس الآمر له حكمة في الآمر أن يكون في الإعانة على فعل المأمور به حكمة بل ~~قد تكون الحكمة PageV00P118 # تقتضي أن لا يعينه على ذلك فإنه إذا أمكن في المخلوق أن يكون مقتضى ~~الحكمة والمصلحة أن يأمر لمصلحة المأمور وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر أن ~~لا يعينه على ذلك فامكان ذلك في حق الرب أولى وأحرى والمقصود أنه يمكن في ~~حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمره ولا يعينه عليه فالخالق أولى بإمكان ~~ذلك في حقه مع حكمته فمن أمره وأعانه على فعل المأمور كان ذلك المأمور به ~~قد تعلق به خلقه وأمره انشاء وخلقا ومحبة فكان مرادا بجهة الخلق ومرادا ~~بجهة الامر ومن لم يعنه على فعل المأمور كان ذلك المأمور قد تعلق به أمره ~~ولم يتعلق به ms042 خلقه لعدم الحكمة المقتضية لتعلق الخلق به ولحصول الحكمة ~~المقتضية لخلق ضده وخلق أحد الضدين ينافي خلق الضد الاخر فان خلق المرض ~~الذي يحصل به ذل العبد لربه ودعاؤه وتوبته وتكفير خطاياه ويرق به قلبه ~~ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان يضاد خلق الصحة التي لا تحصل معها هذه ~~المصالح ولذلك كان خلق ظلم الظالم الذي يحصل به للمظلوم من جنس ما يحصل ~~بالمرض يضاد خلق عدله الذي لا يحصل به هذه المصالح وان كانت مصلحته هو في ~~أن يعدل وتفصيل حكمة الله عز وجل في خلقه وأمره يعجز عن معرفته عقول البشر ~~والقدرية دخلوا في التعليل على طريقة فاسدة مثلوا الله فيها بخلقه ولم ~~يثبتوا حكمة تعود اليه قوله لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الافهام ش قال الله ~~تعالى * (ولا يحيطون به علما) * طه قال في الصحاح توهمت الشئ ظننته وفهمت ~~الشئ علمته فمراد الشيخ رحمه الله انه لا ينتهي اليه وهم ولا يحيط به علم ~~قيل الوهم PageV00P119 # ما يرجى كونه أي يظن أنه على صفة كذا والفهم هو ما يحصله العقل ويحيط به ~~والله تعالى لا يعلم كيف هو الا هو سبحانه وتعالى وانما نعرفه سبحانه ~~بصفاته وهو أنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض * ~~(هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له ~~الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) * قوله ~~ولا يشبهه الأنام ش هذا رد لقول المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق ~~سبحانه وتعالى قال عز وجل * (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) * وليس ~~المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع فمن كلام أبي حنيفة رحمه الله في ~~الفقه الأكبر لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شئ من خلقه ثم قال بعد ms043 ذلك ~~وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا ~~كرؤيتنا انتهى وقال نعيم بن حماد من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن ~~أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله ~~تشبيه وقال إسحاق بن راهويه من وصف الله فشبه PageV00P120 # صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم وقال علامة جهم ~~وأصحابه دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة ~~بل هم المعطلة وكذلك قال خلق كثير من أئمة السلف علامة الجهمية تسميتهم أهل ~~السنة مشبهة فإنه ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات الا يسمي ~~المثبت لها مشبها فمن أنكر أسماء الله بالكلية من غالية الزنادقة القرامطة ~~والفلاسفة وقال إن الله لا يقال له عالم ولا قادر يزعم أن من سماه بذلك فهو ~~مشبه لان الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه ومن أثبت الاسم وقال هو ~~مجاز كغالية الجهمية يزعم أن من قال إن الله عالم حقيقة قادر حقيقة فهو ~~مشبه ومن أنكر الصفات وقال إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام ولا محبة ~~ولا إرادة قال لمن أثبت الصفات انه مشبه وانه مجسم ولهذا كتب نفات الصفات ~~من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم كلها مشحونة بتسمية مثبتة الصفات ~~مشبهة ومجسمة ويقولون في كتبهم ان من جملة المجسمة قوما يقال لهم المالكية ~~ينسبون إلى رجل يقال له مالك بن أنس وقوما يقال لهم الشافعية ينسبون إلى ~~رجل يقال له محمد بن إدريس حتى الذين يفسرون القرآن منهم كعبد الجبار ~~والزمخشري وغيرهما يسمون كل من أثبت شيئا من الصفات وقال بالرؤية مشبها ~~وهذا الاستعمال قد غلب عند المتأخرين من غالب الطوائف ولكن المشهور من ~~استعمال هذا اللفظ عند علماء السنة المشهورين أنهم لا يريدون بنفي التشبيه ~~نفي الصفات ولا يصفون به كل من أثبت الصفات بل مرادهم أنه لا يشبه المخلوق ~~في أسمائه وصفاته وأفعاله كما ms044 تقدم من كلام أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى ~~يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا وهذا معنى قوله تعالى * ~~(ليس) * PageV00P121 # * (كمثله شيء وهو السميع البصير) * فنفى المثل وأثبت الصفة وسيأتي في ~~كلام الشيخ اثبات الصفات تنبيها على أنه ليس نفي التشبيه مستلزما لنفي ~~الصفات ومما يوضح هذا أن العلم الإلهي لا يجوز ان يستدل فيه بقياس تمثيلي ~~يستوي فيه الأصل والفرع ولا بقياس شمولي يستوي افراده فان الله سبحانه ليس ~~كمثله شئ فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية ~~يستوي افرادها ولهذا لما سلكت طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه ~~الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى اليقين بل تناقضت أدلتهم وغلب ~~عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافيها ~~ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى سواء كان تمثيلا أو شمولا كما قال تعالى * ~~(ولله المثل الأعلى) * مثل أن يعلم أن كل كمال للممكن أو للمحدث لا نقص فيه ~~بوجه من الوجوه وهو ما كان كمالا للوجود غير مستلزم للعدم بوجه فالواجب ~~القديم أولى به وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق ~~والمربوب المدبر فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره وهو أحق به منه وأن كل ~~نقص وعيب في نفسه وهو ما تضمن سلب هذا الكمال إذا وجب نفيه عن شئ من أنواع ~~المخلوقات والممكنات والمحدثات فإنه يجب نفيه عن الرب تعالى بطريق الأولى ~~ومن أعجب العجب أن من غلاة نفاة الصفات الذين يستدلون بهذه الآية الكريمة ~~على نفي الصفات والأسماء ويقولون واجب الوجود PageV00P122 # لا يكون كذا ولا يكون كذا ثم يقولون أصل الفلسفة هي التشبيه بالاله على ~~قدر الطاقة ويجعلون هذا غاية الحكمة ونهاية الكمال الانساني ويوافقهم على ~~ذلك بعض من يطلق هذه العبارة ويروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~تخلقوا بأخلاق الله فإذا كانوا ينفون الصفات فبأي شئ يتخلق العبد على زعمهم ~~وكما أنه لا يشبه ms045 شيئا من مخلوقاته تعالى لا يشبهه شئ من مخلوقاته ولكن ~~المخالف في هذا النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله تعالى ونفي مشابهة ~~شيء من مخلوقاته له مستلزم لنفي مشابهته لشئ من مخلوقاته فلذلك اكتفى الشيخ ~~رحمه الله بقوله ولا يشبهه الأنام والأنام الناس وقيل كل ذي روح وقيل ~~الثقلان وظاهر قوله تعالى * (والأرض وضعها للأنام) * يشهد للأول أكثر من ~~الباقي والله أعلم قوله حي لا يموت قيوم لا ينام ش قال تعالى * (الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم) * فنفي السنة والنوم دليل ~~على كمال حياته وقيوميته وقال تعالى * (ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم ~~نزل عليك الكتاب بالحق) * وقال تعالى * (وعنت الوجوه للحي القيوم) * وقال ~~تعالى * (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده) * وقال تعالى * (هو الحي ~~لا إله إلا هو) * وقال صلى الله عليه وسلم ان الله لا ينام ولا ينبغي له أن ~~ينام الحديث PageV00P123 # لما نفى الشيخ رحمه الله التشبيه أشار إلى ما تقع به التفرقة بينه وبين ~~خلقه بما يتصف به تعالى دون خلقه فمن ذلك أنه حي لا يموت لأن صفة الحياة ~~الباقية مختصة به تعالى دون خلقه فإنهم يموتون ومنه أنه قيوم لا ينام إذ هو ~~مختص بعدم النوم والسنة دون خلقه فإنهم ينامون وفي ذلك إشارة إلى أن نفي ~~التشبيه ليس المراد منه الصفات بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال لكمال ذاته ~~فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة زائلة ولهذا كانت الحياة الدنيا ~~متاعا ولهوا ولعبا وان الدار الآخرة لهم الحيوان فالحياة الدنيا كالمنام ~~والحياة الآخرة كاليقظة ولا يقال فهذه الحياة الآخرة كاملة وهي للمخلوق ~~لأنا نقول الحي الذي الحياة من صفات ذاته اللازمة لها هو الذي وهب المخلوق ~~تلك الحياة الدائمة فهي دائمة بإدامة الله لها لا أن الدوام وصف لازم لها ~~لذاتها بخلاف حياة الرب تعالى وكذلك سائر صفاته فصفات الخالق كما يليق به ~~وصفات المخلوق كما يليق به وأعلم أن هذين الاسمين ms046 أعني الحي القيوم مذكوران ~~في القرآن معا في ثلاث سور كما تقدم وهما من أعظم أسماء الله الحسنى حتى ~~قيل إنهما الاسم الأعظم فإنهما يتضمنان اثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه ~~ويدل القيوم على معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ القديم ويدل ~~أيضا على كونه موجودا بنفسه وهو معنى كونه واجب الوجود والقيوم أبلغ من ~~القيام لان الواو أقوى من الألف ويفيد قيامه بنفسه باتفاق المفسرين وأهل ~~اللغة وهو معلوم بالضرورة وهل تفيد اقامته لغيره وقيامه عليه فيه قولان ~~أصحهما أنه يفيد ذلك وهو يفيد دوام قيامه وكل قيامه لما فيه من المبالغة ~~فهو سبحانه PageV00P124 # لا يزول و لا يأفل فان الافل قد زال قطعا أي لا يغيب ولا ينقص ولا يفنى ~~ولا يعدم بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال ~~واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال ويدل على دوامها وبقائها وانتفاء ~~النقص والعدم عنها أزلا وأبدا ولهذا كان قوله * (الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم) * أعظم آية في القرآن كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها واليهما ترجع ~~معانيها فان الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال فلا يتخلف عنها صفة منها الا ~~لضعف الحياة فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها استلزم اثباتها اثبات ~~كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة وأما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال ~~قدرته فإنه القائم بنفسه فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه المقيم لغيره ~~فلا قيام لغيره الا بإقامته فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام ~~قوله خالق بلا حاجة رازق بلا مؤنة ش قال تعالى * (وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو ~~القوة المتين) * * (أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني ~~الحميد) * * (والله الغني وأنتم الفقراء) * * (قل أغير الله أتخذ وليا فاطر ~~السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم) * وقال ms047 صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ~~ذر رضي الله عنه يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أتقى ~~قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ~~وانسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب PageV00P125 # رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ~~وانسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل انسان مسألته ما نقص ~~ذلك مما عندي الا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر الحديث رواه مسلم وقوله ~~بلا مؤنة بلا ثقل ولا كلفة قوله مميت بلا مخافة باعث بلا مشقة ش الموت صفة ~~وجودية خلافا للفلاسفة ومن وافقهم قال تعالى * (الذي خلق الموت والحياة ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * والعدم لا يوصف بكونه مخلوقا وفي الحديث أنه ~~يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار وهو وان ~~كان عرضا فالله تعالى يقلبه عينا كما ورد في العمل الصالح أنه يأتي صاحبه ~~في صورة الشاب الحسن والعمل القبيح على أقبح صورة وورد في القرآن أنه يأتي ~~على صورة الشاب الشاحب اللون الحديث أي قراءة القارئ وورد في الاعمال أنها ~~PageV00P126 # توضع في الميزان والأعيان هي التي تقبل الوزن دون الاعراض وورد في سورة ~~البقرة وآل عمران أنهما يوم القيامة يظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو ~~غيايتان أو فرقان من طير صواف وفي الصحيح أن أعمال العباد تصعد إلى السماء ~~وسيأتي الكلام على البعث والنشور إن شاء الله تعالى قوله ما زال بصفاته ~~قديما قبل خلقه لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته وكما كان بصفاته ~~أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا ش أي أن الله سبحانه وتعالى لم يزل متصفا ~~بصفات الكمال صفات الذات وصفات الفعل ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة ~~بعد أن لم يكن متصفا بها لان صفاته سبحانه صفات كمال وفقدها PageV00P127 # صفة نقص ولا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان ms048 متصفا بضده ولا ~~يرد على هذه صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها كالخلق والتصوير ~~والأمانة والاحياء والقبض والبسط والطي والاستواء والاتيان والمجيء والنزول ~~والغضب والرضى ونحو ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله وان كنا لا ندرك ~~كنهة وحقيقته التي هي تأويله ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين ~~بأهوائنا ولكن أصل معناه معلوم لنا كما قال الامام مالك رضي الله عنه لما ~~سئل عن قوله تعالى * (ثم استوى على العرش) * وغيرها كيف استوى فقال ~~الاستواء معلوم والكيف مجهول وان كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت كما ~~في حديث الشفاعة ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده ~~مثله لان هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع ولا يطلق عليه انه حدث بعد أن ~~لم يكن الا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلما بالأمس لا يقال إنه حدث له ~~الكلام ولو كان غير متكلم لأنه لآفة كالصغر والخرس ثم تكلم يقال حدث له ~~الكلام فالساكت لغير آفة يسمى متكلما بالقوة بمعنى أنه يتكلم إذا شاء وفي ~~حال تكلمه يسمى متكلما بالفعل وكذلك الكاتب في حال الكتابة هو كاتب بالفعل ~~ولا يخرج عن كونه كاتبا في حال عدم مباشرته الكتابة وحلول الحوادث بالرب ~~تعالى المنفي في علم الكلام المذموم لم PageV00P128 # يرد نفيه ولا اثباته في كتاب ولا سنة وفيه اجمال فان أريد بالنفي أنه ~~سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شئ من مخلوقاته المحدثة أو لا يحدث له وصف ~~متجدد لم يكن فهذا نفي صحيح وان أريد به نفي الصفات الاختيارية من أنه لا ~~يفعل ما يريد ولا يتكلم بما شاء إذا شاء ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من ~~الورى ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والاتيان كما يليق ~~بجلاله وعظمته فهذا نفي باطل وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث ~~فيسلم السني للمتكلم ذلك على ظن أنه نفي عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله فإذا ~~سلم له هذا ms049 النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل وهو غير لازم له ~~وانما آتي السني من تسليم هذا النفي المجمل وإلا فلو استفسر واستفصل لم ~~ينقطع معه وكذلك مسالة الصفة هل هي زائدة على الذات أم لا لفظها مجمل وكذلك ~~لفظ الغير فيه اجمال فقد يراد به ما ليس هو إياه وقد يراد به ما جاز ~~مفارقته له ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا يطلقون على صفات الله ~~وكلامه أنه غيره ولا انه ليس غيره لأن اطلاق الاثبات قد يشعر ان ذلك مباين ~~له واطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو إذا كان لفظ الغير فيه اجمال فلا يطلق ~~الا مع البيان والتفصيل فان أريد به أن هناك ذاتا مجردة قائمة بنفسها ~~منفصلة عن الصفات الزائدة عليها فهذا غير صحيح وان أريد به أن الصفات زائدة ~~على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة فهذا حق ولكن ليس ~~في الخارج ذات مجردة عن الصفات بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها ~~لا تنفصل عنها وانما يفرض الذهن ذاتا وصفة كلا وحده ولكن ليس PageV00P129 # في الخارج ذات غير موصوفة فان هذا محال ولو لم يكن الا صفة الوجود فإنها ~~لا تنفك عن الموجود وان كان الذهن يفرض ذاتا ووجودا يتصور هذا وحده وهذا ~~وحده لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج وقد يقول بعضهم الصفة لا عين ~~الموصوف ولا غيره هذا له معنى صحيح وهو أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي ~~يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها وليست غير الموصوف بل الموصوف بصفاته شئ ~~واحد غير متعدد فإذا قلت أعوذ بالله فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات ~~الكمال المقدسة الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه وإذا قلت ~~أعوذ بعزة الله فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى ولم أعذ بغير الله وهذا ~~المعنى يفهم من لفظ الذات فان ذات في أصل معناها لا تستعمل الا مضافة أي ~~ذات وجود ذات قدرة ذات ms050 عز ذات علم ذات كرم إلى غير ذلك من الصفات فذات كذا ~~بمعنى صاحبة كذا تأنيث ذو هذا أصل معنى الكلمة فعلم أن الذات لا يتصور ~~انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه وان كان الذهن قد يفرض ذاتا مجردة عن ~~الصفات كما يفرض المحال وقد قال صلى الله عليه وسلم أعوذ بعزة الله وقدرته ~~من شر ما أجد واحاذر PageV00P130 # وقال صلى الله عليه وسلم أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ولا يعوذ ~~صلى الله عليه وسلم بغير الله وكذا قال صلى الله عليه وسلم اللهم إني أعوذ ~~برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك وقال صلى الله عليه وسلم ~~ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا وقال صلى الله عليه وسلم أعوذ بنور وجهك ~~الذي أشرقت له الظلمات وكذلك قولهم الاسم عين المسمى أو غيره وطالما غلط ~~كثير من الناس في ذلك وجهلوا الصواب فيه فالاسم يراد به المسمى تارة و يراد ~~به اللفظ الدال عليه أخرى فإذا قلت قال الله كذا أو سمع الله لمن حمده ونحو ~~ذلك فهذا المراد به المسمى نفسه وإذا قلت الله اسم عربي والرحمن اسم عربي ~~والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى ~~ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الاجمال فان أريد بالمغايرة أن اللفظ ~~غير المعنى فحق وأن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه ~~أسماء أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم فهذا من أعظم الضلال والالحاد في ~~أسماء الله تعالى PageV00P131 # والشيخ رحمه الله أشار بقوله ما زال بصفاته قديما قبل خلقه إلى آخر كلامه ~~إلى الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة فإنهم قالوا إنه ~~تعالى صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه لكونه صار ~~الفعل والكلام ممكنا بعد أن كان ممتنعا وانه انقلب من الامتناع الذاتي إلى ~~الامكان الذاتي وعلي بن كلاب والأشعري ومن وافقهما فإنهم قالوا إن الفعل ms051 ~~صار ممكنا له بعد أن كان ممتنعا منه وأما الكلام عندهم فلا يدخل تحت ~~المشيئة والقدرة بل هو شئ واحد لازم لذاته وأصل هذا الكلام من الجهمية ~~فإنهم قالوا إن دوام الحوادث ممتنع وانه يجب أن يكون للحوادث مبدأ لامتناع ~~حوادث لا أول لها فيمتنع أن يكون البارىء عز وجل لم يزل فاعلا متكلما ~~بمشيئة بل يمتنع أن يكون قادرا على ذلك لان القدرة على الممتنع ممتنعة وهذا ~~فاسد فإنه يدل على امتناع حدوث العالم وهو حادث والحادث إذا حدث بعد أن لم ~~يكن محدثا فلا بد أن يكون ممكنا والامكان ليس له وقت محدود وما من وقت يقدر ~~الا والامكان ثابت فيه وليس لامكان الفعل وجوازه وصحته مبدأ ينتهي اليه ~~فيجب انه لم يزل الفعل ممكنا جائزا صحيحا فيلزم أنه لم يزل الرب قادرا عليه ~~فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها قالت الجهمية ومن وافقهم نحن لا نسلم أن ~~امكان الحوادث لا بداية له لكن نقول امكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة ~~بالعدم لا بداية له وذلك لان الحوادث عندنا تمتنع أن تكون قديمة النوع بل ~~يجب حدوث نوعها ويمتنع قدم نوعها لكن لا يجب الحدوث في وقت PageV00P132 # بعينه فامكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا أول له بخلاف جنس ~~الحوادث فيقال لهم هب انكم تقولون ذلك لكن يقال امكان جنس الحوادث عندكم له ~~بداية فإنه صار جنس الحدوث عندكم ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا وليس لهذا ~~الامكان وقت معين بل ما من وقت يفرض الا والامكان ثابت قبله فيلزم دوام ~~الامكان والا لزم انقلاب الجنس من الامتناع إلى الامكان من غير حدوث شئ ~~ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحدوث أو جنس الحوادث أو جنس الفعل أو جنس ~~الاحداث أو ما أشبه هذا من العبارات من الامتناع إلى الامكان وهو مصير ذلك ~~ممكنا جائزا بعد أن كان ممتنعا من غير سبب تجدد وهذا ممتنع في صريح العقل ~~وهو أيضا انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إلى الامكان الذاتي فان ذات ms052 جنس ~~الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة وهذا الانقلاب لا يختص بوقت ~~معين فإنه ما من وقت يقدر ولا والامكان ثابت قبله فيلزم أنه لم يزل هذا ~~الانقلاب ممكنا فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكنا وهذا أبلغ في الامتناع من ~~قولنا لم يزل الحادث ممكنا فقد لزمهم فيما فروا اليه أبلغ مما لزمهم فيما ~~فروا منه فإنه يعقل كون الحادث ممكنا ويعقل ان هذا الامكان لم يزل وأما كون ~~الممتنع ممكنا فهو ممتنع في نفسه فكيف إذا قيل لم يزل امكان هذا الممتنع ~~وهذا مبسوط في موضعه فالحاصل أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل ~~والماضي أم لا أو في المستقبل فقط أو الماضي فقط فيه ثلاثة أقوال معروفة ~~لأهل النظر من المسلمين وغيرهم أضعفها قول من يقول لا يمكن دوامها لا في ~~الماضي ولا في المستقبل كقول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف PageV00P133 # وثانيها قول من يقول يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي كقول كثير من ~~أهل الكلام ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم والثالث قول من يقول يمكن دوامها ~~في الماضي والمستقبل كما يقوله أئمة الحديث هي من المسائل الكبار ولم يقل ~~أحد يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل ولا شك أن جمهور العالم من جميع ~~الطوئف يقولون إن كل ما سوى الله تعالى مخلوق كائن بعد أن لم يكن وهذا قول ~~الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم ومن المعلوم بالفطرة ~~أن كون المفعول مقارنا لفاعله لم يزل ولا يزال معه ممتنع محال ولما كان ~~تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الرب سبحانه هو الآخر الذي بعده ~~شئ فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون سبحانه وتعالى هو الأول ~~الذي ليس قبله شئ فان الرب سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال يفعل ما يشاء ~~ويتكلم إذا يشاء قال تعالى * (قال كذلك الله يفعل ما يشاء) * وقال تعالى * ~~(ولكن الله يفعل ما يريد) * وقال تعالى * (ذو العرش المجيد فعال لما يريد) ~~* وقال ms053 تعالى * (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله) * وقال تعالى * (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) * والمثبت انما ~~هو الكمال الممكن الوجود وحينئذ فإذا كان النوع دائما فالممكن والأكمل هو ~~التقدم على كل فرد من الافراد PageV00P134 # بحيث لا يكون في أجزاء العالم شئ يقارنه بوجه من الوجوه وأما دوام الفعل ~~فهو أيضا من الكمال فان الفعل إذا كان صفة كمال فدوامه دوام كمال قالوا ~~والتسلسل لفظ مجمل لم يرد بنفيه ولا اثباته كتاب ولا سنة ليجب مراعاة لفظه ~~وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن فالتسلسل في المؤثرين محال ممتنع لذاته ~~وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى غاية ~~والتسلسل الواجب ما دل عليه العقل والشرع من دوام أفعال الرب تعالى في ~~الأبد وانه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم احدث لهم نعيما آخر لا نقاد له ~~وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر ~~فهذا واجب في كلامه فإنه لم يزل متكلما إذا شاء ولم تحدث له صفة الكلام في ~~وقت وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته فان كل حي فعال والفرق بين الحي ~~والميت الفعل ولهذا قال غير واحد من السلف الحي الفعال وقال عثمان بن سعيد ~~كل حي فعال ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلا عن كماله من ~~الكلام والإرادة والفعل وأما التسلسل الممكن فالتسلسل في مفعولاته من هذا ~~الطرف كما تتسلسل في طرف الأبد فإنه إذا لم يزل حيا قادرا مريدا متكلما ~~وذلك من لوازم ذاته فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له وأن يفعل أكمل من ~~أن لا يفعل ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه فإنه سبحانه متقدم على كل ~~فرد من مخلوقاته تقدما لا أول له فلكل مخلوق أول والخالق سبحانه لا أول له ms054 ~~فهو وحده الخالق وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن قالوا وكل قول سوى ~~هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه PageV00P135 # وكل من اعترف بأن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل لزمه أحد أمرين لا ~~بد له منهما اما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنا واما أن يقول لم يزل واقعا ~~والا تناقض تناقضا بينا حيث زعم أن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل ~~والفعل محال ممتنع لذاته لو اراده لم يمكن وجوده بل فرض ارادته عنده محال ~~وهو مقدور له وهذا قول ينقض بعضه بعضا والمقصود أن الذي دل عليه الشرع ~~والعقل أن كل ما سوى الله تعالى محدث كائن بعد أن لم يكن أما كون الرب ~~تعالى لم يزل معطلا عن الفعل ثم فعل فليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته ~~بل كلاهما يدل على نقيضه وقد أورد أبو المعالي في ارشاده وغيره من النظار ~~على التسلسل في الماضي فقالوا انك لو قلت لا أعطيك درهما الا أعطيك بعده ~~درهما كان هذا ممكنا ولو قلت لا أعطيك درهما حتى أعطيك قبله درهما كان هذا ~~ممتنعا وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة بل الموازنة الصحيحة أن تقول ما ~~أعطيتك درهما الا أعطيتك قبله درهما فتجعل ماضيا قبل ماض كما جعلت هناك ~~مستقبلا بعد مستقبل واما قول القائل لا أعطيك حتى أعطيك قبله فهو نفي ~~للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله فقد نفى المستقبل حتى يوجد ~~المستقبل وهذا ممتنع أما نفي الماضي حتى يكون قبله ماض فان هذا ممكن ~~والعطاء المستقبل ابتداؤه من المستقبل والمعطي الذي له ابتداء وانتهاء لا ~~يكون قبله ما لا نهاية له فان ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع ~~PageV00P136 # قوله ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بأحداثه البرية استفاد اسم ~~الباري ش ظاهر كلام الشيخ رحمه الله أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي ~~ويأتي في كلامه ما يدل على أنه لا يمنعه في المستقبل وهو قوله والجنة ~~والنار ms055 مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان وهذا مذهب الجمهور كما تقدم ولا ~~شك في فساد قول من منع ذلك في الماضي والمستقبل كما ذهب اليه الجهم وأتباعه ~~وقال بفناء الجنة والنار لما يأتي من الأدلة إن شاء الله تعالى وأما قول من ~~قال بجواز حوادث لا أول لها من القائلين بحوادث لا آخر لها فأظهر في الصحة ~~من قول من فرق بينهما فإنه سبحانه لم يزل حيا والفعل من لوازم الحياة فلم ~~يزل فاعلا لما يريد كما وصف بذلك نفسه حيث يقول * (ذو العرش المجيد فعال ~~لما يريد) * والآية تدل على أمور أحدها أنه تعالى يفعل بإرادته ومشيئته ~~الثاني انه لم يزل كذلك لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه و أن ~~ذلك من كماله سبحانه ولا يجوز أن يكون عادما لهذا الكمال في وقت من الأوقات ~~وقد قال تعالى * (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون) * ولما كان من أوصاف ~~كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا بعد ان لم يكن الثالث أنه إذا أراد شيئا ~~فعله فان ما موصولة عامة اي يفعل كل ما يريد أن يفعله وهذا في ارادته ~~المتعلقة بفعله واما ارادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شأن آخر فان أراد ~~فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه ويجعله فاعلا لم يوجد الفعل وان ~~أراده حتى يريد PageV00P137 # من نفسه أن يجعله فاعلا وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية ~~وخبطوا في مسألة القدر لغفلتهم عنها وفرق بين ارادته أن يفعل العبد وإرادة ~~أن يجعله فاعلا وسيأتي الكلام على مسألة القدر في موضعه إن شاء الله تعالى ~~الرابع ان فعله وارادته متلازمان فما أراد ان يفعل فعل وما فعله فقد اراده ~~بخلاف المخلوق فإنه يريد ما لا يفعل وقد يفعل ما لا يريده فما ثم فعال لما ~~يريد الا الله وحده الخامس اثبات إرادات متعددة بحسب الافعال وأن كل فعل له ~~إرادة تخصه هذا هو المعقول في الفطر فشأنه سبحانه أنه يريد على ms056 الدوام ~~ويفعل ا يريد السادس أن كل ما صح أن تتعلق به ارادته جاز فعله فإذا أراد أن ~~ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء وأن يري ~~عباده نفسه وأن يتجلى لهم كيف شاء ويخاطبهم ويضحك إليهم غير ذلك مما يريد ~~سبحانه لم يمتنع عليه فعله فإنه تعالى فعال لما يريد وانما يتوقف صحة ذلك ~~على اخبار الصادق به فإذا أخبر وجب التصديق وكذلك محو ما يشاء واثبات ما ~~يشاء كل يوم هو في شأن سبحانه وتعالى والقول بأن الحوادث لها أول يلزم منه ~~التعطيل قبل ذلك وأن الله سبحانه وتعالى لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلا ولا ~~يلزم من ذلك قدم العالم لان كل ما سوى الله تعالى محدث ممكن الوجود موجود ~~بايجاد الله تعالى له ليس له من نفسه الا العدم والفقر والاحتياج وصف ذاتي ~~لازم لكل ما سوى الله تعالى والله تعالى واجب الوجود لذاته غني لذاته ~~والغنى وصف ذاتي لازم له سبحانه وتعالى والناس قولان في هذا العالم هل هو ~~مخلوق من مادة أم لا PageV00P138 # واختلفوا في أول هذا العالم ما هو وقد قال تعالى * (وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) * وروى البخاري وغيره عن ~~عمران بن حصين رضي الله عنه قال قال أهل اليمن لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الامر فقال كان الله ولم ~~يكن شئ قبله وفي رواية ولم يكن شئ معه وفي رواية غيره وكان عرشه على الماء ~~وكتب في الذكر كل شئ وخلق السماوات والأرض وفي لفظ ثم خلق السماوات والأرض ~~فقوله كتب في الذكر يعني اللوح المحفوظ كما قال تعالى * (ولقد كتبنا في ~~الزبور من بعد الذكر) * يسمى ما يكتب في الذكر ذكرا كما يسمى ما يكتب في ~~الكتاب كتابا والناس في هذا الحديث على قولين منهم من قال إن المقصود ~~اخباره بأن الله كان موجودا وحده ولم يزل كذلك ms057 دائما ثم ابتدأ احداث جميع ~~الحوادث فجنسها وأعيانها مسبوقة بالعدم وان جنس الزمان PageV00P139 # حادث لا في زمان وأن الله صار فاعلا بعد ان لم يكن يفعل شيئا من الأزل ~~إلى حين ابتداء الفعل ولا كان الفعل ممكنا والقول الثاني المراد إخباره عن ~~مبدأ خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش كما أخبر القرآن بذلك في غير موضع وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ~~رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قدر الله تعالى مقادير ~~الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء ~~فأخبر صلى الله عليه وسلم أن تقدير هذا العالم المخلوق في ستة أيام كان قبل ~~خلقه الأرض و السماوات بخمسين ألف سنة وأن عرش الرب تعالى كان حينئذ على ~~الماء دليل صحة هذا القول الثاني من وجوه أحدهما ان قول أهل اليمن جئناك ~~لنسألك عن أول هذا الامر وهو إشارة إلى حاضر مشهود موجود والامر هنا بمعنى ~~المأمور أي الذي كونه الله بأمره وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~بدء هذا العالم الموجود لا عن جنس المخلوقات لأنهم لم يسألوه عنه وقد ~~أخبرهم عن خلق السماوات والأرض حال كون عرشه على الماء ولم يخبرهم عن خلق ~~العرش وهو مخلوق قبل خلق السماوات والأرض وأيضا فإنه قال كان الله ولم يكن ~~شئ قبله وقد روي معه وروي غيره والمجلس كان واحدا فعلم أنه قال أحد الالفاظ ~~والآخران رؤيا بالمعنى ولفظ القبل ثبت عنه في غير هذا الحديث ففي حديث مسلم ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول في ~~PageV00P140 # دعائه اللهم أنت الأول فليس قبلك شئ الحديث واللفظان الآخران لم يثبت ~~واحد منهما في موضع آخر ولهذا كان كثير من أهل الحديث انما يرويه بلفظ ~~القبل كالحميدي والبغوي وابن الأثير وإذا كان كذلك لم يكن في هذا اللفظ ~~تعرض لابتداء الحوادث ولا ms058 لأول مخلوق وأيضا فإنه يقال كان الله ولم يكن شيء ~~قبله أو معه أو غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء فأخبر عن ~~هذه الثلاث بالواو وخلق السماوات والأرض روي بالواو وبثم فظهر أن مقصوده ~~اخباره إياهم ببدء خلق السماوات والأرض وما بينهما وهي المخلوقات التي خلقت ~~في ستة أيام لا ابتداء خلق ما خلقه الله قبل ذلك وذكر السماوات والأرض بما ~~يدل على خلقهما وذكر ما قبلهما بما يدل على كونه ووجوده ولم يتعرض لابتداء ~~خلقه له وأيضا فإنه إذا كان الحديث قد ورد بهذا وهذا فلا يجزم بأحدهما الا ~~بدليل فإذا رجح أحدهما فمن جزم بأن الرسول أراد المعنى الآخر فهو مخطيء ~~قطعا ولم يأت في الكتاب ولا في السنة ما يدل على المعنى الآخر فلا يجوز ~~اثباته بما يظن أنه معنى الحديث ولم يرد كان الله ولا شيء معه مجردا وانما ~~ورد على السياق المذكور فلا يظن أن معناه الاخبار بتعطيل الرب تعالى دائما ~~عن الفعل حتى خلق السماوات والأرض وأيضا فقوله صلى الله عليه وسلم كان الله ~~ولا شيء قبله أو معه أو غيره وكان عرشه على الماء لا يصح ان يكون المعنى ~~أنه تعالى موجود وحده لا مخلوق معه أصلا لأن قوله وكان عرشه على الماء يرد ~~ذلك فإن هذه الجملة وهي (وكان عرشه على الماء) اما حالية أو معطوفة وعلى ~~كلا التقديرين فهو مخلوق موجود في ذلك الوقت فعلم أن المراد ولم يكن شئ من ~~هذا العالم المشهود PageV00P141 # قوله له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق ش يعني أن الله ~~تعالى موصوف بأنه الرب قبل أن يوجد مربوب وموصوف بأنه خالق قبل أن يوجد ~~مخلوق قال بعض المشايخ الشارحين وانما قال له معنى الربوبية ومعنى الخالق ~~دون الخالقية لان الخالق هو المخرج للشيء من العدم إلى الوجود لا غير والرب ~~يقتضي معاني كثيرة وهي الملك والحفظ والتدبير والتربية وهي تبليغ الشيء ~~كماله بالتدريج فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه ms059 المعاني وهي الربوبية انتهى وفيه ~~نظر لان الخلق يكون بمعنى التقدير أيضا قوله وكما أنه محبي الموتى بعد ما ~~أحيا استحق هذا الاسم قبل احيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل انشائهم ش ~~يعني أنه سبحانه وتعالى موصوف بأنه محيي الموتى قبل احيائهم فكذلك يوصف ~~بأنه خالق قبل خلقهم الزاما للمعتزلة ومن قال بقولهم كما حكينا عنهم فيما ~~تقدم وتقدم تقرير انه تعالى لم يزل يفعل ما يشاء قوله ذلك بأنه على كل شئ ~~قدير وكل شئ اليه فقير وكل امر عليه يسير لا يحتاج إلى شيء ليس كمثله شيء ~~وهو السميع البصير ش ذلك إشارة إلى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه والكلام ~~على كل وشمولها وشمول كل في كل مقام بحسب ما يحتف به من القرائن يأتي في ~~مسألة الكلام إن شاء الله تعالى وقد حرفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله ~~تعالى * (والله على كل شيء قدير) * فقالوا انه قادر على كل ما هو مقدور له ~~وأما نفس أفعال العباد فلا يقدر عليها عندهم وتنازعوا هل يقدر على مثلها أم ~~لا ولو كان المعنى على ما قالوا لكان هذا بمنزلة أن يقال هو عالم بكل ما ~~يعلمه وخالق لكل ما يخلقه ونحو ذلك من العبارات التي لا PageV00P142 # فائدة فيها فسلبوا صفة كمال قدرته على كل شيء وأما أهل السنة فعندهم أن ~~الله على كل شيء قدير وكل ممكن فهو مندرج في هذا وأما المحال لذاته مثل كون ~~الشيء الواحد موجودا معدوما في حال واحدة فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده ~~ولا يسمى شيئا باتفاق العقلاء ومن هذا الباب خلق مثل نفسه واعدام نفسه ~~وأمثال ذلك من المحال وهذا الأصل هو الايمان بربوبيته العامة التامة فإنه ~~لا يؤمن بأنه رب كل شيء الا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء ولا يؤمن ~~بتمام ربوبيته وكمالها الا من آمن بأنه على كل شيء قدير وانما تنازعوا في ~~المعدوم الممكن هل هو شيء أم لا والتحقيق أن المعدوم ليس بشيء في ms060 الخارج ~~ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه وقد يذكره ويخبر به كقوله تعالى ~~* (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) * فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب لا في ~~الخارج كما قال تعالى * (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) * ~~قال تعالى * (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا) * أي لم تكن شيئا في الخارج ~~وان كان شيئا في علمه تعالى وقال تعالى * (هل أتى على الإنسان حين من الدهر ~~لم يكن شيئا مذكورا) * وقوله * (ليس كمثله شيء) * رد على المشبهة وقوله ~~تعالى * (وهو السميع البصير) * رد على المعطلة فهو سبحانه وتعالى موصوف ~~بصفات الكمال وليس له فيها شبيه فالمخلوق وان كان يوصف بأنه سميع بصير فليس ~~سمعه وبصره كسمع الرب وبصره ولا يلزم من اثبات الصفة تشبيه إذ صفات المخلوق ~~كما يليق به وصفات الخالق كما يليق به ولا تنف عن الله ما وصف به نفسه وما ~~وصفه به أعرف الخلق PageV00P143 # بربه وما يجب له وما يمتنع عليه وأنصحهم لأمته وأفصحهم وأقدرهم على ~~البيان فإنك ان نفيت شيئا من ذلك كنت كافرا بما أنزل على محمد صلى الله ~~عليه وسلم وإذا وصفته بما وصف به نفسه فلا تشبهه بخلقه فليس كمثله شيء فإذا ~~شبهته بخلقه كنت كافرا به قال نعيم ابن حماد الخزاعي شيخ البخاري من شبه ~~الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس ما وصف الله ~~به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيها وسيأتي في كلام الشيخ الطحاوي رحمه ~~الله ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه وقد وصف الله تعالى ~~نفسه بأن له المثل الاعلى فقال تعالى * (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ~~ولله المثل الأعلى) * وقال تعالى * (وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم) * فجعل سبحانه مثل السوء المتضمن للعيوب والنقائص وسلب ~~الكمال لأعدائه المشركين وأوثانهم وأخبر أن المثل الاعلى المتضمن لاثبات ~~الكمال كله لله وحده فمن سلب صفة الكمال عن ms061 الله تعالى فقد جعل له مثل ~~السوء ونفى عنه ما وصف به نفسه من المثل الاعلى و هو الكمال المطلق المتضمن ~~للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل ~~كان بها أكمل واعلى من غيره ولما كانت صفات الرب سبحانه وتعالى أكثر وأكمل ~~كان له المثل الاعلى وكان أحق به من كل ما سواه بل يستحيل ان يشترك في ~~المثل الاعلى المطلق اثنان لأنهما ان تكافآ من كل وجه لم يكن أحدهما أعلى ~~من الآخر وان لم يتكافئا فالموصوف به أحدهما وحده فيستحيل أن يكون لمن له ~~المثل الاعلى مثل أو نظير واختلفت عبارات المفسرين في المثل الاعلى ووفق ~~بين أقوالهم من وفقه الله وهداه فقال المثل الاعلى يتضمن الصفة العليا وعلم ~~PageV00P144 # العالمين بها ووجودها العلمي والخبر عنها وذكرها وعبادة الرب تعالى ~~بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه فها هنا أمور أربعة ~~الأول ثبوت الصفات العليا لله سبحانه وتعالى سواء علمها العباد أو لا وهذا ~~معنى قول من فسرها بالصفة الثاني وجودها في العلم والشعور وهذا معنى قول من ~~قال من السلف والخلف انه ما في قلوب عابديه وذاكرية من معرفته وذكره ومحبته ~~وجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة اليه وهذا الذي في ~~قلوبهم من المثل الاعلى لا يشركه فيه غيره أصلا بل يختص به في قلوبهم كما ~~اختص به في ذاته وهذا معنى قول من قال من المفسرين ان معناه أهل السماوات ~~يعظمونه ويحبونه ويعبدونه وأهل الأرض كذلك وان اشرك به من اشرك وعصاه من ~~عصاه وجحد صفاته من جحدها فأهل الأرض معظمون له مجلون خاضعون لعظمته ~~مستكينون لعزته وجبروته قال تعالى * (وله من في السماوات والأرض كل له ~~قانتون) * الثالث ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها من العيوب والنقائص ~~والتمثيل الرابع محبة الموصوف بها وتوحيده والاخلاص له والتوكل عليه ~~والإنابة اليه وكلما كان الايمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والاخلاص أقوى ~~فعبارات السلف كلها تدور على هذه المعاني الأربعة فمن أضل ممن يعارض بين ms062 ~~قوله تعالى * (وله المثل الأعلى) * وبين قوله * (ليس كمثله شيء) * ويستدل ~~بقوله * (ليس كمثله شيء) * على نفي الصفات PageV00P145 # ويعمى عن تمام الآية وهو قوله * (وهو السميع البصير) * حتى أفضى هذا ~~الضلال ببعضهم وهو أحمد بن أبي دؤاد القاضي إلى أن أشار على الخليفة ~~المأمون أن يكتب على ستر الكعبة ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم حرف كلام ~~الله لينفي وصفه تعالى بأنه السميع البصير كما قال الضال الآخر جهم بن ~~صفوان وددت أني أحك من المصحف قوله تعالى * (ثم استوى على العرش) * فنسأل ~~الله العظيم السميع البصير أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة بمنه وكرمه وفي اعراب كمثله وجوه أحدهما أن الكاف صلة زيدت للتأكيد ~~قال أوس بن حجر * ليس كمثل الفتى زهير * خلق يوازيه في الفضائل * وقال آخر ~~ما أن كمثلهم في الناس من بشر وقال آخر ومثلي كمثل جذوع النخيل فيكون مثله ~~خبر ليس واسمها شيء وهذا وجه قوي حسن تعرف العرب معناه في لغتها ولا يخفى ~~عنها إذا خوطبت به وقد جاء عن العرب أيضا زيادة الكاف للتأكيد في قول بعضهم ~~وصاليات ككمايؤثفين وقول الآخر فأصبحت مثل كعصف مأكول PageV00P146 # الوجه الثاني أن الزائد مثل أي ليس كهو شيء وهذا القول بعيد لان مثل اسم ~~والقول بزيادة الحرف للتأكيد أولى من القول بزيادة الاسم الثالث أنه ليس ثم ~~زيادة أصلا بل هذا من باب قولهم مثلك لا يفعل كذا أي أنت لا تفعله وأتى ~~بمثل للمبالغة وقالوا في معنى المبالغة هنا أي ليس كمثله مثل لو فرض المثل ~~فكيف ولا مثل له وقيل غير ذلك والأول أظهر قوله خلق الخلق بعلمه ش خلق أي ~~أوجد وأنشأ وابدع ويأتي خلق أيضا بمعنى قدر والخلق مصدر وهو هنا بمعنى ~~المخلوق وقوله بعلمه في محل نصب على الحال اي خلقهم عالما بهم قال تعالى * ~~(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) * وقال تعالى * (وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ms063 ورقة إلا يعلمها ولا ~~حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وهو الذي يتوفاكم ~~بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) * وفي ذلك رد على المعتزلة قال الامام عبد ~~العزيز المكي صاحب الإمام الشافعي رحمه الله وجليسه في كتاب الحيدة الذي ~~حكى فيه مناظرته بشرالمريسي عند المأمون حين سأله عن علمه تعالى فقال بشر ~~أقول لا يجهل فجعل يكرر السؤال عن صفة العلم تقريرا له وبشر يقول لا يجهل ~~ولا يعترف له أنه عالم بعلم فقال الامام عبد العزيز نفي الجهل لا يكون صفة ~~مدح فان هذه الأسطوانة لا تجهل وقد مدح الله تعالى الأنبياء والملائكة ~~والمؤمنين بالعلم لا ينفي الجهل فمن أثبت العلم فقد نفى PageV00P147 # الجهل ومن نفى الجهل لم يثبت العلم وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته الله ~~تعالى لنفسه وينفوا ما نفاه ويمسكوا عما أمسك عنه والدليل العقلي على علمه ~~تعالى أنه يستحيل ايجاده الأشياء مع الجهل ولان ايجاده الأشياء بإرادته ~~والإرادة تستلزم تصور المراد وتصور المراد هو العلم بالمراد فكان الايجاد ~~مستلزما للإرادة والإرادة مستلزمة للعلم فالايجاد مستلزم للعلم ولان ~~المخلوقات فيها من الاحكام والاتقان ما يستلزم علم الفاعل لها لان الفعل ~~المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم ولان من المخلوقات ما هو عالم والعلم ~~صفة كمال ويمتنع أن لا يكون الخالق عالما وهذا له طريقان أحدهما أن يقال ~~نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق وأن الواجب أكمل من الممكن ~~ونعلم ضرورة أنا لو فرضنا شيئين أحدهما عالم والآخر غير عالم كان العالم ~~أكمل فلو لم يكن الخالق عالما لزم أن يكون الممكن أكمل منه وهو ممتنع ~~الثاني أن يقال كل علم في الممكنات التي هي المخلوقات فهو منه ومن الممتنع ~~ان يكون فاعل الكمال ومبدعه عاريا منه بل هو أحق به والله تعالى له المثل ~~الاعلى ولا يستوي هو والمخلوقات لا في قياس تمثيلي ولا في قياس شمولي بل كل ~~ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق به أحق وكل ms064 نقص تنزه عنه مخلوق ما فتنزيه ~~الخالق عنه أولى قوله وقدر لهم أقدارا ش قال تعالى * (وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا) * وقال تعالى * (إنا كل شيء خلقناه بقدر) * وقال تعالى * (وكان أمر ~~الله قدرا مقدورا) * وقال تعالى * (الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى) * وفي ~~صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه PageV00P148 # قال قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ~~وكان عرشه على الماء قوله وضرب لهم آجالا ش يعني أن الله سبحانه وتعالى قدر ~~آجال الخلائق بحيث إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قال تعالى ~~* (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) * وقال تعالى * (وما كان ~~لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) * وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن ~~مسعود قال قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها اللهم ~~أمتعني بزوجي رسول الله وبأبي سفيان وبأخي معاوية قال فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد سالت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وارزاق مقسومة لن يعجل ~~شيئا قبل أجله ولن يؤخر شيئا عن أجله ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب ~~في النار وعذاب في القبر كان خيرا وأفضل فالمقتول ميت بأجله فعلم الله ~~تعالى وقدر وقضي ان هذا يموت بسبب المرض وهذا بسبب القتل وهذا بسبب الهدم ~~وهذا بسبب الحرق وهذا بالغرق إلى غير ذلك من الأسباب والله سبحانه خلق ~~الموت والحياة وخلق سبب الموت والحياة وعند المعتزلة المقتول مقطوع عليه ~~أجله ولو لم يقتل لعاش إلى أجله فكأن له أجلان وهذا باطل لأنه لا يليق أن ~~ينسب إلى الله تعالى أنه جعل له اجلا يعلم أنه لا يعيش اليه البتة أو يجعل ~~أجله أحد الامرين كفعل الجاهل بالعواقب ووجوب القصاص والضمان على القاتل ~~لارتكابه المنهي عنه ومباشرته PageV00P149 # السبب المحظور وعلى هذا يخرج قوله صلى الله عليه وسلم صلة الرحم تزيد في ~~العمر أي سبب ms065 طول العمر وقد قدر الله أن هذا يصل رحمه فيعيش بهذا السبب إلى ~~هذه الغاية ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية ولكن قدر هذا السبب ~~وقضاه وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا كما قلنا في القتل وعدمه ~~فان قيل هل يلزم من تأثير صلة الرحم في زيادة العمر ونقصانه تأثير الدعاء ~~في ذلك أم لا فالجواب أن ذلك غير لازم لقوله صلى الله عليه وسلم لام حبيبة ~~رضي الله عنها قد سألت الله تعالى لآجال مضروبة الحديث كما تقدم فعلم أن ~~الاعمار مقدرة لم يشرع الدعاء بتغيرها بخلاف النجاة من عذاب الآخرة فان ~~الدعاء مشروع له نافع فيه الا ترى أن الدعاء بتغيير العمر لما تضمن النفع ~~الأخروي شرع كما في الدعاء رواه النسائي من حديث عمار بن ياسر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت ~~الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي إلى آخر الدعاء ويؤيد هذا ~~ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يرد القدر الا الدعاء ولا يزيد في العمر الا البر وان ~~PageV00P150 # الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وفي الحديث رد على من يظن أن النذر سبب ~~في دفع البلاء وحصول النعماء وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه نهى عن النذر وقال إنه لا يأتي بخير وانما يستخرج به من البخيل ~~واعلم أن الدعاء يكون مشروعا نافعا في بعض الأشياء دون بعض وكذلك هو ولهذا ~~لا يجيب الله المعتدين في الدعاء وكان الإمام أحمد رحمه الله يكره ان يدعى ~~له بطول العمر ويقول هذا أمر قد فرغ منه وأما قوله تعالى * (وما يعمر من ~~معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) * فقد قيل في الضمير المذكور في قوله ~~تعالى * (من عمره) * أنه بمنزلة قولهم عندي درهم ونصفه أي ونصف درهم آخر ~~فيكون المعنى ms066 لا ينقص من عمر معمر آخر وقيل الزيادة والنقصان في الصحف التي ~~في أيدي الملائكة وحمل قوله تعالى * (لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب) * على أن المحو والاثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة ~~وأن قوله * (وعنده أم الكتاب) * اللوح المحفوظ ويدل على هذا الوجه سياق ~~الآية وهو قوله * (لكل أجل كتاب) * ثم قال PageV00P151 # * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) * أي من ذلك الكتاب * (وعنده أم الكتاب) * ~~أي أصله وهو اللوح المحفوظ وقيل يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه ويثبت ~~ما يشاء فلا ينسخه والسياق أدل على هذا الوجه من الوجه الأول وهو قوله ~~تعالى * (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب) * فأخبر ~~تعالى ان الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه بل من عند الله ثم قال * (لكل ~~أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت) * أي أن الشرائع لها أجل وغاية تنتهي ~~إليها ثم تنسخ بالشريعة الأخرى فينسخ الله ما يشاء من الشرائع عندانقضاء ~~الاجل ويثبت ما يشاء وفي الآية أقوال أخرى والله أعلم بالصواب قوله ولم يخف ~~عليه شيء قبل أن يخلقهم وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم ش فإنه سبحانه ~~يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون كما قال تعالى * (ولو ~~ردوا لعادوا لما نهوا عنه) * وان كان يعلم أنهم لا يردون ولكن اخبر أنهم لو ~~ردوا لعادو كما قال تعالى * (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا وهم معرضون) * وفي ذلك رد على الرافضة والقدرية والذين قالوا إنه لا ~~يعلم الشيء قبل أن يخلقه ويوجده وهي من فروع مسألة القدر وسيأتي لها زيادة ~~بيان إن شاء الله تعالى قوله وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته ش ذكر الشيخ ~~الأمر والنهي بعد ذكره الخلق والقدر إشارة إلى أن الله تعالى خلق الخلق ~~لعبادته كما قال تعالى * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) * وقال تعالى ~~* (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ms067 أيكم أحسن عملا) * PageV00P152 # قوله وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد الا ما ~~شاء لهم فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن ش قال تعالى * (وما تشاؤون إلا ~~أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما) * وقال * (وما تشاؤون إلا أن يشاء ~~الله رب العالمين) * وقال تعالى * (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) * ~~وقال تعالى * (ولو شاء ربك ما فعلوه) * وقال تعالى * (ولو شاء ربك لآمن من ~~في الأرض كلهم جميعا) * وقال تعالى * (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) * وقال ~~تعالى حكاية عن نوح عليه السلام إذ قال لقومه * (ولا ينفعكم نصحي إن أردت ~~أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) * وقال تعالى * (من يشأ الله ~~يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) * إلى غير ذلك من الأدلة على أنه ما ~~شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكيف يكون في ملكه ما لا يشاء ومن أضل ~~سبيلا وأكفر ممن يزعم أن الله شاء الايمان من الكافر والكافر شاء الكفر ~~فغلبت مشيئة الكافر مشيئة الله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا فان قيل ~~يشكل على هذا قوله تعالى * (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا) * الآية وقوله تعالى * (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء) * الآية وقوله تعالى * (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما ~~لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون) * فقد ذمهم الله تعالى حيث جعلوا الشرك ~~كائنا منهم بمشيئة الله وكذلك ذم إبليس حيث أضاف الاغواء إلى الله تعالى إذ ~~قال * (رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين) * ~~PageV00P153 # قيل قد أجيب على هذا بأجوبة من أحسنها أنه أنكر عليهم ذلك لأنهم احتجوا ~~بمشيئته على رضاه ومحبته وقالوا لو كره ذلك وسخطه ms068 لما شاءه فجعلوا مشيئته ~~دليل رضاه فرد الله عليهم ذلك أو أنه أنكر عليهم اعتقادهم أن مشيئة الله ~~دليل على أمره به أو أنه أنكر عليهم بمعارضته شرعه وأمره الذي أرسل به رسله ~~وأنزل به كتبه بقضائه وقدره فجعلوا المشيئة العامة دافعة للأمر فلم يذكروا ~~المشيئة على جهة التوحيد وانما ذكروها معارضين بها لأمره دافعين بها لشرعه ~~كفعل الزنادقة والجهال إذا أمروا أو نهوا احتجوا بالقدر وقد احتج سارق على ~~عمر رضي الله عنه بالقدر فقال وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره يشهد لذلك ~~قوله تعالى في الآية * (كذلك كذب الذين من قبلهم) * فعلم أن مرادهم التكذيب ~~فهو من قبل الفعل من أين له أن الله لم يقدره أطلع الغيب فان قيل فما ~~يقولون في احتجاج آدم على موسى عليهما السلام بالقدر إذ قال له أتلومني على ~~أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاما وشهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن آدم حج موسى أي غلب عليه بالحجة قيل نتلقاه بالقبول السمع والطاعة ~~لصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نتلقاه بالرد والتكذيب للرواية ~~كما فعلت القدرية ولا بالتأويلات الباردة بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء ~~والقدر على الذنب وهو كان أعلم بربه وذنبه بل آحاد بنيه من المؤمنين لا ~~يحتج بالقدر فإنه باطل وموسى عليه السلام كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم ~~آدم على ذنب قد تاب منه وتاب الله عليه واجتباه وهداه وانما وقع اللوم على ~~المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة فاحتج آدم بالقدر على المصيبة لا على ~~الخطيئة فان القدر يحتج به عند PageV00P154 # المصائب لا عند المعائب وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث فما قدر من ~~المصائب يجب الاستسلام له فإنه من تمام الرضى بالله ربا وأما الذنوب فليس ~~للعبد أن يذنب وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب فيتوب من المعائب ويصبر على ~~المصائب قال تعالى * (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك) * وقال تعالى * ~~(وإن تصبروا وتتقوا ms069 لا يضركم كيدهم شيئا) * وأما قول إبليس * (رب بما ~~أغويتني) * انما ذم على احتجاجه بالقدر لا على اعترافه بالمقدر واثباته له ~~ألم تسمع قول نوح عليه السلام * (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون) * ولقد أحسن القائل * فما ~~شئت كان و ان لم أشأ * وما شئت إن لم تشأ لم يكن * وعن وهب بن منبه أنه قال ~~نظرت في القدر فتحيرت ثم نظرت فيه فتحيرت ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم ~~عنه وأجهل الناس بالقدر أنطقهم به قوله يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا ~~ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا ش هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل ~~الأصلح للعبد على الله وهي مسألة الهدى والضلال قالت المعتزلة الهدى من ~~الله بيان طريق الصواب والإضلال تسمية العبد ضالا وحكمه تعالى على العبد ~~بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه وهذا مبني على أصلهم الفاسد أن أفعال ~~العباد مخلوقة لهم والدليل على ما قلناه قوله تعالى * (إنك لا تهدي من ~~أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) * ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا ~~النفي عن نبيه لأنه PageV00P155 # صلى الله عليه وسلم بين الطريق لمن أحب وأبغض وقوله تعالى * (ولو شئنا ~~لآتينا كل نفس هداها) * * (يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) * ولو كان ~~الهدى من الله البيان وهو عام في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة وكذلك ~~قوله تعالى * (ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين) * وقوله * (من يشأ الله ~~يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) * قوله وكلهم يتقلبون في مشيئته بين ~~فضله وعدله ش فإنهم كما قال تعالى * (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) ~~* فمن هداه الله إلى الأيمان فبفضله وله الحمد ومن أضله فبعدله وله الحمد ~~وسيأتي لهذا المعنى زيادة ايضاح إن شاء الله تعالى فان الشيخ رحمه الله لم ~~يجمع الكلام في القدر في مكان واحد بل فرقة فأتيت به على ترتيبه قوله وهو ~~متعال ms070 عن الاضداد والأنداد ش الضد المخالف والند المثل فهو سبحانه لا معارض ~~له بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا مثل له كما قال تعالى * (ولم يكن ~~له كفوا أحد) * ويشير الشيخ رحمه الله بنفي الضد والند إلى الرد على ~~المعتزلة في زعمهم ان العبد يخلق فعله قوله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ~~ولا غالب لامره ش أي لا يرد قضاء الله راد ولا يعقب اي لا يؤخر حكمه مؤخر ~~ولا يغلب أمره غالب بل هو الله الواحد القهار قوله أمنا بذلك كله وأيقنا ان ~~كلا من عنده ش اما الايمان فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى والايقان ~~والاستقرار من قر الماء في الحوض إذا استقر والتنوين في كلا PageV00P156 # بدل الإضافة اي كل كائن محدث من عند الله اي بقضائه وقدره وارادته ~~ومشيئته وتكوينه وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى قوله ~~وان محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى ش الاصطفاء والاجتباء ~~والارتضاء متقارب المعنى واعلم أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى ~~وكلما ازداد العبد تحقيقا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته ومن توهم ان ~~المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه وأن الخروج عنها أكمل فهو من اجل ~~الخلق وأضلهم قال تعالى * (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون) ~~* إلى غير ذلك من الآيات وذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم باسم العبد في ~~اشرف المقامات فقال في ذكر * (سبحان الذي أسرى بعبده) * وقال تعالى * (وأنه ~~لما قام عبد الله يدعوه) * وقال تعالى * (فأوحى إلى عبده ما أوحى) * وقال ~~تعالى * (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) * وبذلك استحق التقديم على ~~الناس في الدنيا والآخرة ولذلك يقول المسيح عليه السلام يوم القيامة إذا ~~طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء عليهم السلام اذهبوا إلى محمد عبد غفر له ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى ~~وقوله وإن محمدا بكسر الهمزة عطفا على ms071 قوله ان الله واحد لا شريك له لان ~~الكل معمول القول أعني قوله تقول في توحيد الله PageV00P157 # والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات ~~لكن كثير منهم لا يعرف نبوة الأنبياء الا بالمعجزات وقرروا ذلك بطرق مضطربة ~~والتزم كثير منهم انكار خرق العادات لغير الأنبياء حتى أنكروا كرامات ~~الأولياء والسحر ونحو ذلك ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لكن الدليل غير ~~محصور في المعجزات فإن النبوة انما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين ~~ولا يلتبس هذا بهذا الا على أجهل الجاهلين بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما ~~وتعرف بهما والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة ~~فكيف بدعوة النبوة وما أحسن ما قال حسان رضي الله عنه * لو لم يكن فيه آيات ~~مبينة * كانت بديهته تأتيك بالخبر * وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين ~~الا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشيطان عليه ما ظهر ~~لمن له أدنى تمييز فان الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولا ~~بد أن يفعل أمورا يبين بها صدقه والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه ~~وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة والصادق ضده بل كل شخصين ادعيا ~~امرا أحدهما صادق والآخر كاذب لا بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدة ~~إذ الصدق مستلزم للبر والكذب مستلزم للفجور كما في الصحيحين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال عليكم بالصدق فان الصدق يهدي إلى البر وان البر ~~يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عن الله صديقا ~~وإياكم والكذب فان الكذب يهدي إلى الفجور PageV00P158 # وان الفجور يهدي إلى لنار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عن ~~الله كذابا ولهذا قال تعالى * (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل ~~أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم ~~في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما ms072 لا يفعلون) * فالكهان ونحوهم وان كانوا ~~أحيانا يخبرون بشيء من المغيبات ويكون صدقا فمعهم من الكذب والفجور ما يبين ~~ان الذي يخبرون به ليس عن ملك وليسوا بأنبياء ولهذا لما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لابن صياد قد خبأت لك خبأ فقال هو الدخ قال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم اخسأ فلن تعدوا قدرك يعني إنما أنت كاهن وقد قال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يأتي صادق وكاذب وقال أرى عرشا على الماء وذلك هو عرش الشيطان ~~وبين PageV00P159 # ان الشعراء يتبعهم الغاوون والغاوي الذي يتبع هواه وشهوته وان كان ذلك ~~مضرا له في العاقبة فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله علم ~~علما يقينا انه ليس بشاعر ولا كاهن والناس يميزون بين الصادق والكاذب ~~بأنواع من الأدلة حتى في المدعى للصناعات والمقالات كمن يدعي الفلاحة ~~والنساجة والكتابة وعلم النحو والطب والفقه وغير ذلك والنبوة مشتملة على ~~علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها وهي أشرف العلوم وأشرف الاعمال فكيف ~~يشتبه الصادق فيها بالكاذب ولا ريب أن المحققين على أن خبر الواحد والاثنين ~~والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم ضروري كما يعرف الرجل ~~رضى الرجل وحبه وبغضه وفرحه وحزنه وغير ذلك مما في نفسه بأمور تظهر على ~~وجهه قد لا يمكن التعبير عنها كما قال تعالى * (ولو نشاء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم) * ثم قال * (ولتعرفنهم في لحن القول) * وقد قيل ما أسر ~~أحد سريرة الا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه فإذا كان صدق ~~المخبر وكذبه يعلم بما يقترن من القرائن فكيف بدعوى المدعي أنه رسول الله ~~كيف يخفى صدق هذا من كذبه وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من ~~الأدلة ولهذا لما كانت خديجة رضي الله عنها تعلم من النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه الصادق البار قال لها لم جاءه الوحي إني قد خشيت على نفسي ~~PageV00P160 # فقالت كلا والله لا يخزيك الله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل ms073 الكل ~~وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق فهو لم يخف من تعمد الكذب ~~فهو يعلم من نفسه صلى الله عليه وسلم أنه لم يكذب وإنما خاف أن يكون قد عرض ~~له عارض سوء وهو المقام الثاني فذكرت خديجة ما ينفي هذا وهو ما كان مجبولا ~~عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وقد علم من سنة الله أن من جبله على ~~الاخلاق المحمودة ونزهه عن الاخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه وكذلك قال ~~النجاشي لما استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القرآن فقرأوا عليه إن هذا ~~والذي جاء به موسى عليه السلام ليخرج من مشكاة واحدة وكذلك ورقة ابن نوفل ~~لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه وكان ورقة قد تنصر وكان يكتب ~~الإنجيل بالعربية فقالت له خديجة أي عم اسمع من ابن أخيك ما يقول فأخبره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى فقال هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى ~~وكذلك هرقل ملك الروم فان النبي صلى الله عليه وسلم لما كتب اليه كتابا ~~يدعوه فيه إلى الاسلام طلب من كان هناك من العرب وكان أبو سفيان قد قدم في ~~طائفة من قريش في تجارة إلى الشام وسألهم عن أحوال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسأل أبا سفيان وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه فصاروا بسكوتهم موافقين ~~له في الاخبار سألهم هل كان في آبائه من ملك فقالوا لا قال هل قال هذا ~~القول أحد قبله فقالوا لا وسألهم أهو ذو نسب فيكم فقالوا PageV00P161 # نعم وسألهم هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فقالوا لا ما ~~جربنا عليه كذبا وسألهم هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم فذكروا أن الضعفاء ~~اتبعوه وسألهم هل يزيدون أم ينقصون فذكروا أنهم يزيدون وسألهم هل يرجع أحد ~~منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه فقالوا لا وسألهم هل قاتلتموه قالوا ~~نعم وسألهم عن الحرب بينهم وبينه فقالوا يدال علينا مرة وندال عليه أخرى ~~وسألهم هل يغدر فذكروا أنه ms074 لا يغدر وسألهم بماذا يأمركم فقالوا يأمرنا أن ~~نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا وينهانا عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا ~~بالصلاة والصدق والعفاف والصلة وهذه أكثر من عشر مسائل ثم بين لهم ما في ~~هذه المسائل من الأدلة فقال سألتكم هل كان في آبائه من ملك فقلتم لا قلت لو ~~كان في آبائه من ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه وسألتكم هل قال هذا القول فيكم ~~أحد قبله فقلتم لا فقلت لو قال هذا القول أحد قبله لقلت رجل ائتم بقول قيل ~~قبله وسألتكم هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فقلتم لا فقلت قد ~~علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله تعالى ~~وسألتكم أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم فقلتم ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل ~~يعني في أول أمرهم ثم قال وسألتكم هل يزيدون أم ينقصون فقلتم بل يزيدون ~~وكذلك الايمان حتى يتم وسألتكم هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن ~~يدخل فيه فقلتم لا وكذلك الايمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد ~~وهذا من أعظم علامات الصدق والحق فان الكذب والباطل لابد ينكشف في آخر ~~الامر فيرجع عنه أصحابه ويمتنع عنه من لم PageV00P162 # يدخل فيه والكذب لا يروج الا قليلا ثم ينكشف وسألتكم كيف الحرب بينكم ~~وبينه فقلتم انها دول وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها قال وسالتكم هل ~~يغدر فقلتم لا وكذلك الرسل لا تغدر وهو لما كان عنده من علمه بعادة الرسل ~~وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم وتارة يبتليهم وأنهم لا يغدرون علم أن هذه ~~علامات الرسل وأن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أن يبتليهم بالسراء ~~والضراء لينالوا درجة الشكر والصبر كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء الا كان خيرا له ~~وليس ذلك لاحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان اصابته ضراء ~~صبر فكان خيرا له والله ms075 تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة العدو عليهم ~~يوم أحد من الحكمة فقال * (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين) * وقال تعالى * (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون) * إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سنته في خلقه وحكمته ~~التي بهرت العقول PageV00P163 # قال وسألتكم عما يأمر به فذكرتم أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ~~وهذه صفة نبي وقد كنت أعلم أن نبيا يبعث ولم أكن أظنه منكم ولوددت أني أخلص ~~اليه ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت اليه وإن يكن ما تقول حقا فسيملك ~~موضع قدمي هاتين وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب وهو حينئذ كافر من أشد ~~الناس بغضا وعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم قال أبو سفيان بن حرب فقلت ~~لأصحابي ونحن خروج لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه ليعظمه ملك بني الأصفر وما ~~زلت موقنا بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم سيظهر حتى أدخل الله علي ~~الاسلام وأنا كاره ومما ينبغي أن يعرف أن ما يحصل في القلب بمجموع أمور قد ~~لا يستقل بعضها به بل ما يحصل للانسان من شبع وري وشكر وفرح وغم فأمور ~~مجتمعة لا يحصل ببعضها لكن ببعضها قد يحصل بعض الامر وكذلك العلم بخبر من ~~الاخبار فان خبر الواحد يحصل للقلب نوع ظن ثم الآخر يقويه إلى أن ينتهي إلى ~~العلم حتى يتزايد ويقوى وكذلك الأدلة على الصدق والكذب ونحو ذلك وأيضا فان ~~الله سبحانه أبقى في العالم الآثار الدالة على ما فعله بأنبيائه والمؤمنين ~~من الكرامة وما فعله بمكذبيهم من العقوبة كثبوت PageV00P164 # الطوفان وإغراق فرعون وجنوده ولما ذكر سبحانه قصص الأنبياء نبيا بعد نبي ~~في سورة الشعراء كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده يقول في آخر كل قصة إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم وبالجملة ~~فالعلم بأنه ms076 كان في الأرض من يقول إنه رسول الله وأن أقواما اتبعوهم وأن ~~أقواما خالفوهم وأن الله نصر الرسل والمؤمنين وجعل العاقبة لهم وعاقب ~~أعداءهم هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها ونقل أخبار هذه الأمور أظهر ~~وأوضح من نقل أخبار من مضى من الأمم من ملوك الفرس وعلماء الطب كبقراط ~~وجالينوس وبطليموس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وأتباعه ونحن اليوم إذا علمنا ~~بالتواتر من أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم علمنا يقينا أنهم كانوا ~~صادقين على الحق من وجوه متعددة منها أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من ~~انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء العاقبة لهم ومنها ما أحدثه الله لهم من نصرهم ~~وإهلاك عدوهم إذا عرف الوجه الذي حصل عليه كغرق فرعون وغرق قوم نوح وبقية ~~أحوالهم عرف صدق الرسل ومنها أن من عرف ما جاءت به الرسل من الشرائع ~~وتفاصيل أحوالها تبين له أنهم اعلم الخلق وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب ~~جاهل وأن فيما جاؤوا به من المصلحة والرحمة والهدى والخير ودلالة الخلق على ~~ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم بر يقصد غاية ~~الخير والمنفعة للخلق ولذكر دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من ~~المعجزات وبسطها موضع آخر وقد افردها الناس بمصنفات كالبيهقي وغيره بل ~~إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم طعن في الرب تبارك وتعالى PageV00P165 # ونسبه له إلى الظلم والسفه تعالى الله عن ذلك علو كبيرا بل جحد للرب ~~بالكلية وإنكار وبيان ذلك أنه إذا كان محمد عندهم ليس بنبي صادق بل ملك ~~ظالم فقد تهيأ له أن يفتري على الله ويتقول عليه ويستمر حتى يحلل ويحرم ~~ويفرض الفرائض ويشرع الشرائع وينسخ الملل ويضرب الرقاب ويقتل أتباع الرسل ~~وهم أهل الحق ويسبي نساءهم ويغنم أموالهم ودراريهم وديارهم ويتم له ذلك حتى ~~يفتح الأرض وينسب ذلك كله إلى أمر الله له به ومحبته له والرب تعالى يشاهده ~~وهو يفعل بأهل الحق وهو مستمر في الافتراء عليه ثلاثا وعشرين سنة وهو مع ~~ذلك كله يؤيده وينصره ويعلي ms077 أمره ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة ~~البشر وأبلغ من ذلك أنه يجيب دعواته ويهلك أعداءه ويرفع له ذكره هذا وهو ~~عندهم في غاية الكذب والافتراء والظلم فإنه لا أظلم ممن كذب على الله وأبطل ~~شرائع أنبيائه وبدلها وقتل أولياءه واستمرت نصرته عليهم دائما والله تعالى ~~يقره على ذلك ولا يأخذ منه باليمين ولا يقطع منه الوتين فيلزمهم أن يقولوا ~~لا صانع للعالم ولا مدبر ولو كان له مدبر قدير حكيم لأخذ على يديه ولقابله ~~أعظم مقابلة وجعله نكالا للصالحين إذ لا يليق بالملوك غير ذلك فكيف بملك ~~الملوك وأحكم الحاكمين ولا ريب أن الله تعالى قد رفع له ذكره وأظهر دعوته ~~والشهادة له بالنبوة على رؤوس الاشهاد في سائر البلاد ونحن لا ننكر أن ~~كثيرا من الكذابين قام في الوجود وظهرت له شوكة ولكن لم يتم أمره ~~PageV00P166 # ولم تطل مدته بل سلط الله عليه رسله وأتباعهم وقطعوا دابره واستأصلوه هذه ~~سنة الله التي قد خلت من قبل حتى إن الكفار يعلمون ذلك قال تعالى * (أم ~~يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين) * أفلا ~~تراه يخبر أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض الأقاويل ~~لا بد أن يجعله عبرة لعباده كما جرت بذلك سنته في المتقولين عليه وقال ~~تعالى * (أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك) * ~~وهنا انتهى جواب الشرط ثم أخبر خبرا جازما غير معلق أنه يمحو الباطل ويحق ~~الحق وقال تعالى * (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر ~~من شيء) * فأخبر سبحانه أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره ~~وقد ذكروا فروقا بين النبي والرسول وأحسنها أن من نبأه الله بخبر السماء إن ~~أمره أن يبلغ غيره فهو نبي رسول وان لم يأمره أن يبلغ غيره فهو نبي وليس ~~برسول فالرسول أخص من النبي فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا ولكن الرسالة ~~أعم ms078 من جهة نفسها فالنبوة جزء من الرسالة إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها ~~بخلاف الرسل فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم بل الامر بالعكس فالرسالة ~~أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها وإرسال الرسل من أعظم نعم الله على ~~خلقه وخصوصا محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى * (لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) * وقال PageV00P167 # تعالى * (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) * قوله وانه خاتم الأنبياء ش ~~قال تعالى * (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) * وقال صلى الله عليه وسلم ~~مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بناؤه وترك منه موضع لبنة فطاف به النظار ~~يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها فكنت أنا سددت ~~موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل أخرجاه في الصحيحين وقال صلى ~~الله عليه وسلم إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي يمحو الله بي ~~الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب والعاقب الذي ليس ~~بعده نبي وفي صحيح مسلم عن ثوبات قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا ~~نبي بعدي الحديث ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فضلت على ~~الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بن النبيون PageV00P168 # قوله وامام الأتقياء ش صلى الله عليه وسلم الامام الذي يؤتم به أي يقتدون ~~به والنبي صلى الله عليه وسلم انما بعث للاقتداء به لقوله تعالى * (قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) * وكل من اتبعه واقتدى به فهو من ~~الأتقياء قوله وسيد المرسلين ش قال صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم يوم ~~القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع رواه مسلم ms079 وفي أول ~~حديث الشفاعة أنا سيد الناس يوم القيامة وروى مسلم والترمذي عن وائلة بن ~~الأسقع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله اصطفى ~~كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم ~~واصطفاني من بني هاشم فان قيل يشكل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم لا ~~تفضلوني على موسى فان الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد ~~موسى باطشا بساق العرش فلا أدري هل أفاق قبلي أو كان PageV00P169 # ممن استثنى الله خرجاه في الصحيحين فكيف يجمع بين هذا وبين قوله أنا سيد ~~ولد آدم ولا فخر فالجواب أن هذا كان له سبب فإنه كان قد قال يهودي لا والذي ~~اصطفى موسى على البشر فلطمه مسلم وقال أتقول هذا ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين أظهرنا فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم هذا لان التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى ~~النفس كان مذموما بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموما فان ~~الله حرم الفخر وقد قال تعالى * (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) * وقال ~~PageV00P170 # تعالى * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات) * فعلم أن المذموم انما هو التفضيل على وجه الفخر أو على وجه ~~الانتقاص بالمفضول وعلى هذا يحمل أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لا تفضلوا ~~بين الأنبياء إن كان ثابتا فان هذا قد روي في نفس حديث موسى وهو في البخاري ~~وغيره لكن بعض الناس يقول إن فيه علة بخلاف حديث موسى فإنه صحيح لا علة فيه ~~باتفاقهم PageV00P171 # وقد أجاب بعضهم بجواب آخر وهو أن قوله صلى الله عليه وسلم لا تفضلوني على ~~موسى وقوله لا تفضلوا بين الأنبياء نهى عن التفضيل الخاص أي لا يفضل بعض ~~الرسل على بعض بعينه بخلاف قوله أنا سيد ولد آدم ولا فخر فإنه تفضيل عام ~~فلا يمنع منه وهذا ms080 كما لو قيل فلان أفضل أهل البلد لا ينصب على أفرادهم ~~بخلاف ما لو قيل لأحدهم فلان أفضل منك ثم اني رأيت الطحاوي رحمه الله قد ~~أجاب بهذا الجواب في شرح معاني الآثار وأما ما يروى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا تفضلوني على يونس بن متي وأن بعض الشيوخ قال لا يفسر لهم هذا ~~الحديث حتى يعطى مالا جزيلا فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله وهو في ~~بطن الحوت كقربي من الله ليلة المعراج وعدوا هذا تفسيرا عظيما وهذا يدل على ~~جهلهم بكلام الله وبكلام رسوله لفظا ومعنى فإن هذا الحديث بهذا اللفظ لم ~~يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها وإنما اللفظ الذي في الصحيح لا ~~ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متي وفي رواية من قال إني خير من ~~يونس ابن متى فقد كذب وهذا اللفظ يدل على العموم لا ينبغي لاحد أن ~~PageV00P172 # يفضل نفسه على يونس بن متي ليس فيه نهي المسلمين أن يفضلوا محمدا على ~~يونس وذلك لان الله تعالى قد أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم أي فاعل ~~ما يلام عليه وقال تعالى * (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه ~~فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) * فقد يقع ~~في نفس بعض الناس أنه أكمل من يونس فلا يحتاج إلى هذا المقام إذ لا يفعل ما ~~يلام عليه ومن ظن هذا فقد كذب بل كل عبد من عباد الله يقول ما قال يونس * ~~(أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) * كما قال أول الأنبياء ~~وآخرهم فأولهم آدم قد قال * (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا ~~لنكونن من الخاسرين) * وآخرهم وأفضلهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم قال ~~في الحديث الصحيح حديث الاستفتاح من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وغيره بعد قوله وجهت وجهي آخره اللهم أنت الملك لا ms081 إله إلا أنت أنت ربي ~~وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغبر لي ذنوبي جميعا لا يغفر الذنوب ~~الا أنت إلى آخر الحديث وكذا قال موسى عليه السلام * (رب إني ظلمت نفسي ~~فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم) * وأيضا فيونس صلى الله عليه وسلم ~~لما قيل فيه * (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت) * فنهى نبينا صلى الله ~~عليه وسلم عن التشبه به وأمره بالتشبه بأولي العزم حيث قيل له * (فاصبر كما ~~صبر أولوا العزم من الرسل) * فقد يقول من يقول أنا خير من يونس للأفضل أن ~~يفخر على من دونه فكيف إذا لم يكن أفضل فان الله لا يحب كل مختال فخور وفي ~~صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا ~~يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد فالله PageV00P173 # تعالى نهى أن يفخر على عموم المؤمنين فكيف على نبي كريم فلهذا قال لا ~~ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متي فهذا نهي عام لكل أحد أن يتفضل ~~ويفتخر على يونس وقوله من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب فإنه لو قدر ~~أنه كان أفضل فهذا الكلام يصير نقصا فيكون كاذبا وهذا لا يقوله نبي كريم بل ~~هو تقدير مطلق أي من قال هذا فهو كاذب وان كان لا يقوله نبي كما قال تعالى ~~* (لئن أشركت ليحبطن عملك) * وان كان صلى الله عليه وسلم معصوما من الشرك ~~لكن الوعد والوعيد لبيان مقادير الاعمال وانما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه ~~سيد ولد آدم لأنا لا يمكننا أن نعلم ذلك الا بخبره إذ لا نبي بعده يخبرنا ~~بعظيم قدره عند الله كما أخبرنا هو بفضائل الأنبياء قبله صلى الله عليه ~~وسلم أجمعين ولهذا اتبعه بقوله ولا فخر كما جاء في رواية وهل يقول من يؤمن ~~بالله واليوم والآخر إن مقام الذي أسري به إلى ربه وهو مقرب معظم مكرم ~~كمقام الذي ألقي في ms082 بطن الحوت وهو مليم وأين المعظم المقرب من الممتحن ~~المؤدب فهذا في غاية التقريب وهذا في غاية التأديب فانظر إلى هذا الاستدلال ~~لأنه بهذا المعنى المحرف اللفظ لم يقله الرسول وهل يقاوم هذا الدليل على ~~نفي علو الله تعالى عن خلقه الأدلة الصحيحة الصريحة القطعية على علو الله ~~تعالى على خلقه التي تزيد على ألف دليل كما يأتي الإشارة إليها عند قول ~~الشيخ رحمه الله محيط بكل شيء وفوقه إن شاء الله تعالى قوله وحبيب رب ~~العالمين ش ثبت له صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المحبة وهي الخلة كما صح ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله اتخذني خليلا كما PageV00P174 # اتخذ إبراهيم خليلا وقال ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا ~~بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من ~~قال الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد فإبراهيم خليل الله ومحمد حبيبه وفي ~~الصحيح أيضا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته والمحبة قد ثبتت لغيره قال تعالى ~~* (والله يحب المحسنين) * * (فإن الله يحب المتقين) * * (إن الله يحب ~~التوابين ويحب المتطهرين) * فبطل قول من خص الخلة بإبراهيم والمحبة بمحمد ~~بل الخلة خاصة بهما والمحبة عامة وحديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي رواه ~~الترمذي الذي فيه إن إبراهيم خليل الله ألا وأنا حبيب الله ولا فخر لم يثبت ~~والمحبة مراتب أولها العلاقة وهي تعلق القلب بالمحبوب والثانية الإرادة وهي ~~ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له الثالثة الصبابة وهي انصباب القلب اليه بحيث ~~لا يملكه صاحبه كانصباب الماء في الحدور الرابعة الغرام وهي الحب اللازم ~~للقلب ومنه الغريم لملازمته ومنه إن عذابها كان غراما الخامسة المودة والود ~~وهي صفو المحبة وخالصها ولبها قال تعالى * (سيجعل لهم الرحمن ودا) * ~~السادسة الشغف وهي وصول المحبة إلى شغاف القلب السابعة العشق وهو الحب ~~المفرط PageV00P175 # الذي يخاف على صاحبه منه ولكن لا يوصف به الرب تعالى ولا العبد في محبة ~~ربه وان كان قد أطلقه بعضهم واختلف في ms083 سبب المنع فقيل عدم التوقيف وقيل غير ~~ذلك ولعل امتناع اطلاقه أن العشق محبة مع شهوة الثامنة التيم وهو بمعنى ~~التعبد التاسعة التعبد العاشرة الخلة وهي المحبة التي تخللت روح المحب ~~وقلبة وقيل في ترتيبها غير ذلك وهذا الترتيب تقريب حسن لا يعرف حسنة الا ~~بالتأمل في معانيه واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق ~~بجلال الله تعالى وعظمته كسائر صفاته تعالى وانما يوصف الله تعالى من هذه ~~الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة حسبما ورد النص وقد اختلف في تحديد ~~المحبة على أقوال نحو ثلاثين قولا ولا تحد المحبة بحد أوضح منها فالحدود لا ~~تزيدها الا خفاء وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إلى تحديد كالماء والهواء ~~والتراب والجوع ونحو ذلك قوله وكل دعوى النبوة بعده ففي وهوى ش لما ثبت أنه ~~خاتم النبيين علم أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب ولا يقال فلو جاء المدعي ~~للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة كيف يقال بتكذيبه لأنا نقول ~~هذا لا يتصور أن يوجد وهو من باب فرضه المحال لان الله تعالى لما أخبر أنه ~~خاتم النبيين فمن المحال أن يأتي مدع يدعي النبوة ولا يظهر أمارة كذبه في ~~دعواه والغي ضد الرشاد والهوى عبارة عن شهوة النفس أي أن تلك الدعوة بسبب ~~هوى النفس لا عن دليل فتكون باطلة قوله وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة ~~الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء PageV00P176 # ش أما كونه مبعوثا إلى عامة الجن فقال تعالى حكاية عن قول الجن * (يا ~~قومنا أجيبوا داعي الله) * وكذا سورة الجن تدل على أنه أرسل إليهم أيضا قال ~~مقاتل لم يبعث الله رسولا إلى الإنس والجن قبله وهذا قول بعيد فقد قال ~~تعالى * (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم) * الآية والرسل من الانس ~~فقط وليس من الجن رسول كذا قال مجاهد وغيره من السلف والخلق وقال ابن عباس ~~رضي الله عنهما الرسل من بني آدم ومن الجن نذر وظاهر قوله تعالى حكاية عن ~~الجن * (إنا سمعنا ms084 كتابا أنزل من بعد موسى) * الآية تدل على أن موسى مرسل ~~إليهم أيضا والله أعلم وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم أنه زعم أن في ~~الجن رسلا واحتج بهذه الآية الكريمة وفي الاستدلال بها على ذلك نظر لأنها ~~محتملة وليست بصريحة وهي والله أعلم كقوله * (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) ~~* والمراد من أحدهما وأما كونه مبعوثا إلى كافة الورى فقد قال * (وما ~~أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) * وقد قال تعالى * (قل يا أيها الناس ~~إني رسول الله إليكم جميعا) * وقال تعالى * (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم ~~به ومن بلغ) * أي وأنذر من بلغه وقال تعالى * (وأرسلناك للناس رسولا وكفى ~~بالله شهيدا) * وقال تعالى * (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن ~~أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) * الآية وقال تعالى ~~* (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) * وقد قال تعالى ~~* (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن ~~تولوا فإنما عليك البلاغ) * PageV00P177 # وقال صلى الله عليه وسلم أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي قصرت ~~بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته ~~الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان ~~النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة أخرجاه في الصحيحين وقال ~~صلى الله عليه وسلم لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا ~~يؤمن بي الا دخل النار رواه مسلم وكونه صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى ~~الناس كافة معلوم من دين الاسلام بالضرورة وأما قول بعض النصارى إنه رسول ~~إلى العرب خاصة فظاهر البطلان فإنهم لما صدقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ~~ما يخبر به وقد قال إنه رسول الله إلى الناس عامة والرسول لا يكذب فلزم ~~تصديقه حتما فقد أرسل رسله وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر ~~والنجاشي والمقوقس وسائر ملوك الأطراف يدعو إلى الاسلام وقوله وكافة ms085 الورى ~~في جر كافة نظر فإنهم قالوا لم تستعمل كافة في كلام العرب الا حالا ~~واختلفوا في اعرابها في قوله تعالى * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * على ~~ثلاثة أقوال أحدها أنها حال من الكاف في أرسلناك وهي اسم فاعل والتاء فيها ~~للمبالغة أي إلا كافا للناس عن الباطل وقيل هي مصدر كف فهي بمعنى ~~PageV00P178 # كفا أي إلا أن تكف الناس كفا ووقوع المصدر حالا كثير الثاني أنها حال من ~~الناس واعترض بأن حال المجرور لا يتقدم عليه عند الجمهور وأجيب بأنه قد جاء ~~عن العرب كثيرا فوجب قبوله وهو اختيار ابن مالك رحمه الله أي وما أرسلناك ~~الا للناس كافة الثالث أنها صفة لمصدر محذوف أي رسالة كافة واعتراض بما ~~تقدم أنها لم تستعمل الا حالا وقوله بالحق والهدى وبالنور والضياء هذه ~~أوصاف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدين والشرع المؤيد ~~بالبراهين الباهرة من القرآن وسائر الأدلة والضياء أكمل من النور قال تعالى ~~* (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا) * قوله وان القرآن كلام الله منه ~~بدا بلا كيفية قولا وانزله على رسوله وحيا وصدقه المؤمنون على ذلك حقا ~~وأيقنوا انه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البربة فمن سمعه ~~فزعم أنه كلام البشر فقد كفر وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال تعالى ~~* (سأصليه سقر) * فلما أوعد الله بسقر لمن قال * (إن هذا إلا قول البشر) * ~~علمنا وأيقنا انه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر ش هذه قاعدة شريفة ~~وأصل كبير من أصول الدين ضل فيه طوائف كثيرة من الناس وهذا الذي حكاه ~~الطحاوي رحمه الله هو الحق الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة لمن ~~تدبرهما وشهدت به الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات والشكوك والآراء ~~الباطلة وقد افترق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال أحدها أن كلام ~~الله هو ما يفيض على النفوس من معاني إما من العقل الفعال عند بعضهم أو من ~~غيره وهذا قول الصابئة والمتفلسفة ms086 PageV00P179 # وثانيها أنه مخلوق خلقه الله منفصلا عنه وهذا قول المعتزلة وثالثها أنه ~~معنى واحد قائم بذات الله هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار وإن عبر عنه ~~بالعربية كان قرآنا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة وهذا قول ابن كلاب ~~ومن وافقه كالأشعري وغيره ورابعها أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل ~~وهذا قول طائفة من أهل الكلام ومن أهل الحديث وخامسها أنه حروف وأصوات لكن ~~تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلما وهذا قول الكرامية وغيرهم وسادسها أن ~~كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وارادته القائم بذاته وهذا يقوله صاحب ~~المعتبر ويميل اليه الرازي في المطالب العالية وسابعها أن كلامه يتضمن معنى ~~قائما بذاته هو ما خلقه في غيره وهذا قول أبي منصور الماتريدي وثامنها أنه ~~مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات ~~وهذا قول أبي المعالي ومن اتبعه وتاسعها أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ~~ومتى شاء وكيف شاء وهو يتكلم به بصوت يسمع وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن ~~الصوت المعين قديما وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة وقول الشيخ رحمه ~~الله وإن القرآن كلام الله إن بكسر الهمزة عطف على قوله ان الله واحد لا ~~شريك له ثم قال وإن محمدا عبده المصطفى وكسر همزة إن في المواضع الثلاثة ~~لأنها معمول القول اعني قوله في أول كلامه نقول في توحيد الله وقوله كلام ~~الله منه بدا بلا كيفية قولا رد على المعتزلة وغيرهم فان المعتزلة تزعم أن ~~القرآن لم يبد منه كما تقدم حكاية قولهم قالوا PageV00P180 # وإضافته اليه إضافة تشريف كبيت الله وناقة الله يحرفون الكلام عن مواضعه ~~وقولهم باطل فإن المضاف إلى الله تعالى معان وأعيان فإضافة الأعيان إلى ~~الله للتشريف وهي مخلوقة له كبيت الله وناقة الله بخلاف إضافة المعاني كعلم ~~الله وقدرته وعزته وجلاله وكبريائه وكلامه وحياته وعلوه وقهره فإن هذا كله ~~من صفات لا يمكن ان يكون شيء من ذلك مخلوقا والوصف بالتكلم من ms087 أوصاف الكمال ~~وضده من أوصاف النقص قال تعالى * (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا ~~جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا) * فكان عباد العجل ~~مع كفرهم أعرف بالله من المعتزلة فإنهم لم يقولوا لموسى وربك لا يتكلم أيضا ~~وقال تعالى عن العجل أيضا * (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ~~ضرا ولا نفعا) * فعلم أن نفي رجوع القول ونفي التكلم نقص يستدل به على عدم ~~ألوهية العجل وغاية شبهتهم أنهم يقولون يلزم منه التشبيه والتجسيم فيقال ~~لهم إذا قلنا إنه تعالى يتكلم كما يليق بجلاله انتفت شبهتهم ألا ترى أنه ~~تعالى