######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009319 #META# 000.BookURI :: #0793.AbuHasanMalaqi.TarikhQudat #META# 010.AuthorAKA :: النباهي #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن بن عبد الله بن الحسن النباهي المالقي الأندلسي #META# 011.AuthorBORN :: 713هـ #META# 011.AuthorDIED :: 793 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تاريخ قضاة الاندلس (المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التراجم التاريخية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تاريخ قضاة الأندلس #META# 030.LibURI :: JK_009319 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة #META# 041.EdNUMBER :: الخامسة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الآفاق الجديدة #META# 044.EdPLACE :: بيروت/لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1403هـ -1983م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه ~~وسلم قال الشيخ الفقيه العالم ، قاضي الجماعة بالبلاد الأندلسية ، وخطيب ~~حضرتها العلية أعادها الله للإسلام ! أبو الحسن بن الفقيه أبي محمد ابن عبد ~~الله بن الحسين النباهي وصل الله سبحانه سعادته ، وشكر إفادته ! أما بعد ~~حمد الله ، والصلاة والسلام على محمد رسول الله ، فهذا كتاب أرسم فيه بحول ~~الله نبذا من الكلام في خطة القضاء ، وسير بعض من سلف من القضاة ، أو بلغ ~~رتبه الاجتهاد ، وفيمن يجوز له التقليد ومن لا يجوز له ، وصفات المفتى الذي ~~ينبغي قبول قوله ، والاقتداء به لمن ذهب إلى مقلده ، وبالجاري من الفتاوى ~~على منهاج السداد ، وهل يجوز للمفتي قبول الهدية من المستفتى ، أم هي في ~~حقه من ضروب الرشاء المحرمة على الجميع . ولست أجهل أن هذا الغرض قد سبق له ~~غيري ، وصنف في معناه أناس قبلي ؛ لا كنى رأيت أن أعيد منه الآن ما أعيده ~~على جهة التذكرة لنفسي ، والتنبيه لمن هو مثلي . وحاصل ما أريد إثباته من ~~ذلك في هذا الكتاب يرجع على التقريب إلى أربعة أبواب . فأقول والله الموفق ~~للصواب : ؟ PageV01P001 # | الباب الأول في القضاء وما ضارعه # # | فصل # لفظ القضاء يأتي في اللغة على أنحاء مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه . ~~يقال : قضى الحاكم إذا فصل في الحكم ؛ وقضى دينه أي قطع ما لغريمه قبله ~~بالاداء ؛ وقضيت الشيء أحكمت عمله ؛ ومنه قوله تعالى : ' إذا قضى أمرا ' أي ~~أحكمه وأنفذه . وخطة القضاء في نفسها عند الكافة من أسنى الخطط ؛ فإن الله ~~تعالى قد رفع درجة الحكام ، وجعل إليهم تصريف أمور الأنام ، حكمون في ~~الدماء والأبضاع والأموال ، والحلال والحرام . وتلك خطة الأنبياء ومن بعدهم ~~من الخلفاء : فلا شرف في الدنيا بعد الخلافة أشرف من القضاء . ولأجل منيف ~~قدره في الأقدار ، ولسمو خطره في الأخطار ، اشترط العلماء في متوليه ، من ~~شروط الصحة والكمال ، ما تقرر في كتبهم ، واستبعد حصول مجموعه الأئمة ~~المقتدى بهم . فقد نقل عن مالك بن أنس رحمه الله ! أنه كان يقول في ms001 الخصال ~~التي لا يصلح القضاء إلا بها : لا أراها تجتمع اليوم في أحد ؛ فإذا اجتمع ~~منها في الرجل خصلتان العلم والورع ، قدم . قال عبد الملك بن حبيب في كتابه ~~: وإن لم يكن علم ، فعقل وورع ! فبالعقل يسئل وبه تحصل خصال الخير كلها ؛ ~~وبالورع يعف ؛ وإن طلب العلم وجده ؛ وإن طلب العقل ، إذا لم يكن عنده ، لم ~~يجده . وقد قيل : كثير العقل مع قليل العلم أنفع من كثير العلم مع قليل ~~العقل . وليس العلم بكثرة الرواية والحفظ ، كما قاله ابن مسعود رضي الله ~~عنه ! : وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب . قال المؤلف أدام الله ~~توفيقه ! : ومن قلد الحكم بين الخلق والنظر في شيء من أمورهم : فهو أحوج ~~الناس إلى هذا النور وإلى اتصافه بالتذكير والتيقظ والتفطن . ولذلك كان ~~إسماعيل بن إسحاق ، قاضي القضاة ببغداد ، يقول : من لم تكن فيه ، لم يكن ~~PageV01P002 له أن يلي القضاء . وقال ابن المواز : لا ينبغي أن يستقضى إلا ~~ذكى ، فطن ، فهم ، فقيه ، متأن ، غير عجول ، وذكر أن عمر بن عبد العزيز قال ~~: لا يصلح للقضاء إلا القوي على أمر الناس ، المستخف بسخطهم وملامتهم في حق ~~الله ، العالم بأنه ، مهما اقترب من سخط الناس وملامتهم في الحق والعدل ~~والقصد ، استفاد بذلك ثمنا ربيحا من رضوان الله ! . # | فصل # قال عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام : وقد أجمع المسلمون على ~~أن الولاة أفضل من غيرهم . وتفصيل ذلك أن الولاية تشتمل على غرض شرعي ، ~~وغرض طبعي ؛ فنهى عنها من يغلبه طبعه وهواه ، وأمر بها من يكون قاهرا لطبعه ~~، غالبا لهواه . فلا يتولاها من لا يملك هواه إلا أن يتعين لها ؛ فيجب عليه ~~أن يتولاها ، وأن يجاهد نفسه في دفع هواه ما استطاع . ومما يشير إلى ~~الترغيب في الحكم لمن قدر على العدل فيه ، قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ! ' إن المقسطين عند الله يوم القيامة ، على منابر من نور عن يمين ~~الرحمن . وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوه . ' ~~وقوله ' عن يمين ms002 الرحمن ' معناه في الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة ؛ ~~والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين ، وضده إلى الشمال أي ~~المنزلة الخسيسة ؛ وأما الأقساط ، فهو العدل ؛ يقال : أقسط إذا عدل . قال ~~الله تعالى : ' وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ! ' وفي كتاب أبي حبيب ، عن ~~ابن شهاب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال : ' ما من أحد أقرب ~~مجلسا من الله يوم القيامة ، بعد ملك مصطفى ، أو نبي مرسل ، من إمام عدل ! ~~' وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم ! قال : ' إن الله مع القاضي ، ما لم ~~يحف عمدا . ' وفي الصحيح : إذا حكم الحاكم ، ثم اجتهد فأصاب ، فله أجران ؛ ~~وإذا حكم فاجتهد ، ثم أخطأ ، فله أجر واحد . قال أهل العلم : والمراد هنا ~~بالحاكم ، البصير بالحكومة ، المتحري العدل . وقد استدل بهذا الحديث من يرى ~~أن كل مجتهد مصيب ، لأنه صلى الله عليه وسلم ! جعل له أجرا . واحتج به أيضا ~~أصحاب القول PageV01P003 الآخر بأن المصيب واحد والحق في طرف واحد ، لأنه ، ~~لو كان كل واحد مصيبا ، لم يسم أحدهما مخطئا ، فيجمع الضدين في حالة واحدة ~~. قال القاضي أبو الفضل بن موسى في إكماله : والقول بأن الحق في طرفين هو ~~قول أكثر أهل التحقيق من المتكلمين والفقهاء ؛ وهو مروى عن مالك والشافعي ~~وأبي حنيفة ، وإن كان قد حكى عن كل واحد منهم اختلاف في هذا الأصل . وهذا ~~كله في الأحكام الشرعية . وأما ما يتعلق بأصل وقاعدة ، من أصول التوحيد ~~وقواعده ، مما مبتناه على قواطع الأدلة العقلية ، فإن الخطأ في كل هذا غير ~~موضوع ، والحق فيها في طرف واحد ، بإجماع من أرباب الأصول والمصيب فيها ~~واحد ، إلا ما روى عن عبد الله العنبري ، من تصويبه المجتهدين في ذلك ، ~~وعذره لهم ؛ وحكى مثله عن داوود وكله لا يلتفت إليه ، وقد حكى عن العنبري ~~أن مذهبه في ذلك على العموم ؛ وعندي أنه إنما يقول ذلك في أهل الملة دون ~~الكفرة ؛ والاجتهاد المذكور في هذا الباب هو بذل الوسع في طلب الحق والصواب ~~في النازلة . انتهى . وفي حديث معاذ بن جبل ms003 أن النبي صلى الله عليه وسلم ! ~~أذن له أن يجتهد برأيه فيما لم يكن في الكتاب والسنة ؛ وقد ورد : ما من قاض ~~يقضي بالحق إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك ، إلى غير ذلك مما جاء في ~~هذا الباب . # | فصل في الخصال المعتبرة في القضاة # من التنبيهات وشروط القضاء ، التي لا يتم للقاضي قضاؤه إلا بها ، عشرة : ~~الإسلام ؛ والعقل ؛ والذكورية ؛ والحرية ؛ والبلوغ ؛ والعدالة ؛ والعلم ؛ ~~وسلامة حاسة السمع والبصر من العمى والصمم ؛ وسلامة حاسة اللسان من البكم ؛ ~~وكونه واحدا لا أكثر ؛ فلا يصح تقديم إثنين على أن يقضيا معا في قضية واحدة ~~، لاختلاف الأغراض ، وتعذر الاتفاق وبطلان الأحكام بذلك . ثم من هذه الشروط ~~ما إذا عدم فيمن قلد القضاء بجهل ، أو غرض فاسد ، ثم نفذ منه حكم ، فإنه لا ~~يصح ويرد ؛ وهي الخمسة الأولى : الإسلام ؛ والعقل ؛ والبلوغ ؛ والذكورية ؛ ~~والحرية . وأما الخمسة الأخرى ، فينفذ من أحكام من عدمت منه PageV01P004 ما ~~يوافق الحق ، إلا الجاهل الذي يحكم برأيه . وأما الفاسق ، ففيه خلاف بين ~~أصحابنا ؛ هل يرد ما حكم به ، وإن وافق الحق وهو الصحيح ، أم يمضي إذا وافق ~~الحق ووجه الحكم . وشروط الكمال عشرة أيضا : خمسة أوصاف ينتفي عنها ، وخمسة ~~لا ينتفي ؛ منها أن يكون غير محدود ؛ وغير مطعون عليه في نسبه بولادة ~~اللعان والزنا ؛ وغير فقير ؛ وغير أمي ؛ وغير مستضعف ؛ وأن يكون فطنا ، ~~نزيها ، مهيبا ، حليما ، مستشيرا لأهل العلم والرأي . قال القاضي أبو ~~الأصبغ بن سهل : وللحكام الذين تجري على أيديهم الأحكام ست خطط : أولها ~~القضاء ، وأجله قضاء قاضي الجماعة ؛ والشرطة الوسطى ؛ والشرطة الصغرى ؛ ~~وصاحب مظالم ؛ وصاحب رد ، ويسمى صاحب رد بما رد عليه من الأحكام ؛ وصاحب ~~مدينة ؛ وصاحب سوق . هكذا نص عليه بعض المتأخرين من أهل قرطبة ، في تأليف ~~له . وتلخيصه : القضاء ، والشرطة ، والمظالم ، والرد ، والمدينة ، والسوق . ~~وإنما كان يحكم صاحب الرد فيما استرابه الحكام ، وردوه عن أنفسهم ؛ هكذا ~~سمعته من بعض من أدركته . وصاحب السوق كان يعرف بصاحب الحسبة ، لأن أكثر ~~نظره إنما كان يجري في الأسواق ، من غش ms004 ، وخديعة ، وتفقد مكيال وميزان وشبه ~~ذلك . ولا عجب للقاضي أن يرفع من عنده إلى غيره ، كما يرفع غيره إليه . ~~وحدود القضاة ، في القديم والحديث ، معروفة ، لا يعارضون فيها ، ولا تكون ~~إلى غيرهم من الحكام . وقد عددها علي بن يحيى ، وفسرها في كتابه ؛ فقال : ~~ويشتمل نظر القاضي على عشرة أحكام : أحدها : قطع التشاجر والخصام من ~~المتنازعين ، إما بصلح عن تراض يراد به الجواز ، وأما بإجبار بحكم بآية ~~يعتبر فيه الوجوب . والثاني : استيفاء الحق لمن طلبه ، وتوصيله إلى يده ، ~~إما بإقرار ، أو ببينة . والثالث : إلزام الولاية للسفهاء والمجانين ، ~~والتحجر على المفلس ، حفظا للأموال . والرابع : النظر في الاحباس ، والوقوف ~~والتفقد لأحوالها وأحوال الناظر فيها . والخامس : تنفيذ الوصايا على شروط ~~الموصى إذا وافقت الشرع ؛ ففي المعينين يكون التنفيذ بالاقباض ، وفي ~~المجهولين يتعين المستحق لها بالاجتهاد فإن كان لها وصى ، راعاه ، وإلا ~~تولاه . والسادس : تزوج PageV01P005 الأيامى من الاكفاء ، إذا عدم الأولياء ~~وأردن التزويج . والسابع : إقامة الحدود ؛ فإن كانت من حقوق الله تعالى ، ~~تفرد بإقامتها ، إما بإقرار يتصل بإقامة الحد ، وإما ببينة أو ظهور حمل من ~~غير زوج ؛ وإن كانت من حقوق الأدميين ، فبطلب مستحقها . والثامن : النظر في ~~المصالح العامة ، من كف التعدي في الطرقات والأفنية . وإخراج مالا يستحق من ~~الأجنحة والأفنية . والتاسع : تصفى الشهود ، وتفقد الأمناء ، واختيار من ~~يرتضيه لذلك . والعاشر : وجوه التسوية في الحكم بين القوى والضعيف ، وتوخي ~~العدل بين الشريف والمشروف . ومن الإكمال : لجمهور العلماء أن للقضاة إقامة ~~الحدود ، والنظر في جميع الأشياء ، من إقامة الحقوق ، وتغيير المناكير ، ~~والنظر في المصالح ، قام بذلك قائم ، أو اختص بحق الله . وحكمه عندهم حكم ~~الوصي المطلق اليد في كل شيء ، إلا ما يختص بضبط البيضة من إعداد الجيوش ، ~~وجباية الخراج . واختلف أصحاب الشافعي هل من نظره مال الصدقات ، والتقديم ~~للجمع والأعياد ، أم لا ، إذا لم يكن على هذا ولاة مخصصون من السلطنة ، على ~~قولين ؛ إلا يختلفون ، إذا كانت هذه مختصة بولاية من قبل السلطنة ، أنه لا ~~نظر له فيها . وذهب أبو حنيفة أنه لا نظر له ms005 في إقامة حد ، ولا في مصلحة ، ~~إلا لطالب مخاصم ، ولا تنطلق يده إلا على ما أذن له فيه ، وحكمه حكم الوكيل ~~الخاص . ومن كتاب الإعلام بنوازل الأحكام : خطة القضاء من أعظم الخطط قدرا ~~، وأجلها خطرا ، لا سيما إذا اجتمعت إليها الصلاة . وعلى القاضي مدار ~~الأحكام ، وإليه النظر في جميع وجوه القضاء . # | فصل # وكل من ولى الحكم بين المسلمين ، من أمير ، أو قاض ، أو صاحب شرطة ، مسلط ~~اليد . وكل ما كان في عقوبتهم من موت ، وكان في حد من حدود الله تعالى ، ~~وأدب لحق ، فهو هدر ؛ وما أتى من ظلم بين ، مشهور ، معتمد ، فعليه العود في ~~عمده ، والعقل في خطائه . وكذلك ما تعمد من إتلاف مال بغير حق ، ولا شبهة ، ~~فذلك في ماله ، يأخذ به المظلوم إن شاء منه ، أو من المحكوم له به . من ~~كتاب الاستغناء لابن عبد الغفور . وفي المقنع : قال سحنون : وإذا قضى ~~القاضي PageV01P006 على رجل يجوز في الأموال ، وكان الذي قضى له بالمال قد ~~أكله ، واستهلكه ، ولم يوجد عنده ، كان ما قضى به على الرجل على القاضي في ~~ماله . وإذا لم يجر في قضائه ، وهو عدل ، رضى ، وإنما خطأ أخطأه ، أو غلط ~~غلطه ، لم يكن عليه شيء من خطئه . وإذا أقر القاضي على نفسه أنه جار في ~~قضائه ، إذا كان قاضيا ، في قتل نفس ، أو قطع يد ، أو قصاص ، أو جراح ، فما ~~أقر به ، أو ثبت عليه من غير إقرار ، أقيد منه . قال أبو أيوب ، في باب خطأ ~~القاضي من الكتاب المسمى : وقد أقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وأبو ~~بكر ، وعمر رضي الله عنهما ! من أنفسهم . ومما تقرر في الشريعة أن حكم ~~الحاكم لا يحل الحرام ، وأن الفروج والدماء والأموال سواء ، بدليل قوله صلى ~~الله عليه وسلم ! : إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ~~؛ فأقضى له على نحو ما أسمع . فمن قضيت له من حق أخيه شيئا ، فلا يأخذه ، ~~فإنما أقطع له قطعة من النار ! فأجرى الله تعالى أحكام رسوله صلى ms006 الله عليه ~~وسلم ! على الظاهر الذي يستوى فيه هو وغيره من البشر ، ليصح اقتداء أمته به ~~في قضاياه ، ويأتون ما أتوا من ذلك على علم من سنته ، إذ البيان بالفعل ~~أولى من القول وأرفع لاحتمال اللفظ : وقوله : ' أقضي له على نحو ما أسمع ' ~~احتج به من لا يجيز حكم الحاكم بعلمه لقوله : فلعل بعضكم أن يكون ألحن ~~بحجته من بعض أي أفطن لها ، وقوله : على نحو ما أسمع ؛ ولم يقل : أعلم ؛ ~~ومن يرى حكم الحاكم بعلمه لا يلتفت إلى ما سمع ، خالف أو وافق . قال عياض : ~~وقد اختلف العلماء في حكم الحاكم بعلمه ، وما سمعه في مجلس نظره . فمذهب ~~مالك وأكثر أصحابه أن القاضي لا يقضي في شيء من الأشياء بعلمه ، إلا فيما ~~أقر به في مجلس قضائه ، خاصة في الأموال . وبه قال الأوزاعي ، وجماعة من ~~أصحاب ملك المدنيين ، وغيرهم ، وحكوه عن مالك . وقال الشافعي في مشهور ~~قوليه ، وأبو ثور ، ومن تبعهما ، أنه يقضي بعلمه في كل شيء من الأموال ، ~~والحدود ، وغير ذلك ، مما سمعه أو رآه قبل قضائه وبعده ، وبمصره وغيره . ~~وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقضى بما سمعه في قضائه وفي مصره ، في الأموال ، لا ~~في الحدود . انتهى . ووقع كذلك في المسألة ، بين الفقهاء بقرطبة ، اختلاف ؛ ~~فذهب منهم أبو إبراهيم ، ومحمد بن العطار ، في آخرين ، إلى أن القاضي له أن ~~يقضي بعلمه دون شهود . ومال قوم PageV01P007 إلى خلاف ذلك ، وقالوا : إنما ~~لم يقض بعلمه ، دون بينة ، لأن فيه تعريض نفسه للتهم ، وإيقاعها في الظنون ~~. وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم ! الظن . قال القاضي أبو الأصبغ بن ~~سهل : وهذا عندي القياس الصحيح المطرد لمن قال : لا يقضي القاضي بعلمه ، ~~ولا بما سمع في مجلس نظره ، لكن الذي قاله أبو إبراهيم وابن العطار ، وجرى ~~به العمل ، وهو عندي الاستحسان ، ويعضده قول مطرف ، وابن الماجشون ، وأصبغ ~~في كتاب ابن حبيب ، أن القاضي يقضي على من أقر عنده في مجلس نظره ، بما سمع ~~منهم ، وإن لم تحضره بينة . وقاله ابن ms007 الماجشون في المجموعة ، وبه أخذ أبو ~~سعيد سحنون بن سعيد ، وقاله أصبغ في كتابه ؛ وهو ظاهر قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ! : ' إنما أنا بشر ، وإنكم تخصمون إلي ! فلعل بعضكم أن يكون ~~ألحن بحجته من بعض ؛ فأقضي له على نحو ما أسمع منه ' الحديث . وقوله عليه ~~الصلاة والسلام ! : ' إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي ! ' معناه حصره ~~في البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم ، لا بالنسبة إلى كل شيء ~~؛ فإن للرسول صلى الله عليه وسلم ! وصايا كثيرة . فللقاضي ، على ما تقرر في ~~المسألة من كلام ابن سهل وغيره ، أن يقضي بما صح عنده وسمعه من أمر الخصمين ~~، وأن له أن ينفذ ذلك بينهما ، ويمضيه من نظره وحكمه . قال مالك : وإذا قضى ~~بما اختلف العلماء فيه ، فحكمه نافذ . وللحاكم المجتهد أن يتخير عن ~~الاختلاف عليه ، وأن يأخذ بما يراه أحوط لدينه وعرضه . قال : وإن لم يكن ~~على ما قضى به مذهب العلماء بذلك الموضع ، فليس لقاض بعده نقضه ، ولا ~~اعتراضه ؛ وإنه نافذ تام ؛ وإن ظهر له في نفسه أن قول غير من أخذ بقوله خير ~~مما أخذ به ، كان له نقضه هو خاصة ، ولم يكن ذلك لأحد بعده . وفي كتاب ~~الأقضية من المدونة : إذا تبين للقاضي أن الحق في غير ما قضى به ، رجع عنده ~~؛ وإنما لا يرجع به فيما قضت به القضاة مما اختلف فيه . قال صاحب التنبيهات ~~: حمل أكثرهم مذهبه في الكتاب على أن الرجوع له ، كيف كان حاله من وهم أو ~~انتقال رأى ، وهو قول مطرف وعبد الملك . ووقع في منتخب ابن مغيث : وتنقسم ~~أحكام القضاة ، على مذهب مالك وجميع أصحابه ، على ثلاثة أقسام : أحدهما في ~~الحكم العدل العالم : فأحكامه كلها نافذة على الجواز ، PageV01P008 ولا ~~يتعقب له حكم ؛ والوجه الثاني في الحكم العدل الجاهل المقلد : فللحكم الذي ~~يلي بعده أن يتعقب أحكامه ؛ فما وافق الحق . منها ، نفذ ومضى ، وما خالف ~~الحق رده وفسخه ؛ والوجه الثالث في الحكم الجائر المتعسف : فللحكم الذي يلي ~~بعده أن يفسخ أحكامه كلها ms008 ، ولا ينفذ له حكما . ومن كتاب سليمان بن محمد بن ~~بطال : قال ابن المواز : لو أن قاضيا نقض حكم قاض قبله قد كان حكم به ، ثم ~~ولى قاض ثالث وعزل الثاني . نظر : فإن كان حكم القاضي الأول مما يحكم به ، ~~ومما يختلف فيه القضاء والفتيا ، رأيت نقض الثاني له خطأ صراحا ؛ فأرى ~~للثالث أن ينقض حكم الثاني ، وينفذ حكم الأول ، وإن كان خلافا لما يحكم به ~~الثالث ؛ وإن حكم الأول خطأ صراحا مما لا اختلاف فيه ، لم أر للثالث أن يرد ~~حكم الثاني إلى ما حكم به الأول . # | فصل في التحذير من الحكم بالباطل أو الجهل # قال الله عز وجل ! : ' يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء ~~بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى . ' ' ~~ويجرمنكم ' معناه يحملنكم . قاله ابن حبيب . عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ! أنه قال الحكام ثلاثة . إثنان في النار وواحد في الجنة . حكم حكم ~~بجهل ، فخسر ، فأهلك أموال الناس ، وأهلك نفسه ، ففي النار ؛ وحكم حكم فخدل ~~أي جار ، فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه ، ففي النار ؛ وحكم علم ، فعدل ~~فأحرز أموال الناس وأحرز نفسه ، ففي الجنة ! قال الهروي في كتاب الغريبين ~~له في الحديث : ورجل علم فخدل أي جار يقال إنه لخدل غير عدل . ذكر ذلك في ~~باب الخاء والدال . قال ابن سيدة في باب الخاء مع الدال : خدل على خدلا : ~~ظلمني ، وخدل على خدولا وخدلا : جار . وفي الحديث : من ولى قاضيا ، فقد ذبح ~~بغير سكين . وفي رواية لابن أبي ذويب : فقد ذبح بالسكين . وفيه : الولاية ~~أولها ملامة ، ووسطها ندامة ، وآخرها عذاب في القيامة ، إلا من اتقى الله ~~عز وجل . وفي الموطأ باب ما يكره من القضاء مالك عن يحيى بن سعيد أن أبا ~~الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أن : هلم إلى الأرض المقدسة ! فكتب ~~PageV01P009 إليه سلمان : إن الأرض لا تقدس أحدا ، وإنما يقدس الإنسان عمله ~~وقد بلغني أنك جعلت طبيبا تداوي الناس : فإن كنت تبرى ، فنعما لك ! وإن كنت ms009 ~~متطببا ، فاحذر أن تقتل إنسانا ، فتدخل النار ! وكان أبو الدرداء ، إذا قضى ~~بين إثنين ، ثم أدبرا عنه ، قال : ارجعا ! أعيد على قضيتكما متطببا والله ! ~~ويحيى بن سعيد هو القائل : وليت قضاء الكوفة ، وأنا أرى أنه ليس على الأرض ~~شيء من العلم ، إلا وقد سمعته . فأول مجلس جلست للقضاء ، اختصم إلي رجلان ~~ما سمعت فيه شيئا ! وفي المستخرجة : قال مالك : قال عمر بن الحسين : ما ~~أدركت قاضيا استقضى بالمدينة إلا رأيت كآبة القضاء وكراهيته في وجهه ! . ~~وفي الصحيح عن أبي ذر : قلت : يا رسول الله ، ألا استعملتني ! فضرب بيده ~~على منكبي ، ثم قال : يا أبا ذر ، إنك ضعيف ، وإنها أمانة ، وإنها يوم ~~القيامة خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها ! فلا ~~ينبغي أن يتقدم على العمل إلا من وثق بنفسه وتعين له وأجبره الإمام العدل ~~عليه . وللإمام العدل إجباره إذا كان صالحا ، وله أن يمتنع عنه إلا أن ~~يتحقق أنه ليس في تلك الناحية من يصلح للقضاء سواه ؛ فلا يحل له الامتناع ~~حينئذ لتعيين الفرض عليه . # | فصل # من المجموع المسمى ؛ المقصد المحمود : القضاء محنة وبلية ، ومن دخل فيه ، ~~فقد عرض نفسه للهلاك ، لأن التخلص منه عسير ؛ فالهروب منه واجب ، لا سيما ~~في هذا الوقت ، وطلبه حمق وإن كان حسبة . قاله الشعبي . ورخص فيه بعض ~~الشافعية : إذا خلصت نيته للحسبة ، بأن يكون وليه من لا ترضى أحواله ؛ ~~والأول أصح لقوله عليه الصلاة والسلام ! : إنا لا نستعمل على عملنا من ~~أراده . وفي إكمال المعلم : اختلف العلماء في طلب الولاية مجردا ، هل يجوز ~~أو يمنع ، وأما إن كان الرزق يرتزقه ، أو فائدة جائز يستحقه ، أو لتضييع ~~القائم بها أو خوفه حصولها في غير مستوجبها ، ونيته في إقامة الحق فيها ؛ ~~فذلك جائز له . وقد قال يوسف عليه الصلاة والسلام ! : ' اجعلني على خزائن ~~الأرض ' . ومن الحديث PageV01P010 الصحيح : من ابتغى القضاء ، واستعان عليه ~~بالشفعاء ، وكل إلى نفسه ؛ ومن أكره عليه ، أنزل الله عليه ملكا يسدده . ~~ومنه : من مال إلى الإمارة وكل إليها ، ومعناه : لم ms010 يعن على ما يتعاطاه ؛ ~~والمتعاطى أبدا مقرون به الخذلان ؛ فمن دعي إلى عمل ، أو إمامه في الدين ، ~~فقص نفسه على تلك المنزلة ، وهاب أمر الله ، رزقه الله المعونة . وهذا مبني ~~على من تواضع لله ، رفعه الله . فمن الواجب على كل من ابتلى بالقضاء أن ~~يكثر من التذلل لله ، والمراقبة له عند أمر ونهيه ، والأخذ بالشفقة على ~~عباده . فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! أنه قال : ' ~~اللهم ! من ولى من أمر أمتي شيئا فشق عليهم ، فأشفق عليه ! ومن ولى من أمر ~~أمتي شيئا فرفق بهم ، فارفق به ! ' وكل قاض مطلوب منه أن يحكم بالعدل على ~~نفسه وعلى غيره ، وأن يعتقد أنه حاكم في ظاهره ، محكوم عليه في باطنه . روى ~~الليث بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! أنه قال : من ولى ولاية ، ~~فأحسن فيها أو أساء ، أتى به يوم القيامة ، وقد غلت يمينه إلى عنقه ؛ فإن ~~كان عدلا في أحكامه ، أطلق من أغلاله وجعل في ظل عرش الرحمن ؛ وإن كان غير ~~عدل في أحكامه ، غلت شماله إلى يمينه ، فيسبح في عرقه حتى يغرق في جهنم . ~~ولما تقرر من بلاء القضاء ، فر عنه كثير من الفضلاء وتغيبوا ، حتى تركوا . ~~وسجن بسببه عند الامتناع آخرون ، منهم أبو حنيفة ، وهو النعمان بن ثابت ، ~~دعاه عمر بن هبيرة للقضاء ؛ فأبى ؛ فحبسه وضربه أياما ، كل يوم عشرة أسواط ~~، وهو متماد على ابايته إلى أن تركه . وقد نقل عن عثمان بن عفان أنه قال ~~لعبد الله بن عمر بن الخطاب : اقض بين الناس . قال : لا أقضي بين رجلين ما ~~بقيت ! قال : لتفعلن ! لا أفعل ! فإن أباك كان يقضي . قال : كان أبي أعلم ~~مني وأنقى ! ومن غريب ما يحكى عن مسلمة بن زرعة ، وقد تكلم في تباعات ~~القضاء ، أنه قال رأيت في الأندلس قاضيا يدعى مهاجر بن نوفل القرشي ، ما ~~رأيت مثله في العبادة والورع . ولقد بلغني في موته أعظم العجب . أخبرني به ~~ثقات من أهل بلده . وذلك أنه لما مات ms011 دفن في مقبرتهم ليلا ، وأظنه عهد بذلك ~~، فلما أهيل التراب عليه ، PageV01P011 سمعوا من القبر كلاما فاستمعوا له ؛ ~~فسمعوه ينادي : أنذركم ضيق القبر وعاقبة القضاء ! قال : فكشفوا عنه ، وظنوه ~~حيا ؛ فوجدوه مكشوف الوجه ، ميتا ، بحالته التي قبر بها رحمه الله وغفر لنا ~~وله ! وقال الحسن بن محمد في كتابه ، عند ذكر من عرض عليه القضاء ، فأبى من ~~قبوله : استشار الأمير عبد الرحمن بن معاوية ، أول الخلفاء بالأندلس من بني ~~أمية أصحابه ، في قاض يوليه على قرطبة . فأشار عليه ولده هشام ، وحاجبه ابن ~~مغيث ، فالمصعب بن عمران ؛ ووقف الاختيار عليه . فوقع بنفس الأمير ، وأمر ~~بالإرسال إليه ؛ فلما قدم مصعب ، أدخله على نفسه ، بحضرة ولده هشام ، ~~وحاجبه ، وخاصة أصحابه ؛ فعرض عليه القضاء . فأبى من قبوله ، وذكر أعذارا ~~تعوقه عنه ؛ فردها الأمير وحمله على العزيمة ، وأصر مصعب على الإباية البتة ~~؛ فاغضب الأمير ، وهاج غضبه ، وأطال الإطراق ؛ ثم رفع رأسه إلى مصعب وقال : ~~اذهب ! عليك العفا وعلى الذين أشاروا بك ! ولما أراد هشام للقضاء بقرطبة ~~زياد بن عبد الرحمن ، وعزم عليه ، خرج منها فارا بنفسه ، على ما حكاه ابن ~~حارث . فقال هشام عند ذلك : ليت الناس كلهم كزياد ، حتى ألغى أهل الرغبة في ~~الدنيا ! وممن عرض عليه القضاء من الفقهاء بالأندلس فأبى من قبوله ، ~~إبراهيم بن محمد ابن بار ، دعاه إليه الأمير محمد بن عبد الرحمن لقصة رفعت ~~من قدره عنده ؛ فأباه فأرسل إليه بذلك هاشم بن عبد العزيز صاحبه ؛ فامتنع ~~عليه ولم يجد فيه حيلة ؛ فأعاد إليه الأمير هاشما بوصية يقول : إذا لم تقبل ~~قضاءنا ، فاحضر مجلسنا ، وكن أحد الداخلين علينا ، الذين نشاورهم في أمورنا ~~، ونسمع منهم في رعيتنا . فلما استمع رسالته ، قال : يا أبا خالد ، إن ألح ~~علي الأمير في هذا ومثله ، هربت والله ! بنفسي من بلده ! فما لي وله ؟ ~~فأعرض عنه الأمير عند ذلك ، وعلم أنه ليس من صيده . ومنهم أبان بن عيسى بن ~~دينار ، ولاه الأمير محمد بن عبد الرحمن قضاء كورة جيان ؛ فأبى ولح . فأمر ~~الأمير بإكراهه على العمل وأن ms012 يوكل به نفرا من الحرس ، يحملونه إلى حضرة ~~جيان ، فيجلسونه هناك مجلس القضاء ، ويأخذونه بالحكم بين PageV01P012 الناس ~~. فأنفذ الوزراء أمره ، وسار به الحرس ، فأقعدوه بجيان ؛ فحكم بين الناس ~~يوما واحدا . فلما أتى الليل ، هرب على وجهه ؛ فأصبح الناس يقولون : هرب ~~القاضي ! فرفع الخبر إلى الأمير محمد ؛ فقال : هذا رجل صالح فر بدينه ! ~~فليسئل عن مكانه ويؤمن مما أكره ! ومن أهل سرقسطة ، قاسم بن ثابت بن عبد ~~العزيز الفهري ، صاحب كتاب الدلائل في شرح غريب الحديث . دعي للقضاء ببلده ~~؛ فامتنع من ذلك . فلما اضطره الأمير وعزم عليه ، استمهله ثلاثة أيام ، ~~يستخير فيها الله عز وجل ! فمات خلال تلك المدة . فكان الناس يرون أنه دعا ~~الله تعالى في الاستكفاء ؛ فكفاه وستره . وصار حديثه موعظة في زمانه . قاله ~~أحمد بن محمد . وممن عرض عليه القضاء ، في عصرنا هذا المستأخر ، فأباه ~~وامتنع من قبوله ، الفقيه أبو عيسى أحمد بن عبد الملك الإشبيلي ، عرضه عليه ~~المنصور محمد بن أبي عامر مدبر أمر الخليفة هشام المؤيد بالله ، عن أمر ~~الخليفة مرتين ؛ فلم يجد فيه حيلة . أولاهما إذ توفي قاضي قرطبة محمد بن ~~يبقى بن زرب ، سنة 381 ؛ أحضره وخاطبه مشافهة بمحضر الوزراء ؛ فقال له : إن ~~أمير المؤمنين المؤيد بالله اختارك للقضاء ، ورأى تقديمك مباركا لك فيه . ~~فقال : أعوذ بالله من ذلك ! لست ، والله الذي لا إله إلا هو ! اتهم إلى هذا ~~ولا أقبله البتة ! فإني لا أستطيع ولا أصلح وما أفتى الناس في ذلك إلا وأنا ~~مضطجع أكثر أوقاتي لكبرى وضعفي . و والله ! لقد صدقتك ! فانظر للمسلمين ~~وانصح لإمامك وفقه الله ! فتركه . وممن جاهر بالإصرار على الإباية من ~~القضاء ، محمد بن عبد السلام الخشني ، أراده الأمير محمد لتقليد القضاء ~~بجيان ؛ وأمر الوزراء أن يجلسوه ويلزموه ذلك ؛ ففعلوا وأدوا إليه رسالة ~~الأمير . فأبى عليهم ونفر نفورا شديدا ؛ فلاطفوه وخوفوه بادرة السلطان ؛ ~~فلم يزد إلا أباء ونفورا . فكتبوا إلى الأمير محمد بلجاجه واعياء الحيلة ~~عليهم في إجابته . فوقع الأمير توقيعا غليظا معناه : إن من عاصانا ، فقد ~~أحل بنفسه ms013 ودمه . فلما قرأوه على الخشني ، نزع قلنسوته من رأسه ومد عنقه ~~وجعل يقول : أبيت كما أبت السموات والأرض ، إباية إشفاق ، لا إباية نفاق ! ~~PageV01P013 فكتبوا إلى الأمير بلفظه ؛ فكتب إليهم أن سلموا أمره وأخرجوه ~~عن أنفسكم ! فقالوا له : انصرف ! فانطلق عنهم ولم يهيجوه بعد . وقد شدد بعض ~~العلماء على الفار منه ، إذا كان ممن توفرت فيه دواعيه . فنقل عن سحنون أنه ~~قال : إذا كان الرجل أهلا لخطة القضاء ، فاستعفى منها ، عوفى منها إن وجد ~~لها عوض منه ؛ وإن لم يوجد ، أجبر عليها ؛ فإن أبى ، سجن ؛ فإن أبى ، ضرب . ~~قال الشعباني : فإن لم يوجد غير واحد ممن يشكل للقضاء ، أجبر عليه بالسجن ~~والضرب . ومن جامع كتاب الاستغناء : وإن كان الداعي له إلى العمل غير عدل ، ~~لم يجز لأحد إعانته على أموره ، لأنه متعد في فعله ؛ فيجب له أن يصبر على ~~المكروه ، ويدع العمل معه ؛ وإن كان عدلا ، جاز بالعمل معه ، ويستحب له ~~إعانته . انتهى . والذي يظهر من كلام مالك ، الأخذ بالترك ، والتحذير من ~~الولاية على كل تقدير ، فقد روى عنه ابن وهب في الرجل يدعى للعمل ، فيكره ~~أن يجيب إليه ، وخاف على دمه ، وجلد ظهره ، وهدم داره . كيف ترى في ذلك ؟ ~~فقال : أما هدم داره وجلد ظهره وسجنه ، فإنه يصبر على ذلك ، ويترك العمل ~~خير له ، وأما أن يباح دمه ولا أدري ما حد ذلك ، ولعله في سعة من ذلك إن ~~عمل . وقال الأبهري : إن دعي إلى العمل ، فأبى ، وخشي ضرب ظهره أو على دمه ~~أو سجنه ، فأما الضرب والسجن ، فإن صبر ، فهو أفضل ؛ وأما دمه ، فإن عمل ، ~~فعله في سعة أن يجري العدل والإنصاف ؛ وإن لم يمكنه ، لم يجز له أن يتعدى ~~الحق ، ويصبر على ما يلحقه من المكروه ، إذ لا يجوز له أن يبطل حق المسلمين ~~وحريمهم لنفسه . ومن كتاب ابن حارث . لما توفي يحيى بن معن ، بقي الناس بلا ~~قاض نحوا من ستة أشهر ، روى فيها الأمير عبد الرحمن في الإيتاء للقضاء . ~~فقلق الناس لذلك ؛ فقال : والله ! ما يمنعني ms014 من التعجيل إلا النظر لهم ! ~~فإني لا أجد رجلا أرضاه ، غير واحد ، وهو لا يجيبني ! فقال له أحد جلسائه : ~~فإذا أرضيته للقضاء ، وأباه ، فإلزمه أن يدلك على سواه . فأحضر يحيى بن ~~يحيى وألزمه أن يشير عليه ، إذ لم يجبه . فامتنع من الوجهين معا ، الولاية ~~والدلالة ، وقال : قد صدقت عن نفسي لمعرفتي بها ؛ ولن PageV01P014 أتقلد ~~الدلالة على غيري ، فإنه ، إن جار ، شاركته في جوره ! فاغضب ذلك الأمير ولح ~~في أن لا يعفيه . وألزمه صاحب رسائل غدابه إلى المسجد الجامع ، فأجلسه مجلس ~~الحكم ، وقال للخصوم : هذا قاضيكم ! فلبث يحيى على تلك الحال ثلاثا ، وهو ~~لا يمد يده لكتاب ، ولا يتكلم مع أحد ، إلى أن ضاق صدره ؛ فكتب إلى الأمير ~~يشير بإبراهيم ابن العباس ؛ فقلده ، وكف عن يحيى . وممن تخلف عن قبول خطة ~~القضاء ، الإمام محمد بن إدريس الشافعي . فراجع أمير المؤمنين ، عند العزم ~~عليه في التولية ، بأمور منها أن قال له : إن هذا الأمر لا يصلح له من ~~يشركك في نسبك . وتوقف عن العمل حتى ترك . وهو القائل : من ولي القضاء ، ~~ولم يفتقر ، فهو سارق ؛ ومن لم يصن نفسه ، لم ينفعه العلم . وبمثل مقالة ~~الشافعي في الاعتذار عن قبول القضاء ، أشار عبد الملك بن حبيب على عبد ~~الرحمن ابن الحكم ، في نازلة القاضي إبراهيم بن العباس القرشي ؛ وهي ~~النازلة التي تنسب له . وللفقيه يحيى بن يحيى السورة على الخليفة ؛ فقال له ~~ابن حبيب وأما القاضي ، فلا ينبغي للأمير أعزه الله ! أن يشرك في عدله من ~~يشركه في حسبه . فعزل الأمير القرشي قاضيه ، وذلك آخر سنة 213 . وولي ~~القضاء مكانه محمد بن سعيد . وعرض أمير المؤمنين الرشيد على المغيرة بن عبد ~~الرحمن المخزومي قضاء المدينة ، وجائزته أربعة آلاف دينار . فامتنع ؛ فأبى ~~الرشيد أن يلزمه ، فقال : والله ! يا أمير المؤمنين ! لأن يحنقني الشيطان ~~أحب إلي من أن ألي القضاء ! فقال الرشيد : ما بعد هذا شيء ! وأعفاه ، ~~وأجازه بألفي دينار . ورأيت في كتاب ترتيب المدارك تصنيف القاضي عياض بن ~~موسى بن عياض ومن خطه نقلت ms015 ، وقد ذكر عبد الله بن فروخ الفارسي ، فقيه ~~القيروان في وقته ؛ فقال : كان أكره الناس في القضاء . وكان يقول : قلت ~~لأبي حنيفة : ما منعك أن تلي القضاء ؟ فقال لي : يا ابن فروخ ! القضاة ~~ثلاثة : رجل يحسن العوم ، فأخذ البحر طولا ، فما عساه أن يعوم ، يوشك أن ~~يكل فيغرق ؛ ورجل بعومه ، عام يسيرا فغرق ؛ ورجل لا يحسن العوم ، ألقى ~~بنفسه على الماء ، فغرق من ساعته . ومن الكتاب المسمى أن روح بن حاتم أرسل ~~إلى ابن فروخ ليوليه القضاء فامتنع ؛ PageV01P015 فأمر به أن يربط ويصعد به ~~على سقف الجامع ؛ فقيل له : تقبل ؟ فقال : لا ! فأخذ ليطرح ؛ فلما رأى ~~العزم قال : قبلت . فأجلس في الجامع ومعه حرس ؛ فتقدم إليه خصمان ؛ فنظر ~~إليهما وبكى طويلا ؛ ثم رفع رأسه ، فقال لهما : سألتكما بالله ! ألا ~~أعفيتماني من أنفسكما ، ولا تكونا أول مشوش علي ! فرحماه ، وقاما عنه . ~~فأعلم الحرس بذلك روحا ؛ فقال : اذهبوا إليه ، فقولوا له يشير علينا بمن ~~نولي أو ما قبل . فقال : إن يكن ، فعبد الله بن غانم ؛ فإني رأيته شابا له ~~صبابة يعني بمسائل القضاة . فعليك به ! فإنه يعرف مقدار القضاء . فولى ابن ~~غانم ؛ فكان يشاوره في كثير من أموره وأحكامه ؛ فأشفق ابن فروخ من ذلك ، ~~وقال له : يا ابن أخي ! لم أقبلها أميرا أقبلها وزيرا ! وخرج إلى مصر هربا ~~من ذلك وورعا ، ومات هنالك . وممن عرض عليه القضاء بإفريقية ، فامتنع منه ، ~~أبو ميسرة أحمد بن نزار . فلما عرض عليه قال : اللهم ! إنك تعلم أني انقطعت ~~إليك ، وأنا ابن ثماني عشرة سنة ! فلا تمكنهم مني ! فما جاء العصر إلا وقد ~~توفي . فغسل وكفن وخرج به . فوجه إليه الأمير إسماعيل العبدي كفنا وطيبا في ~~الأطباق ؛ فوافاه الرسول على النعش ؛ فجعل عليه الكفن من فوق . ومن غريب ما ~~حكى عنه أنه بينا هو يتهجد ليلة من الليالي ويبكي ويدعو ، إذا بنور عظيم ، ~~خرج له من حائط المحراب ، ووجه كأنه البدر . فقال : تملأ ، يا أبا ميسرة ! ~~من وجهي : فإني ربك الأعلى ! فبصق في وجهه وقال له : اذهب ms016 يا ملعون ! يا ~~شيطان ! لعنك الله ! قال المؤلف رضي الله عنه ! : التوفيق صحب ابن نزار عند ~~مشاهدته لما أخبر عنه بحائط محرابه ؛ فثبتت المعرفة قدمه ، وأنطقت بالصواب ~~لسانه . فذات القديم سبحانه ذات موصوفة بالعلم ، مدركة بلا إحاطة ، ولا ~~مرءية بالأبصار في دار الدنيا ؛ وهي موجودة بحقائق الإيمان ، من غير حد ، ~~ولا إحاطة ، ولا حلول ؛ فالقلوب تعرفه ، والعقول لا تدركه ؛ ينظر إليه ~~المؤمنون في الآخرة بالأبصار ، بغير إحاطة ، ولا إدراك نهاية . ومن باب ~~التمنع عن المسارعة إلى الأمور التي يخاف من الدخول فيها ، السقوط في ~~الفتنة ، ما جرى لجعفر بن الحسن بن الحسن الأمدي قاضي بلنسية آخر أيام ~~قضائه بها . وذلك أنه بويع لمروان بن عبد العزيز ببلنسية ، عند انقراض ~~الدولة اللمتونية ، طلب بالشهادة في بيعته فقال : والله ! لا أفعل وبيعة ~~تاشفين في عنقي ! ثم قال : اللهم ! PageV01P016 اقبضني إليك ! قال ابن ~~الأبار في تكملته ، وقد ذكره : فتوفي في ليلته ودفن في الغد . وكان رجلا ~~صالحا . ورعا ، مجاب الدعوة . وكانت بيعة مروان في صفر سنة 540 . وذكر يحيى ~~بن إسحاق أن هشاما ، لما ولي ، قيل له : لا يتعدل ما تريد إلا بولاية زياد ~~بن عبد الرحمن على القضاء ! فبعث إليه ؛ فتمنع ؛ فألح عليه هشام ، وأحضر ~~الوزراء ؛ وكلموه في ذلك عن الأمير وعرفوه عزمه . فقال لهم : أما إذ عزمتم ~~، وأكرهتموني على القضاء ، فأخبركم ما أبدأ به على المشي إلى مكة . إن ~~وليتموني ، وجاءني أحد متظلما منكم ، إلا أخرجت من أيديكم ما يدعيه ، ~~ورددته عليه ، وكلفتكم البينة لما أعرف من ظلمكم ! فلما سمعوا ذلك ، عرفوا ~~صدقه ؛ فعلموا عند الأمير في معافاته . فقيل ليحيى بن يحيى : أهو وجه ~~القضاء ؟ قال : نعم ! فيمن عرف بالظلم والقدرة ! # | فصل # هذه المسألة ، التي هي إخراج ما يدعيه الطالب من يد المطلوب الموسوم ~~بالظلم ، وقع من أمثالها في أمهات الكتب نظائر ؛ منها في العتبية قال في ~~سماع يحيى : قلت : فقوم عرفوا بالغصب لأموال الناس من ذوي الاستطالة ~~بالسلطان ؛ ثم جاء الله بوال أنصف منهم وأعدى عليهم ؛ فلا يجد الرجل من ms017 ~~يشهد على معاينة الغصب ، ويجد من يشهد على حق أنهم يعرفونه ملك المدعي ، ثم ~~رأوه بيد هذا الظالم ، لا يدرون بماذا صار إليه إلا أن الطالب كان يشكو ~~إليهم ذلك ، أو لا يشكوه . قال : إذا كان من أهل القهرة والتعدي ومن يقدر ~~على ذلك ، والبينة عادلة ، فذلك يوجب للمدعي أخذ حقه منه ، إلا أن يأت ~~الظالم ببينة عادلة على شراء صحيح ، أو علمية لمن كان يأمن ظلمه ، أو يأت ~~بوجه حق ينظر له فيه . قال : فإن جاء ببينة عادلة على شرائه ، وزعم البائع ~~أن ذلك البيع عن فوق من سطوته ، وهو لا يقدر عليه ؛ قال : يفسخ البيع إن ~~ثبت أنه من أهل الظلم والاستطالة . قال : وإن زعم البائع أنه باع وقبض منه ~~الثمن ظاهرا ، ثم دس إليه سراق ، أخذه منه . ولو لم يفعل له ذلك لقي منه ~~شرا قال : لا يقبل منه هذا ؛ وعليه دفع الثمن إليه ، بعد أن يحلف الظالم ~~أنه ما ارتجعه ، ولا أخذه منه بعد أن دفعه إليه . قال ابن رشد : أما ما ~~ذكره من أن الظالم ، المعروف بالغضب لأموال الناس والقهرة لهم عليهم ، لا ~~ينتفع بحيازته مال الرجل في وجهه ، ولا يصدق من أجلها على ما يدعيه من ~~PageV01P017 شراء أو هبة ، أو صدقة يريد ، وإن طال ذلك في يده أعواما : أما ~~إذا أقر بأصل الملك لمدعيه ، وقامت له بينة بذلك ، فهو صحيح لا أعلم فيه ~~اختلافا ، لأن الحيازة لا توجب الملك ؛ وإنما هي دليل عليه بوجه تصديق غير ~~الغاصب فيما ادعاه من تصييره إليه ، لأن الظاهر أنه لا يجوز أخذ مال أحد ، ~~وهو حاضر لا يدعيه ولا يطلبه ، إلا وقد صار إلى الذي بيده ، إذا حازه في ~~وجهه العشرة الأعوام ونحوها ! لقول النبي صلى الله عليه وسلم ! : من حاز ~~شيئا عشر سنين ، فهو له ! معناه عند أهل العلم بدعواه مع يمينه ؛ وأما ~~الغاصب فلا دليل له في كون المال بيده ؛ وإن طالت حيازته له في وجه صاحبه ~~لما يعلم من غصبه لأموال الناس والقهرة لهم عليهم ms018 . قال : وأما إن أثبت ~~الغاصب الشراء ودفع الثمن ، فادعى البائع أنه أخذه منه في السر ، بعد أن ~~دفع إليه ، فهو مدع لا دليل له على دعواه ، فوجب أن يكون القول قول الغاصب ~~المدعى عليه ، كما قال في الرواية لقوله عليه الصلاة والسلام ! : البينة ~~على المدعى ، واليمين على من أنكر . وقد روى عن يحيى بن يحيى أنه قال : إذا ~~قال البائع إنه أعطاه الثمن بالظاهر ، فدس عليه من أخذه منه ، فإنه ينظر ~~إلى المشتري ؛ فإن عرف بالعداء والظلم والتسلط ، فإني أرى القول قول البائع ~~، مع يمينه لقد دفع المال إليه قهرة وغلبة ، ويرد ماله عليه بغير أن يرد ~~إليه الثمن . وقاله ابن القاسم . دفع ذلك في بعض الروايات ، وهو إغراق . ~~فإذا أقر أنه دفع إليه ، ثم أدعى أنه أخذه منه ، وأما لو لم يقر أنه قبض ~~الثمن ؛ وقال : إنما أشهدت له على نفسي بقبضه ، تقية وخوفا منه ! لا شبه أن ~~يصدق في ذلك مع يمينه في المعروف بالغصب والظلم ؛ وإنما يكون ما قال يحيى ~~من تصديق البائع فيما ادعاه من أنه دس إليه في السر من أخذ الثمن منه ، إذ ~~أشهد له أنه فعل ذلك بغيره . ونرجع إلى ما كنا بسبيله ؛ فنقول : وممن عرض ~~عليه القضاء فأباه ، الشيخ الصالح بقي بن مخلد . كانت له خاصة بالأمير ~~المنذر بن محمد بن عبد الرحمن قبل ولايته الملك ؛ وكان قد قدم إليه في حياة ~~والده البشرى بالخلافة ، لرؤيا قصها عليه . فلما ولي الخلافة ، ضاعف له ~~البر والكرامة والإعظام والتبجلة ، وأحضره وأراده لولاية القضاء . فأبى ~~عليه . فذهب إلى استكراهه . فقال الشيخ بقي : ما هذا جزاء محبتي وانقطاعي ~~وصاغيتي ؟ PageV01P018 فقال له المنذر : أما إذ أبيته ، فأشر علي بقاض ~~ترضاه للمسلمين ! فأبى عليه ؛ فضايقه ، وعزم عليه ؛ فقال : لا بد أن تلى أو ~~تشير ! فقال : أشير عليك برجل من آل زياد ، يسكن برية ، يعرف بعامر بن ~~معاوية . فقبل منه ، وأرسل في عامر ؛ فولاه . ومنهم أبو غالب عبد الرؤوف بن ~~الفرج بن أبي كنانة . كان الأمير عبد الله بن ms019 محمد به معجبا ، وله مفضلا ؛ ~~وكان قد اشتهى رؤيته من غير أن يستدعيه ؛ فتعرض لذلك يوم الجمعة من طاق ~~الساباط : فرآه عند رواحه إلى المسجد الجامع ، وأعجبه سمته ، وأحب اجتذابه ~~إليه ، وقال : لا بد أن أضمه إلى الوزارة أو القضاء ! فذاكر بشأنه الوزير ~~ابن أبي عبدة ، وكان صديقا لأبي غالب ؛ فقال : ينبغي للأمير أن لا يهجم على ~~الرجل بالاستدعاء ، حتى يعرف ما عنده في ذلك . فقال له : فكن أنت الذي ~~يتعرف ذلك . قال الكاتب المدعو بسكن بن إبراهيم : فأرسلني الوزير إليه ؛ ~~فعرضت عليه مراد الأمير ؛ فتلقى ذلك مني بالنطق والتضاحك ، حتى أطمعني في ~~نفسه ؛ وجعل يقول : كيف كان تنبهكم لنا بعد طول الغفلة ؟ وما نرى هذا منكم ~~عن صحة نية : فانتم أشح بدنياكم من أن تعطوا منها أحدا شيئا ، وتشركوا فيها ~~صديقا ! قال سكن : فلما صرت به إلى الجد ، تنمر لي ، وقال آخر قوله : بالله ~~الذي لا إله إلا هو ! لئن عاودتني أو غيرك ، أو بلغتني فيه عن الأمير عزيمة ~~، لأخرجن عن الأندلس ! فلا أعودن إليها آخر الدهر ! فترك عن ذلك . وقدم ~~للقضاء بالجزيرة الخضراء وما يرجع إليها ، عبد الله بن أحمد بن الحسن ~~الجذامي النباهي ، وذلك بإشارة شيخه الأستاذ أبي القاسم بن إبراهيم بن محمد ~~الزهري الإفليلي ، أيام ولايته الوزارة للمستكفي بالله . والمستكفي هو محمد ~~بن عبد الرحمن بن عبيد الله ابن عبد الرحمن الناصر من بني أمية . فأبى من ~~القبول ؛ وقع العزم عليه في العمل من الأمير ، فنفر ، وقصد الوزير وخلابه . ~~وكان من جملة مقاله له : سألتك بالله ! أتعلم أن الولاية لمثلي أولى من ~~الإباية ؟ فأقف عند إشارتك ؟ أم تعلم أن الأمر بخلاف ذلك ؟ فقال له : يا ~~ابن أخي ! حاصل ما أراه أن الولاية في الوقت كرامة وترك العمل سلامة . ~~PageV01P019 فقال له ابن الحسن : أبقاك الله ! أختار السلامة ! وليس يجمل ~~بك أن تكون نتيجة معرفتي بك تكليفي ما يصعب علي تحمله ! فحاول استبداله ~~بغيره . وانقطع هو للاشتغال بإصلاح حاله ، والاقتصاد على التعيش من ماله . ~~وقد ذكره خلف بن ms020 عبد الملك في صلته لكتاب القاضي أبي الوليد بن الفرضي ؛ ~~فقال فيه بعد اسمه : يكنى أبا محمد ؛ أخذ عن أبي القاسم بن الإفليلي كثيرا ~~. وكان عالما بالآداب واللغات والإشارات ؛ وله رد على أبي محمد بن حزم فيما ~~انتقده على ابن الإفليلي في شرحه لشعر المتنبي ؛ أخذ عنه أبو عبد الله محمد ~~بن سليمان شيخنا رحمه الله ! وعن سحنون قال : مات بعض قضاة إفريقية . فقدم ~~رسول الخليفة ، وجمع العلماء ، واستشارهم في قاض يوليه ، فقيل لشيخه أبي ~~الحسن بن زياد : هذا رسول الخليفة ، يشتشيرك في قاض يوليه . فحول وجهه إلى ~~القبلة ؛ فقال : ورب هذه القبلة ! ما أعرف بها أحدا يستوجب القضاء . قوموا ~~عني ! قال مطرف وابن الماجشون وأصبغ : لا يستقضي إلا من يوثق به في عفافه ، ~~وصلاحه ، وفهمه ، وعلمه بالسنة والآثار ووجه الفقه ؛ ولا يصلح أن يكون صاحب ~~حديث لا فقه له ، أو فقيها لا حديث عنده . ولا يفتى إلا ما كان هذا وصفه ~~إلا أن يخبر بشيء سمعه ؛ ولا ينبغي ، وإن كان صالحا عفيفا . أن يولي إلا أن ~~يكون له علم بالقضاء . وممن عرضت عليه الولاية بمالقة ، من أهلها ، فأبى ~~وتمنع منها ، الحسن بن محمد بن الحسن الجذامي النباهي . واعتذر بأمور ، ~~منها كثرة ولده ، وتعدد ذوي رحمه وقد ورد : لا يحكم القاضي إلا لمن تجوز له ~~شهادته من قومه ؛ واستثقل مع ذلك القهرة لأهل بلده بالحكم من قبله ؛ وكان ~~قد جرى لوالده محمد بن الحسن ، آخر أيام ولايته القضاء بكورة رية ، ما هو ~~معروف عند الكثير ، من إعمال الحيلة في غدره ، والإقدام على قتله . فقبل ~~الأمير عند ذلك معاذيره ، وترك سبيله ثم جدد العزم عليه في الولاية . قال ~~ابن فريد في كتابه : فاستقضى بغرناطة ؛ وكان من أهل النباهة والجلالة ، ~~توفي سنة 473 . وذكره ابن بشكوال في صلته . ومن الفقهاء المتأخرين ، ~~المتقدمين في العلم والدين ، أبو عبد الله محمد بن عياش الأنصاري ثم ~~الخزرجي ، أحد أشياخ بلدنا مالقة ، وفريد عصره بها عقلا ، وفضلا ، ~~PageV01P020 وورعا وزهدا ؛ استدعاه أمير المسلمين أبو الحجاج يوسف بن ms021 ~~إسماعيل بن نصر رحمه الله وأرضاه ! لحضرته ؛ فقلده بها قضاء الجماعة ~~والخطبة أيام الجمعة بمسجد حمرائها ؛ فخطب جمعة واحدة ، وأقام رسم القضاء ~~ثلاثة أيام حسبة ، إذ كان أولا قد عزم على تركه ، والخروج عن عهدته ؛ فلم ~~يقبل كسوة ، ولا أخذ جراية ، وأفصح رابع يومه بالاستعفاء عن خطة القضاء . ~~وكان أعلم قضاة زمانه بالأحكام ، وأحفظهم للمسائل ، وأبصرهم بالنوازل ؛ ~~لاكنه نفعه الله بقصده ! هاب أمر الله ، وأثر مع ذلك راحة بدنه ، وخلاص ~~نفسه من تبعاته . وعلم الأمير صدق مقالته ، وصحة عزيمته ؛ فأعفاه . وارتحل ~~عند ذلك بقية يومه إلى بلده ، وتقدم للخطبة والصلاة بالجامع منه . وتولى ~~ذلك إلى وفاته ، ولم يأخذ عليه مرتبا . مدة حياته . فكان في انقباضه عن ~~الولاية أشبه الناس بموسى بن محمد ابن زياد ، إذ ولاه الأمير عبد الله من ~~بني أمية القضاء بقرطبة ، والصلاة معا بأهلها ؛ فصلى بالناس جمعة واحدة ، ~~واستعفى في الثانية ، والتزم القعود بداره والتقوت من فائد عقاره . وإضافة ~~لفظ القضاء إلى الجماعة ، جرى التزامه بالأندلس منذ سنين إلى هذا العهد . ~~والظاهر أن المراد بالجماعة جماعة القضاة ، إذ كانت ولايتهم قبل اليوم ~~غالبا من قبل القاضي بالحضرة السلطانية ، كائنا من كان ؛ فبقي الرسم كذلك . ~~وأما قاضي الخلافة ، بالبلاد المشرقية ، فيدعى بقاضي القضاة . وممن دعى ~~بهذا اللقب بالأندلس من قضاة قرطبة ، وكتب له بذلك عند اسمه في السجلات ~~المنعقدة عليه والمخاطبات الموجهة إليه ، أبو العباس أحمد بن عبد الله بن ~~ذكوان الأموي ، وأبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اللخمي ؛ ولم يكن ~~الأمر بحدثان ذلك كذلك . قال الحسن بن محمد ، وقد ذكر في كتابه يحيى بن ~~يزيد اللخمي : لما دخل عبد الرحمن بن معاوية قرطبة ، وقام بالإمامة ، ألفى ~~فيها يحيى بن يزيد قاضيا ؛ فأثبته على القضاء ، ولم يعزله إلى أن مات . قال ~~: وكان يقال له وللقضاة قبله بقرطبة ، قاضي الجند . قال محمد بن حارث : وقد ~~رأيت سجلا عقده سعيد بن محمد ابن بشير بقرطبة ، يقول فيه : حكم محمد بن ~~بشير قاضي الجند بقرطبة . قال : وإن تسمية القاضي ms022 اليوم بقاضي الجماعة اسم ~~محدث ، لم يكن في القديم . هذا ما ظهر لي رسمه صدر هذا الكتاب ، من الكلام ~~. وفيه ، بحسب الغرض المقصود من الاختصار ، غنية كافية لمتأمله بعين ~~الإنصاف . والله الموفق للصواب ! PageV01P021 # | الباب الثاني في سير بعض القضاة الماضين وفقر من أنباء الأئمة ~~المتقدمين # منها ، قال حميد الطويل : لما ولي إياس بن معاوية القضاء ، دخل عليه ~~الحسن ، وإياس يبكي ؛ فقال له : ما يبكيك ؟ فذكر إياس الحديث : القضاة ~~ثلاثة ، إثنان في النار ، وواحد في الجنة ! فقال الحسن : إن مما نص الله ~~عليه من نبإ سليمان وداوود ما يرد قول هؤلاء الناس . ثم قرأ : ' وداود ~~وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ؛ ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ' ولم يذم داوود . ويروى عن الحسن ~~أيضا أنه قال : لولا ما ذكر الله تعالى من أمر هذين الرجلين ، لرأيت أن ~~القضاة قد هلكوا ؛ فإنه أثنى على هذا بعلمه وعذر هذا باجتهاده . وأول من ~~قدم قاضيا في الإسلام ؛ على ما حكاه ابن عبد البر ، عمر بن الخطاب : ولاه ~~أبو بكر الصديق وقال له : اقض بين الناس ؛ فإني في شغل . وقد تقدم قول ~~عثمان ابن عفان لعبد الله بن عمر : اقض بين الناس : فإن أباك كان قاضيا . ~~ونقل عن مالك أن معاوية كان أول من استقضى في الإسلام . ولما جاءت خلافة ~~عمر بن الخطاب ، وفتحت البلاد ، قدم بها جملة من الأكابر ؛ فاستقضى شريحا ~~على الكوفة ، ووجه عبادة بن الصامت ، وهو أحد النقباء الإثنى عشر ، إلى ~~الشأم قاضيا ومعلما . وقدم على قضاء البصرة كعب بن سور بخبر عجيب ؛ وذلك أن ~~كعبا كان جالسا عند عمر ، فجاءت امرأة فقالت : ما رأيت رجلا قط أفضل من ~~زوجي ! إنه يبيت ليله قائما ، ويظل نهاره صائما ! فاستغفر لها عمر وقال : ~~مثلك اثنى بالخير ! فاستحيت المرأة وقامت راجعة . فقال كعب : يا أمير ~~المؤمنين ! هلا أعيدت المرأة على زوجها ؟ فقال : أذاك أرادت ؟ قال : نعم ~~قال : ردوا على المرأة ! فردت . فقال : لا بأس بالحق تقولينه ! إن هذا ms023 يزعم ~~أنك جئت تشتكين ! قالت : أجل إني PageV01P022 امرأة شابة ، وإني أبتغي ما ~~يبتغي النساء ! فأرسل إلى زوجها وقال لكعب : اقض بينهما . قال : فإني أرى ~~لها يوما من أربعة أيام وكان زوجها له أربعة نسوة فإذا لم يكن له غيرها ، ~~فإني أقضي له بثلاثة أيام ولياليها يتعبد فيها ، ولها يوم وليلة . قال عمر ~~: والله ! ما رأيك الأول بأعجب إلي من الآخر ! اذهب ! فأنت قاض على البصرة ~~! وهذا من حقوق الزوجة ، إذا فرط فيه الرجل ، ودعت إليه المرأة ، فحكم به ~~عليه وتطلق من أجله على زوجها إذ امتنع عنه بغير عذر ، حسبما تضمنته مسائل ~~هذا الباب ، في موضعه من كتب الفقه . وعلى قول الزهري : أول قاض في الإسلام ~~ابن يزيد بن سعيد . وقيل : بل ، أول قاض كان زيد بن ثابت . وقيل أيضا مثل ~~ذلك عن أبي الدرداء . وأما أرسخ الصحابة في العلم بالقضاء رضوان الله عليهم ~~أجمعين ! فهو علي بن أبي طالب من غير خلاف . قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ! : وأقضاهم علي وكان عمر بن الخطاب يتعود من معضلة ليس فيها أبو حسن ~~. وقال في المجنونة التي أمر برجمها ، وفي التي وضعت لستة أشهر : فأراد عمر ~~إقامة الحد عليها ؛ فقال له علي : إن الله تعالى يقول : وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا . وقال له : إن الله رجع القلم من المجنون الحديث . فكان عمر ~~يقول : لولا علي ، هلك عمر ! وقيل لعطاء . أكان من أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم ! أحد أعلم من علي ؟ قال : والله أعلمه ! وكان معاوية يكتب فيما ~~ينزل به ليسأل له علي بن أبي طالب عنه ؛ فلما بلغه قتله ، قال : ذهب العلم ~~بموت علي ! ومن كلام ضرار فيه ، وقد طلب منه معاوية وصفه بعد وفاته ؛ فقال ~~: كان والله ! بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر ~~العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، إلى غير ذلك من صفاته . وفي ~~مصنف أبي داوود عن علي رضي الله عنه ! قال : بعثني النبي صلى الله عليه ~~وسلم ! إلى اليمن قاضيا ؛ فقال : إن ms024 الله عز وجل سيهدي قلبك ، ويثبت لسانك ~~؛ فإذا جلس بين يديك الخصمان ، فلا تقضى حتى تسمع من الآخر ، كما سمعت من ~~الأول ! فإنه أحرى PageV01P023 أن يتبين لك القضاء . قال : فما زلت قاضيا ، ~~وما شككت في قضاء بعد . ولما أفضى الأمر إلى معاوية بن صخر جرى بجهده على ~~سنن من تقدمه من ملاحظة القضاة ؛ وبقي الرسم على حذو ترتبه زمانا . ثم فتر ~~أيام يزيد بن عبد الملك وابنه الوليد إلى أن ظهر بنو العباس ؛ فظفروا ~~بالملك ، فاشتدوا في شأن القضاء ، وتخيروا للأعمال الشرعية صدور العلماء . ~~فدعوا مالك بن أنس ، وابن أبي ذئب ، وأبا حنيفة للقضاء : فأما مالك ، فاحتج ~~بأن قال : إني رجل محدود ، ولا يصلح أن يلي القضاء محدود . واحتج ابن أبي ~~ذئب بأن قال : إني قرشي ؛ ومن يشرك في النسب ، لا ينبغي أن يشرك في الحكم ! ~~وقال أبو حنيفة : إني لمولي ؛ ولا يصلح أن يلي القضاء مولى . فاحتج كل واحد ~~منهم بما علم الله صدق نيته فيه ؛ فعاناهم من محنة القضاء . وفي طبقات قضاة ~~مصر لأبي عمر الكندي : ولي الحارث بن مسكين القضاء من قبل أبي الفضل جعفر ~~المدعو بالمتوكل بن المعتصم . وأتاه كتابه ، وهو بالإسكندرية فلما قرأه ، ~~امتنع من الولاية ؛ فأجبره أصحابه على ذلك ، وشرطوا عونهم له . قال بعضهم : ~~رأى أحد أشياخ بمصر كأن ابن أكتم ذبح الحارث . فلم يكن حتى جاءه قضاء مصر ، ~~وكان على يد ابن أكتم قاضي القضاة حينئذ . وفي تغريب المسالك . : حكى ~~القاضي يونس قال : ولي جعفر المتوكل الحارث قضاء مصر ، بعد أن سجنه على ~~إباية ذلك زمانا . قال محمد بن عبد الوارث : كنا عند الحارث ؛ فأتاه علي بن ~~القاسم الكوفي ؛ فقال له : رأيت في النوم الناس مجتمعين في المسجد الحرام ؛ ~~فقلت : ما اجتماعكم ؟ فقالوا : عمر بن الخطاب جاء ليقعد الحارث بن مسكين ~~للقضاء ! فرأيته أخذه ، وسمر مقعده في الحائط ، وانصرف ؛ فتبعته ، فلما أحس ~~بي ، قال : ما تريد ؟ قلت : أنظر إليك . قال : اذهب إلى الحارث ، واقرأه ~~مني السلام ، وقل له يقضي بين الناس بإمارة أنك ms025 كنت بالعراق ؛ فقمت من ~~الليل ، فعثرت ، فنكثت إصبعك ، ودعوت بذلك الدعاء ، فجئت من الغد . فقال ~~الحارث : صدقت وهذا شيء ما اطلع عليه أحد إلا الله . فسألته عن الدعاء ؛ ~~فقال : يا صاحبي عند كل شدة ! ويا غياثي عند كل كربة ! ويا مؤنسي في كل ~~وحشة ! صل على محمد ، وعلى آل محمد ، واجعل لي من أمري فرجا ومخرجا ! ومن ~~القضاة بمصر عيسى بن المنكدر بن محمد بن المنكدر ، أيام ابن طاهر . أشار به ~~PageV01P024 عبد الله بن عبد الحكم ، وأعلمه أنه فقير ؛ فأجرى له سبعة ~~دنانير في كل يوم ، وأجازه بألف دينار . وكان رجلا صالحا . وهو أول قاض ~~أجرى عليه المرتب بمصر . ولما امتنع ابن فروخ من القبول لخطة القضاء ، ~~وأشار بابن غانم ، وهو عبد الله بن عمر ابن غانم ، تقدم من قبل هارون ~~الرشيد بإفريقية ، وذلك في رجب سنة 171 ، وهو ابن اثنين وأربعين سنة ، في ~~حياة مالك . ولما بلغته ولايته ، قال : ما ذلك بخير له ! وكان يوجه بمسائله ~~أيام قضائه إليه ، فيما ينزل به من نوازل الخصوم ، ويكتب إلى ابن كنانة ؛ ~~فيأخذ له الأجوبة من مالك . وكان له حظ من صلاة الليل ؛ فإذا قضاها وجلس في ~~التشهد آخرها ، عرض خصم يريد أن يحكم له على ربه ؛ فيقول في مناجاته : يا ~~رب ! إن فلانا نازع فلانا وادعى عليه بكذا ؛ فأنكر دعواه ؛ فسألته البينة ؛ ~~فأتى بينة شهدت له بما أدعى . وقد أشرفت أن آخذ له من صاحبه بحقه الذي تبين ~~لي أنه حق له ؛ فإن كنت على صواب ، فثبتني ! وإن كنت على غير صواب ، ~~فاصرفني ! اللهم ! لا تسلمني ! اللهم سلمني ! فلا يزال يعرض الخصوم على ربه ~~حتى يفرغ منهم . وراكب يوما الأمير إبراهيم بن الأغلب ، فزادت دابة إبراهيم ~~في المشي . فحول ابن غانم دابته وعرج إلى داره . فعاتبه على ذلك ، فقال له ~~: أصلح الله الأمير ! إنما تنفذ أحكام القاضي على قدر جاهه . ولو ساعدتك ، ~~وحركت دابتي ، سقطت قلنسوتي ؛ فلعب بها الصبيان ! وراكبه مرة أخرى ؛ فشق ~~إبراهيم زرعا ؛ فلم يسلك ابن غانم معه . ورأيت ms026 بخط القاضي أبي الفضل ما نصه ~~: قال ابن غانم : دخلت مجلس إبراهيم ابن الأغلب . فبينما نحن قعود ، إذ ~~أشرف علينا إبراهيم ، فقام إليه من كان في البيت غيري ، فجلس مغضبا ، ثم ~~قال لي : يا أبا عبد الرحمن ! ما منعك أن تقوم ، كما قام إخوانك ؟ فقلت : ~~أيها الأمير ! حدثني مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ! : من أحب أن يتمثل له الرجال قياما ، فليتبوأ مقعده ~~من النار ! فنكس إبراهيم رأسه وأطرق . فكان هذا القاضي يكثر إنشاد هذين ~~البيتين : إذا انقرضت عني من العيش مدتي . . . فإن غناء الباكيات قليل ~~سيعرض عن ذكرى وتنسى مودتي . . . ويحدث بعدي للخليل خليل PageV01P025 وتوفي ~~قاضيا في ربيع الأول سنة 179 : فكانت ولايته ثماني عشرة سنة وتسعة أشهر غفر ~~الله لنا وله ، ورحمنا وإياه ! # | فصل # مسألة القيام التي تكلم فيها ابن غانم تحتاج إلى تفصيل . وحاصله ما قاله ~~أبو الوليد في بيانه . ونصه : القيام للرجال على أربعة أنواع : وجه يكون ~~القيام فيه محظورا ؛ ووجه يكون فيه مكروها ؛ ووجه يكون فيه جائزا ؛ ووجه ~~يكون فيه حسنا . فأما الوجه الأول ، الذي يكون فيه محظورا ، لا يحل : فهو ~~أن يقوم إكبارا وتعظيما لمن يحب أن يقام إليه تكبرا وتجبرا على القائمين ~~عليه . وأما الوجه الذي يكون القيام فيه مكروها ، فهو أن يقوم إكبارا ~~وتعظيما وإجلالا لمن لا يحب القيام إليه ولا ينكر على القائمين إليه ؛ فهو ~~يكره للتشبه بفعل الجبابرة ولما يخشى أن يدخله من تغير نفس المقوم إليه . ~~وأما الوجه الذي يكون القيام فيه جائزا ، فهو أن يقوم تجلة وإكبارا لمن لا ~~يريد ذلك ، ولا يشبه حاله حال الجبابرة ، ويؤمن أن تتغير نفس المقوم إليه ~~لذلك ؛ وهذه صفة معدومة إلا فيمن كان بالنبوءة معصوما ، لأنه ، إذا تغيرت ~~نفس عمر بالدابة التي ركب عليها ، فمن سواه بذلك أحرى ! وأما الوجه الرابع ~~الذي يكون القيام فيه حسنا ، فهو أن يقوم الرجل للقادم عليه من سفر ، فرحا ~~بقدومه ليسلم عليه ، أو إلى القادم عليه مسرورا بنعمة ms027 أولاها الله اياه ، ~~ليهيه بها ، أو القادم عليه المصاب بمصيبة ليعزيه بمصابه ، وما أشبه ذلك . ~~وعلى هذا يتخرج ما ورد في هذا الباب من الآثار ، ولا يتعارض شيء منها . قال ~~شهاب الدين أحمد بن إدريس ، وقد أشار إلى الأوجه المفسرة في البيان : وبهذا ~~يجمع بين قوله عليه الصلاة والسلام ! : من أحب أن يتمثل له الرجال قياما ، ~~فليتبوأ مقعده النار وبين قيامه عليه الصلاة والسلام ! لعكرمة ابن أبي جهل ~~، لما قدم من اليمن ، فرحا بقدومه ، وقيام طلحة بن عبيد الله لكعب بن مالك ~~، ليهنيه بتوبة الله عليه ، بحضوره عليه الصلاة والسلام ! ولم ينكر عليه ، ~~ولا قام من مجلسه . فكان كعب يقول : لا أنساها لطلحة ! وكان عليه الصلاة ~~والسلام ! PageV01P026 يكره أن يقام له ؛ فكانوا إذا رأوه ، لم يقوموا له ، ~~لعلمهم بكراهيته لذلك . وإذا قام إلى بيته ، لم يزالوا قياما حتى يدخل بيته ~~. قال لما يلزمهم من تعظيمه ، قبل علمهم بكراهيته لذلك . وقال عليه الصلاة ~~والسلام ! للأنصار قوموا لسيدكم ! قيل : تعظيما له ، وهو لا يريد ذلك ؛ ~~وقيل : ليعينوه على النزول عن الدابة . وحكى أحمد أنه كان عند عز الدين بن ~~عبد السلام ، من أعيان علماء الشافعية . فحضرته فتيا : ما تقول في القيام ~~الذي أحدثه الناس في هذا الزمان ؟ هل يحرم ، أم لا ؟ فكتب رحمه الله ! : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ! : لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا ~~تدابروا ! وكونوا عباد الله إخوانا ! وترك القيام في هذا الوقت يفضى ~~للمقاطعة والمدابرة . فلو قيل بوجوبه ، ما كان بعيدا . فقرأتها بعد كتابته ~~والناس تحدث لهم أحكام بقدر ما يحدثون من الأحوال ، من السياسات والمعاملات ~~والاحتياطات ؛ وهي على القوانين الأول . ثم قال : ويلحق بالقيام النعوت ~~المعتادة وأنواع المكاتبات ، على ما قرره الناس في المخاطبات ؛ وهذا النوع ~~كثير لم تكن أسبابه في السلف ، غير أنه تقرر في قاعدته الشرع اعتبارها ، ~~كما قال الشيخ : فإذا وجدت ، وجب اعتبارها . انتهى . وروى بعضهم أن مالكا ~~قيل له : ما تقول في الرجل يقوم الرجل له للفضل والفقه ؟ فيجلسه في مجلسه . ~~قال : يكره ms028 له ذلك . ولا بأس أن يوسع له . قيل : فالمرأة تتلقى زوجها ، ~~فتبالغ في بره وتنزع ثيابه ونعليه متى يجلس ؟ قال : ذلك حسن غير قيامها حتى ~~يجلس . وهذا فعل الجبابرة وربما كان الناس ينتظرونه حتى ، إذا طلع ، قاموا ~~له . ليس هذا من فعل الإسلام في شيء . وفعل ذلك لعمر بن عبد العزيز ، أول ~~ما ولي حين خرج إلى الناس ، فأنكره ، وقال : إن تقوموا ، نقم ! وإن تقعدوا ~~! وإنما يقوم الناس لرب العالمين ! قيل له : فالرجل يقبل يد الرجل أو رأسه ~~؟ قال : هو من عمل الأعاجم ، لا من عمل الناس ! ونقل أيضا عن مالك أنه كان ~~رحمه الله ! يقوم لتلقي أصحابه عند قدومهم عليه من السفر . ومن ذلك ما ذكره ~~القاضي أبو الفضل في كتابه المسمى بترتيب المدارك ، وتقريب المسالك ، وقد ~~ذكر عبد بن مسلمة بن قعنب التميمي . ومن أصله الذي بخطه نقلت : قال ابن رشد ~~فيما حكاه عن الجهني . كنا عند مالك ؛ فجاءه PageV01P027 رجل فأخبره بقدوم ~~القعنبي ؛ فقال : متى فقرب قدومه فقال : قوموا بنا إلى خير أهل الأرض نسلم ~~عليه ! . فقام ، فسلم عليه . وكان مالك ، إذا جلس ، قال ليلني منكم ذوو ~~الأحلام والنهي ! فربما جلس القعنبي عن يمينه . وهو أحد عباد البصرة في ~~زمانه . قال أحمد بن الهيثم : كنا إذا أتينا القعنبي ، خرج إلينا ؛ فنراه ~~كأنه مشرف على جهنم ! وتوفي بمكة سنة 220 أو 221 . وفي الاستيعاب عن عائشة ~~أم المؤمنين رضي الله عنها ' أنها قالت ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما أو ~~حديثا برسول الله صلى الله عليه وسلم ! من فاطمة ؛ وكانت إذا دخلت عليه ، ~~قام لها ، فقبلها ورحب بها ، كما كانت تصنع هي به صلى الله عليه وسلم . وفي ~~هذا القدر من الكلام على مسألة القيام الكفاية . # | ذكر عبد السلام بن سعيد بن حبيب الملقب بسحنون قاضي إفريقية # وتقدم لولاية القضاء بإفريقية ، بعد ابن غانم بزمان ، أحد الآخذين العلم ~~بها عنه ، وهو عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الملقب بسحنون ؛ وذلك ~~سنة 234 . قال عياض بن موسى ، ومن خطه ms029 نقلت : وسنه إذ ذاك أربع وسبعون سنة ~~. فلم يزل قاضيا إلى أن مات . ثم ذكر عن أبي العرب أنه قال : لما عزل ابن ~~أبي الجواد ، قال سحنون : اللهم ! ول هذه الأمة خيرها وأعدلها ! فكان هو ~~الذي ولي بعده . وقال : لم أكد أرى قبول هذا الأمر حتى كان من الأمير ~~معنيان ، أحدها : أعطاني كل ما طلبت ، وأطلق يدي في كل ما رغبت ، حتى أني ~~قلت أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك ؛ فإن قبلهم ظلامات للناس وأموالا منذ ~~زمان طويل ! فقال لي : نعم ! لا تبدأ إلا بهم ، وأجر الحق على مفرق رأسي . ~~وجارني من عز منه مع هذا ما يخاف منه المرء على نفسه ، وفكرت ؛ فلم أجد ~~لنفسي سعة في رده . ولما تمت ولايته ، سار حتى دخل على ابنته خديجة ؛ وكانت ~~من خيار النساء . فقال لها : اليوم ذبح أبوك بغير سكين ! فعلم الناس قبوله ~~للقضاء ؛ ويومئذ PageV01P028 كتب له عبد الرحمن الزاهد بما نصه : أما بعد ، ~~فإني عهدتك وشأن نفسك إليك مهما تعلم الخير وتؤدب عليه . وأصبحت ، وقد وليت ~~أمر هذه الأمة ، تؤدبهم على دنياهم ، يذل الشريف بين يديك والوضيع ؛ وقد ~~اشترك فيك العدو والصديق . ولكل خطة من العدل : فأي حالتيك أفضل ؟ الحالة ~~الأولى أم الثانية ؟ والسلام . فراجعه سحنون بأن قال له : أما بعد ، فإنه ~~جاءني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه ؛ وإني أجيبك إنه لا حول ولا قوة في شيء من ~~الأمور إلا بالله تعالى ! عليه توكلت وإليه أنيب ! وما كتبت إنك عهدتني ~~وشأن نفسي إلي مهما أعلم الخير وأودب عليه ، وقد أصبحت وقد وليت أمر هذه ~~الأمة وأود بهم على دنياهم . ولعمري إنه من لم تصلح دنياه ، فسدت أخراه . ~~وفي صلاح الدنيا إذا صح المطعم والمشرب ، صلاح الآخرة . وقد حدثني ابن وهب ~~ورفع سحنون سنده أن النبي صلى الله عليه وسلم ! قال : نعم المطية الدنيا ! ~~فارتحلوها ! فإنها تبلغكم الآخرة ! ولن تبلغ الدنيا الآخرة من عمل في ~~الدنيا بغير الواجب من حق الله ! وأما قولك وليت أمر هذه الأمة ، فإني لم ~~أزل مبتلى ، ينفذ ms030 قولي منذ أربعين سنة في أبشار المسلمين وأشعارهم . ومن ~~كلام عبد الله بن أبي جعفر : لن تزالوا بخير ما تعلمتم . فإذا احتيج إليكم ~~، فانظروا كيف تكونون . وإنما المفتي قاض يجوز قوله في أبشار المسلمين ~~وأموالهم . فعليك بالدعاء ! فألزم ذلك نفسك ! والسلام . وكان سحنون يؤدب ~~الناس على الإيمان التي لا تجوز ، من الطلاق والعتاق ، حتى لا يحلفوا بغير ~~الله ؛ ويؤدبهم على سوء الحال في لباسهم وما نهى عنه ، ويأمرهم بحسن السيرة ~~والقصد . وتخاصم إليه رجلان صالحان من أصحابه ؛ فأقامهما ، وأبى أن يسمع ~~منهما ، وقال : استر عني ما ستر الله عليكما ! وهو أول من نظر في الحسبة من ~~القضاة ، وأمر بتغيير المنكر ؛ وأول من فرق حلق البدع من الجامع ، وشرد أهل ~~الأهواء منه ؛ وأول من جعل الودائع عند الأمناء ؛ وكانت قبل في بيوت القضاة ~~. قال عيسى بن مسكين : فحصل الناس بولايته على شريعته من الحق ؛ ولم يل ~~قضاء إفريقية مثله ويقال إنه ما بورك لأحد ، بعد أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ! ما بورك لسحنون في أصحابه ؛ فإنهم كانوا أئمة بكل بلدة . وكان ~~الذين يحضرون مجلسه من العباد أكثر من طلاب العلم . وكان يقول : ما أحب أن ~~يكون عيش الرجل إلا على قدر PageV01P029 ذات يده . ولا يتكلف ما في وسعه ؛ ~~وأكل أموال الناس بالمسكنة والصدقة خير من أكله بالعلم والقرآن . وهو ~~القائل : من لم يعمل بعلمه ، لم ينفعه العلم ، بل يضره وإنما العلم نور ~~يضعه الله في القلوب ، فإذا عمل به ، نور الله قلبه ؛ وإن لم يعمل به ، ~~وأحب الدنيا ، أعمى حب الدنيا قلبه ، ولم ينوره العلم ! وكان يقول : ترك ~~الحلال أعظم من جميع عبادة الله ؛ وترك الحلال لله أفضل من أخذ وإنفاقه في ~~طاعة الله ! وقال : ترك دانق مما حرم الله أكثر من سبعين ألف حجة ، يتبعها ~~سبعون ألف عمرة مبرورة متقبلة ، وأفضل من سبعين فرسا في سبيل الله بزادها ~~وسلاحها ، ومن سبعين ألف بدنة يهديها إلى بيت العتيق ، وأفضل من عتق سبعين ~~ألف رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل ! قال ms031 صاحب المدارك : فبلغ كلامه هذا لعبد ~~الجبار بن خالد ؛ فقال : نعم ! وأفضل من ملء الأرض إلى عنان السماء ذهبا ~~وفضة كسبت وأنفقت في سبيل لا يراد بها إلا وجه الله ! وهذا القول بناء على ~~أن التروك لا توازيها الأفعال . وكذلك القول في مسألة ترك الحلال لله إنه ~~أفضل من أخذه وإنفاقه في طاعة الله مما وقع فيه الاختلاف بين العلماء . قال ~~عز الدين أبو محمد بن عبد السلام السلمي : فقالت طائفة تركها أفضل . وقال ~~آخرون : بل ! فعله مع السلامة أولى . قال صاحب الرعاية : لأنه قد اكتسب من ~~العمل ما لم يكتسب غيره وإنما يسأل عن ذلك كما يسأل عن الصلاة والصيام ~~ليثاب عليه وإنما أمر بالترك خوفا أن لا يسلم . وتوفي سحنون رحمه الله ! ~~صدر شهر رجب سنة 240 ودفن من يومه . وصلى عليه الأمير محمد بن الأغلب . ولم ~~يأخذ لنفسه ، مدة قضائه ، من السلطان شيئا . ذكر القاضي عيسى بن مسكين ~~ومنهم عيسى بن مسكين بن منصور . سمع من سحنون بالقيروان ، وسمع بمصر من ~~الحارث بن مسكين ، ومحمد بن المواز ، وغيرهم . وكان رجلا صالحا ، فاضلا ، ~~طويل الصمت ، رقيق القلب ، متفننا في العلوم . وكيفية ولايته القضاء أن ~~الأمير إبراهيم بن أحمد بن الأغلب كان قد اضطر يحيى بن عمر إلى ولاية ~~القضاء . فقال له : إن دللتك على PageV01P030 من هو أفضل مني ، في الوجه ~~الذي تحب ، تعفيني فقال له : نعم ! فدله عيسى ابن مسكين . وكان بالحضرة ~~حمديس ؛ فقال : إنه ، والله ! أيها الأمير ، صاحبنا عند سحنون . جمع الله ~~فيه خلال الخير بأسرها ! فأرسل فيه إبراهيم إلى كورة الساحل ، وأوصله إلى ~~نفسه ، وقال : تدري لم بعثت لك ؟ قال : لا . قال : لأشاورك في رجل قد جمع ~~الله فيه خلال الخير . أردت أن أوليه القضاء ، وألم به شعث هذه الأمة ؛ ~~فامتنع . قال : يلزمه أن يلي . قال : تمنع . قال : يجبر على ذلك ! قال : ~~تمنع . قال : يجلد ! قال : قم ! فأنت هو ! قال : ما أنا الذي وصفت ! وتمنع ~~. فأخذ الأمير بمجامع ثيابه ، وقرب السيف من نحره ؛ فتقدم إليه بخنجره ms032 . ~~قال حمديس : وكنت في المجلس ؛ فقمت من مكاني ، لئلا يصيبني من دمه . فلم ~~يزل به حتى ولى على شروط ، منها قال له : أستعفيك في كل شهر ! قال : نعم ! ~~قال : وأجعلك ، وبني عمك ، وجندك ، وفقراء الناس ، وأغنياءهم في درجة واحدة ~~. قال : نعم ! قال : ولم توجه ورائي ، وكذا وكذا . فمتى لم تف لي بشرط ، ~~عزلت نفسي . قال : نعم ! وعرض عليه عند ذلك الكسوة والصلة . فامتنع وقال له ~~: أنا رجل طويل الصمت ، قليل الكلام ، غير نشيط في أمور ، ولا أعرف أهل ~~البلد . فقال له الأمير : عندي مولى نشيط ، قد تدرب في الأحكام . أنا أضمه ~~إليك : يكون عنك كتابا يصدر عنك في القول . فما رضيت منه ، أمضيت ؛ وما ~~سخطت ، رددت . فضم إليه عبد الله بن محمد بن مفرج . قال المخبر : فكثيرا ما ~~كنت آتي مجلسه وهو صامت لا يتكلم ؛ وابن مفرج يقضى . وسئل عن فرط انقباضه ~~في قضائه . فقال : ابتليت بجبار عنيد ، خفت أن يبعث إلي من طعامه ، أو ~~يدعوني إليه . ولا آتيه ؛ فحملت نفسي على ذلك ، ليقطع طمعه مني ! ومن كلام ~~هذا القاضي رحمه الله ! : من قاس الأمور ، علم المستور . من حصن شهوته ، ~~صان قدره . في تقلب الأحوال ، علم جواهر الرجال . الحسن النية ، يصحبه ~~التوفيق . المعاش مذل لأهل العلم . كفاك أدبا لنفسك ما كرهته لغيرك . قارب ~~الناس في عقولهم ، تسلم من غوائلهم . وكان ، إذا تحدث عن أيام قضائه ، يقول ~~: كنت PageV01P031 في بليتي . ، وكنت أيام تلك المحنة . ولما تاب الأمير ~~وتخلى عن الملك وتوجه للجهاد ، أتاه عيسى بن مسكين ؛ فقال له : إن الله ~~عافاك مما كنت فيه . فشاركني في الخروج عما أدخلتني فيه ؛ فقد كبر سني ، ~~وضعف بدني . وعلى الأثر وقع انفصاله . وكانت ولايته ثمانية أعوام ونصف عام ~~. # | ذكر القاضي ابن سماك الهمذاني # وولى من أصحاب سحنون القضاء بإفريقية أبو القاسم حماس بن مروان بن سماك ~~الهمذاني الفقيه الزاهد . وكان من زهده وتواضعه يفتح القناة بنفسه ، على ما ~~حكاه عياض وغيره ، ويكسر الحطب على باب داره ، والناس حوله يختصمون إليه ~~ويسألونه . وكان يلبس الصوف ms033 الخيش . ولم يركب دابة في البلد ، أيام ولايته ~~؛ فإذا خرج إلى منزله بالبادية على حمار ، يشتد دون خف ، يتقوت مما يأتيه ~~من ماله ؛ ولم يأخذ على القضاء أجرا . # | ذكر القاضي إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي # ومن أيمة الفقه على مذهب مالك بن أنس ، ومشيخة الحديث ، وأعلام القضاة ، ~~إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي . قال الفرغاني ~~التأريخي : لا نعلم أحدا من أهل الدنيا بلغ مبلغ آل حماد بن زيد ، ولم يصل ~~أحد من القضاة إلى ما وصلوا إليه من اتخاذ المنازل ، والضياع ، والكسوة ، ~~والآلة ، ونفاذ الأمر في جميع الآفاق . ومن كتاب تقريب المسالك ، بمعرفة ~~أعلام مذهب مالك ، وقد ذكرهم فيه ، فقال : كانت هذه البيت ، على كثرة ~~رجالها ، وشهرة أعلامها ، من أجل بيوت العلم بالعراق ، وأرفع مراتب السودد ~~في الدين والدنيا ؛ وهم نشروا هذا المذهب هناك ، وعنهم اقتبس وتردد العلم ~~في طبقاتهم وبيتهم نحو ثلاثمائة عام ، من زمان جدهم الإمام محمد بن زيد ~~وأخيه سعيد . ولما ولى عبد الله بن سليمان الوزارة للمعتضد ، وكان سيء ~~الرهن فيهم لما أراد الإيقاع بهم وأعمال الحيلة ، فلم يقدر على ذلك إلى أن ~~مات إسماعيل بن إسحاق ؛ ففتح الباب لعبد الله في ذلك ؛ فقال : يا أمير ~~المؤمنين ! بنو حماد مشاغيل بخدمة PageV01P032 السلطان ، وأسباب النفقات ، ~~والمظالم عن الحكم . فلم يقدح ذلك فيهم . ولم يزل به بعد مدة حتى جعله ، ~~وولى أبا حازم الحنفي قضاء الشرقية ، وعلي بن أبي الشوارب قضاء مدينة ~~المنصور ؛ وكان ابن الطيب ، مؤدب المعتضد ، يعظم أمر آل حماد ، ويقول : ~~حسبك أن لهم بتادريا ستمائة بستان ؛ غير ما لهم بالبصرة وسائر النواحي . ~~وكان فيهم على اتساع الدنيا رجال صدق وأيمة ورع وعلم وفضل . وفي إسماعيل بن ~~إسحاق المترجم له أولا ، قال أبو محمد بن أبي زيد : هو شيخ المالكيين في ~~وقته ، وإمام تام الإمامة ، يقتدى به . وكان الناس يصيرون إليه ؛ فيقتبس كل ~~فريق منه علما لا يشاركه فيه الآخرون : فيمن قوم يحملون الحديث ، ومن قوم ~~يحملون علم القرآن ، والقراءة ، والفقه ms034 ، وغير ذلك . وقد نقل عنه أبو علي ~~الفارسي في تذكرته أشياء من العربية . قال القاضي أبو الوليد الباجي ، وسمى ~~من بلغ درجة الاجتهاد ، فقال : ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك إلا لإسماعيل ~~القاضي . وذكره المقرئ أبو عمرو الداني في طبقات القراء فقال : أخذ القراءة ~~عن قالون ؛ وله فيه حرف . وحكى أبو عمرو أيضا عن أبي المثاب القاضي قال : ~~كنت عند إسماعيل يوما ؛ فسئل لم جاز التبديل على أهل التوراة ، ولم يجز على ~~أهل القرآن ؛ فقال : قال الله تعالى في أهل التوراة : ' بما استحفظوا من ~~كتاب الله ' . فوكل الحفظ إليهم . وقال في القرآن : ' إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون . ' فلم يجز التبديل عليهم . فذكر ذلك المحاملي فقال : ما ~~سمعت كلاما أحسن من هذا . وقد روى أن نصرانيا سأل محمد بن وضاح عن هذه ~~المسألة ؛ فأجاب بمثل هذا الجواب . وحصل لإسماعيل هذا في القلوب من القبول ~~ما لم يحصل لغيره من أهل زمانه . قال يوسف بن يعقوب : قرأت في توقيع ~~المعتضد إلى عبد الله بن سليمان بن وهب الوزير : استوص بالشيخين الخيرين ~~الفاضلين إسماعيل بن إسحاق الأزدي وموسى بن إسحاق خيرا ؛ فإنهما ممن ، إذا ~~أراد الله بأهل الأرض سوءا ، دفع عنهم بدعائهما ! PageV01P033 وقال يقظويه ~~: كنت عند المبرد ؛ فمر به إسماعيل بن إسحاق ؛ فوثب المبرد إليه وقبل يده ~~وأنشد : فلما بصرنا به مقبلا . . . حللنا الحبي وابتدرنا القياما فلا تنكرن ~~قيامي له . . . فإن الكريم يجل الكراما قال ابن الأنباري : وأنشدنا إسماعيل ~~القاضي لنفسه : لا تعتبن على النوائب . . . فالدهر يرغم كل عاتب واصبر على ~~حدثانا . . . إن الأمور لها عواقب ولكن صافية قذى . . . ولكل خالصة شوائب ~~كم فرجة مطوية . . . لك بين أثناء النوائب ومسرة قد أقبلت . . . من حيث ~~تنتظر المصائب قال إسماعيل القاضي : ما عرض لي هم فادح ، فذكرت هذه الأبيات ~~، إلا ووجدت من روح الله ما يحل عقالي ، وينعم بالي ؛ ثم تؤول عاقبة ما ~~أحذره فاتحة ما أوثره . وذكر بعضهم قال : اجتمع أبو العباس بن شريح القاضي ~~، وأبو بكر بن داوود الإصبهاني ، وأبو العباس ms035 المبرد على باب القاضي ~~إسماعيل . فأذن لهم ؛ فتقدم ابن شريح ، وقال : قدمني العلم والسن وتأخر ~~المبرد وقال : أخرني الأدب وقال ابن داوود : إذا صحت المودة سقطت المعاذير ~~. وأول ما ولى قضاء الجانب الشرقي ، في أيام المتوكل ، سنة 246 ، إلى سنة ~~262 ، فجمعت له بغداد كلها ؛ فكان يدعي قاضي القضاة . قال وكيع في كتابه في ~~القضاة : وأما شدائد إسماعيل في القضاء ، وحسن مذهبه فيه ، وسهولة الأمر ~~عليه فيما كان يلتبس على غيره ، فهو شيء شهرته تغنى عن ذكره . وكان في أكثر ~~أوقاته ، وبعد فروغه من الخصوم ، متشاغلا بالعلم ، لأنه اعتمد على حاجبه ~~أبي عمر محمد بن يوسف ، وعلي كاتبه أبي العباس المعروف بالباز PageV01P034 ~~الأشهب ، فكانا يحملان عنه أكثر أمره ، من لقاء السلطان وغيره ، وأقبل هو ~~على الحديث والعلم . وكان شديدا على أهل البدع يرى استنابتهم ، حتى ذكر ~~أنهم تحاموا ببغداد في أيامه ، وخرج داوود بن علي من بغداد إلى البصرة ~~لإحداثه منع القياس . وحبس أبا زيد إذ أنكر عليه بعض ما حدث به . وقد تقدم ~~صدر هذا الكتاب أنه كان يقول : من لم تكن له فراسة ، لم يكن له أن يلي ~~القضاء . وقيل له : لا تؤلف كتابا في أدب القضاء ؟ فقال : اعدل ومد رجليك ~~في مجلس القضاء ! وهل للقاضي أدب غير الإسلام ؟ قال أبو طالب المكي ، وقد ~~ذكره : كان إسماعيل من علماء الدنيا ، وسادة القضاة ، وعقلائهم . وكان ~~مؤاخيا لأبي الحسن بن أبي الورد أحد علماء الباطن . فلما ولي إسماعيل ~~القضاء ، هجره ابن أبي الورد . ثم اضطر أن دخل عليه في شهادة ؛ فضرب بيده ~~كتف إسماعيل ، وقال : إن علما أجلسك هذا المجلس ، لقد كان الجهل خيرا منه ! ~~فوضع إسماعيل رداءه على وجهه ، وبكى حتى بله . ولما كانت محنة غلام الخليل ~~، ومطالبة الصوفية ببغداد ، ونسبتهم إلى الزندقة ، وأمر الخليفة بالقبض ~~عليهم ، وكان فيمن قبض عليه شيخهم إذ ذاك أبو الحسن النووي ، فلما دخلوا ~~على الخليفة ، أمر بضرب أعناقهم ؛ فتقدم النووي مبتدئا إلى السياف ليضرب ~~عنقه . فقال له : ما دعاك إلى هذا دون أصحابك ms036 ؟ قال آثرت حياتهم على حياتي ~~بهذه اللحظة ! فرفع الأمر إلى الخليفة ؛ فرد أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيل ~~. فقدم إليه النووي وسأله عن مسائل من العبادات . فأجابه ؛ ثم قال له : ~~وبعد هذا ، لله عباد يسمعون بالله ، وينطقون بالله ، ويصدرون بالله ، ~~ويردون بالله ، ويأكلون بالله ، ويلبسون بالله ! فلما سمع إسماعيل مقالته ، ~~بكى . ثم دخل على الخليفة ؛ فقال : إن كان هؤلاء القوم زنادقة ، فليس في ~~الأرض موحدون ! فأمر بإطلاقهم . ولإسماعيل جملة تواليف في فنون العلم . ~~وحكى أنه توفي فجأة ، وقت صلاة العشاء الآخر لثمان بقين في ذي الحجة سنة ~~383 ، وهو قاض . وحكى الكاتب ابن أزهر : ارتفع المطر . فخرج إسماعيل إلى ~~المصلى ؛ فصلى ركعتين بسبح ' وهل أتاك ' PageV01P035 ثم صعد المنبر ، وخطب ~~خطبتين ، وحول رداءه ، وحدث بحديث طويل خشع له الناس ، وبكى ، وانصرف خاشعا ~~؛ فقبض ليلته يوم استسقائه ، وهو ابن إثنين وثمانين سنة . ومن المنظوم ~~المنسوب إليه : من كفاه من مساعيه . . . رغيف يفتديه وله بيت يواريه . . . ~~وثوب يكتسيه فلماذا يبذل العر . . . ض لذل وتسفيه ولماذا يتمادى . . . عند ~~ذي كبر وتيه # | ذكر القاضي أبي عمر محمد بن يوسف # ومن القضاة بتلك البلاد المشرقية ، أبو عمر محمد بن يوسف ، حاجب القاضي ~~إسماعيل المتقدم الذكر ، وابن عمه . وفي أيام هذا القاضي قتل الحلاج . وابن ~~عمه هو الذي أفتى بقتله ، بعد تقريره على مذهبه ، وقيام الشهادات عليه ~~بإلحاد . فضرب ألف سوط ، ثم قطعت يداه ورجلاه ، ثم طرح جسده ، وبه رمى من ~~أعلى موضع ضربه إلى الأرض وأحرق بالنار ، والعياذ بالله . وحضر يوما بين ~~يدي أبي عمر رجل يدعى قبل الآخر مائة دينار ، ولم تكن له بينة . فتوجهت ~~اليمين على المطلوب بنفي ما زعمه الطالب فأخذ الخصم الدواة وكتب : وإني لذو ~~حلف فاجر . . . إذا ما اضطررت وفي الحال ضيق وهل لا جناح على معسر . . . ~~يدافع بالله مالا يطيق فأمر القاضي بإحضار مائة دينار ودفعها عنه . فعجب ~~الراضي من أدب الرجل وكرم القاضي ، وبحث عن الناظم ؛ فلما وجده ، أمر له ~~بألف دينار ، وخمس خلع ، ومركوب حسن ، وملازمة دار السلطان . PageV01P036 # | ذكر ms037 القاضي أبي بكر الباقلاني # ومن القضاة بالعراق أيضا ، أبو بكر محمد بن الطيب ، المعروف بالباقلاني ، ~~المالكي ، المتكلم على مذهب أهل الحديث وطريقة الأشعرية . إمام وقته ، ~~وعالم عصره ، المرجوع إليه فيما أشكل على غيره . ومن كلام الصيرفي فيه : ~~كان صلاح القاضي أكثر من علمه . وما نفع الله هذه الأمة بكتبه وبثها فيهم ، ~~إلا بحسن نيته ، واحتسابه بذلك ما عند الله من الثواب . ونقلت من خط القاضي ~~أبي الفضل ، وقد ذكره في مداركه ما نصه : حكى أبو بكر الخطيب أن ورد القاضي ~~كل ليلة ، كان عشرين ترويحة ؛ ما تركها في حضر ولا سفر . وكان كل ليلة ، ~~إذا صلى العشاء ، وقضى ورده ، أخذ الدواة بين يديه ، وخمسا وثلاثين ورقة ، ~~تصنيفا يكتبها عن حفظه . وكان يذكر أن كتابه بالمداد أسهل عليه من الكتاب ~~بالحبر . فإذا صلى الفجر ، دفع إلى بعض أصحابه ما ضبطه ليلته ، وأمر ~~بقراءته عليه ، وأومأ إلى الزيادات فيه . وكان بعضهم يقول : جاء في الأثر ~~إن الله تعالى يتعاهد عباده بأنبيائه ورسله ؛ فلما ختم الرسالة بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم ! تعاهد أمته برباني من علمائها ، يحيي أحاديثها ، ويجدد ~~شريعتها . فكان إمام رأس الأربعمائة أبو بكر بن الطيب . أخذ عنه العلم ~~جماعة لا تعد لكثرتها ؛ ودرسوا عليه أصول الفقه والدين : منهم القاضي أبو ~~محمد عبد الوهاب بن نصر ؛ ومن أهل المغرب أبو عمران الفاسي رحل إليه ولازمه ~~ببغداد ، وأخذ عنه . وكان أعرف الناس بعلم الكلام ، وأحسنهم فيه خاطرا ، ~~وأجودهم لسانا ، وأوضحهم بيانا ، وأصحهم عبارة . وصار له اختصاص بعضد ~~الدولة . ولما وجهه سفيرا عنه إلى ملك الروم ، ليظهر به رفعة الإسلام ، ~~ويغض من النصرانية ، وتهيأ للخروج ، قال له وزير الدولة : أاخذت الطالع ~~لخروجك ؟ فسأله أبو بكر . فلما فسر مراده ، قال : لا أقول بهذا ، لأن السعد ~~والنحس والخير والشر بيد الله ! ليس للكواكب ها هنا مثقال ذرة من القدرة ؛ ~~وإنما وضعت كتب النجوم ليتمعش بها الجاهلون من العامة ؛ ولا حقيقة لها . ~~فقال الوزير : احضر إلى ابن الصوفي ! وقد كان له تقدم في هذا الباب . فلما ms038 ~~حضره ، دعاه الوزير إلى مناظرة القاضي ، ليصحح ما أبطله بزعمه فقال ابن ~~الصوفي : ليست المناظرة من PageV01P037 شأني ، ولا أنا قائم بها . وإنما ~~أحفظ علم النجوم وأنا أقول : إذا كان من النجوم كذا ، يكون كذا ! وأما ~~تعليله ، فهو من علم أهل المنطق وأهل الكلام . وجرت له في ذلك الوجه ~~بالقسطنطينية بين يدي ملكها ، مع بطارقته ونبلاء ملته ، مناظرات ومحاورات : ~~منها أن الملك قال له : هذا الذي تدعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر ، ~~كيف هو عندكم ؟ قلت : هو صحيح عندنا . وانشق القمر على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ! حتى رأى الناس ذلك ، وإنما رآه الحضور ومن اتفق نظره له ~~في تلك الحال . فقال الملك : وكيف لم يره جميع الناس ؟ قلت : لأن الناس لم ~~يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره . فقال : وهذا القمر بينكم وبينه نسبة ~~وقرابة . لأي شيء لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس ، وإنما رأيتموه ~~أنتم خاصة ؟ قلت : فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة ؛ وأنتم رأيتموها دون ~~اليهود ، والمجوس ، والبراهمة ، وأهل الإلحاد ، وخاصة يونان جيرانكم ؛ ~~فإنهم كلهم منكرون لهذا الشأن ! فتحير الملك وقال في كلامه : سبحان الله ! ~~وأمر بإحضار فلان القسيس ليكلمني ، وقال : نحن لا نطيقه . فلم أشعر إذ ~~جاءوا برجل كالدب أشقر الشعر ؛ فقعد . وحكيت له المسألة ؛ فقال : الذي قال ~~المسلم لازم . ما أعرف له جوابا ، إلا الذي ذكره . فقلت له : أتقول إن ~~الكسوف ، إذا كان ، أيراه جميع أهل الأرض ، أم يراه أهل الإقليم الذي في ~~محاذاته ؟ قال : لا يراه إلا من كان في محاذاته . قلت : فما أنكرت من ~~انشقاق القمر ، إذا كان في ناحية لا يراه إلا أهل تلك الناحية ومن تأهب ~~للنظر له ، فأما من أعرض عنه أو كان في الأمكنة التي لا يرى القمر منها ، ~~فلا يراه ! فقال : هو كما قلت ! ما يدفعك عنه دافع ! وإنما الكلام في ~~الرواة الذين نقلوا . وأما الطعن في غير هذا الوجه ، فليس بصحيح ! فقال ~~الملك : وكيف يطعن في النقلة ؟ فقال النصراني : تنبيه هذا من الآيات : إذا ~~صح وجه ms039 أن ينقله الجم الغفير ، حتى يتصل بنا العلم به ، ولو كان كذلك ، ~~لوقع لنا العلم الضروري به . فلما لم يقع ، دل على أن الخبر مفتعل باطل . ~~فالتفت الملك إلي وقال : الجواب ؟ قلت : يلزمه في نزول المائدة ما لزمني في ~~انشقاق القمر ؛ ويقال له : لو كان نزول المائدة صحيحا ، لوجب أن ينقله ~~العدد الكثير ؛ فلو نقله العدد الكثير ، PageV01P038 فلا يبقى يهودي ولا ~~نصراني ، إلا ويعلم هذا بالضرورة ؛ ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة ، دل على ~~أن الخبر كذب ! فبهت النصراني والملك ومن ضمه المجلس . وانفصل المجلس على ~~هذا . قال القاضي : سألني الملك في مجلس آخر فقال : ما تقولون في المسيح ~~عيسى ابن مريم ؟ عليه الصلاة والسلام ! قلت : روح الله ، وكلمته ، وعبده ، ~~ونبيه ، ورسوله ، كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له : ' كن فيكون ! ' وتلوت ~~عليه النص . فقال : يا مسلم ! تقولون : المسيح عبد ؟ فقلت : نعم ؟ كذا نقول ~~وبه ندين ! قال : ولا تقولون إنه ابن الله ؟ قلت : ' معاذ الله ! ما اتخذ ~~الله من ولد وما كان معه من إله ' الآيتان . ' إنكم لتقولون قولا عظيما ' . ~~فإذا جعلتم المسيح ابن الله ، فمن كان أبوه ، وأخوه ، وجده وخاله ، وعمه ؟ ~~وعددت عليه الأقارب . فتحير وقال : يا مسلم ! العبد يخلق ويحيى ويميت ويبرئ ~~الأكمة والأبرص ؟ فقلت : لا يقدر العبد على ذلك . وإنما ذلك كله من فضل ~~الله تعالى ! قال : وكيف يكون المسيح عبد الله ، وخلقا من خلقه ، وقد أتى ~~بهذه الآيات ، وفعل ذلك كله ؟ قلت : معاذ الله ! ما أحيي المسيح الموتى ، ~~ولا أبرأ الأكمة والأبرص ! فتحير وقل صبره ، وقال : يا مسلم ! تنكر هذا ، ~~مع اشتهاره في الخلق ، وأخذ الناس له بالقبول ! فقلت : ما قال أحد من أهل ~~الفقه والمعرفة إن الأنبياء يفعلون المعجزات من ذاتهم ؛ وإنما هو شيء يفعله ~~الله تعالى على أيديهم ، تصديقا لهم ، يجري مجرى الشهادة ! فقال : قد حضر ~~عندي جماعة من أولى دينكم والمشهورين فيكم وقالوا إن ذلك في كتابكم . فقلت ~~: في كتابنا إن ذلك كله بإذن الله تعالى ! وتلوت عليه منصوص القرآن في ~~المسيح ' بإذني ms040 ' وقلت : إنما فعل المسيح ذلك كله بالله وحده لا شريك له ، ~~لا من ذات المسيح . ولو كان المسيح يحيي الموتى ويبرئ الأكمة والأبرص من ~~ذاته وقوته ، لجاز أن يقال إن موسى فلق البحر ، وأخرج يده بيضاء من غير سوء ~~من ذاته ! وليست معجزات الأنبياء عليهم السلام ! من ذاتهم دون إرادة الخالق ~~! فلما لم يجز هذا ، لم يجز أن تسند المعجزات التي ظهرت على يد المسيح ، ~~للمسيح ! PageV01P039 وذكر ابن حيان ، عمن حدثه أن الطاغية وعد القاضي أبا ~~بكر بالاجتماع معه في محفل من محافل النصرانية ، ليوم سماه . فحضر أبو بكر ~~، وقد احتفل المجلس ، وبولغ في زينته . فأدناه الملك ، وألطف سؤاله ، ~~وأجلسه على كرسي دون سريره بقليل ، والملك في أبهته ؛ وخاصته ورجال مملكته ~~على مراتبهم . وجاء البطرك ، قيم ديانتهم ، آخر الناس ، وحوله أتباعه يتلون ~~الأناجيل ويبخرون بالعود الرطب ، في زي حسن . فلما توسط المجلس ، قام الملك ~~ورجاله ، تعظيما له ؛ فقضوا حقه ، ومسحوا أعطافه . وأجلسه إلى جنبه ، وأقبل ~~على القاضي أبي بكر ؛ فقال له : يا فقيه ! البطرك قيم الديانة ، وولي ~~النحلة ! فسلم القاضي عليه أحفل سلام ، وسأله أحفى سؤال ، وقال له : كيف ~~الأهل والولد ؟ فعظم قوله هذا عليه وعلى جميعهم وطبقوا على وجوههم ، ~~وأنكروا قول أبي بكر عليه . فقال : يا هؤلاء ! تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذ ~~الصاحبة والولد ، وتربون به عن ذلك ، ولا تستعظمونه لربكم عز وجهه ! ~~فتضيفون إليه ذلك سدة لهذا الرأي ! ما أبين غلطه ! فسقط في أيديهم ، ولم ~~يردوا جوابا ، وتداخلتهم له هيبة عظيمة ، وانكسروا . ثم قال الملك للبطرك : ~~ما ترى في أمر هذا الرجل ؟ قال : تقضى حاجته ، وتلاطف صاحبه ، وتخرج هذا ~~العراقي عن بلدك ، من يومك إن قدرت ؛ وإلا لم تأمن الفتنة على النصرانية ~~منه ! ففعل الملك ذلك ، وأحسن جواب عضد الدولة وهداياه ، وعجل تسريح الرسول ~~. وبعث معه عدة من أسرى المسلمين ، ووكل به من جنده من يحفظه حتى يصل إلى ~~مأمنه . قال غيره : وكان سير القاضي إلى ملك الروم سنة نيف وثمانين ~~وثلاثمائة . # | ذكر القاضي عبد الوهاب # ومن أعلام العلماء ms041 ، وصدور القضاة الرواة ، الشيخ الفقيه المالكي ، أبو ~~محمد عبد الوهاب بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون البغدادي . ولي القضاء ~~بمواضع منها الدينور . فسما قدره ، وشاع في الآفاق ذكره . قال الشيرازي في ~~تعريفه : PageV01P040 أدركته وسمعت كلامه في النظر . وكان قد رأى أبا بكر ~~البصري إلا أنه لم يسمع منه شيئا . وكان فقيها متأدبا . وخرج في آخر عمره ~~إلى مصر ؛ فحصل له بها حال من الدنيا . قال عياض بن موسى : قوله لم أيسمع ~~من أبي بكر غير صحيح ، بل : قد حدث عنه ، وأجازه ، وتفقه على كبار أصحابه ~~كأبي الحسن بن القصار ، وأبي القاسم بن الجلاب . ودرس الفقه والكلام ~~والأصول على القاضي أبي بكر الباقلاني المتقدم الذكر وصحبه وألف في المذهب ~~والخلاف والأصول تواليف بديعة مفيدة ، منها كتاب التلقين ، وكتاب شرحه ، ~~وكتاب شرح الرسالة والنصرة ، لمذهب دار الهجرة ، وكتاب المعونة وأوائل ~~الأدلة ، في مسائل الخلاف بين فقهاء الملة ، وكتاب الإشراف ، على نكت مسائل ~~الخلاف ، وكتاب الإفادة في أصول الفقه ، وكتاب التلخيص فيه ، وغير ذلك . ~~وعليه تفقه أبو عمر وأبو الفضل الدمشقي ؛ وروى عنه هارون الفقيه ، والمازري ~~البغدادي ، وأبو بكر الخطيب ، وجماعة من أهل الأندلس ، منهم القاضي ابن ~~شماخ الغافقي ، وصاحبه مهدي بن يوسف ، وغير من ذكر . وسبب خروجه عن حضرة ~~بغداد ، كلام نقل عنه أنه قاله في الشافعي ؛ وطلب لأجله ؛ فعجل بالفرار ~~منها ، خائفا على نفسه . قال الشيرازي : وأنشد بعد ارتحاله عنها : سلام على ~~بغداد في كل موطن . . . وحق لها مني السلام المضاعف لعمرك ما فارقتها عن ~~قلي لها . . . وإني بشطي جانبيها لعارف ولاكنها ضاقت علي برحبها . . . ولم ~~تكن الأرزاق فيها تساعف فكانت كخل كنت أهوى دنوه . . . وأخلاقه تنأى به ~~وتخالف ونسب له بعضهم : وقائلة لو كان ودك صادقا . . . لبغداد لم ترحل فكان ~~. جوابيا يقيم الرجال الموسرون بأرضهم . . . وترمي القوى بالمفترين ~~المراميا وما هجروا أوطانهم عن ملاحظ . . . ولا كن حذارا من شمات الأعاديا ~~PageV01P041 ولما وصل مصر ، وبنيته المغرب ، وصفت له بلاده ، فزهد فيها ، ~~وقد كان خاطب فقهاء القيروان ورام القدوم على ms042 الأندلس ، وكتب أيضا في ذلك ~~إلى مجاهد الموفق صاحب دانية ؛ فعاجلته منيته . وتوفي بمصر في شعبان سنة ~~422 ، وقد جاز المعترك . وحكى أنه لما أحس الموت ، وهو بمصر ، إثر ما اتسعت ~~حاله ، قال : لا إله إلا الله ! لما عشنا متنا ! غفر الله لنا وله ورحمنا ~~وإياه ! # | ذكر القاضي مهدي بن مسلم # ومن أقادم القضاة بالأندلس ، قبل توطد الدولة المروانية بها ، مهدي بن ~~مسلم ؛ استقضاه على قرطبة عقبة بن الحجاج ، واستخلفه عليها ، وأمره بالقضاء ~~بين أهلها وكان من أهل العلم والورع والدين المتين . وقبره عند المصريين . ~~ولما أراد عقبة توليته ، قال له : اكتب عهدك لنفسك ! فكتبه بخط يده . قال ~~ابن الحارث : وإنه اليوم لأصل من الأصول للعهد في القضاء . # | ذكر القاضي عنترة بن فلاح # ومنهم عنترة بن فلاح . حدث عنه الشأميون ، ووصفوا فضله . وكان تقيا ، ~~ورعا ؛ استسقى يوما بالناس على ما حكاه ابن زرعة ؛ فأحسن في قيامه في ~~الخطبة ، وخشع الناس بوعظه وتذكيره ، وحركهم بدعائه وابتهاله . فلما فرغ ، ~~قام إليه رجل من عامة الناس ؛ فقال له : أيها القاضي الواعظ ! قد حسن عندنا ~~ظاهرك ؛ فحسن الله باطنك ! فقال : اللهم آمين ولنا أجمعين ! فهل أضمرت ؛ يا ~~ابن أخي ، شيئا ؟ فقال له : نعم يا قاضي ! بتفريغ أهرائك ، يتم فضل ~~استسقائك ! فقال : عمري ! لقد نصحتني وإني أشهد الله أن جميع ما حواه ملكي ~~من الطعام صدقة لوجه الله الكريم ! ثم أقسم أن لا يضع مقامه حتى يرسل إلى ~~داره ؛ فيفرق جميع ما ادخره . قال : فغيث الناس من يومهم غيثا عاما . ~~PageV01P042 # | ذكر القاضي يحيى بن زيد # ومنهم يحيى بن زيد التجيبي . ولاه القضاء بالأندلس عمر بن عبد العزيز ، ~~على ما روى عن محمد بن وضاح . وكان رجلا صالحا ، ورعا ، منقضبا ، وقد وقع ~~التنبيه على سيرة مهاجر بن نوفل : وكان من رسمه ، إذا اجتمع الناس عنده ~~للحكومه ، بدأ بوعظهم وتذكيرهم ؛ فلا يزال يخوفهم الله تعالى ، ويحذرهم ~~وبال الجدال بالباطل ، وما يلحق المبطل من سخط الله عز وجل ! وعقوبته ، ~~ويمثل لهم مواقفهم بين يديه في القيامة ، ثم يذكر ms043 ما يلزم القاضي من الحساب ~~، وما يجب عليه من التحري لإصابة الحق ، والاجتهاد لتخليص نفسه ؛ ثم يأخذ ~~في النوح والبكاء على نفسه . فيكون ذلك دأبه ، حتى لربما انصرف عنه أكثر ~~المختصمين ، باكين ، وجلين ، قد تعاطوا الحق بينهم . # | ذكر القاضي معاوية بن صالح الحضرمي # ومن القضاة المتقدمين ، معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي . خرج من الشأم ~~إلى الأندلس ؛ فوصلها سنة 123 . فاستوطن مدينة مالقة ، وبنى بأسفل قصبتها ~~مسجدا هو منسوب حتى الآن له . ثم انتقل إلى إشبيلية ؛ فسكنها . ثم ولاه ~~الأمير عبد الرحمن ابن معاوية القضاء بقرطبة . وكان من جلة أهل العلم ، ~~وكبار رواة الحديث ؛ شارك مالك بن أنس في بعض رجاله كيحيى بن سعيد وأمثاله ~~. وأخذ عنه جملة من الأيمة ، منهم سفيان الثوري ، والليث بن سعد ، وابن ~~عيينة . وذكر أن مالك بن أنس روى عنه حديث واحدا . وكان ممن يستغني بعقله ~~وعلمه وفهمه عن مشاورة غيره . ورحل إليه زيد بن الحباب من الكوفة ؛ فسمع ~~منه بالأندلس حديثا كثيرا . وتوفي بقرطبة ، ودفن ببقيع ربضها ؛ وصلى عليه ~~الأمير هشام بن عبد الرحمن ومشى على قدميه في جنازته ؛ وذلك سنة 168 . ~~PageV01P043 # | ذكر القاضي نصر بن ظريف اليحصبي # ومنهم نصر بن ظريف اليحصبي . ولي القضاء زمانا ، على ما حكاه أبو عمر بن ~~عبد البر . فسار فيه بأجمل سيرة : منها عمله في قضية حبيب القرشي ؛ وذلك ~~أنه دخل على الأمير عبد الرحمن بن معاوية ؛ فشكى إليه بالقاضي ، وذكر أنه ~~يريد أن يسجل عليه في ضيعة قيم فيها ، وادعى عليه الاغتصاب لها ، ولاذ ~~بالأمير من إسراع القاضي إلى الحكم عليه من غير تثبيت . فأرسل الأمير إليه ~~، وكلمه في حبيب ، ونهاه عن العجلة عليه ؛ فخرج ابن ظريف من يومه ، وعمل ~~بضد ما أراد الأمير ، وأنفذ الحكم . وبلغ الخبر حبيبا ؛ فدخل إلى الأمير ~~متغرا غيظا ؛ فذكر له ما عمله القاضي ، ووصفه بالاستخفاف بأمره والنقض له ، ~~وأغراه . فغضب الأمير على القاضي واستحضره ؛ فقال له : من أمرك على أن تنفذ ~~حكما ، وقد أمرتك بتأخيره والإناءة به ؟ فقال له : قد منى عليه ms044 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ! فإنما بعثه الله بالحق ، ليقضي به على القريب والبعيد ~~، والشريف والدنئ . وأنت أيها الأمير ، ما الذي حملك على أن تتحامل لبعض ~~رعيتك على بعض ، وأنت تجد مندوحة بأن ترضى من مالك من تعنى به ، وتمد الحق ~~لأجله ؟ فقال له : جزاك الله ، يا بن ظريف ، خيرا ! وخرج القاضي ؛ فدعا ~~بالقوم الذين صارت الضيعة إليهم بالاستحقاق ، وكلمهم ؛ فوجدهم راضين ببيعها ~~؛ إن أجزل لهم الثمن . فعقد فيها البيع معهم ، وصارت إلى جبيب . فكان بعد ~~ذلك يقول : جزى الله ابن ظريف عنا خيرا ! كان بيدي ضيعة حرام ؛ فجعلها ~~حلالا ! وكان هذا القاضي ، من زهده وورعه ، إذا شغل عن القضاء يوما واحدا ، ~~لم يأخذ لذلك اليوم أجرا . # | ذكر القاضي يحيى بن معمر # ومنهم يحيى بن معمر . له رحلة إلى المشرق ، لقي فيها أشهب بن عبد العزيز ~~، وسمع منه ومن غيره . وكان في مذهبه ورعا ، زاهدا ، فاضلا . استقصاه ~~الأمير عبد الرحمن . PageV01P044 وكان صليب القناة ، قليل المبالاة بالعتب ~~في سبيل الحق ؛ وكان ، إذا أشكل عليه أمر من أحكامه ، كتب فيه إلى أصبغ بن ~~الفرج ونظرائه بمصر : فكشفهم عن وجه ما يريد علمه ؛ فيحقق عليه ذلك فقهاء ~~الأندلس . وكان هو قليل الرضا عن طلبه قرطبة ، شديد التقضي عليهم ، لا يلين ~~لهم في شيء مما يريدون ، ولا يصغى إليهم ؛ وبلغ من تجاهله عليهم أن سجل ~~بالسخطة على تسعة عشر منهم ؛ فنفروا عنه بأجمعهم . ونشأت بينه وبين يحيى بن ~~يحيى لأجل ذلك عداوة ؛ فسعى في عزله عند الأمير ، وأقام عليه بما زعمه ~~الشهود : فعزله . ولما احتضر ابن معمر ، وهو ببلد إشبيلية ، وأيقن بالموت ، ~~قال لمولى له ، على ما حكاه الزاهد عثمان بن سعيد أقسمت عليك ، إذا أنا مت ~~، إلا ما ذهبت إلى قرطبة ؛ فقف بيحيى بن يحيى ، وقل له : يقول لك ابن معمر ~~: ' وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ! . ' ففعل ذلك مولاه لما مات ~~سيده ، وبلغ يحيى ما تقرعه به . قال : فبكى وقال : إنا لله وإنا إليه ~~راجعون ! ما أظن الرجل إلا خدعنا فيه ms045 ثم ترحم عليه ، واستغفر له ! # | ذكر القاضي المصعب بن عمران # وقد تقدم الكلام في إباية المصعب بن عمران عن القضاء ، أيام خلافة الأمير ~~عبد الرحمن بن معاوية . فلما ولى ابنه هشام الملك ، اختار المصعب للقضاء ، ~~واستحضره ، وقال له : قد علمت أنه إنما منعك عن القبول من أبي رحمه الله ! ~~الأخلاق التي كانت فيه . وقد عرفت أخلاقي وبلوتها : فاحمل عني هم القضاء ! ~~فأباه واستعفاه ؛ فغضب هشام عليه عزما شديدا ، وتهدده ، وأوعده . وذكر ~~بعضهم أنه قال : لئن لم تعمل على القضاء ، لأسطون بك سطوة تزيل اسم الحلم ~~عني ! فلما رأى ذلك ، وخاف على نفسه ، تولى له العمل كرها ؛ واشترط على ~~هشام أن يأذن له في اطلاع ضيعته يومين في الجمعة : السبت والأحد ، ويحكم ~~لسائر الأيام . فأجابه إلى PageV01P045 ذلك . ولم يزل على قضاء الأمير هشام ~~إلى أن توفي ؛ فأقره ابنه الحكم ؛ وكان قد عرف صلابته وتنفيذه الأحكام ؛ ~~فاشتد معه ، وصار يؤيده ، ولا يسمع فيه مقالة طاعن ، ويجيز أفعاله ، وينفذ ~~أحكامه ، وإن وقعت بغير المحبوب منه . وفي كتاب الحسن بن محمد : إن العباس ~~بن عبد الملك المرواني اغتصب رجلا من أهل جيان ضيعته . فبينا هو ينازعه ~~فيها ، هلك الرجل ، وترك أيتاما صغارا . فلما ترعرعوا ، وسمعوا بعدل القاضي ~~مصعب وقضائه ، قدموا قرطبة ، وأنهوا إليه مظلمتهم بالعباس ، وأثبتوا ما وجب ~~إثباته ؛ فبعث القاضي في العباس ، وأعلمه بما دفعه إليه الأيتام ، وعرفه ~~بالشهود عليه ، وأعذر إليه فيهم ، وأباح له المدافع ، وضرب له الآجال فلما ~~انصرمت ، ولم يأت بشيء ، أعلمه أنه ينفذ الحكم عليه . ففزع العباس إلى ~~الأمير الحكم ، وسأله أن يوصى إلى القاضي التخلي عن النظر في قصته ، ليكون ~~هو الناظر فيها . فأوصل إليه الأمير ذلك مع خليفة له من أكابر فتيانه ؛ ~~فلما أدى الوصية إليه ، اشتدت عليه ، وقال : إن القوم قد أثبتوا حقهم ! ~~ولزمهم في ذلك عناء طويل ونصب شديد ، لبعد مكانهم ، وضعف حالتهم . وفي هذا ~~على الأمير أعزه الله ! ما فيه ! فلست أتخلى عن النظر وإنفاذ الحكم لوجهه . ~~فليفعل الأمير بعده ما يراه صوابا من ms046 رأيه ! فرجع الرسول إلى الأمير بجوابه ~~، فوجم منه ؛ وجعل العباس يغريه بمصعب ، ويقول : قد أعلمت الأمير بشدة ~~استخفافه وغلطه في نفسه ، وتقديره أن الحكم له ، ولا حكم للأمير عليه ! ~~فأعاد الإرسال إليه بعزمه منه ، يقول : لا بد لك من أن تكف عن النظر في هذه ~~القضية ، لأكون أنا الناظر فيها ! فلما جاءه بعزمته ، أمره بالقعود ؛ ثم ~~أخذ قرطاسا ، فسواه ، وعقد فيه حكمه للقوم بالضيعة ؛ ثم أنفذه لوقته ~~بالاشهاد عليه . ثم قال للرسول : اذهب إلى الأمير أصلحه الله ! فاعلمه أني ~~قد أنفذت ما لزمني إنفاذه من الحق خوف الحادثة على نفسي ، ورهبة السؤال عنه ~~. وإن شاء نفذه ، فذلك له ! يتقلد منه ما شاء ! فذهب مغضبا ، وحرق كلام ~~القاضي ؛ وحكى عنه أنه قال : قد حكمت بالعدل ؛ فلينقضه الأمير إن قدر ! ~~فاستشاط غيظا ، وأطرق مليا ، والعباس يهيج غضبه ؛ وهم بمصعب ، إلى أن ~~تداركته عصمة من الله ، ثبتت بصيرته ، فسرى عنه ، وقال للعباس : إربع على ~~ظلعك ! فما أشقاه PageV01P046 من جرى عليه قلم القاضي ! فقف عند أمره ! ~~فإنه أشبه بنا وأولى بك ! وأقام على حسن رأيه في القاضي ، ولم يعرضه . وقول ~~الأمير : إربع على ظلعك ! معناه : إنك ضعيف فانته عما لا تطيقه ! قال صاحب ~~الأفعال : أربعت على الشيء : عطفت عليه ؛ ومنه : إربع على نفسك : قال أبو ~~عثمان : معناه : الزم أمرك وشأنك . قال : وتمثل المأمون ، حين وضع رأس محمد ~~المخلوع بين يديه ، بقول الشاعر : يا صاحب البغي إن البغي مصرعة . . . ~~فاربع عليك فخير القول أعدله فلو بغى جبل يوما على جبل . . . لاندك منه ~~أعاليه وأسفله وقال الهروي : في حديث بعضهم ، إنه لا يربع على ظلعك من ليس ~~يحزنه أمرك . سمعت أبا محمد القرشي يقول : معناه : لا يقيم عليك ، في حال ~~ضعفك ، من ليس يحزنه أمرك ، أي لا يهتم بشأنك إلا من يحزنه حالك . قال : ~~وأصله من ربع الرجل يربع ربوعا إذا أقام بالمقام . والظلع العرج كأنه يقول ~~: لا يقيم على عرجك ، إذا تخلفت عن أصحابك ، إلا من يهتم بشأنك . وكان ~~المصعب يشاور في شأنه صعصعة بن ms047 سلام ، وعبد الرحمن بن موسى ، وعبد الملك بن ~~الحسن ، والغازي بن قيس ، وأمثالهم . وقال فيه ابن عبد البر ، وقد ذكره : ~~يكنى أبا محمد ؛ شأمي الأصل ، دخل الأندلس في أيام عبد الرحمن ؛ واستقضاه ~~هشام وكان يروى عن الأوزاعي وغيره . وكان لا يقلد مذهبا ، ويقضى بما يراه ~~صوابا . وكان خيرا فاضلا . # | نبذ من أخبار محمد بن بشير المعافري وبعض سيره # كان هذا الرجل رحمه الله ! ممن لقي مالك بن أنس عند توجهه إلى حج بيت ~~الله الحرام . فلما عاد إلى الأندلس ، استقضاه الحكم بن هشام ؛ وقبل قضاءه ~~على شروط : منها نفاذ حكمه على كل أحد ، من الأمير إلى حارس السوق ؛ وأنه ~~إذا ظهر له العجز من PageV01P047 نفسه ، أعفى ، وأن يكون رزقه كفافا من ~~المال الفئ . وكان من صدور القضاة ، وذوي المذاهب الجميلة ، شديد الشكيمة ، ~~ماهر العزيمة . قال أحمد بن خالد : وكان أول ما أنفذه في قضائه التسجيل على ~~الأمير الحكم ؛ في رحى القنطرة ، إذ قيم عليه فيها ، وثبت عنده من المدعى ~~وسمع من بينته ما اعذر به إلى الأمير الحكم ؛ فلم يكن عنده مدفع . فسجل ~~فيها ، وأشهد على نفسه . فلما مضت مدته ، ابتاعها ابتياعا صحيحا . فكان ~~الحكم بعد ذلك يقول : رحم الله محمد بن بشير ! لقد أحسن فيما فعل بنا على ~~كره منا : كان بأيدينا شيء مشتبه ؛ فصححه لنا ، وصار حلالا ، طيب الملك في ~~أعقابنا ! ومما يذكر عليه أن رجلا كان يدلس في كتب الوثائق ، وإنه عقد ~~وثيقة باطل على رجل من التجار ، وقام بذلك عند محمد بن بشير . فلما صح لديه ~~تدليسه ، أمر بقطعة ؛ فقطعت يده . وكان إذا اختلفت عليه الفقهاء بقرطبة ، ~~وأشكل عليه الأمر في قضية ، كتب إلى عبد الرحمن بن القاسم بمصر ، وإلى عبد ~~الله بن وهب ، وأشباههما ؛ وربما قبل الشاهد على التوسم . ونقل عن عبيد ~~الله بن يحيى عن أبيه أنه قال لمحمد بن بشير : إن الحالات تتغير ، ولا تثبت ~~. فإذا عدل عندك الرجل بحكم شهادته ، ثم تطاول أمره ، وشهد عندك ثانية ، ~~فكلفه التعديل ، وأخر فيه الكشف ؛ فاعمل ms048 بحسب الذي يبدو لك . فقبل ذلك منه ~~ابن بشير . فلما أشعر الناس به أخذوا حذرهم منه . ومن كتاب محمد بن حارث ، ~~حديث أحمد بن خالد ؛ قال : سمعنا محمد بن وضاح يقول : وكل سعيد الخير بن ~~الأمير عبد الرحمن بن معاوية عند القاضي محمد بن بشير وكيلا يخاصم عنه في ~~شيء اضطر إليه . وكانت بيده فيه وثيقة ، فيها شهادات من أهل القبول ، وقد ~~أتى عليهم الموت ؛ فلم يكن فيها من الأحياء إلا الأمير الحكم بن هشام وشاهد ~~آخر مبرز . فشهد ذلك الشاهد عند القاضي ، وضربت الآجال على وكيله في شاهد ~~ثان رجى به الخصام فدخل سعيد الخير بالكتاب إلى الأمير الحكم ، وأراه ~~شهادته في الوثيقة وكان قد كتبها قبل الإمارة ، في حياة والد وعرفه مكان ~~حاجته إلى أدائها عند قاضيه ، خوفا من بطول حقه . وكان الحكم يعظم سعيد ~~الخير عمه ، ويلزم مبرته ؛ فقال له : يا عم ! إنا PageV01P048 لسنا من أهل ~~الشهادات ؛ فقد التبسنا من فتن هذه الدنيا بما لا تجهله ؛ ونخشى أن توقفنا ~~مع القاضي موقف مخزاة ، كنا نفديه بملكنا . فصر في خصامك إلى ما صيرك الحق ~~إليه ! وعلينا خلف ما انتقصك ! فأبى عليه سعيد الخير ، وقال : سبحان الله ! ~~وما عسى أن يقول قاضيك في شهادتك ، وأنت وليته ، وهو حسنة من حسناتك ! ولقد ~~لزمك في الديانة أن تشهد لي بما علمته ، ولا تكتمني ما أخذ الله عليك ! ~~فقال له الأمير : بلى ! إن ذلك لمن حقك كما تقول . ولكنك تدخل به علينا ~~داخلة ؛ فإن أعفيتنا منه ، فهو أحب إلينا ؛ وإن اضطررنا ، لم يمكننا عقوقك ~~. فعزم عليه سعيد الخير عزم من لم يشك أن قد ظفر بحاجته . وضايقته الآجال ؛ ~~فألج عليه ؛ فأرسل الأمير الحكم عند ذلك عن فقيهين من فقهاء حضرته ، وخط ~~شهادته تلك بيده في قرطاس ، وختم عليه بخاتمه ، ودفعها إلى الفقهين ، وقال ~~لهما : هذه شهادتي بحطى تحت طابعي ! فأدياها إلى القاضي ! فأتياه بها إلى ~~مجلسه ، في وقت قعوده للسماع من الشهود فإدياها إليه ؛ فقال لهما : قد سمعت ~~منكما ؛ فقوما راشدين ! وانصرفا ms049 . وجارت دولة وكيل سعيد الخير ؛ فتقدم إليه ~~مذلا ، واثقا بالخلاص ؛ فقال له : أيها القاضي ! قد شهد عندك الأمير أصلحه ~~الله ! فما تقول ؟ فأخذ القاضي كتاب الشهادة ، ونظر فيه ؛ ثم قال للوكيل : ~~هذه شهادة لا تعمل بها عندي ! فجيء بشاهد عدل ! فدهش الوكيل ، ومضى إلى ~~موكله ؛ وأعلمه ؛ فركب من فوره إلى الأمير الحكم وقال له : ذهب سلطاننا ~~وأزيل بهاؤنا ! ويجترئ هذا القاضي على رد شهادتك ، والله تعالى قد استخلفك ~~على خلقه ، وجعل الأمر في دمائهم وأموالهم إليك ! هذا ما لا ينبغي أن ~~تحتمله عليه ! وجعل يغريه بالقاضي ، ويحرضه على الإيقاع به . فقال له الحكم ~~: وهل شككت أنا في هذا ؟ يا عم ! القاضي ، والله ! رجل صالح ، لا تأخذه في ~~الله لومة لائم ! فقل الذي يجب عليه ، ويلزمه ، ويسد بابا كان يصعب علينا ~~الدخول منه ! فأحسن الله عنا وعن نفسه جزاءه ! فغضب سعيد الخير من قوله ، ~~وقال له : هذا حسبي منك ! فقال له : نعم ! قد قضيت الذي كان علي ؛ ولست ، ~~والله ! أعارض القاضي فيما أحتاط به لنفسه ، ولا أخون المسلمين في قبض يد ~~مثله ! ولما عوتب ابن بشير فيما أتاه من ذلك ، قال لمن عاتبه : يا عاجز ! ~~ألا تعلم أنه لا بد من الإعذار في الشهادات ؟ فمن كان يجترى على ~~PageV01P049 الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها ؟ الدفع في شهادة الأمير لو ~~قبلتها ؟ وإن لم اعذر ، بخست المشهود عليه بعض حقه ! وكان القاضي محمد بن ~~بشير لا يجيز الشهادة على الخط في غير الأحباس ، ولا يرى القضاء باليمين مع ~~الشاهد . ولذلك اعتل عند شهادة الأمير الحكم في خصومة عمه سعيد الخير بما ~~اعتل . ومسألة اليمين مع الشاهد مما اختلف فيه أهل العلم ؛ فأما مالك ، ~~فإنه كان يرى ذلك ؛ وأما الليث ، فإنه كان يرى أن كل حق لم يشهد عليه عدلان ~~بالله تعالى لم يرد إتمامه . قال عبيد الله بن يحيى : وكان أبي رحمه الله ! ~~يحتج بقول الليث . ويحكى عن محمد بن بشير أنه لم يحكم في ولايته باليمين مع ~~الشاهد ، ولا حكما واحدا . وفي ms050 أحكام ابن أبي زياد : قال محمد بن عمر بن ~~لبابة : قد علم القاضي حفظه الله ! اختلاف أهل العلم ، وما ذهب إليه مالك ، ~~وأصحابه من اليمين مع الشاهد ، وما ذهب إليه قضاة بلدنا منذ دخلته العرب ، ~~من أنهم لا يرون اليمين مع الشاهد ، ولا يقضون به . فليتخير القاضي ما أراه ~~الله . وإني لمتوقف على الاختيار في هذا ، لما ظهر لي من فساد الناس ، وقلة ~~الدعة في الشهادة . ومن نوازل أبي الأصبغ بن سهل : قال ابن حبيب : حدثني ~~ابن أبي أويس ، عن سليمان بن بلال ، وعن يونس بن يزيد ، عن سلمة بن قيس ، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! استشار جبريل عليه الصلاة والسلام في ~~القضاء باليمين مع الشاهد الواحد ؛ فأمره بذلك . وعن علي بن أبي طالب أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قضى في الحقوق به ؛ وقضى بذلك علي وشريح . ~~قال مالك : مضت به السنة ؛ يحلف الطالب مع شاهده ، ويستحق حقه ؛ فإن نكل ، ~~حلف المطلوب ، وإلا غرم . وذلك في الأموال خاصة ، لا في الحدود ، ولا في ~~النكاح ، ولا في الطلاق ، ولا في العتاق والسرقة والفرية . وأجمع عليه ~~القائلون باليمين مع الشاهد من الحجازيين وغيرهم ، أنه لا يقضى به إلا ~~الأموال والديون وغيرهما . وقاله عمرو بن دينار ، وهو حديث ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ! وقال ابن حبيب ، عن مطرف ، عن مالك : يجوز ~~اليمين مع الشاهد في الحقوق ، والجراح عمدها وخطئها ، وفي المشاتمة ، ما ~~عدا الحدود من الفرية والسرقة والطلاق . قال : وحدثني أصبغ بن الفرج ، عن ~~ابن وهب ، عن أبي الزناد ، عن أبيه ، أن عمر بن عبد العزيز كان يقضى به في ~~المشاتمة وفي الجراح العمد والخطأ ، ولا يجيزه PageV01P050 في الفرية ~~والطلاق والعتاق وأشباهه . ثم قال القاضي : ومسائل هذا الباب كثيرة . ~~والمراد منه الإعلام بالمذاهب في الشاهد واليمين . وما جرى به العمل في ~~الأندلس وقد ذكرناه ، ومن صح نظهر في أحوال الناس اليوم والمعرفة باختلاف ~~الشهادات لم تطب نفسه على القضاء ، ولا مع الشاهد المبرز في العدالة ~~والنباهة ms051 . والله الموفق للصواب ! وترك الحكم بالشاهد الواحد مع اليمين من ~~المسائل الأربع التي خالف أهل الأندلس فيها قديما مذهب مالك بن أنس ؛ وهي ~~أن لا يحكموا بالخلطة ، ولا بالشاهد اليمين . وأجازوا كراء الأرض بالجزء ~~مما يخرج منها ، وهو مذهب الليث بن سعد ، وأجازوا غرس الشجر في المساجد ، ~~وهو مذهب الأوزاعي . ولم يزل محمد بن بشير متوليا خطة القضاء إلى أن توفي ~~سنة 198 . قال عنه بقي بن مخلد ، وقد ذكره ، وأثنى عليه : كانت له في ~~قضاياه مذاهب ودقائق ، لم تكن لأحد قبله بالأندلس ، ولا بفاس ، ولا بمن ~~تقدم من صدور هذه الأمة رحمه الله وأرضاه ! ومن المطالب التي للقاضي على ~~سلطانه ، حسبما شرطه ابن بشير محمد بتوليته ، والإعانة له على ما أهله إليه ~~من القيام بخطته ، وإمضاء أحكام الحق على جهته والأقربين من عشيرته ، فضلا ~~عن خوله وحاشيته . وقد كان الخليفة المدعو بالمنصور ، من بنى العباس بن عبد ~~المطلب ، بالمثابة التي كان عليها من شموخ أنفه وسمو سلطانه . فما زاده ~~التذلل للحكم الشرعي إلا رفعة إلى رفعته ، وعزة إلى عزته . فقد جرى حتى ~~الآن المثل بما حدث له مع محمد بن عمران ، قاضي المدينة في وقته : وذلك أنه ~~لما وصل إليها حاجا ، تظلم منه الجمالون ، و صاحوا على القاضي . قال ~~الشيباني : فكنت كاتبه ؛ فأمرني أن أكتب إلى المنصور رقعة في الحضور مع من ~~تظلم منه . فقلت : تعفيني من هذا ! فإنه يعرف خطي ! فقال : إذا لا يحملها ~~غيرك ! فكتب ، تم ختم الكتاب ، ومضيت ، ودفعته إلى الربيع ، واعتذرت . وقال ~~: لا عليك ! ودخل بالكتاب ، ثم خرج ؛ فقال : أيها الناس ! إن أمير المؤمنين ~~يقرأ عليكم السلام ؛ ويقول لكم : قد دعيت إلى مجلس الحكم الشرعي ؛ فقال ~~يتبعني أحد منكم ، ولا يكلمني ، ولا يقم إلى إذا خرجت . PageV01P051 قال : ~~ثم برز ، وبعض وزرائه بين يديه ، وأنا خلفه ، وهو في مئزر ورداء ؛ فلم يقم ~~إليه أحد . فلما دخل المسجد ، بدأ بالقبر ؛ فسلم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ! ثم قال للربيع : أخشى أن تدخل ابن عمران متى ms052 هيبة ، فيتحول عن ~~مجلسه . ولئن فعل ، لا ولي لي ولاية أبدا ! ثم سار إلى القاضي . فلما رآه ، ~~وكان متكيا ، أطلق رداءه عن عاتقه ، ثم احتبى ودعا بالخصوم ، ثم قضى لهم ~~بحقهم ، وانفصل الخليفة إلى محله . فلما وصل أمر الربيع بإحضار القاضي ، ~~فلما دخل عليه ، قال له : جزاك الله عن دينك وعن نفسك وعن خليفتك أحسن ~~جزائه ! وأمر له بعشرة آلاف درهم . فبقى هذا الفعل من المنصور عبد الله ~~العباسي معدودا ، على مر الأيام ، في مناقبه ، معروفا من فضائله ، مرسوما ~~في كتاب حسناته . وينبغي للقاضي أن يكون شديد التثبت فيما أسند إليه من ~~أمانته ، غير هائب في الحق لسلطانه ، ولا متبعا له فيما يقدح في وجه ورعه ~~وظاهر أحكامه . ولقضاة العدل في هذا الباب أخبار حسان ، منها قصة أحمد بن ~~أبي داوود مع الواثق ، في المسالة التي أغراه بها كاتبه عبد الملك بن ~~الزيات ، ورام إغضابه عليه ؛ وهي مسألة الأعراب الذين كتب له فيهم عتاب بن ~~عتاب ؛ فإنهم كسروا السجن ، وهربوا ، فقطعوا الطريق ، وارتكبوا العظائم ، ~~وانتهكوا المحارم ؛ ولقد ظفر بهم . ووافق الدواة التي كان الواثق يكتب بها ~~بين يدي قاضيه ابن أبي داوود ؛ فقال له : قدمها إلي ، لأوقع بها في ضرب ~~أعناق هؤلاء الفتكة ! فأمسك ؛ فقال له الواثق : أنت قرأت علي قديما أن خالد ~~بن الوليد كتب إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما ! في قوم عتوا وأفسدوا ~~وقتلوا ، يستأمره في أمرهم . فكتب إليه بضرب أعناقهم . أفلا ترضى أن أكون ~~مثل خالد وأجرى مجراه ؟ فأقبل القاضي عليه وقال : سألتك بالله العظيم ! أنت ~~كعمر وعتاب كخالد ! أشركك في دمائهم وأعينك على ما تريد من أمرهم ! فأمسك ~~الواثق على المراجعة وقال لغلامه : قدم الدواة ! فإنا لا نكلف أبا العباس ~~ما يشق عليه ! وعلى كل حاكم أن يكون شديد الحذر من دسائس نفسه ، قاطعا ~~أسباب مطامعه ، وأن لا يكون من شأنه حب المدح في وجهه ، والركون إلى الثناء ~~على شيمه ؛ فإنه مهما عرف بذلك ، تضوحك به ، وأكثر الوقوع في جنابه ، ~~والتهاون بناحيته . قال PageV01P052 ابن ms053 يونس : بل يكون همه في ثلاث خصال : ~~رضاء ربه ، ورضاء سلطانه ، ورضاء من يلي عليه . وكان الشافعي يقول : لما ~~رأيت الناس لا يجتمعون على حالة ، أخذت لنفسي بالذي هو أولى . ونظم بعضهم ~~هذا المعنى ، فقال : اعمل لنفسك صالحا لا تحتفل . . . بكبير قيل في الأنام ~~وقال فالناس لا يرجى اجتماع قلوبهم . . . لا بد من معن عليك وقال # | ذكر القاضي الفرج بن كنانة # ومن الفقهاء المعدودين بالأندلس في صدور القضاة ، الفرج بن كنانة الكناني ~~، رحل إلى المشرق ، وسمع من عبد الرحمن بن القاسم وغيره . ولما قدم من ~~رحلته ، استخلصه الأمير الحكم بن هشام ، وولاه قضاء الجماعة بقرطبة . وهو ~~كان القاضي بها أيام الهرج المعروف بوقيعة الربض . ومما جرى له حينئذ ، أن ~~بعض أصحاب الأمير الحكم ، الذين أرسلهم على الناس ، تعلقوا بجار الفرج بن ~~كنانة ، أتهموه بالحركة في الصبح ، وتسوروا عليه . وصاح نساؤه ؛ فسمع ~~القاضي الصراخ ؛ فقال : ما هذا ؟ فقيل : جارك فلان ! تعلق به الحرس ؛ ~~فأخرجوه ليقتل ! فبادر الخروج ، وكف القوم عن جاره ، وقال لهم : إن جاري ~~هذا بريء الساحة ، سليم الناحية ، وليس فيه شيء مما تظنون . فقال له رئيس ~~الحرس ، المرسل معهم : ليس هذا من شأنك ! عليك بالنظر في أحباسك وحكومتك ! ~~ودع ما لا يعنيك ! فغضب الفرج عند ذلك ، ومشى إلى الأمير الحكم ؛ فاستأذن ~~عليه . فلما دخل ، قال له بعد السلام : أيها الأمير ! إن قريشا حاربت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ! وناصبته العداوة في الله تعالى ؛ ثم إنه صفح ~~عنهم ، لما أظفره الله تعالى بهم ، وأحسن إليهم . وأنت أحق الناس بالاقتداء ~~به ، لقرابتك منه ، ومكانك من خلافته في عباد الله ! ثم حكى له قصة جاره ، ~~وما عرض له في الدفاع عنه . فأمر بتخليه سبيله ، وبعقاب الناظر الذي عارض ~~القاضي ؛ وعفا عند ذلك عن بقية أهل قرطبة ، وبسط الأمان بجماعتهم ، وردهم ~~إلى أوطانهم . PageV01P053 وكان القاضي فارسا شجاعا ، يقود الخيل ، ويتصرف ~~للسلطان في الولايات . وقد غزا مع عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث ، ~~معقودا له على جند شذونه بلده ، إلى جليقية وقدمه ms054 عبد الكريم إلى جمع ~~النصرانية ؛ فعضهم ؛ وقتل فيهم قتلا ذريعا . وبقي قاضيا وصاحب صلاة زمانا . ~~ثم استعفى . وأخرجه الأمير إلى الثغر الأقصى ؛ فقام مقام صدور الغزاة . ~~وكان له قدر جليل في الناس . وكذلك كان أسد بن الفرات بن سنان ، أحد صدور ~~الشجعان : ولاه زيادة الله القضاء بإفريقية ، وقدمه على غزو صقلية ؛ فخرج ~~في عشرة آلاف رجل ، منهم ألف فارس . فلما خرج إلى سوسة ليتوجه منها إلى ~~صقلية ، خرج معه وجوه أهل العلم ، يشيعونه ، وقد صهلت الخيل ، وضربت الطبول ~~، وخفقت البنود ، قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ! يا معشر الناس ! ~~ما بلغت ما ترون إلا بالأقلام ! فاجهدوا أنفسكم فيها ، وثابروا على تدوين ~~العلم ، تنالوا به الدنيا والآخرة ! قال عياض ، وقد سماه في مداركه : حكى ~~سليمان بن فارس أن أسدا القاضي لقي ملك صقلية في مائة ألف وخمسين ألفا . ~~قال الراوي : فرأيت أسدا ، وفي يده اللواء ، وهو يزمزم ، وأقبل على قراءة ~~يس ؛ ثم حرض الناس ، وحمل ، وحملوا معه . فهزم جموع النصارى . وتوفي رحمه ~~الله ! في حصار سرقوسة من غزو صقلية وهو أمير الجيش وقاضيه ، وذلك سنة 213 ~~. # | ذكر القاضي سعيد بن سليمان الغافقي # ومن القضاة ، سعيد بن سليمان الغافقي . قال فيه محمد بن وضاح : ولي ~~القضاء في الأرض أربعة في وقت واحد : فانتشر العدل بهم في آفاقها . وهم ~~دحيم بن اليتيم بالشأم ؛ والحارث ابن مسكين بمصر ؛ وسحنون بن سعيد ~~بالقيروان ؛ وأبو خالد سعيد بن سليمان بقرطبة . وحكى عنه ابن عبد البر أنه ~~كان يخطب بخطبة واحدة طول أيامه ، لم يبدلها مدة ولايته ، وأنه خرج ليستسقي ~~للناس في بعض أوقاته ؛ فلما بدأ خنقته العبرة ، وتخبلت عليه الخطبة ؛ فلم ~~يكمل الاستسقاء واختصر الكلام ، وانصرف . فسقى الناس في ذلك النهار . ~~PageV01P054 # | ذكر القاضي معاذ بن عثمان الشعباني # ومنهم معاذ بن عثمان الشعباني . ولاه الأمير عبد الرحمن القضاء ، فأقام ~~قاضيا سبعة عشر شهرا ؛ ثم عزله . وسبب ذلك أنه كان ، على ما حكاه ابن حارث ~~، يعجل بالحكومة فأحصى عليه ، في تلك المدة ، سبعون قضية أنفذها ms055 ، فاستنكرت ~~منه . وخيف عليه الزلل ؛ فجعل عزله . قال أبو عمر بن عبد البر : وكان عابدا ~~، زاهدا ، خيرا . # | ذكر القاضي محمد بن زياد اللخمي # ومنهم محمد بن زياد اللخمي . سمع من معاوية بن صالح سماعا كثيرا . ولما ~~احتضر الفقيه يحيى بن يحيى ، أسند وصيته في أداء دين وبيع مال إلى ابن زياد ~~؛ وكان هو القاضي يومئذ ؛ فكان وصيه في ذلك الوجه خاصة . قال ابن حارث : ~~وكان السبب في عزله عن القضاء ما كان من أمر ابن أخي عجب حظية الأمير الحكم ~~. وذلك أنه شهد عليه بلفظ نطق به عابثا في يوم غيث . فأمر الأمير عبد ~~الرحمن بحبسه ، وطلب الشهادات عليه . وأبرمته عجب عمته في إطلاقه ؛ وكانت ~~مدلة عليه لمكانها من أبيه . فقال لها : مهلا يا أماه ، فلا بد ، والله ! ~~من أن نكشف أهل العلم عما يجب عليه في لفظه ذلك الذي شهد به عليه ؛ ثم يكون ~~الفصل بعد في أمره . فإنا ، معشر بني مروان ، لا تأخذنا في الله لومة لائم ~~! وما نرى أن الله رفع ملكنا ، وجمع بهذه الجزيرة فلنا ، وأعلى فيها ذكرنا ~~، حتى صرنا شجى في حلق عدونا ، إلا بإقامة حدوده ، وإعزاز دينه ، وجهاد ~~عدوه ، مع مجانبة الأهواء المضلة ، والبدع المردية . ثم تقدم الأمير عبد ~~الرحمن إلى محمد بن السليم الحاجب أن يحضر القاضي محمد بن زياد ، والفقهاء ~~بالبلد . فجمعهم ، وفيهم عبد الملك ابن حبيب ، وأصبغ بن خليل ، وعبد الأعلى ~~بن وهب ، وأبو زيد بن إبراهيم ، وأبان ابن عيسى بن دينار . فشاورهم في أمر ~~ابن أخي عجب ، وأخبرهم بما كان من لفظه . فتوقف PageV01P055 القاضي محمد بن ~~زياد على القول بسفك دمه . وتبعه في ذلك من الفقهاء أبو زيد وعبد الأعلى ~~وأبان . وأفتى بقتله عبد الملك بن حبيب ، وأصبغ بن خليل معا . فأمرهم محمد ~~ابن سليم أن ينصوا فتواهم على وجوهها في صك ، ليرفعها إلى الأمير ، ليرى ~~فيها رأيه . وفعلوا . فلما تصفح الأمير أقوالهم ، استحسن قول ابن حبيب ~~وأصبغ ، ورأى ما رأيا من قتله . وأمر الفتى حسانا ؛ فخرج إليهم ؛ فقال لابن ms056 ~~السليم : قد قهم الأمير ما أفتى به القوم من أمر هذا الفاسق . وهو يقول لك ~~: أيها القاضي ! اذهب ؛ فقد عزلناك . وأما أنت ، يا عبد الأعلى ! فقد كان ~~يحيى يشهد عليك بالزندقة ؛ ومن كانت هذه حاله ، فحرى ألا تسمع فتواه ! وأما ~~أنت ، يا أبان بن عيسى ! فإنا أردنا أن نوليك قضاء جيان ؛ فزعمت أنك لا ~~تحسن القضاء . فإن كنت صادقا ، فعليك أن تتعلم ؛ وإن كنت كاذبا ، فالكاذب ~~لا يكون أمينا مفتيا ! ثم قال حسان لصاحب المدينة : يأمرك الأمير أن تخرج ~~الآن مع هذين الشخصين عبد الملك وأصبغ ؛ فتأمر لهما بأربعين من الغلمان ~~ينفذون لهما في هذا الفاسق ما رأياه ! ثم أخرج المحبوس ، ووقفا معا حتى رفع ~~فوق خشبة ، وهو يقول لعبد الملك : يا أبا مروان ! اتقوا الله عز وجل ! في ~~دمي ! فإني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله وعبد الملك يقول ~~: الآن وقد عصيت ! حتى طعن . وانصرفا . # | نبذ من أخبار سليمان بن الأسود الغافقي # منها قال القاضي أبو عمر بن عبد البر : كان القاضي سليمان بن الأسود رجلا ~~صالحا متقشفا ، صليبا في حكمه ، مهيبا . وكان السبب في تقليد الأمير محمد ~~اياه قصاء قرطبة ، حكم أمضاه بمدينة ماردة ، وهو قاض عليها للأمير عبد ~~الرحمن والده ، ومحمد أمير عليها : وقد احتبس لرجل يهودي من تجار جليقية ~~مملوكة أعجبته ، واشتط اليهودي في سومها ، فدس غلمانه لاختلاسها من اليهودي ~~. وفزع اليهودي إلى سليمان بمظلمة ، واستشهد بمن حول دار الإمارة ممن عرف ~~خبرها . فأوصل سليمان إلى محمد ، يعرفه بما ذكره اليهودي ، وما شهد لديه ، ~~ويقبح عنده سوء الأحدوثة عنه ، ويسأله PageV01P056 دفع مملوكته إليه . ~~فأنكر محمد ما زعمه اليهودي ، ولواه بحقه ، فأعاد القاضي إليه الرسالة يقول ~~له : إن هذا اليهودي الضعيف لا يقدر أن يدعى على الأمير بباطل ! وقد شهد ~~عندي قوم من التجار ! فليأمر الأمير بإنصافه ! فلج محمد ولج سليمان . فأرسل ~~إليه سليمان ثانية ، يقسم بالله العظيم لئن لم يصرف على اليهودي جاريته ، ~~ليركبن دابته من فوره ، ويكون طريقه إلى الأمير والده ms057 ، يعلمه الخبر ، ~~ويستعفيه من قضائه . فلم يلتفت محمد إلى وصيته . فشد سليمان على نفسه ، ~~وركب دابته سائرا إلى قرطبة ؛ وكانت طريقه على باب دار الإمارة ؛ فدخل ~~الفتيان إلى محمد ؛ فعرفوه بسيره . فأشفق من ذلك ، وأرسل خلفه فتى من ثقاته ~~، يقول له إن الجارية قد وجد خبرها عند بعض فتيانه ، وقد كان أخفاها بغير ~~أمره ، وها هي حاضرة ، ترد إلى اليهودي . فلحقه الرسول على ميل أو نحوه من ~~ماردة ، وأعلمه . فقال : والله ! لا أنصرف من موضعي راجعا ، أو أوتى ~~بالجارية إلى هذا المكان ، ويقبضها اليهودي ها هنا ! وإلا مضيت لوجهي ! ~~فأرسل محمد الجارية إليه . فلما صارت بين يديه ، أرسل في اليهودي مولاها ، ~~وفي ثقات من ثقات أهل البلد ، ودفعها إليه بمحضرهم . وأعجب الأمير محمدا ما ~~كان منه ، واسترجحه واعتقد تفضيله . فلما ولى الخلافة ، واحتاج إلى قاض ، ~~ولاه وأعزه . قال أسلم بن عبد العزيز : سمعت أخي هاشما يقول : إني لقاعد ~~يوما بين يدي الأمير ، إذ دخل عليه فتاه بدرون الصقلبي وكان أثيرا لديه ~~باكيا . فقال له : ما دهاك ؟ فقال له : يا مولاي ! عرض لي الساعة مع القاضي ~~ما لم يعرض لي مثله قط ! ولوددت أن الأرض انضمت علي ولم أقف بين يديه ! قال ~~: وما ذاك ؟ قال : دست على امرأة تطالبني في دار في يدي ، فأغفل ما كنت إذ ~~جاءتني بطابع القاضي ، وكنت أنت أمرتني بما تعلمه ؛ فاعتذرت إليها وقلت : ~~أنا اليوم مشغول بشغل الأمير أعزه الله ! وسأكتب إلى القاضي ، واستعلم ما ~~يريد . ثم إني أقبلت إلى القصر وقد أتيت باب القنطرة ؛ فإذا برسول من أعوان ~~القاضي بادر إلي ؛ فضرب على عاتقي ، وصرفني عن طريقي إليه ؛ فدخلت عليه في ~~المسجد الجامع ؛ فوجدته غضبان . فنبهني وقال : عصيتني ، ولم تأخذ طابعي ! ~~فقلت له : لم أفعل ! وقد عرفت المرأة بوجه تأخيري . فقال لي : PageV01P057 ~~ورب هذا البيت ! لو صح عندي عصيانك ، لأدبتك ! ثم قال لي : أنصف هذه المرأة ~~! فقلت : أوكل من يخاصمها عني ! فأبى علي إلا أن أتكلم . فلما رأيت صعوبة ~~مقامي ، أعطيتها بدعواها ، ونجوت بنفسي . أفيحسن ms058 عندك ، يا مولاي ! أن يركب ~~مني قاضيك مثل هذا ؟ ومكاني من خدمتك مكاني ! قال : فتغير وجه الأمير محمد ~~، وقال له : يا بدرون ! اخفض عليك ! فمحلك مني تعلمه ؛ فسئلنا به حوائجك ، ~~نجبك إليها ! ما خلا معارضة القاضي في شيء من أحكامه ؛ فإن هذا باب قد ~~أغلقناه ؛ فلا نجيب إليه أحدا من أبنائنا ، ولا من إخواننا ، ولا من أبناء ~~عمنا ، فضلا عن غيرهم . والقاضي أدرى بما فعل ! فمسح بدرون عينيه ، وانصرف ~~. قال القاضي أسلم : وإنما كان يحتمل مثل هذا من أولئك القضاة . وأما ~~أمثالنا نحن فلا . وصدق أسلم رحمه الله ! فالقهر بالحكم لا يحتمل في الغالب ~~، إلا لمن تخلص نيته في القصد به وجه الله . وما تسرع ملامة الناس إلا لمن ~~يتقيها ويتخوف عاقبة أمر أهلها . وسخط الله أكبر من ملامة الخلق . ونسأل ~~الله الهداية والوقاية ! وكثيرا ما كان ابن أسود ينشد : تضحى على وجل تمسى ~~على وجل . . . بين الأقارب والجيران والخؤل كل التراب ولا تعمل لهم عملا . ~~. . فالشر أجمعه في ذلك العمل وكانت فيه دعابة تستحسن وتستظرف ، منها أنه ~~كان يعلم شدة شهوة إبراهيم بن يزيد في الصلاة بالناس ، وترشيحه نفسه لها ؛ ~~وتربصه به الدوائر ليثبت عليها . فلم يشعر سليمان غداة يوم من بعض الجمع ، ~~وقد أحب الدعة في بيته ، إذ استأذن عليه إبراهيم المذكور . فذهب إلى ~~المداعبة به ، وقال لغلامه : اخرج إليه متباكيا ، وأظهر الإشفاق علي ، وقل ~~له : أحسب مولاي في الموت ! ثم أدخله ! فدخل ، وقد اضطجع سليمان ، وسجى على ~~نفسه ، وجعل يتنفس تنفس الهالك . فلما نظر إليه ؛ ترجع واستغفر . ثم خرج ~~عنه ، فمضى من فوره إلى هاشم بن عبد العزيز قيم الدولة ؛ فعرفه حال سليمان ~~وأنه يعالج الموت ، وما أظنه يبلغ وقت صلاة الجمعة ؛ وإن بلغ دماؤه ، ~~PageV01P058 فإنه لا يصليها ! وحمله على إعلام الأمير محمد بذلك ، والكتب ~~إليه ، ليرتاد الصلاة قبل الضيعة . فقال له هاشم : انظر ما تحكيه ! فليست ~~له عندنا مقدمة . أنت رأيته بعينك الساعة على هذه الحال ؟ قال : نعم ! هذا ~~خروجي من عنده إليك . فقال هاشم : ما ms059 بعد هذا شيء ! ثم وضع يده ، وكتب إلى ~~الأمير يخبره بما حكاه ابن يزيد ، من شدة مرض القاضي سليمان ، ويأسه من ~~قيامه للصلاة ، وتحركه للنظر فيمن يصلى مكانه . فلما قرأ الأمير كتابه ، ~~استراب فيه ، وفكر في الأمر . فوقف على أن إبراهيم شديد الشهوة في الصلاة ، ~~واستحال عنده أن لم يسمع بأول مرض قاضيه ولا بانتهائه ؛ فعلم بجودة نظره أن ~~في الخبر خللا . فقال لخادم من خدامه ، من وجوه صقالبته : انطلق الساعة ، ~~وادخل على القاضي سليمان بن الأسود ، وانظر حاله وما تجده عليه ! فإن وجدته ~~متخففا ، يتكلم ، ويهين عن نفسه ، فتسئله إن كانت به طاقة على الصلاة ~~والخطبة أم لا ؟ فأتى الفتى إلى سليمان ، ودخل عليه ؛ فوجده جالسا جلوس ~~صحيح ؛ فروى له عن بعض الخبر ، وألطف مسألته ؛ فأنكرها سليمان وقال : ها ~~أنا رائح بحمد الله ! ودعا بوضوئه بحضرة الرسول ؛ فتوضأ ، ولبس ثيابه ، ~~وخرج مع الرسول ، ساعيا على قدميه ، إلى المسجد الجامع . فرجع الفتى إلى ~~الأمير ، وأعلمه بالقصة على وجهها ، وبخروجه معه . فضحك منه وقال : لقد طيب ~~سليمان في ابن يزيد ولعب به لعب الصبا وحرك منه ساكنا ! وصار يضحك مع هاشم ~~بذلك عدة أيام ، حتى شاع ذكره في العامة . وعاش ابن أسود هذا تسعة وتسعين ~~عاما وعشرة أشهر . وكانت مدة قضائه منها ، على ما حكاه ابن عبد البر ، ~~اثنين وثلاثين عاما غفر الله لنا وله ، وأرضى عنا خلقه وعنه ! # | ذكر القاضي محمد بن عبد الله بن أبي عيسى # ومن القضاة ، محمد بن عبد الله بن أبي عيسى . ولي قضاء عدة من الكور ، ما ~~بين طليطلة وبجانة ، بسيرة عادلة ، التزم فيها الصرامة في تنفيذ الحقوق ، ~~وإقامة الحدود ، والكشف عن الشهود . قال ابن الفرضي : وكان حافظا للرأي ، ~~معتنيا بالآثار ، جامعا PageV01P059 للسنن ، متصرفا في علم الإعراب ومعاني ~~الشعر . استقضاه الناصر ؛ وكان آخر ما ولاه قضاء إلبيرة ، وقلده مع القضاء ~~أمانة الكورة ، والنظر على عمالها ؛ فكانوا لا يقدمون ولا يؤخرون إلا عن ~~أمره ، ولا يظلم أحد في جانب من جوانبها إلا نصره وكان معه . ثم ms060 نقله منها ~~، فولاه قضاء الجماعة بقرطبة في ذي الحجة سنة 326 . وأقر محمد بن أيمن على ~~الصلاة ، إلى أن ضعف ابن أيمن ، فاستعفى ، فعفاه الناصر لدين الله ، وجمعها ~~لابن أبي عيسى ؛ فتولاها إلى أن مات . وكان الخليفة لا يخليه ، مع قيامه له ~~بالقضاء ، من تصريفه في مهمات أموره ، وإخراجه في السفارات إلى كبار ~~الأمراء ، والأمانات إلى الثغور والأطراف للإشراف عليها ، وللإعلام ~~بمصالحها ، والبنيان لحصونها ، وترتيب مغازيها ، وإدخال جيوشها إلى بلد ~~الحرب ؛ وربما أقامه في ذلك مقام أصحاب السيوف من قواد جيوشه ؛ فيغنى ~~غناءهم بحسن تدبيره ، وصحيح ديانته ، وصريح مناصحته . فاستخلف في خرجه من ~~خرجاته الفقيه ابن زونان ؛ فصلى جمعة . ثم كتب إلى الخليفة عبد الرحمن بن ~~محمد يقول : إنه شيخ من شيوخ المسلمين ، ومن أهل العلم فيهم ، وولاؤه أشرف ~~الولاء ، إذ كان مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ! . فكيف يكون مع هذا ~~مخالفا لابن أبي عيسى ؟ وهو صبي في عدد ولده ! يسأل أمير المؤمنين أن يأنف ~~له من هذا . فأعرض الخليفة عنه ؛ ولم ير بابن أبي عيسى بديلا . وانصرف ~~القاضي من وجهته مستعجلا ، وقد اتصل به ما كان من ابن زونان ؛ فأضرب عنه ، ~~واستخلف غيره . وذكر ابن مفرج أن رجلا من أصحاب ابن أبي عيسى أتاه ليلا ، ~~فذكر له أن فقيهين مشهورين يقدمان عليه في قصة سماها له بشهادة مدخولة . ~~فلما كان من الغد ، أتاه أحدهما ؛ فأعرض عنه القاضي ، وتبسم في وجهه لعله ~~يقوم ، فيكفى شأنه . فتمادى . ولما رأى عزمه على أداء الشهادة ، تناول ~~القاضي سحاءة بين يديه ؛ فكتب فيها ، وطواها ، وألقاها في حجره . فلما ~~تصفحها ، وجد مكتوبا فيها : أتتني عنك أخبار . . . لها في القلب آثار فدع ~~ما قد أتيت به . . . ففيه العار والنار فلم يكد يقرأها حتى قام منطلقا ، ~~ولقى صاحبه ؛ فقال له : النجاة ! فقد شعر بنا ! PageV01P060 قال القاسم بن ~~محمد ، كاتبه أيام قضائه بإلبيرة : ركبنا مع القاضي في مركب حافل ، مع وجوه ~~البلد ، إذ عرض لنا فتى متأدب ، قد خرج لنا من بعض الأزقة يتمايد سكرا ؛ ~~فلما ms061 رأى القاضي ، هابه ، وأراد الفرار ؛ فخانته رجلاه . فاستند إلى الحائط ~~وأطرق . فلما قرب منه القاضي ، رفع رأسه إليه ، ثم أنشأ يقول : ألا أيها ~~القاضي الذي عم عدله . . . فأضحى به في العالمين فريدا قرأت كتاب الله ألف ~~مرة . . . فلم أر فيه للشراب حدودا فإن شئت أن تجلد فدونك منكبا . . . ~~صبورا على ريب الخطوب جليدا وإن شئت أن تعفو تكن لك منه . . . تروح بها في ~~العالمين حميدا وإن كنت تختار الحدود فإن لي . . . لسانا على هجو الرجال ~~حديدا قال : فلما سمع القاضي شعره ، وتبين له أدبه ، أعرض عنه ومضى لشأنه ، ~~كأن لم يره . # | فصل # الظاهر من القاضي ابن أبي عيسى أنه ذهب إلى الأخذ بالقضية التي تضمنتها ~~أبيات الفتى المتأدب بقول زفر إن حد الخمر لا يقوم بالإقرار مرة واحدة حتى ~~يقر الشارب على نفسه بالشرب مرتين ، أو يقول الشافعي والكافي أنه لا يحد ~~إلا من الشهادة على شربها أو قيئها ، لا من الرائحة ، أو يتخيل السكر أو ظن ~~القاضي أن الفتى ممن لم يبلغ سن التكليف ، أو قيل له عنه إنه كان مكرها ~~وحسب النازلة من باب درء الحدود بالشبهات . والله أعلم أي ذلك كان ؛ فلا ~~وجه لحكم في إسقاط حد لغير عذر ولا تأويل ؛ فإجماع المسلمين منعقد على ~~تحريم خمر العنب النئ قليله وكثيره ، وعلى وجوب الحد فيه . وإنما الخلاف في ~~التفصيل والقدر : فمذهب الجمهور من السلف والفقهاء : مالك ، وأبي حنيفة ، ~~والثوري ، والأوزعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وغيرهم أن حده ثمانون جلدة وقال قوم ~~منهم أهل الظاهر ، أن حده أربعون . قال الشافعي : بالأيدي والنعال وأطراف ~~الثياب . وعند مالك وغيره : الضرب فيه بسوط بين سوطين وضرب ضربين ؛ والحدود ~~كلها سواء . وعند الزهري ، والثوري ، وإسحاق ، وأحمد ، والشافعي أن حد ~~الخمر أضعف الحدود . قال صاحب الإكمال : ورأى مالك وبعض أصحابنا ~~PageV01P061 في المدمن عليه التغليظ بالفضيحة ، والطواف ، والسجن . ~~واختلفوا في المريض الذي لا يرحى برؤه : فمذهب مالك والكوفيين وجمهور ~~العلماء أنه لا يجري فيه إلا ما يجري في الصحيح ، ويترك حتى يبرأ أو يموت . ~~وقال الشافعي ms062 : يضرب بمثكول نخل يصل جميع شماريخه إليه ، أو ما يقوم مقامه ~~. والمذهب إلزام السكران جميع أحكام الصحيح ، لأنه أدخل ذلك على نفسه وهو ~~حقيقة مذهب الشافعي وفرق بين الشارب مختارا وبين المستكره . وأكثر العلماء ~~ذهب إلى أن الحدود كفارة ؛ ومنهم من وقف ، واحتج بقوله تعالى ' لهم في ~~الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم . ' وفي حديث ما عز الثابت في الصحيح ~~، ما يدل على أن التوبة لا تسقط حد الزنا والسرقة والخمر ، وإنما تنفع عند ~~الله . وروى عن الشافعي أن التوبة حد الخمر . وعلى كل تقدير ، فمن الواجب ~~على من وقع في معصية ، وترتب بسببها قبله حق لله والناس ، من دم ، أو مال ، ~~أو عرض ، أو انتهاك حرمة ، أن يبادر أولا إلى التوبة ، ثم يرجع بعدها إلى ~~الإقادة من نفسه للخلق ، والتحلل من التبعات بجهده ، على الوجوه المقررة في ~~الفقهيات ، وأن يكثر مع ذلك مدة حياته من العمل الصالح ومن الدعاء والبكاء ~~، وبخصوص فيما يرجع إلى الدماء . فالمنقول عن مالك . وقد سئل عمن كتب إليه ~~وال في قتل رجل ، فقتله ، ثم أراد التنصل والتوبة ، فعرض نفسه على أولياء ~~المقتول ، وأخبرهم ، فقالوا : لسنا بقاتليك ! إنا نخاف إن قتلناك عاقبة ذلك ~~! وعرض عليهم الدية ، فأبوا أن يقبلوها ؛ فكان من جوابه رضي الله عنه ! أن ~~قال : أحب إلي أن يؤدى ديته إليهم ، وأن يعتق الرقاب ، ويتصدق ، ويكرر الحج ~~والغزو ، وإن استطاع أن يلحق بالثغور ، ويكون فيها أبدا حتى يموت ، فهو أحب ~~إلي ! وفي الحديث : ' أقيلوا ذوي الهئيات عثارهم ' والمراد بذلك أهل المروة ~~والصلاح . ويبينه ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال : تجافوا ~~عن عقوبة ذوي المروة والصلاح ! والمأمورون بالتجافي عن زلات ذوي الهئيات ~~عند العلماء هم الأئمة الذين إليهم إقامة العقوبات على ذوي الجنايات . ~~والإقالة هي فيما عدا الحدود والزلات التي أمر بالتجافي عنها ، هي ما لم ~~يخرج بها فاعلها من أن يكون من ذوي المروءات PageV01P062 والهيئات التي هي ~~الصلاح . فأما من أتى ما يوجب حدا ما قذف محصنة أو ms063 ما سوى ذلك من الأشياء ~~التي توجب الحدود ، فلا يجب التجافي عنه ، لأنه قد خرج بذلك عن ذوي الهيئات ~~والصلاح ، وصار من أهل الفسق ؛ فوجب إقامة الحد عليه ، ليكون ذلك ردعا له ~~ولغيره رزقنا الله الاستقامة ! # | ذكر القاضي أسلم بن عبد العزيز # ومن القضاة بقرطبة وصدور رجالها ، أسلم بن عبد العزيز . وكثيرا ما كان ~~الناصر لدين الله يستخلفه في سطح القصر ، إذا خرج في سبيل الغزو ، ثقة منه ~~بعلمه ودينه وحزمه . # | ذكر القاضي أحمد بن عبد الله بن أبي طالب # ومنهم أحمد بن عبد الله بن أبي طالب الأصبحي . قال عنه إسماعيل بن إسحاق ~~: وأخبرني غير واحد أنه كان يحلق شاربه ويستأصله ؛ وكان ذلك مذهبه في إحفاء ~~الشارب . وكان رجلا وقورا ، متثبتا ، متورعا ؛ إذا سئل عن مسألة ، أخرج ~~الكتاب الذي فيه تلك المسألة بعينها ؛ فقرأها على السائل ، وقال له : هذا ~~ما قيل في هذا . فإن سئل عن فريضة من المواريث ، أفتى السائل فيها بأصلها ؛ ~~فإذا سأله عن القسمة ، قال له : اذهب إلى الحاسب ! # | ذكر القاضي أحمد بن بقي بن مخلد # ومنهم أحمد بن بقي بن مخلد . ولي القضاء سنة 314 . وكان من خير القضاة ، ~~وأكثرهم رفقا وإشفاقا ، بحيث يقال إنه لم يقرع أحدا من الناس في طول مدة ~~قضائه بسوط وكانت نحوا من عشرة أعوام إلا رجلا واحدا مجمعا على فسقه . وكان ~~شأنه في الحكومة أن ينفذ من الأمور الظاهر البين الذي لا ارتياب فيه ، ~~ويتأنى ، PageV01P063 ويتمهل فيما خالجه فيه شك ، حتى تظهر له الحقيقة ؛ أو ~~يصل المتخاصمان إلى التصالح والتراضي . قال ابن حارث : ولقد قال له بعض ~~أصحابه السلطان في كلام جرى بينهما : إنا لنعيبك بلين الجانب ، والتطويل في ~~الحكومة ! فقال له ابن بقي : أعوذ بالله من لين يؤدي إلى ضعف ، ومن شدة ~~تبلغ إلى عنف ! ثم جعل يذكر فساد الزمان ، واحتيال الفجار ، وما يباشر من ~~الأمور المشتبهة ، التي لا تتبين لها حقيقة ، ولا ينكشف لها وجه ، وقال : ~~قد أسندت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ! وهو هو ms064 ، حكومة قوم طال نظره ~~فيها ، والتبس عليه أمرها ؛ فكره أن يحكم على الاشتباه ، وأمرهم بابتداء ~~الخصومة من أولها ! قال : وحدثني أصبغ بن عيسى قال : كنت يوما مقبلا مع ~~القاضي أحمد بن بقي ، حتى عن لنا رجل سكران يمشي بين يديه مخبولا ؛ فجعل ~~أحمد يمسك من عنان دابته ، ويترفق في سيره ، ويرجو أن يعدل السكران عن ~~طريقه أو يحبس به ، فينجو بنفسه ؛ فلم يكن عنده شيء من ذلك ، إلا أن توقف ~~مستقبلا . فلم يكن للقاضي بد من الدنو منه ، والنظر إليه . قال أصبغ : وكنت ~~أعرف لياذه من مثل هذا ، وكراهيته للانتشاب فيه ، ورقة قلبه من أن يقرع ~~أحدا بسوط . فقلت في نفسي : ليت شعري كيف تصنع في هذا ، يا ابن بقي ! وربما ~~تتخلص منه ! فلما دنونا من السكران ، ولصقنا به ، مال إلى أحمد ؛ فقال : ~~مسكين هذا الرجل ! أراه مصابا في عقله ! فقلت : نعم ! أيها القاضي ، ببلية ~~عظيمة ! فجعل يستعيذ بالله من محنته ، ويسأله أن يأجره على المصاب في عقله ~~؛ ومضينا . وقال ابن عبد البر : كان أحمد بن بقي حليما ، عاقلا ، وقورا ، ~~مسمتا ، هينا ، لينا ، صليبا في بعض أحيانه ، غير أن الأغلب عليه كان اللين ~~. لم يكن بالأندلس قاض يقاربه في الصمت والوقار والسكينة . وكان الخليفة ~~الناصر لدين الله عارفا بحقه ، ومجلا له ، لم يعزله ، ولا كره شيئا من حاله ~~، إلى أن توفي سنة 324 . وكان قد ولى الصلاة قبل القضاء . ثم ولى القضاء ، ~~فاتخذ لخدمته أعوانا شيوخا ، وأولى سداد ، سأل أن يرزقوا من بيت المال ، ~~وأجيب إلى ذلك . وكان من رسمه إذا جاءه الحكم الملبس الذي يخاف PageV01P064 ~~أن تدخل عليه فيه داخله ، طول فيه أبدا ، ولواه حتى يصطلح أهله . وكان يقول ~~: صاحب الباطل ، إذا طول عليه ترك طلبه ورضى باليسير فيه . وقد كثر الآن ~~شهود الزور ، والتبست الأمور : فرأيت هذا المطل أخلص لي ! وقد علمت حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم ! في القتيل الذي وجدته يهود ، وأنه ، لما أشكل ~~عليه الأمر من عنده ، قال أحد أصحابه مداعبا : أفتنشط أنت رحمك الله ms065 ! أن ~~تعطى الصلح من عندك ، إذا التبست عليك المسألة ؟ فتبسم وقال : لا ! إنما ~~هذا على الإمام الذي بيده بيت المال ؛ ليس هذا علي ! وقال الحسن : وجدت بخط ~~الخليفة الحكم المستنصر بالله : سمعت القاضي أحمد بن مخلد يخطب يوما ؛ فقال ~~في فصل الدعاء منها ، لما انتهى إلى قوله : اخلصوا الله دعاءكم ! ثم سكت ~~مليا ؛ فلما ظن الناس قد دعوا ، انبعث وقال : اللهم ! وقد دعاك هذا النفر ~~من عبادك ، الساعون لثوابك ، المجتمعون ببابك ، فزعا من عقابك ، وطمعا في ~~ثوابك ؛ وقبلهم من الذنوب ما قد أحاط به علمك ، وأحصاه حفظتك ؛ فعد عليهم ~~في موقفهم هذا برحمة توجب لهم جنتك ، وتجيرهم بها من عذابك ! آمين ! يا ~~أرحم الراحمين ! قال مالك بن القاسم : وكان أحمد بن بقي شديد الحفظ للقرآن ~~، كثير التلاوة له ، يقوم به آناء ليله ونهاره . وكان على شدة حفظه ، يلتزم ~~تلاوته في المصحف على نحو ما كان يلتزمه أبوه بقي بن مخلد للفضل من النظر ~~فيه ؛ متقشفا ، دمثا ، صبورا ، يتلقى من أساء إليه وإلى أبيه قبله بالصفح ، ~~والمغفرة للزلة ، ووضع الحسنة مكان السيئة . ولما توفي ، صلى عليه ولده عبد ~~الرحمن بإيصاء أبيه إليه بذلك ، وسنه أربع وستون سنة . قال عياص في مداركه ~~عند ذكر أحمد : منهم وولاؤهم لامارة من أهل جيان ؛ سمع من أبيه . وكان ~~زاهدا ، فاضلا ؛ ولى تفريق الصدقات والصلاة ؛ ثم قضاء الجماعة مقرونا ~~بالخطبة . PageV01P065 # | ذكر منذر بن سعيد ونبذ من أخباره # قال ابن عفيف : هو منذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن قاسم بن ~~عبد الملك ابن نجيح النفري ، ثم الكزني . فأول الأسباب في معرفته بالناصر ~~الخليفة ، وزلفاه لديه ، أن الناصر لدين الله ، لما احتفل في الجلوس لدخول ~~رسول ملك الروم الأعظم ، صاحب القسطنطينية عليه ، بقصر قرطبة ، الاحتفال ~~الذي شهد ذكره في الناس ، أحب أن يقيم الخطباء والشعراء بين يديه بذكر ~~جلالة مقعده ، ووصف ما تهيأ له من توطيد الخلافة في دولته . وتقدم إلى ~~الأمير الحكم ابنه وولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء ويقدمه أمام ms066 ~~نشيد الشعراء فأمر الحكم صنيعته الفقيه محمد بن عبد البر من الكسنياني ~~بالتأهب لذلك ، وإعداد خطبة بليغة ، يقوم بها بين يدي الخليفة . وكان يدعي ~~من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسعه . وحضر المجلس السلطاني . فلما ~~قام يحاول التكلم بما رواه ، بهره هول المقام وابهه الخلافة ؛ فلم يهتد إلى ~~لفظه ، بل غشي عليه ، وسقط إلى الأرض . فقيل لأبي علي البغدادي إسماعيل بن ~~القاسم ، صنيعة الخليفة وأمير الكلام : قم ! فارقع هذا الوهى ! فقام ؛ فحمد ~~الله ، وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نيته محمد صلى الله عليه وسلم ! ثم ~~انقطع به القول ؛ فوقف ساكتا مفكرا في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه . ~~فلما رأى ذلك منذر بن سعيد وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء ، قام من ذاته ؛ ~~فوصل افتتاح أبي علي لأول خطبته بكلام عجيب ، وفصل مصيب ، يسحه سحا ، كأنما ~~يحفظه قبل ذلك بمدة ، وبدأ من المكان الذي انتهى إليه أبو علي البغدادي . ~~فقال : أما بعد حمد الله ، والثناء عليه ، والتعداد لآلائه ، والشكر ~~لنعمائه ، والصلاة على محمد صفيه وخاتم أنبيائه ، فإن لكل حادثة مقاما ، ~~ولكل مقام مقالا ، وليس بعد الحق إلا الضلال . وإني قد قمت في مقام كريم ، ~~بين يدي ملك عظيم ؛ فأصغوا إلي معشر الملأ ! بأسماعكم وأيقنوا عني بأفئدتكم ~~؛ إن من الحق أن يقال للمحق : صدقت ؟ وللمبطل : كذبت PageV01P066 وإن ~~الجليل تعالى في إسمائه ، وتقدس بصفاته وأسمائه ! أمر كليمه موسى صلى الله ~~عليه وسلم وعلى جميع أنبيائه ! أن يذكر قومه بأيام الله عندهم ؛ وفيه وفى ~~رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ! أسوة حسنة ! وإني أذكركم بأيام الله ~~عندكم ، وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين ، التي لمت شعثكم ، بعد أن كنتم ~~قليلا ، فكثركم ؛ ومستضعفين ، فقواكم ؛ ومستذلين ، فنصركم ! ولاه الله ~~رعايتكم ، وأسند إليه إمامتكم ، أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق ، ~~وأحاطت بكم شعل النفاق ، حتى صرتم في مثل حدقة البعير ، بضيق الحال ونكد ~~العيش والتقتير ! فاستبدلتم بخلافته من الشدة بالرخاء ، وانتقلتم بيمن ~~سياسته إلى تمهيد العافية بعد استيطان البلاء . أنشدكم ms067 الله معاشر الملأ ! ~~ألم تكن الدماء مسفوكة ؟ فحنقها ! والسبل مخوفة ؟ فأمنها ! والأموال منتهبة ~~؟ فأحرزها وحصنها ! ألم تكن البلاد خرابا ؟ فعمرها ! وثغور المسلمين مهتضمة ~~؟ فحماها وزهرها ! فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته ، وتأليفه جمع كلمتكم ~~بعد افتراقها بإمامته ، حتى أذهب الله غيظكم ، وشفى صدوركم ، وصرتم يدا على ~~عدوكم بعد أن كان باسكم بينكم ! ناشدكم الله ! ألم تكن خلافته قيد الخلافة ~~بعد انطلاقها من عقالها ؟ ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها ~~، ولم يكل ذلك إلى القواد والاجناد ؟ حتى باشره بالمهجة والأولاد ، واعتزل ~~النسوان وهجر الأوطان ، ورفض الدعة وهي محبوبة ، وترك الركون إلى الراحة ~~وهي مطلوبة ، بطوية صحيحة ، وعزيمة صريحة ، وبصيرة نافذة ثاقبة ، وريح هابة ~~غالبة ، ونصرة من الله واقعة واجبة ، وسلطان قاهر ، وجد ظاهر ، وسيف منصور ~~، تحت عدل منشور ، متحملا للنصب ، مستقبلا لما نابه في جانب الله من التعب ~~، حتى لانت الأحوال بعد شدتها ، وانكسرت شوكة الفتنة عند حدتها ، ولم يبق ~~لها غارب إلا جبة ، ولا نجم لأهلها قرن إلا جده ! فأصبحتم بنعمة الله ~~إخوانا ، وبلم أمير المؤمنين لشعثكم على أعدائكم أعوانا ، حتى تواترت لديكم ~~الفتوحات ، وفتح الله عليكم بخلافته أبواب البركات ، وصارت وفود الروم ~~وافدة عليه وعليكم ، وآمال الأقصين والأدنين مستخدمة إليه وإليكم ، يأتون ~~من كل فج عميق ، وبلد سحيق ، لأخذ حبل منه ومنكم جملة وتفصيلا ، ليقضى الله ~~أمرا كان مفعولا ، ولن يخلف الله PageV01P067 وعده ، ولهذا الأمر ما بعده ، ~~وتلك أسباب ظاهرة بادية ، تدل على أمور باطنة خافية ، دليلها قائم ، وغيبها ~~عاتم ؛ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم الآية ؛ وليس في تصديق ما وعد الله ارتياب ، ولكل ~~نبأ مستقر ولكل أجل كتاب ! فاحمدوا الله ، أيها الناس ، على آلائه ، ~~واسألوا المزيد من نعمائه ! فقد أصبحتم بين خلافة أمير المؤمنين أيده الله ~~بالعظمة والسداد ، وألهمه محاضر التوفيق إلى سبيل الرشاد ! أحسن الناس حالا ~~، وأنعمهم بالا ، وأعزهم قرارا ، وأمنعم دارا ، وأكثفهم جمعا ، وأجلهم صنعا ~~، لا تهاجون ولا تواذون ، وأنتم بحمد الله على أعدائكم ظاهرون ms068 . فاستعينوا ~~على صلاح أحوالكم ، بالنصيحة لإمامكم ، والتزام الطاعة لخليفتكم ، فإن من ~~نزع يدا من الطاعة ، وسعى في فرقة الجماعة ، ومرق من الدين ، فقد ' خسر ~~الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ' . وقد علمتم أن في التعلق بعصمتها ~~، والتمسك بعروتها ، حفظ الأموال وحقن الدماء ، وصلاح الخاصة والدهماء ، ~~وأن بقوام الطاعة تقام الحدود ، وتوفى العهود ، وبها وصلت الأرحام ، وصحت ~~الأحكام ، وبها سد الله الخلل ، وآمن السبل ، ووطأ الأكناف ، ورفع الاختلاف ~~، وبها طاب لكم القرار ، واطمأنت بكم الدار ؛ فاعتصموا بما أمركم الله بلا ~~اعتصام به ؛ فإنه تبارك وتعالى ! يقول : ' أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم ' الآية وقد علمتم معشر المسلمين ! ما أحاط بكم في ~~جزيرتكم هذه من ضروب المشركين وصنوف الملحدين ، الساعين في شق عصاكم ، ~~وتفريق ملتكم ، الآخذين في مخاذلة دينكم ، وهتك حريمكم ، وتوهين دعوة نبيكم ~~صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيين والمرسلين ! أقول هذا ، وأختمه ~~بالحمد لله رب العالمين ! وأستغفر الله الغفور الرحيم : فهو خير الغافرين ! ~~فخرج الناس يتحدثون عن مقام منذر ، وثبات جنانه ، وبلاغة منطقه . علمتم ~~معشر المسلمين ! ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين وصنوف ~~الملحدين ، الساعين في شق عصاكم ، وتفريق ملتكم ، الآخذين في مخاذلة دينكم ~~، وهتك حريمكم ، وتوهين دعوة نبيكم صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع ~~النبيين والمرسلين ! أقول هذا ، وأختمه بالحمد لله رب العالمين ! وأستغفر ~~الله الغفور الرحيم : فهو خير الغافرين ! فخرج الناس يتحدثون عن مقام منذر ~~، وثبات جنانه ، وبلاغة منطقه . وكان الخليفة الناصر لدين الله أشدهم تعجبا ~~منه ، فأقبل على ولده الأمير الحكم يسائله عنه ، ولم يكن يثبت معرفة عينه ، ~~وقد سمع باسمه . فقال له الحكم : هو منذر بن سعيد PageV01P068 البلوطي . ~~فقال له : لقد أحسن ما شاء ! فلئن كان حبر خطبته هذه وأعدها ، مخافة أن ~~يدور ما دار ، فيتلافى الوهى ، إنه لبديع من قدرته واحتياطه ، ولئن كان أتى ~~بها على البديهة لوقته ، إنه لأعجب وأغرب ! فكان ذلك سبب اتصاله به ، ~~واستعماله . وذكر ابن أصبغ الهمداني عن منذر القاضي أنه خطب يوما وأراد ~~التواضع ؛ فكان ms069 من فصول خطبته أن قال : حتى متى ؟ وإلى متى ؟ فكم الذي أعظ ~~ولا أتعظ ؛ وأزجر ولا أزدجر ، أدل الطريق على المستدلين ، وأبقى مقيما مع ~~الحائرين ! كلا إن هذا لهو الضلال المبين ! ' إن هي إلا فتنتك تضل بها من ~~تشاء وتهدي من تشاء ' الآية . اللهم ! فرغني لما خلقتني له ! ولا تشغلني ~~بما تكفلت لي به ! ولا تحرمني وأنا أسألك ! ولا تعذبني وأنا أستغفرك ! يا ~~أرحم الراحمين ! قال : وكان الخليفة الناصر لدين الله كلفا بعمارة الأرض ~~وإقامة معالمها ، وتخليد الآثار الدالة على قوة الملك وعز السلطان ؛ فأقضى ~~به الإغراق في ذلك إلى أن ابتنى مدينة الزهراء ، البناء الذي شاع ذكره : ~~استفرغ وسعه في تنميقها ، وإتقان قصورها ، وزخرفة مصانعها . فانهمك في ذلك ~~حتى عطل شهود الجمعة بالمسجد الجامع الذي اتخذه ثلاث جمع متوالية ؛ فأراد ~~القاضي منذر أن يغض منه بما تناوله من الموعظة بفضل الخطاب والحكمة ~~والتذكرة بالإنابة والرجعة ؛ فأدخل في خطبته فصلا مبتدئا بقوله : أتبنون ~~بكل ريع آية تعبثون . وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ! وإذا بطشتم بطشتم ~~جبارين ! فاتقوا الله وأطيعون ! واتقوا الذي أمدكم بما تعملون ! أمدكم ~~بأنعام وبنين . وجنات وعيون . إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ! ولا تقولوا ' ~~سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين ' فمتاع الدنيا قليل ، والآخرة خير ~~لمن اتقى ! وهي دار القرار ، ومكان الجزاء ! ووصل ذلك بكلام جزل ، وقول فصل ~~، ومضى في ذم تشييد البنيان ، والاستغراق في زخرفته ، والإسراف في الإنفاق ~~عليه ؛ فجرى طلقا ؛ وانتزع فيه قوله تعالى : ' أفمن أسس بنيانه على تقوى من ~~الله ورضوان خير أم من PageV01P069 أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به ~~في نار جهنم ' إلى آخر الآية . وأتى بما يشاكل المعنى من التخويف بالموت ، ~~والتحذير من فجاءته ، والدعاء إلى الزهد في هذه الدار الفانية ، والحض على ~~اعتزالها ، والرفض لها ، والندب إلى الإعراض منها ؛ والإقصار عن طلب اللذات ~~، ونهى النفوس عن اتباع هواها . فأسهب في ذلك كله ، وأضاف إليه من آي ~~القرآن ما يطابقه ، وجلب من الحديث والآثار ما يشاكله ، حتى اذكر من ms070 حضره ~~الناس وخشعوا ، ورقوا ، واعترفوا ، وبكوا ، وضجوا ، ودعوا ، وأعلنوا في ~~التضرع إلى الله في التوبة ، والابتهال في المغفرة ، وأخذ خليفتهم من ذلك ~~بأوفر حظ ، وقد علم أنه المقصود به ؛ فبكى ، وندم على ما سلف له ، واستعاذ ~~بالله من سخطه ، إلا أنه وجد على منذر بن سعيد لغلظ ما تقرعه به ؛ فشكا ذلك ~~لولده الأمير الحكم بعد انصرافه ، وقال : والله ! لقد تعمدني منذر بخطبته ، ~~وما عنى بها غيري ! فأسرف علي وأفرط في تقريعي ، ولم يحسن السياسة في وعظي ~~، فزعزع قلبي ، وكاد بعصاه يقرعني ! واستشاط غيظا عليه ؛ فأقسم أن لا يصلي ~~خلفه صلاة الجمعة خاصة ؛ فجعل يلتزم صلاتها وراء أحمد بن مطرف صاحب الصلاة ~~بقرطبة ، ويجانب الصلاة بالزهراء . فقال له الحكم : فما الذي يمنعك من عزل ~~منذر عن الصلاة بك ، والاستبدال منه إذ كرهته ؟ فزجره وانتهره ، وقال له : ~~أمثل منذر بن سعيد في فضله وعمله وخيره ؟ لا أم لك ! يعزل لإرضاء نفس ناكبة ~~عن الحق ! هذا مما لا يكون ! وإني لأستحي من الله أن لا أجعل بيني وبينه في ~~صلاة الجمعة شفيعا مثل منذر في ورعه وصدقه ! ولا كنه أحرجني ، فأقسمت . ~~ولوددت أني أجد سبيلا إلى كفارة يميني ، بل يصلي بالناس حياته وحياتنا ، إن ~~شاء الله ! وقحط الناس آخر مدة الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد . فأمر ~~القاضي منذر ابن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس فتأهب لذلك ، وصام بين ~~يديه أياما ، تنفلا ، وإنابة ، ورهبة . واجتمع له الناس في مصلى الربض ~~بقرطبة ، بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم . وصعد الخليفة الناصر في أعلى ~~مصانعه المرتفعة من القصر ، ليشارف الناس ، ويشاركهم في الخروج إلى الله ، ~~والضراعة له ، فأبطأ القاضي حتى اجتمع الناس ، وغصت PageV01P070 بهم ساحة ~~المصلى . ثم خرج نحوهم ماشيا ، متضرعا ، مخبتا ، متخشعا ؛ وقام ليخطب . ~~فلما رأى بدار الناس إلى ارتقابه ، واستكانتهم من خفية الله ، وإخباتهم له ~~، وابتهالهم إليه ، رقت نفسه ، وغلبته عيناه ؛ فاستغفر ، وبكى حينا ؛ ثم ~~افتتح خطبته بأن قال : سلام عليكم ! ثم سكت ، ووقف شبه الحصر ، ولم يكن من ~~عادته ms071 . فنظر الناس بعضهم ببعض ، لا يدرون ما عراه ، ولا ما أراد بقوله . ~~ثم اندفع تاليا بقوله : سلام عليكم ! كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل ~~منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ! واستغفروا ربكم ، ~~وتوبوا إليه ، وتزلفو بالأعمال الصالحات لديه ! قال : فهاج الناس بالبكاء ، ~~وجأروا بالدعاء ، ومضى على تمام خطبته ؛ فقرع النفوس بوعظه ، وانبعث ~~الإخلاص بتذكيره ؛ فلم ينقض النهار حتى أرسل الله السماء بماء منهمر ، روى ~~الثرى ، وطرد المحل ، وسكن الأزل . والله لطيف بعباده ! وكان له في خطب ~~الاستسقاء استفتاح عجيب ؛ ومنه أن قال يوما ، وقد سرح طرفه في ملأ الناس ، ~~عند ما شخصوا إليه بأبصارهم ؛ فهتف بهم كالمنادي : يا أيها الناس وكررها ~~عليهم ، مشيرا بيده في نواحيهم أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني ~~الحميد . إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد . وما ذلك على الله بعزيز ! فاشتد ~~وجل الناس ، وانطلقت أعينهم بالبكاء ، ومضى في خطبته . ومن أخبار المحفوظة ~~مع الخليفة عبد الرحمن ، في إنكاره عليه الإسراف في البناء ، أن الناصر كان ~~قد اتخذ ، لسقف القبيبة المصغرة الاسم للخصوصية التي كانت مماثلة على الصرح ~~الممرد المشهور شأنه بقصر الزهراء ، قراميد مغشاة ذهبا وفضة ، أنفق عليها ~~مالا جسيما ، وقرمد سقفها بها ، تشتت الأبصار بأشعة أنوارها . وجلس فيها ~~يوما ، اثر تمامها ، لأهل مملكته ، فقال لقرابته منهم من الوزراء وأهل ~~الخدمة ، مفتخرا بما صنعه من ذلك : هل رأيتم أو سمعتم ملكا كان قبلي فعل ~~مثل فعلي هذا أو قدر عليه ؟ فقالوا : لا ! يا أمير المؤمنين ! وإنك لواحد ~~في شأنك كله ، وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه ، ولا انتهى إلينا ~~خبره ! فابهجه PageV01P071 قولهم وسره . وبينما هو كذلك ، إذ دخل عليه ~~القاضي منذر بن سعيد ، واجما ناكس الرأس ؛ فلما أخذ مجلسه ، قال له كالذي ~~قال لوزرائه من ذكر السقف المذهب ، واقتداره على إبداعه ؛ فأقبلت دموع ~~القاضي تنحدر على لحيته ، وقال له : والله ! يا أمير المؤمنين ، ما ظننت أن ~~الشيطان لعنه الله ! يبلغ منك هذا المبلغ ، ولا أن تمكنه من ms072 قبلك هذا ~~التمكين ، مع ما آتاك الله من فضله ونعمته ، وفضلك به على العالمين ، حتى ~~ينزلك منازل الكافرين ! قال : فانفعل عبد الرحمن لقوله ، وقال له : انظر ما ~~تقول ! وكيف أنزلتني منزلتهم ؟ فقال له : نعم ! أليس الله تعالى يقول : ~~ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج عليها يظهرون . فوجم الخليفة ، وأطرق مليا ، ودموعه تتساقط ~~خشوعا لله سبحانه ، ثم أقبل على منذر وقال له : جزاك الله ، يا قاضي ! عنا ~~وعن نفسك خيرا ! وعن الدين والمسلمين أجل جزائه ! وكثر في الناس أمثالك ! ~~فالذي قلت هو الحق ! وقام عن مجلسه ذلك ، وأمر بنقض سقف القبة ، وأعاد ~~قرمودها ترابا على صفة غيرها . وكان هذا القاضي على متانته وشدة جزالته ، ~~حسن الخلق ، خفيف الوطاة ، سهل الجانب ، كثير الدعابة ، منطلق البشر ، حتى ~~أنه ربما استراب بباطنه من لا يعرفه إذا شاهد استرساله ؛ فإذا دام أحد أن ~~يصيب من دينه ، ثار ثورة الليث . ومن ذلك ما حكاه عنه أبو عمر بن لبيب ، ~~أنه حضر عند الخليفة الحكم المستنصر بالله يوما ، في خلوة له ، وهو في ~~البستان على بركة ، في زمان صيف شديد الحر والوهج ، وذلك منصرف القاضي من ~~صلاة الجمعة ، فشكا إلى الخليفة من قوة الحر جهدا ؛ فأمره بخلع ثيابه ، ~~والتخفيف عن جسمه ؛ ففعل ؛ فلم يطف ذلك ما به ، فقال له الحكم : من الصواب ~~أن تنغمس في هذا الصهريج انغماسة تبرد جسمك وتعدله . فقم ! فليس ها هنا من ~~تحتشمه ! وإنما كان معهما جعفر الصقلبي أثير الخلافة ، لا رابع لهم ؛ فكأنه ~~استحيى من ذلك ، وانقبض عنه وقارا . فأمر الحكم حاجبه جعفرا بسبقه إلى ~~النزول في الصهريج ، ليسهل الأمر فيه على القاضي ؛ فبادر جعفر إلى ذلك ، ~~وأتزر ، وألقى بنفسه PageV01P072 في الماء ؛ وكان يحسن السباحة . فلم يسع ~~القاضي عند ذلك إلا إنفاذ أمر الخليفة ؛ فقام وأتزر وتجرد ، وألقى بنفسه ~~خلف جعفر ، ولاذ بالقعود في درج الصهريج متبردا ؛ فلم ينشط في السباحة ، ~~وجعفر يجول فيه مجاله ، مصعدا في الصهريج ومصوبا ، فدسه الحكم على القاضي ms073 ، ~~فهو يدعوه إلى المساجلة في العوم ، ويعجزه في إخلاده إلى القعود ، ويباغيه ~~بإلقاء الماء عليه ، والرش له ، والآخر لا ينبعث ، ولا بفارق مكانه إلى أن ~~كلمه الحكم وقال له : ما لك أيها القاضي ؟ لا تساعد الحاجب في فعله وتعوم ~~معه ! فمن أجلك تبذل فيما تبذل فيه ! فقال له يا سيدي ، الحاجب سلمه الله ~~مطلق ، لا هوجل معه ! وأنا بالهوجل الذي معي ، يعقلني ويمنعني من الأعماق ~~في الصهريج ! يريد بمقالته أنثييه وأن جعفرا مجبوب . فاستفرغ الحكم ضحكا من ~~نادرته ، ولطف تعريضه فخجل الحاجب من قوله ، وسبه سب الأشراف . وخرجا من ~~الماء . فأمر لهما الخليفة رحمه الله بكسوة تشاكل كلا منهما ، ووصلهما بصلة ~~سنية . قال الحسن بن محمد في كتابه : وذكر أن الخليفة الحكم قال لقاضيه ~~منذر يوما ، في بعض ما جاوبه : بلغني أنك لا تجتهد للأيتام ، وأنك تقدم ~~عليهم أوصياء سوء ، يأكلون أموالهم ! قال نعم ! وإن أمكنهم نيك أمهاتهم ، ~~لم يعفوا عنهن ! فقال له : وكيف تقدم مثل هؤلاء ؟ فقال : لست أجد غيرهم ، ~~ولاكن أحلني على الفقيه اللؤلؤي ، وأبي إبراهيم ، وأمثالهما لأقدمهم ، فإن ~~أبوا ، أجبرتهم بالسجن والضرب ، ثم لا تسمع إلا خيرا . وإلا ، فدع الأمور ~~تمضي كما هي ! فالله بالمرصاد ! وكان شيخنا القاضي أبو عبد الله بن عياش ~~الخزرجي يستحسن من كلامه قوله في التزكية : اعلم أن العدالة من أشد الأشياء ~~تفاوتا وتباينا ، ومتى حصلت ذلك عرفت حالة الشهود ، لأن بين عدالة أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ! وعدالة التابعين رضي الله عنهم ! بون عظيم ، ~~وتباين شديد ، وبين عدالة أهل زماننا ، وعدالة أولئك ، مثل ما بين السماء ~~والأرض ! وعدالة أهل زماننا ، على ما هي عليه ، PageV01P073 بعيدة التباين ~~أيضا . والأصل في هذا عندي والله الموفق للصواب ! أن من كان الخير أغلب ~~عليه من الشر ، وكان متنزها عن الكبائر ، فواجب أن تعمل شهادته ؛ فإن الله ~~تعالى قد أخبرنا بنص الكتاب أن : ' من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية . ' ~~وقال في موضع آخر : ' فأولئك هم المفلحون ! ' فمن ثقلت موازين حسناته بشيء ~~، لم يدخل النار ؛ ومن ms074 استوت حسناته وسيآته ، لم يدخل الجنة في زمرة ~~الداخلين أولا ؛ وهم أصحاب الأعراف ، فذلك عقوبة لهم ، إذ تخلفوا أن تزيد ~~حسناتهم على سيآتهم . فهذا حكم الله في عباده . ونحن إنما كلفنا الحكم ~~بالظاهر ؛ فمن ظهر لنا أن خيره أغلب عليه من شره ، حكمنا له بحكم الله ~~بعباده ؛ ولم نطلب له على الباطن . ولا كلفه محمد صلى الله عليه وسلم ! فقد ~~ثبت عنه أنه قال : إنما أنا بشر ، وأنتم تختصمون إلي ؛ ولقل بعضكم أن يكون ~~ألحق بحجته من بعض ؛ فأحكم له على نحو ما أسمع بأحكام الدنيا على ماظهر ، ~~وأحكام الآخرة على ما بطن ، لأن الله تعالى يعلم الظاهر والباطن ، ونحن لا ~~نعلم إلا الظاهر . ولأهل كل بلد قوم قد تراضى عليهم عامتهم ؛ فبهم تنعقد ~~مناكحهم وبيوعهم ؛ وقد قدموهم في مساجدهم ، ولجمعهم وأعيادهم ؛ فالواجب على ~~من استقضى في موضع ، أن يقبل شهادة أماثلهم ، وفقهائهم وأصحاب صلواتهم ، ~~وإلا ضاعت حقوق ضعيفهم وقويهم ، وبطلت أحكامهم . ويجب عليه أن يسأل إن ~~استراب في بعضهم في الظاهر والباطن عنهم ؛ فمن لم يثبت عنده عليه اشتهار في ~~كبيرة ، فهو على عدالة ظاهرة ، حتى يثبت غير ذلك . انتهى . وسماه محمد بن ~~حسين الزبيدي في مصنفه في طبقات النحويين واللغويين ؛ فقال : أبو الحكم ~~منذر بن سعيد القاضي ، سمع بالأندلس من عبيد الله بن يحيى ونظرائه ، ثم رحل ~~حاجا سنة 308 ؛ فسمع بمكة من محمد النيسابوري كتابه المؤلف في اختلاف ~~العلماء المسمى ب الأشراف . وروى بمصر كتاب العين للخليل ، عن أبي العباس ~~ابن ولاد ، وعن أبي جعفر بن النحاس . وكان متفننا في ضروب العلم . وغلب ~~عليه التفقه بمذهب أبي سليمان داوود بن علي الإصبهاني المعروف بالظاهري ؛ ~~فكان يؤثر مذهبه ، ويجمع كتبه ، ويحتج بمقالته ، ويأخذ بها لنفسه ، فإذا ~~جلس مجلس الحكومة ، قضى PageV01P074 بمذهب مالك بن أنس وأصحابه الذي عليه ~~العمل في بلده ، ولم يعدل عنه . قال : وكانت ولاية منذر لقضاء الجماعة ~~بقرطبة في ربيع الآخر سنة 339 . ولبث قاضيا إلى أن توفي في عقب ذي القعدة ~~سنة 355 . فكانت ولايته ms075 القضاء ست عشرة سنة كاملة رحمه الله وغفر لنا وله ! # | ذكر القاضي محمد بن السليم # وولي القضاء بعد البلوطي محمد بن إسحاق بن السليم . ونص ظهير ولايته : ~~بسم الله الرحمن الرحيم ! هذا كتاب أمر به أمير المؤمنين الحكم المستنصر ~~بالله محمد بن إسحاق بن السليم ؛ ولاه به خطة القضاء ، واختاره للحكم بين ~~جميع المسلمين ، ورفعه إلى أعلى المراتب عنده في تنفيذ الأحكام ، غير مطلق ~~يده إلا بالحق ، ولسانه إلا بالعدل ! ورسم له في كتابه رسوما بدأ فيه ~~بأمانة الله عز وجل ! إليه ، وجعل الله الشهيد بها عليه ؛ أمره بتقوى الله ~~العظيم الذي يعلم خائنة الأعين ، وما تخفي الصدور ؛ وأن يجعل كتاب الله ~~أمامة ينظر فيه نظر المتفكر المعتبر ؛ فإنه عهد الله الذي بعث به نبيه صلى ~~الله عليه وسلم ! فأحل حلاله ، وحرم حرامه ، وأمضى أحكامه ، وفارق الأمة . ~~على أنهم لن يضلوا ما اتبعوه ؛ فهو العروة الوثقى ، والطريقة المثلى والنهج ~~المنير ، ودين الله القويم . وأمره أمير المؤمنين أن يقتدي بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ! التي بها عملت الأئمة ، وعليها اتفقت الأمة ، فالحق ~~معروف ؛ والباطل مكشوف ؛ وبينهما مشتبهات فيها يحمد التوقف ، وعندها يشكر ~~التثبت ، ففي كتاب الله تعالى اسمه ! وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ! أصل ~~الدين ، وفرعه ، ودليله ، وتأويله ، ومن يرد الله به خيرا يوفقه للاقتداء ~~بهما ، والاقتباس منهما . وأمره أن يصلح سريرته فيها ، يصلح الله علانيته ؛ ~~وأن يبرأ من الهوى ؛ فإنه مضلة عن طريق الحق ؛ وأن يجعل الناس في نفسه سواء ~~، إذا جلس للحكم بينهم ، حتى لا يطمع فيه الشريف ، ولا ييأس منه الضعيف . ~~وأمره أن يعتبر أمره وما قلده ؛ فيعلم أنه راكب طريقا متهاها إلى الجنة أو ~~النار : PageV01P075 ليس عن أحدهما مصرف ، ولا بينهما موقف ، فحق لمن أراد ~~النجاة أن يستكثر من الحسنات ، ويمنع دينه ممن أراد أن يؤنسه في الشبهات ، ~~ويعلم أنه حاكم في ظاهره ، محكوم عليه في باطنه ، تطوى كل يوم صحيفته على ~~ما أودعها ، حتى ينظر فيها غدا بين يدي الله عز وجهه ! ' يوم ms076 توفى كل نفس ~~ما كسبت وهم لا يظلمون ! ' فمن حاسب نفسه في الدنيا ، كان أيسر حسابا في ~~الآخرة . وأمره أن يتحفظ في حين وقوع الشهادات عنده ؛ فلا يقضي بين ~~المسلمين منها إلا بما أقامه به التحقيق على ألسنة العدول ، ذوي القبول ، ~~وإن استراب في شهادة أحدهم وقتا ما ، أن يبحث عنها ، فإن ثبت أنه ارتشى ، ~~أو شهد بالهوى ، فعليه أن يسقط شهادته ، ويخل عدالته ، وتنكيلا له ، ~~وتشديدا لمن خلفه ، وأن يحمل على الناس معاريض الوكلاء على الخصومات ، ~~ويطرح أهل اللدد الظاهر منهم ، ولا يحمل فضل حجاجهم عمن لا يقوم بهم . ~~وأمره أن يحترس بأموال اليتامى ، ولا يولي عليهم إلا أهل العفاف عنها وحسن ~~النظر فيها ؛ وأن يجدد الكشف والامتحان عن أموال الناس والأحباس واليتامى ، ~~ويمنع من قبالتها إلا على وجوهها مما لا بد منه من التنفيذ فيها ، وطلب ~~الزيادة عند ذوي الرغبة في قبالتها . وأمره أن يختبر كاتبه وحاجبه وخدمته ، ~~ويتفقد عليهم أحوالهم إذا غابوا عن بصره . وأمره أن لا يعجل في أحكامه ؛ ~~فمن العجل ، لا يؤمن الزلل ؛ وأن يرفع إلى أمير المؤمنين ما أشكل عليه ~~الفصل فيه ، ليصدر إليه من رأيه ما يعتمد عليه ، إن شاء الله ! والله يسأل ~~أمير المؤمنين التوفيق بمنه وفضله ! وكتب يوم الإثنين ، للنصف من شعبان سنة ~~353 . ولما استمرت أيام ولاية أبي بكر بن السليم ، عمدت الناس سيرته ، ~~واطمأنوا إلى عدله ، ولم يعبه منهم عائب ، إلا من طريق البطء بقضائه ، ~~والتطويل في أحكامه . وكان كثيرا ما يفعل ذلك فيما يتلبس عليه ، ويحتذي ~~طريق أحمد بن بقي القاضي ؛ فكان ربما أفشى لومه PageV01P076 بعض من لحقه ~~ذلك ، ممن يخاصم عنده ؛ ثم ، لما مات ، أشفق الناس جميعا من فقده ، ~~واجتمعوا على ثنائه والدعاء بالخير له . وكانت وفاته عشي يوم السبت لسبع ~~بقين لجمادي الأولى سنة 367 . # | نبذ من أنباء محمد بن يبقى بن زرب # وهو أحد صدور الفقهاء في زمانه بالأندلس ؛ فقد كان ذاك يسمى في علمه ~~وورعه ابن القاسم . وكان له حظ كبير من علم الإعراب ms077 والفقه ، يجمع ذلك إلى ~~العبادة ، وسرد التلاوة للقرآن . وكان من أخطب الناس فوق منبر ، وأحسنهم ~~ترتيلا لمنطقه ، وأظهرهم خشوعا في موقفه لخطبته ، وأقرعهم لمن تقرعه بوعظه ~~؛ لا يملك أحد من البكاء عينيه ، عند سماعه . قال فيه ابن عفيف : يحقق قول ~~الحسن البصري من أن الموعظة ، إذا خرجت من القلب ، وقعت في القلب ، وإذا ~~خرجت من اللسان ، لم تجاوز الأذان . وكان في تعرفاته حازما فطنا . قال ابن ~~حيان : سمعت المشيخة يقولون إنه لما ولي القضاء ، احتبس خواص أصحابه ~~المشاورين ، وقد جاءوه مهنين ؛ فأمر غلامه : فكشف عن مال عظيم صامت في ~~صندوق له ، وقال : يا أصحابنا ، قد عرفتم ما نحن به من تولى القضاء قديما ~~من سوء الظنة ؛ وأخشى أن أطلق الناس على غرضي ! وهذا حاصلي ، وفيه من العين ~~كذا ، وفي مخازني ما بقي بقيمته ، وحظى من التجارة ما علمتم ! فإن فشى من ~~مالي ما يناسب هذا ، فلا لوم ؛ وإن تباعد عن ذلك ، فقد وجب مقتى . وأسأل ~~الله تخليصي مما تنشبت فيه ! فدعوا له . وكان ، مع سعة حاله وعلمه ، مجتهدا ~~، ورعا ، كثير الصلاة والتلاوة ، حتى قيل إنه كان يختم القرآن كل ليلة . ~~ومن المدارك : رأيت ابن زرب بعد وفاته ؛ فسألته ؛ فقال : ما وجدت أضر من ~~الاختلاف إلى أبواب الملوك . وما وجدت شيئا أنفع من تلاوة القرآن ! ولما ~~بنى المنصور بن أبي عامر مسجد الزهراء ، واستشار الفقهاء في التجميع فيه ، ~~أفتى القاضي بمنع ذلك . وقال بقوله ابنا ذكوان ، وابن المكوى ، وابن وليد . ~~وساعده ابن العطار على التجميع ؛ فاستحيى ابن زرب ، ولم يجمع فيه حتى مات ؛ ~~فجمع حينئذ . وقال PageV01P077 عنه ابن حارث : كان لا يحكم في شهر رمضان ، ~~ويفرغ فيه نفسه للعمل والعبادة ، لم يزل مواظبا على ذلك إلى أن مات رحمه ~~الله ! قال الحسن بن محمد : وكان أحفظ أهل زمانه للفقه على مذهب مالك ~~وأصحابه ، حليما ، محتملا ، صبورا ، نفاعا لمن علق بحبله ، جميل المنظر ، ~~سهل الخلق ، حسن الصورة ، طيب الرائحة ، نظيف الملبس والمركب والطعام ~~والفاكهة ، سمحا ، صليبا في ذات الله ، رفيقا ، لم يحفظ ms078 عنه أنه قرع أحدا ~~بسوط مدة قضائه ، لا تأخذه مع ذلك في الله لومة لائم . ولم يكن يخاطب ~~الخليفة هشاما ولا المنصور بن أبي عامر قيم دولته بغير التسديد على الرسم ~~القديم ؛ قرأت مخاطبته لهما في كتاب ارتقاب الأهلة المرسوم للقضاة في شهر ~~رمضان ، ومخرجه على العادة المعروفة للأعلام فما يصح لديه من أمرها ؛ فكانت ~~مخاطبته للأمير هشام : أصلح الله أمير المؤمنين سيدى ، وأبقاه ، وأيد ~~بطاعته ! وكانت مخاطبته لحاجبه المنصور : يا سيدي ، ومن وفقه الله لطاعته ~~وعصمه بتقواه ! واعتنى القاضي ابن زرب بطلب أصحاب ابن مسرة ، والكشف عنهم ، ~~واستتابه من علم أنه يعتقد مذهبهم ؛ وأظهر للناس كتابا حسنا وضعه في الرد ~~على ابن مسرة ، قرئ عليه وأخذ عنه . وكان سنة 350 . اتتاب جملة جيء بهم ~~إليه من أتباع ابن مسرة ؛ ثم خرج إلى جانب المسجد الجامع الشرقي ، وقعد ~~هناك ؛ فأحرق بين يده ما وجد عندهم من كتبه وأوضاعه ؛ وهم ينظرون إليه في ~~سائر الحاضرين . ووقف يوما هذا القاضي بباب أبي بكر الزبيدي النحوي ، معلم ~~الخليفة هشام ؛ فلما أوذن به ، بادر بالخروج إليه حافيا ، مكشوف الرأس ، ~~كما كان يجلس في بيته ، فوقف بين يديه ، قائما على قدميه ، إجلالا له ، ~~وأبلغ في شكره على تعهد ؛ فوافاه ابن زرب حق تكرمته إياه ، وسأله الجلوس ؛ ~~فأبى عليه وأنشده متمثلا : أقوم وما بي أن أقوم مذلة . . . علي فإني للكرام ~~مذلل على أنها مني لغيرك هجنة . . . ولا كنها بيني وبينك تجمل قال الحسن بن ~~محمد في كتابه المسمى ب الاحتفال في تاريخ أعلام الرجال : وأمتحن القاضي ~~ابن زرب ، على فضله ، مع عوام الناس بقرطبة ، في باب ابتطائهم للسقي ؛ فدعا ~~بهم PageV01P078 في المحل الذي توالي عليهم بأعظم ما امتحن به قاض قبله ، ~~وذلك أنه برز بهم عشرة مرة : حضر معهم المنصور محمد بن أبي عامر استسقاء ~~واحدا ، ولبوسه ثياب بيض ، وعلى رأسه أقرف وشي أغبر ، على شكل أهل المصايب ~~بالأندلس قديما ، قد أبدى الخشوع ، وهو باك ، ودموعه تسيل على لحيته ؛ ~~فتقدم إلى جناح المحراب عن يمين الإمام ms079 ، وقد كان فرش له هناك حصير ليصلي ~~عليه ؛ فدفعه برجله ، وأمر بنزعه ، وجلس على الأرض ، وشهد الاستسقاء ؛ فلما ~~تم ، أمر القاضي بتفريق صدقات كثيرة من مال أو طعام عن خليفته وعن نفسه . ~~ولهجت العامة بذم القاضي ، واستبطاء الرحمة بوسيلته ، وأطلقوا ألسنتهم ~~بالطعن في دينه ، ووصفه بالركون إلى ابن أبي عامر ، وعابوه بالقبول لهداياه ~~، والاستساغة لعطيته ؛ فلما تكرر بالاستسقاء وإبطاء الغيث ، هاجت العامة في ~~بعض بروزه إلى الربض ، وثارت ، فاجتمعوا إليه بعد إتمامه الصلاة ، يعطعطون ~~، وينكتونه بمعابه ، ويقولون له : بئس الوسيلة أنت إلى الله تعالى والشفيع ~~في إرسال الرحمة ، إذ أصبحت إمام الدين ، وقيم الشريعة ! ثم لا تتورع عن ~~قبول ما يرسل به إليك من الهدية التي لا تليق إلا بالجبابرة ! وأبدوا في ~~ذلك ، وأعادوا ، وهموا أن يبسطوا إليه أيديهم ويمتهنوه ، حتى لاذ منهم ~~بالتربة المنسوبة إلى السيدة مرجان ، بمقبرة الربض بقرطبة ؛ وكانت حصينة ~~الأبواب ، منيعة الأسوار ، فصار فيها ، وأغلق أبوابها عليه ، واحتصن بها ~~منهم ؛ وأرسل إلى صاحب المدينة يستغيثه ، فأرسل الفرسان والأشراط إلى ~~ناحيته ؛ فكشفوا عنه من كان قد تلفف به من العامة ، وفرقوهم ، وانصرف إلى ~~داره سالما ؛ وقد لقى منهم أذى شديدا . فلما عاود البروز إلى الاستسقاء بعد ~~ذلك ، أرسل المنصور إليه خيلا كثيرة من عنده ، أحاطت بأكناف المصلى عند ~~تكامل الناس فيه قبل الصلاة ، استظهر بهم على شغب العامة ؛ فلم يجسر أحد من ~~السفهاء على النطق بكلمة شر . وكان لا يجلس للحكومة حتى يأكل ؛ وكان موصوفا ~~بطيب الطعام : له منه ومن الحلواء والفاكهة وظيفة معلومة . وكان يقول : لا ~~شرف في لونين ! ورفع فيه على ما حكاه عياض حديثا لبعض السلف . ثم قال : ~~توفي رحمه الله ! في رمضان سنة 381 . ومولده في رمضان سنة 319 . ~~PageV01P079 وتفاقده الناس ، وأثنوا عليه حسنا . وأظهر ابن أبي عامر لموته ~~غما شديدا ، وكتب لورثته كتاب حفظ ورعاية أنتفعوا به ؛ واستدعى ابنه محمدا ~~، وهو طفل ، ابن ثلاثة أعوام ؛ فوصله بثلاثة آلاف دينار ، وألطاف ، قيمتها ~~ما يناهز العدد المسمى ، وليس ذلك من أفعال المنصور ببدع ؛ فقد ms080 كان في حسن ~~معاملته للناس ، والوفاء لهم ، بمنزلة لا يقوم بوصفها كتاب ، حتى يقال إنه ~~لا يأتي الزمان بمثله في فضله ، ولا طفرت الأيدي بشكله . ومن عجيب أخبار ~~محمد بن عبد الله بن أبي عامر وحديثه رحمه الله ! ما وقع في كتاب الفقيه ~~أبي جعفر أحمد بن سعيد بن أبي الفياض ، عند ذكره أيام المنصور ودولته . ~~ونقله غيره ؛ ونصه : قال : أخبرني بعض من رويت عنه أنه كان بائتا ليلة ، مع ~~بعض إخوانه ، في غرفة ؛ فرقد رفيقه ودنيه ؛ ولم يرقد هو قلقا وسهرا ؛ فقال ~~له صاحبه : يا هذا ! قد أضررتني في هذه الليلة بهذا السهر ؛ فدعني أرقد . ~~فقال : إني مفكر مشغول البال ! فقال له صاحبه : يا هذا ! وأنت أمير ~~المؤمنين ؟ فقال له : هو ذلك ! فعجب منه وقال له : بالله ! لتأخذ معي هذا ~~الأمر ، وساعدني فيه ! فقال له : يصلح فلان ويصلح فلان ! وسمى له جماعة ، ~~وهو لا يجوز من المذكورين أحدا ، إلى أن قال له : يصلح أبو بكر بن يبقى بن ~~زرب فقال له ابن أبي عامر : يا هذا ! فرجت عني ! ليس بالله يصلح أحد غيره ! ~~ثم رقد . فمضت الأيام والليالي ؛ وولى ابن عامر الخطط ، إلى أن صار له ملك ~~الأندلس كله بخلافة المؤيد بالله ، واستولى على الأمر والنهي به ؛ وذلك ~~الرجل رفيقه وصاحبه يتوقع أن يتذكر المنصور لاحتقاره في تلك الليلة ؛ فلما ~~كان في بعض الليالي ، مات القاضي ابن السليم ليلا . وكانت لمحمد بن أبي ~~عامر في أيامه عيون بالليل والنهار ، لا يقع أمر من الأمور حتى يعلم به . ~~فأخبر بموت ابن السليم ساعة موته في الليل ؛ فبعث في ذلك الرجل رفيقه في ~~تلك الساعة . فلما وصل إليه رسوله ، تداخله من الفزع غير قليل ؛ فخشي على ~~نفسه ؛ فنهض إليه ، وأكفانه معه ؛ فلما وصل قال له : يا هذا ! قد مات ~~القاضي ابن السليم ! قال : فزاد فزع الرجل ، ثم قال له : من ترى أن يولي ~~القضاء ؟ قال له : الذي رأيناه تلك الليلة ! محمد بن يبقى بن زرب ! فقال له ~~المنصور : فانهض إليه ، واقرأه ms081 سلامي ، وبشره PageV01P080 بالقضاء ، وأخبره ~~بكل ما دار بي معك في تلك الليلة ، حرفا بحرف ؛ ولا تنقصه شيئا ؛ ولا توجده ~~عذرا إن اعتذر ! وسكن روع الرجل ونهض إلى ابن زرب ؛ فاعتذر له ؛ فلم يقبل ~~له عذرا ، وحكى ما دار له مع المنصور قديما ؛ فرضى القضاء ، وتقدم له . ومن ~~الكتاب المسمى : إن المنصور كان كثيرا ما يترشح للإمارة ، ويترجح لملك ~~الأندلس كلها ؛ ويكثر من التحدث بذلك في حدثان سنة ، وإقبال أمره ؛ ويتمنى ~~ذلك ، ويرصده ، ويعد به أصحابه ، ويوليهم الخطط ، ويمنيهم بالولايات ، ~~فيأتي ذلك كما يذكره ، وعلى ما كان يرسمه . ومنه قال : أخبرني الفقيه أبو ~~محمد علي بن أحمد ، قال : أخبرني محمد بن موسى بن عزرون ، قال : أخبرني أبي ~~، قال : اجتمعنا يوما في منتزه لنا ، بجهة الناعورة بقرطبة ، مع المنصور بن ~~أبي عامر ؛ وهو في حداثة سنة ، وأوان طلبه ، وهو مرجى مؤمل ، ومعنا ابن عمه ~~عمرو بن عبد الله بن عسقلاجة ، والكاتب ابن المرعزي ، والحسن بن عبد الله ~~بن الحسن المالقي . وكانت معنا سفرة فيها طعام ؛ فقال ابن أبي عامر ، من ~~ذلك الكلام الذي كان يتكلم به : إني لا بد أن أملك الأندلس ، وأقود العساكر ~~، وينفذ حكمي في جميع الأندلس ! ونحن نضحك معه ، ونتعجب من قوله ؛ فقال لنا ~~: تمنوا علي ! فقال كل واحد منهم ؛ فقال عمرو بن عبد الله بن عمه : أتمنى ~~أن توليني على المدينة ! نضرب ظهور الجناة ونفتحها مثل هذه الشاردة ! وقال ~~ابن المرعزي : أشتهي أن توليني أحكام السوق ! وقال ابن الحسن : أحب أن ~~توليني قضاء رية ! قال موسى بن عزرون : فقال لي : تمن أنت ! فشققت لحيته ، ~~وقلت كلاما سمجا . فلما صار المنصور إلى ما صار إليه من ملك الأندلس ، ولي ~~ابن عمه المدينة ، وابن المرعزي السوق ، وولي ابن الحسن رية ، وبلغ كل واحد ~~منهم إلى ما تمنى . وأغرمني مالا عظيما أحجف بي وأفقرني ، لقبح ما كنت قد ~~جئته به . وكان المنصور من أهل الذكاء والنبل والبأس والحزم ؛ تصرف ، بعد ~~العلم والطلب ، أيام الخليفة لحكم ، في الأمانات والقضاء ؛ ثم ملك الأندلس ms082 ~~بولاية الحجابة لهشام ، وذلك في النصف من شعبان سنة 366 ؛ فاستولى على كثير ~~من الأمصار ، وصار خبره أطيب الأخبار . ولم يزل على حالته من الظهور ، ~~والعز المتصل المشهور ، إلى أن توفي بمدينة سالم ، سنة 392 ، وهو منصرف من ~~غزو بلاد الروم . وقد كان عهد إلى ثقاته أن يدفنوه PageV01P081 حيث يموت ، ~~ولا يحملوه في تابوت ؛ فقبروه هنالك . وعلى مشهده مكتوب رحمه الله وأرضاه ! ~~: آثاره تنبيك عن أخباره . . . حتى كأنك بالعيان تراه تالله ! ما يأتي ~~الزمان بمثله . . . أبدا ، ولا يحمى الثغور سواه # | ذكر الحسن بن عبد الله الجذامي قاضي رية # وأما الحسن بن عبد الله الجذامى المالقى ، فهو أول قضاة الدولة العامرية ~~بكورة رية ، حسبما حكاه ابن أبي الفياض ونقله غيره . وكان رحمه الله ! ~~فقيها ، نبيها ، فطنا ، متفننا ، بصيرا بمذاهب العلماء ، نفاعا للفقهاء ، ~~شديدا على أهل الأهواء ، رفيقا بالضعفاء ، سكن بقرطبة مع أبيه ، إذ كان له ~~بها مال وإصهار ، وتردد إليها . وصحب فيها ، أيام قراءته ، محمد بن أبي ~~عامر وغيره من أهلها ، وأخذ عن أشياخها . وأصله من رية . من العرب الشأميين ~~، النازلين بها عند الفتح . واختص سلفه منهم بسكنى مآلقة ، وهي إحدى مدائن ~~الكورة ؛ وحد عمالتها في القديم ، من جهة الشرق ، الحمة ، حيث الماء السخن ~~العجيب الغريب ؛ ومن ناحية الغرب ، حصن الورد ، المعروف الآن بمنت ميور ، ~~القريب من مربلة ؛ ومن جهة الجوف ، وادي شنيل ، حيث حصن بني بشير ، ~~والرنيسول ، ثم الأرض المعروفة بالخنوس ، إلى قرية جليانة القريبة من استبة ~~، إلى حوز مورور . قال القاضي أبو عبد الله بن عسكر ، صدر كتابه الذي وصف ~~فيه مالقة : أما الاسم المنطلق على جميع الكورة فرية ؛ وأظنها اسما عجميا . ~~والري عندهم الملك ونحوه ؛ ولهذا الاسم توجد في كتب الأعاجم . وكان ابن ~~الحسن المتقدم الذكر من أصحاب المنصور ، الملازمين له في أسفاره ، لم يختلف ~~عنه في غزواته إلى بلد ، مدة حياته ، معقودا له على جند بلده ، معظما في ~~قطره ، مرجوعا إلى نظره ؛ وكان كثير البدار إلى ملاقاة العدو بنفسه . وكان ~~هجيراه عند القتال PageV01P082 قول رسول الله صلى ms083 الله عليه وسلم ! : لا ~~يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا ! واستشهد رحمه الله في غزوة جربيرة ~~المشهورة ، في جملة من استشهد من المسلمين ؛ وكانوا نحو ثمانمائه فارس : ~~قتل فيهم رؤساء العسكر ، مثل يحيى بن مطرف ، وقاسم بن منصور ، والكثير من ~~وجوه الناس . ثم نصر الله جنده وعسكره ؛ فحسن الظن وحقق الرجاء ، ومنح ~~عبادة الظفر ، بعد اليأس منه . قال أحمد بن سعيد : وذلك برأي رأه المنصور ~~بن أبي عامر . وهو أن عهد وشدد في نقل المحلة إلى ربوة مشرفة ، أشرف منها ~~على جميع النصارى ؛ فلما رأى الناس شخصه في أعلاها ، وعلموا مكانه ، رجحوا ~~ظنونهم ، مع ما ألقى الله تعالى في قلوب الروم من الرعب ، وأن المسلمين في ~~قوة ، والمدد يأتيهم ، والأجناد تتكافل عليهم ؛ فانهزموا وتفرقوا ؛ وتبعهم ~~المسلمون نحو عشرة أميال ، واستولوا على محلتهم . وعند ذلك كتب المنصور ~~كتابه المشهور إلى من فر عنه من جنود ، يوبخهم . ومن فصوله ما نصه : وكثيرا ~~ما فرط من قولكم ، وسبق من عزمهم ، إنكم تجهلون قتال المعاقل والحصون ، ~~وتشتاقون ملاقاة الرجال على العجول . فحين جاءكم شانجه بالأمنية ، وقاتلكم ~~بالشرطية ، وظهرت لكم رعلة الطائفة النصرانية ، أنكرتم ما عرفتم ، ونفرتم ~~ما ألفتم ، حتى فررتم فرار اليعافير من آساد الغيل ، وأجفلتم إجفال الرئال ~~عن المقتنصين ! فألحقتم العار بأنفسكم ، بعد اختياري لكم ؛ وطرقتم الشر على ~~أعناقكم ، وضيعتم حرماتكم ، وأحضرتم ذمتكم ؛ فلا نعمتي رعيتم ، ولا تزييني ~~حفظتم ، ولا وجوهكم أبقيتم ، ولا غضب الله ورسوله أتقيتم ! فقد قال الله عز ~~وجل : ' يا أيها الذين آمنوا ! إذا لقيتم فئة ، فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~؛ لعلكم تفلحون ! ' وقال : ' ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ، أو ~~متحيزا إلى فئة ، فقد باء بغضب من الله ؛ ومأواه جهنم وبئس المصير ! ' ففيم ~~ولم كان انحيازكم ، أشكا في وعد ربكم ؟ أم خورا في أصل طبعكم ؟ أم عجزا عن ~~دفع باطلهم بحقكم ؟ ما كان إلا لسفه أحلامكم وسوء نظركم في عاقبة أموركم ! ~~يا أحلام الأطفال ، وأخلاق الرجال ! أنجوتم إلى دار الفناء ، التي لا تنقطع ~~همومها PageV01P083 ولا ترتفع غمومها ؟ وتركتم النزوع ms084 إلى دار البقاء ، ~~التي لا ينصرم نعيمها ؟ لولا رجال من الله صدقوا ، فرفضوا عنكم العار ~~بجلادهم وحرروا رقابكم من الذل بجهادهم ، وبذلوا في الله ما بذلوا بحكم ~~القرآن ، والرعاية لذمم الدين والسلطان ، لبرئت من جماعتكم ، وأوجبت ~~المؤاخذة على كافتكم ، وخرجت الإمام والأمة عن عهدتكم ، ونصحت المسلمين في ~~الاستبدال منكم بغيركم ! ولن أعدم من الله العلي العظيم عاجل نصر وحسن عقبى ~~لعباده المخلصين ، وأوليائه المتقين ! فلا بد أن ينصر دينه بما شاء ' ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ! ' وخلف القاضي ابن الحسن بعد ~~وفاته ، في مكان يتولاه ، أخوه أحمد بن عبد الله ابن الحسن . قال عياض ، ~~وقد ذكر في مداركه : سمع من قاسم بن أصبغ وغيره . واستقضى بكورة رية إلى أن ~~توفي . وكان مشاورا . وكتب عنه فيما قيل . توفي في آخر سنة 392 . # | ذكر القاضي ابن برطال والقاضي أبي العباس بن ذكوان # وتقدم بقرطبة قاضيا ، بعد ابن زرب ، محمد بن يحيى بن زكرياء التميمي ، ~~المعروف بابن برطال ، خال المنصور محمد بن أبي عامر . ثم تلاه أبو العباس ~~أحمد بن عبد الله بن ذكوان ، وتسمى بقاضي القضاة . قال ابن عفيف : وكان من ~~خير القضاء نزاهة ، وعلما ومعرفة ، ورزانة ، وعدلا ، وحزامة . وقال غيره : ~~كان القاضي أحمد بن عبد الله في ولايته موقر المجلس ، مهيب الحضرة ؛ ما ~~رأيت مجلس قاض قط أوقر من مجلسه . وكان إذا قعد للحكم في المجلس ، وهو غاص ~~بأهله ، لم يتكلم أحد منهم بكلمة ، ولم ينطق بلفظة غيره وغير الخصمين بين ~~يديه ، وإنما كان كلام الناس بينهم إيماء ورمزا ، إلى أن يقوم القاضي ؛ ~~فصار حديثه في ذلك عجبا . ولقد أتته ، في بعض مجالسه ، من الأديب أبي بحر ~~أنس بن أحمد الجياني ، داهية لم يبلغه بمثلها أحد ، لفرط هيبته ؛ وذلك أنه ~~كلم بين يديه خصما له ، كلاما استطال فيه عليه ، بفضل أدبه ، وطلاقة لسانه ~~؛ وفارق عادة المجلس في التوقير ، فرفع صوته ، وعز عطفه PageV01P084 وحسر ~~عن ساعديه ، وأشار بيديه ، مادا لهما إلى وجه خصمه ، واعيا على الأعوان ~~تقديمه . فتاوله القاضي بنفسه ms085 ، وأنكر عليه إكثاره ، وقال : مهلا ! عافاك ~~الله ! اخفض صوتك واقبض يدك ! فقال له أنس : ومهلا يا قاضي ! أمن المحذرات ~~أنا ؟ فأخفض صوتي ، وأستر يدي ، وأغطي معصمي لديك ! أم من الأنبياء أنت ؟ ~~فلا أجهر بالقول عندك ! وذلك شيء لم يجعله الله تعالى إلا لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ! لقوله تعالى : ' يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم ~~فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم ~~لا تشعرون . ' ولست به ولا كرامة ! وقد ذكر الله تعالى أن النفوس تجادل ~~عنده يوم القيامة في الموقف الذي لا تعدله مقامات الدنيا في الجلالة ~~والهيبة . قال الله تعالى ' يوم تأتي نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما ~~عملت وهم لا يظلمون ! ' لقد تعديت ، يا قاضي ! طورك ! وعلوت في منزلتك ! ~~وإنما البيان ، بعبارة اللسان ، وبالمنطق ، يستبين الباطل من الحق ؛ وإنما ~~البوس ، مع النحوس ، ولا بد في الخصام ، من إفساح كلام ! قال : فبهت القاضي ~~بقوله ، وأغضى على تقريعه ، وجعل يقول : الرفق أولى من الخرق ! وانصرف أنس ~~، والناس يعجبون من صبره له . قال : وكان من أرفع خلال القاضي ابن ذكوان ، ~~صحة رأيه ، وإمحاضه النصيحة لمن شاوره . ولاه القضاء المنصور بن أبي عامر ؛ ~~وكان من جلة أصحابه وخواصه ؛ ومحله منه فوق محل الوزراء ، يفاوضه في تدبير ~~الملك وسائر شأنه . قال عياض في مداركه : لم يتخلف عنه في غزوة من غزواته ، ~~ولا فارقه في ظعن ولا إقامة ؛ وكذلك كان حاله مع ولديه المظفر والمأمون ~~بعده : وقد تيمنوا برأيه ، وعرفوا النجاح في مشورته . وكان له بداخل القصر ~~بيت خاص به ، يأتيه آخر النهار ؛ فيجلس فيه إلى أن يخرج إليه ابن أبي عامر ~~: فيفاوضه في جميع ما يحتاج إليه . وربما بات عنده بالنزاهة وخفة الوطأة ، ~~حتى قيل إنه ما سأله ، على مكانته منه ، حاجة لنفسه ولا لغيره بتصريح ، مع ~~كثرة ما انقضت على يديه من حوائج الناس ؛ بل كان يعرض ما يحتاج إليه ~~PageV01P085 عرضا بالمنكر والمستحسن ، فيستطرد للبحث عنها . ولم يزل على ~~هذا إلى ms086 أن توفي المنصور ، وولى ابنه المظفر ؛ فزاد أثره ، إلى أن فسد ما ~~بين القاضي وبين وزير الدولة عيسى بن سعيد ، بسبب فسخ شراء ضيعة اشتراها ~~عيسى من ولد ابن السليم السفيه ؛ فقضى ابن ذكوان بردها إلى السفينة ، وفسخ ~~بيعه . فالتحمت بينهما العداوة ، وعمل عيسى في طلب ابن ذكوان وجوه الحيلة ، ~~إلى أن أوقع المظفر بخادمه ، الغالب على أمره ، طرفة ؛ فسعى به عيسى . ~~وكانت لابن ذكوان من طرفة ألطف منزلة . ونسب عيسى طرفة وأصحابه إلى القدح ~~في الملك ؛ فقتل طرفة فاشتملت التهمة على ابن ذكوان خاصة ؛ فوجد عيسى ~~السبيل . وصرف المظفر أبا العباس بن ذكوان عن القضاء والصلاة ، وصرف أخاه ~~أبا حاتم عن المظالم ؛ وساء رأيه فيهما . وولي القضاء والصلاة عبد الرحمن ~~بن فطيس ؛ فلم يقم ، على استقامته واستقلاله ، مقام ابن ذكوان لتبريزه . ~~فحن القضاء إليه ، وأسف الناس على فقده . وحسن رأي عبد الملك عما قريب منه ~~؛ فصرف أبا العباس إلى خطته بعد تسعة أشهر من عزله ؛ فازداد رفعة إلى رفعته ~~، وسمت حاله عند المظفر ، لا سيما عند اتهامه وزيره عيسى عدو ابن ذكوان ~~بالقدح في دولته ، وبطش المظفر به وقتله إياه ؛ ففرغ مكانه لأبي العباس ، ~~واستراح منه . فلم يكن يجري شيء من أمور المملكة إلا عن مشورة ابن ذكوان ، ~~إلى أن هلك عبد الملك المظفر ، وولى أخوه عبد الرحمن ، فرفع منزلته ، وولاه ~~الوزارة مجموعة إلى قضاء القضاة . وبقي ذلك إلى أن انقرضت دولة بني عامر ، ~~بقيام المهدي بن عبد الجبار المرواني عليهم ، أول ملوك الفتنة ، وأحقد ~~الناس على ابن ذكوان لخاصته من العامرية ، ناقما عليه أحكاما أمضاها عليه ~~في قضائه ، فتوقف عنه لجلالته ، وأزال عنه اسم قاضي القضاة واقتصر به على ~~قضاء الجماعة . وعلى إثر ذلك قتل المهدي ، وبايع الناس لهشام ، خلافته ~~الثانية . وقام واضح الصقلبي بأمره وحجابته ؛ والبرابرة ، مع سليمان ~~المستعين ، يأتون قرطبة ، ويرومون دخولها ؛ وكان ميل الناس وابن ذكوان إلى ~~السلم وصلح البرابرة ؛ فيقال إن ابن ذكوان نصح لهشام في واضح ؛ فبلغته ~~المناصحة ؛ فسعى على بني ذكوان بعلة ms087 التهمة في الميل إلى البرابرة ، وأن ~~الناس تبع لاشارتهم . فنفذ أمر هشام بإخراجهم عن الأندلس ، ونقيضهم إلى ~~العدوة ؛ فحملوا إلى المرية ، وأجيزوا لحينهم PageV01P086 البحر في الحال ~~شدة ارتجاجه ؛ وعنف بهم ، وسلبوا دوابهم وثيابهم . فكتبت سلامتهم ، وخرجوا ~~إلى وهران ؛ وقامت لنكبتهم بقرطبة القيامة . ثم قتل واضح وحسن الرأي فيهم ، ~~ووجه عنهم ، وعادوا إلى وطنهم ، إلا أنهم لم يتعاودوا العمل ، ولا تقلدوه ، ~~مع تكرار الرغبة لهم . وتمادى أبو العباس على حالته من السكون والانقباض ، ~~إلى أن توفي سنة 413 . ثم تلاه أبو حاتم أخوه . ورثى الأديب ابن الحناط ~~الضرير أبا العباس بقصيدة فريدة ، أولها : عفاء على الأيام بعد ابن ذكوان . ~~. . وقبحا لدنيا غيرت كل إحسان سأبكي دما بعد الدموع بعبرة . . . تغير ~~إحساني وتعبر عن شأني وإن حياتي اليوم بعد وفاته . . . دليل بأن العذر في ~~كل إنسان أحقا سراج العلم أخمده الردى . . . وهدم ركن الدين من بعد شان ~~وغودر في دار البلا علم الهدى . . . فزعزع آساس مضعضع أركان فشقت عليه ~~المكرمات جيوبها . . . وألقت رؤوس المجد عنها محان # | ذكر القاضي أبي المطرف بن فطيس # ومن القضاة بعد ابن ذكوان ، أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن ~~فطيس . وقد كان تقلد خطة المظالم بعهد المنصور محمد بن أبي عامر ؛ فكانت ~~أحكامه شدادا ، وعزائمه نافذة ؛ وله على الظالمين سورة مرهوبة . وشارك ~~الوزراء في الرأي ؛ إلى أن ارتقى إلى ولاية القضاء بقرطبة ، مجمعا إلى خطة ~~الوزارة والصلاة ؛ وقل ما اجتمع ذلك لقاض قبله بالأندلس . ولقد بلغني أن ~~عبد الرحمن بن بشر ، قاضي آل حمود ، خاطب ابن هشام ، قاضي القيروان ، في ~~بعض ما يكاتب له القضاة من أمر الحكومة ؛ وكان ابن بشر ممن احتمل إلى خطة ~~القضاء خطة الوزارة ، وأثبتهما معا في العقد PageV01P087 الذي أدرجه في ~~كتابه إلى ابن هشام ، مقدما ذكر الوزارة على القضاء ؛ وذلك كان رسمها عند ~~ملوك بني مروان ؛ فلما قرأ العقد ، رمى بالكتاب وقال : ما عهدنا وزراء ~~القوم تنفذ أحكامهم ! وترك النظر في تلك الحكومة . وتعجل منه قاضي الأندلس ~~مخزاة وهجنة . وكان ms088 له بداره مجلس عجيب الصنعة ، حسن الآلة ، ملبس كله ~~بالخضرة : جدراته وأبوابه . وسقفه وفرشه وستوره ونمارقه ، وكل ذلك متشاكل ~~الصفات ، قد ملأه بدفاتر العلم ودواوين الكتب التي ينظر فيها ويخرج منها ؛ ~~وبهذا المجلس كان أنسه وخلوته رحمه الله ! # | ذكر القاضي يحيى بن وافد اللخمي # ومنهم يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اللخمي . ولي القضاء سنة 401 ، فاستقل ~~به خير استقلال ، على ما كان بذلك الزمان من فتن واعتلال . قال ابن حيان : ~~كان آخر كملاء القضاة بالأندلس علما ، وهديا ، ورجاحة ، ودينا ؛ جامعا ~~لخلال الفضل . تقلد الشورى بعهد العامرية ، فكان مبرزا في أهلها . وتقلد ~~الصلاة بالزهراء مدة ، إلى أن استعفاها ؟ ولما قامت فتنة البرابر ، كان ابن ~~وافد أحد الأشداء عليهم ، وأكبر الناس نفارا منهم ؛ فتغلبوا على قرطبة ، ~~وخلعوا أميرها ؛ واشتد طلبهم على القاضي ، وقد استخفى ؛ فعثر عليه عند ~~امرأة ؛ فسيق راجلا ، مكشوف الرأس ، نهارا ، يقاد بعمامته في عنقه ، ~~والمنادى ينادي عليه : هذا جزاء قاضي النصارى ، ومسبب الفتنة ، وقائد ~~الصلاة ! وهو يقول مجاوبا : بل والله ! ولي المؤمنين ، وعدو المارقين ! ~~أنتم شر مكانا ، والله أعلم بما تصفون ! والناس تتقطع قلوبهم لما نزل به ؛ ~~فلقيه في هذه الحالة بعض عداه ؛ فقال له : كيف رأيت صنع الله بك ؟ فقال : ~~ما أنتم قضاة ! كان ذلك في الكتاب مسطورا ! ولقيه بعض أصحابه ، فقال : نرى ~~أن أبلغ أمرك أبا العباس بن ذكوان ؟ فإنه مقبول القول عبد البرابرة فقال : ~~لا حاجة لي بذلك ! فأدخل على المستعين سليمان بن الحكم في تلك الحالة ؛ ~~فأكثر توبيخه ؛ وأغرته به البرابرة ؛ فأمر بصلبه . فشرع في ذلك . فوردت ~~عليه شفاعات من الفقهاء والصالحين PageV01P088 الذين لا يرى ردهم ، يرغبون ~~إليه في شأنه ويقبحون إليه ما أمر به فيه ؛ فرفع عنه الصلب والمثلة ، وأمر ~~بضمه إلى المطبق ، وتثقيفه . وكان السلطان يجري وظيفة على من فيه ؛ فكان ~~ابن وافد لا يأكل منها . ولم يبعد رحمه الله ! أن اعتل في محبسه ؛ فأخرج ~~ميتا في نعش ، منتصف ذي الحجة سنة 404 ؛ فوضعه الأعوان بالساقية ، موضع غسل ~~المجاذم . فاحتمله قوم إلى ms089 دار صهره ؛ فسد بابه في وجه النعش ، وتبرأ منه ~~تقية . سمع الزاهد حماد بن عمار بالقصة ؛ فبادر ، وصار بنعشه إلى منرله ؛ ~~فقام بأمره . قال صاحب المدارك . وكان من عجيب الاتفاق أن ابن وافد كان قد ~~أودع عند هذا الصالح كفنه وحنوطه وقارورة من ماء زمزم لجهازه ، فتم مراده . ~~وعدت من كراماته . وجاء بنعشه وصلى عليه في طائفة من العامة عند باب الجامع ~~. ثم ساروا به ؛ فواروه التراب غفر الله لنا وله ! وعطل سليمان بن الحكم ، ~~إمام البرابرة ، خطة القضاء بقرطبة طول ولايته ، زاعما أنه لم يرتض لها ~~أحدا ، لما تأبى عليه وليه أحمد بن ذكوان من تقليدها ؛ فعطل اسم القضاء مدة ~~من ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر ، إلى أن هلك إمام البرابرة في محرم سنة 404 ، ~~وولى علي بن حمود الفاطمي ، وأعاد رسم القضاء الذي كان قد عفا بقرطبة ، ~~وأحياه بأن ولاه الفقيه المشاور عبد الرحمن بن بشر . وكان آخر قضاة الخلفاء ~~رحمهم الله تعالى ! وذلك سنة 407 ، ايام تغلب ابن حمود المذكور على ملك بني ~~مروان بالأندلس ، وظهوره على آخرهم سليمان بن الحكم صاحب البرابرة ، وملكه ~~لدار مملكتهم قرطبة . ثم هلك علي بن حمود ، وولى وكانه القاسم أخوه ؛ فأمر ~~القاضي عبد الرحمن بن بشر على ما كان يتولاه من القضاء لأخيه . وكذلك فعل ~~المعتلى بالله يحيى بن علي لما ولى ، تبع رأي أبيه وعمه في القاضي المذكور ~~؛ فأثبته في مكانه ، وقدم محمد بن الحسن ، ولد عمته زينب شقيقة أبيه ، ~~قاضيا بمالقة أيضا ؛ وذلك سنة 426 . | PageV01P089 # | ذكر محمد بن الحسن الجذامي النباهي قاضي مالقة # ولنذكر الآن في هذا الباب نبذا من أنباء هذا القاضي ، وكيفية ولايته ~~القضاء ، ومحنته . فنقول : هو محمد بن الحسن بن يحيى بن عبد الله بن الحسن ~~الجذامي النباهي . ولما عرض عليه الأمير يحيى الولاية ، تمنع ، وأظهر ~~الإباية وسأله المتاركة بالرحم الذي بينهما . واعتذر بأمور ، منها صغر سنه ~~، وأخبره أن بالمدينة من هو أقعد منه بالقضاء وأولى به ؛ فرد عليه اعتذاره ~~، وعزم عليه عزما أخافه ؛ فإنه مد يده ms090 إلى سيفه وقال : إن شئت ، القضاء ؛ ~~وإن شئت ، هذا ! مثل ما فعل الأمير إبراهيم بن الأغلب مع ابن عمه القاضي ~~عبد الله بن طالب ، حين اختاره للقضاء بإفريقية ، فأباه . وعند ما شاهد ابن ~~الحسن من عزم المعتلى ما شاهده ، قبل الولاية على شروط ، منها أن يستخلف ~~عنه من يظهر له متى احتاج إلى ذلك ، وإن كان مقيما بقصره ؛ وإن ينفرد يومين ~~من كل جمعة برسم تفقد أملاكه ، والنظر في مصالح نفسه الخاصة به ؛ وأن يكون ~~له النظر على ولاة الكورة وسائر المشتغلين بها ، حتى لا يجري حيف على أحد ، ~~في ناحية من نواحيها ، ولا يقع فيها نصرف لحاكم في أمرها إلا عن إذنه . ~~فأنفذ ذلك كله وأمضاه . وما كان قصده ، على ما قيل عنه ، إلا إبعاده الكلفة ~~عن نفسه ، وطمعه ، عند الاشتراط في تركه . وكان حازما ، صارما ، عدلا في ~~أحكامه ، جزلا . وبقي على حالته إلى أن قتل الأمير يحيى الملقب بالمعتلى ~~بظاهر قرمونة ، وتولى الأمر بعده ولده حسن ؛ وحاجبه بجاء الصقلبي ، ووزيره ~~أبو محمد اللسطيفي ؛ فاستعفى ابن الحسن من القضاء ، وذهب إلى العدول عن ~~طريق الحاجب والوزير ، لما رآه في الدولة من الاضطراب . وفي أثناء ذلك ، ~~توفي حسن الأمير ، وأراد نجاء بقاء الأمير باسم ابن صغير كان له ؛ فمات ~~لحينه . ويقال إن نجاة قتله وأجمع على نحو أمر الحسنين وأن يضبط هو البلد ~~لنفسه ؛ فدعا لذلك البربر ، وهم كانوا أكثر الأجناد ؛ فساعدوه في الظاهر ؛ ~~وعظم ذلك عليهم . ثم إن الحاجب ترك اللسطيفي بمالقة ، وتوجه إلى الجزيرة ~~ليملكها ؛ فلم يتفق له ملكها ؛ فرجع إلى مالقة . PageV01P090 فلما كان ~~بقرية فرت بعون ، قتل الجند نجاء ، وقطعوا رأسه ؛ وسبق منهم فرسان إلى ~~مالقة ؛ فقالوا : جئنا للوزير لنأخذ منه البشرى بدخول نجاء الجزيرة . فلما ~~وصلوا إليه ، وضعوا فيه سيوفهم ، وقتلوه ، واستخرجوا إدريس بن يحيى من ~~محبسه إذ كان معتقلا هنالك من قبل الحاجب والوزير . وبايعه الناس ، وتسمى ~~بالعالي بالله ، الظاهر بأمر الله . قال القاضي أبو عبد الله بن عسكر ، وقد ~~ذكر في كتابه هذا الأمير ms091 : وكانت بيعته يوم الثلاثاء لعشر خلون من جمادى ~~الأخيرة من سنة 434 . وكان نبيه القدر رفيع الذكر رحيم القلب يتصدق كل يوم ~~جمعة بخمسمائة دينار ورد كل مطرود عن وطنه إلى محله ، ولم يسمع بغيا في أحد ~~من رعيته . وكان أديب اللقاء ، حسن اللباس ، يقول من الشعر الأبيات الحسان ~~. ثم قال ابن عسكر : قدم للأحكام بمالقة الفقيه أبا عبد الله بن الحسن . ~~ووقفت على كتاب تقديمه بأيدي عقبه ، ابتداؤه بعد البسملة : هذا كتاب أمر به ~~، وأنفذه ، وأمضاه من عهده ، وأحكمه الامام أمير المسلمين ، عبد الله ~~العالي بالله ، الظافر بحول الله ، إدريس بن المعتلى بالله أعلى الله أمره ~~وأعز نصره ! للوزير القاضي أبي عبد الله محمد بن الحسن وفقه الله ! قلده به ~~القضاء بين المسلمين بمدينة مالقة حرسها الله ! وأعمالها . وهو كتاب كبير ~~في رق ، وتاريخه في إحدى عشرة ليلة من ربيع الأول سنة 445 ؛ وعليه توقيع ~~العالي بخط يده ، نصه : ينفذ هذا ويعمل عليه ! والله الموفق ! وهو المستعان ~~! قال ابن عسكر : وكان الحاجب المظفر أبو مسعود باديس بن حبوس بن ماكسن ابن ~~زيري بن مناد الصنهاجى ، صاحب غرناطة ، يدعو للعلويين الذين بمالقة ؛ فلما ~~توفي إدريس بن يحيى العالي ، طمع في مالقة ، فنزلها بجيشه ؛ وكانت بها فتنه ~~. ثم دخلها يوم الثلاثاء منسلخ ربيع الآخر سنة 448 ، فملكها . وقدم القاضي ~~ابن الحسن الجذامي ، المشتهر عقبه الآن ببني النباهي للقضاء والوزارة ، على ~~ما كان في أيام العالي ، ثم إن باديس خرج عن ملك مالقة إلى ولده الملقب ~~بسيف الدولة بلقين ، ورشحه للولاية من بعده ، وحمله على مجاملة القاضي بها ~~، والمعاهدة له بسنى إلطافه ؛ فعمل بحسب ذلك . ومن جملة مكتوباته له : بسم ~~الله الرحمن الرحيم ! هذا ما التزمه ، واعتقد العمل والوفاء PageV01P091 به ~~، بلقين بن باديس ، للوزير القاضي أبي عبد الله محمد بن الحسن سلمه الله ! ~~واعتقد به إقراره على خطة القضاء والوزارة ، في جميع كورة رية ، وأن يجري ~~من الترفيع به ، والإكرام له إلى أقصى غاية ، وأن يجرى على الجزية في جميع ~~أملاكه بكورة ms092 رية حاضرتها وباديتها ، الموروثة منها ، والمكتسبة القديمة ~~الاكتساب والحديثة ، وما ابتاع منها من العالي رحمه الله ! وغيره ، لا ~~يلزمها وظيفة بوجه ، ولا يكلف عنها كلفة على حال ، وأن يجرى في قرابته ، ~~وخوله ، وحاشيته ، وعامرى ضياعه ، على المحافظة والبر والحرية وأقسم على ~~ذلك كله بلقين بن باديس بالله العظيم وبالقرآن الحكيم . وأشهد الله على ~~نفسه وعلى التزامه له ، وكفى بالله شهيدا ! وكتب بخط يده في مستهل شهر ~~رمضان سنة 449 . والله المستعان . واستمرت إمارة بلقين بمالقة إلى عام 456 ~~؛ فتوفي بها من وجع أصابه . وعادت المدينة إلى ما كانت عليه من إيالة ~~المظفر والده ؛ فزاد ابن الحسن أثرة إلى أثرته ، وعرض عليه قضاء حضرته ؛ ~~ورام نقلته من عادته في ترك الجراية المتعارفة لأمثاله من القضاة ؛ فثبت ~~على حالته ، ولم يأخذ على القضاء رزقا من بيت المال مدة حياته . وكان عن ~~التعال بالمرتب في غناء ، لكثرة ماله ، ولما تقدم من إرفاقه بتحرير أملاكه ~~؛ وكانت من الكثرة بحيث ناهز أملاك صاحبه القاضي بإشبيلية ، إسماعيل نب ~~محمد بن عباد ؛ وربما زاد خارجه ، ولا سيما فيما يرجع إلى النفقات والصدقات ~~: فإنه كان يصنع الدعوات الواسعة ، ويحضرها شيوخ وقته من الفقهاء والأماثل ~~: فيوليهم إكراما ، ويوسعهم إطعاما . وكان في كل رمضان يحذو حذو صهره ~~القاضي بقرطبة أحمد بن زياد ؛ فيدعو بدار له ، تجاور المسجد عشرة من ~~الفقهاء ، في طائفة من وجوه الناس ، يفطرون كل ليلة عنده ، ويتدارسون كتاب ~~الله بينهم ، ويتلونه . وكان يذهب مذهب العباس بن عيسى ، أحد أشياخ أبي ~~محمد ابن أبي زيد ، أن ينوي الإنسان في كل تطوع وصية يوصي بها ، وصدقة برد ~~التبعات المحصولة ، لأن ردها أوجب من التطوع ؛ وكذلك في الصلوات : إذا أحب ~~أن يتنفل ، صلى صلاة يوم ، ونوى بها الخمس تكون قضاء عما لا يدري أنه فرط ~~فيه أو فسد عليه . وكان في قضائه ماضيا ، مهيبا ، صليب القناة ، قليل ~~المداراة في الحق ، لا يقضي على هناة ، ولا يخاف لومة لائم . PageV01P092 ~~وجرت عليه بسبب ذلك عظائم ، آخرها ما حكاه الأمير عبد الله بن ms093 بلقين بن ~~باديس بن حبوس في كتابه المسمى : التبيان عن الحادثة الكائنة بدولة بني ~~زيري في غرناطة . فقال عن جده السلطان المظفر باديس إنه كان قد ولج إلى ~~القاضي أبي عبد الله ابن الحسن النباهي ، في أمور مالقة ، قليلها وكثيرها . ~~وكان ابن السقاء صاحب قرطبة قد نقل إليه عنه أن المظفر أراد أن يوليه قصبة ~~مالقة ، لولا ما أشار القاضي بخلاف ذلك ؛ فحقد عليه ذلك . وكان بمالقة رجل ~~غريب ، يعرف بابن البزلياني ، طمع في توليه القضاء ، وقام في باله أنه ، لو ~~فقد النباهي ، لم يوجد للقضاء غيره . وكان حسن صاحب الدبوس أمينا للمظفر ~~على الذخائر ، قد أشربت نفسه خوف القاضي ؛ فاتفق رأى جميعهم على قتل عند ~~ابن الفاسي بقرطبة ؛ وكان المذكور يريه الصداقة والتخدم لإرادته . وكانت ~~للقاضي ضيعة بقرطبة ، كثيرا ما يتصرف إليها ؛ وابن الفاسي يتولى إصلاحها . ~~فلما أتى قدره ، مضى على عادته لجهة قرطبة ، ونزل بقريته ؛ فهبط إليه ابن ~~الفاسي ، يقول له : شرفني ، يا سيدي ! بالطلوع إلي ، والقبول لضيافتي ! وما ~~هي إلا من مالك ومتاعك في الحقيقة ! فطلع هو ومن كان معه من الفقهاء ، منهم ~~الأديب غانم ؛ فلما تم بالطعام ، أراد الانصراف ؛ وابن الفاسي قد هيأ له ~~سودانا ، متأهبين لأخذه ، فبادروا به ، وخنقوه ؛ وأطلق الأخرين . وعدد عليه ~~قبل ذلك ما أفسده من توليته مالقة . ويحكى أن القاضي المذكور سمع صوتا ، في ~~بعض زوايا بيته ، نهارا ؛ ولم ير شخصا قبل الذي حل به من هاتف ، يقول له ~~بصوت ضعيف : قل للوزير القاضي النباهي : . . . هل تستطيع دفاع أمره الله ؟ ~~فجزع لذلك جزعا شديدا ، ولم يدر من أين يؤتى ؛ وتكرر عليه الصوت ثلاث مرات ~~. ونافق بعد ذلك ابن الفاسي بقرطبة ، ومضى إليه المظفر بنفسه ، وعبأ أمواله ~~، وجمع عسكره ، ونزل عليها ؛ فأحسن ابن الفاسي بميل الجند إلى الرئيس ، ~~وخاف على نفسه ؛ فخرج من الحصن على غفلة ، ودخل في قطعة من البحر ، وفر ~~بنفسه . وصار المعقل إلى الحاجب ، وثقفه بعد إنفاق كثير عليه ، وامتحن قضية ~~القاضي ؛ فأعلم بسعي صاحب الدبوس فيها ؛ PageV01P093 فأمر بقتله وقتل ms094 ابنه ~~، أخذا بثأر قاضيه ، إذ كان له ناصحا ، وعلى دولته مشفقا . هذا ما حكاه ~~الأمير أبو محمد ؛ ومن خطه المنسوب له نقلت . قال غيره : وكان مقتل القاضي ~~أبي عبد الله بن الحسن في عام 463 . وذكر ابن عسكر في مصنعه عنه ، عند ذكر ~~ولده ، أنه استقضى بغرناطة أيضا . والظاهر أن ذلك كان على إثر وفاة سيف ~~الدولة . وقد مضى القاتل والمقتول ، وعند الله تجتمع الخصوم ! # | ذكر القاضي إسماعيل بن عباد وابنه محمد # ومن القضاة بإشبيلية ، أبو الوليد إسماعيل بن عباد اللخمي الإشبيلي . قال ~~ابن حيان : كان حسن المعرفة بقطع من الشعر ، صالح النظر في الفقه ، عالما ، ~~كاتبا ، حليما ، أديبا ، حسيبا ، وافر النفقة ، ذكروا أن أملاكه كانت ثلث ~~كورته ، قديم الجاه على سلطان الأندلس من العامرية ، مشتغلا لهم بالأمور ~~العظيمة . فولى قضاء بلده وعمله مدة . ثم صرف عنه ، أيام المظفر عبد الملك ~~، عند ارتياده للقضاء أهل السلامة برأي ابن ذكوان ؛ فاستقدم إلى قرطبة . ~~وولى مكانه أبو عمر بن الباجي نحو سنة ؛ فلم يجدوه في أمورهم ، ولا قام لهم ~~مقامه ؛ فاضطروا إليه وردوه إلى عمله وصرفوا الآخر صرفا جميلا . ولزم ابن ~~عباد عمله ؛ ثم قعد عند القضاء ، وتوفي سنة 410 . وانتصب لرياسة مكانه ابنه ~~أبو القاسم محمد ؛ وكان جزلا ، ذا أدب ومروءة ؛ ولاه القاسم بن حمود القضاء ~~. مكان أبيه ؛ فبعد صيته . وكان ممن اعتنى بالعلم ، إلى أن ثار ببلده بعد ~~اضطراب بني حمود ؛ فثار به ، وحاز رياسته ، وأورثها عقبة ؛ فجاءوا بعد من ~~أجل الملوك بالأندلس ، إلى أن أخرجهم عنها المرابطون سنة 484 . قال ابن أبي ~~الفياض : وكان سبب ثورة ابن عباد خلع أهل إشبيلية القاسم بن حمود ؛ وذلك ~~أنه ، لما خرج القاسم من قرطبة ، أرسل إلى إشبيلية إلى ابنه في إخلاء ألف ~~وخمسمائة دار لوجوه البربر ، فعز ذلك على أهل إشبيلية ، فاجتمعوا على أن ~~يضبطوا مدينتهم ، ويخلعوا طاعة القاسم . PageV01P094 # | ذكر القاضي أبي الوليد سليمان الباجي # ومن القضاة ببلاد شرق الأندلس ، أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي . قال ~~عياض فيه : جال ببلاد المشرق ms095 نحو ثلاثة عشر عاما ، وكان يصحب الرؤساء ، ~~ويقبل جوائزهم ، فكثر القائلون فيه من أجل ذلك . ولي قضاء مواضع من الأندلس ~~تصغر عن قدره ، فكان يبعث إليها خلفاء ، وربما قصدها بنفسه . ومن شعره : ~~إذا كنت أعلم علما يقينا . . . بأن جميع حياتي كساعه فلم لا أكون ضنينا بها ~~. . . وأجعلها في صلاح وطاعه والقاضي أبو الوليد هذا من القوم الذين سما ~~ذكرهم بعد وفاتهم ، وانقضاء أمد حياتهم ؛ فبهرت ولايتهم ، واشتهرت في ~~الآفاق درايتهم . ومنهم كان القاضيان أبو بكر ابن عبد الله بن العربي ، ~~وأبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي ؛ فجرت عليهما محن ، وأصابتهما فتن ، ومات ~~كل واحد منهما مغربا عن أوطانه ، محمولا عليه من سلطانه . وقال بعضهم : سم ~~ابن العربي ، وخنق اليحصبي تغمد الله الجميع برحمته ، وجعل أجورنا موفورة ~~بمنته ! # | ذكر القاضي أبي الوليد يونس بن مغيث # ومنهم يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث ، يكنى أبا الوليد . قلده ~~الخليفة هشام ابن محمد المرواني القضاء سنة 419 ، وهو شيخ قد زاد على ~~الثمانين ؛ وهو ذو ذهن ثابت ، جزل الخطابة ، حاضر المذاكرة ؛ وله كتب حسان ~~في الزهد والدقائق . قال ابن بشكوال ، وقد ذكره في صلته قال : صاحبه أبو ~~عمر بن مهدي ، وقرأته بخطه : كان نفع الله به ! من أهل العلم بالفقه ~~والحديث ، كثير الرواية ، وافر الحظ ، PageV01P095 قائلا للشعر النفيس في ~~معاني الزهد وما شابهه ، بليغا في خطبته ، كثير الخشوع فيها ، لا يتمالك من ~~سمعه من البكاء مع الخير والفضل ، والزهد في الدنيا ، والرضى منها باليسير ~~؛ ما رأيت فيمن لقيت من شيوخي ، من يضاهيه في جميع أحواله . كنت ، إذا ~~ذاكرته شيئا من أمور الآخرة ، رأى وجهه يصفر ويدافع البكاء ما استطاع ، ~~وربما غلبه ؛ فلا يقدر أن يمسكه . وكان الدمع قد أثر في عينيه وغيرهما ، ~~لكثرة بكائه . وكان النور باديا على وجهه . وكان قد صحب الصالحين ، ولقيهم ~~من حدثانه ؛ ما رأيت أحفظ منه لأخبارهم وحكاياتهم . ومن تآليفه : كتاب ~~فضائل المنقطعين إلى الله . توفي رحمه الله ! لليلتين بقيتا من رجب سنة 429 ~~. # | ذكر القاضي أبي بكر ms096 محمد بن منظور # ومن القضاة بقرطبة ، محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور القيسي من أهل ~~إشبيلية ، يكنى أبا بكر . روى ببلده عن الفقيه الزاهد أبي القاسم بن عصفور ~~الحضرمي ، وأبي بكر ابن عبد الرحمن العواد ، وغيرهما . واستقضاه المعتمد ~~محمد بن عباد بقرطبة . وكان حسن السيرة في قضائه ، عدلا في أحكامه . ولم ~~يزل متولى القضاء بها إلى أن توفي ، في غرة جمادى الأخيرة سنة 464 . ذكره ~~ابن بشكوال . # | ذكر القاضي أبي الأصبغ عيسى بن سهل # ومن القضاة بغرناطة ، أيام دولة الصناهجة ، الشيخ الفقيه أبو الأصبغ عيسى ~~بن سهل بن عبد الله الأسدي . ذكره ابن بشكوال ؛ فقال فيه : سكن قرطبة . ~~وأهله من جيان ، من وادي عبد الله من عملها . روى عن أبي محمد مكي بن أبي ~~طالب ، وأبي عبد الله بن عتاب الفقيه وتفقه معه ، وانتفع بصحبته وعن أبي ~~عمر بن القطان ، وأبي مروان بن مالك ، وأبي القاسم بن محمد بن حاتم ، وابن ~~شماخ ، وأبي زكرياء القليعي وغيرهم . وكان من جلة الفقهاء ، وكبار العلماء ~~، حافظا للرأي ، ذاكرا للمسائل ، عارفا PageV01P096 بالنوازل ، بصيرا ~~بالأحكام ، متقدما في معرفتها . وجمع فيها كتابا حسنا مفيدا ، يعول الحاكم ~~عليه . وكتب للقاضي أبي زيد الحشاء بطليطلة ؛ ثم للقاضي أبي بكر بن منظور ~~بقرطبة . وتولى الشورى بها مدة . ثم ولي القضاء بالعدوة . ثم استقصى ~~بغرناطة . وتوفي مصروفا عن ذلك يوم الجمعة ، ودفن في يوم السبت الخامس من ~~المحرم سنة 486 . ومن الكتاب المسمى بالتبيان عن الحادثة الكائنة بدولة بني ~~زيري في غرناطة ، تصنيف أميرها عبد الله بن بلقين بن باديس بن حبوس ، وقد ~~تكلم في أمر المرابطين ؛ فقال ما معناه : إن أمير المسلمين يوسف بن تأشفين ~~، لما استقر بسبته ، يروم عبور البحر برسم الجهاد في الأندلس ، وجه إليه ~~الأمير عبد الله المتقدم الذكر قاضيه ابن سهل رسولا ، في معرض الهناء له ، ~~والتلقي بالرحب ، والإعلام عن الأمير الذي أرسله بالمسارعة إلى ما يذهب ~~إليه في جهاده ؛ فقابله بالمبرة والكرامة ، وقال له : لست من يكلف أحدا فوق ~~طاقته ! دهاء منه وحذقا ms097 . وحين ظهر لابن سهل ، على ما حكاه الأمير في ~~الكتاب ، ما تحققه من خلاف جند مرسله ، واختلال أنفس أهل بلدته ، قدم بنفسه ~~عند يوسف بن ناشفين ، وتفرب إليه ، وأعلمه أن القطر ليس عليه فيه مختلف . ~~ولما كان من ظهور المسلمين على الروم ما كان ، وانقلب الأجناد بعد ذلك ، ~~ودانوا المرابط بالطاعة ، فتملك عز ونعمة ، ورجوا أن يكونوا عنده في أعلى ~~مرتبة ، أهملهم ، وقطع ، وقال : ما نصحوا مولاهم رب الإحسان عليهم ! فكيف ~~يكون حالهم مع غيره ؟ وعلى إثر ذلك أخر ابن سهل عن القضاء ، فالتزم داره ~~إلى وفاته تجاوز الله عنا وعنه ، وغفر لنا وله ! # | ذكر القاضي موسى بن حماد # ومن صدور القضاة ، وثقات الرواة ، الشيخ الفقيه العدل النزيه أبو عمران ~~موسى ابن حماد . ولي القضاء بجهات شتى ؛ فحمدت سيرته ، وشكرت طريقته . وكان ~~شديدا على أهل الأهواء ، مترفقا بالضعفاء ، متقاضيا عن هنات الفقهاء ؛ وآخر ~~ولايته مدينة غرناطة : استقضاه عليها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ~~. PageV01P097 ومن المرسوم له عند ذلك ما نصه : وبعد ، فإنا قد فرغناك برهة ~~من الدهر لشأنك ، وأرسلنا على وجهه الترفيه زمانا من عنانك ؛ وحين علمنا ~~أنك قد أخذت لحظك من الإجماع ، ودار بتودعك وراحتك دور الأيام ، خيرناك ~~لخطة القضاء ثانية بزمانك ، وأعدناك إلى سيرتك الأولى من لزامك ؛ وقلدناك ~~بعد استخارة القضاء بين أهل غرناطة وأعمالها أمنهم الله وحرسها ! للثقة ~~المكينة بإيمانك ، والمعرفة الثاقبة بمكانك ؛ فتقلد معانا مسددا ما قلدناك ~~، وانهض نهوض مستقل بما حملناك ؛ وتلق ذلك بانشراح من صدرك ، وانبساط من ~~نفسك وفكرك ، وقم في الخطبة مقام مثلك ممن استحكمت سنه ورجح حلمه ، وكفه عن ~~التهافت ورعه وعلمه . وليس هذه بأول ولايتك لها ، فنبتدئ بوصيتك ونعيد ، ~~ونأخذ بالقيام بحقها العهد الموفق السديد ؛ بل ، قد سلفت فيه أيامك ، وشكر ~~فيها مقامك ، واستمرت على سنن الهدى أحكامك ؛ فذلك الشرط عليك مكتوب ، وأنت ~~بمثله من إقامة الحق مطلوب . وإنا على ما نعلمه من جميل نظرك ، واعتدال ~~سيرك ، لم نر أن نقفل توصيتك بحكام الأنظار القاصية عنك ، والقريبة منك ؛ ~~فلا ms098 تنصر فيها إلا من كثر الثناء عليه ، وأشير بالثقة إليه . ولتكن رقيبا ~~على أعمالهم ، وسائلا عن أحوالهم ؛ فنم بطئ به سعيه ، وساء فيما تولاه نظره ~~ورأيه ، أظهرت سخطته ، وأعلنت في الناس جرحته . فذلك يعدل جانب سواه ، ~~ويشربه النصيحة فيما يتولاه ! وتأريخ هذا المكتوب أوائل شهر رمضان المعظم ~~الذي من عام 524 . # | ذكر القاضي أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد # ومنهم محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد . ذكره ابن بشكوال فقال : قاضي ~~الجماعة بقرطبة ، وصاحب الصلاة بالمسجد الجامع بها ؛ يكنى أبا الوليد . روى ~~عن أبي جعفر أحمد ابن رزق ، وتفقه معه ، وعن أبي مروان بن سراج ، وأبي عبد ~~الله محمد بن خيرة ، وأبي عبد الله محمد بن فرج ، وأبي علي الغساني ؛ وأجاز ~~له أبو العباس العذري ما رواه . وكان فقيها عالما ، حافظا للفقه ، مقدما ~~فيه على جميع أهل عصرهن عارفا للفتوى على مذهب مالك وأصحابه ، بصيرا ~~بأقوالهم واتفاقهم واختلافهم ، نافذا في علم الفرائض والأحوال ، من أهل ~~PageV01P098 الرياسة في العلم والبراعة والفهم ، مع الدين والفضل والوقار ~~والحلم ، والسمت الحسن ، والهدى الصالح . سمعت الفقيه أبا مروان عبد الحكم ~~بن مسرة يقول : شاهدت شيخنا القاضي أبا الوليد يصوم يوم الجمعة في الحضر ~~والسفر . ومن تواليفه كتاب المقدمات لأوائل كتاب المدونة وكتاب البيان ~~والتحصيل ، لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل ، واختصار المبسوطة ، ~~واختصار مشكل الآثار للطحاوي ، إلى غير ذلك من تواليفه ؛ سمعنا عليه بعضها ~~، وأجاز لنا سائرها . وتقلد القضاء بقرطبة ، وسار فيه بأحسن سيرة ، وأقوم ~~طريقة . ثم استعفى عنه ؛ فأعفى ، ونشر كتبه وتواليفه ، ومسائله وتصانيفه . ~~وكان الناس يلجؤون إليه ، ويعولون في مهماتهم عليه . وكان حسن الخلق ، سهل ~~اللقاء ، كثير النفع لخاصته وأصحابه ، جميل العشرة لهم ، حافظا لعهدهم ، ~~كثير البر بهم . وتوفي عفا الله عنه ! ليلة الأحد الحادي عشر من ذي القعدة ~~سنة 520 ؛ ودفن عشي يوم الأحد بمقبرة العباس ؛ وصلى عليه ابنه أبو القاسم ، ~~وشهده جمع عظيم من الناس . وكان الثناء عليه حسنا جميلا . ومولده في شوال ~~سنة 450 . وقد كان أيام حياته ms099 توجه إلى المغرب ، إثر الكائنة التي كانت بين ~~المسلمين والنصارى بالموضع المعروف بالرنيسول ، وذلك منتصف شهر صفر عام 520 ~~. فاستخار القاضي أبو الوليد في النهوض إلى المغرب ؛ مبينا على أمير ~~المسلمين علي بن يوسف بن تأشفين بالجزيرة عليه . فوصل إليه ؛ فلقيه أكرم ~~لقاء ، وبقي عنده أبر بقاء ، حتى استوعب في مجالس عدة إبراد ما أزعجه إليه ~~، وتبيين ما أوفده عليه ، فاعتقد ما قدره لديه ، والفصل عنه ، وعاد إلى ~~قرطبة ؛ فوصلها آخر جمادى الأولى من السنة المذكورة . وعلى إثر ذلك أصابته ~~العلة التي أضجعته ، إلى أن أفضت به إلى قضاء نحبه ، ولقاء المرتقب من ~~محتوم لقاء ربه . وتبارى الأدباء والشعراء في تأبينه ، وحق لهم ذلك رضي ~~الله عنه وأرضاه | PageV01P099 ! # | ذكر القاضي محمد بن سليمان الأنصاري المالقي # ومن القضاة ، أبو عبد الله محمد بن سليمان بن خليفة بن عبد الواحد ~~الأنصاري ، ومن أهل مالقة ، وجلة علمائها . ولي القضاء ببلده مدة طويلة ؛ ~~فسار فيه بأجمل سيرة من العدالة والنزاهة ؛ وكان في مذهبه صلبا ، ورعا ، ~~زاهدا ، متفننا ، أدبيا ؛ وله على كتاب الموطأ شرح كبير حسن فقيد ، روى على ~~القاضي أبي الوليد الباجي ، وابن عتاب ، وابن شماخ وغيرهم . ذكره ابن عسكر ~~في كتابه ؛ ثم قال : ومن شعره : كان الزمان وكان الناس أشبهه . . . فاليوم ~~فوضى فلا دهر ولا ناس أسافل قد علت لم تعل من كرم . . . ومشرقات الأعالي ~~منه أنكاس ومعنى هذين البيتين ينظر إلى قول لبيد بن ربيعة في بيتيه أيضا : ~~ذهب الذين يعاش في أكنافهم . . . وبقيت في خلف كجلد الأجرب يتأكلون مذمة ~~وخيانة . . . ويعاب قاتلهم وإن لم يشغب وكان قعود القاضي أبي عبد الله ~~المذكور ، لتنفيذ الأحكام ، بالمسجد المذكور له من داخل مالقة ، بإزاء قبر ~~كان قد حفره بالزيادة هنالك ، وأعده لنفسه ؛ وفيه دفن . وذلك صدر جمادى ~~الأولى من سنة 500 رحمه الله وأرضاه ! وذكره خلف بن عبد الملك ابن بشكوال ~~في صلته ؛ وأثنى عليه هو وغيره . # | ذكر القاضي محمد بن عبد الله بن حسن المالقي # ومنهم محمد بن عبد الله بن حسن بن ms100 عيسى المالقي ، يكنى أبا عبد الله . ~~أخذ عن أهل بلده ، وألف كتابا حسنا في الزهد ، سماه المؤنس في الوحدة ، ~~والموقظ من سنة الغفلة . ولي قضاء غرناطة بعد القاضي أبي سعيد ، وذلك سنة ~~515 وكان على الهمة ، PageV01P100 شريف النفس ، موفور الحظ من العلم ، عدلا ~~، نزيها ، سريا ، فاضلا ، جليلا ، بارع الأدب . توفي سنة 519 . ذكره ابن ~~عسكر ، وأثنى على تأليفه المذكور . وذكره ابن الزبير وابن عبد الملك . # | ذكر القاضي أبي الفضل عياض اليحصبي # ومن القضاة بغرناطة ، في حدود 530 ، عياض بن موسى بن عياض اليحصبي من أهل ~~سبتة . وذكره في صلته خلف بن عبد الملك بن شكوال ؛ فقال فيه : يكنى أبا ~~الفضل . قدم الأندلس طالبا للعلم ؛ فأخذه بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله ~~محمد ابن علي بن حمدين ، وأبي الحسين سراج بن عبد الملك بن سراج ، وعن ~~شيخنا أبي محمد ابن عتاب وغيرهم . أجاز له أبو علي الغساني ما رواه . وأخذ ~~بالشرق عن القاضي أبي علي حسن بن محمد الصدفي كثيرا ، وعن غيره ؛ وعني ~~بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم ؛ وجمع من الحديث كثيرا . وله عناية كبيرة به ، ~~واهتمام بجمعه وتقييده . وهو من أهل اليقين في العلم والذكاء واليقظة ~~والفهم . واستقضى ببلده مدة طويلة ؛ فحمدت سيرته فيها . ثم تولى عنها إلى ~~قضاء غرناطة ؛ فلم يطل أمده بها وقدم علينا قرطبة في ربيع الآخر سنة 531 ، ~~وأخذنا عنه بعض ما عنده . وسمعته يقول : سمعت القاضي أبا علي حسن بن محمد ~~الصدفي يقول : سمعت الإمام أبا محمد التميمي ببغداد يقول : ما لكم تأخذون ~~العلم عنا وتستفيدونه منا ؟ ثم لا تترحمون علينا ! فرحم الله جميع من أخذنا ~~عنه من شيوخنا وغيرهم ! ثم كتب إلى القاضي أبي الفضل بخطه يذكر أنه ولد في ~~منتصف شعبان من سنة 476 . وتوفي رحمه الله بمراكش ، مغربا عن وطنه ، وسط ~~سنة 544 . قلت : وسكن القاضي أبو الفضل بمالقة مدة ، وتمول بها أملاكا ، ~~وأصله من مدينة بسطة . ذكر ذلك حفيده في الجزء الذي صنفه في التعريف به ~~وبتواليفه وبعض أخباره وخطبه تغمدنا الله ms101 وأياه برحمه PageV01P101 ! # | ذكر عيسى بن الملجوم قاضي فاس # ومن القضاة ، عيسى بن يوسف بن عيسى الأزدى ، من أهل مدينة فاس ، وجلة ~~أعيانها ، يكنى أبا موسى ، ويعرف بابن الملجوم . رحل إلى قرطبة عام 475 ؛ ~~فأخذ بها عن أبي علي الغساني ، وأبي عبد الله بن فرج بن الطلاع ، وأبي بكر ~~حازم . وكر راجعا إلى بلده ؛ فولى القضاء به . وكان فقيها نزيها ، عدلا ، ~~جزلا . وبقي قاضيا إلى أن توفي في شهر رجب عام 543 . ذكره ابن الزبير وابن ~~عبد الملك . # | ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن الحاج # ومنهم ، محمد بن أحمد بن خلف بن إبراهيم التجيبي ، المعروف بابن الحاج ، ~~قاضي الجماعة بقرطبة ؛ يكنى أبا عبد الله . روى عن أبي جعفر أحمد بن زرق ~~الفقيه ، وتفقه عنده ؛ وقيد الغريب واللغة والأدب عن أبي مروان عبد الملك ~~بن سراج ، وسمع من أبي عبد الله محمد بن فرج الفقيه ، ومن أبي علي الغساني ~~وغيرهم . وكان من جلة الفقهاء ، وكبار العلماء ، معدودا في المحدثين ~~والأدباء ، بصيرا بالفتيا ، راسما في الشورى ؛ وكانت الفتوى في وقته تدور ~~عليه ، لمعرفته ، وثقته ، وديانته . وكان معتنيا بالحديث والآثار ، جامعا ~~لها ، مقيدا لما أشكل من معانيها ، ضابطا لأسماء رجالها ورواتها ، ذاكرا ~~للغريب والأنساب واللغة والإعراب ، وعالما بمعاني الأشعار والسير والأخبار ~~. قال ابن بشكوال : قيد العلم عمره كله ، وعنى به عناية كاملة : ما أعلم ~~أحدا في وقته عني كعنايته . قرأت عليه ، وسمعت ، وأجاز لي بخطه . وكان له ~~مجلس بالجامع بقرطبة ، يسمع الناس فيه . وتقلد القضاء بقرطبة مرتين وكان في ~~ذاته لينا ، صابرا ، طاهرا ، حليما ، متواضعا ، لم يحفظ له جور في قضية ، ~~ولا ميل بهواة ، ولا إصغاء إلى عناية . وكان كثير الخشوع والذكر لله تعالى ~~. ولم يزل ، آخر عمره ، يتولى القضاء بقرطبة ، إلى أن قتل ظلما بالمسجد ~~الجامع بقرطبة ، يوم الجمعة ، وهو ساجد لأربع بقين من صفر من سنة 529 . ~~ومولده في صفر سنة 458 . وكتابه من نوازل الأحكام ، المتداول لهذا العهد ~~بأيدي الناس ، من الدلائل على تقدمه في المعارف وبراعته تغمدنا وإياه ~~برحمته ms102 ! PageV01P102 # | ذكر القاضي أبي القاسم بن حمدين # ومن صدور القضاة ، أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن عبد العزيز بن حمدين ~~التغلبي ، قاضي الجماعة بقرطبة . ذكره ابن بشكوال في كتابه ، فقال فيه : ~~يكنى أبا القاسم . أخذ عن أبيه ، وتفقه عنده ، وسمع من أبي عبد الله محمد ~~بن فرج ، وأبي علي الغساني ، وأبي القاسم بن مدين المقرئ ، وغيرهم . وتقلد ~~القضاء بقرطبة مرتين . وكان نافذا في أحكامه ، جزلا في أفعاله ، وهو من بيت ~~علم ، ودين ، وفضل ، وجلالة . ولم يزل يتولى القضاء بقرطبة إلى أن توفي عشي ~~يوم الأربعاء ، ودفن يوم الخميس لتسع بقين من ربيع الآخر سنة 521 ، وصلى ~~عليه ابنه أبو عبد الله . # | ذكر القاضي حمدين بن حمدين # ومنهم حمدين بن محمد بن حمدين التغلبي . قال عنه صاحب الذيل : ولى القضاء ~~ببلده ، بعد أبي عبد الله بن الحاج الشهيد ، في شعبان سنة 529 . وكان مقتل ~~ابن الحاج في الركعة الأولى من صلاة الجمعة . ثم صرف ابن حمدين بأبي القاسم ~~بن رشد سنة 532 . واستعفى ابن رشد ، فأعفى ، وأعيد هو ثانية . ثم صرفت إليه ~~الرياسة ، عند اختلال أمر المرابطين ، وقيام ابن قسي عليهم بغرب الأندلس ، ~~وهو على قضاء قرطبة . ودعى له بالإمارة ، يوم الخميس الخامس من رمضان سنة ~~539 ، وتسمى بأمير المسلمين المنصور بالله . ويقال إن ولايته كانت أربعة ~~عشر شهرا . وتعاورته المحن . فخرج إلى العدوة الغريبة ، في قصص طويلة . ~~وأقام هنالك وقتا . ثم رحل إلى الأندلس ؛ فاستقر منها بمالقة . ومن أسباب ~~انحياشه إليها ، المواصلة القديمة التي كانت بين سلفه ، وبين بني الحسن من ~~أهلها ؛ فأقام بها إلى أن توفي عفا الله عنا وعنه ! وذكره ابن الزبير ، في ~~باب أحمد من حرف الألف ، وقال فيه ما حاصله : روى PageV01P103 عن سلفه ، ~~وأهل بلده ؛ وولي قضاء الجماعة . وكان ذا رواية ، ودراية ، وعناية بالعلم . ~~وبويع له . فما استقامت له حال ، ولا رضى منه ذلك الانتحال ، إلى أن استقر ~~بمالقة تحت إيالة غيره ؛ فتوفي بها سنة 547 . وبعد وفاته أخرج من قبره ، ~~وصلب في اثنى عشر ms103 رجلا من أصحابه . وسماه أبو عبد الله بن عسكر في تأريخه ، ~~وذكر نبذا من أخباره ، وأنه كان يحدث في صغره ، بما يؤول إليه أمره في كبره ~~. ووصف كيفية إخراجه من قبره ، وصلبه بمالقة ، إثر الاستيلاء على رئيسها ~~أبي الحكم بن حسون وقتله ، وإنه لم يكن له عقب ، وبقي عقب أخيه . قال ~~المؤلف أبقى الله بركته ! وعند الفتنة الأشقيلولية ، انتقل من بقى من بني ~~حمدين من مالقة ، فاستقروا بمدينة سلا من العدوة الغربية حاطها الله تعالى ~~! وأعقابهم بها حتى الآن ، تحت عناية ورعاية . فسبحان مدبر الأمور ، ومداول ~~الأيام والشهور ! # | ذكر القاضي أبي محمد عبد الله الوحيدي # ومنهم ، الشيخ أبو محمد عبد الله بن عمر بن أحمد الوحيدي ، أحد أعلام ~~زمانه جلالة ، وجزالة ، ونباهة ، ووجاهة ، ولي القضاء برية سنة 531 ، فقام ~~بأعبائه أجمل قيام ، فذهب إلى انتقاء الشهود ، والتسوية في الأحكام بين ~~الشريف والمشروف ، وأخذ في تجديد ما كان قد درس من رسم الأحباس ، وتحفظ من ~~جميع الناس . واستمرت ولايته مدة من نحو ثمانية عشر عاما . ثم استشعر من ~~نفسه قصور ملالة ، وفتور شاخة ؛ فآلى إلى الزهادة ، وقبض يده عن أخذ ~~الجراية المتعادة لأمثاله من القضاة ، وأكثر من الإفصاح بالإستعفاء ، فترك ~~لشأنه ، وسمع منه قوله يخاطب أحد طلبته : صن الكتاب ولا تجعله منديلا . . . ~~ولا يكن صونه للدرس تعطيلا وسل فقيهك فيما أنت جاهله . . . فربما كنت بعد ~~اليوم مسؤولا وله ، يراجع الخطيب ابن أبي العيش ، وقد تكلم معه في خصومه ~~أحد اللائذين به : PageV01P104 وهبك الله وأياي من نعمة السوابغ الضوافي ! ~~وأوردك من نسمة العذاب الصوافي ! ولا زلت بصيرا بمكايد الناس ، خبيرا بظاء ~~خدعهم ، ولو كنت في الكناس ! فإنهم ، كما تدريهم ، يريشهم الباطل ويريهم ، ~~والعاقل يعظهم ولا يغريهم . ومثلك من الإخوان ، ممن علم تلون الزمان ، وعرف ~~سير العجم والعرب ، ولم يغب عنه الفرق بين السمع والضرب . لا سيما والدنيا ~~الآن قد صارت مكشوفة ، وأخلاق أهلها مفصوحة معروفة ، فهناك وجب أن يعذر ~~المرء أخاه ، وينصر ما قصده من وهيه وتوخاه ، والولى تكفيه الإشارة ، وإن ~~قصرت ms104 عن الغرض المطلوب العبارة ، ولقد أقسم ما رفع إلى ذلك الحضم شاهدا ~~بدعواه ، ولا أخا ارتدع عن المسارعة إلى ما قاده إليه هواه . وبالجملة ~~فإنما هو دهر ملامات وشؤوم وابتداء عورة ولدود خصوم ، وقد رفعت ، أيها الأخ ~~الأمر ، إلى الذي طال في مثل هذا العمل العمر ؛ فهو سبحانه يقضى بالحق ، ~~ويمضي حكمه على جميع الخلق ، لا إله إلا هو ! والسلام . وأكثر أخذه عن ~~القاضيين أبي الوليد الباجي ، وأبي المطرف الشعبي . توفي بعد انقطاعه ~~للعبادة ، وإيثار الزهادة ، ودفن بمسجد حكمه ، المنسوب له إلى هذا العهد ، ~~من داخل سور مالقة . ومشى أمير وطنه في جنازته على رجله ، وذلك سنة 542 . # | ذكر القاضي أبي بكر بن العربي المعافري # ومن القضاة بإشبيلية ، محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد ~~العربي المعافري ، المكنى بأبي بكر ، من أهلها . رحل إلى المشرق سنة 485 ، ~~فدخل الشأم ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشي ، وتفقه عنده . ورحل ~~إلى الحجاز في موسم سنة 489 ودخل بغداد مرتين ، وصحب أبا بكر الشاشي ، وأبا ~~حامد الطوسي الغزالي ، وغيرهما من العلماء والأدباء ، وأخذ عنهم . ثم صدر ~~عن بغداد ، ولقي بمصر والإسكندرية جماعة . ثم عاد إلى الأندلس سنة 493 . ~~وكان من أهل التفنن في العلوم ، متقدما في المعارف كلها ، متكلما في ~~أنواعها ، حريصا على نشرها . استقضى بمدينة إشبيلية ؛ فقام بها أجمل قيام . ~~PageV01P105 وكان من أهل السرابة في الحق ، والشدة ، والقوة على الظالمين ، ~~والرفق بالمساكين . ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثه . قال ~~المحدث أبو القاسم خلف بن عبد الملك : قرأت عليه بإشبيلية ؛ وسألته عن ~~مولده ؛ فقال لي : ولدت ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة 468 . وتوفي ~~رحمه الله ! بالعدوة . ودفن بمدينة فاس في ربيع الآخر سنة 543 . وفي تكملة ~~المحدث أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن الأبار ، عن أبي عبد الله بن ~~مجاهد الاشبيلي الزاهد العابد ، أنه لازم القاضي أبا بكر بن العربي نحو ~~ثلاثة أشهر ، ثم تخلف عنه . فقيل له في ذلك ms105 ؛ فقال : كان يدرس ، وبغلته عند ~~الباب ، ينتظر الركوب إلى السلطان . وذكره الأستاذ أبو جعفر أحمد بن ~~إبراهيم بن الزبير في صلته وقال فيه : رحل مع أبيه أبي محمد ، عند انقراض ~~الدولة العبادية ، إلى الحج سنة 485 ؛ وسنة إذ ذاك نحو سبعة عشر عاما . ~~فلقي شيوخ مصر وعدد لنا أناسا . ثم قال : وقيد الحديث ، وضبط ما روى ، ~~واتسع في الرواية ، وتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام على أيمة هذا الشأن ~~. وعاد إلى بغداد بعد دخولها ، وانصرف إلى مصر ؛ فأقام بالإسكندرية ؛ فمات ~~أبوه بها ، أول سنة 493 . ثم انصرف إلى الأندلس ؛ فسكن بلده إشبيلية ؛ ~~وشوور فيه ، وسمع ، ودرس الفقه والأصول ، وجلس للوعظ والتفسير ، وصنف في ~~غير فن تسانيف مليحة حسنة ، مفيدة . وولى القضاء مدة ، أولها رجب من سنة ~~538 ؛ فنفع الله لصرامته ، ونفوذ أحكامه . والتزم الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ، حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله ؛ فأحسن الصبر على ذلك كله . ثم ~~صرف من القضاء ، وأقبل على نشر العلم وبثه . وكان فصيحا ، حافظا ، أديبا ، ~~شاعرا ، كثير الملح ، مليح المجلس . ثم قال : قال القاضي أبو الفضل عياض بن ~~موسى وقد وصفه بما ذكرته ثم قال : ولكثرة حديثه وأخباره ، وغريب حكاياته ~~ورواياته ، أكثر الناس فيه الكلام ؛ وطعنوا في حديثه . وتوفي منصرفه من ~~مراكش ؛ من الوجهة التي توجه منها مع أهل بلده إلى الحضرة ؛ بعد دخول مدينة ~~إشبيلية ؛ فحبسوه بمراكش نحو عام ؛ ثم سرحوه ؛ فأدركته منيته بطريقه على ~~مقبرة من فاس بمرحلة ؛ وحمل ميتا إلى مدينة PageV01P106 فاس . فدفن بها ~~بباب الجيسة . قال : وروى عنه الجم الغفير ؛ فمن جملة من روى عنه ، من ~~علماء المائة الخامسة ، القاضي أبو الفضل عياض بن موسى ، وأبو جعفر بن ~~الباذش ، وطائفة . والصحيح في القاضي أبي بكر أنه إنما دفن خارج باب ~~المحروق من فاس ؛ وما وقع من دفنه بباب الجيسة وهم من ابن الزبير وغلط . ~~وقد زرناه وشاهدنا قبره بحيث ذكرناه أرضاه الله وغفر لنا وله ! # | ذكر القاضي أبي المطرف عبد الرحمن الشعبي # ومنهم الفقيه الحافظ أبو المطرف عبد الرحمن ms106 بن قاسم الشعبي المالقي . ولي ~~القضاء ببلده نيابة ، ثم استقلالا . وكان عالما ، متفننا ، بصيرا بالنوازل ~~، حافظا للمسائل ؛ وعليه كانت الفتيا تدور بقطره ، أيام حياته ، وجرت بينه ~~وبين القاضي أبي بكر بن العربي ، عند اجتيازه على مالقة ، مناظرات في ضروب ~~من العلوم . وكانت له في الأقضية مذاهب من الاجتهاد ، لم تكن لغيره من أهل ~~طبقته ، ولا سيما فيما يرجع إلى راوية أشهب ؛ ونظره من ذلك أنه كان يقول في ~~اللصوص المحاربين ، إذا أخذوا ومعهم أموال ؛ فجاء قوم يدعون ملك الأموال ، ~~وليست لهم بينة ، إن القول قولهم في أن المال لهم بعد الاستيناء قليلا . ~~وروجع في ذلك فقال : المروى عن مالك أنه قال : يقبل قولهم على اللصوص ، ~~ودعواهم بغير بينة . وما أعطاهم مالك ذلك ، إلا بسيئة الحال التي عليهم من ~~أنفسهم بالفساد ؛ فكانت حالهم السيئة في السعي في الأرض ، بغير الحق بينة ~~عليهم . وكذلك كان يقول في الظالم المعروف بأخذ أموال الناس ، واستباحتها ~~لغير حق ؛ ويردد قول عمر بن عبد العزيز : تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا ~~من الفجور ، ولا فجور أعظم من الظلم والتسلط على أموال الناس وأبشارهم بغير ~~الحق ؛ وقد جعل الله عليهم بذلك السبيل فقال : ' إنما السبيل على الذين ~~يظلمون الناس ، ويبغون في الأرض بغير الحق ' . فإذا كان للمظلوم سبيل ، ~~فالقول قوله وعلى المدعى عليه ؛ فإن البينة في لسان العرب مشتقة من البيان ~~، فكيفما تبين الأمر ، فهو بينة كله ، PageV01P107 فظلم الظالم بينة عليه . ~~ألا ترى أن مدعى اللقطة إنما بينته الوصف للعفاص والوكاء ؟ ورب رمية من غير ~~رام ؟ وإرخاء الستور بينة ، يجب بها للمرأة أخذ صداقها ، وتصدق في دعواها ؛ ~~فقد صار الستر بينة لها ؛ فظلم الظالم يدعى عليه بعد عزله مقبول عليه من ~~مدعيه ، لأن ظلمه شاهد بما يدعى عليه ، كما كانت معرفة العفاص والوكاء ~~شاهدا لوصفها ، والستر شاهد للمرأة . وقد مر طرف من الكلام عند ذكر زياد بن ~~عبد الرحمن من هذا الكتاب على الغاصب والمغصوب . وكان يحكم في الرجل يريد ~~أن ينتقل عن الأندلس بعياله ، إلى غيرها ms107 من عدوة البحر ، فتأبى زوجته ~~الخروج معه ، لمكان البحر ، وشدته على ركوبه ؛ بأن له أن يخرجها ، ويسيرها ~~حيث شاء ، إذا كان مأمونا في غيبته عليها . وكذلك كان يقول في الأب ، إذا ~~أراد أن يرتحل إلى بلده ليسكن فيه ، فله أخذ بنيه ، ولا يكلف بينة أنه قد ~~استوطن وسكن مدة ، لأنه لو تمكن أن يكلف الرجل ذلك فيها قرب ، لم يتكلف ~~فيما بعد : فقد يريد أن يرتحل من الأندلس إلى مكة أو مصر أو خراسان ، وهذا ~~مالا يستطاع إلا بذهاب المدد المتطاولة . وقد ذكر ابن الهندي في هذه ~~المسألة وقال ما حاصله : فيجب على النظر أن يكون القول قوله في الانتقال ~~للسكنى وفي الموضع الذي يريد أن يتخذه موطنا ، مع يمينه على ذلك . والذي ~~عليه العمل طلب الحاضن ، أبا كان أو غيره ، ثبوت الانتقال بماله ، واستمرار ~~استيطانه في البلد الذي ارتحل إليه . وذكر ابن مغيث أن أقل مدة الاستيطان ~~ستة أشهر ، وليس للأب فيما دونها أخذ الولد . ويذكر عن الفقيه أبي المطرف ~~أنه كان يستحضر كتابي الموطأ والمدونة عن ظهر قلب حرفا حرفا ونصا نصا . وله ~~مجموع نبيل في نوازل الأحكام ، يقرب من مفيد ابن هشام ، إلى جملة تقاييد في ~~مسائل . وتوفي في رجب سنة 499 . PageV01P108 # | ذكر القاضي عبد الحق بن غالب بن عطية # ومنهم القاضي عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي ، من أهل ~~غرناطة ، يكنى أبا محمد ، أحد القضاة بالبلاد الأندلسية ، وصدور رجالها . ~~وبيته بيت علم ، وفضل ، وكرم ، ونبل . وكان هذا القاضي رحمه الله ! فقيها ، ~~نبيها ، عارفا بالأحكام والحديث والتفسير ، أديبا بارعا ، شاعرا ، لغويا ~~ضابطا ، مقيدا . ولي القضاء بمدينة المرية في شهر المحرم عام 529 . وألف ~~كتابه المسمى ب الوجيز في التفسير ؛ فجاء من أحسن تأليف وأبدع تصنيف . ذكره ~~الأستاذ أبو جعفر بن الزبير في كتابه ، وأثنى عليه ؛ ثم قال : مولده سنة ~~481 . وتوفي في الخامس والعشرين لرمضان سنة 541 بمدينة لورقة : قصد مرسية ~~مولى ، قضاءها ؛ فصد عن دخولها ، وصرف منها إلى لورقة ، اعتداء عليه ؛ ~~فتوفي ms108 بها رحمه الله ! # | ذكر القاضي محمد بن سماك العاملي # ومنهم محمد بن عبد الله بن أحمد بن سماك العاملي ، يكنى أبا عبد الله . ~~أصل سلفه من مالقة ، من بيت نباهة وجلالة . وهو أول من ولي القضاء للموحدين ~~بغرناطة . ذكره الملاحي ، وقال فيه ما حاصله : إنه كان فقيها جليلا ، ذاكرا ~~للمسائل ، عارفا بالأحكام ، مسدد الأغراض . وذكره ابن عسكر ، وتكلم في ~~المنازعة التي وقعت بينه وبين حسون ، وأنه خرج بسببهم فارا إلى غرناطة ؛ ثم ~~جاز إلى مراكش ، في أول أمر الموحدين ؛ فسكن بها . ومنها ولي قضاء غرناطة . ~~وولي قضاء مالقة أيضا . وذكر الأستاذ ابن الزبير ، وأخبر عن أبيه أبي محمد ~~أنه ولي قضاء غرناطة سنة 537 . PageV01P109 # | ذكر القاضي عبد المنعم بن الفرس # ومن القضاة بمدينة غرناطة ، عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي ، ~~المعروف بابن الفرس . ولي القضاء بجزيرة شقر ، وبمدينة وادي آش ؛ ثم بجيان ~~؛ ثم بغرناطة . ثم عزل عنها . ثم وليها الولاية التي كان من مضمن ظهيره بها ~~قول المنصور له : أقول لك ما قاله موسى عليه السلام ! لأخيه هارون : اخلفني ~~في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين . وجعل إليه النظر في الحسبة والشرطة ~~وغير ذلك ، وقام بالجموع كلها أحسن قيام . وألف عدة تواليف ، منها كتاب ~~الأحكام . ذكره الأستاذ أبو جعفر بن الزبير وقال : مولده سنة 524 . وتوفي ~~عصر يوم الأحد الرابع من جمادى الأولى سنة 597 . ودفن في عصر يوم الاثنين ~~بباب إلبيرة ؛ وازدحم الناس على نعشه حتى حملوه بالأكف رحمه الله ! # | ذكر القاضي الحسن بن هاني اللخمي # ومنهم الحسن بن عبد الرحمن بن قاسم اللخمي ، من أهل غرناطة ، وذوي بيوتها ~~المعروفة بالعلم والفضل . قال فيه الملاحي ما حاصله ، إنه روى عن غالب بن ~~عطية ، وأبي الحسن بن الباذش ، وأبي محمد بن عتاب ، وأبي الوليد بن رشد . ~~وكان من أهل التقدم في النحو والأدب ، بارع الخط . ولي القضاء ببلده سنة ~~541 . وتوفي في جمادى الأولى سنة 562 . ذكره ابن الزبير وغيره . # | ذكر القاضي أبي بكر محمد بن أبي زمنين ms109 # ومنهم محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي زمنين المري الإلبيري ، يكنى أبا ~~بكر . وهو من بيت محمد بن عبد الملك بن أبي زمنين الزاهد العابد ، المصنف ~~في الفقه وغيره . ولي قضاء PageV01P110 مالقة في سنة 592 . وكان في قضائه ~~عدلا ، مهيبا ، جزلا ، فإذا انفصل من مجلس الحكم ، صار من ألين الناس جانبا ~~، وأحسنهم خلقا ، وأكثرهم تواضعا ، وكان محدثا جليلا فاضلا ؛ أخذ عن جماعة ~~منهم أبو مروان بن قزمان ، وأبو علي بن سهل الخشني ، وابن محرز ، وابن ~~النعمة ؛ ومن أهل المشرق عن السلفي ، والعثماني ، وابن عوف ، وغيرهم . وقد ~~كان ولي القضاء قبل مالقة بجهات شتى من الأندلس ، منها برجة ؛ فكان ينشد ، ~~إذا ذكرها أو شاهد أحدا من هلها . إذا جئت برجه مستطلعا . . . فحط بها ~~الرحل وأنس السفر ولا تبغ منها خروجا ولا . . . دخولا إليها فذاك الحذر فكل ~~مكان بها جنة . . . وكل طريق إليها سقر وتوفي القاضي أبو بكر رحمه الله ! ~~بغرناطة إثر انفصاله من مالقة ، وذلك في عام 602 . # | ذكر القاضي ابن رشد الحفيد # ومن القضاة بقرطبة ، محمد بن أبي القاسم أحمد بن أبي الوليد محمد بن أحمد ~~بن رشد ، يكنى أبا الوليد . وهو حفيد أبي الوليد قاضي الجماعة بقرطبة ، ~~صاحب كتاب البيان والتحصيل . كان من أهل العلم والتفنن في المعارف . قال ~~ابن الربير : أخذ الناس عنه ، واعتمدوا عليه ، إلى أن شاع عنه ما كان ~~الغالب عليه في علومه من اختيار العلوم القديمة ، والركون إليها . ثم قال : ~~فترك الناس الأخذ عنه ، وتكلموا ، وممن جاهده بالمنافرة والمجاهرة ، القاضي ~~أبو عامر يحيى بن أبي الحسن بن ربيع ، وبنوه . وامتحن بسبب ذلك . ومن الناس ~~من تعامى عن حاله ، وتأول مرتكبه في انتحاله . وتوفي حدود سنة 598 . ومن ~~تواليفه كتاب البداية والنهاية ، وكتاب مناهج الأدلة في الكشف عن عقائد ~~الملة ، وشرح الحمدانية في الأصول ، والكليات في الطب ، وشرح رجز ابن سينا ~~، وكتاب فصل المقال ، فيما بين الفلسفة والشريعة من الاتصال وغير ذلك . ~~PageV01P111 # | ذكر القاضي أبي محمد عبد الله بن حوط الله الأنصاري # ومن صدور ms110 القضاة ، وأعلام الفقهاء ، الحافظ أبو محمد عبد الله بن سليمان ~~بن داوود بن عبد الرحمن بن حوط الله الأنصاري المالقي . كان رحمه الله ! ~~إماما في العلوم ، عارفا بالأحكام ، متقدما في علم الحديث ، وما يتعلق به ~~من التأريخ ، والأنساب ، وأسماء الرجال ، بصيرا بالأصول ، أديبا قاهرا ، ~~معتنيا بالرواية ، زاهدا ، فاضلا . ومن شعره : أتدري انك الخطاء حقا . . . ~~وانك بالذي تأتي رهين وتغتاب الورى فعلوا وقالوا . . . وذاك الظن والأثم ~~المبين ولي القضاء بكور كثيرة من الأندلس وغيرها ؛ فولى بإشبيلية ، وميورقة ~~، ومرسية ، وقرطبة ، وسبتة وسلا ؛ ثم عاد من سلا ، واليا قضاء مرسية ؛ ~~فتوفي بمدينة غرناطة في شهر ربيه الأول سنة 612 . فدفن بها . ثم نقل إلى ~~مالقة ؛ فدفن بجبانتها . وأخذ عنه عالم كثير . ذكره ابن خميس ، وابن الزبير ~~، وابن عبد الملك ، وغيرهم . # | ذكر القاضي محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن النباهي # ومن القضاة بالأندلس ، أيام الأمير محمد بن يوسف بن هود ، أبو عبد الله ~~محمد بن الحسن ابن محمد بن الحسن الجذامي النباهي . ذكره محمد بن خميس في ~~التكملة ؛ فقال فيه إنه كان من علية الفقهاء ، ونبهائهم ، ذكيا ، فطنا ، ~~بارع الخط ، كاتبا ، بليغا ، أديبا ، شاعرا مطبوعا ، عالي الهمة ، سني ~~المحل ، كثير الاتباع . ولي القضاء بمالقة في سنة 626 نحوا من أربع سنين ، ~~ثم إن أهل مالقة بغوا عليه ، وشنعوا عليه القيام على الأمير ابن هود ؛ فخرج ~~عن مالقة قاصدا لابن هود إلى إشبيلية ، ليعرفه بذلك ، ويطلب منه ~~PageV01P112 الإقالة ؛ فلقي أبا عبد الله الرميمي ، وزير ابن هود ، فرده عن ~~الطريق إلى مالقة ، ثم ذهب معه إلى غرناطة ، فأمسك بها في أحد أبراجها مدة ~~، ثم سرح بعد ذلك ، على شرط المقام هنالك . قال : وامتحن رحمه الله ! في ~~حياته كثيرا . وانتقم الله له ممن ظلمه وبقي عليه ؛ فكان في أمرهم عبرة ~~للمعتبرين ؛ فما منهم إلا من مات بالسيف والسوط ، ورأواهم في أنفسهم ، من ~~البلايا والمحن ، ما يقصر المعتبر عنه . فنسأل الله العافية ! ومن شعره ، ~~أيام اعتقاله بغرناطة ، يصف روضة ونهرا : أيا روضة تبدى نجوم أزاهر . . . ~~وتختال في ms111 ثوب من الحسن رائق لقد سال فيك النهر بيضا كأنها . . . بياض ~~الشيب في سواد المفارق إذا انساب ما بين الربيع تخاله . . . سنى البدر حسنا ~~أو وميض البوارق كأن أليل الماء إذ يخصم الحصى . . . مدافع محزون ورنات ~~عاشق وتوفي رحمه الله ! بغرناطة ، وسيق منها ميتا إلى مالقة ، ودفن بجبانة ~~جبل فاره ؛ وذلك عام 631 . وذكره القاضي أبو عبد الله بن عبد الملك ~~المراكشي في صلته . وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير عنه ، إنه أخذ عن أهل ~~بلده مالقة ، وتفقه بهم . وولي القضاء به . ثم إن أهل مالقة بغوا عليه ، ~~ونسبوا إليه ما أوجب خروجه عن مالقة . وتوفي بعد سنة 630 . وكان القاضي أبو ~~عبد الله بن الحسن جزلا في أحكامه ، رماء في تصرفاته ، غليظا على ولاة ~~الجور ، شديدا في ردع أهل الأهواء والأراء الفاسدة . ورامه ابن هود عندما ~~ولاه قضاء بلدته ، ا ، يصرف إليه أمانة كورتها ، حسبما كانت قبل ذلك ، لنظر ~~أبي علي القاضي ؛ فتمنع ، واستعفى ؛ فأعفاه من الأمانة . وتفرد بالقضاء ، ~~والنظر في الأحباس ؛ فصانها ، واسترجع ما كان منها قد ضاع ، أيام دول ~~الموحدين ، إلى الألقاب المخزنية ؛ وقدم لضبطها ، والشهادة فيها ، ووضعها ~~في أماكنها ، الفقيه المقرئ الورع أبا محمد عبد العظيم بن الشيخ ، وأجراها ~~على منهاج السداد . واستكتب أبا عبد الله بن علي ، المشتهر بابن عسكر ، ~~مؤلف الكتاب المسمى بالمشرع الروي ، في الزيادة على كتاب الهروي في غريبي ~~القرآن والحديث . ثم استنابه في بعض أعماله ، ورشح PageV01P113 من الفقهاء ~~كابن الشيخ المذكور ، وابن دحمان ، وابن ربيع ، وابن لب ، وأمثالهم . وتثبت ~~في الحكم ، وتحفظ في شهود زمانه ، وتعفف عن قبول تحف أقاربه ، فضلا عن ~~أجانبه . وكان قد انتهى هو وقومه ، برية ، من سعة الحال ، وكثرة المال ، ~~وتعدد الرجال ، إلى ما يشابه حالة آل حماد بن زيد بالعراق ، الذين منهم ~~القاضي إسماعيل بن إسحاق ؛ وكانوا قد بلغوا من تنوع الرباع ، وكثرة الضياع ~~والآلة والماشية والحرث ، إلى محل لا غاية لعهده من الثروة بالنسبة ~~لأمثالهم من أهل زمانهم ، حسبما نقلته الثقة عنهم . ولما استقل ابن ms112 الحسن ~~برياسة بلدته ، رشقته سهام حسدته ، وسلقته ألسنة تعديه ، ونسب إليه عداته ~~ما كان بريئا منه ، من القيام على ابن هود ؛ فاعتقل بغرناطة ، على ما تقدم ~~، واستخلصت ملاكه ، وسيرت للجانب السلطاني ؛ وعاثت أيدي الولاة في سائر ~~ماله ، وشملت النكبة جملة ناسه . وأخر أخوه عما كان يتولاه من القضاء ~~بالجزيرة الخضراء ، وابن عمه عن الجهة الغربية ؛ فاستقرا معا بمدينة سبتة . ~~وتعدت العلة إلى الفقية ابن عسكر كاتبه ؛ فأنزلته عن محله من الشورى ~~والنيابة ؛ وبقى رسم الأحكام الشرعية معطلا جملة . وخلا لعبد الله بن زنون ~~، أحد البغاة ، عن محمد بن الحسن ، الجو منه ومن قومه . قال ابن خميس في ~~كتابه : وبقي ابن زنون يشتغل بالطائفة الأخرى التي كانت معه على ابن الحسن ~~، إلى أن أفناهم واحدا بعد واحد ، بين النفي والقتل والسجن الطويل ؛ وبقى ~~البلد في حكمه ؛ فلم يكن ينفذ أمر من الأمور إلا بمشورته . وتمادى أمره إلى ~~أن هلك ابن هود ؛ فضبط هو البلد ، ورام المقام به ؛ فلما خالفت البلاد ~~ورجعت للأمير أبي عبد الله بن نصر ، فر ابن زنون ؛ فدرك في الطريق ، ~~وانتهبت دياره وديار قرابته ، ورد إلى مالقة ، ليخرج منها مالا أتهم أنه ~~كان عنده ؛ وما زال يتعاقب عليه بالضرب ، حتى مات . وقيل إنه تناول موسى ~~كانت لديه ؛ فذبح بها نفسه . نسأل الله العافية ! قال المؤلف أبقى الله ~~بركته ! ورب قائل يقول ، إذا وقف على ما تضمنه هذا المجموع ، من ذكر بني ~~الحسن المالقيين ، ونبذ أخبارهم : ما لهذا المصنف أطاق في ميدان القوم ~~عنانه ، وأدر من سماء فكره عنانه ، وأدمج طي كلامه مدح PageV01P114 قومه ، ~~وقطع في معرض الثناء عليهم سواد ليلته وبياض يومه ، حتى وقع في التشطيط ، ~~وأتى بالغريب من التخطيط ؟ ولو أخذ بالإمساك عن ذلك كله ، لكان من الأجمل ~~بمثله ! والجواب أني ما رسمت من أسمائهم ، إلا بعض ما علمت من أنبائهم ، ~~وأثبتته الأئمة في مصنفاتهم ، ودفاتر مروياتهم ؛ ومن داخله ريب في محصوله ، ~~فليحققه ، إن شاء من أصوله ! وبالجملة ، فإذا كان ذكر الأموات بالخير من ~~الأجانب ، فضلا عن ms113 الأقارب ، قد تعين شرعا ، واستحسن طبعا ، وتبين أنه على ~~الخير من آكد الحقوق ، وأن الإضراب عن إثباته في محله ضرب من العقوق ؛ فلا ~~لوم على مثلي ، في الإخبار عن قومه ، بما يدعو إلى الترحم على أمواتهم ، ~~ويبعث على الاعتبار في طوارق أوقاتهم ، والمحن التي أصيبوا بها أيام حياتهم ~~. ولو ذهبت إلى التعريف بجملة من يرجع إلى عمود نسبى في هذا الديوان ، وشرح ~~ما حدث لهم من النوازل في ماضي الزمان ، لخرجت عن الحد الذي قصدته من ~~الاختصار ؛ فلذلك اقتصرت من القول على هذا المقدار تجاوز الله عن الجميع ؛ ~~وختم لنا بخير ؛ وسار بنا في الطريق التي لا بد من سلوكها أوطا سير ، بمنه ~~وفضله ! # | ذكر القاضي محمد بن حسن بن صاحب الصلاة # ومن القضاة في المائة السابعة ، محمد بن حسن بن محمد بن صاحب الصلاة ~~الأنصاري المالقي ، من أهل العلم ، والعدل ، والدين ، والفضل ؛ له رحلة إلى ~~المشرق ، روى فيها عن أعلام أهل العلم ؛ ثم عاد إلى الأندلس ، فاستقضى ~~بالحصون الغربية من بلده ؛ فحمدت سيرته ، وشكرت طريقته . ثم ولي الصلاة ~~والخطبة بالمسجد الجامع داخل مالقة ، عن رغبة فيه ، واجتماع عليه . وكان ~~رجلا صالحا ، مزهدا ، كثير الحياء ؛ فاتفق له ، في أول عيد خطب فيه ، أن ~~افتتح التحميد ؛ فلما رمق الناس ببصره ، غلب عليه الخجل ، وضعفت قواه ، ~~وخانته رجلاه ، فقعد ؛ وأقيم غيره . وكان فقيها حافظا ، مقرئا ، متفننا . ~~واستشهد في وقعة العقاب ، الكائنة على المسلمين في أيام محمد بن يعقوب من ~~الموحدين ؛ وذلك يوم الاثنين الخامس عشر من شهر صفر سنة 609 . وذكر عنه من ~~الثبات ، والحض على حصول الشهادة ، والرغبة في المجاهدة ، ما دل على حسن ~~نيته ، PageV01P115 وصدق بغيته . وفي تلك الكائنة ، التي أفضت إلى خراب ~~الأندلس ، واستيلاء الروم على كثير من بلادها ، فقد الزاهد أبو عمر بن ~~هارون بن أحمد الشاطبى ابن عات ، صاحب كتاب الطرر على الوثائق المجموعة ، ~~مع طائفة كثيرة ، يطول تعدادهم ، من العلماء الفضلاء تغمدنا الله وإياهم ~~برحمته ! # | ذكر القاضي أبي الخطاب أحمد بن واجب القيسي # ومن القضاة أبو ms114 الخطاب أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن واجب القيسي . ~~ذكره المحدث أبو عبد الله بن الأبار ، وقال : حامل راية الرواية بشرق ~~الأندلس ، وآخر المحدثين المسندين . وعدد جملة وافرة من أشياخه . ثم قال : ~~فصار لا يعدل به أحد من أهل وقته عدالة ، وجلالة ، وسعة أسمعة ، وعلو إسناد ~~، وصحة قول وضبط إلى تقلب في العليا ، وتقلل من الدنيا ، مع رسوخ في الدين ~~والورع ، تخنقه العبرة للرقائق ، وتعلوه الخشية عند المواعظ . ولي القضاء ~~ببلنسية وشاطبة حقبا عدة ، وأوقاتا مختلفة . فما نقمت عليه سيرة ، ولا وقعت ~~به استرابة ، سوى حدة متعارفة منه . وذكره ابن عسكر ، وأخبر أنه أخذ عن أبي ~~الحسن بن هذيل ، وأبي مروان بن قزمان ، والقاضي أبي بكر بن العربي ، وأبي ~~الوليد بن الدباغ ، وغيرهم ؛ وقال إنه توفي بمراكش في رحلة إليها ، سنة 614 ~~. وذكره ابن الزبير فقال : كان رحمه الله ! على سنن المتقين ، من فضلاء ~~المحدثين ، وعدول القضاة ، وبقايا الشيوخ الجلة ، من أهل العلم والفضل ~~والدين ؛ وله جملة مصنفات . وكان بين وفاة القاضي أبي الخطاب ، ودخول ~~النصارى بلنسية ، أحد وعشرون عاما . # | ذكر القاضي إبراهيم بن أحمد الأنصاري الغرناطي # ومنهم إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن الأنصاري المشتهر بالغرناطي . ولي ~~القضاء بجهات شتى ، آخرها ميورقة ، تقدم بها من قبل أميرها إسحاق بن محمد ~~بن غانية PageV01P116 اللمتوني وتصدر بها للإقرار والإسماع ؛ فأخذ الناس ~~عنه . وكان رجلا فاضلا ، عابدا مجتهدا ، زاهدا . ولم ينتقل عن ميورقة إلى ~~أن تغلب عليها الروم ، فاستشهد بها ، وذلك يوم الاثنين الرابع من شهر صفر ~~سنة 627 . ذكره ابن الأبار وقال فيه : كان فقيها أديبان عارفا بالفقه ، ~~حافظا له ، بصيرا بالوثائق المختصرة المنسوبة له وغير ذلك . # | ذكر القاضي أحمد بن يزيد بن بقى الأموي # ومنهم أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي بن مخلد الأموي قاضي القضاة ~~بالمغرب ؛ من أهل قرطبة . ذكره أبو عبد الله بن الأبار في كتابه ، فقال : ~~يكنى أبا القاسم . سمع أباه أبا الوليد ، وجده أبا الحسن عبد الرحمن ، وأبا ~~عبد الله بن عبد ms115 الحق الخزرجي ، وابن بشكوال ؛ وسمع من السهيلي تأليفه ~~الروض الأنف ؛ وأجاز له شريح بن محمد ، وهو ابن عام ، وابن قزمان وسواهما . ~~ثم قال : وولي قضاء الجماعة بمراكش ، إلى أن تقلد قضاء بلده ؛ فسمع منه ~~الناس وتنافسوا في الأخذ عنه ؛ وكان أهلا لذلك . وهو آخر من حدث عن شريح . ~~وانفرد برواية الموطأ عن ابن عبد الحق قراءة ، وعن ابن الطلاع سماعا . قال ~~المؤلف وفقه الله ! وقد قرأت بمدينة مالقة بعض كتاب الموطأ للإمام أبي عبد ~~الله مالك بن أنس ، وسمعت سائره على شيخنا المقرئ الحسن الفاضل أبي محمد بن ~~محمد بن أيوب ، وحدثنا به عن الخطيب المحدث أبي علي بن عبد العزيز بن أبي ~~الأحوص القرشي ، عن القاضي أبي القاسم بن يزيد بن بقي المذكور . قال ابن ~~الأبار : وأنشدنا الخطيب اليعمري قال : أنشدنا القاضي أبو القاسم بن بقي ~~لنفسه : ألا إنما الدنيا كراح عتيقة . . . أراد مديروها بها جلب الأنس فلما ~~أداروها أثارت حقودهم . . . فعاد الذي راموا من الأنس بالعكس PageV01P117 ~~وتوفي إثر صلاة الجمعة الخامس عشر من رمضان سنة 625 . ومن شعره أيضا : إرجع ~~إلى الله ودع غيره . . . فكل شيء غيره باطل وكل ما بطلانه ممكن . . . فليس ~~يغتر به عاقل قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير ، وقد سماه في صلته : إنه ~~كانت له إمامة في اللغة ، وعلم العربية ؛ وألف كتابا في الآيات المتشابهات ~~، قيل إنه من أحسن شيء في بابه ؛ وكان لا يفارقه في سفر ، ولا في حضر . ~~وكان قاضي الخلافة المنصورية ، القديم الاختصاص بها ، والإثرة لديها وكان ~~كتابه إذا كتب حسنا مختصرا سهل المساق محذوف الحشو وكان يميل إلى الظاهر في ~~أحكامه ، مدة ولايته . وعلى ذلك كان المنصور في مدته . كان ابن بقى لا يرى ~~الحكم بالتدمية ، ولا العمل عليها بوجه . # | ذكر القاضي ربيع بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري # وآخر القضاة بقرطبة أعادها الله للإسلام ! الشيخ الفقيه أبو سليمان ربيع ~~بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري . ولي قضاءها بعد أبي القاسم بن بقى ، من ~~قبل الأمير محمد ابن هود . وقد ms116 كان استوطنها قبل ذلك ، وأخذ على أشياخها ، ~~واكتسب هنالك مالا وعقارا . وأصل بني ربيع ، على ما ذكره ابن عسكر وغيره ، ~~من صالحة رية ، من بيت نباهة ووجاهة . ولم يزل أبو سليمان قاضيا بقرطبة ، ~~إلى أن استولت الروم عليها ، وذلك يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال من ~~عام 633 . فتحول إلى إشبيلية ، وبها توفي إثر انتقاله إليها . ويقال إنه ما ~~هاله عظيم الزرء في مفارقة المال والوطن ، عند الحاجة إليه ، مع سن الشاخة ~~، ولا بلغ لديه شيء من ذلك مبلغ الزرء فيما تلف له من كتبه رحمه الله ونفعه ~~بمصابه ! ذكره ابن الأبار وغيره . PageV01P118 # | ذكر القاضي أبي الربيع سليمان الكلاعي # ومن القضاة بالبلاد الشرقية ؛ أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الحميري ~~الكلاعي ، من أهل بلنسية . تقدم للقضاء بها ؛ فسار في أحكامه بأجمل سيرة ، ~~وأحمد طريقة من العدل ، والتثبيت والفضل . وكان حسن الهيئة والمركب والملبس ~~والصورة ، كريم النفس ، يطعم فقراء الطلبة ، وينشطهم ، ويتحمل مؤنتهم . ~~وكان قد تجول في بلاد الأندلس والمغرب ؛ فأخذ عن أبي القاسم حبيش ، وأبي ~~بكر بن الجد ، وابن زرقون ، وأبي الوليد بن أبي القاسم ، وغيرهم . قال صاحب ~~التكملة : وكان حسن الخط ، لا نظير له في الإتقان والضبط ، مع الاستبحار في ~~الأدب ، والاشتهار بالبلاغة ، فردا في إنشاء الرسائل ؛ خطيبا فصيحا مفوها ~~مدركا ، مع الإشارة الأنيقة ؛ والزي الحسن . وكان هو المتكلم عن الملوك في ~~مجالسهم ، والمبين عنهم لما يريدونه على المنبر في المحافل . وولي الخطبة ~~بالمسجد الجامع من بلنسية في أوقات . وكان رئيسا في الحديث والكتابة . وله ~~تصانيف وتواليف مفيدة شهيرة في فنون شتى ، منها كتاب الاكتفاء بما تضمنه من ~~مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم ! ومغازي الثلاثة الخلفاء في أربع مجلدات ~~؛ والمسلسلات من الأحاديث والآثار والإنشاءات وكتاب نكتة الأمثال ، ونفثة ~~السحر الحلال ؛ إلى غير ذلك . ثم قال : وإليه كانت الرحلة في عصره للأخذ ~~عنه ، والسماع منه . وأنشدنا لنفسه : إذا برمت نفسي بحال احلتها . . . على ~~أمل باد فقرت به النفس وانزل أرجاء الرجاء ركائبي . . . إذا رام إلماما ~~بساحتي اليأس وإن ms117 أوحشتني من أماني نبوة . . . فلي بالرضى بالله والقدر ~~الأنس مولده بخارج بلنسية ، أول ليلة الثلاثاء مستهل رمضان سنة 565 . وسيق ~~إلى بلنسية ، وهو ابن عامين اثنين ؛ فنشأ بها ، إلى أن استشهد بكائنة أنيشة ~~، على ثلاثة فراسخ منها ، مقبلا ، غير مدبر ، والراية بيده ، وهو ينادي ~~المنهزمين : أعن الجنة تفرون ؟ PageV01P119 إلى أن قتل ، وذلك ضحى يوم ~~الخميس الموفى عشرين لذي الحجة سنة 634 ؛ وهو ابن سبعين سنة إلا شهرا . ~~وفقد من المسلمين ، في تلك الكائنة الشنعاء ، عالم كثير بين قتيل وأسير . ~~وللإمام أبي عبد الله بن الأبار ، في رثاء شيخه أبي الربيع ، والإشارة إلى ~~من فقد معه في الوقعة ، من العلماء وسائر الفضلاء ، منظوم بديع أوله : ألما ~~بأشلاء العلى والمكارم . . . تقد بأطراف القنى والصوارم وعوجا عليها ماربا ~~ومفازة . . . مصارع غصت بالطلى والجماجم نحيى وجوها في الحنان وجيهة . . . ~~بما بقيت حمرا وجوه الملاحم وأجساد إيمان كساها نحيفها . . . مجاسد من نسج ~~الظبي واللهاذم مكرمة حتى عن الدفن في الثرى . . . وما يكرم الرحمن غير ~~الأكارم هم القوم راحوا للشهادة واغتدوا . . . وما لهم في فوزهم من مقاوم ~~تساقوا كؤوس الموت في حومة الوغى . . . فمالت بهم ميل الغصون النواعم وهان ~~عليهم أن تكون لحودهم . . . متون الروابي أو بطون التهائم ألا بأبي تلك ~~الوجوه سواهما . . . وإن كن عند الله غير سواهم عفا حسنها إلا بقايا مياسم ~~. . . يعز علينا وطؤها بالمناسم لئن وكفت فيها العيون سحائبا . . . فعن ~~بارقات لحن منها لشائم ويا بأبي تلك الجسوم نواحلا . . . بإجرائها نحو ~~الأجور الجسائم تغلغل فيها كل أسمر ذابل . . . فجذل منها كل أبيض ناعم فلا ~~يبعد الله الذين تقربوا . . . إليه بإهداء النفوس الكرائم مواقف أبرار قضوا ~~من جهادهم . . . حقوقا عليهم كالفروض اللوازم أصيبوا وكانوا في العبادة ~~أسوة . . . شبابا وشيبا بالغواشي الغواشم فعامل رمح دق في صدر عامل . . . ~~وقائم سيف قد في رأس قائم ويا رب صوام الهواجر واصل . . . هنالك مصروم ~~الحياة بصارم ومنقذ عان في الأداهم راسف . . . ينوء برجلي راسف في الأداهم ~~PageV01P120 أضاعهم يوم الخميس حفاظهم . . . وكرهم في المأزق المتلاحم سقي ~~الله أشاء ms118 بسفح أنيشة . . . سوافح يزجيها ثقال الغمائم وصلى عليها أنفسا ~~طاب ذكرها . . . بطيب أنفاس الرياح النواسم لقد صبروا فيها كراما وصابروا . ~~. . فلا غرو إن فازوا بصفو المكارم وما بذلوا إلا نفوسا نفيسة . . . تحن ~~إلى الأخرى حنين الروائم ولا فرقوا والموت يتلع جيده . . . بحيث التقي ~~الجمعان صدق العزائم بعيشك طارحني الحديث عن التي . . . تعبر عنها رائحات ~~مآثم جلائل دق الصبر فيها فلم تطق . . . سوى غض أجفان وغض أباهم أبيت لها ~~تحت الظلام كأنني . . . رمى نضال أو لديغ أراقم أغازل من برح الأسى غير ~~بارح . . . وأصحب من سام البكا غير سائم وأعقد بالنجم المشرق ناظري . . . ~~فيغرب عني ساهرا غير نائم وأشكو إلى الأيام سوء صنيعها . . . ولاكنها شكوى ~~إلى غير راحم وهيهات هيهات العزاء ودونه . . . قواصم شتى أردفت بقواصم ~~ومنها : وبين الثنايا والمخارم رمة . . . سرى في الثنايا طيبها والمخارم ~~بكتها المعالي والمعالم جهدها . . . فلهف المعالي بعدها والمعالم كأن لم ~~تبت تغشى السراة قبابها . . . ويرعى حماها الصيد رعى الصوائم سفحت عليها ~~الدمع أحمر وارسا . . . كما نثر الياقوت أيدي النواظم وسامرت فيها الباكيات ~~نوادبا . . . يؤرقن تحت الليل ورق الحمائم وقاسمت في حمل الرزية قومها . . ~~. وليس قسيم البر غير المقاسم فوا أسفا للدين أعظم داؤه . . . وأياس من أسد ~~لمسراه حاسم ووا أسفا للعلم أذوت ربوعه . . . وأصبح ممدود الذرى والدعائم ~~تفرد بالعلياء علما وسؤددا . . . وحسبك من عال على الشهب عالم متى صادم ~~الخطب الملم بخطبه . . . كفى صادما منه بأكبر صادم PageV01P121 له منطق سهل ~~النواحي قريبها . . . فإن رمته ألفيت صعب الشكائم وما الروض حلاه بجوهره ~~الندى . . . ولا البرد وشته أكف الرواقم بأبدع حسنا من صحائفه التي . . . ~~تسيرها أخلاقه في الأقالم أتاه رداه مقبلا غير مدبر . . . ليحظى بإقبال من ~~الله دائم هنيئا لك الحسنى من الله إنها . . . لكل تقي خيمه غير خائم تبوأت ~~جنات النعيم ولم تزل . . . نزيل الثريا قبلها والنواعم لعمرك ما يبلى بلاؤك ~~في العدى . . . وقد جرت الأبطال ذيل الهزائم وبالله لا ينسى مقامك في الوغى ~~. . . سوى جاحد نور الغزالة كاتم لقيت الردى في الروع جذلان باسما . . . ~~فبوركت ms119 من جذلان في الروع باسم وجمت على الفردوس حتى وردته . . . ففزت ~~بأشتات المنى فوز غانم عدمتك موجودا يعز نظيره . . . فيا عز معدوم ويا هون ~~عادم ورمتك مطلوبا فأعيا مناله . . . وكيف بما أعيا منالا لرائم فابكي لشلو ~~بالعراء كما بكى . . . زياد لقبر بين بصرى وجاسم واعبر أن يمتاز دوني عبرة ~~. . . بعلياء في تأبين قيس بن عاصم وهذه القصيدة طويلة ، بحيث تزيد أبياتها ~~في العد على المائة . وقوله اعبر معناه انف . وخاتمها : وهاذى المراثى قد ~~وفيت برسمها . . . مسهمة جهد الوفى المساهم فمد إليها رافعا يد قابل . . . ~~وكب عليها حافظا يد لاثم # | ذكر القاضي أحمد بن الغماز # ومن القضاة بالعدوة الغريبة والقبلية ، الفقيه الجليل ، أبو العباس أحمد ~~بن محمد بن الغماز ، قاضي الجماعة بإفريقية تقدم على شروط : منها أن يكون ~~على رأيه PageV01P122 في الدخول على الخليفة ؛ ومنها ، إذا أعرضت له مؤامرة ~~السلطان في شيء من شؤونه ، أجابه عليها لحينه بالمشافهة والمكاتبة ، وأن ~~تكون خراجته وأعوانه من الأعشار الرومية . وكان من أهل العلم والعدل والفضل ~~. توفي سادس شهر رمضان المعظم عام 633 . # | ذكر القاضي أبي عبد الله بن عسكر # وانقرضت مدة ابن هود ، وظهرت الدولة النصرية ، وهلك ابن زنون على الوجه ~~الذي وقع التبيه عليه . وتقدم أيضا بمالقة قاضيا أبو عبد الله بن عسكر ، ~~وهو محمد بن علي بن خضر بن هارون الغساني . وكان من أهل المعرفة بالأحكام ، ~~والقيام على النوازل ، إلى الشعر الرائق ، والكتب الفائق . وله جملة تواليف ~~، منها المشرع الروي في الحديث ؛ والتكميل والإتمام ، لكتاب التعريف ~~والإعلام ، والمختصر في السلم عن ذهاب البصر ، وغير ذلك . ومن شعره : ولما ~~انقضت إحدى وخمسون حجة . . . كأني منها ما تذكرت احلم ترقيت أعلاها لأنظر ~~فوقها . . . إلى الحتف مني علني اسلم إذا هي قد أدنته مني كأنما . . . ~~ترقيت فيها نحوه وهو سلم وله ، وقد طرقه هم : اصبر لما يعتريك تغنم . . . ~~غنيمتي راحة وأجر فإن هم الخطوب ليل . . . لا بد يجلوه ضوء فجر ومن ~~مكتوباته في معرض العزاء ، مقامة سماها ب رسالة ادخار الصبر ، وافتخار ~~القصر والقبر ، وهي ms120 غريبة في معناها . وبقي بمالقة قاضيا ، إلى أن توفي صدر ~~جمادى الآخرة من عام 636 ؛ ودفن منها بسفح جبل فاره ، في روضة مستكتبه ~~القاضي أبي عبد الله بن الحسن تجاوز الله عنهما ، وغفر لنا ولهما ! ذكره ~~ابن خميس ، وابن عبد الملك ، وابن الزبير . PageV01P123 # | ذكر القاضي يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري # وتقدم بعده الفقيه أبو عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري ، شقيق ~~القاضي بقرطبة أبي سليمان المتقدم الذكر . وكان أبو عامر هذا صدر علماء ~~زمانه بالأندلس ، وقدوة رواته . أخذ عن أبي بكر بن الجد ، وابن زرقون ، ~~وابن بشكوال ، وغيرهم . وله تآليف في علم الكلام جليلة ، نبيلة . واستمرت ~~ولايته بها ، إلى أن نقله أمير المؤمنين الغالب بالله أبو عبد الله بن نصر ~~رحمه الله ! إلى قضاء الجماعة بحضرته من غرناطة . وكان من أعلم القضاة ~~عدالة ، وصرامة ، ونبلا ، وفضلا . وقد تقدمت الإشارة إلى ما وقع بينه وبين ~~القاضي أبي الوليد بن أبي القاسم بن رشد ، من المنافرة والمهاجرة ، بسبب ~~إنكاره الأخذ في العلوم القديمة ، والركون إلى مذاهب الفلاسفة . وكان أبو ~~عامر ممن قرأ الفقه وأصوله ، وعلم الكلام وغيره . أكثر عمره بقرطبة ~~وإشبيلية ، ومالقة ، وغرناطة . وبقي متوليا خطة القضاء ، ومع الأمراء ، إلى ~~أن أصابته الزمانة التي أقعدته عن ذلك ؛ فعاد إلى مالقة . فلزم بها منزله ، ~~إلى أن توفي في شهر بيع الأول من عام 639 . ذكره ابن الزبير . # | ذكر القاضي محمد بن غالب الأنصاري # وتلاه محمد بن إبراهيم بن محمد بن غالب الأنصاري . وكان من الفقهاء ~~الفضلاء ، وممن اجتمع له العلم ، والمال ، وحسن الخلق ، وتمام الخلق . ~~وتوفي إثر ولايته . # | ذكر القاضي محمد بن أضحى الهمداني # وتقدم بعده محمد بن أضحى الهمداني ، من البيت الشهير بالأندلس . وكان ~~عدلا نزيها ، فقيها نبيلا . ولم تطل مدة حياته ؛ فاخترمته المنية لحدثان ~~ولايته . وهو من PageV01P124 ذرية أبي الحسن بن أضحى ، مؤلف كتاب قوت ~~النفوس ، وإنس الجلوس ، القاضي كان في غرناطة أيضا في حدود 640 . وفي كتاب ~~الرازي من الإشارة بأصالة بيت بني أضحى ما يغنى ms121 عن الإطالة . وخلفه فيهما ~~كان يتولاه من الحكم كاتبه محمد بن سعيد العنسي . وبيت بني سعيد أيضا بقلعة ~~يحصب ، المنسوبة حتى الآن إليهم ، بكورة البيرة ؛ وانتماؤهم إلى عمار بن ~~ياسر الصحابي رضي الله عنه ! شهير ، إلى ما نجح منهم من الأماثل الأمجاد ، ~~وأرباب الرحل إلى البلاد ؛ لاكن هذا القاضي قعدت به دماثة أخلاقه ، ولين ~~جانبه ، وعن رتبة من كان قبله ؛ فأخر لعشرة أشهر من ولايته # | ذكر القاضي أبي القاسم عبد الرحمن بن ربيع الأشعري # وتقدم بدله أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ~~ربيع الأشعري ، ولد قاضي الجماعة المتقدم الذكر . وكان على سنن سلفه من ~~التفنن في المعارف ، والإشتداد على أهل العتو والفساد ، كاتبا بارعا ، ~~شاعرا مطبوعا . كتب عن سلطانه ، أيام استدعائه من بالمغرب ، وتحريك القبائل ~~إلى الجهاد ، غير ما كتاب ، بما يشحذ العزائم ، ويوقظ النائم . وتمادت ~~ولايته إلى أن توفي ، بعد مضي سبعة أعوام من زمان تقديمه . # | ذكر القاضي أبي بكر محمد الأشبرون # وخلفه في خطة القضاء صاحبه أبو بكر محمد بن فتح بن أحمد الأنصاري ~~الإشبيلي الأشبرون ، بعد توليته حسبة السوق والشرطة معا ، لما كان عليه من ~~المضاء والصرامة ، والقوة ، والاكتفاء . ولبث موليا ذلك كله وناظرا فيه ، ~~إلى وفاة السلطان الغالب بالله أبي عبد لله ؛ وكانت وفاته رحمه الله ! آخر ~~جمادى الثانية من عام 671 ! وصار الأمر إلى ولده السلطان الثاني أبي عبد ~~الله أيضا ، المدعو بالفقيه ممهد الدولة النصرية ، وبديع مآثرها ، ومقيم ~~رسوم الملك فيها فأفرد أبا بكر PageV01P125 بالقضاء ، وقصر نظره على ~~الأحكام الشرعية ؛ فذهب من الشدة في استخلاص الحقوق كل مذهب . وكان مع ذلك ~~حسن الأخلاق ، حلو الشمائل ، باقيا على طبيعة بلده . ولم ينتقل على حالته ، ~~إلى أن توفي ، وذلك في حدود عام 698 . ذكره القاضي أبو عامر ابن محمد بن ~~ربيع في كتابه ؛ فقال فيه : كان فقيها عارفا بالشروط ، دريا بالأحكام . ~~وكان يتولى الخطبة بحمراء غرناطة ؛ لا أعلمه حدث ، إذ لم يكن يشتغل بذلك . # | ذكر القاضي غالب بن حسن بن ms122 سيد بونة # ومن القضاة الفقهاء الفضلاء ، غالب بن حسن بن أحمد بن سيد بونة . ذكره ~~ابن الزبير فقال : يكنى أبا تمام . روى عن أبيه ، وأبي عبد الله بن مزين ، ~~وصحب قرينه الشيخ الصالح أبا أحمد بن سيد بونة ، ولازمه ، وانتفع بصحبته . ~~وكان يحدث بكثير من فضائله وكراماته . وكان أبو تمام شيخا فاضلا ، ومقرئا ~~مباركا . ولي القضاء . وكانت وفاته سنة 651 . بحضرة غرناطة . انتهى . # | ذكر القاضي أحمد بن الحسن الجذامي # ومن القضاة برية ، في منتصف المائة السابعة ، الفقيه أبو العباس أحمد بن ~~الحسن بن يحيى بن الحسن الجذامي . ولي القضاء بالجانب الغربي من أعمالها ؛ ~~فكان مشكورا في قصد سيرته ، وحسن هديه ، فقيه البأس والبذل ، صاحب رأي ونظر ~~في المسائل ، بصيرا بالأحكام . صحبه القاضي أبو القاسم بن أحمد بن السكوت ، ~~وانتفع به ، واقتدى بهديه في كثير من أنحائه . وكان لا يرى بالاقتصار على ~~الرواية : وعليكم بالعمل ، وإياكم من الأخذ في الجدل ! . كان يكثر من إنشاد ~~هذين البيتين : أرى الذي يروي ولاكنه . . . يجهل ما يروي وما يكتب كصخرة ~~تتبع أمواهها . . . تسقي الأراضي وهي لا تشرب PageV01P126 # | ذكر القاضي أبي علي بن الناظر # ومن القضاة ، وصدور الرواة ، الشيخ أبو علي الحسين بن عبد العزيز بن محمد ~~بن أبي الأحوص القرشي الفهري ، من أهل غرناطة ، وأصله من بلنسية ؛ يكنى أبا ~~علي ، ويعرف بابن الناظر . ارتحل عن غرناطة لغرض عن له بها ؛ فلم يقض ؛ ~~فأنف من ذلك ، فاستقر بمالقة ، مقريئا ومحدثا ، واقتصر على الخطبة بقصبتها ~~، بضعا وعشرين سنة . ثم خرج من مالقة ، فارا إلى غرناطة ، لتغيير كان سببه ~~فتنة الخلاف بها ، ودساس الفزاري ، المقتول بعد بغرناطة على كفره وتسرعه ~~لإضلال غيره . فولى قضاء المرية ؛ ثم قضاء بسطة ؛ ثم ولي قضاء مالقة ، عند ~~ذهاب الفتنة ، وخروج بني أشقيلولة عنها . وكان من أهل المعرفة ، والدراية ، ~~والرواية الواسعة ، والثقة ، والعدالة ؛ جال في البلاد ، وأكثر من لقاء ~~الرجال ؛ فأخذ بغرناطة عن الأستاذ أبي محمد الكواب ، وبإشبيلية عن المقرئ ~~أبي الحسن بن جابر الدباج . ولازم في العربية والأدب الأستاذ أبا علي ~~الشلوبين ms123 : أخذ عنه أكثر كتاب سيبويه . وروى عن الوزير سهل بن مالك الأزدي ~~، وعن القاضي أبي القاسم بن بقي ، وببلنسية عن أبي الربيع بن سالم ، ~~وبمرسية عن أبي العباس بن عياش ، وبجزيرة شقر عن الخطيب أبي بكر بن وضاح ، ~~وبمالقة عن الحاج أبي محمد عطية ، وعن أبي القاسم بن الطيلسان ، وعن غير من ~~سمي . وكتب إليه بالإجازة آخرون . وروى عنه الجم الغفير : منهم الأستاذ أبو ~~جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي ، والخطيب الأستاذ أبو محمد بن أبي ~~السداد الباهلي ، وآخر من روى عنه بالأندلس شيخنا المقرئ أبو محمد عبد الله ~~بن أيوب التجيبي . وله مصنفات في الحديث والقراءات . وتوفي القاضي أبو علي ~~مؤخرا عن قضاء مالقة في الرابع عشر لجمادى الأولى سنة 699 غفر الله لنا وله ~~! PageV01P127 # | ذكر القاضي الحسن بن الحسن الجذامي النباهي # وتقدم بعد قاضيا بمالقة من أهلها الحسن بن محمد بن الحسن الجذامي النباهي ~~. وكان رجلا صليبا في الحق ، متعززا بالله ، قويا في ذاته ، لا تأخذه في ~~الله لومة لائم ، رفيقا مع ذلك بالمساكين ، شفيقا على الضعفاء ، ومبغضبا في ~~أهل الأهواء . وأول يوم قعد فيه للحكم ، تقدم إليه رجلان في الطلب بدين ~~ترتب لأحدهما قبل الآخر ؛ وأقر المطلوب ببقائه في ذمته ، وزعم أنه في الوقت ~~غير قادر على أدائه ؛ ولم تقم له بينة على صحته دعواه ، ولا حضره حميل به ؛ ~~فتوجه عليه السجن . فحين شاهد أسباب ذلك ، قال يخاطب القاضي : أصلحك الله ! ~~أيجمل بك ، ويحسن عندك استفتاح عملك بسجن مثلي من الضعفاء ؟ ولى صبية أصاغر ~~لا كاسب لهم ، ولا كافل غيري . فإن حبستني عنهم ، لم يبعد تلفهم جوعا وعطشا ~~! فارفق بساحتي ، وانظر لحالتي ! فأمر القاضي بإحضار مقدار العدد المطلوب ~~من مال نفسه ، وأذن في دفعه لمطالبه ، وخلى سبيل الغريم يمضى لشأنه . وكان ~~قد أصاب الماشية بكورة رية من الغضب والنهب ، أيام فتنة الخلاف بها ، ما ~~صار داعية لتغلب الحرام عليها ؛ فرد شهادة كل من ثبت فيه لديه أنه أكل من ~~ذلك اللحم المغصوب ؛ وهو عالم بعينه ، سواء ms124 كان مشتريا له من الغاصب أو ~~أكله دون عوض . ورد شهادة الولد إذا كانت مع والده ؛ فاشتد في أحواله . وفي ~~أثناء ذلك ، وسيق له رجل ، شهدت البينة بأنه وجد في خربة بحذاء مقتول ؛ ~~وقربه . وسأل الرجل حين اعذر له ؛ فذكر أنه كان مختارا عليها لمنزله ؛ فرام ~~أولياء الدم الأخذ لهم بالقسامة في المسألة ، على ما رواه ابن الحكم في مثل ~~النازلة ، ورواه ابن وهب عن مالك ؛ فأجرى النظر القضية ، وتوقف عن الفصل ، ~~وعقد النية على ترك الولاية ما بقي من مدة حياته ، واستعفى على الفور من ~~الحكم بين الناس . وقد كان القلق وقع به من أولى الامر ، فاعفى على الأثر . ~~فكانت مدة ولايته القضاء نحو شهر . وهو أعظم الله أجره ! ممن أصيب في ذاته ~~وماله ، بسبب إنكاره على إبراهيم الفزاري ، ولي بني أشقيلولة أيام ثورتهم ~~برية ، وامتعاضه لما أظهره لهم من البدعة وادعاه النبوة ، وعند ذلك فر من ~~مالقة PageV01P128 أبو جعفر بن الزبير ، وأتبع ليقتل ؛ فأفلت ، ولاذ بأمير ~~المسلمين ، السلطان ، المؤيد المنصور ، أبي عبد الله المدعو بالفقيه رحمه ~~الله وأرضاه ! فحاول على الفزاري حتى تحصل في حكمه ، وأمر بقتله وصلبه ؛ ~~فقتل بغرناطة على كفره ، هو وبعض أصحابه . وقد أشار إلى ما نبهنا عليه ~~الشيخ القاضي الرواية المحدث ، الوزير المشاور ، أبو عامر بن عبد الله بن ~~قاضي الجماعة أبي عامر بن ربيع ، في كتابه المسمى ب تنظيم الدر في ذكر ~~علماء الدهر . والذي وقع في الكتاب المسمى بعد اسم أبي علي بن الحسن ، من ~~أوله إلى آخره ، ما هو نصه : الحسن بن محمد الجذامي من أهل مالقة ، من ~~أعيانها وجلة بيوتها ، يعرف بالنباهي ، ويكنى أبا علي . أخذ بمالقة عن ~~شيوخها . وكان رحمه الله ! صالحا ، فاضلا ، دينا ، صليبا في الحق ، فامتحن ~~في الله تعالى ، وقيامه بالحق ، بالضرب والنفي عن بلده نفعه الله ! واستقر ~~بمدينة فاس ، تحت تكرمه ومبرة ، يتولى عقد الوثائق ، ويحترف بها . وكان من ~~جلة العدول . ثم عاد إلى بلده مالقة ، عند خروج بني أشقيلولة منها ، وأقام ~~بها بقية عمره ، يتعيش ms125 من فائد بقايا أملاكه بها . ودعى إلى الخطابة ~~بجامعها الأعظم ؛ فأبى . وقضى أياما يسيرة ، واستعفى . توفي رحمه الله ! في ~~حدود سنة 700 . # | ذكر القاضي أبي جعفر المزدغي وبعض قضاة فاس بعده # ومن أهل المغرب ؛ الشيخ الفقيه أبو جعفر أحمد بن المزدغي . ولي القضاء ~~بحضرة فاس ، بعد تمنع ، واباية ، وعزم عليه من الخليفة ؛ فسار فيه بأجمل ~~سيرة من العدل ، والفضل ، والاشتداد على أهل الجاه . وامتدت ولايته ، إلى ~~أن توفي عام 669 . فولى مكانه أبو عبد الله بن عمران ، ثم استعفى لزمان ~~قريب ، فتقدم بدله بفاس شيخ طلبتها إذ ذاك ، وخطيب خلافتها ، الفقيه أبو ~~عبد الله محمد بن أبي الصبر أيوب ؛ وكان في زمانه واحد قطره عدالة ، وجلالة ~~، وصلاحا ، وفضلا ، وهو أيضا ممن لم يأخذ على القضاء أجرا ، ونجا فيما يختص ~~به الجراية منحى سحنون بن سعيد في وقته ، وطلب PageV01P129 أن يكون رزق ~~وزعته من بيت المال ، لا من قبل أرباب الخصومات ، فأمضى ذلك كله . وكان ~~معظما عند سلطانه ، كبير الشأن في زمانه . قال عبد الرحمن بن محمد الزليجي ~~وقد ذكره في كتابه : توفي عام 687 . # | ذكر القاضي محمد بن يعقوب المرسي # ومن القضاة بتلك البلاد ، محمد بن يعقوب المرسي ، نزيل تونس ، يكنى أبا ~~عبد الله . ولي قضاء الجماعة بها ، وقد كان ولي قبل ذلك قضاء باجة . وكان ~~عالما ، زاهدا ، ورعا ، فاضلا ، محمودا ، مشكورا . توفي تقديرا بعد 690 . # | ذكر القاضي أبي عبد الله بن عبد الملك المراكشي # ومنهم محمد بن محمد بن سعيد بن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي ؛ ~~يكنى أبا عبد الله ، ويعرف بابن عبد الملك . ذكره الأستاذ أبو جعفر بن ~~الزبير وقال فيه : روى عن الكاتب الجليل أبي الحسن بن محمد الزغبي ، وصحبة ~~كثيرا . وروى عن غيره . ثم وصفه بأنه كان نبيل الأغراض ، عارفا بالتأريخ ~~والأسانيد ، نقادا لها ، بعيد التصرف أديبا بارعا ، شارعا مجيدا ، ذا معرفة ~~بالعربية واللغة والعروض . وألف كتابا جمع فيه بين كتابي ابن القطان وابن ~~المواق على كتاب الأحكام لعبد الحق ، مع زيادات نبيلة من قبله ؛ وكتابا ms126 آخر ~~سماه بالذيل والتكملة لكتاب الصلة وولى قضاء مراكش مدة ؛ ثم أخر عنها ، ~~لعارض سببه ما كان في خلقه من حدة أثمرت مناقشة موثور وجد سبيلا ، فنال منه ~~. توفي بتلمسان الجديدة أواخر محرم عام 703 . ومن شعره : لله مراكش الغراء ~~من بلد . . . وحبذا أهلها السادات من سكن إن حلها نازح الأوطان مغترب . . . ~~أنسوه بالأنس عن أهل وعن وطن عن الحديث بها أو العيان لها . . . ينشا ~~التحاسد بين العين والأذن PageV01P130 انتهى حاصل ما قاله ابن الزبير في ~~صلته . قال المولف رضي الله عنه ! : وأوقفني ولده ، صاحبنا الفقيه أبو عبد ~~الله ، على كثير من المكتوبات الصادرة عن أبيه القاضي أبي عبد الله ، ما ~~بين منظوم ومنثور . ومن ذلك قوله رحمه الله ! : يا عاذلي ! دع الملامة أو ~~سلا . . . عن صادق في الحب مثلي هل سلا ؟ كيف السلو ولي بحكم البين في . . ~~. مراكش جسم وقلب في سلا هيهات ! أسلو عهد حل لي بها . . . أسلا ابن حجر ~~عهد جازة ما سلا وافى إليى على العباد كتابه . . . فبمهجتي أفدي كتابا ~~أرسلا أوردت من مرآه روضا مونقا . . . ووردت من فحواه ماء سلسلا طرس كنحر ~~معذر أبدت به . . . صدغاه وشي الحسن حين تسلسلا أأحبتي رحماكم في موقف . . ~~. ألقي يد استسلامه واستبسلا ؟ أأحبتي رحماكم في نازح . . . بكم إليكم في ~~الدنو توسلا ؟ أحللتم هجري وخللتم أنني . . . وصلى الحرام كما علمتم بسلا ~~إن أعلن الشكوى فما أشكو سوى . . . بين نعيم الأنس جور البسلا حسبي أدكار ~~قد أثار صبابتي . . . ولما ترقرق في التنائي أرسلا ولواعج طي الظلوع بشيها ~~. . . دمع تتابع مرة واسترسلا فعن أدمعي عن زفرتي عن لوعتي . . . أروى ~~الحديث معنعنا ومسلسلا من لي بتيسير المسير إليكم . . . فأصمم العزم الذي ~~لن يكسلا وأصارم القربى وأهجر موطنا . . . وأجوب حومات أنعي عن سلا فلو ~~القضاء أتاح ما علمته . . . ما كنت ممن في البدار ترسلا حتى أحل مثابة ~~الفضل الذي . . . لسواه قلبي بعده ما استرسلا فاكون في رأي كذائن حنظل . . ~~. كره العبير وعافه فاستعملا أو ينعم الله الكريم برجعة . . . يروي بها خبر ~~السرور مسلسلا وحكى ms127 عنه ولده المذكور أنه قصد أيام شبيبته عبور البحر ، ~~برسم الجواز إلى الأندلس ؛ فبلغ منها الجزيرة الخضراء ، وحضر بها صلاة جمعة ~~واحدة ، وأقام بها ثلاثة PageV01P131 أيام ، جلائل في نواحيها ، آخذا عن ~~أهلها ؛ ثم قال : حصل لنا الغرض من مشاهدة بعد البلاد الأندلسية ، والكون ~~بها ؛ والحمد لله على ذلك ! وعاد قافلا إلى أرضه . ولما توفي قافلا جرى بعد ~~ابنه المسمى تحامل في متروكه لتبعة تسلطت على نشبه ، أدته إلى الجلاء عن ~~وطنه ؛ فاستقر بمالقة ، وأقام بها زمانا ، لا يهتدي لمكان فضله إلا من عثر ~~عليه جزافا . ولم ينتقل عن حالته من الخشنة ، والانقباض ، والعكوف على ~~النظر في العلوم ، إلى أن توفي في ذي العقدة من عام 743 . # | ذكر القاضي أبي العباس الغبريني # ومنهم الفقيه أبو العباس أحمد بن أحمد الغبريني ولي القضاء بمواضع عدة ، ~~أخرها مدينة بجاية . فكان في حكمه شديدا ، مهيبا ذا معرفة بأصول الفقه ، ~~وحفظ لفروعه ؛ وقيام على النوازل ، وتحقيق للمسائل . ولما ولي خطة القضاء ، ~~ترك حضور الولائم ، ودخول الحمام ، وسلك طريق اليأس من مداخلة الناس . ومن ~~أناشيده : لا تنكحن سرك المكنون خاطبه . . . وأجعل لميته بين الحشا جدثا ~~ولا تقل نفثة المصدور راحته . . . كم نافث روحه من صدره نفثا وهذا القاضي ~~ممن ذكره عبد الرحمن الزليجي في تأريخه ، وقال عنه : توفي عام 704 . # | ذكر القاضي أبي عبد الله بن عبد المهيمن الحضرمي # ومنهم محمد بن عبد المهيمن بن محمد بن علي بن محمد الحضرمي ؛ يكنى أبا ~~عبد الله ، ويعرف بنسبته . وكان في قطره كبير القدر . ولي القضاء بسبتة . ~~ولقرابته من رؤسائها بني الغزفي ، وذلك عام 683 ؛ فقام بالأحكام أجمل قيام ~~، مستعينا بحسن النظر وفضل الجاه وعز النزاهة . فكان مجلسه يغص بعمائم ~~العلماء ، وهم كأنما على رؤوسهم الطير هيبة له ، وتأدبا معه . وكان في باب ~~القبول شديدا على الشهداء ؛ فيذكر أن أحد الظلمة PageV01P132 عرض له كتاب ~~رسم في قضية نزلت به ؛ فنقده القاضي ومطل في تخليصه ؛ فتحيل على أن كتب ~~بحائط مجلس القاضي ما نصه : بسبتة قاض حضرمي إذا انتسب ms128 . . . وفي حضرموت ~~الشؤم واللوم بالنسب فمن شؤمه لا يثبت العقد عنده . . . ومن لومه يرمي أولى ~~الفضل بالريب فلما وقعت عين القاضي على المكتوب وتفهمه ، أمر بإزالته ، ~~وأمسك عن عنانه ، وأخذ في إصلاح شأنه ، وترك البحث عن ناظم البيتين ~~وكاتبهما بخط يده . واستمرت أيام ولايته إلى أن تصير أمر بلده إلى الإيالة ~~النصرية ، في أواخر عام 705 ؛ فصرف إلى غرناطة مع سائر أقاربه بني العزفي ~~فوصلها ، وأقام بها وابنه الكاتب البارع ، أبو محمد عبد المهيمن ؛ ثم أذن ~~له في الانتقال إلى وطنه ؛ فعاد إليه ، وقد أحدث منه السن ، وأقعده الكبر ؛ ~~فلم يبرح بعد عنه إلى أن توفي غرة صفر من عام 712 . # | ذكر القاضي أبي إسحاق الغافقي # ومنهم إبراهيم بن أحمد بن عيسى بن الغافقي الاشبيلي ؛ يكنى أبا إسحاق ، ~~ويعرف أيضا بنسبته إلى غافق ؛ أستاذ الطلبة ، وإمام الحلبة . خرج عن بلده ~~إشبيلية ، عند تغلب الروم عليها ، وذلك سنة 646 ؛ فلازم الشيخ أبا الحسن بن ~~أبي الربيع ، وتصدر بعد وفاته للأفراء في مكانه ، فأخذ عنه الكبير والصغير ~~. ولي القضاء بسبتة نيابة ، ثم استقلالا ؛ وكان واحد عصره ، وفريد قطره ، ~~وعمدة طلبته الموثوقين بما استفيد في مجلسه من فنون العلوم . أخذ علم ~~العربية على صدر النجاة ابن أبي الربيع المذكور ، والقرءات عن الأستاذ أبي ~~الحسن بن الخضار ؛ وروى عن المسند المسن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن ~~سليمان ، والأديب الفرضي أبي الحكم مالك بن المرحل المالقي ، والقاضي أبي ~~عبد الله بن قاضي الجماعة أبي موسى عمران بن عمران ، إلى أمم من أهل المشرق ~~والمغرب والأندلس . ودون في علم العربية وغيرها كتبا نافعة . وتوفي قاضيا ~~رحمه الله ! آخر شهر ذي القعدة من عام 716 . وعليه اعتمد شيخنا الولي ~~المقرئ أبو القاسم بن يحيى بن محمد PageV01P133 الوازر والي درهم في قراءة ~~القرآن ، والتلفظ والأداء ، وعلى الخطيب الصوفي أبي جعفر الزيات ، من أهل ~~بلش مالقة ، على كثرة من لقيه من حملة كتاب الله وقرائه بالمشرق والمغرب . ~~وعلى الغافقي أيضا كان في تعلم العربية اعتماد شيخ ms129 النحاة بحضرة غرناطة ، ~~الأستاذ أبي عبد الله محمد بن علي الخولاني ، المشتهر بقيرى رحم الله ~~جميعهم وكافي صنيعهم ! # | ذكر القاضي محمد بن محمد اللخمي القرطبي # ومنهم محمد بن محمد اللخمي المعروف بالقرطبي ، من أهل سبتة ، والقاضي بها ~~. وكان من جلة الحكام الصدور والأعلام ؛ خطب بمسجد بلده ، ودرس به الفقه ~~وغيره . وكان قائما على المذهب ، منقطع القرين في حفاظه . وكان من شأنه ، ~~إذا أتى المسجد للحكم فيه بين الناس ، يتركع ويتضرع إلى الله تعالى ، ويلح ~~في الدعاء ، ويسأله أن يحمله على الحق ويعينه عليه ، ويرشده للصواب ؛ وإذا ~~فرغ من الحكم ، يتركع ، ويستقبل الله تعالى يسأله العفو والمغفرة عما عسى ~~أن يكون صدر عنه ، مما تلحقه تبعة في الآخرة . أخذ عن الشيوخ الجلة أبي ~~الحسن بن أبي الربيع ، وابن الخضار ، وابن الطيب وغيرهم . وتوفي ببلده ~~قاضيا مشكورا ، وهو على سن عالية ؛ وذلك صدر ربيع الآخر من عام 723 . # | ذكر القاضي محمد بن منصور التلمساني # ومن القضاة بمدينة تلمسان ، الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن منصور بن ~~علي بن هديمة القرشي ، كبير قطره في عصره نباهة ، وجاهة ، وقوة في الحق ، ~~وصرامة . وكان أثيرا لدى سلطانه ؛ قلده مع قضائه كتابة سره ، وأنزله من ~~خواصه فوق منزلة وزرائه ؛ فصار يشاوره في تدبير ملكه ؛ فقلما كان يجري شيئا ~~من أمور السلطنة إلا عن مشورته ، وبعد استطلاع نظره . وكان أصيل الرأي ، ~~مصيب العقل ، مذكرا لسلطانه بالخير ، PageV01P134 معينا عليه ، كاتبا بليغا ~~ينشئ الرسائل المطولة في المعاني الشاردة ، ذا حظ وافر من علم العربية ~~واللغة والتأريخ . شرح رسالة محمد بن عمر بن خميس الحجري التي استفتح أولها ~~بقوله : عجبا لها أيذوق طعم وصالها . . . من ليس يأمل أن يمر ببالها وأنا ~~الفقيد إلى تعلة ساعة . . . منها وتمنعني زكاة جمالها إلى آخر الرسالة . من ~~نظم ونثر ، شرحا حسنا ، أتى فيه بفنون العلم وضروب الأدب ، بما دل على ~~براعته . وكان جميل الأخلاق ، جم المشاركة ، مفيد المجالسة ، مرددا لقول ~~الأستاذ أبي إسماعيل الطغرائي في معرض النصيحة والتنبيه والتذكرة : لا ~~تطمحن إلى المراتب ms130 قبل أن . . . تتكامل الأدوات والأسباب إن الثمار تمر قبل ~~بلوغها . . . طمعا وهن إذا بلغن عذاب وتوفي صدر سنة 736 ، قبل هلاك سلطانه ~~، ودخول أهل فاس إلى بلده بأشهر تغمدنا الله وإياه برحمته ! # | ذكر القاضي محمد بن علي الجزولي ابن الحاج # ومن القضاة بحضرة فاس ، محمد بن علي بن عبد الزراق الجزولي ، المعروف ~~بابن الحاج ؛ يكنى أبا عبد الله . وهو أحد أعلام المغرب تفننا في المعارف ، ~~وفضلا ، وعقلا . وكان محافظا على الزتبة ، مقيما للأبهة ، جميل الهيئة ، ~~حمولا لمكاره السلطنة ، صبورا على الرحلة ، خطيبا بليغا مفلقا ، كاتبا ~~بارعا مرسلا ، ريان من الأدب ، سريع القلب ، منقاد البديهة ، مهما تناول ~~القرطاس وكتب ، أتى على الفور بعجب . رحل إلى المشرق ، ولقي أعلامها . ودخل ~~الأندلس ، وأقام منها بمالقة زمانا ، وروى عن أشياخها . وصحب بها الخطيب ~~المدرس أبا عثمان بن عيسى الحميري . ثم عاد إلى وطنه ؛ فتولى خطة القضاء ~~بفاس . وتقلد أزمتها مع الخطابة مدة طويلة ، إلى أن انتزعت منه ، وأضعف ~~قواه الهرم ؛ PageV01P135 فاستبدل بالفقيه المتفنن الحافظ أبي عبد الله ~~محمد بن أحمد المقري بفتح الميم ، منسوب إلى مقرة موضع من عمله إطرابلس ~~ولزم هو منزله ، تحت عناية ورفد جراية ، إلى وفاته رحمه الله وغفر لنا وله ~~! # | ذكر القاضي أبي إسحاق إبراهيم التسولي شارح الرسالة # ومنهم الشيخ الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن أبي يحيى التسولي التازي ، تولى ~~خطة القضاء ، واستعمل في السفارة ؛ فحمدت حالته ، وشكرت سيرته . وكان صدر ~~فقهاء وقته مشاركة في الفنون ، وقياما على الفقه . شرح كتاب الرسالة لأبي ~~محمد بن أبي زيد شرحا ممتعا حسنا ؛ وقيد على المدونة مجلس الشيخ أبي الحسن ~~الصغير قاضي الجماعة بفاس ، وضم أجوبته في نوازله في سفر . وكان مع ذلك ~~فارسا شجاعا ، جميل الصورة ، نبيه المشاورة ، فاره المركب ، وجيها عند ~~الملوك : صحبهم وحضر مجالسهم . وفلج بآخر عمره ، فالتزم منزله بفاس ، يزوره ~~السلطان ، فمن دونه . وتعرفت أنه نقل إلى داره من تازة بلده ؛ فتوفي بها في ~~حدود 749 نفعنا الله به وغفر لنا وله ! # | ذكر القاضي أبي تمام غالب بن سيد ms131 بونة الخزاعي # ومن الشيوخ السراة ، المذكورين بالأندلس في القضاة ، أبو تمام غالب بن ~~حسن بن غالب بن حسن بن أحمد بن يحيى بن سيد بونة الخزاعي . تقدم ذكر جده ؛ ~~ولنذكر الآن نبذة من التنبيه على سيره ، والتعريف بسلفه . فنقول : أصلهم ، ~~على ما تقرر ، من بونة التي بإفريقية ، وهي المسماة ببلد العناب . وانتقل ~~جده إلى الأندلس ؛ فاستوطن منها وادي آش من عمل دانية إلى أن استولى العدو ~~على تلك الجهات ؛ فخرج قومه من مدينة آش إلى غرناطة ؛ فبنوا بخارجها الربض ~~المعروف بالبيازين ، ونشروا مذهبهم في الإرادة ؛ وانضم إليهم من تبعهم من ~~أهل المشرق . وتقدم الفقيه أبو تمام شيخا لهم ، وقاضيا فيهم ، وخطيبا بهم ؛ ~~فقام بالأعباء ، سالكا سنن الصالحين من الإيثار والتسديد PageV01P136 بين ~~قومه ، مكبا على العبادة والخفوق على الجهاد . وله رواية عن والده أبي علي ~~، وعن الخطيب أبي الحسن بن فضيلة وغيرهما . وله تأليف في منع سماع اليراعة ~~المسماة بالشبابة وعلى ذلك درج جمهورهم . مولده في ذي القعدة من عام 653 ؛ ~~ووفاته في شوال من عام 733 . وأما الشيخ أبو أحمد ، الصوفي الكبير ، الولي ~~الشهير ، فهو جعفر بن عبد الله بن محمد بن سيد بونة . قرأ ببلنسية وغيرها . ~~قال ابن الأبار : وكان يحفظ نصف المدونة أو أكثر ، ويؤثر الحديث والفقه ~~والتمييز على غيره من العلوم . ورحل إلى المشرق ؛ فأدى فريضة الحج ولقي جلة ~~من الفضلاء ، أشهرهم وأكبرهم في باب الزهد والورع ؛ وسنى الأحوال ، ورفيع ~~المقامات ، الشيخ الصالح أبو مدين شعيب بن الحسين مقيم بجاية ؛ فصحبة كثيرا ~~، وانتفع به ، وارتوى من ذلاله . توفي رحمه الله وأرضاه ! عن غير عقب من ~~الذكور ، وذلك في شهر شوال سنة 624 . # | ذكر القاضي محمد بن محمد بن هشام # وتقدم أيضا بغرناطة لتنفيذ الأحكام محمد بن محمد بن هشام ؛ استقضاه ~~السلطان أبو عبد الله المدعو بالفقيه ، لقصة رفعت من شأنه ؛ وذلك أن هذا ~~الرجل نشأ في الدجن ببلاد الروم من شرق الأندلس . ثم هاجر منها ؛ فاستقر ~~بوادي آش ؛ فأقرأ العلم بها ، وصحح ما كان قد تحمله من ms132 فنون العلم . فلما ~~توفي قاضي البلدة ، أيام خلاف بني أشقيلولة بها ، عرض عليه قضاؤها ؛ فتمنع ~~وأبي لمكان الفتنة ، إلا أن يكون التقديم من قبل أمير المسلمين المحق ~~بالخلافة ، السلطان أبي عبد الله المذكور . فأعرض عنه ، وقدم غيره . فلم ~~يرض الناس به ؛ فدعت الرؤساء المذكورين الضرورة إلى طلب التقديم من حيث ذكر ~~. فأنفذ لهم المطلوب . ولما ذهبت الفتنة ، وتملك السلطان المدينة ، تحقق ~~فضل ابن هشام وصلابته في الحق ؛ فنقله إلى مدينة المرية وعند وفاة أبي بكر ~~الأشبرون ، استقدمه من هنالك ، وقلده القضاء بحضرته . فحسنت PageV01P137 به ~~الحال ، واقتضيت الحقوق إلى آخر مدة مستقضيه رحمه الله ! وكانت صدر شعبان ~~من عام 701 . وافضى الأمر إلى ولده أبي عبد الله محمد ، ثالث الأمراء من ~~بني نصر ؛ فجرى على منهاج أبيه في الاغتباط بقاضيه ؛ فأقره على ما كان ~~يتولاه ، وزاد في التنويه . فظهرت الخطة بواحدها وصدر رجالها ؛ وبقي يتولاه ~~إلى أن توفي ، وذلك عام 704 . ذكره القاضي أبو عامر يحيى بن ربيع في مزيده ~~وقال فيه : كان فقيها عارفا ، أديبا ، كاتبا بارعا ، فاضلا ، لين الجانب ، ~~سمحا ، دريا بالأحكام ، عدلا ، نزيها ؛ وتولى الخطبة بجامع الحمراء . قال ~~المؤلف رضي الله عنه ! لله در محمد بن هشام في إصراره على الاباية من ~~القضاء في الفتنة الأشقيلولية ! فإنه جرى في تمنعه على منهاج السداد ، وأخذ ~~لنفسه الواجب في الاحتياط . وقد تقدم صدر هذا الكتاب أن الداعي إلى العمل ، ~~إذا كان غير عدل ، لم يجز لأحد إعانته على أموره ، لأنه مقعد في فعله ؛ ~~فيجب عليه أن يصبر على المكروه ، ولا يلى العمل معه ؛ وإن كان عدلا ، جاز ، ~~وقد تستحب له الإعانة . والله الموفق للصواب ! # | ذكر القاضي أبي جعفر أحمد بن فركون # وولي بعد ابن هشام قضاء الجماعة الشيخ الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن ~~أحمد بن محمد ابن أحمد القرشي ، المعروف بابن فركون ، أحد صدور الفقهاء ~~بهذا القطر الأندلسي اطلاعا بالمسائل ، وحفظا للنوازل ، وقوة على حمل أعباء ~~القضاء ، وتفننا في المعارف . وكان رحمه الله ! منشرح الصدر ، مثلا في حسن ms133 ~~العهد بمن عرفه ولو مرة في الدهر ، مفيد المجالسة ، رائق المحاضرة ، مترفقا ~~بالضعيف في أقضيته ، كثير الاحتياط عند الاشتباه ، دقيق النظر ، مهتديا ~~لاستخراج غريب الفقه وغوامض نكت العلم ، رائق الأبهة ، موصوفا بالنزاهة ~~والعدالة ، شديد الوقار ، مشغلا عند المواجهة والتجلة ، مع التحلي بالفضل ، ~~والخلق الرحب ، والدعابة الحلوة . طال يوما بين يديه قعود رجل PageV01P138 ~~اسمه أحمد بن معاوية ، دعا إليه في حق وقع الفصل فيه ؛ فاستأذنه في الذهاب ~~؛ فقال : يا سيدي ! ينصرف أحمد ؟ فقال : لا ينصرف ! فأقام ذلك الرجل وجلا ~~حتى نبه على أن القاضي إنما قصد التورية . قرأ على المدرس المتفنن أبي ~~الحسن الأبلح ، وأكثر الأخذ عن المقرئ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الطائي ~~المعروف بمستقور وغيرهم . وكان خطيبا . بليغا ، كاتبا ناظما ناثرا ، بصيرا ~~بعقود الشروط ، سابقا في علم الفرائض . قضى بمواضع منها رندة ، ومالقة ، ~~والمرية ، وسار فيها بسيرة عادلة سنية . واستمر قضاؤه مع الخطابة بحضرة ~~غرناطة إلى أول الدولة الإسماعيلية ؛ فصرف عن ذلك ، لما كان له في مشايعه ~~المخلوع عن السلطنة من الأمور التي حقت عليه الخمول ، بعد استقرار ذائلها ~~الأمير أبي الوليد بالملك رحمة الله عليه ! ومولد القاضي أبي جعفر المذكور ~~في عام 649 ، ووفاته في السادس من ذي القعدة عام 729 . # | ذكر القاضي أبي بكر يحيى بن مسعود المحاربي وابنه أبي يحيى # وتقدم بعده لقضاء الجماعة الوزير الفقيه أبو بكر يحيى بن مسعود بن علي بن ~~أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن مسعود المحاربي الغرناطي ، من أهل الأصالة ~~والجزالة والجلالة . وكان رحمه الله ! سامي الهمة ، ماضي العزيمة ، شديد ~~الشكيمة ، ولي القضاء بجهات شتى ، منها مدينة المرية ، وصدرت عنه في مدة ~~حصار الروم لها جملة أقوال وأفعال لا تصدر إلا من حزماء الرجال . ثم نقل ~~إلى قضاء الجماعة بالحضرة ؛ فاشتهر بالمضا والاشتداد على أهل الجاه ، ~~وإقامة الحدود ، وإخافة الشهود . وكان لا يخط بعقد علامة بثبوته عنده إلا ~~بعد شهادة أربعة من العدول ؛ وقصر أصحابه ذلك وقالوا : ألا ترى ، لو أن ~~رجلا دفع إلى آخر حقا كان له ms134 عليه ، وطلبه أن يشهد به ، فأشهد عدلين ، وأبى ~~أن يشهد غيرهما ، وأراد صاحبه الاستكثار من البينة ، فإنه لا يلزمه أن يشهد ~~له أكثر من شاهدين عدلين ، على ما قاله القاضي أبو الوليد بن رشد ، ورواه ~~غيره لقوله تعالى ' واستشهد شهيدين من رجالكم . ' قالوا : وإن كان قصد ~~PageV01P139 القاضي من الإكثار من الشهداء التوثق لتحصل البراءة المتحققه ~~له ولغيره ، فقد يجمع أربعة من الضعفاء في رسم واحد . فلزم إذا مرتكب هذا ~~النظر الإمساك عن خطاب مثل هذا الرسم ، إلى غير ذلك من المضار المتعلقة به ~~فلم يثن الشيخ أبا بكر بن مسعود شيء من هذا كله من غرضه ، واستمر على ذلك ~~مدة قضائه . وكان له من أخيه أبي الحسن ، وزير الدولة الإسماعيلية وعميد ~~البلدة ، ردء كثير على إنقاذ الأحكام ، ومصادمة أساطين الرجال . ونفر بعض ~~أهل المدينة عند التخاصم عنده ، تقيه من تعاظم شدته واتصال عبوسته ؛ وجرى ~~له في ذلك مع القاضي بربض البيازين كلام حاصله أن طلب منه الاقتصار بالنظر ~~على جهته ، رفعا للتشويش عن الخصوم . والمنصوص جواز قاضيين في بلد واحد ~~وأكثر ، كل مستقل ومختص بناحيته ، وإنما الممنوع شرط الاتفاق في كل حكم ، ~~لاختلاف الأغراض ، وتعذر الاجتماع . وقد تقدم الشبيه على ذلك عند التكلم في ~~شروط القضاء . ثم إذا تنازع الخصمان في الاختيار ، حيث قلنا بالجواز ، ~~وازدحم متداعيان ، فالقرعة . قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزبير ، وابن ~~الطلاع ، وابن أبي الأحوص ، واستعمل في الرسالة إلى ملك المغرب عام 727 ، ~~وأقام بظهر سلا ؛ ثم طرقه المرض ، فتوفى هنالك يوم الخميس سابع ذي قعدة من ~~العام المذكور . ودفن بالجبانة المعروفة بشلة ، خارج رباط الفتح . ومولده ~~لست خلت من شوال عام 653 . وكان رحمه الله ! قد ترك نائبا عنه فيما كان ~~يتولاه من القضاء بغرناطة ولده الفقيه أبا يحيى . فحين بلغه أنه توفي بحيث ~~ذكر ، استقل بعده ولده بالولاية ، واستكملت له ألقاب الخطة ، وجرى على ~~طريقة أبيه من الجزالة والصرامة ، في استخلاص الحقوق ، ونصر المظلوم ، وقهر ~~الظلوم . وكان في نفسه شجاعا ، فارسا ، مقدما ، جليل ms135 الهيئة ، نبيه الشارة ~~، رائق الأبهة ، يبرز عند القتال في مصاف صدور الأبطال ؛ فيحسن دفاعه ، ~~ويجمل عناده . ولما ضايقت الروم مدينة المرية ، وكان أبوه الشيخ أبو بكر ~~ممن شمله الحصار بها ، كما تقدم ، شق أبو يحيى محلة العدو ليلا ، وتحيل وصل ~~إلى سور البلد ، وأعلى حرسته باسمه ، فسر المسلمون بتخلصه ، وانتفع هنالك ~~أبوه . وبقي هذا القاضي متوليا خطة القضاء PageV01P140 نيابة واستقلالا ~~نحوا من خمسة أعوام . ثم نقل قاضيا إلى مدينة المرية ، فأقام بها . وكان ~~أيضا نائب الشيخ أبي بكر ، ومشاوره في أحكامه ونوازله ، شيخ الفقهاء بقطره ~~في وقته ، العابد الشيخ الفاضل أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد ~~بن قطبة الدوسي . وكان رحمه الله ! لمكانه في المعرفة والعدالة أهلا ~~للاستقلال بأعباء الحكومة . # | ذكر القاضي محمد بن يحيى بن بكر الأشعري # وخلفه في الأحكام بحضرة غرناطة الأستاذ محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن ~~بكر ابن سعد الأشعري المالقي ، من ذرية بلج بن يحيى بن خالد بن عبد الرحمن ~~بن يزيد بن أبي بردة واسمه عامر بن أبي موسى واسمه عبد الله بن قيس صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ذكره ابن حزم في جملة من دخل الأندلس من ~~المغرب ؛ يكنى أبا عبد الله ، ويعرف بابن بكر . هذا نص ما وقع إثر اسمه عند ~~ذكره في الكتاب المسمى ب عائد الصلة وتحققنا من غيره صحة معناه . ولنذكر ~~الآن نبذا من أنبئه وسيره في قضائه . فنقول أولا : كان شيخنا هذا أبو عبد ~~الله رحمه الله وأرضاه ! ممن جمع له بين الدراية والرواية ؛ لازم من قبل سن ~~التكليف صهره الشيخ الفقيه الوزير أبا القاسم بن محمد ابن الحسن ، وقرأ ~~عليه بمنزله القرآن ، وتأدب معه ، واختص بالأستاذ الخطيب أبي محمد عبد ~~الواحد بن أبي السداد الباهلي الأموي ، وأخذ عن الرواية أبي عبد الله محمد ~~بن عباس الخزرجي بن السكوت ، والخطيب الولي أبي الحسن بن فضيلة ، والأستاذ ~~أبي الحسن ابن اللباد المدني . ورحل إلى مدينة سبتة ؛ فأخذ بها عن عميد ~~الشرفاء ms136 أبي علي بن أبي التقي طاهر بن ربيع ، وأبي فارس عبد العزيز الهواري ~~، وأبي إسحاق التلمساني ، وأبي عبد الله ابن الخضار ، والمقرئ أبي القاسم ~~بن عبد الرحيم ، والأستاذ أبي بكر بن عبيدة . وأجازه من أهل المشرق الإمام ~~شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي بالدال المهملة ، والرواية المتحدث ~~أبو المعالي أحمد بن إسحاق القوصي ، إلى جماعة من المصريين والشاميين ~~PageV01P141 وغيرهم . وعاد إلى بلده مالقة ، وقد صار سباق الحلبات معرفة ~~بالأصول ، والفروع ، والعربية ، واللغة والتفسير ، والقراءات ، مبرزا في ~~علم الحديث تأريخا ، وإسنادا ، ونسخا ، وتصحيحا ، وضبطا ، حافظا للألقاب ~~والأسماء والكنى ؛ فتصدر في فنون العلم . وكان كثير النصيحة ، حريصا على ~~الإفادة ؛ فنفع وأدب ، وخرج وهذب ، حتى صار أصحابه على هيئة متميزة من لباس ~~واقتصاد ، وجد واجتهاد . وكثيرا ما كان يقول لفتيان الطلبة ما قاله الجنيد ~~بن محمد ، وهو : يا معشر الشباب ! جدوا قبل أن تبلغوا مبلغي ! فتضعفوا ~~وتقصروا كما قصرت ! وكان الجنيد وقت الشاخة لا يلحقه الشباب في العبادة . ~~ومن تلك النسبة أيضا كان شيخنا أبو عبد الله بن بكر ؛ فإنه لم يكن في ~~الغالب يأكل إلا عند حاجة ، ولا ينام إلا عن غلبته ، ولا يتكلم بغير العلم ~~إلا عن ضرورة . وبقي كذلك زمانا ، يدرس بالمسجد القريب من منزله سكناه ~~احتسابا . ثم تقدم ببلاده للوزارة ، ناظرا في أمور العقد والحل ، ومصالح ~~الكافة . ثم ولي القضاء به ؛ فأظهر من الجزالة والشدة ما ملأ به وجدا صدور ~~الحسدة ، ونسبوا إليه أمورا حملت على إخراجه من مالقة ، وإمكانه بغرناطة ؛ ~~فبقي بها يسيرا ، وتقدم منها بالمسجد الجامع خطيبا . ثم ولي قضاء الجماعة ؛ ~~فقام بالوظائف ، وصدع بالحق ، وبهرج العدول ؛ فزيف منهم ما ينيف على ~~الثلاثين عددا ، استهدف بذلك إلى محادة ومناسبة ومعادلة خاض ثبجها وصادم ~~تيارها غير مبال بقيل أو قال ؛ فأصبح في عمله ، مع كتبة الوثائق بغرناطة ، ~~أشبه القضاة بيحيى بن معمر في طلبه قرطبة ، إذ بلغ من مناقشته أن سجل في ~~يوم واحد بالسخطة على تسعة عشر رجلا منهم وجرت لابن بكر في هذا الباب ~~حكايات ms137 يطول ذكرها ، إلى أن استمرت الحال على ما أراده . وعزم عليه أميره ~~في إلحاق بعض من أسخطه بالعدالة ؛ فلم يجد في قناته مغمزا ؛ فسلم له في ~~نظره . ولم يزل مع ذلك ملازما أيام قضائه للاقراء مع التعليم : درس العربية ~~، والأصول ، والفقه ، وإقراء القرآن ، والحساب ، والفرائض ؛ وعقد مجالس ~~الحديث شرحا وسماعا ، وربما نحا في بعض أحكامه أنحاء مصعب بن عمران أحد ~~القضاة قديما بقرطبة ؛ فكان لا يقلد مذهبا ، ويقضي بما يراه صوابا . وسيأتي ~~بسط الكلام في هذه المسألة بعد ، بحول الله . وإن قلنا عن القاضي ابن بكر ~~إنه كان في شدائد أحكامه أشبه علماء وقته بسحنون PageV01P142 ابن سعيد ، لم ~~يكن في ذلك ببعيد ؛ فإنه أدب الناس على الحلف بالإيمان اللازمة ، وأنكر سوء ~~الحال في الملابس ، وفرق مجتمعات أرباب البدع ، وشدد أهل الأهواء بالسجن ~~والأدب ، على سبيل في ذلك كله من اتباع السنة وإطراح الهواء له ، وخفض ~~الجناح لأهل الخير . وكان في خطبه وصلاته كثير الخشوع ، لا يتمالك من سمع ~~صوته في الغالب من إرسال الدموع ؛ يقرأ في الصبح بما فوق المفصل ؛ فيحسبه ~~المصلى خلفه كأنما قرأ بآية واحدة ، لحسن قراءته ، وطيب نغمته ، وصدق نيته ~~؛ وإذا ذكر شيء ؛ من أمور الآخرة ، ظهر على وجهه الاصفرار ؛ ثم يغلبه ~~البكاء ، ويتمكن منه الانفعال . فكان ، في معاملته لأصحابه ، على مذهب ~~الفرج بن كنانة ، لا يرى زلة لصديقه ، ولا يعدل في حاجته إليه عن طريقه ؛ ~~وقلما كان يتخلف في يوم من أيامه عن عيادة مريض ، أو شهود جنازة ، أو تفقد ~~محتاج ، أو زيارة منكوب . ومن ذلك ما حدثني به قريبنا وقريبه الشيخ الرواية ~~المحدث الحاج أبو القاسم بن عبد الله ، وهو أنه لما اعتقل بدار الإشراف من ~~الحضرة ، على ما نسب إليه من المسامحة في إضاعة مال الجباية ، أيام كانت ~~أشغال السلطنة لنظره ، أن زاره القاضي أبو عبد الله يوما في محبسه . قال : ~~فذكرته بعادته من مشاركته لأصحابه ولإخوانه وله ابن عوانة . قال : فاستعبر ~~، واستغفر ، وأقام معي هنيئة ساكتا مفكرا ؛ ثم تناول القرطاس ، وكتب يخاطب ~~الأمير ms138 بما نصه : الحمد لله ! مولاي أمدك الله بتوفيقه ، وحملك من الرشاد ~~على أوضح طريقه ! أسلم عليك وأسائلكم ، حققت رجاء الآملين وسائلكم ، ولا ~~خاب من قصد لديكم قاصدكم وسائلكم ! ما كان من حديثي الذي لم يزل ذا قدم صدق ~~في خدمة الإيالة الإسماعيلية وبنيها ، وخاصتها وذويها ، وادا لأودائها . ~~نائبا عن متاربها ، يرفع لنصحها في كل ميدان خدمة لواء ، ويؤم أولياءها ثقة ~~وأعداءها مقتا ولواء ، ويجر من نصحها من حسن الطوية رداء ، إلى أن تحمل من ~~عدوى الجوار داء ، وجعل لصاحب الجريمة ، من أخذ بالجريرة غير ناره ، وكوى ~~لعجز جاره ، وتارة عدوه ولم يقم له هو ولي بثأره . فهل عثر البحاث البدعي ~~في نواحي عمله وفي خفيات سره ، على مقربة خبر . أو أتى البحاث السريع في ~~هزجه ورمله بأثارة علم تكشف العمى وتضئ الطريق لأولى البصر ؟ PageV01P143 ~~حنانيك أعد النظر فما هي إلا القيت يقرقر زجاجة ، من قضابها لغيرك فيما ~~اخبث حاجة . وإن كان وقع لما ألقاه في الأمر شيء من الباس ، وحضر لما زينه ~~وأعانه عليه قوم آخرون من الناس ، فما بنا من ظهور الحق لديك اياس ، وحاشاك ~~أن يخفض للجوار بحضرة عهدك الكريم كبير أناس . فأعرض عما تسوله شياطين ~~الأنس وتحلية ، وتعده من الأباطيل وتمنيه ، وعد عما يزخرفه كل خف مزق القول ~~منها فيستند كل نقل روايته إلى أصل غير ثابت ؛ فيربط قياس رؤيته بما اطمع ~~خضراء الدمن نابت ، قد غمس في آل القاضي يمين طعمه ، وجزاه على غموس اليمين ~~فرط هلعه . فما ينطق لسانه إلا بما يجعل في كفه من الصامت ، واعتمد مشورة ~~ناصح لك بإلغاء نصحه حذر الوشاة فتخافت . وإذا حضرك الغاوون المستبغون ، ~~وألقوا من حبال كيدهم وعصى مكرهم ما هم ملقون ؛ فتعوذ بالله من شر ما ~~يشركون ، واستحضر من الحق كلمة تلقف ما يافكون ، ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم ~~يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا . ثم اسمع من لسان الحال ، وهو ~~أفصح من لسان المقال ، حجة من اعتاد سيلان الفضائل من يديك ، ومثله جاثيا ~~للاحتكام ms139 لديك ، أليس من قواعد الحكم نظر حال المدعى وحال المدعى عليه ، ~~ومن يليق به ما عزى له ومن لا يناط به ما نسب إليه ؟ هل يستويان مثلا ، أو ~~يتقاربان قولا ، ويتقارنان عملا ، أو يتباعدان بعد المشرقين ، ويتباينان ~~فوق ما بين عطاردين ؟ فمن الذي يتلو الآيات ويردد واعظها ، ويسرد الأحاديث ~~ويسمع مواعظها ، ويطرد في الاسحار الهجوع ، ويرسل في مجالس الخير الدموع ، ~~ويتعبد مع العابدين ، ويتقلب مع الساجدين ؟ أم هو كذا وكذا وكيت وكيت مما ~~يكثر عند التعداد ، ولا يحمل في مثله استعمال القلم والمداد ؟ فعلى من تحمل ~~اليمين والكذب ، أعلى من ألفه الجد أم على من غلب عليه اللعب ؟ فإن غير هذا ~~أو غير هذا لأمر ما وقيل هما في الثناء سيان ، وعند النداء سميان ، وقد ظهر ~~للمدعى في صكوك الحساب رجحان ، وهذا ديوان العمل فيه شهادة فلان على خط ~~المطلوب وفلان ، فادرا هذه الشبهة المشوهة والحجة الداحضة المموهة . فإن ~~اضطراب المذاهب في العمل بالكتاب ، وتفرق أربابها على أشتات الطرق والشعاب ~~، فمنهم من أهمله جملة في كل الأمور PageV01P144 ومنهم من أعمله في بعضها ~~وهو القول المشهور ! يا للعجب إذا كانت شهادة العدول ترد بالاستبعاد ، ~~بدعوى فيما يقدر على تحصيله بيسير العثرات والاحاد ! وعند التأمل بإنصاف ، ~~وتجنب الميل والانحراف ، يبدو من أحوال هذه القضية قرائن توجب فض ذلك ~~المكتوب ، وتؤذن ببراءة المحبوس من العدد المطلوب ، وإن كان من جد هذا ~~القول ليس من أهل التحبير ، ولا ممن عرف بجودة البيان وبلاغة التعبير ، ~~فإنه ذو عسرة جاد بما وجد ، وحليف وجد عصر بلالة طبعه شدة ما به من الكمد ، ~~أبقاك الله وكتب لك سداد الرأي وسعادة الأبد ، وعزا ونعيما لا يحصرهما حد ، ~~ولا ينتهيان إلى أمد ! وصلى الله على سيدنا محمد وآله صلاة دائمة ما دام ~~ثناؤه في الألسن وثراه في الخلد ! قال الشيخ أبو القاسم : وختم الكتاب بعد ~~ما علقه لأعجمي له ودفعه لمن بلغه . فما تم النهار إلا والبشير قد وصلني ~~بالإعتاب ، ورفع التوجه من العتاب . والحمد لله على ما منح ms140 من ذلك ! قال ~~المؤلف أدام الله سعادته ! وهذا المرسوم الفريد ، إن كان شيخنا أبو عبد ~~الله بن بكر قد أتى به على البديهة ، إنه لأغرب من الخطبة التي قام بها ~~منذر ابن سعيد بين يدي الخليفة الناصر ، حين أرتج على محمد بن عبد البر ~~وحيل بينه وبين ما رواه ، وانقطع القول بأمير الكلام أبي علي القالي . وإن ~~كان الشيخ قد جدد قديما ما أظهره وأعده ، قصد مناظرة أخيه ؛ فلقد أحسن في ~~عمله ما شاء ، وأجاد الإبداع والإنشاد . ويقرب من هذا النمط ما حدثنا به ~~صاحبنا الخطيب أبو جعفر الشقوري عن القاضي أبي عبد الله المذكور ، أنه كان ~~قاعدا يوما بين يديه ، في مجلس قضائه من حضرة غرناطة مهدها الله تعالى ! ~~وإذا بامرأة قد رفعت له بطاقة مضمنها : يا سيدي رضى الله عنكم ! إنما ~~محبتها في الرجل الذي طلقها وهي تريد من يكلمه في ارتجاعه لها وردها إليه . ~~قال : فتناول القلم ، وكتب على ظهر البطاقة أحرفا ، ودفعها إلي ؛ فإذا هي : ~~الحمد لله ! من وقف على ما في القلوب فليصخ لسماعه إصاخة مغيث ، وليشفع ~~لتلك المرأة عند مفارقها تأسيا بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ~~لبريرة في مغيث ! والله تعالى يسلم لنا العقل والدين ، ويسلك بنا سبيل ~~المهتدين ! ومن نصائحه لطلبته : أوصيكم ، بعد تقوى الله العظيم ، بثلاث ~~خصال : ألا تكتبوا PageV01P145 خطا دقيقا ؛ فإنه يضر بأبصاركم ، ويقل ~~انتفاع الغير به بعدكم ؛ وإذا خططتم أحدا ، فلا حظوا تخطيطه أن يكون الشخص ~~المخطط غير خلي من المعنى الواقع في اسمه ، توخيا منكم للصدق ، وتحريا عن ~~التجاوز المحض ؛ ولا يكن همكم بكتب الشيوخ لكم على ما قرأتم . وليكن همكم ~~أن تكونوا من الديانة والدراية بمثابة من يقبل قوله فيما يدعيه ولا يكذب ~~فيه إلى غير ذلك من خطبه ومواعظه وأدبه . وكان في أقضيته لا يرى الحكم ~~بمجرد التدمية ، إذا لم يقترن بها لشيء من اللوث ، ويرخص للرجل في متابعته ~~لزوجته بالأدب ، ويوجبه على الصلاة ، بخلاف ما ذهب إليه ابن أبي زيد في ~~نوادره ، ويردد ما ms141 ورد في الصحيح : ألا كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ! ~~وكان لا يوسع للناشر عن رأي الفرار بعد الدخول ويجبرها على الرجوع ، إلى أن ~~أحدثت له بمالقة ، أيام قضائه بها ، مع رجل من أهلها يعرف بعبد الله الوردي ~~؛ فأمسك عن ذلك . وكان يأخذ بمذهب الليث بن سعد في كراء الأرض بالجزء مما ~~تنبت ، ويحذر من الركون إلى مقالات محمد بن عمر الرازي المعروف بابن خطيب ~~الرأي في المباحث ، وينكر عليه ما قرره آخر محمله من الأراء وقوله في ~~الأربعين : أما الكافر ، فهو على قول الأكثر من الأمة يبقي مخلدا في النار ~~؛ وهذا القول من ابن الخطيب فيه ما فيه ؛ فإن المخالف في تخليد الكافر في ~~النار هو من القلة والشذوذ ، بحيث لا يلتفت إليه ، ولا يعد كلامه قولا في ~~المسألة . وكان يقول : من لم يتمرن في عقود الشروط ، ولا أخذ نفسه بالتفقد ~~في كتب التوثيق ، لا ينبغي له أن يكون قاضيا ، وإن كان قويا فائقا في سائر ~~العلوم ! وإن ذهبنا إلى تقدير ما تلقيناه من شيخنا القاضي أبي عبد الله في ~~مجالسه العلمية من نكت النوازل وطرف المسائل ، طال بنا القول ، وأدرك ~~فريضتنا العول ! وفيما ذكرناه العناية الكافية . وبالجملة ، فما كان إلا ~~كما ذكر بقي بن مخلد عن محمد بن بشير حيث قال : ما كان يقاس إلا بمن تقدم ~~من صدور هذه الأمة . ومن تلك الطبقة كان محمد بن بكر عند من عرفه واستمر ~~على عمله من الاجتهاد ، والرغبة في الجهاد ، إلى أن فقد رحمه الله ! في ~~مصاف المسلمين ، يوم المناجزة الكبرى بظاهر طريف ، شهيدا محرضا ، يشحد ~~البصائر ، ويدمن الأبطال ، ويشير على الأمير أن يكثر من قول : حسبنا الله ~~ونعم الوكيل ! PageV01P146 وقد كتف دابته التي كان عليها راكبا ، وهو رابط ~~الجأش ، مجتمع القوى ، وأنشأ عليه بالركوب وقال له : انصرف ! هذا يوم الفرح ~~! يشير ، والله أعلم ، إلى قوله تعالى في الشهداء : ' فرحين بما آتاهم الله ~~من فضله ' ؛ وذلك ضحى الإثنين السابع من جمادى الأولى عام 741 ، عن غير عقب ~~من الذكور ms142 . ومولده في أواخر شهر ذي الحجة من عام 673 . # | ذكر القاضي عثمان بن منظور # ومن القضاة بمالقة ، أيام ابن بكر بغرناطة ، شيخنا أبو عمر عثمان بن محمد ~~بن يحيى بن محمد بن منظور الإشبيلي ، أحد بيوت النباهة بالأندلس . ذكره ~~صاحب كتاب العائد فقال فيه : كان رحمه الله ! صدرا في علماء بلده ، أستاذا ~~ممتعا ، من أهل النظر والتحقيق ، ثاقب الذهن ، أصيل البحث ، مضطلعا ~~بالمشكلات ، مشاركا في الفقه والعربية ، إلى أصول وقراءات وطب ومنطق . قرأ ~~كثيرا ، ثم تلاحق بأصحابه . ثم غبر في وجوه السوابق . لازم الأستاذ أبا ~~محمد الباهلي ، وانتفع به . وقرأ على الأستاذ أبي بكر بن الفخار ، وتزوج ~~زينب ابنة الفقيه المشاور أبي علي بن الحسن ؛ فاستقرت عنده كتب والدها . ~~فاستعان بها على العلم ، والتبحر في المسائل . وقيد بخطه الكثير ، واجتهد ، ~~وصنف ، وقرأ ببلده محترفا بضاعة التوثيق ؛ فعظم به الانتفاع . وولي القضاء ~~بآش ، وملتماس ، وقمارش ، ثم ببلده مالقة . وتوفي بها مصروفا عن القضاء ، ~~دون عقب ، في يوم الثلاثاء الخامس والعشرين لذي حجة عام 735 ؛ ولم يخلف ~~ببلده مثله في وقته مشاركة في الفنون ، وجودة نظر ، وثقوب ذهن . وخرج عليه ~~طائفة من الطلبة . وولي بعده بقيد الحياة بمكانه من خطة القضاء صاحبه ، ~~المنتفع به قبل ذلك قراءة علية وسكونا إليه ، محمد بن محمد بن إبراهيم بن ~~الحاج ، المدعو بأبي البركات البلفيقي ، حسبما يأتي الكلام عليه بعد بحول ~~الله تعالى . PageV01P147 # | ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن عياش # واستقضى بعد ابن بكر ، من أصحابه الآخذين عنه ، الفقيه الزاهد أبو عبد ~~الله محمد بن محمد بن عياش الخزرجي ؛ استدعاه أمير المسلمين أبو الحجاج ~~لحضرته ، وقلده قضاء الجماعة بها ؛ فأقام الرسم ثلاثة أيام حسبة ، كما تقدم ~~في اسمه ، وأفصح رابع يومه بالاستعفاء ؛ فترك لشأنه . # | ذكر القاضي أبي جعفر أحمد بن برطال # واستقدم على أثره من مالقة أيضا أبو جعفر أحمد بن محمد بن علي بن أحمد ~~الأموي ، المعروف بابن برطال ، أحد المترددين للقاضي أبي عبد الله بن بكر ~~أيام كونه ببلده . فولى قضاء الجماعة بغرناطة ms143 والخطبة . قال صاحب عائد ~~الصلة : على قصور في المعارف ؛ ولذلك يقول الشيخ نسيج وحده أبو البركات : ~~إن تقديم ابن برطال دعا . . . طالبي العلم إلى ترك الطلب حسبوا الأشياء عن ~~أسبابها . . . فإذا الأشياء من غير سبب فأعنته الدربة وأنجدته الخطة على ~~تنفيذ الأحكام ؛ فلم يؤثر عنه فيها أحدوثه ، واستظهر بجزالة أمضت حكمه ~~وانقباض عافاه من الهوادة . فرضيت سيرته ، واستقامت طريقته . وصير إلى ~~مالقة بعد ذلك . فتوفي بها أيام الطاعون الكبير ، وذلك في منصف ليلة الجمعة ~~خامس صفر من عام 750 : خرجت جنازته في اليوم لليلة وفاته ، صحبه ركب من ~~الأموات يزيد على الألف ، منهم شيخنا المقريء الولي أبو القاسم بن يحيى بن ~~درهم ، والأستاذ الواعظ أبو عبد الله أحمد المعروف بالقطان رحمة الله عليهم ~~! PageV01P148 # | ذكر القاضي أبي القاسم الخضر بن أبي العافية # ومنهم الخضر بن أحمد بن أبي العافية الأنصاري ، يكنى أبا القاسم ويعرف ~~بابن أبي العافية ، من أهل غرناطة . وكان رحمه الله ! من صدور القضاة ، ~~وجهابذة النحاة ، وأهل النظر والعكوف على الطلب ، حتى صار مضطلعا بنوازل ~~الأحكام ، مهتديا لاستخراج غرائب النصوص . نسخ بيده الكثير ، وقيد من ~~المسائل ، فعرف فضله ، وبهر نبله ، واستشاره القضاة في المشكلات ، ~~واستظهروا بنظره عند المهمات . وكان بصيرا بعقد الشروط ، ظريف الخط ، بارع ~~الأدب ، مكثرا من النظم ؛ ومن ذلك قوله : لي دين على الليالي قديم . . . ~~ثابت الرسم منذ خمسين حجة أبعاد وبالحكم بعد عليها . . . أم لها عن تقادم ~~العهد حجة وتوفي رحمه الله ! قاضيا ببرجة ؛ وسيق إلى غرناطة . فدفن بباب ~~إلبيرة عصر يوم الأربعاء آخر يوم من ربيع الأول عام 745 . وقد أجابه على ~~بيتيه المذكورين طائفة من الأفاضل بقطع من الشعر الرائق . وإنهما لمن نمط ~~الظريف . ولقائل إن يقول : بل هما من الكلام الضعيف المنقود على مثل الفقيه ~~، فإنه إن كان قد أراد بالدين الذي زعمه على الليالي ، ما نواه من التوبة ! ~~وحدثني بنحو هذا الغرض عنه بعض الأصحاب ، وذكر لي أنه أخبره بذلك عن نفسه ~~أيام حياته . فالملام إذا متوجه عليه لأجل تفريطة وانحلال عزيمته ms144 . وبيان ~~ذلك أن التوبة فرض بإجماع الأمة في كل وقت وعلى كل حال من كل ذنب أو تقصير ~~، في كمال أو غفلة ؛ وحالها حال الشيء الذي يتاب منه ، فإن كان الواقع ~~حراما ، كانت التوبة على الفور إلى تمام المقامات فمن أخرها زمانا ، عصى ~~بالتأخير فيحتاج إلى توبة من تأخير التوبة . وكذلك يلزم على تأخير كل ما ~~يجب تقديمه . فعلى هذا التقدير ، تأخير الشيخ التوبة مدة من خمسين سنة ~~وإصراره على الذنب ذنبان مضافان إلى الخطيئة . وإن كان إنما أراد الملحة ~~والتورية بالديون التي تكلم عليها الفقهاء في باب المعاملات من غير التفات ~~منه لغرض معين ، فكان من حقه أن PageV01P149 يأتي بما يطابق أقوال العلماء ~~، ولم يقل أحد منهم بإلزام الغرامة لمدين بعد مرور خمسين سنة من تأريخ ~~الرسم المطلوب بمضمنه . ولذلك قلت في معرض الجواب منبها على هذا الوجه : قل ~~لمن ألزم الليالي دينا . . . وهو في العرف قد تجاوز نهجه مقتضى الفقه رفض ~~ما تدعيه . . . فاتق الله حيثما تتوجه ولو أتى الناظم بعشرين بدل الخمسين ، ~~لكان أقرب إلى محل الخلاف . وإن كان الأصل بقاء الدين في ذمة المديان ؛ ~~لكنه قال يشهد العرف للمدين فيكون القول قوله في الدفع . وهذا قد يتضح ~~العرف فيه فيتفق عليه . وقد يختلف فيه لكون العرف لم يتضح . وهذه المسألة ~~تفتقر إلى بسط . ونحن نورد من الكلام عليها في هذا الموضع ما أمكن ، إذ هو ~~وقت الاحتياج إلى البيان . فنقول والله الموفق للصواب ! فمن مثل ما اتضح ~~فيه العرف ، ما ذكر في المدونة أن ما يباع على النقد كالصرف ، وما يباع في ~~الأسواق كاللحم ، والفواكه ، والخضر ، والحنطة ، والزيت ونحوه ، وقد انقلب ~~به المبتاع ، فالقول قوله إنه قد دفع الثمن مع يمينه يصدق المشتري هنا في ~~دفع الثمن لشهادة العادة له بصدقه . قال المازري : وهذا لم يختلف فيه لا ~~تضاح العادة الدالة عليه . وهكذا ذكر ابن رشد أنه لا اختلاف في أن القول ~~هنا قول المبتاع . قال أبو إسحاق التونسي : ما كان من الأشياء عادتها أن ~~تقبض ms145 قبل دفع السلعة أو معها معا ؛ فإذا قبض المشتري السلعة ، كان القول ~~قوله مع يمينه أنه دفع الثمن لدعواه المعادة . وقال ابن محرز : إن لم ينقلب ~~به ، وكان قائما مع بائعه ، فقد اختلف في ذلك ؛ فروى أشهب عن مالك : القول ~~قول رب الطعام مع يمينه . وقال ابن القاسم : القول قول المبتاع . قال ابن ~~القاسم : وذلك إذا كانت عادة الناس في ذلك الشيء أخذ ثمنه قبل قبضه أو معه ~~. قال ابن محرز : فقد نبه ابن القاسم رحمه الله ! على المعنى الذي ينبغي أن ~~يعتمد عليه في هذا الأصل ، وهو العادة ؛ فمن ادعى المعتاد كان القول قوله ~~مع يمينه في جميع الأشياء المشتراة على اختلافها من دور ، ورقيق ، وبز ، ~~وطعام ، وغير ذلك ؛ ومن مثل هذا أيضا إذا باع سلعة ، وادعى بعد طول أنه لم ~~يقبض ثمنها ، فإن القول قول المبتاع مع يمينه . PageV01P150 لا كن اختلف في ~~حد الطول ؛ فقال ابن حبيب : أما الرقيق ، والدواب ، والربع ، والعقار ، ~~فالبائع مصدق وإن تفرقا ما لم يطل ، فإن مضى عام أو عامان ، فالقول قول ~~المبتاع ، وليس يباع مثل هذا على التقاضي . وأما البز وشبهه من التجارات ، ~~فما يباع على التقاضي والآجال ؛ فإن قام ما لم يطل ، فزعم أنه لم يقبض ~~الثمن ، حلف وصدق ؛ وإن قام بعد طول مثل عشر سنين ، فأقل منها مما لا يبتاع ~~ذلك إلى مثله ، صدق المبتاع ويحلف . وساوى ابن القاسم بين البز وغيره ما ~~عدا الحنطة والزيت ونحو ذلك ، وجعل القول في ذلك قول البائع ، ولو بعد ~~عشرين سنة ، حتى تجاوز الحد الذي لا يجوز البيع إليه . قال المازري : ~~والتحقيق أن هذا الطول غير محدود ، ولا مقدر ، لا بحسب ما تجري به العادة ~~في سائر الجهات ، وفي أجناس التجارات ؛ فلا معنى للرجوع إلى هذه الروايات ، ~~لأنها مبنية على شهادة بعادة . ومن هذا أيضا ما قالوا إن القول قول المكترى ~~في دفع الكراء إذا طال الأمر بعد انقضاء أمد الكراء ، حتى يجاوز الحد الذي ~~جرى العرف بتأخير الكراء إليه . ومن مثل هذا أيضا ms146 ، دعوى الزوج دفع الصداق ~~إلى الزوجة : فقد قال مالك وابن القاسم : إن الزوج يصدق في الدفع إذا اختلف ~~في ذلك بعد البناء . ومن مثل هذا أيضا ، ما قالوا في أن رب الدين ، إذا حضر ~~على قسمة تركة المديان ، ولم يقم بدينه ، ولا عذر له بمنعه من القيام ، فلا ~~شيء له . ومن مثل هذا أيضا ما قال مالك في الوسى : يدعى دفع المال إلى ~~اليتيم إنه لا يصدق إلا إن يكون رجلا ادعى على وليه أنه لم يدفع إليه ماله ~~بعد زمان طويل ، قد خرج فيه عن حال الولاية ، حتى إذا طال الزمان ، وهلك ~~الشهود ، قال : فلان وليى ، ولم يدفع إلي مالي ؛ فليس هذا بالذي أريد ! قال ~~ابن رشد هذا ، كما قال من أن ولي اليتيم يصدق مع يمينه في دفع مال اليتيم ~~إليه إذا أنكر القبض وقد طالت المدة ، لأن طول المدة دليل على صدقه لأن ~~العرف يشهد له ؛ فيكون القول قوله ، كما يكون القول المكترى في دفع الكراء ~~إذا طال الأمر بعد انقضاء أمد الكراء ، حتى يجاوز الحد الذي جرى العرف ~~بتأخير الكراء إليه . قال القاضي أبو بكر ابن يبقى بن زرب : إذا قام على ~~وصية بعد انطلاقه من الولاية بأعوام كثيرة كالعشرة والثمان ، يدعي أنه لم ~~يدفع إليه ماله ؛ فلا شيء له قبله يريد من المال ويحلف ، لقد دفع إليه . ~~قال : وإذا لم يكن في حد ذلك سنة ، يرجع إليها فالذي يوجبه النظر أن يكون ~~القول قول PageV01P151 اليتيم إنه ما قبض حتى يمضي من المدة ما يغلب على ~~الظن معها كذبه في أنه لم يقبض ويصدق وليه في أنه دفع . وهذه المسألة ، وإن ~~لم تكن من الديون ، فإنها تشارك الديون في أن الوصي لا يصدق في الدفع إلى ~~اليتيم مع الزمان القريب . والأصل في هذا كله شهادة العرف والعادة . فإذا ~~شهد العرف للمديان ورجح قوله ، صدق في الدفع مع يمينه ؛ وإن لم يشهد له ~~العرف ، فالقول قول رب الدين في أنه لم يقبض ، وقيام رب الدين بعد طول ms147 ~~الزمان به ودعواه عدم القبض مما يوهن دعواه ويكذبه ؛ فيكون القول قول ~~المديان في الدفع مع يمنيه لشهادة العرف به . ومقدار الطول التحقيق فيه ما ~~قاله الإمام أبو عبد الله المازري إنه غير مقدر ، ولا محدود ، إلا بحسب ما ~~تجري به العادة في سائر الجهات وفي أجناس التجارات . والله أعلم ! وفي هذا ~~القدر كفاية . # | ذكر القاضي أبي محمد عبد الله بن يحيى الأنصاري # ومن القضاة ، عبد الله بن يحيى بن محمد بن أحمد بن زكرياء الأنصاري ~~الأوسي ، من أهل غرناطة ؛ وأصله من مرسية ، من بيت جود وفضل يكنى أبا محمد ~~. كان ممن ولى القضاء وهو دون عشرين سنة ، وتصرف فيه بقية عمره بالجهات ~~الأندلسية ؛ فأظهر نزاهة وعدالة ، وأكثر مع ذلك من القراءة والإجتهاد ، حتى ~~صار من أهل القيام ، والإحكام ، والتقدم في عقد الشروط ، والإمامة في علم ~~الفرائض والعدد ، وما يرجع إليه ، عن الأستاذ أبي عبد الله بن الرقام . ~~وروى عن أبي جعفر بن الزبير ، والقاضي أبي عبد الله بن هشام ، والخطيب أبي ~~الحسن بن فضيلة . وكان في قضائه على طريقة حسنة من دماثه أخلاق ، وسلامة ~~أغراض ، وتثبت في المشكلات ، والأمور المشتبهات ؛ وكثيرا ما كان يطيل ~~الجلوس في آخر النهار ، خشية أن يأتي محتاج ضعيف ، أو شاك ملهوف من مكان ~~بعيد ؛ فلا يوجد . وإذا بان له وجه الحق في الحكومة ، أنفذ دون استراب في ~~شيء منه ، أخذ فيه بمذهب ابن مخلد من الأستيناء ، حتى يصير الفريقان إلى ~~التصالح ، احتياطا لنفسه ولغيره . مولده منتصف شهر جمادى الآخر عام 675 . ~~وتوفي وهو قاض ببسطة ، في التاسع عشر في شهر رمضان عام 745 . PageV01P152 # | ذكر القاضي أبي بكر محمد بن أحمد بن شبرين # ومنهم محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الجذامي نزيل غرناطة ~~، وأصله من إشبيلية ، من حصن شلب من كورة باجة غربي صقعها ؛ يكنى أبا بكر ، ~~ويعرف بابن شبرين . وانتقل أبوه عن إشبيلية عند تغلب العدو عليها ، وذلك ~~عام 646 : فاحتل رندة ، ثم غرناطة ، ثم انتقل إلى سبتة ، وبها ms148 ولد ابنه أبو ~~بكر هذا . ثم عاد عند الحادثة التي كانت بها في أواخر عام 705 إلى غرناطة ؛ ~~فارتسم بها في الكتابة السلطانية . ثم تولى القضاء بكثير من الجهات . وكان ~~رحمه الله ! فريد دهره في حسن السمت ، وجمال الرواء ، وبراعة الخط ، وطيب ~~المجالسة ، من أهل الدين والفضل والعدالة ، غابة في حسن العهد ومجاملة ~~العشرة ، أشد الناس اقتدارا على نظم الشعر والكتب الرائق . قرأ على جده ~~لأمه الأستاذ أبي بكر بن عبيدة الإشبيلي ، وعلى الأستاذ أبي إسحاق الغافقي ~~. وكانت له رحلة إلى مدينة تونس ، لقي بها قاض الجماعة الشيخ الإمام أبا ~~إسحاق إبراهيم بن عبد الرفيع وغيره ؛ فاتسع بذلك نطاق روايته . ومن شعره : ~~لي همة كلما حاولت أمسكها . . . على المذلة في أرجا أراضيها قالت : ألم تك ~~أرض الله واسعة . . . حتى يهاجر عبد المؤمن فيها وله في برد غرناطة : رعى ~~الله من غرناطة متبوءا . . . يسر كئيبا أبو يجير طريدا تبرم منها صاحبي بعد ~~ما رأى . . . مسارحها بالبرد عدن جليدا هي الثغر صان الله من أهلت به . . . ~~وما خير ثغر لا يكون برودا توفي ، عن غير عقب من الذكور ، ثالث شعبان من ~~عام 747 . PageV01P153 # | ذكر القاضي أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى بن زكرياء # ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى شقيق الفقيه القاضي محمد بن زكرياء ~~المتقدم الذكر . وكان من سراة القضاة ، طرفا في الخير والاقتصاد والتعزز ~~والانقباض ، بارعا في الخط ؛ أخذ بحظ من النظم والنثر ، واستعمل في القضاء ~~؛ فسار فيه بأجمل سيرة وأحمد طريقة . قرأ على أبيه ؛ ثم تحول إلى الأستاذ ~~أبي جعفر بن الزبير ، وأخذ بسبتة عن أبي إسحاق الغافقي ، وصحب صوفية وقته ~~كأبي عبد الله التونسي ، وأبي جعفر بن الزيات ، وأبي الطاهر بن صفوان . ~~وكتب بالدار السلطانية ؛ فكان زين أخدانه ، وصدر إخوانه . مولده في الثالث ~~والعشرين لشعبان من عام 751 . # | ذكر القاضي أبي بكر محمد بن عبيد الله بن منظور القيسي # ومن أعلام القضاة ، الشيخ الفقيه أبو بكر محمد بن عبيد الله بن محمد بن ~~يوسف بن يحي بن عبيد الله ms149 بن منظور القيسي المالقي ، وأصله من إشبيلية ، من ~~البيت الأثيل المشهور ؛ ويكفي من التعريف بقدم إصالته الكتاب المسمى ب ~~الروض المنظور ، في وصاف بني منظور . وكان هذا القاضي رحمه الله ! جم ~~التواضع ، كثير البر . مبذول البشر ، قويا مع ذلك على الحكم ، بصيرا بعقد ~~الشروط ، مترفقا بالضعيف . ولي القضاء بجهات شتى من الأندلس ، فحمدت سيرته ~~، وشكرت طريقته ؛ ثم تقدم ببلده مالقة قاضيا وخطيبا بقصبتها . وكان سريع ~~العبرة ، كثير الخشية ، جاريا على سنن أسلافه من الفضل وإيثار البذل . قرأ ~~على الأستاذ أبي محمد بن أبي السداد الباهلي ، ولازمه ، وانتفع به وسمع على ~~غيره . وأجازه ابن الزبير ، وابن عقيل الرندى ، وأبي عمرو الطنجي ، وغيرهم ~~. وله تآليف ، سمعت عليه بعضها ، وناولني سائرها ؛ منها نفحات النسوك ، ~~وعيون التبر المسبوك ، في أشعار الخلفاء والوزراء والملوك ؛ وكتاب السجم ~~الواكفة ، والظلال الوارفة ، في الرد على ما تضمنه المظنون به من ~~PageV01P154 اعتقادات الفلاسفة ؛ وكتاب البرهان والدليل ، في خواص سور ~~التنزيل . وأنشدني لنفسه من لفظه : ما للعطاس ولا للفأل من أثر . . . فثق ~~بدينك بالرحمان واصطبر فسلم الأمر فالأحكام ماضية . . . تجري على السنن ~~المربوط بالقدر وتوفي ببلده مالقة ؛ وقبر بها شهيدا بالطاعون ، وذلك منتصف ~~شهر صفر من عام 750 . وعقبه مستعمل في خطة القضاء على الطريقة المثلى من ~~المبرة وكثرة الحشمة تولاه الله تعالى ! # | ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد الطنجالي # ومهم قريبنا وصاحبنا ، الخطيب أبو عبد الله محمد بن شيخنا الخطيب أبي ~~جعفر أحمد ابن شيخنا أيضا الولي الكبير الشهيد أبي عبد الله محمد بن أحمد ~~بن يوسف الهاشمي الطنجالي ، أحد أماثل قطره ، وذوي الأصالة والجلالة من ~~أهله . تقدم قاضيا ببلده مالقة ، وقد نجمت بن بواكي الوباء الأكبر ، وذلك ~~صدر عام 750 ، بعد تمنع منه واباية . فلم يوسعه الأصحاب عذرا في التوقف ، ~~وشرطوا له عونهم اياه ، كالذي جرى للحارث بن مسكين بمصر مع إخوانه في الله ~~تعالى . وما كان إلا أن ولي الطنجالي وحمى وطيس الطاعون الأعظم الذي حسبت ~~ظهوره في زماننا هذا أنه من علامات نبوة نبينا ms150 محمد صلى الله عليه وسلم ! ~~فقد ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك : اعدد ~~ستا بين يدي الساعة : موتى ؛ ثم فتح بيت المقدس ؛ ثم موتان يأخذ فيكم كعقاص ~~الغنم ؛ ثم استفاضة المال ؛ حتى يعطى الرجل مائة دينار ، فيظل ساخطا ؛ ثم ~~فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته ، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر ~~، فيغدرون ، فيأتونكم تحت ثمانين غاية ، تحت كل غاية إثنا عشر ألفا ! ه نص ~~. والغاية هي الراية ؛ وبنو الأصفر هم الروم . ولا يبعد أن تكون المهادنة ~~المشار إليها هذه التي نحن فيها في الأندلس منذ اثنين وثلاثين PageV01P155 ~~سنة ، أولها هلاك ملك النصارى المسمى بالفنش بن هرانده بن شانجه ، وهو ~~بظاهر جبل الفتح حاصرا له ، وذلك عاشر المحرم من عام 750 والى هلم . وقلما ~~يعلم أنه جرى بين الملتين مثلها في طول المدة واستصحاب المسالمة . والله ~~أعلم بالمراد من ذلك كله ، في الحديث الذي أوردناه ، هل هو ما ذكرناه ~~ونبهنا عليه ، أم غيره ! وعلى كل تقدير ، والله تعالى يلطف بالساكن في هذه ~~الجزيرة المنعطفة من البحر الزاخر ، والعدو الكافر ، ويجعل عافية من بها ~~إلى خير ! والعقاص المذكور في الحديث هو داء يصيب الغنم ، فتموت بإذن الله ~~. والطاعون سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقال : رجس أرسل على ~~بني إسرائيل ! وقيل إنه أول ما بدأ بهم في الأرض ، ومات به منهم عشرون ألفا ~~. وقيل : سبعون ألفا في ساعة واحدة . وقيل إنهم عذبوا به . وفي الحديث أيضا ~~سئل عليه السلام ! عن الطاعون ؛ فقال : غدة كغدة البعير ، تخرج في المراق ~~والآباط . قال أبو عمر : قال غير واحد : وقد تخرج في الأيدي ، والأصابع ، ~~وحيث ما شاء الله من البدن . وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ! حق ~~وإنه الغالب . وقال الخليل : الوباء الطاعون . وقال غيره : كل مرض يشتمل ~~الكثير من الناس في جهة من الجهات ، فهو طاعون . وعن عياض : أصله القروح في ~~الجسد ؛ والوباء عموم المرض : فسمى لذلك طاعونا ، تشبيها بالهلاك . وقيل ms151 ~~فيه غير ما ذكر . وقد شاهدنا منه غرائب يقصر اللسان عن بيان جملة أجزائها . ~~ومنها انتهى عدد الأموات في تلك الملحمة الوبائية بمالقة إلى ما يزيد في ~~اليوم على الألف ، بقي بعد ذلك أشهرا حتى خلت الدور ، وعمرت القبور ، وخرج ~~أكثر الفقهاء والفضلاء والزعماء ، وذهب كل من كان قد شرط للقاضي أبي عبد ~~الله إعانته على ما تولاه . وكان من لطف الله تعالى بمن بقي حيا من الضعفاء ~~بمالقة كون القاضي لهم بقيد الحياة ، إذ كان قبل ذلك ، على تباين طبقاتهم ، ~~قد هرعوا إليه بأموالهم ، وقلدوه تفريق صدقاتهم ؛ فاستقر لنظره من الذهب ، ~~والفضة ، والحلي ، والذخيرة ، وغير ذلك ، ما تضيق عنه بيوت أموال الملوك ؛ ~~فأرفد جملة من الطلبة وفقراء البلدة ، وتفقد سائر الغربة ، وصار يعد كل يوم ~~تهيئة مائة قبر حفرا ، وأكفانهم برسم من يضطر إليها من الضعفاء فشمل النفع ~~به الأحياء والأموات . بقي هو وغيره من أهل القطر على ذلك زمانا ، ~~PageV01P156 مشاركة بالأموال ومساهمة في المصايب والنوازل ، إلى أن خف ~~الوباء ، وقل عدد الذاهبين به والمسالمين بسببه ؛ فأخذ بالجد التام في صرف ~~الأوقات إلى إمكانها ، ووضع العهود في مسمياتها ؛ فانتشع بذلك الفل ، وذهب ~~على أكثرهم القل . والله لطيف بعباده . وكان هذا الرجل المترجم به جلدا ، ~~قويا في نفسه ، بدنا ، طوالا هاشميا خلقا وخلقا ، نبيها ، نزيها ، خطيبا ، ~~مهيبا ، أصيل الرأي ، رصين العقل ، قائما على عقد الشروط وعلم الحساب ~~والفرائض على طريقة جده وسميه الولي أبي عبد الله . ولما من الله سبحانه ~~برفع ما كان نزل بالناحية المالقية من الطاعون ، واستروح من بقي بها من ~~الخلائق روح الحياة ، وكادت النفوس أن ترجع إلى مألوفاتها ، وتقوم ببعض ~~معتاداتها ، نهض بنفسه القاضي أبو عبد الله إلى أمير المسلمين السلطان ~~المؤيد أبي الحجاج رحمه الله وأرضاه ! فورد عليه ، وهو بحضرته ، وطلب منه ~~الإنعام عليه بالإعفاء من القضاء ؛ فأنزله بمنزلة التجلة ، وراجعه بعد ذلك ~~بما حاصله : حوائجك كلها مقضية لدينا ، إلا ما كان الآن من الإعفاء ؛ فارجع ~~إلى بلدك ، واكتب إلينا إن شئت من هنالك بما ms152 يظهر لك ، بعد تقديم الاستخارة ~~. ولعل العمل أن يقع بموافقة إرادتك ، إن شاء الله ! فارتحل عنه شاكرا فعله ~~، وداعيا بالخير له ، هو وكل من بلغه عن السلطان ما قابل به مستعفيه . هذا ~~من التلفظ الجميل ، والفضل الجزيل . ثم كتب من بلده مالقة ، يخبر باستمرار ~~عزيمته على ما نواه أولا من الخروج عن القضاء ، والاقتصار على الخطة . ~~فوصله الجواب بإسعاف غرضه . وتقدم الشيخ أبو القاسم بن سلمون الكناني قاضيا ~~في مكانه . فأظهر السرور بذلك كله . ولما قدم ابن سلمون على مالقة ، تلقاه ~~، وحياه ، وحضر عن اختياره ، تخلقا منه وتواضعا في جملة الفقهاء وعامة أهل ~~المصر بالقبة الكبرى من المسجد الجامع ، عند قراءة رسوم الولاية ، على ~~العادة المعتادة هنالك . ثم انتقل القاضي الجديد ، إثر الفراغ من الغرض ~~المطلوب ، بالاجتماع إلى مجلس الحكومة ؛ فمال إليه الحاضرون ، وتبعوه ~~بجملتهم ، وتركوا صاحبهم القديم ، كأن لم يشعروا به ، كالذي جرى ليحيى بن ~~معمر بقرطبة مع أصحابه ، إذ الناس ناس والزمان زمان . ولم يثبت إذ ذاك مع ~~الطنجالي أحد من القوم غيري ، وغير الخطيب أبي عبد الله بن حفيد الأمين . ~~فتأملت ، أثناء ما دار بيننا من الكلام PageV01P157 في الموطن ، وجه صاحبنا ~~القاضي ؛ فإذا هو على هيئة المتخشع ، لمفارقته المألوف قبل من أيمة الخطة ، ~~وتكاتف الحاشية ، وترادف الوزعة . فتذكرت عند ذلك الحكاية التي نقلها الحسن ~~بن محمد بن أبي محمد بن أسد ، وقد أثبتها ابن بشكوال أيضا في صلته . وهي أن ~~السلطان كان قد تخيره لقراءة الكتب الواردة عليه بالفتوح بالمسجد الجامع من ~~قرطبة على الناس ، لفصاحته ، وجهارة صوته ؛ فتولى له ذلك مدة قوته ونشاطه ؛ ~~فلما بدن ، وتثاقل ، استعفاه ؛ فأعفاه ، ونصب سواه . فكان يقول عند ذكره ~~الولاية والعزل : ما وليت لبني أمية ولاية قط غير قراءة كتب الفتوح على ~~المنبر ! فكنت أنصب فيه ، واتحمل الكلفة دون رزق ولا صلة . ولقد كسلت منذ ~~أعفيت عنها ، وخامرني ذل العزلة ! ولم تكن نفس الخطيب أبي عبد الله ~~المستعفى عن القضاء بتلك المنزلة الموحدة ؛ ولاكنه ظهر لي إذ ذاك ، لأجل ما ~~تخيلت ms153 من انفعاله ، أن كتبت له ، عند حلوله بمنزله ، بالأبيات المثبوتة بعد ~~على جهة التسلية ، والتغبيط بالتخلية . والمنظوم هو ما نصه : لك الله با ~~بدر السعادة والبشر . . . نشرت بأعلى راية الفخر ولا سيما لما وليت أمورها ~~. . . فرويتها من عذب نائلك الغمر ودارت قضاياها عليك بأسرها . . . على حين ~~لا بد يمين على بشر فقمت بها خير القيام مصمما . . . على مثل تصميم المهندة ~~السمر فسر بك الإسلام يا ابن حماية . . . وأمست بك الأحكام باسمه الثغر ~~تعيد عليك الحمد ألسن حالها . . . وتحفظ ما يرضيك من سور الشكر ولكنك ~~استعفيت عنها تورعا . . . وتلك سبيل الصالحين كما تدرى جريت على نهج ~~السلامة في الذي . . . تخيرته فابشر بأمنك في الحشر وحقق بأن الدين ولاك ~~خطة . . . من العز لا تنفك عنها مدى العمر تزيد على مر الجديدين جدة . . . ~~وتسرى النجوم الزاهرات ولا تسر ومن لاحظ الأحوال وازن بينها . . . ولم ير ~~للدنيا الدينة من خطر وأمسى لأنواع الولاية نابذا . . . فقير نكير أن تواجه ~~من نكر PageV01P158 فيهنيك يهنيك الذي أنت أهله . . . من الزهد فيها ~~والتوقي من الوزر ولا تكترث من تاركيك فإنهم . . . حصى والحصى لا ترتقي ~~مرتقى البدر ومن عامل الأعوام بالله مخلصا . . . له فيهم نال الجزيل من ~~الأجر بقيت لربع الفضل تحيى رسومه . . . وخار لك الرحمن في كل ما يجرى وكان ~~شيخنا أبو عبد الله بن بكر يتوهم في أبي عبد الله الطنجالي السودد وهو صبي ~~. وسمعته يقول ، وقد دخل عليه في مجلس إقرائه بمالقة : هذا هاشمي ، أشعري ، ~~إذ كانت والدته أمة العزيز بنت القاضي أبي عامر بن محمد بن ربيع الأشعري . ~~وربما قصد الشيخ بمقالته الوصف بالمذهب الأشعري والتورية . والطنجاليون ~~ينتسبون من أولاد هاشم بن عبد مناف إلى جعفر بن عقيل بن أبي طالب بن عبد ~~المطلب بن هاشم ، وبنو هاشم آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وما فوق ~~غالب غير آل . وما بينهما قولان . وكان من الأسباب الحاملة للقاضي أبي عبد ~~الله على الاستعفاء من الحكم ، ترادف النوازل المشتبهات عليه ، بعد انصراف ~~الطاعون ، واختلاف من عاش ms154 بعده من الفقهاء ، عند الأخذ معهم فيما يشكل عليه ~~من المسائل . وكان يكره مخالفة من جملتهم ، ويحذر موافقة بعضهم . وطمع في ~~الشيخ الصالح أبي عبد الله بن عياش بقية أن يسمعه بحظ من نظره وإرشاده ؛ ~~فنفر عن ذلك كل النفور ، وراجعه فيما قاله ابن فروخ لأبن غانم . ونصه : ولم ~~أقبلها أميرا ! أقبلها وزيرا ؟ وأخبرني مع ذلك كله صاحبنا بأنه رأى في ~~المنام ما يقتضى قرب وفاته من قراض مدة حياته ؛ فجعل النظر لنفسه . فتوفي ~~رحمه الله ! بعد استعفائه ، واجتهاده في طلب التخلص من تبعات قضائه ، وذلك ~~صدر عام 753 ، عن غير عقب من الذكور . وفجع به والده الخطيب أبو جعفر نفعه ~~الله وأعظم أجره ! وقولنا في الأبيات فابشر بأمنك في الحشر ، وهو بفتح ~~الشين ، يقال بشرت بكذا ، أبشر بكسر الشين في الماضي ، وفتحها في المستقبل ~~، إذا سررت به واستبشرت . فالأمر منه إبشر بكسر الهمزة وفتح الشين ، نحو ~~الأمر من علم يعلم وهمزته همزة وصل ، لأنه أمر من فعل ثلاثي بعد حرف ~~المضارعة منه ساكن ؛ PageV01P159 فتجتلب له همزة الوصل ، لتعذر الابتداء ~~بالساكن ، وتكون الهمزة مكسورة ، لأن ثالث المضارع مفتوح كإعلم وإجعل . ~~فعلى هذا تقدير سقوط الهمزة من البيت الذي هو : جريت على نهج السلامة في ~~الذي . . . تخيرته فابشر بأمنك في الحشر جار على القياس في سقوط همزة الوصل ~~في الدرج والاعتراض في ذلك . ويكون معنى فابشر بامنك في الحشر أي اسرر ~~واستبشر . قال الجوهري رحمه الله ! بشرت الرجل ابشره بالضم بشرا وبشورا من ~~البشرى وكذلك الإبشار والتبشير ثلاث لغات . والاسم البشارة ، والبشارة ~~بالكسر والضم في الباء . يقال بشرته بمولود فأبشر إبشارا أي سر . وتقول ~~أبشر بخير بقطع الألف . ومنه قوله تعالى : ' وأبشر بالجنة ' وبشرت بكذا ~~أبشر أي استبشرت . قال الشاعر : فإذا رأيت الباهتين إلى العلى . . . غبرا ~~أكفهم بقاع معجل فأعنهم وابشر بما بشروا به . . . وإذا هم نزلوا بضنك فانزل ~~وأتاني أمر بشرت به أي سررت به . وبشرني فلان بوجه حسن أي لقيني وهو حسن ~~البشر أي طلق الوجه . والبشارة المطلقة لا ms155 تكون إلا في الخير ، وإنما تكون ~~في الشر إذا كانت مقيدة كقوله تعالى : ' فبشرهم بعذاب أليم ! ' وتباشر ~~القوم أي بشر بعضهم بعضا . وتباشير الأمر أوائله ، وكذلك أوائل كل شيء . ~~والبشير المبشر . والمبشرات الرياح التي تبشر بالغيث . والبشر الحميل ~~والمرأة بشرة ه . وإذا بنينا على أنه يقال بشر بمولود أو خير بتخفيف الشين ~~، فأبشر إبشارا أي سر ، فالمضارع منه يبشر بضم الياء وكسر الشين . والأمر ~~منه أبشر بقطع الألف كقوله تعالى : ' أبشروا بالجنة ! ' فعلى هذا تكون ~~همزته همزة قطع ؛ فسقوطها في الدرج ممنوع في النثر ، اتفاقا ؛ وكذلك في ~~الشعر عند الخليل وجل أهل البصرة ؛ وأما أهل الكوفة فقالوا . بجوازه في ~~الشعر ، وإن كان فيه خروج من أصل إلى فرع ، ولأن الشعر محل الضرورة ، ~~وشبهوه بالمقصور ، وقالوا : والضروارات تبيح المحذورات . PageV01P160 # | ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام المنستيري # ومن القضاة بحضرة تونس ، وصدور علمائها في زمانه ، الشيخ الفقيه المدرس ، ~~أبو عبد الله محمد بن عبد السلام المنستيري ، منسوب لقري بظاهرها . وهو ممن ~~برع في المعقولات ، وقام على حفظ المنقولات ؛ وعلم ، وفهم ، وأدب ، وهذب ، ~~وصنف كتبا ، منها شرحه لمختصر أبي عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب الفقهي ، ~~المتداول لهذا العهد بأيدي الناس . وكان رحمه الله ! في أقضيته على نحو ما ~~وصف به . وكيع في كتابه للقاضي إسماعيل بن إسحاق ، حيث قال : وأما شدائده ~~في القضاء ، وحسن مذهبه فيه ، وسهولة الأمر عليه فيما كان يلتبس على غيره ، ~~فشئ شهرته تغنى عن ذكره ، إلى ما عرف به في قطره من القوة على أمر الناس ، ~~والاستخفاف بسخطهم ، وملامتهم في حق الله ، وحفظ ما يرجع لرسوم القضاء . ~~ومن ذلك عمله في العقد الذي شهد فيه جملة من أعلام المغرب ، أيام كونهم ~~بتونس عند دخولها في الأيالة المرينية ؛ فرد شهادتهم وعوتب على ذلك ؛ فقال ~~: أو ليس قد فروا من الزحف ، مع توفر الأسباب المانعة لهم شرعا عن الوقوع ~~في معرة الأدبار ! ويشير إلى الكائنة الشنعاء التي كانت لهم بظاهر طريف مع ~~الروم عام 741 . ومن أخباره ms156 أنه ، لما تغلب الشيخ أبو محمد عبد الله بن ~~تافرجين على مدينة تونس دون قصبتها ، عند خروج السلطان أبي الحسن أمير ~~المسلمين عنها ، بقصد مدافعة وفود العرب العادية على أرضها ، فهزمت جيوشه ، ~~واستقر هو ومن بقي معه من جنده محصورا بداخل القيروان . فجاء قي أثناء ذلك ~~يوم الجمعة ؛ فقال المتغلب على الأمر للخطيب بالمسجد الجامع بتونس : اخطب ~~بدعوة الأمير أبي العباس بن أبي دبوس من الموحدين ! وكان في المسجد القاضي ~~ابن عبد السلام ؛ فاقل : والسلطان المريني ؟ فراجعه الشيخ بأنه في حكم ~~الحصار داخل القيروان بحيث لا يستطيع الدفاع عن نفسه . قال : فتلزم إذا ~~مناصرته ، والعمل على الوفاء بما شرط له عند مبايعته ! فرد عليه بأن ~~PageV01P161 الأخبار تواترت بعد ذلك بتلفه ، وانتزاع ملكه . فقال الخطيب ~~وقال على تقدير صحة هذا النقل : الفرع زال بزوال الأصل . انظروا ما يصلح ~~بكم لخطبتكم ! وارتفعت الأصوات والمراجعات ؛ فقطع القاضي الكلام بمبادرته ~~إلى الخروج ، وهو يقول : ولم يثبت لدينا ما يوجب العدول عن طاعة السلطان ~~أبي الحسن ، واستصحاب الحال حجة لنا وعلينا ! وكاد وقت صلاة الجمعة أن يفوت ~~؛ فوجه عند ذلك المتغلب على المدينة إلى القاضي ثقة ، يخبره باستمرار الأمر ~~في الخطبة على ما كانت عليه ؛ فدعا الخطيب وتمت الصلاة على الرسم المتقدم ؛ ~~وحصلت السلامة للقاضي بحسن نيته ، وعد مخالفة فقهاء مدينته جزاه الله ~~وأياهم خير جزائه ! وحدثني بهذه الحكاية غير واحد من الثقات الأثبات ، منهم ~~صاحبنا الفقيه المتفنن الأصيل أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الخضرمي ~~. وأخبرني كذلك عن هذا القاضي رحمه الله ! بما حاصله : إن الأمير أبا يحيى ~~استحضره مع الجملة من صدور الفقهاء للمبيت بدار الخلافة ، والمثول بين يديه ~~، ليلة الميلاد الشريف النبوي ، إذ كان قد أراد إقامة رسمه على العادة ~~الغربية ، من الاحتفال في الأطعمة ، وتزيين المحل ، بحضور الأشراف ، وتخير ~~القوالين للأشعار المقرونة بالأصوات المطربة ؛ فحين كمل المقصود من المطلوب ~~، وقعد السلطان على أريكة ملكه ، ينظر في ترتيبه ، والناس على منازلهم ، ~~بين قاعد وقائم ، هز المسمع طره ، وأخذ يهنئهم بألحانه ms157 ؛ وتبعه صاحب يراعة ~~بعادته من مساعدته ، تزحزح القاضي أبو عبد الله عن مكانه ، وأشار بالسلام ~~على الأمير ، وخرج من المجلس ؛ فتبعه الفقهاء بجملتهم إلى مسجد القصر ؛ ~~فناموا به . فظن السلطان أنهم خرجوا لقضاء حاجاتهم ؛ فأمر أحد وزرائه ~~بتفقدهم والقيام بخدمتهم ، إلى عودتهم وأعلم الوزير الموجه لما ذكر القاضي ~~بالغرض المأمور به ؛ فقال له : أصلحك الله ! هذه الليلة المباركة التي وجب ~~شكر الله عليها ، وجمعنا السلطان أبقاه الله ! من أجلها ، لو شهدها نبينا ~~المولود فيها صلوات الله وسلامه عليه ! لم يأذن لنا في الاجتماع على ما نحن ~~فيه ، من مسامحة بعضنا لبعض في اللهو ، ورفع قناع الحياء بمحضر القاضي ~~والفقهاء ! وقد وقع الاتفاق من العلماء على أن المجاهرة بالذنب محظورة ، ~~إلا أن تمس إليها حاجة كالإقرار بما يوجب الحد أو الكفارة . فليسلم لنا ~~الأمير أصلحه الله ! في القعود بمسجده هذا إلى الصباح ! وإن كنا في مطالبة ~~أخر من تبعات رياء ، PageV01P162 ودسائس أنفس ، وضروب غرور ، لا كنا ، كما ~~شاء الله ، في مقام الاقتداء لطف الله بنا أجمعين بفضله ! فعاد عند ذلك ~~الوزير المرسل للخدمة الموصوفة إلى الأمير أبي يحيى ، وأعلمه بالقصة ؛ ~~فأقام يسيرا ، وقام من مجلسه ، وأرسل إلى القاضي من ناب عنه في شكره ، وشكر ~~أصحابه ، ولم يعد إلى مثل ذلك العمل بعد . وصار في كل ليلة يأمر في صبيحة ~~الليلة المباركة بتفريق طعام على الضعفاء ، وإرفاق الفقراء ، شكرا لله . ~~وكان هذا القاضي رحمه الله مشتغلا بالعلم وتدريسه ، قلما يفتر في كثرة ~~أوقاته عن نظره واجتهاده . حضرت مجلس إقرائه بتونس عند وصولي إليها في ~~الموكب الغربي ؛ فالفيته يتكلم في الباب الثاني من كتاب المعالم للفقيه ابن ~~الخطيب الداني ، إلى أن بلغ إلى مناظرة أبي الحسن الأشعري لأستاذه أبي علي ~~الجبائي ، المنصوصة في الباب التاسع ، حيث سأله عن ثلاثة إخوة ، أحدهم كان ~~مؤمنا والثاني كان كافرا ، والثالث كان صغيرا ، ماتوا كلهم ؛ فكيف حالهم ؟ ~~فقال الجبائي : أما المؤمن ، ففي الدرجات ؛ وأما الكافر ففي الدركات ؛ وأما ~~الصغير فمن أهل السلامة ! فقال الأشعري : إن أراد الصغير ms158 أن يذهب إلى درجات ~~المؤمن ، هل يؤذن له فيها ؟ فقال الجبائي : لا لأنه يقال له : إن أخاك ~~المؤمن إنما وصل إلى تلك الدرجات بسبب طاعته الكثيرة ، وليس لك تلك الطاعة ~~! فقال أبو الحسن : فإن قال ذلك الصغير : التقصير ليس مني ، لأنك لا ~~أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة ؟ فقال الجبائي : يقول الله تبارك وتعالى ! ~~' كنت أعلم ' أنك لو بقيت وصرت مستحقا للعقاب فراعيت مصلحتك . قال أبو ~~الحسن : فإن قال الكافر : يا إلاه العالمين ! كيف علمت حاله علمت حالي ! ~~فلم رعيت مصلحته دوني ! فانقطع الجبائي . وهذه المناظرة دالة على أن الله ~~سبحانه يخص برحمته من يشاء ، وأن أفعاله غير معللة بشيء من الأغراض . انتهى ~~ما تيسر من نبذ أخبار القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام ، سمي مالك ابن ~~أنس وشبيهه نحلة وحمرة وشقرة رضي الله عنهما ورحمهما ! توفي في أوائل ~~الطاعون النازل ببلده قبل عام 750 . واحتمله طلبته إلى قبره ، وهم حفاة ، ~~مزدحمون على نعشه نفعهم الله واياه بفضله ! PageV01P163 # | ذكر القاضي أبي البركات المعروف بابن الحاج البلفيقي # ومن مشاهير القضاة الشيخ أبو البركات ، وهو محمد بن محمد بن إبراهيم بن ~~محمد ابن خلف السلمي ، من ذرية العباس بن مرداس المعروف في بلده بابن الحاج ~~، وفي غيره بالبلفيقي . وبلفيق حصن من عمل مدينة المرية . وبيته بيت دين ~~وفضل . ذكر ابن الأبار جده الأعلى أبا إسحاق ، وأطنب في الثناء عليه بالخير ~~والصلاح . وكان هذا الشيخ المترجم عنه ممن نشأ على طهارة وعفاف ؛ واجتهد في ~~طلب العلم صغيرا وكبيرا ، وعبر البحر إلى بجاية ؛ فأدرك بها المدرس المعمر ~~أبا علي منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي ، وحضر مجالسه العلمية ، وأخذ ~~عنه وعن غيره من أهلها ؛ ثم إنه أتى إلى مراكش ، وتجول فيما بينها من ~~البلاد . وأثار السكنى بسبتة على طريقة جده إبراهيم الأقرب إليه ، إذ كان ~~أيضا قد استوطنها . ثم عاد إلى الأندلس ؛ فأقام منها بمالقة ، واختص ~~بخطيبها الشيخ الولي أبي عبد الله الطنجالي ، وروى عنه وعن غيره ، وقيد ~~الكثير بخطه ، ودام في ابتداء ms159 طلبه التشبيه بالقاضي أبي بكر بن العربي ، في ~~لقاء العلماء ومصاحبة الأدباء ، والأخذ في المعارف كلها ، والتكلم في ~~أنواعها والإكثار من ملح الحكايات ، وطرف الأخبار ، وغرائب الآثار ، حتى ~~صار حديثه مثلا في الأقطار ؛ وهو مع ذلك ، على شدة انطباعه ، وكثرة ردعته ، ~~سريع العبرة عند ذكر الآخرة ، قريب الدمعة . وكان كثير الضبط لحاله ، مهتما ~~بالنظر في تثمير ماله ، آخذا في نفقته بقول سحنون بن سعيد : ما أحب أن يكون ~~عيش الرجل إلا على قدر ذات يده ؛ ولا يتكلف أكثر مما في وسعه ! وكان يميل ~~إلى القول بتفضيل الغني على الفقير ، ويبرهن على صحة ذلك ، ويقول : وبخصوص ~~في البلاد الأندلسية ، لضيق حالها ، واتساع نطاق مدنها ، ولا سيما في حق ~~القضاة ؛ فقد شرط كثير من العلماء في القاضي أن يكون غنيا ، ليس بمديان ولا ~~محتاج . ومن كلامه رحمه الله ! من اقتصر على التعييش من مرافق الملوك ، ضاع ~~هو ومن له ، وشمله القل ، وخامره الذل . اللهم ! إلا من كان من القوة بالله ~~قد بلغ من الزهد في الدنيا إلى الحد الذي يكسبه الراحة بالخروج عن متاعها ، ~~وترك PageV01P164 شهوتها ، قليلها وكثيرها ، مالها وجاهها . بأمر آخر ! ومن ~~لنا بالعون على تحصيل هذا المقام ، ولا سيما في هذا الزمان ، ولم نسمع ممن ~~قاربه من الولاة المتقدمين بالأندلس إلا ما حكى عن إبراهيم بن أسلم ، وقد ~~أراد الحكم المستنصر بالله رياضته ؛ فقطع عنه جرايته ؛ فكتب إليه عند ذلك : ~~تزيد على الإفلال نفسي نزاهة . . . وتأنس بالبلوى وتقوى مع الفقر فمن كان ~~يخشى صرف دهر فإنني . . . أمنت بفضل الله من نوب الدهر فلما قرأ الحكم ~~بيتيه ، أمر برد الجراية ، وحملها إليه . فأعرض عنها ، وتمنع من قبولها ، ~~وقال : إني ، والحمد لله ! تحت جراية من إذا أعصيته ، لم يقطع عني جرايته ! ~~فليفعل الأمير ما أحب ! فكان الحكم بعد ذلك يقول : لقد أكسبنا ابن أسلم ~~بمقالته مخزاة عظم منا موقعها ، ولم يسهل علينا المقارضة بها ! وتولى الشيخ ~~أبو البركات القضاء في بلاد عديدة ، منها مالقة : تقدم بها بعد شيخنا أبي ~~عمرو بن منظور ms160 ، وذلك صدر عام 735 ؛ ثم نقل إلى قضاء الجماعة بحضرة غرناطة ~~والخطابة بها . وكان مستوفيا لشروط الخطبة وجوبا وكمالا من صورة وهيئة ، ~~وطيب نغمة ، وكثرة خشوع ، وتوسط إنشاء . وشهر بالصرامة في أحكامه ، ~~والنزاهة أيام نظره . ثم تأخر عن قضاء الحضرة ، وأقام بها مدة ، إلى أن صير ~~إلى مدينة المرية ! ثم أعيد إلى قضاء الجماعة ، واستعمل في السفارة بين ~~الملوك ؛ فصحبه السداد ، ورافقه الإسعاد ، وكان في أطواره سريع التكوين ، ~~طامعا في الوصول إلى مقام التمكين ، كثير الانتقال من قطر إلى قطر ، ومن ~~عمل إلى عمل ، من غير استقرار منزل أو محل واحد . ولذلك قال في أبياته التي ~~أولها : إذا تقول : فدتك النفس في حالي . . . يفنى زماني في حل وترحال وكان ~~التكلم بالشعر من أسهل شيء عليه ، في كثير مراجعاته ، وفنون مخاطباته . وله ~~منه ديوان كبير ، يحتوي من ضروب الأدب على جد وهزل ، وسمين وجزل ، سماه ب ~~العذب والاجاج ؛ وكتاب وسمه ب المؤتمن في أنباء من لقيه من أبناء الزمن . ~~PageV01P165 واستقر أخيرا بمدينة المرية قاضيا وخطيبا ، إلى أن توفي بها في ~~شهر رمضان عام 773 ، عن بنت من أمته ، لا غير من الأولاد ، وأربع زوجات ، ~~وعاصب بعيد . وكان ، أيام حياته ، ممن اكتسب المال الجم ، وتمتع من النساء ~~بما لم يتأت في قطره لأمثاله من الفقهاء . وهو من أصحابنا القدماء ، الذين ~~ورثنا ودهم ، وشكرنا عهدهم رحمه الله وغفر له وأرضاه ! ومن شعره في ~~المجبنات ، وهو النمط البديع : ومصفرة الخدين مطوية الحشا . . . على الجبن ~~والمصفر يؤذن بالخوف لها بهجة كالشمس عند طلوعها . . . ولاكنها في الحين ~~تغرب في الجوف وقوله : إذا ما كتمت السر عمن أوده . . . توهم أن الود غير ~~حقيق ولم أخف عنه السر من ضنة به . . . ولاكنني أخشى صديق صديق وقوله : ~~قالوا : تغربت عن أهل وعن وطن . . . فقلت : لم يبق لي أهل ولا وطن مضى ~~الأحبة والأهلون كلهم . . . وليس لي بعدهم سكنى ولا سكن أفرغت دمعي وحزني ~~بعدهم فأنا . . . من بعد ذلك لا دمع ولا حزن وقوله : رعى الله إخوان ~~الخيانة إنهم . . . كفونا ms161 مؤنات البقاء على العهد ولو قربوا كنا أسارى ~~حقوقهم . . . نراوح ما بين النسيئة والنقد وقوله يعتذر لبعض الطلبة ، وقد ~~استدبره لبعض حلق العلم بسبتة : إن كنت أبصرتك لا أبصرت . . . بصيرتي في ~~الحق برهانها لا غرو إني لا أشاهدكم . . . فالعين لا تبصر إنسانها ~~PageV01P166 وقوله : يلومونني بعد العذار على الهوى . . . ومثلي في حبي له ~~لا يفند يقولون : أمسك عنه قد ذهب الصبا . . . وكيف أرى الإمساك والخيط ~~أسود وقوله : وإني لخير من زماني وأهله . . . على أنني للشر أول سائق لحى ~~الله عصرا قد تقدمت أهله . . . فتلك لعمر الله إحدى البوائق # | ذكر القاضي أبي القاسم بن سلمون # ومن الرواة القضاة ، الشيخ الفقيه المحدث الفاضل أبو القاسم سلمون بن علي ~~بن عبد الله بن علي بن سلمون الكناني البياسي الأصل ، الغرناطي المولد ~~والنشأة . ومن أهل بلنسية محمد بن أحمد بن سلمون ، أحد أشياخ القاضي أبي ~~العباس الغماز . وكان صاحبنا أبو القاسم هذا المذكور أولا رحمه الله ! ~~فقيها جليلا ، فاضلا ، أصيلا ، بصيرا بعقد الشروط والأحكام . وله فيها ~~تقييد مفيد . أخذ عن جملة من الشيوخ أولهم الأستاذ أبو جعفر بن الزبير . ~~وأجازه من أهل المغرب والمشرق والأندلس عدد كثير يزيد على المائة ، حسبما ~~تضمنه برنامج روايته : منهم ابن الغماز البلنسي قاضي الجماعة بتونس بعد ~~خروجه من الأندلس وهو أحمد بن محمد الخزرجي ؛ والشيخ الراوية شرف الدين أبو ~~محمد بن أحمد بن خلف الدمياطي صاحب دار الحديث بالبلاد المصرية في زمانه ؛ ~~ومنهم تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الحسن الغرابي وغراب الذي ~~ينسب إليها بلدة في أرض واسط ؛ والشيخ الفقيه المعمر أبو علي منصور بن أحمد ~~بن عبد الحق المشدالي ، وقاضي القضاة بالديار المصرية زين الدين أبو عبد ~~الله محمد بن إبراهيم PageV01P167 ابن جماعة الكناني ؛ وغيرهم . وكان هذا ~~الشيخ أبو القاسم في قضائه موصوفا بالفضل والعدل ، مترفقا بالضعفاء ، ~~متغاضيا عن زلات الفقهاء . تقدم بجهات شتى من الأندلس ؛ ثم ولى قضاء ~~الجماعة بحضرة غرناطة ؛ فحمدت سيرته ، وشكرت مداراته . وكان في نفسه هينا ، ~~لينا ، آخذا بمقتضى قول ms162 عيسى بن مسكين ، القاضي بالقيروان أيام أبي الأغلب ~~، وهو : قارب الناس في عقولهم ، تسلم من غوائلهم ! وفي تقلب الأحوال ، علم ~~جواهر الرجال ! توفي رحمه الله ! ليلة الإثنين الثالث عشر لجمادى الأولى ~~عام 767 . وولد بغرناطة في صفر عام 688 . وعقبه لهذا العهد بحالة نباهة ؛ ~~من أولاده من هو مستول في خطة القضاء تولاهم الله ، وخار لنا ولهم بمنه ~~وفضله ! # | ذكر القاضي أبي عمرو عثمان بن موسى الجاني # ومن القضاة بمدينة ملى من أرض الحبشة ، الشيخ الفقيه أبو عمرو عثمان بن ~~موسى الجاني ، منسوب لبطن من بطون السودان . تردد إلى أرض مصر ؛ فقرأ بها ، ~~وأخذ عن أشياخها . أخبرني الفقيه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن محمد ~~الساحلي الغرناطي أنه لقيه ببلده ، وأنه كان من أهل الفضل والعدل ، والقيام ~~على العلم ، والصرامة في الحكم . قال الساحلي : ومن ذلك نازلة حدثت له في ~~أحكام الدماء ؛ فتحرى فيها الحق المخلص بين يدي الله . وهي أن أحد بني عم ~~سلطانه ترتبت قبله المطالبة بدم قتيل كان قد أشهد العدول ، وهو جريح ، بأن ~~دمه عنده ، وتوفي إثر الشهادة عن عصبة من ولد وإخوة ؛ فقاموا طالبين من ~~السلطان النظر لهم في صاحبهم ؛ فاستحضره عن أمره بمجلس الحكم الشرعي ، ~~وأعذر له فيما استظهر به أولياء دم القتيل . فادعى الدفع في ذلك ، وتأجل ~~آجالا وسع فيها عليه . وانفرضت الأيام ، وقهرته الأحكام ؛ فشكى بالقاضي ~~لسلطانه ، وسأل منه الأخذ مع الفقهاء في قضيته ؛ وقد كان صانعهم بجهده ، ~~واستظهر بإثبات عداوته بينه وبين من رماه بدمه . فجمعهم الأمير بحضرته ، ~~وأخذ معهم في نازلة ابن عمه ؛ فوقع الاتفاق منهم على الأخذ بمذهب الشافعي ، ~~أنه لا يقسم بمجرد قول المصاب : دمي عند PageV01P168 فلان . واستدلوا ~~بالحديث الثابت في الصحيح الذي نصه : لو يعطي الناس بدعواهم ، لأدعى ناس ~~دماء رجال وأموالهم . قالوا : وبخصوص في هذه النازلة ، لما اقترن بها من ~~الأسباب المرجحة للانتقال عن المذهب ، وذكروا مسألة عبد الله بن سهل وأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وداه من عنده بأنه ثقة . فمال السلطان إلى ms163 ~~موافقتهم ، وأن تكون الغرامة من قبله ؛ ولاكنه قال لقاضيه : ما عندك فيما ~~اجتمع عليه أصحابك ؟ فقال له : أمدك الله بإرشاده ، وأراك الحق حقا ، ~~وأعانك على اتباعه ! أنت مالكي المذهب ، وأهل بلادك كذلك ، والانتقال من ~~مذهب إلى مذهب آخر لا يسوغ إلا بعد شروط لم يحصل في نازلتها منها شرط واحد ~~! وحديث القسامة أصل من أصول الشرع ، وركن من أركان مصالح العباد : وبه أخذ ~~جل الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين ، وفقهاء الأمصار . والذي يجمل بك ، ~~أيها الملك ، إمرار الحق بوجهه ، ولو كان على نفسك ، فضلا عن ابن عمك ! قال ~~: فأخذ برأي قاضيه ، وأمر بابن عمه ؛ فدفع بذمته إلى أصحابه ؛ فقتلوه ~~بالقسامة . قال المخبر : فحسب الناس ما صدر في النازلة عن الأمير والقاضي ~~من المناقب الشريفة ، والمآثر الحميدة ، والأفعال الدالة على تعظيم الشريعة ~~. # | ذكر القاضي أبي عبد الله المقري التلمساني # وقد تقدم الإلمام بطرف من التنبيه على الفقيه أبي عبد الله محمد بن محمد ~~بن أحمد المقري التلمساني ، أحد قضاة بحضرة فاس أيام خلافة أبي عنان رحمه ~~الله ومهدها ! وكان هذا الفقيه رحمه الله ! في غزارة الحفظ ، وكثرة مادة ~~العلم ، عبرة من العبر ، وآية من آيات الله الكبر ؛ قلما تقع مسألة إلا ~~ويأتي بجميع ما للناس فيها من الأقوال ويرجح ويعلل ، ويستدرك ويكمل ؛ قاضيا ~~ماضيا ، عدلا جذلا ؛ قرأ ببلده على المدرس أبي موسى عمران المشدالي صهر أبي ~~علي ناصر الدين ، وعلى غيره ؛ وقام بوظائف القضاء أجمل قيام . ثم إنه كره ~~الحكم بين الناس ، وتبرم من حمل أمانته ، ورام الفرار عنه بنفسه ؛ فتنشب في ~~انتظامه ، وتوجه عليه الإنكار من PageV01P169 سلطانه . ثم إنه ترك ، بعد ~~عناء شديد ، لشأنه . وقد سألته يوما عن حالة بيتي أبي عمران بن عبد الرحمن ~~، وهما : حالي مع الدهر في تقلبه . . . كطائر ضم رجله شرك همته في فكاك ~~مهجته . . . يروم تخليصها فتشتبك وتوفي رحمه الله ! على إثر ذلك وهو محمود ~~السيرة ، مشكور الطريقة . # | ذكر القاضي أبي عبد الله محمد الفشتالي # وولي بعده الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد ms164 بن عبد الله الفشتالي ~~. وبيت قومه بفاس البيت المعمور بالجود والصلاح والخير . وكان هو رحمه الله ~~! أحد أعلام قطره الغربي نبلا ، وفضلا ، وسكونا ، وعقلا . وحين بلغ إلى ~~مراده من الخطة ببلده نحا في سيره منحى القاضي أبي عبد الله بن علي بن عبد ~~الرزاق من المحافظة على الرتبة ، وإقامة رسوم الأئمة ، والصبر على مكاره ~~السلطنة ، والميل إلى الأخذ بالترفق في الحكومة . فسكن الناس إلى ولايته ، ~~ووثقوا بحسن نظره ، ودانوا بإثرته . وقد كان ولي قبل تقدمه بفاس القضاء ~~أيضا بإطرابلس ، وتجول في نواحي إفريقية ، ثم إنه ، عند تجول البلاد ، أم ~~قطره وقد صلب الدهر شطره ، فاستقصى به ، وتصدر لإقرار العلم وبثه . وكان ~~على شدة وقاره ، وتعاظم قاره ، كثير النزول للطلبة ، والحرص على الإفادة ، ~~والصبر عند المباحثة . وكان من عادته تقديم دول الفقه على التفسير . وذهب ~~إلى عكس هذا الترتيب الشيخ الرحال أبو إسحاق الحسناوي ، أحد جلساء القاضي ~~عند إقرائه في آخرين ؛ فجرت بين الطلبة إذ ذاك بفاس في المسألة مراجعات ~~ومخاطبات وقفت على بعضها ؛ فرأيت فيها من تخلق القاضي وتجمله ما ليس بنكير ~~على رجاحة عقله ، وسعة صدره تغمدنا الله وإياهم برحمته ! فقد أصبحوا جميعا ~~بعد الحياة ، وعصارة العيش ، رباطا ! PageV01P170 # | ذكر القاضي أبي القاسم الشريف الغرناطي # ومن أعلام القضاة بالأندلس ، وصدور النجاة ، الشيخ الفقيه الأستاذ ~~المتفنن الشريف المعظم أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد ~~الله الحسني النسبة ، السبتى النشأة . وكان رحمه الله ! نسيج وحده براعة ~~وجلالة ، وفريد عصره بلاغة وجزالة ؛ إلى الشيم السنية التي التزم إهداءها ، ~~والسير الحسنة التي لا ينازع في شرف منتهاها . ارتحل عن بلده سبتة ، وقد ~~تملأ من العلوم ، وبرع في طريقتي المنثور والمنظوم ؛ فطلع على الأندلس طلوع ~~الصباح عقب السرى ، وخلص إليها خلوص الخيال مع سنة الكرى ؛ فانتظم في الحين ~~في سلك كتبتها ، وأمسى وهو صدر طلبتها ؛ لما كان قد حصل له من الأخذ بأطراف ~~الطلب ، والاستيلاء على غاية الأدب ؛ ورئيس الكتاب يومئذ الشيخ العلامة أبو ~~الحسن بن الجياب ، الشهير التشيع لأهل ms165 البيت الكريم ، الموسوم بالشم الرضية ~~، والقلب السليم ؛ وكان رحمه الله ! مع أدوات كماله ، وما خص به في وقته من ~~سني أحواله ، وصالح أعماله ، ممن شغف بالمذاكرة في الفنون الأدبية ، وغوامض ~~أسرار العربية ، والرسائل السلطانية ، والمسائل البيانية . فألفى من ذلك ~~كله لدى الشريف ، الخليق بصنوف التشريف ، ما شاءه من معنى رقاق ، ولفظ ~~رقراق ، وطبع بالمعارف دفاق . فجذبه الشيخ إليه ، وتلقاه براحيته ، وذهب ~~إلى مقارضته بالقريض ، ومساجلته في الطويل والعريض . فقلما كان بها رسم ~~الكتابة إذ ذاك يفنن عن أدب يعتبر ، ونتف طرف تبعثر ، وقسطاس يوزن به ما ~~يقل من المقال ويكثر ؛ ثم صرف إلى الاستعمال في الخطط القاضوية صرف ~~الاستظهار ، وبمعارفه الباهرة الأنوار ، وأحكامه القاضية بتأمين الأوطان ~~وتأميل الأوطار ؛ فتقدم بذلك بجهات شتى ، منها رية ، وحلبة الطلبة بها ~~سوابق غايات ، وخوافق رايات . وكانت ولايته عليهم حلة نشرها الفضل من ~~صوانها . ودرة أكثرها العدل لأوانها . أنزل أماثلهم من رعايته منازل ~~الإكرام ، واختص منهم بمصاحبة الزاهد أبي عبد الله بن عياش ، أحد العلماء ~~الأعلام ؛ فتفقه معه في أحكامه ، ونوازل أيامه ، وأخذ نفسه بالاشتداد في ~~نصرة المظلوم ، والضرب على يد الظلوم ؛ وله في PageV01P171 هذا الباب أخبار ~~مأثورة ، وحكايات مشهورة ؛ وعند ابتداء الفقهاء ، بالمسجد الجامع مجلس ~~إقراء ، افتتحه أولا بالتمهيد ، وختمه بعلم الخليل ، وحبره بالتوحيد ~~والتعليل . وكان في إقرائه سريع الجواب ، متبحرا في علم الإعراب ، فصيح ~~اللسان ، بارع البنان ؛ فظفرت أيدي الطلبة منه بالكنز المذخور ، المروية ~~جواهر معارفه بدور الشذور ؛ وحصل الناس بولايته على طريقة عادلة من الشرع ، ~~واعتضد منها الأصل بالفرع . ولما جرى في ميدانها ملء عنانه ، وشاع في ~~الآفاق ما شاع من سمو شأنه وعدل قضائه ، وفصل مضائه ، نقل من مالقة إلى ~~غرناطة حضرة الملك ، وواسطة السلك أيد الله سلطانها ، ومهد بعزته أوطانها ! ~~فتقدم بها لتنفيذ الأحكام ، بعد أن ولي وادي آش بأيام . فهنيت منه الخطة ~~الشرعية بسيد مضطلع بأعباء القضاء ، قد شمخ من عز النزاهة بأنف ، وأمد من ~~نور العقل ببرهان غير خلف ؛ ثم إن القدر جرى بتأخيره عن الخطة ؛ من غير ms166 ~~موجب سخطه . فكان في حالته كالبدر خسف عند الاستقبال ، وأدركه السوار بعد ~~تناهي الكمال : إذا تم أمر دنا نقصه . . . توقع زوالا إذا قيل تم وليست ~~عوامل التأخير والتقديم ، بمستنكر دخولها على كل وال في الحديث والقديم ؛ ~~فقد عزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ! زياد بن أبي سفيان دون باس ، وقال له ~~: كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس ! وعزل أيضا شرحبيل بن حسنة ، فقال له : ~~أعن سخطة عزلتني ؟ قال : لا ! ولاكن وجدت من هو مثلك في الصلاح ، وأقوى منك ~~على العمل ! قال : يا أمير المؤمنين ! إن عز لك عيب ! فأخبر الناس بعذري ! ~~ففعل عمر ذلك . وكان صرف الشريف أبي القاسم عن قضاء الحضرة ، والخطابة بها ~~، في شهر شعبان من 747 ؛ فانقطع إلى تدريس العلم ، وإظهار عيونه ، ~~والاشتغال بإقرار فنونه . وكان بينه وبين شيخنا إمام البلغاء أبي الحسن بن ~~الجياب ما تقدمت الإشارة إليه ، من المصادقة ؛ فصدرت عنه في أثناء تلك ~~المدة بدائع من المخاطبات ، وضروب المفاكهات ، منها قول الشيخ يرقب خطة ~~القضاء التي كأنها تركت صاحبه ، وأهملت جانبه : PageV01P172 لا مرحبا ~~بالناشز الفارك . . . إذ جهلت رفعة مقدارك لو أنها قد أوتيت رشدها . . . ما ~~برحت تعشو إلى نارك أقسمت بالنور المبين الذي . . . منه بدت مشكاة أنوارك ~~ومظهر الحكم الحكيم الذي . . . يتلو علينا طيب أخبارك ما ألفت مثلك كفؤا ~~ولا . . . أوت إلى أكرم من دارك وهذه القطعة قد بلغت الغاية من البراعة ، ~~وتمكن البلاغة ، وإن كان في طي ما تضمنته من وصف الخطة الشرعية بالناشز ~~الفارك ، وبأنها لم تؤت رشدها ما فيه . ثم إن الولاية حنت إليه ، ووقفت ~~مرادها عليه ، فعاد إليها ، والعود أحمد . واستمر قيامه بها ، إلى أن هلك ~~السلطان أبو الحجاج مستقضيه ، مأموما به ، في الركعة الثانية من صلاة الفطر ~~عام 755 رحمه الله وأرضاه ! عدا عليه شقي كأنه وحشي ، فضربه بظهره ، وهو ~~ساجد لربه . وولي الأمر بعد ولده الخليفة المؤيد المنصور أبو عبد الله ~~أبقاه الله ووقاه ! فجدد ولايته ، وأكد رعايته ؛ وقد كانت رحى الوقيعة دارت ~~على القاضي الخطيب ms167 ، وهو في محرابة حين الكائنة ؛ فعركته ، ولم تتركه ، إلا ~~وقد أشفى على التلف ؛ فعوجل بإخراج الدم ، وعند ذلك تنفس عنه بعض ما وجده ~~من الألم . وكان له في المجالس الملكية ، والمجتمعات الجمهورية ، من جلالة ~~الأبهة وملازمة التؤدة ، وإمساك النفس عن المسارعة عند المخالفة إلى ~~المراجعة ، ما لم يكن لغيره من أهل طبقته ؛ فإذا خلا بمنزله ، أدخل عليه في ~~خاصة أصحابه . رأيته ؛ فكأنه من تنزله ، وتبدله ، بمثابة أصاغر طلبته . ~~وكثيرا ما كان يباشر خدمة الواردين عليه بذاته ، دون وزعته ، اقتداء ~~بالأئمة الماضين من قبله فمن كلامهم : ليس ينقص من الرجل الشريف أن يخدم ~~ضيفه ، ولا أن يتصاغر لسلطانه ، وأن يتواضع لشيخه ! ولقد بتنا معه ليلة ~~بحشه من خارج الحضرة ، في أناس منهم الشريف أبو عبد الله بن راجح السوسي ، ~~والأستاذ أبو علي الزواوي ، والوزير أبو عبد الله بن الخطيب اللوشي ، فمالت ~~ذبالة الشمعة في أثناء الليل إلى الذبول ؛ فذهب أحد الحاضرين ليقويها ؛ ~~فأمسكه القاضي ، وبادر هو بنفسه لها ؛ فأذكى نارها ، وقوى نورها ، وقال : ~~هم السراج أن يخمد ليلة PageV01P173 عند عمر بن عبد العزيز رحمه الله ! ~~فوثب إليه رجاء بن حيوة ليصلحه ؛ فاقسم عليه عمر بن عبد العزيز ؛ فجلس . ~~فقام هو ؛ فأصلحه . فقال رجل : أتقوم ، يا أمير المؤمنين ! قال : قمت ، ~~وأنا عمر بن عبد العزيز ! ورجعت ، وأنا عمر بن عبد العزيز ! ثم قال لنا : ~~واضطربت عمامة هشام بن عبد الملك . فأهوى الأبرش الكلبي إلى تعديلها . فقال ~~له هشام : مه ! فأنا لا نتخذ الإخوان خولا ! وجرى بين الأصحاب المذكورين في ~~تلك الليلة من المحاورة بطرف العلم ، وقطع الشعر ، مالا يرجع في الحسن إلى ~~حصر . ومن ذلك أنشده ابن راجح ، في أبيات لابن مامة : ألا رب من يدعي صديقا ~~ولو ترى . . . مقالته بالغيب ساءك ما يفرى مقالته كالشهد ما كان شاهدا . . ~~. وبالغيب مطرور على ثغرة النحر يسرك باديه وتحت أديمه . . . نهيمه غش ~~تفتري عقب الظهر وذكر لنا عن صاحبه العلامة في زمانه بالمغرب ، الرئيس أبي ~~محمد عبد المهيمن الحضرمي السبتي ، أنه سمعه ينشد بتونس ms168 ، وقد مر به قوم من ~~أعيان جند فاس ، بعد إهماله لتخلفه عن سلطانه ، أيام تنشبه بالقيروان ~~وحصاره : يا أيها الناس سيروا إن قصدكم . . . أن تصحبوا ذات يوم لا تسيرون ~~حثوا المطي وأرخوا من أزمتها . . . قبل الممات وأقضوا ما تقضون كنا أناسا ~~كما كنتم فغيرنا . . . دهر فأنتم كما كنا تكونون وهذه الأبيات أول شعر قيل ~~في العرب على ما نقله ابن إسحاق . وذكر ابن هشام أنها وجدت مكتوبة في حجر ~~باليمن ، وقالها من قالها لحكمة صريحة ، وموعظة صحيحة . وأنشدنا القاضي ~~الشريف في تلك الليلة لنفسه ، يصف أقداس سانية حشه : ومترعة يعل الروض منها ~~. . . إذا علت من الماء الفرات بدا دولا بها فلكا وراحت . . . بدائرة كواكب ~~سائرات إذا ما الروض قابلهن كانت . . . عليه بكل سعد طالعات تراها إن شعاع ~~الشمس لاقى . . . بياض الماء مشرقة الأيات أوعجب أنها دارت بنوء . . . غزير ~~وهي تغرب خاويات PageV01P174 النوء العرب سقوط نجم من نجوم المنازل ~~الثمانية والعشرين ؛ وهو مغيبها بالغرب مع طلوع الفجر وطلوع مقابله بالمشرق ~~. وعندهم أنه لا بد أن يكون مع أكثرها نوء من مطر ، أو رياح عواصف ، وشبهها ~~؛ فمنهم من يجعله لذلك الساقط ، ومنهم من يجعله للطالع ، لأنه هو الذي ناء ~~أي نقص ؛ فينسبون المطر إليه ؛ وجاء الشرع بالنهي عن اعتقاد ذلك ثم أنشدنا ~~القاضي من نظمه : يا أيها الراكب المزجي ركائبه . . . يحثها السير بين ~~القار والأكم أبلغ بسبتة أقواما ودونهم . . . عرض الفلا وذميل الأنيق الرسم ~~ولج ذي ثبج طام كأن به . . . أعلام لبنان أو كثبان ذي سلم ألوكة من غريب ~~داره قدم . . . مرماه لا صدد منهم ولا أمم إني بأندلس آوى إلى كنف . . . ~~للمجد رحب وظل للعلى عمم وإن غرناطة الغرا حللت بها . . . فصرت من ريب هذا ~~الدهر في حرم ليست لأخرى فلا ربع بها وجبا . . . رهط واخفر ما للمجد من ذمم ~~وأنكرتني مغانيها وما عرفت . . . إلا بقومي في أيامنا القدم لولا المغرب من ~~آل النبي بها . . . وهن ما بين من طيب ومن كرم وفتية من بني الزهراء قد ~~كرموا . . . لهم أوامر من ms169 ود ومن رحم لقلت لا جادها صوب الحيا أبدا . . . ~~إلا بناقع سم أو عبيط دم ليسفحن عليها الدمع من جزع . . . يوما ولا أقر عن ~~السن من ندم ما ضرني أن نبابى أو بنا وطني . . . منها ولي شرف البطحاء ~~والحرم ومن الجزء المحتوي على طائفة من شعره ، الذي وسمه ب جهد المقل ، ~~قوله : ظفرت بلثمها فبدا احمرار . . . بوجنتها يزيد القلب وجدا فاغراها بي ~~الواشي فظلت . . . تلوم ولم أكن ممن تعدا فما كانت سوى قبل ففيها . . . ~~جنين أقاحيا وغرسن وردا PageV01P175 وقوله : مهفهف القد بديع الحلا . . . ~~يعطي بجيد للرشا الخاذل رمى بنبل اللحظ في مهجة . . . غادرها بشغل شاغل ~~وانعطف الصدغان في خده . . . رد كلامين على نابل والبيت الأخير مبني على ~~قسيم امرئ القيس حيث قال : نظمتهم سلكي ومخلوجة . ونظمه كله رائق المعنى ، ~~صريح الدلالة ، صحيح المبنى ؛ وليست المعارف ؛ وإن تعددت طرقها وعزت ثمرتها ~~، متعذرا إدراكها ، ولا سيما على من جد في طلبها ؛ وإنما الصعب العسير ~~معالجة الأخلاق بترك عوائدها ، والتثني عن سفسافها ؛ ومجموع الأدوية ~~المتخذة لأصلاح فاسدها يرجع إلى العقل الذي عليه مدار الأعمال كلها . ولذلك ~~قال العلماء حسبما تقدم عند التكلم في خصال القضاء : إذا اجتمع منها في ~~الرجل العقل والورع قدم . قال ابن حبيب : فإنه بالعقل يسأل ، وبالورع يقف ، ~~وإذا طلب العلم وجده ، وإذا طلب العقل لم يجده . وكان قد حصل منه للشريف ~~الموصوف زيادة لشرفة وفنون معارفه الحظ الوافر الكبير ، والقدر الذي يقصر ~~عن نعت محاسنه التعبير ، بحيث صار المثل يضرب به في كظم الغيظ ، وترك حظوط ~~النفس ، وكثرة التقاضي عن النظر للمساوي ، إلى غير ذلك من سيره السنية ، ~~وسمائله الحسنية . هذا ما تيسر بحسب الوضع من التنبيه على صفاته والتعريف ~~ببعض كمالاته . وأما مشيخته ، فقرأ ببلده سبتة القرآن على والده المنقطع ~~لإقراء كتاب الله ومدارسته ، أبي العباس رحمه الله ! وأكثر من ملازمة ~~الأستاذ الشهيد أبي عبد الله ابن هاني والأخذ عنه ؛ فانتفع به وتأدب بأدبه ~~؛ وقرأ على القاضي الإمام أبي إسحاق الغافقي وروى عن أبي عبد الله الغماري ~~وعن ms170 القاضي أبي عبد الله القرطبي وعن الخطيب بن رئيس وابن حريث وغيرهم . ~~وله جملة تصانيف منها : رفع الحجب المستورة ، عن محاسن المقصورة شرح فيه ~~مقصورة حازم بما لاغاية بعده في المحاسن . ومنها رياضة الآن في شرح قصيدة ~~الخزرجي ، أبدع في ذلك غاية الإبداع . وقيد على كتاب التسهيل لابن مالك ~~تقييدا مفيدا وبدائع جمة أثيرة . وناب عنه في أقضيته ، أيام أسفاره في معرض ~~الرسالة إلى ملوك المغرب وفي غير ذلك ، PageV01P176 وليه الشيخ الفقيه ~~القاضي أبو عبد الله محمد بن فرج بن جذام اللخمي ، أحد أماثيل بلده نباهة ~~قدر ، وسلامة صدر ، لم ينتقل عن ذلك إلى أن توفي في آخر عام 757 . فخلفه في ~~النيابة بمجلس الحكم الشرعي صاحبه الفقيه الأجل ، القاضي الأنوى الأكمل ، ~~أبو جعفر أحمد ويدعى بأبي بكر بن شيخنا الأستاذ الحافظ الخطيب الشهير أبي ~~القاسم محمد بن أحمد بن جزى الكلبي ، ذو البيت الأصيل ، والمجد الرفيع ~~الأثيل ؛ فنهض بأعباء القضاء . ثم إنه اشتغل بعد وفاة القاضي الشريف بخطبته ~~واستقرت أزمتها في يده ؛ ثم صرف عنها إلى غيرها ؛ وهو لهذا العهد بقيد ~~الحياة تولاه الله ! ومولد الشريف السمى بسبتة سادس ربيع الأول المبارك ~~الذي من عام 697 ؛ وفاته بغرناطة ضحى يوم الخميس الحادي والعشرين لشهر ~~شعبان من عام 760 ؛ وبنوه من بعده في الأندلس بحال نباهة واستعمال في ~~القضاء والكتابة . ومن الحديث الثابت في الصحيح عن أنس بن مالك أنه قال : ~~قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة ، وأبو بكر وهو ~~ابن ثلاث وستين سنة ، وعمر وهو ابن ثلاث وستين سنة ووافق أن كانت وفاة ~~الشريف أبي القاسم على حسب ولادته وهو ابن ثلاث وستين سنة ؛ وتلك من جملة ~~كراماته تغمدنا الله وإياه برحمته ! وقد كمل الغرض المقصود من هذا الباب . ~~وقد ذكرت فيه من أعلام الرجال ما عولت عليه ، وادتنى المذاكرة إليه . وإلى ~~الله تعالى أبرأ من الاحاطة فربما أغفلت ، أضعاف ما نقلت ؛ وفيما جلبته من ~~الأنباء ، وأدرجته من الأخبار طي الأسماء ، ما يحمل ms171 الناظر فيه على ~~الاعتبار ، وإيثار سير الفضلاء والأخيار ، بحول الله ! ولا اعتراض علينا من ~~أهل الحق فيما أثبتناه من الحكايات ، وضروب المقالات ، إذ حاصل مجموعها ~~مناقب ومواعظ ، يأخذ منها على قدر همته السامع والواعظ ، مع أنه قد ثبت من ~~الأئمة المتكلمين في هذا الشأن أنهم قالوا : ينبغي للقاضي أن يحفظ فضائل ~~أهل العدل ومآثرهم ، وينافسهم على ذلك ، وأن يأخذ نفسه بسيرهم ، وحفظ ~~أحكامهم ورسائلهم ومواعظهم ، مع علمه بالفقه والحديث ؛ فإن ذلك قوة له على ~~ما قلده الله . ومن المروى عن محمد بن الحسن أنه كان يقول : سمعت جعفر ~~الخلدي يقول : سئل الجنيد : ما للمريدين في مجازات PageV01P177 الحكايات ؟ ~~فقال : الحكايات جند من جنود الله ، يقوي بها قلوب المريدين ! قيل له : فهل ~~في ذلك شاهد ؟ فقال : نعم ! قوله عز وجل : كلا نقص عليك من أنباء الرسل ما ~~نثبت به فؤادك . ومعنى تثبيت الفؤاد في الآية عند المفسرين لها أي نقوى ~~نفسك فيما نلقاه ونجعل لك أسوة بمن تقدمك . وتكلم أبو الفضل الرازي في ~~كتابه على المسألة ؛ فأتى بنحو ما ذكرناه ؛ ثم قال : وذلك أن الإنسان إذا ~~ابتلى ببلية ومحنة ، ورأى له مشاركا ، خف ذلك على قلبه ، كما يقال : ~~المصيبة ، إذا عمت ، خفت . وفي الوجيز : قيل لمحمد بن سعيد ماذا الترديد ~~للقصص في القرآن ؟ فقال : ليكون لمن قرأ ما تيسر منه حظ في الاعتبار . وعن ~~إبراهيم بن عبد الله أنه قال : سمعت حماد بن عبد الرحمن يقول : العلم دراية ~~ورواية ، وخبر وحكاية . ولما رجوناه من الانتفاع بذلك كله ، أشفعنا القول ~~في هذا الباب ، وجلبنا من الأنباء ما فيه عبرة لأولي الألباب جعلنا الله من ~~الذين يسمعون القول ، فيتبعون أحسنه ؛ وصرف عنا فتن القضاء ومحنة ، بمنه ~~وفضله . والحمد لله ! لا حول ولا قوة إلا بالله ! وهذا في كتاب القضاة إلى ~~القضاء ، وصفة من بلغ منهم رتبة الاجتهاد ، وحكم القاصر عن تلك المنزلة في ~~استنباط الأحكام ، وكيفية الاستخلاف ، وفيمن يجوز له التقليد ، ومن لا يجوز ~~له من الناس : والكلام فيما ذكرناه يرجع على القريب إلى ms172 فصول ، الأول منها ~~في كتب القضاة ونبذ من المسائل المتصلة بذلك . والذي جرى أولا به بالعمل ، ~~إذا أتى القاضي كتاب من قاض آخر ، يسأل الذي جاءه بالكتاب إحضار صاحبه إن ~~كان في عمالته ؛ ثم إذا أحضره ، سأله البينة على كتاب القاضي أنه من قبله . ~~قال سحنون بن سعيد : ولينظر القاضي المكتوب إليه الكتاب . فإن كان القاضي ~~الذي كتبه قد ثبت عنده أنه من أهل الاستحقاق للقضاء ، لفهمه ومعرفته بأحكام ~~من مضى وآثارهم ، مع فهمه في دينه ، وورعه وانتباهه وفطنته ، غير مخدوع في ~~عقله ، فإذا كان كذلك ، نظر في كتابه وعمل بما يجب فيه وإلا فلا . قال صاحب ~~الجواهر الثمينة ، وقد أتى فيها من صفات القاضي العدل بنحو ما تقدم : فإن ~~عرفه بأنه ليس من أهل ذلك ، لم يقبله . وفي سماع يحيى : وإن لم يكن قاضي ~~الكورة موثوقا به ، وفي الكورة رجال يوثق PageV01P178 بهم ، كتب إليهم سرا ~~ليسألوا له عمن شهد عنده من أهل تلك الكورة ؛ فإن كتبوا له أنه مشهور ~~بالعدالة ، معروف بالصلاح ، أجاز شهادته ، وإلا تركها حتى يعدل عنه من يرضى ~~. وقال أشهب : إذا كتب إليه غير العدل : أن بينه فلان تثبت عندي ، فلا يقبل ~~كتابه لأنه ممن لا تجوز شهادته وإن لم يعرف حاله ؛ فروى ابن حبيب عن أصبغ : ~~إن جاءه بكتاب قاض لا يعرفه بعدالة ولا سخطة ، فان كان من قضاة الأمصار ~~الجامعة مثل المدينة ، ومكة ، والعراق ، والشام ، ومصر ، والقيروان ، ~~والأندلس ، فلينفذه ؛ وإن لم يعرفه ، وليحمل مثل هؤلاء على الصحة . وأما ~~قضاة الكور الصغار ، فلا ينفذه حتى يسأل عنه العدول وعن حاله . وإذا كتب ~~قاض إلى قاض بكتاب فيه أمر من الأقضية ، وفيه اختلاف بين الفقهاء والمكتوب ~~إليه ، لا يرى ذلك الرأي . فإن كتب إليه أنه قد ذكر بما في كتابه وأنفذه ، ~~جاز له ذلك وأنفذه ؛ هذا وإن لم يكن قطع فيه بحكم وإنما كتب بما ثبت عنده ، ~~فلا ينبغي أن يعمل فيه برأي الذي كتبه ، وليعمل فيه برأيه . قال سحنون : ~~وإذا كتب بأمر ، فرأى هو خلافه ms173 ، فلا ينفذه ، لأن ذلك لم يفد شيئا ؛ فلا ~~ينفذ هذا ما ليس بصواب عنده . وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون مثله . ~~وقال ابن القاسم وأشهب في الإمام البين العدالة يأمر رجلا بإقامة حد في رجم ~~، أو حرابة ، أو قتل ، أو قطع في سرقة ، ولا يعلم ذلك إلا بقول الإمام ؛ ~~فعليه طاعته . قال أشهب . فإن لم يعرف بالعدالة ، فلا يطيعه في ذلك إلا أن ~~يرى أنه قد قضى في ذلك بحق ؛ فعليه طاعته . وقال ابن القاسم : إذا اتضح أنه ~~حكم بحق وعلم ، وأنه كشف عن البينة وعدلوا . قال أشهب : وإذا لم يدر ما قضى ~~به أبحق أم بهوى ، فلا يجيبه . قال ابن الماجشون وهو عبد الملك بن عبد ~~العزيز ، وابن الماجشون معناه بالفارسية الورد : ولا تطع الجائر ولا تخدمه ~~ولا تصدقه . وقد تقدم صدر كتابنا هذا ما رواه ابن وهب عن مالك في هذه ~~المسألة . وما ذهب إليه في مثلها الأبهري والله المرشد للصواب ! فرعان : ~~أحدها : على القاضي الغائب أن يختار البينة التي تحمل كتابه ، إذا كان ممن ~~يرى بذلك ؛ ويلزم القاضي المكتوب إليه قبوله ، ويقول الشاهد : إن هذا كتابه ~~إلينا مختوما . وقال أبو حنيفة ، والشافعي ، وأبو ثور : إذا لم يقرأه ~~عليهما القاضي ، لم يجز ، ولا يعمل القاضي المكتوب PageV01P179 إليه بما ~~فيه . وروى عن مالك مثله . قال الشيخ أبو الحسن بن خلف بن بطال : وحجتهم ~~أنه لا يجوز أن يشهد الشاهد إلا بما يعلم ، لقوله تعالى ' وما شهدنا إلا ~~بما علمنا ' . وحجة من أجاز ذلك أن الحاكم ، إذا أقر أنه كتابه ، فقد أقر ~~بما فيه ، وليس الشاهدان على ما ثبت عند الحاكم فيه ، وإنما الغرض منها أن ~~يعلم القاضي المكتوب إليه أن هذا كتاب القاضي الكاتب له ، وقد يثبت عند ~~القاضي من أمور الناس ما لا يحبون أن يعلمه كل أحد ، مثل الوصايا التي ~~يتخوف الناس فيها ، ويذكرون ما فرطوا فيه ، ولهذا يجوز عند مالك أن يشهدوا ~~على الوصية المختومة ، وعلى الكتاب المدرج ، ويقولوا للحاكم : نشهد على ~~إقراره بما في ms174 هذا الكتاب . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ! يكتب ~~إلى عماله ، ولا يقرؤها على رسوله . وفيها الأحكام والسنن . واختلفوا كذلك ~~إذا انكسر ختم الكتاب . فقال أبو حنيفة : وزجر لا يقبله الحكم . وقال أبو ~~يوسف : يقبله ، ويحكم به ، إذا شهدت البينة ؛ وهو قول الشافعي . واحتج ~~الطحاوي لأبي يوسف ؛ فقال : كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ! إلى الروم ~~كتابا ، وأراد أن يبعثه غير مختوم ، حتى قيل : إنهم لا يقرؤون إلا أن يكون ~~مختوما ! فاتخذ الخاتم من أجل ذلك . فدل أن كتاب القاضي حجة . وإن لم يكن ~~مختوما . وخاتمه أيضا حجة ؛ والمنقول عن مالك أنه لا يجوز كتاب قاض إلى ~~قاضي إلا بشاهدين أشهدهما بما فيه . قال ابن القاسم : وإن لم يكن فيه خاتمه ~~، أو كان بطابع ، فانكسر . وقال ابن الماجشون : وإذا شهد العدلان أن هذا ~~كتاب القاضي ، أمضاه . وقال أشهب : ليس قولهم وشهادتهم أن هذا كتاب قاض بشئ ~~، حتى يشهدوا أنه أشهدهم . ولا يضر إن لم يختمه ، إذ لو شهدوا أن هذا خاتمه ~~، ولو شهدوا أن الكتاب كتابه إلى هذا القاضي ، لم ينتفع بذلك ، لأن الختم ~~يستشعر ، فلا يعرف ، والكتاب يعرف بعينه . ومن كتاب القاضي أبي عبد الله بن ~~الحاج : ضرب عمر بن الخطاب في التعزير معن بن زائدة مائة سوط حيث نقش على ~~خاتمه ، وأخذ منه مالا وحبسه . ثم كلم في أمره فقال : ذكرتني الطعن ، وكنت ~~ناسيا ! فضرب مائة ؛ ثم حبس . ولذلك والله أعلم ! قال PageV01P180 مالك ~~فيما روى عنه ابن نافع : كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم حتى أن ~~القاضي ليكتب للرجل الكتاب فيما يزيد على ختمه ؛ فيجاز له . ثم اتهم الناس ~~. فصار لا يقبل إلا بشاهدين . وقال ابن كنانة ، وعن مطرف وابن الماجشون : ~~ولا ينفذ قاض كتاب قاض في الأحكام إلا بعدلين ، ولا ينفذه بشهادتهما أنه خط ~~القاضي ، كما لا يجوز الشهادة على الخط في الحدود . ولا بأس إذا كاتبه في ~~شيء يسأله عنه من عدالة شاهد أو أمر يستخبره من أمر الخصوم أن يقبل كتابه ms175 ~~بغير شهود ، إذا عرف خطه ، ما لم يكن في قضية قاطعه ، أو كتاب هو ابتدأه به ~~؛ فلا ينفذه إلا بعدلين . وأما كتابه إلى قاضي الجماعة ، أو إلى فقيه يسأله ~~ويسترشده ويخبره ، فهذا يقبله إذا عرف خطه ، أو أتى به رسوله أو من يثق به ~~، إلا أن يأتيه به الخصم الذي له المسألة ؛ فلا يقبله إلا بعدلين . وإذا ~~كان له من يكاتبه في نواحي عمله ، في أمور الناس وتنفيذ الأقضيه وغير ذلك ، ~~فلا يقبل الكتاب ، يأتيه منهم بالثقة يحمله ، وبالشاهد الواحد ، وبمعرفة ~~الخاتم لقرب المسافة واستدراك ما يخشى فوته . وإذا افترق العملان ، فلا بد ~~من البينة ؛ وقاله أصبغ . ولسحنون نحوه في أمنائه بخلاف كتاب قضاته . وفي ~~الكتاب المقنع : قال من أثق به : رأيت العمل عند القضاة أن يكتبوا إلى ~~أمنائهم ، أو إلى من أحبوا أن يتعرفوا من قبلهم ، عدالة بشهود ووضع شهادات ~~، ليعلموا في صحتها من قبلهم ، إذا لم يكن المكتوب إليهم حكاما ، أن يبعثوا ~~إليهم كتبهم مع الطالب بغير إشهاد عليها ، لا يقبلوها منهم إلا بعدلين من ~~الشهود . وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون : لا يجوز إشهاد الأمناء بما ~~أمرهم القاضي بإنقاذه إلا أن يثبت إشهاد القاضي على أصل الحكم ، أو على ~~أمره لأمنائه بإنفاذه ذلك ، وعلى أنهم أنفذوه ورفعوه إليه ؛ ويثبت ذلك كله ~~بشهادة غير الأمناء . وذكر ابن عبدوس عن ابن القاسم : إذا شهد شاهدان على ~~أن الأمناء أشهدوهم قبل عزل القاضي ، على ما أتاهم من القاضي بما ثبت عندهم ~~من إنفاذ القاضي لمن أنفذه ، أنه يكون بمنزله ما يشهد القاضي على ما يأتيه ~~من القضاة ، وما يثبت عنده من إنفاذها . قال القاضي أبو الأصبغ بن سهل : ~~رأيت قضاة شرق الأندلس كتب بعضهم إلى بعض في الأحكام بالخاتم ، ومعرفة الخط ~~، وإن لم يكتب للقاضي منه بخط يده إلا العنوان لا غير ، وإن كان حامله هو ~~المكتوب له في الكتاب ، PageV01P181 ويسلمونه إليه مختوما ؛ وهو عندي مما ~~لا يجوز العمل به ، ولا إنفاذه ، لا سيما إذا كان حامله صاحب الحكومة ms176 . وقد ~~ذكر ابن حبيب عن ابن القاسم وغيره : إذا كان حامل الكتاب صاحب القضية ، لم ~~يجر فيما هو أخف من هذا في تحمله من عند الأمين ، أو من عند الفقيه وشبهه . ~~فكيف في نفس الحكومة ومن قاضي بلده إلى قاضي بلدة أخرى ؟ هذا لا يجوز عند ~~أحد ، والقضاء به مفسوخ ؛ والله أعلم ! وأما إذا تحمل الكتاب شاهدان ، ~~وشهدا به عند المكتوب إليه ، وأثنى عليهما بخير ، وأن لم تكن تعديلا بينا ~~وزكى أحدهما ، ولم يزك الآخر ، أو توهم فيهما الصلاح ، وكان الختم والخط ~~مشهورين معروفين عند المكتوب إليه ؛ فأنا لا أستحسن إجازة مثل هذا أو ~~إنفاذه له ، لتعذر موافقة العدول عن الطالب ، ولما قد جرى به العمل في صدر ~~السلف الصالح من إجازة الخاتم . والله أعلم بالصواب ! ومن هذا الأصل : إن ~~محمد بن شماخ ، قاضي غافق ، خاطب صاحب الأحكام بقرطبة محمد بن الليث بخطاب ~~أدرج فيه إليه كتاب عيسى بن عتبة فقيه مكناسة ، وعقد استرعاء بملك بغل بعث ~~فيه ثبت استحقاقه عند ابن عتبة فقيه مكناسة على عين البغل وعين مستحقه ؛ ~~وقال ابن شماخ في كتابه إلى صاحب الأحكام : ثبت عندي كتاب الفقيه ابن عتبة ~~مستخلف قاضي الجوف ، المدرج في طي كتابي إليك . ولم يسم القاضي الذي ~~استخلفه من هو ، ولا سمي ابن عتبة ولا كناه ، ولا أن ثبوته كان عنده على ~~عين البغل ومستحقه ؛ وشاور صاحب الأحكام في ذلك ؛ فأفتى ابن عتاب وابن ~~القطان وابن مالك أن إعمال خطاب ابن شماخ هذا واجب ، وأن الحكم فيه نظر منه ~~محمول على الإكمال ؛ وفي اتفاقهم على الجواب عجب ، وفيه من الضعف ما فيه ؛ ~~وقد كانوا يختلفون فيما هو أصح من هذا في النظر ؛ وما جوابهم هذا إلا ~~مسامحة . والله أعلم ! قلت : والذي استقر عليه العمل لهذا العهد ، بالأندلس ~~والمغرب ، ما تعرفناه عن كثير من بلاد المشرق من الاقتصار على معرفة الخطوط ~~بالشهادة عليها ؛ فإذا أثبت عند الحاكم المكتوب إليه أن الخطاب هو بخط يد ~~القاضي الذي خاطبه به ، وكتب اسمه فيه قبله ms177 ، إن كان عنده من أهل القبول ، ~~وأمضاه ، وحكم بمقتضاه . وما استأهل المتأخرون الأخذ PageV01P182 بذلك على ~~ما فيه ، ورأوا العدول عن إلزام شهيدين لكل ذي كتاب ، يروم الاستظهار به في ~~غير مصره بأن القاضي أشهدهما بما فيه ، وأنه كتابه ، والخطاب خطابه ، على ~~ما تقدم تقريره ، إلا لما يلحق في ذلك من المشاق التي يتعذر مع وجودها ~~التوصل في الغالب إلى الشيء المطلوب ؛ فليس كل طالب يقدر على استصحاب عدلين ~~يتحملان الشهادة له على القاضي بكتابه ، ويلازمانه من البلد الذي هو به إلى ~~البلد الذي يكون فيه مطلوب ، ولا سيما عند تباعد الأقطار ، وما حدث في هذه ~~الأزمنة من تكاثر القواطع ، وترادف الأعذار . فأجروا المسألة مجرى الشهادة ~~على خط الشاهد الغائب أو الميت ، إذا لم يستنكر الناظر في المرسوم شيئا . ~~وكان قد تحقق عدالة الرجل المشهود على خطه وقبول شهادته أيام وضعها في ~~المكتوبات بيده ، وكأنهم لاحظوا استحسان الرجوع عند الضرورة إلى ما كان ~~عليه أمر القضاة في القديم من إجازة الخواتم ، والخط في التوثق كالخاتم ~~وأشد منه عند التأمل . وفي كتاب الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن ابن ~~عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ! بعث بكتابه رجلا . قال الخطابي عند ~~شرحه فيه من الفقه أن الرجل الواحد يجزئ حمله كتاب الحاكم إلى حاكم آخر ، ~~إذا لم يشك الحاكم في الكتاب ولا أنكره ، كما لم ينكر كسرى كتاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ! ولا شك فيه وليس من شرطه أن يحمله شاهدان . قال القاضي ~~أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحاج ، وقد ذكر المسألة : كما يصنع اليوم ~~القضاة والحكام على شاهدين في ذلك ، لإدخال الناس من الفساد ، واستعمال ~~الخطوط ، ونقش الخواتم ؛ فاحتيط لتحصين الدماء والأموال . قال غيره : وأول ~~من طلب البينة على كتاب القاضي ابن أبي ليلى ، وسوار بن عبد الله ؛ وتعرفت ~~عن الترتيب في مكاتبات القضاة بالبلاد المشرقية أنه يجري على طريق المسامحة ~~، من غير ارتباط في هذه الأزمنة إلى عادة . والذي أخذت به لنفسي من ذلك أني ~~، مهما ms178 كتبت على عقد بالثبوت لمن يروم السفر به ، سألت عن الرفقة المصاحبة ~~له ؛ فإن كان فيها أحد من أهل الخير ، استدعيته وأشهدته على عين العقد ~~المختوم بالشهادة ، بما أرى فيه من الثبوت عندي ؛ فإن الخطاب الذي فيه أسمى ~~هو بخط يدي ، استبلاغا في الاحتياط ، وطمعا في الخروج عن الخلاف ، وإذا ~~تعذر ذلك سلكت من التسهيل للضرورة مسالك الجمهور . PageV01P183 وقد كنت ~~أخذت في هذه المسألة مع شيخنا القاضي أبي عبد الله بن عياش ؛ فمال إلى ~~التسليم ، وأشار بإيثار التسديد ، وإن كان رحمه الله ! يستضعف العمل بإجازة ~~الشهادة على خطوط القضاة ، لما يؤدي إليه من الحكم بها في الحدود والأنكحة ~~، وبعير ذلك من العمال ، وبخصوص إذا أتى بالمرسوم صاحب حكومة والمتكلم ~~بالخصومة ؛ فكثيرا ما كان يتوقف على إمضاء الحكم ، ويذهب ما ذهب إليه في ~~مثلها ابن سهل ، ومن تقدمه من الأئمة ، ويقول عن الشهادة على الخط إنها على ~~الجملة من العظائم ، وإحدى المسائل التي حملته على الاستعفاء من القضاء ، ~~إذا لم يقدر على إزالتها ، ولا سهل عليه في كل النوازل تحمل عهدتها . وقد ~~وقع التعريف بهذا الرجل الفاضل عند وضع اسمه فيما تقدم من هذا المجموع . ~~ومن أخباره إني كنت قاعدا يوما معه بمجلس القضاء من مالقة ، زمان ولايته ~~بها ؛ فأتاه أحد الفقهاء بعقد عليه خطاب قاض معروف الخط ، معلوم الولاية . ~~فقال له : أبقاكم الله ! يشهد عليكم بأعمال هذا الخط ؟ فقال : يشهد بثبوت ~~ذلك الرسم من وجه آخر ذكره ؛ ثم أشار إلى أن القاضي ، الذي قد كان خاطبه به ~~، ليس هو عنده من أهل الاستحقاق للقضاء في عدالته ، وورعه ، ونزاهته ؛ فظهر ~~له أن يأخذ فيه بما رواه يحيى في مسألة قاضي الكورة ، إذا لم يكن موثوقا به ~~. وقد تقدم الكلام في ذلك . تنبيه على جواز المسامحة في الخطاب ، إذا وقع ~~فيه الغلط : قال عبد السلام بن سعيد الملقب بسحنون : ولو كتب قاض إلى قاضي ~~البصرة ، وسماه ، فأخطأ باسمه أو اسم أبيه ونسبه ، لنفذ ذلك ، إذا نسبه إلى ~~المصر الذي هو عليه ، وشهدت ms179 البينة بذلك ، وليس كل من كتب كتابا يعنونه ؛ ~~فإذا شهدت بينة أنه كتبه قلبه ، ولم ينظر في اسمه ، وإذا كان الكتاب لرجلين ~~، فحضر أحدهما : فإني أقبل البينة والكتاب ، وأنفذ الحكم للحاضر ؛ فإذا حضر ~~الغائب ، أنفذت له الحكم ، ولا أعيد البينة وإذا أمكن تعيين الخطاب ، فهو ~~من الصواب ؛ والاطلاق سائغ ، لا سيما عند شدود الغريم . فقد سئل مالك عن ~~الرجل يثبت حقه عند القاضي ، أيعطيه كتابا إلى أي الآفاق كان ، ولا يسمى ~~فيه PageV01P184 أحدا ، لا قاضيا بعينه ، ولا بلدا بعينه . قال : نعم ! أرى ~~ذلك يجوز ، إذا ثبت عند القاضي الذي يرفع إليه الكتاب أنه كتاب القاضي الذي ~~كتبه وبعث به مثل الرجل يطالب غريمه لا يدري بأي الآفاق هو ، أو أين يلقاه ~~، أو العبد الآبق ، وما يشبهه . وقاله ابن القاسم وأصبغ عنه . قال سحنون : ~~وإذا جاء بكتاب قاض إلى قاض ، وأن فلانا له من الدين على فلان كذا وكذا ، ~~لم يجز ذلك ، حتى ينسبه إلى أبيه ، وإلى فخذه الذي هو منها ، أو ينسبه إلى ~~تجارة يعرف بها مشهورة . الفرع الثاني ، إذا كتب قاض بما ثبت عنده ، ثم مات ~~الكاتب قبل أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه ، فإنه ينفذه ، ويبنى عليه إذا ~~بلغه ، ويبنى عليه الحكم . قال أشهب المجموعة : قال مالك : وإن عزل الكاتب ~~، فلينفذ بهذا ، إن كان ممن تجوز كتابته لعدالته . ومثله عن ابن القاسم ، ~~وسواء مات أحدهما ، أو عزلا ، أو أحدهما ، إذا كان الذي كتبه هو وال . وبه ~~أقول ، ولا أعلم فيه خلافا بين أهل العلم . ومثله في كتاب ابن حبيب ، عن ~~ابن الماجشون ، ومطرف ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ . قال : وجميع أصحابنا . ~~ومن كتاب ابن المواز : وإذا تظلم المحكوم عليه من كتاب الأول ، وسأل الثاني ~~أن يستأنف النظر فيه أو في بعضه ، فليس له ذلك إلا بأمر بين ؛ وكذلك لو ولي ~~قاض آخر مكان القاضي ، لكان مثل ما قيل في المكتوب إليه . قال القاضي أبو ~~الوليد بن رشد : لما كان الأصل أن القاضي ينفذ ما ثبت عنده من قضاء أحكام ms180 ~~البلد ، وأن كانوا على كتاب إلى قاضي مصر ، وقد حج قاضي مصر ، وأمره ~~بالخروج إليها ، لم يكن له أن يسمع من بينة أحد في دعوى على من بمصر ، حتى ~~يصير إليها . قال القاضي أبو الأصبغ ، وقد نقل ما ذكرناه : ونزلت من هذا ~~المعنى مسألة ، سألت عنها ابن عتاب شيخنا : وكذلك القاضي يحل بغير بلده ، ~~وقد كان ثبت عنده ببلده حق لرجل ؛ فسأله الذي له الحق أن يخاطب له من موضع ~~احتلاله قاضي موضع مطلوبه ، بما كان ثبت عنده ببلده ؟ فقال لي : لا يحوز ~~ذلك ! قلت : فإن فعل ؟ قال : يبطل ! ثم قال لي : وليس يبعد أن ينفذ ذلك ! ~~قلت : فإن الحق الثابت عنده ببلده على من هو بموضع احتلاله ، فأعلم قاضي ~~ذلك الموضع مشافهة بما ثبت عنده ، هل يكون كمخاطبته أياه بذلك من بلده ؟ ~~فقال لي : ليس مثله ! فقلت له : وما الفرق ؟ فقال لي : هو في إخباره هنا ~~بما ثبت PageV01P185 عنده طالب فضول وما الذي يدعوه إلى ذلك . قلت : وما ~~يمنع من إخباره له ويشهد عند المخبر بذلك ، وينفذه كما يشهد عنده بما يجري ~~في مجلسه من إقرار وإنكار ، ويقضى به ؟ فقال : ليس مثله . ولاكن إن أشهد ~~هذا القاضي المخبر بذلك شاهدين في منزله ، وشهدا بذلك عند قاضي الموضع ، ~~نفذ وجاز ! . قال ابن سهل : رأيت فقهاء طليطلة يجيزون بإخبار القاضي المحتل ~~بذلك البلد قاضي البلدة وينفذ ، ويرونه كمخاطبته أياه . وفي ذلك كله من ~~الاضطراب مالا خفاء به . فجواب أصبغ ، في إجازته القاضي أن يسمع من البينة ~~في غير عمله ، يخالف ما ذهب إليه ابن عبد الحكم في المسألة ، وقرره صاحب ~~النوادر من أن القاضي ، إذا كان في غير عمله ، فليس له أن يسمع من بينة أحد ~~، ولا يشهد على كتابه إلى قاضي بلد آخر إلا ببلده . وأما مسألة خطاب القاضي ~~في غير عمالته ، وإنهاؤه ما ثبت عنده إلى غيره ، فالصحيح فيه أنه شيء لا ~~يقول عليه ، ولا يلتفت إليه ، لأنه ليس بوال في غير ولايته ، والقاضي ~~المكتوب إليه يصل حكمه بحكم ms181 الكاتب ، ويثبته عليه . وإذ كان كذلك ، فإنه لا ~~يلتفت إلى قول القاضي الكاتب إلا في موضع تنفذ فيه أحكامه . وقوله في غير ~~ولايته : ثبت عندي كذا كقوله بعد عزله : ثبت عندي كذا . وهو والعدل سواء . ~~قال عبد الله ابن شاش : ولو شافه القاضي قاضيا آخر ، لم يكف لأن أحدهما في ~~غير محل ولايته ؛ فلا ينفع سماعه أو إسماعه ، إلا إذا كانا قاضيين لبلدة ~~واحدة ، أو التقيا من طرفي ولايته . فذلك أقوى من الشهادة . فيعتمد ، ولو ~~كان المسمع في محل ولايته ؛ فلا يحكم بها إذ لا يحكم بمجرد علمه . مسألة ~~أخرى في قريب من ذلك المعنى وهو في القاضي يشهد على قضائه ، وهو معزول أو ~~غير معزول : ففي كتاب القضاة المختصر من العتيبة : قال أصبغ : قال لي ابن ~~القاسم في القاضي يشهد على قضاء قضى به ، وهو معزول أو غير معزول ، ويرفعه ~~إلى إمام غيره ، إن شهادته لا تقبل ، ولا يجوز ذلك القضاء إلا بشاهدين عليه ~~غيره أنه قضى به . قاله أصبغ . قال ابن رشد في بيانه : هذه مسألة وقعت في ~~بعض الروايات ؛ وهي مسألة صحيحة ، وفيها معنى خفي . وهي أن قول القاضي ، ~~وهو على قضائه : حكمت PageV01P186 لفلان بكذا لا يصدق إذا كان قوله بمعنى ~~الشهادة ، بمثل أن يتخاصم الرجلان عند القاضي ، فيكون من حجته أن يقول : قد ~~حكم قاضي بلد كذا أو كذا ، وقد ثبت لي عند قاضي بلد كذا أو كذا ! فيسأله ~~البينة على ذلك فيذهب إليه فيأتيه من عنده بكتابه إني قد حكمت لفلان على ~~فلان بكذا وكذا وإني قد ثبت عندي لفلان على فلان كذا وكذا ! فهذا لا يجوز ~~من أجل أنه على هذا الوجه شاهد . ولو أتى الرجل ابتداء إلى القاضي قال له : ~~خاطب لي قاضي بلد كذا بما ثبت لي عندك على فلان بما حكمت لي به عليه ! ~~فخاطبه بذلك ، لجاز من أجل أنه مخبر وليس بشاهد كما يجوز وقوله : وينفذ ~~فيما يسجل به على نفسه ، ويشهد من الأحكام ما دام على قضائه . وقد وقع ms182 لابن ~~الماجشون ، ومطرف ، وأصبغ في الأقضية من الواضحة ما يعارض رواية أصبغ هذه . ~~ومن الكتاب المذكور : وسأله عن القاضي يقر عنده الرجل ؛ فيكتب إقراره ؛ ثم ~~ينكر الرجل أن يكون أقر عنده بشيء ؛ هل يقضى عليه بإقراره ، أو هل يختلف إن ~~قال القاضي : أقر عندي من قبل أن استقضى . قال ابن القاسم : رأيي والذي آخذ ~~به في ذلك وهو الذي سمعت أنه لا يقضى عليه حتى يشهد على إقراره عنده شاهدان ~~عدلان سوى القاضي ، وإلا لم يقض عليه بشيء ؛ وإنما هو بمنزلة ما اطلع عليه ~~فيه من الحدود يعلمها ، فهو لا يقيمها عليه ، إلا أن يكون معه شاهدان عدلان ~~سواه . فإن لم يكن قد ماتوا ، أو عزلوا ، كما ينفذ ما ثبت عنده من قضاء ~~الحاكم ببلده الميت أو المعزول ، وجب أن ينفذ كتبهم ، وإن كانوا قد ماتوا ~~أو عزلوا ، كما ينفذ ما ثبت عنده أنه مضى من عمل الحكم قبله الميت أو ~~المعزول ، فيصل حكمه بحكمه أو يبنيه عليه ، ولا يأمر الخصمين باستئناف ~~الخصام عنده ، إن كان الشهود قد شهدوا عند الميت أو المعزول ، فأشهد على ~~ذلك أو كتب به إلى حاكم بلد آخر ، ثم مات أو عزل ، ولم يأمر بإعادة الشهادة ~~عنده ، وإن كانوا قد شهدوا عنده ، فقبلهم اعذارا إلى المشهود عليه فيما ~~شهدوا به دون أن ينظر في عدالتهم ، وإن كان قد أعذر في شهادتهم إلى المشهود ~~عليه ، فعجز عن الدفع فيما امضى الحكم بها دون أن يستأنف الإعذار إليه مرة ~~أخرى وإذا مات الإمام الذي تؤدى إليه الطاعة ، وقد قدم حكاما وقضاة ، وولي ~~الأمر غيره ، وقضى الحكام الذين قدمهم الإمام الميت والقاضي يقضى بين موت ~~الإمام الأول وقيام الثاني PageV01P187 أو بعد قيامه ، وقبل أن ينفذ لهم ~~الولاية ، فما قضوا به في الفترة وحكموا به نافذ . وما سجلوا به قاض لا ~~يحتاجون فيه إلى إمضاء القاضي الذي يلي بعده . ومن المدونة : سئل عن القاضي ~~يقضي لرجل أظنه فلا يجوز المقضى له ما قضى به له حتى يموت القاضي أو ms183 يعزل ، ~~هل يستأنف الخصومة في ذلك الأمر ، أم ينفعه ما كان قضى له ، ثم أقام يمضي ~~القضاء الذي قضى به القاضي الأول ، ولا ينظر فيه القاضي الثاني إلا أن يكون ~~جورا بينا ، فينقضه ؟ قال ابن رشد : هذا كما قال من أن حكم القاضي لا يفتقر ~~إلى حيازة ، وهو مما لا اختلاف فيه . وإذا عزل القاضي ، ثم ولي بعدما عزل ، ~~قال القاضي محمد بن يبقى بن زرب : فهو كالمحدث لا يقبل شهادة من شهد عنده ~~قبل أن يعزل ، فيما لم يتم الحكم فيه ، حتى يشهدوا به عنده . قال ابن لبابة ~~: والتعليم على الشهادة في الوثائق من سنة الحكم ، ولا يكتفي بسماعه ~~للشهادة دون التعليم ، لأنه يتذكر به ما شهد عنده فيه . وكتاب الحاكم جائز ~~إلا في الحدود والأنكحة على خلافه . ومن كتاب ابن خلف ، وقد كتب عمر إلى ~~عامله في الجارود ، وكتب عمر بن عبد العزيز في سن كسرت . وقال إبراهيم : ~~كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب والخاتم . وكان الشعبي يجيز ~~الكتاب المختوم بما فيه من القضاء ، ويروى عن ابن عمر مثله . وقد تقدم قول ~~مالك في الوصية المختومة . وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي : شهدت عبد ~~الملك بن يعلى قاضي البصرة ، وإياس بن معاوية ، والحسن ، وتمامة بن عبد ~~الله بن أنس ، وبلال بن أبي بردة ، وعبد الله بن بريدة الأسلمي ، وعامر بن ~~عبدة ، وعباد بن منصور ، ويجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود ؛ فإن قال ~~الذي جيء عليه بالكتاب إنه زور ، قيل له : اذهب ! فالتمس المخرج من غير ذلك ~~! ومن كتاب منهاج القضاة لابن حبيب : وسألت أصبغ بن الفرج عن القاضي يبعثه ~~الإمام إلى بعض الأمصار في شيء منابه من أمر العامة ، فيأتيه رجل في ذلك ~~المصر يذكر أن له حقا قبل رجل من أهل عمله ، وهو عائب بعمله ، ويذكر أن ~~شهوده بهذا المصر ، ويسأله أن يسمع منه ؛ أيجيبه إلى ذلك ؟ ولا ترى به بأسا ~~؟ قال : نعم ! يسمع من ذي بينة ، ويوقع شهادتهم ، ويسأله تعديلهم ، وإن شاء ~~، سأل ms184 قاضي ذلك المصر عنهم ؛ فإن أخبره عنهم بعد التهم ، اجتزى بذلك ، ~~لأنهم من أهل عمله ؛ ولو اجتمع الخصمان عنده PageV01P188 بذلك المصر ، ~~فأرادوا المخاصمة عنده ، والشيء الذي يختصمان فيه في بلاد ذلك القاضي ~~الغائب عن عمله ، إلا أن يتراضيا عليه ، كتراضيهما بعد أن يحكم بينهما ، ~~ويلزمهما أن قضى بالحق . وكل من تعلق برجل في مطلب ، فإنما يخاصمه حيث تعلق ~~به ، إن كان ثم قاض أو أمير ، كان المطلوب بذلك البلد أو غائبا عنه ، كان ~~إقرارهما بذلك البلد أو لم يكن ، لا تكن الخصومة إلا حيث ترافعا . ومن كتاب ~~أدب القضاة لمحمد بن عبد الله ابن عبد الحكم فإذا حج القاضي ، فنزل بمصر أو ~~غيرها ، فأتاه قوم من أهل عمله يسألونه أن يسمع من بينتهم على رجل في عمله ~~، وكان قد شهد عنده شهود في عمله ، فأرادوا منه أن يكتب إلى والي العراق ، ~~أو يشهد على كتبه بذلك إلى والي مكة ، أو يحكم لهم بحكم من شهد عنده عليه ~~قبل ذلك ، فليس له ذلك ، لأنه ليس والي ذلك البلد ؛ فليس له أن يسمع من ~~بينته ، أو يشهد على كتاب قاض إلى قاضي بلد آخر ، أو يشهد كذلك رفعه إلى من ~~هو فوقه وكان هو شاهدا . قال ابن رشد : حكم القاضي على الرجل ، بما أقر به ~~عنده دون بينة تشهد عليه بإقراره عنده ، ينقسم إلى ثلاثة أقسام : أحدهما أن ~~يقر عنده قبل أن يستقضى ؛ والثاني أن يقر عنده في غير مجلس الحكم بعد أن ~~يستقضى ؛ والثالث أن يقر بين يديه لخصمه في مجلس حكمه . فأما إذا أقر عنده ~~قبل أن يستقضى ، فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم في أنه لا يجوز له أن ~~يحكم عليه بذلك الإقرار ؛ فإن فعل ، رد ذلك الحكم وفسخه هو ومن بعده من ~~القضاة والحكام ؛ وأما ما أقربه عنده بعد أن يستقضى في غير مجلس القضاء ، ~~فلا اختلاف في المذهب في أنه لا يجوز له أن يحكم عليه بذلك الإقرار دون ~~بينة تشهد به عليه . وأهل العراق يقولون ms185 أنه يقضى عليه بذلك الإقرار دون ~~بينة بخلاف الحدود ، على ما قال في المدونة . وقد حكى عنهم أنه يقضي بعلمه ~~في الحدود وهو بعيد ؛ فإن قضى عليه بذلك الإقرار ، نقض حكمه بذلك ما لم ~~يحكم على المشهور في المذهب ، ولم يرده من بعده من القضاة والحكام ، مراعاة ~~لقول أهل العراق . وأما ما أقر به عنده أحد الخصمين في مجلس قضائه ، ثم ~~جحده ولا بينة عليه ، فالاختلاف فيه موجود في المذهب ، وإن كان ابن المواز ~~قد ذكر أنه لا اختلاف في ذلك بين أصحاب مالك . قال ابن الماجشون : والذي ~~عليه قضاتنا بالمدينة ، وقال علماؤنا ، ولا أعلم مالكا PageV01P189 رحمه ~~الله ! قال غيره ، أنه يقضي عليه بما سمع منه وأقر به عنده . وإليه ذهب ~~مطرف ، وأصبغ ، وسحنون . قال القاضي أبو الوليد : وهو دليل قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ! في الصحيح : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ! الحديث ، ~~إلى قوله : فأقضى له على نحو ما أسمع منه لأنه قال : على نحو ما أسمع ولم ~~يقل على ما ثبت عندي من قوله . والمشهور في المذهب أنه لا يقضى عليه إذا ~~جحد ، وهو قوله في هذه الرواية ، إلا أن يشهد عليه عنده من حضر مجلسه ؛ ~~فيحكم عليه بالشهادة دون إعذار . ومن عقد الجواهر : فإن لم ينكر حتى حكم ، ~~ثم أنكر بعد الحكم ، وقال : ما كنت أقررت بشيء ! لم ينظر إلى إنكاره . قال ~~اللخمي : وهذا هو المشهور من المذهب . وقد تقدم لنا طرف من الكلام صدر هذا ~~الكتاب على تفسير الحديث المسمى ؛ وذكرنا أن عياضا نقل عن الشافعي وأبي ثور ~~ومن تبعهما أن للقاضي أن يقضي بعلمه في كل شيء من الأموال والحدود وغير ذلك ~~، مما سمعه ، أو رآه قبل قضائه وبعده ، وبمصره وغيره . ونضيف الآن إلى ذلك ~~من الأقوال في المسألة ما يأتي بعد على التقريب ، وإن كان قد مر حاصل ~~مجموعه . فنقول ، تبركا بإعادة الكلام في الحديث النبوي : ثبت في كتاب ~~البخاري باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمور الناس إذا لم ms186 يخف الظنون ~~والتهمة كما قال عليه السلام ! لهند : خذي ما بكفيك وولدك بالمعروف ! قال ~~ابن خلف في شرحه ما نصه : اختلف العلماء في القاضي يقضي بعلمه . وقال ~~الشافعي وأبو ثور : جائز له أن يقضي بعلمه في حقوق الله وحقوق الناس سواء ، ~~علم ذلك قبل القضاء أبو بعده . وقال الكوفيون : ما شاهده الحاكم من الأفعال ~~الموجبة للحدود قبل القضاء أو بعده فإنه يحكم فيه بعلمه إلا القذف ، وما ~~علمه قبل القضاء من حقوق الناس لم يحكم فيه بعلمه في قول أبي حنيفة . وقال ~~أبو يوسف ومحمد : يحكم فيما علمه قبل القضاء . وقال طائفة : لا يقضي بعلمه ~~أصلا في حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين ، وسواء علم ذلك قبل القضاء أبو ~~بعده ، أو في مجلسه . هذا قول شريح والشعبي ؛ وهو قول مالك ، وأحمد ، ~~وإسحاق ، وأبي عبيد . وقال الأوزاعي : ما أقر به الخصمان عنده ، أخذهما به ~~، وأنفذه عليهما ، PageV01P190 إلا الحدود . واحتج الشافعي بحديث هند وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ! قضى لها ولولدها على أبي سفيان بنفقتها ، ولم ~~يسئلها عن ذلك بينة ، لعلمه بوجوب ذلك عليه . وأيضا فإنه متيقن بصحة ما ~~يقضى به ، إذا علمه على يقين . وليست كذلك الشهادة ، لأنها قد تكون كاذبة ~~أو واهمة . وقد أجمعوا على أن له أن يعدل ، ويسقط العدول بعلمه ، إذا علم ~~أن ما شهدوا به على غير ما شهدوا به . وينفذ في ذلك ولا يقضى بشهادتهم . ~~ومثال ذلك أن يعلم بنت الرجل ولدت على فراشه : فإن أقام شاهدين على أنها ~~مملوكته ، فلا يجوز أن يقبل شهادتهما ، ويبيح له فرجا حراما . وكذلك لو رأى ~~أن رجلا قتل آخر ، ثم جئ بغير القاتل ، وشهد أنه القاتل ، فلا يجوز أن يقبل ~~الشهادة ؛ وكذلك لو سمع رجلا طلق امرأته طلاقا بائنا ، ثم ادعت عليه المرأة ~~الطلاق ، وأنكر الزوج ذلك . فإن جعل القول قوله ، فقد أقامه على فرج حرام ، ~~فيفسق به ، فلم يكن له بد من أن لا يقبل قوله ويحكم بعلمه . واحتج أصحاب ~~أبي حنيفة بأن ما علمه الحاكم قبل القضاء ms187 إنما حصل في الابتداء على طريق ~~الشهادة ؛ فلم يجز أن يجعله حاكما ، لأنه ، لو حكم به ، لكان قد حكم بشهادة ~~نفسه ، وكان متهما ، وصار بمنزلة من قضى بدعواه على غيره . وأيضا ، فإن ~~عمله لما تعلق به الحكم على وجه الشهادة ، فإذا مضى به ، صار كالقاضي بشاهد ~~واحد . قالوا : والدليل على جواز حكمه بما علمه في حال القضاء وفي مجلسه ~~قوله عليه السلام ! : أنا أقضي على نحو ما أسمع ! ولم يعرف بين سماعه من ~~الشهود أو المدعى عليه . فيجب أن يحكم بما يسمعه من المدعى عليه ، كما يحكم ~~بما يسمعه من الشهود . واحتج بعض أصحاب مالك ؛ فقالوا : الحاكم غير معصوم ، ~~ويجوز أن تلحقه المظنة في أن يحكم لوليه وعلى عدوه . فحسمت المادة في ذلك ~~بأن لا يحكم بعلمه لأنه ينفرد به ، ولا يشركه غيره فيه . فظهر ، على ما ~~تقرر في المسألة من مذهب الشافعي ومن تبعه ، أن قول ابن رشد نحو الرجل إذا ~~أقر عند القاضي قبل أن يستقضى ، فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم ، في أنه ~~لا يجوز له أن يحكم عليه بذلك الإقرار ليس بصحيح ؛ بل الخلاف في المسألة ~~موجود اللهم إلا إن أراد بقوله ما يرجع إلى المشهور في المذهب أو قصد الأعم ~~والأغلب . فقد يوجد نحو هذا لابن المواز وابن حبيب في غير ما موضع . ~~والاختلاف فيه حاصل . قال القاضي أبو عبد الله بن الحاج في نوازله ، عند ~~تكلمه في مثل هذه المسألة : PageV01P191 وقد سبق إلى ذلك الأئمة كمالك ومن ~~تقدمه ؛ يقولون : أجمع الناس والاختلاف موجود إذ لا يعبأ بالشذوذ . وكذلك ~~قول ابن رشد في القسم الثاني من أقسامه الثلاثة . فإن قضى عليه بذلك ~~الإقرار ، نقض حكمه بذلك ما لم يعزل ؛ ولم يرده من بعده من الحكام مراعاة ~~لقول أهل العراق . فيلزمه أيضا على قياسه عدم بعض أحكامه من أخذ بمذهب ~~الشافعي أيضا في جواز حكم القاضي بما علمه قبل قضائه . وعلى كل تقدير ، ~~فطريق الاحتياط هو العمل فيما أمكن على الإشهاد . ولذلك عد العلماء في ms188 أدب ~~القضاء أن يكون الحكم بمحضر عدول ، ليحفظوا إقرار الخصوم خشية رجوع بعضهم ~~عن مقالتهم . ولو كان القاضي ممن يقضى بعلمه ، لكان أخذه بما لا خلاف فيه ~~أحسن لمثله ، وليكون حكمه بشهادتهم لا بعلمه . وقد روى عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ! أنه لم يكن ينفذ الأحكام في الغالب إلا بمجمع من الصحابة ~~وحضورهم ومشورتهم مع علمه وفضله وفقهه ، وحسن بصيرته بمآخذ الأحكام وطرق ~~القياس ومعرفة الآثار . ونقل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ! أنه كان ، ~~إذا جلس ، أحضر أربعة من الصحابة ، ثم استشارهم ؛ فإذا رأوا ما رآه ، أمضاه ~~. قال محمد بن عبد الحكم : وليس ينبغي لأحد أن يترك المشاورة ، ولا ينبغي ~~له أن يثق برأي نفسه ؛ ولا يدخل على الإمام من فعل ذلك استكبار : فإن سلف ~~هذه الأمة وخيار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ! كانوا يسألون عما ينزل بهم ~~، ويتفاوضون في أمورهم ، ويلاحظون في أحكامهم قول الله العظيم : ' يا أيها ~~الذين آمنوا ! كونوا قوامين بالقسط ، شهداء لله ، ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ' أي : يا أهل ~~الإيمان ! اقيموا العدل بالإقرار على أنفسكم وبالشهادة على غيركم ، من غير ~~مبالاة في قول الحق والقيام به بقرابة ولا بغني ولا بفقير . يقول : لا ~~تداهنوا في ألحق حبا للنفس ولا حمية للقريب ولا رعاية للغني ، ولا شفقة على ~~الفقير : فالله أولى بالجميع ! فقد أخبر الله سبحانه في هذه الآية جميع ~~المؤمنين من الحكام وغيرهم بالقيام بالقسط . وذلك في النوازل متوجه على ~~المشاورين والمفتين ، إذا وقفت النازلة عليهم ، وعلى الأئمة والقضاة ، إذا ~~تأدت القضية إليهم . فإذا تبين للناظر في النازلة PageV01P192 الحق المحض ~~الذي لا مرية فيه ، وكملت لديه موجباته ، أنفذه وأمضاه أحبه من أحبه ، أو ~~كرهه من كرهه . وممن قام به من القضاة بقرطبة ، نصر بن ظريف . ومنه علمه مع ~~حبيب القرشي في الضيعة التي قيم فيها عليه بدعوى الاغتصاب ، ونهاه الأمير ~~عند شكواه عن العجلة عليه ، فخرج من فوره وعمل بضد ما أريد ms189 منه ، وأمضى ~~الحكم على وجهه وسجل به ، وقد مر ذكر ذلك في اسمه . ومن كلام سحنون ، حين ~~سئل عن القاضي يثبت عنده الحق للرجل ، فيريد أن يسجل له كتابا بما ثبت عنده ~~، فيحضر خروج الإمام غازيا ؛ فيأمر القاضي بأن لا ينظر إلى أحد إلى انصرافه ~~، فيكون من رأى القاضي الإشهاد والتسجيل لصاحب الحق ، فيفعل بعد تقدم ~~الإمام إليه ، لازم أو لا ؟ أترى حكمه ماضيا ؟ قال : نعم ! أراه لازما ~~ماضيا . قال ابن رشد : هذا بين ما قال ، لأنه لم يعزله ، وإنما نهاه عن ~~الحكم ؛ والتسجيل ليس بحكم . فله أن يسجل بما تقدم حكمه به قبل أن يأمره ~~بالتوقف عن الحكم . وفي الواضحة : إن الإمام ، إذا أمر القاضي أن يدع الحكم ~~في أمر قد شرع فيه عنده ، فله أن يدع ذلك إذا لم يتبين له حق أحدهما ؛ فلا ~~يدع ذلك إلا بعزل . وهو قول سحنون . هذا ، وبالله التوفيق ! وقد مر الكلام ~~أيضا في اسم المصعب بن عمران ، عند قصة العباس بن عبد الملك أيام خلافة ~~هشام بن عبد الرحمن بن معاوية . وحاصلها أن الأمير أرسل إليه مع خليفة له ~~من أكابر فتيانه بعزمه منه ، يقول له : لا بد أن تكف عن النظر في هذه القصة ~~، لأكون أنا الناظر فيها . فلما جاءه وأبلغه عزمته ، أمره بالعقود ، ثم أخذ ~~قرطاسا ، فسواه وعقد فيه حكمه وأنفذه لوقته بالإشهاد عليه ؛ ثم قال للرسول ~~: اذهب إلى الأمير أصلحه الله ! فأعلمه أني قد أنفذت ما لزمني من الحق خوف ~~الحادثة على نفسي ورهبة من السؤال عنه . إن شاء تنقضه ، فذلك له ! فليتقلد ~~منه ما أحب ! فوافق هذا العمل الجزل من المصعب رحمه الله ! نص الواضحة ، ~~وجرى في ميدانه على الطريقة الحميدة . PageV01P193 وسميت فصول المقالات ~~المنعقدة عند القضاة قبل التسجيلات وهي التي تستفتح بها الخصومات محاضر ، ~~على ماحكاه محمد بن حارث ؛ واحدها محضرة ليلزمها من هذا الاسم عند العلماء ~~المتقدمين وهو مأخوذ من حضور الخصمين بين يدي القاضي . واختلف في اللفظ ~~التي تفتتح به تلك الفصول ، فكتب بعضهم : حضرني ms190 فلان ، لأن تلك الصحيفة ~~عنده وفي ديوانه ، فكأنه مخاطب لنفسه ، ومذكر لها بما كان بين يديه . وكتب ~~بعضهم : وقال القاضي فلان بن فلان ، ببلد كذا : حضرني فلان وكان بعضهم يكتب ~~: قال القاضي : حضرني . قال عيسى : وهذا كله عندي إذا كتب بخط يده ؛ وأما ~~إن كتب عنده كاتب ، فلا يكتب : حضرني ، لأنه يقع في الظاهر كناية عن الكاتب ~~. قال ابن حارث : والذي جرى به رسم قضاة الجماعة بقرطبة أن يكتب الكاتب : ~~قال القاضي فلان بن فلان ، قاضي الجماعة بكذا : فلان بن فلان قام عليه خصمه ~~فلان ، فادعى عليه بكذا . فقال فلان إنه لا يعرف شيئا من ذلك ، ولا يقر به ~~. تنبيه : ويجب على القاضي ، إذا حضر الخصمان ، أن يسأل المدعى عن دعواه ، ~~ويفهمها عنه . فإن كانت دعوى لا يجب بها على المدعى عليه حق ، أعلمه بذلك ، ~~ولم يسأل المدعى عليه عن شيء ، وأمرهما بالخروج عنه . وإن نقصه من دعواه ما ~~فيه بيان مطلبه ومعزاه ، أقره بتمامه . وإن أتى بإشكال ، أمره كذلك ببيانه ~~؛ فإذا صحت الدعوى ، سأل المطلوب عنها ؛ فإن أقر أو أنكر ، نظر في ذلك بما ~~يجب ؛ وإن أبهم جوابه ، أمره بتفسيره ، حتى يرتفع الإشكال عنه ، وقيد ذلك ~~كله عنهما في كتاب ، ويشهد عليهما به من حضر . وقد سطر المؤثقون في ذلك ما ~~فيه مقنع ومفتاح الطلب والإعراب عن المذهب ، وفيه رفع الشغب ، فلا يدع ~~الحكام أخذ المخصوم به . والله الموفق للصواب ! فإذا انعقد في مجلس القاضي ~~مقال بإقرار أو إنكار ، وشهد به عنده على القائل شهود المجلس ، على ما ~~ذكرناه ، أنفذ القاضي تلك المقالة على قائلها ، ولم يعذر إليه في شهادة ~~شهودها ، لكونها بين يديه ، وعلمه بها ، وقطعة بحقيقتها . قال أبو إبراهيم ~~وسقوط الإعذار في هذا إجماع من المتقدمين والمتأخرين . وكذلك ذكر ابن ~~العطار في وثائقه وأنكره عليه محمد بن عمر بن الفخار الحافظ وقال : هذا ~~اختلاط ؛ وكيف يجوز أن يقضى بشهادتهما ، من غير PageV01P194 أن يعذر فيها ~~إلى المشهود عليه ، وقد ينكشف عند الإعذار فيهما أنهما غير عدلين ، إذ قد ms191 ~~يأتى المشهود عليه بما يوجب رد شهادتهما من عداوة ، أو تفسيق ، وإنما لم ~~يقض القاضي بعلمه دون بينة ، لأن فيه تعريض نفسه للتهم . وقد حكى حاصل ذلك ~~كله ابن سهل في كتابه ، ونصه غيره من نظرائه . ويؤيد ما قال أبو إبراهيم ~~وابن العطار ما في سماع أشهب وابن نافع عن مالك في القوم يشهدون عند القاضي ~~. ويعدلون . قيل لمالك : هل يقول القاضي للذي شهد عليه دونك مخرج ؟ فقال : ~~إن فيها لتوهينا للشهادة ، ولا أرى إذا كان عدلا أو عدل عنده أن يفعل . ~~فهذا مالك قد أسقط الإعذار ها هنا فيما عدل عنه ، فكيف به فيمن هو عنده عدل ~~، وشهد لديه بما سمعه في مجلسه ، واستوى فيه علم الشهود وعلمه ؟ ومن ~~الفقهاء من قال : إن كتب الشهود في مجلس القاضي شهادتهم على مقال مقر أو ~~منكر فيه ، ولم يشهدوا بها عند القاضي في ذلك المجلس ، ثم أدوها بعد ذلك ~~عنده ، إذا احتيج إليها ، فإنه يعذر في شهادتهم إلى المشهود عليه بخلاف إذا ~~أدوها في المجلس نفسه الذي كان فيه المقال . والإعذار للمبالغة في طلب ~~إظهار العذر . ومنه : قد أعذر من أنذر ، أي بالغ في العذر من تقدم إليك ~~فأنذرك . ومنه أيضا : إعذار القاضي إلى من ثبت عليه حق يؤخذ في المشهود ~~بذلك . ومن أعذر إليه ، فادعى مدفعا أجل في إثباته في الديون وشبهها ثمانية ~~أيام سوى اليوم المكتوب فيه الأجل ، ثم ستة أيام ، ثم أربعة أيام ، ثم ~~يتلوم عليه ثلاثة أيام . وقيل : الأصل في الإعذار قوله تعالى حكاية عن ~~سليمان عليه السلام ! في الهدهد : ' لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ~~ليأتيني بسلطان مبين ! ' وقيل في التلوم أصله قوله تعالى ' تمتعوا في داركم ~~ثلاثة أيام . وذلك وعد غير مكذوب ! ' . وضرب الآجال مصروف إلى اجتهاد ~~القضاة والحكام ، وليس فيها حد محدود لا يتجاوز ، إنما هو الاجتهاد ، وبحسب ~~ما يعطيه الحال . فإذا كان الأجل المضروب في الأصول أجل المعذور إليه من ~~طالب أو مطلوب خمسة عشر يوما ، ثم ثمانية أيام ، ثم PageV01P195 أربعة أيام ~~، ثم ms192 تلوم له أربعة ، تتمة ثلاثين يوما في الجميع . ذكر ذلك ابن العطار ~~ومحمد بن عبد الله . والغالب لهذا العهد في كتب المقالات الجارية بين ~~الخصوم بقواعد البلد هو أن تكون في غير مجالس القضاة . وفي تلك الطريقة ~~توسعه على الكاتب والمكتوب له أو عليه . ولا إعذار عندنا فيما تقيد من ذلك ~~بشهادة أهل التبريز في العدالة ، وسواء كان بمحضر القاضي أو فقيه ، لما ~~تقدم من تعليله . مسألة . وإذا سكت المطلوب وأبى أن يتكلم ، أو تكلم وقال : ~~لا أخاصمه إليك ! قال له القاضي : إما أن تخاصم ؛ وإلا ، أحلفت هذا المدعى ~~على الذي ادعى قبلك ، وحكمت له به عليك ! فإن تكلم ، نظر في كلامه وفي حجته ~~؛ وإن لم يتكلم ، أحلف الآخر وقضى له بحقه إن كان مما يستحق مع نكول ~~المطلوب عن اليمين . قاله ابن حبيب . وقال محمد بن المواز في كتابه . إن لم ~~يرجع فيقرأ أو ينكر ، حكمت عليه للمدعى بلا يمين . وقال أبو محمد بن أبي ~~زيد : قال ابن سحنون عن أبيه : إن قال الخصم ما أقر ولا أنكر ، أو قال : ما ~~له عندي حق ! والآخر يدعى دعوى مفسرة ، ويقول : أسلفته ، أو بعته ، أو ~~أودعته فقال : لا ، يقبل قول المدعى عليه : ماله عندي شيء حتى يقر بالدعوى ~~بعينها أو ينكرها ، فيقول : ما باعني ، ولا أسلفني ، ولا أودعني ! فإن ~~تمادى على الرد ، سجنه . وقال ابن المواز فيمن ادعى عليه ستين دينارا ، ~~فيقر بخمسين ، ويأبى في العشرة أن يقر أو ينكر ، أنه يجبر بالحبس حتى يقرأ ~~أو ينكر ذلك ، إذا طلب ذلك المدعى . هكذا قال مالك . وأنا استحسن ، إذا ~~تمادى على شكه ، وقال لا أحلف على ما لا يقين لي فيه ! إني أحلفه أنه ما ~~وقف عن الإقرار والإنكار إلا أنه على غير يقين ! فإذا حلف على هذا أدى ~~العشرة أو يحسن فيها بالحكم ؛ فلا يمين على المدعى لأن كل مدعى عليه لا ~~يدفع الدعوى ؛ فإنه يحكم عليه بلا يمين . وقال أشهب مثله . وإذا تشعبت ~~المقالات المكتبية من المتشاجرين في الخصومات ، وأشكل ms193 حديثها ، طرح جميعها ~~، ولا حرج في ذلك ؛ فقد نقل عن قاضي كان في أيام أبان بن عثمان أنه رفعت ~~إليه كتب قد تقادم في أمرها والتبس البيان فيها ؛ فأخذها وأحرقها بالنار . ~~فقيل لمالك : PageV01P196 أيحسن ذلك ؟ قال : نعم ؟ إني لأراه حسنا . قال ~~ابن رشد في بيانه معنى هذه الكتب إنها كتب في خصومات طالت المحاضر فيها ~~والدعاوى ، وطالت الخصومات حتى التبس أمرها على الحكام . فإذا أحرقت ، قيل ~~لهم : بينوا الآن ما تدعون ، ودعوا ما تلبسون به من طول خصامكم ! وهو حسن ~~الحكم على ما استحسنه مالك . ومن كتاب أبي القاسم بن الجلاب : إذا ذكر ~~الحاكم أنه حكم في أمر من الأمور ، وأنكر المحكوم عليه ، لم يقبل قول ~~الحاكم إلا ببينة . قال أبو الحسن اللخمي : وهو أشبه في قضاة اليوم لضعف ~~عدالتهم . وقال أيضا : ولا أرى أن يباح هذا اليوم لأحد من القضاة ؛ ولا ~~اختلاف في اعتماد القاضي على علمه في الجرح والتعديل ؛ فأما الخط ، فلا ~~يعتمده إذا لم يتذكر ، لإمكان التزوير عليه . ومن عقد الجواهر : قال القاضي ~~أبو محمد : وإذا وجد في ديوانه حكما بخطه ، ولم يذكر أنه حكم به ، لم يجز ~~له أن يحكم به إلا أن يشهد به عنده شاهدان . وإذا نسي القاضي حكما حكم به ، ~~فشهد عنده شاهدان أنه قضى ، نفذ الحكم بشهادتهما ، وإن لم يتذكر ، كما ذكر ~~القاضي أبو محمد . وحكى الشيخ أبو عمر روايته أنه لا يلتفت إلى البينة بذلك ~~، ولا يحكم بها ولو شهد الشاهدان على قضائه عند غيره لحكم بشهادتهما ونفذ ~~قضاؤه . قال ابن حبيب : وأخبرني أصبغ عن ابن وهب ، عن مالك ، في القاضي ~~يقضى بقضاء ، ثم ينكره ، فشهر به عليه شاهدان : فلينفذ ذلك ، وإن أنكره ~~الذي قضى به معزولا كان أو غير معزول عن القضاء . ومن كتاب المقنع لأبي ~~أيوب : قال أصبغ عن أشهب ، عن مالك ، في القاضي يكتب شهادة القوم في الكتاب ~~أو الأمر يريده من أمر الخصمين ، ثم يختم الكتاب ويدفعه إلى صاحبه ، ثم ~~يؤتى بذلك الكتاب ، فيعرفه بخاتمه ، أيجيز ما ms194 فيه لغير بينة أنه خاتمه . ~~والخواتم ربما عمل عليها : قال مالك : هو أعلم وأحب أن يكون الكتاب عنده . ~~وقد كان بعض القضاة لا يلي كتابه إلا هو بنفسه . قال أصبغ : وأرى أن يجيز ~~ما في الكتاب إذا عرفه وعرف خاتمه . ولختم هذا الفصل بنبذة من الكلام في ~~الشهادة على الخط وما يجوز من ذلك وما يضيق فيه . فنقول : الشهادة على الخط ~~ترجع إلى أربعة أقسام : أحدهما : الشهادة على خط PageV01P197 القاضي في ~~خطاب أو حكم ؛ الثاني : الشهادة على خط المقر على نفسه بحق من مال ، أو ~~طلاق أو عتاق ، أو وصية ، وشبهها ؛ الثالث : شهادة الشاهد على خط يده في ~~شهادته وهو لا يذكرها ؛ الرابع : الشهادة على خطوط الشهود في الرسوم ، وهي ~~التي يكثر دورانها والاحتياج إليها . أما الشهادة على خط القاضي ، فقد تقدم ~~عليها من الكلام ما فيه الكفاية إن شاء الله . وأما الشهادة على خط المقر ~~على نفسه ، فقال ابن المواز : لم يختلف فيها قول مالك يريد في إعمالها على ~~المقر ؛ وفي المستخرجة عن ابن القاسم في المرأة يكتب إليها زوجها بطلاقها ~~مع من لا شهادة له ؛ فوجدت المرأة من يشهد أن هذا خط زوجها أنها ، إن وجدت ~~من يشهد على ذلك ، نفعها ؛ وفي سماع يحيى عن ابن القاسم : وإن ذلك ؛ وإن ~~شهد رجل على كتاب ذكر الحق أنه كتاب الذي عليه الحق بيده ، حلف صاحب الحق ~~مع ذلك ؛ وإن شهد عليه اثنان جاز ، وسقطت اليمين عنه . وكذلك قال مالك . ~~وفي المجالس : إن كتب الوثيقة بخط يده وشهادته ، نفذت ، لأنه قليل ما يضرب ~~على جميع ذلك ؛ وإن لم تكن شهادته فيها ، لم تنفذ لأنه كتب . ثم لم يتم ~~الأمر . وإن قال لفلان : عندي أو قبلي بخط يده ، قضى عليه لأنه خرج مخرج ~~الإقرار بالحقوق . وإن كتب لفلان على فلان إلى آخر الوثيقة وشهادته فيها ، ~~لم يجز إلا ببينة سواه ، لأنه أخرجها مخرج الوثائق ، وجرت مجرى الحقوق . ~~ولم تجز الشهادة فيها على خطه . قال أبو عمر بن هارون ، وقد ذكر هذا ms195 ~~التفصيل : هو تفسير جيد وفيها اختلاف . قال المحتج والخط عنده شخص قائم ~~ومثال ماثل ، تقع العين عليه وتميز سائر الأشخاص والصور . فالشهادة على ~~الخط جائزة وكذلك حكى ابن سحنون في كتابه عن مالك وغيره من أصحابه أن الخط ~~شخص تميزه العقول فكما يجوز في الأشخاص مع جواز الاشتباه فيها فكذلك يجوز ~~في الخط من كتاب الاستغناء المصنف في أدب القضاة والحكام لخلف بن مسلمة بن ~~عبد الغفور ؛ ومنه قال الأبهري : كما تجوز الشهادة على الصور وإن كانت يشبه ~~بعضها بعضا ، إذ الاختلاف فيها ليس بغالب . وفي باب الشهادة على الخط من ~~الكتاب المقنع عن مالك أنها جائزة مثل أن يشهد على خط الرجل في شيء أقر به ~~وقال إنه كالإقرار صراحا . وعن أبي القاسم فيه : ومعرفة الشهود له كمعرفة ~~الشهود للثياب والدواب وسائر ذلك . ومن نوع الشهادة الخط الشهادة أيضا في ~~الصوت ؛ ولذلك جازت شهادة الأعمى على معرفة الصوت . PageV01P198 ورد صاحب ~~الجواهر الشهادة على الخط إلى ثلاثة أوجه ؛ فقال : الأول : الشهادة على خط ~~المقر ، وهو أقواها في جواز الشهادة ؛ ويليه الوجه الثاني ، وهو الشهادة ~~على خط الشاهد الميت أو الغائب ؛ ويليه الوجه الثالث ، وهو شهادة الشاهد ~~على خط نفسه ، وهو أضعفها في إجازة الشهادة . مسألة . قيل للقاضي محمد بن ~~يبقى بن زرب : ما تقول في رجل كتب وصيته وأشهد عليها ، ثم كتب في أسفلها ~~بخط يده : هذه الوصية قد أبطلتها إلا كذا وكذا منها . فيخرج عني ! وشهدت ~~بينة أنه خطه . فقيل : لا ترد بهذا وصيته التي أشهد عليها وهو كمن كتبت ~~وصيته بخط يده ، ولم يشهد عليها حتى مات وشهد على خطه فيها ، فلا تنفذ . ~~ومن نوازل القاضي أبي الأصبغ بن سهل : وقع الكتاب الثاني من أحكام محمد ابن ~~عبد الله بن عبد الحكم : وإذا كان لرجل على رجل آخر حق ، فكتب له إلى رجل ~~له عنده مال من دين أو وديعة ، أن يدفع إليه ماله ؛ فدفع الكتاب إلى الذي ~~عنده المال ؛ فقال : أما الكتاب ، فإذا عرفه وهو خطه ، ولا ms196 كنى لا أدفع ~~إليك شيئا ! فذلك له ، ولا يحكم عليه القاضي بدفعه ، ولا يبرئه دفعه إن جاء ~~صاحب الحق فأنكر الكتاب . وكذلك لو قال : قد أمرني أن أدفع إليك ، ولا كن ~~لا أفعل ! فذلك له ، لأنه لا يبرئه ذلك ، إن أنكر الذي له المال أو مات . ~~ومن نوازل القاضي أبي عبد الله بن أحمد بن الحاج : إذا قال رجل أو وجد بخطه ~~بعد وفاته لفلان قبلي كذا وثبت إقراره أو خطه ، فلفظه قبلي محتملة أن يكون ~~أوجب له قبله هبة مائة دينار أو صدقة بها ، فموته أو فلسه قبل قبضها يبطلها ~~. ومن عقد الجواهر : ولو كتب وصية بخطه ، فوجدت في تركته ، وعرف أنها خطه ~~بشهادة عدلين ، فلا يثبت شيء منها حتى يشهد عليها . وقد يكتب ولا يقدم . ~~رواه ابن القاسم في المجموعة والعتيبة . قال محمد عن أشهب : ولو أقرها ، ~~ولم يأمركم بالشهادة فليس بشيء حتى يقول : إنها وصيتي ، وإن ما فيها حق . ~~ويقرب من هذا الباب مسألة من وجد بخطه هجو أحد من الناس أو قذفه ، وثبت ~~بالبينة العادلة أنها خطه ، وأنكر هو ذلك ، وأعذر إليه ؛ فلم يكن عنده مدفع ~~. وقع فيها PageV01P199 للقاضي أبي الوليد كلام حكاه عنه ابن جرير في ~~نوازله ، مضمنه الفتيا بأن يحلف المشهود على خطه أنه ما كتب ، ولا قذف ، ~~ولا سب ؛ فإن حلف ، برئ ، وإن لم يحلف ، حبس حتى يحلف ؛ فإن طال ذلك ولم ~~يحلف ، أطلق بأدب فيمن كان من أهل السفه ودونه في غيره . وبنى فتياه هذه ~~على أن الخط غير معمول عليه ، إلا في كونه شبهة كالشاهد الواحد . وأحال في ~~فتياه على ما في سماع ابن القاسم من كتاب الحدود في القذف ، وعلى ما قاله ~~أصبغ في سماعه في ذلك الكتاب . والذي وقع له في كلامه على رواية ابن القاسم ~~، في الكتاب الذي ذكر من كتابه المسمى ب البيان ، أن في المسألة ثلاثة ~~أقوال : أحدها أنه يحلف ؛ فإن نكل ، سجن حتى يحلف ؛ فإن طال سجنه ولم يحلف ~~، خلى سبيله ولم يؤدب . وقال أصبغ ms197 : يؤدب إن كان معروفا بالأيذاء ؛ وإن كان ~~مبرءا في ذلك ، أي مبرزا فيه ، خلد في السجن . والثاني أنه ، إن كان معروفا ~~بالسفه والأيذاء ، عذر ولم يستحلف ؛ وإن كان غير معروف بذلك ، استحلف ؛ وهو ~~قول مالك في سماع أشهب . والثالث أنه يحلف مع شاهده ، ويحد له . روى ذلك عن ~~مطرف . قال : وهو شذوذ في المذهب أن يحد في القذف باليمين مع الشاهد وإذا ~~ثبت القذف لأحد من الناس ، فمات قبل أخذه ، فللعقبة الطلب به . قال مالك : ~~ويقوم بحق الميت ولده ، وولد ولده ، وأبوه ، وجده لأبيه ، من قام منهم أخذ ~~الحد ، وإن كان ثم من هو أقرب منه ، لأن هذا عيب يلزمه . وقد استند في جعل ~~الخط والقذف شبهة . وإنه ليس كالنطق إلى ما في الواضحة أن الشهادة على الخط ~~لا تجوز في طلاق ، ولا عتاق ، ولا نكاح ، ولا حد من الحدود ، ولا تجوز إلا ~~فيما كان مالا من الأموال خاصة . وذكرنا تأويل الشيوخ لقول مالك في سماع ~~أشهب من العتيبة في المرأة تدعى طلاق زوجها وتستظهر بخطه ، وهو منكر . قال ~~: إن كان لها من يشهد على خطه ، نفعها . قال : ومعناه أن ذلك لها شبهة ~~كالشاهد الواحد توجب لها اليمين عليه . قال في البيان : والذي أقول به إن ~~معنى ما في كتاب ابن حبيب إنما هو أن الشهادة لا تجوز على خط الشاهد في ~~طلاق ، ولا عتاق ، ولا نكاح ، ولا حد ، وتجوز على خط الرجل أنه طلق ، أو ~~أعتق ، أو نكح ، كما لا تجوز في إقراره بالمال . قال : فالصواب أن يحمل ~~قوله في الرواية نفسها على ظاهر كلامه في البيان ، حيث خص المنع بالشهادة ~~على خط الشاهد خاصة PageV01P200 تكون الإنشادات كلها الخطية واللفظية على ~~سنن واحد في الحكم بها عند الشهادة عليها في الأموال وغيرها . ولما ذكر ابن ~~خيرة طريقة شيخه ابن رشد في الجمع بين ما في الواضحة وما في سماع أشهب ، في ~~مسألة دعوى الطلاق على الزوج ، قال : إنه جمع حسن إلا أن نص ما في الواضحة ~~خلافة ؛ فالأصوب أنهما ms198 قولان . وقد قال ابن المواز : الذي نأخذ به بأن لا ~~يجوز من الخط شيء إلا من كتب خطه على نفسه ؛ فإنه كالإقرار على نفسه . قال ~~: وهو قول مالك . وهذا هو القول المخالف لما في الواضحة أنه أطلق القول في ~~لزوم ماالتزمه الإنسان بخطه ، ولم يخص مالا من غيره ووجه الفرق بين خط ~~الشاهد وخطه الالتزامات . وما ترتب من الحقوق الواجبات ، ما ذكره ابن حارث ~~في كتاب الاتفاق والاختلاف له ؛ وذلك أنه ضعف الشهادة على خط الشاهد . قال ~~: لأنه قد يكتب شهادته من لا يؤدى ، ومن إذا سئل الأداء ، استراب ، ومن لا ~~يعرف من أشهده إلا على عينه ؛ وهذا كله توهين للعمل على خط الشاهد ، بخلاف ~~إقرار الإنسان على نفسه أو كتبه ما يعلن عليه حقا لغيره . مسألة أخرى . وهي ~~: من وجد بخطه شيء من المذاهب الفلسفية المخالفة للشريعة ، أو ما بمنزلتها ~~في هذا المعنى ، حكمها أن ينظر في المكتوب ؛ فإن كان فيه تصريح أن كاتبه ~~يقول به ويرتضيه ، وهو بلسانه ينكره وينفيه ، فيجرى حكمه على ما سبق ذكره ~~في الخط ، إذا ثبت من تعليق يمين به ، أو سجن إن لم يحلف على نفيه ، أو ~~إنفاذ ما يوجبه الخط على من أقر بمضمنه ، بحسب ما يقتضيه ؛ وإن كان الخط ~~بتلك المذاهب نقلا مرسلا غير مضاف قولا لكاتبه ، ولا مرتضى له مذهبا من ~~قبله ، فبئس من كتب بيده ، مما هو عرضة للإخلال ، وهو رصد للطعن على الدين ~~بسببه ؛ وهو حقيق بالتحريق والزجر عن مثله . وقد قال تعالى في قوم أضلوا ~~غيرهم بمكتوبهم : ' فويل لهم مما كتبت أيديهم ! ' وقد تقدم في اسم محمد بن ~~يبقى بن زرب ما كان من عمله سنة 350 جملة من أتباع ابن مسرة الجبلي ، وأنه ~~استتابهم ، وأحرق ما وجد من كتبهم وأوضاعه عندهم . PageV01P201 وجرى مثل ~~ذلك أيضا بحضرة غرناطة ، منتصف عام 773 ، في كتب ألفيت بها من تواليف محمد ~~بن الخطيب ، فيما يرجع إلى العقائد والأخلاق ؛ فأحرقت بمحضر من الفقهاء ، ~~والمدرسين من العلماء ، وأماثيل الفقهاء ، لما تضمنته الكتب ms199 المذكورة من ~~المقالات التي أوجبت ذلك عندهم ، وحققته لديهم . ومن الكلام الذي استعظم ~~بالأندلس في حق القاضي أبي الوليد الباجي ، الذي أفصح به قوله عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ! إنه كتب بيده ؛ وكان أصل ذلك أنه قرئ عليه بمدينة دانية ~~في كتاب البخاري حديث المقاضاة ؛ فتكلم عليه ، وأشار إلى تصويب من قال ~~بظاهره . فقيل له : وعلى من يعود ضمير قوله كتب ! فقال : على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ! فقيل له : وكتب بيده ؟ قال : نعم ! ألا ترونه يقول في ~~الحديث : فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ! الكتاب وليس يحسن الكتاب ؛ ~~فكتب : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . قال ابن العربي في سراجه : ~~فأعملوا ونسبوا كل تكذيب وتعطيل إليه . كان من قوله إن النبي الأمي يجوز أن ~~يكتب بعد أميته ؛ فيكون ذلك من معجزاته . وكتب أمير وطنه في المسألة إلى ~~إفريقية وصقلية ، برغبة الباجي في ذلك . فجاءت الأجوبة من هنالك بتصديقه ~~وتصويب مقالته . فسلم فيها قوم ؛ وصدرت من بعض الفقهاء بالأندلس ، في معرض ~~الرد لها وإبطال مضمنها ، أوضاع ، منها جزء للزاهد أبي محمد ابن مفوز . قال ~~صاحب الإكمال : فطال كلام كل فرقة في هذا الباب ، وشنعت كل واحدة على ~~صاحبتها . ' وربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ! ' ونرجع ما كنا بسبيله من ~~الكلام . فنقول : وأما شهادة الشاهد على خط يده في شهادته وهو لا يذكرها ، ~~ففي سماع أشهب : قيل لمالك ، في الرجل يؤتى بخط يده على شهادة لا يذكر منها ~~شيئا ؛ قال : أرى أن يرفع شهادته على وجهها ، يقول : أرى كتابا يشبه كتابي ~~، وأظنه اياه ؛ ولست أذكر شهادتي ، ولا متى كتبتها قيل له : فإن كان جلدا ~~أبيض لا محو فيه ولا شيء ، وعرف خط يده ، فقال : ربما ضرب على الخط وعلى ~~الكتاب ؛ فأرى أن يرفع شهادته على وجهها . وقال عنه ابن نافع : PageV01P202 ~~لا يشهد . وقال : قد أتيت غير مرة بخط يدي ، ولم أثبت على الشهادة ؛ فلم ~~أشهد . قاله ابن القاسم وأصبغ . وقال ابن حبيب : وهو الأحوط . وفي ~~المستخرجة : قيل لسحنون ms200 : أرأيت الرجل يعرف خطه في الكتاب ، لا يشك في ذلك ~~، ولا يذكر كل ما فيه ؟ فقال : قد اختلف فيه أصحابنا ؛ والذي أقول به ، إذا ~~لم ير في الكتاب محوا ولا لحقا ولا شيئا يستذكر ، ورأى الكتاب كله خطا ~~واحدا ، فأرى أن يشهد ، وأن يقول : أشهد بما فيه . وهذا الأمر لا يجد الناس ~~منه بدا ، ولا يستطيع أحد أن يذكر جميع ما في الكتاب . قيل له : فلو أنه ~~عرف الكتاب كله وعرف خطه في الكتاب كله ، وفيه شهادته ، ولم ير شيئا يستذكر ~~، ولم يذكر منه شيئا ؟ فقال : أرى أن يشهد به ؛ ولو أنه أعلم بذلك القاضي ، ~~رأيت للقاضي أن يجيز شهادته جائزة إذا ذكر أنه خط الكتاب ، وكتب شهادته ~~بيده ، ولم ير فيه محوا ، ولا يشكون أنها جائزة . وقال سحنون : قال ابن وهب ~~عن مالك : إذا أتى الرجل بالكتاب فيه شهادته ، فيعرف خط يده ولا يذكر ~~شهادته ولا شيئا منها ، فيقول بعض الشهود الذين في الكتاب معه : نشهد أنه ~~كتاب يدك وأنك كتبته معنا ، ولا يذكر هو شيئا من ذلك قال : إن كان استيقن ~~أنه كتابه وخط يده ، ويعلم ذلك ويثبته ، فيشهد عليه ؛ وإن كان إنما يعلم ~~ذلك بخبر غيره ، وقولهم له ، فلا أرى أن يشهد عليه . وعن ابن وهب عن مالك : ~~من عرف خط يده في شهادته في ذكر حق ولم يثبت عدة المال ، إن استيقن أنه خط ~~يده ، وإن كان لا يثبت عدة ، فليشهد عليه . وينبغي للقاضي أن يقضى به إذا ~~اشهد عنده أنه خط يده ، وإن لم يشهد عنده على عدة المال . ومن شرح خلف بن ~~بطال : اتفق جمهور العلماء على أن الشهادة على الخط لا تجوز ، إذا لم يذكر ~~الشهادة ولا يحفظها . قال الشعبي : ولا يشهد أبدا إلا على شيء يذكر : فإنه ~~من شاء ، انتقش خاتما ، ومن شاء كتب كتابا . وممن رأى أن لا يشهد على الخط ~~، وإن عرفه ، حتى يذكر الشهادة ، الكوفيون ، والشافعي ، وأحمد ، وأكثر أهل ~~العلم . وقد فعل مثل هذا في أيام عثمان رضي الله ms201 عنه ! : صنعوا مثل خاتمه ، ~~وكتبوا مثل كتابه ، في قصة مذكورة في مقتل عثمان . PageV01P203 وأما ~~الشهادة على خط الشهود ، وهي التي يكثر في الغالب الاضطرار إليها . فحاصل ~~المذهب فيها يرجع إلى قولين : أحدهما الجواز ، وهو الذي رواه مطرف عن مالك ~~في الواضحة أن الشهادة جائزة على خط الميت والغائب إذا لم يستذكر الشاهد ~~شيئا . حكاه ابن وهب أيضا عنه . وقاله أصبغ . وهو قول ابن القاسم . واختلف ~~في حد المغيب الذي تجوز فيه الشهادة على خط الغائب ؛ فقال ابن الماجشون في ~~ديوانه ما تقصر فيه الصلاة ؛ ونحوه عنه في المجموعة . وقال ابن سحنون عن ~~أبيه : الغيبة البعيدة من غير تحديد . وقال ابن مزين في كتبه الخمسة عن ~~أصبغ : مثل إفريقية ومصر أو مكة من العراق . والقول الثاني أن شهادة الشهود ~~على خط الشاهد بما علمت من حكم به وهما لو سمعا الشاهد ينص شهادته ، لم يجز ~~أن ينقلاها حتى يقول لهما : اشهدا بذلك ! قال : والذي آخذ به ألا تجوز ~~الشهادة على الخط إلا خط من كتب شهادته على نفسه ؛ فهو كالإقرار . وقاله ~~ابن القاسم أيضا ، رواه عن مالك . وقال محمد بن حكم : لا أرى أن يقضى في ~~دهرنا بالشهادة على الخط ، لما أحدث الناس من الفجور والضرب على الخطوط . ~~وقد كان فيما مضى يجوزون الشهادة على طابع القاضي ؛ ورأى مالك ألا يجوز . ~~وقال ابن الماجشون في غير الواضحة : الشهادة على الخط باطل . وما قتل عثمان ~~بن عفان رضي الله عنهما ! وهو خير هذه الأمة بعد نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم ! وبعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ! إلا على الخط وما هي به منه ~~وكتب عليه . قال : فلا أرى أن يشهد على الخط ولا أن يشهد الرجل إلا بما ~~يعرف على من يعرف ويعلمه فيمن يعلم . أما سمعت الله تعالى يقول : ' وما ~~شهدنا إلا بما علمنا ' وقال : ' ألا من شهد بالحق وهم يعلمون . ' وقال مطرف ~~مثله . وقال الطحاوي : خالف مالك جميع العلماء في الشهادة على معرفة الخط ، ~~وعدوا قوله شذوذا ؛ إذا ms202 الخط قد يشبه الخط ، وليست شهادة على قول منه ولا ~~معاينة فعل . وقال محمد بن حارث : الشهادة على الخط خطأ . ولقد قلت لبعض ~~الفقهاء : أتجوز شهادة الموتى ؟ فقال : ما هذا الذي تقوله ؟ قلت : إنكم ~~تجيزون الشهادة الرجل بعد موته ، إذا وجدتهم خطه في وثيقة . فسكت . ومن ~~الكتاب المقنع : كان محمد بن عمر PageV01P204 ابن لبابة لا يجيز الشهادة ~~على الخط في شيء من الأشياء ، استمر على ذلك إلى أن مات . وهو أحوط لحوالة ~~الزمان وفساد أهله . وشهادة الأحياء ربما دخلتها الدواخل ؛ فكيف بشهادة ~~الموتى ؟ وفي كتاب القاضي أبي الأصبغ بن سهل ، وقد قدر مسائل من هذا النوع ~~، وقال : من ضعف أمر الخط وضعف الشهادة ، أن رجلا ، لو قال ، وهو قائم صحيح ~~! هذا خطي ! ولست أذكر القصة ولا أحفظ المعنى الذي كتبت خطي فيه ! لما كانت ~~شهادة ولا جازت جواز العلم والقبول ، فكيف يأتى رجل إلى خط غيره ، ويشهد ~~عليه ، ويقطع إنه كتابه وعمله ؛ فيمضي ذلك وينفذ . وهذا هو الصحيح عندي : ~~لا أقول بغيره ، ولا أعتقد سواه ؛ وهو دليل المدونة وغيرها . ثم قال : لا ~~كنى أذهب إلى جواز ذلك في الأحباس خاصة ، على ما اتفق عليه شيوخنا رحمهم ~~الله ! اتباعا لهم ، واقتداء بهم ، واستحسانا لما درجت عليه جماعتهم ، وقضى ~~به قضاتهم ، وانعقدت به سجلاتهم . وحسب المجتهد منا اتباع السلف ؛ فقد ~~أجازوا غير ما شيء على الاستحسان وأخذوا به بالتخفيف ؛ وما أجمعوا على ذلك ~~في الأحباس إلا حيطة عليها ، وتحصينا أن تحال عن أحوالها ، وتغير عن سبيلها ~~، واتباعا لمالك وأصحابه في المنع من بيعها ، والمناقلة بها ، والمعاوضة ~~فيها ، وإن خربت ، وذهب الانتفاع بها . واحتج ببقائها بالمدينة خرابا ، لا ~~تحال عن وجوهها التي اثبتت فيها ؛ فظاهر اختيارهم هذا ، على ما ذكره ابن ~~سهل ، يمنع من تجويز الشهادة على الخط في التقية وشبهها ، مما فيه توهينها ~~ونقضها ؛ فلا يجوز إذا العمل به ، ولا يسوغ القول بذلك ، إلا لمن اعتقد ~~جواز الشهادة على الخط مطلقا ، ولم يخص شيئا من شيء لا حبسا ولا غيره ، ~~وخالف ما ms203 اتفق عليه الشيوخ ، وجرى به العمل . وأما من ذهب مذهبهم بتخصيص ~~الأحباس بها ، فلا يصح له القول بذلك في التقية ، ولا في غيرها . والله ~~المستعان ! وقد شافهت في ذلك بعض من لقيت من العلماء ؛ فأخبرني أن اختياره ~~إبطال التقية ، وأنه شاهد القضاة بذلك . ومن أحكام ابن جرير : قال ابن زرب ~~: الشهادة على الخط جائزة في مذهب مالك رحمه الله ! في جميع الأشياء . ~~والذي جرى به العمل ، PageV01P205 أنه تجوز الشهادة على الخط في الأحباس ~~المعقبة الموقفة المسبلة . وقال ابن حارث : لم أسمع ، ولا علمت أن الذين ~~رأوا إجازة الشهادة على خط الشاهد فرقوا بين الأحباس وسواها من الأموال ~~فضلا عن أن يفرق بين الحبس الذي يكون مرجعه إلى المساكين ، ويرجع متملكا . ~~هذا ما وسع الوقت من الكلام على كتب القضاة إلا القضاة ، وفي الشهادة على ~~الخطوط ، وبعض ما يرجع إليها ويتعلق بها من المسائل . وفيه الغنية الكاملة ~~للمتأمل ، بفضل الله . الفصل الثاني في صفات من بلغ من القضاة رتبة ~~الاجتهاد وحكم القاهر عن تلك المنزلة في استنباط الأحكام ؛ وضبط معاني هذه ~~الترجمة يفتقر إلى إطالة ، وغرضنا إيثار الاختصار . فنقول على جهة التقريب ~~والله الموفق للصواب ! : أما الصفات التي ينبغي أن يكون عليها كملاء القضاة ~~، فهي العلم بالكتاب والسنة وما وقع عليه إجماع الأمة ؛ والاجتهاد المتكلم ~~به عند الفقهاء هو استفراغ الوسع في المطلوب لغة ، واستفراغ الوسع بالنظر ~~فيما يلحق فيه لوم شرعي اصطلاحا . هذا هو المعبر عنه بالاجتهاد . وأما هل ~~سجن النبي صلى الله عليه وسلم ! وأبو بكر رضي الله عنه ! أحدا أم لا ، فذكر ~~بعضهم أنه لم يكن لهما سجن ولا سجنا أحدا . وذكر بعضهم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ! سجن بالمدينة في تهمة دم : رواه عبد الرزاق والنسائي وأبو ~~داوود . وفي أحكام ابن زياد عن أيوب بن سليمان : أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ! سجن رجلا أعتق شريكا له في عبد ؛ فوجب عليه استتمام عتقه . قال ~~في الحديث : متى باع له . وفي كتاب ابن شعبان عن ms204 الأوزاعي : أن رجلا قتل ~~عبده متعمدا ؛ فجلده النبي صلى الله عليه وسلم ! مائة جلدة ، ونفاه سنة ، ~~ولم يقره ؛ وأمره أن يعتق رقبة . قال ابن شعبان : وقد رويت عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ! أنه حكم بالضرب والسجن . ومن غير كتاب ابن شعبان عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه ! أنه كان له سجن ، وأنه سجن الحطيئة على الهجو ، ~~وسجن آخر على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات ويس ، وضربه مرة بعد ~~مرة ، ونفاه PageV01P206 إلى العراق . وقد تقدم أنه ضرب في التعزير معن بن ~~زائدة مائة سوط حيث نقش خاتمه وحبسه . وسجن عثمان ابن عفان رضي الله عنه ! ~~ضابئ بن الحارث ، وكان من لصوص بني تميم وفتاكهم ، حتى مات في السجن . وسجن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه ! بالكوفة . واحتج بعض العلماء ممن يرى السجن ~~فيكم وهن بقول الله تعالى ' في البيوت حتى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهن ~~سبيلا ' ، وبقول النبي عليه السلام ! في الذي أمسك رجلا آخر حتى قتله : ~~اقتلوا القاتل واصبروا الصابر ! قال أبو عبيد : قوله اصبروا الصابر يعني ~~احبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت . وكذلك ذكره عبد الرزاق في مصنفه عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه ! يحبس الممسك في السجن حتى يموت . ومن كتاب ابن ~~سهل ، في اتخاذ الحميل على من أقر بمال أو ثبت قبله : قال أبو صالح : من ~~وجب عليه حميل ، فلم يقدر عليه ، فالحبس حميله . وأهل المشرق يقولون ~~بالملازمة ولا يبارحه . وهذا القول قد رواه محمد بن سحنون عن أبيه وقال به ~~. وقال محمد بن غالب : الذي نراه أن يتخذ عليه حميل بالمال ، توقعا من الشح ~~والهرب ؛ فيذهب حق ذي الحق . فإن لم يقم حميلا ، حبس له . وقال محمد بن ~~الوليد بمثله . وقال ابن العطار في كتاب السجلات من وثائقه : إذا لم يأت ~~المطلوب بحميل بما يثبت عليه ، سجن للطالب ، إن طلب ذلك ؛ ولا يسجن ، إذا ~~لم يقم حميلا بالخصومة في أول الطلب ؛ ويقال للطالب : لازمه إن أحببت ، ركن ~~معه حيث انصرف ms205 ! وفي وثائق ابن الهندي ، هذا الوجه أنه يسجن إن لم يقم ~~حميلا بوجهه . وسئل القاضي أبو الوليد عمن كان له على رجل دين حال ، ~~وللغريم سلعة يمكن بيعها مسرعا ؛ فطلب صاحب الدين بيع السلعة ، وطلب ~~المديان أن لا يفوت عليه سلعته ، وأن يضع السلعة رهنا ، ويؤجل أياما ينظر ~~فيها في الدين هل له ذلك أم لصاحب الدين بيع السلعة ؟ فأجاب فيها : إن من ~~حقه أن يجعل السلعة رهنا ، ويؤجل في إحضار المال بقدر قلته وكثرته ، وما لا ~~يكون فيه ضرر على واحد PageV01P207 منهما ، على ما يؤدى إليه اجتهاد الحاكم ~~في ذلك . فهذا هو الذي جرى به القضاء ، ومضى عليه العمل ؛ وهو الذي تدل ~~عليه الروايات عن مالك وأصحابه وبالله التوفيق ! نجز وتم والحمد لله على ما ~~خص من نعمه وعم ! كتاب المرقبة العليا ، فيمن يستحق القضاء الفتيا ، تأليف ~~الشيخ الإمام أبي الحسن ابن الفقيه أبي محمد عبد الله النباهي رحمه الله ~~تعالى رضى عنه . | PageV01P208 ms206