######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0004363 #META# 000.BookURI :: #0793.AbuHasanMalaqi.TarikhQudat #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن محمد ابن الحسن الجذامي النباهي المالقي الأندلسي (المتوفى: نحو 792هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تاريخ قضاة الأندلس (المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التراجم والطبقات #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0004363 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-4363 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/4363 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة #META# 041.EdNUMBER :: الخامسة، 1403هـ -1983م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الآفاق الجديدة - بيروت/لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### |EDITOR| # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه ~~وسلم قال الشيخ الفقيه العالم، قاضي الجماعة بالبلاد الأندلسية، وخطيب ~~حضرتها العلية أعادها الله للإسلام {أبو الحسن بن الفقيه أبي محمد ابن عبد ~~الله بن الحسين النباهي وصل الله سبحانه سعادته، وشكر إفادته} أما بعد حمد ~~الله، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، فهذا كتاب أرسم فيه بحول الله ~~نبذا من الكلام في خطة القضاء، وسير بعض من سلف من القضاة، أو بلغ رتبه ~~الاجتهاد، وفيمن يجوز له التقليد ومن لا يجوز له، وصفات المفتى الذي ينبغي ~~قبول قوله، والاقتداء به لمن ذهب إلى مقلده، وبالجاري من الفتاوى على منهاج ~~السداد، وهل يجوز للمفتي قبول الهدية من المستفتى، أم هي في حقه من ضروب ~~الرشاء المحرمة على الجميع. ولست أجهل أن هذا الغرض قد سبق له غيري، وصنف ~~في معناه أناس قبلي؛ لا كنى رأيت أن أعيد منه الآن ما أعيده على جهة ~~التذكرة لنفسي، والتنبيه لمن هو مثلي. وحاصل ما أريد إثباته من ذلك في هذا ~~الكتاب يرجع على التقريب إلى أربعة أبواب. فأقول والله الموفق للصواب:؟ # PageV01P001 ### | الباب الأول في القضاء وما ضارعه # ### || فصل # # لفظ القضاء يأتي في اللغة على أنحاء مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه. ~~يقال: قضى الحاكم إذا فصل في الحكم؛ وقضى دينه أي قطع ما لغريمه قبله ~~بالاداء؛ وقضيت الشيء أحكمت عمله؛ ومنه قوله تعالى: " إذا قضى أمرا " أي ~~أحكمه وأنفذه. وخطة القضاء في نفسها عند الكافة من أسنى الخطط؛ فإن الله ~~تعالى قد رفع درجة الحكام، وجعل إليهم تصريف أمور الأنام، حكمون في الدماء ~~والأبضاع والأموال، والحلال والحرام. وتلك خطة الأنبياء ومن بعدهم من ~~الخلفاء: فلا شرف في الدنيا بعد الخلافة أشرف من القضاء. ولأجل منيف قدره ~~في الأقدار، ولسمو خطره في الأخطار، اشترط العلماء في متوليه، من شروط ~~الصحة والكمال، ما تقرر في كتبهم، واستبعد حصول مجموعه الأئمة المقتدى بهم. ~~فقد نقل عن مالك بن أنس رحمه الله {أنه كان ms001 يقول في الخصال التي لا يصلح ~~القضاء إلا بها: لا أراها تجتمع اليوم في أحد؛ فإذا اجتمع منها في الرجل ~~خصلتان العلم والورع، قدم. قال عبد الملك بن حبيب في كتابه: وإن لم يكن ~~علم، فعقل وورع} فبالعقل يسئل وبه تحصل خصال الخير كلها؛ وبالورع يعف؛ وإن ~~طلب العلم وجده؛ وإن طلب العقل، إذا لم يكن عنده، لم يجده. وقد قيل: كثير ~~العقل مع قليل العلم أنفع من كثير العلم مع قليل العقل. وليس العلم بكثرة ~~الرواية والحفظ، كما قاله ابن مسعود رضي الله عنه {: وإنما العلم نور يضعه ~~الله في القلوب. قال المؤلف أدام الله توفيقه} : ومن قلد الحكم بين الخلق ~~والنظر في شيء من أمورهم: فهو أحوج الناس إلى هذا النور وإلى اتصافه ~~بالتذكير والتيقظ والتفطن. ولذلك كان إسماعيل بن إسحاق، قاضي القضاة ~~ببغداد، يقول: من لم تكن فيه، لم يكن # PageV01P002 # له أن يلي القضاء. وقال ابن المواز: لا ينبغي أن يستقضى إلا ذكى، فطن، ~~فهم، فقيه، متأن، غير عجول، وذكر أن عمر بن عبد العزيز قال: لا يصلح للقضاء ~~إلا القوي على أمر الناس، المستخف بسخطهم وملامتهم في حق الله، العالم ~~بأنه، مهما اقترب من سخط الناس وملامتهم في الحق والعدل والقصد، استفاد ~~بذلك ثمنا ربيحا من رضوان الله {. ### || فصل # قال عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام: وقد أجمع المسلمون على ~~أن الولاة أفضل من غيرهم. وتفصيل ذلك أن الولاية تشتمل على غرض شرعي، وغرض ~~طبعي؛ فنهى عنها من يغلبه طبعه وهواه، وأمر بها من يكون قاهرا لطبعه، غالبا ~~لهواه. فلا يتولاها من لا يملك هواه إلا أن يتعين لها؛ فيجب عليه أن ~~يتولاها، وأن يجاهد نفسه في دفع هواه ما استطاع. ومما يشير إلى الترغيب في ~~الحكم لمن قدر على العدل فيه، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم} " إن ~~المقسطين عند الله يوم القيامة، على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا ~~يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوه. " وقوله ms002 " عن يمين ~~الرحمن " معناه في الحالة الحسنة والمنزلة الرفيعة؛ والعرب تنسب الفعل ~~المحمود والإحسان إلى اليمين، وضده إلى الشمال أي المنزلة الخسيسة؛ وأما ~~الأقساط، فهو العدل؛ يقال: أقسط إذا عدل. قال الله تعالى: " وأقسطوا إن ~~الله يحب المقسطين {" وفي كتاب أبي حبيب، عن ابن شهاب، أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم} قال: " ما من أحد أقرب مجلسا من الله يوم القيامة، بعد ملك ~~مصطفى، أو نبي مرسل، من إمام عدل {" وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم} ~~قال: " إن الله مع القاضي، ما لم يحف عمدا. " وفي الصحيح: إذا حكم الحاكم، ~~ثم اجتهد فأصاب، فله أجران؛ وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ، فله أجر واحد. قال ~~أهل العلم: والمراد هنا بالحاكم، البصير بالحكومة، المتحري العدل. وقد ~~استدل بهذا الحديث من يرى أن كل مجتهد مصيب، لأنه صلى الله عليه وسلم! جعل ~~له أجرا. واحتج به أيضا أصحاب القول # PageV01P003 # الآخر بأن المصيب واحد والحق في طرف واحد، لأنه، لو كان كل واحد مصيبا، ~~لم يسم أحدهما مخطئا، فيجمع الضدين في حالة واحدة. قال القاضي أبو الفضل بن ~~موسى في إكماله: والقول بأن الحق في طرفين هو قول أكثر أهل التحقيق من ~~المتكلمين والفقهاء؛ وهو مروى عن مالك والشافعي وأبي حنيفة، وإن كان قد حكى ~~عن كل واحد منهم اختلاف في هذا الأصل. وهذا كله في الأحكام الشرعية. وأما ~~ما يتعلق بأصل وقاعدة، من أصول التوحيد وقواعده، مما مبتناه على قواطع ~~الأدلة العقلية، فإن الخطأ في كل هذا غير موضوع، والحق فيها في طرف واحد، ~~بإجماع من أرباب الأصول والمصيب فيها واحد، إلا ما روى عن عبد الله ~~العنبري، من تصويبه المجتهدين في ذلك، وعذره لهم؛ وحكى مثله عن داوود وكله ~~لا يلتفت إليه، وقد حكى عن العنبري أن مذهبه في ذلك على العموم؛ وعندي أنه ~~إنما يقول ذلك في أهل الملة دون الكفرة؛ والاجتهاد المذكور في هذا الباب هو ~~بذل الوسع في طلب الحق والصواب في النازلة. انتهى. وفي حديث معاذ ms003 بن جبل أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم! أذن له أن يجتهد برأيه فيما لم يكن في الكتاب ~~والسنة؛ وقد ورد: ما من قاض يقضي بالحق إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ~~ملك، إلى غير ذلك مما جاء في هذا الباب. # ### || فصل في الخصال المعتبرة في القضاة # من التنبيهات وشروط القضاء، التي لا يتم للقاضي قضاؤه إلا بها، عشرة: ~~الإسلام؛ والعقل؛ والذكورية؛ والحرية؛ والبلوغ؛ والعدالة؛ والعلم؛ وسلامة ~~حاسة السمع والبصر من العمى والصمم؛ وسلامة حاسة اللسان من البكم؛ وكونه ~~واحدا لا أكثر؛ فلا يصح تقديم إثنين على أن يقضيا معا في قضية واحدة، ~~لاختلاف الأغراض، وتعذر الاتفاق وبطلان الأحكام بذلك. ثم من هذه الشروط ما ~~إذا عدم فيمن قلد القضاء بجهل، أو غرض فاسد، ثم نفذ منه حكم، فإنه لا يصح ~~ويرد؛ وهي الخمسة الأولى: الإسلام؛ والعقل؛ والبلوغ؛ والذكورية؛ والحرية. ~~وأما الخمسة الأخرى، فينفذ من أحكام من عدمت منه # PageV01P004 # ما يوافق الحق، إلا الجاهل الذي يحكم برأيه. وأما الفاسق، ففيه خلاف بين ~~أصحابنا؛ هل يرد ما حكم به، وإن وافق الحق وهو الصحيح، أم يمضي إذا وافق ~~الحق ووجه الحكم. وشروط الكمال عشرة أيضا: خمسة أوصاف ينتفي عنها، وخمسة لا ~~ينتفي؛ منها أن يكون غير محدود؛ وغير مطعون عليه في نسبه بولادة اللعان ~~والزنا؛ وغير فقير؛ وغير أمي؛ وغير مستضعف؛ وأن يكون فطنا، نزيها، مهيبا، ~~حليما، مستشيرا لأهل العلم والرأي. قال القاضي أبو الأصبغ بن سهل: وللحكام ~~الذين تجري على أيديهم الأحكام ست خطط: أولها القضاء، وأجله قضاء قاضي ~~الجماعة؛ والشرطة الوسطى؛ والشرطة الصغرى؛ وصاحب مظالم؛ وصاحب رد، ويسمى ~~صاحب رد بما رد عليه من الأحكام؛ وصاحب مدينة؛ وصاحب سوق. هكذا نص عليه بعض ~~المتأخرين من أهل قرطبة، في تأليف له. وتلخيصه: القضاء، والشرطة، والمظالم، ~~والرد، والمدينة، والسوق. وإنما كان يحكم صاحب الرد فيما استرابه الحكام، ~~وردوه عن أنفسهم؛ هكذا سمعته من بعض من أدركته. وصاحب السوق كان يعرف بصاحب ~~الحسبة، لأن أكثر نظره إنما كان يجري في الأسواق، ms004 من غش، وخديعة، وتفقد ~~مكيال وميزان وشبه ذلك. ولا عجب للقاضي أن يرفع من عنده إلى غيره، كما يرفع ~~غيره إليه. وحدود القضاة، في القديم والحديث، معروفة، لا يعارضون فيها، ولا ~~تكون إلى غيرهم من الحكام. وقد عددها علي بن يحيى، وفسرها في كتابه؛ فقال: ~~ويشتمل نظر القاضي على عشرة أحكام: أحدها: قطع التشاجر والخصام من ~~المتنازعين، إما بصلح عن تراض يراد به الجواز، وأما بإجبار بحكم بآية يعتبر ~~فيه الوجوب. والثاني: استيفاء الحق لمن طلبه، وتوصيله إلى يده، إما بإقرار، ~~أو ببينة. والثالث: إلزام الولاية للسفهاء والمجانين، والتحجر على المفلس، ~~حفظا للأموال. والرابع: النظر في الاحباس، والوقوف والتفقد لأحوالها وأحوال ~~الناظر فيها. والخامس: تنفيذ الوصايا على شروط الموصى إذا وافقت الشرع؛ ففي ~~المعينين يكون التنفيذ بالاقباض، وفي المجهولين يتعين المستحق لها ~~بالاجتهاد فإن كان لها وصى، راعاه، وإلا تولاه. والسادس: تزوج # PageV01P005 # الأيامى من الاكفاء، إذا عدم الأولياء وأردن التزويج. والسابع: إقامة ~~الحدود؛ فإن كانت من حقوق الله تعالى، تفرد بإقامتها، إما بإقرار يتصل ~~بإقامة الحد، وإما ببينة أو ظهور حمل من غير زوج؛ وإن كانت من حقوق ~~الأدميين، فبطلب مستحقها. والثامن: النظر في المصالح العامة، من كف التعدي ~~في الطرقات والأفنية. وإخراج مالا يستحق من الأجنحة والأفنية. والتاسع: ~~تصفى الشهود، وتفقد الأمناء، واختيار من يرتضيه لذلك. والعاشر: وجوه ~~التسوية في الحكم بين القوى والضعيف، وتوخي العدل بين الشريف والمشروف. ومن ~~الإكمال: لجمهور العلماء أن للقضاة إقامة الحدود، والنظر في جميع الأشياء، ~~من إقامة الحقوق، وتغيير المناكير، والنظر في المصالح، قام بذلك قائم، أو ~~اختص بحق الله. وحكمه عندهم حكم الوصي المطلق اليد في كل شيء، إلا ما يختص ~~بضبط البيضة من إعداد الجيوش، وجباية الخراج. واختلف أصحاب الشافعي هل من ~~نظره مال الصدقات، والتقديم للجمع والأعياد، أم لا، إذا لم يكن على هذا ~~ولاة مخصصون من السلطنة، على قولين؛ إلا يختلفون، إذا كانت هذه مختصة ~~بولاية من قبل السلطنة، أنه لا نظر له فيها. وذهب أبو حنيفة أنه لا ms005 نظر له ~~في إقامة حد، ولا في مصلحة، إلا لطالب مخاصم، ولا تنطلق يده إلا على ما أذن ~~له فيه، وحكمه حكم الوكيل الخاص. ومن كتاب الإعلام بنوازل الأحكام: خطة ~~القضاء من أعظم الخطط قدرا، وأجلها خطرا، لا سيما إذا اجتمعت إليها الصلاة. ~~وعلى القاضي مدار الأحكام، وإليه النظر في جميع وجوه القضاء. ### || فصل # وكل من ولى الحكم بين المسلمين، من أمير، أو قاض، أو صاحب شرطة، مسلط ~~اليد. وكل ما كان في عقوبتهم من موت، وكان في حد من حدود الله تعالى، وأدب ~~لحق، فهو هدر؛ وما أتى من ظلم بين، مشهور، معتمد، فعليه العود في عمده، ~~والعقل في خطائه. وكذلك ما تعمد من إتلاف مال بغير حق، ولا شبهة، فذلك في ~~ماله، يأخذ به المظلوم إن شاء منه، أو من المحكوم له به. من كتاب الاستغناء ~~لابن عبد الغفور. وفي المقنع: قال سحنون: وإذا قضى القاضي # PageV01P006 # على رجل يجوز في الأموال، وكان الذي قضى له بالمال قد أكله، واستهلكه، ~~ولم يوجد عنده، كان ما قضى به على الرجل على القاضي في ماله. وإذا لم يجر ~~في قضائه، وهو عدل، رضى، وإنما خطأ أخطأه، أو غلط غلطه، لم يكن عليه شيء من ~~خطئه. وإذا أقر القاضي على نفسه أنه جار في قضائه، إذا كان قاضيا، في قتل ~~نفس، أو قطع يد، أو قصاص، أو جراح، فما أقر به، أو ثبت عليه من غير إقرار، ~~أقيد منه. قال أبو أيوب، في باب خطأ القاضي من الكتاب المسمى: وقد أقاد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {وأبو بكر، وعمر رضي الله عنهما} من أنفسهم. ~~ومما تقرر في الشريعة أن حكم الحاكم لا يحل الحرام، وأن الفروج والدماء ~~والأموال سواء، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم {: إنكم تختصمون إلي ولعل ~~بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضى له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له ~~من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار} فأجرى الله ~~تعالى أحكام ms006 رسوله صلى الله عليه وسلم! على الظاهر الذي يستوى فيه هو وغيره ~~من البشر، ليصح اقتداء أمته به في قضاياه، ويأتون ما أتوا من ذلك على علم ~~من سنته، إذ البيان بالفعل أولى من القول وأرفع لاحتمال اللفظ: وقوله: " ~~أقضي له على نحو ما أسمع " احتج به من لا يجيز حكم الحاكم بعلمه لقوله: ~~فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض أي أفطن لها، وقوله: على نحو ما ~~أسمع؛ ولم يقل: أعلم؛ ومن يرى حكم الحاكم بعلمه لا يلتفت إلى ما سمع، خالف ~~أو وافق. قال عياض: وقد اختلف العلماء في حكم الحاكم بعلمه، وما سمعه في ~~مجلس نظره. فمذهب مالك وأكثر أصحابه أن القاضي لا يقضي في شيء من الأشياء ~~بعلمه، إلا فيما أقر به في مجلس قضائه، خاصة في الأموال. وبه قال الأوزاعي، ~~وجماعة من أصحاب ملك المدنيين، وغيرهم، وحكوه عن مالك. وقال الشافعي في ~~مشهور قوليه، وأبو ثور، ومن تبعهما، أنه يقضي بعلمه في كل شيء من الأموال، ~~والحدود، وغير ذلك، مما سمعه أو رآه قبل قضائه وبعده، وبمصره وغيره. وذهب ~~أبو حنيفة إلى أنه يقضى بما سمعه في قضائه وفي مصره، في الأموال، لا في ~~الحدود. انتهى. ووقع كذلك في المسألة، بين الفقهاء بقرطبة، اختلاف؛ فذهب ~~منهم أبو إبراهيم، ومحمد بن العطار، في آخرين، إلى أن القاضي له أن يقضي ~~بعلمه دون شهود. ومال قوم # PageV01P007 # إلى خلاف ذلك، وقالوا: إنما لم يقض بعلمه، دون بينة، لأن فيه تعريض نفسه ~~للتهم، وإيقاعها في الظنون. وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم {الظن. ~~قال القاضي أبو الأصبغ بن سهل: وهذا عندي القياس الصحيح المطرد لمن قال: لا ~~يقضي القاضي بعلمه، ولا بما سمع في مجلس نظره، لكن الذي قاله أبو إبراهيم ~~وابن العطار، وجرى به العمل، وهو عندي الاستحسان، ويعضده قول مطرف، وابن ~~الماجشون، وأصبغ في كتاب ابن حبيب، أن القاضي يقضي على من أقر عنده في مجلس ~~نظره، بما سمع منهم، وإن لم تحضره بينة. ms007 وقاله ابن الماجشون في المجموعة، ~~وبه أخذ أبو سعيد سحنون بن سعيد، وقاله أصبغ في كتابه؛ وهو ظاهر قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم} : " إنما أنا بشر، وإنكم تخصمون إلي {فلعل بعضكم أن ~~يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي له على نحو ما أسمع منه " الحديث. وقوله ~~عليه الصلاة والسلام} : " إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي {" معناه ~~حصره في البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، لا بالنسبة إلى كل ~~شيء؛ فإن للرسول صلى الله عليه وسلم} وصايا كثيرة. فللقاضي، على ما تقرر في ~~المسألة من كلام ابن سهل وغيره، أن يقضي بما صح عنده وسمعه من أمر الخصمين، ~~وأن له أن ينفذ ذلك بينهما، ويمضيه من نظره وحكمه. قال مالك: وإذا قضى بما ~~اختلف العلماء فيه، فحكمه نافذ. وللحاكم المجتهد أن يتخير عن الاختلاف ~~عليه، وأن يأخذ بما يراه أحوط لدينه وعرضه. قال: وإن لم يكن على ما قضى به ~~مذهب العلماء بذلك الموضع، فليس لقاض بعده نقضه، ولا اعتراضه؛ وإنه نافذ ~~تام؛ وإن ظهر له في نفسه أن قول غير من أخذ بقوله خير مما أخذ به، كان له ~~نقضه هو خاصة، ولم يكن ذلك لأحد بعده. وفي كتاب الأقضية من المدونة: إذا ~~تبين للقاضي أن الحق في غير ما قضى به، رجع عنده؛ وإنما لا يرجع به فيما ~~قضت به القضاة مما اختلف فيه. قال صاحب التنبيهات: حمل أكثرهم مذهبه في ~~الكتاب على أن الرجوع له، كيف كان حاله من وهم أو انتقال رأى، وهو قول مطرف ~~وعبد الملك. ووقع في منتخب ابن مغيث: وتنقسم أحكام القضاة، على مذهب مالك ~~وجميع أصحابه، على ثلاثة أقسام: أحدهما في الحكم العدل العالم: فأحكامه ~~كلها نافذة على الجواز، # PageV01P008 # ولا يتعقب له حكم؛ والوجه الثاني في الحكم العدل الجاهل المقلد: فللحكم ~~الذي يلي بعده أن يتعقب أحكامه؛ فما وافق الحق. منها، نفذ ومضى، وما خالف ~~الحق رده وفسخه؛ والوجه الثالث في الحكم الجائر المتعسف: فللحكم الذي يلي ~~بعده أن يفسخ ms008 أحكامه كلها، ولا ينفذ له حكما. ومن كتاب سليمان بن محمد بن ~~بطال: قال ابن المواز: لو أن قاضيا نقض حكم قاض قبله قد كان حكم به، ثم ولى ~~قاض ثالث وعزل الثاني. نظر: فإن كان حكم القاضي الأول مما يحكم به، ومما ~~يختلف فيه القضاء والفتيا، رأيت نقض الثاني له خطأ صراحا؛ فأرى للثالث أن ~~ينقض حكم الثاني، وينفذ حكم الأول، وإن كان خلافا لما يحكم به الثالث؛ وإن ~~حكم الأول خطأ صراحا مما لا اختلاف فيه، لم أر للثالث أن يرد حكم الثاني ~~إلى ما حكم به الأول. # ### || فصل في التحذير من الحكم بالباطل أو الجهل # قال الله عز وجل {: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ~~ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى. " " ويجرمنكم ~~" معناه يحملنكم. قاله ابن حبيب. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم} أنه قال ~~الحكام ثلاثة. إثنان في النار وواحد في الجنة. حكم حكم بجهل، فخسر، فأهلك ~~أموال الناس، وأهلك نفسه، ففي النار؛ وحكم حكم فخدل أي جار، فأهلك أموال ~~الناس وأهلك نفسه، ففي النار؛ وحكم علم، فعدل فأحرز أموال الناس وأحرز ~~نفسه، ففي الجنة {قال الهروي في كتاب الغريبين له في الحديث: ورجل علم فخدل ~~أي جار يقال إنه لخدل غير عدل. ذكر ذلك في باب الخاء والدال. قال ابن سيدة ~~في باب الخاء مع الدال: خدل على خدلا: ظلمني، وخدل على خدولا وخدلا: جار. ~~وفي الحديث: من ولى قاضيا، فقد ذبح بغير سكين. وفي رواية لابن أبي ذويب: ~~فقد ذبح بالسكين. وفيه: الولاية أولها ملامة، ووسطها ندامة، وآخرها عذاب في ~~القيامة، إلا من اتقى الله عز وجل. وفي الموطأ باب ما يكره من القضاء مالك ~~عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان الفارسي أن: هلم إلى الأرض ~~المقدسة} فكتب # PageV01P009 # إليه سلمان: إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الإنسان عمله وقد بلغني ~~أنك جعلت طبيبا تداوي الناس: فإن كنت تبرى، فنعما لك ms009 {وإن كنت متطببا، ~~فاحذر أن تقتل إنسانا، فتدخل النار} وكان أبو الدرداء، إذا قضى بين إثنين، ~~ثم أدبرا عنه، قال: ارجعا {أعيد على قضيتكما متطببا والله} ويحيى بن سعيد ~~هو القائل: وليت قضاء الكوفة، وأنا أرى أنه ليس على الأرض شيء من العلم، ~~إلا وقد سمعته. فأول مجلس جلست للقضاء، اختصم إلي رجلان ما سمعت فيه شيئا ~~{وفي المستخرجة: قال مالك: قال عمر بن الحسين: ما أدركت قاضيا استقضى ~~بالمدينة إلا رأيت كآبة القضاء وكراهيته في وجهه} . وفي الصحيح عن أبي ذر: ~~قلت: يا رسول الله، ألا استعملتني {فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ~~ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها ~~بحقها، وأدى الذي عليه فيها} فلا ينبغي أن يتقدم على العمل إلا من وثق ~~بنفسه وتعين له وأجبره الإمام العدل عليه. وللإمام العدل إجباره إذا كان ~~صالحا، وله أن يمتنع عنه إلا أن يتحقق أنه ليس في تلك الناحية من يصلح ~~للقضاء سواه؛ فلا يحل له الامتناع حينئذ لتعيين الفرض عليه. # ### || فصل # # من المجموع المسمى؛ المقصد المحمود: القضاء محنة وبلية، ومن دخل فيه، فقد ~~عرض نفسه للهلاك، لأن التخلص منه عسير؛ فالهروب منه واجب، لا سيما في هذا ~~الوقت، وطلبه حمق وإن كان حسبة. قاله الشعبي. ورخص فيه بعض الشافعية: إذا ~~خلصت نيته للحسبة، بأن يكون وليه من لا ترضى أحواله؛ والأول أصح لقوله عليه ~~الصلاة والسلام {: إنا لا نستعمل على عملنا من أراده. وفي إكمال المعلم: ~~اختلف العلماء في طلب الولاية مجردا، هل يجوز أو يمنع، وأما إن كان الرزق ~~يرتزقه، أو فائدة جائز يستحقه، أو لتضييع القائم بها أو خوفه حصولها في غير ~~مستوجبها، ونيته في إقامة الحق فيها؛ فذلك جائز له. وقد قال يوسف عليه ~~الصلاة والسلام} : " اجعلني على خزائن الأرض ". ومن الحديث # PageV01P010 # الصحيح: من ابتغى القضاء، واستعان عليه بالشفعاء، وكل إلى نفسه؛ ومن أكره ~~عليه، أنزل الله عليه ملكا يسدده. ومنه: من مال إلى الإمارة وكل ms010 إليها، ~~ومعناه: لم يعن على ما يتعاطاه؛ والمتعاطى أبدا مقرون به الخذلان؛ فمن دعي ~~إلى عمل، أو إمامه في الدين، فقص نفسه على تلك المنزلة، وهاب أمر الله، ~~رزقه الله المعونة. وهذا مبني على من تواضع لله، رفعه الله. فمن الواجب على ~~كل من ابتلى بالقضاء أن يكثر من التذلل لله، والمراقبة له عند أمر ونهيه، ~~والأخذ بالشفقة على عباده. فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم {أنه قال: " اللهم} من ولى من أمر أمتي شيئا فشق عليهم، فأشفق عليه ~~{ومن ولى من أمر أمتي شيئا فرفق بهم، فارفق به} " وكل قاض مطلوب منه أن ~~يحكم بالعدل على نفسه وعلى غيره، وأن يعتقد أنه حاكم في ظاهره، محكوم عليه ~~في باطنه. روى الليث بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {أنه قال: من ~~ولى ولاية، فأحسن فيها أو أساء، أتى به يوم القيامة، وقد غلت يمينه إلى ~~عنقه؛ فإن كان عدلا في أحكامه، أطلق من أغلاله وجعل في ظل عرش الرحمن؛ وإن ~~كان غير عدل في أحكامه، غلت شماله إلى يمينه، فيسبح في عرقه حتى يغرق في ~~جهنم. ولما تقرر من بلاء القضاء، فر عنه كثير من الفضلاء وتغيبوا، حتى ~~تركوا. وسجن بسببه عند الامتناع آخرون، منهم أبو حنيفة، وهو النعمان بن ~~ثابت، دعاه عمر بن هبيرة للقضاء؛ فأبى؛ فحبسه وضربه أياما، كل يوم عشرة ~~أسواط، وهو متماد على ابايته إلى أن تركه. وقد نقل عن عثمان بن عفان أنه ~~قال لعبد الله بن عمر بن الخطاب: اقض بين الناس. قال: لا أقضي بين رجلين ما ~~بقيت} قال: لتفعلن {لا أفعل} فإن أباك كان يقضي. قال: كان أبي أعلم مني ~~وأنقى! ومن غريب ما يحكى عن مسلمة بن زرعة، وقد تكلم في تباعات القضاء، أنه ~~قال رأيت في الأندلس قاضيا يدعى مهاجر بن نوفل القرشي، ما رأيت مثله في ~~العبادة والورع. ولقد بلغني في موته أعظم العجب. أخبرني به ثقات من أهل ~~بلده. وذلك ms011 أنه لما مات دفن في مقبرتهم ليلا، وأظنه عهد بذلك، فلما أهيل ~~التراب عليه، # PageV01P011 # سمعوا من القبر كلاما فاستمعوا له؛ فسمعوه ينادي: أنذركم ضيق القبر ~~وعاقبة القضاء {قال: فكشفوا عنه، وظنوه حيا؛ فوجدوه مكشوف الوجه، ميتا، ~~بحالته التي قبر بها رحمه الله وغفر لنا وله} وقال الحسن بن محمد في كتابه، ~~عند ذكر من عرض عليه القضاء، فأبى من قبوله: استشار الأمير عبد الرحمن بن ~~معاوية، أول الخلفاء بالأندلس من بني أمية أصحابه، في قاض يوليه على قرطبة. ~~فأشار عليه ولده هشام، وحاجبه ابن مغيث، فالمصعب بن عمران؛ ووقف الاختيار ~~عليه. فوقع بنفس الأمير، وأمر بالإرسال إليه؛ فلما قدم مصعب، أدخله على ~~نفسه، بحضرة ولده هشام، وحاجبه، وخاصة أصحابه؛ فعرض عليه القضاء. فأبى من ~~قبوله، وذكر أعذارا تعوقه عنه؛ فردها الأمير وحمله على العزيمة، وأصر مصعب ~~على الإباية البتة؛ فاغضب الأمير، وهاج غضبه، وأطال الإطراق؛ ثم رفع رأسه ~~إلى مصعب وقال: اذهب {عليك العفا وعلى الذين أشاروا بك} ولما أراد هشام ~~للقضاء بقرطبة زياد بن عبد الرحمن، وعزم عليه، خرج منها فارا بنفسه، على ما ~~حكاه ابن حارث. فقال هشام عند ذلك: ليت الناس كلهم كزياد، حتى ألغى أهل ~~الرغبة في الدنيا {وممن عرض عليه القضاء من الفقهاء بالأندلس فأبى من ~~قبوله، إبراهيم بن محمد ابن بار، دعاه إليه الأمير محمد بن عبد الرحمن لقصة ~~رفعت من قدره عنده؛ فأباه فأرسل إليه بذلك هاشم بن عبد العزيز صاحبه؛ ~~فامتنع عليه ولم يجد فيه حيلة؛ فأعاد إليه الأمير هاشما بوصية يقول: إذا لم ~~تقبل قضاءنا، فاحضر مجلسنا، وكن أحد الداخلين علينا، الذين نشاورهم في ~~أمورنا، ونسمع منهم في رعيتنا. فلما استمع رسالته، قال: يا أبا خالد، إن ~~ألح علي الأمير في هذا ومثله، هربت والله} بنفسي من بلده! فما لي وله؟ ~~فأعرض عنه الأمير عند ذلك، وعلم أنه ليس من صيده. ومنهم أبان بن عيسى بن ~~دينار، ولاه الأمير محمد بن عبد الرحمن قضاء كورة جيان؛ فأبى ولح. فأمر ~~الأمير بإكراهه ms012 على العمل وأن يوكل به نفرا من الحرس، يحملونه إلى حضرة ~~جيان، فيجلسونه هناك مجلس القضاء، ويأخذونه بالحكم بين # PageV01P012 # الناس. فأنفذ الوزراء أمره، وسار به الحرس، فأقعدوه بجيان؛ فحكم بين ~~الناس يوما واحدا. فلما أتى الليل، هرب على وجهه؛ فأصبح الناس يقولون: هرب ~~القاضي {فرفع الخبر إلى الأمير محمد؛ فقال: هذا رجل صالح فر بدينه} فليسئل ~~عن مكانه ويؤمن مما أكره {ومن أهل سرقسطة، قاسم بن ثابت بن عبد العزيز ~~الفهري، صاحب كتاب الدلائل في شرح غريب الحديث. دعي للقضاء ببلده؛ فامتنع ~~من ذلك. فلما اضطره الأمير وعزم عليه، استمهله ثلاثة أيام، يستخير فيها ~~الله عز وجل} فمات خلال تلك المدة. فكان الناس يرون أنه دعا الله تعالى في ~~الاستكفاء؛ فكفاه وستره. وصار حديثه موعظة في زمانه. قاله أحمد بن محمد. ~~وممن عرض عليه القضاء، في عصرنا هذا المستأخر، فأباه وامتنع من قبوله، ~~الفقيه أبو عيسى أحمد بن عبد الملك الإشبيلي، عرضه عليه المنصور محمد بن ~~أبي عامر مدبر أمر الخليفة هشام المؤيد بالله، عن أمر الخليفة مرتين؛ فلم ~~يجد فيه حيلة. أولاهما إذ توفي قاضي قرطبة محمد بن يبقى بن زرب، سنة 381؛ ~~أحضره وخاطبه مشافهة بمحضر الوزراء؛ فقال له: إن أمير المؤمنين المؤيد ~~بالله اختارك للقضاء، ورأى تقديمك مباركا لك فيه. فقال: أعوذ بالله من ذلك ~~{لست، والله الذي لا إله إلا هو} اتهم إلى هذا ولا أقبله البتة {فإني لا ~~أستطيع ولا أصلح وما أفتى الناس في ذلك إلا وأنا مضطجع أكثر أوقاتي لكبرى ~~وضعفي. ووالله} لقد صدقتك {فانظر للمسلمين وانصح لإمامك وفقه الله} فتركه. ~~وممن جاهر بالإصرار على الإباية من القضاء، محمد بن عبد السلام الخشني، ~~أراده الأمير محمد لتقليد القضاء بجيان؛ وأمر الوزراء أن يجلسوه ويلزموه ~~ذلك؛ ففعلوا وأدوا إليه رسالة الأمير. فأبى عليهم ونفر نفورا شديدا؛ ~~فلاطفوه وخوفوه بادرة السلطان؛ فلم يزد إلا أباء ونفورا. فكتبوا إلى الأمير ~~محمد بلجاجه واعياء الحيلة عليهم في إجابته. فوقع الأمير توقيعا غليظا ~~معناه: إن من عاصانا، فقد أحل ms013 بنفسه ودمه. فلما قرأوه على الخشني، نزع ~~قلنسوته من رأسه ومد عنقه وجعل يقول: أبيت كما أبت السموات والأرض، إباية ~~إشفاق، لا إباية نفاق! # PageV01P013 # فكتبوا إلى الأمير بلفظه؛ فكتب إليهم أن سلموا أمره وأخرجوه عن أنفسكم ~~{فقالوا له: انصرف} فانطلق عنهم ولم يهيجوه بعد. وقد شدد بعض العلماء على ~~الفار منه، إذا كان ممن توفرت فيه دواعيه. فنقل عن سحنون أنه قال: إذا كان ~~الرجل أهلا لخطة القضاء، فاستعفى منها، عوفى منها إن وجد لها عوض منه؛ وإن ~~لم يوجد، أجبر عليها؛ فإن أبى، سجن؛ فإن أبى، ضرب. قال الشعباني: فإن لم ~~يوجد غير واحد ممن يشكل للقضاء، أجبر عليه بالسجن والضرب. ومن جامع كتاب ~~الاستغناء: وإن كان الداعي له إلى العمل غير عدل، لم يجز لأحد إعانته على ~~أموره، لأنه متعد في فعله؛ فيجب له أن يصبر على المكروه، ويدع العمل معه؛ ~~وإن كان عدلا، جاز بالعمل معه، ويستحب له إعانته. انتهى. والذي يظهر من ~~كلام مالك، الأخذ بالترك، والتحذير من الولاية على كل تقدير، فقد روى عنه ~~ابن وهب في الرجل يدعى للعمل، فيكره أن يجيب إليه، وخاف على دمه، وجلد ~~ظهره، وهدم داره. كيف ترى في ذلك؟ فقال: أما هدم داره وجلد ظهره وسجنه، ~~فإنه يصبر على ذلك، ويترك العمل خير له، وأما أن يباح دمه ولا أدري ما حد ~~ذلك، ولعله في سعة من ذلك إن عمل. وقال الأبهري: إن دعي إلى العمل، فأبى، ~~وخشي ضرب ظهره أو على دمه أو سجنه، فأما الضرب والسجن، فإن صبر، فهو أفضل؛ ~~وأما دمه، فإن عمل، فعله في سعة أن يجري العدل والإنصاف؛ وإن لم يمكنه، لم ~~يجز له أن يتعدى الحق، ويصبر على ما يلحقه من المكروه، إذ لا يجوز له أن ~~يبطل حق المسلمين وحريمهم لنفسه. ومن كتاب ابن حارث. لما توفي يحيى بن معن، ~~بقي الناس بلا قاض نحوا من ستة أشهر، روى فيها الأمير عبد الرحمن في ~~الإيتاء للقضاء. فقلق الناس لذلك؛ فقال: والله {ما ms014 يمنعني من التعجيل إلا ~~النظر لهم} فإني لا أجد رجلا أرضاه، غير واحد، وهو لا يجيبني! فقال له أحد ~~جلسائه: فإذا أرضيته للقضاء، وأباه، فإلزمه أن يدلك على سواه. فأحضر يحيى ~~بن يحيى وألزمه أن يشير عليه، إذ لم يجبه. فامتنع من الوجهين معا، الولاية ~~والدلالة، وقال: قد صدقت عن نفسي لمعرفتي بها؛ ولن # PageV01P014 # أتقلد الدلالة على غيري، فإنه، إن جار، شاركته في جوره {فاغضب ذلك الأمير ~~ولح في أن لا يعفيه. وألزمه صاحب رسائل غدابه إلى المسجد الجامع، فأجلسه ~~مجلس الحكم، وقال للخصوم: هذا قاضيكم} فلبث يحيى على تلك الحال ثلاثا، وهو ~~لا يمد يده لكتاب، ولا يتكلم مع أحد، إلى أن ضاق صدره؛ فكتب إلى الأمير ~~يشير بإبراهيم ابن العباس؛ فقلده، وكف عن يحيى. وممن تخلف عن قبول خطة ~~القضاء، الإمام محمد بن إدريس الشافعي. فراجع أمير المؤمنين، عند العزم ~~عليه في التولية، بأمور منها أن قال له: إن هذا الأمر لا يصلح له من يشركك ~~في نسبك. وتوقف عن العمل حتى ترك. وهو القائل: من ولي القضاء، ولم يفتقر، ~~فهو سارق؛ ومن لم يصن نفسه، لم ينفعه العلم. وبمثل مقالة الشافعي في ~~الاعتذار عن قبول القضاء، أشار عبد الملك بن حبيب على عبد الرحمن ابن ~~الحكم، في نازلة القاضي إبراهيم بن العباس القرشي؛ وهي النازلة التي تنسب ~~له. وللفقيه يحيى بن يحيى السورة على الخليفة؛ فقال له ابن حبيب وأما ~~القاضي، فلا ينبغي للأمير أعزه الله {أن يشرك في عدله من يشركه في حسبه. ~~فعزل الأمير القرشي قاضيه، وذلك آخر سنة 213. وولي القضاء مكانه محمد بن ~~سعيد. وعرض أمير المؤمنين الرشيد على المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي قضاء ~~المدينة، وجائزته أربعة آلاف دينار. فامتنع؛ فأبى الرشيد أن يلزمه، فقال: ~~والله} يا أمير المؤمنين {لأن يحنقني الشيطان أحب إلي من أن ألي القضاء} ~~فقال الرشيد: ما بعد هذا شيء {وأعفاه، وأجازه بألفي دينار. ورأيت في كتاب ~~ترتيب المدارك تصنيف القاضي عياض بن موسى بن عياض ومن خطه نقلت، ms015 وقد ذكر ~~عبد الله بن فروخ الفارسي، فقيه القيروان في وقته؛ فقال: كان أكره الناس في ~~القضاء. وكان يقول: قلت لأبي حنيفة: ما منعك أن تلي القضاء؟ فقال لي: يا ~~ابن فروخ} القضاة ثلاثة: رجل يحسن العوم، فأخذ البحر طولا، فما عساه أن ~~يعوم، يوشك أن يكل فيغرق؛ ورجل بعومه، عام يسيرا فغرق؛ ورجل لا يحسن العوم، ~~ألقى بنفسه على الماء، فغرق من ساعته. ومن الكتاب المسمى أن روح بن حاتم ~~أرسل إلى ابن فروخ ليوليه القضاء فامتنع؛ # PageV01P015 # فأمر به أن يربط ويصعد به على سقف الجامع؛ فقيل له: تقبل؟ فقال: لا {فأخذ ~~ليطرح؛ فلما رأى العزم قال: قبلت. فأجلس في الجامع ومعه حرس؛ فتقدم إليه ~~خصمان؛ فنظر إليهما وبكى طويلا؛ ثم رفع رأسه، فقال لهما: سألتكما بالله} ~~ألا أعفيتماني من أنفسكما، ولا تكونا أول مشوش علي {فرحماه، وقاما عنه. ~~فأعلم الحرس بذلك روحا؛ فقال: اذهبوا إليه، فقولوا له يشير علينا بمن نولي ~~أو ما قبل. فقال: إن يكن، فعبد الله بن غانم؛ فإني رأيته شابا له صبابة ~~يعني بمسائل القضاة. فعليك به} فإنه يعرف مقدار القضاء. فولى ابن غانم؛ ~~فكان يشاوره في كثير من أموره وأحكامه؛ فأشفق ابن فروخ من ذلك، وقال له: يا ~~ابن أخي {لم أقبلها أميرا أقبلها وزيرا} وخرج إلى مصر هربا من ذلك وورعا، ~~ومات هنالك. وممن عرض عليه القضاء بإفريقية، فامتنع منه، أبو ميسرة أحمد بن ~~نزار. فلما عرض عليه قال: اللهم {إنك تعلم أني انقطعت إليك، وأنا ابن ثماني ~~عشرة سنة} فلا تمكنهم مني {فما جاء العصر إلا وقد توفي. فغسل وكفن وخرج به. ~~فوجه إليه الأمير إسماعيل العبدي كفنا وطيبا في الأطباق؛ فوافاه الرسول على ~~النعش؛ فجعل عليه الكفن من فوق. ومن غريب ما حكى عنه أنه بينا هو يتهجد ~~ليلة من الليالي ويبكي ويدعو، إذا بنور عظيم، خرج له من حائط المحراب، ووجه ~~كأنه البدر. فقال: تملأ، يا أبا ميسرة} من وجهي: فإني ربك الأعلى {فبصق في ~~وجهه وقال له: اذهب ms016 يا ملعون} يا شيطان {لعنك الله} قال المؤلف رضي الله ~~عنه {: التوفيق صحب ابن نزار عند مشاهدته لما أخبر عنه بحائط محرابه؛ فثبتت ~~المعرفة قدمه، وأنطقت بالصواب لسانه. فذات القديم سبحانه ذات موصوفة ~~بالعلم، مدركة بلا إحاطة، ولا مرءية بالأبصار في دار الدنيا؛ وهي موجودة ~~بحقائق الإيمان، من غير حد، ولا إحاطة، ولا حلول؛ فالقلوب تعرفه، والعقول ~~لا تدركه؛ ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بالأبصار، بغير إحاطة، ولا إدراك ~~نهاية. ومن باب التمنع عن المسارعة إلى الأمور التي يخاف من الدخول فيها، ~~السقوط في الفتنة، ما جرى لجعفر بن الحسن بن الحسن الأمدي قاضي بلنسية آخر ~~أيام قضائه بها. وذلك أنه بويع لمروان بن عبد العزيز ببلنسية، عند انقراض ~~الدولة اللمتونية، طلب بالشهادة في بيعته فقال: والله} لا أفعل وبيعة ~~تاشفين في عنقي {ثم قال: اللهم} # PageV01P016 # اقبضني إليك {قال ابن الأبار في تكملته، وقد ذكره: فتوفي في ليلته ودفن ~~في الغد. وكان رجلا صالحا. ورعا، مجاب الدعوة. وكانت بيعة مروان في صفر سنة ~~540. وذكر يحيى بن إسحاق أن هشاما، لما ولي، قيل له: لا يتعدل ما تريد إلا ~~بولاية زياد بن عبد الرحمن على القضاء} فبعث إليه؛ فتمنع؛ فألح عليه هشام، ~~وأحضر الوزراء؛ وكلموه في ذلك عن الأمير وعرفوه عزمه. فقال لهم: أما إذ ~~عزمتم، وأكرهتموني على القضاء، فأخبركم ما أبدأ به على المشي إلى مكة. إن ~~وليتموني، وجاءني أحد متظلما منكم، إلا أخرجت من أيديكم ما يدعيه، ورددته ~~عليه، وكلفتكم البينة لما أعرف من ظلمكم {فلما سمعوا ذلك، عرفوا صدقه؛ ~~فعلموا عند الأمير في معافاته. فقيل ليحيى بن يحيى: أهو وجه القضاء؟ قال: ~~نعم} فيمن عرف بالظلم والقدرة! ### || فصل # هذه المسألة، التي هي إخراج ما يدعيه الطالب من يد المطلوب الموسوم ~~بالظلم، وقع من أمثالها في أمهات الكتب نظائر؛ منها في العتبية قال في سماع ~~يحيى: قلت: فقوم عرفوا بالغصب لأموال الناس من ذوي الاستطالة بالسلطان؛ ثم ~~جاء الله بوال أنصف منهم وأعدى عليهم؛ فلا يجد الرجل من يشهد ms017 على معاينة ~~الغصب، ويجد من يشهد على حق أنهم يعرفونه ملك المدعي، ثم رأوه بيد هذا ~~الظالم، لا يدرون بماذا صار إليه إلا أن الطالب كان يشكو إليهم ذلك، أو لا ~~يشكوه. قال: إذا كان من أهل القهرة والتعدي ومن يقدر على ذلك، والبينة ~~عادلة، فذلك يوجب للمدعي أخذ حقه منه، إلا أن يأت الظالم ببينة عادلة على ~~شراء صحيح، أو علمية لمن كان يأمن ظلمه، أو يأت بوجه حق ينظر له فيه. قال: ~~فإن جاء ببينة عادلة على شرائه، وزعم البائع أن ذلك البيع عن فوق من سطوته، ~~وهو لا يقدر عليه؛ قال: يفسخ البيع إن ثبت أنه من أهل الظلم والاستطالة. ~~قال: وإن زعم البائع أنه باع وقبض منه الثمن ظاهرا، ثم دس إليه سراق، أخذه ~~منه. ولو لم يفعل له ذلك لقي منه شرا قال: لا يقبل منه هذا؛ وعليه دفع ~~الثمن إليه، بعد أن يحلف الظالم أنه ما ارتجعه، ولا أخذه منه بعد أن دفعه ~~إليه. قال ابن رشد: أما ما ذكره من أن الظالم، المعروف بالغضب لأموال الناس ~~والقهرة لهم عليهم، لا ينتفع بحيازته مال الرجل في وجهه، ولا يصدق من أجلها ~~على ما يدعيه من # PageV01P017 # شراء أو هبة، أو صدقة يريد، وإن طال ذلك في يده أعواما: أما إذا أقر بأصل ~~الملك لمدعيه، وقامت له بينة بذلك، فهو صحيح لا أعلم فيه اختلافا، لأن ~~الحيازة لا توجب الملك؛ وإنما هي دليل عليه بوجه تصديق غير الغاصب فيما ~~ادعاه من تصييره إليه، لأن الظاهر أنه لا يجوز أخذ مال أحد، وهو حاضر لا ~~يدعيه ولا يطلبه، إلا وقد صار إلى الذي بيده، إذا حازه في وجهه العشرة ~~الأعوام ونحوها {لقول النبي صلى الله عليه وسلم} : من حاز شيئا عشر سنين، ~~فهو له {معناه عند أهل العلم بدعواه مع يمينه؛ وأما الغاصب فلا دليل له في ~~كون المال بيده؛ وإن طالت حيازته له في وجه صاحبه لما يعلم من غصبه لأموال ~~الناس والقهرة لهم عليهم. قال: ms018 وأما إن أثبت الغاصب الشراء ودفع الثمن، ~~فادعى البائع أنه أخذه منه في السر، بعد أن دفع إليه، فهو مدع لا دليل له ~~على دعواه، فوجب أن يكون القول قول الغاصب المدعى عليه، كما قال في الرواية ~~لقوله عليه الصلاة والسلام} : البينة على المدعى، واليمين على من أنكر. وقد ~~روى عن يحيى بن يحيى أنه قال: إذا قال البائع إنه أعطاه الثمن بالظاهر، فدس ~~عليه من أخذه منه، فإنه ينظر إلى المشتري؛ فإن عرف بالعداء والظلم والتسلط، ~~فإني أرى القول قول البائع، مع يمينه لقد دفع المال إليه قهرة وغلبة، ويرد ~~ماله عليه بغير أن يرد إليه الثمن. وقاله ابن القاسم. دفع ذلك في بعض ~~الروايات، وهو إغراق. فإذا أقر أنه دفع إليه، ثم أدعى أنه أخذه منه، وأما ~~لو لم يقر أنه قبض الثمن؛ وقال: إنما أشهدت له على نفسي بقبضه، تقية وخوفا ~~منه! لا شبه أن يصدق في ذلك مع يمينه في المعروف بالغصب والظلم؛ وإنما يكون ~~ما قال يحيى من تصديق البائع فيما ادعاه من أنه دس إليه في السر من أخذ ~~الثمن منه، إذ أشهد له أنه فعل ذلك بغيره. ونرجع إلى ما كنا بسبيله؛ فنقول: ~~وممن عرض عليه القضاء فأباه، الشيخ الصالح بقي بن مخلد. كانت له خاصة ~~بالأمير المنذر بن محمد بن عبد الرحمن قبل ولايته الملك؛ وكان قد قدم إليه ~~في حياة والده البشرى بالخلافة، لرؤيا قصها عليه. فلما ولي الخلافة، ضاعف ~~له البر والكرامة والإعظام والتبجلة، وأحضره وأراده لولاية القضاء. فأبى ~~عليه. فذهب إلى استكراهه. فقال الشيخ بقي: ما هذا جزاء محبتي وانقطاعي ~~وصاغيتي؟ # PageV01P018 # فقال له المنذر: أما إذ أبيته، فأشر علي بقاض ترضاه للمسلمين {فأبى عليه؛ ~~فضايقه، وعزم عليه؛ فقال: لا بد أن تلى أو تشير} فقال: أشير عليك برجل من ~~آل زياد، يسكن برية، يعرف بعامر بن معاوية. فقبل منه، وأرسل في عامر؛ ~~فولاه. ومنهم أبو غالب عبد الرؤوف بن الفرج بن أبي كنانة. كان الأمير عبد ~~الله بن محمد ms019 به معجبا، وله مفضلا؛ وكان قد اشتهى رؤيته من غير أن يستدعيه؛ ~~فتعرض لذلك يوم الجمعة من طاق الساباط: فرآه عند رواحه إلى المسجد الجامع، ~~وأعجبه سمته، وأحب اجتذابه إليه، وقال: لا بد أن أضمه إلى الوزارة أو ~~القضاء {فذاكر بشأنه الوزير ابن أبي عبدة، وكان صديقا لأبي غالب؛ فقال: ~~ينبغي للأمير أن لا يهجم على الرجل بالاستدعاء، حتى يعرف ما عنده في ذلك. ~~فقال له: فكن أنت الذي يتعرف ذلك. قال الكاتب المدعو بسكن بن إبراهيم: ~~فأرسلني الوزير إليه؛ فعرضت عليه مراد الأمير؛ فتلقى ذلك مني بالنطق ~~والتضاحك، حتى أطمعني في نفسه؛ وجعل يقول: كيف كان تنبهكم لنا بعد طول ~~الغفلة؟ وما نرى هذا منكم عن صحة نية: فانتم أشح بدنياكم من أن تعطوا منها ~~أحدا شيئا، وتشركوا فيها صديقا} قال سكن: فلما صرت به إلى الجد، تنمر لي، ~~وقال آخر قوله: بالله الذي لا إله إلا هو {لئن عاودتني أو غيرك، أو بلغتني ~~فيه عن الأمير عزيمة، لأخرجن عن الأندلس} فلا أعودن إليها آخر الدهر {فترك ~~عن ذلك. وقدم للقضاء بالجزيرة الخضراء وما يرجع إليها، عبد الله بن أحمد بن ~~الحسن الجذامي النباهي، وذلك بإشارة شيخه الأستاذ أبي القاسم بن إبراهيم بن ~~محمد الزهري الإفليلي، أيام ولايته الوزارة للمستكفي بالله. والمستكفي هو ~~محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله ابن عبد الرحمن الناصر من بني أمية. فأبى ~~من القبول؛ وقع العزم عليه في العمل من الأمير، فنفر، وقصد الوزير وخلابه. ~~وكان من جملة مقاله له: سألتك بالله} أتعلم أن الولاية لمثلي أولى من ~~الإباية؟ فأقف عند إشارتك؟ أم تعلم أن الأمر بخلاف ذلك؟ فقال له: يا ابن ~~أخي! حاصل ما أراه أن الولاية في الوقت كرامة وترك العمل سلامة. # PageV01P019 # فقال له ابن الحسن: أبقاك الله {أختار السلامة} وليس يجمل بك أن تكون ~~نتيجة معرفتي بك تكليفي ما يصعب علي تحمله {فحاول استبداله بغيره. وانقطع ~~هو للاشتغال بإصلاح حاله، والاقتصاد على التعيش من ماله. وقد ذكره خلف بن ~~عبد ms020 الملك في صلته لكتاب القاضي أبي الوليد بن الفرضي؛ فقال فيه بعد اسمه: ~~يكنى أبا محمد؛ أخذ عن أبي القاسم بن الإفليلي كثيرا. وكان عالما بالآداب ~~واللغات والإشارات؛ وله رد على أبي محمد بن حزم فيما انتقده على ابن ~~الإفليلي في شرحه لشعر المتنبي؛ أخذ عنه أبو عبد الله محمد بن سليمان شيخنا ~~رحمه الله} وعن سحنون قال: مات بعض قضاة إفريقية. فقدم رسول الخليفة، وجمع ~~العلماء، واستشارهم في قاض يوليه، فقيل لشيخه أبي الحسن بن زياد: هذا رسول ~~الخليفة، يشتشيرك في قاض يوليه. فحول وجهه إلى القبلة؛ فقال: ورب هذه ~~القبلة {ما أعرف بها أحدا يستوجب القضاء. قوموا عني} قال مطرف وابن ~~الماجشون وأصبغ: لا يستقضي إلا من يوثق به في عفافه، وصلاحه، وفهمه، وعلمه ~~بالسنة والآثار ووجه الفقه؛ ولا يصلح أن يكون صاحب حديث لا فقه له، أو ~~فقيها لا حديث عنده. ولا يفتى إلا ما كان هذا وصفه إلا أن يخبر بشيء سمعه؛ ~~ولا ينبغي، وإن كان صالحا عفيفا. أن يولي إلا أن يكون له علم بالقضاء. وممن ~~عرضت عليه الولاية بمالقة، من أهلها، فأبى وتمنع منها، الحسن بن محمد بن ~~الحسن الجذامي النباهي. واعتذر بأمور، منها كثرة ولده، وتعدد ذوي رحمه وقد ~~ورد: لا يحكم القاضي إلا لمن تجوز له شهادته من قومه؛ واستثقل مع ذلك ~~القهرة لأهل بلده بالحكم من قبله؛ وكان قد جرى لوالده محمد بن الحسن، آخر ~~أيام ولايته القضاء بكورة رية، ما هو معروف عند الكثير، من إعمال الحيلة في ~~غدره، والإقدام على قتله. فقبل الأمير عند ذلك معاذيره، وترك سبيله ثم جدد ~~العزم عليه في الولاية. قال ابن فريد في كتابه: فاستقضى بغرناطة؛ وكان من ~~أهل النباهة والجلالة، توفي سنة 473. وذكره ابن بشكوال في صلته. ومن ~~الفقهاء المتأخرين، المتقدمين في العلم والدين، أبو عبد الله محمد بن عياش ~~الأنصاري ثم الخزرجي، أحد أشياخ بلدنا مالقة، وفريد عصره بها عقلا، وفضلا، # PageV01P020 # وورعا وزهدا؛ استدعاه أمير المسلمين أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن ms021 نصر ~~رحمه الله وأرضاه {لحضرته؛ فقلده بها قضاء الجماعة والخطبة أيام الجمعة ~~بمسجد حمرائها؛ فخطب جمعة واحدة، وأقام رسم القضاء ثلاثة أيام حسبة، إذ كان ~~أولا قد عزم على تركه، والخروج عن عهدته؛ فلم يقبل كسوة، ولا أخذ جراية، ~~وأفصح رابع يومه بالاستعفاء عن خطة القضاء. وكان أعلم قضاة زمانه بالأحكام، ~~وأحفظهم للمسائل، وأبصرهم بالنوازل؛ لاكنه نفعه الله بقصده} هاب أمر الله، ~~وأثر مع ذلك راحة بدنه، وخلاص نفسه من تبعاته. وعلم الأمير صدق مقالته، ~~وصحة عزيمته؛ فأعفاه. وارتحل عند ذلك بقية يومه إلى بلده، وتقدم للخطبة ~~والصلاة بالجامع منه. وتولى ذلك إلى وفاته، ولم يأخذ عليه مرتبا. مدة ~~حياته. فكان في انقباضه عن الولاية أشبه الناس بموسى بن محمد ابن زياد، إذ ~~ولاه الأمير عبد الله من بني أمية القضاء بقرطبة، والصلاة معا بأهلها؛ فصلى ~~بالناس جمعة واحدة، واستعفى في الثانية، والتزم القعود بداره والتقوت من ~~فائد عقاره. وإضافة لفظ القضاء إلى الجماعة، جرى التزامه بالأندلس منذ سنين ~~إلى هذا العهد. والظاهر أن المراد بالجماعة جماعة القضاة، إذ كانت ولايتهم ~~قبل اليوم غالبا من قبل القاضي بالحضرة السلطانية، كائنا من كان؛ فبقي ~~الرسم كذلك. وأما قاضي الخلافة، بالبلاد المشرقية، فيدعى بقاضي القضاة. ~~وممن دعى بهذا اللقب بالأندلس من قضاة قرطبة، وكتب له بذلك عند اسمه في ~~السجلات المنعقدة عليه والمخاطبات الموجهة إليه، أبو العباس أحمد بن عبد ~~الله بن ذكوان الأموي، وأبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اللخمي؛ ولم ~~يكن الأمر بحدثان ذلك كذلك. قال الحسن بن محمد، وقد ذكر في كتابه يحيى بن ~~يزيد اللخمي: لما دخل عبد الرحمن بن معاوية قرطبة، وقام بالإمامة، ألفى ~~فيها يحيى بن يزيد قاضيا؛ فأثبته على القضاء، ولم يعزله إلى أن مات. قال: ~~وكان يقال له وللقضاة قبله بقرطبة، قاضي الجند. قال محمد بن حارث: وقد رأيت ~~سجلا عقده سعيد بن محمد ابن بشير بقرطبة، يقول فيه: حكم محمد بن بشير قاضي ~~الجند بقرطبة. قال: وإن تسمية القاضي اليوم بقاضي ms022 الجماعة اسم محدث، لم يكن ~~في القديم. هذا ما ظهر لي رسمه صدر هذا الكتاب، من الكلام. وفيه، بحسب ~~الغرض المقصود من الاختصار، غنية كافية لمتأمله بعين الإنصاف. والله الموفق ~~للصواب! # PageV01P021 ### | الباب الثاني في سير بعض القضاة الماضين وفقر من أنباء الأئمة المتقدمين # منها، قال حميد الطويل: لما ولي إياس بن معاوية القضاء، دخل عليه الحسن، ~~وإياس يبكي؛ فقال له: ما يبكيك؟ فذكر إياس الحديث: القضاة ثلاثة، إثنان في ~~النار، وواحد في الجنة {فقال الحسن: إن مما نص الله عليه من نبإ سليمان ~~وداوود ما يرد قول هؤلاء الناس. ثم قرأ: " وداود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين؛ ففهمناها سليمان وكلا ~~آتينا حكما وعلما " ولم يذم داوود. ويروى عن الحسن أيضا أنه قال: لولا ما ~~ذكر الله تعالى من أمر هذين الرجلين، لرأيت أن القضاة قد هلكوا؛ فإنه أثنى ~~على هذا بعلمه وعذر هذا باجتهاده. وأول من قدم قاضيا في الإسلام؛ على ما ~~حكاه ابن عبد البر، عمر بن الخطاب: ولاه أبو بكر الصديق وقال له: اقض بين ~~الناس؛ فإني في شغل. وقد تقدم قول عثمان ابن عفان لعبد الله بن عمر: اقض ~~بين الناس: فإن أباك كان قاضيا. ونقل عن مالك أن معاوية كان أول من استقضى ~~في الإسلام. ولما جاءت خلافة عمر بن الخطاب، وفتحت البلاد، قدم بها جملة من ~~الأكابر؛ فاستقضى شريحا على الكوفة، ووجه عبادة بن الصامت، وهو أحد النقباء ~~الإثنى عشر، إلى الشأم قاضيا ومعلما. وقدم على قضاء البصرة كعب بن سور بخبر ~~عجيب؛ وذلك أن كعبا كان جالسا عند عمر، فجاءت امرأة فقالت: ما رأيت رجلا قط ~~أفضل من زوجي} إنه يبيت ليله قائما، ويظل نهاره صائما {فاستغفر لها عمر ~~وقال: مثلك اثنى بالخير} فاستحيت المرأة وقامت راجعة. فقال كعب: يا أمير ~~المؤمنين {هلا أعيدت المرأة على زوجها؟ فقال: أذاك أرادت؟ قال: نعم قال: ~~ردوا على المرأة} فردت. فقال: لا بأس بالحق تقولينه {إن هذا يزعم أنك ms023 جئت ~~تشتكين} قالت: أجل إني # PageV01P022 # امرأة شابة، وإني أبتغي ما يبتغي النساء {فأرسل إلى زوجها وقال لكعب: اقض ~~بينهما. قال: فإني أرى لها يوما من أربعة أيام وكان زوجها له أربعة نسوة ~~فإذا لم يكن له غيرها، فإني أقضي له بثلاثة أيام ولياليها يتعبد فيها، ولها ~~يوم وليلة. قال عمر: والله} ما رأيك الأول بأعجب إلي من الآخر {اذهب} فأنت ~~قاض على البصرة {وهذا من حقوق الزوجة، إذا فرط فيه الرجل، ودعت إليه ~~المرأة، فحكم به عليه وتطلق من أجله على زوجها إذ امتنع عنه بغير عذر، ~~حسبما تضمنته مسائل هذا الباب، في موضعه من كتب الفقه. وعلى قول الزهري: ~~أول قاض في الإسلام ابن يزيد بن سعيد. وقيل: بل، أول قاض كان زيد بن ثابت. ~~وقيل أيضا مثل ذلك عن أبي الدرداء. وأما أرسخ الصحابة في العلم بالقضاء ~~رضوان الله عليهم أجمعين} فهو علي بن أبي طالب من غير خلاف. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم {: وأقضاهم علي وكان عمر بن الخطاب يتعود من معضلة ليس ~~فيها أبو حسن. وقال في المجنونة التي أمر برجمها، وفي التي وضعت لستة أشهر: ~~فأراد عمر إقامة الحد عليها؛ فقال له علي: إن الله تعالى يقول: وحمله ~~وفصاله ثلاثون شهرا. وقال له: إن الله رجع القلم من المجنون الحديث. فكان ~~عمر يقول: لولا علي، هلك عمر} وقيل لعطاء. أكان من أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم {أحد أعلم من علي؟ قال: والله أعلمه} وكان معاوية يكتب فيما ينزل ~~به ليسأل له علي بن أبي طالب عنه؛ فلما بلغه قتله، قال: ذهب العلم بموت علي ~~{ومن كلام ضرار فيه، وقد طلب منه معاوية وصفه بعد وفاته؛ فقال: كان والله} ~~بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، ~~وتنطق الحكمة من نواحيه، إلى غير ذلك من صفاته. وفي مصنف أبي داوود عن علي ~~رضي الله عنه {قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم} إلى اليمن قاضيا؛ ~~فقال: إن الله عز ms024 وجل سيهدي قلبك، ويثبت لسانك؛ فإذا جلس بين يديك الخصمان، ~~فلا تقضى حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول! فإنه أحرى # PageV01P023 # أن يتبين لك القضاء. قال: فما زلت قاضيا، وما شككت في قضاء بعد. ولما ~~أفضى الأمر إلى معاوية بن صخر جرى بجهده على سنن من تقدمه من ملاحظة ~~القضاة؛ وبقي الرسم على حذو ترتبه زمانا. ثم فتر أيام يزيد بن عبد الملك ~~وابنه الوليد إلى أن ظهر بنو العباس؛ فظفروا بالملك، فاشتدوا في شأن ~~القضاء، وتخيروا للأعمال الشرعية صدور العلماء. فدعوا مالك بن أنس، وابن ~~أبي ذئب، وأبا حنيفة للقضاء: فأما مالك، فاحتج بأن قال: إني رجل محدود، ولا ~~يصلح أن يلي القضاء محدود. واحتج ابن أبي ذئب بأن قال: إني قرشي؛ ومن يشرك ~~في النسب، لا ينبغي أن يشرك في الحكم {وقال أبو حنيفة: إني لمولي؛ ولا يصلح ~~أن يلي القضاء مولى. فاحتج كل واحد منهم بما علم الله صدق نيته فيه؛ ~~فعاناهم من محنة القضاء. وفي طبقات قضاة مصر لأبي عمر الكندي: ولي الحارث ~~بن مسكين القضاء من قبل أبي الفضل جعفر المدعو بالمتوكل بن المعتصم. وأتاه ~~كتابه، وهو بالإسكندرية فلما قرأه، امتنع من الولاية؛ فأجبره أصحابه على ~~ذلك، وشرطوا عونهم له. قال بعضهم: رأى أحد أشياخ بمصر كأن ابن أكتم ذبح ~~الحارث. فلم يكن حتى جاءه قضاء مصر، وكان على يد ابن أكتم قاضي القضاة ~~حينئذ. وفي تغريب المسالك.: حكى القاضي يونس قال: ولي جعفر المتوكل الحارث ~~قضاء مصر، بعد أن سجنه على إباية ذلك زمانا. قال محمد بن عبد الوارث: كنا ~~عند الحارث؛ فأتاه علي بن القاسم الكوفي؛ فقال له: رأيت في النوم الناس ~~مجتمعين في المسجد الحرام؛ فقلت: ما اجتماعكم؟ فقالوا: عمر بن الخطاب جاء ~~ليقعد الحارث بن مسكين للقضاء} فرأيته أخذه، وسمر مقعده في الحائط، وانصرف؛ ~~فتبعته، فلما أحس بي، قال: ما تريد؟ قلت: أنظر إليك. قال: اذهب إلى الحارث، ~~واقرأه مني السلام، وقل له يقضي بين الناس بإمارة أنك كنت بالعراق؛ ms025 فقمت من ~~الليل، فعثرت، فنكثت إصبعك، ودعوت بذلك الدعاء، فجئت من الغد. فقال الحارث: ~~صدقت وهذا شيء ما اطلع عليه أحد إلا الله. فسألته عن الدعاء؛ فقال: يا ~~صاحبي عند كل شدة {ويا غياثي عند كل كربة} ويا مؤنسي في كل وحشة {صل على ~~محمد، وعلى آل محمد، واجعل لي من أمري فرجا ومخرجا} ومن القضاة بمصر عيسى ~~بن المنكدر بن محمد بن المنكدر، أيام ابن طاهر. أشار به # PageV01P024 # عبد الله بن عبد الحكم، وأعلمه أنه فقير؛ فأجرى له سبعة دنانير في كل ~~يوم، وأجازه بألف دينار. وكان رجلا صالحا. وهو أول قاض أجرى عليه المرتب ~~بمصر. ولما امتنع ابن فروخ من القبول لخطة القضاء، وأشار بابن غانم، وهو ~~عبد الله بن عمر ابن غانم، تقدم من قبل هارون الرشيد بإفريقية، وذلك في رجب ~~سنة 171، وهو ابن اثنين وأربعين سنة، في حياة مالك. ولما بلغته ولايته، ~~قال: ما ذلك بخير له {وكان يوجه بمسائله أيام قضائه إليه، فيما ينزل به من ~~نوازل الخصوم، ويكتب إلى ابن كنانة؛ فيأخذ له الأجوبة من مالك. وكان له حظ ~~من صلاة الليل؛ فإذا قضاها وجلس في التشهد آخرها، عرض خصم يريد أن يحكم له ~~على ربه؛ فيقول في مناجاته: يا رب} إن فلانا نازع فلانا وادعى عليه بكذا؛ ~~فأنكر دعواه؛ فسألته البينة؛ فأتى بينة شهدت له بما أدعى. وقد أشرفت أن آخذ ~~له من صاحبه بحقه الذي تبين لي أنه حق له؛ فإن كنت على صواب، فثبتني {وإن ~~كنت على غير صواب، فاصرفني} اللهم {لا تسلمني} اللهم سلمني {فلا يزال يعرض ~~الخصوم على ربه حتى يفرغ منهم. وراكب يوما الأمير إبراهيم بن الأغلب، فزادت ~~دابة إبراهيم في المشي. فحول ابن غانم دابته وعرج إلى داره. فعاتبه على ~~ذلك، فقال له: أصلح الله الأمير} إنما تنفذ أحكام القاضي على قدر جاهه. ولو ~~ساعدتك، وحركت دابتي، سقطت قلنسوتي؛ فلعب بها الصبيان {وراكبه مرة أخرى؛ ~~فشق إبراهيم زرعا؛ فلم يسلك ابن غانم معه. ورأيت بخط القاضي أبي ms026 الفضل ما ~~نصه: قال ابن غانم: دخلت مجلس إبراهيم ابن الأغلب. فبينما نحن قعود، إذ ~~أشرف علينا إبراهيم، فقام إليه من كان في البيت غيري، فجلس مغضبا، ثم قال ~~لي: يا أبا عبد الرحمن} ما منعك أن تقوم، كما قام إخوانك؟ فقلت: أيها ~~الأمير {حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم} : من أحب أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده من النار! ~~فنكس إبراهيم رأسه وأطرق. فكان هذا القاضي يكثر إنشاد هذين البيتين: إذا ~~انقرضت عني من العيش مدتي ... فإن غناء الباكيات قليل سيعرض عن ذكرى وتنسى ~~مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل # PageV01P025 # وتوفي قاضيا في ربيع الأول سنة 179: فكانت ولايته ثماني عشرة سنة وتسعة ~~أشهر غفر الله لنا وله، ورحمنا وإياه { ### || فصل # مسألة القيام التي تكلم فيها ابن غانم تحتاج إلى تفصيل. وحاصله ما قاله ~~أبو الوليد في بيانه. ونصه: القيام للرجال على أربعة أنواع: وجه يكون ~~القيام فيه محظورا؛ ووجه يكون فيه مكروها؛ ووجه يكون فيه جائزا؛ ووجه يكون ~~فيه حسنا. فأما الوجه الأول، الذي يكون فيه محظورا، لا يحل: فهو أن يقوم ~~إكبارا وتعظيما لمن يحب أن يقام إليه تكبرا وتجبرا على القائمين عليه. وأما ~~الوجه الذي يكون القيام فيه مكروها، فهو أن يقوم إكبارا وتعظيما وإجلالا ~~لمن لا يحب القيام إليه ولا ينكر على القائمين إليه؛ فهو يكره للتشبه بفعل ~~الجبابرة ولما يخشى أن يدخله من تغير نفس المقوم إليه. وأما الوجه الذي ~~يكون القيام فيه جائزا، فهو أن يقوم تجلة وإكبارا لمن لا يريد ذلك، ولا ~~يشبه حاله حال الجبابرة، ويؤمن أن تتغير نفس المقوم إليه لذلك؛ وهذه صفة ~~معدومة إلا فيمن كان بالنبوءة معصوما، لأنه، إذا تغيرت نفس عمر بالدابة ~~التي ركب عليها، فمن سواه بذلك أحرى} وأما الوجه الرابع الذي يكون القيام ~~فيه حسنا، فهو أن يقوم الرجل للقادم عليه من سفر، فرحا بقدومه ليسلم عليه، ~~أو إلى القادم عليه مسرورا بنعمة أولاها الله اياه، ليهيه ms027 بها، أو القادم ~~عليه المصاب بمصيبة ليعزيه بمصابه، وما أشبه ذلك. وعلى هذا يتخرج ما ورد في ~~هذا الباب من الآثار، ولا يتعارض شيء منها. قال شهاب الدين أحمد بن إدريس، ~~وقد أشار إلى الأوجه المفسرة في البيان: وبهذا يجمع بين قوله عليه الصلاة ~~والسلام {: من أحب أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده النار وبين ~~قيامه عليه الصلاة والسلام} لعكرمة ابن أبي جهل، لما قدم من اليمن، فرحا ~~بقدومه، وقيام طلحة بن عبيد الله لكعب بن مالك، ليهنيه بتوبة الله عليه، ~~بحضوره عليه الصلاة والسلام {ولم ينكر عليه، ولا قام من مجلسه. فكان كعب ~~يقول: لا أنساها لطلحة} وكان عليه الصلاة والسلام! # PageV01P026 # يكره أن يقام له؛ فكانوا إذا رأوه، لم يقوموا له، لعلمهم بكراهيته لذلك. ~~وإذا قام إلى بيته، لم يزالوا قياما حتى يدخل بيته. قال لما يلزمهم من ~~تعظيمه، قبل علمهم بكراهيته لذلك. وقال عليه الصلاة والسلام {للأنصار قوموا ~~لسيدكم} قيل: تعظيما له، وهو لا يريد ذلك؛ وقيل: ليعينوه على النزول عن ~~الدابة. وحكى أحمد أنه كان عند عز الدين بن عبد السلام، من أعيان علماء ~~الشافعية. فحضرته فتيا: ما تقول في القيام الذي أحدثه الناس في هذا الزمان؟ ~~هل يحرم، أم لا؟ فكتب رحمه الله {: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم} : لا ~~تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا {وكونوا عباد الله إخوانا} وترك القيام ~~في هذا الوقت يفضى للمقاطعة والمدابرة. فلو قيل بوجوبه، ما كان بعيدا. ~~فقرأتها بعد كتابته والناس تحدث لهم أحكام بقدر ما يحدثون من الأحوال، من ~~السياسات والمعاملات والاحتياطات؛ وهي على القوانين الأول. ثم قال: ويلحق ~~بالقيام النعوت المعتادة وأنواع المكاتبات، على ما قرره الناس في ~~المخاطبات؛ وهذا النوع كثير لم تكن أسبابه في السلف، غير أنه تقرر في ~~قاعدته الشرع اعتبارها، كما قال الشيخ: فإذا وجدت، وجب اعتبارها. انتهى. ~~وروى بعضهم أن مالكا قيل له: ما تقول في الرجل يقوم الرجل له للفضل والفقه؟ ~~فيجلسه في مجلسه. قال: يكره له ذلك. ولا بأس ms028 أن يوسع له. قيل: فالمرأة ~~تتلقى زوجها، فتبالغ في بره وتنزع ثيابه ونعليه متى يجلس؟ قال: ذلك حسن غير ~~قيامها حتى يجلس. وهذا فعل الجبابرة وربما كان الناس ينتظرونه حتى، إذا ~~طلع، قاموا له. ليس هذا من فعل الإسلام في شيء. وفعل ذلك لعمر بن عبد ~~العزيز، أول ما ولي حين خرج إلى الناس، فأنكره، وقال: إن تقوموا، نقم {وإن ~~تقعدوا} وإنما يقوم الناس لرب العالمين {قيل له: فالرجل يقبل يد الرجل أو ~~رأسه؟ قال: هو من عمل الأعاجم، لا من عمل الناس} ونقل أيضا عن مالك أنه كان ~~رحمه الله! يقوم لتلقي أصحابه عند قدومهم عليه من السفر. ومن ذلك ما ذكره ~~القاضي أبو الفضل في كتابه المسمى بترتيب المدارك، وتقريب المسالك، وقد ذكر ~~عبد بن مسلمة بن قعنب التميمي. ومن أصله الذي بخطه نقلت: قال ابن رشد فيما ~~حكاه عن الجهني. كنا عند مالك؛ فجاءه # PageV01P027 # رجل فأخبره بقدوم القعنبي؛ فقال: متى فقرب قدومه فقال: قوموا بنا إلى خير ~~أهل الأرض نسلم عليه {. فقام، فسلم عليه. وكان مالك، إذا جلس، قال ليلني ~~منكم ذوو الأحلام والنهي} فربما جلس القعنبي عن يمينه. وهو أحد عباد البصرة ~~في زمانه. قال أحمد بن الهيثم: كنا إذا أتينا القعنبي، خرج إلينا؛ فنراه ~~كأنه مشرف على جهنم {وتوفي بمكة سنة 220 أو 221. وفي الاستيعاب عن عائشة أم ~~المؤمنين رضي الله عنها " أنها قالت ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما أو حديثا ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم} من فاطمة؛ وكانت إذا دخلت عليه، قام لها، ~~فقبلها ورحب بها، كما كانت تصنع هي به صلى الله عليه وسلم. وفي هذا القدر ~~من الكلام على مسألة القيام الكفاية. ### $ ذكر عبد السلام بن سعيد بن حبيب الملقب بسحنون قاضي إفريقية # وتقدم لولاية القضاء بإفريقية، بعد ابن غانم بزمان، أحد الآخذين العلم ~~بها عنه، وهو عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الملقب بسحنون؛ وذلك سنة ~~234. قال عياض بن موسى، ومن خطه نقلت: وسنه إذ ذاك أربع وسبعون ms029 سنة. فلم ~~يزل قاضيا إلى أن مات. ثم ذكر عن أبي العرب أنه قال: لما عزل ابن أبي ~~الجواد، قال سحنون: اللهم {ول هذه الأمة خيرها وأعدلها} فكان هو الذي ولي ~~بعده. وقال: لم أكد أرى قبول هذا الأمر حتى كان من الأمير معنيان، أحدها: ~~أعطاني كل ما طلبت، وأطلق يدي في كل ما رغبت، حتى أني قلت أبدأ بأهل بيتك ~~وقرابتك وأعوانك؛ فإن قبلهم ظلامات للناس وأموالا منذ زمان طويل {فقال لي: ~~نعم} لا تبدأ إلا بهم، وأجر الحق على مفرق رأسي. وجارني من عز منه مع هذا ~~ما يخاف منه المرء على نفسه، وفكرت؛ فلم أجد لنفسي سعة في رده. ولما تمت ~~ولايته، سار حتى دخل على ابنته خديجة؛ وكانت من خيار النساء. فقال لها: ~~اليوم ذبح أبوك بغير سكين! فعلم الناس قبوله للقضاء؛ ويومئذ # PageV01P028 # كتب له عبد الرحمن الزاهد بما نصه: أما بعد، فإني عهدتك وشأن نفسك إليك ~~مهما تعلم الخير وتؤدب عليه. وأصبحت، وقد وليت أمر هذه الأمة، تؤدبهم على ~~دنياهم، يذل الشريف بين يديك والوضيع؛ وقد اشترك فيك العدو والصديق. ولكل ~~خطة من العدل: فأي حالتيك أفضل؟ الحالة الأولى أم الثانية؟ والسلام. فراجعه ~~سحنون بأن قال له: أما بعد، فإنه جاءني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه؛ وإني ~~أجيبك إنه لا حول ولا قوة في شيء من الأمور إلا بالله تعالى {عليه توكلت ~~وإليه أنيب} وما كتبت إنك عهدتني وشأن نفسي إلي مهما أعلم الخير وأودب ~~عليه، وقد أصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة وأود بهم على دنياهم. ولعمري إنه ~~من لم تصلح دنياه، فسدت أخراه. وفي صلاح الدنيا إذا صح المطعم والمشرب، ~~صلاح الآخرة. وقد حدثني ابن وهب ورفع سحنون سنده أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم {قال: نعم المطية الدنيا} فارتحلوها {فإنها تبلغكم الآخرة} ولن تبلغ ~~الدنيا الآخرة من عمل في الدنيا بغير الواجب من حق الله {وأما قولك وليت ~~أمر هذه الأمة، فإني لم أزل مبتلى، ينفذ قولي منذ أربعين سنة في أبشار ms030 ~~المسلمين وأشعارهم. ومن كلام عبد الله بن أبي جعفر: لن تزالوا بخير ما ~~تعلمتم. فإذا احتيج إليكم، فانظروا كيف تكونون. وإنما المفتي قاض يجوز قوله ~~في أبشار المسلمين وأموالهم. فعليك بالدعاء} فألزم ذلك نفسك {والسلام. وكان ~~سحنون يؤدب الناس على الإيمان التي لا تجوز، من الطلاق والعتاق، حتى لا ~~يحلفوا بغير الله؛ ويؤدبهم على سوء الحال في لباسهم وما نهى عنه، ويأمرهم ~~بحسن السيرة والقصد. وتخاصم إليه رجلان صالحان من أصحابه؛ فأقامهما، وأبى ~~أن يسمع منهما، وقال: استر عني ما ستر الله عليكما} وهو أول من نظر في ~~الحسبة من القضاة، وأمر بتغيير المنكر؛ وأول من فرق حلق البدع من الجامع، ~~وشرد أهل الأهواء منه؛ وأول من جعل الودائع عند الأمناء؛ وكانت قبل في بيوت ~~القضاة. قال عيسى بن مسكين: فحصل الناس بولايته على شريعته من الحق؛ ولم يل ~~قضاء إفريقية مثله ويقال إنه ما بورك لأحد، بعد أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم! ما بورك لسحنون في أصحابه؛ فإنهم كانوا أئمة بكل بلدة. وكان ~~الذين يحضرون مجلسه من العباد أكثر من طلاب العلم. وكان يقول: ما أحب أن ~~يكون عيش الرجل إلا على قدر # PageV01P029 # ذات يده. ولا يتكلف ما في وسعه؛ وأكل أموال الناس بالمسكنة والصدقة خير ~~من أكله بالعلم والقرآن. وهو القائل: من لم يعمل بعلمه، لم ينفعه العلم، بل ~~يضره وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب، فإذا عمل به، نور الله قلبه؛ ~~وإن لم يعمل به، وأحب الدنيا، أعمى حب الدنيا قلبه، ولم ينوره العلم {وكان ~~يقول: ترك الحلال أعظم من جميع عبادة الله؛ وترك الحلال لله أفضل من أخذ ~~وإنفاقه في طاعة الله} وقال: ترك دانق مما حرم الله أكثر من سبعين ألف حجة، ~~يتبعها سبعون ألف عمرة مبرورة متقبلة، وأفضل من سبعين فرسا في سبيل الله ~~بزادها وسلاحها، ومن سبعين ألف بدنة يهديها إلى بيت العتيق، وأفضل من عتق ~~سبعين ألف رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل {قال صاحب المدارك: فبلغ كلامه هذا ~~لعبد ms031 الجبار بن خالد؛ فقال: نعم} وأفضل من ملء الأرض إلى عنان السماء ذهبا ~~وفضة كسبت وأنفقت في سبيل لا يراد بها إلا وجه الله {وهذا القول بناء على ~~أن التروك لا توازيها الأفعال. وكذلك القول في مسألة ترك الحلال لله إنه ~~أفضل من أخذه وإنفاقه في طاعة الله مما وقع فيه الاختلاف بين العلماء. قال ~~عز الدين أبو محمد بن عبد السلام السلمي: فقالت طائفة تركها أفضل. وقال ~~آخرون: بل} فعله مع السلامة أولى. قال صاحب الرعاية: لأنه قد اكتسب من ~~العمل ما لم يكتسب غيره وإنما يسأل عن ذلك كما يسأل عن الصلاة والصيام ~~ليثاب عليه وإنما أمر بالترك خوفا أن لا يسلم. وتوفي سحنون رحمه الله! صدر ~~شهر رجب سنة 240 ودفن من يومه. وصلى عليه الأمير محمد بن الأغلب. ولم يأخذ ~~لنفسه، مدة قضائه، من السلطان شيئا. ### $ ذكر القاضي عيسى بن مسكين ومنهم عيسى ~~بن مسكين بن منصور. سمع من سحنون بالقيروان، وسمع بمصر من الحارث بن مسكين، ~~ومحمد بن المواز، وغيرهم. وكان رجلا صالحا، فاضلا، طويل الصمت، رقيق القلب، ~~متفننا في العلوم. وكيفية ولايته القضاء أن الأمير إبراهيم بن أحمد بن ~~الأغلب كان قد اضطر يحيى بن عمر إلى ولاية القضاء. فقال له: إن دللتك على # PageV01P030 # من هو أفضل مني، في الوجه الذي تحب، تعفيني فقال له: نعم {فدله عيسى ابن ~~مسكين. وكان بالحضرة حمديس؛ فقال: إنه، والله} أيها الأمير، صاحبنا عند ~~سحنون. جمع الله فيه خلال الخير بأسرها {فأرسل فيه إبراهيم إلى كورة ~~الساحل، وأوصله إلى نفسه، وقال: تدري لم بعثت لك؟ قال: لا. قال: لأشاورك في ~~رجل قد جمع الله فيه خلال الخير. أردت أن أوليه القضاء، وألم به شعث هذه ~~الأمة؛ فامتنع. قال: يلزمه أن يلي. قال: تمنع. قال: يجبر على ذلك} قال: ~~تمنع. قال: يجلد {قال: قم} فأنت هو {قال: ما أنا الذي وصفت} وتمنع. فأخذ ~~الأمير بمجامع ثيابه، وقرب السيف من نحره؛ فتقدم إليه بخنجره. قال حمديس: ~~وكنت في المجلس؛ فقمت ms032 من مكاني، لئلا يصيبني من دمه. فلم يزل به حتى ولى ~~على شروط، منها قال له: أستعفيك في كل شهر {قال: نعم} قال: وأجعلك، وبني ~~عمك، وجندك، وفقراء الناس، وأغنياءهم في درجة واحدة. قال: نعم {قال: ولم ~~توجه ورائي، وكذا وكذا. فمتى لم تف لي بشرط، عزلت نفسي. قال: نعم} وعرض ~~عليه عند ذلك الكسوة والصلة. فامتنع وقال له: أنا رجل طويل الصمت، قليل ~~الكلام، غير نشيط في أمور، ولا أعرف أهل البلد. فقال له الأمير: عندي مولى ~~نشيط، قد تدرب في الأحكام. أنا أضمه إليك: يكون عنك كتابا يصدر عنك في ~~القول. فما رضيت منه، أمضيت؛ وما سخطت، رددت. فضم إليه عبد الله بن محمد بن ~~مفرج. قال المخبر: فكثيرا ما كنت آتي مجلسه وهو صامت لا يتكلم؛ وابن مفرج ~~يقضى. وسئل عن فرط انقباضه في قضائه. فقال: ابتليت بجبار عنيد، خفت أن يبعث ~~إلي من طعامه، أو يدعوني إليه. ولا آتيه؛ فحملت نفسي على ذلك، ليقطع طمعه ~~مني {ومن كلام هذا القاضي رحمه الله} : من قاس الأمور، علم المستور. من حصن ~~شهوته، صان قدره. في تقلب الأحوال، علم جواهر الرجال. الحسن النية، يصحبه ~~التوفيق. المعاش مذل لأهل العلم. كفاك أدبا لنفسك ما كرهته لغيرك. قارب ~~الناس في عقولهم، تسلم من غوائلهم. وكان، إذا تحدث عن أيام قضائه، يقول: ~~كنت # PageV01P031 # في بليتي.، وكنت أيام تلك المحنة. ولما تاب الأمير وتخلى عن الملك وتوجه ~~للجهاد، أتاه عيسى بن مسكين؛ فقال له: إن الله عافاك مما كنت فيه. فشاركني ~~في الخروج عما أدخلتني فيه؛ فقد كبر سني، وضعف بدني. وعلى الأثر وقع ~~انفصاله. وكانت ولايته ثمانية أعوام ونصف عام. ### $ ذكر القاضي ابن سماك الهمذاني # وولى من أصحاب سحنون القضاء بإفريقية أبو القاسم حماس بن مروان بن سماك ~~الهمذاني الفقيه الزاهد. وكان من زهده وتواضعه يفتح القناة بنفسه، على ما ~~حكاه عياض وغيره، ويكسر الحطب على باب داره، والناس حوله يختصمون إليه ~~ويسألونه. وكان يلبس الصوف الخيش. ولم يركب دابة في البلد، ms033 أيام ولايته؛ ~~فإذا خرج إلى منزله بالبادية على حمار، يشتد دون خف، يتقوت مما يأتيه من ~~ماله؛ ولم يأخذ على القضاء أجرا. ### $ ذكر القاضي إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي # ومن أيمة الفقه على مذهب مالك بن أنس، ومشيخة الحديث، وأعلام القضاة، ~~إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي. قال الفرغاني ~~التأريخي: لا نعلم أحدا من أهل الدنيا بلغ مبلغ آل حماد بن زيد، ولم يصل ~~أحد من القضاة إلى ما وصلوا إليه من اتخاذ المنازل، والضياع، والكسوة، ~~والآلة، ونفاذ الأمر في جميع الآفاق. ومن كتاب تقريب المسالك، بمعرفة أعلام ~~مذهب مالك، وقد ذكرهم فيه، فقال: كانت هذه البيت، على كثرة رجالها، وشهرة ~~أعلامها، من أجل بيوت العلم بالعراق، وأرفع مراتب السودد في الدين والدنيا؛ ~~وهم نشروا هذا المذهب هناك، وعنهم اقتبس وتردد العلم في طبقاتهم وبيتهم نحو ~~ثلاثمائة عام، من زمان جدهم الإمام محمد بن زيد وأخيه سعيد. ولما ولى عبد ~~الله بن سليمان الوزارة للمعتضد، وكان سيء الرهن فيهم لما أراد الإيقاع بهم ~~وأعمال الحيلة، فلم يقدر على ذلك إلى أن مات إسماعيل بن إسحاق؛ ففتح الباب ~~لعبد الله في ذلك؛ فقال: يا أمير المؤمنين! بنو حماد مشاغيل بخدمة # PageV01P032 # السلطان، وأسباب النفقات، والمظالم عن الحكم. فلم يقدح ذلك فيهم. ولم يزل ~~به بعد مدة حتى جعله، وولى أبا حازم الحنفي قضاء الشرقية، وعلي بن أبي ~~الشوارب قضاء مدينة المنصور؛ وكان ابن الطيب، مؤدب المعتضد، يعظم أمر آل ~~حماد، ويقول: حسبك أن لهم بتادريا ستمائة بستان؛ غير ما لهم بالبصرة وسائر ~~النواحي. وكان فيهم على اتساع الدنيا رجال صدق وأيمة ورع وعلم وفضل. وفي ~~إسماعيل بن إسحاق المترجم له أولا، قال أبو محمد بن أبي زيد: هو شيخ ~~المالكيين في وقته، وإمام تام الإمامة، يقتدى به. وكان الناس يصيرون إليه؛ ~~فيقتبس كل فريق منه علما لا يشاركه فيه الآخرون: فيمن قوم يحملون الحديث، ~~ومن قوم يحملون علم القرآن، والقراءة، والفقه، وغير ذلك. وقد نقل عنه أبو ms034 ~~علي الفارسي في تذكرته أشياء من العربية. قال القاضي أبو الوليد الباجي، ~~وسمى من بلغ درجة الاجتهاد، فقال: ولم تحصل هذه الدرجة بعد مالك إلا ~~لإسماعيل القاضي. وذكره المقرئ أبو عمرو الداني في طبقات القراء فقال: أخذ ~~القراءة عن قالون؛ وله فيه حرف. وحكى أبو عمرو أيضا عن أبي المثاب القاضي ~~قال: كنت عند إسماعيل يوما؛ فسئل لم جاز التبديل على أهل التوراة، ولم يجز ~~على أهل القرآن؛ فقال: قال الله تعالى في أهل التوراة: " بما استحفظوا من ~~كتاب الله ". فوكل الحفظ إليهم. وقال في القرآن: " إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون. " فلم يجز التبديل عليهم. فذكر ذلك المحاملي فقال: ما ~~سمعت كلاما أحسن من هذا. وقد روى أن نصرانيا سأل محمد بن وضاح عن هذه ~~المسألة؛ فأجاب بمثل هذا الجواب. وحصل لإسماعيل هذا في القلوب من القبول ما ~~لم يحصل لغيره من أهل زمانه. قال يوسف بن يعقوب: قرأت في توقيع المعتضد إلى ~~عبد الله بن سليمان بن وهب الوزير: استوص بالشيخين الخيرين الفاضلين ~~إسماعيل بن إسحاق الأزدي وموسى بن إسحاق خيرا؛ فإنهما ممن، إذا أراد الله ~~بأهل الأرض سوءا، دفع عنهم بدعائهما! # PageV01P033 # وقال يقظويه: كنت عند المبرد؛ فمر به إسماعيل بن إسحاق؛ فوثب المبرد إليه ~~وقبل يده وأنشد: فلما بصرنا به مقبلا ... حللنا الحبي وابتدرنا القياما فلا ~~تنكرن قيامي له ... فإن الكريم يجل الكراما قال ابن الأنباري: وأنشدنا ~~إسماعيل القاضي لنفسه: لا تعتبن على النوائب ... فالدهر يرغم كل عاتب واصبر ~~على حدثانا ... إن الأمور لها عواقب ولكن صافية قذى ... ولكل خالصة شوائب ~~كم فرجة مطوية ... لك بين أثناء النوائب ومسرة قد أقبلت ... من حيث تنتظر ~~المصائب قال إسماعيل القاضي: ما عرض لي هم فادح، فذكرت هذه الأبيات، إلا ~~ووجدت من روح الله ما يحل عقالي، وينعم بالي؛ ثم تؤول عاقبة ما أحذره فاتحة ~~ما أوثره. وذكر بعضهم قال: اجتمع أبو العباس بن شريح القاضي، وأبو بكر بن ~~داوود الإصبهاني، وأبو العباس المبرد على باب القاضي إسماعيل. فأذن ms035 لهم؛ ~~فتقدم ابن شريح، وقال: قدمني العلم والسن وتأخر المبرد وقال: أخرني الأدب ~~وقال ابن داوود: إذا صحت المودة سقطت المعاذير. وأول ما ولى قضاء الجانب ~~الشرقي، في أيام المتوكل، سنة 246، إلى سنة 262، فجمعت له بغداد كلها؛ فكان ~~يدعي قاضي القضاة. قال وكيع في كتابه في القضاة: وأما شدائد إسماعيل في ~~القضاء، وحسن مذهبه فيه، وسهولة الأمر عليه فيما كان يلتبس على غيره، فهو ~~شيء شهرته تغنى عن ذكره. وكان في أكثر أوقاته، وبعد فروغه من الخصوم، ~~متشاغلا بالعلم، لأنه اعتمد على حاجبه أبي عمر محمد بن يوسف، وعلي كاتبه ~~أبي العباس المعروف بالباز # PageV01P034 # الأشهب، فكانا يحملان عنه أكثر أمره، من لقاء السلطان وغيره، وأقبل هو ~~على الحديث والعلم. وكان شديدا على أهل البدع يرى استنابتهم، حتى ذكر أنهم ~~تحاموا ببغداد في أيامه، وخرج داوود بن علي من بغداد إلى البصرة لإحداثه ~~منع القياس. وحبس أبا زيد إذ أنكر عليه بعض ما حدث به. وقد تقدم صدر هذا ~~الكتاب أنه كان يقول: من لم تكن له فراسة، لم يكن له أن يلي القضاء. وقيل ~~له: لا تؤلف كتابا في أدب القضاء؟ فقال: اعدل ومد رجليك في مجلس القضاء ~~{وهل للقاضي أدب غير الإسلام؟ قال أبو طالب المكي، وقد ذكره: كان إسماعيل ~~من علماء الدنيا، وسادة القضاة، وعقلائهم. وكان مؤاخيا لأبي الحسن بن أبي ~~الورد أحد علماء الباطن. فلما ولي إسماعيل القضاء، هجره ابن أبي الورد. ثم ~~اضطر أن دخل عليه في شهادة؛ فضرب بيده كتف إسماعيل، وقال: إن علما أجلسك ~~هذا المجلس، لقد كان الجهل خيرا منه} فوضع إسماعيل رداءه على وجهه، وبكى ~~حتى بله. ولما كانت محنة غلام الخليل، ومطالبة الصوفية ببغداد، ونسبتهم إلى ~~الزندقة، وأمر الخليفة بالقبض عليهم، وكان فيمن قبض عليه شيخهم إذ ذاك أبو ~~الحسن النووي، فلما دخلوا على الخليفة، أمر بضرب أعناقهم؛ فتقدم النووي ~~مبتدئا إلى السياف ليضرب عنقه. فقال له: ما دعاك إلى هذا دون أصحابك؟ قال ~~آثرت حياتهم على حياتي بهذه اللحظة {فرفع ms036 الأمر إلى الخليفة؛ فرد أمرهم إلى ~~قاضي القضاة إسماعيل. فقدم إليه النووي وسأله عن مسائل من العبادات. ~~فأجابه؛ ثم قال له: وبعد هذا، لله عباد يسمعون بالله، وينطقون بالله، ~~ويصدرون بالله، ويردون بالله، ويأكلون بالله، ويلبسون بالله} فلما سمع ~~إسماعيل مقالته، بكى. ثم دخل على الخليفة؛ فقال: إن كان هؤلاء القوم ~~زنادقة، فليس في الأرض موحدون! فأمر بإطلاقهم. ولإسماعيل جملة تواليف في ~~فنون العلم. وحكى أنه توفي فجأة، وقت صلاة العشاء الآخر لثمان بقين في ذي ~~الحجة سنة 383، وهو قاض. وحكى الكاتب ابن أزهر: ارتفع المطر. فخرج إسماعيل ~~إلى المصلى؛ فصلى ركعتين بسبح " وهل أتاك " # PageV01P035 # ثم صعد المنبر، وخطب خطبتين، وحول رداءه، وحدث بحديث طويل خشع له الناس، ~~وبكى، وانصرف خاشعا؛ فقبض ليلته يوم استسقائه، وهو ابن إثنين وثمانين سنة. ~~ومن المنظوم المنسوب إليه: من كفاه من مساعيه ... رغيف يفتديه وله بيت ~~يواريه ... وثوب يكتسيه فلماذا يبذل العر ... ض لذل وتسفيه ولماذا يتمادى ~~... عند ذي كبر وتيه ### $ ذكر القاضي أبي عمر محمد بن يوسف # ومن القضاة بتلك البلاد المشرقية، أبو عمر محمد بن يوسف، حاجب القاضي ~~إسماعيل المتقدم الذكر، وابن عمه. وفي أيام هذا القاضي قتل الحلاج. وابن ~~عمه هو الذي أفتى بقتله، بعد تقريره على مذهبه، وقيام الشهادات عليه ~~بإلحاد. فضرب ألف سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، ثم طرح جسده، وبه رمى من أعلى ~~موضع ضربه إلى الأرض وأحرق بالنار، والعياذ بالله. وحضر يوما بين يدي أبي ~~عمر رجل يدعى قبل الآخر مائة دينار، ولم تكن له بينة. فتوجهت اليمين على ~~المطلوب بنفي ما زعمه الطالب فأخذ الخصم الدواة وكتب: وإني لذو حلف فاجر ~~... إذا ما اضطررت وفي الحال ضيق وهل لا جناح على معسر ... يدافع بالله ~~مالا يطيق فأمر القاضي بإحضار مائة دينار ودفعها عنه. فعجب الراضي من أدب ~~الرجل وكرم القاضي، وبحث عن الناظم؛ فلما وجده، أمر له بألف دينار، وخمس ~~خلع، ومركوب حسن، وملازمة دار السلطان. # PageV01P036 ### $ ذكر القاضي أبي بكر الباقلاني # ومن القضاة بالعراق أيضا، أبو ms037 بكر محمد بن الطيب، المعروف بالباقلاني، ~~المالكي، المتكلم على مذهب أهل الحديث وطريقة الأشعرية. إمام وقته، وعالم ~~عصره، المرجوع إليه فيما أشكل على غيره. ومن كلام الصيرفي فيه: كان صلاح ~~القاضي أكثر من علمه. وما نفع الله هذه الأمة بكتبه وبثها فيهم، إلا بحسن ~~نيته، واحتسابه بذلك ما عند الله من الثواب. ونقلت من خط القاضي أبي الفضل، ~~وقد ذكره في مداركه ما نصه: حكى أبو بكر الخطيب أن ورد القاضي كل ليلة، كان ~~عشرين ترويحة؛ ما تركها في حضر ولا سفر. وكان كل ليلة، إذا صلى العشاء، ~~وقضى ورده، أخذ الدواة بين يديه، وخمسا وثلاثين ورقة، تصنيفا يكتبها عن ~~حفظه. وكان يذكر أن كتابه بالمداد أسهل عليه من الكتاب بالحبر. فإذا صلى ~~الفجر، دفع إلى بعض أصحابه ما ضبطه ليلته، وأمر بقراءته عليه، وأومأ إلى ~~الزيادات فيه. وكان بعضهم يقول: جاء في الأثر إن الله تعالى يتعاهد عباده ~~بأنبيائه ورسله؛ فلما ختم الرسالة بمحمد صلى الله عليه وسلم {تعاهد أمته ~~برباني من علمائها، يحيي أحاديثها، ويجدد شريعتها. فكان إمام رأس ~~الأربعمائة أبو بكر بن الطيب. أخذ عنه العلم جماعة لا تعد لكثرتها؛ ودرسوا ~~عليه أصول الفقه والدين: منهم القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن نصر؛ ومن أهل ~~المغرب أبو عمران الفاسي رحل إليه ولازمه ببغداد، وأخذ عنه. وكان أعرف ~~الناس بعلم الكلام، وأحسنهم فيه خاطرا، وأجودهم لسانا، وأوضحهم بيانا، ~~وأصحهم عبارة. وصار له اختصاص بعضد الدولة. ولما وجهه سفيرا عنه إلى ملك ~~الروم، ليظهر به رفعة الإسلام، ويغض من النصرانية، وتهيأ للخروج، قال له ~~وزير الدولة: أاخذت الطالع لخروجك؟ فسأله أبو بكر. فلما فسر مراده، قال: لا ~~أقول بهذا، لأن السعد والنحس والخير والشر بيد الله} ليس للكواكب ها هنا ~~مثقال ذرة من القدرة؛ وإنما وضعت كتب النجوم ليتمعش بها الجاهلون من ~~العامة؛ ولا حقيقة لها. فقال الوزير: احضر إلى ابن الصوفي! وقد كان له تقدم ~~في هذا الباب. فلما حضره، دعاه الوزير إلى مناظرة القاضي، ليصحح ما أبطله ms038 ~~بزعمه فقال ابن الصوفي: ليست المناظرة من # PageV01P037 # شأني، ولا أنا قائم بها. وإنما أحفظ علم النجوم وأنا أقول: إذا كان من ~~النجوم كذا، يكون كذا {وأما تعليله، فهو من علم أهل المنطق وأهل الكلام. ~~وجرت له في ذلك الوجه بالقسطنطينية بين يدي ملكها، مع بطارقته ونبلاء ملته، ~~مناظرات ومحاورات: منها أن الملك قال له: هذا الذي تدعونه في معجزات نبيكم ~~من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ قلت: هو صحيح عندنا. وانشق القمر على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم} حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحضور ومن ~~اتفق نظره له في تلك الحال. فقال الملك: وكيف لم يره جميع الناس؟ قلت: لأن ~~الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لشقوقه وحضوره. فقال: وهذا القمر بينكم ~~وبينه نسبة وقرابة. لأي شيء لم تعرفه الروم وغيرها من سائر الناس، وإنما ~~رأيتموه أنتم خاصة؟ قلت: فهذه المائدة بينكم وبينها نسبة؛ وأنتم رأيتموها ~~دون اليهود، والمجوس، والبراهمة، وأهل الإلحاد، وخاصة يونان جيرانكم؛ فإنهم ~~كلهم منكرون لهذا الشأن {فتحير الملك وقال في كلامه: سبحان الله} وأمر ~~بإحضار فلان القسيس ليكلمني، وقال: نحن لا نطيقه. فلم أشعر إذ جاءوا برجل ~~كالدب أشقر الشعر؛ فقعد. وحكيت له المسألة؛ فقال: الذي قال المسلم لازم. ما ~~أعرف له جوابا، إلا الذي ذكره. فقلت له: أتقول إن الكسوف، إذا كان، أيراه ~~جميع أهل الأرض، أم يراه أهل الإقليم الذي في محاذاته؟ قال: لا يراه إلا من ~~كان في محاذاته. قلت: فما أنكرت من انشقاق القمر، إذا كان في ناحية لا يراه ~~إلا أهل تلك الناحية ومن تأهب للنظر له، فأما من أعرض عنه أو كان في ~~الأمكنة التي لا يرى القمر منها، فلا يراه {فقال: هو كما قلت} ما يدفعك عنه ~~دافع {وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوا. وأما الطعن في غير هذا الوجه، ~~فليس بصحيح} فقال الملك: وكيف يطعن في النقلة؟ فقال النصراني: تنبيه هذا من ~~الآيات: إذا صح وجه أن ينقله الجم الغفير، حتى يتصل بنا العلم به، ms039 ولو كان ~~كذلك، لوقع لنا العلم الضروري به. فلما لم يقع، دل على أن الخبر مفتعل ~~باطل. فالتفت الملك إلي وقال: الجواب؟ قلت: يلزمه في نزول المائدة ما لزمني ~~في انشقاق القمر؛ ويقال له: لو كان نزول المائدة صحيحا، لوجب أن ينقله ~~العدد الكثير؛ فلو نقله العدد الكثير، # PageV01P038 # فلا يبقى يهودي ولا نصراني، إلا ويعلم هذا بالضرورة؛ ولما لم يعلموا ذلك ~~بالضرورة، دل على أن الخبر كذب {فبهت النصراني والملك ومن ضمه المجلس. ~~وانفصل المجلس على هذا. قال القاضي: سألني الملك في مجلس آخر فقال: ما ~~تقولون في المسيح عيسى ابن مريم؟ عليه الصلاة والسلام} قلت: روح الله، ~~وكلمته، وعبده، ونبيه، ورسوله، كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: " كن ~~فيكون {" وتلوت عليه النص. فقال: يا مسلم} تقولون: المسيح عبد؟ فقلت: نعم؟ ~~كذا نقول وبه ندين {قال: ولا تقولون إنه ابن الله؟ قلت: " معاذ الله} ما ~~اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله " الآيتان. " إنكم لتقولون قولا عظيما ~~". فإذا جعلتم المسيح ابن الله، فمن كان أبوه، وأخوه، وجده وخاله، وعمه؟ ~~وعددت عليه الأقارب. فتحير وقال: يا مسلم {العبد يخلق ويحيى ويميت ويبرئ ~~الأكمة والأبرص؟ فقلت: لا يقدر العبد على ذلك. وإنما ذلك كله من فضل الله ~~تعالى} قال: وكيف يكون المسيح عبد الله، وخلقا من خلقه، وقد أتى بهذه ~~الآيات، وفعل ذلك كله؟ قلت: معاذ الله {ما أحيي المسيح الموتى، ولا أبرأ ~~الأكمة والأبرص} فتحير وقل صبره، وقال: يا مسلم {تنكر هذا، مع اشتهاره في ~~الخلق، وأخذ الناس له بالقبول} فقلت: ما قال أحد من أهل الفقه والمعرفة إن ~~الأنبياء يفعلون المعجزات من ذاتهم؛ وإنما هو شيء يفعله الله تعالى على ~~أيديهم، تصديقا لهم، يجري مجرى الشهادة {فقال: قد حضر عندي جماعة من أولى ~~دينكم والمشهورين فيكم وقالوا إن ذلك في كتابكم. فقلت: في كتابنا إن ذلك ~~كله بإذن الله تعالى} وتلوت عليه منصوص القرآن في المسيح " بإذني " وقلت: ~~إنما فعل المسيح ذلك كله بالله وحده لا ms040 شريك له، لا من ذات المسيح. ولو كان ~~المسيح يحيي الموتى ويبرئ الأكمة والأبرص من ذاته وقوته، لجاز أن يقال إن ~~موسى فلق البحر، وأخرج يده بيضاء من غير سوء من ذاته {وليست معجزات ~~الأنبياء عليهم السلام} من ذاتهم دون إرادة الخالق {فلما لم يجز هذا، لم ~~يجز أن تسند المعجزات التي ظهرت على يد المسيح، للمسيح} # PageV01P039 # وذكر ابن حيان، عمن حدثه أن الطاغية وعد القاضي أبا بكر بالاجتماع معه في ~~محفل من محافل النصرانية، ليوم سماه. فحضر أبو بكر، وقد احتفل المجلس، ~~وبولغ في زينته. فأدناه الملك، وألطف سؤاله، وأجلسه على كرسي دون سريره ~~بقليل، والملك في أبهته؛ وخاصته ورجال مملكته على مراتبهم. وجاء البطرك، ~~قيم ديانتهم، آخر الناس، وحوله أتباعه يتلون الأناجيل ويبخرون بالعود ~~الرطب، في زي حسن. فلما توسط المجلس، قام الملك ورجاله، تعظيما له؛ فقضوا ~~حقه، ومسحوا أعطافه. وأجلسه إلى جنبه، وأقبل على القاضي أبي بكر؛ فقال له: ~~يا فقيه {البطرك قيم الديانة، وولي النحلة} فسلم القاضي عليه أحفل سلام، ~~وسأله أحفى سؤال، وقال له: كيف الأهل والولد؟ فعظم قوله هذا عليه وعلى ~~جميعهم وطبقوا على وجوههم، وأنكروا قول أبي بكر عليه. فقال: يا هؤلاء ~~{تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذ الصاحبة والولد، وتربون به عن ذلك، ولا ~~تستعظمونه لربكم عز وجهه} فتضيفون إليه ذلك سدة لهذا الرأي {ما أبين غلطه} ~~فسقط في أيديهم، ولم يردوا جوابا، وتداخلتهم له هيبة عظيمة، وانكسروا. ثم ~~قال الملك للبطرك: ما ترى في أمر هذا الرجل؟ قال: تقضى حاجته، وتلاطف ~~صاحبه، وتخرج هذا العراقي عن بلدك، من يومك إن قدرت؛ وإلا لم تأمن الفتنة ~~على النصرانية منه! ففعل الملك ذلك، وأحسن جواب عضد الدولة وهداياه، وعجل ~~تسريح الرسول. وبعث معه عدة من أسرى المسلمين، ووكل به من جنده من يحفظه ~~حتى يصل إلى مأمنه. قال غيره: وكان سير القاضي إلى ملك الروم سنة نيف ~~وثمانين وثلاثمائة. ### $ ذكر القاضي عبد الوهاب # ومن أعلام العلماء، وصدور القضاة الرواة، الشيخ الفقيه المالكي، أبو محمد ~~عبد ms041 الوهاب بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون البغدادي. ولي القضاء بمواضع ~~منها الدينور. فسما قدره، وشاع في الآفاق ذكره. قال الشيرازي في تعريفه: # PageV01P040 # أدركته وسمعت كلامه في النظر. وكان قد رأى أبا بكر البصري إلا أنه لم ~~يسمع منه شيئا. وكان فقيها متأدبا. وخرج في آخر عمره إلى مصر؛ فحصل له بها ~~حال من الدنيا. قال عياض بن موسى: قوله لم أيسمع من أبي بكر غير صحيح، بل: ~~قد حدث عنه، وأجازه، وتفقه على كبار أصحابه كأبي الحسن بن القصار، وأبي ~~القاسم بن الجلاب. ودرس الفقه والكلام والأصول على القاضي أبي بكر ~~الباقلاني المتقدم الذكر وصحبه وألف في المذهب والخلاف والأصول تواليف ~~بديعة مفيدة، منها كتاب التلقين، وكتاب شرحه، وكتاب شرح الرسالة والنصرة، ~~لمذهب دار الهجرة، وكتاب المعونة وأوائل الأدلة، في مسائل الخلاف بين فقهاء ~~الملة، وكتاب الإشراف، على نكت مسائل الخلاف، وكتاب الإفادة في أصول الفقه، ~~وكتاب التلخيص فيه، وغير ذلك. وعليه تفقه أبو عمر وأبو الفضل الدمشقي؛ وروى ~~عنه هارون الفقيه، والمازري البغدادي، وأبو بكر الخطيب، وجماعة من أهل ~~الأندلس، منهم القاضي ابن شماخ الغافقي، وصاحبه مهدي بن يوسف، وغير من ذكر. ~~وسبب خروجه عن حضرة بغداد، كلام نقل عنه أنه قاله في الشافعي؛ وطلب لأجله؛ ~~فعجل بالفرار منها، خائفا على نفسه. قال الشيرازي: وأنشد بعد ارتحاله عنها: ~~سلام على بغداد في كل موطن ... وحق لها مني السلام المضاعف لعمرك ما ~~فارقتها عن قلي لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف ولاكنها ضاقت علي برحبها ~~... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف فكانت كخل كنت أهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى ~~به وتخالف ونسب له بعضهم: وقائلة لو كان ودك صادقا ... لبغداد لم ترحل ~~فكان. جوابيا يقيم الرجال الموسرون بأرضهم ... وترمي القوى بالمفترين ~~المراميا وما هجروا أوطانهم عن ملاحظ ... ولا كن حذارا من شمات الأعاديا # PageV01P041 # ولما وصل مصر، وبنيته المغرب، وصفت له بلاده، فزهد فيها، وقد كان خاطب ~~فقهاء القيروان ورام القدوم على الأندلس، وكتب أيضا في ذلك إلى مجاهد ~~الموفق صاحب ms042 دانية؛ فعاجلته منيته. وتوفي بمصر في شعبان سنة 422، وقد جاز ~~المعترك. وحكى أنه لما أحس الموت، وهو بمصر، إثر ما اتسعت حاله، قال: لا ~~إله إلا الله {لما عشنا متنا} غفر الله لنا وله ورحمنا وإياه { ### $ ذكر القاضي مهدي بن مسلم # ومن أقادم القضاة بالأندلس، قبل توطد الدولة المروانية بها، مهدي بن ~~مسلم؛ استقضاه على قرطبة عقبة بن الحجاج، واستخلفه عليها، وأمره بالقضاء ~~بين أهلها وكان من أهل العلم والورع والدين المتين. وقبره عند المصريين. ~~ولما أراد عقبة توليته، قال له: اكتب عهدك لنفسك} فكتبه بخط يده. قال ابن ~~الحارث: وإنه اليوم لأصل من الأصول للعهد في القضاء. ### $ ذكر القاضي عنترة بن فلاح # ومنهم عنترة بن فلاح. حدث عنه الشأميون، ووصفوا فضله. وكان تقيا، ورعا؛ ~~استسقى يوما بالناس على ما حكاه ابن زرعة؛ فأحسن في قيامه في الخطبة، وخشع ~~الناس بوعظه وتذكيره، وحركهم بدعائه وابتهاله. فلما فرغ، قام إليه رجل من ~~عامة الناس؛ فقال له: أيها القاضي الواعظ {قد حسن عندنا ظاهرك؛ فحسن الله ~~باطنك} فقال: اللهم آمين ولنا أجمعين {فهل أضمرت؛ يا ابن أخي، شيئا؟ فقال ~~له: نعم يا قاضي} بتفريغ أهرائك، يتم فضل استسقائك {فقال: عمري} لقد نصحتني ~~وإني أشهد الله أن جميع ما حواه ملكي من الطعام صدقة لوجه الله الكريم! ثم ~~أقسم أن لا يضع مقامه حتى يرسل إلى داره؛ فيفرق جميع ما ادخره. قال: فغيث ~~الناس من يومهم غيثا عاما. # PageV01P042 ### $ ذكر القاضي يحيى بن زيد # ومنهم يحيى بن زيد التجيبي. ولاه القضاء بالأندلس عمر بن عبد العزيز، على ~~ما روى عن محمد بن وضاح. وكان رجلا صالحا، ورعا، منقضبا، وقد وقع التنبيه ~~على سيرة مهاجر بن نوفل: وكان من رسمه، إذا اجتمع الناس عنده للحكومه، بدأ ~~بوعظهم وتذكيرهم؛ فلا يزال يخوفهم الله تعالى، ويحذرهم وبال الجدال ~~بالباطل، وما يلحق المبطل من سخط الله عز وجل! وعقوبته، ويمثل لهم مواقفهم ~~بين يديه في القيامة، ثم يذكر ما يلزم القاضي من الحساب، وما يجب عليه من ~~التحري ms043 لإصابة الحق، والاجتهاد لتخليص نفسه؛ ثم يأخذ في النوح والبكاء على ~~نفسه. فيكون ذلك دأبه، حتى لربما انصرف عنه أكثر المختصمين، باكين، وجلين، ~~قد تعاطوا الحق بينهم. ### $ ذكر القاضي معاوية بن صالح الحضرمي # ومن القضاة المتقدمين، معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي. خرج من الشأم إلى ~~الأندلس؛ فوصلها سنة 123. فاستوطن مدينة مالقة، وبنى بأسفل قصبتها مسجدا هو ~~منسوب حتى الآن له. ثم انتقل إلى إشبيلية؛ فسكنها. ثم ولاه الأمير عبد ~~الرحمن ابن معاوية القضاء بقرطبة. وكان من جلة أهل العلم، وكبار رواة ~~الحديث؛ شارك مالك بن أنس في بعض رجاله كيحيى بن سعيد وأمثاله. وأخذ عنه ~~جملة من الأيمة، منهم سفيان الثوري، والليث بن سعد، وابن عيينة. وذكر أن ~~مالك بن أنس روى عنه حديث واحدا. وكان ممن يستغني بعقله وعلمه وفهمه عن ~~مشاورة غيره. ورحل إليه زيد بن الحباب من الكوفة؛ فسمع منه بالأندلس حديثا ~~كثيرا. وتوفي بقرطبة، ودفن ببقيع ربضها؛ وصلى عليه الأمير هشام بن عبد ~~الرحمن ومشى على قدميه في جنازته؛ وذلك سنة 168. # PageV01P043 ### $ ذكر القاضي نصر بن ظريف اليحصبي # ومنهم نصر بن ظريف اليحصبي. ولي القضاء زمانا، على ما حكاه أبو عمر بن ~~عبد البر. فسار فيه بأجمل سيرة: منها عمله في قضية حبيب القرشي؛ وذلك أنه ~~دخل على الأمير عبد الرحمن بن معاوية؛ فشكى إليه بالقاضي، وذكر أنه يريد أن ~~يسجل عليه في ضيعة قيم فيها، وادعى عليه الاغتصاب لها، ولاذ بالأمير من ~~إسراع القاضي إلى الحكم عليه من غير تثبيت. فأرسل الأمير إليه، وكلمه في ~~حبيب، ونهاه عن العجلة عليه؛ فخرج ابن ظريف من يومه، وعمل بضد ما أراد ~~الأمير، وأنفذ الحكم. وبلغ الخبر حبيبا؛ فدخل إلى الأمير متغرا غيظا؛ فذكر ~~له ما عمله القاضي، ووصفه بالاستخفاف بأمره والنقض له، وأغراه. فغضب الأمير ~~على القاضي واستحضره؛ فقال له: من أمرك على أن تنفذ حكما، وقد أمرتك ~~بتأخيره والإناءة به؟ فقال له: قد منى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{فإنما بعثه الله بالحق، ليقضي به ms044 على القريب والبعيد، والشريف والدنئ. ~~وأنت أيها الأمير، ما الذي حملك على أن تتحامل لبعض رعيتك على بعض، وأنت ~~تجد مندوحة بأن ترضى من مالك من تعنى به، وتمد الحق لأجله؟ فقال له: جزاك ~~الله، يا بن ظريف، خيرا} وخرج القاضي؛ فدعا بالقوم الذين صارت الضيعة إليهم ~~بالاستحقاق، وكلمهم؛ فوجدهم راضين ببيعها؛ إن أجزل لهم الثمن. فعقد فيها ~~البيع معهم، وصارت إلى جبيب. فكان بعد ذلك يقول: جزى الله ابن ظريف عنا ~~خيرا {كان بيدي ضيعة حرام؛ فجعلها حلالا} وكان هذا القاضي، من زهده وورعه، ~~إذا شغل عن القضاء يوما واحدا، لم يأخذ لذلك اليوم أجرا. ### $ ذكر القاضي يحيى بن معمر # ومنهم يحيى بن معمر. له رحلة إلى المشرق، لقي فيها أشهب بن عبد العزيز، ~~وسمع منه ومن غيره. وكان في مذهبه ورعا، زاهدا، فاضلا. استقصاه الأمير عبد ~~الرحمن. # PageV01P044 # وكان صليب القناة، قليل المبالاة بالعتب في سبيل الحق؛ وكان، إذا أشكل ~~عليه أمر من أحكامه، كتب فيه إلى أصبغ بن الفرج ونظرائه بمصر: فكشفهم عن ~~وجه ما يريد علمه؛ فيحقق عليه ذلك فقهاء الأندلس. وكان هو قليل الرضا عن ~~طلبه قرطبة، شديد التقضي عليهم، لا يلين لهم في شيء مما يريدون، ولا يصغى ~~إليهم؛ وبلغ من تجاهله عليهم أن سجل بالسخطة على تسعة عشر منهم؛ فنفروا عنه ~~بأجمعهم. ونشأت بينه وبين يحيى بن يحيى لأجل ذلك عداوة؛ فسعى في عزله عند ~~الأمير، وأقام عليه بما زعمه الشهود: فعزله. ولما احتضر ابن معمر، وهو ببلد ~~إشبيلية، وأيقن بالموت، قال لمولى له، على ما حكاه الزاهد عثمان بن سعيد ~~أقسمت عليك، إذا أنا مت، إلا ما ذهبت إلى قرطبة؛ فقف بيحيى بن يحيى، وقل ~~له: يقول لك ابن معمر: " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون {. " ففعل ~~ذلك مولاه لما مات سيده، وبلغ يحيى ما تقرعه به. قال: فبكى وقال: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون} ما أظن الرجل إلا خدعنا فيه ثم ترحم عليه، واستغفر له { ### $ ذكر القاضي المصعب بن عمران # وقد تقدم ms045 الكلام في إباية المصعب بن عمران عن القضاء، أيام خلافة الأمير ~~عبد الرحمن بن معاوية. فلما ولى ابنه هشام الملك، اختار المصعب للقضاء، ~~واستحضره، وقال له: قد علمت أنه إنما منعك عن القبول من أبي رحمه الله} ~~الأخلاق التي كانت فيه. وقد عرفت أخلاقي وبلوتها: فاحمل عني هم القضاء ~~{فأباه واستعفاه؛ فغضب هشام عليه عزما شديدا، وتهدده، وأوعده. وذكر بعضهم ~~أنه قال: لئن لم تعمل على القضاء، لأسطون بك سطوة تزيل اسم الحلم عني} فلما ~~رأى ذلك، وخاف على نفسه، تولى له العمل كرها؛ واشترط على هشام أن يأذن له ~~في اطلاع ضيعته يومين في الجمعة: السبت والأحد، ويحكم لسائر الأيام. فأجابه ~~إلى # PageV01P045 # ذلك. ولم يزل على قضاء الأمير هشام إلى أن توفي؛ فأقره ابنه الحكم؛ وكان ~~قد عرف صلابته وتنفيذه الأحكام؛ فاشتد معه، وصار يؤيده، ولا يسمع فيه مقالة ~~طاعن، ويجيز أفعاله، وينفذ أحكامه، وإن وقعت بغير المحبوب منه. وفي كتاب ~~الحسن بن محمد: إن العباس بن عبد الملك المرواني اغتصب رجلا من أهل جيان ~~ضيعته. فبينا هو ينازعه فيها، هلك الرجل، وترك أيتاما صغارا. فلما ترعرعوا، ~~وسمعوا بعدل القاضي مصعب وقضائه، قدموا قرطبة، وأنهوا إليه مظلمتهم ~~بالعباس، وأثبتوا ما وجب إثباته؛ فبعث القاضي في العباس، وأعلمه بما دفعه ~~إليه الأيتام، وعرفه بالشهود عليه، وأعذر إليه فيهم، وأباح له المدافع، ~~وضرب له الآجال فلما انصرمت، ولم يأت بشيء، أعلمه أنه ينفذ الحكم عليه. ~~ففزع العباس إلى الأمير الحكم، وسأله أن يوصى إلى القاضي التخلي عن النظر ~~في قصته، ليكون هو الناظر فيها. فأوصل إليه الأمير ذلك مع خليفة له من ~~أكابر فتيانه؛ فلما أدى الوصية إليه، اشتدت عليه، وقال: إن القوم قد أثبتوا ~~حقهم {ولزمهم في ذلك عناء طويل ونصب شديد، لبعد مكانهم، وضعف حالتهم. وفي ~~هذا على الأمير أعزه الله} ما فيه {فلست أتخلى عن النظر وإنفاذ الحكم ~~لوجهه. فليفعل الأمير بعده ما يراه صوابا من رأيه} فرجع الرسول إلى الأمير ~~بجوابه، فوجم منه؛ وجعل العباس يغريه بمصعب، ms046 ويقول: قد أعلمت الأمير بشدة ~~استخفافه وغلطه في نفسه، وتقديره أن الحكم له، ولا حكم للأمير عليه {فأعاد ~~الإرسال إليه بعزمه منه، يقول: لا بد لك من أن تكف عن النظر في هذه القضية، ~~لأكون أنا الناظر فيها} فلما جاءه بعزمته، أمره بالقعود؛ ثم أخذ قرطاسا، ~~فسواه، وعقد فيه حكمه للقوم بالضيعة؛ ثم أنفذه لوقته بالاشهاد عليه. ثم قال ~~للرسول: اذهب إلى الأمير أصلحه الله {فاعلمه أني قد أنفذت ما لزمني إنفاذه ~~من الحق خوف الحادثة على نفسي، ورهبة السؤال عنه. وإن شاء نفذه، فذلك له} ~~يتقلد منه ما شاء {فذهب مغضبا، وحرق كلام القاضي؛ وحكى عنه أنه قال: قد ~~حكمت بالعدل؛ فلينقضه الأمير إن قدر} فاستشاط غيظا، وأطرق مليا، والعباس ~~يهيج غضبه؛ وهم بمصعب، إلى أن تداركته عصمة من الله، ثبتت بصيرته، فسرى ~~عنه، وقال للعباس: إربع على ظلعك! فما أشقاه # PageV01P046 # من جرى عليه قلم القاضي {فقف عند أمره} فإنه أشبه بنا وأولى بك {وأقام ~~على حسن رأيه في القاضي، ولم يعرضه. وقول الأمير: إربع على ظلعك} معناه: ~~إنك ضعيف فانته عما لا تطيقه {قال صاحب الأفعال: أربعت على الشيء: عطفت ~~عليه؛ ومنه: إربع على نفسك: قال أبو عثمان: معناه: الزم أمرك وشأنك. قال: ~~وتمثل المأمون، حين وضع رأس محمد المخلوع بين يديه، بقول الشاعر: يا صاحب ~~البغي إن البغي مصرعة ... فاربع عليك فخير القول أعدله فلو بغى جبل يوما ~~على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله وقال الهروي: في حديث بعضهم، إنه لا ~~يربع على ظلعك من ليس يحزنه أمرك. سمعت أبا محمد القرشي يقول: معناه: لا ~~يقيم عليك، في حال ضعفك، من ليس يحزنه أمرك، أي لا يهتم بشأنك إلا من يحزنه ~~حالك. قال: وأصله من ربع الرجل يربع ربوعا إذا أقام بالمقام. والظلع العرج ~~كأنه يقول: لا يقيم على عرجك، إذا تخلفت عن أصحابك، إلا من يهتم بشأنك. ~~وكان المصعب يشاور في شأنه صعصعة بن سلام، وعبد الرحمن بن موسى، وعبد الملك ~~بن الحسن، والغازي بن قيس، ms047 وأمثالهم. وقال فيه ابن عبد البر، وقد ذكره: ~~يكنى أبا محمد؛ شأمي الأصل، دخل الأندلس في أيام عبد الرحمن؛ واستقضاه هشام ~~وكان يروى عن الأوزاعي وغيره. وكان لا يقلد مذهبا، ويقضى بما يراه صوابا. ~~وكان خيرا فاضلا. # نبذ من أخبار محمد بن بشير المعافري وبعض سيره # كان هذا الرجل رحمه الله} ممن لقي مالك بن أنس عند توجهه إلى حج بيت الله ~~الحرام. فلما عاد إلى الأندلس، استقضاه الحكم بن هشام؛ وقبل قضاءه على ~~شروط: منها نفاذ حكمه على كل أحد، من الأمير إلى حارس السوق؛ وأنه إذا ظهر ~~له العجز من # PageV01P047 # نفسه، أعفى، وأن يكون رزقه كفافا من المال الفئ. وكان من صدور القضاة، ~~وذوي المذاهب الجميلة، شديد الشكيمة، ماهر العزيمة. قال أحمد بن خالد: وكان ~~أول ما أنفذه في قضائه التسجيل على الأمير الحكم؛ في رحى القنطرة، إذ قيم ~~عليه فيها، وثبت عنده من المدعى وسمع من بينته ما اعذر به إلى الأمير ~~الحكم؛ فلم يكن عنده مدفع. فسجل فيها، وأشهد على نفسه. فلما مضت مدته، ~~ابتاعها ابتياعا صحيحا. فكان الحكم بعد ذلك يقول: رحم الله محمد بن بشير ~~{لقد أحسن فيما فعل بنا على كره منا: كان بأيدينا شيء مشتبه؛ فصححه لنا، ~~وصار حلالا، طيب الملك في أعقابنا} ومما يذكر عليه أن رجلا كان يدلس في كتب ~~الوثائق، وإنه عقد وثيقة باطل على رجل من التجار، وقام بذلك عند محمد بن ~~بشير. فلما صح لديه تدليسه، أمر بقطعة؛ فقطعت يده. وكان إذا اختلفت عليه ~~الفقهاء بقرطبة، وأشكل عليه الأمر في قضية، كتب إلى عبد الرحمن بن القاسم ~~بمصر، وإلى عبد الله بن وهب، وأشباههما؛ وربما قبل الشاهد على التوسم. ونقل ~~عن عبيد الله بن يحيى عن أبيه أنه قال لمحمد بن بشير: إن الحالات تتغير، ~~ولا تثبت. فإذا عدل عندك الرجل بحكم شهادته، ثم تطاول أمره، وشهد عندك ~~ثانية، فكلفه التعديل، وأخر فيه الكشف؛ فاعمل بحسب الذي يبدو لك. فقبل ذلك ~~منه ابن بشير. فلما أشعر الناس ms048 به أخذوا حذرهم منه. ومن كتاب محمد بن حارث، ~~حديث أحمد بن خالد؛ قال: سمعنا محمد بن وضاح يقول: وكل سعيد الخير بن ~~الأمير عبد الرحمن بن معاوية عند القاضي محمد بن بشير وكيلا يخاصم عنه في ~~شيء اضطر إليه. وكانت بيده فيه وثيقة، فيها شهادات من أهل القبول، وقد أتى ~~عليهم الموت؛ فلم يكن فيها من الأحياء إلا الأمير الحكم بن هشام وشاهد آخر ~~مبرز. فشهد ذلك الشاهد عند القاضي، وضربت الآجال على وكيله في شاهد ثان رجى ~~به الخصام فدخل سعيد الخير بالكتاب إلى الأمير الحكم، وأراه شهادته في ~~الوثيقة وكان قد كتبها قبل الإمارة، في حياة والد وعرفه مكان حاجته إلى ~~أدائها عند قاضيه، خوفا من بطول حقه. وكان الحكم يعظم سعيد الخير عمه، ~~ويلزم مبرته؛ فقال له: يا عم! إنا # PageV01P048 # لسنا من أهل الشهادات؛ فقد التبسنا من فتن هذه الدنيا بما لا تجهله؛ ~~ونخشى أن توقفنا مع القاضي موقف مخزاة، كنا نفديه بملكنا. فصر في خصامك إلى ~~ما صيرك الحق إليه {وعلينا خلف ما انتقصك} فأبى عليه سعيد الخير، وقال: ~~سبحان الله {وما عسى أن يقول قاضيك في شهادتك، وأنت وليته، وهو حسنة من ~~حسناتك} ولقد لزمك في الديانة أن تشهد لي بما علمته، ولا تكتمني ما أخذ ~~الله عليك {فقال له الأمير: بلى} إن ذلك لمن حقك كما تقول. ولكنك تدخل به ~~علينا داخلة؛ فإن أعفيتنا منه، فهو أحب إلينا؛ وإن اضطررنا، لم يمكننا ~~عقوقك. فعزم عليه سعيد الخير عزم من لم يشك أن قد ظفر بحاجته. وضايقته ~~الآجال؛ فألج عليه؛ فأرسل الأمير الحكم عند ذلك عن فقيهين من فقهاء حضرته، ~~وخط شهادته تلك بيده في قرطاس، وختم عليه بخاتمه، ودفعها إلى الفقهين، وقال ~~لهما: هذه شهادتي بحطى تحت طابعي {فأدياها إلى القاضي} فأتياه بها إلى ~~مجلسه، في وقت قعوده للسماع من الشهود فإدياها إليه؛ فقال لهما: قد سمعت ~~منكما؛ فقوما راشدين {وانصرفا. وجارت دولة وكيل سعيد الخير؛ فتقدم إليه ~~مذلا، واثقا بالخلاص؛ فقال له: ms049 أيها القاضي} قد شهد عندك الأمير أصلحه الله ~~{فما تقول؟ فأخذ القاضي كتاب الشهادة، ونظر فيه؛ ثم قال للوكيل: هذه شهادة ~~لا تعمل بها عندي} فجيء بشاهد عدل {فدهش الوكيل، ومضى إلى موكله؛ وأعلمه؛ ~~فركب من فوره إلى الأمير الحكم وقال له: ذهب سلطاننا وأزيل بهاؤنا} ويجترئ ~~هذا القاضي على رد شهادتك، والله تعالى قد استخلفك على خلقه، وجعل الأمر في ~~دمائهم وأموالهم إليك {هذا ما لا ينبغي أن تحتمله عليه} وجعل يغريه ~~بالقاضي، ويحرضه على الإيقاع به. فقال له الحكم: وهل شككت أنا في هذا؟ يا ~~عم {القاضي، والله} رجل صالح، لا تأخذه في الله لومة لائم {فقل الذي يجب ~~عليه، ويلزمه، ويسد بابا كان يصعب علينا الدخول منه} فأحسن الله عنا وعن ~~نفسه جزاءه {فغضب سعيد الخير من قوله، وقال له: هذا حسبي منك} فقال له: نعم ~~{قد قضيت الذي كان علي؛ ولست، والله} أعارض القاضي فيما أحتاط به لنفسه، ~~ولا أخون المسلمين في قبض يد مثله {ولما عوتب ابن بشير فيما أتاه من ذلك، ~~قال لمن عاتبه: يا عاجز} ألا تعلم أنه لا بد من الإعذار في الشهادات؟ فمن ~~كان يجترى على # PageV01P049 # الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها؟ الدفع في شهادة الأمير لو قبلتها؟ وإن ~~لم اعذر، بخست المشهود عليه بعض حقه {وكان القاضي محمد بن بشير لا يجيز ~~الشهادة على الخط في غير الأحباس، ولا يرى القضاء باليمين مع الشاهد. ولذلك ~~اعتل عند شهادة الأمير الحكم في خصومة عمه سعيد الخير بما اعتل. ومسألة ~~اليمين مع الشاهد مما اختلف فيه أهل العلم؛ فأما مالك، فإنه كان يرى ذلك؛ ~~وأما الليث، فإنه كان يرى أن كل حق لم يشهد عليه عدلان بالله تعالى لم يرد ~~إتمامه. قال عبيد الله بن يحيى: وكان أبي رحمه الله} يحتج بقول الليث. ~~ويحكى عن محمد بن بشير أنه لم يحكم في ولايته باليمين مع الشاهد، ولا حكما ~~واحدا. وفي أحكام ابن أبي زياد: قال محمد بن عمر بن لبابة: قد علم ms050 القاضي ~~حفظه الله {اختلاف أهل العلم، وما ذهب إليه مالك، وأصحابه من اليمين مع ~~الشاهد، وما ذهب إليه قضاة بلدنا منذ دخلته العرب، من أنهم لا يرون اليمين ~~مع الشاهد، ولا يقضون به. فليتخير القاضي ما أراه الله. وإني لمتوقف على ~~الاختيار في هذا، لما ظهر لي من فساد الناس، وقلة الدعة في الشهادة. ومن ~~نوازل أبي الأصبغ بن سهل: قال ابن حبيب: حدثني ابن أبي أويس، عن سليمان بن ~~بلال، وعن يونس بن يزيد، عن سلمة بن قيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم} ~~استشار جبريل عليه الصلاة والسلام في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد؛ ~~فأمره بذلك. وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم {قضى في ~~الحقوق به؛ وقضى بذلك علي وشريح. قال مالك: مضت به السنة؛ يحلف الطالب مع ~~شاهده، ويستحق حقه؛ فإن نكل، حلف المطلوب، وإلا غرم. وذلك في الأموال خاصة، ~~لا في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق، ولا في العتاق والسرقة ~~والفرية. وأجمع عليه القائلون باليمين مع الشاهد من الحجازيين وغيرهم، أنه ~~لا يقضى به إلا الأموال والديون وغيرهما. وقاله عمرو بن دينار، وهو حديث ~~ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم} وقال ابن حبيب، عن مطرف، عن مالك: ~~يجوز اليمين مع الشاهد في الحقوق، والجراح عمدها وخطئها، وفي المشاتمة، ما ~~عدا الحدود من الفرية والسرقة والطلاق. قال: وحدثني أصبغ بن الفرج، عن ابن ~~وهب، عن أبي الزناد، عن أبيه، أن عمر بن عبد العزيز كان يقضى به في ~~المشاتمة وفي الجراح العمد والخطأ، ولا يجيزه # PageV01P050 # في الفرية والطلاق والعتاق وأشباهه. ثم قال القاضي: ومسائل هذا الباب ~~كثيرة. والمراد منه الإعلام بالمذاهب في الشاهد واليمين. وما جرى به العمل ~~في الأندلس وقد ذكرناه، ومن صح نظهر في أحوال الناس اليوم والمعرفة باختلاف ~~الشهادات لم تطب نفسه على القضاء، ولا مع الشاهد المبرز في العدالة ~~والنباهة. والله الموفق للصواب {وترك الحكم بالشاهد الواحد مع اليمين من ~~المسائل الأربع ms051 التي خالف أهل الأندلس فيها قديما مذهب مالك بن أنس؛ وهي أن ~~لا يحكموا بالخلطة، ولا بالشاهد اليمين. وأجازوا كراء الأرض بالجزء مما ~~يخرج منها، وهو مذهب الليث بن سعد، وأجازوا غرس الشجر في المساجد، وهو مذهب ~~الأوزاعي. ولم يزل محمد بن بشير متوليا خطة القضاء إلى أن توفي سنة 198. ~~قال عنه بقي بن مخلد، وقد ذكره، وأثنى عليه: كانت له في قضاياه مذاهب ~~ودقائق، لم تكن لأحد قبله بالأندلس، ولا بفاس، ولا بمن تقدم من صدور هذه ~~الأمة رحمه الله وأرضاه} ومن المطالب التي للقاضي على سلطانه، حسبما شرطه ~~ابن بشير محمد بتوليته، والإعانة له على ما أهله إليه من القيام بخطته، ~~وإمضاء أحكام الحق على جهته والأقربين من عشيرته، فضلا عن خوله وحاشيته. ~~وقد كان الخليفة المدعو بالمنصور، من بنى العباس بن عبد المطلب، بالمثابة ~~التي كان عليها من شموخ أنفه وسمو سلطانه. فما زاده التذلل للحكم الشرعي ~~إلا رفعة إلى رفعته، وعزة إلى عزته. فقد جرى حتى الآن المثل بما حدث له مع ~~محمد بن عمران، قاضي المدينة في وقته: وذلك أنه لما وصل إليها حاجا، تظلم ~~منه الجمالون، وصاحوا على القاضي. قال الشيباني: فكنت كاتبه؛ فأمرني أن ~~أكتب إلى المنصور رقعة في الحضور مع من تظلم منه. فقلت: تعفيني من هذا ~~{فإنه يعرف خطي} فقال: إذا لا يحملها غيرك {فكتب، تم ختم الكتاب، ومضيت، ~~ودفعته إلى الربيع، واعتذرت. وقال: لا عليك} ودخل بالكتاب، ثم خرج؛ فقال: ~~أيها الناس! إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام؛ ويقول لكم: قد دعيت إلى ~~مجلس الحكم الشرعي؛ فقال يتبعني أحد منكم، ولا يكلمني، ولا يقم إلى إذا ~~خرجت. # PageV01P051 # قال: ثم برز، وبعض وزرائه بين يديه، وأنا خلفه، وهو في مئزر ورداء؛ فلم ~~يقم إليه أحد. فلما دخل المسجد، بدأ بالقبر؛ فسلم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {ثم قال للربيع: أخشى أن تدخل ابن عمران متى هيبة، فيتحول عن ~~مجلسه. ولئن فعل، لا ولي لي ولاية أبدا} ثم سار إلى ms052 القاضي. فلما رآه، وكان ~~متكيا، أطلق رداءه عن عاتقه، ثم احتبى ودعا بالخصوم، ثم قضى لهم بحقهم، ~~وانفصل الخليفة إلى محله. فلما وصل أمر الربيع بإحضار القاضي، فلما دخل ~~عليه، قال له: جزاك الله عن دينك وعن نفسك وعن خليفتك أحسن جزائه {وأمر له ~~بعشرة آلاف درهم. فبقى هذا الفعل من المنصور عبد الله العباسي معدودا، على ~~مر الأيام، في مناقبه، معروفا من فضائله، مرسوما في كتاب حسناته. وينبغي ~~للقاضي أن يكون شديد التثبت فيما أسند إليه من أمانته، غير هائب في الحق ~~لسلطانه، ولا متبعا له فيما يقدح في وجه ورعه وظاهر أحكامه. ولقضاة العدل ~~في هذا الباب أخبار حسان، منها قصة أحمد بن أبي داوود مع الواثق، في ~~المسالة التي أغراه بها كاتبه عبد الملك بن الزيات، ورام إغضابه عليه؛ وهي ~~مسألة الأعراب الذين كتب له فيهم عتاب بن عتاب؛ فإنهم كسروا السجن، وهربوا، ~~فقطعوا الطريق، وارتكبوا العظائم، وانتهكوا المحارم؛ ولقد ظفر بهم. ووافق ~~الدواة التي كان الواثق يكتب بها بين يدي قاضيه ابن أبي داوود؛ فقال له: ~~قدمها إلي، لأوقع بها في ضرب أعناق هؤلاء الفتكة} فأمسك؛ فقال له الواثق: ~~أنت قرأت علي قديما أن خالد بن الوليد كتب إلى عمر ابن الخطاب رضي الله ~~عنهما {في قوم عتوا وأفسدوا وقتلوا، يستأمره في أمرهم. فكتب إليه بضرب ~~أعناقهم. أفلا ترضى أن أكون مثل خالد وأجرى مجراه؟ فأقبل القاضي عليه وقال: ~~سألتك بالله العظيم} أنت كعمر وعتاب كخالد {أشركك في دمائهم وأعينك على ما ~~تريد من أمرهم} فأمسك الواثق على المراجعة وقال لغلامه: قدم الدواة {فإنا ~~لا نكلف أبا العباس ما يشق عليه} وعلى كل حاكم أن يكون شديد الحذر من دسائس ~~نفسه، قاطعا أسباب مطامعه، وأن لا يكون من شأنه حب المدح في وجهه، والركون ~~إلى الثناء على شيمه؛ فإنه مهما عرف بذلك، تضوحك به، وأكثر الوقوع في ~~جنابه، والتهاون بناحيته. قال # PageV01P052 # ابن يونس: بل يكون همه في ثلاث خصال: رضاء ربه، ورضاء سلطانه، ورضاء من ~~يلي ms053 عليه. وكان الشافعي يقول: لما رأيت الناس لا يجتمعون على حالة، أخذت ~~لنفسي بالذي هو أولى. ونظم بعضهم هذا المعنى، فقال: اعمل لنفسك صالحا لا ~~تحتفل ... بكبير قيل في الأنام وقال فالناس لا يرجى اجتماع قلوبهم ... لا ~~بد من معن عليك وقال ### $ ذكر القاضي الفرج بن كنانة # ومن الفقهاء المعدودين بالأندلس في صدور القضاة، الفرج بن كنانة الكناني، ~~رحل إلى المشرق، وسمع من عبد الرحمن بن القاسم وغيره. ولما قدم من رحلته، ~~استخلصه الأمير الحكم بن هشام، وولاه قضاء الجماعة بقرطبة. وهو كان القاضي ~~بها أيام الهرج المعروف بوقيعة الربض. ومما جرى له حينئذ، أن بعض أصحاب ~~الأمير الحكم، الذين أرسلهم على الناس، تعلقوا بجار الفرج بن كنانة، أتهموه ~~بالحركة في الصبح، وتسوروا عليه. وصاح نساؤه؛ فسمع القاضي الصراخ؛ فقال: ما ~~هذا؟ فقيل: جارك فلان {تعلق به الحرس؛ فأخرجوه ليقتل} فبادر الخروج، وكف ~~القوم عن جاره، وقال لهم: إن جاري هذا بريء الساحة، سليم الناحية، وليس فيه ~~شيء مما تظنون. فقال له رئيس الحرس، المرسل معهم: ليس هذا من شأنك {عليك ~~بالنظر في أحباسك وحكومتك} ودع ما لا يعنيك {فغضب الفرج عند ذلك، ومشى إلى ~~الأمير الحكم؛ فاستأذن عليه. فلما دخل، قال له بعد السلام: أيها الأمير} إن ~~قريشا حاربت رسول الله صلى الله عليه وسلم {وناصبته العداوة في الله تعالى؛ ~~ثم إنه صفح عنهم، لما أظفره الله تعالى بهم، وأحسن إليهم. وأنت أحق الناس ~~بالاقتداء به، لقرابتك منه، ومكانك من خلافته في عباد الله} ثم حكى له قصة ~~جاره، وما عرض له في الدفاع عنه. فأمر بتخليه سبيله، وبعقاب الناظر الذي ~~عارض القاضي؛ وعفا عند ذلك عن بقية أهل قرطبة، وبسط الأمان بجماعتهم، وردهم ~~إلى أوطانهم. # PageV01P053 # وكان القاضي فارسا شجاعا، يقود الخيل، ويتصرف للسلطان في الولايات. وقد ~~غزا مع عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، معقودا له على جند شذونه بلده، ~~إلى جليقية وقدمه عبد الكريم إلى جمع النصرانية؛ فعضهم؛ وقتل فيهم قتلا ~~ذريعا. وبقي قاضيا وصاحب صلاة ms054 زمانا. ثم استعفى. وأخرجه الأمير إلى الثغر ~~الأقصى؛ فقام مقام صدور الغزاة. وكان له قدر جليل في الناس. وكذلك كان أسد ~~بن الفرات بن سنان، أحد صدور الشجعان: ولاه زيادة الله القضاء بإفريقية، ~~وقدمه على غزو صقلية؛ فخرج في عشرة آلاف رجل، منهم ألف فارس. فلما خرج إلى ~~سوسة ليتوجه منها إلى صقلية، خرج معه وجوه أهل العلم، يشيعونه، وقد صهلت ~~الخيل، وضربت الطبول، وخفقت البنود، قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~{يا معشر الناس} ما بلغت ما ترون إلا بالأقلام {فاجهدوا أنفسكم فيها، ~~وثابروا على تدوين العلم، تنالوا به الدنيا والآخرة} قال عياض، وقد سماه في ~~مداركه: حكى سليمان بن فارس أن أسدا القاضي لقي ملك صقلية في مائة ألف ~~وخمسين ألفا. قال الراوي: فرأيت أسدا، وفي يده اللواء، وهو يزمزم، وأقبل ~~على قراءة يس؛ ثم حرض الناس، وحمل، وحملوا معه. فهزم جموع النصارى. وتوفي ~~رحمه الله! في حصار سرقوسة من غزو صقلية وهو أمير الجيش وقاضيه، وذلك سنة ~~213. ### $ ذكر القاضي سعيد بن سليمان الغافقي # ومن القضاة، سعيد بن سليمان الغافقي. قال فيه محمد بن وضاح: ولي القضاء ~~في الأرض أربعة في وقت واحد: فانتشر العدل بهم في آفاقها. وهم دحيم بن ~~اليتيم بالشأم؛ والحارث ابن مسكين بمصر؛ وسحنون بن سعيد بالقيروان؛ وأبو ~~خالد سعيد بن سليمان بقرطبة. وحكى عنه ابن عبد البر أنه كان يخطب بخطبة ~~واحدة طول أيامه، لم يبدلها مدة ولايته، وأنه خرج ليستسقي للناس في بعض ~~أوقاته؛ فلما بدأ خنقته العبرة، وتخبلت عليه الخطبة؛ فلم يكمل الاستسقاء ~~واختصر الكلام، وانصرف. فسقى الناس في ذلك النهار. # PageV01P054 ### $ ذكر القاضي معاذ بن عثمان الشعباني # ومنهم معاذ بن عثمان الشعباني. ولاه الأمير عبد الرحمن القضاء، فأقام ~~قاضيا سبعة عشر شهرا؛ ثم عزله. وسبب ذلك أنه كان، على ما حكاه ابن حارث، ~~يعجل بالحكومة فأحصى عليه، في تلك المدة، سبعون قضية أنفذها، فاستنكرت منه. ~~وخيف عليه الزلل؛ فجعل عزله. قال أبو عمر بن عبد البر: وكان عابدا، ms055 زاهدا، ~~خيرا. ### $ ذكر القاضي محمد بن زياد اللخمي # ومنهم محمد بن زياد اللخمي. سمع من معاوية بن صالح سماعا كثيرا. ولما ~~احتضر الفقيه يحيى بن يحيى، أسند وصيته في أداء دين وبيع مال إلى ابن زياد؛ ~~وكان هو القاضي يومئذ؛ فكان وصيه في ذلك الوجه خاصة. قال ابن حارث: وكان ~~السبب في عزله عن القضاء ما كان من أمر ابن أخي عجب حظية الأمير الحكم. ~~وذلك أنه شهد عليه بلفظ نطق به عابثا في يوم غيث. فأمر الأمير عبد الرحمن ~~بحبسه، وطلب الشهادات عليه. وأبرمته عجب عمته في إطلاقه؛ وكانت مدلة عليه ~~لمكانها من أبيه. فقال لها: مهلا يا أماه، فلا بد، والله {من أن نكشف أهل ~~العلم عما يجب عليه في لفظه ذلك الذي شهد به عليه؛ ثم يكون الفصل بعد في ~~أمره. فإنا، معشر بني مروان، لا تأخذنا في الله لومة لائم} وما نرى أن الله ~~رفع ملكنا، وجمع بهذه الجزيرة فلنا، وأعلى فيها ذكرنا، حتى صرنا شجى في حلق ~~عدونا، إلا بإقامة حدوده، وإعزاز دينه، وجهاد عدوه، مع مجانبة الأهواء ~~المضلة، والبدع المردية. ثم تقدم الأمير عبد الرحمن إلى محمد بن السليم ~~الحاجب أن يحضر القاضي محمد بن زياد، والفقهاء بالبلد. فجمعهم، وفيهم عبد ~~الملك ابن حبيب، وأصبغ بن خليل، وعبد الأعلى بن وهب، وأبو زيد بن إبراهيم، ~~وأبان ابن عيسى بن دينار. فشاورهم في أمر ابن أخي عجب، وأخبرهم بما كان من ~~لفظه. فتوقف # PageV01P055 # القاضي محمد بن زياد على القول بسفك دمه. وتبعه في ذلك من الفقهاء أبو ~~زيد وعبد الأعلى وأبان. وأفتى بقتله عبد الملك بن حبيب، وأصبغ بن خليل معا. ~~فأمرهم محمد ابن سليم أن ينصوا فتواهم على وجوهها في صك، ليرفعها إلى ~~الأمير، ليرى فيها رأيه. وفعلوا. فلما تصفح الأمير أقوالهم، استحسن قول ابن ~~حبيب وأصبغ، ورأى ما رأيا من قتله. وأمر الفتى حسانا؛ فخرج إليهم؛ فقال ~~لابن السليم: قد قهم الأمير ما أفتى به القوم من أمر هذا الفاسق. وهو يقول ~~لك: ms056 أيها القاضي {اذهب؛ فقد عزلناك. وأما أنت، يا عبد الأعلى} فقد كان يحيى ~~يشهد عليك بالزندقة؛ ومن كانت هذه حاله، فحرى ألا تسمع فتواه {وأما أنت، يا ~~أبان بن عيسى} فإنا أردنا أن نوليك قضاء جيان؛ فزعمت أنك لا تحسن القضاء. ~~فإن كنت صادقا، فعليك أن تتعلم؛ وإن كنت كاذبا، فالكاذب لا يكون أمينا ~~مفتيا {ثم قال حسان لصاحب المدينة: يأمرك الأمير أن تخرج الآن مع هذين ~~الشخصين عبد الملك وأصبغ؛ فتأمر لهما بأربعين من الغلمان ينفذون لهما في ~~هذا الفاسق ما رأياه} ثم أخرج المحبوس، ووقفا معا حتى رفع فوق خشبة، وهو ~~يقول لعبد الملك: يا أبا مروان {اتقوا الله عز وجل} في دمي {فإني أشهد أن ~~لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وعبد الملك يقول: الآن وقد عصيت} حتى ~~طعن. وانصرفا. ### $ نبذ من أخبار سليمان بن الأسود الغافقي # منها قال القاضي أبو عمر بن عبد البر: كان القاضي سليمان بن الأسود رجلا ~~صالحا متقشفا، صليبا في حكمه، مهيبا. وكان السبب في تقليد الأمير محمد اياه ~~قصاء قرطبة، حكم أمضاه بمدينة ماردة، وهو قاض عليها للأمير عبد الرحمن ~~والده، ومحمد أمير عليها: وقد احتبس لرجل يهودي من تجار جليقية مملوكة ~~أعجبته، واشتط اليهودي في سومها، فدس غلمانه لاختلاسها من اليهودي. وفزع ~~اليهودي إلى سليمان بمظلمة، واستشهد بمن حول دار الإمارة ممن عرف خبرها. ~~فأوصل سليمان إلى محمد، يعرفه بما ذكره اليهودي، وما شهد لديه، ويقبح عنده ~~سوء الأحدوثة عنه، ويسأله # PageV01P056 # دفع مملوكته إليه. فأنكر محمد ما زعمه اليهودي، ولواه بحقه، فأعاد القاضي ~~إليه الرسالة يقول له: إن هذا اليهودي الضعيف لا يقدر أن يدعى على الأمير ~~بباطل {وقد شهد عندي قوم من التجار} فليأمر الأمير بإنصافه {فلج محمد ولج ~~سليمان. فأرسل إليه سليمان ثانية، يقسم بالله العظيم لئن لم يصرف على ~~اليهودي جاريته، ليركبن دابته من فوره، ويكون طريقه إلى الأمير والده، ~~يعلمه الخبر، ويستعفيه من قضائه. فلم يلتفت محمد إلى وصيته. فشد سليمان على ~~نفسه، وركب ms057 دابته سائرا إلى قرطبة؛ وكانت طريقه على باب دار الإمارة؛ فدخل ~~الفتيان إلى محمد؛ فعرفوه بسيره. فأشفق من ذلك، وأرسل خلفه فتى من ثقاته، ~~يقول له إن الجارية قد وجد خبرها عند بعض فتيانه، وقد كان أخفاها بغير ~~أمره، وها هي حاضرة، ترد إلى اليهودي. فلحقه الرسول على ميل أو نحوه من ~~ماردة، وأعلمه. فقال: والله} لا أنصرف من موضعي راجعا، أو أوتى بالجارية ~~إلى هذا المكان، ويقبضها اليهودي ها هنا {وإلا مضيت لوجهي} فأرسل محمد ~~الجارية إليه. فلما صارت بين يديه، أرسل في اليهودي مولاها، وفي ثقات من ~~ثقات أهل البلد، ودفعها إليه بمحضرهم. وأعجب الأمير محمدا ما كان منه، ~~واسترجحه واعتقد تفضيله. فلما ولى الخلافة، واحتاج إلى قاض، ولاه وأعزه. ~~قال أسلم بن عبد العزيز: سمعت أخي هاشما يقول: إني لقاعد يوما بين يدي ~~الأمير، إذ دخل عليه فتاه بدرون الصقلبي وكان أثيرا لديه باكيا. فقال له: ~~ما دهاك؟ فقال له: يا مولاي {عرض لي الساعة مع القاضي ما لم يعرض لي مثله ~~قط} ولوددت أن الأرض انضمت علي ولم أقف بين يديه {قال: وما ذاك؟ قال: دست ~~على امرأة تطالبني في دار في يدي، فأغفل ما كنت إذ جاءتني بطابع القاضي، ~~وكنت أنت أمرتني بما تعلمه؛ فاعتذرت إليها وقلت: أنا اليوم مشغول بشغل ~~الأمير أعزه الله} وسأكتب إلى القاضي، واستعلم ما يريد. ثم إني أقبلت إلى ~~القصر وقد أتيت باب القنطرة؛ فإذا برسول من أعوان القاضي بادر إلي؛ فضرب ~~على عاتقي، وصرفني عن طريقي إليه؛ فدخلت عليه في المسجد الجامع؛ فوجدته ~~غضبان. فنبهني وقال: عصيتني، ولم تأخذ طابعي {فقلت له: لم أفعل} وقد عرفت ~~المرأة بوجه تأخيري. فقال لي: # PageV01P057 # ورب هذا البيت {لو صح عندي عصيانك، لأدبتك} ثم قال لي: أنصف هذه المرأة ~~{فقلت: أوكل من يخاصمها عني} فأبى علي إلا أن أتكلم. فلما رأيت صعوبة ~~مقامي، أعطيتها بدعواها، ونجوت بنفسي. أفيحسن عندك، يا مولاي {أن يركب مني ~~قاضيك مثل هذا؟ ومكاني من خدمتك مكاني} قال: فتغير ms058 وجه الأمير محمد، وقال ~~له: يا بدرون {اخفض عليك} فمحلك مني تعلمه؛ فسئلنا به حوائجك، نجبك إليها ~~{ما خلا معارضة القاضي في شيء من أحكامه؛ فإن هذا باب قد أغلقناه؛ فلا نجيب ~~إليه أحدا من أبنائنا، ولا من إخواننا، ولا من أبناء عمنا، فضلا عن غيرهم. ~~والقاضي أدرى بما فعل} فمسح بدرون عينيه، وانصرف. قال القاضي أسلم: وإنما ~~كان يحتمل مثل هذا من أولئك القضاة. وأما أمثالنا نحن فلا. وصدق أسلم رحمه ~~الله {فالقهر بالحكم لا يحتمل في الغالب، إلا لمن تخلص نيته في القصد به ~~وجه الله. وما تسرع ملامة الناس إلا لمن يتقيها ويتخوف عاقبة أمر أهلها. ~~وسخط الله أكبر من ملامة الخلق. ونسأل الله الهداية والوقاية} وكثيرا ما ~~كان ابن أسود ينشد: تضحى على وجل تمسى على وجل ... بين الأقارب والجيران ~~والخؤل كل التراب ولا تعمل لهم عملا ... فالشر أجمعه في ذلك العمل وكانت ~~فيه دعابة تستحسن وتستظرف، منها أنه كان يعلم شدة شهوة إبراهيم بن يزيد في ~~الصلاة بالناس، وترشيحه نفسه لها؛ وتربصه به الدوائر ليثبت عليها. فلم يشعر ~~سليمان غداة يوم من بعض الجمع، وقد أحب الدعة في بيته، إذ استأذن عليه ~~إبراهيم المذكور. فذهب إلى المداعبة به، وقال لغلامه: اخرج إليه متباكيا، ~~وأظهر الإشفاق علي، وقل له: أحسب مولاي في الموت {ثم أدخله} فدخل، وقد ~~اضطجع سليمان، وسجى على نفسه، وجعل يتنفس تنفس الهالك. فلما نظر إليه؛ ترجع ~~واستغفر. ثم خرج عنه، فمضى من فوره إلى هاشم بن عبد العزيز قيم الدولة؛ ~~فعرفه حال سليمان وأنه يعالج الموت، وما أظنه يبلغ وقت صلاة الجمعة؛ وإن ~~بلغ دماؤه، # PageV01P058 # فإنه لا يصليها {وحمله على إعلام الأمير محمد بذلك، والكتب إليه، ليرتاد ~~الصلاة قبل الضيعة. فقال له هاشم: انظر ما تحكيه} فليست له عندنا مقدمة. ~~أنت رأيته بعينك الساعة على هذه الحال؟ قال: نعم {هذا خروجي من عنده إليك. ~~فقال هاشم: ما بعد هذا شيء} ثم وضع يده، وكتب إلى الأمير يخبره بما حكاه ~~ابن يزيد، من ms059 شدة مرض القاضي سليمان، ويأسه من قيامه للصلاة، وتحركه للنظر ~~فيمن يصلى مكانه. فلما قرأ الأمير كتابه، استراب فيه، وفكر في الأمر. فوقف ~~على أن إبراهيم شديد الشهوة في الصلاة، واستحال عنده أن لم يسمع بأول مرض ~~قاضيه ولا بانتهائه؛ فعلم بجودة نظره أن في الخبر خللا. فقال لخادم من ~~خدامه، من وجوه صقالبته: انطلق الساعة، وادخل على القاضي سليمان بن الأسود، ~~وانظر حاله وما تجده عليه {فإن وجدته متخففا، يتكلم، ويهين عن نفسه، فتسئله ~~إن كانت به طاقة على الصلاة والخطبة أم لا؟ فأتى الفتى إلى سليمان، ودخل ~~عليه؛ فوجده جالسا جلوس صحيح؛ فروى له عن بعض الخبر، وألطف مسألته؛ فأنكرها ~~سليمان وقال: ها أنا رائح بحمد الله} ودعا بوضوئه بحضرة الرسول؛ فتوضأ، ~~ولبس ثيابه، وخرج مع الرسول، ساعيا على قدميه، إلى المسجد الجامع. فرجع ~~الفتى إلى الأمير، وأعلمه بالقصة على وجهها، وبخروجه معه. فضحك منه وقال: ~~لقد طيب سليمان في ابن يزيد ولعب به لعب الصبا وحرك منه ساكنا {وصار يضحك ~~مع هاشم بذلك عدة أيام، حتى شاع ذكره في العامة. وعاش ابن أسود هذا تسعة ~~وتسعين عاما وعشرة أشهر. وكانت مدة قضائه منها، على ما حكاه ابن عبد البر، ~~اثنين وثلاثين عاما غفر الله لنا وله، وأرضى عنا خلقه وعنه} ### $ ذكر القاضي محمد بن عبد الله بن أبي عيسى # ومن القضاة، محمد بن عبد الله بن أبي عيسى. ولي قضاء عدة من الكور، ما ~~بين طليطلة وبجانة، بسيرة عادلة، التزم فيها الصرامة في تنفيذ الحقوق، ~~وإقامة الحدود، والكشف عن الشهود. قال ابن الفرضي: وكان حافظا للرأي، ~~معتنيا بالآثار، جامعا # PageV01P059 # للسنن، متصرفا في علم الإعراب ومعاني الشعر. استقضاه الناصر؛ وكان آخر ما ~~ولاه قضاء إلبيرة، وقلده مع القضاء أمانة الكورة، والنظر على عمالها؛ ~~فكانوا لا يقدمون ولا يؤخرون إلا عن أمره، ولا يظلم أحد في جانب من جوانبها ~~إلا نصره وكان معه. ثم نقله منها، فولاه قضاء الجماعة بقرطبة في ذي الحجة ~~سنة 326. وأقر محمد بن أيمن على ms060 الصلاة، إلى أن ضعف ابن أيمن، فاستعفى، ~~فعفاه الناصر لدين الله، وجمعها لابن أبي عيسى؛ فتولاها إلى أن مات. وكان ~~الخليفة لا يخليه، مع قيامه له بالقضاء، من تصريفه في مهمات أموره، وإخراجه ~~في السفارات إلى كبار الأمراء، والأمانات إلى الثغور والأطراف للإشراف ~~عليها، وللإعلام بمصالحها، والبنيان لحصونها، وترتيب مغازيها، وإدخال ~~جيوشها إلى بلد الحرب؛ وربما أقامه في ذلك مقام أصحاب السيوف من قواد ~~جيوشه؛ فيغنى غناءهم بحسن تدبيره، وصحيح ديانته، وصريح مناصحته. فاستخلف في ~~خرجه من خرجاته الفقيه ابن زونان؛ فصلى جمعة. ثم كتب إلى الخليفة عبد ~~الرحمن بن محمد يقول: إنه شيخ من شيوخ المسلمين، ومن أهل العلم فيهم، ~~وولاؤه أشرف الولاء، إذ كان مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم {. فكيف ~~يكون مع هذا مخالفا لابن أبي عيسى؟ وهو صبي في عدد ولده} يسأل أمير ~~المؤمنين أن يأنف له من هذا. فأعرض الخليفة عنه؛ ولم ير بابن أبي عيسى ~~بديلا. وانصرف القاضي من وجهته مستعجلا، وقد اتصل به ما كان من ابن زونان؛ ~~فأضرب عنه، واستخلف غيره. وذكر ابن مفرج أن رجلا من أصحاب ابن أبي عيسى ~~أتاه ليلا، فذكر له أن فقيهين مشهورين يقدمان عليه في قصة سماها له بشهادة ~~مدخولة. فلما كان من الغد، أتاه أحدهما؛ فأعرض عنه القاضي، وتبسم في وجهه ~~لعله يقوم، فيكفى شأنه. فتمادى. ولما رأى عزمه على أداء الشهادة، تناول ~~القاضي سحاءة بين يديه؛ فكتب فيها، وطواها، وألقاها في حجره. فلما تصفحها، ~~وجد مكتوبا فيها: أتتني عنك أخبار ... لها في القلب آثار فدع ما قد أتيت به ~~... ففيه العار والنار فلم يكد يقرأها حتى قام منطلقا، ولقى صاحبه؛ فقال ~~له: النجاة {فقد شعر بنا} # PageV01P060 # قال القاسم بن محمد، كاتبه أيام قضائه بإلبيرة: ركبنا مع القاضي في مركب ~~حافل، مع وجوه البلد، إذ عرض لنا فتى متأدب، قد خرج لنا من بعض الأزقة ~~يتمايد سكرا؛ فلما رأى القاضي، هابه، وأراد الفرار؛ فخانته رجلاه. فاستند ~~إلى الحائط وأطرق. فلما قرب منه القاضي، رفع ms061 رأسه إليه، ثم أنشأ يقول: ألا ~~أيها القاضي الذي عم عدله ... فأضحى به في العالمين فريدا قرأت كتاب الله ~~ألف مرة ... فلم أر فيه للشراب حدودا فإن شئت أن تجلد فدونك منكبا ... ~~صبورا على ريب الخطوب جليدا وإن شئت أن تعفو تكن لك منه ... تروح بها في ~~العالمين حميدا وإن كنت تختار الحدود فإن لي ... لسانا على هجو الرجال ~~حديدا قال: فلما سمع القاضي شعره، وتبين له أدبه، أعرض عنه ومضى لشأنه، كأن ~~لم يره. ### || فصل # الظاهر من القاضي ابن أبي عيسى أنه ذهب إلى الأخذ بالقضية التي تضمنتها ~~أبيات الفتى المتأدب بقول زفر إن حد الخمر لا يقوم بالإقرار مرة واحدة حتى ~~يقر الشارب على نفسه بالشرب مرتين، أو يقول الشافعي والكافي أنه لا يحد إلا ~~من الشهادة على شربها أو قيئها، لا من الرائحة، أو يتخيل السكر أو ظن ~~القاضي أن الفتى ممن لم يبلغ سن التكليف، أو قيل له عنه إنه كان مكرها وحسب ~~النازلة من باب درء الحدود بالشبهات. والله أعلم أي ذلك كان؛ فلا وجه لحكم ~~في إسقاط حد لغير عذر ولا تأويل؛ فإجماع المسلمين منعقد على تحريم خمر ~~العنب النئ قليله وكثيره، وعلى وجوب الحد فيه. وإنما الخلاف في التفصيل ~~والقدر: فمذهب الجمهور من السلف والفقهاء: مالك، وأبي حنيفة، والثوري، ~~والأوزعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم أن حده ثمانون جلدة وقال قوم منهم أهل ~~الظاهر، أن حده أربعون. قال الشافعي: بالأيدي والنعال وأطراف الثياب. وعند ~~مالك وغيره: الضرب فيه بسوط بين سوطين وضرب ضربين؛ والحدود كلها سواء. وعند ~~الزهري، والثوري، وإسحاق، وأحمد، والشافعي أن حد الخمر أضعف الحدود. قال ~~صاحب الإكمال: ورأى مالك وبعض أصحابنا # PageV01P061 # في المدمن عليه التغليظ بالفضيحة، والطواف، والسجن. واختلفوا في المريض ~~الذي لا يرحى برؤه: فمذهب مالك والكوفيين وجمهور العلماء أنه لا يجري فيه ~~إلا ما يجري في الصحيح، ويترك حتى يبرأ أو يموت. وقال الشافعي: يضرب بمثكول ~~نخل يصل جميع شماريخه إليه، أو ما يقوم مقامه. والمذهب إلزام السكران جميع ~~أحكام ms062 الصحيح، لأنه أدخل ذلك على نفسه وهو حقيقة مذهب الشافعي وفرق بين ~~الشارب مختارا وبين المستكره. وأكثر العلماء ذهب إلى أن الحدود كفارة؛ ~~ومنهم من وقف، واحتج بقوله تعالى " لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم. " وفي حديث ما عز الثابت في الصحيح، ما يدل على أن التوبة لا تسقط حد ~~الزنا والسرقة والخمر، وإنما تنفع عند الله. وروى عن الشافعي أن التوبة حد ~~الخمر. وعلى كل تقدير، فمن الواجب على من وقع في معصية، وترتب بسببها قبله ~~حق لله والناس، من دم، أو مال، أو عرض، أو انتهاك حرمة، أن يبادر أولا إلى ~~التوبة، ثم يرجع بعدها إلى الإقادة من نفسه للخلق، والتحلل من التبعات ~~بجهده، على الوجوه المقررة في الفقهيات، وأن يكثر مع ذلك مدة حياته من ~~العمل الصالح ومن الدعاء والبكاء، وبخصوص فيما يرجع إلى الدماء. فالمنقول ~~عن مالك. وقد سئل عمن كتب إليه وال في قتل رجل، فقتله، ثم أراد التنصل ~~والتوبة، فعرض نفسه على أولياء المقتول، وأخبرهم، فقالوا: لسنا بقاتليك ~~{إنا نخاف إن قتلناك عاقبة ذلك} وعرض عليهم الدية، فأبوا أن يقبلوها؛ فكان ~~من جوابه رضي الله عنه {أن قال: أحب إلي أن يؤدى ديته إليهم، وأن يعتق ~~الرقاب، ويتصدق، ويكرر الحج والغزو، وإن استطاع أن يلحق بالثغور، ويكون ~~فيها أبدا حتى يموت، فهو أحب إلي} وفي الحديث: " أقيلوا ذوي الهئيات عثارهم ~~" والمراد بذلك أهل المروة والصلاح. ويبينه ما روى أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم {قال: تجافوا عن عقوبة ذوي المروة والصلاح} والمأمورون بالتجافي ~~عن زلات ذوي الهئيات عند العلماء هم الأئمة الذين إليهم إقامة العقوبات على ~~ذوي الجنايات. والإقالة هي فيما عدا الحدود والزلات التي أمر بالتجافي ~~عنها، هي ما لم يخرج بها فاعلها من أن يكون من ذوي المروءات # PageV01P062 # والهيئات التي هي الصلاح. فأما من أتى ما يوجب حدا ما قذف محصنة أو ما ~~سوى ذلك من الأشياء التي توجب الحدود، فلا يجب التجافي عنه، لأنه قد خرج ~~بذلك ms063 عن ذوي الهيئات والصلاح، وصار من أهل الفسق؛ فوجب إقامة الحد عليه، ~~ليكون ذلك ردعا له ولغيره رزقنا الله الاستقامة { ### $ ذكر القاضي أسلم بن عبد العزيز # ومن القضاة بقرطبة وصدور رجالها، أسلم بن عبد العزيز. وكثيرا ما كان ~~الناصر لدين الله يستخلفه في سطح القصر، إذا خرج في سبيل الغزو، ثقة منه ~~بعلمه ودينه وحزمه. ### $ ذكر القاضي أحمد بن عبد الله بن أبي طالب # ومنهم أحمد بن عبد الله بن أبي طالب الأصبحي. قال عنه إسماعيل بن إسحاق: ~~وأخبرني غير واحد أنه كان يحلق شاربه ويستأصله؛ وكان ذلك مذهبه في إحفاء ~~الشارب. وكان رجلا وقورا، متثبتا، متورعا؛ إذا سئل عن مسألة، أخرج الكتاب ~~الذي فيه تلك المسألة بعينها؛ فقرأها على السائل، وقال له: هذا ما قيل في ~~هذا. فإن سئل عن فريضة من المواريث، أفتى السائل فيها بأصلها؛ فإذا سأله عن ~~القسمة، قال له: اذهب إلى الحاسب} ### $ ذكر القاضي أحمد بن بقي بن مخلد # ومنهم أحمد بن بقي بن مخلد. ولي القضاء سنة 314. وكان من خير القضاة، ~~وأكثرهم رفقا وإشفاقا، بحيث يقال إنه لم يقرع أحدا من الناس في طول مدة ~~قضائه بسوط وكانت نحوا من عشرة أعوام إلا رجلا واحدا مجمعا على فسقه. وكان ~~شأنه في الحكومة أن ينفذ من الأمور الظاهر البين الذي لا ارتياب فيه، ~~ويتأنى، # PageV01P063 # ويتمهل فيما خالجه فيه شك، حتى تظهر له الحقيقة؛ أو يصل المتخاصمان إلى ~~التصالح والتراضي. قال ابن حارث: ولقد قال له بعض أصحابه السلطان في كلام ~~جرى بينهما: إنا لنعيبك بلين الجانب، والتطويل في الحكومة {فقال له ابن ~~بقي: أعوذ بالله من لين يؤدي إلى ضعف، ومن شدة تبلغ إلى عنف} ثم جعل يذكر ~~فساد الزمان، واحتيال الفجار، وما يباشر من الأمور المشتبهة، التي لا تتبين ~~لها حقيقة، ولا ينكشف لها وجه، وقال: قد أسندت على عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه {وهو هو، حكومة قوم طال نظره فيها، والتبس عليه أمرها؛ فكره أن يحكم ~~على الاشتباه، وأمرهم بابتداء الخصومة من ms064 أولها} قال: وحدثني أصبغ بن عيسى ~~قال: كنت يوما مقبلا مع القاضي أحمد بن بقي، حتى عن لنا رجل سكران يمشي بين ~~يديه مخبولا؛ فجعل أحمد يمسك من عنان دابته، ويترفق في سيره، ويرجو أن يعدل ~~السكران عن طريقه أو يحبس به، فينجو بنفسه؛ فلم يكن عنده شيء من ذلك، إلا ~~أن توقف مستقبلا. فلم يكن للقاضي بد من الدنو منه، والنظر إليه. قال أصبغ: ~~وكنت أعرف لياذه من مثل هذا، وكراهيته للانتشاب فيه، ورقة قلبه من أن يقرع ~~أحدا بسوط. فقلت في نفسي: ليت شعري كيف تصنع في هذا، يا ابن بقي {وربما ~~تتخلص منه} فلما دنونا من السكران، ولصقنا به، مال إلى أحمد؛ فقال: مسكين ~~هذا الرجل {أراه مصابا في عقله} فقلت: نعم {أيها القاضي، ببلية عظيمة} فجعل ~~يستعيذ بالله من محنته، ويسأله أن يأجره على المصاب في عقله؛ ومضينا. وقال ~~ابن عبد البر: كان أحمد بن بقي حليما، عاقلا، وقورا، مسمتا، هينا، لينا، ~~صليبا في بعض أحيانه، غير أن الأغلب عليه كان اللين. لم يكن بالأندلس قاض ~~يقاربه في الصمت والوقار والسكينة. وكان الخليفة الناصر لدين الله عارفا ~~بحقه، ومجلا له، لم يعزله، ولا كره شيئا من حاله، إلى أن توفي سنة 324. ~~وكان قد ولى الصلاة قبل القضاء. ثم ولى القضاء، فاتخذ لخدمته أعوانا شيوخا، ~~وأولى سداد، سأل أن يرزقوا من بيت المال، وأجيب إلى ذلك. وكان من رسمه إذا ~~جاءه الحكم الملبس الذي يخاف # PageV01P064 # أن تدخل عليه فيه داخله، طول فيه أبدا، ولواه حتى يصطلح أهله. وكان يقول: ~~صاحب الباطل، إذا طول عليه ترك طلبه ورضى باليسير فيه. وقد كثر الآن شهود ~~الزور، والتبست الأمور: فرأيت هذا المطل أخلص لي {وقد علمت حديث النبي صلى ~~الله عليه وسلم} في القتيل الذي وجدته يهود، وأنه، لما أشكل عليه الأمر من ~~عنده، قال أحد أصحابه مداعبا: أفتنشط أنت رحمك الله {أن تعطى الصلح من ~~عندك، إذا التبست عليك المسألة؟ فتبسم وقال: لا} إنما هذا على الإمام الذي ~~بيده ms065 بيت المال؛ ليس هذا علي {وقال الحسن: وجدت بخط الخليفة الحكم المستنصر ~~بالله: سمعت القاضي أحمد بن مخلد يخطب يوما؛ فقال في فصل الدعاء منها، لما ~~انتهى إلى قوله: اخلصوا الله دعاءكم} ثم سكت مليا؛ فلما ظن الناس قد دعوا، ~~انبعث وقال: اللهم {وقد دعاك هذا النفر من عبادك، الساعون لثوابك، ~~المجتمعون ببابك، فزعا من عقابك، وطمعا في ثوابك؛ وقبلهم من الذنوب ما قد ~~أحاط به علمك، وأحصاه حفظتك؛ فعد عليهم في موقفهم هذا برحمة توجب لهم جنتك، ~~وتجيرهم بها من عذابك} آمين {يا أرحم الراحمين} قال مالك بن القاسم: وكان ~~أحمد بن بقي شديد الحفظ للقرآن، كثير التلاوة له، يقوم به آناء ليله ~~ونهاره. وكان على شدة حفظه، يلتزم تلاوته في المصحف على نحو ما كان يلتزمه ~~أبوه بقي بن مخلد للفضل من النظر فيه؛ متقشفا، دمثا، صبورا، يتلقى من أساء ~~إليه وإلى أبيه قبله بالصفح، والمغفرة للزلة، ووضع الحسنة مكان السيئة. ~~ولما توفي، صلى عليه ولده عبد الرحمن بإيصاء أبيه إليه بذلك، وسنه أربع ~~وستون سنة. قال عياص في مداركه عند ذكر أحمد: منهم وولاؤهم لامارة من أهل ~~جيان؛ سمع من أبيه. وكان زاهدا، فاضلا؛ ولى تفريق الصدقات والصلاة؛ ثم قضاء ~~الجماعة مقرونا بالخطبة. # PageV01P065 ### $ ذكر منذر بن سعيد ونبذ من أخباره # قال ابن عفيف: هو منذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن قاسم بن عبد ~~الملك ابن نجيح النفري، ثم الكزني. فأول الأسباب في معرفته بالناصر ~~الخليفة، وزلفاه لديه، أن الناصر لدين الله، لما احتفل في الجلوس لدخول ~~رسول ملك الروم الأعظم، صاحب القسطنطينية عليه، بقصر قرطبة، الاحتفال الذي ~~شهد ذكره في الناس، أحب أن يقيم الخطباء والشعراء بين يديه بذكر جلالة ~~مقعده، ووصف ما تهيأ له من توطيد الخلافة في دولته. وتقدم إلى الأمير الحكم ~~ابنه وولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء ويقدمه أمام نشيد الشعراء ~~فأمر الحكم صنيعته الفقيه محمد بن عبد البر من الكسنياني بالتأهب لذلك، ~~وإعداد خطبة بليغة، يقوم ms066 بها بين يدي الخليفة. وكان يدعي من القدرة على ~~تأليف الكلام ما ليس في وسعه. وحضر المجلس السلطاني. فلما قام يحاول التكلم ~~بما رواه، بهره هول المقام وابهه الخلافة؛ فلم يهتد إلى لفظه، بل غشي عليه، ~~وسقط إلى الأرض. فقيل لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم، صنيعة الخليفة ~~وأمير الكلام: قم {فارقع هذا الوهى} فقام؛ فحمد الله، وأثنى عليه بما هو ~~أهله وصلى على نيته محمد صلى الله عليه وسلم {ثم انقطع به القول؛ فوقف ~~ساكتا مفكرا في كلام يدخل به إلى ذكر ما أريد منه. فلما رأى ذلك منذر بن ~~سعيد وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء، قام من ذاته؛ فوصل افتتاح أبي علي لأول ~~خطبته بكلام عجيب، وفصل مصيب، يسحه سحا، كأنما يحفظه قبل ذلك بمدة، وبدأ من ~~المكان الذي انتهى إليه أبو علي البغدادي. فقال: أما بعد حمد الله، والثناء ~~عليه، والتعداد لآلائه، والشكر لنعمائه، والصلاة على محمد صفيه وخاتم ~~أنبيائه، فإن لكل حادثة مقاما، ولكل مقام مقالا، وليس بعد الحق إلا الضلال. ~~وإني قد قمت في مقام كريم، بين يدي ملك عظيم؛ فأصغوا إلي معشر الملأ} ~~بأسماعكم وأيقنوا عني بأفئدتكم؛ إن من الحق أن يقال للمحق: صدقت؟ وللمبطل: ~~كذبت # PageV01P066 # وإن الجليل تعالى في إسمائه، وتقدس بصفاته وأسمائه {أمر كليمه موسى صلى ~~الله عليه وسلم وعلى جميع أنبيائه} أن يذكر قومه بأيام الله عندهم؛ وفيه ~~وفى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم {أسوة حسنة} وإني أذكركم بأيام الله ~~عندكم، وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين، التي لمت شعثكم، بعد أن كنتم ~~قليلا، فكثركم؛ ومستضعفين، فقواكم؛ ومستذلين، فنصركم {ولاه الله رعايتكم، ~~وأسند إليه إمامتكم، أيام ضربت الفتنة سرادقها على الآفاق، وأحاطت بكم شعل ~~النفاق، حتى صرتم في مثل حدقة البعير، بضيق الحال ونكد العيش والتقتير} ~~فاستبدلتم بخلافته من الشدة بالرخاء، وانتقلتم بيمن سياسته إلى تمهيد ~~العافية بعد استيطان البلاء. أنشدكم الله معاشر الملأ {ألم تكن الدماء ~~مسفوكة؟ فحنقها} والسبل مخوفة؟ فأمنها {والأموال منتهبة؟ فأحرزها وحصنها} ~~ألم تكن البلاد ms067 خرابا؟ فعمرها {وثغور المسلمين مهتضمة؟ فحماها وزهرها} ~~فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته، وتأليفه جمع كلمتكم بعد افتراقها ~~بإمامته، حتى أذهب الله غيظكم، وشفى صدوركم، وصرتم يدا على عدوكم بعد أن ~~كان باسكم بينكم {ناشدكم الله} ألم تكن خلافته قيد الخلافة بعد انطلاقها من ~~عقالها؟ ألم يتلاف صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالها، ولم يكل ذلك إلى ~~القواد والاجناد؟ حتى باشره بالمهجة والأولاد، واعتزل النسوان وهجر ~~الأوطان، ورفض الدعة وهي محبوبة، وترك الركون إلى الراحة وهي مطلوبة، بطوية ~~صحيحة، وعزيمة صريحة، وبصيرة نافذة ثاقبة، وريح هابة غالبة، ونصرة من الله ~~واقعة واجبة، وسلطان قاهر، وجد ظاهر، وسيف منصور، تحت عدل منشور، متحملا ~~للنصب، مستقبلا لما نابه في جانب الله من التعب، حتى لانت الأحوال بعد ~~شدتها، وانكسرت شوكة الفتنة عند حدتها، ولم يبق لها غارب إلا جبة، ولا نجم ~~لأهلها قرن إلا جده! فأصبحتم بنعمة الله إخوانا، وبلم أمير المؤمنين لشعثكم ~~على أعدائكم أعوانا، حتى تواترت لديكم الفتوحات، وفتح الله عليكم بخلافته ~~أبواب البركات، وصارت وفود الروم وافدة عليه وعليكم، وآمال الأقصين ~~والأدنين مستخدمة إليه وإليكم، يأتون من كل فج عميق، وبلد سحيق، لأخذ حبل ~~منه ومنكم جملة وتفصيلا، ليقضى الله أمرا كان مفعولا، ولن يخلف الله # PageV01P067 # وعده، ولهذا الأمر ما بعده، وتلك أسباب ظاهرة بادية، تدل على أمور باطنة ~~خافية، دليلها قائم، وغيبها عاتم؛ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم الآية؛ وليس في ~~تصديق ما وعد الله ارتياب، ولكل نبأ مستقر ولكل أجل كتاب {فاحمدوا الله، ~~أيها الناس، على آلائه، واسألوا المزيد من نعمائه} فقد أصبحتم بين خلافة ~~أمير المؤمنين أيده الله بالعظمة والسداد، وألهمه محاضر التوفيق إلى سبيل ~~الرشاد {أحسن الناس حالا، وأنعمهم بالا، وأعزهم قرارا، وأمنعم دارا، ~~وأكثفهم جمعا، وأجلهم صنعا، لا تهاجون ولا تواذون، وأنتم بحمد الله على ~~أعدائكم ظاهرون. فاستعينوا على صلاح أحوالكم، بالنصيحة لإمامكم، والتزام ~~الطاعة لخليفتكم، فإن من نزع يدا من الطاعة، وسعى في فرقة ms068 الجماعة، ومرق من ~~الدين، فقد " خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ". وقد علمتم أن في ~~التعلق بعصمتها، والتمسك بعروتها، حفظ الأموال وحقن الدماء، وصلاح الخاصة ~~والدهماء، وأن بقوام الطاعة تقام الحدود، وتوفى العهود، وبها وصلت الأرحام، ~~وصحت الأحكام، وبها سد الله الخلل، وآمن السبل، ووطأ الأكناف، ورفع ~~الاختلاف، وبها طاب لكم القرار، واطمأنت بكم الدار؛ فاعتصموا بما أمركم ~~الله بلا اعتصام به؛ فإنه تبارك وتعالى} يقول: " أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم " الآية وقد علمتم معشر المسلمين {ما أحاط بكم في ~~جزيرتكم هذه من ضروب المشركين وصنوف الملحدين، الساعين في شق عصاكم، وتفريق ~~ملتكم، الآخذين في مخاذلة دينكم، وهتك حريمكم، وتوهين دعوة نبيكم صلوات ~~الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيين والمرسلين} أقول هذا، وأختمه بالحمد ~~لله رب العالمين {وأستغفر الله الغفور الرحيم: فهو خير الغافرين} فخرج ~~الناس يتحدثون عن مقام منذر، وثبات جنانه، وبلاغة منطقه. علمتم معشر ~~المسلمين {ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين وصنوف الملحدين، ~~الساعين في شق عصاكم، وتفريق ملتكم، الآخذين في مخاذلة دينكم، وهتك حريمكم، ~~وتوهين دعوة نبيكم صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيين والمرسلين} ~~أقول هذا، وأختمه بالحمد لله رب العالمين {وأستغفر الله الغفور الرحيم: فهو ~~خير الغافرين} فخرج الناس يتحدثون عن مقام منذر، وثبات جنانه، وبلاغة ~~منطقه. وكان الخليفة الناصر لدين الله أشدهم تعجبا منه، فأقبل على ولده ~~الأمير الحكم يسائله عنه، ولم يكن يثبت معرفة عينه، وقد سمع باسمه. فقال له ~~الحكم: هو منذر بن سعيد # PageV01P068 # البلوطي. فقال له: لقد أحسن ما شاء {فلئن كان حبر خطبته هذه وأعدها، ~~مخافة أن يدور ما دار، فيتلافى الوهى، إنه لبديع من قدرته واحتياطه، ولئن ~~كان أتى بها على البديهة لوقته، إنه لأعجب وأغرب} فكان ذلك سبب اتصاله به، ~~واستعماله. وذكر ابن أصبغ الهمداني عن منذر القاضي أنه خطب يوما وأراد ~~التواضع؛ فكان من فصول خطبته أن قال: حتى متى؟ وإلى متى؟ فكم الذي أعظ ولا ~~أتعظ؛ وأزجر ولا أزدجر، أدل ms069 الطريق على المستدلين، وأبقى مقيما مع الحائرين ~~{كلا إن هذا لهو الضلال المبين} " إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي ~~من تشاء " الآية. اللهم {فرغني لما خلقتني له} ولا تشغلني بما تكفلت لي به ~~{ولا تحرمني وأنا أسألك} ولا تعذبني وأنا أستغفرك {يا أرحم الراحمين} قال: ~~وكان الخليفة الناصر لدين الله كلفا بعمارة الأرض وإقامة معالمها، وتخليد ~~الآثار الدالة على قوة الملك وعز السلطان؛ فأقضى به الإغراق في ذلك إلى أن ~~ابتنى مدينة الزهراء، البناء الذي شاع ذكره: استفرغ وسعه في تنميقها، ~~وإتقان قصورها، وزخرفة مصانعها. فانهمك في ذلك حتى عطل شهود الجمعة بالمسجد ~~الجامع الذي اتخذه ثلاث جمع متوالية؛ فأراد القاضي منذر أن يغض منه بما ~~تناوله من الموعظة بفضل الخطاب والحكمة والتذكرة بالإنابة والرجعة؛ فأدخل ~~في خطبته فصلا مبتدئا بقوله: أتبنون بكل ريع آية تعبثون. وتتخذون مصانع ~~لعلكم تخلدون {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} فاتقوا الله وأطيعون {واتقوا الذي ~~أمدكم بما تعملون} أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون. إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم {ولا تقولوا " سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين " فمتاع ~~الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى} وهي دار القرار، ومكان الجزاء! ووصل ~~ذلك بكلام جزل، وقول فصل، ومضى في ذم تشييد البنيان، والاستغراق في زخرفته، ~~والإسراف في الإنفاق عليه؛ فجرى طلقا؛ وانتزع فيه قوله تعالى: " أفمن أسس ~~بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من # PageV01P069 # أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم " إلى آخر الآية. وأتى ~~بما يشاكل المعنى من التخويف بالموت، والتحذير من فجاءته، والدعاء إلى ~~الزهد في هذه الدار الفانية، والحض على اعتزالها، والرفض لها، والندب إلى ~~الإعراض منها؛ والإقصار عن طلب اللذات، ونهى النفوس عن اتباع هواها. فأسهب ~~في ذلك كله، وأضاف إليه من آي القرآن ما يطابقه، وجلب من الحديث والآثار ما ~~يشاكله، حتى اذكر من حضره الناس وخشعوا، ورقوا، واعترفوا، وبكوا، وضجوا، ~~ودعوا، وأعلنوا في التضرع إلى الله في التوبة، والابتهال في المغفرة، ms070 وأخذ ~~خليفتهم من ذلك بأوفر حظ، وقد علم أنه المقصود به؛ فبكى، وندم على ما سلف ~~له، واستعاذ بالله من سخطه، إلا أنه وجد على منذر بن سعيد لغلظ ما تقرعه ~~به؛ فشكا ذلك لولده الأمير الحكم بعد انصرافه، وقال: والله {لقد تعمدني ~~منذر بخطبته، وما عنى بها غيري} فأسرف علي وأفرط في تقريعي، ولم يحسن ~~السياسة في وعظي، فزعزع قلبي، وكاد بعصاه يقرعني {واستشاط غيظا عليه؛ فأقسم ~~أن لا يصلي خلفه صلاة الجمعة خاصة؛ فجعل يلتزم صلاتها وراء أحمد بن مطرف ~~صاحب الصلاة بقرطبة، ويجانب الصلاة بالزهراء. فقال له الحكم: فما الذي ~~يمنعك من عزل منذر عن الصلاة بك، والاستبدال منه إذ كرهته؟ فزجره وانتهره، ~~وقال له: أمثل منذر بن سعيد في فضله وعمله وخيره؟ لا أم لك} يعزل لإرضاء ~~نفس ناكبة عن الحق {هذا مما لا يكون} وإني لأستحي من الله أن لا أجعل بيني ~~وبينه في صلاة الجمعة شفيعا مثل منذر في ورعه وصدقه {ولا كنه أحرجني، ~~فأقسمت. ولوددت أني أجد سبيلا إلى كفارة يميني، بل يصلي بالناس حياته ~~وحياتنا، إن شاء الله} وقحط الناس آخر مدة الناصر لدين الله عبد الرحمن بن ~~محمد. فأمر القاضي منذر ابن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس فتأهب لذلك، ~~وصام بين يديه أياما، تنفلا، وإنابة، ورهبة. واجتمع له الناس في مصلى الربض ~~بقرطبة، بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم. وصعد الخليفة الناصر في أعلى ~~مصانعه المرتفعة من القصر، ليشارف الناس، ويشاركهم في الخروج إلى الله، ~~والضراعة له، فأبطأ القاضي حتى اجتمع الناس، وغصت # PageV01P070 # بهم ساحة المصلى. ثم خرج نحوهم ماشيا، متضرعا، مخبتا، متخشعا؛ وقام ~~ليخطب. فلما رأى بدار الناس إلى ارتقابه، واستكانتهم من خفية الله، ~~وإخباتهم له، وابتهالهم إليه، رقت نفسه، وغلبته عيناه؛ فاستغفر، وبكى حينا؛ ~~ثم افتتح خطبته بأن قال: سلام عليكم {ثم سكت، ووقف شبه الحصر، ولم يكن من ~~عادته. فنظر الناس بعضهم ببعض، لا يدرون ما عراه، ولا ما أراد بقوله. ثم ~~اندفع تاليا بقوله: سلام عليكم} ms071 كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم ~~سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم {واستغفروا ربكم، وتوبوا ~~إليه، وتزلفو بالأعمال الصالحات لديه} قال: فهاج الناس بالبكاء، وجأروا ~~بالدعاء، ومضى على تمام خطبته؛ فقرع النفوس بوعظه، وانبعث الإخلاص بتذكيره؛ ~~فلم ينقض النهار حتى أرسل الله السماء بماء منهمر، روى الثرى، وطرد المحل، ~~وسكن الأزل. والله لطيف بعباده {وكان له في خطب الاستسقاء استفتاح عجيب؛ ~~ومنه أن قال يوما، وقد سرح طرفه في ملأ الناس، عند ما شخصوا إليه بأبصارهم؛ ~~فهتف بهم كالمنادي: يا أيها الناس وكررها عليهم، مشيرا بيده في نواحيهم ~~أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق ~~جديد. وما ذلك على الله بعزيز} فاشتد وجل الناس، وانطلقت أعينهم بالبكاء، ~~ومضى في خطبته. ومن أخبار المحفوظة مع الخليفة عبد الرحمن، في إنكاره عليه ~~الإسراف في البناء، أن الناصر كان قد اتخذ، لسقف القبيبة المصغرة الاسم ~~للخصوصية التي كانت مماثلة على الصرح الممرد المشهور شأنه بقصر الزهراء، ~~قراميد مغشاة ذهبا وفضة، أنفق عليها مالا جسيما، وقرمد سقفها بها، تشتت ~~الأبصار بأشعة أنوارها. وجلس فيها يوما، اثر تمامها، لأهل مملكته، فقال ~~لقرابته منهم من الوزراء وأهل الخدمة، مفتخرا بما صنعه من ذلك: هل رأيتم أو ~~سمعتم ملكا كان قبلي فعل مثل فعلي هذا أو قدر عليه؟ فقالوا: لا {يا أمير ~~المؤمنين} وإنك لواحد في شأنك كله، وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه، ~~ولا انتهى إلينا خبره! فابهجه # PageV01P071 # قولهم وسره. وبينما هو كذلك، إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد، واجما ~~ناكس الرأس؛ فلما أخذ مجلسه، قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف ~~المذهب، واقتداره على إبداعه؛ فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته، وقال ~~له: والله {يا أمير المؤمنين، ما ظننت أن الشيطان لعنه الله} يبلغ منك هذا ~~المبلغ، ولا أن تمكنه من قبلك هذا التمكين، مع ما آتاك الله من فضله ~~ونعمته، وفضلك به على العالمين، حتى ينزلك منازل الكافرين ms072 {قال: فانفعل عبد ~~الرحمن لقوله، وقال له: انظر ما تقول} وكيف أنزلتني منزلتهم؟ فقال له: نعم ~~{أليس الله تعالى يقول: ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون. فوجم الخليفة، وأطرق ~~مليا، ودموعه تتساقط خشوعا لله سبحانه، ثم أقبل على منذر وقال له: جزاك ~~الله، يا قاضي} عنا وعن نفسك خيرا {وعن الدين والمسلمين أجل جزائه} وكثر في ~~الناس أمثالك {فالذي قلت هو الحق} وقام عن مجلسه ذلك، وأمر بنقض سقف القبة، ~~وأعاد قرمودها ترابا على صفة غيرها. وكان هذا القاضي على متانته وشدة ~~جزالته، حسن الخلق، خفيف الوطاة، سهل الجانب، كثير الدعابة، منطلق البشر، ~~حتى أنه ربما استراب بباطنه من لا يعرفه إذا شاهد استرساله؛ فإذا دام أحد ~~أن يصيب من دينه، ثار ثورة الليث. ومن ذلك ما حكاه عنه أبو عمر بن لبيب، ~~أنه حضر عند الخليفة الحكم المستنصر بالله يوما، في خلوة له، وهو في ~~البستان على بركة، في زمان صيف شديد الحر والوهج، وذلك منصرف القاضي من ~~صلاة الجمعة، فشكا إلى الخليفة من قوة الحر جهدا؛ فأمره بخلع ثيابه، ~~والتخفيف عن جسمه؛ ففعل؛ فلم يطف ذلك ما به، فقال له الحكم: من الصواب أن ~~تنغمس في هذا الصهريج انغماسة تبرد جسمك وتعدله. فقم {فليس ها هنا من ~~تحتشمه} وإنما كان معهما جعفر الصقلبي أثير الخلافة، لا رابع لهم؛ فكأنه ~~استحيى من ذلك، وانقبض عنه وقارا. فأمر الحكم حاجبه جعفرا بسبقه إلى النزول ~~في الصهريج، ليسهل الأمر فيه على القاضي؛ فبادر جعفر إلى ذلك، وأتزر، وألقى ~~بنفسه # PageV01P072 # في الماء؛ وكان يحسن السباحة. فلم يسع القاضي عند ذلك إلا إنفاذ أمر ~~الخليفة؛ فقام وأتزر وتجرد، وألقى بنفسه خلف جعفر، ولاذ بالقعود في درج ~~الصهريج متبردا؛ فلم ينشط في السباحة، وجعفر يجول فيه مجاله، مصعدا في ~~الصهريج ومصوبا، فدسه الحكم على القاضي، فهو يدعوه إلى المساجلة في العوم، ~~ويعجزه في إخلاده إلى القعود، ويباغيه بإلقاء الماء عليه، والرش له، والآخر ms073 ~~لا ينبعث، ولا بفارق مكانه إلى أن كلمه الحكم وقال له: ما لك أيها القاضي؟ ~~لا تساعد الحاجب في فعله وتعوم معه {فمن أجلك تبذل فيما تبذل فيه} فقال له ~~يا سيدي، الحاجب سلمه الله مطلق، لا هوجل معه {وأنا بالهوجل الذي معي، ~~يعقلني ويمنعني من الأعماق في الصهريج} يريد بمقالته أنثييه وأن جعفرا ~~مجبوب. فاستفرغ الحكم ضحكا من نادرته، ولطف تعريضه فخجل الحاجب من قوله، ~~وسبه سب الأشراف. وخرجا من الماء. فأمر لهما الخليفة رحمه الله بكسوة تشاكل ~~كلا منهما، ووصلهما بصلة سنية. قال الحسن بن محمد في كتابه: وذكر أن ~~الخليفة الحكم قال لقاضيه منذر يوما، في بعض ما جاوبه: بلغني أنك لا تجتهد ~~للأيتام، وأنك تقدم عليهم أوصياء سوء، يأكلون أموالهم {قال نعم} وإن أمكنهم ~~نيك أمهاتهم، لم يعفوا عنهن {فقال له: وكيف تقدم مثل هؤلاء؟ فقال: لست أجد ~~غيرهم، ولاكن أحلني على الفقيه اللؤلؤي، وأبي إبراهيم، وأمثالهما لأقدمهم، ~~فإن أبوا، أجبرتهم بالسجن والضرب، ثم لا تسمع إلا خيرا. وإلا، فدع الأمور ~~تمضي كما هي} فالله بالمرصاد {وكان شيخنا القاضي أبو عبد الله بن عياش ~~الخزرجي يستحسن من كلامه قوله في التزكية: اعلم أن العدالة من أشد الأشياء ~~تفاوتا وتباينا، ومتى حصلت ذلك عرفت حالة الشهود، لأن بين عدالة أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم} وعدالة التابعين رضي الله عنهم {بون عظيم، ~~وتباين شديد، وبين عدالة أهل زماننا، وعدالة أولئك، مثل ما بين السماء ~~والأرض} وعدالة أهل زماننا، على ما هي عليه، # PageV01P073 # بعيدة التباين أيضا. والأصل في هذا عندي والله الموفق للصواب {أن من كان ~~الخير أغلب عليه من الشر، وكان متنزها عن الكبائر، فواجب أن تعمل شهادته؛ ~~فإن الله تعالى قد أخبرنا بنص الكتاب أن: " من ثقلت موازينه فهو في عيشة ~~راضية. " وقال في موضع آخر: " فأولئك هم المفلحون} " فمن ثقلت موازين ~~حسناته بشيء، لم يدخل النار؛ ومن استوت حسناته وسيآته، لم يدخل الجنة في ~~زمرة الداخلين أولا؛ وهم أصحاب الأعراف، فذلك عقوبة لهم، إذ تخلفوا ms074 أن تزيد ~~حسناتهم على سيآتهم. فهذا حكم الله في عباده. ونحن إنما كلفنا الحكم ~~بالظاهر؛ فمن ظهر لنا أن خيره أغلب عليه من شره، حكمنا له بحكم الله ~~بعباده؛ ولم نطلب له على الباطن. ولا كلفه محمد صلى الله عليه وسلم! فقد ~~ثبت عنه أنه قال: إنما أنا بشر، وأنتم تختصمون إلي؛ ولقل بعضكم أن يكون ~~ألحق بحجته من بعض؛ فأحكم له على نحو ما أسمع بأحكام الدنيا على ماظهر، ~~وأحكام الآخرة على ما بطن، لأن الله تعالى يعلم الظاهر والباطن، ونحن لا ~~نعلم إلا الظاهر. ولأهل كل بلد قوم قد تراضى عليهم عامتهم؛ فبهم تنعقد ~~مناكحهم وبيوعهم؛ وقد قدموهم في مساجدهم، ولجمعهم وأعيادهم؛ فالواجب على من ~~استقضى في موضع، أن يقبل شهادة أماثلهم، وفقهائهم وأصحاب صلواتهم، وإلا ~~ضاعت حقوق ضعيفهم وقويهم، وبطلت أحكامهم. ويجب عليه أن يسأل إن استراب في ~~بعضهم في الظاهر والباطن عنهم؛ فمن لم يثبت عنده عليه اشتهار في كبيرة، فهو ~~على عدالة ظاهرة، حتى يثبت غير ذلك. انتهى. وسماه محمد بن حسين الزبيدي في ~~مصنفه في طبقات النحويين واللغويين؛ فقال: أبو الحكم منذر بن سعيد القاضي، ~~سمع بالأندلس من عبيد الله بن يحيى ونظرائه، ثم رحل حاجا سنة 308؛ فسمع ~~بمكة من محمد النيسابوري كتابه المؤلف في اختلاف العلماء المسمى ب الأشراف. ~~وروى بمصر كتاب العين للخليل، عن أبي العباس ابن ولاد، وعن أبي جعفر بن ~~النحاس. وكان متفننا في ضروب العلم. وغلب عليه التفقه بمذهب أبي سليمان ~~داوود بن علي الإصبهاني المعروف بالظاهري؛ فكان يؤثر مذهبه، ويجمع كتبه، ~~ويحتج بمقالته، ويأخذ بها لنفسه، فإذا جلس مجلس الحكومة، قضى # PageV01P074 # بمذهب مالك بن أنس وأصحابه الذي عليه العمل في بلده، ولم يعدل عنه. قال: ~~وكانت ولاية منذر لقضاء الجماعة بقرطبة في ربيع الآخر سنة 339. ولبث قاضيا ~~إلى أن توفي في عقب ذي القعدة سنة 355. فكانت ولايته القضاء ست عشرة سنة ~~كاملة رحمه الله وغفر لنا وله { ### $ ذكر القاضي محمد بن السليم # وولي القضاء بعد البلوطي محمد بن ms075 إسحاق بن السليم. ونص ظهير ولايته: بسم ~~الله الرحمن الرحيم} هذا كتاب أمر به أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله ~~محمد بن إسحاق بن السليم؛ ولاه به خطة القضاء، واختاره للحكم بين جميع ~~المسلمين، ورفعه إلى أعلى المراتب عنده في تنفيذ الأحكام، غير مطلق يده إلا ~~بالحق، ولسانه إلا بالعدل {ورسم له في كتابه رسوما بدأ فيه بأمانة الله عز ~~وجل} إليه، وجعل الله الشهيد بها عليه؛ أمره بتقوى الله العظيم الذي يعلم ~~خائنة الأعين، وما تخفي الصدور؛ وأن يجعل كتاب الله أمامة ينظر فيه نظر ~~المتفكر المعتبر؛ فإنه عهد الله الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم {فأحل ~~حلاله، وحرم حرامه، وأمضى أحكامه، وفارق الأمة. على أنهم لن يضلوا ما ~~اتبعوه؛ فهو العروة الوثقى، والطريقة المثلى والنهج المنير، ودين الله ~~القويم. وأمره أمير المؤمنين أن يقتدي بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم} ~~التي بها عملت الأئمة، وعليها اتفقت الأمة، فالحق معروف؛ والباطل مكشوف؛ ~~وبينهما مشتبهات فيها يحمد التوقف، وعندها يشكر التثبت، ففي كتاب الله ~~تعالى اسمه {وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم} أصل الدين، وفرعه، ودليله، ~~وتأويله، ومن يرد الله به خيرا يوفقه للاقتداء بهما، والاقتباس منهما. ~~وأمره أن يصلح سريرته فيها، يصلح الله علانيته؛ وأن يبرأ من الهوى؛ فإنه ~~مضلة عن طريق الحق؛ وأن يجعل الناس في نفسه سواء، إذا جلس للحكم بينهم، حتى ~~لا يطمع فيه الشريف، ولا ييأس منه الضعيف. وأمره أن يعتبر أمره وما قلده؛ ~~فيعلم أنه راكب طريقا متهاها إلى الجنة أو النار: # PageV01P075 # ليس عن أحدهما مصرف، ولا بينهما موقف، فحق لمن أراد النجاة أن يستكثر من ~~الحسنات، ويمنع دينه ممن أراد أن يؤنسه في الشبهات، ويعلم أنه حاكم في ~~ظاهره، محكوم عليه في باطنه، تطوى كل يوم صحيفته على ما أودعها، حتى ينظر ~~فيها غدا بين يدي الله عز وجهه {" يوم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} ~~" فمن حاسب نفسه في الدنيا، كان أيسر حسابا في الآخرة. وأمره أن يتحفظ ms076 في ~~حين وقوع الشهادات عنده؛ فلا يقضي بين المسلمين منها إلا بما أقامه به ~~التحقيق على ألسنة العدول، ذوي القبول، وإن استراب في شهادة أحدهم وقتا ما، ~~أن يبحث عنها، فإن ثبت أنه ارتشى، أو شهد بالهوى، فعليه أن يسقط شهادته، ~~ويخل عدالته، وتنكيلا له، وتشديدا لمن خلفه، وأن يحمل على الناس معاريض ~~الوكلاء على الخصومات، ويطرح أهل اللدد الظاهر منهم، ولا يحمل فضل حجاجهم ~~عمن لا يقوم بهم. وأمره أن يحترس بأموال اليتامى، ولا يولي عليهم إلا أهل ~~العفاف عنها وحسن النظر فيها؛ وأن يجدد الكشف والامتحان عن أموال الناس ~~والأحباس واليتامى، ويمنع من قبالتها إلا على وجوهها مما لا بد منه من ~~التنفيذ فيها، وطلب الزيادة عند ذوي الرغبة في قبالتها. وأمره أن يختبر ~~كاتبه وحاجبه وخدمته، ويتفقد عليهم أحوالهم إذا غابوا عن بصره. وأمره أن لا ~~يعجل في أحكامه؛ فمن العجل، لا يؤمن الزلل؛ وأن يرفع إلى أمير المؤمنين ما ~~أشكل عليه الفصل فيه، ليصدر إليه من رأيه ما يعتمد عليه، إن شاء الله ~~{والله يسأل أمير المؤمنين التوفيق بمنه وفضله} وكتب يوم الإثنين، للنصف من ~~شعبان سنة 353. ولما استمرت أيام ولاية أبي بكر بن السليم، عمدت الناس ~~سيرته، واطمأنوا إلى عدله، ولم يعبه منهم عائب، إلا من طريق البطء بقضائه، ~~والتطويل في أحكامه. وكان كثيرا ما يفعل ذلك فيما يتلبس عليه، ويحتذي طريق ~~أحمد بن بقي القاضي؛ فكان ربما أفشى لومه # PageV01P076 # بعض من لحقه ذلك، ممن يخاصم عنده؛ ثم، لما مات، أشفق الناس جميعا من ~~فقده، واجتمعوا على ثنائه والدعاء بالخير له. وكانت وفاته عشي يوم السبت ~~لسبع بقين لجمادي الأولى سنة 367. ### || نبذ من أنباء محمد بن يبقى بن زرب # وهو أحد صدور الفقهاء في زمانه بالأندلس؛ فقد كان ذاك يسمى في علمه وورعه ~~ابن القاسم. وكان له حظ كبير من علم الإعراب والفقه، يجمع ذلك إلى العبادة، ~~وسرد التلاوة للقرآن. وكان من أخطب الناس فوق منبر، وأحسنهم ترتيلا لمنطقه، ~~وأظهرهم خشوعا في موقفه لخطبته، وأقرعهم ms077 لمن تقرعه بوعظه؛ لا يملك أحد من ~~البكاء عينيه، عند سماعه. قال فيه ابن عفيف: يحقق قول الحسن البصري من أن ~~الموعظة، إذا خرجت من القلب، وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان، لم تجاوز ~~الأذان. وكان في تعرفاته حازما فطنا. قال ابن حيان: سمعت المشيخة يقولون ~~إنه لما ولي القضاء، احتبس خواص أصحابه المشاورين، وقد جاءوه مهنين؛ فأمر ~~غلامه: فكشف عن مال عظيم صامت في صندوق له، وقال: يا أصحابنا، قد عرفتم ما ~~نحن به من تولى القضاء قديما من سوء الظنة؛ وأخشى أن أطلق الناس على غرضي ~~{وهذا حاصلي، وفيه من العين كذا، وفي مخازني ما بقي بقيمته، وحظى من ~~التجارة ما علمتم} فإن فشى من مالي ما يناسب هذا، فلا لوم؛ وإن تباعد عن ~~ذلك، فقد وجب مقتى. وأسأل الله تخليصي مما تنشبت فيه {فدعوا له. وكان، مع ~~سعة حاله وعلمه، مجتهدا، ورعا، كثير الصلاة والتلاوة، حتى قيل إنه كان يختم ~~القرآن كل ليلة. ومن المدارك: رأيت ابن زرب بعد وفاته؛ فسألته؛ فقال: ما ~~وجدت أضر من الاختلاف إلى أبواب الملوك. وما وجدت شيئا أنفع من تلاوة ~~القرآن} ولما بنى المنصور بن أبي عامر مسجد الزهراء، واستشار الفقهاء في ~~التجميع فيه، أفتى القاضي بمنع ذلك. وقال بقوله ابنا ذكوان، وابن المكوى، ~~وابن وليد. وساعده ابن العطار على التجميع؛ فاستحيى ابن زرب، ولم يجمع فيه ~~حتى مات؛ فجمع حينئذ. وقال # PageV01P077 # عنه ابن حارث: كان لا يحكم في شهر رمضان، ويفرغ فيه نفسه للعمل والعبادة، ~~لم يزل مواظبا على ذلك إلى أن مات رحمه الله {قال الحسن بن محمد: وكان أحفظ ~~أهل زمانه للفقه على مذهب مالك وأصحابه، حليما، محتملا، صبورا، نفاعا لمن ~~علق بحبله، جميل المنظر، سهل الخلق، حسن الصورة، طيب الرائحة، نظيف الملبس ~~والمركب والطعام والفاكهة، سمحا، صليبا في ذات الله، رفيقا، لم يحفظ عنه ~~أنه قرع أحدا بسوط مدة قضائه، لا تأخذه مع ذلك في الله لومة لائم. ولم يكن ~~يخاطب الخليفة هشاما ولا المنصور بن ms078 أبي عامر قيم دولته بغير التسديد على ~~الرسم القديم؛ قرأت مخاطبته لهما في كتاب ارتقاب الأهلة المرسوم للقضاة في ~~شهر رمضان، ومخرجه على العادة المعروفة للأعلام فما يصح لديه من أمرها؛ ~~فكانت مخاطبته للأمير هشام: أصلح الله أمير المؤمنين سيدى، وأبقاه، وأيد ~~بطاعته} وكانت مخاطبته لحاجبه المنصور: يا سيدي، ومن وفقه الله لطاعته ~~وعصمه بتقواه! واعتنى القاضي ابن زرب بطلب أصحاب ابن مسرة، والكشف عنهم، ~~واستتابه من علم أنه يعتقد مذهبهم؛ وأظهر للناس كتابا حسنا وضعه في الرد ~~على ابن مسرة، قرئ عليه وأخذ عنه. وكان سنة 350. اتتاب جملة جيء بهم إليه ~~من أتباع ابن مسرة؛ ثم خرج إلى جانب المسجد الجامع الشرقي، وقعد هناك؛ ~~فأحرق بين يده ما وجد عندهم من كتبه وأوضاعه؛ وهم ينظرون إليه في سائر ~~الحاضرين. ووقف يوما هذا القاضي بباب أبي بكر الزبيدي النحوي، معلم الخليفة ~~هشام؛ فلما أوذن به، بادر بالخروج إليه حافيا، مكشوف الرأس، كما كان يجلس ~~في بيته، فوقف بين يديه، قائما على قدميه، إجلالا له، وأبلغ في شكره على ~~تعهد؛ فوافاه ابن زرب حق تكرمته إياه، وسأله الجلوس؛ فأبى عليه وأنشده ~~متمثلا: أقوم وما بي أن أقوم مذلة ... علي فإني للكرام مذلل على أنها مني ~~لغيرك هجنة ... ولا كنها بيني وبينك تجمل قال الحسن بن محمد في كتابه ~~المسمى ب الاحتفال في تاريخ أعلام الرجال: وأمتحن القاضي ابن زرب، على ~~فضله، مع عوام الناس بقرطبة، في باب ابتطائهم للسقي؛ فدعا بهم # PageV01P078 # في المحل الذي توالي عليهم بأعظم ما امتحن به قاض قبله، وذلك أنه برز بهم ~~عشرة مرة: حضر معهم المنصور محمد بن أبي عامر استسقاء واحدا، ولبوسه ثياب ~~بيض، وعلى رأسه أقرف وشي أغبر، على شكل أهل المصايب بالأندلس قديما، قد ~~أبدى الخشوع، وهو باك، ودموعه تسيل على لحيته؛ فتقدم إلى جناح المحراب عن ~~يمين الإمام، وقد كان فرش له هناك حصير ليصلي عليه؛ فدفعه برجله، وأمر ~~بنزعه، وجلس على الأرض، وشهد الاستسقاء؛ فلما تم، أمر القاضي بتفريق صدقات ~~كثيرة ms079 من مال أو طعام عن خليفته وعن نفسه. ولهجت العامة بذم القاضي، ~~واستبطاء الرحمة بوسيلته، وأطلقوا ألسنتهم بالطعن في دينه، ووصفه بالركون ~~إلى ابن أبي عامر، وعابوه بالقبول لهداياه، والاستساغة لعطيته؛ فلما تكرر ~~بالاستسقاء وإبطاء الغيث، هاجت العامة في بعض بروزه إلى الربض، وثارت، ~~فاجتمعوا إليه بعد إتمامه الصلاة، يعطعطون، وينكتونه بمعابه، ويقولون له: ~~بئس الوسيلة أنت إلى الله تعالى والشفيع في إرسال الرحمة، إذ أصبحت إمام ~~الدين، وقيم الشريعة {ثم لا تتورع عن قبول ما يرسل به إليك من الهدية التي ~~لا تليق إلا بالجبابرة} وأبدوا في ذلك، وأعادوا، وهموا أن يبسطوا إليه ~~أيديهم ويمتهنوه، حتى لاذ منهم بالتربة المنسوبة إلى السيدة مرجان، بمقبرة ~~الربض بقرطبة؛ وكانت حصينة الأبواب، منيعة الأسوار، فصار فيها، وأغلق ~~أبوابها عليه، واحتصن بها منهم؛ وأرسل إلى صاحب المدينة يستغيثه، فأرسل ~~الفرسان والأشراط إلى ناحيته؛ فكشفوا عنه من كان قد تلفف به من العامة، ~~وفرقوهم، وانصرف إلى داره سالما؛ وقد لقى منهم أذى شديدا. فلما عاود البروز ~~إلى الاستسقاء بعد ذلك، أرسل المنصور إليه خيلا كثيرة من عنده، أحاطت ~~بأكناف المصلى عند تكامل الناس فيه قبل الصلاة، استظهر بهم على شغب العامة؛ ~~فلم يجسر أحد من السفهاء على النطق بكلمة شر. وكان لا يجلس للحكومة حتى ~~يأكل؛ وكان موصوفا بطيب الطعام: له منه ومن الحلواء والفاكهة وظيفة معلومة. ~~وكان يقول: لا شرف في لونين {ورفع فيه على ما حكاه عياض حديثا لبعض السلف. ~~ثم قال: توفي رحمه الله} في رمضان سنة 381. ومولده في رمضان سنة 319. # PageV01P079 # وتفاقده الناس، وأثنوا عليه حسنا. وأظهر ابن أبي عامر لموته غما شديدا، ~~وكتب لورثته كتاب حفظ ورعاية أنتفعوا به؛ واستدعى ابنه محمدا، وهو طفل، ابن ~~ثلاثة أعوام؛ فوصله بثلاثة آلاف دينار، وألطاف، قيمتها ما يناهز العدد ~~المسمى، وليس ذلك من أفعال المنصور ببدع؛ فقد كان في حسن معاملته للناس، ~~والوفاء لهم، بمنزلة لا يقوم بوصفها كتاب، حتى يقال إنه لا يأتي الزمان ~~بمثله في فضله، ولا طفرت الأيدي بشكله. ومن ms080 عجيب أخبار محمد بن عبد الله بن ~~أبي عامر وحديثه رحمه الله {ما وقع في كتاب الفقيه أبي جعفر أحمد بن سعيد ~~بن أبي الفياض، عند ذكره أيام المنصور ودولته. ونقله غيره؛ ونصه: قال: ~~أخبرني بعض من رويت عنه أنه كان بائتا ليلة، مع بعض إخوانه، في غرفة؛ فرقد ~~رفيقه ودنيه؛ ولم يرقد هو قلقا وسهرا؛ فقال له صاحبه: يا هذا} قد أضررتني ~~في هذه الليلة بهذا السهر؛ فدعني أرقد. فقال: إني مفكر مشغول البال {فقال ~~له صاحبه: يا هذا} وأنت أمير المؤمنين؟ فقال له: هو ذلك {فعجب منه وقال له: ~~بالله} لتأخذ معي هذا الأمر، وساعدني فيه {فقال له: يصلح فلان ويصلح فلان} ~~وسمى له جماعة، وهو لا يجوز من المذكورين أحدا، إلى أن قال له: يصلح أبو ~~بكر بن يبقى بن زرب فقال له ابن أبي عامر: يا هذا {فرجت عني} ليس بالله ~~يصلح أحد غيره {ثم رقد. فمضت الأيام والليالي؛ وولى ابن عامر الخطط، إلى أن ~~صار له ملك الأندلس كله بخلافة المؤيد بالله، واستولى على الأمر والنهي به؛ ~~وذلك الرجل رفيقه وصاحبه يتوقع أن يتذكر المنصور لاحتقاره في تلك الليلة؛ ~~فلما كان في بعض الليالي، مات القاضي ابن السليم ليلا. وكانت لمحمد بن أبي ~~عامر في أيامه عيون بالليل والنهار، لا يقع أمر من الأمور حتى يعلم به. ~~فأخبر بموت ابن السليم ساعة موته في الليل؛ فبعث في ذلك الرجل رفيقه في تلك ~~الساعة. فلما وصل إليه رسوله، تداخله من الفزع غير قليل؛ فخشي على نفسه؛ ~~فنهض إليه، وأكفانه معه؛ فلما وصل قال له: يا هذا} قد مات القاضي ابن ~~السليم {قال: فزاد فزع الرجل، ثم قال له: من ترى أن يولي القضاء؟ قال له: ~~الذي رأيناه تلك الليلة} محمد بن يبقى بن زرب! فقال له المنصور: فانهض ~~إليه، واقرأه سلامي، وبشره # PageV01P080 # بالقضاء، وأخبره بكل ما دار بي معك في تلك الليلة، حرفا بحرف؛ ولا تنقصه ~~شيئا؛ ولا توجده عذرا إن اعتذر {وسكن روع الرجل ونهض ms081 إلى ابن زرب؛ فاعتذر ~~له؛ فلم يقبل له عذرا، وحكى ما دار له مع المنصور قديما؛ فرضى القضاء، ~~وتقدم له. ومن الكتاب المسمى: إن المنصور كان كثيرا ما يترشح للإمارة، ~~ويترجح لملك الأندلس كلها؛ ويكثر من التحدث بذلك في حدثان سنة، وإقبال ~~أمره؛ ويتمنى ذلك، ويرصده، ويعد به أصحابه، ويوليهم الخطط، ويمنيهم ~~بالولايات، فيأتي ذلك كما يذكره، وعلى ما كان يرسمه. ومنه قال: أخبرني ~~الفقيه أبو محمد علي بن أحمد، قال: أخبرني محمد بن موسى بن عزرون، قال: ~~أخبرني أبي، قال: اجتمعنا يوما في منتزه لنا، بجهة الناعورة بقرطبة، مع ~~المنصور بن أبي عامر؛ وهو في حداثة سنة، وأوان طلبه، وهو مرجى مؤمل، ومعنا ~~ابن عمه عمرو بن عبد الله بن عسقلاجة، والكاتب ابن المرعزي، والحسن بن عبد ~~الله بن الحسن المالقي. وكانت معنا سفرة فيها طعام؛ فقال ابن أبي عامر، من ~~ذلك الكلام الذي كان يتكلم به: إني لا بد أن أملك الأندلس، وأقود العساكر، ~~وينفذ حكمي في جميع الأندلس} ونحن نضحك معه، ونتعجب من قوله؛ فقال لنا: ~~تمنوا علي {فقال كل واحد منهم؛ فقال عمرو بن عبد الله بن عمه: أتمنى أن ~~توليني على المدينة} نضرب ظهور الجناة ونفتحها مثل هذه الشاردة {وقال ابن ~~المرعزي: أشتهي أن توليني أحكام السوق} وقال ابن الحسن: أحب أن توليني قضاء ~~رية {قال موسى بن عزرون: فقال لي: تمن أنت} فشققت لحيته، وقلت كلاما سمجا. ~~فلما صار المنصور إلى ما صار إليه من ملك الأندلس، ولي ابن عمه المدينة، ~~وابن المرعزي السوق، وولي ابن الحسن رية، وبلغ كل واحد منهم إلى ما تمنى. ~~وأغرمني مالا عظيما أحجف بي وأفقرني، لقبح ما كنت قد جئته به. وكان المنصور ~~من أهل الذكاء والنبل والبأس والحزم؛ تصرف، بعد العلم والطلب، أيام الخليفة ~~لحكم، في الأمانات والقضاء؛ ثم ملك الأندلس بولاية الحجابة لهشام، وذلك في ~~النصف من شعبان سنة 366؛ فاستولى على كثير من الأمصار، وصار خبره أطيب ~~الأخبار. ولم يزل على حالته من الظهور، والعز المتصل ms082 المشهور، إلى أن توفي ~~بمدينة سالم، سنة 392، وهو منصرف من غزو بلاد الروم. وقد كان عهد إلى ثقاته ~~أن يدفنوه # PageV01P081 # حيث يموت، ولا يحملوه في تابوت؛ فقبروه هنالك. وعلى مشهده مكتوب رحمه ~~الله وأرضاه {: آثاره تنبيك عن أخباره ... حتى كأنك بالعيان تراه تالله} ما ~~يأتي الزمان بمثله ... أبدا، ولا يحمى الثغور سواه ### $ ذكر الحسن بن عبد الله الجذامي قاضي رية # وأما الحسن بن عبد الله الجذامى المالقى، فهو أول قضاة الدولة العامرية ~~بكورة رية، حسبما حكاه ابن أبي الفياض ونقله غيره. وكان رحمه الله! فقيها، ~~نبيها، فطنا، متفننا، بصيرا بمذاهب العلماء، نفاعا للفقهاء، شديدا على أهل ~~الأهواء، رفيقا بالضعفاء، سكن بقرطبة مع أبيه، إذ كان له بها مال وإصهار، ~~وتردد إليها. وصحب فيها، أيام قراءته، محمد بن أبي عامر وغيره من أهلها، ~~وأخذ عن أشياخها. وأصله من رية. من العرب الشأميين، النازلين بها عند ~~الفتح. واختص سلفه منهم بسكنى مآلقة، وهي إحدى مدائن الكورة؛ وحد عمالتها ~~في القديم، من جهة الشرق، الحمة، حيث الماء السخن العجيب الغريب؛ ومن ناحية ~~الغرب، حصن الورد، المعروف الآن بمنت ميور، القريب من مربلة؛ ومن جهة ~~الجوف، وادي شنيل، حيث حصن بني بشير، والرنيسول، ثم الأرض المعروفة ~~بالخنوس، إلى قرية جليانة القريبة من استبة، إلى حوز مورور. قال القاضي أبو ~~عبد الله بن عسكر، صدر كتابه الذي وصف فيه مالقة: أما الاسم المنطلق على ~~جميع الكورة فرية؛ وأظنها اسما عجميا. والري عندهم الملك ونحوه؛ ولهذا ~~الاسم توجد في كتب الأعاجم. وكان ابن الحسن المتقدم الذكر من أصحاب ~~المنصور، الملازمين له في أسفاره، لم يختلف عنه في غزواته إلى بلد، مدة ~~حياته، معقودا له على جند بلده، معظما في قطره، مرجوعا إلى نظره؛ وكان كثير ~~البدار إلى ملاقاة العدو بنفسه. وكان هجيراه عند القتال # PageV01P082 # قول رسول الله صلى الله عليه وسلم {: لا يجتمع كافر وقاتله في النار ~~أبدا} واستشهد رحمه الله في غزوة جربيرة المشهورة، في جملة من استشهد من ~~المسلمين؛ وكانوا نحو ثمانمائه فارس: قتل ms083 فيهم رؤساء العسكر، مثل يحيى بن ~~مطرف، وقاسم بن منصور، والكثير من وجوه الناس. ثم نصر الله جنده وعسكره؛ ~~فحسن الظن وحقق الرجاء، ومنح عبادة الظفر، بعد اليأس منه. قال أحمد بن ~~سعيد: وذلك برأي رأه المنصور بن أبي عامر. وهو أن عهد وشدد في نقل المحلة ~~إلى ربوة مشرفة، أشرف منها على جميع النصارى؛ فلما رأى الناس شخصه في ~~أعلاها، وعلموا مكانه، رجحوا ظنونهم، مع ما ألقى الله تعالى في قلوب الروم ~~من الرعب، وأن المسلمين في قوة، والمدد يأتيهم، والأجناد تتكافل عليهم؛ ~~فانهزموا وتفرقوا؛ وتبعهم المسلمون نحو عشرة أميال، واستولوا على محلتهم. ~~وعند ذلك كتب المنصور كتابه المشهور إلى من فر عنه من جنود، يوبخهم. ومن ~~فصوله ما نصه: وكثيرا ما فرط من قولكم، وسبق من عزمهم، إنكم تجهلون قتال ~~المعاقل والحصون، وتشتاقون ملاقاة الرجال على العجول. فحين جاءكم شانجه ~~بالأمنية، وقاتلكم بالشرطية، وظهرت لكم رعلة الطائفة النصرانية، أنكرتم ما ~~عرفتم، ونفرتم ما ألفتم، حتى فررتم فرار اليعافير من آساد الغيل، وأجفلتم ~~إجفال الرئال عن المقتنصين {فألحقتم العار بأنفسكم، بعد اختياري لكم؛ ~~وطرقتم الشر على أعناقكم، وضيعتم حرماتكم، وأحضرتم ذمتكم؛ فلا نعمتي رعيتم، ~~ولا تزييني حفظتم، ولا وجوهكم أبقيتم، ولا غضب الله ورسوله أتقيتم} فقد قال ~~الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا {إذا لقيتم فئة، فاثبتوا واذكروا الله ~~كثيرا؛ لعلكم تفلحون} " وقال: " ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال، أو ~~متحيزا إلى فئة، فقد باء بغضب من الله؛ ومأواه جهنم وبئس المصير {" ففيم ~~ولم كان انحيازكم، أشكا في وعد ربكم؟ أم خورا في أصل طبعكم؟ أم عجزا عن دفع ~~باطلهم بحقكم؟ ما كان إلا لسفه أحلامكم وسوء نظركم في عاقبة أموركم} يا ~~أحلام الأطفال، وأخلاق الرجال! أنجوتم إلى دار الفناء، التي لا تنقطع ~~همومها # PageV01P083 # ولا ترتفع غمومها؟ وتركتم النزوع إلى دار البقاء، التي لا ينصرم نعيمها؟ ~~لولا رجال من الله صدقوا، فرفضوا عنكم العار بجلادهم وحرروا رقابكم من الذل ~~بجهادهم، وبذلوا في الله ما بذلوا بحكم القرآن، ms084 والرعاية لذمم الدين ~~والسلطان، لبرئت من جماعتكم، وأوجبت المؤاخذة على كافتكم، وخرجت الإمام ~~والأمة عن عهدتكم، ونصحت المسلمين في الاستبدال منكم بغيركم {ولن أعدم من ~~الله العلي العظيم عاجل نصر وحسن عقبى لعباده المخلصين، وأوليائه المتقين} ~~فلا بد أن ينصر دينه بما شاء " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون! " ~~وخلف القاضي ابن الحسن بعد وفاته، في مكان يتولاه، أخوه أحمد بن عبد الله ~~ابن الحسن. قال عياض، وقد ذكر في مداركه: سمع من قاسم بن أصبغ وغيره. ~~واستقضى بكورة رية إلى أن توفي. وكان مشاورا. وكتب عنه فيما قيل. توفي في ~~آخر سنة 392. ### $ ذكر القاضي ابن برطال والقاضي أبي العباس بن ذكوان # وتقدم بقرطبة قاضيا، بعد ابن زرب، محمد بن يحيى بن زكرياء التميمي، ~~المعروف بابن برطال، خال المنصور محمد بن أبي عامر. ثم تلاه أبو العباس ~~أحمد بن عبد الله بن ذكوان، وتسمى بقاضي القضاة. قال ابن عفيف: وكان من خير ~~القضاء نزاهة، وعلما ومعرفة، ورزانة، وعدلا، وحزامة. وقال غيره: كان القاضي ~~أحمد بن عبد الله في ولايته موقر المجلس، مهيب الحضرة؛ ما رأيت مجلس قاض قط ~~أوقر من مجلسه. وكان إذا قعد للحكم في المجلس، وهو غاص بأهله، لم يتكلم أحد ~~منهم بكلمة، ولم ينطق بلفظة غيره وغير الخصمين بين يديه، وإنما كان كلام ~~الناس بينهم إيماء ورمزا، إلى أن يقوم القاضي؛ فصار حديثه في ذلك عجبا. ~~ولقد أتته، في بعض مجالسه، من الأديب أبي بحر أنس بن أحمد الجياني، داهية ~~لم يبلغه بمثلها أحد، لفرط هيبته؛ وذلك أنه كلم بين يديه خصما له، كلاما ~~استطال فيه عليه، بفضل أدبه، وطلاقة لسانه؛ وفارق عادة المجلس في التوقير، ~~فرفع صوته، وعز عطفه # PageV01P084 # وحسر عن ساعديه، وأشار بيديه، مادا لهما إلى وجه خصمه، واعيا على الأعوان ~~تقديمه. فتاوله القاضي بنفسه، وأنكر عليه إكثاره، وقال: مهلا {عافاك الله} ~~اخفض صوتك واقبض يدك {فقال له أنس: ومهلا يا قاضي} أمن المحذرات أنا؟ فأخفض ~~صوتي، وأستر يدي، وأغطي معصمي لديك {أم من ms085 الأنبياء أنت؟ فلا أجهر بالقول ~~عندك} وذلك شيء لم يجعله الله تعالى إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{لقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. " ولست ~~به ولا كرامة} وقد ذكر الله تعالى أن النفوس تجادل عنده يوم القيامة في ~~الموقف الذي لا تعدله مقامات الدنيا في الجلالة والهيبة. قال الله تعالى " ~~يوم تأتي نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون {" لقد ~~تعديت، يا قاضي} طورك {وعلوت في منزلتك} وإنما البيان، بعبارة اللسان، ~~وبالمنطق، يستبين الباطل من الحق؛ وإنما البوس، مع النحوس، ولا بد في ~~الخصام، من إفساح كلام {قال: فبهت القاضي بقوله، وأغضى على تقريعه، وجعل ~~يقول: الرفق أولى من الخرق} وانصرف أنس، والناس يعجبون من صبره له. قال: ~~وكان من أرفع خلال القاضي ابن ذكوان، صحة رأيه، وإمحاضه النصيحة لمن شاوره. ~~ولاه القضاء المنصور بن أبي عامر؛ وكان من جلة أصحابه وخواصه؛ ومحله منه ~~فوق محل الوزراء، يفاوضه في تدبير الملك وسائر شأنه. قال عياض في مداركه: ~~لم يتخلف عنه في غزوة من غزواته، ولا فارقه في ظعن ولا إقامة؛ وكذلك كان ~~حاله مع ولديه المظفر والمأمون بعده: وقد تيمنوا برأيه، وعرفوا النجاح في ~~مشورته. وكان له بداخل القصر بيت خاص به، يأتيه آخر النهار؛ فيجلس فيه إلى ~~أن يخرج إليه ابن أبي عامر: فيفاوضه في جميع ما يحتاج إليه. وربما بات عنده ~~بالنزاهة وخفة الوطأة، حتى قيل إنه ما سأله، على مكانته منه، حاجة لنفسه ~~ولا لغيره بتصريح، مع كثرة ما انقضت على يديه من حوائج الناس؛ بل كان يعرض ~~ما يحتاج إليه # PageV01P085 # عرضا بالمنكر والمستحسن، فيستطرد للبحث عنها. ولم يزل على هذا إلى أن ~~توفي المنصور، وولى ابنه المظفر؛ فزاد أثره، إلى أن فسد ما بين القاضي وبين ~~وزير الدولة عيسى بن سعيد، بسبب فسخ شراء ضيعة اشتراها عيسى من ولد ابن ms086 ~~السليم السفيه؛ فقضى ابن ذكوان بردها إلى السفينة، وفسخ بيعه. فالتحمت ~~بينهما العداوة، وعمل عيسى في طلب ابن ذكوان وجوه الحيلة، إلى أن أوقع ~~المظفر بخادمه، الغالب على أمره، طرفة؛ فسعى به عيسى. وكانت لابن ذكوان من ~~طرفة ألطف منزلة. ونسب عيسى طرفة وأصحابه إلى القدح في الملك؛ فقتل طرفة ~~فاشتملت التهمة على ابن ذكوان خاصة؛ فوجد عيسى السبيل. وصرف المظفر أبا ~~العباس بن ذكوان عن القضاء والصلاة، وصرف أخاه أبا حاتم عن المظالم؛ وساء ~~رأيه فيهما. وولي القضاء والصلاة عبد الرحمن بن فطيس؛ فلم يقم، على ~~استقامته واستقلاله، مقام ابن ذكوان لتبريزه. فحن القضاء إليه، وأسف الناس ~~على فقده. وحسن رأي عبد الملك عما قريب منه؛ فصرف أبا العباس إلى خطته بعد ~~تسعة أشهر من عزله؛ فازداد رفعة إلى رفعته، وسمت حاله عند المظفر، لا سيما ~~عند اتهامه وزيره عيسى عدو ابن ذكوان بالقدح في دولته، وبطش المظفر به ~~وقتله إياه؛ ففرغ مكانه لأبي العباس، واستراح منه. فلم يكن يجري شيء من ~~أمور المملكة إلا عن مشورة ابن ذكوان، إلى أن هلك عبد الملك المظفر، وولى ~~أخوه عبد الرحمن، فرفع منزلته، وولاه الوزارة مجموعة إلى قضاء القضاة. وبقي ~~ذلك إلى أن انقرضت دولة بني عامر، بقيام المهدي بن عبد الجبار المرواني ~~عليهم، أول ملوك الفتنة، وأحقد الناس على ابن ذكوان لخاصته من العامرية، ~~ناقما عليه أحكاما أمضاها عليه في قضائه، فتوقف عنه لجلالته، وأزال عنه اسم ~~قاضي القضاة واقتصر به على قضاء الجماعة. وعلى إثر ذلك قتل المهدي، وبايع ~~الناس لهشام، خلافته الثانية. وقام واضح الصقلبي بأمره وحجابته؛ والبرابرة، ~~مع سليمان المستعين، يأتون قرطبة، ويرومون دخولها؛ وكان ميل الناس وابن ~~ذكوان إلى السلم وصلح البرابرة؛ فيقال إن ابن ذكوان نصح لهشام في واضح؛ ~~فبلغته المناصحة؛ فسعى على بني ذكوان بعلة التهمة في الميل إلى البرابرة، ~~وأن الناس تبع لاشارتهم. فنفذ أمر هشام بإخراجهم عن الأندلس، ونقيضهم إلى ~~العدوة؛ فحملوا إلى المرية، وأجيزوا لحينهم # PageV01P086 # البحر في الحال شدة ارتجاجه؛ وعنف ms087 بهم، وسلبوا دوابهم وثيابهم. فكتبت ~~سلامتهم، وخرجوا إلى وهران؛ وقامت لنكبتهم بقرطبة القيامة. ثم قتل واضح ~~وحسن الرأي فيهم، ووجه عنهم، وعادوا إلى وطنهم، إلا أنهم لم يتعاودوا ~~العمل، ولا تقلدوه، مع تكرار الرغبة لهم. وتمادى أبو العباس على حالته من ~~السكون والانقباض، إلى أن توفي سنة 413. ثم تلاه أبو حاتم أخوه. ورثى ~~الأديب ابن الحناط الضرير أبا العباس بقصيدة فريدة، أولها: عفاء على الأيام ~~بعد ابن ذكوان ... وقبحا لدنيا غيرت كل إحسان سأبكي دما بعد الدموع بعبرة ~~... تغير إحساني وتعبر عن شأني وإن حياتي اليوم بعد وفاته ... دليل بأن ~~العذر في كل إنسان أحقا سراج العلم أخمده الردى ... وهدم ركن الدين من بعد ~~شان وغودر في دار البلا علم الهدى ... فزعزع آساس مضعضع أركان فشقت عليه ~~المكرمات جيوبها ... وألقت رؤوس المجد عنها محان ### $ ذكر القاضي أبي المطرف بن فطيس # ومن القضاة بعد ابن ذكوان، أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن ~~فطيس. وقد كان تقلد خطة المظالم بعهد المنصور محمد بن أبي عامر؛ فكانت ~~أحكامه شدادا، وعزائمه نافذة؛ وله على الظالمين سورة مرهوبة. وشارك الوزراء ~~في الرأي؛ إلى أن ارتقى إلى ولاية القضاء بقرطبة، مجمعا إلى خطة الوزارة ~~والصلاة؛ وقل ما اجتمع ذلك لقاض قبله بالأندلس. ولقد بلغني أن عبد الرحمن ~~بن بشر، قاضي آل حمود، خاطب ابن هشام، قاضي القيروان، في بعض ما يكاتب له ~~القضاة من أمر الحكومة؛ وكان ابن بشر ممن احتمل إلى خطة القضاء خطة ~~الوزارة، وأثبتهما معا في العقد # PageV01P087 # الذي أدرجه في كتابه إلى ابن هشام، مقدما ذكر الوزارة على القضاء؛ وذلك ~~كان رسمها عند ملوك بني مروان؛ فلما قرأ العقد، رمى بالكتاب وقال: ما عهدنا ~~وزراء القوم تنفذ أحكامهم {وترك النظر في تلك الحكومة. وتعجل منه قاضي ~~الأندلس مخزاة وهجنة. وكان له بداره مجلس عجيب الصنعة، حسن الآلة، ملبس كله ~~بالخضرة: جدراته وأبوابه. وسقفه وفرشه وستوره ونمارقه، وكل ذلك متشاكل ~~الصفات، قد ملأه بدفاتر العلم ودواوين الكتب التي ينظر فيها ويخرج ms088 منها؛ ~~وبهذا المجلس كان أنسه وخلوته رحمه الله} ### $ ذكر القاضي يحيى بن وافد اللخمي # ومنهم يحيى بن عبد الرحمن بن وافد اللخمي. ولي القضاء سنة 401، فاستقل به ~~خير استقلال، على ما كان بذلك الزمان من فتن واعتلال. قال ابن حيان: كان ~~آخر كملاء القضاة بالأندلس علما، وهديا، ورجاحة، ودينا؛ جامعا لخلال الفضل. ~~تقلد الشورى بعهد العامرية، فكان مبرزا في أهلها. وتقلد الصلاة بالزهراء ~~مدة، إلى أن استعفاها؟ ولما قامت فتنة البرابر، كان ابن وافد أحد الأشداء ~~عليهم، وأكبر الناس نفارا منهم؛ فتغلبوا على قرطبة، وخلعوا أميرها؛ واشتد ~~طلبهم على القاضي، وقد استخفى؛ فعثر عليه عند امرأة؛ فسيق راجلا، مكشوف ~~الرأس، نهارا، يقاد بعمامته في عنقه، والمنادى ينادي عليه: هذا جزاء قاضي ~~النصارى، ومسبب الفتنة، وقائد الصلاة {وهو يقول مجاوبا: بل والله} ولي ~~المؤمنين، وعدو المارقين {أنتم شر مكانا، والله أعلم بما تصفون} والناس ~~تتقطع قلوبهم لما نزل به؛ فلقيه في هذه الحالة بعض عداه؛ فقال له: كيف رأيت ~~صنع الله بك؟ فقال: ما أنتم قضاة {كان ذلك في الكتاب مسطورا} ولقيه بعض ~~أصحابه، فقال: نرى أن أبلغ أمرك أبا العباس بن ذكوان؟ فإنه مقبول القول عبد ~~البرابرة فقال: لا حاجة لي بذلك! فأدخل على المستعين سليمان بن الحكم في ~~تلك الحالة؛ فأكثر توبيخه؛ وأغرته به البرابرة؛ فأمر بصلبه. فشرع في ذلك. ~~فوردت عليه شفاعات من الفقهاء والصالحين # PageV01P088 # الذين لا يرى ردهم، يرغبون إليه في شأنه ويقبحون إليه ما أمر به فيه؛ ~~فرفع عنه الصلب والمثلة، وأمر بضمه إلى المطبق، وتثقيفه. وكان السلطان يجري ~~وظيفة على من فيه؛ فكان ابن وافد لا يأكل منها. ولم يبعد رحمه الله {أن ~~اعتل في محبسه؛ فأخرج ميتا في نعش، منتصف ذي الحجة سنة 404؛ فوضعه الأعوان ~~بالساقية، موضع غسل المجاذم. فاحتمله قوم إلى دار صهره؛ فسد بابه في وجه ~~النعش، وتبرأ منه تقية. سمع الزاهد حماد بن عمار بالقصة؛ فبادر، وصار بنعشه ~~إلى منرله؛ فقام بأمره. قال صاحب المدارك. وكان من عجيب الاتفاق أن ابن ms089 ~~وافد كان قد أودع عند هذا الصالح كفنه وحنوطه وقارورة من ماء زمزم لجهازه، ~~فتم مراده. وعدت من كراماته. وجاء بنعشه وصلى عليه في طائفة من العامة عند ~~باب الجامع. ثم ساروا به؛ فواروه التراب غفر الله لنا وله} وعطل سليمان بن ~~الحكم، إمام البرابرة، خطة القضاء بقرطبة طول ولايته، زاعما أنه لم يرتض ~~لها أحدا، لما تأبى عليه وليه أحمد بن ذكوان من تقليدها؛ فعطل اسم القضاء ~~مدة من ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر، إلى أن هلك إمام البرابرة في محرم سنة ~~404، وولى علي بن حمود الفاطمي، وأعاد رسم القضاء الذي كان قد عفا بقرطبة، ~~وأحياه بأن ولاه الفقيه المشاور عبد الرحمن بن بشر. وكان آخر قضاة الخلفاء ~~رحمهم الله تعالى! وذلك سنة 407، ايام تغلب ابن حمود المذكور على ملك بني ~~مروان بالأندلس، وظهوره على آخرهم سليمان بن الحكم صاحب البرابرة، وملكه ~~لدار مملكتهم قرطبة. ثم هلك علي بن حمود، وولى وكانه القاسم أخوه؛ فأمر ~~القاضي عبد الرحمن بن بشر على ما كان يتولاه من القضاء لأخيه. وكذلك فعل ~~المعتلى بالله يحيى بن علي لما ولى، تبع رأي أبيه وعمه في القاضي المذكور؛ ~~فأثبته في مكانه، وقدم محمد بن الحسن، ولد عمته زينب شقيقة أبيه، قاضيا ~~بمالقة أيضا؛ وذلك سنة 426. # PageV01P089 ### $ ذكر محمد بن الحسن الجذامي النباهي قاضي مالقة # ولنذكر الآن في هذا الباب نبذا من أنباء هذا القاضي، وكيفية ولايته ~~القضاء، ومحنته. فنقول: هو محمد بن الحسن بن يحيى بن عبد الله بن الحسن ~~الجذامي النباهي. ولما عرض عليه الأمير يحيى الولاية، تمنع، وأظهر الإباية ~~وسأله المتاركة بالرحم الذي بينهما. واعتذر بأمور، منها صغر سنه، وأخبره أن ~~بالمدينة من هو أقعد منه بالقضاء وأولى به؛ فرد عليه اعتذاره، وعزم عليه ~~عزما أخافه؛ فإنه مد يده إلى سيفه وقال: إن شئت، القضاء؛ وإن شئت، هذا! مثل ~~ما فعل الأمير إبراهيم بن الأغلب مع ابن عمه القاضي عبد الله بن طالب، حين ~~اختاره للقضاء بإفريقية، فأباه. وعند ما شاهد ابن الحسن من ms090 عزم المعتلى ما ~~شاهده، قبل الولاية على شروط، منها أن يستخلف عنه من يظهر له متى احتاج إلى ~~ذلك، وإن كان مقيما بقصره؛ وإن ينفرد يومين من كل جمعة برسم تفقد أملاكه، ~~والنظر في مصالح نفسه الخاصة به؛ وأن يكون له النظر على ولاة الكورة وسائر ~~المشتغلين بها، حتى لا يجري حيف على أحد، في ناحية من نواحيها، ولا يقع ~~فيها نصرف لحاكم في أمرها إلا عن إذنه. فأنفذ ذلك كله وأمضاه. وما كان ~~قصده، على ما قيل عنه، إلا إبعاده الكلفة عن نفسه، وطمعه، عند الاشتراط في ~~تركه. وكان حازما، صارما، عدلا في أحكامه، جزلا. وبقي على حالته إلى أن قتل ~~الأمير يحيى الملقب بالمعتلى بظاهر قرمونة، وتولى الأمر بعده ولده حسن؛ ~~وحاجبه بجاء الصقلبي، ووزيره أبو محمد اللسطيفي؛ فاستعفى ابن الحسن من ~~القضاء، وذهب إلى العدول عن طريق الحاجب والوزير، لما رآه في الدولة من ~~الاضطراب. وفي أثناء ذلك، توفي حسن الأمير، وأراد نجاء بقاء الأمير باسم ~~ابن صغير كان له؛ فمات لحينه. ويقال إن نجاة قتله وأجمع على نحو أمر ~~الحسنين وأن يضبط هو البلد لنفسه؛ فدعا لذلك البربر، وهم كانوا أكثر ~~الأجناد؛ فساعدوه في الظاهر؛ وعظم ذلك عليهم. ثم إن الحاجب ترك اللسطيفي ~~بمالقة، وتوجه إلى الجزيرة ليملكها؛ فلم يتفق له ملكها؛ فرجع إلى مالقة. # PageV01P090 # فلما كان بقرية فرت بعون، قتل الجند نجاء، وقطعوا رأسه؛ وسبق منهم فرسان ~~إلى مالقة؛ فقالوا: جئنا للوزير لنأخذ منه البشرى بدخول نجاء الجزيرة. فلما ~~وصلوا إليه، وضعوا فيه سيوفهم، وقتلوه، واستخرجوا إدريس بن يحيى من محبسه ~~إذ كان معتقلا هنالك من قبل الحاجب والوزير. وبايعه الناس، وتسمى بالعالي ~~بالله، الظاهر بأمر الله. قال القاضي أبو عبد الله بن عسكر، وقد ذكر في ~~كتابه هذا الأمير: وكانت بيعته يوم الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأخيرة من ~~سنة 434. وكان نبيه القدر رفيع الذكر رحيم القلب يتصدق كل يوم جمعة ~~بخمسمائة دينار ورد كل مطرود عن وطنه إلى محله، ولم يسمع بغيا في ms091 أحد من ~~رعيته. وكان أديب اللقاء، حسن اللباس، يقول من الشعر الأبيات الحسان. ثم ~~قال ابن عسكر: قدم للأحكام بمالقة الفقيه أبا عبد الله بن الحسن. ووقفت على ~~كتاب تقديمه بأيدي عقبه، ابتداؤه بعد البسملة: هذا كتاب أمر به، وأنفذه، ~~وأمضاه من عهده، وأحكمه الامام أمير المسلمين، عبد الله العالي بالله، ~~الظافر بحول الله، إدريس بن المعتلى بالله أعلى الله أمره وأعز نصره ~~{للوزير القاضي أبي عبد الله محمد بن الحسن وفقه الله} قلده به القضاء بين ~~المسلمين بمدينة مالقة حرسها الله {وأعمالها. وهو كتاب كبير في رق، وتاريخه ~~في إحدى عشرة ليلة من ربيع الأول سنة 445؛ وعليه توقيع العالي بخط يده، ~~نصه: ينفذ هذا ويعمل عليه} والله الموفق {وهو المستعان} قال ابن عسكر: وكان ~~الحاجب المظفر أبو مسعود باديس بن حبوس بن ماكسن ابن زيري بن مناد ~~الصنهاجى، صاحب غرناطة، يدعو للعلويين الذين بمالقة؛ فلما توفي إدريس بن ~~يحيى العالي، طمع في مالقة، فنزلها بجيشه؛ وكانت بها فتنه. ثم دخلها يوم ~~الثلاثاء منسلخ ربيع الآخر سنة 448، فملكها. وقدم القاضي ابن الحسن ~~الجذامي، المشتهر عقبه الآن ببني النباهي للقضاء والوزارة، على ما كان في ~~أيام العالي، ثم إن باديس خرج عن ملك مالقة إلى ولده الملقب بسيف الدولة ~~بلقين، ورشحه للولاية من بعده، وحمله على مجاملة القاضي بها، والمعاهدة له ~~بسنى إلطافه؛ فعمل بحسب ذلك. ومن جملة مكتوباته له: بسم الله الرحمن ~~الرحيم! هذا ما التزمه، واعتقد العمل والوفاء # PageV01P091 # به، بلقين بن باديس، للوزير القاضي أبي عبد الله محمد بن الحسن سلمه الله ~~{واعتقد به إقراره على خطة القضاء والوزارة، في جميع كورة رية، وأن يجري من ~~الترفيع به، والإكرام له إلى أقصى غاية، وأن يجرى على الجزية في جميع ~~أملاكه بكورة رية حاضرتها وباديتها، الموروثة منها، والمكتسبة القديمة ~~الاكتساب والحديثة، وما ابتاع منها من العالي رحمه الله} وغيره، لا يلزمها ~~وظيفة بوجه، ولا يكلف عنها كلفة على حال، وأن يجرى في قرابته، وخوله، ~~وحاشيته، وعامرى ضياعه، على المحافظة والبر ms092 والحرية وأقسم على ذلك كله ~~بلقين بن باديس بالله العظيم وبالقرآن الحكيم. وأشهد الله على نفسه وعلى ~~التزامه له، وكفى بالله شهيدا! وكتب بخط يده في مستهل شهر رمضان سنة 449. ~~والله المستعان. واستمرت إمارة بلقين بمالقة إلى عام 456؛ فتوفي بها من وجع ~~أصابه. وعادت المدينة إلى ما كانت عليه من إيالة المظفر والده؛ فزاد ابن ~~الحسن أثرة إلى أثرته، وعرض عليه قضاء حضرته؛ ورام نقلته من عادته في ترك ~~الجراية المتعارفة لأمثاله من القضاة؛ فثبت على حالته، ولم يأخذ على القضاء ~~رزقا من بيت المال مدة حياته. وكان عن التعال بالمرتب في غناء، لكثرة ماله، ~~ولما تقدم من إرفاقه بتحرير أملاكه؛ وكانت من الكثرة بحيث ناهز أملاك صاحبه ~~القاضي بإشبيلية، إسماعيل نب محمد بن عباد؛ وربما زاد خارجه، ولا سيما فيما ~~يرجع إلى النفقات والصدقات: فإنه كان يصنع الدعوات الواسعة، ويحضرها شيوخ ~~وقته من الفقهاء والأماثل: فيوليهم إكراما، ويوسعهم إطعاما. وكان في كل ~~رمضان يحذو حذو صهره القاضي بقرطبة أحمد بن زياد؛ فيدعو بدار له، تجاور ~~المسجد عشرة من الفقهاء، في طائفة من وجوه الناس، يفطرون كل ليلة عنده، ~~ويتدارسون كتاب الله بينهم، ويتلونه. وكان يذهب مذهب العباس بن عيسى، أحد ~~أشياخ أبي محمد ابن أبي زيد، أن ينوي الإنسان في كل تطوع وصية يوصي بها، ~~وصدقة برد التبعات المحصولة، لأن ردها أوجب من التطوع؛ وكذلك في الصلوات: ~~إذا أحب أن يتنفل، صلى صلاة يوم، ونوى بها الخمس تكون قضاء عما لا يدري أنه ~~فرط فيه أو فسد عليه. وكان في قضائه ماضيا، مهيبا، صليب القناة، قليل ~~المداراة في الحق، لا يقضي على هناة، ولا يخاف لومة لائم. # PageV01P092 # وجرت عليه بسبب ذلك عظائم، آخرها ما حكاه الأمير عبد الله بن بلقين بن ~~باديس بن حبوس في كتابه المسمى: التبيان عن الحادثة الكائنة بدولة بني زيري ~~في غرناطة. فقال عن جده السلطان المظفر باديس إنه كان قد ولج إلى القاضي ~~أبي عبد الله ابن الحسن النباهي، في أمور مالقة، قليلها وكثيرها. ms093 وكان ابن ~~السقاء صاحب قرطبة قد نقل إليه عنه أن المظفر أراد أن يوليه قصبة مالقة، ~~لولا ما أشار القاضي بخلاف ذلك؛ فحقد عليه ذلك. وكان بمالقة رجل غريب، يعرف ~~بابن البزلياني، طمع في توليه القضاء، وقام في باله أنه، لو فقد النباهي، ~~لم يوجد للقضاء غيره. وكان حسن صاحب الدبوس أمينا للمظفر على الذخائر، قد ~~أشربت نفسه خوف القاضي؛ فاتفق رأى جميعهم على قتل عند ابن الفاسي بقرطبة؛ ~~وكان المذكور يريه الصداقة والتخدم لإرادته. وكانت للقاضي ضيعة بقرطبة، ~~كثيرا ما يتصرف إليها؛ وابن الفاسي يتولى إصلاحها. فلما أتى قدره، مضى على ~~عادته لجهة قرطبة، ونزل بقريته؛ فهبط إليه ابن الفاسي، يقول له: شرفني، يا ~~سيدي {بالطلوع إلي، والقبول لضيافتي} وما هي إلا من مالك ومتاعك في ~~الحقيقة! فطلع هو ومن كان معه من الفقهاء، منهم الأديب غانم؛ فلما تم ~~بالطعام، أراد الانصراف؛ وابن الفاسي قد هيأ له سودانا، متأهبين لأخذه، ~~فبادروا به، وخنقوه؛ وأطلق الأخرين. وعدد عليه قبل ذلك ما أفسده من توليته ~~مالقة. ويحكى أن القاضي المذكور سمع صوتا، في بعض زوايا بيته، نهارا؛ ولم ~~ير شخصا قبل الذي حل به من هاتف، يقول له بصوت ضعيف: قل للوزير القاضي ~~النباهي: ... هل تستطيع دفاع أمره الله؟ فجزع لذلك جزعا شديدا، ولم يدر من ~~أين يؤتى؛ وتكرر عليه الصوت ثلاث مرات. ونافق بعد ذلك ابن الفاسي بقرطبة، ~~ومضى إليه المظفر بنفسه، وعبأ أمواله، وجمع عسكره، ونزل عليها؛ فأحسن ابن ~~الفاسي بميل الجند إلى الرئيس، وخاف على نفسه؛ فخرج من الحصن على غفلة، ~~ودخل في قطعة من البحر، وفر بنفسه. وصار المعقل إلى الحاجب، وثقفه بعد ~~إنفاق كثير عليه، وامتحن قضية القاضي؛ فأعلم بسعي صاحب الدبوس فيها؛ # PageV01P093 # فأمر بقتله وقتل ابنه، أخذا بثأر قاضيه، إذ كان له ناصحا، وعلى دولته ~~مشفقا. هذا ما حكاه الأمير أبو محمد؛ ومن خطه المنسوب له نقلت. قال غيره: ~~وكان مقتل القاضي أبي عبد الله بن الحسن في عام 463. وذكر ابن عسكر في ~~مصنعه عنه، ms094 عند ذكر ولده، أنه استقضى بغرناطة أيضا. والظاهر أن ذلك كان على ~~إثر وفاة سيف الدولة. وقد مضى القاتل والمقتول، وعند الله تجتمع الخصوم! ### $ ذكر القاضي إسماعيل بن عباد وابنه محمد # ومن القضاة بإشبيلية، أبو الوليد إسماعيل بن عباد اللخمي الإشبيلي. قال ~~ابن حيان: كان حسن المعرفة بقطع من الشعر، صالح النظر في الفقه، عالما، ~~كاتبا، حليما، أديبا، حسيبا، وافر النفقة، ذكروا أن أملاكه كانت ثلث كورته، ~~قديم الجاه على سلطان الأندلس من العامرية، مشتغلا لهم بالأمور العظيمة. ~~فولى قضاء بلده وعمله مدة. ثم صرف عنه، أيام المظفر عبد الملك، عند ارتياده ~~للقضاء أهل السلامة برأي ابن ذكوان؛ فاستقدم إلى قرطبة. وولى مكانه أبو عمر ~~بن الباجي نحو سنة؛ فلم يجدوه في أمورهم، ولا قام لهم مقامه؛ فاضطروا إليه ~~وردوه إلى عمله وصرفوا الآخر صرفا جميلا. ولزم ابن عباد عمله؛ ثم قعد عند ~~القضاء، وتوفي سنة 410. وانتصب لرياسة مكانه ابنه أبو القاسم محمد؛ وكان ~~جزلا، ذا أدب ومروءة؛ ولاه القاسم بن حمود القضاء. مكان أبيه؛ فبعد صيته. ~~وكان ممن اعتنى بالعلم، إلى أن ثار ببلده بعد اضطراب بني حمود؛ فثار به، ~~وحاز رياسته، وأورثها عقبة؛ فجاءوا بعد من أجل الملوك بالأندلس، إلى أن ~~أخرجهم عنها المرابطون سنة 484. قال ابن أبي الفياض: وكان سبب ثورة ابن ~~عباد خلع أهل إشبيلية القاسم بن حمود؛ وذلك أنه، لما خرج القاسم من قرطبة، ~~أرسل إلى إشبيلية إلى ابنه في إخلاء ألف وخمسمائة دار لوجوه البربر، فعز ~~ذلك على أهل إشبيلية، فاجتمعوا على أن يضبطوا مدينتهم، ويخلعوا طاعة ~~القاسم. # PageV01P094 ### $ ذكر القاضي أبي الوليد سليمان الباجي # ومن القضاة ببلاد شرق الأندلس، أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي. قال ~~عياض فيه: جال ببلاد المشرق نحو ثلاثة عشر عاما، وكان يصحب الرؤساء، ويقبل ~~جوائزهم، فكثر القائلون فيه من أجل ذلك. ولي قضاء مواضع من الأندلس تصغر عن ~~قدره، فكان يبعث إليها خلفاء، وربما قصدها بنفسه. ومن شعره: إذا كنت أعلم ~~علما يقينا ... بأن جميع حياتي كساعه فلم لا ms095 أكون ضنينا بها ... وأجعلها في ~~صلاح وطاعه والقاضي أبو الوليد هذا من القوم الذين سما ذكرهم بعد وفاتهم، ~~وانقضاء أمد حياتهم؛ فبهرت ولايتهم، واشتهرت في الآفاق درايتهم. ومنهم كان ~~القاضيان أبو بكر ابن عبد الله بن العربي، وأبو الفضل عياض بن موسى ~~اليحصبي؛ فجرت عليهما محن، وأصابتهما فتن، ومات كل واحد منهما مغربا عن ~~أوطانه، محمولا عليه من سلطانه. وقال بعضهم: سم ابن العربي، وخنق اليحصبي ~~تغمد الله الجميع برحمته، وجعل أجورنا موفورة بمنته { ### $ ذكر القاضي أبي الوليد يونس بن مغيث # ومنهم يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث، يكنى أبا الوليد. قلده الخليفة ~~هشام ابن محمد المرواني القضاء سنة 419، وهو شيخ قد زاد على الثمانين؛ وهو ~~ذو ذهن ثابت، جزل الخطابة، حاضر المذاكرة؛ وله كتب حسان في الزهد والدقائق. ~~قال ابن بشكوال، وقد ذكره في صلته قال: صاحبه أبو عمر بن مهدي، وقرأته ~~بخطه: كان نفع الله به} من أهل العلم بالفقه والحديث، كثير الرواية، وافر ~~الحظ، # PageV01P095 # قائلا للشعر النفيس في معاني الزهد وما شابهه، بليغا في خطبته، كثير ~~الخشوع فيها، لا يتمالك من سمعه من البكاء مع الخير والفضل، والزهد في ~~الدنيا، والرضى منها باليسير؛ ما رأيت فيمن لقيت من شيوخي، من يضاهيه في ~~جميع أحواله. كنت، إذا ذاكرته شيئا من أمور الآخرة، رأى وجهه يصفر ويدافع ~~البكاء ما استطاع، وربما غلبه؛ فلا يقدر أن يمسكه. وكان الدمع قد أثر في ~~عينيه وغيرهما، لكثرة بكائه. وكان النور باديا على وجهه. وكان قد صحب ~~الصالحين، ولقيهم من حدثانه؛ ما رأيت أحفظ منه لأخبارهم وحكاياتهم. ومن ~~تآليفه: كتاب فضائل المنقطعين إلى الله. توفي رحمه الله! لليلتين بقيتا من ~~رجب سنة 429. ### $ ذكر القاضي أبي بكر محمد بن منظور # ومن القضاة بقرطبة، محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور القيسي من أهل ~~إشبيلية، يكنى أبا بكر. روى ببلده عن الفقيه الزاهد أبي القاسم بن عصفور ~~الحضرمي، وأبي بكر ابن عبد الرحمن العواد، وغيرهما. واستقضاه المعتمد محمد ~~بن عباد بقرطبة. وكان حسن ms096 السيرة في قضائه، عدلا في أحكامه. ولم يزل متولى ~~القضاء بها إلى أن توفي، في غرة جمادى الأخيرة سنة 464. ذكره ابن بشكوال. ### $ ذكر القاضي أبي الأصبغ عيسى بن سهل # ومن القضاة بغرناطة، أيام دولة الصناهجة، الشيخ الفقيه أبو الأصبغ عيسى ~~بن سهل بن عبد الله الأسدي. ذكره ابن بشكوال؛ فقال فيه: سكن قرطبة. وأهله ~~من جيان، من وادي عبد الله من عملها. روى عن أبي محمد مكي بن أبي طالب، ~~وأبي عبد الله بن عتاب الفقيه وتفقه معه، وانتفع بصحبته وعن أبي عمر بن ~~القطان، وأبي مروان بن مالك، وأبي القاسم بن محمد بن حاتم، وابن شماخ، وأبي ~~زكرياء القليعي وغيرهم. وكان من جلة الفقهاء، وكبار العلماء، حافظا للرأي، ~~ذاكرا للمسائل، عارفا # PageV01P096 # بالنوازل، بصيرا بالأحكام، متقدما في معرفتها. وجمع فيها كتابا حسنا ~~مفيدا، يعول الحاكم عليه. وكتب للقاضي أبي زيد الحشاء بطليطلة؛ ثم للقاضي ~~أبي بكر بن منظور بقرطبة. وتولى الشورى بها مدة. ثم ولي القضاء بالعدوة. ثم ~~استقصى بغرناطة. وتوفي مصروفا عن ذلك يوم الجمعة، ودفن في يوم السبت الخامس ~~من المحرم سنة 486. ومن الكتاب المسمى بالتبيان عن الحادثة الكائنة بدولة ~~بني زيري في غرناطة، تصنيف أميرها عبد الله بن بلقين بن باديس بن حبوس، وقد ~~تكلم في أمر المرابطين؛ فقال ما معناه: إن أمير المسلمين يوسف بن تأشفين، ~~لما استقر بسبته، يروم عبور البحر برسم الجهاد في الأندلس، وجه إليه الأمير ~~عبد الله المتقدم الذكر قاضيه ابن سهل رسولا، في معرض الهناء له، والتلقي ~~بالرحب، والإعلام عن الأمير الذي أرسله بالمسارعة إلى ما يذهب إليه في ~~جهاده؛ فقابله بالمبرة والكرامة، وقال له: لست من يكلف أحدا فوق طاقته ~~{دهاء منه وحذقا. وحين ظهر لابن سهل، على ما حكاه الأمير في الكتاب، ما ~~تحققه من خلاف جند مرسله، واختلال أنفس أهل بلدته، قدم بنفسه عند يوسف بن ~~ناشفين، وتفرب إليه، وأعلمه أن القطر ليس عليه فيه مختلف. ولما كان من ظهور ~~المسلمين على الروم ما كان، وانقلب الأجناد بعد ms097 ذلك، ودانوا المرابط ~~بالطاعة، فتملك عز ونعمة، ورجوا أن يكونوا عنده في أعلى مرتبة، أهملهم، ~~وقطع، وقال: ما نصحوا مولاهم رب الإحسان عليهم} فكيف يكون حالهم مع غيره؟ ~~وعلى إثر ذلك أخر ابن سهل عن القضاء، فالتزم داره إلى وفاته تجاوز الله عنا ~~وعنه، وغفر لنا وله! ### $ ذكر القاضي موسى بن حماد # ومن صدور القضاة، وثقات الرواة، الشيخ الفقيه العدل النزيه أبو عمران ~~موسى ابن حماد. ولي القضاء بجهات شتى؛ فحمدت سيرته، وشكرت طريقته. وكان ~~شديدا على أهل الأهواء، مترفقا بالضعفاء، متقاضيا عن هنات الفقهاء؛ وآخر ~~ولايته مدينة غرناطة: استقضاه عليها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين. # PageV01P097 # ومن المرسوم له عند ذلك ما نصه: وبعد، فإنا قد فرغناك برهة من الدهر ~~لشأنك، وأرسلنا على وجهه الترفيه زمانا من عنانك؛ وحين علمنا أنك قد أخذت ~~لحظك من الإجماع، ودار بتودعك وراحتك دور الأيام، خيرناك لخطة القضاء ثانية ~~بزمانك، وأعدناك إلى سيرتك الأولى من لزامك؛ وقلدناك بعد استخارة القضاء ~~بين أهل غرناطة وأعمالها أمنهم الله وحرسها {للثقة المكينة بإيمانك، ~~والمعرفة الثاقبة بمكانك؛ فتقلد معانا مسددا ما قلدناك، وانهض نهوض مستقل ~~بما حملناك؛ وتلق ذلك بانشراح من صدرك، وانبساط من نفسك وفكرك، وقم في ~~الخطبة مقام مثلك ممن استحكمت سنه ورجح حلمه، وكفه عن التهافت ورعه وعلمه. ~~وليس هذه بأول ولايتك لها، فنبتدئ بوصيتك ونعيد، ونأخذ بالقيام بحقها العهد ~~الموفق السديد؛ بل، قد سلفت فيه أيامك، وشكر فيها مقامك، واستمرت على سنن ~~الهدى أحكامك؛ فذلك الشرط عليك مكتوب، وأنت بمثله من إقامة الحق مطلوب. ~~وإنا على ما نعلمه من جميل نظرك، واعتدال سيرك، لم نر أن نقفل توصيتك بحكام ~~الأنظار القاصية عنك، والقريبة منك؛ فلا تنصر فيها إلا من كثر الثناء عليه، ~~وأشير بالثقة إليه. ولتكن رقيبا على أعمالهم، وسائلا عن أحوالهم؛ فنم بطئ ~~به سعيه، وساء فيما تولاه نظره ورأيه، أظهرت سخطته، وأعلنت في الناس جرحته. ~~فذلك يعدل جانب سواه، ويشربه النصيحة فيما يتولاه} وتأريخ هذا المكتوب ~~أوائل شهر رمضان المعظم ms098 الذي من عام 524. ### $ ذكر القاضي أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد # ومنهم محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد. ذكره ابن بشكوال فقال: قاضي الجماعة ~~بقرطبة، وصاحب الصلاة بالمسجد الجامع بها؛ يكنى أبا الوليد. روى عن أبي ~~جعفر أحمد ابن رزق، وتفقه معه، وعن أبي مروان بن سراج، وأبي عبد الله محمد ~~بن خيرة، وأبي عبد الله محمد بن فرج، وأبي علي الغساني؛ وأجاز له أبو ~~العباس العذري ما رواه. وكان فقيها عالما، حافظا للفقه، مقدما فيه على جميع ~~أهل عصرهن عارفا للفتوى على مذهب مالك وأصحابه، بصيرا بأقوالهم واتفاقهم ~~واختلافهم، نافذا في علم الفرائض والأحوال، من أهل # PageV01P098 # الرياسة في العلم والبراعة والفهم، مع الدين والفضل والوقار والحلم، ~~والسمت الحسن، والهدى الصالح. سمعت الفقيه أبا مروان عبد الحكم بن مسرة ~~يقول: شاهدت شيخنا القاضي أبا الوليد يصوم يوم الجمعة في الحضر والسفر. ومن ~~تواليفه كتاب المقدمات لأوائل كتاب المدونة وكتاب البيان والتحصيل، لما في ~~المستخرجة من التوجيه والتعليل، واختصار المبسوطة، واختصار مشكل الآثار ~~للطحاوي، إلى غير ذلك من تواليفه؛ سمعنا عليه بعضها، وأجاز لنا سائرها. ~~وتقلد القضاء بقرطبة، وسار فيه بأحسن سيرة، وأقوم طريقة. ثم استعفى عنه؛ ~~فأعفى، ونشر كتبه وتواليفه، ومسائله وتصانيفه. وكان الناس يلجؤون إليه، ~~ويعولون في مهماتهم عليه. وكان حسن الخلق، سهل اللقاء، كثير النفع لخاصته ~~وأصحابه، جميل العشرة لهم، حافظا لعهدهم، كثير البر بهم. وتوفي عفا الله ~~عنه! ليلة الأحد الحادي عشر من ذي القعدة سنة 520؛ ودفن عشي يوم الأحد ~~بمقبرة العباس؛ وصلى عليه ابنه أبو القاسم، وشهده جمع عظيم من الناس. وكان ~~الثناء عليه حسنا جميلا. ومولده في شوال سنة 450. وقد كان أيام حياته توجه ~~إلى المغرب، إثر الكائنة التي كانت بين المسلمين والنصارى بالموضع المعروف ~~بالرنيسول، وذلك منتصف شهر صفر عام 520. فاستخار القاضي أبو الوليد في ~~النهوض إلى المغرب؛ مبينا على أمير المسلمين علي بن يوسف بن تأشفين ~~بالجزيرة عليه. فوصل إليه؛ فلقيه أكرم لقاء، وبقي عنده أبر بقاء، حتى ~~استوعب في مجالس ms099 عدة إبراد ما أزعجه إليه، وتبيين ما أوفده عليه، فاعتقد ما ~~قدره لديه، والفصل عنه، وعاد إلى قرطبة؛ فوصلها آخر جمادى الأولى من السنة ~~المذكورة. وعلى إثر ذلك أصابته العلة التي أضجعته، إلى أن أفضت به إلى قضاء ~~نحبه، ولقاء المرتقب من محتوم لقاء ربه. وتبارى الأدباء والشعراء في ~~تأبينه، وحق لهم ذلك رضي الله عنه وأرضاه # PageV01P099 # ### $ ذكر القاضي محمد بن سليمان الأنصاري المالقي # ومن القضاة، أبو عبد الله محمد بن سليمان بن خليفة بن عبد الواحد ~~الأنصاري، ومن أهل مالقة، وجلة علمائها. ولي القضاء ببلده مدة طويلة؛ فسار ~~فيه بأجمل سيرة من العدالة والنزاهة؛ وكان في مذهبه صلبا، ورعا، زاهدا، ~~متفننا، أدبيا؛ وله على كتاب الموطأ شرح كبير حسن فقيد، روى على القاضي أبي ~~الوليد الباجي، وابن عتاب، وابن شماخ وغيرهم. ذكره ابن عسكر في كتابه؛ ثم ~~قال: ومن شعره: كان الزمان وكان الناس أشبهه ... فاليوم فوضى فلا دهر ولا ~~ناس أسافل قد علت لم تعل من كرم ... ومشرقات الأعالي منه أنكاس ومعنى هذين ~~البيتين ينظر إلى قول لبيد بن ربيعة في بيتيه أيضا: ذهب الذين يعاش في ~~أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب يتأكلون مذمة وخيانة ... ويعاب ~~قاتلهم وإن لم يشغب وكان قعود القاضي أبي عبد الله المذكور، لتنفيذ ~~الأحكام، بالمسجد المذكور له من داخل مالقة، بإزاء قبر كان قد حفره ~~بالزيادة هنالك، وأعده لنفسه؛ وفيه دفن. وذلك صدر جمادى الأولى من سنة 500 ~~رحمه الله وأرضاه} وذكره خلف بن عبد الملك ابن بشكوال في صلته؛ وأثنى عليه ~~هو وغيره. ### $ ذكر القاضي محمد بن عبد الله بن حسن المالقي # ومنهم محمد بن عبد الله بن حسن بن عيسى المالقي، يكنى أبا عبد الله. أخذ ~~عن أهل بلده، وألف كتابا حسنا في الزهد، سماه المؤنس في الوحدة، والموقظ من ~~سنة الغفلة. ولي قضاء غرناطة بعد القاضي أبي سعيد، وذلك سنة 515 وكان على ~~الهمة، # PageV01P100 # شريف النفس، موفور الحظ من العلم، عدلا، نزيها، سريا، فاضلا، جليلا، بارع ~~الأدب. توفي سنة ms100 519. ذكره ابن عسكر، وأثنى على تأليفه المذكور. وذكره ابن ~~الزبير وابن عبد الملك. ### $ ذكر القاضي أبي الفضل عياض اليحصبي # ومن القضاة بغرناطة، في حدود 530، عياض بن موسى بن عياض اليحصبي من أهل ~~سبتة. وذكره في صلته خلف بن عبد الملك بن شكوال؛ فقال فيه: يكنى أبا الفضل. ~~قدم الأندلس طالبا للعلم؛ فأخذه بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله محمد ابن ~~علي بن حمدين، وأبي الحسين سراج بن عبد الملك بن سراج، وعن شيخنا أبي محمد ~~ابن عتاب وغيرهم. أجاز له أبو علي الغساني ما رواه. وأخذ بالشرق عن القاضي ~~أبي علي حسن بن محمد الصدفي كثيرا، وعن غيره؛ وعني بلقاء الشيوخ والأخذ ~~عنهم؛ وجمع من الحديث كثيرا. وله عناية كبيرة به، واهتمام بجمعه وتقييده. ~~وهو من أهل اليقين في العلم والذكاء واليقظة والفهم. واستقضى ببلده مدة ~~طويلة؛ فحمدت سيرته فيها. ثم تولى عنها إلى قضاء غرناطة؛ فلم يطل أمده بها ~~وقدم علينا قرطبة في ربيع الآخر سنة 531، وأخذنا عنه بعض ما عنده. وسمعته ~~يقول: سمعت القاضي أبا علي حسن بن محمد الصدفي يقول: سمعت الإمام أبا محمد ~~التميمي ببغداد يقول: ما لكم تأخذون العلم عنا وتستفيدونه منا؟ ثم لا ~~تترحمون علينا {فرحم الله جميع من أخذنا عنه من شيوخنا وغيرهم} ثم كتب إلى ~~القاضي أبي الفضل بخطه يذكر أنه ولد في منتصف شعبان من سنة 476. وتوفي رحمه ~~الله بمراكش، مغربا عن وطنه، وسط سنة 544. قلت: وسكن القاضي أبو الفضل ~~بمالقة مدة، وتمول بها أملاكا، وأصله من مدينة بسطة. ذكر ذلك حفيده في ~~الجزء الذي صنفه في التعريف به وبتواليفه وبعض أخباره وخطبه تغمدنا الله ~~وأياه برحمه # PageV01P101 # ### $ ذكر عيسى بن الملجوم قاضي فاس # ومن القضاة، عيسى بن يوسف بن عيسى الأزدى، من أهل مدينة فاس، وجلة ~~أعيانها، يكنى أبا موسى، ويعرف بابن الملجوم. رحل إلى قرطبة عام 475؛ فأخذ ~~بها عن أبي علي الغساني، وأبي عبد الله بن فرج بن الطلاع، وأبي بكر حازم. ~~وكر راجعا إلى بلده؛ فولى القضاء به. وكان ms101 فقيها نزيها، عدلا، جزلا. وبقي ~~قاضيا إلى أن توفي في شهر رجب عام 543. ذكره ابن الزبير وابن عبد الملك. ### $ ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن الحاج # ومنهم، محمد بن أحمد بن خلف بن إبراهيم التجيبي، المعروف بابن الحاج، ~~قاضي الجماعة بقرطبة؛ يكنى أبا عبد الله. روى عن أبي جعفر أحمد بن زرق ~~الفقيه، وتفقه عنده؛ وقيد الغريب واللغة والأدب عن أبي مروان عبد الملك بن ~~سراج، وسمع من أبي عبد الله محمد بن فرج الفقيه، ومن أبي علي الغساني ~~وغيرهم. وكان من جلة الفقهاء، وكبار العلماء، معدودا في المحدثين والأدباء، ~~بصيرا بالفتيا، راسما في الشورى؛ وكانت الفتوى في وقته تدور عليه، لمعرفته، ~~وثقته، وديانته. وكان معتنيا بالحديث والآثار، جامعا لها، مقيدا لما أشكل ~~من معانيها، ضابطا لأسماء رجالها ورواتها، ذاكرا للغريب والأنساب واللغة ~~والإعراب، وعالما بمعاني الأشعار والسير والأخبار. قال ابن بشكوال: قيد ~~العلم عمره كله، وعنى به عناية كاملة: ما أعلم أحدا في وقته عني كعنايته. ~~قرأت عليه، وسمعت، وأجاز لي بخطه. وكان له مجلس بالجامع بقرطبة، يسمع الناس ~~فيه. وتقلد القضاء بقرطبة مرتين وكان في ذاته لينا، صابرا، طاهرا، حليما، ~~متواضعا، لم يحفظ له جور في قضية، ولا ميل بهواة، ولا إصغاء إلى عناية. ~~وكان كثير الخشوع والذكر لله تعالى. ولم يزل، آخر عمره، يتولى القضاء ~~بقرطبة، إلى أن قتل ظلما بالمسجد الجامع بقرطبة، يوم الجمعة، وهو ساجد ~~لأربع بقين من صفر من سنة 529. ومولده في صفر سنة 458. وكتابه من نوازل ~~الأحكام، المتداول لهذا العهد بأيدي الناس، من الدلائل على تقدمه في ~~المعارف وبراعته تغمدنا وإياه برحمته} # PageV01P102 ### $ ذكر القاضي أبي القاسم بن حمدين # ومن صدور القضاة، أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن عبد العزيز بن حمدين ~~التغلبي، قاضي الجماعة بقرطبة. ذكره ابن بشكوال في كتابه، فقال فيه: يكنى ~~أبا القاسم. أخذ عن أبيه، وتفقه عنده، وسمع من أبي عبد الله محمد بن فرج، ~~وأبي علي الغساني، وأبي القاسم بن مدين المقرئ، وغيرهم. وتقلد القضاء ~~بقرطبة ms102 مرتين. وكان نافذا في أحكامه، جزلا في أفعاله، وهو من بيت علم، ~~ودين، وفضل، وجلالة. ولم يزل يتولى القضاء بقرطبة إلى أن توفي عشي يوم ~~الأربعاء، ودفن يوم الخميس لتسع بقين من ربيع الآخر سنة 521، وصلى عليه ~~ابنه أبو عبد الله. ### $ ذكر القاضي حمدين بن حمدين # ومنهم حمدين بن محمد بن حمدين التغلبي. قال عنه صاحب الذيل: ولى القضاء ~~ببلده، بعد أبي عبد الله بن الحاج الشهيد، في شعبان سنة 529. وكان مقتل ابن ~~الحاج في الركعة الأولى من صلاة الجمعة. ثم صرف ابن حمدين بأبي القاسم بن ~~رشد سنة 532. واستعفى ابن رشد، فأعفى، وأعيد هو ثانية. ثم صرفت إليه ~~الرياسة، عند اختلال أمر المرابطين، وقيام ابن قسي عليهم بغرب الأندلس، وهو ~~على قضاء قرطبة. ودعى له بالإمارة، يوم الخميس الخامس من رمضان سنة 539، ~~وتسمى بأمير المسلمين المنصور بالله. ويقال إن ولايته كانت أربعة عشر شهرا. ~~وتعاورته المحن. فخرج إلى العدوة الغريبة، في قصص طويلة. وأقام هنالك وقتا. ~~ثم رحل إلى الأندلس؛ فاستقر منها بمالقة. ومن أسباب انحياشه إليها، ~~المواصلة القديمة التي كانت بين سلفه، وبين بني الحسن من أهلها؛ فأقام بها ~~إلى أن توفي عفا الله عنا وعنه! وذكره ابن الزبير، في باب أحمد من حرف ~~الألف، وقال فيه ما حاصله: روى # PageV01P103 # عن سلفه، وأهل بلده؛ وولي قضاء الجماعة. وكان ذا رواية، ودراية، وعناية ~~بالعلم. وبويع له. فما استقامت له حال، ولا رضى منه ذلك الانتحال، إلى أن ~~استقر بمالقة تحت إيالة غيره؛ فتوفي بها سنة 547. وبعد وفاته أخرج من قبره، ~~وصلب في اثنى عشر رجلا من أصحابه. وسماه أبو عبد الله بن عسكر في تأريخه، ~~وذكر نبذا من أخباره، وأنه كان يحدث في صغره، بما يؤول إليه أمره في كبره. ~~ووصف كيفية إخراجه من قبره، وصلبه بمالقة، إثر الاستيلاء على رئيسها أبي ~~الحكم بن حسون وقتله، وإنه لم يكن له عقب، وبقي عقب أخيه. قال المؤلف أبقى ~~الله بركته {وعند الفتنة الأشقيلولية، انتقل من بقى من بني حمدين من ms103 مالقة، ~~فاستقروا بمدينة سلا من العدوة الغربية حاطها الله تعالى} وأعقابهم بها حتى ~~الآن، تحت عناية ورعاية. فسبحان مدبر الأمور، ومداول الأيام والشهور! ### $ ذكر القاضي أبي محمد عبد الله الوحيدي # ومنهم، الشيخ أبو محمد عبد الله بن عمر بن أحمد الوحيدي، أحد أعلام زمانه ~~جلالة، وجزالة، ونباهة، ووجاهة، ولي القضاء برية سنة 531، فقام بأعبائه ~~أجمل قيام، فذهب إلى انتقاء الشهود، والتسوية في الأحكام بين الشريف ~~والمشروف، وأخذ في تجديد ما كان قد درس من رسم الأحباس، وتحفظ من جميع ~~الناس. واستمرت ولايته مدة من نحو ثمانية عشر عاما. ثم استشعر من نفسه قصور ~~ملالة، وفتور شاخة؛ فآلى إلى الزهادة، وقبض يده عن أخذ الجراية المتعادة ~~لأمثاله من القضاة، وأكثر من الإفصاح بالإستعفاء، فترك لشأنه، وسمع منه ~~قوله يخاطب أحد طلبته: صن الكتاب ولا تجعله منديلا ... ولا يكن صونه للدرس ~~تعطيلا وسل فقيهك فيما أنت جاهله ... فربما كنت بعد اليوم مسؤولا وله، ~~يراجع الخطيب ابن أبي العيش، وقد تكلم معه في خصومه أحد اللائذين به: # PageV01P104 # وهبك الله وأياي من نعمة السوابغ الضوافي {وأوردك من نسمة العذاب ~~الصوافي} ولا زلت بصيرا بمكايد الناس، خبيرا بظاء خدعهم، ولو كنت في الكناس ~~{فإنهم، كما تدريهم، يريشهم الباطل ويريهم، والعاقل يعظهم ولا يغريهم. ~~ومثلك من الإخوان، ممن علم تلون الزمان، وعرف سير العجم والعرب، ولم يغب ~~عنه الفرق بين السمع والضرب. لا سيما والدنيا الآن قد صارت مكشوفة، وأخلاق ~~أهلها مفصوحة معروفة، فهناك وجب أن يعذر المرء أخاه، وينصر ما قصده من وهيه ~~وتوخاه، والولى تكفيه الإشارة، وإن قصرت عن الغرض المطلوب العبارة، ولقد ~~أقسم ما رفع إلى ذلك الحضم شاهدا بدعواه، ولا أخا ارتدع عن المسارعة إلى ما ~~قاده إليه هواه. وبالجملة فإنما هو دهر ملامات وشؤوم وابتداء عورة ولدود ~~خصوم، وقد رفعت، أيها الأخ الأمر، إلى الذي طال في مثل هذا العمل العمر؛ ~~فهو سبحانه يقضى بالحق، ويمضي حكمه على جميع الخلق، لا إله إلا هو} ~~والسلام. وأكثر أخذه عن القاضيين أبي الوليد ms104 الباجي، وأبي المطرف الشعبي. ~~توفي بعد انقطاعه للعبادة، وإيثار الزهادة، ودفن بمسجد حكمه، المنسوب له ~~إلى هذا العهد، من داخل سور مالقة. ومشى أمير وطنه في جنازته على رجله، ~~وذلك سنة 542. ### $ ذكر القاضي أبي بكر بن العربي المعافري # ومن القضاة بإشبيلية، محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد ~~العربي المعافري، المكنى بأبي بكر، من أهلها. رحل إلى المشرق سنة 485، فدخل ~~الشأم ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، وتفقه عنده. ورحل إلى ~~الحجاز في موسم سنة 489 ودخل بغداد مرتين، وصحب أبا بكر الشاشي، وأبا حامد ~~الطوسي الغزالي، وغيرهما من العلماء والأدباء، وأخذ عنهم. ثم صدر عن بغداد، ~~ولقي بمصر والإسكندرية جماعة. ثم عاد إلى الأندلس سنة 493. وكان من أهل ~~التفنن في العلوم، متقدما في المعارف كلها، متكلما في أنواعها، حريصا على ~~نشرها. استقضى بمدينة إشبيلية؛ فقام بها أجمل قيام. # PageV01P105 # وكان من أهل السرابة في الحق، والشدة، والقوة على الظالمين، والرفق ~~بالمساكين. ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثه. قال المحدث أبو ~~القاسم خلف بن عبد الملك: قرأت عليه بإشبيلية؛ وسألته عن مولده؛ فقال لي: ~~ولدت ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة 468. وتوفي رحمه الله! بالعدوة. ~~ودفن بمدينة فاس في ربيع الآخر سنة 543. وفي تكملة المحدث أبي عبد الله ~~محمد بن عبد الله بن الأبار، عن أبي عبد الله بن مجاهد الاشبيلي الزاهد ~~العابد، أنه لازم القاضي أبا بكر بن العربي نحو ثلاثة أشهر، ثم تخلف عنه. ~~فقيل له في ذلك؛ فقال: كان يدرس، وبغلته عند الباب، ينتظر الركوب إلى ~~السلطان. وذكره الأستاذ أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير في صلته وقال ~~فيه: رحل مع أبيه أبي محمد، عند انقراض الدولة العبادية، إلى الحج سنة 485؛ ~~وسنة إذ ذاك نحو سبعة عشر عاما. فلقي شيوخ مصر وعدد لنا أناسا. ثم قال: ~~وقيد الحديث، وضبط ما روى، واتسع في الرواية، وتقن مسائل الخلاف والأصول ~~والكلام على أيمة هذا الشأن. وعاد إلى بغداد بعد ms105 دخولها، وانصرف إلى مصر؛ ~~فأقام بالإسكندرية؛ فمات أبوه بها، أول سنة 493. ثم انصرف إلى الأندلس؛ ~~فسكن بلده إشبيلية؛ وشوور فيه، وسمع، ودرس الفقه والأصول، وجلس للوعظ ~~والتفسير، وصنف في غير فن تسانيف مليحة حسنة، مفيدة. وولى القضاء مدة، ~~أولها رجب من سنة 538؛ فنفع الله لصرامته، ونفوذ أحكامه. والتزم الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله؛ فأحسن الصبر ~~على ذلك كله. ثم صرف من القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثه. وكان فصيحا، ~~حافظا، أديبا، شاعرا، كثير الملح، مليح المجلس. ثم قال: قال القاضي أبو ~~الفضل عياض بن موسى وقد وصفه بما ذكرته ثم قال: ولكثرة حديثه وأخباره، ~~وغريب حكاياته ورواياته، أكثر الناس فيه الكلام؛ وطعنوا في حديثه. وتوفي ~~منصرفه من مراكش؛ من الوجهة التي توجه منها مع أهل بلده إلى الحضرة؛ بعد ~~دخول مدينة إشبيلية؛ فحبسوه بمراكش نحو عام؛ ثم سرحوه؛ فأدركته منيته ~~بطريقه على مقبرة من فاس بمرحلة؛ وحمل ميتا إلى مدينة # PageV01P106 # فاس. فدفن بها بباب الجيسة. قال: وروى عنه الجم الغفير؛ فمن جملة من روى ~~عنه، من علماء المائة الخامسة، القاضي أبو الفضل عياض بن موسى، وأبو جعفر ~~بن الباذش، وطائفة. والصحيح في القاضي أبي بكر أنه إنما دفن خارج باب ~~المحروق من فاس؛ وما وقع من دفنه بباب الجيسة وهم من ابن الزبير وغلط. وقد ~~زرناه وشاهدنا قبره بحيث ذكرناه أرضاه الله وغفر لنا وله! ### $ ذكر القاضي أبي المطرف عبد الرحمن الشعبي # ومنهم الفقيه الحافظ أبو المطرف عبد الرحمن بن قاسم الشعبي المالقي. ولي ~~القضاء ببلده نيابة، ثم استقلالا. وكان عالما، متفننا، بصيرا بالنوازل، ~~حافظا للمسائل؛ وعليه كانت الفتيا تدور بقطره، أيام حياته، وجرت بينه وبين ~~القاضي أبي بكر بن العربي، عند اجتيازه على مالقة، مناظرات في ضروب من ~~العلوم. وكانت له في الأقضية مذاهب من الاجتهاد، لم تكن لغيره من أهل ~~طبقته، ولا سيما فيما يرجع إلى راوية أشهب؛ ونظره من ذلك أنه كان يقول في ~~اللصوص المحاربين، إذا أخذوا ومعهم أموال؛ ms106 فجاء قوم يدعون ملك الأموال، ~~وليست لهم بينة، إن القول قولهم في أن المال لهم بعد الاستيناء قليلا. ~~وروجع في ذلك فقال: المروى عن مالك أنه قال: يقبل قولهم على اللصوص، ~~ودعواهم بغير بينة. وما أعطاهم مالك ذلك، إلا بسيئة الحال التي عليهم من ~~أنفسهم بالفساد؛ فكانت حالهم السيئة في السعي في الأرض، بغير الحق بينة ~~عليهم. وكذلك كان يقول في الظالم المعروف بأخذ أموال الناس، واستباحتها ~~لغير حق؛ ويردد قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من ~~الفجور، ولا فجور أعظم من الظلم والتسلط على أموال الناس وأبشارهم بغير ~~الحق؛ وقد جعل الله عليهم بذلك السبيل فقال: " إنما السبيل على الذين ~~يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق ". فإذا كان للمظلوم سبيل، فالقول ~~قوله وعلى المدعى عليه؛ فإن البينة في لسان العرب مشتقة من البيان، فكيفما ~~تبين الأمر، فهو بينة كله، # PageV01P107 # فظلم الظالم بينة عليه. ألا ترى أن مدعى اللقطة إنما بينته الوصف للعفاص ~~والوكاء؟ ورب رمية من غير رام؟ وإرخاء الستور بينة، يجب بها للمرأة أخذ ~~صداقها، وتصدق في دعواها؛ فقد صار الستر بينة لها؛ فظلم الظالم يدعى عليه ~~بعد عزله مقبول عليه من مدعيه، لأن ظلمه شاهد بما يدعى عليه، كما كانت ~~معرفة العفاص والوكاء شاهدا لوصفها، والستر شاهد للمرأة. وقد مر طرف من ~~الكلام عند ذكر زياد بن عبد الرحمن من هذا الكتاب على الغاصب والمغصوب. ~~وكان يحكم في الرجل يريد أن ينتقل عن الأندلس بعياله، إلى غيرها من عدوة ~~البحر، فتأبى زوجته الخروج معه، لمكان البحر، وشدته على ركوبه؛ بأن له أن ~~يخرجها، ويسيرها حيث شاء، إذا كان مأمونا في غيبته عليها. وكذلك كان يقول ~~في الأب، إذا أراد أن يرتحل إلى بلده ليسكن فيه، فله أخذ بنيه، ولا يكلف ~~بينة أنه قد استوطن وسكن مدة، لأنه لو تمكن أن يكلف الرجل ذلك فيها قرب، لم ~~يتكلف فيما بعد: فقد يريد أن يرتحل من الأندلس إلى مكة أو مصر أو خراسان، ms107 ~~وهذا مالا يستطاع إلا بذهاب المدد المتطاولة. وقد ذكر ابن الهندي في هذه ~~المسألة وقال ما حاصله: فيجب على النظر أن يكون القول قوله في الانتقال ~~للسكنى وفي الموضع الذي يريد أن يتخذه موطنا، مع يمينه على ذلك. والذي عليه ~~العمل طلب الحاضن، أبا كان أو غيره، ثبوت الانتقال بماله، واستمرار ~~استيطانه في البلد الذي ارتحل إليه. وذكر ابن مغيث أن أقل مدة الاستيطان ~~ستة أشهر، وليس للأب فيما دونها أخذ الولد. ويذكر عن الفقيه أبي المطرف أنه ~~كان يستحضر كتابي الموطأ والمدونة عن ظهر قلب حرفا حرفا ونصا نصا. وله ~~مجموع نبيل في نوازل الأحكام، يقرب من مفيد ابن هشام، إلى جملة تقاييد في ~~مسائل. وتوفي في رجب سنة 499. # PageV01P108 ### $ ذكر القاضي عبد الحق بن غالب بن عطية # ومنهم القاضي عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي، من أهل ~~غرناطة، يكنى أبا محمد، أحد القضاة بالبلاد الأندلسية، وصدور رجالها. وبيته ~~بيت علم، وفضل، وكرم، ونبل. وكان هذا القاضي رحمه الله {فقيها، نبيها، ~~عارفا بالأحكام والحديث والتفسير، أديبا بارعا، شاعرا، لغويا ضابطا، مقيدا. ~~ولي القضاء بمدينة المرية في شهر المحرم عام 529. وألف كتابه المسمى ب ~~الوجيز في التفسير؛ فجاء من أحسن تأليف وأبدع تصنيف. ذكره الأستاذ أبو جعفر ~~بن الزبير في كتابه، وأثنى عليه؛ ثم قال: مولده سنة 481. وتوفي في الخامس ~~والعشرين لرمضان سنة 541 بمدينة لورقة: قصد مرسية مولى، قضاءها؛ فصد عن ~~دخولها، وصرف منها إلى لورقة، اعتداء عليه؛ فتوفي بها رحمه الله} ### $ ذكر القاضي محمد بن سماك العاملي # ومنهم محمد بن عبد الله بن أحمد بن سماك العاملي، يكنى أبا عبد الله. أصل ~~سلفه من مالقة، من بيت نباهة وجلالة. وهو أول من ولي القضاء للموحدين ~~بغرناطة. ذكره الملاحي، وقال فيه ما حاصله: إنه كان فقيها جليلا، ذاكرا ~~للمسائل، عارفا بالأحكام، مسدد الأغراض. وذكره ابن عسكر، وتكلم في المنازعة ~~التي وقعت بينه وبين حسون، وأنه خرج بسببهم فارا إلى غرناطة؛ ثم جاز إلى ~~مراكش، في أول ms108 أمر الموحدين؛ فسكن بها. ومنها ولي قضاء غرناطة. وولي قضاء ~~مالقة أيضا. وذكر الأستاذ ابن الزبير، وأخبر عن أبيه أبي محمد أنه ولي قضاء ~~غرناطة سنة 537. # PageV01P109 ### $ ذكر القاضي عبد المنعم بن الفرس # ومن القضاة بمدينة غرناطة، عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي، ~~المعروف بابن الفرس. ولي القضاء بجزيرة شقر، وبمدينة وادي آش؛ ثم بجيان؛ ثم ~~بغرناطة. ثم عزل عنها. ثم وليها الولاية التي كان من مضمن ظهيره بها قول ~~المنصور له: أقول لك ما قاله موسى عليه السلام {لأخيه هارون: اخلفني في ~~قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين. وجعل إليه النظر في الحسبة والشرطة ~~وغير ذلك، وقام بالجموع كلها أحسن قيام. وألف عدة تواليف، منها كتاب ~~الأحكام. ذكره الأستاذ أبو جعفر بن الزبير وقال: مولده سنة 524. وتوفي عصر ~~يوم الأحد الرابع من جمادى الأولى سنة 597. ودفن في عصر يوم الاثنين بباب ~~إلبيرة؛ وازدحم الناس على نعشه حتى حملوه بالأكف رحمه الله} ### $ ذكر القاضي الحسن بن هاني اللخمي # ومنهم الحسن بن عبد الرحمن بن قاسم اللخمي، من أهل غرناطة، وذوي بيوتها ~~المعروفة بالعلم والفضل. قال فيه الملاحي ما حاصله، إنه روى عن غالب بن ~~عطية، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي محمد بن عتاب، وأبي الوليد بن رشد. وكان ~~من أهل التقدم في النحو والأدب، بارع الخط. ولي القضاء ببلده سنة 541. ~~وتوفي في جمادى الأولى سنة 562. ذكره ابن الزبير وغيره. ### $ ذكر القاضي أبي بكر محمد بن أبي زمنين # ومنهم محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي زمنين المري الإلبيري، يكنى أبا ~~بكر. وهو من بيت محمد بن عبد الملك بن أبي زمنين الزاهد العابد، المصنف في ~~الفقه وغيره. ولي قضاء # PageV01P110 # مالقة في سنة 592. وكان في قضائه عدلا، مهيبا، جزلا، فإذا انفصل من مجلس ~~الحكم، صار من ألين الناس جانبا، وأحسنهم خلقا، وأكثرهم تواضعا، وكان محدثا ~~جليلا فاضلا؛ أخذ عن جماعة منهم أبو مروان بن قزمان، وأبو علي بن سهل ~~الخشني، وابن محرز، وابن النعمة؛ ومن أهل المشرق عن السلفي، ms109 والعثماني، ~~وابن عوف، وغيرهم. وقد كان ولي القضاء قبل مالقة بجهات شتى من الأندلس، ~~منها برجة؛ فكان ينشد، إذا ذكرها أو شاهد أحدا من هلها. إذا جئت برجه ~~مستطلعا ... فحط بها الرحل وأنس السفر ولا تبغ منها خروجا ولا ... دخولا ~~إليها فذاك الحذر فكل مكان بها جنة ... وكل طريق إليها سقر وتوفي القاضي ~~أبو بكر رحمه الله! بغرناطة إثر انفصاله من مالقة، وذلك في عام 602. ### $ ذكر القاضي ابن رشد الحفيد # ومن القضاة بقرطبة، محمد بن أبي القاسم أحمد بن أبي الوليد محمد بن أحمد ~~بن رشد، يكنى أبا الوليد. وهو حفيد أبي الوليد قاضي الجماعة بقرطبة، صاحب ~~كتاب البيان والتحصيل. كان من أهل العلم والتفنن في المعارف. قال ابن ~~الربير: أخذ الناس عنه، واعتمدوا عليه، إلى أن شاع عنه ما كان الغالب عليه ~~في علومه من اختيار العلوم القديمة، والركون إليها. ثم قال: فترك الناس ~~الأخذ عنه، وتكلموا، وممن جاهده بالمنافرة والمجاهرة، القاضي أبو عامر يحيى ~~بن أبي الحسن بن ربيع، وبنوه. وامتحن بسبب ذلك. ومن الناس من تعامى عن ~~حاله، وتأول مرتكبه في انتحاله. وتوفي حدود سنة 598. ومن تواليفه كتاب ~~البداية والنهاية، وكتاب مناهج الأدلة في الكشف عن عقائد الملة، وشرح ~~الحمدانية في الأصول، والكليات في الطب، وشرح رجز ابن سينا، وكتاب فصل ~~المقال، فيما بين الفلسفة والشريعة من الاتصال وغير ذلك. # PageV01P111 ### $ ذكر القاضي أبي محمد عبد الله بن حوط الله الأنصاري # ومن صدور القضاة، وأعلام الفقهاء، الحافظ أبو محمد عبد الله بن سليمان بن ~~داوود بن عبد الرحمن بن حوط الله الأنصاري المالقي. كان رحمه الله! إماما ~~في العلوم، عارفا بالأحكام، متقدما في علم الحديث، وما يتعلق به من ~~التأريخ، والأنساب، وأسماء الرجال، بصيرا بالأصول، أديبا قاهرا، معتنيا ~~بالرواية، زاهدا، فاضلا. ومن شعره: أتدري انك الخطاء حقا ... وانك بالذي ~~تأتي رهين وتغتاب الورى فعلوا وقالوا ... وذاك الظن والأثم المبين ولي ~~القضاء بكور كثيرة من الأندلس وغيرها؛ فولى بإشبيلية، وميورقة، ومرسية، ~~وقرطبة، وسبتة وسلا؛ ثم عاد من سلا، واليا ms110 قضاء مرسية؛ فتوفي بمدينة غرناطة ~~في شهر ربيه الأول سنة 612. فدفن بها. ثم نقل إلى مالقة؛ فدفن بجبانتها. ~~وأخذ عنه عالم كثير. ذكره ابن خميس، وابن الزبير، وابن عبد الملك، وغيرهم. ### $ ذكر القاضي محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن النباهي # ومن القضاة بالأندلس، أيام الأمير محمد بن يوسف بن هود، أبو عبد الله ~~محمد بن الحسن ابن محمد بن الحسن الجذامي النباهي. ذكره محمد بن خميس في ~~التكملة؛ فقال فيه إنه كان من علية الفقهاء، ونبهائهم، ذكيا، فطنا، بارع ~~الخط، كاتبا، بليغا، أديبا، شاعرا مطبوعا، عالي الهمة، سني المحل، كثير ~~الاتباع. ولي القضاء بمالقة في سنة 626 نحوا من أربع سنين، ثم إن أهل مالقة ~~بغوا عليه، وشنعوا عليه القيام على الأمير ابن هود؛ فخرج عن مالقة قاصدا ~~لابن هود إلى إشبيلية، ليعرفه بذلك، ويطلب منه # PageV01P112 # الإقالة؛ فلقي أبا عبد الله الرميمي، وزير ابن هود، فرده عن الطريق إلى ~~مالقة، ثم ذهب معه إلى غرناطة، فأمسك بها في أحد أبراجها مدة، ثم سرح بعد ~~ذلك، على شرط المقام هنالك. قال: وامتحن رحمه الله {في حياته كثيرا. وانتقم ~~الله له ممن ظلمه وبقي عليه؛ فكان في أمرهم عبرة للمعتبرين؛ فما منهم إلا ~~من مات بالسيف والسوط، ورأواهم في أنفسهم، من البلايا والمحن، ما يقصر ~~المعتبر عنه. فنسأل الله العافية} ومن شعره، أيام اعتقاله بغرناطة، يصف ~~روضة ونهرا: أيا روضة تبدى نجوم أزاهر ... وتختال في ثوب من الحسن رائق لقد ~~سال فيك النهر بيضا كأنها ... بياض الشيب في سواد المفارق إذا انساب ما بين ~~الربيع تخاله ... سنى البدر حسنا أو وميض البوارق كأن أليل الماء إذ يخصم ~~الحصى ... مدافع محزون ورنات عاشق وتوفي رحمه الله! بغرناطة، وسيق منها ~~ميتا إلى مالقة، ودفن بجبانة جبل فاره؛ وذلك عام 631. وذكره القاضي أبو عبد ~~الله بن عبد الملك المراكشي في صلته. وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير عنه، ~~إنه أخذ عن أهل بلده مالقة، وتفقه بهم. وولي القضاء به. ثم إن أهل مالقة ~~بغوا ms111 عليه، ونسبوا إليه ما أوجب خروجه عن مالقة. وتوفي بعد سنة 630. وكان ~~القاضي أبو عبد الله بن الحسن جزلا في أحكامه، رماء في تصرفاته، غليظا على ~~ولاة الجور، شديدا في ردع أهل الأهواء والأراء الفاسدة. ورامه ابن هود ~~عندما ولاه قضاء بلدته، ا، يصرف إليه أمانة كورتها، حسبما كانت قبل ذلك، ~~لنظر أبي علي القاضي؛ فتمنع، واستعفى؛ فأعفاه من الأمانة. وتفرد بالقضاء، ~~والنظر في الأحباس؛ فصانها، واسترجع ما كان منها قد ضاع، أيام دول ~~الموحدين، إلى الألقاب المخزنية؛ وقدم لضبطها، والشهادة فيها، ووضعها في ~~أماكنها، الفقيه المقرئ الورع أبا محمد عبد العظيم بن الشيخ، وأجراها على ~~منهاج السداد. واستكتب أبا عبد الله بن علي، المشتهر بابن عسكر، مؤلف ~~الكتاب المسمى بالمشرع الروي، في الزيادة على كتاب الهروي في غريبي القرآن ~~والحديث. ثم استنابه في بعض أعماله، ورشح # PageV01P113 # من الفقهاء كابن الشيخ المذكور، وابن دحمان، وابن ربيع، وابن لب، ~~وأمثالهم. وتثبت في الحكم، وتحفظ في شهود زمانه، وتعفف عن قبول تحف أقاربه، ~~فضلا عن أجانبه. وكان قد انتهى هو وقومه، برية، من سعة الحال، وكثرة المال، ~~وتعدد الرجال، إلى ما يشابه حالة آل حماد بن زيد بالعراق، الذين منهم ~~القاضي إسماعيل بن إسحاق؛ وكانوا قد بلغوا من تنوع الرباع، وكثرة الضياع ~~والآلة والماشية والحرث، إلى محل لا غاية لعهده من الثروة بالنسبة لأمثالهم ~~من أهل زمانهم، حسبما نقلته الثقة عنهم. ولما استقل ابن الحسن برياسة ~~بلدته، رشقته سهام حسدته، وسلقته ألسنة تعديه، ونسب إليه عداته ما كان ~~بريئا منه، من القيام على ابن هود؛ فاعتقل بغرناطة، على ما تقدم، واستخلصت ~~ملاكه، وسيرت للجانب السلطاني؛ وعاثت أيدي الولاة في سائر ماله، وشملت ~~النكبة جملة ناسه. وأخر أخوه عما كان يتولاه من القضاء بالجزيرة الخضراء، ~~وابن عمه عن الجهة الغربية؛ فاستقرا معا بمدينة سبتة. وتعدت العلة إلى ~~الفقية ابن عسكر كاتبه؛ فأنزلته عن محله من الشورى والنيابة؛ وبقى رسم ~~الأحكام الشرعية معطلا جملة. وخلا لعبد الله بن زنون، أحد البغاة، عن محمد ~~بن ms112 الحسن، الجو منه ومن قومه. قال ابن خميس في كتابه: وبقي ابن زنون يشتغل ~~بالطائفة الأخرى التي كانت معه على ابن الحسن، إلى أن أفناهم واحدا بعد ~~واحد، بين النفي والقتل والسجن الطويل؛ وبقى البلد في حكمه؛ فلم يكن ينفذ ~~أمر من الأمور إلا بمشورته. وتمادى أمره إلى أن هلك ابن هود؛ فضبط هو ~~البلد، ورام المقام به؛ فلما خالفت البلاد ورجعت للأمير أبي عبد الله بن ~~نصر، فر ابن زنون؛ فدرك في الطريق، وانتهبت دياره وديار قرابته، ورد إلى ~~مالقة، ليخرج منها مالا أتهم أنه كان عنده؛ وما زال يتعاقب عليه بالضرب، ~~حتى مات. وقيل إنه تناول موسى كانت لديه؛ فذبح بها نفسه. نسأل الله العافية ~~{قال المؤلف أبقى الله بركته} ورب قائل يقول، إذا وقف على ما تضمنه هذا ~~المجموع، من ذكر بني الحسن المالقيين، ونبذ أخبارهم: ما لهذا المصنف أطاق ~~في ميدان القوم عنانه، وأدر من سماء فكره عنانه، وأدمج طي كلامه مدح # PageV01P114 # قومه، وقطع في معرض الثناء عليهم سواد ليلته وبياض يومه، حتى وقع في ~~التشطيط، وأتى بالغريب من التخطيط؟ ولو أخذ بالإمساك عن ذلك كله، لكان من ~~الأجمل بمثله {والجواب أني ما رسمت من أسمائهم، إلا بعض ما علمت من ~~أنبائهم، وأثبتته الأئمة في مصنفاتهم، ودفاتر مروياتهم؛ ومن داخله ريب في ~~محصوله، فليحققه، إن شاء من أصوله} وبالجملة، فإذا كان ذكر الأموات بالخير ~~من الأجانب، فضلا عن الأقارب، قد تعين شرعا، واستحسن طبعا، وتبين أنه على ~~الخير من آكد الحقوق، وأن الإضراب عن إثباته في محله ضرب من العقوق؛ فلا ~~لوم على مثلي، في الإخبار عن قومه، بما يدعو إلى الترحم على أمواتهم، ويبعث ~~على الاعتبار في طوارق أوقاتهم، والمحن التي أصيبوا بها أيام حياتهم. ولو ~~ذهبت إلى التعريف بجملة من يرجع إلى عمود نسبى في هذا الديوان، وشرح ما حدث ~~لهم من النوازل في ماضي الزمان، لخرجت عن الحد الذي قصدته من الاختصار؛ ~~فلذلك اقتصرت من القول على هذا المقدار تجاوز الله عن الجميع؛ ms113 وختم لنا ~~بخير؛ وسار بنا في الطريق التي لا بد من سلوكها أوطا سير، بمنه وفضله! ### $ ذكر القاضي محمد بن حسن بن صاحب الصلاة # ومن القضاة في المائة السابعة، محمد بن حسن بن محمد بن صاحب الصلاة ~~الأنصاري المالقي، من أهل العلم، والعدل، والدين، والفضل؛ له رحلة إلى ~~المشرق، روى فيها عن أعلام أهل العلم؛ ثم عاد إلى الأندلس، فاستقضى بالحصون ~~الغربية من بلده؛ فحمدت سيرته، وشكرت طريقته. ثم ولي الصلاة والخطبة ~~بالمسجد الجامع داخل مالقة، عن رغبة فيه، واجتماع عليه. وكان رجلا صالحا، ~~مزهدا، كثير الحياء؛ فاتفق له، في أول عيد خطب فيه، أن افتتح التحميد؛ فلما ~~رمق الناس ببصره، غلب عليه الخجل، وضعفت قواه، وخانته رجلاه، فقعد؛ وأقيم ~~غيره. وكان فقيها حافظا، مقرئا، متفننا. واستشهد في وقعة العقاب، الكائنة ~~على المسلمين في أيام محمد بن يعقوب من الموحدين؛ وذلك يوم الاثنين الخامس ~~عشر من شهر صفر سنة 609. وذكر عنه من الثبات، والحض على حصول الشهادة، ~~والرغبة في المجاهدة، ما دل على حسن نيته، # PageV01P115 # وصدق بغيته. وفي تلك الكائنة، التي أفضت إلى خراب الأندلس، واستيلاء ~~الروم على كثير من بلادها، فقد الزاهد أبو عمر بن هارون بن أحمد الشاطبى ~~ابن عات، صاحب كتاب الطرر على الوثائق المجموعة، مع طائفة كثيرة، يطول ~~تعدادهم، من العلماء الفضلاء تغمدنا الله وإياهم برحمته { ### $ ذكر القاضي أبي الخطاب أحمد بن واجب القيسي # ومن القضاة أبو الخطاب أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن واجب القيسي. ذكره ~~المحدث أبو عبد الله بن الأبار، وقال: حامل راية الرواية بشرق الأندلس، ~~وآخر المحدثين المسندين. وعدد جملة وافرة من أشياخه. ثم قال: فصار لا يعدل ~~به أحد من أهل وقته عدالة، وجلالة، وسعة أسمعة، وعلو إسناد، وصحة قول وضبط ~~إلى تقلب في العليا، وتقلل من الدنيا، مع رسوخ في الدين والورع، تخنقه ~~العبرة للرقائق، وتعلوه الخشية عند المواعظ. ولي القضاء ببلنسية وشاطبة ~~حقبا عدة، وأوقاتا مختلفة. فما نقمت عليه سيرة، ولا وقعت به استرابة، سوى ~~حدة متعارفة ms114 منه. وذكره ابن عسكر، وأخبر أنه أخذ عن أبي الحسن بن هذيل، ~~وأبي مروان بن قزمان، والقاضي أبي بكر بن العربي، وأبي الوليد بن الدباغ، ~~وغيرهم؛ وقال إنه توفي بمراكش في رحلة إليها، سنة 614. وذكره ابن الزبير ~~فقال: كان رحمه الله} على سنن المتقين، من فضلاء المحدثين، وعدول القضاة، ~~وبقايا الشيوخ الجلة، من أهل العلم والفضل والدين؛ وله جملة مصنفات. وكان ~~بين وفاة القاضي أبي الخطاب، ودخول النصارى بلنسية، أحد وعشرون عاما. ### $ ذكر القاضي إبراهيم بن أحمد الأنصاري الغرناطي # ومنهم إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن الأنصاري المشتهر بالغرناطي. ولي ~~القضاء بجهات شتى، آخرها ميورقة، تقدم بها من قبل أميرها إسحاق بن محمد بن ~~غانية # PageV01P116 # اللمتوني وتصدر بها للإقرار والإسماع؛ فأخذ الناس عنه. وكان رجلا فاضلا، ~~عابدا مجتهدا، زاهدا. ولم ينتقل عن ميورقة إلى أن تغلب عليها الروم، ~~فاستشهد بها، وذلك يوم الاثنين الرابع من شهر صفر سنة 627. ذكره ابن الأبار ~~وقال فيه: كان فقيها أديبان عارفا بالفقه، حافظا له، بصيرا بالوثائق ~~المختصرة المنسوبة له وغير ذلك. ### $ ذكر القاضي أحمد بن يزيد بن بقى الأموي # ومنهم أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي بن مخلد الأموي قاضي القضاة ~~بالمغرب؛ من أهل قرطبة. ذكره أبو عبد الله بن الأبار في كتابه، فقال: يكنى ~~أبا القاسم. سمع أباه أبا الوليد، وجده أبا الحسن عبد الرحمن، وأبا عبد ~~الله بن عبد الحق الخزرجي، وابن بشكوال؛ وسمع من السهيلي تأليفه الروض ~~الأنف؛ وأجاز له شريح بن محمد، وهو ابن عام، وابن قزمان وسواهما. ثم قال: ~~وولي قضاء الجماعة بمراكش، إلى أن تقلد قضاء بلده؛ فسمع منه الناس وتنافسوا ~~في الأخذ عنه؛ وكان أهلا لذلك. وهو آخر من حدث عن شريح. وانفرد برواية ~~الموطأ عن ابن عبد الحق قراءة، وعن ابن الطلاع سماعا. قال المؤلف وفقه ~~الله! وقد قرأت بمدينة مالقة بعض كتاب الموطأ للإمام أبي عبد الله مالك بن ~~أنس، وسمعت سائره على شيخنا المقرئ الحسن الفاضل أبي محمد بن محمد بن أيوب، ms115 ~~وحدثنا به عن الخطيب المحدث أبي علي بن عبد العزيز بن أبي الأحوص القرشي، ~~عن القاضي أبي القاسم بن يزيد بن بقي المذكور. قال ابن الأبار: وأنشدنا ~~الخطيب اليعمري قال: أنشدنا القاضي أبو القاسم بن بقي لنفسه: ألا إنما ~~الدنيا كراح عتيقة ... أراد مديروها بها جلب الأنس فلما أداروها أثارت ~~حقودهم ... فعاد الذي راموا من الأنس بالعكس # PageV01P117 # وتوفي إثر صلاة الجمعة الخامس عشر من رمضان سنة 625. ومن شعره أيضا: إرجع ~~إلى الله ودع غيره ... فكل شيء غيره باطل وكل ما بطلانه ممكن ... فليس يغتر ~~به عاقل قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير، وقد سماه في صلته: إنه كانت له ~~إمامة في اللغة، وعلم العربية؛ وألف كتابا في الآيات المتشابهات، قيل إنه ~~من أحسن شيء في بابه؛ وكان لا يفارقه في سفر، ولا في حضر. وكان قاضي ~~الخلافة المنصورية، القديم الاختصاص بها، والإثرة لديها وكان كتابه إذا كتب ~~حسنا مختصرا سهل المساق محذوف الحشو وكان يميل إلى الظاهر في أحكامه، مدة ~~ولايته. وعلى ذلك كان المنصور في مدته. كان ابن بقى لا يرى الحكم بالتدمية، ~~ولا العمل عليها بوجه. ### $ ذكر القاضي ربيع بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري # وآخر القضاة بقرطبة أعادها الله للإسلام {الشيخ الفقيه أبو سليمان ربيع ~~بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري. ولي قضاءها بعد أبي القاسم بن بقى، من قبل ~~الأمير محمد ابن هود. وقد كان استوطنها قبل ذلك، وأخذ على أشياخها، واكتسب ~~هنالك مالا وعقارا. وأصل بني ربيع، على ما ذكره ابن عسكر وغيره، من صالحة ~~رية، من بيت نباهة ووجاهة. ولم يزل أبو سليمان قاضيا بقرطبة، إلى أن استولت ~~الروم عليها، وذلك يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال من عام 633. فتحول ~~إلى إشبيلية، وبها توفي إثر انتقاله إليها. ويقال إنه ما هاله عظيم الزرء ~~في مفارقة المال والوطن، عند الحاجة إليه، مع سن الشاخة، ولا بلغ لديه شيء ~~من ذلك مبلغ الزرء فيما تلف له من كتبه رحمه الله ونفعه بمصابه} ذكره ابن ~~الأبار وغيره. ms116 # PageV01P118 ### $ ذكر القاضي أبي الربيع سليمان الكلاعي # ومن القضاة بالبلاد الشرقية؛ أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الحميري ~~الكلاعي، من أهل بلنسية. تقدم للقضاء بها؛ فسار في أحكامه بأجمل سيرة، ~~وأحمد طريقة من العدل، والتثبيت والفضل. وكان حسن الهيئة والمركب والملبس ~~والصورة، كريم النفس، يطعم فقراء الطلبة، وينشطهم، ويتحمل مؤنتهم. وكان قد ~~تجول في بلاد الأندلس والمغرب؛ فأخذ عن أبي القاسم حبيش، وأبي بكر بن الجد، ~~وابن زرقون، وأبي الوليد بن أبي القاسم، وغيرهم. قال صاحب التكملة: وكان ~~حسن الخط، لا نظير له في الإتقان والضبط، مع الاستبحار في الأدب، والاشتهار ~~بالبلاغة، فردا في إنشاء الرسائل؛ خطيبا فصيحا مفوها مدركا، مع الإشارة ~~الأنيقة؛ والزي الحسن. وكان هو المتكلم عن الملوك في مجالسهم، والمبين عنهم ~~لما يريدونه على المنبر في المحافل. وولي الخطبة بالمسجد الجامع من بلنسية ~~في أوقات. وكان رئيسا في الحديث والكتابة. وله تصانيف وتواليف مفيدة شهيرة ~~في فنون شتى، منها كتاب الاكتفاء بما تضمنه من مغازي الرسول صلى الله عليه ~~وسلم! ومغازي الثلاثة الخلفاء في أربع مجلدات؛ والمسلسلات من الأحاديث ~~والآثار والإنشاءات وكتاب نكتة الأمثال، ونفثة السحر الحلال؛ إلى غير ذلك. ~~ثم قال: وإليه كانت الرحلة في عصره للأخذ عنه، والسماع منه. وأنشدنا لنفسه: ~~إذا برمت نفسي بحال احلتها ... على أمل باد فقرت به النفس وانزل أرجاء ~~الرجاء ركائبي ... إذا رام إلماما بساحتي اليأس وإن أوحشتني من أماني نبوة ~~... فلي بالرضى بالله والقدر الأنس مولده بخارج بلنسية، أول ليلة الثلاثاء ~~مستهل رمضان سنة 565. وسيق إلى بلنسية، وهو ابن عامين اثنين؛ فنشأ بها، إلى ~~أن استشهد بكائنة أنيشة، على ثلاثة فراسخ منها، مقبلا، غير مدبر، والراية ~~بيده، وهو ينادي المنهزمين: أعن الجنة تفرون؟ # PageV01P119 # إلى أن قتل، وذلك ضحى يوم الخميس الموفى عشرين لذي الحجة سنة 634؛ وهو ~~ابن سبعين سنة إلا شهرا. وفقد من المسلمين، في تلك الكائنة الشنعاء، عالم ~~كثير بين قتيل وأسير. وللإمام أبي عبد الله بن الأبار، في رثاء شيخه أبي ~~الربيع، والإشارة إلى من فقد معه ms117 في الوقعة، من العلماء وسائر الفضلاء، ~~منظوم بديع أوله: ألما بأشلاء العلى والمكارم ... تقد بأطراف القنى ~~والصوارم وعوجا عليها ماربا ومفازة ... مصارع غصت بالطلى والجماجم نحيى ~~وجوها في الحنان وجيهة ... بما بقيت حمرا وجوه الملاحم وأجساد إيمان كساها ~~نحيفها ... مجاسد من نسج الظبي واللهاذم مكرمة حتى عن الدفن في الثرى ... ~~وما يكرم الرحمن غير الأكارم هم القوم راحوا للشهادة واغتدوا ... وما لهم ~~في فوزهم من مقاوم تساقوا كؤوس الموت في حومة الوغى ... فمالت بهم ميل ~~الغصون النواعم وهان عليهم أن تكون لحودهم ... متون الروابي أو بطون ~~التهائم ألا بأبي تلك الوجوه سواهما ... وإن كن عند الله غير سواهم عفا ~~حسنها إلا بقايا مياسم ... يعز علينا وطؤها بالمناسم لئن وكفت فيها العيون ~~سحائبا ... فعن بارقات لحن منها لشائم ويا بأبي تلك الجسوم نواحلا ... ~~بإجرائها نحو الأجور الجسائم تغلغل فيها كل أسمر ذابل ... فجذل منها كل ~~أبيض ناعم فلا يبعد الله الذين تقربوا ... إليه بإهداء النفوس الكرائم ~~مواقف أبرار قضوا من جهادهم ... حقوقا عليهم كالفروض اللوازم أصيبوا وكانوا ~~في العبادة أسوة ... شبابا وشيبا بالغواشي الغواشم فعامل رمح دق في صدر ~~عامل ... وقائم سيف قد في رأس قائم ويا رب صوام الهواجر واصل ... هنالك ~~مصروم الحياة بصارم ومنقذ عان في الأداهم راسف ... ينوء برجلي راسف في ~~الأداهم # PageV01P120 # أضاعهم يوم الخميس حفاظهم ... وكرهم في المأزق المتلاحم سقي الله أشاء ~~بسفح أنيشة ... سوافح يزجيها ثقال الغمائم وصلى عليها أنفسا طاب ذكرها ... ~~بطيب أنفاس الرياح النواسم لقد صبروا فيها كراما وصابروا ... فلا غرو إن ~~فازوا بصفو المكارم وما بذلوا إلا نفوسا نفيسة ... تحن إلى الأخرى حنين ~~الروائم ولا فرقوا والموت يتلع جيده ... بحيث التقي الجمعان صدق العزائم ~~بعيشك طارحني الحديث عن التي ... تعبر عنها رائحات مآثم جلائل دق الصبر ~~فيها فلم تطق ... سوى غض أجفان وغض أباهم أبيت لها تحت الظلام كأنني ... ~~رمى نضال أو لديغ أراقم أغازل من برح الأسى غير بارح ... وأصحب من سام ~~البكا غير سائم وأعقد بالنجم المشرق ناظري ... فيغرب عني ساهرا ms118 غير نائم ~~وأشكو إلى الأيام سوء صنيعها ... ولاكنها شكوى إلى غير راحم وهيهات هيهات ~~العزاء ودونه ... قواصم شتى أردفت بقواصم ومنها: وبين الثنايا والمخارم رمة ~~... سرى في الثنايا طيبها والمخارم بكتها المعالي والمعالم جهدها ... فلهف ~~المعالي بعدها والمعالم كأن لم تبت تغشى السراة قبابها ... ويرعى حماها ~~الصيد رعى الصوائم سفحت عليها الدمع أحمر وارسا ... كما نثر الياقوت أيدي ~~النواظم وسامرت فيها الباكيات نوادبا ... يؤرقن تحت الليل ورق الحمائم ~~وقاسمت في حمل الرزية قومها ... وليس قسيم البر غير المقاسم فوا أسفا للدين ~~أعظم داؤه ... وأياس من أسد لمسراه حاسم ووا أسفا للعلم أذوت ربوعه ... ~~وأصبح ممدود الذرى والدعائم تفرد بالعلياء علما وسؤددا ... وحسبك من عال ~~على الشهب عالم متى صادم الخطب الملم بخطبه ... كفى صادما منه بأكبر صادم # PageV01P121 # له منطق سهل النواحي قريبها ... فإن رمته ألفيت صعب الشكائم وما الروض ~~حلاه بجوهره الندى ... ولا البرد وشته أكف الرواقم بأبدع حسنا من صحائفه ~~التي ... تسيرها أخلاقه في الأقالم أتاه رداه مقبلا غير مدبر ... ليحظى ~~بإقبال من الله دائم هنيئا لك الحسنى من الله إنها ... لكل تقي خيمه غير ~~خائم تبوأت جنات النعيم ولم تزل ... نزيل الثريا قبلها والنواعم لعمرك ما ~~يبلى بلاؤك في العدى ... وقد جرت الأبطال ذيل الهزائم وبالله لا ينسى مقامك ~~في الوغى ... سوى جاحد نور الغزالة كاتم لقيت الردى في الروع جذلان باسما ~~... فبوركت من جذلان في الروع باسم وجمت على الفردوس حتى وردته ... ففزت ~~بأشتات المنى فوز غانم عدمتك موجودا يعز نظيره ... فيا عز معدوم ويا هون ~~عادم ورمتك مطلوبا فأعيا مناله ... وكيف بما أعيا منالا لرائم فابكي لشلو ~~بالعراء كما بكى ... زياد لقبر بين بصرى وجاسم واعبر أن يمتاز دوني عبرة ~~... بعلياء في تأبين قيس بن عاصم وهذه القصيدة طويلة، بحيث تزيد أبياتها في ~~العد على المائة. وقوله اعبر معناه انف. وخاتمها: وهاذى المراثى قد وفيت ~~برسمها ... مسهمة جهد الوفى المساهم فمد إليها رافعا يد قابل ... وكب عليها ~~حافظا يد لاثم ### $ ذكر القاضي أحمد بن الغماز # ومن ms119 القضاة بالعدوة الغريبة والقبلية، الفقيه الجليل، أبو العباس أحمد بن ~~محمد بن الغماز، قاضي الجماعة بإفريقية تقدم على شروط: منها أن يكون على ~~رأيه # PageV01P122 # في الدخول على الخليفة؛ ومنها، إذا أعرضت له مؤامرة السلطان في شيء من ~~شؤونه، أجابه عليها لحينه بالمشافهة والمكاتبة، وأن تكون خراجته وأعوانه من ~~الأعشار الرومية. وكان من أهل العلم والعدل والفضل. توفي سادس شهر رمضان ~~المعظم عام 633. ### $ ذكر القاضي أبي عبد الله بن عسكر # وانقرضت مدة ابن هود، وظهرت الدولة النصرية، وهلك ابن زنون على الوجه ~~الذي وقع التبيه عليه. وتقدم أيضا بمالقة قاضيا أبو عبد الله بن عسكر، وهو ~~محمد بن علي بن خضر بن هارون الغساني. وكان من أهل المعرفة بالأحكام، ~~والقيام على النوازل، إلى الشعر الرائق، والكتب الفائق. وله جملة تواليف، ~~منها المشرع الروي في الحديث؛ والتكميل والإتمام، لكتاب التعريف والإعلام، ~~والمختصر في السلم عن ذهاب البصر، وغير ذلك. ومن شعره: ولما انقضت إحدى ~~وخمسون حجة ... كأني منها ما تذكرت احلم ترقيت أعلاها لأنظر فوقها ... إلى ~~الحتف مني علني اسلم إذا هي قد أدنته مني كأنما ... ترقيت فيها نحوه وهو ~~سلم وله، وقد طرقه هم: اصبر لما يعتريك تغنم ... غنيمتي راحة وأجر فإن هم ~~الخطوب ليل ... لا بد يجلوه ضوء فجر ومن مكتوباته في معرض العزاء، مقامة ~~سماها ب رسالة ادخار الصبر، وافتخار القصر والقبر، وهي غريبة في معناها. ~~وبقي بمالقة قاضيا، إلى أن توفي صدر جمادى الآخرة من عام 636؛ ودفن منها ~~بسفح جبل فاره، في روضة مستكتبه القاضي أبي عبد الله بن الحسن تجاوز الله ~~عنهما، وغفر لنا ولهما! ذكره ابن خميس، وابن عبد الملك، وابن الزبير. # PageV01P123 ### $ ذكر القاضي يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري # وتقدم بعده الفقيه أبو عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، شقيق ~~القاضي بقرطبة أبي سليمان المتقدم الذكر. وكان أبو عامر هذا صدر علماء ~~زمانه بالأندلس، وقدوة رواته. أخذ عن أبي بكر بن الجد، وابن زرقون، وابن ~~بشكوال، وغيرهم. وله تآليف في علم الكلام ms120 جليلة، نبيلة. واستمرت ولايته ~~بها، إلى أن نقله أمير المؤمنين الغالب بالله أبو عبد الله بن نصر رحمه ~~الله! إلى قضاء الجماعة بحضرته من غرناطة. وكان من أعلم القضاة عدالة، ~~وصرامة، ونبلا، وفضلا. وقد تقدمت الإشارة إلى ما وقع بينه وبين القاضي أبي ~~الوليد بن أبي القاسم بن رشد، من المنافرة والمهاجرة، بسبب إنكاره الأخذ في ~~العلوم القديمة، والركون إلى مذاهب الفلاسفة. وكان أبو عامر ممن قرأ الفقه ~~وأصوله، وعلم الكلام وغيره. أكثر عمره بقرطبة وإشبيلية، ومالقة، وغرناطة. ~~وبقي متوليا خطة القضاء، ومع الأمراء، إلى أن أصابته الزمانة التي أقعدته ~~عن ذلك؛ فعاد إلى مالقة. فلزم بها منزله، إلى أن توفي في شهر بيع الأول من ~~عام 639. ذكره ابن الزبير. ### $ ذكر القاضي محمد بن غالب الأنصاري # وتلاه محمد بن إبراهيم بن محمد بن غالب الأنصاري. وكان من الفقهاء ~~الفضلاء، وممن اجتمع له العلم، والمال، وحسن الخلق، وتمام الخلق. وتوفي إثر ~~ولايته. ### $ ذكر القاضي محمد بن أضحى الهمداني # وتقدم بعده محمد بن أضحى الهمداني، من البيت الشهير بالأندلس. وكان عدلا ~~نزيها، فقيها نبيلا. ولم تطل مدة حياته؛ فاخترمته المنية لحدثان ولايته. ~~وهو من # PageV01P124 # ذرية أبي الحسن بن أضحى، مؤلف كتاب قوت النفوس، وإنس الجلوس، القاضي كان ~~في غرناطة أيضا في حدود 640. وفي كتاب الرازي من الإشارة بأصالة بيت بني ~~أضحى ما يغنى عن الإطالة. وخلفه فيهما كان يتولاه من الحكم كاتبه محمد بن ~~سعيد العنسي. وبيت بني سعيد أيضا بقلعة يحصب، المنسوبة حتى الآن إليهم، ~~بكورة البيرة؛ وانتماؤهم إلى عمار بن ياسر الصحابي رضي الله عنه {شهير، إلى ~~ما نجح منهم من الأماثل الأمجاد، وأرباب الرحل إلى البلاد؛ لاكن هذا القاضي ~~قعدت به دماثة أخلاقه، ولين جانبه، وعن رتبة من كان قبله؛ فأخر لعشرة أشهر ~~من ولايته ### $ ذكر القاضي أبي القاسم عبد الرحمن بن ربيع الأشعري # وتقدم بدله أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي عامر يحيى بن عبد الرحمن بن ~~ربيع الأشعري، ولد قاضي الجماعة المتقدم الذكر. وكان على سنن سلفه ms121 من ~~التفنن في المعارف، والإشتداد على أهل العتو والفساد، كاتبا بارعا، شاعرا ~~مطبوعا. كتب عن سلطانه، أيام استدعائه من بالمغرب، وتحريك القبائل إلى ~~الجهاد، غير ما كتاب، بما يشحذ العزائم، ويوقظ النائم. وتمادت ولايته إلى ~~أن توفي، بعد مضي سبعة أعوام من زمان تقديمه. ### $ ذكر القاضي أبي بكر محمد الأشبرون # وخلفه في خطة القضاء صاحبه أبو بكر محمد بن فتح بن أحمد الأنصاري ~~الإشبيلي الأشبرون، بعد توليته حسبة السوق والشرطة معا، لما كان عليه من ~~المضاء والصرامة، والقوة، والاكتفاء. ولبث موليا ذلك كله وناظرا فيه، إلى ~~وفاة السلطان الغالب بالله أبي عبد لله؛ وكانت وفاته رحمه الله} آخر جمادى ~~الثانية من عام 671! وصار الأمر إلى ولده السلطان الثاني أبي عبد الله ~~أيضا، المدعو بالفقيه ممهد الدولة النصرية، وبديع مآثرها، ومقيم رسوم الملك ~~فيها فأفرد أبا بكر # PageV01P125 # بالقضاء، وقصر نظره على الأحكام الشرعية؛ فذهب من الشدة في استخلاص ~~الحقوق كل مذهب. وكان مع ذلك حسن الأخلاق، حلو الشمائل، باقيا على طبيعة ~~بلده. ولم ينتقل على حالته، إلى أن توفي، وذلك في حدود عام 698. ذكره ~~القاضي أبو عامر ابن محمد بن ربيع في كتابه؛ فقال فيه: كان فقيها عارفا ~~بالشروط، دريا بالأحكام. وكان يتولى الخطبة بحمراء غرناطة؛ لا أعلمه حدث، ~~إذ لم يكن يشتغل بذلك. ### $ ذكر القاضي غالب بن حسن بن سيد بونة # ومن القضاة الفقهاء الفضلاء، غالب بن حسن بن أحمد بن سيد بونة. ذكره ابن ~~الزبير فقال: يكنى أبا تمام. روى عن أبيه، وأبي عبد الله بن مزين، وصحب ~~قرينه الشيخ الصالح أبا أحمد بن سيد بونة، ولازمه، وانتفع بصحبته. وكان ~~يحدث بكثير من فضائله وكراماته. وكان أبو تمام شيخا فاضلا، ومقرئا مباركا. ~~ولي القضاء. وكانت وفاته سنة 651. بحضرة غرناطة. انتهى. ### $ ذكر القاضي أحمد بن الحسن الجذامي # ومن القضاة برية، في منتصف المائة السابعة، الفقيه أبو العباس أحمد بن ~~الحسن بن يحيى بن الحسن الجذامي. ولي القضاء بالجانب الغربي من أعمالها؛ ~~فكان مشكورا في قصد سيرته، وحسن هديه، فقيه البأس ms122 والبذل، صاحب رأي ونظر في ~~المسائل، بصيرا بالأحكام. صحبه القاضي أبو القاسم بن أحمد بن السكوت، ~~وانتفع به، واقتدى بهديه في كثير من أنحائه. وكان لا يرى بالاقتصار على ~~الرواية: وعليكم بالعمل، وإياكم من الأخذ في الجدل! . كان يكثر من إنشاد ~~هذين البيتين: أرى الذي يروي ولاكنه ... يجهل ما يروي وما يكتب كصخرة تتبع ~~أمواهها ... تسقي الأراضي وهي لا تشرب # PageV01P126 ### $ ذكر القاضي أبي علي بن الناظر # ومن القضاة، وصدور الرواة، الشيخ أبو علي الحسين بن عبد العزيز بن محمد ~~بن أبي الأحوص القرشي الفهري، من أهل غرناطة، وأصله من بلنسية؛ يكنى أبا ~~علي، ويعرف بابن الناظر. ارتحل عن غرناطة لغرض عن له بها؛ فلم يقض؛ فأنف من ~~ذلك، فاستقر بمالقة، مقريئا ومحدثا، واقتصر على الخطبة بقصبتها، بضعا ~~وعشرين سنة. ثم خرج من مالقة، فارا إلى غرناطة، لتغيير كان سببه فتنة ~~الخلاف بها، ودساس الفزاري، المقتول بعد بغرناطة على كفره وتسرعه لإضلال ~~غيره. فولى قضاء المرية؛ ثم قضاء بسطة؛ ثم ولي قضاء مالقة، عند ذهاب ~~الفتنة، وخروج بني أشقيلولة عنها. وكان من أهل المعرفة، والدراية، والرواية ~~الواسعة، والثقة، والعدالة؛ جال في البلاد، وأكثر من لقاء الرجال؛ فأخذ ~~بغرناطة عن الأستاذ أبي محمد الكواب، وبإشبيلية عن المقرئ أبي الحسن بن ~~جابر الدباج. ولازم في العربية والأدب الأستاذ أبا علي الشلوبين: أخذ عنه ~~أكثر كتاب سيبويه. وروى عن الوزير سهل بن مالك الأزدي، وعن القاضي أبي ~~القاسم بن بقي، وببلنسية عن أبي الربيع بن سالم، وبمرسية عن أبي العباس بن ~~عياش، وبجزيرة شقر عن الخطيب أبي بكر بن وضاح، وبمالقة عن الحاج أبي محمد ~~عطية، وعن أبي القاسم بن الطيلسان، وعن غير من سمي. وكتب إليه بالإجازة ~~آخرون. وروى عنه الجم الغفير: منهم الأستاذ أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن ~~الزبير الثقفي، والخطيب الأستاذ أبو محمد بن أبي السداد الباهلي، وآخر من ~~روى عنه بالأندلس شيخنا المقرئ أبو محمد عبد الله بن أيوب التجيبي. وله ~~مصنفات في الحديث والقراءات. وتوفي القاضي أبو علي ms123 مؤخرا عن قضاء مالقة في ~~الرابع عشر لجمادى الأولى سنة 699 غفر الله لنا وله! # PageV01P127 ### $ ذكر القاضي الحسن بن الحسن الجذامي النباهي # وتقدم بعد قاضيا بمالقة من أهلها الحسن بن محمد بن الحسن الجذامي ~~النباهي. وكان رجلا صليبا في الحق، متعززا بالله، قويا في ذاته، لا تأخذه ~~في الله لومة لائم، رفيقا مع ذلك بالمساكين، شفيقا على الضعفاء، ومبغضبا في ~~أهل الأهواء. وأول يوم قعد فيه للحكم، تقدم إليه رجلان في الطلب بدين ترتب ~~لأحدهما قبل الآخر؛ وأقر المطلوب ببقائه في ذمته، وزعم أنه في الوقت غير ~~قادر على أدائه؛ ولم تقم له بينة على صحته دعواه، ولا حضره حميل به؛ فتوجه ~~عليه السجن. فحين شاهد أسباب ذلك، قال يخاطب القاضي: أصلحك الله {أيجمل بك، ~~ويحسن عندك استفتاح عملك بسجن مثلي من الضعفاء؟ ولى صبية أصاغر لا كاسب ~~لهم، ولا كافل غيري. فإن حبستني عنهم، لم يبعد تلفهم جوعا وعطشا} فارفق ~~بساحتي، وانظر لحالتي {فأمر القاضي بإحضار مقدار العدد المطلوب من مال ~~نفسه، وأذن في دفعه لمطالبه، وخلى سبيل الغريم يمضى لشأنه. وكان قد أصاب ~~الماشية بكورة رية من الغضب والنهب، أيام فتنة الخلاف بها، ما صار داعية ~~لتغلب الحرام عليها؛ فرد شهادة كل من ثبت فيه لديه أنه أكل من ذلك اللحم ~~المغصوب؛ وهو عالم بعينه، سواء كان مشتريا له من الغاصب أو أكله دون عوض. ~~ورد شهادة الولد إذا كانت مع والده؛ فاشتد في أحواله. وفي أثناء ذلك، وسيق ~~له رجل، شهدت البينة بأنه وجد في خربة بحذاء مقتول؛ وقربه. وسأل الرجل حين ~~اعذر له؛ فذكر أنه كان مختارا عليها لمنزله؛ فرام أولياء الدم الأخذ لهم ~~بالقسامة في المسألة، على ما رواه ابن الحكم في مثل النازلة، ورواه ابن وهب ~~عن مالك؛ فأجرى النظر القضية، وتوقف عن الفصل، وعقد النية على ترك الولاية ~~ما بقي من مدة حياته، واستعفى على الفور من الحكم بين الناس. وقد كان القلق ~~وقع به من أولى الامر، فاعفى على الأثر. فكانت مدة ms124 ولايته القضاء نحو شهر. ~~وهو أعظم الله أجره} ممن أصيب في ذاته وماله، بسبب إنكاره على إبراهيم ~~الفزاري، ولي بني أشقيلولة أيام ثورتهم برية، وامتعاضه لما أظهره لهم من ~~البدعة وادعاه النبوة، وعند ذلك فر من مالقة # PageV01P128 # أبو جعفر بن الزبير، وأتبع ليقتل؛ فأفلت، ولاذ بأمير المسلمين، السلطان، ~~المؤيد المنصور، أبي عبد الله المدعو بالفقيه رحمه الله وأرضاه {فحاول على ~~الفزاري حتى تحصل في حكمه، وأمر بقتله وصلبه؛ فقتل بغرناطة على كفره، هو ~~وبعض أصحابه. وقد أشار إلى ما نبهنا عليه الشيخ القاضي الرواية المحدث، ~~الوزير المشاور، أبو عامر بن عبد الله بن قاضي الجماعة أبي عامر بن ربيع، ~~في كتابه المسمى ب تنظيم الدر في ذكر علماء الدهر. والذي وقع في الكتاب ~~المسمى بعد اسم أبي علي بن الحسن، من أوله إلى آخره، ما هو نصه: الحسن بن ~~محمد الجذامي من أهل مالقة، من أعيانها وجلة بيوتها، يعرف بالنباهي، ويكنى ~~أبا علي. أخذ بمالقة عن شيوخها. وكان رحمه الله} صالحا، فاضلا، دينا، صليبا ~~في الحق، فامتحن في الله تعالى، وقيامه بالحق، بالضرب والنفي عن بلده نفعه ~~الله {واستقر بمدينة فاس، تحت تكرمه ومبرة، يتولى عقد الوثائق، ويحترف بها. ~~وكان من جلة العدول. ثم عاد إلى بلده مالقة، عند خروج بني أشقيلولة منها، ~~وأقام بها بقية عمره، يتعيش من فائد بقايا أملاكه بها. ودعى إلى الخطابة ~~بجامعها الأعظم؛ فأبى. وقضى أياما يسيرة، واستعفى. توفي رحمه الله} في حدود ~~سنة 700. ### $ ذكر القاضي أبي جعفر المزدغي وبعض قضاة فاس بعده # ومن أهل المغرب؛ الشيخ الفقيه أبو جعفر أحمد بن المزدغي. ولي القضاء ~~بحضرة فاس، بعد تمنع، واباية، وعزم عليه من الخليفة؛ فسار فيه بأجمل سيرة ~~من العدل، والفضل، والاشتداد على أهل الجاه. وامتدت ولايته، إلى أن توفي ~~عام 669. فولى مكانه أبو عبد الله بن عمران، ثم استعفى لزمان قريب، فتقدم ~~بدله بفاس شيخ طلبتها إذ ذاك، وخطيب خلافتها، الفقيه أبو عبد الله محمد بن ~~أبي الصبر أيوب؛ وكان في زمانه واحد قطره ms125 عدالة، وجلالة، وصلاحا، وفضلا، ~~وهو أيضا ممن لم يأخذ على القضاء أجرا، ونجا فيما يختص به الجراية منحى ~~سحنون بن سعيد في وقته، وطلب # PageV01P129 # أن يكون رزق وزعته من بيت المال، لا من قبل أرباب الخصومات، فأمضى ذلك ~~كله. وكان معظما عند سلطانه، كبير الشأن في زمانه. قال عبد الرحمن بن محمد ~~الزليجي وقد ذكره في كتابه: توفي عام 687. ### $ ذكر القاضي محمد بن يعقوب المرسي # ومن القضاة بتلك البلاد، محمد بن يعقوب المرسي، نزيل تونس، يكنى أبا عبد ~~الله. ولي قضاء الجماعة بها، وقد كان ولي قبل ذلك قضاء باجة. وكان عالما، ~~زاهدا، ورعا، فاضلا، محمودا، مشكورا. توفي تقديرا بعد 690. ### $ ذكر القاضي أبي عبد الله بن عبد الملك المراكشي # ومنهم محمد بن محمد بن سعيد بن عبد الملك الأنصاري الأوسي المراكشي؛ يكنى ~~أبا عبد الله، ويعرف بابن عبد الملك. ذكره الأستاذ أبو جعفر بن الزبير وقال ~~فيه: روى عن الكاتب الجليل أبي الحسن بن محمد الزغبي، وصحبة كثيرا. وروى عن ~~غيره. ثم وصفه بأنه كان نبيل الأغراض، عارفا بالتأريخ والأسانيد، نقادا ~~لها، بعيد التصرف أديبا بارعا، شارعا مجيدا، ذا معرفة بالعربية واللغة ~~والعروض. وألف كتابا جمع فيه بين كتابي ابن القطان وابن المواق على كتاب ~~الأحكام لعبد الحق، مع زيادات نبيلة من قبله؛ وكتابا آخر سماه بالذيل ~~والتكملة لكتاب الصلة وولى قضاء مراكش مدة؛ ثم أخر عنها، لعارض سببه ما كان ~~في خلقه من حدة أثمرت مناقشة موثور وجد سبيلا، فنال منه. توفي بتلمسان ~~الجديدة أواخر محرم عام 703. ومن شعره: لله مراكش الغراء من بلد ... وحبذا ~~أهلها السادات من سكن إن حلها نازح الأوطان مغترب ... أنسوه بالأنس عن أهل ~~وعن وطن عن الحديث بها أو العيان لها ... ينشا التحاسد بين العين والأذن # PageV01P130 # انتهى حاصل ما قاله ابن الزبير في صلته. قال المولف رضي الله عنه {: ~~وأوقفني ولده، صاحبنا الفقيه أبو عبد الله، على كثير من المكتوبات الصادرة ~~عن أبيه القاضي أبي عبد الله، ما بين منظوم ومنثور. ومن ذلك قوله ms126 رحمه ~~الله} : يا عاذلي {دع الملامة أو سلا ... عن صادق في الحب مثلي هل سلا؟ كيف ~~السلو ولي بحكم البين في ... مراكش جسم وقلب في سلا هيهات} أسلو عهد حل لي ~~بها ... أسلا ابن حجر عهد جازة ما سلا وافى إليى على العباد كتابه ... ~~فبمهجتي أفدي كتابا أرسلا أوردت من مرآه روضا مونقا ... ووردت من فحواه ماء ~~سلسلا طرس كنحر معذر أبدت به ... صدغاه وشي الحسن حين تسلسلا أأحبتي رحماكم ~~في موقف ... ألقي يد استسلامه واستبسلا؟ أأحبتي رحماكم في نازح ... بكم ~~إليكم في الدنو توسلا؟ أحللتم هجري وخللتم أنني ... وصلى الحرام كما علمتم ~~بسلا إن أعلن الشكوى فما أشكو سوى ... بين نعيم الأنس جور البسلا حسبي ~~أدكار قد أثار صبابتي ... ولما ترقرق في التنائي أرسلا ولواعج طي الظلوع ~~بشيها ... دمع تتابع مرة واسترسلا فعن أدمعي عن زفرتي عن لوعتي ... أروى ~~الحديث معنعنا ومسلسلا من لي بتيسير المسير إليكم ... فأصمم العزم الذي لن ~~يكسلا وأصارم القربى وأهجر موطنا ... وأجوب حومات أنعي عن سلا فلو القضاء ~~أتاح ما علمته ... ما كنت ممن في البدار ترسلا حتى أحل مثابة الفضل الذي ~~... لسواه قلبي بعده ما استرسلا فاكون في رأي كذائن حنظل ... كره العبير ~~وعافه فاستعملا أو ينعم الله الكريم برجعة ... يروي بها خبر السرور مسلسلا ~~وحكى عنه ولده المذكور أنه قصد أيام شبيبته عبور البحر، برسم الجواز إلى ~~الأندلس؛ فبلغ منها الجزيرة الخضراء، وحضر بها صلاة جمعة واحدة، وأقام بها ~~ثلاثة # PageV01P131 # أيام، جلائل في نواحيها، آخذا عن أهلها؛ ثم قال: حصل لنا الغرض من مشاهدة ~~بعد البلاد الأندلسية، والكون بها؛ والحمد لله على ذلك! وعاد قافلا إلى ~~أرضه. ولما توفي قافلا جرى بعد ابنه المسمى تحامل في متروكه لتبعة تسلطت ~~على نشبه، أدته إلى الجلاء عن وطنه؛ فاستقر بمالقة، وأقام بها زمانا، لا ~~يهتدي لمكان فضله إلا من عثر عليه جزافا. ولم ينتقل عن حالته من الخشنة، ~~والانقباض، والعكوف على النظر في العلوم، إلى أن توفي في ذي العقدة من عام ~~743. ### $ ذكر القاضي ms127 أبي العباس الغبريني # ومنهم الفقيه أبو العباس أحمد بن أحمد الغبريني ولي القضاء بمواضع عدة، ~~أخرها مدينة بجاية. فكان في حكمه شديدا، مهيبا ذا معرفة بأصول الفقه، وحفظ ~~لفروعه؛ وقيام على النوازل، وتحقيق للمسائل. ولما ولي خطة القضاء، ترك حضور ~~الولائم، ودخول الحمام، وسلك طريق اليأس من مداخلة الناس. ومن أناشيده: لا ~~تنكحن سرك المكنون خاطبه ... وأجعل لميته بين الحشا جدثا ولا تقل نفثة ~~المصدور راحته ... كم نافث روحه من صدره نفثا وهذا القاضي ممن ذكره عبد ~~الرحمن الزليجي في تأريخه، وقال عنه: توفي عام 704. ### $ ذكر القاضي أبي عبد الله بن عبد المهيمن الحضرمي # ومنهم محمد بن عبد المهيمن بن محمد بن علي بن محمد الحضرمي؛ يكنى أبا عبد ~~الله، ويعرف بنسبته. وكان في قطره كبير القدر. ولي القضاء بسبتة. ولقرابته ~~من رؤسائها بني الغزفي، وذلك عام 683؛ فقام بالأحكام أجمل قيام، مستعينا ~~بحسن النظر وفضل الجاه وعز النزاهة. فكان مجلسه يغص بعمائم العلماء، وهم ~~كأنما على رؤوسهم الطير هيبة له، وتأدبا معه. وكان في باب القبول شديدا على ~~الشهداء؛ فيذكر أن أحد الظلمة # PageV01P132 # عرض له كتاب رسم في قضية نزلت به؛ فنقده القاضي ومطل في تخليصه؛ فتحيل ~~على أن كتب بحائط مجلس القاضي ما نصه: بسبتة قاض حضرمي إذا انتسب ... وفي ~~حضرموت الشؤم واللوم بالنسب فمن شؤمه لا يثبت العقد عنده ... ومن لومه يرمي ~~أولى الفضل بالريب فلما وقعت عين القاضي على المكتوب وتفهمه، أمر بإزالته، ~~وأمسك عن عنانه، وأخذ في إصلاح شأنه، وترك البحث عن ناظم البيتين وكاتبهما ~~بخط يده. واستمرت أيام ولايته إلى أن تصير أمر بلده إلى الإيالة النصرية، ~~في أواخر عام 705؛ فصرف إلى غرناطة مع سائر أقاربه بني العزفي فوصلها، ~~وأقام بها وابنه الكاتب البارع، أبو محمد عبد المهيمن؛ ثم أذن له في ~~الانتقال إلى وطنه؛ فعاد إليه، وقد أحدث منه السن، وأقعده الكبر؛ فلم يبرح ~~بعد عنه إلى أن توفي غرة صفر من عام 712. ### $ ذكر القاضي أبي إسحاق الغافقي # ومنهم إبراهيم بن أحمد بن عيسى ms128 بن الغافقي الاشبيلي؛ يكنى أبا إسحاق، ~~ويعرف أيضا بنسبته إلى غافق؛ أستاذ الطلبة، وإمام الحلبة. خرج عن بلده ~~إشبيلية، عند تغلب الروم عليها، وذلك سنة 646؛ فلازم الشيخ أبا الحسن بن ~~أبي الربيع، وتصدر بعد وفاته للأفراء في مكانه، فأخذ عنه الكبير والصغير. ~~ولي القضاء بسبتة نيابة، ثم استقلالا؛ وكان واحد عصره، وفريد قطره، وعمدة ~~طلبته الموثوقين بما استفيد في مجلسه من فنون العلوم. أخذ علم العربية على ~~صدر النجاة ابن أبي الربيع المذكور، والقرءات عن الأستاذ أبي الحسن بن ~~الخضار؛ وروى عن المسند المسن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن سليمان، ~~والأديب الفرضي أبي الحكم مالك بن المرحل المالقي، والقاضي أبي عبد الله بن ~~قاضي الجماعة أبي موسى عمران بن عمران، إلى أمم من أهل المشرق والمغرب ~~والأندلس. ودون في علم العربية وغيرها كتبا نافعة. وتوفي قاضيا رحمه الله! ~~آخر شهر ذي القعدة من عام 716. وعليه اعتمد شيخنا الولي المقرئ أبو القاسم ~~بن يحيى بن محمد # PageV01P133 # الوازر والي درهم في قراءة القرآن، والتلفظ والأداء، وعلى الخطيب الصوفي ~~أبي جعفر الزيات، من أهل بلش مالقة، على كثرة من لقيه من حملة كتاب الله ~~وقرائه بالمشرق والمغرب. وعلى الغافقي أيضا كان في تعلم العربية اعتماد شيخ ~~النحاة بحضرة غرناطة، الأستاذ أبي عبد الله محمد بن علي الخولاني، المشتهر ~~بقيرى رحم الله جميعهم وكافي صنيعهم! ### $ ذكر القاضي محمد بن محمد اللخمي القرطبي # ومنهم محمد بن محمد اللخمي المعروف بالقرطبي، من أهل سبتة، والقاضي بها. ~~وكان من جلة الحكام الصدور والأعلام؛ خطب بمسجد بلده، ودرس به الفقه وغيره. ~~وكان قائما على المذهب، منقطع القرين في حفاظه. وكان من شأنه، إذا أتى ~~المسجد للحكم فيه بين الناس، يتركع ويتضرع إلى الله تعالى، ويلح في الدعاء، ~~ويسأله أن يحمله على الحق ويعينه عليه، ويرشده للصواب؛ وإذا فرغ من الحكم، ~~يتركع، ويستقبل الله تعالى يسأله العفو والمغفرة عما عسى أن يكون صدر عنه، ~~مما تلحقه تبعة في الآخرة. أخذ عن الشيوخ الجلة أبي الحسن بن ms129 أبي الربيع، ~~وابن الخضار، وابن الطيب وغيرهم. وتوفي ببلده قاضيا مشكورا، وهو على سن ~~عالية؛ وذلك صدر ربيع الآخر من عام 723. ### $ ذكر القاضي محمد بن منصور التلمساني # ومن القضاة بمدينة تلمسان، الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن منصور بن ~~علي بن هديمة القرشي، كبير قطره في عصره نباهة، وجاهة، وقوة في الحق، ~~وصرامة. وكان أثيرا لدى سلطانه؛ قلده مع قضائه كتابة سره، وأنزله من خواصه ~~فوق منزلة وزرائه؛ فصار يشاوره في تدبير ملكه؛ فقلما كان يجري شيئا من أمور ~~السلطنة إلا عن مشورته، وبعد استطلاع نظره. وكان أصيل الرأي، مصيب العقل، ~~مذكرا لسلطانه بالخير، # PageV01P134 # معينا عليه، كاتبا بليغا ينشئ الرسائل المطولة في المعاني الشاردة، ذا حظ ~~وافر من علم العربية واللغة والتأريخ. شرح رسالة محمد بن عمر بن خميس ~~الحجري التي استفتح أولها بقوله: عجبا لها أيذوق طعم وصالها ... من ليس ~~يأمل أن يمر ببالها وأنا الفقيد إلى تعلة ساعة ... منها وتمنعني زكاة ~~جمالها إلى آخر الرسالة. من نظم ونثر، شرحا حسنا، أتى فيه بفنون العلم ~~وضروب الأدب، بما دل على براعته. وكان جميل الأخلاق، جم المشاركة، مفيد ~~المجالسة، مرددا لقول الأستاذ أبي إسماعيل الطغرائي في معرض النصيحة ~~والتنبيه والتذكرة: لا تطمحن إلى المراتب قبل أن ... تتكامل الأدوات ~~والأسباب إن الثمار تمر قبل بلوغها ... طمعا وهن إذا بلغن عذاب وتوفي صدر ~~سنة 736، قبل هلاك سلطانه، ودخول أهل فاس إلى بلده بأشهر تغمدنا الله وإياه ~~برحمته! ### $ ذكر القاضي محمد بن علي الجزولي ابن الحاج # ومن القضاة بحضرة فاس، محمد بن علي بن عبد الزراق الجزولي، المعروف بابن ~~الحاج؛ يكنى أبا عبد الله. وهو أحد أعلام المغرب تفننا في المعارف، وفضلا، ~~وعقلا. وكان محافظا على الزتبة، مقيما للأبهة، جميل الهيئة، حمولا لمكاره ~~السلطنة، صبورا على الرحلة، خطيبا بليغا مفلقا، كاتبا بارعا مرسلا، ريان من ~~الأدب، سريع القلب، منقاد البديهة، مهما تناول القرطاس وكتب، أتى على الفور ~~بعجب. رحل إلى المشرق، ولقي أعلامها. ودخل الأندلس، وأقام منها بمالقة ~~زمانا، وروى عن أشياخها. ms130 وصحب بها الخطيب المدرس أبا عثمان بن عيسى ~~الحميري. ثم عاد إلى وطنه؛ فتولى خطة القضاء بفاس. وتقلد أزمتها مع الخطابة ~~مدة طويلة، إلى أن انتزعت منه، وأضعف قواه الهرم؛ # PageV01P135 # فاستبدل بالفقيه المتفنن الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد المقري بفتح ~~الميم، منسوب إلى مقرة موضع من عمله إطرابلس ولزم هو منزله، تحت عناية ورفد ~~جراية، إلى وفاته رحمه الله وغفر لنا وله { ### $ ذكر القاضي أبي إسحاق إبراهيم التسولي شارح الرسالة # ومنهم الشيخ الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن أبي يحيى التسولي التازي، تولى ~~خطة القضاء، واستعمل في السفارة؛ فحمدت حالته، وشكرت سيرته. وكان صدر فقهاء ~~وقته مشاركة في الفنون، وقياما على الفقه. شرح كتاب الرسالة لأبي محمد بن ~~أبي زيد شرحا ممتعا حسنا؛ وقيد على المدونة مجلس الشيخ أبي الحسن الصغير ~~قاضي الجماعة بفاس، وضم أجوبته في نوازله في سفر. وكان مع ذلك فارسا شجاعا، ~~جميل الصورة، نبيه المشاورة، فاره المركب، وجيها عند الملوك: صحبهم وحضر ~~مجالسهم. وفلج بآخر عمره، فالتزم منزله بفاس، يزوره السلطان، فمن دونه. ~~وتعرفت أنه نقل إلى داره من تازة بلده؛ فتوفي بها في حدود 749 نفعنا الله ~~به وغفر لنا وله} ### $ ذكر القاضي أبي تمام غالب بن سيد بونة الخزاعي # ومن الشيوخ السراة، المذكورين بالأندلس في القضاة، أبو تمام غالب بن حسن ~~بن غالب بن حسن بن أحمد بن يحيى بن سيد بونة الخزاعي. تقدم ذكر جده؛ ولنذكر ~~الآن نبذة من التنبيه على سيره، والتعريف بسلفه. فنقول: أصلهم، على ما ~~تقرر، من بونة التي بإفريقية، وهي المسماة ببلد العناب. وانتقل جده إلى ~~الأندلس؛ فاستوطن منها وادي آش من عمل دانية إلى أن استولى العدو على تلك ~~الجهات؛ فخرج قومه من مدينة آش إلى غرناطة؛ فبنوا بخارجها الربض المعروف ~~بالبيازين، ونشروا مذهبهم في الإرادة؛ وانضم إليهم من تبعهم من أهل المشرق. ~~وتقدم الفقيه أبو تمام شيخا لهم، وقاضيا فيهم، وخطيبا بهم؛ فقام بالأعباء، ~~سالكا سنن الصالحين من الإيثار والتسديد # PageV01P136 # بين قومه، مكبا على العبادة والخفوق ms131 على الجهاد. وله رواية عن والده أبي ~~علي، وعن الخطيب أبي الحسن بن فضيلة وغيرهما. وله تأليف في منع سماع ~~اليراعة المسماة بالشبابة وعلى ذلك درج جمهورهم. مولده في ذي القعدة من عام ~~653؛ ووفاته في شوال من عام 733. وأما الشيخ أبو أحمد، الصوفي الكبير، ~~الولي الشهير، فهو جعفر بن عبد الله بن محمد بن سيد بونة. قرأ ببلنسية ~~وغيرها. قال ابن الأبار: وكان يحفظ نصف المدونة أو أكثر، ويؤثر الحديث ~~والفقه والتمييز على غيره من العلوم. ورحل إلى المشرق؛ فأدى فريضة الحج ~~ولقي جلة من الفضلاء، أشهرهم وأكبرهم في باب الزهد والورع؛ وسنى الأحوال، ~~ورفيع المقامات، الشيخ الصالح أبو مدين شعيب بن الحسين مقيم بجاية؛ فصحبة ~~كثيرا، وانتفع به، وارتوى من ذلاله. توفي رحمه الله وأرضاه! عن غير عقب من ~~الذكور، وذلك في شهر شوال سنة 624. ### $ ذكر القاضي محمد بن محمد بن هشام # وتقدم أيضا بغرناطة لتنفيذ الأحكام محمد بن محمد بن هشام؛ استقضاه ~~السلطان أبو عبد الله المدعو بالفقيه، لقصة رفعت من شأنه؛ وذلك أن هذا ~~الرجل نشأ في الدجن ببلاد الروم من شرق الأندلس. ثم هاجر منها؛ فاستقر ~~بوادي آش؛ فأقرأ العلم بها، وصحح ما كان قد تحمله من فنون العلم. فلما توفي ~~قاضي البلدة، أيام خلاف بني أشقيلولة بها، عرض عليه قضاؤها؛ فتمنع وأبي ~~لمكان الفتنة، إلا أن يكون التقديم من قبل أمير المسلمين المحق بالخلافة، ~~السلطان أبي عبد الله المذكور. فأعرض عنه، وقدم غيره. فلم يرض الناس به؛ ~~فدعت الرؤساء المذكورين الضرورة إلى طلب التقديم من حيث ذكر. فأنفذ لهم ~~المطلوب. ولما ذهبت الفتنة، وتملك السلطان المدينة، تحقق فضل ابن هشام ~~وصلابته في الحق؛ فنقله إلى مدينة المرية وعند وفاة أبي بكر الأشبرون، ~~استقدمه من هنالك، وقلده القضاء بحضرته. فحسنت # PageV01P137 # به الحال، واقتضيت الحقوق إلى آخر مدة مستقضيه رحمه الله {وكانت صدر ~~شعبان من عام 701. وافضى الأمر إلى ولده أبي عبد الله محمد، ثالث الأمراء ~~من بني نصر؛ فجرى على منهاج أبيه في الاغتباط بقاضيه؛ فأقره ms132 على ما كان ~~يتولاه، وزاد في التنويه. فظهرت الخطة بواحدها وصدر رجالها؛ وبقي يتولاه ~~إلى أن توفي، وذلك عام 704. ذكره القاضي أبو عامر يحيى بن ربيع في مزيده ~~وقال فيه: كان فقيها عارفا، أديبا، كاتبا بارعا، فاضلا، لين الجانب، سمحا، ~~دريا بالأحكام، عدلا، نزيها؛ وتولى الخطبة بجامع الحمراء. قال المؤلف رضي ~~الله عنه} لله در محمد بن هشام في إصراره على الاباية من القضاء في الفتنة ~~الأشقيلولية {فإنه جرى في تمنعه على منهاج السداد، وأخذ لنفسه الواجب في ~~الاحتياط. وقد تقدم صدر هذا الكتاب أن الداعي إلى العمل، إذا كان غير عدل، ~~لم يجز لأحد إعانته على أموره، لأنه مقعد في فعله؛ فيجب عليه أن يصبر على ~~المكروه، ولا يلى العمل معه؛ وإن كان عدلا، جاز، وقد تستحب له الإعانة. ~~والله الموفق للصواب} ### $ ذكر القاضي أبي جعفر أحمد بن فركون # وولي بعد ابن هشام قضاء الجماعة الشيخ الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن ~~أحمد بن محمد ابن أحمد القرشي، المعروف بابن فركون، أحد صدور الفقهاء بهذا ~~القطر الأندلسي اطلاعا بالمسائل، وحفظا للنوازل، وقوة على حمل أعباء ~~القضاء، وتفننا في المعارف. وكان رحمه الله! منشرح الصدر، مثلا في حسن ~~العهد بمن عرفه ولو مرة في الدهر، مفيد المجالسة، رائق المحاضرة، مترفقا ~~بالضعيف في أقضيته، كثير الاحتياط عند الاشتباه، دقيق النظر، مهتديا ~~لاستخراج غريب الفقه وغوامض نكت العلم، رائق الأبهة، موصوفا بالنزاهة ~~والعدالة، شديد الوقار، مشغلا عند المواجهة والتجلة، مع التحلي بالفضل، ~~والخلق الرحب، والدعابة الحلوة. طال يوما بين يديه قعود رجل # PageV01P138 # اسمه أحمد بن معاوية، دعا إليه في حق وقع الفصل فيه؛ فاستأذنه في الذهاب؛ ~~فقال: يا سيدي {ينصرف أحمد؟ فقال: لا ينصرف} فأقام ذلك الرجل وجلا حتى نبه ~~على أن القاضي إنما قصد التورية. قرأ على المدرس المتفنن أبي الحسن الأبلح، ~~وأكثر الأخذ عن المقرئ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الطائي المعروف ~~بمستقور وغيرهم. وكان خطيبا. بليغا، كاتبا ناظما ناثرا، بصيرا بعقود ~~الشروط، سابقا في علم الفرائض. قضى ms133 بمواضع منها رندة، ومالقة، والمرية، ~~وسار فيها بسيرة عادلة سنية. واستمر قضاؤه مع الخطابة بحضرة غرناطة إلى أول ~~الدولة الإسماعيلية؛ فصرف عن ذلك، لما كان له في مشايعه المخلوع عن السلطنة ~~من الأمور التي حقت عليه الخمول، بعد استقرار ذائلها الأمير أبي الوليد ~~بالملك رحمة الله عليه {ومولد القاضي أبي جعفر المذكور في عام 649، ووفاته ~~في السادس من ذي القعدة عام 729. ### $ ذكر القاضي أبي بكر يحيى بن مسعود المحاربي وابنه أبي يحيى # وتقدم بعده لقضاء الجماعة الوزير الفقيه أبو بكر يحيى بن مسعود بن علي بن ~~أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن مسعود المحاربي الغرناطي، من أهل الأصالة ~~والجزالة والجلالة. وكان رحمه الله} سامي الهمة، ماضي العزيمة، شديد ~~الشكيمة، ولي القضاء بجهات شتى، منها مدينة المرية، وصدرت عنه في مدة حصار ~~الروم لها جملة أقوال وأفعال لا تصدر إلا من حزماء الرجال. ثم نقل إلى قضاء ~~الجماعة بالحضرة؛ فاشتهر بالمضا والاشتداد على أهل الجاه، وإقامة الحدود، ~~وإخافة الشهود. وكان لا يخط بعقد علامة بثبوته عنده إلا بعد شهادة أربعة من ~~العدول؛ وقصر أصحابه ذلك وقالوا: ألا ترى، لو أن رجلا دفع إلى آخر حقا كان ~~له عليه، وطلبه أن يشهد به، فأشهد عدلين، وأبى أن يشهد غيرهما، وأراد صاحبه ~~الاستكثار من البينة، فإنه لا يلزمه أن يشهد له أكثر من شاهدين عدلين، على ~~ما قاله القاضي أبو الوليد بن رشد، ورواه غيره لقوله تعالى " واستشهد ~~شهيدين من رجالكم. " قالوا: وإن كان قصد # PageV01P139 # القاضي من الإكثار من الشهداء التوثق لتحصل البراءة المتحققه له ولغيره، ~~فقد يجمع أربعة من الضعفاء في رسم واحد. فلزم إذا مرتكب هذا النظر الإمساك ~~عن خطاب مثل هذا الرسم، إلى غير ذلك من المضار المتعلقة به فلم يثن الشيخ ~~أبا بكر بن مسعود شيء من هذا كله من غرضه، واستمر على ذلك مدة قضائه. وكان ~~له من أخيه أبي الحسن، وزير الدولة الإسماعيلية وعميد البلدة، ردء كثير على ~~إنقاذ الأحكام، ومصادمة أساطين الرجال. ونفر بعض أهل ms134 المدينة عند التخاصم ~~عنده، تقيه من تعاظم شدته واتصال عبوسته؛ وجرى له في ذلك مع القاضي بربض ~~البيازين كلام حاصله أن طلب منه الاقتصار بالنظر على جهته، رفعا للتشويش عن ~~الخصوم. والمنصوص جواز قاضيين في بلد واحد وأكثر، كل مستقل ومختص بناحيته، ~~وإنما الممنوع شرط الاتفاق في كل حكم، لاختلاف الأغراض، وتعذر الاجتماع. ~~وقد تقدم الشبيه على ذلك عند التكلم في شروط القضاء. ثم إذا تنازع الخصمان ~~في الاختيار، حيث قلنا بالجواز، وازدحم متداعيان، فالقرعة. قرأ على الأستاذ ~~أبي جعفر بن الزبير، وابن الطلاع، وابن أبي الأحوص، واستعمل في الرسالة إلى ~~ملك المغرب عام 727، وأقام بظهر سلا؛ ثم طرقه المرض، فتوفى هنالك يوم ~~الخميس سابع ذي قعدة من العام المذكور. ودفن بالجبانة المعروفة بشلة، خارج ~~رباط الفتح. ومولده لست خلت من شوال عام 653. وكان رحمه الله! قد ترك نائبا ~~عنه فيما كان يتولاه من القضاء بغرناطة ولده الفقيه أبا يحيى. فحين بلغه ~~أنه توفي بحيث ذكر، استقل بعده ولده بالولاية، واستكملت له ألقاب الخطة، ~~وجرى على طريقة أبيه من الجزالة والصرامة، في استخلاص الحقوق، ونصر ~~المظلوم، وقهر الظلوم. وكان في نفسه شجاعا، فارسا، مقدما، جليل الهيئة، ~~نبيه الشارة، رائق الأبهة، يبرز عند القتال في مصاف صدور الأبطال؛ فيحسن ~~دفاعه، ويجمل عناده. ولما ضايقت الروم مدينة المرية، وكان أبوه الشيخ أبو ~~بكر ممن شمله الحصار بها، كما تقدم، شق أبو يحيى محلة العدو ليلا، وتحيل ~~وصل إلى سور البلد، وأعلى حرسته باسمه، فسر المسلمون بتخلصه، وانتفع هنالك ~~أبوه. وبقي هذا القاضي متوليا خطة القضاء # PageV01P140 # نيابة واستقلالا نحوا من خمسة أعوام. ثم نقل قاضيا إلى مدينة المرية، ~~فأقام بها. وكان أيضا نائب الشيخ أبي بكر، ومشاوره في أحكامه ونوازله، شيخ ~~الفقهاء بقطره في وقته، العابد الشيخ الفاضل أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ~~أحمد بن محمد بن قطبة الدوسي. وكان رحمه الله {لمكانه في المعرفة والعدالة ~~أهلا للاستقلال بأعباء الحكومة. ### $ ذكر القاضي محمد بن يحيى بن بكر الأشعري # وخلفه في الأحكام ms135 بحضرة غرناطة الأستاذ محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن ~~بكر ابن سعد الأشعري المالقي، من ذرية بلج بن يحيى بن خالد بن عبد الرحمن ~~بن يزيد بن أبي بردة واسمه عامر بن أبي موسى واسمه عبد الله بن قيس صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم} ذكره ابن حزم في جملة من دخل الأندلس من ~~المغرب؛ يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن بكر. هذا نص ما وقع إثر اسمه عند ~~ذكره في الكتاب المسمى ب عائد الصلة وتحققنا من غيره صحة معناه. ولنذكر ~~الآن نبذا من أنبئه وسيره في قضائه. فنقول أولا: كان شيخنا هذا أبو عبد ~~الله رحمه الله وأرضاه! ممن جمع له بين الدراية والرواية؛ لازم من قبل سن ~~التكليف صهره الشيخ الفقيه الوزير أبا القاسم بن محمد ابن الحسن، وقرأ عليه ~~بمنزله القرآن، وتأدب معه، واختص بالأستاذ الخطيب أبي محمد عبد الواحد بن ~~أبي السداد الباهلي الأموي، وأخذ عن الرواية أبي عبد الله محمد بن عباس ~~الخزرجي بن السكوت، والخطيب الولي أبي الحسن بن فضيلة، والأستاذ أبي الحسن ~~ابن اللباد المدني. ورحل إلى مدينة سبتة؛ فأخذ بها عن عميد الشرفاء أبي علي ~~بن أبي التقي طاهر بن ربيع، وأبي فارس عبد العزيز الهواري، وأبي إسحاق ~~التلمساني، وأبي عبد الله ابن الخضار، والمقرئ أبي القاسم بن عبد الرحيم، ~~والأستاذ أبي بكر بن عبيدة. وأجازه من أهل المشرق الإمام شرف الدين عبد ~~المؤمن بن خلف الدمياطي بالدال المهملة، والرواية المتحدث أبو المعالي أحمد ~~بن إسحاق القوصي، إلى جماعة من المصريين والشاميين # PageV01P141 # وغيرهم. وعاد إلى بلده مالقة، وقد صار سباق الحلبات معرفة بالأصول، ~~والفروع، والعربية، واللغة والتفسير، والقراءات، مبرزا في علم الحديث ~~تأريخا، وإسنادا، ونسخا، وتصحيحا، وضبطا، حافظا للألقاب والأسماء والكنى؛ ~~فتصدر في فنون العلم. وكان كثير النصيحة، حريصا على الإفادة؛ فنفع وأدب، ~~وخرج وهذب، حتى صار أصحابه على هيئة متميزة من لباس واقتصاد، وجد واجتهاد. ~~وكثيرا ما كان يقول لفتيان الطلبة ما قاله الجنيد بن محمد، وهو: ms136 يا معشر ~~الشباب {جدوا قبل أن تبلغوا مبلغي} فتضعفوا وتقصروا كما قصرت! وكان الجنيد ~~وقت الشاخة لا يلحقه الشباب في العبادة. ومن تلك النسبة أيضا كان شيخنا أبو ~~عبد الله بن بكر؛ فإنه لم يكن في الغالب يأكل إلا عند حاجة، ولا ينام إلا ~~عن غلبته، ولا يتكلم بغير العلم إلا عن ضرورة. وبقي كذلك زمانا، يدرس ~~بالمسجد القريب من منزله سكناه احتسابا. ثم تقدم ببلاده للوزارة، ناظرا في ~~أمور العقد والحل، ومصالح الكافة. ثم ولي القضاء به؛ فأظهر من الجزالة ~~والشدة ما ملأ به وجدا صدور الحسدة، ونسبوا إليه أمورا حملت على إخراجه من ~~مالقة، وإمكانه بغرناطة؛ فبقي بها يسيرا، وتقدم منها بالمسجد الجامع خطيبا. ~~ثم ولي قضاء الجماعة؛ فقام بالوظائف، وصدع بالحق، وبهرج العدول؛ فزيف منهم ~~ما ينيف على الثلاثين عددا، استهدف بذلك إلى محادة ومناسبة ومعادلة خاض ~~ثبجها وصادم تيارها غير مبال بقيل أو قال؛ فأصبح في عمله، مع كتبة الوثائق ~~بغرناطة، أشبه القضاة بيحيى بن معمر في طلبه قرطبة، إذ بلغ من مناقشته أن ~~سجل في يوم واحد بالسخطة على تسعة عشر رجلا منهم وجرت لابن بكر في هذا ~~الباب حكايات يطول ذكرها، إلى أن استمرت الحال على ما أراده. وعزم عليه ~~أميره في إلحاق بعض من أسخطه بالعدالة؛ فلم يجد في قناته مغمزا؛ فسلم له في ~~نظره. ولم يزل مع ذلك ملازما أيام قضائه للاقراء مع التعليم: درس العربية، ~~والأصول، والفقه، وإقراء القرآن، والحساب، والفرائض؛ وعقد مجالس الحديث ~~شرحا وسماعا، وربما نحا في بعض أحكامه أنحاء مصعب بن عمران أحد القضاة ~~قديما بقرطبة؛ فكان لا يقلد مذهبا، ويقضي بما يراه صوابا. وسيأتي بسط ~~الكلام في هذه المسألة بعد، بحول الله. وإن قلنا عن القاضي ابن بكر إنه كان ~~في شدائد أحكامه أشبه علماء وقته بسحنون # PageV01P142 # ابن سعيد، لم يكن في ذلك ببعيد؛ فإنه أدب الناس على الحلف بالإيمان ~~اللازمة، وأنكر سوء الحال في الملابس، وفرق مجتمعات أرباب البدع، وشدد أهل ~~الأهواء بالسجن والأدب، على سبيل ms137 في ذلك كله من اتباع السنة وإطراح الهواء ~~له، وخفض الجناح لأهل الخير. وكان في خطبه وصلاته كثير الخشوع، لا يتمالك ~~من سمع صوته في الغالب من إرسال الدموع؛ يقرأ في الصبح بما فوق المفصل؛ ~~فيحسبه المصلى خلفه كأنما قرأ بآية واحدة، لحسن قراءته، وطيب نغمته، وصدق ~~نيته؛ وإذا ذكر شيء؛ من أمور الآخرة، ظهر على وجهه الاصفرار؛ ثم يغلبه ~~البكاء، ويتمكن منه الانفعال. فكان، في معاملته لأصحابه، على مذهب الفرج بن ~~كنانة، لا يرى زلة لصديقه، ولا يعدل في حاجته إليه عن طريقه؛ وقلما كان ~~يتخلف في يوم من أيامه عن عيادة مريض، أو شهود جنازة، أو تفقد محتاج، أو ~~زيارة منكوب. ومن ذلك ما حدثني به قريبنا وقريبه الشيخ الرواية المحدث ~~الحاج أبو القاسم بن عبد الله، وهو أنه لما اعتقل بدار الإشراف من الحضرة، ~~على ما نسب إليه من المسامحة في إضاعة مال الجباية، أيام كانت أشغال ~~السلطنة لنظره، أن زاره القاضي أبو عبد الله يوما في محبسه. قال: فذكرته ~~بعادته من مشاركته لأصحابه ولإخوانه وله ابن عوانة. قال: فاستعبر، واستغفر، ~~وأقام معي هنيئة ساكتا مفكرا؛ ثم تناول القرطاس، وكتب يخاطب الأمير بما ~~نصه: الحمد لله {مولاي أمدك الله بتوفيقه، وحملك من الرشاد على أوضح طريقه} ~~أسلم عليك وأسائلكم، حققت رجاء الآملين وسائلكم، ولا خاب من قصد لديكم ~~قاصدكم وسائلكم! ما كان من حديثي الذي لم يزل ذا قدم صدق في خدمة الإيالة ~~الإسماعيلية وبنيها، وخاصتها وذويها، وادا لأودائها. نائبا عن متاربها، ~~يرفع لنصحها في كل ميدان خدمة لواء، ويؤم أولياءها ثقة وأعداءها مقتا ~~ولواء، ويجر من نصحها من حسن الطوية رداء، إلى أن تحمل من عدوى الجوار داء، ~~وجعل لصاحب الجريمة، من أخذ بالجريرة غير ناره، وكوى لعجز جاره، وتارة عدوه ~~ولم يقم له هو ولي بثأره. فهل عثر البحاث البدعي في نواحي عمله وفي خفيات ~~سره، على مقربة خبر. أو أتى البحاث السريع في هزجه ورمله بأثارة علم تكشف ~~العمى وتضئ الطريق لأولى البصر؟ # PageV01P143 # حنانيك ms138 أعد النظر فما هي إلا القيت يقرقر زجاجة، من قضابها لغيرك فيما ~~اخبث حاجة. وإن كان وقع لما ألقاه في الأمر شيء من الباس، وحضر لما زينه ~~وأعانه عليه قوم آخرون من الناس، فما بنا من ظهور الحق لديك اياس، وحاشاك ~~أن يخفض للجوار بحضرة عهدك الكريم كبير أناس. فأعرض عما تسوله شياطين الأنس ~~وتحلية، وتعده من الأباطيل وتمنيه، وعد عما يزخرفه كل خف مزق القول منها ~~فيستند كل نقل روايته إلى أصل غير ثابت؛ فيربط قياس رؤيته بما اطمع خضراء ~~الدمن نابت، قد غمس في آل القاضي يمين طعمه، وجزاه على غموس اليمين فرط ~~هلعه. فما ينطق لسانه إلا بما يجعل في كفه من الصامت، واعتمد مشورة ناصح لك ~~بإلغاء نصحه حذر الوشاة فتخافت. وإذا حضرك الغاوون المستبغون، وألقوا من ~~حبال كيدهم وعصى مكرهم ما هم ملقون؛ فتعوذ بالله من شر ما يشركون، واستحضر ~~من الحق كلمة تلقف ما يافكون، ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد ~~احتمل بهتانا وإثما مبينا. ثم اسمع من لسان الحال، وهو أفصح من لسان ~~المقال، حجة من اعتاد سيلان الفضائل من يديك، ومثله جاثيا للاحتكام لديك، ~~أليس من قواعد الحكم نظر حال المدعى وحال المدعى عليه، ومن يليق به ما عزى ~~له ومن لا يناط به ما نسب إليه؟ هل يستويان مثلا، أو يتقاربان قولا، ~~ويتقارنان عملا، أو يتباعدان بعد المشرقين، ويتباينان فوق ما بين عطاردين؟ ~~فمن الذي يتلو الآيات ويردد واعظها، ويسرد الأحاديث ويسمع مواعظها، ويطرد ~~في الاسحار الهجوع، ويرسل في مجالس الخير الدموع، ويتعبد مع العابدين، ~~ويتقلب مع الساجدين؟ أم هو كذا وكذا وكيت وكيت مما يكثر عند التعداد، ولا ~~يحمل في مثله استعمال القلم والمداد؟ فعلى من تحمل اليمين والكذب، أعلى من ~~ألفه الجد أم على من غلب عليه اللعب؟ فإن غير هذا أو غير هذا لأمر ما وقيل ~~هما في الثناء سيان، وعند النداء سميان، وقد ظهر للمدعى في صكوك الحساب ~~رجحان، وهذا ديوان العمل فيه ms139 شهادة فلان على خط المطلوب وفلان، فادرا هذه ~~الشبهة المشوهة والحجة الداحضة المموهة. فإن اضطراب المذاهب في العمل ~~بالكتاب، وتفرق أربابها على أشتات الطرق والشعاب، فمنهم من أهمله جملة في ~~كل الأمور # PageV01P144 # ومنهم من أعمله في بعضها وهو القول المشهور {يا للعجب إذا كانت شهادة ~~العدول ترد بالاستبعاد، بدعوى فيما يقدر على تحصيله بيسير العثرات والاحاد} ~~وعند التأمل بإنصاف، وتجنب الميل والانحراف، يبدو من أحوال هذه القضية ~~قرائن توجب فض ذلك المكتوب، وتؤذن ببراءة المحبوس من العدد المطلوب، وإن ~~كان من جد هذا القول ليس من أهل التحبير، ولا ممن عرف بجودة البيان وبلاغة ~~التعبير، فإنه ذو عسرة جاد بما وجد، وحليف وجد عصر بلالة طبعه شدة ما به من ~~الكمد، أبقاك الله وكتب لك سداد الرأي وسعادة الأبد، وعزا ونعيما لا ~~يحصرهما حد، ولا ينتهيان إلى أمد {وصلى الله على سيدنا محمد وآله صلاة ~~دائمة ما دام ثناؤه في الألسن وثراه في الخلد} قال الشيخ أبو القاسم: وختم ~~الكتاب بعد ما علقه لأعجمي له ودفعه لمن بلغه. فما تم النهار إلا والبشير ~~قد وصلني بالإعتاب، ورفع التوجه من العتاب. والحمد لله على ما منح من ذلك ~~{قال المؤلف أدام الله سعادته} وهذا المرسوم الفريد، إن كان شيخنا أبو عبد ~~الله بن بكر قد أتى به على البديهة، إنه لأغرب من الخطبة التي قام بها منذر ~~ابن سعيد بين يدي الخليفة الناصر، حين أرتج على محمد بن عبد البر وحيل بينه ~~وبين ما رواه، وانقطع القول بأمير الكلام أبي علي القالي. وإن كان الشيخ قد ~~جدد قديما ما أظهره وأعده، قصد مناظرة أخيه؛ فلقد أحسن في عمله ما شاء، ~~وأجاد الإبداع والإنشاد. ويقرب من هذا النمط ما حدثنا به صاحبنا الخطيب أبو ~~جعفر الشقوري عن القاضي أبي عبد الله المذكور، أنه كان قاعدا يوما بين ~~يديه، في مجلس قضائه من حضرة غرناطة مهدها الله تعالى {وإذا بامرأة قد رفعت ~~له بطاقة مضمنها: يا سيدي رضى الله عنكم} إنما محبتها في ms140 الرجل الذي طلقها ~~وهي تريد من يكلمه في ارتجاعه لها وردها إليه. قال: فتناول القلم، وكتب على ~~ظهر البطاقة أحرفا، ودفعها إلي؛ فإذا هي: الحمد لله {من وقف على ما في ~~القلوب فليصخ لسماعه إصاخة مغيث، وليشفع لتلك المرأة عند مفارقها تأسيا ~~بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم} لبريرة في مغيث {والله تعالى يسلم ~~لنا العقل والدين، ويسلك بنا سبيل المهتدين} ومن نصائحه لطلبته: أوصيكم، ~~بعد تقوى الله العظيم، بثلاث خصال: ألا تكتبوا # PageV01P145 # خطا دقيقا؛ فإنه يضر بأبصاركم، ويقل انتفاع الغير به بعدكم؛ وإذا خططتم ~~أحدا، فلا حظوا تخطيطه أن يكون الشخص المخطط غير خلي من المعنى الواقع في ~~اسمه، توخيا منكم للصدق، وتحريا عن التجاوز المحض؛ ولا يكن همكم بكتب ~~الشيوخ لكم على ما قرأتم. وليكن همكم أن تكونوا من الديانة والدراية بمثابة ~~من يقبل قوله فيما يدعيه ولا يكذب فيه إلى غير ذلك من خطبه ومواعظه وأدبه. ~~وكان في أقضيته لا يرى الحكم بمجرد التدمية، إذا لم يقترن بها لشيء من ~~اللوث، ويرخص للرجل في متابعته لزوجته بالأدب، ويوجبه على الصلاة، بخلاف ما ~~ذهب إليه ابن أبي زيد في نوادره، ويردد ما ورد في الصحيح: ألا كلكم راع، ~~وكلكم مسؤول عن رعيته {وكان لا يوسع للناشر عن رأي الفرار بعد الدخول ~~ويجبرها على الرجوع، إلى أن أحدثت له بمالقة، أيام قضائه بها، مع رجل من ~~أهلها يعرف بعبد الله الوردي؛ فأمسك عن ذلك. وكان يأخذ بمذهب الليث بن سعد ~~في كراء الأرض بالجزء مما تنبت، ويحذر من الركون إلى مقالات محمد بن عمر ~~الرازي المعروف بابن خطيب الرأي في المباحث، وينكر عليه ما قرره آخر محمله ~~من الأراء وقوله في الأربعين: أما الكافر، فهو على قول الأكثر من الأمة ~~يبقي مخلدا في النار؛ وهذا القول من ابن الخطيب فيه ما فيه؛ فإن المخالف في ~~تخليد الكافر في النار هو من القلة والشذوذ، بحيث لا يلتفت إليه، ولا يعد ~~كلامه قولا في المسألة. وكان يقول: من لم يتمرن ms141 في عقود الشروط، ولا أخذ ~~نفسه بالتفقد في كتب التوثيق، لا ينبغي له أن يكون قاضيا، وإن كان قويا ~~فائقا في سائر العلوم} وإن ذهبنا إلى تقدير ما تلقيناه من شيخنا القاضي أبي ~~عبد الله في مجالسه العلمية من نكت النوازل وطرف المسائل، طال بنا القول، ~~وأدرك فريضتنا العول {وفيما ذكرناه العناية الكافية. وبالجملة، فما كان إلا ~~كما ذكر بقي بن مخلد عن محمد بن بشير حيث قال: ما كان يقاس إلا بمن تقدم من ~~صدور هذه الأمة. ومن تلك الطبقة كان محمد بن بكر عند من عرفه واستمر على ~~عمله من الاجتهاد، والرغبة في الجهاد، إلى أن فقد رحمه الله} في مصاف ~~المسلمين، يوم المناجزة الكبرى بظاهر طريف، شهيدا محرضا، يشحد البصائر، ~~ويدمن الأبطال، ويشير على الأمير أن يكثر من قول: حسبنا الله ونعم الوكيل! # PageV01P146 # وقد كتف دابته التي كان عليها راكبا، وهو رابط الجأش، مجتمع القوى، وأنشأ ~~عليه بالركوب وقال له: انصرف {هذا يوم الفرح} يشير، والله أعلم، إلى قوله ~~تعالى في الشهداء: " فرحين بما آتاهم الله من فضله "؛ وذلك ضحى الإثنين ~~السابع من جمادى الأولى عام 741، عن غير عقب من الذكور. ومولده في أواخر ~~شهر ذي الحجة من عام 673. ### $ ذكر القاضي عثمان بن منظور # ومن القضاة بمالقة، أيام ابن بكر بغرناطة، شيخنا أبو عمر عثمان بن محمد ~~بن يحيى بن محمد بن منظور الإشبيلي، أحد بيوت النباهة بالأندلس. ذكره صاحب ~~كتاب العائد فقال فيه: كان رحمه الله! صدرا في علماء بلده، أستاذا ممتعا، ~~من أهل النظر والتحقيق، ثاقب الذهن، أصيل البحث، مضطلعا بالمشكلات، مشاركا ~~في الفقه والعربية، إلى أصول وقراءات وطب ومنطق. قرأ كثيرا، ثم تلاحق ~~بأصحابه. ثم غبر في وجوه السوابق. لازم الأستاذ أبا محمد الباهلي، وانتفع ~~به. وقرأ على الأستاذ أبي بكر بن الفخار، وتزوج زينب ابنة الفقيه المشاور ~~أبي علي بن الحسن؛ فاستقرت عنده كتب والدها. فاستعان بها على العلم، ~~والتبحر في المسائل. وقيد بخطه الكثير، واجتهد، وصنف، وقرأ ببلده محترفا ~~بضاعة التوثيق؛ فعظم ms142 به الانتفاع. وولي القضاء بآش، وملتماس، وقمارش، ثم ~~ببلده مالقة. وتوفي بها مصروفا عن القضاء، دون عقب، في يوم الثلاثاء الخامس ~~والعشرين لذي حجة عام 735؛ ولم يخلف ببلده مثله في وقته مشاركة في الفنون، ~~وجودة نظر، وثقوب ذهن. وخرج عليه طائفة من الطلبة. وولي بعده بقيد الحياة ~~بمكانه من خطة القضاء صاحبه، المنتفع به قبل ذلك قراءة علية وسكونا إليه، ~~محمد بن محمد بن إبراهيم بن الحاج، المدعو بأبي البركات البلفيقي، حسبما ~~يأتي الكلام عليه بعد بحول الله تعالى. # PageV01P147 ### $ ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن عياش # واستقضى بعد ابن بكر، من أصحابه الآخذين عنه، الفقيه الزاهد أبو عبد الله ~~محمد بن محمد بن عياش الخزرجي؛ استدعاه أمير المسلمين أبو الحجاج لحضرته، ~~وقلده قضاء الجماعة بها؛ فأقام الرسم ثلاثة أيام حسبة، كما تقدم في اسمه، ~~وأفصح رابع يومه بالاستعفاء؛ فترك لشأنه. ### $ ذكر القاضي أبي جعفر أحمد بن برطال # واستقدم على أثره من مالقة أيضا أبو جعفر أحمد بن محمد بن علي بن أحمد ~~الأموي، المعروف بابن برطال، أحد المترددين للقاضي أبي عبد الله بن بكر ~~أيام كونه ببلده. فولى قضاء الجماعة بغرناطة والخطبة. قال صاحب عائد الصلة: ~~على قصور في المعارف؛ ولذلك يقول الشيخ نسيج وحده أبو البركات: إن تقديم ~~ابن برطال دعا ... طالبي العلم إلى ترك الطلب حسبوا الأشياء عن أسبابها ... ~~فإذا الأشياء من غير سبب فأعنته الدربة وأنجدته الخطة على تنفيذ الأحكام؛ ~~فلم يؤثر عنه فيها أحدوثه، واستظهر بجزالة أمضت حكمه وانقباض عافاه من ~~الهوادة. فرضيت سيرته، واستقامت طريقته. وصير إلى مالقة بعد ذلك. فتوفي بها ~~أيام الطاعون الكبير، وذلك في منصف ليلة الجمعة خامس صفر من عام 750: خرجت ~~جنازته في اليوم لليلة وفاته، صحبه ركب من الأموات يزيد على الألف، منهم ~~شيخنا المقريء الولي أبو القاسم بن يحيى بن درهم، والأستاذ الواعظ أبو عبد ~~الله أحمد المعروف بالقطان رحمة الله عليهم! # PageV01P148 ### $ ذكر القاضي أبي القاسم الخضر بن أبي العافية # ومنهم الخضر بن أحمد بن أبي العافية الأنصاري، ms143 يكنى أبا القاسم ويعرف ~~بابن أبي العافية، من أهل غرناطة. وكان رحمه الله {من صدور القضاة، وجهابذة ~~النحاة، وأهل النظر والعكوف على الطلب، حتى صار مضطلعا بنوازل الأحكام، ~~مهتديا لاستخراج غرائب النصوص. نسخ بيده الكثير، وقيد من المسائل، فعرف ~~فضله، وبهر نبله، واستشاره القضاة في المشكلات، واستظهروا بنظره عند ~~المهمات. وكان بصيرا بعقد الشروط، ظريف الخط، بارع الأدب، مكثرا من النظم؛ ~~ومن ذلك قوله: لي دين على الليالي قديم ... ثابت الرسم منذ خمسين حجة أبعاد ~~وبالحكم بعد عليها ... أم لها عن تقادم العهد حجة وتوفي رحمه الله} قاضيا ~~ببرجة؛ وسيق إلى غرناطة. فدفن بباب إلبيرة عصر يوم الأربعاء آخر يوم من ~~ربيع الأول عام 745. وقد أجابه على بيتيه المذكورين طائفة من الأفاضل بقطع ~~من الشعر الرائق. وإنهما لمن نمط الظريف. ولقائل إن يقول: بل هما من الكلام ~~الضعيف المنقود على مثل الفقيه، فإنه إن كان قد أراد بالدين الذي زعمه على ~~الليالي، ما نواه من التوبة! وحدثني بنحو هذا الغرض عنه بعض الأصحاب، وذكر ~~لي أنه أخبره بذلك عن نفسه أيام حياته. فالملام إذا متوجه عليه لأجل تفريطة ~~وانحلال عزيمته. وبيان ذلك أن التوبة فرض بإجماع الأمة في كل وقت وعلى كل ~~حال من كل ذنب أو تقصير، في كمال أو غفلة؛ وحالها حال الشيء الذي يتاب منه، ~~فإن كان الواقع حراما، كانت التوبة على الفور إلى تمام المقامات فمن أخرها ~~زمانا، عصى بالتأخير فيحتاج إلى توبة من تأخير التوبة. وكذلك يلزم على ~~تأخير كل ما يجب تقديمه. فعلى هذا التقدير، تأخير الشيخ التوبة مدة من ~~خمسين سنة وإصراره على الذنب ذنبان مضافان إلى الخطيئة. وإن كان إنما أراد ~~الملحة والتورية بالديون التي تكلم عليها الفقهاء في باب المعاملات من غير ~~التفات منه لغرض معين، فكان من حقه أن # PageV01P149 # يأتي بما يطابق أقوال العلماء، ولم يقل أحد منهم بإلزام الغرامة لمدين ~~بعد مرور خمسين سنة من تأريخ الرسم المطلوب بمضمنه. ولذلك قلت في معرض ~~الجواب منبها على هذا الوجه: قل ms144 لمن ألزم الليالي دينا ... وهو في العرف قد ~~تجاوز نهجه مقتضى الفقه رفض ما تدعيه ... فاتق الله حيثما تتوجه ولو أتى ~~الناظم بعشرين بدل الخمسين، لكان أقرب إلى محل الخلاف. وإن كان الأصل بقاء ~~الدين في ذمة المديان؛ لكنه قال يشهد العرف للمدين فيكون القول قوله في ~~الدفع. وهذا قد يتضح العرف فيه فيتفق عليه. وقد يختلف فيه لكون العرف لم ~~يتضح. وهذه المسألة تفتقر إلى بسط. ونحن نورد من الكلام عليها في هذا ~~الموضع ما أمكن، إذ هو وقت الاحتياج إلى البيان. فنقول والله الموفق للصواب ~~{فمن مثل ما اتضح فيه العرف، ما ذكر في المدونة أن ما يباع على النقد ~~كالصرف، وما يباع في الأسواق كاللحم، والفواكه، والخضر، والحنطة، والزيت ~~ونحوه، وقد انقلب به المبتاع، فالقول قوله إنه قد دفع الثمن مع يمينه يصدق ~~المشتري هنا في دفع الثمن لشهادة العادة له بصدقه. قال المازري: وهذا لم ~~يختلف فيه لا تضاح العادة الدالة عليه. وهكذا ذكر ابن رشد أنه لا اختلاف في ~~أن القول هنا قول المبتاع. قال أبو إسحاق التونسي: ما كان من الأشياء ~~عادتها أن تقبض قبل دفع السلعة أو معها معا؛ فإذا قبض المشتري السلعة، كان ~~القول قوله مع يمينه أنه دفع الثمن لدعواه المعادة. وقال ابن محرز: إن لم ~~ينقلب به، وكان قائما مع بائعه، فقد اختلف في ذلك؛ فروى أشهب عن مالك: ~~القول قول رب الطعام مع يمينه. وقال ابن القاسم: القول قول المبتاع. قال ~~ابن القاسم: وذلك إذا كانت عادة الناس في ذلك الشيء أخذ ثمنه قبل قبضه أو ~~معه. قال ابن محرز: فقد نبه ابن القاسم رحمه الله} على المعنى الذي ينبغي ~~أن يعتمد عليه في هذا الأصل، وهو العادة؛ فمن ادعى المعتاد كان القول قوله ~~مع يمينه في جميع الأشياء المشتراة على اختلافها من دور، ورقيق، وبز، ~~وطعام، وغير ذلك؛ ومن مثل هذا أيضا إذا باع سلعة، وادعى بعد طول أنه لم ~~يقبض ثمنها، فإن القول قول المبتاع مع يمينه. ms145 # PageV01P150 # لا كن اختلف في حد الطول؛ فقال ابن حبيب: أما الرقيق، والدواب، والربع، ~~والعقار، فالبائع مصدق وإن تفرقا ما لم يطل، فإن مضى عام أو عامان، فالقول ~~قول المبتاع، وليس يباع مثل هذا على التقاضي. وأما البز وشبهه من التجارات، ~~فما يباع على التقاضي والآجال؛ فإن قام ما لم يطل، فزعم أنه لم يقبض الثمن، ~~حلف وصدق؛ وإن قام بعد طول مثل عشر سنين، فأقل منها مما لا يبتاع ذلك إلى ~~مثله، صدق المبتاع ويحلف. وساوى ابن القاسم بين البز وغيره ما عدا الحنطة ~~والزيت ونحو ذلك، وجعل القول في ذلك قول البائع، ولو بعد عشرين سنة، حتى ~~تجاوز الحد الذي لا يجوز البيع إليه. قال المازري: والتحقيق أن هذا الطول ~~غير محدود، ولا مقدر، لا بحسب ما تجري به العادة في سائر الجهات، وفي أجناس ~~التجارات؛ فلا معنى للرجوع إلى هذه الروايات، لأنها مبنية على شهادة بعادة. ~~ومن هذا أيضا ما قالوا إن القول قول المكترى في دفع الكراء إذا طال الأمر ~~بعد انقضاء أمد الكراء، حتى يجاوز الحد الذي جرى العرف بتأخير الكراء إليه. ~~ومن مثل هذا أيضا، دعوى الزوج دفع الصداق إلى الزوجة: فقد قال مالك وابن ~~القاسم: إن الزوج يصدق في الدفع إذا اختلف في ذلك بعد البناء. ومن مثل هذا ~~أيضا، ما قالوا في أن رب الدين، إذا حضر على قسمة تركة المديان، ولم يقم ~~بدينه، ولا عذر له بمنعه من القيام، فلا شيء له. ومن مثل هذا أيضا ما قال ~~مالك في الوسى: يدعى دفع المال إلى اليتيم إنه لا يصدق إلا إن يكون رجلا ~~ادعى على وليه أنه لم يدفع إليه ماله بعد زمان طويل، قد خرج فيه عن حال ~~الولاية، حتى إذا طال الزمان، وهلك الشهود، قال: فلان وليى، ولم يدفع إلي ~~مالي؛ فليس هذا بالذي أريد! قال ابن رشد هذا، كما قال من أن ولي اليتيم ~~يصدق مع يمينه في دفع مال اليتيم إليه إذا أنكر القبض وقد طالت المدة، لأن ms146 ~~طول المدة دليل على صدقه لأن العرف يشهد له؛ فيكون القول قوله، كما يكون ~~القول المكترى في دفع الكراء إذا طال الأمر بعد انقضاء أمد الكراء، حتى ~~يجاوز الحد الذي جرى العرف بتأخير الكراء إليه. قال القاضي أبو بكر ابن ~~يبقى بن زرب: إذا قام على وصية بعد انطلاقه من الولاية بأعوام كثيرة ~~كالعشرة والثمان، يدعي أنه لم يدفع إليه ماله؛ فلا شيء له قبله يريد من ~~المال ويحلف، لقد دفع إليه. قال: وإذا لم يكن في حد ذلك سنة، يرجع إليها ~~فالذي يوجبه النظر أن يكون القول قول # PageV01P151 # اليتيم إنه ما قبض حتى يمضي من المدة ما يغلب على الظن معها كذبه في أنه ~~لم يقبض ويصدق وليه في أنه دفع. وهذه المسألة، وإن لم تكن من الديون، فإنها ~~تشارك الديون في أن الوصي لا يصدق في الدفع إلى اليتيم مع الزمان القريب. ~~والأصل في هذا كله شهادة العرف والعادة. فإذا شهد العرف للمديان ورجح قوله، ~~صدق في الدفع مع يمينه؛ وإن لم يشهد له العرف، فالقول قول رب الدين في أنه ~~لم يقبض، وقيام رب الدين بعد طول الزمان به ودعواه عدم القبض مما يوهن ~~دعواه ويكذبه؛ فيكون القول قول المديان في الدفع مع يمنيه لشهادة العرف به. ~~ومقدار الطول التحقيق فيه ما قاله الإمام أبو عبد الله المازري إنه غير ~~مقدر، ولا محدود، إلا بحسب ما تجري به العادة في سائر الجهات وفي أجناس ~~التجارات. والله أعلم! وفي هذا القدر كفاية. ### $ ذكر القاضي أبي محمد عبد الله بن يحيى الأنصاري # ومن القضاة، عبد الله بن يحيى بن محمد بن أحمد بن زكرياء الأنصاري ~~الأوسي، من أهل غرناطة؛ وأصله من مرسية، من بيت جود وفضل يكنى أبا محمد. ~~كان ممن ولى القضاء وهو دون عشرين سنة، وتصرف فيه بقية عمره بالجهات ~~الأندلسية؛ فأظهر نزاهة وعدالة، وأكثر مع ذلك من القراءة والإجتهاد، حتى ~~صار من أهل القيام، والإحكام، والتقدم في عقد الشروط، والإمامة في علم ~~الفرائض والعدد، وما يرجع ms147 إليه، عن الأستاذ أبي عبد الله بن الرقام. وروى ~~عن أبي جعفر بن الزبير، والقاضي أبي عبد الله بن هشام، والخطيب أبي الحسن ~~بن فضيلة. وكان في قضائه على طريقة حسنة من دماثه أخلاق، وسلامة أغراض، ~~وتثبت في المشكلات، والأمور المشتبهات؛ وكثيرا ما كان يطيل الجلوس في آخر ~~النهار، خشية أن يأتي محتاج ضعيف، أو شاك ملهوف من مكان بعيد؛ فلا يوجد. ~~وإذا بان له وجه الحق في الحكومة، أنفذ دون استراب في شيء منه، أخذ فيه ~~بمذهب ابن مخلد من الأستيناء، حتى يصير الفريقان إلى التصالح، احتياطا ~~لنفسه ولغيره. مولده منتصف شهر جمادى الآخر عام 675. وتوفي وهو قاض ببسطة، ~~في التاسع عشر في شهر رمضان عام 745. # PageV01P152 ### $ ذكر القاضي أبي بكر محمد بن أحمد بن شبرين # ومنهم محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الجذامي نزيل ~~غرناطة، وأصله من إشبيلية، من حصن شلب من كورة باجة غربي صقعها؛ يكنى أبا ~~بكر، ويعرف بابن شبرين. وانتقل أبوه عن إشبيلية عند تغلب العدو عليها، وذلك ~~عام 646: فاحتل رندة، ثم غرناطة، ثم انتقل إلى سبتة، وبها ولد ابنه أبو بكر ~~هذا. ثم عاد عند الحادثة التي كانت بها في أواخر عام 705 إلى غرناطة؛ ~~فارتسم بها في الكتابة السلطانية. ثم تولى القضاء بكثير من الجهات. وكان ~~رحمه الله! فريد دهره في حسن السمت، وجمال الرواء، وبراعة الخط، وطيب ~~المجالسة، من أهل الدين والفضل والعدالة، غابة في حسن العهد ومجاملة ~~العشرة، أشد الناس اقتدارا على نظم الشعر والكتب الرائق. قرأ على جده لأمه ~~الأستاذ أبي بكر بن عبيدة الإشبيلي، وعلى الأستاذ أبي إسحاق الغافقي. وكانت ~~له رحلة إلى مدينة تونس، لقي بها قاض الجماعة الشيخ الإمام أبا إسحاق ~~إبراهيم بن عبد الرفيع وغيره؛ فاتسع بذلك نطاق روايته. ومن شعره: لي همة ~~كلما حاولت أمسكها ... على المذلة في أرجا أراضيها قالت: ألم تك أرض الله ~~واسعة ... حتى يهاجر عبد المؤمن فيها وله في برد غرناطة: رعى الله من ~~غرناطة متبوءا ... يسر ms148 كئيبا أبو يجير طريدا تبرم منها صاحبي بعد ما رأى ~~... مسارحها بالبرد عدن جليدا هي الثغر صان الله من أهلت به ... وما خير ~~ثغر لا يكون برودا توفي، عن غير عقب من الذكور، ثالث شعبان من عام 747. # PageV01P153 ### $ ذكر القاضي أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى بن زكرياء # ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى شقيق الفقيه القاضي محمد بن زكرياء ~~المتقدم الذكر. وكان من سراة القضاة، طرفا في الخير والاقتصاد والتعزز ~~والانقباض، بارعا في الخط؛ أخذ بحظ من النظم والنثر، واستعمل في القضاء؛ ~~فسار فيه بأجمل سيرة وأحمد طريقة. قرأ على أبيه؛ ثم تحول إلى الأستاذ أبي ~~جعفر بن الزبير، وأخذ بسبتة عن أبي إسحاق الغافقي، وصحب صوفية وقته كأبي ~~عبد الله التونسي، وأبي جعفر بن الزيات، وأبي الطاهر بن صفوان. وكتب بالدار ~~السلطانية؛ فكان زين أخدانه، وصدر إخوانه. مولده في الثالث والعشرين لشعبان ~~من عام 751. ### $ ذكر القاضي أبي بكر محمد بن عبيد الله بن منظور القيسي # ومن أعلام القضاة، الشيخ الفقيه أبو بكر محمد بن عبيد الله بن محمد بن ~~يوسف بن يحي بن عبيد الله بن منظور القيسي المالقي، وأصله من إشبيلية، من ~~البيت الأثيل المشهور؛ ويكفي من التعريف بقدم إصالته الكتاب المسمى ب الروض ~~المنظور، في وصاف بني منظور. وكان هذا القاضي رحمه الله! جم التواضع، كثير ~~البر. مبذول البشر، قويا مع ذلك على الحكم، بصيرا بعقد الشروط، مترفقا ~~بالضعيف. ولي القضاء بجهات شتى من الأندلس، فحمدت سيرته، وشكرت طريقته؛ ثم ~~تقدم ببلده مالقة قاضيا وخطيبا بقصبتها. وكان سريع العبرة، كثير الخشية، ~~جاريا على سنن أسلافه من الفضل وإيثار البذل. قرأ على الأستاذ أبي محمد بن ~~أبي السداد الباهلي، ولازمه، وانتفع به وسمع على غيره. وأجازه ابن الزبير، ~~وابن عقيل الرندى، وأبي عمرو الطنجي، وغيرهم. وله تآليف، سمعت عليه بعضها، ~~وناولني سائرها؛ منها نفحات النسوك، وعيون التبر المسبوك، في أشعار الخلفاء ~~والوزراء والملوك؛ وكتاب السجم الواكفة، والظلال الوارفة، في الرد على ما ~~تضمنه المظنون به من # PageV01P154 # اعتقادات الفلاسفة؛ وكتاب ms149 البرهان والدليل، في خواص سور التنزيل. وأنشدني ~~لنفسه من لفظه: ما للعطاس ولا للفأل من أثر ... فثق بدينك بالرحمان واصطبر ~~فسلم الأمر فالأحكام ماضية ... تجري على السنن المربوط بالقدر وتوفي ببلده ~~مالقة؛ وقبر بها شهيدا بالطاعون، وذلك منتصف شهر صفر من عام 750. وعقبه ~~مستعمل في خطة القضاء على الطريقة المثلى من المبرة وكثرة الحشمة تولاه ~~الله تعالى { ### $ ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد الطنجالي # ومهم قريبنا وصاحبنا، الخطيب أبو عبد الله محمد بن شيخنا الخطيب أبي جعفر ~~أحمد ابن شيخنا أيضا الولي الكبير الشهيد أبي عبد الله محمد بن أحمد بن ~~يوسف الهاشمي الطنجالي، أحد أماثل قطره، وذوي الأصالة والجلالة من أهله. ~~تقدم قاضيا ببلده مالقة، وقد نجمت بن بواكي الوباء الأكبر، وذلك صدر عام ~~750، بعد تمنع منه واباية. فلم يوسعه الأصحاب عذرا في التوقف، وشرطوا له ~~عونهم اياه، كالذي جرى للحارث بن مسكين بمصر مع إخوانه في الله تعالى. وما ~~كان إلا أن ولي الطنجالي وحمى وطيس الطاعون الأعظم الذي حسبت ظهوره في ~~زماننا هذا أنه من علامات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم} فقد ثبت عنه ~~في الحديث الصحيح أنه قال لعوف بن مالك في غزوة تبوك: اعدد ستا بين يدي ~~الساعة: موتى؛ ثم فتح بيت المقدس؛ ثم موتان يأخذ فيكم كعقاص الغنم؛ ثم ~~استفاضة المال؛ حتى يعطى الرجل مائة دينار، فيظل ساخطا؛ ثم فتنة لا يبقى ~~بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، ~~فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية إثنا عشر ألفا! ه نص. والغاية هي ~~الراية؛ وبنو الأصفر هم الروم. ولا يبعد أن تكون المهادنة المشار إليها هذه ~~التي نحن فيها في الأندلس منذ اثنين وثلاثين # PageV01P155 # سنة، أولها هلاك ملك النصارى المسمى بالفنش بن هرانده بن شانجه، وهو ~~بظاهر جبل الفتح حاصرا له، وذلك عاشر المحرم من عام 750 والى هلم. وقلما ~~يعلم أنه جرى بين الملتين مثلها في طول المدة واستصحاب المسالمة. والله ~~أعلم بالمراد ms150 من ذلك كله، في الحديث الذي أوردناه، هل هو ما ذكرناه ونبهنا ~~عليه، أم غيره {وعلى كل تقدير، والله تعالى يلطف بالساكن في هذه الجزيرة ~~المنعطفة من البحر الزاخر، والعدو الكافر، ويجعل عافية من بها إلى خير} ~~والعقاص المذكور في الحديث هو داء يصيب الغنم، فتموت بإذن الله. والطاعون ~~سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم {فقال: رجس أرسل على بني إسرائيل} ~~وقيل إنه أول ما بدأ بهم في الأرض، ومات به منهم عشرون ألفا. وقيل: سبعون ~~ألفا في ساعة واحدة. وقيل إنهم عذبوا به. وفي الحديث أيضا سئل عليه السلام ~~{عن الطاعون؛ فقال: غدة كغدة البعير، تخرج في المراق والآباط. قال أبو عمر: ~~قال غير واحد: وقد تخرج في الأيدي، والأصابع، وحيث ما شاء الله من البدن. ~~وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم} حق وإنه الغالب. وقال الخليل: ~~الوباء الطاعون. وقال غيره: كل مرض يشتمل الكثير من الناس في جهة من ~~الجهات، فهو طاعون. وعن عياض: أصله القروح في الجسد؛ والوباء عموم المرض: ~~فسمى لذلك طاعونا، تشبيها بالهلاك. وقيل فيه غير ما ذكر. وقد شاهدنا منه ~~غرائب يقصر اللسان عن بيان جملة أجزائها. ومنها انتهى عدد الأموات في تلك ~~الملحمة الوبائية بمالقة إلى ما يزيد في اليوم على الألف، بقي بعد ذلك ~~أشهرا حتى خلت الدور، وعمرت القبور، وخرج أكثر الفقهاء والفضلاء والزعماء، ~~وذهب كل من كان قد شرط للقاضي أبي عبد الله إعانته على ما تولاه. وكان من ~~لطف الله تعالى بمن بقي حيا من الضعفاء بمالقة كون القاضي لهم بقيد الحياة، ~~إذ كان قبل ذلك، على تباين طبقاتهم، قد هرعوا إليه بأموالهم، وقلدوه تفريق ~~صدقاتهم؛ فاستقر لنظره من الذهب، والفضة، والحلي، والذخيرة، وغير ذلك، ما ~~تضيق عنه بيوت أموال الملوك؛ فأرفد جملة من الطلبة وفقراء البلدة، وتفقد ~~سائر الغربة، وصار يعد كل يوم تهيئة مائة قبر حفرا، وأكفانهم برسم من يضطر ~~إليها من الضعفاء فشمل النفع به الأحياء والأموات. بقي هو وغيره من أهل ms151 ~~القطر على ذلك زمانا، # PageV01P156 # مشاركة بالأموال ومساهمة في المصايب والنوازل، إلى أن خف الوباء، وقل عدد ~~الذاهبين به والمسالمين بسببه؛ فأخذ بالجد التام في صرف الأوقات إلى ~~إمكانها، ووضع العهود في مسمياتها؛ فانتشع بذلك الفل، وذهب على أكثرهم ~~القل. والله لطيف بعباده. وكان هذا الرجل المترجم به جلدا، قويا في نفسه، ~~بدنا، طوالا هاشميا خلقا وخلقا، نبيها، نزيها، خطيبا، مهيبا، أصيل الرأي، ~~رصين العقل، قائما على عقد الشروط وعلم الحساب والفرائض على طريقة جده ~~وسميه الولي أبي عبد الله. ولما من الله سبحانه برفع ما كان نزل بالناحية ~~المالقية من الطاعون، واستروح من بقي بها من الخلائق روح الحياة، وكادت ~~النفوس أن ترجع إلى مألوفاتها، وتقوم ببعض معتاداتها، نهض بنفسه القاضي أبو ~~عبد الله إلى أمير المسلمين السلطان المؤيد أبي الحجاج رحمه الله وأرضاه ~~{فورد عليه، وهو بحضرته، وطلب منه الإنعام عليه بالإعفاء من القضاء؛ فأنزله ~~بمنزلة التجلة، وراجعه بعد ذلك بما حاصله: حوائجك كلها مقضية لدينا، إلا ما ~~كان الآن من الإعفاء؛ فارجع إلى بلدك، واكتب إلينا إن شئت من هنالك بما ~~يظهر لك، بعد تقديم الاستخارة. ولعل العمل أن يقع بموافقة إرادتك، إن شاء ~~الله} فارتحل عنه شاكرا فعله، وداعيا بالخير له، هو وكل من بلغه عن السلطان ~~ما قابل به مستعفيه. هذا من التلفظ الجميل، والفضل الجزيل. ثم كتب من بلده ~~مالقة، يخبر باستمرار عزيمته على ما نواه أولا من الخروج عن القضاء، ~~والاقتصار على الخطة. فوصله الجواب بإسعاف غرضه. وتقدم الشيخ أبو القاسم بن ~~سلمون الكناني قاضيا في مكانه. فأظهر السرور بذلك كله. ولما قدم ابن سلمون ~~على مالقة، تلقاه، وحياه، وحضر عن اختياره، تخلقا منه وتواضعا في جملة ~~الفقهاء وعامة أهل المصر بالقبة الكبرى من المسجد الجامع، عند قراءة رسوم ~~الولاية، على العادة المعتادة هنالك. ثم انتقل القاضي الجديد، إثر الفراغ ~~من الغرض المطلوب، بالاجتماع إلى مجلس الحكومة؛ فمال إليه الحاضرون، وتبعوه ~~بجملتهم، وتركوا صاحبهم القديم، كأن لم يشعروا به، كالذي جرى ليحيى بن معمر ms152 ~~بقرطبة مع أصحابه، إذ الناس ناس والزمان زمان. ولم يثبت إذ ذاك مع الطنجالي ~~أحد من القوم غيري، وغير الخطيب أبي عبد الله بن حفيد الأمين. فتأملت، ~~أثناء ما دار بيننا من الكلام # PageV01P157 # في الموطن، وجه صاحبنا القاضي؛ فإذا هو على هيئة المتخشع، لمفارقته ~~المألوف قبل من أيمة الخطة، وتكاتف الحاشية، وترادف الوزعة. فتذكرت عند ذلك ~~الحكاية التي نقلها الحسن بن محمد بن أبي محمد بن أسد، وقد أثبتها ابن ~~بشكوال أيضا في صلته. وهي أن السلطان كان قد تخيره لقراءة الكتب الواردة ~~عليه بالفتوح بالمسجد الجامع من قرطبة على الناس، لفصاحته، وجهارة صوته؛ ~~فتولى له ذلك مدة قوته ونشاطه؛ فلما بدن، وتثاقل، استعفاه؛ فأعفاه، ونصب ~~سواه. فكان يقول عند ذكره الولاية والعزل: ما وليت لبني أمية ولاية قط غير ~~قراءة كتب الفتوح على المنبر {فكنت أنصب فيه، واتحمل الكلفة دون رزق ولا ~~صلة. ولقد كسلت منذ أعفيت عنها، وخامرني ذل العزلة} ولم تكن نفس الخطيب أبي ~~عبد الله المستعفى عن القضاء بتلك المنزلة الموحدة؛ ولاكنه ظهر لي إذ ذاك، ~~لأجل ما تخيلت من انفعاله، أن كتبت له، عند حلوله بمنزله، بالأبيات ~~المثبوتة بعد على جهة التسلية، والتغبيط بالتخلية. والمنظوم هو ما نصه: لك ~~الله با بدر السعادة والبشر ... نشرت بأعلى راية الفخر ولا سيما لما وليت ~~أمورها ... فرويتها من عذب نائلك الغمر ودارت قضاياها عليك بأسرها ... على ~~حين لا بد يمين على بشر فقمت بها خير القيام مصمما ... على مثل تصميم ~~المهندة السمر فسر بك الإسلام يا ابن حماية ... وأمست بك الأحكام باسمه ~~الثغر تعيد عليك الحمد ألسن حالها ... وتحفظ ما يرضيك من سور الشكر ولكنك ~~استعفيت عنها تورعا ... وتلك سبيل الصالحين كما تدرى جريت على نهج السلامة ~~في الذي ... تخيرته فابشر بأمنك في الحشر وحقق بأن الدين ولاك خطة ... من ~~العز لا تنفك عنها مدى العمر تزيد على مر الجديدين جدة ... وتسرى النجوم ~~الزاهرات ولا تسر ومن لاحظ الأحوال وازن بينها ... ولم ير للدنيا الدينة من ~~خطر وأمسى ms153 لأنواع الولاية نابذا ... فقير نكير أن تواجه من نكر # PageV01P158 # فيهنيك يهنيك الذي أنت أهله ... من الزهد فيها والتوقي من الوزر ولا ~~تكترث من تاركيك فإنهم ... حصى والحصى لا ترتقي مرتقى البدر ومن عامل ~~الأعوام بالله مخلصا ... له فيهم نال الجزيل من الأجر بقيت لربع الفضل تحيى ~~رسومه ... وخار لك الرحمن في كل ما يجرى وكان شيخنا أبو عبد الله بن بكر ~~يتوهم في أبي عبد الله الطنجالي السودد وهو صبي. وسمعته يقول، وقد دخل عليه ~~في مجلس إقرائه بمالقة: هذا هاشمي، أشعري، إذ كانت والدته أمة العزيز بنت ~~القاضي أبي عامر بن محمد بن ربيع الأشعري. وربما قصد الشيخ بمقالته الوصف ~~بالمذهب الأشعري والتورية. والطنجاليون ينتسبون من أولاد هاشم بن عبد مناف ~~إلى جعفر بن عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وبنو هاشم آل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم {وما فوق غالب غير آل. وما بينهما قولان. وكان من ~~الأسباب الحاملة للقاضي أبي عبد الله على الاستعفاء من الحكم، ترادف ~~النوازل المشتبهات عليه، بعد انصراف الطاعون، واختلاف من عاش بعده من ~~الفقهاء، عند الأخذ معهم فيما يشكل عليه من المسائل. وكان يكره مخالفة من ~~جملتهم، ويحذر موافقة بعضهم. وطمع في الشيخ الصالح أبي عبد الله بن عياش ~~بقية أن يسمعه بحظ من نظره وإرشاده؛ فنفر عن ذلك كل النفور، وراجعه فيما ~~قاله ابن فروخ لأبن غانم. ونصه: ولم أقبلها أميرا} أقبلها وزيرا؟ وأخبرني ~~مع ذلك كله صاحبنا بأنه رأى في المنام ما يقتضى قرب وفاته من قراض مدة ~~حياته؛ فجعل النظر لنفسه. فتوفي رحمه الله {بعد استعفائه، واجتهاده في طلب ~~التخلص من تبعات قضائه، وذلك صدر عام 753، عن غير عقب من الذكور. وفجع به ~~والده الخطيب أبو جعفر نفعه الله وأعظم أجره} وقولنا في الأبيات فابشر ~~بأمنك في الحشر، وهو بفتح الشين، يقال بشرت بكذا، أبشر بكسر الشين في ~~الماضي، وفتحها في المستقبل، إذا سررت به واستبشرت. فالأمر منه إبشر بكسر ~~الهمزة وفتح الشين، نحو الأمر ms154 من علم يعلم وهمزته همزة وصل، لأنه أمر من ~~فعل ثلاثي بعد حرف المضارعة منه ساكن؛ # PageV01P159 # فتجتلب له همزة الوصل، لتعذر الابتداء بالساكن، وتكون الهمزة مكسورة، لأن ~~ثالث المضارع مفتوح كإعلم وإجعل. فعلى هذا تقدير سقوط الهمزة من البيت الذي ~~هو: جريت على نهج السلامة في الذي ... تخيرته فابشر بأمنك في الحشر جار على ~~القياس في سقوط همزة الوصل في الدرج والاعتراض في ذلك. ويكون معنى فابشر ~~بامنك في الحشر أي اسرر واستبشر. قال الجوهري رحمه الله {بشرت الرجل ابشره ~~بالضم بشرا وبشورا من البشرى وكذلك الإبشار والتبشير ثلاث لغات. والاسم ~~البشارة، والبشارة بالكسر والضم في الباء. يقال بشرته بمولود فأبشر إبشارا ~~أي سر. وتقول أبشر بخير بقطع الألف. ومنه قوله تعالى: " وأبشر بالجنة " ~~وبشرت بكذا أبشر أي استبشرت. قال الشاعر: فإذا رأيت الباهتين إلى العلى ... ~~غبرا أكفهم بقاع معجل فأعنهم وابشر بما بشروا به ... وإذا هم نزلوا بضنك ~~فانزل وأتاني أمر بشرت به أي سررت به. وبشرني فلان بوجه حسن أي لقيني وهو ~~حسن البشر أي طلق الوجه. والبشارة المطلقة لا تكون إلا في الخير، وإنما ~~تكون في الشر إذا كانت مقيدة كقوله تعالى: " فبشرهم بعذاب أليم} " وتباشر ~~القوم أي بشر بعضهم بعضا. وتباشير الأمر أوائله، وكذلك أوائل كل شيء. ~~والبشير المبشر. والمبشرات الرياح التي تبشر بالغيث. والبشر الحميل والمرأة ~~بشرة ه. وإذا بنينا على أنه يقال بشر بمولود أو خير بتخفيف الشين، فأبشر ~~إبشارا أي سر، فالمضارع منه يبشر بضم الياء وكسر الشين. والأمر منه أبشر ~~بقطع الألف كقوله تعالى: " أبشروا بالجنة! " فعلى هذا تكون همزته همزة قطع؛ ~~فسقوطها في الدرج ممنوع في النثر، اتفاقا؛ وكذلك في الشعر عند الخليل وجل ~~أهل البصرة؛ وأما أهل الكوفة فقالوا. بجوازه في الشعر، وإن كان فيه خروج من ~~أصل إلى فرع، ولأن الشعر محل الضرورة، وشبهوه بالمقصور، وقالوا: والضروارات ~~تبيح المحذورات. # PageV01P160 ### $ ذكر القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام المنستيري # ومن القضاة بحضرة تونس، وصدور علمائها في زمانه، الشيخ الفقيه ms155 المدرس، ~~أبو عبد الله محمد بن عبد السلام المنستيري، منسوب لقري بظاهرها. وهو ممن ~~برع في المعقولات، وقام على حفظ المنقولات؛ وعلم، وفهم، وأدب، وهذب، وصنف ~~كتبا، منها شرحه لمختصر أبي عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب الفقهي، المتداول ~~لهذا العهد بأيدي الناس. وكان رحمه الله {في أقضيته على نحو ما وصف به. ~~وكيع في كتابه للقاضي إسماعيل بن إسحاق، حيث قال: وأما شدائده في القضاء، ~~وحسن مذهبه فيه، وسهولة الأمر عليه فيما كان يلتبس على غيره، فشئ شهرته ~~تغنى عن ذكره، إلى ما عرف به في قطره من القوة على أمر الناس، والاستخفاف ~~بسخطهم، وملامتهم في حق الله، وحفظ ما يرجع لرسوم القضاء. ومن ذلك عمله في ~~العقد الذي شهد فيه جملة من أعلام المغرب، أيام كونهم بتونس عند دخولها في ~~الأيالة المرينية؛ فرد شهادتهم وعوتب على ذلك؛ فقال: أو ليس قد فروا من ~~الزحف، مع توفر الأسباب المانعة لهم شرعا عن الوقوع في معرة الأدبار} ويشير ~~إلى الكائنة الشنعاء التي كانت لهم بظاهر طريف مع الروم عام 741. ومن ~~أخباره أنه، لما تغلب الشيخ أبو محمد عبد الله بن تافرجين على مدينة تونس ~~دون قصبتها، عند خروج السلطان أبي الحسن أمير المسلمين عنها، بقصد مدافعة ~~وفود العرب العادية على أرضها، فهزمت جيوشه، واستقر هو ومن بقي معه من جنده ~~محصورا بداخل القيروان. فجاء قي أثناء ذلك يوم الجمعة؛ فقال المتغلب على ~~الأمر للخطيب بالمسجد الجامع بتونس: اخطب بدعوة الأمير أبي العباس بن أبي ~~دبوس من الموحدين {وكان في المسجد القاضي ابن عبد السلام؛ فاقل: والسلطان ~~المريني؟ فراجعه الشيخ بأنه في حكم الحصار داخل القيروان بحيث لا يستطيع ~~الدفاع عن نفسه. قال: فتلزم إذا مناصرته، والعمل على الوفاء بما شرط له عند ~~مبايعته} فرد عليه بأن # PageV01P161 # الأخبار تواترت بعد ذلك بتلفه، وانتزاع ملكه. فقال الخطيب وقال على تقدير ~~صحة هذا النقل: الفرع زال بزوال الأصل. انظروا ما يصلح بكم لخطبتكم ~~{وارتفعت الأصوات والمراجعات؛ فقطع القاضي الكلام بمبادرته إلى الخروج، وهو ms156 ~~يقول: ولم يثبت لدينا ما يوجب العدول عن طاعة السلطان أبي الحسن، واستصحاب ~~الحال حجة لنا وعلينا} وكاد وقت صلاة الجمعة أن يفوت؛ فوجه عند ذلك المتغلب ~~على المدينة إلى القاضي ثقة، يخبره باستمرار الأمر في الخطبة على ما كانت ~~عليه؛ فدعا الخطيب وتمت الصلاة على الرسم المتقدم؛ وحصلت السلامة للقاضي ~~بحسن نيته، وعد مخالفة فقهاء مدينته جزاه الله وأياهم خير جزائه {وحدثني ~~بهذه الحكاية غير واحد من الثقات الأثبات، منهم صاحبنا الفقيه المتفنن ~~الأصيل أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الخضرمي. وأخبرني كذلك عن هذا ~~القاضي رحمه الله} بما حاصله: إن الأمير أبا يحيى استحضره مع الجملة من ~~صدور الفقهاء للمبيت بدار الخلافة، والمثول بين يديه، ليلة الميلاد الشريف ~~النبوي، إذ كان قد أراد إقامة رسمه على العادة الغربية، من الاحتفال في ~~الأطعمة، وتزيين المحل، بحضور الأشراف، وتخير القوالين للأشعار المقرونة ~~بالأصوات المطربة؛ فحين كمل المقصود من المطلوب، وقعد السلطان على أريكة ~~ملكه، ينظر في ترتيبه، والناس على منازلهم، بين قاعد وقائم، هز المسمع طره، ~~وأخذ يهنئهم بألحانه؛ وتبعه صاحب يراعة بعادته من مساعدته، تزحزح القاضي ~~أبو عبد الله عن مكانه، وأشار بالسلام على الأمير، وخرج من المجلس؛ فتبعه ~~الفقهاء بجملتهم إلى مسجد القصر؛ فناموا به. فظن السلطان أنهم خرجوا لقضاء ~~حاجاتهم؛ فأمر أحد وزرائه بتفقدهم والقيام بخدمتهم، إلى عودتهم وأعلم ~~الوزير الموجه لما ذكر القاضي بالغرض المأمور به؛ فقال له: أصلحك الله {هذه ~~الليلة المباركة التي وجب شكر الله عليها، وجمعنا السلطان أبقاه الله} من ~~أجلها، لو شهدها نبينا المولود فيها صلوات الله وسلامه عليه {لم يأذن لنا ~~في الاجتماع على ما نحن فيه، من مسامحة بعضنا لبعض في اللهو، ورفع قناع ~~الحياء بمحضر القاضي والفقهاء} وقد وقع الاتفاق من العلماء على أن المجاهرة ~~بالذنب محظورة، إلا أن تمس إليها حاجة كالإقرار بما يوجب الحد أو الكفارة. ~~فليسلم لنا الأمير أصلحه الله {في القعود بمسجده هذا إلى الصباح} وإن كنا ~~في مطالبة أخر من تبعات رياء، ms157 # PageV01P162 # ودسائس أنفس، وضروب غرور، لا كنا، كما شاء الله، في مقام الاقتداء لطف ~~الله بنا أجمعين بفضله {فعاد عند ذلك الوزير المرسل للخدمة الموصوفة إلى ~~الأمير أبي يحيى، وأعلمه بالقصة؛ فأقام يسيرا، وقام من مجلسه، وأرسل إلى ~~القاضي من ناب عنه في شكره، وشكر أصحابه، ولم يعد إلى مثل ذلك العمل بعد. ~~وصار في كل ليلة يأمر في صبيحة الليلة المباركة بتفريق طعام على الضعفاء، ~~وإرفاق الفقراء، شكرا لله. وكان هذا القاضي رحمه الله مشتغلا بالعلم ~~وتدريسه، قلما يفتر في كثرة أوقاته عن نظره واجتهاده. حضرت مجلس إقرائه ~~بتونس عند وصولي إليها في الموكب الغربي؛ فالفيته يتكلم في الباب الثاني من ~~كتاب المعالم للفقيه ابن الخطيب الداني، إلى أن بلغ إلى مناظرة أبي الحسن ~~الأشعري لأستاذه أبي علي الجبائي، المنصوصة في الباب التاسع، حيث سأله عن ~~ثلاثة إخوة، أحدهم كان مؤمنا والثاني كان كافرا، والثالث كان صغيرا، ماتوا ~~كلهم؛ فكيف حالهم؟ فقال الجبائي: أما المؤمن، ففي الدرجات؛ وأما الكافر ففي ~~الدركات؛ وأما الصغير فمن أهل السلامة} فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن ~~يذهب إلى درجات المؤمن، هل يؤذن له فيها؟ فقال الجبائي: لا لأنه يقال له: ~~إن أخاك المؤمن إنما وصل إلى تلك الدرجات بسبب طاعته الكثيرة، وليس لك تلك ~~الطاعة {فقال أبو الحسن: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مني، لأنك لا ~~أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة؟ فقال الجبائي: يقول الله تبارك وتعالى} " ~~كنت أعلم " أنك لو بقيت وصرت مستحقا للعقاب فراعيت مصلحتك. قال أبو الحسن: ~~فإن قال الكافر: يا إلاه العالمين {كيف علمت حاله علمت حالي} فلم رعيت ~~مصلحته دوني {فانقطع الجبائي. وهذه المناظرة دالة على أن الله سبحانه يخص ~~برحمته من يشاء، وأن أفعاله غير معللة بشيء من الأغراض. انتهى ما تيسر من ~~نبذ أخبار القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام، سمي مالك ابن أنس وشبيهه ~~نحلة وحمرة وشقرة رضي الله عنهما ورحمهما} توفي في أوائل الطاعون النازل ~~ببلده قبل عام 750. واحتمله طلبته إلى قبره، وهم ms158 حفاة، مزدحمون على نعشه ~~نفعهم الله واياه بفضله! # PageV01P163 ### $ ذكر القاضي أبي البركات المعروف بابن الحاج البلفيقي # ومن مشاهير القضاة الشيخ أبو البركات، وهو محمد بن محمد بن إبراهيم بن ~~محمد ابن خلف السلمي، من ذرية العباس بن مرداس المعروف في بلده بابن الحاج، ~~وفي غيره بالبلفيقي. وبلفيق حصن من عمل مدينة المرية. وبيته بيت دين وفضل. ~~ذكر ابن الأبار جده الأعلى أبا إسحاق، وأطنب في الثناء عليه بالخير ~~والصلاح. وكان هذا الشيخ المترجم عنه ممن نشأ على طهارة وعفاف؛ واجتهد في ~~طلب العلم صغيرا وكبيرا، وعبر البحر إلى بجاية؛ فأدرك بها المدرس المعمر ~~أبا علي منصور بن أحمد بن عبد الحق المشدالي، وحضر مجالسه العلمية، وأخذ ~~عنه وعن غيره من أهلها؛ ثم إنه أتى إلى مراكش، وتجول فيما بينها من البلاد. ~~وأثار السكنى بسبتة على طريقة جده إبراهيم الأقرب إليه، إذ كان أيضا قد ~~استوطنها. ثم عاد إلى الأندلس؛ فأقام منها بمالقة، واختص بخطيبها الشيخ ~~الولي أبي عبد الله الطنجالي، وروى عنه وعن غيره، وقيد الكثير بخطه، ودام ~~في ابتداء طلبه التشبيه بالقاضي أبي بكر بن العربي، في لقاء العلماء ~~ومصاحبة الأدباء، والأخذ في المعارف كلها، والتكلم في أنواعها والإكثار من ~~ملح الحكايات، وطرف الأخبار، وغرائب الآثار، حتى صار حديثه مثلا في ~~الأقطار؛ وهو مع ذلك، على شدة انطباعه، وكثرة ردعته، سريع العبرة عند ذكر ~~الآخرة، قريب الدمعة. وكان كثير الضبط لحاله، مهتما بالنظر في تثمير ماله، ~~آخذا في نفقته بقول سحنون بن سعيد: ما أحب أن يكون عيش الرجل إلا على قدر ~~ذات يده؛ ولا يتكلف أكثر مما في وسعه {وكان يميل إلى القول بتفضيل الغني ~~على الفقير، ويبرهن على صحة ذلك، ويقول: وبخصوص في البلاد الأندلسية، لضيق ~~حالها، واتساع نطاق مدنها، ولا سيما في حق القضاة؛ فقد شرط كثير من العلماء ~~في القاضي أن يكون غنيا، ليس بمديان ولا محتاج. ومن كلامه رحمه الله} من ~~اقتصر على التعييش من مرافق الملوك، ضاع هو ومن له، وشمله القل، وخامره ms159 ~~الذل. اللهم! إلا من كان من القوة بالله قد بلغ من الزهد في الدنيا إلى ~~الحد الذي يكسبه الراحة بالخروج عن متاعها، وترك # PageV01P164 # شهوتها، قليلها وكثيرها، مالها وجاهها. بأمر آخر {ومن لنا بالعون على ~~تحصيل هذا المقام، ولا سيما في هذا الزمان، ولم نسمع ممن قاربه من الولاة ~~المتقدمين بالأندلس إلا ما حكى عن إبراهيم بن أسلم، وقد أراد الحكم ~~المستنصر بالله رياضته؛ فقطع عنه جرايته؛ فكتب إليه عند ذلك: تزيد على ~~الإفلال نفسي نزاهة ... وتأنس بالبلوى وتقوى مع الفقر فمن كان يخشى صرف دهر ~~فإنني ... أمنت بفضل الله من نوب الدهر فلما قرأ الحكم بيتيه، أمر برد ~~الجراية، وحملها إليه. فأعرض عنها، وتمنع من قبولها، وقال: إني، والحمد ~~لله} تحت جراية من إذا أعصيته، لم يقطع عني جرايته {فليفعل الأمير ما أحب} ~~فكان الحكم بعد ذلك يقول: لقد أكسبنا ابن أسلم بمقالته مخزاة عظم منا ~~موقعها، ولم يسهل علينا المقارضة بها {وتولى الشيخ أبو البركات القضاء في ~~بلاد عديدة، منها مالقة: تقدم بها بعد شيخنا أبي عمرو بن منظور، وذلك صدر ~~عام 735؛ ثم نقل إلى قضاء الجماعة بحضرة غرناطة والخطابة بها. وكان مستوفيا ~~لشروط الخطبة وجوبا وكمالا من صورة وهيئة، وطيب نغمة، وكثرة خشوع، وتوسط ~~إنشاء. وشهر بالصرامة في أحكامه، والنزاهة أيام نظره. ثم تأخر عن قضاء ~~الحضرة، وأقام بها مدة، إلى أن صير إلى مدينة المرية} ثم أعيد إلى قضاء ~~الجماعة، واستعمل في السفارة بين الملوك؛ فصحبه السداد، ورافقه الإسعاد، ~~وكان في أطواره سريع التكوين، طامعا في الوصول إلى مقام التمكين، كثير ~~الانتقال من قطر إلى قطر، ومن عمل إلى عمل، من غير استقرار منزل أو محل ~~واحد. ولذلك قال في أبياته التي أولها: إذا تقول: فدتك النفس في حالي ... ~~يفنى زماني في حل وترحال وكان التكلم بالشعر من أسهل شيء عليه، في كثير ~~مراجعاته، وفنون مخاطباته. وله منه ديوان كبير، يحتوي من ضروب الأدب على جد ~~وهزل، وسمين وجزل، سماه ب العذب والاجاج؛ وكتاب وسمه ب المؤتمن ms160 في أنباء من ~~لقيه من أبناء الزمن. # PageV01P165 # واستقر أخيرا بمدينة المرية قاضيا وخطيبا، إلى أن توفي بها في شهر رمضان ~~عام 773، عن بنت من أمته، لا غير من الأولاد، وأربع زوجات، وعاصب بعيد. ~~وكان، أيام حياته، ممن اكتسب المال الجم، وتمتع من النساء بما لم يتأت في ~~قطره لأمثاله من الفقهاء. وهو من أصحابنا القدماء، الذين ورثنا ودهم، ~~وشكرنا عهدهم رحمه الله وغفر له وأرضاه! ومن شعره في المجبنات، وهو النمط ~~البديع: ومصفرة الخدين مطوية الحشا ... على الجبن والمصفر يؤذن بالخوف لها ~~بهجة كالشمس عند طلوعها ... ولاكنها في الحين تغرب في الجوف وقوله: إذا ما ~~كتمت السر عمن أوده ... توهم أن الود غير حقيق ولم أخف عنه السر من ضنة به ~~... ولاكنني أخشى صديق صديق وقوله: قالوا: تغربت عن أهل وعن وطن ... فقلت: ~~لم يبق لي أهل ولا وطن مضى الأحبة والأهلون كلهم ... وليس لي بعدهم سكنى ~~ولا سكن أفرغت دمعي وحزني بعدهم فأنا ... من بعد ذلك لا دمع ولا حزن وقوله: ~~رعى الله إخوان الخيانة إنهم ... كفونا مؤنات البقاء على العهد ولو قربوا ~~كنا أسارى حقوقهم ... نراوح ما بين النسيئة والنقد وقوله يعتذر لبعض ~~الطلبة، وقد استدبره لبعض حلق العلم بسبتة: إن كنت أبصرتك لا أبصرت ... ~~بصيرتي في الحق برهانها لا غرو إني لا أشاهدكم ... فالعين لا تبصر إنسانها # PageV01P166 # وقوله: يلومونني بعد العذار على الهوى ... ومثلي في حبي له لا يفند ~~يقولون: أمسك عنه قد ذهب الصبا ... وكيف أرى الإمساك والخيط أسود وقوله: ~~وإني لخير من زماني وأهله ... على أنني للشر أول سائق لحى الله عصرا قد ~~تقدمت أهله ... فتلك لعمر الله إحدى البوائق ### $ ذكر القاضي أبي القاسم بن سلمون # ومن الرواة القضاة، الشيخ الفقيه المحدث الفاضل أبو القاسم سلمون بن علي ~~بن عبد الله بن علي بن سلمون الكناني البياسي الأصل، الغرناطي المولد ~~والنشأة. ومن أهل بلنسية محمد بن أحمد بن سلمون، أحد أشياخ القاضي أبي ~~العباس الغماز. وكان صاحبنا أبو القاسم هذا المذكور أولا رحمه الله! فقيها ms161 ~~جليلا، فاضلا، أصيلا، بصيرا بعقد الشروط والأحكام. وله فيها تقييد مفيد. ~~أخذ عن جملة من الشيوخ أولهم الأستاذ أبو جعفر بن الزبير. وأجازه من أهل ~~المغرب والمشرق والأندلس عدد كثير يزيد على المائة، حسبما تضمنه برنامج ~~روايته: منهم ابن الغماز البلنسي قاضي الجماعة بتونس بعد خروجه من الأندلس ~~وهو أحمد بن محمد الخزرجي؛ والشيخ الراوية شرف الدين أبو محمد بن أحمد بن ~~خلف الدمياطي صاحب دار الحديث بالبلاد المصرية في زمانه؛ ومنهم تاج الدين ~~أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الحسن الغرابي وغراب الذي ينسب إليها بلدة في ~~أرض واسط؛ والشيخ الفقيه المعمر أبو علي منصور بن أحمد بن عبد الحق ~~المشدالي، وقاضي القضاة بالديار المصرية زين الدين أبو عبد الله محمد بن ~~إبراهيم # PageV01P167 # ابن جماعة الكناني؛ وغيرهم. وكان هذا الشيخ أبو القاسم في قضائه موصوفا ~~بالفضل والعدل، مترفقا بالضعفاء، متغاضيا عن زلات الفقهاء. تقدم بجهات شتى ~~من الأندلس؛ ثم ولى قضاء الجماعة بحضرة غرناطة؛ فحمدت سيرته، وشكرت ~~مداراته. وكان في نفسه هينا، لينا، آخذا بمقتضى قول عيسى بن مسكين، القاضي ~~بالقيروان أيام أبي الأغلب، وهو: قارب الناس في عقولهم، تسلم من غوائلهم ~~{وفي تقلب الأحوال، علم جواهر الرجال} توفي رحمه الله {ليلة الإثنين الثالث ~~عشر لجمادى الأولى عام 767. وولد بغرناطة في صفر عام 688. وعقبه لهذا العهد ~~بحالة نباهة؛ من أولاده من هو مستول في خطة القضاء تولاهم الله، وخار لنا ~~ولهم بمنه وفضله} ### $ ذكر القاضي أبي عمرو عثمان بن موسى الجاني # ومن القضاة بمدينة ملى من أرض الحبشة، الشيخ الفقيه أبو عمرو عثمان بن ~~موسى الجاني، منسوب لبطن من بطون السودان. تردد إلى أرض مصر؛ فقرأ بها، ~~وأخذ عن أشياخها. أخبرني الفقيه أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن محمد ~~الساحلي الغرناطي أنه لقيه ببلده، وأنه كان من أهل الفضل والعدل، والقيام ~~على العلم، والصرامة في الحكم. قال الساحلي: ومن ذلك نازلة حدثت له في ~~أحكام الدماء؛ فتحرى فيها الحق المخلص بين يدي الله. وهي أن أحد بني عم ms162 ~~سلطانه ترتبت قبله المطالبة بدم قتيل كان قد أشهد العدول، وهو جريح، بأن ~~دمه عنده، وتوفي إثر الشهادة عن عصبة من ولد وإخوة؛ فقاموا طالبين من ~~السلطان النظر لهم في صاحبهم؛ فاستحضره عن أمره بمجلس الحكم الشرعي، وأعذر ~~له فيما استظهر به أولياء دم القتيل. فادعى الدفع في ذلك، وتأجل آجالا وسع ~~فيها عليه. وانفرضت الأيام، وقهرته الأحكام؛ فشكى بالقاضي لسلطانه، وسأل ~~منه الأخذ مع الفقهاء في قضيته؛ وقد كان صانعهم بجهده، واستظهر بإثبات ~~عداوته بينه وبين من رماه بدمه. فجمعهم الأمير بحضرته، وأخذ معهم في نازلة ~~ابن عمه؛ فوقع الاتفاق منهم على الأخذ بمذهب الشافعي، أنه لا يقسم بمجرد ~~قول المصاب: دمي عند # PageV01P168 # فلان. واستدلوا بالحديث الثابت في الصحيح الذي نصه: لو يعطي الناس ~~بدعواهم، لأدعى ناس دماء رجال وأموالهم. قالوا: وبخصوص في هذه النازلة، لما ~~اقترن بها من الأسباب المرجحة للانتقال عن المذهب، وذكروا مسألة عبد الله ~~بن سهل وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم {وداه من عنده بأنه ثقة. فمال ~~السلطان إلى موافقتهم، وأن تكون الغرامة من قبله؛ ولاكنه قال لقاضيه: ما ~~عندك فيما اجتمع عليه أصحابك؟ فقال له: أمدك الله بإرشاده، وأراك الحق حقا، ~~وأعانك على اتباعه} أنت مالكي المذهب، وأهل بلادك كذلك، والانتقال من مذهب ~~إلى مذهب آخر لا يسوغ إلا بعد شروط لم يحصل في نازلتها منها شرط واحد ~~{وحديث القسامة أصل من أصول الشرع، وركن من أركان مصالح العباد: وبه أخذ جل ~~الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين، وفقهاء الأمصار. والذي يجمل بك، أيها ~~الملك، إمرار الحق بوجهه، ولو كان على نفسك، فضلا عن ابن عمك} قال: فأخذ ~~برأي قاضيه، وأمر بابن عمه؛ فدفع بذمته إلى أصحابه؛ فقتلوه بالقسامة. قال ~~المخبر: فحسب الناس ما صدر في النازلة عن الأمير والقاضي من المناقب ~~الشريفة، والمآثر الحميدة، والأفعال الدالة على تعظيم الشريعة. ### $ ذكر القاضي أبي عبد الله المقري التلمساني # وقد تقدم الإلمام بطرف من التنبيه على الفقيه أبي عبد الله محمد بن محمد ~~بن أحمد ms163 المقري التلمساني، أحد قضاة بحضرة فاس أيام خلافة أبي عنان رحمه ~~الله ومهدها {وكان هذا الفقيه رحمه الله} في غزارة الحفظ، وكثرة مادة ~~العلم، عبرة من العبر، وآية من آيات الله الكبر؛ قلما تقع مسألة إلا ويأتي ~~بجميع ما للناس فيها من الأقوال ويرجح ويعلل، ويستدرك ويكمل؛ قاضيا ماضيا، ~~عدلا جذلا؛ قرأ ببلده على المدرس أبي موسى عمران المشدالي صهر أبي علي ناصر ~~الدين، وعلى غيره؛ وقام بوظائف القضاء أجمل قيام. ثم إنه كره الحكم بين ~~الناس، وتبرم من حمل أمانته، ورام الفرار عنه بنفسه؛ فتنشب في انتظامه، ~~وتوجه عليه الإنكار من # PageV01P169 # سلطانه. ثم إنه ترك، بعد عناء شديد، لشأنه. وقد سألته يوما عن حالة بيتي ~~أبي عمران بن عبد الرحمن، وهما: حالي مع الدهر في تقلبه ... كطائر ضم رجله ~~شرك همته في فكاك مهجته ... يروم تخليصها فتشتبك وتوفي رحمه الله {على إثر ~~ذلك وهو محمود السيرة، مشكور الطريقة. ### $ ذكر القاضي أبي عبد الله محمد الفشتالي # وولي بعده الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الفشتالي. ~~وبيت قومه بفاس البيت المعمور بالجود والصلاح والخير. وكان هو رحمه الله} ~~أحد أعلام قطره الغربي نبلا، وفضلا، وسكونا، وعقلا. وحين بلغ إلى مراده من ~~الخطة ببلده نحا في سيره منحى القاضي أبي عبد الله بن علي بن عبد الرزاق من ~~المحافظة على الرتبة، وإقامة رسوم الأئمة، والصبر على مكاره السلطنة، ~~والميل إلى الأخذ بالترفق في الحكومة. فسكن الناس إلى ولايته، ووثقوا بحسن ~~نظره، ودانوا بإثرته. وقد كان ولي قبل تقدمه بفاس القضاء أيضا بإطرابلس، ~~وتجول في نواحي إفريقية، ثم إنه، عند تجول البلاد، أم قطره وقد صلب الدهر ~~شطره، فاستقصى به، وتصدر لإقرار العلم وبثه. وكان على شدة وقاره، وتعاظم ~~قاره، كثير النزول للطلبة، والحرص على الإفادة، والصبر عند المباحثة. وكان ~~من عادته تقديم دول الفقه على التفسير. وذهب إلى عكس هذا الترتيب الشيخ ~~الرحال أبو إسحاق الحسناوي، أحد جلساء القاضي عند إقرائه في آخرين؛ فجرت ~~بين الطلبة إذ ms164 ذاك بفاس في المسألة مراجعات ومخاطبات وقفت على بعضها؛ فرأيت ~~فيها من تخلق القاضي وتجمله ما ليس بنكير على رجاحة عقله، وسعة صدره تغمدنا ~~الله وإياهم برحمته {فقد أصبحوا جميعا بعد الحياة، وعصارة العيش، رباطا} # PageV01P170 ### $ ذكر القاضي أبي القاسم الشريف الغرناطي # ومن أعلام القضاة بالأندلس، وصدور النجاة، الشيخ الفقيه الأستاذ المتفنن ~~الشريف المعظم أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله الحسني ~~النسبة، السبتى النشأة. وكان رحمه الله {نسيج وحده براعة وجلالة، وفريد ~~عصره بلاغة وجزالة؛ إلى الشيم السنية التي التزم إهداءها، والسير الحسنة ~~التي لا ينازع في شرف منتهاها. ارتحل عن بلده سبتة، وقد تملأ من العلوم، ~~وبرع في طريقتي المنثور والمنظوم؛ فطلع على الأندلس طلوع الصباح عقب السرى، ~~وخلص إليها خلوص الخيال مع سنة الكرى؛ فانتظم في الحين في سلك كتبتها، ~~وأمسى وهو صدر طلبتها؛ لما كان قد حصل له من الأخذ بأطراف الطلب، ~~والاستيلاء على غاية الأدب؛ ورئيس الكتاب يومئذ الشيخ العلامة أبو الحسن بن ~~الجياب، الشهير التشيع لأهل البيت الكريم، الموسوم بالشم الرضية، والقلب ~~السليم؛ وكان رحمه الله} مع أدوات كماله، وما خص به في وقته من سني أحواله، ~~وصالح أعماله، ممن شغف بالمذاكرة في الفنون الأدبية، وغوامض أسرار العربية، ~~والرسائل السلطانية، والمسائل البيانية. فألفى من ذلك كله لدى الشريف، ~~الخليق بصنوف التشريف، ما شاءه من معنى رقاق، ولفظ رقراق، وطبع بالمعارف ~~دفاق. فجذبه الشيخ إليه، وتلقاه براحيته، وذهب إلى مقارضته بالقريض، ~~ومساجلته في الطويل والعريض. فقلما كان بها رسم الكتابة إذ ذاك يفنن عن أدب ~~يعتبر، ونتف طرف تبعثر، وقسطاس يوزن به ما يقل من المقال ويكثر؛ ثم صرف إلى ~~الاستعمال في الخطط القاضوية صرف الاستظهار، وبمعارفه الباهرة الأنوار، ~~وأحكامه القاضية بتأمين الأوطان وتأميل الأوطار؛ فتقدم بذلك بجهات شتى، ~~منها رية، وحلبة الطلبة بها سوابق غايات، وخوافق رايات. وكانت ولايته عليهم ~~حلة نشرها الفضل من صوانها. ودرة أكثرها العدل لأوانها. أنزل أماثلهم من ~~رعايته منازل الإكرام، واختص منهم بمصاحبة الزاهد أبي ms165 عبد الله بن عياش، ~~أحد العلماء الأعلام؛ فتفقه معه في أحكامه، ونوازل أيامه، وأخذ نفسه ~~بالاشتداد في نصرة المظلوم، والضرب على يد الظلوم؛ وله في # PageV01P171 # هذا الباب أخبار مأثورة، وحكايات مشهورة؛ وعند ابتداء الفقهاء، بالمسجد ~~الجامع مجلس إقراء، افتتحه أولا بالتمهيد، وختمه بعلم الخليل، وحبره ~~بالتوحيد والتعليل. وكان في إقرائه سريع الجواب، متبحرا في علم الإعراب، ~~فصيح اللسان، بارع البنان؛ فظفرت أيدي الطلبة منه بالكنز المذخور، المروية ~~جواهر معارفه بدور الشذور؛ وحصل الناس بولايته على طريقة عادلة من الشرع، ~~واعتضد منها الأصل بالفرع. ولما جرى في ميدانها ملء عنانه، وشاع في الآفاق ~~ما شاع من سمو شأنه وعدل قضائه، وفصل مضائه، نقل من مالقة إلى غرناطة حضرة ~~الملك، وواسطة السلك أيد الله سلطانها، ومهد بعزته أوطانها {فتقدم بها ~~لتنفيذ الأحكام، بعد أن ولي وادي آش بأيام. فهنيت منه الخطة الشرعية بسيد ~~مضطلع بأعباء القضاء، قد شمخ من عز النزاهة بأنف، وأمد من نور العقل ببرهان ~~غير خلف؛ ثم إن القدر جرى بتأخيره عن الخطة؛ من غير موجب سخطه. فكان في ~~حالته كالبدر خسف عند الاستقبال، وأدركه السوار بعد تناهي الكمال: إذا تم ~~أمر دنا نقصه ... توقع زوالا إذا قيل تم وليست عوامل التأخير والتقديم، ~~بمستنكر دخولها على كل وال في الحديث والقديم؛ فقد عزل عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه} زياد بن أبي سفيان دون باس، وقال له: كرهت أن أحمل فضل عقلك على ~~الناس {وعزل أيضا شرحبيل بن حسنة، فقال له: أعن سخطة عزلتني؟ قال: لا} ~~ولاكن وجدت من هو مثلك في الصلاح، وأقوى منك على العمل {قال: يا أمير ~~المؤمنين} إن عز لك عيب {فأخبر الناس بعذري} ففعل عمر ذلك. وكان صرف الشريف ~~أبي القاسم عن قضاء الحضرة، والخطابة بها، في شهر شعبان من 747؛ فانقطع إلى ~~تدريس العلم، وإظهار عيونه، والاشتغال بإقرار فنونه. وكان بينه وبين شيخنا ~~إمام البلغاء أبي الحسن بن الجياب ما تقدمت الإشارة إليه، من المصادقة؛ ~~فصدرت عنه في أثناء تلك المدة بدائع من المخاطبات، ms166 وضروب المفاكهات، منها ~~قول الشيخ يرقب خطة القضاء التي كأنها تركت صاحبه، وأهملت جانبه: # PageV01P172 # لا مرحبا بالناشز الفارك ... إذ جهلت رفعة مقدارك لو أنها قد أوتيت رشدها ~~... ما برحت تعشو إلى نارك أقسمت بالنور المبين الذي ... منه بدت مشكاة ~~أنوارك ومظهر الحكم الحكيم الذي ... يتلو علينا طيب أخبارك ما ألفت مثلك ~~كفؤا ولا ... أوت إلى أكرم من دارك وهذه القطعة قد بلغت الغاية من البراعة، ~~وتمكن البلاغة، وإن كان في طي ما تضمنته من وصف الخطة الشرعية بالناشز ~~الفارك، وبأنها لم تؤت رشدها ما فيه. ثم إن الولاية حنت إليه، ووقفت مرادها ~~عليه، فعاد إليها، والعود أحمد. واستمر قيامه بها، إلى أن هلك السلطان أبو ~~الحجاج مستقضيه، مأموما به، في الركعة الثانية من صلاة الفطر عام 755 رحمه ~~الله وأرضاه {عدا عليه شقي كأنه وحشي، فضربه بظهره، وهو ساجد لربه. وولي ~~الأمر بعد ولده الخليفة المؤيد المنصور أبو عبد الله أبقاه الله ووقاه} ~~فجدد ولايته، وأكد رعايته؛ وقد كانت رحى الوقيعة دارت على القاضي الخطيب، ~~وهو في محرابة حين الكائنة؛ فعركته، ولم تتركه، إلا وقد أشفى على التلف؛ ~~فعوجل بإخراج الدم، وعند ذلك تنفس عنه بعض ما وجده من الألم. وكان له في ~~المجالس الملكية، والمجتمعات الجمهورية، من جلالة الأبهة وملازمة التؤدة، ~~وإمساك النفس عن المسارعة عند المخالفة إلى المراجعة، ما لم يكن لغيره من ~~أهل طبقته؛ فإذا خلا بمنزله، أدخل عليه في خاصة أصحابه. رأيته؛ فكأنه من ~~تنزله، وتبدله، بمثابة أصاغر طلبته. وكثيرا ما كان يباشر خدمة الواردين ~~عليه بذاته، دون وزعته، اقتداء بالأئمة الماضين من قبله فمن كلامهم: ليس ~~ينقص من الرجل الشريف أن يخدم ضيفه، ولا أن يتصاغر لسلطانه، وأن يتواضع ~~لشيخه! ولقد بتنا معه ليلة بحشه من خارج الحضرة، في أناس منهم الشريف أبو ~~عبد الله بن راجح السوسي، والأستاذ أبو علي الزواوي، والوزير أبو عبد الله ~~بن الخطيب اللوشي، فمالت ذبالة الشمعة في أثناء الليل إلى الذبول؛ فذهب أحد ~~الحاضرين ليقويها؛ فأمسكه القاضي، وبادر هو ms167 بنفسه لها؛ فأذكى نارها، وقوى ~~نورها، وقال: هم السراج أن يخمد ليلة # PageV01P173 # عند عمر بن عبد العزيز رحمه الله {فوثب إليه رجاء بن حيوة ليصلحه؛ فاقسم ~~عليه عمر بن عبد العزيز؛ فجلس. فقام هو؛ فأصلحه. فقال رجل: أتقوم، يا أمير ~~المؤمنين} قال: قمت، وأنا عمر بن عبد العزيز {ورجعت، وأنا عمر بن عبد ~~العزيز} ثم قال لنا: واضطربت عمامة هشام بن عبد الملك. فأهوى الأبرش الكلبي ~~إلى تعديلها. فقال له هشام: مه {فأنا لا نتخذ الإخوان خولا} وجرى بين ~~الأصحاب المذكورين في تلك الليلة من المحاورة بطرف العلم، وقطع الشعر، مالا ~~يرجع في الحسن إلى حصر. ومن ذلك أنشده ابن راجح، في أبيات لابن مامة: ألا ~~رب من يدعي صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفرى مقالته كالشهد ما ~~كان شاهدا ... وبالغيب مطرور على ثغرة النحر يسرك باديه وتحت أديمه ... ~~نهيمه غش تفتري عقب الظهر وذكر لنا عن صاحبه العلامة في زمانه بالمغرب، ~~الرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي السبتي، أنه سمعه ينشد بتونس، وقد مر ~~به قوم من أعيان جند فاس، بعد إهماله لتخلفه عن سلطانه، أيام تنشبه ~~بالقيروان وحصاره: يا أيها الناس سيروا إن قصدكم ... أن تصحبوا ذات يوم لا ~~تسيرون حثوا المطي وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وأقضوا ما تقضون كنا ~~أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونون وهذه الأبيات أول شعر ~~قيل في العرب على ما نقله ابن إسحاق. وذكر ابن هشام أنها وجدت مكتوبة في ~~حجر باليمن، وقالها من قالها لحكمة صريحة، وموعظة صحيحة. وأنشدنا القاضي ~~الشريف في تلك الليلة لنفسه، يصف أقداس سانية حشه: ومترعة يعل الروض منها ~~... إذا علت من الماء الفرات بدا دولا بها فلكا وراحت ... بدائرة كواكب ~~سائرات إذا ما الروض قابلهن كانت ... عليه بكل سعد طالعات تراها إن شعاع ~~الشمس لاقى ... بياض الماء مشرقة الأيات أوعجب أنها دارت بنوء ... غزير وهي ~~تغرب خاويات # PageV01P174 # النوء العرب سقوط نجم من نجوم المنازل الثمانية والعشرين؛ وهو مغيبها ~~بالغرب مع طلوع ms168 الفجر وطلوع مقابله بالمشرق. وعندهم أنه لا بد أن يكون مع ~~أكثرها نوء من مطر، أو رياح عواصف، وشبهها؛ فمنهم من يجعله لذلك الساقط، ~~ومنهم من يجعله للطالع، لأنه هو الذي ناء أي نقص؛ فينسبون المطر إليه؛ وجاء ~~الشرع بالنهي عن اعتقاد ذلك ثم أنشدنا القاضي من نظمه: يا أيها الراكب ~~المزجي ركائبه ... يحثها السير بين القار والأكم أبلغ بسبتة أقواما ودونهم ~~... عرض الفلا وذميل الأنيق الرسم ولج ذي ثبج طام كأن به ... أعلام لبنان ~~أو كثبان ذي سلم ألوكة من غريب داره قدم ... مرماه لا صدد منهم ولا أمم إني ~~بأندلس آوى إلى كنف ... للمجد رحب وظل للعلى عمم وإن غرناطة الغرا حللت بها ~~... فصرت من ريب هذا الدهر في حرم ليست لأخرى فلا ربع بها وجبا ... رهط ~~واخفر ما للمجد من ذمم وأنكرتني مغانيها وما عرفت ... إلا بقومي في أيامنا ~~القدم لولا المغرب من آل النبي بها ... وهن ما بين من طيب ومن كرم وفتية من ~~بني الزهراء قد كرموا ... لهم أوامر من ود ومن رحم لقلت لا جادها صوب الحيا ~~أبدا ... إلا بناقع سم أو عبيط دم ليسفحن عليها الدمع من جزع ... يوما ولا ~~أقر عن السن من ندم ما ضرني أن نبابى أو بنا وطني ... منها ولي شرف البطحاء ~~والحرم ومن الجزء المحتوي على طائفة من شعره، الذي وسمه ب جهد المقل، قوله: ~~ظفرت بلثمها فبدا احمرار ... بوجنتها يزيد القلب وجدا فاغراها بي الواشي ~~فظلت ... تلوم ولم أكن ممن تعدا فما كانت سوى قبل ففيها ... جنين أقاحيا ~~وغرسن وردا # PageV01P175 # وقوله: مهفهف القد بديع الحلا ... يعطي بجيد للرشا الخاذل رمى بنبل اللحظ ~~في مهجة ... غادرها بشغل شاغل وانعطف الصدغان في خده ... رد كلامين على ~~نابل والبيت الأخير مبني على قسيم امرئ القيس حيث قال: نظمتهم سلكي ~~ومخلوجة. ونظمه كله رائق المعنى، صريح الدلالة، صحيح المبنى؛ وليست ~~المعارف؛ وإن تعددت طرقها وعزت ثمرتها، متعذرا إدراكها، ولا سيما على من جد ~~في طلبها؛ وإنما الصعب العسير معالجة الأخلاق بترك ms169 عوائدها، والتثني عن ~~سفسافها؛ ومجموع الأدوية المتخذة لأصلاح فاسدها يرجع إلى العقل الذي عليه ~~مدار الأعمال كلها. ولذلك قال العلماء حسبما تقدم عند التكلم في خصال ~~القضاء: إذا اجتمع منها في الرجل العقل والورع قدم. قال ابن حبيب: فإنه ~~بالعقل يسأل، وبالورع يقف، وإذا طلب العلم وجده، وإذا طلب العقل لم يجده. ~~وكان قد حصل منه للشريف الموصوف زيادة لشرفة وفنون معارفه الحظ الوافر ~~الكبير، والقدر الذي يقصر عن نعت محاسنه التعبير، بحيث صار المثل يضرب به ~~في كظم الغيظ، وترك حظوط النفس، وكثرة التقاضي عن النظر للمساوي، إلى غير ~~ذلك من سيره السنية، وسمائله الحسنية. هذا ما تيسر بحسب الوضع من التنبيه ~~على صفاته والتعريف ببعض كمالاته. وأما مشيخته، فقرأ ببلده سبتة القرآن على ~~والده المنقطع لإقراء كتاب الله ومدارسته، أبي العباس رحمه الله! وأكثر من ~~ملازمة الأستاذ الشهيد أبي عبد الله ابن هاني والأخذ عنه؛ فانتفع به وتأدب ~~بأدبه؛ وقرأ على القاضي الإمام أبي إسحاق الغافقي وروى عن أبي عبد الله ~~الغماري وعن القاضي أبي عبد الله القرطبي وعن الخطيب بن رئيس وابن حريث ~~وغيرهم. وله جملة تصانيف منها: رفع الحجب المستورة، عن محاسن المقصورة شرح ~~فيه مقصورة حازم بما لاغاية بعده في المحاسن. ومنها رياضة الآن في شرح ~~قصيدة الخزرجي، أبدع في ذلك غاية الإبداع. وقيد على كتاب التسهيل لابن مالك ~~تقييدا مفيدا وبدائع جمة أثيرة. وناب عنه في أقضيته، أيام أسفاره في معرض ~~الرسالة إلى ملوك المغرب وفي غير ذلك، # PageV01P176 # وليه الشيخ الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن فرج بن جذام اللخمي، أحد ~~أماثيل بلده نباهة قدر، وسلامة صدر، لم ينتقل عن ذلك إلى أن توفي في آخر ~~عام 757. فخلفه في النيابة بمجلس الحكم الشرعي صاحبه الفقيه الأجل، القاضي ~~الأنوى الأكمل، أبو جعفر أحمد ويدعى بأبي بكر بن شيخنا الأستاذ الحافظ ~~الخطيب الشهير أبي القاسم محمد بن أحمد بن جزى الكلبي، ذو البيت الأصيل، ~~والمجد الرفيع الأثيل؛ فنهض بأعباء القضاء. ثم إنه اشتغل بعد وفاة ms170 القاضي ~~الشريف بخطبته واستقرت أزمتها في يده؛ ثم صرف عنها إلى غيرها؛ وهو لهذا ~~العهد بقيد الحياة تولاه الله {ومولد الشريف السمى بسبتة سادس ربيع الأول ~~المبارك الذي من عام 697؛ وفاته بغرناطة ضحى يوم الخميس الحادي والعشرين ~~لشهر شعبان من عام 760؛ وبنوه من بعده في الأندلس بحال نباهة واستعمال في ~~القضاء والكتابة. ومن الحديث الثابت في الصحيح عن أنس بن مالك أنه قال: قبض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأبو بكر وهو ابن ~~ثلاث وستين سنة، وعمر وهو ابن ثلاث وستين سنة ووافق أن كانت وفاة الشريف ~~أبي القاسم على حسب ولادته وهو ابن ثلاث وستين سنة؛ وتلك من جملة كراماته ~~تغمدنا الله وإياه برحمته} ### | وقد كمل الغرض المقصود من هذا الباب. وقد ذكرت ~~فيه من أعلام الرجال ما عولت عليه، وادتنى المذاكرة إليه. وإلى الله تعالى ~~أبرأ من الاحاطة فربما أغفلت، أضعاف ما نقلت؛ وفيما جلبته من الأنباء، ~~وأدرجته من الأخبار طي الأسماء، ما يحمل الناظر فيه على الاعتبار، وإيثار ~~سير الفضلاء والأخيار، بحول الله! ولا اعتراض علينا من أهل الحق فيما ~~أثبتناه من الحكايات، وضروب المقالات، إذ حاصل مجموعها مناقب ومواعظ، يأخذ ~~منها على قدر همته السامع والواعظ، مع أنه قد ثبت من الأئمة المتكلمين في ~~هذا الشأن أنهم قالوا: ينبغي للقاضي أن يحفظ فضائل أهل العدل ومآثرهم، ~~وينافسهم على ذلك، وأن يأخذ نفسه بسيرهم، وحفظ أحكامهم ورسائلهم ومواعظهم، ~~مع علمه بالفقه والحديث؛ فإن ذلك قوة له على ما قلده الله. ومن المروى عن ~~محمد بن الحسن أنه كان يقول: سمعت جعفر الخلدي يقول: سئل الجنيد: ما ~~للمريدين في مجازات # PageV01P177 # الحكايات؟ فقال: الحكايات جند من جنود الله، يقوي بها قلوب المريدين {قيل ~~له: فهل في ذلك شاهد؟ فقال: نعم} قوله عز وجل: كلا نقص عليك من أنباء الرسل ~~ما نثبت به فؤادك. ومعنى تثبيت الفؤاد في الآية عند المفسرين لها أي نقوى ~~نفسك فيما نلقاه ونجعل لك أسوة بمن تقدمك. وتكلم أبو ms171 الفضل الرازي في كتابه ~~على المسألة؛ فأتى بنحو ما ذكرناه؛ ثم قال: وذلك أن الإنسان إذا ابتلى ~~ببلية ومحنة، ورأى له مشاركا، خف ذلك على قلبه، كما يقال: المصيبة، إذا ~~عمت، خفت. وفي الوجيز: قيل لمحمد بن سعيد ماذا الترديد للقصص في القرآن؟ ~~فقال: ليكون لمن قرأ ما تيسر منه حظ في الاعتبار. وعن إبراهيم بن عبد الله ~~أنه قال: سمعت حماد بن عبد الرحمن يقول: العلم دراية ورواية، وخبر وحكاية. ~~ولما رجوناه من الانتفاع بذلك كله، أشفعنا القول في هذا الباب، وجلبنا من ~~الأنباء ما فيه عبرة لأولي الألباب جعلنا الله من الذين يسمعون القول، ~~فيتبعون أحسنه؛ وصرف عنا فتن القضاء ومحنة، بمنه وفضله. والحمد لله {لا حول ~~ولا قوة إلا بالله} وهذا في كتاب القضاة إلى القضاء، وصفة من بلغ منهم رتبة ~~الاجتهاد، وحكم القاصر عن تلك المنزلة في استنباط الأحكام، وكيفية ~~الاستخلاف، وفيمن يجوز له التقليد، ومن لا يجوز له من الناس: والكلام فيما ~~ذكرناه يرجع على القريب إلى فصول، الأول منها في كتب القضاة ونبذ من ~~المسائل المتصلة بذلك. والذي جرى أولا به بالعمل، إذا أتى القاضي كتاب من ~~قاض آخر، يسأل الذي جاءه بالكتاب إحضار صاحبه إن كان في عمالته؛ ثم إذا ~~أحضره، سأله البينة على كتاب القاضي أنه من قبله. قال سحنون بن سعيد: ~~ولينظر القاضي المكتوب إليه الكتاب. فإن كان القاضي الذي كتبه قد ثبت عنده ~~أنه من أهل الاستحقاق للقضاء، لفهمه ومعرفته بأحكام من مضى وآثارهم، مع ~~فهمه في دينه، وورعه وانتباهه وفطنته، غير مخدوع في عقله، فإذا كان كذلك، ~~نظر في كتابه وعمل بما يجب فيه وإلا فلا. قال صاحب الجواهر الثمينة، وقد ~~أتى فيها من صفات القاضي العدل بنحو ما تقدم: فإن عرفه بأنه ليس من أهل ~~ذلك، لم يقبله. وفي سماع يحيى: وإن لم يكن قاضي الكورة موثوقا به، وفي ~~الكورة رجال يوثق # PageV01P178 # بهم، كتب إليهم سرا ليسألوا له عمن شهد عنده من أهل تلك الكورة؛ فإن ~~كتبوا له ms172 أنه مشهور بالعدالة، معروف بالصلاح، أجاز شهادته، وإلا تركها حتى ~~يعدل عنه من يرضى. وقال أشهب: إذا كتب إليه غير العدل: أن بينه فلان تثبت ~~عندي، فلا يقبل كتابه لأنه ممن لا تجوز شهادته وإن لم يعرف حاله؛ فروى ابن ~~حبيب عن أصبغ: إن جاءه بكتاب قاض لا يعرفه بعدالة ولا سخطة، فان كان من ~~قضاة الأمصار الجامعة مثل المدينة، ومكة، والعراق، والشام، ومصر، ~~والقيروان، والأندلس، فلينفذه؛ وإن لم يعرفه، وليحمل مثل هؤلاء على الصحة. ~~وأما قضاة الكور الصغار، فلا ينفذه حتى يسأل عنه العدول وعن حاله. وإذا كتب ~~قاض إلى قاض بكتاب فيه أمر من الأقضية، وفيه اختلاف بين الفقهاء والمكتوب ~~إليه، لا يرى ذلك الرأي. فإن كتب إليه أنه قد ذكر بما في كتابه وأنفذه، جاز ~~له ذلك وأنفذه؛ هذا وإن لم يكن قطع فيه بحكم وإنما كتب بما ثبت عنده، فلا ~~ينبغي أن يعمل فيه برأي الذي كتبه، وليعمل فيه برأيه. قال سحنون: وإذا كتب ~~بأمر، فرأى هو خلافه، فلا ينفذه، لأن ذلك لم يفد شيئا؛ فلا ينفذ هذا ما ليس ~~بصواب عنده. وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون مثله. وقال ابن القاسم ~~وأشهب في الإمام البين العدالة يأمر رجلا بإقامة حد في رجم، أو حرابة، أو ~~قتل، أو قطع في سرقة، ولا يعلم ذلك إلا بقول الإمام؛ فعليه طاعته. قال ~~أشهب. فإن لم يعرف بالعدالة، فلا يطيعه في ذلك إلا أن يرى أنه قد قضى في ~~ذلك بحق؛ فعليه طاعته. وقال ابن القاسم: إذا اتضح أنه حكم بحق وعلم، وأنه ~~كشف عن البينة وعدلوا. قال أشهب: وإذا لم يدر ما قضى به أبحق أم بهوى، فلا ~~يجيبه. قال ابن الماجشون وهو عبد الملك بن عبد العزيز، وابن الماجشون معناه ~~بالفارسية الورد: ولا تطع الجائر ولا تخدمه ولا تصدقه. وقد تقدم صدر كتابنا ~~هذا ما رواه ابن وهب عن مالك في هذه المسألة. وما ذهب إليه في مثلها ~~الأبهري والله المرشد للصواب! فرعان: أحدها: على القاضي ms173 الغائب أن يختار ~~البينة التي تحمل كتابه، إذا كان ممن يرى بذلك؛ ويلزم القاضي المكتوب إليه ~~قبوله، ويقول الشاهد: إن هذا كتابه إلينا مختوما. وقال أبو حنيفة، ~~والشافعي، وأبو ثور: إذا لم يقرأه عليهما القاضي، لم يجز، ولا يعمل القاضي ~~المكتوب # PageV01P179 # إليه بما فيه. وروى عن مالك مثله. قال الشيخ أبو الحسن بن خلف بن بطال: ~~وحجتهم أنه لا يجوز أن يشهد الشاهد إلا بما يعلم، لقوله تعالى " وما شهدنا ~~إلا بما علمنا ". وحجة من أجاز ذلك أن الحاكم، إذا أقر أنه كتابه، فقد أقر ~~بما فيه، وليس الشاهدان على ما ثبت عند الحاكم فيه، وإنما الغرض منها أن ~~يعلم القاضي المكتوب إليه أن هذا كتاب القاضي الكاتب له، وقد يثبت عند ~~القاضي من أمور الناس ما لا يحبون أن يعلمه كل أحد، مثل الوصايا التي يتخوف ~~الناس فيها، ويذكرون ما فرطوا فيه، ولهذا يجوز عند مالك أن يشهدوا على ~~الوصية المختومة، وعلى الكتاب المدرج، ويقولوا للحاكم: نشهد على إقراره بما ~~في هذا الكتاب. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم {يكتب إلى عماله، ولا ~~يقرؤها على رسوله. وفيها الأحكام والسنن. واختلفوا كذلك إذا انكسر ختم ~~الكتاب. فقال أبو حنيفة: وزجر لا يقبله الحكم. وقال أبو يوسف: يقبله، ويحكم ~~به، إذا شهدت البينة؛ وهو قول الشافعي. واحتج الطحاوي لأبي يوسف؛ فقال: كتب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم} إلى الروم كتابا، وأراد أن يبعثه غير مختوم، ~~حتى قيل: إنهم لا يقرؤون إلا أن يكون مختوما {فاتخذ الخاتم من أجل ذلك. فدل ~~أن كتاب القاضي حجة. وإن لم يكن مختوما. وخاتمه أيضا حجة؛ والمنقول عن مالك ~~أنه لا يجوز كتاب قاض إلى قاضي إلا بشاهدين أشهدهما بما فيه. قال ابن ~~القاسم: وإن لم يكن فيه خاتمه، أو كان بطابع، فانكسر. وقال ابن الماجشون: ~~وإذا شهد العدلان أن هذا كتاب القاضي، أمضاه. وقال أشهب: ليس قولهم ~~وشهادتهم أن هذا كتاب قاض بشئ، حتى يشهدوا أنه أشهدهم. ولا يضر إن لم ~~يختمه، ms174 إذ لو شهدوا أن هذا خاتمه، ولو شهدوا أن الكتاب كتابه إلى هذا ~~القاضي، لم ينتفع بذلك، لأن الختم يستشعر، فلا يعرف، والكتاب يعرف بعينه. ~~ومن كتاب القاضي أبي عبد الله بن الحاج: ضرب عمر بن الخطاب في التعزير معن ~~بن زائدة مائة سوط حيث نقش على خاتمه، وأخذ منه مالا وحبسه. ثم كلم في أمره ~~فقال: ذكرتني الطعن، وكنت ناسيا} فضرب مائة؛ ثم حبس. ولذلك والله أعلم! قال # PageV01P180 # مالك فيما روى عنه ابن نافع: كان من أمر الناس القديم إجازة الخواتم حتى ~~أن القاضي ليكتب للرجل الكتاب فيما يزيد على ختمه؛ فيجاز له. ثم اتهم ~~الناس. فصار لا يقبل إلا بشاهدين. وقال ابن كنانة، وعن مطرف وابن الماجشون: ~~ولا ينفذ قاض كتاب قاض في الأحكام إلا بعدلين، ولا ينفذه بشهادتهما أنه خط ~~القاضي، كما لا يجوز الشهادة على الخط في الحدود. ولا بأس إذا كاتبه في شيء ~~يسأله عنه من عدالة شاهد أو أمر يستخبره من أمر الخصوم أن يقبل كتابه بغير ~~شهود، إذا عرف خطه، ما لم يكن في قضية قاطعه، أو كتاب هو ابتدأه به؛ فلا ~~ينفذه إلا بعدلين. وأما كتابه إلى قاضي الجماعة، أو إلى فقيه يسأله ~~ويسترشده ويخبره، فهذا يقبله إذا عرف خطه، أو أتى به رسوله أو من يثق به، ~~إلا أن يأتيه به الخصم الذي له المسألة؛ فلا يقبله إلا بعدلين. وإذا كان له ~~من يكاتبه في نواحي عمله، في أمور الناس وتنفيذ الأقضيه وغير ذلك، فلا يقبل ~~الكتاب، يأتيه منهم بالثقة يحمله، وبالشاهد الواحد، وبمعرفة الخاتم لقرب ~~المسافة واستدراك ما يخشى فوته. وإذا افترق العملان، فلا بد من البينة؛ ~~وقاله أصبغ. ولسحنون نحوه في أمنائه بخلاف كتاب قضاته. وفي الكتاب المقنع: ~~قال من أثق به: رأيت العمل عند القضاة أن يكتبوا إلى أمنائهم، أو إلى من ~~أحبوا أن يتعرفوا من قبلهم، عدالة بشهود ووضع شهادات، ليعلموا في صحتها من ~~قبلهم، إذا لم يكن المكتوب إليهم حكاما، أن يبعثوا إليهم كتبهم مع الطالب ms175 ~~بغير إشهاد عليها، لا يقبلوها منهم إلا بعدلين من الشهود. وقال ابن حبيب عن ~~مطرف وابن الماجشون: لا يجوز إشهاد الأمناء بما أمرهم القاضي بإنقاذه إلا ~~أن يثبت إشهاد القاضي على أصل الحكم، أو على أمره لأمنائه بإنفاذه ذلك، ~~وعلى أنهم أنفذوه ورفعوه إليه؛ ويثبت ذلك كله بشهادة غير الأمناء. وذكر ابن ~~عبدوس عن ابن القاسم: إذا شهد شاهدان على أن الأمناء أشهدوهم قبل عزل ~~القاضي، على ما أتاهم من القاضي بما ثبت عندهم من إنفاذ القاضي لمن أنفذه، ~~أنه يكون بمنزله ما يشهد القاضي على ما يأتيه من القضاة، وما يثبت عنده من ~~إنفاذها. قال القاضي أبو الأصبغ بن سهل: رأيت قضاة شرق الأندلس كتب بعضهم ~~إلى بعض في الأحكام بالخاتم، ومعرفة الخط، وإن لم يكتب للقاضي منه بخط يده ~~إلا العنوان لا غير، وإن كان حامله هو المكتوب له في الكتاب، # PageV01P181 # ويسلمونه إليه مختوما؛ وهو عندي مما لا يجوز العمل به، ولا إنفاذه، لا ~~سيما إذا كان حامله صاحب الحكومة. وقد ذكر ابن حبيب عن ابن القاسم وغيره: ~~إذا كان حامل الكتاب صاحب القضية، لم يجر فيما هو أخف من هذا في تحمله من ~~عند الأمين، أو من عند الفقيه وشبهه. فكيف في نفس الحكومة ومن قاضي بلده ~~إلى قاضي بلدة أخرى؟ هذا لا يجوز عند أحد، والقضاء به مفسوخ؛ والله أعلم ~~{وأما إذا تحمل الكتاب شاهدان، وشهدا به عند المكتوب إليه، وأثنى عليهما ~~بخير، وأن لم تكن تعديلا بينا وزكى أحدهما، ولم يزك الآخر، أو توهم فيهما ~~الصلاح، وكان الختم والخط مشهورين معروفين عند المكتوب إليه؛ فأنا لا ~~أستحسن إجازة مثل هذا أو إنفاذه له، لتعذر موافقة العدول عن الطالب، ولما ~~قد جرى به العمل في صدر السلف الصالح من إجازة الخاتم. والله أعلم بالصواب} ~~ومن هذا الأصل: إن محمد بن شماخ، قاضي غافق، خاطب صاحب الأحكام بقرطبة محمد ~~بن الليث بخطاب أدرج فيه إليه كتاب عيسى بن عتبة فقيه مكناسة، وعقد استرعاء ~~بملك بغل بعث فيه ms176 ثبت استحقاقه عند ابن عتبة فقيه مكناسة على عين البغل ~~وعين مستحقه؛ وقال ابن شماخ في كتابه إلى صاحب الأحكام: ثبت عندي كتاب ~~الفقيه ابن عتبة مستخلف قاضي الجوف، المدرج في طي كتابي إليك. ولم يسم ~~القاضي الذي استخلفه من هو، ولا سمي ابن عتبة ولا كناه، ولا أن ثبوته كان ~~عنده على عين البغل ومستحقه؛ وشاور صاحب الأحكام في ذلك؛ فأفتى ابن عتاب ~~وابن القطان وابن مالك أن إعمال خطاب ابن شماخ هذا واجب، وأن الحكم فيه نظر ~~منه محمول على الإكمال؛ وفي اتفاقهم على الجواب عجب، وفيه من الضعف ما فيه؛ ~~وقد كانوا يختلفون فيما هو أصح من هذا في النظر؛ وما جوابهم هذا إلا ~~مسامحة. والله أعلم! قلت: والذي استقر عليه العمل لهذا العهد، بالأندلس ~~والمغرب، ما تعرفناه عن كثير من بلاد المشرق من الاقتصار على معرفة الخطوط ~~بالشهادة عليها؛ فإذا أثبت عند الحاكم المكتوب إليه أن الخطاب هو بخط يد ~~القاضي الذي خاطبه به، وكتب اسمه فيه قبله، إن كان عنده من أهل القبول، ~~وأمضاه، وحكم بمقتضاه. وما استأهل المتأخرون الأخذ # PageV01P182 # بذلك على ما فيه، ورأوا العدول عن إلزام شهيدين لكل ذي كتاب، يروم ~~الاستظهار به في غير مصره بأن القاضي أشهدهما بما فيه، وأنه كتابه، والخطاب ~~خطابه، على ما تقدم تقريره، إلا لما يلحق في ذلك من المشاق التي يتعذر مع ~~وجودها التوصل في الغالب إلى الشيء المطلوب؛ فليس كل طالب يقدر على استصحاب ~~عدلين يتحملان الشهادة له على القاضي بكتابه، ويلازمانه من البلد الذي هو ~~به إلى البلد الذي يكون فيه مطلوب، ولا سيما عند تباعد الأقطار، وما حدث في ~~هذه الأزمنة من تكاثر القواطع، وترادف الأعذار. فأجروا المسألة مجرى ~~الشهادة على خط الشاهد الغائب أو الميت، إذا لم يستنكر الناظر في المرسوم ~~شيئا. وكان قد تحقق عدالة الرجل المشهود على خطه وقبول شهادته أيام وضعها ~~في المكتوبات بيده، وكأنهم لاحظوا استحسان الرجوع عند الضرورة إلى ما كان ~~عليه أمر القضاة في القديم من ms177 إجازة الخواتم، والخط في التوثق كالخاتم وأشد ~~منه عند التأمل. وفي كتاب الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {بعث بكتابه رجلا. قال الخطابي عند شرحه فيه من ~~الفقه أن الرجل الواحد يجزئ حمله كتاب الحاكم إلى حاكم آخر، إذا لم يشك ~~الحاكم في الكتاب ولا أنكره، كما لم ينكر كسرى كتاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم} ولا شك فيه وليس من شرطه أن يحمله شاهدان. قال القاضي أبو عبد الله ~~محمد بن أحمد بن الحاج، وقد ذكر المسألة: كما يصنع اليوم القضاة والحكام ~~على شاهدين في ذلك، لإدخال الناس من الفساد، واستعمال الخطوط، ونقش ~~الخواتم؛ فاحتيط لتحصين الدماء والأموال. قال غيره: وأول من طلب البينة على ~~كتاب القاضي ابن أبي ليلى، وسوار بن عبد الله؛ وتعرفت عن الترتيب في ~~مكاتبات القضاة بالبلاد المشرقية أنه يجري على طريق المسامحة، من غير ~~ارتباط في هذه الأزمنة إلى عادة. والذي أخذت به لنفسي من ذلك أني، مهما ~~كتبت على عقد بالثبوت لمن يروم السفر به، سألت عن الرفقة المصاحبة له؛ فإن ~~كان فيها أحد من أهل الخير، استدعيته وأشهدته على عين العقد المختوم ~~بالشهادة، بما أرى فيه من الثبوت عندي؛ فإن الخطاب الذي فيه أسمى هو بخط ~~يدي، استبلاغا في الاحتياط، وطمعا في الخروج عن الخلاف، وإذا تعذر ذلك سلكت ~~من التسهيل للضرورة مسالك الجمهور. # PageV01P183 # وقد كنت أخذت في هذه المسألة مع شيخنا القاضي أبي عبد الله بن عياش؛ فمال ~~إلى التسليم، وأشار بإيثار التسديد، وإن كان رحمه الله {يستضعف العمل ~~بإجازة الشهادة على خطوط القضاة، لما يؤدي إليه من الحكم بها في الحدود ~~والأنكحة، وبعير ذلك من العمال، وبخصوص إذا أتى بالمرسوم صاحب حكومة ~~والمتكلم بالخصومة؛ فكثيرا ما كان يتوقف على إمضاء الحكم، ويذهب ما ذهب ~~إليه في مثلها ابن سهل، ومن تقدمه من الأئمة، ويقول عن الشهادة على الخط ~~إنها على الجملة من العظائم، وإحدى المسائل التي حملته على الاستعفاء من ~~القضاء، إذا ms178 لم يقدر على إزالتها، ولا سهل عليه في كل النوازل تحمل عهدتها. ~~وقد وقع التعريف بهذا الرجل الفاضل عند وضع اسمه فيما تقدم من هذا المجموع. ~~ومن أخباره إني كنت قاعدا يوما معه بمجلس القضاء من مالقة، زمان ولايته ~~بها؛ فأتاه أحد الفقهاء بعقد عليه خطاب قاض معروف الخط، معلوم الولاية. ~~فقال له: أبقاكم الله} يشهد عليكم بأعمال هذا الخط؟ فقال: يشهد بثبوت ذلك ~~الرسم من وجه آخر ذكره؛ ثم أشار إلى أن القاضي، الذي قد كان خاطبه به، ليس ~~هو عنده من أهل الاستحقاق للقضاء في عدالته، وورعه، ونزاهته؛ فظهر له أن ~~يأخذ فيه بما رواه يحيى في مسألة قاضي الكورة، إذا لم يكن موثوقا به. وقد ~~تقدم الكلام في ذلك. تنبيه على جواز المسامحة في الخطاب، إذا وقع فيه ~~الغلط: قال عبد السلام بن سعيد الملقب بسحنون: ولو كتب قاض إلى قاضي ~~البصرة، وسماه، فأخطأ باسمه أو اسم أبيه ونسبه، لنفذ ذلك، إذا نسبه إلى ~~المصر الذي هو عليه، وشهدت البينة بذلك، وليس كل من كتب كتابا يعنونه؛ فإذا ~~شهدت بينة أنه كتبه قلبه، ولم ينظر في اسمه، وإذا كان الكتاب لرجلين، فحضر ~~أحدهما: فإني أقبل البينة والكتاب، وأنفذ الحكم للحاضر؛ فإذا حضر الغائب، ~~أنفذت له الحكم، ولا أعيد البينة وإذا أمكن تعيين الخطاب، فهو من الصواب؛ ~~والاطلاق سائغ، لا سيما عند شدود الغريم. فقد سئل مالك عن الرجل يثبت حقه ~~عند القاضي، أيعطيه كتابا إلى أي الآفاق كان، ولا يسمى فيه # PageV01P184 # أحدا، لا قاضيا بعينه، ولا بلدا بعينه. قال: نعم {أرى ذلك يجوز، إذا ثبت ~~عند القاضي الذي يرفع إليه الكتاب أنه كتاب القاضي الذي كتبه وبعث به مثل ~~الرجل يطالب غريمه لا يدري بأي الآفاق هو، أو أين يلقاه، أو العبد الآبق، ~~وما يشبهه. وقاله ابن القاسم وأصبغ عنه. قال سحنون: وإذا جاء بكتاب قاض إلى ~~قاض، وأن فلانا له من الدين على فلان كذا وكذا، لم يجز ذلك، حتى ينسبه إلى ~~أبيه، وإلى فخذه الذي ms179 هو منها، أو ينسبه إلى تجارة يعرف بها مشهورة. الفرع ~~الثاني، إذا كتب قاض بما ثبت عنده، ثم مات الكاتب قبل أن يصل الكتاب إلى ~~المكتوب إليه، فإنه ينفذه، ويبنى عليه إذا بلغه، ويبنى عليه الحكم. قال ~~أشهب المجموعة: قال مالك: وإن عزل الكاتب، فلينفذ بهذا، إن كان ممن تجوز ~~كتابته لعدالته. ومثله عن ابن القاسم، وسواء مات أحدهما، أو عزلا، أو ~~أحدهما، إذا كان الذي كتبه هو وال. وبه أقول، ولا أعلم فيه خلافا بين أهل ~~العلم. ومثله في كتاب ابن حبيب، عن ابن الماجشون، ومطرف، وابن عبد الحكم، ~~وأصبغ. قال: وجميع أصحابنا. ومن كتاب ابن المواز: وإذا تظلم المحكوم عليه ~~من كتاب الأول، وسأل الثاني أن يستأنف النظر فيه أو في بعضه، فليس له ذلك ~~إلا بأمر بين؛ وكذلك لو ولي قاض آخر مكان القاضي، لكان مثل ما قيل في ~~المكتوب إليه. قال القاضي أبو الوليد بن رشد: لما كان الأصل أن القاضي ينفذ ~~ما ثبت عنده من قضاء أحكام البلد، وأن كانوا على كتاب إلى قاضي مصر، وقد حج ~~قاضي مصر، وأمره بالخروج إليها، لم يكن له أن يسمع من بينة أحد في دعوى على ~~من بمصر، حتى يصير إليها. قال القاضي أبو الأصبغ، وقد نقل ما ذكرناه: ونزلت ~~من هذا المعنى مسألة، سألت عنها ابن عتاب شيخنا: وكذلك القاضي يحل بغير ~~بلده، وقد كان ثبت عنده ببلده حق لرجل؛ فسأله الذي له الحق أن يخاطب له من ~~موضع احتلاله قاضي موضع مطلوبه، بما كان ثبت عنده ببلده؟ فقال لي: لا يحوز ~~ذلك} قلت: فإن فعل؟ قال: يبطل {ثم قال لي: وليس يبعد أن ينفذ ذلك} قلت: فإن ~~الحق الثابت عنده ببلده على من هو بموضع احتلاله، فأعلم قاضي ذلك الموضع ~~مشافهة بما ثبت عنده، هل يكون كمخاطبته أياه بذلك من بلده؟ فقال لي: ليس ~~مثله! فقلت له: وما الفرق؟ فقال لي: هو في إخباره هنا بما ثبت # PageV01P185 # عنده طالب فضول وما الذي يدعوه إلى ذلك. قلت: ms180 وما يمنع من إخباره له ~~ويشهد عند المخبر بذلك، وينفذه كما يشهد عنده بما يجري في مجلسه من إقرار ~~وإنكار، ويقضى به؟ فقال: ليس مثله. ولاكن إن أشهد هذا القاضي المخبر بذلك ~~شاهدين في منزله، وشهدا بذلك عند قاضي الموضع، نفذ وجاز! . قال ابن سهل: ~~رأيت فقهاء طليطلة يجيزون بإخبار القاضي المحتل بذلك البلد قاضي البلدة ~~وينفذ، ويرونه كمخاطبته أياه. وفي ذلك كله من الاضطراب مالا خفاء به. فجواب ~~أصبغ، في إجازته القاضي أن يسمع من البينة في غير عمله، يخالف ما ذهب إليه ~~ابن عبد الحكم في المسألة، وقرره صاحب النوادر من أن القاضي، إذا كان في ~~غير عمله، فليس له أن يسمع من بينة أحد، ولا يشهد على كتابه إلى قاضي بلد ~~آخر إلا ببلده. وأما مسألة خطاب القاضي في غير عمالته، وإنهاؤه ما ثبت عنده ~~إلى غيره، فالصحيح فيه أنه شيء لا يقول عليه، ولا يلتفت إليه، لأنه ليس ~~بوال في غير ولايته، والقاضي المكتوب إليه يصل حكمه بحكم الكاتب، ويثبته ~~عليه. وإذ كان كذلك، فإنه لا يلتفت إلى قول القاضي الكاتب إلا في موضع تنفذ ~~فيه أحكامه. وقوله في غير ولايته: ثبت عندي كذا كقوله بعد عزله: ثبت عندي ~~كذا. وهو والعدل سواء. قال عبد الله ابن شاش: ولو شافه القاضي قاضيا آخر، ~~لم يكف لأن أحدهما في غير محل ولايته؛ فلا ينفع سماعه أو إسماعه، إلا إذا ~~كانا قاضيين لبلدة واحدة، أو التقيا من طرفي ولايته. فذلك أقوى من الشهادة. ~~فيعتمد، ولو كان المسمع في محل ولايته؛ فلا يحكم بها إذ لا يحكم بمجرد ~~علمه. مسألة أخرى في قريب من ذلك المعنى وهو في القاضي يشهد على قضائه، وهو ~~معزول أو غير معزول: ففي كتاب القضاة المختصر من العتيبة: قال أصبغ: قال لي ~~ابن القاسم في القاضي يشهد على قضاء قضى به، وهو معزول أو غير معزول، ~~ويرفعه إلى إمام غيره، إن شهادته لا تقبل، ولا يجوز ذلك القضاء إلا بشاهدين ~~عليه غيره أنه قضى ms181 به. قاله أصبغ. قال ابن رشد في بيانه: هذه مسألة وقعت في ~~بعض الروايات؛ وهي مسألة صحيحة، وفيها معنى خفي. وهي أن قول القاضي، وهو ~~على قضائه: حكمت # PageV01P186 # لفلان بكذا لا يصدق إذا كان قوله بمعنى الشهادة، بمثل أن يتخاصم الرجلان ~~عند القاضي، فيكون من حجته أن يقول: قد حكم قاضي بلد كذا أو كذا، وقد ثبت ~~لي عند قاضي بلد كذا أو كذا {فيسأله البينة على ذلك فيذهب إليه فيأتيه من ~~عنده بكتابه إني قد حكمت لفلان على فلان بكذا وكذا وإني قد ثبت عندي لفلان ~~على فلان كذا وكذا} فهذا لا يجوز من أجل أنه على هذا الوجه شاهد. ولو أتى ~~الرجل ابتداء إلى القاضي قال له: خاطب لي قاضي بلد كذا بما ثبت لي عندك على ~~فلان بما حكمت لي به عليه! فخاطبه بذلك، لجاز من أجل أنه مخبر وليس بشاهد ~~كما يجوز وقوله: وينفذ فيما يسجل به على نفسه، ويشهد من الأحكام ما دام على ~~قضائه. وقد وقع لابن الماجشون، ومطرف، وأصبغ في الأقضية من الواضحة ما ~~يعارض رواية أصبغ هذه. ومن الكتاب المذكور: وسأله عن القاضي يقر عنده ~~الرجل؛ فيكتب إقراره؛ ثم ينكر الرجل أن يكون أقر عنده بشيء؛ هل يقضى عليه ~~بإقراره، أو هل يختلف إن قال القاضي: أقر عندي من قبل أن استقضى. قال ابن ~~القاسم: رأيي والذي آخذ به في ذلك وهو الذي سمعت أنه لا يقضى عليه حتى يشهد ~~على إقراره عنده شاهدان عدلان سوى القاضي، وإلا لم يقض عليه بشيء؛ وإنما هو ~~بمنزلة ما اطلع عليه فيه من الحدود يعلمها، فهو لا يقيمها عليه، إلا أن ~~يكون معه شاهدان عدلان سواه. فإن لم يكن قد ماتوا، أو عزلوا، كما ينفذ ما ~~ثبت عنده من قضاء الحاكم ببلده الميت أو المعزول، وجب أن ينفذ كتبهم، وإن ~~كانوا قد ماتوا أو عزلوا، كما ينفذ ما ثبت عنده أنه مضى من عمل الحكم قبله ~~الميت أو المعزول، فيصل حكمه بحكمه أو يبنيه عليه، ms182 ولا يأمر الخصمين ~~باستئناف الخصام عنده، إن كان الشهود قد شهدوا عند الميت أو المعزول، فأشهد ~~على ذلك أو كتب به إلى حاكم بلد آخر، ثم مات أو عزل، ولم يأمر بإعادة ~~الشهادة عنده، وإن كانوا قد شهدوا عنده، فقبلهم اعذارا إلى المشهود عليه ~~فيما شهدوا به دون أن ينظر في عدالتهم، وإن كان قد أعذر في شهادتهم إلى ~~المشهود عليه، فعجز عن الدفع فيما امضى الحكم بها دون أن يستأنف الإعذار ~~إليه مرة أخرى وإذا مات الإمام الذي تؤدى إليه الطاعة، وقد قدم حكاما ~~وقضاة، وولي الأمر غيره، وقضى الحكام الذين قدمهم الإمام الميت والقاضي ~~يقضى بين موت الإمام الأول وقيام الثاني # PageV01P187 # أو بعد قيامه، وقبل أن ينفذ لهم الولاية، فما قضوا به في الفترة وحكموا ~~به نافذ. وما سجلوا به قاض لا يحتاجون فيه إلى إمضاء القاضي الذي يلي بعده. ~~ومن المدونة: سئل عن القاضي يقضي لرجل أظنه فلا يجوز المقضى له ما قضى به ~~له حتى يموت القاضي أو يعزل، هل يستأنف الخصومة في ذلك الأمر، أم ينفعه ما ~~كان قضى له، ثم أقام يمضي القضاء الذي قضى به القاضي الأول، ولا ينظر فيه ~~القاضي الثاني إلا أن يكون جورا بينا، فينقضه؟ قال ابن رشد: هذا كما قال من ~~أن حكم القاضي لا يفتقر إلى حيازة، وهو مما لا اختلاف فيه. وإذا عزل ~~القاضي، ثم ولي بعدما عزل، قال القاضي محمد بن يبقى بن زرب: فهو كالمحدث لا ~~يقبل شهادة من شهد عنده قبل أن يعزل، فيما لم يتم الحكم فيه، حتى يشهدوا به ~~عنده. قال ابن لبابة: والتعليم على الشهادة في الوثائق من سنة الحكم، ولا ~~يكتفي بسماعه للشهادة دون التعليم، لأنه يتذكر به ما شهد عنده فيه. وكتاب ~~الحاكم جائز إلا في الحدود والأنكحة على خلافه. ومن كتاب ابن خلف، وقد كتب ~~عمر إلى عامله في الجارود، وكتب عمر بن عبد العزيز في سن كسرت. وقال ~~إبراهيم: كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب ms183 والخاتم. وكان الشعبي ~~يجيز الكتاب المختوم بما فيه من القضاء، ويروى عن ابن عمر مثله. وقد تقدم ~~قول مالك في الوصية المختومة. وقال معاوية بن عبد الكريم الثقفي: شهدت عبد ~~الملك بن يعلى قاضي البصرة، وإياس بن معاوية، والحسن، وتمامة بن عبد الله ~~بن أنس، وبلال بن أبي بردة، وعبد الله بن بريدة الأسلمي، وعامر بن عبدة، ~~وعباد بن منصور، ويجيزون كتب القضاة بغير محضر من الشهود؛ فإن قال الذي جيء ~~عليه بالكتاب إنه زور، قيل له: اذهب {فالتمس المخرج من غير ذلك} ومن كتاب ~~منهاج القضاة لابن حبيب: وسألت أصبغ بن الفرج عن القاضي يبعثه الإمام إلى ~~بعض الأمصار في شيء منابه من أمر العامة، فيأتيه رجل في ذلك المصر يذكر أن ~~له حقا قبل رجل من أهل عمله، وهو عائب بعمله، ويذكر أن شهوده بهذا المصر، ~~ويسأله أن يسمع منه؛ أيجيبه إلى ذلك؟ ولا ترى به بأسا؟ قال: نعم! يسمع من ~~ذي بينة، ويوقع شهادتهم، ويسأله تعديلهم، وإن شاء، سأل قاضي ذلك المصر ~~عنهم؛ فإن أخبره عنهم بعد التهم، اجتزى بذلك، لأنهم من أهل عمله؛ ولو اجتمع ~~الخصمان عنده # PageV01P188 # بذلك المصر، فأرادوا المخاصمة عنده، والشيء الذي يختصمان فيه في بلاد ذلك ~~القاضي الغائب عن عمله، إلا أن يتراضيا عليه، كتراضيهما بعد أن يحكم ~~بينهما، ويلزمهما أن قضى بالحق. وكل من تعلق برجل في مطلب، فإنما يخاصمه ~~حيث تعلق به، إن كان ثم قاض أو أمير، كان المطلوب بذلك البلد أو غائبا عنه، ~~كان إقرارهما بذلك البلد أو لم يكن، لا تكن الخصومة إلا حيث ترافعا. ومن ~~كتاب أدب القضاة لمحمد بن عبد الله ابن عبد الحكم فإذا حج القاضي، فنزل ~~بمصر أو غيرها، فأتاه قوم من أهل عمله يسألونه أن يسمع من بينتهم على رجل ~~في عمله، وكان قد شهد عنده شهود في عمله، فأرادوا منه أن يكتب إلى والي ~~العراق، أو يشهد على كتبه بذلك إلى والي مكة، أو يحكم لهم بحكم من شهد عنده ~~عليه قبل ms184 ذلك، فليس له ذلك، لأنه ليس والي ذلك البلد؛ فليس له أن يسمع من ~~بينته، أو يشهد على كتاب قاض إلى قاضي بلد آخر، أو يشهد كذلك رفعه إلى من ~~هو فوقه وكان هو شاهدا. قال ابن رشد: حكم القاضي على الرجل، بما أقر به ~~عنده دون بينة تشهد عليه بإقراره عنده، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدهما أن ~~يقر عنده قبل أن يستقضى؛ والثاني أن يقر عنده في غير مجلس الحكم بعد أن ~~يستقضى؛ والثالث أن يقر بين يديه لخصمه في مجلس حكمه. فأما إذا أقر عنده ~~قبل أن يستقضى، فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم في أنه لا يجوز له أن يحكم ~~عليه بذلك الإقرار؛ فإن فعل، رد ذلك الحكم وفسخه هو ومن بعده من القضاة ~~والحكام؛ وأما ما أقربه عنده بعد أن يستقضى في غير مجلس القضاء، فلا اختلاف ~~في المذهب في أنه لا يجوز له أن يحكم عليه بذلك الإقرار دون بينة تشهد به ~~عليه. وأهل العراق يقولون أنه يقضى عليه بذلك الإقرار دون بينة بخلاف ~~الحدود، على ما قال في المدونة. وقد حكى عنهم أنه يقضي بعلمه في الحدود وهو ~~بعيد؛ فإن قضى عليه بذلك الإقرار، نقض حكمه بذلك ما لم يحكم على المشهور في ~~المذهب، ولم يرده من بعده من القضاة والحكام، مراعاة لقول أهل العراق. وأما ~~ما أقر به عنده أحد الخصمين في مجلس قضائه، ثم جحده ولا بينة عليه، ~~فالاختلاف فيه موجود في المذهب، وإن كان ابن المواز قد ذكر أنه لا اختلاف ~~في ذلك بين أصحاب مالك. قال ابن الماجشون: والذي عليه قضاتنا بالمدينة، ~~وقال علماؤنا، ولا أعلم مالكا # PageV01P189 # رحمه الله {قال غيره، أنه يقضي عليه بما سمع منه وأقر به عنده. وإليه ذهب ~~مطرف، وأصبغ، وسحنون. قال القاضي أبو الوليد: وهو دليل قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم} في الصحيح: إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي {الحديث، إلى قوله: ~~فأقضى له على نحو ما أسمع منه لأنه قال: على نحو ms185 ما أسمع ولم يقل على ما ~~ثبت عندي من قوله. والمشهور في المذهب أنه لا يقضى عليه إذا جحد، وهو قوله ~~في هذه الرواية، إلا أن يشهد عليه عنده من حضر مجلسه؛ فيحكم عليه بالشهادة ~~دون إعذار. ومن عقد الجواهر: فإن لم ينكر حتى حكم، ثم أنكر بعد الحكم، ~~وقال: ما كنت أقررت بشيء} لم ينظر إلى إنكاره. قال اللخمي: وهذا هو المشهور ~~من المذهب. وقد تقدم لنا طرف من الكلام صدر هذا الكتاب على تفسير الحديث ~~المسمى؛ وذكرنا أن عياضا نقل عن الشافعي وأبي ثور ومن تبعهما أن للقاضي أن ~~يقضي بعلمه في كل شيء من الأموال والحدود وغير ذلك، مما سمعه، أو رآه قبل ~~قضائه وبعده، وبمصره وغيره. ونضيف الآن إلى ذلك من الأقوال في المسألة ما ~~يأتي بعد على التقريب، وإن كان قد مر حاصل مجموعه. فنقول، تبركا بإعادة ~~الكلام في الحديث النبوي: ثبت في كتاب البخاري باب من رأى للقاضي أن يحكم ~~بعلمه في أمور الناس إذا لم يخف الظنون والتهمة كما قال عليه السلام {لهند: ~~خذي ما بكفيك وولدك بالمعروف} قال ابن خلف في شرحه ما نصه: اختلف العلماء ~~في القاضي يقضي بعلمه. وقال الشافعي وأبو ثور: جائز له أن يقضي بعلمه في ~~حقوق الله وحقوق الناس سواء، علم ذلك قبل القضاء أبو بعده. وقال الكوفيون: ~~ما شاهده الحاكم من الأفعال الموجبة للحدود قبل القضاء أو بعده فإنه يحكم ~~فيه بعلمه إلا القذف، وما علمه قبل القضاء من حقوق الناس لم يحكم فيه بعلمه ~~في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يحكم فيما علمه قبل القضاء. وقال ~~طائفة: لا يقضي بعلمه أصلا في حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، وسواء علم ~~ذلك قبل القضاء أبو بعده، أو في مجلسه. هذا قول شريح والشعبي؛ وهو قول ~~مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد. وقال الأوزاعي: ما أقر به الخصمان عنده، ~~أخذهما به، وأنفذه عليهما، # PageV01P190 # إلا الحدود. واحتج الشافعي بحديث هند وأن النبي صلى الله عليه وسلم {قضى ~~لها ms186 ولولدها على أبي سفيان بنفقتها، ولم يسئلها عن ذلك بينة، لعلمه بوجوب ~~ذلك عليه. وأيضا فإنه متيقن بصحة ما يقضى به، إذا علمه على يقين. وليست ~~كذلك الشهادة، لأنها قد تكون كاذبة أو واهمة. وقد أجمعوا على أن له أن ~~يعدل، ويسقط العدول بعلمه، إذا علم أن ما شهدوا به على غير ما شهدوا به. ~~وينفذ في ذلك ولا يقضى بشهادتهم. ومثال ذلك أن يعلم بنت الرجل ولدت على ~~فراشه: فإن أقام شاهدين على أنها مملوكته، فلا يجوز أن يقبل شهادتهما، ~~ويبيح له فرجا حراما. وكذلك لو رأى أن رجلا قتل آخر، ثم جئ بغير القاتل، ~~وشهد أنه القاتل، فلا يجوز أن يقبل الشهادة؛ وكذلك لو سمع رجلا طلق امرأته ~~طلاقا بائنا، ثم ادعت عليه المرأة الطلاق، وأنكر الزوج ذلك. فإن جعل القول ~~قوله، فقد أقامه على فرج حرام، فيفسق به، فلم يكن له بد من أن لا يقبل قوله ~~ويحكم بعلمه. واحتج أصحاب أبي حنيفة بأن ما علمه الحاكم قبل القضاء إنما ~~حصل في الابتداء على طريق الشهادة؛ فلم يجز أن يجعله حاكما، لأنه، لو حكم ~~به، لكان قد حكم بشهادة نفسه، وكان متهما، وصار بمنزلة من قضى بدعواه على ~~غيره. وأيضا، فإن عمله لما تعلق به الحكم على وجه الشهادة، فإذا مضى به، ~~صار كالقاضي بشاهد واحد. قالوا: والدليل على جواز حكمه بما علمه في حال ~~القضاء وفي مجلسه قوله عليه السلام} : أنا أقضي على نحو ما أسمع! ولم يعرف ~~بين سماعه من الشهود أو المدعى عليه. فيجب أن يحكم بما يسمعه من المدعى ~~عليه، كما يحكم بما يسمعه من الشهود. واحتج بعض أصحاب مالك؛ فقالوا: الحاكم ~~غير معصوم، ويجوز أن تلحقه المظنة في أن يحكم لوليه وعلى عدوه. فحسمت ~~المادة في ذلك بأن لا يحكم بعلمه لأنه ينفرد به، ولا يشركه غيره فيه. فظهر، ~~على ما تقرر في المسألة من مذهب الشافعي ومن تبعه، أن قول ابن رشد نحو ~~الرجل إذا أقر عند القاضي قبل أن يستقضى، ms187 فلا اختلاف بين أحد من أهل العلم، ~~في أنه لا يجوز له أن يحكم عليه بذلك الإقرار ليس بصحيح؛ بل الخلاف في ~~المسألة موجود اللهم إلا إن أراد بقوله ما يرجع إلى المشهور في المذهب أو ~~قصد الأعم والأغلب. فقد يوجد نحو هذا لابن المواز وابن حبيب في غير ما ~~موضع. والاختلاف فيه حاصل. قال القاضي أبو عبد الله بن الحاج في نوازله، ~~عند تكلمه في مثل هذه المسألة: # PageV01P191 # وقد سبق إلى ذلك الأئمة كمالك ومن تقدمه؛ يقولون: أجمع الناس والاختلاف ~~موجود إذ لا يعبأ بالشذوذ. وكذلك قول ابن رشد في القسم الثاني من أقسامه ~~الثلاثة. فإن قضى عليه بذلك الإقرار، نقض حكمه بذلك ما لم يعزل؛ ولم يرده ~~من بعده من الحكام مراعاة لقول أهل العراق. فيلزمه أيضا على قياسه عدم بعض ~~أحكامه من أخذ بمذهب الشافعي أيضا في جواز حكم القاضي بما علمه قبل قضائه. ~~وعلى كل تقدير، فطريق الاحتياط هو العمل فيما أمكن على الإشهاد. ولذلك عد ~~العلماء في أدب القضاء أن يكون الحكم بمحضر عدول، ليحفظوا إقرار الخصوم ~~خشية رجوع بعضهم عن مقالتهم. ولو كان القاضي ممن يقضى بعلمه، لكان أخذه بما ~~لا خلاف فيه أحسن لمثله، وليكون حكمه بشهادتهم لا بعلمه. وقد روى عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه {أنه لم يكن ينفذ الأحكام في الغالب إلا بمجمع من ~~الصحابة وحضورهم ومشورتهم مع علمه وفضله وفقهه، وحسن بصيرته بمآخذ الأحكام ~~وطرق القياس ومعرفة الآثار. ونقل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه} أنه كان، ~~إذا جلس، أحضر أربعة من الصحابة، ثم استشارهم؛ فإذا رأوا ما رآه، أمضاه. ~~قال محمد بن عبد الحكم: وليس ينبغي لأحد أن يترك المشاورة، ولا ينبغي له أن ~~يثق برأي نفسه؛ ولا يدخل على الإمام من فعل ذلك استكبار: فإن سلف هذه الأمة ~~وخيار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين {كانوا يسألون عما ينزل بهم، ويتفاوضون ~~في أمورهم، ويلاحظون في أحكامهم قول الله العظيم: " يا أيها الذين آمنوا} ~~كونوا قوامين بالقسط، ms188 شهداء لله، ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن ~~يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما " أي: يا أهل الإيمان {اقيموا العدل ~~بالإقرار على أنفسكم وبالشهادة على غيركم، من غير مبالاة في قول الحق ~~والقيام به بقرابة ولا بغني ولا بفقير. يقول: لا تداهنوا في ألحق حبا للنفس ~~ولا حمية للقريب ولا رعاية للغني، ولا شفقة على الفقير: فالله أولى ~~بالجميع} فقد أخبر الله سبحانه في هذه الآية جميع المؤمنين من الحكام ~~وغيرهم بالقيام بالقسط. وذلك في النوازل متوجه على المشاورين والمفتين، إذا ~~وقفت النازلة عليهم، وعلى الأئمة والقضاة، إذا تأدت القضية إليهم. فإذا ~~تبين للناظر في النازلة # PageV01P192 # الحق المحض الذي لا مرية فيه، وكملت لديه موجباته، أنفذه وأمضاه أحبه من ~~أحبه، أو كرهه من كرهه. وممن قام به من القضاة بقرطبة، نصر بن ظريف. ومنه ~~علمه مع حبيب القرشي في الضيعة التي قيم فيها عليه بدعوى الاغتصاب، ونهاه ~~الأمير عند شكواه عن العجلة عليه، فخرج من فوره وعمل بضد ما أريد منه، ~~وأمضى الحكم على وجهه وسجل به، وقد مر ذكر ذلك في اسمه. ومن كلام سحنون، ~~حين سئل عن القاضي يثبت عنده الحق للرجل، فيريد أن يسجل له كتابا بما ثبت ~~عنده، فيحضر خروج الإمام غازيا؛ فيأمر القاضي بأن لا ينظر إلى أحد إلى ~~انصرافه، فيكون من رأى القاضي الإشهاد والتسجيل لصاحب الحق، فيفعل بعد تقدم ~~الإمام إليه، لازم أو لا؟ أترى حكمه ماضيا؟ قال: نعم {أراه لازما ماضيا. ~~قال ابن رشد: هذا بين ما قال، لأنه لم يعزله، وإنما نهاه عن الحكم؛ ~~والتسجيل ليس بحكم. فله أن يسجل بما تقدم حكمه به قبل أن يأمره بالتوقف عن ~~الحكم. وفي الواضحة: إن الإمام، إذا أمر القاضي أن يدع الحكم في أمر قد شرع ~~فيه عنده، فله أن يدع ذلك إذا لم يتبين له حق أحدهما؛ فلا يدع ذلك إلا ~~بعزل. وهو قول سحنون. هذا، وبالله التوفيق} وقد مر الكلام أيضا في اسم ~~المصعب بن عمران، عند قصة العباس ms189 بن عبد الملك أيام خلافة هشام بن عبد ~~الرحمن بن معاوية. وحاصلها أن الأمير أرسل إليه مع خليفة له من أكابر ~~فتيانه بعزمه منه، يقول له: لا بد أن تكف عن النظر في هذه القصة، لأكون أنا ~~الناظر فيها. فلما جاءه وأبلغه عزمته، أمره بالعقود، ثم أخذ قرطاسا، فسواه ~~وعقد فيه حكمه وأنفذه لوقته بالإشهاد عليه؛ ثم قال للرسول: اذهب إلى الأمير ~~أصلحه الله {فأعلمه أني قد أنفذت ما لزمني من الحق خوف الحادثة على نفسي ~~ورهبة من السؤال عنه. إن شاء تنقضه، فذلك له} فليتقلد منه ما أحب {فوافق ~~هذا العمل الجزل من المصعب رحمه الله} نص الواضحة، وجرى في ميدانه على ~~الطريقة الحميدة. # PageV01P193 # وسميت فصول المقالات المنعقدة عند القضاة قبل التسجيلات وهي التي تستفتح ~~بها الخصومات محاضر، على ماحكاه محمد بن حارث؛ واحدها محضرة ليلزمها من هذا ~~الاسم عند العلماء المتقدمين وهو مأخوذ من حضور الخصمين بين يدي القاضي. ~~واختلف في اللفظ التي تفتتح به تلك الفصول، فكتب بعضهم: حضرني فلان، لأن ~~تلك الصحيفة عنده وفي ديوانه، فكأنه مخاطب لنفسه، ومذكر لها بما كان بين ~~يديه. وكتب بعضهم: وقال القاضي فلان بن فلان، ببلد كذا: حضرني فلان وكان ~~بعضهم يكتب: قال القاضي: حضرني. قال عيسى: وهذا كله عندي إذا كتب بخط يده؛ ~~وأما إن كتب عنده كاتب، فلا يكتب: حضرني، لأنه يقع في الظاهر كناية عن ~~الكاتب. قال ابن حارث: والذي جرى به رسم قضاة الجماعة بقرطبة أن يكتب ~~الكاتب: قال القاضي فلان بن فلان، قاضي الجماعة بكذا: فلان بن فلان قام ~~عليه خصمه فلان، فادعى عليه بكذا. فقال فلان إنه لا يعرف شيئا من ذلك، ولا ~~يقر به. تنبيه: ويجب على القاضي، إذا حضر الخصمان، أن يسأل المدعى عن ~~دعواه، ويفهمها عنه. فإن كانت دعوى لا يجب بها على المدعى عليه حق، أعلمه ~~بذلك، ولم يسأل المدعى عليه عن شيء، وأمرهما بالخروج عنه. وإن نقصه من ~~دعواه ما فيه بيان مطلبه ومعزاه، أقره بتمامه. وإن أتى بإشكال، ms190 أمره كذلك ~~ببيانه؛ فإذا صحت الدعوى، سأل المطلوب عنها؛ فإن أقر أو أنكر، نظر في ذلك ~~بما يجب؛ وإن أبهم جوابه، أمره بتفسيره، حتى يرتفع الإشكال عنه، وقيد ذلك ~~كله عنهما في كتاب، ويشهد عليهما به من حضر. وقد سطر المؤثقون في ذلك ما ~~فيه مقنع ومفتاح الطلب والإعراب عن المذهب، وفيه رفع الشغب، فلا يدع الحكام ~~أخذ المخصوم به. والله الموفق للصواب! فإذا انعقد في مجلس القاضي مقال ~~بإقرار أو إنكار، وشهد به عنده على القائل شهود المجلس، على ما ذكرناه، ~~أنفذ القاضي تلك المقالة على قائلها، ولم يعذر إليه في شهادة شهودها، ~~لكونها بين يديه، وعلمه بها، وقطعة بحقيقتها. قال أبو إبراهيم وسقوط ~~الإعذار في هذا إجماع من المتقدمين والمتأخرين. وكذلك ذكر ابن العطار في ~~وثائقه وأنكره عليه محمد بن عمر بن الفخار الحافظ وقال: هذا اختلاط؛ وكيف ~~يجوز أن يقضى بشهادتهما، من غير # PageV01P194 # أن يعذر فيها إلى المشهود عليه، وقد ينكشف عند الإعذار فيهما أنهما غير ~~عدلين، إذ قد يأتى المشهود عليه بما يوجب رد شهادتهما من عداوة، أو تفسيق، ~~وإنما لم يقض القاضي بعلمه دون بينة، لأن فيه تعريض نفسه للتهم. وقد حكى ~~حاصل ذلك كله ابن سهل في كتابه، ونصه غيره من نظرائه. ويؤيد ما قال أبو ~~إبراهيم وابن العطار ما في سماع أشهب وابن نافع عن مالك في القوم يشهدون ~~عند القاضي. ويعدلون. قيل لمالك: هل يقول القاضي للذي شهد عليه دونك مخرج؟ ~~فقال: إن فيها لتوهينا للشهادة، ولا أرى إذا كان عدلا أو عدل عنده أن يفعل. ~~فهذا مالك قد أسقط الإعذار ها هنا فيما عدل عنه، فكيف به فيمن هو عنده عدل، ~~وشهد لديه بما سمعه في مجلسه، واستوى فيه علم الشهود وعلمه؟ ومن الفقهاء من ~~قال: إن كتب الشهود في مجلس القاضي شهادتهم على مقال مقر أو منكر فيه، ولم ~~يشهدوا بها عند القاضي في ذلك المجلس، ثم أدوها بعد ذلك عنده، إذا احتيج ~~إليها، فإنه يعذر في شهادتهم إلى المشهود ms191 عليه بخلاف إذا أدوها في المجلس ~~نفسه الذي كان فيه المقال. والإعذار للمبالغة في طلب إظهار العذر. ومنه: قد ~~أعذر من أنذر، أي بالغ في العذر من تقدم إليك فأنذرك. ومنه أيضا: إعذار ~~القاضي إلى من ثبت عليه حق يؤخذ في المشهود بذلك. ومن أعذر إليه، فادعى ~~مدفعا أجل في إثباته في الديون وشبهها ثمانية أيام سوى اليوم المكتوب فيه ~~الأجل، ثم ستة أيام، ثم أربعة أيام، ثم يتلوم عليه ثلاثة أيام. وقيل: الأصل ~~في الإعذار قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام {في الهدهد: " لأعذبنه ~~عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين} " وقيل في التلوم أصله ~~قوله تعالى " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. وذلك وعد غير مكذوب! ". وضرب ~~الآجال مصروف إلى اجتهاد القضاة والحكام، وليس فيها حد محدود لا يتجاوز، ~~إنما هو الاجتهاد، وبحسب ما يعطيه الحال. فإذا كان الأجل المضروب في الأصول ~~أجل المعذور إليه من طالب أو مطلوب خمسة عشر يوما، ثم ثمانية أيام، ثم # PageV01P195 # أربعة أيام، ثم تلوم له أربعة، تتمة ثلاثين يوما في الجميع. ذكر ذلك ابن ~~العطار ومحمد بن عبد الله. والغالب لهذا العهد في كتب المقالات الجارية بين ~~الخصوم بقواعد البلد هو أن تكون في غير مجالس القضاة. وفي تلك الطريقة ~~توسعه على الكاتب والمكتوب له أو عليه. ولا إعذار عندنا فيما تقيد من ذلك ~~بشهادة أهل التبريز في العدالة، وسواء كان بمحضر القاضي أو فقيه، لما تقدم ~~من تعليله. مسألة. وإذا سكت المطلوب وأبى أن يتكلم، أو تكلم وقال: لا ~~أخاصمه إليك {قال له القاضي: إما أن تخاصم؛ وإلا، أحلفت هذا المدعى على ~~الذي ادعى قبلك، وحكمت له به عليك} فإن تكلم، نظر في كلامه وفي حجته؛ وإن ~~لم يتكلم، أحلف الآخر وقضى له بحقه إن كان مما يستحق مع نكول المطلوب عن ~~اليمين. قاله ابن حبيب. وقال محمد بن المواز في كتابه. إن لم يرجع فيقرأ أو ~~ينكر، حكمت عليه للمدعى بلا يمين. وقال أبو محمد بن أبي زيد: قال ms192 ابن سحنون ~~عن أبيه: إن قال الخصم ما أقر ولا أنكر، أو قال: ما له عندي حق {والآخر ~~يدعى دعوى مفسرة، ويقول: أسلفته، أو بعته، أو أودعته فقال: لا، يقبل قول ~~المدعى عليه: ماله عندي شيء حتى يقر بالدعوى بعينها أو ينكرها، فيقول: ما ~~باعني، ولا أسلفني، ولا أودعني} فإن تمادى على الرد، سجنه. وقال ابن المواز ~~فيمن ادعى عليه ستين دينارا، فيقر بخمسين، ويأبى في العشرة أن يقر أو ينكر، ~~أنه يجبر بالحبس حتى يقرأ أو ينكر ذلك، إذا طلب ذلك المدعى. هكذا قال مالك. ~~وأنا استحسن، إذا تمادى على شكه، وقال لا أحلف على ما لا يقين لي فيه {إني ~~أحلفه أنه ما وقف عن الإقرار والإنكار إلا أنه على غير يقين} فإذا حلف على ~~هذا أدى العشرة أو يحسن فيها بالحكم؛ فلا يمين على المدعى لأن كل مدعى عليه ~~لا يدفع الدعوى؛ فإنه يحكم عليه بلا يمين. وقال أشهب مثله. وإذا تشعبت ~~المقالات المكتبية من المتشاجرين في الخصومات، وأشكل حديثها، طرح جميعها، ~~ولا حرج في ذلك؛ فقد نقل عن قاضي كان في أيام أبان بن عثمان أنه رفعت إليه ~~كتب قد تقادم في أمرها والتبس البيان فيها؛ فأخذها وأحرقها بالنار. فقيل ~~لمالك: # PageV01P196 # أيحسن ذلك؟ قال: نعم؟ إني لأراه حسنا. قال ابن رشد في بيانه معنى هذه ~~الكتب إنها كتب في خصومات طالت المحاضر فيها والدعاوى، وطالت الخصومات حتى ~~التبس أمرها على الحكام. فإذا أحرقت، قيل لهم: بينوا الآن ما تدعون، ودعوا ~~ما تلبسون به من طول خصامكم! وهو حسن الحكم على ما استحسنه مالك. ومن كتاب ~~أبي القاسم بن الجلاب: إذا ذكر الحاكم أنه حكم في أمر من الأمور، وأنكر ~~المحكوم عليه، لم يقبل قول الحاكم إلا ببينة. قال أبو الحسن اللخمي: وهو ~~أشبه في قضاة اليوم لضعف عدالتهم. وقال أيضا: ولا أرى أن يباح هذا اليوم ~~لأحد من القضاة؛ ولا اختلاف في اعتماد القاضي على علمه في الجرح والتعديل؛ ~~فأما الخط، فلا يعتمده إذا لم يتذكر، ms193 لإمكان التزوير عليه. ومن عقد ~~الجواهر: قال القاضي أبو محمد: وإذا وجد في ديوانه حكما بخطه، ولم يذكر أنه ~~حكم به، لم يجز له أن يحكم به إلا أن يشهد به عنده شاهدان. وإذا نسي القاضي ~~حكما حكم به، فشهد عنده شاهدان أنه قضى، نفذ الحكم بشهادتهما، وإن لم ~~يتذكر، كما ذكر القاضي أبو محمد. وحكى الشيخ أبو عمر روايته أنه لا يلتفت ~~إلى البينة بذلك، ولا يحكم بها ولو شهد الشاهدان على قضائه عند غيره لحكم ~~بشهادتهما ونفذ قضاؤه. قال ابن حبيب: وأخبرني أصبغ عن ابن وهب، عن مالك، في ~~القاضي يقضى بقضاء، ثم ينكره، فشهر به عليه شاهدان: فلينفذ ذلك، وإن أنكره ~~الذي قضى به معزولا كان أو غير معزول عن القضاء. ومن كتاب المقنع لأبي ~~أيوب: قال أصبغ عن أشهب، عن مالك، في القاضي يكتب شهادة القوم في الكتاب أو ~~الأمر يريده من أمر الخصمين، ثم يختم الكتاب ويدفعه إلى صاحبه، ثم يؤتى ~~بذلك الكتاب، فيعرفه بخاتمه، أيجيز ما فيه لغير بينة أنه خاتمه. والخواتم ~~ربما عمل عليها: قال مالك: هو أعلم وأحب أن يكون الكتاب عنده. وقد كان بعض ~~القضاة لا يلي كتابه إلا هو بنفسه. قال أصبغ: وأرى أن يجيز ما في الكتاب ~~إذا عرفه وعرف خاتمه. ولختم هذا الفصل بنبذة من الكلام في الشهادة على الخط ### | ~~وما يجوز من ذلك وما يضيق فيه. فنقول: الشهادة على الخط ترجع إلى أربعة ~~أقسام: أحدهما: الشهادة على خط # PageV01P197 # القاضي في خطاب أو حكم؛ الثاني: الشهادة على خط المقر على نفسه بحق من ~~مال، أو طلاق أو عتاق، أو وصية، وشبهها؛ الثالث: شهادة الشاهد على خط يده ~~في شهادته وهو لا يذكرها؛ الرابع: الشهادة على خطوط الشهود في الرسوم، وهي ~~التي يكثر دورانها والاحتياج إليها. أما الشهادة على خط القاضي، فقد تقدم ~~عليها من الكلام ما فيه الكفاية إن شاء الله. وأما الشهادة على خط المقر ~~على نفسه، فقال ابن المواز: لم يختلف فيها قول مالك يريد في ms194 إعمالها على ~~المقر؛ وفي المستخرجة عن ابن القاسم في المرأة يكتب إليها زوجها بطلاقها مع ~~من لا شهادة له؛ فوجدت المرأة من يشهد أن هذا خط زوجها أنها، إن وجدت من ~~يشهد على ذلك، نفعها؛ وفي سماع يحيى عن ابن القاسم: وإن ذلك؛ وإن شهد رجل ~~على كتاب ذكر الحق أنه كتاب الذي عليه الحق بيده، حلف صاحب الحق مع ذلك؛ ~~وإن شهد عليه اثنان جاز، وسقطت اليمين عنه. وكذلك قال مالك. وفي المجالس: ~~إن كتب الوثيقة بخط يده وشهادته، نفذت، لأنه قليل ما يضرب على جميع ذلك؛ ~~وإن لم تكن شهادته فيها، لم تنفذ لأنه كتب. ثم لم يتم الأمر. وإن قال ~~لفلان: عندي أو قبلي بخط يده، قضى عليه لأنه خرج مخرج الإقرار بالحقوق. وإن ~~كتب لفلان على فلان إلى آخر الوثيقة وشهادته فيها، لم يجز إلا ببينة سواه، ~~لأنه أخرجها مخرج الوثائق، وجرت مجرى الحقوق. ولم تجز الشهادة فيها على ~~خطه. قال أبو عمر بن هارون، وقد ذكر هذا التفصيل: هو تفسير جيد وفيها ~~اختلاف. قال المحتج والخط عنده شخص قائم ومثال ماثل، تقع العين عليه وتميز ~~سائر الأشخاص والصور. فالشهادة على الخط جائزة وكذلك حكى ابن سحنون في ~~كتابه عن مالك وغيره من أصحابه أن الخط شخص تميزه العقول فكما يجوز في ~~الأشخاص مع جواز الاشتباه فيها فكذلك يجوز في الخط من كتاب الاستغناء ~~المصنف في أدب القضاة والحكام لخلف بن مسلمة بن عبد الغفور؛ ومنه قال ~~الأبهري: كما تجوز الشهادة على الصور وإن كانت يشبه بعضها بعضا، إذ ~~الاختلاف فيها ليس بغالب. وفي باب الشهادة على الخط من الكتاب المقنع عن ~~مالك أنها جائزة مثل أن يشهد على خط الرجل في شيء أقر به وقال إنه كالإقرار ~~صراحا. وعن أبي القاسم فيه: ومعرفة الشهود له كمعرفة الشهود للثياب والدواب ~~وسائر ذلك. ومن نوع الشهادة الخط الشهادة أيضا في الصوت؛ ولذلك جازت شهادة ~~الأعمى على معرفة الصوت. # PageV01P198 # ورد صاحب الجواهر الشهادة على الخط إلى ثلاثة أوجه؛ ms195 فقال: الأول: الشهادة ~~على خط المقر، وهو أقواها في جواز الشهادة؛ ويليه الوجه الثاني، وهو ~~الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب؛ ويليه الوجه الثالث، وهو شهادة ~~الشاهد على خط نفسه، وهو أضعفها في إجازة الشهادة. مسألة. قيل للقاضي محمد ~~بن يبقى بن زرب: ما تقول في رجل كتب وصيته وأشهد عليها، ثم كتب في أسفلها ~~بخط يده: هذه الوصية قد أبطلتها إلا كذا وكذا منها. فيخرج عني {وشهدت بينة ~~أنه خطه. فقيل: لا ترد بهذا وصيته التي أشهد عليها وهو كمن كتبت وصيته بخط ~~يده، ولم يشهد عليها حتى مات وشهد على خطه فيها، فلا تنفذ. ومن نوازل ~~القاضي أبي الأصبغ بن سهل: وقع الكتاب الثاني من أحكام محمد ابن عبد الله ~~بن عبد الحكم: وإذا كان لرجل على رجل آخر حق، فكتب له إلى رجل له عنده مال ~~من دين أو وديعة، أن يدفع إليه ماله؛ فدفع الكتاب إلى الذي عنده المال؛ ~~فقال: أما الكتاب، فإذا عرفه وهو خطه، ولا كنى لا أدفع إليك شيئا} فذلك له، ~~ولا يحكم عليه القاضي بدفعه، ولا يبرئه دفعه إن جاء صاحب الحق فأنكر ~~الكتاب. وكذلك لو قال: قد أمرني أن أدفع إليك، ولا كن لا أفعل! فذلك له، ~~لأنه لا يبرئه ذلك، إن أنكر الذي له المال أو مات. ومن نوازل القاضي أبي ~~عبد الله بن أحمد بن الحاج: إذا قال رجل أو وجد بخطه بعد وفاته لفلان قبلي ~~كذا وثبت إقراره أو خطه، فلفظه قبلي محتملة أن يكون أوجب له قبله هبة مائة ~~دينار أو صدقة بها، فموته أو فلسه قبل قبضها يبطلها. ومن عقد الجواهر: ولو ~~كتب وصية بخطه، فوجدت في تركته، وعرف أنها خطه بشهادة عدلين، فلا يثبت شيء ~~منها حتى يشهد عليها. وقد يكتب ولا يقدم. رواه ابن القاسم في المجموعة ~~والعتيبة. قال محمد عن أشهب: ولو أقرها، ولم يأمركم بالشهادة فليس بشيء حتى ~~يقول: إنها وصيتي، وإن ما فيها حق. ويقرب من هذا الباب مسألة من ms196 وجد بخطه ~~هجو أحد من الناس أو قذفه، وثبت بالبينة العادلة أنها خطه، وأنكر هو ذلك، ~~وأعذر إليه؛ فلم يكن عنده مدفع. وقع فيها # PageV01P199 # للقاضي أبي الوليد كلام حكاه عنه ابن جرير في نوازله، مضمنه الفتيا بأن ~~يحلف المشهود على خطه أنه ما كتب، ولا قذف، ولا سب؛ فإن حلف، برئ، وإن لم ~~يحلف، حبس حتى يحلف؛ فإن طال ذلك ولم يحلف، أطلق بأدب فيمن كان من أهل ~~السفه ودونه في غيره. وبنى فتياه هذه على أن الخط غير معمول عليه، إلا في ~~كونه شبهة كالشاهد الواحد. وأحال في فتياه على ما في سماع ابن القاسم من ~~كتاب الحدود في القذف، وعلى ما قاله أصبغ في سماعه في ذلك الكتاب. والذي ~~وقع له في كلامه على رواية ابن القاسم، في الكتاب الذي ذكر من كتابه المسمى ~~ب البيان، أن في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها أنه يحلف؛ فإن نكل، سجن حتى ~~يحلف؛ فإن طال سجنه ولم يحلف، خلى سبيله ولم يؤدب. وقال أصبغ: يؤدب إن كان ~~معروفا بالأيذاء؛ وإن كان مبرءا في ذلك، أي مبرزا فيه، خلد في السجن. ~~والثاني أنه، إن كان معروفا بالسفه والأيذاء، عذر ولم يستحلف؛ وإن كان غير ~~معروف بذلك، استحلف؛ وهو قول مالك في سماع أشهب. والثالث أنه يحلف مع ~~شاهده، ويحد له. روى ذلك عن مطرف. قال: وهو شذوذ في المذهب أن يحد في القذف ~~باليمين مع الشاهد وإذا ثبت القذف لأحد من الناس، فمات قبل أخذه، فللعقبة ~~الطلب به. قال مالك: ويقوم بحق الميت ولده، وولد ولده، وأبوه، وجده لأبيه، ~~من قام منهم أخذ الحد، وإن كان ثم من هو أقرب منه، لأن هذا عيب يلزمه. وقد ~~استند في جعل الخط والقذف شبهة. وإنه ليس كالنطق إلى ما في الواضحة أن ~~الشهادة على الخط لا تجوز في طلاق، ولا عتاق، ولا نكاح، ولا حد من الحدود، ~~ولا تجوز إلا فيما كان مالا من الأموال خاصة. وذكرنا تأويل الشيوخ لقول ~~مالك في سماع أشهب من ms197 العتيبة في المرأة تدعى طلاق زوجها وتستظهر بخطه، وهو ~~منكر. قال: إن كان لها من يشهد على خطه، نفعها. قال: ومعناه أن ذلك لها ~~شبهة كالشاهد الواحد توجب لها اليمين عليه. قال في البيان: والذي أقول به ~~إن معنى ما في كتاب ابن حبيب إنما هو أن الشهادة لا تجوز على خط الشاهد في ~~طلاق، ولا عتاق، ولا نكاح، ولا حد، وتجوز على خط الرجل أنه طلق، أو أعتق، ~~أو نكح، كما لا تجوز في إقراره بالمال. قال: فالصواب أن يحمل قوله في ~~الرواية نفسها على ظاهر كلامه في البيان، حيث خص المنع بالشهادة على خط ~~الشاهد خاصة # PageV01P200 # تكون الإنشادات كلها الخطية واللفظية على سنن واحد في الحكم بها عند ~~الشهادة عليها في الأموال وغيرها. ولما ذكر ابن خيرة طريقة شيخه ابن رشد في ~~الجمع بين ما في الواضحة وما في سماع أشهب، في مسألة دعوى الطلاق على ~~الزوج، قال: إنه جمع حسن إلا أن نص ما في الواضحة خلافة؛ فالأصوب أنهما ~~قولان. وقد قال ابن المواز: الذي نأخذ به بأن لا يجوز من الخط شيء إلا من ~~كتب خطه على نفسه؛ فإنه كالإقرار على نفسه. قال: وهو قول مالك. وهذا هو ~~القول المخالف لما في الواضحة أنه أطلق القول في لزوم ماالتزمه الإنسان ~~بخطه، ولم يخص مالا من غيره ووجه الفرق بين خط الشاهد وخطه الالتزامات. وما ~~ترتب من الحقوق الواجبات، ما ذكره ابن حارث في كتاب الاتفاق والاختلاف له؛ ~~وذلك أنه ضعف الشهادة على خط الشاهد. قال: لأنه قد يكتب شهادته من لا يؤدى، ~~ومن إذا سئل الأداء، استراب، ومن لا يعرف من أشهده إلا على عينه؛ وهذا كله ~~توهين للعمل على خط الشاهد، بخلاف إقرار الإنسان على نفسه أو كتبه ما يعلن ~~عليه حقا لغيره. مسألة أخرى. وهي: من وجد بخطه شيء من المذاهب الفلسفية ~~المخالفة للشريعة، أو ما بمنزلتها في هذا المعنى، حكمها أن ينظر في ~~المكتوب؛ فإن كان فيه تصريح أن كاتبه يقول به ويرتضيه، ms198 وهو بلسانه ينكره ~~وينفيه، فيجرى حكمه على ما سبق ذكره في الخط، إذا ثبت من تعليق يمين به، أو ~~سجن إن لم يحلف على نفيه، أو إنفاذ ما يوجبه الخط على من أقر بمضمنه، بحسب ~~ما يقتضيه؛ وإن كان الخط بتلك المذاهب نقلا مرسلا غير مضاف قولا لكاتبه، ~~ولا مرتضى له مذهبا من قبله، فبئس من كتب بيده، مما هو عرضة للإخلال، وهو ~~رصد للطعن على الدين بسببه؛ وهو حقيق بالتحريق والزجر عن مثله. وقد قال ~~تعالى في قوم أضلوا غيرهم بمكتوبهم: " فويل لهم مما كتبت أيديهم! " وقد ~~تقدم في اسم محمد بن يبقى بن زرب ما كان من عمله سنة 350 جملة من أتباع ابن ~~مسرة الجبلي، وأنه استتابهم، وأحرق ما وجد من كتبهم وأوضاعه عندهم. # PageV01P201 # وجرى مثل ذلك أيضا بحضرة غرناطة، منتصف عام 773، في كتب ألفيت بها من ~~تواليف محمد بن الخطيب، فيما يرجع إلى العقائد والأخلاق؛ فأحرقت بمحضر من ~~الفقهاء، والمدرسين من العلماء، وأماثيل الفقهاء، لما تضمنته الكتب ~~المذكورة من المقالات التي أوجبت ذلك عندهم، وحققته لديهم. ومن الكلام الذي ~~استعظم بالأندلس في حق القاضي أبي الوليد الباجي، الذي أفصح به قوله عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إنه كتب بيده؛ وكان أصل ذلك أنه قرئ عليه بمدينة ~~دانية في كتاب البخاري حديث المقاضاة؛ فتكلم عليه، وأشار إلى تصويب من قال ~~بظاهره. فقيل له: وعلى من يعود ضمير قوله كتب} فقال: على النبي صلى الله ~~عليه وسلم {فقيل له: وكتب بيده؟ قال: نعم} ألا ترونه يقول في الحديث: فأخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم {الكتاب وليس يحسن الكتاب؛ فكتب: هذا ما قاضى ~~عليه محمد رسول الله. قال ابن العربي في سراجه: فأعملوا ونسبوا كل تكذيب ~~وتعطيل إليه. كان من قوله إن النبي الأمي يجوز أن يكتب بعد أميته؛ فيكون ~~ذلك من معجزاته. وكتب أمير وطنه في المسألة إلى إفريقية وصقلية، برغبة ~~الباجي في ذلك. فجاءت الأجوبة من هنالك بتصديقه وتصويب مقالته. فسلم فيها ~~قوم؛ وصدرت من ms199 بعض الفقهاء بالأندلس، في معرض الرد لها وإبطال مضمنها، ~~أوضاع، منها جزء للزاهد أبي محمد ابن مفوز. قال صاحب الإكمال: فطال كلام كل ~~فرقة في هذا الباب، وشنعت كل واحدة على صاحبتها. " وربكم أعلم بمن هو أهدى ~~سبيلا} " ونرجع ما كنا بسبيله من الكلام. فنقول: وأما شهادة الشاهد على خط ~~يده في شهادته وهو لا يذكرها، ففي سماع أشهب: قيل لمالك، في الرجل يؤتى بخط ~~يده على شهادة لا يذكر منها شيئا؛ قال: أرى أن يرفع شهادته على وجهها، ~~يقول: أرى كتابا يشبه كتابي، وأظنه اياه؛ ولست أذكر شهادتي، ولا متى كتبتها ~~قيل له: فإن كان جلدا أبيض لا محو فيه ولا شيء، وعرف خط يده، فقال: ربما ~~ضرب على الخط وعلى الكتاب؛ فأرى أن يرفع شهادته على وجهها. وقال عنه ابن ~~نافع: # PageV01P202 # لا يشهد. وقال: قد أتيت غير مرة بخط يدي، ولم أثبت على الشهادة؛ فلم ~~أشهد. قاله ابن القاسم وأصبغ. وقال ابن حبيب: وهو الأحوط. وفي المستخرجة: ~~قيل لسحنون: أرأيت الرجل يعرف خطه في الكتاب، لا يشك في ذلك، ولا يذكر كل ~~ما فيه؟ فقال: قد اختلف فيه أصحابنا؛ والذي أقول به، إذا لم ير في الكتاب ~~محوا ولا لحقا ولا شيئا يستذكر، ورأى الكتاب كله خطا واحدا، فأرى أن يشهد، ~~وأن يقول: أشهد بما فيه. وهذا الأمر لا يجد الناس منه بدا، ولا يستطيع أحد ~~أن يذكر جميع ما في الكتاب. قيل له: فلو أنه عرف الكتاب كله وعرف خطه في ~~الكتاب كله، وفيه شهادته، ولم ير شيئا يستذكر، ولم يذكر منه شيئا؟ فقال: ~~أرى أن يشهد به؛ ولو أنه أعلم بذلك القاضي، رأيت للقاضي أن يجيز شهادته ~~جائزة إذا ذكر أنه خط الكتاب، وكتب شهادته بيده، ولم ير فيه محوا، ولا ~~يشكون أنها جائزة. وقال سحنون: قال ابن وهب عن مالك: إذا أتى الرجل بالكتاب ~~فيه شهادته، فيعرف خط يده ولا يذكر شهادته ولا شيئا منها، فيقول بعض الشهود ~~الذين في الكتاب معه: نشهد أنه كتاب ms200 يدك وأنك كتبته معنا، ولا يذكر هو شيئا ~~من ذلك قال: إن كان استيقن أنه كتابه وخط يده، ويعلم ذلك ويثبته، فيشهد ~~عليه؛ وإن كان إنما يعلم ذلك بخبر غيره، وقولهم له، فلا أرى أن يشهد عليه. ~~وعن ابن وهب عن مالك: من عرف خط يده في شهادته في ذكر حق ولم يثبت عدة ~~المال، إن استيقن أنه خط يده، وإن كان لا يثبت عدة، فليشهد عليه. وينبغي ~~للقاضي أن يقضى به إذا اشهد عنده أنه خط يده، وإن لم يشهد عنده على عدة ~~المال. ومن شرح خلف بن بطال: اتفق جمهور العلماء على أن الشهادة على الخط ~~لا تجوز، إذا لم يذكر الشهادة ولا يحفظها. قال الشعبي: ولا يشهد أبدا إلا ~~على شيء يذكر: فإنه من شاء، انتقش خاتما، ومن شاء كتب كتابا. وممن رأى أن ~~لا يشهد على الخط، وإن عرفه، حتى يذكر الشهادة، الكوفيون، والشافعي، وأحمد، ~~وأكثر أهل العلم. وقد فعل مثل هذا في أيام عثمان رضي الله عنه! : صنعوا مثل ~~خاتمه، وكتبوا مثل كتابه، في قصة مذكورة في مقتل عثمان. # PageV01P203 # وأما الشهادة على خط الشهود، وهي التي يكثر في الغالب الاضطرار إليها. ~~فحاصل المذهب فيها يرجع إلى قولين: أحدهما الجواز، وهو الذي رواه مطرف عن ~~مالك في الواضحة أن الشهادة جائزة على خط الميت والغائب إذا لم يستذكر ~~الشاهد شيئا. حكاه ابن وهب أيضا عنه. وقاله أصبغ. وهو قول ابن القاسم. ~~واختلف في حد المغيب الذي تجوز فيه الشهادة على خط الغائب؛ فقال ابن ~~الماجشون في ديوانه ما تقصر فيه الصلاة؛ ونحوه عنه في المجموعة. وقال ابن ~~سحنون عن أبيه: الغيبة البعيدة من غير تحديد. وقال ابن مزين في كتبه الخمسة ~~عن أصبغ: مثل إفريقية ومصر أو مكة من العراق. والقول الثاني أن شهادة ~~الشهود على خط الشاهد بما علمت من حكم به وهما لو سمعا الشاهد ينص شهادته، ~~لم يجز أن ينقلاها حتى يقول لهما: اشهدا بذلك {قال: والذي آخذ به ألا تجوز ~~الشهادة على ms201 الخط إلا خط من كتب شهادته على نفسه؛ فهو كالإقرار. وقاله ابن ~~القاسم أيضا، رواه عن مالك. وقال محمد بن حكم: لا أرى أن يقضى في دهرنا ~~بالشهادة على الخط، لما أحدث الناس من الفجور والضرب على الخطوط. وقد كان ~~فيما مضى يجوزون الشهادة على طابع القاضي؛ ورأى مالك ألا يجوز. وقال ابن ~~الماجشون في غير الواضحة: الشهادة على الخط باطل. وما قتل عثمان بن عفان ~~رضي الله عنهما} وهو خير هذه الأمة بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~{وبعد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما} إلا على الخط وما هي به منه وكتب عليه. ~~قال: فلا أرى أن يشهد على الخط ولا أن يشهد الرجل إلا بما يعرف على من يعرف ~~ويعلمه فيمن يعلم. أما سمعت الله تعالى يقول: " وما شهدنا إلا بما علمنا " ~~وقال: " ألا من شهد بالحق وهم يعلمون. " وقال مطرف مثله. وقال الطحاوي: ~~خالف مالك جميع العلماء في الشهادة على معرفة الخط، وعدوا قوله شذوذا؛ إذا ~~الخط قد يشبه الخط، وليست شهادة على قول منه ولا معاينة فعل. وقال محمد بن ~~حارث: الشهادة على الخط خطأ. ولقد قلت لبعض الفقهاء: أتجوز شهادة الموتى؟ ~~فقال: ما هذا الذي تقوله؟ قلت: إنكم تجيزون الشهادة الرجل بعد موته، إذا ~~وجدتهم خطه في وثيقة. فسكت. ومن الكتاب المقنع: كان محمد بن عمر # PageV01P204 # ابن لبابة لا يجيز الشهادة على الخط في شيء من الأشياء، استمر على ذلك ~~إلى أن مات. وهو أحوط لحوالة الزمان وفساد أهله. وشهادة الأحياء ربما ~~دخلتها الدواخل؛ فكيف بشهادة الموتى؟ وفي كتاب القاضي أبي الأصبغ بن سهل، ~~وقد قدر مسائل من هذا النوع، وقال: من ضعف أمر الخط وضعف الشهادة، أن رجلا، ~~لو قال، وهو قائم صحيح {هذا خطي} ولست أذكر القصة ولا أحفظ المعنى الذي ~~كتبت خطي فيه {لما كانت شهادة ولا جازت جواز العلم والقبول، فكيف يأتى رجل ~~إلى خط غيره، ويشهد عليه، ويقطع إنه كتابه وعمله؛ فيمضي ذلك وينفذ. وهذا هو ~~الصحيح عندي: ms202 لا أقول بغيره، ولا أعتقد سواه؛ وهو دليل المدونة وغيرها. ثم ~~قال: لا كنى أذهب إلى جواز ذلك في الأحباس خاصة، على ما اتفق عليه شيوخنا ~~رحمهم الله} اتباعا لهم، واقتداء بهم، واستحسانا لما درجت عليه جماعتهم، ~~وقضى به قضاتهم، وانعقدت به سجلاتهم. وحسب المجتهد منا اتباع السلف؛ فقد ~~أجازوا غير ما شيء على الاستحسان وأخذوا به بالتخفيف؛ وما أجمعوا على ذلك ~~في الأحباس إلا حيطة عليها، وتحصينا أن تحال عن أحوالها، وتغير عن سبيلها، ~~واتباعا لمالك وأصحابه في المنع من بيعها، والمناقلة بها، والمعاوضة فيها، ~~وإن خربت، وذهب الانتفاع بها. واحتج ببقائها بالمدينة خرابا، لا تحال عن ~~وجوهها التي اثبتت فيها؛ فظاهر اختيارهم هذا، على ما ذكره ابن سهل، يمنع من ~~تجويز الشهادة على الخط في التقية وشبهها، مما فيه توهينها ونقضها؛ فلا ~~يجوز إذا العمل به، ولا يسوغ القول بذلك، إلا لمن اعتقد جواز الشهادة على ~~الخط مطلقا، ولم يخص شيئا من شيء لا حبسا ولا غيره، وخالف ما اتفق عليه ~~الشيوخ، وجرى به العمل. وأما من ذهب مذهبهم بتخصيص الأحباس بها، فلا يصح له ~~القول بذلك في التقية، ولا في غيرها. والله المستعان {وقد شافهت في ذلك بعض ~~من لقيت من العلماء؛ فأخبرني أن اختياره إبطال التقية، وأنه شاهد القضاة ~~بذلك. ومن أحكام ابن جرير: قال ابن زرب: الشهادة على الخط جائزة في مذهب ~~مالك رحمه الله} في جميع الأشياء. والذي جرى به العمل، # PageV01P205 # أنه تجوز الشهادة على الخط في الأحباس المعقبة الموقفة المسبلة. وقال ابن ~~حارث: لم أسمع، ولا علمت أن الذين رأوا إجازة الشهادة على خط الشاهد فرقوا ~~بين الأحباس وسواها من الأموال فضلا عن أن يفرق بين الحبس الذي يكون مرجعه ~~إلى المساكين، ويرجع متملكا. هذا ما وسع الوقت من الكلام على كتب القضاة ~~إلا القضاة، وفي الشهادة على الخطوط، وبعض ما يرجع إليها ويتعلق بها من ~~المسائل. وفيه الغنية الكاملة للمتأمل، بفضل الله. ### | # الفصل الثاني في صفات من بلغ من القضاة رتبة الاجتهاد ms203 وحكم القاهر عن تلك المنزلة في استنباط ~~الأحكام؛ وضبط معاني هذه الترجمة يفتقر إلى إطالة، وغرضنا إيثار الاختصار. ~~فنقول على جهة التقريب والله الموفق للصواب {: أما الصفات التي ينبغي أن ~~يكون عليها كملاء القضاة، فهي العلم بالكتاب والسنة وما وقع عليه إجماع ~~الأمة؛ والاجتهاد المتكلم به عند الفقهاء هو استفراغ الوسع في المطلوب لغة، ~~واستفراغ الوسع بالنظر فيما يلحق فيه لوم شرعي اصطلاحا. هذا هو المعبر عنه ~~بالاجتهاد. وأما هل سجن النبي صلى الله عليه وسلم} وأبو بكر رضي الله عنه ~~{أحدا أم لا، فذكر بعضهم أنه لم يكن لهما سجن ولا سجنا أحدا. وذكر بعضهم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم} سجن بالمدينة في تهمة دم: رواه عبد الرزاق ~~والنسائي وأبو داوود. وفي أحكام ابن زياد عن أيوب بن سليمان: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم {سجن رجلا أعتق شريكا له في عبد؛ فوجب عليه استتمام ~~عتقه. قال في الحديث: متى باع له. وفي كتاب ابن شعبان عن الأوزاعي: أن رجلا ~~قتل عبده متعمدا؛ فجلده النبي صلى الله عليه وسلم} مائة جلدة، ونفاه سنة، ~~ولم يقره؛ وأمره أن يعتق رقبة. قال ابن شعبان: وقد رويت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم {أنه حكم بالضرب والسجن. ومن غير كتاب ابن شعبان عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه} أنه كان له سجن، وأنه سجن الحطيئة على الهجو، وسجن ~~آخر على سؤاله عن الذاريات والمرسلات والنازعات ويس، وضربه مرة بعد مرة، ~~ونفاه # PageV01P206 # إلى العراق. وقد تقدم أنه ضرب في التعزير معن بن زائدة مائة سوط حيث نقش ~~خاتمه وحبسه. وسجن عثمان ابن عفان رضي الله عنه {ضابئ بن الحارث، وكان من ~~لصوص بني تميم وفتاكهم، حتى مات في السجن. وسجن علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه} بالكوفة. واحتج بعض العلماء ممن يرى السجن فيكم وهن بقول الله تعالى " ~~في البيوت حتى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا "، وبقول النبي عليه ~~السلام {في الذي أمسك رجلا آخر حتى ms204 قتله: اقتلوا القاتل واصبروا الصابر} ~~قال أبو عبيد: قوله اصبروا الصابر يعني احبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت. ~~وكذلك ذكره عبد الرزاق في مصنفه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه {يحبس ~~الممسك في السجن حتى يموت. ومن كتاب ابن سهل، في اتخاذ الحميل على من أقر ~~بمال أو ثبت قبله: قال أبو صالح: من وجب عليه حميل، فلم يقدر عليه، فالحبس ~~حميله. وأهل المشرق يقولون بالملازمة ولا يبارحه. وهذا القول قد رواه محمد ~~بن سحنون عن أبيه وقال به. وقال محمد بن غالب: الذي نراه أن يتخذ عليه حميل ~~بالمال، توقعا من الشح والهرب؛ فيذهب حق ذي الحق. فإن لم يقم حميلا، حبس ~~له. وقال محمد بن الوليد بمثله. وقال ابن العطار في كتاب السجلات من ~~وثائقه: إذا لم يأت المطلوب بحميل بما يثبت عليه، سجن للطالب، إن طلب ذلك؛ ~~ولا يسجن، إذا لم يقم حميلا بالخصومة في أول الطلب؛ ويقال للطالب: لازمه إن ~~أحببت، ركن معه حيث انصرف} وفي وثائق ابن الهندي، هذا الوجه أنه يسجن إن لم ~~يقم حميلا بوجهه. وسئل القاضي أبو الوليد عمن كان له على رجل دين حال، ~~وللغريم سلعة يمكن بيعها مسرعا؛ فطلب صاحب الدين بيع السلعة، وطلب المديان ~~أن لا يفوت عليه سلعته، وأن يضع السلعة رهنا، ويؤجل أياما ينظر فيها في ~~الدين هل له ذلك أم لصاحب الدين بيع السلعة؟ فأجاب فيها: إن من حقه أن يجعل ~~السلعة رهنا، ويؤجل في إحضار المال بقدر قلته وكثرته، وما لا يكون فيه ضرر ~~على واحد # PageV01P207 # منهما، على ما يؤدى إليه اجتهاد الحاكم في ذلك. فهذا هو الذي جرى به ~~القضاء، ومضى عليه العمل؛ وهو الذي تدل عليه الروايات عن مالك وأصحابه ~~وبالله التوفيق {نجز وتم والحمد لله على ما خص من نعمه وعم} كتاب المرقبة ~~العليا، فيمن يستحق القضاء الفتيا، تأليف الشيخ الإمام أبي الحسن ابن ~~الفقيه أبي محمد عبد الله النباهي رحمه الله تعالى رضى عنه. PageV01P208 ms205