قال * (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم) * فنحن ~~نؤمن أنها تتكلم ولا نعلم كيف تتكلم وكذا قوله تعالى * (وقالوا لجلودهم لم ~~شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) * وكذلك تسبيح الحصا ~~والطعام وسلام الحجر كل ذلك بلا فم يخرج منه الصوت الصاعد من لديه المعتمد ~~على مقاطع الحروف والى هذا أشار الشيخ رحمه الله بقوله منه بدا بلا كيفية ~~قولا أي ظهر منه ولا ندري كيفية تكلمه به وأكد هذا المعنى بقوله قولا أتى ~~بالمصدر المعرف للحقيقة كما أكد الله تعالى التكليم بالمصدر المثبت ~~PageV00P181 # النافي للمجاز في قوله * (وكلم الله موسى تكليما) * فماذا بعد الحق إلا ~~الضلال ولقد قال بعضهم لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة أريد أن تقرأ ~~كلم الله موسى بنصب اسم الله ليكون موسى هو المتكلم لا الله فقال أبو عمرو ~~هب أني قرأت هذه الآية كذا فكيف تصنع بقوله تعالى * (ولما جاء موسى ~~لميقاتنا وكلمه ربه) * فبهت المعتزلي وكم في الكتاب والسنة من دليل على ~~تكليم الله تعالى لأهل الجنة وغيرهم قال تعالى * (سلام قولا من رب رحيم) * ~~فعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أهل ~~الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا أبصارهم فإذا الرب جل جلاله قد أشرف ~~عليهم من فوقهم فقال ms088 السلام عليكم يا أهل الجنة وهو قول الله تعالى * (سلام ~~قولا من رب رحيم) * فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ~~ينظرون اليه حتى يحتجب عنهم وتبقى بركته ونوره رواه ابن ماجة وغيره ففي ~~PageV00P182 # هذا الحديث إثبات صفة الكلام وإثبات الرؤية واثبات العلو وكيف يصح مع هذا ~~أن يكون كلام الرب كله معنى واحدا وقد قال تعالى * (إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ~~ينظر إليهم) * فأهانهم بترك تكليمهم والمراد أنه لا يكلمهم تكليم تكريم وهو ~~الصحيح إذ قد أخبر في الآية الأخرى أنه يقول لهم في النار * (اخسؤوا فيها ~~ولا تكلمون) * فلو كان لا يكلم عباده المؤمنين لكانوا في ذلك هم وأعداؤه ~~سواء ولم يكن في تخصيص أعدائه بأنه لا يكلمهم فائدة أصلا وقال البخاري في ~~صحيحه باب كلام الرب تبارك وتعالى مع أهل الجنة وساق فيه عدة أحاديث فأفضل ~~نعيم أهل الجنة رؤية وجهه تبارك وتعالى وتكليمه لهم فإنكار ذلك إنكار لروح ~~الجنة وأعلى نعيمها وأفضله الذي ما طابت لأهلها إلا به وأما استدلالهم ~~بقوله تعالى * (الله خالق كل شيء) * والقرآن شيء فيكون داخلا في عموم كل ~~فيكون مخلوقا فمن أعجب العجب وذلك أن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة ~~لله تعالى وانما يخلقها العباد جميعها لا يخلقها الله فأخرجوها من عموم كل ~~وأدخلوا كلام الله في عمومها مع أنه صفة من صفاته به تكون الأشياء المخلوقة ~~إذ بأمره تكون المخلوقات قال تعالى * (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ~~ألا له الخلق والأمر) * ففرق بين الخلق والامر فلو كان الامر مخلوقا للزم ~~أن يكون مخلوقا بأمر آخر والآخر بآخر إلى ما لا نهاية له فيلزم التسلسل وهو ~~باطل وطرد باطلهم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة كالعلم والقدرة وغيرهما ~~وذلك صريح الكفر فإن علمه شيء وقدرته شيء وحياته شيء فيدخل ذلك في عموم كل ~~فيكون مخلوقا بعد أن لم يكن تعالى الله عما يقولون ms089 علوا كبيرا PageV00P183 # وكيف يصح أن يكون متكلما بكلام يقوم بغيره ولو صح ذلك للزم أن يكون ما ~~أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه وكذلك أيضا ما خلقه في الحيوانات ولا ~~يفرق حينئذ بين نطق وأنطق وإنما قالت الجلود * (أنطقنا الله) * ولم تقل نطق ~~الله بل يلزم ان يكون متكلما بكل كلام خلقه في غيره زورا كان أو كذبا أو ~~كفرا أو هذيانا تعالى الله عن ذلك وقد طرد ذلك الاتحادية فقال ابن عربي * ~~وكل كلام في الوجود كلامه * سواء علينا نثره ونظامه * ولو صح ان يوصف أحد ~~بصفة قامت بغيره لصح أن يقال للبصير أعمى وللأعمى بصيرلأن البصير قد قام ~~وصف العمى بغيره والأعمى قد قام وصف البصر بغيره ولصح أن يوصف الله تعالى ~~بالصفات التي خلقها في غيره من الألوان والروائح والطعوم والطول والقصر ~~ونحو ذلك وبمثل ذلك ألزم الامام عبد العزيز المكي بشرا المريسي بين يدي ~~المأمون بعد أن تكلم معه ملتزما أن لا يخرج عن نص التنزيل وألزمه الحجة ~~فقال بشر يا أمير المؤمنين ليدع مطالبتي بنص التنزيل ويناظرني بغيره فإن لم ~~يدع قوله ويرجع عنه ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال قال عبد العزيز ~~تسألني أم أسألك فقال بشر اسأل أنت وطمع في فقلت له يلزمك واحدة من ثلاث لا ~~بد منها إما أن تقول ان الله خلق القرآن وهو عندي انا كلامه في PageV00P184 # نفسه أو خلقه قائما بذاته ونفسه أو خلقه في غيره قال أقول خلقه كما خلق ~~الأشياء كلها وحاد عن الجواب فقال المأمون اشرح أنت هذه المسألة ودع بشرا ~~فقد انقطع فقال عبد العزيز أن قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال لان الله لا ~~يكون محلا للحوادث المخلوقة ولا يكون فيه شيء مخلوق وان قال خلقه في غيره ~~فيلزم في النظر والقياس أن كل كلام خلقه الله في غيره فهو كلام فهو محال ~~أيضا لأنه يلزم قائله أن يجعل كل كلام خلقه الله في غيره هو كلام الله وان ~~قال خلقه ms090 قائما بنفسه وذاته فهذا محال لا يكون الكلام الا من متكلم كما لا ~~تكون الإرادة الا من مريد ولا العلم الا من عالم ولا يعقل كلام قائم بنفسه ~~يتكلم بذاته فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقا علم أنه صفة لله هذا ~~مختصر من كلام الامام عبد العزيز في الحيدة وعموم كل في كل موضع بحسبه ~~ويعرف ذلك بالقرائن ألا ترى إلى قوله تعالى * (تدمر كل شيء بأمر ربها ~~فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) * ومساكنهم شيء ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته ~~الريح وذلك لان المراد تدمر كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة وما يستحق ~~التدمير وكذا قوله تعالى حكاية عن بلقيس * (وأوتيت من كل شيء) * المراد من ~~كل شيء يحتاج اليه الملوك وهذا القيد يفهم من قرائن الكلام إذ مراد الهدهد ~~أنها ملكة كاملة في أمر الملك غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها ولهذا ~~نظائر كثيرة والمراد من قوله تعالى * (خالق كل شيء) * أي كل شيء مخلوق وكل ~~موجود سوى الله فهو مخلوق فدخل في هذا العموم PageV00P185 # أفعال العباد حتما ولم يدخل في العموم الخالق تعالى وصفاته ليست غيره ~~لأنه سبحانه وتعالى هو الموصوف بصفات الكمال وصفاته ملازمة لذاته المقدسة ~~لا يتصور انفصال صفاته عنه كما تقدم الإشارة إلى هذا المعنى عند قوله ما ~~زال قديما بصفاته قبل خلقه بل نفس ما استدلوا به يدل عليهم فإذا كان قوله ~~تعالى * (الله خالق كل شيء) * مخلوقا لا يصح أن يكون دليل وأما استدلالهم ~~بقوله تعالى * (إنا جعلناه قرآنا عربيا) * فما أفسده من استدلال فان جعل ~~إذا كان بمعنى خلق يتعدى مفعول واحد كقوله تعالى * (وجعل الظلمات والنور) * ~~وقوله تعالى * (وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون) * * (وجعلنا في ~~الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون) * * (وجعلنا ~~السماء سقفا محفوظا) * وإذا تعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق قال تعالى * ~~(ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) * وقال تعالى ms091 ~~* (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) * وقال تعالى * (الذين جعلوا القرآن ~~عضين) * وقال تعالى * (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) * وقال تعالى * (ولا ~~تجعل مع الله إلها آخر) * وقال تعالى * (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد ~~الرحمن إناثا) * ونظائره كثيرة فكذا قوله تعالى * (إنا جعلناه قرآنا عربيا) ~~* وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى * (نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة ~~المباركة من الشجرة) * على أن الكلام خلقه الله تعالى في الشجرة فسمعه موسى ~~منها وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها فإن الله تعالى قال * (فلما أتاها ~~نودي من شاطئ الوادي الأيمن) * PageV00P186 # والنداء هو الكلام من بعد فسمع موسى عليه السلام النداء من حافة الوادي ~~ثم قال * (في البقعة المباركة من الشجرة) * أي أن النداء كان في البقعة ~~المباركة من عند الشجرة كما يقول سمعت كلام زيد من البيت يكون من البيت ~~لابتداء الغاية لا أن البيت هو المتكلم ولو كان الكلام مخلوقا في الشجرة ~~لكانت الشجرة هي القائلة * (يا موسى إني أنا الله رب العالمين) * وهل قال * ~~(إني أنا الله رب العالمين) * غير رب العالمين ولو كان هذا الكلام بدا من ~~غير الله لكان قول فرعون * (أنا ربكم الأعلى) * صدقا إذ كل من الكلامين ~~عندهم مخلوق قد قاله غير الله وقد فرقوا بين الكلامين على أصولهم الفاسدة ~~أن ذاك كلام خلقه الله في الشجرة وهذا كلام خلقه فرعون فحرفوا وبدلوا ~~واعتقدوا خالقا غير الله وسيأتي الكلام على مسألة أفعال العباد إن شاء الله ~~تعالى فإن قيل فقد قال تعالى * (إنه لقول رسول كريم) * وهذا يدل على أن ~~الرسول أحدثه إما جبرائيل أو محمد قيل ذكر الرسول معرف أنه مبلغ عن مرسله ~~لأنه لم يقل إنه قول ملك أو نبي فعلم أنه بلغه عمن أرسله به لا أنه أنشأ من ~~جهة نفسه وأيضا فالرسول في إحدى الآيتين جبرائيل وفي الأخرى محمد فإضافته ~~إلى كل منهما تبين أن الإضافة للتبليغ إذ لو أحدثه أحدهما امتنع أن يحدثه ~~وأيضا فقوله رسول أمين دليل على أنه ms092 لا PageV00P187 # يزيد في اكلام الذي أرسل بتبليغه ولا ينقص منه بل هو أمين على ما أرسل به ~~يبلغه عن مرسله وأيضا فإن الله قد كفر من جعله قول البشر ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم بشر فمن جعله قول محمد بمعنى أنه أنشأه فقد كفر ولا فرق بين أن ~~يقول إنه قول بشر أو جني أو ملك والكلام كلام من قاله مبتدئا لا من قاله ~~مبلغا ومن سمع قائلا يقول * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * قال هذا شعر امرئ ~~القيس ومن سمعه يقول إنما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى قال هذا ~~كلام الرسول وان سمعه يقول * (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك ~~يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين) * قال هذا كلام الله ان كان عنده خبر ~~ذلك والا قال لا أدري كلام من هذا ولو أنكر عليه أحد ذلك لكذب ولهذا من سمع ~~من غيره نظما أو نثرا يقول له هذا كلام من هذا كلامك أو كلام غيرك وبالجملة ~~فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على ~~أن كلام الله غير مخلوق ولكن بعد ذلك تنازك المتأخرون في أن كلام الله هل ~~هو معنى واحد قائم بالذات أو أنه حروف وأصوات تكلم الله بها بعد أن لم يكن ~~متكلما أو أنه لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وأن نوع الكلام ~~قديم وقد يطلق بعض المعتزلة على القرآن أنه غير مخلوق ومرادهم أنه غير ~~مختلق مفترى مكذوب بل هو حق وصدق ولا ريب أن هذا المعنى منتف باتفاق ~~المسلمين والنزاع بين أهل القبلة انما هو في كونه مخلوقا خلقه الله أو هو ~~PageV00P188 # كلامه الذي تكلم به وقام بذاته وأهل السنة انما سئلوا عن هذا والا فكونه ~~مكذوبا مفترى مما لا ينازع مسلم في بطلانه ولا شك أن مشايخ المعتزلة وغيرهم ~~من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا ~~عن كتاب ولا سنة ولا عن أئمة ms093 الصحابة والتابعين لهم باحسان وانما يزعمون أن ~~عقلهم دلهم عليه وانما يزعمون أنهم تلقوا من الأئمة الشرائع ولو ترك الناس ~~على فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة لم يكن بينهم نزال ولكن ألقى الشيطان ~~إلى بعض الناس أغلوطة من أغاليطه فرق بها بينهم * (وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب لفي شقاق بعيد) * والذي يدل عليه كلام الطحاوي رحمه الله أنه تعالى ~~لم يزل متكلما إذا شاء كيف شاء وأن نوع كلامه قديم وكذلك ظاهر كلام الامام ~~أبي حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر فإنه قال والقرآن في المصاحف مكتوب ~~وفي القلوب محفوظ وعلى الألسن مقروء وعلى النبي صلى الله عليه وسلم منزل ~~ولفظنا بالقرآن مخلوق والقرآن غير مخلوق وما ذكر الله في القرآن عن موسى ~~عليه السلام وغيره وعن فرعون وإبليس فان ذلك كلام الله إخبارا عنهم وكلام ~~موسى وغيره من المخلوقين مخلوق والقرآن كلام الله لا كلامهم وسمع موسى عليه ~~السلام كلام الله تعالى فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته لم يزل ~~وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا ~~كرؤيتنا ويتكلم لا ككلامنا انتهى فقوله ولما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو ~~من صفاته يعلم منه أنه حين جاء كلمه لا أنه لم يزل ولا يزال أزلا وأبدا ~~يقول يا موسى PageV00P189 # كما يفهم ذلك من قوله تعالى * (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) * ففهم ~~منه الرد على من يقول من أصحابه أنه معنى واحد قائم بالنفس لا يتصور أن ~~يسمع وإنما يخلق الله الصوت في الهواء كما قال أبو منصور الماتريدي وغيره ~~وقوله الذي هو من صفاته لم يزل رد على من يقول إنه حدث له وصف الكلام بعد ~~أن لم يكن متكلما وبالجملة فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل على أنه كلام ~~متعلق بمشيئته وقدرته وأنه يتكلم إذا شاء وأنه يتكلم شيئا بعد شيء فهو حق ~~يجب قبوله وما يقوله من يقول إن كلام الله قائم بذاته وأنه صفة له ms094 والصفة ~~لا تقوم الا بالموصوف فهو حق يجب قبوله والقول به فيجب الأخذ بما في قول كل ~~من الطائفتين من الصواب والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما ~~فإذا قالوا لنا فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به قلنا هذا القول مجمل ومن ~~أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى به تعالى من الأئمة ونصوص القرآن ~~والسنة تتضمن ذلك ونصوص الأئمة أيضا مع صريح العقل ولا شك أن الرسل الذين ~~خاطبوا الناس وأخبروهم أن الله قال ونادى وناجى ويقول لم يفهموهم أن هذه ~~مخلوقات منفصلة عنه بل الذي أفهموهم إياه أن الله نفسه هو الذي تكلم ~~والكلام قائم به لا بغيره وأنه هو الذي تكلم به وقاله كما قالت عائشة رضي ~~الله عنها في حديث الافك ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي ~~يتلى ولو كان المراد من ذلك كله خلاف مفهومه لوجب بيانه إذ تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة لا يجوز ولا يعرف في لغة PageV00P190 # ولا عقل قائل متكلم لا يقوم به القول والكلام وإن زعموا أنهم فروا من ذلك ~~حذرا من التشبيه فلا يثبتوا صفة غيره فإنهم إذا قالوا يعلم لا كعلمنا قلنا ~~ويتكلم لا كتكلمنا وكذلك سائر الصفات وهل يعقل قادر لا تقوم به القدرة أو ~~حي لا تقوم به الحياة وقد قال صلى الله عليه وسلم أعوذ بكلمات الله التامات ~~التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر فهل يقول عاقل إنه صلى الله عليه وسلم عاذ ~~بمخلوق بل هذا كقوله أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وكقوله ~~أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر وكقوله وأعوذ بعظمتك أن نغتال ~~من تحتنا كل هذه من صفات الله تعالى وهذه المعاني مبسوطة في مواضعها وإنما ~~أشير إليها هنا إشارة وكثير من متأخري الحنفية على أنه معنى واحد والتعدد ~~والتكثر والتجزؤ والتبعض حاصل في الدلالات لا في المدلول وهذه العبارات ~~مخلوقة وسميت كلام الله لدلالتها عليه وتأديه بها فإن عبر بالعربية ms095 فهو ~~قرآن وإن عبر بالعبرانية فهو توراة فاختلفت العبارات لا الكلام قالوا وتسمى ~~هذه العبارات كلام الله مجازا وهذا الكلام فاسد فإن لازمه أن معنى قوله * ~~(ولا تقربوا الزنى) * هو معنى قوله * (وأقيموا الصلاة) * ومعنى آية الكرسي ~~هو معنى آية الدين ومعنى سورة الاخلاص هو معنى PageV00P191 # * (تبت يدا أبي لهب) * وكلما تأمل الانسان هذا القول تبين له فساده وعلم ~~أنه مخالف كلام السلف والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام ~~الله حقيقة وكلام الله تعالى لا يتناهى فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء ~~كيف شاء ولا يزال كذلك قال تعالى * (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) * وقال تعالى * (ولو ~~أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله إن الله عزيز حكيم) * ولو كان ما في المصحف عبارة عن كلام الله وليس ~~هو كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث مسه ولو كان ما يقرأه القارئ ليس ~~كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث قراءته بل كلام الله محفوظ في الصدور ~~مقورء بالألسن مكتوب في المصاحف كما قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر وهو في ~~هذه المواضع كلها حقيقة وإذا قيل فيه خط فلان وكتابته فهم منه معنى صحيح ~~حقيقي وإذا قيل فيه مداد قد كتب به فهم منه معنى صحيح حقيقي وإذا قيل ~~المداد في المصحف كانت الظرفية فيه غير الظرفية المفهومة من قول القائل فيه ~~السماوات والأرض وفيه محمد وعيسى ونحو ذلك وهذان المعنيان مغايران لمعنى ~~قول القائل فيه كلام الله ومن لم يتنبه للفروق بين هذه المعاني ضل ولم يهتد ~~للصواب وكذلك الفرق بين القراءة التي هي فعل القارئ والمقروء الذي هو قول ~~الباريء من لم يهتد له فهو ضال أيضا ولو أن انسان وجد في ورقة مكتوبا ألا ~~كل شيء ما خلا الله باطل من خط كاتب معروف لقال هذا من كلام لبيد حقيقة ms096 ~~وهذا خط فلان حقيقة وهذا كل شيء حقيقة وهذا خبر حقيقة ولا تشتبه هذه ~~الحقيقة بالأخرى PageV00P192 # والقرآن في الأصل مصدر فتارة يذكر ويراد به القراءة قال تعالى * (وقرآن ~~الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) * وقال صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن ~~بأصواتكم وتارة يذكر ويراد به المقروء قال تعالى * (فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) * وقال تعالى * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا ~~له وأنصتوا لعلكم ترحمون) * وقال صلى الله عليه وسلم إن هذا القرآن أنزل ~~على سبعة أحرف إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على كل من المعنيين ~~المذكورين فالحقائق لها وجود عيني وذهني ولفظي ورسمي ولكن الأعيان تعلم ثم ~~تذكر ثم تكتب فكتابتها في المصحف هي المرتبة الرابعة وأما الكلام فإنه ليس ~~بينه وبين المصحف واسطة بل هو الذي يكتب بلا واسطة ولا لسان والفرق بين ~~كونه في زبر الأولين وبين كونه في رق منشور أو لوح محفوظ أو في كتاب مكنون ~~واضح فقوله عن القرآن * (وإنه لفي زبر الأولين) * اي ذكره ووصفه والاخبار ~~عنه كما أن محمدا مكتوب عندهم إذ القرآن أنزله الله على محمد لم ينزله على ~~غيره أصلا ولهذا قال في الزبر ولم يقل في الصحف ولا في الرق لأن الزبر جمع ~~زبور والزبر هو الكتابة والجمع فقوله * (وإنه لفي زبر الأولين) * أي مزبور ~~الأولين ففي نفس اللفظ واشتقاقه ما يبين المعنى المراد ويبين كمال بيان ~~القرآن وخلوصه من اللبس وهذا مثل قوله * (الذي يجدونه مكتوبا عندهم) * اي ~~ذكره بخلاف قوله * (في رق) * PageV00P193 # منشور * (لوح محفوظ) * * (وكتاب مبين) * لأن العامل في الظرف إما أن يكون ~~من الافعال العامة مثل الكون والاستقرار والحصول ونحو ذلك أو يقدر مكتوب في ~~كتاب أو في رق والكتاب تارة يذكر ويراد به محل الكتابة وتارة يذكر ويراد به ~~الكلام المكتوب ويجب التفريق بين كتابة الكلام في الكتاب وكتابة الأعيان ~~الموجودة في الخارج فيه فإن تلك إنما يكتب ذكرها وكلما تدبر الانسان هذا ~~المعنى وضح له الفرق وحقيقة كلام الله ms097 تعالى الخارجية هو ما يسمع منه أو من ~~المبلغ عنه فإذا سمعه السامع علمه وحفظه فكلام الله مسموع له معلوم محفوظ ~~فإذا قاله السامع فهو مقروء له متلو فإن كتبه فهو مكتوب له مرسوم وهو حقيقة ~~في هذه الوجوه كلها لا يصح نفيه والمجاز يصح نفيه فلا يجوز أن يقال ليس في ~~المصحف كلام الله ولا ما قرأ القارئ كلام الله وقد قال تعالى * (وإن أحد من ~~المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) * وهو لا يسمع كلام الله من ~~الله وإنما يسمعه من مبلغه عن الله والآية تدل على فساد قول من قال إن ~~المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله فإنه تعالى قال * (حتى يسمع ~~كلام الله) * ولم يقل حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله والأصل الحقيقة ~~ومن قال إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام الله أو حكاية كلام الله وليس ~~فيها كلام الله فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة وكفى بذلك ضلالا وكلام ~~الطحاوي رحمه الله يرد قول من قال إنه معنى واحد لا يتصور سماعه منه وأن ~~المسموع المنزل المقروء والمكتوب ليس كلام الله وإنما هو عبارة عنه فإن ~~الطحاوي رحمه الله يقول كلام الله منه بدا وكذلك قال غيره من السلف ويقولون ~~منه بدا وإليه يعود وإنما PageV00P194 # قالوا منه بدا لان الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون إنه خلق ~~الكلام في محل فبدأ الكلام من ذلك المحل فقال السلف منه بدا أي هو المتكلم ~~به فمنه بدا لا من بعض المخلوقات كما قال تعالى * (تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم) * * (ولكن حق القول مني) * * (قل نزله روح القدس من ربك ~~بالحق) * ومعنى قولهم وإليه يعود يرفع من الصدور والمصاحف فلا يبقى في ~~الصدور منه آية ولا في المصاحف كما جاء ذلك في عدة آثار وقوله بلا كيفية أي ~~لا تعرف كيفية تكلمه به قولا ليس بالمجاز وأنزله على رسوله وحيا اي أنزله ~~اليه على لسان الملك فسمعه الملك جبرائيل من ms098 الله وسمعه الرسول محمد صلى ~~الله عليه وسلم من الملك وقرأ على الناس قال تعالى * (وقرآنا فرقناه لتقرأه ~~على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) * وقال تعالى * (نزل به الروح الأمين ~~على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) * وفي ذلك إثبات صفة العلو ~~لله تعالى وقد أورد على ذلك أن إنزال القرآن نظير إنزال المطر أو انزاله ~~الحديد وانزال ثمانية أزواج من الأنعام والجواب أن انزال القرآن فيه مذكور ~~أنه أنزال من الله قال تعالى * (حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) * ~~وقال تعالى * (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) * وقال تعالى * (تنزيل ~~من الرحمن الرحيم) * وقال تعالى * (تنزيل من حكيم حميد) * وقال تعالى * ~~(إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من ~~عندنا إنا كنا مرسلين) * وقال تعالى * (فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى ~~منهما أتبعه إن كنتم صادقين) * PageV00P195 # وقال تعالى * (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق) * ~~وقال تعالى * (قل نزله روح القدس من ربك بالحق) * وإنزال المطر مقيد بأنه ~~منزل من السماء قال تعالى * (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) * والسماء العلو ~~وقد جاء في مكان آخر أنه منزل من المزن والمزن السحاب وفي مكان آخر أنه ~~منزل من المعصرات وإنزال الحديد والانعام مطلق فكيف يشبه هذا الانزال بهذا ~~الانزال فالحديد إنما يكون من المعادن التي في الجبال وهي عالية على الأرض ~~وقد قيل إنه كلما كان معدنه أعلى كان حديده أجود والانعام تخلق بالتوالد ~~المستلزم إنزال الذكور الماء من اصلابها إلى أرحام الإناث ولهذا يقال أنزل ~~ولم يقل نزل ثم الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض ومن المعلوم أن ~~الانعام تعلو فحولها إناثها عند الوطء وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم ~~الأنثى وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى سفل وعلى هذا فيحتمل قوله * ~~(وأنزل لكم من الأنعام) * وجهين أحدهما أن تكون من لبيان الجنس الثاني أن ~~تكون من لابتداء الغاية وهذان الوجهان يحتملان في ms099 قوله * (جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا) * وقوله وصدقه المؤمنون على ذلك حقا ~~الإشارة إلى ما ذكره من التكلم على الوجه المذكور وإنزاله اي هذا قول ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان وهم السلف الصالح وأن هذا حق وصدق وقوله ~~وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية رد على ~~المعتزلة بهذا القول ظاهر وفي قوله بالحقيقة رد على من قال إنه معنى واحد ~~واحد قام بذات الله لم يسمع منه وانما هو PageV00P196 # الكلام النفساني لأنه لا يقال لمن قام به الكلام النفساني ولم يتكلم به ~~أن هذا كلام حقيقة وإلا للزم ان يكون الأخرس متكلما ولزم أن لا يكون الذي ~~في المصحف عند الإطلاق هو القرآن ولا كلام الله ولكن عبارة عنه ليست هي ~~كلام الله كما لو أشار أخرس إلى شخص بإشارة فهم بها مقصوده فكتب ذلك الشخص ~~عبارته عن المعنى الذي أوحاه إليه ذلك الأخرس فالمكتوب هو عبارة ذلك الشخص ~~عن ذلك المعنى وهذا المثل مطابق غاية المطابقة لما يقولونه وإن كان الله ~~تعالى لا يسمسه أحد أخرس لكن عندهم أن الملك فهم منه معنى قائما بنفسه لم ~~يسمع منه حرفا ولا صوتا بل فهم معنى مجردا ثم عبر عنه فهو الذي أحدث نظم ~~القرآن وتأليفه العربي وأن الله خلق في بعض الأجسام كالهوى الذي هو دون ~~الملك هذه العبارة ويقال لمن قال إنه معنى واحد هل سمع موسى عليه السلام ~~جميع المعنى أو بعضه فإن قال سمعه كله فقد زعم أنه سمع جميع كلام الله ~~وفساد هذا ظاهر وإن قال بعضه فقد قال يتبعض وكذلك كل من كلمه الله أو أنزل ~~إليه شيئا من كلامه ولما قال تعالى للملائكة * (إني جاعل في الأرض خليفة) * ~~ولما قال لهم * (اسجدوا لآدم) * وأمثال ذلك هل هذا جميع كلامه أو بعضه فإن ~~قال إنه جميعه فهذا مكابرة وإن قال بعضه فقد اعترف بتعدده وللناس في مسمى ~~الكلام والقول عند الاطلاق أربعة أقوال أحدها أنه يتناول اللفظ والمعنى ~~جميعا ms100 كما يتناول لفظ الانسان الروح والبدن معا وهذا قول السلف الثاني اسم ~~اللفظ فقط والمعنى ليس جزء مسماه بل هو مدلول مسماه وهذا قول جماعة من ~~المعتزلة وغيرهم الثالث أنه اسم للمعنى فقط وإطلاقه على PageV00P197 # اللفظ مجاز لأنه دال عليه وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه الرابع أنه مشترك ~~بين اللفظ والمعنى وهذا قول بعض المتأخرين من الكلابية ولهم قول خامس يروى ~~عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين لأن حروف ~~الآدميين تقوم بهم فلا يكون الكلام قائما بغير المتكلم بخلاف كلام الله ~~فإنه لا يقوم عنده بالله فيمتنع أن يكون كلامه وهذا مبسوط في موضعه وأما من ~~قال إنه معنى واحد واستدل عليه بقول الأخطل * إن كلام لفي الفؤاد وإنما * ~~جعل اللسان على الفؤاد دليلا * فاستدلال فاسد ولو استدل مستدل بحديث في ~~الصحيحين لقالوا هذا خبر واحد ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه ~~بالقبول والعمل به فكيف وهذا البيت قد قيل إنه موضوع منسوب إلى الأخطل وليس ~~هو في ديوانه وقيل إنما قال إن البيان لفي الفؤاد وهذا أقرب إلى الصحة وعلى ~~تقدير صحته عنه فلا يجوز الاستدلال به فإن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام ~~وزعموا أن عيسى عليه السلام نفس كلمة الله واتحد اللاهوت بالناسوت اي شيء ~~من الإله بشيء من الناس أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى ~~الكلام ويترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب وأيضا فمعناه غير صحيح ~~إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلما لقيام الكلام بقلبه وإن لم ينطق به ولم ~~يسمع منه والكلام على ذلك مبسوط في موضعه وإنما أشير إليه إشارة وهنا معنى ~~عجيب وهو أن هذا القول له شبه قوي بقول النصارى القائلين باللاهوت والناسوت ~~فإنهم يقولون كلام الله هو المعنى القائم بذات الله الذي لا يمكن سماعه ~~وأما النظم المسموع PageV00P198 # فمخلوق فإفهام المعنى القديم بالنظم المخلوق يشبه امتزاج اللاهوت ~~بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى عليه السلام فانظر ms101 إلى هذا الشبه ما ~~أعجبه ويرد قول من قال بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس قوله صلى الله ~~عليه وسلم إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس وقال إن الله يحدث ~~من امره ما يشاء وإنما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة واتفق العلماء على أن ~~المصلي إذا تكلم في الصلاة عامدا لغير مصلحتها بطلت صلاته واتفقوا كلهم على ~~أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة وإنما يبطلها ~~التكلم بذلك فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام وأيضا ففي الصحيحين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تجاوز لامتي عما حدثت به ~~أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به فقد أخبر أن الله عفا عن حديث النفس الا ~~أن تتكلم ففرق بين حديث النفس وبين الكلام واخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم ~~به والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء فعلم أن هذا هو الكلام في ~~اللغة لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب وأيضا ففي السنن أن معاذا رضي ~~الله عنه قال يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال وهل يكب الناس ~~في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم فبين أن الكلام إنما هو باللسان ~~فلفظ PageV00P199 # القول والكلام وما تصرف منهما من فعل ماض ومضارع وأمر واسم فاعل إنما ~~يعرف في القرآن والسنة وسائر كلام العرب إذا كان لفظا ومعنى ولم يكن في ~~مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وإنما حصل النزال بين ~~المتأخرين من علماء أهل البدع ثم انتشر ولا ريب أن مسمى الكلام والقول ~~ونحوهما ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول شاعر فإن هذا مما تكلم به الأولون ~~والآخرون من أهل اللغة وعرفوا معناه كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ~~ونحو ذلك ولا شك أن من قال إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى وأن ~~المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق فقد ~~قال ms102 بخلق القرآن وهو لا يشعر فإن الله يقول * (قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) * أفتراه سبحانه وتعالى يشير ~~إلى ما في نفسه أو إلى المتلو المسموع ولا شك ان الإشارة إنما هي إلى هذا ~~المتلو المسموع إذ ما في ذات الله غير مشار إليه ولا منزل ولا متلو ولا ~~مسموع وقوله * (لا يأتون بمثله) * افتراه سبحانه يقول لا يأتون بمثل ما في ~~نفسي مما لم يسمعوه ولم يعرفوه وما في نفس الله عز وجل لا حيلة إلى الوصول ~~إليه ولا إلى الوقوف عليه فإن قالوا انما أشار إلى حكاية ما في نفسه ~~وعبارته وهو المتلو المكتوب المسموع فأما أن يشير إلى ذاته فلا فهذا صريح ~~القول بأن القرآن مخلوق بل هم في ذلك أكفر من المعتزلة فإن حكاية الشيء ~~بمثله وشبهه وهذا تصريح بأن صفات الله محكية ولو كانت هذه التلاوة حكاية ~~لكان الناس قد اتوا بمثل كلام الله فأين عجزهم PageV00P200 # ويكون التالي في زعمهم قد حكى بصوت وحرف ما ليس بصوت وحرف وليس القرآن ~~إلا سورا مسورة وآيات مسطرة في صحف مطهرة قال تعالى * (فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات) * * (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد ~~بآياتنا إلا الظالمون) * * (في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة) * ويكتب لمن قرأ ~~بكل حرف عشر حسنات قال صلى الله عليه وسلم أما إني لا أقول ألم حرف ولكن ~~ألف حرف ولام حرف وميم حرف وهو المحفوظ في صدور الحافظين المسموع من السن ~~التالين قال الشيخ حافظ الدين النسفي رحمه الله في المنار إن القرآن اسم ~~للنظم والمعنى وكذا قال غيره من أهل الأصول وما ينسب إلى أبي حنيفة رحمه ~~الله أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزأه فقد رجع عنه وقال لا يجوز ~~القراءة مع القدرة بغير العربية وقالوا لو قرأ بغير العربية إما أن يكون ~~مجنونا فيداوى أو زنديقا فيقتل لأن الله تكلم به بهذه اللغة والإعجاز حصل ~~بنظمه ومعناه وقوله ms103 ومن سمعه وقال إنه كلام البشر فقد كفر لا شك في تكفير ~~من أنكر ان القرآن كلام الله بل قال إنه كلام محمد أو غيره من الخلق ملكا ~~كان أو بشرا وأما إذا أقر أنه كلام الله ثم أول وحرف فقد وافق قول من قال ~~إن هذا إلا قول البشر في بعض ما به كفر وأولئك الذين استزلهم الشيطان ~~وسيأتي الكلام عليه عند قول الشيخ ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم ~~يستحله إن شاء الله تعالى PageV00P201 # وقوله ولا يشبه قول البشر يعني أنه اشرف وأفصح وأصدق قال تعالى * (ومن ~~أصدق من الله حديثا) * وقال تعالى * (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) * وقال تعالى * (قل فأتوا بسورة ~~مثله) * فلما عجزوا وهم فصحاء العرب مع شدة العداوة عن الإتيان بسورة مثله ~~تبين صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أنه من عند الله وإعجازه من جهة نظمه ~~ومعناه لا من جهة أحدهما فقط هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج بلسان عربي ~~مبين اي بلغة العربية فنفي المشابهة من حيث التكلم ومن حيث التكلم به ومن ~~حيث النظم والمعنى لا من حيث الكلمات والحروف والى هذا وقعت الإشارة ~~بالحروف المقطعة في أوائل السور أي انه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي ~~يخاطبون بها الا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن كما في قوله ~~تعالى * (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه) * * (ألم الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم نزل عليك الكتاب بالحق) * * (المص كتاب أنزل إليك) * * (الر تلك ~~آيات الكتاب الحكيم) * وكذلك الباقي ينبههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم ~~بما لا تعرفونه بل خاطبكم بلسانكم ولكن أهل المقالات الفاسدة يتذرعون بمثل ~~هذا إلى نفي تكلم الله به وسماع جبرائيل منه كما يتذرعون بقوله تعالى * ~~(ليس كمثله شيء) * إلى نفي الصفات وفي الآية ما يرد عليهم قولهم وهو قوله ~~تعالى * (وهو السميع البصير) * كما في قوله تعالى * (فأتوا بسورة مثله) ms104 * ~~ما يرد على من ينفي الحرف فإنه قال * (فأتوا بسورة) * ولم يقل فأتوا بحرف ~~أو بكلمة وأقصر سورة في القرآن ثلاث آيات ولهذا قال أبو يوسف ومحمد إن أدنى ~~PageV00P202 # ما يجزئ في الصلاة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة لأنه لا يقع الإعجاز بدون ~~ذلك والله أعلم قوله ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر من ابصر ~~هذا اعتبر وعن مثل قول الكفار انزجر علم أنه بصفاته ليس كالبشر ش لما ذكر ~~فيما تقدم ان القرآن كلام الله حقيقة منه بدا نبه بعد ذلك على أنه تعالى ~~بصفاته ليس كالبشر نفيا للتشبيه عقيب الإثبات يعني أن الله تعالى وإن وصف ~~بأنه متكلم لكن لا يوصف بمعنى من معاني البشر التي يكون الانسان بها متكلما ~~فإن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وما أحسن المثل المضروب للمثبت ~~للصفات من غير تشبيه ولا تعطيل باللبن الخالص السائغ للشاربين يخرج من بين ~~فرث التعطيل ودم التشبيه والمعطل يعبد عدما والمشبه يعبد صنما وسيأتي في ~~كلام الشيخ ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه وكذا قوله وهو ~~بين التشبيه والتعطيل اي دين الاسلام ولا شك أن التعطيل شر من التشبيه بما ~~سأذكره إن شاء الله تعالى وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله ~~تشبيها بل صفات الخالق كما يليق به وصفات المخلوق كما يليق به وقوله فمن ~~أبصر هذا اعتبر أي من نظر بعين بصيرته فيما قاله من إثبات الوصف ونفي ~~التشبيه ووعيد المشبه اعتبر وانزجر عن مثل قول الكفار قوله والرؤية حق لأهل ~~الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا * (وجوه يومئذ ناضرة إلى ~~ربها ناظرة) * وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه وكل ما جاء في ذلك من ~~الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كما قال ومعناه على ~~PageV00P203 # ما أراد لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا فإنه ما ~~سلم في دينه الا من ms105 سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ورد علم ما ~~اشتبه عليه إلى عالمه ش المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من ~~الخوارج والإمامية وقولهم باطل مردود بالكتاب السنة وقد قال بثبوت الرؤية ~~الصحابة والتابعون وأئمة الاسلام المعروفون بالإمامة في الدين وأهل الحديث ~~وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة وهذه المسألة من أشرف ~~مسائل أصول الدين واجلها وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس ~~المتنافسون وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون وعن بابه مردودون وقد ذكر ~~الشيخ رحمه الله من الآدلة قوله تعالى * (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) ~~* وهي من أظهر الأدلة وأما من أبى إلا تحريفها بما يسميه تأويلا فتأويل ~~نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل ولا ~~يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ~~ما وجده متأول هذه النصوص وهذا الذي أفسد الدنيا والدين وهكذا فعلت اليهود ~~والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل وحذرنا الله أن نفعل مثلهم وأبى ~~المبطلون إلا سلوك سبيلهم وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية ~~فهل قتل عثمان رضي الله عنه الا بالتأويل الفاسد وكذا ما جرى في يوم الجمل ~~وصفين ومقتل الحسين والحرة وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزلة ورفضت ~~الروافض وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد ~~PageV00P204 # وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بأداة إلى ~~الصرحية في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافة حقيقة موضوعة ~~صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله فإن ~~النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه فان عدي بنفسه فمعناه ~~التوقف والانتظار * (انظرونا نقتبس من نوركم) * وإن عدي ب في فمعناه التفكر ~~والاعتبار كقوله * (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض) * وإن عدي ب إلى ~~فمعناه المعاينة بالابصار كقوله تعالى * (انظروا إلى ثمره إذا أثمر) * فكيف ~~إذا أضيف إلى الوجه الذي هو ms106 محل البصر وروى ابن مردويه بسنده إلى ابن عمرو ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى * (وجوه يومئذ ناضرة) ~~* قال من البهاء والحسن * (إلى ربها ناظرة) * قال في وجه الله عز وجل عن ~~الحسن قال نظرت إلى ربها فنضرت بنوره وقال أبو صالح عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما * (إلى ربها ناظرة) * قال تنظر إلى وجه ربها عز وجل وقال عكرمة * ~~(وجوه يومئذ ناضرة) * قال من النعيم * (إلى ربها ناظرة) * قال تنظر إلى ~~ربها نظرا ثم حكى عن ابن عباس مثله وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث ~~وقال تعالى * (لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد) * قال الطبري قال علي بن ~~أبي طالب وأنس بن مالك هو النظر إلى وجه الله عز وجل وقال تعالى * (للذين ~~أحسنوا الحسنى وزيادة) * فالحسنى الجنة PageV00P205 # والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم فسرها بذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والصحابة من بعده كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال قرأ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم * (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) * قال إذا دخل أهل ~~الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله ~~موعدا يريد أن ينجز كموه فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ~~ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون اليه فما أعطاهم شيئا ~~أحب إليهم من النظر اليه وهي الزيادة ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أخر ~~معناها أن الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل وكذلك فسرها الصحابة رضي الله ~~عنهم روى ابن جرير ذلك عن جماعة منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وحذيفة ~~وأبو موسى الأشعري وابن عباس رضي الله عنهم وقال تعالى * (كلا إنهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون) * احتج الشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة بهذه الآية على ~~الرؤية لأهل الجنة ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي وقال الحاكم ~~حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال حضرت محمد إدريس الشافعي وقد جاءته ~~رقعة من ms107 الصعيد فيها ما تقول في قول الله عز وجل * (كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون) * فقال الشافعي لما أن حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على ~~أن أولياءه يرونه في الرضى وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى * (لن تراني) ~~* وبقوله تعالى * (لا تدركه الأبصار) * فالآيتان دليل عليهم أما الآية ~~الأولى فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه أحدها أنه لا يظن بكليم ~~الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته PageV00P206 # أن يسأل ما لا يجوز عليه بل هو عندهم من أعظم المحال الثاني أن الله لم ~~ينكر عليه سؤاله ولما سال نوح ربه نجاه ابنه أنكر سؤاله وقال * (إني أعظك ~~أن تكون من الجاهلين) * الثالث أنه تعالى قال * (لن تراني) * ولم يقل اني ~~لا أرى أو لا تجوز رؤيتي أو لست بمرئي والفرق بين الجوابين ظاهر ألا ترى أن ~~من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاما فقال أطعمنيه فالجواب الصحيح أنه لا يؤكل ~~أما إذا كان طعاما صح أن يقال انك لن تأكله وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي ~~ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته ~~تعالى يوضحه الوجه الرابع وهو قوله * (ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني) * فأعلمه ان الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه ~~الدار فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف الخامس أن الله سبحانه قادر على أن يجعل ~~الجبل مستقرا وذلك ممكن وقد علق به الرؤية ولو كان محالا لكان نظير أن يقول ~~إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام والكل عندهم سواء السادس قوله تعالى * ~~(فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) * فإذا جاز أن يتجلى للجبل الذي هو جماد لا ~~ثواب له ولا عقاب فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته ولكن ~~الله اعلم موسى ان الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار فالبشر أضعف ~~السابع أن الله كلم موسى وناداه وناجاه ومن جاز عليه التكلم والتكليم ms108 وأن ~~يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز ولهذا لا يتم إنكار ~~رؤيته الا بإنكار كلامه وقد جمعوا بينهما وأما دعواهم تأييد النفي ب لن وأن ~~ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة ففاسد فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على ~~دوام النفي في الآخرة فكيف إذا أطلقت قال PageV00P207 # تعالى * (ولن يتمنوه أبدا) * مع قوله * (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك) ~~* ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها وقد جاء ذلك ~~قال تعالى * (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي) * فثبت أن لن لا تقتضى ~~المنفي المؤبد قال الشيخ جمال الدين ابن مالك رحمه الله * ومن رأى النفي ~~بلن مؤبدا * فقوله أردد وسواه فاعضدا * وأما الآية الثانية فالاستدلال بها ~~على الرؤية من وجه حسن لطيف وهو أن الله تعالى انما ذكرها في سياق التمدح ~~ومعلوم أن المدح انما يكون بالصفات الثبوتية وأما العدم المحض فليس بكمال ~~فلا يمدح به وانما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمرا وجوديا كمدحه بنفي ~~السنة والنوم المتضمن كمال القيومية ونفي الموت المتضمن كمال الحياة ونفي ~~اللغوب والاعياء المتضمن كمال القدرة ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير ~~المتضمن كمال الربوبية والألوهية وقهره ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال ~~صمديته وغناه ونفي الشفاعة عنده الا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن ~~خلقه ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه ونفي النسيان وعزوب شيء عن ~~علمه المتضمن كمال علمه واحاطته ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته ~~ولهذا لم يمتدح بعدم محض لم يتضمن أمرا ثبوتيا فان المعدم يشارك الموصوف في ~~ذلك العدم ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه فان المعنى أنه يرى ~~ولا يدرك ولا يحاط به فقوله * (لا تدركه الأبصار) * يدل على كمال عظمته ~~وأنه أكبر من كل شيء وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به فان الادراك هو ~~الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية كما قال تعالى * (فلما تراءى ~~الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا) * PageV00P208 # فلم ينف ms109 موسى الرؤية وانما نفى الإدراك فالرؤية والادراك كل منهما يوجد ~~مع الآخر وبدونه فالرب تعالى يرى ولا يدرك كما يعلم ولا يحاط به علما وهذا ~~هو الذي فهمه الصحابة والآئمة من الآية كما ذكرت أقوالهم في تفسير الآية بل ~~هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه وأما ~~الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة ~~رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن فمنها حديث أبي هريرة أن ناسا قالوا ~~يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا لا يا رسول الله قال هل تضارون ~~في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فإنكم ترونه كذلك الحديث أخرجاه في ~~الصحيحين بطوله وحديث أبي سعيد الخدري أيضا في الصحيحين نظيره وحديث جرير ~~بن عبد الله البجلي قال كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى ~~القمر ليلة أربع عشرة فقال إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا لا تضامون ~~في رؤيته الحديث أخرجاه في الصحيحين وحديث صهيب المتقدم رواه مسلم وغيره ~~وحديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وجنتان من فضة آنيتهما وما ~~فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن يروا ربهم ~~تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن أخرجاه في الصحيحين ~~ومن حديث عدي بن حاتم وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس PageV00P209 # بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له فيقول ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك ~~فيقول بلى يا رب فيقول ألم أعطك مالا وأفضل عليك فيقول بلى يا رب أخرجه ~~البخاري في صحيحه وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا ومن أحاط بها ~~معرفة يقطع بأن الرسول قالها ولولا أني التزمت الاختصار لسقت ما في الباب ~~من الأحاديث ومن أراد الوقوف عليها فليواظب سماع الأحاديث النبوية فإن فيها ~~مع إثبات الرؤية أنه يكلم من شاء إذا ms110 شاء وأنه يأتي لفصل القضاء يوم ~~القيامة وأنه فوق العالم وأنه يناديهم بصوت يسمع من بعد كما يسمعه من قرب ~~وأنه يتجلى لعباده وأنه يضحك إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على ~~الجهمية بمنزلة الصواعق وكيف تعلم أصول دين الاسلام من غير كتاب الله وسنة ~~رسوله وكيف يفسر كتاب الله بغير ما فسره به رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه رضوان الله عليهم الذين نزل القرآن بلغتهم وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وفي رواية من قال في ~~القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار وسئل أبو بكر رضي الله عنه عن قوله ~~تعالى * (وفاكهة وأبا) * ما الأب فقال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت ~~في كتاب الله ما لا أعلم PageV00P210 # وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها لله بل هو تشبيه ~~الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي ولكن فيه دليل على علو الله على ~~خلقه وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة ومن قال يرى لا في جهة فليراجع عقله ~~فاما أن يكون مكابرا لعقله وفي عقله شيء وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ~~ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته رد عليه كل من سمعه ~~بفطرته السليمة ولهذا ألزم المعتزلة من نفي العلو بالذات بنفي الرؤية ~~وقالوا كيف تعقل رؤية بلا مقابلة بغير جهة وإنما لم نره في الدنيا لعجز ~~أبصارنا لا لامتناع الرؤية فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف ~~عن رؤيتها لا لامتناع في ذات المرئي بل لعجز الرائي فإذا كان في الدار ~~الآخرة أكمل الله فتوى الآدميين حتى أطاقوا رؤيته ولهذا لما تجلى الله ~~للجبل * (وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) ~~* بأنه لا يراك حي الا مات ولا يابس الا تدهده ولهذا كان البشر يعجزون عن ~~رؤية الملك في صورته الا من أيده الله كما أيد نبينا قال ms111 تعالى * (وقالوا ~~لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر) * قال غير واحد من السلف ~~لا يطيقون أن يروا الملك في صورته فلو أنزلنا عليهم ملكا لجعلناه في صورة ~~بشر وحينئذ يشتبه عليهم هل هو بشر أو ملك ومن تمام نعمة الله علينا أن بعث ~~فينا رسولا منا وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام الا لما وافقوهم على أنه ~~لا داخل العالم ولا خارجه لكن قول من أثبت موجودا يرى لا في وجهة أقرب إلى ~~العقل من قول من أثبت موجودا قائما بنفسه لا يرى ولا في جهة ويقال لمن قال ~~الرؤية لانتفاء لازمها وهو الجهة أتريد PageV00P211 # الجهة أمرا وجوديا أو أمرا عدميا فإن أراد بها أمرا وجوديا كان التقرير ~~كل ما ليس في شيء موجود لا يرى وهذه المقدمة ممنوعة ولا دليل على إثباتها ~~بل هي باطلة فان سطح العالم يمكن أن يرى وليس العالم في عالم آخر وان أردت ~~بالجهة أمرا عدميا فالمقدمة الثانية ممنوعة فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا ~~الاعتبار وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة وإنما ~~يتلقاه من قول فلان وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب ~~الله من أحاديث الرسول ولا ينظر فيها ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان المنقول إلينا عن الثقات النقلة الذين تخيرهم النقاد فإنهم لم ~~ينقلوا نظم القرآن وحده بل نقلوا نظمه ومعناه ولا كانوا يتعلمون القرآن كما ~~يتعلم الصبيان بل يتعلمونه بمعانيه ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه ~~ومن يتكلم برأيه وما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو مأثوم وإن ~~أصاب ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ لكن إن أصاب يضاعف أجره ~~وقوله والرؤية حق لأهل الجنة تخصيص أهل الجنة بالذكر يفهم منه نفي الرؤية ~~عن غيرهم ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة وكذلك يرونه في المحشر ~~قبل دخولهم الجنة كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله ms112 صلى الله عليه وسلم ~~ويدل عليه قوله تعالى * (تحيتهم يوم يلقونه سلام) * واختلف في رؤية أهل ~~المحشر على ثلاث أقوال أحدها أنه لا يراه إلا المؤمنون الثاني يراه أهل ~~الموقف مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك الثالث يراه ~~مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف ~~PageV00P212 # واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه ولم يتنازعوا في ذلك ~~إلا في نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة منهم من نفى رؤيته بالعين ومنهم من ~~أثبتها له صلى الله عليه وسلم وحكى القاضي عياض في كتابه الشفا اختلاف ~~الصحابة ومن بعدهم في رؤيته صلى الله عليه وسلم وإنكار عائشة رضي الله عنها ~~أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه وأنها قالت لمسروق حين سألها ~~هل رأى محمد ربه فقالت لقد قف شعري مما قلت ثم قالت من حدثك أن محمدا رأى ~~ربه فقد كذب ثم قال وقال جماعة بقول عائشة رضي الله عنها وهو المشهور عن ~~ابن مسعود وأبي هريرة واختلف عنه وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا ~~جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~صلى الله عليه وسلم رآه بعينه وروى عطاء عنه أنه رآه بقلبه ثم ذكر أقوالا ~~وفوائد ثم قال وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه بعينه ~~فليس فيه قاطع ولا نص والمعول فيه على آيتي النجم والتنازع فيهما مأثور ~~والاحتمال لهما ممكن وهذا القول الذي قاله القاضي عياض رحمه الله هو الحق ~~فإن الرؤية في الدنيا ممكنة إذا لو لم تكن ممكنة لما سألها موسى عليه ~~السلام لكن لم يرد نص بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه بل ورد ما ~~يدل على نفي الرؤية وهو ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال نور أني أراه وفي ms113 ~~PageV00P213 # رواية رأيت نورا وقد روى مسلم أيضا عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه ~~قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال إن الله لا ~~ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل ~~النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور وفي رواية النار لو كشفه ~~لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه فيكون والله أعلم معنى قوله ~~لأبي ذر رأيت نورا انه رأى الحجاب ومعنى قوله نور أنى أراه النور الذي هو ~~الحجاب يمنع من رؤيته فأنى أراه أي فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه ~~يمنعني من رؤيته فهذا صريح في نفي الرؤية والله أعلم وحكى عثمان بن سعيد ~~الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك ونحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى ~~تقرير رؤيته لربه تعالى وإن كانت رؤية الرب تعالى أعظم وأعلى فإن النبوة لا ~~يتوقف ثبوتها عليها البتة وقوله بغير إحاطة ولا كيفية هذا لكمال عظمته ~~وبهائه سبحانه وتعالى لا تدركه الابصار ولا تحيط به كما يعلم ولا يحاط به ~~علما قال تعالى * (لا تدركه الأبصار) * وقال تعالى * (ولا يحيطون به علما) ~~* وقوله وتفسيره على ما أراد الله وعلمه إلى أن قال لا ندخل في ذلك متأولين ~~بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا اي كما فعلت المعتزلة بنصوص الكتاب والسنة في ~~الرؤية وذلك تحريف لكلام الله وكلام PageV00P214 # رسوله عن مواضعه فالتأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة والفاسد ~~المخالف له فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة تقتضيه فإن ~~هذا لا يقصده المبين العادي بكلامه إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على ~~المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ فان الله أنزل ~~كلامه بيان وهدى فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم يحف به قرائن تدل على المعنى ~~الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد لم يكن بيانا ولا هدى فالتأويل إخبار ~~بمراد المتكلم لا إنشاء ms114 وفي هذا الموضع يغلط كثير من الناس فإن المقصود فهم ~~مراد المتكلم بكلامه فإذا قيل معنى اللفظ كذا وكذا كان إخبارا بالذي عنى ~~المتكلم فإن لم يكن الخبر مطابقا كان كذبا على المتكلم ويعرف مراد المتكلم ~~بطرق متعددة منها أن يصرح بإرادة ذلك المعنى ومنها أن يستعمل اللفظ الذي له ~~معنى ظاهر بالوضع ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى فكيف ~~إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له كقوله * (وكلم ~~الله موسى تكليما) * إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون الشمس في الظهيرة ليس ~~دونها سحاب فهذا مما يقطع به السامع له بمراد المتكلم فإذا أخبر عن مراده ~~بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكة كان صادقا في إخباره ~~وأما إذا تأول الكلام بما لا يدل عليه ولا اقترن به ما يدل عليه فإخباره ~~بأن هذا مراده كذب عليه وهو تأويل بالرأي وتوهم بالهوى وحقيقة الامر أن قول ~~القائل نحمله على كذا أو نتأوله بكذا إنما هو من باب دفع دلالة اللفظ عما ~~وضع له فان منازعه لما احتج PageV00P215 # عليه به ولم يمكنه دفع وروده دفع معناه وقال أحمله على خلاف ظاهره فإن ~~قيل بل للحمل معنى آخر لم تذكروه وهو أن اللفظ لما استحال ان يراد به ~~حقيقته وظاهره ولا يمكن تعطيله استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره على أن ~~مجازه هو المراد فحملناه عليه دلالة لا ابتداء قيل فهذا المعنى هو الإخبار ~~عن المتكلم أنه أراده وهو إما صدق وإما كذب كما تقدم ومن الممتنع أن يريد ~~خلاف حقيقته وظاهره ولا يبين للسامع المعنى الذي أراده بل يعرف بكلامه ما ~~يؤكد إرادة الحقيقة ونحن لا نمنع أن المتكلم قد يريد بكلامه خلاف ظاهره إذا ~~قصد التعمية على السامع حيث يسوغ ذلك ولكن المنكر أن يريد بكلامه خلاف ~~حقيقته وظاهره إذا قصد البيان والإيضاح وإفهام مراده فكيف والمتكلم يؤكد ~~كلامه بما ينفي المجاز ويكرره غير مرة ويضرب له ms115 الأمثال وقوله فإنه ما سلم ~~في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ورد علم ما ~~اشتبه عليه إلى عالمه أي سلم لنصوص الكتاب والسنة ولم يعترض عليها بالشكوك ~~والشبه والتأويلات الفاسدة أو بقوله العقل يشهد بضد ما دل عليه النقل أو ~~العقل أصل النقل فإذا عارضه قدمنا العقل وهذا لا يكون قط لكن إذا جاء ما ~~يوهم مثل ذلك فإن كان النقل صحيحا فذلك الذي يدعى أنه معقول إنما هو مجهول ~~ولو حقق النظر لظهر ذلك وإن كان النقل غير صحيح فلا يصلح للمعارضة فلا ~~يتصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبدا ويعارض كلام من يقول ذلك بنظيره ~~فيقال إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل لأن الجمع بين المدلولين جمع ~~بين PageV00P216 # النقيضين ورفعهما رفع النقيضين وتقديم العقل ممتنع لان العقل قد دل على ~~صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فلو أبطلنا ~~النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل ولو أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون ~~معارضا للنقل لان ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء فكان تقديم ~~العقل موجبا عدم تقديمه فلا يجوز تقديمه وهذا بين واضح فإن العقل هو الذي ~~دل على صدق السمع وصحته وأن خبره مطابق لمخبره فان جاز أن تكون الدلالة ~~باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلا صحيحا وإذا لم يكن دليلا ~~صحيحا لم يجز أن يتبع بحال فضلا عن أن يقدم فصار تقديم العقل على النقل ~~قدحا في العقل فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم والانقياد ~~لأمره وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولا ~~أو نحمله شبهة أو شكا أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم فنوحده ~~بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان كما نوحد المرسل بالعبادة والخضوع ~~والذل والإنابة والتوكل فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله الا بهما ~~توحيد المرسل وتوحيد متابعة الرسول فلا نحاكم إلى غيره ولا نرضى ms116 بحكم غيره ~~ولا نوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه ~~وطائفته ومن يعظمه فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره وإلا فإن طلب السلامة فوضه ~~إليهم وأعرض عن أمره وخبره وإلا حرفه عن مواضعه وسمى تحريفه تأويلا وحملا ~~فقال نؤوله ونحمله فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما خلا الإشراك بالله خيرا ~~له من أن يلقاه بهذه الحال بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل يسوغ أن يؤخر قبوله PageV00P217 # والعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وكلامه ومذهبه بل كان الفرض المبادرة ~~إلى امتثاله من غير التفات إلى سواه ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان بل ~~يستشكل الآراء لقوله ولا يعارض نصه بقياس بل نهدر الأقيسة ونتلقى نصوصه ولا ~~نحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا نعم هو مجهول وعن الصواب ~~معزول ولا يوقف قبول قوله على موافقة فلان دون فلان كائنا من كان قال ~~الأمام أحمد حدثنا أنس بن عياض حدثنا أبو حازم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده قال لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم أقبلت أنا وأخي ~~وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه ~~فكرهنا أن نفرق بينهم فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ~~ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا قد احمر وجهه ~~يرميهم بالتراب ويقول مهلا يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على ~~أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا بل ~~يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه ~~ولا شك ان الله قد حرم القول عليه بغير علم قال تعالى * (قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا ms117 وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * وقال تعالى * (ولا ~~تقف ما ليس لك به علم) * فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله وانزل به ~~كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه فيصدق بأنه حق وصدق وما سواه من كلام سائر ~~الناس يعرضه عليه فإن وافقه فهو حق وإن خالفه فهو باطل PageV00P218 # وأن لم يعلم هل خالفه أو وافقه يكون ذلك الكلام مجملا لا يعرف مراد صاحبه ~~أو قد عرف مراده لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو بتكذيبه فإنه يمسك ~~عنه ولا يتكلم إلا بعلم والعلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء به ~~الرسول وقد يكون علم من غير الرسول لكن في الأمور الدنيوية مثل الطب ~~والحساب والفلاحة وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية فهذه العلم فيها ما ~~أخذ عن الرسول لا غيره قوله ولا تثبت قدم الاسلام إلا على ظهر التسليم ~~والاستسلام ش هذا من باب الاستعارة إذ القدم الحسي لا تثبت الا على ظهر شيء ~~أي لا يثبت اسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين وينقاد إليها ولا يعترض عليها ~~ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب ~~الزهري رحمه الله أنه قال من الله الرسالة ومن الرسول البلاغ وعلينا ~~التسليم وهذا كلام جامع نافع وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل وهو أن ~~العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد بل هو دون ذلك بكثير فإن ~~العامي يمكنه أن يصير عالما ولا يمكن العالم أن يصير نبيا رسولا فإذا عرف ~~العامي المقلد عالما فدل عليه عاميا آخر ثم اختلف المفتي والدال فإن ~~المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي دون الدال فلو قال الدال الصواب معي دون ~~المفتي لأني أنا الأصل في علمك بأنك مفت فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في ~~الأصل الذي به عرفت أنه مفت فلزم القدح في فرعه فيقول له المستفتي أنت لما ~~شهدت له بأنه مفت ودللت عليه شهدت له بوجوب تقليده دونك فموافقتي لك ms118 في هذا ~~العلم المعين لا تستلزم موافقتك في كل مسألة وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي ~~الذي هو اعلم منك لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت هذا مع علمه أن ذلك ~~المفتي قد يخطئ PageV00P219 # والعاقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله تعالى لا يجوز عليه الخطأ ~~فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره وقد علمنا بالاضطرار من دين الاسلام ~~ان الرجل لو قال للرسول هذا القرآن الذي تلقيه علينا والحكمة التي جئتنا ~~بها قد تضمن كل منهما أشياء كثيرة تناقض ما علمناه بعقولنا ونحن إنما علمنا ~~صدقك بعقولنا فلو قبلنا جميع ما تقوله مع أن عقولنا تناقض ذلك لكان قدحا في ~~ما علمنا به صدقك فنحن نعتقد موجب العقول الناقضة لما ظهر من كلامك وكلامك ~~نعرض عنه لا نتلقى منه هديا ولا علما لم يكن مثل هذا الرجل مؤمنا بما جاء ~~به الرسول ولم يرض منه الرسول بهذا بل يعلم أن هذا لو ساغ لأمكن كل أحد أن ~~يؤمن بشيء مما جاء به الرسول إذ العقول متفاوتة والشبهات كثيرة والشياطين ~~لا تزال تلقي الوسواس في النفوس فيمكن كل أحد أن يقول مثل هذا في كل ما ~~أخبر به الرسول وما أمر به وقد قال تعالى * (وما على الرسول إلا البلاغ) * ~~وقال * (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) * وقال تعالى * (وما أرسلنا من ~~رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) * * (قد ~~جاءكم من الله نور وكتاب مبين) * * (حم والكتاب المبين) * * (تلك آيات ~~الكتاب المبين) * * (ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل ~~كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) * * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ~~وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) * ونظائر ذلك كثيرة في القرآن فأمر الإيمان ~~بالله واليوم الآخر إما أن يكون الرسول تكلم فيه بما يدل على الحق أم لا ~~الثاني باطل وإن كان قد تكلم بما يدل على الحق بألفاظ مجملة محتملة فما بلغ ~~البلاغ المبين وقد شهد له خير PageV00P220 # القرون ms119 بالبلاغ وأشهد الله عليهم في الموقف الأعظم فمن يدعي أنه في أصول ~~الدين لم يبلغ البلاغ المبين فقد افترى عليه صلى الله عليه وسلم قوله فمن ~~رام علم ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص ~~التوحيد وصافى المعرفة وصحيح الايمان ش هذا تقرير للكلام الأول وزيادة ~~تحذير أن يتكلم في أصول الدين بل وفي غيرها بغير علم وقال تعالى * (ولا تقف ~~ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) * وقال ~~تعالى * (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب ~~عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير) * وقال تعالى * (ومن ~~الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن ~~سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) * وقال تعالى ~~* (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين) * وقال تعالى * (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم ~~من ربهم الهدى) * إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى وعن أبي ~~أمامة الباهلي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ضل ~~قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم تلا * (ما ضربوه لك إلا جدلا) * ~~رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ان أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم خرجاه في الصحيحين ~~PageV00P221 # ولا شك أن من لم يسلم للرسول نقص توحيده فإنه يقول برايه وهواه ويقلد ذا ~~رأي وهوى بغير هدى من الله فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جاء به الرسول ~~فإنه قد اتخذه في ذلك إلها غير الله قال تعالى * (أفرأيت من اتخذ إلهه ~~هواه) * أي عبد ما تهواه نفسه وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق كما ~~قال عبد الله بن المبارك رحمة ms120 الله عليه * رأيت الذنوب تميت القلوب * وقد ~~يورث الذل إدمانها * وترك الذنوب حياة القلوب * وخير لنفسك عصيانها * وهل ~~أفسد الدين إلا الملوك * وأحبار سوء ورهبانها * فالملوك الجائرة يعترضون ~~على الشريعة بالسياسات الجائرة ويعارضونها بها ويقدمونها على حكم الله ~~ورسوله وأحبار السوء وهم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم واقيستهم ~~الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله وتحريم ما أباحه واعتبار ما ~~ألغاه وإلغاء ما اعتبره واطلاق ما قيده وتقييد ما أطلقه ونحو ذلك والرهبان ~~وهم جهال المتصوفة المعترضون على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد ~~والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله ~~وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم والتعوض عن حقائق ~~الايمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس فقال الأولون إذا تعارضت السياسة والشرع ~~قدمنا السياسة وقال الآخرون إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل وقال أصحاب ~~الذوق إذا تعارض الذوق والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف ومن كلام أبي ~~حامد الغزالي رحمه الله في كتابه الذي سماه إحياء علوم الدين وهو من أجل ~~كتبه أو اجلها فإن قلت فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو ~~مندوب اليه فاعلم أن PageV00P222 # للناس في هذا غلوا وإسرافا في أطراف فمن قائل أنه بدعة وحرام وان العبد ~~أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام ومن قائل إنه ~~فرض إما على الكفاية واما على الأعيان وانه أفضل الأعمال وأعلى القربات ~~فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال عن دين الله قال وإلى التحريم ذهب الشافعي ~~ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف وساق الالفاظ عن ~~هؤلاء قال وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا لا ينحصر ما نقل عنهم من ~~التشديدات فيه قالوا ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح ~~بترتيب الألفاظ من غيرهم الا لما يتولد منه من الشر وكذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم هلك المتنطعون اي المتعمقون في البحث والاستقصاء واحتجوا أيضا ~~بأن ذلك ms121 لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويعلم طريقه ويثني على أربابه ثم ذكر بقية استدلالهم ثم ذكر استدلال الفريق ~~الآخر إلى أن قال فإن قلت فما المختار عندك فأجاب بالتفصيل فقال فيه منفعة ~~وفيه مضرة فهو في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب كما يقتضيه الحال وهو ~~باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام قال فأما مضرته فإثارة الشبهات ~~وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم وذلك مما يحصل بالابتداء ~~ورجوعها بالدليل مشكوك فيه ويختلف فيه الأشخاص فهذا ضرره في اعتقاد الحق ~~وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة وتثبيتها في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم ~~ويشتد حرصهم على الاصرار عليه ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من ~~الجدل قال وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها عى ما هي ~~عليه وهيئتها PageV00P223 # فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف ولعل التخبيط والتضليل أكثر من ~~الكشف والتعريف قال وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك ان ~~الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قاله بعد حقيقة الخبرة ~~وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم ~~أخر سوى نوع الكلام وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود ~~ولعمري لا ينفك الكلام عن الكشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور ~~انتهى ما نقلته عن الغزالي رحمه الله وكلام مثله في ذلك حجة بالغة والسلف ~~لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحا جديدا على معان صحيحة كالاصطلاح على ألفاظ ~~العلوم الصحيحة ولا كرهوا أيضا الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل بل ~~كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة ~~وما فيه من علوم صحيحة فقد وعروا الطريق إلى تحصيلها وأطالوا الكلام في ~~إثباتها مع قلة نفعها فهي لحم جمل غث على راس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا ~~سمين فينتقى وأحسن ما عندهم فهو في القرآن أصح ms122 تقريرا وأحسن تفسيرا فليس ~~عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد كما قيل * لولا التنافس في الدنيا لما ~~وضعت * كتب التناظر لا المغني ولا العمد * يحللون بزعم منهم عقدا * وبالذي ~~وضعوه زادت العقد * فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك ~~والفاضل الذي يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك ومن المحال أن لا يحصل ~~الشفاء والهدى والعلم اليقين من كتاب الله وكلام رسوله ويحصل من كلام هؤلاء ~~المتحيرين بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل ويتدبر معناه ~~ويعقله ويعرف برهانه ودليله PageV00P224 # العقلي والخبري السمعي ويعرف دلالته على هذا وهذا ويجعل أقوال الناس التي ~~توافقه وتخالفه متشابهة مجملة فيقال لأصحابها هذه الالفاظ تحتمل كذا وكذا ~~فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قبل وإن أرادوا بها ما يخالفه رد وهذا ~~مثل لفظ المركب والجسم والتحيز والجوهر والجهة والحيز والعرض ونحو ذلك فإن ~~هذه الالفاظ لم تأت في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل الاصطلاح بل ~~ولا في اللغة بل هم يخصون بالتعبير بها عن معان لم يعبر غيرهم عنها بها ~~فتفسر تلك المعاني بعبارات أخر وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية ~~والسمعية وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل مثال ذلك في ~~التركيب فقد صار له معاني أحدها التركيب من متباينين فأكثر ويسمى تركيب مزج ~~كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع والأعضاء ونحو ذلك وهذا المعنى منفي عن ~~الله سبحانه وتعالى ولا يلزم من وصف الله تعالى بالعلو ونحوه من صفات ~~الكمال أن يكون مركبا بهذا المعنى المذكور والثاني تركيب الجوار كمصراعي ~~الباب ونحو ذلك ولا يلزم أيضا من ثبوت صفاته تعالى إثبات هذا التركيب ~~الثالث التركيب من الأجزاء المتماثلة وتسمى الجواهر المفردة الرابع التركيب ~~من الهيولى والصورة كالخاتم مثلا هيولاه الفضة وصورته معروفة وأهل الكلام ~~قالوا إن الجسم يكون مركبا من الجواهر المفردة ولهم كلام في ذلك يطول ولا ~~فائدة فيه وهو أنه هل يمكن التركيب من جزئين أو من أربعة أو ستة أو ثمانية ~~أو ستة ms123 عشر وليس هذا التركيب لازما لثبوت صفاته تعالى وعلوه على خلقه والحق ~~أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء وإنما قولهم مجرد دعوى وهذا مبسوط في ~~موضعه الخامس التركيب من الذات والصفات PageV00P225 # هم سموه تركيبا لينفوا به صفات الرب تعالى وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في ~~اللغة ولا في استعمال الشارع فلسنا نوافقهم على هذه التسمية ولا كرامة ولئن ~~سموا إثبات الصفات تركيبا فنقول لهم العبرة للمعاني لا للألفاظ سموه ما ~~شئتم ولا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم فلو اصطلح على تسمية اللبن ~~خمرا لم يحرم بهذه التسمية السادس التركيب من الماهية ووجودها وهذا يفرضه ~~الذهن أنهما غيران وأما في الخارج هل يمكن ذات مجردة عن وجودها ووجودها ~~مجرد عنها هذا محال فترى أهل الكلام يقولون هل ذات الرب وجوده أم غير وجوده ~~ولهم في ذلك خبط كثير وأمثلهم طريقة رأي الوقف والشك في ذلك وكم يزول ~~بالاستفسار والتفصيل كثير من الأضاليل والأباطيل وسبب الإضلال الاعراض عن ~~تدبر كلام الله وكلام رسوله والاشتغال بكلام اليونان والآراء المختلفة ~~وإنما سمي هؤلاء أهل الكلام لأنهم لم يفيدوا علما لم يكن معروفا وإنما اتوا ~~بزيادة كلام قد لا يفيد وهو ما يضربونه من القياس لإيضاح ما علم بالحس وإن ~~كان هذا القياس وأمثاله ينتفع به في موضع آخر ومع من ينكر الحس وكل من قال ~~برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص أو عارض النص بالمعقول فقد ضاهى إبليس ~~حيث لم يسلم لآمر ربه بل قال * (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) ~~* وقال تعالى * (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا) * وقال تعالى * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ~~لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) * وقال تعالى * (فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا ~~تسليما) * PageV00P226 # أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا ~~تسليما قوله فيتذبذب بين الكفر ms124 والايمان والتصديق والتكذيب والاقرار ~~والانكار موسوسا تائها شاكا لا مؤمنا مصدقا ولا حاجدا مكذبا ش يتذبذب يضطرب ~~ويتردد وهذه الحالة التي وصفها الشيخ رحمه الله حال كل من عدل عن الكتاب ~~والسنة إلى علم الكلام المذموم أو أراد ان يجمع بينه وبين الكتاب والسنة ~~وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة فيؤول أمره إلى ~~الحيرة والضلال والشك كما قال ابن رشد الحفيد وهو من أعلم الناس بمذاهب ~~الفلاسفة ومقالاتهم في كتابه تهافت التهافت ومن الذي قال في الإلهيات شيئا ~~يعتد به وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه واقف في المسائل الكبار حائر وكذلك ~~الغزالي رحمه الله انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية ~~ثم اعرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فمات ~~والبخاري على صدره وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي قال في كتابه ~~الذي صنفه أقسام اللذات * نهاية إقدام العقول عقال * وغاية سعي العالمين ~~ضلال * وأرواحنا في وحشة من جسومنا * وحاصل دنيانا أذى ووبال * ولم نستفد ~~من بحثنا طول عمرنا * سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا * فكم قد رأينا من رجال ~~ودولة * فبادوا جميعا مسرعين وزالوا * وكم من جبال قد علت شرفاتها * رجال ~~فزالوا والجبال جبال * لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما ~~رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في ~~الإثبات * (الرحمن على العرش استوى) * * (إليه يصعد الكلم الطيب) * ~~PageV00P227 # وأقرأ في النفي * (ليس كمثله شيء) * * (ولا يحيطون به علما) * ثم قال ومن ~~جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد ~~الكريم الشهرساني إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم ~~حيث قال * لعمري لقد طفت المعاهد كلها * وسيرت طرفي بين تلك المعالم * فلم ~~أر إلا واضعا كف حائر * على ذقن أو قارعا سن نادم * وكذلك قال أبو المعالي ~~الجويني يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما ~~بلغ ما اشتغلت ms125 به وقال عند موته لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام ~~وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل ~~لابن الجويني وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي أو قال على عقيدة عجائز ~~نيسابور وكذلك قال شمس الدين الخسرو شاهي وكان من أجل تلامذة فخر الدين ~~الرازي لبعض الفضلاء وقد دخل عليه يوما فقال ما تعتقده قال ما يعتقده ~~المسلمون فقال وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به أو كما قال فقال نعم فقال ~~أشكر الله على هذه النعمة لكني والله ما أدري ما أعتقد والله ما أدري ما ~~أعتقد والله ما أدري ما أعتقد وبكى حتى أخضل لحيته ولابن أبي الحديد الفاضل ~~المشهور بالعراق * فيك يا أغلوطة الفكر * حار أمري وانقضى عمري * سافرت فيك ~~العقول فما * ربحت إلا أذى السفر * فلحى الله الأولى زعموا * أنك المعروف ~~بالنظر * كذبوا إن الذي ذكروا * خارج عن قوة البشر * وقال الخوفجي عند موته ~~ما عرفت مما حصلته شيئا سوى أن الممكن يفتقر إلى المرجح ثم قال الافتقار ~~وصف سلبي أموت وما عرفت PageV00P228 # شيئا وقال آخر اضطجع على فراشي وأضع اللحفة على وجهي وأقابل بين حجج ~~هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي منها شيء ومن يصل إلى مثل هذه ~~الحال إن لم يتداركه الله برحمته والا تزندق كما قال أبو يوسف من طلب الدين ~~باكلام تزندق ومن طلب المال بالكيمياء أفلس ومن طلب غريب الحديث كذب وقال ~~الشافعي رحمه الله حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريدة والنعال ويطاف ~~بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على ~~الكلام وقال لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلما يقوله ولأن ~~يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير له من أن يبتلى ~~بالكلام انتهى وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز فيقر بما ~~أقروا به ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كان يقطع بها ثم ms126 تبين له ~~فسادها أو لم يتبين له صحتها فيكونون في نهاياتهم إذا سلموا من العذاب ~~بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب والدواء النافع لمثل ~~هذا المرض ما كان طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه يقوله إذا قام من ~~الليل يفتتح الصلاة اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات ~~والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ~~اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم خرجه ~~مسلم توجه صلى الله عليه وسلم إلى ربه بربوبية جبرائيل وميكائيل وإسرافيل ~~أن يهديه لما اختلف فيه من الحق PageV00P229 # بإذنه إذ حياة القلب بالهداية وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الثلاثة بالحياة ~~فجبرائيل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب وميكائيل بالقطر الذي هو سبب ~~حياة الأبدان وسائر الحيوان وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة ~~العالم وعود الأرواح إلى أجسادها فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه ~~الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول المطلوب والله ~~المستعان قوله ولا يصح الايمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم ~~بوهم أو تأولها بفهم إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ~~بترك التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين ومن لم يتوق النفي والتشبيه ~~زل ولم يصب التنزيه ش يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على المعتزلة ومن يقول ~~بقولهم في نفي الرؤية وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر الحديث أدخل ~~كاف التشبيه على ما المصدرية أو الموصولة بترون التي تتأول مع صلتها إلى ~~المصدر الذي هو الرؤية فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي وهذا بين واضح ~~في أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها ودفع الاحتمالات عنها ومادا بعد هذا ~~البيان وهذا الإيضاح فإذا سلط التأويل على مثل هذا النص كيف يستدل بنص من ~~النصوص وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه إنكم تعلمون ربكم ms127 كما تعلمون ~~القمر ليلة البدر ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى * (ألم تر كيف ~~فعل ربك بأصحاب الفيل) * ونحو ذلك مما استعمل فيه رأى التي من أفعال القلوب ~~ولا شك أن ترى تارة تكون بصرية وتارة تكون قلبية وتارة PageV00P230 # تكون من رؤيا الحلم وغير ذلك ولكن ما يخلو الكلام من قرينة تخلص أحد ~~معانيه من الباقي وإلا لو أخلى المتكلم كلامه من القرينة المخلصة لأحد ~~المعاني لكان مجملا ملغزا لا مبينا موضحا وأي بيان وقرينة فوق قوله ترون ~~ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب فهل مثل هذا مما يتعلق ~~برؤية البصر أو برؤية القلب وهل يخفى مثل هذا إلا على من أعمى الله قلبه ~~فإن قالوا ألجأنا إلى هذا التأويل حكم العقل بأن رؤيته تعالى محال لا يتصور ~~إمكانها فالجواب أن هذه دعوى منكم خالفكم فيها أكثر العقلاء وليس في العقل ~~ما يحيلها بل لو عرض على العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن ~~هذا محال وقوله لمن اعتبرها منهم بوهم أي توهم أن الله تعالى يرى على صفة ~~كذا فيتوهم تشبيها ثم بعد هذا التوهم إن أثبت ما توهمه من الوصف فهو مشبه ~~وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهم فهو جاحد معطل بل الواجب دفع ذلك ~~الوهم وحده ولا يعم بنفيه الحق والباطل فينفيهما ردا على من أتيت الباطل بل ~~الواجب رد الباطل وإثبات الحق وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله بقوله ~~ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه فإن هؤلاء المعتزلة يزعمون ~~أنهم ينزهون الله بهذا النفي وهل يكون التنزيه بنفي صفة الكمال فإن نفي ~~الرؤية ليس بصفة كمال إذ المعدوم لا يرى وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي ~~إدراك الرائي له إدراك إحاطة كما في العلم فإن نفي العلم به ليس بكمال ~~وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي الإحاطة به علما فهو سبحانه لا يحاط به ~~رؤية كما لا يحاط به علما PageV00P231 # وقوله أو تأولها بفهم أي ms128 ادعى أنه فهم لها تأويلا يخالف ظاهرها وما يفهمه ~~كل عربي من معناها فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل أنه صرف ~~اللفظ عن ظاهره وبهذا تسلط المحرفون على النصوص وقالوا نحن نتأول ما يخالف ~~قولنا فسموا التحريف تأويلا تزيينا له وزخرفة ليقبل وقد ذم الله الذين ~~زخرفوا الباطل قال تعالى * (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) * والعبرة للمعاني لا للألفاظ فكم من ~~باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف عورض به دليل الحق وكلامه هنا نظير قوله فيما ~~تقدم لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا ثم أكد هذا ~~المعنى بقوله إذا كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك ~~التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين ومراده ترك التأويل الذي يسمونه ~~تأويلا وهو تحريف ولكن الشيخ رحمه الله تأدب وجادل بالتي هي أحسن كما أمر ~~الله تعالى بقوله * (وجادلهم بالتي هي أحسن) * وليس مراده ترك كل ما يسمى ~~تأويلا ولا ترك شيء من الظواهر لبعض الناس لدليل راجح من الكتاب والسنة ~~وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة المبتدعة المخالفة لمذهب السلف التي يدل ~~الكتاب والسنة على فسادها وترك القول على الله بلا علم فمن التأويلات ~~الفاسدة تأويل أدلة الرؤية وأدلة العلو وأنه لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ ~~إبراهيم خليلا ثم قد صار لفظ التأويل مستعملا في غير معناه الأصلي فالتأويل ~~في كتاب الله وسنة رسوله هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام فتأويل الخبر ~~هو عين المخبر به وتأويل الامر نفس الفعل PageV00P232 # المأمور به كما قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول في ركوعه سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن ~~وقال تعالى * (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من ~~قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق) * ومنه تأويل الرؤيا وتأويل العمل كقوله * ~~(هذا تأويل رؤياي من قبل) * وقوله * (ويعلمك من تأويل الأحاديث) * وقوله * ~~(ذلك خير ms129 وأحسن تأويلا) * وقوله * (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) * ~~إلى قوله * (ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا) * فمن ينكر وقوع مثل هذا ~~التأويل والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه وأما ما كان خبرا كالإخبار عن ~~الله واليوم الآخر فهذا قد لا يعلم تأويله الذي هو حقيقته إذ كانت لا تعلم ~~بمجرد الإخبار فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبر به أو ما يعرفه قبل ذلك ~~لم يعرف حقيقته التي هي تأويله بمجرد الإخبار وهذا هو التأويل الذي لا ~~يعلمه إلا الله لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي ~~قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه فما في القرآن آية الا وقد أمر الله ~~بتدبرها وما أنزل آية الا وهو يحب أن يعلم ما عنى بها وان كان من تأويله ما ~~لا يعلمه إلا الله فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف وسواء ~~كان هذا التأويل موافقا للظاهر أو مخالفا له والتأويل في كلام كثير من ~~المفسرين كابن جرير ونحوه يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ~~ظاهره أو خالف وهذا اصطلاح معروف وهذا التأويل كالتفسير يحمد حقه ويرد ~~باطله وقوله تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * آل ~~PageV00P233 # عمران الآية فيها قراءتان قراءة من يقف على قوله إلا الله وقراءة من لا ~~يقف عندها وكلتا القراءتين حق ويراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر ~~الله بعلم تأويله ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون ~~تفسيره وهو تأويله ولا يريد من وقف على قوله الا الله أن يكون التأويل ~~بمعنى التفسير للمعنى فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاما لا ~~يعلم معناه جميع الأمة ولا الرسول ويكون الراسخون في العلم لاحظ لهم في ~~معرفة معناها سوى قولهم * (آمنا به كل من عند ربنا) * وهذا القدر يقوله غير ~~الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام ~~المؤمنين في ذلك وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما ms130 أنا من الراسخين في العلم ~~الذين يعلمون تأويله ولقد صدق رضي الله عنه فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~دعا له وقال اللهم فقهة في الدين وعلمه التأويل رواه البخاري وغيره ودعاؤه ~~صلى الله عليه وسلم لا يرد قال مجاهد عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى ~~آخره أقفه عند كل آية وأسأله عنها وقد تواترت النقول عنه أنه تكلم في جميع ~~معاني القرآن ولم يقل عن آية إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا ~~الله PageV00P234 # وقول الأصحاب رحمهم الله في الأصول المتشابه الحروف المقطعة في أوائل ~~السور ويروى هذا عن ابن عباس مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر ~~الناس فإن كان معناها معروفا فقد عرف معنى المتشابه وإن لم يكن معروفا وهي ~~المتشابه كان ما سواها معلوم المعنى وهذا المطلوب وأيضا فإن الله قال * ~~(منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) * وهذه الحروف ليست آيات عند ~~جمهور العادين والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين هو صرف ~~اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك وهذا هو ~~التأويل الذي تنازع الناس فيه في كثير من الأمور الخبرية والطلبية فالتأويل ~~الصحيح منه الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وما خالف ذلك فهو ~~التأويل الفاسد وهذا مبسوط في موضعه وذكر في التبصرة أن نصير بن يحيى ~~البلخي روى عن عمرو بن إسماعيل ابن حماد بن أبي يحيى بن محمد بن الحسن ~~رحمهم الله أنه سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تعالى ما ~~يؤدي ظاهره إلى التشهبيه فقال نمرها كما جاءت ونؤمن بها ولا نقول كيف وكيف ~~ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه وأن من ~~فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس * ~~وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم * وقيل * علي نحت القوافي ~~من مقاطعها * وما علي لهم أن تفهم ms131 البقر * فكيف يقال في قول الله الذي هو ~~أصدق الكلام وأحسن الحديث PageV00P235 # وهو الكتاب الذي * (أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) * أن حقيقة ~~قولهم إن ظاهر القرآن والحديث هو الضلال وانه ليس فيه بيان ما يصلح من ~~الاعتقا ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه هذا حقيقة قول المتأولين والحق أن ~~ما دل عليه القرآن فهو حق وما كان باطلا لم يدل عليه والمنازعون يدعون ~~دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه فيقال لهم هذا الباب الذي فتحتموه وإن ~~كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية فقد ~~فتحتم عليكم بابا لأنواع المشركين والمبتدعين لا تقدرون على سده فإنكم إذا ~~سوغتم صرف القرآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي فما الضابط فيما يسوغ ~~تأويله وما لا يسوغ فان قلتم ما دل القاطع العقلي على استحالته تأولناه ~~وإلا أقررناه قيل لكم وبأي عقل نزن القاطع العقلي فإن القرمطي الباطني يزعم ~~قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان ~~حشر الأجساد ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى وعلى ~~امتناع قيام علم أو كلام أو رحمة به تعالى وباب التأويلات التي يدعي ~~أصحابها وجوبها بالمعقولات أعظم من أن تنحصر في هذا المقام ويلزم حينئذ ~~محذوران عظيمان أحدهما أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث قبل ~~ذلك بحوثا طويلة عريضة في إمكان ذلك بالعقل وكل طائفة من المختلفين في ~~الكتاب يدعون أن العقل يدل على ما ذهبوا إليه فيؤول الأمر إلى الحيرة ~~المحذورة الثاني ان القلوب تتخلى عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول ~~إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد والتأويلات مضطربة فيلزم عزل الكتاب ~~والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد وخاصة النبي هي ~~الانباء والقرآن PageV00P236 # هو النبأ العظيم ولهذا نجد أهل التأويل انما يذكرون نصوص الكتاب والسنة ~~للاعتضاد لا للاعتماد إن وافقت ما ادعوا ان العقل دل عليه قبلوه وان خالفته ~~أولوه وهذا فتح ms132 باب الزندقة نسأل الله العافية قوله ومن لم يتوق النفي ~~والتشبيه زل ولم يصب التنزيه ش النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب فإن ~~أمراض القلوب نوعان مرض شبهة ومرض شهوة وكلاهما مذكور في القرآن قال تعالى ~~* (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) * فهذا مرض الشهوة وقال تعالى ~~* (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) * وقال تعالى * (وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم) * فهذا مرض الشبهة وهو أردأ من مرض الشهوة إذ ~~مرض الشهوة يرجى له الشفاء بقضاء الشهوة ومرض الشبهة لا شفاء له إن لم ~~يتدراكه الله برحمته والشبهة التي في مسألة الصفات نفيها وتشبيهها وشبه ~~النفي أردأ من شبه التشبيه فإن شبه النفي رد وتكذيب لما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وشبه التشبيه غلو ومجاوزة للحد فيما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وتشبيه الله بخلقه كفر فإن الله تعالى يقول * (ليس كمثله شيء) * ~~ونفي الصفات كفر فان الله تعالى يقول * (وهو السميع البصير) * وهذا أصل ~~نوعي التشبيه فإن التشبيه نوعان تشبيه الخالق بالمخلوق وهذا الذي يتعب أهل ~~الكلام في رده وإبطاله وأهله في الناس أقل من النوع الثاني الذين هم أهل ~~تشبيه المخلوق بالخالق كعباد المشايخ وعزير والشمس والقمر والأصنام ~~والملائكة والنار والماء والعجل والقبور والجن وغير ذلك وهؤلاء هم الذين ~~أرسلت لهم الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له PageV00P237 # قوله فان ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية ليس ~~في معناه أحد من البرية ش يشير الشيخ رحمه الله إلى تنزيه الرب تعالى بالذي ~~هو وصفه كما وصف نفسه نفيا واثباتا وكلام الشيخ مأخوذ من معنى سورة الإخلاص ~~فقوله موصوف بصفات الوحدانية مأخوذ من قوله تعالى * (قل هو الله أحد الله ~~الصمد) * وقوله منعوت بنعوت الفردانية من قوله تعالى * (الله الصمد لم يلد ~~ولم يولد) * وقوله ليس في معناه أحد من البرية من قوله تعالى * (ولم يكن له ~~كفوا أحد) * وهو أيضا مؤكد لما تقدم من ms133 إثبات الصفات ونفي التشبيه والوصف ~~والنعت مترادفان وقيل متقاربان فالوصف للذات والنعت للفعل وكذلك الوحدانية ~~والفردانية وقيل في الفرق بينهما إن الوحدانية للذات والفردانية للصفات فهو ~~تعالى موحد في ذاته منفرد بصفاته وهذا المعنى حق ولم ينازع فيه أحد ولكن في ~~اللفظ نوع تكرير وللشيخ نظير هذا التكرير في مواضع من العقيدة وهو بالخطب ~~والأدعية أشبه منه بالعقائد والتسجيع بالخطب أليق و ليس كمثله شيء 11 أكمل ~~في التنزيه من قوله ليس في معناه أحد من البرية قوله وتعالى عن الحدود ~~والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ~~ش أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ رحمه الله مقدمة وهي أن الناس في ~~إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال فطائفة تنفيها وطائفة تثبتها وطائفة ~~تفصل وهم المتبعون للسلف فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها الا إذا تبين ما ~~أثبت بها فهو ثابت وما نفي بها فهو منفي PageV00P238 # لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وابهام كغيرها ~~من الألفاظ الاصطلاحية فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي ولهذا كان ~~النفاة ينفون بها حقا وباطلا ويذكرون عن مثبتها ما لا يقولون به وبعض ~~المثبتين لها يدخل لها معنى باطلا مخالفا لقول السلف ولما دل عليه الكتاب ~~والميزان ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها وليس لنا ~~أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفيا ولا إثباتا ~~وانما نحن متبعون لا مبتدعون فالواجب أن ينظر في هذا الباب أعني باب الصفات ~~فما أثبته الله ورسوله أثبتناه وما نفاه الله ورسوله نفيناه والألفاظ التي ~~ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي فنثبت ما أثبته الله ورسوله من ~~الألفاظ والمعاني وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني وأما الالفاظ ~~التي لم يرد نفيها ولا اثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها فإن كان ~~معنى صحيحا قبل لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة ~~إلا عند الحاجة ms134 مع قرائن تبين المراد والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا ~~يتم المقصود معه ان لم يخاطب بها ونحو ذلك والشيخ رحمه الله أراد الرد بهذا ~~الكلام على المشبهة كداود الجواربي وأمثاله القائلين إن الله جسم وانه جثة ~~وأعضاء وغير ذلك تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا فالمعنى الذي أراده ~~الشيخ رحمه الله من النفي الذي ذكره هنا حق لكن حدث بعده من أدخل في عموم ~~نفيه حقا وباطلا فيحتاج إلى بيان ذلك وهو أن السلف متفقون على أن البشر لا ~~يعلمون لله حدا وانهم لا يحدون شيئا من صفاته قال أبو داود الطيالسي كان ~~سفيان وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدون ولا ~~يشبهون ولا يمثلون يروون PageV00P239 # الحديث ولا يقولون كيف وإذا سئلوا قالوا بالأثر وسيأتي في كلام الشيخ وقد ~~أعجز خلقه عن الإحاطة به فعلم أن مراده أن الله يتعالى عن أن يحيط أحد بحده ~~لأن المعنى أنه متميز عن خلقه منفصل عنهم مباين لهم سئل عبد الله بن ~~المبارك بم نعرف ربنا قال بأنه على العرش بائن من خلقه قيل بحد قال بحد ~~انتهى ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره ~~والله تعالى غير حال في خلقه ولا قائم بهم بل هو القيوم القائم بنفسه ~~المقيم لما سواه فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس ~~الأمر أصلا فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب ونفي حقيقته وأما الحد ~~بمعنى العلم والقول وهو أن يحده العباد فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة ~~قال أبو القاسم القشيري في رسالته سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي سمعت ~~أبا منصور بن عبد الله سمعت أبا الحسن العنبري سمعت سهل بن عبد الله ~~التستري يقول وقد سئل عن ذات الله فقال ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة ~~بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا وهي موجودة بحقائق الإيمان من ~~غير حد ولا إحاطة ms135 ولا حلول وتراه العيون في العقبى ظاهرا في ملكه وقدرته ~~وقد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته ودلهم عليه بآياته فالقلوب تعرفه والعيون ~~لا تدركه ينظر إليه المؤمن بالأبصار من غير إحاطة ولا ادراك نهاية وأما لفظ ~~الأركان والأعضاء والأدوات فيستدل بها النفاة على نفي بعض الصفات الثابتة ~~بالأدلة القطعية كاليد والوجه قال أبو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر ~~له يد ووجه ونفس كما ذكر تعالى في القرآن من ذكر اليد والوجه والنفس فهو له ~~صفة بلا كيف ولا يقال أن يده قدرته ونعمته لأن فيه إبطال الصفة انتهى وهذا ~~الذي PageV00P240 # قاله الإمام رضي الله عنه ثابت بالأدلة القاطعة قال تعالى * (ما منعك أن ~~تسجد لما خلقت بيدي) * * (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه) * وقال تعالى * (كل شيء هالك إلا وجهه) * * (ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام) * وقال تعالى * (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) * ~~وقال تعالى * (كتب ربكم على نفسه الرحمة) * وقال تعالى * (واصطنعتك لنفسي) ~~* وقال تعالى * (ويحذركم الله نفسه) * وقال صلى الله عليه وسلم في حديث ~~الشفاعة لما يأتي الناس آدم فيقولون له خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته ~~وعلمك أسماء كل شيء الحديث ولا يصح تأويل من قال إن المراد باليد بالقدرة ~~فإن قوله * (لما خلقت بيدي) * لا يصح أن يكون معناه بقدرتي مع تثنية اليد ~~ولو صح ذلك لقال إبليس وأنا أيضا خلقتني بقدرتك فلا فضل له علي بذلك فإبليس ~~مع كفره كان أعرف بربه من الجهمية ولا دليل لهم في قوله تعالى * (أو لم ~~يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون) * لأنه تعالى ~~جمع الأيدي لما أضافها إلى ضمير الجمع ليتناسب الجمعان فاللفظان للدلالة ~~على الملك والعظمة ولم يقل أيدي مضافا إلى ضمير المفرد ولا يدينا بتثنية ~~اليد مضافا إلى ضمير الجمع فلم يكن قوله * (مما عملت أيدينا) * نظير قوله * ~~(لما خلقت بيدي) * وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل حجابه ms136 ~~النور ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه PageV00P241 # ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء أو جوارح أو أدوات أو أركان لأن ~~الركن جزء الماهية والله تعالى هو الأحد الصمد لا يتجزأ سبحانه وتعالى ~~والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضيه تعالى الله عن ذلك ومن هذا المعنى ~~قوله تعالى * (الذين جعلوا القرآن عضين) * والجوارح فيها معنى الاكتساب ~~والانتفاع وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع ~~المضرة وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى ولهذا لم يرد ذكرها في صفات ~~الله تعالى فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني سالمة من الاحتمالات الفاسدة ~~فكذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفيا ولا إثباتا لئلا يثبت معنى ~~فاسد أو ينفي معنى صحيح وكل هذه الالفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل وأما ~~لفظ الجهة فقد يراد به ما هو موجود وقد يراد به ما هو معدوم ومن المعلوم ~~أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله ~~تعالى كان مخلوقا والله تعالى لا يحصره شيء ولا يحيط به شيء من المخلوقات ~~تعالى الله عن ذلك وإن أريد بالجهة امر عدمي وهو ما فوق العالم فليس هناك ~~إلا الله وحده فإذا قيل إنه في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح ومعناه أنه فوق ~~العالم حيث انتهت المخلوقات فهو فوق الجميع عال عليه ونقاه لفظ الجهة الذين ~~يريدون بذلك نفي العلو يذكرون من أدلتهم أن الجهات كلها مخلوقة وانه كان ~~قبل الجهات وأن من قال إنه في جهة يلزمه القول بقدم شيء من العالم وأنه كان ~~مستغنيا عن الجهة ثم صار فيها وهذه الألفاظ ونحوها إنما تدل على أنه ليس في ~~شيء من المخلوقات وسواء سمي جهة أو لم يسم وهذا حق ولكن الجهة PageV00P242 # ليست أمرا وجوديا بل أمر اعتباري ولا شك أن الجهات لا نهاية لها وما لا ~~يوجد فيما لا نهاية له فليس بموجود وقول الشيخ رحمه الله لا تحويه الجهات ~~الست كسائر المبتدعات هو حق ms137 باعتبار أنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته بل هو ~~محيد بكل شيء وفوقه وهذا المعنى هو الذي أراده الشيخ رحمه الله لما يأتي في ~~كلامه أنه تعالى محيط بكل شيء وفوقه فإذا جمع بين كلاميه وهو قوله لا تحويه ~~الجهات الست كسائر المبتدعات وقوله محيط بكل شيء وفوقه علم أن مراده أن ~~الله تعالى لا يحويه شيء ولا يحيط به شيء كما يكون لغيره من المخلوقات وأنه ~~تعالى هو المحيط بكل شيء العالي عن كل شيء لكن بقي في كلامه شيئان أحدهما ~~أن إطلاق مثل هذا اللفظ مع ما فيه من الإجمال والاحتمال كان تركه أولى وإلا ~~تسلط عليه وألزم بالتناقض في اثبات الإحاطة والفوقية ونفي جهة العلو وإن ~~أجيب عنه بما تقدم من أنه انما نفى أن يحويه شيء من مخلوقاته فالاعتصام ~~بالألفاظ الشرعية أولى الثاني أن قوله كسائر المبتدعات يفهم منه أنه ما من ~~مبتدع إلا وهو محوي وفي هذا نظر فإنه ان أراد أنه محوي بأمر وجودي فممنوع ~~فان العالم ليس في عالم آخر وإلا لزم التسلسل وان أراد أمرا عدميا فليس كل ~~مبتدع في العدم بل منها ما هو داخل في غيره كالسماوات والأرض في الكرسي ~~ونحو ذلك ومنها ما هو منتهى المخلوقات كالعرش فسطح العالم ليس في ~~PageV00P243 # غيره من المخلوقات قطعا للتسلسل كما تقدم ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال ~~بأن سائر بمعنى البقية لا بمعنى الجميع هذا أصل معناها ومنه السؤر وهو ما ~~يبقيه الشارب في الإناء فيكون مراده غالب المخلوقات لا جميعها إذ السائر ~~على الغالب أدل منه على الجميع فيكون المعنى أن الله تعالى غير محوي كما ~~يكون أكثر المخلوقات محويا بل هو غير محوي بشيء تعالى الله عن ذلك ولا نظن ~~بالشيخ رحمه الله انه ممن يقول إن الله تعالى ليس داخل العالم ولا خارجه ~~بنفي التعيينين كما ظنه بعض الشارحين بل مراده أن الله تعالى منزه عن أن ~~يحيط به شيء من مخلوقاته وأن يكون مفتقرا إلى شيء منها ms138 العرش أو غيره وفي ~~ثبوت هذا الكلام عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه نظر فإن أضداده قد شنعوا ~~عليه بأشياء أهون منه فلو سمعوا مثل هذا الكلام لشاع عنهم تشنيعهم عليه به ~~وقد نقل أبو مطيع البلخي عنه إثبات العلو كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ~~وظاهر هذا الكلام يقتضي نفيه ولم يرد بمثله كتاب ولا سنة فلذلك قلت إن في ~~ثبوته عن الإمام نظرا وان الأولى التوقف في إطلاقه فإن الكلام بمثله خطر ~~بخلاف الكلام بما ورد عن الشارع كالاستواء والنزول ونحو ذلك ومن ظن من ~~الجهال أنه إذا نزل إلى سماء الدنيا كما أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم ~~يكون العرش فوقه ويكون محصورا بين طبقتين من العالم فقوله مخالف لإجماع ~~السلف مخالف للكتاب والسنة وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد ~~الرحمن PageV00P244 # الصابوني سمعت الأستاذ أبا منصور بن حماد بعد روايته حديث النزول يقول ~~سئل أبو حنيفة رضي الله عنه عنه فقال ينزل بلا كيف انتهى وإنما توقف من ~~توقف في نفي ذلك لضعف علمه بمعاني الكتاب والسنة وأقوال السلف لذلك ينكر ~~بعضهم أن يكون فوق العرش بل يقول لا مباين ولا مجانب لا داخل العالم ولا ~~خارجه فيصفونه بصفة العدم والممتنع ولا يصفونه بما وصف به نفسه من العلو ~~والاستواء على العرش ويقول بعضهم بحلوله في كل موجود أو يقول هو وجود كل ~~موجود ونحو ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا وسيأتي ~~لإثبات صفة العلو لله تعالى زيادة بيان عند الكلام على قول الشيخ رحمه الله ~~محيط بكل شيء وفوقه إن شاء الله تعالى قوله والمعراج حق وقد أسري بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء ثم إلى حيث شاء الله ~~من العلا واكرمه الله بما شاء وأوحى اليه ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى ف ~~صلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى ش المعراج مفعال من العروج أي الآلة ~~التي يعرج فيها أي يصعد ms139 وهو بمنزلة السلم لكن لا يعلم كيف هو وحكمه كحكم ~~غيره من المغيبات نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته وقوله وقد أسري بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة اختلف الناس في الإسراء PageV00P245 # فقيل كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية ~~رضي الله عنهما ونقل عن الحسن البصري نحوه لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن ~~يقال كان الإسراء مناما وبين أن يقال كان بروحه دون جسده وبينهما فرق عظيم ~~فعائشة ومعاوية رضي الله عنهما لم يقولا كان مناما وإنما قالا أسري بروحه ~~ولم يفقد جسده وفرق ما بين الأمرين أن ما يراه النائم قد يكون أمثالا ~~مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة فيرى كأنه قد عرج إلى السماء وذهب به ~~إلى مكة وروحه لم تصعد ولم تذهب وانما ملك الرؤيا ضرب له المثال فما أراد ~~أن الإسراء مناما وإنما أراد أن الروح ذاتها أسري بها ففارقت الجسد ثم عادت ~~اليه ويجعلان هذا من خصائصه فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى ~~السماء إلا بعد الموت وقيل كان الإسراء مرتين مرة يقظة ومرة مناما وأصحاب ~~هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله ثم استيقظت وبين سائر ~~الروايات وكذلك منهم من قال بل كان مرتين مرة قبل الوحي ومرة بعده ومنهم من ~~قال بل ثلاث مرات مرة قبل الوحي ومرتين بعده وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا ~~مرة للتوفيق وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث وإلا فالذي عليه أئمة النقل أن ~~الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة وقيل بسنة وشهرين ~~ذكره ابن عبد البر قال شمس الدين ابن القيم يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه ~~كان مرارا كيف ساغ لهم ان يظنوا انه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين ثم ~~يتردد بين ربه وبين موسى PageV00P246 # حتى تصير خمسا فيقول أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ثم يعيدها في المرة ~~الثانية إلى خمسين ثم يحطها إلى خمس وقد غلط الحفاظ شريكا ms140 في ألفاظ من حديث ~~الإسراء ومسلم أورد المسند منه ثم قال فقدم وأخر وزاد ونقص ولم يسرد الحديث ~~وأجاد رحمه الله انتهى كلام الشيخ شمس الدين رحمه الله وكان من حديث ~~الإسراء أنه صلى الله عليه وسلم أسري بجسده في اليقظة على الصحيح من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى راكبا على البراق صحبة جبرائيل عليه السلام فنزل ~~هناك وصلى بالأنبياء إماما وربط البراق بحلقه باب المسجد وقد قيل إنه نزل ~~بيت لحم وصلى فيه ولا يصح عنه ذلك البتة ثم عرج من بين المقدس تلك الليلة ~~إلى السماء الدنيا فاستفتح له جبرائيل ففتح لهما فرأى هناك آدم أبا البشر ~~فسلم عليه فرحب به ورد عليه السلام وأقر بنبوته ثم عرج به إلى السماء ~~الثانية فاستفتح له فرأى فيها يحيى ابن زكريا وعيسى ابن مريم فلقيهما فسلم ~~عليهما فردا عليه السلام ورحبا به وأقرا بنبوته ثم عرج به إلى السماء ~~الثالثة فرأى فيها يوسف فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم عرج به إلى ~~السماء الرابعة فرأى فيها إدريس فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم عرج به ~~إلى السماء الخامسة فرأى فيها هارون بن عمران فسلم عليه ورحب به وأقر ~~بنبوته ثم عرج به إلى السماء السادسة فلقي فيها موسى فسلم عليه ورحب به ~~وأقر بنبوته فلما جاوزه بكى موسى فقيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث ~~بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي ثم عرج به إلى السماء ~~السابعة فلقي فيها إبراهيم فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته ثم رفع إلى سدرة ~~المنتهى ثم رفع له البيت المعمور ثم عرج به إلى الجبار جل PageV00P247 # جلاله وتقدست أسماؤه فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ~~ما أوحى وفرض عليه خمسين صلاة فرجع حتى مر على موسى فقال بم أمرت قال ~~بخمسين صلاة فقال إن أمتك لا تطيق ذلك ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك ~~فالتفت إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك ms141 فأشار أن نعم إن شئت فعلا به ~~جبرائيل حتى أتى به إلى الجبار تبارك وتعالى وهو في مكانه هذا لفظ البخاري ~~في صحيحه وفي بعض الطرق فوضع عنه عشرا ثم نزل حتى مر بموسى فأخبره فقال ~~ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله تبارك ~~وتعالى حتى جعلها خمسا فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف فقال قد استحييت ~~من ربي ولكن ارضى واسلم فلما نفذ نادى مناد قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ~~وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل بعين ~~رأسه وأن الصحيح أنه رآه بقلبه ولم يره بعين رأسه وقوله * (ما كذب الفؤاد ~~ما رأى) * * (ولقد رآه نزلة أخرى) * صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان هذا ~~المرئي جبرائيل رآه مرتين على صورته التي خلق عليها وأما قوله تعالى في ~~سورة النجم ثم دنى فتدلى فهو غير الدنو PageV00P248 # والتدلي المذكورين في قصة الإسراء فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبرائيل ~~وتدليه كما قالت عائشة وابن مسعود رضي الله عنهما فإنه قال * (علمه شديد ~~القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى) * فالضمائر كلها ~~راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى وأما الدنو والتدلي الذي في حديث ~~الاسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى وتدليه وأما الذي في سورة النجم ~~أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى فهذا هو جبرائيل رآه مرتين مرة في ~~الأرض ومرة عند سدرة المنتهى ومما يدل على أن الاسراء بجسده في اليقظة قوله ~~تعالى * (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) ~~* والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد ~~والروح هذا هو المعروف عند الإطلاق وهو الصحيح فيكون الإسراء بهذا المجموع ~~ولا يمتنع ذلك عقلا ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة ~~وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر فإن قيل فما الحكمة في الإسراء إلى بيت ~~المقدس أولا فالجواب ms142 والله أعلم أن ذلك كان إظهارا لصدق دعوى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم المعراج حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس فنعته لهم ~~وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه ولو كان عروجه إلى السماء من مكة ~~لما حصل ذلك إذ لا يمكن اطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه وقد اطلعوا ~~على بيت المقدس فأخبرهم بنعته وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو ~~لله تعالى من وجوه لمن تدبره وبالله التوفيق PageV00P249 # قوله والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لامته حق ش الأحاديث الواردة ~~في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيا ولقد ~~استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير تغمده الله برحمته في آخر ~~تاريخه الكبير المسمى ب البداية والنهاية فمنها ما رواه البخاري رحمه الله ~~تعالى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن ~~قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء من اليمن وان فيه من الأباريق كعدد نجوم ~~السماء وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم ليردن علي ناس من أصحابي حتى ~~إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول أصحابي فيقول لا تدري ما أحدثوا بعدك رواه ~~مسلم وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال أغفى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اغفاة فرفع رأسه مبتسما إما قال لهم وإما قالوا له لم ضحكت فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنه أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن ~~الرحيم * (إنا أعطيناك الكوثر) * حتى ختمها ثم قال لهم هل تدرون ما الكوثر ~~قالوا الله ورسوله أعلم قال هو نهر أعطانيه ربي عز وجل في الجنة عليه خير ~~كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم فأقول ~~يا رب إنه من أمتي فيقال لي انك لا تدري ما أحدثوا بعدك ورواه مسلم ولفظه ~~هو نهر وعدنيه PageV00P250 # ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم ms143 القيامة والباقي مثله ومعنى ~~ذلك أنه يشخب فيه ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض والحوض في العرصات قبل ~~الصراط لأنه يختلج عنه ويمنع منه أقوام قد ارتدوا على أعقابهم ومثل هؤلاء ~~لا يجاوزون الصراط وروى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنا فرطكم على الحوض والفرط الذي يسبق ~~إلى الماء وروى البخاري عن سهل بن سعد الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا ليردن ~~علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم قال أبو حازم فسمعني ~~النعمان بن أبي عياش فقال هكذا سمعت من سهل فقلت نعم فقال نعم أشهد على أبي ~~سعيد الخدري سمعته وهو يزيد فأقول إنهم من أمتي فقال إنك لا تدري ما أحدثوا ~~بعدك فقال سحقا سحقا لمن غير بعدي سحقا أي بعدا والذي يتلخص من الأحاديث ~~الواردة في صفة الحوض أنه الحوض عظيم ومورد كريم يمد من شراب الجنة من نهر ~~الكوثر الذي هو أشد بياضا من اللبن وأبرد من الثلج وأحلى من العسل وأطيب ~~ريحا من المسك وهو في غاية الاتساع عرضه وطوله سواء كل زاوية من زواياه ~~مسيرة شهر وفي بعض الأحاديث أنه كلما شرب منه وهو في زيادة واتساع وأنه ~~ينبت في خلاله من المسك والرضراض من اللؤلؤ و قضبان الذهب ويثمر ألوان ~~الجواهر فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء وقد ورد في أحاديث أن لكل نبي ~~حوضا وأن حوض PageV00P251 # نبينا صلى الله عليه وسلم أعظمها وأحلاها وأكثرها واردا جعلنا الله منهم ~~بفضله وكرمه قال العلامة أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في التذكرة واختلف ~~في الميزان والحوض أيهما يكون قبل الآخر فقيل الميزان وقيل الحوض قال أبو ~~الحسن القابسي والصحيح أن الحوض قبل قال القرطبي والمعنى يقتضيه فإن الناس ~~يخرجون عطاشا من قبورهم كما تقدم فيقدم قبل الميزان والصراط قال أبو حامد ~~الغزالي رحمه الله ms144 في كتاب كشف علم الآخرة حكى بعض السلف من أهل التصنيف أن ~~الحوض يورد بعد الصراط وهو غلط من قائله قال القرطبي هو كما قال ثم قال ~~القرطبي ولا يخطر ببالك أنه في هذه الأرض بل في الأرض المبدلة أرض بيضاء ~~كالفضة لم يسفك فيها دم ولم يظلم على ظهرها أحد قط تظهر لنزول الجبار جل ~~جلاله لفصل القضاء انتهى فقاتل الله المنكرين لوجود الحوض وأخلق بهم ان ~~يحال بينهم وبين وروده يوم العطش الأكبر قوله والشفاعة التي ادخرها لهم حق ~~كما روي في الأخبار ش الشفاعة أنواع منها ما هو متفق عليه بين الأمة ومنها ~~ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع PageV00P252 # النوع الأول الشفاعة الأولى وهي العظمة الخاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم ~~من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين في ~~الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أحاديث الشفاعة ~~منها عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم ~~فدفع إليه منها الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة ثم قال أنا سيد الناس ~~يوم القيامة وهل تدرون لم ذلك يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ~~فيقول بعض الناس لبعض ألا ترون إلى ما أنتم فيه ألا ترون إلى ما قد بلغكم ~~ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض أبوكم آدم فيأتون ~~آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر ~~الملائكة فسجدوا لك فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى ما ~~قد بلغنا فيقول آدم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب ~~بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى ~~غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل ~~الآرض وسماك الله عبدا شكورا فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما ms145 نحن فيه ألا ~~ترى ما قد بلغنا فيقول نوح إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن ~~يغضب بعده مثله وانه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي نفسي ~~اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت ~~نبي الله وخليله من أهل الأرض ألا ترى إلى ما نحن فيه الا ترى ما قد بلغنا ~~فيقول ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن PageV00P253 # يغضب بعده مثله وذكر كذباته نفسي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا ~~إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله اصطفاك الله برسالاته ~~وبتكليمه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد ~~بلغنا فيقول لهم موسى ان ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب ~~بعده مثله وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى ~~غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه قال هكذا هو وكلمت الناس في المهد فاشفع لنا ربك ~~ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا فيقول لهم عيسى ان ربي قد غضب ~~اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر له ذنبا اذهبوا ~~إلى غيري اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتوني فيقولون يا محمد أنت ~~رسول الله وخاتم الأنبياء غفر الله لك ذنبك ما تقدم منه وما تأخر فاشفع لنا ~~إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا فأقوم فآتي تحت العرش ~~فأقع ساجدا لربي عز وجل ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء ~~عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي فيقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه اشفع ~~تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي يا رب أمتي أمتي يا رب أمتي أمتي فيقول ادخل ms146 من ~~أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما ~~سواه من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده لما بين مصراعين من مصاريع الجنة ~~كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى أخرجاه في الصحيحين بمعناه واللفظ ~~للإمام أحمد PageV00P254 # والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه لا يذكرون أمر ~~الشفاعة الأولى في مأتى الرب سبحانه وتعالى لفصل القضاء كما ورد هذا في ~~حديث الصور فإنه المقصود في هذا المقام ومقتضى سياق أول الحديث فان الناس ~~إنما يستشفعون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس ~~ويستريحوا من مقامهم كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه فإذا وصلوا إلى ~~الجزاء إنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار وكان مقصود ~~السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث هو الرد على الخوارج ومن ~~تابعهم من المعتزلة الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها فيذكرون هذا ~~القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم فيما ذهبوا اليه من ~~البدعة المخالفة للأحاديث وقد جاء التصريح بذلك في حديث الصور ولولا خوف ~~الإطالة لسقته بطوله لكن من مضمونه أنهم يأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم ~~موسى ثم عيسى ثم يأتون رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم فيذهب فيسجد تحت ~~العرش في مكان يقال له الفحص فيقول الله ما شأنك وهو أعلم قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأقول يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم ~~فيقول سبحانه وتعالى شفعتك أنا آتيكم فأقضي بينهم قال فأرجع فأقف مع الناس ~~ثم ذكر انشقاق السماوات وتنزل الملائكة في الغمام ثم يجيء الرب سبحانه ~~وتعالى لفصل القضاء والكروبيون والملائكة المقربون يسبحون بأنواع التسبيح ~~قال فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه ثم يقول إني أنصت لكم منذ خلقتكم إلى ~~يومكم هذا أسمع أقوالكم وأرى أعمالكم فأنصتوا إلي فإنما PageV00P255 # هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد ms147 خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك ~~فلا يلومن إلا نفسه إلى أن قال فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة قالوا من ~~يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة فيقولون من أحق بذلك من أبيكم إنه خلقه الله ~~بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه وذكر نوحا ~~ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أن قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فآتي الجنة بحلقة الباب ثم استفتح فيفتح لي فأحيا ~~ويرحب بي فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي عز وجل خررت له ساجدا فيأذن لي من ~~حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ثم يقول الله لي ارفع يا محمد ~~واشفع تشفع وسل تعطه فإذا رفعت رأسي قال الله وهو أعلم ما شأنك فأقول يا رب ~~وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة فيقول الله عز وجل قد ~~شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة الحديث رواه الأئمة ابن جرير في تفسيره ~~والطبراني وأبو يعلى الموصلي والبيهقي وغيرهم PageV00P256 # النوع الثاني والثالث من الشفاعة شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام قد ~~تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة وفي أقوام آخرين قد أمر ~~بهم إلى النار ان لا يدخلونها النوع الرابع شفاعته صلى الله عليه وسلم في ~~رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم وقد وافقت ~~المعتزلة على هذه الشفاعة خاصة وخالفوا فيما عداها من المقامات مع تواتر ~~الأحاديث فيها النوع الخامس الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب ~~ويحسن أن يستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن حين دعا له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ~~والحديث مخرج في الصحيحين النوع السادس الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه ~~كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه ثم قال القرطبي في التذكرة بعد ~~ذكر هذا النوع فإن قيل فقد قال ms148 تعالى * (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) * قيل ~~له لا تنفعه في الخروج من النار كما تنفع عصاه الموحدين الذين يخرجون منها ~~ويدخلون الجنة النوع السابع شفاعته أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة ~~كما تقدم وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال أنا أول شفيع في الجنة PageV00P257 # النوع الثامن شفاعته في أهل الكبائر من أمته ممن يدخل النار فيخرجون منها ~~وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث وقد خفي علم ذلك على الخوارج والمعتزلة ~~فخالفوا في ذلك جهلا منهم بصحة الأحاديث وعنادا ممن علم ذلك واستمر على ~~بدعته وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضا وهذه ~~الشفاعة تتكرر منه صلى الله عليه وسلم أربع مرات ومن أحاديث هذا النوع حديث ~~أنس ابن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعتي ~~لأهل الكبائر من أمتي رواه الإمام احمد رحمه الله وروى البخاري رحمه الله ~~في كتاب التوحيد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال ~~العنزي قال اجتمعنا ناس من أهل البصرة فذهبنا إلى أنس بن مالك وذهبنا معنا ~~بثابت البناني اليه يسأله لنا عن حديث الشفاعة فإذا هو في قصره فوافقناه ~~يصلي الضحى فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه فقلنا لثابت لا تسأله عن ~~شيء أول من حديث الشفاعة فقال يا أبا حمزة هؤلاء إخوانك من أهل البصرة ~~جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة فقال حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال إذا ~~كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا لي ~~ربك فيقول لست بها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن فيأتون إبراهيم ~~فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى فيقول لست لها ~~ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقول لست لها ولكن ~~عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيأتوني فأقول أنا لها فأستأذن علي ربي ~~فيؤذن لي ويلهمني محامد احمده ms149 بها لا تحضرني الآن PageV00P258 # فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك ~~واشفع تشفع وسل تعط فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان ~~في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم ~~أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وسل تعط ~~فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو ~~خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال ~~يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي ~~فيقول انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان ~~فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل قال فلما خرجنا من عند أنس قلت لبعض أصحابنا ~~لو مررنا بالحسن وهو متوار في منزل أبي خليفة فحدثناه بما حدثنا به أنس بن ~~مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك ~~أنس بن مالك فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة فقال هيه وحدثناه بالحديث ~~فانتهى إلى هذا الموضع فقال هيه فقلنا لم يزد لنا على هذا فقال لقد حدثني ~~وهو جميع منذ عشرين سنة فما أدري أنسي أم كره أن تتكلوا فقلنا يا أبا سعيد ~~فحدثنا فضحك وقال خلق الإنسان عجولا ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم ~~حدثني كما حدثكم به قال ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ~~ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب ~~ائذن لي فيمن قال لا إله الا الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي ~~لأخرجن منها من قال لا إله الا الله وهكذا رواه مسلم وروى الحافظ أبو يعلى ~~عن عثمان PageV00P259 # رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفع يوم القيامة ~~ثلاثة الأنبياء ms150 ثم العلماء ثم الشهداء وفي الصحيح من حديث أبي سعيد رضي ~~الله عنه مرفوعا قال فيقول الله تعالى شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع ~~المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما ~~لم يعملوا خيرا قط الحديث ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال ~~فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة ~~من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا والمعتزلة والخوارج ~~أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الكبائر واما أهل ~~السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر ~~وشفاعة غيره لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حدا كما في الحديث ~~الصحيح حديث الشفاعة إنهم يأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ~~فيقول لهم عيسى عليه السلام اذهبوا إلى محمد فإنه عبد غفر الله له ما تقدم ~~من ذنبه وما تأخر فيأتوني فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا فأحمد ربي ~~بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقول أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع واشفع ~~تشفع فأقول ربي أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم انطلق فأسجد فيحد لي حدا ~~ذكرها ثلاث مرات PageV00P260 # وأما الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره في الدنيا إلى الله ~~تعالى في الدعاء ففيه تفصيل فإن الداعي تارة يقول بحق نبيك أو بحق فلان ~~يقسم على الله بأحد من مخلوقاته فهذا محذور من وجهين أحدهما أنه أقسم بغير ~~الله والثاني اعتقاده أن لأحد على الله حقا ولا يجوز الحلف بغير الله وليس ~~لأحد على الله حق إلا ما أحقه على نفسه كقوله تعالى * (وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين) * وكذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ ~~رضي الله عنه وهو رديفه يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده قلت الله ~~ورسوله أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق ~~العباد على الله إذا ms151 فعلوا ذلك قلت الله ورسوله أعلم قال حقهم عليه أن لا ~~يعذبهم فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق لا أن العبد نفسه مستحق ~~على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق فإن الله هو المنعم على العباد ~~بكل خير وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن ~~يقسم به ولا أن يسأل بسببه ويتوسل به لأن السبب هو ما نصبه الله سببا وكذلك ~~الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قول الماشي إلى الصلاة أسألك بحق ممشاي هذا وبحق السائلين عليك فهذا حق ~~السائلين هو أوجبه على نفسه فهو الذي أحق للسائلين أن يجيبهم وللعابدين أن ~~يثيبهم ولقد أحسن القائل * ما للعباد عليه حق واجب * كلا ولا سعي لديه ضائع ~~* PageV00P261 # * إن عذبوا فبعدله أو نعموا * فبفضله وهو الكريم السامع * فإن قيل فإي ~~فرق بين قول الداعي بحق السائلين عليك وبين قوله بحق نبيك أو نحو ذلك ~~فالجواب أن معنى قوله بحق السائلين عليك أنك وعدت السائلين بالإجابة وأنا ~~من جملة السائلين فأجب دعائي بخلاف قوله بحق فلان فإن فلانا وإن كان له حق ~~على الله بوعده الصادق فلا مناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل ~~فكأنه يقول لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعاي وأي مناسبة في هذا وأي ~~ملازمة وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء وقد قال تعالى * (ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية إنه لا يحب المعتدين) * وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة ولم ينقل عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أحد من ~~الأئمة رضي الله عنهم وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتب بها ~~الجهال والطرقية والدعاء من أفضل العبادات والعبادات مبناها على السنة ~~والاتباع لا على الهوى والابتداع وإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان ~~فذلك محذور أيضا لأن الإقسام بالمخلوق لا يجوز فكيف على الخالق وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم من ms152 حلف بغير الله فقد اشرك ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه رضي ~~الله عنهم يكره أن يقول الداعي أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق ~~البيت الحرام والمشعر الحرام ونحو ذلك حتى كره أبو حنيفة ومحمد رضي الله ~~عنهما أن يقول الرجل اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك ولم يكرهه أبو ~~يوسف رحمه الله لما بلغه الأثر فيه وتارة يقول بجاه فلان عندك أو يقول ~~نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك ومراده أن فلانا PageV00P262 # عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا وهذا أيضا محذور فإنه لو كان هذا ~~هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ~~لفعلوه بعد موته وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه يطلبون منه أن يدعو ~~لهم وهم يؤمنون على دعائه كما في الاستسقاء وغيره فلما مات صلى الله عليه ~~وسلم قال عمر رضي الله عنه لما خرجوا يستسقون اللهم إنا كنا إذا أجدبنا ~~نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وانا نتوسل إليك بعم نبينا معناه بدعائه هو ربه ~~وشفاعته وسؤاله ليس المراد أنا نقسم عليك به أو نسألك بجاهة عندك إذ لو كان ~~ذلك مرادا لكان جاه النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وأعظم من جاه العباس ~~وتارة يقول باتباعي لرسولك ومحبتي له وإيماني به وسائر أنبيائك ورسلك ~~وتصديقي لهم ونحو ذلك فهذا من أحسن ما يكون في الدعاء والتوسل والاستشفاع ~~فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال غلط بسببه من لم يفهم معناه فإن ~~أريد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا وهذا في حياته يكون أو لكون الداعي ~~محبا له مطيعا لأمره مقتديا به وذلك أهل للمحبة والطاعة والاقتداء فيكون ~~التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته وإما بمحبة السائل واتباعه أو يراد به ~~الاقسام به والتوسل بذاته فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه وكذلك ~~السؤال بالشيء قد يراد به التسبب به لكونه سببا في حصول المطلوب وقد يراد ~~به الإقسام به ومن الأول جاءت الثلاثة الذين أووا إلى الغار وهو حديث مشهور ms153 ~~في الصحيحين وغيرهما فإن الصخرة انطبقت عليهم PageV00P263 # فتوسلوا إلى الله بذكر أعمالهم الصالحة الخالصة وكل واحد منهم يقول فإن ~~كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا ~~يمشون فهؤلاء دعوا الله بصالح الأعمال لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما ~~يتوسل به العبد إلى الله ويتوجه به اليه ويسأله به لأنه وعد أن يستجيب ~~للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله فالحاصل أن الشفاعة عند الله ~~ليست كالشفاعة عند البشر فإن الشفيع عند البشر كما أنه شافع للطالب شفعة في ~~الطلب بمعنى أنه صار شفعا فيه بعد أن كان وترا فهو أيضا قد شفع المشفوع ~~إليه وبشفاعته صار فاعلا للمطلوب فقد شفع الطالب والمطلوب منه والله تعالى ~~وتر لا يشفعه أحد فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فالأمر كله اليه فلا شريك له ~~بوجه فسيد الشفعاء يوم القيامة إذا سجد وحمد الله تعالى فقال له الله ارفع ~~رأسك وقل يسمع واسأل تعطه واشفع تشفع فيحد له حدا فيدخلهم الجنة فالأمر كله ~~لله كما قال تعالى * (قل إن الأمر كله لله) * وقال تعالى * (ليس لك من ~~الأمر شيء) * وقال تعالى * (ألا له الخلق والأمر) * فإذا كان لا يشفع عنده ~~أحد إلا باذنه لمن يشاء ولكن يكرم الشفيع بقبول شفاعته كما قال صلى الله ~~عليه وسلم اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء وفي الصحيح أن ~~النبي PageV00P264 # صلى الله عليه وسلم قال يا بني عبد مناف لا أملك لكم من الله شيئا يا ~~صفية يا عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أملك لك من الله شيئا يا عباس ~~عم رسول الله لا أملك لك من الله شيئا وفي الصحيح أيضا عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو شاة ~~لها يعار أو رقاع تخفق فيقول أغثني أغثني فأقول قد أبلغتك لا أملك لك من ~~الله من شيء فإذا كان سيد الخلق وأفضل الشفعاء يقول ms154 لأخص الناس به لا أملك ~~لكم من الله من شيء فما الظن بغيره وإذا دعاه الداعي وشفع عنده الشفيع فسمع ~~الدعاء وقبل الشفاعة لم يكن هذا هو المؤثر فيه كما يؤثر المخلوق في المخلوق ~~فإنه سبحانه وتعالى هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع وهو الخالق لأفعال العباد ~~فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه وهو الذي ~~وفقه للدعاء ثم أجابه وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر وأن ~~الله خالق كل شيء قوله والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق ش ~~قال تعالى * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) ~~* أخبر سبحانه أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن ~~الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله الا هو وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من ~~صلب آدم عليه السلام وتمييزهم إلى أصحاب اليمين والى أصحاب PageV00P265 # الشمال وفي بعضها الإشهاد عليهم بأن الله ربهم فمنها ما رواه الإمام أحمد ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله أخذ ~~الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبة كل ذرية ~~ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا إلى ~~قوله المبطلون ورواه النسائي أيضا وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في ~~المستدرك وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وروى الإمام أحمد أيضا عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن هذه الآية فقال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سئل عنها فقال إن الله خلق آدم عليه السلام ثم مسح ظهره بيمينه ~~فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره ~~باستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا ~~رسول الله ففيم العمل ms155 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل إذا ~~خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل ~~الجنة فيدخل به الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى ~~يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار ورواه أبو داود والترمذي ~~والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير وابن حبان في صحيحه وروى الترمذي عن أبي ~~هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خلق الله آدم مسح على ظهره ~~فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل ~~انسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال اي رب من هؤلاء قال ~~PageV00P266 # هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا ~~قال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود قال رب كم عمره قال ستون ~~سنة قال أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت ~~قال أولم يبق من عمري أربعون سنة قال أو لم تعطها ابنك داود قال فجحد فجحدت ~~ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطى آدم فخطيت ذريته ثم قال الترمذي هذا حديث ~~حسن صحيح ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وروى الإمام أحمد ~~أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقال ~~للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت ~~مفتديا به قال فيقول نعم قال فيقول قد أردت أهون من ذلك قد أخذت عليك في ~~ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي شيئا وأخرجاه في الصحيحين ~~أيضا وذكر أحاديث أخرى أيضا كلها دالة على أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه ~~وميز بين أهل النار وأهل الجنة ومن هنا قال من قال إن الأرواح مخلوقة قبل ms156 ~~الأجساد وهذه الآثار لا تدل على سبق الأرواح والأجساد سبقا مستقرا ثابتا ~~وغايتها أن تدل على أن باريها وفاطرها سبحانه صور النسمة وقدر خلقها وأجلها ~~وعملها واستخرج تلك الصور من مادتها ثم أعادها إليها وقدر خروج كل فرد من ~~PageV00P267 # أفرادها في وقته المقدر له ولا يدل على أنها خلقت خلقا مستقر و استمرت ~~موجودة ناطقة كلها في موضع واحد ثم يرسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة ~~كما قاله ابن حزم فهذا لا تدل الآثار عليه نعم الرب سبحانه يخلق منها جملة ~~بعد جملة كما قاله على الوجه الذي سبق به التقدير أولا فيجيء الخلق الخارجي ~~مطابقا للتقدير السابق كشأنه سبحانه في جميع مخلوقاته فإنه قدر لها أقدارا ~~وآجالا وصفات وهيئات ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير السابق ~~فالآثار المروية في ذلك إنما تدل على القدر السابق وبعضها يدل على أنه ~~سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة وأما ~~الإشهاد عليهم هناك فإنما هو في حديثين موقوفين على ابن عباس وعمر رضي الله ~~عنهم ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف إن المراد بهذا الأشهاد انما هو ~~فطرتهم على التوحيد كما تقدم كلام المفسرين على هذه الآية الكريمة في حديث ~~أبي هريرة رضي الله عنه ومعنى قوله * (شهدنا) * أي قالوا بلى شهدنا أنك ~~ربنا وهذا قول ابن عباس وأبي ابن كعب وقال ابن عباس أيضا اشهد بعضهم على ~~بعض وقيل * (شهدنا) * من قول الملائكة والوقف على قوله * (بلى) * وهذا قول ~~مجهاهد والضحاك وقال السدي أيضا هو خبر من الله تعالى عن نفسه وملائكته ~~أنهم شهدوا على إقرار بني آدم والأول أظهر وما عداه احتمال لا دليل عليه ~~وانما يشهد ظاهر الآية للأول واعلم أن من المفسرين من لم يذكر سوى القول ~~بأن الله استخرج ذرية آدم من ظهره واشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم كالثعلبي ~~والبغوي وغيرهما ومنهم من لم يذكره بل ذكر أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ~~PageV00P268 # ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها الله ms157 فيهم كالزمخشري ~~وغيره ومنهم من ذكر القولين كالواحدي والرازي والقرطبي وغيرهم لكن نسب ~~الرازي القول الأول إلى أهل السنة والثاني إلى المعتزلة ولا ريب أن الآية ~~لا تدل على القول الأول أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم وإنما فيها أن الأخذ ~~من ظهور بني آدم وإنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض ~~الأحاديث وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار ~~كما في حديث عمر رضي الله عنه وفي بعضها الأخذ وإراء آدم إياهم من غير قضاء ~~ولا اشهاد كما في حديث أبي هريرة والذي فيه الإشهاد على الصفة التي قالها ~~أهل القول الأول موقوف على ابن عباس وعمر وتكلم فيه أهل الحديث ولم يخرجه ~~أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك على الصحيحين والحاكم معروف ~~التساهل رحمه الله والذي فيه القضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار ~~دليل على مسألة القدر وذلك شواهده كثيرة ولا نزاع فيه بين أهل السنة وإنما ~~يخالف فيه القدرية المبطلون المبتدعون وأما الأول فالنزاع فيه بين أهل ~~السنة من السلف والخلف ولولا ما التزمته من الاختصار لبسطت الأحاديث ~~الواردة في ذلك وما قيل من الكلام عليها وما ذكر فيها من المعاني المعقولة ~~ودلالة ألفاظ الآية الكريمة قال القرطبي وهذه الآية مشكلة وقد تكلم العلماء ~~في تأويلها فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه فقال قوم معنى الآية ~~أن الله أخرج من ظهر بني آدم بعضهم من بعض ومعنى * (وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم) * دلهم على توحيده لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربا واحدا ~~سبحانه وتعالى قال فقام ذلك PageV00P269 # مقام الإشهاد عليهم كما قال تعالى في السماوات والأرض * (قالتا أتينا ~~طائعين) * ذهب إلى هذا القفال وأطنب وقيل إنه سبحانه وتعالى أخرج الأرواح ~~قبل خلق الأجساد وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها ثم ذكر ~~القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك إلى آخر كلامه وأقوى ما يشهد لصحة ms158 ~~القول الأول حديث أنس المخرج في الصحيحين الذي فيه قد أردت منك ما هو أهون ~~من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي ~~ولكن قد روي من طريق آخرى قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل فيرد إلى ~~النار وليس فيه في ظهر آدم وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم على ~~الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين ~~أحدهما كون الناس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان وانه بهذا تقوم الحجة عليهم ~~يوم القيامة والثاني أن الآية دلت على ذلك والآية لا تدل عليه لوجوه أحدها ~~أنه قال من بني آدم ولم يقل من آدم الثاني أنه قال من ظهورهم ولم يقل من ~~ظهره وهذا بدل بعض أو بدل اشتمال وهو أحسن الثالث أنه قال ذرياتهم ولم يقل ~~ذريته الرابع أنه قال وأشهدهم على أنفسهم ولا بد أن يكون الشاهد ذاكرا ~~PageV00P270 # لما شهد به وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار كما تأتي ~~الإشارة إلى ذلك لا يذكر شهادة قبله الخامس أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا ~~الإشهاد إقامة للحجة عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة * (إنا كنا عن هذا ~~غافلين) * والحجة انما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها كما قال ~~تعالى * (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * ~~السادس تذكيرهم بذلك لئلا يقولوا يوم القيامة * (إنا كنا عن هذا غافلين) * ~~ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جميعا ذلك ~~الوقت فهذا لا يذكره أحد منهم السابع قوله تعالى * (أو تقولوا إنما أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم) * فذكر حكمتين في هذا الإشهاد لئلا ~~يدعوا الغفلة أو يدعوا التقيلد فالغافل لا شعور له والمقلد متبع في تقليده ~~لغيره ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا على ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة ~~الثامن قوله * (أفتهلكنا بما فعل المبطلون) * أي توعدهم بجحودهم وشركهم لما ms159 ~~قالوا ذلك وهو سبحانه إنما يهلكهم بمخالفة رسله وتكذيبهم وقد أخبر سبحانه ~~أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون وإنما يهلكهم بعد الإعذار ~~والإنذار بإرسال الرسل التاسع أنه سبحانه اشهد كل واحد على نفسه أنه ربه ~~وخالقه واحتج عليه بهذا في غير موضع من كتابه كقوله * (ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله) * فهذه هي الحجة التي اشهدهم على أنفسهم ~~PageV00P271 # بمضمونها وذكرتهم بها رسله بقولهم * (أفي الله شك فاطر السماوات والأرض) ~~* العاشر أنه جعل هذا آية وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها ~~وهذا شأن آيات الرب تعالى فقال تعالى * (وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون) ~~* وانما ذلك بالفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله فما من مولود ~~إلا يولد على الفطرة لا يولد مولود على غير هذه الفطرة هذا أمر مفروغ منه ~~لا تبديل ولا تغيير وقد تقدمت الإشارة إلى هذا والله أعلم وقد تفطن لهذا ~~ابن عطية وغيره ولكن هابوا مخالفة ظاهر تلك الأحاديث التي فيها التصريح بأن ~~الله أخرجهم وأشهدهم على أنفسهم ثم أعادهم وكذلك حكى القولين الشيخ أبو ~~منصور الماتريدي في شرح التأويلات ورجح القول الثاني وتكلم عليه ومال إليه ~~ولا شك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري والشرك حادث طاريء والأبناء تقلدوه ~~عن الآباء فإذا احتجوا يوم القيامة بأن الآباء أشركوا ونحن جرينا على ~~عادتهم كما يجري الناس على عادة آبائهم في المطاعم والملابس والمساكن يقال ~~لهم أنتم كنتم معترفين بالصانع مقرين بأن الله ربكم لا شريك له وقد شهدتم ~~بذلك على أنفسكم فإن شهادة المرء على نفسه هي إقراره بالشيء ليس إلا قال ~~الله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم) * وليس المراد أن يقول أشهد على نفسي بكذا بل من أقر بشيء فقد شهد ~~على نفسه به فلم عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به على أنفسكم ~~إلى الشرك بل عدلتم عن المعلوم المتيقن PageV00P272 # إلى ما لا يعلم له حقيقة تقليدا لمن لا حجة معه ms160 بخلاف اتباعهم في العادات ~~الدنيوية فإن تلك لم يكن عندكم ما يعلم به فسادها وفيه مصلحة لكم بخلاف ~~الشرك فإنه كان عندكم من المعرفة والشهادة على أنفسكم ما يبين فساده ~~وعدولكم فيه عن الصواب فان الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو دين التربية ~~والعادة وهو لأجل مصلحة الدنيا فإن الطفل لا بد له من كافل وأحق الناس به ~~أبواه ولهذا جاءت الشريعة بأن الطفل مع أبويه على دينهما في أحكام الدنيا ~~الظاهرة وهذا الدين لا يعاقبه الله عليه على الصحيح حتى يبلغ ويعقل وتقوم ~~عليه الحجة وحينئذ فعليه أن يتبع دين العلم والعقل وهو الذي يعلم بعقله هو ~~أنه دين صحيح فإن كان آباؤه مهتدين كيوسف الصديق مع آبائه قال * (واتبعت ~~ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب) * وقال ليعقوب بنوه * (نعبد إلهك وإله ~~آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق) * وان كان الآباء مخالفين الرسل كان عليه ~~أن يتبع الرسل كما قال تعالى * (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك ~~لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) * فمن اتبع دين آبائه بغير بصيرة ~~وعلم بل يعدل عن الحق المعلوم إليه فهذا اتبع هواه كما قال تعالى * (وإذا ~~قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان ~~آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) * وهذه حال كثير من الناس من الذين ~~ولدوا على الاسلام يتبع أحدهم أباه فيما كان عليه من اعتقاد ومذهب وإنه كان ~~خطأ ليس PageV00P273 # هو فيه على بصيرة بل هو من مسلمة الدار لا مسلمة الاختيار وهذا إذا قيل ~~له في قبره من ربك قال هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ~~فليتأمل اللبيب هذا المحل ولينصح نفسه وليقم معه ولينظر من أي الفريقين هو ~~والله الموفق فإن توحيد الربوبية لا يحتاج إلى دليل فإنه مركوز في الفطر ~~وأقرب ما ينظر فيه المرء أمر نفسه لما كان نطفة وقد خرج من بين الصلب ~~والترائب والترائب عظام الصدر ثم صارت تلك النطفة في قرار ms161 مكين في ظلمات ~~ثلاث وانقطع عنها تدبير الأبوين وسائر الخلائق ولو كانت موضوعة على لوح أو ~~طبق واجتمع حكماء العالم على أن يصوروا منها شيئا لم يقدروا ومحال توهم عمل ~~الطبائع فيها لأنها موات عاجزة ولا توصف بحياة ولن يتأتى من الموات فعل ~~وتدبير فإذا تفكر في ذلك وانتقال هذه النطفة من حال إلى حال علم بذلك توحيد ~~الربوبية فانتقل منه إلى توحيد الإلهية فإنه إذا علم بالعقل أن له ربا ~~أوجده كيف يليق به أن يعبد غيره وكلما تفكر وتدبر ازداد يقينا وتوحيدا ~~والله الموفق لا رب غيره ولا إله سواه قوله وقد علم الله تعالى فيما لم يزل ~~عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة فلا يزداد في ذلك العدد ~~ولا ينقص منه وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه ش قال الله تعالى * ~~(أن الله بكل شيء عليم) * * (وكان الله بكل شيء عليما) * فالله تعالى موصوف ~~بأنه بكل شيء PageV00P274 # عليم أزلا وأبدا لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة وما كان ربك نسيا وعن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه قال كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس رأسه فجعل ينكت ~~بمخصرته ثم قال ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار ~~وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة قال فقال رجل يا رسول الله أفلا تمكث على ~~كتابنا وندع العمل فقال من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ~~ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير لي عمل أهل الشقاوة ثم قال اعملوا فكل ميسر ~~لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة ~~فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ * (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ~~فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى) * خرجاه ~~في الصحيحين قوله وكل ميسر لما خلق له والاعمال بالخواتيم والسعيد من سعد ~~بقضاء الله والشقي من ms162 شقي بقضاء الله ش تقدم حديث علي رضي الله عنه وقوله ~~صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسر لما خلق له وعن زهير عن أبي الزبير عن ~~جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما قال جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا ~~رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم أفيما جفت به ~~الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل قال لا بل فيما جفت به الأقلام ~~وجرت به المقادير قال ففيم العمل قال زهير ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم ~~أفهمه فسألت ما قال فقال اعملوا فكل ميسر رواه مسلم وعن سهل بن سعد الساعدي ~~رضي PageV00P275 # الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الرجل ليعمل بعمل أهل ~~الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار ~~فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة خرجاه في الصحيحين وزاد البخاري وإنما ~~الأعمال بالخواتيم وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع ~~خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ~~ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه واجله ~~وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ~~ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ~~فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ~~فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها والأحاديث في هذا الباب ~~كثيرة وكذلك الآثار عن السلف قال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد قد أكثر ~~الناس من تخريج الآثار في هذا الباب وأكثر المتكلمون من الكلام فيه وأهل ~~السنة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار واعتقادها وترك المجادلة فيها ~~وبالله العصمة والتوفيق وقوله واصل القدر سر الله ms163 تعالى في خلقه لم يطلع ~~على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم ~~الحرمان ودرجة الطغيان فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة فان الله ~~تعالى طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه كما قال تعالى في كتابه * ~~(لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * فمن سأل لم فعل فقد رد حكم الكتاب ومن رد ~~حكم الكتاب كان من الكافرين PageV00P276 # ش أصل القدر سر الله في خلقه وهو كونه أوجد وأفنى وأفقر وأغنى وأمات ~~وأحيا وأضل وهدى قال علي كرم الله وجهه ورضي عنه القدر سر الله فلا نكشفه ~~والنزاع بين الناس في مسألة القدر مشهور والذي عليه أهل السنة والجماعة أن ~~كل شيء بقضاء الله وقدره وأن الله تعالى خالق أفعال العباد قال تعالى * ~~(إنا كل شيء خلقناه بقدر) * وقال تعالى * (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) * وأن ~~الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه ولا يرضاه ولا يحبه فيشاؤه كونا ~~ولا يرضاه دينا وخالف في ذلك القدرية والمعتزلة وزعموا أن الله شاء الإيمان ~~من الكافر ولكن الكافر شاء الكفر فردوا إلى هذا لئلا يقولوا شاء الكفر من ~~الكافر وعذبه عليه ولكن صاروا كالمستجير من الرمضاء بالنار فإنهم هربوا من ~~شيء فوقعوا فيما هو شر منه فإنه يلزم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله ~~تعالى فإن الله قد شاء الإيمان منه على قولهم والكافر شاء الكفر فوقعت ~~مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى وهذا من أقبح الاعتقاد وهو قول لا دليل ~~عليه بل هو مخالف للدليل روى اللالكائي من حديث بقية عن الأوزاعي حدثنا ~~العلاء بن الحجاج عن محمد بن عبيد المكي عن ابن عباس قال قيل لابن عباس إن ~~رجلا قدم علينا يكذب بالقدر فقال دلوني عليه وهو يومئذ قد عمي فقالوا له ما ~~تصنع به فقال والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه ولئن ~~وقعت رقبته بيدي لأدقنها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كأني ms164 ~~بنساء بني فهم يطفن بالخزرج تصطفق ألياتهن مشركات هذا أول شرك في الإسلام ~~PageV00P277 # والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يقدر الخبر ~~كما أخرجوه من أن يقدر الشر قوله وهذا أول شرك في الإسلام إلى آخره من كلام ~~ابن عباس وهذا يوافق قوله القدر نظام التوحيد فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض ~~تكذيبه توحيده وروى عمرو بن الهيثم قال خرجنا في سفينة وصحبنا فيها قدري ~~ومجوسي فقال القدري للمجوسي أسلم قال المجوسي حتى يريد الله فقال القدري إن ~~الله يريد ولكن الشيطان لا يريد قال المجوسي أراد الله وأراد الشيطان فكان ~~ما أراد الشيطان هذا شيطان قوي وفي رواية أنه قال فأنا مع أقواهما ووقف ~~أعرابي على حلقة فيها عمرو بن عبيد فقال يا هؤلاء إن ناقتي سرقت فادعوا ~~الله أن يردها علي فقال عمرو بن عبيد اللهم إنك لم ترد أن تسرق ناقته فسرقت ~~فارددها عليه فقال الأعرابي لا حاجة لي في دعائك قال ولم قال أخاف كما أراد ~~أن لا تسرق فسرقت أن يريد ردها فلا ترد وقال رجل لأبي عصام القسطلاني أرأيت ~~إن منعني الهدى PageV00P278 # وأوردني الضلال ثم عذبني أيكون منصفا فقال له أبو عصام إن يكن الهدى شيئا ~~هو له فله أن يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء وأما الأدلة من الكتاب والسنة ~~فقد قال تعالى * (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين) * وقال تعالى * (ولو شاء ربك لآمن من في ~~الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) * وقال تعالى * (وما ~~تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين) * * (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن ~~الله كان عليما حكيما) * وقال تعالى * (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله ~~على صراط مستقيم) * وقال تعالى * (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) * ومنشأ الضلال ~~من التسوية بين المشيئة والإرادة ms165 وبين المحبة والرضي فسوى بينهما الجبرية ~~والقدرية ثم اختلفوا فقالت الجبرية الكون كله بقضائه وقدره فيكون محبوبا ~~مرضيا وقالت القدرية النفاة ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له فليست ~~مقدرة ولا مقضية فهي خارجة عن مشيئته وخلقه وقد دل على الفرق بين المشيئة ~~والمحبة الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة أما نصوص المشيئة والإرادة من ~~الكتاب فقد تقدم ذكر بعضها وأما نصوص المحبة والرضى فقال تعالى * (والله لا ~~يحب الفساد) * * (ولا يرضى لعباده الكفر) * وقال تعالى عقيب ما نهى عنه من ~~الشرك والظلم والفواحش والكبر * (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها) * وفي ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إن PageV00P279 # الله كره لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال وفي المسند إن ~~الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته وكان من دعائه صلى الله ~~عليه وسلم اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك ~~منك فتأمل ذكر استعاذته بصفة الرضى من صفة السخط وبفعل المعافاة من فعل ~~العقوبة فالأول الصفة والثاني أثرها المرتب عليها ثم ربط ذلك كله بذاته ~~سبحانه وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره فما أعوذ منه واقع بمشيئتك ~~وإرادتك وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك ان شئت أن ترضى ~~عن عبدك وتعافيه وان شئت أن تغضب عليه وتعاقبه فإعاذتي مما أكره ومنعه أن ~~يحل بي هي بمشيئتك أيضا فالمحبوب المكروه كله بقضائك ومشيئتك فعياذي بك منك ~~وعياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك فلا أستعيذ ~~بغيرك من غيرك ولا أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك بل هو منك فلا يعلم ~~ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية إلا الراسخون في العلم ~~بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته فإن قيل كيف يريد الله أمرا ولا يرضاه ولا ~~يحبه وكيف يشاؤه ويكونه وكيف يجمع إرادته له وبغضه وكراهته قيل هذا السؤال ~~هو الذي افترق الناس لأجله فرقا وتباينت طرقهم وأقوالهم فاعلم أن ms166 المراد ~~نوعان مراد لنفسه ومراد لغيره فالمراد لنفسه مطلوب PageV00P280 # محبوب لذاته وما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد والمراد ~~لغيره قد لا يكون مقصودا لما يريد ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته وإن ~~كان وسيلة إلى مقصوده ومراده فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته مراد له من ~~حيث قضاؤه وايصاله إلى مراده فيجتمع فيه الأمران بغضه وارادته ولا يتنافيان ~~لاختلاف متعلقهما وهذا كالدواء الكريه إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه ~~وقطع العضو المتأكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده وكقطع المسافة الشاقة إذا ~~علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه ~~وإرادته بالظن الغالب وان خفيت عنه عاقبته فكيف ممن لا يخفى عليه خافية فهو ~~سبحانه يكره الشيء ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره وكونه سببا إلى أمر هو ~~أحب إليه من فوقه من ذلك أنه خلق إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان ~~والأعمال والاعتقادات والإرادات وهو سبب لشقاوة كثير من العباد وعملهم بما ~~يغضب الرب سبحانه تبارك وتعالى وهو الساعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ~~ويرضاه ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه ~~ووجودها أحب إليه من عدمها منها أنه يظهر للعباد قدرة الرب تعالى على خلق ~~المتضادات المتقابلات فخلق هذا الذات التي هي أخبث الذوات وشرها وهي سبب كل ~~شر في مقابلة ذات جبرائيل التي هي من أشرف الذوات وأطهرها وأزكاها وهي مادة ~~كل خير فتبارك خالق هذا وهذا كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار والدواء ~~والداء والحياة والموت والحسن والقبيح والخير والشر وذلك من أدل دليل على ~~كمال قدرته وعزته وملكه وسلطانه فإنه خلق هذه المتضادات وقابلها بعضها ببعض ~~وجعلها محال تصرفه وتدبيره فخلو الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته ~~وكمال تصرفه وتدبير ملكه ومنها ظهور آثار أسمائه PageV00P281 # القهرية مثل القهار والمنتقم والعدل والضار والشديد العقاب والسريع ~~العقاب وذي البطش الشديد والخافض والمذل فإن هذه الأسماء والأفعال كمال لا ms167 ~~بد من وجود متعلقها ولو كان الجن والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر ~~هذه الأسماء ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وستره ~~وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب ~~المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد وقد أشار ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء ~~بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة ~~فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة بها ~~فلا يضع الشيء في غير موضعه ولا ينزله في غير منزلته التي يقتضيها كمال ~~علمه وحكمته وخبرته فهو أعلم حيث يجعل رسالاته وأعلم بمن يصلح لقبولها ~~ويشكره على انتهائها اليه وأعلم بمن لا يصلح لذلك فلو قدر عدم الأسباب ~~المكروهة لتعطلت حكم كثيرة ولفاتت مصالح عديدة ولو عطلت تلك الأسباب لما ~~فيها من الشر لتعطل الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب وهذا ~~كالشمس والمطر والرياح التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها ~~من الشر ومنها حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت فإن ~~عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية اليه سبحانه ولو كان الناس كلهم ~~مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة لله سبحانه وتعالى ~~والمعاداة فيه وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعبوية الصبر ~~ومخالفة الهوى وإيثار محاب الله تعالى وعبودية التوبة والاستغفار وعبودية ~~PageV00P282 # الاستعاذة بالله أن يجيره من عدوه ويعصمه من كيده وأذاه إلى غير ذلك من ~~الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها فإن قيل فهل كان يمكن وجود تلك الحكم ~~بدون هذه الأسباب فهذا سؤال فاسد وهو فرض وجود الملزوم بدون لازمه كفرض ~~وجود الابن بدون الأب والحركة بدون المتحرك والتوبة بدون التائب فإن قيل ~~فإذا كانت هذه الأسباب مرادة لما تفضي إليه من الحكم فهل تكون مرضية محبوبة ~~من هذا الوجه أم هي مسخوطة من جميع الوجوه قيل ms168 هذا السؤال يرد على وجهين ~~أحدهما من جهة الرب تعالى وهل يكون محبا لها من جهة إفضالها إلى محبوبه وان ~~كان يبغضها لذاتها والثاني من جهة العبد وهو أنه هل يسوغ له الرضى بها من ~~تلك الجهة أيضا فهذا سؤال له شأن فاعلم أن الشر كله يرجع إلى العدم أعني ~~عدم الخير وأسبابه المفضية إليه وهو من هذه الجهة شر واما من جهة وجوده ~~المحض فلا شر فيه مثاله أن النفوس الشريرة وجودها خير من حيث هي موجودة ~~وإنما حصل لها الشر بقطع مادة الخير عنها فإنها خلقت في الأصل متحركة فإن ~~أعينت بالعلم وإلهام الخير تحركت به وإن تركت تحركت بطبعها إلى خلافه ~~وحركتها من حيث هي حركة خير وإنما تكون شرا بالإضافة لا من حيث هي حركة ~~والشر كله ظلم وهو وضع الشيء في غير محله فلو وضع في موضعه لم يكن شرا فعلم ~~أن جهة الشر فيه نسبية إضافية ولهذا كانت العقوبات الموضوعة في محالها خيرا ~~من نفسها وإن كانت شرا بالنسبة إلى المحل الذي حلت به لما أحدثت فيه من ~~الألم الذي كانت الطبيعة قابلة لضده من اللذة مستعدة له فصار ذلك الألم شرا ~~بالنسبة إليها وهو خير بالنسبة إلى الفاعل حيث وضعه في موضعه فإنه سبحانه ~~لم يخلق شرا محضا من جميع الوجوه والاعتبارات فإن PageV00P283 # حكمته تأبى ذلك فلا يكون في جناب الحق تعالى ان يريد شيئا يكون فسادا من ~~كل وجه لا مصلحة في خلقه بوجه ما هذا من أبين المحال فإنه سبحانه الخير كله ~~بيده والشر ليس إليه بل كل ما إليه فخير والشر إنما حصل لعدم هذه الإضافة ~~والنسبة إليه فلو كان اليه لم يكن شرا فتأمله فانقطاع نسبته اليه هو الذي ~~صيره شرا فإن قيل لم تنقطع نسبته إليه خلقا ومشيئة قيل هو من هذه الجهة ليس ~~بشر فإن وجوده هو المنسوب إليه وهو من هذه الجهة ليس بشر والشر الذي فيه من ~~عدم إمداده بالخير وأسبابه والعدم ليس بشيء حتى ms169 ينسب إلى من بيده الخير فإن ~~أردت مزيد إيضاح لذلك فاعلم أن أسباب الخير ثلاثة الإيجاد والإعداد ~~والامداد فإيجاد هذا خير وهو إلى الله وكذلك إعداده وإمداده فإن لم يحدث ~~فيه اعداد ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل ~~وإنما إليه ضده فإن قيل هلا أمده إذ أوجده قيل ما اقتضت الحكمة إيجاده ~~وإمداده وانما اقتضت إيجاده وترك امداده وفإيجاده خير والشر وقع من عدم ~~امداده فإن قيل فهلا أمد الموجودات كلها فهذا سؤال فاسد يظن مورده أن ~~التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة وهذا عين الجهل بل الحكمة في هذا ~~التفاوت العظيم الذي بين الأشياء وليس في خلق كل نوع منها تفاوت فكل نوع ~~منها ليس في خلقه تفاوت والتفاوت إنما وقع لأمور عدمية لم يتعلق بها الخلق ~~وإلا فليس في الخلق من تفاوت فإن اعتاص عليك هذا ولم تفهمه حق الفهم فراجع ~~قول القائل PageV00P284 # * إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع * فإن قيل كيف يرضى ~~لعبده شيئا ولا يعينه عليه قيل لأن إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له ~~أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن ~~مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة وقد أشار تعالى إلى ذلك في ~~قوله * (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) * ~~فأخبر سبحانه انه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله وهو طاعة فلما كرهه منهم ~~ثبطهم عنه ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي تترتب على خروجهم مع رسوله فقال ~~* (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا) * اي فسادا وشرا * (ولأوضعوا ~~خلالكم) * أي سعوا بينكم بالفساد والشر * (يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون ~~لهم) * أي قابلون منهم مستجيبون لهم فيتولد من سعى هؤلاء وقبول هؤلاء من ~~الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم فاقتضت الحكمة والرحمة ان أقعدهم عنه ~~فاجعل هذا المثال أصلا وقس عليه وأما الوجه الثاني وهو الذي من جهة العبد ~~فهو ms170 أيضا ممكن بل واقع فإن العبد يسخط الفسوق والمعاصي ويكرهها من حيث هي ~~فعل العبد واقعة بكسبه وإرادته واختياره ويرضى بعلم الله وكتابه ومشيئته ~~وإرادته وأمره الكوني فيرضى بما من الله ويسخط ما هو منه فهذا مسلك طائفة ~~من أهل العرفان وطائفة أخرى كرهتها مطلقا وقولهم يرجع إلى هذا القول لأن ~~إطلاقهم الكراهة لا يريدون به شموله لعلم الرب وكتابه ومشيئته وسر المسألة ~~ان الذي إلى PageV00P285 # الرب منها غير مكروه والذي إلى العبد مكروه فإن قيل ليس إلى العبد شيء ~~منها قيل هذا هو الجبر الباطل الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام ~~الضيق والقدري المنكر أقرب إلى التخلص منه من الجبري وأهل السنة المتوسطون ~~بين القدرية والجبرية أسعد بالتخلص من الفريقين فإن قيل كيف يتأتى الندم ~~والتوبة مع شهود الحكمة في التقدير ومع شهود القيومية والمشيئة النافذة قيل ~~هذا هو الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر على غير ما هو عليه فرأى ~~تلك الأفعال طاعات لموافقته فيها المشيئة والقدر وقال إن عصيت أمره فقد ~~أطعت إرادته و في ذلك قيل * أصبحت منفعلا لما يختاره * مني ففعلي كله طاعات ~~* وهؤلاء أعمى الخلق بصائر وأجهلهم بالله وأحكامه الدينية والكونية فإن ~~الطاعة هي موافقة الأمر الديني الشرعي لا موافقة القدر والمشيئة ولو كان ~~موافقة القدر طاعة لكان إبليس من أعظم المطيعين له ولكان قوم نوح وهود ~~وصالح ولوط وشعيب وقوم فرعون كلهم مطيعين وهذا غاية الجهل لكن إذا شهد ~~العبد عجز نفسه ونفوذ الأقدار فيه وكمال فقره إلى ربه وعدم استغنائه عن ~~عصمته وحفظه طرفة عين كان بالله في هذه الحال لا بنفسه فوقوع الذنب منه لا ~~يتأتى في هذه الحال البتة فإن عليه حصنا حصينا فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش ~~وبي يمشي فلا يتصور منه الذنب في هذه الحالة فإذا حجب عن هذا المشهد وبقي ~~بنفسه استولى عليه حكم النفس فهناك نصبت عليه الشباك والأشراك وأرسلت عليه ~~الصيادون فإذا انقشع عنه ضباب ذلك الوجود الطبعي فهنالك يحضره ms171 الندم ~~والتوبة والإنابة فإنه كان في المعصية محجوبا بنفسه عن ربه فلما فارق ذلك ~~الوجود PageV00P286 # صار في وجود آخر فبقي بربه لا بنفسه فإن قيل إذا كان الكفر بقضاء الله ~~وقدره ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله فكيف ننكره ونكرهه فالجواب أن يقال ~~أولا نحن غير مأمورين بالرضى بكل ما يقضيه الله ويقدره ولم يرد بذلك كتاب ~~ولا سنة بل من المقضي ما يرضى به ومنه ما يسخط ويمقت كما لا يرضى به القاضي ~~لأقضيته سبحانه بل من القضاء ما يسخط كما أن من الأعيان المقضية ما يغضب ~~عليه ويمقت ويلعن ويذم ويقال ثانيا هنا أمران قضاء الله وهو فعل قائم بذات ~~الله تعالى ومقضي وهو المفعول المنفصل عنه فالقضاء كله خير وعدل وحكمة نرضى ~~به كله والمقضي قسمان منه ما يرضى به ومنه ما لا يرضى به ويقال ثالثا ~~القضاء له وجهان أحدهما تعلقه بالرب تعالى ونسبته اليه فمن هذا الوجه يرضي ~~به والوجه الثاني تعلقه بالعبد ونسبته إليه فمن هذا الوجه ينقسم إلى ما ~~يرضى به والى مالا يرضى به مثال ذلك قتل النفس له اعتباران فمن حيث قدره ~~الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلا للمقتول ونهاية لعمره يرضى به ومن حيث ~~صدر من القائل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله نسخطه ولا ~~نرضى به وقوله والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان إلى آخره التعمق هو ~~المبالغة في طلب الشيء والمعنى أن المبالغة في طلب القدر والغوص في الكلام ~~فيه ذريعة الخذلان الذريعة الوسيلة والذريعة والدرجة والسلم متقاربة المعنى ~~وكذلك الخذلان والحرمان والطغيان متقاربة المعنى أيضا لكن الخذلان في ~~مقابلة النصر والحرمان في مقابلة PageV00P287 # الظفر والطغيان في مقابلة الاستقامة وقوله فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا ~~وفكرا ووسوسة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء ناس من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه إنا نجد في أنفسنا ~~ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال وقد وجدتموه قالوا ms172 نعم قال ذلك صريح ~~الإيمان رواه مسلم الإشارة بقوله ذلك صريح الإيمان إلى تعاظم أن يتكلموا به ~~ولمسلم أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الوسوسة فقال تلك محض الإيمان وهو بمعنى حديث أبي هريرة فإن ~~وسوسة النفس أو مدافعة وسواسها بمنزلة المحادثة الكائنة بين اثنين فمدافعة ~~الوسوسة الشيطانية واستعظامها صريح الإيمان ومحض الإيمان هذه طريقة الصحابة ~~رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان ثم خلف من بعدهم خلف سودوا الأوراق ~~بتلك الوساوس التي هي شكوك وشبه بل وسودوا القلوب وجالدوا بالباطل ليدحضوا ~~به الحق ولذلك أطنب الشيخ رحمه الله في ذم الخوض في الكلام في القدر والفحص ~~عنه وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا ~~داود بن أبي هند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذات PageV00P288 # يوم والناس يتكلمون في القدر قال فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب ~~قال فقال لهم ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض بهذا هلك من كان قبلكم قال ~~فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله لم أشهده بما غبطت نفسي بذلك المجلس أني ~~لم أشهده ورواه ابن ماجة أيضا وقال تعالى * (فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع ~~الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا) * الخلاق النصيب قال تعالى * ~~(وما له في الآخرة من خلاق) * أي استمتعتم بنصيبكم كما استمتع الذين من ~~قبلكم بنصيبهم وخضتم كالذي خاضوا أي كالخوض الذي خاضوه أو كالفوج أو الصنف ~~أو الجيل الذي خاضوا وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض لأن ~~فساد الدين إما في العمل وإما في الاعتقاد فالأول من جهة الشهوات والثاني ~~من جهة الشبهات وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لتأخذن أمتي مأخذ القرون قبلها شبرا ms173 بشبر وذراعا بذراع قالوا ~~فارس والروم قال فمن الناس إلا أولئك وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل ~~حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان من أمتي من يصنع ~~ذلك وإن بني إسرائيل تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث ~~وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال ما ~~أنا عليه وأصحابي رواه الترمذي وعن أبي هريرة أن رسول الله PageV00P289 # صلى الله عليه وسلم قال تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين ~~وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة رواه أبو ~~داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن معاوية بن أبي سفيان رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهل الكتابين افترقوا في ~~دينهم على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة ~~يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وأكبر المسائل التي وقع ~~فيها الخلاف بين الأمة مسألة القدر وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع ~~وقوله فمن سأل لم فعل فقد رد حكم الكتاب ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين ~~اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم ~~الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع ولهذا لم يحك الله ~~سبحانه عن أمة نبي صدقت بنبيها وآمنت بما جاء به أنها سألته عن تفاصيل ~~الحكمة فيما أمرها به ونهاها عنه وبلغها عن ربها ولو فعلت ذلك لما كانت ~~مؤمنة بنبيها بل انقادت وسلمت وأذعنت وما عرفت من الحكمة عرفته وما خفي ~~عنها لم تتوقف في انقيادها وتسليمها على معرفته ولا جعلت ذلك من شأنها وكان ~~رسولها أعظم عندها من أن تسأله عن ذلك كما في الإنجيل يا بني إسرائيل لا ~~تقولوا لم أمر ربنا ولكن قولوا بم ms174 أمر ربنا ولهذا كان سلف هذه الأمة التي ~~PageV00P290 # هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما لا تأسل نبيها لم أمر الله بكذا ولم ~~نهى عن كذا ولم قدر كذا ولم فعل كذا لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام ~~وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم فأول مراتب تعظيم الأمر ~~والتصديق به ثم العزم الجازم على امتثاله ثم المسارعة اليه والمبادرة به ~~والحذر عن القواطع والموانع ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به على أكمل ~~الوجوه ثم فعله لكونه مأمورا بحيث لا يتوقف الإتيان به على معرفة حكمته فإن ~~ظهرت له فعله وإلا عطله فإن هذا ينافي الانقياد ويقدح في الامتثال قال ~~القرطبي ناقلا عن ابن عبد البر فمن سأل مستفهما راغبا في العلم ونفي الجهل ~~عن نفسه باحثا عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه فلا بأس به فشفعاء العي ~~السؤال ومن سال متعنتا غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا ~~كثيره قال ابن العربي الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة وإيضاح ~~سبل النظر وتحصيل مقدمات الاجتهاد وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد قال ~~فإذا عرضت نازلة أتيت من بابها ونشدت من مظانها والله يفتح وجه الصواب فيها ~~انتهى وقال صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه رواه ~~الترمذي وغيره ولا شك في تكفير من رد حكم الكتاب ولكن من تأول حكم الكتاب ~~لشبهة عرضت له بين له الصواب ليرجع اليه فالله سبحانه وتعالى لا يسأل عما ~~يفعل لكمال حكمته ورحمته وعدله لا لمجرد قهره وقدرته كما يقول جهم وأتباعه ~~وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قول الشيخ ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما ~~لم يستحله PageV00P291 # قوله فهذا جملة ما يحتاج اليه من هو منور قبله من أولياء الله تعالى وهي ~~درجة الراسخين في العلم لأن العلم علمان علم في الخلق موجود وعلم في الخلق ~~مفقود فانكار العلم الموجود كفر وادعاء العلم المفقود كفر ولا يثبت الايمان ms175 ~~الا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود ش الإشارة بقوله فهذا إلى ~~ما تقدم ذكره مما يجب اعتقاده والعمل به مما جاءت به الشريعة وقوله وهي ~~درجة الراسخين في العلم أي علم ما جاء به الرسول جملة وتفصيلا نفيا وإثباتا ~~ويعني بالعلم المفقود علم القدر الذي طواه الله عن أنامه ونهاهم عن مرامه ~~ويعني بالعلم الموجود علم الشريعة أصولها وفروعها فمن أنكر شيئا مما جاء به ~~الرسول كان من الكافرين ومن ادعى علم الغيب كان من الكافرين قال تعالى * ~~(عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول) * وقال تعالى * ~~(إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) * ولا يلزم من ~~خفاء حكمة الله علينا عدمها ولا من جهلنا انتفاء حكمته ألا ترى أن خفاء ~~حكمة الله علينا في خلق الحيات والعقارب والفأر والحشرات التي لا يعلم منها ~~إلا المضرة لم ينف أن يكون الله تعالى خالقا لها ولا يلزم أن لا يكون فيها ~~حكمة خفيت علينا لأن عدم العلم لا يكون علما بالمعدوم قوله ونؤمن باللوح ~~والقلم وبجميع ما فيه قد رقم PageV00P292 # ش قال تعالى * (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) * البروج وروى الحافظ أبو ~~القاسم الطبراني بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله خلق ~~لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها ياقوته حمراء قلمه نور وكتابه نور لله ~~فيه كل يوم ستون وثلاثمئة لحظة وعرضه ما بين السماء والأرض ينظر فيه كل يوم ~~ستين وثلاثمائة نظرة يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويفعل ما يشاؤه ~~اللوح المذكور هو الذي كتب الله مقادير الخلائق فيه والقلم المذكور هو الذي ~~خلقه الله وكتب به في اللوح المذكور المقادير كما في سنن أبي داود عن عبادة ~~بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله ~~القلم فقال ms176 له اكتب قال يا رب وماذا أكتب قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم ~~PageV00P293 # الساعة واختلف العلماء هل القلم أول المخلوقات أو العرش على قولين ~~PageV00P294 # ذكرهما الحافظ أبو العلاء الهمداني أصحهما أن العرش قبل القلم لما ثبت في ~~الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب ~~الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال وعرشه ~~على الماء فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش والتقدير وقع عند أول ~~خلق القلم بحديث عباده هذا ولا يخلو قوله أول ما خلق الله القلم إلخ إما أن ~~يكون جملة أو جملتين فإن كان جملة وهو الصحيح كان معناه أنه عند أول خلقه ~~قال له اكتب كما في اللفظ أول ما خلق الله القلم قال له اكتب بنصب أول ~~والقلم وإن كان جملتين وهو مروي برفع أول والقلم فيتعين حمله على أنه أول ~~المخلوقات من هذا العالم فيتفق الحديثان PageV00P295 # إذ حديث عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير والتقدير ~~مقارن لخلق القلم وفي اللفظ الآخر لما خلق الله القلم قال له اكتب فهذا ~~القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها وقد قال غير واحد من أهل التفسير إنه ~~القلم الذي أقسم الله به في قوله تعالى * (ن والقلم وما يسطرون) * والقلم ~~الثاني قلم الوحي وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله وأصحاب هذا ~~القلم هم الحكام على العالم والأقلام كلها خدم لأقلامهم وقد رفع النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام فهذه الأقلام ~~هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى وتعالى من الأمور التي يدبرها أمر ~~العالم العلوي والسفلي قوله فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى ~~فيه انه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم ~~يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنا لم يقدروا عليه جف القلم بما هو كائن ~~إلى ms177 يوم القيامة ش تقدم حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جاء ~~سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ~~فيم العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما استقبل قال ~~لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال يا غلام ألا أعلمك ~~كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا ~~استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ~~ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء ~~PageV00P296 # لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف رواه ~~الترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي رواية غير الترمذي احفظ الله تجده أمامك ~~تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ~~وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن ~~العسر يسرا وقد جاءت الأقلام في هذه الأحاديث وغيرها مجموعة فدل ذلك على أن ~~للمقادير أقلاما غير القلم الأول الذي تقدم ذكره مع اللوح المحفوظ والذي ~~دلت عليه السنة أن الأقلام أربعة وهذا التقسيم غير التقسيم المقدم ذكره ~~القلم الأول العام الشامل لجميع المخلوقات وهو الذي تقدم ذكره مع اللوح ~~القلم الثاني خبر خلق آدم وهو قلم عام أيضا لكن لبني آدم ورد في هذا آيات ~~تدل على أن الله قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم عقيب خلق ~~أبيهم القلم الثالث حين يرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه فينفخ فيه الروح ~~ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد كما ورد ذلك في ~~الأحاديث الصحيحة القلم الرابع الموضوع على العبد عند بلوغه الذي بأيدي ~~الكرام الكاتبين الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم كما ورد ذلك في الكتاب ms178 ~~والسنة وإذا علم العبد أن كلا من عند الله فالواجب إفراده سبحانه بالخشية ~~PageV00P297 # والتقوى قال تعالى * (فلا تخشوا الناس واخشون) * * (وإياي فارهبون) * * ~~(وإياي فاتقون) * * (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ~~الفائزون) * * (هو أهل التقوى وأهل المغفرة) * ونظائر هذا المعنى في القرآن ~~كثيرة ولا بد لكل عبد أن يتقي أشياء فإنه لا يعيش وحده ولو كان ملكا مطاعا ~~فلا بد أن يتقي أشياء يراعي بها رعيته فحينئذ فلا بد لكل إنسان أن يتقي فإن ~~لم يتق الله اتقى المخلوق والخلق لا يتفق حبهم كلهم وبغضهم بل الذي يريده ~~هذا يبغضه هذا فلا يمكن إرضاؤهم كلهم كما قال الشافعي رضي الله عنه رضى ~~الناس غاية لا تدرك فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه ودع ما سواه فلا تعانه ~~فإرضاء الخلق لا مقدور ولا مأمور وإرضاء الخالق مقدور ومأمور وأيضا ~~فالمخلوق لا يغني عنه من الله شيئا فإذا اتقى العبد ربه كفاه مؤنة الناس ~~كما كتبت عائشة إلى معاوية روي مرفوعا وروي موقوفا عليها من أرضى الله بسخط ~~الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من ~~الناس له ذاما فمن ارضى الله كفاه مؤنة الناس ورضي عنه ثم فيما بعد ~~PageV00P298 # يرضون إذ العاقبة للتقوى ويحبه الله فيحبه الناس كما في الصحيحين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أحب الله العبد نادى يا جبرائيل إني ~~أحب فلانا فأحبه فيحبه جبرائيل ثم ينادي جبرائيل في السماء إن الله يحب ~~فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وقال في البغض ~~مثل ذلك فقد بين أنه لا بد لكل مخلوق من أن يتقي إما المخلوق واما الخالق ~~وتقوى المخلوق ضررها راجح على نفعها من وجوه كثيرة وتقوى الله هي التي يحصل ~~PageV00P299 # بها سعادة الدنيا والآخرة فهو سبحانه أهل التقوى وهو أيضا أهل المغفرة ~~فإنه هو الذي يغفر الذنوب لا يقدر مخلوق على أن يغفر الذنوب ويجير من ~~عذابها غيره وهو الذي ms179 يجير ولا يجار عليه قال بعض السلف ما احتاج تقي قط ~~لقوله تعالى * (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) * فقد ~~ضمن الله للمتقين أن يجل لهم مخرجا مما يضيق على الناس وأن يرزقهم من حيث ~~PageV00P300 # لا يحتسبون فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللا فليستغفر الله ~~وليتب إليه ثم قال تعالى * (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) * اي فهو كافيه ~~لا يحوجه إلى غيره وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي ~~الأسباب وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب وهذا فاسد فإن ~~الاكتساب منه فرض ومنه مستحب ومنه مباح ومنه مكروه ومنه حرام كما قد عرف في ~~موضعه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل المتوكلين يلبس لأمة الحرب ~~ويمشي في الأسواق للاكتساب حتى قال الكافرون * (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ~~ويمشي في الأسواق) * ولهذا تجد كثيرا ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يرزقون ~~على يد من يعطيهم إما صدقة واما هدية وقد يكون ذلك من مكاس أو والي شرطة أو ~~نحو ذلك وهذا مبسوط في موضعه لا يسعه هذا المختصر وقد تقدمت الإشارة إلى ~~بعض الأقوال التي في تفسير قوله تعالى * (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم ~~الكتاب) * وأما قوله تعالى * (كل يوم هو في شأن) * فقال البغوي قال مقاتل ~~نزلت في اليهود حين قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت قال المفسرون من شأنه ~~أنه يحيي ويميت ويرزق ويعز قوما ويذل آخرين ويشفي مريضا ويفك عانيا ويفرج ~~مكروبا ويجيب داعيا ويعطي سائلا ويغفر ذنبا إلى ما لا يحصى من أفعاله ~~وإحداثه في خلقه ما يشاء قوله وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه وما اصابه لم ~~يكن ليخطئه ش هذا بناء على ما تقدم من أن المقدور كائن لا محالة ولقد أحسن ~~القائل حيث يقول * ما قضى الله كائن لا محاله * والشقي الجهول من لام حاله ~~* PageV00P301 # والقائل الآخر * اقنع بما ترزق يا ذا الفتى * فليس ينسي ms180 ربنا نمله * إن ~~أقبل الدهر فقم قائما * وان تولى مدبرا نم له * قوله وعلى العبد أن يعلم أن ~~الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما ليس فيه ~~ناقض ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته ~~وأرضه ش هذا بناء على ما تقدم من أن الله تعالى قد سبق علمه بالكائنات وانه ~~قدر مقاديرها قبل خلقها كما قال صلى الله عليه وسلم قدر الله مقادير الخلق ~~قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء فيعلم أن الله ~~قد علم أن الأشياء تصير موجودة لأوقاتها على ما اقتضته حكمته البالغة فكانت ~~كما علم فإن حصول المخلوقات على ما فيها من غرائب الحكم لا يتصور إلا من ~~عالم قد سبق علمه على ايجادها قال تعالى * (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف ~~الخبير) * وأنكر غلاة المعتزلة أن الله كان عالما في الأزل وقالوا إن الله ~~تعالى لا يعلم أفعال العباد حتى يفعلوا تعالى الله عما يقولون علو كبيرا ~~قال الإمام الشافعي رضي الله عنه ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا ~~وإن أنكروا كفرا فإن الله تعالى يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما استطاعه فيثيبه ~~وهذا مستطيع لا يفعل ما استطاعه فيعذبه فإنما يعذبه لأنه لا يفعل مع القدرة ~~وقد علم الله ذلك منه ومن لا يستطيع لا يأمره ولا يعذبه على ما لم يستطعه ~~وإذا قيل فيلزم أن يكون العبد قادرا على تغيير علم الله لأن الله علم أنه ~~لا يفعل فإذا قدر على الفعل قدر على تغيير علم الله قيل هذه مغالطة وذلك أن ~~مجرد قدرته على الفعل لا تستلزم تغيير العلم وإنما PageV00P302 # يظن من يظن تغيير العلم إذا وقع الفعل ولو وقع الفعل لكان المعلوم وقوعه ~~لا عدم وقوعه فيمتنع أن يحصل وقوع الفعل مع علم الله بعدم وقوعه بل إن وقع ~~كان الله علم أنه يقع وإن لم يقع كان الله قد علم ms181 أنه لا يقع ونحن لا نعلم ~~علم الله إلا بما يظهر وعلم الله مطابق للواقع فيمتنع أن يقع شيء يستلزم ~~تغيير العلم بل أي شيء وقع كان هو المعلوم والعبد الذي لم يفعل لم يأت بما ~~يغير العلم بل هو قادر على فعل لم يقع ولو وقع لكان الله قد علم أنه يقع لا ~~أنه لا يقع وإذا قيل فمن عدم وقوعه يعلم الله أنه لا يقع فلو قدر العبد على ~~وقوعه قدر على تغيير العلم قيل ليس الأمر كذلك بل العبد يقدر على وقوعه وهو ~~لم يوقعه ولو أوقعه لم يكن المعلوم إلا وقوعه فمقدور العبد إذا وقع لم يكن ~~المعلوم إلا وقوعه وهؤلاء فرضوا وقوعه مع العلم بعدم وقوعه وهو فرض محال ~~وذلك بمنزلة من يقول افرض وقوعه مع عدم وقوعه وهو جمع بين النقيضين فإن قيل ~~فإذا كان وقوعه مع علم الرب عدم وقوعه محالا لم يكن مقدورا قيل لفظ المحال ~~مجمل وهذا ليس محالا لعدم استطاعته له ولا لعجزه عنه ولا لامتناعه في نفسه ~~بل هو ممكن مقدور مستطاع ولكن إذا وقع كان الله عالما بأنه سيقع وإذا لم ~~يقع كان عالما بأنه لا يقع فإذا فرض وقوعه مع انتفاء لازم الوقوع صار محالا ~~من جهة إثبات الملزوم بدون لازمه وكل الأشياء بهذا الاعتبار هي محال مما ~~يلزم هؤلاء أن لا يبقى أحد قادرا على شيء لا الرب ولا الخلق فإن الرب إذا ~~علم من نفسه أنه سيفعل كذا لا يلزم من علمه ذلك انتفاء قدرته على تركه ~~وكذلك إذا علم من نفسه أنه لا يفعله لا يلزم منه انتفاء قدرته على فعله ~~فكذلك ما قدره من أفعال عباده والله تعالى أعلم قوله وذلك من عقد الايمان ~~وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد PageV00P303 # الله تعالى وربوبيته كما قال تعالى في كتابه * (وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا) * وقال تعالى * (وكان أمر الله قدرا مقدورا) * ش الإشارة إلى ما ~~تقدم من الإيمان بالقدر وسبق علمه بالكائنات قبل خلقها قال صلى ms182 الله عليه ~~وسلم في جواب السائل عن الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره وقال صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث يا ~~عمر أتدري من السائل قال الله ورسوله أعلم قال فإنه جبرائيل أتاكم يعلمكم ~~دينكم وقوله والاقرار بتوحيد الله وربوبيته اي لا يتم التوحيد والاقرار ~~بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته تعالى فإن من زعم خالقا غير الله فقد أشرك ~~فكيف بمن يزعم أن كل أحد يخلق فعله ولهذا كانت القدرية مجوس هذه الأمة ~~وأحاديثهم في السنن وروى أبو داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم ~~وروى أبو داود أيضا عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر من مات ~~منهم فلا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوهم وهم شيعة الدجال وحق على ~~الله ان يلحقهم بالدجال وروى أبو داود أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم ~~PageV00P304 # وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صنفان من بني آدم ليس لهم في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية لكن كل ~~أحاديث القدرية المرفوعة ضعيفة وإنما يصح الموقوف منها فعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال القدر نظام التوحيد فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض ~~تكذيبه توحيده وهذا لأن الإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله القديم وما ~~أظهر من علمه الذي لا يحاط به وكتابة مقادير الخلائق وقد ضل في هذا الموضع ~~خلائق من المشركين والصابئين والفلاسفة وغيرهم ممن ينكر علمه بالجزئيات أو ~~بغير ذلك فإن ذلك كله مما يدخل في التكذيب بالقدر وأما قدرة الله على كل ~~شيء فهو الذي يكذب به القدرية جملة حيث جعلوه لم يخلق أفعال ms183 العباد ~~فأخرجوها عن قدرته وخلقه والقدر الذي لا ريب في دلالة الكتاب والسنة ~~والإجماع عليه وأن الذي جحدوه هم القدرية المحضة بلا نزاع هو ما قدره الله ~~من مقادير العباد وعامة ما يوجد من كلام الصحابة والأئمة في ذم القدرية ~~يعني به هؤلاء كقول ابن عمر رضي الله عنهما لما قيل له يزعمون أن لا قدر ~~وأن الأمر أنف أخبرهم أني منهم بريء وانهم مني برآء والقدر الذي هو التقدير ~~المطابق للعلم يتضمن أصولا عظيمة أحدها أنه عالم بالأمور المقدرة قبل كونها ~~فيثبت علمه القديم وفي PageV00P305 # ذلك الرد على من ينكر علمه القديم الثاني ان التقدير يتضمن مقادير ~~المخلوقات ومقاديرها هي صفاتها المعينة المختصة بها فإن الله قد جعل لكل ~~شيء قدرا قال تعالى * (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) * فالخلق يتضمن التقدير ~~تقدير الشيء في نفسه بأن يجعل له قدرا وتقديره قبل وجوده فإذا كان قد كتب ~~لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور ~~الجزئية المعينة خلافا لمن أنكر ذلك وقال إنه يعلم الكليات دون الجزئيات ~~فالقدر يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات الثالث انه يتضمن انه أخبر ~~بذلك وأظهره قبل وجود المخلوقات إخبارا مفصلا فيقضي انه يمكن أن يعلم ~~العباد الأمور قبل وجودها علما مفصلا فيدل ذلك بطريق التنبيه على أن الخالق ~~أولى بهذا العلم فإنه إذا كان يعلم عباده بذلك فكيف لا يعلمه هو الرابع أنه ~~يتضمن أنه مختار لما يفعله محدث له بمشيئته وإرادته ليس لازما لذاته الخامس ~~انه يدل على حدوث هذا المقدور وأنه كان بعد أن لم يكن فإنه يقدره ثم يخلقه ~~قوله فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما واحضر للنظر فيه قلبا سقيما ~~لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما وعاد بما قال فيه أفاكا اثيما ش ~~اعلم أن القلب له حياة وموت ومرض وشفاء وذلك أعظم مما للبدن قال تعالى * ~~(أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله ms184 في ~~الظلمات ليس بخارج منها) * أي كان ميتا بالكفر فأحييناه بالإيمان فالقلب ~~الصحيح الحي إذا عرض عليه الباطل والقبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم ~~يلتفت إليها بخلاف القلب الميت فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح كما قال عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر ~~PageV00P306 # وكذلك القلب المريض بالشهوة فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب ~~قوة المرض وضعفه ومرض القلب نوعان كما تقدم مرض شهوة ومرض شبهة وأردؤها مرض ~~الشبهة وأردأ الشبه ما كان من أمر القدر وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا ~~يشعر به صاحبه لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها بل قد يموت وصاحبه ~~لا يشعر بموته وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح ولا يوجعه جهله ~~بالحق وعقائده الباطلة فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه ~~وتألم بجهله بالحق بحسب حياته * ما لجرح بميت إيلام * وقد يشعر بمرضه ولكن ~~يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها فيؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء ~~فإن دواءه في مخالفة الهوى وذلك أصعب شيء على النفس وليس له أنفع منه وتارة ~~يوطن نفسه على الصبر ثم ينفسخ عزمه ولا يستمر معه لضعف علمه وبصيرته وصبره ~~كمن دخل في طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى ~~الخوف وأعقبه الأمن فهو محتاج إلى قوة صبر وقوة يقين بما يصير إليه ومتى ~~ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق ولم يتحمل مشقتها ولا سيما إن عدم الرفيق ~~واستوحش من الوحدة وجعل يقول أين ذهب الناس فلي أسوة بهم وهذه حال أكثر ~~الخلق وهي التي أهلكتهم فالصابر الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق ولا من ~~فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول * (الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) * وما أحسن ما قال ~~أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي PageV00P307 # شامة في كتاب الحوادث والبدع حيث جاء الأمر ms185 بلزوم الجماعة فالمراد لزوم ~~الحق واتباعه وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا لأن الحق هو الذي ~~كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي ~~الله عنهم ولا ننظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم وعن الحسن البصري رحمه الله ~~أنه قال السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي فاصبروا عليها رحمكم ~~الله فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أهل الناس فيما بقي الذين ~~لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم ولا مع أهل البدع في بدعتهم وصبروا ~~على سنتهم حتى لقوا ربهم فكذلك فكونوا وعلامة مرض القلب عدوله عن الأغذية ~~النافعة الموافقة إلى الأغذية الضارة وعدوله عن دوائه النافع إلى دوائه ~~الضار فههنا أربعة أشياء غذاء نافع ودواء شاف وغذاء ضار ودواء مهلك فالقلب ~~الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي والقلب المريض بضد ذلك وأنفع ~~الأغذية غذاء الإيمان وأنفع الأدوية دواء القرآن وكل منهما فيه الغذاء ~~والدواء فمن طلب الشفاء في غير الكتاب والسنة فهو من أجهل الجاهلين وأضل ~~الضالين فإن الله تعالى يقول * (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد) * وقال ~~تعالى * (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا) * * (ومن) * في قوله * (من القرآن) * لبيان الجنس لا للتبعيض وقال ~~تعالى * (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ~~ورحمة للمؤمنين) * فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية ~~والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة وما كل أحد يؤهل للاستشفاء به وإذا أحسن ~~العليل التداوي به PageV00P308 # ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه لم ~~يقاوم الداء ابدا وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل ~~على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها فما من مرض من أمراض القلوب ~~والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن ms186 ~~رزقه الله فهما في كتابه وقوله لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما اي ~~طلب بوهمه في البحث عن الغيب سرا مكتوما إذ القدر سر الله في خلقه فهو يروم ~~ببحثه الاطلاع على الغيب وقد قال تعالى * (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا إلا من ارتضى من رسول) * إلى آخر السورة وقوله وعاد بما قال فيه أي في ~~القدر أفاكا كذابا اثيما أي مأثوما وقوله والعرش والكرسي حق ش كما بين ~~تعالى في كتابه قال تعالى * (ذو العرش المجيد فعال لما يريد) * * (رفيع ~~الدرجات ذو العرش) * * (ثم استوى على العرش) * في غير ما آية من القرآن * ~~(الرحمن على العرش استوى) * * (لا إله إلا هو رب العرش الكريم) * * (الله ~~لا إله إلا هو رب العرش العظيم) * * (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون ~~بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا) * * (ويحمل عرش ربك فوقهم ~~يومئذ ثمانية) * * (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم) * ~~وفي دعاء الكرب المروي في الصحيح لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا ~~هو رب العرش PageV00P309 # العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم وروى ~~الإمام أحمد في حديث الأوغال عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون كم بين السماء والأرض قال قلنا الله ~~ورسوله اعلم قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء إلى سماء مسيرة ~~خمسمائة سنة وكشف كل سماء مسيرة خمسمائة وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله ~~وأعلاه كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية اوعال بين ركبهن وأظلافهن ~~كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء ~~والأرض والله فوق ذلك ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء ورواه أبو داود ~~والترمذي وابن ماجة وروى أبو داود وغيره بمسنده إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من حديث الأطيط أنه صلى الله عليه وسلم قال إن عرشه ms187 على سماواته ~~لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة الحديث وفي صحيح البخاري عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أوسط ~~الجنة وفوقه عرش الرحمن يروى وفوقه بالنصب على الظرفية وبالرفع على ~~الابتداء أي وسقفه وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من ~~جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة وربما سموه الفلك الأطلس والفلك التاسع ~~وهذا ليس بصحيح لأنه قد ثبت في الشرع أن له PageV00P310 # قوائم تحمله الملائكة كما قال صلى الله عليه وسلم فإن الناس يصعقون فأكون ~~أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي ~~أم جوزي بصعقة الطور والعرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك كما قال ~~تعالى عن بلقيس * (ولها عرش عظيم) * وليس هو فلكا ولا تفهم منه العرب ذلك ~~والقرآن إنما نزل بلغة العرب فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وهو كالقبة ~~على العالم وهو سقف المخلوقات فمن شعر أمية بن أبي الصلت * مجدوا الله فهو ~~للمجد أهل * ربنا في السماء أمسى كبيرا * بالبناء العالي الذي بهر النا * س ~~وسوى فوق السماء سريرا * شرجعا لا يناله بصر العين * ترى حوله الملائك صورا ~~* الصور هنا جمع أصور وهو المائل العنق لنظره إلى العلو والشرجع هو العالي ~~المنيف والسرير هو العرش في اللغة ومن شعر عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ~~الذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته * شهدت بأن وعد الله حق ~~* وأن النار مثوى الكافرينا * وأن العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش رب ~~العالمينا * وتحمله ملائكة شداد * ملائكة الإله مسومينا * ذكره ابن عبد ~~البر وغيره من الأئمة وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش إن ما بين شحمة ~~أذنه غلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام ورواه ابن أبي حاتم ولفظه تخفق الطير ~~سبعمائة عام PageV00P311 # وأما من حرف ms188 كلام الله وجعل العرش عبارة عن الملك كيف يصنع بقوله تعالى * ~~(ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) * الحاقة وقوله * (وكان عرشه على ~~الماء) * أيقول ويحمل ملكه يومئذ ثمانية وكان ملكه على الماء ويكون موسى ~~عليه السلام آخذا بقائمة من قوائم الملك هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول ~~وأما الكرسي فقال تعالى * (وسع كرسيه السماوات والأرض) * وقد قيل هو العرش ~~والصحيح أنه غيره نقل ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره روى ابن أبي ~~شيبة في كتاب صفة العرش والحاكم في مستدركه وقال إنه على شرط الشيخين ولم ~~يخرجاه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى * (وسع كرسيه السماوات ~~والأرض) * أنه قال الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى ~~وقد روى مرفوعا والصواب أنه موقوف على ابن عباس وقال السدي السماوات والأرض ~~في جوف الكرسي بين يدي العرش وقال ابن جرير قال أبو ذر رضي الله عنه سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ~~ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض وقيل كرسيه علمه وينسب إلى ابن عباس والمحفوظ ~~عنه ما رواه ابن أبي شيبة كما تقدم ومن قال غير ذلك فليس له دليل إلا مجرد ~~الظن والظاهر أنه من جراب الكلام المذموم كما قيل في العرش PageV00P312 # وإنما هو كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه قوله ~~وهو مستغن عن العرش وما دونه محيط بكل شيء وفوقه وقد أعجز عن الإحاطة خلقه ~~ش أما قوله وهو مستغن عن العرش وما دونه فقال تعالى * (إن الله لغني عن ~~العالمين) * وقال تعالى * (والله هو الغني الحميد) * وإنما قال الشيخ رحمه ~~الله هذا الكلام هنا لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد ذلك غناه سبحانه ~~عن العرش وما دون العرش ليبين أن خلقه العرش لاستوائه عليه ليس لحاجته إليه ~~بل له في ذلك حكمة اقتضته وكون العالي فوق السافل لا يلزم أن يكون السافل ms189 ~~حاويا للعالي محيطا به حاملا له ولا أن يكون الأعلى مفتقرا إليه فانظر إلى ~~السماء كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة إليها فالرب تعالى أعظم شأنا واجل من ~~أن يلزم من علوه ذلك بل لوازم علوه من خصائصه وهي حمله بقدرته للسافل وفقر ~~السافل وغناه هو سبحانه عن السافل وإحاطته عز وجل به فهو فوق العرش مع حمله ~~بقدرته للعرش وحملته وغناه عن العرش وفقر العرش اليه وإحاطته بالعرش وعدم ~~إحاطة العرش به وحصره للعرش وعدم حصر العرش له وهذه اللوازم منتفية عن ~~المخلوق ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء ~~السبيل وعلموا مطابقة العقل للتنزيل ولسلكوا خلف الدليل ولكن فارقوا الدليل ~~فضلوا عن سواء السبيل والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك رحمه الله لما سئل ~~عن قوله تعالى * (ثم استوى على العرش) * وغيرها كيف استوى فقال الاستواء ~~معلوم والكيف مجهول ويروى هذا الجواب عن أم سلمة رضي الله عنها موقوفا ~~PageV00P313 # ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما قوله محيط بكل شيء وفوقه وفي ~~بعض النسخ محيط بكل شيء فوقه بحذف الواو من قوله فوقه والنسخة الأولى هي ~~الصحيحة ومعناها أنه تعالى محيط بكل شيء وفوق كل شيء ومعنى الثانية أنه ~~محيط بكل شيء فوق العرش وهذه والله أعلم إما أن يكون أسقطها بعض النساخ ~~سهوا ثم استنسخ بعض الناس من تلك النسخة أو أن بعض المحرفين الضالين أسقطها ~~قصدا للفساد وإنكارا لصفة الفوقية وإلا فقد قام الدليل على أن العرش فوق ~~المخلوقات وليس فوقه شيء من المخلوقات فلا يبقى لقوله محيط بمعنى محيط بكل ~~شيء فوق العرش والحالة هذه معنى إذ ليس فوق العرش من المخلوقات ما يحيط به ~~فتعين ثبوت الواو ويكون المعنى أنه سبحانه محيط بكل شيء وفوق كل شيء أما ~~كونه محيطا بكل شيء فقال تعالى * (والله من ورائهم محيط) * * (ألا إنه بكل ~~شيء محيط) * * (ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا) ~~* وليس المراد من ms190 إحاطته بخلقه أنه كالفلك وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وإنما المراد إحاطة عظمته وسعة علمه وقدرته ~~وانها بالنسبة إلى عظمته كخردلة كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا ~~كخردلة في يد أحدكم ومن المعلوم ولله المثل الأعلى أن الواحد منا إذا كان ~~عنده خردلة إن شاء قبضها وأحاط قبضته بها وان شاء جعلها تحته وهو في ~~الحالين مباين لها عال عليها فوقها من جميع الوجوه فكيف بالعظيم الذي لا ~~يحيط بعظمته وصف واصف فلو شاء لقبض السماوات والأرض PageV00P314 # اليوم وفعل بها كما يفعل بها يوم القيامة فإنه لا يتجدد به إذ ذاك قدرة ~~ليس عليها الآن فكيف يستبعد العقل مع ذلك أنه يدنو سبحانه من بعض أجزاء ~~العالم وهو على عرشه فوق سماواته أو يدني إليه من يشاء من خلقه فمن نفى ذلك ~~لم يقدره حق قدره وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في رؤية الرب تعالى فقال له أبو رزين كيف يسعنا يا رسول الله وهو ~~واحد ونحن جميع فقال سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله هذا القمر آية من آيات ~~الله كلكم يراه مخليا به والله أكبر من ذلك وإذا أفل تبين أنه أعظم وأكبر ~~من كل شيء فهذا يزيل كل إشكال ويبطل كل خيال وأما كونه فوق المخلوقات فقال ~~تعالى * (وهو القاهر فوق عباده) * * (يخافون ربهم من فوقهم) * وقال صلى ~~الله عليه وسلم في حديث الأوعال المتقدم ذكره والعرش فوق ذلك والله فوق ذلك ~~كله وقد أنشد عبد الله بن رواحة شعره المذكور بين يدي النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأقره على ما قال وضحك منه وكذا أنشهده حسان بن ثابت رضي الله تعالى ~~عنه قوله * شهدت بإذن الله أن محمدا * رسول الذي فوق السماوات من عل * وأن ~~أبا يحيى ويحيى كلاهما * له عمل من ربه متقبل * PageV00P315 # * وأن ms191 الذي عادى اليهود ابن مريم * رسول أتى من عند ذي العرش مرسل * وأنا ~~أخاف الأحقاف إذ قام فيهم * يجاهد في ذات الإله ويعدل * فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأنا اشهد وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش ان ~~رحمتي سبقت غضبي وفي رواية تغلب غضبي رواه البخاري وغيره وروى ابن ماجة عن ~~جابر يرفعه قال بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا إليه ~~رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم وقال يا أهل الجنة ~~سلام عليكم ثم قرأ قوله تعالى * (سلام قولا من رب رحيم) * فينظر إليهم ~~وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون اليه وروى ~~مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى * (هو الأول والآخر ~~والظاهر والباطن) * بقوله أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك ~~شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء والمراد بالظهور ~~هنا العلو ومنه قوله تعالى * (فما اسطاعوا أن يظهروه) * أي يعلوه فهذه ~~الأسماء الأربعة متقابلة اسمان منها لأزلية الرب سبحانه وتعالى وأبديته ~~واسمان لعلوه وقربه وروي أبو داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ~~عن جده قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرابي فقال يا رسول الله ~~جهدت الأنفس وضاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت الانعام PageV00P316 # فاستسق الله لنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ويحك أتدري ما تقول وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ويحك إنه لا يستشفع بالله ~~على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن الله فوق عرشه ~~وعرشه فوق سماواته وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئبط به أطيط الرحل ~~بالراكب ms192 وفي قصة سعد بن معاذ يوم بني قريظة لما حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم ~~وتسبى ذراريهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الملك من ~~فوق سبع سماوات وهو حديث صحيح أخرجه الأموي في مغازيه وأصله في الصحيحين ~~وروى البخاري عن زينب رضي الله عنها أنها كانت تفخر عن أزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات وعن عمر ~~رضي الله عنه أنه مر بعجوز فاستوقفته فوقف معها يحدثها فقال رجل يا أمير ~~المؤمنين حبست الناس بسبب هذه العجوز فقال ويلك أتدري من هذه امرأة سمع ~~الله شكواها من فوق سبع سماوات هذه خولة التي أنزل الله فيها PageV00P317 # * (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله) * المجادلة ~~أخرجه الدارمي وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله * (ثم لآتينهم من بين أيديهم ~~ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) * قال ولم يستطع أن يقول من فوقهم لأنه ~~قد علم أن الله سبحانه من فوقهم ومن سمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وكلام السلف وجد منه في إثبات الفوقية ما لا ينحصر ولا ريب أن الله سبحانه ~~لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة تعالى الله عن ذلك فإنه الأحد ~~الصمد الذي لم يلد ولم يولد فتعين أنه خلقهم خارجا عن ذلك ولو لم يتصف ~~سبحانه بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفا بضد ~~ذلك لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده وضد الفوقية السفول وهو مذموم ~~على الإطلاق لأنه مستقر إبليس وأتباعه وجنوده فإن قيل لا نسلم أنه قابل ~~للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها قيل لو لم يكن قابلا للعلو والفوقية ~~لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها فمتى أقررتم بأنه ذات قائم بنفسه غير مخالط ~~للعالم وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنيا فقط بل وجوده خارج الأذهان ~~قطعا وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك ms193 فهو إما داخل ~~العالم وإما خارج عنه وانكار ذلك انكار ما هو أجلى وأظهر من الأمور ~~البديهيات الضرورية بلا ريب فلا يستدل على ذلك بدليل إلا كان العلم ~~بالمباينة أظهر منه وأوضح وأبين وإذا كان صفة العلو والفوقية صفة ~~PageV00P318 # كمال لا نقص فيه ولا يستلزم نقصا ولا يوجب محذورا ولا يخالف كتابا ولا ~~سنة ولا إجماعا فنفي حقيقته يكون عين الباطل والمحال الذي لا تأتي به شريعة ~~أصلا فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده وتصديق رسله والإيمان بكتابه ~~وبما جاء به رسوله إلا بذلك فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة ~~والفطر المستقيمة والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه ~~وكونه فوق عباده التي تقرب من عشرين نوعا أحدها التصريح بالفوقية مقرونا ~~بأداة من المعينة للفوقية بالذات كقوله تعالى * (يخافون ربهم من فوقهم) * ~~الثاني ذكرها مجردة عن الأداة كقوله تعالى * (وهو القاهر فوق عباده) * ~~الثالث التصريح بالعروج اليه نحو * (تعرج الملائكة والروح إليه) * وقوله ~~صلى الله عليه وسلم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم الرابع التصريح بالصعود ~~إليه كقوله تعالى * (إليه يصعد الكلم الطيب) * الخامس التصريح برفعه بعض ~~المخلوقات اليه كقوله تعالى * (بل رفعه الله إليه) * وقوله * (إني متوفيك ~~ورافعك إلي) * السادس التصريح بالعلو المطلق والدال على جميع مراتب العلو ~~ذاتا وقدرا وشرفا كقوله تعالى * (وهو العلي العظيم) * * (وهو العلي الكبير) ~~* * (والله عليم حكيم) * السابع التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله تعالى * ~~(تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) * * (تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم) * * (تنزيل من الرحمن الرحيم) * * (تنزيل من حكيم حميد) * * (قل ~~نزله روح القدس من ربك) * PageV00P319 # بالحق * (حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين ~~فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين) * الثامن التصريح ~~باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده وأن بعضها أقرب اليه من بعض كقوله * (إن ~~الذين عند ربك) * * (وله من في السماوات والأرض ومن عنده) * ففرق بين من له ~~عموما وبين من عنده من ملائكته وعبيده خصوصا ms194 وقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه أنه عنده فوق العرش التاسع ~~التصريح بأنه تعالى في السماء وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد ~~وجهين إما أن تكون في بمعنى على وإما أن يراد بالسماء العلو لا يختلفون في ~~ذلك ولا يجوز الحمل على غيره العاشر التصريح بالاستواء مقرونا بأداة على ~~مختصا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات مصاحبا في الأكثر لأداة ثم الدالة على ~~الترتيب والمهلة الحادي عشر التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى كقوله صلى ~~الله عليه وسلم إن الله يستحيي من عبده إذا رفع اليه يديه أن يردهما صفرا ~~والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة وهذا يجده من نفسه ~~كل داع كما يأتي إن شاء الله تعالى الثاني عشر التصريح بنزوله كل ليلة إلى ~~سماء الدنيا والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل ~~الثالث عشر الإشارة اليه حسا إلى العلو كما أشار اليه من هو أعلم بربه وبما ~~يجب له PageV00P320 # ويمتنع عليه من جميع البشر لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد ~~مثله في اليوم الأعظم في المكان الأعظم قال لهم أنتم مسؤولون عني فماذا ~~أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فرفع إصبعه الكريمة إلى ~~السماء رافعا لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء قائلا اللهم اشهد فكأنا ~~نشاهد تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله وذلك اللسان الكريم وهو يقول ~~لمن رفع إصبعه اليه اللهم اشهد ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين وأدى رسالة ربه ~~كما أمر ونصح أمته غاية النصيحة فلا يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه ~~إلى تنطع المتنطعين وحذلقة المتحذلقين والحمد لله رب العالمين الرابع عشر ~~التصريح بلفظ الأين كقول أعلم الخلق به وأنصحهم لأمته وأفصحهم بيانا عن ~~المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلا بوجه أين الله في غير موضع الخامس عشر ~~شهادته صلى الله عليه وسلم لمن قال إن ربه في السماء بالإيمان السادس ms195 عشر ~~إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى ~~فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السماوات فقال * (يا هامان ابن لي ~~صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه ~~كاذبا) * فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني ومن أثبته فهو موسوي ~~PageV00P321 # محمدي السابع عشر إخباره صلى الله عليه وسلم أنه تردد بين موسى عليه ~~السلام وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة فيصعد إلى ربه ثم يعود إلى ~~موسى عدة مرار الثامن عشر النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة له تعالى من ~~الكتاب والسنة وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يرونه كرؤية الشمس ~~والقمر ليلة البدر ليس دونه سحاب فلا يرونه إلا من فوقهم كما قال صلى الله ~~عليه وسلم بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا ~~الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم وقال يا أهل الجنة سلام عليكم ثم ~~قرأ قوله تعالى * (سلام قولا من رب رحيم) * ثم يتوارى عنهم وتبقى رحمته ~~وبركته عليهم في ديارهم رواه الإمام أحمد في المسند وغيره من حديث جابر رضي ~~الله عنه ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية ولهذا طرد الجهمية ~~الشقين وصدق أهل السنة بالأمرين معا وأقروا بهما وصار من أثبت الرؤية ونفي ~~العلو مذبذبا بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وهذه الأنواع من الأدلة ~~لو بسطت افرادها لبلغت نحو ألف دليل فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله ~~وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جدا ~~فمنه ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق بسنده إلى ~~مطيع البلخي أنه سأل أبا حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض ~~فقال قد كفر لأن الله يقول * (الرحمن على العرش استوى) * وعرشه فوق سبع ~~سماواته قلت فإن قال إنه على العرش PageV00P322 # ولكن يقول لا أدري العرش في السماء أم ms196 في الأرض قال هو كافر لأنه انكر ~~أنه في السماء فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر وزاد غيره لأن الله في أعلى ~~عليين وهو يدعي من أعلى لا من أسفل انتهى ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك ممن ~~ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم مخالفون له ~~في كثير من اعتقاداته وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد من يخالفهم في بعض ~~اعتقاداتهم وقصة أبي يوسف في استتابة بشر المريسي لما أنكر أن يكون الله عز ~~وجل فوق العرش مشهورة رواها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره ومن تأول فوق ~~بأنه خير من عباده وأفضل منهم وأنه خير من العرش وأفضل منه كما يقال الأمير ~~فوق الوزير والدينار فوق الدرهم فذلك مما تنفر عنه العقول السليمة وتشمئز ~~منه القلوب الصحيحة فإن قول القائل ابتداء الله خير من عباده وخير من عرشه ~~من جنس قوله الثلج بارد والنار حارة والشمس اضوأ من السراج والسماء أعلى من ~~سقف الدار والجبل أثقل من الحصى ورسول الله أفضل من فلان اليهودي والسماء ~~فوق الأرض وليس في ذلك تمجيد ولا تعظيم ولا مدح بل هو من أرذل الكلام ~~وأسمجه وأهجنه فكيف يليق بكلام الله الذي لو اجتمع الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثله لما أتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا بل في ذلك تنقص كما ~~قيل في المثل السائر * ألم تر أن السيف ينقص قدره * إذا قيل أن السيف أمضى ~~من العصا * ولو قال قائل الجوهر فوق قشر البصل وقشر السمك لضحك منه العقلاء ~~للتفاوت الذي بينهما فإن التفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم ~~بخلاف ما إذا كان المقام يقتضي ذلك بأن كان PageV00P323 # احتجاجا على مبطل كما في قول يوسف الصديق عليه السلام * (أأرباب متفرقون ~~خير أم الله الواحد القهار) * وقوله تعالى * (آلله خير أما يشركون) * * ~~(والله خير وأبقى) * وإنما يثبت هذا المعنى من الفوقية في ضمن ثبوت الفوقية ~~المطلقة من كل وجه فله سبحانه وتعالى فوقية القهر وفوقية ms197 القدر وفوقية ~~الذات ومن أثبت البعض ونفي البعض فقد تنقص وعلوه تعالى مطلق من كل الوجوه ~~فإن قالوا بل علو المكانة لا المكان فالمكانة تأنيث المكان والمنزلة تأنيث ~~المنزل فلفظ المكانة والمنزلة تستعمل في المكانات النفسانية والروحانية كما ~~يستعمل لفظ المكان والمنزل في الأمكنة الجسمانية فإذا قيل لك في قلوبنا ~~منزلة ومنزلة فلان في قلوبنا وفي نفوسنا أعظم من منزلة فلان كما جاء في ~~الأثر إذا أحب أحدكم أن يعرف كيف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله في ~~قلبه فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه فقوله منزلة ~~الله في قلبه هو ما يكون في قلبه من معرفة الله ومحبته وتعظيمه وغير ذلك ~~فإذا عرف ان المكانة والمنزلة تأنيث المكان والمنزل والمؤنث فرع على المذكر ~~في اللفظ والمعنى وتابع له فعلو المثل الذي يكون في الذهن يتبع علو الحقيقة ~~إذا كان مطابقا كان حقا وإلا كان باطلا فإن قيل المراد علوه في القلوب وأنه ~~أعلى في القلوب من كل شيء قيل وكذلك هو وهذا العلو مطابق لعلوه في ~~PageV00P324 # نفسه على كل شيء فإن لم يكن عاليا بنفسه على كل شيء كان علوه في القلوب ~~غير مطابق كمن جعل ما ليس بأعلى أعلى وعلوه سبحانه وتعالى كما هو ثابت ~~بالسمع ثابت بالعقل والفطرة أما ثبوته بالعقل فمن وجوه أحدها العلم البديهي ~~القاطع بأن كل موجودين إما أن يكون أحدهما ساريا في الآخر قائما به كالصفات ~~وإما أن يكون قائما بنفسه بائنا من الآخر الثاني انه لما خلق العالم فإما ~~أن يكون خلقه في ذاته أو خارجا عن ذاته والأول باطل اما أولا فبالاتفاق ~~وأما ثانيا فلأنه يلزم ان يكون محلا للخسائس والقاذورات تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا والثاني يقتضي كون العلم واقعا خارج ذاته فيكون منفصلا فتعينت ~~المباينة لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول الثالث ~~أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية لأنه غير ~~معقول ms198 فيكون موجودا إما داخله وإما خارجه والأول باطل فتعين الثاني فلزمت ~~المباينة وأما ثبوته بالفطرة فإن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة ~~يرفعون أيديهم عند الدعاء ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله ~~تعالى وذكر محمد بن طاهر المقدسي ان الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس ~~الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين وهو يتكلم في نفي صفة ~~العلو ويقول كان الله ولا عرش وهو الان على ما كان فقال الشيخ أبو جعفر ~~أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإن ما قال عارف قط ~~يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع ~~بهذه PageV00P325 # الضرورة عن أنفسنا قال فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل وأظنه قال وبكى ~~وقال حيرني الهمداني حيرني أراد الشيخ أن هذا أمر فطر الله عليه عباده من ~~غير أن يتلقوه من المرسلين يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يتوجه إلى الله ~~ويطلبه في العلو وقد اعترض على الدليل العقلي بإنكار بداهته لأنه أنكره ~~جمهور العقلاء فلو كان بديهيا لما كان مختلفا فيه بين العقلاء بل هو قضية ~~وهمية خيالية والجواب عن هذا الاعتراض مبسوط في موضعه ولكن أشير إليه هنا ~~إشارة مختصرة وهو أن يقال إن العقل إن قبل قولكم فهو لقولنا أقبل وأن رد ~~العقل قولنا فهو لقولكم أعظم ردا فإن كان قولنا باطلا في العقل فقولكم أبطل ~~وإن كان قولكم حقا مقبولا في العقل فقولنا أولى أن يكون مقبولا في العقل ~~فإن دعوى الضرورة مشتركة فإنا نقول نعلم بالضرورة بطلان قولكم وأنتم تقولون ~~كذلك فإذا قلتم تلك الضرورة التي تحكم ببطلان قولنا هي من حكم الوهم لا من ~~حكم العقل قابلناكم بنظير قولكم وعامة فطر الناس ليسوا منكم ولا منا ~~موافقون لنا على هذا فإن كان حكم فطر بني آدم مقبولا ترجحنا عليكم وإن كان ~~مردودا غير مقبول بطل قولكم بالكلية فإنكم إنما بنيتم قولكم على ما تدعون ~~أنه مقدمات معلومة بالفطرة الآدمية وبطلت ms199 عقلياتنا أيضا وكان السمع الذي ~~جاءت به الأنبياء معنا لا معكم فنحن مختصون بالسمع دونكم والعقل مشترك ~~بيننا وبينكم فإن قلتم أكثر العقلاء يقولون بقولنا قيل ليس الأمر كذلك فإن ~~الذين يصرحون بأن صانع العالم شيء موجود ليس فوق العالم وأنه لا مباين ~~للعالم ولا حال في العالم طائفة من النظار PageV00P326 # وأول من عرف عنه ذلك في الإسلام جهم بن صفوان وأتباعه واعترض على الدليل ~~الفطري أن ذلك إنما لكون السماء قبلة للدعاء كما أن الكعبة قبلة للصلاة ثم ~~هو منقوض بوضع الجبهة على الأرض مع أنه ليس في جهة الأرض وأجيب على هذا ~~الاعتراض من وجوه أحدها أن قولكم إن السماء قبلة للدعاء لم يقله أحد من سلف ~~الأمة ولا انزل الله به من سلطان وهذا من الأمور الشرعية الدينية فلا يجوز ~~أن يخفى على جميع سلف الأمة وعلمائها الثاني أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة ~~فإن يستحب للداعي ان يستقبل القبلة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل ~~القبلة في دعائه في مواطن كثيرة فمن قال إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة أو ~~أن له قبلتين إحداهما الكعبة والأخرى السماء فقد ابتدع في الدين وخالف ~~جماعة المسلمين الثالث ان القبلة هي ما يستقبله العابد بوجهه كما تستقبل ~~الكعبة في الصلاة والدعاء والذكر والذبح وكما يوجه المحتضر والمدفون ولذلك ~~سميت وجهة والاستقبال خلاف الاستدبار فالاستقبال بالوجه والاستدبار بالدبر ~~فأما ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو جنبه فهذا لا يسمى قبلة لا حقيقة ~~ولا مجازا فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه ~~إليها وهذا لم يشرع والموضع الذي ترفع اليد اليه لا يسمى قبلة لا حقيقة ولا ~~مجازا ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي تتبع فيه الشرائع ولم تأمر الرسل أن ~~الداعي يستقبل السماء بوجهه بل نهوا عن ذلك ومعلوم أن التوجه بالقلب واللجأ ~~والطلب الذي يجده الداعي من نفسه أمر فطري يفعله المسلم والكافر والعالم ~~والجاهل وأكثر PageV00P327 # ما يفعله المضطر والمستغيث بالله كما فطر ms200 على أنه إذا مسه الضر يدعو الله ~~مع أن أمر القبلة مما يقبل النسخ والتحويل كما تحولت القبلة من الصخرة إلى ~~الكعبة وأمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر والمستقبل ~~للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك بخلاف الداعي فإنه يتوجه إلى ربه ~~وخالقه ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من ~~نقض فإن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع لمن فوقه بالذل له لا أن يميل اليه ~~إذ هو تحته هذا لا يخطر في قلب ساجد لكن يحكى عن بشر المريسي انه سمع وهو ~~يقول في سجوده سبحان ربي الأسفل تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون ~~علوا كبيرا وإن من أفضى به النفي إلى هذه الحال حري أن يتزندق إن لم ~~يتداركه الله برحمته وبعيد من مثله الصلاح قال تعالى * (ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) * وقال تعالى * (فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم) * فمن لم يطلب الاهتداء من مظانه يعاقب بالحرمان نسال الله العفو ~~والعافية وقوله وقد أعجز عن الإحاطة خلقه أي لا يحيطون به علما ولا رؤية ~~ولا غير ذلك من وجوه الإحاطة بل هو سبحانه محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء ~~قوله ونقول ان الله اتخذ إبراهيم خليلا وكلم الله موسى تكليما ايمانا ~~وتصديقا وتسليما ش قال الله تعالى * (واتخذ الله إبراهيم خليلا) * وقال ~~تعالى * (وكلم الله موسى تكليما) * الخلة كمال المحبة وأنكرت الجهمية حقيقة ~~المحبة من الجانبين زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب ~~والمحبوب وانه لا مناسبة بين القديم PageV00P328 # والمحدث توجب المحبة وكذلك أنكروا حقيقة التكليم كما تقدم وكان أول من ~~ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم في أوائل المائة الثانية فضحى به ~~خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط خطب الناس يوم الأضحى ~~فقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم إنه زعم ~~أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى ms201 تكليما ثم نزل فذبحه وكان ذلك ~~بفتوى أهل زمانه من علماء التابعين رضي الله عنهم فجزاه الله عن الدين ~~وأهله خيرا وأخذ هذا المذهب عن الجعد الجهم بن صفوان فأظهره وناظر عليه ~~وإليه أضيف قول الجهمية فقتله مسلم بن أحوز أمير خراسان بها ثم انتقل ذلك ~~إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد وظهر قولهم في أثناء خلافة المأمون حتى ~~امتحن أئمة الإسلام ودعوهم إلى الموافقة لهم على ذلك وأصل هذا مأخوذ عن ~~المشركين والصابئة وهم ينكرون ان يكون إبراهيم خيلا وموسى كليما لأن الخلة ~~هي كمال المحبة المستغرقة للمحب كما قيل * قد تخللت مسلك الروح مني * ولذا ~~سمي الخليل خليلا * ولكن محبته وخلته كما يليق به تعالى كسائر صفاته ويشهد ~~لما دلت عليه الآية الكريمة ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا ولكن صاحبكم خليل الله يعني نفسه وفي رواية إني أبرأ إلى كل خليل من ~~خلته ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وفي رواية إن ~~الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا فبين صلى الله عليه وسلم أنه ~~PageV00P329 # لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلا وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس ~~به أبو بكر الصديق مع أنه صلى الله عليه وسلم قد وصف نفسه بأنه يحب اشخاصا ~~كقوله لمعاذ والله إني لأحبك وكذلك قوله للأنصار وكان زيد بن حارثة حب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وابنه أسامة حبه وأمثال ذلك وقال له عمرو بن العاص ~~أي الناس أحب إليك قال عائشة قال فمن الرجال قال أبوها فعلم أن الخلة أخص ~~من مطلق المحبة والمحبوب بها لكمالها يكون محبا لذاته لا لشيء آخر إذ ~~المحبوب لغيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير ومن كمالهالا تقبل الشركة ولا ~~المزاحمة لتخللها المحبة ففيها كمال التوحيد وكمال الحب ولذلك لما اتخذ ~~الله إبراهيم خليلا وكان ms202 إبراهيم قد سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا فوهب له ~~إسماعيل فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه فغار الخليل على قلب خليله أن يكون في ~~مكان لغيره فامتحنه به بذبحه ليظهر سر الخلة في تقديمه محبة خليله على محبة ~~ولده فلما استسلم لأمر ربه وعزم على فعله فظهر سلطان الخلة في الإقدام على ~~ذبح الولد إيثارا لمحبة خليله على محبته نسخ الله ذلك عنه وفداه بالذبح ~~العظيم لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أمر ~~فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح نفسه مفسدة فنسخ في حقه وصارت الذبائح ~~والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في أتباعه إلى يوم القيامة وكما أن ~~منزلة الخلة الثابتة لإبراهيم صلوات عليه قد شاركه فيها نبينا صلى الله ~~عليه وسلم عليه كما تقدم كذلك منزلة التكليم الثابتة لموسى صلوات الله عليه ~~قد شارك فيها نبينا صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في حديث الإسراء ~~PageV00P330 # وهنا سؤال مشهور وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم فكيف طلب له من الصلاة مثل مالإبراهيم مع أن المشبه به أصله ~~أن يكون فوق المشبه وكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين وقد أجاب عنه ~~العلماء بأجوبة عديدة يضيق هذا المكان عن بسطها وأحسنها ان آل إبراهيم فيهم ~~الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم فإذا طلب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ولآلة من الصلاة مثل مالإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء حصل لآل محمد ما يليق ~~بهم لأنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء وتبقى الزيادة التي للأنبياء وفيهم ~~إبراهيم لمحمد صلى الله عليه وسلم فيحصل له من المزية ما لم يحصل لغيره ~~وأحسن من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم بل هو أفضل آل ~~إبراهيم فيكون قولنا كما صليت على آل إبراهيم متناولا الصلاة عليه وعلى ~~سائر النبيين من ذرية إبراهيم وهو متناول لإبراهيم أيضا كما في قوله تعالى ~~* (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم ms203 وآل عمران على العالمين) * ~~فإبراهيم وعمران دخلا في آل إبراهيم وآل عمران وكما في قوله تعالى * (إلا ~~آل لوط نجيناهم بسحر) * فإن لوطا داخل في آل لوط وكما في قوله تعالى * (وإذ ~~نجيناكم من آل فرعون) * وقوله * (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) * فإن فرعون ~~داخل في آل فرعون ولهذا والله أعلم أكثر روايات حديث الصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم إنما فيها كما صليت على آل إبراهيم وفي كثير منها كما صليت ~~على إبراهيم ولم يرد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إلا في قليل من ~~الروايات وما ذلك لا لأن في قوله كما صليت على إبراهيم يدخل آله تبعا وفي ~~قوله كما صليت على آل إبراهيم هو داخل في آل إبراهيم وكذلك لما جاء أبو ~~أوفى رضي الله عنه بصدقة إلى النبي PageV00P331 # صلى الله عليه وسلم دعا له النبي صلى الله عليه وسلم وقال اللهم صل على ~~آل أبي أوفى ولما كان بيت إبراهيم عليه السلام أشرف بيوت العالم على ~~الإطلاق خصهم الله بخصائص منها أنه جعل فيه النبوة والكتاب فلم يأت بعد ~~إبراهيم نبي إلا من أهل بيته ومنها أنه سبحانه جعلهم أئمة يهدون بأمره إلى ~~يوم القيامة فكل من دخل الجنة من أولياء الله بعدهم فإنما دخل من طريقهم ~~وبدعوتهم ومنها أنه سبحانه اتخذ منهم الخليلين كما تقدم ذكره ومنها أنه جعل ~~صاحب هذا البيت إماما للناس قال تعالى * (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ~~ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) * ومنها أنه أجرى على يديه بناء بيته ~~الذي جعله قياما للناس ومثابة للناس وأمنا وجعله قبلة لهم وحجا فكان ظهور ~~هذا البيت في الأكرمين ومنها أنه أمر عباده أن يصلوا على أهل البيت إلى غير ~~ذلك من الخصائص قوله ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين ~~ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين ش هذه الأمور من أركان الإيمان قال تعالى ~~* (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله) ms204 * الآيات وقال تعالى * (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين) ~~* الآية فجعل الله سبحانه وتعالى الايمان هو الإيمان بهذه الجملة وسمى من ~~آمن بهذه الجملة مؤمنين كما جعل الكافرين من كفر بهذه الجملة بقوله * (ومن ~~يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا) * وقال ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته حديث جبرائيل PageV00P332 # وسؤاله للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره فهذه الأصول إلي اتفقت ~~عليها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان ~~إلا اتباع الرسل وأما أعداؤهم ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وأهل البدع فهم ~~متفاوتون في جحدها وإنكارها وأعظم الناس لها إنكارا الفلاسفة المسمون عند ~~من يعظمهم بالحكماء فإن من علم حقيقة قولهم علم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا ~~رسله ولا كتبه ولا ملائكته ولا باليوم الآخر فإن مذهبهم ان الله سبحانه ~~موجود لا ماهية له ولا حقيقة فلا يعلم الجزئيات بأعيانها وكل موجود في ~~الخارج فهو جزئي ولا يفعل عندهم بقدرته ومشيئته وإنما العالم عندهم لازم له ~~أزلا وأبدا وإن سموه مفعولا له فمصانعة ومصالحة للمسلمين في اللفظ وليس ~~عندهم بمفعول ولا مخلوق ولا مقدور عليه وينفون عنه سمعه وبصره وسائر صفاته ~~فهذا ايمانهم بالله واما كتبه عندهم فإنهم لا يصفونه بالكلام فلا يكلم ولا ~~يتكلم ولا قال ولا يقول والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر ~~زاكي النفس طاهر متميز عن النوع الإنساني بثلاث خصائص قوة الإدراك وسرعته ~~لينال من العلم أعظم ما يناله غيره وقوة النفس ليؤثر بها في هيولى العالم ~~يقلب صورة إلى صورة وقوة التخييل ليخيل بها القوى العقلية في اشكال محسوسة ~~وهي الملائكة عندهم وليس في الخارج ذات منفصلة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء وترى ~~وتخاطب الرسول وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان ms205 واما ~~اليوم الآخر فهم أشد الناس تكذيبا وإنكارا له في الأعيان وعندهم أن هذا ~~العالم PageV00P333 # لا يحرب ولا تنشق السماوات ولا تنفطر ولا تنكدر النجوم ولا تكور الشمس ~~والقمر ولا يقوم الناس من قبورهم ويبعثون إلى جنة ونار كل هذا عندهم أمثال ~~مضروبة لتفهيم العوام لا حقيقة لها في الخارج كما يفهم منها أتباع الرسل ~~فهذا إيمان هذه الطائفة الذليلة الحقيرة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر وهذه هي أصول الدين الخمسة وقد أبدلتها المعتزلة بأصولهم الخمسة التي ~~هدموا بها كثيرا من الدين فإنهم بنوا أصل دينهم على الجسم والعرض الذي هو ~~الموصوف والصفة عندهم واحتجوا بالصفات التي هي الأعراض على حدوث الموصوف ~~الذي هو الجسم وتكلموا في التوحيد على هذا الأصل فنفوا عن الله كل صفة ~~تشبيها بالصفات الموجودة في الموصوفات التي هي الأجسام ثم تكلموا بعد ذلك ~~في أفعاله التي هي القدر وسموا ذلك العدل ثم تكلموا في النبوة والشرائع ~~والأمر والنهي والوعد والوعيد وهي مسائل الأسماء والأحكام التي هي المنزلة ~~بين المنزلتين ومسألة إنفاذ الوعيد ثم تكلموا في إلزام الغير بذلك الذي هو ~~الأمر بالعروف والنهي عن المنكر وضمنوه جواز الخروج على الأئمة بالقتال ~~فهذه أصولهم الخمسة التي وضعوها بإزاء أصول الدين الخمسة التي بعث بها ~~الرسول والرافضة المتأخرون جعلوا الأصول أربعة التوحيد والعدل النبوة ~~والإمامة وأصول أهل السنة والجماعة تابعة لما جاء به الرسول واصل الدين ~~الإيمان بما جاء به الرسول كما تقدم بيان ذلك ولهذا كانت الآيتان من آخر ~~سورة البقرة لما تضمنتا هذا الأصل لهما شأن عظيم ليس لغيرهما ففي الصحيحين ~~عن أبي مسعود عقبة بن عمرو PageV00P334 # عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ~~ليلة كفتاه وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينا جبرائيل ~~قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا ~~باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك ms206 فقال هذا ملك ~~نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال أبشر بنورين اوتيتهما لم ~~يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلا ~~أوتيته وقال أبو طالب المكي أركان الإيمان سبعة يعني هذه الخمسة والإيمان ~~بالقدر والايمان بالجنة والنار وهذا حق والأدلة عليه ثابتة محكمة قطعية وقد ~~تقدمت الإشارة إلى دليل التوحيد والرسالة وأما الملائكة فهم الموكلون ~~بالسموات والأرض فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة كما قال تعالى * ~~(فالمدبرات أمرا) * * (فالمقسمات أمرا) * وهم الملائكة عند أهل الإيمان ~~وأتباع الرسل وأما المكذبون بالرسل المنكرون للصانع فيقولون هي النجوم وقد ~~دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة وأنها موكلة بأصناف المخلوقات وأنه ~~سبحانه وكل بالجبال ملائكة ووكل بالسحاب والمطر ملائكة ووكل بالرحم ملائكة ~~تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه ~~وكتابة ووكل بالموت ملائكة ووكل بالسؤال في القبر ملائكة ووكل بالأفلاك ~~ملائكة يحركونها ووكل بالشمس والقمر PageV00P335 # ملائكة ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة ووكل بالجنة ~~وعمارتها وغرسها وعمل آلاتها ملائكة فالملائكة أعظم جنود الله ومنهم ~~المرسلات عرفا و الناشرات نشرا و الفارقات فرقا و الملقيات ذكرا ومنهم ~~النازعات غرقا و الناشطات نشطا و السابحات سبحا * (فالسابقات سبقا) * ومنهم ~~الصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا ومعنى جمع التأنيت في ذلك كله ~~الفرق والطوائف والجماعات التي مفردها فرقة وطائفة وجماعة ومنهم ملائكة ~~الرحمة وملائكة العذاب وملائكة قد وكلوا بحمل العرش وملائكة قد وكلوا ~~بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقديس إلى غير ذلك من أصناف الملائكة ~~التي لا يحصيها إلا الله ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسله فليس ~~لهم من الأمر شيء بل الأمر كله للواحد القهار وهم ينفذون امره * (لا ~~يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) * * (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) * * ~~(ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) * * (يخافون ربهم من فوقهم ~~ويفعلون ما يؤمرون) * فهم عباد مكرمون منهم الصافون ومنهم المسبحون ليس ~~منهم إلا ms207 له مقام معلوم ولا يتخطاه وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه ولا ~~يتعداه وأعلاهم الذين عنده * (لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون) * ورؤساؤهم الأملاك الثلاثة جبرائيل وميكائيل ~~وإسرافيل الموكلون بالحياة فجبرائيل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب ~~والأرواح وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان ~~وإسرافيل PageV00P336 # موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم فهم رسل الله في ~~خلقه وأمره وسفراؤه بينه وبين عباده ينزلون الأمر من عنده في أقطار العالم ~~ويصعدون اليه بالأمر قد أطت السماوات بهم وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع ~~أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد لله ويدخل البيت المعمور منهم كل يوم ~~سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم والقرآن مملوء بذكر الملائكة ~~وأصنافهم ومراتبهم فتارة يقرن الله تعالى اسمه باسمهم وصلاته بصلاتهم ~~ويضيفهم اليه في مواضع التشريف وتارة يذكر حفهم بالعرش وحملهم له ومراتبهم ~~من الدنو وتارة يصفهم بالإكرام والكرم والتقريب والعلو والطهارة والقوة ~~والإخلاص قال تعالى * (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) * * (شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم) * * (هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور) * * (الذين يحملون العرش ومن حوله ~~يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا) * * (وترى الملائكة ~~حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم) * * (بل عباد مكرمون) * * (إن الذين ~~عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون) * * (فإن استكبروا ~~فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون) * * (كراما ~~كاتبين) * * (كرام بررة) * * (يشهده المقربون) * * (لا يسمعون إلى الملإ ~~الأعلى) * وكذلك الأحاديث النبوية طافحة بذكرهم فلهذا كان الإيمان ~~بالملائكة أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان وقد تكلم الناس في ~~المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر وينسب PageV00P337 # إلى أهل السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة والى ~~المعتزلة تفضيل الملائكة وأتباع الأشعري على قولين منهم من يفضل الأنبياء ~~والأولياء ومنهم من يقف ولا يقطع في ms208 ذلك قولا وحكي عن بعضهم ميلهم إلى ~~تفضيل الملائكة وحكي ذلك عن غيرهم من أهل السنة وبعض الصوفية وقالت الشيعة ~~إن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة ومن الناس من فصل تفصيلا آخر ولم يقل ~~أحد ممن له قول يؤثر إن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء دون بعض وكنت ترددت ~~في الكلام على هذه المسألة لقلة ثمرتها وأنها قريب مما لا يعني و من حسن ~~إسلام المرء تركه ما لا يعنيه والشيخ رحمه الله لم يتعرض إلى هذه المسألة ~~بنفي ولا إثبات ولعله يكون قد ترك الكلام فيها قصدا فإن الإمام أبا حنيفة ~~رضي الله عنه وقف في الجواب عنها على ما ذكره في مآل الفتاوى فإنه ذكر ~~مسائل لم يقطع أبو حنيفة فيها بجواب وعد منها التفضيل بين الملائكة ~~والأنبياء وهذا هو الحق فإن الواجب علينا الأيمان بالملائكة والنبيين وليس ~~علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصا ~~وقد قال تعالى * (اليوم أكملت لكم دينكم) * * (وما كان ربك نسيا) * وفي ~~الصحيح إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء ~~فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها فالسكوت عن ~~الكلام في هذه المسألة نفيا وإثباتا والحالة هذه أولى PageV00P338 # ولا يقال إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب ~~والسنة لأن الأدلة هنا متكافئة على ما أشير اليه إن شاء الله تعالى وحملني ~~على بسط الكلام هنا أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم كان الملك خادما ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أو أن بعض الملائكة خدام بني آدم يعنون الملائكة ~~الموكلين بالبشر ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع المجانبة للأدب ~~والتفضيل إذا كان على وجه التنقص أو الحمية والعصبية للجنس لا شك في رده ~~وليس هذه المسألة نظير المفاضلة بين الأنبياء فإن تلك قد وجد فيها نص وهو ~~قوله تعالى * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) * وقوله تعالى * (ولقد فضلنا ~~بعض النبيين على ms209 بعض) * وقد تقدم الكلام في ذلك عند قول الشيخ وسيد ~~المرسلين يعني النبي صلى الله عليه وسلم والمعتبر رجحان الدليل ولا يجهر ~~القول لأن بعض أهل الأهواء وافق عليه بعد أن تكون المسالة مختلفا فيها بين ~~أهل السنة وقد كان أبو حنيفة رضي الله عنه يقول أولا بتفضيل الملائكة على ~~البشر ثم قال بعكسه والظاهر أن القول بالتوقف أحد أقواله والأدلة في هذه ~~المسألة من الجانبين إنما تدل على الفضل لا على الأفضلية ولا نزاع في ذلك ~~وللشيخ تاج الدين الفزاري رحمه الله مصنف سماه الإشارة في البشارة في تفضيل ~~البشر على الملك قال في آخره اعلم أن هذه المسألة من بدع علم الكلام التي ~~لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة ولا من بعدهم من أعلام الأئمة ولا ~~يتوقف عليها أصل من أصول العقائد ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كبير من ~~المقاصد ولهذا خلا عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن وامتنع من الكلام فيها ~~جماعة من الأعيان وكل متكلم فيها من علماء الظاهر بعلمه لم يخل كلامه عن ~~ضعف واضطراب انتهى والله الموفق للصواب PageV00P339 # فمما استدل به على تفضيل الأنبياء على الملائكة أن الله أمر الملائكة أن ~~يسجدوا لآدم وذلك دليل على تفضيله عليهم ولذلك امتنع إبليس واستكبر وقال * ~~(أرأيتك هذا الذي كرمت علي) * قال الآخرون إن سجود الملائكة كان امتثالا ~~لأمر ربهم وعبادة وانقيادا وطاعة له وتكريما لآدم وتعظيما ولا يلزم من ذلك ~~الأفضلية كما لم يلزم من سجود يعقوب لأبنه عليهما السلام تفضيل ابنه عليه ~~ولا تفضيل الكعبة على بني آدم بسجودهم إليها امتثالا لأمر ربهم وأما امتناع ~~إبليس فإنه عارض النص برأيه وقياسه الفاسد بأنه خير منه وهذه المقدمة ~~الصغرى والكبرى محذوفة تقديرها والفاضل لا يسجد للمفضول وكلتا المقدمتين ~~فاسدة أما الأولى فإن التراب يفوق النار في أكثر صفاته ولهذا خان إبليس ~~عنصره فأبى واستكبر فإن من صفات النار طلب العلو والخفة والطيش والرعونة ~~وإفساد ما تصل اليه ومحقه وإهلاكه وإحراقه ونفع آدم عنصره في ms210 التوبة ~~والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله والاعتراف وطلب المغفرة فإن من ~~صفات التراب الثبات والسكون والرصانة والتواضع والخضوع والخشوع والتذلل وما ~~دنا منه ينبت ويزكو وينمي ويبارك فيه ضد النار وأما المقدمة الثانية وهي أن ~~الفاضل لا يسجد للمفضول فباطلة فإن السجود طاعة لله وامتثال لأمره ولو أمر ~~الله عباده ان يسجدوا لحجر لوجب عليهم الامتثال والمبادرة ولا يدل ذلك على ~~أن المسجود له أفضل من الساجد وإن كان فيه تكريمه وتعظيمه وإنما يدل على ~~فضله قالوا وقد يكون قوله * (هذا الذي كرمت علي) * بعد طرده لامتناعه عن ~~السجود له لا قبله فينتفي الاستدلال به ومنه أن الملائكة لهم عقول وليست ~~لهم شهوات والأنبياء لهم PageV00P340 # عقول وشهوات فلما نهوا أنفسهم عن الهوى ومنعوها عما تميل إليه الطباع ~~كانوا بذلك أفضل وقال الآخرون يجوز أن يقع من الملائكة من مداومة الطاعة ~~وتحمل العبادة وترك الونى والفتور فيها ما يفي بتجنب الأنبياء شهواتهم مع ~~طول مدة عبادة الملائكة ومنه أن الله تعالى جعل الملائكة رسلا إلى الأنبياء ~~وسفراء بينه وبينهم وهذا الكلام قد اعتل به من قال إن الملائكة أفضل ~~واستدلالهم به أقوى فإن الأنبياء المرسلين إن ثبت تفضيلهم على المرسل إليهم ~~بالرسالة ثبت تفضيل الرسل من الملائكة إليهم عليهم فإن الرسول الملكي يكون ~~رسولا إلى الرسول البشري ومنه قوله تعالى * (وعلم آدم الأسماء كلها) * ~~الآيات قال الآخرون وهذا دليل على الفضل لا على التفضيل وآدم والملائكة لا ~~يعلمون إلا ما علمهم الله وليس الخضر أفضل من موسى بكونه علم ما لم يعلمه ~~موسى وقد سافر موسى وفتاه في طلب العلم إلى الخضر وتزود لذلك وطلب موسى منه ~~العلم صريحا وقال له الخضر إنك على علم من علم الله إلى آخر كلامه ولا ~~الهدهد أفضل من سليمان عليه السلام بكونه أحاط بما لم يحط به سليمان عليه ~~السلام علما ومنه قوله تعالى * (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) * قال ~~الآخرون هذا دليل الفضل لا الأفضلية وإلا لزم تفضيله على محمد صلى ms211 الله ~~عليه وسلم فإن قلتم هو من ذريته فمن ذريته البر والفاجر بل يوم القيامة إذا ~~قيل لآدم ابعث من ذريتك بعثا إلى النار يبعث من كل ألف تسعمائة وتسعة ~~وتسعين إلى النار وواحدا إلى الجنة فما بال هذا التفضيل سرى إلى هذا الواحد ~~من الألف فقط PageV00P341 # ومنه قول عبد الله بن سلام رضي الله عنه ما خلق الله خلقا أكرم عليه من ~~محمد صلى الله عليه وسلم الحديث فالشأن في ثبوته وإن صح عنه فالشأن في ~~ثبوته في نفسه فإنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات ومنه حديث عبد الله بن ~~عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الملائكة قالت ~~يا ربنا أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ~~ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة قال لا ~~أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان PageV00P342 # أخرجه الطبراني وأخرجه عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل عن عروة بن رويم ~~أنه قال أخبرني الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة قالوا ~~الحديث وفيه وينامون ويستريحون فقال الله تعالى لا فأعادوا القول ثلاث مرات ~~كل ذلك يقول لا والشأن في ثبوتها فإن في سنديهما مقالا وفي متنهما شيئا ~~فكيف يظن بالملائكة الاعتراض على الله مرات عديدة وقد أخبر الله تعالى عنهم ~~أنهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون وهل يظن بهم أنهم متبرمون ~~بأحوالهم متشوفون إلى ما سواها من شهوات بني آدم والنوم أخو الموت فكيف ~~يغبطونهم به وكيف يظن بهم أنهم يغبطونهم باللهو PageV00P343 # وهو من الباطل قالوا بل الأمر بالعكس فإن إبليس إنما سوس إلى آدم ودلاه ~~بغرور إذ أطعمه في أن يكون ملكا بقوله * (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة ~~إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) * فدل أن أفضلية الملك أمر معلوم ~~مستقر في الفطرة يشهد لذلك قوله تعالى حكاية عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن ms212 ~~عند رؤية يوسف * (وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم) * وقال ~~تعالى * (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ~~ملك) * قال الأولون إن هذا إنما كان لما هو مركوز في النفس أن الملائكة خلق ~~جميل عظيم مقتدر على الأفعال الهائلة خصوصا العرب فإن الملائكة PageV00P344 # كانوا في نفوسهم من العظمة بحيث قالوا إن الملائكة بنات الله تعالى الله ~~عن قولهم علوا كبيرا ومنه قوله تعالى * (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين) * قال الآخرون قد يذكر العالمون ولا يقصد ~~به العموم المطلق بل في كل مكان بحسبه كما في قوله تعالى * (ليكون للعالمين ~~نذيرا) * * (قالوا أو لم ننهك عن العالمين) * * (أتأتون الذكران من ~~العالمين) * PageV00P345 # * (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) * ومنه قوله تعالى * (إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) * والبرية مشتقة من البرء ~~بمعنى الخلق فثبت أن صالحي البشر خير الخلق قال الآخرون إنما صاروا خير ~~البرية لكونهم آمنوا وعملوا الصالحات والملائكة في هذا الوصف أكمل فإنهم لا ~~يسأمون ولا يفترون فلا يلزم أن يكونوا خيرا من الملائكة هذا على قراءة من ~~قرأ البريئة بالهمز وعلى قراءة من قرأ بالياء إن قلنا إنها مخففة من الهمزة ~~وإن قلنا إنها نسبة إلى البري وهو التراب كما قاله الفراء فيما نقله عنه ~~الجوهري في الصحاح يكون المعني أنهم خير من خلق من التراب فلا عموم فيها إذ ~~الغير من خلق من التراب قال الأولون إنما تكلمنا في تفضيل صالحي البشر إذا ~~كملوا ووصلوا إلى غايتهم وأقصى نهايتهم وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة ~~ونالوا الزلفى وسكنوا الدرجات العلى وحباهم الرحمن بمزيد قربه وتجلى لهم ~~ليستمتعوا بالنظر إلى وجهه الكريم وقال الآخرون الشأن في أنهم هل صاروا إلى ~~حالة يفوقون فيها الملائكة أو يساوونهم فيها فإن كان قد ثبت لهم أنهم ~~يصيرون إلى حال يفوقون فيها الملائكة سلم المدعى وإلا فلا ومما استدل به ~~على تفضيل ms213 الملائكة على البشر قوله تعالى * (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا ~~لله ولا الملائكة المقربون) * وقد ثبت من طريق اللغة ان مثل هذا الكلام يدل ~~على أن المعطوف أفضل من المعطوف عليه لأنه لا يجوز أن يقال لن يستنكف ~~الوزير أن يكون خادما للملك ولا الشرطي أو الحارس وإنما يقال لن يستنكف ~~الشرطي أن يكون خادما للملك ولا الوزير ففي مثل هذا التركيب يترقى من ~~الأدنى إلى الأعلى فإذا ثبت تفضيلهم على عيسى PageV00P346 # عليه السلام ثبت في حق غيره إذ لم يقل أحد أنهم أفضل من بعض الأنبياء دون ~~بعض أجاب الآخرون بأجوبة أحسنها أو من أحسنها أنه لا نزاع في فضل قوة الملك ~~وقدرته وشدته وعظم خلقه وفي العبودية خضوع وذل وانقياد وعيسى عليه السلام ~~لا يستنكف عنها ولا من هو أقدر منه وأقوى وأعظم خلقا ولا يلزم من مثل هذا ~~التركيب الأفضلية المطلقة من كل وجه ومنه قوله تعالى * (قل لا أقول لكم ~~عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك) * ومثل هذا يقال ~~بمعنى إني لو قلت ذلك لادعيت فوق منزلتي ولست ممن يدعي ذلك أجاب الآخرون أن ~~الكفار كانوا قد قالوا * (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) * ~~فأمر أن يقول لهم إني بشر مثلكم أحتاج إلى ما يحتاج اليه البشر من الاكتساب ~~والأكل والشرب لست من الملائكة الذين لم يجعل الله لهم حاجة إلى الطعام ~~والشراب فلا يلزم حينئذ الأفضلية المطلقة ومنه ما روى مسلم بإسناده عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن القوي خير ~~وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ومعلوم ان قوة البشر لا تداني ~~قوة الملك ولا تقاربها قال الآخرون الظاهر أن المراد المؤمن من البشر والله ~~أعلم فلا تدخل الملائكة في هذا العموم ومنه ما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يروي عن ربه ms214 عز وجل ~~قال يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ~~PageV00P347 # ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ~~الحديث وهذا نص في الأفضلية قال الآخرون يحتمل أن يكون المراد خيرا منه ~~للمذكور لا الخيرية المطلقة ومنه ما رواه إمام الأئمة محمد بن خزيمة بسنده ~~في كتاب التوحيد عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بينا أنا جالس إذ جاء جبرائيل فوكز بين كتفي فقمت إلى شجرة مثل وكري الطير ~~فقعد في إحداها وقعت في الأخرى فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين وأنا أقلب ~~بصري ولو شئت أن أمس السماء مسست فنظرت إلى جبرائيل كأنه حلس لاطىء فعرفت ~~فضل علمه بالله علي الحديث قال الآخرون في سنده مقال فلا نسلم الاحتجاج به ~~إلا بعد ثبوته وحاصل الكلام أن هذه المسالة من فضول المسائل ولهذا لم يتعرض ~~لها كثير من أهل الأصول وتوقف أبو حنيفة رضي الله عنه في الجواب عنها كما ~~تقدم والله أعلم بالصواب PageV00P348 # وأما الأنبياء والمرسلون فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من ~~رسله والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلا سواهم وأنبياء لا يعلم أسماءهم ~~وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم فعلينا الإيمان بهم جملة لأنه لم يأت في ~~عددهم نص وقد قال تعالى * (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم ~~عليك) * وقال تعالى * (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم ~~من لم نقصص عليك) * وعلينا الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما ارسلوا به على ما ~~امرهم الله به وانهم بينوه بيانا لا يسع أحدا ممن ارسلوا اليه جهله ولا يحل ~~خلافه قال تعالى * (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) * * (فإن تولوا فإنما ~~عليك البلاغ المبين) * * (وإن تطيعوه تهتدوا) * * (وما على الرسول إلا ~~البلاغ المبين) * * (وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ ~~المبين) * وأما أولو العزم من الرسل فقد قيل فيهم أقوال أحسنها ما ms215 نقله ~~البغوي وغيره عن ابن عباس وقتادة انهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ~~صلوات الله وسلامه عليهم قال وهم المذكورون في قوله تعالى * (وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم) * وفي قوله ~~تعالى * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما ~~تدعوهم إليه) * وأما الأيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فتصديقه واتباع ما ~~جاء به من الشرائع إجمالا وتفصيلا PageV00P349 # وأما الأيمان بالكتب المنزلة على المرسلين فنؤمن بما سمى الله تعالى منها ~~في كتابه من التوراة والإنجيل والزبور ونؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتبا ~~أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى وأما الإيمان ~~بالقرآن فالإقرار به واتباع ما فيه وذلك امر زائد على الإيمان بغيره من ~~الكتب فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله أتتهم من عند الله ~~وأنها حق وهدى ونور وبيان وشفاء قال تعالى * (قولوا آمنا بالله وما أنزل ~~إلينا) * إلى قوله * (وما أوتي النبيون من ربهم) * * (ألم الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم) * إلى قوله * (وأنزل الفرقان) * * (آمن الرسول بما أنزل ~~إليه من ربه) * * (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه ~~اختلافا كثيرا) * إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تكلم بها وأنها ~~نزلت من عنده وفي ذلك إثبات صفة الكلام والعلو وقال تعالى * (كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق) * * ~~(وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد) * * (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق) * * (يا ~~أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ~~للمؤمنين) * * (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء) * * (فآمنوا بالله ورسوله ~~والنور الذي أنزلنا) * وأمثال ذلك في القرآن كثيرة قوله ونسمى أهل قبلتنا ~~مسلمين ms216 مؤمنين ما داموا بما جاء به PageV00P350 # النبي صلى الله عليه وسلم معترفين وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين ش قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا واكل ذبيحتنا ~~فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا ويشير الشيخ رحمه الله بهذا الكلام ~~إلى أن الإسلام والإيمان واحد وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب ~~ما لم يستحله والمراد بقوله أهل قبلتنا من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة وإن ~~كان من أهل الأهواء أو من أهل المعاصي ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وسيأتي الكلام على هذين المعنيين عند قول الشيخ ولا ~~نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله وعند قوله والإسلام والإيمان ~~واحد وأهله في أصله سواء قوله ولا نخوض في الله ولا نماري في دين الله ش ~~يشير الشيخ رحمه الله إلى الكف عن كلام المتكلمين الباطل وذم علمهم فإنهم ~~يتكلمون في الإله بغير علم وغير سلطان أتاهم * (إن يتبعون إلا الظن وما ~~تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) * وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال ~~لا ينبغي لأحد ان ينطق في ذات الله بشيء بل يصفه بما وصف به نفسه وقال ~~بعضهم الحق سبحانه يقول من ألزمته القيام مع أسمائي وصفاتي ألزمته الأدب ~~ومن كشفت له حقيقة ذاتي ألزمته العطب فاختر الأدب أو العطب ويشهد لهذا انه ~~سبحانه لما كشف للجبل عن ذاته ساخ الجبل وتدكدك ولم يثبت على عظمة الذات ~~قال الشبلي الانبساط بالقول مع الحق ترك الأدب وقوله ولا نماري في دين الله ~~معناه لا نخاصم أهل الحق بإلقاء شبهات أهل الأهواء عليهم التماسا لامترائهم ~~وميلهم لأنه في معنى الدعاء إلى الباطل وتلبيس الحق وإفساد دين الإسلام ~~PageV00P351 # قوله ولا نجادل في القرآن ونشهد انه كلام رب العالمين نزل به الروح ~~الأمين فطمه سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وهو كلام الله تعالى لا ~~يساويه شيء من كلام المخلوقين ولا نقول بخلقه ms217 ولا نخالف جماعة المسلمين ش ~~فقوله ولا نجادل في القرآن يحتمل أنه أراد أنا لا نقول فيه كما قال أهل ~~الزيع واختلفوا وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق بل نقول إنه كلام رب ~~العالمين نزل به الروح الأمين إلى آخر كلامه ويحتمل أنه أراد أنا لا نجادل ~~في القراءة الثابتة بل نقرؤه بكل ما ثبت وصح وكل من المعنيين حق ويشهد بصحة ~~المعنى الثاني ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال سمعت رجلا ~~قرأ آية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت ~~به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فعرفت في وجهه الكراهة ~~وقال كلاكما محسن لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا رواه مسلم ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من ~~المختلفين ما مع صاحبه من الحق لأن كلا القارئين كان محسنا فيما قرأه وعلل ~~ذلك بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا ولهذا قال حذيفة رضي الله عنه لعثمان ~~رضي الله عنه أدرك هذه الأمة لا تختلف كما اختلفت الأمم قبلهم فجمع الناس ~~على حرف واحد اجتماعا سائغا وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة ولم يكن في ~~ذلك ترك لواجب ولا فعل PageV00P352 # لمحظور إذ كانت قراءة القرآن على سبعة أحرف جائزة لا واجبة رخصة من الله ~~تعالى وقد جعل الاختيار إليهم في أي حرف اختاروه أن ترتيب السور لم يكن ~~واجبا عليهم منصوصا ولهذا كان ترتيب مصحف عبد الله على غير ترتيب المصحف ~~العثماني وكذلك مصحف غيره وأما ترتيب آيات السور فهو ترتيب منصوص عليه فلم ~~يكن لهم أن يقدموا آية على آية بخلاف السور فلما رأى الصحابة أن الأمة ~~تفترق وتختلف وتتقاتل إن لم تجتمع على حرف واحد جمعهم الصحابة عليه هذا قول ~~جمهور السلف من العلماء والقراء قاله ابن جرير وغيره منهم من يقول إن ~~الترخص في الأحرف السبعة كان في أول الإسلام لما في ms218 المحافظة على حرف واحد ~~من المشقة عليهم أولا فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة وكان اتفاقهم على حرف ~~واحد يسير عليهم وهو أوفق لهم اجمعوا على الحرف الذي كان في العرضة الأخيرة ~~وذهب طوائف من الفقهاء وأهل الكلام إلى أن المصحف يشتمل على الأحرف السبعة ~~لأنه لا يجوز أن يهمل شيء من الأحرف السبعة وقد اتفقوا على نقل المصحف ~~العثماني وترك ما سواه وقد تقدمت الإشارة إلى الجواب وهو أن ذلك كان جائزا ~~لا واجبا أو أنه صار منسوخا وأما من قال عن ابن مسعود إنه كان يجوز القراءة ~~بالمعنى فقد كذب عليه وإنما قال قد نظرت إلى القراءة فرأيت قراءتهم متقاربة ~~وإنما هو كقول أحدكم هلم وأقبل وتعال فاقرؤوا كما علمتم أو كما قال والله ~~تعالى قد أمرنا أن لا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا ~~منهم فكيف بمناظرة أهل القبلة فإن أهل القبلة من حيث الجملة خير من أهل ~~الكتاب فلا يجوز أن يناظر من لم يظلم منهم إلا بالتي هي أحسن وليس إذا أخطأ ~~يقال إنه PageV00P353 # كافر قل أن تقام عليه الحجة التي حكم الرسول بكفر من تركها والله تعالى ~~قد عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان ولهذا ذم السلف أهل الأهواء وذكروا أن ~~آخر امرهم السيف وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان إن شاء الله تعالى عند قول ~~الشيخ ونرى الجماعة حقا وصوابا والفرقة زيغا وعذابا وقوله ونشهد أنه كلام ~~رب العالمين قد تقدم الكلام على هذا المعنى عند قوله وان القرآن كلام الله ~~منه بدا بلا كيفية قولا وقوله * (نزل به الروح الأمين) * هو جبرائيل عليه ~~السلام سمي روحا لأنه حامل الوحي الذي به حياة القلوب إلى الرسل من البشر ~~صلوات الله عليهم أجمعين وهو أمين حق امين صلوات الله عليه قال تعالى * ~~(نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) * وقال ~~تعالى * (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين) * ~~وهذا وصف جبرائيل بخلاف ms219 قوله تعالى * (إنه لقول رسول كريم وما هو بقول ~~شاعر) * الآيات فإن الرسول هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم وقوله فعلمه سيد ~~المرسلين تصريح بتعليم جبرائيل إياه إبطالا لتوهم القرامطة وغيرهم أنه ~~تصوره في نفسه إلهاما وقوله ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين تنبيه ~~على أن من قال بخلق القرآن فقد خالف جماعة المسلمين فإن سلف الأمة كلهم ~~متفقون على أنه كلام الله بالحقيقة غير مخلوق بل قوله ولا نخالف جماعة ~~المسلمين مجرى على إطلاقه أنا لا نخالف جماعة المسلمين في جميع ما اتفقوا ~~عليه فإن خلافهم زيغ وضلال وبدعة PageV00P354 # قوله ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ولا نقول لا يضر مع ~~الإيمان ذنب لمن عمله ش أراد بأهل القبلة الذين تقدم ذكرهم في قوله ونسمي ~~أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ~~معترفين وله بكل ما قال وأخبر مصدقين يشير الشيخ رحمه الله بهذا الكلام إلى ~~الرد على الخوارج القائلين بالتكفير بكل ذنب واعلم رحمك الله وإينا أن باب ~~التكفير وعدم التكفير باب عظمت الفتنة والمحنة فيه وكثر فيه الافتراق ~~وتشتتت فيه الأهواء والآراء وتعارضت فيه دلائلهم فالناس فيه في جنس تكفير ~~أهل المقالات والعقائد الفاسدة المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في ~~نفس الأمر أو المخالفة لذلك في اعتقادهم على طرفين ووسط من جنس الاختلاف في ~~تكفير أهل الكبائر العملية فطائفة تقول لا نكفر من أهل القبلة أحدا فتنفي ~~التكفير نفيا عاما مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو ~~أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع وفيهم من قد يظهر بعض ذلك ~~حيث يمكنهم وهم يتظاهرون بالشهادتين وأيضا فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل ~~لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة والمحرمات الظاهرة المتواترة ~~ونحو ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا مرتدا والنفاق والردة مظنتها ~~البدع والفجور كما ذكره الخلال في كتاب السنة بسنده إلى محمد بن سيرين أنه ms220 ~~قال إن أسرع الناس رده أهل الأهواء وكان يرى هذه الآية نزلت فيهم * (وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) * ولهذا ~~امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدا بذنب بل يقال لا ~~نكفرهم بكل ذنب كما PageV00P355 # تفعله الخوارج وفرق بين النفي العام ونفي العموم والواجب إنما هو نفي ~~العموم مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب ولهذا والله أعلم قيده ~~الشيخ رحمه الله بقوله ما لم يستحله وفي قوله ما لم يستحله إشارة إلى أن ~~مراده من هذا النفي العام لكل ذنب من الذنوب العملية لا العلمية وفيه إشكال ~~فإن الشارع لم يكتف من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم ولا في ~~العلميات بمجرد العلم دون العمل وليس العمل مقصورا على عمل الجوارح بل ~~أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح وأعمال الجوارح تبع إلا أن يضمن قوله يستحله ~~بمعنى يعتقده أو نحو ذلك وقوله ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ~~إلى آخر كلامه رد على المرجئة فإنهم يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ~~ينفع مع الكفر طاعة فهؤلاء في طرف والخوارج في طرف فإنهم يقولون نكفر ~~المسلم بكل ذنب أو بكل ذنب كبير وكذلك المعتزلة الذين يقولون يحبط إيمانه ~~كله بالكبيرة فلا يبقى معه شيء من الإيمان لكن الخوارج يقولون يخرج من ~~الإيمان ويدخل في الكفر والمعتزلة يقولون يخرج من الايمان ولا يدخل في ~~الكفر وهذه المنزلة بين المنزلتين وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له ~~الخلود في النار وطوائف من أهل الكلام والفقه والحديث لا يقولون ذلك في ~~الأعمال لكن في الاعتقادات البدعية وإن كان صاحبها متأولا فيقولون يكفر كل ~~من قال هذا القول لا يفرقون بين المجتهد المخطيء وغيره أو يقولون يكفر كل ~~مبتدع وهؤلاء يدخل عليهم في هذا الإثبات العام أمور عظيمة فإن النصوص ~~المتواترة قد دلت على أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ~~ونصوص الوعد PageV00P356 # التي يحتج ms221 بها هؤلاء تعارض نصوص الوعيد التي يحتج بها أولئك والكلام في ~~الوعيد مبسوط في موضعه وسيأتي بعضه عند الكلام على قول الشيخ وأهل الكبائر ~~في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون والمقصود هنا أن البدع هي من هذا ~~الجنس فإن الرجل يكون مؤمنا باطنا وظاهرا لكن تأول تأويلا أخطأ فيه إما ~~مجتهدا وإما مفرطا مذنبا فلا يقال إن إيمانه حبط لمجرد ذلك إلا أن يدل على ~~ذلك دليل شرعي بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة ولا نقول لا يكفر بل ~~العدل هو الوسط وهو أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما ~~أثبته الرسول أو إثبات ما نفاه أو الأمر بما نهى عنه أو النهي عما أمر به ~~يقال فيها الحق ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص ويبين أنها كفر ~~ويقال من قالها فهو كافر ونحو ذلك كما يذكر من الوعيد في الظلم في النفس ~~والأموال وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق ~~القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها وعن أبي ~~يوسف رحمة الله أنه قال ناظرت أبا حنيفة رحمه الله مدة حتى اتفق رأيي ورأيه ~~أن من قال بخلق القرآن فهو كافر وأما الشخص المعين إذا قيل هل تشهدون انه ~~من أهل الوعيد وانه كافر فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة فإنه ~~من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في ~~النار فإن هذا حكم الكافر بعد الموت ولهذا ذكر أبو داود في سننه في كتاب ~~الأدب باب النهي عن البغي وذكر فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين فكان ~~أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على ~~الذنب فيقول أقصر فوجده يوما PageV00P357 # على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيبا ms222 فقال والله لا يغفر ~~الله لك أولايدخلك الله الجنة فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين فقال ~~لهذا المجتهد أكنت بي عالما أو كنت على ما في يدي قادرا وقال للمذنب اذهب ~~فادخل الجنة برحمتي وقال للآخر اذهبوا به إلى النار قال أبو هريرة والذي ~~نفسي بيده لتكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته وهو حديث حسن ولأن الشخص المعين ~~يمكن أن يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ~~ذلك من النصوص ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله كما ~~غفر للذي قال إذا مت فاسحقوني ثم اذروني ثم غفر الله له لخشيته وكان يظن أن ~~الله لا يقدر على جمعه وإعادته أو شك في ذلك لكن هذا التوقف في أمر الآخرة ~~لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا لمنع بدعته وأن نستتيبه فإن تاب وإلا قتلناه ~~ثم إذا كان القول في نفسه كفرا قيل إنه كفر والقائل له يكفر بشروط وانتفاء ~~موانع ولا يكون ذلك إلا إذا صار منافقا زنديقا فلا يتصور أن يكفر أحد من ~~أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا وكتاب الله يبين ~~ذلك فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف صنف كفار من المشركين ومن أهل ~~الكتاب وهم الذين لا يقرون بالشهادتين وصنف المؤمنون باطنا وظاهرا وصنف ~~أقروا به ظاهرا لا باطنا وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة ~~وكل من ثبت انه كافر في نفس الأمر وكان مقرا بالشهادتين فإنه لا يكون إلا ~~زنديقا والزنديق هو المنافق وهنا يظهر غلط الطرفين فإنه من كفر كل من قال ~~القول المبتدع في PageV00P358 # الباطن يلزمه أن يكفر أقواما ليسوا في الباطن منافقين بل هم في الباطن ~~يحبون الله ورسوله ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين كما ثبت في صحيح ~~البخاري عن أسلم مولى عمر رضي الله عنه عن عمر أن رجلا كان على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان ms223 يضحك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب ~~فأتى به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى ~~به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فوالله ما علمت إنه يحب ~~الله ورسوله وهذا امر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين وفيهم ~~بعض مقالات الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج ولكن ~~الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدعة بل بفرع منها ~~ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء لطوائف من السلف المشاهير فمن عيوب أهل البدع ~~تكفير بعضهم بعضا ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون ولكن بقي هنا ~~إشكال يرد على كلام الشيخ رحمه الله وهو أن الشارع قد سمى بعض الذنوب كفرا ~~قال الله * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * وقال صلى ~~الله عليه وسلم سباب المسلم فسوق وقتاله كفر متفق عليه من حديث ابن مسعود ~~رضي الله عنه وقال صلى الله عليه وسلم لا PageV00P359 # ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وإذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد ~~باء بها أحدهما متفق عليهما من حديث ابن عمرو رضي الله عنه وقال صلى الله ~~عليه وسلم أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه ~~خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا ~~خاصم فجر متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وقال صلى الله ~~عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن والتوبة معروضة بعد وقال صلى الله ~~عليه وسلم بين المسلم وبين الكفر ترك الصلاة رواه مسلم عن جابر رضي الله ~~عنه وقال صلى الله عليه وسلم من أتى كاهنا فصدقه أو أتى امرأة في دبرها ms224 فقد ~~كفر بما أنزل على محمد وقال صلى الله عليه وسلم من حلف بغير الله فقد كفر ~~رواه الحاكم بهذا اللفظ وقال صلى الله عليه وسلم ثنتان في أمتي بهم كفر ~~الطعن في الأنساب والنياحة على الميت ونظائر ذلك كثيرة والجواب ان أهل ~~السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة ~~بالكلية كما قالت الخوارج إذ لو كفر PageV00P360 # كفر ينقل عن الملة لكان مرتدا يقتل على كل حال ولا يقبل عفو ولي القصاص ~~ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر وهذا القول معلوم بطلانه ~~وفساده بالضرورة من دين الإسلام ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان ~~والإسلام ولا يدخل في الكفر ولا يستحق الخلود مع الكافرين كما قالت ~~المعتزلة فإن قولهم باطل أيضا إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين ~~قال تعالى * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) * إلى أن ~~قال * (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف) * فلم يخرج القاتل من ~~الذين آمنوا وجعله أخا لولي القصاص والمراد أخوة الدين بلا ريب وقال تعالى ~~* (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) * إلى أن قال * (إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) * ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على ~~أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل بل يقام عليه الحد فدل على أنه ليس ~~بمرتد وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من كانت عنده ~~لأخيه اليوم مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون درهم ~~ولا دينار إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ ~~من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم ألقي في النار أخرجاه في الصحيحين فثبت أن ~~الظالم يكون له حسنات يستوفي المظلوم منها حقه وكذلك ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما تعدون المفلس فيكم قالوا المفلس فينا ~~من لا له درهم ولا دينار قال المفلس من ms225 يأتي يوم القيامة وله حسنات أمثال ~~الجبال فيأتي وقد شتم هذا وأخذ مال هذا وسفك دم هذا وقذف هذا وضرب هذا ~~فيقتص هذا PageV00P361 # من حسناته وهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من ~~خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار رواه مسلم وقد قال تعالى * (إن الحسنات ~~يذهبن السيئات) * فدل ذلك على أنه في حال إساءة يعمل حسنات تمحو سيئاته ~~وهذا مبسوط في موضعه والمعتزلة موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة فإنهم ~~وافقوهم على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار لكن قالت الخوارج نسميه كافرا ~~وقالت المعتزلة نسميه فاسقا فالخلاف بينهم لفظي فقط وأهل السنة أيضا متفقون ~~على أنه يستحق الوعيد المرتب على ذلك الذنب كما وردت به النصوص لا كما ~~يقوله المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب ولا ينفع مع الكفر طاعة وإذا ~~اجتمعت نصوص الوعد التي استدلت بها المرجئة ونصوص الوعيد التي استدلت بها ~~الخوارج والمعتزلة تبين لك فساد القولين ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك ~~تستفيد من كلام كل طائفة فساد مذهب الطائفة الأخرى ثم بعد هذا الاتفاق تبين ~~أن أهل السنة اختلفوا خلافا لفظيا لا يترتب عليه فساد وهو أنه هل يكون ~~الكفر على مراتب كفرا دون كفر كما اختلفوا هل يكون الإيمان على مراتب ~~إيمانا دون إيمان وهذا الاختلاف نشا من اختلافهم في مسمى الإيمان هل هو قول ~~وعمل يزيد وينقص أم لا بعد اتفاقهم على أن من سماه الله تعالى ورسوله كافرا ~~نسميه كافرا إذ من الممتنع ان يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله ~~كافرا ويسمي رسوله من تقدم ذكره كافرا ولا نطلق عليهما اسم الكفر ولكن من ~~قال إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص قال PageV00P362 # هو كفر عملي لا اعتقادي والكفر عنده على مراتب كفر دون كفر كالإيمان عنده ~~ومن قال إن الإيمان هو التصديق ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان والكفر هو ~~الجحود ولا يزيدان ولا ينقصان قال هو كفر مجازي غير ms226 حقيقي إذ الكفر الحقيقي ~~هو الذي ينقل عن الملة وكذلك يقول في تسمية بعض الأعمال بالإيمان كقوله ~~تعالى * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * اي صلاتكم إلى بيت المقدس انها ~~سميت إيمانا مجازا لتوقف صحتها عن الإيمان أو لدلالتها على الإيمان إذ هي ~~دالة على كون مؤديها مؤمنا ولهذا يحكم بإسلام الكافر إذا صلى صلاتنا فليس ~~بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب الذنوب إذا كانوا مقرين باطنا وظاهرا بما ~~جاء به الرسول وما تواتر عنهم أنهم من أهل الوعيد ولكن الأقوال المنحرفة ~~قول من يقول بتخليدهم في النار كالخوارج والمعتزلة ولكن أردأ ما في ذلك ~~التعصب على من يضادهم وإلزامه لمن يخالف قوله بما لا يلزمه والتشنيع عليه ~~وإذا كنا مأمورين بالعدل في مجادلة الكافرين وأن يجادلوا بالتي هي أحسن ~~فكيف لا يعدل بعضنا على بعض في مثل هذا الخلاف قال تعالى * (يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى) * وهنا أمر يجب ان يتفطن له وهو أن الحكم بغير ما ~~أنزل الله قد يكون كفرا ينقل عن الملة وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة ويكون ~~كفرا إما مجازيا وإما كفرا أصغر على القولين المذكورين وذلك بحسب حال ~~الحاكم فإنه إن اعتقد ان الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو ~~استهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا PageV00P363 # كفر أكبر وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل ~~عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافرا كفرا مجازيا أو ~~كفرا أصغر وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم ~~وأخطأه فهذا مخطىء له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور وأراد الشيخ رحمه الله ~~بقوله ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله مخالفة المرجئة وشبهتهم ~~كانت قد وقعت لبعض الأولين فاتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك ~~فإن قدامة بن عبد الله شرب ms227 الخمر بعد تحريمها هو وطائفة وتأولوا قوله تعالى ~~* (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات) * فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم ~~جلدوا وإن اصروا على استحلالها قتلوا وقال عمر لقدامة أخطأت استك الحفرة ~~أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخبر وذلك أن هذه الآية ~~نزلت بسبب ان الله سبحانه لما حرم الخمر وكان تحريمها بعد وقعة أحد قال بعض ~~الصحابة فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر PageV00P364 # فأنزل الله هذه الآية يبين فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم يحرم ~~فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين كما كان من امر ~~استقبال بيت المقدس ثم إن أولئك الذين فعلوا ذلك يذمون على أنهم أخطأوا ~~وأيسوا من التوبة فكتب عمر إلى قدامة يقول له * (حم تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب) * ما أدري أي ذنبيك ~~أعظم استحلالك المحرم أولا أم يأسك من رحمة الله ثانيا وهذا الذي اتفق عليه ~~الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام قوله ونرجو للمحسنين من المؤمنين ان ~~يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة ~~ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنطهم ش وعلى المؤمن أن يعتقد هذا الذي ~~قاله الشيخ رحمه الله في حق نفسه وفي حق غيره قال تعالى * (أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا) * وقال تعالى * (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) ~~* وقال تعالى * (وإياي فاتقون) * * (وإياي فارهبون) * * (فلا تخشوهم ~~واخشوني) * ومدح أهل الخوف فقال تعالى * (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ~~والذين هم بآيات ربهم يؤمنون) * إلى قوله * (أولئك يسارعون في الخيرات وهم ~~لها سابقون) * وفي المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا ~~رسول الله ms228 * (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) * هو الذي يزني ويشرب ~~الخمر ويسرق قال لا يا ابنة الصديق PageV00P365 # ولكنه الرجل يصوم ويصلى ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه قال الحسن رضي الله ~~عنه عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا ان ترد عليهم إن المؤمن جمع ~~إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وامنا انتهى وقد قال تعالى * (إن الذين ~~آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله ~~غفور رحيم) * فتأمل كيف جعل رجاءهم مع إيمانهم بهذه الطاعات فالرجاء إنما ~~يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله تعالى شرعه وقدرته وثوابه ~~وكرامته ولو أن رجلا له أرض يؤمل ان يعود عليه من مغلها ما ينفعه فأهملها ~~ولم يحرثها ولم يبذرها ورجا أنه يأتي من مغلها مثل ما يأتي من حرث وزرع ~~وتعاهد الأرض لعدة الناس من أسفه السفهاء وكذا لو رجا وحسن ظنه أن يجيئه ~~ولد من غير جماع أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب العلم وحرص تام وأمثال ~~ذلك فكذلك من حسن ظنه وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلى والنعيم المقيم ~~من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ومما ~~ينبغي أن يعلم أن من رجا شيئا استلزم رجاؤه أمورا أحدها محبة ما يرجوه ~~الثاني خوفه من فواته الثالث سعيه في تحصيله بحسب الإمكان وأما رجاء لا ~~يقارنه شيء من ذلك فهو من باب الأماني والرجاء شيء والأماني شيء آخر فكل ~~راج خائف والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير مخافة الفوات وقال تعالى * ~~(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) * فالمشرك لا ترجى ~~له المغفرة لأن الله نفى عنه المغفرة وما سواه من الذنوب في مشيئة الله إن ~~شاء الله غفر له وإن شاء عذبه PageV00P366 # وفي معجم الطبراني الدواوين عند الله يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان لا ~~يغفر الله منه شيئا وهو الشرك بالله ثم قرأ * (إن الله لا يغفر أن يشرك به) ~~* وديوان لا ms229 يترك الله منه شيئا وهو مظالم العباد بعضهم بعضا وديوان لا ~~يعبأ الله به وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه وقد اختلفت عبارات العلماء ~~في الفرق بين الكبائر والصغائر وستأتي الإشارة إلى ذلك عند قول الشيخ رحمه ~~الله وأهل الكبائر من أمة محمد في النار لا يخلدون ولكن ثم امر ينبغي ~~التفطن له وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما ~~يلحقها بالصغائر وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك ~~الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر وهذا امر مرجعه إلى ما يقوم ~~بالقلب وهو قدر زائد على مجرد الفعل والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره وأيضا ~~فإنه قد يعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره فإن فاعل السيئات يسقط ~~عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة السبب ~~الأول التوبة قال تعالى * (إلا من تاب) * * (إلا الذين تابوا) * وغيرها ~~والتوبة النصوح وهي الخالصة لا يختص بها ذنب دون ذنب لكن هل تتوقف صحتها ~~على أن تكون عامة حتى لو تاب من ذنب وأصر على آخر لا تقبل والصحيح أنها ~~تقبل PageV00P367 # وهل يجب الإسلام ما قبله من الشرك وغيره من الذنوب وإن لم يتب منها أم لا ~~بد مع الإسلام من التوبة من غير الشرك حتى لو أسلم وهو مصر على الزنا وشرب ~~الخمر مثلا هل يؤاخذ بما كان منه في كفره من الزنا وشرب الخمر أم لا بد أن ~~يتوب من ذلك الذنب مع اسلامه أو يتوب توبة عامة من كل ذنب وهذا هو الأصح ~~أنه لا بد من التوبة مع الإسلام وكون التوبة سببا لغفران الذنوب وعدم ~~المؤاخذة بها مما لا خلاف فيه بين الأمة وليس شيء يكون سببا لغفران جميع ~~الذنوب إلا التوبة قال تعالى * (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) * ~~وهذا لمن تاب ولهذا قال * (لا تقنطوا) * وقال بعدها * (وأنيبوا إلى ms230 ربكم) * ~~السبب الثاني الاستغفار قال تعالى * (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) * ~~لكن الاستغفار تارة يذكر وحده وتارة يقرن بالتوبة فإن ذكره وحده دخلت معه ~~التوبة كما إذا ذكرت التوبة وحدها شملت الاستغفار فالتوبة تتضمن الاستغفار ~~والاستغفار يتضمن التوبة وكل واحد منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق ~~واما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار طلب وقاية شر ما مضى ~~والتوبة الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله ونظير ~~هذا الفقير والمسكين إذا ذكر أحد اللفظين شمل الآخر وإذا ذكرا معا كان لكل ~~منهما معنى قال تعالى * (إطعام عشرة مساكين) * * (فإطعام ستين مسكينا) * * ~~(وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) * لا خلاف أن كل واحد من الاسمين ~~في هذه الآيات لما أفرد شمل المقل والمعدم ولما قرن أحدهما بالآخر في قوله ~~تعالى * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * PageV00P368 # وكان المراد بأحدهما المقل والآخر المعدم على خلاف فيه وكذلك الإثم ~~والعدوان والبر والتقوى والفسوق والعصيان ويقرب من هذا المعنى الكفر ~~والنفاق فإن الكفر أعم فإذا ذكر الكفر شمل النفاق وإن ذكر معا كان لكل ~~منهما معنى وكذلك الإيمان والإسلام على ما يأتي الكلام فيه إن شاء الله ~~تعالى السبب الثالث الحسنات فإن الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها فالويل ~~لمن غلبت آحاده عشراته وقال تعالى * (إن الحسنات يذهبن السيئات) * وقال صلى ~~الله عليه وسلم وأتبع السيئة الحسنة تمحها والسبب الرابع المصائب الدنيوية ~~قال صلى الله عليه وسلم ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا غم ولا هم ولا ~~حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه وفي المسند أنه لما نزل قوله ~~تعالى * (من يعمل سوءا يجز به) * قال أبو بكر يا رسول الله نزلت قاصمة ~~الظهر وأينا لم يعمل سوءا فقال يا أبا بكر الست تنصب ألست تحزن ألست يصيبك ~~اللأواء فذلك ما تجزون به فالمصائب نفسها PageV00P369 # مكفرة وبالصبر علها يثاب العبد وبالسخط يأثم والصبر والسخط امر آخر غير ~~المصيبة فالمصيبة من فعل الله لا من فعل ms231 العبد وهي جزاء من الله للعبد على ~~ذنبه ويكفر ذنبه بها وإنما يثاب المرء ويأثم على فعله والصبر والسخط من ~~فعله وإن كان الأجر قد يحصل بغير عمل من العبد بل هديه من الغير أو فضلا من ~~الله من غير سبب قال تعالى * (ويؤت من لدنه أجرا عظيما) * فنفس المرض جزاء ~~وكفارة لما تقدم وكثيرا ما يفهم من الأجر غفران الذنوب وليس ذلك مدلوله ~~وإنما يكون من لازمه السبب الخامس عذاب القبر وسيأتي الكلام عليه إن شاء ~~الله تعالى السبب السادس دعاء المؤمنين واستغفارهم في الحياة وبعد الممات ~~السبب السابع ما يهدي اليه بعد الموت من ثواب صدقة أو قراءة أو حج ونحو ذلك ~~وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى السبب الثامن أهوال يوم القيامة ~~وشدائده السبب التاسع ما ثبت في الصحيحين أن المؤمنين إذا عبروا الصراط ~~وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا ~~أذن لهم في دخول الجنة السبب العاشر شفاعة الشافعين كما تقدم عند ذكر ~~الشفاعة وأقسامها PageV00P370 # السبب الحادي عشر عفو أرحم الراحمين من غير شفاعة كما قال تعالى * (ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء) * فإن كان ممن لم يشأ الله أن يغفر له لعظم جرمه فلا ~~بد من دخوله إلى الكير ليخلص طيب إيمانه من خبث معاصيه فلا يبقى في النار ~~من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان بل من قال لا إله إلا الله ~~كما تقدم من حديث أنس رضي الله عنه وإذا كان الأمر كذلك امتنع القطع لأحد ~~معين من الأمة غير من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة ولكن نرجو ~~للمحسنين ونخاف عليهم قوله والأمن والأياس ينقلان عن ملة الاسلام وسبيل ~~الحق بينهما لأهل القبلة ش يجب أن يكون العبد خائفا راجيا فإن الخوف ~~المحمود الصادق ما حال بين صاحبه وبين محارم الله فإذا تجاوز ذلك خيف منه ~~اليأس والقنوط والرجاء المحمود رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله ms232 ~~فهو راج لثوابه أو رجل أذنب ذنبا ثم تاب منه إلى الله فهو راج لمغفرته قال ~~الله تعالى * (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك ~~يرجون رحمة الله والله غفور رحيم) * أما إذا كان الرجل متماديا في التفريط ~~والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب ~~قال أبو علي الروذباري رحمه الله الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استوي ~~استوى الطير وتم طيرانه وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار ~~الطائر في حد الموت وقد مدح الله أهل الخوف والرجاء بقوله * (أم من هو قانت ~~آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) * PageV00P371 # وقال * (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا) * فالرجاء ~~يستلزم الخوف ولولا ذلك لكان امنا والخوف يستلزم الرجاء ولولا ذلك لكان ~~قنوطا ويأسا وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى فإنك إذا خفته هربت ~~إليه فالخائف هارب من ربه إلى ربه وقال صاحب منازل السائرين رحمه الله ~~الرجاء أضعف منازل المريد وفي كلامه نظر بل الرجاء والخوف على الوجه ~~المذكور من أشرف منازل المريد وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء وفي صحيح مسلم عن جابر رضي ~~الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث لا ~~يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه ولهذا قيل إن العبد ينبغي أن يكون ~~رجاؤه في مرضه أرجح من خوفه بخلاف زمن الصحة فإنه يكون خوفه أرجح من رجائه ~~وقال بعضهم من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ومن عبده بالخوف وحده فهو ~~حروري وروي ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجيء ومن عبده بالحب والخوف والرجاء ~~فهو مؤمن موحد ولقد أحسن محمود الوراق في قوله * لو قد رأيت الصغير من عمل ~~الخ * ير ثوابا عجبت من كبره * أو قد رأيت الحقير من عمل الش * ر جزاء ~~أشفقت من حذره ms233 * قوله ولا يخرج العبد من الإيمان الا بجحود ما ادخله فيه ش ~~يشير الشيخ إلى الرد على الخوارج والمعتزلة في قولهم بخروجه من الإيمان ~~بارتكاب الكبيرة وفيه تقرير لما قال أولا لا نكفر أحدا PageV00P372 # من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله وتقدم الكلام على هذا المعنى قوله ~~والإيمان هو الاقرار باللسان والتصديق بالجنان وجميع ما صح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق والإيمان واحد وأهله في أصله ~~سواء والتفاضل بينهم بالخشية والتقي ومخالفة الهوى وملازمة الأولى ش اختلف ~~الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافا كثيرا فذهب مالك والشافعي وأحمد ~~والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة رحمهم الله وأهل ~~الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى أنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل ~~بالأركان وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكره الطحاوي رحمه الله أنه الإقرار ~~باللسان والتصديق بالجنان ومنهم من يقول إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس ~~بأصلي والى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي رحمه الله ويروى عن أبي حنيفة رضي ~~الله عنه وذهب الكرامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط فالمنافقون ~~عندهم مؤمنون كاملو الإيمان ولكنهم يقولون بأنهم يستحقون الوعيد الذي ~~أوعدهم الله به وقولهم ظاهر الفساد وذهب الجهم بن صفوان وأبو الحسن الصالحي ~~أحد رؤساء القدرية إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب وهذا القول أظهر فسادا ~~مما قبله فإن لازمه أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين فإنهم عرفوا صدق موسى ~~وهارون عليهما الصلاة والسلام ولم يؤمنوا بهما ولهذا قال موسى لفرعون * ~~(لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر) * وقال تعالى * ~~(وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) * ~~وأهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ولم ~~يكونوا مؤمنين به بل كافرين به معادين له وكذلك PageV00P373 # أبو طالب عنده يكون مؤمنا فإنه قال * ولقد علمت بأن دين محمد * من خير ~~أديان البرية دينا * لولا الملامة أو حذار مسبة * لوجدتني سمحا بذاك ms234 مبينا ~~* بل إبليس يكون عند الجهم مؤمنا كامل الإيمان فإنه لم يجهل ربه بل هو عارف ~~به * (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) * * (قال رب بما أغويتني) * * (قال ~~فبعزتك لأغوينهم أجمعين) * والكفر عند الجهم هو الجهل بالرب تعالى ولا أحد ~~أجهل منه بربه فإنه جعله الوجود المطلق وسلب عنه جميع صفاته ولا جهل أكبر ~~من هذا فيكون كافرا بشهادته على نفسه وبين هذه المذاهب مذهب آخر بتفاصيل ~~وقيود أعرضت عن ذكرها اختصارا ذكر هذه المذاهب أبو المعين النسفي في تبصرة ~~الأدلة وغيره وحاصل الكل يرجع إلى أن الإيمان إما أن يكون ما يقوم به القلب ~~واللسان وسائر الجوارح كما ذهب اليه جمهور السلف من الأئمة الثلاثة وغيرهم ~~رحمهم الله كما تقدم أو بالقلب واللسان دون الجوارح كما ذكره الطحاوي عن ~~أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله أو باللسان وحده كما تقدم ذكره عن الكرامية ~~أو بالقلب وحده وهو إما المعرفة كما قاله الجهم أو التصديق كما قاله أبو ~~منصور الماتريدي رحمه الله وفساد قول الكرامية والجهم بن صفوان ظاهر ~~والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة اختلاف صوري ~~فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب أو جزءا من الإيمان مع الاتفاق ~~على أن مرتكب الكبير لا يخرج من الإيمان بل هو في مشيئة الله إن شاء عذبه ~~وإن شاء عفا عنه نزاع لفظي لا يترتب عليه فساد اعتقاد والقائلون بتكفير ~~تارك الصلاة ضموا إلى هذا الأصل أدلة أخرى وإلا فقد نفى النبي صلى الله ~~عليه وسلم PageV00P374 # الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب ولم يوجب ذلك زوال اسم ~~الإيمان عنهم بالكلية اتفاقا ولا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى أراد من ~~العباد القول والعمل وأعني بالقول التصديق بالقلب والإقرار باللسان وهذا ~~الذي يعنى به عند إطلاق قولهم الإيمان قول وعمل لكن هذا المطلوب من العباد ~~هل يشمله اسم الإيمان أم الإيمان أحدهما وهو القول وحده والعمل مغاير له لا ~~يشمله اسم الإيمان عند إفراده بالذكر وإن أطلق ms235 عليهما كان مجازا هذا محل ~~النزاع وقد أجمعوا على أنه لو صدق بقلبه وأقر بلسانه وامتنع عن العمل ~~بجوارحه أنه عاص لله ورسوله مستحق للوعيد لكن فيمن يقول إن الأعمال غير ~~داخلة في مسمى الإيمان من قال لما كان الإيمان شيئا واحدا فإيماني كإيمان ~~أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما بل قال كإيمان الأنبياء والمرسلين ~~وجبرائيل وميكائيل عليهم السلام وهذا غلو منه فان الكفر مع الإيمان كالعمى ~~مع البصر ولا شك أن البصراء يختلفون في قوة البصر وضعفه فمنهم الخفش ~~والأعشى و من يرى الخط الثخين دون الدقيق إلا بزجاجة ونحوها ومن يرى عن قرب ~~زائد على العادة وآخر بضده ولهذا والله أعلم قال الشيخ رحمه الله وأهله في ~~أصله سواء يشير إلى أن التساوي إنما هو في أصله ولا يلزم منه بالتساوي من ~~كل وجه بل تفاوت درجات نور لا إله إلا الله في قلوب أهلها لا يحصيها إلا ~~الله تعالى فمن الناس من نور لا إله إلا الله في قلبه كالشمس ومنهم من ~~نورها في قلبه كالكوكب الدري وآخر كالمشعل PageV00P375 # العظيم وآخر كالسراج المضيء وآخر كالسراج الضعيف ولهذا تظهر الأنوار يوم ~~القيامة بأيمانهم وبين أيديهم على هذا المقدار بحسب ما في قلوبهم من نور ~~الإيمان والتوحيد علما وعملا وكلما اشتد نور هذه الكلمة وعظم أحرق من ~~الشبهات والشهوات بحسب قوته بحيث إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف شهوة ولا ~~شبهة ولا نذنبا إلا أحرقه وهذه حال الصادق في توحيده فسماء إيمانه قد حرس ~~بالرجوم من كل سارق ومن عرف هذا عرف معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله وقوله لا ~~يدخل النار من قال لا إله إلا الله وما جاء من هذا النوع من الأحاديث التي ~~أشكلت على كثير من الناس حتى ظنها بعضهم منسوخة وظنها بعضهم قبل ورود ~~الأوامر والنواهي وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار وأول بعضهم الدخول ~~بالخلود ms236 ونحو ذلك والشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلا بمجرد ~~قول اللسان فقد فإن هذا من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام فإن المنافقين ~~يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين في الدرك الأسفل من النار فإن الأعمال ~~لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب وتأمل حديث ~~البطاقة التي توضع في كفة ويقابلها تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ~~فتثقل البطاقة وتطيش السجلات فلا يعذب صاحبها ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه ~~البطاقة وكثير منهم يدخل النار وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق ~~الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن السير إلى PageV00P376 # القرية وحملته وهو في تلك الحال أن جعل ينوء بصدره وهو يعالج سكرات الموت ~~وتأمل ما قام بقلب البغي من الإيمان حيث نزعت موقها وسقت الكلب من الركية ~~فغفر لها وهكذا العقل أيضا فإنه يقبل التفاضل وأهله في أصله سواء متسوون في ~~أنهم عقلاء غير مجانين وبعضهم أعقل من بعض وكذلك الإيجاب والتحريم فيكون ~~إيجاب دون إيجاب وتحريم دون تحريم هذا هو الصحيح وإن كان بعضهم قد طرد ذلك ~~في العقل والوجوب وأما زيادة الإيمان من جهة الإجمال والتفصيل فمعلوم أنه ~~لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله ولا يجب على كل أحد من ~~الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه خبره كما في حق ~~النجاشي وأمثاله وأما الزيادة بالعمل والتصديق المستلزم لعمل القلب ~~والجوارح فهو أكمل من التصديق الذي لا يستلزمه فالعلم الذي يعمل به صاحبه ~~أكمل من العلم الذي لا يعمل به فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس المخبر كالمعاين وموسى عليه السلام ~~لما أخبر أن قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح فلما رآهم قد عبدوه ألقاها ~~وليس ذلك لشك موسى في خبر الله لكن المخبر وإن جزم بصدق المخبر فقد لا ~~يتصور المخبر به نفسه كما يتصوره إذا عاينه كما ms237 قال إبراهيم الخليل صلوات ~~الله على نبينا محمد وعليه * (رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي) * وأيضا فمن وجب عليه الحج والزكاة مثلا يجب عليه ~~الإيمان ان يعلم ما أمر به ويؤمن بأن الله أوجب عليه PageV00P377 # ما لا يجب على غيره الإيمان به إلا مجملا وهذا يجب عليه فيه الإيمان ~~المفصل وكذلك الرجل أول ما يسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل ثم إذا جاء ~~وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها فلم يتساو الناس فيما أمروا ~~به من الإيمان ولا شك أن من قام بقلبه التصديق الجازم الذي لا يقوى على ~~معارضته شهوة ولا شبهة لا تقع معه معصية ولولا ما حصل له من الشهوة والشبهة ~~أو إحداهما لما عصى بل يشتغل قلبه ذلك الوقت بما يواقعه من المعصية فيغيب ~~عنه التصديق والوعيد فيعصي ولهذا والله أعلم قال صلى الله عليه وسلم لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن الحديث فهو حين يزني يغيب عنه تصديقه بحرمة ~~الزنا وإن بقي أصل التصديق في قلبه ثم يعاوده فإن المتقين كما وصفهم الله ~~بقوله * (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) ~~* قال ليث عن مجاهد هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه والشهوة والغضب ~~مبدأ السيئات فإذا ابصر رجع ثم قال تعالى * (وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم ~~لا يقصرون) * أي وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي ثم لا يقصرون قال ~~ابن عباس لا الإنس تقصر عن السيئات ولا الشياطين تمسك عنهم فإذا لم يبصر ~~بقي قلبه في عمى والشيطان يمده في غيه وإن كان التصديق في قلبه لم يكذب ~~فذلك النور والإبصار وتلك الخشية والخوف تخرج من قلبه وهذا كما أن الإنسان ~~يغمض عينه فلا يرى وإن لم يكن أعمى فكذلك القلب بما يغشاه من رين الذنوب لا ~~يبصر الحق وإن لم يكن أعملى كعمى الكافر وجاء هذا المعنى مرفوعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه PageV00P378 # قال إذا ms238 زنا العبد نزع منه الإيمان فإذا تاب أعيد إليه وإذا كان النزاع ~~في هذه المسألة بين أهل السنة نزاعا لفظيا فلا محذور فيه سوى ما يحصل من ~~عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى والافتراق بسبب ذلك وأن يصير ذلك ذريعة ~~إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء ونحوهم ولى ظهور الفسق والمعاصي ~~بأن يقول أنا مؤمن مسلم حقا كامل الإيمان والإسلام ولي من أولياء الله فلا ~~يبالي بما يكون منه من المعاصي وبهذا المعنى قالت المرجئة لا يضر مع ~~الإيمان ذنب لمن عمله وهذا باطل قطعا فالإمام أبو حنيفة رضي الله عنه نظر ~~إلى حقيقة الإيمان لغة مع أدلة من كلام الشارع وبقية الأئمة رحمهم الله ~~نظروا إلى حقيقته في عرف الشارع فإن الشارع ضم إلى التصديق أوصافا وشرائط ~~كما في الصلاة والصوم والحج ونحو ذلك فمن أدلة الأصحاب لأبي حنيفة رحمه ~~الله أن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق قال تعالى خبرا عن إخوة يوسف * ~~(وما أنت بمؤمن لنا) * أي بمصدق لنا ومنهم من ادعى إجماع أهل اللغة على ذلك ~~ثم هذا المعنى اللغوي وهو التصديق بالقلب هو الواجب على العبد حقا لله وهو ~~أن يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله فمن صدق الرسول ~~فيما جاء به من عند الله فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى والإقرار شرط ~~إجراء أحكام الإسلام في الدنيا هذا على أحد القولين كما تقدم ولأنه ضد ~~الكفر وهو التكذيب والجحود وهما يكونان بالقلب فكذا ما يضادهما وقوله * ~~(إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) * يدل على أن القلب هو موضع الإيمان لا ~~اللسان ولأنه لو كان مركبا من قول وعمل لزال كله بزوال جزئه ولأن العمل قد ~~عطف على الإيمان والعطف يقتضي PageV00P379 # المغايرة قال تعالى * (آمنوا وعملوا الصالحات) * وغيرها في مواضع من ~~القرآن وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق ~~بمنع الترادف بين التصديق والإيمان وهب أن الأمر يصح في موضع فلم قلتم إنه ms239 ~~يوجب الترادف مطلقا وكذلك اعترض على دعوى الترادف بين الإسلام والإيمان ~~ومما يدل على عدم الترادف أنه يقال للمخبر إذا صدق صدقه ولا يقال آمنه ولا ~~آمن به بل يقال آمن له كما قال تعالى * (فآمن له لوط) * * (فما آمن لموسى ~~إلا ذرية من قومه على خوف) * وقال تعالى * (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) * ~~ففرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام فالأول يقال للمخبر به والثاني ~~للمخبر ولا يرد كونه يجوز أن يقال ما أنت بمصدق لنا لأن دخول اللام لتقوية ~~العامل كما إذا تقدم المعمول أو كان العامل اسم فاعل أو مصدرا على ما عرف ~~في موضعه فالحاصل أنه لا يقال قد آمنته ولا صدقت له إنما يقال آمنت له كما ~~يقال أقررت له فكان تفسيره بأقررت أقرب من تفسيرة بصدقت مع الفرق بينهما ~~لأن الفرق بينهما ثابت في المعنى فإن كل مخبر عن مشاهد أو غيب يقال له في ~~اللغة صدقت كما يقال له كذبت فمن قال السماء فوقنا قيل له صدقت وأما لفظ ~~الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب فيقال لمن قال طلعت الشمس ~~صدقناه ولا يقال آمنا له فإن فيه أصل معنى الأمن والائتمان إنما يكون في ~~الخبر عن الغائب فالأمر الغائب هو الذي يؤتمن عليه المخبر ولهذا لم يأت في ~~القرآن وغيره PageV00P380 # لفظ أمن له إلا في هذا النوع ولأنه لم يقابل لفظ الإيمان قط بالتكذيب كما ~~يقابل لفظ التصديق وإنما يقابل بالكفر والكفر لا يختص بالتكذيب بل لو قال ~~أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك لكان كفرا أعظم ~~فعلم أن الإيمان ليس التصديق فقط ولا الكفر التكذيب فقط بل إذا كان الكفر ~~يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة بل تكذيب فكذلك الإيمان يكون تصديقا ~~وموافقة وموالاة وانقيادا ولا يكفي مجرد التصديق فيكون الإسلام جزء مسمى ~~الإيمان ولو سلم الترادف فالتصديق يكون بالأفعال أيضا كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال العينان تزنيان وزناهما النظر والأذن ms240 ~~تزني وزناها السمع إلى أن قال والفرج يصدق ذلك ويكذبه وقال الحسن البصري ~~رحمه الله ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في الصدور وصدقته ~~الأعمال ولو كان تصديقا فهو تصديق مخصوص كما في الصلاة ونحوها كما قد تقدم ~~وليس هذا نقلا للفظ ولا تغييرا له فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق بل ~~بإيمان خاص وصفه وبينه فالتصديق الذي هو الإيمان أدنى أحواله أن يكون نوعا ~~من التصديق العام فلا يكون مطابقا له في العموم والخصوص من غير تغير اللسان ~~ولا قلبه بل يكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفا من العام والخاص كالإنسان ~~الموصوف بأنه حيوان ناطق ولأن التصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب ~~من أعمال القلب والجوارح فإن هذه من لوازم الإيمان التام وانتفاء اللازم ~~دليل على انتفاء الملزوم ونقول إن هذه لوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة وتخرج ~~عنه أخرى أو إن اللفظ باق على معناه في اللغة ولكن الشارع زاد فيه أحكاما ~~أو أن PageV00P381 # يكون الشارع استعمله في معناه المجازي فهو حقيقة شرعية مجاز لغوي أو أن ~~يكون قد نقله الشارع وهذه الأقوال لمن سلك الطريق وقالوا إن الرسول قد ~~وافقنا على معاني الإيمان وعلمنا من مراده علما ضروريا ان من قيل إنه صدق ~~ولم يتكلم بلسانه بالإيمان مع قدرته على ذلك ولا صلى ولا صام ولا أحب الله ~~ورسوله ولا خاف الله بل كان مبغضا للرسول معاديا له يقاتله أن هذا ليس ~~بمؤمن كما علمنا أنه رتب الفوز والفلاح على التكلم بالشهادتين مع الإخلاص ~~والعمل بمقتضاهما فقد قال صلى الله عليه وسلم الإيمان بضع وسبعون شعبة ~~أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وقال أيضا صلى ~~الله عليه وسلم الحياء شعبة من الإيمان وقال أيضا صلى الله عليه وسلم أكمل ~~المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وقال أيضا صلى الله عليه وسلم البذاذة من ~~الإيمان فإذا كان الإيمان أصلا له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيمانا ~~فالصلاة من الإيمان وكذلك الزكاة ms241 والصوم والحج والأعمال الباطنة كالحياء ~~والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة ~~الأذى عن الطريق فإنه من شعب الإيمان وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان ~~بزوالها إجماعا كشعبة الشهادتين ومنها ما لا يزول بزوالها إجماعا كترك ~~إماطة الأذى عن الطريق وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما منها ما يقرب من ~~شعبة الشهادة ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى وكما أن PageV00P382 # شعب الإيمان إيمان فكذا شعب الكفر كفر فالحكم بما أنزل الله مثلا من شعب ~~الإيمان والحكم بغير ما أنزل الله كفر وقد قال صلى الله عليه وسلم من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك ~~أضعف الإيمان رواه مسلم وفي لفظ ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل وروى ~~الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من أحب لله وأبغض لله ~~وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ومعناه والله أعلم أن الحب والبغض ~~أصل حركة القلب وبذل المال ومنعه هو كمال ذلك فإن المال آخر المتعلقات ~~بالنفس والبدن متوسط بين القلب والمال فمن كان أول أمره وآخره كله لله كان ~~الله إلهه في كل شيء فلم يكن فيه شيء من الشرك وهو إرادة غير الله وقصده ~~ورجاؤه فيكون مستكملا الإيمان إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على قوة ~~الإيمان وضعفه بحسب العمل وسيأتي في كلام الشيخ رحمه الله في شأن الصحابة ~~رضي الله عنهم وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان فسمى حب ~~الصحابة إيمانا وبغضهم كفرا وما أعجب ما أجاب به أبو المعين النسفي وغيره ~~عن استدلالهم بحديث شعب الإيمان المذكور وهو أن الراوي قال بضع وستون أو ~~بضع وسبعون فقد شهد الراوي بفعله نفسه حيث شك فقال بضع وستون أو بضع وسبعون ~~ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم الشك في ذلك وأن هذا الحديث مخالف ~~للكتاب فطعن فيه بغفلة الراوي ومخالفته الكتاب فانظر إلى هذا الطعن ما ~~أعجبه فإن ms242 تردد الراوي بين الستين والسبعين لا يلزم منه عدم ضبطه ~~PageV00P383 # مع أن البخاري رحمه الله إنما رواه بضع وستون من غير شك وأما الطعن ~~بمخالفة الكتاب فأين في الكتاب ما يدل على خلافه وإنما فيه ما يدل على ~~وفاقه وإنما هذا الطعن من ثمرة شؤم التقليد والتعصب وقالوا أيضا وهنا أصل ~~آخر وهو أن القول قسمان قول القلب وهو الاعتقاد وقول اللسان وهو التكلم ~~بكلمة الإسلام والعمل قسمان عمل القلب وهو نيته وإخلاصه وعمل الجوارح فإذا ~~زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله وإذا زال تصديق القلب لم ينفع بقية ~~الأخر فإن تصديق القلب شرط في اعتبارها وكونها نافعة وإذا بقي تصديق القلب ~~وزال الباقي فهذا موضع المعركة ولا شك أنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم ~~طاعة القلب إذ لو أطاع القلب وانقاد لأطاعت الجوارح وانقادت ويلزم من عدم ~~طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة قال صلى الله عليه وسلم ~~إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر ~~الجسد ألا وهي القلب فمن صلح قلبه صلح جسده قطعا بخلاف العكس واما كونه ~~يلزم من زوال جزئه زوال كله فإن أريد أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة ~~كما كانت فمسلم ولكن لا يلزم من زوال بعضها زوال سائر الأجزاء فيزول عنه ~~الكمال فقط والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة والآثار ~~السلفية كثيرة جدا منها قوله تعالى * (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا) * * (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) * * (ويزداد الذين آمنوا ~~إيمانا) * * (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم) * PageV00P384 # * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ~~وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) * وكيف يقال في هذه الآية والتي قبلها إن ~~الزيادة باعتبار زيادة المؤمن به فهل في قول الناس * (قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم) * زيادة مشروع وهل في إنزال السكينة على قلوب المؤمنين زيادة ~~مشروع وإنما إنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين مرجعهم من الحديبية ms243 ~~ليزدادوا طمأنينة ويقينا ويؤيد ذلك قوله تعالى * (هم للكفر يومئذ أقرب منهم ~~للإيمان) * وقال تعالى * (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) * وأما ما رواه الفقيه أبو ~~الليث السمرقندي رحمه الله في تفسيره عند هذه الآية فقال حدثنا محمد بن ~~الفضل وأبو القاسم الساباذي قالا حدثنا فارس بن مردويه قال حدثنا محمد بن ~~الفضل بن العابد قال حدثنا يحيى بن عيسى قال حدثنا أبو مطيع عن حماد بن ~~سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة قال جاء وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص فقال لا الإيمان مكمل في ~~القلب زيادته كفر ونقصانه شرك فقد سئل شيخنا الشيخ عماد الدين بن كثير رحمه ~~الله عن هذا الحديث فأجاب بأن الإسناد من أبي الليث إلى أبي مطيع مجهولون ~~لا يعرفون في شيء من كتب التواريخ المشهورة وأما أبو مطيع فهو الحكم بن عبد ~~الله بن مسلمة البلخي ضعفه أحمد PageV00P385 # ابن حنبل ويحيى بن معين وعمرو بن علي الفلاس والبخاري وأبو داود والنسائي ~~وأبو حاتم الرازي وأبو حاتم محمد بن حبان البستي والعقيلي وابن عدي ~~والدارقطني وغيرهم وأما أبو المهزم الراوي عن أبي هريرة وقد تصحف على ~~الكتاب واسمه يزيد بن سفيان فقد ضعفه أيضا غير واحد وتركه شعبة بن الحجاج ~~وقال النسائي متروك وقد اتهمه شعبة بالوضع حيث قال لو أعطوه فلسين لحدثهم ~~سبعين حديثا وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم النساء بنقصان العقل والدين ~~وقال صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده ~~والناس أجمعين والمراد نفي الكمال ونظائره كثيرة وحديث شعب الإيمان وحديث ~~الشفاعة وانه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ~~فكيف يقال بعد هذا أن إيمان أهل السماوات والأرض سواء وإنما التفاضل ms244 بينهم ~~بمعان أخر غير الإيمان وكلام الصحابة رضي الله عنهم في هذا المعنى كثير ~~أيضا منه قول أبي الدرداء رضي الله عنه من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما ~~نقص منه ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينتقص وكان عمر رضي الله عنه ~~يقول لأصحابه هلموا نزدد إيمانا فيذكرون الله تعالى عز وجل وكان ابن مسعود ~~رضي الله عنه يقول في دعائه اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها وكان معاذ بن ~~جبل رضي الله عنه يقول لرجل اجلس بنا نؤمن ساعة ومثله عن عبد الله بن رواحة ~~رضي الله عنه وصح عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال ثلاث من كن فيه فقد ~~استكمل الإيمان إنصاف من نفسه والإنفاق من أقتار وبذل PageV00P386 # السلام للعالم ذكره البخاري رحمه الله في صحيحه وفي هذا المقدار كفاية ~~وبالله التوفيق وأما كون عطف العمل على الإيمان يقتضي المغايرة فلا يكون ~~العمل داخلا في مسمى الإيمان فلا شك ان الإيمان تارة يذكر مطلقا عن العمل ~~وعن الإسلام وتارة يقرن بالعمل الصالح وتارة يقرن بالإسلام فالمطلق مستلزم ~~للأعمال قال تعالى * (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) * * ~~(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) * * (ولو كانوا ~~يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) * وقال صلى الله ~~عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن الحديث لا تؤمنوا حتى تحابوا ~~من غشنا فليس منا من حمل علينا السلاح فليس منا وما أبعد قول من قال إن ~~معنى قوله فليس منا أي فليس مثلنا فليت شعري فمن لم يغش يكون مثل النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه أما إذا عطف عليه العمل الصالح فاعلم أن عطف الشيء ~~على الشيء يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع الاشتراك في الحكم ~~الذي ذكر لهما والمغايرة على مراتب أعلاها أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو ~~الآخر ولا جزءا منه ولا بينهما تلازم كقوله تعالى PageV00P387 # * (خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور) * * (وأنزل التوراة ms245 ~~والإنجيل) * وهذا هو الغالب ويليه أن يكون بينهما تلازم كقوله تعالى * (ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) * * (وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول) * الثالث عطف بعض الشيء عليه كقوله تعالى * (حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى) * * (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) * * ~~(وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك) * وفي مثل هذا وجهان أحدهما أن يكون ~~داخلا في الأول فيكون مذكورا مرتين والثاني أن عطفه عليه يقتضي انه ليس ~~داخلا فيه هنا وإن كان داخلا فيه منفردا كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء ~~والمساكين ونحوهما تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران الرابع عطف الشيء على ~~الشيء لاختلاف الصفتين كقوله تعالى * (غافر الذنب وقابل التوب) * وقد جاء ~~في الشعر العطف لاختلاف اللفظ فقط * كقوله فألفى قولها كذبا ومينا * ومن ~~الناس من زعم أن في القرآن من ذلك قوله تعالى * (لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا) * والكلام على ذلك معروف في موضعه فإذا كان العطف في الكلام يكون ~~على هذه الوجوه نظرنا في كلام الشارع كيف ورد فيه الإيمان فوجدناه إذا أطلق ~~يراد به ما يراد بلفظ البر والتقوى والدين ودين الإسلام ذكر في أسباب ~~النزول انهم سألوا عن الإيمان فأنزل الله هذه الآية * (ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم قبل المشرق والمغرب) * الآيات قال محمد بن نصر حدثنا إسحاق بن ~~إبراهيم حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ PageV00P388 # والملائي قالا حدثنا المسعودي عن القاسم قال جاء رجل إلى أبي ذر رضي الله ~~عنه فسأله عن الأيمان فقرأ * (ليس البر أن تولوا وجوهكم) * إلى آخر الآية ~~فقال الرجل ليس عن هذا سألتك فقال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسأله عن الذي سألتني عنه فقرأ عليه الذي قرأت عليك فقال له الذي قلت لي ~~فلما أبى أن يرضى قال إن المؤمن الذي إذا عمل الحسنة سرته ورجا ثوابها وإذا ~~عمل السيئة ساءته وخاف عقابها وكذلك أجاب جماعة من السلف بهذا الجواب وفي ~~الصحيح قوله لوفد عبد القيس آمركم بالإيمان بالله وحده أتدرون ما الإيمان ms246 ~~بالله شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وأن تؤدوا الخمس من المغنم ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون ~~إيمانا بالله بدون إيمان القلب لما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان ~~القلب فعلم أن هذه مع ايمان القلب هو الإيمان واي دليل على أن الأعمال ~~داخله في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل فإنه فسر الإيمان بالأعمال ولم يذكر ~~التصديق للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود وفي المسند عن انس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم PageV00P389 # أنه قال الإسلام علانية والإيمان في القلب وفي هذا الحديث دليل على ~~المغايرة بين الإسلام والإيمان ويؤيده قوله في حديث سؤالات جبريل في معنى ~~الاسلام والإيمان وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا جبرائيل اتاكم ~~يعلمكم دينكم فجعل الدين هو الإسلام والإيمان والإحسان فتبين أن ديننا يجمع ~~الثلاثة لكن هو درجات ثلاثة مسلم ثم مؤمن ثم محسن والمراد بالإيمان ما ذكر ~~مع الإسلام قطعا كما أنه أريد بالإحسان ما ذكر مع الإيمان والإسلام لا أن ~~الإحسان يكون مجردا عن الإيمان هذا محال وهذا ما قال تعالى * (ثم أورثنا ~~الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات بإذن الله) * والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة بخلاف ~~الظالم لنفسه فإنه معرض للوعيد وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع التصديق ~~بالقلب لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن فإنه معرض للوعيد فأما ~~الإحسان فهو أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أهله والإيمان أعم من جهة نفسه ~~وأخص من جهة أهله من الإسلام فالإحسان يدخل فيه الإيمان والإيمان يدخل فيه ~~الإسلام والمحسنون أخص من المؤمنين والمؤمنون أخص من المسلمين وهذا ~~كالرسالة والنبوة فالنبوة داخلة في الرسالة والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص ~~من جهة أهلها فكل رسول نبي ولا ينعكس وقد صار الناس في مسمى الاسلام على ~~ثلاثة أقوال فطائفة PageV00P390 # جعلت الإسلام هو الكلمة ms247 وطائفة أجابوا بما أجاب به النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين سئل عن الإسلام والإيمان حيث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة ~~والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة وطائفة جعلوا الإسلام مرادفا للإيمان ~~وجعلوا معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام شهادة أن لا إله إلا ~~الله وإقام الصلاة الحديث شعائر الإسلام والأصل عدم التقدير مع أنهم قالوا ~~إن الإيمان هو التصديق بالقلب ثم قالوا الإسلام والإيمان شيء واحد فيكون ~~الإسلام هو التصديق وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة وإنما هو الانقياد ~~والطاعة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لك أسلمت وبك آمنت وفسر ~~الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة فليس لنا إذا ~~جمعنا بينهما ان نجيب بغير ما أجاب النبي صلى الله عليه وسلم وأما إذا أفرد ~~اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام وإذا افرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام ~~مؤمنا بلا نزاع وهذا هو الواجب وهل يكون مسلما ولا يقال له مؤمن وقد تقدم ~~الكلام فيه وكذلك هل يستلزم الإسلام الإيمان فيه النزاع المذكور وإنما وعد ~~الله بالجنة في القرآن وبالنجاة من النار باسم الإيمان كما قال تعالى * ~~(ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون) ~~* وقال تعالى * (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ~~أعدت للذين آمنوا بالله ورسله) * وأما اسم الإسلام مجردا فما علق به في ~~القرآن دخلول الجنة لكنه فرضه وأخبر انه دينه الذي لا يقبل من أحد سواه ~~PageV00P391 # وبه بعث النبيين * (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) * فالحاصل ~~أن حالة اقتران الإسلام بالإيمان غير حالة إفراد أحدهما عن الآخر فمثل ~~الاسلام من الايمان كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى فشهادة الرسالة غير ~~شهادة الوحدانية فهما شيئان في الأعيان وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى ~~والحكم كشيء واحد كذلك الاسلام والايمان لاإيمان لمن لا إسلام له ولا إسلام ~~لمن لا إيمان له إذ لا يخلوا المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه ولا يخلوا ~~المسلم من إيمان ms248 به يصح إسلامه ونظائر ذلك في كلام الله ورسوله وفي كلام ~~الناس كثيرة أعني في الإفراد والاقتران منها لفظ الكفر والنفاق فالكفر إذا ~~ذكر مفردا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون كقوله تعالى * (ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين) * ونظائره كثيرة وإذا ~~قرن بينهما كان الكافر من اظهر كفره والمنافق من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه ~~وكذلك لفظ البر والتقوى ولفظ الإثم والعدوان ولفظ التوبة والاستغفار ولفظ ~~الفقير والمسكين وأمثال ذلك ويشهد للفرق بين الإسلام والإيمان قوله تعالى * ~~(قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) * إلى آخر السورة وقد ~~اعترض على هذا بأن معنى الآية * (قولوا أسلمنا) * أنقدنا بظواهرنا فهم ~~منافقون في الحقيقة وهذا أحد قولي المفسرين في هذه الآية الكريمة وأجيب ~~بالقول الآخر ورجح وهو أنهم ليسوا بمؤمنين كاملي الإيمان لا أنهم منافقون ~~كما نفى الإيمان عن القاتل والزاني والسارق ومن لا أمانة له ويؤيد هذا سياق ~~الآية فإن السورة من أولها إلى هنا في النهي عن PageV00P392 # المعاصي وأحكام بعض العصاة ونحو ذلك وليس فيها ذكر المنافقين ثم قال بعد ~~ذلك * (وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا) * ولو كانوا ~~منافقين ما نفعتهم الطاعة ثم قال * (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا) * يعني والله أعلم ان المؤمنين الكاملي الإيمان هم ~~هؤلاء لا أنتم بل أنتم منتف عنكم الإيمان الكامل يؤيد هذا انه أمرهم أو أذن ~~لهم أن يقولوا أسلمنا والمنافق لا يقال له ذلك ولو كانوا منافقين لنفى عنهم ~~الإسلام كما نفى عنهم الإيمان ونهاهم أن يمنوا بإسلامهم فأثبت لهم إسلاما ~~ونهاهم أن يمنوا به على رسوله ولو لم يكن إسلاما صحيحا لقال لم تسلموا بل ~~أنتم كاذبون كما كذبهم في قولهم * (نشهد إنك لرسول الله) * والله أعلم ~~بالصواب وينتفي بعد هذا التقدير والتفصيل دعوى الترادف وتشنيع من ألزم بأن ~~الإسلام لو كان هو الأمور الظاهرة لكان ينبغي أن لا يقابل بذلك ولا يقبل ~~إيمان المخلص وهذا ms249 ظاهر الفساد فإنه قد تقدم تنظير الإيمان والإسلام ~~بالشهادتين وغيرهما وأن حالة الاقتران غير حالة الانفراد فانظر إلى كلمة ~~الشهادة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ~~لا إله إلا الله الحديث فلو قالوا لا إله إلا الله وأنكروا الرسالة ما ~~كانوا يستحقون العصمة بل لا بد أن يقولوا لا إله إلا الله قائمين بحقها ولا ~~يكون قائما ب لا إله إلا الله حق القيام إلا من صدق الرسالة وكذا من شهد أن ~~محمدا رسول الله لا يكون قائما بهذه الشهادة حق القيام إلا من صدق هذا ~~الرسول في كل ما جاء به PageV00P393 # فتضمنت التوحيد وإذا ضممت شهادة أن لا إله إلا الله إلى شهادة أن محمدا ~~رسول الله كان المراد من شهادة أن لا إله إلا الله إثبات التوحيد ومن شهادة ~~أن محمدا رسول الله إثبات الرسالة كذلك الاسلام والإيمان إذا قرن أحدهما ~~بالآخر كما في قوله تعالى * (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات) * ~~وقوله صلى الله عليه وسلم اللهم لك أسلمت وبك آمنت كان المراد من أحدهما ~~غير المراد من الآخر وكما قال صلى الله عليه وسلم الإسلام علانية والإيمان ~~في القلب وإذا انفرد أحدهما شمل معنى الآخر وحكمه وكما في الفقير والمسكين ~~ونظائره فإن لفظي الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا ~~فهل يقال في قوله تعالى * (إطعام عشرة مساكين) * أنه يعطى المقل دون المعدم ~~أو بالعكس وكذا في قوله تعالى * (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) ~~* ويندفع أيضا تشنيع من قال ما حكم من آمن ولم يسلم أو أسلم ولم يؤمن في ~~الدنيا والآخرة فمن أثبت لأحدهما حكما ليس بثابت للآخر ظهر بطلان قوله ~~ويقال له في مقابلة تشنيعه أنت تقول المسلم هو المؤمن والله تعالى يقول * ~~(إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات) * فجعلهما غيرين وقد قيل ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالك عن فلان والله إني لأراه مؤمنا قال أو ~~مسلما قالها ثلاثا فأثبت له الإسلام وتوقف في ms250 اسم الإيمان فمن قال هما سواء ~~كان مخالفا والواجب رد موارد النزاع PageV00P394 # إلى الله ورسوله وقد يتراءى في بعض النصوص معارضة ولا معارضة بحمد الله ~~تعالى ولكن الشان في التوفيق وبالله التوفيق وأما الاحتجاج بقوله تعالى * ~~(فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) * ~~على ترادف الإسلام والإيمان فلا حجة فيه لأن البيت المخرج كانوا متصفين ~~بالإسلام والإيمان ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادفهما والظاهر أن هذه ~~المعارضات لم تثبت عن أبي حنيفة رضي الله عنه وإنما هي من الأصحاب فإن ~~غالبها ساقط لا يرتضيه أبو حنيفة وقد حكى الطحاوي حكاية أبي حنيفة مع حماد ~~بن زيد وان حماد بن زيد لما روي له حديث أي الإسلام أفضل إلى آخره قال له ~~ألا تراه يقول أي الإسلام أفضل قال الإيمان ثم جعل الهجرة والجهاد من ~~الإيمان فسكت أبو حنيفة فقال بعض أصحابه ألا تجيبه يا أبا حنيفة قال بما ~~أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ثمرات هذا ~~الاختلاف مسألة الاستثناء في الإيمان وهو أن يقول أي الرجل انا مؤمن إن شاء ~~الله والناس فيه على ثلاثة أقوال طرفان ووسط منهم من يوجبه ومنهم من يحرمه ~~ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار وهذا أصح الأقوال أما من يوجبه فلهم ~~مأخذان أحدهما أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه والإنسان إنما يكون عند ~~الله مؤمنا أو كافرا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون عليه ~~وما قبل ذلك لا عبرة به قالوا والإيمان الذي يعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرا ~~ليس PageV00P395 # بإيمان كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال والصيام الذي يفطر صاحبه ~~قبل الغروب وهذا مأخذ كثير من الكلابية وغيرهم وعند هؤلاء أن الله يحب في ~~الأزل من كان كافرا إذا علم منه أنه يموت مؤمنا فالصحابة ما زالوا محبوبين ~~قبل إسلامهم وإبليس ومن ارتد عن دينه ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر ~~بعد وليس هذا قول السلف ms251 ولا كان يقول بهذا من يستثني من السلف في إيمانه ~~وهو فاسد فإن الله تعالى قال * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله) * فأخبر أنهم يحبهم إن اتبعوا الرسول فاتباع الرسول شرط المحبة ~~والمشروط يتأخر عن الشرط وغير ذلك من الأدلة ثم صار إلى هذا القول طائفة ~~غلوا فيه حتى صار الرجل منهم يستثني في الأعمال الصالحة يقول صليت إن شاء ~~الله ونحو ذلك يعني القبول ثم صار كثير منهم يستثنون في كل شيء فيقول أحدهم ~~هذا ثوب إن شاء الله هذا حبل إن شاء الله فإذا قيل لهم هذا لا شك فيه ~~يقولون نعم لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره المأخذ الثاني أن الأيمان ~~المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله وترك ما نهاه عنه كله فإذا قال ~~الرجل مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين القائمين ~~بجميع ما أمروا به وترك كل ما نهوا عنه فيكون من أولياء الله المقربين وهذا ~~مع تزكية الإنسان لنفسه ولو كانت هذه الشهادة صحيحة لكان ينبغي أن يشهد ~~لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا ~~يستثنون وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر كما سنذكره إن شاء الله تعالى ~~ويحتجون أيضا بجواز الاستثناء فيما لا شك فيه كما قال تعالى * (لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) * وقال صلى الله عليه وسلم PageV00P396 # حين وقف على المقابر وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وقال أيضا إني لأرجو أن ~~أكون أخشاكم لله ونظائر هذا وأما من يحرمه فكل من جعل الإيمان شيئا واحدا ~~فيقول أنا أعلم اني مؤمن كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين فقولي أنا مؤمن ~~كقولي انا مسلم فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه وسموا الذين يستثنون في ~~إيمانهم الشكاكة وأجابوا عن الاستثناء الذي في قوله تعالى * (لتدخلن المسجد ~~الحرام إن شاء الله آمنين) * بأنه يعود إلى الأمن والخوف فأما الدخول فلا ~~شك فيه وقيل لتدخلن جميعكم أو بعضكم لأنه ms252 علم أن بعضهم يموت وفي كلا ~~الجوابين نظر فإنهم وقعوا فيما فروا منه فأما الأمن والخوف فقد أخبر أنهم ~~يدخلون آمنين مع علمه بذلك فلا شك في الدخول ولا في الأمن ولا في دخول ~~الجميع أو البعض فإن الله قد علم من يدخل فلا شك فيه أيضا فكان قول إن شاء ~~الله هنا تحقيقا للدخول كما يقول الرجل فيما عزم على شيء أن يفعله لا محالة ~~والله لأفعلن كذا إن شاء الله لا يقولها لشك في إرادته وعزمه ولكن إنما لا ~~يحنث الحالف في مثل هذه اليمين لأنه لا يجزم بحصول مراده وأجيب بجواب آخر ~~لا بأس به وهو أنه قال ذلك تعليما لنا كيف نستثني إذا أخبرنا عن مستقبل وفي ~~كون هذا المعنى مرادا من النص نظر فإنه ما سيق الكلام إلا أن يكون مرادا من ~~إشارة النص وأجاب الزمخشري بجوابين آخرين باطلين وهما أن يكون الملك قد ~~قاله فأثبت قرآنا أو أن الرسول قاله فعند هذا المسكين يكون من القرآن ما هو ~~غير كلام الله فيدخل في وعيد من قال * (إن هذا إلا قول البشر) * نسال الله ~~العافية PageV00P397 # وأما من يجوز الاستثناء وتركه فهم أسعد بالدليل من الفريقين وخير الأمور ~~أوسطها فإن أراد المستثني الشك في أصل إيمانه منع من الاستثناء وهذا مما لا ~~خلاف فيه وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم الله في قوله * (إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك ~~هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) * وفي قوله تعالى * ~~(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) * فالاستثناء حينئذ جائز وكذلك من ~~استثنى وأراد عدم علمه بالعاقبة وكذلك من استثني تعليقا للأمر بمشيئة الله ~~لا شكا في إيمانه وهذا القول في القوة كما ترى قوله وجميع ما صح عن رسول ~~الله صلى الله ms253 عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق يشير الشيخ رحمه الله ~~بذلك إلى الرد على الجهمية والمعطلة والمعتزلة والرافضة القائلين بأن ~~الأخبار قسمان متواتر وآحاد فالمتواتر وإن كان قطعي السند لكنه غير قطعي ~~الدلالة فإن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين ولهذا قدحوا في دلالة القرآن ~~على الصفات قالوا والآحاد لا تفيد العلم ولا يحتج بها من جهة طريقها ولا من ~~جهة متنها فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من ~~جهة الرسول وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع ~~عقلية وبراهين يقينية وهي في التحقيق * (كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى ~~إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو ~~كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ~~إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) * ~~PageV00P398 # ومن العجب أنهم قدموها على نصوص الوحي وعزلوا لأجلها النصوص فأقفرت ~~قلوبهم من الاهتداء بالنصوص ولم يظفروا بالعقول الصحيحة المؤيدة بالفطرة ~~السليمة والنصوص النبوية ولو حكموا نصوص الوحي لفازوا بالمعقول الصحيح ~~الموافق للفطرة السلمية بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته ~~وما ظنه معقولا فما وافقه قال إنه محكم وقبله واحتج به وما خالفه قال إنه ~~متشابه ثم رده وسمى رده تفويضا أو حرفه وسمى تحريفه تأويلا فلذلك اشتد ~~إنكار أهل السنة عليهم وطريق أهل السنة أن لا يعدلوا عن النص الصحيح ولا ~~يعارضوه بمعقول ولا قول فلان كما أشار إليه الشيخ رحمه الله وكما قال ~~البخاري رحمه الله سمعت الحميدي يقول كنا عند الشافعي رحمه الله فأتاه رجل ~~فسأله عن مسألة فقال قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا فقال ~~رجل للشافعي ما تقول أنت فقال سبحان الله تراني في كنيسة تراني في بيعة ~~تراني على وسطي زنار أقول لك قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تقول ~~ما تقول أنت ms254 ونظائر ذلك في كلام السلف كثير وقال تعالى * (وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) * وخبر ~~الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملا به وتصديقا له يفيد العلم اليقيني عند ~~جماهير الأمة وهو أحد قسمي المتواتر ولم يكن PageV00P399 # بين سلف الأمة في ذلك نزاع كخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما الأعمال ~~بالنيات وخبر ابن عمر رضي الله عنهما من نهى عن بيع الولاء وهبته وخبر أبي ~~هريرة لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها وكقوله يحرم من الرضاع ما ~~يحرم من النسب وأمثال ذلك وهو نظير خبر الذي أتى مسجد قباء وأخبر أن القبلة ~~تحولت إلى الكعبة فاستداروا إليها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل ~~رسله آحادا ويرسل كتبه مع الآحاد ولم يكن المرسل إليهم يقولون لا نقبله ~~لأنه خبر واحد وقد قال تعالى * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله) * فلا بد أن يحفظ الله حججه وبيناته على خلقه لئلا ~~تبطل حججه وبيناته ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد وفاته ~~وبين حاله للناس قال سفيان بن عيينة ما ستر الله أحدا يكذب في الحديث وقال ~~عبد الله بن المبارك لو هم رجل في البحر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس ~~يقولون فلان كذاب وخبر الواحد وإن كان يحتمل الصدق والكذب ولكن التفريق بين ~~صحيح الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلا ~~بالحديث والبحث عن سير الرواة ليقف على أحوالهم وأقوالهم وشدة حذرهم من ~~الطغيان والزلل وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدا في كلمة يتقولها على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك PageV00P400 # وقد نقلوا هذا الدين الينا كما نقل إليهم فهم ترك الإسلام وعصابة الإيمان ~~وهم نقاد الأخبار وصيارفة الأحاديث فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم وعرف ~~حالهم وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم ظهر له العلم فيما نقلوه ms255 ورووه ومن له ~~عقل ومعرفة يعلم أن أهل الحديث لهم من العلم بأحوال نبيهم وسيرته وأخباره ~~ما ليس لغيرهم به شعور فضلا أن يكون معلوما لهم أو مظنونا كما أن النحاة ~~عندهم من أخبار سيبويه والخليل وأقوالهما ما ليس عند غيرهم وعند الأطباء من ~~كلام بقراط وجالينوس ما ليس عند غيرهم وكل ذي صنعة هو أخبر بها من غيره فلو ~~سألت البقال عن أمر العطر أو العطار عن البز ونحو ذلك لعد ذلك جهلا كبيرا ~~ولكن النفاة قد جعلوا قوله تعالى * (ليس كمثله شيء) * مستندا لهم في رد ~~الأحاديث الصحيحة فكلما جاءهم حديث يخالف قواعدهم وآراءهم وما وضعته ~~خواطرهم وأفكارهم ردوه ب * (ليس كمثله شيء) * تلبيسا منهم وتدليسا على من ~~هو أعمى قلبا منهم وتحريفا لمعنى الآي عن مواضعه ففهموا من أخبار الصفات ما ~~لم يرده الله ولا رسوله ولا فهمه أحد من أئمة الإسلام أنه يقتضي إثباتها ~~التمثيل بما للمخلوقين ثم استدلوا على بطلان ذلك ب * (ليس كمثله شيء) * ~~تحريفا للنصين ويصنفون الكتب ويقولون هذا أصول دين الإسلام الذي امر الله ~~به وجاء من عنده ويقرأون كثيرا من القرآن ويفوضون معناه إلى الله ~~PageV00P401 # تعالى من غير تدبر لمعناه الذي بينه الرسول وأخبر أنه معناه الذي اراده ~~الله وقد ذم الله تعالى أهل الكتاب الأول على هذه الصفات الثلاث وقص ذلك ~~علينا من خبرهم لنعتبر وننزجر عن مثل طريقتهم فقال تعالى * (أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ~~وهم يعلمون) * إلى أن قال * (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن ~~هم إلا يظنون) * والأماني التلاوة المجردة ثم قال تعالى * (فويل للذين ~~يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ~~فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) * فذمهم على نسبة ما كتبوه ~~إلى الله وعلى اكتسابهم بذلك فكلا الوصفين ذميم أن ينسب إلى الله ما ليس من ~~عنده وأن يأخذ بذلك عوضا من ms256 الدنيا مالا أو رياسة نسأل الله أن يعصمنا من ~~الزلل في القول والعمل بمنه وكرمه ويشير الشيخ رحمه الله بقوله من الشرع ~~والبيان إلى أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم نوعان شرع ابتدائي وبيان ~~لما شرعه الله في كتابه العزيز وجميع ذلك حق واجب الاتباع وقوله وأهله في ~~أصله سواء والتفاضل بينهم بالحقيقة ومخالفة الهوى وملازمة الأولى وفي بعض ~~النسخ بالخشية والتقى بدل قوله بالحقيقة ففي العبارة الأولى يشير إلى أن ~~الكل مشتركون في أصل التصديق ولكن التصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت كما ~~تقدم نظيره بقوة البصر وضعفه وفي العبارة الأخرى يشير إلى أن التفاوت بين ~~المؤمنين بأعمال القلوب وأما التصديق فلا تفاوت فيه والمعنى الأول أظهر قوة ~~والله أعلم بالصواب قوله والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن PageV00P402 # ش قال تعالى * (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون) * الولي من الولاية بفتح الواو التي هي ضد العداوة وقد ~~قرأ حمزة * (ما لكم من ولايتهم من شيء) * بكسر الواو والباقون بفتحها وقيل ~~هما لغتان وقيل بالكسر النصرة وبالكسر الإمارة قال الزجاج وجاز الكسر لأن ~~في تولي بعض القوم بعضا جنسا من الصناعة العمل وكل ما كان كذلك مكسور مثل ~~الخياطة ونحوها فالمؤمنون أولياء الله والله تعالى وليهم قال الله تعالى * ~~(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) * وقال تعالى * (ذلك بأن الله مولى ~~الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم) * * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض) * وقال تعالى * (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) * إلى ~~آخر السورة وقال تعالى * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ~~فإن حزب الله هم الغالبون) * فهذه النصوص كلها ثبت فيها موالاة المؤمنين ~~بعضهم لبعض وأنهم أولياء الله وأن الله وليهم ومولاهم فالله ms257 يتولى عباده ~~المؤمنين فيحبهم ويحبونه ويرضى عنهم ويرضون عنه ومن عادى له وليا فقد بارزه ~~بالمحاربة وهذه الولاية من رحمته وإحسانه ليست كولاية المخلوق للمخلوق ~~لحاجة اليه قال تعالى * (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك ~~في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا) * فالله تعالى ليس له ولي ~~من PageV00P403 # الذل بل لله العزة جميعا خلاف الملوك وغيرهم ممن يتولاه لذله وحاجته إلى ~~ولي ينصره والولاية أيضا نظير الإيمان فيكون مراد الشيخ ان أهلها في أصلها ~~سواء وتكون كاملة وناقصة فالكاملة تكون للمؤمنين المتقين كما قال تعالى * ~~(ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ~~لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) * ف * (الذين آمنوا وكانوا يتقون) ~~* منصوب على أنه صفة أولياء الله أو بدل منه أو بإضمار امدح أو مرفوع ~~بإضمار هم أو خبر ثان ل إن وأجيز فيه الجر بدلا من ضمير عليهم وعلى هذه ~~الوجوه كلها فالولاية لمن كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون وهم أهل الوعد ~~المذكور في الآيات الثلاث وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ~~ومساخطه ليس بكثرة صوم ولا صلاة ولا تملق ولا رياضة وقيل الذين آمنوا مبتدأ ~~والخبر لهم البشرى وهو بعيد لقطع الجملة عما قبلها وانتثار نظم الآية ~~ويجتمع في المؤمن ولاية من وجه وعداوة من وجه كما قد يكون فيه كفر وإيمان ~~وشرك وتوحيد وتقوى وفجور ونفاق وإيمان وإن كان في هذا الأصل نزاع لفظي بين ~~أهل السنة ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع كما تقدم في الإيمان ولكن ~~موافقة الشارع في اللفظ والمعنى أولى من موافقته في المعنى وحده قال تعالى ~~* (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) * وقال تعالى * (قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا) * الآية وقد تقدم الكلام على هذه الآية وأنهم ليسوا ~~منافقين على أصح القولين وقال صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه كان ~~منافقا خالصا ومن كانت فيه PageV00P404 # خصلة منهن ms258 كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر ~~وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر وفي رواية وإذا ائتمن خان بدل وإذا وعد أخلف ~~أخرجاه في الصحيحين وحديث شعب الإيمان تقدم وقوله صلى الله عليه وسلم يخرج ~~من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فعلم أن من كان معه من الإيمان ~~أقل القليل لم يخلد في النار وإن كان معه كثير من النفاق فهو يعذب في النار ~~على قدر ما معه من ذلك ثم يخرج من النار فالطاعات من شعب الإيمان والمعاصي ~~من شعب الكفر وإن كان راس شعب الكفر الجحود ورأس شعب الإيمان التصديق وأما ~~ما يروى مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من جماعة اجتمعت ~~إلا وفيهم ولي لله لا هم يدرون به ولا هو يدري بنفسه فلا أصل له وهو كلام ~~باطل فإن الجماعة قد يكونون كفارا وقد يكونون فساقا يموتون على الفسق واما ~~أولياء الله الكاملون فهم الموصوفون في قوله تعالى * (ألا إن أولياء الله ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة) * والتقوى هي المذكورة في قوله تعالى * (ولكن البر من ~~آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين) * إلى قوله * (أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) * وهم قسمان مقتصدون ومقربون فالمقتصدون ~~الذين يتقربون إلى الله بالفرائض من أعمال القلوب والجوارح والسابقون الذين ~~يتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى من ~~عادى PageV00P405 # لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت ~~عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن ~~سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء انا فاعله ترددي ms259 عن ~~قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته والولي خلاف العدو وهو مشتق ~~من الولاء وهو الدنو والتقرب فولي الله هو من والى الله بموافقته محبوباته ~~والتقرب اليه بمرضاته وهؤلاء كما قال الله تعالى فيهم * (ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) * قال أبو ذر رضي الله عنه لما نزلت ~~الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم (يا أبا ذر لو عمل الناس بهذه الأية ~~لكفتهم فالمتقون يجعل الله لهم مخرجا مما ضاق على الناس ويرزقهم من حيث لا ~~يحتسبون فيدفع الله عنهم المضار ويجلب لهم المنافع ويعطيهم الله أشياء يطول ~~شرحها من المكاشفات والتأثيرات قوله وأكرمهم عند الله أطوعهم واتبعهم ~~للقرآن ش أراد أكرم المؤمنين هو الأطوع لله والأتبع للقرآن وهو الأتقى ~~والأتقى هو الأكرم قال تعالى * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * وفي السنن عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على ~~عربي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على ابيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم ~~من تراب وبهذا الدليل يظهر ضعف تنازعهم في مسألة الفقير PageV00P406 # الصابر والغني الشاكر وترجيح أحدهما على الآخر وأن التحقيق ان التفضيل لا ~~يرجع إلى ذات الفقر والغنى وإنما يرجع إلى الأعمال والأحوال والحقائق ~~فالمسألة فاسدة في نفسها فإن التفضيل عند الله بالتقوى وحقائق الإيمان لا ~~بفقر ولا غنى ولهذا والله أعلم قال عمر رضي الله عنه الغنى والفقر مطيتان ~~لا أبالي أيهما ركبت والفقر والغنى ابتلاء من الله تعالى لعبده كما قال ~~تعالى * (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن) * ~~فإن استويا الفقير الصابر والغني الشاكر في التقوى استويا في الدرجة وإن ~~فضل أحدهما فيها فهو الأفضل عند الله فإن الفقر والغنى لا يوزنان وإنما ~~يوزن الصبر والشكر ومنهم من أحال المسألة من وجه آخر وهو أن الإيمان نصف ~~صبر ونصف شكر فكل منهما لا بد له من صبر وشكر وإنما أخذ الناس فرعا من ms260 ~~الصبر وفرعا من الشكر وأخذوا في الترجيح فجردوا غنيا منفقا متصدقا باذلا ~~ماله في وجوب القرب شاكرا لله عليه وفقيرا متفرغا لطاعة الله ولأداء ~~العبادات صابرا على فقره وحينئذ يقال إن أكملها أطوعهما وأتبعهما فإن ~~تساويا تساوت درجتهما والله أعلم ولو صح التجريد لصح أن يقال أيما أفضل ~~معافى شاكر أو مريض صابر أو مطاع شاكر أو مهان صابر أو آمن شاكر أو خائف ~~صابر ونحو ذلك قوله والايمان هو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله تعالى ش تقدم أن هذه الخصال هي ~~أصول الدين وبها أجاب النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل المشهور ~~المتفق على صحته حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم على صورة رجل أعرابي ~~وسأله عن الإسلام فقال أن تشهد لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~PageV00P407 # وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا ~~وسأله عن الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~وتومن بالقدر خيره وشره وسأله عن الإحسان فقال ان تعبد الله كأنك تراه فإن ~~لم تكن تراه فإنه يراك وقد ثبت كذلك في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يقرأ في ركعتي الفجر تارة بسورتي الإخلاص * (قل يا أيها الكافرون) * * ~~(قل هو الله أحد) * وتارة بآيتي الإيمان والإسلام التي في سورة البقرة * ~~(قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) * الآية والتي في آل عمران * (قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) * و فسر صلى الله عليه وسلم ~~الإيمان في حديث وفد عبد القيس المتفق على صحته حيث قال لهم آمركم بالإيمان ~~بالله وحده أتدرون ما الإيمان بالله وحده شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم ومعلوم أنه لم ~~يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب لما قد أخبر في غير ~~موضع أنه لا بد ms261 من إيمان القلب فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان وقد ~~تقدم الكلام على هذا والكتاب والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت ~~له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق وهذا أكثر من معنى الصلاة والزكاة ~~فإن تلك إنما فسرتها السنة والإيمان بين معناه الكتاب والسنة فمن الكتاب ~~قوله تعالى * (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) * وقوله ~~تعالى * (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) * ~~PageV00P408 # وقوله تعالى * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * فنفي الإيمان حتى توجد ~~هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس فمن تركها كان من أهل ~~الوعيد ولم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب ~~ولا يقال إن بين تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان في حديث جبرائيل ~~وتفسيره إياه في حديث وفد عبد القيس معارضة لأنه فسر الإيمان في حديث ~~جبرائيل بعد تفسير الإسلام فكان المعنى أنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر مع الأعمال التي ذكرها في تفسير الإسلام كما أن الإحسان ~~متضمن للإيمان الذي قدم تفسيره قبل ذكره بخلاف حديث وفد عبد القيس لأنه ~~فسره ابتداء لم يتقدم قبله تفسير الإسلام ولكن هذا الجواب لا يتأتى على ما ~~ذكره الشيخ رحمه الله من تفسير الإيمان فحديث وفد عبد القيس مشكل عليه ومما ~~يسأل عنه أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من الخصال ~~الخمس التي أجاب بها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل المذكور فلم ~~قال إن الإسلام هذه الخصال الخمس وقد أجاب بعض الناس بأن هذه أظهر شعائر ~~الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها يشعر بانحلال قيد ~~انقياده والتحقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدين الذي هو استسلام ~~العبد لربه مطلقا الذي يجب لله على عباده محضه على الأعيان فيجب على كل من ~~كان ms262 قادرا عليه ليعبد الله مخلصا له الدين وهذه هي الخمس وما سوى ذلك فإنما ~~يجب بأسباب مصالح فلا يعم وجوبها جميع الناس بل إما أن يكون فرضا على ~~الكفاية كالجهاد والأمر بالمعروف PageV00P409 # والنهي عن المنكر وما يتبع ذلك من إمارة وحكم وفتيا وإقراء وتحديث وغير ~~ذلك وأما ما يجب بسبب حق الآدميين فيختص به من وجب له وعليه وقد يسقط ~~بإسقاطه من قضاء الديون ورد الأمانات والغصوب والإنصاف من المظالم من ~~الدماء والأموال والأعراض وحقوق الزوجة والأولاد وصلة الارحام ونحو ذلك فإن ~~الواجب من ذلك على زيد غير الواجب على عمرو بخلاف صوم رمضان وحج البيت ~~والصلوات الخمس والزكاة فإن الزكاة وإن كانت حقا ماليا فإنها واجبة لله ~~والأصناف الثمانية مصارفها ولهذا وجبت فيها النية ولم يجز ان يفعلها الغير ~~بلا إذنه ولم تطلب من الكفار وحقوق العباد لا يشترط لها النية ولو أداها ~~غيره عنه بغير إذنه برئت ذمته ويطالب بها الكفار وما يجب حقا لله تعالى ~~كالكفارات هو بسبب من العبد وفيها معنى العقوبة ولهذا كان التكليف شرطا في ~~الزكاة فلا تجب على الصغير والمجنون عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله ~~تعالى على ما عرف في موضعه وقوله والقدر خيره وشره وحلوه ومره من الله ~~تعالى تقدم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبرائيل وتؤمن بالقدر خيره ~~وشره وقال تعالى * (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) * وقال تعالى * (وإن ~~تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل ~~كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) * * (ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) * فإن قيل فكيف الجمع بين قوله ~~* (كل من عند الله) * PageV00P410 # وبين قوله * (فمن نفسك) * قيل قوله * (كل من عند الله) * الخصب والجدب ~~والنصر والهزيمة كلها من عند الله وقوله * (فمن نفسك) * أي ما أصابك من ~~سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك كما قال تعالى * (وما أصابكم من ms263 مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم) * يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قرأ ~~* (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) * وأنا كنبتها عليك والمراد بالحسنة هنا ~~النعمة وبالسيئة البلية في أصح الأقوال وقد قيل الحسنة الطاعة والسيئة ~~المعصية وقيل الحسنة ما أصابه يوم بدر والسيئة ما أصابه يوم أحد والقول ~~الأول شامل لمعنى القول الثالث والمعنى الثاني ليس مرادا دون الأول قطعا ~~ولكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه مع أن الجميع ~~مقدر فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى فتكون من سيئات الجزاء مع ~~أنها من سيئات العمل والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى كما دل على ~~ذلك الكتاب والسنة وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى فمن نفسك فإنهم ~~يقولون إن فعل العبد حسنة كان أو سيئة فهو منه لا من الله والقرآن قد فرق ~~بينهما وهم لا يفرقون ولأنه قال تعالى * (كل من عند الله) * فجعل الحسنات ~~من عند الله كما جعل السيئات من عند الله وهم لا يقولون بذلك في الأعمال بل ~~في الجزاء وقوله بعد هذا * (ما أصابك من حسنة) * و * (من سيئة) * مثل قوله ~~* (وإن تصبهم حسنة) * و * (وإن تصبهم سيئة) * وفرق سبحانه وتعالى بين ~~الحسنات التي هي النعم وبين السيئات التي هي المصائب فجعل هذه من الله وهذه ~~من نفس الإنسان لأن الحسنة مضافة إلى الله إذ هو أحسن بها من كل وجه فما من ~~وجه من أوجهها إلا وهو يقتضي الإضافة اليه وأما السيئة PageV00P411 # فهو إنما يخلقها لحكمة وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب لا ~~يفعل سيئة قط بل فعله كله حسن وخير ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول في الاستفتاح والخير كله بيدك والشر ليس إليك أي فإنك لا تخلق شرا ~~محضا بل كل ما يخلقه ففيه حكمة هو باعتبارها خير ولكن قد يكون فيه شر لبعض ~~الناس فهذا شر جزئي إضافي فأما شر كلي أو شر مطلق فالرب ms264 سبحانه وتعالى منزه ~~عنه وهذا هو الشر الذي ليس اليه ولهذا لا يضاف الشر اليه مفردا قط بل إما ~~أن يدخل في عموم المخلوقات كقوله تعالى * (الله خالق كل شيء) * * (كل من ~~عند الله) * وإما أن يضاف إلى السبب كقوله * (من شر ما خلق) * وإما أن يحذف ~~فاعله كقول الجن * (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا) * وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة بل الله من ~~الرحمة والحكمة لا يقدر قدره إلا الله تعالى وليس إذا وقع في المخلوقات ما ~~هو شر جزئي بالإضافة يكون شرا كليا عاما بل الأمور العامة الكلية لا تكون ~~إلا خيرا أو مصلحة للعباد كالمطر العام وكإرسال رسول عام وهذا مما يقتضي ~~أنه لا يجوز أن يؤد كذابا عليه بالمعجزات التي أيد بها الصادقين فإن هذا شر ~~عام للناس يضلهم فيفسد عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم وليس هذا كالملك الظالم ~~والعدو فإن الملك الظالم لا بد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه وقد ~~قيل ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام وإذا قدر كثرة ظلمه ~~فذاك خير في الدين كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم ويثابون على الصبر عليه ~~ويرجعون فيه إلى الله ويستغفرونه ويتوبون اليه وكذلك ما يسلط عليهم من ~~العدو ولهذا قد يمكن الله PageV00P412 # كثيرا من الملوك الظالمين مدة وأما المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم ~~بل لا بد أن يهلكهم لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة قال تعالى * ~~(ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) * ~~وفي قوله فمن نفسك من الفوائد أن العبد لا يطمئن إلى نفسه ولا يسكن إليها ~~فإن الشر كامن فيها لا يجيء إلا منها ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا ~~أساؤوا اليه فإن ذلك من السيئات التي أصابته وهي إنما أصابته بذنوبه فيرجع ~~إلى الذنوب ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله ويسأل الله ان يعينه على ms265 ~~طاعته فبذلك يحصل له كل خير ويندفع عنه كل شر ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه ~~واحكمه دعاء الفاتحة * (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين) * فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته ~~وترك معصيته فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في الآخرة لكن الذنوب هي لوازم ~~نفس الانسان وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة وهو إلى الهدى أحوج منه إلى ~~الطعام والشراب ليس كما يقوله بعض المفسرين انه قد هداه فلماذا يسأل الهدى ~~وان المراد التثبيت أو مزيد الهداية بل العبد محتاج إلى أن يعلمه الله ما ~~يفعله من تفاصيل أحواله والى ما يتركه من تفاصيل الأمور في كل يوم والى ان ~~يلهمه أن يعمل ذلك فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله مريدا للعمل بما ~~يعلمه وإلا كان العلم حجة عليه ولم يكن مهتديا ومحتاج إلى أن يجعله قادرا ~~على العمل بتلك الإرادة الصالحة فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم وما ~~لا نريد فعله تهاونا وكسلا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه وما لا نقدر ~~عليه مما نريده كذلك وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر ~~ونحن محتاجون إلى PageV00P413 # الهداية التامة فمن كملت له هذه الأمور كان سؤاله سؤال تثبيت وهي آخر ~~الرتب وبعد ذلك كله هداية أخرى وهي الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة ولهذا ~~كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة لفرط حاجتهم اليه فليسوا إلى شيء ~~أحوج منهم إلى هذا الدعاء فيجب أن يعلم أن الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء ~~من أعظم الأسباب المقتضية للخير المانعة من الشر فقد بين القرآن أن السيئات ~~من النفس وإن كانت بقدر الله وأن الحسنات كلها من الله تعالى وإذا كان ~~الأمر كذلك وجب أن يشكر سبحانه وأن يستغفره العبد من ذنوبه وألا يتوكل إلا ~~عليه وحده فلا يأتي بالحسنات إلا وهو فأوجب ذلك توحيده والتوكل عليه وحده ~~والشكر له وحده والاستغفار من الذنوب وهذه ms266 الأمور كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يجمعها في الصلاة كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان إذا رفع رأسه من ~~الركوع يقول ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملء السماوات وملء ~~الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قاله العبد وكلنا ~~لك عبد فهذا حمد وهو شكر لله تعالى وبيان ان حمده أحق ما قاله العبد ثم ~~يقول بعد ذلك لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد وهذا تحقيق لوحدانيته لتوحيد الربوبية خلقا وقدرا وبداية ونهاية ~~PageV00P414 # هو المعطي المانع لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولتوحيد الإلهية ~~شرعا وأمرا ونهيا وإن العباد وإن كانوا يعطون جدا ملكا وعظمة وبختا ورياسة ~~في الظاهر أو في الباطن كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة فلا ينفع ذا ~~الجد منك الجد أي لا ينجيه ولا يخلصه ولهذا قال لا ينفعه منك ولم يقل ولا ~~ينفعه عندك لأنه لو قيل ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك لكن قد لا يضره ~~فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد أو تحقيق قوله * (إياك نعبد وإياك نستعين) ~~* فإنه لو قدر ان شيئا من الأسباب يكون مستقلا بالمطلوب وإنما يكون بمشيئة ~~الله وتيسيره لكان الواجب ان لا يرجى إلا الله ولا يتوكل إلا عليه ولا يسأل ~~إلا هو ولا يستغاث إلا به ولا يستعان إلا هو فله الحمد وإليه المشتكى وهو ~~المستعان وبه المستغاث ولا حول ولا قوة إلا به فكيف وليس شيء من الأسباب ~~مستقلا بمطلوب بل لا بد من انضمام أسباب أخر اليه ولا بد أيضا من صرف ~~الموانع والمعارضات عنه حتى يحصل المقصود فكل سبب فله شريك وله ضد فإن لم ~~يعاونه شريكه ولم ينصرف عنه ضده لم يحصل مسببه والمطر وحده لا ينبت النبات ~~إلا بما يضم اليه من الهواء والتراب وغير ذلك ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه ~~الآفات المفسدة له والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في ms267 البدن من ~~الأعضاء والقوى ومجموع ذلك لا يفيد إن لم تصرف عنه المفسدات والمخلوق الذي ~~يعطيك أو ينصرك فهو مع أن الله يجعل فيه الإرادة والقوة والفعل فلا يتم ما ~~يفعله إلا بأسباب كثيرة خارجة عن قدرته تعاونه على مطلوبه ولو كان ملكا ~~مطاعا ولا بد أن يصرف عن الأسباب المتعاونة ما يعارضها ويمانعها فلا يتم ~~المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع PageV00P415 # وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضى فليس في الوجود شيء واحد هو مقتضى ~~تام وإن سمي مقتضيا وسمي سائر ما يعينه شروطا فهذا نزاع لفظي وأما أن يكون ~~في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها فهذا باطل ومن عرف هذا حق المعرفة ~~انفتح له باب توحيد الله وعلم أنه لا يستحق أن يسأل غيره فضلا عن أن يعبد ~~غيره ولا يتوكل على غيره ولا يرجى غيره قوله ونحن مؤمنون بذلك كله لا نفرق ~~بين أحد من رسله ونصدقهم كلهم على ما جاؤوا به ش الإشارة بذلك إلى ما تقدم ~~مما يجب الإيمان به تفصيلا وقوله لا نفرق بين أحد من رسله إلى آخر كلامه اي ~~لا نفرق بينهم بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض بل نؤمن بهم ونصدقهم كلهم فإن من ~~آمن ببعض وكفر ببعض كافر بالكل قال تعالى * (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ~~ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا) * فإن المعنى الذي ~~لأجله آمن بمن آمن به منهم موجود في الذي لم يؤمن به وذلك الرسول الذي آمن ~~به قد جاء بتصديق بقية المرسلين فإذا لم يؤمن ببعض المرسلين كان كافرا بمن ~~في زعمه أنه مؤمن به لأن ذلك الرسول قد جاء بتصديق المرسلين كلهم فكان ~~كافرا حقا وهو يظن أنه مؤمن فكان من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا قوله وأهل الكبائر من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وان لم يكونوا ~~تائبين بعد أن لقوا الله ms268 PageV00P416 # عارفين وهم في مشيئته وحكمه ان شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر عز ~~وجل في كتابه * (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) * وان شاء عذبهم في النار ~~بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى ~~جنته وذلك بان الله تعالى تولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل ~~نكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته اللهم يا ولي الاسلام ~~وأهله ثبتنا على الاسلام حتى نلقاك به ش فقوله وأهل الكبائر من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون رد لقول ~~الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار لكن الخوارج تقول ~~بتكفيرهم والمعتزلة بخروجهم عن الإيمان لا بدخولهم في الكفر بل لهم منزلة ~~بين منزلتين كما تقدم عند الكلام على قول الشيخ رحمه الله ولا نكفر أحدا من ~~أهل القبلة بذنب ما لم يستحله وقوله وأهل الكبائر من أمة محمد تخصيصه أمة ~~محمد يفهم منه أن أهل الكبائر من أمة غير محمد صلى الله عليه وسلم قبل نسخ ~~تلك الشرائع به حكمهم مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد وفي ذاك نظر فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم اخبر أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة ~~من إيمان ولم يخص أمته بذلك بل ذكر الإيمان مطلقا فتأمله وليس في بعض النسخ ~~ذكر الأمة وقوله في النار معمول لقوله لا يخلدون وإنما قدمه لأجل السجعة لا ~~أن يكون في النار خبر لقوله وأهل الكبائر كما ظنه بعض الشارحين واختلف ~~العلماء في الكبائر على أقوال فقيل سبعة وقيل سبعة عشر وقيل ما اتفقت ~~الشرائع على تحريمه وقيل ما يسد باب المعرفة بالله وقيل ذهاب الأموال ~~والأبدان وقيل سميت كبائر PageV00P417 # بالنسبة والإضافة إلى ما دونها وقيل لا تعلم أصلا أو أنها أخفيت كليلة ~~القدر وقيل إنها إلى السبعين أقرب وقيل كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة وقيل ~~إنها ما يترتب عليها حد أو توعد ms269 عليها بالنار أو اللعنة أو الغضب وهذا أمثل ~~الأقوال واختلفت عبارات السلف في تعريف الصغائر منهم من قال الصغيرة ما دون ~~الحدين حد الدنيا وحد الآخرة ومنهم من قال كل ذنب لم يختم بلعنة أو غضب أو ~~نار ومنهم من قال الصغيرة ما ليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة ~~والمراد بالوعيد الوعيد الخاص بالنار أو اللعنة أو الغضب فإن الوعيد الخاص ~~في الآخرة كالعقوبة الخاصة في الدنيا أعني المقدرة فالتعزير في الدنيا نظير ~~الوعيد بغير النار أو اللعنة أو الغضب وهذا الضابط يسلم من القوادح الواردة ~~على غيره فإنه يدخل فيه كل ما ثبت بالنص أنه كبيرة كالشرك والقتل والزنا ~~والسحر وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ونحو ذلك كالفرار من الزحف وأكل ~~مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة الزور وأمثال ~~ذلك وترجيح هذا القول من وجوه أحدها أنه هو المأثور عن السلف كابن عباس ~~وابن عيينة وابن حنبل رضي الله عنهم وغيرهم الثاني أن الله تعالى قال * (إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) * فلا ~~يستحق هذا الوعد الكريم من أوعد بغضب الله ولعنته وناره وكذلك من استحق ان ~~يقام عليه PageV00P418 # الحد لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر الثالث أن هذا الضابط ~~مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب فهو حد متلقى من خطاب الشارع ~~الرابع أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر بخلاف تلك ~~الأقوال فإن من قال سبعة أو سبعة عشر أو إلى السبعين أقرب مجرد دعوى ومن ~~قال ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما اختلفت فيه يقتضي ان شرب الخمر ~~والفرار من الزحف والتزوج ببعض المحارم والمحرم بالرضاعة والصهرية ونحو ذلك ~~ليس من الكبائر وأن الحبة من مال اليتيم والسرقة لها والكذبة الواحدة ~~الخفيفة ونحو ذلك من الكبائر وهذا فاسد ومن قال ما سد باب المعرفة بالله أو ~~ذهاب الأموال والأبدان يقتضي ان شرب الخمر وأكل الخنزير والميتة والدم وقذف ~~المحصنات ليس ms270 من الكبائر وهذا فاسد ومن قال إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما ~~دونها أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم ~~إلى صغائر وكبائر وهذا فاسد لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى ~~صغائر وكبائر ومن قال إنها لا تعلم أصلا أو إنها مبهمة فإنما أخبر عن نفسه ~~أنه لا يعلمها فلا يمنع أن يكون قد علمها غيره والله أعلم وقوله وإن لم ~~يكونوا تائبين لأن التوبة لا خلاف أنها تمحو الذنوب وإنما الخلاف في غير ~~التائب وقوله بعد أن لقوا الله تعالى عارفين لو قال مؤمنين بدل قوله عارفين ~~كان أولى لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر وإنما اكتفى بالمعرفة وحدها ~~الجهم وقوله مردود باطل كما تقدم فإن إبليس عارف بربه * (قال رب فأنظرني ~~إلى يوم يبعثون) * * (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) ~~* وكذلك PageV00P419 # فرعون وأكثر الكافرين قال تعالى * (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله) * * (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله) * ~~إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى وكأن الشيخ رحمه الله أراد ~~المعرفة الكاملة المستلزمة للاهتداء التي يشير إليها أهل الطريقة وحاشا ~~أولئك ان يكونوا من أهل الكبائر بل هم سادة الناس وخاصتهم وقوله وهم في ~~مشيئة الله وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله إلى آخر كلامه فصل الله ~~تعالى بين الشرك وغيره لأن الشرك أكبر الكبائر كما قال صلى الله عليه وسلم ~~وأخبر الله تعالى أن الشرك غير مغفور وعلق غفران ما دونه بالمشيئة والجائز ~~يعلق بالمشيئة دون الممتنع ولو كان الكل سواء لما كان للتفصيل معنى ولأنه ~~علق هذا الغفران بالمشيئة وغفران الكبائر والصغائر بعد التوبة مقطوع به غير ~~معلق بالمشيئة كما قال تعالى * (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) * ~~فوجب أن يكون الغفران المعلق بالمشيئة هو غفران ms271 الذنوب سوى الشرك بالله قبل ~~التوبة وقوله ذلك أن الله مولى أهل معرفته فيه مؤاخذة لطيفة كما تقدم وقوله ~~اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام وفي نسخة ثبتنا على الإسلام حتى ~~نلقاك به روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق بسنده عن ~~أنس رضي الله عنه قال كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا ~~ولي الإسلام وأهله مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه ومناسبة PageV00P420 # ختم الكلام المتقدم بهذا الدعاء ظاهرة وبمثل هذا الدعاء دعا يوسف الصديق ~~صلوات الله عليه حيث قال * (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما ~~وألحقني بالصالحين) * وبه دعا السحرة الذين كانوا أول من آمن بموسى صلوات ~~الله على نبينا وعليه حيث قالوا * (ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين) * ~~ومن استدل بهاتين الآيتين على جواز تمني الموت فلا دليل له فيه فإن الدعاء ~~إنما هو بالموت على الإسلام لا بمطلق الموت ولا بالموت الآن والفرق ظاهر ~~قوله ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم ش قال ~~صلى الله عليه وسلم صلوا خلف كل بر وفاجر رواه مكحول عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه وأخرجه الدارقطني وقال مكحول لم يلق أبا هريرة وفي إسناده معاوية بن ~~صالح متكلم فيه وقد احتج به مسلم في صحيحه وخرج له الدارقطني أيضا وأبو ~~داود عن مكحول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل بالكبائر ~~والجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر وفي صحيح ~~البخاري أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف ~~الثقفي وكذا أنس بن مالك وكان الحجاج فاسقا ظالما وفي صحيحه أيضا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ms272 ولهم وأن أخطأوا فلكم ~~وعليهم وعن عبد الله بن عمر رضي PageV00P421 # الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلوا خلف من قال لا إله ~~إلا الله وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا الله أخرجه الدارقطني من طرق ~~وضعفها اعلم رحمك الله وإيانا أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه ~~بدعو ولا فسقا باتفاق الأئمة وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد ~~إمامه ولا أن يمتحنه فيقول ماذا تعتقد بل يصلي خلف المستور الحال ولو صلى ~~خلف مبتدع يدعوا إلى بدعته أو فاسق ظاهر الفسق وهو الإمام الراتب الذي لا ~~يمكنه الصلاة إلا خلفه كإمام الجمعة والعيدين والإمام في صلاة الحج بعرفة ~~ونحو ذلك فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف ومن ترك الجمعة ~~والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء والصحيح أنه يصليها ~~ولا يعيدها فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف ~~الأئمة الفجار ولا يعيدون كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف ~~وكذلك أنس رضي الله عنه كما تقدم وكذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان يشرب الخمر حتى إنه صلى ~~بهم الصبح مرة أربعا ثم قال أزيدكم فقال له ابن مسعود ما زلنا معك منذ ~~اليوم في زيادة وفي الصحيح أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لما حصر صلى ~~بالناس شخص فسأل سائل عثمان انك إمام عامة وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة ~~فقال يا ابن أخي إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسنوا فأحسن معهم ~~وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة فإذا ~~صلى المأموم PageV00P422 # خلفه لم تبطل صلاته لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه لأن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر واجب ومن ذلك أن من أظهر بدعة وفجورا لا يترتب إماما ~~للمسلمين فإنه يستحق التعزيز حتى يتوب فإن ms273 أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا ~~وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار ~~المنكر حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه فمثل هذا إذا ترك ~~الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة وأما ~~إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة ~~خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة رضي الله عنهم وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ~~ولاة الأمور ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية فهنا لا يترك الصلاة خلفه ~~بل الصلاة خلفه أفضل فإذا أمكن الإنسان ان لا يقدم مظهرا للمنكر في الإمامة ~~وجب عليه ذلك لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة أو كان لا يتمكن ~~من صرفه عن الإمامة إلا بشر أعظم ضررا من ضرر ما أظهر من المنكر فلا يجوز ~~دفع الفساد القليل بالفساد الكثير ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما فإن ~~الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسن ~~الإمكان فتفويت الجمع والجماعات أعظم فسادا من الاقتداء فيهما بالإمام ~~الفاجر لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجورا فيبقى تعطيل المصلحة ~~الشرعية بدون دفع تلك المفسدة وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر ~~فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو ~~موضع اجتهاد العلماء منهم من قال يعيد ومنهم من قال لا يعيد وموضع بسط ذلك ~~في كتب الفروع PageV00P423 # وأما الإمام إذا نسي أو أخطأ ولم يعلم المأموم بحاله فلا إعادة على ~~المأموم للحديث المتقدم وقد صلى عمر رضي الله عنه وغيره وهو جنب ناسيا ~~للجنابة فأعاد الصلاة ولم يأمر المؤمومين بالإعادة ولو علم أن إمامه بعد ~~فراغه كان على غير طهارة أعاد عند أبي حنيفة خلافا لمالك والشافعي وأحمد في ~~المشهور عنه وكذلك لو فعل الإمام ما لا يسوغ عند المأموم وفيه تفاصيل ~~موضعها كتب الفروع ولو علم أن إمامه يصلي ms274 على غير وضوء فليس له أن يصلي ~~خلفه لأنه لاعب وليس بمصل وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ~~ولي الأمر وإمام الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع ~~الاجتهاد وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد بل عليهم طاعته في ~~ذلك وترك رأيهم لرأيه فإن مصلحة الجماعة والائتلاف ومفسدة الفرقة والاختلاف ~~أعظم من أمر المسائل الجزئية ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض ~~والصواب المقطوع به صحة صلاة بعض هؤلاء خلف بعض يروى عن أبي يوسف أنه لم حج ~~مع هارون الرشيد فاحتجم الخليفة وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ وصلى بالناس ~~فقيل لأبي يوسف أصليت خلفه قال سبحان الله أمير المؤمنين يريد بذلك أن ترك ~~الصلاة خلف ولاة الأمور من فعل أهل البدع وحديث أبي هريرة والذي رواه ~~البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ~~ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم نص صحيح صريح في أن الإمام إذا أخطأ فخطؤه ~~عليه لا على المأموم والمجتهد غايته أنه أخطأ بترك واجب اعتقد أنه ~~PageV00P424 # ليس واجب أو فعل محظور أعتقد أنه ليس محظورا ولا يحل لأحد يؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن يخالف هذا الحديث الصريح الصحيح بعد أن يبلغه وهو حجة على ~~من يطلق من الحنفية والشافعية والحنبلية أن الإمام إذا ترك ما يعتقد ~~المأموم وجوبه لم يصح اقتداؤه به فإن الاجتماع والائتلاف مما يجب رعايته ~~وترك الخلاف المفضي إلى الفساد وقوله وعلى من مات منهم أي ونرى الصلاة على ~~من مات من الأبرار والفجار وإن كان يستثني من هذا العموم البغاة وقطاع ~~الطريق وكذا قاتل نفسه خلافا لأبي يوسف لا الشهيد خلافا لمالك والشافعي ~~رحمهما الله على ما عرف في موضعه لكن الشيخ إنما ساق هذا لبيان أنا لا نترك ~~الصلاة على من مات من أهل البدع والفجور لا للعموم الكلي ولكن المظهرون ~~للإسلام قسمان إما مؤمن وإما منافق فمن علم نفاقه لم تجز الصلاة عليه ~~والاستغفار ms275 له ومن لم يعلم ذلك منه صلي عليه فإذا علم شخص نفاق شخص لم يصل ~~هو عليه وصلى عليه من لم يعلم نفاقه وكان عمر رضي الله عنه لا يصلي على من ~~لم يصل عليه حذيفة لأنه كان في غزوة تبوك قد عرف المنافقين وقد نهى الله ~~سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين وأخبر أنه ~~لا يغفر لهم باستغفاره وعلل ذلك بكفرهم بالله ورسوله فمن كان مؤمنا بالله ~~ورسوله لم ينه عن الصلاة عليه ولو كان له من الذنوب الاعتقادية البدعية أو ~~العملية أو الفجور ما له بل قد أمره الله تعالى بالاستغفار للمؤمنين فقال ~~تعالى * (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) * ~~فأمره سبحانه بالتوحيد والاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات فالتوحيد أصل ~~الدين والاستغفار له وللمؤمنين كماله فالدعاء لهم PageV00P425 # بالمغفرة والرحمة وسائر الخيرات إما واجب وإما مستحب وهو على نوعين عام ~~وخاص أما العام فظاهر كما في هذه الآية وأما الدعاء الخاص فالصلاة على ~~الميت فما من مؤمن يموت إلا وقد أمر المؤمنون أن يصلوا عليه صلاة الجنازة ~~وهم مأمورون في صلاتهم عليه أن يدعوا له كما روى أبو داود وابن ماجة عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا صليتم ~~على الميت فأخلصوا له الدعاء قوله ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا ش يريد ~~انا لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة أو من أهل النار ~~إلا من أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة كالعشرة رضي الله ~~عنهم وإن كنا نقول إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من شاء الله ~~إدخاله النار ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين ولكنا نقف في الشخص المعين فلا ~~نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم لأن الحقيقة باطنة وما مات عليه لا نحيط ~~به لكن نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين وللسلف في الشهادة بالجنة ms276 ثلاثة ~~أقوال أحدها أن لا يشهد لأحد إلا للأنبياء وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية ~~والأوزاعي والثاني أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص وهذا قول كثير من ~~العلماء وأهل الحديث والثالث أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون ~~كما في الصحيحين أنه مر بجنازة فأثنوا عليها بخير فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم وجبت ومر بأخرى فأثنى عليها بشر فقال وجبت وفي رواية كرر وجبت ثلاث ~~مرات فقال عمر يا رسول الله ما وجبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV00P426 # هذا أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا وجبت له النار ~~أنتم شهداء الله في الأرض وقال صلى الله عليه وسلم توشكون أن تعلموا أهل ~~الجنة من أهل النار قالوا بم يا رسول الله قال بالثناء الحسن والثناء السيء ~~فأخبر ان ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار قوله ولا نشهد عليهم بكفر ~~ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك ونذر سرائرهم إلى الله ~~تعالى ش لآنا قد أمرنا بالحكم بالظاهر ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به ~~علم قال تعالى * (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا ~~خيرا منهم) * وقال تعالى * (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن ~~بعض الظن إثم) * وقال تعالى * (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) * قوله ولا نرى السيف على أحد من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم إلا من وجب عليه السيف ش في الصحيح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني ~~رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه ~~المفارق للجماعة PageV00P427 # قوله ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعوا عليهم ~~ولا ننزع يدا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة ms277 ما لم ~~يأمروا بمعصية وندعو لهم بالصلاح والمعافاة ش قال تعالى * (يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وفي الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا ~~الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني وعن أبي ذر رضي ~~الله عنه قال إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدع ~~الأطراف وعند البخاري ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة وفي الصحيحين أيضا على ~~المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر ~~بمعصية فلا سمع ولا طاعة وعن حذيفة بن اليمان قال كان الناس يسألون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت ~~يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا ~~الخير من شر قال نعم فقلت هل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قال قلت ~~وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر فقلت ~~هل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه ~~فيها فقلت يا رسول الله صفهم لنا قال نعم قوم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا ~~قلت يا رسول الله فما ترى إذا أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين ~~PageV00P428 # وإمامهم فقلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال فاعتزل تلك الفرق كلها ~~ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك وعن ابن عباس رضي ~~الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى من أميره شيئا يكرهه ~~فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية وفي رواية فقد خلع ~~ربقة الإسلام من عنقه وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منها وعن عوف ms278 بن مالك ~~رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خيار أئمتكم الذين ~~تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ~~ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم فقلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف عند ~~ذلك قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من ~~معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعته فقد دل ~~الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر ما لم يأمروا بمعصية فتأمل قوله ~~تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * كيف قال * ~~(وأطيعوا الرسول) * ولم يقل وأطيعوا أولي الأمر منكم لأن أولي الامر لا ~~يفردون بالطاعة بل يطاعون فيما هو طاعة الله ورسوله وأعاد الفعل مع الرسول ~~لأن من PageV00P429 # يطع الرسول فقد أطاع الله فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله بل هو معصوم ~~في ذلك وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله فلا يطاع إلا فيما هو طاعة ~~لله ورسوله وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم ~~من المفاسد اضعاف ما يحصل من جورهم بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ~~ومضاعفة الأجور فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا والجزاء ~~من جنس العمل فعلينا الإجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل قال تعالى ~~* (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) * وقال تعالى * ~~(أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) ~~* وقال تعالى * (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) * ~~وقال تعالى * (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) * فإذا أراد ~~الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم فليتركوا الظلم وعن مالك بن دينار ~~أنه جاء في بعض كتب الله أنا الله مالك الملك قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني ~~جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك ~~لكن توبوا أعطفهم عليكم قوله ونتبع ms279 السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف ~~والفرقة ش السنة طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم والجماعة جماعة المسلمين ~~وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين فاتباعهم هدى وخلافهم ضلال ~~قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم PageV00P430 # * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله ~~غفور رحيم) * وقال * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) * وقال تعالى * (قل ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ~~وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين) * وقال تعالى * (وأن ~~هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تتقون) * وقال تعالى * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ~~ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) * وقال تعالى * (إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما ~~كانوا يفعلون) * وثبت في السنن الحديث الذي صححه الترمذي عن العرباض بن ~~سارية قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها ~~العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا ~~تعهد إلينا فقال أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى ~~اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا ~~بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وقال ~~صلى الله عليه وسلم إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة ~~وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعني الأهواء كلها في النار إلا ~~واحدة وهي الجماعة PageV00P431 # وفي رواية قالوا من هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي فبين صلى ~~الله عليه وسلم أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين إلا أهل السنة ~~والجماعة وما أحسن قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال من كان منكم ~~مستنا ms280 فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة ابرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها ~~تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم ~~في آثارهم وتمسكوا بما استطعم من أخلاقهم ودينهم فإنهم كانوا على الهدى ~~المستقيم وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان إن شاء الله تعالى عند قول الشيخ ~~ونرى الجماعة حقا وصوابا والفرقة زيغا وعذابا قوله ونحب أهل العدل والأمانة ~~ونبغض أهل الجور والخيانة ش وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية فإن ~~العبادة تتضمن كمال المحبة ونهايتها وكمال الذل ونهايته فمحبة رسل الله ~~وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله وإن كانت المحبة التي لله لا ~~يستحقها غيره فغير الله يحب في الله لا مع الله فإن المحب يحب ما يحب ~~محبوبه ويبغض ما يبغض ويوالي من يواليه ويعادي من يعاديه ويرضى لرضائه ~~ويغضب لغضبه ويأمر بما يأمر به وينهي عما ينهى عنه فهو موافق لمحبوبه في كل ~~حال والله تعالى يحب المحسنين ويحب المتقين ويحب التوابين ويحب المتطهرين ~~ونحن نحب من أحبه الله والله لا يحب الخائنين ولا يحب المفسدين ولا يحب ~~المستكبرين ونحن لا نحبهم أيضا ونبغضهم موافقه له سبحانه وتعالى وفي ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من ~~كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن PageV00P432 # كان يحب المرء لا يحبه إلا الله ومن كان يكره ان يرجع في الكفر بعد أن ~~أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة ~~المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته ومن المعلوم أن من أحب الله ~~المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم كما ~~قال تعالى * (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص) * ~~والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر فإن العبد يجتمع فيه سبب ~~الولاية وسبب العداوة والحب والبغض ms281 فيكون محبوبا من وجه ومبغوضا من وجه ~~والحكم للغالب وكذلك حكم العبد عند الله فإن الله قد يحب الشيء من وجه ~~ويكرهه من وجه آخر كما قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل وما ~~ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره ~~مساءته ولا بد له منه فبين أنه يتردد لأن التردد تعارض إرادتين وهو سبحانه ~~يحب ما يحب عبده المؤمن ويكره ما يكرهه وهو يكره الموت فهو يكرهه كما قال ~~وأنا أكره مساءته وهو سبحانه قضى بالموت فهو يريد كونه فسمى ذلك ترددا ثم ~~بين أنه لا بد من وقوع ذلك إذ هو يفضي إلى ما هو أحب منه قوله ونقول الله ~~أعلم فيما اشتبه علينا علمه ش تقدم في كلام الشيخ رحمه الله أنه ما سلم في ~~دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ورد علم ما اشتبه ~~عليه إلى عالمه ومن تكلم بغير علم فإنما يتبع هواه وقد قال تعالى * (ومن ~~أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) * وقال تعالى PageV00P433 # * (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه ~~أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير) * وقال تعالى * (الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ~~كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) * وقال تعالى * (قل إنما حرم ربي ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * وقد أمر الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن يرد علم ما لم يعلم اليه فقال تعالى * (قل الله أعلم ~~بما لبثوا له غيب السماوات والأرض) * * (قل ربي أعلم بعدتهم) * وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم لما سئل عن أطفال المشركين الله أعلم بما كانوا عاملين وقال ~~عمر رضي الله عنه ms282 اتهموا الرأي في الدين فلو رأيتني يوم أبي جندل فلقد ~~رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيي فأجتهد ولا آلو ~~وذلك يوم أبي جندل والكتاب يكتب وقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال اكتب ~~باسمك اللهم فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب وأبيت فقال يا عمر ~~تراني قد رضيت وتأبى وقال أيضا رضي الله عنه السنة ما سنه PageV00P434 # الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة وقال أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آية من ~~كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم وذكر الحسن بن علي الحلواني حدثنا عارم ~~حدثنا حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين قال لم يكن أحد أهيب ~~لما لا يعلم من أبي بكر ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر رضي ~~الله عنه وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلا ولا في ~~السنة أثرا فاجتهد برأيه ثم قال هذا رأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن ~~خطأ فمني وأستغفر الله قوله ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء ~~في الأثر ش تواترت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسح على ~~الخفين وبغسل الرجلين والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة فيقال لهم الذين ~~نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء قولا وفعلا والذين تعلموا الوضوء ~~منه وتوضؤوا على عهده وهو يراهم ويقرهم ونقلوه إلى من بعدهم أكثر عددا من ~~الذين نقلوا لفظ هذه الآية فإن جميع المسلمين كانوا يتوضؤون على عهده ولم ~~يتعلموا الوضوء إلا منه فإن هذا العمل لم يكن معهودا عندهم في الجاهلية وهم ~~قد رأوه يتوضأ ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين ~~في ما شاء الله من الحديث حتى نقلوا عنه من غير وجه في كتب الصحيح وغيرها ~~أنه ms283 قال ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار PageV00P435 # مع أن الفرض إذا كان مسح ظاهر القدم كان غسل الجميع كلفة لا تدعوا إليها ~~الطباع كما تدعو الطباع إلى طلب الرياسة والمال فلو جاز الطعن في تواتر صفة ~~الوضوء لكان في نقل لفظ آية الوضوء أقرب إلى الجواز وإذا قالوا لفظ الآية ~~ثبت بالتواتر الذي لا يمكن فيه الكذب ولا الخطأ فثبوت التواتر في نقل ~~الوضوء عنه أولى وأكمل وللظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة فإن المسح ~~كما يطلق ويراد به الإصابة كذلك يطلق ويراد به الإسالة كما تقول العرب ~~تمسحت للصلاة وفي الآية ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين المسح الذي هو ~~قسيم الغسل بل المسح الذي الغسل قسم منه فإنه قال * (إلى الكعبين) * ولم ~~يقل إلى الكعاب كما قال إلى المرافق فدل على أنه ليس في كل رجل كعب واحد ~~كما في كل يد مرفق واحد بل في كل رجل كعبان فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى ~~العظمين الناتئين وهذا هو الغسل فإن من يمسح المسح الخاص يجعل المسح لظهور ~~القدمين وجعل الكعبين في الآية غاية يرد قولهم فدعواهم أن الفرض مسح ~~الرجلين إلى الكعبين اللذين هما مجتمع الساق والقدم عند معقد الشراك مردود ~~بالكتاب والسنة وفي الآية قراءتان مشهورتان النصب والخفض وتوجيه إعرابهما ~~مبسوط في موضعه وقراءة النصب نص في وجوب الغسل لأن العطف على المحل إنما ~~يكون إذا كان المعنى واحدا كقوله فلسنا بالجبال ولا الحديدا وليس معنى مسحت ~~برأسي ورجلي هو معنى مسحت رأسي ورجلي بل ذكر الباء يفيد معنى زائدا على ~~مجرد المسح وهو إلصاق شيء من الماء بالرأس فتعين العطف على قوله * (وأيدكم) ~~* فالسنة المتواترة تقضي على ما يفهمه بعض الناس من ظاهر القرآن ~~PageV00P436 # فإن الرسول بين للناس لفظ القرآن ومعناه كما قال أبو عبد الرحمن السلمي ~~حدثنا الذين كانوا يقرئونا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود ~~وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم وسلم ms284 عشر آيات ~~لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها وفي ذكر المسح في الرجلين تنبيه على قلة ~~الصب في الرجلين فإن السرف يعتاد فيهما كثيرا والمسألة معروفة والكلام ~~عليها في كتب الفروع قوله والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين ~~برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة الساعة لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما ش يشير ~~الشيخ رحمه الله إلى الرد على الرافضة حيث قالوا لا جهاد في سبيل الله حتى ~~يخرج الرضى من آل محمد وينادي مناد من السماء اتبعوه وبطلان هذا القول أظهر ~~من أن يستدل عليه بدليل وهم شرطوا في الإمام أن يكون معصوما اشتراطا من غير ~~دليل بل في صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون ~~عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قال قلت ~~يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة الا من ~~ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ~~ولا ينزعن يدا من طاعته وقد تقدم بعض نظائر هذا الحديث في الإمامة ولم يقل ~~إن الإمام يجب أن يكون معصوما والرافضة أخسر الناس صفقة في هذه المسألة ~~لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هو الإمام المعدوم الذي لم ينفعهم في دين ولا ~~دنيا فإنهم يدعون أنه الإمام المنتظر محمد بن الحسن العسكري الذي دخل ~~السرادب في PageV00P437 # زعمهم سنة ستين ومائتين أو قريبا من ذلك بسامرا وقد يقيمون هناك دابة إما ~~بغله وإما فرسا ليركبها إذا خرج ويقيمون هناك في أوقات عينوا فيها من ينادي ~~عليه بالخروج يا مولانا اخرج يا مولانا اخرج ويشهرون السلاح ولا أحد هناك ~~يقاتلهم إلى غير ذلك من الأمور التي يضحك عليهم منها العقلاء وقوله مع أولي ~~الأمر برهم وفاجرهم لأن الحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر فلا بد من سائس ~~يسوس الناس فيهما ويقاوم العدو وهذا المعنى كما يحصل بالإمام البر يحصل ~~بالإمام الفاجر ms285 قوله ونؤمن بالكرام الكاتبين فان الله قد جعلهم علينا ~~حافظين ش قال تعالى * (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) * ~~وقال تعالى * (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من ~~قول إلا لديه رقيب عتيد) * وقال تعالى * (له معقبات من بين يديه ومن خلفه ~~يحفظونه من أمر الله) * وقال تعالى * (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ~~بلى ورسلنا لديهم يكتبون) * وقال تعالى * (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا ~~كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) * وقال تعالى * (إن رسلنا يكتبون ما تمكرون) * ~~وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يتعاقبون فيكم ملائكة ~~بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيصعد اليه ~~الذين كانوا فيكم فيسألهم والله أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون أتيناهم ~~وهم يصلون وفارقناهم وهم يصلون وفي الحديث الآخر إن معكم من لا يفارقكم إلا ~~عند الخلاء وعند الجماع فاستحيوهم واكرموهم PageV00P438 # جاء في التفسير اثنان عن اليمين وعن الشمال يكتبان الأعمال صاحب اليمين ~~يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه ~~واحد من ورائه وواحد أمامه فهو بين أربعة املاك بالنهار وأربعة آخرين ~~بالليل بدلا حافظان وكاتبان وقال عكرمة عن ابن عباس * (يحفظونه من أمر ~~الله) * قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدر الله خلوا ~~عنه وروى مسلم والإمام احمد عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة ~~قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي لكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني ~~إلا بخير الرواية بفتح الميم من فأسلم ومن رواه فأسلم برفع الميم فقد حرف ~~لفظه ومعنى فأسلم اي فاستسلم وانقاد لي في أصح القولين ولهذا قال فلا ~~يأمرني إلا بخير ومن قال إن الشيطان صار مؤمنا فقد حرف معناه فإن الشيطان ~~لا يكون مؤمنا ومعنى * (يحفظونه من أمر الله) * PageV00P439 # قيل حفظهم له من أمر الله ms286 أي الله امرهم بذلك يشهد لذلك قراءة من قرأ ~~يحفظونه بأمر الله ثم قد ثبت بالنصوص المذكورة أن الملائكة تكتب القول ~~والفعل وكذلك النية لأنها فعل القلب فدخلت في عموم * (يعلمون ما تفعلون) * ~~ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل إذا هم عبدي بسيئة فلا ~~تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة وإذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها ~~فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قالت الملائكة ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو ابصر به فقال ارقبوه فإن ~~عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرائي ~~خرجاهما في الصحيحين واللفظ لمسلم قوله ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح ~~العالمين ش قال تعالى * (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ~~ترجعون) * PageV00P440 # ولا تعارض هذه الآية قوله * (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا ~~يفرطون) * وقوله تعالى * (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى) * لأن ملك ~~الموت يتولى قبضها واستخراجها ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة ~~العذاب وتولونها بعده كل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره وحكمه وأمره فصحت ~~إضافة التوفي إلى كل بحسبه وقد اختلف في حقيقة النفس ما هي وهل هي جزء من ~~أجزاء البدن أو عرض من اعراضه أو جسم ساكن له مودع فيه أو جوهر مجرد وهل هي ~~الروح أو غيرها وهل الامارة وهل اللوامة والمطمئنة نفس واحدة أم هي ثلاثة ~~أنفس وهل تموت الروح أو الموت للبدن وحده وهذه المسألة تحتمل مجلدا ولكن ~~أشير إلى الكلام عليها مختصرا إن شاء الله تعالى فقيل الروح قديمة وقد ~~أجمعت الرسل على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة وهذا معلوم ~~بالضرورة من دينهم ان العالم محدث ومضى على هذا الصحابة والتابعون حتى نبغت ~~نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة فزعم أنها قديمة واحتج بأنها من ms287 أمر ~~الله وأمره غير مخلوق وبأن الله أضافها إليه بقوله * (قل الروح من أمر ربي) ~~* وبقوله * (ونفخت فيه من روحي) * كما أضاف اليه علمه وقدرته وسمعه وبصره ~~ويده وتوقف آخرون واتفق أهل السنة والجماعة أنها مخلوقة وممن نقل الإجماع ~~على ذلك محمد بن نصر المروزي وابن قتيبة وغيرهما ومن الأدلة على أن الروح ~~مخلوقة قوله تعالى * (الله خالق كل شيء) * PageV00P441 # فهذا عام لا تخصيص فيه بوجه ما ولا يدخل في ذلك صفات الله تعالى فإنها ~~داخلة في مسمى اسمه فالله تعالى هو الإله الموصوف بصفات الكمال فعلمه ~~وقدرته وحياته وسمعه وبصره وجميع صفاته داخل في مسمى اسمه فهو سبحانه بذاته ~~وصفاته الخالق وما سواه مخلوق ومعلوم قطعا ان الروح ليست هي الله ولا صفة ~~من صفاته وإنما هي من مصنوعاته ومنها قوله تعالى * (هل أتى على الإنسان حين ~~من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) * وقوله تعالى لزكريا * (وقد خلقتك من قبل ~~ولم تك شيئا) * والانسان اسم لروحه وجسده والخطاب لزكريا لروحه وبدنه ~~والروح توصف بالوفاة والقبض والإمساك والإرسال وهذا شان المخلوق المحدث ~~واما احتجاجهم بقوله * (من أمر ربي) * فليس المراد هنا بالامر الطلب بل ~~المراد به المأمور والمصدر يذكر ويراد به اسم المفعول وهذا معلوم مشهور ~~وأما استدلالهم بإضافتها إليه بقوله * (من روحي) * فينبغي أن يعلم أن ~~المضاف إلى الله تعالى نوعان صفات لا تقوم بأنفسها كالعلم والقدرة والكلام ~~والسمع والبصر فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها فعلمه وكلامه وقدرته وحياته ~~صفات له وكذا وجهه ويده سبحانه والثاني إضافة أعيان منفصلة عنه كالبيت ~~والناقة والعبد والرسول والروح فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه لكن إضافة تقتضي ~~تخصيصا وتشريفا يتميز به المضاف عن غيره واختلف في الروح هل هي مخلوقة قبل ~~الجسد أم بعده وقد تقدم عند ذكر الميثاق الإشارة إلى ذلك واختلف في الروح ~~ما هي فقيل هي جسم وقيل عرض وقيل لا ندري ما الروح أجوهر أم عرض وقيل ليس ~~الروح شيئا PageV00P442 # أكثر من اعتدال الطبائع الأربع وقيل هي الدم ms288 الصافي الخالص من الكدرة ~~والعفونات وقيل هي الحرارة الغريزية وهي الحياة وقيل هو جوهر بسيط منبث في ~~العالم كله من الحيوان على جهة الإعمال له والتدبير وهي على ما وصفت من ~~الانبساط في العالم غير منقسمة الذات والبنية وأنها في كل حيوان العالم ~~بمعنى واحد لا غير وقيل النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفس وقيل غير ~~ذلك وللناس في مسمى الإنسان هل هو الروح فقط أو البدن فقط أو مجموعهما أو ~~كل منهما وهذه الأقوال الأربعة لهم في كلامه هل هو اللفظ أو المعنى فقط أو ~~هما أو كل منهما فالخلاف بينهم في الناطق ونطقه والحق أن الإنسان اسم لهما ~~وقد يطلق على أحدهما بقرينة وكذا الكلام والذي يدل عليه الكتاب والسنة ~~وإجماع الصحابة وأدلة العقل أن النفس جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم ~~المحسوس وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري ~~فيها سريان الماء في الورد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم فما ~~دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف ~~بقي ذلك الجسم اللطيف ساريا في هذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار من الحس ~~والحركة الإرادية وإذا فسدت هذه بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت ~~عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح والدليل على ~~ذلك قوله تعالى * (الله يتوفى الأنفس حين موتها) * ففيها الإخبار بتوفيها ~~وإمساكها وإرسالها وقوله تعالى * (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ~~والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم) * PageV00P443 # ففيها بسط الملائكة أيديهم لتناولها ووصفها بالإخراج والخروج والإخبار ~~بعذابها ذلك اليوم والإخبار عن مجيئها إلى ربها وقوله تعالى * (وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه) * ففيها الإخبار ~~بتوفي النفس بالليل وبعثها إلى أجسادها بالنهار وتوفي الملائكة لها عند ~~الموت وقوله تعالى * (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ~~فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) * ففيها وصفها بالرجوع والدخول وقال صلى الله ~~عليه وسلم إن الروح إذا قبض تبعه البصر ms289 ففيه وصفه بالقبض وأن البصر يراه ~~وقال صلى الله عليه وسلم في حديث بلال قبض أرواحكم وردها عليكم وقال صلى ~~الله عليه وسلم نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة وسيأتي في الكلام على ~~عذاب القبر أدلة كثيرة من خطاب ملك الموت لها وأنها تخرج تسيل كما تسيل ~~القطرة من في السقاء وأنها تصعد ويوجد منها من المؤمن كأطيب ريح ومن الكافر ~~كأنتن ريح إلى غير ذلك من الصفات وعلى ذلك أجمع السلف ودل العقل وليس مع من ~~خالف سوى الظنون الكاذبة والشبه الفاسدة التي لا يعارض بها ما دل عليه نصوص ~~الوحي والأدلة العقيلة وأما اختلاف الناس في مسمى النفس والروح هل هما ~~متغايران أو مسماهما واحد فالتحقيق أن النفس تطلق على أمور وكذلك الروح ~~فيتحد مدلولها تارة ويختلف تارة فالنفس تطلق على الروح ولكن غالب ما يسمى ~~نفسا إذا كانت متصلة بالبدن وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها ~~ويطلق على الدم ففي PageV00P444 # الحديث ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه والنفس العين يقال ~~أصابت فلانا نفس أي عين والنفس الذات * (فسلموا على أنفسكم) * * (ولا ~~تقتلوا أنفسكم) * ونحو ذلك وأما الروح فلا يطلق على البدن لا بانفراده ولا ~~مع النفس وتطلق الروح على القرآن وعلى جبرائيل * (وكذلك أوحينا إليك روحا ~~من أمرنا) * * (نزل به الروح الأمين) * ويطلق الروح على الهواء المتردد في ~~بدن الإنسان أيضا وأما ما يؤيد الله به أولياءه فهي روح أخرى كما قال تعالى ~~* (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) * وكذلك القوى التي في ~~البدن فإنها أيضا تسمى أرواحا فيقال الروح الباصر والروح السامع والروح ~~الشام ويطلق الروح على أخص من هذا كله وهو قوة المعرفة بالله والإنابة إليه ~~ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته ونسبة هذا الروح إلى الروح كنسبة ~~الروح إلى البدن فالعلم روح والإحسان روح والمحبة روح والتوكل روح والصدق ~~روح والناس متفاوتون في هذه الروح فمن الناس من تغلب عليه هذه الأرواح ~~فيصير روحانيا ms290 ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير أرضيا بهميا وقد وقع في ~~كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة أنفس مطمئنة ولوامة وأمارة قالوا وإن ~~منهم من تغلب عليه هذه ومنهم من تغلب عليه هذه كما قال تعالى * (يا أيتها ~~النفس المطمئنة) * * (ولا أقسم بالنفس اللوامة) * * (إن النفس لأمارة ~~بالسوء) * والتحقيق أنها نفس واحدة لها صفات فهي أمارة بالسوء فإذا عارضها ~~الإيمان صارت لوامة تفعل الذنب ثم تلوم صاحبها وتلوم بين الفعل والترك فإذا ~~قوي PageV00P445 # الإيمان صارت مطمئنة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم من سرته حسنته ~~وسائته سيئته فهو مؤمن مع قوله لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن الحديث ~~واختلف الناس هل تموت الروح أم لا فقالت طائفة تموت لأنها نفس وكل نفس ~~ذائفة الموت وقد قال تعالى * (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام) * وقال تعالى * (كل شيء هالك إلا وجهه) * قالوا وإذا كانت ~~الملائكة تموت فالنفوس البشرية أولى بالموت وقال آخرون لا تموت الأرواح ~~فإنها خلقت للبقاء وإنما تموت الأبدان قالوا وقد دل على ذلك الأحاديث ~~الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في ~~أجسادها والصواب أن يقال موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها فإن ~~أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت وإن أريد أنها تعدم وتفنى بالكلية ~~فهي لا تموت بهذا الاعتبار بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب كما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى وقد أخبر سبحانه ان أهل الجنة * (لا يذوقون فيها ~~الموت إلا الموتة الأولى) * وتلك الموتة هي مفارقة الروح للجسد وأما قول ~~أهل النار * (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) * وقوله تعالى * (كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) * فالمراد أنهم ~~كانوا أمواتا وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم ثم أحياهم بعد ذلك ~~ثم أماتهم ثم يحييهم يوم النشور وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة ~~وإلا كانت ثلاث موتات وصعق الأرواح عند النفخ ms291 في الصور لا يلزم منه موتها ~~فإن الناس يصعقون يوم القيامة PageV00P446 # إذا جاء الله لفصل الفضاء وأشرقت الأرض بنوره وليس ذلك بموت وسيأتي ذكر ~~ذلك إن شاء الله تعالى وكذلك صعق موسى عليه السلام لم يكن موتا والذي يدل ~~عليه أن نفخة الصعق والله أعلم موت كل من لم يذق الموت قبلها من الخلائق ~~وأما من ذاق الموت أو لم يكتب عليه الموت من الحور والولدان وغيرهم فلا تدل ~~الآية على أنه يموت موتة ثانية والله أعلم قوله وبعذاب القبر لمن كان له ~~أهلا وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الاخبار ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضوان الله عليهم والقبر روضة ~~من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران ش قال تعالى * (وحاق بآل فرعون سوء ~~العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب) * وقال تعالى * (فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم ~~لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون) * وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا ~~وان يراد به عذابهم في البرزخ وهو أظهر لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في ~~الدنيا أو المراد أعم من ذلك وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال كنا في ~~جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ~~كأن على رؤوسنا الطير وهو يلحد له فقال أعوذ بالله من عذاب القبر ثلاث مرات ~~ثم قال إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت ~~اليه الملائكة كأن على وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط ~~الجنة فجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت PageV00P447 # حتى يجلس عند رأسه فيقول يا أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ~~ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء ms292 فيأخذها فإذا اخذها لم ~~يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط ~~ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون ~~بها يعني على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة فيقولون فلان ~~ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى ~~السماء فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي ~~تليها حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله فيقول الله عز وجل اكتبوا ~~كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها ~~أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له ~~من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الاسلام فيقولان له ~~ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان له ما علمك فيقول ~~قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء ان صدق عبدي فافرشوه ~~من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له ~~في قبره مد بصره قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول ابشر ~~بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء ~~بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول يا رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ~~ومالي قال وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة ~~نزل اليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم ~~PageV00P448 # يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى ~~سخط من الله وغضب قال تتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف ~~المبلول فيأخذها فإذا اخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك ~~المسوح ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا ~~يمرون بها على ملاء من ms293 الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث فيقولون ~~فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهي بها ~~إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم * (لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم ~~الخياط) * فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح ~~روحه طرحا ثم قرأ * (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو ~~تهوي به الريح في مكان سحيق) * فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ~~فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث ~~فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب فافرشوه من النار ~~وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى ~~تختلف أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول ابشر ~~بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء ~~بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة رواه الإمام أحمد وأبو ~~داود وروى النسائي وابن ماجة أوله ورواه الحاكم وأبو عوانة الإسفرائيني في ~~صحيحهما وابن حبان PageV00P449 # وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث وله شواهد من الصحيح ~~فذكر البخاري رحمه الله عن سعيد عن قتادة عن أنس ان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع ~~نعالهم فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ~~صلى الله عليه وسلم فأما المؤمن فيقول اشهد أنه عبد الله ورسوله فيقول له ~~انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا قال ~~قتادة وروي لنا أنه يفسح له في قبره وذكر الحديث وفي الصحيحين عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين ms294 فقال إنهما ليعذبان ~~وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرىء من البول وأما الآخر فكان ~~يمشي بالنميمة فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين وقال لعله يخفف عنهما ما لم ~~ييبسا وفي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه ملكان أسودان ازرقان يقال لأحدهما المنكر ~~وللآخر النكير وذكر الحديث الخ وقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا وسؤال الملكين فيجب ~~اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به ولا نتكلم في كيفيته إذ ليس للعقل وقوف على ~~كيفيته لكونه لا عهد له به في هذا الدار والشرع لا يأتي بما PageV00P450 # تحيلة العقول ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول فإن عود الروح إلى الجسد ~~ليس على الوجه المعهود في الدنيا بل تعاد الروح اليه إعادة غير الإعادة ~~المألوفة في الدنيا فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة ~~الأحكام أحدها تعلقها به في بطن الام جنينا الثاني تعلقها به بعد خروجه إلى ~~وجه الأرض الثالث تعلقها به في حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من ~~وجه الرابع تعلقها به في البرزخ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه فإنها لم ~~تفارقه فراقا كليا بحيث لا يبقى لها اليه التفات البتة فإنه ورد ردها إليه ~~وقت سلام المسلم وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه وهذا الرد إعادة ~~خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة الخامس تعلقها به يوم بعث الأجساد ~~وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه إذ ~~هو تعلق لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا فالنوم أخو الموت فتأمل ~~هذا يزح عنك إشكالات كثيرة وليس السؤال في القبر للروح وحدها كما قال ابن ~~حزم وغيره وأفسد منه قول من قال إنه للبدن بلا روح والأحاديث الصحيحة ترد ~~القولين وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعا باتفاق أهل ms295 السنة ~~والجماعة تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به واعلم أن عذاب القبر ~~هو عذاب البرزخ فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه قبر أو لم يقبر ~~أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادا ونسف في الهواء أو صلب أو غرق في ~~البحر وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور وما ورد من إجلاسه ~~واختلاف أضلاعه ونحو ذلك فيجب أن يفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم مراده ~~من غير غلو ولا تقصير فلا يحمل كلامه PageV00P451 # ما لا يحتمله ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان فكم حصل ~~بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله ~~بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام وهو أصل ~~كل خطأ في الفروع والأصول ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد والله المستعان ~~فالحاصل أن الدور ثلاث دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار وقد جعل الله ~~لكل دار أحكاما تخصها وركب هذا الإنسان من بدن ونفس وجعل أحكام الدنيا على ~~الأبدان والأرواح تبع لها وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبع لها ~~فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب ~~على الأرواح والأجساد جميعا فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل ظهر لك أن كون ~~القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل وأنه حق لا ~~مرية فيه وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم ويجب أن يعلم أن النار التي ~~في القبر والنعيم ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها وإن كان الله تعالى ~~يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه وتحته حتى يكون أعظم حرا من جمر ~~الدنيا ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بها بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفن ~~أحدهما إلى جنب صاحبه وهذا في حفرة من النار وهذا في روضة من رياض الجنة لا ~~يصل من هذا إلى جاره شيء من ms296 حر ناره ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه ~~وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به ~~علما وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير ~~وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده أطلعه وغيبه عن غيره ولو اطلع ~~الله على PageV00P452 # ذلك العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب ولما تدافن الناس ~~كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن ~~يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم ~~سمعته وأدركته وللناس في سؤال منكر ونكير هل هو خاص بهذه الأمة أم لا ثلاثة ~~أقوال الثالث التوقف وهو قول جماعة منهم أبو عمر بن عبد البر فقال وفي حديث ~~زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ~~منهم من يرويه تسأل وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة قد خصت بذلك ~~وهذا أمر لا يقطع به ويظهر عدم الإختصاص والله أعلم وكذلك اختلف في سؤال ~~الأطفال أيضا وهل يدوم عذاب القبر أو ينقطع جوابه أنه نوعان منه ما هو دائم ~~كما قال تعالى * (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ~~آل فرعون أشد العذاب) * وكذلك في حديث البراء بن عازب في قصة الكافر ثم ~~يفتح له باب إلى النار فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة رواه الإمام ~~أحمد في بعض طرقه والنوع الثاني أنه مدة ثم ينقطع وهو عذاب بعض العصاة ~~الذين خفت جرائمهم فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه كما تقدم ذكره في الممحصات ~~العشرة وقد اختلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة فقيل ~~أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكافرين في النار وقيل إن أرواح المؤمنين ~~بفناء الجنة على بابها يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها وقيل على أفنية ~~قبورهم وقال مالك بلغني أن الروح PageV00P453 # مرسلة تذهب ms297 حيث شاءت وقالت طائفة بل أرواح المؤمنين عند الله عز وجل ولم ~~يزيدوا على ذلك وقيل إن أرواح المؤمنين بالجابية من دمشق وأرواح الكافرين ~~ببرهوت بئر بحضرموت وقال كعب أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة ~~وأرواح الكافرين في سجين في الأرض السابعة تحت خد إبليس وقيل أرواح ~~المؤمنين ببئر زمزم وأرواح الكافرين ببئر برهوت وقيل أرواح المؤمنين عن ~~يمين آدم وأرواح الكفار عن شماله قال ابن حزم وغيره مستقرها حيث كانت قبل ~~خلق أجسادها وقال أبو عمر بن عبد البر أرواح الشهداء في الجنة وأرواح عامة ~~المؤمنين على أفنية قبورهم وعن ابن شهاب أنه قال بلغني أن أرواح الشهداء ~~كطير خضر معلقة بالعرش تغدو وتروح إلى رياض الجنة تأتي ربها كل يوم تسلم ~~عليه وقالت فرقة مستقرها العدم المحض وهذا قول من يقول إن النفس عرض من ~~أعراض البدن كحياته وإدراكه وقولهم مخالف للكتاب والسنة وقالت فرقة مستقرها ~~بعد الموت أبدان أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها ~~فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الروح وهذا قول التناسخية منكري ~~المعاد وهو قول خارج عن أهل الإسلام كلهم ويضيق هذا المختصر عن بسط أدلة ~~هذه الأقوال والكلام عليها ويتلخص من أدلتها أن الأرواح في البرزخ متفاوتة ~~أعظم تفاوت فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى وهي أرواح الأنبياء ~~صلوات الله عليهم وسلامه وهم متفاوتون في منازلهم ومنها أرواح في حواصل طير ~~خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وهي أرواح بعض الشهداء لا كلهم بل من الشهداء ~~من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه كما في المسند عن عبد الله بن جحش أن ~~رجلا جاء إلى PageV00P454 # النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما لي إن قتلت في سبيل الله ~~قال الجنة فلما ولى قال إلا الدين سارني به جبرائيل آنفا ومن الأرواح من ~~يكون محبوسا على باب الجنة كما في الحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأيت صاحبكم ms298 محبوسا على باب الجنة ومنهم من يكون محبوسا في قبره ~~ومنهم من يكون في الأرض ومنها أرواح تكون في تنور الزناة والزواني وأرواح ~~في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة كل ذلك تشهد له السنة والله أعلم وأما ~~الحياة التي اختص بها الشهيد وامتاز بها عن غيره في قوله تعالى * (ولا ~~تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) * وقوله ~~تعالى * (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) ~~* فهي أن الله تعالى جعل أرواحهم في أجواف طير خضر كما في حديث عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصيب ~~إخوانكم يعني يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة ~~وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب مظلة في ظل العرش الحديث رواه ~~الإمام أحمد وأبو داود وبمعناه في حديث ابن مسعود رواه مسلم فإنهم لما ~~بذلوا أبدانهم لله عز وجل حتى أتلفها أعداؤه فيه أعاضهم منها في البرزخ ~~أبدانا خيرا منها تكون فيها إلى يوم القيامة ويكون تنعمها بواسطة تلك ~~الأبدان أكمل من تنعم الأرواح المجردة عنها ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة ~~طير أو PageV00P455 # كطير ونسمة الشهيد في جوف طير وتأمل لفظ الحديثين ففي الموطأ أن كعب بن ~~مالك كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن نسمة المؤمن طائر ~~يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه فقوله نسمة المؤمن ~~تعم الشهيد وغيره ثم خص الشهيد بأن قال هي في جوف طير خضر ومعلوم أنها إذا ~~كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير فتدخل في عموم الحديث الآخر بهذا ~~الاعتبار فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على ~~فرشهم وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم فلهم نعيم يختص به لا يشاركه ~~فيه من هو دونه والله أعلم وحرم الله على ms299 الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما ~~روي في السنن وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير ~~فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة ~~والله أعلم وكأنه والله أعلم كلما كانت الشهادة أكمل والشهيد أفضل كان بقاء ~~جسده أطول قوله ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب ~~وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط والميزان ش الإيمان بالمعاد مما دل ~~عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة فأخبر الله سبحانه عنه في كتابه ~~العزيز وأقام الدليل عليه ورد على منكريه في غالب سور القرآن وذلك أن ~~الأنبياء عليهم السلام كلهم متفقون على الإيمان بالله فإن الاقرار بالرب ~~عام في بني آدم وهو فطري كلهم يقر بالرب إلا من عائد كفرعون بخلاف الإيمان ~~باليوم الآخر فإن منكريه كثيرون ومحمد صلى الله عليه وسلم لما كان ~~PageV00P456 # خاتم الأنبياء وكان قد بعث هو والساعة كهاتين وكان هو الحاشر المقفي بين ~~تفصيل الآخرة بيانا لا يوجد شيء من كتاب الأنبياء ولهذا ظن طائفة من ~~المتفلسفة ونحوهم أنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا محمد صلى الله عليه وسلم ~~وجعلوا هذه حجة لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري والقرآن بين ~~معاد النفس عند الموت ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع وهؤلاء ~~ينكرون القيامة الكبرى وينكرون معاد الأبدان ويقول من يقول منهم إنه لم ~~يخبر به إلا محمد صلى الله عليه وسلم على طريق التخيل وهذا كذب فإن القيامة ~~الكبرى هي معروفة عند الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم وموسى وعيسى ~~وغيرهم عليهم السلام وقد أخبر الله بها من حين أهبط آدم فقال تعالى * (قال ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) * * (قال فيها ~~تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون) * ولما قال إبليس اللعين * (رب فأنظرني ~~إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) * وأما نوح ~~عليه السلام فقال * (والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم ms300 فيها ويخرجكم ~~إخراجا) * وقال إبراهيم عليه السلام * (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين) * إلى آخر القصة وقال * (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب) * وقال * (رب أرني كيف تحيي الموتى) * وأما موسى عليه السلام فقال ~~الله تعالى لما ناجاه * (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ~~فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) * بل مؤمن آل فرعون كان ~~يعلم المعاد وإنما آمن بموسى قال تعالى PageV00P457 # حكاية عنه * (ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم ~~من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد) * إلى قوله تعالى * (يا قوم ~~إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار) * إلى قوله * ~~(أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) * وقال موسى * (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة إنا هدنا إليك) * وقد أخبر الله في قصة البقرة * (فقلنا اضربوه ~~ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) * وقد أخبر الله ~~أنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين في آيات من القرآن وأخبر عن أهل النار أنهم ~~إذا قال لهم خزنتها * (ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم ~~لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) * وهذا ~~اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم هذا ~~فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم من عقوبات المذنبين في الدنيا ~~والآخرة فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد والوعيد يذكر ذلك فيها في ~~الدنيا والآخرة وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد فقال * (وقال الذين كفروا ~~لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب) * الآيات وقال تعالى * ~~(ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين) * وقال تعالى * ~~(زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم ~~وذلك على الله يسير) * وأخبر عن اقترابها فقال * (اقتربت الساعة وانشق ~~القمر) * * (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة ms301 معرضون) * * (سأل سائل بعذاب ~~واقع للكافرين) * إلى أن قال * (إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا) * وذم ~~المكذبين بالمعاد فقال PageV00P458 # * (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين) * * (حتى إذا جاءتهم ~~الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها) * * (ألا إن الذين يمارون ~~في الساعة لفي ضلال بعيد) * * (بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها ~~بل هم منها عمون) * * (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى ~~وعدا عليه حقا) * إلى أن قال * (وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين) * * ~~(إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) * * (ونحشرهم يوم ~~القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا) * ~~* (ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا) * * (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ~~قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا) ~~* * (وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا ~~حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي ~~فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ~~يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا) * فتأمل ما أجيبوا ~~به عن كل سؤال على التفصيل فإنهم قالوا أولا * (أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا) * فقيل لهم في جواب هذا السؤال إن كنتم تزعمون أنه لا ~~خالق لكم ولا رب لكم فهلا كنتم خلقا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد وما ~~هو أكبر في صدوركم من ذلك فإن قلتم كنا خلقا على هذه الصفة التي لا تقبل ~~البقاء فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقا PageV00P459 # جديدا وللحجة تقدير آخر وهو لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما ~~فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال ومن يقدر على ~~التصرف في هذه الأجسام مع ms302 شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة فما الذي يعجزه ~~فيما دونها ثم أخبر أنهم يسألون آخر بقولهم من يعيدنا إذا استحالت جسومنا ~~وفنيت فأجابهم بقوله * (قل الذي فطركم أول مرة) * فلما أخذتهم الحجة ولزمهم ~~حكمها انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به بعلل المنقطع وهو قولهم * (متى هو) ~~* فأجيبوا بقوله * (عسى أن يكون قريبا) * ومن هذا قوله * (وضرب لنا مثلا ~~ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم) * إلى آخر السورة فلو رام أعلم ~~البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها ~~بألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز ووضح الأدلة وصحة البرهان لما قدر ~~فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد اقتضى جوابا فكان في قوله * ~~(ونسي خلقه) * ما وفى بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لما أراد سبحانه من ~~تأكيد الحجة وزيادة تقريرها فقال * (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) * ~~فاحتج بالإبداء على الإعادة وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى إذ كل عاقل ~~يعلم ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن الثانية ~~لكان عن الأولى أعجز وأعجز ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق ~~وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ذلك بقوله * (وهو بكل خلق عليم) * فهو عليم ~~بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته ومواده وصورته فكذلك الثاني فإذا كان تام ~~العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيى العظام PageV00P460 # وهي رميم ثم اكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابا عن سؤال ملحد ~~آخر يقول العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة والحياة لا بد أن ~~تكون مادتها وحاملها طبيعة حارة رطبة بما يدل على امر البعث ففيه الدليل ~~والجواب معا فقال * (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه ~~توقدون) * فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة ~~واليبوسة من الشجر الأخضر الممتليء بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ~~ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما ~~أنكره الملحد ودفعه من إحياء ms303 العظام وهي رميم ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من ~~الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على ~~العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر فمن قدر على حمل قنطار فهو ~~على حمل أوقية أشد اقتدارا فقال * (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر ~~على أن يخلق مثلهم) * فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما ~~وعظم شأنهما وكبر أجسامها وسعتهما وعجيب خلقهما أقدر على أن يحيى عظاما قد ~~صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى كما قال في موضع آخر * (لخلق السماوات ~~والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * وقال * (أوليس الذي ~~خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم) * ثم ~~أكد سبحانه ذلك وبينه ببيان آخر وهو أنه ليس فعله بمنزلة غيره الذي يفعل ~~بالآلآت والكلفة والنصب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه ~~من آله ومعين بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله ~~للمكون كن فإذا هو كائن PageV00P461 # كما شاءه وأراده ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف ~~فيه بفعله وقوله * (وإليه ترجعون) * ومن هذا قوله سبحانه * (أيحسب الإنسان ~~أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه ~~الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) * فاحتج سبحانه ~~على أنه لا يتركه مهملا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب وأن حكمته وقدرته ~~تأبى ذلك أشد الإباء كما قال تعالى * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم ~~إلينا لا ترجعون) * إلى آخر السورة فإن من نقله من النطفة إلى العلقة ثم ~~إلى المضغة ثم شق سمعه وبصره وركب فيه الحواس والقوى والعظام والمنافع ~~والأعصاب والرباطات التي هي أشده وأحكم خلقه غاية الاحكام وأخرجه على هذا ~~الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز عن إعادته وإنشائه ~~مرة ثانية أم كيف تقتضي حكمته وعنايته أن يتركه سدى فلا ms304 يليق ذلك بحكمته ~~ولا تعجز عنه قدرته فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا ~~يكون أوجز منه والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي ~~لا تقع الظنون على أقرب منه وكم في القرآن من مثل هذا الاحتجاج كما في قوله ~~تعالى * (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم ~~من نطفة) * إلى أن قال * (وأن الله يبعث من في القبور) * وقوله تعالى * ~~(ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) * إلى أن قال * (ثم إنكم يوم القيامة ~~تبعثون) * وذكر قصة أصحاب الكهف وكيف أبقاهم موتى ثلاثمائة سنة شمسية وهي ~~ثلاثمائة وتسع سنين قمرية وقال فيها * (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد ~~الله حق وأن الساعة لا ريب فيها) * PageV00P462 # والقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة لهم في المعاد خبط ~~واضطراب وهم فيه على قولين منهم من يقول تعدم الجواهر ثم تعاد ومنهم من ~~يقول تفرق الأجزاء ثم تجمع فأورد عليهم الإنسان الذي يأكله حيوان وذلك ~~الحيوان أكله انسان فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا لم تعد من هذا وأورد ~~عليهم أن الإنسان يتحلل دائما فماذا الذي يعاد أهو الذي كان وقت الموت فإن ~~قيل بذلك لزم أن يعاد على صورة ضعيفة وهو خلاف ما جاءت به النصوص وأن كان ~~غير ذلك فليس بعض الأبدان بأولى من بعض فادعى بعضهم أن في الإنسان أجزاء ~~أصلية لا تتحلل ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني ~~والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل ليس فيه شيء باق فصار ما ~~ذكروه في الميعاد مما قوى شبهة المتفلسفة في إنكار معاد الأبدان والقول ~~الذي عليه السلف وجمهور العقلاء أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال فتستحيل ~~ترابا ثم ينشئها الله نشأة أخرى كما استحال في النشأة الأولى فإنه كان نطفة ~~ثم صار علقة ثم صار مضغة ثم صار عظاما ولحما ثم أنشأه خلقا سويا كذلك ~~الإعادة يعيده الله بعد أن يبلى ms305 كله إلا عجب الذنب كما ثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق ~~ابن آدم ومنه يركب وفي حديث آخر PageV00P463 # إن السماء تمطر مطرا كمني الرجال ينبتون في القبور كما ينبت النبات ~~فالنشأتان نوعان تحت جنس يتفقان ويتماثلان من وجه ويفترقان ويتنوعان من وجه ~~والمعاد هو الأول بعينه وإن كان بين لوازم الإعادة ولوازم البداءة فرق فعجب ~~الذنب هو الذي يبقى وأما سائره فيستحيل فيعاد من المادة التي استحال إليها ~~ومعلوم أن من رأى شخصا وهو صغير ثم رآه وقد صار شيخا علم أن هذا هو ذاك مع ~~أنه دائما في تحلل واستحالة وكذلك سائر الحيوان والنبات فمن رأى شجرة وهي ~~صغيرة ثم رآها كبيرة قال هذه تلك وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة ~~هذه النشأة حتى يقال إن الصفات هي المغيرة لا سيما أهل الجنة إذا دخلوها ~~فإنهم يدخلونها على صورة آدم طوله ستون ذراعا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما ~~وروي أن عرضه سبعة أذرع وتلك نشأة باقية غير معرضة للآفات وهذه النشأة ~~فانية معرضة للآفات وقوله وجزاء الأعمال قال تعالى * (مالك يوم الدين) * ~~PageV00P464 # * (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) * ~~والدين الجزاء يقال كما تدين تدان أي كما تجازي تجازى وقال تعالى * (جزاء ~~بما كانوا يعملون) * * (جزاء وفاقا) * * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ~~ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون) * * (من جاء بالحسنة ~~فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ~~هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) * * (من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء ~~بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون) * وأمثال ذلك ~~وقال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل من حديث أبي ذر الغفاري ~~رضي الله عنه يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد ~~خيرا فليحمد ms306 الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وسيأتي لذلك زيادة ~~بيان عن قريب إن شاء الله تعالى وقوله والعرض والحساب وقراءة الكتاب ~~والثواب والعقاب قال تعالى * (فيومئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يومئذ ~~واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون ~~لا تخفى منكم خافية) * إلى آخر السورة * (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك ~~كدحا فملاقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى ~~أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه ~~كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور بلى إن ربه كان به بصيرا) * ~~PageV00P465 # * (وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة) * * (ووضع ~~الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك ~~أحدا) * * (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار) ~~* إلى آخر السورة * (رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء ~~من عباده) * إلى قوله * (إن الله سريع الحساب) * * (واتقوا يوما ترجعون فيه ~~إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) * وروى البخاري رحمه الله ~~في صحيحه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس أحد يحاسب يوم ~~القيامة إلا هلك فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى * (فأما من أوتي ~~كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا) * فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنما ذلك العرض وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذاب يعني أنه لو ~~ناقش في حسابه لعبيده لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولكنه تعالى يعفو ويصفح ~~وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى وفي الصحيح عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا ~~موسى آخذ بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي ms307 بصعقة يوم الطور وهذا ~~صعق في موقف القيامة إذا جاء الله PageV00P466 # لفصل القضاء وأشرقت الأرض بنوره فحينئذ يصعق الخلائق كلهم فإن قيل كيف ~~تصنعون بقوله في الحديث إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه ~~الأرض فأجد موسى باطشا بقائمة العرش قيل لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا ~~ومنه نشأ الإشكال ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث فركب بين اللفظين ~~فجاء هذان الحديثان هكذا أحدهما أن الناس يصعقون PageV00P467 # يوم القيامة فاكون أول من يفيق كما تقدم والثاني أنا أول من تنشق عنه ~~الأرض يوم القيامة فدخل على الراوي هذا الحديث في الآخر وممن نبه على هذا ~~أبو الحجاج المزي وبعده الشيخ شمس الدين بن القيم وشيخنا الشيخ عماد بن ~~كثير رحمهم الله وكذلك اشتبه على بعض الرواة فقال فلا أدري افاق قبلي أم ~~كان ممن استثنى الله عز وجل والمحفوظ الذي تواطأت عليه الروايات الصحيحة هو ~~الأول وعليه المعنى الصحيح فإن الصعق يوم القيامة لتجلى الله لعباده إذا ~~جاء لفصل القضاء فوسى عليه السلام إن كان لم يصعق معهم فيكون قد جوزي بصعقة ~~يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكا فجعلت صعقة هذا التجلي عوضا عن صعقة الخلائق ~~لتجلى ربه يوم القيامة فتأمل هذا المعنى العظيم ولا تهمله وروى الإمام أحمد ~~والترمذي وأبو بكر بن أبي الدنيا عن الحسن قال سمعت أبا موسى الأشعري يقول ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ~~فعرضتان جدال ومعاذير وعرضة تطاير الصحف فمن أوتي كتابه بيمينه وحوسب حسابا ~~يسيرا دخل الجنة ومن أوتي كتابه بشماله دخل النار وقد روى ابن أبي ~~PageV00P468 # الدنيا عن ابن المبارك أنه أنشد في ذلك شعرا * وطارت الصحف في الأيدي ~~منشرة * فيها السرائر والأخبار تطلع * فكيف سهوك والأنباء واقعة * عما قليل ~~ولا تدري بما تقع * أفي الجنان وفوز لا انقطاع له * أم الجحيم فلا تبقي ولا ~~تدع * تهوى بساكنها طورا وترفعهم * إذا رجوا مخرجا من غمها قمعوا * طال ~~البكاء ms308 فلم يرحم تضرعهم * فيها ولا رقية تغني ولا جزع * لينفع العلم قبل ~~الموت عالمه * قد سأل قوم بها الرجعى فما رجعوا * قوله والصراط أي ونؤمن ~~بالصراط وهو جسر على جهنم إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف إلى ~~الظلمة التي دون الصراط كما قالت عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فقال هم ~~في الظلمة دون الجسر وفي هذا الموضع يفترق المنافقون على المؤمنين ويتخلفون ~~عنهم ويسبقهم المؤمنون ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم وروى ~~البيهقي بسنده عن مسروق عن عبد الله قال يجمع الله الناس يوم القيامة إلى ~~أن قال فيعطون نورهم على قدر أعمالهم وقال فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل ~~بين يديه ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه ~~ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه ~~يضيء مرة ويطفأ مرة إذا أضاء قدم قدمه وإذا طفىء قام قال فيمر ويمرون على ~~الصراط والصراط كحد السيف دحض مزلة فيقال لهم امضوا على PageV00P469 # قدر نوركم فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر ~~كالطرف ومنهم من يمر كشد الرجل يرمل رملا فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر ~~الذي نوره على إبهام قدمه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه ~~النار فيخلصون فإذا خلصوا قالوا الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك ~~لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد الحديث PageV00P470 # واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى * (وإن منكم ~~إلا واردها) * ما هو والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط قال تعالى * ~~(ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) * وفي الصحيح أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة قالت حفصة ~~فقلت يا رسول الله أليس الله يقول * (وإن منكم إلا واردها) * فقال ألم ms309 ~~تسمعيه قال * (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) * أشار صلى ~~الله عليه وسلم إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها وأن النجاة من الشر لا ~~تستلزم حصوله بل تستلزم انعقاد سببه فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه ~~يقال نجاه الله منهم ولهذا قال تعالى * (ولما جاء أمرنا نجينا هودا) * * ~~(فلما جاء أمرنا نجينا صالحا) * * (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا) * ولم يكن ~~العذاب أصابهم ولكن أصاب غيرهم ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة ~~لأصابهم ما أصاب أولئك وكذلك حال الوارد في النار يمرون فوقها على الصراط ~~ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا فقد بين صلى الله عليه ~~وسلم في حديث جابر المذكور أن الورود هو الورود على الصراط وروى الحافظ أبو ~~نصر الوائلي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم علم ~~الناس سنتي وإن كرهوا ذلك وإن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى ~~تدخل الجنة فلا PageV00P471 # تحدثن في دين الله حدثا برأيك أورده القرطبي وروى أبو بكر ابن أحمد بن ~~سليمان النجار عن يعلى بن منية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تقول ~~النار للمؤمن يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي وقوله والميزان أي ~~ونؤمن بالميزان قال تعالى * (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) * وقال ~~تعالى * (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون) * قال القرطبي قال العلماء إذا انقضى ~~الحساب كان بعده وزن الأعمال لأن الوزن للجزاء فينبغي أن يكون بعد المحاسبة ~~فإن المحاسبة لتقرير الأعمال والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها ~~قال وقوله تعالى * (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) * يحتمل أن يكون ثم ~~موازين متعددة توزن فيها الأعمال ويحتمل أن يكون المراد الموزونات فجمع ~~باعتبار تنوع الأعمال الموزونة والله أعلم والذي دلت عليه السنة أن ميزان ms310 ~~الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان روى الإمام أحمد من حديث أبي عبد الرحمن ~~الحبلي قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة ~~وتسعين سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول له أتنكر من هذا شيئا أظلمتنك كتبتي ~~الحافظون قال لا يا رب PageV00P472 # فيقول ألك عذر أو حسنة فيبهت الرجل فيقول لا يا رب فيقول بلى إن لك عندنا ~~حسنة واحدة لا ظلم اليوم عليك فتخرج له بطاعة فيها أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا عبده ورسوله فيقول أحضروه فيقول يا رب وما هذه البطاقة مع هذه ~~السجلات فيقال إنك لا تظلم قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة قال ~~فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم وهكذا ~~روى الترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا من حديث الليث زاد الترمذي ولا يثقل ~~مع اسم الله شيء وفي سياق آخر توضع الموازين يوم القيامة فيؤتى بالرجل ~~فيوضع في كفة الحديث وفي هذا السياق فائدة جليلة وهي أن العامل يوزن مع ~~عمله ويشهد له ما روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ~~وقال اقرؤوا إن شئتم * (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) * وروى الإمام أحمد ~~عن ابن مسعود أنه كان يجني سواكا من الأراك وكان دقيق الساقين فجعلت الريح ~~تكفؤه فضحك القوم PageV00P473 # منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مم تضحكون قالوا يا نبي الله من ~~دقة ساقيه فقال والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد وقد وردت ~~الأحاديث أيضا بوزن الأعمال أنفسها كما في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ ~~الميزان وفي الصحيح وهو خاتمة كتاب البخاري قوله صلى الله ms311 عليه وسلم كلمتان ~~خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان سبحان الله ~~وبحمده سبحان الله العظيم وروى الحافظ أبو بكر البيهقي عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يؤتى بابن آدم يوم القيامة فيوقف ~~بين كفتي الميزان ويوكل به ملك فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع ~~الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف ميزانه نادى الملك بصوت ~~يسمع الخلائق شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا فلا يلتفت إلى ملحد معاند ~~يقول الأعمال أعراض لا تقبل الوزن وإنما يقبل الوزن الأجسام فإن الله يقلب ~~الأعراض أجساما كما تقدم وكما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يؤتى بالموت كبشا أغر فيوقف بين الجنة ~~والنار فيقال يا أهل PageV00P474 # الجنة فيشرئبون وينظرون ويقال يا أهل النار فيشرئبون وينظرون ويرون أن قد ~~جاء الفرج فيذبح ويقال خلود لا موت ورواه البخاري بمعناه فثبت وزن الأعمال ~~والعامل وصحائف الأعمال وثبت أن الميزان له كفتان والله تعالى أعلم بما ~~وراء ذلك من الكيفيات فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق صلى الله ~~عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ~~ليوم القيامة كما أخبر الشارع لخفاء الحكمة عليه ويقدح في النصوص بقوله لا ~~يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم ~~الله لهم يوم القيامة وزنا ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور ~~عدله سبحانه لجميع عباده فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك ~~أرسل الرسل مبشرين ومنذرين فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه ~~فتأمل قول الملائكة لما قال الله لهم * (إني جاعل في الأرض خليفة قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني ~~أعلم ما لا تعلمون) * وقال تعالى * (وما أوتيتم من ms312 العلم إلا قليلا) * وقد ~~تقدم عند ذكر الحوض كلام القرطبي رحمه الله أن الحوض قبل الميزان والصراط ~~بعد الميزان ففي الصحيحين أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة ~~بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول ~~الجنة وجعل القرطبي في التذكرة هذه القنطرة صراطا ثانيا للمؤمنين خاصة وليس ~~يسقط منه أحد في النار والله تعالى أعلم PageV00P475 # وقوله والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان فان الله تعالى ~~خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما اهلا فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا ~~منه ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه وكل يعمل لما قد فرغ له وصائر إلى ما ~~خلق له والخير والشر مقدران على العباد ش أما قوله إن الجنة والنار ~~مخلوقتان فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن ولم ~~يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية فأنكرت ذلك ~~وقالت بل ينشئهما الله يوم القيامة وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا ~~به شريعة لما يفعله الله وأنه ينبغي أن يفعل كذا ولا ينبغي له أن يفعل كذا ~~وقاسوه على خلقه في أفعالهم فهم مشبهة في الأفعال ودخل التجهم فيهم فصاروا ~~مع ذلك معطلة وقالوا خلق الجنة قبل الجزاء عبث لأنها تصير معطلة مددا ~~متطاولة فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب ~~تعالى وحرفوا النصوص عن مواضعها وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم فمن نصوص ~~الكتاب قوله تعالى عن الجنة * (أعدت للمتقين) * * (أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله) * وعن النار * (أعدت للكافرين) * * (إن جهنم كانت مرصادا للطاغين ~~مآبا) * وقال تعالى * (ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة ~~المأوى) * وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى ورأى عندها جنة ~~المأوى كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء وفي آخره ~~ثم انطلق بي جبرائيل حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي قال ~~ثم ms313 دخلت الجنة فإذا هي جنابذة اللؤلؤ وإذا ترابها المسك وفي الصحيحين من ~~حديث عبد الله بن عمر PageV00P476 # رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أحدكم إذا مات ~~عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان ~~من أهل النار فمن أهل النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ~~وتقدم حديث البراء بن عازب وفيه ينادى منادي من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه ~~من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها وتقدم حديث ~~أنس بمعنى حديث البراء وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت خسفت ~~الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت الحديث وفيه قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به حتى لقد رأيتني ~~آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني تقدمت ولقد رأيت النار يحطم بعضها بعضا حين ~~رأيتموني تأخرت وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس قال ~~انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه ~~فقالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت فقال ~~(إني رأيت الجنة وتناولت عنقودا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت ~~النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء قالوا بم يا ~~رسول الله قال بكفرهن قيل أيكفرن بالله قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو ~~أحسن إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت خيرا قط وفي صحيح ~~مسلم PageV00P477 # من حديث أنس وأيم الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا وبكيتم ~~كثيرا قالوا وما رأيت يا رسول الله قال رأيت الجنة والنار وفي الموطأ ~~والسنن من حديث كعب بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ~~نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة ~~وهذا صريح ms314 دخول في الروح الجنة قبل يوم القيامة وفي صحيح مسلم والسنن ~~والمسند من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبرائيل إلى الجنة فقال اذهب فانظر ~~إليها والى ما أعددت لأهلها فيها فذهب فنظر إليها والى ما أعد الله لأهلها ~~فيها فرجع فقال وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها فأمر بالجنة فحفت بالمكاره ~~فقال ارجع فانظر إليها والى ما أعددت لأهلها فيها قال فنظر إليها ثم رجع ~~فقال وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد قال ثم أرسله إلى النار قال اذهب ~~فانظر إليها والى ما أعددت لأهلها فيها قال فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها ~~بعضا ثم رجع فقال وعزتك لا يدخلها أحد سمع بها فأمر بها فحفت بالشهوات ثم ~~قال اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها فذهب فنظر إليها فرجع فقال وعزتك ~~لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها ونظائر ذلك في السنة كثيرة وأما ~~على قول من قال إن الجنة الموعود بها هي الجنة التي كان فيها آدم ثم أخرج ~~منها فالقول بوجودها الآن ظاهر والخلاف في ذلك معروف PageV00P478 # وأما شبهة من قال إنها لم تخلق بعد وهي أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب ~~اضطرارا أن تفني يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ويموت لقوله تعالى * (كل ~~شيء هالك إلا وجهه) * و * (كل نفس ذائقة الموت) * وقد روى الترمذي في جامعه ~~من حديث ابن مسعود رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد أقرىء أمتك مني السلام وأخبرهم أن ~~الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد ~~لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال هذا حديث حسن غريب وفيه أيضا من حديث ~~أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من قال سبحان الله ~~وبحمده غرست له نخلة في ms315 الجنة قال هذا حديث حسن صحيح قالوا فلو كانت مخلوقة ~~مفروغا منها لم تكن قيعانا ولم يكن لهذا الغراس معنى قالوا وكذا قوله تعالى ~~عن امرأة فرعون أنها قالت * (رب ابن لي عندك بيتا في الجنة) * فالجواب إنكم ~~إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور وقيام الناس من ~~القبور فهذا باطل يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر وإن أردتم ~~أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها وأنها لا يزال الله يحدث ~~فيها شيئا بعد شيء وإذا دخلها المؤمنون احدث الله فيها عند دخولهم أمورا ~~أخر فهذا حق لا يمكن رده وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر وأما احتجاجكم ~~بقوله تعالى * (كل شيء هالك إلا وجهه) * فأتيتم من سوء فهمكم معنى الآية ~~واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن نظير احتجاج PageV00P479 # إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما فلم توفقوا أنتم ولا إخوانكم ~~لفهم معنى الآية وإنما وفق لذلك أئمة الاسلام فمن كلامهم أن المراد كل شيء ~~مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا ~~للفناء وكذلك العرش فإنه سقف الجنة وقيل المراد إلا ملكه وقيل إلا ما أريد ~~به وجهه وقيل إن الله تعالى أنزل * (كل من عليها فان) * فقالت الملائكة هلك ~~أهل الأرض وطمعوا في البقاء فأخبر تعالى عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون ~~فقال * (كل شيء هالك إلا وجهه) * لأنه حي لا يموت فأيقنت الملائكة عند ذلك ~~بالموت وإنما قالوا ذلك توفيقا بينها وبين النصوص المحكمة الدالة على بقاء ~~الجنة وعلى بقاء النار أيضا على ما يذكر عن قريب إن شاء الله تعالى وقوله ~~لا تفنيان أبدا ولا تبيدان هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف وقال ~~ببقاء الجنة وبفناء النار جماعة من السلف والخلف والقولان مذكوران في كثير ~~من كتب التفسير وغيرها وقال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان إمام ~~المعطلة وليس له سلف قط لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان ms316 ولا من ~~أئمة المسلمين ولا من أهل السنة وأنكره عليه عامة أهل السنة وكفروه به ~~وصاحوا به وباتباعه من أقطار الأرض وهذا قاله لأصله الفاسد الذي اعتقده وهو ~~امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث وهو عمدة أهل الكلام المذموم التي ~~استدلوا بها على حدوث الأجسام وحدوث ما لم يخل من الحوادث وجعلوا ذلك ~~عمدتهم في حدوث العالم فرأى جهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي ~~يمنعه في المستقبل فدوام الفعل عنده على الرب في المستقبل ممتنع كما هو ~~ممتنع عنده عليه في الماضي وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا ~~PageV00P480 # الأصل لكن قال إن هذا يقتضي فناء الحركات فقال بفناء حركات أهل الجنة حتى ~~يصيروا في سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة وقد تقدم الإشارة إلى ~~اختلاف الناس في تسلسل الحوادث في الماضي والمستقبل وهي مسألة دوام فاعلية ~~الرب تعالى وهو لم يزل ربا قادرا فعالا لما يريد فإنه لم يزل حيا عليما ~~قديرا ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعا عليه لذاته ثم ينقلب فيصير ممكنا ~~لذاته من غير تجدد شيء وليس للأول حد محدود حتى يصير الفعل ممكنا له عند ~~ذلك الحد ويكون قبله ممتنعا عليه فهذا القول تصوره كاف في الجزم بفساده ~~فأما أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أخبر به قال تعالى * (وأما الذين سعدوا ففي الجنة ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) * أي ~~غير مقطوع ولا ينافي ذلك قوله * (إلا ما شاء ربك) * واختلف السلف في هذا ~~الاستثناء فقيل معناه إلا مدة مكثهم في النار وهذا يكون لمن دخل منهم إلى ~~النار ثم أخرج منها لا لكلهم وقيل إلا مده مقامهم في الموقف وقيل إلا مده ~~مقامهم في القبور والموقف وقيل هو استثناء الرب ولا يفعله كما تقول والله ~~لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا تراه بل تجزم ms317 بضربه وقيل إلا بمعنى ~~الواو وهذا على قول بعض النحاة وهو ضعيف وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن فيكون ~~الاستثناء منقطعا ورجحه ابن جرير وقال إن الله تعالى لا خلف لوعده وقد وصل ~~الاستثناء بقوله * (عطاء غير مجذوذ) * قالوا ونظيره أن تقول أسكنتك داري ~~حولا إلا ما شئت أي سوى ما شئت ولكن ما شئت من الزيادة عليه وقيل ~~PageV00P481 # الاستثناء لإعلامهم بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله لأنهم يخرجون عن ~~مشيئته ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود كما في قوله تعالى * (ولئن ~~شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا) * وقوله تعالى ~~* (فإن يشأ الله يختم على قلبك) * وقوله * (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ~~ولا أدراكم به) * ونظائره كثيرة يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته ~~ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وقيل إن ما بمعنى من أي إلا من شاء الله ~~دخوله النار بذنوبه من السعداء وقيل غير ذلك وعلى كل تقدير فهذا الاستثناء ~~من المتشابه وقوله * (عطاء غير مجذوذ) * محكم وكذلك قوله تعالى * (إن هذا ~~لرزقنا ما له من نفاد) * وقوله * (أكلها دائم وظلها) * وقوله * (وما هم ~~منها بمخرجين) * وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من ~~القرآن وأخبر أنهم * (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) * وهذا ~~الاستثناء منقطع وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى * (إلا ما شاء ~~ربك) * تبين أن المراد من الآيتين استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في ~~الجنة من مدة الخلود كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت فهذه موتة تقدمت ~~على حياتهم الأبدية وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها والأدلة من ~~السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة كقوله صلى الله عليه وسلم من يدخل ~~الجنة ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت PageV00P482 # وقوله يناد مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وأن تشبوا ~~فلا تهرموا أبدا وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا وتقدم ذكر ذبح الموت بين الجنة ms318 ~~والنار ويقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت وأما ~~أبدية النار ودوامها فللناس في ذلك ثمانية أقوال أحدها أن من دخلها لا يخرج ~~منها أبد الآباد وهذا قول الخوارج والمعتزلة والثاني أن أهلها يعذبون فيها ~~ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة النارية يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم وهذا ~~قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي الثالث أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت ~~محدود ثم يخرجون منها ويخلفهم فيها قوم آخرون وهذا القول حكاه اليهود للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وأكذبهم فيه وقد أكذبهم الله تعالى فقال عز من قائل * ~~(وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف ~~الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به ~~خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) * الرابع يخرجون منها وتبقى على ~~حالها ليس فيها أحد الخامس أنها تفنى بنفسها لأنها حادثة وما ثبت حدوثه ~~استحال بقاؤه وهذا قول الجهم وشيعته ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار ~~كما تقدم السادس تفنى حركات أهلها ويصيرون جمادا لا يحسون بألم وهذا قول ~~أبي الهذيل العلاف كما تقدم السابع أن الله يخرج منها من يشاء كما ورد في ~~الحديث ثم يبقيها شيئا ثم يفنيها فإنه جعل لها أمدا تنتهي اليه الثامن أن ~~الله تعالى يخرج منها من شاء كما ورد في السنة ويبقى فيها الكفار ~~PageV00P483 # بقاء لا انقضاء له كما قال الشيخ رحمه الله وما عدا هذين القولين ~~الأخيرين ظاهر البطلان وهذان القولان لأهل السنة ينظر في أدلتهما فمن أدلة ~~القول الأول منهما قوله تعالى * (قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء ~~الله إن ربك حكيم عليم) * وقوله تعالى * (فأما الذين شقوا ففي النار لهم ~~فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ~~ربك فعال لما يريد) * ولم يأت بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء ~~المذكور لأهل الجنة وهو قوله * (عطاء غير ms319 مجذوذ) * وقوله تعالى * (لابثين ~~فيها أحقابا) * وهذا القول أعني القول بفناء النار دون الجنة منقول عن عمر ~~وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم وقد روى عبد بن حميد في تفسيره ~~المشهور بسنده إلى عمر رضي الله عنه أنه قال لو لبث أهل النار في النار ~~كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه ذكر ذلك في تفسير قوله ~~تعالى * (لابثين فيها أحقابا) * قالوا والنار موجب غضبه والجنة موجب رحمته ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق ~~العرش إن رحمتي سبقت غضبي وفي PageV00P484 # رواية تغلب غضبي رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~قالوا والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه * (عذاب يوم عظيم) * و * (أليم) * و ~~* (عقيم) * ولم يخبر ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم وقد قال ~~تعالى * (عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء) * وقال تعالى حكاية عن ~~الملائكة * (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما) * فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء ~~المعذبين فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته وقد ثبت في الصحيح ~~تقدير يوم القيامة بخمسين الف سنة والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في ~~العذاب بحسب جرائمهم وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن ~~يخلق خلقا يعذبهم أبد الآباد عذابا سرمدا لا نهاية له وأما أنه يخلق خلقا ~~ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيما سرمدا فمن مقتضى الحكمة والإحسان مراد لذاته ~~والانتقام مراد بالعرض قالوا وما ورد من الخلود فيها والتأييد وعدم الخروج ~~وأن عذابها مقيم وأنه غرام كله حق مسلم لا نزاع فيه وذلك يقتضي الخلود في ~~دار العذاب ما دامت باقية وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد ففرق ~~بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس ~~وانتقاضه ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها قوله * (ولهم عذاب مقيم) * ~~* (لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون) ms320 * * (فلن نزيدكم إلا عذابا) * * (خالدين ~~فيها أبدا) * * (وما هم منها بمخرجين) * * (وما هم بخارجين من النار) * ~~PageV00P485 # * (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) * * (لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها) * * (إن عذابها كان غراما) * أي مقيما ~~لازما وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله ~~وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار وأن هذا حكم مختص ~~بهم فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم ولم يختص الخروج بأهل الإيمان ~~وبقاء الجنة والنار ليس لذاتها بل بإبقاء الله لهما وقوله وخلق لهما أهلا ~~قال تعالى * (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس) * الآية وعن عائشة ~~رضي الله عنها قالت دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من ~~الأنصار فقلت يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا ~~ولم يدركه فقال أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم ~~في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم رواه مسلم ~~وأبو داود والنسائي وقال تعالى * (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) * والمراد ~~الهداية العامة وأعم منها الهداية المذكورة في قوله تعالى * (الذي أعطى كل ~~شيء خلقه ثم هدى) * فالموجودات نوعان أحدهما مسخر بطبعه والثاني متحرك ~~بإرادته فهدى الأول لما سخره له طبيعة وهدى الثاني هداية إرادية تابعة ~~لشعوره وعلمه بما ينفعه ويضره ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة أنواع نوع لا ~~يريد إلا الخير ولا يتأتى منه إرادة سواه كالملائكة ونوع لا يريد إلا الشر ~~ولا يتأتى منه إرادة سواه كالشياطين ونوع يتأتى منه إرادة القسمين كالإنسان ~~ثم جعله ثلاثة أصناف صنفا يغلب إيمانه PageV00P486 # ومعرفته وعقله هواه وشهوته فيلتحق بالملائكة وصنفا عكسه فيلتحق بالشياطين ~~وصنفا تغلب شهوته البهيمية عقله فيلتحق بالبهائم والمقصود أنه سبحانه أعطى ~~الوجودين العيني والعلمي فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده فلا ms321 هداية إلا ~~بتعليمه وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته وثبوت وحدانيته وتحقيق ربوبيته ~~سبحانه وتعالى وقوله فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه ومن شاء منهم إلى ~~النار عدلا منه إلخ مما يجب ان يعلم أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا إذا ~~منع سببه وهو العمل الصالح فإنه * (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما) * وكذلك لا يعاقب أحدا إلا بعد حصول سبب العقاب فإن الله ~~تعالى يقول * (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) * وهو ~~سبحانه المعطي المانع لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع لكن إذا من على ~~الإنسان بالإيمان والعمل الصالح فلا يمنعه موجب ذلك أصلا بل يعطيه من ~~الثواب والقرب مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وحيث منعه ~~ذلك فلإ نتفاء سببه وهو العمل الصالح ولا ريب أنه يهدي من يشاء ويضل من ~~يشاء لكن ذلك كله حكمة منه وعدل فمنعه للأسباب التي هي الأعمال الصالحة من ~~حكمته وعدله وأما المسببات بعد وجود أسبابها فلا يمنعها بحال إذا لم تكن ~~أسبابا غير صالحة إما لفساد في العمل وإما لسبب يعارض موجبه ومقتضاه فيكون ~~ذلك لعدم المقتضى أو لوجود المانع وإذا كان منعه وعقوبته من عدم الإيمان ~~والعمل الصالح وهو لم يعط ذلك ابتلاء وابتداء إلا حكمة منه وعدلا فله ~~PageV00P487 # الحمد في الحالين وهو المحمود على كل حال كل عطاء منه فضل وكل عقوبة منه ~~عدل فإن الله تعالى حكيم يضع الأشياء في مواضعها التي تصلح لها كما قال ~~تعالى * (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته) * وكما قال تعالى * (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ~~ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين) * ونحو ~~ذلك وسيأتي لذلك زيادة إن شاء الله تعالى قوله والاستطاعة التي يجب بها ~~الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به تكون ms322 مع الفعل وأما ~~الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها ~~يتعلق الخطاب وهو كما قال تعالى * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * ش ~~الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع ألفاظ متقاربة وتنقسم الاستطاعة إلى ~~قسمين كما ذكره الشيخ رحمه الله وهو قول عامة أهل السنة وهو الوسط وقالت ~~القدرية والمعتزلة لا تكون القدرة الا قبل الفعل وقابلهم طائفة من أهل ~~السنة فقالوا لا تكون إلا مع الفعل والذي قاله عامة أهل السنة أن للعبد ~~قدرة هي مناط الأمر والنهي وهذه قد تكون قبله لا يجب أن تكون معه والقدرة ~~التي بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة ~~وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فقد تتقدم ~~الأفعال وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى * (ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا) * PageV00P488 # فأوجب الحج على المستطيع فلو لم يستطع إلا من حج لم يكن الحج قد وجب إلا ~~على من حج ولم يعاقب أحدا على ترك الحج وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين ~~الاسلام وكذلك قوله تعالى * (فاتقوا الله ما استطعتم) * فأوجب التقوى بحسب ~~الاستطاعة فلو كان من لم يتق الله لم يستطع التقوى لم يكن قد أوجب التقوى ~~إلا على من اتقى ولم يعاقب من لم يتق وهذا معلوم الفساد وكذا قوله تعالى * ~~(فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) * والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات ~~وكذا ما حكاه سبحانه من قول المنافقين * (لو استطعنا لخرجنا معكم) * وكذبهم ~~في ذلك القول ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة الفعل ما ~~كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين وحيث كذبهم دل على أنهم أرادوا بذلك المرض ~~أو فقد المال على ما بين تعالى بقوله * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) * ~~إلى أن قال * (إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء) * وكذلك قوله ~~تعالى * (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~أيمانكم) * والمراد استطاعة الآلات ms323 والأسباب ومن ذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم لعمران بن حصين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب ~~إنما نفى استطاعة الفعل معها وأما ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة فقد ~~ذكروا فيها قوله تعالى * (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) * ~~والمراد نفي حقيقة القدرة لا نفي الأسباب والآلات لأنها كانت ثابتة ~~PageV00P489 # وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله ولا يطيقون إلا ما كلفهم إن شاء الله ~~تعالى وكذا قول صاحب موسى * (إنك لن تستطيع معي صبرا) * وقوله * (ألم أقل ~~لك إنك لن تستطيع معي صبرا) * والمراد منه حقيقة قدرة الصبر لا أسباب الصبر ~~وآلاته فإن تلك كانت ثابتة له ألا ترى أنه عاتبه على ذلك ولا يلام من عدم ~~آلات الفعل وأسبابه على عدم الفعل وإنما يلام من امتنع من الفعل لتضييع ~~قدرة الفعل لاشتغاله بغير ما أمر به أو لعدم شغله إياها بفعل ما أمر به ومن ~~قال إن القدرة لا تكون إلا حين الفعل يقولون إن القدرة لا تصلح للضدين فإن ~~القدرة المقارنة للفعل لا تصلح إلا لذلك الفعل وهي مستلزمة له لا توجد ~~بدونه وما قالته القدرية بناء على أصلهم الفاسد وهو إقدار الله للمؤمن ~~والكافر والبر والفاجر سواء فلا يقولون إن الله خص المؤمن المطيع بإعانة ~~حصل بها الإيمان بل هذا بنفسه رجح الطاعة وهذا بنفسه رجح المعصية كالوالد ~~الذي أعطى كل واحد من بنيه سيفا فهذا جاهد به في سبيل الله وهذا قطع به ~~الطريق وهذا القول فاسد باتفاق أهل السنة والجماعة المثبتين للقدر فإنهم ~~متفقون على أن لله على عبده المطيع نعمة دينية خصه بها دون الكافر وأنه ~~أعانه على الطاعة إعانة لم يعن بها الكافر كما قال تعالى * (ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون) * فالقدرية يقولون إن هذا التحبيب والتزيين عام في كل الخلق وهو ~~بمعنى البيان وإظهار دلائل الحق والآية تقتضي أن هذا خاص بالمؤمن ولهذا قال ms324 ~~* (أولئك هم الراشدون) * والكفار ليسوا راشدين وقال PageV00P490 # تعالى * (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون) * وأمثال هذه الآية في القرآن كثير يبين أن سبحانه هدى هذا وأضل ~~هذا قال تعالى * (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) ~~* وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء الله تعالى وأيضا فقول القائل ~~يرجح بلا مرجح إن كان لقوله يرجح معنى زائد على الفعل فذاك هو السبب المرجح ~~وان لم يكن له معنى زائد كان حال الفاعل قبل وجود الفعل كحاله عند الفعل ثم ~~الفعل حصل في احدى الحالتين دون الأخرى بلا مرجح وهذا مكابرة للعقل فلما ~~كان أصل قول القدرية أن فاعل الطاعات وتاركها كلاهما في الإعانة والإقدار ~~سواء امتنع على أصلهم أن يكون مع الفعل قدرة تخصه لأن القدرة التي تخص ~~الفعل لا تكون للتارك وإنما تكون للفاعل ولا تكون القدرة إلا من الله تعالى ~~وهم لما رأوا أن القدرة لا بد أن تكون قبل الفعل قالوا لا تكون مع الفعل ~~لأن القدرة هي التي يكون بها الفعل والترك وحال وجود الفعل يمتنع الترك ~~فلهذا قالوا القدرة لا تكون إلا قبل الفعل وهذا باطل مطلقا فإن وجود الأمر ~~مع عدم بعض شروطه الوجودية موجودا عند الفعل فنقيض قولهم حق وهو أن الفعل ~~لا بد أن يكون معه قدرة لكن صار أهل الإثبات هنا حزبين حزب قالوا لا تكون ~~القدرة إلا معه ظنا منهم أن القدرة نوع واحد لا يصلح للضدين وظنا من بعضهم ~~أن القدرة عرض فلا تبقى زمانين فيمتنع وجودها قبل الفعل والصواب أن القدرة ~~نوعان كما تقدم نوع مصحح للفعل يمكن PageV00P491 # معه الفعل والترك وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي وهذه تحصل للمطيع ~~والعاصي وتكون قبل الفعل وهذه تبقى إلى حين الفعل إما بنفسها عند من يقول ~~ببقاء الاعراض وإما بتجدد أمثالها عند ms325 من يقول إن الأعراض لا تبقى زمانين ~~وهذه قد تصلح للضدين وأمر الله مشروط بهذه الطاقة فلا يكلف الله من ليس معه ~~هذه الطاقة وضد هذه العجز كما تقدم وأيضا فالاستطاعة المشروطة في الشرع أخص ~~من الاستطاعة التي يمتنع الفعل مع عدمها فإن الاستطاعة الشرعية قد تكون ما ~~يتصور الفعل مع عدمها وإن لم يعجز عنه فالشارع ييسر على عباده ويريد بهم ~~اليسر ولا يريد بهم العسر وما جعل عليكم في الدين من حرج والمريض قد يستطيع ~~القيام مع زيادة المرض وتأخر برئه فهذا في الشرع غير مستطيع لأجل حصول ~~الضرر عليه وإن كان قد يسمى مستطيعا فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية ~~إلى مجرد إمكان الفعل بل ينظر إلى لوازم ذلك فإن كان الفعل ممكنا مع ~~المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية كالذي يقدر على الحج مع ضرر ~~يلحقه في بدنه أو ماله أو يصلي قائما مع زيادة مرضه أو يصوم الشهرين مع ~~انقطاعه عن معيشته ونحو ذلك فإذا كان الشارع قد اعتبر في المكنة عدم ~~المفسدة الراجحة فكيف يكلف مع العجز ولكن هذه الاستطاعة مع بقائها إلى حين ~~الفعل لا تكفي في وجود الفعل ولو كانت كافية لكان التارك كالفاعل بل لا بد ~~من إحداث إعانة أخرى تقارن مثل جعل الفاعل مريدا فإن الفعل لا يتم إلا ~~بقدرة وإرادة والاستطاعة المقارنة تدخل فيها الإرادة الجازمة بخلاف ~~المشروطة في التكليف فإنه لا يشترط فيها الإرادة فالله تعالى يأمر بالفعل ~~من لا يريده لكن لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه وهكذا أمر الناس بعضهم ~~لبعض فالانسان يأمر عبده بما لا يريده PageV00P492 # العبد لكن لا يأمره بما يعجز عنه العبد وإذا اجتمعت الإرادة الجازمة ~~والقوة التامة لزم وجود الفعل وعلى هذا ينبني تكليف ما لا يطاق فإن من قال ~~القدرة لا تكون إلا مع الفعل يقول كل كافر وفاسق قد كلف ما لا يطيق وما لا ~~يطاق يفسر بشيئين بما يطاق للعجز عنه فهذا لم يكلفه الله أحدا ms326 ويفسر بما لا ~~يطاق للاشتغال بضده فهذا هو الذي وقع فيه التكليف كما في أمر العباد بعضهم ~~بعضا فإنهم يفرقون بين هذا وهذا فلا يأمر السيد عبده الأعمى بنقط المصاحف ~~ويأمره إذا كان قاعدا أن يقوم ويعلم الفرق بين الأمرين بالضرورة قوله ~~وافعال العباد هي خلق الله وكسب من العباد ش اختلف الناس في أفعال العباد ~~الاختيارية فزعمت الجبرية ورئيسهم الجهم بن صفوان السمرقندي أن التدبير في ~~أفعال الخلق كلها لله تعالى وهي كلها اضطرارية كحركات المرتعش والعروق ~~النابضة وحركات الأشجار وإضافتها إلى الخلق مجاز وهي على حسب ما يضاف الشيء ~~إلى محله دون ما يضاف إلى محصله وقابلتهم المعتزلة فقالوا إن جميع الأفعال ~~الاختيارية من جميع الحيوانات بخلقها لا تعلق لها بخلق الله تعالى واختلفوا ~~فيما بينهم أن الله تعالى يقدر على أفعال العباد أم لا وقال أهل الحق أفعال ~~العباد بها صاروا مطيعين وعصاة وهي مخلوقة لله تعالى والحق سبحانه وتعالى ~~منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه فالجبرية غلوا في إثبات القدر فنفوا ~~صنع العبد أصلا كما عملت المشبهة في أثبات الصفات فشبهوا والقدرية نفاة ~~القدر جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى ولهذا كانوا مجوس هذه الأمة بل ~~أردأ من المجوس من حيث إن المجوس أثبتوا خالقين PageV00P493 # وهم أثبتوا خالقين وهدى الله المؤمنين أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق ~~بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فكل دليل صحيح يقيمه الجبري ~~فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء وأنه على كل شيء قدير وأن أفعال العباد ~~من جملة مخلوقاته وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا يدل على أن العبد ~~ليس بفاعل في الحقيقة ولا مريد ولا مختار وأن حركاته الاختيارية بمنزلة ~~حركة المرتعش وهبوب الرياح وحركات الأشجار وكل دليل صحيح يقيمه القدري ~~فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة وأنه مريد له مختار له حقيقة وأن ~~إضافته ونسبته إليه إضافة حق ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى ms327 وأنه ~~واقع بغير مشيئته وقدرته فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق ~~الأخرى فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة من ~~عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال وأن العباد ~~فاعلون لأفعالهم حقيقة وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم وهذا هو الواقع في ~~نفس الأمر فإن أدلة الحق لا تتعارض والحق يصدق بعضه بعضا ويضيق هذا المختصر ~~عن ذكر أدلة الفريقين ولكنها تتكافأ وتتساقط ويستفاد من دليل كل فريق بطلان ~~قول الآخر ولكن أذكر شيئا مما استدل به كل من الفريقين ثم أبين أنه لا يدل ~~على ما استدل عليه من الباطل فما استدلت به الجبرية قوله تعالى * (وما رميت ~~إذ رميت ولكن الله رمى) * فنفى الله عن نبيه الرمي وأثبته لنفسه سبحانه فدل ~~على أنه لا صنع للعبد قالوا والجزاء غير مرتب على الأعمال بدليل قوله صلى ~~الله عليه وسلم لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ~~ولا أنا إلا أن PageV00P494 # يتغمدني الله برحمة منه وفضل ومما استدل به القدرية قوله تعالى * (فتبارك ~~الله أحسن الخالقين) * قالوا والجزاء مرتب على الأعمال ترتب العوض كما قال ~~تعالى * (جزاء بما كانوا يعملون) * * (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون) * ونحو ذلك فأما ما استدلت به الجبرية من قوله تعالى * (وما رميت ~~إذ رميت ولكن الله رمى) * فهو دليل عليهم لأنه تعالى أثبت لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم رميا بقوله إذ رميت فعلم أن المثبت غير المنفي وذلك أن الرمي له ~~ابتداء وانتهاء فابتداؤه الحذف وانتهاؤه الإصابة وكل منهما يسمى رميا ~~فالمعنى حينئذ والله تعالى أعلم وما أصبت إذ حذفت ولكن الله أصاب وإلا فطرد ~~قولهم وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى وما صمت إذ صمت وما زنيت إذ زنيت وما ~~سرقت إذ سرقت وفساد هذا ظاهر وأما ترتب الجزاء على الأعمال فقد ضلت فيه ~~الجبرية والقدرية وهدى الله أهل السنة وله الحمد والمنة ms328 فإن الباء التي في ~~النفي غير الباء التي في الإثبات فالمنفي في قوله صلى الله عليه وسلم لن ~~يدخل الجنة أحد بعمله باء العوض وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى ~~الجنة كما زعمت المعتزلة أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله بل ذلك ~~برحمة الله وفضله والباء التي في قوله تعالى * (جزاء بما كانوا يعملون) * ~~وغيرها باء السبب أي بسبب عملكم والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات ~~فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته PageV00P495 # وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى * (فتبارك الله أحسن الخالقين) * ~~فمعنى الآية أحسن المصورين المقدرين والخلق يذكر ويراد به التقدير وهو ~~المراد هنا بدليل قوله تعالى * (الله خالق كل شيء) * أي الله خالق كل شيء ~~مخلوق فدخلت أفعال العباد في عموم كل وما أفسد قولهم في إدخال كلام الله ~~تعالى في عموم كل الذي هو صفة من صفاته يستحيل عليه أن يكون مخلوقا وأخرجوا ~~أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم كل وهل يدخل في عموم كل إلا ما هو مخلوق ~~فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا العموم ودخل سائر المخلوقات في ~~عمومها وكذا قوله تعالى * (والله خلقكم وما تعملون) * ولا نقول إن ما ~~مصدرية أي خلقكم وعملكم إذ سياق الآية يأباه لأن إبراهيم عليه السلام إنما ~~أنكر عليهم عبادة المنحوت لا النحت والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله ~~تعالى وهو ما صار منحوتا إلا بفعلهم فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقا لله ~~تعالى ولو لم يكن النحت مخلوقا لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقا له بل ~~الخشب أو الحجر لا غير وذكر أبو الحسين البصري إمام المتأخرين من المعتزلة ~~أن العلم بأن العبد يحدث فعله ضروري وذكر الرازي أن افتقار الفعل المحدث ~~الممكن إلى مرجح يجب وجوده عنده ويمتنع عند عدمه ضروري وكلاهما صادق فيما ~~ذكره من العلم الضروري ثم ادعاء كل منهما أن هذا العلم الضروري يبطل ما ~~ادعاه الآخر من الضرورة غير مسلم بل كلاهما صادق فيما ادعاه من ms329 العلم ~~الضروري وإنما وقع غلطه في إنكاره ما مع الآخر من الحق فإنه لا منافاة بين ~~كون العبد محدثا لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة الله تعالى كما ~~قال تعالى * (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) * PageV00P496 # فقوله * (فألهمها فجورها وتقواها) * إثبات للقدر بقوله فألهمها وإثبات ~~لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية ~~وقوله بعد ذلك * (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) * إثبات أيضا لفعل ~~العبد ونظائر ذلك كثيرة وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم بل مزقتهم ~~كل ممزق وهي أنهم قالوا كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن الله يعذب المكلفين ~~على ذنوبهم وهو خلقها فيهم فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله ~~فيهم وهذا السؤال لم يزل مطروقا في العالم على ألسنة الناس وكل منهم يتكلم ~~في جوابه بحسب علمه ومعرفته وعنه تفرقت بهم الطرق فطائفة أخرجت أفعالهم عن ~~قدرة الله تعالى وطائفة أنكرت الحكم والتعليل وسدت باب السؤال وطائفة أثبتت ~~كسبا لا يعقل جعلت الثواب والعقاب عليه وطائفة التزمت لأجله وقوع مقدور بين ~~قادرين ومفعول بين فاعلين وطائفة التزمت الجبر وأن الله يعذبهم على ما لا ~~يقدرون عليه وهذا السؤال هو الذي أوجب التفرق والاختلاف والجواب الصحيح عنه ~~أن يقال إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية وإن كانت خلقا لله تعالى ~~فهي عقوبة له على ذنوب قبلها فالذنب يكسب الذنب ومن عقاب السيئة السيئة ~~بعدها فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضا يبقى أن يقال فالكلام في ~~الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب يقال هو عقوبة أيضا على عدم فعل ما ~~خلق له وفطر عليه فإن الله سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له وفطره على ~~محبته وتأليهه والإنابة اليه كما قال تعالى * (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة ~~الله التي فطر الناس عليها) * PageV00P497 # فلما لم يفعل ما خلق له وفطر عليه من محبة الله وعبوديته والإنابة اليه ~~عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما ms330 يفعله من الشرك والمعاصي فإنه صادف ~~قلبا خاليا قابلا للخير والشر ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن ~~منه الشر كما قال تعالى * (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~المخلصين) * وقال إبليس * (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين) * وقال الله عز وجل * (هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان) * والإخلاص خلوص القلب من تأليه ما سوى الله تعالى وإرادته ~~ومحبته فخلص لله فلم يتمكن منه الشيطان وأما إذا صادفه فارغا من ذلك تمكن ~~منه بحسب فراغه فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة له على عدم هذا ~~الإخلاص وهي محض العدل فإن قلت فذلك العدم من خلقه فيه قيل هذا سؤال فاسد ~~فإن العدم كاسمه لا يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به فإن عدم الفعل ليس ~~أمرا وجوديا حتى يضاف إلى الفاعل بل هو شر محض والشر ليس إلى الله سبحانه ~~كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث الاستفتاح لبيك وسعديك والخير كله في ~~يديك والشر ليس إليك وكذا في حديث الشفاعة يوم القيامة حين يقول الله له يا ~~محمد فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك وقد أخبر الله تعالى ~~أن تسليط الشيطان إنما هو على PageV00P498 # الذين يتولونه والذين هم به مشركون فلما تولوه دون الله وأشركوا به معه ~~عوقبوا على ذلك بتسليطه عليهم وكانت هذه الولاية والإشراك عقوبة خلو القلب ~~وفراغه من الإخلاص فإلهام البر والتقوى ثمرة هذا الإخلاص ونتيجته وإلهام ~~الفجور عقوبة على خلوه من الإخلاص فإن قلت إن كان هذا الترك أمرا وجوديا ~~عاد السؤال جذعا وإن كان أمرا عدميا فكيف يعاقب على العدم المحض قيل ليس ~~هنا ترك هو كف النفس ومنعها عما تريده وتحبه فهذا قد يقال إنه أمر وجودي ~~وإنما هنا عدم وخلو من أسباب الخير وهذا العدم هو محض خلوها مما هو أنفع ~~شيء لها والعقوبة على الأمر العدمي هي بفعل السيئات لا بالعقوبات التي ~~تناله بعد إقامة الحجة عليه ms331 بالرسل فلله فيه عقوبتان إحداهما جعله مذنبا ~~خاطئا وهذه عقوبة عدم إخلاصه وإنابته وإقباله على الله وهذه العقوبة قد لا ~~يحس بألمها ومضرتها لموافقتها شهوته وارادته وهي في الحقيقة من أعظم ~~العقوبات والثانية العقوبات المؤلمة بعد فعله للسيئات وقد قرن الله تعالى ~~بين هاتين العقوبتين في قوله تعالى * (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء) * فهذه العقوبة الأولى ثم قال * (حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغتة) * فهذه العقوبة الثانية فإن قيل فهل كان يمكنهم أن يأتوا ~~بالإخلاص والإنابة والمحبة له وحده من غير أن يخلق ذلك في قلوبهم ويجعلهم ~~مخلصين له منيبين له محبين له أم ذلك محض جعله في قلوبهم وإلقائه فيها قيل ~~لا بل هو محض منته وفضله وهو من أعظم الخير الذي هو بيده والخير كله في ~~يديه ولا يقدر أحد أن يأخذ من الخير إلا ما أعطاه ولا يتقي من الشر إلا ما ~~وقاه PageV00P499 # فإن قيل فإذا لم يخلق ذلك في قلوبهم ولم يوفقوا له ولا سبيل لهم اليه ~~بأنفسهم عاد السؤال وكان منعهم منه ظلما ولزمكم القول بأن العدل هو تصرف ~~المالك في ملكه بما يشاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون قيل لا يكون سبحانه ~~بمنعهم من ذلك ظالما وإنما يكون المانع ظالما إذا منع غيره حقا لذلك الغير ~~عليه وهذا هو الذي حرمه الرب على نفسه وأوجب على نفسه خلافه وأما إذا منع ~~غيره ما ليس بحق له بل هو محض فضله ومنته عليه لم يكن ظالما بمنعه فمنع ~~الحق ظلم ومنع الفضل والإحسان عدل وهو سبحانه العدل في منعه كما هو المحسن ~~المنان بعطائه فإن قيل فإذا كان العطاء والتوفيق إحسانا ورحمة فهلا كان ~~العمل له والغلبة كما أن رحمته تغلب غضبه قيل المقصود في هذا المقام بيان ~~أن هذه العقوبة المترتبة على هذا المنع والمنع المستلزم للعقوبة ليس بظلم ~~بل هو محض العدل وهذا سؤال عن الحكمة التي أوجبت تقديم العدل على الفضل في ~~بعض المحال وهلا ms332 سوى بين العباد في الفضل وهذا السؤال حاصله لم تفضل على ~~هذا ولم يتفضل على الآخر وقد تولى الله سبحانه الجواب عنه بقوله * (ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) * وقوله * (لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم) * ولما سأله اليهود والنصارى عن تخصيص هذه الأمة ~~بأجرين وإعطائهم هم أجرا أجرا قال هل ظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال ~~فذلك فضلي أوتيه من أشاء وليس في الحكمة اطلاع كل فرد من أفراد الناس على ~~كمال حكمته في عطائه ومنعه بل إذا PageV00P500 # كشف الله عن بصيرة العبد حتى أبصر طرفا يسيرا من حكمته في خلقه وأمره ~~وثوابه وعقابه وتخصيصه وحرمانه وتأمل أحوال محال ذلك استدل بما علمه على ما ~~لم يعلمه ولما استشكل أعداؤه المشركون هذا التخصيص قالوا أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا قال تعالى مجيبا لهم * (أليس الله بأعلم بالشاكرين) * فتأمل ~~هذا الجواب تر في ضمنه أنه سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لغرس شجرة النعمة ~~فتثمر بالشكر من المحل الذي لا يصلح لغرسها فلو غرست فيه لم تثمر فكان ~~غرسها هناك ضائعا لا يليق بالحكمة كما قال تعالى * (الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته) * فإن قيل إذا حكمتم باستحالة الإيجاد من العبد فإذا لا فعل للعبد ~~أصلا قيل العبد فاعل لفعله حقيقة وله قدرة حقيقة قال تعالى * (وما تفعلوا ~~من خير يعلمه الله) * * (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) * وأمثال ذلك وإذا ~~ثبت كون العبد فاعلا فأفعاله نوعان نوع يكون منه من غير اقتران قدرته ~~وإرادته فيكون صفة له ولا يكون فعلا كحركات المرتعش ونوع يكون منه مقارنا ~~لإيجاد قدرته واختياره فيوصف بكونه صفة وفعلا وكسبا للعبد كالحركات ~~الاختيارية والله تعالى هو الذي جعل العبد فاعلا مختارا وهو الذي يقر على ~~ذلك وحده لا شريك له ولهذا انكر السلف الجبر فإن الجبر لا يكون إلا من عاجز ~~فلا يكون إلا مع الإكراه ms333 يقال للأب ولاية إجبار البكر الصغيرة على النكاح ~~وليس له إجبار الثيب البالغ أي ليس له أن يزوجها مكرهة والله تعالى لا يوصف ~~بالإجبار بهذا الاعتبار لأنه سبحانه خالق الإرادة والمراد قادر على أن ~~يجعله مختارا بخلاف غيره ولهذا جاء في ألفاظ الشارع الجبل دون الجبر كما ~~قال صلى الله عليه وسلم PageV00P501 # وسلم لأشج عبد القيس إن فيك لخلتين يحبهما الله الحلم والأناة فقال ~~اخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما فقال بل خلقان جبلت عليهما فقال ~~الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله تعالى والله تعالى إنما يعذب ~~عبده على فعله الاختياري والفرق بين العقاب على الفعل الاختياري وغير ~~الاختياري مستقر في الفطر والعقول وإذا قيل خلق الفعل مع العقوبة عليه ظلم ~~كان بمنزلة أن يقال خلق أكل السم ثم حصول الموت به ظلم فكما أن هذا سبب ~~للموت فهذا سبب للعقوبة ولا ظلم فيهما فالحاصل أن فعل العبد فعل له حقيقة ~~ولكنه مخلوق لله تعالى ومفعول لله تعالى ليس هو نفس فعل الله ففرق بين ~~الفعل والمفعول والخلق والمخلوق والى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله ~~بقوله وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد أثبت للعباد فعلا وكسبا وأضاف ~~الخلق لله تعالى والكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفع أو ضرر كما ~~قال تعالى * (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) * قوله ولم يكلفهم الله تعالى ~~إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم وهو تفسير لا حول ولا قوة الا بالله ~~نقول لا حيلة لاحد ولا تحول لاحد ولا حركة لاحد عن معصية الله الا بمعونة ~~الله ولا قوة لاحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها الا بتوفيق الله وكل ~~شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره غلبت مشيئته المشيئات كلها ~~وعكست ارادته الإرادات كلها وغلب قضاؤه الحيل كلها يفعل ما يشاء وهو غير ~~ظالم ابدا * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * PageV00P502 # ش فقوله لم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون قال تعالى * (لا ms334 يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها) * * (لا نكلف نفسا إلا وسعها) * وعند أبي الحسن الأشعري أن ~~تكليف ما لا يطاق جائز عقلا ثم تردد أصحابه أنه هل ورد به الشرع أم لا ~~واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن ~~وأنه سيصلى نارا ذات لهب فكان مأمورا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن وهذا تكليف ~~بالجمع بين الضدين وهو محال والجواب عن هذا بالمنع فلا نسلم بأنه مأمور بأن ~~يؤمن بأنه لا يؤمن والاستطاعة التي بها يقدر على الإيمان كانت حاصلة فهو ~~غير عاجز عن تحصيل الإيمان فما كلف إلا ما يطيقه كما تقدم في تفسير ~~الاستطاعة ولا يلزم قوله تعالى للملائكة * (أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين) * مع عدم علمهم بذلك ولا للمصورين يوم القيامة أحيوا ما خلقتم ~~وأمثال ذلك لأنه ليس بتكليف طلب فعل يثاب فاعله ويعاقب تاركه بل هو خطاب ~~تعجيز وكذا لا يلزم دعاء المؤمنين في قوله تعالى * (ربنا ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به) * لأن تحميل ما لا يطاق ليس تكليفا بل يجوز أن يحمله جبلا لا ~~يطيقه فيموت وقال ابن الأنباري أي لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وإن كنا ~~مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه قال فخاطب العرب على حسب ما تعقل فإن الرجل ~~منهم يقول للرجل يبغضه ما أطيق النظر إليك وهو مطيق لذلك لكنه يثقل عليه ~~ولا يجوز في الحكمة أن يكلفه بحمل جبل بحيث لو فعل يثاب ولو امتنع يعاقب ~~كما أخبر سبحانه عن نفسه أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ومنهم من يقول يجوز ~~تكليف الممتنع عادة دون الممتنع PageV00P503 # لذاته لأن ذلك لا يتصور وجوده فلا يعقل الأمر به بخلاف هذا ومنهم من يقول ~~ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز تكليفه بخلاف ما لا يطاق للاشتغال بضده فإنه ~~يجوز تكليفه وهؤلاء موافقون للسلف والأئمة في المعنى لكن كونهم جعلوا ما ~~بتركه العبد لا يطاق لكونه تاركا له مشتغلا بضده بدعة في الشرع واللغة ms335 فإن ~~مضمونة أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه وهم التزموا هذا لقولهم إن ~~الطاقة التي هي الاستطاعة وهي القدرة لا تكون إلا مع الفعل فقالوا كل من لم ~~يفعل فعلا فإنه لا يطيقه وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف وخلاف ما ~~عليه عامة العقلاء كما تقدمت الإشارة اليه عند ذكر الاستطاعة وأما ما لا ~~يكون إلا مقارنا للفعل فذلك ليس شرطا في التكليف مع أنه في الحقيقة إنما ~~هناك إرادة الفعل وقد يحتجون بقوله تعالى * (ما كانوا يستطيعون السمع) * * ~~(إنك لن تستطيع معي صبرا) * وليس في ذلك إرادة ما سموه استطاعة وهو ما لا ~~يكون إلا مع الفعل فإن الله ذم هؤلاء على كونهم لا يستطيعون السمع ولو أراد ~~بذلك المقارن لكان جميع الخلق لا يستطيعون السمع قبل السمع فلم يكن لتخيص ~~هؤلاء بذلك معنى ولكن هؤلاء لبغضهم الحق وثقله عليهم إما حسدا لصاحبه وإما ~~اتباعا للهوى لا يستطيعون السمع وموسى عليه السلام لا يستطيع الصبر لمخالفة ~~ما يراه لظاهر الشرع وليس عنده منه علم وهذه لغة العرب وسائر الأمم فمن ~~يبغض غيره يقال إنه لا يستطيع الإحسان إليه ومن يحبه يقال إنه لا يستطيع ~~عقوبته لشدة محبته له لا لعجزه عن عقوبته فيقال ذلك للمبالغة كما تقول ~~لأضربنه PageV00P504 # حتى يموت والمراد الضرب الشديد وليس هذا عذرا فلو لم يأمر العباد إلا بما ~~يهوونه لفسدت السماوات والأرض قال تعالى * (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت ~~السماوات والأرض ومن فيهن) * وقوله ولا يطيقون إلا ما كلفهم به إلى آخر ~~كلامه أي ولا يطيقون إلا ما أقدرهم عليه وهذه الطاقة هي التي من نحو ~~التوفيق لا التي من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات ولا حول ولا ~~قوة الا بالله دليل على اثبات القدر وقد فسرها الشيخ بعدها ولكن في كلام ~~الشيخ إشكال فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار وإنما يستعمل بمعنى الأمر ~~والنهي وهو قد قال لا يكلفهم إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم وظاهره ~~أنه يرجع إلى ms336 معنى واحد ولا يصح ذلك لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به لكنه ~~سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف كما قال تعالى * (يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر) * وقال تعالى * (يريد الله أن يخفف عنكم) * وقال تعالى ~~* (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه ولكنه ~~تفضل علينا ورحمنا وخفف عنا ولم يجعل علينا في الدين من حرج ويجاب عن هذا ~~الإشكال بما تقدم أن المراد الطاقة التي من نحو التوفيق لا من جهة التمكن ~~وسلامة الآلات ففي العبارة قلق فتأمله وقوله وكل شيء يجري بمشيئة الله ~~وعلمه وقضائه وقدره يريد بقضائه القضاء الكوني لا الشرعي فإن القضاء يكون ~~كونيا وشرعيا وكذلك الإرادة والأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم ~~والكلمات ونحو ذلك أما القضاء الكوني ففي قوله تعالى * (فقضاهن سبع سماوات ~~في يومين) * والقضاء PageV00P505 # الديني الشرعي في قوله تعالى * (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) * وأما ~~الإرادة الكونية والدينية فقد تقدم ذكرها عند قول الشيخ ولا يكون إلا ما ~~يريد وأما الأمر الكوني ففي قوله تعالى * (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون) * وكذا قوله تعالى * (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) * في أحد الأقوال وهو أقواها ~~والأمر الشرعي في قوله تعالى * (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) * وقوله * ~~(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * وأما الإذن الكوني ففي ~~قوله تعالى * (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) * والإذن الشرعي في ~~قوله تعالى * (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله) ~~* وأما الكتاب الكوني ففي قوله تعالى * (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره ~~إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير) * وقوله تعالى * (ولقد كتبنا في الزبور ~~من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) * والكتاب الشرعي الديني في ~~قوله تعالى * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * * (يا أيها الذين ~~آمنوا كتب عليكم الصيام) * وأما الحكم الكوني ms337 ففي قوله تعالى عن ابن يعقوب ~~عليه السلام * (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير ~~الحاكمين) * وقوله تعالى * (قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ~~ما تصفون) * والحكم الشرعي في قوله تعالى * (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد) * وقال تعالى * ~~(ذلكم حكم الله يحكم بينكم) * وأما PageV00P506 # التحريم الكوني ففي قوله تعالى * (قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ~~يتيهون في الأرض) * * (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) * والتحريم ~~الشرعي في قوله * (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) * و * (حرمت ~~عليكم أمهاتكم) * وأما الكلمات الكونية ففي قوله تعالى * (وتمت كلمة ربك ~~الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) * وفي قوله صلى الله عليه وسلم أعوذ ~~بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر والكلمات الشرعية الدينية ~~في قوله تعالى * (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) * وقوله يفعل ما ~~يشاء وهو غير ظالم أبدا الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم ~~العباد يقتضي قولا وسطا بين قولي القدرية والجبرية فليس ما كان من بني آدم ~~ظلما وقبيحا يكون منه ظلما وقبيحا كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم فإن ~~ذلك تمثيل لله بخلقه وقياس له عليهم هو الرب الغني القادر وهم العباد ~~الفقراء المقهورون وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة ~~كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم يقولون إنه يمتنع أن يكون في ~~الممكن المقدور ظلم بل كان ما كان ممكنا فهو منه لو فعله عدل إذ الظلم لا ~~يكون إلا من مأمور من غيره منهي والله ليس كذلك فإن قوله تعالى * (ومن يعمل ~~من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما) * وقوله تعالى * (ما يبدل ~~القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) * وقوله تعالى * (وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~هم الظالمين) * وقوله تعالى * (ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا) * ~~PageV00P507 # وقوله تعالى * (اليوم تجزى كل نفس بما ms338 كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع ~~الحساب) * يدل على نقيض هذا القول ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله يا عبادي ~~إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا فهذا دل على شيئين ~~أحدهما أنه حرم على نفسه الظلم والممتنع لا يوصف بذلك الثاني أنه أخبر أنه ~~حرمه على نفسه كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة وهذا يبطل احتجاجهم بأن ~~الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي والله ليس كذلك فيقال لهم هو سبحانه كتب ~~على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما ~~هو قادر عليه لا ما هو ممتنع عليه وأيضا فإن قوله * (فلا يخاف ظلما ولا ~~هضما) * قد فسره السلف بأن الظلم أن توضع عليه سيئات غيره والهضم أن ينقص ~~من حسناته كما قال تعالى * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * وأيضا فإن الإنسان ~~لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة حتى يأمن من ذلك وأنما يأمن مما ~~يمكن فلما آمنه من الظلم بقوله * (فلا يخاف) * علم أنه ممكن مقدور عليه ~~وكذا قوله * (لا تختصموا لدي) * إلى قوله * (وما أنا بظلام للعبيد) * لم ~~يعن بها نفي ما لا يقدر عليه ولا يمكن منه وإنما نفى ما هو مقدور عليه ممكن ~~وهو أن يجزوا بغير أعمالهم فعلى قول هؤلاء ليس الله منزها عن شيء من ~~الأفعال أصلا ولا مقدسا عن أن يفعله بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله بل ~~فعله حسن ولا حقيقة للفعل السوء بل ذلك ممتنع والممتنع لا حقيقة له والقرآن ~~PageV00P508 # يدل على نقيض هذا القول في مواضع نزه الله نفسه فيها عن فعل ما لا يصلح ~~له ولا ينبغي له فعلم أنه منزه مقدس عن فعل السوء والفعل المعيب المذموم ~~كما أنه منزه مقدس عن وصف السوء والوصف المعيب المذموم وذلك كقوله تعالى * ~~(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) * فإنه نزه نفسه عن خلق ~~الخلق عبثا وأنكر على من حسب ذلك وهذا ms339 فعل وقوله تعالى * (أفنجعل المسلمين ~~كالمجرمين) * وقوله تعالى * (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) * إنكار منه على من جوز أن ~~يسوي الله بين هذا وهذا وكذا قوله * (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن ~~نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) * ~~إنكار على من حسب أنه يفعل هذا وإخبار أن هذا حكم سئ قبيح وهو مما ينزه ~~الرب عنه وروى أبو داود والحاكم في المستدرك من حيث ابن عباس وعبادة بن ~~الصامت وزيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم لو أن الله عذب أهل ~~سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم ~~من أعمالهم وهذا الحديث مما يحتج به الجبرية وأما القدرية فلا يتأتى على ~~أصولهم الفاسدة ولهذا قابلوه إما بالتكذيب أو بالتأويل وأسعد الناس به أهل ~~السنة الذين قابلوه بالتصديق وعلموا من عظمة الله وجلاله قدر نعم الله على ~~خلقه وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم إما عجزا وإما جهلا وإما تفريطا ~~وإضاعة واما تقصيرا في المقدور من الشكر ولو من بعض الوجوه فإن حقه على أهل ~~PageV00P509 # السماوات والأرض أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر وتكون ~~قوة الحب والإنابة والتوكل والخشية والمراقبة والخوف والرجاء جميعها متوجهة ~~اليه ومتعلقة به بحيث يكون القلب عاكفا على محبته وتأليهه بل على إفراده ~~بذلك واللسان محبوسا على ذكره والجوارح وقفا على طاعته ولا ريب أن هذا ~~مقدور في الجملة ولكن النفوس تشح به وهي في الشح على مراتب لا يحصيها إلا ~~الله تعالى وأكثر المطيعين تشح به نفسه من وجه وإن أتى به من وجه آخر فأين ~~الذي لا تقع منه إرادة تزاحم مراد الله وما يحبه منه ومن ذا الذي لم يصدر ~~منه خلاف ما خلق له ولو في وقت من الأوقات فلو وضع الرب سبحانه عدله على ~~أهل سماواته وأرضه لعذبهم بعدله ولم يكن ظالما لهم وغاية ما يقدر ms340 توبة ~~العبد من ذلك واعترافه وقبول التوبة محض فضله وإحسانه وإلا فلو عذب عبده ~~على جنايته لم يكن ظالما ولو قدر أنه تاب منها لكن أوجب على نفسه بمقتضى ~~فضله ورحمته أنه لا يعذب من تاب وقد كتب على نفسه الرحمة فلا يسع الخلائق ~~إلا رحمته وعفوه ولا يبلغ عمل أحد منهم أن ينجو به من النار أو يدخل الجنة ~~كما قال أطوع الناس لربه وأفضلهم عملا وأشدهم تعظيما لربه وإجلالا لن ينجي ~~أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني ~~الله برحمة منه وفضل وسأله الصديق دعاء يدعو به في صلاته فقال قل اللهم إني ~~ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك ~~وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم فإذا كان هذا حال PageV00P510 # الصديق الذي هو أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين فما الظن بسواه بل ~~إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام حقه الذي يتضمن معرفة ربه وحقه وعظمته ~~وما ينبغي له وما يستحقه على عبده ومعرفة تقصيره فسحقا وبعدا لمن زعم أن ~~المخلوق يستغني عن مغفرة ربه ولا يكون به حاجة إليها وليس وراء هذا الجهل ~~بالله وحقه غاية فإن لم يتسع فهمك لهذا فانزل إلى وطأة النعم وما عليها من ~~الحقوق ووازن من شكرها وكفرها فحينئذ تعلم أنه سبحانه لو عذب أهل سماواته ~~وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم قوله وفي دعاء الاحياء وصدقاتهم للأموات ش ~~اتفق أهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين أحدهما ما تسبب ~~إليه الميت في حياته والثاني دعاء المسلمين واستغفارهم له والصدقة والحج ~~على نزاع فيما يصل اليه من ثواب الحج فعن محمد بن الحسن أنه إنما يصل إلى ~~الميت ثواب النفقة والحج للحاج وعند عامة العلماء ثواب الحج للمحجوج عنه ~~وهو الصحيح واختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن ~~والذكر فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها والمشهور من مذهب ~~الشافعي ومالك عدم وصولها وذهب بعض ms341 أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول ~~شيء البتة لا الدعاء ولا غيره وقولهم مردود بالكتاب والسنة لكنهم استدلوا ~~بالمتشابه من قوله تعالى * (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) * وقوله * (ولا ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون) * وقوله * (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) * وقد ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا ~~من ثلاث صدقة جارية أو PageV00P511 # ولد صالح يدعو له أو علم ينتفع به من بعده فأخبر أنه إنما ينتفع بما كان ~~تسبب فيه في الحياة وما لم يكن تسبب فيه في الحياة فهو منقطع عنه واستدل ~~المقتصرون على وصول العبادات التي لا تدخلها النيابة بحال كالإسلام والصلاة ~~والصوم وقراءة القرآن وأنه يختص ثوابها بفاعله لا يتعداه كما أنه في الحياة ~~لا يفعله أحد عن أحد ولا ينوب فيه عن فاعله غيره بما روى النسائي بسنده عن ~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم ~~أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة والدليل على انتفاع ~~الميت بغير ما تسبب فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح أما الكتاب ~~فقال تعالى * (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان) * فأثنى عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم فدل على ~~انتفاعهم باستغفار الأحياء وقد دل على انتفاع الميت بالدعاء إجماع الأمة ~~على الدعاء له في صلاة الجنازة الجنازة والأدعية التي وردت بها السنة في ~~صلاة الجنازة مستفيضة وكذا الدعاء له بعد الدفن ففي سنن أبي داود من حديث ~~عثمان بن عفان رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من ~~دفن الميت وقف عليه فقال استغفروا لأخيكم وأسألوا له التثبيت فإنه الآن ~~يسأل وكذلك الدعاء PageV00P512 # لهم عند زيارة قبورهم كما في صحيح مسلم من حديث بريدة ابن الحصيب قال كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا ~~السلام ms342 عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم ~~لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفي صحيح مسلم أيضا عن عائشة رضي الله ~~عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم كيف تقول إذا استغفرت لأهل القبور قال ~~قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين ~~منا ومنكم والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وأما وصول ثواب الصدقة ~~ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت ~~أفلها أجر إن تصدقت عنها قال نعم وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهما أن سعد ابن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها فأتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال يا رسول الله ان أمي توفيت وأنا غائب عنها فهل ينفعها إن ~~تصدقت عنها قال نعم قال فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها وأمثال ذلك ~~كثيرة في السنة وأما وصول ثواب الصوم ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من مات وعليه صيام صام عنه وليه وله ~~نظائر في الصحيح ولكن أبو PageV00P513 # حنيفة رحمه الله قال بالإطعام عن الميت دون الصيام عنه لحديث ابن عباس ~~المتقدم والكلام على ذلك معروف في كتب الفروع وأما وصول ثواب الحج ففي صحيح ~~البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالت إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها قال ~~حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا الله فالله أحق ~~بالوفاء ونظائره أيضا كثيرة وأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمة ~~الميت ولو كان من أجنبي ومن غير تركته وقد دل على ذلك حديث أبي قتادة حيث ~~ضمن الدينارين عن الميت فلما قضاهما قال النبي صلى الله عليه وسلم ms343 الآن ~~بردت عليه جلدته وكل ذلك جار على قواعد الشرع وهو محض القياس فإن الثواب حق ~~العامل فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك كما لم يمنع من هبة ماله في ~~حياته وإبرائه له منه بعد وفاته وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصوم على وصول ~~ثواب القراءة ونحوها من العبادات البدنية يوضحه أن الصوم كف النفس عن ~~المفطرات بالنية وقد نص الشارع على وصول ثوابه إلى الميت فكيف بالقراءة ~~التي هي عمل ونية والجواب عما استدلوا به من قوله تعالى * (وأن ليس للإنسان ~~إلا ما سعى) * قد أجاب العلماء بأجوبة أصحها جوبان أحدهما أن الإنسان بسعيه ~~وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء وأولد الأولاد ونكح الأزواج وأسدى الخير وتودد ~~إلى الناس فترحموا عليه ودعوا له وأهدوا له ثواب الطاعات فكان ذلك أثر ~~PageV00P514 # سعيه بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الاسلام من أعظم الأسباب في ~~وصول تقع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته ودعوة المسلمين ~~تحيط من ورائهم يوضحه أن الله تعالى جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء ~~إخوانه من المؤمنين وسعيهم فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل اليه ~~ذلك الثاني وهو أقوى منه أن القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره وإنما ~~نفى ملكه لغير سعيه وبين الأمرين فرق مالا يخفى فأخبر تعالى أنه لا يملك ~~إلا سعيه وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن ~~يبقيه لنفسه وقوله سبحانه * (ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى) * آيتان محكمتان مقتضيتان عدل الرب تعالى فالأولى تقتضي أنه لا ~~يعاقب أحدا بجرم غيره ولا يؤاخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا ~~والثانية تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله لينقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه ~~وسلفه ومشايخه كما عليه أصحاب الطمع الكاذب وهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلا ~~بما سعى وكذلك قوله تعالى * (لها ما كسبت) * وقوله * (ولا تجزون إلا ما ~~كنتم تعملون) * على أن ms344 سياق هذه الآية يدل على أن المنفي عقوبة العبد بعمل ~~غيره فإنه تعالى قال * (فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون) * وأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم إذا مات ابن آدم انقطع ~~عمله فاستدلال ساقط فإنه لم يقل انقطاع انتفاعه وإنما أخبر عن انقطاع عمله ~~وأما عمل غيره فهو لعامله فإن وهبه له PageV00P515 # وصل اليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله هو وهذا كالدين يوفيه الإنسان عن ~~غيره فتبرأ ذمته ولكن ليس له ما وفى به الدين وأما تفريق من فرق بين ~~العبادات المالية والبدنية فقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم الصوم عن ~~الميت كما تقدم مع أن الصوم لا تجزىء فيه النيابة وكذلك حديث جابر رضي الله ~~عنه قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيد الأضحى فلما انصرف أتى ~~بكبش فذبحه فقال بسم الله والله أكبر اللهم هذا عنى وعمن لم يضح من أمتي ~~رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحديث الكبشين اللذين قال في أحدهما اللهم ~~هذا عن أمتي جميعا وفي الآخر اللهم هذا عن محمد وآل محمد رواه أحمد والقربة ~~في الأضحية إراقة الدم وقد جعلها لغيره وكذلك عبادة الحج بدنية وليس المال ~~ركنا فيه وإنما هو وسيلة إلا ترى أن المكي يجب عليه الحج إذا قدر على المشي ~~إلى عرفات من غير شرط المال وهذا هو الأظهر أعني أن الحج غير مركب من مال ~~وبدن بل بدني محض كما قد نص عليه جماعة من أصحاب أبي PageV00P516 # حنيفة المتأخرين وانظر إلى فروض الكفايات كيف قام فيها البعض عن الباقين ~~ولأن هذا اهداء ثواب وليس من باب النيابة كما أن الأجير الخاص ليس له أن ~~يستنيب عنه وله أن يعطي أجرته لمن شاء وأما استئجار قوم يقرؤون القرآن ~~ويهدونه للميت فهذا لم يفعله أحد من السلف ولا أمر به أحد من أئمة الدين ~~ولا رخص فيه والاستئجار على نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف وإنما اختلفوا ~~في جواز الاستئجار على ms345 التعليم ونحوه مما فيه منفعة تصل إلى الغير والثواب ~~لا يصل إلى الميت إلا إذا كان العمل لله وهذا لم يقع عبادة خالصة فلا يكون ~~له من ثوابه ما يهدي إلى الموتى ولهذا لم يقل أحد أنه يكتري من يصوم ويصلي ~~ويهدي ثواب ذلك إلى الميت لكن إذا أعطى لمن يقرأ القرآن ويعلمه ويتعلمه ~~معونة لأهل القرآن على ذلك كان هذا من جنس الصدقة عنه فيجوز وفي الاختيار ~~لو أوصى بأن يعطي شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره فالوصية باطلة لأنه ~~في معنى الأجرة انتهى وذكر الزاهدي في الغنية أنه لو وقف على من يقرأ عند ~~قبره فالتعيين باطل وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة فهذا ~~يصل اليه كما يصل ثواب الصوم والحج فإن قيل هذا لم يكن معروفا في السلف ولا ~~أرشدهم اليه النبي صلى الله عليه وسلم فالجواب إن كان مورد هذا السؤال ~~معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء قيل له ما الفرق بين ذلك وبين وصول ~~ثواب قراءة القرآن وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول ومن أين لنا ~~هذا النفي العام فإن قيل فرسول الله صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى الصوم ~~والحج والصدقة دون القراءة قيل هو صلى الله عليه وسلم لم يبتدئهم بذلك ~~PageV00P517 # بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له فيه ~~وهذا سأله عن الصوم عنه فأذن له فيه ولم يمنعهم مما سوى ذلك وأي فرق بين ~~وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك وبين وصول ثواب القراءة والذكر ~~فإن قيل ما تقولون في الإهداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل من ~~المتأخرين من استحبه ومنهم من رآه بدعة لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه ولأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم له مثل أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ~~ينقص من أجر العامل شيء لأنه هو الذي دل أمته على كل خير وارشدهم اليه ms346 ومن ~~قال إن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده باعتبار سماعه كلام الله فهذا لم ~~يصح عن أحد من الأئمة المشهورين ولا شك في سماعه ولكن انتفاعه بالسماع لا ~~يصح فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة فإنه عمل اختياري وقد انقطع بموته بل ~~ربما يتضرر ويتألم لكونه لم يمتثل أوامر الله ونواهيه أو لكونه لم يزدد من ~~الخير واختلف العلماء في قراءة القرآن عند القبور على ثلاثة أقوال هل تكره ~~أم لا بأس بها وقت الدفن وتكره بعده فمن قال بكراهتها كأبي حنيفة ومالك ~~وأحمد في رواية قالوا لأنه محدث لم ترد به السنة والقراءة تشبه الصلاة ~~والصلاة عند القبور منهي عنها فكذلك القراءة ومن قال لا بأس بها كمحمد بن ~~الحسن وأحمد في رواية استدلوا بما نقل عن ابن عمر رضي الله عنه أنه أوصى أن ~~يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها ونقل أيضا عن بعض ~~المهاجرين قراءة سورة البقرة ومن قال لا بأس بها وقت الدفن فقط وهو رواية ~~عن أحمد اخذ بما نقل عن ابن عمر وبعض المهاجرين وأما بعد ذلك كالذين ~~يتناوبون القبر للقراءة عنده فهذا مكروه فإنه لم تأت به السنة ولم ينقل عن ~~أحد من السلف مثل PageV00P518 # ذلك أصلا وهذا القول لعله أقوى من غيره لما فيه من التوفيق بين الدليلين ~~قوله والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات ش قال تعالى * (وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم) * * (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان) * والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم أن ~~الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار وقد أخبر تعالى عن ~~الكفار أنهم إذا مسهم الضر في البحر دعوا الله مخلصين له الدين وأن الإنسان ~~إذا مسه الضر دعاه لجنبه أو قاعدا أو قائما وإجابة الله لدعاء العبد مسلما ~~كان أو كافرا وإعطاؤه سؤله من جنس رزقه لهم ونصره لهم وهو مما توجبه ~~الربوبية للعبد مطلقا ثم قد يكون ذلك فتنة في حقه ms347 ومضرة عليه إذ كان كفره ~~وفسوقه يقتضي ذلك وفي سنن ابن ماجة من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من لم يسأل الله يغضب عليه وقد نظم بعضهم هذا المعنى ~~فقال * الرب يغضب إن تركت سؤاله * وبني آدم حين يسأل يغضب * قال ابن عقيل ~~قد ندب الله تعالى إلى الدعاء وفي ذلك معان أحدها الوجود فإن ليس بموجود لا ~~يدعي الثاني الغنى فإن الفقير لا يدعى الثالث السمع فإن الأصم لا يدعى ~~الرابع الكرم فإن البخيل لا يدعى الخامس الرحمة فإن القاسي لا يدعي السادس ~~القدرة فإن العاجز لا يدعي ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا يقال لها ~~كفي ولا النجم يقال له أصلح مزاجي لأن هذه عندهم مؤثرة طبعا لا اختيارا ~~فشرع الدعاء وصلاة الاستسقاء ليبين كذب أهل الطبائع PageV00P519 # وذهب قوم من المتفلسفة وغالية المتصوفة إلى أن الدعاء لا فائدة فيه قالوا ~~لأن المشيئة الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء وإن لم ~~تقتضه فلا فائدة في الدعاء وقد يخص بعضهم بذلك خواص العارفين ويجعل الدعاء ~~علة في مقام الخواص وهذا من غلطات بعض الشيوخ فكما أنه معلوم الفساد ~~بالاضطرار من دين الاسلام فهو معلوم الفساد بالضرورة العقلية فإن منفعة ~~الدعاء أمر أنشئت عليه تجارب الأمم حتى إن الفلاسفة تقول ضجيج الأصوات في ~~هياكل العبادات بفنون اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات هذا وهم ~~مشركون وجواب الشبهة بمنع المقدمتين فإن قولهم عن المشيئة الإلهية إما أن ~~تقتضيه أو لا فثم قسم ثالث وهو أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه وقد يكون ~~الدعاء من شرطه كما توجب الثواب مع العمل الصالح ولا توجبه مع عدمه وكما ~~توجب الشبع والري عند الأكل والشرب ولا توجبه مع عدمهما وحصول الولد بالوطء ~~والزرع بالبذر فإذا قدر وقوع المدعوا به بالدعاء لم يصح أن يقال لا فائدة ~~في الدعاء كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب والبذر وسائر الأسباب فقول ~~هؤلاء كما أنه مخالف ms348 للشرع فهو مخالف للحس والفطرة ومما ينبغي أن يعلم ما ~~قاله طائفة من العلماء وهو أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو ~~الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل والإعراض عن الأسباب الكلية قدح في ~~الشرع ومعنى التوكل والرجاء يتألف من وجوب التوحيد والعقل والشرع ~~PageV00P520 # وبيان ذلك أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد ~~اليه وليس في المخلوقات ما يستحق هذا لأنه ليس بمستقل ولا بد له من شركاء ~~وأضداد مع هذا كله فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر وقولهم إن اقتضت ~~المشيئة المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء قلنا بل قد تكون اليه حاجة من تحصيل ~~مصلحة أخرى عاجلة وآجلة ودفع مضرة أخرى عاجلة وآجلة وكذلك قولهم وإن لم ~~تقتضه فلا فائدة فيه قلنا بل فيه فوائد عظيمة من جلب منافع ودفع مضار كما ~~نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم بل ما يعجل للعبد من معرفته بربه ~~وإقراره به وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم وإقراره بفقره اليه واضطراره ~~اليه وما يتبع ذلك من العلوم العلية والأحوال الزكية التي هي من أعظم ~~المطالب فإن قيل إذا كان إعطاء الله معللا بفعل العبد كما يعقل من إعطاء ~~المسؤول للسائل كان السائل قد اثر في المسؤول حتى أعطاه قلنا الرب سبحانه ~~هو الذي حرك العبد إلى دعائه فهذا الخير منه وتمامه عليه كما قال عمر رضي ~~الله عنه إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء ولكن إذا ألهمت ~~الدعاء فإن الإجابة معه وعلى هذا قوله تعالى * (يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) * فأخبر سبحانه ~~أنه يبتدئ بتدبير الأمر ثم يصعد إليه الأمر الذي دبره فالله سبحانه هو الذي ~~يقذف في قلب العبد حركة الدعاء ويجعلها سببا للخير الذي يعطيه إياه كما في ~~العمل والثواب فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذي وفقه للعمل ثم ~~أثابه وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه ms349 فما أثر فيه شيء من المخلوقات بل هو ~~جعل ما يفعله سببا لما يفعله قال مطرف بن عبد الله PageV00P521 # ابن الشخير أحد أئمة التابعين نظرت في هذا الامر فوجدت مبدأه من الله ~~وتمامه على الله ووجدت ملاك ذلك الدعاء وهنا سؤال معروف وهو أن من الناس من ~~قد يسأل الله فلا يعطى شيئا أو يعطى غير ما سأل وقد أجيب عنه بأجوبة فيها ~~ثلاثة أجوبة محققة أحدها أن الآية لم تتضمن عطية السؤال مطلقا وإنما تضمنت ~~إجابة الداعي والداعي أعم من السائل وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا ~~فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ففرق ~~بين الداعي والسائل وبين الإجابة والإعطاء وهو فرق بين العموم والخصوص كما ~~أتبع ذلك بالمستغفر وهو نوع من السائل فذكر العام ثم الخاص ثم الأخص وإذا ~~علم العباد أنه قريب يجيب دعوة الداعي علموا قربه منهم وتمكنهم من سؤاله ~~وعلموا علمه ورحمته وقدرته فدعوه دعاء العبادة في حال ودعاء المسألة في حال ~~وجمعوا بينهما في حال إذ الدعاء اسم يجمع العبادة والاستعانة وقد فسر قوله ~~* (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) * بالدعاء الذي هو العبادة والدعاء الذي هو ~~الطلب وقوله بعد ذلك * (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) * يؤيد المعنى الأول ~~الجواب الثاني أن إجابة دعاء السؤال أعم من إعطاء عين السؤال كما فسره ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه أن النبي قال ما من رجل ~~يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال ~~إما أن يعجل له دعوته أو يدخر له من الخير مثلها أو يصرف عنه من الشر مثلها ~~قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر PageV00P522 # فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا بد في الدعوة الخالية عن العدوان من ~~إعطاء السؤال معجلا أو مثله من الخير مؤجلا أو يصرف عنه من السوء ms350 مثله ~~الجواب الثالث أن الدعاء سبب مقتض لنيل المطلوب والسبب له شروط وموانع فإذا ~~حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب وإلا فلا يحصل ذلك المطلوب بل قد ~~يحصل غيره وهكذا سائر الكلمات الطيبات من الأذكار المأثورة المعلق عليها ~~جلب منافع أو دفع مضار فإن الكلمات بمنزلة الآلة في يد الفاعل تختلف ~~باختلاف قوته وما يعنيها وقد يعارضها مانع من الموانع ونصوص الوعد والوعيد ~~المتعارضة في الظاهر من هذا الباب وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب ~~لهم ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله أو حسنة تقدمت ~~منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكر الحسنة أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك ~~فإجيبت دعوته فيظن أن السر في ذلك الدعاء فيأخذه مجردا عن تلك الأمور التي ~~قارنته من ذلك الداعي وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ~~ينبغي فانتفع به فظن آخر أن استعمال هذا الدواء بمجرده كاف في حصول المطلوب ~~وكان غالطا وكذا قد يدعوا باضطرار عند قبر فيجاب فيظن أن السر للقبر ولم ~~يدر أن السر للاضطرار وصدق اللجء إلى الله تعالى فإذا حصل ذلك في بيت من ~~بيوت الله تعالى كان أفضل وأحب إلى الله تعالى فالأدعية والتعوذات والرقي ~~بمنزلة السلاح والسلاح بضاربه لا بحده فقط فمتى كان السلاح سلاحا تاما ~~والساعد ساعدا قويا والمحل قابلا والمانع مفقودا حصلت به النكاية في العدو ~~ومتى تخلف واحد من هذه الثلاث تخلف التأثير فإذا كان الدعاء في نفسه غير ~~صالح أو الداعي لم يجمع بين PageV00P523 # قلبه ولسانه في الدعاء أو كان ثم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر قوله ~~ويملك كل شيء ولا يملكه شيء ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين ومن استغنى عن ~~الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين ش كلام حق ظاهر لا خفاء فيه ~~والحين بالفتح الهلاك قوله والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى ش قال تعالى ~~* (رضي الله عنهم) * * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ms351 يبايعونك تحت الشجرة) ~~* وقال تعالى * (من لعنه الله وغضب عليه) * * (وغضب الله عليه ولعنه) * * ~~(وباؤوا بغضب من الله) * ونظائر ذلك كثيرة ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات ~~صفة الغضب والرضى والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ~~ورد بها الكتاب والسنة ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله ~~تعالى كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات كما أشار ~~اليه الشيخ فيما تقدم بقوله إذا كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى ~~الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين وانظر إلى جواب ~~الإمام مالك رضي الله عنه في صفة الاستواء كيف قال الاستواء معلوم والكيف ~~مجهول وروي أيضا عن أم سلمة رضي الله عنها موقوفا عليها ومرفوعا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكذلك قال الشيخ رحمه الله فيما تقدم من PageV00P524 # لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه ويأتي في كلامه أن الإسلام ~~بين الغلو والتقصير وبين التشبيه والتعطيل فقول الشيخ رحمه الله لا كأحد من ~~الورى نفى التشبيه ولا يقال إن الرضى إرادة الإحسان والغضب إرادة الانتقام ~~فإن هذا نفي للصفة وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه ~~وإن كان لا يريده ولا يشاؤه وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله ~~وإن كان قد شاءه وأراده فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده ويكره ويسخط لما ~~أراده ويقال لمن تأول الغضب والرضى بإرادة الإحسان لم تأولت ذلك فلا بد أن ~~يقول إن الغضب غليان دم القلب والرضى الميل والشهوة وذلك لا يليق بالله ~~تعالى فيقال له غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب لا أنه ~~الغضب ويقال له أيضا كذلك الإرادة والمشيئة فينا فهي ميل الحي إلى الشيء أو ~~إلى ما يلائمه ويناسبه فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع ~~عنه مضرة وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر اليه ويزداد بوجوده وينتقص بعدمه ~~فالمعنى الذي صرفت اليه اللفظ كالمعنى ms352 الذي صرفته عنه سواء فإن جاز هذا جاز ~~ذاك وإن امتنع هذا امتنع ذاك فإن قال الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة ~~للإرادة التي يوصف بها العبد وإن كان كل منهما حقيقة قيل له فقل إن الغضب ~~والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد وإن كان كل منهما حقيقة ~~فإذا كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل ~~بل يجب تركه لأنك تسلم من التناقض وتسلم أيضا من تعطيل معنى أسماء الله ~~تعالى وصفاته PageV00P525 # بلا موجب فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ولا يكون ~~الموجب للصرف ما دله عليه عقله إذ العقول مختلفة فكل يقول إن عقله دله على ~~خلاف ما يقوله الآخر وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى ~~لامتناع مسمى ذلك في المخلوق فإنه لا بد أن يثبت شيئا لله تعالى على خلاف ~~ما يعهده حتى في صفة الوجود فإن وجود العبد كما يليق به ووجود الباري تعالى ~~كما يليق به فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم ووجود المخلوق لا يستحيل عليه ~~العدم وما سمى به الرب نفسه وسمى به مخلوقاته مثل الحي والعليم والقدير أو ~~سمى به بعض صفاته كالغضب والرضى وسمى به بعض صفات عباده فنحن نعقل بقلوبنا ~~معاني هذه الأسماء في حق الله تعالى وأنه حق ثابت موجود ونعقل أيضا معاني ~~هذه الأسماء في حق المخلوق ونعقل أن بين المعنيين قدرا مشتركا لكن هذا ~~المعنى لا يوجد في الخارج مشتركا إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركا ~~إلا في الأذهان ولا يوجد في الخارج إلا معينا مختصا فيثبت في كل منهما كما ~~يليق به بل لو قيل غضب مالك خازن النار وغضب غيره من الملائكة لم يجب أن ~~يكون مماثلا لكيفية غضب الآدميين لأن الملائكة ليسوا من الأخلاط الأربعة ~~حتى تغلي دماء قلوبهم كما يغلي دم قلب الإنسان عند غضبه فغضب الله أولى وقد ~~نفى الجهم ومن وافقه كل ما ms353 وصف الله به نفسه من كلامه ورضاه وغضبه وحبه ~~وبغضه وأسفه ونحوه ذلك وقالوا إنما هي أمور مخلوقة منفصلة عنه ليس هو في ~~نفسه متصفا بشيء من ذلك وعارض هؤلاء من الصفاتية ابن كلاب ومن وافقه فقالوا ~~لا يوصف الله بشيء يتعلق بمشيئته وقدرته أصلا بل جميع هذه الأمور صفات ~~PageV00P526 # لازمة لذاته قديمة أزلية فلا يرضى في وقت دون وقت ولا يغضب في وقت دون ~~وقت كما قال في حديث الشفاعة إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ~~ولن يغضب بعده مثله وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون ~~لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى ~~يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحد من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك ~~فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم ~~بعده ابدا فيستدل به على أنه يحل رضوانه في وقت دون وقت وأنه قد يحل رضوانه ~~ثم يسخط كما يحل السخط ثم يرضى لكن هؤلاء أحل عليهم رضوانا لا يتعقبه سخط ~~وهم قالوا لا يتكلم إذا شاء ولا يضحك إذا شاء ولا يغضب إذا شاء ولا يرضى ~~إذا شاء بل إما أن يجعلوا الرضى والغضب والحب والبغض هو الإرادة أو يجعلوها ~~صفات أخرى وعلى التقديرين فلا يتعلق شيء من ذلك لا بمشيئته ولا بقدرته إذ ~~لو تعلق بذلك لكان محلا للحوادث فنفى هؤلاء الصفات الفعلية الذاتية بهذا ~~الأصل كما نفى أولئك الصفات مطلقا بقولهم ليس محلا للأعراض وقد يقال بل هي ~~أفعال ولا تسمى حوادث كما سميت تلك صفات ولم تسم اعراضا وقد تقدمت الإشارة ~~إلى هذا المعنى ولكن الشيخ رحمه الله لم يجمع الكلام في الصفات في المختصر ~~في مكان واحد وكذلك الكلام في القدر ونحو ذلك ولم يعتن فيه بترتيب وأحسن ما ~~يرتب ms354 عليه كتاب أصول الدين ترتيب جواب النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل ~~عليه السلام حين سأله عن الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته PageV00P527 # وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره الحديث فيبدأ بالكلام على ~~التوحيد والصفات وما يتعلق بذلك ثم بالكلام على الملائكة ثم وثم إلى آخره ~~وقوله ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم ~~ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا ~~بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان ش يشير الشيخ رحمه ~~الله إلى الرد على الروافض والنواصب وقد أثنى الله تعالى على الصحابة هو ~~ورسوله ورضي عنهم ووعدهم الحسنى كما قال تعالى * (والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد ~~لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم) * وقال ~~تعالى * (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا) * إلى آخر السورة وقال تعالى * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة) * وقال تعالى * (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) ~~* وقال تعالى * (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون ~~خبير) * وقال تعالى * (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين ~~تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف ~~رحيم) * PageV00P528 # وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاؤوا من ~~بعدهم يستغفرون لهم ويسألون ms355 الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم وتتضمن أن ~~هؤلاء هم المستحقون للفيء فمن كان في قلبه غل للذين آمنوا ولم يستغفر لهم ~~لا يستحق في الفيء نصيبا بنص القرآن وفي الصحيحين عن أبي سعيدالخدري رضي ~~الله عنه قال كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو ~~أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه انفرد مسلم بذكر سب خالد ~~لعبد الرحمن دون البخاري فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لخالد ونحوه لا ~~تسبوا أصحابي يعني عبد الرحمن وأمثاله لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون ~~الأولون وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا وهم أهل بيعة الرضوان فهم ~~أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان وهم الذين أسلموا بعد الحديبية ~~وبعد مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة ومنهم خالد بن الوليد وهؤلاء ~~اسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة وسموا الطلقاء منهم أبو سفيان وابناه ~~يزيد ومعاوية والمقصود أنه نهى من له صحبة آخرا أن يسب من له صحبة أولا ~~لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه حتى لو PageV00P529 # أنفق أحدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه فإذا كان هذا حال ~~الذين أسلموا بعد الحديبية وإن كان قبل فتح مكة فكيف حال من ليس من الصحابة ~~بحال مع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وأهل بيعة الرضوان كلهم ~~منهم وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة وقيل إن السابقين الأولين من صلى إلى ~~القبلتين وهذا ضعيف فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة لأن ~~النسخ ليس من فعلهم ولم يدل على التفضيل به دليل شرعي كما دل على التفضيل ~~بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة التي كانت تحت الشجرة وأما ما يروى ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms356 قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ~~فهو حديث ضعيف قال البزار هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وليس هو في كتب الحديث المعتمدة وفي صحيح مسلم عن جابر قال قيل لعائشة رضي ~~الله عنها إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبا ~~بكر وعمر فقالت وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع ~~عنهم الأجر وروى ابن بطة بإسناد صحيح عن ابن PageV00P530 # عباس أنه قال لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة ~~يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة وفي رواية ~~وكيع خير من عبادة أحدكم عمره وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين وغيره أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة الحديث وقد ثبت في ~~صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل النار أحد بايع ~~تحت الشجرة وقال تعالى * (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ~~الذين اتبعوه في ساعة العسرة) * الآيات ولقد صدق عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه في وصفهم حيث قال إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير ~~قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب ~~محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحاب خير قلوب العباد فجعلهم وزراء ~~نبيه يقاتلون على دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه ~~سيئا فهو عند الله سئ وفي رواية وقد رأى أصحاب محمد جميعا أن يستخلفوا أبا ~~بكر وتقدم قول ابن مسعود من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات عند قول ~~الشيخ ونتبع السنة والجماعة فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين ~~وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين بل قد فضلهم اليهود والنصارى ms357 بخصلة ~~PageV00P531 # قيل لليهود من خير أهل ملتكم قالوا أصحاب موسى وقيل للنصارى من خير أهل ~~ملتكم قالوا أصحاب عيسى وقيل للرافضة من شر أهل ملتكم قالوا أصحاب محمد لم ~~يستثنوا منهم الا القليل وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة ~~وقوله ولا نفرط في حب أحد منهم أي لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم كما تفعل ~~الشيعة فنكون من المعتدين قال تعالى * (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) * ~~وقوله ولا نتبرأ من أحد منهم كما فعلت الرافضة فعندهم لا ولاء إلا ببراء أي ~~لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأهل السنة ~~يوالونهم كلهم وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف لا بالهوى ~~والتعصب فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد كما قال تعالى * (فما ~~اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) * وهذا معنى قول من قال من ~~السلف الشهادة بدعة والبراءة بدعة يروى ذلك عن جماعة من السلف من الصحابة ~~والتابعين منهم أبو سعيد الخدري والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك ~~وغيرهم ومعنى الشهادة أن يشهد على معين من المسلمين أنه من أهل النار أو ~~أنه كافر بدون العلم بما ختم الله له به وقوله وحبهم دين وإيمان وإحسان ~~لأنه امتثال لأمر الله فيما تقدم من النصوص وروى الترمذي عن عبد الله بن ~~مغفل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله الله في أصحابي لا ~~تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن ~~آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله PageV00P532 # تعالى ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه وتسمية حب الصحابة إيمانا مشكل على ~~الشيخ رحمه الله لأن الحب عمل القلب وليس هو التصديق فيكون العمل داخلا في ~~مسمى الإيمان وقد تقدم في كلامه أن الإيمان هو الاقرار باللسان والتصديق ~~بالجنان ولم يجعل العمل داخلا في مسمى الايمان وهذا هو المعروف من مذهب أهل ~~السنة إلا أن تكون هذه التسمية ms358 مجازا وقوله وبغضهم كفر ونفاق وطغيان تقدم ~~الكلام في تكفير أهل البدع وهذا الكفر نظير الكفر المذكور في قوله * (ومن ~~لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * وقد تقدم الكلام في ذلك قوله ~~ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة ش اختلف أهل السنة في خلافة ~~الصديق رضي الله عنه هل كانت بالنص أو بالاختيار فذهب الحسن البصري وجماعة ~~من أهل الحديث إلى أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة ومنهم من قال بالنص ~~الجلي وذهب جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية إلى أنها ثبتت ~~بالاختيار والدليل على إثباتها بالنص أخبار من ذلك ما أسنده البخاري عن ~~جبير بن مطعم قال أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع اليه ~~قالت أرأيت إن جئت فلم أجدك كأنها تريد الموت قال إن لم تجدني فأتى أبا بكر ~~وذكر له سياق آخر PageV00P533 # وأحاديث أخر وذلك نص على إمامته وحديث حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ورواه أهل السنن ~~وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت دخل علي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في اليوم الذي بدىء فيه فقال ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب ~~لأبي بكر كتابا ثم قال يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر وفي رواية فلا يطمع ~~في هذا الأمر طامع وفي رواية قال ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر لأكتب لأبي ~~بكر كتابا لا يختلف عليه ثم قال معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر ~~وأحاديث تقديمه في الصلاة مشهورة معروفة وهو يقول مروا أبا بكر فليصل ~~بالناس وقد روجع في ذلك مرة بعد مرة فصلى بهم مدة مرض النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها ms359 دلوا فنزعت منها ما شاء الله ثم ~~أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ~~ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى ~~ضرب الناس بعطن وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال على منبره لو كنت ~~متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا لا يبقين في المسجد خوخة ~~إلا سدت إلا خوخة أبي بكر وفي سنن أبي داود وغيره من حديث الأشعث عن الحسن ~~عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم PageV00P534 # قال ذات يوم من رأى منكم رؤيا فقال رجل أنا رأيت ميزانا أنزل من السماء ~~فوزنت أنت أبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر ثم وزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر ~~ووزن عمر وعثمان فرجح عمر ثم رفع فرأيت الكراهة في وجه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء فبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة ثم بعد ذلك ملك وليس فيه ذكر علي رضي ~~الله عنه لأنه لم يجتمع الناس في زمانه بل كانوا مختلفين لم ينتظم فيه ~~خلافة النبوة ولا الملك وروى أبو دواود أيضا عن جابر رضي الله عنه أنه كان ~~يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر ~~نيط برسول الله صلى الله عليه وسلم ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر قال ~~جابر فلما قمنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا أما الرجل الصالح ~~فرسول الله صلى الله عليه وسلم وأما المنوط بعضهم ببعض فهو ولاة هذا الأمر ~~الذي بعث الله به نبيه وروى أبو داود أيضا عن سمرة بن جندب أن رجلا قال يا ~~رسول الله رأيت كأن دلوا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب ~~شربا ضعيفا ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء عثمان ms360 فأخذ ~~بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء علي فأخذ بعراقيها PageV00P535 # فانتشطت منه فانتضح عليه منها شيء وعن سعيد بن جمهان عن سفينة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه ~~من يشاء أو الملك واحتج من قال لم يستخلف بالخبر المأثور عن عبد الله بن ~~عمر عن عمر رضي الله عنهما أنه قال إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني ~~يعني أبا بكر وإن لا أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني يعني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال عبد الله فعرفت أنه حين ذكر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم غير مستخلف وبما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت من كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مستخلفا لو استخلف والظاهر والله أعلم أن المراد ~~أنه لم يستخلف بعهد مكتوب ولو كتب عهدا لكتبه لأبي بكر بل قد أراد كتابته ~~ثم تركه وقال يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر فكان هذا أبلغ من مجرد العهد ~~فإن النبي صلى الله عليه وسلم دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم ~~اليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له ~~وعزم على أن يكتب بذلك عهدا ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب ~~اكتفاء بذلك ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس ثم لما حصل لبعضهم شك هل ~~ذلك القول من جهة المرض أو هو قول يجب اتباعه ترك الكتابة اكتفاء بما علم ~~أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر فلو كان التعيين مما يشتبه على ~~الأمة لبينه بيانا قاطعا للعذر لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر ~~المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود ولهذا قال عمر رضي الله عنه في خطبته التي ~~خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول ~~PageV00P536 # الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر ذلك منهم أحد ولا قال أحد من الصحابة ~~إن غير أبي ms361 بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه ولم ينازع أحد في خلافته إلا ~~بعض الأنصار طمعا في أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير وهذا مما ~~ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم بطلانه ثم الأنصار كلهم ~~بايعوا أبا بكر إلا سعد بن عبادة لكونه هو الذي كان يطلب الولاية ولم يقل ~~أحد من الصحابة قط أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على غير أبي بكر لا علي ~~ولا العباس ولا غيرهما كما قد قال أهل البدع وروى ابن بطه باسناده أن عمر ~~بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن فقال هل كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم استخلف أبا بكر فقال أو في شك صاحبك نعم والله الذي لا إله ~~إلا هو استخلفه لهو كان أتقى لله من أن يتوثب عليها وفي الجملة فجميع من ~~نقل عنه أنه طلب توليه غير أبي بكر لم يذكر حجة دينية شرعية ولا ذكر أن غير ~~أبي بكر أفضل منه أو أحق بها وإنما نشأ من حب قبيلته وقومه فقط وهم كانوا ~~يعلمون فضل أبي بكر رضي الله عنه وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم له ففي ~~الصحيحين عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ~~ذات السلاسل فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك قال عائشة قلت من الرجال قال ~~أبوها قلت ثم من قال عمر وعد رجالا وفيهما أيضا عن أبي الدرداء قال كنت ~~جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى ~~أبدى عن ركبتيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما صاحبكم فقد غامر فسلم ~~وقال يا رسول الله PageV00P537 # إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت اليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي ~~فأبى علي فأقبلت إليك فقال يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا ثم إن عمر ندم ~~فأتى منزل أبي بكر فسأل أثم أبو بكر فقالوا لا فأتى ms362 إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فسلم عليه فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر حتى اشفق أبو ~~بكر فجثا على ركبتيه فقال يا رسول الله والله أنا كنت أظلم مرتين فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق ~~وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي مرتين فما أوذي بعدها ومعنى ~~غامر غاضب وخاصم ويضيق هذا المختصر عن ذكر فضائله وفي الصحيحين أيضا عن ~~عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسنح ~~فذكرت الحديث إلى أن قالت واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ~~ساعدة فقالوا منا أمير ومنكم أمير فذهب إليهم أبو بكر الصديق وعمر ابن ~~الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر وكان عمر يقول ~~والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت في نفسي كلاما قد أعجلني خشيت أن لا ~~يبلغه أبو بكر ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه نحن الأمراء ~~وأنتم الوزراء فقال حباب بن المنذر لا والله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير ~~فقال أبو بكر لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب وأعزهم ~~PageV00P538 # أحسابا فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح فقال عمر بل نبايعك ~~فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عمر بيده ~~فبايعه وبايعه الناس فقال قائل قتلتم فقال عمر قتله الله والسنح العالية ~~وهي حديقة بالمدينة معروفة بها قوله ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ش أي ~~ونثبت الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه وذلك بتفويض أبي ~~بكر الخلافة اليه واتفاق الأمة بعده عليه وفضائله رضي الله عنه أشهر من أن ~~تنكر وأكثر من أن تذكر فقد روي عن محمد بن الحنيفة أنه قال قلت لأبي يا أبت ~~من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ms363 بني أو ما تعرف ~~فقلت لا قال أبو بكر قلت ثم من قال عمر وخشيت أن يقول ثم عثمان فقلت ثم أنت ~~فقال ما أنا إلا رجل من المسلمين وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم اقتدوا ~~باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع ~~وأنا فيهم فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت اليه فإذا هو ~~علي فترحم على عمر وقال ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك ~~وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذلك أني كنت كثيرا ما أسمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو ~~بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله ~~معهما وتقدم حديث أبي هريرة رضي الله PageV00P539 # عنه في رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزعه من القليب ثم نزع أبي ~~بكر ثم استحالت الدلو غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع ~~نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال ~~استأذن عمر ابن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من ~~قريش يكلمنه عالية أصواتهن الحديث وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إيه يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا ~~غير فجك وفي الصحيحين أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قد ~~كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب ~~منهم وقال ابن وهب تفسير محدثون ملهمون قوله ثم لعثمان رضي الله عنه ش أي ~~ونثبت الخلافة بعد عمر لعثمان رضي الله عنهما وقد ساق البخاري رحمه الله ~~قصة قتل عمر رضي الله عنه وأمر ms364 الشورى والمبايعة لعثمان في صحيحه فأحببت أن ~~أسردها كما رواها بسنده عن عمرو بن ميمون قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان ابن حنيف ~~فقال كيف فعلتما أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق قالا حملناها ~~أمرا هي له مطيقة ما فيها كبير فضل قال انظر أن تكونا حملتما الأرض ما لا ~~تطيق قالا لا فقال عمر لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى ~~رجل بعدي أبدا قال فما أتت عليه إلا أربعة حتى أصيب قال إني لقائم ما بيني ~~وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب وكان إذا مر بين الصفين PageV00P540 # قال استووا حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم فكبر وربما قرأ سورة يوسف أو ~~النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن كبر ~~فسمعته يقول قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه فطار العلج بسكين ذات طرفين لا ~~يمر على أحد يمينا وشمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة ~~فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر ~~نفسه وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى ~~وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون ~~سبحان الله سبحان الله فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة فلما انصرفوا قال يا ~~ابن عباس انظر من قتلني فجال ساعة ثم جاء فقال غلام المغيرة قال الصنع قال ~~نعم قال قاتله الله لقد أمرت به معروفا الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على ~~يد رجل يدعي الإسلام قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة وكان ~~العباس أكثرهم رقيقا فقال إن شئت فعلت أي إن شئت قتلنا قال كذبت بعد ما ~~تكلموا بلسانكم وصلوا قبلتكم وحجوا حجكم فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه وكأن ~~الناس ms365 لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ فقائل يقول لا بأس عليه وقائل يقول أخاف ~~عليه فأتى بنبيذ فشربه فخرج من جوفه ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جوفه فعرفوا ~~أنه ميت فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه وجاء رجل شاب فقال ابشر يا أمير ~~المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم في ~~الاسلام ما قد علمت ثم وليت فعدلت ثم شهادة قال وددت أن ذلك كفاف لا علي ~~ولا لي فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض قال ردوا علي الغلام قال يا ابن أخي ~~ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك يا عبد الله بن عمر انظر PageV00P541 # ما علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانون ألفا أو نحوه قال إن وفى له ~~مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم ~~فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم فأد عني هذا المال انطلق إلى عائشة أم ~~المؤمنين فقل يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين فإن لست اليوم ~~للمؤمنين أميرا وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه فسلم واستأذن ~~ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ~~ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت كنت أريده لنفسي ولأوثرن به اليوم على ~~نفسي فلما أقبل قيل هذا عبد الله بن عمر قد جاء قال ارفعوني فأسنده رجل ~~اليه قال ما لديك قال الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت قال الحمد لله ما كان ~~شيء أهم إلي من ذلك فإذا أنا قضيت فاحملوني ثم سلم فقل يستأذن عمر بن ~~الخطاب فإن أذنت لي فادخلوني وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين وجاءت أم ~~المؤمنين حفصة والنساء يسترنها فلما رأيناها قمنا فولجت عليه فبكت عنده ~~ساعة واستأذن الرجال فولجت داخلا لهم فسمعنا بكاءها من الداخل فقالوا أوص ~~يا أمير المؤمنين استخلف قال ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أي ~~الرهط الذين توفي ms366 رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض فسمى عليا ~~وعثمان والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن وقال يشهدكم عبد الله بن عمر وليس ~~له من الامر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمارة سعدا فهو ذاك وإلا ~~فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة وقال أوصي الخليفة ~~من PageV00P542 # بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم وأوصيه ~~بالأنصار خيرا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم أن يقبل من محسنهم ~~ويتجاوز عن مسيئهم وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وجباة ~~الأموال وغيظ العدو وأن لا يأخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم وأوصيه بالأعراب ~~خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام أن يأخذ من حواشي أموالهم وأن ترد على ~~فقرائهم وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفى لهم بعدهم وأن يقاتل من ~~ورائهم ولا يكلفوا إلا طاقتهم فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي فسلم عبد ~~الله بن عمر قال يستأذن عمر بن الخطاب قالت أدخلوه فأدخل فوضع هنالك مع ~~صاحبيه فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن اجعلوا أمركم ~~إلى ثلاثة منكم قال الزبير قد جعلت أمري إلى علي فقال طلحة قد جعلت أمري ~~إلى عثمان وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن ~~أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله اليه والله عليه والاسلام لينظرن أفضلهم في ~~نفسه فأسكت الشيخان فقال عبد الرحمن أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن ~~أفضلكم قالا نعم فأخذ بيد أحدهما فقال لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والقدم في الاسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت ~~عثمان لتسمعن وتطيعن ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال ~~ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه وعن حميد بن ~~عبد الرحمن أن المسور بن مخرمة أخبره PageV00P543 # أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا قال لهم عبد ms367 الرحمن لست بالذي ~~أنافسكم عن هذا الامر ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم فجعلوا ذلك إلى عبد ~~الرحمن فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى ~~أحدا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبة ومال الناس على عبد الرحمن ~~يشاورونه تلك الليالي حتى إذا كانت تلك الليلة التي أصبحنا فيها فبايعنا ~~عثمان قال المسور بن مخرمة طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب ~~حتى استيقظت فقال أراك نائما فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكبير نوم انطلق ~~فادع لي الزبير وسعدا فدعوتهما له فشاورهما ثم دعاني فقال ادع لي عليا ~~فدعوته فناجاه حتى ابهار الليل ثم قام علي من عنده وهو على طمع وقد كان عبد ~~الرحمن يخشى من علي شيئا ثم قال ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما ~~المؤذن بالصبح فلما صلى الناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل ~~إلى من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا ~~وافوا تلك الحجة مع عمر فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال أما بعد يا ~~علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك ~~سبيلا فقال لعثمان أبايعك على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~والخليفتين من بعده فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار ~~وأمراء الأجناد والمسلمون ومن فضائل عثمان رضي الله عنه الخاصة كونه ختن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه أو ساقيه ~~فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال PageV00P544 # فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه فدخل فتحدث فلما خرج قالت عائشة دخل ~~أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عمر فلم تهتش ولم تباله ثم دخل عثمان ~~فجلست ms368 وسويت ثيابك فقال ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة وفي الصحيح ~~لما كان يوم بيعة الرضوان وأن عثمان رضي الله عنه كان قد بعثه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى مكة وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده ~~فقال هذه لعثمان قوله ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ش أي ونثبت الخلافة ~~بعد عثمان لعلي رضي الله عنهما لما قتل عثمان وبايع الناس عليا صار إماما ~~حقا واجب الطاعة وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة كما دل عليه حديث سفينة ~~المقدم ذكره أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافة النبوة ثلاثون ~~سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة ~~أشهر وخلافة عمر عشر سنين ونصفا وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وخلافة علي ~~أربع سنين وتسعة أشهر وخلافة الحسن ستة أشهر وأول ملوك المسلمين معاوية رضي ~~الله عنه وهو خير ملوك المسلمين لكنه إنما صار إماما حقا لما فوض اليه ~~الحسن بن علي رضي الله عنهم الخلافة فإن الحسن رضي الله عنه بايعه أهل ~~العراق بعد موت أبيه ثم بعد ستة أشهر فوض PageV00P545 # الامر إلى معاوية فظهر صدق قول النبي صلى الله عليه وسلم إن ابني هذا سيد ~~وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين والقصة معروفة في موضعها ~~فالخلافة ثبتت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد عثمان رضي ~~الله عنه بمبايعة الصحابة سوى معاوية مع أهل الشام والحق مع علي رضي الله ~~عنه فإن عثمان رضي الله عنه لما قتل كثر الكذب والافتراء على عثمان وعلى من ~~كان بالمدينة من أكابر الصحابة كعلي وطلحة والزبير وعظمت الشبهة عند من لم ~~يعرف الحال وقويت الشهوة في نفوس ذوي الأهواء والأغراض ممن بعدت داره من ~~أهل الشام ويحمي الله عثمان أن يظن بالأكابر ظنون سوء ويبلغه عنهم ms369 أخبار ~~منها ما هو كذب ومنها ما هو محرف ومنها ما لم يعرف وجهه وانضم إلى ذلك ~~أهواء أقوام يحبون العلو في الأرض وكان في عسكر علي رضي الله عنه من أولئك ~~الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه ومن تنتصر له قبيلته ~~ومن لم تقم عليه حجة بما فعله ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله ~~ورأى طلحة والزبير أنه إن لم ينتصر للشهيد المظلوم ويقمع أهل الفساد ~~والعدوان وإلا استوجبوا غضب الله وعقابه فجرت فتنة الجمل على غير اختيار من ~~علي ولا من طلحة والزبير وإنما أثارها المفسدون بغير اختيار السابقين ثم ~~جرت فتنة صفين لرأي وهو أن أهل الشام لم يعدل عليهم أو لا يتمكن من العدل ~~عليهم وهم كافون حتى يجتمع أمر الأمة وأنهم يخافون طغيان من في العسكر كما ~~طغوا على الشهيد المظلوم وعلي رضي الله عنه هو الخليفة الراشد المهدي الذي ~~تجب PageV00P546 # طاعته ويجب أن يكون الناس مجتمعين عليه فاعتقد أن الطاعة والجماعة ~~الواجبتين عليهم تحصل بقتالهم بطلب الواجب عليهم بما اعتقد أنه يحصل به ~~أداء الواجب ولم يعتقد أن التأليف لهم كتأليف المؤلفة قلوبهم على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده مما يسوغ فحمله ما رآه من أن الدين ~~إقامة الحد عليهم ومنعهم من الإثارة دون تأليفهم على القتال وقعد عن القتال ~~أكثر الأكابر لما سمعوه من النصوص في الأمر بالقعود في الفتنة ولما رأوه من ~~الفتنة التي تربو مفسدتها على مصلحتها ونقول في الجميع بالحسنى * (ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ~~آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) * والفتن التي كانت في أيامه قد صان الله عنها ~~أيدينا فنسأل الله أن يصون عنها ألسنتنا بمنته وكرمه ومن فضائل أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ~~رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي أنت مني بمنزلة ms370 ~~هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وقال صلى الله عليه وسلم يوم خيبر ~~لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال فتطاولنا ~~لها فقال ادعوا لي عليا فأتي به أرمد فبصق في عينيه ودفع الراية اليه ففتح ~~الله عليه ولما نزلت هذه الآية * (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ~~ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) * دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة ~~وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي PageV00P547 # قوله وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون ش تقدم الحديث الثابت في ~~السنن وصححه الترمذي عن العرباض بن سارية قال وعظنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا ~~رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد الينا فقال أوصيكم بالسمع والطاعة ~~فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات ~~الأمور فإن كل بدعة ضلاله وترتيب الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين في ~~الفضل كترتيبهم في الخلافة ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما من المزية أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين ولم يأمرنا في ~~الاقتداء في الافعال إلا بأبي بكر وعمر فقال اقتدوا باللذين من بعدي أبي ~~بكر وعمر وفرق بين اتباع سنتهم والاقتداء بهم فحال أبي بكر وعمر فوق حال ~~عثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين وقد روي عن أبي حنيفة تقديم علي على عثمان ~~ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على علي وعلى هذا عامة أهل السنة وقد تقدم قول ~~عبد الرحمن بن عوف لعلي رضي الله عنهما إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم ~~يعدلون بعثمان وقال أيوب السختياني من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى ~~بالمهاجرين والأنصار وفي الصحيحين عن ابن عمر قال كنا نقول ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حي أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر ثم عمر ~~ثم ms371 عثمان PageV00P548 # قوله وان العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالجنة ~~نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله الحق ~~وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف ~~وأبو عبيدة بن الجراح وهو امين هذه الأمة رضي الله عنهم أجمعين ش تقدم ذكر ~~بعض فضائل الخلفاء الأربعة ومن فضائل الستة الباقين من العشرة رضي الله ~~عنهم أجمعين ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أرق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات ليلة فقال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة قالت ~~وسمعنا صوت السلاح فقال النبي صلى الله عليه وسلم من هذا فقال سعد ابن أبي ~~وقاص يا رسول الله جئت أحرسك وفي لفظ آخر وقع في نفسي خوف على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~نام وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع لسعد بن أبي وقاص ~~أبويه يوم أحد فقال أرم فداك أبي وأمي وفي صحيح مسلم عن قيس بن أبي حازم ~~قال رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد قد شلت ~~وفيه أيضا عن أبي عثمان النهدي قال لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم غير طلحة وسعد ~~وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله قال ندب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير ~~PageV00P549 # فقال النبي صلى الله عليه وسلم لكل نبي حواري وحواريي الزبير وفيهما أيضا ~~عن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من يأتي بني قريظة ~~فيأتيني بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبويه فقال فداك أبي وأمي وفي صحيح مسلم عن أنس ms372 بن مالك قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن لكل أمة أمينا وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن ~~الجراح وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال جاء أهل نجران إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ابعث الينا رجلا أمينا فقال لأبعثن ~~إليكم رجلا أمينا حق أمين قال فاستشرف لها الناس قال فبعث أبا عبيدة بن ~~الجراح وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال اشهد على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أني سمعته يقول عشرة في الجنة النبي في الجنة وأبو بكر في الجنة وطلحة ~~في لجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وسعد بن مالك في الجنة وعبد الرحمن ~~بن عوف في الجنة ولو شئت لسميت العاشر قال فقالوا من هو قال سعيد بن زيد ~~وقال لمشهد رجل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يغبر منه وجهه خير من ~~عمل أحدكم ولو عمر عمر نوح رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وصححه ورواه ~~الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعلي في الجنة ~~وعثمان في الجنة وطلحة في الجنة والزبير بن العوام PageV00P550 # في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في ~~الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة رواه الإمام أحمد في مسنده ورواه أبو ~~بكر بن أبي خيثمة وقدم فيه عثمان على علي رضي الله عنهما وعن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء هو وأبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد رواه مسلم والترمذي وغيرهما ~~وروي من طرق وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم لما اشتهر ~~من فضائلهم ومناقبهم ومن ms373 أجهل ممن يكره التكلم بلفظ العشرة أو فعل شيء يكون ~~عشرة لكونهم يبغضون خيار الصحابة وهم العشرة المشهود لهم بالجنة وهم ~~يستثنون منهم عليا رضي الله عنه فمن العجب أنهم يوالون لفظ التسعة وهم ~~يبغضون التسعة من العشرة ويبغضون سائر المهاجرين والأنصار من السابقين ~~الأولين الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائة وقد رضي ~~الله عنهم كما قال تعالى * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة) * وثبت في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة وفي صحيح مسلم أيضا عن ~~جابر أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرا والحديبية ~~والرافضة يتبرؤون من جمهور هؤلاء PageV00P551 # بل يتبرؤون من سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من نفر قليل ~~نحو بضعة عشر نفرا ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس لم يهجر ~~هذا الاسم لذلك كما أنه سبحانه لما قال * (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون ~~في الأرض ولا يصلحون) * لم يجب هجر اسم التسعة مطلقا بل اسم العشرة قد مدح ~~الله مسماه في مواضع من القرآن * (تلك عشرة كاملة) * * (وواعدنا موسى ~~ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر) * * (والفجر وليال عشر) * وكان صلى الله عليه ~~وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان وقال في ليلة القدر التمسوها في العشر ~~الأواخر من رمضان وقال من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من أيام ~~العشر يعني عشر ذي الحجة والرافضة توالي بدل العشرة المبشرين بالجنة اثني ~~عشر إماما أولهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويدعون أنه وصي النبي صلى ~~الله عليه وسلم دعوى مجردة عن الدليل ثم الحسن رضي الله عنه ثم الحسين رضي ~~الله عنه ثم علي بن الحسين زين العابدين ثم محمد بن علي الباقر ثم جعفر بن ~~محمد ms374 الصادق ثم موسى بن جعفر الكاظم ثم علي بن موسى الرضى ثم محمد بن علي ~~الجواد ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي العسكري ثم محمد بن الحسن ويغالون ~~في محبتهم ويتجاوزون الحد ولم يأت ذكر الأئمة الاثني عشر إلا على صفة ترد ~~قولهم وتبطله وهو ما خرجاه في الصحيحين عن جابر بن سمرة قال دخلت مع أبي ~~علي النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول لا يزال أمر الناس ماضيا ما ~~وليهم اثنا عشر رجلا PageV00P552 # ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة خفيت علي فسألت أبي ماذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال كلهم من قريش وفي لفظ لا يزال الإسلام عزيزا ~~إلى اثني عشر خليفة وفي لفظ لا يزال هذا الامر عزيزا إلى اثني عشر خليفة ~~وكان الامر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم والاثنا عشر الخلفاء الراشدون ~~الأربعة ومعاوية وابنه يزيد وعبد الملك بن مروان وأولاده الأربعة وبينهم ~~عمر بن عبد العزيزي ثم أخذ الامر في الانحلال وعند الرافضة أن أمر الأئمة ~~لم يزل في أيامة هؤلاء فاسدا منغصا يتولى عليهم الظالمون المعتدون بل ~~المنافقون الكافرون وأهل الحق أذل من اليهود وقولهم ظاهر البطلان بل لم يزل ~~الاسلام عزيزا في ازدياد في أيام هؤلاء الاثني عشر قوله ومن أحسن القول في ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته ~~المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق ش تقدم بعض ما ورد في الكتاب والسنة ~~من فضائل الصحابة رضي الله عنهم وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال قام فينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فقال ~~أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا ~~تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله ~~واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي أذكركم الله في ~~أهل ms375 بيتي ثلاثا وخرج البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال ارقبوا ~~محمدا في أهل بيته PageV00P553 # وانما قال الشيخ رحمه الله فقد برئ من النفاق لأن أصل الرفض إنما أحدثه ~~منافق زنديق قصده إبطال دين الإسلام والقدح في الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كما ذكر ذلك العلماء فإن عبد الله ابن سبأ لما أظهر الاسلام أراد أن يفسد ~~دين الاسلام بمكره وخبثه كما فعل بولس بدين النصرانية فأظهر التنسك ثم أظهر ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى سعى في فتنة عثمان وقتله ثم لما قدم ~~علي الكوفة أظهر الغلو في علي والنصر له ليتمكن بذلك من أغراضه وبلغ ذلك ~~عليا فطلب قتله فهرب منه إلى قرقيس وخبره معروف في التاريخ وتقدم أن من ~~فضله على أبي بكر وعمر جلده جلد المفتري وبقيت في نفوس المبطلين خمائر بدعة ~~الخوارج من الحرورية والشيعة ولهذا كان الرفض باب الزندقة كما حكاه القاضي ~~أبو بكر بن الطيب عن الباطنية وكيفية افسادهم لدين الاسلام قال فقالوا ~~للداعي يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلما أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك ~~واجعل المدخل من جهة ظلم السلف لعلي وقتلهم الحسين والتبري من تيم وعدي ~~وبني أمية وبني العباس وأن عليا يعلم الغيب يفوض اليه خلق العالم وما أشبه ~~ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم فإذا أنست من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ~~ورشدا أوقفته على مثالب علي وولده رضي الله عنهم انتهى ولا شك أنه يتطرق من ~~سب الصحابة إلى سب أهل البيت ثم إلى سب الرسول صلى الله عليه وسلم إذ أهل ~~بيته وأصحابه مثل هؤلاء الفاعلين الضالين قوله وعلماء السلف من السابقين ~~ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر لا يذكرون الا ~~بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل PageV00P554 # ش قال تعالى * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) * فيجب على كل مسلم بعد ~~موالاة الله ورسوله ms376 موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن خصوصا الذين هم ورثة ~~الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر ~~وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم إذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم علماؤها شرارها إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم فإنهم خلفاء ~~الرسول من أمته والمحيون لما مات من سنته فبهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم ~~نطق الكتاب وبه نطقوا وكلهم متفقون اتفاقا يقينا على وجوب اتباع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافة فلا ~~بد له في تركه من عذر وجماع الاعذار ثلاثة أصناف أحدها عدم اعتقاده أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قاله والثاني عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة ~~بذلك القول والثالث اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ فلهم الفضل علينا والمنة ~~بالسبق وتبليغ ما أرسل به الرسول صلى الله عليه وسلم الينا وإيضاح ما كان ~~منه يخفى علينا فرضي الله عنهم وأرضاهم * (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) * ~~قوله ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الانياء عليهم السلام ونقول نبي ~~واحد أفضل من جميع الأولياء ش يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الاتحادية ~~وجهله المتصوفة وإلا فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع فقد ~~أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل قال تعالى * (وما أرسلنا من رسول ~~إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك) * PageV00P555 # إلى أن قال * (ويسلموا تسليما) * وقال تعالى * (قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) * قال أبو عثمان ~~النيسابوري من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى ~~على نفسه نطق بالبدعة وقال بعضهم ما ترك بعضهم شيئا من السنة إلا لكبر في ~~نفسه والأمر كما قال فإنه إذا لم يكن متبعا للأمر الذي جاء به الرسول كان ~~يعمل بإراة نفسه فيكون ms377 متبعا لهواه بغير هدى من الله وهذا غش النفس وهو من ~~الكبر فإنه شبيه بقول الذين قالوا * (لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل ~~الله الله أعلم حيث يجعل رسالته) * وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته ~~واجتهاده في العبادة وتصفية نفسه إلى ما وصلت اليه الأنبياء من غير اتباع ~~لطريقتهم ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء ومنهم من يقول إن ~~الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء ويدعي ~~لنفسه أنه خاتم الأولياء ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون وهو أن هذا ~~الوجود المشهود واجب بنفسه ليس له صانع مباين له لكن هذا يقول هو الله ~~وفرعون أظهر الإنكار بالكية لكن كان فرعون في الباطن اعرف بالله منهم فإنه ~~كان مثبتا للصانع وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق كابن ~~عربي وأمثاله وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره قال النبوة ~~ختمت لكن الولاية لم تختم وادعى من الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون ~~للأنبياء والمرسلين وأن الأنبياء مستفيدون منها كما قال * مقام النبوة في ~~برزخ * فويق الرسول ودون الولي * وهذا قلب للشريعة فإن الولاية ثابتة ~~للمؤمنين المتقين كما PageV00P556 # قال تعالى * (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون) * والنبوة أخص من الولاية والرسالة أخص من النبوة كما تقدم ~~التنبيه على ذلك وقال ابن عربي أيضا في فصوصه ولما مثل النبي صلى الله عليه ~~وسلم النبوة بالحائظ من اللبن فرآها قد كملت الا موضع لبنة فكان هو صلى ~~الله عليه وسلم موضع اللبنة وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤية ~~فيرى ما مثله النبي صلى الله عليه وسلم ويرى نفسه في الحائظ في موضع لبنتين ~~ويرى نفسه تنطبع في موضع اللبنتين فتكمل الحائط والسبب الموجب لكونه يراها ~~لبنتين أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب واللبنة الفضة هي ظاهره وما ~~يتبعه فيه من الأحكام كما هو أخذ ms378 عن الله في الشرع ما هو في الصورة الظاهرة ~~متبع فيه لأنه يرى الامر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا وهو موضع ~~اللبنة الذهبية في الباطن فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي ~~يوحى اليه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال فإن فهمت ما أشرنا اليه فقد ~~حصل لك العلم النافع فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب وللرسل المثل ~~بلبنة فضة فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسل تلك أمانيهم * (إن في صدورهم إلا ~~كبر ما هم ببالغيه) * وكيف يخفى كفر من هذا كلامه وله من الكلام أمثال هذا ~~وفيه ما يخفى منه الكفر ومنه ما يظهر فلهذا يحتاج إلى نقد جيد ليظهر زيفه ~~فإن من الزغل ما يظهر لكل ناقد ومنه ما لا يظهر إلا للناقد الحاذق البصير ~~وكفر ابن عربي وأمثاله فوق كفر القائلين * (لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي ~~رسل الله) * ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون زنادقة اتحادية في الدرك الأسفل ~~من النار والمنافقون يعاملون PageV00P557 # معاملة المسلمين لإظهارهم الإسلام كما كان يظهره المنافقون في حياة النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويبطنون الكفر وهو يعاملهم معاملة المسلمين لما يظهر ~~منهم فلو أنه ظهر من أحد منهم ما يبطنه من الكفر لأجرى عليه حكم المرتد ~~ولكن في قبول توبته خلاف والصحيح عدم قبولها وهي رواية معلى عن أبي حنيفة ~~رضي الله عنه والله المستعان قوله ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات ~~من رواياتهم ش فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة و كذلك الكرامة في عرف ~~أئمة أهل العلم المتقدمين ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما ~~فيجعلون المعجزة للنبي والكرامة للولي وجماعها الأمر الخارق للعادة فصفات ~~الكمال ترجع إلى ثلاثة العلم والقدرة والغني وهذه الثلاثة لا تصلح على ~~الكمال إلا لله وحده فإنه الذي أحاط بكل شيء علما وهو على كل شيء قدير وهو ~~غني عن العالمين ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبرأ من ms379 دعوى هذه ~~الثلاثة بقوله * (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * وكذلك قال نوح عليه السلام فهذا ~~أول أولي العزم وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض وهذا خاتم الرسل وخاتم ~~أولي العزم وكلاهما تبرأ من ذلك وهذا لأنهم يطالبونهم تارة بعلم الغيب ~~كقوله تعالى * (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) * وتارة بالتأثير كقوله ~~تعالى * (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) * الآيات وتارة ~~يعيبون عليهم الحاجة البشرية كقوله تعالى * (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق) * فأمر الرسول أن يخبرهم بأنه لا يملك ذلك وإنما ~~ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله فيعلم ما علمه الله إياه ويستغني ~~عما أغناه عنه PageV00P558 # ويقدر على ما أقدره عليه من الأمور المخالفة للعادة المطردة أو لعادة ~~أغلب الناس فجميع المعجزات والكرامات ما تخرج عن هذه الأنواع ثم الخارق إن ~~حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من الأعمال الصالحة المأمور بها دينا ~~وشرعا إما واجب أو مستحب وإن حصل به أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية ~~التي تقتضي شكرا وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي ~~تنزيه كان سببا للعذاب أو البغض كالذي أوتي الآيات فانسلخ منها بلعام بن ~~باعورا لاجتهاد أو تقليد أو نقص عقل أو علم أو غلبة حال أو عجز أو ضرورة ~~فالخارق ثلاثة أنواع محمود في الدين ومذموم ومباح فإن كان المباح فيه منفعة ~~كان نعمة وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها قال أبو علي ~~الجوزجاني كن طالبا للاستقامة لا طالبا للكرامة فإن نفسك متحركة في طلب ~~الكرامة وربك يطلب منك الاستقامة قال الشيخ السهروردي في عوارفه وهذا أصل ~~كبير في الباب فإن كثير من المجتهدين المتعبدين سمعوا السلف الصالحين ~~المتقدمين وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات فنفوسهم لا تزال تتطلع ~~إلى شيء من ذلك ويحبون أن يرزقوا شيئا ms380 منه ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب ~~متهما لنفسه في صحة عمله حيث لم يحصل له خارق ولو علموا بسر ذلك لهان عليهم ~~الأمر فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابا والحكمة ~~فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا فيقوى عزمه على ~~الزهد في الدنيا والخروج عن دواعي الهوى فسبيل الصادق مطالبة النفس ~~بالاستقامة في كل الكرامة ولا ريب لأن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان ~~لكن إن كانت PageV00P559 # صالحة كان تأثيرها صالحا وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا فالأحوال يكون ~~تأثيرها محبوبا لله تعالى تارة ومكروها لله أخرى وقد تكلم الفقهاء في وجوب ~~القود على من يقتل غيره في الباطن وهؤلاء يشهدون بواطنهم وقلوبهم الأمر ~~الكوني ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم أنه كرامة من الله له ولا يعلمون أنه ~~في الحقيقة انما الكرامة لزوم الاستقامة وأن الله تعالى لم يكرم عبدا ~~بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة ~~أوليائه ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم * (ألا ~~إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * وأما ما يبتلي الله به عبده ~~من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ~~ربه ولا هوانه عليه بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه وشقي بها قوم إذا عصوه ~~كما قال تعالى * (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي ~~أكرمن) * ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام قسم ترتفع درجتهم بخرق ~~العادة وقسم يتعرضون بها لعذاب الله وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات كما ~~تقدم وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله وكلمات الله نوعان ~~كونية ودينية فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر قال تعالى * ~~(إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) * وقال تعالى * (وتمت كلمة ~~ربك ms381 صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته) * والكون كله داخل PageV00P560 # تحت هذه الكلمات وسائر الخوارق والنوع الثاني الكلمات الدينية وهي القرآن ~~وشرع الله الذي بعث به رسوله وهي أمره ونهيه وخبره وحظ العبد منها العلم ~~بها والعمل والأمر بما أمر الله به كما أن حظ العباد عموما وخصوصا العلم ~~بالكونيات والتأثير فها أي بموجبها فالأولى تدبيره كونية والثانية شرعية ~~دينية فكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية وكشف الثانية العلم بالمأمورات ~~الشرعية وقدرة الأولى التأثير في الكونيات إما في نفسه كمشيه على الماء ~~وطيرانه في الهواء وجلوسه في النار وإما في غيره بإصحاح وإهلاك وإغناء ~~وإفقار وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات إما في نفسه بطاعة الله ورسوله ~~والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطنا وظاهرا وإما في غيره بأن يأمر بطاعة ~~الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية فإذا تقرر ذلك فاعلم أن عدم الخوارق ~~علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات ولم ~~يسخر له شيء من الكونيات لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله بل قد يكون عدم ~~ذلك أنفع له فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة فإن ~~الخارق قد يكون مع الدين وقد يكون مع عدمه أو فساده أو نقصه فالخوارق ~~النافعة تابعة للدين خادمة له كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين ~~وكذلك المال النافع كما كان السلطان والمال النافع بيد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر وعمر فمن جعلها هي المقصودة وجعل الدين تابعا لها ووسيلة ~~إليها لا لأجل الدين في الأصل فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين وليست حاله ~~كحال من تدين خوف العذاب أو رجاء الجنة فإن ذلك ما هو مأمور به وهو على ~~سبيل نجاة وشريعة صحيحة والعجب أن كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أن ~~يكون خوفا من النار أو طلبا للجنة يجعل PageV00P561 # همه بدينه أدنى خالق من خوارق الدنيا ثم إن الدين إذا صح علما وعملا فلا ~~بد أن يوجب خرق ms382 العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه قال تعالى * (ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) * وقال تعالى * (إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا) * وقال تعالى * (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما) * ~~وقال تعالى * (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا ~~وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) * وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ قوله * ~~(إن في ذلك لآيات للمتوسمين) * رواه الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري وقال ~~تعالى فيما يرويه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عادى لي وليا فقد ~~بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره ~~الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ~~ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي ~~المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه فظهر أن الاستقامة حظ الرب ~~وطلب الكرامة حظ النفس وبالله التوفيق وقول المعتزلة في إنكار الكرامة ظاهر ~~البطلان فإنه بمنزلة إنكار PageV00P562 # المحسوسات وقولهم لو صحت لأشبهت المعجزة فيؤدي إلى التباس النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالولي وذلك لا يجوز وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي يأتي ~~بالخارق ويدعي النبوة وهذا لا يقع ولو ادعى النبوة لم يكن وليا بل كان ~~متنبئا كذابا وقد تقدم الكلام في الفرق بين النبي والمتنبىء عند قول الشيخ ~~وأن محمدا عبده المجتبي ونبيه المصطفى ومما ينبغي التنبيه عليه ههنا أن ~~الفراسة ثلاثة أنواع إيمانية وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده وحقيقتها ~~أنها خاطر يهجم على القلب يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة ومنها اشتقاقها ~~وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن كان ms383 أقوى إيمانا فهو أحد فراسة قال ~~أبو سليمان الداراني رحمه الله الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب وهي من ~~مقامات الإيمان انتهى وفراسة رياضية وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي ~~فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها ~~وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر ولا تدل على ايمان ولا على ولاية ولا ~~تكشف عن حق نافع ولا عن طريق مستقيم بل كشفها من جنس فراسة الولاة وأصحاب ~~عبادة الرؤساء والأظناء ونحوهم وفراسة خلقية وهي التي صنف فيها الأطباء ~~وغيرهم واستدلوا بالخلق على الخلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة ~~الله كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل وبكبره على ~~كبره وسعة الصدر على سعة الخلق وبضيقه على ضيقه وبجمود العينين PageV00P563 # وكلال نظرهما على بلاده صاحبهما وضعف حرارة قلبه ونحو ذلك قوله ونؤمن ~~باشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء ~~ونؤمن بطلوع الشمس من مغريها وخروج دابة الأرض من موضعها ش عن عوف بن مالك ~~الأشجعي قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم ~~فقال أعدد ستا بين يدي الساعة موتي ثم فتح بيت المقدس ثم موتان يأخذ فيكم ~~كقعاص الغنم ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا ثم ~~فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر ~~فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا وروي راية ~~بالراء والغين وهما بمعنى رواه البخاري وأبو داود وابن ماجة والطبراني وعن ~~حذيفة ابن أسيد قال اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر ~~الساعة فقال ما تذاكرون قالوا نذكر الساعة فقال إنها لن تقوم حتى ترون ~~قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول ~~عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف ~~بجريرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد ms384 الناس إلى محشرهم رواه مسلم ~~وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ذكر الدجال عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور ~~وأشار بيده إلى عينه وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة ~~طافية وعن أنس بن مالك رضي الله عنه PageV00P564 # قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نبي إلا وأنذر قومه الأعور ~~الدجال ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور ومكتوب بين عينك كفر فسره في رواية ~~أي كافر وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما ~~عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ~~حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم ~~* (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم ~~شهيدا) * وأحاديث الدجال وعيسى بن مريم عليه السلام ينزل من السماء ويقتله ~~ويخرج يأجوج وأجوج في أيامه بعد قتله الدجال فيهلكهم الله أجمعين في ليلة ~~واحدة ببركة دعائه عليهم ويضيق هذا المختصر عن بسطها وأما خروج الدابة ~~وطلوع الشمس من المغرب فقال تعالى * (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة ~~من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) * وقال تعالى * (هل ~~ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي ~~بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها ~~خيرا قل انتظروا إنا منتظرون) * PageV00P565 # وروى البخاري عند تفسير الآية عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن ~~عليها فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل وروى مسلم عن عبد ~~الله بن عمرو ms385 قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من ~~مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على ~~إثرها قريبا أي أول الآيات التي ليست مألوفة وإن كان الدجال ونزول عيسى ~~عليه السلام من السماء قبل ذلك وكذلك خروج يأجوج ومأجوج كل ذلك أمور مألوفة ~~لأنهم بشر مشاهدة مثلهم مألوفة وأما خروج الدابة بشكل غريب غير مألوف ثم ~~مخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر فأمر خارج عن مجاري العادات ~~وذلك أول الآيات الأرضية كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها ~~المألوفة أول الآيات السماوية وقد أفرد الناس في أحاديث أشراط الساعة ~~مصنفات مشهورة يضيق على بسطها هذا المختصر قوله ولا نصدق كاهنا ولا عرافا ~~ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة ش روى مسلم والإمام ~~أحمد عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال من أتى عرافا فسأله عن شيء لم يقبل له صلاة أربعين ~~PageV00P566 # ليلة وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ~~والمنجم يدخل في اسم العراف عند بعض العلماء وعند بعضهم هو في معناه فإذا ~~كانت هذه حال السائل فكيف بالمسؤول وفي الصحيحين مسند الإمام أحمد عن عائشة ~~قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال ليسوا بشيء فقالوا ~~يا رسول الله إنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون ~~فيها أكثر من مائة كذبة وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ثمن ~~الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وحلوان الكاهن خبيث وحلوانه الذي تسميه العامة ms386 ~~حلاوته ويدخل في هذا المعنى ما تعاطاه المنجم وصاحب الأزلام التي يستقسم ~~بها مثل الخشبة المكتوب عليها ا ب ج د والتضارب بالحصى والذي يخط في الرمل ~~وما تعاطاه هؤلاء حرام وقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد من العلماء ~~كالبغوي والقاضي عياض وغيرهما وفي الصحيحين عن زيد بن خالد قال خطبنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فقال أتدرون ~~ماذا قال ربكم الليلة قلنا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي ~~وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما ~~من قال مطرنا PageV00P567 # بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب وفي صحيح مسلم ومسند الإمام ~~أحمد عن أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أربع في أمتي من ~~أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الانساب والاستسقاء ~~بالنجوم والنياحة والنصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر ~~الأئمة بالنهي عن ذلك أكثر من أن يتسع هذا الموضع لذكرها وصناعة التنجيم ~~التي مضمونها الأحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال ~~الفلكية أو التمريح بين القرى الفلكية والفوايل الأرضية صناعة محرمة ~~بالكتاب والسنة بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين قال تعالى * (ولا يفلح ~~الساحر حيث أتى) * وقال تعالى * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت) * قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره الجبت ~~السحر وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنه عنها قالت كان لأبي بكر غلام ~~يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري مم هذا ~~قال وما هو قال كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني ~~خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه فادخل أبو بكر يده فقاء كل ~~شيء في بطنه والواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى في إزالة هؤلاء ~~المنجمين والكهان والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل ms387 والحصى والقرع والقالات ~~ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات أو يدخلوا PageV00P568 # على الناس في منازلهم لذلك ويكفي من يعلم تحريم ذلك ولا يسعى في إزالته ~~مع قدرته على ذلك قوله تعالى * (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يفعلون) * وهؤلاء الملاعين يقولون الإثم ويأكلون السحت بإجماع ~~المسلمين وثبت في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم برواية الصديق رضي ~~الله عنه أنه قال إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله ~~بعقاب منه وهؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة أنواع ~~نوع منهم أهل تلبيس وكذب وخداع الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له أو يدعي ~~الحال من أهل المحال من المشايخ النصابين والفقراء الكاذبين والطرقية ~~المكارين فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب ~~والتلبيس وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل كمن يدعي النبوة بمثل هذه ~~الخزعبلات أو يطلب تغيير شيء من الشريعة ونحو ذلك ونوع يتكلم في هذه الأمور ~~على سبيل الجد والحقيقة بأنواع السحر وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر كما ~~هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه وهذا هو المأثور عن الصحابة ~~كعمر وابنه وعثمان وغيرهم ثم اختلف هؤلاء هل يستتاب أم لا وهل يكفر بالسحر ~~أم يقتل لسعيه في الأرض بالفساد وقال طائفة إن قتل بالسحر يقتل وإلا عوقب ~~بدون القتل إذا لم يكن في قوله وعمله كفر وهذا هو المنقول عن الشافعي وهو ~~قول في مذهب أحمد وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه والأكثرون ~~يقولون إنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه وزعم ~~بعضهم أنه مجرد تخييل واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس PageV00P569 # دعوة الكواكب السبعة أو غيرها أو خطابها أو السجود لها والتقرب إليها بما ~~يناسبها من اللباس والخواتم والبخور ونحو ذلك فإنه كفر وهو من أعظم أبواب ~~الشرك فيجب غلقه بل سده وهو من جنس فعل قوم إبراهيم عليه السلام ولهذا قال ~~ما حكى ms388 الله عنه بقوله * (فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم) * وقال تعالى ~~* (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا) * الآيات إلى قوله تعالى * (الذين آمنوا ~~ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) * واتفقوا كلهم أيضا ~~على أن كل رقية وتعزيم أو قسم فيه شرك بالله فإنه لا يجوز التكلم به وإن ~~أطاعته به الجن أو غيرهم وكذلك كل كلام فيه كفر لا يجوز التكلم به وكذلك ~~الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به لإمكان أن يكون فيه شرك لا يعرف ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا ولا يجوز ~~الاستعاذة بالجن فقد ذم الله الكافرين على ذلك فقال تعالى * (وأنه كان رجال ~~من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) * قالوا كان الإنسي إذا نزل ~~بالوادي يقول أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح ~~فزادوهم رهقا يعني الإنس للجن باستعاذتهم بهم رهقا أي إثما وطغيانا وجراءة ~~وشرا وذلك أنهم قالوا قد سدنا الجن والإنس فالجن تعاظم في أنفسها وتزداد ~~كفرا إذا عاملتها الانس بهذه المعاملة وقد قال تعالى * (ويوم يحشرهم جميعا ~~ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من ~~دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون) * فهؤلاء الذين يزعمون أنهم ~~يدعون الملائكة ويخاطبونهم PageV00P570 # بهذه العزائم وأنها تنزل عليهم ضالون وإنما تنزل علهم الشياطين وقد قال ~~تعالى * (ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال ~~أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم) * فاستمتاع ~~الإنسي بالجني في قضاء حوائجه وامتثال أوامره وإخباره بشيء من المغيبات ~~ونحو ذلك واستمتاع الجن بالإنس تعظيمه إياه واستعانته به واستغاثته وخضوعه ~~له ونوع منهم بالأحوال الشيطانية والكشوف ومخاطبته رجال الغيب وأن لهم ~~خوارق تقتضي أنهم أولياء الله وكان من هؤلاء من يعين المشركين على المسلمين ~~ويقول إن ms389 الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين لكون المسلمين قد عصوا ~~وهؤلاء في الحقيقة إخوان المشركين والناس من أهل العلم فيهم على ثلاثة ~~احزاب حزب يكذبون بوجود رجال الغيب ولكن قد عاينهم الناس وثبت عمن عاينهم ~~أو حدثه الثقات بما رأوه وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم خضعوا لهم وحزب ~~عرفوهم ورجعوا إلى القدر واعتقدوا أن ثم في الباطن طريقا إلى الله غير ~~طريقة الأنبياء وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا وليا خارجا عن دائرة الرسول ~~فقالوا يكون الرسول هو ممدا للطائفين فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه ~~وشرعه والحق أن هؤلاء من أتباع الشياطين وأن رجال الغيب هم الجن ويسمون ~~رجالا كما قال تعالى * (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا) * وإلا فالإنس يؤنسون أي يشهدون ويرون وإنما يحتجب الإنسي ~~أحيانا لا يكون دائما محتجبا عن أبصار الإنس ومن ظنهم أنهم من الإنس فمن ~~غلطه وجهله وسبب PageV00P571 # الضلال فيهم وافتراق هذه الأحزاب الثلاثة عدم الفرقان بين أولياء الشيطان ~~وأولياء الرحمن ويقول بعض الناس الفقراء يسلم إليهم حالهم وهذا كلام باطل ~~بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية فما وافقها قبل وما ~~خالفها رد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا ~~فهو رد وفي رواية من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد فلا طريقة إلا ~~طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا حقيقة إلا حقيقته ولا شريعة إلا ~~شريعته ولا عقيدة إلا عقيدته ولا يصل أحد من الخلق بعده إلى الله والى ~~رضوانه وجنته وكرامته إلا بمتابعته باطنا وظاهرا ومن لم يكن له مصدقا فيما ~~أخبر ملتزما لطاعته فيما أمر في الأمور الباطنة التي في القلوب والأعمال ~~الظاهرة التي على الأبدان لم يكن مؤمنا فضلا عن أن يكون وليا لله تعالى ولو ~~طار في الهواء ومشى على الماء وأنفق من الغيب وأخرج الذهب من الخشب ولو حصل ~~له من الخوارق ماذا عسى أن يحصل فإنه لا يكون مع تركه الفعل ms390 المأمور وعزل ~~المحظور إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله تعالى ~~المقربة إلى سخطه وعذابه لكن من ليس يكلف من الأطفال والمجانين قد رفع عنهم ~~القلم فلا يعاقبون وليس لهم من الإيمان بالله والإقرار باطنا وظاهرا ما ~~يكونون به من أولياء الله المقربين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين لكن ~~يدخلون في الإسلام تبعا لآبائهم كما قال تعالى * (والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما ~~كسب رهين) * PageV00P572 # فمن اعتقد في بعض البله أو المولعين مع تركه لمتابعة الرسول في أقواله ~~وأفعاله وأحواله أنه من أولياء الله ويفضله على متبعي طريقة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فهو ضال مبتدع مخطىء في اعتقاده فإن ذاك الأبله إما أن يكون ~~شيطانا زنديقا أو زوكاريا متحيلا أو مجنونا معذورا فكيف يفضل على من هو من ~~أولياء الله المتبعين لرسوله أو يساوى به ولا يقال يمكن أن يكون هذا متبعا ~~في الباطن وإن كان تاركا للاتباع في الظاهر فإن هذا خطأ أيضا بل الواجب ~~متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا قال يونس بن عبد الأعلى ~~الصدفي قلت للشافعي إن صاحبنا الليث كان يقول إذا رأيتم الرجل يمشي على ~~الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة فقال الشافعي قصر ~~الليث رحمه الله بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا ~~تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب وأما ما يقوله بعض الناس عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها ~~البله فهذا لا يصح PageV00P573 # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي نسبته اليه فإن الجنة إنما ~~خلقت لأولي الألباب الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم إلى الإيمان بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصافهم في ~~كتابه فلم يذكر في أوصافهم البله الذي هو ضعف العقل وإنما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم اطلعت في الجنة ms391 فرأيت أكثر أهلها الفقراء ولم يقل البله ~~PageV00P574 # والطائفة الملامية وهم الذين يفعلون ما يلامون عليه ويقولون نحن متبعون ~~في الباطن ويقصدون إخفاء المرائين ردوا باطلهم بباطل آخر والصراط المستقيم ~~بين ذلك وكذلك الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة مبتدعون ضالون وليس ~~للإنسان أن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله ولم يكن في الصحابة والتابعين من ~~يفعل ذلك ولو عند سماع القرآن بل كانوا كما وصفهم الله تعالى * (إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون) ~~* وكما قال تعالى * (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه ~~جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله ~~يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد) * وأما الذين ذكرهم العلماء ~~بخير من عقلاء المجانين فأولئك كان فيهم خير ثم زالت عقولهم ومن علامة ~~هؤلاء أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصحو تكلموا بما كان في قلوبهم من ~~الإيمان ويهتدون بذلك في حال زوال عقلهم بخلاف من كان قبل جنونه كافرا أو ~~فاسقا لم يكن حدوث جنونه مزيلا لما ثبت من كفره أو فسقه وكذلك من جن من ~~المؤمنين المتقين يكون محشورا مع المؤمنين المتقين وزوال العقل بجنون أو ~~غيره سواء سمي صاحبه مولعا أو متولها لا يوجب مزيد حال بل حال صاحبه من ~~الإيمان والتقوى يبقى على ما كان عليه من خير وشر لا أنه يزيده أو ينقصه ~~ولكن جنونه يحرمه الزيادة PageV00P575 # من الخير كما أنه يمنع عقوبته على الشر ولا يمحو عنه ما كان عليه قبله ~~وما يحصل لبعضهم عند سماع الأنغام المطربة من الهذيان والتكلم ببعض اللغات ~~المخالفة للسانه المعروف منه فذلك شيطان يتكلم على لسانه كما يتكلم على ~~لسان المصروع وذلك كله من الأحوال الشيطانية وكيف يكون زوال العقل سببا أو ~~شرطا أو تقربا إلى ولاية الله كما يظنه كثير من أهل الضلال حتى قال قائلهم ~~* هم معشر حلوا النظام وخرقوا * السياج فلا فرض ms392 لديهم ولا نفل * مجانين إلا ~~أن سر جنونهم * عزيز على أبوابه يسجد العقل * وهذا كلام ضال بل كافر يظن أن ~~في الجنون سرا يسجد العقل على بابه لما رآه من بعض المجانين من نوع مكاشفة ~~أو تصرف عجيب خارق للعادة ويكون ذلك سبب ما اقترن به من الشياطين كما يكون ~~للسحرة والكهان فيظن هذا الضال أن كل من خبل أو خرق عادة كان وليا لله ومن ~~اعتقد هذا فهو كافر فقد قال تعالى * (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل ~~على كل أفاك أثيم) * فكل من تنزل عليه الشياطين لا بد أن يكون عنده كذب ~~وفجور وأما الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات ويتركون الجمع والجماعات فهم ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا قد طبع الله ~~على قلوبهم كما قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ~~ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر طبع الله على قلبه وكل من عدل عن اتباع سنة ~~PageV00P576 # الرسول إن كان عالما بها فهو مغضوب عليه وإلا فهو ضال ولهذا شرع الله لنا ~~أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر عليه السلام في تجويز ~~الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق فهو ملحد ~~زنديق فإن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولم يكن الخضر مأمورا ~~بمتابعته ولهذا قال له أنت موسى بني إسرائيل قال نعم ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه وإذا ~~نزل عيسى عليه السلام إلى الأرض إنما يحكم بشريعة محمد فمن ادعى أنه مع ~~محمد صلى الله عليه وسلم كالخضر مع موسى أو جوز ذلك لأحد من الأمة فليجدد ~~إسلامه وليشهد شهادة الحق فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية فضلا عن أن ms393 يكون ~~من أولياء الله وإنما هو من أولياء الشيطان وهذا الموضع مفرق بين زنادقة ~~القوم وأهل الاستقامة وحرك تر وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث ~~كانوا فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين احصر عنها وهو يود منها نظرة وهؤلاء لهم شبه بالذين وصفهم الله تعالى ~~حيث يقول * (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة) * إلى آخر السورة ~~قوله ونرى الجماعة حقا وصوابا والفرقة زيغا وعذابا ش قال الله تعالى * ~~(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) * وقال تعالى * (ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) * ~~PageV00P577 # وقال تعالى * (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما ~~أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) * وقال تعالى * (ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم ربك) * فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف وقال تعالى ~~* (ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق) * ~~وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ~~ثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعني الأهواء ~~كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وفي رواية قالوا من هي يا رسول الله ~~قال ما أنا عليه وأصحابي فبين أن عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة ~~والجماعة وأن الاختلاف واقع لا محالة وروى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الشيطان ذئب الانسان كذئب الغنم يأخذ ~~الشاة القاصية والناحية فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمسجد ~~وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما نزل قوله تعالى * ~~(قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم) * قال ~~أعوذ بوجهك * (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) * قال هاتان أهون فدل ~~على أنه لا بد أن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض مع براءة ms394 الرسول من هذه ~~الحال وهم فيها في جاهلية ولهذا قال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم متوافرون فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو قرح أصيب ~~بتأويل القرآن فهو هدر أنزلوهم منزلة الجاهلية وقد روى مالك PageV00P578 # بإسناده الثابت عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول ترك الناس العمل ~~بهذه الآية يعني قوله تعالى * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله) * فإن المسلمين لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم كما أمر الله ~~تعالى فلما لم يعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية وهكذا تسلسل النزاع والأمور ~~التي تتنازع فيها الأمة في الأصول والفروع إذا لم رد إلى الله والرسول لم ~~يتبين فيها الحق بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة من امرهم فإن رحمهم ~~الله أقر بعضهم بعضا ولم يبغ بعضهم على بعض كما كان الصحابة في خلافة عمر ~~وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد فيقر بعضهم بعضا ولا يعتدي ولا ~~يعتدى عليه وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم فبغى بعضهم على بعض ~~إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه وإما بالفعل مثل حبسه وضربه وقتله والذين ~~امتحنوا الناس بخلق القرآن كانوا من هؤلاء ابتدعوا بدعه وكفروا من خالفهم ~~فيها واستحلوا منع حقه وعقوبته فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به ~~الرسول إما عادلون وإما ظالمون فالعادل فيهم الذي يعمل بما وصل اليه من ~~آثار الأنبياء ولا يظلم غيره والظالم الذي يعتدي على غيره وأكثرهم إنما ~~يظلمون مع علمهم بأنهم يظلمون كما قال تعالى * (وما اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) * وإلا فلو سلكوا ما علموه ~~من العدل أقر بعضهم بعضا كالمقلدين لأئمة العلم الذين يعرفون من أنفسهم ~~أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل فجعلوا أئمتهم نوابا ~~عن الرسول وقالوا PageV00P579 # هذا غاية ما قدرنا عليه فالعادل منهم لا يظلم الآخر ولا يعتدي عليه ms395 بقول ~~ولا فعل مثل أن يدعي أن قول مقلده هو الصحيح بلا حجة يبديها ويذم من خالفه ~~مع أنه معذور ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان اختلاف تنوع ~~واختلاف تضاد واختلاف التنوع على وجوه منه ما يكون كل واحد من القولين أو ~~الفعلين حقا مشروعا كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة رضي الله عنهم ~~حتى زجرهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال كلاكما محسن ومثله اختلاف الأنواع ~~في صفة الأذان والإقامة والاستفتاح ومحل سجود السهو والتشهد وصلاة الخوف ~~وتكبيرات العيد ونحو ذلك مما قد شرع جميعه وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل ~~ثم تجد لكثير من الأمة في ذلك الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع ~~الإقامة وإيتارها ونحو ذلك وهذا عين المحرم وكذا تجد كثيرا منهم في قلبه من ~~الهوى لأحد هذه الأنواع والإعراض عن الآخر والنهي عنه ما دخل به فيما نهى ~~عنه النبي صلى الله عليه وسلم ومنه ما يكون كل من القولين هو في المعنى ~~القول الآخر لكن العبارتان مختلفتان كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ ~~الحدود وصيغ الأدلة والتعبير عن المسميات ونحو ذلك ثم الجهل أو الظلم يحمل ~~على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى والاعتداء على قائلها ونحو ذلك وأما ~~اختلاف التضاد فهو القولان المتنافيات إما في الأصول وإما في الفروع عند ~~الجمهور الذين يقولون المصيب واحد والخطب في هذا أشد لأن القولين يتنافيان ~~لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون PageV00P581 # القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما أو معه دليل يقتضي حقا ما فيرد ~~الحق مع الباطل حتى يبقى هذا مبطلا في البعض كما كان الأول مبطلا في الأصل ~~وهذا يجري كثير لأهل السنة وأما أهل البدعة فالأمر فيهم ظاهر ومن جعل الله ~~له هداية ونورا رأى من هذا ما تبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من ~~النهي عن هذا وأشباهه وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا لكن نور على نور ~~والاختلاف الأول الذي ms396 هو اختلاف التنوع الذم فيه واقع على من بغى على الآخر ~~فيه وقد دل القرآن على حمد كل واحد من الطائفتين في مثل ذلك إذا لم يحصل ~~بغي كما في قوله تعالى * (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ~~فبإذن الله) * وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار فقطع قوم وترك آخرون وكما ~~في قوله تعالى * (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ~~وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) * فخص سليمان ~~بالفهم وأثنى عليهما بالحكم والعلم وكما في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها ولمن اخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة ~~وكما في قوله إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ~~والاختلاف الثاني هو ما حمد فيه إحدى الطائفتين وذمت الأخرى كما في قوله ~~تعالى * (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ~~ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) * PageV00P582 # وقوله تعالى * (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب ~~من نار) * وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول ~~وكذلك إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء لأن إحدى ~~الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق ولا تنصفها بل تزيد على ما مع ~~نفسها من الحق زيادات من الباطل والأخرى كذلك ولذلك جعل الله مصدره البغي ~~في قوله * (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم) * لأن البغي مجاوزة الحد وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة ~~لهذه الأمة وقريب من هذا الباب ما خرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ms397 ما ~~استطعتم فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به معللا بأن سبب هلاك الأولين إنما ~~كان كثرة السؤال ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية ثم الاختلاف في الكتاب من ~~الذين يقرون به على نوعين أحدهما اختلاف في تنزيله والثاني اختلاف في ~~تأويله وكلاهما فيه إيمان ببعض دون بعض فالأول كاختلافهم في تكلم الله ~~بالقرآن وتنزيله فطائفة قالت هذا الكلام حصل بقدرته ومشيئته لكونه مخلوقا ~~في غيره لم يقم به وطائفة قالت بل هو صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق لكنه لا ~~يتكلم بمشيئته وقدرته وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل فآمنت ~~ببعض الحق وكذبت بما تقوله الآخرى من الحق وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك ~~PageV00P583 # وأما الاختلاف في تأويله الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض فكثير كما في ~~حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية ~~فكأنما فقىء في وجهه حب الرمان فقال أبهذا أمرتم أم بهذا وكلتم أن تضربوا ~~كتاب الله بعضه ببعض أنظروا ما أمرتم به فاتبعوه وما نهيتم عنه فانتهوا وفي ~~رواية يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب ~~بعضه ببعض وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض ولكن نزل القرآن يصدق بعضه ~~بعضا ما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به وفي رواية فإن الأمم ~~قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا وإن المراء في القرآن كفر وهو حديث مشهور مخرج ~~في المسانيد والسنن وقد روى أصل الحديث مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن ~~رباح الأنصاري أن عبد الله بن عمرو قال هجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوما فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب ~~وجميع أهل البدع مختلفون في تأويله مؤمنون ببعضه دون بعض يقرون بما ms398 يوافق ~~رأيهم من الآيات وما يخالفه إما أن يتأوله تأويلا يحرفون فيه الكلم عن ~~مواضعه وإما أن يقولوا هذا متشابه لا يعلم أحد معناه فيجحدوا ما أنزله من ~~معانيه وهو في معنى الكفر بذلك لأن الايمان باللفظ بلا معنى هو من جنس ~~إيمان أهل الكتاب كما قال تعالى * (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا) * PageV00P584 # وقال تعالى * (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) * أي إلا تلاوة ~~من غير فهم معناه وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به ~~واشتبه عليه بعضه فوكل علمه إلى الله كما أمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه فامتثل ما ~~أمر به صلى الله عليه وسلم قوله ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين ~~الاسلام قال الله تعالى * (إن الدين عند الله الإسلام) * وقال تعالى * ~~(ورضيت لكم الإسلام دينا) * وهو بين الغلو والتقصير وبين التشبيه والتعطيل ~~وبين الجبر والقدر وبين الامن والإياس ش ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنا معاشر الأنبياء ديننا ~~واحد وقوله تعالى * (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) * عام في كل ~~زمان ولكن الشرائع تتنوع كما قال تعالى * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * ~~فدين الاسلام هو ما شرعه الله سبحانه وتعالى لعباده على السنة رسله وأصل ~~هذا الدين وفروعه روايته عن الرسل وهو ظاهر غاية الظهور يمكن كل مميز من ~~صغير وكبير وفصيح وأعجم وذكي وبليد أن يدخل فيه بأقصر زمان وإنه يقع الخروج ~~منه بأسرع من ذلك من إنكار كلمة أو تكذيب أو معارضة أو كذب على الله أو ~~ارتياب في قول الله تعالى أو رد لما أنزل أو شك فيما نفى الله عنه الشك أو ~~غير ذلك مما في معناه فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام وسهولة ~~تعلمه وأنه يتعلمه PageV00P585 # الوافد ثم يولي في ms399 وقته واختلاف تعليم النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ~~الألفاظ بحسب من يتعلم فإن كان بعيد الوطن كضمام بن ثعلبة النجدي ووفد عبد ~~القيس علمهم ما لم يسعهم جهله مع علمه أن دينه سينشر في الآفاق ويرسل إليهم ~~من يفقههم في سائر ما يحتاجون اليه ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل ~~وقت بحيث يتعلم على التدريج أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه ~~أجابه بحسب حاله وحاجته على ما تدل قرينة حال السائل كقوله قل آمنت بالله ~~ثم استقم وأما من شرع دينا لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له ~~لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن غيره من ~~المرسلين إذ هو باطل وملزوم الباطل باطل كما أن لازم الحق حق وقوله بين ~~الغلو والتقصير قال تعالى * (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) ~~* وقال تعالى * (أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا ~~الله الذي أنتم به مؤمنون) * وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن ناسا ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن عمله في السر فقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أتزوج ~~النساء وقال بعضهم لا أنام على فراش فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا لكني أصوم وأفطر وأنام وأقوم وآكل ~~اللحم وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني وفي غير الصحيحين سألوا عن ~~عبادته في السر فكأنهم تقالوها PageV00P586 # وذكر في سبب نزول الآية الكريمة عن ابن جريج عن عكرمة أن عثمان ابن مظعون ~~وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالما مولى أبي حذيفة رضي ~~الله عنهم في أصحابه تبتلوا فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا ~~المسوح وحرموا ms400 طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني ~~إسرائيل وهموا بالاختصاء واجمعوا لقيام الليل وصيام النهار فنزلت * (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين) * يقول لا تسيروا بغير سنة المسلمين يريد ما حرموا من النساء ~~والطعام واللباس وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار وما هموا به من ~~الاختصاء فلما نزلت فيهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فقال إن ~~لأنفسكم عليكم حقا وإن لأعينكم حقا صوموا وأفطروا وصلوا وناموا فليس منا من ~~ترك سنتنا فقالوا اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت وقوله وبين التشبيه ~~والتعطيل تقدم أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يوصف بما وصف به نفسه وبما ~~وصفه به رسوله من غير تشبيه فلا يقال سمع كسمعنا ولا بصر كبصرنا ونحوه ومن ~~غير تعطيل فلا ينفي عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به اعرف الناس به رسوله صلى ~~الله عليه وسلم فإن ذلك تعطيل وقد تقدم الكلام في هذا المعنى ونظير هذا ~~القول قوله ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه وهذا المعنى ~~مستفاد من قوله تعالى * (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) * فقوله * (ليس ~~كمثله شيء) * رد على المشبهة وقوله * (وهو السميع البصير) * رد على المعطلة ~~PageV00P587 # وقوله وبين الجبر والقدر تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى وأن العبد غير ~~مجبور على أفعاله وأقواله وأنها ليست بمنزلة حركات المرتعش وحركات الأشجار ~~بالرياح وغيرها وليست مخلوقة للعباد بل هي فعل العبد وكسبه وخلق الله تعالى ~~وقوله وبين الأمن الإياس تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى وأنه يجب أن يكون ~~العبد خائفا من عذاب ربه راجيا رحمته وأن الخوف والرجاء بمنزلة الجناحين ~~للعبد في سيره إلى الله تعالى والدار الآخرة قوله فهذا ديننا واعتقادنا ~~ظاهرا وباطنا ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه ~~ونسأل الله تعالى ان يثبتنا على الايمان ويختم لنا به ويعصمنا من الأهواء ~~المختلفة ms401 والآراء المتفرقة والمذاهب الردية مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية ~~والجبرية والقدرية وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة وحالفوا الضلالة ~~ونحن منهم براء وهم عندنا ضلال واردياء وبالله العصمة والتوفيق ش الإشارة ~~بقوله فهذا كل ما تقدم من أول الكتاب إلى هنا والمشبة هم الذين شبهوا الله ~~سبحانه بالخلق في صفاته وقولهم عكس قول النصارى شبهوا المخلوق وهو عيسى ~~عليه السلام بالخالق وجعلوه إلها وهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق كداود ~~الجواربي وأشباهه والمعتزلة هم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال ~~وأصحابهما سموا بذلك لما اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري رحمه الله ~~في أوائل المائة الثانية وكانوا يجلسون معتزلين فيقول قتادة وغيره أولئك ~~المعتزلة وقيل إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة وتابعه عمرو ~~بن عبيد تلميذ الحسن البصري فلما كان زمن PageV00P588 # هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل كتابين وبين مذهبهم وبنى مذهبهم على ~~الأصول الخمسة التي سموها العدل والتوحيد وإنفاذ الوعيد والمنزلة بين ~~المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولبسوا فيها الحق بالباطل إذ ~~شأن البدع هذا اشتمالها على حق وباطل وهم مشبهة الأفعال لأنهم قاسوا أفعال ~~الله تعالى على أفعال عباده وجعلوا ما يحسن من العباد يحسن منه وما يقبح من ~~العباد يقبح منه وقالوا يجب عليه أن يفعل كذا ولا يجوز له أن يفعل كذا ~~بمقتضى ذلك القياس الفاسد فإن السيد من بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه ~~ولا يمنعهم من ذلك لعد إما مستحسنا للقبيح وإما عاجزا فكيف يصح قياس أفعاله ~~سبحانه وتعالى على أفعال عباده والكلام على هذا المعنى مبسوط في موضعه فأما ~~العدل فستروا تحته نفي القدر وقالوا إن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به إذ ~~لو خلقه ثم يعذبهم عليه يكون ذلك جورا والله تعالى عادلا لا يجور ويلزم على ~~هذا الأصل الفاسد أن الله تعالى يكون في ملكه ما لا يريده فيريد الشيء ولا ~~يكون ولازمه وصفه بالعجز تعالى الله عن ذلك وأما التوحيد فستروا تحته القول ~~بخلق القرآن ms402 إذ لو كان غير مخلوق لزم تعدد القدماء ويلزمهم على هذا القول ~~الفاسد أن علمه وقدرته وسائر صفاته مخلوقة أو التناقض وأما الوعيد فقالوا ~~إذا أوعد بعض عبيده وعيدا فلا يجوز أن لا يعذبهم ويخلف وعيده لأنه لا يخلف ~~الميعاد فلا يعفو عمن يشاء ولا يغفر لمن يريد عندهم وأما المنزلة بين ~~المنزلتين فعندهم أن من ارتكب كبيرة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر ~~وأما الأمر بالمعروف فهو أنهم قالوا علينا أن نأمر غيرنا بما أمرنا به وأن ~~نلزمه بما يلزمنا وذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضمنوه أنه يجوز ~~الخروج على الأئمة بالقتال إذا جاروا PageV00P589 # وقد تقدم جواب هذه الشبه الخمس في مواضعها وعندهم أن التوحيد والعدل من ~~الأصول العقلية التي لا يعلم صحة السمع إلا بعدها وإذا استدلوا على ذلك ~~بأدلة سمعية فإنما يذكرونها للاعتضاد بها لا للاعتماد عليها فهم يقولون لا ~~نثبت هذه بالسمع بل العلم بها متقدم على العلم بصحة النقل فمنهم من لا ~~يذكرها في الأصول إذ لا فائدة فيها عندهم ومنهم من يذكرها ليبين موافقة ~~السمع للعقل ولإيناس الناس بها لا للاعتماد عليها والقرآن والحديث فيه ~~عندهم بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب والمدد اللاحق بعسكر مستغن عنهم ~~وبمنزلة من يتبع هواه واتفق أن الشرع ما يهواه كما قال عمر بن عبد العزيز ~~لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه ويخالفه إذا خالف هواه فإذا أنت لا ~~تثاب على ما وافقته من الحق وتعاقب على ما تركته منه لأنك إنما اتبعت هواك ~~في الموضعين وكما أن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى والعمل يتبع ~~قصد صاحبه وإرادته فالاعتقاد القوي يتبع أيضا علم ذلك وتصديقه فإذا كان ~~تابعا للإيمان كان من الإيمان كما أن العمل الصالح إذا كان عن نية صالحة ~~كان صالحا وإلا فلا فقول أهل الإيمان التابع لغير الإيمان كعمل أهل الصلاح ~~التابع لغير قصد أهل الصلاح وفي المعتزلة زنادقة كثيرة وفيهم من ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون ms403 أنهم يحسنون صنعا والجهمية هم المنتسبون إلى ~~جهم بن صفوان السمرقندي وهو الذي أظهر نفي الصفات والتعطيل وهو أخذ ذلك عن ~~الجعد بن درهم الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط فإنه خطب الناس ~~في يوم عيد الأضحى وقال أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد ~~بن درهم إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى ~~الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل PageV00P590 # فذبحه وكان ذلك بعد استفتاء علماء زمانه وهم السلف الصالح رحمهم الله ~~تعالى وكان جهم بعده بخراسان فأظهر مقالته هناك وتبعه عليها ناس بعد أن ترك ~~الصلاة أربعين يوما شكا في ربه وكان ذلك لمناظرته قوما من المشركين يقال ~~لهم السمنية من فلاسفة الهند الذين ينكرون من العلم ما سوى الحسيات قالوا ~~له هذا ربك الذي تعبده هل يرى أو يشم أو يذاق أو يلمس فقال لا فقالوا هو ~~معدوم فبقي أربعين يوما لا يعبد شيئا ثم لما خلا قلبه من معبود يؤلهه نقش ~~الشيطان اعتقادا نحته فكره فقال إنه الوجود المطلق ونفى جميع الصفات واتصل ~~بالجعد وقد قيل إن جعدا كان قد اتصل بالصابئة الفلاسفة من أهل حران وأنه ~~أيضا أخذ شيئا عن بعض اليهود المحرفين لدينهم المتصلين بلبيد بن الأعصم ~~الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم فقتل جهم بخراسان قتله سلم بن ~~أحوز ولكن كانت قد فشت مقالته في الناس وتقلدها بعده المعتزلة ولكن كان جهم ~~أدخل في التعطيل منهم لأنه ينكر الأسماء حقيقة وهم لا ينكرون الأسماء بل ~~الصفات وقد تنازع العلماء في الجهمية هل هم من الثنتين وسبعين فرقة أم لا ~~ولهم في ذلك قولان وممن قال إنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة عبد الله بن ~~المبارك ويوسف بن أسباط وإنما اشتهرت مقالة الجهمية من حين محنة الإمام ~~أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة فإنه من إمارة المأمون قووا وكثروا فإنه ~~قد أقام بخراسان مدة واجتمع بهم ثم كتب بالمحنة ms404 من طرطوس سنة ثمان عشرة ~~ومائتين وفيها مات وردوا الإمام أحمد إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين وفيما ~~كانت محنته مع المعتصم ومناظرته لهم بالكلام فلما PageV00P591 # رد عليهم ما احتجوا به عليه وبين أنه لا حجة لهم في شيء من ذلك وأن طلبهم ~~من الناس أن يوافقوهم وامتحانهم إياهم جهل وظلم وأراد المعتصم اطلاقه أشار ~~عليه من أشار بان المصلحة ضربه لئلا تنكسر حرمة الخلافة من بعد مرة فلما ~~ضربوه قامت الشناعة في العامة وخافوا فأطلقوه وقصته مذكورة في كتب التاريخ ~~ومما انفرد به جهم أن الجنة والنار تفنيان وأن الإيمان هو المعرفة فقط ~~والكفر هو الجهل فقط وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده وأن الناس ~~إنما تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز كما يقال تحركت الشجرة ودار الفلك ~~وزالت الشمس ولقد أحسن القائل * عجبت لشيطان دعا الناس جهرة * إلى النار ~~واشتق اسمه من جهنم * وقد نقل أن أبا حنيفة رحمه الله لما سئل عن الكلام في ~~الأعراض والأجسام فقال لعن الله عمرو بن عبيد هو فتح على الناس الكلام في ~~هذا والجبرية أصل قولهم من جهم بن صفوان كما تقدم وأن فعل العبد بمنزلة ~~طوله ولونه وهم عكس القدرية نفاه القدرة فإن القدرية إنما نسبوا إلى القدر ~~لنفيهم إياه كما سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء وأنه لا أحد مرجأ لأمر الله ~~إما يعذبهم وإما يتوب عليهم وقد تسمى الجبرية قدرية لأنهم غلوا في إثبات ~~القدر وكما يسمى الذين لا يجزمون بشيء من الوعد والوعيد بل يغلون في إرجاء ~~كل امر حتى الأنواع فلا يجزمون بثواب من تاب كما لا يجزمون بعقوبة من لم ~~يتب وكما لا يجزم لمعين وكانت المرجئة الأولى يرجئون عثمان وعليا ولا ~~يشهدون بإيمان ولا كفر وقد ورد في ذم القدرية أحاديث في السنن منها ما روى ~~أبو داود في سننه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه PageV00P592 # عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال القدرية محبوس هذه الأمة ms405 إن ~~مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم وروي في ذم القدرية أحاديث أخر ~~كثيرة تكلم أهل الحديث في صحة رفعها والصحيح أنها موقوفة بخلاف الأحاديث ~~الواردة في ذم الخوارج فإن فيهم في الصحيح وحده عشرة أحاديث أخرج البخاري ~~منها ثلاثة وأخرج مسلم سائرها ولكن مشابهتهم للمجوس ظاهرة بل قولهم أردأ من ~~قول المجوس فإن المجوس اعتقدوا وجود خالقين والقدرية اعتقدوا خالقين وهذه ~~البدع المتقابلة حدثت من الفتن المفرقة بين الأمة كما ذكر البخاري في صحيحه ~~عن سعيد بن المسيب قال وقعت الفتنة الآولى يعني مقتل عثمان فلم تبق من ~~أصحاب بدر أحدا ثم وقعت الفتنة الثانية فلم تبق من أصحاب الحديبية أحدا ثم ~~وقعت الثالثة فلم ترتفع وللناس طباخ أي عقل وقوة فالخوارج والشعية حدثوا في ~~الفتنة الأولى والقدرية والمرجئة في الفتنة الثانية والجهمية ونحوهم بعد ~~الفتنة الثالثة فصار هؤلاء * (الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) * يقابلون ~~البدعة بالبدعة أولئك غلوا في علي وأولئك كفروه وأولئك غلوا في الوعيد حتى ~~خلدوا بعض المؤمنين وأولئك غلو في الوعيد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة ~~وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا ~~في التشبه وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع ويعرضون عن ~~الأمر المشروع وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل اليهود ~~والنصارى والمجوس والصابئين فإنهم قرؤوا كتبهم فصار عندهم من ضلالتهم ما ~~أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم وغيروه في اللفظ تارة PageV00P593 # وفي المعنى أخرى فلبسوا الحق بالباطل وكتموا حقا جاء به نبيهم فتفرقوا ~~واختلفوا وتكلموا حينئذ في الجسم والعرض والتجسيم نفيا واثباتا وسبب ضلال ~~هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه ~~فقال تعالى * (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله) * وقال تعالى * (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني) * فوحد لفظ صراطه وسبيله وجمع السبل المخالفة له وقال ابن مسعود ~~رضي الله عنه خط لنا رسول الله صلى الله ms406 عليه وسلم خطا وقال هذا سبيل الله ~~ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره وقال هذه سبل على كل سبيل شيطان يدعو اليه ~~ثم قرأ * (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) * ومن هنا يعلم أن اضطرار العبد إلى سؤال ~~هداية الصراط المستقيم فوق كل ضرورة ولهذا شرع الله تعالى في الصلاة قراءة ~~أم القرآن في كل ركعة اما فرضا أو ايجابا على حسب اختلاف العلماء في ذلك ~~لإحتياج العبد إلى هذا الدعاء العظيم القدر المشتمل على أشرف المطالب ~~وأجلها فقد أمرنا الله تعالى أن نقول * (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ~~أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) * وقد ثبت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون وثبت في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة ~~بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا PageV00P594 # يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن قال طائفة من السلف من انحرف من ~~العلماء ففيه شبه من اليهود ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى فلهذا ~~تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام من المعتزلة ونحوهم فيه شبه من اليهود ~~حتى أن علماء اليهود يقرؤون كتب شيوخ المعتزلة ويستحسنون طريقتهم وكذا شيوخ ~~المعتزلة يميلون إلى اليهود ويرجحونهم على النصارى وأكثر المنحرفين من ~~العباد من المتصوفة ونحوهم فيهم شبه من النصارى ولهذا يميلون إلى نوع من ~~الرهبانية والحلول والاتحاد ونحو ذلك وشيوخ هؤلاء يذمون الكلام وأهله وشيوخ ~~أولئك يعيبون طريقة هؤلاء ويصنفون في ذم السماع والوجد وكثير من الزهد ~~والعبادة التي أحدثها هؤلاء ولفرق الضلال في الوحي طريقتان طريقة التبديل ~~وطريقة التجهيل أما أهل التبديل فهم نوعان أهل الوهم والتخييل وأهل التحريف ~~والتأويل فأهل الوهم والتخييل هم الذين يقولون أن الأنبياء أخبروا عن الله ~~واليوم الآخر والجنة والنار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه لكنهم خاطبوهم ~~بما يتخيلون به ويتوهمون به ms407 أن الله شيء عظيم كبير وأن الأبدان تعاد وأن ~~لهم نعيما محسوسا وعقابا محسوسا وإن كان الأمر ليس كذلك لأن مصلحة الجمهور ~~في ذلك وان كان كذبا فهو كذب لمصلحة الجمهور وقد وضع ابن سينا وأمثاله ~~قانونهم على هذا الأصل PageV00P595 # وأما أهل التحريف والتأويف فهم الذين يقولون أن الأنبياء لم يقصدوا بهذه ~~الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر وأن الحق في نفس الامر هو ما علمناه ~~بعقولنا ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع ~~التأويلات ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل بل يقولون يجوز أن يراد كذا ~~وغاية ما معهم امكان احتمال اللفظ وأما أهل التجهيل والتضليل الذين حقيقة ~~قولهم ان الأنبياء وأتباع الأنبياء جاهلون ضالون لا يعرفون ما أراد الله ~~بما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء ويقولون يجوز أن يكون للنص ~~تأويل لا يعلمه الا الله لا يعلمه جبرائيل ولا محمد ولا غيره من الأنبياء ~~فضلا عن الصحابة والتابعين لهم باحسان وأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان ~~يقرأ * (الرحمن على العرش استوى) * * (إليه يصعد الكلم الطيب) * * (ما منعك ~~أن تسجد لما خلقت بيدي) * وهو لا يعرف معاني هذه الآيات بل معناها الذي دلت ~~عليه لا يعرفه الا الله تعالى ويظنون أن هذه طريقة السلف ثم منهم من يقول ~~إن المراد بهذا خلاف مدلولها الظاهر المفهوم ولا يعرفه أحد كما لا يعلم وقت ~~الساعة ومنهم من يقول بل تجري على ظاهرها وهؤلاء يشتركون في القول بأن ~~الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة أو متشابهة ولهذا يجعل ~~كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعله الفريق الآخر مشكلا ثم منهم من يقول ~~لم يعلم معانيها أيضا ومنهم من يقول علمها ولم يبينها بل أحال في بيانها ~~على الأدلة العقلية وعلى من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص فهم مشتركون ~~في أن الرسول لم يعلم أو لم يعلم بل PageV00P596 # نحن عرفنا الحق بعقولنا ثم اجتهدنا في حمل كلام الرسول على ما يوافق ms408 ~~عقولنا وأن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات ولا يفهمون السميعات وكل ~~ذلك ضلال وتضليل عن سواء السبيل نسأل الله السلامة والعافية من هذه الأقوال ~~الواهية المفضية بقائلها إلى الهاوية سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام ~~على المرسلين والحمد لله رب العالمين وجد في نهاية الأصل المخطوط ما يلي قد ~~تم تحريرها على يد الفقير خادم العلماء الأعلام والمحرري الكتب في جامع ~~مدرسة مرجان عليه الرحمة والرضوان عبد المحي بن عبد الحميد بن الحاج محمد ~~مكي الشيخلي البغدادي يوم الاثنين التاسع من شهر رجب الأصم من شهور سنة ~~اثنتين وعشرين وثلاثمئة بعد الألف# PageV00P597 #####ENDNOTES# ms409