######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002662Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الزركشي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 794 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: البرهان #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التفسير عند السنة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002662Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2662_البرهان-الزركشي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد أبو الفضل إبراهيم #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1376 - 1957 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # البرهان في علوم القرآن للامام بد ر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ~~تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم الجزء الأول الطبعة الأولى 1376 ه‍ - 1957 م ~~دار أحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاءه PageV0MP001 # " جميع الحقوق محفوظة " PageV0MP002 # بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة 1 - بدر الدين الزركشي * الإمام بدر الدين ~~محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي أحد العلماء الأثبات الذين نجموا بمصر ~~في القرن الثامن; وجهبذ من جهابذة أهل النظر وأرباب الاجتهاد; وهو أيضا علم ~~من أعلام الفقه والحديث والتفسير وأصول الدين. # ولد بالقاهرة سنة خمس وأربعين وسبعمائة حينما كانت معمورة بالمدارس، غاصة ~~بالفضلاء وحملة العلم; زاخرة بدور الكتب الخاصة والعامة، والمساجد الحافلة ~~بطلاب المعرفة، والوافدين من شتى الجهات; ولم يكد يجاوز سن الحداثة حتى ~~انتظم في حلقات الدروس، وتفقه بمذهب الشافعي; وحفظ كتاب المنهاج في الفروع ~~للإمام النووي; وصار يعرف بالمنهاجي; نسبة إلى هذا الكتاب. # وكان الشيخ جمال الدين الأسنوي رئيس الشافعية بالديار المصرية بدر ~~العلماء الزاهر، وكوكبهم المتألق; وإمام أهل الحديث بالمدرسة الكاملية غير ~~مدافع; فلزمه وتلمذ له; PageV0MP003 # ونهل من علمه ما شاء الله له ان ينهل; فكان من أنجب تلاميذه وأوعاهم، ~~وأفضلهم وأذكاهم; كما تخرج على الشيخ سراج الدين البلقيني، والحافظ مغلطاي، ~~وغيرهم من شيوخ مصر وعلمائها. # ثم ترامت إليه شهرة الشيخ شهاب الدين الأذرعي بحلب، والحافظ ابن كثير ~~بدمشق فشد إليهما الرحال; قصد إلى حلب أولا حيث أخذ عن الأذرعي الفقه ~~والأصول; ثم عمد إلى دمشق حيث تلقى على ابن كثير الحديث; ثم عاد إلى ~~القاهرة وقد جمع أشتات العلوم، وأحاط بالأصول والفروع; وعرف الغامض ~~والواضح، ووعى الغريب والنادر، واستقصى الشاذ والمقيس; إلى ذكاء وفطنة، ~~وثقافة وألمعية; فأهله كل ذلك للفتيا والتدريس، والتوفر على الجمع ~~والتصنيف; واجتمع له من المؤلفات في عمره القصير ما لم يجتمع لغيره من ~~أفذاذ الرجال; وإن كان هذا الفضل لم يعرفه الناس إلا بعد وفاته; وحين توارت ~~شمس حياته. # وكان رضى الخلق، محمود الخصال، عذب الشمائل; متواضعا رقيقا، يلبس الخلق ~~من ms0001 الثياب، ويرضى بالقليل من الزاد; لا يشغله عن العلم شئ من مطالب الدنيا، ~~أو شؤون الحياة. # قال ابن حجر: " وكان مقطعا في منزله لا يتردد إلى أحد إلا إلى سوق الكتب; ~~وإذا حضر إليها لا يشترى شيئا; وإنما يطالع في حانوت الكتبي طول نهاره ومعه ~~ظهور أوراق يعلق فيها ما يعجبه، ثم يرجع فينقله إلى تصانيفه ". # وحكى تلميذه شمس الدين البرماوي أنه كان منقطعا إلى الاشتغال بالعلم لا ~~يشتغل عنه بشئ، وله أقارب يكفونه أمر دنياه. PageV0MP004 # وكان يكتب مصنفاته بنفسه; وخطه ردئ جدا قل من يحسن استخراجه، كما أخبر ~~بذلك ابن العماد; ولهذا شاع في الكتب المنقولة عن خطه الغموض والإبهام، ~~والتحريف والتصحيف; ولقى منها القراء والدارسون العناء الكثير. # وتولى من المناصب خانقاه كريم الدين بالقرافة الصغرى. وتوفى بمصر في رجب ~~سنة أربع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالقرافة بالقرب من تربة بكتمر الساقي ~~يرحمه الله. # 2 - مؤلفاته * 1 - الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة طبع ~~بالمطبعة الهاشمية بدمشق سنة 1939، بتحقيق الأستاذ سعيد الأفغاني. # 2 - إعلام الساجد بأحكام المساجد. # منه نسخة خطية بمكتبة الجامع المقدس بصنعاء; كتبت سنة 791، وعنها نسخة ~~مصورة على الميكروفلم بدار الكتب المصرية. # ومنه نسخة أيضا في مكتبة آصاف (2: 1148)، وأخرى في مكتبة رامبور (166). # 3 - البحر المحيط في أصول الفقه. # ومنه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم 483 - أصول. PageV01P005 # 4 - البرهان في علوم القران ويأتي الكلام عليه. # 5 - تخريج أحاديث الشرح الكبير للرافعي; المسمى بكتاب،، فتح العزيز على ~~كتاب الوجيز،، ذكره السيوطي في حسن المحاضرة وصاحب كشف الظنون; وسماه ~~الزركشي في كتاب الإجابة ص 87: " الذهب الإبريز، في تخريج أحاديث فتح ~~العزيز ". # 6 - تشنيف المسامع بجمع الجوامع طبع في مجموع شروح جمع الجوامع بمصر سنة ~~1322 ه‍، ومنه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم 489 - أصول 7 - تفسير ~~القرآن ذكره السيوطي وقال: إنه وصل فيه إلى سورة مريم; وكذا أورده صاحب كشف ~~الظنون. # 8 - تكملة شرح المنهاج للإمام النووي. # ذكره الأسدي في الطبقات، وابن العماد في الشذرات، وصاحب كشف الظنون. ms0002 # وذكر الأستاذ سعيد الأفغاني أن منه نسخة خطية بدار الكتب الظاهرية بدمشق ~~(الجزء الثالث) برقم 345 - فقه الشافعي. # وكان الإستوى بدأ في شرح المنهاج، وسماه: " كافى المحتاج إلى شرح المنهاج ~~" PageV0MP006 # ووصل فيه إلى باب المساقاة ولم يتمه، فأكمله الزركشي. # 9 - التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح طبع بالمطبعة المصرية بمصر سنة 1933 م. ~~ومنه نسخ خطية بدار الكتب المصرية بالأرقام: 122، 123، 124، 125، 126، ~~1550، 35 م، 3 ش - حديث. # 10 - خادم الرافعي والروضة في الفروع ذكره ابن حجر في الدرر الكامنة، ~~والسيوطي في حسن المحاضرة، وابن العماد في الشذرات، وقال صاحب كشف الظنون: ~~" ذكر في بغية المستفيد انه أربعة عشر مجلدا، كل منها خمس وعشرون كراسة; ثم ~~إني رأيت المجلد الأول منها افتتح بقوله: # الحمد لله الذي أمدنا بنعمائه...، وذكر أنه شرح فيه مشكلات الروضة وفتح ~~مغلقات فتح العزيز; وهو على أسلوب التوسط للأذرعي، وأخذه جلال الدين ~~السيوطي، واختصره من الزكاة إلى آخر الحج ولم يتمه، وسماه تحصين الخادم ". # وقال ابن حجر: " جمع الخادم على طريق المهمات، فاستمد من التوسط ~~PageV0MP007 # للأذرعي; لكن شحنه بالفوائد الزوائد، من المطلب وغيره ". # ومنه نسخة خطية نفيسة بدار الكتب المصرية برقم 21602 ب تقع في خمسة عشر ~~مجلدا. # 11 - خبايا الزوايا في الفروع ذكره صاحب كشف الظنون وقال: " ذكر فيه ما ~~ذكره الرافعي والنووي في غير مظنته من الأبواب; فرد كل شكل إلى شكله، وكل ~~فرع إلى أصله، واستدرك عليه عز الدين حمزة بن أحمد الحسيني الدمشقي المتوفى ~~سنة 874 وسماه بقايا الخبايا. # ولبدر الدين أبى السعادات محمد بن محمد البلقيني المتوفى سنة 890 حاشية ~~عليه ". # ومنه نسخة خطية بالمكتبة التيمورية برقم 307 - فقه، ونسخة بمكتبة جوته ~~برقم 981، ونسخة بمكتبة البودليانا 1: 277. # 12 - خلاصة الفنون الأربعة ومنه نسخة خطية بمكتبة برلين برقم 5320. # 13 - الديباج في توضيح المنهاج ذكره السيوطي، وصاحب كشف الظنون، وهو غير ~~تكملة شرج المنهاج. ونقل الأستاذ سعيد الأفغاني أن منه نسخة خطية في دار ~~الكتب الظاهرية بدمشق PageV0MP008 # في مجلد - برقم 68 فقه الشافعي. ومنه أيضا نسختان بدار الكتب المصرية ms0003 ~~برقمي 102، 1137 - فقه الشافعي. # - الذهب الإبريز في تخريج أحاديث العزيز = تخريج أحاديث الرافعي. # 14 - ربيع الغزلان في الأدب ذكره الأسدي في الطبقات، وصاحب كشف الظنون. # 15 - رسالة في كلمات التوحيد منها نسخة بمكتبة البلدية بالإسكندرية برقم ~~87 - فنون متنوعة. # 16 - زهر العريش في احكام الحشيش منه نسخة خطية في مكتبة بلدية ~~الإسكندرية برقم 3812، ونسخة بدار الكتب المصرية برقم 150 مجاميع، ونسخة في ~~مكتبة قوله برقم 25 مجاميع، ونسخة في مكتبة برلين برقم 5486، ونسخة في ~~مكتبة جوته برقم 2096. # 17 - سلاسل الذهب في الأصول منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم 22095 ~~ب، كتبت في عصر المؤلف. # 18 - شرح الأربعين النووية. # ذكره ابن حجر في الدرر الكامنة PageV0MP009 # 19 - شرح البخاري ذكره السيوطي وكذا ابن حجر وقال: " شرع في شرح البخاري ~~وترك مسودة وقفت على بعضها; ولخص منها كتاب التنقيح في مجلد ". # 20 - شرح التنبيه للشيرازي ذكره السيوطي وصاحب كشف الظنون، ومنه نسخة ~~خطية في مكتبة برلين برقم 4466، وأخرى في باتانا 1: 91. # - شرح الجامع الصحيح = شرح البخاري - شرح جمع الجوامع = تشنيف المسامع 21 ~~- شرح الوجيز في الفروع للغزالي ذكر الأستاذ سعيد الأفغاني أن منه نسخة ~~خطية في المكتبة الظاهرية بدمشق برقم 2392. # 22 - عقود الجمان وتذييل وفيات الأعيان لابن خلكان ذكر العلامة أحمد ~~تيمور في مقال له عن نوادر المخطوطات بمجلة الهلال سنة 28 أن منه نسخة في ~~خزانة عارف حكمت بالمدينة. # 23 - الغرر السوافر فيما يحتاج إليه المسافر. # منه نسخة خطية بمكتبة توبنجن بألمانيا، وعنها نسخة مصورة بالميكروفلم ~~PageV0MP010 # في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية. وذكر صاحب كشف الظنون أنه مختصر ~~على ثلاثة أبواب: الباب الأول في مدلول السفر، والثاني في ما يتعلق عند ~~السفر، والثالث في الآداب المتعلقة بالسفر. # - غنية المحتاج في شرح المنهاج = الديباج. # 24 - فتاوى الزركشي ذكره صاحب كشف الظنون. # 25 - في أحكام التمني منه نسخة خطية بمكتبة برلين برقم 5410 26 - القواعد ~~في الفروع ذكره صاحب كشف الظنون وقال: " رتبها على حروف المعجم، وشرحها ~~سراج الدين العبادي في مجلدين، واختصر الشيخ ms0004 عبد الوهاب الأصل كما ذكر في ~~متنه ". # وذكر الأستاذ الأفغاني أنه من " مخطوطات دمشق واسمه: القواعد والزوائد ". # ومنه نسختان خطيتان في دار الكتب المصرية برقمي 853، 1103 - فقه شافعي، ~~ونسخة بمكتبة الأزهر برقم 151 - أصول، ونسخة بالخزانة التيمورية برقم 230 - ~~أصول ونسخة بمكتبة برلين برقم 4605، ونسختان في أحمد الثالث برقمي 1238، ~~1239 27 - اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة. # أورده بروكلمن في الذيل; وذكره صاحب كشف الظنون غفلا من اسم المؤلف. ~~PageV0MP011 # 28 - لقطة العجلان وبلة الظمآن في أصول الفقه والحكمة والمنطق. # طبع بمصر سنة 1326 ه‍ مع تعليقات للشيخ جمال الدين القاسمي; وطبع مرة ~~أخرى بدمشق. # ومنه نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية برقم 573 - أصول. # 29 - مالا يسع المكلف جهله منه نسخة خطية بمكتبة الأوسكريال برقم 707. # 30 - مجموعة الزركشي - في فقه الشافعي منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية ~~برقم 253 - فقه شافعي 31 - المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر منه ~~نسخة خطية في المكتبة التيمورية برقم 451 - حديث تيمور. وذكر الأستاذ سعيد ~~الأفغاني أن منه نسخة في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم 1115 - حديث. # - المنثور = القواعد - النكت على البخاري = التنقيح. # 32 - النكت على عمدة الأحكام. # ذكره ابن تغرى بردى في المنهل الصافي. # 33 - النكت على ابن الصلاح ذكره السيوطي. PageV0MP012 # 3 - كتاب البرهان وكتاب البرهان في علوم القرآن من الكتب العتيدة التي ~~جمدت عصارة أقوال المتقدمين، وصفوة آراء العلماء المحققين; حول القرآن ~~الكريم، وكتاب الله الخالد; كسره على سبعة وأربعين نوعا; كل نوع يدور حول ~~موضوع خاص من علوم القرآن ومباحثه; يستأهل كل نوع ان يكون موضوعا خاص; حاول ~~في كل موضوع ان يؤرخ له; ويحصى الكتب التي ألفت فيه; ويشير إلى العلماء ~~الذين تدارسوه; فأشبع الفصول، وجمع أشتات المسائل; و ضم أقوال المفسرين ~~والمحدثين، إلى مباحث الفقهاء والأصوليين; إلى قضايا المتكلمين وأصحاب ~~الجدل; إلى مسائل العربية وآراء أرباب الفصاحة والبيان; فجاء كما شاء الله ~~كتابا فريدا في فنه; شريفا في أغراضه، مع سداد المنهج، وعذوبة المورد; ~~وغزارة المادة، بعيدا عن التعمية واللبس; ms0005 نائيا عن الحشو والفضول. # ولكن هذا الكتاب لم يكن معروفا عند الباحثين; ولا متداولا بين الطلاب ~~والدارسين; عدا قلة من المشغوفين بمعرفة النوادر ورواد المكتبات; شأنه شأن ~~الكثير من كتب الزركشي على عظيم خطرها، وجلالة موضوعاتها، ومقدار غنائها ~~ونفعها; حتى جاء جلال الدين السيوطي ووضع كتابه الإتقان، فدل الناس في ~~مقدمته عليه، وأشاد به; وعده أصلا من الأصول التي بنى عليها كتابه; وتأسى ~~طريقته; وتقيل مذهبه; وسار في الدرب الذي رسمه; ونقل كثيرا من فصوله; مرة ~~معزوة إليه; ومرة بدون عزو; وإن كان فيما نقل عنه اقتضب الكلام اقتضابا; ~~واختصره اختصارا; وبهذا ظفر كتاب الإتقان بمنزلة مرموقة عند العلماء; وغدا ~~مرجعا للباحثين حقبة من PageV0MP013 # الزمان; وظل كتاب البرهان متواريا عن العيان، مطمورا في زوايا النسيان. ~~وأعان على ذلك قلة نسخة المخطوطة; وتعذر الانتفاع بها. # 4 - نسخ الكتاب وحينما تهيأ لي العمل في هذا الكتاب وقفت على النسخ ~~الآتية: # 1 - نسخة مكتوبة بقلم نسخ واضح; قوبلت على أصلها; كما قوبلت على نسخة بخط ~~المصنف; طالعها بعض العلماء وأثبتوا بعض التعليقات على حواشيها; ومنهم ~~العلامة محب الدين بن الشحنة المتوفى سنة 815 ه‍; مكتوبة بخط قديم ربما كان ~~في عصر المصنف، كتبها أحمد بن أحمد المقدسي. # والموجود من هذه النسخ الجزء الأول ينتهى بانتهاء الكلام في أقسام معنى ~~الكلام ويقع في مائة وستين ورقة، وعدد أسطر صفحاتها سبعة وعشرون سطرا. # وهي محفوظة بدار الكتب المصرية بمكتبة طلعت; برقم 456 - تفسير. وقد رمزت ~~إليها بالحرف ط 2 - نسخة وقعت في مجلدين: # الأول كتب بخط نسخ واضح مضبوط بالحركات; ويبدو أنه من خطوط القرن التاسع. # ويقع في ست ومائتي ورقة، وعدد أسطر كل صفحة خمسة وعشرون سطرا; وبه بياضات ~~متفرقة في بعض المواضع. # والثاني يكمل هذه النسخة بخطوط حديثة متعددة، آخره مؤرخ PageV0MP014 # في 11 ذي القعدة سنة 1335 بدون ذكر للأصل المنسوخ عنه، وبه أيضا بياضات ~~متفرقة في بعض الأماكن ومواضع نقص. # ويقع في ست وثلاثمائة ورقة; وعدد أسطر كل صفحة خمسة وعشرون سطرا. ms0006 # وهي محفوظة بالخزانة التيمورية برقم 256 - تفسير. وقد رمزت إليها بالحرف ~~ت. # 3 - نسخة مصورة عن نسخة مكتوبة بقلم معتاد بدون تاريخ، منقولة عن نسخة ~~أخرى جاء في آخرها انها كتبت " في رابع عشر شهر شعبان الفرد من شهور سنة ~~تسع وسبعين وثمانمائة ". # ويبدو من خطها أنها مكتوبة في القرن العاشر وتقع في ثنتين وثلاثين ~~وثلاثمائة ورقة، وعدد أسطر الصفحة واحد وثلاثون سطرا، وبأولها فهرس لفصول ~~الكتاب وأبوابه وأقسامه. # وأصل هذه النسخة محفوظ بمكتبة مدينة، الملحقة بمكتبة طوبقبوا سراى ~~بإستانبول برقم 170. وقد رمزت إلى هذه النسخة بالحرف م. # * * * وقد اتخذت هذه النسخ أصلا للعمل في الكتاب; وأثبت ما اخترت منها، ~~وأوضحت في الحاشية وجوه الاختلاف; كما أنى رجعت إلى ما تيسر لي الاطلاع ~~عليه من الكتب التي رجع إليها المؤلف; في التفسير والحديث والفقه والنحو ~~واللغة كالصرف والرسم والبلاغة والقراءات; فكان لها الفضل الكبير في جلاء ~~الغامض، وتصحيح PageV0MP015 # المحرف، وتوضيح المشكل، وإكمال الناقص; كما أعانتني في الحواشي التي وشيت ~~بها الكتاب. # وما عدا العنوانات التي وضعها المؤلف جعلته بين علامتي الزيادة; وألحقت ~~بكل جزء فهارس موضوعاته; أما الفهارس المفصلة العامة فسترد في آخر الكتاب ~~إن شاء الله. # وقد بذلت في تحقيقه ما استطعت من الجهد، ومن الله أستمد الرضا وأستمنحه ~~القبول. # مصر الجديدة في 21 رمضان سنة 1276 21 أبريل سنة 1957 محمد أبو الفضل ~~إبراهيم PageV0MP016 # نموذج لأول صفحة من نسخة تيمور (ت) PageV0MP017 # نموذج لآخر صفحة من نسخة طلعت (ط) PageV0MP019 # البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ~~PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف قال الشيخ الإمام العالم العلامة، ~~وحيد الدهر، وفريد العصر، جامع أشتات الفضائل، وناصر الحق بالبرهان من ~~الدلائل، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي الشافعي، بلغه ~~الله منه ما يرجوه: # الحمد لله الذي نور بكتابه القلوب، وأنزله في أوجز لفظ وأعجز أسلوب، ~~فأعيت بلاغته البلغاء، وأعجزت حكمته الحكماء، وأبكمت فصاحته الخطباء. # أحمده ان جعل الحمد فاتحة أسراره، وخاتمة تصاريفه ms0007 وأقداره، وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبد ه ورسوله المصطفى، ونبيه ~~المرتضى، الظافر من المحامد بالخصل، الظاهر بفضله على ذوي الفضل. معلم ~~الحكمة، وهادي الأمة أرسله بالنور الساطع، والضياء اللامع، صلى الله عليه ~~وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار. # أما بعد; فإن أولى ما أعملت فيه القرائح، وعلقت فيه القرائح، وعلقت به ~~الأفكار اللواقح، الفحص عن أسرار التنزيل، والكشف عن حقائق التأويل، الذي ~~تقوم به المعالم، وتثبت الدعائم فهو العصمة الواقية، والنعمة الباقية، ~~والحجة البالغة، والدلالة الدامغة، وهو شفاء الصدور، والحكم العدل عند ~~مشتبهات الأمور; وهو الكلام الجزل، وهو الفصل الذي ليس بالهزل; سراج لا ~~يخبو ضياؤه، وشهاب لا يخمد نوره وسناؤه، وبحر لا يدرك غوره. PageV01P003 # بهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول، وتظافر إيجازه وإعجازه، ~~وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتقارن في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كل البيان ~~جوامعه وبدائعه، قد أحكم الحكيم صيغته ومبناه، وقسم لفظه ومعناه، إلى ما ~~ينشط السامع، ويقرط المسامع، من تجنيس أنيس، وتطبيق لبيق، وتشبيه نبيه، ~~وتقسيم وسيم، وتفصيل أصيل، وتبليغ بليغ، وتصدير بالحسن جدير، وترديد ماله ~~مزيد; إلى غير ذلك مما أجرى من الصياغة البديعة، والصناعة الرفيعة، فالآذان ~~بأقراطه خالية، والأذهان من أسماطه غير خالية; فهو من تناسب ألفاظه، وتناسق ~~أغراضه، قلادة ذات اتساق; ومن تبسم رهره وتنسم نشره، حديقه مبهجة للنفوس ~~والاسماع والأحداق; كل كلمة منه لها من نفسها طرب، ومن ذاتها عجب، ومن ~~طلعتها غرة، ومن بهجتها درة، لاحت عليه بهجة القدرة، ونزل ممن له الامر، ~~فله على كل كلام سلطان وإمرة، بهر تمكن فواصله، وحسن ارتباط أواخره ~~وأوائله، وبديع أشارته، وعجيب انتقالاته; من قصص باهرة، إلى مواعظ زاجرة، ~~وأمثال سائرة، وأدلة على التوحيد ظاهرة، وأمثال بالتنزيه والتحميد سائرة، ~~ومواقع تعجب واعتبار، ومواطن تنزيه واستغفار; إن كان سياق الكلام ترجية ~~بسط، وإن كان تخويفا قبض، وإن كان وعدا أبهج، وإن كان وعيدا أزعج، وإن كان ~~دعوة حدب، وإن كان زجرة أرعب، وإن كان موعظة أقلق، وإن ms0008 كان ترغيبا شوق، - ~~هذا، وكم فيه من زوايا * وفى زواياه من خبايا - - ويطمع الحبر في التقاضي * ~~فيكشف الخبر عن قضايا - فسبحان من سلكه ينابيع في القلوب، وصرفه بأبدع معنى ~~وأغرب أسلوب، PageV01P004 # لا يستقصى معانيه فهم الخلق، ولا يحيط بوصفه على الإطلاق ذو اللسان ~~الطلق، فالسعيد من صرف همته إليه، ووقف فكره وعزمه عليه، والموفق من وفقه ~~الله لتدبره، واصطفاه للتذكير به وتذكره، فهو يرتع منه في رياض، ويكرع منه ~~في حياض. # - أندى على الأكباد من قطر الندى * وألذ في الأجفان من سنة الكرى - يملأ ~~القلوب بشرا، ويبعث القرائح عبيرا ونشرا، يحيى القلوب بأوراده، ولهذا سماه ~~الله روحا; فقال: * (يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده) *، فسماه ~~روحا لأنه يودي إلى حياة الأبد، ولولا الروح لمات الجسد، فجعل هذا الروح ~~سببا للاقتدار، وعلما على الاعتبار. # - يزيد على طول التأمل بهجة * كان العيون الناظرات صياقل - وإنما يفهم ~~بعض معانيه، ويطلع على أسراره ومبانيه; من قوى نظره، واتسع مجاله في الفكر ~~وتدبره; وامتد باعه، ورقت طباعه; وامتد في فنون الأدب، وأحاط بلغة العرب. # قال الحر إلى في جزء سماه: " مفتاح الباب المقفل، لفهم الكتاب المنزل ": # لله تعالى مواهب، جعلها أصولا للمكاسب، فمن وهبه عقلا يسر عليه السبيل، ~~ومن ركب فيه خرقا نقص ضبطه من التحصيل، ومن أيده بتقوى الاستناد إليه في ~~جميع PageV01P005 # أموره علمه وفهمه، قال: وأكمل العلماء من وهبه الله تعالى فهما في كلامه، ~~ووعيا عن كتابه، وتبصرة في الفرقان، وإحاطة بما شاء من علوم القران، ففيه ~~تمام شهود ما كتب الله لمخلوقاته من ذكره الحكيم، بما يزيل بكريم عنايته من ~~خطا اللاعبين; إذ فيه كل العلوم. # وقال الشافعي رضي الله عنه: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميع السنة ~~شرح للقران. وجميع القرآن شرح أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا - زاد ~~غيره: وجميع الأسماء الحسنى شرج لاسمه الأعظم - وكما أنه أفضل من كل كلام ~~سواه، فعلومه أفضل من كل علم عداه; قال تعالى: * (أفمن يعلم أنما أنزل إليك ~~من ربك ms0009 الحق كمن هو أعمى. # وقال تعالى: * (يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا) ~~*. # قال مجاهد: الفهم والإصابة في القرآن. وقال مقاتل: يعنى القرآن. # وقال سفيان بن عيينة في قوله تعالى: * (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في ~~الأرض بغير الحق) *، قال: أحرمهم فهم القران. # وقال سفيان الثوري: لا يجمع فهم القرآن والاشتغال بالحطام في قلب مؤمن ~~ابدا. PageV01P006 # وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: مثل القرآن مثل الأسد لا يمكن من غيله ~~سواه. # وقال ذو النون المصري: أبى الله عز وجل [إلا] أن يحرم قلوب البطالين ~~مكنون حكمة القرآن. # قال عز وجل: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) *. وقال: * (أفلا يتدبرون ~~القرآن). # وقال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: * (اهدنا الصراط المستقيم) * قال: # القرآن، يقول: أرشدنا إلى علمه. # وقال الحسن البصري: علم القرآن ذكر لا يعلمه إلا الذكور من الرجال. # وقال الله جل ذكره: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) *. ~~وقال تعالى: # * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) *; يقول: إلى كتاب الله. ~~PageV01P007 # وكل علم من العلوم منزع من القرآن، وإلا فليس له برهان. قال ابن مسعود: # من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين. رواه ~~البيهقي في المدخل وقال: أراد به أصول العلم. # وقد كانت الصحابة رضي الله عنهم علماء; كل منهم مخصوص بنوع من العلم كعلى ~~رضى الله تعالى عنه بالقضاء، وزيد الفرائض، ومعاذ بالحلال والحرام، وأبى ~~بالقراءة، فلم يسم أحد منهم بحرا إلا عبد الله بن عباس لاختصاصه دونهم ~~بالتفسير وعلم التأويل; وقال فيه علي بن أبي طالب: كأنما ينظر إلى الغيب من ~~ستر رقيق. وقال عبد الله بن مسعود: # نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس; وقد مات ابن مسعود في سنة ثنتين ~~وثلاثين; وعمر بعده ابن عباس ستا وثلاثين سنة; فما ظنك بما كسبه من العلوم ~~بعد ابن مسعود! نعم; كان لعلى فيه اليد السابقة قبل ابن عباس; وهو القائل: ~~لو أردت أن أملى وقر بعير على ms0010 الفاتحة لفعلت. # وقال ابن عطية: فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب، ويتلوه ~~ابن عباس رضي الله عنهما; وهو تجرد للامر [وكمله]، وتتبعه العلماء عليه; ~~كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما. # وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب الشعبي وغيرهما يعظمون تفسير القران، ~~ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم، مع ادراكهم وتقدمهم. PageV01P008 # ثم جاء بعدهم طبقة فطبقة، فجدوا واجتهدوا; وكل ينفق مما رزق الله; ولهذا ~~كان سهل بن عبد الله يقول: لو أعطى العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم ~~يبلغ نهاية ما أودعه في آية من كتابه; لأنه كلام الله، وكلامه صفته. وكما ~~أنه ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه; وإنما يفهم كل بمقدار ما ~~يفتح الله عليه. وكلام الله غير مخلوق، ولا تبلغ إلى نهاية فهمه فهو محدثة ~~مخلوقة. # ولما كانت علوم القرآن لا تنحصر، ومعانيه لا تستقصى، وجبت العناية بالقدر ~~الممكن. ومما فات المتقدمين وضع كتاب يشتمل على أنواع علومه، كما وضع الناس ~~ذلك بالنسبة إلى علم الحديث; فاستخرت الله تعالى - وله الحمد - في وضع كتاب ~~في ذلك جامع لما تكلم الناس في فنونه، وخاضوا في نكته وعيونه، وضمنته من ~~المعاني الأنيقة، والحكم الرشيقة، ما يهز القلوب طربا، ويبهر العقول عجبا; ~~ليكون مفتاحا لأبوابه، عنوانا على كتابه; معينا للمفسر على حقائقه، ومطلعا ~~على بعض أسراره ودقائقه; والله المخلص والمعين، وعليه أتوكل، وبه استعين، ~~وسميته: " البرهان في علوم القران ". وهذه فهرست أنواعه: # الأول: معرفة سبب النزول. # الثاني: معرفة المناسبات بين الآيات. # الثالث: معرفة الفواصل. # الرابع: معرفة الوجوه والنظائر. # الخامس: علم المتشابه. PageV01P009 # السادس: علم المبهمات السابع: في أسرار الفواتح. # الثامن: في خواتم السور. # التاسع: في معرفة المكي والمدني. # العاشر: معرفة أول ما نزل. # الحادي عشر: معرفة على كم لغة نزل. # الثاني عشر: في كيفية إنزاله. # الثالث عشر: في بيان جمعه ومن حفظه من الصحابة. # الرابع عشر: معرفة تقسيمه. # الخامس عشر: معرفة أسمائه. # السادس عشر: معرفة ما وقع فيه من غير لغة الحجاز. # السابع عشر: معرفة ما ms0011 فيه من غير لغة العرب الثامن عشر: معرفة غريبه. # التاسع عشر: معرفة التصريف. # العشرون: معرفة الأحكام. # الحادي والعشرون: معرفة كون اللفظ أو التركيب أحسن وأفصح. # الثاني والعشرون: معرفة اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقص. # الثالث والعشرون: معرفة توجيه القراءات. # الرابع والعشرون: معرفة الوقف والابتداء. # الخامس والعشرون: علم مرسم الخط. # السادس والعشرون: معرفة فضائله. PageV01P010 # السابع والعشرون: معرفة خواصه. # الثامن والعشرون: هل في القرآن شئ أفضل من شئ. # التاسع والعشرون: في آداب تلاوته. # الثلاثون: في أنه هل يجوز في التصانيف والرسائل والخطب استعمال بعض آيات ~~القران. # الحادي والثلاثون: معرفة الأمثال الكائنة فيه. # الثاني والثلاثون: معرفة أحكامه. # الثالث والثلاثون: في معرفة جدله. # الرابع والثلاثون: معرفة ناسخه ومنسوخه. # الخامس والثلاثون: معرفة توهم المختلف. # السادس والثلاثون: في معرفة المحكم من المتشابه. # السابع والثلاثون: في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات. # الثامن والثلاثون: معرفة إعجازه التاسع والثلاثون: معرفة وجوب تواتره. # الأربعون: في بيان معاضدة السنة للكتاب. # الحادي و الأربعون: معرفة تفسيره الثاني و الأربعون: معرفة وجوب ~~المخاطبات. # الثالث والأربعون: بيان حقيقته ومجازه. # الرابع والأربعون: في الكناية والتعريض. # الخامس والأربعون: في أقسام معنى الكلام PageV01P011 # السادس والأربعون: في ذكر ما يتيسر من أساليب القرآن. # السابع والأربعون: في معرفة الأدوات. # واعلم أنه من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الانسان استقصاءه، لاستفرغ ~~عمره، ثم لم يحكم أمره، ولكن اقتصرنا من كل نوع على أصوله، والرمز إلى بعض ~~فصوله; فإن الصناعة طويلة والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير! # - قالوا خذ العين من كل فقلت لهم * في العين فضل ولكن ناظر العين - ~~PageV01P012 # فصل [في علم التفسير] التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه. واستمداد ~~ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات. ~~ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ. # وقد أكثر الناس فيه من الموضوعات; ما بين مختصر ومبسوط، وكلهم يقتصر على ~~الفن الذي يغلب عليه; فالزجاج والواحدي في " البسيط " يغلب عليهما الغريب، ~~والثعلبي ms0012 يغلب عليه القصص، والزمخشري علم البيان، والإمام فخر الدين علم ~~الكلام وما في معناه من العلوم العقلية. PageV01P013 # واعلم أن من المعلوم أن الله تعالى إنما خاطب خلقه بما يفهمونه; ولذلك ~~أرسل كل رسول بلسان قومه، وأنزل كتابه على لغتهم; وإنما احتيج إلى التفسير ~~لما سنذكر، بعد تقرير قاعدة; وهي أن كل من وضع من البشر كتابا فإنما وضعه ~~ليفهم بذاته من غير شرح; وإنما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة: # أحدها: كمال فضيلة المصنف; فإنه لقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة في ~~اللفظ الوجيز، فربما عسر فهم مراده، فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفية; ~~ومن هنا كان شرح بعض الأئمة تصنيفه أدل على المراد من شرح غيره له. # وثانيها [قد يكون] حذف بعض مقدمات الأقيسة بكر أو أغفل فيها شروطا ~~اعتمادا على وضوحها، أو لأنها من علم آخر; فيحتاج الشارح لبيان المحذوف ~~ومراتبه. # وثالثها: احتمال اللفظ لمعان ثلاثة; كما في المجاز والاشتراك ودلالة ~~الالتزام; فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنف وترجيحه. وقد يقع في التصانيف ~~ما لا يخلو منه بشر من السهو والغلط وتكرار الشئ، وحذف المهم; وغير ذلك; ~~فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك. # * * * وإذا علم هذا فنقول: إن القرآن إنما أنزل بلسان عربي مبين في زمن ~~أفصح العرب وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه; أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر ~~لهم بعد البحث والنظر، من سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم في الأكثر; ~~كسؤالهم لما نزل: * (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) * فقالوا: أينا لم يظلم ~~نفسه! ففسره النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك; واستدل PageV01P014 # عليه بقوله تعالى: * (إن الشرك يظلم عظيم) * وكسؤال عائشة - رضي الله ~~عنها - عن الحساب اليسير فقال: " ذلك العرض، ومن نوقش الحساب عذب ". وكقصة ~~عدى ابن حاتم في الخيط الذي وضعه تحت رأسه. وغير ذلك مما سألوا عن آحاد ~~منه. # ولم ينقل إلينا عنهم تفسير القرآن وتأويله بجملته; فنحن نحتاج إلى ما ~~كانوا يحتاجون إليه، وزيادة على ما لم يكونوا محتاجين إليه من أحكام ~~الظواهر، لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير ms0013 تعلم; فنحن أشد الناس احتياجا ~~إلى التفسير. # ومعلوم أن تفسيره يكون بعضه من قبيل بسط الألفاظ الوجيزة وكشف معانيها، ~~وبعضه من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض لبلاغته ولطف معانيه; ولهذا لا ~~يستغنى عن قانون عام يعول في تفسيره عليه، ويرجع في تفسيره إليه; من معرفة ~~مفردات ألفاظه ومركباتها. وسياقه، وظاهره وباطنه، وغير ذلك مما لا يدخل تحت ~~الوهم، ويدق عنه الفهم. # - بين أقداحهم قد حديث قصير * هو سحر، وما سواه كلام - وفى هذا تتفاوت ~~الأذهان، وتتسابق في النظر إليه مسابقة الرهان، فمن سابق بفهمه، وراشق وفى ~~كبد الرمية بسهمه، وآخر رمى فأشوى، وخبط في النظر خبط عشوا - كما قيل. وأين ~~الدقيق من الركيك، وأين الزلال من الزعاق! PageV01P015 # وقال القاضي شمس الدين الخويي رحمه الله: علم التفسير عسير يسير; أما ~~عسره فظاهر من وجوه; أظهرها أنه كلام متكلم لم يصل الناس إلى مراده بالسماع ~~منه، ولا إمكان للوصول إليه، بخلاف الأمثال والأشعار; فإن الانسان يمكن ~~علمه بمراد المتكلم بأن يسمع منه، أو يسمع ممن سمع منه، أما القرآن فتفسيره ~~على وجه القطع لا يعلم إلا بأن يسمع من الرسول عليه السلام، وذلك متعذر إلا ~~في آيات قلائل. فالعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل، والحكمة فيه أن الله ~~تعالى أراد أن يتفكر عباده في كتابه; فلم يأمر نبيه بالتنصيص على المراد; ~~وإنما هو عليه السلام صوب رأى جماعة من المفسرين، فصار ذلك دليلا قاطعا على ~~جواز التفسير من غير سماع من الله ورسوله. # قال: واعلم أن بعض الناس يفتخر ويقول: كتبت هذا وما طالعت شيئا من الكتب، ~~ويظن أنه فخر; ولا يعلم أن ذلك غاية النقص; فإنه لا يعلم مزية ما قاله على ~~ما قيل، ولا مزية ما قيل على ما قاله فبماذا يفتخر! ومع هذا ما كتبت شيئا ~~إلا خائفا من الله مستعينا به، معتمدا عليه; فما كان حسنا فمن الله وفضله ~~بوسيلة مطالعة كلام عباد الله الصالحين، وما كان ضعيفا فمن النفس الأمارة ~~بالسوء. # فصل [في علوم القرآن] ذكر القاضي ms0014 أبو بكر بن العربي في كتاب " قانون ~~التأويل ": إن علوم القرآن PageV01P016 # خمسون علما وأربعمائة وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم، على عدد كلم ~~القرآن، مضروبة في أربعة. قال بعض السلف: إذ لكل كلمة ظاهر وباطن، وحد ~~ومقطع; وهذا مطلق دون اعتبار تراكيبه وما بينها من روابط. وهذا ما لا يحصى ~~ولا يعلمه إلا الله عز وجل. # قال: وأم علوم القرآن ثلاثة أقسام: توحيد وتذكير وأحكام; فالتوحيد تدخل ~~فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله. والتذكير، ومنه ~~الوعد والوعيد والجنة والنار، وتصفية الظاهر والباطن. والأحكام; ومنها ~~التكاليف كلها وتبيين المنافع والمضار، والأمر والنهى والندب. # فالأول: * (وإلهكم إله واحد) *، فيه التوحيد كله في الذات والصفات ~~والأفعال. # والثاني: * (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) *. والثالث: * (وأن احكم ~~بينهم) *; ولذلك قيل في معنى كل قوله صلى الله عليه وسلم ": * (قل هو الله ~~أحد) * تعدل ثلث القرآن) * ". يعنى في الأجر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # وقيل ثلثه في المعنى; لأن القرآن ثلاثة أقسام كما ذكرنا. وهذه السورة ~~اشتملت على التوحيد. # ولهذا المعنى صارت فاتحة الكتاب أم الكتاب; لأن فيها الأقسام الثلاثة: # فأما التوحيد فمن أولها إلى قوله: * (يوم الدين) *. وأما الأحكام ف‍ * ~~(إياك نعبد وإياك نستعين) *، وأما التذكير فمن قوله: * (اهدنا) * إلى ~~آخرها; فصارت بهذا أما; لأنه يتفرع عنها كل نبت PageV01P017 # وقيل: صارت أما لأنها مقدمة على القرآن بالقبلية، والأم قبل البنت. # وقيل: سميت فاتحة لأنها تفتح أبواب الجنة على وجوه مذكورة في مواضعها. # وقال أبو الحكم بن برجان في كتاب " الإرشاد " وجملة القرآن تشتمل على ~~ثلاثة علوم: علم أسماء الله تعالى وصفاته، ثم علم النبوة وبراهينها، ثم علم ~~التكليف والمحنة. قال: وهو أعسر لإعرابه وقلة انصراف الهمم إلى تطلبه ~~مكانه. # وقال غيره: القرآن يشتمل على أربعة أنواع من العلوم: أمر، ونهى، وخبر ~~واستخبار. وقيل: سنة - وزاد الوعد، والوعيد. # وقال محمد بن جرير الطبري: يشتمل على ثلاثة أشياء: التوحيد، والأخبار ~~والديانات; ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " * (قل هو الله أحد) * تعدل ثلث ~~القرآن ms0015 ". # وهذه السورة تشمل التوحيد كله. # وقال علي بن عيسى: القرآن يشتمل على ثلاثين شيئا: الإعلام، والتنبيه، ~~والأمر، والنهى، والوعد، والوعيد، ووصف الجنة، والنار، وتعليم الإقرار باسم ~~الله، وصفاته [وأفعاله]، وتعليم الاعتراف بإنعامه، والاحتجاج على ~~المخالفين، والرد على الملحدين، والبيان عن الرغبة، والرهبة، الخير، والشر، ~~والحسن، والقبيح، ونعت الحكمة، وفضل المعرفة، PageV01P018 # ومدح الأبرار، وذم الفجار، والتسليم، والتحسين، والتوكيد، والتفريع، ~~والبيان عن ذم الإخلاف، وشرف الأداء. # قال القاضي أبو المعالي عزيزي: وعلى التحقيق أن تلك الثلاثة التي قالها ~~محمد بن جرير تشمل هذه كلها بل أضعافها; فإن القرآن لا يستدرك ولا تحصى ~~غرائبه وعجائبه; قال تعالى: * (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) *. # وقال غيره: علوم ألفاظ القرآن أربعة: # الإعراب; وهو في الخبر. # والنظم; وهو القصد; نحو * (واللائي لم يحضن) *، معنى باطن نظم بمعنى ~~ظاهر. # وقوله: * (قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق) ~~*; كأنه قيل: قالوا: ومن يبدأ الخلق ثم يعيده؟ فأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول: * (الله يبدأ الخلق) *; لفظ ظاهر نظم بمعنى باطن. # والتصريف في الكلمة; كأقسط: عدل، وقسط: جار. وبعد: ضد قرب، وبعد: هلك. # والاعتبار; وهو معيار الأنحاء الثلاثة; وبه يكون الاستنباط والاستدلال; ~~وهو كثير، منه ما يعرف بفحوى الكلام. ومعنى اعتبرت الشئ طلبت بيانه، عبرت ~~الرؤيا بينتها; قال الله تعالى: * (فاعتبروا) * بعد: * (هو الذي أخرج الذين ~~كفروا من أهل PageV01P019 # الكتاب من ديارهم) * دل على أن انتقامه بالخروج من الدار من أعظم الوجوه، ~~و * (أول الحشر) * دل على أن لها توابع; لأن " أول " لا يكون إلا مع " آخر ~~"; وكان هذا في بني النضير ثم أهل نجران. * (ما ظننتم أن يخرجوا) * إلا ~~بنبأ، وأنهم يستقلون عدد من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم. * (ولولا أن ~~كتب الله عليهم الجلاء) * فيه دليل على أن الإخراج مثل العذاب في الشدة; إذ ~~جعل بدله. # وقد يتعدد الاعتبار; نحو أتاني غير زيد، أي أتياه، أو أتاه غير زيد، لا ~~هو. لو شئت أنت لم أفعل، ms0016 أمرتني أو نهيتني; قال الله تعالى: * (لو شاء الله ~~ما عبدنا) * رد عليهم بأن الله لا يأمر بالفحشاء; بدليل قوله: * (والله ~~أمرنا بها) *. * (وإذا حللتم فاصطادوا) *، فالاعتبار إباحة. # ومن الاعتبار ما يظهر بآي أخر; كقوله: فإذا جاء أجلهم فإن الله كان ~~بعباده بصيرا) *، فهذه تعتبر بآخر الواقعة; من أن الناس على ثلاثة منازل; ~~أي أحل كل فريق في منزلة له، والله بصير بمنازلهم. PageV01P020 # ومنه ما يظهر بالخبر كقوله تعالى: * (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله) ~~*، بمعنى الحديث: إن اليهود قالوا: لو جاء به ميكائيل لاتبعناك، لأنه يأتي ~~بالخير، وجبريل لم يأت بالخير قط، وأي خير أجل من القرآن! # ومن ضروب النظم قوله تعالى: * (من كان يريد العزة فلله) *، إن حمل على أن ~~يعتبر أن العزة له لم ينتظم به ما بعده، وإن حمل على معنى أن يعلم لمن ~~العزة انتظم. PageV01P021 # النوع الأول معرفة أسباب النزول وقد اعتنى بذلك المفسرون في كتبهم، ~~وأفردوا فيه تصانيف; منهم علي بن المديني شيخ البخاري، ومن أشهرها تصنيف ~~الواحدي في ذلك. وأخطأ من زعم أنه لا طائل تحته، لجريانه مجرى التاريخ، ~~وليس كذلك، بل له فوائد: # منها وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم. # ومنها تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب. # ومنها الوقوف على المعنى، قال الشيخ أبو الفتح القشيري: بيان سبب النزول ~~طريق قوى في فهم معاني الكتاب العزيز; وهو أمر تحصل للصحابة بقرائن تحتف ~~بالقضايا. # ومنها أنه قد يكون اللفظ عاما، ويقوم الدليل على التخصيص; فإن محل السبب ~~لا يجوز PageV01P022 # اخراجه بالاجتهاد والإجماع; كما حكاه القاضي أبو بكر في " مختصر التقريب ~~"; لأن دخول السبب قطعي. ونقل بعضهم الاتفاق على أن لتقدم السبب على ورود ~~العموم أثرا. # ولا التفات إلى ما نقل عن بعضهم من تجويز اخراج محل السبب بالتخصيص ~~لأمرين: # أحدهما أنه يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يجوز. والثاني أن ~~فيه عدولا عن محل السؤال; وذلك لا يجوز في حق الشارع; لئلا يلتبس على ~~السائل. واتفقوا ms0017 على أنه تعتبر النصوصية في السبب من جهة استحالة تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة; و تؤثر أيضا فيما وراء محل السبب; وهو إبطال الدلالة ~~على قول، والضعف على قول. # ومن الفوائد أيضا دفع توهم الحصر; قال الشافعي ما معناه في معنى قوله ~~تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما...) * الآية: إن الكفار لما حرموا ~~ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية ~~مناقضة لغرضهم; فكأنه قال: # لا حلال إلا ما حرمتموه; ولا حرام إلا ما أحللتموه; نازلا منزلة من يقول: ~~لا تأكل اليوم حلاوة; فتقول: لا آكل اليوم إلا الحلاوة; والغرض المضادة لا ~~النفي والإثبات على الحقيقة; فكأنه قال: لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة ~~والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه; إذا القصد ~~إثبات التحريم لا إثبات الحل. # قال إمام الحرمين: " وهذا في غاية الحسن; ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما ~~كنا PageV01P023 # نستجير مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية. وهذا قد يكون من ~~الشافعي أجراه مجرى التأويل ". ومن قال بمراعاة اللفظ دون سببه لا يمنع من ~~التأويل. # وقد جاءت [آيات] في مواضع اتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها; كنزول آية ~~الظهار في سلمة بن صخر، وآية اللعان في شأن هلال بن أمية، ونزول حد القذف ~~في رماة عائشة رضي الله عنها، ثم تعدى إلى غيرهم، وإن كان قد قال سبحانه: # * (والذين يرمون المحصنات) *، فجمعها مع غيرها; إما تعظيما لها إذ أنها ~~أم المؤمنين - PageV01P024 # ومن رمى أم قوم فقد رماهم - وإما للإشارة إلى التعميم; ولكن الرماة لها ~~كانوا معلومين، فتعدى الحكم إلى من سواهم; فمن يقول بمراعاة حكم اللفظ كان ~~الاتفاق هاهنا هو مقتضى الأصل، ومن قال بالقصر على الأصل خرج عن الأصل في ~~هذه الآية بدليل. ونظير هذا تخصيص الاستعاذة بالإناث في قوله تعالى: * (ومن ~~شر النفاثات في العقد) *، لخروجه على السبب; وهو أن بنات لبيد سحرن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # كذا ms0018 قال أبو عبيد; وفيه نظر; فإن الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~لبيد ابن الأعصم كما جاء في الصحيح. # وقد تنزل الآيات على الأسباب خاصة، وتوضع كل واحدة منها مع ما يناسبها من ~~الآي رعاية لنظم القرآن وحسن السياق; فذلك الذي وضعت معه الآية نازلة على ~~سبب خاص للمناسبة; إذا كان مسوقا لما نزل في معنى يدخل تحت ذلك اللفظ ~~العام; أو كان من جملة الأفراد الداخلة وضعا تحت اللفظ العام; فدلالة اللفظ ~~عليه: هل هي كالسبب فلا يخرج ويكون مرادا من الآيات قطعا؟ أولا ينتهى في ~~القوة إلى ذلك; لأنه قد يراد غيره; وتكون المناسبة مشبهة به؟ فيه احتمال. ~~PageV01P025 # واختار بعضهم أنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد; ومثاله قوله ~~تعالى: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) *; فإن مناسبتها ~~للآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ~~آمنوا سبيلا) * أن ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف، كان قدم إلى مكة وشاهد ~~قتلى بدر وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم، وغزو النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فسألوه: من أهدى سبيلا؟ # النبي صلى الله عليه وسلم، أو هم؟ فقال: أنتم - كذبا منه وضلالة - لعنه ~~الله! فتلك الآية في حقه وحق من شاركه في تلك المقالة; وهم أهل كتاب يجدون ~~عندهم في كتابهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم وصفته، وقد أخذت عليهم ~~المواثيق ألا يكتموا ذلك وأن ينصروه; وكان ذلك أمانة لازمة لهم فلم يؤدوها ~~وخانوا فيها; وذلك مناسب لقوله: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها) *. قال ابن العربي في تفسيره: وجه النظم أنه أخبر عن كتمان أهل ~~الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقولهم: إن المشركين أهدى سبيلا. فكان ~~ذلك خيانة منهم; فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات ". انتهى. # ولا يرد على هذا أن قصة كعب بن الأشرف كانت عقب بدر، ونزول * (إن الله ~~يأمركم) * في الفتح ms0019 أو قريبا منها; وبينهما ست سنين; لأن الزمان إنما يشترط ~~في سبب النزول، ولا يشترط في المناسبة; لأن المقصود منها وضع آية في موضع ~~يناسبها; والآيات كانت تنزل على أسبابها، ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بوضعها في المواضع التي علم من الله تعالى أنها مواضعها. PageV01P026 # ومن فوائد هذا العلم إزالة الإشكال; ففي الصحيح عن مروان بن الحكم أنه ~~بعث إلى ابن عباس يسأله: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم ~~يفعل معذبا لنعذبن أجمعون! فقال ابن عباس: هذه الآية نزلت في أهل الكتاب; ~~ثم تلا: * (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه) * إلى قوله: * (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا ~~بما لم يفعلوا) * قال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله وسلم عن شئ فكتموه ~~وأخبروه بغيره; فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه; فاستحمدوا ~~بذلك إليه; وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه. انتهى قال بعضهم: ~~وما أجاب به ابن عباس عن سؤال مروان لا يكفى; لأن اللفظ أعم من السبب; ~~ويشهد له قوله صلى الله عليه وسلم: " المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي ~~PageV01P027 # زور "، وإنما الجواب أن الوعيد مرتب على أثر الأمرين المذكورين; وهما ~~الفرح وحب الحمد; لا عليهما أنفسهما; إذ هما من الأمور الطبيعية التي لا ~~يتعلق بها التكليف أمرا ولا نهيا. # قلت: لا يخفى عن ابن عباس رضي الله عنه أن اللفظ أعم من السبب; لكنه بين ~~أن المراد باللفظ خاص; ونظيره تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الظلم بالشرك ~~فيما سبق. # ومن ذلك قوله تعالى، * (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا.) * الآية; فحكى عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معد يكرب أنهما كانا ~~يقولان; الخمر مباحة، ويحتجان بهذه الآية، وخفى عليها سبب نزولها; فإنه ~~يمنع من ذلك; وهو ما قاله الحسن وغيره: لما نزل تحريم الخمر، قالوا: كيف ~~بإخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم، وقد أخبر الله ms0020 أنها رجس! فأنزل الله ~~تعالى: * (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح) *. # ومن ذلك قوله تعالى: * (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم...) ~~* الآية، قد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة; وقد بينه سبب النزول; روى ~~PageV01P028 # أن ناسا قالوا: يا رسول الله; قد عرفنا عدة ذوات الأقراء; فما عدة اللائي ~~لم يحضن من الصغار والكبار؟ فنزلت; فهذا يبين معنى: * (إن ارتبتم) * أي إن ~~أشكل عليكم حكمهن، وجهلتم كيف يعتددن; فهذا حكمهن. # ومن ذلك قوله تعالى: * (المشرق والمغرب; فأينما تولوا فثم وجه الله) *; ~~فإنا لو تركنا مدلول اللفظ لاقتضى أن المصلى لا يجب عليه استقبال القبلة ~~سفرا ولا حضرا; وهو خلاف الاجماع; فلا يفهم مراد الآية حتى يعلم سببها; ~~وذلك أنها نزلت لما صلى النبي صلى عليه وسلم على راحلته; وهو مستقبل من مكة ~~إلى المدينة; حيث توجهت به; فعلم أن هذا هو المراد. # ومن ذلك قوله تعالى: * (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم) *; فإن سبب ~~نزولها أن قوما أرادوا الخروج للجهاد; فمنعهم أزواجهم وأولادهم; فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية; ثم أنزل في بقيتها ما يدل على الرحمة وترك المؤاخذة; ~~فقال: * (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم) *. # فصل [فيما نزل مكررا] وقد ينزل الشئ مرتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند ~~حدوث سببه خوف نسيانه; وهذا كما قيل في الفاتحة نزلت مرتين: مرة بمكة، ~~وأخرى بالمدينة; وكما ثبت في PageV01P029 # الصحيحين عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، ~~فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره; فأنزل الله تعالى: * (وأقم الصلاة ~~طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) *، فقال الرجل: إلى ~~هذا؟ فقال: # بل لجميع أمتي. فهذا كان في المدينة; والرجل قد ذكر الترمذي أو غيره أنه ~~أبو اليسر. # وسورة هود مكية بالاتفاق; ولهذا أشكل على بعضهم هذا الحديث مع ما ذكرنا، ~~ولا إشكال، لأنها نزلت مرة بعد مرة. # ومثله ما في الصحيحين عن ابن مسعود في قوله تعالى: * (ويسألونك عن الروح) ms0021 ~~* أنها نزلت لما سأله اليهود عن الروح وهو في المدينة، ومعلوم أن هذه في ~~سورة * (سبحان) *; وهي مكية بالاتفاق; فإن المشركين لما سألوه عن ذي ~~القرنين وعن أهل الكهف قيل ذلك بمكة وأن اليهود أمروهم أن يسألوه عن ذلك; ~~فأنزل الله الجواب كما قد بسط في موضعه. # وكذلك ما ورد في * (هو الله أحد) * أنها جواب للمشركين بمكة، وأنها جواب ~~لأهل الكتاب بالمدينة. PageV01P030 # وكذلك ما ورد في الصحيحين من حديث المسيب لما حضرت أبا طالب الوفاة; ~~وتلكأ عن الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأستغفرن لك ما لم ~~أنه "، فأنزل الله: * (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو ~~كانوا أولى قربى) *، وأنزل الله في أبى طالب: * (إنك لا تهدى من أحببت) *، ~~وهذه الآية نزلت في آخر الأمر بالاتفاق; وموت أبى طالب كان بمكة; فيمكن ~~أنها نزلت مرة بعد أخرى، وجعلت أخيرا في " براءة ". # * * * والحكمة في هذا كله أنه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول ~~آية; وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها، فتؤدى تلك الآية بعينها إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم تذكيرا لهم بها، وبأنها تتضمن هذه; والعالم قد يحدث له ~~حوادث، فيتذكر أحاديث وآيات تتضمن الحكم في تلك الواقعة وإن لم تكن خطرت له ~~تلك الحادثة قبل; مع حفظه لذلك النص. # وما يذكره المفسرون من أسباب متعددة لنزول الآية قد يكون من هذا; الباب; ~~لا سيما وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه ~~الآية PageV01P031 # في كذا فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم; لا أن هذا كان ~~السبب في نزولها. وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند; كما في ~~قول ابن عمر في قوله تعالى: * (نسائكم حرث لكم) *; وأما الإمام أحمد فلم ~~يدخله في المسند; وكذلك مسلم وغيره، وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال ~~وبالتأويل; فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية; لا من جنس النقل لما ~~وقع. # فصل [خصوص السبب وعموم الصيغة] وقد يكون ms0022 السبب خاصا والصيغة عامة; لينبه ~~على أن العبرة بعموم اللفظ. وقال الزمخشري في نفس سورة الهمزة: يجوز أن ~~يكون السبب خاصا والوعيد عاما; ليتناول كل من باشر ذلك القبيح; وليكون ~~جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه; فإن ذلك أزجر له، وأنكى فيه. # [تقدم نزول الآية على الحكم] واعلم أنه قد يكون النزول سابقا على الحكم; ~~وهذا كقوله تعالى: * (قد أفلح من تزكى) *; فإنه يستدل بها على زكاة الفطر; ~~روى البيهقي بسنده إلى ابن عمر PageV01P032 # أنها نزلت في زكاة رمضان; ثم أسند مرفوعا نحوه. وقال بعضهم: لا أدرى ما ~~وجه هذا التأويل! لأن هذه السورة مكية; ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة. # وأجاب البغوي في تفسيره انه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم; كما ~~قال: * (لا أقسم بهذا البلد. وأنت حل بهذا البلد) *; فالسورة مكية، وظهر ~~أثر الحل يوم فتح مكة; حتى قال عليه السلام: " أحلت لي ساعة من نهار ". # وكذلك نزل بمكة: * (سيهزم الجمع ويولون الدبر) *، قال عمر بن الخطاب: # كنت لا أدرى أي الجمع يهزم; فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: * (سيهزم الجمع ويولون الدبر) *. # فائدة روى البخاري في كتاب " الأدب المفرد " في بر الوالدين عن سعد بن ~~أبي وقاص رضي الله عنه قال: نزلت في أربع آيات من كتاب الله عز وجل: كانت ~~أمي حلفت ألا تأكل ولا تشرب، حتى أفارق محمدا صلى الله عليه وسلم; فأنزل ~~الله تعالى: # * (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا) *، والثانية انى كنت أخذت سيفا فأعجبني، فقلت: يا رسول ~~الله، هب لي هذا; PageV01P033 # فنزلت: * (يسألونك عن الأنفال) *، والثالثة أنى كنت مرضت، فأتاني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إني أريد أن أقسم مالي ~~[أفأوصى] بالنصف؟ فقال: # لا، فقلت: الثلث؟ فسكت; فكان الثلث بعد جائزا. والرابعة أنى شربت الخمر ~~مع قوم من الأنصار، فضرب رجل منهم أنفى [بلحى جمل]; فأتيت رسول الله صلى ms0023 ~~الله عليه وسلم، فأنزل الله [عز وجل] تحريم الخمر. # * * * واعلم أنه جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر سبب النزول ووقع ~~البحث: أيما أولى البداءة به: بتقدم السبب على المسبب; أو بالمناسبة، لأنها ~~المصححة لنظم الكلام; وهي سابقة على النزول؟ # والتحقيق التفصيل; بين أن يكون وجه المناسبة متوقفا على سبب النزول ~~كالآية السابقة في * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) *، فهذا ~~ينبغي فيه تقديم ذكر السبب; لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد; ~~وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم وجه المناسبة. PageV01P034 # النوع الثاني معرفة المناسبات بين الآيات وقد أفرده بالتصنيف الأستاذ أبو ~~جعفر بن الزبير; شيخ الشيخ أبى حيان. وتفسير الإمام فخر الدين فيه شئ كثير ~~من ذلك. # واعلم أن المناسبة علم شريف، تحزر به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما ~~يقول. # والمناسبة في اللغة: المقاربة: وفلان يناسب فلانا، أي يقرب منه ويشاكله، ~~ومنه النسيب الذي هو القريب المتصل، كالأخوين وابن العم ونحوه; وإن كانا ~~متناسبين بمعنى رابط بينهما، وهو القرابة. ومنه المناسبة في العلة في باب ~~القياس: الوصف المقارب للحكم; لأنه إذا حصلت مقاربته له ظن عند وجود ذلك ~~الوصف وجود الحكم; ولهذا قيل: # المناسبة أمر معقول; إذا عرض على العقول تلقته بالقبول. وكذلك المناسبة ~~في فواتح الآي وخواتمها; ومرجعها - والله أعلم - إلى معنى ما رابط بينهما: ~~عام أو خاص، عقلي أو حسى أو خيالي; وغير ذلك من أنواع العلاقات. أو التلازم ~~الذهني; كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين، والضدين، ونحوه. أو ~~التلازم الخارجي; كالمرتب على ترتيب الوجود الواقع في باب الخبر. ~~PageV01P035 # وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ~~ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم، المتلائم الأجزاء. # وقد قل اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقته; وممن أكثر منه الإمام فخر ~~الدين الرازي وقال في تفسيره: أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات ~~والروابط. # وقال بعض الأئمة: من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض، لئلا يكون منقطعا. # وهذا النوع يهمله بعض المفسرين، أو كثير منهم، وفوائده ms0024 غزيرة. قال القاضي ~~أبو بكر بن العربي في: " سراج المريدين ": ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى ~~تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني علم، عظيم، لم يتعرض ~~له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله عز وجل لنا فيه; فلما ~~لم نجد له حملة، ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه، وجعلناه بيننا ~~وبين الله، ورددناه إليه. # وقال الشيخ أبو الحسن الشهراباني، أول من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم ~~نكن سمعناه من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري; وكان غزير العلم ~~في الشريعة والأدب، وكان يقول على الكرسي إذا قرئ عليه الآية: لم جعلت هذه ~~الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟ وكان ~~يزرى على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة. انتهى. PageV01P036 # وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: المناسبة علم حسن; ولكن يشترط في حسن ~~ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب ~~مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر. # قال: ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عنه حسن ~~الحديث فضلا عن أحسنه; فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ~~ولأسباب مختلفة; وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض; إذ لا يحسن أن يرتبط ~~تصرف الإله في خلقه وأحكامه بعضها ببعض; مع اختلاف العلل والأسباب; كتصرف ~~الملوك والحكام والمفتين، وتصرف الانسان نفسه بأمور متوافقة ومتخالفة ~~ومتضادة. وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرفات مع بعض، مع اختلافها في ~~نفسها واختلاف أوقاتها. انتهى. # قال بعض مشايخنا المحققين: قد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة; ~~لأنها حسب الوقائع المتفرقة. وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا، ~~وعلى حسب الحكمة ترتيبا; فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب ~~المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف. وحافظ القرآن العظيم لو استفتى ~~في أحكام متعددة، أو ناظر فيها، أو أملاها لذكر آية يقول كل حكم ms0025 على ما ~~سئل، وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى، ولا كما نزل مفرقا; بل كما ~~أنزل جملة إلى بيت العزة. ومن المعجز البين أسلوبه، ونظمه الباهر; فإنه * ~~(كتاب أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم خبير) *. قال: والذي ينبغي في كل ~~آية أن يبحث أول كل شئ عن كونها مكملة لما قبلها، أو مستقلة. ثم المستقلة; ~~ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جم; وهكذا في السور يطلب وجه ~~اتصالها بما قبلها وما سيقت له. PageV01P037 # قلت: وهو مبنى على أن ترتيب السور توقيفي; وهذا الراجح كما سيأتي، وإذا ~~اعتبرت افتتاح كل سوره وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها; ثم ~~هو يخفى تارة ويظهر أخرى; كافتتاح سورة الأنعام بالحمد، فإنه مناسب لختام ~~سورة المائدة من فصل القضاء; كما قال سبحانه: * (وقضى بينهم بالحق وقيل ~~الحمد لله رب العالمين) *. لأن وكافتتاح سورة فاطر ب‍ * (الحمد) * أيضا; ~~فإنه مناسب لختام ما قبلها من قوله: * (وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل ~~بأشياعهم من قبل) *; وكما قال تعالى: * (فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمين) *. وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح، فإنه مناسب ~~لختام سورة الواقعة، من الأمر به. وكافتتاح البقرة بقوله: * (آلم ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه) * إشارة إلى * (الصراط) * في قوله: # * (اهدنا الصراط المستقيم) *; كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط ~~المستقيم قيل لهم: # ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب. # وهذا معنى حسن يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة; وهو يرد سؤال ~~الزمخشري في ذلك. # وتأمل ارتباط سورة * (لإيلاف قريش) * بسورة الفيل; حتى قال الأخفش ~~اتصالها بها من باب قوله: * (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) *. ~~PageV01P038 # ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة للتي قبلها; لأن السابقة قد وصف ~~الله فيها المنافق بأمور أربعة: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع ~~الزكاة; فذكر هنا في مقابلة البخل: * (إنا أعطيناك الكوثر) * أي الكثير. ~~وفى مقابلة ترك الصلاة " فصل " أي دم عليها; وفى مقابلة الرياء * (لربك) *، ~~أي لرضاه ms0026 لا للناس، وفى مقابلة منع الماعون: * (وانحر) *; وأراد به التصدق ~~بلحم الأضاحي; فاعتبر هذه المناسبة العجيبة. # وكذلك مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح، وسورة الكهف بالتحميد; لأن ~~التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد; يقال: سبحان الله، والحمد الله. # وذكر الشيخ كمال الدين الزملكاني في بعض دروسه مناسبة استفتاحها بذلك ما ~~ملخصه: إن سورة بنى إسرائيل افتتحت بحديث الإسراء; وهو من الخوارق الدالة ~~على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول من عند الله، والمشركون ~~كذبوا ذلك وقالوا: كيف يسير في ليلة من مكة إلى بيت المقدس! وعادوا وتعنتوا ~~وقالوا: صف لنا بيت المقدس; فرفع له حتى وصفه لهم. والسبب في الإسراء أولا ~~لبيت المقدس، ليكون ذلك دليلا على صحة قوله بصعود السماوات; فافتتحت ~~بالتسبيح تصديقا لنبيه فيما ادعاه; لأن تكذيبهم له تكذيب عناد، فنزه نفسه ~~قبل الإخبار بهذا الذي كذبوه. وأما الكهف فإنه لما احتبس الوحي، وأرجف ~~الكفار بسبب ذلك، أنزلها الله ردا عليهم، وأنه لم يقطع نعمه عن نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، بل أتم عليه بإنزال الكتاب، فناسب افتتاحها بالحمد على هذه ~~النعمة. وإذا ثبت هذا بالنسبة إلى السور، فما ظنك بالآيات وتعلق بعضها ~~ببعض! بل عند التأمل يظهر أن القرآن كله كالكلمة الواحدة. PageV01P039 # [أنواع ارتباط الآي بعضها ببعض] عدنا إلى ذكر ارتباط الآي بعضها ببعض; ~~فنقول: # ذكر الآية بعد الأخرى; إما أن يظهر الارتباط بينهما لتعلق الكلام بعضه ~~ببعض وعدم تمامه بالأولى فواضح، وكذلك إذا كانت الثانية للأولى على جهة ~~التأكيد والتفسير، أو الاعتراض والتشديد; وهذا القسم لا كلام فيه. # وإما ألا يظهر الارتباط; بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى، وأنها ~~خلاف النوع المبدوء به. فإما أن تكون معطوفة على ما قبلها بحرف من حروف ~~العطف المشترك في الحكم، أولا: # القسم الأول أن تكون معطوفة; ولا بد أن تكون بينهما جهة جامعة على ما سبق ~~تقسيمه; كقوله تعالى: * (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من ~~السماء وما يعرج فيها). وقوله: ms0027 * (والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون) *. # وفائدة العطف جعلهما كالنظيرين والشريكين. # وقد تكون العلاقة بينهما المضادة; وهذا كمناسبة ذكر الرحمة بعد ذكر ~~العذاب، والرغبة بعد الرهبة. وعادة القرآن العظيم إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها ~~وعدا ووعيدا; ليكون ذلك باعثا على العمل بما سبق; ثم يذكر آيات التوحيد ~~والتنزيه; ليعلم عظم الآمر والناهي. وتأمل سورة البقرة والنساء والمائدة ~~وغيرها تجده كذلك. # وقد تأتي الجملة معطوفة على ما قبلها ويشكل وجه الارتباط; فتحتاج إلى ~~شرح; ونذكر من ذلك صورا يلتحق بها ما هو في معناها: # فمنها قوله تعالى: * (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج، وليس ~~البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها...) الآية; فقد يقال: أي رابط بين أحكام ~~الأهلة وبين حكم إتيان البيوت؟ والجواب من وجوه: PageV01P040 # أحدها كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الحكمة في تمام الأهلة ونقصانها: معلوم ~~أن كل ما يفعله الله فيه حكمة ظاهرة، ومصلحة لعباده، فدعوا السؤال عنه، ~~وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم; مما ليس من البر في شئ وأنتم تحسبونها ~~برا. # الثاني أنه من باب الاستطراد; لما ذكر أنها مواقيت للحج; وكان هذا من ~~أفعالهم في الحج; ففي الحديث: أن ناسا من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل ~~أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب; فإن أهل المدر نقب نقبا في ظهر ~~بيته; منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما يصعد به. وإن كان من أهل الوبر خرج من ~~خلف الخباء; فقيل لهم: ليس البر بتحرجكم على من دخول الباب; لكن البر بر من ~~اتقى ما حرم الله; وكان من حقهم السؤال عن هذا وتركهم السؤال عن الأهلة. ~~ونظيره في الزيادة على الجواب قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المتوضئ ~~بماء البحر فقال: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ". # الثالث أنه من قبيل التمثيل لما هم عليه; من تعكيسهم في سؤالهم; وأن ~~مثلهم كمثل من يترك بابا ويدخل من ظهر البيت; فقيل لهم: ليس البر ما أنتم ~~عليه من تعكيس الأسئلة; ولكن البر من ms0028 اتقى ذلك، ثم قال الله سبحانه: * ~~(وأتوا البيوت من أبوابها) * أي باشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر ~~عليها، ولا تعكسوا. والمراد أن يصمم القلب على أن جميع أفعال الله حكمة ~~منه; وأنه * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * فإن في السؤال اتهاما. # ومنها قوله سبحانه وتعالى: * (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~PageV01P041 # الحرام إلى المسجد الأقصى...) إلى أن قال: * (وآتينا موسى الكتاب) *; ~~فإنه قد يقال: أي رابط بين الإسراء، و * (آتينا موسى الكتاب) *؟ ووجه ~~اتصالها بما قبلها أن التقدير: أطلعناه على الغيب عيانا، وأخبرناه بوقائع ~~من سلف بيانا، لتقوم أخبار على معجزته برهانا; أي سبحان الذي أطلعك على بعض ~~آياته لتقصها ذكرا، وأخبرك بما جرى لموسى وقومه في الكرتين; لتكون قصتهما ~~آية أخرى. أو أنه أسرى بمحمد إلى ربه كما أسرى بموسى من مصر حين خرج منها ~~خائفا يترقب. ثم ذكر بعده: * (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا) * ~~ليتذكر بنو إسرائيل نعمة الله عليهم قديما; حيث نجاهم من الغرق; إذ لو لم ~~ينج أباهم من أبناء نوح لما وجدوا. وأخبرهم أن نوحا كان عبدا شكورا; وهم ~~ذريته، والولد سر أبيه; فيجب أن يكونوا شاكرين كأبيهم; لأنه يجب أن يسيروا ~~سيرته فيشكروا. # وتأمل كيف أثنى عليه وكيف تليق صفته بالفاصلة، ويتم النظم بها، مع خروجها ~~مخرج المرور عن الكلام الأول إلى ذكره ومدحه بشكره، وأن يعتقدوا تعظيم ~~تخليصه إياهم من الطوفان بما حملهم عليه، ونجاهم منه; حين أهلك من عداهم. ~~وقد عرفهم أنه إنما يؤاخذهم بذنوبهم وفسادهم فيما سلط عليهم من قتلهم. ثم ~~عاد عليهم بالإحسان والإفضال; كي يتذكروا ويعرفوا قدر نعمة الله عليهم وعلى ~~نوح الذي ولدهم وهم ذريته; فلما صاروا إلى جهالتهم وتمردوا عاد عليهم ~~التعذيب. # ثم ذكر تعالى في ثلاث آيات بعد ذلك معنى هذه القصة، بكلمات قليلة العدد، ~~كثيرة الفوائد; لا يمكن شرحها إلا بالتفصيل الكثير والكلام الطويل، مع ما ~~اشتمل عليه من التدريج العجيب، والموعظة العظيمة بقوله: * (إن أحسنتم ~~أحسنتم ms0029 لأنفسكم وإن أسأتم PageV01P042 # فلها) *، ولم ينقطع بذلك نظام الكلام، إلى أن خرج إلى قوله: * (عسى ربكم ~~أن يرحمكم وإن عدتم عدنا) *، يعنى إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى العفو. ثم ~~خرج خروجا آخر إلى حكمة القرآن; لأنه الآية الكبرى. وعلى هذا فقس الانتقال ~~من مقام إلى مقام; حتى ينقطع الكلام. # * * * وبهذا يظهر لك اشتمال القرآن العظيم على النوع المسمى بالتخلص. وقد ~~أنكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي تعالى وقال: ليس في القرآن ~~الكريم منه شئ، لما فيه من التكلف. وليس كما قال. # ومن أحسن أمثلته قوله تعالى: * (الله نور السماوات والأرض...) * الآية، ~~فإن فيها خمس تخلصات: وذلك أنه جاء بصفة النور وتمثيله، ثم تخلص منه إلى ~~ذكر الزجاجة وصفاتها، ثم رجع إلى ذكر النور والزيت يستمد منه، ثم التخلص ~~منه إلى ذكر الشجرة، ثم تخلص من ذكرها إلى صفة الزيت، ثم تخلص من صفة الزيت ~~إلى صفة النور وتضاعفه، ثم تخلص منه إلى نعم الله بالهدى على من يشاء. # ومنه قوله تعالى: * (سأل سائل بعذاب واقع...) * الآية; فإنه سبحانه ذكر ~~أولا عذاب الكفار وأن لا دافع له من الله; ثم تخلص إلى قوله: * (تعرج ~~الملائكة والروح إليه) * بوصف * (الله ذي المعارج) *. # ومنه قوله تعالى: * (واتل عليهم نبأ إبراهيم. إذ قال لأبيه وقومه ما ~~تعبدون) *، PageV01P043 # إلى قوله: * (فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين) *، فهذا تخلص من قصة ~~إبراهيم وقومه إلى قوله هكذا; وتمنى الكفار في الدار الآخرة الرجوع إلى ~~الدنيا ليؤمنوا بالرسل; وهذا تخلص عجيب. # وقوله: * (قال هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل ~~وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم وآباءكم ~~الأقدمون. فإنهم عدو لي إلا رب العالمين. الذي خلقني فهو يهدين) *. وذلك ~~أنه لما أراد الانتقال من أحوال أصنامهم إلى ذكر صفات الله قال: إن أولئك ~~لي أعداء إلا الله، فانتقل بطريق الاستثناء المنفصل. # وقوله تعالى: * (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم. ~~وجدتها وقومها يسجدون ms0030 للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل فهم لا يهتدون. ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ~~ويعلم ما تعلنون. الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم). # وقوله تعالى في سورة الصافات: * (أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم) *; وهذا ~~من بديع التخلص; فإنه سبحانه خلص من وصف المخلصين وما أعد لهم، إلى وصف ~~الظالمين وما أعد لهم. # ومنه أنه تعالى في سورة الأعراف ذكر الأمم الخالية والأنبياء الماضين من ~~آدم عليه السلام إلى أن انتهى إلى قصة موسى عليه السلام، فقال في آخرها: ~~واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة..) * إلى * ~~(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل) *، وهو من بديع التخلص. PageV01P044 # واعلم أنه حيث قصد التخلص فلا بد من التوطئة له; ومن بديعه قوله تعالى: ~~نحن نقص عليك أحسن القصص) * يشير إلى قصة يوسف عليه السلام. فوطأ بهذه ~~الجملة إلى ذكر القصة; يشير إليها بهذه النكتة من باب الوحي والرمز. وكقوله ~~سبحانه موطئا للتخلص إلى ذكر مبتدأ خلق المسيح عليه السلام: * (إن الله ~~اصطفى آدم ونوحا...) * الآية. # * * * ومنها قوله تعالى: * (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه ~~الله) *; فإنه قد يقال: ما وجه اتصاله بما قبله، وهو قوله: ومن أظلم ممن ~~منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) * النبي الآية؟ قال ~~الشيخ أبو محمد الجويني في تفسيره: # سمعت أبا الحسين الدهان يقول: وجه اتصالها هو أن ذكر تخريب بيت المقدس قد ~~سبق، أي فلا يجرمنكم ذلك واستقبلوها، فإن لله المشرق والمغرب. # ومنها قوله تعالى: * (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف ~~رفعت...) * الآية; فإنه يقال: ما وجه الجمع بين الإبل والسماء والجبال ~~والأرض في هذه الآية؟ والجواب أنه جمع بينهما على مجرى الإلف والعادة ~~بالنسبة إلى أهل الوبر; فإن كل انتفاعهم في معايشهم من الإبل، فتكون ~~عنايتهم مصروفة إليها; ولا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب; وذلك بنزول المطر; وهو ~~سبب ms0031 تقلب وجوههم في السماء; ثم لابد لهم من مأوى يؤويهم، وحصن يتحصنون ~~[به]; ولا شئ في ذلك كالجبال; ثم لا غنى لهم - لتعذر طول مكثهم في منزل - ~~عن التنقل من أرض إلى سواها; فإذا نظري البدوي في خياله وجد صورة هذه ~~الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور. PageV01P045 # ومنها قوله تعالى: * (هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء) *، ~~فيقال: ارتباط بينهما؟ وجوابه أن المبتدأ وهو * (من) * خبره محذوف، أي أفمن ~~هو قائم على كل نفس تترك عبادته؟ أو معادل الهمزة تقديره: أفمن هو قائم على ~~كل نفس كمن ليس بقائم؟ ووجه العطف على التقديرين واضح. أما الأول فالمعنى: ~~أتترك عبادة من هو قائم على كل نفس، ولم يكف الترك حتى جعلوا له شركاء! ~~وأما على الثاني فالمعنى: إذا انتفت المساواة بينهما فكيف تجعلون لغير ~~المساوي حكم المساوي!. # ومنها قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم...) * إلى قوله: * ~~(والله لا يهدى القوم الظالمين. أو كالذي مر على قرية) * عطف قصة على قصة; ~~مع أن شرط العطف المشاكلة، فلا يحسن في نظير الآية * (ألم تر إلى ربك) * * ~~(أو كالذي) *. # ووجه ما بينهما من المشابهة أن * (ألم تر) * بمنزلة: هل رأيت كالذي حاج ~~إبراهيم؟ وإنما كانت بمنزلتها لأن * (ألم تر) * مركبة من همزة الاستفهام ~~وحرف النفي ولذلك يجاب ببلى والاستفهام يعطى النفي، إذ حقيقة المستفهم عنه ~~غير ثابتة عند المستفهم; ومن ثم جاء حرف الاستفهام مكان حرف النفي، ونفى ~~النفي إيجاب، فصار بمثابة " رأيت " غير أنه مقصود به الاستفهام، ولم يمكن ~~أن يؤتى بحرفه لوجوده في اللفظ; فلذلك أعطى معنى; هل رأيت. # فإن قلت: من أين جاءت " إلى " ورأيت يتعدى بنفسه؟ أجيب لتضمنه معنى " ~~تنظر ". # القسم الثاني ألا تكون معطوفة، فلا بد من دعامة تؤذن باتصال الكلام، وهي ~~قرائن معنوية مؤذنة بالربط; والأول مزج لفظي;، وهذا مزج معنوي، تنزل ~~الثانية من الأولى منزلة جزئها الثاني، وله أسباب. PageV01P046 # أحدها التنظير; فإن إلحاق النظير بالنظير من دأب العقلاء; ومن أمثلته ~~قوله تعالى: ms0032 # * (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق) * عقب قوله: * (أولئك هم المؤمنون حقا ~~لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) * فإن الله سبحانه أمر رسوله أن يمضى ~~لأمره في الغنائم على كره من أصحابه كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب ~~العير وهم كارهون; وذلك أنهم اختلفوا في القتال يوم بدر في الأنفال، وحاجوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم وجادلوه; فكره كثيرا منهم ما كان من فعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في النفل، فأنزل الله هذه الآية، وأنفذ أمره بها، ~~وأمرهم أن يتقوا الله ويطيعوه، ولا يعترضوا عليه فيما يفعله من شئ ما، بعد ~~أن كانوا مؤمنين. ووصف المؤمنين; ثم قال: * (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ~~وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) *، يريد أن كراهيتهم لما فعلته من الغنائم ~~ككراهتهم كما للخروج معك. # وقيل: معناه أولئك هم المؤمنون حقا; كما أخرجك ربك من بيتك بالحق; كقوله ~~تعالى: # * (فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) *. # وقيل: الكاف صفة لفعل مضمر; وتأويله: افعل في الأنفال كما فعلت في الخروج ~~إلى بدر، وإن كره القوم ذلك; ونظيره قوله تعالى: * (كما أرسلنا فيكم رسولا ~~منكم) * معناه: كما أنعمنا عليكم بإرسال رسول من أنفسكم فكذلك أتم نعمتي ~~عليكم; فشبه كراهتهم ما جرى من أمر الأنفال وقسمتها بالكراهة في مخرجه من ~~بيته. # وكل ما لا يتم الكلام إلا به; من صفة وصلة فهو من نفس الكلام. # وأما قوله تعالى: * (كما أنزلنا على المقتسمين) * بعد قوله: * (وقل إني ~~أنا PageV01P047 # النذير المبين) * فإن فيه محذوفا; كأنه قال: أنا النذير المبين، عقوبة أو ~~عذابا، مثل ما أنزلنا على المقتسمين. # وأما قوله تعالى: * (لا تحرك به لسانك لتعجل به) * وقد اكتنفه من جانبيه ~~قوله: (بل الانسان على نفسه بصيرة. ولو ألقى معاذيره) *. وقوله: * (كلا بل ~~تحبون العاجلة. وتذرون الآخرة) *; فهذا من باب قولك للرجل، وأنت تحدثه ~~بحديث فينتقل عنك ويقبل على، شئ آخر: أقبل على واسمع ما أقول، وافهم عنى، ~~ونحو هذا الكلام; ثم تصل حديثك; ms0033 فلا يكون بذلك خارجا عن الكلام الأول; ~~قاطعا له; وإنما يكون به مشوقا للكلام. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أميا لا يقرأ ولا يكتب; وكان إذا نزل عليه الوحي وسمع القرآن حرك لسانه ~~بذكر الله، فقيل له: تدبر ما يوحى إليك، ولا تتلقفه بلسانك; فإنما نجمعه لك ~~ونحفظه عليك. # ونظيره قوله في سورة المائدة: * (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) * إلى ~~قوله: * (الاسلام دينا) *، فإن الكلام بعد ذلك متصل بقوله أولا: * (ذلكم ~~فسق) *، ووسط هذه الجملة بين الكلامين ترغيبا في قبول هذه الأحكام، والعمل ~~بها، والحث على مخالفة الكفار وموت كلمتهم وإكمال الدين. ويدل على اتصال * ~~(فمن اضطر) * بقوله: * (ذلكم فسق) * آية الأنعام * (قل لا أجد فيما أوحى ~~إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير ~~فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر) *. PageV01P048 # الثاني المضادة; ومن أمثلته قوله تعالى في سورة البقرة: * (إن الذين ~~كفروا سواء عليهم) * الآية، فإنه أول السورة كان حديثا عن القرآن الكريم، ~~وأن من شأنه كيت وكيت، وأنه لا يهدى القوم الذين من صفاتهم كيت وكيت. فرجع ~~إلى الحديث عن المؤمنين، فلما أكمله عقب بما هو حديث عن الكفار; فبينهما ~~جامع وهمي بالتضاد من هذا الوجه، وحكمته التشويق والثبوت على الأول، كما ~~قيل: # * وبضدها تتبين الأشياء * فإن قيل: هذا جامع بعيد، لأن كونه حديثا عن ~~المؤمنين، بالعرض لا بالذات، والمقصود بالذات الذي هو مساق الكلام إنما هو ~~الحديث عن الكتاب، لأنه مفتتح القول. # قلنا: لا يشترط في الجامع ذلك، بل يكفى التعلق على أي وجه كان، ويكفى في ~~وجه الربط ما ذكرنا، لأن القصد تأكيد أمر القرآن والعمل به، والحث على ~~الإيمان به، ولهذا لما فرغ من ذلك قال: * (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا) * الآية. # فرجع إلى الأول. # الثالث: الاستطراد; كقوله تعالى: * (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يوارى سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم ms0034 يذكرون) ~~*. # قال الزمخشري: هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد، عقب ذكر بدو السوءات ~~وخصف الورق عليها; إظهارا للمنة فيما خلق الله من اللباس، ولما في العرى ~~وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارا بأن الستر باب عظيم من أبواب ~~التقوى. # وجعل القاضي أبو بكر في كتاب " إعجاز القرآن " من الاستطراد قوله تعالى " ~~* (ألم PageV01P049 # يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم ~~داخرون. # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا ~~يستكبرون) *. # وقال: " كأن المراد أن يجرى بالقول الأول إلى الإخبار عن أن كل شئ يسجد ~~لله عز وجل، وإن كان ابتداء الكلام في أمر خاص ". انتهى، وفيه نظر. # ومنه الانتقال من حديث إلى آخر تنشيطا للسامع كقوله تعالى في سورة ص بعد ~~ذكر الأنبياء: * (هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب) *، فإن هذا القرآن نوع من ~~الذكر، لما انتهى ذكر الأنبياء، وهو نوع من التنزيل، أراد أن يذكر نوعا ~~آخر، وهو ذكر الجنة وأهلها، فقال: * (هذا ذكر) *; فأكد تلك الإخبارات باسم ~~الإشارة، تقول: أشير عليك بكذا، ثم تقول بعده: هذا الذي عندي والأمر إليك. ~~وقال: * (وإن للمتقين لحسن مآب) *، كما يقول المصنف: هذا باب يشرع في باب ~~آخر. ولذلك لما فرغ من ذكر أهل الجنة قال: * (هذا وإن للطاغين لشر مآب) *. # فصل [في اتصال اللفظ والمعنى على خلافه] وقد يكون اللفظ متصلا بالآخر ~~والمعنى على خلافه; كقوله تعالى: * (ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم ~~تكن بينكم وبينه مودة) *; فقوله: * (كأن لم تكن بينكم وبينه مودة) * منظوم ~~بقوله: * (قال قد أنعم الله على) *; لأنه موضع الشماتة. # وقوله: * (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) *; فإنه متصل بقوله: * ~~(وإن PageV01P050 # فريقا من المؤمنين لكارهون. كأنما يساقون) *. # وقوله: * (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) * جواب الشرط قوله تعالى: # * (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع) *، وقوله: * (قلت لا أجد ما أحملكم ~~عليه) * داخل في الشرط. # وقوله: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا ms0035 به) * إلى قوله: إلا ~~قليلا. فقوله: * (إلا قليلا) * متصل بقوله: * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) ~~*. ومثل بقوله: * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) *. على تأويل: ولولا فضل ~~الله عليكم ورحمته إلا قليلا ممن لم يدخله في رحمته، واتبعوا الشيطان، لا ~~تبعتم الشيطان. # ومما يحتمل الاتصال والانقطاع قوله تعالى: * (في بيوت أذن الله أن ترفع ~~ويذكر فيها اسمه) *; يحتمل أن يكون متصلا بقوله: * (فيها مصباح) *، أي ~~المصباح في بيوت، ويكون تمامه على قوله: * (ويذكر فيها اسمه) * و * (يسبح ~~له فيها رجال) * صفة للبيوت ويحتمل أن يكون منقطعا، واقعا خبرا إلا لقوله: ~~* (ورجال لا تلهيهم) *. # ومما يتعين أن يكون منقطعا قوله: * (ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين) * مستأنف، لأنه لو جعل متصلا " بيعزب " لاختل المعنى، إذ يصير ~~على حد قولك: ما يعزب عن ذهني إلا في كتاب، أي استدراكه. # وقوله: * (فيه هدى للمتقين) *، منهم من قضى باستئنافه على أنه مبتدأ ~~وخبر، ومنهم من قضى بجعل * (فيه) * خبر * (لا) * وهدى نصب على الحال في ~~تقدير " هاديا ". PageV01P051 # ولا يخفى انقطاع * (الذين يحملون العرش) * عن قوله: * (أنهم أصحاب النار) ~~*. # وكذا * (فلا يحزنك قولهم) * عن قوله سبحانه: * (إنا نعلم ما يسرون وما ~~يعلنون) *. # وكذلك قوله: * (فأصبح من النادمين) * عن قوله: * (من أجل ذلك كتبنا على ~~بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس) *. PageV01P052 # النوع الثالث معرفة الفواصل ورؤوس الآي وهي كلمة آخر الآية، كقافية الشعر ~~وقرينة السجع. # وقال الداني: كلمة آخر الجملة. # قال الجعبري: وهو خلاف المصطلح، ولا دليل له في تمثيل سيبويه ب‍ * (يوم ~~يأت) *، و * (ما كنا نبغ) *، وليسا رأس آي; لأن مراده الفواصل اللغوية لا ~~الصناعية; ويلزم أبا عمرو إمالة * (من أعطى) * لأبى عمرو. # وقال القاضي أبو بكر: الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع، يقع بها إفهام ~~المعاني. انتهى. # وفرق الإمام أبو عمرو الداني بين الفواصل ورؤوس الآي، قال: أما الفاصلة ~~فهي الكلام المنفصل مما بعده. والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس، ~~وكذلك PageV01P053 # الفواصل يكن رؤوس آي وغيرها. وكل رأس ms0036 آية فاصلة، وليس كل فاصلة رأس آية; ~~فالفاصلة فيه تعم النوعين، وتجمع الضربين; ولأجل كون معنى الفاصلة هذا ذكر ~~سيبويه في تمثيل القوافي * (يوم يأت) * و * (ما كنا نبغ) * - وهما غيره رأس ~~آيتين بإجماع - مع * (إذا يسر) *; وهو رأس آية باتفاق. انتهى. # وتقع الفاصلة عند الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام بها; وهي الطريقة ~~التي يباين القرآن بها سائر الكلام. وتسمى فواصل; لأنه ينفصل عندها ~~الكلامان; وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها، ولم يسموها أسجاعا. # فأما مناسبة فواصل، فلقوله تعالى: * (كتاب فصلت آياته) *. وأما تجنب ~~أسجاع، فلأن أصله من سجع الطير، فشرف القرآن الكريم أن يستعار لشئ فيه لفظ ~~هو أصل في صوت الطائر، ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في ~~اسم السجع الواقع في كلام آحاد الناس، ولأن القرآن من صفات الله عز وجل فلا ~~يجوز وصفه بصفة لم يرد الإذن بها وإن صح المعنى; ثم فرقوا بينهما فقالوا: ~~السجع هو الذي يقصد في نفسه ثم يحيل المعنى عليه، والفواصل التي تتبع ~~المعاني، ولا تكون مقصودة في نفسها قال الرماني في كتاب " إعجاز القرآن "، ~~وبنى عليه أن الفواصل بلاغة والسجع عيب، وتبعه القاضي أبو بكر الباقلاني في ~~كتاب " إعجاز القرآن "، ونقل عن الأشعرية امتناع كون في القرآن سجعا. قال: ~~" ونص عليه الشيخ أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه ". PageV01P054 # قال: " وذهب كثير من مخالفيهم إلى إثبات السجع في القرآن، وزعموا أن ذلك ~~مما تبين فيه فضل الكلام، وأنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان ~~والفصاحة، كالتجنيس، والالتفاف ونحوها ". قال: " وأقوى ما استدلوا به ~~الاتفاق على أن موسى أفضل من هارون عليهما السلام، ولما كان السجع قيل في ~~موضع: * (هارون وموسى ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون قيل: * ~~(موسى وهارون) *. # قالوا: وهذا يفارق أمر الشعر لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصودا ~~إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذي نسميه شعرا، وذلك القدر ~~يتفق وجوده من ms0037 المفحم كما يتفق وجوده في الشعر. وأما ما جاء في القرآن من ~~السجع فهو كثير لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه ". # قال: " وبنوا الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع; قال أهل اللغة: هو ~~موالاة الكلام على وزن واحد. قال: ابن دريد: " سجعت الحمامة: رددت صوتها ". # قال القاضي: وهذا [الذي يزعمونه] غير صحيح; ولو كان القرآن سجعا لكان غير ~~خارج عن أساليب كلامهم; ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز، ولو جاز أن ~~يقال: هو سجع معجز، لجاز لهم أن يقولوا: شعر معجز. وكيف! والسجع مما كانت ~~PageV01P055 # كهان العرب تألفه; ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر; لأن ~~الكهانة تخالف النبوات; بخلاف الشعر. # وما توهموا أنه سجع باطل; لأن مجيئه على صورته لا يقتضى كونه هو; لأن ~~السجع [من الكلام] يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدى السجع; وليس كذلك ما ~~أتفق مما هو في معنى السجع من القرآن; لأن اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى. ~~وفرق بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدى المعنى المقصود فيه، ~~وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ; ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة ~~السجع كإفادة غيره. ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتحسين ~~الكلام دون تصحيح المعنى. # قال: و [أما] ما ذكروه في تقديم موسى على هارون في موضع وتأخيره عنه في ~~موضع لأجل السجع، ولتساوى مقاطع الكلام فمردود، بل الفائدة فيه إعادة القصة ~~الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدى معنى واحدا، وذلك من الأمر الصعب الذي تظهر فيه ~~الفصاحة، وتقوى البلاغة، ولهذا أعيدت كثير من القصص [في مواضع كثيرة ~~مختلفة] على ترتيبات متفاوتة; تنبيها بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله، ~~مبتدأ به ومكررا. PageV01P056 # ولو أمكنهم المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدى إلى ~~تلك المعاني ونحوها [وجعلوها بإزاء ما جاء به، وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه ~~وإلى مساواته فيما حكى وجاء به. وكيف وقد قال لهم: * (فليأتوا بحديث مثله ~~إن كانوا صادقين) *] فعلى هذا هذا ms0038 يكون المقصد - بتقديم بعض الكلمات على ~~بعض وتأخيرها - إظهار الإعجاز [على الطريقين جميعا] دون السجع [الذي ~~توهموه]. # إلى أن قال: " فبان [بما قلنا] أن الحروف الواقعة في الفواصل مناسبة موقع ~~النظائر التي تقع في الأسجاع، لا يخرجها عن حدها، ولا يدخلها في باب السجع. ~~وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء; فكان بعض مصاريعه ~~كلمتين، وبعضها يبلغ كلمات، ولا يرون ذلك فصاحة، بل يرونه عجزا، فلو فهموا ~~اشتمال القرآن على السجع لقالوا: نحن نعارضه بسجع معتدل، فنزيد في الفصاحة ~~على طريق القرآن، [ونتجاوز حده في البراعة والحسن]. انتهى ما ذكره القاضي ~~والرماني. # رد عليهما الخفاجي " في كتاب سر الفصاحة " فقال: " وأما قول الرماني إن ~~السجع عيب، والفواصل [على الإطلاق] بلاغة فغلط، فإنه إن أراد بالسجع ما ~~يتبع المعنى، وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة، والفواصل مثله. وإن أراد به ما ~~تقع المعاني تابعة له، وهو مقصود متكلف، فذلك عيب، والفواصل مثله ". ~~PageV01P057 # قال: " وأظن أن الذي دعاهم إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل، ولم يسموا ~~ما تماثلت حروفه سجعا رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من ~~الكلام المروى عن الكهنة وغيرهم، وهذا غرض في التسمية قريب، والحقيقة ما ~~قلناه ". # ثم قال: " والتحرير أن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفواصل. # فإن قيل: إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعا! # وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع؟ قلنا: إن القرآن نزل ~~بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم، وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كله مسجوعا ~~لما فيه من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع، لا سيما فيما يطول من ~~الكلام، فلم يرد كله مسجوعا جريا منه على عرفهم في اللطيفة العالية من ~~كلامهم، ولم يخل من السجع; لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة السابقة، ~~[وعليها ورد في فصيح كلامهم، فلم يجز أن يكون عاليا في الفصاحة وقد أدخل ~~فيه بشرط من شروطها]. فهذا هو السبب في ورود بعضه كذلك وبعضه بخلافه ". # وخصت فواصل الشعر ms0039 باسم القوافي لأن الشاعر يقفوها أي يتبعها في شعره، لا ~~يخرج عنها، وهي في الحقيقة فاصلة، لأنها تفصل آخر الكلام، فالقافية أخص في ~~الاصطلاح، إذ كل قافية فاصلة، ولا عكس. # ويمتنع استعمال القافية في كلام الله تعالى، لأن الشرع لما سلب عنه اسم ~~الشعر وجب PageV01P058 # سلب القافية أيضا عنه لأنها منه، وخاصة به في الاصطلاح. وكما يمتنع ~~استعمال القافية في في القرآن، لا تطلق الفاصلة في الشعر، لأنها صفة لكتاب ~~الله، فلا تتعداه. # قيل: وقد يقع في القرآن الإيطاء، وهو ليس بقبيح فيه، إنما يقبح في الشعر، ~~كقوله تعالى في سورة البقرة: * (كأنهم لا يعلمون) *. ثم قال في آخرين: * ~~(لو كانوا يعلمون) *، ثلاث فواصل متوالية " يعلمون " يعلمون، [يعلمون]، ~~فهذا لا يقبح في القرآن قولا واحدا. # قيل: ويقع فيه التضمين، وليس بقبيح، إنما يقبح في الشعر، ومنه سورتا ~~الفيل وقريش، فإن اللام في (لإيلاف قريش) * قيل: إنها متعلقة ب‍ * (جعلهم) ~~* في آخر الفيل. # وحكى حازم في " منهاج البلغاء " خلافا غريبا فقال: وللناس في الكلام ~~المنثور من جهة تقطيعه إلى مقادير تتقارب في الكمية، وتتناسب مقاطعها على ~~ضرب منها، أو بالنقلة من ضرب واقع في ضربين أو أكثر، إلى ضرب آخر مزدوج، في ~~كل ضرب PageV01P059 # ضرب منها أو يزيد على الازدواج، ومن جهة ما يكون غير مقطع، إلى مقادير ~~بقصد تناسب أطرافها، وتقارب ما بينها في كمية الألفاظ والحروف ثلاثة مذاهب: # منهم من يكره تقطيع الكلام إلى مقادير متناسبة الأطراف، غير متقاربة في ~~الطول والقصر لما فيه من التكلف، إلا ما يقع به الإلمام في النادر من ~~الكلام. # والثاني أن التناسب الواقع بإفراغ الكلام في قوالب التقفية وتحليتها ~~بمناسبات المقاطع أكيد جدا. # والثالث - وهو الوسط - أن السجع لما كان زينة للكلام، فقد يدعو إلى ~~التكلف، فرئي ألا يستعمل في الكلام، وأن لا يخلى الكلام بالجملة منه أيضا، ~~ولكن يقبل من الخاطر فيه ما اجتلبه عفوا، بخلاف التكلف، وهذا رأى أبى الفرج ~~قدامة. # قال حازم: وكيف يعاب السجع على الإطلاق! وإنما نزل القرآن ms0040 على أساليب ~~الفصيح من كلام العرب، فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلام ~~العرب، وإنما لم يجئ على أسلوب واحد، لأنه لا يحسن في الكلام جميعا أن يكون ~~مستمرا على نمط واحد، لما فيه من التكلف، ولما في الطبع من الملل عليه. ~~ولأن الافتنان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد، فلهذا وردت ~~بعض آي القرآن متماثلة المقاطع، وبعضها غير متماثل. # [إيقاع المناسبة في مقاطع الفواصل] واعلم أن إيقاع المناسبة في مقاطع ~~الفواصل حيث تطرد متأكد جدا، ومؤثر في اعتدال نسق الكلام وحسن موقعه من ~~النفس تأثيرا عظيما، ولذلك خرج عن نظم الكلام لأجلها في مواضع: PageV01P060 # أحدها زيادة حرف لأجلها، ولهذا ألحقت الألف ب‍ " الظنون " في قوله تعالى ~~" * (وتظنون بالله الظنونا) *، لأن مقاطع فواصل هذه السورة ألفات منقلبة عن ~~تنوين في الوقف، فزيد على النون ألف لتساوى المقاطع، وتناسب نهايات ~~الفواصل، ومثله: # * (فأضلونا السبيلا) *، * (وأطعنا الرسولا) *. # وأنكر بعض المغاربة ذلك وقال: لم تزد الألف لتناسب رؤوس الآي كما قال ~~قوم، لأن في سورة الأحزاب: * (والله يقول الحق وهو يهدى السبيل) * وفيها: * ~~(فأضلونا السبيلا) *، وكل واحد منها رأس آية، وثبتت الألف بالنسبة إلى حالة ~~أخرى غير تلك في الثاني دون الأول، فلو كان لتناسب رؤوس الآي لثبت من ~~الجميع. # قال: وإنما زيدت الألف في مثل ذلك لبيان القسمين، واستواء الظاهر والباطن ~~بالنسبة إلى حالة أخرى غير تلك. وكذلك لحاق هاء السكت في قوله: * (ماهيه) * ~~في سورة القارعة، هذه الهاء عدلت مقاطع الفواصل في هذه السورة، وكان ~~للحاقها أي في هذا الموضع تأثير عظيم في الفصاحة. # وعلى هذا - والله أعلم - ينبغي أن يحمل لحاق النون في المواضع التي قد ~~تكلم في لحاق النون إياها، نحو قوله تعالى: * (وكل في فلك يسبحون) *، وقوله ~~تعالى: * (كونوا قردة خاسئين) * فإن من مآخذ الفصاحة ومذاهبها أن يكون ورود ~~هذه النون في مقاطع هذه الأنحاء للآي راجح الأصالة في الفصاحة، لتكون فواصل ~~السور الوارد فيها ذلك قد استوثق فيما قبل حروفها المتطرفة، وقوع حرفي ms0041 المد ~~واللين. PageV01P061 # وقوله تعالى: * (وطور سينين) * وهو طور سيناء; لقوله: * (وشجرة تخرج من ~~طور سيناء) *. # وقوله تعالى: * (لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون) * كرر " لعل " مراعاة ~~لفواصل الآي، إذ لو جاء على الأصل لقال: لعلى أرجع إلى الناس فيعلموا; بحذف ~~النون على الجواب. # الثاني حذف همزة أو حرف اطرادا; كقوله تعالى: * (والليل إذا يسر) *. # الثالث الجمع بين المجرورات; وبذلك يجاب عن سؤال في قوله تعالى: * (لا ~~تجدوا لكم علينا به تبيعا) * فإنه قد توالت المجرورات بالأحرف الثلاثة، وهي ~~اللام في * (لكم) * والباء في * (به) * و * (على) * في * (علينا) * وكان ~~الأحسن الفصل. # وجوابه أن تأخر * (تبيعا) * وترك الفصل أرجح من أن يفصل به بين بعض ~~الروابط، وكذلك الآيات التي تتصل بقوله: * (ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا) *، فإن فواصلها كلها منصوبة منونة، فلم يكن بد من تأخير قوله: * ~~(تبيعا) * لتكون نهاية هذه الآية مناسبة لنهايات ثنا ما قبلها حتى تتناسق ~~على صورة واحدة. # الرابع تأخير ما أصله أن يقدم، كقوله تعالى: * (فأوجس في نفسه خيفة موسى) ~~*، لأن أصل الكلام أن يتصل الفعل بفاعله ويؤخر المفعول، لكن أخر الفاعل، ~~وهو " موسى " لأجل رعاية الفاصلة. # قلت: للتأخير حكمة أخرى، وهي أن النفس تتشوق لفاعل * (أوجس) *، فإذا جاء ~~بعد أن أخر وقع بموقع. PageV01P062 # وكقوله تعالى: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى) * فإن قوله: ~~* (وأجل مسمى) * معطوف على * (كلمة) * ولهذا رفع. والمعنى: * (ولولا كلمة ~~سبقت من ربك) * في التأخير * (مسمى) * لكان العذاب لزاما. لكنه قدم وأخر ~~لتشتبك رؤوس الآي. قاله ابن عطية. # وجوز الزمخشري عطفه على الضمير في * (لكان) *، أي لكان الأجل العاجل وأجل ~~مسمى لازمين له كما كانا لازمين لعاد وثمود، ولم ينفرد الأجل المسمى دون ~~الأجل العاجل. # ومنه قوله تعالى: * (جاء آل فرعون النذر) *، فأخر الفاعل لأجل الفاصلة. # وقوله: * (ومما رزقناهم ينفقون) * أخر الفعل عن المفعول فيها وقدمه فيما ~~قبلها في قوله: * (يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة) * لتوافق [رؤوس] الآي. ~~قاله أبو البقاء، وهو أجود من قول الزمخشري: قدم المفعول ms0042 للاختصاص. # ومنه تأخير الاستعانة عن العبادة في قوله تعالى: * (نعبد وإياك نستعين) * ~~وهي قبل العبادة، وإنما أخرت لأجل فواصل السورة في أحد الأجوبة. # الخامس إفراد ما أصله أن يجمع كقوله تعالى: * (إن المتقين في جنات ونهر ~~قال الفراء: الأصل " الأنهار " وإنما وحد لأنه رأس آية، فقابل بالتوحيد ~~رؤوس PageV01P063 # الآي. ويقال النهر الضياء والسعة، فيخرج من هذا الباب. # وقوله: * (كنت متخذ المضلين عضدا) * قال ابن سيده في المحكم: أي أعضادا، ~~وإنما أفرد ليعدل رؤوس الآي بالإفراد. والعضد: المعين. # السادس جمع ما أصله أن يفرد، كقوله تعالى: * (لا بيع فيه ولا خلال) * فإن ~~المراد " ولا خلة " بدليل الآية الأخرى، لكن جمعه لأجل مناسبة رؤوس الآي. # السابع تثنية ما أصله أن يفرد; كقوله تعالى: * (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ~~*. # قال الفراء: هذا باب مذهب العرب في تثنية البقعة الواحدة وجمعها كقوله: " ~~ديار لها بالرقمتين " وقوله: " بطن المكتين " وأشير بذلك إلى نواحيها، أو ~~للإشعار بأن لها وجهين، وأنك إذا أوصلتها ونظرت إليها يمينا وشمالا رأيت في ~~كلتا الناحيتين ما يملأ عينك قرة، وصدرك مسرة ". PageV01P064 # قال: وإنما ثناهما لأجل الفاصلة; رعاية للتي قبلها والتي بعدها على هذا ~~الوزن. # والقوافي تحتمل في الزيادة والنقصان مالا يحتمله سائر الكلام. # وأنكر ذلك ابن قتيبة عليه وأغلظ وقال: إنما يجوز في رؤوس الآي زيادة هاء ~~السكت أو الألف، أو حذف همزة أو حرف. فأما أن يكون الله وعد جنتين فنجعلهما ~~ولا جنة واحدة من أجل رؤوس الآي فمعاذ الله. وكيف هذا وهو يصفها بصفات ~~الاثنين، قال: # * (ذواتا أفنان) *، ثم قال فيها: * (فيهما) *. ولو أن قائلا قال في خزنة ~~النار: إنهم عشرون، وإنما جعلهم الله تسعة عشر لرأس الآية، ما كان هذا ~~القول إلا كقول الفراء. # قلت: وكأن الملجئ للفراء إلى ذلك قوله تعالى: * (وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى) *، وعكس ذلك قوله تعالى: * (فلا ~~يخرجنكما من الجنة فتشقى) *; على أن هذا قابل للتأويل; فإن الألف واللام ~~للعموم، خصوصا أنه يرد على الفراء ms0043 قوله: * (ذواتا أفنان) *. # الثامن: تأنيث ما أصله أن يذكر، كقوله تعالى: * (كلا إنه تذكرة) *; وإنما ~~عدل إليها للفاصلة. # التاسع كقوله: * (سبح اسم ربك الأعلى) *، وقال في العلق: * (اقرأ باسم ~~PageV01P065 # ربك الذي خلق) *، فزاد في الأولى * (الأعلى) *، وزاد في الثانية: * (خلق) ~~*، مراعاة للفواصل في السورتين، وهي في " سبح " * (الذي خلق فسوى) * وفى " ~~العلق " * (خلق الانسان من علق) *. # العاشر: صرف ما أصله ألا ينصرف; كقوله تعالى: * (قواريرا. قواريرا) * صرف ~~الأول لأنه آخر الآية، وآخر الثاني بالألف، فحسن جعله منونا ليقلب تنوينه ~~ألفا، فيتناسب مع بقية الآي، كقوله تعالى: * (سلاسلا وأغلالا) * فإن * ~~(سلاسلا) * لما نظم إلى * (أغلالا وسعيرا) * صرف ونون للتناسب، وبقي " ~~قوارير) * الثاني; فإنه وإن لم يكن آخر الآية جاز صرفه، لأنه لما نون " ~~قواريرا " الأول ناسب، أن ينون " قواريرا " الثاني ليتناسبا، ولأجل هذا لم ~~ينون " قواريرا " الثاني إلا من ينون " قواريرا " الأول. # وزعم إمام الحرمين في " البرهان " أن من ذلك صرف ما كان جمعا في القرآن ~~ليناسب رؤوس الآي; كقوله تعالى: * (سلاسلا وأغلالا) *. # وهذا مردود، لأن * (سلاسلا) * ليس رأس آية، ولا " قواريرا " الثاني، ~~وإنما صرف للتناسب، واجتماعه مع غيره من المنصرفات، فيرد إلى الأصل ليتناسب ~~معها. # ونظيره في مراعاة المناسبة أن الأفصح أن يقال: " بدأ "; ثلاثي قال الله ~~تعالى: * (كما بدأكم تعودون) *. وقال تعالى: * (كيف بدأ الخلق) * ثم قال: * ~~(أولم يروا كيف أبو يبدئ الله الخلق ثم يعيده) *، فجاء به رباعيا فصيحا لما ~~حسنه من التناسب بغيره وهو قوله: * (يعيده) *. PageV01P066 # الحادي عشر: إمالة ما أصله ألا يمال; كإمالة ألف * (والضحى. والليل إذا ~~سجى) *، ليشاكل التلفظ بهما التلفظ بما بعدهما. # والإمالة أن تنجو بالألف نحو الياء، والغرض الأصلي منها هو التناسب، وعبر ~~عنه بعضهم بقوله: الإمالة للإمالة. وقد يمال لكونها آخر مجاور ما أميل ~~آخره; كألف " تلا " في قوله تعالى: * (والقمر إذا تلاها) *، فأميلت ألف * ~~(تلاها) * ليشاكل اللفظ بها اللفظ الذي بعدها، مما ألفه غير ياء; نحو * ~~(جلاها) *، و * (غشاها) *. # فإن قيل: هلا جعلت إمالة * (تلاها) * لمناسبة ما قبلها، أعني * (ضحاها) ~~*؟ قيل: ms0044 لأن ألف * (ضحاها) * عن واو، وإنما أميل لمناسبة ما بعده. # الثاني عشر: العدول عن صيغة المضي إلى الاستقبال، كقوله تعالى: * (ففريقا ~~كذبتم وفريقا تقتلون) *; حيث لم يقل " وفريقا قتلتم " كما سوى بينهما في ~~سورة الأحزاب فقال: * (تقتلون وتأسرون فريقا) *; وذلك لأجل أنها هنا رأس ~~آية. PageV01P067 # تفريعات [ختم مقاطع الفواصل بحروف المد واللين] ثم هنا تفريعات: # الأول: قد كثر في القرآن الكريم ختم كلمة المقطع من الفاصلة بحروف المد ~~واللين وإلحاق النون; وحكمته وجود التمكن من التطريب بذلك. # قال سيبويه رحمه الله: " أما إذا ترنموا فإنهم يلحقون الألف والواو ~~والياء; [ما ينون وما لا ينون]; لأنهم أرادوا مد الصوت. PageV01P068 # وإذا أنشدوا ولم يترنموا: فأهل الحجاز يدعون القوافي على حالها في ~~الترنم; وناس من بنى تميم يبدلون مكان المدة النون ". انتهى. # وجاء القرآن على أعذب مقطع، وأسهل موقف. # [مبنى الفواصل على الوقف] الثاني: إن مبنى الفواصل على الوقف; ولهذا شاع ~~مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس، وكذا المفتوح والمنصوب غير المنون; ومنه ~~قوله تعالى: * (إنا خلقناهم من طين PageV01P069 # لازب; مع تقدم قوله: * (عذاب واصب) *، و * (شهاب ثاقب) *. # وكذا * (بماء منهمر) *، و * (قد قدر) *. وكذا: * (وما لهم من دونه من ~~وال) * مع * (وينشئ السحاب الثقال) *. # وعبارة السكاكي قد تعطى اشتراط كون السجع يشترط فيه الموافقة في الإعراب ~~لما قبله; على تقدير عدم الوقوف عليه; كما يشترط ذلك في الشعر. وبه صرح ابن ~~الخشاب معترضا على قول الحريري في المقامة التاسعة والعشرين: # - يا صارفا عنى المودة * والزمان له صروف - - ومعنفي أن في فضح من * ~~جاوزت تعنيف العسوف - - لا تلحني فيما أتيت * فإنني بهم عروف - - ولقد نزلت ~~بهم فلم * أرهم يراعون الضيوف - - وبلوتهم فوجدتهم * لما سبكتهمو زيوف - ~~ألا ترى أنها إذا أطلقت ظهر الأول والثالث مرفوعين، والرابع والخامس ~~منصوبين، PageV01P070 # والثاني مجرورا، وكذا باقي القصيدة. # والصواب أن ذلك ليس بشرط لما سبق; ولا شك أن كلمة الأسجاع موضوعة على أن ~~تكون ساكنة الأعجاز، موقوفا عليها; لأن الغرض المجانسة بين القرائن ~~والمزاوجة; ولا يتم ذلك إلا بالوقف، ولو وصلت ms0045 لم يكن بد من إجراء كل ~~القرائن على ما يقتضيه حكم الإعراب فعطلت عمل الساجع الله وفوت غرضهم. # وإذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعها لغرض الازدواج; فيقولون: " آتيك ~~بالغدايا والعشايا " مع أن فيه ارتكابا لما يخالف اللغة، فما ظنك بهم في ~~ذلك "! PageV01P071 # [المحافظة على الفواصل لحسن النظم والتئامه] الثالث: ذكر الزمخشري في ~~كشافه القديم أنه لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلا مع بقاء ~~المعاني على سدادها، على النهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه. كما لا ~~يحسن تخير الألفاظ المونقة في السمع. السلسة على اللسان; إلا مع مجيئها ~~منقادة للمعاني الصحيحة المنتظمة; فأما أن تهمل المعاني، ويهتم بتحسين ~~اللفظ وحده، غير منظور فيه إلى مؤداه على بال، فليس من البلاغة في فتيل أو ~~نقير. ومع ذلك يكون قوله: * (وبالآخرة هم يوقنون) * وقوله: * (ومما رزقناهم ~~ينفقون) * لا يتأتى فيه ترك رعاية التناسب في العطف بين الجمل الفعلية ~~إيثارا للفاصلة - لأن ذلك أمر لفظي لا طائل تحته - وإنما عدل إلى هذا لقصد ~~الاختصاص. # [تقسيم الفواصل باعتبار المتماثل والمتقارب في الحروف] الرابع: أن ~~الفواصل تنقسم إلى ما تماثلت حروفه في المقاطع - وهذا يكون في السجع - وإلى ~~ما تقاربت حروفه في المقاطع ولم تتماثل; وهذا لا يكون سجعا. ولا يخلو كل ~~واحد من هذين القسمين: - أعني المتماثل والمتقارب - من أن يأتي طوعا سهلا ~~تابعا للمعاني، أو متكلفا يتبعه المعنى. # فالقسم الأول هو المحمود الدال على الثقافة وحسن البيان، والثاني هو ~~المذموم. فأما القرآن فلم يرد فيه إلا القسم الأول لعلوه في الفصاحة. # وقد وردت فواصله متماثلة ومتقاربة. PageV01P072 # مثال المتماثلة قوله تعالى: * (والطور. وكتاب مسطور. في رق منشور. والبيت ~~المعمور. والسقف المرفوع) *. # وقوله تعالى: * (طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى. # تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى. الرحمن على العرش استوى) *. # وقوله تعالى: * (والعاديات ضبحا. فالموريات قدحا. فالمغيرات صبحا. فأثرن ~~به نقعا. فوسطن به جمعا) *. # وقوله تعالى: والفجر. وليال عشر. والشفع والوتر. والليل إذا يسر...) *. ~~إلى آخره. وحذفت الياء من * (يسر) * طلبا ms0046 للموافقة في الفواصل. # وقوله تعالى: * (اقتربت الساعة وانشق القمر) *; وجميع هذه السورة على ~~الازدواج. # وقوله تعالى: * (فلا أقسم بالخنس. الجواري الكنس. والليل إذا عسعس. ~~والصبح إذا تنفس) *. PageV01P073 # وقوله تعالى: فلا أقسم بالشفق. والليل وما وسق. والقمر إذا اتسق. لتركبن ~~طبقا عن طبق) *. # وقوله تعالى: * (فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر) *. # وقوله تعالى: * (أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها) *. # وقوله تعالى: * (ما أنت بنعمة ربك بمجنون. وإن لك لأجرا غير ممنون) *. # وقوله تعالى: * (فإذا هم مبصرون. وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون) ~~*. # وقوله تعالى: * (كلا إذا بلغت التراقي. وقيل من راق...) * الآية. # وقوله تعالى: * (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا، أو لتعودن ~~في ملتنا) *. # ومثال المتقارب في الحروف قوله تعالى: * (الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين) ~~*. # وقوله تعالى: * (ق. والقرآن المجيد. بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال ~~PageV01P074 # الكافرون هذا شئ عجيب) *. # وهذا لا يسمى سجعا قطعا عند القائلين بإطلاق السجع في القرآن، لأن السجع ~~ما تماثلت حروفه. # إذا علمت هذا، فاعلم أن فواصل القرآن الكريم لا تخرج عن هذين القسمين; بل ~~تنحصر في المتماثلة والمتقاربة، وبهذا يترجح مذهب الشافعي على مذهب أبي ~~حنيفة في عد الفاتحة سبع آيات مع البسملة; وذلك لأن الشافعي المثبت لها في ~~القرآن قال: # * (صراط الذين) *، الخ السورة آية واحدة، وأبو حنيفة لما أسقط البسملة من ~~الفاتحة قال: # * (صراط الذين أنعمت عليهم) * آية، و * (غير المغضوب عليهم) * آية. ومذهب ~~الشافعي أولى، لأن فاصلة قوله: * (صراط الذين أنعمت عليهم) * لا تشابه ~~فاصلة الآيات المتقدمة، ورعاية التشابه في الفواصل لازم. وقوله: * (أنعمت ~~عليهم) * ليس من القسمين فامتنع جعله من المقاطع; وقد اتفق الجميع على أن ~~الفاتحة سبع آيات; لكن الخلاف في كيفية العدد. # [تقسيم الفواصل باعتبار المتوازي والمتوازن والمطرف] الخامس: قسم ~~البديعيون عن السجع والفواصل أيضا إلى متواز، ومطرف، [ومتوازن]. # وأشرفها المتوازي، وهو أن تتفق الكلمتان في الوزن وحروف السجع; كقوله ~~تعالى: # * (فيها سرر مرفوعة. وأكواب موضوعة) *، وقوله * (والتوراة والإنجيل. ~~ورسولا إلى بنى إسرائيل) *. PageV01P075 # والمطرف أن ms0047 يتفقا في حروف السجع لا في الوزن; كقوله تعالى: * (ما لكم لا ~~ترجون لله وقارا. وقد خلقكم أطوارا) *. # والمتوازن أن يراعى في مقاطع الكلام الوزن فقط، كقوله تعالى: * (ونمارق ~~مصفوفة. وزرابي مبثوثة) *. # وقوله تعالى: * (وآتيناهما الكتاب المستبين. وهديناهما الصراط المستقيم) ~~*. فلفظ " الكتاب " و " الصراط " متوازنان. ولفظ " المستبين " و " المستقيم ~~" متوازنان. # وقوله: * (فاصبر صبرا جميلا. إنهم يرونه بعيدا. ونراه قريبا. يوم تكون ~~السماء كالمهل. وتكون الجبال كالعهن) *. # وقوله تعالى: * (كلا إنها لظى. نزاعة للشوى. تدعو من أدبر وتولى. وجمع ~~فأوعى) * *. # وقوله: * (والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى...) * إلى آخرها. # وقوله: * (والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى... إلى آخرها. # وقد تكرر في سورة " حمعسق " في قوله: تعالى: * (والذين يجادلون في الله ~~من بعد PageV01P076 # ما استجيب له) * إلى آخر الآيات السبع; فجمع في فواصلها بين " شديد " و " ~~قريب " و " بعيد " و " عزيز " و " نصيب " و " أليم " و " كبير " على هذا ~~الترتيب; وهو في القرآن كثير، وفى المفصل خاصة في قصاره. # ومنهم من يذكر بدله الترصيع، وهو أن يكون المتقدم من الفقرتين مؤلفا من ~~كلمات مختلفة، والثاني مؤلفا من مثلها في ثلاثة أشياء: وهي الوزن والتقفية ~~هذه وتقابل القرائن، قيل: # ولم يجئ هذا القسم في القرآن العظيم لما فيه من التكلف. # وزعم بعضهم أن منه قوله تعالى: * (إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي ~~جحيم) *. # وليس كذلك، لورود لفظة " إن " و " لفي " في كل واحد من الشطرين، وهو ~~مخالف لشرط الترصيع; إذ شرطه اختلاف الكلمات في الشطرين جميعا. # وقال بعض المغاربة: سورة الواقعة من نوع الترصيع، وتتبع آخر آيها يدل على ~~أن فيها موازنة. # * * * قالوا: وأحسن السجع ما تساوت قرائنه، ليكون شبيها بالشعر، فإن ~~أبياته متساوية; كقوله تعالى: * (في سدر مخضود. وطلح منضود. وظل ممدود) *; ~~وعلته أن السمع ألف الانتهاء إلى غاية في الخفة بالأولى، فإذا زيد عليها ~~ثقل عنه الزائد، لأنه يكون عند وصولها إلى مقدار الأول كمن توقع الظفر ~~بمقصوده. # ثم طالت قرينته الثانية، كقوله: * (والنجم إذا هوى. ما ms0048 ضل صاحبكم وما ~~غوى) *، أو الثالثة كقوله تعالى: * (خذوه فغلوه. ثم الجحيم صلوه. ثم في ~~سلسلة PageV01P077 # ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه) *. # وهو إما قصير كقوله: * (والمرسلات عرفا. فالعاصفات عصفا) *. # أو طويل كقوله: * (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا ~~لفشلتم ولتنازعتم في الأمر، ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور. وإذ ~~يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضى الله أمرا ~~كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور) *. # أو متوسط كقوله: * (اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ~~ويقولوا سحر مستمر) *. # [ائتلاف الفواصل مع ما يدل عليه الكلام] السادس: اعلم أن من المواضع التي ~~يتأكد فيها إيقاع المناسبة مقاطع الكلام وأواخره، وإيقاع الشئ فيها بما ~~يشاكله. فلا بد أن تكون مناسبة للمعنى المذكور; أولا وإلا خرج بعض الكلام ~~عن بعض. # وفواصل القرآن العظيم لا تخرج عن ذلك; لكن منه ما يظهر، ومنه ما يستخرج ~~بالتأمل للبيب. # وهي منحصرة في أربعة أشياء: التمكين، والتوشيح والإيغال والتصدير. # والفرق بينها; أنه إن كان تقدم لفظها بعينه في أول الآية سمى تصديرا. وإن ~~كان في PageV01P078 # أثناء الصدر سمى توشيحا. سنة وإن أفادت معنى زائدا بعد تمام معنى الكلام ~~سمى إيغالا; وربما اختلط التوشيح بالتصدير لكون كل منهما صدره يدل على ~~عجزه. والفرق بينهما أن دلالة التصدير لفظية، ودلالة التوشيح معنوية. # * * * الأول: التمكين; وهو أن يمهد قبلها، تمهيدا تأتي به الفاصلة ممكنة ~~في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافذة ولا قلقة، ~~متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما; بحيث لو طرحت اختل المعنى ~~واضطرب الفهم. # وهذا الباب يطلعك على سر عظيم من أسرار القرآن، فاشدد يديك به. # ومن أمثلته قوله تعالى: * (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ~~وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) *، فإن الكلام لو اقتصر ~~فيه على قوله: * (وكفى الله المؤمنين القتال) * لأوهم ذلك بعض الضعفاء ~~موافقة الكفار في اعتقادهم أن الريح التي حدثت كانت سبب رجوعهم، ولم يبلغوا ~~ما أرادوا، وأن ذلك ms0049 أمر اتفاقي، فأخبر سبحانه في فاصلة الآية عن نفسه ~~بالقوة والعزة ليعلم المؤمنين، ويزيدهم يقينا وإيمانا على أنه الغالب ~~الممتنع، وأن حزبه كذلك، وأن تلك الريح التي هبت ليست اتفاقا; بل هي من ~~إرساله سبحانه على أعدائه كعادته; وأنه ينوع النصر للمؤمنين ليزيدهم إيمانا ~~وينصرهم مرة بالقتال كيوم بدر، وتارة بالريح كيوم الأحزاب، وتارة بالرعب ~~كبنى النضير، وطورا ينصر عليهم كيوم أحد، تعريفا لهم أن الكثرة لا تغنى ~~شيئا، وأن النصر من عنده، كيوم حنين. # ومنه قوله تعالى: * (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في ~~PageV01P079 # مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون. أولم يروا أنا نسوق الماء إلى ~~الأرض الجرز فتخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون) *. فانظر ~~إلى قوله في صدر الآية التي الموعظة فيها سمعية: * (أولم يهد لهم) * ولم ~~يقل: " أولم يروا " وقال بعد ذكر الموعظة: * (أفلا يسمعون) *; لأنه تقدم ~~ذكر الكتاب وهو مسموع أو أخبار القرون وهو كما يسمع. وكيف قال في صدر الآية ~~التي موعظتها مرئية: # * (أولم يروا) *. وقال بعدها: * (أفلا يبصرون) * لأن سوق الماء إلى الأرض ~~الجرز مرئى. # ومنه قوله تعالى: * (قالوا: يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا ~~أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد) *، فإنه لما تقدم ~~ذكر العبادة والتصرف في الأموال كان ذلك تمهيدا تاما لذكر الحلم والرشد، ~~لأن الحلم الذي يصح به التكليف والرشد حسن التصرف في الأموال، فكان آخر ~~الآية مناسبا لأولها مناسبة معنوية، ويسميه بعضهم ملاءمة. # ومنه قوله تعالى: * (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف ~~الخبير) *; فإنه سبحانه لما قدم نفى إدراك الأبصار له عطف على ذلك قوله: * ~~(وهو اللطيف) * خطابا للسامع بما يفهم; إذ العادة أن كل لطيف لا تدركه ~~الأبصار، ألا ترى أن حاسة البصر إنما تدرك اللون من كل متلون والكون من كل ~~متكون، فإدراكها إنما هو للمركبات دون المفردات، ولذلك لما قال: * (وهو ~~يدرك الأبصار) * عطف عليه قوله: * (الخبير) *. # مخصصا لذاته ms0050 سبحانه بصفة الكمال; لأنه ليس كل من أدرك شيئا كان خبيرا ~~بذلك الشئ، لأن المدرك للشئ قد يدركه ليخبره، ولما كان الأمر كذلك أخبر ~~سبحانه وتعالى PageV01P080 # أنه يدرك كل شئ مع الخبرة به; وإنما خص الأبصار بإدراكه ليزيد في الكلام ~~ضربا من المحاسن يسمى التعطف; ولو كان الكلام: لا تبصره الأبصار، وهو يبصر ~~الأبصار لم تكن لفظتا * (اللطيف الخبير) * مناسبتين قبل لما قبلهما. # ومنه قوله تعالى: * (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض ~~مخضرة إن الله لطيف خبير. له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو ~~الغنى الحميد) *، إلى قوله: * (لرءوف رحيم) * إنما فصل الأولى ب‍ " لطيف ~~خبير " لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث وإخراج النبات من الأرض، ~~ولأنه خبير بنفعهم. وإنما فصل الثانية ب‍ " غنى حميد " لأنه قال: * (له ما ~~في السماوات وما في الأرض) *، أي لا لحاجة; بل هو غنى عنهما، جواد بهما; ~~لأنه ليس غنى نافعا غناه إلا إذا جاد به، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه، ~~واستحق عليه الحمد; فذكر " الحمد " على أنه الغنى النافع بغناه خلقه. وإنما ~~فصل الثالثة ب‍ " رؤوف رحيم "، لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من ~~تسخير ما في الأرض لهم، وإجراء الفلك في البحر لهم، وتسييرهم وكان في ذلك ~~الهول العظيم، وجعله السماء فوقهم وإمساكه إياها عن الوقوع، حسن ختامه ~~بالرأفة والرحمة. ونظير هذه الثلاث فواصل مع اختلافها قوله تعالى في سورة ~~الأنعام: * (وهو الذي جعل لكم النجوم...) *، الآيات. # وقوله تعالى: * (له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغنى ~~الحميد). فقال: " الغنى الحميد " لينبه على أن ما له ليس لحاجة بل هو غنى ~~عنه، جواد به، وإذا جاد به حمده المنعم عليه. إذ " حميد " كثير المحامد ~~الموجبة تنزيهه عن الحاجة والبخل وسائر النقائض، فيكون " غنيا " مفسرا ~~بالغنى المطلق، لا يحتاج فيه لتقدير " غنى عنه ". PageV01P081 # ومنه قوله تعالى: * (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم ~~القيامة من ms0051 إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون) *. لما كان سبحانه هو ~~الجاعل الأشياء على الحقيقة، وأضاف إلى نفسه جعل الليل سرمدا إلى يوم ~~القيامة صار الليل كأنه سرمد بهذا التقدير، وظرف الليل ظرف مظلم لا ينفذ ~~فيه البصر، لا سيما وقد أضاف الإتيان بالضياء الذي تنفذ فيه الأبصار إلى ~~غيره، وغيره ليس بفاعل على الحقيقة; فصار النهار كأنه معدوم; إذ نسب وجوده ~~إلى غير موجد; والليل كأنه لا موجود سواه; إذ جعل سرمدا منسوبا إليه ~~سبحانه، فاقتضت البلاغة أن يقول: * (أفلا تسمعون) * لمناسبة ما بين السماع ~~والظرف الليلي الذي يصلح للاستماع، ولا يصلح للإبصار. # وكذلك قال في الآية التي تليها: * (قل أريتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون)، لأنه لما أضاف جعل النهار سرمدا إليه صار النهار كأنه سرمد، وهو ~~ظرف مضئ تنور فيه الأبصار، وأضاف الإتيان بالليل إلى غيره، وغيره ليس بفاعل ~~على الحقيقة، فصار الليل كأنه معدوم; إذ نسب وجوده إلى غير موجد، والنهار ~~كأنه لا موجود سواه، إذ جعل وجوده سرمدا منسوبا إليه، فاقتضت البلاغة أن ~~يقول * (: أفلا تبصرون) *; إذ الظرف مضئ صالح للإبصار، وهذا من دقيق ~~المناسبة المعنوية. # ومنه قوله تعالى في أول سورة الجاثية: * (إن في السماوات والأرض لآيات ~~للمؤمنين. # وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون. واختلاف الليل والنهار وما ~~أنزل الله من السماء من رزق فأحيى به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات ~~لقوم يعقلون). فإن البلاغة تقتضي أن تكون فاصلة الآية الأولى: * (للمؤمنين) ~~*، لأنه PageV01P082 # سبحانه ذكر العلم بجملته حيث قال: * (السماوات والأرض) * ومعرفة الصانع ~~من الآيات الدالة على أن المخترع له قادر عليم حكيم، وإن دل على وجود صانع ~~مختار لدلالتها على صفاته مرتبة على دلالتها على ذاته، فلا بد أولا من ~~التصديق بذاته; حتى تكون هذه الآيات دالة على صفاته، لتقدم الموصوف وجودا ~~واعتقادا على الصفات. # وكذلك قوله في الآية الثانية: * (لقوم يوقنون) *، فإن سر الانسان ms0052 وتدبر ~~خلقة الحيوان أقرب إليه من الأول، وتفكره في ذلك مما يزيده يقينا في معتقده ~~الأول وكذلك معرفة جزئيات العالم; من اختلاف الليل والنهار، وإنزال الرزق ~~من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح يقتضى رجاحة العقل ~~ورصانته; لنعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذي صنع العالم الكلى التي هي ~~أجرامه وعوارض عنه. ولا يجوز أن يكون بعضها صنع بعضا. فقد قام البرهان على ~~أن للعالم الكلى صانعا مختارا، فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية ~~الثالثة: * (لقوم يعقلون) * وإن احتيج إلى العقل في الجميع; إلا أن ذكره ~~هاهنا أنسب بالمعنى الأول; إذ بعض من يعتقد صانع العالم ربما قال: # إن بعض هذه الآثار يصنع بعضا، فلا بد إذا من التدبر بدقيق الفكر وراجح ~~العقل. # ومنه قوله تعالى حكاية عن لقمان: * (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل ~~فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) ~~*. # ومنه قوله تعالى: * (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم ~~أفلا تعقلون) *. والمناسبة فيه قوية; لأن من دل عدوه على عورة نفسه، وأعطاه ~~سلاحه PageV01P083 # ليقتله به، فهو جدير بأن يكون مقلوب العقل; فلهذا ختمها بقوله: * (أفلا ~~تعقلون) *. # وهذه الفاصلة لا تقع إلا في سياق إنكار فعل غير مناسب في العقل; نحو قوله ~~تعالى: # * (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) ~~*; لأن فاعل غير المناسب ليس بعاقل. # وقوله تعالى: * (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح ~~العليم) *، ختم بصفة العلم إشارة إلى الإحاطة بأحوالنا وأحوالكم; وما نحن ~~عليه من الحق، وما أنتم عليه من الباطل وإذا كان عالما بذلك، فنسأله القضاء ~~علينا وعليكم، بما يعلم منا ومنكم. # فصل وقد تجتمع فواصل في موضع واحد ويخالف بينها; وذلك في مواضع: # منها في أوائل النحل، وذلك أنه سبحانه بدأ فيها بذكر الأفلاك فقال: * ~~(خلق السماوات والأرض بالحق) *، ثم ذكر خلق الانسان فقال: * (من نطفة) *، ~~وأشار إلى عجائب الحيوان ms0053 فقال: * (والأنعام) *، ثم عجائب النبات فقال: * ~~(هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون. ينبت لكم ~~به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون) *. # فجعل مقطع هذه الآية التفكر، لأنه استدلال بحدوث الأنواع المختلفة من ~~النبات على وجود الإله القادر المختار. PageV01P084 # وفيه جواب عن سؤال مقدر; وهو أنه: لم لا يجوز أن يكون المؤثر فيه طبائع ~~الفصول وحركات الشمس والقمر؟ ولما كان الدليل لا يتم إلا بالجواب عن هذا ~~السؤال; لا جرم كان مجال التفكر والنظر والتأمل باقيا. إنه تعالى أجاب عن ~~هذا السؤال من وجهين: # أحدهما أن تغيرات العالم الأسفل مربوطة بأحوال حركات الأفلاك، فتلك ~~الحركات حيث حصلت; فإن كان حصولها بسبب أفلاك أخرى لزم التسلسل، وإن كان من ~~الخالق الحكيم فذلك الإقرار بوجود الإله تعالى، وهذا هو المراد بقوله ~~تعالى: * (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن ~~في ذلك لآيات لقوم يعقلون) *، فجعل مقطع هذه الآية العقل; والتقدير كأنه ~~قيل: إن كنت عاقلا فاعلم أن التسلسل باطل، فوجب انتهاء الحركات إلى حركة ~~يكون موجدها غير متحرك، وهو الإله القادر المختار. # والثاني أن نسبة الكواكب والطبائع إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة ~~الواحدة واحدة. ثم إنا نرى الورقة الواحدة من الورد أحد وجهيها في غاية ~~الحمرة، والآخر في غاية السواد، فلو كان المؤثر موجبا بالذات لامتنع حصول ~~هذا التفاوت في الآثار، فعلمنا أن المؤثر قادر مختار، وهذا هو المراد من ~~قوله: * (وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون) ~~*، كأنه قيل: قد ذكرنا ما يرسخ في عقلك أن الموجب بالذات والطبع لا يختلف ~~تأثيره، فإذا نظرت إلى حصول هذا الاختلاف علمت أن المؤثر ليس هو الطبائع، ~~بل الفاعل المختار، فلهذا جعل مقطع الآية التذكر. PageV01P085 # تنبيه من بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين في موضعين والمحدث عنه واحد ~~لنكتة لطيفة. # وذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم: * (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ms0054 إن ~~الانسان لظلوم كفار) *، قال في سورة النحل، * (وإن تعدوا نعمة الله لا ~~تحصوها إن الله لغفور رحيم) *. # قال القاضي ناصر الدين بن المنير في تفسيره الكبير: كأنه يقول: إذا حصلت ~~النعم الكثيرة فأنت آخذها وأنا معطيها; فحصل لك عند أخذها وصفان: # كونك ظلوما، وكونك كفارا، ولى عند إعطائها وصفان: وهما: أنى غفور رحيم، ~~أقابل ظلمك بغفراني وكفرك برحمتي، فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا ~~أجازي جفاءك إلا بالوفاء. انتهى. # وهو حسن، لكن بقي سؤال آخر، وهو: ما الحكمة في تخصيص آية النحل بوصف ~~المنعم، وآية إبراهيم بوصف المنعم عليه، والجواب أن سياق الآية في سورة ~~إبراهيم، في وصف الانسان وما جبل عليه; فناسب ذكر ذلك عقيب أوصافه. وأما ~~آية النحل فسيقت في وصف الله تعالى، وإثبات ألوهيته، وتحقيق صفاته، فناسب ~~ذكر وصفه سبحانه. # فتأمل هذه التراكيب، ما أرقاها أهل في درجة البلاغة! # ونظيره قوله تعالى في سورة الجاثية: * (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ~~فعليها PageV01P086 # ثم إلى ربكم ترجعون) *. وفى فصلت: * (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ~~فعليها وما ربك بظلام للعبيد) *. # وحكمة فاصلة الأولى أن قبلها: * (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله ليجزى قوما بما كانوا يكسبون) *، فناسب الختام بفاصلة البعث; لأن ~~قبله وصفهم بإنكاره وأما الأخرى فالختام حديث بها مناسب; أي لأنه لا يضيع ~~عملا صالحا، و يزيد على من عمل شيئا. # ونظيره قوله في سورة النساء: * (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء) *. ختم الآية مرة بقوله: * (فقد افترى إثما عظيما) *، ومرة ~~بقوله: * (ضلالا بعيدا) *; لأن الأول نزل في اليهود، وهم الذين افتروا على ~~الله ما ليس في كتابه، والثاني نزل في الكفار، ولم يكن لهم كتاب، وكان ~~ضلالهم أشد. # وقوله في المائدة: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله) *، فذكرها ثلاث مرات، ~~وختم الأولى بالكافرين، والثانية بالظالمين، والثالثة بالفاسقين; فقيل: لأن ~~الأولى نزلت في أحكام المسلمين. والثانية نزلت في أحكام اليهود، والثالثة ~~نزلت في أحكام النصارى. # وقيل: ms0055 * (ومن لم يحكم بما أنزل الله) * إنكارا له، فهو كافر، ومن لم يحكم ~~بالحق مع اعتقاد الحق وحكم بضده فهو ظالم، ومن لم يحكم بالحق جهلا وحكم ~~بضده فهو فاسق. # وقيل: الكافر والظالم والفاسق كلها بمعنى واحد، وهو الكفر، عبر عنه ~~بألفاظ مختلفة، لزيادة الفائدة واجتناب صورة التكرار. وقيل غير ذلك. ~~PageV01P087 # تنبيه عكس هذا اتفاق الفاصلتين والمحدث عنه مختلف، كقوله تعالى في سورة ~~النور: # * (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) * إلى قوله: * ~~(كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم) *. ثم قال: * (وإذا بلغ ~~الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله ~~لكم آياته والله عليم حكيم) *. # قال ابن عبد السلام في تفسيره في الأولى: " عليم بمصالح عباده، " حكيم " ~~في بيان مراده. وقال في الثانية: " عليم " بمصالح الأنام; " حكيم " ببيان ~~الأحكام. ولم يتعرض للجواب عن حكمة التكرار. # تنبيه حق الفاصلة في هذا القسم تمكين المعنى المسوق إليه كما بينا، ومنه ~~قوله تعالى: # * (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة إنك أنت العزيز الحكيم) *. ووجه مناسبته أن بعث الرسول تولية; ~~والتولية لا تكون إلا من عزيز غالب على ما يريد، وتعليم الرسول الحكمة ~~لقومه إنما يكون مستندا إلى حكمة مرسله; لأن الرسول واسطة بين المرسل ~~والمرسل إليه، فلا بد وأن يكون حكيما، فلا جرم كان اقترانهما مناسبا. ~~PageV01P088 # وقوله تعالى: * (فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه ~~إن الله غفور رحيم) *. وجه المناسبة في الحكم محمول على قول مجاهد: إن من ~~حضر الموصى فرأى منه جنفا على الورثة في وصيته مع فقرهم، فوعظه في ذلك ~~وأصلح بينه وبينهم حتى رضوا، فلا إثم عليه، وهو غفور للموصى إذا ارتدع بقول ~~من وعظه، فرجع عماهم به وغفرانه لهذا برحمته لاخفاء به، والإثم المرفوع عن ~~القائل; يحتمل أن يكون إثم التبديل السابق في الآية قبلها في قوله تعالى: * ~~(فمن بدله بعد ما سمعه) * يعنى من الموصى، أي لا يكون ms0056 هذا المبدل داخلا تحت ~~وعيد من بدل على العموم; لأن تبديل هذا تضمن مصلحة راجحة فلا يكون كغيره. ~~وقد أشكل على ذلك مواضع; منها قوله تعالى: # * (إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) *. فإن ~~قوله: # * (وإن تغفر لهم) * يوهم أن الفاصلة " الغفور الرحيم "، وكذا نقلت عن ~~مصحف أبى رضي الله عنه، وبها قرأ ابن شنبود. ولكن إذا أنعم النظر علم أنه ~~يجب أن يكون ما عليه التلاوة; لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس ~~فوقه أحد يرد عليه حكمه، فهو العزيز; لان العزير في صفات الله هو الغالب; ~~ممن قولهم: عزه يعزه إذا غلبه; ووجب أن يوصف بالحكيم أيضا، لأن الحكيم من ~~يضع الشئ في محله، فالله تعالى كذلك. # إلا أنه قد يخفى وجه الحكمة في بعض أفعاله، فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن ~~الحكمة، فكان في الوصف بالحكيم احتراس حسن; أي وإن تغفر لهم مع استحقاقهم ~~العذاب فلا معترض عليك لأحد في ذلك، والحكمة فيما فعلته. وقيل: لا يجوز " ~~الغفور الرحيم " لأن الله تعالى قطع لهم بالعذاب في قوله تعالى: * (إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به) *. وقيل لأنه PageV01P089 # مقام تبر، فلم يذكر الصفة المقتضية استمطار العفو لهم، وذكر صفة العدل في ~~ذلك بأنه العزيز الغالب. وقوله * (الحكيم) * الذي يضع الأشياء مواضعها فلا ~~يعترض عليه إن عفا عمن يستحق العقوبة. # وقيل: ليس هو على مسألة الغفران، وإنما هو على معنى تسليم الأمر إلى من ~~هو أملك لهم، ولو قيل: " فإنك أنت الغفور الرحيم " لأوهم الدعاء بالمغفرة. ~~ولا يسوغ الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه، لا لنبي ولا لغيره. وأما قوله: ~~* (فإنهم عبادك) * وهم عباده; عذبهم أو لم يعذبهم; فلأن المعنى إن تعذبهم ~~تعذب من العادة أن تحكم عليه. وذكر العبودية التي هي سبب القدرة كقول رؤبة: # - يا رب إن أخطأت أو نسيت * فأنت لا تنسى ولا تموت. # والله لا يضل ولا ينسى ولا يموت، أخطأ رؤبة أو أصاب، فكأنه قال: إن أخطأت ~~تجاوزت لضعفي ms0057 وقوتك، ونقصى وكمالك. # ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة براءة: * (أولئك سيرحمهم الله إن ~~الله عزيز حكيم) * - والجواب ما ذكرناه. # ومثله قوله تعالى في سورة الممتحنة: * (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ~~واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم) *. # ومثله في سورة غافر في قول السادة الملائكة: * (ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم) *. # ومنه قوله تعالى: * (والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ~~ولولا PageV01P090 # فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم) *; فإن الذي يظهر في أول ~~النظر أن الفاصلة " تواب رحيم "، لأن الرحمة مناسبة للتوبة، وخصوصا من هذا ~~الذنب العظيم; ولكن هاهنا معنى دقيق من أجله قال: * (حكيم) *; وهو أن ينبه ~~على فائدة مشروعية اللعان، وهي الستر عن هذه الفاحشة العظيمة; وذلك من عظيم ~~الحكم، فلهذا كان * (حكيم) *، بليغا في هذا المقام دون " رحيم ". # ومن خفى هذا الضرب قوله تعالى في سورة البقرة: * (خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شئ عليم) *. # وقوله في آل عمران: * (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ~~ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شئ قدير) *، فإن المتبادر ~~إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة، وفى آية آل عمران الختم بالعلم، ~~لكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن يكون ما عليه التلاوة في الآيتين; وكذلك ~~قوله تعالى: * (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة) *; مع أن ظاهر الخطاب " ~~ذو عقوبة شديدة "، وإنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله تعالى في ~~الاجتراء على معصيته; وذلك أبلغ في التهديد; ومعناه: لا تغتروا بسعة رحمة ~~الله تعالى في الاجتراء على معصيته; فإنه مع ذلك لا يرد عذابه عنكم. # وقريب منه: رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا) ~~*. PageV01P091 # وأما قوله تعالى: * (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) *; فمناسبة ~~الجزاء للشرط أنه لما أقدم المؤمنون وهم - ثلاثمائة وبضعة عشر - على ms0058 قتال ~~المشركين - وهم زهاء ألف - متوكلين على الله تعالى، وقال المنافقون: * (غر ~~هؤلاء دينهم) * حتى أقدموا على ثلاثة أمثالهم عددا أو أكثرهم; قال الله ~~تعالى ردا على المنافقين وتثبيتا للمؤمنين: * (ومن يتوكل على الله فإن الله ~~عزيز حكيم) * في جميع أفعاله. # وأما قوله تعالى: * (وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ~~إنه كان حليما غفورا) *. فإن قيل: ما وجه الختام بالحلم والمغفرة عقيب ~~تسابيح الأشياء وتنزيهها؟ أجاب صاحب الفنون بثلاثة أوجه: # أحدها: إن فسرنا التسبيح على ما درج في الأشياء من العبر، وأنها مسبحات ~~بمعنى مودعات من دلائل العبر ودقائق الإنعامات والحكم ما يوجب تسبيح ~~المعتبر المتأمل; فكأنه سبحانه يقول: إنه كان من كبير إغفالكم لو النظر في ~~دلائل العبر مع امتلاء الأشياء بذلك. وموضع العتب قوله: * (وكأين من دابة ~~في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) *; كذلك موضع المعتبة ~~قوله: * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) *. # وقد كان ينبغي أن يعرفوا بالتأمل ما يوجب القربة لله; مما أودع مخلوقاته ~~بما يوجب تنزيهه; فهذا موضع حلم وغفران عما جرى في ذلك من الإفراط ~~والإهمال. # الثاني: إن جعلنا التسبيح حقيقة في الحيوانات بلغاتها فمعناه: الأشياء ~~كلها تسبحه PageV01P092 # وتحمده، ولا عصيان في حقها وأنتم تعصون، فالحلم والغفران للتقدير في ~~الآية; وهو العصيان. يكون وفى الحديث: " لولا بهائم رتع، وشيوخ ركع، وأطفال ~~رضع، لصب عليكم العذاب صبا ". # الثالث: أنه سبحانه قال في أولها: * (يسبح له السماوات السبع والأرض ومن ~~فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده) *; أي أنه كان لتسابيح مع المسبحين حليما ~~عن تفريطهم; غفورا لذنوبهم; ألا تراه قال في موضع آخر: * (والملائكة يسبحون ~~بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم) *; وكأنها ~~اشتملت على ثلاثة معان: إما العفو عن ترك البحث المؤدى إلى الفهم، لما في ~~الأشياء من العبر، وأنتم على العصيان. أو يريد بها الأشياء كلها تسبحه; ~~ومنها ما يعصيه ويخالفه، فيغفر عصيانهم بتسابيحهم. # تنبيه قد تكون الفاصلة لا نظير لها في القرآن; كقوله ms0059 تعالى عقب الأمر ~~بالغض في سورة النور: * (إن الله خبير بما يصنعون) *. وقوله عقب الأمر بطلب ~~الدعاء والإجابة: # * (لعلهم يرشدون) *. وقيل فيه تعريض بليلة القدر; أي لعلهم يرشدون إلى ~~معرفتها. PageV01P093 # وإنما يحتاجون للإرشاد إلى ما لا يعلمون; فإن هذه الآية الكريمة ذكرت عقب ~~الأمر بالصوم وتعظيم رمضان وتعليمهم الدعاء فيه. وأن أرجى أوقات الإجابة ~~فيه ليلة القدر. # الثاني التصدير، كقوله تعالى: * (لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب ~~وقد خاب من افترى) *. # وقوله: * (فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) *. # وقوله: * (خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون) *. # وقوله: * (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه) *. # وقوله: * (فما كان الله ليظلهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) *. # وقوله: * (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لقضى بينهم فيما فيه يختلفون) *. # وقوله: * (وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون) *، فجعل ~~الفاصلة * (يزرون) * لجناس * (أوزارهم) *; وإنما قال: * (على ظهورهم) * ولم ~~يقل " على رؤوسهم " لأن الظهر أقوى للحمل; فأشار إلى ثقل الأوزار. # وقوله: * (فقلت استغفروا ربكم إنه كان عفارا) *. PageV01P094 # وقوله: * (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) *. # وقوله * (أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا) *. # وقوله: * (رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) *. # * * * الثالث التوشيح، ويسمى به لكون نفس الكلام يدل على آخره; نزل ~~المعنى منزلة الوشاح، ونزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح، اللذين ~~يجول عليهما الوشاح; ولهذا قيل فيه: إن الفاصلة تعلم قبل ذكرها. # وسماه ابن وكيع المطمع; لأن صدره مطمع في عجزه; كقوله تعالى: * (ثم ~~أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) *. # وقوله: * (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) ~~*; فإن معنى اصطفاء المذكورين يعلم منه الفاصلة; إذ المذكورون نوع من جنس ~~العالمين. # وقوله: * (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون) * فإنه من كان ~~حافظا لهذه السورة، متيقظا إلى أن مقاطع فواصلها النون المردفة; وسمع في ~~صدر هذه الآية: * (وآية لهم الليل نسلخ منه ms0060 النهار) * علم أن الفاصلة * ~~(مظلمون) *; فإن من انسلخ النهار عن ليلة أظلم ما دامت تلك الحال. ~~PageV01P095 # وقوله: * (يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم. فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) *. فإن قوله: * (ليروا أعمالهم) * ~~يدل على التقسيم. # وقوله: * (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من ~~خلق وهو اللطيف الخبير) *. # وقوله: * (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير) *. # * * * الرابع الإيغال; وسمى به; لأن المتكلم قد تجاوز المعنى الذي هو آخذ ~~فيه; وبلغ إلى زيادة على الحد; يقال: أوغل في الأرض الفلانية، إذا بلغ ~~منتهاها; فهكذا المتكلم إذا تم معناه ثم تعداه بزيادة فيه، فقد أوغل; كقوله ~~تعالى: * (أفحكم الجاهلية يبغون. # ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) *، فإن الكلام تم بقوله: * (ومن أحسن ~~من الله حكما) *. ثم احتاج إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى; فلما أتى بها ~~أفاد معنى زائدا. # وكقوله تعالى: * (ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين) *; فإن المعنى ~~قد تم بقوله: * (ولا تسمع الصم الدعاء) *، ثم أراد أن يعلم تمام الكلام ~~بالفاصلة فقال: * (إذا ولوا مدبرين) *. PageV01P096 # فإن قيل: ما معنى * (مدبرين) * وقد أغنى عنها * (ولوا) *؟ قلت: لا يغنى ~~عنها * (ولوا) *; فإن التولي قد يكون بجانب دون جانب; بدليل قوله: * (أعرض ~~ونأى بجانبه) *; وإن كان ذكر الجانب هنا مجازا. ولا شك أنه سبحانه لما أخبر ~~عنهم أنهم صم يسمعون أراد تتميم المعنى بذكر توليهم في حال الخطاب، لينفى ~~عنهم الفهم الذي يحصل من الإشارة; فإن الأصم يفهم بالإشارة، ما يفهم السميع ~~بالعبارة. ثم إن التولي قد يكون بجانب، مع لحاظه بالجانب الآخر; فيحصل له ~~إدراك بعض الإشارة; فجعل الفاصلة * (مدبرين) * ليعلم أن التولي كان بجميع ~~الجوانب; بحيث صار ما كان مستقبلا مستدبرا، فاحتجب المخاطب عن المخاطب، أو ~~صار من ورائه، فخفيت عن عينه الإشارة، كما صم أذناه عن العبارة; فحصلت ~~المبالغة من عدم الإسماع بالكلية. وهذا الكلام وإن بولغ فيه بنفي الإسماع ~~البتة; فهو من ms0061 إيغال الاحتياط; الذي أدمجت فيه المبالغة في نفى الاستماع. # وقد يأتي الاحتياط في غير المقاطع من مجموع جمل متفرقة في ضروب من الكلام ~~شتى، يحملها معنى واحد، كقوله تعالى: * (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله..) * الآية. # وقوله: * (فأتوا بسورة من مثله) *. # وقوله: * (فأتوا بعشر سور مثله) *، كما يقول الرجل لمن يجحد: ما يستحق ~~على درهما ولا دانقا ولا حبة، ولا كثيرا ولا قليلا. ولو قال: " ما يستحق ~~على شيئا " لأغنى في الظاهر; لكن التفصيل أدل على الاحتياط، وعلى شدة ~~الاستبعاد في الانكار. # ومنه قوله تعالى: * (اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) * فإن المعنى ~~تم PageV01P097 # بقوله: * (أجرا) *، ثم زاد الفاصلة لمناسبة رؤوس الآي; فأوغل بها كما ~~ترى; حتى أتى بها تفيد معنى زائدا على معنى الكلام. # فصل في ضابط الفواصل ذكره الجعبري; ولمعرفتها طريقان: توقيفي وقياسي: # الأول التوقيفي، روى أبو داود عن أم سلمة: لما سئلت عن قراءة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قالت: " كان يقطع قراءته آية آية. وقرأت: * (بسم الله ~~الرحمن الرحيم) * إلى * (الذين) *، تقف على كل آية ". فمعنى " يقطع قراءته ~~آية آية "; أي يقف على كل آية; وإنما كانت قراءته صلى الله عليه وسلم كذلك ~~ليعلم رؤوس الآي. # قال: ووهم فيه من سماه وقف السنة، لأن فعله عليه السلام إن كان تعبدا فهو ~~مشروع لنا، وإن كان لغيره فلا. فما وقف عليه السلام عليه دائما تحققنا أنه ~~فاصلة، وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة، وما وقف عليه مرة ووصله أخرى ~~احتمل الوقف أن يكون لتعريفهما، أو لتعريف الوقف التام، أو للاستراحة. ~~والوصل أن يكون غير فاصلة، أو فاصلة وصلها لتقدم تعريفها. # الثاني القياسي; وهو ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص، لمناسبة. ~~ولا محذور في ذلك; لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان; وإنما غايته أنه محل فصل ~~أو وصل. والوقف على كل كلمة جائز، ووصل القرآن كله جائز، فاحتاج القياسي ~~إلى طريق تعرفه; فأقول: # فاصلة الآية كقرينة ms0062 السجعة في النثر، وقافية البيت في النظم; وما يذكر من ~~عيوب القافية من PageV01P098 # اختلاف الحذو والإشباع، والتوجيه، فليس بعيب في الفاصلة، وجاز الانتقال ~~في الفاصلة والقرينة وقافية الأرجوزة; من نوع إلى آخر; بخلاف قافية القصيد. # ومن ثم ترى * (يرجعون) * مع * (عليم) *، و * (الميعاد) * مع * (الثواب) ~~*، و * (الطارق) * مع * (الثاقب) *. # والأصل في الفاصلة والقرينة المتجردة في الآية والسجعة المساواة; ومن ثم ~~أجمع العادون على ترك عد * (ويأت بآخرين) * و * (ولا الملائكة المقربون) * ~~بالنساء، و * (كذب بها الأولون) * بسبحان، و * (لتبشر به المتقين) * بمريم، ~~و * (لعلهم يتقون) * PageV01P099 # بطه، و * (من الظلمات إلى النور) * و * (أن الله على كل شئ قدير) * ~~بالطلاق حيث لم يشاكل طرفيه. # وعلى ترك عد * (أفغير دين الله يبغون) * بآل عمران، و * (أفحكم الجاهلية ~~يبغون) * بالمائدة، وعدوا نظائرها للمناسبة، نحو * (لأولى الألباب) * بآل ~~عمران. # و * (على الله كذبا) * بالكهف، و * (والسلوى) * بطه. # وقد يتوجه الأمران في كلمة فيختلف فيها; فمنها البسملة وقد نزلت بعض آية ~~في النمل، وبعضها في أثناء الفاتحة في بعض الأحرف السبعة. # فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدها آية، ولم يحتج إلى إثباتها بالقياس للنص ~~المتقدم، خلافا للداني. ومن قرأ بحرف لم تنزل معه لم يعدها; ولزمه من ~~الاجماع على أنها سبع آيات أن يعد عوضها. وهو بعد * (اهدنا) * لقوله صلى ~~الله عليه وسلم عن الله تعالى: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ". ~~PageV01P100 # أي قراءة الصلاة، تعد منها ولا للعبد إلا هاتان، و * (المستقيم) * محقق، ~~فقسمتا على بعدها قسمين; فكانت * (عليهم) * الأولى; وهي مماثلة في الروي ~~لما قبلها. # ومنها حروف الفواتح; فوجه عدها استقلالها على الرفع والنصب ومناسبة الروي ~~والردف. ووجه عدمه الاختلاف في الكمية والتعلق على الجزء. # ومنها بالبقرة * (عذاب أليم) * و * (إنما نحن مصلحون) * فوجه عده مناسبة ~~الروي، ووجه عدمه تعلقه بتاليه. # ومنها * (إلى بنى إسرائيل) * بآل عمران; حملا على ما في الأعراف والشعراء ~~والسجدة والزخرف. # ومنها * (فبشر عباد) * بالزمر; لتقدير تاليه مفعولا ومبتدأ. # ومنها * (والطور) *، و * (الرحمن) *، و * (الحاقة، و * (القارعة) *، و * ~~(والعصر) ms0063 * حملا على * (والفجر) * و * (والضحى) * للمناسبة، لكن تفاوتت في ~~الكمية. PageV01P101 # النوع الرابع في جمع الوجوه والنظائر وقد صنف فيه قديما مقاتل بن سليمان، ~~وجمع فيه من المتأخرين ابن الزاغوني وأبو الفرج بن الجوزي، والدامغاني ~~الواعظ، وأبو الحسين بن فارس، وسمى كتابه " الأفراد ". # فالوجوه اللفظ المشترك الذي يستعمل في عدة معان; كلفظ " الأمة "، ~~والنظائر كالألفاظ المتواطئة. # وقيل: النظائر في اللفظ، والوجوه في المعاني; وضعف; لأنه لو أريد هذا ~~لكان الجمع في الألفاظ المشتركة; وهم يذكرون في تلك الكتب اللفظ الذي معناه ~~واحد في مواضع كثيرة; فيجعلون الوجوه نوعا لأقسام، والنظائر نوعا آخر، ~~كالأمثال. # وقد جعل بعضهم ذلك من أنواع معجزات القرآن; حيث كانت الكلمة الواحدة ~~تنصرف إلى عشرين وجها أو أكثر أو أقل; ولا يوجد ذلك في كلام البشر. ~~PageV01P102 # وذكر مقاتل في صدر كتابه حديثا مرفوعا: " لا يكون الرجل فقيها كل الفقه ~~حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة ". # فمنه " الهدى " سبعة عشر حرفا: # بمعنى البيان; كقوله تعالى: * (أولئك على هدى من ربهم) *. # وبمعنى الدين: * (إن الهدى هدى الله) *. # وبمعنى الإيمان: * (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) *. # وبمعنى الداعي: * (ولكل قوم هاد) *. * (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) *. # وبمعنى الرسل والكتب: * (فإما يأتينكم منى هدى) *. # وبمعنى المعرفة: * (وبالنجم هم يهتدون) *. # وبمعنى الرشاد: * (اهدنا الصراط المستقيم) *. # وبمعنى محمد صلى الله عليه وسلم: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من ~~البينات والهدى. * (من بعد ما تبين لهم الهدى) *. # وبمعنى القرآن: * (ولقد جاءهم من ربهم الهدى) *. PageV01P103 # وبمعنى التوراة: * (ولقد آتينا موسى الهدى) *. # وبمعنى الاسترجاع: * (وأولئك هم المهتدون) *; ونظيرها في التغابن: * (ومن ~~يؤمن بالله) * أي في المصيبة أنها من عند الله * (يهد قلبه) * للاسترجاع. # وبمعنى الحجة: * (والله لا يهدى القوم الظالمين) * بعد قوله: * (ألم تر ~~إلى الذي حاج إبراهيم في ربه) *، أي لا يهديهم إلى الحجة. # وبمعنى التوحيد: * (إن نتبع الهدى معك) *. # وبمعنى السنة: * (وإنا على آثارهم مهتدون) *. # وبمعنى الإصلاح: * (وأن الله لا يهدى كيد الخائنين) *. # وبمعنى الإلهام: * (أعطى كل شئ خلقه ثم هدى) *، هدى كلا في معيشته. # وبمعنى التوبة: * (إنا ms0064 هدنا إليك) * أي تبنا. # وهذا كثير الأنواع. PageV01P104 # وقال ابن فارس في كتاب " الأفراد ": # كل ما في كتاب الله من ذكر " الأسف " فمعناه الحزن; كقوله تعالى في قصة ~~يعقوب عليه السلام: * (يا أسفا على يوسف) * إلا قوله تعالى: * (فلما ~~آسفونا) * فإن معناه " أغضبونا "; وأما قوله في قصة موسى عليه السلام: * ~~(غضبان أسفا) * فقال ابن عباس: " مغتاظا ". # وكل ما في القرآن من ذكر " البروج " فإنها الكواكب; كقوله تعالى: * ~~(والسماء ذات البروج) * إلا التي في سورة النساء: * (ولو كنتم في بروج ~~مشيدة) *، فإنها القصور الطوال، المرتفعة في السماء، الحصينة. # وما في القرآن من ذكر " البر " و " البحر " فإنه يراد بالبحر الماء، ~~وبالبر التراب اليابس، غير واحد في سورة الروم: * (ظهر الفساد في البر ~~والبحر) * فإنه بمعنى البرية والعمران. وقال بعض علمائنا: * (في البر) * ~~قتل ابن آدم أخاه، وفى * (البحر) * أخذ الملك كل سفينة غصبا. # والبخس في القرآن النقص; مثل قوله تعالى: * (فلا يخاف بخسا ولا رهقا) * ~~إلا حرفا واحدا في سورة يوسف: * (وشروه بثمن بخس) *; فإن أهل التفسير ~~قالوا: # بخس: حرام. # وما في القرآن من ذكر البعل فهو الزوج; كقوله تعالى: * (وبعولتهن أحق ~~PageV01P105 # بردهن) * إلا حرفا واحدا في الصافات: * (أتدعون بعلا) *، فإنه أراد صنما. # وما في القرآن من ذكر البكم فهو الخرس عن الكلام بالإيمان; كقوله: * (صم ~~بكم; إنما أراد * (بكم) * عن النطق والتوحيد مع صحة ألسنتهم; إلا حرفين: # أحدهما في سورة بنى إسرائيل: * (عميا وبكما وصما) * والثاني في سورة ~~النحل: قوله عز وجل: أحدهما أبكم) * فإنهما في هذين الموضعين: اللذان لا ~~يقدران على الكلام. # وكل شئ في القرآن: * (جثيا) * فمعنا " جميعا " إلا التي في سورة الشريعة: # * (وترى كل أمة جاثية) * فإنه أراد تجثو على ركبتيها. # وكل حرف في القرآن " حسبان " فهو من العدد، غير حرف في سورة الكهف: # * (حسبانا من السماء) * فإنه بمعنى العذاب. # وكل ما في القرآن: " حسرة " فهو الندامة; كقوله عز وجل: * (يا حسرة على ~~العباد) * إلا التي في سورة آل عمران: * (ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم) * ~~فإنه يعنى ms0065 به " حزنا ". # وكل شئ في القرآن: " الدحض " و " الداحض " فمعناه الباطل; كقوله: # * (حجتهم داحضة) *، إلا التي في سورة الصافات: * (فكان من المدحضين) *. # وكل حرف في القرآن من " رجز " فهو العذاب; كقوله تعالى في قصة بنى ~~إسرائيل: PageV01P106 # * (لئن كشفت عنا الرجز) * إلا في سورة المدثر: * (والرجز فاهجر) * فإنه ~~يعنى: # الصنم، فاجتنبوا عبادته. # وكل شئ في القرآن من " ريب " فهو شك، غير حرف واحد; وهو قوله تعالى: # * (نتربص به ريب المنون) * فإنه يعنى حوادث الدهر. # وكل شئ في القرآن: " يرجمنكم " و " يرجموكم " فهو القتل، غير التي في ~~سورة مريم عليها السلام: * (لأرجمنك) * يعنى لأشتمنك. # قلت: وقوله: * (رجما بالغيب) * أي ظنا. والرجم أيضا: الطرد واللعن; ومنه ~~قيل للشيطان: رجيم. # وكل شئ في القرآن من " زور " فهو الكذب; ويراد به الشرك; غير التي في ~~المجادلة: * (منكرا من القول وزورا) *، فإنه كذب غير شرك. # وكل شئ في القرآن من " زكاة " فهو المال، غير التي في سورة مريم: * ~~(وحنانا من لدنا وزكاة) *; فإنه يعنى " تعطفا ". # وكل شئ في القرآن من " زاغوا " ولا " تزغ " فإنه من " مالوا " ولا " تمل ~~" غير واحد في سورة الأحزاب: * (وإذا زاغت الأبصار) * بمعنى " شخصت ". # وكل شئ في القرآن من " يسخرون " و " سخرنا " فإنه يراد به الاستهزاء، غير ~~التي في سورة الزخرف: * (ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) *، فإنه أراد أعوانا ~~وخدما. # وكل سكينة في القرآن طمأنينة في القلب، غير واحد في سورة البقرة: * (فيه ~~سكينة PageV01P107 # من ربكم) *، فإنه يعنى شيئا كرأس الهرة لها جناحان كانت في التابوت. # وكل شئ في القرآن من ذكر " السعير " فهو النار والوقود إلا قوله عز وجل: ~~* (إن المجرمين في ضلال وسعر) *، فإنه العناد. # وكل شئ في القرآن من ذكر " شيطان " فإنه إبليس وجنوده وذريته إلا قوله ~~تعالى في سورة البقرة: * (خلوا إلى شياطينهم) *; فإنه يريد كهنتهم; مثل كعب ~~بن الأشرف وحيى بن أخطب وأبى ياسر أخيه. # وكل " شهيد " في القرآن غير القتلى في الغزو فهم الذين يشهدون على أمور ~~الناس، إلا التي في سورة البقرة قوله عز وجل: * (وادعوا ms0066 شهداءكم) *، فإنه ~~يريد شركاءكم. # وكل ما في القرآن من " أصحاب النار " فهم أهل النار إلا قوله: * (وما ~~جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة) * فإنه يريد خزنتها. # وكل " صلاة " في القرآن فهي عبادة ورحمة إلا قوله تعالى: * (وصلوات ~~ومساجد) * فإنه يريد بيوت عبادتهم. # وكل " صمم " في القرآن فهو عن الاستماع للإيمان، غير واحد في بني ~~إسرائيل، قوله عز وجل: * (عميا وبكما وصما) *، معناه لا يسمعون شيئا. # وكل " عذاب " في القرآن فهو التعذيب إلا قوله عز وجل: * (وليشهد عذابهما) ~~* فإنه يريد الضرب. # والقانتون: المطيعون، لكن قوله عز وجل في البقرة: * (كل له قانتون) * ~~PageV01P108 # معناه " مقرون "، وكذلك في سورة الروم: * (وله من في السماوات والأرض كل ~~له قانتون) *، يعنى مقرون بالعبودية. # وكل " كنز " في القرآن فهو المال إلا الذي في سورة الكهف: * (وكان تحته ~~كنز لهما) * فإنه أراد صحفا وعلما. # وكل " مصباح " في القرآن فهو الكوكب إلا الذي في سورة النور: * (المصباح ~~في زجاجة) *، فإنه السراج نفسه. # النكاح في القرآن التزوج; إلا قوله جل ثناؤه: * (حتى إذ بلغوا النكاح) * ~~فإنه يعنى الحلم. # النبأ والأنباء في القرآن الأخبار; إلا قوله تعالى: * (فعميت عليهم ~~الأنباء) *; فإنه بمعنى الحجج. # الورود في القرآن الدخول، إلا في القصص: * (ولما ورد ماء مدين) *، يعنى ~~هجم عليه ولم يدخله. # وكل شئ في القرآن من * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) *; يعنى عن العمل ~~إلا التي في سورة النساء * (إلا ما آتاها) * يعنى النفقة. # وكل شئ في القرآن من يأس فهو القنوط، إلا التي في الرعد * (أفلم ييئس ~~الذين آمنوا) * أي ألم يعلموا. قال ابن فارس: أنشدني أبى، فارس بن زكريا: ~~PageV01P109 # - أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني * ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم - قال ~~الصاغاني: البيت لسحيم بن وثيل اليربوعي. # وكل شئ في القرآن من ذكر " الصبر " محمود، إلا قوله عز وجل: * (لولا أن ~~صبرنا عليها) *، و * (واصبروا على آلهتكم) *. انتهى ما ذكره ابن فارس. # * * * وزاد غيره: كل شئ في القرآن: " لعلكم " فهو بمعنى " لكي " غير واحد ~~في الشعراء * (لعلكم تخلدون) * فإنه للتشبيه; ms0067 أي كأنكم. # وكل شئ في القرآن " أقسطوا " فهو بمعنى العدل، إلا واحد في الجن: * (وأما ~~القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) *. يعنى العادلين الذين يعدلون به غيره; هذا ~~باعتبار صورة اللفظ; وإلا فمادة الرباعي تخالف مادة الثلاثي. # وكل " كسف " في القرآن يعنى جانبا من السماء غير، واحد في سورة الروم: * ~~(ويجعله كسفا) * يعنى السحاب قطعا. # وكل " ماء معين " فالمراد به الماء الجاري; غير الذي في سورة تبارك; فإن ~~المراد به الماء الطاهر الذي تناله الدلاء; وهي زمزم. PageV01P110 # وكل شئ في القرآن " لئلا " فهو بمعنى " كيلا " غير واحد في الحديد: * ~~(لئلا يعلم أهل الكتاب) *; يعنى لكي يعلم. # وكل شئ في القرآن من " الظلمات إلى النور " فهو بمعنى الكفر والإيمان; ~~غير واحد في أول الأنعام: * (وجعل الظلمات والنور) * يعنى ظلمة الليل ونور ~~النهار. # وكل " صوم " في القرآن فهو الصيام المعروف، إلا الذي في سورة مريم: * ~~(إني نذرت للرحمن صوم) * يعنى صمتا. # وذكر أبو عمرو الداني في قوله تعالى: * (واسألهم عن القرية التي كانت ~~حاضرة البحر) * أن المراد بالحضور هنا المشاهدة. قال: وهو بالظاء بمعنى ~~المنع والتحويط، قال: # ولم يأت بهذا المعنى إلا في موضع واحد; وهو قوله تعالى: * (فكانوا كهشيم ~~المحتظر) *. # قيل: وكل شئ في القرآن: * (وما أدراك) * فقد أخبرنا به، وما فيه: * (وما ~~يدريك) * فلم يخبرنا به; حكاه البخاري رحمه الله في تفسيره. واستدرك بعضهم ~~عليه موضعا، وهو قوله: * (وما يدريك لعل الساعة قريب) *. # وقيل: الانفاق حيث وقع القرآن فهو الصدقة; إلا قوله تعالى: * (فآتوا ~~الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) * فإن المراد به المهر; وهو صدقة في ~~الأصل; تصدق الله بها على النساء. PageV01P111 # النوع الخامس علم المتشابه وقد صنف فيه جماعة، ونظمه السخاوي وصنف في ~~توجيهه الكرماني كتاب " البرهان "، والرازي كتاب " درة التأويل " وأبو جعفر ~~بن الزبير، وهو أبسطها في مجلدين. # وهو إيراد القصة الواحدة في صور شتى وفواصل مختلفة. ويكثر في إيراد القصص ~~والأنباء، وحكمته التصرف في الكلام وإتيانه على ضروب; ليعلمهم عجزهم عن ~~جميع طرق ذلك: مبتدأ به ومتكررا، وأكثر ms0068 أحكامه تثبت من وجهين، فلهذا جاء ~~باعتبارين. # وفيه فصول: # الفصل الأول [المتشابه باعتبار الأفراد] الأول باعتبار الأفراد، وهو على ~~أقسام: PageV01P112 # الأول أن يكون في موضع على نظم، وفى آخر على عكسه، وهو يشبه رد العجز على ~~الصدر; ووقع في القرآن منه كثير. # ففي البقرة: * (وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) *، وفى الأعراف: * ~~(وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) *. # وفى البقرة: * (والنصارى والصابئين) *، وفى الحج: * (والصابئين والنصارى) ~~*. # في البقرة والأنعام: * (قل إن هدى الله هو الهدى) *، وفى آل عمران: * (قل ~~إن الهدى هدى الله) *. # في البقرة: * (ويكون الرسول عليكم شهيدا) *، وفى الحج: * (شهيدا عليكم) ~~*. # في البقرة: * (وما أهل به لغير الله) *، وباقي القرآن: * (لغير الله به) ~~*. PageV01P113 # في البقرة: * (لا يقدرون على شئ مما كسبوا) *، وفى إبراهيم: * (مما كسبوا ~~على شئ) *. # في آل عمران: * (ولتطمئن قلوبكم به) *، وفى الأنفال: * (ولتطمئن به ~~قلوبكم) *. # في النساء: * (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) *، وفى المائدة: * (كونوا ~~قوامين لله شهداء بالقسط) *. # في الأنعام: * (لا إله إلا هو خالق كل شئ) * وفى حم المؤمن: * (خالق كل ~~شئ لا إله إلا هو) *. # في الأنعام: * (نحن نرزقكم وإياهم) *، وفى بنى إسرائيل: * (نرزقهم ~~وإياكم) *. # في النحل: * (وترى الفلك مواخر فيه) *، وفى فاطر: * (فيه مواخر) *. # في بني إسرائيل: * (و لقد صرفنا للناس في هذا القرآن) *، وفى الكهف: * ~~(في هذا القرآن للناس) *. # في بني إسرائيل: * (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم) *، و في العنكبوت: # * (بيني وبينكم شهيدا) *. PageV01P114 # في " المؤمنين " * (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل) *، وفى النمل: * ~~(لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل) *. # في القصص: * (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) *. وفى يس: * (وجاء من أقصى ~~المدينة رجل يسعى) *. # في آل عمران: * (قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) ~~*، وفى كهيعص: * (وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا) *. # الثاني ما يشتبه بالزيادة والنقصان; ففي البقرة: * (سواء عليهم أأنذرتهم ~~أم لم تنذرهم) *، وفى يس: * (وسواء) * بزيادة " واو " لأن ما في البقرة ~~جملة هي خبر عن اسم " إن "، وما في ms0069 يس جملة عطفت بالواو على جملة. # في البقرة: * (فأتوا بسورة من مثله) *، وفى غيرها بإسقاط * (من) * لأنها ~~للتبعيض ولما كانت سورة البقرة سنام القرآن وأوله بعد الفاتحة حسن دخول * ~~(من) * فيها ليعلم أن التحدي واقع على جميع القرآن من أوله إلى آخره، بخلاف ~~غيرها من السور، فإنه لو دخلها * (من) * لكان التحدي واقعا على بعض السور ~~دون بعض، ولم يكن ذلك بالسهل. # في البقرة: * (فمن تبع هداي) *، وفى طه: * (فمن اتبع هداي) *، لأجل قوله ~~هناك: * (يتبعون الداعي) *. PageV01P115 # في البقرة: * (يذبحون) *، بغير " واو " على أنه بدل من * (يسومونكم) *، ~~ومثله في الأعراف * (يقتلون) *، وفى إبراهيم: * (ويذبحون) * بالواو، لأنه ~~من كلام موسى عليه السلام، يعدد المحن عليهم. # في البقرة: * (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) *، وفى آل عمران: * (ولكن ~~أنفسهم يظلمون) *. # في البقرة: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا) *، ثم قال: # * (فمن كان منكم مريضا) *. # في البقرة: * (ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعلمون خبير) *، وسائر ما ~~في القرآن بإسقاط * (من) *. # وفيها: * (ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم) *، وفى آل عمران: # * (ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم) *. # قالوا: وجميع ما في القرآن من السؤال لم يقع عنه الجواب بالفاء، إلا قوله ~~تعالى في طه. # * (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا...) *، الآية; لأن الأجوبة في ~~الجميع كانت بعد السؤال، وفى طه كانت قبل السؤال. وكأنه قيل: إن سئلت عن ~~الجواب فقل. # في الأعراف: * (لقد أرسلنا نوحا) *، بغير " واو "، وليس في القرآن غيره. ~~PageV01P116 # في البقرة: * (ويكون الدين لله) *، وفى الأنفال: * (كله لله) *. # في آل عمران: * (اشهدوا بأنا مسلمون) *، وفى المائدة: * (بأننا مسلمون) ~~*. # في آل عمران: * (جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير) * بباء واحدة إلا ~~في قراءة ابن عامر، وفى فاطر: * (بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير) * ~~بثلاث باءات. # في آل عمران: * (ها أنتم تحبونهم ولا يحبونكم) * وسائر ما في القرآن: # * (هؤلاء) * بإثبات الهاء. # في النساء: * (خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) * بالواو، وفى * (براءة) * ~~* (ذلك) * بغير واو. # في النساء: * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) *، وفى ms0070 المائدة بزيادة * (منه) ~~*. # في الأنعام: * (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~لكم إني ملك) *، فكرر * (لكم) *، وقال في هود: * (ولا أقول إني ملك) *; ~~لأنه تكرر * (لكم) * في قصته أربع مرات فاكتفى بذلك. # في الأنعام: * (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) *، ~~PageV01P117 # وفى القلم: * (بمن ضل عن سبيله) * بزيادة الباء ولفظ الماضي، وفى النجم: ~~* (هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) *. # في الأنعام: * (إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين) *، وفى سورة ~~المؤمنين بزيادة * (نموت) *، وفيها أيضا: * (إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم ~~بما كانوا يفعلون) * ليس فيها غيره. # وفيها: * (جعلكم خلائف الأرض) *، وفى فاطر; * (خلائف في الأرض) *، بإثبات ~~* (في) *. # في الأعراف: * (ما منعك ألا تسجد) *، وفى ص: * (أن تسجد) *، وفى الحجر: * ~~(ألا تكون مع الساجدين) * فزاد * (لا) *. # في الأعراف: * (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم) * بالفاء، وكذا حيث وقع، ~~إلا في يونس. # في الأعراف: * (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه) * بغير واو، وفى المؤمنين ~~وهود: * (ولقد أرسلنا) * بالواو. # في الأعراف: * (كذبوا من قبل) * وفى يونس بزيادة * (به) *. # في الأعراف: * (يريد أن يخرجكم من أرضكم) *، وفى الشعراء بزيادة * ~~(بسحره) *. PageV01P118 # في هود: * (وإننا لفي شك مما تدعونا) *، وفى إبراهيم: * (وإنا لفي شك مما ~~تدعوننا) *. # في يوسف: * (وما أرسلنا من قبلك) *، وفى الأنبياء: * (وما أرسلنا قبلك) ~~*. # في النحل: * (فأحيى به الأرض بعد موتها) *، وفى العنكبوت: * (من بعد ~~موتها) *. # وكذلك حذف " من " من قوله: * (لكيلا يعلم بعد علم شيئا) *، وفى الحج: * ~~(من بعد علم شيئا في الحج: * (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا ~~فيها) *، وفى السجدة: # * (منها أعيدوا فيها) *. # في النمل: * (وألق عصاك) *، وفى القصص: * (وأن ألق عصاك) *. # في العنكبوت: * (ولما أن جاءت رسلنا لوطا) *، وفى هود: * (ولما جاءت) * ~~بغير * (أن) *. PageV01P119 # في العنكبوت: * (فأحيى به الأرض من بعد موتها) * بزيادة * (من) * ليس ~~غيره. # في سورة المؤمن: * (إن الساعة لآتية) *، وفى طه: * (آتية) *. # في النحل: * (والذين يدعون من دون الله) ms0071 *، وفى الأعراف: * (من دونه) *. # في المؤمنين: * (موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون) *، وفى ~~المؤمن بإسقاط ذكر " الأخ ". # في البقرة: * (يذبحون أبناءكم) * وفى سورة إبراهيم: * (ويذبحون) * ~~بالواو; ووجهه أنه في سورة إبراهيم تقدم * (وذكرهم بأيام الله) *، وهي ~~أوقات عقوبات إلى أن قال: * (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) *، واللائق أن ~~يعدد امتحانهم تعديدا يؤذن بصدق الجمع عليه لتكثير المنة; ولذلك أتى ~~بالعاطف ليؤذن بأن إسامتهم وهو العذاب مغاير لتذبيح الأبناء وسبى النساء; ~~وهو ما كانوا عليه من التسخير، بخلاف المذكور في البقرة، فإن ما بعد * ~~(يسومونكم) * تفسير له، فلم يعطف عليه. ولأجل مطابقة السابق جاء في ~~الأعراف: * (يقتلون أبناءكم) *، ليطابق: * (سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم) ~~*. # الثالث: التقديم والتأخير، وهو قريب من الأول، ومنه في البقرة: * (يتلو ~~عليهم PageV01P120 # آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم) * مؤخر، وما سواه: * (يزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة) *. # ومنه تقديم " اللعب " على " اللهو " في موضعين من سورة الأنعام، وكذلك في ~~القتال والحديد. # وقدم " اللهو " على " اللعب " في الأعراف والعنكبوت، وإنما قدم اللعب في ~~الأكثر، لأن اللعب زمان الصبا، واللهو زمان الشباب، وزمان الصبا متقدم على ~~زمان اللهو. # تنبيه: ما ذكره في الحديد: * (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب) *; أي كلعب ~~الصبيان، * (ولهو) * أي كلهو الشباب، * (وزينة) * كزينة النساء، * (وتفاخر) ~~* كتفاخر الإخوان، * (وتكاثر) * كتكاثر السلطان. وقريب منه في تقديم اللعب ~~على اللهو قوله: * (وما بينهما لاعبين. لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من ~~لدنا) *. # وقدم " اللهو " في الأعراف; لأن ذلك يوم القيامة، فذكر على ترتيب ما ~~انقضى، وبدأ بما به الانسان انتهى من الحالين. # وأما العنكبوت فالمراد بذكرهما زمان الدنيا، وأنه سريع الانقضاء قليل ~~البقاء. * (وإن الدار الآخرة لهى الحيوان) *; أي الحياة التي لا أبد لها ~~ولا نهاية لأبدها; فبدأ بذكر اللهو، لأنه في زمان الشباب، وهو أكثر من زمان ~~اللعب; وهو زمان الصبا. PageV01P121 # ومنه تقديم لفظ " الضرر " على " النفع " في الأكثر، لأن العابد يعبد ~~معبوده خوفا من عقابه أولا، ثم طمعا في ثوابه. # وحيث تقدم النفع على الضر فلتقدم ms0072 ما يتضمن النفع; وذلك في سبعة مواضع: ~~ثلاثة منها بلفظ الاسم، وهي في الأعراف والرعد وسبأ، وأربعة بلفظ الفعل، ~~وهي في الأنعام: # * (ما لا ينفعنا ولا يضرنا) *. وفى آخر يونس: * (ما لا ينفعك ولا يضرك) ~~*، وفى الأنبياء: * (ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم) *، وفى الفرقان: * (ما ~~لا ينفعهم ولا يضرهم) *. # أما في الأعراف فلتقدم قوله: * (من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل) * ~~فقدم الهداية على الضلال، وبعد ذلك: * (لاستكثرت من الخير وما مسني السوء) ~~* فقدم الخير على السوء، وكذا قدم النفع على الضر. # أما في الرعد فلتقدم " الطوع " في قوله: * (طوعا أو كرها) *. # أما في سبأ فلتقدم " البسط " في قوله: * (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) *. # وفى يونس قدم الضر على الأصل ولموافقة ما قبلها فإن فيها: * (ما لا يضرهم ~~ولا PageV01P122 # ينفعهم) * وفيها: * (وإذا مس الانسان الضر) * فتكون الآية ثلاث مرات. # وكذلك ما جاء بلفظ الفعل فلسابقة ثنا معنى يتضمن نفعا. # أما الأنعام ففيها: * (ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع، وإن تعدل كل ~~عدل لا يؤخذ منها) *، ثم وصله بقوله: * (قل أندعو من دون الله مالا ينفعنا ~~ولا يضرنا) *. # وفى يونس تقدم قوله: * (ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننجي ~~المؤمنين) *، ثم قال: * (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك) *. # وفى الأنبياء، تقدم قول الكفار لإبراهيم في المجادلة: * (لقد علمت ما ~~هؤلاء ينطقون. # قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم) *. # وفى الفرقان تقدم: * (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) * نعما جمة في الآيات، ~~ثم قال: * (ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم) *. # فتأمل هذه المواضع المطردة التي هي أعظم اتساقا من العقود. ومن أمثلته ~~قوله تعالى: * (واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ~~ولا يؤخذ منها عدل) *. # ثم قال سبحانه في السورة: * (واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا...) * ~~الآية. # وفيها سؤالان: PageV01P123 # أحدهما أنه سبحانه في الأولى قدم نفى قبول الشفاعة على أخذ ms0073 العدل، وفى ~~الثاني قدم نفى قبول العدل على الشفاعة. # السؤال الثاني: أنه سبحانه وتعالى قال في الأولى: * (لا يقبل منها شفاعة) ~~* وفى الثانية: * (ولا تنفعها شفاعة) * فغاير بين اللفظين، فهل ذلك لمعنى ~~يترتب عليه، أو من باب التوسع في الكلام، والتنقل من أسلوب إلى آخر كما جرت ~~عادة العرب؟ # والجواب: أن القرآن الحكيم وإن اشتمل على النقل من أسلوب إلى آخر لكنه ~~يشتمل مع ذلك على فائدة وحكمة، قال الله تعالى: * (كتاب أحكمت آياته ثم ~~فصلت من لدن حكيم خبير) * ولم يقل " من رحمن ور رحيم "، للتنصيص على أنه لا ~~بد من الحكمة; وهاتان الآيتان كلاهما في حق بنى إسرائيل، وكانوا يقولون: ~~إنهم أبناء الأنبياء وأبناء أبنائهم، وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله أنه ~~لا تنفعهم الشفاعة، لا تجزى نفس عن نفس شيئا. # وتعلق بهذه الآية المعتزلة على نفى الشفاعة، كما ذكره الزمخشري; وأجاب ~~عنها أهل السنة بأجوبة كثيرة ليس هذا محلها. # وذكر الله في الآيتين " النفس "، متكررة ثم أتى بضمير يحتمل رجوعه إلى ~~الأولى أو إلى الثانية، وإن كانت القاعدة عود الضمير إلى الأقرب; ولكن قد ~~يعود إلى غيره، كقوله تعالى: * (وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا) * ~~فالضمير في التعزير والتوقير راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفى ~~التسبيح عائد إلى الله تعالى، وهو متقدم على ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فعاد الضمير على غير الأقرب. # إذا علمت ذلك، فقوله في الأولى: * (ولا يقبل منها شفاعة) * الضمير راجع ~~إلى PageV01P124 # النفس الأولى وهي الشفاعة لغيرها. فلما كان المراد في هذه الآية ذكر ~~الشفاعة للمشفوع له أخبر أن الشفاعة غير مقبولة للمشفوع احتقارا له وعدم ~~الاحتفاء به; وهذا الخبر يكون باعثا للسامع في ترك الشفاعة إذا علم أن ~~المشفوع عنده لا يقبل شفاعته، به فيكون التقدير على هذا التفسير: * (لا ~~تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة) * " لو شفعت "، يعنى: وهم لا ~~يشفعون، فيكون ذلك مؤيسا لهم فيما زعموا أن آباءهم الأنبياء ينفعونهم من ~~غير عمل منهم. # وقوله: * (ولا ms0074 يؤخذ منها عدل) * إن جعلنا الضمير في * (منها) * راجعا إلى ~~الشافع أيضا فقد جرت العادة أن الشافع إذا أراد أن يدفع إلى المشفوع عنده ~~شيئا ليكون مؤكدا لقبول شفاعته فمن هذا قدم ذكر الشفاعة على دفع العدل; وإن ~~جعلنا الضمير راجعا إلى المشفوع فيه فهو أحرى بالتأخير ليكون الشافع قد ~~أخبره بأن شفاعته قد قبلت، فتقديم العدل ليكون ذلك مؤسسا لحصول مقصود ~~الشفاعة، وهو ثمرتها للمشفوع فيه. # وأما الآية الثانية فالضمير في قوله: * (منها عدل) * راجع إلى النفس ~~الثانية، وهي النفس التي هي صاحبة الجريمة، فلا يقبل منها عدل; لأن العادة ~~بذل العدل من صاحب الجريمة يكون مقدما على الشفاعة فيه; ليكون ذلك أبلغ في ~~تحصيل مقصوده، فناسب ذلك تقديم العدل الذي هو الفدية من المشفوع له على ~~الشفاعة. # ففي هذه الآية بيان أن النفس المطلوبة بجرمها لا يقبل منها عدل عن نفسها، ~~ولا تنفعها شفاعة شافع فيها; وقد بذل العدل للحاجة إلى الشفاعة عند من طلب ~~ذلك منه، ولهذا قال في الأولى: * (يقبل منها شفاعة) * وفى الثانية: * ~~(تنفعها شفاعة) *، لأن الشفاعة إنما تقبل من الشفاع، وتنفع المشفوع له. ~~PageV01P125 # وقال الراغب: إنما كرر * (لا) * فيها على سبيل الإنذار بالواعظ إذا وعظ ~~لأمر فإنه يكرر اللفظ لأجله تعظيما للآمر. قال: وأما تغييره النظم فلما كان ~~قبول وأخذه وقبول الشفاعة ونفعها متلازمة لم يكن بين اتفاق هذه العبارات ~~واختلافها فرق في المعنى. # وقال الإمام فخر الدين: لما كان الناس متفاوتين، فمنهم من يختار أن يشفع ~~فيه مقدما على العدل الذي يخرجه; ومنهم من يختار العدل مقدما على الشفاعة، ~~ذكر سبحانه وتعالى القسمين; فقدم الشفاعة باعتبار طائفة، وقدم العدل ~~باعتبار أخرى. # قال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى: الظاهر أنه سبحانه وتعالى إنما نفى ~~قبول الشفاعة لا نفعها، ونفى أصل العدل الذي هو الفداء، وبدأ بالشفاعة ~~لتيسيرها هذا على الطالب أكثر من تحصيل العدل الذي هو الفداء. على ما هو ~~المعروف في دار الدنيا; وفى الآية الثانية أنه لما تقرر زيادة تأكيدها بدأ ~~فيها ms0075 بالأعظم الذي هو الخلاص بالعدل، وثنى بنفع الشفاعة فقال: * (ولا ~~تنفعها شفاعة) * ولم يقل: لا تقبل منها شفاعة، وإن كان نفى الشفاعة يستلزم ~~نفى قبولها، لأن الشفاعة تكون نافعة غير مقبولة، وتنفع لأغراض: من وعد ~~بخير، وإبدال المشفوع بغيره; فنفى النفع أعم، فلم يكن بين نفى القبول ونفى ~~النفع بالشفاعة تلازم، كما ادعاه الراغب. وكان التقدير بالفداء الذي هو نفى ~~قبول العدل ونفى نفع الشفاعة شيئين مؤكدين لاستقرار ذلك في الآية الثانية. # ومما يدل على أن نفى الشفاعة أمر زائد نفى قبولها أنه سبحانه لما أخبر عن ~~المشركين أخبر بنفي النفع لا بنفي القبول فقال: * (فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين) *، وقال: * (ولا تنفع الشفاعة عنده) * الآية. وفى الحديث الصحيح ~~أنهم قالوا: يا رسول الله، هل نفعت عمك PageV01P126 # أبا طالب؟ فقال: " وجدته فنقلته إلى ضحضاح من النار " مع علمهم أنه لا ~~يشفع فيه. فإن قيل: # فقد قال في آخر السورة: * (من قبل أن يأتي لا يوم بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة) * فنفى الشفاعة ولم ينف نفعها؟ # قيل: من باب زيادة التأكيد أيضا; فإنه سبحانه ذكر في هذه الآية الأسباب ~~المنجية في الدنيا ونفاها هناك، وهي إما البيع الذي يتوصل به الانسان إلى ~~المقاصد، أو الخلة التي هي كمال المحبة. وبدأ نفى المحبة لأنه أعم وقوعا من ~~الصداقة والمخالة، وثنى بنفي الخلة التي هي سبب لنيل الأغراض في الدنيا ~~أيضا; وذكر ثالثا نفى الشفاعة أصلا، وهي أبلغ من نفى قبولها; فعاد الأمر ~~إلى تكرار الجمل في الآيات ليفيد قوة الدلالة. # الرابع: بالتعريف والتنكير، كقوله في البقرة: * (ويقتلون النبيين بغير ~~الحق) * وفى آل عمران: * (بغير حق) *. # وقوله في البقرة: * (هذا بلدا آمنا) *، وفى سورة إبراهيم: * (هذا البلد ~~آمنا) *; لأنه للإشارة إلى قوله: * (بواد غير ذي زرع) *; ويكون *) بلدا) * ~~هنا هو المفعول الثاني، و * (آمنا) * صفته، وفى إبراهيم * (البلد) * مفعول ~~أول، و * (آمنا) * الثاني. # وقوله في آل عمران: * (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) *، وفى ~~الأنفال: * (إن الله عزيز حكيم) *. # وقوله في ms0076 حم السجدة: * (فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم) * وفى ~~الأعراف: PageV01P127 # * (إنه سميع عليم) *، لأنها في " حم " مؤكدة بالتكرار بقوله: * (وما ~~يلقاها إلا الذين صبروا) *; فبالغ بالتعريف، وليس هذا في سورة الأعراف، ~~فجاء على الأصل: المخبر عنه معرفة والخبر نكرة. # الخامس: بالجمع والإفراد، كقوله في سورة البقرة: * (لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة) * وفى آل عمران: * (معدودات) *; لأن الأصل في الجمع إذا كان ~~واحد مذكر أن يقتصر في الوصف على التأنيث نحو: * (سرر مرفوعة. وأكواب ~~موضوعة. ونمارق مصفوفة. وزرابي مبثوثة) * فجاء في البقرة على الأصل. وفى آل ~~عمران على الفرع. # السادس: إبدال حرف بحرف غيره، كقوله تعالى في البقرة: * (أسكن أنت وزوجك ~~الجنة وكلا) * بالواو، وفى الأعراف: * (فكلا) * بالفاء وحكمته أن * (اسكن) ~~* في البقرة من السكون الذي هو الإقامة. فلم يصلح إلا بالواو; ولو جاءت ~~الفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة. والذي في الأعراف من المسكن ~~وهو اتخاذ الموضع سكنا، فكانت الفاء أولى، لأن اتخاذ المسكن لا يستدعى زمنا ~~متجددا، وزاد في البقرة * (* (رغدا) * لقوله: * (وقلنا) *، بخلاف سورة ~~الأعراف فإن فيها: * (قال) * وذهب قوم إلى أن ما في الأعراف خطاب لهما قبل ~~الدخول، وما في البقرة بعد الدخول. # ومنه قوله تعالى في البقرة: * (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا) * ~~بالفاء وفى الأعراف بالواو. PageV01P128 # في البقرة: * (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم) *، ثم قال بعد ~~ذلك: * (من بعد ما جاءك) *. # في البقرة: * (فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) *، وفى غيرها: # * (ولا هم ينظرون) *. # في البقرة: * (وما أنزل إلينا) *، وفى آل عمران: * (علينا) *. # في الأنعام: * (قل سيروا في الأرض ثم انظروا) *، وفى غيرها: * (قل سيروا ~~في الأرض فانظروا) *. # في الأعراف: * (وما كان جواب قومه) * بالواو، وفى غيرها بالفاء. # في الأعراف: * (آمنتم به) *، وفى الباقي: * (آمنتم له) *. # في سورة الرعد: * (كل يجرى لأجل مسمى) *، وفى لقمان: * (إلى أجل مسمى) *، ~~لا ثاني له. # في الكهف: * (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها) *، وفى السجدة: # * (ثم أعرض عنها) *. # في طه: ms0077 * (أفلم يهد لهم) * بالفاء، وفى السجدة: * (أولم يهد لهم) *. ~~PageV01P129 # في القصص: * (وما أوتيتم من شئ) *، وفى الشورى: * (فما أوتيتم) * بالفاء. # في الطور: * (وأقبل بعضهم على بعض) *، و * (واصبر لحكم ربك) *، بالواو ~~فيهما; وفى الصافات [* (فأقبل بعضهم على بعض) *، وفى القلم: * (فاصبر لحكم ~~ربك) *، بالفاء فيهما] كما أن: * (وبئس القرار) *، و * (يذبحون) * بالواو ~~فيهما، في إبراهيم. # في الأعراف: * (سقناه لبلد ميت) *، [وفى فاطر: * (إلى بلد) *]. # السابع: إبدال كلمة بأخرى: # في البقرة: * (ما ألفينا عليه آباءنا) *، وفى لقمان: * (وجدنا) *. # في البقرة: * (فانفجرت) *، وفى الأعراف: فانبجست) *. # في البقرة: * (فأزلهما الشيطان) *، وفى الأعراف: * (فوسوس لهما الشيطان) ~~*. # في آل عمران * (قالت: رب أنى يكون لي ولد) *، وفى مريم: * (قالت أنى يكون ~~لي غلام) *، لأنه تقدم ذكره في * (لأهب لك غلاما زكيا) *. PageV01P130 # في النساء: * (إن تبدوا خيرا أو تخفوه) *، وفى الأحزاب: * (شيئا أو ~~تخفوه) *. # في الأنعام: * (يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي) *، والثاني * ~~(يخرج) * بالفعل. # في الكهف: * (ولئن رددت إلى ربى) *، وفى حم: * (ولئن رجعت) *. # في طه: * (فلما أتاها) *، وفى النمل: * (فلما جاءها) *. # في طه: * (وسلك لكم فيها سبلا) *، وفى الزخرف: * (وجعل لكم فيها سبلا) *. # في الأنبياء: * (ما يأتيهم من ذكر من ربهم) *، وفى الشعراء: * (من ~~الرحمن) *. # في النمل: * (ويوم ينفخ في الصور ففزع) *، وفى الزمر: * (فصعق) *. # في الأحزاب، في أولها: * (بما تعملون خبيرا) *، وفيها: * (بما تعملون ~~بصيرا) * بعد * (وجنودا لم تروها) *. # * (عذابا أليما) * بعد * (ليسأل الصادقين) *، و * (عذابا مهينا) * بعد * ~~(يؤذون الله ورسوله) *. PageV01P131 # * (أجرا كريما) * [بعد * (تحيتهم يوم يلقونه سلام) *، و * (رزقا كريما) ~~*. # بعد: * (نؤتها أجرها مرتين) *]. # * (سنة الله في الذين خلوا من قبل) * موضعان في الأحزاب، [وفى سورة غافر: # * (سنة الله التي قد خلت) *]. # وفى البقرة: * (وهدى وبشرى للمؤمنين) *، وفى النحل: * (للمسلمين) * في ~~موضعين. # في المائدة: * (قل هل أنبئكم) *، وبالنون في الكهف. # * * * الثامن: الإدغام وتركه. # في النساء والأنفال: * (ومن يشاقق الرسول) *، وفى الحشر بالإدغام. # في الأنعام: * (لعلهم يتضرعون) * وفى الأعراف: * (يضرعون) *. PageV01P132 # الفصل الثاني ما جاء على حرفين * (لعلكم تتفكرون) * في القرآن، اثنان ms0078 في ~~البقرة. # * (ولكن أكثرهم لا يشكرون) *، اثنان في يونس والنمل. # * (أن الله غفور حليم) * في البقرة وفى آل عمران * (إن الله غفور حليم) ~~*; وأما * (والله غفور حليم) *، فواحد في البقرة. وكذلك فيها: * (غنى حليم) ~~* وليس غيره. # * (الحكيم العليم) *، حرفان، في الزخرف وفى الذاريات. # * (فقال الملأ الذين كفروا من قومه: ما هذا إلا بشر مثلكم) *، اثنان في ~~قصة نوح، في هود والمؤمنون; في السورتين بالفاء. # و * (عذاب يوم أليم) * اثنان، في هود والزخرف. # * (من عباده ويقدر له) * اثنان، في العنكبوت وسبأ، وأما الذي في القصص ~~فهو * (من عباده ويقدر لولا أن) *، وباقي القرآن * (ويقدر) * فقط. ~~PageV01P133 # * (فلما أن) *، حرفان: في يوسف * (فلما أن جاء البشير) *، وفى القصص * ~~(فلما أن أراد أن يبطش) *. # * (ومن أظلم ممن افترى) * بالواو، حرفان في الأنعام. وفى يونس * (فمن ~~أظلم) * بالفاء. # * (أعرض) * حرفان في الكهف وفى السجدة; إلا أن الأول * (فأعرض) * والثاني ~~* (ثم أعرض) *. # * (أطيعوا الله والرسول) * من غير تكرار " الطاعة ": حرفان، وهما في آل ~~عمران: # * (قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا) *، و * (وأطيعوا الله والرسول ~~لعلكم ترحمون) *. # * (وجاءهم البينات) * بغير تاء التأنيث، حرفان، وهما في آل عمران. # * (وما تنفقوا من شئ) *، حرفان، في آل عمران، وفى الأنفال. # * (فإن كذبوك) * بالفاء، حرفان، في آل عمران، وفى الأنعام. # * (قل أرأيتكم إن) * حرفان وهما في الأنعام. # * (لا يهدى القوم الفاسقين) * حرفان، في التوبة وفى المنافقين. ~~PageV01P134 # * (إن الله لقوى عزيز) *، بزيادة اللام، حرفان [في الحج]. [حديث في ~~ديارهم جاثمين) * حرفان] في هود في قصة صالح وشعيب. قال بعض المشايخ: # ما كان فيه " الصيحة " فهو * (ديارهم) * على الجمع، وما كان فيه " الرجفة ~~" فهو * (دارهم) * بالتوحيد. # * (وما كان من دون الله من أولياء) * بتكرير " من " حرفان، هما في هود. # * (أليس في جهنم مثوى للكافرين) *، حرفان، في العنكبوت والزمر. # * (إن في ذلك لآية للمؤمنين) *; بلفظ التوحيد، حرفان في الحجر والعنكبوت. # * (تبع) * بإسقاط الألف حرفان، في البقرة وآل عمران. # * (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش) * ~~حرفان في الفرقان، وفى ms0079 آلم السجدة. # * (إلى أجل مسمى) * حرفان، في لقمان وحم عسق. PageV01P135 # " اللهو " قبل " اللعب " حرفان، في الأعراف والعنكبوت. # * (أولم يهد) * بالواو، حرفان في الأعراف وآلم السجدة. # * (ثم يوم القيامة) * حرفان، في النحل، والعنكبوت. # * (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) * بزيادة * (من) * حرفان، في آل ~~عمران والنور. # * (إلا الذين تابوا وأصلحوا) * بغير " من " حرفان، في البقرة والنساء. # * (ولله ميراث السماوات والأرض) * حرفان، في آل عمران وفى الحديد. # * (له مقاليد السماوات والأرض) * في الزمر وحم عسق. # * (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) * إخبارا عن الجماعة الغيب، حرفان في ~~الأعراف وسبأ. # * (أموات) * بالرفع، في البقرة * (أموات بل أحياء) *، وفى النحل: أموات ~~غير أحياء) * PageV01P136 # الفصل الثالث ما جاء على ثلاثة أحرف * (أولم يسيروا في الأرض) * ثلاثة في ~~القرآن، في الروم وفاطر والمؤمن. # * (فنجيناه) * بالفاء، في يونس والأنبياء والشعراء. # * (قليلا ما تذكرون ثلاثة) * في الأعراف والنمل والحاقة. # * (لعلهم يتذكرون) * اثنان في الأعراف، والثالث في الأنفال. # * (تتذكرون) * بتائين متكررتين; ثلاثة، في الأنعام وآلم السجدة والمؤمن. # * (وما يذكر إلا أولوا الألباب) * في البقرة وآل عمران وإبراهيم. # * (في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم) *، في النساء والتوبة والصف. # * (وباليوم الآخر) * بزيادة الباء في أول البقرة; وفى النساء والتوبة ~~ولكن هو فيهما بالنفي * (وإذ قال موسى لقومه يا قوم) *، في البقرة وفى ~~المائدة وفى الصف. # * (فلهم أجرهم) * في البقرة اثنان; والثالث في التين والزيتون; إلا أنه ~~بإسقاط الهاء والميم. PageV01P137 # * (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) *، في هود والرعد والمؤمن. # * (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) *، في البقرة ويوسف والمؤمن. # * (وهم بالآخرة هم كافرون) * في هود ويوسف والسجدة. # * (كم أهلكنا من قبلهم من قرن) * بزيادة " من "، في الأنعام، وص، وآلم ~~السجدة; لكن بلفظ * (من القرون) *. # * (أجمعون) * بالواو في الحجر والشعراء وص. # * (إن الله خبير بما تعملون) *، في المائدة والنور والحشر. # * (إن الله عليم بذات الصدور) *، في آل عمران والمائدة ولقمان. # * (ولو شئنا) *، في الأعراف والفرقان وآلم السجدة. # * (من ذنوبكم) * بزيادة " من " في إبراهيم والأحقاف ونوح. # * (مبينات) * في النور اثنان، والثالث في الطلاق. # * (لولا أنزل ms0080 عليه) * في الرعد اثنان، والثالث في يونس. # * (جنات عدن يدخلونها) * في الرعد والنحل وفاطر. # * (فما كان الله ليظلمهم) * في الروم والتوبة والعنكبوت، [لكن بالواو] ~~PageV01P138 # * (لعلى) * في الحج وسبأ ونون. # * (في السماوات ولا في الأرض) * في سبأ اثنان، وفى آخر فاطر. # * (وإذ قال ربك للملائكة) * بواو، في البقرة والحجر وص. # * (ونزلنا) * ثلاثة أحرف، في طه والنحل وق، والباقي * (وأنزلنا) *. # * (فإن توليتم) * في المائدة ويونس والتغابن. # * (ألم يروا) * بغير واو، في النحل والنمل ويس. # * (أمواتا) * بالنصب; في البقرة * (وكنتم أمواتا) *، وآل عمران، * (في ~~سبيل الله * (أمواتا) *، وفى المرسلات * (أحياء وأمواتا) *. # * (أجلا) * بالنصب، في الأنعام وبنى إسرائيل والمؤمن. # * (أئذا كنا ترابا) * بغير ذكر " العظام " في الرعد والنمل وق. # * (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك) * في الرعد والروم والمؤمن. PageV01P139 # الفصل الرابع جاء على أربعة حروف * (من في السماوات ومن في الأرض) *، ~~بتكرير * (من) * في يونس والحج والنمل والزمر. * (ملك السماوات والأرض وما ~~بينهما) *، في المائدة اثنان، في ص وآخر الزخرف * (أرسلنا قبلك) * بإسقاط " ~~من " في بني إسرائيل والأنبياء والفرقان وسبأ. # * (أهؤلاء) * بألف قبل الهاء، في المائدة والأنعام والأعراف وسبأ. # * (من تحتهم) * في الأنعام والأعراف ويونس والكهف; وأما * (تجرى تحتها ~~الأنهار) * فموضع واحد في براءة. # * (أو أن) * بهمزة قبل الواو. في هود: * (أو أن نفعل) *، وفى بنى إسرائيل ~~* (أو إن يشأ يعذبكم) *، وفى طه * (أو أن يطغى) *، وفى المؤمن: * (أو أن ~~يظهر في الأرض الفساد. PageV01P140 # * (إن الله كان عليما حكيما) * في النساء اثنان، وفى الأحزاب، والإنسان * ~~(آباؤهم) * بالرفع، في البقرة * (أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا) * [وفى ~~المائدة: * (أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا) *. وفى هود: * (إلا كما يعبد ~~آباؤهم) *، وفى يس لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم) *]. # * (قل يا أيها الناس) * في الأعراف، وفى يونس اثنان منها، وفى الحج: # * (نصرف الآيات) * في الأنعام ثلاثة، والرابع في الأعراف. # * (إن الله لا يهدى القوم الظالمين) *، في المائدة والأنعام والقصص ~~والأحقاف. # * (مباركا) * بالنصب، في آل عمران ومريم والمؤمنين وق. # * (مبارك) * بالرفع، في الأنعام اثنان، وفى الأنبياء وص. # * (ما كسبت) ms0081 * بحذف الباء من أوله، في البقرة وآل عمران اثنان، وفى ~~إبراهيم * (من ذكر أو أنثى) * بإثبات الهمزة قبل الواو، في آل عمران ~~والنساء والنحل وغافر. # * (ألم يروا) * بغير واو، في الأنعام والأعراف والنمل ويس. PageV01P141 # * (ولبئس) * في البقرة اثنان، * (ولبئس ما شروا به) *، و * (لبئس المهاد) ~~*. # وفى الحج: * (ولبئس العشير) * وفى النور: * (ولبئس المصير. وأما * ~~(فلبئس) * بالفاء، فموضع واحد في النحل: * (فلبئس مثوى المتكبرين) *. # * (الا قليل) * بالرفع، في النساء، والتوبة، وهود، والكهف. # * (أفلم يسيروا) * في يوسف، وفى الحج، وفى المؤمن، وفى القتال. # * (قل سيروا في الأرض) * في الأنعام: * (قل سيروا في الأرض ثم انظروا) * ~~وليس في القرآن " ثم " غيره، وفى النمل: * (قل سيروا في الأرض فانظروا) * ~~وكذا في العنكبوت والروم. # * (أفرأيت) * بالفاء بعد الهمزة، في مريم، والشعراء، والجاثية، والنجم. ~~اللعب قبل اللهو، في الأنعام اثنان، وفى القتال، والحديد. # * (لآيات لقوم يعقلون) * بلفظ الجمع، في البقرة، والرعد، والروم، والنحل. ~~PageV01P142 # * (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) * على لفظ الجمع في يونس. # * (لآية لقوم يسمعون) * بالتوحيد في النحل كذلك، وبالجمع في الروم، وآلم ~~السجدة. # * (قال الذين كفروا للذين آمنوا) * في مريم، والعنكبوت، ويس، والأحقاف. # * (وما ظلمناهم) * في هود، والنحل اثنان، وفى الزخرف. # * (وإذ قلنا للملائكة) * في البقرة، وبنى إسرائيل، والكهف، وطه. # والأنبياء والنبيين بغير حق: في آل عمران: * (النبيين بغير حق) *. # وفيها: * (ويقتلون الأنبياء بغير حق) *. وفيها أيضا * (وقتلهم الأنبياء ~~بغير حق) * وفى النساء. فأما الذي في البقرة: * (ويقتلون النبيين بغير ~~الحق) * فليس له نظير. PageV01P143 # الفصل الخامس ما جاء على خمسة حروف * (حكيم عليم) * في الأنعام ثلاثة، ~~والرابع في الحجر، والخامس في النمل. # * (مغفرة ورزق كريم) * في الأنفال اثنان، وفى الحج، والنور، وسبأ. # الأرض قبل السماء، في آل عمران، ويونس، وإبراهيم، وطه، والعنكبوت. # * (لآيات لقوم يتفكرون) * بلفظ الجمع، في الرعد، والروم، والزمر، ~~والجاثية، وبلفظ التوحيد في النحل. # * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * بتكرير الطاعة، في النساء، والمائدة، ~~والنور، والقتال، والتغابن. PageV01P144 # * (وذلك هو الفوز العظيم) *، منها حرفان بالواو: في التوبة، * (وذلك هو ~~الفوز العظيم) * وكذلك في ms0082 المؤمن، والباقي بلا واو: في يونس، والدخان، ~~والحديد. # الفصل السادس ما جاء على ستة أحرف * (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) *; في ~~الأنعام، والنحل، والنمل، والعنكبوت والروم، والزمر. # * (وذلك الفوز العظيم) *، منها بواو، واحد في النساء: * (خالدين فيها ~~وذلك الفوز العظيم) * وفى المائدة: * (ذلك الفوز العظيم) *، ومثله في ~~التوبة (موضعان)، والصف والتغابن. # * (فمن أظلم) * بالفاء، في الأنعام (موضعان) والأعراف، ويونس، والكهف، ~~والزمر. # * (ويسألونك) * بالواو، * (ثلاثة) * في البقرة، وبنى إسرائيل، والكهف، ~~وطه * (فبئس) * بالفاء: في ص (اثنان) وفى الزمر، وفى غافر، والزخرف، ~~والمجادلة. PageV01P145 # * (نزلنا) * بغير واو، في البقرة، والنساء، والأنعام (موضعان)، والحجر، ~~والإنسان. # * (قل يا أهل الكتاب) * في آل عمران ثلاثة، وفى المائدة ثلاثة. # الفصل السابع ما جاء على سبعة حروف * (لعلهم يتذكرون) * في البقرة، ~~وإبراهيم، والقصص، (ثلاثة مواضع)، والزمر والدخان. # * (السماوات والأرض وما بينهما) * في مريم، والشعراء، والصافات، وص ~~(موضعان) والزخرف والدخان. # " المرأة مكتوبة بالتاء في سبعة مواضع; في آل عمران، وفى يوسف (موضعان) * ~~(امرأت العزيز) *، وفى القصص * (امرأت فرعون) *، وفى التحريم (ثلاثة ~~مواضع). PageV01P146 # الفصل الثامن ما جاء على ثمانية حروف النفع قبل الضر في الأنعام، ~~والأعراف، ويونس، والرعد، والأنبياء، والفرقان، والشعراء، وسبأ. # * (يتذكر) * بتاء في الرعد، وطه، والملائكة، وص [والزمر]، والمؤمن ~~والنازعات [والفجر]. # الفصل التاسع ما جاء على تسعة حروف * (من في السماوات والأرض) * بغير ~~تكرار " من " في آل عمران، والرعد، وفى بنى إسرائيل، ومريم، والأنبياء، ~~والنور، والنمل، والروم، والرحمن. PageV01P147 # * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) * بالهاء والميم. في الأنعام، والأعراف، ~~والأنفال، ويونس، والقصص (موضعان)، [والزمر]. والذي في الدخان والطور. # * (يك) * بالياء، من غير نون بعد الكاف: في الأنفال، والتوبة، والنحل، ~~ومريم، والمؤمن (موضعان). وفى المدثر (موضعان) بالنون في أوله، وفى القيامة ~~* (ألم يك نطفة) *. # الفصل العاشر ما جاء على عشرة أحرف * (ولما) * بالواو: في هود ويوسف، وفى ~~غيرهما بالفاء: في هود أربعة أحرف وفى يوسف ستة. # * (أن لا) * تكتب في المصحف بالنون منفصلة عشرة: في الأعراف موضعان، ~~والتوبة، وفى هود موضعان، والحج، ويس، والدخان، والممتحنة، والقلم. ~~PageV01P148 # الفصل الحادي عشر ما ms0083 جاء على أحد عشر حرفا أحد عشر * (جنات عدن) *: في ~~التوبة، والرعد، والنحل، والكهف، ومريم، وطه، والملائكة، وص، والمؤمن، ~~والصف، ولم يكن. # * (ما في السماوات والأرض) *: في البقرة، والنساء، والأنعام، ويونس، ~~والنحل، والنور، والعنكبوت، ولقمان، والحديد، والحشر، والتغابن. # * (خالدين فيها أبدا) * في النساء ثلاثة مواضع، والمائدة، والتوبة ~~(موضعان) والأحزاب، والتغابن، والطلاق، والجن والبرية. # * (وتلك) * بالواو، في البقرة، وآل عمران، والأنعام، وهود، والكهف، ~~والشعراء، والعنكبوت * والزخرف، والمجادلة، والحشر، والطلاق. # * (نعمت الله) * كتبت بالتاء في أحد عشر موضعا: في البقرة * (اذكروا نعمت ~~الله عليكم) *، وفى آل عمران، والمائدة، وإبراهيم (موضعان)، والنحل (ثلاثة ~~مواضع) ولقمان، وفاطر، والطور. PageV01P149 # * (في ما) * كتبت منفصلة في أحد عشر موضعا: # في البقرة: * (في ما فعلن في أنفسهن من معروف) *. # وفى المائدة: * (ليبلوكم في ما آتاكم) *. # وفى الأنعام: * (في ما أوحى) *. إلى وفيها أيضا: * (ليبلوكم في ما آتاكم) ~~*. # وفى الأنبياء: * (وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون) *. # وفى النور: * (لمسكم في ما أفضتم) *. # وفى الشعراء * (أتتركون في ما هاهنا آمنين) *. # وفى الروم: * (شركاء في ما رزقناكم) *. # وفى الزمر: * (تحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون) *. # وفيها أيضا: * (أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا) *. # وفى الواقعة: * (وننشئكم في مالا تعلمون) *. PageV01P150 # الفصل الثاني عشر ما جاء على خمسة عشر وجها * (جنات تجرى من تحتها ~~الأنهار) *; ليس فيها " خالدين " في البقرة (موضعان)، وآل عمران، والمائدة، ~~والرعد، والنحل، والحج، موضعان، والفرقان، والزمر، والقتال، والفتح، والصف، ~~والتحريم، والبروج. # * (والسماء والأرض) *، بالتوحيد في البقرة، والأعراف، ويونس، والأنبياء، ~~(موضعان)، وفى الحج، والنمل (موضعان)، والروم، وسبأ، والملائكة، وص ~~والدخان، والذاريات، والحديد. # الفصل الثالث عشر ما جاء على ثمانية عشر وجها * (أك) *، * (نك) *، و * ~~(يك) *، و * (تك) * بحروف المضارعة في أولها، وبغير نون في آخرها. # في النساء: * (وإن تك حسنة) * PageV01P151 # والأنفال: * (لم يك مغيرا) * وفى التوبة: * (فإن يتوبوا يك خيرا لهم) *. # وفى هود: * (موضعان فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء) *، * (فلا تك في مرية ~~منه إنه الحق) *. # وفى النحل موضعان: * (ولم يك من المشركين) *، * (ولا تك في ms0084 ضيق) *. # وفى مريم: * (ثلاثة مواضع، [وفى لقمان، وغافر،، أربع مواضع]، وفى المدثر ~~موضعان، وفى القيامة. # الفصل الرابع عشر فيما جاء على عشرين وجها * (إن في ذلك لآية) * على ~~التوحيد: في البقرة، وآل عمران، وهود، والحجر. # وفى النحل خمسة أحرف بالتوحيد. وفى الشعراء ثمانية. في النمل، والعنكبوت، ~~وسبأ. PageV01P152 # الفصل الخامس عشر ما جاء على ثلاثة وعشرين حرفا وذلك * (نزل) * و * ~~(أنزل) *. # في البقرة: * (ذلك بأن الله نزل الكتاب) *. # وفى آل عمران: * (نزل عليك الكتاب) *. # وفى النساء موضعان: * (والكتاب الذي نزل على رسوله) *. * (وقد نزل عليكم ~~في الكتاب) *. # وفى الأنعام: * (وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه) *. # وفى الأعراف موضعان: * (ما نزل الله بها من سلطان) *. * (إن وليي الله ~~الذي نزل الكتاب) *. # وفى الحجر: * (يا أيها الذي نزل عليه الذكر) *. # وفى النحل: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) *. # وفى بنى إسرائيل: * (وبالحق نزل) *. # وفى الفرقان ثلاثة مواضع: أولها: * (تبارك الذي نزل الفرقان) *، * (و نزل ~~الملائكة تنزيلا) *، * (لولا نزل عليه القرآن) *. PageV01P153 # وفى الشعراء: * (نزل به الروح الأمين) *: # وفى العنكبوت: * (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيى به الأرض من ~~بعد موتها) *; وليس في القرآن * (من بعد موتها) * بزيادة " من " غيره. # وفى الصافات: * (فإذا نزل بساحتهم) *. # وفى الزمر: * (الله نزل أحسن الحديث) *. # وفى الزخرف موضعان: * (لولا نزل هذا القرآن) *، * (والذي نزل من السماء ~~ماء بقدر) *. # وفى القتال موضعان: * (وآمنوا بما نزل على محمد) *. * (ما نزل الله ~~سنطيعكم) *. # وفى الحديد: * (ما نزل من الحق) *. # وفى تبارك: * (ما نزل الله من شئ) * PageV01P154 # النوع السادس قال علم المبهمات عن وقد صنف فيه أبو القاسم السهيلي كتابه ~~المسمى بالتعريف والإعلام، وتلاه تلميذه ابن عساكر في كتابه المسمى ~~بالتكميل والإتمام. # وهو المبهمات المصنفة في علوم الحديث، وكان في السلف من يعنى به. قال ~~عكرمة: # طلبت الذي خرج في بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم أدركه الموت أربع عشرة ~~سنة. # إلا أنه لا يبحث فيما أخبر الله باستئثاره بعلمه; كقوله: * (وآخرين من ~~دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) * والعجب ممن تجرأ ms0085 وقال: قيل إنهم قريظة، ~~وقيل: من الجن. # وله أسباب: PageV01P155 # الأول: أن يكون أبهم في موضع استغناء ببيانه في آخر في سياق الآية، كقوله ~~تعالى: * (مالك يوم الدين) * بينه بقوله: * (وما أدراك ما يوم الدين) * ~~الآية. # وقوله: * (الذين أنعمت عليهم) *، بينه بقوله: * (من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين) *. # وقوله: * (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة; والمراد آدم، ~~والسياق بينه. # وقوله: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) *، ~~والمراد بهم المهاجرون، لقوله في الحشر: * (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ~~من ديارهم وأموالهم) *. # وقد احتج بها الصديق على الأنصار يوم السقيفة فقال: * (نحن الصادقون، وقد ~~أمركم الله أن تكونوا معنا، أي تبعا لنا - وإنما استحقها دونهم لأنه الصديق ~~الأكبر. # وقوله تعالى: * (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) * يعنى مريم وعيسى، وقال * ~~(آية) * ولم يقل آيتين وهما آيتان لأنها قضية واحدة، وهي ولادتها له من غير ~~ذكر. # * * * والثاني أن يتعين لاشتهاره، كقوله: * (اسكن أنت وزوجك الجنة) * ولم ~~يقل حواء لأنه ليس غيرها. PageV01P156 # وكقوله: * (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه) *، والمراد النمروذ لأنه ~~المرسل إليه. # وقوله: * (وقال الذي اشتراه من مصر) *، والمراد العزيز. # وقوله: * (واتل عليهم نبأ أبنى آدم بالحق) *، والمراد قابيل وهابيل. # وقوله: * (يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين) *. # قالوا: وحيثما جاء في القرآن: * (أساطير الأولين) * فقائلها النضر بن ~~الحارث بن كلدة، وإنما كان يقولها لأنه دخل بلاد فارس، وتعلم الأخبار ثم ~~جاء، وكان يقول: أنا أحدثكم أحسن مما يحدثكم محمد، وإنما يحدثكم أساطير ~~الأولين، وفيه نزل: * (من قال سأنزل مثل ما أنزل الله) *. وقتله النبي صلى ~~الله عليه وسلم صبرا يوم بدر. # وقوله: * (لمسجد أسس على التقوى) *، فإنه ترجح كونه مسجد قباء، بقوله: # * (من أول يوم) * لأنه أسس قبل مسجد المدينة، وحدس هذا بأن اليوم قد يراد ~~به المدة والوقت; وكلاهما أسس على هذا من أول يوم، أي من أول عام من ~~الهجرة، وجاء في الحديث تفسير بمسجد المدينة. وجمع بينهما بأن كليهما مراد ~~الآية. # * * * الثالث: قصد ms0086 الستر عليه، ليكون أبلغ في استعطافه، ولهذا كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا PageV01P157 # بلغه عن قوم شئ خطب فقال: " ما بال رجال قالوا كذا "، وهو غالب ما في ~~القرآن كقوله تعالى: * (أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم) *; قيل: هو ~~مالك بن الصيف. # وقوله: * (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى) *، والمراد هو رافع ~~بن حريملة ووهب بن زيد. # وقوله: * (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) *. # وقوله: * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) *. # [وقوله]: * (وقالت طائفة من أهل الكتاب) *. PageV01P158 # الرابع ألا يكون في تقيينه كثير فائدة; كقوله تعالى: * (أو كالذي مر على ~~قرية والمراد بها بيت المقدس. # * (واسألهم عن القرية) * والمراد أيلة، وقيل: طبرية. # * (فلو لا كانت قرية) * والمراد نينوى. # أتيا أهل قرية قيل برقة فإن قيل ما الفائدة في قوله: * (وإذ قال إبراهبم ~~لأبيه آزر) * قيل: آزر اسم صنم; وفى الكلام، حذف أي دع آزر; وقيل كلمة زجر; ~~وقيل: بل هو اسم أبيه; وعلى هذا فالفائدة أن الأب يطلق على الجد، فقال " ~~آزر " لرفع المجاز. # * * * الخامس: التنبيه على التعميم، وهو غير خاص بخلاف ما لو عين كقوله ~~تعالى: * (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله) *، قال عكرمة: أقمت ~~أربع عشرة سنة أسأل عنه حتى عرفته، هو ضمرة بن العيص، وكان من المستضعفين ~~بمكة، وكان مريضا، فلما نزلت آية الهجرة خرج منها فمات بالتنعيم. # وقوله: * (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية) * قيل نزلت ~~في على، كان معه أربع دوانق، فتصدق بواحد بالنهار وآخر بالليل وآخر سرا ~~وآخر علانية. PageV01P159 # وقوله: * (وما علمتم من الجوارح مكلبين) *، قيل نزلت في عدى بن حاتم، كان ~~له كلاب [خمسة] قد سماها [بأسماء] أعلام. # * * * السادس: تعظيمه بالوصف الكامل دون الاسم كقوله: * (ولا يأتل أولوا ~~الفضل منكم) *، والمراد الصديق. # وكذلك * (والذي جاء بالصدق) * يعنى محمدا * (وصدق به) * يعنى أبا بكر - ~~ودخل في الآية كل مصدق، ولذلك قال: * (أولئك هم المتقون) *. # السابع: تحقيره بالوصف الناقص، كقوله: * (إن الذين كفروا بآياتنا) ms0087 *، ~~وقوله: # * (إن شانئك هو الأبتر) * والمراد فيها العاصي بن وائل. # وقوله: * (إن جاءكم فاسق) * والمراد الوليد بن عقبة بن أبي معيط. # وأما قوله: * (تبت يدا أبى لهب) * فذكره هنالك للتنبيه على أن ما له ~~للنار ذات اللهب. # تنبيهات الأول: قد يكون للشخص اسمان، فيقتصر على أحدهما دون الآخر لنكتة، ~~فمنه قوله تعالى في مخاطبة الكتابيين: * (يا بني إسرائيل) * ولم يذكروا في ~~القرآن إلا PageV01P160 # بهذا، دون " يا بني يعقوب ". وسره أن القوم لما خوطبوا بعبادة الله، ~~وذكروا بدين أسلافهم; موعظة لهم، وتنبيها من غفلتهم، سموا بالاسم الذي فيه ~~تذكرة بالله، فإن " إسرائيل " اسم مضاف إلى الله سبحانه في التأويل، ولهذا ~~لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم قوما إلى الاسلام يقال لهم: " بنو عبد ~~الله "، قال: " يا بني عبد الله، إن الله قد حسن اسم أبيكم "، يحرضهم بذلك ~~على ما يقتضيه اسمه من العبودية. ولما ذكر موهبته لإبراهيم وتبشيره به قال: ~~يعقوب، وكان أولى من إسرائيل، لأنها موهبة تعقب أخرى، وبشرى عقب بها بشرى ~~فقال: * (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) * وإن كان اسم يعقوب ~~عبرانيا; لكن لفظه موافق للعربي، من العقب والتعقيب. فانظر مشاكلة الاسمين ~~للمقامين عمرو فإنه من العجائب. # وكذلك حيث ذكر الله نوحا سماه به، واسمه عبد الغفار، للتنبيه على كثرة ~~نوحه على نفسه في طاعة ربه. # ومنه قوله تعالى حاكيا عن عيسى: * (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) ~~*، ولم يقل " محمد "، لأنه لم يكن محمدا حتى كان أحمد، حمد ربه، فنبأه ~~وشرفه، فلذلك تقدم على محمد فذكره عيسى به. # ومنه أن مدين هم أصحاب الأيكة، إلا أنه سبحانه حيث أخبر عن مدين قال: # أخاهم شعيبا "، وحيث أخبر عن الأيكة لم يقل " أخوهم ". والحكمة فيه أنه ~~لما PageV01P161 # عرفهم بالنسب، وهو أخوهم في ذلك النسب ذكره، ولما عرفهم بالأيكة التي ~~أصابهم فيها العذاب لم يقل أخوهم، وأخرجه عنهم. # ومنه * (وذا النون) *، فأضافه إلى الحوت والمراد يونس، وقال في سورة ~~القلم: * (ولا تكن كصاحب الحوت) *، والإضافة " بذي " أشرف من ms0088 الإضافة " ~~بصاحب "، ولفظ " النون " أشرف من " الحوت "، ولذلك وجد في حروف التهجي، ~~كقوله: # * (ن والقلم) *. وقد قيل: إنه قسم وليس في الآخر ما يشرفه بذلك. # ومنه قوله تعالى: * (تبت يدا أبى لهب) *، فعدل عن الاسم إلى الكنية; إما ~~لاشتهاره بها، أو لقبح الاسم، فقد كان اسمه عبد العزى. # واعلم أنه لم يسم الله قبيلة من جميع قبائل العرب باسمها إلا قريشا; ~~سماهم بذلك في القرآن، ليبقى على مر الدهور ذكرهم، فقال تعالى: * (لإيلاف ~~قريش) *. # الثاني: أنه قد بالغ في الصفات للتنبيه على أنه يريد إنسانا بعينه; كقوله ~~تعالى: * (ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم...) * الآية; قيل: إنه ~~الأخنس بن شريق. # وقوله: * (ويل لكل همزة لمزة) *; قيل: إنه أمية بن خلف; كان يهمز النبي ~~صلى الله عليه وسلم. PageV01P162 # الثالث: قيل: لم يذكر الله تعالى " امرأة " في القرآن وسماها باسمها إلا ~~مريم بنت عمران، فإنه ذكر اسمها في نحو ثلاثين موضعا، لحكمة ذكرها بعض ~~الأشياخ قال: إن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم ولا يبتذلون أسماءهم، ~~يكنون عن الزوجة بالعرس والعيال والأهل ونحوه، فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا ~~عنهن، ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها، فلما قالت النصارى في ~~مريم وفى ابنها ما قالت صرح الله تعالى باسمها، ولم يكن عنها; تأكيدا لأمر ~~العبودية التي هي صفة لها، وإجراء للكلام على عادة العرب في ذكر أبنائها; ~~ومع هذا فإن عيسى لا أب له، واعتقاد هذا واجب، فإذا تكرر ذكره منسوبا إلى ~~الأم استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفى الأب عنه، وتنزيه الأم ~~الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله. # * * * الرابع: وأما الرجال فذكر منهم كثيرا; وقد قيل في قوله تعالى: * ~~(ذرني ومن خلقت وحيدا) * إنه الوليد بن المغيرة، وقد سمى الله زيدا في سورة ~~الأحزاب للتصريح بأنه ليس بابن النبي صلى الله عليه وسلم; وأضيف إلى ذلك ~~السجل; قيل: إنه كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه المراد بقوله ~~تعالى: * (كطي السجل للكتب) *. PageV01P163 # النوع السابع في أسرار الفواتح ms0089 والسور اعلم أن سور القرآن العظيم مائة ~~وأربع عشرة سورة; وفيها يلغز فيقال: أي شئ إذا عددته زاد على المائة; وإذا ~~عددت نصفه كان دون العشرين. # وقد افتح سبحانه وتعالى كتابه العزيز بعشرة أنواع من الكلام; لا يخرج شئ ~~من السور عنها. # [- الاستفتاح بالثناء] الأول: استفتاحه بالثناء عليه عز وجل. والثناء ~~قسمان: إثبات لصفات المدح; ونفى وتنزيه من صفات النقص. # والإثبات نحو * (الحمد لله) * في خمس سور، [و * (تبارك) * في سورتين]: # الفرقان: * (تبارك الذي نزل الفرقان) *، [والملك]: * (تبارك الذي بيده ~~الملك) *. PageV01P164 # والتنزيه نحو: * (سبحان الذي أسرى بعبده) *، * (سبح اسم ربك الأعلى) * * ~~(سبح لله ما في السماوات) *، * (يسبح لله) *، كلاهما في سبع سور، فهذه أربع ~~عشرة سورة استفتحت بالثناء على الله: لثبوت صفات الكمال؟ ونصفها لسلب ~~النقائص. # قلت: وهو سر عظيم من أسرار الألوهية. قال صاحب العجائب: # " سبح لله " هذه كلمة استأثر الله بها; فبدأ بالمصدر منها في بني إسرائيل ~~لأنه الأصل; ثم الماضي * (سبح لله) * في الحديد والحشر والصف; لأنه أسبق ~~الزمانين، ثم المستقبل في الجمعة والتغابن، ثم بالأمر في سورة الأعلى ~~استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها، وهي أربع: المصدر، والماضي، ~~والمستقبل، والأمر المخاطب، فهذه أعجوبة وبرهان. # [2 - الاستفتاح بحروف التهجي] الثاني: استفتاح السور بحروف التهجي نحو: ~~آلم، المص، آلمر، كهيعص، طه، طس، طسم، حم، حمعسق، ق، ن. وذلك في تسع وعشرين ~~سورة. # قال الزمخشري: " وإذا تأملت الحروف التي افتتح الله بها السور وجدتها نصف ~~PageV01P165 # أسامي حروف المعجم، أربعة عشر: الألف، واللام، والميم، والصاد، والراء، ~~والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، والسين، والخاء، والقاف، والنون. ~~في تسع وعشرين عدد حروف المعجم. ثم تجدها مشتملة على أصناف أجناس الحروف: ~~المهموسة والمجهورة والشديدة والمطبقة والمستعلية والمنخفضة وحروف القلقلة. ~~ثم إذا استقريت الكلام تجد هذه الحروف هي أكثر دورا مما بقي، ودليله أن ~~الألف واللام لما كانت أكثر تداورا جاءت في معظم هذه الفواتح، فسبحان الذي ~~دقت في كل شئ حكمته! ". انتهى. # قيل: وبقي عليه من الأصناف: الشديدة والمنفتحة، وقد ذكر تعالى نصفها. ms0090 أما ~~حروف الصفير فهي ثلاثة ليس لها نصف; فجاء منها السين والصاد، ولم يبق إلا ~~الزاي. # وكذلك الحروف اللينة ثلاثة، ذكر منها اثنين الألف والياء، أما المكرر وهو ~~الراء، والهاوي وهو الألف، والمنحرف وهو اللام فذكرها; ولم يأت خارجا عن ~~هذا النمط إلا ما بين الشديدة والرخوة; أهل فإنه ذكر فيه أكثر من النصف. ~~وهذا التداخل موجود في كل قسم قبله: ولولاه لما انقسمت هذه الأقسام كلها. ~~ووهم الزمخشري في عدد حروف القلقلة; إنما ذكر نصفها، فإنها خمسة ذكر منها ~~حرفان: القاف والطاء. PageV01P166 # وقال القاضي أبو بكر: إنما جاءت على نصف حروف المعجم; كأنه قيل: من زعم ~~أن القرآن ليس بآية فليأخذ الشطر الباقي، ويركب عليه لفظا معارضة للقرآن. ~~وقد علم ذلك بعض أرباب الحقائق. # واعلم أن الأسماء المتهجات حديث في أول السور ثمانية وسبعون حرفا، فالكاف ~~والنون كل واحد في مكان واحد، والعين والياء والهاء والقاف كل واحد في ~~مكانين، والصاد في ثلاثة، والطاء في أربعة، والسين في خمسة، والراء في ستة، ~~والحاء في سبعة، والألف واللام في ثلاثة عشر، والميم في سبعة عشر، وقد جمع ~~بعضهم ذلك في بيتين وهما: # - كن واحد عيهق عند اثنان ثلاثة صاد * الطاء أربعة والسين خمس علا - - ~~والراء ست وسبع الحاء آل ودج * وميمها سبع عشر تم واكتملا - وهي في القرآن ~~في تسعة وعشرين سورة، وجملتها من غير تكرار أربعة عشر حرفا; يجمعها قولك: " ~~نص حكيم قاطع له سر "; وجمعها السهيلي في قوله: " ألم يسطع نور حق كره ". # وهذا الضابط في لفظه ثقل، وهو غير عذب في السمع ولا في اللفظ; ولو قال: " ~~لم يكرها نص حق سطع " لكان أعذب. # ومنهم من ضبط بقوله: " طرق سمعك النصيحة " و " صن سرا يقطعك حمله "، و " ~~على صراط حق يمسكه ". وقيل: " من حرص على بطه كاسر " وقيل: " سر حصين قطع ~~كلامه ". # ثم بنيتها ثلاثة حروف موحدة: ص ق ن، وعشرة مثنى: طه، طس، يس، حم. # واثنا عشر مثلثة الحروف: آلم، آلر، طسم، واثنان حروفها أربعة: المص، ms0091 ~~آلمر. واثنان حروفها خمسة: كهيعص حمعسق. # وأكثر هذه السور التي ابتدئت بذكر الحروف ذكر منها: ما هو ثلاثة أحرف، ~~وما هو أربعة أحرف (سورتان)، وما ابتدئ بخمسة أحرف (سورتان). PageV01P167 # وأما ما بدئ بحرف واحد فاختلفوا فيه، فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا وإنما ~~جعله اسما لشئ خاص. ومنهم من جعله حرفا وقال: أراد أن يتحقق الحروف مفردها ~~ومنظومها. # فأما ما ابتدئ بثلاثة أحرف ففيه سر، وذلك أن الألف إذا بدئ بها أولا كانت ~~همزة، وهي أول المخارج من أقصى الصدر، واللام من وسط مخارج الحروف، وهي أشد ~~الحروف اعتمادا على اللسان، والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم. وهذه ~~الثلاثة هي أصل مخارج الحروف; أعني الحلق واللسان والشفتين، وترتبت في ~~التنزيل من البداية، إلى الوسط، إلى النهاية. # فهذه الحروف تعتمد المخارج الثلاثة، التي يتفرع منها ستة عشر مخرجا; ~~ليصير منها تسعة وعشرون حرفا; عليها مدار كلام الخلق أجمعين، مع تضمنها سرا ~~عجيبا، وهو أن الألف للبداية، واللام للتوسط، والميم للنهاية; فاشتملت هذه ~~الأحرف الثلاثة على البداية. # والنهاية، والواسطة بينهما. # وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف فهي مشتملة على مبدأ الخلق ونهايته وتوسطه، ~~مشتملة على خلق العالم وغايته، وعلى التوسط بين البداية من الشرائع ~~والأوامر. فتأمل ذلك في البقرة، وآل عمران، وتنزيل السجدة، وسورة الروم. # وأيضا فلأن الألف واللام كثرت في الفواتح دون غيرها من الحروف لكثرتها في ~~الكلام. # وأيضا من أسرار علم الحروف أن الهمزة من الرئة; فهي أعمق الحروف، واللام ~~مخرجها من طرف اللسان ملصقة بصدر الغار الأعلى من الفم; فصوتها يملأ ما ~~وراءها من هواء الفم، والميم مطبقة; لأن مخرجها من الشفتين إذا أطبقا، ~~ويرمز بهن إلى باقي الحروف; كما رمز PageV01P168 # صلى الله عليه وسلم بقوله: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله " إلى الإتيان بالشهادتين وغيرهما مما هو من لوازمهما. # وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن، فإن الطاء جمعت من صفات ~~الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها: وهي الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق ~~[والإصمات]. والسين مهموس ms0092 رخو مستقل صفير منفتح، فلا يمكن أن يجمع إلى ~~الطاء حرف يقابلها، كالسين والهاء; فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف. # وتأمل السورة التي اجتمعت على الحروف المفردة: كيف تجد السورة مبنية على ~~كلمة ذلك الحرف; فمن ذلك: * (ق والقرآن المجيد) * فإن السورة مبنية على ~~الكلمات القافية: من ذكر القرآن، ومن ذكر الخلق، وتكرار القول ومراجعته ~~مرارا، والقرب من ابن آدم، وتلقى الملكين، وقول العتيد، وذكر الرقيب، وذكر ~~السابق، والقرين، والإلقاء في جهنم، والتقدم بالوعد، وذكر المتقين، وذكر ~~القلب، والقرن، والتنقيب في البلاد، وذكر القتل مرتين، وتشقق الأرض، وإلقاء ~~الرواسي فيها، وبسوق النخل، والرزق، وذكر القوم، وخوف الوعيد، وغير ذلك. # وسر آخر وهو أن كل معاني السورة مناسب لما في حرف القاف من الشدة والجهر ~~والقلقلة والانفتاح. # وإذا أردت زيادة إيضاح فتأمل ما اشتملت عليه سورة " ص " من الخصومات ~~المتعددة; فأولها خصومة الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقولهم: * ~~(أجعل الآلهة PageV01P169 # إلها واحدا...) *، إلى آخر كلامهم، ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم ~~أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم، وهو الدرجات، والكفارات، ثم ~~تخاصم إبليس واعتراضه على ربه وأمره بالسجود، ثم اختصامه ثانيا في شأن بنيه ~~وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم. # وكذلك سورة * (ن والقلم) *; فإن فواصلها كلها على هذا الوزن، مع ما تضمنت ~~من الألفاظ النونية. # وتأمل سورة الأعراف زاد فيها " ص " لأجل قوله: * (فلا يكن في صدرك حرج) * ~~وشرح فيها قصص آدم فمن بعده من الأنبياء، ولهذا قال بعضهم: معنى * (المص) ~~*، * (ألم نشرح لك صدرك) *. وقيل: معناه المصور، وقيل أشار بالميم لمحمد، ~~وبالصاد للصديق; وفيه إشارة لمصاحبة الصاد الميم، وأنها تابعة لها كمصاحبة ~~يكون الصديق لمحمد ومتابعته له. # وجعل السهيلي هذا من أسرار الفواتح وزاد في الرعد راء لأجل قوله الله ~~الذي رفع السماوات) * ولأجل ذكر الرعد والبرق وغيرهما. # واعلم أن عادة القرآن العظيم في ذكر هذه الحروف أن يذكر بعدها ما يتعلق ~~بالقرآن كقوله: * (ألم ذلك الكتاب) * وقد جاء بخلاف ذلك في العنكبوت ms0093 والروم ~~فيسأل عن حكمة ذلك. # تنبيهات ثم لا بد من التنبيه على أحكام تختص بهذه الفواتح الشريفة: # الأول أن البصريين لم يعدوا شيئا منها آية; وأما الكوفيون فمنها ما عدوه ~~آية، ومنها PageV01P170 # ما لم يعدوه آية; وهو علم توقيفي لا مجال للقياس فيه; كمعرفة السور; أما ~~* (آلم) * فآية حيث وقعت من السور المفتتحة بها، وهي ست، وكذلك * (المص) * ~~آية، و * (آلمر) * لم تعد آية، و * (الر) * وليست بآية من سورها الخمس، و * ~~(طسم) * آية في سورتيها، و * (طه) * و * (يس) * آيتان، و * (طس) * ليست ~~بآية، و * (حم) *، في سورها كلها، و * (حم. عسق) * آيتان، و * (كهيعص) * ~~آية واحدة، و * (ص) *، و * (ق) *; و * (ن) *، لم تعد واحدة منها آية; وإنما ~~عد ما هو في حكم كلمة واحدة آية، كما عد * (الرحمن) * وحده، و * (مدهامتان) ~~* وحدها آيتين على طريق التوقيف. # وقال الواحدي في " البسيط " في أول سورة يوسف: لا يعد شئ منها آية إلا في ~~* (طه) *، وسره أن جميعها لا يشاكل ما بعده من رؤوس الآي، فلهذا لم يعد ~~آية; بخلاف * (طه) * فإنها تشاكل ما بعدها. # الثاني: هذه الفواتح الشريفة على ضربين: أحدهما أن كل ما لا يتأتى فيه ~~إعراب، نحو * (كهيص) * و * (الم) *. والثاني ما يتأتى فيه; وهو إما أن يكون ~~اسما مفردا كص وق، ون، أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد ك " حم "، و " طس ~~" و " يس " فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكذلك " طسم " يتأتى فيها أن تفتح ~~نونها فتصير (ميم) مضمومة إلى " طس " فيجعلا اسما واحدا كدار انجرد. فالنوع ~~الأول محكى ليس إلا، وأما النوع الثاني فسائغ فيه الأمران: الإعراب ~~والحكاية. # * * * PageV01P171 # الثالث: أنه يوقف على جميعها وقف التمام; إن حملت على معنى مستقل غير ~~محتاج إلى ما بعده، وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور، وينعق بها كما ينعق ~~بالأصوات; أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف; كقوله تعالى: * (آلم. الله) * ~~أي هذه السورة " آلم " ثم ابتدأ فقال: * (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ~~*. # * * * الرابع: أنها كتبت في المصاحف ms0094 الشريفة على صورة الحروف أنفسها، لا ~~على صورة أساميها، وعلل ذلك بأن الكلمة لما كانت مركبة من ذوات الحروف، ~~واستمرت العادة متى تهجيت، ومتى قيل للكاتب: اكتب: كيت وكيت، أن يلفظ ~~بالأسماء، وتقع في الكتابة الحروف أنفسها; فحمل على ذلك للمشاكلة المألوفة ~~في كتابة هذه الفواتح. وأيضا فإن شهرة أمرها، وإقامة ألسنة الأحمر والأسود ~~لها; وأن اللافظ بها غير متهجاة لا يجئ بطائل فيها، وأن بعضها مفرد لا يخطر ~~ببال غير ما هو عليه من مورده أمنت وقوع اللبس فيها. وقد اتفقت في خط ~~المصحف أشياء خارجة عن القياسات التي يبنى عليها علم الخط والهجاء; ثم ما ~~عاد ذلك بنكير ولا نقصان لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ، وكان اتباع خط المصحف ~~سنة لا تخالف. أشار إلى هذه الأحكام المذكورة صاحب الكشاف. # وقد اختلف الناس في الحروف المقطعة أوائل السور على قولين: PageV01P172 # أحدهما أن هذا علم مستور، وسر محجوب استأثر الله به، ولهذا قال الصديق ~~رضي الله عنه : في كل كتاب سر، وسره في القرآن أوائل السور. قال الشعبي: ~~إنها من المتشابه، نؤمن بظاهرها، ونكل العلم فيها إلى الله عز وجل. # قال الإمام الرازي: وقد أنكر المتكلمون هذا القول وقالوا: لا يجوز أن يرد ~~في كتاب الله ما لا يفهمه الخلق، لأن الله تعالى أمر بتدبره، والاستنباط ~~منه; وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه، ولأنه كما جاز التعبد بما لا ~~يعقل معناه في الأفعال، فلم لا يجوز في الأقوال بأن يأمرنا الله تارة بأن ~~نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون القصد منه ~~ظهور الانقياد والتسليم! # القول الثاني أن المراد منها معلوم، وذكروا فيه ما يزيد على عشرين وجها; ~~فمنها البعيد، ومنها القريب: # أحدها: ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن كل حرف منها مأخوذ من اسم من ~~أسمائه سبحانه، فالألف من " الله " واللام من " لطيف "، والميم من " مجيد ~~"، أو الألف من " آلائه "، واللام من " لطفه "، والميم من " مجده ". قال ~~ابن فارس: # وهذا وجه جيد، ms0095 وله في كلام العرب شاهد: * قلنا لها قفى فقالت ق * فعبر عن ~~قولها " وقفت " بق. # الثاني: أن الله أقسم بهذه الحروف بأن هذا الكتاب الذي يقرؤه محمد هو ~~الكتاب المنزل لا شك فيه، وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف إذ كانت مادة ~~البيان. وما في كتب الله المنزلة باللغات المختلفة، وهي أصول كلام الأمم ~~بها يتعارفون، وقد أقسم الله تعالى ب‍ * (الفجر) * * (والطور) *; فكذلك شأن ~~هذه الحروف في القسم بها. PageV01P173 # الثالث: أنها الدائرة من الحروف التسعة والعشرين; فليس منها حرف إلا وهو ~~مفتاح اسم من أسمائه عز وجل، أو آلائه، أو بلائه، أو مدة أقوام أو آجالهم، ~~فالألف سنة، واللام ثلاثون سنة، والميم أربعون; روى عن الربيع بن أنس. قال ~~ابن فارس: وهو قول حسن لطيف، لأن الله تعالى أنزل على نبيه الفرقان، فلم ~~يدع نظما عجيبا، ولا علما نافعا إلا أودعه إياه، علم ذلك من علمه، وجهله من ~~جهله. # الرابع: ويروى عن ابن عباس أيضا في قوله تعالى: * (الم) *. أنا الله ~~أعلم، وفى * (المص) * أنا الله أفضل، و * (الر) * أنا الله أرى، ونحوه من ~~دلالة الحرف الواحد على الاسم العام، والصفة التامة. # الخامس: أنها أسماء للسور ف‍ * (الم) * اسم لهذه، و * (حم) * اسم لتلك، ~~وذلك أن الأسماء وضعت للتمييز; فهكذا هذه الحروف وضعت لتمييز هذه السور من ~~غيرها، ونقله الزمخشري عن الأكثرين وأن سيبويه نص عليه في كتابه. وقال ~~الإمام فخر الدين: # هو قول أكثر المتكلمين. فإن قيل: فقد وجدنا * (الم) * افتتح بها عدة سور، ~~فأين التمييز؟ # قلنا: قد يقع الوفاق بين اسمين لشخصين ثم يميز بعد ذلك بصفة وقعت، كما ~~يقال: # زيد وزيد، ثم يميزان بأن يقال: زيد الفقيه، وزيد النحوي، فكذلك إذا قرأ ~~القارئ: # * (ألم. ذلك الكتاب) * فقد ميزها عن * (آلم) *. الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم) *. # السادس: أن لكل كتاب سرا، وسر القرآن فواتح السور، قال ابن فارس: وأظن ~~قائل ذلك أراد أنه من السر الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم. ~~واختاره ms0096 جماعة، منهم أبو حاتم بن حبان. PageV01P174 # قلت: وقد استخرج بعض أئمة المغرب من قوله تعالى: * (آلم. غلبت الروم) * ~~فتوح بيت المقدس واستنقاذه من العدو في سنة معينة، وكان كما قال. # السابع: أن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه، وقال بعضهم: * (لا ~~تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) * فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا ~~منه، ويكون تعجبهم سببا لاستماعهم، واستماعهم له سببا لاستماع ما بعده، ~~فترق القلوب وتلين الأفئدة. # الثامن: أن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من الحروف التي هي: ~~ا، ب، ت، ث... فجاء بعضها مقطعا، وجاء تمامها مؤلفا، ليدل القوم الذين نزل ~~القرآن بلغتهم أنه بالحروف التي يعقلونها، ويبنون كلامهم منها. # التاسع، واختاره ابن فارس وغيره أن تجعل هذه التأويلات كلها تأويلا واحد; ~~فيقال: إن الله جل وعلا افتتح السور بهذه الحروف إرادة منه للدلالة بكل حرف ~~منها على معان كثيرة، لا على معنى واحد، فتكون هذه الحروف جامعة لأن تكون ~~افتتاحا، وأن يكون كل واحد منها مأخوذا من اسم من أسماء الله تعالى، وأن ~~يكون الله عز وجل قد وضعها هذا الوضع فسمى بها، وأن كل حرف منها في آجال ~~قوم وأرزاق آخرين، وهي مع ذلك مأخوذة من صفات الله تعالى في إنعامه وإفضاله ~~ومجده، وأن الافتتاح بها سبب لأن يسمع القرآن من لم يكن سمع، وأن فيها ~~إعلاما للعرب أن القرآن الدال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه ~~الحروف، وأن عجزهم عن الاتيان بمثله مع نزوله بالحروف المتعالمة بينهم دليل ~~على كفرهم وعنادهم وجحودهم، وأن كل عدد منها إذا وقع أول كل سورة فهو اسم ~~لتلك السورة. # قال: وهذا القول الجامع للتأويلات كلها. والله أعلم بما أراد من ذلك. ~~PageV01P175 # العاشر: أنها كالمهيجة لمن سمعها من الفصحاء، والموقظة بعد للهمم الراقدة ~~من البلغاء لطلب التساجل، والأخذ في التفاضل، وهي بمنزلة زمجرة الرعد قبل ~~الناظر في الأعلام لتعرف الأرض فضل الغمام، وتحفظ ما أفيض عليها من ~~الإنعام. وما هذا شأنه خليق بالنظر فيه والوقوف ms0097 على معانيه بعد حفظ مبانيه. # الحادي عشر: التنبيه على أن تعداد هذه الحروف ممن لم يمارس الخط، ولم ~~يعان الطريقة، على ما قال تعالى: * (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون. # الثاني عشر: انحصارها في نصف أسماء حروف المعجم، لأنها أربعة عشر حرفا ~~على ما سبق تفصيله; وهذا واضح على من عد حروف المعجم ثمانية وعشرين حرفا، ~~وقال " لا " مركبة من اللام والألف; والصحيح أنها تسعة وعشرون حرفا، والنطق ~~" بلا " في الهجاء كالنطق في " لا رجل في الدار "، وذلك لأن الواضع جعل كل ~~حرف من حروف المعجم صدر اسمه إلا الألف، فإنه لما لم يمكن أن يبتدأ به ~~لكونه مطبوعا على السكون فلا يقبل الحركة أصلا توصل إليه باللام; لأنها ~~شابهته الذي في الاعتداد والانتصاب، ولذلك يكتب على صورة الألف إلا إذا ~~اتصل بما بعده. # فإن قلت: فقد تقدم اسم الألف في أول حروف الهجاء؟ قلت: ذلك اسم الهمزة ~~لوجهين: أحدهما أنه صدره، والثاني أنها صدر ما تصدر من حروف المعجم لتكون ~~صورته ثلاثا; وإنما كانت صدره لأن صورتها كالمتكررة أربع مرات; لأنها تلبس ~~صورة العين وصورة الألف والواو والياء لما يعرض من الحركة والسكون، ولذلك ~~أخروا ما بعد الطاء PageV01P176 # والظاء والعين; لأن صورتها ليست متكررة. وجوابه على هذا المذهب أن الحرف ~~لا يمكن تنصيفه، فيتعين سقوط حرف لأنه الأليق بالإيجاز. # الثالث عشر: مجيئها في تسع وعشرين سورة بعدد الحروف. فإن قلت: هلا روعى ~~صورتها كما روعى عددها؟ قلت: عرض لبعضها الثقل لفظا فأهمل. # فصل اعلم أنه لما كانت هذه الحروف ضرورية في النطق، واجبة في الهجاء، ~~لازمة التقدم في الخط والنطق - إذ المفرد مقدم على المركب - فقدمت هذه ~~المفردات على مركباتها في القرآن، فليس في المفرد ما في المركب، بل في ~~المركب ما في المفرد وزيادة. ولما كان نزول القرآن في أزمنة متطاولة، تزيد ~~على عشرين سنة، وكان باقيا إلى آخر الزمان; لأنه ناسخ لما قبله، ولا كتاب ~~بعده، جعل الله تعالى حروفه ms0098 كالعلائم، وقد مبينة أن هذه السورة هي من قبيل ~~تلك التي أنزلت من عشر سنين مثلا، حتى كأنها تتمة، لها وإن كان بينهما مدة. # وأما نزول ذلك في مدد وأزمنة، أو نزول سور خالية عن الحروف فبحسب تلك ~~الوقائع. وأما ترتيب وضعها في المصحف - أعني السور - فله أسباب مذكورة في ~~النوع الثالث عشر. # وأما زيادة بعض الحروف في بعض السور وتغيير بعضها، فليعلم أن المراد ~~الإعلام بالحروف فقط; وذلك أنه متى فرض الانسان في بعضها شيئا، مثل * (الم) ~~* السجدة، لزمه في مثلها مثله، كألف لام ميم البقرة; فلما لم يجد دله ذلك ~~الثاني على بطلان الأول، وتحقق أن هذه الحروف هي علامات المكتوب والمنطوق. ~~وأما كونها اختصت بسورة البقرة فيحتمل أن PageV01P177 # ذلك تنبيه على السور، وأنها احتوت على جملة المنطوق به من جهة الدلالة; ~~ولهذا حصلت في تسعة وعشرين سورة بعدد جملة الحروف. ولو كان القصد الاحتواء ~~على نصف الكتاب لجاءت في أربع عشرة سورة; وهذا الاحتواء ليس من كل وجه، بل ~~من وجه يرجع إلى إلى النطق والفصاحة وتركيب ألفاظ اللغة العربية; وما يقتضى ~~أن يقع فيه التعجيز. ويحتمل أن يكون لمعان أخر، يجدها من يفتح الله عليه ~~بالتأمل والنظر; أو هبة من لدنه سبحانه. # ولا يمتنع أن يكون في بقية السور أيضا كما في ذوات الحروف، بل هذه خصصت ~~بعلامات لفضيلة وجب من أجلها أن تعلم عليها السور، لينبه على فضلها، وهذا ~~من باب الاحتمال. # والأولى أن الأحرف إنما جاءت في تسعة وعشرين سورة لتكون عدة السور دالة ~~لنا على عدة الحروف، فتكون السور من جهة العدة مؤدية إلى الحروف من جهة ~~العدة; فيعلم أن الأربعة عشر عوض عن تسعة وعشرين. # [3 الاستفتاح بالنداء] النوع الثالث من أنواع استفتاح السور: النداء; ~~نحو: * (يا أيها الذين آمنوا) *. # * (يا أيها النبي) *. * (يا أيها المدثر) *; وذلك في عشر سور. ~~PageV01P178 # [4 - الاستفتاح بالجمل الخبرية] الرابع: الجمل الخبرية; نحو * (يسألونك ~~عن الأنفال) *. * (براءة من الله) *. أتى أمر الله) *. * (إقترب للناس ~~حسابهم) *. * (قد أفلح ms0099 المؤمنون) *. * (سورة أنزلناها) * * (تنزيل الكتاب) ~~*. * (الذين كفروا) *. * (إنا فتحنا) *. * (إقتربت الساعة) *. # * (الرحمن علم القرآن) *. * (قد سمع الله) *. * (الحاقة) *. * (سأل سائل) ~~*. * (إنا أرسلنا) *. * (لا أقسم) * في موضعين. * (عبس) *. * (إنا أنزلناه) ~~*. # * (لم يكن) *. * (القارعة) *. * (ألهاكم) *. * (إنا أعطيناك) *; فتلك ~~ثلاث وعشرون سورة. # [5 - الاستفتاح بالقسم] الخامس: القسم; نحو: * (والصافات) *. * ~~(والذاريات) *. * (والطور) *. * (والنجم) * * (والمرسلات) *. * (والنازعات) ~~*. * (والسماء ذات البروج) *. * (والسماء والطارق) *. # * (والفجر) *. * (والشمس) *. * (والليل) *. * (والضحى) *. * (والتين) *. ~~* (والعاديات) *. # * (والعصر) *; فتلك خمس عشرة سورة. PageV01P179 # [6 - الاستفتاح بالشرط] السادس: الشرط; نحو * (إذا وقعت الواقعة) *. * ~~(إذا جاءك المنافقون) *. * (إذا الشمس كورت) *. * (إذا السماء انفطرت) *. * ~~(إذا السماء انشقت) *. * (إذا زلزلت) *. # * (إذا جاء نصر الله) *; فذلك سبع سور. # [7 - الاستفتاح بالأمر] السابع: هو الاستفتاح بالأمر; في ست سور: * (قل ~~أوحى) *. * (أقرأ باسم ربك) *. # * (قل يا أيها الكافرون) *. * (قل هو الله أحد) *. * (قل أعوذ) * في ~~سورتين. # [8 - الاستفتاح بالاستفهام] الثامن: لفظ الاستفهام في: * (هل أتى) *. * ~~(عم يتساءلون) *. * (هل أتاك) *. * (ألم نشرح) *. * (ألم تر) *. * (أرأيت) ~~*، فتلك ست سور. # [9 - الاستفتاح بالدعاء] التاسع: الدعاء في ثلاث سور: * (ويل للمطففين) ~~*. * (ويل لكل همزة) *. # * (تبت يدا أبى لهب) *. # [10 - الاستفتاح بالتعليل] العاشر: التعليل، في موضع واحد، نحو * (لإيلاف ~~قريش) *. # هكذا جمع الشيخ شهاب الدين أبو شامة المقدسي; قال: وما ذكرناه في قسم ~~PageV01P180 # الدعاء يجوز أن يذكر مع الخبر; وكذا الثناء على الله سبحانه وتعالى كله ~~خبر إلا * (سبح اسم ربك الأعلى) * فإنه يدخل أيضا في قسم الأمر، و * (سبحان ~~الذي أسرى بعبده) *. # يحتمل الأمر والخبر; ونظم ذلك في بيتين فقال: # - أثنى على نفسه سبحانه بثبوت * المدح والسلب لما استفتح السورا - والأمر ~~شرط الندا التعليل والقسم الدعا * حروف التهجي استفهم الخبرا PageV01P181 # النوع الثامن في خواتم السور وهي مثل الفواتح في الحسن; لأنها آخر ما ~~يقرع الأسماع; فلهذا جاءت متضمنة للمعاني البديعة; مع إيذان السامع بانتهاء ~~الكلام حتى يرتفع معه تشوف النفس إلى ما يذكر بعد. # ومن أوضحه خاتمة سورة إبراهيم: * (هذا بلاغ للناس) *. وخاتمة سورة ~~الأحقاف: * (بلاغ; فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) *; ولأنها بين أدعية ~~ووصايا وفرائض ms0100 ومواعظ وتحميد وتهليل، ووعد ووعيد; إلى غير ذلك. كتفصيل جملة ~~المطلوب في خاتمة فاتحة الكتاب; إذ المطلوب الأعلى الإيمان المحفوظ من ~~المعاصي المسببة لغضب الله والضلال; ففصل جملة ذلك بقوله: * (الذين أنعمت ~~عليهم) *; والمراد المؤمنين; ولذلك أطلق الإنعام ولم يقيده ليتناول كل ~~إنعام; لأن من أنعم عليه بنعمة الإيمان فقد أنعم عليه بكل نعمة; لأن نعمة ~~الإيمان مستتبعة لجميع النعم; ثم وصفهم بقوله * (غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين) * يعنى أنهم جمعوا بين النعم المطلقة وهي نعمة الإيمان، وبين ~~السلامة من غضب الله والضلال المسببين عن معاصيه وتعدى حدوده. PageV01P182 # وكالدعاء الذي اشتملت عليه الآيتان من آخر سورة البقرة. # وكالوصايا التي ختمت بها سورة آل عمران، بالصبر على تكاليف الدين، ~~والمصابرة لأعداء الله في الجهاد ومعاقبتهم، والصبر على شدائد الحرب ~~والمرابطة في الغزو المحضوض عليها بقوله: * (ومن رباط الخيل ترهبون به عدو ~~الله وعدوكم) *، والتقوى الموعود عليها بالتوفيق في المضايق وسهولة الرزق ~~في قوله: * (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) *. ~~وبالفلاح لأن * (لعل) * من الله واجبة. # وكالوصايا والفرائض التي ختمت بها سورة النساء، وحسن الختم بها لأنها آخر ~~ما نزل من الأحكام عام حجة الوداع. # وكالتبجيل وهو والتعظيم الذي ختمت به المائدة: * (لله ملك السماوات ~~والأرض وما فيهن وهو على كل شئ قدير) *، ولإرادة المبالغة في التعظيم ~~أختيرت " ما " على " من " لإفادة العموم، فيتناول الأجناس كلها. # وكالوعد والوعيد الذي ختمت به سورة الأنعام بقوله: * (إن ربك سريع العقاب ~~وإنه لغفور رحيم) * ولذلك أورد على وجه المبالغة في وصف العقاب بالسرعة ~~وتوكيد الرحمة بالكلام المفيد لتحقيق الوقوع. PageV01P183 # وكالتحريض إذا على العبادة بوصف حال الملائكة الذي ختمت به سورة الأعراف. # والحض على الجهاد وصلة الأرحام الذي ختم به الأنفال. # ووصف الرسول ومدحه والاعتداد على الأمم به وتسليمه ووصيته والتهليل الذي ~~ختمت به براءة. # وتسليته عليه الصلاة والسلام الذي ختم بها سورة يونس. ومثلها خاتمة هود. # ووصف القرآن ومدحه الذي ختم به سورة يوسف. # والرد على من كذب الرسول الذي ms0101 ختم به الرعد. PageV01P184 # ومدح القرآن وذكر فائدته والعلة في أنه إله واحد الذي ختمت به إبراهيم. # ووصيته الرسول التي ختم بها الحجر. # وتسلية الرسول بطمأنينته ووعد الله سبحانه الذي ختمت به النحل. والتحميد ~~الذي ختمت به سبحان. # وتحضيض الرسول على البلاغ والإقرار بالتنزيه، والأمر بالتوحيد الذي ختمت ~~به الكهف. # وقد أتينا على نصف القرآن ليكون مثالا لمن نظر في بقيته. # فصل [في مناسبة فواتح السور وخواتمها] ومن أسراره مناسبة فواتح السور ~~وخواتمها. وتأمل سورة القصص وبداءتها فقال بقصة مبدأ أمر موسى ونصرته، ~~وقوله: * (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) * وخروجه من وطنه ونصرته وإسعافه ~~بالمكالمة، وختمها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بألا يكون ظهيرا ~~PageV01P185 # للكافرين، وتسليته بخروجه من مكة والوعد بعوده إليها بقوله: * (إن الذي ~~فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) *. # قال الزمخشري: وقد جعل الله فاتحة سورة المؤمنين * (قد أفلح المؤمنون) * ~~وأورد في خاتمتها: * (إنه لا يفلح الكافرون) *، فشتان ما بين الفاتحة ~~والخاتمة! # فصل [في مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التي قبلها] ومن أسراره مناسبة فاتحة ~~السورة بخاتمة التي; قبلها حتى إن منها ما يظهر تعلقها به لفظا كما قيل في: ~~* (فجعلهم كعصف مأكول) *، * (لإيلاف قريش) *. # وفى الكواشي لما ختم سورة النساء أمرا بالتوحيد والعدل بين العباد، أكد ~~ذلك بقوله في أول سورة المائدة: * (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) *. ~~PageV01P186 # النوع التاسع معرفة المكي والمدني وما نزل بمكة والمدينة وترتيب ذلك ومن ~~فوائده معرفة الناسخ والمنسوخ والمكي أكثر من المدني. # اعلم أن للناس في ذلك ثلاثة اصطلاحات: # أحدها أن المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة. # والثاني - وهو المشهور - أن المكي ما نزل قبل الهجرة، وإن كان بالمدينة، ~~والمدني ما نزل بعد الهجرة، وإن كان بمكة. # والثالث أن المكي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابا لأهل ~~المدينة; وعليه يحمل قول ابن مسعود الآتي; لأن الغالب على أهل مكة الكفر ~~فخوطبوا ب‍ " يا أيها الناس " وإن كان غيرهم داخلا فيهم، وكان الغالب على ~~أهل المدينة الإيمان فخوطبوا ب‍ ms0102 " يا أيها الذين آمنوا " أي وإن كان غيرهم ~~داخلا فيهم. # وذكر الماوردي أن البقرة مدنية في قول الجميع إلا آية، وهي: * (واتقوا ~~يوما ترجعون فيه إلى الله) * فإنها نزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى. ~~انتهى. PageV01P187 # ونزولها هناك لا يخرجها عن المدني بالاصطلاح الثاني أن ما نزل بعد الهجرة ~~مدني سواء كان بالمدينة أو بغيرها. # وقال الماوردي في سورة النساء: هي مدنية إلا آية واحدة نزلت في مكة في ~~عثمان ابن طلحة حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منه مفاتيح ~~الكعبة ويسلمها إلى العباس، فنزلت: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها) * والكلام فيه كما تقدم. # ومن جملة علاماته أن كل سورة فيها " يا أيها الناس " وليس فيها " يا أيها ~~الذين آمنوا " فهي مكية، وفى الحج اختلاف. وكل سورة فيها " كلا " فهي مكية، ~~وكل سورة أولها حروف المعجم فهي مكية إلا البقرة وآل عمران، وفى الرعد ~~خلاف. وكل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة. وكل سورة فيها ~~ذكر المنافقين فمدنية سوى العنكبوت. # وقال هشام عن أبيه: كل سورة ذكرت فيها الحدود والفرائض فهي مدنية، وكل ما ~~كان فيه ذكر القرون الماضية فهي مكية. # وذكر أبو عمرو عثمان بن سعيد الدارمي بإسناده إلى يحيى بن سلام قال: ما ~~نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة فهو من المكي PageV01P188 # وما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو ~~من المدني، وما كان من القرآن " يا أيها الذين آمنوا " فهو مدني، وما كان " ~~يا أيها الناس " فهو مكي. # وذكر أيضا بإسناده إلى عروة بن الزبير قال: ما كان من حد أو فريضة فإنه ~~أنزل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه أنزل بمكة. # وقال الجعبري: لمعرفة المكي والمدني طريقان: سماعي وقياسي، فالسماعي ما ~~وصل إلينا نزوله بأحدهما والقياسي، قال علقمة عن عبد الله: كل سورة فيها " ~~يا أيها الناس " فقط ms0103 أو " كلا " أو أولها حروف تهج سوى الزهراوين والرعد في ~~وجه، أو فيها قصة آدم وإبليس سوى الطولى فهي مكية; وكل سورة فيها قصص ~~الأنبياء والأمم الخالية مكية، وكل سورة فيها فريضة أو حد فهي مدنية. ~~انتهى. # وذكر ابن أبي شيبة في مصنفة في كتاب فضائل القرآن: حدثنا وكيع عن الأعمش ~~عن إبراهيم عن علقمة قال: كل شئ نزل فيه " يا أيها الناس " فهو بمكة، وكل ~~شئ نزل فيه " يا أيها الذين آمنوا " فهو بالمدينة; وهذا مرسل قد أسند عن ~~عبد الله بن مسعود. PageV01P189 # ورواه الحاكم في مستدركه في آخر كتاب الهجرة عن يحيى بن معين، قال: حدثنا ~~وكيع عن أبيه عن الأعمش وعن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود به. # ورواه البيهقي في أواخر دلائل النبوة، وكذا رواه البزار في مسنده ثم قال: # وهذا يرويه غير قيس عن علقمة مرسلا، ولا نعلم أحدا أسنده إلا قيس. انتهى. # ورواه ابن مردويه في تفسيره في سورة الحج عن علقمة عن أبيه، وذكر في آخر ~~الكتاب عن عروة بن الزبير نحوه. وقد نص على هذا القول جماعة من الأئمة منهم ~~أحمد بن حنبل وغيره، وبه قال كثير من المفسرين، ونقله عن ابن عباس. # وهذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر، فإن سورة البقرة مدنية، وفيها: * ~~(يا أيها الناس اعبدوا ربكم) * وفيها: * (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض ~~حلالا طيبا) *. # وسورة النساء مدنية، وفيها: * (يا أيها الناس اتقوا ربكم) *، وفيها: * ~~(إن يشأ يذهبكم أيها الناس) *. وسورة الحج مكية، وفيها: * (يا أيها الذين ~~آمنوا اركعوا واسجدوا) *: فإن أراد المفسرون أن الغالب ذلك فهو صحيح، ولذا ~~قال مكي: هذا PageV01P190 # إنما هو في الأكثر وليس بعام، وفى كثير من السور المكية: * (يا أيها ~~الذين آمنوا) *. انتهى. # والأقرب تنزيل قول من قال: مكي ومدني; على أنه خطاب المقصود به أو جل ~~المقصود به أهل مكة " يا أيها الذين آمنوا " كذلك بالنسبة إلى أهل المدينة. # وفى تفسير الرازي عن علقمة والحسن: أن ما في ms0104 القرآن " يا أيها الناس " ~~مكي، وما كان " يا أيها الذين آمنوا " فبالمدينة، وأن القاضي قال: إن كان ~~الرجوع في هذا إلى النقل فمسلم، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة ~~على الكثرة دون مكة فضعيف; إذ يجوز خطاب المؤمنين بصفتهم واسمهم وجنسهم، ~~ويؤمر غير المؤمنين بالعبادة كما يؤمر المؤمنون بالاستمرار عليها والازدياد ~~منها انتهى. # فصل ويقع السؤال: أنه هل نص النبي صلى الله عليه وسلم على بيان ذلك؟ قال ~~القاضي أبو بكر في الانتصار: إنما هذا يرجع لحفظ الصحابة وتابعيهم، كما أنه ~~لا بد في العادة من معرفة معظمي العالم والخطيب، وأهل الحرص على حفظ كلامه ~~ومعرفة كتبه ومصنفاته من أن يعرفوا ما صنفه أولا وآخرا، وحال القرآن في ذلك ~~أمثل، والحرص عليه أشد، غير أنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~قول، ولا ورد عنه أنه قال: اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا وبالمدينة كذا، ~~وفصله لهم. ولو كان ذلك منه لظهر وانتشر، وإنما لم يفعله أنه لم يؤمر به، ~~ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم ~~معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، ليعرف الحكم الذي تضمنهما، فقد يعرف ذلك بغير ~~نص الرسول بعينه، وقوله PageV01P191 # هذا هو الأول المكي، وهذا هو الآخر المدني. وكذلك الصحابة والتابعون من ~~بعدهم لما لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكي والمدني مما لا ~~يسوغ الجهل به، لم تتوفر الدواعي على إخبارهم به، ومواصلة ذكره على ~~أسماعهم، وأخذهم بمعرفته. وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف في بعض القرآن هل هو ~~مكي أو مدني، وأن يعلموا في القول بذلك ضربا من الرأي والاجتهاد، وحينئذ ~~فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكي والمدني، ولم يجب على من دخل في الاسلام بعد ~~الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه: مكية أو مدنية. # فيجوز أن يقف في ذلك أو يغلب على ظنه أحد الأمرين; وإذا كان كذلك بطل ما ~~توهموه من وجوب نقل هذا أو ms0105 شهرته في الناس; ولزوم العلم به لهم، ووجوب ~~ارتفاع الخلاف فيه. # فصل قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري في كتاب " التنبيه ~~على فضل علوم القرآن " من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل ~~بمكة ابتداء ووسطا وانتهاء، وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك، ثم ما نزل بمكة ~~وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما ~~نزل بالمدينة في أهل مكة، ثم ما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزل ~~المدني في المكي، ثم ما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل ~~بالطائف، وما نزل بالحديبية، ثم ما نزل ليلا، وما نزل نهارا، وما نزل ~~مشيعا، وما نزل مفردا، ثم الآيات المدنيات في السور المكية، والآيات المكية ~~في السور المدنية، ثم ما حمل من مكة إلى المدينة، وما حمل من المدينة إلى ~~مكة، وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة، ثم ما نزل مجملا، وما نزل مفسرا، ~~وما نزل مرموزا، ثم ما اختلفوا فيه، فقال بعضهم: مدني. هذه خمسة وعشرون ~~وجها; من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى. ~~PageV01P192 # ذكر ما نزل من القرآن بمكة ثم ترتيبه أول ما نزل من القرآن بمكة: * (اقرأ ~~باسم ربك) *، ثم * (ن والقلم) *، ثم * (يا أيها المزمل) *، ثم * (يا أيها ~~المدثر) *، ثم * (تبت يدا أبى لهب) *، ثم * (إذا الشمس كورت) *، ثم * (سبح ~~اسم ربك الأعلى) *، ثم * (والليل إذا يغشى) *، ثم * (والفجر) * ثم * ~~(والضحى) *، ثم * (ألم نشرح) *، ثم * (والعصر) *، ثم * (والعاديات) *، ثم * ~~(إنا أعطيناك الكوثر) *، ثم * (ألهاكم التكاثر) *، ثم * (أرأيت الذي) *، ثم ~~* (قل يا أيها الكافرون) *، ثم " سورة الفيل " ثم " الناس "، ثم * (قل هو ~~الله أحد) *، ثم * (والنجم إذا هوى) *، ثم * (عبس وتولى) *، ثم * (إنا ~~أنزلناه) *، ثم * (والشمس وضحاها) *، ثم * (والسماء ذات البروج) *، ثم * ~~(والتين والزيتون) *، ثم * (لايلاف قريش) *، ثم * (القارعة) *، ثم * (لا ~~أقسم بيوم القيامة) *، ثم، الهمزة، ثم المرسلات، ثم * (ق والقرآن) *، ثم * ~~(لا أقسم بهذا البلد) ms0106 *، ثم الطارق، ثم * (اقتربت الساعة) *، ثم * (ص ~~والقرآن) *، ثم الأعراف، ثم الجن، ثم * (يس) * ثم الفرقان، ثم الملائكة ثم ~~مريم، ثم طه، ثم الواقعة، ثم الشعراء، ثم النمل، ثم القصص، ثم بنى إسرائيل، ~~ثم يونس، ثم هود، ثم يوسف، ثم الحجر، ثم الأنعام، ثم الصافات، ثم لقمان، ثم ~~سبأ، ثم الزمر، ثم حم. المؤمن، ثم حم. السجدة، ثم حم. عسق، ثم حم. الزخرف، ~~ثم حم. الدخان، ثم حم. الجاثية، ثم حم. الأحقاف، ثم * (والذاريات) *، ثم ~~الغاشية، ثم، الكهف، ثم، النحل، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم الأنبياء، ثم ~~المؤمنون، ثم * (الم تنزيل) *، ثم * (والطور) * ثم الملك، ثم * (الحاقة) * ~~ثم * (سأل سائل) *، ثم * (عم يتساءلون) *، ثم * (والنازعات) *، ثم * (إذا ~~السماء انفطرت) *، ثم * (إذا السماء انشقت) *، ثم الروم. # واختلفوا في آخر ما نزل بمكة، فقال ابن عباس: العنكبوت. وقال الضحاك ~~وعطاء: PageV01P193 # المؤمنون، وقال مجاهد: * (ويل للمطففين *). فهذا ترتيب ما نزل من القرآن ~~بمكة، وعليه استقرت الرواية من الثقات، وهي خمس وثمانون سورة. # ذكر ترتيب ما نزل بالمدينة وهو تسع وعشرون سورة فأول ما نزل فيها: سورة ~~البقرة، ثم الأنفال، ثم آل عمران، ثم الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، ثم ~~* (إذا زلزلت *)، ثم الحديد، ثم محمد، ثم الرعد، ثم الرحمن، ثم * (هل أتى) ~~*، ثم الطلاق، ثم * (لم يكن) * ثم الحشر، ثم * (إذا جاء نصر الله) * ثم ~~النور، ثم الحج، ثم المنافقون، ثم المجادلة، ثم الحجرات، ثم * (يا أيها ~~النبي لتحرم) * ثم الصف، ثم الجمعة، ثم التغابن، ثم الفتح، ثم التوبة، ثم ~~المائدة. # ومنهم من يقدم المائدة على التوبة، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~المائدة في خطبة حجة الوداع وقال: " يا أيها الناس، إن آخر القرآن نزولا ~~سورة المائدة، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها " فهذا ترتيب ما نزل بالمدينة. ~~وأما ما اختلفوا فيه: ففاتحة الكتاب، قال ابن عباس والضحاك ومقاتل وعطاء: ~~إنها مكية. وقال مجاهد: مدنية; واختلفوا في * (ويل للمطففين) * فقال ابن ~~عباس: مدنية; وقال عطاء: هي آخر ما نزل بمكة، فجميع ما نزل بمكة ms0107 خمس ~~وثمانون سورة، وجميع ما نزل بالمدينة تسع وعشرون سورة، على اختلاف ~~الروايات. PageV01P194 # ذكر ما نزل بمكة وحكمه مدني منها قوله تعالى: * (يا أيها الناس إنا ~~خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل...) * الآية، ولها قصة يطول ~~بذكرها الكتاب ونزولها بمكة يوم فتحها، وهي مدنية لأنها نزلت بعد الهجرة. # ومنها قوله في المائدة * (اليوم أكملت لكم دينكم) * إلى قوله: * ~~(الخاسرين) * نزلت يوم الجمعة والناس وقوف بعرفات، فبركت ناقة النبي صلى ~~الله عليه وسلم من هيبة القرآن. وهي مدنية لنزولها بعد الهجرة، وهي عدة ~~آيات يطول ذكرها. # ذكر ما نزل بالمدينة وحكمه مكي منه الممتحنة إلى آخرها; وهي قصة حاطب بن ~~أبي بلتعة وسارة، والكتاب الذي دفعة إليها - وقصتها مشهورة - فخاطب بها أهل ~~مكة. # ومنها قوله تعالى في سورة النحل: * (والذين هاجروا في الله من بعد ما ~~ظلموا...) * إلى آخر السورة، مدنيات يخاطب بها أهل مكة. # ومنها سورة الرعد يخاطب أهل مكة، وهي مدنية. PageV01P195 # ومن أول براءة إلى قوله: * (إنما المشركون نجس) * خطاب لمشركي مكة; وهي ~~مدنية. # فهذا من جملة ما نزل بمكة في أهل المدينة وحكمه مدني، وما أنزل في أهل ~~مكة وحكمه مكي. # ما يشبه تنزيل المدينة في السور المكية من ذلك قوله تعالى في النجم: * ~~(الذين يجتنبون كبائر الإثم) * يعنى كل ذنب عاقبته النار، * (والفواحش) * ~~يعنى كل ذنب فيه حد * (إلا اللمم) * وهو بين الحدين من الذنوب، نزلت في ~~نبهان والمرأة التي راودها عن نفسها فأبت; والقصة مشهورة واستقرت الرواية ~~بما قلنا; والدليل على صحته أنه لم يكن بمكة حد ولا غزو. # ومنها قوله تعالى في هود: * (وأقم الصلاة طرفي النهار...) * الآية نزلت ~~في أبى مقبل لحسين بن عمر بن قيس والمرأة التي اشترت منه التمر، فراودها. # ما يشبه تنزيل مكة في السور المدنية من ذلك قوله تعالى في الأنبياء: * ~~(لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا) * نزلت في نصارى نجران [ومنهم] ~~السيد والعاقب. PageV01P196 # ومنها سورة * (والعاديات ضبحا) * في رواية الحسين بن واقد، وقصتها ~~مشهورة. # ومنها قوله ms0108 تعالى في الأنفال: * (وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق... ~~الآية ما نزل بالجحفة قوله عز وجل في سورة القصص: * (إن الذي فرض عليك ~~القرآن لرادك إلى معاد) * نزلت بالجحفة والنبي صلى الله عليه وسلم مهاجر. # ما نزل ببيت المقدس قوله تعالى في الزخرف: * (واسأل من قبلك من رسلنا ~~أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) *، نزلت عليه ليلة أسرى به. # ما نزل بالطائف قوله تعالى في الفرقان: * (ألم تر إلى ربك كيف مد ~~الظل...) * الآية، ولذلك قصة عجيبة. # وقوله في: * (إذا السماء انشقت) *: * (بل الذين كفروا يكذبون. والله أعلم ~~بما يوعدون فبشرهم بعذاب أليم) * يعنى كفار مكة. # ما نزل بالحديبية قوله تعالى في الرعد: * (وهم يكفرون بالرحمن) * نزلت ~~بالحديبية حين صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعلى: اكتب: PageV01P197 # * (بسم الله الرحمن الرحيم) *، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن ~~الرحيم; ولو نعلم أنك رسول الله لتابعناك، فأنزل الله تعالى: * (وهم يكفرون ~~بالرحمن) * إلى قوله * (متاب) *. # ما نزل ليلا قوله تعالى في أول سورة الحج: * (يا أيها الناس اتقوا ربكم ~~إن زلزلة الساعة شئ عظيم) *، نزلت ليلا في غزوة بن المصطلق، وهم حي من ~~خزاعة والناس يسيرون. # وقوله تعالى في المائدة: * (والله يعصمك من الناس) *، نزلت في بعض غزوات ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرس ~~كل ليلة. # رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يحرس كل ليلة. # قال عبد الله بن عامر بن ربيعة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ~~يحرسنا الليلة؟ "، فأتاه حذيفة وسعد في آخرين معهم الحجف والسيوف، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة من أدم، فباتوا على باب الخيمة، فلما ~~أن كان بعد هزيع من الليل أنزل الله عليه الآية، فأخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأسه من الخيمة فقال: يا أيها الناس، انصرفوا فقد عصمني ms0109 الله ". # ومنها قوله: * (إنك لا تهدى من أحببت...) * الآية، قالت عائشة رضي الله ~~عنها: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه في ~~اللحاف. # ونزل عليه أكثر القرآن نهارا. PageV01P198 # ما نزل مشيعا سورة الأنعام نزلت مرة واحدة، شيعها سبعون ألف ملك، طبقوا ~~ما بين السماوات والأرض، لهم زجل بالتسبيح; فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: * (سبحان الله! "، وخر ساجدا. # قلت: ذكر أبو عمرو بن الصلاح في " فتاويه " أن الخبر المذكور جاء من حديث ~~أبي ابن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم; وفى إسناده ضعف، ولم نر له ~~إسنادا صحيحا، وقد روى ما يخالفه، فروى أنها لم ينزل جملة واحدة بل نزل ~~منها آيات بالمدينة; اختلفوا في عددها فقيل: ثلاث: هي قوله تعالى: * (قل ~~تعالوا... الخ الآيات، وقيل: ست، وقيل: غير ذلك، وسائرها نزل بمكة. # وفاتحة الكتاب نزلت ومعها ثمانون ألف ملك. # وآية الكرسي نزلت ومعها ثلاثون ألف ملك ولا. # وسورة يونس نزلت ومعها ثلاثون ألف ملك. # * (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) * نزلت ومعها عشرون ألف ملك. # وسائر القرآن نزل به جبريل بلا تشييع. # الآيات المدنيات في السور المكية منها سورة الأنعام، وهي كلها مكية خلا ~~ست آيات، واستقرت بذلك الروايات. # * (وما قدروا الله حق قدره) * نزلت هذه في مالك بن الصيف، إلى آخر الآية، ~~والثانية والثالثة. PageV01P199 # * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) * نزلت في عبد الله بن أبي سرح، ~~أخي عثمان من الرضاعة، حين قال: * (سأنزل مثل ما أنزل الله) *، وذلك أنه ~~كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله جل ذكره: * (ولقد ~~خلقنا الانسان من سلالة من طين) *، فأملاها عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما بلغ قوله: * (ثم أنشأناه خلقا آخر) * قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: * (اكتب فتبارك الله... الخ الآية فقال: # إن كنت نبيا فأنا نبي; لأنه خطر ببالي ما أمليت على. فلحق كافرا. # وأما قوله * (أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه ms0110 شئ) *، فإنه نزل في مسيلمة ~~الكذاب، حين زعم أن الله سبحانه أوحى اليه. وثلاث آيات من آخرها: * (قل ~~تعالوا) * إلى قوله * (تتقون) *. # سورة الأعراف مكية إلا ثلاث آيات: * (واسألهم عن القرية التي كانت) * إلى ~~قوله: * (وإذ نتقنا الجبل) *. # سورة إبراهيم مكية، غير آيتين نزلتا في قتلى بدر: * (ألم تر إلى الذين ~~بدلوا نعمة الله كفرا...) * الخ الآيتين. # سورة النحل، مكية إلى قوله: * (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) * ~~والباقي مدني. PageV01P200 # سورة بنى إسرائيل مكية، غير قوله: * (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا ~~إليك) * يعنى ثقيفا، وله قصة. # سورة الكهف مكية، غير قوله: * (واصبر نفسك) * نزلت في سلمان الفارسي وله ~~قصة. # سورة القصص مكية، غير آية: * (الذين آتيناهم الكتاب) * - يعنى الإنجيل - ~~من قبله هم به يؤمنون) * يعنى الفرقان. نزلت في أربعين رجلا من مؤمني أهل ~~الكتاب PageV01P201 # قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبي طالب فأسلموا، ولهم قصة. # سورة الزمر مكية، غير قوله: * (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...) ~~* الآية. # الحواميم كلها مكيات، غير آية في الأحقاف نزلت في عبد الله بن سلام: * ~~(قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به) *. # الآيات المكية في السور المدنية لم منها قوله تعالى في الأنفال: * (وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم...) * الآية: # يعنى أهل مكة حتى يخرجك من بين أظهرهم. استقرت به الرواية. # سورة التوبة مدنية، غير آيتين: * (لقد جاءكم...) * الخ السورة. # سورة الرعد مدنية، غير قوله: * (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) * إلى ~~قوله: * (جميعا) * سورة الحج مدنية، وفيها أربع آيات مكيات: قوله: * (وما ~~أرسلنا من قبلك من PageV01P202 # رسول ولا نبي إلا إذا تمنى) * إلى قوله: (عقيم) وله قصة. # سورة * (أرأيت) * مكية إلا قوله: * (فويل للمصلين) * إلى آخرها فإنها ~~مدنية; كذا قال مقاتل بن سليمان. # ما حمل من مكة إلى المدينة أول سورة حملت من مكة إلى المدينة سورة يوسف، ~~انطلق بها عوف بن عفراء في الثمانية الذين قدموا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مكة، فعرض عليهم الاسلام ms0111 فأسلموا; وهم أول من أسلم من الأنصار، ~~قرأها على أهل المدينة في بني زريق، فأسلم يومئذ بيوت من الأنصار. روى ذلك ~~يزيد بن رومان عن عطاء عن ابن يسار عن ابن عباس; ثم حمل بعدها: * (قل هو ~~الله أحد...) * إلى آخرها. ثم حمل بعدها الآية التي في الأعراف: * (قل يا ~~أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) * إلى قوله * (تهتدون) * فأسلم ~~عليها طوائف من أهل المدينة، وله قصة. # ما حمل من المدينة إلى مكة من ذلك الأنفال التي في البقرة. * (يسألونك عن ~~الشهر الحرام قتال فيه...) * الآية، وذلك حين أورد عبد الله بن جحش كتاب ~~مسلمي مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: بأن المشركين عيرونا ابن قتل ~~ابن الحضرمي وأخذ الأموال والأسارى في الشهر PageV01P203 # الحرام. فكتب بذلك عبد الله بن جحش إلى مسلمي مكة: إن عيروكم فعيروهم بما ~~صنعوا بكم. # ثم حملت آية الربا من المدينة إلى مكة في حضور ثقيف وبنى المغيرة إلى ~~عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة، فقرأ عتاب عليهم ~~* (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) * فأقروا ~~بتحريمه، وتابوا وأخذوا رؤوس الأموال، ثم حملت مع الآيات من أول سورة براءة ~~من المدينة إلى مكة، قرأهن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم النحر على ~~الناس، وفى ترتيبها قصة. # ثم حملت من الدينة إلى مكة، الآية التي في النساء: * (إلا المستضعفين من ~~الرجال والنساء والولدان) * إلى قوله: * (عفوا غفورا) * فلا تعاقبهم على ~~تخلفهم عن الهجرة; فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بها إلى مسلمي ~~مكة، قال جندع بن ضمرة الليثي، ثم الجندعي لبنيه - وكان شيخا كبيرا: ألست ~~من المستضعفين وأنى لا أهتدي إلى الطريق! فحمله بنوه على سريره متوجها إلى ~~المدينة، فمات بالتنعيم، فبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موته ~~فقالوا: لو لحق بنا لكان أكمل لأجره، فأنزل الله تعالى: # * (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله) * إلى قوله ms0112 * (غفورا رحيما) ~~*.. PageV01P204 # ما حمل من المدينة إلى الحبشة هي ست آيات، بعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى جعفر بن أبي طالب في خصومة الرهبان والقسيسين: * (يا أهل الكتاب ~~تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) *، فقرأها جعفر بن أبي طالب عليهم عند ~~النجاشي، فلما بلغ قوله: ما * (كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا) * قال ~~النجاشي: صدقوا، ما كانت اليهودية والنصرانية إلا من بعده، ثم قرأ جعفر: * ~~(إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه...) * الآية. # قال النجاشي: اللهم إني ولى لأولياء إبراهيم، وقال: صدقوا والمسيح، ثم ~~أسلم النجاشي وأسلموا. PageV01P205 # النوع العاشر معرفة أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل فأما أوله ففي صحيح ~~البخاري في حديث بدء الوحي ما يقتضى أن أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم ~~* (اقرأ باسم ربك) * ثم المدثر. # وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث عائشة رضي الله عنها صريحا وقال: # صحيح الإسناد. # ولفظ مسلم: " أول ما نزل من القرآن * (اقرأ باسم ربك) * إلى قوله: * (علم ~~الانسان ما لم يعلم ". # ووقع في صحيح البخاري إلى قوله: * (وربك الأكرم) *; وهو مختصر، وفى الأول ~~زيادة، وهي من الثقة مقبولة. # وقد جاء ما يعارض هذا، ففي صحيح مسلم عن جابر: " أول ما نزل من القرآن ~~سورة المدثر ". # وجمع بعضهم بينهما بأن جابرا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر قصة بدء ~~الوحي، فسمع آخرها، ولم يسمع أولها، فتوهم أنها أول ما نزلت; وليس كذلك، ~~نعم هي أول ما نزل بعد سورة * (اقرأ) * وفترة الوحي; لما ثبت في الصحيحين ~~أيضا عن جابر PageV01P206 # رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث عن فترة الوحي، ~~قال في حديثه: # " بينما أنا أمشى، سمعت صوتا من السماء; فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي ~~جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه [فرقا] فرجعت، ~~فقلت: # زملوني، زملوني، فأنزل الله تبارك وتعالى: * (يا أيها المدثر. قم فأنذر) ~~* فقد أخبر في هذا الحديث عن الملك الذي جاءه بحراء قبل هذه المرة وأخبر ms0113 في ~~حديث عائشة أن نزول: * (كان في غار حراء، وهو أول وحي، ثم فتر بعد ذلك. ~~وأخبر في حديث جابر أن الوحي تتابع بعد نزول * (يا أيها المدثر) *، فعلم ~~بذلك أن * (اقرأ) * أول ما نزل مطلقا، وأن سورة المدثر بعده; وكذلك قال ابن ~~حبان في صحيحه: لا تضاد بين الحديثين; بل أول ما نزل: * (اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق) * بغار حراء، فلما رجع إلى خديجة رضي الله عنها وصبت عليه الماء ~~البارد، أنزل الله عليه في بيت خديجة: * (يا أيها المدثر) *، فظهر أنه لما ~~نزل عليه * (اقرأ) * رجع فتدثر، فأنزل عليه * (يا أيها المدثر) * وقيل أول ~~ما نزل سورة الفاتحة، روى ذلك من طريق أبى إسحاق عن أبي ميسرة قال: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الصوت انطلق هاربا: وذكر نزول الملك ~~عليه وقوله قل: * (الحمد لله رب العالمين) * إلى آخرها. # وقال: القاضي أبو بكر في " الانتصار " وهذا الخبر منقطع; وأثبت الأقاويل ~~* (اقرأ باسم ربك) *، ويليه في القوة * (يا أيها المدثر) *. وطريق الجمع ~~بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات * (اقرأ باسم ربك) * وأول ما نزل من ~~أوامر التبليغ * (يا أيها المدثر) *، وأول ما نزل PageV01P207 # من السور سورة الفاتحة. وهذا كما ورد في الحديث " أول ما يحاسب به العبد ~~الصلاة "، و " أول ما يقضى فيه الدماء " وجمع بينهما بأن أول ما يحكم فيه ~~من المظالم التي بين العباد الدماء، وأول ما يحاسب به العبد من الفرائض ~~البدنية الصلاة. # وقيل: أول ما نزل للرسالة * (يا أيها المدثر) *، وللنبوة * (اقرأ باسم ~~ربك) *، فإن العلماء قالوا: قوله تعالى: * (اقرأ باسم ربك) * دال على نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، لأن النبوة عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان ~~الملك بتكليف خاص، وقوله تعالى: * (يا أيها المدثر. قم فأنذر) * دليل على ~~رسالته صلى الله عليه وسلم; لأنها عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك ~~بتكليف عام. # وذكر القاضي في " الانتصار " رواية: ثم نزل بعد سورة * (اقرأ) * ثلاث ~~آيات من ms0114 أول نوح، وثلاث آيات من أول المدثر. # وعن مجاهد قال: أول سورة أنزلت " اقرأ " ثم نوح. # وذكر الحاكم في " الإكليل " أن أول آية أنزلت في الإذن بالقتال قوله ~~تعالى: * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) *. # وروى في المستدرك عن ابن عباس: * (أول آية أنزلت فيه: * (أذن للذين ~~يقاتلون... الآية. PageV01P208 # وأما آخره فاختلفوا فيه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: * (إذا جاء نصر ~~الله) *. # وعن عائشة سورة المائدة. وقيل: * (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) *. # وقال السدي: آخر ما نزل: * (فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وهو رب العرش العظيم) *. وفى " صحيح البخاري " في تفسير سورة براءة ~~عن البراء بن عازب رضي الله عنهما: آخر آية نزلت: * (يستفتونك قل الله ~~يفتيكم في الكلالة) *، وآخر سورة نزلت براءة. # وفى رواية غيره: آخر سورة أنزلت كاملة سورة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة ~~النساء. # وذكر ابن الأنباري عن أبي إسحاق عن البراء، قال: آخر آية نزلت من القرآن: # * (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) *، ثم قال: وأخطأ أبو إسحاق، ثم ~~ساق سنده من طرق إلى ابن عباس: آخر آية أنزلت: * (واتقوا يوما ترجعون فيه ~~إلى الله) *، وكان بين نزولها ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون ~~يوما، وقيل: تسع ليال. انتهى. # وفى مستدرك الحاكم عن شعبة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس ~~عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أنه قال: آخر آية نزلت على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) * ثم قرأها إلى آخر السورة. ~~ورواه أحمد في المسند عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي ~~الله عنه، قال: آخر آية نزلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم * (لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم) * ثم قرأ إلى * (وهو رب العرش العظيم) *. قال: هذا ~~آخر ما نزل من القرآن، فختم بما فتح به، بالذي PageV01P209 # لا إله إلا ms0115 هو، وهو قول الله تبارك وتعالى: * (وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) *. # وقال بعضهم: روى البخاري: آخر ما نزل آية الربا. # وروى مسلم: آخر سورة نزلت جميعا: * (إذا جاء نصر الله) *. # قال القاضي أبو بكر في " الانتصار ": وهذه الأقوال ليس في شئ منها ما رفع ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد، ~~وتغليب الظن، وليس العلم بذلك من فرائض الدين، حتى يلزم ما طعن به الطاعنون ~~من عدم الضبط. # ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في اليوم الذي مات فيه، أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك، وإن لم ~~يسمعه هو لمفارقته له، ونزول الوحي عليه بقرآن بعده. # ويحتمل أيضا أن تنزل الآية، التي آخر آية تلاها الرسول صلى الله عليه ~~وسلم مع آيات نزلت معها، فيؤمر برسم ما نزل وتلاوتها عليهم بعد رسم ما نزل ~~آخرا وتلاوته، فيظن سامع ذلك أنه آخر ما نزل في الترتيب. PageV01P210 # النوع الحادي عشر معرفة على كم لغة نزل ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أقرأني جبريل على حرف فراجعته، ثم لم أزل أستزيده فيزيدني، حتى انتهى ~~إلى سبعة أحرف ". زاد مسلم: قال ابن شهاب: بلغني أن تلك السبعة إنما هي في ~~الأمر الذي يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا حرام. # وأخرجا أيضا من حديث عمر بن الخطاب قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ ~~سورة الفرقان على غير ما أقرؤها - وفى رواية: على حروف كثيرة لم يقرئنيها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ ~~سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أرسله اقرأ "، فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " هكذا أنزلت "، ثم قال لي: " اقرأ ms0116 "، فقرأت، فقال: # " هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف; فاقرءوا ما تيسر منه ". # وأخرج مسلم نحوه عن أبي بن كعب، وفيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~فإني أرسل إلى أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه: أن هون على أمتي، فرد ~~إلى الثانية: PageV01P211 # أقرأه على حرفين، فرددت إليه: أن هون على أمتي; فرد، إلى الثالثة: اقرأه ~~على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها، فقلت: اللهم اغفر ~~لأمتي. # وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم، حتى إبراهيم عليه السلام ". # وأخرج قاسم بن أصبغ في مصنفه من حديث المقبري عن أبي هريرة: أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ولا ~~حرج، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة ". # وأما ما رواه الحاكم في المستدرك عن سمرة يرفعه: " أنزل القرآن على ثلاثة ~~أحرف فقال أبو عبيد: تواترت الأخبار بالسبعة إلا هذا الحديث. # قال أبو شامة: يحتمل أن يكون معناه: إن بعضه أنزل على ثلاثة أحرف، كحذره ~~والرهب والصدق; فيقرأ كل واحد على ثلاثة أوجه في هذه القراءة المشهورة. أو ~~أراد أنزل ابتداء على ثلاثة، ثم زيد إلى سبعة. ومعنى جميع ذلك أنه نزل منه ~~ما يقرأ على حرفين، وعلى ثلاثة، وأكثر، إلى سبعة أحرف، توسعة على العباد، ~~باعتبار اختلاف اللغات والألفاظ المترادفة وما يقارب معناها. # وقال ابن العربي: لم يأت في معنى هذا السبع نص ولا أثر، واختلف الناس في ~~تعيينها. # وقال الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي: اختلف الناس فيها على خمسة وثلاثين ~~قولا. # وقد وقفت منها على كثير; فذهب بعضهم إلى أن المراد التوسعة على القارئ ~~ولم يقصد به الحصر. والأكثر على أنه محصور في سبعة; ثم اختلفوا: هل هي ~~باقية إلى الآن نقرؤها؟ PageV01P212 # أم كان ذلك أولا؟ ثم استقر الحال بعده على قولين. # وقال القرطبي: إن القائلين بالثاني - وهو أن الأمر كان كذلك، ثم استقر ~~على ما هو الآن - هم أكثر العلماء، منهم ms0117 سفيان بن عيينة، وابن وهب، ~~والطبري، والطحاوي. ثم اختلفوا: هل استقر في حياته صلى الله عليه وسلم، أم ~~بعد وفاته؟ والأكثرون على الأول، واختاره القاضي أبو بكر بن الطيب، وابن ~~عبد البر، وابن العربي، وغيرهم; ورأوا أن ضرورة اختلاف لغات العرب ومشقة ~~نطقهم بغير لغتهم اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر، فأذن لكل منهم أن يقرأ ~~على حرفه، أي على طريقته في اللغة; إلى أن انضبط الأمر في آخر العهد وتدربت ~~الألسن، وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة; فعارض جبريل النبي ~~صلى الله عليه وسلم القرآن مرتين في السنة الآخرة، واستقر على ما هو عليه ~~الآن، فنسخ الله سبحانه تلك القراءة المأذون فيها بما أوجبه من الاقتصار ~~على هذه القراءة التي تلقاها الناس. ويشهد لهذا الحديث الآتي، من مراعاة ~~التخفيف على العجوز والشيخ الكبير، ومن التصريح في بعضها، بأن ذلك مثل هلم، ~~وتعال. # [القول في القراءات السبع] والقائلون بأنها كانت سبعا اختلفوا على أقوال: # أحدها: أنه من المشكل الذي لا يدرى معناه; لأن العرب تسمى الكلمة ~~المنظومة حرفا، وتسمى القصيدة بأسرها كلمة، والحرف يقع على المقطوع من ~~الحروف المعجمة، والحرف أيضا المعنى والجهة. قاله أبو جعفر محمد بن سعدان ~~النحوي. PageV01P213 # والثاني: - وهو أضعفها - أن المراد سبع قراءات; وحكى عن الخليل بن أحمد. ~~والحرف هاهنا القراءة، وقد بين الطبري في كتاب " البيان " وغيره أن اختلاف ~~القراء إنما هو كله حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وهو ~~الحرف الذي كتب عثمان عليه المصحف. # وحكى ابن عبد البر عن بعض المتأخرين من أهل العلم بالقرآن أنه قال: تدبرت ~~وجوه الاختلاف في القرآن فوجدتها سبعة: # منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته، مثل: * (هن أطهر لكم) * و ~~* (أطهر لكم) * * (ويضيق صدري) * * (ويضيق صدري) *. # ومنها ما يتغير معناه ويزول بالإعراب، ولا تتغير صورته كقوله: * (ربنا ~~باعد بين أسفارنا) * و * (ربنا باعد بين أسفارنا) *. # ومنها ما يتغير معناه بالحروف واختلافها ولا تتغير صورته، كقوله: * (كيف ~~ننشزها) *. # و * (ننشرها) *. PageV01P214 # ومنها ما ms0118 تتغير صورته ولا يتغير معناه: * (كالعهن المنفوش) * و " الصوف ~~المنقوش ". # ومنها ما تتغير صورته ومعناه، مثل: * (طلح منضود) * و " طلع ". # ومنها بالتقديم والتأخير ك‍: * (وجاءت سكرة الموت بالحق) *، و " سكرة ~~الحق بالموت ". # ومنها الزيادة والنقصان، مثل: * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) * ~~وصلاة العصر. وقراءة ابن مسعود: * (تسع وتسعون نعجة) * أنثى. * (وأما ~~الغلام فكان أبواه مؤمنين) *، وكان كافر. قال أبو عمرو: و هذا وجه حسن من ~~وجوه معنى الحديث. # وقال بعض المتأخرين: هذا هو المختار. قال: والأئمة على أن مصحف عثمان أحد ~~الحروف السبعة، والآخر مثل قراءة ابن مسعود وأبى الدرداء: * (والذكر ~~والأنثى) * كما ثبت في الصحيحين، ومثل قراءة ابن مسعود: * (إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم) *. وقراءة عمر: * (فامضوا إلى ~~ذكر الله) *; والكل حق، والمصحف المنقول بالتواتر مصحف عثمان، ورسم الحروف ~~واحد إلا ما تنوعت فيه المصاحف; وهو بضعة عشر حرفا، مثل " الله الغفور " و ~~" إن الله هو الغفور ". PageV01P215 # والثالث: سبعة أنواع، كل نوع منها جزء من أجزاء القرآن بخلاف غيره من ~~أنحائه، فبعضها أمر ونهى، ووعد ووعيد، وقصص، وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه، ~~وأمثال، وغيره. # قال ابن عبد البر: وفى ذلك حديث رواه ابن مسعود مرفوعا قال: " كان الكتاب ~~الأول نزل من باب واحد على وجه واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة ~~أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلاله، ~~وحرموا حرامه، واعتبروا بأمثاله، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: * (آمنا به كل ~~من عند ربنا) *. قال: وهو حديث عند أهل العلم لا يثبت، وهو مجمع على ضعفه. # وذكره القاضي أبو بكر بن الطيب وقال: هذا التفسير منه صلى الله عليه وسلم ~~للأحرف السبعة، ولكن ليست هذه التي أجاز لهم القراءة بها على اختلافها، ~~وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة كقوله: * (ومن الناس من يعبد الله ~~على حرف) *. # وقال ابن عبد البر: قد رده من أهل النظر، منهم أحمد بن أبي عمران، قال: ~~من أوله بهذا فهو فاسد، لأنه محال أن يكون الحرف ms0119 منها حراما لا ما سواه أو ~~يكون حلالا لا ما سواه; لأنه لا يجوز أن يكون القرآن يقرأ على أنه حلال ~~كله، أو حرام كله، أو أمثال كله. حكاه الطحاوي عنه أنه سمعه منه، وقال: هو ~~كما قاله. # وقال ابن عطية: هذا القول ضعيف; لأن هذه لا تسمى أحرفا، وأيضا فالإجماع ~~على PageV01P216 # أن التوسعة لم تقع في تحريم حلال ولا تحليل حرام، ولا في تغيير شئ من ~~المعاني المذكورة. # وقال الماوردي: هذا القول خطأ، لأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى جواز ~~القراءة بكل واحد من الحروف وإبدال حرف بحرف، وقد أجمع المسلمون على تحريم ~~إبدال آية أمثال بآية أحكام. # وقال البيهقي في " المدخل ": وقد روى هذا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ~~ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: هذا مرسل جيد، وأبو سلمة ~~لم يدرك ابن مسعود، ثم ساقه بإسقاط ابن مسعود، ثم قال: فإن صح هذا فمعنى ~~قوله: " سبعة أحرف " أي سبعة أوجه، وليس المراد به ما ورد في الحديث الآخر ~~من نزول القرآن على سبعة أحرف; ولكن المراد به اللغات التي أبيحت القراءة ~~عليها، وهذا المراد به الأنواع التي نزل القرآن عليها. # * * * والرابع: أن المراد سبع لغات لسبع قبائل من العرب; وليس معناه أن ~~يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه; هذا ما لم يسمع قط، أي نزل على سبع لغات ~~متفرقة في القرآن، فبعضه نزل بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة تميم، ~~وبعضه بلغة أزد وربيعة، وبعضه بلغة هوازن وسعد بن بكر، وكذلك سائر اللغات; ~~ومعانيها في هذا كله واحدة. وإلى هذا ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام وأحمد بن ~~يحيى ثعلب; وحكاه ابن دريد عن أبي حاتم السجستاني، وحكاه بعضهم عن القاضي ~~أبى بكر. PageV01P217 # وقال الأزهري في " التهذيب ": إنه المختار، واحتج بقول عثمان حين أمرهم ~~بكتب المصاحف: وما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش; فإنه أكثر ما نزل ~~بلسانهم. # وقال البيهقي في ": شعب الإيمان ": إنه الصحيح، أي أن المراد اللغات ms0120 ~~السبع، التي هي شائعة في القرآن. واحتج بقول ابن مسعود: سمعت القراء ~~فوجدتهم متقاربين، اقرأوا كما علمتم، وإياكم والتنطع، فإنما هو كقول أحدهم: ~~هلم، وتعال، وأقبل. قال: # وكذلك قال ابن سيرين. قال: لكن إنما تجوز قراءته على الحروف التي هي ~~مثبتة في المصحف الذي هو الإمام بإجماع الصحابة، وحملوها عنهم دون غيرها من ~~الحروف، وإن كانت جائزة في اللغة; وكأنه يشير إلى أن ذلك كان عند إنزاله، ~~ثم استقر الأمر على ما أجمعوا عليه في الإمامة. # وأنكر ابن قتيبة وغيره هذا القول، وقالوا: لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش; ~~لقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) *. # قال ابن قتيبة: ولا نعرف في القرآن حرفا واحدا يقرأ على سبعة أوجه. وغلطه ~~ابن الأنباري بحروف منها: * (وعبد الطاغوت) *، وقوله: * (أرسله معنا غدا ~~يرتع ويلعب) *. وقوله: * (باعد بين أسفارنا) * وقوله: * (بعذاب بئيس) * ~~وغير ذلك. PageV01P218 # وقال ابن عبد البر: قد أنكر أهل العلم أن يكون معنى سبعة أحرف سبع لغات; ~~لأنه لو كان كذلك لم ينكر القوم بعضهم على بعض في أول الأمر; لأن ذلك من ~~لغته التي طبع عليها. وأيضا فإن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي، ~~وقد اختلفت قراءتهما، ومحال أن ينكر عليه عمر لغته. # ثم اختلف القائلون بهذا في تعيين السبع فأكثروا. وقال بعضهم: أصل ذلك ~~وقاعدته قريش، ثم بنو سعد بن بكر; لأن النبي صلى الله عليه وسلم استرضع، ~~فيهم ونشأ وترعرع، وهو مخالط في اللسان كنانة، وهذيلا، وثقيفا، وخزاعة، ~~وأسدا وضبة وألفافها، لقربهم من مكة وتكرارهم عليها، ثم من بعد هذه تميما ~~وقيسا، ومن انضاف إليهم وسكن جزيرة العرب. # قال قاسم بن ثابت: إن قلنا من الأحرف لقريش، ومنها لكنانة ولأسد وهذيل ~~وتميم وضبة وألفافها، وقيس، لكان قد أتى على قبائل مضر في قراءات سبع ~~تستوعب اللغات التي نزل بها القرآن. وهذه الجملة هي التي انتهت إليها ~~الفصاحة، وسلمت لغاتها من الدخل، ويسرها الله لذلك; ليظهر أنه نبيه بعجزها ~~عن معارضة ما أنزل عليه. ويثبت ms0121 سلامتها أنها في وسط جزيرة العرب في الحجاز ~~ونجد وتهامة، فلم تفرقها الأمم. # وقيل: هذه اللغات السبع كلها في مضر، واحتجوا بقول عثمان: نزل القرآن ~~بلسان مضر. قالوا: وجائز أن يكون منها لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ~~ومنها لهذيل، ومنها لضبة، ولطابخة، فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات وتزيد. # قال أبو عمر بن عبد البر: وأنكر آخرون كون كل لغات مضر في القرآن; لأن ~~PageV01P219 # فيها شواذ لا يقرأ بها، مثل كشكشة قيس، وعنعنة تميم. فكشكشة أبو قيس ~~يجعلون كاف المؤنث شينا، فيقولون في: * (جعل ربك تحتك سريا) *: * (ربش ~~تحتش) *.; وعنعنة تميم ويقولون في " أن " " عن "، فيقرأون * (فعسى الله " ~~عن " يأتي بالفتح) *. # وبعضهم يبدل السين تاء، فيقول في " الناس ": " النات ". وهذه لغات يرغب ~~بالقرآن عنها. وما نقل عن عثمان معارض بما سبق أنه نزل بلغة قريش; وهذا ~~أثبت عنه; لأنه من رواية ثقات أهل المدينة. # وقد يشكل هذا القول على بعض الناس فيقول: هل كان جبريل عليه السلام يلفظ ~~باللفظ الواحد سبع مرات؟ فيقال له: إنما يلزم هذا إن قلنا: إن السبعة ~~الأحرف تجتمع في حرف واحد، ونحن قلنا: كان جبريل يأتي في كل عرضة بحرف إلى ~~أن تمر سبعة. # وقال الكلبي: خمسة منها لهوازن، وثنتان لسائر الناس. # * * * والخامس: المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة، بالألفاظ المختلفة، ~~نحو أقبل، وهلم، وتعال، وعجل، وأسرع، وأنظر، وأخر، وأمهل ونحوه. وكاللغات ~~التي في " أف " ونحو ذلك. # قال ابن عبد البر: وعلى هذا القول أكثر أهل العلم; وأنكروا على من قال: # إنها لغات; لأن العرب لا تركب لغة بعضها بعضا، ومحال أن يقرئ النبي صلى ~~الله عليه وسلم أحدا بغير لغته. وأسند عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ: * (كلما ~~أضاء لهم مشوا فيه) * " سعوا فيه ". قال: فهذا معنى السبعة الأحرف المذكورة ~~في الأحاديث عند جمهور أهل الفقه والحديث; منهم سفيان بن عيينة، وابن وهب، ~~ومحمد بن جرير الطبري، والطحاوي وغيرهم. وفى مصحف عثمان الذي بأيدي الناس ~~منها حرف واحد. PageV01P220 # وقال الزهري: إنما هذه الأحرف ms0122 في الأمر الواحد; وليست تختلف في حلال ولا ~~حرام. # واحتج ابن عبد البر بحديث سلمان بن صرد عن أبي بن كعب قال: قرأ أبى آية، ~~وقرأ ابن مسعود آية خلافها، وقرأ رجل آخر خلافهما، فأتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقلت: # ألم تقرأ آية كذا؟ وقال ابن مسعود: ألم تقرأ آية كذا؟ فقال: " كلكم محسن ~~مجمل ". # وقال: " يا أبى، إني أقرئت القرآن فقلت: على حرف أو حرفين؟ فقال لي ~~الملك: على حرفين، فقلت: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال: على ثلاثة; هكذا حتى ~~بلغ سبعة أحرف، ليس فيها إلا شاف كاف. قلت غفورا رحيما، أو قلت سميعا ~~حكيما، أو قلت عليما حكيما، أو قلت عزيزا حكيما، أي ذلك قلت فإنه كذلك ". # قال أبو عمر: إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها ~~أنها معان متفق مفهومها، مختلف مسموعها، لا يكون في شئ منها معنى وضده، ولا ~~وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده، كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده. # وكذلك حديث أبي بكرة قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~اقرأ على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال: على حرفين، فقال ميكائيل: ~~استزده، حتى بلغ إلى سبعة أحرف، فقال: أقرأه، فكل شاف كاف، إلا أن تخلط آية ~~رحمة بآية عذاب، وآية عذاب بآية رحمة، نحو هلم، وتعال، وأقبل، واذهب، ~~وأسرع، وعجل. # وروى ذلك عن ابن مسعود وأبى بن كعب، أنه كان يقرأ: * (للذين آمنوا ~~انظرونا) *: # " أمهلونا أخرونا، أرقبونا " و * (كلما أضاء لهم مشوا فيه) * " مروا فيه، ~~سعوا فيه ". # قال أبو عمر: إلا أن مصحف عثمان الذي بأيدي الناس اليوم هو فيها حرف ~~واحد، وعلى هذا أهل العلم. PageV01P221 # قال: وذكر ابن وهب في كتاب الترغيب من " جامعه "، قال: قيل لمالك: أترى ~~أن تقرأ مثل ما قرأ عمر بن الخطاب: * (فامضوا إلى ذكر الله) *، قال: جائز، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما ~~تيسر منه "، ومثل " يعلمون "، و " تعلمون "؟ قال مالك: لا ms0123 أرى باختلافهم ~~بأسا، وقد كان الناس ولهم مصاحف. # قال ابن وهب: سألت مالكا عن مصحف عثمان; فقال لي: ذهب. وأخبرني مالك قال: ~~أقرأ عبد الله بن مسعود رجلا: * (إن شجرة الزقوم. طعام الأثيم) *، فجعل ~~الرجل يقول: " طعام اليتيم "، فقال: " طعام الفاجر "، فقلت لمالك: أترى أن ~~يقرأ بذلك؟ قال: نعم، أرى أن ذلك واسعا. # قال أبو عمر: معناه عندي أن يقرأ به في غير الصلاة; وإنما لم تجز القراءة ~~به في الصلاة; لأن ما عدا مصحف عثمان لا يقطع عليه; وإنما يجرى مجرى خبر ~~الآحاد; لكنه لا يقدم أحد على القطع في رده. # وقال مالك رحمه الله فيمن قرأ في صلاة بقراءة ابن مسعود وغيره من ~~الصحابة; مما يخالف المصحف: لم يصل وراءه. # قال: وعلماء مكيون مجمعون على ذلك إلا شذوذا لا يعرج عليه منهم إلا ~~عثمان. # وهذا كله يدل على أن السبعة الأحرف التي أشير إليها في الحديث ليس بأيدي ~~الناس منها إلا حرف زيد بن ثابت الذي جمع عثمان عليه المصاحف. # * * * PageV01P222 # السادس: أن ذلك راجع إلى بعض الآيات، مثل قوله: * (أف لكم) *; فهذا على ~~سبعة أوجه بالنصب والجر والرفع; وكل وجه: التنوين وغيره. وسابعها الجزم. ~~ومثل قوله: * (تساقط عليك) *; ونحوه، ويحتمل في القرآن تسعة أوجه، ولا يوجد ~~ذلك في عامة الآيات. # قال ابن عبد البر: وأجمعوا على أن القرآن لا يجوز في حروفه وكلماته ~~وآياته كلها أن تقرأ على سبعة أحرف; ولا شئ منها، ولا يمكن ذلك فيها، بل لا ~~يوجد في القرآن كلمة تحتمل أن تقرأ على سبعة أوجه إلا قليل; مثل * (وعبد ~~الطاغوت) * و * (تشابه علينا) * و * (عذاب بئيس) * ونحوه، وذلك ليس هذا. # وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: وهذا المجموع في المصحف: هل هو جميع ~~الأحرف السبعة التي أقيمت القراءة عليها؟ أو حرف واحد منها؟ ميل القاضي أبى ~~بكر إلى أنه جميعها، وصرح أبو جعفر الطبري والأكثرون من بعده. بأنه حرف ~~منها، ومال الشيخ الشاطبي إلى قول القاضي فيما جمعه أبو بكر، وإلى قول ~~الطبري فيما ms0124 جمعه عثمان رضي الله عنه. # * * * والسابع: اختاره القاضي أبو بكر، وقال: الصحيح أن هذه الأحرف ~~السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم; وضبطها عنه الأئمة، ~~وأثبتها عثمان والصحابة في المصحف، PageV01P223 # وأخبروا بصحتها; وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواترا، وأن هذه الأحرف ~~تختلف معانيها تارة، وألفاظها أخرى، وليست متضادة ولا منافية. # * * * والثامن: قول الطحاوي، أن ذلك كان في وقت خاص لضرورة دعت إليه; لأن ~~كل ذي لغة كان يشق عليه أن يتحول عن لغته، ثم لما كثر الناس والكتاب ارتفعت ~~تلك الضرورة، فارتفع حكم الأحرف السبعة، وعاد ما يقرأ به إلى حرف واحد. # * * * والتاسع: أن المراد علم القرآن يشتمل على سبعة أشياء: علم الإثبات ~~والإيجاد، كقوله تعالى: * (إن في خلق السماوات والأرض) *. # وعلم التوحيد، كقوله تعالى: * (قل هو الله أحد) *. * (وإلهكم إله واحد) ~~*. # وعلم التنزيه، كقوله: * (أفمن يخلق كمن لا يخلق) *. * (ليس كمثله شئ) *. # وعلم صفات الذات، كقوله: * (ولله العزة) *. * (الملك القدوس) *. # وعلم صفات الفعل، كقوله: * (واعبدوا الله) *. * (واتقوا الله) *. * ~~(وأقيموا الصلاة) *، * (لا تأكلوا الربا) *. PageV01P224 # وعلم العفو والعذاب، كقوله: * (ومن يغفر الذنوب إلا الله) *. * (نبئ ~~عبادي أنى أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم) *. # وعلم الحشر والحساب; كقوله: * (إن الساعة لآتية) *. * (اقرأ كتابك كفى ~~بنفسك اليوم عليك حسيبا) * وعلم النبوات كقوله: * (رسلا مبشرين ومنذرين) *. ~~* (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) *. # والإمامات كقوله: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم) *. * (ومن يشاقق الرسول) *. * (كنتم خير أمة) *. # والعاشر أن المراد سبعة أشياء المطلق والمقيد والعام والخاص والنص ~~والمؤول والناسخ والمنسوخ والمجمل والمفسر والاستثناء وأقسامه حكاه أبو ~~المعالي بسند له عن أئمة الفقهاء. # والحادي عشر، حكاه عن أهل اللغة، أن المراد الحذف والصلة، والتقديم ~~والتأخير، والقلب والاستعارة، والتكرار، والكناية والحقيقة والمجاز، ~~والمجمل والمفسر، والظاهر، والغريب. # والثاني عشر، وحكاه عن النحاة، أنها التذكير والتأنيث، والشرط والجزاء، ~~والتصريف PageV01P225 # والإعراب، والأقسام وجوابها، والجمع والتفريق، والتصغير والتعظيم، ~~واختلاف الأدوات مما يختلف فيها بمعنى، وما لا يختلف في الأداء ms0125 واللفظ ~~جميعا. # * * * والثالث عشر، حكاه عن القراء أنها من طريق التلاوة وكيفية النطق ~~بها: من إظهار، وإدغام، وتفخيم، وترقيق، وإمالة وإشباع، ومد وقصر، وتخفيف ~~وتليين، وتشديد. # والرابع عشر، وحكاه عن الصوفية أنه يشتمل على سبعة أنواع من المبادلات، ~~والمعاملات، وهي الزهد والقناعة مع اليقين، والحزم والخدمة مع الحياء، ~~والكرم والفتوة مع الفقر، والمجاهدة والمراقبة مع الخوف، والرجاء والتضرع ~~والاستغفار مع الرضا، والشكر والصبر مع المحاسبة والمحبة، والشوق مع ~~المشاهدة. # * * * وقال ابن حبان: قيل أقرب الأقوال إلى الصحة أن المراد به سبع لغات، ~~والسر في إنزاله على سبع لغات تسهيله على الناس لقوله: * (ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر) * فلو كان تعالى أنزله على حرف واحد لانعكس المقصود. قال: ~~وهذه السبعة التي نتداولها عليه اليوم غير تلك، بل هذه حروف من تلك الأحرف ~~السبعة كانت مشهورة; وذكر حديث عمر مع هشام بن حكيم; لكن لما خافت الصحابة ~~من اختلاف القرآن رأوا جمعه على حرف واحد من تلك الحروف السبعة; ولم يثبت ~~من وجه صحيح تعين كل حرف من هذه الأحرف; ولم يكلفنا الله ذلك; غير أن هذه ~~القراءة الآن غير خارجة عن الأحرف السبعة. # وقال بعض المتأخرين: الأشبه بظواهر الأحاديث أن المراد بهذه الأحرف ~~اللغات; وهو أن يقرأ كل قوم من العرب بلغتهم وما جرت عليه عادتهم; من ~~الإظهار والإدغام PageV01P226 # والإمالة والتفخيم والإشمام والهمز والتليين والمد، وغير ذلك من وجوه ~~اللغات إلى سبعة أوجه منها في الكلمة الواحدة; فإن الحرف هو الطرف والوجه; ~~كما قال تعالى: * (ومن الناس من يعبد الله على حرف) *، أي على وجه واحد; ~~وهو أن يعبده في السراء دون الضراء; وهذه الوجوه هي القراءات السبع التي ~~قرأها القراء السبعة; فإنها كلها صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ~~الذي جمع عليه عثمان المصحف، وهذه القراءات السبع اختيارات أولئك القراء; ~~فإن كل واحد اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءة ما هو الأحسن عنده ~~والأولى، ولزم طريقة منها ورواها وقرأ بها، واشتهرت عنه ونسبت إليه; فقيل ~~حرف نافع، ms0126 وحرف ابن كثير. ولم يمنع واحد منهم حرف الآخر ولا أنكره، بل سوغه ~~وحسنه; وكل واحد من هؤلاء السبعة روى عنه اختياران وأكثر; وكل صحيح. # وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عنهم، وكان ~~الإنزال على الأحرف السبعة توسعة من الله ورحمة على الأمة; إذا لو كلف كل ~~فريق منهم ترك لغته والعدول عن عادة نشئوا عليها; من الإمالة، والهمز ~~والتليين، والمد، وغيره لشق عليهم. # ويشهد لذلك ما رواه الترمذي عن أبي بن كعب أنه لقى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جبريل فقال: " يا جبريل، إني بعثت إلى أمة أميين; منهم العجوز، ~~والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط; فقال: يا ~~محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ". وقال: حسن صحيح. PageV01P227 # النوع الثاني عشر في كيفية إنزاله قال تعالى: * (شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن) *، وقال سبحانه: # * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) *. # واختلف في كيفية الإنزال على ثلاثة أقوال: # أحدها أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك ~~منجما في عشرين سنة أو في ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، على حسب الاختلاف في ~~مدة إقامته بمكة بعد النبوة. # والقول الثاني: أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدر من عشرين سنة، ~~وقيل: # في ثلاث وعشرين ليلة قدر من ثلاث وعشرين سنة. وقيل: في خمس وعشرين ليلة ~~قدر من خمس وعشرين سنة، في كل ليلة ما يقدر سبحانه إنزاله في كل السنة، ثم ~~ينزل بعد ذلك منجما في جميع السنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. # والقول الثالث: أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجما في ~~أوقات مختلفة من سائر الأوقات. # والقول الأول أشهر وأصح، وإليه ذهب الأكثرون; ويؤيده ما رواه الحاكم في ~~مستدركه عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة ~~القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ~~PageV01P228 # وأخرج ms0127 النسائي في تفسير من جهة حسان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: # فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، أبى فجعل جبريل ~~ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم. وإسناده صحيح، وحسان هو ابن أبي ~~الأشرس، وثقة النسائي وغيره. # وبالثاني قال مقاتل والإمام أبو عبد الله الحليمي في " المنهاج " ~~والماوردي في " تفسيره ". # وبالثالث قال الشعبي وغيره. # واعلم أنه اتفق أهل السنة على أن كلام الله منزل، واختلفوا في معنى ~~الإنزال، فقيل: معناه إظهار القرآن، وقيل: إن الله أفهم كلامه جبريل وهو في ~~السماء، وهو عال من المكان وعلمه قراءته، ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط ~~في المكان. # والتنزيل له طريقان: أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انخلع من ~~صورة البشرية إلى صورة الملائكة وأخذه من جبريل. والثاني أن الملك انخلع ~~إلى البشرية حتى يأخذ الرسول منه; والأول أصعب الحالين. # ونقل بعضهم عن السمرقندي حكاية ثلاثة أقوال في المنزل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما هو: # أحدها: أنه اللفظ والمعنى: وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل ~~به. # وذكر بعضهم أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ; كل حرف منها بقدر جبل قاف، ~~وأن تحت كل حرف معان لا يحيط بها إلا الله عز وجل، وهذا معنى قول الغزالي: ~~إن هذه الأحرف سترة لمعانيه. PageV01P229 # والثاني أنه إنما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعاني خاصة، ~~وأنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب; وإنما ~~تمسكوا بقوله تعالى: * (نزل به الروح الأمين على قلبك) *. # والثالث أن جبريل صلى الله عليه وسلم إنما ألقى عليه المعنى، وأنه عبر ~~بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية، ثم إنه أنزل به ~~كذلك بعد ذلك. # فإن قيل: ما السر في إنزاله جملة إلى السماء؟ قيل: فيه تفخيم لأمره وأمر ~~من نزل عليه; وذلك بإعلان سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة ~~على خاتم الرسل لأشرف الأمم; ms0128 ولقد صرفناه إليهم لينزله عليهم. ولولا أن ~~الحكمة الإلهية اقتضت نزوله منجما بسبب الوقائع لأهبطه إلى الأرض جملة. # فإن قيل: في أي زمان نزل جملة إلى سماء الدنيا; بعد ظهور نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم أم قبلها؟ قلت: قال الشيخ أبو شامة: الظاهر أنه قبلها، أن ~~وكلاهما محتمل; فإن كان بعدها فوجه التفخيم منه ما ذكرناه، وإن كان قبلها ~~ففائدته أظهر وأكثر. # فإن قلت: فقوله: * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) *، من جملة القرآن الذي ~~نزل جملة أم لا؟ فإن لم يكن منه فما نزل جملة؟ وإن كان منه فما وجه صحة هذه ~~العبارة؟ قلت: # ذكر فيه وجهين: أحدهما أن يكون معنى الكلام: ما حكمنا بإنزاله في القدر ~~وقضائه وقدرناه في الأزل ونحو ذلك. والثاني أن لفظه لفظ الماضي ومعناه ~~الاستقبال; أي ينزل جملة في ليلة مباركة هي ليلة القدر، واختير لفظ الماضي; ~~إما لتحققه وكونه لا بد منه; وإما لأنه حال اتصاله بالمنزل عليه يكون المضي ~~في معناه محققا; لأن نزوله منجما كان بعد نزوله جملة. PageV01P230 # فإن قلت: ما السر في نزوله إلى الأرض منجما؟ وهلا نزل جملة كسائر الكتب؟ # قلت: هذا سؤال قد تولى الله سبحانه جوابه; فقال تعالى: * (وقال الذين ~~كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) *، يعنون: كما أنزل على من قبله من ~~الرسل. فأجابهم الله بقوله: * (كذلك) *، أي أنزلناه كذلك مفرقا * (لنثبت به ~~فؤادك) *، أي لنقوى به قلبك; فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى ~~للقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه; ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه، وتجديد ~~العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجانب العزيز، فحدث له من ~~السرور ما تقصر عنه العبارة; ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول ~~جبريل عليه السلام. # وقيل: معنى * (لنثبت به فؤادك) * لنحفظه، فإنه عليه السلام كان أميا لا ~~يقرأ ولا يكتب; ففرق عليه لييسر علي عليه حفظه; بخلاف غيره من الأنبياء; ~~فإنه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع إذا نزل ms0129 جملة. # فإن قلت: كان في القدرة إذا نزل جملة أن يحفظه النبي صلى الله عليه وسلم ~~دفعة. # قلت: ليس كل ممكن لازم الوقوع; وأيضا في القرآن أجوبة عن أسئلة; فهو سبب ~~من أسباب تفرق النزول; ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما ~~أنزل مفرقا. # وقال ابن فورك: قيل أنزلت التوراة جملة، لأنها نزلت على نبي يقرأ ويكتب - ~~وهو موسى - وأنزل القرآن مفرقا لأنه أنزل غير مكتوب على نبي أمي. وقيل مما ~~لم ينزل لأجله جملة واحدة أن منه الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن ~~يسأل عن أمور، ومنه ما هو إنكار لما كان. انتهى. PageV01P231 # وكان بين أول نزول القرآن آخره عشرون أو ثلاث وعشرون أو خمس وعشرون سنة; ~~وهو مبنى على الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة; ~~فقيل عشر، وقيل ثلاث عشرة، وقيل خمس عشرة. ولم يختلف في مدة إقامته ~~بالمدينة أنها عشر. وكان كلما أنزل عليه شئ من القرآن أمر بكتابته ويقول: ~~في مفترقات الآيات. " ضعوا هذه في سورة كذا "، وكان يعرضه جبريل في شهر ~~رمضان كل عام مرة، وعام مات مرتين. # وفى صحيح البخاري: قال مسروق عن عائشة عن فاطمة رضي الله عنهما: أسر ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى " أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة، وأنه ~~عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضور أجلى ". # وأسنده البخاري في مواضع. وقد كرر النبي صلى الله عليه وسلم الاعتكاف ~~فاعتكف عشرين بعد أن كان يعتكف عشرا. PageV01P232 # النوع الثالث عشر في بيان جمعه ومن حفظه من الصحابة رضي الله عنهم [جمع ~~القرآن على عهد أبى بكر] روى البخاري في صحيحه: عن زيد بن ثابت قال: أرسل ~~إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر [بن الخطاب] عنده، فقال أبو بكر: ~~إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر بيوم اليمامة بقراء القرآن; وإني ~~أخشى أن يستحر القتل بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن; وإني أرى أن تأمر ~~بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف ms0130 نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال عمر: والله إن هذا خير. فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري ~~لذلك; وقد رأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: وقال أبو بكر: إنك رجل شاب ~~عاقل لا أتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فتتبع ~~القرآن واجمعه. قال زيد: فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل ~~علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح ~~الله صدري للذي شرح له صدر أبى بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب ~~واللخاف وصدور PageV01P233 # الرجال، حتى وجدت آخر التوبة * (لقد جاءكم) * مع أبي خزيمة الأنصاري الذي ~~جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين، لم أجدها مع أحد غيره ~~فألحقتها في سورتها، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر ~~حتى قبض، ثم عند حفصة بنت عمر. # وفى رواية ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد سمع زيد بن ثابت يقول: # فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف; قد كنت أسمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ بها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري * (من المؤمنين ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) * فألحقناها في سورتها. وخزيمة الأنصاري ~~شهادته بشهادتين. # وقول زيد: " لم أجدها إلا مع خزيمة " ليس فيه إثبات القرآن بخبر الواحد; ~~لأن زيدا كان قد سمعها وعلم موضعها في سورة الأحزاب بتعليم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وكذلك غيره من الصحابة ثم نسيها، فلما سمع ذكره. وتتبعه للرجال ~~كان للاستظهار، لا لاستحداث العلم. وسيأتي أن الذين كانوا يحفظون القرآن من ~~الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة; والمراد: أن هؤلاء ~~كانوا اشتهروا به فقد ثبت أن غيرهم حفظه، وثبت أن القرآن مجموعة محفوظ كله ~~صدور الرجال أيام حياة النبي صلى ms0131 الله عليه وسلم، مؤلفا على هذا التأليف، ~~إلا سورة براءة. # قال ابن عباس: قلت لعثمان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من ~~المثاني، وإلى براءة وهي من المئين; فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر ~~* (بسم الله الرحمن الرحيم) *؟ # قال عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وتنزل ~~عليه السور، وكان إذا نزل عليه شئ دعا بعض من كان يكتبه فقال: ضعوا هذه ~~الآيات في السورة PageV01P234 # التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت " الأنفال " من أوائل ما نزل من المدينة، ~~وكانت " براءة " من آخر القرآن; وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقبض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها; فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم ~~أكتب بينهما سطر * (بسم الله الرحمن الرحيم) *، ثم كتبت. فثبت أن القرآن ~~كان على هذا التأليف والجمع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ترك ~~جمعه في مصحف واحد; لأن النسخ كان يرد على بعض، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض ~~لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان ~~النسخ، ثم وفق لجمعه الخلفاء الراشدين. # [نسخ القرآن في المصاحف] واعلم أنه قد اشتهر أن عثمان هو أول من جمع ~~المصاحف; وليس كذلك لما بيناه، بل أول من جمعها في مصحف واحد الصديق، ثم ~~أمر عثمان حين خاف الاختلاف في القراءة بتحويله منها إلى المصاحف: هكذا ~~نقله البيهقي. # قال: وقد روينا عن زيد بن ثابت أن التأليف كان في زمن النبي عليه وسلم، ~~وروينا عنه أن الجمع في المصحف كان في زمن أبى بكر والنسخ في المصاحف في ~~زمن عثمان، وكان ما يجمعون وينسخون معلوما لهم، بما كان مثبتا في صدور ~~الرجال، وذلك كله بمشورة من حضره من الصحابة وارتضاه علي بن أبي طالب، وحمد ~~أثره فيه. # وذكر غيره أن الذي استبد به عثمان جمع الناس على قراءة محصورة، والمنع من ~~غير ذلك، قال القاضي أبو بكر في " الانتصار ": لم يقصد عثمان قصد أبى بكر ms0132 ~~في جمع نفس القرآن بين لوحين; وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة ~~المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا ~~تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت PageV01P235 # مع تنزيل، ومنسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه، خشية ~~دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد. انتهى. # وقد روى البخاري في صحيحه عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان ~~يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة ~~اختلافهم في القراء وقال [حذيفة] لعثمان: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا ~~[في الكتاب] اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا ~~الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك; فأرسلت بها إليه، فأمر زيد بن ثابت ~~وعبد الله بن الزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ~~فنسخوها في المصاحف. # وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ ~~من القرآن فاكتبوه بلسان قريش; فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا ~~الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل في كل أفق بمصحف مما ~~نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. # وفى هذه إثبات ظاهر أن الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن المنزل من غير ~~زيادة ولا نقص. والذي حملهم على جمعه ما جاء في الحديث أنه كان مفرقا في ~~العسب واللخاف وصدور الرجال، فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته، فجمعوه وكتبوه ~~كما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، من غير أن قدموا شيئا أو أخروا. ~~وهذا الترتيب كان منه صلى الله عليه وسلم بتوقيف لهم على ذلك; وأن هذه ~~الآية عقب تلك الآية; فثبت أن سعى الصحابة في جمعه في موضع واحد، لا في ~~ترتيب; فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذي هو في ~~مصاحفنا الآن، أنزله الله جملة واحدة إلى سماء الدنيا، PageV01P236 # كما قال الله تعالى: * (شهر رمضان الذي أنزل ms0133 فيه القرآن) * وقال تعالى: * ~~(إنا أنزلناه في ليلة القدر) *، ثم كان ينزل مفرقا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مدة حياته عند الحاجة; كما قال تعالى: * (وقرآنا فرقناه لتقرأه ~~على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) * فترتيب النزول غير ترتيب التلاوة; ~~وكان هذا الاتفاق من الصحابة سببا لبقاء القرآن في الأمة، ورحمة من الله ~~على عباده، وتسهيلا وتحقيقا لوعده بحفظه; كما قال تعالى: * (إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون) * وزال بذلك الاختلاف، واتفقت الكلمة. # قال أبو عبد الرحمن السلمي: كانت قراءة أبى بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت ~~والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرءون القراءة العامة، وهي القراءة التي ~~قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام الذي قبض ~~فيه، وكان زيد قد شهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك ~~اعتمده الصديق في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصحف. # وقال أبو الحسين بن فارس في " المسائل الخمس " جمع القرآن على ضربين: ~~أحدهما تأليف السور، كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين; فهذا الضرب هو ~~الذي تولته الصحابة، وأما الجمع الآخر - وهو جمع الآيات في السور - فهو ~~توقيفي تولاه النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال الحاكم في المستدرك: وقد روى حديث عبد الرحمن بن شماس عن زيد بن ~~ثابت قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع... ~~الحديث، قال: # وفيه البيان الواضح أن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة، فقد جمع بعضه بحضرة ~~النبي PageV01P237 # صلى الله عليه وسلم، ثم جمع بحضرة الصديق; والجمع الثالث وهو ترتيب السور ~~كان في خلافة عثمان. # وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب " فهم السنن ": # كتابة القرآن ليست محدثة فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته، ~~ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب; وإنما أمر الصديق بنسخها من ~~مكان إلى مكان، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فيها القرآن منتشر، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى ms0134 لا يضيع منها شئ. # فإن قيل: كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال؟ قيل: لأنهم كانوا ~~يبدون عن تأليف معجز ونظم معروف، وقد شاهدوا تلاوته من النبي صلى الله عليه ~~وسلم عشرين سنة فكان تزويد ما ليس منه مأمونا وإنما كان الخوف من ذهاب شئ ~~من صحيحه. # فإن قيل: كيف لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؟ قيل: لأن الله ~~تعالى كان قد أمنه من النسيان بقوله: * (سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله) ~~* أن يرفع حكمه بالنسخ، فحين وقع الخوف من نسيان الخلق حدث ما لم يكن، ~~فأحدث بضبطه ما لم يحتج إليه قبل ذلك. # وفى قول زيد بن ثابت: " فجمعته من الرقاع والأكتاف وصدور الرجال " ما ~~أوهم بعض الناس أن أحدا لم يجمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم; وأن من قال: # إنه جمع القرآن أبي بن كعب وزيد ليس بمحفوظ. وليس الأمر على ما أوهم; ~~وإنما طلب القرآن متفرقا ليعارض بالمجتمع عند من بقي ممن جمع القرآن ليشترك ~~الجميع في علم ما جمع PageV01P238 # فلا يغيب عن جمع القرآن عنده منه شئ، ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف، ~~ولا يشكو في أنه جمع عن ملأ منهم. # فأما قوله: " وجدت آخر براءة مع خزيمة بن ثابت، ولم أجدها مع غيره "، ~~يعنى ممن كانوا في طبقة خزيمة لم يجمع القرآن. # وأما أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل; فبغير شك جمعوا ~~القرآن، والدلائل عليه متظاهرة، قال: ولهذا المعنى لم يجمعوا السنن في ~~كتاب، إذ لم يمكن ضبطها كما ضبط القرآن. قال: ومن الدليل على ذلك أن تلك ~~المصاحف التي كتب منها القرآن كانت عنده الصديق لتكون إماما ولم تفارق ~~الصديق في حياته، ولا عمر أيامه. ثم كانت عند حفصة لا تمكن منها، ولما ~~احتيج إلى جمع الناس على قراءة واحدة، وقع الاختيار عليها في أيام عثمان; ~~فأخذ ذلك الإمام، ونسخ في المصاحف التي بعث بها إلى الكوفة، وكان الناس ~~متروكين على قراءة ms0135 ما يحفظون من قراءتهم المختلفة، حتى خيف الفساد فجمعوا ~~على القراءة التي نحن عليها. قال: والمشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان ~~رضي الله عنه، وليس كذلك; إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على ~~اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشى الفتنة عند ~~اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات والقرآن. وأما قبل ذلك فقد كانت ~~المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها ~~القرآن; فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق; روى عن علي أنه قال: رحم ~~الله أبا بكر! هو أول من جمع بين اللوحين، ولم يحتج الصحابة في أيام أبى ~~بكر وعمر إلى جمعه على وجه ما جمعه عثمان; لأنه لم يحدث في أيامهما من ~~الخلاف فيه ما حدث في زمن عثمان; ولقد وفق لأمر عظيم، ورفع الاختلاف، وجمع ~~الكلمة، وأراح الأمة. PageV01P239 # وأما تعلق الروافض بأن عثمان أحرق المصاحف فإنه جهل منهم وعمى، فإن هذا ~~من فضائله وعلمه; فإنه أصلح، ولم الشعث، وكان ذلك واجبا عليه، ولو تركه ~~لعصى، لما فيه من التضييع; وحاشاه من ذلك. وقولهم: إنه سبق إلى ذلك ممنوع ~~لما بيناه أنه كتب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في الرقاع والأكتاف; ~~وأنه في زمن الصديق جمعه في حرف واحد. # قال: وأما قولهم: إنه أحرق المصاحف; فإنه غير ثابت، ولو ثبت لوجب حمله ~~على أنه أحرق مصاحف قد أودعت ما لا يحل قراءته. # وفى الجملة إنه إمام عدل غير معاند ولا طاعن في التنزيل، ولم يحرق إلا ما ~~يجب إحراقه، ولهذا لم ينكر عليه أحد ذلك، بل رضوه وعدوه من مناقبه، حتى قال ~~علي: لو وليت ما ولي عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل. انتهى ملخصا. # فائدة [في عدد مصاحف عثمان] قال أبو عمرو والداني في " المقنع ": أكثر ~~العلماء على أن عثمان لما كتب المصاحف جعله على أربع نسخ; وبعث إلى كل ~~ناحية واحدا: الكوفة والبصرة والشام، وترك واحدا عنده. وقد قيل: إنه جعله ~~سبع ms0136 نسخ، وزاد: إلى مكة وإلى اليمن وإلى البحرين. قال: # والأول أصح وعليه الأئمة. PageV01P240 # فصل في بيان من جمع القرآن حفظا عن [من الصحابة على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم] حفظه في حياته جماعة من الصحابة، وكل قطعة منه كان يحفظها ~~جماعة كثيرة أقلهم بالغون حد التواتر، وجاء في ذلك أخبار ثابتة في الترمذي ~~والمستدرك وغيرهما من حديث ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشئ ~~دعا بعض من كان يكتب فيقول: # " ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا "، قال الترمذي: ~~هذا حديث حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. # وفى البخاري عن قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ ~~بن جبل، وزيد ابن ثابت، وأبو زيد. وفى رواية: مات النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولم يجمع القرآن غير أربعة ابن ثابت، وأبو زيد بن ثابت، وأبو زيد. قال ~~الحافظ البيهقي في كتاب " المدخل ": # الرواية الأولى أصح، ثم أسند عن ابن سيرين قال: جمع القرآن على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أربعة لا يختلف فيهم: معاذ بن جبل، وأبى بن كعب، ~~وزيد، وأبو زيد، واختلفوا في رجلين من ثلاثة: أبو الدرداء وعثمان، وقيل ~~عثمان وتميم الداري. # وعن الشعبي، جمعه ستة: أبى، وزيد، ومعاذ، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، ~~وأبو زيد. # ومجمع بن جارية قد أخذه إلا سورتين أو ثلاثة. قال: ولم يجمعه أحد من ~~الخلفاء من أصحاب محمد غير عثمان. PageV01P241 # قال الشيخ الشيخ شهاب الدين أبو شامة: وقد أشبع القاضي أبو بكر محمد بن ~~الطيب في كتاب " الانتصار " الكلام في حملة القرآن في حياة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأقام الأدلة على أنهم كانوا أضعاف هذه العدة المذكورة وأن ~~العادة تحيل خلاف ذلك; ويشهد لصحة ذلك كثرة ms0137 القراء المقتولين يوم مسيلمة ~~باليمامة; وذلك في أول خلافة أبى بكر، وما في الصحيحين: # قتل سبعون من الأنصار يوم بئر معونة; كانوا يسمون القراء. ثم أول القاضي ~~الأحاديث السابقة بوجوه منها: اضطرابها، وبين وجه الاضطراب في العدد وإن ~~خرجت في الصحيحين، مع أنه ليس منه شئ مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومنها بتقرير سلامتها; فالمعنى: لم يجمعه على جميع الأوجه والأحرف ~~والقراءات التي نزل به إلا أولئك النفر. ومنها أنه لم يجمع ما نسخ منه ~~وأزيل رسمه بعد تلاوته مع ما ثبت رسمه وبقي فرض حفظه وتلاوته إلا تلك ~~الجماعة. ومنها أنه لم يجمع جميع القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأخذه من فيه تلقيا غير تلك الجماعة، وغير ذلك. # قال الماوردي: وكيف يمكن الإحاطة بأنه لم يكمله سوى أربعة، والصحابة ~~متفرقون في البلاد! وإن لم يكمله سوى أربعة فقد حفظ جميع أجزائه مئون لا ~~يحصون. # قال الشيخ: وقد سمى الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام القراء من الصحابة في ~~أول كتاب القراءات له، فسمى عددا كثيرا. # قلت: وذكر الحافظ شمس الدين الذهبي في كتاب " معرفة القراء " ما يبين ~~ذلك، وأن هذا العدد هم الذين عرضوه على النبي صلى الله عليه، وسلم، واتصلت ~~بنا أسانيدهم، وأما من جمعه منهم، ولم يتصل بنا فكثير فقال: ذكر الذين ~~عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن وهم سبعة: عثمان بن عفان، وعلي ~~بن أبي طالب - وقال الشعبي: PageV01P242 # لم يجمع القرآن أحد من الخلفاء الأربعة إلا عثمان; ثم رد على الشعبي ~~قوله: بأن عاصما قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي عن علي - وأبى بن كعب - وهو ~~أقرأ من أبى بكر وقد قال: يوم القوم أقرؤهم لكتاب الله وهو مشكل -. وعبد ~~الله بن مسعود، وأبى، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدرداء. # قال: وقد جمع القرآن غيرهم من الصحابة، كمعاذ بن جبل وأبى زيد، وسالم ~~مولى أبى حذيفة، وعبد الله بن عمر، وعقبة بن عامر; ولكن لم تتصل بنا ms0138 ~~قراءتهم، قال: وقرأ على أبي جماعة من الصحابة; منهم أبو هريرة، وابن عباس، ~~وعبد الله بن السائب. PageV01P243 # النوع الرابع عشر تقسيمه بحسب سوره في وترتيب السور والآيات وعددها ~~[تقسيم القرآن بحسب سوره] قال العلماء رضي الله عنهم: القرآن العزيز أربعة ~~أقسام: الطول، والمئون، والمثاني، والمفصل. # وقد جاء ذلك في حديث مرفوع أخرجه أبو عبيد من جهة سعيد بن بشير عن قتادة ~~عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " ~~أعطيت السبع الطول مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت ~~المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل ". # وهو حديث غريب، وسعيد بن بشير فيه لين. وأخرجه أبو داود الطيالسي في ~~مسنده عن عمران عن قتادة به. # فالسبع الطول أولها البقرة، وآخرها براءة; لأنهم كانوا يعدون الأنفال ~~وبراءة سورة واحدة، ولذلك لم يفصلوا بينهما; لأنهما نزلتا جميعا في مغازي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وسميت طولا لطولها. وحكى عن سعيد بن جبير أنه عد السبع الطول: البقرة، ~~وآل عمران والنساء والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. # والطول، بضم: الطاء جمع طولى، كالكبر جمع كبرى. قال أبو حيان التوحيدي: # وكسر الطاء مرذول. # والمئون: ما ولى السبع الطول; سميت بذلك لأن كل سورة منها تزيد على مائة ~~آية أو تقاربها. PageV01P244 # والمثاني: ما ولى المئين; وقد تسمى سور القرآن كلها مثاني ومنه قوله ~~تعالى: * (كتابا متشابها مثاني) *، * (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) *. # وإنما سمى القرآن كله مثاني لأن الأنباء والقصص تثنى فيه. ويقال: إن ~~المثاني في قوله تعالى: * (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) * هي آيات سورة ~~الحمد، سماها مثاني لأنها تثنى في كل ركعة. # والمفصل: ما يلي المثاني من قصار السور; سمى مفصلا لكثرة الفصول التي بين ~~السور ببسم الله الرحمن الرحيم. وقيل: لقلة المنسوخ فيه. وآخره: * (قل أعوذ ~~برب الناس) *، وفى أوله اثنا عشر قولا: # أحدها: الجاثية. # ثانيها، القتال; وعزاه الماوردي للأكثرين. # ثالثها: الحجرات. # رابعها: ق; قيل: وهي أوله في مصحف عثمان رضي الله عنه. وفيه حديث ذكره ~~الخطابي في غريبه، ms0139 يرويه عيسى بن يونس قال: حدثنا عبد الرحمن يعلى الطائفي ~~قال: حدثني عمر بن عبد الله بن أوس بن حذيفة عن جده أنه وفد على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف فسمع [من] أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يحزب القرآن. قال: وحزب المفصل من " ق ". وقيل: إن أحمد رواه في ~~المسند. وقال الماوردي في تفسيره: حكاه عيسى بن عمر عن كثير من الصحابة; ~~للحديث المذكور. # الخامس: الصافات. # السادس: الصف. PageV01P245 # السابع: تبارك. حكى هذه الثلاثة ابن أبي الصيف اليمنى في: " نكت التنبيه ~~". # الثامن: * (إنا فتحنا لك) *; حكاه الذماري في شرح " التنبيه " المسمى: " ~~رفع التمويه ". # التاسع: * (الرحمن) *، حكاه ابن السيد في أماليه على " الموطأ " وقال: ~~إنه كذلك في مصحف ابن مسعود. قلت: رواه أحمد في مسنده كذلك. # العاشر: * (هل أتى على الانسان حين من الدهر) *. # الحادي عشر: * (سبح) *; حكاه ابن الفركاح في تعليقه عن المرزوقي. # الثاني عشر: * (والضحى) *، وعزاه الماوردي لابن عباس; حكاه الخطابي في ~~غريبه; ووجهه بأن القارئ يفصل بين هذه السور بالتكبير. قال: وهو مذهب ابن ~~عباس وقراء مكة. # والصحيح عند أهل الأثر أن أوله " ق "; قال أبو داود في سننه في باب تحزيب ~~القرآن: حدثنا مسدد، حدثنا جرار بن تمام. ح. وحدثنا عبد الله بن سعيد أبو ~~سعيد الأشج. حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان - وهذا لفظه عن عبد الله بن عبد ~~الرحمن يعلى عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس، قال عبد الله بن ~~سعيد في حديث أوس بن حذيفة قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~[في] وفد ثقيف، قال: فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بنى مالك في قبة له - قال مسدد: وكان في الوفد الذين ~~قدموا على رسول الله صلى الله PageV01P246 # عليه وسلم من ثقيف - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ليلة بعد ~~العشاء يحدثنا - قال أبو سعيد: قائما على راحلته - ثم يقول: " لا ms0140 سواء، كنا ~~مستضعفين مستذلين - قال مسدد: بمكة - فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال ~~الحرب بيننا وبينهم; ندال عليهم ويدالون علينا، فلما كانت ليلة، أبطأ عن ~~الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلت: # لقد أبطأت علينا الليلة، قال: إنه طرأ على حزبي من القرآن، فكرهت أن أجئ ~~حتى أتمه ". # قال أوس: فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تحزبون القرآن؟ # فقالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل ~~وحده. # رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن شيبة عن أبي خالد الأحمر به. ورواه أحمد في ~~مسنده عن عبد الرحمن بن مهدي وأبو يعلى الطائفي به. # وحينئذ فإذا عددت ثمانيا وأربعين سور كانت التي بعدهن سورة " ق ". # بيانه: ثلاث: البقرة، وآل عمران، والنساء. وخمس: المائدة، والأنعام، ~~والأعراف، والأنفال، وبراءة. وسبع: يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، ~~والحجر، والنحل. # وتسع: سبحان، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، ~~والفرقان. وإحدى عشرة: الشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ~~ولقمان، وآلم السجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس. وثلاث عشرة: الصافات، وص ~~والزمر، وغافر، وحم السجدة، وحم عسق، والزخرف، والدخان، والجاثية، ~~والأحقاف، والقتال، PageV01P247 # والفتح، والحجرات، ثم بعد ذلك حزب المفصل - وأوله سورة " ق " وأما آل ~~حاميم فإنه يقال: إن حم اسم من أسماء الله تعالى، أضيفت هذه السورة إليه; ~~كما قيل: سور الله لفضلها وشرفها، وكما قيل: بيت الله، قال الكميت: # - وجدنا لكم في آل حم آية * تأولها منا تقى ومعرب - وقد يجعل اسما للسورة ~~ويدخل الإعراب عليها ويصرف. ومن قال هذا قال في الجمع: # الحواميم; كما يقال: طس والطواسين. وكره بعض السلف - منهم محمد بن سيرين ~~- أن يقال: الحواميم; وإنما يقال: آل حم. # قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: آل حم ديباج القرآن. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن لكل شئ لبابا ولباب القرآن حم - أو ~~قال: الحواميم. # وقال مسعر بن كدام: كان يقال لهن العرائس; ذكر ذلك كله أبو عبيد في فضائل ~~القرآن. # وقال حميد بن زنجويه: ثنا عبد الله، ms0141 ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ~~الأحوص عن أبي عبد الله قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد منزلا، ~~فمر بأثر غيث; فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات; ~~فقال: عجبت من الغيث الأول، فهذا أعجب وأعجب; فقيل له: إن مثل الغيث الأول ~~مثل عظم القرآن; وإن مثل هؤلاء الروضات مثل " حم " في القرآن. أورده ~~البغوي. PageV01P248 # فصل في عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه قال الإمام أبو بكر أحمد بن ~~الحسين بن مهران المقرئ: عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة. وقال: بعث ~~الحجاج بن يوسف إلى قراء البصرة، فجمعهم واختار منهم الحسن البصري، وأبا ~~العالية، ونصر بن عاصم، وعاصما الجحدري، ومالك بن دينار رحمة الله عليهم. ~~وقال: عدوا حروف القرآن; فبقوا أربعة أشهر يعدون بالشعير، فأجمعوا على أن ~~كلماته سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة، وأجمعوا على أن ~~عدد حروفه ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا. انتهى. # وقال غيره: أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية; ثم اختلفوا فيما ~~زاد على ذلك على أقوال: فمنهم من لم يزد على ذلك، ومنهم من قال: ومائتا آية ~~وأربع آيات. وقيل: # وأربع عشرة آية. وقيل: مائتان وتسع عشرة آية. وقيل: مائتان وخمس وعشرون ~~آية أو ست وعشرون آية. وقيل: مائتان وست وثلاثون. حكى ذلك أبو عمرو الداني ~~في كتاب " البيان ". # وأما كلماته فقال: الفضيل بن شاذان عن عطاء بن يسار: سبع وسبعون ألف كلمة ~~وأربعمائة وسبع وثلاثون كلمة. # وأما حروفه، فقال عبد الله بن جبير عن مجاهد: ثلاثمائة ألف حرف وأحد ~~وعشرون ألف حرف. وقال سلام أبو محمد الحماني: إن الحجاج جمع القراء والحفاظ ~~والكتاب فقال: # أخبروني عن القرآن كله، كم من حرف هو؟ قال فحسبناه، فأجمعوا على أنه ~~ثلاثمائة ألف وأربعون ألف وسبعمائة وأربعون حرفا. قال: فأخبروني عن نصفه; ~~فإذا هو إلى الفاء من قوله PageV01P249 # في الكهف: * (وليتلطف) *. وثلثه الأول عند رأس مائة من براءة، والثاني ~~على رأس مائة ms0142 أو احدى ومائة من الشعراء. والثالث إلى آخره. وسبعه الأول إلى ~~الدال، في قوله: # * (فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه) * والسبع الثاني إلى التاء من قوله ~~في الأعراف: # * (حبطت أعمالهم) *، والثالث إلى الألف الثانية من قوله في الرعد: * ~~(أكلها، والرابع إلى الألف في الحج من قوله: * (جعلنا منسكا) *، والخامس ~~إلى الهاء من قوله في الأحزاب: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة) *، والسادس إلى ~~الواو من قوله في الفتح: * (الظانين بالله ظن السوء) * والسابع إلى آخر ~~القرآن. # قال سلام: علمنا ذلك في أربعة أشهر. # قالوا: وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربع القرآن، فالأول إلى آخر الأنعام، ~~والثاني إلى * (وليتلطف) * من سورة الكهف، والثالث إلى آخر المؤمن، والرابع ~~إلى آخر القرآن. # وحكى الشيخ أبو عمرو الداني في كتاب " البيان " خلافا في هذا كله. # وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات ~~بالمدارس وغيرها. وقد أخرج أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجة عن أوس بن ~~حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته: كيف تحزبون ~~القرآن؟ قالوا ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة. وحزب ~~المفصل من " ق " حتى يختم. # أسند الزبيدي في كتاب الطبقات عن المبرد. أول من نقط المصحف أبو الأسود ~~الدؤلي. # وذكر أيضا أن ابن سيرين كان له مصحف نقطه له يحيى بن يعمر. وذكر أبو ~~الفرج: PageV01P250 # أن زياد بن أبي سفيان أمر أبا الأسود أن ينقط المصاحف. وذكر الجاحظ في ~~كتاب " الأمصار " أن نصر بن عاصم أول من نقط المصاحف، وكان يقال له: نصر ~~الحروف. # وأما وضع الأعشار; فقيل: إن المأمون العباسي أمر بذلك. وقيل: إن الحجاج ~~فعل ذلك. # واعلم أن عدد سور القرآن العظيم باتفاق أهل الحل والعقد مائة وأربع عشرة ~~سورة; كما هي في المصحف العثماني، أولها الفاتحة وآخرها الناس. وقال مجاهد: ~~وثلاث عشرة بجعل الأنفال والتوبة سورة واحدة لاشتباه الطرفين وعدم البسملة. ~~ويرده تسمية النبي صلى الله عليه وسلم كلا منهما. وكان في مصحف ابن ms0143 مسعود ~~اثنا عشر لم يكن فيها المعوذتان; لشبهة الرقية; وجوابه رجوعه إليهم، وما ~~كتب الكل. وفى مصحف أبى ست عشرة; وكان دعاء الاستفتاح والقنوت في آخره ~~كالسورتين. ولا دليل فيه لموافقتهم; وهو دعاء كتب بعد الختمة. # وعدد آياته في قول علي رضي الله عنه: ستة آلاف ومائتان وثمان عشرة. ~~وعطاء: ستة آلاف ومائة وسبع وسبعون. وحميد: ستة آلاف ومائتان واثنتا عشرة. ~~وراشد: ستة آلاف ومائتان وأربع. # وقال حميد الأعرج: نصفه (يحيى صبرا) في الكهف، وقيل: عين * (تستطيع) *، ~~وقيل: ثاني لامى * (وليتلطف) *. # واعلم أن سبب اختلاف العلماء في عد الآي والكلم والحروف أن النبي صلى ~~الله عليه PageV01P251 # وسلم، كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف; فإذا علم محلها وصل للتمام; فيحسب ~~السامع أنها ليست فاصلة. # وأيضا البسملة نزلت مع السورة في بعض الأحرف السبعة; فمن قرأ بحرف نزلت ~~فيه عدها، ومن قرأ بغير ذلك لم يعدها. # وسبب الاختلاف في الكلمة أن الكلمة لها حقيقة ومجاز، ورسم; واعتبار كل ~~منها جائز; وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز. # وأطول سورة في القرآن هي البقرة، وأقصرها الكوثر. # وأطول آية فيه آية الدين; مائة وثمانية وعشرون كلمة، وخمسمائة وأربعون ~~حرفا. # وأقصر آية فيه * (والضحى) *، ثم * (والفجر) *; كل كلمة خمسة أحرف تقديرا ~~ثم لفظا، ستة رسما; لا * (مدهامتان) * لأنها سبعة أحرف لفظا ورسما، وثمانية ~~تقديرا ولا * (ثم نظر) * لأنهما كلمتان، خمسة أحرف رسما وكتابة، وستة أحرف ~~تقديرا; خلافا لبعضهم. # وأطول كلمة فيه لفظا وكتابة بلا زيادة * (فأسقيناكموه) * الرحمن أحد عشر ~~لفظا، ثم * (اقترفتموها) * عشرة، وكذا * (أنلزمكموها) * * (والمستضعفين) * ~~ثم * (ليستخلفنهم) * تسعة لفظا، وعشرة تقديرا. # وأقصرها نحو باء الجر حرف واحد; لا أنها حرفان; خلافا للداني فيهما. ~~PageV01P252 # فصل [أنصاف القرآن ثمانية] قال بعض القراء: إن القرآن العظيم له ثمانية ~~أنصاف باعتبار آية. # فنصفه بالحروف: " النون " من قوله: * (نكرا) * روى في سورة الكهف، والكاف ~~من نصفه الثاني. # ونصفه بالكلمات " الدال " من قوله: * (والجلود) * في سورة الحج، وقوله ~~تعالى: # * (ولهم مقامع من حديد) * من نصفه الثاني. # ونصفه بالآيات * (يأفكون) * من سورة ms0144 الشعراء، وقوله تعالى: * (فألقى ~~السحرة) * من نصفه الثاني. # ونصفه على عدد السور، فالأول الحديد، والثاني من المجادلة. # فائدة سئل ابن مجاهد: كم في القرآن من قوله: * (إلا غرورا) *؟ فأجاب في ~~أربعة مواضع: # من النساء وسبحان والأحزاب وفاطر. # وسئل الكسائي: كم في القرآن آية أولها شين؟ فأجاب أربع آيات: * (شهر ~~رمضان) *، * (شهد الله) *، * (شاكرا لأنعمه) *، * (شرع لكم من PageV01P253 # الدين) *. [وسئل] كم آية آخرها شين؟ [فأجاب]: اثنان: * (كالعهن المنفوش) ~~*، * (لإيلاف قريش) *. # وسئل آخر: كم * (حكيم عليم) *؟ قال: خمسة; ثلاثة في الأنعام، وفى الحجر ~~واحد، وفى النحل واحد. # * * * أكثر ما اجتمع في كتاب الله من الحروف المتحركة ثمانية; وذلك في ~~موضعين من سورة يوسف: أحدهما: * (إني رأيت أحد عشر كوكبا) *، فبين واو " ~~كوكبا " وياء " رأيت " ثمانية أحرف، كلهن متحرك، والثاني قوله: * (حتى يأذن ~~لي أبى أو يحكم الله لي) * على قراءة من حرك الياء في قوله * (لي) *، * ~~(أبى) *. ومثل هذين الموضعين * (سنشد عضدك بأخيك) *. # وفى القرآن سور متواليات كل سورة تجمع حروف المعجم; وهو من أول: * (ألم ~~نشرح لك صدرك) * إلى آخر القرآن. # وآية واحدة تجمع حروف المعجم، قوله تعالى * (محمد رسول الله...) * الآية. # وسورة، كل آية منها فيها اسمه تعالى، وهي سورة المجادلة. # وفى الحج ستة آيات متواليات، في آخر كل واحدة منهن اسمان من أسماء الله ~~تعالى، وهي قوله: * (لندخلنهم مدخلا يرضونه) *. PageV01P254 # وفى القرآن آيات أولها: * (قل يا أيها) * ثلاث: * (قل يا أيها الناس إن ~~كنتم في شك من ديني) *، * (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم) *، * (قل يا ~~أيها الكافرون (). # وفيه: يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم) * * (يا أيها الانسان إنك ~~كادح) *. # آية في القرآن فيها ستة عشر ميما، وهي: * (قيل يا نوح اهبط بسلام...) * ~~الآية. # وآية فيها ثلاث وثلاثون ميما: * (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم) *. # سورة تزيد على مائة آية ليس فيها ذكر جنة ولا نار سورة يوسف. # آية فيها الجنة مرتان لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة) *. # ثلاث آيات متواليات: الأولى رد على المشبهة، ms0145 وعند والأخرى رد على ~~المجبرة، والأخرى رد على المرجئة: قوله: * (إذ نسويكم برب العالمين) * رد ~~على المشبهة، * (وما أضلنا إلا المجرمون) * رد على المجبرة * (فما لنا من ~~شافعين) * رد على المرجئة. # ليس في القرآن " حاء " بعدها " حاء " لا حاجز بينهما إلا في موضعين في ~~البقرة * (عقدة النكاح حتى) *، وفى الكهف * (لا أبرح حتى) *. PageV01P255 # ليس فيه كافان في كلمة واحدة لا حرف بينهما إلا في موضعين: في البقرة * ~~(مناسككم) *، وفى المدثر * (ما سلككم في سقر) *. # وأما ما يتعلق بترتيبه; فأما الآيات في كل سورة وضع البسملة أوائلها ~~فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها. # قال مكي وغيره: ترتيب الآيات في السور هو من النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولما لم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة. # وقال القاضي أبو بكر: ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، فقد كان جبريل ~~يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا. # وأسند البيهقي في كتاب " المدخل والدلائل " عن زيد بن ثابت قال: كنا حول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن إذ قال: " طوبى للشام " فقيل له: ~~ولم؟ قال " لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه ". زاد في الدلائل: " ~~نؤلف القرآن في الرقاع ". # قال: وهذا يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في ~~سورها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم. # وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال: # فيه البيان الواضح أن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة، فقد جمع بعضه بحضرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جمع بحضرة أبى بكر الصديق، والجمع الثالث - ~~وهو ترتيب السور - كان بحضرة عثمان; واختلف في الحرف الذي كتب عثمان عليه ~~المصحف، فقيل: حرف زيد بن ثابت، وقيل: حرف أبي بن كعب; لأنه العرضة الأخيرة ~~التي قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعلى الأول أكثر الرواة. ومعنى حرف زيد، أي قراءته وطريقته. PageV01P256 # وفى كتاب " فضائل القرآن " لأبى عبيد عن أبي وائل، قيل ms0146 لابن مسعود: إن ~~فلانا يقرأ القرآن منكوسا، فقال: ذاك منكوس القلب. رواه البيهقي. # وأما ترتيب السور على ما هو عليه الآن فاختلف: هل هو توقيف من النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أو من فعل الصحابة، أو يفصل؟ في ذلك ثلاثة أقوال: # مذهب جمهور العلماء; منهم مالك، والقاضي أبو بكر بن الطيب - فيما اعتمده ~~واستقر عليه رأيه من [أحد] قوليه - إلى الثاني، وأنه صلى الله عليه وسلم ~~فوض ذلك إلى أمته بعده. # وذهبت طائفة إلى الأول; والخلاف يرجع إلى اللفظ، لأن القائل بالثاني ~~يقول: إنه رمز إليهم بذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته; ولهذا قال ~~الإمام مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم مع قوله بأن ترتيب السور اجتهاد منهم. فآل الخلاف إلى أنه: هل ~~ذلك بتوقيف قولي أم بمجرد استناد فعلى، وبحيث بقي لهم فيه مجال للنظر. فإن ~~قيل: فإذا كانوا قد سمعوه منه، كما استقر عليه ترتيبه ففي ماذا أعملوا ~~الأفكار؟ وأي مجال بقي لهم بعد هذا الاعتبار؟ قيل: قد روى مسلم في صحيحه عن ~~حذيفة قال: # " صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح سورة البقرة، فقلت: ~~يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلى بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها. ثم ~~افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران... " الحديث. فلما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم ربما فعل هذا إرادة للتوسعة على الأمة، وتبيانا لجليل تلك ~~النعمة كان محلا للتوقف، حتى استقر النظر على رأى ما كان من فعله الأكثر. ~~فهذا محل اجتهادهم في المسألة. # والقول الثالث، مال إليه القاضي أبو محمد بن عطية: أن كثيرا من السور كان ~~قد علم ترتيبها في حياته صلى الله عليه وسلم كالسبع الطوال والحواميم ~~والمفصل، وأشاروا إلى أن ما سوى ذلك يمكن أن يكون فوض الأمر فيه إلى الأمة ~~بعده. PageV01P257 # وقال أبو جعفر بن الزبير: الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية، ويبقى ~~منها قليل يمكن أن يجرى فيه الخلاف، ms0147 كقوله: " اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل ~~عمران ". رواه مسلم. ولحديث سعيد بن خالد: صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالسبع الطوال في ركعة. # رواه ابن أبي شيبة في مصنفه. وفيه أنه عليه الصلاة والسلام كان يجمع ~~المفصل في ركعة. # وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال في بني إسرائيل والكهف ~~ومريم وطه والأنبياء: إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي; فذكرها نسقا كما ~~استقر ترتيبها. # وفى صحيح البخاري أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة ~~جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ: * (قل هو الله أحد) * والمعوذتين. # وقال أبو جعفر النحاس: المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وروى ذلك عن علي بن أبي طالب، ثم ساق بإسناده إلى ~~أبي داود الطيالسي: # حدثنا عمران القطان عن قتادة عن أبي المليح الهذلي عن واثلة بن الأسقع أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعطيت مكان التوراة السبع الطول، وأعطيت ~~مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل ". # قال أبو جعفر: وهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأنه مؤلف من ذلك الوقت، وإنما جمع في المصحف على شئ واحد; ~~لأنه قد جاء هذا الحديث بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تأليف ~~القرآن. وفيه أيضا دليل على أن سورة الأنفال سورة على حدة، وليست من براءة. # قال أبو الحسين أحمد بن فارس في كتاب " المسائل الخمس ": جمع القرآن على ~~ضربين: أحدهما تأليف السور، كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين; فهذا ~~الضرب هو PageV01P258 # الذي تولاه الصحابة رضوان الله عليهم. وأما الجمع الآخر فضم الآي بعضها ~~إلى بعض، وتعقيب القصة بالقصة، فذلك شئ تولاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، كما أخبر به جبريل عن أمر ربه عز وجل. وكذا قال: الكرماني في ~~البرهان: ترتيب السور هكذا هو عند الله وفى اللوح المحفوظ، وهو على هذا ~~الترتيب كان يعرض عليه السلام على جبريل ms0148 كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، ~~وعرض عليه في السنة التي توفى فيها مرتين. # وذهب جماعة من المفسرين إلى أن قوله تعالى: * (فأتوا بعشر سور) * معناه ~~مثل البقرة إلى سور هود، وهي العاشرة. ومعلوم أن سورة هود مكية، وأن البقرة ~~وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة مدنيات نزلت بعدها. # وفسر بعضهم قوله: * (ورتل القرآن ترتيلا) * أي أقرأه على هذا الترتيب من ~~غير تقديم ولا تأخير. وجاء النكير على من قرأه معكوسا. ولو حلف أن يقرأ ~~القرآن على الترتيب لم يلزم إلا على هذا الترتيب. ولو نزل القرآن جملة ~~واحدة كما اقترحوا عليه لنزل على هذا الترتيب; وإنما تفرقت سوره وآياته ~~نزولا، لحاجة الناس إليها حالة بعد حالة; ولأن فيه الناسخ والمنسوخ، ولم ~~يكن ليجتمعا نزولا. وأبلغ الحكم في تفرقه ما قال سبحانه: * (وقرآنا فرقناه ~~لتقرأه على الناس على مكث) * وهذا أصل بنى عليه مسائل كثيرة. # وقال القاضي أبو بكر بن الطيب: فإن قيل: قد اختلف السلف في ترتيب القرآن، ~~فمنهم من كتب في المصحف السور على تاريخ نزولها، وقدم المكي على المدني. ~~ومنهم جعل من أوله: # * (اقرأ باسم ربك) *; وهو أول مصحف على، وأما مصحف ابن مسعود، فأوله * ~~(مالك يوم الدين) * ثم البقرة، ثم النساء على ترتيب مختلف. وفى مصحف أبى ~~كان أوله الحمد، ثم PageV01P259 # ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأنعام، ثم الأعراف، ثم المائدة، على اختلاف ~~شديد. # فالجواب أنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم على وجه ~~الاجتهاد من الصحابة رضي الله عنهم. وذكر ذلك مكي في سورة براءة، وأن وضع ~~البسملة في الأول هو من النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال أبو بكر بن الأنباري: أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرق ~~في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابا لمستخبر; ويقف ~~جبريل النبي صلى الله عليه وسلم على موضع السورة والآية. فاتساق السور ~~كاتساق الآيات والحروف، كله عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن قدم سورة أو ms0149 ~~أخرها فقد أفسد نظم لآيات. # قال القاضي أبو بكر: ومن نظم السور على المكي والمدني لم يدر أين يضع ~~الفاتحة، لاختلافهم في موضع نزولها، ويضطر إلى تأخير الآية في رأس خمس ~~وثلاثين ومائتين من البقرة إلى رأس الأربعين، ومن أفسد نظم القرآن فقد كفر ~~به. # تنبيه [ترتيب وضع السور في المصحف] لترتيب وضع السور في المصحف أسباب ~~تطلع على أنه توقيفي صادر عن حكيم: # أحدها بحسب الحروف، كما في الحواميم. وثانيها لموافقة أول السورة لآخر ما ~~قبلها، كآخر الحمد في المعنى وأول البقرة. وثالثها للوزن في اللفظ، كآخر " ~~تبت " وأول الإخلاص. ورابعها لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى مثل * ~~(والضحى) * و * (ألم نشرح) *. # قال بعض الأئمة: وسورة الفاتحة تضمنت الإقرار بالربوبية، والالتجاء إليه ~~في دين الاسلام، والصيانة عن دين اليهودية والنصرانية. PageV01P260 # وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين، وآل عمران مكملة لمقصودها; فالبقرة ~~بمنزلة إقامة الدليل على الحكم، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم; ~~ولهذا قرن فيها ذكر المتشابه من بظهور الحجة والبيان; فإنه نزل أولها في ~~آخر الأمر لما قدم وفد نجران النصارى، وآخرها يتعلق بيوم أحد. والنصارى ~~تمسكوا بالمتشابه، فأجيبوا عن شبههم بالبيان. ويوم أحد تمسك الكفار بالقتال ~~فقوبلوا بالبيان، وبه يعلم الجواب لمن تتبع المتشابه من القول والفعل. ~~وأوجب الحج في آل عمران، وأما في البقرة فذكر أنه مشروع وأمر بتمامه بعد ~~الشروع فيه، ولهذا ذكر البيت والصفا والمروة. وكان خطاب النصارى في آل ~~عمران أكثر، كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر; لأن التوراة أصل والإنجيل ~~فرع لها، والنبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود ~~وجاهدهم، وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر; كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل ~~أهل الكتاب; ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذي اتفق عليه الأنبياء، ~~فخوطب بها جميع الناس والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء من أهل ~~الكتاب والمؤمنين، فخوطبوا: يا أهل الكتاب، يا بني إسرائيل. # وأما سورة النساء فتتضمن جميع أحكام الأسباب التي بين الناس; وهي نوعان: ms0150 ~~محلوقة لله تعالى، ومقدورة لهم; كالنسب والصهر، ولهذا افتتحها الله بقوله: ~~* (ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) * ثم قال: * (واتقوا ~~الله الذي تساءلون به والأرحام) *; وبين الذين يتعاهدون ويتعاقدون فيما ~~بينهم; وما تعلق بذلك من أحكام الأموال والفروج والمواريث. ومنها العهود ~~التي حصلت بالرسالة، والتي أخذها الله على الرسل. # وأما المائدة فسورة العقود، وبهن تمام الشرائع; قالوا: وبها تم الدين، ~~فهي سورة PageV01P261 # التكميل. بها ذكر الوسائل كما في الأنعام والأعراف ذكر المقاصد، كالتحليل ~~والتحريم; كتحريم الدماء والأموال وعقوبة المعتدين. وتحريم الخمر من تمام ~~حفظ العقل والدين. وتحريم الميتة والدم والمنخنقة، وتحريم الصيد على المحرم ~~من تمام الإحرام. وإحلال الطيبات من تمام عبادة الله. ولهذا ذكر فيها ما ~~يختص بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم كالوضوء والحكم بالقرآن، فقال تعالى: ~~* (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * وذكر أنه من ارتد عوض الله بخبر منه. ~~ولا يزال هذا الدين كاملا; ولهذا قيل: إنها آخر القرآن نزولا فأحلوا ~~حلالها، وحرموا حرامها. # وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات: البقرة وآل عمران والنساء ~~والمائدة من أحسن الترتيب; وهو ترتيب المصحف العثماني، وإن كان مصحف عبد ~~الله بن مسعود قدمت فيه سورة النساء على آل عمران; وترتيب بعضها بعد بعض ~~ليس هو أمرا أوجبه الله، بل أمر راجع إلى اجتهادهم واختيارهم، ولهذا كان ~~لكل مصحف ترتيب، ولكن ترتيب المصحف العثماني أكمل; وإنما لم يكتب في عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم مصحف لئلا يفضى إلى تغييره كل وقت، فلهذا تأخرت ~~كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته صلى الله عليه وسلم، فكتب أبو بكر ~~والصحابة بعده، ثم نسخ عثمان المصاحف التي بعث بها إلى الأمصار. # فائدة [سبب سقوط البسملة أول براءة] اختلف في السبب في سقوط البسملة أول ~~براءة; فقيل: كان من شأن العرب في الجاهلية إذا كان بينهم وبين قوم عهد ~~وأرادوا نقضه كتبوا لهم كتابا، ولم يكتبوا فيه PageV01P262 # البسملة; فلما نزلت " براءة " بنقص العهد الذي كان للكفار، قرأها عليهم ~~على ولم ms0151 يبسمل على ما جرت به عادتهم. ولكن في صحيح الحاكم أن عثمان رضي ~~الله عنه قال: كانت الأنفال من أوائل ما نزل وبراءة من آخره، وكانت قصتها ~~شبيها بقصتها، وقضى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، ~~وظننا أنها منها، ثم فرقت بينهما ولم أكتب بينهما البسملة. # وعن مالك: أن أولها لما سقط سقطت البسملة. # وقد قيل: إنها كانت تعدل البقرة لطولها. # وقيل: لأنه لما كتبوا المصاحف في زمن عثمان اختلفوا: هل هما سورتان، أو ~~الأنفال سورة وبراءة سورة تركت البسملة بينهما؟ # وفى مستدرك الحاكم أيضا عن ابن عباس: سألت عليا عن ذلك فقال: لأن البسملة ~~أمان، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان. # قال القشيري: والصحيح أن البسملة لم تكن فيها; لأن جبريل عليه السلام ما ~~نزل بها فيها. # فائدة [في بيان لفظ السورة لغة واصطلاحا] قال القتيبي: السورة، تهمز ولا ~~تهمز، فمن همزها جعلها من " أسأرت " أي أفضلت، من السور، وهو ما بقي من ~~الشراب في الإناء كأنها قطعة من القرآن، ومن لم يهمزها جعلها من المعنى ~~المتقدم وسهل همزتها. # ومنهم من شبهها بسور البناء، أي القطعة منه، أي منزلة بعد منزلة. ~~PageV01P263 # وقيل: من سور المدينة لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسور; ~~ومنه السوار لإحاطته بالساعد; وعلى هذا فالواو أصلية. # ويحتمل أن تكون من السورة بمعنى المرتبة; لأن الآيات مرتبة في كل سورة ~~ترتيبا مناسبا; وفى ذلك حجة لمن تتبع الآيات بالمناسبات. # وقال ابن جنى في شرح منهوكة أبى نواس: إنما سميت سورة لارتفاع قدرها; ~~لأنها كلام الله تعالى; وفيها معرفة الحلال والحرام; ومنه رجل سوار، أي ~~معربد; لأنه يعلو بفعله ويشتط. ويقال: أصلها من السورة وهي الوثبة، تقول: ~~سرت إليه وثرت إليه. وجمع سورة القرآن سور بفتح الواو، وجمع سوره البناء ~~سور بسكونها. وقيل: هو بمعنى العلو; ومنه قوله تعالى: * (إذ تسوروا ~~المحراب) * نزلوا عليه من علو، فسميت القراءة به لتركب بعضها على بعض. ~~وقيل: لعلو شأنه وشأن قارئه. ثم كره بعضهم أن يقال: سورة ms0152 كذا، والصحيح ~~جوازه. ومنه قول ابن مسعود: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. # وأما في الاصطلاح فقال الجعبري: حد السورة قرآن يشتمل على آي ذوات فاتحة ~~وخاتمة. وأقلها ثلاث آيات. فإن قيل: فما الحكمة في تقطيع القرآن سورا؟ قلت: ~~هي الحكمة في تقطيع السور آيات معدودات; لكل آية حد ومطلع; حتى تكون كل ~~سورة بل كل آية فنا مستقلا وقرآنا معتبرا، وفى تسوير السورة تحقيق لكون ~~السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله تعالى. وسورت السور طوالا وقصارا ~~وأوساطا; تنبيها على أن الطول ليس من شرط الإعجاز; فهذه سورة الكوثر ثلاث ~~آيات وهي معجزة إعجاز سورة البقرة. ثم ظهرت لذلك حكمة في التعليم، وتدريج ~~الأطفال من السور القصار إلى PageV01P264 # ما فوقها يسيرا يسيرا، تيسيرا من الله على عباده لحفظ كتابه، فترى الطفل ~~يفرح بإتمام السورة فرح من حصل على حد معتبر. وكذلك المطيل مع في التلاوة ~~يرتاح عند ختم كل سورة ارتياح المسافر إلى قطع المراحل المسماة مرحلة بعد ~~مرحلة أخرى; إلى أن كل سورة نمط مستقل، فسورة يوسف تترجم عن قصته، وسورة ~~براءة تترجم عن أحوال المنافقين وكامن أسرارهم، وغير ذلك. # فإن قلت: فهلا كانت الكتب السالفة كذلك؟ قلت: لوجهين: أحدهما أنها لم تكن ~~معجزات من ناحية النظم والترتيب، والآخر أنها لم تيسر للحفظ. # وقال الزمخشري: الفوائد في تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة - وكذلك أنزل ~~الله التوراة والإنجيل والزبور، وما أوحاه إلى أنبيائه مسورة، وبوب ~~المصنفون في كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم: منها أن الجنس إذا انطوت ~~تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخم من أن يكون بابا واحدا. ومنها أن القارئ ~~إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخره كان أنشط له، وأبعث على ~~التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومثله المسافر إذا قطع ميلا أو ~~فرسخا وانتهى إلى رأس برية نفس ذلك منه ونشطه للمسير; ومن ثمة جزئ القرآن ~~أجزاء وأخماسا. ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله ms0153 ~~طائفة مستقلة فيعظم عنده ما حفظه. ومنه حديث أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة ~~وآل عمران جل فينا. ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة أفضل. ومنها أن ~~التفصيل يسبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض، وبذلك تتلاحظ ~~سعيد المعاني والنظم; إلى غير ذلك من الفوائد. PageV01P265 # فائدة [في بيان معنى الآية لغة واصطلاحا] أما الآية فلها في اللغة ثلاثة ~~معان: # أحدها - جماعة الحروف، قال أبو عمرو الشيباني: تقول العرب: خرج القوم ~~بآيتهم أي بجماعتهم. # ثانيها - الآية: العجب، تقول العرب: فلان آية في العلم وفى الجمال، قال ~~الشاعر: # - آية في الجمال ليس له في ال‍ * حسن شبه وما له من نظير - فكأن كل آية ~~عجب في نظمها، والمعاني المودعة فيها. # ثالثها - العلامة، تقول العرب: خربت دار فلان وما بقي فيها آية، أي ~~علامة; فكأن كل آية في القرآن علامة ودلالة على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # واختلف في وزنها فقال سيبويه: " فعلة " بفتح العين، وأصلها " أيية " ~~تحركت الياء وانفتح ما قبلها فجاءت آية. وقال الكسائي: أصلها " آيية " على ~~وزن " فاعلة "، حذفت الياء الأولى مخافة أن يلتزم فيها من الإدغام ما لزم ~~في دابة. # وأما في الاصطلاح فقال الجعبري في " كتاب المفرد في معرفة العدد ": حد ~~الآية قرآن مركب من جمل ولو تقديرا، ذو مبدأ ومقطع مندرج في سورة; وأصلها ~~العلامة، ومنه: * (إن آية ملكه) * لأنها علامة للفضل والصدق، أو الجماعة، ~~لأنها جماعة كلمة. # وقال غيره: الآية طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها ليس بينها ~~شبه بما سواها. PageV01P266 # وقيل: هي الواحدة من المعدودات في السور، سميت به لأنها علامة على صدق من ~~أتى بها، وعلى عجز المتحدى بها. # وقيل: لأنها علامة انقطاع ما قبلها من الكلام وانقطاعها عما بعدها. قال ~~الواحدي: وبعض أصحابنا يجوز على هذا القول تسمية أقل من الآية آية; لولا أن ~~التوقيف ورد بما هي عليه الآن. # وقال ابن المنير في البحر: ليس في القرآن كلمة واحدة آية إلا * ~~(مدهامتان) *. # وقال بعضهم: الصحيح أنها إنما تعلم ms0154 بتوقيف من الشارع، لا مجال للقياس فيه ~~كمعرفة السورة، فالآية طائفة حروف من القرآن، علم بالتوقيف انقطاعها معنى ~~عن الكلام الذي بعدها في أول القرآن، وعن الكلام الذي قبلها في آخر القرآن، ~~وعن الكلام الذي قبلها والذي بعدها في غيرهما، غير مشتمل على مثل ذلك. قال: ~~وبهذا القيد خرجت السورة. # وقال الزمخشري: الآيات علم توقيف لا مجال للقياس فيه، فعدوا * (آلم) * ~~آية حيث وقعت من السورة المفتتح بها، وهي ست، وكذلك * (المص) * آية، و * ~~(آلمر) * لم تعد آية، و * (آلر) * ليست بآية في سورها الخمس. و * (طسم) * ~~آية في سورتيها، و * (طه) * و * (يس) * آيتان، و * (طس) * ليست بآية، و * ~~(حم) * آية في سورها كلها و * (حم وعسق) * آيتان، و * (كهيعص) * آية واحدة، ~~و * (ص) * و * (ق) * و * (ن) * ثلاثتها لم تعد آية. هذا مذهب الكوفيين، ومن ~~عداهم لم يعدوا شيئا منها آية. PageV01P267 # وقال بعضهم: إنما عدوا * (يس) * آية ولم يعدوا * (طس) * لأن * (طس) * ~~تشبه المفرد، كقابيل في الزنة والحروف، و * (يس) * تشبه الجملة من جهة أن ~~أوله ياء، وليس لنا مفرد أوله ياء. # وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الفاتحة ~~سبع آيات وسورة الملك ثلاثون آية. وصح أنه قرأ العشر الآيات الخواتيم من ~~سورة آل عمران. قال وتعديد الآي من مفصلات القرآن; ومن آياته طويل وقصير، ~~ومنه ما ينقطع، ومنه ما ينتهى إلى تمام الكلام، ومنه ما يكون في أثنائه، ~~كقوله: * (أنعمت عليهم) * على مذهب أهل المدينة، فإنهم يعدونها آية. وينبغي ~~أن يعول في ذلك على فعل السلف. # * * * وأما الكلمة، فهي اللفظة الواحدة، وقد تكون على حرفين مثل " ما " و ~~" لي " و " له " و " لك ". وقد تكون أكثر. وأكثر ما تكون عشرة أحرف، مثل: * ~~(ليستخلفنهم) *، و * (أنلزمكموها) * و * (فأسقيناكموه) *: وقد تكون الكلمة ~~آية مثل: # * (والفجر) *، * (والضحى) *، * (والعصر) *، وكذلك * (آلم) *، و * (طه) *، ~~و * (حم) * في قول الكوفيين. و * (حم عسق) * عندهم كلمتان، وغيرهم لا يسمى ~~هذه آيات بل يقول: # هذه فواتح لسور. # وقال ms0155 أبو عمرو الداني: لا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله: * (مدهامتان) ~~* في سورة الرحمن. PageV01P268 # خاتمة [في تعدد أسماء السور] قد يكون للسورة اسم واحد وهو كثير وقد يكون ~~لها اسمان، كسورة البقرة يقال لها: فسطاط القرآن لعظمها وبهائها. وآل عمران ~~يقال اسمها في التوراة طيبة، حكاه النقاش. # والنحل تسمى سورة النعم لما عدد الله فيها من النعم على عباده. وسورة * ~~(حم عسق) *، وتسمى الشورى. وسورة الجاثية وتسمى الشريعة. وسورة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وتسمى القتال. # وقد يكون لها ثلاثة أسماء، كسورة المائدة، والعقود، والمنقذة. وروى ابن ~~عطية فيه حديثا، وكسورة غافر، والطول، والمؤمن، لقوله: * (وقال رجل مؤمن) ~~*. # وقد يكون لها أكثر من ذلك; كسورة براءة، والتوبة، والفاضحة، والحافرة، ~~لأنها حفرت عن قلوب المنافقين. قال ابن عباس: ما زال ينزل * (ومنهم) * حتى ~~ظننا أنه لا يبقى أحد إلا ذكر فيها. وقال حذيفة: هي سورة العذاب. وقال ابن ~~عمر: كنا ندعوها المشقشقة. وقال الحرث بن يزيد: كانت تدعى المبعثرة، ويقال ~~لها: المسورة، ويقال لها: # البحوث. # وكسورة الفاتحة ذكر بعضهم لها بضعة وعشرين اسما: الفاتحة - وثبت في ~~الصحيحين - وأم الكتاب، وأم القرآن، وثبتا في صحيح مسلم; وحكى ابن عطية: ~~كراهية تسميتها عن قوم، والسبع المثاني، والصلاة ثبتا في صحيح مسلم، ~~والحمد، رواه الدارقطني. PageV01P269 # وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة، أو أنزلت مرتين، والوافية بالفاء لأن ~~تبعيضها لا يجوز، ولاشتمالها على المعاني التي في القرآن، والكنز لما ~~ذكرنا، والشافية، والشفاء، والكافية، والأساس. # وينبغي البحث عن تعداد الأسامي: هل هو توقيفي أو بما يظهر من المناسبات؟ ~~فإن كان الثاني فلن يعدم الفطن أن يستخرج من كل سورة معاني - كثيرة تقتضي ~~اشتقاق أسمائها وهو بعيد. # خاتمة أخرى [في اختصاص كل سورة بما سميت] ينبغي النظر في وجه اختصاص كل ~~سورة بما سميت به، ولا شك أن العرب تراعى في الكثير من المسميات أخذ ~~أسمائها من نادر أو مستعرب يكون في الشئ من خلق أو صفة تخصه، أو تكون معه ~~أحكم أو أكثر أو أسبق ms0156 لإدراك الرائي للمسمى. ويسمون الجملة من الكلام أو ~~القصيدة الطويلة بما هو أشهر فيها، وعلى ذلك جرت أسماء سور الكتاب العزيز; ~~كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم لقرينه ذكر قصة البقرة المذكورة فيها وعجيب ~~الحكمة فيها. وسميت سورة النساء بهذا الاسم لما تردد فيها من كثير من أحكام ~~النساء، وتسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل أحوالها، وإن كان قد ~~ورد لفظ الأنعام في غيرها; إلا أن التفصيل الوارد في قوله تعالى: * (ومن ~~الأنعام حمولة وفرشا...) * إلى قوله: * (أم كنتم شهداء) * لم يرد في غيرها; ~~PageV01P270 # كما ورد ذكر النساء في سور; إلا أن ما تكرر وبسط من أحكامهن لم يرد في ~~غير سورة النساء. وكذا سورة المائدة لم يرد ذكر المائدة في غيرها فسميت بما ~~يخصها. # فإن قيل: قد ورد في سورة هود ذكر نوح وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى ~~عليهم السلام، فلم تختص باسم هود وحده؟ وما وجه تسميتها به؟ وقصة نوح فيها ~~أطول وأوعب. قيل: تكررت هذه القصص في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء ~~بأوعب مما وردت في غيرها، ولم يتكرر في واحدة من هذه السور الثلاث اسم هود ~~عليه السلام كتكرره في هذه السورة; فإنه تكرر فيها عند ذكر قصته في أربعة ~~مواضع، والتكرار من أقوى الأسباب التي ذكرنا. # وإن قيل: فقد تكرر اسم نوح في هذه السورة في ستة مواضع فيها، وذلك أكثر ~~من تكرار اسم هود. قيل: لما جردت لذكر نوح وقصته مع قومه سورة برأسها فلم ~~يقع فيها غير ذلك كانت أولى بأن تسمى باسمه عليه السلام من سورة تضمنت قصته ~~وقصة غيره، وأن تكرر اسمه فيها; أما هود فكانت أولى السور بأن تسمى باسمه ~~عليه السلام. # واعلم أن تسمية سائر سور القرآن يجرى فيها من رعى التسمية ما ذكرنا. ~~وانظر سورة * (ق) * لما تكرر فيها من ذكر الكلمات بلفظ القاف. ومن ذلك ~~السور المفتتحة بالحروف المقطعة، ووجه اختصاص كل واحدة بما وليته، حتى لم ~~تكن لترد * (آلم) * في موضع * (آلر) *، ولا * (حم) * في ms0157 موضع * (طس) *; لا ~~سيما إذا قلنا: إنها أعلام لها وأسماء عليها. # وكذا وقع في كل سورة منها ما كثر ترداده فيما يتركب من كلمها; ويوضحه أنك ~~إذا ناظرت سورة منها بما يماثلها في عدد كلماتها وحروفها وجدت الحروف ~~المفتتح بها تلك السورة إفرادا وتركيبا أكثر عددا في كلماتها منها في ~~نظيرتها ومماثلتها في عدد كلمها وحروفها; فإن لم تجد بسورة منها ما يماثلها ~~في عدد كلمها ففي اطراد ذلك في المماثلات مما PageV01P271 # يوجد له النظير ما يشعر بأن هذه لو وجد ما يماثلها لجرى على ما ذكرت لك. ~~وقد اطرد هذا في أكثرها فحق لكل سورة منها ألا يناسبها غير الوارد فيها; ~~فلو وضع موضع * (ق) * من سورة * (ن) * لم يمكن لعدم التناسب الواجب مراعاته ~~في كلام الله تعالى. وقد تكرر في سورة يونس من الكلم الواقع فيها * (آلر) * ~~مائتا كلمة وعشرون أو نحوها، فلهذا افتتحت ب‍ * (آلر) *. وأقرب السور إليها ~~مما يماثلها بعدها من غير المفتتحة بالحروف المقطعة سورة النحل وهي أطول ~~منها مما يركب على * (الر) *. من كلمها مائتا كلمة، مع زيادتها في الطول ~~عليها، فلذلك وردت الحروف المقطعة في أولها * (الر) *. PageV01P272 # الخامس عشر معرفة أسمائه واشتقاقاتها [أسماء القرآن] وقد صنف في ذلك الحر ~~إلى جزءا وأنهى أساميه إلى نيف وتسعين. # وقال القاضي أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك رحمه الله: اعلم أن الله ~~تعالى سمى القرآن بخمسة وخمسين اسما: # سماه كتابا: * (فقال حم. والكتاب المبين) *. # وسماه قرآنا فقال: * (إنه لقرآن كريم...) * الآية. # وسماه كلاما فقال: * (حتى يسمع كلام الله) * وسماه نورا فقال: * (وأنزلنا ~~إليكم نورا مبينا) * وسماه هدى فقال: * (هدى ورحمة للمحسنين) * وسماه رحمة ~~فقال: * (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) *. # وسماه فرقانا فقال: * (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده...) * الآية. # وسماه شفاء فقال: * (وننزل من القرآن ما هو شفاء) *. # وسماه موعظة فقال: * (قد جاءتكم موعظة من ربكم) *. PageV01P273 # وسماه ذكرا فقال: * (وهذا ذكر مبارك أنزلناه) *. # وسماه كريما فقال: * (إنه لقرآن كريم) *. # وسماه عليا فقال: * (وإنه في أم ms0158 الكتاب لدينا لعلى حكيم) *. # وسماه حكمة فقال: * (حكمة بالغة) *. # وسماه حكيما فقال: * (آلر. تلك آيات الكتاب الحكيم) *. # وسماه مهيمنا فقال: * (مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) *. # وسماه مباركا فقال: * (كتاب أنزلناه إليك مبارك...) * الآية. # وسماه حبلا فقال: * (واعتصموا بحبل الله جميعا) *. # وسماه الصراط المستقيم فقال: * (وأن هذا صراطي مستقيما) *. # وسماه القيم فقال: * (ولم يجعل له عوجا. قيما) *. # وسماه فصلا فقال: * (إنه لقول فصل) *. # وسماه نبأ عظيما فقال: * (عم يتساءلون. عن النبأ العظيم) *. # وسماه أحسن الحديث فقال: * (الله نزل أحسن الحديث...) * الآية. # وسماه تنزيلا فقال: * (وإنه لتنزيل رب العالمين) *. # وسماه روحا فقال: * (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) *. PageV01P274 # وسماه وحيا فقال: * (إنما أنذركم بالوحي) *. # وسماه المثاني فقال: * (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) *. # وسماه عربيا فقال: * (قرآنا عربيا) *، قال ابن عباس: غير مخلوق. # وسماه قولا فقال: * (ولقد وصلنا لهم القول) *. # وسماه بصائر فقال: * (هذا بصائر للناس) *. # وسماه بيانا فقال: * (هذا بيان للناس) *. # وسماه علما فقال: * (ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم) *. # وسماه حقا فقال: * (إن هذا لهو القصص الحق) *. وسماه الهادي فقال: * (إن ~~هذا القرآن يهدى) *. # وسماه عجبا فقال: * (قرآنا عجبا يهدى) *. وسماه تذكرة فقال: * (وإنه ~~لتذكرة) *. # وسماه بالعروة الوثقى فقال: * (فقد استمسك بالعروة الوثقى) *. # وسماه متشابها فقال: * (كتابا متشابها) *. # وسماه صدقا فقال: * (والذي جاء بالصدق) * أي بالقرآن. # وسماه عدلا فقال: * (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) *. PageV01P275 # وسماه إيمانا فقال: * (سمعنا مناديا ينادى للإيمان) *. # وسماه أمرا فقال: * (ذلك أمر الله) *. # وسماه بشرى فقال: * (هدى وبشرى) *. وسماه مجيدا فقال: * (بل هو قرآن ~~مجيد) *. # وسماه زبورا فقال: * (ولقد كتبنا في الزبور...) * الآية. وسماه مبينا ~~فقال: * (آلر. تلك آيات الكتاب المبين) *. # وسماه بشيرا ونذيرا فقال: * (بشيرا ونذيرا فأعرض) *. وسماه عزيزا فقال: * ~~(وإنه لكتاب عزيز) *. # وسماه بلاغا فقال: * (هذا بلاغ للناس) *. وسماه قصصا فقال: * (أحسن ~~القصص) *. # وسماه أربعة أسامي في آية واحدة فقال: * (في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة) *. ~~انتهى تفسير هذه الأسامي فأما الكتاب; فهو مصدر كتب يكتب كتابة، وأصلها ~~الجمع، وسميت الكتابة ms0159 لجمعها الحروف; فاشتق الكتاب لذلك; لأنه يجمع أنواعا ~~من القصص والآيات والأحكام والأخبار على أوجه مخصوصة. ويسمى المكتوب كتابا ~~مجازا، قال الله تعالى: * (في كتاب PageV01P276 # مكنون) *، أي اللوح المحفوظ. والكتابة حركات تقوم بمحل قدرة الكاتب، خطوط ~~موضوعة مجتمعة تدل على المعنى المقصود; وقد يغلط الكاتب فلا تدل على شئ. # وأما القرآن فقد اختلفوا فيه; فقيل: هو اسم غير مشتق من شئ; بل هو اسم ~~خاص بكلام الله; وقيل: مشتق من القرى، وهو الجمع; ومنه قريت الماء في الحوض ~~أي جمعته; قاله الجوهري وغيره. # وقال الراغب: لا يقال لكل جمع قرآن ولا لجمع كل كلام قرآن; ولعل مراده ~~بذلك في العرف والاستعمال لا أصل اللغة. # وقال الهروي: كل شئ جمعته فقد قرأته. # وقال أبو عبيد: سمى القرآن قرآنا; لأنه جمع السور بعضها إلى بعض. # وقال الراغب: سمى قرآنا لكونه جمع ثمرات الكتب المنزلة السابقة. # وقيل: لأنه جمع أنواع العلوم كلها بمعان; كما قال تعالى: * (ما فرطنا في ~~الكتاب من شئ) *. # وقال بعض المتأخرين: لا يكون القرآن و " قرأ " مادته بمعنى جمع، لقوله ~~تعالى: # * (إن علينا جمعه وقرآنه) * فغاير بينهما; وإنما مادته " قرأ " بمعنى ~~أظهر وبين، والقارئ يظهر القرآن ويخرجه، والقرء: الدم، لظهوره وخروجه. ~~والقرء: الوقت; فإن التوقيت لا يكون إلا بما يظهر. # وقيل: سمى قرآنا لأن القراءة عنه والتلاوة منه; وقد قرئت بعضها عن بعض. # وفى تاريخ بغداد للخطيب في ترجمة الشافعي قال: " وقرأت القرآن على ~~إسماعيل PageV01P277 # ابن قسطنطين وكان يقول: القران اسم وليس مهموزا; ولم يؤخذ من " قرأت "; ~~ولو أخذ من " قرأت " لكان كل ما قرئ [قرآنا] ولكنه اسم للقرآن; مثل التوراة ~~والإنجيل، يهمز قرأت، ولا يهمز القران. # وقال الواحدي: كان ابن كثير يقرأ بغير همز، وهي قراءة الشافعي أيضا. قال ~~البيهقي: # كان الشافعي يهمز " قرأت " ولا يهمز القران; ويقول: هو اسم لكتاب الله ~~غير مهموز. # قال الواحدي: قول الشافعي هو اسم لكتاب الله، يعنى أنه اسم علم غير مشتق، ~~كما قاله جماعة من الأئمة. # وقال: وذهب آخرون إلى أنه ms0160 مشتق من قرنت الشئ بالشئ إذا ضممته إليه فسمى ~~بذلك لقرآن السور والآيات والحروف فيه، ومنه قيل للجمع بين الحج والعمرة ~~قران، قال: # وإلى هذا المعنى ذهب الأشعري. # وقال القرطبي: القران بغير همز مأخوذ من القرائن; لأن الآيات منه يصدق ~~بعضها بعضا; ويشابه بعضها بعضا، فهي حينئذ قرائن. # قال الزجاج: وهذا القول سهو، والصحيح أن ترك الهمز فيه من باب التخفيف; ~~ونقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها; وهذا ما أشار إليه الفارسي في " ~~الحلبيات "; وقوله: # * (إن علينا جمعه وقرآنه) * أي جمعه في قلبك حفظا، وعلى لسانك تلاوة، وفى ~~سمعك فهما وعلما. ولهذا قال بعض أصحابنا: إن عند قراءة القارئ تسمع قراءته ~~المخلوقة، ويفهم منها كلام الله القديم; وهذا معنى قوله: * (لا تسمعوا لهذا ~~القرآن) *، أي PageV01P278 # لا تفهموا ولا تعقلوا، لأن السمع الطبيعي يحصل للسامع شاء أو أبى. # وأما الكلام فمشتق من التأثير، يقال: كلمة إذا أثر فيه بالجرح، فسمى ~~الكلام كلاما لأنه يؤثر في ذهن السامع فائدة لم تكن عنده. # * * * وأما النور; فلأنه يدرك به غوامض الحلال والحرام. # وأما تسميته " هدى " فلأن فيه دلالة بينة إلى الحق، وتفريقا بينه وبين ~~الباطل. # وأما تسميته " ذكرا " فلما فيه من المواعظ والتحذير وأخبار الأمم ~~الماضية; وهو مصدر ذكرت ذكرا، والذكر: الشرف، قال تعالى: * (لقد أنزلنا ~~إليكم كتابا فيه ذكركم) * أي شرفكم. # وأما تسميته " تبيانا " فلأنه بين فيه أنواع الحق وكشف أدلته. # أما تسميته " بلاغا " فلأنه لم يصل إليهم حال أخبار النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإبلاغه إليهم إلا به. # وأما تسميته " مبينا " فلأنه أبان وفرق بين الحق والباطل. # وأما تسميته " بشيرا ونذيرا " فلأنه بشر بالجنة وأنذر من النار. # وأما تسميته " عزيزا " أي يعجز ويعز على من يروم أن يأتي بمثله فيتعذر ~~ذلك عليه; لقوله تعالى: * (قل لئن اجتمعت الإنس والجن...) * الآية، والقديم ~~لا يكون له مثل; إنما المراد أن يأتوا بمثل هذا الإبلاغ والإخبار والقراءة ~~بالوضع البديع. وقيل المراد بالعزيز نفى المهانة عن قارئه إذا عمل به. ~~PageV01P279 # وأما تسميته " فرقانا " فلأنه فرق بين ms0161 الحق والباطل والمسلم والكافر، ~~والمؤمن والمنافق، وبه سمى عمر بن الخطاب الفارق. # وأما تسميته " مثاني " فلأن فيه بيان قصص الكتب الماضية، فيكون البيان ~~ثانيا للأول الذي تقدمه فيبين الأول الثاني. وقيل سمى " مثاني " لتكرار ~~الحكم والقصص والمواعظ فيه. وقيل: إنه اسم الفاتحة وحدها. # وأما تسميته " وحيا " ومعناه تعريف الشئ خفية، سواء كان بالكلام; ~~كالأنبياء والملائكة، أو بإلهام كالنحل وإشارة النمل; فهو مشتق من الوحي ~~والعجلة، لأن فيه إلهاما بسرعة وخفية. # وأما تسميته " حكيما " فلأن آياته أحكمت بذكر الحلال والحرام، فأحكمت عن ~~الإتيان بمثلها; ومن حكمته أن علامته: من علمه وعمل به ارتدع عن الفواحش. # وأما تسميته " مصدقا " فإنه صدق الأنبياء الماضين أو كتبهم قبل أن تغير ~~وتبدل. # وأما تسميته " مهيمنا " فلأنه الشاهد للكتب المتقدمة بأنها من عند الله. # وأما تسميته " بلاغا " فلأنه كان في الإعلام والإبلاغ وأداء الرسالة. # وأما تسميته " شفاء " فلأنه من آمن به كان له شفاء من سقم الكفر، ومن ~~علمه وعمل به كان له شفاء من سقم الجهل. # وأما تسميته " رحمة " فإن من فهمه وعقله كان رحمة له. # وأما تسميته " قصصا " فلأن فيه قصص الأمم الماضين وأخبارهم. # وأم تسميته " مجيدا " والمجيد الشريف، فمن شرفه أنه حفظ عن التغيير ~~والتبديل PageV01P280 # والزيادة والنقصان، وجعله معجزا في نفسه عن أن يؤتى بمثله. # وأما تسميته " تنزيلا " فلأنه مصدر نزلته; لأنه منزل من عند الله على ~~لسان جبريل، لأن الله تعالى أسمع جبريل كلامه وفهمه إياه كما شاء من غير ~~وصف ولا كيفية نزل به على نبيه، فأداه هو كما فهمه وعلمه. # وأما تسميته " بصائر " فلأنه مشتق من البصر والبصيرة، وهو جامع لمعاني ~~أغراض المؤمنين; كما قال تعالى: * (ولا رطب ولا يابس) * وأما تسميته ذكرى ~~فلأنه ذكر للمؤمنين; ما فطرهم الله عليه من التوحيد. وأما قوله تعالى: * ~~(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) * فالمراد بالزبور هنا جميع الكتب ~~المنزلة من السماء لا يختص بزبور داود، والذكر أم الكتاب الذي من عند الله ~~تعالى. # وذكر الشيخ شهيب الدين أبو شامة في " المرشد ms0162 الوجيز " في قوله تعالى: * ~~(ورزق ربك خير وأبقى) * قال: يعنى القرآن. وقال السخاوي: يعنى ما رزقك الله ~~من القرآن خير مما رزقهم من الدنيا. # فائدة ذكر المظفري في تاريخه: لما جمع أبو بكر القرآن قال: سموه، فقال ~~بعضهم: PageV01P281 # سموه إنجيلا فكرهوه وقال بعضهم: سموه السفر، فكرهوه من يهود. فقال ابن ~~مسعود: رأيت للحبشة كتابا يدعونه المصحف فسموه به. # فائدة قال الحافظ أبو طاهر السلفي: سمعت أبا الكرم النحوي ببغداد; وسئل: ~~كل كتاب له ترجمة، فما ترجمة كتاب الله؟ فقال: * (هذا بلاغ للناس ولينذروا ~~به) *. PageV01P282 # النوع السادس معرفة ما وقع من غير لغة أهل الحجاز من قبائل العرب قد تقدم ~~في النوع الحادي عشر الإشارة إلى الخلاف في ذلك، والمعروف أنه بلغة قريش. ~~وحكى عن أبي الأسود الديلي أنه نزل بلسان الكعبين: كعب بن لؤي جد قريش، ~~وكعب بن عمرو، جد خزاعة، فقال له خالد بن سلمة: إنما نزل بلسان قريش ولسان ~~خزاعة; وذلك أن الدار كانت واحدة. # وقال أبو عبيد في كتاب " فضائل القرآن " عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزل ~~بلغة الكعبين: كعب قريش، وكعب خزاعة; قيل: وكيف ذاك؟ قال: لأن الدار واحدة. # قال أبو عبيد: يعنى أن خزاعة جيران قريش، فأخذوا بلغتهم. # وأما الكلبي فإنه روى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبع ~~لغات; منها خمس بلغة العجز من هوازن. قال أبو عبيد: العجز هم سعد بن بكر، ~~وجشم [ابن بكر]، ونصر بن معاوية، وثقيف، وهذه القبائل هي التي يقال لها ~~عليا هوازن وهم الذين قال فيهم أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا و ~~هوازن وسفلى تميم; فهذه عليا هوازن، وأما سفلى تميم فبنو دارم. # وقال أبو ميسرة: بكل لسان. وقيل: إن فيه من كل لغات العرب; ولهذا قال ~~الشافعي PageV01P283 # في " الرسالة ": لا نعلمه يحيط باللغة إلا نبي. # قال الصيرفي: يريد من بعث بلسان جماعة العرب حتى يخاطبها به. # قال: وقد فضل الفراء لغة قريش على سائر اللغات; وزعم أنهم يسمعون كلام ~~العرب ms0163 فيختارون من كل لغة أحسنها، فصفا كلامهم. وذكر قبح عنعنة تميم، ~~وكسكسة ربيعة، وعجرفة منه قيس. وذكر أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول ~~الله; إنك تأتينا بكلام من كلام العرب وما نعرفه، ولنحن العرب حقا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ربى علمني فتعلمت، وأدبني فتأدبت ". # قال الصيرفي: ولست أعرف إسناد هذا الحديث، وإن صح فقد دل على أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد عرف ألسنة العرب. # وقال أبو عمر بن عبد البر في " التمهيد ": قول من قال: نزل بلغة قريش، ~~معناه عندي: في الأغلب، لأن لغة غير قريش موجودة في جميع القرآن من تحقيق ~~الهمزة ونحوها، وقريش لا تهمز. وقد روى الأعمش عن أبي صالح عن ابن عباس ~~قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف صار في عجز هوازن منها خمسة. # وقال أبو حاتم: خص هؤلاء دون ربيعة وسائر العرب، لقرب جوارهم من مولد ~~PageV01P284 # النبي صلى الله عليه وسلم، ومنزل الوحي; وإنما ربيعة ومضر أخوان. قال: ~~وأحب الألفاظ واللغات إلينا أن نقرأ بها لغات قريش، ثم أدناهم من بطون مضر. # وقال الشيخ جمال الدين بن مالك: أنزل الله القرآن بلغة الحجازيين إلا ~~قليلا فإنه نزل بلغة التميميين; فمن القليل إدغام: * (ومن يشاق الله) * في ~~الحشر، * (ومن يرتد منكم عن دينه) * في قراءة غير نافع وابن عامر; فإن ~~الإدغام في المجزوم والاسم المضاعف لغة تميم ولهذا قل، والفك لغة أهل ~~الحجاز ولهذا كثر، نحو: * (ومن يرتدد منكم عن دينه) *، * (وليملل وليه) *، ~~* (ويحببكم الله) *، * (ويمددكم) *، * (ومن يشاقق) * في النساء والأنفال، * ~~(ومن يحادد الله) * * (فليمدد) *، * (واحلل عقدة) *، و * (اشدد به أزرى) *، ~~* (ومن يحلل عليه غضبى) *. # قال: وأجمع القراء على نصب * (إلا اتباع الظن) * لأن لغة الحجازيين ~~PageV01P285 # التزام النصب في المنقطع، وإن كان بنو تميم يتبعون; كما أجمعوا على نصب * ~~(ما هذا بشرا) * لأن القرآن نزل بلغة الحجازيين. # وزعم الزمخشري أن قوله تعالى: * (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب ~~إلا الله) * أنه استثناء منقطع، جاء على لغة ms0164 تميم، ثم نازعه في ذلك. ~~PageV01P286 # النوع السابع عشر ما فيه من غير لغة العرب اعلم أن القرآن أنزله الله ~~بلغة العرب، فلا يجوز قراءته وتلاوته إلا بها، لقوله تعالى: # * (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) *، وقوله: * (ولو جعلناه قرآنا أعجميا...) * ~~الآية. وهذا يدل على أنه ليس فيه غير العربي; لأن الله تعالى جعله معجزة ~~شاهدة لنبيه عليه الصلاة والسلام، ودلالة قاطعة لصدقه، وليتحدى غير العرب ~~العرباء به، ويحاضر البلغاء والفصحاء والشعراء بآياته; فلو اشتمل على غير ~~لغة العرب لم تكن له فائدة; هذا مذهب الشافعي وهو قول جمهور العلماء; منهم ~~أبو عبيدة، ومحمد بن جرير الطبري، والقاضي أبو بكر بن الطيب في كتاب " ~~التقريب "، وأبو الحسين بن فارس اللغوي وغيرهم. # وقال الشافعي في " الرسالة " في باب البيان الخامس ما نصه: " وقد تكلم في ~~العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه لكان الإمساك أولى به، [وأقرب من ~~السلامة له]، فقال قائل منهم: إن في القرآن عربيا وأعجميا، والقرآن يدل على ~~أنه ليس في كتاب الله شئ إلا بلسان العرب، ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك ~~منه تقليدا له، وتركا للمسألة [له] عن حجته ومسألة غيره ممن خالفه; ~~وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، والله يغفر لنا ولهم ". هذا كلامه. # وقال أبو عبيدة فيما حكاه ابن فارس: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، ~~فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول، ومن زعم أكذا بالنبطية فقد ~~أكبر القول. قال: PageV01P287 # ومعناه أتى بأمر عظيم; وذلك أن القرآن لو كان فيه من غير لغة العرب شئ ~~لتوهم متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله; لأنه أتى بلغات لا ~~يعرفونها، وفى ذلك ما فيه. وإن كان كذلك فلا وجه لقول من يجيز القراءة في ~~الصلاة بالفارسية; لأنها ترجمة غير معجزة، وإذا جاز ذلك لجازت الصلاة بكتب ~~التفسير، وهذا لا يقول به أحد. انتهى. # وممن نقل عنه جواز القراءة بالفارسية أبو حنيفة; لكن صح رجوعه عن ذلك. # ومذهب ابن عباس وعكرمة وغيرهما أنه وقع ms0165 في القرآن ما ليس من لغتهم. # فمن ذلك " الطور " جبل بالسريانية. و " طفقا " أي قصدا بالرومية. والقسط ~~والقسطاس: العدل بالرومية. * (إنا هدنا إليك) *: تبنا بالعبرانية. والسجل ~~[الكتاب] بالفارسية. والرقيم: اللوح بالرومية. والمهل: عكر الزيت بلسان أهل ~~المغرب. والسندس: الرقيق من الستر بالهندية. والإستبرق: الغليظ بالفارسية ~~بحذف القاف. السرى: النهر الصغير باليونانية. طه: أي طأ يا رجل بالعبرانية. ~~يصهر أي ينضج بلسان أهل المغرب. سينين: الحسن بالنبطية. المشكاة: الكوة ~~بالحبشية وقيل الزجاجة تسرج. الدرى: المضئ بالحبشية. الأليم: المؤلم ~~بالعبرانية. * (ناظرين إناه) *: أي نضجه بلسان أهل المغرب. * (الملة ~~الآخرة) *: أي الأولى بالقبطية، والقبط يسمون الآخرة الأولى، والأولى ~~الآخرة. * (وراءهم ملك) *: أي أمامهم PageV01P288 # بالقبطية. اليم: البحر، بالقبطية. بطائنها:، ظواهرها بالقبطية. الأب: ~~الحشيش، بلغة أهل المغرب. * (إن ناشئة الليل) * قال ابن عباس: نشأ بلغة ~~الحبشة: قام من الليل. # * (كفلين من رحمته) * قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: " ضعفين " بلغة ~~الحبشة. القسورة: الأسد بلغة الحبشة. # واختار الزمخشري أن التوراة والإنجيل أعجميان، ورجح ذلك بقراءة " الإنجيل ~~" بالفتح، ثم اختلفوا، فقال الطبري: هذه الأمثلة المنسوبة إلى سائر اللغات ~~إنما اتفق فيها أن تتوارد اللغات، فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ ~~واحد. وحكاه ابن فارس عن أبي عبيد وقال ابن عطية: " بل كان للعرب العاربة ~~التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسن بتجارات، وبرحلتي قريش، ~~وبسفر مسافرين، كسفر أبى عمرو إلى الشام، وسفر عمر بن الخطاب، وكسفر عمرو ~~بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة، وكسفر الأعشى إلى الحيرة، صحبته ~~[لنصاراها] مع كونه حجة في اللغة، فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية، ~~غيرت بعضها بالنقص من حروفها، وجرت في تخفيف ثقل العجمة، واستعملتها في ~~أشعارها ومحاوراتها، حتى جرت مجرى العربي الفصيح، ووقع بها البيان. وعلى ~~هذا الحد نزل بها القرآن، فإن جهلها عربي فكجهله الصريح بما في لغة غيره، ~~وكما لم يعرف ابن عباس معنى " فاطر "، إلى غير ذلك. قال: فحقيقة العبارة عن ~~هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية، لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية ms0166 ~~بهذا الوجه ". PageV01P289 # قال: " وما ذهب إليه الطبري من أن اللغتين اتفقتا في لفظه فذلك بعيد; بل ~~إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر، لأنا لا ندفع أيضا جواز الاتفاقات إلا ~~قليلا شاذ ". # وقال القاضي أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك: إنما وجدت هذه في كلام ~~العرب; لأنها أوسع اللغات وأكثرها ألفاظا، ويجوز أن يكون العرب قد سبقها ~~غيرهم إلى هذه الألفاظ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى ~~كافة الخلق، قال تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) *. # وحكى ابن فارس عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه حكى الخلاف في ذلك، ونسب ~~القول بوقوعه إلى الفقهاء، والمنع إلى أهل العربية. ثم قال أبو عبيد: " ~~والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا; وذلك أن هذه الأحرف أصولها ~~أعجمية كما قال الفقهاء، إلا أنها سقطت إلى العرب فعربتها بألسنتها، ~~وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية، ثم نزل القرآن، وقد ~~اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو صادق، ومن قال ~~أعجمية فصادق ". قال: " وإنما فسر هذا لئلا يقدم أحد على الفقهاء فينسبهم ~~إلى الجهل، ويتوهم عليهم أنهم أقدموا على كتاب الله بغير ما أراده [الله جل ~~وعز]، فهم كانوا أعلم بالتأويل وأشد تعظيما للقرآن ". # قال ابن فارس: " وليس كل من خالف قائلا في مقالته ينسبه إلى الجهل، فقد ~~اختلف الصدر الأول في تأويل [آي من] القرآن ". # قال: " فالقول إذن ما قاله أبو عبيد، وإن كان قوم من الأوائل قد ذهبوا ~~إلى غيره ". PageV01P290 # النوع الثامن عشر معرفة غريبة وهو معرفة المدلول; وقد صنف فيه جماعة; ~~منهم أبو عبيدة كتاب " المجاز "، وأبو عمر غلام ثعلب: " ياقوتة الصراط ". ~~ومن أشهرها كتاب ابن عزيز، و " الغريبين " للهروي. ومن أحسنها كتاب " ~~المفردات " للراغب. # وهو يتصيد المعاني من السياق; لأن مدلولات الألفاظ خاصة. قال الشيخ أبو ~~عمرو ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير: " قال أهل المعاني " فالمراد ~~به مصنفو الكتب في معاني القرآن، كالزجاج ومن قبله.. وفى بعض كلام ms0167 الواحدي: ~~" أكثر أهل المعاني: # الفراء والزجاج وابن الأنباري قالوا كذا ". انتهى. # ويحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة: اسما وفعلا وحرفا; فالحروف ~~لقلتها تكلم النحاة على معانيها; فيؤخذ ذلك من كتبهم. # وأما الأسماء والأفعال فيؤخذ ذلك من كتب اللغة. وأكثر الموضوعات في علم ~~اللغة كتاب ابن سيد; فإن الحافظ أبا محمد علي بن أحمد الفارسي ذكر أنه في ~~مائة سفر; بدأ PageV01P291 # بالفلك وختم بالذرة. ومن الكتب المطولة كتاب الأزهري و " الموعب " بعد ~~لابن التياني و " المحكم " لابن سيده، وكتاب " الجامع " للقزاز "، والصحاح ~~" للجوهري، و، البارع " لأبى على القالي، ومجمع " البحرين " للصاغاني. # ومن الموضوعات في الأفعال كتاب ابن القوطية، وكتاب ابن طريف، وكتاب ~~السرقسطي المنبوز بالحمار، ومن أجمعها كتاب ابن القطاع. # ومعرفة هذا الفن للمفسر ضروري، وإلا فلا يحل له الإقدام على كتاب الله ~~تعالى. # قال يحيى بن نضلة المديني: سمعت مالك بن أنس يقول: لا أوتى برجل يفسر ~~كتاب الله غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا. # وقال مجاهد: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله ~~إذا لم يكن عالما بلغات العرب. PageV01P292 # وروى عكرمة عن ابن عباس قال: إذا سألتموني عن غريب اللغة فالتمسوه في ~~الشعر; فإن الشعر ديوان العرب. # وعنه في قوله تعالى: * (والليل وما وسق) * قال: " ما جمع " وأنشد: # - إن لنا قلائصا حقائقا * مستوثقات لو يجدن سائقا - وقال: ما كنت أدرى ما ~~قوله تعالى: * (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) *، ~~حتى سمعت ابنة ذي يزن الحميري وهي تقول: أفاتحك، يعنى أقاضيك. # وفى سورة السجدة: * (متى هذا الفتح إن كنتم صادقين) * يعنى متى هذا ~~القضاء وقوله: * (وهو الفتاح العليم) * وقوله: * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) ~~*. # وقال أيضا: ما كنت أدرى ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعربيان ~~يختصمان في بئر، فقال أحدهما; أنا فطرتها، يعنى ابتدأتها. # وجاءه رجل من هذيل، فقال له ابن عباس: ما فعل فلان؟ قال: مات وترك أربعة ~~من الولد وثلاثة من الوراء، فقال ابن عباس: * (فبشرناها ms0168 بإسحاق ومن وراء ~~إسحاق يعقوب) * قال: ولد الولد. # ومسائل نافع له عن مواضع من القرآن واستشهاد ابن عباس في كل جواب ~~PageV01P293 # بيت ذكرها الأنباري في كتاب " الوقف والابتداء " بإسناده، وقال: فيه ~~دلالة على بطلان قول من أنكر على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر، ~~وأنهم جعلوا الشعر أصلا للقرآن، وليس كذلك، وإنما أراد النحويون أن يثبتوا ~~الحرف الغريب من القرآن بالشعر; لأن الله تعالى قال: * (إنا أنزلناه قرآنا ~~عربيا) *، وقال تعالى: * (بلسان عربي مبين) *. # وقال ابن عباس: الشعر ديوان العرب، فإذا خفى عليهم الحرف من القرآن الذي ~~أنزله الله بلغتهم رجعوا إلى ديوانهم، فالتمسوا معرفة ذلك. ثم إن كان ما ~~تضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم كفى فيه الاستشهاد بالبيت والبيتين، ~~وإن كان ما يوجب العلم لم يكف ذلك، بل لا بد من أن يستفيض ذلك اللفظ، وتكثر ~~شواهده من الشعر. # وينبغي العناية بتدبر الألفاظ كي لا يقع الخطأ، كما وقع لجماعة من ~~الكبار، فروى الخطابي عن أبي العالية أنه سئل عن معنى قوله: * (الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون) * فقال: هو الذي ينصرف عن صلاته ولا يدرى عن شفع أو وتر، قال ~~الحسن: مه يا أبا العالية! ليس هكذا، بل الذين سهوا عن ميقاتها حتى تفوتهم، ~~ألا ترى قوله: * (عن صلاتهم) *! فلما لم يتدبر أبو العالية حرف " في " و " ~~عن " تنبه له الحسن; إذ لو كان المراد ما فهم أبو العالية لقال " في صلاتهم ~~"، فلما قال: " عن صلاتهم " دل على أن المراد به الذهاب عن الوقت، ولذلك ~~قال ابن قتيبة في قوله تعالى: * (ومن يعش عن ذكر الرحمن) * أنه من عشوت ~~أعشو عشوا إذا نظرت; وغلطوه في ذلك، وإنما معنا يعرض; وإنما غلط لأنه لم ~~يفرق بين عشوت إلى الشئ وعشوت عنه. PageV01P294 # وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: * (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) * قال: ~~فارغا من لحزن، لعلمها أنه لم يغرق; ومنه " دم فراغ "، أي لا قود فيه ولا ~~دية. # وقال بعض الأدباء: أخطأ أبو عبيدة في المعنى; لو كان قلبها ms0169 فارغا من ~~الحزن عليه لما قال: # * (لولا أن ربطنا على قلبها) * لأنها كادت تبدى به. # وهذا الباب عظيم الخطر; ومن هنا تهيب كثير من السلف تفسير القرآن، وتركوا ~~القول فيه حذرا أن يزلوا فيذهبوا عن المراد; وإن كانوا علماء باللسان فقهاء ~~في الدين وكان الأصمعي وهو إمام اللغة لا يفسر شيئا من غريب القرآن، وحكى ~~عنه أنه سئل عن قوله تعالى: * (شغفها حبا) * فسكت وقال: هذا في القرآن، ثم ~~ذكر قولا لبعض العرب في جارية لقوم أرادوا بيعها: أتبيعونها وهي لكم شغاف! ~~ولم يزد على هذا. ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على تعلم إعراب القرآن ~~وطلب معاني العربية. # واعلم أنه ليس لغير العالم بحقائق اللغة وموضوعاتها تفسير شئ من كلام ~~الله، ولا يكفى في حقه تتعلم اليسير منها; فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم ~~أحد المعنيين والمراد المعنى الآخر; وهذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من ~~أفصح قريش; سئل أبو بكر عن " الأب " فقال أبو بكر: أي سماء تظلني، وأي أرض ~~تقلني إذا قلت في كلام الله ما لا أعلم! وقرأ عمر سورة " عبس "، فلما بلغ " ~~الأب " قال: الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ثم قال: لعمرك يا ابن الخطاب إن ~~هذا لهو التكلف. وروى عنه أيضا أنه قال: * (آمنا به كل من عند ربنا) *: وفى ~~رواية قال: فما الأب؟ ثم قال: ما كلفنا، أو ما أمرنا بهذا. # وما ذاك بجهل منهما لمعنى " الأب "; وإنما يحتمل والله أعلم أن " الأب " ~~من الألفاظ المشتركة في لغتهما أو في لغات، فخشيا إن فسراه بمعنى من معانيه ~~أن يكون المراد غيره; ولهذا اختلف PageV01P295 # المفسرون في معنى " الأب " على سبعة أقوال; فقيل: ما ترعاه البهائم، وأما ~~ما يأكله الآدمي فالحصيد. والثاني: التبن خاصة. والثالث: كل ما نبت على وجه ~~الأرض. والرابع: ما سوى الفاكهة. والخامس: الثمار الرطبة، وفيه بعد، لأن ~~الفاكهة تدخل في الثمار الرطبة; ولا يقال أفردت للتفصيل، إذ لو أريد ذلك ~~لتأخر ذكرها نحو: * (فاكهة ونخل ورمان) *. # والسادس: أن رطب ms0170 الثمار هو الفاكهة ويابسها هو الأب. والسابع أنه للأنعام ~~كالفاكهة للناس. # ويحتمل قول عمر غير ما سبق وجهين: أحدهما أن يكون خفى عليه معناه وإن ~~شهر، كما خفى على ابن عباس معنى " فاطر السماوات ". والثاني تخويف غيره من ~~التعرض للتفسير بما لا يعلم; كما كان يقول: أقلوا الرواية عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأنا شريككم، يريد الاحتراز; فإن من احترز قلت روايته. ~~PageV01P296 # النوع التاسع عشر معرفة التصريف وهو ما يلحق الكلمة ببنيتها، وينقسم ~~قسمين: # أحدهما جعل الكلمة على صيغ مختلفة بضروب من المعاني. وينحصر في التصغير، ~~والتكبير، والمصدر، وأسمى الزمان والمكان، واسم الفاعل، واسم المفعول، ~~والمقصور، والممدود. # والثاني تغيير الكلمة لمعنى طارئ عليها. وينحصر في الزيادة، والحذف، ~~والإبدال، والقلب، والنقل، والإدغام. # وفائدة التصريف حصول المعاني المختلفة المتشعبة عن معنى واحد; فالعلم به ~~أهم من معرفة النحو في تعرف اللغة; لأن التصريف نظر في ذات الكلمة، والنحو ~~نظر في عوارضها. # وهو من العلوم التي يحتاج إليه المفسر. # قال ابن فارس: من فاته علمه فاته المعظم; لأنا نقول " وجد " كلمة مبهمة، ~~فإذا صرفناها اتضحت، فقلنا في المال " وجدا " وفى الضالة: " وجدانا " وفى ~~الغضب " موجدة " وفى الحزن " وجدا " وقال تعالى: * (وأما القاسطون فكانوا ~~لجهنم PageV01P297 # حطبا) *، وقال تعالى: * (وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) *; فانظر كيف ~~تحول المعنى بالتصريف من الجور إلى العدل. # ويكون ذلك في الأسماء والأفعال; فيقولون للطريق في الرمل: " خبة "، ~~وللأرض المخصبة والمجدبة " خبة "، وغير ذلك. # وقد ذكر الأزهري أن مادة " دكر " بالدال المهملة مهملة غير مستعملة، فكتب ~~التاج الكندي على الطرة ما ذكر أنه مهمل: مستعمل، قال الله تعالى: * (واد ~~كر بعد أمة) * * (فهل من مدكر) *. وهذا الذي قاله سهو أوجبه الغفلة عن ~~قاعدة التصريف; فإن الدال في الموضعين بدل من الذال; لأن ادكر أصله " اذتكر ~~" افتعل من الذكر، وكذلك مدكر أصله " مذتكر " مفتعل من الذكر أيضا، فأبدلت ~~التاء دالا والذال كذلك، وأدغمت إحداهما في الأخرى فصار اللفظ بهما كما ~~ترى. # وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: * (سول لهم) ms0171 * سهل لهم ركوب المعاصي، ~~من السول وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف ~~والاشتقاق جميعا - يعرض بابن السكيت. # وقال أيضا: من بدع التفاسير أن " الإمام " في قوله تعالى: * (يوم ندعو كل ~~أناس بإمامهم) * جمع " أم " وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون ~~PageV01P298 # آبائهم، لئلا يفتضح أولاد الزنا. قال: وليت شعري أيهما أبدع، أصحة لفظة ~~أمه أم [بهاء] حكمته. # يعنى أن " أما " لا يجمع على " إمام "، هذا كلام من لا يعرف الصناعة، ولا ~~لغة العرب. # وقال الراغب في قوله تعالى: * (فادارأتم فيها) *: هو " تفاعلتم "، [أصله: # " تدارأتم "]، فأريد منه الإدغام تخفيفا، وأبدل من التاء دال، [فسكن ~~للإدغام] فاجتلبت لها ألف الوصل، فحصل على " افاعلتم ". # وقال بعض الأدباء: * (ادارأتم) * " افتعلتم "; وغلط من أوجه: # أولا: أن * (ادارأتم) * على ثمانية أحرف، و " افتعلتم " فإن على سبعة ~~أحرف. # والثاني: أن الذي يلي ألف الوصل تاء فجعلها دالا. # والثالث: أن الذي يلي الثاني دال، فجعلها تاء. # والرابع: أن الفعل الصحيح العين لا يكون ما بعد تاء الافتعال [منه] إلا ~~متحركا، وقد جعله هذا ساكنا. # والخامس: أن هاهنا قد دخل بين التاء والدال زائد، وفى " افتعلت " لا يدخل ~~ذلك. # والسادس: أنه أنزل الألف منزلة العين، وليست بعين. PageV01P299 # والسابع: أن تاء " افتعل " قبله حرفان،، وبعده حرفان و * (ادارأتم) * ~~بعدها ثلاثة أحرف. # وقال ابن جنى: من قال: " اتخذت " " افتعلت " من الأخذ; فهو مخطئ. # قال: وقد ذهب إليه أبو إسحاق الزجاج، وأنكره عليه أبو على; وأقام الدلالة ~~على فساده، وهو أن ذلك يؤدى إلى إبدال الهمزة تاء، وذلك غير معروف. ~~PageV01P300 # النوع العشرون معرفة الأحكام من جهة افرادها وتركيبها ويؤخذ ذلك من علم ~~النحو، وقد انتدب الناس لتأليف إعراب القرآن ومن أوضحها كتاب " الحوفى " ~~ومن أحسنها كتاب " المشكل "، وكتاب أبى البقاء العكبري، وكتاب المنتخب ~~الهمداني وكتاب الزمخشري، وابن عطية، وتلاهم الشيخ أبو حيان. # قالوا: والإعراب يبين المعنى; وهو الذي يميز المعاني، ويوقف على أغراض ~~المتكلمين; بدليل قولك: ما أحسن زيدا، ولا تأكل السمك وتشرب اللبن، وكذلك ~~PageV01P301 # فرقوا بالحركات ms0172 وغيرها بين المعاني، فقالوا: مفتح للآلة التي يفتح بها، ~~ومفتح لموضع الفتح، ومقص للآلة، ومقص للموضع الذي يكون فيه القص. ويقولون: ~~امرأة طاهر من الحيض لأن الرجل يشاركها في الطهارة. # وعلى الناظر في كتاب الله، الكاشف عن أسراره النظر في هيئة الكلمة ~~وصيغتها ومحلها، ككونها مبتدأ أو خبرا، أو فاعلة أو مفعولة، أو في مبادئ ~~الكلام أو في جواب، إلى غير ذلك من تعريف أو تنكير، أو جمع قلة أو كثرة، ~~إلى غير ذلك. # * * * ويجب عليه مراعاة أمور: # أحدها - وهو أول واجب عليه - أن يفهم معنى ما يريد أن يعربه مفردا كان أو ~~مركبا قبل الإعراب; فإنه فرع المعنى; ولهذا لا يجوز إعراب فواتح السور إذا ~~قلنا بأنها من المتشابه الذي استأثره الله بعلمه; ولهذا قالوا في توجيه ~~النصب في " كلالة: في قوله تعالى: * (وإن كان رجل يورث كلالة) * أنه يتوقف ~~على المراد بالكلالة; هل هو اسم للميت أو للورثة أو للمال; فإن كان اسما ~~للميت فهي منصوبة على الحال; وإن كان تامة لا خبر لها بمعنى وجد. ويجوز أن ~~تكون ناقصة والكلالة خبرها، وجاز أن يخبر عن النكرة لأنها قد وصفت بقوله " ~~يورث " والأول أوجه. وإن كانت اسما للورثة فهي منصوبة على الحال من ضمير * ~~(يورث) * لكن على حذف مضاف، أي ذا كلالة، وعلى هذا فكان ناقصة " ويورث " ~~خبر. ويجوز أن تكون تامة فيورث صفة. ويجوز أن يكون خبرا فتكون صفته. وإن ~~كانت اسما للمال فهي مفعول ثان ليورث، كما تقول: ورثت زيدا مالا وقيل ~~تمييز، وليس بشئ. ومن جعل الكلالة الوارثة فهي نعت لمصدر PageV01P302 # محذوف، أي وارثه كلالة، أي يورث بالوراثة التي يقال لها: الكلالة، هذا ~~كله على قراءة * (يورث) * بفتح الراء، فأما من قرأ * (يورث) * النبي بكسرها ~~مخففة أو مشددة، فالكلالة هي الورثة أو المال. # ومن ذلك " تقاة " في قوله تعالى: * (إلا أن تتقوا منهم تقاة) *، في نصبها ~~ثلاثة أوجه مبنية على تفسيرها. فإن كانت بمعنى الاتقاء فهي مصدر كقوله ~~تعالى: * (أنبتكم من الأرض نباتا) *، وإن كانت ms0173 بمعنى المفعول أي أمرا يجب ~~اتقاؤه، فهي نصب على المفعول به، وإن كانت جمعا كرام ورماة، فهي نصب على ~~الحال. # ومن ذلك إعراب " أحوى " من قوله: * (غثاء أحوى) *، وفيه قولان متضادان: # أحدهما أنه الأسود من الجفاف واليبس، والثاني أنه الأسود من شدة الخضرة، ~~كما فسر * (مدهامتان) * فعلى الأول هو صفة لغثاء، وعلى الثاني هو حال من ~~المرعى، وأخر لتناسب الفواصل. # ومنه قوله تعالى: * (ألم نجعل الأرض كفاتا. أحياء وأمواتا) *; فإنه قيل: # الكفات: الأوعية، ومفردها " كفت " والأحياء والأموات كناية عما نبت وما ~~لا ينبت، وقيل: الكفات مصدر كفته إذا ضمه وجمعه; فعلى الأول * (أحياء ~~وأمواتا) * صفة لكفاتا; كأنه قيل: أوعية حية وميتة، أو حالان; وعلى الثاني ~~فهما مفعولان لمحذوف، ودل عليه * (كفاتا) * أي يجمع أحياء وأمواتا. # ومنه قوله: * (سبعا من المثاني) * فإنه إن كان المراد به القرآن، فمن ~~للتبعيض، والقرآن حينئذ من عطف العام على الخاص; وإن كانت الفاتحة فمن ~~لبيان الجنس، أي سبعا هي المثاني. PageV01P303 # تنبيه: قد يقع في كلامهم: هذا تفسير معنى، وهذا تفسير إعراب. والفرق ~~بينها أن تفسير الإعراب لا بد فيه من ملاحظة الصناعة النحوية، وتفسير ~~المعنى لا يضر مخالفة ذلك، وقد قال سيبويه في قوله تعالى: * (مثل الذين ~~كفروا كمثل الذي ينعق) *: # تقديره مثلك يا محمد، ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به. # واختلف الشارحون في فهم كلام سيبويه، فقيل هو تفسير معنى، وقيل: تفسير ~~إعراب; فيكون في الكلام حذفان: حذف من الأول وهو حذف داعيهم، وقد أثبت ~~نظيره في الثاني، وحذف من الثاني وهو حذف المنعوق، وقد أثبت نظيره في ~~الأول; فعلى هذا يجوز مثل ذلك في الكلام. # * * * والثاني: تجنب الأعاريب المحمولة على اللغات الشاذة، فإن القرآن ~~نزل بالأفصح من لغة قريش; قال الزمخشري في كشافه القديم: القرآن لا يعمل ~~فيه إلا على ما هو فاش دائر على ألسنة فصحاء العرب، دون الشاذ النادر الذي ~~لا يعثر عليه إلا في موضع أو موضعين. وبهذا يتبين غلط جماعة من الفقهاء ~~والمعربين حين جعلوا من العطف على ms0174 الجوار قوله تعالى: * (وأرجلكم) * في ~~قراءة الجر; وإنما ذلك ضرورة فلا يحمل عليه الفصيح; ولأنه إنما يصار إليه ~~إذا أمن اللبس، والآية محتملة، ولأنه إنما يجئ مع عدم حرف العطف، وهو هاهنا ~~موجود. وأيضا فنحن في غنية عن ذلك كما قاله سيبويه: إن العرب يقرب عندها ~~المسح مع الغسل; لأنهما أساس الماء، فلما تقاربا في المعنى حصل العطف ~~كقوله: # * متقلدا سيفا ورمحا * PageV01P304 # ومهما أمكن المشاركة في المعنى حسن العطف وإلا امتنع; فظهر أنه ليس على ~~المجاورة بل على الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر، وهذا بخلاف صرف ما لا ~~ينصرف في قوله تعالى: # * (سلاسلا وأغلالا) *; فإنما أجيز في الكلام، لأنه رد إلى الأصل، والعطف ~~على الجوار خروج عن الأصل، فافترقا. # * * * الثالث: تجنب لفظ الزائد في كتاب الله تعالى، أو التكرار، ولا يجوز ~~إطلاقه إلا بتأويل كقولهم: الباء زائدة ونحوه، مرادهم أن الكلام لا يختل ~~معناه بحذفها; لا أنه لا فائدة فيه أصلا، فإن ذلك لا يحتمل من متكلم، فضلا ~~عن كلام الحكيم، وقال ابن الخشاب " في المعتمد ": اختلف في هذه المسألة، ~~فذهب الأكثرون إلى جواز إطلاق الزائد في القرآن نظرا إلى أنه نزل بلسان ~~القوم ومتعارفهم، وهو كثير; لأن الزيادة بإزاء الحذف، هذا للاختصار ~~والتخفيف، وهذا للتوكيد والتوطئة. ومنهم من لا يرى الزيادة في شئ من الكلام ~~ويقول: هذه الألفاظ المحمولة على الزيادة جاءت لفوائد ومعان تخصها، فلا ~~أقضى عليها بالزيادة، ونقله عن ابن درستويه. قال: والتحقيق أنه إن أريد ~~بالزيادة إثبات معنى لا حاجة إليه فباطل; لأنه عبث، فتعين أن إلينا به ~~حاجة، لكن الحاجات إلى الأشياء قد تختلف بحسب المقاصد، فليست الحاجة إلى ~~اللفظ الذي زيد عندها ولا زيادة، كالحاجة إلى الألفاظ التي رأوها مزيدة ~~عليه، وبه يرتفع الخلاف. # وكثير من القدماء يسمون الزائد صلة، وبعضهم يسميه مقحما، ويقع ذلك في ~~عبارة مستوية. # * * * PageV01P305 # الرابع: تجنب الأعاريب التي هي خلاف الظاهر والمنافية لنظم الكلام، ~~كتجويز الزمخشري في * (للفقراء) * في سورة الحشر، أن يكون بدلا من قوله: * ~~(ولذي القربى ) *، وهذا فصل ms0175 كبير، وإنما حمله عليه لأن أبا حنيفة يقول: إنه ~~لا يستحق القريب بقرابته بل لكونه فقيرا، والشافعي يخالفه. ونظيره إعراب ~~بعضهم: * (الذين ظلموا) * بدلا من المجرور في قوله تعالى: * (اقترب للناس ~~حسابهم) *. # * * * الخامس: تجنب التقادير البعيدة والمجازات المعقدة، ولا يجوز فيه ~~جميع ما يجوزه النحاة في شعر امرئ القيس وغيره، وأن نقول في نحو: * (اغفر ~~لنا) * و * (اهدنا) * فعلى دعاء أو سؤال، ولا نقول: فعلى أمر، تأدبا، من ~~جهة أن الأمر يستلزم العلو والاستعلاء على الخلاف فيه. # وقال أبو حيان التوحيدي في " البصائر ": سألت السيرافي عن قوله تعالى: # * (قائما بالقسط) * بم انتصب؟ قال: بالحال، قلت: لمن الحال؟ قال: لله ~~تعالى، قلت: # فيقال لله حال؟ قال: إن الحال في اللفظ لا لمن يلفظ بالحال عنه; ولكن ~~الترجمة لا تستوفى حقيقة المعنى في النفس إلا بعد أن يصوغ الوهم هذه ~~الأشياء صياغة تسكن إليها النفس، وينتفع بها القلب، ثم تكون حقائق الألفاظ ~~في مفادها غير معلومة ولا منقوضة باعتقاد، وكما أن المعنى على بعد من ~~اللفظ، كذلك الحقيقة على بعد من الوهم. PageV01P306 # السادس: البحث عن الأصلي والزائد، ومن هذا قوله تعالى: * (إلا أن يعفون ~~أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) * فإنه قد نتوهم " الواو " في الأولى ضمير ~~الجمع، فيشكل ثبوت النون مع " أن " وليس كذلك; بل الواو هنا لام الكلمة، ~~والنون ضمير جمع المؤنث، فبنى الفعل معها على السكون; فإذا وصل الناصب أو ~~الجازم لا تحذف النون; ومثله: " النساء يرجون "، بخلاف: " الرجال يرجون "، ~~فإن الواو فيه ضمير الجمع، والنون حرف علامة للرفع; وأصله " يرجون " إلا ~~أعلت لام الكلمة بما يقتضيه التصريف، فإذا دخل الجازم حذف النون; وهذا مما ~~اتفق فيه اللفظ واختلف في التقدير. # * * * وكذلك يبحث عما تقتضيه الصناعة في التقدير، ولا يؤخذ بالظاهر، ففي ~~نحو قوله تعالى: * (لا مرحبا بهم) * يتبادر إلى الذهن أن * (مرحبا) * نصب، ~~اسم لا، وهو فاسد، لأن شرط عملها في الاسم ألا يكون معمولا لغيرها; وإنما ~~نصب بفعل مضمر يجب إضماره، و * (لا) * دعاء، و * (بهم) * بيان ms0176 للمدعو ~~عليهم. وأجاز أبو البقاء أن ينصب على المفعول به، أي لا يسمعون مرحبا، ~~وأجاز في جملة * (لا مرحبا) * أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالا، أي هذا فوج ~~مقولا له: * (لا مرحبا) *. # وفيه نظر; لأنه قدر " مقولا " فمقولا وقال هو الحال، و لا مرحبا) * محكية ~~بالقول في موضع نصب. # ومنه قوله تعالى: * (واعلموا أن فيكم رسول الله) * يتبادر إلى الذهن أن ~~الظرف قبله خبر " أن " على التقديم، وهو فاسد لأنه ليس المراد الإخبار بأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P307 # فيهم، وإنما الغرض أنه لو أطاعكم في كثير من الأمر لعنتم، وإنما * (فيكم) ~~* حال، والمعنى: # واعلموا أن رسول الله في حال كونه فيكم لو أطاعكم لكان كذا. # ومنه قوله تعالى: * (لا يقضى عليهم فيموتوا) *، وقوله: * (ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون) * فإن الجواب وقع فيهما بعد النفي مقرونا بالفاء، وفى الأولى ~~حذفت النون وفى الثانية أثبتها، فما الفرق بينهما؟ وجوابه أن حذف النون ~~جوابا للنفي هو على أحد معنى نصب " ما تأتينا فتحدثنا " أي ما يكون إتيان ~~ولا حديث، والمعنى الثاني إثبات الإتيان ونفى الحديث، أي ما تأتينا محدثا، ~~أي تأتينا غير محدث، وهذا لا يجوز في الآية. وأما إثبات النون فعلى العطف. # وقريب من ذلك قوله تعالى: * (أبشرا منا واحدا نتبعه) *، وقوله: * (أبشر ~~يهدوننا) * حيث انتصب " بشرا " في الأول وارتفع في الثاني، فيقال: ما الفرق ~~بينهما؟ # والجواب أن نصب " بشرا " على الاشتغال، والشاغل للعامل منصوب، فصح لعامله ~~أن يفسر ناصبا، وأما في الثانية فالشاغل مرفوع مفسر رافعا; وهذا كما تقول: ~~أزيد قام؟ فزيد مرفوع على الفاعلية لطلب أداء الفعل; فهذا في الاشتغال ~~والشاغل مرفوع، وتقول فيما الشاغل فيه منصوب: أزيدا ضربته؟ # وقريب منه إجماع القراء على نصب " قليل " في: * (فشربوا منه إلا قليلا) ~~*. # اختلفوا في: * (ما فعلوه إلا قليل) *; وإنما كان كذلك لأن * (قليلا) * ~~الأول استثناء من موجب، والثاني استثناء من منفى. PageV01P308 # فإن قيل: فلم أجمعوا على النصب في * (فلا يؤمنون إلا قليلا) * مع أنه ~~استثناء من غير موجب؟ قيل: لأن ms0177 هذا استثناء مفرغ; وهو نعت لمصدر محذوف، ~~فالتقدير: # فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا. # ومثله * (وكلا وعد الله الحسنى) * في سورة الحديد، قرأها ابن عامر برفع * ~~(كل) * ووافق الجماعة على النصب في النساء. والفرق أن الذي في سورة الحديد ~~شغل الخبر بهاء مضمرة، وليس قبل هذه الجملة جملة فعلية، فيختار لأجلها ~~النصب، فرفع بالابتداء، وأما التي في سورة النساء فإنما اختير فيها النصب; ~~لأن قبله جملة فعلية، وهي قوله: * (وفضل الله المجاهدين) *. # تنبيه قد يتجاذب الإعراب والمعنى الشئ الواحد، وكان أبو على الفارسي يلم ~~به كثيرا، وذلك أنه يوجد في الكلام أن المعنى يدعو إلى أمر، والإعراب يمنع ~~منه، قالوا: والتمسك بصحة المعنى يؤول لصحة الإعراب، وذلك كقوله تعالى: * ~~(إنه على رجعه لقادر. يوم تبلى السرائر) * فالظرف الذي هو * (يوم) * يقتضى ~~المعنى أن يتعلق بالمصدر الذي هو " رجع "، أي أنه على رجعه في ذلك اليوم ~~لقادر; لكن الإعراب يمنع منه لعدم جواز الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي، ~~يجعل العامل فيه فعلا مقدرا دل عليه المصدر. # وكذا قوله سبحانه: * (لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون) *، فالمعنى يقتضى تعلق " إذ " بالمقت، والإعراب يمنعه ~~للفصل بين المصدر ومعموله بالخبر، فيقدر له فعل يدل عليه المقت. ~~PageV01P309 # وكذلك قوله تعالى: * (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور. وحصل ما في ~~الصدور. # إن ربهم بهم يومئذ لخبير) * فالمعنى أن العامل في إذا " خبير "، والإعراب ~~يمنعه; لأن ما بعد " إن " لا يعمل فيما قبلها، فاقتضى أن يقدر له العامل. # تنبيه على النحوي بيان مراتب الكلام; فإن مرتبة العمدة قبل مرتبة الفضلة، ~~ومرتبة المبتدأ قبل مرتبة الخبر، ومرتبة ما يصل إليه بنفسه قبل مرتبة ما ~~يصل إليه بحرف الجر - وإن كانا فضلتين - فقال ومرتبة المفعول الأول قبل ~~مرتبة المفعول الثاني. وإذا اتصل الضمير بما مرتبته التقديم وهو يعود على ~~ما مرتبته التأخير، فلا يجوز أن يتقدم، لأنه يكون متقدما لفظا ومرتبة، وإذا ~~اتصل الضمير بما مرتبته التأخير وهو يعود على ما مرتبته التقديم فلا ms0178 يجوز ~~أن يتقدم; لأنه يكون مقدما لفظا مؤخرا رتبة، فعلى هذا يجوز: " في داره زيد ~~" لاتصال الضمير بالخبر ومرتبته التأخير، ولا يجوز: " صاحبها في الدار "، ~~لاتصال الضمير بالمبتدأ ومرتبته التقديم. PageV01P310 # النوع الحادي والعشرون كون اللفظ والتركيب أحسن وأفصح ويؤخذ ذلك من علم ~~البيان والبديع، وقد صنف الناس في ذلك تصانيف كثيرة، وأجمعها ما جمعه الشيخ ~~شمس الدين محمد بن النقيب مجلدين قدمهما أمام تفسيره، وما وضعه حازم ~~الأندلسي المسمى بمنهاج البلغاء وسراج الأدباء. وهذا العلم أعظم أركان ~~المفسر. فإنه لا بد من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، من الحقيقة والمجاز، ~~وتأليف النظم، وأن يؤاخى أي بين الموارد، ويعتمد ما سيق له الكلام حتى لا ~~يتنافر، وغير ذلك. وأملأ الناس بهذا صاحب الكشاف. قال السكاكي: واعلم أن ~~شأن الإعجاز عجيب، يدرك ولا يمكن وصفه; كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن ~~وصفها، وكالملاحة، ولا طريق إلى تحصيله لذوي الفطر السليمة إلا إتقان علمي ~~المعاني والبيان والتمرن فيهما. # وقال الزمخشري: من حق مفسر كتاب الله الباهر، وكلامه المعجز أن يتعاهد في ~~مذاهبه بقاء النظم على حسنه، والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدي سليما ~~من القادح، وإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على ~~مراحل. # وادعى القاضي أبو الطيب في كتاب " إعجاز القرآن " أن كثيرا من محاسن هذا ~~العلم لا يعد من البلاغة القرآنية; بناء على اختياره في أن القرآن نزل على ~~خلاف أساليبهم، وسيأتي الكلام في ذلك. # فإن قلت: كيف عددت هذا من أنواع علومه; مع أن سلف المفسرين من الصحابة ~~والتابعين لم يخوضوا فيه ولم ينقل عنهم شئ من ذلك، وإنما هذا أحدثه ~~المتأخرون؟ PageV01P311 # قلت: إنما سكت الأولون عنه لأن القصد من إنزال القرآن تعليم الحلال ~~والحرام. # وتعريف شرائع الاسلام وقواعد الإيمان، ولم يقصد منه تعليم طرق الفصاحة; ~~وإنما جاءت لتكون معجزة، وما قصد به الإعجاز لا سبيل إلى معرفة طريقه، فلم ~~يكن الخوض فيه مسوغا; إذ البلاغة ليست مقصودة فيه أصلا; لأنه موجود في ~~الصحف الأولى; لامع هذه البلاغة ms0179 المعينة; وإنما كان بليغا بحسب كمال ~~المتكلم; فلهذا لم يتكلم السلف في ذلك، وكان معرفتهم بأساليب البلاغة مما ~~لا يحتاج فيه إلى بيان، بخلاف استنباط الأحكام، فلهذا تكلموا في الثاني دون ~~الأول. # واعلم أن معرفة هذه الصناعة بأوضاعها هي عمدة التفسير، المطلع على عجائب ~~كلام الله، وهي قاعدة الفصاحة وواسطة عقد البلاغة، ولو لم يحبب الفصاحة إلا ~~قول الله تعالى: # * (الرحمن علم القرآن. خلق الانسان. علمه البيان) *، [لكفى]، والمعلومات ~~كثيرة، ومنن الله تعالى جمة، ولم يخصص الله من نعمه على العبد إلا تعليم ~~البيان وقال تعالى: # * (هذا بيان للناس) *، وقال تعالى: * (تبيانا لكل شئ) *. # ولحذف الواو في قوله تعالى: * (علمه البيان) * نكتة علمية، فإنه جعل ~~تعليم البيان في وزان خلقه، وكالبدل من قوله: * (خلق الانسان) * لأنه حي ~~ناطق; وكأنه إلى نحوه أشار أهل المنطق بقولهم في حد الانسان: * (حيوان ~~ناطق. # ولا شك أن هذه الصناعة تفيد قوة الإفهام على ما يريد الانسان ويراد منه، ~~ليتمكن بها من اتباع التصديق به، وإذعان النفس له. # * * * وينبغي الاعتناء بما يمكن إحصاؤه من المعاني التي تكلم فيها البليغ ~~مثبتا ونافيا. PageV01P312 # فمنها تحقيق العقائد الإلهية، كقوله سبحانه: * (أليس ذلك بقادر على أن ~~يحيى الموتى) * بعد ذكره النطفة ومتعلقها في مراتب الوجود. وكقوله: * (وما ~~قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه) * فمن يقرع سمعه هذا الكلام المعجز استشعر من روعة النفس، واقشعرار ~~الجلد ما يمكن خشية الله وعظمته من قبله. # ومنها بيان الحق فيما يشكل من الأمور غير العقائد; كقوله تعالى: * (وإن ~~جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) *، وكقوله صلى الله عليه وسلم: " ~~فمن أين يكون الشبه "؟ فانظر كيف أعطى في هذه الأحرف اليسيرة الحجة على من ~~أنكر احتلام المرأة فلا أبين من هذا البيان، ولا أشفى للمرتاب من هذا ~~القول! فإنه يرى إحدى المقدمتين عيانا، وهو شبه الولد بأمه، ويعلم قطعا أنه ~~ليس هناك سبب يحال الشبه عليه غير الذي أنكر. # ومنها تمكين الانفعالات النفسانية من النفوس مثل الاستعطاف ms0180 والإعراض، ~~والإرضاء والإغضاب، والتشجيع والتخويف. ويكون في مدح وذم، وشكاية واعتذار، ~~وإذن ومنع. وينضم إلى قوة القول البلاغي معنى متصل إعانة لها; مثل فضيلة ~~القائل وحمية النازع، وقوة البليغ على اطراء نفسه، وتحسين رأيه. # ومن ذلك استدعاء المخاطب إلى فضل تأمل، وزيادة تفهم; قال تعالى: * (قل ~~إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا) *، وكذلك قوله: # * (وما يعلقها إلا العالمون) *; وسر هذا أن السامع يحرص على أن يكون من ~~هؤلاء المثنى عليهم، فيسارع إلى التصديق، ويلقى في نفسه نور من التوفيق. # ويكون هذا القول البلاغي ما يسمى الضمير، ويسمى التمثيل; وأعنى بالضمير ~~PageV01P313 # أن يضمر بالقول المجادل به البيان أحد حرفيه; كقول الفقيه: النبيذ مسكر ~~فهو حرام، وكقوله تعالى: * (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان ~~لربه كفورا) *. # وقد يكون هذا الإضمار في القياس الاستثنائي هذا أيضا; كقولك: لو كان فلان ~~عزيزا لمنع بأعنة الخيل جاره، أو جوادا لشب لساري الليل ناره، معولا على ~~أنه قد علم أنه ما منع ولا شب، فيثبت بذلك مقابله وهو البخل والذلة; ومن ~~هذا قوله تعالى: * (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) *; وقد شهد ~~الحس والعيان انهم ما انفضوا من حوله وهي المضمرة، فانتفى عنه صلوات الله ~~عليه أنه فظ غليظ القلب. # ومن أحسن ما أبر فيه هذا المضمر قول الشاعر: # - ولو كان عبد الله مولى هجوته * ولكن عبد الله مولى مواليا - ومثال ~~الاستمالة والاستعطاف قوله تعالى عن آدم: * (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) *. وحسبك إمام المتقين حين سمع شعر ~~القائلة: # - ما كان ضرك لو مننت وربما * من الفتى وهو المغيظ المحنق - قال: " لو ~~بلغني شعرها قبل أن أقتله لما قتلته "، وقال الآخر: # - ونحن الكاتبون وقد أسأنا * فهبنا للكرام الكاتبينا - PageV01P314 # ومن الاستمالة والاسترضاء رسول ما لا يخرق السمع أنفذ منه إلى القلوب، ~~وأوقع على المطلوب، قوله صلى الله عليه وسلم للأنصار وقد وجدوا في نفوسهم ~~قسمة الغنائم في غيرهم: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم كذا! ms0181 ألم أجدكم كذا! ثم ~~قال: أجيبوني، فما زادوا على قولهم: # الله ورسوله أمن، فقال عليه الصلاة والسلام: أما إنكم إن شئتم لقلتم - ~~[فلصدقتم]، ولصدقتم: -: جئتنا بحال كذا وكذا. فانظر ما أعجب هذا! استشعر ~~منهم عليه السلام أن إمساكهم عن الجواب أدب معه لا عجز عنه، فأعلمهم بأنهم ~~لو قالوا صدقوا، ولم يكن هو بالذي يغضب من سماعه، ثم زادهم تكريما بقوله: " ~~أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتنصرفوا برسول الله إلى رحالكم ~~"، ثم زاد يمينه المباركة البرة على فضل ما ينصرفون به; اللهم انفعنا ~~بمحبته، وتفضل علينا بشفاعته! # ومما تجد من هذا الطراز قول بعضهم: # - أناس أعرضوا عنا * بلا جرم ولا معنى - - أساءوا ظنهم فينا * فهلا ~~أحسنوا الظنا! - - فإن عادوا لنا عدنا * وإن خانوا فما خنا - - وإن كانوا ~~قد استغنوا * فإنا عنهم أغنى - - وإن قالوا ادن منا بعد * باعدنا من استدنى ~~- ومن الإغضاب العجيب قوله تعالى: * (إنما ينهاكم الله عن الدين قاتلوكم في ~~الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم ~~PageV01P315 # فأولئك هم الظالمون) *، وقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~عدوى وعدوكم أولياء) *، وقوله: * (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم ~~عدو بئس للظالمين بدلا) * ولله در القائل: # - إذا والى صديقك من تعادى * فقد عاداك وانقطع الكلام - ومن قسم التشجيع ~~قوله سبحانه: * (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص) * وكفى بحب الله مشجعا على منازلة الأقران ومباشرة الطعان! # وقوله عز وجل: * (إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) *، وكيف لا يكون والقوم صبروا والملك الحق ~~جل جلاله وعدهم بالمدد الكثير! ثم قال: * (وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم) *. # وقوله: * (وترجون من الله ما لا يرجون) * وفى مقابلة هذا القسم ما يراد ~~به الأخذ بالحزم والثاني بالحرب والاستظهار عليها بالعدة، والاستشهاد على ~~ذلك بقوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة) * * (وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة) *. # ومنه الإبانة بالمدح، وربما مدح الكريم ms0182 بالتغافل عن الزلة والتهاون ~~بالذنب; كما أشار إليه القرآن فيما أسر سيد البشر لبعض نسائه ممن أظهره على ~~إفشائه، فأخبر سبحانه أنه عرف بعضه وأعرض عن بعض; ولذلك قيل: # - ليس الغبي بسيد في قومه * لكن سيد قومه المتغابي - PageV01P316 # ومنه التمثيل; وإنما يكون بأمر ظاهر يسلمه السامع، ويقويه ما في القرآن ~~من قصص الأشقياء تحذيرا لما نزل بهم من العذاب وأخبار السعداء، ترغيبا لما ~~صاروا إليه من الثواب. # وفى الحديث: " أرأيت لو مضضت، أرأيت لو كان على أبيك دين "، كيف ظهر ~~إمكان نقل الحكم من شبه إلى شبه. # ومنه أن يذكر الترغيب مع الترهيب ويشفع البشارة بالإنذار، قال الزمخشري: ~~وسره إرادة التسليط لاكتساب ما يزلف، له والتثبيط عن اقتراف ما يتلف; فلما ~~ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعذاب، ثناه ببشارة عباده المؤمنين. # تنبيه ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له، وإن خالف أصل ~~الوضع اللغوي لثبوت التجوز; ولهذا ترى صاحب " الكشاف " يجعل الذي سيق له ~~الكلام معتمدا، حتى كأن غيره مطروح. PageV01P317 # النوع الثاني والعشرون اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقص أو تغيير حركة أو ~~إثبات لفظ بدل آخر وذلك متواتر وآحاد، ويوجد هذا الوجه من علم القراءة. ~~وأحسن الموضوع للقراءات السبع كتاب " التيسير " لأبى عمرو الداني، وقد نظمه ~~أبو محمد القاسم الشاطبي في لاميته التي عم النفع بها، وكتاب " الإقناع " ~~لأبى جعفر بن الباذش، وفى القراءات العشر كتاب المصباح لأبى الكرم ~~الشهرزوري. # واعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزل ~~على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ ~~الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها; من تخفيف وتثقيل وغيرهما، ثم ~~هاهنا أمور: # * * * أحدها أن القراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل بل مشهورة، ولا ~~عبرة بإنكار المبرد قراءة حمزة: * (والأرحام) * و * (مصرخي) *، ولا بإنكار ~~مغاربة النحاة PageV01P318 # كابن عصفور قراءة ابن عامر * (قتل أولادهم شركائهم) * والتحقيق أنها ~~متواترة عن الأئمة السبعة، أما تواترها عن النبي صلى الله عليه وسلم ففيه ~~نظر; فإن إسناد الأئمة السبعة بهذه ms0183 القراءات السبعة موجود في كتب القراءات، ~~وهي نقل الواحد عن الواحد لم تكمل شروط التواتر في استواء الطرفين ~~والواسطة، وهذا شئ موجود في كتبهم، وقد أشار الشيخ شهاب الدين أبو شامة في ~~كتابه " المرشد الوجيز " إلى شئ من ذلك. # * * * الثاني: استثنى الشيخ أبو عمرو بن الحاجب قولنا: إن القراءات السبع ~~متواترة ما ليس من قبيل الأداء، ومثله بالمد والإمالة وتخفيف الهمزة; يعنى ~~فإنها ليست متواترة. # وهذا ضعيف; والحق أن المد والإمالة لا شك في تواتر المشترك بينهما، وهو ~~المد من حيث هو مد، والإمالة من حيث إنها إمالة، ولكن اختلف القراء في ~~تقدير المد; فمنهم من رآه طويلا، ومنهم من رآه قصيرا; ومنهم من بالغ في ~~القصر، ومنهم من تزايد، فحمزة وورش بمقدار ست لغات، وقيل: خمس، وقيل: أربع، ~~وعن عاصم: ثلاث، وعن الكسائي: ألفان ونصف، وقالون: ألفان، والسوسي ألف، ~~ونصف. # قال الداني في التيسير: أطولهم مدا في الضربين جميعا - يعنى المتصل ~~والمنفصل - ورش وحمزة، ودونهما عاصم، ودونه ابن عامر والكسائي، ودونهما أبو ~~عمرو من طريق أهل العراق، وقالون من طريق أبى نشيط بخلاف عنه. وهذا كله على ~~التقريب من غير إفراط، وإنما هو على مقدار مذاهبهم من التحقيق والحذف. ~~انتهى كلامه. # فعلم بهذا أن أصل المد متواتر والاختلاف والطرق إنما هو في كيفية التلفظ ~~به. PageV01P319 # وكان الإمام أبو القاسم الشاطبي يقرأ بمدتين: طولى لورش وحمزة، ووسطى لمن ~~بقي. # وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه كره قراءة حمزة لما فيها من طول المد وغيره، ~~فقاض: # لا تعجبني، ولو كانت متواترة لما كرهها. وكذلك ذكر القراء أن الإمالة ~~قسمان: إمالة محضة، وهي أن ينحى بالألف إلى الياء وتكون الياء أقرب، ~~بالفتحة إلى الكسر وتكون الكسرة أقرب. وإمالة تسمى بين بين; وهي كذلك; إلا ~~أن الألف والفتحة أقرب، وهذه أصعب الإمالتين محمد وهي المختارة عند الأئمة. ~~ولا شك في تواتر الإمالة أيضا، وإنما اختلافهم في كيفيتها مبالغة وحضورا. # أما تخفيف الهمزة - وهو الذي يطلق عليه تخفيف، وتليين، وتسهيل، أسماء ~~مترادفة - فإنه يشمل ms0184 أربعة أنواع من التخفيف، وكل منها متواتر بلا شك: # أحدها النقل، وهو نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، نحو * (قد أفلح) * ~~بنقل حركة الهمزة، وهي الفتحة إلى دال " قد "، وتسقط الهمزة فيبقى اللفظ ~~بدال مفتوحة بعدها فاء، وهذا النقل قراءة نافع من طريق ورش في حال الوصل ~~والوقف، وقراءة حمزة في حال الوقف. # الثاني: أن تبدل الهمزة حرف مد من جنس حركة ما قبلها إن كان قبلها فتحة ~~أبدلت ألفها، نحو " بأس "، وهذا البدل قراءة أبى عمرو بن العلاء، ونافع من ~~طريق ورش في فاء الفعل، وحمزة إذا وقف على ذلك. # الثالث تخفيف الهمز، بين بين، ومعناه أن تسهل الهمزة بينها وبين الحرف ~~الذي منه حركتها، فإن كانت مضمومة سهلت بين الهمزة والواو، أو مفتوحة فبين ~~الهمزة والألف، أو مكسورة فبين الهمزة والياء، وهذا يسمى إشماما، وقرأ به ~~كثير من القراء وأجمعوا عليه في قوله تعالى: * (قل آلذكرين) * ونحوه، وذكره ~~النحاة عن لغات العرب. PageV01P320 # قال ابن الحاجب في تصريفه: واغتفر التقاء الساكنين في نحو آلحسن عندك؟ ~~وآيمن الله يمينك؟ وهو في كل كلمة أولها همزة وصل مفتوحة ودخلت همزة ~~الاستفهام عليها; وذلك ما فيه لام التعريف مطلقا، وفى أيمن الله وأيم الله ~~خاصة، إذ لا ألف وصل مفتوحة سواها; وإنما فعلوا ذلك خوف لبس الخبر ~~بالاستخبار، ألا ترى أنهم لو قالوا: الحسن عندك؟ وحذفوا همزة الوصل على ~~القياس في مثلها لم يعلم استخبار هو أم خبر؟ فأتوا بهذه عوضا عن همزة الوصل ~~قبل الساكن، فصار قبل الساكن مدة فقالوا: آلحسن عندك؟ وكذلك آيمن إلى الله ~~يمينك؟ # فيما ذكره. وبعض العرب يجعل همزة الوصل فيما ذكرنا بين بين، ويقول آلحسن ~~عندك وآيمن الله يمينك؟ فيما ذكرنا، وقد جاء عن القراء بالوجهين في مثل ~~ذلك، والمشهور الأول. وقد أشار الصحابة رضي الله عنهم إلى التسهيل بين بين ~~في رسم المصاحف العثمانية، فكتبوا صورة الهمزة الثانية في قوله تعالى في ~~سورة آل عمران: * (قل أؤنبئكم) * واوا على إرادة التسهيل بين بين. قاله ~~الداني ms0185 وغيره. # الرابع تخفيف الإسقاط، وهو أن تسقط الهمزة رأسا. وقد قرأ به أبو عمرو في ~~الهمزتين من كلمتين إذا اتفقتا في الحركة فأسقط الأولى منهما على رأى ~~الشاطبي، وقيل الثانية في نحو * (جاء أجلهم) *، ووافقه على ذلك في ~~المفتوحتين نافع من طريق قالون، وابن كثير من طريق البزي، وجاء هذا الإسقاط ~~في كلمة واحدة في قراءة قنبل عن ابن كثير في: * (أين شركائي الذين كنتم ~~تشاقون فيهم) * بإسقاط همزة * (شركائي) *. # الثالث: أن القراءات توقيفية وليست اختيارية، خلافا لجماعة منهم ~~الزمخشري، حيث ظنوا أنها اختيارية تدور مع اختيار الفصحاء واجتهاد البلغاء. ~~ورد على حمزة قراءة PageV01P321 # * (والأرحام) * بالخفض; ومثل ما حكى عن أبي زيد والأصمعي ويعقوب الحضرمي ~~أن خطئوا حمزة في قراءته: * (وما أنتم بمصرخي) * بكسر الياء المشددة، وكذا ~~أنكروا على أبي عمرو إدغامه الراء عند اللام في: * (يغفلكم كان) *. # وقال الزجاج: إنه خطأ فاحش; ولا تدغم الراء في اللام إذا قلت: " مر لي " ~~بكذا، لأن الراء حرف مكرر، ولا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به; فأما ~~اللام فيجوز إدغامه في الراء، ولو أدغمت اللام في الراء لزم التكرير من ~~الراء. وهذا إجماع النحويين. انتهى. # وهذا تحامل، وقد انعقد الاجماع على صحة قراءة هؤلاء الأئمة وأنها سنة ~~متبعة; ولا مجال للاجتهاد فيها. ولهذا قال سيبويه في كتابه في قوله تعالى: ~~* (ما هذا بشرا) * " وبنو تميم يرفعونه إلا من درى كيف هي في المصحف ". # وإنما كان كذلك، لأن القراءة سنة مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ~~تكون القراءة بغير ما روى عنه. انتهى. PageV01P322 # الرابع ما تضمنه التيسير والشاطبية، قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: لم ~~يحويا جميع القراءات السبع، وإنما هي نزر يسير منها، ومن عنى بفن القراءات، ~~وطالع ما صنفه علماء الاسلام في ذلك، علم ذلك العلم اليقين، وذلك أن بلادنا ~~جزيرة الأندلس لم تكن من قديم بلاد إقراء السبع، لبعدها عن بلاد الاسلام، ~~واجتازوا عند الحج بديار مصر، وتحفظوا ممن كان بها من المصريين شيئا يسيرا ~~من حروف السبع ms0186 - وكان المصريون بمصر إذ ذاك لم تكن لهم روايات متسعة، ولا ~~رحلة إلى غيرها من البلاد التي اتسعت فيها الروايات - كأبى الطيب بن غلبون ~~وابنه أبى الحسن طاهر، وأبى الفتح فارس بن أحمد، وابن عبد الباقي، وأبى ~~العباس بن نفيس، وكان بها أبو أحمد السامري، وهو أعلاهم إسنادا. ~~PageV01P323 # وسبب قلة العلم والروايات بديار مصر ما كان غلب على أهلها من تغلب ~~الإسماعيلية عليها، وقتل ملوكهم العلماء. # فكان من قدماء علمائنا ممن حج يأخذ بمصر شيئا يسيرا، كأبى عمر الطلمنكي ~~صاحب الروضة، وأبى محمد مكي بن أبي طالب. ثم رحل أبو عمرو الداني لطول ~~إقامته بدانية فأخذ عن أبي خافان، وفارس، وابن غلبون; وصنف كتاب " التيسير ~~". # وقرأ على هؤلاء. ورحل أيضا أبو القاسم يوسف بن جبارة الأندلسي، فأبعد في ~~الشقة، وجمع بين طريق المشرق والمغرب، وصنف كتاب الكامل، يحتوى على ~~القراءات السبع وغيرها، ولم أر ولم أسمع أوسع رحلة منه، ولا أكثر شيوخا. # وقد أقرأ القرآن بمكة أبو معشر الطبري، وأبو عبد الله الكارزيني وكانا ~~متسعي الرواية. PageV01P324 # وكان بمصر أبو على المالكي مؤلف الروضة، وكان قد قرأ بالعراق، وأقرأ ~~بمصر. # وبعدهم التاج الكندي فأقرأ الناس بروايات كثيرة لم تصل إلى بلادنا. # وكان أيضا ابن ماموية بدمشق يقرئ القرآن بالقراءات العشر. # وبمصر النظام الكوفي يقرئ بالعشر وبغيرها، كقراءة ابن محيصن والحسن. # وكان بمكة أيضا زاهر بن رستم وأبو بكر الزنجاني، وكانا قد أخذا عن أبي ~~الكرم الشهرزوري كتاب المصباح الزاهر في القراءات العشر البواهر; وأقرأه ~~الزنجاني لبعض شيوخنا. # وكان عز الدين الفاروقي بدمشق، يقرئ القرآن بروايات كثيرة، حتى قيل إنه ~~أقرأ بقراءة أبي حنيفة. # والحاصل اتساع روايات غير بلادنا، وأن الذي تضمنه التيسير، والتبصرة، ~~والكافي وغيرها من تآليفهم; إنما هو قل من كثر، ونزر من بحر. # وبيانه أن في هذه الكتب مثلا قراءة نافع من رواية ورش وقالون، وقد روى ~~الناس عن نافع غيرهما; منهم إسماعيل بن أبي جعفر المدني وأبو خلف وابن ~~حبان، والأصمعي PageV01P325 # والسبتي وغيرهم، ومن هؤلاء من هو أعلم ms0187 وأوثق من ورش وقالون، وكذا العمل ~~في كل راو وقارئ. # الخامس: أن باختلاف القراءات يظهر الاختلاف في الأحكام; ولهذا بنى ~~الفقهاء نقض وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءات في * (ولمستم) * و * ~~(لامستم) *. # وكذلك جواز وطء الحائض عند الانقطاع وعدمه إلى الغسل على اختلافهم في * ~~(حتى يطهرن) *. # وكذلك [آية] السجدة في سورة النمل مبنية على القراءتين. قال الفراء: من ~~خفف * (ألا) * كان الأمر بالسجود، ومن شدد لم يكن فيها أمر به. وقد نوزع في ~~ذلك. # إذا علمت ذلك فاختلفوا في الآية إذا قرئت بقراءتين على قولين: أحدهما أن ~~الله تعالى قال بهما جميعا. والثاني أن الله تعالى قال بقراءة واحدة إلا ~~أنه أذن أن يقرأ بقراءتين. # وهذا الخلاف غريب رأيته في كتاب " البستان " لأبى الليث السمرقندي. ثم ~~اختاروا في المسألة توسطا، وهو أنه إن كان لكل قراءة تفسير يغاير الآخر فقد ~~قال بهما جميعا PageV01P326 # وتصير القراءات بمنزلة آيتين، مثل قوله: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) *. ~~وإن كان تفسيرهما واحدا كالبيوت والبيوت والمحصنات والمحصنات بالنصب والجر، ~~فإنما قال بأحدهما وأجاز القراءة بهما لكل قبيلة، على ما تعود لسانهم. # فإن قيل: إذا صح أنه قال بأحدهما فبأي القراءتين قال؟ قيل: بلغة قريش. ~~انتهى. # * * * السادس: أن القراءات لم تكن متميزة عن غيرها إلا في قرن ~~الأربعمائة، جمعها أبو بكر ابن مجاهد; ولم يكن متسع الرواية والرحلة كغيره. ~~والمراد بالقراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة. # أحدهم عبد الله بن كثير المكي القرشي مولاهم; أبو سعيد وقيل أبو محمد، ~~وقيل أبو بكر، وقيل أبو الصلت، ويقال له الداري. وهو من التابعين، وسمع عبد ~~الله بن الزبير وغيره. # توفى بمكة سنة عشرين ومائة، وقيل اثنتين وعشرين. # الثاني نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم; مولى جعونة بن شعوب الليثي، هو ~~مدني; أصله من أصبهان، كنيته أبو رويم; وقيل أبو الحسن، وقيل أبو عبد ~~الرحمن وقيل PageV01P327 # أبو عبد الله. توفى بالمدينة سنة تسع وستين ومائة. # الثالث عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليحصبي الدمشقي قاضي ms0188 ~~دمشق، وهو من كبار التابعين، ولد في أول سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وتوفى ~~بدمشق يوم عاشوراء سنة ثمان عشرة ومائة، وقيل ولد سنة ثمان من الهجرة، ومات ~~وهو ابن مائة وعشر سنين. وفى كنيته سبعة أقوال: أصحها أبو عمرو. وقيل أبو ~~محمد،، وأبو عبد الله، وأبو موسى، وأبو نعيم، وأبو عثمان، وأبو مغيث. # الرابع أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله البصري. قيل اسمه زبان، ~~وقيل يحيى، وقيل عثمان، وقيل محبوب، وقيل اسمه كنيته. توفى بالكوفة سنة ~~أربع وخمسين ومائة، وقرأ على ابن كثير وغيره. # الخامس عاصم بن أبي النجود (بفتح النون) أبو بكر الأسدي الكوفي، توفى ~~بالكوفة سنة سبع، وقيل ثمان وعشرين ومائة. قال سفيان وأحمد بن حنبل ~~وغيرهما: # بهدلة هو أبو النجود. وقال عمرو بن علي: بهدلة أمه. قال أبو بكر داود: ~~هذا خطأ. # وقال عبد الله بن أحمد: قال أبى: أنا أختار قراءة عاصم. # السادس حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزيات التيمي، مولاهم، الكوفي ~~أبو عمارة. توفى بحلوان سنة ثمان، وقيل ست وخمسين ومائة. PageV01P328 # السابع الكسائي علي بن حمزة الأسدي مولاهم، الكوفي. توفى سنة تسع وثمانين ~~ومائة; كان قرأ على حمزة. قال مكي: وإنما ألحق بالسبعة في أيام المأمون; ~~وإنما كان السابع يعقوب الحضرمي، فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة أو نحوها ~~الكسائي في موضع يعقوب. # وليس في هؤلاء السبعة من العرب إلا ابن عامر وأبو عمرو. # قال مكي: وإنما كانوا سبعة لوجهين: أحدهما أن عثمان رضي الله عنه كتب ~~سبعة مصاحف ووجه بها إلى الأمصار، فجعل عدد القراء على عدد المصاحف. الثاني ~~أنه جعل عددهم على عدد الحروف التي نزل بها القرآن وهي سبعة، على أنه لو ~~جعل عددهم أكثر أو أقل لم يمتنع ذلك. إذا عدد الرواة الموثوق بهم أكثر من ~~أن يحصى. # وقد ألف ابن جبير المقرئ - وكان قبل ابن مجاهد - كتابا في القراءات وسماه ~~كتاب الخمسة، ذكر فيه خمسة من القراء لا غير. وألف غيره كتابا وسماه ~~الثمانية، ms0189 وزاد على هؤلاء السبعة يعقوب الحضرمي. انتهى. # قلت: ومنهم من زاد ثلاثة وسماه كتاب العشرة. # قال مكي: والسبب في اشتهار هؤلاء السبعة دون غيرهم أن عثمان رضي الله عنه ~~لما كتب المصاحف، ووجهها إلى الأمصار، وكان القراء في العصر الثاني والثالث ~~كثيري العدد، فأراد الناس أن يقتصروا في العصر الرابع على ما وافق المصحف، ~~فنظروا إلى إمام مشهور بالفقه والأمانة في النقل، وحسن الدين، وكمال العلم، ~~قد طال عمره، واشتهر أمره، وأجمع أهل مصر على عدالته، فأفردوا من كل مصر ~~وجه إليه عثمان مصحفا إماما هذه صفة قراءته على مصحف ذلك المصر، فكان أبو ~~عمرو من أهل البصرة، وحمزة وعاصم من أهل الكوفة وسوادها، والكسائي من ~~العراق، وابن كثير من أهل مكة، PageV01P329 # وابن عامر من أهل الشام، ونافع من أهل المدينة; كلهم ممن اشتهرت إمامتهم، ~~وطال عمرهم في الإقراء، وارتحل الناس إليهم من البلدان. # وأول من اقتصر على هؤلاء السبعة أبو بكر بن مجاهد سنة ثلاثمائة، وتابعه ~~الناس وألحق المحققون، منهم البغوي في تفسيره بهؤلاء السبعة [قراءة] ثلاثة ~~وهم يعقوب الحضرمي، وخلف، وأبو جعفر بن قعقاع المدني شيخ نافع; لأنها لا ~~تخالف رسم السبع. # وقال الإمام أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم الهروي في كتاب الكافي له: فإن ~~قال قائل: فلم أدخلتم قراءة أبى حفص المدني ويعقوب الحضرمي في جملتهم، وهم ~~خارجون عن السبعة المتفق عليهم؟ قلنا: إنما اتبعنا قراءتهما كما اتبعنا ~~السبعة; لأنا وجدنا قراءتهما على الشرط الذي وجدناه في قراءة غيرهما ممن ~~بعدهما في العلم والثقة بهما، واتصال إسنادهما، وانتفاء الطعن عن روايتهما. ~~ثم إن التمسك بقراءة سبعة فقط ليس له أثر ولا سنة; وإنما السنة أن تؤخذ ~~القراءة إذا اتصلت رواتها نقلا وقراءة ولفظا ولم يوجد طعن على أحد من ~~رواتها; ولهذا المعنى قدمنا السبعة على غيرهم وكذلك نقدم أبا جعفر ويعقوب ~~على غيرهما. # ولا يتوهم أن قوله صلى الله عليه وسلم: " أنزل القرآن على سبعة أحرف " ~~انصرافه إلى قراءة سبعة من القراء يولدون من بعد عصر الصحابة ms0190 بسنين كثيرة; ~~لأنه يؤدى إلى أن يكون الخبر متعريا عن فائدة إلى أن يحدثوا; ويؤدى إلى أنه ~~لا يجوز لأحد من الصحابة أن يقرءوا إلا بما علموا أن السبعة من القراء ~~يختارونه. قال: وإنما ذكرناه لأن قوما من العامة يتعلقون به. PageV01P330 # وقال الشيخ موفق الدين الكواشي: كل ما صح سنده واستقام مع جهة العربية، ~~وافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبع المنصوص عليها، ولو رواه سبعون ~~ألفا مجتمعين أو متفرقين. فعلى هذا الأصل يبنى من يقول: القراءات عن سبعة ~~كان أو سبعة آلاف; ومتى فقد واحد من هذه الثلاثة المذكورة في القراءة فاحكم ~~بأنها شاذة; ولا يقرأ بشئ من الشواذ; وإنما يذكر ما يذكر من الشواذ; ليكون ~~دليلا على حسب المدلول عليه، أو مرجحا. # وقال مكي: وقد اختار الناس بعد ذلك، وأكثر اختياراتهم إنما هو في الحرف ~~إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء: قوة وجه العربية، وموافقته للمصحف، واجتماع ~~العامة عليه. والعامة عندهم هو ما اتفق عليه أهل المدينة وأهل الكوفة; فذلك ~~عندهم حجة قوية توجب الاختيار. وربما جعلوا العامة ما اجتمع عليه أهل ~~الحرمين، وربما جعلوا الاعتبار بما اتفق عليه نافع وعاصم; فقراءة هذين ~~الإمامين أولى القراءات، وأصحها سندا وأفصحها في العربية، ويتلوها في ~~الفصاحة خاصة قراءة أبى عمرو والكسائي. # وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: كل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل ~~فيها ومجيئها على الفصيح من لغة العرب فهي قراءة صحيحة معتبرة; فإن اختل ~~أحد هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة وضعيفة; أشار إلى ~~جماعة من الأئمة المتقدمين، ونص عليه الشيخ أبو محمد مكي بن أبي طالب ~~القيرواني في كتاب مفرد صنفه في معاني القراءات السبع، وأمر بإلحاقه بكتاب ~~الكشف، وذكره شيخنا أبو الحسن في كتابه جمال القراء. PageV01P331 # قال أبو شامة رحمة الله: وقد ورد إلى دمشق استفتاء من بلاد العجم عن ~~القراءة الشاذة: هل تجوز القراءة بها؟ وعن قراءة القارئ عشرا، كل آية ~~بقراءة قارئ، فأجاب عن ذلك جماعة من مشايخ عصرنا; ms0191 منهم شيخنا الشافعية ~~والمالكية حينئذ، وكلاهما أبو عمر وعثمان - يعنى ابن الصلاح وابن الحاجب. # قال شيخ الشافعية: يشترط أن يكون المقروء به على تواتر نقله عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قرآنا، واستفاض نقله بذلك، وتلقته الأمة بالقبول كهذه ~~القراءات السبع; لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع على ما تقرر وتمهد في ~~الأصول; فما لم يوجد فيه ذلك ما عدا العشرة فممنوع من القراءة به منع ~~تحريم، لا منع كراهة، في الصلاة وخارج الصلاة، وممنوع منه ممن عرف المصادر ~~والمعاني ومن لم يعرف ذلك، وواجب على من قدر على الأمر بالمعروف والنهى عن ~~المنكر أن يقوم بواجب ذلك، وإنما نقلها من نقلها من العلماء لفوائد منها ما ~~يتعلق بعلم العربية لا القراءة بها; هذا طريق من استقام سبيله. ثم قال: ~~والقراءة الشاذة ما نقل قرآنا من غير تواتر واستفاضة متلقاة بالقبول من ~~الأئمة، كما يشتمل عليه " المحتسب " لابن جنى وغيره. وأما القراءة بالمعنى ~~على تجويزه من غير أن ينقل قرآنا فليس ذلك من القراءة الشاذة أصلا; ~~والمتجرئ على ذلك متجرئ أبى على عظيم، وضال ضلالا بعيدا، فيعزر ويمنع ~~بالحبس ونحوه: ويجب منع القارئ بالشواذ وتأثيمه بعد تعريفه، وإن لم يمتنع ~~فعليه التعزير يشرطه. وأما إذا شرع القارئ في قراءة فينبغي ألا يزال يقرأ ~~بها ما بقي للكلام متعلق بما ابتدأ به، وما خالف هذا فمنه جائز وممتنع ~~وعذره مانع من قيامه بحقه، والعلم عند الله تعالى. # وقال شيخ المالكية رحمه الله: لا يجوز أن يقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة ~~ولا غيرها، PageV01P332 # عالما بالعربية كان أو جاهلا; وإذا قرأها قارئ، فإن كان جاهلا بالتحريم ~~عرف به وأمر بتركها، وإن كان عالما أدب بشرطه، وإن أصر على ذلك أدب على ~~إصراره، وحبس إلى أن يرتدع عن ذلك. وأما تبديل " آتينا " " بأعطينا " و " ~~سولت " " بزينت " ونحوه; فليس هذا من الشواذ، وهو أشد تحريما، والتأديب ~~عليه أبلغ، والمنع منه أوجب، وأما القراءة بالقراءات المختلفة في آي العشر ~~الواحد فالأولى ألا يفعل. نعم إن ms0192 قرأ بقراءتين في موضع إحداهما مبنية على ~~الأخرى مثل أن يقرأ " نغفر لكم " بالنون " وخطيئاتكم " بالجمع ومثل: * (تضل ~~إحداهما فتذكر) * بالنصب، فهذا أيضا ممتنع وحكم المنع كما تقدم. # قال الشيخ شهاب الدين: والمنع من هذا ظاهر، وأما ما ليس كذلك فلا يمنع ~~منه; فإن الجمع جائز، والتخيير فيه بأكثر من ذلك كان حاصلا بما ثبت من ~~إنزال القرآن على سبعة حروف، توسعة على القراء; فلا ينبغي أن يضيق بالمنع ~~من هذا ولا ضرر فيه، نعم أكره ترداد الآية بقراءات مختلفة كما يفعله أهل ~~زماننا في جمع القرآن لما فيه من الابتداع، ولم يرد فيه شئ من المتقدمين، ~~وقد بلغني كراهته عن بعض متصدري المغاربة المتأخرين. # قلت: وما أفتى به الشيخان نقله النووي في شرح المهذب عن أصحاب الشافعي ~~فقال: قال أصحابنا وغيرهم: لا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة ~~الشاذة; لأنها ليست قرآنا، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والقراءة ~~الشاذة ليست متواترة; ومن قال غيره فغالط أو جاهل، فلو خالف وقرأ بالشاذ ~~أنكر عليه قرءاتها ما في الصلاة وغيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة ~~من قرأ بالشواذ. ونقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة ~~بالشواذ، ولا يصلى خلف من يقرأ بها. # * * * PageV01P333 # الأمر السابع: أن حاصل اختلاف القراء يرجع إلى سبعة أوجه: # الأول الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركات بقائها بما لا يزيلها عن ~~صورتها في الكتاب، ولا يغير معناها; نحو * (البخل) * و * (البخل) *. و * ~~(ميسرة) * و * (ميسرة) *. * (وما هن أمهاتهم) *. * (وهن أطهر لكم) * و * ~~(أطهر لكم) *. # * (وهل نجازى إلا الكفور) *، * (وهل يجازى إلا الكفور) *. # الثاني الاختلاف في إعراب الكلمة في حركات بما يغير معناها، ولا يزيلها ~~عن صورتها في الخط; نحو * (ربنا باعد بين أسفارنا) * و * (ربنا باعد بين ~~أسفارنا *). # و * (إذ تلقونه) * و * (تلقونه) *. * (وادكر بعد أمة) * و * (بعد أمة) *; ~~وهو كثير يقرأ به، لما صحت روايته ووافق العربية. # الثالث الاختلاف في تبديل حروف الكلمة دون إعرابها بما يغير معناها، ولا ms0193 ~~يغير PageV01P334 # صورة الخط بها في رأى العين; نحو * (كيف ننشزها) * و * (ننشزها) *، و * ~~(فزع عن قلوبهم) * و * (فزع عن قلوبهم) *) و * (يقص الحق) * و * (يقضى ~~الحق) *، وهو كثير يقرأ به إذا صح سنده ووجهه لموافقته لصورة الخط في رأى ~~العين. # الرابع الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتابة ولا يغير معناها; ~~نحو; إن كانت إلا صيحة واحدة) * و * (إلا زقية واحدة) * و * (كالعهن ~~المنفوش) * و * (كالصوف المنقوش) * فهذا يقبل إذا صحت روايته، ولا يقرأ به ~~اليوم لمخالفته لخط المصحف، ولأنه إنما ثبت عن آحاد. # الخامس الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها في الخط ويزيل معناها، نحو * ~~(الم. # تنزيل الكتاب) * في موضع * (آلم ذلك الكتاب) *. و * (طلح منضود) * و * ~~(طلع منضود) * فهذا لا يقرأ به أيضا; لمخالفته، الخط ويقبل منه ما لم يكن ~~فيه تضاد لما عليه المصحف. # السادس الاختلاف بالتقديم والتأخير نحو ما روى عن أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه عنه أنه قرأ عند الموت: * (وجاءت سكرة الحق بالموت) *، وبهذا قرأ ~~ابن PageV01P335 # مسعود; فهذا يقبل لصحة معناه إذا صحت روايته، ولا يقرأ به لمخالفته ~~المصحف، ولأنه غير واحد. # السابع الاختلاف بالزيادة والنقص في الحروف والكلم نحو * (وما عملته ~~أيديهم) * * (وما عملت) *، و * (نعجة أنثى) * ونظائره، فهذا يقبل منه ما لم ~~يحدث حكما لم يقله أحد، ويقرأ منه ما اتفقت عليه المصاحف في إثباته وحذفه، ~~نحو: * (تجرى تحتها) * في براءة عند رأس المائة، و * (من تحتها) *، و * ~~(فإن الله هو الغنى الحميد) *، في الحديد، و * (فإن الله الغنى) *; ونحو ~~ذلك مما اختلف فيه المصاحف التي وجه بها عثمان إلى الأمصار فيقرأ به إذ لم ~~يخرجه عن خط المصحف، ولا يقرأ منه ما لم تختلف فيه المصاحف، لا يزاد شئ لم ~~يزد فيها، ولا ينقص شئ لم ينقص منها. # * * * الأمر الثامن، قال أبو عبيد في كتاب " فضائل القرآن " إن القصد من ~~القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها; وذلك كقراءة عائشة ~~وحفصة: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر ". # وكقراءة ms0194 ابن مسعود: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما ". PageV01P336 # ومثل قراءة أبى: " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا ~~فيهن. # وكقراءة سعد بن أبي وقاص: " وإن كان له أخ أو أخت من أم فلكل... ". # وكما قرأ ابن عباس: " لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم ~~الحج ". # - قلت: وكذا قراءته: " وأيقن أنه الفراق " وقال: ذهب الظن. قال أبو ~~الفتح: يريد أنه ذهب اللفظ الذي يصلح للشك; وجاء اللفظ الذي هو مصرح ~~باليقين. # انتهى - وكقراءة جابر: " فإن الله من بعد إكراههن له غفور رحيم ". # فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كان يروى مثل هذا عن ~~بعض التابعين في التفسير فيستحسن ذلك، فكيف إذا روى عن كبار الصحابة، ثم ~~صار في نفس القراءة! فهو الآن أكثر من التفسير وأقوى; فأدنى ما يستنبط من ~~هذه الحروف معرفة صحة التأويل; على أنها من العلم الذي لا يعرف العامة ~~فضله; إنما يعرف ذلك PageV01P337 # العلماء، ولذلك يعتبر بهما وجه القرآن; كقراءة من قرأ: * (يقض الحق) * ~~فلما وجدتها في قراءة عبد الله: * (يقضى الحق) * علمت أنها إنما هي * (يقض) ~~* فقرأتها على ما في المصحف; واعتبرت صحتها بتلك القراءة، وكذلك قراءة من ~~قرأ: * (أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم) *، ثم لما وجدتها في قراءة أبى " ~~تنبئهم " علمت أن وجه القراءة * (تكلمهم) * في أشباه من هذا كثيرة. # فائدة قيل قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو راجعة إلى أبي، وقراءة ابن ~~عامر إلى عثمان بن عفان، وقراءة عاصم وحمزة والكسائي إلى عثمان وعلى وابن ~~مسعود. # فائدة قال ابن مجاهد: إذا شك القارئ في حرف هل هو ممدود أو مقصور؟ فليقرأ ~~بالقصر، وإن شك في حرف هل هو مفتوح أو مكسور؟ فليقرأ بالفتح; لأن الأول غير ~~لحن في بعض المواضع. PageV01P338 # النوع الثالث والعشرون معرفة توجيه القراءات وتبيين وجه ما ذهب إليه كل ~~قارئ وهو فن جليل، وبه تعرف جلالة المعاني وجزالتها، وقد اعتنى الأئمة به، ~~وأفردوا فيه كتبا، منها كتاب " الحجة " لأبى على الفارسي، وكتاب " الكشف " ~~لمكي ms0195 وكتاب " الهداية " للمهدوي. وكل منها قد اشتمل على فوائد. وقد صنفوا ~~أيضا في توجيه القراءات الشواذ، ومن أحسنها كتاب " المحتسب " لابن جنى، ~~وكتاب أبى البقاء، وغيرهما. # وفائدته - كما قال الكواشي: أن يكون دليلا على حسب المدلول عليه، أو ~~مرجحا; إلا أنه ينبغي التنبيه على شئ; وهو أنه قد ترجح إحدى القراءتين على ~~الأخرى ترجيحا يكاد يسقط القراءة الأخرى; وهذا غير مرضى; لأن كلتيهما ~~متواترة، وقد حكى أبو عمر الزاهد في كتاب " اليواقيت " عن ثعلب أنه قال: ~~إذا اختلف الإعراب في القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابا على إعراب في ~~القرآن; فإذا خرجت إلى الكلام (كلام الناس) فضلت الأقوى; وهو حسن. # وقال أبو جعفر النحاس - وقد حكى اختلافهم في ترجيح * (فك رقبة) * ~~بالمصدرية والفعلية فقال: والديانة تحظر الطعن على القراءة التي قرأ بها ~~الجماعة، ولا يجوز أن تكون PageV01P339 # مأخوذة إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال: " أنزل القرآن على ~~سبعة أحرف "، فهما قراءتان حسنتان، لا يجوز أن تقدم إحداهما على الأخرى. ~~انتهى. # وقال في سورة المزمل: السلامة عند أهل الدين أنه إذا صحت القراءتان عن ~~الجماعة ألا يقال: أحدهما أجود; لأنهما جميعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فيأثم من قال ذلك; وكان رؤساء الصحابة رضي الله عنهم ينكرون مثل هذا. # وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة رحمه الله: قد أكثر المصنفون في القراءات ~~والتفاسير من الترجيح بين قراءة * (ملك) * و * (مالك) * حتى إن بعضهم يبالغ ~~إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى; وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين; ~~واتصاف الرب تعالى بهما; ثم قال: حتى إني أصلى بهذه في ركعة، وبهذه في ~~ركعة. # وقال صاحب " التحرير " وقد ذكر التوجيه في قراءة * (وعدنا) * و * ~~(واعدنا) *: # لا وجه للترجيح بين بعض القراءات السبع وبعض في مشهور كتب الأئمة من ~~المفسرين والقراء والنحويين; وليس ذلك راجعا إلى الطريق حتى يأتي هذا ~~القول; بل مرجعه ما يتعلق بكثرة الاستعمال في اللغة والقرآن، أو ظهور ~~المعنى بالنسبة إلى ذلك المقام. # وحاصله أن القارئ ms0196 يختار رواية هذه القراءة على رواية غيرها، أو نحو ذلك; ~~وقد تجرأ بعضهم على قراءة الجمهور في * (فنادته الملائكة) * فقال: أكره ~~التأنيث لما فيه من موافقة دعوى الجاهلية في زعمها أن الملائكة إناث; وكذلك ~~كره بعضهم قراءة قرأ بغير تاء; لأن الملائكة جمع. PageV01P340 # وهذا كله ليس بجيد، والقراءتان متواترتان; فلا ينبغي أن ترد إحداهما ~~البتة; وفى قراءة عبد الله * (فناداه جبريل) * ما يؤيد أن الملائكة مراد به ~~الواحد. # فصل [في توجيه القراءة الشاذة] وتوجيه القراءة الشاذة أقوى في الصناعة من ~~توجيه المشهورة، ومن أحسن ما وضع فيه كتاب " المحتسب " لأبى الفتح; إلا أنه ~~لم يستوف، وأوسع منه كتاب أبو البقاء العكبري; وقد يستبشع ظاهر الشاذ بادئ ~~الرأي فيدفعه التأويل، كقراءة: * (قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات ~~والأرض وهو يطعم) *، ولا يطعم على بناء الفعل الأول للمفعول دون الثاني; ~~وتأويل الضمير في * (وهو) * راجع إلى الولي. # وكذلك قوله: * (هو الله الخالق البارئ المصور) * بفتح الواو والراء; على ~~أنه اسم مفعول; وتأويله أنه مفعول لاسم الفاعل، الذي هو البارئ، فإنه يعمل ~~عمل الفعل; كأنه قال: الذي برأ المصور. # وكقرءاة: * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) *، وتأويله أن الخشية هنا ~~بمعنى الإجلال والتعظيم; لا الخوف. # وكقراءة: * (فإذا عزمت فتوكل على الله) * بضم التاء على التكلم لله ~~تعالى; وتأويله على معنى: فإذا أرشدتك إليه وجعلتك تقصده. وجاء قوله: * ~~(على الله) * على الالتفات; وإلا لقال: * (فتوكل على) *، وقد نسب العزم ~~إليه في قول أم سلمة " ثم عز الله لي "،، وذلك على سبيل المجاز. وقوله: * ~~(شهد الله إنه لا إله إلا هو) *. PageV01P341 # النوع الرابع والعشرون معرفة الوقف والابتداء وهو فن جليل، وبه يعرف كيف ~~أداء القرآن. ويترتب على ذلك فوائد كثيرة; واستنباطات غزيرة. وبه تتبين ~~معاني الآيات، ويؤمن الاحتراز عن الوقوع في المشكلات. # وقد صنف فيه الزجاج قديما كتاب " القطع والاستئناف " وابن الأنباري، وابن ~~عباد، والداني، والعماني، وغيرهم. # وقد جاء عن ابن عمر أنهم كانوا يعملون ما ينبغي أن يوقف عنده، كما ~~يتعلمون القرآن. # وروى ms0197 عن ابن عباس * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان) * ~~قال: فانقطع الكلام. PageV01P342 # واستأنس له ابن النحاس بقول صلى الله عليه وسلم للخطيب: " بئس الخطيب أنت ~~" حين قال: [من يطع الله ورسوله فقد رشد] ومن يعصمها - ووقف - قال: قد كان ~~ينبغي أن يصل كلامه فيقول: ومن يعصمها فقد غوى، أو يقف على: " ورسوله فقد ~~رشد; " فإذا كان [مثل هذا] مكروها في الخطب ففي كلام الله أشد. # وفيما ذكره نزاع ليس هذا موضعه، وقد سبق حديث: " أنزل القرآن على سبعة ~~أحرف كل كاف شاف; ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب ". # وهذا تعليم للتمام; فإنه ينبغي أن يوقف على الآية التي فيها ذكر العذاب ~~والنار وتفصل عما بعدها; نحو: * (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) * ولا ~~توصل بقوله: # * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) *، وكذا قوله: * (حقت كلمة ربك على ~~الذين كفروا أنهم أصحاب النار) * ولا توصل بقوله: * (الذين يحملون العرش) * ~~وكذا: * (يدخل من يشاء في رحمته) *; ولا يجوز أن يوصل بقوله: * (والظالمون) ~~* وقس على هذا نظائره. # ] حاجة هذا الفن إلى مختلف العلوم] وهذا الفن معرفته تحتاج إلى علوم ~~كثيرة; قال أبو بكر بن مجاهد: لا يقوم بالتمام [في الوقف] إلا نحوي عالم ~~بالقراءات، عالم بالتفسير والقصص وتلخيص بعضها من بعض، عالم باللغة التي ~~نزل بها القرآن. وقال غيره: وكذا علم الفقه; ولهذا من لم يقبل شهادة القاذف ~~وإن تاب وقف عند قوله: * (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) *. PageV01P343 # فأما احتياجه إلى معرفة النحو وتقديراته، فلأن من قال في قوله تعالى: * ~~(ملة أبيكم إبراهيم) *: إنه منصوب بمعنى " كملة " أو أعمل فيها ما قبلها، ~~لم يقف على ما قبلها. # وكذا الوقف على قوله: * (ولم يجعل له عوجا) *، ثم يبتدئ * (قيما) *، لئلا ~~يتخيل كونه صفة له; إذا العوج لا يكون قيما; وقد حكاه ابن النحاس عن قتادة. # * وهكذا الوقف على ما في آخره هاء; فإنك في غير القرآن تثبت الهاء إذا ~~وقفت، وتحذفها إذا وصلت; فتقول: قه وعه، وتقول: ق زيدا، ms0198 وع كلامي; فأما في ~~القرآن من قوله تعالى: * (كتابه) * و * (حسابيه) * و * (سلطانيه) * و * (ما ~~هيه) * و * (لم يتسنه) * و * (اقتده) *; وغير ذلك، فالواجب أن يوقف عليه ~~بالهاء; لأنه مكتوب في المصحف بالهاء، ولا يوصل، لأنه يلزم في حكم العربية ~~اسقاط الهاء في الوصل; فإن أثبتها خالف العربية،، وإن حذفها خالف مراد ~~المصحف، ووافق كلام العرب، وإذا هو وقف عليه خرج من الخلافين، واتبع المصحف ~~وكلام العرب *. # فإن قيل: فقد جوزوا الوصل في ذلك. # قلنا: أتوا به على نية الوقف; غير أنهم قصروا زمن الفصل بين النطقين، فظن ~~من لا خبرة له أنهم وصلوا وصلا محضا، وليس كذلك. PageV01P344 # ومثله قراءة ابن عامر * (لكنا هو الله ربى) *، بإثبات الألف في حال ~~الوصل; اتبعوا في إثباتها خط المصحف; لأنهم أثبتوها فيه على نية الوقف، ~~فلهذا أثبتوها في حال الوصل، وهم على نية الوقف. # * * * وأما احتياجه إلى معرفة التفسير فلأنه إذا وقف على * (فإنها محرمة ~~عليهم أربعين سنة) * كان المعنى محرمة عليهم هذه المدة،، وإذا وقف على * ~~(فإنها محرمة عليهم) * كان المعنى محرمة عليهم أبدا; وأن التيه أربعين; ~~فرجع في هذا إلى التفسير، فيكون بحسب ذلك. # وكذا يستحب الوقف على قوله: * (من بعثنا من مرقدنا) *، ثم يبتدئ; فيقول: # * (هذا ما وعد الرحمن) * لأنه قيل إنه من كلام الملائكة. # * * * وأما احتياجه إلى المعنى فكقوله: * (قال، الله على ما تقول وكيل) * ~~فيقف على * (قال) * وقفة لطيفة; لئلا يتوهم كون الاسم الكريم فاعل: * (قال) ~~* وإنما الفاعل يعقوب عليه السلام. # وكذا يجب الوقف على قوله: * (ولا يحزنك قولهم) * ثم يبتدئ: * (إن العزة ~~لله جميعا) * وقوله: * (فلا يصلون إليكما بآياتنا) *، قال الشيخ عز الدين: ~~الأحسن PageV01P345 # الوقف على * (إليكما) *; لأن إضافة الغلبة إلى الآيات أولى من إضافة عدم ~~الوصول إليها; لأن المراد بالآيات العصا وصفاتها، وقد غلبوا بها السحرة، ~~ولم تمنع عنهم فرعون. # وكذا يستحب الوقف على قوله: * (أولم يتفكروا) * والابتداء بقوله: # * (ما بصاحبهم من جنة) *; فإن ذلك يبين أنه رد لقول الكفار: * (يا أيها ~~الذي نزل عليه الذكر ms0199 إنك لمجنون) *. وقال الداني: إنه وقف تام. # وكذا الوقف على قوله: * (ولذلك خلقهم) * والابتداء بما بعده; أي لأن ~~يرحمهم، فإن ابن عباس قال في تفسير الآية: * (ولا يزالون مختلفين) * يعنى ~~اليهود والنصارى * (إلا من رحم ربك) *، يعنى أهل الاسلام، * (ولذلك خلقهم) ~~* أي لرحمته خلقهم. # وكذلك الوقف على قوله: * (يوسف أعرض عن هذا) * والابتداء بقوله: * ~~(واستغفري لذنبك) * فإن بذلك يتبين الفصل بين الأمرين; لأن يوسف عليه ~~السلام أمر بالأعراض; وهو الصفح عن جهل من جهل قدره، وأراد ضره، والمرأة ~~أمرت بالاستغفار لذنبها لأنها همت بما يجب الاستغفار منه; ولذلك أمرت به; ~~ولم يهم بذلك يوسف عليه السلام، ولذلك لم يؤمر بالاستغفار منه; وإنما هم ~~بدفعها عن نفسه لعصمته; ولذلك أكد أيضا بعض العلماء الوقف على قوله تعالى: ~~* (ولقد همت به) *، والابتداء بقوله: * (وهم بها) * وذلك للفصل بين ~~الخبرين. وقد قال الداني: إنه كاف، وقيل: تام، وذكر بعضهم أنه على ~~PageV01P346 # حذف مضاف، أي هم بدفعها، وعلى هذا فالوقف على * (همت به) * كالوقف على ~~قوله تعالى: * (لنبين لكم) * والابتداء بقوله: * (وهم بها) * كالابتداء ~~بقوله: * (ونقر في الأرحام) *. # ومثله الوقف مراعاة للتنزيه على قوله: * (وهو الله) *، وقد ذكر * صاحب ~~الاكتفا أنه تام، وذلك ظاهر على قول ابن عباس أنه على التقديم والتأخير، ~~والمعنى: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض. # * وكذلك حكى الزمخشري في كشافه القديم عن أبي حاتم السجستاني في قوله: # * (مستهزئون. الله يستهزئ بهم) * قال: ليس * (مستهزئون) * بوقف صالح، لا ~~أحب استئناف * (الله يستهزئ بهم) *، ولا استئناف * (ومكر الله والله خير ~~الماكرين) * حتى أصله بما قبله، قال: وإنما لم يستحب ذلك لأنه إنما جاز ~~إسناد الاستهزاء والمكر إلى الله تعالى على معنى الجزاء عليهما، وذلك على ~~سبيل المزاوجة، فإذا استأنفت وقطعت الثاني من الأول أوهم أنك تسنده إلى ~~الله مطلقا والحكم في صفاته سبحانه أن تصان عن * الوهم. # وكذلك قوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله) * قال صاحب الاكتفا: إنه ~~PageV01P347 # تام على قول من زعم أن الراسخين لم يعلموا تأويله، وقول ms0200 الأكثرين، ويصدقه ~~قراءة عبد الله: " ويقول الراسخون في العلم آمنا به ". # وكذلك الوقف على: * (وقالوا اتخذ الله ولدا) *، والابتداء بقوله: * ~~(سبحانه) * وقد ذكر ابن نافع أنه تام، في كتابه الذي تعقب فيه على صاحب ~~الاكتفا، واستدرك عليه فيه مواقف كثيرة، وذلك أن الله أخبر عنهم بقولهم: * ~~(اتخذ الله ولدا) *، ثم رد قولهم ونزه نفسه بقوله: * (سبحانه) *، فينبغي أن ~~يفصل بين القولين. # ومثله الوقف على قوله تعالى: * (الشيطان سول لهم) *، والابتداء بقوله: # * (وأملى لهم) *. قال صاحب الكافي: * (سول لهم) * كاف، سواء قرئ * (وأملى ~~لهم) * على ما يسم فاعله، أو * (وأملى لهم) *، على الإخبار; لأن الإملاء في ~~كلتا القراءتين مسند إلى الله تعالى، لقوله: * (فأمليت للكافرين) *، فيحسن ~~قطعه من التسويل الذي هو مسند إلى الشيطان، وهو كما قال، وإنما يحسن قطعه ~~بالوقف ليفصل بين الحرفين. ولقد نبه بعض من وصله على حسن هذا الوقف، فاعتذر ~~بأن الوصل هو الأصل. # ومثله الوقف على قوله: * (رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها) *، والابتداء ~~بقوله: # * (ما كتبناها عليهم) *، وذلك للإعلام بأن الله تعالى جعل الرهبانية في ~~قلوبهم، أي خلق، كما جعل الرأفة والرحمة في قلوبهم وإن كانوا قد ابتدعوها ~~فالله تعالى خلقها; بدليل قوله سبحانه: * (والله خلقكم وما تعملون) *; هذا ~~مذهب أهل السنة، PageV01P348 # وقد نسب أبو على الفارسي إلى مذهب الاعتزال بقوله في الإيضاح حين تكلم ~~على هذه الآية فقال: ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على * (جعلنا) * ~~مع وصفها بقوله: # * (ابتدعوها) *، لأن ما يجعله الله لا يبتدعونه، فكذلك ينبغي أن يفصل ~~بالوقف بين المذهبين. # ومثله الوقف على قوله تعالى: * (فإن الله هو مولاه) *، والابتداء بقوله: ~~* (وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) *، أي معينون له صلى ~~الله عليه وسلم; فتكون هذه الجملة مستأنفة. # * * * وأما احتياجه إلى المعرفة بالقراءات فلأنه إذا قرأ: * (ويقولون ~~حجرا محجورا) * بفتح الحاء، كان هذا التمام، وإن ضم الحاء - وهي قراءة ~~الحسن - فالوقف عند * (حجرا) * يحيى لأن العرب كان إذا نزل بالواحد منهم ~~شدة قال: " حجرا " فقيل له: # " محجورا " أي لا تعاذون كما ms0201 كنتم تعاذون في الدنيا; حجر الله ذلك عليهم ~~يوم القيامة. # وإذا قرأ: * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) * إلى قوله: * (قصاص) * ~~فهو التام إذا نصب * (والعين بالعين) *، ومن رفع فالوقف عند: * (أن النفس ~~بالنفس) *، وتكون * (والعين بالعين) * ابتداء حكم في المسلمين وما قبله في ~~التوراة. PageV01P349 # واعلم أن أكثر القراء يبتغون في الوقف المعنى وإن لم يكن رأس آية، ~~ونازعهم فيه بعض المتأخرين في ذلك; وقال: هذا خلاف السنة، فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقف عند كل آية فيقول: * (الحمد لله رب العالمين) * ~~ويقف، ثم يقول: * (الرحمن الرحيم) * وهكذا، روت أم سلمة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يقطع قراءته آية آية، ومعنى هذا الوقف على رؤوس الآي، وأكثر ~~أواخر الآي في القرآن تام أو كاف، وأكثر ذلك في السور القصار الآي، نحو ~~الواقعة، قال: وهذا هو الأفضل; أعني الوقف على رؤس الآي وإن تعلقت بما ~~بعدها، وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد، والوقف عند رؤس ~~انتهائها; واتباع السنة أولى. وممن ذكر ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب ~~(شعب الإيمان) وغيره، ورجح الوقف على رؤس الآي وإن تعلقت بما بعدها. # قلت: وحكى النحاس عن الأخفش علي بن سليمان أن يستحب الوقوف على قوله: # * (هدى للمتقين) * لأنه رأس آية، وإن كان متعلقا بما بعده. # [أقسام الوقف] والوقف عند أكثر القراء ينقسم إلى أربعة أقسام: تام مختار، ~~وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك. # * * * وقسمه بعضهم إلى ثلاثة، وأسقط الحسن. وقسمه آخرون إلى اثنين، وأسقط ~~الكافي والحسن. # * * * فالتام هو الذي لا يتعلق بشئ مما بعده، فيحسن الوقف عليه والابتداء ~~بما بعد; PageV01P350 # كقوله تعالى: * (وأولئك هم المفلحون) *; وأكثر ما يوجد عند رؤس الآي ~~كقوله: # * (وأولئك هم المفلحون) *، ثم يبتدئ بقوله: * (إن الذين كفروا) * وكذا: # * (وأنهم إليه راجعون) * ثم يبتدئ بقوله: * (يا بني إسرائيل) *. # وقد يوجد قبل انقضاء الفاصلة، كقوله: * (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) * هنا ~~التمام لأنه انقضى كلام بلقيس، ثم قال تعالى: * (وكذلك يفعلون) *، وهو رأس ~~الآية. # وكذلك: * (عن الذكر ms0202 بعد إذ جاءني) * هو التمام لأنه انقضاء كلام الظالم ~~الذي هو أبي بن خلف، ثم قال تعالى: * (وكان الشيطان للإنسان خذولا) * وهو ~~رأس آية. # وقد يوجد بعدها كقوله تعالى: * (مصبحين وبالليل) * * (مصبحين) * رأس ~~الآية، * (وبالليل) * التمام; لأنه معطوف على المعنى، أي والصبح وبالليل. # وكذلك: * (يتكئون) * * (وزخرفا) *. رأس الآية: * (يتكئون) *، * (وزخرفا) ~~* هو التمام، لأنه معطوف على ما قبله من قوله: * (سقفا) *. # وآخر كل قصة وما قبل أولها وآخر كل سورة تام، والأحزاب، والأنصاف، ~~والأرباع، والأثمان، والأسباع، والأتساع، والأعشار، والأخماس. وقبل ياء ~~النداء، وفعل الأمر، والقسم ولامه دون القول، و " الله " بعد رأس كل آية، ~~والشرط ما لم يتقدم جوابه و " كان الله "، و ما كان "، و " ذلك "، و " لولا ~~" غالبهن تام ما لم يتقدمهن قسم أو قول أو ما في معناه. # * * * والكافي منقطع في اللفظ متعلق في المعنى، فيحسن الوقف عليه ~~والابتداء أيضا بما PageV01P351 # بعده، نحو: * (حرمت عليكم أمهاتكم) * هنا الوقف، ثم يبتدئ بما بعد ذلك، ~~وهكذا باقي المعطوفات، وكل رأس آية بعدها " لام كي " و " إلا " بمعنى " لكن ~~" و " إن " المكسورة المشددة، والاستفهام، و " بل " و " ألا " المخففة، و " ~~السين " و " سوف " على التهدد، و " نعم " و " بئس "، و " كيلا "، وغالبهن ~~كاف، ما لم يتقدمهن قول أو قسم، وقيل " أن " المفتوحة المخففة خمسة لا غير. ~~البقرة: * (وأن تصوموا) *، * (وأن تعفوا) *، * (وأن تصدقوا) *، والنساء * ~~(وأن تصبروا) *، والنور * (وأن يستعففن) *. # * * * والحسن هو الذي يحسن الوقوف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده، ~~لتعلقه به في اللفظ والمعنى; نحو * (الحمد لله رب العالمين) * و * (الرحمن ~~الرحيم) *، والوقف عليه حسن، لأن المراد مفهوم، والابتداء بقوله: * (رب ~~العالمين) * و * (الرحمن الرحيم) *، و * (مالك يوم الدين) * لا يحسن; لأن ~~ذلك مجرور، والابتداء بالمجرور قبيح; لأنه تابع. # * * * والقبيح هو الذي لا يفهم منه المراد نحو * (الحمد) * أهل فلا يوقف ~~عليه، ولا على الموصوف دون الصفة، ولا على البدل دون المبدل منه، ولا على ~~المعطوف دون المعطوف عليه، نحو * (كذبت ثمود وعاد) *، ولا على المجرور دون ~~الجار. PageV01P352 # وأقبح من ms0203 هذا الوقف على قوله: * (لقد كفر الذين قالوا) *، * (ومن يقل ~~منهم) * والابتداء بقوله: * (إن الله هو المسيح بن مريم) *، * (إن الله ~~ثالث ثلاثة) *، * (إني إله) *; لأن المعنى يستحيل بهذا في الابتداء، ومن ~~تعمده وقصد معناه فقد كفر. ومثله في القبح الوقف على: * (فبهت الذي كفر ~~والله) * و * (مثل السوء ولله) *، عند وشبهه، ومثله: * (وإن كانت واحدة ~~فلها النصف ولأبويه) *، و * (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى) *. # وأقبح من هذا وأشنع الوقف على النفي دون حروف الإيجاب، نحو: * (لا إله ~~إلا الله) *، * (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا) *، وكذا * (وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم والذين كفروا والذين كفروا) *، ~~و * (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا) *، فإن ~~اضطر لأجل التنفس جاز ذلك، ثم يرجع إلى ما قبله حتى يصله بما بعده ولا حرج. # * * * وقال بعضهم: إن تعلقت الآية بما قبلها تعلقا لفظيا كان الوقف ~~كافيا، نحو * (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين) *، وإن كان معنويا فالوقف ~~على ما قبلها حسن كاف، نحو * (الحمد لله رب العالمين) *; وإن لم يكن لا ~~لفظيا ولا معنويا فتام، PageV01P353 # كقوله: * (ولا هم يحزنون) *، بعده * (الذين يأكلون الربا) *، وإن كانت ~~الآية مضادة لما قبلها كقوله: * (أنهم أصحاب النار. الذين يحملون العرش) *، ~~فالوقف عليه قبيح. # * * * واعلم أن وقف الواجب إذا وقفت قبل " والله " ثم ابتدأت بوالله، وهو ~~الوقف الواجب كقوله تعالى: * (حذر الموت، والله محيط بالكافرين) *. # وقال بعض النحويين: الجملة التأليفية إذا عرفت أجزاؤها، وتكررت أركانها ~~كان ما أدركه الحس في حكم المذكور; فله أن يقف كيف شاء. وسواء التام وغيره; ~~إلا أن الأحسن أن يوقف على الأتم وما يقدر به / وذهب الجمهور إلى أن الوقف ~~في التنزيل على ثمانية أضرب: تام، وشبيه [به] وناقص، وشبيه به، [وحسن وشبيه ~~به] وقبيح، وشبيه به، وصنفوا فيه تصانيف، فمنها ما أثروه عن النحاة، ومنها ~~ما أثروه عن القراء، ومنها ما استنبطوه، ومنها ما اقتدوا فيه بالسنة فقط، ~~كالوقف على أواخر الآي; وهي مواقف النبي صلى ms0204 الله عليه وسلم. # وذهب أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة إلى أن تقدير الموقوف عليه من ~~القرآن: # التام، والناقص، والحسن، والقبيح، وتسميته بذلك بدعة، ومتعمد الوقف على ~~نحوه مبتدع، قال: لأن القرآن معجز، وهو كالقطعة الواحدة، فكله قرآن وبعضه ~~قرآن، وكله تام حسن، وبعضه تام، حكى ذلك أبو القاسم بن برهان النحوي عنه. ~~PageV01P354 # وقال ابن الأنباري: لا يتم الوقف على المضاف [دون المضاف إليه]، ولا على ~~الرابع دون المرفوع، ولا على المرفوع دون الرافع، ولا على الناصب دون ~~المنصوب، ولا عكسه، ولا على المؤكد دون التأكيد، ولا على المعطوف دون ~~المعطوف عليه، ولا على إن وأخواتها دون اسمها، ولا على اسمها دون خبرها، ~~وكذا ظننت،، ولا على المستثنى منه دون الاستثناء، ولا على المفسر عنه دون ~~التفسير، ولا على المترجم عنه دون المترجم، ولا على الموصول دون صلته، ولا ~~على حرف الاستفهام دون ما استفهم به عنه، ولا على حرف الجزاء دون الفعل ~~الذي بينهما، ولا على الذي يليه دون الجواب. وجوز أبو على الوقف على ما قبل ~~" إلا " إذا كانت بمعنى " لكن " كقوله تعالى: * (إلا ما اضطررتم إليه) *، ~~وكقوله: # * (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) *، و * (إلا اتباع الظن) * ونحوه. # وقال أبو عبيد: يجوز الوقف دون * (إلا خطأ) *، * (إلا اللمم) *، * (إلا ~~سلاما) *، لأن المعنى: لكن يقع خطأ، ولكن قد يلم، ولكن يسلمون سلاما، ~~وجميعه استثناء منقطع. # وقال غيره: لا يجوز الوقف على المبدل دون البدل إذا كان منصوبا، وإن كان ~~مرفوعا جاز الوقف عليه. # والحاصل أن كل شئ كان تعلقه بما قبله كتعلق البدل بالمبدل منه أو أقوى لا ~~يجوز الوقف عليه. PageV01P355 # مسألة فصل بعضهم في الصفة بين أن تكون للاختصاص فيمتنع الوقف على موصوفها ~~دونها، وبين أن تكون للمدح فيجوز، وجرى عليه الرماني في الكلام على قوله ~~تعالى: # * (وبشر الصابرين) *; قال: ويجوز الوقف عليه خلافا لبعضهم، وعامل الصفة ~~في المدح غير عامل الموصوف، فلهذا جاز قطعها عما قبلها، بخلاف الاختصاص فإن ~~عاملها عامل الموصوف، وسيأتي في كلام الزمخشري ما ms0205 يؤيده. # مسألة لا خلاف في التسامح بالوقف على المستثنى منه دون المستثنى إذا كان ~~متصلا، واختلف في الاستثناء أخبرنا المنقطع، فمنهم من يجوزه مطلقا، ومنهم ~~من يمنعه مطلقا. وفصل ابن الحاجب في أماليه فقال: يجوز إن صرح بالخبر، ولا ~~يجوز إن لم يصرح به; لأنه إذا صرح بالخبر استقلت الجملة واستغنت عما قبلها، ~~وإذا لم يصرح به كانت مفتقرة إلى ما قبلها. قال: # ووجه من جوز مطلقا أنه في معنى مبتدأ حذف خبره للدلالة عليه، فكان مثل ~~قولنا: # زيد، لمن قال: من أبوك! ألا ترى أن تقدير المنقطع في قولك: ما في الدار ~~أحد إلا الحارث: لكن الحارث في الدار، ولو قلت: " لكن الحارث " مبتدئا به ~~بعد الوقوف على ما قبله لكان حسنا، ألا ترى إلى جواز الوقف بالإجماع على ~~مثل قوله: * (إن الله PageV01P356 # لا يظلم الناس شيئا) * والابتداء بقوله: * (ولكن الناس أنفسهم يظلمون) *، ~~فكذلك هذا. ووجه من قال بالمنع ما أرى من احتياج الاستثناء المنقطع إلى ما ~~قبله لفظا ومعنى; أما اللفظ فلأنه لم يعهد استعمال " إلا " وما في معناها ~~إلا متصلا بما قبلها لفظا، ألا ترى أنك إذا قلت: ما في الدار أحد غير حمار، ~~فوقفت على ما قبل " غير " وابتدأت به كان قبيحا! فكذلك هذا، وأما المعنى ~~فلأن ما قبله مشعر بتمام الكلام في المعنى; فإن: ما في الدار أحد إلا ~~الحمار، هو الذي صحح قولك: " إلا الحمار " ألا ترى أنك لو قلت: # " إلا الحمار " على انفراده كان خطأ! # مسألة اختلف في الوقف على الجملة الندائية، والمحققون كما قاله ابن ~~الحاجب على الجواز; لأنها مستقلة، وما بعدها جملة أخرى; وإن كانت الأولى ~~تتعلق بها من حيث كانت هي في المعنى. # قاعدة [في الذي والذين في القرآن] جمع ما في القرآن من " الذين " و " ~~الذي " يجوز فيه الوصل بما قبله نعتا له، والقطع على أنه خبر مبتدأ، إلا في ~~سبعة مواضع فإن الابتداء بها هو المعين. PageV01P357 # الأول قوله: * (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته) *. # الثاني قوله: * (الذين آتيناهم ms0206 الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) * في ~~البقرة. # الثالث في الأنعام كذلك. # الرابع قوله: * (الذين يأكلون الربا لا يقومون) *. # الخامس في سورة التوبة: * (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله) *. # السادس قوله في سورة الفرقان: * (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم) *. # السابع قوله في سورة حم المؤمن: * (أنهم أصحاب النار، الذين يحملون العرش ~~ومن حوله) *. # وقال الزمخشري في تفسير سورة الناس: يجوز أن يقف القارئ على الموصوف ~~ويبتدئ * (الذي يوسوس) * يا إن جعله على القطع بالرفع والنصب، بخلاف ما إذا ~~جعله صفة. وهذا يرجع لما سبق عن الرماني من الفصل بالصفة بين التخصيصية ~~والقطيعة. # وجميع ما في القرآن من القول لا يجوز الوقف عليه; لأن ما بعده حكاية ~~القول، قاله الجويني في تفسيره. # وهذا الإطلاق مردود بقوله تعالى: * (ولا يحزنك قولهم) * فإنه يجب الوقف ~~PageV01P358 # هنا، لأن قوله: * (إن العزة لله جميعا) * ليس من مقولهم. # قال: وسمعت أبا الحسين الدهان يقول: حيث كان فيه إضمار من القرآن حسن ~~الوقف، مثاله قوله تعالى: * (فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك الحجر) *، ~~فيحسن الوقوف هاهنا، لأن فيه إضمارا تقديره: فضرب فانفلق. # فصل [ملخص في تقسيمات الوقف] فصل جامع لخصته من كلام صاحب المستوفى في ~~العربية قال: تقسيمهم الوقف إلى الجودة والحسن والقبح والكفاية وغير ذلك ~~وإن كان يدل على ذلك فليست القسمة بها صحيحة مستوفاة على مستعملها، وقد حصل ~~لقائلها من التشويش ما إذا شئت وجدته في كتبهم المصنفة في الوقوف. # فالوجه أن يقال: الوقف ضربان: اضطراري واختياري. # فالاضطراري يكون ما يدعو إليه انقطاع النفس فقط; وذلك لا يخص موضعا دون ~~موضع; حتى إن حمزة كان يقف في حرفه [على] كل كلمة تقع فيها الهمزة متوسطة ~~أو متطرفة إذا أراد تسهيلها; وحتى إنه روى عنه الوقف على المضاف دون ~~المضاف، إليه في نحو قوله: * (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات) * ~~قالوا: وقف هنا بالتاء على نحو جاءني " طلحت " إشعارا بأن الكلام لم يتم ~~عند ذاك، وكوقفه على * (إلى ms0207 PageV01P359 # من قوله: * (وإذا خلوا إلى) * بالفاء حركة الهمزة على الساكن قبلها، كهذه ~~الصورة " خلولى "، وعلى هذا يجوز أن يقف في المنظوم من القول حيث شئت; وهذا ~~هو أحسن الوقفين. # والاختياري قد وهو أفضلهما; هو الذي لا يكون باعتبار انفصال ما بين جزأي ~~القول; وينقسم بانقسام الانفصال أقساما: # الأول التام; وهو الذي يكون بحيث يستغنى كل واحد من جزأي القولين اللذين ~~يكتنفانه عن الآخر; كالوقف * (على نستعين) * من قوله * (إياك نعبد وإياك ~~نستعين) *، والآخر: * (اهدنا الصراط المستقيم) * مستغن عن الآخر من حيث ~~الإفادة النحويين والتعلق اللفظي. # الثاني الناقص; وهو أن يكون ما قبله مستغنيا عما بعده; ولا يكون ما بعده ~~مستغنيا عما قبله، كالوقف على * (المستقيم) * من قوله * (اهدنا الصراط ~~المستقيم) *; ولأن لك أن تسكت على * (اهدنا الصراط المستقيم) *، وليس لك أن ~~تقول مبتدئا: * (صراط الذين أنعمت عليهم) *. # فإن قيل: ولم لا يجوز أن يقدر هاهنا الفعل الذي ينتصب به * (صراط) *؟ # قلنا: أول ما في ذلك أنك إذا قدرت الفعل قبل * (صراط) * لم تكن مبتدئا به ~~من حيث المعنى، ثم إن فعلت ذلك كان الوقف تاما، لأن كل واحد من طرفيه ~~يستغنى حينئذ عن الآخر. والنحويون يكرهون الوقف الناقص في التنزيل مع إمكان ~~التام; فإن طال الكلام ولم يوجد فيه وقف تام حسن الأخذ بالناقص; كقوله ~~تعالى: * (قل أوحى) * إلى قوله: * (فلا تدعوا مع الله أحدا) * إن كسرت بعده ~~* (إن) * فإن PageV01P360 # فتحتها فإلى قوله: * (كادوا يكونون عليه لبدا) *; لأن الأوجه في " أن " ~~في الآية أن تكون محمولة على * (أوحى) * وهذا أقرب من جعل الوقف التام * ~~(حطبا) *، وحمل: # * (وأن لو استقاموا) * على القسم، فاضطر في * (وأن المساجد لله) * إلى أن ~~جعل التقدير: * (فلا تدعوا مع الله أحدا) *; لأن المساجد لله. # فإن قيل: هذا هو الوجه في فتح " أن " في الجملة التي بعد قوله: * (فقالوا ~~إنا سمعنا قرآنا عجبا. يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا) * فلم ~~لا يلزم من جعل الوقف التام * (حطبا) * ألا يقف قبله على هذه الجمل في ms0208 كسر ~~" إن " في أول كل واحدة منها؟ # قلنا: لأن هذه الجمل داخلة في القول، وما يكون داخلا في القول لا يتم ~~الوقف دونه; كما أن المعطوف إذا تبع المعطوف عليه في إعرابه الظاهر والمقدر ~~لا يتقدمه الوقف تاما. # فإن قيل: فهل يجوز الفصل بالمكسورات بين * (أنه استمع) * وبين * (وأنه ~~لما قام عبد الله) * فيمن فتحهما وقد عطف بالثانية على الأولى. # قيل: أما عندنا فليس ذلك بفصل; لأن ما بعد * (إنا سمعنا) * من المكسورات ~~معطوف عليها، وهي داخلة في القول، والقول - أعني * (فقالوا) * - معطوف على ~~* (استمع) * و * (استمع) * من صلة " أن " الأولى المفتوحة، فالمكسورات تكون ~~في خبر المفتوحة الأولى، فيعطف عليها الثانية بلا فصل بينها، والثانية ~~عندنا هي المخففة في قوله تعالى: * (وأن لو استقاموا على الطريقة) * ثم ~~الثالثة هي التي في قوله: * (وأن المساجد لله) *. PageV01P361 # ثم إن فتحت التي في قوله تعالى: * (وأنه لما قام عبد الله) * رابعة ~~تابعة; فإن فتحت التي بعد * (سمعنا) * كانت هي واللواتي فلا بعدها إلى ~~قوله: * (حطبا) * داخلة في القول حملا على المعنى، وقد يجوز أن تكون هي ~~الثانية ثم تعد بعدها على النسق. # ونحو قوله تعالى: * (إذا الشمس كورت) * إلى قوله: * (علمت نفس ما أحضرت) ~~* وعلى هذا القياس. # الثالث الأنقص; ومثل له بقراءة بعضهم: * (وإن كلا لما ليوفينهم) *، ~~وقراءة بعضهم: * (لكن هو الله) * والفرق بينهما أن التام قد يجوز أن يقع ~~فيه بين القولين مهلة وتراخ في اللفظ، والناقص لا يجوز أن يقع فيه بين جزأي ~~القول إلا قليل لبث، والذي دونهما لا لبث فيه ولا مهلة أصلا. # ثم إن كلا من التام والناقص ينقسم في ذاته أقساما. فالتام أتمه مالا ~~يتعلق اللاحق فيه من القولين بالسابق معنى، كما لا يتعلق به لفظا; وذلك نحو ~~قوله تعالى: * (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الانسان كفور. لله ملك ~~السماوات والأرض وشأن ما يتعلق فيه أحد القولين بالآخر معنى وإن كان لا ~~يتعلق به لفظا، وذلك كقوله: * (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول ms0209 إلا ~~كانوا به يستهزئون) * وتعلق الثاني فيه بالأول تعلق الحال بذي الحال معنى. ~~PageV01P362 # ونحو قوله تعالى: * (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها ~~عاكفون) * إلى قوله: * (فجعلهم جذاذا) * إلى قوله: * (بل فعله كبيرهم هذا) ~~*، فهذه الحال قد عطف بعضها في المعنى، وظاهر كل واحد منها الاستئناف في ~~اللفظ. # ونحو قوله تعالى: * (فهم به مستمسكون. بل قالوا) *، وأنت تعلم أن " بل " ~~لا يبتدأ بها. # ونحو * (وكنتم أزواجا ثلاثة) *; فإن ما بعده منقطع عنه لفظا إذ لا تعلق ~~له من جهة اللفظ لكنه متعلق به معنى، وتعلقه قريب من تعلق الصفة بالموصوف ~~إلى قوله: # * (وتصلية جحيم) *. # ونحو قوله: * (يا أيها الناس اتقوا ربكم) *; فإن الوقف عليه تام، ولكنه ~~ليس بالأتم، منه لأن ما بعده وهو قوله تعالى: * (إن زلزلة الساعة شئ عظيم) ~~*، كالعلة لما قبلها، فهو متعلق به معنى; وإن كان لا تعلق له من جهة اللفظ، ~~فقس على هذا ما سواه، فإنه أكثر أنواع الوقوف استعمالا، وليس إذا حاولت ~~بيان قصة وجب عليك ألا تقف إلا في آخرها; ليكون الوقف القول على الأتم; ومن ~~ثم أتى به من جعل الوقف على * (عليكم) * من قوله: * (والمحصنات من النساء ~~إلا ما ملكت إيمانكم كتاب الله عليكم) * غير تام. PageV01P363 # فصل [متى يحسن الوقف الناقص] يحسن الوقف الناقص بأمور: # منها أن يكون لضرب من البيان; كقوله تعالى: * (ولم يجعل له عوجا قيما) * ~~إذ به تبين أن " قيما " منفصل عن " عوجا " وإنه حال في نية التقدم. # وكما في قوله تعالى: * (وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت) * ~~ليفصل به بين التحريم النسبي والسببي. # قلت: ومنه قوله تعالى: * (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا) *; ليبين أن ~~" هذا " ليس من مقولهم. # ومنها أن يكون على رؤس الآي، كقوله تعالى: * (ماكثين فيه أبدا. وينذر ~~الذين قالوا اتخذ الله ولدا) *، ونحوه: * (لعلكم ترحمون. أن تقولوا) *. ~~وكان نافع يقف على رؤس الآي كثيرا; ومنه قوله تعالى: * (أيحسبون أنما نمدهم ~~به من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات بل ms0210 لا يشعرون) *. # ومنها أن تكون صورته في اللفظ صورة الوصل بعينها، نحو قوله تعالى: * (كلا ~~إنها لظى. نزاعة للشوى. تدعو من أدبر وتولى. وجمع فأوعى) * PageV01P364 # ومنها أن يكون الكلام مبنيا على الوقف، فلا يجوز فيه إلا الوقف صيغة، ~~كقوله: # * (يا ليتني لم أوت كتابيه. ولم أدر ما حسابيه) * هذا في الناقص; ومثاله ~~في التام: * (وما أدراك ما هيه. نار حامية) *. # فصل [خواص الوقف التام] من خواص التام المراقبة، وهو أن يكون الكلام له ~~مقطعان على البدل، كل واحد منهما إذا فرض فيه وجب الوصل في الآخر، وإذا فرض ~~فيه الوصل وجب الوقف في الآخر، كالحال بين " حياة " وبين " أشركوا " من ~~قوله: * (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو ~~يعمر) *، فإنك إن جعلت القطع على * (حياة) * وجب أن تبتدئ فتقول: * (ومن ~~الذين أشركوا يود) *، على الوصل لأن * (يود) * صفة للفاعل في موضعه، فلا ~~يجوز الوقف دونه، وكذلك إن جعل المقطع * (أشركوا) * وجب أن يصل * (على ~~حياة) *، على أن يكون التقدير: وأحرص من الذين أشركوا - والله أعلم بمراده. # ومنه أيضا ما تراه بين * (لا ريب) *، وبين * (فيه) * من قوله تعالى: * ~~(لا ريب فيه) *. PageV01P365 # فصل [انقسام الناقص بانقسام خاص] ينقسم الناقص بانقسام ما مر من التعلق ~~اللفظي بين طرفيه، فكلما كان التعلق أشد وأكثر كان الوقف أنقص، وكلما كان ~~أضعف وأوهى كان الوقف أقرب إلى التمام، والتوسط يوجب التوسط. # فمن وكيد التعلق ما يكون بين توابع الاسمية والفعلية وبين متبوعاتها; إذا ~~لم يمكن أن يتمحل لها في إعرابها وجه غير الاتباع; ومن ثم ضعف الوقف على * ~~(منتصرين) * من قوله تعالى: * (وفى ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين. فعتوا ~~عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون. فما استطاعوا من قيام وما كانوا ~~منتصرين. وقوم نوح) * فيمن جر - غاية الضعف. # وضعف على * (أثيم) * من قوله: * (ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم. # مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم) *. # وضعف على * (به) * من قوله تعالى: * (سوءا يجز به ms0211 ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا) *. # وضعف على * (أبدا) * من قوله: * (ماكثين فيه أبدا. وينذر الذين قالوا ~~اتخذ الله ولدا) *. # على أن هذه الطبقة من التعلق قد تنقسم أقساما; فإنه ليس بين البدل ~~والمبدل منه من التعلق بين الصفة والموصوف على ما ذكرناه. PageV01P366 # وأوهى من هذا التعلق ما يكون بين الفعل وبين ما ينتصب عنه من الزوائد ~~التي لا يخل حذفها بالكلام كبير إخلال، كالظرف، والتمييز، والاستثناء ~~المنقطع; ولذلك كان الوقف على نحو * (عجبا) * من قوله * (أم حسبت أن أصحاب ~~الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا. إذ أوى الفتية إلى الكهف) * أوهى من ~~الوقوف المذكورة. # فإن وسطت بين التعلق بالمذكور من المتعلق الذي للمفعول أو الحال المخصصة، ~~أو الاستثناء الذي يتغير بسقوطه المعنى وانتصب - كان لك في الوقف على نحو * ~~(مسغبة) * من قوله تعالى: * (أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما ذا مقربة) *. ~~وعلى نحو * (قليلا) * من قوله تعالى: * (يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا ~~قليلا. مذبذبين) *. # وعلى نحو * (مصيرا) * من قوله: * (جزاؤهم جهنم وساءت مصيرا. إلا ~~المستضعفين) * وعلى نحو * (واحدة) * و * (زوجها) *، من قوله تعالى: * (يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونساء) *. # وعلى نحو * (نذيرا) * من قوله تعالى * (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) * مرتبة بين المرتبتين المذكورتين. # فهذه ثلاث مراتب للوقف الناقص كما ترى; بإزاء ثلاث طبقات من التعلق ~~المذكور، فإن قسمت طبقة من الطبقات انقسمت بإزائها مرتبة من المراتب; فقد ~~خرج لك بحسب هذه القسمة - وهي القسمة الصناعية - ستة أصناف من الوقف في ~~الكلام: خمسة منها بحسب الكلام نفسه، وهي الأتم، والتام، والذي يشبه التام، ~~والناقص المطلق، والأنقص، وواحد من جهة المتكلم أو القارئ، وهو الذي بحسب ~~انقطاع النفس كما سبق عن حمزة. PageV01P367 # واعلم أن الوقف في الكلام قد يمكن أن يكون من غير انقطاع نفس وإن كان لا ~~شئ من انقطاع النفس إلا ومعه الوقف، والوقوف أمرها ms0212 على سبيل الجواز إلا ~~الذي بنى عليه الكلام وما سواه، فعليك منه أن تختار الأفضل فالأفضل; بشرط ~~أن تطابق به انقطاع نفسك لينجذب عند السكت إلى باطنك من الهواء ما تستعين ~~به ثانيا على الكلام الذي تنشئه باخراجه على الوجه المذكور. # ومما يدعو إلى الوقف في موضع الوقف الترتيل; فإنه أعون شئ عليه، وقد أمر ~~الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله: * (ورتل القرآن ترتيلا) ~~*. # ويدعو إليه اجتناب تكرير اللفظة الواحدة في القرآن تكريرا من غير فصل; ~~كما في قوله تعالى: * (فلينظر الانسان مم خلق. خلق من ماء دافق) *، وقوله: # * (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا والله يحب المطهرين) *. # فصل [في الكلام على كلا في القرآن] " كلا " في القرآن على ثلاثة أقسام: # إحداها ما يجوز الوقف عليه والابتداء به جميعا باعتبار معنيين. # والثاني ما لا يوقف عليه ولا يبتدأ به. PageV01P368 # والثالث ما يبتدأ به ولا يجوز الوقف عليه، وجملته ثلاثة وثلاثون حرفا; ~~تضمنها خمس عشرة سورة; كلها في النصف الأخير من القرآن; وليس في النصف ~~الأول منها شئ وللشيخ عبد العزيز الديريني رحمه الله: # - وما نزلت " كلا " بيثرب فاعلمن * ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى - ~~وحكمة ذلك أن النصف الآخر نزل أكثره بمكة، وأكثرها جبابرة، فتكررت هذه ~~الكلمة على وجه التهديد والتعنيف لهم، والإنكار عليهم، بخلاف النصف الأول. # وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلهم وضعفهم. # * * * والأول اثنا عشر حرفا: # منها في سورة مريم: * (أم اتخذ عند الرحمن عهدا. كلا) *. # ومنه [فيها]: * (ليكونوا لهم عزا كلا) * وفى " المؤمنين ": * (فيما تركت ~~كلا) * وفى المعارج: * (ينجيه. كلا) *. وفيها: * (جنة نعيم. كلا) *. # وفى المدثر: * (أن أزيد. كلا) *. وفيها: * (صحفا منشرة. كلا) *. # وفى القيامة: * (أين المفر. كلا) *. PageV01P369 # وفى عبس: * (تلهى. كلا) *. # وفى التطفيف: * (قال أساطير الأولين. كلا) *. # وفى الفجر: * (أهانن. كلا) *. # وفى الهمزة: * (أخلده. كلا) *. # * * * والثاني ثلاثة أحرف: # في الشعراء: * (أن يقتلون. قال كلا) *. # وفيها: * (إنا ms0213 لمدركون. قال كلا) *. # وفى سبأ: * (ألحقتم به شركاء كلا) *. # * * * والثالث ثمانية عشر حرفا: # في المدثر: * (كلا والقمر) *. * (كلا إنه تذكرة) *. # وفى القيامة * (كلا بل تحبون العاجلة) *. * (كلا إذا بلغت التراقي) *. # وفى النبأ: * (كلا سيعلمون) *. # وفى عبس: * (كلا لما يقض) *. PageV01P370 # وفى الانفطار: * (كلا بل تكذبون) *. # وفى التطفيف: * (كلا إن كتاب الفجار) *. * (كلا أنهم) *. # وفى الفجر: * (كلا إذا) *. # وفى العلق: * (كلا إن) *. * (كلا لئن لم ينته) *. كلا لا تطعه) * وفى ~~التكاثر: * (كلا سوف تعلمون) *. # * * * وقسمها مكي أربعة أقسام: # الأول: ما يحسن الوقف فيه على " كلا " على معنى الرد لما قبلها والإنكار ~~له; فتكون بمعنى: ليس الأمر كذلك، والوقف عليها في هذه المواضع هو ~~الاختيار; ويجوز الابتداء بها على معنى " حقا "، أو " إلا "; وذلك أحد عشر ~~موضعا. # منها الموضعان في مريم. وفى المؤمنين. # وفى سبأ: * (ألحقتم به شركاء كلا) *. وموضعان في المعارج. وموضعان في ~~المدثر. وموضع في المطففين، والفجر، والحطمة. قال: فهذه أحد عشر موضعا، ~~الاختيار عندنا وعند أكثر أهل اللغة أن تقف عليها على معنى النفي والإنكار ~~لما تقدمها، ويجوز أن تبتدئ بها على معنى " حقا "، لجعلها تأكيدا للكلام ~~الذي بعدها، أو الاستفتاح. # * * * الثاني: مالا يحسن الوقف عليه فيها، ولا يكون الابتداء بها على ~~معنى " حقا "، أو " إلا " PageV01P371 # أو تعلقها بما قبلها وبما بعدها، ولا يوقف عليها، ولا يبتدأ بها، ~~والابتداء بها في المواضع أحسن، وذلك في ثمانية عشر موضعا: موضعان في ~~المدثر: * (وما هي إلا ذكرى للبشر. # كلا والقمر) *، * (كلا بل لا يخافون الآخرة. كلا إنه تذكرة) *. # وثلاثة في القيامة: * (أين المفر. كلا) *، * (ثم إن علينا بيانه. كلا) * ~~* (أن يفعل بها فاقرة. كلا إذا) *. # وموضع في عم: * (كلا سيعلمون) *. # وموضعان في عبس: * (إذا شاء أنشره. كلا) *، * (تلهى. كلا) *. # وموضع في الانفطار: * (ما شاء ركبك. كلا) * وثلاثة مواضع في المطففين: * ~~(لرب العالمين. كلا إن كتاب الفجار) *. # * (ما كانوا يكسبون. كلا إنهم) *. * (الذي كنتم به تكذبون. # كلا) *. # وموضع في الفجر: * (حبا جما. كلا) *. # وثلاثة مواضع في العلق: * (علم الانسان ما لم يعلم. كلا) ms0214 *. * (ألم يعلم ~~بأن الله يرى. كلا) *. * (سندع الزبانية. كلا) *. PageV01P372 # وموضعان في التكاثر: * (حتى زرتم المقابر. كلا سوف تعلمون) * وقوله: # * (كلا لو تعلمون) *. # فهذه ثمانية عشر موضعا، الاختيار عندنا وعند القراء وعند أهل اللغة أن ~~يبتدأ بها، و " كلا " على معنى " حقا "، أو " إلا " وألا يوقف عليها. # * * * الثالث: ما لا يحسن الوقف فيه عليها، ولا يحسن الابتداء بها، ولا ~~تكون موصولة بما قبلها من الكلام، ولا بما بعدها، وذلك موضعان: في * (عم ~~يتساءلون) *: * (كلا سيعلمون. # ثم كلا سيعلمون) *. وكذا في التكاثر: * (ثم كلا سوف تعلمون) *، فلا يحسن ~~الوقف عليها ولا الابتداء بها. # * * * الرابع: ما لا يحسن الابتداء بها ويحسن الوقوف عليها، وهو موضعان ~~في الشعراء: # * (أن يقتلون. قال كلا) *، * (إنا لمدركون. قال كلا) *. # قال: فهذا هو هو الاختيار; ويجوز في جميعها أن تصلها بما قبلها وبما ~~بعدها ولا تقف عليها ولا تبتدئ بها. # [الكلام على بلى] وأما * (بلى) * فقد وردت في القرآن في اثنين وعشرين ~~موضعا، في ست عشرة سورة، وهي على ثلاثة أقسام: PageV01P373 # أحدها ما يختار فيه كثير من القراء وأهل اللغة الوقف عليها; لأنها جواب ~~لما قبلها غير متعلق بما بعدها; وذلك عشرة مواضع: موضعان في البقرة: * (ما ~~لا تعلمون. # بلى من كسب سيئة) *. * (إن كنتم صادقين. بلى) * وموضعان في آل عمران: * ~~(وهم يعلمون بلى من أوفى) *. * (بلى إن تصبروا) *. # وموضع في الأعراف: * (ألست بربكم قالوا بلى) *، وفيه اختلاف. # وفى النحل: * (ما كنا نعمل من سوء بلى) *. # وفى يس: * (أن يخلق مثلهم بلى) *. # وفى غافر: * (رسلكم بالبينات قالوا بلى) *. # وفى الأحقاف: * (على أن يحيى الموتى بلى) *. # وفى الانشقاق: * (أن لن يحور بلى) *. # فهذه عشرة مواضع يختار الوقف عليها; لأنها جواب لما قبلها، غير متعلقة ~~بما بعدها. # وأجاز بعضهم الابتداء بها. # والثاني ما لا يجوز الوقف عليها، لتعلق ما بعدها بها وبما قبلها، وذلك في ~~سبعة مواضع: # في الأنعام: * (بلى وربنا) *. وفى النحل * (لا يبعث الله من يموت بلى) *. # وفى سبأ * (قل بلى وربنا) *. وفى الزمر * (من المحسنين بلى قد ms0215 جاءتك) *. # وفى الأحقاف: * (بلى وربنا) *. # وفى التغابن: * (قل بلى وربى لتبعثن) *. PageV01P374 # وفى القيامة: * (أن لن نجمع عظامه بلى) *. # وهذه لا خلاف في امتناع الوقف عليها، ولا يحسن الابتداء بها، لأنها وما ~~بعدها جواب. # الثالث: ما اختلفوا في جواز الوقف عليها; والأحسن المنع; لأن ما بعدها ~~متصل بها وبما قبلها، وهي خمسة مواضع. # في البقرة: * (بلى ولكن ليطمئن قلبي) *. # وفى الزمر: * (قالوا بلى ولكن حقت) *. # وفى الزخرف: * (ونجواهم بلى ورسلنا) *. # وفى الحديد: * (قالوا بلى) *. # وفى الملك: * (قالوا بلى قد جاءنا نذير) *. # [الكلام على " نعم "] * (وأما نعم) * ففي القرآن في أربعة مواضع: # في الأعراف: * (قالوا نعم فأذن مؤذن) *، والمختار الوقف على " نعم " لأن ~~ما بعدها ليس متعلقا بها ولا بما قبلها; إذ ليس هو قول أهل النار، و * ~~(قالوا نعم) * من قولهم. # والثاني والثالث في الأعراف والشعراء: * (قال نعم وإنكم) *. # الرابع في الصافات: * (قل نعم وأنتم داخرون) *. # والمختار ألا يوقف على " نعم " في هذه المواضع لتعلقها بما قبلها لاتصاله ~~بالقول. # وضابط ما يختار الوقف عليه أن يقال: إن وقع بعدها " ما " اختير الوقف ~~عليها وإلا فلا. # أو يقال: إن وقع بعدها واو لم يجز الوقف عليها وإلا اختير، وأنت مخير في ~~أيهما شئت. PageV01P375 # النوع الخامس والعشرون مرسوم الخط ولما كان خط المصحف هو الإمام الذي ~~يعتمده القارئ في الوقف والتمام، ولا يعدو رسومه، ولا يتجاوز مرسومه، قد ~~خالف خط الإمام في كثير من الحروف والأعلام، ولم يكن ذلك منهم كيف اتفق; بل ~~على أمر عندهم قد تحقق، وجب الاعتناء به والوقوف على سببه. # ولما كتب الصحابة المصحف زمن عثمان رضي الله عنه اختلفوا في كتابة " ~~التابوت " فقال زيد " التابوه " وقال النفر القرشيون: " التابوت "، ~~وترافعوا إلى عثمان فقال: # اكتبوا: " التابوت " فإنما أنزل القرآن على لسان قريش. # قال ابن درستويه: خطان لا يقاس عليهما خط المصحف وخط تقطيع العروض. # وقال أبو البقاء في كتاب اللباب: " ذهب جماعة من أهل اللغة إلى كتابة ~~الكلمة على لفظها إلا في خط المصحف; فإنهم اتبعوا في ذلك ما ms0216 وجدوه في ~~الإمام، والعمل على الأول ". # فحصل أن الخط ثلاثة أقسام: خط يتبع به الاقتداء السلفي، وهو رسم المصحف، ~~وخط جرى على ما أثبته اللفظ وإسقاط ما حذفه; وهو خط العروض، فيكتبون ~~التنوين ويحذفون همزة الوصل. وخط جرى على العادة المعروفة; وهو الذي يتكلم ~~عليه النحوي. PageV01P376 # واعلم أن للشئ في الوجود أربع مراتب: الأولى حقيقته في نفسه. والثانية ~~مثاله في الذهن - وهذان لا يختلفان باختلاف الأمم. والثالثة اللفظ الدال ~~على المثال الذهني والخارجي. والرابعة الكتابة الدالة على اللفظ - وهذان قد ~~يختلفان باختلاف الأمم، كاختلاف اللغة العربية والفارسية، والخط العربي ~~والهندي; ولهذا صنف الناس في الخط والهجاء; إذ لا يجرى على حقيقة اللفظ من ~~كل وجه. # وقال الفارسي: لما عمل أبو بكر بن السراج كتاب الخط والهجاء قال لي: اكتب ~~كتابنا هذا، قلت له: نعم إلا أنى آخذ بآخر حرف منه، قال: وما هو؟ قلت: ~~قوله: # " ومن عرف صواب اللفظ عرف صواب الخط " قال أبو الحسين بن فارس في كتاب ~~فقه اللغة: " يروى أن أول من كتب الكتاب العربي والسرياني عمر والكتب كلها ~~آدم عليه السلام قبل موته بثلاثمائة سنة، كتبها في طين وطبخه; فلما أصاب ~~الأرض الغرق وجد كل قوم كتابا فكتبوه، فأصاب إسماعيل الكتاب العربي. # وكان ابن عباس يقول: أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل عليه السلام. # قال: والروايات في هذا الباب كثيرة ومختلفة. # والذي نقوله: إن الخط توقيفي لقوله: * (علم بالقلم. علم الانسان ما لم ~~يعلم) *. # وقال تعالى: * (ن والقلم وما يسطرون) *. [وإذا كان كذا]، فليس ببعيد أن ~~يوقف آدم وغيره من الأنبياء عليهم السلام على الكتاب. PageV01P377 # وزعم قوم أن العرب العاربة لم تعرف هذه الحروف بأسمائها، وانهم لم يعرفوا ~~نحوا ولا إعرابا ولا رفعا ولا نصبا ولا همزا. # ومذهبنا [فيه التوقيف، فنقول]: إن أسماء هذه الحروف داخلة في الأسماء ~~التي علم الله تعالى آدم عليه السلام. # قال: وما اشتهر أن أبا الأسود أول من وضع العربية وأن الخليل أول من وضع ~~العروض فلا ننكره، وإنما نقول: إن ms0217 هذين العلمين كانا قديما، وأتت عليهما ~~الأيام، وقلا في أيدي الناس، ثم جددهما هذان الإمامان. # ومن الدليل على عرفان القدماء [من الصحابة وغيرهم] ذلك كتابتهم المصحف ~~على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو والياء، والهمز والمد والقصر، ~~فكتبوا ذوات الياء بالياء، وذوات الواو بالواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ~~ما قبلها ساكنا، نحو " الخبء " و " الدفء " و " الملء " فصار ذلك [كله] ~~حجة، وحتى كره بعض العلماء ترك اتباع المصحف ". PageV01P378 # وأسند إلى الفراء قال: اتباع المصحف إذا وجدت له وجها من كلام العرب ~~وقراءة الفراء أحب إلى من خلافه. # وقال أشهب: سئل مالك رحمه الله: هل تكتب المصحف على ما أخذته الناس من ~~الهجاء؟ فقال: لا; إلا على الكتبة الأولى. رواه أبو عمرو الداني في المقنع ~~ثم قال: # ولا مخالف له من علماء الأمة. # وقال في موضع آخر: سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف: أترى ~~أن تغير من المصحف إذا وجدا فيه كذلك؟ فقال: لا. قال أبو عمرو: يعنى الواو ~~والألف المزيدتين في الرسم لمعنى، المعدومتين في اللفظ، نحو [الواو في]: * ~~(أولوا الألباب) *، * (وأولات) * و: * (الربا) *، ونحوه. # وقال الإمام أحمد رحمه الله: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ~~ألف أو غير ذلك. # قلت: وكان هذا في الصدر الأول، والعلم حي غض، وأما الآن فقد يخشى ~~الإلباس; ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف ~~الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة; لئلا يوقع في تغيير من الجهال. ~~ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه; لئلا يؤدى إلى دروس العلم، وشئ أحكمته ~~القدماء لا يترك مراعاته لجهل الجاهلين; ولن تخلو الأرض من قائم لله ~~بالحجة. وقد قال البيهقي في شعب الإيمان: من كتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على ~~الهجاء التي كتبوا بها تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيها، ولا يغير مما كتبوه ~~شيئا; فإنهم أكثر علما، وأصدق قلبا ولسانا، وأعظم أمانة منا; فلا ينبغي أن ~~نظن بأنفسنا استدراكا عليهم. وروى بسنده عن زيد ms0218 قال: القراء PageV01P379 # سنة. قال سليمان بن داود الهاشمي: يعنى ألا تخالف الناس برأيك في ~~الاتباع. # قال: وبمعناه بلغني عن أبي عبيد في تفسير ذلك: وترى القراء لم يلتفوا إلى ~~مذهب العربية في القراءة إذا خالف ذلك خط المصحف، واتباع حروف المصاحف ~~عندنا كالسنن القائمة التي لا يجوز لأحد أن يتعداها. # مسألة [في كتابة القرآن بغير الخط العربي] هل يجوز كتابة القرآن بقلم غير ~~العربي؟ هذا مما لم أر للعلماء فيه كلاما. ويحتمل الجواز; لأنه قد يحسنه من ~~يقرأه بالعربية، والأقرب المنع، كما تحرم قراءته بغير لسان العرب، ولقولهم: ~~القلم أحد اللسانين، والعرب لا تعرف قلما غير العربي قال تعالى: # * (بلسان عربي مبين) *. # اختلاف رسم الكلمات في المصحف والحكمة فيه] واعلم أن الخط جرى على وجوه: ~~فيها ما زيد عليه على اللفظ; ومنها ما نقص، ومنها ما كتب على لفظه، وذلك ~~لحكم خفية، وأسرار بهية، تصدى لها أبو العباس المراكشي الشهير بابن البناء; ~~في كتابه: " عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل "، وبين أن هذه الأحرف إنما ~~اختلف حالها في الخط بحسب اختلاف أحوال معاني كلماتها. PageV01P380 # ومنها التنبيه على العوالم الغائب والشاهد، ومراتب الوجود، والمقامات. ~~والخط إنما يرتسم على الأمر الحقيقي لا الوهمي. # [الزائد وأقسامه] الأول: ما زيد فيه، والزائد أقسام: # [القسم الأول: زيادة الألف] الأول الألف; وهي إما أن تزاد من أول الكلمة ~~أو من آخرها، أو من وسطها. # فالأول: تكون بمعنى زائد بالنسبة إلى ما قبله في الوجود، مثل; * (لا ~~أذبحنه) *، و * (ولا أوضعوا خلالكم) * زيدت الألف تنبيها على أن المؤخر أشد ~~في الوجود من المقدم عليه لفظا; فالذبح أشد من العذاب، والإيضاع أشد إفسادا ~~من زيادة الخبال; واختلفت المصاحف في حرفين: * (لا إلى الجحيم) * و * (لا ~~إلى الله تحشرون) *; فمن رأى أن مرجعهم إلى الجحيم أشد من أكل الزقوم وشرب ~~الحميم، وأن حشرهم إلى الله أشد عليهم من موتهم أو قتلهم في الدنيا أثبت ~~الألف. ومن PageV01P381 # لم ير ذلك لأنه غيب عنا، فلم يستو القسمان في العلم بهما لم ms0219 يثبته، وهو ~~أولى. # وكذلك: * (لا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس) *، * (أفلم ييأس) * لأن ~~الصبر وانتظار الفرج أخف من الإياس، والإياس لا يكون في الوجود إلا بعد ~~الصبر والانتظار. # والثاني يكون باعتبار معنى خارج عن الكلمة يحصل في الوجود; لزيادتها بعد ~~الواو في الأفعال، نحو " يرجوا "، و " يدعوا "، وذلك لأن الفعل أثقل من ~~الاسم; لأنه يستلزم فاعلا، فهو جملة، والاسم مفرد لا يستلزم غيره، فالفعل ~~أزيد من الاسم في الوجود، والواو أثقل حروف المد واللين، والضمة أثقل ~~الحركات، والمتحرك أثقل من الساكن، فزيدت الألف تنبيها على ثقل الجملة، ~~وإذا زيدت مع الواو التي هي لام الفعل، فمع الواو التي هي ضمير الفاعلين ~~أولى، لأن الكلمة جملة، مثل " قالوا " و " عصوا "، إلا أن يكون الفعل ~~مضارعا وفيه النون علامة الرفع، فتختص الواو بالنون، التي هي من جهة تمام ~~الفعل; إذ هي إعرابه فيصير ككلمة واحدة وسطها واو; كالعيون والسكون، فإن ~~دخل ناصب أو جازم مثل: * (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) * ثبتت الألف. # وقد تسقط في مواضع للتنبيه على اضمحلال الفعل، نحو: * (سعوا في آياتنا ~~معاجزين) *، فإنه سعى في الباطل لا يصح له ثبوت في الوجود. # وكذلك: * (وجاؤوا بسحر عظيم) *، و * (جاؤوا ظلما وزورا) *، * (وجاؤوا ~~أباهم) *، * (وجاؤوا على قميصه) *، فإن هذا المجئ ليس على وجهه الصحيح. # وكذلك * (فإن فاؤوا) *، وهو فىء بالقلب والاعتقاد. PageV01P382 # وكذا * (تبوؤوا الدار والإيمان) * اختاروها سكنا، لكن لا على الجهة ~~المحسوسة; لأنه سوى بينهما، وإنما اختاروها سكنا لمرضاة الله; بدليل وصفهم ~~بالإيثار مع الخصاصة; فهذا دليل زهدهم في محسوسات الدنيا، وكذلك * (فاؤوا) ~~* لأنه رجوع معنوي. # وكذلك: * (عسى الله أن يعفو عنهم) *، حذفت ألفه لأن كيفية هذا الفعل لا ~~تدرك، إذ هو ترك المؤاخذة; إنما هو أمر عقلي. # وكذلك * (وعتوا عتوا كبيرا) *، هذا عتو على الله، لذلك وصفه بالكبر فهو ~~باطل في الوجود. # وكذلك سقطت من: * (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) *، ولم تسقط من: # * (وإذا ما غصبوا هم يغفرون) *، لأن " غضبوا " جملة بعدها أخرى، والضمير ~~مؤكد للفاعل في الجملة ms0220 الأولى، و " كالوهم " جملة واحدة، الضمير جزء منها. # وكذلك زيدت الألف بعد الهمزة في حرفين: * (إني أريد أن تبوأ) * و * (ما ~~إن مفاتحه لتنوء) * تنبيها على تفصيل المعنى; فإنه يبوء بإثمين من فعل ~~واحد، وتنوء المفاتح بالعصبة، فهو نوءان للمفاتح، لأنها بثقلها أثقلتهم ~~فمالت وأمالتهم، وفيه تذكير بالمناسبة يتوجه به من مفاتح كنوز مال الدنيا ~~المحسوس، إلى مفاتح كنوز العلم الذي ينوء بالعصبة أولي القوة في يقينهم، ~~إلى ما عند الله في الدار الآخرة. # وكذلك زيدت بعد الهمزة من قوله: * (كأمثال اللؤلؤا) * تنبيها على معنى ~~البياض والصفاء بالنسبة إلى ما ليس بمكنون وعلى تفصيل الإفراد، يدل عليه ~~قوله: PageV01P383 # * (كأمثال) *، وهو على خلاف حال * (كأنهم لؤلؤ) * فلم تزد الألف للإجمال ~~وخفاء التفصيل. # وقال أبو عمرو: كتبوا * (اللؤلؤا) * إلا في الحج والملائكة بالألف، ~~واختلف في زيادتها، فقال أبو عمرو: كما زادوها في " كانوا " وقال الكسائي: ~~لمكان الهمزة. # وعن محمد بن عيسى الأصبهاني. كل ما في القرآن من " لؤلؤ " فبغير الألف في ~~مصاحف البصريين إلا في موضعين: في الحج والإنسان. # وقال عاصم الجحدري: كلها في مصحف عثمان بالألف إلا التي في الملائكة. # والثالث تكون لمعنى في نفس الكلمة ظاهر، مثل: * (وجئ يومئذ بجهنم) *، ~~زيدت الألف دليلا على أن هذا المجئ هو بصفة من الظهور ينفصل بها عن معهود ~~المجئ، وقد عبر عنه بالماضي، ولا يتصور إلا بعلامة من غيره ليس مثله، ~~فيستوى في علمنا ملكها وملكوتها في ذلك المجئ; ويدل عليه قوله تعالى في ~~موضع آخر: # * (وبرزت الجحيم) *، وقوله: * (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا) *; هذا بخلاف حال: * (وجئ بالنبيين والشهداء) *; حيث لم تكتب ~~الألف، لأنه على المعروف في الدنيا، وفى تأوله بمعنى البروز في المحشر ~~لتعظيم جناب الحق أثبتت الأف فيه أيضا. PageV01P384 # وكذلك: * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا) *، الشئ هنا معدوم، وإنما ~~علمناه من تصور مثله الذي قد وقع في الوجود فنقل له الاسم فيه، من حيث إنه ~~يقدر أنه يكون مثله في الوجود، فزيدت الألف تنبيها ms0221 على اعتبار المعدوم من ~~جهة تقدير الوجود، إذ هو موجود في الأذهان، معدوم في الأعيان. # وهذا بخلاف قوله في النحل: * (إنما قولنا لشئ إذا أردناه) *، فإن الشئ ~~هنا من جهة قول الله، لا يعلم كيف ذلك، بل نؤمن به تسليما لله سبحانه فيه، ~~فإنه سبحانه يعلم الأشياء بعلمه لا بها، ونحن نعلمها بوجودها لا بعلمنا، ~~فلا تشبيه ولا تعطيل. # وكذلك: * (إلى فرعون وملائه) *، زيدت الألف بين اللام والهمزة، تنبيها ~~على تفصيل مهم ظاهر الوجود. # ومثله زيادتها في " مائة "، لأنه اسم يشتمل على كثرة مفصلة بمرتبتين: ~~آحاد وعشرات: # قال أبو عمرو في المقنع: لا خلاف في رسم ألف الوصل الناقصة من اللفظ في ~~الدرج، نحو: * (عيسى ابن مريم) * * (والمسيح ابن مريم) * وهو نعت، كما ~~أثبتوها في الخبر نحو: * (عزير ابن الله) *، و * (المسيح ابن الله) *، ولم ~~تحذف إلا في خمسة مواضع. # قال: ولا خلاف في زيادة الألف بعد الميم في " مائة " و " مائتين "، حيث ~~وقعا، PageV01P385 # ولم تزد في " فئة " ولا " فئتين " وزيدت في نحو: * (تبوأ بإثمي) * و * ~~(لتنوء بالعصبة) *. ولا أعلم همزة متطرفة قبلها ساكن رسمت [خطا] في المصحف ~~إلا في هذين الموضعين. [ولا أعلم همزة متوسطة قبلها ساكن رسمت في المصحف ~~إلا في قوله:] * (موئلا) *، في الكهف لا غير. # [القسم الثاني: زيادة الواو] الزائد الثاني الواو، زيدت للدلالة على ظهور ~~معنى الكلمة في الوجود، في أعظم رتبة في العيان، مثل: * (سأوريكم دار ~~الفاسقين) *، * (سأوريكم آياتي) *. # ويدل على ذلك أن الآيتين جاءتا للتهديد والوعيد. # وكذلك " أولى " و " أولوا " و " أولات "، زيدت الواو بعد الهمزة حيث وقعت ~~لقوة المعنى على " أصحاب "، فإن في " أولى " معنى الصحبة وزيادة التمليك ~~والولاية عليه، وكذلك زيدت في " أولئك " و " أولائكم " حيث وقعا بالواو، ~~لأنه جمع مبهم يظهر فيه معنى الكثرة الحاضرة في الوجود، وليس للفرق بينه ~~وبين " أولئك " كما قاله قوم لانتفاضة " بأولا ". # [القسم الثالث زيادة الياء] الزائد الثالث الياء، زيدت لاختصاص ملكوتي ~~باطن; وذلك في تسعة مواضع كما قاله في المقنع: PageV01P386 # * (أفإن مات أو قتل) ms0222 *. # * (من نبأ المرسلين) *. # * (من تلقاء نفسي) * أ * (وإيتاء ذي القربى) *. # * (ومن آناء الليل) *. # * (أفإن مت) *. # * (من وراء حجاب) *. # * (والسماء بنيناها بأيد) *. # * (وبأيكم المفتون) *. # قال أبو العباس المراكشي: إنما كتبت * (بأييد) * بياءين فرقا بين " الأيد ~~" الذي هو القوة، وبين " الأيدي " جمع " يد "، ولا شك أن القوة التي بنى ~~الله بها السماء هي أحق بالثبوت في الوجود من الأيدي، فزيدت الياء لاختصاص ~~اللفظة بمعنى أظهر في أدراك الملكوتي في الوجود. # وكذلك زيدت بعد الهمزة في حرفين: # * (أفإن مات) *، * (أفإن مت) *. PageV01P387 # وذلك لأن موته مقطوع به، والشرط لا يكون مقطوعا به، ولا ما رتب على الشرط ~~هو جواب له، لأن موته لا يلزم منه خلود غيره ولا رجوعه عن الحق، فتقديره: " ~~أهم الخالدون إن مت "؟! فاللفظ للاستفهام والربط،، والمعنى للإنكار والنفي، ~~فزيدت الياء لخصوص هذا المعنى، الظاهر للفهم، الباطن في اللفظ. # وكذلك زيدت بعد الهمزة في آخر الكلمة في حرف واحد، في الأنعام: * (من نبأ ~~المرسلين) * تنبيها على أنها أنباء باعتبار أخبار، وهي ملكوتية ظاهرة. # وكذلك * (بأييكم المفتون) * كتبت بياءين، تخصيصا لهم بالصفة لحصول ذلك ~~وتحققه في الوجود; فإنهم هم المفتونون دونه، فانفصل حرف " أي " بياءين لصحة ~~هذا الفرق بينه وبينهم قطعا، لكنه باطن فهو ملكوتي، وإنما جاء اللفظ ~~بالإبهام على أسلوب المجاملة في الكلام، والإمهال لهم; ليقع التدبر ~~والتذكار، كما جاء: * (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) *، ومعلوم ~~أنا على هدى، وهم على ضلال. # [الناقص وأقسامه] الوجه الثاني ما نقص عن اللفظ، ويأتي فيه أيضا الأقسام ~~السابقة: # [القسم الأول حذف الألف] الأول الألف، كل ألف تكون في كلمة لمعنى له ~~تفصيل في الوجود، له اعتباران: # اعتبار من جهة ملكوتية، أو صفات حالية، أو أمور علوية مما لا يدركه الحس ~~PageV01P388 # فإن الألف تحذف في الخط علامة لذلك واعتبار من جهة ملكية حقيقية في ~~العلم، أو أمور سفلية; فإن الألف تثبت. # واعتبر ذلك في لفظتي " القرآن " و " الكتاب " فإن القرآن هو تفصيل الآيات ~~التي أحكمت في الكتاب، فالقرآن أدنى إلينا في ms0223 الفهم من الكتاب وأظهر في ~~التنزيل; قال الله تعالى في هود: * (آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن ~~حكيم خبير) *. # وقال في فصلت: * (كتب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) * وقال: # * (إن علينا جمعه وقرآنه) *. ولذلك ثبت في الخط ألف " القرآن " وحذفت ألف ~~" الكتاب ". # وقد حذفت ألف " القرآن " في حرفين; هو فيهما مرادف للكتاب في الاعتبار; ~~قال تعالى في سورة يوسف: * (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) *، وفى الزخرف: * ~~(إنا جعلناه قرآنا عربيا) *، والضمير في الموضعين ضمير الكتاب المذكور ~~قبله. # وقال بعد ذلك في كل واحدة منهما: * (لعلكم تعقلون) *، فقرينته هي من جهة ~~المعقولية. وقال في الزخرف: * (وإنه في أم الكتب لدينا لعلى حكيم) *. # وكذلك كل ما في القرآن من " الكتاب " و " كتاب " فبغير ألف; إلا في أربعة ~~مواضع هي مقيدة بأوصاف خصصته من الكتاب الكلى: # في الرعد: * (لكل أجل كتاب) *، فإن هذا " كتاب " الآجال PageV01P389 # فهو أخص من الكتاب المطلق، أو المضاف إلى الله. # وفى الحجر: * (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) *، فإن هذا " ~~كتاب " إهلاك القرى، وهو أخص من كتاب الآجال. # وفى الكهف: * (واتل ما أوحى إليك من كتاب) *، فإن هذا أخص من " الكتاب " ~~الذي في قوله: * (أتل ما أوحى إليك من الكتب) *، لأنه أطلق هذا، وقيد ذلك ~~بالإضافة إلى الاسم المضاف إلى معنى في الوجود، والأخص أظهر تنزيلا. # وفى النمل: * (تلك آيات القرآن وكتاب مبين) *، هذا " الكتاب " جاء تابعا ~~للقرآن، والقرآن جاء تابعا للكتاب، كما جاء في الحجر: * (تلك آيات الكتاب ~~وقرءان مبين) *، فما في النمل له خصوص تنزيل مع الكتاب الكلى، فهو تفصيل ~~للكتاب الكلى بجوامع كليته. # ومن ذلك حذف الألف في: * (بسم الله) * تنبيها على علوه في أول رتبة ~~الأسماء وانفراده، وأن عنه انقضت الأسماء; فهو بكليها; أي يدل عليه إضافته ~~إلى اسم الله الذي هو جامع الأسماء كلها، أولها، ولهذا لم يتسم به غير ~~الله، بخلاف غيره من أسمائه، فلهذا ظهرت الألف معها، تنبيها على ظهور ~~التسمية في الوجود، وحذفت الألف التي قبلها الهاء ms0224 من اسم الله، وأظهرت التي ~~مع اللام من أوله، دلالة على أنه الظاهر من جهة التعريف والبيان، الباطن من ~~جهة الإدراك والعيان. # وكذلك حذفت الألف قبل النون من اسمه: " الرحمن " حيث وقع، بيانا لأنا ~~نعلم حقائق تفصيل رحمته في الوجود، فلا يفرق في علمنا بين الوصف والصفة، ~~وإنما الفرقان PageV01P390 # في التسمية والاسم، لا في معاني الأسماء المدلول عليها بالتسمية، بل نؤمن ~~بها إيمانا مفوضا في علم حقيقته إليه. # قلت: وعلماء الظاهر يقولون: للاختصار وكثرة الاستعمال، وهو من خصائص ~~الجلالة الشريفة، فإن همزة الوصل الناقصة من اللفظ في الدرج تثبت خطا إلا ~~في البسملة، وفى قوله في هود: * (بسم الله مجريها) *، ولا تحذف إلا بشرطين. # أن تضاف إلى اسم الله - ولهذا أثبتت في * (باسم ربك) * - وأن تكون قبله ~~الباء، ولم يشترط الكسائي الثاني، فجوز حذفها كما تحذف في " بسم الملك "; ~~والجمهور على الأول. # وكذلك حذف الألف في كثير من أسماء الفاعلين مثل: " قدر " و " علم "، وذلك ~~أن هذه الألف في وسط الكلمة. # وكذلك الألف الزائدة في الجموع السالمة والمكسرة، مثل " القنتين "، و " ~~الأبرار " و " الجلل "، و " الإكرم "، و " اختلف "، و " استكبر "، فإنها ~~كلها وردت لمعنى مفصل يشتمل عليه معنى تلك اللفظة، فتحذف حيث يبطن التفصيل، ~~وتثبت حيث يظهر. # وكذلك ألف الأسماء الأعجمية كإبرهيم لأنها زائدة لمعنى غير ظاهر في لسان ~~العربي; لأن العجمي بالنسبة إلى العربي باطن خفى لا ظهور له، فحذفت ألفه. # قال أبو عمرو: اتفقوا على حذف الألف من الأعلام الأعجمية [المستعملة] ~~كإبرهيم وإسماعيل، واسحق، وهارون، ولقمن [وشبهها]، وأما حذفها من: سليمن، ~~وصلح، وملك - وليست بأعجمية - فلكثرة الاستعمال; فأما ما لم يكثر استعماله ~~من الأعجمية PageV01P391 # فبالألف، كطالوت، وجالوت، ويأجوج، ومأجوج [وشبهها]. # واختلفت المصاحف في أربعة: هاروت، وماروت، وهامان، وقارون; فأما " داود " ~~فلا خلاف في رسمه بالألف، لأنهم قد حذفوا منه واوا فلم يجحفوا بحذف ألف ~~أخرى، ومثله " إسرائيل " ترسم بالألف، [في أكثر المصاحف]; لأنه حذف منه ~~الياء. # وكذلك اتفقوا على حذف الألف في جمع السلامة، مذكرا كان كالعلمين، ~~والصبرين، ms0225 والصدقين، أو مؤنثا كالمسلمت، والمؤمنات، والطيبت، والخبيثت، فإن ~~جاء بعد الألف همزة أو حرف مضعف ثبتت الألف، نحو: السائلين، والصائمين ~~والظانين، والضالين، وحافين، ونحوه. # قال أبو العباس: وقد تكون الصفة ملكوتية روحانية، وتعتبر من جهة مرتبة ~~سفلى ملكية، هي أظهر في الاسم، فتثبت الألف; كالأواب، والخطاب، والعذاب، و ~~* (أم كنت من العالين) *، و * (الوسواس الخناس) *. # وقد تكون ملكية، وتعتبر من جهة مرتبة عليا ملكوتية هي أظهر في الاسم، ~~فتحذف الألف، كالمحرب، ولأجل هذا التداخل يغمض ذلك، فيحتاج إلى تدبر وفهم. # ومنه ما يكون ظاهر الفرقان، " كالأخير " و " الأشرار "، تحذف من الأول ~~دون الثاني. PageV01P392 # ومنه ما يخفى كالفراش، ويطعمون الطعام، فالفراش محسوس والطعام ثابت، ~~ووزنهما واحد; وهما جسمان، لكن يعتبر في الأول مكان التشبيه، فإن التشبيه ~~محسوس، وصفة التشبيه غير محسوس، فالمشبه به غير محسوس في حالة الشبه، إذا ~~جعل جزءا من صفة المشبه به من حيث هو مستفرش مبثوث، لا من حيث هو جسم; وأما ~~الطعام فهو المحسوس المعطى للمحتاجين. # وكذلك: * (وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعمكم ابن حل لهم) * ثبتت ~~الألف في الأول; لأنه سفلى بالنسبة إلى طعامنا لمكان التشديد عليهم فيه، ~~وحذفت من الثاني لأنه علوي بالنسبة إلى طعامهم، لعلو ملتنا على ملتهم. # وكذلك: * (كانا يأكلان الطعم) *، فحذفت لعلو هذا الطعام. # وكذلك: غلقت الأبوب) * " غلقت " فيه التكثير في العمل، فيدخل به أيضا ما ~~ليس بمحسوس من أبواب الاعتصام فحذفت الألف لذلك، ويدل عليه: # * (واستبقا الباب) * * (وألفيا سيدها لدا الباب) *، فأفرد " الباب " ~~المحسوس من أبواب الاعتصام. # وكذلك: * (وفتحت أبوبها) *; محذوف لأنها من حيث فتحت ملكوتية علوية، و: * ~~(مفتحة لهم الأبواب) * ملكية من حيث هي لهم، فثبتت الألف. و * (قيل ادخلوا ~~أبواب جهنم) *، ثابتة لأنها من جهة دخولهم محسوسة سفلية. وكذلك: # * (سبعة أبواب) * من حيث حصرها العدد في الوجود، ملكية فثبتت الألف. ~~PageV01P393 # وكذلك: " الجراد " و " الضفدع "، الأول ثابت، فهو الذي في الواحدة ~~المحسوسة، والثاني محذوف لأنه ليس في الواحدة المحسوسة، والجمع هنا ملكوتي ~~من حيث هو آية. # وكذلك: * (أن ms0226 نبدل أمثلكم) * حذفت لأنها أمثال كلية لم يتعين فيها للفهم ~~جهة التماثل; و * (كأمثال اللؤلؤ) * ثابت الألف لأنه تعين للفهم جهة ~~التماثل وهو البياض والصفاء. * (كذلك يضرب الله للناس أمثلهم) * حذفت ~~للعموم. و * (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) * ثابت في الفرقان لأنها المذكورة ~~حسية مفصلة، ومحذوفة في الإسراء لأنها غير مفصلة باطنة. # وكذلك: * (فإذا نفخ في الصور نفخة وحدة) *، و * (دكتا دكة واحدة) * ~~الأولى محذوفة، لأنها روحانية لا تعلم إلا إيمانا، والثانية ثابتة جسمانية ~~يتصور أمثالها من الهوى. # وكذلك: [ألف] * (كتبيه) * محذوفة لأنه ملكوتي و [ألف] * (حسابيه) * ~~ثابتة، لأنها ملكية; وهما معا في موطن الآخرة. # وكذلك: * (القضية) * ملكوتية، * (وماليه) * ملكي محسوس، فحذف الأول وثبت ~~الثاني. PageV01P394 # وكذلك: * (ولما برزوا لجلوت) *، حذف لأنه الاسم، * (وقتل داود جالوت) * ~~ثبت لأنه مجسد محسوس، [فحذف الأول وثبت الثاني]. # وكذلك: * (سبحن) * حذفت لأنه ملكوتي إلا حرفا واحدا، واختلف فيه: * (قل ~~سبحان ربى) *، فمن أثبت الألف قال: هذا تبرئة من مقام الاسلام، وحصره ~~الأجسام، صدر به مجاوبة للكفار في مواطن الرد والإنكار. ومن أسقط فلعلو حال ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم لا يشغله عن الحضور تقلبه في الملكوت الخطاب في ~~الملك، وهو أولى الوجهين. # وكذلك: * (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) *، ثبتت ألف * (ثالث) ~~* لأنهم جعلوه أحد ثلاثة مفصلة، فثبتت الألف علامة لإظهارهم التفصيل في ~~الإله، تعالى الله عن قولهم! وحذفت ألف * (ثلاثة) * لأنه اسم العدد الواحد ~~من حيث هو كلمة واحدة. # وكذلك: * (وما من إله إلا إله واحد) *، حذفت من * (إله) * وثبتت في * ~~(واحد) * ألفه، لأنه إله في ملكوته، تعالى عن أن تعرف صفته بإحاطة الإدراك، ~~واحد في ملكه، تنزه بوحدة أسمائه عن الاعتضاد والاشتراك. هذا من جهة ~~إدراكنا، وأما من جهة ما [هي] عليه الصفة في نفسها فلا يدرك ذلك، بل يسلم ~~علمه إلى الله تعالى فتحذف. # وكذلك سقطت الألف الزائدة لتطويل " هاء " التنبيه في النداء، في ثلاثة ~~أحرف: PageV01P395 # * (أيه المؤمنون) *، و * (أيه الساحر) *، و * (أيه الثقلان) *، والباقي ~~بإثبات الألف، والسر في سقوطها ms0227 في هذه الثلاثة الإشارة إلى معنى الانتهاء ~~إلى غاية ليس وراءها في الفهم رتبة يمتد النداء إليها، وتنبيه على الاقتصار ~~والاقتصاد من حالهم والرجوع إلى ما ينبغي. # وقوله: * (وتوبوا إلى الله جميعا) * يدل على أنهم كل المؤمنين، على ~~العموم والاستغراق فيهم. وقوله تعالى حكاية عن فرعون: * (إن هذا لساحر ~~عليم) * وقول فرعون: * (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) * يدل على عظم علمه ~~عندهم ليس فوقه أحد. وقوله: * (سنفرغ لكم أيه الثقلان) *، فإقامة الوصف ~~مقام الموصوف يدل على عظم الصفة الملكية، فإنها تقتضي جميع الصفات ~~الملكوتية والجبروتية، فليس بعدها رتبة أظهر في الفهم على ما ينبغي لهم من ~~الرجوع إلى اعتبار آلاء الله في بيان النعم ليشكروا، وبيان النقم ليحذروا. # وكذلك حذفت الألف الآتية لمد الصوت بالنداء، مثل * (يقوم) *، * (يعباد) * ~~لأنها زائدة للتوصل بين المرتبتين; وذلك أمر باطن ليس بصفة محسوسة في ~~الوجود. # قال أبو عمرو: كل ما في القرآن من ذكر " آيتنا " فبغير الألف، إلا في ~~موضعين: في * (بآياتنا) *، و * (آياتنا بينات) *. PageV01P396 # وكل ما فيه من ذكر " أيها " فبالألف، إلا في ثلاثة مواضع محذوفة الألف: ~~في النور: * (أيه المؤمنون) *، وفى الزخرف: * (يا أيه الساحر) *، وفى ~~الرحمن: * (أيه الثقلان) *. # وكل ما فيه من " ساحر " فبغير الألف إلا في واحد; في الذاريات: * (وقال ~~ساحر أو مجنون. # [القسم الثاني: حذف الواو] الثاني حذف الواو اكتفاء بالضمة قصدا للتخفيف، ~~فإذا اجتمع واوان والضم، فتحذف الواو التي ليست عمدة، وتبقى العمدة، سواء ~~كانت الكلمة فعلا، مثل: * (ليسوءوا وجوهكم) *، أو صفة مثل " الموءدة " و " ~~ليؤس "، و " الغاون "; أو اسما، مثل " داود " إلا أن ينوى كل واحد منهما ~~فتثبتان جميعا، مثل " تبوءوا " فإن الواو الأولى تنوب عن حرفين لأجل ~~الإدغام، فنوبت في الكلمة، والواو الثانية ضمير الفاعل، فثبتا جميعا. # وقد سقطت من أربعة أفعال، تنبيها على سرعة وقوع الفعل وسهولته على ~~الفاعل، وشدة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود: # أولها: * (سندع الزبانية) *، فيه سرعة الفعل وإجابة الزبانية وقوة البطش، ~~PageV01P397 # وهو وعيد عظيم ذكر مبدؤه وحذف آخره، ويدل عليه ms0228 قوله تعالى: * (وما أمرنا ~~إلا واحدة كلمح بالبصر) *. # وثانيها: * (ويمح الله الباطل) *، حذفت منه " الواو " علامة على سرعة ~~الحق وقبول الباطل له بسرعة، بدليل قوله: * (إن الباطل كان زهوقا) *، وليس ~~* (يمح) * معطوفا على * (يختم) * الذي قبله، لأنه ظهر مع * (يمح) * الفاعل، ~~وعطف على الفعل ما بعده، وهو: * (ويحق الحق) *. # قلت: إن قيل: لم رسم الواو في: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) *،، وحذفت ~~في: * (ويمح الله الباطل) *؟ # قلت: لأن الإثبات الأصل، وإنما حذفت في الثانية لأن قبله مجزوم، وإن لم ~~يكن معطوفا عليه، لأنه قد عطف عليه * (ويحق) *، وليس مقيدا بشرط، ولكن قد ~~يجئ بصورة العطف على المجزوم، وهذا أقرب من عطف الجوار في النحو، والله ~~أعلم. # وثالثها: * (ويدع الانسان بالشر) *، حذف الواو يدل على أنه سهل عليه ~~ويسارع فيه، كما يعمل في الخير، وإتيان الشر إليه من جهة ذاته أقرب إليه من ~~الخير. # ورابعها: * (يوم يدع الداع) * حذف الواو لسرعة الدعاء وسرعة الإجابة. # [القسم الثالث: حذف الياء] الثالث: حذف الياء اكتفاء بالكسرة، نحو " ~~فارهبون "، " فاعبدون ". PageV01P398 # قال أبو العباس: الياء الناقصة في الخط ضربان: ضرب محذوف في الخط ثابت في ~~التلاوة، وضرب محذوف فيهما. # فالأول هو باعتبار ملكوتي باطن، وينقسم قسمين. # ما هو ضمير المتكلم، وما هو لام الكلمة. # فالأول إذا كانت الياء ضمير المتكلم، مثل: * (فكيف كان عذابي ونذر) *، ~~ثبتت [الياء] الأولى، لأنه فعل ملكوتي. وكذلك * (فما آتان الله خير مما ~~آتاكم) * حذفت الياء لاعتبار ما آتاه الله من العلم والنبوة، فهو المؤتى ~~الملكوتي من قبل الآخرة، وفى ضمنه الجسماني للدنيا، لأنه فان، والأول ثابت. # وكذلك: * (فلا تسألن ما ليس لك به علم) *، وعلم هذا المسؤول غيب ملكوتي، ~~بدليل قوله: * (ما ليس لك به علم) *، فهو بخلاف قوله: * (فلا تسألني عن شئ ~~حتى أحدث لك منه ذكرا) *، لأن هذا سؤال عن حوادث الملك في مقام الشاهد، ~~كخرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار. # وكذلك: * (أجيب دعوة الداع إذا دعان) *، فحذف الضمير في الخط PageV01P399 # دلالة على الدعاء الذي من جهة الملكوت بإخلاص ms0229 الباطن. # وكذلك: * (أسلمت وجهي لله ومن اتبعن) * هو الاتباع العلمي في دين الله ~~بالجوارح المقصود بها وجه الله وطاعته. # وكذلك: * (لمن خاف مقامي وخاف وعيد) *، ثبتت الياء في " المقام " لاعتبار ~~المعنى من جهة الملك، وحذفت من " الوعيد " لاعتباره ملكوتيا، فخاف المقام ~~من جهة ما ظهر للأبصار، وخاف الوعيد من جهة إيمانه بالأخبار. # وكذلك: * (لئن أخرتن إلى يوم القيامة) *، هو التأخير بالمؤاخذة، لا ~~التأخير الجسمي; فهو بخلاف قوله: * (لولا أخرتني إلى أجل قريب) *، لأن هذا ~~تأخير جسمي في الدنيا الظاهرة. # وكذلك: * (عسى أن يهدين ربى لأقرب من هذا رشدا) *، سياق الكلام في أمور ~~محسوسة، والهداية فيه ملكوتية، وقد هداه الله في قصة الغار، وهو في العدد * ~~(ثاني اثنين) *، حتى خرج بدينه عن قومه بأقرب من طريق أهل الكهف حين خرجوا ~~بدينهم عن قومهم وعدوهم، على ما قص الله علينا فيه، وهذه الهداية بخلاف ما ~~قال موسى: * (عسى ربى أن يهديني سواء السبيل) *، فإنها هداية السبيل ~~المحسوسة إلى مدين في عالم الملك، بدليل قوله: * (ولما توجه تلقاء مدين) *. # وكذلك: * (على أن تعلمن مما علمت رشدا) * وكذلك: * (ولا تتبعان) *، هو في ~~طريق الهداية لا في مسير موسى إلى ربه; بدليل PageV01P400 # * (أفعصيت أمرى) *، ولم يأمره بالمسير الحسى، إنما أمره أن يخلفه في قومه ~~ويصلح، وهذا بخلاف قول هارون: * (فاتبعوني وأطيعوا أمرى) *، فإنه اتباع ~~محسوس في ترك ما سواه، بدليل قوله: * (وأطيعوا أمرى) *، وهو لا أمر له إلا ~~الحسى. # وكذلك: * (فكيف كان نكير) * حيث وقع، لأن النكير معتبر من جهة الملكوت، ~~لا من جهة أثره المحسوس، فإن أثره قد انقضى وأخبر عنه بالفعل الماضي، ~~والنكير اسم ثابت في الأزمان كلها، فيه التنبيه على أنه كما أخذ أولئك يأخذ ~~غيرهم. # وكذلك: * (إني أخاف أن يكذبون) * خاف موسى عليه السلام أن يكذبوه فيما ~~جاءهم به، وأن يكون سببه من قبله، من جهة إفهامه لهم بالوحي، فإنه كان عالي ~~البيان، لأنه كليم الرحمن، فبلاغته لا تصل إليها أفهامهم، فيصير إفصاحه ~~العالي عند فهمهم النازل عقدة عليهم في اللسان، ms0230 يحتاج إلى ترجمان; فإن يقع ~~بعده تكذيب فيكون من قبل أنفسهم، وبه تتم الحجة عليهم. # وكذلك: * (إن كدت لتردين) *، هو الإرادة الأخروي الملكوتي. # وكذلك: * (أن ترجمون) *، ليس هو الرجم بالحجارة، إنما هو ما يرمونه من ~~بهتانهم. # وكذلك: * (فحق وعيد) *، * (لمن خاف مقامي وخاف وعيد) *، هو الأخروي ~~الملكوتي. PageV01P401 # وكذلك: * (فيقول ربى أكرمن) *، * (ربى أهانن) *، هذا الانسان يعتبر ~~منزلته عند الله في الملكوت بما يبتليه في الدنيا، وهذا من الانسان خطأ، ~~لأن الله تعالى يبتلى الصالح والطالح، لقيام حجته على خلقه. # والقسم الثاني من الضرب الأول; إذا كانت الياء لام الكلمة، سواء كانت في ~~الاسم أو الفعل، نحو: * (أجيب دعوة الداع) *، حذفت تنبيها على المخلص لله، ~~الذي قلبه ونهايته في دعائه في الملكوت والآخرة، لا في الدنيا. # وكذلك: * (الداع إلى شئ نكر) *، هو داع ملكوتي من عالم الآخرة. # وكذلك: * (يوم يأت) * هو إتيان ملكوتي أخروي آخره متصل بما وراءه من ~~الغيب. # وكذلك * (المهتد) *. # وكذلك: * (والباد) *، حذف لأنه على غير حال الحاضر الشاهد، وقد جعل الله ~~لها سرا. # وكذلك: * (كالجواب) *، من حيث التشبيه، فإنه ملكوتي; إذ هو صفة تشبيه لا ~~ظهور لها في الإدراك الملكي. # وكذلك: * (يوم التلاق) *، و * (التناد) * كلاهما ملكوتي أخروي. ~~PageV01P402 # وكذلك: * (والليل إذا يسر) *، وهو السرى الملكوتي الذي يستدل عليه بآخره ~~من جهة الانقضاء أو بمسير النجوم. # وكذلك: * (ومن آياته الجوار) * ما تعتبر من حيث هي آية يدل ملكها على ~~ملكوتها، فآخرها بالاعتبار يتصل بالملكوت بدليل قوله: * (إن يشأ يسكن الريح ~~فيظللن رواكد) *. # وكذلك حذف ياء الفعل من " يحيى " إذا انفردت، وثبتت مع الضمير، مثل: * ~~(من يحي العظام) *، * (قل يحييها) *، لأن حياة الباطن أظهر في العلم من ~~حياة الظاهر، وأقوى في الإدراك. # * * * الضرب الثاني الذي تسقط فيه الياء في الخط والتلاوة، فهو اعتبار ~~غيبة عن باب الإدراك جملة، واتصاله بالإسلام لله في مقام الإحسان، وهو ~~قسمان: منه ضمير المتكلم، ومنه لام الفعل. # فالأول إذا كانت الياء ضمير المتكلم فإنها إن كانت للعبد فهو الغائب، وإن ~~كانت للرب فالغيبة للمذكور معها، ms0231 فإن العبد هو الغائب عن الإدراك في ذلك ~~كله، فهو في هذا المقام مسلم مؤمن بالغيب، مكتف بالأدلة، فيقتصر في الخط ~~لذلك على نون الوقاية والكسرة. ومنه من جهة الخطاب به الحوالة على ~~الاستدلال بالآيات دون تعرض لصفة الذات; ولما كان الغرض من القرآن جهة ~~الاستدلال واعتبار الآيات وضرب المثال دون التعرض لصفة الذات - كما قال: * ~~(ويحذركم الله نفسه) *، وقال: * (فلا تضربوا PageV01P403 # لله الأمثال) * - كان الحذف في خواتم الآي كثيرا; مثل: * (فاتقون) *، * ~~(فارهبون) *، * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) * * (وما أريد أن ~~يطعمون) *، وهو كثيرا جدا. # وكذلك ضمير العبد، مثل: * (إن يردن الرحمن) * غائب عن علم إرادته الرحمن، ~~إنما علمه بها تسليما وإيمانا برهانيا. # وكذلك قوله في العقود: * (فلا تخشوا الناس واخشون) * الناس كلى لا يدل ~~على ناس بأعيانهم ولا موصوفين بصفة فهم كلى، ولا يعلم الكلى من حيث هو كلى; ~~بل من حيث أثر البعض في الإدراك، ولا يعلم الكلى إلا من حيث هو أثر الجزئي ~~في الإدراك، فالخشية هنا كلية لشئ غير معلوم الحقيقة; فوجب أن يكون الله ~~أحق بذلك، فإنه حق، وإن لم نحط به علما، كما أمر الله سبحانه بذلك، ولا ~~يخشى غيره، وهذا الحذف بخلاف ما جاء في البقرة: * (فلا تخشوهم واخشوني) *، ~~ضمير الجمع يعود على * (الذين ظلموا) * من الناس، فهم بعض لا كل، ظهروا في ~~الملك بالظلم، فالخشية هنا جزئية، فأمر سبحانه أن يخشى من جهة ما ظهر، كما ~~يجب ذلك من جهة ما ستر. # وكذلك حذفت الياء من: * (فبشر عباد) * و * (قل يا عباد) * فإنه خطاب ~~لرسوله عليه السلام على الخصوص، فقد توجه الخطاب إليه في فهمنا، وغاب ~~العباد كلهم عن علم ذلك، فهم غائبون عن شهود هذا الخطاب; لا يعلمونه إلا ~~بوساطة الرسول. PageV01P404 # وهذا بخلاف قوله: * (يا عبادي لا خوف عليكم) *، فإنها ثبتت، لأنه خطاب ~~لهم في الآخرة غير محجوبين عنه - جعلنا الله منهم - إنه منعم كريم، وثبت ~~حرف النداء، فإنه أفهمهم نداءه الأخروي في موطن الدنيا، في يوم ظهورهم بعد ~~موتهم، ms0232 وفى محل أعمالهم، إلى حضورهم يوم ظهورهم الأخروي، بعد موتهم وفى محل ~~جزائهم. # وكذلك: * (يا عبادي الذين أسرفوا على) * ثبت الضمير وحرف النداء في الخط، ~~فإنه دعاهم من مقام إسلامهم، وحضرة امتثالهم إلى مقام إحسانهم، ومثله: * ~~(يا عبادي الذين آمنوا) * في العنكبوت، فإنه دعاهم من حضرتهم في مقام ~~إيمانهم، إلى حضرتهم ومقام إحسانهم، إلى ما لا نعلمه من الزيادة بعد ~~الحسنى. # وكذلك سقطتا في موطن الدعاء مثل: * (رب اغفر لي) * على حذفت الياء لعدم ~~الإحاطة به عند التوجه إلى الله تعالى لغيبتنا نحن عن الإدراك، وحذف حرف ~~النداء لأنه أقرب إلينا من أنفسنا. وأما قوله: * (وقيله يا رب) * فأثبت حرف ~~النداء; لأنه دعا ربه من مرتبة حضوره معهم في مقام الملك لقوله: * (إن ~~هؤلاء) *، وأسقط حرف ضميره لمغيبه عن ذاته في توجهه في مقام الملكوت ورتبة ~~إحسانه في إسلامه. # وكذلك في مثل: * (يا قوم) * دلالة على أنه خارج عنهم في خطابه، كما هو ~~ظاهر في الإدراك; وإن كان متصلا بهم في النسبة الرابطة بينهم في الوجود، ~~العلوية من الدلائل. # والقسم الثاني: إذا كانت الياء لام الكلمة في الفعل أو الاسم; فإنها تسقط ~~PageV01P405 # من حيث يكون معنى الكلمة يعتبر من مبدئه الظاهر شيئا بعد شئ إلى ملكوتية ~~الباطن، إلى ما لا يدرك منه إلا إيمانا وتسليما، فيكون حذف الياء منبها على ~~ذلك، وإن لم يكمل اعتباره في الظاهر من ذلك الخطاب بحسب عرض الخطاب، مثل: * ~~(وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما) *، هو * (ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين) * وقد ابتدأ ذلك لهم في الدنيا متصلا بالآخرة. # وكذلك: * (وإن الله لهاد الذين آمنوا) *; حذفت لأنه يهديهم بما نصب لهم ~~في الدنيا من الدلائل والعبر إلى الصراط المستقيم، برفع درجاتهم في هدايتهم ~~إلى حيث لا غاية، قال الله تعالى: * (ولدينا مزيد) *. وكذلك: * (وما أنت ~~بهاد العمى) * في الروم، هذه الهداية هي الكلية على التفصيل بالتوالي التي ~~ترقى العبد في هدايته من الأرباب إلى ما يدركه العيان; ليس ذلك للرسول عليه ~~السلام بالنسبة إلى العيان. ms0233 # ويدل على ذلك قوله قبلها: * (فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض ~~بعد موتها...) * الآية، فهذا النظر من عالم الملك ذاهبا في النظر إلى عالم ~~الملكوت إلى ما لا يدرك إلا إيمانا وتسليما. وهذا بخلاف الحرف الذي في ~~النمل: * (وما أنت بهادي العمى) *; فثبتت الياء; لأن هذه الهداية كلية ~~كاملة، بدليل قوله: * (إنك على الحق المبين) *. # وكذلك: * (بالواد المقدس) *، و * (الواد الأيمن) * هما مبدأ التقديس ~~واليمن PageV01P406 # الذي وصفا به، فانتقل التقديس واليمن منهما إلى الجمال، ذاهبا بهما إلى ~~ما لا يحيط بعلمه إلا الله. # وكذلك: * (واد النمل) * هو موضع لابتداء سماع الخطاب من أخفض الخلق، - ~~وهي النملة - إلى أعلاهم - وهو الهدهد والطير، ومن ظاهر الناس وباطن الجن ~~إلى قول العفريت، إلى قول الذي عنده علم من الكتاب، إلى ما وراء ذلك من ~~هداية الكتاب، إلى مقام الاسلام لله رب العالمين. # وكذلك * (وله الجوار المنشآت في البحر) * سقطت الياء تنبيها على أنها لله ~~من حق إنشائها بعد أن لم تكن، إلى ما وراء ذلك مما لا نهاية له من صفاتها. # وكذلك * (الجوار الكنس) * حذفت الياء تنبيها على أنها تجري من محل ~~اتصافها بالخناس، إلى محل اتصافها بالكناس، وذلك يفهم أنه اتصف بالخناس عن ~~حركة تقدمت بالوصف بالجوار الظاهر، يفهم منه وصف بالجوار في الباطن; وهذا ~~الظاهر مبدأ كالنجوم الجارية داخل تحت معنى الكلمة. # فصل [حذف النون] ويلحق بهذا القسم حذف النون الذي هو لام فعل، فيحذف ~~تنبيها على صغر مبدأ الشئ وحقارته، وأن منه ينشأ ويزيد، إلى ما لا يحيط ~~بعلمه غير الله، مثل * (ألم يك نطفة) *، حذفت النون تنبيها على مهانة مبتدأ ~~الانسان وصغر قدره بحسب ما يدرك PageV01P407 # من نفسه، ثم يترقى في أطوار التكوين، * (فإذا هو خصيم مبين *)، فهو حين ~~كان نطفة كان ناقص الكون; كذلك كل مرتبة ينتهى إليها كونه هي ناقصة الكون ~~بالنسبة لما بعدها، فالوجود الدنيوي كله ناقص الكون عن كون الآخرة، كما قال ~~الله تعالى: # * (وإن الدار الآخرة لهى الحيوان) *. # وكذلك: * (وإن تك حسنة ms0234 يضاعفها) *، حذفت النون تنبيها على أنها وإن كانت ~~صغيرة المقدار، حقيرة في الاعتبار، فإن إليه ترتيبها وتضاعيفها. ومثله: * ~~(إن تك مثقال حبة من خردل) *. # وكذلك: * (أولم تك تأتيكم رسلكم) * جاءتهم الرسل من أقرب شئ في البيان، ~~الذي أقل من مبدأ فيه وهو الحس، إلى العقل، إلى الذكر. ورقوهم الله من أخفض ~~رتبة - وهي الجهل - إلى أرفع درجة في العلم - وهي اليقين - وهذا بخلاف قوله ~~تعالى: # * (ألم تكن آياتي تتلى عليكم) *; فإن كون تلاوة الآيات قد أكمل كونه وتم. # وكذلك ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها هذا قد تم كونه وكذلك: * (لم ~~يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) *، هذا قد تم كونهم غير منفكين إلى تلك ~~الغاية المجعولة لهم، وهي مجئ البينة. # وكذلك: * (فلم يك ينفعهم إيمانهم) *، انتفى عن إيمانهم مبدأ الانتفاع ~~وأقله، فانتفى أصله. PageV01P408 # فصل فيما كتبت الألف فيه واوا على لفظ التفخيم وذلك في أربعة أصول مطردة، ~~وأربعة أحرف متفرعة. # فالأربعة الأصول هي * (الصلاة) *، و * (الزكاة) *، و * (الحياة) *، و * ~~(الربوا) * والأربعة الأحرف قوله في الأنعام والكهف: * (بالغدوة) *، والنور ~~* (كمشكاة) *، وفى المؤمن * (النجوة) *، وفى النجم * (ومنوة) *. # فأما قوله: * (وما كان صلاتهم) *، * (إن صلاتي) *، * (حياتنا الدنيا) *، ~~* (وما آتيتم من ربا) *، فالرسم بالألف في الكل. # والقصد بذلك تعظيم شأن هذه الأحرف فإن الصلاة والزكاة عمودا الاسلام، ~~والحياة قاعدة النفس، ومفتاح البقاء، وترك الربا قاعدة الأمان، ومفتاح ~~التقوى، ولهذا قال: * (اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) *، إلى قوله: * ~~(فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ويشتمل على أنواع الحرام وأنواع ~~الخبائث وضروب المفاسد; وهو نقيض الزكاة; ولهذا قوبل بينهما في قوله: * ~~(يمحق الله الربا ويربي الصدقات) *، واجتنابه أصل في التصرفات المالية; ~~وإنما كتبت بالألف PageV01P409 # في سورة الروم لأنه ليس العام الكلى; لأن الكلى منفى في حكم الله عليه ~~بالتحريم; وفى نفى الكلى نفى جميع جزئياته. # فإن قلت: فلم كتب * (الزكاة) * هنا بالواو؟ وهلا جرت على نظم ما قبلها من ~~قوله: # * (وما آتيتم من ربا) *؟ # قلت: لأن المراد بها الكلية في حكم ms0235 الله، ولذلك قال: * (فأولئك هم ~~المضعفون) *. # وأما كتاب * (النجوة) * بالواو فلأنها قاعدة الطاعات ومفتاح السعادات، ~~قال الله تعالى: * (ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجوة) *. # وأما * (الغدوة) * فقاعدة الأزمان، ومبدأ تصرف الانسان; مشتقة من الغدو. # وأما * (المشكاة) * فقاعدة الهداية، ومفتاح الولاية، قال الله تعالى: * ~~(يهدى الله لنوره من يشاء) *. # وأما * (مناة) * فقاعدة الضلال، ومفتاح الشرك والإضلال وقد وصفها الله ~~بوصفين: # أحدهما يدل على تكثيرهم الإله من مثنى ومثلث، والثاني يدل على الاختلاف ~~والتغاير، فمن معطل ومشبه، تعالى الإله عما يقولون! # فصل مد الياء وقبضها وذلك أن هذه الأسماء لما لازمت الفعل، صار لها ~~اعتباران: أحدهما من حيث هي PageV01P410 # أسماء وصفات، وهذا تقبض منه التاء. والثاني من حيث أن يكون مقتضاها فعلا ~~وأثرا ظاهرا في الوجود، فهذا تمد فيه; كما تمد في " قالت " و " حقت ". وجهة ~~الفعل والأمر ملكية ظاهرة، وجهة الاسم والصفة ملكوتية باطنة. # فمن ذلك " الرحمة " مدت في سبعة مواضع للعلة المذكورة: # بدليل قوله في أحدها: * (إن رحمت الله قريب من المحسنين) * فوضعهما على ~~التذكير، فهو الفعل. # وكذلك: * (فانظر إلى آثار رحمت الله) * والأثر هو الفعل ضرورة. # والثالث: * (أولئك يرجون رحمت الله) *. # والرابع في هود: * (رحمت الله وبركاته) *. # والخامس: * (ذكر رحمت ربك) *. # والسادس: * (أهم يقسمون رحمت ربك) *. # والسابع: * (ورحمت ربك خير مما يجمعون) *. # ومنه " النعمة " بالهاء إلا في أحد عشر موضعا مدت بها: # في البقرة: * (واذكروا نعمت الله عليكم) *، في آل عمران، PageV01P411 # والمائدة. وفى إبراهيم موضعان. والنحل ثلاثة مواضع. وفى لقمان، وفاطر، ~~والطور. # والحكمة فيها ما ذكرنا أن الحاصلة بالفعل في الوجود تمد، نحو قوله في ~~إبراهيم: # * (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها) * بدليل قوله: * (إن الانسان لظلوم ~~كفار) *، فهذه نعمة متصلة بالظلوم الكفار في تنزيلهما. وهذا بخلاف التي في ~~سورة النحل: * (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها كتبت مقبوضة لأنها بمعنى ~~الاسم بدليل قوله إن الله لغفور رحيم) *، فهذه نعمة وصلت من الرب، فهي ~~ملكوتية، ختمها باسمه عز وجل، وختم الأولى باسم الانسان. # ومن ذلك " الكلمة " مقبوضة إلا في ms0236 موضع في الأعراف: * (وتمت كلمت ربك ~~الحسنى) * هو ما تم لهم في الوجود الأخروي بالفعل الظاهر دليله في الملك، ~~وهو PageV01P412 # الاختلاف وتمامها أن لها نهاية تظهر في الوجود بالفعل فمدت التاء. # ومنها " السنة " مقبوضة; إلا في خمسة مواضع حيث تكون بمعنى الإهلاك ~~والانتقام الذي في الوجود: # أحدها في الأنفال: * (فقد مضت سنت الأولين) * ويدل عليها أنها من ~~الانتقام قوله قبلها: * (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) *، وقوله بعدها: * ~~(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) *. # وفى فاطر: * (فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن ~~تجد لسنت الله تحويلا) *، ويدلك على أنها بمعنى الانتقام قوله تعالى قبلها: ~~* (ولا يحيق المسكر السئ إلا بأهله) *، وسياق ما بعدها) *. # وفى المؤمن:) * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله) *. # أما إذا كانت السنة بمعنى الشريعة والطريقة فهي ملكوتية بمعنى الاسم تقبض ~~تاؤها، كما في الأحزاب * (سنة الله التي خلت من قبل) * أي حكم الله وشرعه. # [وفى الاسراء]: * (سنت من قد أرسلنا قبلك من رسلنا) *. # ومنه * (بقيت الله) * فرد، مدت تاؤه; لأنه بمعنى ما يبقى في أموالهم من ~~الربح المحسوس; لأن الخطاب إنما هو فيها من جهة الملك. PageV01P413 # ومنه: * (فطرت الله) * فرد، وصفها بأنها فطر الناس عليها، فهي فصل خطاب ~~في الوجود كما جاء: " كل مولود يولد على الفطرة " الحديث. # ومنه: * (قرت عين لي ولك) *، فرد، مدت تاؤه لأنه بمعنى الفعل إذ هو خبر ~~عن موسى، وهو موجود حاضر في الملك، وهذا بخلاف: * (قرة أعين) *، فإنه هنا ~~بمعنى الاسم، وهو ملكوتي إذ هو غير حاضر. # ومنه: * (ومعصية الرسول) * مدت في موضعين في سورة المجادلة; لأن معناها ~~الفعل والتقدير: * (ولا تتناجوا بأن تعصوا الرسول، ونفس هذا النجو الواقع ~~منهم في الوجود هو فعل معصية لوقوع النهى عنه. # ومنه " اللعنة " مدت في موضعين: في آية المباهلة، وفى آية اللعان. ~~وكونهما بمعنى الفعل ظاهر. # ومنه " الشجرة " في موضع: * (إن شجرت الزقوم) *، لأنها بمعنى الفعل ~~اللازم وهو تزقمها بالأكل; بدليل قوله تعالى: * (في البطون) *، فهذه ms0237 صفة ~~فعل كما في الواقعة: * (لآكلون من شجر من زقوم) *، وهذا بخلاف قوله * (أذلك ~~خير نزلا PageV01P414 # أم شجرة الزقوم) *، فإن هذه وصفها بأنها: * (فتنة للظالمين) *، وأنها * ~~(شجرة تخرج في أصل الجحيم) * فهو حلية للاسم، فلذلك قبضت تاؤها. # ومنه " الجنة " مدت في موضع واحد، في الواقعة: * (وجنت نعيم) * لكونها ~~بمعنى فعل التنعم بالنعيم، بدليل اقترانها بالروح والريحان وتأخرها عنهما ~~وهما من الجنة، فهذه جنة خاصة بالمنعم بها. وأما * (من ورثة جنة النعيم) * ~~و * (إن يدخل جنة نعيم) *; فإن هذا بمعنى الاسم الكلى. # ولم تمد * (تصلية جحيم) * لأنها اسم ما يفعل بالمكذب في الآخرة، أخبرنا ~~الله بذلك; فالمؤمن يعلمه تصديقا، ولا يحذف لفعل أبدا، والضابط لذلك: أن ما ~~كان بمعنى الاسم لم تمد تاؤه، مثل: * (زهرة الحياة الدنيا) * و * (صبغة ~~الله) * وزلزلة الساعة) *، و * (تحلة أيمانكم) *، و * (رحلة الشتاء والصيف) ~~*، و * (حمالة الحطب) * ومنه: * (ومريم ابنت عمران) * مدت التاء تنبيها على ~~معنى الولادة والحدوث من النطفة المهينة، ولم يضف في القرآن ولد إلى والد ~~ووصف به اسم الولد إلا عيسى وأمه عليهما السلام، لما اعتقد النصارى فيهما ~~أنهما إلهان، فنبه سبحانه بإضافتهما الولادية على جهة حدوثهما بعد عدمهما; ~~حتى أخبر تعالى في موطن بصفة PageV01P415 # الإضافة دون الموصوف وقال: * (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) * لما غلوا في ~~إلاهيته أكثر من أمه، كما نبه تعالى على حاجتهما وتغير أحوالهما في الوجود، ~~بلحقهما هذه ما يلحق البشر، قال الله تعالى: * (كانا يأكلان الطعام) *. # ومنه " امرأة " هي في سبعة مواضع; وهي خمس من النساء: " امرأت عمران "، و ~~" امرأت فرعون "، و " امرأت نوح "، و " امرأت لوط "، و " امرأت العزيز "، ~~كلها ممدودة تنبيها على فعل التبعل والصحبة وشدة المواصلة والمخالطة ~~والائتلاف في الموجود والمحسوس. وأربع منهن منفصلات في بواطن أمرهن عن ~~بعولتهن بأعمالهن. وواحدة خاصة واصلت بعلها باطنا وظاهرا، وهي امرأت عمران، ~~فجعل الله لها ذرية طيبة، وأكرمها بذلك وفضلها على العالمين. وواحدة من ~~الأربع انفصلت بباطنها عن بعلها طاعة لله، وتوكلا عليه وخوفا منه، فنجاها ~~وأكرمها، وهي ms0238 امرأت فرعون. واثنتان منهن انفصلتا عن أزواجهما كفرا بالله ~~فأهلكهما الله ودمرهما، ولم ينتفعا بالوصلة الظاهرة; مع أنها أقرب وصلة ~~بأفضل أحباب الله. كما لم تضر امرأت فرعون وصلتها الظاهرة بأخبث عبيد الله. ~~وواحدة انفصلت عن بعلها بالباطن اتباعا للهوى وشهوة نفسها، فلم تبلغ من ذلك ~~مرادها، مع تمكنها من الدنيا واستيلائها على ما مالت إليه بحبها وهو في ~~بيتها وقبضتها، فلم يغن ذلك عنها شيئا. وقوتها وعزتها إنما كانا لها من ~~بعلها " العزيز "، ولم ينفعها ذلك في الوصول إلى إرادتها مع عظيم كيدها. ~~كما لم يضر يوسف ما امتحن به منها، ونجاه الله من السجن، ومكن له في الأرض، ~~وذلك بطاعته لربه. ولا سعادة إلا بطاعة الله، ولا شقاوة إلا بمعصيته; فهذه ~~كلها عبر وقعت بالفعل في الوجود، في شأن كل امرأة منهن، فلذلك مدت تاءاتهن ~~قبل. PageV01P416 # فصل الفصل والوصل اعلم أن الموصول في الوجود توصل كلماته في الخط; كما ~~توصل حروف الكلمة الواحدة، والمفصول معنى في الوجود يفصل في الخط; كما تفصل ~~كلمة عن كلمة. # فمنه " إنما " بالكسر، كله موصول إلا واحدا * (إن ما توعدون لآت) *، لأن ~~حرف " ما " هنا وقع على مفصل، فمنه خير موعود به لأهل الخير، ومنه شر موعود ~~به لأهل الشر; فمعنى " ما " مفصول في الوجود والعلم. # ومنه " أنما " بالفتح كله موصول إلا حرفان: * (وأن ما يدعون من دونه هو ~~الباطل) *، * (وأن ما يدعون من دونه الباطل) *، وقع الفصل عن حرف التوكيد; ~~إذ ليس لدعوى غير الله وصل في الوجود; إنما وصلها في العدم والنفي; بدليل ~~قوله تعالى عن المؤمن: * (أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في ~~الآخرة) *، فوصل " أنما " في النفي، وفصل في الإثبات، لا لانفصاله عن دعوة ~~الحق. # ومنه: " كلما " موصول كله إلا ثلاثة: PageV01P417 # في النساء: * (كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها) * فما ردوا إليه ليس ~~شيئا واحدا في الوجود; بل أنواع مختلفة في الوجود، وصفة مردهم ليست واحدة ~~بل متنوعة، فانفصل " ما " لأنه لعموم شئ مفصل في ms0239 الوجود. # وفى سورة إبراهيم: * (وآتاكم من كل ما سألتموه) *، فحرف " ما " واقع على ~~أنواع مفصلة في الوجود. # وفى قد أفلح: * (كل ما جاء أمة رسولها كذبوه) *، والأمم مختلفة في ~~الوجود، فحرف " ما " وقع على تفاصيل موجودة لتفصل. # وهذا بخلاف قوله: * (كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا ~~وفريقا يقتلون) *; فإن هؤلاء هم بنو إسرائيل أمة واحدة; بدليل قوله: * (فلم ~~تقتلون أنبياء الله) * والمخاطبون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يقتلوا الأنبياء، إنما باشره آباؤهم; لكن مذهبهم في ذلك واحد،: فحرف " ما " ~~إنما يشمل تفاصيل الزمان، وهو تفصيل لا مفصل له في الوجود إلا بالفرض ~~والتوهم، لا بالحس، فوصلت " كل " لاتصال الأزمنة في الوجود، وتلازم أفرادها ~~المتوهمة. # وكذلك: * (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا) *، هذه موصول; لأن حرف " ما " ~~جاء لتعميم الأزمنة، فلا تفصيل فيها في الوجود، وما رزقوا هو غير مختلف; ~~لقوله تعالى: * (وأتوا به متشابها) *. PageV01P418 # ومنه " أينما " موصول إذا كانت " ما " غير مختلفة الأقسام في الفعل الذي ~~بعدها; مثل: # * (أينما يوجهه) *. * (فأينما تولوا) *. * (أينما ثقفوا أخذوا) *. * ~~(أينما تكونوا يدرككم الموت) *; فهذه كلها لم تخرج عن " الأين " الملكي، ~~وهو متصل حسا، ولم يختلف فيه الفعل الذي مع " ما " وتفصل " أين " حيث تكون ~~" ما " مختلفة الأقسام في الوصف الذي بعدها، مثل: * (أين ما كنتم تعبدون) ~~*. * (وهو معكم أين ما كنتم) *. # * (أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس) *. # ومنه " بئسما " موصول، إلا ثلاثة أحرف: اثنان في البقرة: * (بئس ما ~~اشتروا به أنفسهم) *. * (بئس ما يأمركم به أيمانكم) *، وفى الأعراف: * (بئس ~~ما خلفتموني) *. # فحرف " ما " ليس فيه تفصيل، لأنه بمعنى واحد في الوجود من جهة كونه باطلا ~~مذموما; على خلاف حال " ما " في المائدة: * (ترى كثيرا منهم يسارعون في ~~الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون) *، فحرف " ما " يشتمل ~~على الأقسام الثلاثة التي ذكرت قبل. وكذلك: * (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم) * ~~حرف " ما " مفصول; لأنه يعمل ما بعده من الأقسام. PageV01P419 # ومنه * (يوم هم على النار ms0240 يفتنون) *. * (يوم هم بارزون) *، حرفان، فصل ~~الضمير منهما لأنه مبتدأ، وأضيف " اليوم " إلى الجملة المنفصلة عنه. # و * (يومهم الذي فيه يصعقون) * و * (يومهم الذي يوعدون) *، وصل الضمير ~~لأنه مفرد; فهو جزء الكلمة المركبة من " اليوم " المضاف والضمير المضاف ~~إليه. # ومنه " في " ما مفصول أحد عشر حرفا: # في البقرة: * (في ما فعلن في أنفسهن من معروف) *، وذلك لأن " ما " يقع ~~على فرد واحد [من] أنواع ينفصل بها المعروف في الوجود [و] على البدلية أو ~~الجمع; يدل على ذلك تنكيره " المعروف " ودخول حرف التبعيض عليه; فهو حسى ~~يقسم، وحرف " ما " وقع على كل واحد منهما على البدلية أو الجمع; وأما قوله: ~~* (فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) * فهذا موصول لأن " ما " ~~واقعة على شئ واحد غير مفصل، يدلك عليه وصفه بالمعروف. # وكذلك: * (في ما اشتهت أنفسهم خالدون) *، وهو مفصول; لأن شهوات الأنفس ~~مختلفة أو مفصلة في الوجود. كذلك فتدبره في سائرها. # ومنه: * (لكيلا) * موصول في ثلاثة مواضع; وباقيها منفصل; وإنما يوصل حيث ~~يكون حرف النفي دخل على معنى كلى فيوصل; لأن نفى الكلى نفى لجميع جزئياته، ~~فعلة نفيه هي علة نفى أجزائه; وليس للكلى المنفى أفراد في الوجود، وإنما ~~PageV01P420 # ذلك فيه بالتوهم، ويفصل حيث يكون حرف النفي دخل على جزئي; فإن نفى الجزئي ~~لا يلزم منه نفى الكلى; فلا تكون علته علة نفى الجمع: # * (لكيلا يعلم من بعد علم شيئا) * في الحج. وفى الأحزاب: * (لكيلا يكون ~~عليك حرج) *. وفى الحديد: * (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) *. # فهذه هي الموصولة، وهي بخلاف: * (لكي لا يعلم بعد علم شيئا) * في النحل; ~~لأن الظرف في هذا خاص الاعتبار; وهو في الأول عام الاعتبار لدخول " من " ~~عليه; وهذا كقوله تعالى عن أهل الجنة: * (إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) *، ~~اختص المظروف بقبل في الدنيا، ففيها كانوا مشفقين خاصة. وقال تعالى: * (إنا ~~كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم) *،، فهذا الظرف عام لدعائهم بذلك في ~~الدنيا والآخرة فلم يختص المظروف بقبل بالدنيا. # وكذلك: * (لكي لا ms0241 يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا) * فهذا المنفى هو حرج مقيد بظرفين. # وكذلك: * (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) *، فهذا النفي هو كون: * ~~(ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) * دولة بين الأغنياء من المؤمنين، ~~وهذه قيود كثيرة. # ومن ذلك " هم " ونحوه من الضمائر تدل على جملة المسمى من غير تفصيل، ~~والإضمار حال لا صفة وجود، فلا يلزمها التقسيم الوجودي إلا الوهمي الشعرى ~~والخطأ بما يرسم على العلم الحق. # ومن ذلك " مال " أربعة أحرف مفصولة; وذلك أن اللام وصلة إضافية، فقطعت ~~حيث تقطع الإضافة في الوجود: PageV01P421 # فأولها في سورة النساء: * (فمال هؤلاء القوم) *، هذه الإشارة للفريق ~~الذين نافقوا من القوم الذين قيل لهم: * (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة) * ~~فقطعوا وصل السيئة بالحسنة في الإضافة إلى الله ففرقوا بينهما، كما أخبر ~~سبحانه والله قد وصل ذلك وأمر به في قوله: * (قل كل من عند الله) * فقطعوا ~~في الوجود ما أمر الله به أن يوصل; فقطع لام وصلهم في الخط علامة لذلك. ~~وفيه تنبيه على أن الله يقطع وصلهم بالمؤمنين; وذلك في يوم الفصل: * (يوم ~~يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم) *. # والثاني في سورة الكهف: * (ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة) *; وهؤلاء قطعوا بزعمهم وصل جعل الموعد لهم بوصل إحصاء الكتاب، وعدم ~~مغادرته وكان لشئ من أعمالهم في إضافتها إلى الله، فلذلك ينكرون على الكتاب ~~في الآخرة; ودليل ذلك ظاهر من سياق خبرهم في تلك الآيات من الكهف. # والثالث في سورة الفرقان: * (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام) * ~~فقطعوا وصل الرسالة لأكل الطعام فأنكروا فقطعوا قولهم هذا ليزول عن ~~اعتقادهم أنه رسول، فقطع اللام علامة لذلك. # والرابع في المعارج: * (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين) *، هؤلاء الكفار ~~تفرقوا جماعات مختلفات، كما يدل عليه * (عن اليمين وعن الشمال عزين) *، ~~قطعوا وصلهم في قلوبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقطع الله طمعهم في دخول ~~الجنة; ولذلك قطعت اللام علامة عليه. PageV01P422 # ومن ذلك: * (ابن ms0242 آم) * في الأعراف مفصول، على الأصل، وفى طه * (ابن أم) * ~~روى موصول لسر لطيف; وهو أنه لما أخذ موسى برأس أخيه اعتذر إليه فناداه من ~~قرب على الأصل الظاهر في الوجود، ولما تمادى ناداه بحرف النداء، ينبهه ~~لبعده عنه في الحال، لا في المكان، مؤكدا لوصلة الرحم بينهما بالربط; فلذلك ~~وصل في الخط، ويدل عليه نصب " الميم " ليجمعهما الاسم بالتعميم. # ومن ذلك ستة أحرف لا توصل بما بعدها، وهي: الألف، والواو، والدال، ~~والذال، والراء، والزاي; لأنها علامات لانفصالات ونهايات، وسائر الحروف ~~توصل في الكلمة الواحدة. # فصل في بعض حروف الإدغام فمنه: * (عن ما نهوا عنه) *، فرد ظهر فيه النون ~~وقطع عن الوصل، لأن معنى " ما " عموم كلى تحته أنواع مفصلة في الوجود غير ~~متساوية في حكم النهى عنها، ومعنى " عن " المجاوزة، للكلى مجاوزة لكل واحد ~~من جزئياته، ففصل علامة لذلك. PageV01P423 # وكذلك: * (من ما) * ثلاثة أحرف مفصولة لا غير: # في النساء: * (من ما ملكت أيمانكم) *. وفى الروم: * (هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم) *. وفى المنافقين: * (وأنفقوا من ما رزقناكم) *. # وحرف " ما " في هذه كلها مقسم في الوجود بأقسام منفصلة غير متساوية في ~~الأحكام، وهي بخلاف قوله: * (مما كتبت أيديهم) *; فإنها وإن كان تحتها ~~أقسام كثيرة فهي غير مختلفة في وصفها بكتب أيديهم; فهو نوع واحد يقال على ~~معنى واحد من تلك الجهة هو في إفراده بالسوية. # وكذلك: " أم من " بالفصل، أربعة أحرف لا غير: # في النساء: * (أم من يكون عليهم وكيلا) *. وفى التوبة: * (أم من أسس ~~بنيانه) *. وفى الصافات: * (أم من خلقنا) *. وفى السجدة: * (أم من يأتي) *. # فهذه الأربعة الأحرف " من " فيها تقسم في الوجود بأنواع مختلفة في ~~الأحكام بخلاف غيرها، مثل: * (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي) *، ~~فهذا موصول; لأنه من نوع واحد حيث يمشي على صراط مستقيم. وكذا: * (أمن جعل ~~الأرض قرارا) *; لا تفاصيل تحتها في الوجود. PageV01P424 # وكذلك: * (عن من) * مفصول: # حرفان في النور: * (عن من يشاء) *، وفى النجم: * (عن من تولى) *، حرف " ~~من " فيهما كلى وحرف ms0243 " عن " للمجاوزة، والمجاوزة عن الكلى مجاوزة لجميع ~~جزئياته دون العكس; فلا وصلة بين الجزأين في الوجود فلا يوصلان في الخط. # وكذلك " ممن " موصول كله لأن " من " بفتح الميم جزئي بالنسبة إلى " ما "، ~~فمعناه " أزيد " من جهة المفهوم، ومعنى " ما " أزيد من جهة العموم، والزائد ~~من جهة المفهوم منفصل وجودا بالحصص، والحصة منه لا تنفصل، والزائد من جهة ~~المفهوم لا ينفصل وجودا. # وكذلك: * (وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم) * في سورة الرعد، فردة مفصولة، ~~ظهر فيها حرف الشرط في الخط لوجهين: أحدهما أن الجواب المرتب عليه بالفاء ~~ظاهر في موطن الدنيا، وهو البلاغ; بخلاف قوله: * (فإما نرينك) * فإنه أخفى ~~فيه حرف الشرط في الخط لأن الجواب المرتب عليه بالفاء خفى عنا، وهو الرجوع ~~إلى الله. # والثاني أن القصة الأولى منفصلة من الشرط وجوابه، وانقسم الجواب إلى ~~جزأين: # أحدهما الترتيب بالفاء وهو البلاغ، والثاني المعطوف عليه وهو الحساب. ~~وأحدهما في الدنيا، والآخر في الآخرة. والأول ظاهر لنا، والثاني خفى عنا. # وهذا الانقسام صحيح في الوجود، فقد انقسمت هذه الشرطية إلى شرطين، ~~لانفصال PageV01P425 # جوابها إلى قسمين متغايرين، ففصل حرف الشرط علامة لذلك، وإذا انفصلت لزم ~~كتبه على الوقف، والشرطية الأخرى لا تنفصل، بل هي واحدة لإيجاد جوابها، ~~فانفصال حرف الشرط علامة لذلك. # وكذلك: * (فإن لم يستجيبوا لك) * فرد في القصص ثابت النون، وفى هود: # * (فإن لم يستجيبوا لكم) * فرد بغير نون; أظهر حرف الشرط في الأول لأن ~~جوابه المترتب عليه بالفاء هو * (فاعلم) * متعلق بشئ ملكوتي ظاهر، سفلى; ~~وهو اتباعهم أهواءهم، وأخفى في الثاني لأن جوابه المترتب عليه بالفاء هو ~~علم متعلق بشئ ملكوتي خفى، علوي وهو إنزال القرآن بالعلم والتوحيد. # ومن ذلك: " أن لن " كله مفصول إلا حرفان: * (ألن يجعل لكم موعدا) * في ~~الكهف: * (ألن يجمع عظامه) * في القيامة سقطت النون منهما في الخط تنبيها ~~على أن ما زعموا وحسبوا هو باطل في الوجود وحكم ما ليس بمعلوم نسبوه إلى ~~الحي القيوم، فأدغم حرف توكيدهم الكاذب في حرف النفي السالب هو، بخلاف ms0244 ~~قوله: * (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا) *، فهؤلاء لم ينسبوا ذلك لفاعل; إذ ~~ركب الفعل لما لم يسم فاعله، وأقيموا فيه مقام الفاعل، فعدم بعثهم تصوروه ~~من أنفسهم، وحكموا به عليها توهما، فهو كاذب من حيث حكموا به على مستقبل ~~الآخرة، ولكونه حقا بالنسبة إلى دار الدنيا الظاهرة ثبت التوكيد ظاهرا ~~وأدغم في حرف النفي من حيث الفعل المستقبل الذي هو فيه كاذب. PageV01P426 # ومن ذلك كل ما في القرآن " أن لا " فهو موصول إلا عشرة مواضع فهي مفصولة، ~~تكتب النون فيها باتفاق، وذلك حيث ظهر في الوجود صحة توكيد القضية ولزومها: # أولها في الأعراف: * (أن لا أقول على الله إلا الحق) *، و * (وأن لا ~~يقولوا على الله إلا الحق) *. # و * (أن لا ملجأ من الله) * في التوبة. # * (أن لا إله إلا هو) *، و * (أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف) * في هود. # و * (أن لا تشرك بي شيئا) * في الحج. # و * (أن لا تعبدوا الشيطان) * في يس. # و * (أن لا تعلوا على الله) * في الدخان. # و * (أن لا يشركن بالله شيئا) * في الممتحنة. # و * (أن لا يدخلنها) * في القلم. # وواحد فيه خلاف * (أن لا إله إلا أنت) * في الأنبياء. # فتأمل كيف صح في الوجود هذا التوكيد الأخير، فلم يدخلها عليهم مسكين على ~~غير ما قصدوا وتخيلوا فيه. PageV01P427 # وكذلك لام التعريف المدغمة في اللفظ في مثلها أو غيرها، لما كانت للتعريف ~~- وشأن المعرف أن يكون أبين وأظهر، لا أخفى وأستر - ظهرت في الخط، ووصلت ~~بالكلمة; لأنها صارت جزءا منها حيث هي معرفة بها، هذا هو الأصل، وقد حذف ~~حيث يخفى معنى الكلمة مثل " الليل " فإنه بمعنى مظلم لا يوضح الأشياء بل ~~يسترها ويخفيها، وكونه واحدا إما للجزئي أو للجنس فأخفى حرف تعريفه في ~~مثله، فإن تعين للجزئي بالتأنيث رجع إلى الأصل. ومثل " الذي " و " التي " ~~وتثنيتهما وجمعهما; فإنه مبهم في المعنى والكم; لأن أول حده للجزئي وللجنس ~~للثلاث أو غيرها; ففيه ظلمة الجهل كالليل. ومثل " الئى " في الإيجاب، فإن ~~لام التعريف ms0245 دخلت على " لا " النافية وفيها ظلمة العدم كالليل، ففي هذه ~~الظلمات الثلاث يخفى حرف التعريف. # وكذلك " الأيكة " نقلت حركة همزتها على لام التعريف وسقطت همزة الوصل ~~لتحريك اللام، وحذفت ألف عضد الهمزة ووصل اللام، فاجتمعت الكلمتان، فصارت " ~~ليكة " علامة على اختصار وتلخيص وجمع في المعنى; وذلك في حرفين: أحدهما في ~~الشعراء جمع فيه قصتهم مختصرة وموجزة عند في غاية البيان، وجعلها جملة; فهي ~~آخر قصة في السورة بدليل قوله: * (إن في ذلك لآية) * فأفردها، والثاني في ~~ص، جمع الأمم فيها بألقابهم وجعلهم جهة واحدة، هم آخر أمة فيها، ووصف ~~الجملة، قال تعالى: * (أولئك الأحزاب) *، وليس الأحزاب وصفا لكل منهم; بل ~~هو وصف جميعهم. PageV01P428 # وجاء بالانفصال على الأصل حرفان نظير هذين الحرفين: أحدهما في الحجر: * ~~(وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين) * أفردهم بالذكر والوصف. والثاني في ق: * ~~(وأصحاب الأيكة) *، جمعوا فيه مع غيرهم، ثم حكم على كل منهم لا على الجملة، ~~قال تعالى: # * (كل كذب الرسل) *، فحيث يعتبر فيهم التفضيل فصل لام التعريف، وحيث ~~يعتبر فيهم التوصيل وصل للتخفيف. # وكذلك: * (لتخذت عليه أجرا) *، حذفت الألف ووصلت، لأن العمل في الجدار قد ~~حصل في الوجود، فلزم عليه الأجر، واتصل به حكما، بخلاف: * (لاتخذوك خليلا) ~~* ليس فيه وصلة اللزوم. # فصل حروف متقاربة تختلف في اللفظ لاختلاف المعنى مثل: * (وزاده بسطة في ~~العلم والجسم) *، * (وزادكم في الخلق بصطة) *. # * (يبسط الزق لمن يشاء) *، * (والله يقبض ويبصط) *، فبالسين السعة ~~الجزئية كذلك علة التقييد، وبالصاد السعة الكلية; بدليل علو معنى ~~PageV01P429 # الإطلاق، وعلو الصاد مع الجهارة والإطباق. # وكذلك: * (فأتوا بسورة) *، * (في أي صورة) *. # * (فضرب بينهم بسور) *، * (ونفخ في الصور) *، فبالسين ما يحصر الشئ خارجا ~~عنه، وبالصاد ما تضمنه منه. # وكذلك: * (يعلم ما يسرون) *، * (وكانوا يصرون) *، فبالسين من السر، ~~وبالصاد من التمادي. # وكذلك: * (يسحبون في النار) * و * (منا يصحبون) *، فبالسين من الجر، ~~وبالصاد من الصحبة. # وكذلك: * (نحن قسمنا بينهم) * * (وكم قصمنا) *، بالسين تفريق الأرزاق ~~والإنعام، وبالصاد تفريق الإهلاك والإعدام. # وكذلك: * (وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة) *، بالضاد منعمة بما تشتهيه ms0246 ~~الأنفس، وبالظاء منعمة بما تلذ الأعين. وهذا الباب كثير، يكفى فيه اليسير. # فصل [كتابة فواتح السور] كتبوا " آلم " و " آلمر " و " آلر " موصولا. ~~PageV01P430 # إن قيل: لم وصلوه والهجاء مقطع لا ينبغي وصله; لأنه لو قيل لك: ما هجاء " ~~زيد "؟ # قلت: زاي، ياء، دال، وتكتبه مقطعا، لتفرق بين هجاء الحروف وقراءته؟ # قيل: إنما وصلوه لأنه ليس هجاء لاسم معروف; وإنما هي حروف اجتمعت، يراد ~~بكل حرف معنى. # فإن قيل: لم قطعوا " حم عسق " ولم يقطعوا " المص "، و " كهيعص "؟ # قيل: " حم " قد جرت في أوائل سبع سور، فصارت اسما للسور، فقطعت مما ~~قبلها. # وجوزوا في: * (ق والقرآن) * و * (ص والقرآن) * وجهين: من جزمهما فهما ~~حرفان، ومن كسر آخرهما فعلى أنه أمر كتب على لفظهما. PageV01P431 # النوع السادس والعشرون معرفة فضائله وقد صنف فيه أبو بكر بن أبي شيبة، ~~وأبو عبيد القاسم بن سلام، والنسائي وغيرهم. وقد صح فيه أحاديث باعتبار ~~الجملة، وفى بعض السور بالتعيين. وأما حديث أبي كعب رضي الله عنه في فضيلة ~~سورة سورة، فحديث موضوع. # قال ابن الصلاح: ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في ~~إيداعه تفاسيرهم. # قلت: وكذلك الثعلبي، لكنهم ذكروه بإسناد، فاللوم عليهم يقل بخلاف من ذكره ~~بلا إسناد وجزم به كالزمخشري فإن خطأه أشد. # وعن نوح بن أبي مريم أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في ~~فضائل القرآن سورة سورة؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن ~~واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبة. # ثم قد جرت عادة المفسرين ممن ذكر الفضائل أن يذكرها في أول كل سورة لما ~~فيها من الترغيب والحث على حفظها إلا الزمخشري فإنه يذكرها في أواخرها. # قال مجد الأئمة عبد الرحيم بن عمر الكرماني: سألت الزمخشري عن العلة في ~~ذلك فقال: لأنها صفات لها، والصفة تستدعى تقديم الموصوف. # وقد روى البخاري رحمه الله حديث " خيركم من تعلم القرآن وعلمه ". وروى ~~أصحاب السنن في حديث إلهي: " من شغله القرآن عن ms0247 ذكرى ومسألتي أعطيته أفضل ~~PageV01P432 # ما أعطى السائلين. و " فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ~~". وقال عليه السلام: " ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه " قال أبو ~~النضر: يعنى القرآن. # وروى أحمد من حديث أنس رضي الله عنه: " أهل القرآن هم أهل الله وخاصته ". # وروى مسلم من حديث عمر رضي الله عنه: " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ~~ويضع به آخرين ". وقدم صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد في القبر أكثرهم ~~قرآنا. PageV01P433 # النوع السابع والعشرون معرفة خواصه وقد صنف فيه جماعة منهم التميمي، وأبو ~~حامد الغزالي. قال بعضهم: وهذه الحروف التي في أوائل السور جعلها الله ~~تعالى حفظا للقرآن من الزيادة والنقصان; قال تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون) *. # وذكر بعضهم أنه وقف على أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان يكتبها ~~على ما يريد حفظه من الأموال والمتاع، فيحفظ. # وأخبر رجل من أهل الموصل قال: كان الكيا الهراسي الإمام رحمه الله إذا ~~ركب في رحلة يقول هذه الحروف التي في أوائل السور، فسئل عن ذلك فقال: ما ~~جعل ذلك في موضع أو كتب في شئ إلا حفظ تاليها وماله، وأمن في نفسه من ~~التلف. والغرق وحكى عن الشافعي رحمه الله أنه شكا إليه رجل رمدا، فكتب إليه ~~في رقعة: * (بسم الله الرحمن الرحيم) *. * (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم ~~حديد) *. * (للذين آمنوا هدى وشفاء) *; فعلق الرجل ذلك عليه فبرأ. # وكان سفيان الثوري يكتب للمطلقة رقعة تعلق على قلبها: * (إذا السماء ~~انشقت. PageV01P434 # وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت. وألقت) *. * (فاخرج منها) *. * (فخرج ~~على قومه) *. # وروى ابن قتيبة قال: كان رجل من الصالحين يحب الصلاة بالليل وتثقل عليه، ~~فشكا ذلك لبعض الصالحين فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ * (قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربى) * إلى قوله * (مددا) *، ثم أضمر. في أي وقت أضمرت فإنك ~~تقوم فيه، قال: ففعلت فقمت في الوقت المعين. # قال الغزالي: وكان بعض الصالحين في أصبهان أصابه عسر ms0248 البول، فكتب في ~~صحيفة: البسملة * (وبست الجبال بسا. فكانت هباء منبثا) *. * (وحملت الأرض ~~والجبال فدكتا دكة واحدة) *. * (دكادكا) *، وألقى عليه الماء وشربه فيسر ~~عليه البول، وألقى الحصى. # وحكى الثعلبي في تفسيره أن قوله تعالى: * (لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) * ~~يكتب على كاغد، ويوضع على شق الضرس الوجع، يبرأ بإذن الله تعالى. # ويحكى أن الشيخ أبا القاسم القشيري رأى النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المنام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالي أراك محزونا؟ فقال: ~~ولدى قد مرض، واشتد عليه الحال، فقال له: أين أنت عن آيات الشفاء: * (ويشف ~~صدور قوم مؤمنين) *. # * (وشفاء لما في الصدور) *. * (فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم ~~PageV01P435 # يتفكرون) *. * (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) *. * (وإذا ~~مرضت فهو يشفين) *. * (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء) *! فقرأ هذه الآيات ~~عليه ثلاث مرات فبرأ. # وحكى ابن الجوزي عن ابن ناصر عن شيوخه عن ميمونة بنت شاقولة البغدادية ~~رضي الله عنها قالت: آذانا جار لنا، فصليت ركعتين، وقرأت من فاتحة كل سورة ~~آية حتى ختمت القرآن، وقلت: اللهم أكفنا أمره، ثم نمت وفتحت عيني; وإذا به ~~قد نزل وقت السحر فزلت قدمه، فسقط ومات. # وحكى عن ابنها أنه كان في دارها حائط له جوف، فقالت: هات رقعة ودواة، ~~فناولتها، فكتبت في الرقعة شيئا، وقالت: دعه في ثقب منه، ففعلت، فبقي نحوا ~~من عشرين سنة، فلما ماتت ذكرت ذلك القرطاس، فقمت فأخذته فوقع الحائط، فإذا ~~في الرقعة: * (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا) *، يا ممسك السماوات ~~والأرض، أمسكه. # تنبيه هذا النوع والذي قبله لن ينتفع به إلا من أخلص لله قلبه ونيته، ~~وتدبر الكتاب في عقله وسمعه، وعمر به قلبه، وأعمل به جوارحه، وجعله سميره ~~في ليله ونهاره، وتمسك به وتدبره هنالك تأتيه الحقائق من كل جانب وإن لم ~~يكن بهذه الصفة كان فعله PageV01P436 # مكذبا لقوله; كما روى أن عارفا وقعت له واقعة، فقال له صديق له: نستعين ~~بفلان فقال: أخشى أن تبطل ms0249 صلاتي التي تقدمت هذا الأمر، وقد صليتها. قال ~~صديقه: وأين هذا من هذا؟ قال: لأني قلت في الصلاة: * (إياك نعبد وإياك ~~نستعين) * فإن استعنت بغيره كذبت، والكذب في الصلاة يبطلها، وكذلك ~~الاستعاذة من الشيطان الرجيم لا تكون إلا مع تحقق العداوة، فإذا قبل إشارة ~~الشيطان واستنصحه فقد كذب قوله، فبطل ذكره. PageV01P437 # النوع الثامن والعشرون هل في القرآن شئ أفضل من شئ وقد اختلف الناس في ~~ذلك، فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري، والقاضي أبو بكر، وأبو حاتم بن حبان ~~وغيرهم إلى أنه لا فضل لبعض على بعض; لأن الكل كلام الله، وكذلك أسماؤه ~~تعالى لا تفاضل بينهما. وروى معناه عن مالك; قال يحيى بن يحيى تفضيل بعض ~~القرآن على بعض خطأ، وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها، ~~احتجوا بأن الأفضل يشعر بنقص المفضول، وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه. # قال ابن حبان في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه: " ما أنزل الله في ~~التوارة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن، إن الله لا يعطى لقارئ التوراة ~~والإنجيل من الثواب مثل ما يعطى لقارئ أم القرآن إذ الله بفضله فضل هذه ~~الأمة على غيرها من الأمم، وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى ~~غيرها من الفضل على قراءة كلامه ". قال: # وقوله: أعظم سورة، أراد به في الأجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض. # وقال قوم بالتفضيل لظواهر الأحاديث، ثم اختلفوا فقال بعضهم، الفضل راجع ~~إلى عظم الأجر ومضاعفة الثواب بحسب انفعالات النفس وخشيتها وتدبرها وتفكرها ~~عند ورود أوصاف العلا، وقيل بل يرجع لذات اللفظ، وأن ما تضمنه قوله تعالى: ~~* (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) * وآية الكرسي وآخر سورة ~~الحشر، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته، ليس موجودا مثلا في ~~* (تبت يدا PageV01P438 # أبى لهب) * وما كان مثلها فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها; لا ~~من حيث الصفة، وهذا هو الحق. # وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء. ms0250 # وتوسط الشيخ عز الدين فقال: كلام الله في الله أفضل من كلام الله في ~~غيره، ف‍ * (قل هو الله أحد) * أفضل من * (تبت يدا أبى لهب) *، وعلى ذلك ~~بنى الغزالي كتابه المسمى بجواهر القرآن، واختاره القاضي أبو بكر بن العربي ~~لحديث أبى سعيد بن المعلى في صحيح البخاري: " إني لأعلمك سورة هي أعظم ~~السور في القرآن،: * (قال الحمد لله رب العالمين) * ". ولحديث أبي بن كعب ~~في الصحيحين قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: # أي آية في كتاب الله أعظم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبى، أتدري أي ~~آية في كتاب الله أعظم؟ قال: قلت: * (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) *، ~~قال: فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر. # وأخرج الحاكم في مستدركه بسند صحيح عن أبي هريرة: " سيدة آي القرآن آية ~~الكرسي ". # وفى الترمذي غريبا عنه مرفوعا: " لكل شئ سنام، وإن سنام القرآن سورة ~~البقرة فيها آية الكرسي ". # وروى ابن عيينة في جامعه عن أبي صالح عنه: " فيها آية الكرسي وهي سنام آي ~~القرآن ولا تقرأ في دار فيها شيطان إلا خرج منها "; وهذا لا يعارض ما قبله ~~بأفضلية الفاتحة، لأن تلك باعتبار السور وهذه باعتبار الآيات. # وقال القاضي شمس الدين الخويي: كلام الله أبلغ من كلام المخلوقين، وهل ~~يجوز PageV01P439 # أن يقال بعض كلامه أبلغ من بعض؟ جوزه بعضهم لقصور نظرهم. وينبغي أن يعلم ~~أن معنى قول القائل: هذا الكلام أبلغ من هذا الكلام أن هذا في موضعه له حسن ~~ولطف، وذاك في موضعه له حسن ولطف، وهذا الحسن في موضعه أكمل من ذاك في ~~موضعه. # فإن من قال: إن * (قل هو الله أحد) * أبلغ من * (تبت يدا أبى لهب) * يجعل ~~المقابلة بين ذكر الله وذكر أبى لهب، وبين التوحيد والدعاء على الكافرين. # وذلك غير صحيح، بل ينبغي أن يقال: * (تبت يدا أبى لهب) * دعاء عليه ~~بالخسران، فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه! وكذلك في * (قل هو ~~الله أحد) * لا توجد عبارة تدل ms0251 على الوحدانية أبلغ منها، فالعالم إذا نظر ~~إلى * (تبت يدا أبى لهب وتب) * في باب الدعاء والخسران، ونظر إلى * (قل هو ~~الله أحد) * في باب التوحيد لا يمكنه أن يقول: أحدهما أبلغ من الآخر، وهذا ~~القيد يغفل عنه بعض من لا يكون عنده علم البيان. # قلت: ولعل الخلاف في هذه المسألة يلفت عن الخلاف المشهور إن كلام الله شئ ~~واحد أولا; عند الأشعري أنه لا يتنوع في ذاته، إنما هو بحسب متعلقاته. # فإن قيل: فقد قال تعالى: * (فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) ~~*، فجعله شيئين، وأنتم تقولون بعدمه، وأنه صفة واحدة؟ # قلنا: من حيث أنه كلام الله لا مزية لشئ منه على شئ. ثم قولنا: " شئ منه ~~" يوهم التبعيض، وليس لكلام الله الذي هو صفته بعض، ولكن بالتأويل والتفسير ~~وفهم السامعين اشتمل على جميع أنواع المخاطبات، ولولا تنزله في هذه المواقع ~~لما وصلنا إلى فهم شئ منه. PageV01P440 # وقال الحليمي: قد ذكرنا أخبار تدل على جوار المفاضلة بين السور والآيات. # وقال الله تعالى: * (نأت بخير منها أو مثلها) *; ومعنى ذلك يرجع إلى ~~أشياء: # أحدها أن تكون آيتا عمل ثابتتان في التلاوة; إلا أن إحداهما منسوخة ~~والأخرى ناسخة، فنقول: إن الناسخ خير، أي أن العمل بها أولى بالناس وأعود ~~عليهم، وعلى هذا فيقال: آيات الأمر والنهى والوعد والوعيد خير من آيات ~~القصص لأن القصص إنما أريد بها تأكيد الأمر والنهى والتبشير، ولا غنى ~~بالناس عن هذه الأمور، وقد يستغنون عن القصص، فكل ما هو أعود عليهم وانفع ~~لهم مما يجرى مجرى الأصول خير لهم مما يحصل تبعا لما لا بد منه. # والثاني أن يقال: إن الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى وبيان ~~صفاته والدلالة على عظمته وقدسيته لو أفضل أو خير; بمعنى أن مخبراتها أسنى ~~وأجل قدرا. # والثالث أن يقال: سورة خير من سورة، أو آية خير من آية; بمعنى أن القارئ ~~يتعجل بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل، ويتأدى منه بتلاوتها عبادة، كقراءة ~~آية الكرسي، وسورة الإخلاص، والمعوذتين; ms0252 فإن قارئها يتعجل بقراءتها ~~الاحتراز مما يخشى، والاعتصام بالله جل ثناؤه، ويتأدى بتلاوتها منه لله ~~تعالى عبادة، لما فيها من ذكر اسم الله تعالى جده بالصفات العلا على سبيل ~~الاعتقاد لها وسكون النفس إلى فضل الذكر وبركته; فأما آيات الحكم فلا يقع ~~بنفس تلاوتها إقامة حكم، وإنما يقع بها علم. # قال: ثم لو قيل في الجملة: إن القرآن خير من التوراة والإنجيل والزبور، ~~بمعنى أن التعبد بالتلاوة والعمل واقع به دونها، والثواب بحسب بقراءته لا ~~بقراءتها، أو أنه من PageV01P441 # حيث الإعجاز حجة النبي المبعوث، وتلك الكتب لم تكن معجزة، ولا كانت حجج ~~أولئك الأنبياء بل كانت دعوتهم والحجج غيرها; وكان ذلك أيضا نظير ما مضى. # وقد يقال: إن سورة أفضل من سورة; لأن الله تعالى اعتد قراءتها كقراءة ~~أضعافها مما سواها، وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها، وإن كان المعنى ~~الذي لأجله بل بها هذا المقدار لا يظهر لنا، كما يقال: إن قوما أفضل من ~~قوم، وشهرا أفضل من شهر; بمعنى أن العبادة فيه تفضل على العبادة في غيره، ~~والذنب يكون أعظم من الذنب منه في غيره. # وكما يقال: إن الحرم أفضل من الحل، لأنه يتأدى فيه من المناسك ما لا يتأذ ~~في غيره، والصلاة فيه تكون كصلاة مضاعفة مما تقام في غيره. والله أعلم. # فصل [أعظمية آية الكرسي] قال ابن العربي: إنما صارت آية الكرسي أعظم لعظم ~~مقتضاها، فإن الشئ إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته، وهي في آي ~~القرآن كقل هو الله أحد في سوره، إلا أن سورة الإخلاص تفضلها بوجهين: ~~أحدهما أنها سورة وهذه آية، فالسورة أعظم من الآية، لأنه وقع التحدي بها، ~~فهي أفضل من الآية التي لم يتحد بها. # والثاني أن سورة الإخلاص اقتضت التوحيد في خمسة عشر حرفا وآية الكرسي ~~اقتضت التوحيد في خمسين حرفا، فظهرت القدرة في الإعجاز بوضع معنى معبر عنه، ~~مكتوب مدده السبعة الأبحر، لا ينفد، عدد حروفه خمسون كلمة، ثم يعبر عن معنى ~~الخمسين كلمة خمسة عشر كلمة ms0253 وذلك كله بيان لعظم القدرة والانفراد ~~بالوحدانية. # وقال أبو العباس أحمد بن المنير المالكي: كان جدي رحمه الله يقول: اشتملت ~~آية الكرسي على ما لم يشتمل عليه اسم من أسماء الله تعالى; وذلك أنها ~~مشتملة على سبعة عشر PageV01P442 # موضعا فيها اسم الله ظاهرا في بعضها، ومستكنا في بعض; ويظهر للكثير من ~~العادين فيها ستة عشر إلا على حاد البصيرة لدقة استخراجه: 1 - الله، 2 - ~~هو، 3 - الحي، 4 - القيوم، 5 - ضمير " لا تأخذه "، 6 - ضمير " له "، 7 - ~~ضمير " عنده "، 8 - ضمير " إلا بأذنه "، 9 - ضمير " يعلم "، 10 - ضمير " ~~علمه "، 11 - ضمير " شاء "، 12 - ضمير " كرسيه "، 13 - ضمير " يؤوده "، 14 ~~- وهو، 15 - العلى، 16 - العظيم. # فهذه عدة الأسماء. # وأما الخفي في الضمير الذي اشتمل عليه المصدر في قوله: " حفظهما " فإنه ~~مصدر مضاف إلى المفعول، وهو الضمير البارز، ولا بد له من فاعل وهو والله، ~~ويظهر عند فك المصدر، فتقول: ولا يؤوده أن يحفظهما هو. # قال: وكان الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسى قد رام الزيادة ~~على هذا العدد لما أخبرته عن الجد، فقال: يمكن أن تعد ما في الآية من ~~الأسماء المشتقة كل واحد منها باثنين، لأن كل واحد منها يحمل ضميرا ضرورة ~~كونه مشتقا، وذلك الضمير إنما يعود إلى الله وهو باعتبار ظهورها اسم، وقد ~~اشتملت على آخر مضمر، فتكون جملة العدد على هذا أحدا وعشرين اسما، فأجريت ~~معه وجها لطيفا، وهو أن الاسم المشتق لا يحتمل الضمير بعد صيرورته بالتسمية ~~علما على الأصح، وهذه الصفات كلها أسماء الله تعالى. ثم ولو فرضناها محتملة ~~للضمائر بعد التسمية على سبيل التنزل، فالمشتق إنما يقع على موصوفه باعتبار ~~تحمله ضميره، ألا تراك إذا قلت: زيد كريم إذا وجدت " كريما " إنما يقع على ~~" زيد " لأن فيه ضميره; حتى لو جردت النظر إليه لم تجده مختصا بزيد، بل لك ~~أن توقعه على كل موصوف بالكرم من الناس، ولا تجده مختصا بزيد إلا باعتبار ~~اشتماله على ضميره، فليس المشتق إذا مستقلا بوقوعه ms0254 على موصوفه إلا بضميمة ~~الضمير إليه، فلا يمكن أن تجعله له حكم الانفراد عن الضمير مع الحكم برجوعه ~~إلى معين البتة. قال: فرضى عن هذا البحث وصوبه. PageV01P443 # وقال الغزالي في قوله صلى الله عليه وسلم: " إن لكل شئ قلبا، وقلب القرآن ~~يس ": # إن ذلك لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر والنشر، وهو مقرر في هذه ~~السورة بأبلغ وجه، فجعلت قلب القرآن لذلك. واستحسنه فخر الدين الرازي. # قال الجويني: سمعته يترحم عليه بسبب هذا الكلام. # وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: آل حم ديباج القرآن. # وقال ابن عباس: لكل شئ لباب ولباب القرآن آل حم - أو قال: الحواميم. # وقال مسعر بن كدام: كان يقال لهن العرائس. # روى ذلك كله أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن. # وقال حميد بن زنجويه: حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن أبي ~~إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد ~~لأهله منزلا، فمر بأثر غيث، فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على ~~روضات دمثات، فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب، فقيل له: إن مثل ~~الغيث الأول مثل عظم القرآن، وإن مثل هذه الروضات الدمثات مثل آل حم في ~~القرآن. أورده البغوي. # وروى أبو عبيد عن بعض السلف - منهم محمد بن سيرين - كراهة أن يقال: ~~الحواميم، وإنما يقال: آل حم. # وفى الترمذي عن ابن عباس قال: قال أبو بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: # يا رسول الله، قد شبت، قال: " شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم ~~يتساءلون، وإذا الشمس كورت ". خص هذه السور بالشيب لأنهن أجمع لكيفية ~~القيامة وأهوالها PageV01P444 # من غيرهن. ولهذا قال في حديث آخر: " من أحب أن يرى القيامة رأى العين ~~فليقرأ: * (إذا الشمس كورت) * ". # وروى الترمذي من حديث ابن عباس ومن حديث أنس: " إذا زلزلت تعدل نصف ~~القرآن، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربعه ". وقال: في كل منهما غريب. # وقد تكلم ابن عبد البر على حديث: * (قل هو الله ms0255 أحد) * تعدل ثلث القرآن، ~~وحكى خلاف الناس فيه، فقيل: لأنه سمع شخصا يكررها تكرار من يقرأ ثلث ~~القرآن. # فخرج الجواب على هذا. # وفيه بعد عن ظاهر الحديث. # قيل: لأن القرآن يشتمل على قصص وشرائع وصفات، وقل هو الله أحد كلها صفات، ~~فكانت ثلثا بهذا الاعتبار. واعترض على ذلك باستلزام كون آية الكرسي وآخر ~~الحشر ثلث القرآن ولم يرد فيه. # وقيل: تعدل في الثواب، وهو الذي يشهد لظاهر الحديث. # قلت: ضعف ابن عقيل هذا وقال: لا يجوز أن يكون المعنى فله أجر ثلث القرآن; ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات ". # ثم قال ابن عبد البر: على أنى أقول: السكوت في هذه المسألة أفضل من ~~الكلام فيها وأسلم، ثم أسند إلى إسحاق بن منصور، قلت لأحمد بن حنبل: قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن " ما وجهه؟ فلم يقم ~~لي فيها على. أمر وقال لي إسحاق بن راهويه: معناه أن الله لما فضل كلامه ~~على سائر الكلام جعل لبعضه أيضا فضلا PageV01P445 # في الثواب لمن قرأه تحريضا على تعلمه; لا أن من قرأ * (قل هو الله أحد) * ~~ثلاث مرات كان كمن قرأ القرآن جميعه، هذا لا يستقيم ولو قرأها مائتي مرة. # قال أبو عمرو: وهذان إمامان بالسنة ما قاما ولا قعدا في هذه المسألة. # قلت: وأحسن ما قيل فيه أن القرآن قسمان: خبر وإنشاء، والخبر قسمان: خبر ~~عن الخالق وخبر عن المخلوق، فهذه ثلاثة أثلاث، وسورة الإخلاص أخلصت الخبر ~~عن الخالق، فهي بهذا الاعتبار ثلث القرآن. # فائدة [في أي آية في القرآن أرجى] اختلف في أرجى آية في القرآن على بضعة ~~عشر قولا: # الأول: آية " الدين " ومأخذه أن الله تعالى أرشد عباده إلى مصالحهم ~~الدنيوية حتى انتهت العناية بمصالحهم إلى أن أمرهم بكتابة الدين الكبير ~~والحقير، فبمقتضى ذلك يرجى عفو الله تعالى عنهم لظهور أمر العناية العظيمة، ~~بهم حتى في مصلحتهم الحقيرة. # الثاني: * (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة) * إلى قوله ms0256 * (ألا تحبون ~~أن يغفر الله لكم) *، وهذا رواه مسلم في الصحيح أثر حديث الإفك، عن الإمام ~~الجليل عبد الله بن المبارك. # الثالث: قال الشبلي في قوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ~~ما قد PageV01P446 # سلف) *، فالله تعالى لما أذن الكافرين بدخول الباكل إذا أتوا بالتوحيد ~~والشهادة أتراه يخرج الداخل فيها والمقيم عليها! # الرابع: قوله تعالى: * (وهل نجازى إلا الكفور) *. # الخامس: قوله: * (إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى) *. # السادس: قوله تعالى: * (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن ~~كثير) *. # السادس: قوله تعالى: * (قل كل يعمل على شاكلته) *. # الثامن: قوله تعالى: * (ولسوف يعطيك ربك فترضى) *. # حكى هذه الأقوال الخمسة الأخيرة الشيخ محيى الدين في رؤس المسائل. # التاسع: رأيت في مناقب الشافعي للإمام أبى محمد إسماعيل الهروي صاحب ~~الحاكم بإسناده عن ابن عبد الحكم، قال: سألت الشافعي: أي آية أرجى؟ قال: ~~قوله تعالى: # * (يتيما ذا مقربة. أو مسكينا ذا متربة) *. قال: وسألته عن أرجى حديث ~~للمؤمن؟ قال: حديث: " إذا كان يوم القيامة يدفع إلى كل مسلم رجل من الكفار ~~فيذهب به إلى النار ". # العاشر والحادي عشر: روى الحاكم في مستدركه عن محمد بن المنكدر قال: ~~التقى ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقال ابن عباس: أي آية في كتاب ~~الله أرجى عندك؟ فقال عبد الله بن عمرو: * (يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم) *، قال: PageV01P447 # لكن قول إبراهيم: * (قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) * هذا لما ~~في الصدور من وسوسة الشيطان، فرضى الله تعالى من إبراهيم بقوله: * (أولم ~~تؤمن قال بلى) * وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. # وقال النحاس في سورة الأحقاف: * (فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) * فقال: # إن هذه الآية من أرجى آية في القرآن إلا أن ابن عباس قال: أرجى آية في ~~القرآن: # * (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) *. # وأما أخوف آية فعن الإمام أبي حنيفة أنه قال: هي قوله تعالى: * (واتقوا ~~النار التي أعدت للكافرين) * ولو قيل إنها * (سنفرغ ms0257 لكم أيه الثقلان) * ~~لكان له وجه; ولهذا قال بعضهم: لو سمعت هذه الكلمة من خفير الحارة لم أنم. ~~PageV01P448 # النوع التاسع والعشرون في آداب تلاوته وكيفيتها اعلم أنه ينبغي لمح موقع ~~النعم على من علمه الله تعالى القرآن العظيم أو بعضه، بكونه أعظم المعجزات، ~~لبقائه ببقاء دعوة الاسلام، ولكونه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ~~والمرسلين، فالحجة بالقرآن العظيم قائمة على كل عصر وزمان، لأنه كلام رب ~~العالمين، وأشرف كتبه جل وعلا، فلير من عنده القرآن أن الله أنعم عليه نعمة ~~عظيمة، وليستحضر من أفعاله أن يكون القرآن حجة له لا عليه; لأن القرآن ~~مشتمل على طلب أمور، والكف عن أمور، وذكر أخبار قوم قامت عليهم الحجة ~~فصاروا عبرة للمعتبرين حين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، وأهلكوا لما عصوا، ~~وليحذر من علم حالهم أن يعصى، فيصير مآله مآلهم; فإذا استحضر صاحب القرآن ~~علو شأنه بكونه طريقا لكتاب الله تعالى، وصدره مصحفا له انكفتت نفسه عند ~~التوفيق عن الرذائل، وأقبلت على العمل الصالح الهائل. وأكبر معين على ذلك ~~حسن ترتيله وتلاوته، وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: * (ورتل ~~القرآن ترتيلا) * وقال: * (وقرانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه ~~تنزيلا) *، فحق على كل امرئ مسلم قرأ القرآن أن يرتله، وكمال ترتيله تفخيم ~~ألفاظه والإبانة عن حروفه، والإفصاح لجميعه بالتدبر حتى يصل بكل ما بعده، ~~PageV01P449 # وأن يسكت بين النفس والنفس حتى يرجع إليه نفسه، وألا يدغم حرفا في حرف; ~~لأن أقل ما في ذلك أن يسقط من حسناته بعضها، وينبغي للناس أن يرغبوا في ~~تكثير حسناتهم; فهذا الذي وصفت أقل ما يجب من الترتيل. # وقيل: أقل الترتيل أن يأتي بما يبين ما يقرأ به، وإن كان مستعجلا في ~~قراءته، وأكمله أن يتوقف فيها، ما لم يخرجه إلى التمديد والتمطيط; فمن أراد ~~أن يقرأ القرآن بكمال الترتيل فليقرأه على منازله، فإن كان يقرأ تهديدا لفظ ~~به لفظ المتهدد، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ به على التعظيم. # وينبغي أن يشتغل قلبه في التفكر ms0258 في معنى ما يلفظ بلسانه، فيعرف من كل آية ~~معناها، ولا يجاوزها إلى غيرها حتى يعرف معناها، فإذا مر به آية رحمة وقف ~~عندها وفرح بما وعده الله تعالى منها، واستبشر إلى ذلك، وسأل الله برحمته ~~الجنة. وإن قرأ آية عذاب وقف عندها، وتأمل معناها; فإن كانت في الكافرين ~~اعترف بالإيمان، فقال: آمنا بالله وحده: وعرف موضع التخويف، ثم سأل الله ~~تعالى أن يعيذه من النار. # وإن هو مر بآية فيها نداء للذين آمنوا فقال: " يا أيها الذين آمنوا " وقف ~~عندها - وقد كان بعضهم: يقول لبيك ربى وسعديك - ويتأمل ما بعدها مما أمر به ~~ونهى عنه; فيعتقد قبول ذلك. فإن كان من الأمر الذي قد قصر عنه فيما مضى ~~اعتذر عن فعله في ذلك الوقت، واستغفر ربه في تقصيره، وذلك مثل قوله: * (يا ~~أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) *. # وعلى كل أحد أن ينظر في أمر أهله في صلاتهم وصيامهم وأداء ما يلزمهم في ~~طهاراتهم PageV01P450 # وجناياتهم، وحيض النساء ونفاسهن. وفى وعلى كل أحد أن يتفقد ذلك في أهله، ~~ويراعيهم بمسألتهم عن ذلك، فمن كان منهم يحسن ذلك كانت مسألته تذكيرا له ~~وتأكيدا لما في قلبه، وإن كان لا يحسن كان ذلك تعليما له، ثم هكذا يراعى ~~صغار ولده ويعلمهم إذا بلغوا سبعا أو ثماني سنين، ويضربهم إذا بلغوا العشر ~~على ترك ذلك; فمن كان من الناس قد قصر فيما مضى اعتقد قبوله والأخذ به فيما ~~يستقبل، وإن كان يفعل ذلك وقد عرفه فإنه إذا مر به تأمله وتفهمه. # وكذلك قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) *، ~~فإذا قرأ هذه الآية تذكر أفعاله في نفسه وذنوبه فيما بينه وبين غيره من ~~الظلامات والغيبة وغيرها، ورد ظلامته، واستغفر من كل ذنب قصر في عمله، ونوى ~~أن يقوم بذلك ويستحل كل من بينه وبينه شئ من هذه الظلامات، من كان منهم ~~حاضرا، وأن يكتب إلى من كان غائبا، وأن يرد ما كان يأخذه على من أخذه منه، ~~فيعتقد ms0259 هذا في وقت قراءة القرآن حتى يعلم الله تعالى منه أنه قد سمع وأطاع; ~~فإذا فعل الانسان هذا كان قد قام بكمال ترتيل القرآن; فإذا وقف على آية لم ~~يعرف معناها يحفظها حتى يسأل عنها من يعرف معناها; ليكون متعلما لذلك طالبا ~~للعمل به، وإن كانت الآية قد اختلف فيها اعتقد من قولهم أقل ما يكون، وإن ~~احتاط على نفسه بأن يعتقد أوكد ما في ذلك كان أفضل له وأحوط لأمر دينه. # وإن كان ما يقرؤه من الآي فيما قصص الله على الناس من خبر من مضى من ~~الأمم فلينظر في ذلك، وإلى ما صرف الله عن هذه الأمة منه، فيجدد لله على ~~ذلك شكرا. PageV01P451 # وإن كان ما يقرؤه من الآي مما أمر الله به أو نهى عنه أضمر قبول الأمر ~~والائتمار، والانتهاء عن المنهى والاجتناب له. فإن كان ما يقرؤه من ذلك ~~وعيدا وعد الله به المؤمنين فلينظر إلى قلبه، فإن جنح إلى الرجاء فزعه ~~بالخوف، وإن جنح إلى الخوف فسح له في الرجاء; حتى يكون خوفه ورجاؤه ~~معتدلين، فإن ذلك كمال الإيمان. # وإن كان ما يقرؤه من الآي من المتشابه الذي تفرد الله بتأويله، فليعتقد ~~الإيمان به كما أمر الله تعالى فقال: * (فأما الذين قى قلوبهم زيغ فيتبعون ~~ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) * يعنى عاقبة الأمر منه، ثم ~~قال تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله) *. # وإن كان موعظة اتعظ بها، فإنه إذا فعل هذا فقد نال كمال الترتيل. # وقال بعضهم: الناس في تلاوة القرآن ثلاثة مقامات. # الأول: من يشهد أوصاف المتكلم في كلامه ومعرفة معاني خطابه، فينظر إليه ~~من كلامه، وتكلمه بخطابه، وتمليه كل بمناجاته، وتعرفه من صفاته، فإن كل ~~كلمة تنبئ عن معنى اسم، أو وصف، أو حكم، أو إرادة، أو فعل; لأن الكلام ينبئ ~~عن معاني الأوصاف، ويدل على الموصوف، وهذا مقام العارفين من المؤمنين، لأنه ~~لا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته، ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث أنه منعم ~~عليه، بل ms0260 هو مقصور الفهم عن المتكلم، موقوف الفكر عليه، مستغرق بمشاهدة ~~المتكلم; ولهذا قال جعفر بن محمد الصادق: لقد تجلى الله لخلقه بكلامه، ولكن ~~لا يبصرون. # ومن كلام الشيخ أبى عبد الله القرشي: لو طهرت القلوب لم تشبع من التلاوة ~~للقرآن. # الثاني: من يشهد بقلبه كأنه تعالى يخاطبه ويناجيه بألطافه، ويتملقه ~~بإنعامه PageV01P452 # وإحسانه، فمقام هذا الحياء والتعظيم، وحاله الإصغاء والفهم، وهذا لعموم ~~المقربين. # الثالث: من يرى أنه يناجي ربه سبحانه، فمقام هذا السؤال والتمكن، وحاله ~~الطلب; وهذا المقام لخصوص أصحاب اليمين; فإذا كان العبد يلقى السمع من بين ~~يدي سميعه، مصغيا إلى سر كلامه، شهيد القلب لمعاني صفاته، ناظرا إلى قدرته، ~~تاركا لمعقوله ومعهود علمه، متبرئا من حوله وقوته، معظما للمتكلم، متفرغا ~~إلى الفهم، بحال مستقيم، وقلب سليم، وصفاء، يقين، وقوة علم، وتمكين سمع - ~~فصل الخطاب وشهد غيب الجواب; لأن الترتيل في القرآن، والتدبر لمعاني ~~الكلام، وحسن الاقتصاد إلى المتكلم في الإفهام، والإيقاف على المراد، وصدق ~~الرغبة في الطلب - سبب للاطلاع على المطلع من المسر المكنون المستودع. وكل ~~كلمة من الخطاب تتوجه عشر جهات، للعارف من كل جهة مقام ومشاهدات: # أولها الإيمان فلا بها، والتسليم لها، والتوبة إليها، والصبر عليها، ~~والرضا بها، والخوف منها، والرجا إليها، والشكر عليها، والمحبة لها، ~~والتوكل فيها. فهذه المقامات العشر هي مقامات المتقين، وهي منطوية في كل ~~كلمة يشهدها أهل التمكين والمناجاة، ويعرفها أهل العلم والحياة، لأن كلام ~~المحبوب حياة للقلوب، لا ينذر به إلا حي، ولا يحيا به إلا مستجيب، كما قال ~~تعالى: * (لينذر من كان حيا) *. وقال تعالى: * (إذا دعاكم لما يحييكم) *. ~~ولا يشهد هذه العشر مشاهدات إلا من يتنقل في العشر المقامات المذكورة في ~~سورة الأحزاب، أولها مقام المسلمين، وآخرها مقام الذاكرين، وبعد مقام ~~PageV01P453 # الذكر هذه المشاهدات العشر، فعندها لا تمل المناجاة، لوجود المصافاة، ~~وعلم كيف تجلى له تلك الصفات الإلهية في طي هذه الأدوات، ولولا استتار كنه ~~جمال كلامه بكسوة الحروف، لما ثبت لسماع الكلام عرش ولا ثرى، ولا تمكن منه ~~لفهم ms0261 عظيم الكلام إلا على حد فهم الخلق، فكل أحد يفهم عنه بفهمه الذي قسم ~~له، حكمة منه. # قال بعض العلماء: في القرآن ميادين وبساتين، ومقاصير وعرائس، وديابيج ~~ورياض، فالميمات ميادين القرآن، والراءات بساتين القرآن، والحاءات غير ~~مقاصير القرآن، والمسبحات عرائس القرآن، والحواميم ديابيج القرآن، والمفصل ~~رياضه، وما سوى ذلك. فإذا دخل المريد في الميادين، وقطف من البساتين، ودخل ~~المقاصير، وشهد العرائس، ولبس الديابيج، أحمد وتنزه في الرياض، وسكن غرفات ~~المقامات اقتطعه عما سواه، وأوقف ما يراه، وشغله المشاهد له عما عداه; ~~ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اعرفوا القرآن والتمسوا غرائبه، ~~وغرائبه فروضه وحدوده; فإن القرآن على خمسة: حلال، وحرام، ومحكم، وأمثال، ~~ومتشابه، فخذوا الحلال، ودعوا الحرام، واعملوا بالمحكم، وآمنوا بالتمشابه، ~~واعتبروا بالأمثال ". # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوها. ~~وقال ابن مسعود رضي الله عنه: من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن. # قال ابن سبع في كتاب " شفاء الصدور " هذا الذي قال أبو الدرداء وابن ~~مسعود لا يحصل بمجرد تفسيره الظاهر; وقد قال بعض العلماء: لكل آية ستون ~~ألف، فهم وما بقي من فهمه أكثر. وقال آخرون: القرآن يحتوى على سبعة وسبعين ~~ألف علم، إذ لكل كلمة علم، ثم يتضاعف ذلك أربعا، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن، ~~وحد ومطلع. # وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله وصفاته، وفى القرآن شرح ذاته ~~وصفاته وأفعاله. PageV01P454 # فصل [كراهة قراءة القرآن بلا تدبر] تكره قراء القرآن بلا تدبر، وعليه محل ~~حديث عبد الله بن عمرو: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، وقول ابن ~~مسعود لمن أخبره أنه يقوم بالقرآن في ليلة: أهذا كهذ الشعر! وكذلك قوله صلى ~~الله عليه وسلم في صفة الخوارج: يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولا ~~حناجرهم " ذمهم بإحكام ألفاظه، وترك التفهم لمعانيه. # فصل تعلم القرآن ثبت في صحيح البخاري من حديث عثمان: " خيركم من تعلم ~~القرآن وعلمه "، وفى رواية " أفضلكم ". وعن عبد الله يرفعه: " إن القرآن ~~مأدبة الله فتعلموا ms0262 مأدبته ما استطعتم "، رواه البيهقي. PageV01P455 # وروى أيضا عن أبي العالية قال: " تعلموا القرآن خمس آيات، خمس آيات، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذه من جبريل عليه السلام خمسا خمسا "، وفى ~~رواية: # " من تعلمه خمسا خمسا لم ينسه ". # قال أصحابنا: تعليم القرآن فرض كفاية، وكذلك حفظه واجب على الأمة، صرح به ~~الجرجاني في " الشافي " والعبادي وغيرهما. والمعنى فيه كما قاله الجويني ~~ألا ينقطع عدد التواتر فيه، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف; فإن قام بذلك ~~قوم سقط عن الباقين، وإلا فالكل آثم. فإذا لم يكن في البلد أو القرية من ~~يتلو القرآن أثموا بأسرهم، ولو كان هناك جماعة يصلحون للتعليم وطلب من ~~بعضهم وامتنع لم يأثم في الأصح; كما قاله النووي في " التبيان "; وهو نظير ~~ما صححه في كتاب السير أن المفتى والمدرس لا يأثمان بالامتناع إذا كان هناك ~~من يصلح غيره. وصورة المسألة فيما إذا كانت المصلحة لا تفوت بالتأخير; فإن ~~كانت تفوت لم يجز الامتناع، كالمصلى يريد تعلم الفاتحة ولو رده لخرج الوقت ~~بسبب ذهابه إلى الاخر، ولضيق الوقت عن التعليم. # وينبغي تعليمه على التأليف المعهود; فإنه توقيفي; وقد ورد عن ابن مسعود: ~~سئل عن الذي يقرأ القرآن منكوسا قال: ذاك منكوس القلب. # قال أبو عبيد: وجهه عندي أن يبتدئ من آخر القرآن من آخر المعوذتين; ثم ~~يرتفع إلى البقرة; كنحو ما تفعل الصبيان في الكتاب، لأن السنة خلاف هذا; ~~وإنما وردت الرخصة في تعليم الصبى والعجمي من المفصل لصعوبة السور الطوال ~~عليهما. PageV01P456 # مسألة [جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن] ويجوز أخذ الأجرة على التعليم،، ~~ففي صحيح البخاري: " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ". وقيل: إن تعين ~~عليه لم يجز، واختاره الحليمي، وقال: استنصر الناس المعلمين لقصرهم زمانهم ~~على معاشرة الصبيان ثم النساء حتى أثر ذلك في عقولهم، ثم لابتغائهم عليه ~~الأجعال وطمعهم في أطعمة الصبيان، فأما نفس التعليم فإنه يوجب التشريف ~~والتفصيل. # وقال أبو الليث في كتاب " البستان ": التعليم على ثلاثة أوجه: أحدها ~~للحسبة ولا ms0263 يأخذ به عوضا. والثاني أن يعلم بالأجرة. والثالث أن يعلم بغير ~~شرط، فإذا أهدى إليه قبل. # فالأول: مأجور عليه، وهو عمل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. # والثاني: مختلف فيه، قال أصحابنا المتقدمون: لا يجوز; لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: " بلغوا عنى ولو آية ". وقال جماعة من المتأخرين: يجوز، مثل ~~عصام بن يوسف ونصر بن يحيى وأبى نصر بن سلام. وغيرهم قالوا: والأفضل للمعلم ~~أن يشارط الأجرة للحفظ PageV01P457 # وتعليم الكتابة، فإن شارط لتعليم القرآن أرجو أنه لا بأس به; لأن ~~المسلمين قد توارثوا ذلك واحتاجوا إليه. # وأما الثالث فيجوز في قولهم جميعا; لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~معلما للخلق وكان يقبل الهدية. ولحديث اللديغ لما رقوه بالفاتحة، وجعلوا له ~~جعلا وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " واضربوا لي معكم فيها بسهم ". # فصل [في دوام تلاوة القرآن بعد تعلمه] وليد من على تلاوته بعد تعلمه، قال ~~الله تعالى مثنيا على من كان دأبه تلاوة آيات الله: * (يتلون آيات الله ~~آناء الليل) * وسماه ذكرا، وتوعد المعرض عنه ومن تعلمه ثم نسيه. وفى ~~الصحيحين: " تعاهدوا القرآن; فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل ~~في عقالها ". " وقال: " بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت بل هو نسي ~~[و] استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا في صدور الرجال من النعم في عقالها ". ~~PageV01P458 # مسألة [في استحباب الاستياك والتطهر للقراءة] يستحب الاستياك وتطهير فمه، ~~والطهارة للقراءة باستياكه، وتطهير بدنه بالطيب المستحب تكريما لحال ~~التلاوة، لابسا من الثياب ما يتجمل به بين الناس; لكونه بالتلاوة بين يدي ~~المنعم المتفضل بهذا الإيناس، فإن التالي للكلام، بمنزلة المكالم لذي ~~الكلام، وهذا غاية التشريف من فضل الكريم العلام. ويستحب أن يكون جالسا ~~مستقبل القبلة; سئل سعيد بن المسيب عن حديث وهو متكئ; فاستوى جالسا وقال: # أكره أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا متكئ; وكلام الله ~~تعالى أولى. # ويستحب أن يكون متوضئا; ويجوز للمحدث، قال إمام الحرمين وغيره: لا يقال ~~إنها مكروهة، فقد صح أنه صلى ms0264 الله عليه وسلم كان يقرأ مع الحدث وعلى كل حال ~~سوى الجنابة. وفى معناها الحيض والنفاس. وللشافعي قول قديم في الحائض، تقرأ ~~خوف النسيان. # وقال أبو الليث: لا بأس أن يقرأ الجنب والحائض أقل من آية واحدة. قال: ~~وإذا أرادت الحائض التعلم فينبغي لها أن تلقن نصف آية، ثم تسكت ولا تقرأ ~~آية واحدة بدفعة واحدة. وتكره القراءة حال خروج الريح; وأما غيره من ~~النواقض كاللمس والمس ونحوه فيحتمل عدم الكراهة; لأنه غير مستقذر عادة، ~~ولأنه في حال خروج الريح يبعد بخلاف هذه. PageV01P459 # مسألة [في التعوذ وقراءة البسملة عند التلاوة] يستحب التعوذ قبل القراءة، ~~فإن قطعها قطع ترك وأراد العود جدد، وإن قطعها لعذر عازما على العود كفاه ~~التعوذ الأول ما لم يطل الفصل. ولا بد من قراءة البسملة أول كل سورة تحرزا ~~من مذهب الشافعي; وإلا كان قارئا بعض السور لا جميعها; فإن قرأ من أثنائها ~~استحب له البسملة أيضا، نص عليه الشافعي رحمه الله فيما نقله العبادي. # وقال الفاسي في شرح القصيدة: كان بعض شيوخنا يأخذ علينا في الأجزاء ~~القرآنية بترك البسملة، ويأمرنا بها في حزب: * (الله لا إله إلا هو) *; وفى ~~حزب: # * (إليه يرد علم الساعة) * لما فيهما بعد الاستعاذة من قبح اللفظ. وينبغي ~~لمن أراد ذلك أن يفعله; إذا ابتدأ مثل ذلك، نحو: * (الله الذي خلقكم) *، * ~~(وهو الذي PageV01P460 # أنشأ جنات) *; لوجود العلة المذكورة. وقد كان مكي يختار إعادة الآية قبل ~~كل حزب من الحزبين المذكورين للعلة المذكورة. # مسألة ولتكن تلاوته بعد أخذه القرآن من أهل الإتقان لهذا الشأن، الجامعين ~~بين الدراية والرواية، والصدق والأمانة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يجتمع به جبريل في رمضان فيدارسه القرآن. # مسألة [في قراءة القرآن في المصحف أفضل أم على ظهر قلب] وهل القراءة في ~~المصحف أفضل، أم على ظهر القلب، أم يختلف الحال؟ # ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها من المصحف أفضل; لأن النظر فيه عبادة، فتجتمع القراءة ~~والنظر، وهذا قاله القاضي الحسين والغزالي، قال: وعلة ذلك أنه لا يزيد ms0265 ~~على... وتأمل المصحف وجملة، ويزيد في الأجر بسبب ذلك. وقد قيل: الختمة في ~~المصحف بسبع; وذكر أن الأكثرين من الصحابة كانوا يقرءون في المصحف، ويكرهون ~~أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف. PageV01P461 # ودخل بعض فقهاء مصر على الشافعي رحمه الله تعالى المسجد وبين يديه المصحف ~~فقال: شغلكم الفقه عن القرآن; إني لأصلي العتمة، وأضع المصحف في يدي فما ~~أطبقه حتى الصبح. # وقال عبد الله بن أحمد: كان أبى يقرأ في كل يوم سبعا من القرآن لا يتركه ~~نظرا. # وروى الطبراني من حديث أبي سعيد بن عون المكي عن عثمان بن عبيد الله بن ~~أوس الثقفي عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قراءة الرجل في ~~غير المصحف ألف درجة، وقراءته في المصحف تضاعف على ذلك إلى ألفى درجة. وأبو ~~سعيد قال فيه ابن معين: لا بأس به. # وروى البيهقي في شعب الإيمان من طريقين إلى عثمان بن عبد الله بن أوس ~~قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ القرآن في المصحف كانت له ~~ألفا حسنة، ومن قرأه في غير المصحف - فأظنه قال - كألف حسنة ". وفى الطريق ~~الأخرى قال: # " درجة "، وجزم بألف إذا لم يقرأ في المصحف. # وروى ابن أبي داود بسنده عن أبي الدرداء مرفوعا: " من قرأ مائتي آية كل ~~يوم نظرا شفع في سبعة قبور حول قبره، وخفف العذاب عن والديه وإن كانا ~~مشركين ". # وروى أبو عبيد في فضائل القرآن بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~فضل القرآن نظرا على من قرأ ظاهرا كفضل الفريضة على النافلة ". وبسنده عن ~~ابن عباس قال: # كان عمر إذا دخل البيت نشر المصحف يقرأ فيه. PageV01P462 # وروى أبو داود بسنده عن عائشة مرفوعا: " النظر إلى الكعبة عبادة، والنظر ~~في وجه الوالدين عبادة، والنظر في المصحف عبادة ". # وعن الأوزاعي كان يعجبهم النظر في المصحف بعد القراءة هنيهة. قال بعضهم: # وينبغي لمن كان عنده مصحف أن يقرأ فيه كل يوم آيات يسيرة ولا يتركه ~~مهجورا. # والقول الثاني: أن ms0266 القراءة على ظهر القلب أفضل، واختاره أبو محمد بن عبد ~~السلام، فقال في أماليه: قيل القراءة في المصحف أفضل; لأنه يجمع فعل ~~الجارحتين; وهما اللسان والعين، والأجر على قدر المشقة. وهذا باطل; لأن ~~المقصود من القراءة التدبر لقوله تعالى: # * (ليتدبروا آياته) *; والعادة تشهد أن النظر في المصحف يخل بهذا ~~المقصود، فكان مرجوحا. # والثالث: واختاره النووي في الأذكار: إن كان القارئ من حفظه يحصل له من ~~التدبر والتفكر وجمع القلب أكثر مما يحصل له من المصحف فالقراءة من الحفظ ~~أفضل. # وإن استويا فمن المصحف أفضل، وقال: وهو مراد السلف. # مسألة [في استحباب الجهر بالقراءة] يستحب الجهر بالقراءة; صح ذلك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، واستحب بعضهم PageV01P463 # الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها; لأن المسر قد يمل، فيأنس بالجهر، ~~والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار; إلا أن من قرأ بالليل جهر بالأكثر; وإن ~~قرأ بالنهار أسر بالأكثر; إلا أن يكون بالنهار في موضع لا لغو فيه ولا ~~صخب،، ولم يكن في صلاة فيرفع صوته بالقرآن، ثم روى بسنده عن معاذ بن جبل ~~يرفعه: " الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة ". ~~نعم من قرأ والناس يصلون فليس له أن يجهر جهرا يشغلهم به; فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يصلون في المسجد، فقال: " يا أيها الناس ~~كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة ". # مسألة [في كراهة قطع القرآن لمكالمة الناس] ويكره قطع القرآن لمكالمة ~~الناس; وذلك أنه إذا انتهى في القراءة إلى آية وحضره كلام فقد استقبله التي ~~بلغها والكلام، فلا ينبغي أن يؤثر كلامه على قراءة القرآن، قاله الحليمي، ~~وأيده البيهقي بما رواه البخاري: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى ~~يفرغ منه. # مسألة [في حكم قراءة القرآن بالعجمية] لا تجوز قراءته بالعجمية سواء أحسن ~~العربية أم لا، في الصلاة وخارجها، لقوله تعالى: # * (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) *، وقوله: * (ولو جعلناه قرآنا أعجميا) *. ~~PageV01P464 # وقيل عن أبي حنيفة: تجوز قراءته بالفارسية مطلقا، وعن أبي يوسف: ms0267 إن لم ~~يحسن العربية; لكن صح عن أبي حنيفة الرجوع عن ذلك، حكاه عبد العزيز في " ~~شرح البزرودي ". # واستقر الاجماع على أنه تجب قراءته على هيئته التي يتعلق بها الإعجاز ~~لنقص الترجمة عنه، ولنقص غيره من الألسن عن البيان الذي اختص به دون سائر ~~الألسنة. وإذا لم تجز قراءته بالتفسير العربي لمكان التحدي بنظمه. فأحرى أن ~~لا تجوز الترجمة بلسان غيره; ومن هاهنا قال القفال من أصحابنا: عندي أنه لا ~~يقدر أحد أن يأتي بالقرآن بالفارسية، قيل له: فإذن لا يقدر أحد أن يفسر ~~القرآن، قال: ليس كذلك; لأن هناك يجوز أن يأتي ببعض مراد الله ويعجز عن ~~البعض; أما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله، ~~أي فإن الترجمة إبدال لفظه بلفظة تقوم مقامها، وذلك غير ممكن بخلاف ~~التفسير. # وما أحاله القفال من ترجمة القرآن ذكره أبو الحسين بن فارس في فقه ~~العربية أيضا فقال: " لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقل القرآن إلى شئ من ~~الألسن; كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، وترجمت ~~التوراة والزبور وسائر كتب الله تعالى بالعربية; لأن العجم لم تتسع في ~~الكلام اتساع العرب; ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى: * (وإما ~~تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) * لم تستطع أن PageV01P465 # تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها، وتصل ~~مقطوعها، وتظهر مستورها، فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد، فخفت منهم ~~خيانة ونقضا فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطته لهم، وآذنهم بالحرب; لتكون أنت ~~وهم في العلم بالنقض على سواء، وكذلك قوله تعالى: * (فضربنا على آذانهم في ~~الكهف سنين عددا) * " انتهى. # فظهر من هذا أن الخلاف في جواز قراءته بالفارسية لا يتحقق لعدم إمكان ~~تصوره. # ورأيت في كلام بعض الأئمة المتأخرين أن المنع من الترجمة مخصوص بالتلاوة; ~~فأما ترجمته للعمل به فإن ذلك جائز للضرورة، وينبغي أن يقتصر من ذلك على ~~بيان المحكم منه، والغريب المعنى بمقدار ms0268 الضرورة; من التوحيد وأركان ~~العبادات; ولا يتعرض لما سوى ذلك، ويؤمر من أراد الزيادة على ذلك بتعلم ~~اللسان العربي; وهذا هو الذي يقتضيه الدليل، ولذلك لم يكتب رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، إلى قيصر إلا بآية واحدة محكمة لمعنى واحد; وهو توحيد الله ~~والتبري من الإشراك; لأن النقل من لسان إلى لسان قد تنقص الترجمة عنه كما ~~سبق، فإذا كان معنى المترجم عنده واحدا قل وقوع التقصير فيه; بخلاف المعاني ~~إذا كثرت; وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لضرورة التبليغ; أو لأن معنى ~~تلك الآية كان عندهم مقررا في كتبهم; وإن خالفوه. # وقال الكواشي في تفسير سورة الدخان: أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية ~~بشريطة; وهي أن يؤدى القارئ المعاني كلها من غير أن ينقص منها شيئا أصلا. ~~قالوا: # وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة; لأن كلام العرب - خصوصا القرآن ~~الذي هو PageV01P466 # معجز - فيه من لطائف المعاني والإعراب ما لا يستقل به لسان من فارسية ~~وغيرها. # وقال الزمخشري: ما كان أبو حنيفة يحسن الفارسية; فلم يكن ذلك منه عن ~~تحقيق وتبصر. وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل صاحبيه في ~~القراءة بالفارسية. # مسألة [في عدم جواز القراءة بالشواذ] ولا تجوز قراءته بالشواذ، وقد نقل ~~ابن عبد البر الاجماع على منعه; فقد سبق في الحديث: كان يمد مدا; يعنى أنه ~~يمكن الحروف ولا يحذفها، وهو الذي يسميه القراء بالتجويد في القرآن، ~~والترتيل أفضل من الإسراع، فقراءة حزب مرتل مثلا في مقدار من الزمان، أفضل ~~من قراءة حزبين في مثله بالإسراع. # مسألة [في استحباب قراءة القرآن بالتفخيم] يستحب قراءته بالتفخيم ~~والإعراب لما يروى: " نزل القرآن بالتفخيم "، قال الحليمي: # معناه أن يقرأ على قراءة الرجال، ولا يخضع الصوت فيه ككلام النساء، قال: ~~ولا يدخل في كراهة الإمالة التي هي اختيار بعض القراء. وقد يجوز أن يكون ~~القرآن نزل بالتفخيم; فرخص مع ذلك في إمالة ما يحسن إمالته على لسان جبريل ~~عليه السلام. # وروى البيهقي من حديث ابن ms0269 عمر: " من قرأ القرآن فأعرب في قراءته كان له ~~بكل حرف عشرون حسنة، ومن قرأه بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات. ~~PageV01P467 # مسأل [في فصل السور بعضها عن بعض] وأن يفصل كل سورة عما قبلها، إما ~~بالوقف أو التسمية، ولا يقرأ من أخرى قبل الفراغ من الأولى; ومنه الوقف على ~~رؤس الآي، وإن لم يتم المعنى. قال أبو موسى المديني: وفيه خلاف بينهم; ~~لوقفه صلى الله عليه وسلم في قراءة الفاتحة على كل آية وإن لم يتم الكلام. ~~قال أبو موسى: ولأن الوقف على آخر السور لا شك في استحبابه; وقد يتعلق ~~بعضها ببعض; كما في سورة الفيل مع قريش. # وقال البيهقي رحمه الله وقد ذكر حديث " كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقطع قراءته آية آية ": ومتابعة السنة أولى فيما ذهب إليه أهل العلم ~~بالقراءات من تتبع الأغراض والمقاصد. # * * * ومنها أن يعتقد جزيل ما أنعم الله عليه إذ أهله لحفظ كتابه ويستصغر ~~عرض الدنيا أجمع [في جنب ما] ما خوله الله تعالى، ويجتهد في شكره. ومنها ~~ترك المباهاة فلا يطلب به الدنيا; بل ما عند الله; وألا يقرأ في المواضع ~~القذرة، وأن يكون ذا سكينة ووقار، مجانبا للذنب، محاسبا نفسه، يعرف القرآن ~~في سمته وخلقه; لأنه صاحب كتاب الملك والمطلع على وعده ووعيده، [وليتجنب ~~القراءة في الأسواق، قاله الحليمي، وألحق به الحمام. وقال النووي: لا بأس ~~به في الطريق سرا حيث لا لغو فيها] مسالة [في ترك خلط سورة بسورة] عد ~~الحليمي من الآداب ترك خلط سورة بسورة; وذكر الحديث الآتي. قال البيهقي: ~~وأحسن ما يحتج به أن يقال: إن هذا التأليف لكتاب الله مأخوذ من جهة ~~PageV01P468 # النبي صلى الله عليه وسلم وأخذه عن جبريل، فالأولى بالقارئ أن يقرأه على ~~التأليف المنقول المجتمع عليه; وقد قال ابن سيرين: تأليف الله خير من ~~تأليفكم. ونقل القاضي أبو بكر الاجماع على عدم جواز قراءة آية آية من كل ~~سورة. " وقد روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة أن ms0270 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مر بأبي بكر وهو يقرأ يخفض صوته، وبعمر يجهر بصوته وذكر الحديث، ~~وفيه فقال: وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة، ومن هذه السورة " ~~فقال: كلام طيب يجمعه الله بعضه إلى بعض; فقال: " كلكم قد أصاب ". # وفى رواية لأبى عبيد في " فضائل القرآن ": قال بلال: أخلط الطيب بالطيب، ~~فقال: " اقرأ السورة على وجهها " - أو قال على نحوها - وهذه زيادة مليحة. ~~وفى رواية: # " إذا قرأت السورة فأنفذها ". # وروى عن خالد بن الوليد أنه أم الناس فقرأ من سور شتى، ثم التفت إلى ~~الناس حين انصرف، فقال: شغلني الجهاد عن تعلم القرآن. # وروى المنع عن ابن سيرين. ثم قال أبو عبيد: الأمر عندنا على الكراهة في ~~قراءة القراء هذه الآيات المختلفة; كما أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على بلال، وكما اعتذر خالد عن فعله، ولكراهة ابن سيرين له. ثم قال: إن ~~بعضهم روى حديث بلال، وفيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كل ذلك حسن ~~"، وهو أثبت وأشبه بنقل العلماء. انتهى. # ورواه الحكيم الترمذي في " نوادر الأصول "; وزاد " مثل بلال كمثل نحلة ~~غدت تأكل من الحلو والمر، ثم يصير حلوا كله ". # قال: وإنما شبهه بالنحلة في ذلك; لأنها تأكل من الثمرات: حلوها وحامضها، ~~ورطبها ويابسها، وحارها وباردها; فتخرج هذا الشفاء; وليست كغيرها من الطير ~~تقتصر على الحلو فقط لحظ شهوته فلا جرم أعاضها الله الشفاء فيما تلقيه; ~~كقوله عليكم PageV01P469 # بألبان البقرة فإنها ترم من كل الشجر فتأكل ". فبلال رضي الله عنه كان ~~يقصد آيات الرحمة وصفات الجنة; فأمره أن يقرأ السورة على نحوها كما جاءت ~~ممتزجة; كما أنزل الله تعالى; فإنه أعلم بدواء العباد وحاجتهم، ولو شاء ~~لصنفها أصنافا، وكل صنف على حدة; ولكنه مزجها لتصل القلوب بنظام لا يمل، ~~قال: ولقد أذهلني النبي يوما قوله تعالى: * (ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل ~~الملائكة تنزيلا. الملك يومئذ الحق للرحمن) * فقلت: يا لطيف; علمت أن قلوب ~~أوليائك الذين يعقلون هذه الأوصاف عنك وتتراءى لهم ms0271 تلك الأهوال لا تتمالك; ~~فلطفت بهم فنسبت * (الملك) * إلى أعم اسم في الرحمة، فقلت: * (الرحمن) * ~~ليلاقى وإن هذا الاسم تلك القلوب التي يحل بها الهول، فيمازج تلك الأهوال، ~~ولو كان بدله اسما آخر، من " عزيز وجبار " لتفطرت القلوب، فكان بلال يقصد ~~لما تطيب به النفوس، فأمره أن يقرأ على نظام رب العالمين; فهو أعلم ~~بالشفاء. # مسألة [في استحباب استيفاء الحروف عند القراءة] يستحب استيفاء كل حرف ~~أثبته قارئ. قال الحيمى: كما هذا ليكون القارئ قد أتى على جميع ما هو قرآن; ~~فتكون ختمة أصح من ختمة إذا ترخص بحذف حرف أو كلمة قرئ بهما. ألا ترى أن ~~صلاة كل من استوفى كل فعل امتنع عنه كانت صلاته أجمع من صلاة من ترخص فحذف ~~منها مالا يضر حذفه. # فصل [ختم القرآن] ويستحب ختم القرآن في كل أسبوع، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: " اقرأ القرآن في PageV01P470 # في كل سبع ولا تزد ". رواه أبو داود. وروى الطبراني بسند جيد: سئل أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجزئ ~~القرآن، قال: # كان يجزئه ثلاثا وخمسا، وكره قوم قراءته في أقل من ثلاث، وحملوا عليه ~~حديث: # " لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث " رواه الأربعة، وصححه الترمذي، ~~والمختار - وعليه أكثر المحققين - أن ذلك يختلف بحال الشخص في النشاط ~~والضعف والتدبر والغفلة; لأنه روى عن عثمان رضي الله عنه; كان يختمه في ~~ليلة واحدة. ويكره تأخير ختمه أكثر من أربعين يوما. رواه أبو داود. # وقال أبو الليث في كتاب " البستان ": ينبغي أن القرآن في السنة مرتين إن ~~لم يقدر على الزيادة. وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: من قرأ ~~القرآن في كل سنة مرتين فقد أدى للقرآن حقه; لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~عرضه على جبريل في السنة التي قبض فيها مرتين. انتهى وقال أبو الوليد ~~الباجي: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بن عمرو أن يختم في سبع أو ثلاث ms0272 ~~يحتمل أنه الأفضل في الجملة أو أنه الأفضل في حق ابن عمرو لما علم من ~~ترتيله في قراءته، وعلم من ضعفه عن استدامته أكثر مما حد له. وأما من ~~استطاع أكثر من ذلك فلا تمنع الزيادة عليه. وسئل مالك عن الرجل يختم القرآن ~~في كل ليلة فقال: # ما أحسن ذلك! إن القرآن إمام كل خير. # وقال بشر بن السرى: إنما الآية مثل التمرة كلما مضغتها استخرجت حلاوتها. ~~فحدث به أبو سليمان، فقال: صدق; إنما يؤتى أحدكم من أنه إذا ابتدأ السورة ~~أراد آخرها. PageV01P471 # مسألة هو [في ختم القرآن في الشتاء وفى الصيف] يسن ختمه في الشتاء أول ~~الليل، وفى الصيف أول النهار; قال ذلك ابن المبارك، وذكره أبو داود لأحمد، ~~فكأنه أعجبه. ويجمع أهله عند ختمه ويدعو. # وقال بعض السلف: إذا ختم أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسى، وإذا ~~ختم في أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح. رواه أبو داود. # مسألة [في التكبير بين السور ابتداء من سورة الضحى] يسحب التكبير من أول ~~سورة الضحى; إلى أن يختم; وهي قراءة أهل مكة; أخذها ابن كثير عن مجاهد، ~~ومجاهد عن ابن عباس، وابن عباس عن أبي، وأبى عن النبي صلى الله عليه وسلم; ~~رواه ابن خزيمة، والبيهقي في شعب الإيمان وقواه ورواه من طريق موقوفا على ~~أبي بسند معروف; وهو حديث غريب، وقد أنكره أبو حاتم الرازي على عادته [في] ~~التشديد; واستأنس له الحليمي بأن القراءة تنقسم إلى أبعاض PageV01P472 # متفرقة; فكأنه كصيام الشهر; وقد أمر الناس أنه إذا أكملوا العدة أن ~~يكبروا الله على ما هداهم. فالقياس أن يكبر القارئ إذا أكمل عدة السور. # وذكر غيره أن التكبير [كان] لاستشعار انقطاع الوحي; قال: وصفته في آخر ~~هذه السور أنه كلما ختم سورة وقف وقفة، ثم قال: الله أكبر، ثم وقف وقفة ثم ~~ابتدأ السورة التي تليها إلى آخر القرآن. ثم كبر كما كبر من قبل، ثم أتبع ~~التكبير الحمد، والتصديق، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء. # وقال ms0273 سليم الرازي في تفسيره: يكبر القارئ بقراءة ابن كثير إذا بلغ " ~~والضحى " بين كل سورتين تكبيرة; إلى أن يختم القرآن ولا يصل آخر السورة ~~بالتكبير; بل يفصل بينهما بسكتة; وكأن المعنى في ذلك ما روى أن الوحي كان ~~تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما فقال ناس: إن محمدا قد ودعه ~~صاحبه وقلاه، فنزلت هذه السورة، فقال: الله أكبر،. قال: ولا يكبر في قراءة ~~الباقين; ومن حجتهم أن في ذلك ذريعة إلى الزيادة في القرآن; بأن زيد عليه ~~فيتوهم أنه من القرآن فيثبتوه إن فيه. # مسألة [في تكرير الإخلاص] مما جرت به العادة من تكرير سورة الإخلاص عند ~~الختم; نص الإمام أحمد على PageV01P473 # المنع; ولكن عمل الناس على خلافه; قال بعضهم: والحكمة في التكرير ما ورد ~~أنها تعدل ثلث القرآن; فيحصل بذلك ختمة. # فإن قيل: فعلى هذا كان ينبغي أن يقرأ ثلاثا بعد الواحدة التي تضمنتها ~~الختمة; فيحصل ختمتان. # قلنا: مقصود الناس ختمة واحدة; فإن القارئ إذا قرأها ثم أعادها مرتين كان ~~على يقين من حصول ختمة; إما التي قرأها من الفاتحة إلى آخر القرآن، وإما ~~[التي حصل] ثوابها بقراءة سورة الإخلاص ثلاثا، وليس المقصود ختمة أخرى. # مسألة [فيما يفعله القارئ عند ختم القرآن] ثم إذا ختم وقرأ المعوذتين قرأ ~~الفاتحة وقرأ خمس آيات من البقرة إلى قوله: * (هم المفلحون) * لأن " آلم " ~~آية عند الكوفيين، وعند غيرهم بعض آية. وقد روى الترمذي: # أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الحال المرتحل، قيل المراد به الحث على ~~تكرار الختم وختمة بعد ختمة; وليس فيه ما يدل على أن الدعاء لا يتعقب ~~الختم. PageV01P474 # فائدة روى البيهقي في دلائل النبوة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يدعو عند ختم القرآن: اللهم ارحمني بالقرآن، واجعله لي أمانا ونورا ~~وهدى ورحمة، اللهم ذكرني منه ما نسيت، وعلمني فيه منه ما جهلت، وارزقني ~~تلاوته آناء الليل، واجعله لي حجة يا رب العالمين. رواه في شعب الإيمان ~~بأطول من ذلك. فلينظر فيه. # مسألة [في ms0274 آداب الاستماع] استماع القرآن والتفهم لمعانيه من الآداب ~~المحثوث عليها، ويكره التحدث بحضور القراءة، قال الشيخ أبو محمد عبد ~~السلام: والاشتغال عن السماع بالتحدث بما لا يكون أفضل من الاستماع سوء أدب ~~على الشرع، وهو يقتضى أنه لا بأس بالتحدث للمصلحة. # مسألة [في حكم من يشرب شيئا كتب من القرآن] وأفتى الشيخ أيضا بالمنع من ~~أن يشرب شيئا كتب من القرآن، لأنه تلاقيه النجاسة الباطنة. # وفيما قاله نظر; لأنها في معدنها لا حكم لها. PageV01P475 # وممن صرح بالجواز من أصحابنا العماد النيهى تلميذ البغوي فيما رأيته بخط ~~ابن الصلاح. # قال: لا يجوز ابتلاع رقعة فيها آية من القرآن، فلو غسلها وشرب ماءها جاز. ~~وجزم القاضي الحسين، والرافعي بجواز أكل الأطعمة التي كتب عليها شئ من ~~القرآن. # وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي في ذكر منصور بن عمار: أنه ~~أوتى الحكمة: وقيل إن سبب ذلك أنه وجد رقعة في الطريق مكتوبا عليها: * (بسم ~~الله الرحمن الرحيم) *، فأخذها فلم يجد لها موضعا، فأكلها، فأرى فيما يرى ~~للنائم كأن قائلا [قد] قال له: قد فتح الله عليك باحترامك لتلك الرقعة فكان ~~بعد ذلك يتكلم بالحكمة. # مسألة [القيام للمصاحف بدعة] وقال الشيخ أيضا في " القواعد ": القيام ~~للمصاحف بدعة لم تعهد في الصدر الأول، PageV01P476 # والصواب ما قاله النووي في " التبيان " من استحباب ذلك والأمر به لما فيه ~~من التعظيم وعدم التهاون به. وسئل العماد بن يونس الموصلي عن ذلك: هل يستحب ~~للتعظيم أو يكره خوف الفتنة؟ فأجاب: لم يرد في ذلك نقل مسموع، والكل جائز، ~~ولكل نيته وقصده. # مسألة [في حكم الأوراق البالية من المصحف] وإذا احتيج لتعطيل بعض أوراق ~~المصحف لبلاء ونحوه فلا يجوز وضعه في شق أو غيره ليحفظ لأنه قد يسقط ويوطأ، ~~ولا يجوز تمزيقها لما فيه من تقطيع الحروف وتفرقة الكلم; وفى ذلك إزراء ~~بالمكتوب - كذا قاله الحليمي; قال: وله غسلها بالماء، وإن أحرقها بالنار ~~فلا بأس، أحرق عثمان مصاحف فيها آيات وقراءات منسوخة، ولم ينكر عليه. # وذكر غيره أن الإحراق ms0275 أولى من الغسل; لأن الغسالة قد تقع على الأرض، وجزم ~~القاضي الحسين في " تعليقه " بامتناع الإحراق; وأنه خلاف الاحترام، والنووي ~~بالكراهة، فحصل ثلاثة أوجه. # وفى " الواقعات " من كتب الحنفية أن المصحف إذا بلى لا يحرق بل تحفر له ~~في الأرض، ويدفن. # ونقل عن الإمام أحمد أيضا. وقد يتوقف فيه لتعرضه للوطء بالأقدام. ~~PageV01P477 # مسألة [في أحكام تتعلق باحترام المصحف وتبجيله] ويستحب تطييب المصحف ~~وجعله على كرسي، ويجوز تحليته بالفضة إكراما له على الصحيح، روى البيهقي ~~بسنده إلى الوليد بن مسلم قال: سألت مالكا عن تفضيض المصاحف، فأخرج إلينا ~~مصحفا فقال: حدثني أبي عن جدي أنهم جمعوا القرآن في عهد عثمان رضي الله ~~عنه، وأنهم فضضوا المصاحف على هذا ونحوه: وأما بالذهب فالأصح يباح للمرأة ~~دون الرجل، وخص بعضهم الجواز بنفس المصحف دون علاقته المنفصلة عنه; والأظهر ~~التسوية. # ويحرم توسد المصحف وغيره من كتب العلم; لأن فيه إذلالا وامتهانا، وكذلك ~~مد الرجلين إلى شئ من القرآن أو كتب العلم. # ويستحب تقبيل المصحف; لأن عكرمة بن أبي جهل كان يقبله، وبالقياس على ~~تقبيل الحجر الأسود; ولأنه هدية لعباده، فشرع تقبيله كما يستحب تقبيل الولد ~~الصغير. # وعن أحمد ثلاث روايات: الجواز، والاستحباب، والتوقف. # وإن كان فيه رفعة وإكرام، لأنه لا يدخله قياس; ولهذا قال عمر في الحجر: ~~لولا أبى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. # ويحرم السفر بالقرآن إلى أرض العدو للحديث فيه: خوف أن تناله أيديهم. ~~وقيل: # إن كثر الغزاة وأمن استيلاؤهم عليه لم يمنع; لقوله: " مخافة أن تناله ~~أيديهم ". PageV01P478 # ويحرم كتابة القرآن بشئ نجس; وكذلك ذكر الله تعالى; وتكره كتابته في ~~القطع الصغير; رواه البيهقي عن علي وغيره. وعنه تنوق رجل في * (بسم الله ~~الرحمن الرحيم) * فغفر له. # وقال الضحاك بن مزاحم: ليتني قد رأيت الأيدي تقطع فيمن كتب * (بسم الله ~~الرحمن الرحيم) *. يعنى لا يجعل له سنات. قال: وكان ابن سيرين يكره ذلك ~~كراهة شديدة ويستحب تجريد المصحف عما سواه. وكرهوا الأعشار والأخماس معه، ~~وأسماء السور وعدد ms0276 الآيات. وكانوا يقولون: جردوا المصحف. وقال الحليمي: ~~يجوز، لأن النقط ليس له قرار فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنا; وإنما هي ~~دلالات على هيئة المقروء فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها. # وروى ابن أبي شيبة في مصنفه في الصلاة وفى فضائل القرآن: حدثنا وكيع، عن ~~سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله بن مسعود: جردوا القرآن. ~~وفى رواية: لا تلحقوا به ما ليس منه. ورواه عبد الرزاق في مصنفه في أواخر ~~الصوم. ومن طريقه رواه الطبراني في معجمه، ومن طريق ابن أبي شيبة رواه ~~إبراهيم الحربي في كتابه " غريب الحديث ". وقال: قوله: " جردوا "، يحتمل ~~فيه أمران: أحدهما أي جردوه في التلاوة ولا تخلطوا به غيره، والثاني أي ~~جردوه في الخط من النقط والتعشير. # قلت: الثاني أولى لأن الطبراني أخرج في معجمه عن مسروق عن ابن مسعود أنه ~~كان يكره التعشير في المصحف. وأخرجه البيهقي في كتاب " المدخل "، وقال: قال ~~أبو عبيد: # كان إبراهيم يذهب به إلى نقط المصاحف. ويروى عن عبد الله أنه كره التعشير ~~في المصحف. قال البيهقي: وفيه وجه آخر أبين منه، وهو أنه أراد: لا تخلطوا ~~به غيره من الكتب; لأن ما خلا القرآن من كتب الله تعالى إنما يؤخذ عن ~~اليهود والنصارى; PageV01P479 # وليسوا بمأمونين عليها. وقوى هذا الوجه بما أخرجه عن الشعبي عن قرظة بن ~~كعب قال: # لما خرجنا إلى العراق خرج معنا عمر بن الخطاب يشيعنا فقال: إنكم تأتون ~~أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوي النحل فلا تشغلوهم بالأحاديث فتصدوهم، جردوا ~~القرآن. # قال: فهذا معناه أي لا تخلطوا معه غيره. # خاتمة روى البخاري في تاريخه الكبير بسند صالح حديث: " من قرأ القرآن عند ~~ظالم ليرفع منه، لمن بكل حرف عشر لعنات ". PageV01P480 # النوع الثلاثون في أنه هل يجوز في التصانيف والرسائل والخطب ى وقال ~~استعمال بعض آيات القرآن وهل يقتبس منه في شعر ويغير نظمه بتقديم وتأخير ~~وحركة إعراب جوز ذلك بعضهم للمتمكن من العربية; وسئل الشيخ عز الدين فقال: ~~ورد عنه صلى الله ms0277 عليه وسلم: " وجهت وجهي "، والتلاوة * (إني وجهت وجهي) *. # وما روى البخاري في كتاب إلى هرقل: " سلام على من اتبع الهدى " * (يأهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء) *. # ومن دعائه صلى الله عليه وسلم: " اللهم آتنا في الدنيا حسنة ". # وفى حديث آخر لابن عمر: " قد كان لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أسوة حسنة ". # وقال عليه السلام: " اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس ~~والقمر حسبانا، اقض عنى الدين، وأغنني من الفقر ". PageV01P481 # وفى سياق كلام لأبى بكر: * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) *، ~~فقصد الكلام ولم يقصد التلاوة. # وقول علي رضي الله عنه: إني مبايع صاحبكم * (ليقضى الله أمرا كان مفعولا) ~~*. # وقول الخطيب ابن نباتة: هناك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، ويجمع من له ~~الثواب، وحق عليه العذاب، فضرب بينهم بسور له باب. # وقال النووي رحمه الله: إذا قال: * (خذ الكتاب بقوة) * وهو جنب، وقصد غير ~~القرآن جاز له، وله أن يقول: * (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. # قال إمام الحرمين: إذا قصد القرآن بهذه الآيات عصى، وإن قصد الذكر ولم ~~يقصد شيئا لم يعص. # وللطرطوشي: # - رحل الظاعنون عنك وأبقوا * في حواشي الأحشاء وجدا مقيما - - قد وجدنا ~~السلام بردا سلاما * إذ وجدنا النوى عذابا أليما - وثبت عن الشافعي: ~~PageV01P482 # - أنلني بالذي استقرضت خطا * وأشهد معشرا قد شاهدوه - - فإن الله خلاق ~~البرايا * عنت لجلال هيبته الوجوه - - يقول " إذا تداينتم بدين * إلى أجل ~~مسمى فاكتبوه " - ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني أن تضمين القرآن في الشعر ~~مكروه، وأئمة البيان جوزوه وجعلوه من أنواع البديع، وسماه القدماء تضمينا ~~والمتأخرون اقتباسا، وسموا ما كان من شعر تضمينا. # مسألة [يكره ضرب الأمثال بالقرآن] يكره ضرب الأمثال بالقرآن، نص عليه من ~~أصحابنا العماد النيهى صاحب البغوي، كما وجدته في " رحلة ابن الصلاح " ~~بخطه. # وفى كتاب " فضائل القرآن " لأبى عبيد عن النخعي قال: كانوا يكرهون أن ~~يتلو الآية عند شئ يعرض من أمور الدنيا. # قال أبو عبيد: وكذلك الرجل يريد لقاء صاحبه أو يهم بحاجته، فيأتيه من ms0278 غير ~~طلب، فيقول كالمازح: * (جئت على قدر يا موسى) *; فهذا من الاستخفاف ~~بالقرآن; ومنه قول ابن شهاب: لا تناظر بكتاب الله ولا بسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # قال أبو عبيد: يقول: لا تجعل لهما نظيرا من القول ولا الفعل. PageV01P483 # تنبيه [لا يجوز تعدى أمثلة القرآن] لا يجوز تعدى أمثلة القرآن; ولذلك ~~أنكر على الحريري في قوله في مقامته الخامسة عشرة " فأدخلني بيتا أحرج من ~~التابوت، وأوهى من بيت العنكبوت "، فأي معنى أبلغ من معنى أكده الله من ستة ~~أوجه; حيث قال: * (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت) * فأدخل إن، وبنى أفعل ~~التفضيل، وبناه من الوهن، وأضافه إلى الجمع، وعرف الجمع باللام، وأتى في ~~خبر إن باللام! وقد قال تعالى: * (وإذا قلتم فاعدلوا) *; وكان اللائق ~~بالحريري فقال ألا يتجاوز هذه المبالغة وما بعد تمثيل الله تمثيل; وقول ~~الله أقوم قيل، وأوضح سبيل; ولكن قال الله تعالى: * (إن الله لا يستحيى أن ~~يضرب مثلا ما بعوضة) *، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالا لما دون ~~ذلك فقال: " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة... " وكذلك قول بعضهم: # - ولو أن ما بي من جوى وصبابة * على جمل لم يبق في النار خالد - غفر الله ~~له; والله تعالى يقول: * (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في رسم الخياط) * ~~فقد جعل ولوج الجمل في السم غاية لنفى دخولهم الجنة، وتلك غاية لا توجد، ~~فلا يزال دخولهم الجنة منفيا، وهذا الشاعر وصف جسمه بالنحول، بما يناقض ~~الآية. ومن هذا جرت PageV01P484 # جرت مناظرة بين أبى العباس أحمد بن سريج، ومحمد بن داود الظاهري; قال أبو ~~العباس له: # أنت تقول بالظاهر وتنكر القياس، فما تقول في قول الله تعالى: * (فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * فمن يعمل مثقال نصف ذرة ~~ما حكمه؟ فسكت محمد طويلا وقال: أبلعني ريقي; قال له أبو العباس: قد أبلعتك ~~دجلة، قال: أنظرني ساعة، قال: أنظرتك إلى قيام الساعة، وافترقا، ولم يكن ~~بينهما غير ذلك. ms0279 # وقال بعضهم: وهذا من مغالطات ابن سريج وعدم تصور ابن داود; لأن الذرة ليس ~~لها أبعاض فتمثل بالنصف والربع وغير ذلك من الأجزاء; ولهذا قال سبحانه: * ~~(إن الله لا يظلم مثقال ذرة) * فذكر سبحانه مالا يتخيل في الوهم أجزاؤه، ~~ولا يدرك تفرقه. PageV01P485 # النوع الحادي والثلاثون معرفة الأمثال الكائنة فيه وقد روى البيهقي عن ~~أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن القرآن نزل على خمسة ~~أوجه: حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فاعملوا بالحلال، واجتنبوا ~~الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال. # وقد عده الشافعي مما يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن. فقال: ثم ~~معرفة ما ضرب فيه من الأمثال الدوال على طاعته، المثبتة لاجتناب معصيته، ~~وترك الغفلة عن الحفظ، والازدياد من نوافل الفضل. انتهى. # وقد صنف فيه من المقدمين الحسن بن الفضل وغيره.; وحقيقته اخراج الأغمض ~~إلى الأظهر; وهو قسمان: ظاهر وهو المصرح به، وكامن وهو الذي لا ذكر للمثل ~~فيه، وحكمه حكم الأمثال. # وقسمه أبو عبد الله البكراباذي إلى أربعة أوجه: أحدها اخراج ما لا يقع ~~عليه الحس إلى ما يقع عليه، وثانيها اخراج ما لا يعلم ببديهة العقل إلى ما ~~يعلم بالبديهة،، وثالثها اخراج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة، ~~ورابعها اخراج مالا قوة له من الصفة إلى ما له قوة. انتهى. # وضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور كثيرة: التذكير، والوعظ، والحث، ~~PageV01P486 # والزجر، والاعتبار، والتقرير وترتيب المراد للعقل، وتصويره في صورة ~~المحسوس; بحيث يكون نسبته للفعل كنسبة المحسوس إلى الحس. وتأتي أمثال ~~القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب ~~والعقاب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر، قال ~~تعالى: * (وضربنا لكم الأمثال) *، فامتن علينا بذلك لما تضمنت هذه الفوائد، ~~وقال تعالى: * (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) *، وقال: * ~~(وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) *. # والأمثال مقادير الأفعال، والمتمثل به كالصانع الذي يقدر صناعته، كالخياط ~~يقدر الثوب على ms0280 قامة المخيط، ثم يفريه، ثم يقطع. وكل شئ به قالب ومقدار، ~~وقالب الكلام ومقداره الأمثال. # وقال الخفاجي: سمى مثلا لأنه ماثل بخاطر الانسان أبدا، أي شاخص، فيتأسى ~~به ويتعظ، ويخشى ويرجو، والشاخص المنتصب. وقد جاء بمعنى الصفة، كقوله ~~تعالى: # * (ولله المثل الأعلى) * أي الصفة العليا، وهو قول " لا إله إلا الله "، ~~وقوله: * (مثل الجنة التي وعد المتقون) * أي صفتها. # ومن حكمته تعليم البيان; وهو من خصائص هذه الشريعة، والمثل أعون شئ على ~~البيان. # فإن قلت: لماذا كان المثل عونا على البيان، وحاصله قياس معنى بشئ، من عرف ~~ذلك المقيس فحقه الاستغناء عن شبيهه، ومن لم يعرفه لم يحدث التشبيه عنده ~~معرفة! PageV01P487 # والجواب أن الحكم والأمثال تصور المعاني تصور الأشخاص; فإن الأشخاص ~~والأعيان أثبت في الأذهان، لاستعانة الذهن فيها بالحواس: بخلاف المعاني ~~المعقولة; فإنها مجردة عن الحس ولذلك دقت; ولا ينتظم مقصود التشبيه ~~والتمثيل إلا بأن يكون المثل المضروب مجربا مسلما عند السامع. # وفى ضرب الأمثال من تقرير المقصود مالا يخفى; إذ الغرض من المثل تشبيه ~~الخفي بالجلي، والشاهد بالغائب، فالمرغب هذا في الإيمان مثلا إذا مثل له ~~بالنور تأكد في قلبه المقصود، والمزهد في الكفر إذا مثل له بالظلمة تأكد ~~قبحه في نفسه. # وفيه أيضا تبكيت الخصم، وقد أكثر تعالى في القرآن وفى سائر كتبه من ~~الأمثال وفى سور الإنجيل سورة الأمثال. # قال الزمخشري: التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني، وإدناء المتوهم من ~~المشاهد; فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيرا كان ~~المتمثل به كذلك; فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إلا بأمر ~~استدعته حال الممثل له، ألا ترى أن الحق لما كان واضحا جليا تمثل له ~~بالضياء والنور، وأن الباطل لما كان بضده تمثل له بالظلمة، وكذلك جعل بيت ~~العنكبوت مثلا في الوهن والضعف. # والمثل هو المستغرب، قال الله تعالى: * (ولله المثل الأعلى) *، وقال ~~تعالى: # * (مثل الجنة التي وعد المتقون) *; ولما كان المثل السائر فيه غرابة ~~استعير لفظ المثل للحال، أو الصفة، أو ms0281 القصة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة. ~~PageV01P488 # أما استعارته للحال فكقوله: * (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) *; أي حالهم ~~العجيب الشأن كحال الذي استوقد نارا. # وأما استعارته للوصف فكقوله تعالى: * (ولله المثل الأعلى) * أي الوصف ~~الذي له شأن، وكقوله: * (مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل) *، وكقوله: * ~~(كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا) * وقوله: * (كمثل العنكبوت ~~اتخذت بيتا) *، وقوله سبحانه: * (كمثل الحمار يحمل أسفارا) *. # وأما استعارته للقصة ثم فكقوله تعالى: * (مثل الجنة التي وعد المتقون) * ~~أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة; ثم أخذ في بيان عجائبها. # لا يقال: إن في هذه الأقسام الثلاثة تداخلا; فإن حال الشئ هي وصفه، ووصفه ~~هو حاله; لأنا نقول: الوصف يشعر ذكره بالأمور الثابتة الذاتية أو قاربها من ~~جهة اللزوم للشئ وعدم الانفكاك عنه، وأما الحال فيطلق على ما يتلبس به ~~الشخص مما هو غير ذاتي له ولا لازم، فتغايرا. وإن أطلق أحدهما على الآخر ~~فليس ذلك إطلاقا حقيقيا. وقد يكون الشئ مثلا له في الجرم، وقد يكون ما ~~تعلقه النفس ويتوهم من الشئ مثلا، كقوله تعالى: # * (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) *; معناه أن الذي يتحصل في النفس الناظر ~~في أمرهم، كالذي يتحصل في نفس الناظر من أمر المستوقد; قاله ابن عطية، ~~وبهذا يزول الإشكال الذي في تفسير قوله: * (مثل الجنة) * وقوله: * (ليس ~~كمثله شئ) *; لأن ما يحصل للعقل من وحدانيته وأزليته ونفى ما لا يجوز عليه ~~ليس يماثله فيه شئ; PageV01P489 # وذلك المتحصل هو المثل الأعلى; في قوله تعالى: * (ولله المثل الأعلى) *، ~~وقد جاء: # * (أنه لا إله إلا الله) * ففسر بجهة الوحدانية. # وقال مجاهد في قوله تعالى: * (وقد خلت من قبلهم المثلات) *: هي الأمثال، ~~وقيل: العقوبات. # وقال الزمخشري: المثل في الأصل بمعنى المثل، أي النظير; يقال: مثل ومثل ~~ومثيل كشبه وشبه وشبيه. ثم قال: ويستعار للحال، أو الصفة، أو القصة إذا كان ~~لها شأن وفيها غرابة. انتهى. # وظاهر كلام أهل اللغة أن " المثل "، بفتحتين: الصفة كقوله: * (مثلهم كمثل ~~الذي استوقد نارا) *، وكذا ms0282 * (مثل الجنة) *. وما اقتضاه كلامه من اشتراط ~~الغرابة مخالف أيضا لكلام اللغويين. وما قاله من أن المثل والمثل بمعنى ~~ينبغي أن يكون مراده باعتبار الأصل وهو الشبه; وإلا فالمحققون - كما قاله ~~ابن العربي - على أن المثل (بالكسر) عبارة عن شبه المحسوس، وبفتحها عيارة ~~عن شبه المعاني المعقولة; فالإنسان مخالف للأسد في صورته مشبه له في جراءته ~~وحدته، فيقال للشجاع أسد، أي يشبه الأسد في الجرأة، ولذلك يخالف الانسان ~~الغيث في صورته، والكريم من الانسان يشابهه في عموم منفعته. # وقال غيره: لو كان المثل والمثل سيان للزم التنافي بين قوله: * (ليس ~~كمثله شئ) *، وبين قوله * (ولله المثل الأعلى) * فإن الأولى نافية له ~~والثانية مثبتة له. PageV01P490 # وفرق الإمام فخر الدين بينهما بأن المثل هو الذي يكون مساويا للشئ في ~~تمام الماهية، والمثل هو الذي يكون مساويا له في بعض الصفات الخارجة عن ~~الماهية. # وقال حازم في كتاب " منهاج البلغاء ": وأما الحكم والأمثال; فإما أن يكون ~~الاختيار فيها بجري الأمور على المعتاد فيها، وإما بزوالها في وقت عن ~~المعتاد; عن جهة الغرابة أو الندور فقط، لتوطن رسول النفس بذلك على ما لا ~~يمكنها التحرز منه; إذ لا يحسن منها التحرز من ذلك، ولتحذر ما يمكنها ~~التحرز منه ويحسن بها ذلك، ولترغب فيما يجب أن يرغب فيه، وترهب فيما يجب أن ~~ترهبه، وليقرب عندها ما تستبعده، ويبعد لديها تستقر به; وليبين لها أسباب ~~الأمور، وجهات الاتفاقات البعيدة الاتفاق بها; فهذه قوانين الأحكام ~~والأمثال; قلما يشذ عنها من جزئياتها شئ. # فمنه قوله: * (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) *. # وقوله: * (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق) *. # وقوله: * (إن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها) *. # وقوله: * (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا) *. # وقوله: * (كمثل الحمار يحمل أسفارا) *. # وقوله: * (ضرب الله مثلا للذين كفروا) * إلى قوله: * (ومريم ابنة ~~عمران...) * الآيات. PageV01P491 # وقوله: * (كمثل صفوان عليه تراب...) * الآية. # وقوله: * (الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا ~~جاءه ms0283 لم يجده شيئا) *، ثم قال: * (أو كظلمات في بحر لجي...) * الآية. # وقوله تعالى: * (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) *. # فهذه أمثال قصار وطوال مقتضية من كلام الكشاف. # * * * فإن قلت: في بعض هذه الأمثلة تشبيه أشياء بأشياء لم يذكر فيها ~~المشبهات: وهلا صرح بها; كما في قوله تعالى: * (وما يستوى الأعمى والبصير ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ قليلا ما تذكرون) *؟ # قلت: كما جاء ذلك تصريحا فقد جاء مطويا، ذكره على طريق الاستعارة، كقوله ~~تعالى: * (وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) *، ~~وكقوله: * (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل ~~يستويان) *. # والصحيح الذي عليه علماء البيان أن التمثيلين من جملة التمثيلات المركبة ~~المقربة لا يتكلف لكل واحد شئ بقدر شبهه به; بناء على أن العرب تأخذ أشياء ~~فرادى معزولا بعضها من بعض، تشبهها بنظائرها، كما جاء في بعض الآيات من ~~القرآن. وقد تشبه أشياء قد تضامت وتلاحقت حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها، ~~وذلك كقوله PageV01P492 # تعالى: * (مثل الذين حملوا التوارة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا) *، فإن الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة ~~وآياتها الباهرة بحال الحمار الذي يحمل أسفار الحكمة، وليس له من حملها إلا ~~الثقل والتعب من غير فائدة. وكذلك قوله تعالى: * (واضرب لهم مثل الحياة ~~الدنيا كماء أنزلناه من السماء) *، المراد قلة ثبات زهرة الدنيا كقلة بقاء ~~الخضرة. # وقد ضرب الله تعالى لما أنزله من الإيمان والقرآن مثلين، مثله بالماء، ~~ومثله بالنار، فمثله بالماء لما فيه من الحياة، وبالنار لما فيه من النور ~~والبيان; ولهذا سماه الله روحا لما فيه من الحياة وسماه نورا لما فيه من ~~الإنارة; ففي سورة الرعد قد مثله بالماء فقال: # * (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها...) * الآية، فضرب الله الماء ~~الذي نزل من السماء فتسيل الأودية بقدرها، كذلك ما ينزله من العلم والإيمان ~~فتأخذه القلوب كل قلب بقدره، والسيل يحتمل زبدا رابيا، كذلك ما في القلوب ms0284 ~~يحتمل شبهات وشهوات. ثم قال: * (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو ~~متاع زبد مثله) *; وهذا المثل بالنار التي توقد على الذهب والفضة والرصاص ~~والنحاس فيختلط بذلك زبد أيضا كالزبد الذي يعلو السيل، قال الله تعالى: * ~~(فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) *، كذلك العلم ~~النافع يمكث في القلوب بالتوحيد وعبادة الله وحده. # روى ابن أبي حاتم عن قتادة قال: هذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد، ~~PageV01P493 # يقول. كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته، وكذلك ~~يضمحل الباطل عن أهله. # وفى الحديث الصحيح: " إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث ~~أصاب أرضا فكان منا طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان ~~منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس واستقوا وزرعوا، وكانت منها طائفة إنما ~~هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، وذلك مثل من فقه في دين الله فنفعه ما ~~بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى ~~الله الذي أرسلت به ". # وقد ضرب الله للمنافقين مثلين: مثلا بالنار، ومثلا بالمطر، فقال: * ~~(مثلهم كمثل الذي استوقد نارا...) * الآية، يقال: أضاء الشئ وأضاءه حدثنا ~~غيره فيستعمل لازما ومتعديا، فقوله: * (أضاءت ما حوله) * هو متعد; لأن ~~المقصود أن تضئ النار ما حول من يريدها حتى يراها، وفى قوله في البرق: * ~~(كلما أضاء لهم) *، ذكر اللازم; لأن البرق بنفسه يضئ بغير اختيار الانسان; ~~فإذا أضاء البرق سار، وقد لا يضئ ما حول الانسان، إذ يكون البرق وصل إلى ~~مكان دون مكان، فجعل سبحانه المنافقين كالذي أوقد نارا فأضاءت ثم ذهب ~~ضوءها، ولم يقل " انطفأت "، بل قال: * (ذهب الله بنورهم) *; وقد يبقى مع ~~ذهاب النور حرارتها فتضر. وهذا المثل يقتضى أن المنافق حصل له نور ثم ~~PageV01P494 # ذهب، كما قال الله تعالى: * (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ~~فهم لا يفقهون) *. # * * * [تم بعون الله وجميل توفيقه الجزء الأول من كتاب ms0285 البرهان في علوم ~~القرآن للامام بدر الدين الزركشي. # ويليه الجزء الجزء الثاني، وأوله: النوع الثاني والثلاثون - معرفة ~~أحكامه]. PageV01P495 # البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي تحقيق ~~محمد أبو الفضل إبراهيم الجزء الثاني الطبعة الأولى 1376 ه‍ - 1957 م دار ~~احياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه PageV02P001 # (جميع الحقوق محفوظة) PageV02P002 # بسم الله الرحمن الرحيم النوع الثاني والثلاثون معرفة أحكامه وقد اعتنى ~~بذلك الأئمة وأفردوه، وأولهم الشافعي، ثم تلاه من أصحابنا الكيا الهراسي ~~(1)، ومن الحنفية أبو بكر الرازي (2)، ومن المالكية القاضي إسماعيل (3)، ~~وبكر بن العلاء القشيري (4)، وابن بكير، ومكي، وابن العربي (5)، وابن الفرس ~~(6)، ومن الحنابلة القاضي أبو يعلى الكبير (7). # ثم قيل: إن آيات الأحكام خمسمائة آية وهذا ذكره الغزالي وغيره، وتبعهم ~~الرازي، ولعل مرادهم المصرح به، فإن آيات القصص والأمثال وغيرها يستنبط ~~منها كثير PageV02P003 # من الأحكام، ومن أراد الوقوف على ذلك فليطالع كتاب الإمام الشيخ عز الدين ~~بن عبد السلام. # ثم هو قسمان: أحدهما ما صرح به في الأحكام، وهو كثير، وسورة البقرة ~~والنساء والمائدة والأنعام مشتملة على كثير من ذلك، والثاني ما يؤخذ بطريق ~~الاستنباط. ثم هو على قسمين (1): # أحدهما ما يستنبط من غير ضميمة إلى آية أخرى، كاستنباط الشافعي تحريم ~~الاستمناء باليد من قوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) (1) ~~إلى قوله: (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) (2). واستنباط صحة أنكحة ~~الكفار من قوله تعالى: (امرأة فرعون) (3)، (وامرأته حمالة الحطب) (4) ~~ونحوه. واستنباطه عتق الأصل والفرع بمجرد الملك من قوله تعالى: (وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا ". # إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ") (5)، فجعل العبودية ~~منافية " للولادة حيث ذكرت في مقابلتها، فدل على أنهما لا يجتمعان. ~~واستنباطه حجية الاجماع من قوله: (ويتبع غير سبيل المؤمنين) (6). واستنباطه ~~(7) صحة صوم الجنب من قوله تعالى: (فالآن باشروهن) إلى قوله: (حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) (8)، فدل على جواز الوقاع في ~~جميع الليل، ويلزم منه تأخير الغسل إلى النهار، ms0286 وإلا لوجب أن يحرم الوطء ~~إلى آخر جزء من الليل بمقدار ما يقع (9) الغسل فيه. PageV02P004 # والثاني ما يستنبط مع ضميمة آية أخرى، كاستنباط علي وابن عباس رضي الله ~~عنهما أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ") ~~(1) مع قوله: # (وفصاله في عامين) (2)، وعليه جرى الشافعي، واحتج بها أبو حنيفة على أن ~~أكثر الرضاع سنتان ونصف (ثلاثون شهرا) ووجهه أن الله تعالى قدر لشيئين مدة ~~" واحدة فانصرفت المدة بكمالها إلى كل واحد منهما، فلما قام النص في أحدهما ~~بقي الثاني (3) على أصله، ومثل ذلك بالأجل الواحد للدينين، فإنه مضروب ~~بكماله لكل واحد منهما، وأيضا فإنه لا بد من اعتبار مدة يبقى فيها الانسان ~~بحيث يتغير الغذاء، فاعتبرت مدة يعتاد الصبي فيها غذاء طبيعيا غير اللبن، ~~ومدة الحمل قصيرة، فقدمت الزيادة على الحولين. # فإن قيل: العادة الغالبة في مدة الحمل تسعة أشهر، وكان المناسب في مقام ~~الإمتنان ذكر الأكثر المعتاد، لا الأقل النادر، كما في جانب الفصال! # قلنا: لأن هذه المدة أقل مدة الحمل، ولما كان الولد لا يعيش غالبا إذا ~~وضع لستة أشهر، كانت مشقة الحمل في هذه المدة موجودة " لا محالة في حق كل ~~مخاطب، فكان ذكره أدخل في باب المناسبة، بخلاف الفصال، لأنه لا حد لجانب ~~القلة فيه، بل يجوز أن يعيش الولد بدون ارتضاع من الأم، ولهذا اعتبر فيه ~~الأكثر، لأنه الغالب، ولأنه اختياري، كأنه قيل: حملته ستة أشهر لا محالة إن ~~لم تحمله أكثر. # ومثله استنباط الأصوليين أن تارك الأمر يستحق العقاب من قوله تعالى: ~~(أفعصيت أمري) (4) مع قوله: ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم) (5)، ~~وكذلك PageV02P005 # استنباط بعض المتكلمين أن الله خالق لأفعال العباد، من قوله تعالى: (وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله) (1)، مع قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) ~~(2)، فإذا ثبت أنه يخلق ما يشاء، وأن مشيئة العبد لا تحصل إلا إذا شاء الله ~~أنتج أنه تعالى خالق لمشيئة العبد. # فائدة [في ضرورة معرفة المفسر قواعد أصول الفقه] ولا ms0287 بد من معرفة قواعد ~~أصول الفقه، فإنه من أعظم الطرق في استثمار الأحكام من الآيات. # فيستفاد عموم الفكرة في سياق النفي من قوله تعالى: (ولا يظلم ربك أحدا ") ~~(3) وقوله: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) (4). # وفي الاستفهام من قوله: (هل تعلم له سميا) (5). # وفي الشرط من قوله: (فإما ترين من البشر أحدا ") (6)، (وإن أحد من ~~المشركين استجارك) (7). # وفي النهي من قوله: (ولا يلتفت منكم أحد) (8). # وفي سياق الإثبات بعموم القلة المقتضى من قوله: (علمت نفس ما أحضرت) (9) ~~PageV02P006 # وقوله: (ونفس وما سواها) (1). وإذا أضيف إليها (كل)، نحو: (وجاءت كل نفس) ~~(2). # ويستفاد عموم المفرد المحلى باللام من قوله: (إن الانسان لفي خسر) (3)، ~~(وسيعلم الكفار) (4)، (ويقول الكافر) (5). # وعموم المفرد المضاف من قوله: (وصدقت بكلمات ربها وكتبه) (6)، وقوله: # (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) (7)، والمراد جميع الكتب التي اقتضت فيها ~~أعمالهم. # وعموم الجمع المحلى باللام في قوله: (وإذا الرسل أقتت) (8) وقوله: (وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم) (9)، وقوله: (إن المسلمين والمسلمات...) (10) ~~إلى آخرها. # والشرط من قوله: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما " ولا ~~هضما ") (11)، وقوله: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا " يره) (12)، وقوله: (وما ~~تفعلوا من خير يعلمه الله) (13)، (أينما تكونوا يدرككم الموت) (14)، وقوله: # (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (15)، وقوله: (وإذا رأيت الذين ~~PageV02P007 # يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم) (1) وقوله: (وإذا جاءك الذين يؤمنون ~~بآياتنا فقل سلام عليكم) (2). # هذا إذا كان الجواب طلبا " مثل هاتين الآيتين، فإن كان ماضيا لم يلزم ~~العموم. # وكقوله: (وإذا رأوا تجارة " أو لهوا " انفضوا إليها) (3)، (وإذا جاءك ~~المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله) (4). وإن كان مستقبلا فأكثر موارده ~~للعموم كقوله: # (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) (5) وقوله: (وإذا مروا بهم يتغامزون) ~~(6)، وقوله: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) (7). # وقد لا يعم كقوله: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) (8). # ويستفاد كو الأمر المطلق للوجوب من ذمه لمن خالفه وتسميته إياه عاصيا، ~~وترتيبه العقاب العاجل أو الآجل على فعله. # ويستفاد كون النهي من ذمه لمن ارتكبه وتسميته عاصيا، ms0288 وترتيبه العقاب على ~~فعله. # ويستفاد الوجوب بالأمر بالتصريح بالإيجاب، والفرض، والكتب، ولفظة (على)، ~~ولفظة (حق على العباد)، و (على المؤمنين)، وترتيب الذم والعقاب على الترك، ~~وإحباط العمل بالترك، وغير ذلك. # ويستفاد التحريم من النهي، والتصريح بالتحريم، والحضر، والوعيد على ~~الفعل، وذم الفاعل، وإيجاب الكفارة، وقوله (لا ينبغي) فإنها في لغة القرآن ~~والرسول للمنع شرعا أو عقلا، ولفظة (ما كان لهم، كذا وكذا)، و (لم يكن ~~لهم)، وترتيب الحد على PageV02P008 # الفعل، ولفظة (لا يحل)، و (لا يصلح)، ووصف الفعل بأنه فساد، أو من تزيين ~~الشيطان وعمله، وأن الله لا يحبه، وأنه لا يرضاه لعباده، ولا يزكى فاعله، ~~ولا يكلمه ولا ينظر إليه، ونحو ذلك. # ويستفاد الإباحة من الإذن، والتخيير، والأمر بعد الحضر، ونفي الجناح ~~والحرج والإثم والمؤاخذة، والإخبار بأنه يعفو عنه، وبالإقرار على فعله في ~~زمن الوحي، وبالإنكار على من حرم الشئ، والإخبار بأنه خلق لنا، وجعله لنا، ~~وامتنانه علينا به، وإخباره عن فعل من قبلنا له، غير ذام لهم عليه، فإن ~~اقترن بإخباره مدح دل على رجحانه استحبابا أو وجوبا. # فصل ويستفاد التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب، كقوله تعالى: ~~(والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (1)، (الزانية والزاني فاجلدوا) (2)، ~~فكما يفهم منه وجوب الجلد والقطع، يفهم منه كون السرقة والزنا علة، وأن ~~الوجوب كان لأجلهما، مع أن اللفظ من حيث النطق لم يتعرض لذلك، بل يتبادر ~~إلى الفهم من فحوى الكلام. # وكذلك قوله تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم) أي لبرهم، (وإن الفجار لفي ~~جحيم) (3)، أي لفجورهم. # كذا كل كلام خرج مخرج الذم والمدح في حق العاصي والمطيع، وقد يسمى هذا في ~~علم الأصول لحن الخطاب. PageV02P009 # فصل وكل فعل عظمه الله ورسوله، أو مدحه أو مدح فاعله لأجله، أو أحبه، أو ~~أحب فاعله، أو رضى (1) به، أو رضى عن فاعله، أو وصفه بالطيب أو البركة أو ~~الحسن. # أو نصبه سببا لمحبته، أو لثواب عاجل أو آجل. أو نصبه سببا " لذكره لعبده، ~~أو لشكره له، أو لهدايته إياه، أو لإرضاء فاعله، أو لمغفرة ms0289 ذنبه وتكفير ~~سيئاته، أو لقبوله، أو لنصرة فاعله، أو بشارة فاعله. أو وصف فاعله بالطيب. ~~أو وصف الفعل بكونه معروفا، أو نفي الحزن والخوف عن فاعله، أو وعده بالأمن، ~~أو نصبه سببا لولايته، أو أخبر عن دعاء الرسول بحصوله، أو وصفه بكونه قربة، ~~أو أقسم به وبفاعله، كالقسم بخيل المجاهدين وإغارتها، فهو دليل على ~~مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب. # فصل وكل فعل طلب الشرع تركه، أو ذم فاعله، أو عتب عليه، أو لعنه، أو مقت ~~فاعله، أو نفى محبته إياه أو محبة فاعله، أو نفى الرضا به، أو الرضا عن ~~فاعله، أو شبه فاعله بالبهائم، أو بالشياطين، أو جعله مانعا من الهدى أو من ~~القبول، أو وصفه بسوء أو كراهة، أو استعاذ الأنبياء منه، أو أبغضوه، أو جعل ~~سببا " لنفي الفلاح أو لعذاب عاجل أو آجل، أو لذم أو لوم أو ضلالة أو ~~معصية، أو وصف بخبث أو رجس، أو نجس، أو بكونه فسقا أو إثما، أو سببا لإثم ~~أو رجس أو غضب، أو زوال نعمة، أو حلول نقمة، أو حد من PageV02P010 # الحدود أو قسوة أو خزى أو امتهان نفس، أو لعداوة الله ومحاربته ~~والاستهزاء به، أو سخريته. أو جعله الرب سببا لنسيانه لفاعله، أو وصف نفسه ~~بالصبر عليه، أو بالحلم أو بالصفح عنه، أو دعا إلى التوبة منه، أو وصف ~~فاعله بخبث أو احتقار، أو نسبه إلى عمل الشيطان وتزيينه، أو تولى الشيطان ~~لفاعله. أو وصف بصفة ذم، مثل كونه ظلما أو بغيا أو عدوانا أو إثما، أو تبرأ ~~الأنبياء منه أو من فاعله، أو شكوا إلى الله من فاعله، أو جاهروا فاعله ~~بالعداوة، أو نصب سببا لخيبة فاعله عاجلا أو آجلا، أو ترتب عليه حرمان من ~~الجنة، أو وصف فاعله بأنه عدو لله، أو أعلم فاعله بحرب [من] (1) الله ~~ورسوله، أو حمل فاعله إثم غيره. أو قيل فيه: (لا ينبغي هذا) و (لا يصلح)، ~~أو أمر بالتقوى عند السؤال عنه، أو أمر بفعل يضاده. أو هجر فاعله، أو ms0290 يلاعن ~~في الآخرة، أو يتبرأ بعضهم من بعض، أو وصف صاحبه بالضلالة، أو أنه ليس من ~~الله في شئ، أو أنه ليس من الرسول وأصحابه، أو قرن بمحرم ظاهر التحريم في ~~الحكم، أو أخبر (2) عنهما بخبر واحد. أو جعل اجتنابه سببا للفلاح، أو جعله ~~سببا لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، أو قيل لفاعله: (هل أنت منته)، ~~أو نهى الأنبياء، عن الدعاء لفاعله، أو رتب عليه أبعادا " وطردا، أو لفظة ~~(قتل من فعله)، أو (قاتل الله من فعله)، أو أخبر أن فاعله لا يكلمه الله ~~يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه، أو أن الله لا يصلح عمله، أو لا يهدى ~~كيده، أو أن فاعله لا يفلح، أو لا يكون في القيامة من الشهداء، ولا من ~~الشفعاء، أو أن الله تعالى يغار من فعله، أو نبه على وجود المفسدة فيه، أو ~~أخبر أنه لا يقبل من فاعله صرفا " ولا عدلا، أو أخبر أن من فعله قيض له ~~الشيطان فهو له قرين، أو جعل الفعل سببا لإزاغة الله قلب فاعله، أو صرفه عن ~~آيات الله وفهم الآية، وسؤاله سبحانه عن PageV02P011 # علة الفعل، نحو: (لم تصدون عن سبيل الله من آمن) (1)، (لم تلبسون الحق ~~بالباطل) (2)، (ما منعك أن تسجد) (3)، (لم تقولون ما لا تفعلوا ن) (4)، ما ~~لم يقترن به جواب عن السؤال، فإذا قرن به جواب كان بحسب جوابه. # فهذا ونحوه يدل على المنع من الفعل، ودلالته على التحريم أطرد من دلالته ~~على مجرد الكراهة. # وأما لفظ (يكرهه الله ورسوله)، وقوله: (عند ربك مكروها ")، (5) فأكثر ما ~~يستعمل في المحرم، وقد يستعمل في كراهة التنزيه، وأما لفظ (أما أنا فلا ~~أفعل) فالمحقق فيه الكراهة، كقوله: (أما أنا فلا آكل متكئا)، وأما لفظ (ما ~~يكون لك) و (ما يكون لنا) فاطرد استعمالها في المحرم، نحو: (ما يكون لك أن ~~تتكبر فيها) (6)، (وما يكون لنا أن نعود فيها) (7)، (ما يكون لي أن أقول ما ~~ليس لي بحق) (8). # فصل وتستفاد الإباحة من لفظ الإحلال، ورفع الجناح، والإذن، ms0291 والعفو، و (إن ~~شئت فافعل)، و (إن شئت فلا تفعل)، ومن الإمتنان بما في الأعيان من المنافع ~~وما يتعلق بها من PageV02P012 # الأفعال، نحو: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ") (1)، (وبالنجم هم ~~يهتدون) (2)، ومن السكوت عن التحريم، ومن الإقرار على الفعل في زمن الوحي، ~~وهو نوعان: # إقرار الرب تعالى، وإقرار رسوله إذا علم الفعل فمن إقرار الرب قول جابر: ~~(كنا نعزل والقرآن ينزل)، ومن إقرار رسوله قول حسان: (كنت أنشد وفيه من هو ~~خير منك). # فائدة قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ~~ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) (3) جمعت أصول أحكام الشريعة كلها، فجمعت ~~الأمر والنهي والإباحة والتخيير. # فائدة تقديم العتاب على الفعل من الله تعالى يدل على تحريمه، فقد عاتب ~~الله سبحانه في خمسة مواضع من كتابه: في الأنفال (4)، وبراءة (5)، والأحزاب ~~(6)، والتحريم (7)، PageV02P013 # وعبس (1) خلافا للشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث جعل العتب من أدلة ~~النهى. # فائدة لا يصح الإمتنان بممنوع عنه، خلافا لمن زعم أنه يصح، ويصرف ~~الامتنان إلى خلقه للصبر عليهم. # فائدة التعجب كما يدل على محبة الله للفعل، نحو (عجب ربك من شاب ليست له ~~صبوة)، و (تعجب ربك من رجل ثار من فراشه ووطائه إلى الصلاة)، ونحو ذلك فقد ~~يدل على بغض الفعل كقوله: (وإن تعجب فعجب قولهم) (2)، وقوله: (بل عجبت ~~ويسخرون) (3) وقوله: (كيف تكفرون بالله) (4)، (وكيف تكفرون وأنتم تتلى ~~عليكم آيات الله وفيكم رسوله) (5). # وقد يدل على امتناع الحكم وعدم حسنه، كقوله: (كيف يكون للمشركين عهد عند ~~الله وعند رسوله (6). # ويدل على حسن المنع منه وأنه لا يليق به فعله، كقوله: (كيف يهدي الله ~~قوما " كفروا بعد إيمانهم) (7). PageV02P014 # قاعدة في الإطلاق والتقييد (1) إن وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه، ~~وإلا فلا، والمطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده، لأن الله تعالى خاطبنا ~~بلغة العرب. والضابط أن الله تعالى إذا حكم في شئ بصفة أو شرط ثم ورد حكم ~~آخر مطلقا نظر، فإن لم يكن له أصل يرد إليه إلا ذلك ms0292 الحكم المقيد وجب ~~تقييده به، وإن كان له أصل غيره لم يكن رده إلى أحدهما بأولى من الآخر. # فالأول مثل اشتراط الله العدالة في الشهود على الرجعة والفراق والوصية، ~~وإطلاقه الشهادة في البيوع وغيرها، والعدالة شرط في الجميع. # ومنه تقييد ميراث الزوجين بقوله: (من بعد وصية يوصين بها أو دين) (2) ~~وإطلاقه الميراث فيما أطلق فيه، وكان ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية ~~والدين. # وكذلك ما اشترط في كفارة القتل من الرقبة المؤمنة، وأطلقها في كفارة ~~الظهار واليمين، والمطلق كالمقيد في وصف الرقبة. # وكذلك تقييد الأيدي إلى المرافق في الوضوء، وإطلاقه في التيمم. # وكذلك: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله)، فأطلق الإحباط عليه وعلقه بنفس ~~الردة، ولم يشترط الموافاة عليه. وقال في الآية الأخرى: (ومن يرتدد ~~PageV02P015 # منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) (1) وقيد الردة بالموت ~~عليها والموافاة على الكفر، فوجب رد الآية المطلقة إليها وألا يقضي بإحباط ~~الأعمال إلا بشرط الموافاة عليها، وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه، وإن كان ~~قد تورع في هذا التقرير. # ومن هذا الإطلاق تحريم الدم وتقييده في موضع آخر بالمسفوح، وقوله: ~~(فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) (2)، وقال في موضع آخر: (منه) (3). # وقوله: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا ~~نؤته منها) (4). فإنه لو قيل: نحن نرى من يطلب الدنيا طلبا حثيثا ولا يحصل ~~له منها شئ! قلنا: قال الله تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما ~~نشاء لمن نريد) (5)، فعلق ما يريد بالمشيئة والإرادة. # ومثله قوله تعالى: (أجيب دعوة الداع إذا دعان)، وقوله: (ادعوني أستجب ~~لكم) (7)، فإنه معلق. # تنبيه اختلف الأصوليون في أن حمل المطلق على المقيد: هل هو من وضع اللغة ~~أو بالقياس على مذهبين، والأولون يقولون: العرب من مذهبها استحباب الإطلاق ~~اكتفاء بالمقيد PageV02P016 # وطلبا للإيجاز والاختصار، وقد قال تعالى: (عن اليمين وعن الشمال قعيد) ~~(1). # والمراد (عن اليمين قعيد)، ولكن حذف لدلالة الثاني عليه. # وزعم بعضهم أن القرآن كالآية الواحدة، لأن كلام الله تعالى ms0293 واحد، فلا بعد ~~أن يكون المطلق كالمقيد. # قال إمام الحرمين: وهذا غلط، لأن الموصوف بالاتحاد الصفة القديمة المختصة ~~بالذات، وأما هذه الألفاظ والعبارات فمحسوس تعددها، وفيها الشئ ونقيضه، ~~كالإثبات والنفي، والأمر والنهي، إلى غير ذلك من أنواع النقائض التي لا ~~يوصف الكلام القديم بأنه [اشتمل] (2) عليها. # والثاني كإطلاق صوم الأيام في كفارة اليمين، وقيدت بالتتابع في كفارة ~~الظهار والقتل، وبالتفريق في صوم التمتع، فلما تجاذب الأصل تركناه على ~~إطلاقه. # هذا كله إذا كان الحكمان بمعنى واحد، وإنما اختلفا في الإطلاق والتقييد، ~~فأما إذا حكم في شئ بأمور لم يحكم في شئ آخر ينقض تلك الأمور وسكت فيه عن ~~بعضها - فلا يقتضي الإلحاق، كالأمر بغسل الأعضاء الأربعة في الوضوء، وذكر ~~في التيمم عضوين فلم يكن في الأمر بمسح الرأس وغسل الرجلين في الوضوء دليل ~~على مسحهما بالتراب في التيمم.. # ومن ذلك ذكر العتق والصوم والطعام في كفارة الظهار، ولم يذكر الإطعام في ~~كفارة القتل، فلم يجمع بينهما في إبدال الطعام عن الصيام. # وقريب من هذا قول السلف في قوله تعالى: (وأمهات نسائكم وربائبكم) (3) أن ~~اللام مبهمة، وعنوا بذلك أن الشرط في الربائب خاصة. PageV02P017 # قاعدة في العموم والخصوص لا يستدل (1) بالصفة العامة إذا لم يظهر تقييد ~~عدم التعميم، ويستفاد ذلك من السياق، ولهذا قال الشافعي: اللفظ بين في ~~مقصوده، ويحتمل في غير مقصوده. # فمنه قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) (2) لا يصلح الإحتجاج بها ~~في إيجاب الزكاة في قليل الذهب والفضة وكثيره، وفي المتنوع منهما من الحلي ~~وغيره. # ألا ترى أن من ملك دون النصاب منهما غير داخل في جملة المتوعدين بترك ~~الانفاق منهما! وهذا يدل على إن القصد من الآية إثبات الحكم في ترك أداء ~~الواجب من الزكاة منهما، وفيها دليل على وجوب الزكاة فيهما، وليس فيها بيان ~~مقدار ما يجب من الحق فيهما. # وقوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون...) (3) الآية، القصد منها مدح ~~قوم صانوا فروجهم عما لا يحل ولم يواقعوا بها إلا من كان بملك النكاح أو ~~اليمين، وليس ms0294 في الآية بيان ما يحل منها وما لا يحل (4)، ثم إذا احتيج إلى ~~تفصيل ما يحل بالنكاح وملك اليمين صير إلى ما قصد، وتفصيله بقوله: (حرمت ~~عليكم أمهاتكم...) (5) الآية. PageV02P018 # كذا قاله القفال الشاشي (1)، وفيه نظر لما سبق. # ومثله قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام) (2) إلى قوله: (من الخيط ~~الأسود) (2) فلو تعلق متعلق بقوله: (وكلوا واشربوا) (2) في إباحة أكل أو ~~شرب كل شئ قد اختلف فيه لكان لا معنى له، لأن المخاطب قد غفل عن أنها لم ~~ترد مبينة لذلك، بل مبينة لحكم جواز الأكل والشرب والمباشرة إلى الفجر دفعا ~~" لما كان الناس عليه من حظر ذلك على من نام، فبين في الآية إباحة ما كان ~~محظورا، ثم أطلق لفظ الأكل والشرب والمباشرة لا على معنى إبانة الحكم فيما ~~يحل من ذلك وما يحرم. ألا ترى أنه لا يدخل فيه شرب الخمر والدم وأكل الميتة ~~ولا المباشرة فيما لا يبتغى منه الولد، ومثله في القرآن كثير. # وهذا يدل على أن النظر في العموم إلى المعاني لا لإطلاق اللفظ. # قال القفال: ومن ضبط هذا الباب أفاد علما كثيرا ". # فصل [الأحكام المستنبطة من تنبيه الخطاب] ومما تستثمر منه الأحكام تنبيه ~~الخطاب، وهو إما في الطلب كقوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) (3) فنهيه عن ~~القليل منبه على الكثير، وقوله: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) (4) يدل ~~على تحريم الإحراق والإتلاف. PageV02P019 # وإما في الخبر: # فإما أن يكون بالتنبيه بالقليل (1) على الكثير، كقوله تعالى: (فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا ") (2) فنبه على أن الرطل والقنطار لا يضيع لك عنده. ~~وكقوله: (ما يملكون من قطمير) (3)، (ولا يظلمون نقيرا ") (4)، (ولا يظلمون ~~فتيلا ") (5)، (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة) (6) فإنه يدل على أن من لم ~~يملك نقيرا أو قطميرا مع قلتهما، فهو عن ملك ما فوقهما أولى. وعلم أن من لم ~~يعزب عنه مثقال ذرة مع خفائه ودقته، فهو بألا يذهب عنه الشئ الجليل الظاهر ~~أولى. # وإما بالكثير على القليل، كقوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده ms0295 إليك) (7) فهذا من التنبيه على أنه (8) يؤدى إليك الدينار وما ~~تحته. ثم قال: # (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) (7) فهذا من الأول، وهو التنبيه ~~بالقليل على الكثير، فدل بالتنبيه على أنك لا تأمنه بقنطار، بعكس الأول. # ومثل قوله في فرش أهل الجنة: (بطائنها من إستبرق) (9)، وقد علمنا إن أعلى ~~ما عندنا هو الإستبرق الذي هو الخشن من الديباج، فإذا كان بطائن [فرش] (10) ~~أهل الجنة ذلك، فعلم أن وجوهها في العلو إلى غاية لا يعقل معناها. # وكذلك قوله في شراب أهل الجنة: (ختامه مسك) (11) وإنما يرى من الكأس ~~الختام، وأعلى ما عندنا رائحة المسك، وهو أدنى شراب أهل الجنة، فليتبين ~~PageV02P020 # اللبيب إذا كان الثفل الذي فيه المسك أيش يكون حشو الكأس فيظهر فضل حشو ~~الكأس بفضل الختام، وهذا من التنبيه [الخفي] (1). # وقوله: (الذي باركنا حوله) (2) فنبه على حصول البركة فيه من باب أولى. # واعلم (3) أن هذا النوع البديع ينظر إليه من ستر رقيق، وطريق تحصيله فهم ~~المعنى وتقييده من سياق الكلام، كما في آية التأفيف، فإنا نعلم أن الآية ~~إنما سيقت لاحترام الوالدين وتوقيرهما، ففهمنا منه تحريم الشتم والضرب، ولو ~~لم يفهم المعنى لا يلزم ذلك، لأن الملك الكبير يتصور أن يقول لبعض عبيده: ~~اقتل قرني ولا تقل له: أف، ويكون قصده الأمن عن مزاحمته في الملك، فثبت أن ~~ذلك إنما جاء لفهم المعنى. # فإن قيل: فإذا ابتنى الفهم على تخيل المعنى كان بطريق القياس كما صار ~~إليه الشافعي! # قيل: ما يتأخر من نظم الكلام وما يتقدم فهمه على اللفظ ويقترن به لا يكون ~~قياسا حقيقيا، لأن القياس ما يحتاج فيه إلى استنباط وتأمل، فإن أطلق القائل ~~بأنه قياس اسم القياس عليه وأراد ما ذكرناه فلا مضايقة في التسمية. # فصل [في الحكم على الشئ مقيدا بصفة] وقد (4) عبد يحكم على الشئ مقيدا ~~بصفة، ثم قد يكون ما سكت عنه بخلافه، وقد يكون PageV02P021 # مثله، فمن الأول قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم)، وقوله: (إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا)، وقوله: (وحلائل ms0296 أبنائكم الذين من أصلابكم)، فاشترط ~~أولاد الصلب تنبيها على إباحة حلائل أبناء الرضاع (4)، وليس في ذكر الحلائل ~~إباحة من وطئه الأبناء من الإماء بملك اليمين. وهذه الآية مما اجتمع فيه ~~النوعان - أعني المخالفة والمماثلة. # وكذلك قوله: (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن...) (5) الآية، فيه ~~وقوع الجناح في إبداء الزينة لمن عدا المذكورين من الأجانب، ولم يكن فيه ~~إبداؤها لقرابة الرضاع. # ومن الثاني قوله تعالى في الصيد: (و من قتله منكم متعمدا " فجزاء مثل ما ~~قتل من النعم). فإن القتل إتلاف والإتلاف عمده وخطؤه، فيستدل به على أن ~~التعمد ليس بشرط. # فإن قيل: فما فائدة التقييد في هذا القسم إذا كان المسكوت عنه مثله، وهلا ~~حذفت الصفة واقتصر على قوله: (ومن قتله منكم)؟ # قلنا: لتخصيص الشئ بالذكر فوائد: منها اختصاصه في جنسه بشئ لا يشركه فيه ~~غيره من جملة الجنس، كما في هذه الآية - أعني قوله: (ومن قتله منكم متعمدا ~~") PageV02P022 # إلى قوله: (فينتقم الله منه) إن المتعمد إنما خص بالذكر لما عطف عليه في ~~آخر الآية من الانتقام الذي لا يقع إلا في العمد دون الخطأ. # ومنها ما يخص بالذكر تعظيما له على سائر ما هو من جنسه، كقوله تعالى: ~~(منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم) فخص النهى عن ~~الظلم فيهن، وإن كان الظلم منهيا عنه في جميع الأوقات تفضيلا لهذه الأشهر ~~وتعظيما للوزر فيها. # وقوله: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج). # ومنها أن يكون ذلك الوصف هو الغالب عليه، كقوله تعالى: (وربائبكم اللاتي ~~في حجوركم...) الآية، فإن الغالب من حال الربيبة أنها تكون في حجر أمها. ~~ونحو: # (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم...) (5) إلى قوله: # (ثلاث مرات...) (5) الآية خص هذه الأوقات الثلاثة بالاستئذان، لأن الغالب ~~تبذل البدن فيهن، وإن كان في غير هذه الأوقات ما يوجب الاستئذان فيجب. ~~وكذلك قوله: # (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله) (6) فالافتداء يجوز مع الأمر. وقوله: ~~(فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم). وقوله: ms0297 (فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان)، وقوله: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا " فرهان ~~مقبوضة) فجرى التقييد بالسفر، لأن الكاتب إنما يعدم غالبا فيه، ولا يدل على ~~منع الرهن إلا في السفر، كما صار إليه مجاهد. PageV02P023 # النوع الثالث والثلاثون في معرفة جدله وقد أفرده من المتأخرين بالتصنيف ~~العلامة نجم الدين الطوفي (1) ما رضي الله عنه. # اعلم أن القرآن العظيم قد اشتمل على جميع أنواع البراهين والأدلة، وما من ~~برهان ودلالة وتقسيم وتحديد شئ من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا ~~وكتاب الله تعالى قد نطق به، لكن أورده تعالى على عادة العرب دون دقائق طرق ~~أحكام المتكلمين لأمرين: # أحدهما بسبب ما قاله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم...) ~~(2) الآية. # والثاني أن المائل (3) إلى دقيق المحاجة (4) هو العاجز عن إقامة الحجة ~~بالجليل من الكلام، فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم ~~يتخط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزا، فأخرج تعالى ~~مخاطباته في محاجة خلقه في أجل صورة تشتمل على أدق دقيق، لتفهم العامة من ~~جليلها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة، وتفهم الخواص من أثنائها ما يوفي على ما ~~أدركه فهم الخطباء. PageV02P024 # وعلى هذا حمل الحديث المروي: (إن لكل آية ظهرا وبطنا " ولكل حرف حدا ~~ومطلعا)، لا على ما ذهب إليه الباطنية، ومن هذا الوجه كل من كان حظه في ~~العلوم أوفر كان نصيبه من علم القرآن أكثر. ولذلك إذا ذكر تعالى حجة على ~~ربوبيته ووحدانيته أتبعها مرة بإضافته إلى أولي العقل، ومرة إلى السامعين، ~~ومرة إلى المفكرين، ومرة إلى المتذكرين، تنبيها أن بكل قوة من هذه القوى ~~يمكن إدراك حقيقته منها، وذلك نحو قوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون)، ~~وغيرها من الآيات. # واعلم أنه قد يظهر منه بدقيق الفكر استنباط البراهين العقلية على طرق ~~المتكلمين، فمن ذلك الاستدلال على حدوث العالم بتغير الصفات عليه وانتقاله ~~من حال إلى حال، وهو آية الحدوث، وقد ذكر الله تعالى في احتجاج إبراهيم ~~الخليل (2) عليه ms0298 السلام استدلاله بحدوث الأقل على وجود المحدث والحكم على ~~السماوات والأرض بحكم النيرات الثلاث وهو الحدوث، طردا " للدليل في كل ما ~~هو مدلوله، لتساويها في علة الحدوث وهي الجسمانية. # ومن ذلك الاستدلال على أن صانع العالم واحد بدلالة التمانع المشار إليه ~~في قوله تعالى: # (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)، لأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا ~~يجري تدبيرهما على نظام، ولا يتسق على إحكام، ولكان العجز يلحقهما أو ~~أحدهما، وذلك لو أراد أحدهما إحياء جسم، وأراد الآخر إماتته، فإما أن تنفذ ~~إرادتهما فتتناقض لاستحالة تجزؤ الفعل إن فرض الاتفاق، أو لامتناع اجتماع ~~الضدين إن فرض الاختلاف. وإما PageV02P025 # لا تنفذ إرادتهما فيؤدى إلى عجزهما، أولا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدي إلى ~~عجزه، والإله لا يكون عاجزا. # ومن ذلك الاستدلال على المعاد الجسماني بضروب: # أحدها: قياس الإعادة على الابتداء، قال تعالى: (كما بدأكم تعودون)، (كما ~~بدأنا أول خلق نعيده)، (أفعيينا بالخلق الأول). # ثانيها: قياس الإعادة على خلق السماوات والأرض بطريق الأولى نحو: (أو ليس ~~الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم)، لخلق السماوات والأرض ~~أكبر من خلق الناس) (5). # ثالثها: قياس الإعادة على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والنبات، وهو في ~~كل موضع ذكر فيه إنزال المطر غالبا، نحو: (ويحي الأرض بعد موتها وكذلك ~~تخرجون). # رابعها: قياس الإعادة على اخراج النار من الشجر الأخضر، وقد ورد أن أبي ~~بن خلف لما جاء بعظام بالية ففتها وذرها في الهواء وقال: يا محمد، من يحي ~~العظام وهي رميم! # فأنزل الله تعالى: (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم)، ~~فعلم سبحانه كيفية الاستدلال برد النشأة الأخرى إلى الأولى والجمع بينهما ~~بعلة الحدوث، ثم زاد في الحجاج بقوله: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا ~~")، وهذا في PageV02P026 # غاية البيان في رد الشئ إلى نظيره، والجمع بينهما من حيث تبديل الأعراض ~~عليهما. # خامسها: في قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ~~بلى وعدا " عليه حقا ولكن أكثر الناس ms0299 لا يعلمون. ليبين لهم الذي يختلفون ~~فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين) (1). وتقريرها كما قاله ابن ~~السيد (2): # إن اختلاف المختلفين في الحق لا يوجب انقلاب الحق في نفسه، وإنما تختلف ~~الطرق الموصلة إليه، والحق في نفسه واحد، فلما ثبت أن هاهنا حقيقة موجودة ~~لا محالة، وكان لا سبيل لنا في حياتنا هذه إلى الوقوف عليها وقوفا يوجب ~~الائتلاف، ويرفع عنا الاختلاف، إذ كان الاختلاف مركوزا في فطرنا، وكان لا ~~يمكن ارتفاعه وزواله إلا بارتفاع هذه الجبلة، ونقلها إلى جبلة غيرها - صح ~~ضرورة " أن لنا حياة أخرى غير هذه الحياة، فيها يرتفع الخلاف والعناد، وهذه ~~هي الحال التي وعد الله بالمصير إليها فقال: (ونزعنا ما في صدورهم من غل)، ~~(1) ولا بد من كون ذلك باضطرار، إذ كان جواز الخلاف يقتضي الائتلاف، لأنه ~~نوع من المضاف، وكان لا بد من حقيقته، فقد صار الخلاف الموجود كما ترى أوضح ~~دليل على كون البعث الذي ينكره المنكرون. PageV02P027 # النوع الرابع والثلاثون معرفة ناسخه من منسوخه والعلم به عظيم الشأن، وقد ~~صنف فيه جماعة كثيرون منهم قتادة بن دعامة (1) السدوسي، وأبو عبيد القاسم ~~بن سلام (2)، وأبو داود السجستاني (3)، وأبو جعفر (4) النحاس، وهبة الله بن ~~سلام (5) الضرير، وابن العربي (6)، وابن الجوزي (7)، وابن الأنباري (8)، ~~ومكي (9)، وغيرهم. PageV02P028 # ومن ظريف ما حكى في كتاب هبة الله أنه قال في قوله تعالى: (ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا " ويتيما " وأسيرا ") (1) منسوخ من هذه الجملة ~~(وأسيرا)، والمراد بذلك أسير المشركين، فقرئ الكتاب عليه وابنته تسمع، فلما ~~انتهى إلى هذا الموضع قالت: # أخطأت يا أبت في هذا الكتاب! فقال لها: وكيف يا بنية؟ قالت: أجمع ~~المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعا. # قال الأئمة: ولا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ ~~والمنسوخ، وقد قال علي بن أبي طالب لقاص: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: الله ~~أعلم، قال: هلكت وأهلكت. # والنسخ يأتي بمعنى الإزالة، ومنه قوله تعالى: (فينسخ الله ما يلقي ~~الشيطان ثم يحكم الله آياته) (2). # يأتي بمعنى ms0300 التبديل كقوله: (وإذا بدلنا آية مكان آية) (3). # وبمعنى التحويل كتناسخ المواريث - يعني تحويل الميراث من واحد إلى واحد. # ويأتي بمعنى النقل من موضع إلى موضع، ومنه: (نسخت الكتاب) إذا نقلت ما ~~فيه حاكيا للفظه وخطه. قال مكي: وهذا الوجه لا يصح أن يكون في القرآن، ~~وأنكر على النحاس إجازته ذلك، محتجا بأن الناسخ فيه لا يأتي بلفظ المنسوخ، ~~وإنما يأتي بلفظ آخر. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن بركات السعدي: يشهد ~~(4) لما قاله النحاس قوله تعالى: PageV02P029 # (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) (1) وقال: (وإنه في أم الكتاب لدينا ~~لعلي حكيم) (2)، ومعلوم أن ما نزل من الوحي نجوما " جميعه في أم الكتاب، ~~وهو اللوح المحفوظ كما قال: (في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون) (3). # ثم اختلف العلماء، فقيل: المنسوخ ما رفع تلاوة تنزيله، كما رفع العمل به. ~~ورد بما نسخ الله من التوراة بالقرآن والإنجيل وهما متلوان. # وقيل: لا يقع النسخ في قرآن يتلى وينزل. والنسخ مما خص الله به هذه الأمة ~~في حكم من التيسير (4)، ويفر (5) هؤلاء من القول بأن الله ينسخ شيئا " بعد ~~نزوله والعمل به، وهذا مذهب اليهود في الأصل، ظنا (6) منهم أنه بداء، كالذي ~~يرى الرأي ثم يبدو له، وهو باطل، لأنه بيان مدة الحكم، ألا ترى الإحياء بعد ~~الإماتة وعكسه، والمرض بعد الصحة وعكسه، والفقر بعد الغنى وعكسه، وذلك لا ~~يكون بداء، فكذا الأمر والنهي. # وقيل: إن الله تعالى نسخ القرآن من اللوح المحفوظ الذي هو أم الكتاب، ~~فأنزله على نبيه، والنسخ لا يكون إلا من أصل. # والصحيح جواز النسخ ووقوعه سمعا وعقلا. # ثم اختلفوا فقيل: لا ينسخ قرآن إلا بقرآن، لقوله تعالى: (ما ننسخ من آية ~~PageV02P030 # أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) (1)، قالوا: ولا يكون مثل القرآن وخيرا ~~" منه إلا قرآن. # وقيل: بل السنة لا تنسخ السنة. # وقيل: السنة إذا كانت بأمر الله من طريق الوحي نسخت، وإن كانت باجتهاد ~~فلا تنسخه. حكاه ابن حبيب النيسابوري في تفسيره. # وقيل: بل إحداهما تنسخ الأخرى، ms0301 ثم اختلفوا فقيل: الآيتان إذا أوجبتا ~~حكمين مختلفين وكانت إحداهما متقدمة الأخرى، فالمتأخرة ناسخة للأولى، كقوله ~~تعالى: (إن ترك خيرا " الوصية للوالدين والأقربين) (2) ثم قال بعد ذلك: ~~(ولأبويه لكل واحد منهما السدس) (3)، وقال: (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث) (3) قالوا: فهذه ناسخة للأولى، ولا يجوز أن يكون لهما الوصية ~~والميراث. # وقيل: بل ذلك جائز، وليس فيهما ناسخ ولا منسوخ، وإنما نسخ الوصية للوارث ~~بقوله عليه السلام: (لا وصية لوارث). وقيل: ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل ~~بمكة. # ويجوز نسخ الناسخ فيصير الناسخ منسوخا، وذلك كقوله: (لكم دينكم ولي دين) ~~(4)، نسخها بقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين) (5)، ثم نسخ هذه أيضا بقوله: ~~(حتى يعطوا الجزية عن يد) (6). وقوله: (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله ~~بأمره) (7) وناسخه قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين) (5) ثم نسخها: # (حتى يعطوا الجزية) (6). PageV02P031 # مسألة [في جواز النسخ بالكتاب] لا خلاف في جواز نسخ الكتاب بالكتاب، قال ~~الله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) (1) وقال: ~~(وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل) (2)، ولذلك نسخ السنة ~~بالكتاب كالقصة في صوم عاشوراء برمضان وغيره. # واختلف في نسخ الكتاب بالسنة، قال ابن عطية: حذاق الأمة على الجواز، وذلك ~~موجود في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث)، وأبى الشافعي ذلك (3)، ~~والحجة عليه من قوله في اسقاط الجلد في حد الزنا عن الثيب الذي رجم، فإنه ~~لا مسقط لذلك إلا السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم. # قلنا: أما آية الوصية فقد ذكرنا أن ناسخها القرآن، وأما ما نقله عن ~~الشافعي فقد اشتهر ذلك لظاهر لفظ ذكره في الرسالة (3)، وإنما مراد الشافعي ~~أن الكتاب والسنة لا يوجدان مختلفين إلا ومع أحدهما مثله ناسخ له، وهذا ~~تعظيم لقدر الوجهين وإبانة تعاضدهما وتوافقهما، وكل من تكلم على هذه ~~المسألة لم يفهم مراده. # وأما النسخ بالآية فليس بنسخ بل تخصيص، ثم إنه ثابت بالقرآن الذي نسخت ~~تلاوته، وهو: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) (4). PageV02P032 # فصل [فيما يقع فيه النسخ] ms0302 الجمهور على أنه لا يقع النسخ إلا في الأمر ~~والنهي. وزاد بعضهم الأخبار وأطلق، وقيدها آخرون بالتي يراد بها الأمر ~~والنهي. # تنبيهات التنبيه الأول [في تقسيم سور القرآن بحسب ما دخله من النسخ وما ~~لم يدخله] اعلم أن سور القرآن العظيم [تنقسم] بحسب ما دخله النسخ وما لم ~~يدخل إلى أقسام (1): # أحدهما ما ليس فيه ناسخ ولا منسوخ، وهي ثلاث وأربعون سورة: وهي الفاتحة، ~~ثم يوسف، ثم يس، ثم الحجرات، ثم الرحمن، ثم الحديد، ثم الصف، ثم الجمعة، ثم ~~التحريم، ثم الملك، ثم الحاقة، ثم نوح، ثم الجن، ثم المرسلات، ثم النبأ، ثم ~~النازعات، ثم الانفطار، ثم المطففين، ثم الانشقاق، ثم البروج، ثم الفجر، ثم ~~البلد، ثم الشمس، ثم الليل، ثم الضحى، ثم الإنشراح، ثم القلم، [ثم القدر]، ~~(2)، ثم الانفكاك، ثم الزلزلة، ثم العاديات، ثم القارعة، ثم ألهاكم، ثم ~~الهمزة، ثم الفيل، ثم قريش، ثم الدين، ثم الكوثر، ثم النصر، ثم تبت، ثم ~~الإخلاص، ثم المعوذتين (3). PageV02P033 # وهذه السور تنقسم إلى ما ليس فيه أمر ولا نهي وإلى ما فيه نهي لا أمر ~~(1). # والثاني: ما فيه ناسخ وليس فيه منسوخ، وهي ست سور: الفتح، والحشر، ~~والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والأعلى. # الثالث: ما فيه منسوخ وليس فيه ناسخ، وهو أربعون: الأنعام، والأعراف، ~~ويونس، وهود، والرعد، والحجر، والنحل، وبنو إسرائيل، والكهف، وطه، ~~والمؤمنون، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والمضاجع (2)، ~~والملائكة، والصافات، وص، والزمر، والمصابيح (3)، والزخرف، والدخان، ~~والجاثية، والأحقاف، وسورة محمد، صلى الله عليه وسلم، والباسقات، والنجم، ~~والقمر، والرحمن، والمعارج، والمدثر، والقيامة، والإنسان، وعبس، والطارق، ~~والغاشية، والتين، والكافرون. # الرابع: ما اجتمع فيه الناسخ والمنسوخ، وهي إحدى وثلاثون سورة (4): ~~البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ~~وإبراهيم، والنحل، وبنو إسرائيل، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، ~~والنور، والفرقان، والشعراء، والأحزاب، وسبأ، والمؤمن، والشورى، والقتال، ~~والذاريات، والطور، والواقعة، والمجادلة، والممتحنة، والمزمل، والمدثر، ~~والتكوير، والعصر. # ومن غريب هذا النوع آية أولها منسوخ وآخرها ناسخ، قيل ولا نظير لها في ~~القرآن، وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم ms0303 أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا PageV02P034 # اهتديتم) (1)، يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا ناسخ لقوله: ~~(عليكم أنفسكم) ذكره ابن العربي في أحكامه (2). # التنبيه الثاني (3) [في ضروب النسخ في القرآن] النسخ في القرآن على ثلاثة ~~أضرب: # الأول: ما نسخ في تلاوته وبقي حكمه فيعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول، ~~كما روى أنه كان يقال في سورة النور: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ~~البتة نكالا من الله)، ولهذا قال عمر: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب ~~الله، لكتبتها بيدي. رواه البخاري في صحيحه معلقا (4). # وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي بن كعب قال: كانت سورة الأحزاب توازي ~~سورة النور، فكان فيها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما). # وفي هذا سؤالان: الأول: ما الفائدة في ذكر الشيخ والشيخة؟ وهلا قال: ~~المحصن والمحصنة؟ # وأجاب ابن الحاجب في أماليه عن هذا بأنه من البديع في المبالغة، وهو أن ~~يعبر عن الجنس في باب الذم بالأنقص فالأنقص في، وفي باب المدح بالأكثر ~~والأعلى، فيقال: # لعن الله السارق يسرق ربع دينار فتقطع يده، والمراد: يسرق ربع دينار ~~فصاعدا إلى أعلى ما يسرق. وقد يبالغ فيذكر مالا تقطع به، كما جاء في ~~الحديث: (لعن الله السارق PageV02P035 # يسرق البيضة فتقطع يده) (1) وقد علم أنه لا تقطع في البيضة، وتأويل من ~~أوله ببيضة الحرب تأباه الفصاحة. # الثاني: أن ظاهر قوله: (لولا أن يقول الناس...) الخ أن كتابتها جائزة، ~~وإنما منعه قول الناس، والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه، وإذا ~~كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة، لأن هذا شأن المكتوب. وقد يقال: لو كانت ~~التلاوة باقية لبادر عمر رضي الله عنه ولم يعرج على مقال الناس، لأن مقال ~~الناس لا يصلح مانعا. # وبالجملة فهذه الملازمة مشكلة، ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد، والقرآن لا ~~يثبت به، وإن ثبت الحكم، ومن هنا أنكر ابن ظفر في " الينبوع " (2) عد هذا ~~مما نسخ تلاوته، قال: لأن خبر الواحد لا يثبت القرآن. قال: وإنما هذا من ~~المنسأ لا النسخ، ms0304 وهما مما يلتبسان (3)، والفرق بينهما أن المنسأ لفظه قد ~~يعلم حكمه ويثبت أيضا، وكذا قاله غيره القراءات الشاذة، كإيجاب التتابع في ~~صوم كفارة اليمين ونحوه أنها كانت قرآنا فنسخت تلاوتها، لكن في العمل بها ~~الخلاف المشهور في القراءة الشاذة (4). # ومنهم من أجاب عن ذلك بأن هذا كان مستفيضا " عندهم وأنه كان متلوا من ~~القرآن فأثبتنا الحكم بالإستفاضة، وتلاوته غير ثابتة بالإستفاضة. ومن هذا ~~الضرب ما رواه مسلم في صحيحه (5) عن أبي موسى الأشعري إنا كنا نقرأ سورة ~~كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها، غير أنى أحفظ منها: (لو كان ~~لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا PageV02P036 # ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى ~~المسبحات (1) فأنسيتها، غير أنى حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ~~مالا تفعلون. فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة). # وذكر الإمام المحدث أبو الحسين أحمد بن جعفر (2) المنادى في كتابه " ~~الناسخ والمنسوخ ": مما رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه سورتا ~~القنوت في الوتر، قال: ولا خلاف بين الماضين والغابرين أنهما مكتوبتان في ~~المصاحف المنسوبة إلى أبي بن كعب، وأنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه أقرأه إياهما، وتسمى سورتا الخلع والحفد. # وهنا سؤال، وهو أن يقال: ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم؟ وهلا ~~أبقيت التلاوة ليجتمع العمل بحكمها وثواب تلاوتها؟ وأجاب صاحب " الفنون " ~~(3) فقال: إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى ~~بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر ~~شئ، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي. # الضرب الثاني: ما نسخ حكمه وبقي تلاوته، وهو في ثلاث وستين سورة، كقوله ~~تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا...) (4) الآية، فكانت المرأة إذا ~~مات زوجها لزمت التربص بعد انقضاء العدة حولا كاملا، ونفقتها في مال الزوج، ~~ولا ميراث لها، وهذا معنى قوله: (متاعا " إلى الحول غير اخراج...) (5) ~~الآية، فنسخ ms0305 الله PageV02P037 # ذلك بقوله: (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ") (1)، وهذا الناسخ مقدم ~~في النظم على المنسوخ. # قال القاضي أبو المعالي: وليس في القرآن ناسخ تقدم على المنسوخ، إلا في ~~موضعين هذا أحدهما، والثاني قوله: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك...) ~~(2) الآية، فإنها ناسخة لقوله: (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج) (3). # قلت: وذكر بعضهم موضعا آخر، وهو قوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ~~ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) (4) هي متقدمة في التلاوة، ولكنها ~~منسوخة بقوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء) (5). # وقيل: في تقديم الناسخة فائدة، وهي أن تعتقد حكم المنسوخة قبل العلم ~~بنسخها. # ويجئ موضع رابع وهو آية الحشر في قوله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من ~~أهل القرى فلله وللرسول...) (6) الآية، فإنه لم يذكر فيها شئ للغانمين، ~~ورأى الشافعي أنها منسوخة بآية الأنفال، وهي قوله: (واعلموا أنما غنمتم من ~~شئ فأن لله خمسه) (7). # واعلم أن هذا الضرب ينقسم إلى ما يحرم العمل به ولا يمتنع كقوله: (إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) (8) ثم نسخ الوجوب. # ومنه قوله: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (9) قيل: منسوخ بقوله ~~تعالى: # (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) (10). PageV02P038 # وقوله: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) (1) نسختها آيات القيامة والكتاب ~~والحساب. # وهنا سؤال، وهو أن يسأل: ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة؟ # والجواب من وجهين: أحدهما أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه، والعمل ~~به، فيتلى لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة. # وثانيهما أن النسخ غالبا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرا " بالنعمة ~~ورفع المشقة، وأما حكمة النسخ قبل العمل، كالصدقة عند النجوى فيثاب على ~~الإيمان به وعلى نية طاعة الأمر. # الثالث: نسخهما جميعا، فلا تجوز قراءته ولا العمل به، كآية التحريم بعشر ~~رضعات فنسخن بخمس، قالت عائشة: كان مما أنزل عشر رضعات معلومات، فنسخن بخمس ~~معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مما يقرأ من القرآن. ms0306 # رواه مسلم. # وقد تكلموا في قولها: (وهي مما يقرأ) فإن ظاهره بقاء التلاوة، وليس كذلك، ~~فمنهم من أجاب بأن المراد قارب الوفاة، والأظهر أن التلاوة نسخت أيضا " ولم ~~يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوفي وبعض ~~الناس يقرؤها. # وقال أبو موسى الأشعري: نزلت ثم رفعت. # وجعل الواحدي من هذا ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه قال: كنا نقرأ: # (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر) وفيه نظر. # وحكى القاضي أبو بكر في " الانتصار " عن قوم إنكار هذا القسم، لأن ~~PageV02P039 # الأخبار، فيه أخبار آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار ~~آحاد لا حجة فيها. # وقال أبو بكر الرازي: نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ~~ويرفعه من أوهامهم، ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف، فيندرس ~~على الأيام كسائر كتب الله القديمة التي ذكرها في كتابه في قوله: (إن هذا ~~لفي الصحف الأولى. # صحف إبراهيم وموسى) (1)، ولا يعرف اليوم منها شئ. ثم لا يخلو ذلك من أن ~~يكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا توفي لا يكون متلوا في ~~القرآن، أو يموت وهو متلو موجود في الرسم، ثم ينسيه الله ويرفعه من ~~أذهانهم، وغير جائز نسخ شئ من القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. # فائدة قال ابن العربي (2): قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) (3) ~~ناسخة لمائة وأربع عشرة آية، ثم صار آخرها ناسخا لأولها، وهي قوله: (فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) (4). # قالوا: وليس في القرآن آية من المنسوخ ثبت حكمها ست عشرة سنة إلا قوله في ~~الأحقاف: (قل ما كنت بدعا " من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) (5)، ~~وناسخها أول سورة الفتح. PageV02P040 # قال ابن العربي (1): ومن أغرب آية في النسخ قوله تعالى: (خذ العفو وأمر ~~بالعرف وأعرض عن الجاهلين) (2)، أولها وآخرها منسوخان، ووسطها محكم. # وقسمه الواحدي أيضا " إلى نسخ ما ليس بثابت التلاوة كعشر رضعات، وإلى نسخ ~~ما هو ms0307 ثابت التلاوة بما ليس بثابت التلاوة كنسخ الجلد في حق المحصنين ~~بالرجم، والرجم غير متلو الآن، وأنه كان يتلى على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فالحكم ثبت والقراءة لا تثبت، كما يجوز أن تثبت التلاوة في بعض ~~ولا يثبت الحكم. وإذا جاز أن يكون قرآن ولا يعمل به جاز أن يكون قرآن يعمل ~~به ولا يتلى، وذلك أن الله عز وجل أعلم بمصالحنا، وقد يجوز أن يعلم من ~~مصلحتنا تعلق العمل بهذا الوجه. # التنبيه الثالث [في تقسيم القرآن على ضروب من وجه آخر] قسم بعضهم النسخ ~~من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب: # الأول: نسخ المأمور به قبل امتثاله، وهذا الضرب هو النسخ على الحقيقة، ~~كأمر الخليل بذبح ولده، وكقوله تعالى: (إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقة ") (3) ثم نسخه سبحانه بقوله: (أأشفقتم...) (3) الآية. # الثاني: ويسمى نسخا تجوزا، وهو ما أوجبه الله على من قبلنا كحتم هذه ~~القصاص، (4) PageV02P041 # ولذلك قال عقب تشريع الدية: (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) (1). # وكذلك ما أمرنا الله به أمرا إجماليا ثم نسخ، كنسخه التوجه إلى بيت الله ~~المقدس بالكعبة، فإن ذلك كان واجبا علينا من قضية أمره باتباع الأنبياء ~~قبله، وكنسخ صوم يوم عاشوراء برمضان. # الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر ~~وبالمغفرة للذين يرجون (2) لقاء الله ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها، ثم نسخه إيجاب ذلك. وهذا ليس بنسخ في ~~الحقيقة، وإنما هو نسء، كما قال تعالى: (أو ننسئها) (3) فالمنسأ هو الأمر ~~بالقتال، إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على ~~الأذى. # وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة ~~بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك بل هي من المنسأ، بمعنى أن كل ~~أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك ~~العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله ms0308 ~~أبدا. وإلى هذا أشار الشافعي في " الرسالة " إلى النهي عن ادخار لحوم ~~الأضاحي من أجل الرأفة، ثم ورد الإذن فيه فلم يجعله منسوخا، بل من باب زوال ~~الحكم لزوال علته، حتى لو فاجأ أهل ناحية جماعة مضرورون تعلق بأهلها النهى. # ومن هذا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم...) (4) الآية، ~~كان ذلك في ابتداء الأمر، فلما قوي الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر PageV02P042 # والمقاتلة عليه. ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله: # (بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ) عاد الحكم، وقال صلى الله عليه ~~وسلم: # (فإذا رأيت هوى متبعا وشحا مطاعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة ~~نفسك). # وهو سبحانه وتعالى حكيم أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم حين ضعفه ما ~~يليق بتلك الحال رأفة " بمن تبعه ورحمة، إذ لو وجب لأورث حرجا ومشقة، فلما ~~أعز الله الاسلام وأظهره ونصره أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة من ~~مطالبة الكفار بالإسلام أو بأداء الجزية - إن كانوا أهل كتاب - أو الاسلام ~~أو القتل إن لم يكونوا أهل كتاب. # ويعود هذان الحكمان - أعني المسألة عند الضعف والمسايفة عند القوة - بعود ~~سببهما، وليس حكم المسايفة ناسخا " لحكم المسالمة، بل كل منهما يجب امتثاله ~~في وقته. # فائدة قيل في قوله تعالى: (ما ننسخ من آية) (1) ولم يقل (من القرآن)، لأن ~~القرآن ناسخ مهيمن على كل الكتب، وليس يأتي بعده ناسخ له، وما فيه من ناسخ ~~ومنسوخ فمعلوم وهو قليل، بين الله ناسخه عند منسوخه، كنسخ الصدقة عند ~~مناجاة الرسول والعدة والفرار في الجهاد ونحوه، وأما غير ذلك فمن تحقق علما ~~بالنسخ علم أن غالب ذلك من المنسأ، ومنه ما يرجع لبيان الحكم المجمل، ~~كالسبيل في حق الآتية بالفاحشة، فبينته السنة، وكل ما في القرآن مما يدعى ~~نسخه بالسنة عند من يراه فهو بيان لحكم PageV02P043 # القرآن، وقال سبحانه: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس) (1)، وأما ~~بالقرآن على ما ظنه كثير من المفسرين فليس ms0309 بنسخ، وإنما هو نسأ وتأخير، أو ~~مجمل أخر بيانه لوقت الحاجة، أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره، أو ~~مخصوص من عموم، أو حكم عام لخاص أو لمداخلة معنى في معنى. وأنواع الخطاب ~~كثيرة فظنوا ذلك نسخا وليس به، وأنه الكتاب المهيمن على غيره، وهو في نفسه ~~متعاضد، وقد تولى الله حفظه فقال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون) (2). PageV02P044 # النوع الخامس والثلاثون معرفة موهم المختلف وهو ما يوهم التعارض بين ~~آياته، وكلام الله جل جلاله منزه عن الاختلاف، كما قال تعالى: (ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا " كثيرا ") (1)، ولكن قد يقع للمبتدئ ما ~~يوهم اختلافا وليس به، فاحتيج لإزالته، كما صنف في مختلف الحديث وبيان ~~الجمع بينهما، وقد رأيت لقطرب (2) فيه تصنيفا حسنا، جمعه على السور. # وقد تكلم فيه الصدر الأول، ابن عباس (3) وغيره. # وقال الإمام: وقد وفق الحسن البصري بين قوله تعالى: (وإذ واعدنا موسى ~~أربعين ليلة) (4)، وقوله: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة " وأتممناها بعشر) ~~(5)، بأن قال: # ليس المراد في آية الأعراف على ظاهره، من أن الوعد كان ثلاثين ليلة، ثم ~~بعد ذلك وعده بعشر، لكنه وعده أربعين ليلة جميعا. انتهى. # وقيل: تجري آية الأعراف على ظاهره من أن الوعد كان ثلاثين، ثم أتم ~~بالعشر، فاستقرت الأربعون، ثم أخبر في آية البقرة بما استقر. PageV02P045 # وذكره الخطابي قال: وسمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي العباس بن سريج قال: ~~سأل رجل بعض العلماء عن قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد) (1)، فأخبر أنه ~~لا يقسم بهذا، ثم أقسم به في قوله: (وهذا البلد الأمين) (2) فقال ابن سريج: ~~أي الأمرين أحب إليك؟ أجيبك ثم أقطعك، أو أقطعك ثم أجيبك؟ فقال: بل اقطعني ~~ثم أجنبي، فقال: اعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بحضرة رجال، وبين ظهراني قوم، وكانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزا، ~~وعليه مطعنا، فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به، وأسرعوا بالرد عليه، ~~ولكن القوم علموا وجهلت، ms0310 فلم ينكروا منه ما أنكرت، ثم قال له: إن العرب قد ~~تدخل (لا) في أثناء كلامها وتلغى معناها، وأنشد فيه أبياتا. والقاعدة في ~~هذا أشباهه أن الألفاظ إذا اختلفت وكان مرجعها إلى أمر واحد لم يوجب ذلك ~~اختلافا. # فائدة [عن الغزالي في معنى الاختلاف] سئل الغزالي عن معنى قوله تعالى: ~~(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا " كثيرا ") (3)، فأجاب بما ~~صورته: الاختلاف لفظ مشترك بين معان، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه، بل ~~نفي الاختلاف عن ذات القرآن، يقال: هذا كلام مختلف، أي لا يشبه أوله آخره ~~في الفصاحة، إذ هو مختلف، أي بعضه يدعو إلى الدين، وبعضه يدعو إلى الدنيا. ~~أو هو مختلف النظم، فبعضه على وزن الشعر، وبعضه منزحف، وبعضه على ~~PageV02P046 # أسلوب مخصوص في الجزالة، وبعضه على أسلوب يخالفه، وكلام الله تعالى منزه ~~(1) عن هذه الاختلافات، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره، ~~وعلى مرتبة واحدة في غاية الفصاحة، فليس يشتمل على الغث والسمين، ومسوق ~~لمعنى واحد، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى، وصرفهم عن الدنيا إلى الدين، ~~وكلام الآدميين يتطرق إليه هذه الاختلافات، إذ كلام الشعراء والمترسلين إذا ~~قيس عليه وجد فيه اختلاف في منهاج النظم، ثم اختلاف في درجات الفصاحة، بل ~~في أصل الفصاحة حتى يشتمل على الغث والسمين، فلا تتساوى رسالتان ولا ~~قصيدتان، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة، وأبيات سخيفة، وكذلك تشتمل ~~القصائد والأشعار على أغراض مختلفة، لأن الشعراء والفصحاء (في كل واد ~~يهيمون) (2)، فتارة يمدحون الدنيا، وتارة يذمونها، وتارة يمدحون الجبن ~~فيسمونه حزما، وتارة يذمونه ويسمونه ضعفا، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمونها ~~صراحة، وتارة يذمونها ويسمونها تهورا، ولا ينفك كلام آدمي عن هذه ~~الاختلافات، لأن منشأ هذه الاختلافات اختلاف الأغراض، واختلاف الأحوال، ~~والإنسان تختلف أحواله، فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه، ويتعذر ~~عليه عند الإنقباض. ولذلك تختلف أغراضه فيميل إلى الشئ مرة ويميل عنه أخرى، ~~فيوجب اختلاف الأحوال والأغراض اختلافا في كلامه بالضرورة، فلا تصادف ~~اللسان يتكلم في ثلاث وعشرين ms0311 سنة، وهي مدة نزول القرآن، فيتكلم على غرض ~~واحد، وعلى منهج واحد، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرا " تختلف ~~أحواله، فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجد فيه اختلاف كثير، ~~فأما اختلاف الناس فهو تباين في آراء الناس لا في نفس القرآن، وكيف يكون ~~هذا المراد، وقد قال تعالى: (يضل به كثيرا " ويهدي به كثيرا ") (3)، فقد ~~ذكر في القرآن أنه في نفسه PageV02P047 # غير مختلف، وهو مع هذا سبب لاختلاف الخلق (1) في الضلال والهدى، فلو لم ~~يختلف فيه لكانت أمثال هذه الآيات خلفا، وهي أشد أنواع الاختلاف. والله ~~أعلم. # فصل [في القول عند تعارض الآي] (2) قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ~~(3): إذا تعارضت الآي وتعذر فيها الترتيب [والجمع] (4) طلب التاريخ وترك ~~المتقدم منهما بالمتأخر، ويكون ذلك نسخا " له، وإن لم يوجد التاريخ وكان ~~الاجماع على استعمال إحدى الآيتين علم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمعوا على ~~العمل بها. # قال: ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تعريان بين عن هذين الوصفين. # وذكروا عند التعارض مرجحات: # الأول: تقديم المكي على المدني، وإن كان يجوز أن تكون المكية نزلت عليه ~~صلى الله عليه وسلم بعد عوده إلى مكة والمدنية قبلها، فيقدم الحكم بالآية ~~المدنية على المكية في التخصيص والتقديم إذ كان غالب الآيات المكية نزولها ~~قبل الهجرة. # الثاني: أن يكون أحد الحكمين على غالب أحوال أهل مكة، والآخر على غالب ~~PageV02P048 # أحوال أهل المدينة، فيقدم الحكم بالخبر الذي فيه أحول أهل المدينة، كقوله ~~تعالى: # (ومن دخله كان آمنا ") (1)، مع قوله: (كتب عليكم القصاص في القتلى) (2). # فإذا أمكن بناء كل واحدة من الآيتين على البدل جعل التخصيص في قوله ~~تعالى: (ومن دخله كان آمنا ") (1) كأنه قال: إلا من وجب عليه القصاص. ومثل ~~قوله: # (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) (3) ونهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل صيد ~~مكة، مع قوله تعالى: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم ~~من الجوارح مكلبين (4)، فجعل النهى فيمن اصطاده في الحرم، وخص من اصطاده ms0312 في ~~الحل وأدخله حيا " فيه. # الثالث: أن يكون أحد الظاهرين مستقلا بحكمه، والآخر مقتضيا لفظا يزاد ~~عليه، فيقدم المستقل بنفسه عند المعارضة والترتيب، كقوله تعالى: (وأتموا ~~الحج والعمرة لله) (5)، مع قوله: (فإن أحضرتم فما استيسر من الهدى) (5)، ~~وقد أجمعت الأمة على أن الهدى لا يجب بنفس الحصر، وليس فيه صريح الإحلال ~~بما يكون سببا " له، فيقدم المنع من الإحلال عند المرض بقوله: (وأتموا الحج ~~والعمرة لله) (5) على ما عارضه من الآية. # الرابع: أن يكون كل واحد من العمومين محمولا على ما قصد به في الظاهر عند ~~الاجتهاد، فيقدم ذلك على تخصيص كل واحد منهما من المقصود بالآخر، كقوله: ~~(وأن تجمعوا بين الأختين) (6)، بقوله: (وما ملكت أيمانكم) (6) فيخص الجمع ~~بملك PageV02P049 # اليمين، بقوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) (1) فتحمل ~~آية الجمع على العموم، والقصد فيها بيان ما يحل وما يحرم، وتحمل آية ~~الإباحة على زوال اللوم فيمن أتى بحال. # الخامس: أن يكون تخصيص أحد الاستعمالين على لفظ تعلق بمعناه والآخر ~~باسمه، كقوله: (شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل ~~منكم أو آخران من غيركم) (2) مع قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا..) (3) الآية، فيمكن أن يقال في الآية بالتبين عند شهادة الفاسق، ~~إذا كان ذلك من كافر على مسلم، أو مسلم فاسق على كافر، وأن يقبل الكافر على ~~الكافر وإن كان فاسقا، أو يحمل ظاهر قوله: (أو آخران من غيركم) (2) على ~~القبيلة دون الملة، ويحمل الأمر بالتثبت على عموم النسيان في الملة، لأنه ~~رجوع إلى تعيين اللفظ وتخصيص الغير بالقبيلة، لأنه رجوع إلى الاسم على عموم ~~الغير. # السادس: ترجيح ما يعلم بالخطاب ضرورة على ما يعلم منه ظاهرا، كتقديم قوله ~~تعالى: (وأحل الله البيع) (4) على قوله: (وذروا البيع) (5) فإن قوله: ~~(وأحل) (4) يدل على حل البيع ضرورة. ودلالة النهى على فساد البيع إما ألا ~~تكون ظاهرة " أصلا، أو تكون ظاهرة " منحطة " عن النص. PageV02P050 # فصل [في القول عند تعارض آي القرآن والآثار] (1) قال القاضي أبو بكر ms0313 في " ~~التقريب ": لا يجوز تعارض آي القرآن والآثار وما توجبه أدلة العقل، فلذلك ~~لم يجعل قوله تعالى: (الله خالق كل شئ) (2) معارضا لقوله: # (وتخلقون إفكا ") (3)، وقوله: (وإذ تخلق من الطين) (4)، وقوله: (فتبارك ~~الله أحسن الخالقين) (5)، لقيام الدليل العقلي أنه لا خالق غير الله تعالى، ~~فيتعين تأويل ما عارضه، فيؤول قوله: (وتخلقون) (3)، بمعنى (تكذبون) لأن ~~الإفك نوع من الكذب، وقوله: (وإذ تخلق من الطين) (4) أي (تصور). # ومن ذلك قوله: (إن الله بكل شئ عليم) (6) لا يعارضه قوله: (أتنبئون الله ~~بما لا يعلم) (7)، فإن المراد بهذا مالا يعلمه أنه غير كائن، ويعلمونه وقوع ~~ما ليس بواقع، لا على أن من المعلومات ما هو غير عالم به وإن علمتموه. # وكذلك لا يجوز جعل قوله تعالى: (إن الله لا يخفى عليه شئ) (8) معارضا ~~لقوله: (حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين) (9)، وقوله: (إلى ربها ناظرة) ~~(10)، معارضا لقوله: (لا تدركه الأبصار) (11) في تجويز الرؤية وإحالتها، ~~PageV02P051 # لأن دليل العقل يقضي بالجواز، ويجوز تخليص النفي بالدنيا والإثبات ~~بالقيامة. # وكذلك لا يجوز جعل قوله: (وما مسنا من لغوب) (1)، معارضا لقوله: (وهو ~~أهون عليه) (2)، بل يجب تأويل (أهون) على (هين). # ولا جعل قوله تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) (3) معارضا ~~لأمره نبيه وأمته بالجدال في قوله: (وجادلهم بالتي هي أحسن) (4) فيحمل ~~الأول على ذم الجدال الباطل. # ولا يجوز جعل قوله: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (5) معارضا ~~لقوله: (كل من عليها فان) (6). # فصل [في تعارض القراءتين في آية واحدة] (7) وقد جعلوا تعارض القراءتين في ~~آية واحدة كتعارض الآيتين كقوله: # (وأرجلكم) (8) بالنصب والجر، وقالوا: يجمع بينهما بحمل إحداهما على مسح ~~الخف، والثانية على غسل الرجل إذا لم يجد متعلقا " سواهما. PageV02P052 # وكذلك قراءة: (يطهرن)، و (يطهرن) (1)، حملت الحنفية إحداهما على ما دون ~~العشرة، والثانية على العشرة. # واعلم أنه إذا لم يكن لها متعلق سواهما تصدى لنا الإلغاء أو الجمع، فأما ~~إذا وجدنا متعلقا سواهما فالمتعلق هو المتبع. # فائدة [في القول في الاختلاف والتناقض] قال أبو بكر (2) الصيرفي في شرح " ~~رسالة ms0314 الشافعي ": جماع الاختلاف والتناقض أن كل كلام صح أن يضاف بعض ما وقع ~~الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض، وإنما التناقض في اللفظ ما ~~ضاده من كل جهة على حسب ما تقتضيه الأسماء، ولن يوجد في الكتاب ولا في ~~السنة شئ من ذلك أبدا، وإنما يوجد فيه النسخ في وقتين، بأن يوجب حكما ثم ~~يحله، وهذا لا تناقض فيه، وتناقض الكلام لا يكون إلا في إثبات ما نفي، أو ~~نفي ما أثبت، بحيث يشترك المثبت والمنفي في الاسم والحدث و الزمان والأفعال ~~والحقيقة، فلو كان الاسم حقيقة في أحدهما، وفي الآخر مستعارا، ونفي أحدهما، ~~وأثبت الآخر لم يعد تناقضا. # هذا كله في الأسماء، وأما المعاني وهو باب القياس، فكل من أوجد علة ~~وحررها، PageV02P053 # وأوجب بها حكما من الأحكام، ثم ادعى تلك العلة بعينها فيما يأباه الحكم، ~~فقد تناقض. # فإن رام الفرق لم يسمع منه، لأنه في فرقه تناقض، والزيادة في العلة نقص، ~~أو تقصير عن تحريرها في الابتداء، وليس هذا على السائل. # وكل مسألة يسأل عنها فلا تخلو من أحد وجهين: إما أن يسأل فيما يستحق ~~الجواب عنه أولا، فأما المستحق للجواب فهو ما يمكن كونه ويجوز، وأما ما ~~استحال كونه فلا يستحق جوابا، لأن من علم أنه لا يجتمع القيام والقعود، ~~فسأل: هل يكون الانسان قائما منتصبا " جالسا في حال واحدة؟ فقد أحال وسأل ~~عن محال، فلا يستحق الجواب. # فإن كان لا يعرف القيام والقعود عرف، فإذا عرفه فقد استحال عنده ما سأله. # قال: وقد رأيت كثيرا " مما يتعاطى العلم يسأل عن المحال ولا يدري أنه ~~محال، ويجاب عنه والآفات تدخل على هؤلاء لقلة علمهم بحق الكلام. # فصل [في الأسباب الموهمة الاختلاف] وللاختلاف أسباب: # الأول: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى، كقوله تعالى في ~~خلق آدم إنه: (من تراب) (1)، ومرة (من حمإ مسنون) (2)، ومرة (من طين لازب) ~~(3)، ومرة (من صلصال كالفخار) (4): وهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال ~~مختلف، PageV02P054 # لأن الصلصال غير الحمأ، والحمأ غير ms0315 التراب، إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر ~~وهو التراب، ومن التراب تدرجت هذه الأحوال. # ومنه قوله تعالى: (فإذا هي ثعبان مبين) (1) وفي موضع: (تهتز كأنها جان) ~~(2)، والجان الصغير من الحيات، والثعبان الكبير منها، وذلك لأن خلقها خلق ~~الثعبان العظيم، واهتزازها وحركاتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته. # السبب الثاني: لاختلاف الموضوع، كقوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسؤولون) (3)، ~~وقوله: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين) (4) مع قوله: (فيومئذ ~~لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) (5). قال الحليمي: فتحمل الآية الأولى على ~~السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل، والثانية على ما يستلزم الإقرار بالنبوات ~~من شرائع الدين وفروعه. حمله غيره على اختلاف الأماكن، لأن في القيامة ~~مواقف كثيرة، فموضع يسأل ويناقش، وموضع آخر يرحم ويلطف به، وموضع آخر يعنف ~~ويوبخ - وهم الكفار - وموضع آخر لا يعنف - وهم المؤمنون. # وقوله: (ولا يكلمهم الله يوم القيامة) (6) مع قوله: (فوربك لنسألنهم ~~أجمعين. عما كانوا يعملون) (7). وقيل: المنفي كلام التلطف والإكرام والمثبت ~~سؤال التوبيخ والإهانة، فلا تنافي. # وكقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) (8)، مع قوله: (يضاعف لهم ~~PageV02P055 # العذاب) (1). والجواب أن التضعيف هنا ليس على حد التضعيف في الحسنات، بل ~~هو راجع لتضاعيف مرتكباتهم، فكان لكل مرتكب منها عذاب يخصه، فليس التضعيف ~~من هذا الطريق على ما هو في الطريق الآخر، وإنما المراد هنا تكثيره بحسب ~~كثرة المجترحات، لأنه لأن السيئة الواحدة يضاعف الجزاء عليها، بدليل سياق ~~تلك الآية، وهو قوله: # (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا " أولئك يعرضون على ربهم ويقول ~~الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين. الذين ~~يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا " وهم بالآخرة هم كافرون) فهؤلاء كذبوا ~~على ربهم، وصدوا عن سبيله وبغوها عوجا وكفروا، فهذه مرتكبات عذبوا بكل ~~مرتكب منها. # وكقوله: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) (3) ~~مع قوله: (ولا يكتمون الله حديثا ") (4)، فإن الأولى تقتضي أنهم كتموا ~~كفرهم السابق. # والجواب من وجهين: أحدهما أن للقيامة مواطن ففي بعضها يقع منهم الكذب، ~~وفي بعضها ms0316 لا يقع كما سبق. والثاني أن الكذب يكون بأقوالهم (5)، والصدق ~~يكون من جوارحهم، فيأمرها الله تعالى بالنطق، فتنطق بالصدق. # وكقوله: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) (6) مع قوله: (لها ما كسبت وعليها ~~ما اكتسبت) (7)، والجواب أن المراد: لا تكسب شرا ولا إثما، بدليل سبب ~~PageV02P056 # النزول (1)، أو ضمن معنى (تجنى) وهذه الآية أقتصر فيها على الشر والأخرى ~~ذكر فيها الأمران، ولهذا لما (2) ذكر القسمين ذكر ما يميز أحدهما عن الآخر، ~~وها هنا لما كان المراد ذكر أحدهما اقتصر عليه ب‍ (فعل) ولم يأت ب‍ (افتل). # ومنه قوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته) (3) مع قوله: (فاتقوا الله ما ~~استطعتم) (4)، يحكى عن الشيخ العارف (5) أبي الحسن الشاذلي رحمه الله أنه ~~جمع بينهما، فحمل الآية الأولى على التوحيد، والثانية على الأعمال، والمقام ~~يقتضي ذلك، لأنه قال بعد الأولى: # (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (3). # وقيل: بل الثانية ناسخة، قال ابن المنير: الظاهر أن قوله: (اتقوا الله حق ~~تقاته) (3) إنما نسخ حكمه لا فضله وأجره، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم ~~(حق تقاته) بأن قال: (هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا ~~يكفر) فقالوا: أينا يطيق ذلك؟ فنزلت (فاتقوا الله ما استطعتم) (4)، وكان ~~التكليف أولا " باستيعاب العمر بالعبادة بلا فترة ولا نعاس، كما كانت ~~الصلاة خمسين، ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسا، والاقتدار منزل على هذا ~~الاعتبار، ولم ينحط من درجاته. PageV02P057 # وقال الشيخ كمال الدين الزملكاني (1): وفي كون ذلك منسوخا نظر، وقوله: # (ما استطعتم) هو (حق تقاته) إذ به أمر، فإن (حق تقاته) الوقوف على أمره ~~ودينه. وقد قال بذلك كثير من العلماء. انتهى. # والحديث الذي ذكره ابن المنير في تفسيره: (حق تقاته) (2) لم يثبت مرفوعا، ~~بل هو من كلام ابن مسعود، رواه النسائي وليس فيه قول الصحابة: (أينا يطيق ~~ذلك) ونزول قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم). # ومنه قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ") (3)، مع قوله في أواخر ~~السورة: # (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) (4)، فالأولى تفهم إمكان ~~العدل، ms0317 والثانية تنفيه. # والجواب أن المراد بالعدل في الأولى العدل بين الأزواج في توفية حقوقهن، ~~وهذا ممكن الوقوع وعدمه، والمراد به في الثانية الميل القلبي، فالإنسان لا ~~يملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقسم ~~بين نسائه ثم يقول: (اللهم هذا قسمي في ما أملك فلا تؤاخذني بما لا أملك) - ~~يعني ميل القلب. وكان عمر يقول: # (الله قلبي فلا أملكه، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل). # ويمكن أن يكون المراد بالعدل في الثانية العدل التام، أشار إليه ابن ~~عطية. # وقد يحتاج الاختلاف إلى تقدير فيرتفع به الإشكال، كقوله تعالى: (لا يستوي ~~PageV02P058 # القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة " وكلا " ~~وعد الله الحسنى) (1) ثم قال سبحانه: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~أجرا " عظيما " (1)، والأصل في الأولى: وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~من أولى الضرر درجة. والأصل في الثانية: وفضل الله المجاهدين على القاعدين ~~من الأصحاء درجات. # وممن ذكر أن المحذوف كذلك الإمام بدر الدين بن مالك (2) في شرح: # " الخلاصة " في الكلام على حذف النعت. وللزمخشري فيه كلام آخر (3). # وكقوله تعالى: (إن الله لا يأمر بالفحشاء) (4) مع قوله: (أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها) (5)، والمعنى: أمرناهم وملكناهم وأردنا منهم الصلاح فأفسدوا. ~~والمراد بالأمر في الأولى أنه لا يأمر به شرعا " ولكن قضاء، لاستحالة أن ~~يجري في ملكه مالا يريد، وفرق بين الأمر الكوني والديني. # الثالث: لاختلافهما في جهتي الفعل، كقوله تعالى: (فلم تقتلوهم ولكن الله ~~قتلهم) (6) أضيف القتل إليهم على جهة الكسب والمباشرة، ونفاه عنهم باعتبار ~~التأثير، ولهذا قال الجمهور: إن الأفعال مخلوقة لله تعالى مكتسبة للآدميين، ~~فنفي الفعل بإحدى الجهتين لا يعارضه إثباته بالجهة الأخرى. PageV02P059 # وكذا قوله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (1)، أي ما رميت خلقا إذ ~~رميت كسبا. وقيل: إن الرمي يشتمل على القبض والإرسال، وهما بكسب الرامي، ~~وعلى التبليغ والإصابة، وهما بفعل الله عز وجل. قال ابن جرير الطبري: ms0318 (2) ~~وهي الدليل على أن الله خالق لأفعال العباد، فإن الله تعالى أضافه إلى نبيه ~~ثم نفاه عنه، وذلك فعل واحد لأنه من الله تعالى التوصيل إليهم، ومن نبيه ~~بالحذف والإرسال، وإذا ثبت هذا لزم مثله في سائر أفعال العباد المكتسبة، ~~فمن الله تعالى الانشاء والإيجاد، ومن الخلق الاكتساب بالقوى. # ومثله قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء) (3)، وقال تعالى: (وقوموا ~~لله قانتين) (4)، فقيام الانتصاب لا ينافي القيام بالأمر، لاختلاف جهتي ~~الفعل. # الرابع: لاختلافهما في الحقيقة والمجاز، كقوله: (وترى الناس سكارى وما هم ~~بسكارى) (5)، (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت) (6)، وهو يرجع لقول ~~المناطقة: الاختلاف بالإضافة، أي وترى الناس سكارى بالإضافة إلى أهوال ~~القيامة مجازا، وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر حقيقة. # ومثله في الاعتبارين قوله تعالى: (آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين) (7) وقوله: (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون) (8)، ~~وقوله تعالى: PageV02P060 # (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) (1)، فإنه لا يلزم من نفي النظر نفي ~~الإبصار لجواز قولهم: (نظرت إليه فلم أبصره). # الخامس: بوجهين واعتبارين، وهو الجامع للمفترقات، كقوله: (فبصرك اليوم ~~حديد) (2)، وقال: (خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي) (3)، قال قطرب: ~~(فبصرك) (2)، أي علمك ومعرفتك بها قوية، من قولهم: (بصر بكذا وكذا) أي علم، ~~وليس المراد رؤية العين، قال الفارسي: ويدل على ذلك قوله: # (فكشفنا عنك غطاءك) (2)، وصف البصر بالحدة. # وكقوله تعالى: (وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في ~~الأرض ويذرك وآلهتك) (4)، مع قوله: (أنا ربكم الأعلى) (5)، فقيل: # يجوز أن يكون معناه: ويذرك وآلهتك، إن ساغ لهم، ويكون إضافة الآلهة إليه ~~ملكا كان يعبد في دين قومه، ثم يدعوهم إلى أن يكون هو الأعلى، كما تقول ~~العرب: موالي من فوق وموالي من أسفل، فيكون اعتقادهم في الآلهة مع فرعون ~~أنها مملوكة له، فيحسن قولهم: (وآلهتك). # وقوله تعالى: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله) (6)، مع قوله: (إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) (7) فقد يظن أن الوجل خلاف ~~PageV02P061 # الطمأنينة، وجوابه أن الطمأنينة إنما ms0319 تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، ~~والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى فتوجل مع القلوب لذلك. وقد جمع ~~بينهما في قوله: (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم ~~إلى ذكر الله) (1)، فإن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا به، ~~فانتفى عنهم الشك. # وكقوله: (خمسين ألف سنة) (2) وفي موضع (ألف سنة) (2)، وأجيب بأنه باعتبار ~~حال المؤمن والكافر، بدليل: (وكان يوما " على الكافرين عسيرا ") (3). # وكقوله: (بألف من الملائكة مردفين) (4) وفي آية أخرى: (بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين) (5)، قيل إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف، وكان الأكثر مددا ~~للأقل، وكان (الألف مردفين) بفتحها. # وكقوله تعالى: (خلق لكم ما في الأرض جميعا " ثم استوى إلى السماء) (6). # وفي آية أخرى: (والأرض بعد ذلك دحاها) (7)، ولا تنافي بينهما، فالأول (8) ~~دال على أن الأرض وما فيها خلقت (9) قبل السماء، وذلك صحيح، ثم دحيت الأرض ~~بعد خلق السماء، وبذلك تتفق معاني الآيات في سورة القمر والمؤمن والنازعات. ~~PageV02P062 # وكقوله تعالى: (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) (1)، ~~وقوله: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا " ~~ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ~~في أربعة أيام سواء " للسائلين) إلى قوله: (فقضاهن سبع سموات في يومين) (2) ~~وذلك يبلغ ثمانية أيام. والجواب أن المراد بقوله: (قل أئنكم لتكفرون بالذي ~~خلق الأرض في يومين) إلى قوله: (وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام) مع ~~اليومين المتقدمين، ولم يرد بذكر (الأربعة) غير ما تقدم ذكره، وهذا كما ~~يقول الفصيح: (سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام)، (وسرت إلى الكوفة في ~~ثلاثة عشر يوما) ولا يريد سوى العشرة، بل يريد مع العشرة ثلاثة، ثم قال ~~تعالى: (فقضاهن سبع سموات في يومين) (3)، وأراد سوى الأربعة، وذلك لا ~~مخالفة فيه، لأن المجموع يكون ستة. # ومنه قوله تعالى في السجدة: (عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) (4)، بلفظ ~~(الذي) على وصف العذاب، وفي سبأ (عذاب النار التي) (5) بلفظ (التي) على وصف ~~النار، وفيه ms0320 أربعة أوجه: أحدها أنه وصف العذاب في السجدة لوقع (النار) موقع ~~الضمير الذي لا يوصف، وإنما وقعت موقع الضمير لتقدم إضمارها، مع قوله: ~~(وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) ~~(4)، فحق الكلام: (وقيل لهم ذوقوا عذابها)، فلما وضعها موضع المضمر الذي لا ~~يقبل الوصف PageV02P063 # عدل إلى وصف العذاب، وأما في (سبأ) فوصفها لعدم المانع من وصفها. والثاني ~~أن الذي في (السجدة) وصف النار أيضا، وذكر حملا " على معنى الجحيم والحريق. ~~والثالث أن الذي في (السجدة) في حق من يقر بالنار ويجحد العذاب، وفي (سبأ) ~~في حق من يجحد أصل النار. والرابع أنه إنما وصف العذاب في السجدة لأنه لما ~~تقدم ذكر النار مضمرا ومظهرا عدل إلى وصف العذاب، ليكون تلوينا للخطاب، ~~فيكون أنشط للسامع بمنزلة العدول من الغيبة إلى الخطاب. # ومنه قوله تعالى: (توفته رسلنا) (1)، وقوله: (تتوفاهم الملائكة) (2)، ~~وبين قوله: (قل يتوفاكم ملك الموت) (3)، وبين قوله: (الله يتوفى الأنفس) ~~(4)، (وهو الذي يتوفاكم بالليل) (1). وجمع البغوي بينها، لأن توفى الملائكة ~~بالقبض والنزع، وتوفي ملك الموت بالدعاء والأمر، يدعو الأرواح فتجيبه، ثم ~~يأمر أعوانه بقبضها، وتوفي الله سبحانه خلق الموت فيه. # ومنه قوله تعالى في البقرة: (فاتقوا النار) (5)، وفي سورة التحريم: (نارا ~~") (6)، بالتنكير، لأنها نزلت بمكة قبل آية البقرة، فلم تكن النار التي ~~وقودها الناس والحجارة معروفة فنكرها، ثم نزلت آية البقرة بالمدينة مشارا " ~~بها إلى ما عرفوه أولا. # وقال في سورة البقرة: (رب اجعل هذا بلدا آمنا ") (7)، وفي سورة إبراهيم: # (رب اجعل هذا البلد آمنا ") (8) لأنه في الدعوة الأولى كان مكانا "، فطلب ~~منه أن يجعله بلدا " آمنا، وفي الدعوة الثانية كان بلدا غير آمن فعرفه وطلب ~~له الأمن، أو كان بلدا آمنا وطلب PageV02P064 # ثبات الأمن ودوامه، وكون سورة البقرة مدنية وسورة إبراهيم مكية لا ينافي ~~هذا، لأن الواقع من إبراهيم كونه على الترتيب المذكور، والإخبار عنه في ~~القرآن على غير ذلك الترتيب. أو لأن المكي منه ما نزل قبل الهجرة فيكون ~~المدني متأخرا " عنها، ومنه ما ms0321 نزل بعد فتح مكة فيكون متأخرا " عن المدني، ~~فلم قلتم: إن سورة إبراهيم من المكي الذي نزل قبل الهجرة! # فصل [في الإجابة عن بعض الاستشكالات] ومما استشكلوه قوله تعالى: (وما منع ~~الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين ~~أو يأتيهم العذاب قبلا ") (1)، فإنه يدل على حصر المانع من الإيمان في أحد ~~هذين الشيئين، وقد قال تعالى في الآية الأخرى، (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ ~~جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا " رسولا ") (2)، فهذا حصر في ثالث ~~غيرهما. # وأجاب ابن عبد السلام بأن معنى الآية: وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة ~~أن تأتيهم سنة من الخسف وغيره، (أو يأتيهم العذاب قبلا ") في الآخرة، فأخبر ~~أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين. ولا شك أن إرادة الله مانعة من وقوع ما ~~ينافي المراد، فهذا حصر في السبب الحقيقي، لأن الله هو المانع في الحقيقة. ~~ومعنى الآية الثانية: (وما منع PageV02P065 # الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) إلا استغراب بعثه بشرا رسولا، لأن قولهم ~~ليس مانعا من الإيمان، لأنه يصلح لذلك، وهو يدل على الاستغراب بالالتزام، ~~وهو المناسب للمانعية، واستغرابهم وفي ليس مانعا حقيقيا بل عاديا، لجواز ~~خلو الإيمان معه، بخلاف إرادة الله تعالى، فهذا حصر في المانع العادي، ~~والأولى حصر في المانع الحقيقي، فلا تنافي. انتهى. # وقوله: (ليس مانعا من الإيمان) فيه نظر، لأن إنكارهم بعثه بشرا رسولا كفر ~~مانع من الإيمان، وفيه تعظيم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وإن إنكارهم ~~بعثته مانع من الإيمان. # فصل [في وقوع التعارض بين الآية والحديث] وقد يقع التعارض بين الآية ~~والحديث، ولا بأس يذكر شئ للتنبيه لأمثاله، فمنه قوله تعالى: (والله يعصمك ~~من الناس) (1) وقد صح أنه شج يوم أحد. # وأجيب بوجهين: # أحدهما: أن هذا كان قبل نزول هذه الآية، لأن غزوة أحد كانت سنة ثلاث من ~~الهجرة، وسورة المائدة من أواخر ما نزل بالمدينة. # والثاني: بتقدير تسليم الأخير، فالمراد العصمة من القتل. وفيه تنبيه على ~~أنه ms0322 يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء فما أشد تكليف ~~الأنبياء! PageV02P066 # ومنه قوله تعالى: (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) (1) مع قوله صلى الله ~~عليه وسلم: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله). # وأجيب بوجهين: # أحدهما - ونقل عن سفيان وغيره - كانوا يقولون: النجاة من النار بعفو ~~الله، ودخول الجنة برحمته (2)، وانقسام المنازل والدرجات بالأعمال، ويدل له ~~حديث أبي هريرة: # (إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم). رواه الترمذي. # والثاني: أن الباء في الموضعين مدلولها مختلف، ففي الآية باء المقابلة، ~~وهي الداخلة على الأعراض، وفي الحديث للسببية، لأن المعطي بعوض قد يعطي ~~مجانا، وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب. ومنهم من عكس هذا الجواب وقال: ~~الباء في الآية للسببية، وفي الحديث للعوض، وقد جمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: (سددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا " منكم لن ينجو بعمله)، قالوا: ~~ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته). ومنه ~~قوله تعالى مخبرا عن خلق السماوات والأرض وما بينهما: # (في ستة أيام) (3) فإنه يقتضي أن يكون يوما من أيام الجمعة بقي لم يخلق ~~فيه شئ. # والظاهر من الأحاديث الصحاح أن الخلق ابتدأ يوم الأحد وخلق آدم يوم ~~الجمعة آخر الأشياء، فهذا يستقيم مع الآية الشريفة، ووقع في صحيح مسلم أن ~~الخلق ابتدأ يوم السبت، فهذا بخلاف الآية، اللهم إلا أن يكون أراد في الآية ~~الشريفة جميع الأشياء غير آدم، ثم يكون يوم الجمعة هو الذي لم يخلق فيه شئ ~~مما بين السماء والأرض، لأن آدم حينئذ لم يكن فيما بينهما. PageV02P067 # النوع السادس والثلاثون معرفة المحكم من المتشابه قال الله تعالى: (منه ~~آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) (1)، قيل: ولا يدل على الحصر في ~~هذين الشيئين، فإنه ليس فيه شئ من الطرق الدالة عليه، وقد قال: (لتبين ~~للناس ما نزل إليهم) (2) والمتشابه لا يرجى بيانه، والمحكم لا توقف معرفته ~~على البيان. # وقد حكى الحسين بن محمد بن حبيب النيسابوري في هذه المسألة ثلاثة أقوال: ms0323 # أحدها: أن القرآن كله محكم، لقوله تعالى: (كتاب أحكمت آياته) (3). # والثاني: كله متشابه لقوله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابا " متشابها ~~") (4). # والثالث - وهو الصحيح - أن منه محكما " ومنه متشابها، لقوله تعالى: (منه ~~آيات محكمات هن أم الكتاب) (5). # فأما المحكم فأصله لغة المنع، تقول: أحكمت بمعنى رددت. ومنعت، والحاكم ~~لمنعه الظالم من الظلم، وحكمة اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب. # وأما في الاصطلاح فهو ما أحكمته بالأمر والنهي وبيان الحلال والحرام. ~~PageV02P068 # وقيل: هو مثل قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (1). # وقيل: هو الذي لم ينسخ لقوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) ~~(2) وقوله: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه...) (3) إلى آخر الآيات. # وهي سبعة عشر حكما مذكورة في سورة الأنعام وفي سورة بني إسرائيل. # وقيل: هو الناسخ. # وقيل: الفرائض والوعد والوعيد. # وقيل: الذي وعد عليه ثوابا أو عقابا، وقيل الذي تأويله تنزيله بجعل ~~القلوب تعرفه عند سماعه، كقوله: (قل هو الله أحد) (4) و (ليس كمثله شئ) ~~(5). # وقيل: مالا يحتمل في التأويل إلا وجها واحدا. # وقيل: ما تكرر لفظه. # وأما المتشابه فأصله أن يشتبه اللفظ في الظاهر مع اختلاف المعاني، كما ~~قال تعالى في وصف ثمر الجنة: (وأتوا به متشابها ") (6)، أي متفق المناظر، ~~مختلف الطعوم، ويقال للغامض: متشابه، لأن جهة الشبه فيه كما تقول لحروف ~~التهجي. والمتشابه مثل المشكل، لأنه أشكل، أي دخل في شكل غيره وشاكله. ~~واختلفوا فيه، فقيل: هو المشتبه الذي يشبه بعضه بعضا. وقيل: هو المنسوخ ~~الغير معمول به. وقيل: القصص والأمثال. # وقيل: ما أمرت أن تؤمن به وتكل علمه إلى عالمه. وقيل: فواتح السور. وقيل: ~~PageV02P069 # ما لا يدرى إلا بالتأويل، ولا بد من صرفه إليه، كقوله: (تجري بأعيننا) ~~(1) و (على ما فرطت في جنب الله) (2). وقيل: الآيات التي يذكر فيها وقت ~~الساعة، ومجئ الغيث، وانقطاع الآجال، كقوله: (إن الله عنده علم الساعة) ~~(3). وقيل: # ما يحتمل وجوها، والمحكم ما يحتمل وجها واحدا. وقيل: مالا يستقل بنفسه، ~~إلا برده إلى غيره. وقيل: غير ذلك. وكلها متقارب. # وفصل ms0324 الخطاب في ذلك أن الله سبحانه قسم الحق بين عباده، فأولاهم بالصواب ~~من عبر بخطابه عن حقيقة المراد، قال سبحانه: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين ~~للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (4) ثم قال: (ثم إن علينا بيانه) (5) ~~أي على لسانك وألسنة العلماء من أمتك، وكلام السلف راجع إلى المشتبه بوجه ~~لا إلى المقصود المعبر عنه بالمتشابه في خطابه، لأن المعاني إذا دقت تداخلت ~~وتشابهت على من لا علم له بها، كالأشجار إذا تقارب بعضها من بعض تداخلت ~~أمثالها (6) واشتبهت، أي على من لم يمعن النظر في البحث عن منبعث كل فن ~~منها، قال تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات) (7) إلى قوله: (متشابها ")، ~~وهو على اشتباكه غير متشابه. وكذلك سياق معاني القرآن العزيز قد تتقارب ~~المعاني ويتقدم الخطاب بعضه على بعض، ويتأخر بعضه عن بعض، لحكمة الله في ~~ترتيب الخطاب والوجود، فتشتبك المعاني وتشكل إلا على أولى الألباب، فيقال ~~في هذا الفن متشابه بعضه ببعض. وأما المتشابه من القرآن العزيز فهو يشابه ~~بعضه بعضا في الحق والصدق والإعجاز والبشارة والنذارة وكل ما جاء به وأنه ~~من PageV02P070 # عند الله، فذم سبحانه الذين يتبعون ما تشابه منه عليهم افتتانا وتضليلا، ~~فهم بذلك يتبعون ما تشابه عليهم تناصرا وتعاضدا للفتنة والإضلال. # تفريعات الأول: الأشياء التي يجب ردها عند الإشكال إلى أصولها. # فيجب رد المتشابهات في الذات والصفات إلى محكم (ليس كمثله شئ) (1). # ورد المتشابهات في الأفعال إلى قوله: (قل فلله الحجة البالغة) (2). # وكذلك الآيات الموهمة نسبة الأفعال لغير الله تعالى من الشيطان والنفس ~~ترد إلى محكم قوله تعالى: (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا " حرجا ") (3). # وما كان من ذلك عن تنزل الخطاب أو ضرب مثال أو عبارة عن مكان أو زمان أو ~~معية، أو ما يوهم التشبيه، فمحكم ذلك قوله: (ليس كمثله شئ) (1)، وقوله: ~~(ولله المثل الأعلى) (4)، وقوله: (قل هو الله أحد) (5). # ومنه ضرب في تفصيل ذكر النبوة ووصف إلقاء الوحي، ومحكمه قوله تعالى: (إنا ~~نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (6) وقوله: (وما ينطق ms0325 عن الهوى) (7). # ومنه ضرب في الحلال والحرام، ومن ثم اختلف الأئمة في كثير من الأحكام ~~بحسب فهمهم لدلالة القرآن. PageV02P071 # ومنه شئ يتقارب فيه بين اللمتين: لمة الملك ولمة الشيطان لعنه الله، ~~ومحكم ذلك قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان...) (1) الآية، ولهذا ~~قال عقبة: # (يعظكم لعلكم تذكرون) (1)، أي عندما يلقى العدو الذي لا يأمر بالخير بل ~~بالشر والإلباس. # ومنه الآيات التي اختلف المفسرون فيها على أقوال كثيرة تحتملها الآية، ~~ولا يقطع على واحد من الأقوال، وأن مراد الله منها غير معلوم لنا مفصلا ~~بحيث يقطع به. # الثاني: أن هذه الآية من المتشابه - أعني قوله: (وأخر متشابهات) (2)... ~~الآية من حيث تردد الوقف فيها بين أن يكون على (إلا الله) وبين أن يكون على ~~(والراسخون في العلم يقولون آمنا به)، وتردد الواو في (والراسخون) بين ~~الاستئناف والعطف، ومن ثم ثار الخلاف في ذلك. # فمنهم من رجح أنها للاستئناف، وأن الوقف على (إلا الله) وأن الله تعبد من ~~كتابه بما لا يعلمون - وهو المتشابه - كما تعبدهم من دينه بما لا يعقلون - ~~وهو التعبدات - ولأن قوله: (يقولون آمنا به) متردد بين كونه حالا فضلة، ~~وخبرا عمدة. # والثاني أولى. # ومنهم من رجح أنها للعطف: لأن الله تعالى لم يكلف الخلق بما لا يعلمون، ~~وضعف الأول، لأن الله لم ينزل شيئا من القرآن إلا لينتفع به عباده، ويدل به ~~على معنى " أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غير الله (3) للزمنا، ولا ~~يسوغ لأحد أن يقول: إن رسول الله PageV02P072 # صلى الله عليه وسلم لم يعلم المتشابه، فإذا جاز أن يعرفه الرسول مع قوله: ~~(وما يعلم تأويله إلا الله) جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته، والمفسرون ~~من أمته. ألا ترى أن ابن عباس كان يقول: أنا من الراسخين في العلم، ويقول ~~عند قراءة قوله في أصحاب الكهف: (ما يعلمهم إلا قليل) (1): أنا من أولئك ~~القليل. # وقال مجاهد في قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم): # يعلمونه و (يقولون آمنا به)، ولو لم يكن للراسخين في ms0326 العلم حظ من ~~المتشابه إلا أن يقولوا: (آمنا) لم يكن لهم فضل على الجاهل: لأن الكل ~~قائلون ذلك، ونحن لم نر المفسرين إلى هذه الغاية توقفوا عن شئ من القرآن ~~فقالوا: هو متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمروه على التفسير، حتى فسروا ~~الحروف المقطعة. # فإن قيل: كيف يجوز في اللغة أن يعلم الراسخون، والله يقول: (والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به)، وإذا أشركهم في العلم انقطعوا عن قوله: (يقولون) ~~لأنه ليس هنا عطف حتى يوجب للراسخين فعلين! # قلنا: إن (يقولون) هنا في معنى الحال، كأنه قال: (والراسخون في العلم) ~~قائلين آمنا، كما قال الشاعر (2): # الريح تبكي شجوها * والبرق يلمع في غمامه أي لامعا ". # وقيل: المعنى: (يعلمون ويقولون)، فحذف واو العطف، كقوله: (وجوه يومئذ ~~ناضرة) (3)، والمعنى: يقولون: علمنا وآمنا، لأن الإيمان قبل العلم محال ~~PageV02P073 # إذ لا يتصور الإيمان مع الجهل. وأيضا لو لم يعلموها لم يكونوا من ~~الراسخين، ولم يقع الفرق بينهم وبين الجهال. # الثالث: ومن هذا الخلاف نشأ الخلاف في أنه: هل في القرآن شئ لا تعلم ~~الأمة تأويله؟ قال الراغب في مقدمة تفسيره: وذهب (1) عامة المتكلمين إلى أن ~~كل القرآن يجب أن يكون معلوما، وإلا لأدى (2) إلى إبطال فائدة الانتفاع به، ~~وحملوا قوله: # (والراسخون) بالعطف على قوله: (إلا الله)، وقوله: (يقولون) جملة حالية. # قال: ذهب كثير من المفسرين إلى أنه يصح أن يكون في القرآن بعض مالا يعلم ~~تأويله إلى الله، قال ابن عباس: أنزل الله القرآن على أربعة أوجه: حلال، ~~وحرام، ووجه لا يسع أحد جهالته، ووجه تعرفه العرب، ووجه تأويل لا يعلمه إلا ~~الله. # وقال بعضهم: المتشابه اسم لمعنيين: # أحدهما: لما التبس من المعنى لدخول شبهة بعضه في بعض، نحو قوله: (إن ~~البقر تشابه علينا...) (3) الآية. # والثاني: اسم لما يوافق بعضه بعضا، ويصدقه قوله تعالى: (كتابا " متشابها ~~" مثاني...) (4) الآية. # فإن كان المراد بالمتشابه في القرآن الأول فالظاهر أنه لا يمكنهم الوصول ~~إلى مراده، وإن جاز أن يطلعهم عليه بنوع من لطفه، لأنه اللطيف الخبير. وإن ~~كان ms0327 المراد الثاني جاز أن يعلموا مراده. PageV02P074 # الرابع: قيل: ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان ~~والهدى.؟ # قلنا: إن كان ممن يمكن علمه فله فوائد: # منها: ليحث العلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه، والبحث عن دقائق ~~معانيه، فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب، وحذرا مما قال ~~المشركون: (إنا وجدنا آباءنا على أمة) (1)، وليمتحنهم ويثيبهم كما قال: ~~(وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده...) (2) الآية. # وقوله: (ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات) (3) فنبههم على أن أعلى ~~المنازل هو الثواب، فلو كان القرآن كله محكما لا يحتاج إلى تأويل لسقطت ~~المحنة، وبطل التفاضل، واستوت منازل الخلق، ولم يفعل الله ذلك، بل جعل بعضه ~~محكما ليكون أصلا للرجوع إليه، وبعضه متشابها يحتاج إلى الاستنباط ~~والاستخراج ورده إلى المحكم، ليستحق بذلك الثواب الذي هو الغرض، وقد قال ~~تعالى: (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) (4). # ومنها: إظهار فضل العالم على الجاهل، ويستدعيه علمه إلى المزيد (5) في ~~الطلب في تحصيله، ليحصل له درجة الفضل، والأنفس الشريفة تتشوف لطلب العلم ~~وتحصيله. # وأما إن كان ممن لا يمكن علمه فله فوائد: # منها: إنزاله ابتلاء وامتحانا بالوقف فيه والتعبد بالاشتغال من جهة ~~التلاوة وقضاء فرضها، وإن لم يقفوا على ما فيها من المراد الذي يجب العمل ~~به، اعتبارا بتلاوة المنسوخ من PageV02P075 # القرآن وإن لم يعجز العمل بما فيه من المحكم. ويجوز أن يمتحنهم بالإيمان ~~بها حيث ادعوا وجوب رعاية الأصلح. # ومنها: إقامة الحجة بها عليهم، وذلك إنما نزل بلسانهم ولغتهم، ثم عجزوا ~~عن الوقوف على ما فيها مع بلاغتهم وإفهامهم، فيدل على أن الذي أعجزهم عن ~~الوقوف هو الذي أعجزهم عن تكرر الوقوف عليها، وهو الله سبحانه! # الخامس: أثار بعضهم سؤالا، وهو: هل للمحكم مزية على المتشابه بما يدل ~~عليه، أو هما سواء؟ والثاني خلاف الاجماع، والأول ينقض أصلكم أن جميع كلامه ~~سبحانه سواء، وأنه نزل بالحكمة! # وأجاب أبو عبد الله محمد بن أحمد البكراباذي بأن المحكم كالمتشابه من ~~وجه، و يخالفه من وجه، فيتفقان في ms0328 أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة ~~حكمة الواضع، وأنه لا يختار (1) القبيح. ويختلفان في أن المحكم بوضع اللغة ~~لا يحتمل إلا الوجه الواحد، فمن سمعه أمكنه أن يستدل به (2) في الحال، ~~والمتشابه يحتاج إلى ذكر مبتدأ ونظر مجدد عند سماعه ليحمله على الوجه ~~المطابق، ولأن المحكم أصل، والعلم بالأصل أسبق، ولأن المحكم يعلم مفصلا، ~~والمتشابه لا يعلم إلا مجملا. # فإن قيل: إذا كان المحكم بالوضع كالمتشابه، وقد قلتم إن من حق هذه اللغة ~~أن يصح فيها الاحتمال ويسوغ التأويل، فبماذا يميز المحكم في أنه لا بد له ~~من مزية، سيما والناس قد اختلفوا فيهما كاختلافهم في المذاهب، فالمحكم عند ~~السني متشابه عند القدري؟ # فالجواب أن الوجه الذي أوردته (3) يلجئ إلى الرجوع إلى العقول فيما يتعلق ~~PageV02P076 # بالتفريد والتنزيه، فإن العلم بصحة خطابه يفتقر إلى العلم بحكمته، وذلك ~~يتعلق بصفاته، فلا بد من تقدم معرفته ليصح له مخرج كلامه، فأما في الكلام ~~فيما يدل على الحلال والحرام فلا بد من مزية للمحكم، وهو أن يدل ظاهره على ~~المراد أو يقتضى بانضمامه أنه مما لا يحتمل الوجه الواحد. # وللمحكم في باب الحجاج عند غير المخالف مزية، لأنه لا يمكن أن يبين له ~~أنه مخالف للقرآن، وأن ظاهر المحكم يدل على خلاف ما ذهب إليه، وإن تمسك ~~بمتشابه القرآن، وعدل عن محكمه لما أنه تمسك بالشبه العقلية وعدل عن الأدلة ~~السمعية، وذلك لطف وبعث على النظر، لأن المخالف المتدين يؤثر ذلك ليتفكر ~~فيه ويعمل، فإن اللغة وإن توقفت محتملة، ففيها ما يدل ظاهره على أمر واحد، ~~وإن جاز صرفه إلى غيره بالدليل، ثم يختلف، ففيه ما يكره صرفه لاستبعاده في ~~اللغة. PageV02P077 # النوع السابع والثلاثون في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات وقد ~~اختلف الناس في الوارد منها في الآيات والأحاديث على ثلاث فرق: # أحدها: أنه لا مدخل للتأويل فيها، بل تجري على ظاهرها، ولا تؤول شيئا " ~~منها، وهم المشبهة. # والثاني: أن لها تأويلا، ولكنا نمسك عنه، مع تنزيه اعتقادنا عن الشبه ~~والتعطيل، ms0329 ونقول: لا يعلمه إلا الله، وهو قول السلف. # والثالث: أنها مؤولة، وأولوها على ما يليق به. # والأول باطل، والأخيران منقولان عن الصحابة، فنقل الإمساك عن أم سلمة ~~أنها سئلت عن الاستواء فقالت: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به ~~واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك سئل عنه مالك فأجاب بما قالته أم سلمة، إلا ~~أنه زاد فيها أن من عاد إلى هذا السؤال عنه أضرب عنقه. وكذلك سئل سفيان ~~الثوري فقال: # أفهم من قوله: (الرحمن على العرش استوى) (1) ما أفهم من قوله: (ثم استوى ~~إلى السماء) (2). وسئل الأوزاعي عن تفسير هذه الآية فقال: (الرحمن على ~~العرش استوى) (1) كما قال: وإني لأراك ضالا. وسئل ابن راهويه عن الاستواء: ~~أقائم هو أم قاعد؟ فقال: لا يمل القيام حتى يقعد، ولا يمل القعود حتى يقوم، ~~وأنت إلى غير هذا السؤال أحوج. # قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها، ~~PageV02P078 # وإياها اختار أئمة الفقهاء وقادتها، وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه، ولا ~~أحد من المتكلمين من أصحابنا يصدف عنها ويأباها. # وأفصح الغزالي عنهم في غير موضع بتهجين ما سواها حتى ألجم آخرا في " ~~إلجامه " كل عالم أو عامي عما عداها. # قال: وهو كتاب " إلجام العوام عن علم الكلام " (1) آخر تصانيف الغزالي ~~مطلقا، أو آخر تصانيفه في أصول الدين، حث فيه على مذاهب السلف ومن تبعهم. # وممن نقل عنه التأويل علي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم. # وقال الغزالي في كتاب " التفرقة بين الاسلام والزندقة " (2): إن الإمام ~~أحمد أول في ثلاثة مواضع (3)، وأنكر ذلك عليه بعض المتأخرين. # قلت: وقد حكى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى: # (أو يأتي ربك) (4)، قال: وهل هو إلا أمره، بدليل قوله: (أو يأتي أمر ربك) ~~(5)! # واختار ابن برهان (6) وغيره من الأشعرية التأويل، قال: ومنشأ الخلاف بين ~~PageV02P079 # الفريقين: أنه هل يجوز في القرآن شئ لا يعلم معناه؟ فعندهم يجوز، فلهذا ~~منعوا التأويل، واعتقدوا التنزيه على ما يعلمه الله. # وعندنا لا يجوز ذلك، بل الراسخون يعلمونه. ms0330 # قلت: وإنما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من ~~حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى، ~~والخوض في مثل هذه الأمور خطره عظيم، وليس بين المعقول والمنقول تغاير في ~~الأصول، بل التغاير إنما يكون في الألفاظ، واستعمال المجاز لغة العرب. ~~وإنما قلنا لا تغاير بينهما في الأصول لما علم بالدليل أن العقل لا يكذب ما ~~ورد به الشرع، إذ لا يرد الشرع بما لا يفهمه العقل، إذ هو دليل الشرع وكونه ~~حقا، ولو تصور كذب العقل في شئ لتصور كذبه في صدق الشرع، فمن طالت ممارسته ~~العلوم، وكثر خوضه في بحورها أمكنه التلفيق بينهما، لكنه لا يخلو من أحد ~~أمرين، إما تأويل يبعد عن الأفهام، أو موضع لا يتبين فيه وجه التأويل لقصور ~~الأفهام عن إدراك الحقيقة، والطمع في تلفيق كل ما يرد مستحيل (1) المرام، ~~والمرد إلى قوله: (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) (2). # ونحن نجري في هذا الباب على طريق المؤولين، حاكين كلامهم. # فمن ذلك صفة الاستواء، فحكى مقاتل والكلبي عن ابن عباس أن استوى (3) ~~بمعنى استقر، وهذا إن صح يحتاج إلى تأويل، فإن الاستقرار يشعر بالتجسيم. # وعن المعتزلة بمعنى (استولى وقهر)، ورد بوجهين: PageV02P080 # أحدهما: بأن الله تعالى مستول على (1) الكونين، والجنة والنار وأهلهما، ~~فأي فائدة في تخصيص العرش! # الثاني: أن الاستيلاء إنما يكون بعد قهر وغلبة، والله تعالى منزه عن ذلك، ~~قاله ابن الأعرابي. # وقال أبو عبيد: بمعنى (صعد)، ورد بأنه يوجب هبوطا " منه تعالى حتى يصعد، ~~وهو منفى عن الله. # وقيل: (الرحمن على والعرش استوى) فجعل (علا) فعلا لا حرفا، حكاه الأستاذ ~~إسماعيل الضرير (2) في تفسيره، ورد (3) بوجهين: # أحدهما: أنه جعل الصفة فعلا، ومصاحف أهل الشام والعراق والحجاز قاطعة بأن ~~(على) هنا حرف، ولو كان فعلا لكتبوها باللام ألف كقوله: (ولعلا بعضهم على ~~بعض) (4). # والثاني: أنه رفع العرش ولم يرفعه أحد من القراء. # وقيل: تم الكلام عند قوله: (الرحمن على العرش)، ثم ابتدأ بقوله: (استوى ~~له ما في السماوات وما ms0331 في الأرض) (5)، وهذا ركيك يزيل الآية عن نظمها ~~ومرادها. PageV02P081 # قال الأستاذ: والصواب ما قاله الفراء (1) والأشعري (2) وجماعة من أهل ~~المعاني: إن معنى قوله: (استوى) أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه، فسماه ~~استواء، كقوله: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) (3) أي قصد وعمد إلى خلق ~~السماء، فكذا ها هنا، قال: وهذا القول مرضى عند العلماء ليس فيه تعطيل ولا ~~تشبيه. # قال الأشعري: (على) هنا بمعنى (في) كما قال تعالى: (على ملك سليمان) (4) ~~ومعناه أحدث الله في العرش فعلا سماه استواء، كما فعل فعلا سماه فضلا ~~ونعمة، قال تعالى: # (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان أولئك هم الراشدون. فضلا " من الله ونعمة ") (5)، فسمى التحبيب ~~والتكريه فضلا ونعمة. وكذلك قوله: (فأتى الله بنيانهم من القواعد) (6)، أي ~~فخرب الله بنيانهم، وقال: (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) (7) أي قصدهم. ~~وكما أن التخريب والتعذيب سماهما إتيانا "، فكذلك أحدث فعلا بالعرش سماه ~~استواء. # قال: وهذا قول مرضى عند العلماء لسلامته من التشبيه والتعطيل، وللعرش ~~خصوصية ليست لغيره من المخلوقات، لأنه أول خلق الله وأعظم، والملائكة حافون ~~به، ودرجة الوسيلة متصلة به، وأنه سقف الجنة، وغير ذلك. PageV02P082 # وقوله تعالى: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) (1)، قيل: النفس ~~هاهنا الغيب، تشبيها له بالنفس، لأنه مستتر كالنفس. # وقوله: (ويحذركم الله نفسه) (2) أي عقوبته. وقيل: يحذركم الله إياه. # قوله تعالى: (وهو الله في السماوات وفي الأرض) (3) اختار البيهقي، معناه ~~أنه المعبود في السماوات والأرض، مثل قوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله ~~وفى الأرض إله) (4) وهذا القول هو أصح الأقوال. وقال الأشعري في " الموجز ~~": (وهو الله في السماوات وفى الأرض يعلم)، أي عالم بما فيهما، وقيل: (وهو ~~الله في السماوات) جملة تامة: (وفى الأرض يعلم) كلام آخر، وهذا قول ~~المجسمة، واستدلت الجهمية بهذه الآية على أنه تعالى في كل مكان، وظاهر ما ~~فهموه من الآية من أسخف الأقوال. # قوله تعالى: (وجاء ربك والملك) (5)، قيل: استعار الواو موضع الباء ~~لمناسبة ms0332 بينهما في معنى الجمع، إذ الباء موضوعة للإلصاق وهو جمع، والواو ~~موضوعة للجمع، والحروف ينوب بعضها عن بعض، وتقول عرفا: جاء الأمير بالجيش، ~~إذا كان مجيئهم مضافا إليه بتسليطه أو بأمره، ولا شك أن الملك إنما يجئ ~~بأمره على ما قال تعالى: (وهم بأمره يعملون) (6)، فصار كما لو صرح به. ~~وقال: جاء الملك بأمر ربك، وهو كقوله: PageV02P083 # (أذهب أنت وربك) (1) أي اذهب أنت بربك، أي بتوفيق ربك وقوته، إذ معلوم ~~أنه إنما يقاتل بذلك من حيث صرف الكلام إلى المفهوم في العرف. # قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) (2) قال قتادة: عن شدة، وقال إبراهيم ~~النخعي: (3) أي عن أمر عظيم، قال الشاعر: # * وقامت الحرب عن ساق * وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى ~~معاناة ويجد فيه شمر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة. # قوله تعالى: (ما فرطت في جنب الله) (4)، قال اللغويون: معناه ما فرطت في ~~طاعة الله وأمره، لأن التفريط لا يقع إلا في ذلك، والجنب المعهود من ذوي ~~الجوارح لا يقع فيه تفريط البتة، فكيف يجوز وصف القديم سبحانه بما لا يجوز! # قوله تعالى: (سنفرغ لكم أيه الثقلان) (5)، فرغ يأتي بمعنى قطع شغلا، ~~أتفرغ لك، أي أقصد قصدك، والآية منه، أي سنقصد لعقوبتكم، ونحكم جزاءكم. # قوله تعالى: (وإني لأظنه كاذبا ") (6)، إن قيل لأي علة نسب الظن إلى الله ~~وهو شك؟ PageV02P084 # قيل: فيه جوابان: # أحدهما: أن يكون الظن لفرعون، وهو شك لأنه قال قبله: (فأطلع إلى إله ~~موسى) وإني لأظن موسى كاذبا، فالظن على هذا لفرعون. # والثاني: أن يكون تم الكلام عند قوله: (أسباب السماوات فاطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه) على معنى: وإني لأعلمه كاذبا، فإذا كان الظن لله. كان ~~علما ويقينا، ولم يكن شكا كقوله: (إني ظننت أني ملاق حسابيه) (1). # وقوله: (لا تأخذه سنة ولا نوم) (2) لم يرد سبحانه بنفي النوم والسنة عن ~~نفسه إثبات اليقظة والحركة، لأنه لا يقال لله تعالى: يقظان ولا نائم، لأن ~~اليقظان لا يكون إلا عن نوم، ولا ms0333 يجوز وصف القديم به، وإنما أراد بذلك نفى ~~الجهل والغفلة، كقوله: ما أنا عنك بغافل. # قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) (3) قال السهيلي: اليد في الأصل كالمصدر، ~~عبارة عن صفة لموصوف، ولذلك مدح سبحانه وتعالى بالأيدي مقرونة مع الإبصار ~~في قوله: # (أولى الأيدي والإبصار) (4) ولم يمدحهم بالجوارح، لأن المدح إنما يتعلق ~~بالصفات لا بالجواهر، قال: وإذا ثبت هذا فصح قول الأشعري: إن اليدين (5) في ~~قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) (6) صفة ورد بها الشرع ولم يقل إنها في معنى ~~القدرة كما قال المتأخرون من أصحابه، ولا بمعنى النعمة، ولا قطع بشئ من ~~التأويلات تحرزا منه عن مخالفة السلف، وقطع بأنها صفة تحرزا عن مذاهب ~~المشبهة. PageV02P085 # فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يعلمون إذ اليد بمعنى الصفة لا يعرفونه، ~~ولذلك لم يسأل أحد منهم عن معناها، ولا خاف على نفسه توهم التشبيه، ولا ~~احتاج إلى شرح وتنبيه، وكذلك الكفار، لو كان لا يعقل عندهم إلا في الجارحة ~~لتعلقوا بها في دعوى التناقض، واحتجوا بها على الرسول، ولقالوا: زعمت أن ~~الله ليس كمثله شئ، ثم تخبر أن له يدا "، ولما لم ينقل ذلك عن مؤمن ولا ~~كافر، علم أن الأمر عندهم كان جليا لاخفاء به، لأنها صفة سميت الجارحة بها ~~مجازا "، ثم استمر المجاز (1) فيها حتى نسيت الحقيقة، ورب مجاز كثير استعمل ~~حتى نسي أصله، وتركت صفته - والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من ~~معنى القدرة إلا أنها أخص، والقدرة أعم، كالمحبة مع الإرادة والمشيئة، ~~فاليد أخص من معنى القدرة، ولذا كان فيها تشريف لازم. # وقال البغوي في تفسير قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) (2): في تحقيق الله ~~التثنية في اليد دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة، وإنما هما ~~صفتان من صفات ذاته. # قال مجاهد: اليد هاهنا بمعنى التأكيد والصلة مجازه (لما خلقت) كقوله: ~~(ويبقى وجه ربك) (3)، قال البغوي: وهذا تأويل غير قوي، لأنها لو كانت صلة ~~لكان لإبليس أن يقول: إن كنت خلقته فقد خلقتني، وكذلك في القدرة والنعمة لا ms0334 ~~يكون لآدم في الخلق مزية على إبليس. وأما قوله تعالى: (مما عملت أيدينا) ~~(4) فإن العرب تسمى الاثنين جمعا، كقوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا) (5) ~~PageV02P086 # وأما العين في الأصل فهي صفة ومصدر لمن قامت به ثم عبر عن حقيقة الشئ ~~بالعين قال: وحينئذ فإضافتها للبارئ في قوله: (ولتصنع على عيني) (1) حقيقة ~~- لا مجاز كما توهم أكثر الناس - لأنه صفة في معنى الرؤية والإدراك، وإنما ~~المجاز في تسمية العضو بها، وكل شئ يوهم الكفر والتجسيم، فلا يضاف إلى ~~البارئ سبحانه لا حقيقة ولا مجازا ". # قال السهيلي: ومن فوائد هذه المسألة أن يسأل عن المعنى الذي لأجله قال: # (ولتصنع على عيني) (2) بحرف (على)، وقال: (تجرى بأعيننا) (3)، (واصنع ~~الفلك بأعيننا) (4) وما الفرق؟ والفرق أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر ~~كان خفيا وإبداء ما كان مكنونا، فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون ~~شرا "، فلما أراد أن يصنع موسى ويغذى ويربى على جلى أمن وظهور أمر لا تحت ~~خوف واستسرار دخلت (على) في اللفظ تنبيها على المعنى لأنها تعطى معنى ~~الاستعلاء، والاستعلاء ظهور وإبداء، فكأنه سبحانه يقول: ولتصنع على أمن لا ~~تحت خوف، وذكر العين لتضمنها معنى الرعاية والكلأ. وأما قوله: (تجرى ~~بأعيننا) (3)، (واصنع الفلك بأعيننا) (4) فإنه إنما يريد في رعاية منا ~~وحفظ، ولا يريد إبداء شئ ولا إظهاره بعد كم، فلم يحتج الكلام إلا معنى ~~(على). # ولم يتكلم السهيلي على حكمة الإفراد في قصة موسى والجمع في الباقي، وهو ~~سر لطيف، وهو إظهار الاختصاص الذي خص به موسى في قوله: (واصطنعتك لنفسي) ~~(5) PageV02P087 # فاقتضى الاختصاص الاختصاص الآخر في قوله: (ولتصنع على عيني) (1)، بخلاف ~~قوله: (تجرى بأعيننا) (2)، (واصنع الفلك بأعيننا) (3) فليس فيه من الاختصاص ~~ما في صنع موسى على عينه سبحانه. # قال السهيلي رحمه الله: وأما النفس فعبارة عن حقيقة الوجود دون معنى ~~زائد، وقد استعمل من لفظها النفاسة والشئ النفيس، فصلحت للتعبير عنه ~~سبحانه، بخلاف ما تقدم من الألفاظ المجازية. # وأما الذات فقد استوى أكثر الناس بأنها معنى النفس والحقيقة، ويقولون: ~~ذات البارئ هي نفسه، ms0335 ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته. ويحتجون بقوله صلى الله ~~عليه وسلم في قصة إبراهيم: (ثلاث كذبات كلهن في ذات الله). # قال: وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا، وإلا ~~لقيل: عبدت ذات الله، واحذر ذات الله، وهو غير مسموع، ولا يقال إلا بحرف في ~~المستحل معناه في حق البارئ تعالى، لكن حيث وقع فالمراد به الديانة ~~والشريعة التي هي ذات الله، فذات وصف للديانة. هذا هو المفهوم من كلام ~~العرب، وقد بان غلط من جعلها عبارة " عن نفس ما أضيف إليه، ومنه إطلاق ~~العجب على الله تعالى في قوله: (بل عجبت) (4) على قراءة حمزة والكسائي، بضم ~~التاء على معنى أنهم قد حلوا محل من يتعجب منهم. # قال الحسين بن الفضل: العجب من الله تعالى إنكار الشئ وتعظيمه، وهو لغة ~~PageV02P088 # العرب، وفى الحديث: (عجب ربكم من زللكم وقنوطكم) وقوله: (إن الله يعجب من ~~الشاب إذا لم يكن له صبوة). # قال البغوي: وسمعت أبا القاسم النيسابوري قال: سمعت أبا عبد الله ~~البغدادي يقول: # سئل الجنيد عن هذه الآية فقال: إن الله لا يعجب من شئ، ولكن الله وافق ~~رسوله فقال: (وإن تعجب فعجب قولهم) (1) أي هو كما يقوله. # فائدة كل ما جاء في القرآن العظيم من نحو قوله تعالى: (لعلكم تفلحون) أو ~~(تتقون) أو (تشكرون) فالمعتزلة يفسرونه بالإرادة، لأن عندهم أنه تعالى لا ~~يريد إلا الخير ووقوع الشر على خلاف إرادته، وأهل السنة يفسرونه بالطلب لما ~~في الترجي من معنى الطلب، والطلب غير الإرادة على ما تقرر في الأصول، فكأنه ~~قال: كونوا متقين، أو مفلحين، إذ يستحيل وقوع شئ في الوجود على خلاف إرادته ~~تعالى، بل كل الكائنات مخلوقة له تعالى ووقوعها بإرادته، تعالى الله عما ~~يقولون علوا كبيرا. PageV02P089 # النوع الثامن والثلاثون معرفة إعجازه وقد اعتنى بذلك الأئمة، وأفردوه ~~بالتصنيف، منهم القاضي أبو بكر بن الباقلاني (1)، قال ابن العربي: ولم يصنف ~~مثله، وكتاب الخطابي (2)، والرماني، والبرهان لعزيزي (3) وغيرهم. # وهو علم جليل، عظيم القدر، لأن نبوة النبي صلى الله عليه ms0336 وسلم معجزتها ~~الباقية القرآن، وهو يوجب الاهتمام بمعرفة الإعجاز، قال تعالى: (كتاب ~~أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز ~~الحميد) (4)، وقال سبحانه: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع ~~كلام الله) (5) فلولا أن سماعه إياه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه، ولا ~~تكون حجة إلا وهي معجزة. وقال تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه ~~قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين. أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك ~~الكتاب يتلى عليهم) (6) فأخبر PageV02P090 # أن الكتاب آية من آياته، وأنه كاف في الدلالة، قائم مقام معجزات غيره ~~وآيات سواه من الأنبياء. # ولما جاء به صلى الله عيه وسلم إليهم - وكانوا أفصح الفصحاء ومصاقع ~~الخطباء - تحداهم على أن يأتوا بمثله، وأمهلهم طول السنين (1 فلم يقدروا، ~~يقال تحدى فلان فلانا إذا دعاه إلى أمر ليظهر عجزه فيه ونازعه الغلبة في ~~قتال أو كلام غيره، ومنه أنا حدياك، أي أبرز لي وحدك. # واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدى العرب قاطبة بالقرآن حين قالوا: ~~افتراه. فأنزل الله عز وجل عليه: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور ~~مثله) (2) فلما عجزوا عن الإتيان بنشر سور تشاكل القرآن، قال تعالى: (قل ~~فأتوا بسورة من مثله) (3)، ثم كرر هذا فقال: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا ~~على عبدنا فأتوا بسورة من مثله (3) أي من كلام مثله، وقيل: من بشر مثله، ~~ويحقق القول الأول الآيتان السابقتان، فلما عجزوا عن أن يأتوا بسورة تشبه ~~القرآن على كثرة الخطباء فيهم والبلغاء 1)، قال: (قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا ") (4)، فقد ثبت أنه تحداهم به، وأنهم لم يأتوا بمثله لعجزهم عنه، ~~لأنهم لو قدروا على ذلك لفعلوا، ولما عدلوا إلى العناد تارة والاستهزاء ~~أخرى، فتارة قالوا: (سحر) وتارة قالوا: (شعر) وتارة قالوا: (أساطير ~~الأولين) كل ذلك من التحير والانقطاع. PageV02P091 # قال [ابن أبي] (1) طالب مكي (1) في " اختصاره نظم القرآن ms0337 للجرجاني "، قال ~~المؤلف: أنزله بلسان عربي مبين بضروب من النظم مختلفة على عادات العرب، ~~ولكن الأعصار تتغير وتطول، فيتغير النظم عند المتأخرين لقصور أفهامهم، ~~والنظر كله جار على لغة العرب، ولا يجوز أن ينزله على نظم ليس من لسانهم، ~~لأنه لا يكون حجة عليهم، بدليل قوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بسورة مثله) (2)، وفي قوله: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم ~~تأويله) (3) فأخبر أنهم لم يعلموه لجهلهم به، وهو كلام عربي. # قال أبو محمد: لا يحتمل أن يكون جهلهم إلا من قبل أنهم أعرضوا عن قبوله، ~~ولا يجوز أن يكون نزل بنظم لم يعرفوه، إذ لا يكون عليهم حجة، وجهلنا بالنظم ~~لتأخرنا عن رتب القوم الذي نزل عليهم جائز، ولا يمنع. فمن (4) نزل عليهم ~~كان يفهمه إذا تدبره، لأنه بلغته، ونحن إنما (5) نفهم بالتعليم. انتهى. # وهذا الذي قاله مشكل، فإن كبار الصحابة رضي الله عنهم حفظوا البقرة في ~~مدة متطاولة، لأنهم كانوا يحفظون مع التفهم. # وإعجاز القرآن ذكر من وجهين: # أحدهما: إعجاز متعلق بنفسه. # والثاني: بصرف الناس عن معارضته. PageV02P092 # ولا خلاف بين العقلاء أن كتاب الله معجز، واختلفوا في إعجازه، فقيل: إن ~~التحدي: # وقع بالكلام القديم الذي هو صفة الذات، وإن العرب كلفت في ذلك مالا تطيق، ~~وفيه وقع عجزها. والجمهور على أنه إنه إنما وقع بالدال على القديم (1) وهو ~~الألفاظ. # فإذا ثبت ذلك فاعلم أنه لا يصح التحدي بشئ مع جهل المخاطب بالجهة التي ~~وقع بها التحدي، ولا يتجه قول القائل لمثله: إن صنعت خاتما كنت قادرا على ~~أن تصنع مثله، إلا بعد أن يمكنه من الجهة التي تدعى عجز المخاطب عنها، ~~فنقول: الإعجاز في القرآن العظيم إما أن يعنى بالنسبة إلى ذاته، أو إلى ~~عوارضه من الحركات والتأليف، أو إلى مدلوله، أو إلى المجموع، أو إلى أمر ~~خارج عن ذلك، لا جائز أن يكون الإعجاز حصل من جهة ذوات الكلم المفردة فقط، ~~لأن العرب قاطبة كانوا يأتون بها، ولا جائز أن يكون الإعجاز وقع بالنسبة ms0338 ~~إلى العوارض من الحركات والتأليف فقط، لأنه يحوج إلى ما تعاطاه مسيلمة من ~~الحماقة: (إنا أعطيناك الجواهر - فصل لربك وهاجر - إن شانئك هو الكافر). # ولو كان الإعجاز راجعا في الإعراب والتأليف المجرد لم يعجز صغيرهم عن ~~تأليف ألفاظ معربة فضلا عن كبيرهم، ولا جائز أن يقع بالنسبة إلى المعاني ~~فقط، لأنها ليست من صنيع البشر، وليس لهم قدرة على إظهارها، من غير ما يدل ~~عليها، ولا جائز أن ترجع إلى المجموع لأنا قد بينا بطلانه بالنسبة إلى كل ~~واحد، فيتعين أن يكون الإعجاز لأمر خارج غير ذلك. # [بيان الأقوال المختلفة في وجوه الإعجاز] وقد اختلف فيه على أقوال: # أحدهما - وهو قول النظام (2): إن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم، ~~وكان PageV02P093 # مقدورا " لهم، لكن عاقهم أمر خارجي، فصار كسائر المعجزات. # وهو قول فاسد بدليل قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ") (1)، فإنه يدل ~~على عجزهم مع بقاء قدرتهم، ولو سئلوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم، ~~لمنزلته منزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى بكبير يحتفل بذكره، هذا مع ~~أن الاجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، فكيف يكون معجزا " غيره ~~وليس فيه صفة إعجاز، بل المعجز هو الله تعالى، حيث سلبهم قدرتهم عن الإتيان ~~بمثله. # وأيضا يلزم من القول بالصرفة فساد آخر، وهو زوال الإعجاز بزوال زمان ~~التحدي، وخلو القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرق لإجماع الأمة، فإنهم أجمعوا ~~على بقاء معجزة الرسول العظمى، ولا معجزة له باقية سوى القرآن، وخلوه من ~~الإعجاز يبطل كونه معجزة. # قال القاضي أبو بكر (2): (ومما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ~~ممكنة - وإنما منع منها الصرفة - لم يكن الكلام معجزا، وإنما يكون المنع ~~معجزا (3) فلا يتضمن الكلام فضلا (4) على غيره في نفسه). # (وليس هذا بأعجب مما ذهب إليه فريق منهم أن الكل قادرون على الإتيان ~~بمثله، وإنما تأخروا (5) عنه لعدم العلم بوجه ترتيب لو تعلموه لوصلوا إليه، ~~ولا بأعجب من ms0339 قول PageV02P094 # فريق منهم: إنه لا فرق بين كلام البشر وكلام الله في هذا الباب، [وإنما ~~يصح من كل واحد منهما الإعجاز على حد واحد]) (1). # (وزعم قوم أن ابن المقفع عارض القرآن، وإنما وضع حكما) (2). # الثاني: أن وجه الإعجاز راجع إلى التأليف الخاص به، لا مطلق التأليف، وهو ~~بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة، وعلت مركباته معنى، بأن يوقع كل فن في ~~مرتبته العليا في اللفظ والمعنى. # واختاره ابن الزملكاني (3) في البرهان. # الثالث: ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة، ولم يكن ذلك من شأن ~~العرب، كقوله تعالى: (قل للمخلفين من الأعراب) (4) وقوله في أهل بدر: ~~(سيهزم الجمع PageV02P095 # ويولون الدبر) (1) وقوله: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا) (2) وكقوله: (وعد ~~الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) (3)، وقوله: ~~(الم. # غلبت الروم) (4) وغير ذلك مما أخبر به بأنه سيقع فوقع. # ورد هذا القول بأنه يستلزم أن الآيات التي لا خبر فيها بذلك لا إعجاز ~~فيها، وهو باطل، فقد جعل الله كل سورة معجزة بنفسها. # الرابع: ما تضمن من اخباره عن قصص الأولين وسائر المتقدمين، حكاية من ~~شاهدها وحضرها، وقال: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ~~ولا قومك من قبل هذا...) (5) الآية. # وهو مردود بما سبق، نعم هذا والذي قبله من أنواع الإعجاز، إلا أنه منحصر ~~فيه. # الخامس: اخباره عن الضمائر من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل، كقوله: ~~(إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا) (6)، وقوله: (وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك ~~به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله) (7)، وقوله: (وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون...) (8) الآية، وكإخباره عن اليهود أنهم لا ~~يتمنون الموت أبدا. PageV02P096 # السادس: وصححه ابن (1) عطية وقال: إنه الذي عليه الجمهور والحذاق - وهو ~~الصحيح في نفسه - وأن التحدي إنما وقع بنظمه، وصحة معانيه، وتوالى فصاحة ~~ألفاظه، ووجه إعجازه أن الله أحاط بكل شئ علما، وأحاط بالكلام كله علما، ~~فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلى الأولى، ~~ويتبين ms0340 المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره. والبشر معهم ~~الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم بالضرورة (2) أن أحدا من البشر لا يحيط ~~بذلك (3)، وبهذا [جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا ~~النطق] (4) يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها الإتيان (5) بمثله، ~~فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه. # والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم (6 يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ~~ولهذا ترى البليغ ينقح الخطبة أو القصيدة حولا، ثم ينظر فيها، فيغير فيها، ~~وهلم جرا. وكتاب الله 6) سبحانه لو نزعت منه لفظة، ثم أدبر لسان العرب على ~~لفظة (7) أحسن منها لم توجد. # ونحن تتبين لنا البراعة في أكثره، ويخفي علينا وجهها في مواضع، لقصورنا ~~عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق. وجودة القريحة، [وميز الكلام] (4). # وقامت الحجة على العالم بالعرب إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة، ~~كما قامت PageV02P097 # الحجة في معجزة عيسى بالأطباء، و [في] (1) معجزة موسى بالسحرة، فإن الله ~~تعالى إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبرع ما تكون في زمن النبي ~~الذي أراد إظهاره، فكان السحر في مدة موسى قد انتهى إلى غايته، وكذا الطب ~~في زمان عيسى، والفصاحة في مدة محمد صلى الله عليه وسلم. # السابع: أن وجه الإعجاز الفصاحة، وغرابة الأسلوب، والسلامة من جميع ~~العيوب وغير ذلك مقترنا بالتحدي، واختاره الإمام فخر الدين (2)، وهو قريب ~~مما سبق، وقد قال تعالى: # (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله) (3)، والمراد: بمثل نظمه، بدليل قوله تعالى: (فأتوا بسورة من مثله) ~~(4): # وقول من قال: إن الضمير في (من مثله) عائد على الله ضعيف، بقوله: (بعشر ~~سور مثله) (5)، والسياق واحد. # الثامن: ما فيه من النظم والتأليف والترصيف، وأنه خارج عن جميع وجوه ~~النظم المعتاد في كلام العرب، ومباين لأساليب خطاباتهم، واختاره القاضي أبو ~~بكر (6). # قال: ولهذا لم يمكنهم معارضته. PageV02P098 # قال: (1) ولا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن (2 من أصناف البديع التي ~~أدعوها ms0341 في الشعر، لأنه ليس مما يخرق العادة 2)، بل يمكن استدراكه بالتعلم ~~والتدريب والتصنع له، كقول الشعر، ورصف الخطب، وصناعة الرسالة، والحذق في ~~البلاغة، وله طريق يسلك (3)... فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى ~~عليه، ولا إمام يقتدى به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقا... # قال: ونحن نعتقد أن الإعجاز في بعض القرآن أظهر، وفي بعض أدق وأغمض. # ثم قال القاضي: فإن قيل (4) ما الذي وقع التحدي به؟ أهو الحروف المنظومة؟ ~~أو الكلام القائم بالذات؟ أو غيره؟ # قلنا: الذي تحداهم به أن يأتوا على الحروف التي هي نظم القرآن منظومة ~~حكمها، متتابعها كتتابعها، مطردة كاطرادها، ولم يتحدهم إلى أن يأتوا ~~بالكلام القديم الذي لا مثل له (5). # وقال بعض الأئمة: ليس الإعجاز المتحدي به إلا في النظم، لا في المفهوم، ~~لأن المفهوم PageV02P099 # لم يمكن الإحاطة به، ولا الوقوف على حقيقة المراد منه، فكيف يتصور أن ~~يتحدى بما لا يمكن الوقوف عليه، إذ هو يسع كل شئ فأي شئ، قوبل به ادعى أنه ~~غير المراد، ويتسلسل! # التاسع: أنه شئ لا يمكن التعبير عنه - وهو اختيار السكاكي حيث قال في " ~~المفتاح " (1): # واعلم أن شأن الإعجاز [عجيب] (2) يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن ~~تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة. وكما يدرك (2 طيب النغم العارض لهذا ~~الصوت، ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة إلا بإتقان علمي ~~المعاني والبيان والتمرن فيهما 2). # وقال أبو حيان التوحيدي في " البصائر " (3): لم أسمع كلاما ألصق بالقلب، ~~وأعلق بالنفس من فصل تكلم به بندار بن الحسين الفارسي - وكان بحرا في العلم ~~- وقد سئل عن موضع الإعجاز من القرآن فقال: هذه - مسألة فيها حيف على ~~المفتى (4)، وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الانسان من الانسان؟ فليس ~~للإنسان موضع من الانسان، بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته، ودللت على ~~ذاته، كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شئ منه إلا وكان ذلك المعنى آية " في ~~نفسه، ومعجزة لمحاوله، وهدى لقائله، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض ~~الله في كلامه وأسراره في كتابه، ms0342 فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده. ~~PageV02P100 # العاشر: وهو قول حازم (1) في " منهاج البلغاء ": إن الإعجاز فيه من حيث ~~استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا " لا توجد ~~له فترة، ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا ~~تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشئ اليسير ~~المعدود، ثم تعرض الفترات الانسانية، فتقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر ~~لذلك الفصاحة في جميعه، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه، والفترات وإن في ~~الفصاحة تقع للفصيح، إما بسهو يعرض له في الشئ من غير أن يكون جاهلا به، أو ~~من جهل به، أو من سآمة تعتري فكره، أو من هوى للنفس يغلب عليها فيما يحوش ~~عليها خاطره، من اقتناص المعاني سمينا كان أو غثا "، فهذه آفات لا يخلو ~~منها الانسان الفاضل الطبع الكامل، وهو قريب مما ذكره ابن الزملكاني وابن ~~عطية. # الحادي عشر: قال الخطابي (2) في كتابه - وإليه (3) ذهب الأكثرون من علماء ~~النظر -: إن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة، لكن لما صعب عليهم تفصيلها ~~صغوا فيه إلى حكم الذوق والقبول عند النفس. # قال: والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في درجة البيان متفاوتة ~~(4)، [ودرجاتها في البلاغة متباينة غير متساوية] (5)، فمنها البليغ الرصين ~~الجزل، ومنها الفصيح PageV02P101 # القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل، وهذه أقسام الكلام الفاضل ~~المحمود [دون النوع الهجين المذموم الذي لا يوجد في القرآن شئ منه البتة] ~~(1). # فالقسم الأول أعلاه، والثاني أوسطه، والثالث أدناه وأقربه 2)، فحازت ~~بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة، وأخذت من كل نوع شعبة، فانتظم ~~لها بامتزاج هذه الأوصاف [نمط] (1) من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، ~~وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين، لأن العذوبة نتاج السهولة، ~~والجزالة والمتانة [في الكلام] (1) يعالجان نوعا من الوعورة، فكان اجتماع ~~الأمرين في نظمه مع نبو كل منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن. [يسرها ~~الله بلطيف قدرته]، ليكون آية بينة لنبيه [ودلالة على صحة ما دعا إليه من ms0343 ~~أمر دينه] (1). # وإنما تعذر على البشر الإتيان بمثله لأمور: # منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف ~~المعاني [والحوامل] (1). # ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل ~~معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم هو التي بها يكون ائتلافها وارتباط ~~بعضها ببعض، فيتوصلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها، إلا أن يأتوا ~~بكلام مثله. # وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة: لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط ~~لهما ناظم. # وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ~~ترى PageV02P102 # شيئا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظما أحسن ~~تأليفا " وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه. وأما معانيه، فكل ذي لب يشهد له ~~بالتقديم في أبوابه، والرقى في أعلى درجاته. # وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، وأما أن توجد ~~مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، [الذي أحاط ~~بكل شئ علما، وأحصى كل شئ عددا]. # فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن ~~نظوم التأليف، مضمنا أصح المعاني، من توحيد الله تعالى وتنزيهه في صفاته، ~~ودعاء إلى طاعته، وبيان لطريق عبادته، في تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن ~~وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهى عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن ~~مساويها، واضعا " كل شئ منها موضعه الذي لا يرى شئ أولى منه، ولا يتوهم في ~~صورة العقل أمر أليق به منه، مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات ~~الله بمن عصى وعاند منهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية ~~من الزمان، جامعا " في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ~~ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه. ~~PageV02P103 # ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين أشتاتها إلا حتى تنتظم ~~وتتسق، أمر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، ms0344 ~~وعجزوا عن معارضته بمثله، ومناقضته في شكله، ثم صار المعاندون له [ممن كفر ~~به وأنكره] يقولون مرة: # إنه شعر لما رأوه منظوما، ومرة إنه سحر لما صلى رأوه معجوزا عنه، غير ~~مقدور عليه. وقد كانوا يجدون له وقعا " في القلب، وقرعا في النفس، يريبهم ~~ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف، ولذلك قالوا: إن له ~~لحلاوة، وإن عليه لطلاوة. وكانوا مرة " لجهلهم وحيرتهم يقولون: (أساطير ~~الأولين اكتتبها فهي أنه تملى عليه وهو بكرة " وأصيلا ") مع علمهم أن ~~صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملى أو يكتب شيئا، ونحو ذلك من الأمور التي ~~أوجبها العناد والجهل والعجز. وقد حكى الله عن بعض مردتهم - وهو الوليد بن ~~المغيرة المخزومي - أنه لما طال فكره في القرآن وكثر ضجره منه، وضرب له ~~الأخماس من رأيه في الأسداس، فلم يقدر على أكثر من قوله: (إن هذا إلا قول ~~البشر) عنادا وجهلا به، وذهابا عن الحجة، وانقطاعا دونها. # ثم اعلم أن عمود البلاغة التي تجتمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من ~~الألفاظ PageV02P104 # التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، الذي إذا أبدل ~~مكانه غيره جاء منه، إما تبدل المعنى الذي يفسد به الكلام، أو إذهاب الرونق ~~الذي تسقط به البلاغة، وذلك أن في الكلام ألفاظا مترادفة متقاربة المعاني ~~في زعم أكثر الناس، كالعلم والمعرفة، والشح والبخل، والنعت والصفة، وكذا ~~بلى ونعم، ومن وعن، ونحوها من الأسماء والأفعال والحروف، والأمر فيها عند ~~الحذاق بخلاف ذلك، لأن كل لفظة منها خاصة تتميز بها عن صاحبتها في بعض ~~معانيها، وإن اشتركا في بعضها. # ولهذا قال أبو العالية في قوله تعالى: (الذين هم عن صلاتهم ساهون) أنه ~~الذي ينصرف ولا يدرى عن شفع أو وتر. فرد عليه الحسن بأنه لو كان كذلك لقال: # (الذين هم في صلاتهم)، فلم يفرق أبو العالية بين (في)، و (عن) حتى تنبه ~~له الحسن وقال: المراد به أخرجها عن وقتها. # فإن قيل: فهلا جعل في كل سورة نوعا من الأنواع؟ ms0345 # قيل: إنما أنزل القرآن على هذه الصفة من جمع أشياء مختلفة المعاني في ~~السورة الواحدة، وفى الآي المجموعة القليلة العدد، ليكون أكثر لفائدته، ~~وأعم لمنفعته، ولو كان لكل باب منه قبيل، ولكل معنى سورة مفردة، لم تكثر ~~عائدته، ولكان الواحد من الكفار المنكرين والمعاندين إذا سمع السورة لا ~~تعوم عليه الحجة به إلا في النوع الواحد الذي تضمنته السورة الواحدة فقط، ~~وكان في اجتماع المعاني الكثيرة في السورة الواحدة أوفر حظا، وأجدى نفعا من ~~التخيير لما ذكرناه. PageV02P105 # قال الخطابي: وقلت في إعجاز القرآن وجها [آخر] ذهب عنه الناس [فلا يكاد ~~يعرفه إلا الشاذ في آحادهم] وهو صنيعه بالقلوب، وتأثيره في النفوس، فإنك لا ~~تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا إذا قرع السمع خلص له إلى القلب ~~من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في حال أخرى ما يخلص منه ~~إليه. قال الله تعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا " ~~متصدعا " من خشية الله) وقال تعالى: (الله تزل أحسن الحديث كتابا " متشابها ~~" مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) الآية. # قلت: ولهذا أسلم جبير بن مطعم لما سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ~~للطور حتى انتهى إلى قوله: (إن عذاب ربك لواقع) قال: حشيت أن يدركني ~~العذاب. وفى لفظ: # (كاد قلبي يطير فأسلم). وفى أثر آخر أن عمر لما سمع سورة طه أسلم، وغير ~~ذلك وقد صنف بعضهم كتابا فيمن مات بسماع آية من القرآن. # الثاني عشر، وهو قول أهل التحقيق: إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من ~~الأقوال، لا بكل واحد عن انفراده، فإنه جمع ذلك كله، فلا معنى لنسبته إلى ~~واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل وغير ذلك مما لم يسبق. # فمنها الروعة التي له في قلوب السامعين وأسماعهم، سواء المقرين ~~والجاحدين، ثم إن سامعه إن كان مؤمنا به يداخله روعة في أول سماعه وخشية، ~~ثم لا يزال يجد في قلبه PageV02P106 # هشاشة " إليه، ومحبة له. وإن كان جاحدا وجد فيه مع تلك ms0346 الروعة نفورا ~~وعيا، لانقطاع مادته بحسن سمعه. # ومنها أنه لم يزل ولا يزال ولا يزال غضا طريا " في أسماع السامعين، وعلى ~~ألسنة القارئين. # ومنها ما ينتشر فيه عند تلاوته من إنزال الله إياه في صورة كلام هو ~~مخاطبة من الله لرسوله تارة "، ومخاطبة أخرى لخلقه، لا في صورة كلام ~~يستمليه من نفسه من قد قذف في قلبه، وأوحى إليه ما شاء أن يلقيه إلى عباده ~~على لسانه، فهو يأتي بالمعاني التي ألهمها بألفاظه التي يكسوها إياه، كما ~~يشاهد من الكتب المتقدمة. # ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين، لا يجتمعان غالبا ~~في كلام البشر، لإن الجزالة من الألفاظ التي لا توجد إلا بما يشوبها من ~~القوة وبعض الوعورة، والعذوبة منها ما يضادها من السلاسة والسهولة، فمن نحا ~~نحو الصورة الأولى فإنما يقصد الفخامة والروعة في الأسماع، مثل الفصحاء من ~~الأعراب، وفحول الشعراء منهم، ومن نحا نحو الثانية قصد كون الكلام في ~~السماع أعذب وأشهى وألذ، مثل أشعار المخضرمين ومن داناهم من المولدين ~~المتأخرين. وترى ألفاظ القرآن قد جمعت في نظمه كلتا الصفتين، وذلك من أعظم ~~وجوه البلاغة والإعجاز. # ومنها جعله آخر الكتب غنيا عن غيره، وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد ~~يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه، كما قال تعالى: (هذا القرآن يقص على بني ~~إسرائيل أكثر الذي هم فيه مختلفون). PageV02P107 # فصل في قدر المعجز من القرآن قال: القاضي أبو بكر: ذهب عامة أصحابنا - ~~وهو قول أبى الحسن الأشعري في كتبه - إلى أن أقل ما يعجز عنه من القرآن ~~السورة قصيرة كانت أو طويلة أو ما كان بقدرها. # قال: فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة وإن كانت كسورة الكوثر فذلك معجز. # قال: ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر. # وذهبت المعتزلة إلى أن كل سورة برأسها فهي معجزة. # وقد حكى عنهم نحو قولنا، إلا أن منهم من لم يشترط كون الآية بقدر السورة، ~~بل شرط الآيات الكبيرة. # وقد علمنا أنه تحداهم تحديا إلى السور ms0347 كلها، ولم يخص. ولم يأتوا بشئ ~~منها، فعلم أن جميع ذلك معجز. # وأما قوله تعالى: (فليأتوا بحديث مثله) فلا يخالف هذا، لأن الحديث التام ~~لا تتحصل حكايته في أقل من كلمات سورة قصيرة. وهو يؤكد مذهب أصحابنا وإن ~~كان قد يتأول قوله: (فليأتوا بحديث مثله) على القبيل دون التفصيل [وكذلك ~~يحمل PageV02P108 # قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله) على القبيل، لأنه لم يجعل الحجة عليهم عجزهم عن الإتيان ~~بجميعه من أوله إلى آخره]. # فإن قيل: هل يعرف إعجاز السور القصار بما يعرف به إعجاز الطوال؟ وهل يعرف ~~[إعجاز] كل قدر من القرآن بلغ الحد الذي قدرتموه على ما تعرفون به إعجاز ~~هذا سورة البقرة ونحوها؟ # قلنا: إن أبا الحسن الأشعري قد أجاب عن ذلك بأن كل سورة قد علم كونها ~~معجزة بعجز العرب عنها. وسمعت بعض الكبراء من أهل هذا الشأن يقول: إنه يصح ~~أن يكون علم ذلك توقيفا والطريقة الأولى أسد، وتظهر فائدتهما في أن الأولى ~~تبين أن ما علم به كون جميع القرآن معجزا موجود في كل سورة، قصرت أو طالت، ~~فيجب أن يكون الحكم في الكل واحدا. والأخرى تتضمن تقدير معرفة إعجاز القرآن ~~بالطريق التي سلكناها. PageV02P109 # فصل اعلم أنه سبحانه تحداهم أولا في الإتيان بمثله، فقال: (قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا ")، ثم تحداهم بعشر سور منه وقطع عذرهم بقوله: (قل فأتوا بعشر ~~سور مثله مفتريات)، وإنما قال (مفتريات) من أجل أنهم قالوا: لا علم لنا بما ~~فيه من الأخبار الخالية، والقصص البالغة، فقيل لهم. (مفتريات) إزاحة ~~لعللهم، وقطعا لأعذارهم، فعجزوا، فردهم من العشر إلى سورة واحدة من مثله، ~~مبالغة في التعجيز لهم، فقال: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين)، أي يشهدون لكم ~~أنها في نظمه وبلاغته وجزالته، فعجزوا فقال تعالى: ms0348 (فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا) مبالغة في التعجيز وإفحاما لهم (فاتقوا النار) وهذه مبالغة في ~~الوعيد، مع أن اللغة لغتهم، والكلام كلامهم، وناهيك بذلك أن الوليد بن ~~المغيرة لعنه الله كان سيد قريش، وأحد فصحائهم لما سمعه أخرس لسانه، وبلد ~~جنانه، وأطفئ بيانه، وقطعت حجته، وقصم ظهره، وظهر عجزه، وذهل عقله، حتى ~~قال: (قد عرفنا الشعر كله هزجه ورجزه، وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو ~~بالشعر قالت له قريش: فساحر؟ قال: وما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، ~~فما هو بنفثه ولا عقده، والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله ~~لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، PageV02P110 # وإنه ليعلو ولا يعلى، سمعت قولا يأخذ القلوب: قالوا: مجنون؟ قال: لا ~~والله ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته ولا رعشته، قالوا: كاهن. قال: قد ~~رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان ولا بسجعهم. ثم حملته الحمية فنكص على ~~عقبيه وكابر حسه فقال: (إن هذا إلا سحر يؤثر. إن هذا إلا قول البشر). # مسألة [في أن التحدي إنما وقع للإنس دون الجن] التحدي إنما وقع للإنس دون ~~الجن، لأن الجن ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه، ~~وإنما ذكروا في قوله: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن) تعظيما لإعجازه، لأن ~~الهيئة الاجتماعية لها من القوة ما ليس للأفراد، فإذا فرض اجتماع جميع ~~الإنس والجن، وظاهر بعضهم بعضا، وعجزوا عن العارضة كان الفريق الواحد أعجز، ~~ونظيره في الفقه تقدم والأخ الشقيق على الأخ للأب في ولاية النكاح، مع أن ~~الأمومة ليس لها مدخل في النكاح. # فصل في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة قال القاضي: ذهب أبو الحسن ~~الأشعري إلى أن ظهور ذلك على النبي صلى الله عليه PageV02P111 # وسلم يعلم ضرورة، وكونه معجزا يعلم بالاستدلال، وهذا المذهب يحكى عن ~~المخالفين. # والذي نقوله: إن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا، وكذلك من ~~ليس ببليغ، فأما البليغ الذي أحاط بمذاهب العرب وغرائب الصنعة، فإنه يعلم ~~من نفسه ضرورة عجزه وعجز غيره عن الإتيان بمثله. ms0349 # مسألة [في الحكمة في تنزيه النبي عليه السلام عن الشعر] قيل: للحكمة ~~تنزيه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن الشعر وجوه: # أحدها: أنه سبحانه أخبر عن الشعراء بأنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ~~مالا يفعلون، وأن للشعر شرائط لا يسمى الانسان بغيرها شاعرا، كما قال بعضهم ~~وقد سئل عن الشاعر، فقال: إن هزل أضحك، وإن جد كذب، فالشاعر له بين كذب، ~~وإضحاك. فنزه الله نبيه عن هاتين الخصلتين، وعن كل أمر دنئ، وإنا لا نكاد ~~نجد شاعرا إلا مادحا ضارعا، أو هاجيا ذا قذع، وهذه أوصاف لا تصلح للنبي. # والثاني: أن أهل العروض مجمعون كما قال ابن فارس، على أنه لا فرق بين ~~صناعة العروض وصناعة الإيقاع، إلا أن صناعة الإيقاع تقسم الزمان بالنغم، ~~وصناعة العروض تقسمه PageV02P112 # بالحروف المتنوعة، فلما كان الشعر ذا ميزان يناسب الإيقاع، والإيقاع ضرب ~~من الملاهي لم يصلح ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال: (لست من ~~دد ولا دد منى). # وأما ما حكى عنه صلى الله عليه وسلم من ألفاظ الوزن، فالجواب عنها من ~~وجهين: # أحدهما: أنه لم يقصد بها الشعر، ومن حقيقة الشعر قصده، قال ابن فارس: ~~الشعر كلام موزون مقفى دال على معنى، ويكون أكثر من بيت. لأنه يجوز اتفاق ~~شطر واحد بوزن يشبه وزن الشعر من غير قصد. # والثاني: أنه صلى الله عليه سلم كان إذا أنشد شيئا من ذلك غيره. # فصل في تنزيه الله القرآن عن أن يكون شعرا مع أن الموزون في الكلام رتبته ~~فوق رتبة المنظوم غير الموزون، فإن كل موزون منظوم ولا عكس، وقال تعالى: ~~(وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين)، فأعلم سبحانه ~~أنه نزة القرآن عن نظم الشعر والوزن، لأن القرآن مجمع الحق، ومنبع الصدق، ~~وقصارى أمر الشاعر التحصيل بتصوير الباطل في صورة الحق، والإفراط في ~~الإطراء، والمبالغة في الذم إلى الإيذاء دون إظهار الحق، وإثبات الصدق منه ~~كان بالعرض، ولهذا قال تعالى: (وما هو بقول ms0350 شاعر)، أي كاذب، ولم يعن أنه ~~PageV02P113 # ليس بشعر، فإن وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفى ~~عنه، ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمى المنطقيون القياسات المؤدية في أكثر ~~الأمر إلى البطلان والكذب شعرية. # فإن قيل: فقد وجد في القرآن ما وافق شعرا موزونا، إما بيت تام، أو أبيات، ~~أو مصراع، كقول القائل: # وقلت لما حاولوا سلوتي كان (هيهات هيهات لما توعدون) وقوله: (وجفون ~~كالجواب وقدور راسيات) قالوا: هذا من الرمل. # وكقوله: (من تزكى فإنما يتزكى لنفسه) قالوا: هو [مجزوء] من الخفيف. # وقوله: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ". ويرزقه من حيث لا يحتسب) قالوا: ~~هو من المتقارب، أي بإسقاط (مخرجا). # وقوله: (ودانية عليهم ظلالها وذلك قطوفها تذليلا ")، ويشبعون حركة الميم ~~فيبقى من الرجز، وحكى أن أبا نواس ضمنه فقال: # وفتية في مجلس وجوههم * ريحانهم، قد عدموا التثقيلا دانية عليهمو ظلالها ~~* (وذللت قطوفها تذليلا) PageV02P114 # وقوله تعالى: (ويخزهم وينصر كم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) قالوا: هو من ~~الوافر. # وقوله تعالى: (أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم) قالوا: هو ~~من الخفيف. # وقوله تعالى: (والعاديات ضبحا " فالموريات قدحا ") ونحوه قوله: ~~(والذاريات ذروا " فالحاملات وقرا " فالجاريات يسرا ") وهو عندهم شعر من ~~بحر البسيط. # وقوله تعالى: (ومن الليل فسبحه عليه وأدبار السجود). # وقوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). # وقوله تعالى: (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا "). # وقوله تعالى: (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم). # وقوله تعالى: (تبت يدا أبى لهب). PageV02P115 # وقوله تعالى: (نصر من الله وفتح قريب). # وقوله تعالى: (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). # وقوله تعالى: (إن قارون كان من قوم موسى). # ويحكى أنه سمع أعرابي قارئا يقرأ (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة ~~الساعة شئ عظيم) فقال كسرت إنما قال: (يا أيها الناس اتقوا ربكم... زلزلة ~~الساعة شئ عظيم) فقيل له: هذا القرآن وليس بشعر. # فالجواب قال القاضي أبو بكر: إن الفصحاء منهم لما أورد عليهم القرآن لو ~~اعتقدوه ms0351 شعرا [ولم يروه خارجا " عن أساليبهم] لبادروا إلى معارضته، لأن ~~الشعر منقاد إليهم، فلما لم يعمدا أبي إلى ذلك دل على أنهم لم يعتقدوا فيه ~~ذلك، فمن استدرك فيه شعرا " زعم أنه خفى على أولئك النفر، وهم ملوك الكلام ~~مع شدة حاجتهم إلى الطعن في القرآن، والغض منه والتوصل إلى تكذيبه بكل ما ~~قدروا عليه، فلن يجوز أن يخفى على أولئك وأن يجهلوه ويعرفه من جاء الآن، ~~فهو بالجهل حقيق. PageV02P116 # وحينئذ فالذي أجاب به العلماء عن هذا بأن البيت الواحد وما كان على وزنه ~~لا يكون شعرا "، وأقل الشعر بيتان فصاعدا "، وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة ~~العربية من أهل الاسلام. # وقالوا أيضا: إن ما كان على وزن بيتين إلا أنه يختلف وزنهما وقافيتهما ~~فليس بشعر [أصلا]. # ثم منهم من قال: إن الرجز ليس بشعر أصلا، لا سيما إذا كان مشطورا أو ~~منهوكا، وكذا ما يقاربه في قلة الأجزاء، وعلى هذا نسقط السؤال. # ثم نقول: إن الشعر إنما ينطلق متى قصد إليه على الطريق التي تعمد وتسلك، ~~ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء دون ما يستوى فيه العامي والجاهل ~~[والعالم بالشعر واللسان وتصرفه] وما يتفق من كل واحد، فليس بشعر فلا يسمى ~~صاحبه شاعرا، وإلا لكان الناس كلهم شعراء، لأن كل متكلم لا ينفك أن يعرض في ~~جملة كلامه ما يتزن بوزن الشعر [وينتظم بانتظامه]. # وقيل: أقل ما يكون من الرجز شعرا أربعة أبيات، وليس ذلك في القرآن بحال. # قال القاضي: وهذه الطريق التي سلكوها في الجواب معتمدة، أو أكثرها. # ولو كان ذلك شعرا لكانت النفوس تتشوق إلى معارضته، لأن طريق الشعر غير ~~مستصعب على أهل الزمان [الواحد، وأهله يتقاربون فيه، أو يضربون فيه بسهم]. ~~PageV02P117 # فصل [في اختلاف المقامات ووضع كل شئ في موضع يلائمه] مما يبعث على معرفة ~~الإعجاز اختلافات المقامات وذكر في كل موضع ما يلائمه، ووضع الألفاظ في كل ~~موضع ما يليق به، وإن كانت مترادفة، حتى لو أبدل واحد منها بالآخر ذهبت تلك ~~الطلاوة، ms0352 وفاتت تلك الحلاوة. # فمن ذلك أن لفظ (الأرض) لم ترد في التنزيل إلا مفردة، وإذا ذكرت والسماء ~~مجموعة لم يؤت بها معها إلا مفردة، ولما أريد الإتيان بها مجموعة قال: (ومن ~~الأرض مثلهن)، تفاديا من جمعها. # ولفظ (البقعة) لم تستعمل فيه إلا مفردة، كقوله تعالى: (في البقعة ~~المباركة) فإن جمعت حسن ذلك ورودها مضافة، كقولهم: (بقاع الأرض). # وكذلك لفظ (اللب) مرادا به العقل، كقوله تعالى: (وذكرى لأولى الألباب) ~~(لذكرى لأولى الألباب) فإنه يعذب دون الإفراد. # وكذلك قوله: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) وفى موضع آخر: # (في بطني محررا ")، استعمل (الجوف) في الأول (والبطن) في الثاني مع ~~اتفاقهما PageV02P118 # في المعنى، ولو استعمل في أحدهما في موضع الآخر لم يكن له من الحسن ~~والقبول عند الذوق والاستعمال كل واحد منهما في موضعه. # وأما بالنسبة إلى المقامات، فانظر إلى مقام الترغيب، وإلى مقام الترهيب، ~~فمقام الترغيب كقوله تعالى: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا ~~من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ") نجده تأليفا لقلوب العباد، ~~وترغيبا لهم في الاسلام. # قيل: وكان سبب نزولها أنه أسلم عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ~~ونفر معهما، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا قال: وكنا نقول: قوم لا يقبل الله ~~منهم صرفا ولا عدلا أبدا، [قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به] ~~فنزلت - [وكان عمر كاتبا "] - فكتب بها عمر بن الخطاب إليهم رضي الله عنه ~~حين فهم قصد الترغيب، فآمنوا وأسلموا وهاجروا. # ولا يلزم دلالتها على مغفرة الكفر، لكونه من الذنوب، فلا يمكن حملها على ~~فضل الترغيب في الاسلام وتأليف القلوب له لوجوه: # منها أن قوله: (يغفر الذنوب جميعا ") عام دخله التخصيص بقوله: (إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به) فيبقى معتبرا فيما عداه. # ومنها أن لفظ (العباد) مضافا إليه في القرآن مخصوص بالمؤمنين، قال تعالى: ~~(عينا " يشرب بها عباد الله). PageV02P119 # فإن قلت: فلم يكونوا مؤمنين حال الترغيب! # قلت: كانوا مؤمنين قبله، بدليل سبب نزولها، وعوملوا هذه المعاملة من ~~الإضافة مبالغة ms0353 " في الترغيب. # وأما مقام الترهيب فهو مضاد له، كقوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا " خالدا " فيها)، ويدل على قصد مجرد الترهيب بطلان ~~النصوصية من ظاهرها على عدم المغفرة لأهل المعاصي، لأن (من) للعموم لأنها ~~في سياق الشرط، فيعم في جميع المعاصي فقد حكم عليهم بالخلود، وهو ينافي ~~المغفرة، وكذلك كل مقام يضاد الآخر، ويعتبر التفاضل بين العبارتين من وجوه: # أحدها المعاني الإفرادية، بأن يكون بعضها أقوى دلالة " وأفخم مسمى، وأسلس ~~لفظا ونحوه. # الثاني: المعاني الإعرابية بأن يكون مسماها أبلغ معنى، كالتمييز مع البدل ~~في قوله تعالى: # (واشتعل الرأس شيبا ") مع اشتعل الرأس سيبه، وهذا أبلغ من: (اشتعل شيب ~~الرأس). # الثالث: مواقع التركيب، كقوله تعالى: (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين) ~~فإن الأولى جعل (اثنين) مفعول: (يتخذوا) و (إلهين) صفة له تقدمت، فانتصبت ~~على الحال، والتقدير: اتخذوا إلهين اثنين، لأن (اثنين) أعم من (إلهين). ~~PageV02P120 # فصل في اشتمال القرآن على أعلى أنواع الإعجاز وهو أن يقع التركيب بحيث لا ~~يمتنع أن يوجد ما هو أشد تناسبا ولا اعتدالا في إفادة ذلك المعنى. # وقد اختلف في أنه: هل تتفاوت فيه مراتب الفصاحة؟ واختار القاضي أبو بكر ~~ابن الطيب في كتاب " الإعجاز " المنع، وأن كل كلمة موصوفة بالذروة العليا، ~~وإن كان بعض الناس أحسن إحساسا " له من بعض، وهذا كما أن بعضهم يفطن للوزن ~~بخلاف بعض. # واختار أبو بصر بن القشيري في تفسيره التفاوت فقال: وقد رد على الزجاج ~~وغيره تضعيفهم قراءة (والأرحام) بالجر: [ومثل] هذا من الكلام مردود عند ~~أئمة الدين لأن القراءات السبع متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا ~~ثبت [شئ عن النبي صلى الله عليه وسلم] فمن رد ذلك، فكأنما رد على النبوة ~~وهذا PageV02P121 # مقام محذور، لا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، [فإن العربية تتلقى من النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ولا يشك أحد في فصاحته]. ولعلهم أرادوا أنه صحيح فصيح، ~~وإن كان غيره أفصح منه، فإنا لا ندعى أن كل ما في القرآن على ms0354 أرفع الدرجات ~~في الفصاحة. # وإلى هذا نحا الشيخ عز الدين في كتاب " المجاز " وأورد سؤالا فقال: فإن ~~قلت: # فلم لم يأت القرآن جميعه بالأفصح والأملح؟ وقال فيه إشكال يسر الله حله. # قال القاضي صدر الدين موهوب الجزري رحمه الله: وقد وقع لي حل هذا الإشكال ~~بتوفيق الله تعالى فأقول: البارئ جلت قدرته، له أساليب مختلفة على مجارى ~~تصريف أقداره فإنه كان قادرا على إلجاء المشركين إلى الإقرار بنبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية " فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين)، ولكنه سبحانه أرسل رسوله على أساليب الأسباب ~~والمسببات، وجارى العوائد الواقعة من أهل الزمان، ولذلك تكون حروب الأنبياء ~~سجالا بينهم وبين الكفار، ويبتدئ أمر الأنبياء بأسباب خفيفة، ولا تزال تنمى ~~وتشتد، كل ذلك يدل على أن أساليبهم في الإرسال على ما هو المألوف والمعتاد ~~من أحوال غيرهم. # إذا عرف ذلك كان مجئ القرآن بغير الأفصح والأملح جميعه، لأنه تحداهم ~~بمعارضته على المعتاد فلو وقع على غير المعتاد لكان ذلك نمطا " غير النمط ~~الذي أراده الله عز وجل في الإعجاز. # ولما كان الأمر على ما وصفنا جاء القرآن على نهج إنشائهم روى الخطب ~~والأشعار وغيرها، ليحصل لهم التمكن من المعارضة ثم يعجزوا عنها، فيظهر ~~الفلج بالحجة، لأنهم لو لم يتمكنوا لكان لهم أن يقولوا: قد أتيت بما لا ~~قدرة لنا عليه، فكما لا يصح من أعمى معارضة المبصر PageV02P122 # في النظر، لا يحسن من البصير أن يقول: غلبتك أيها الأعمى بنظري، فإن ~~للأعمى أن يقول: # إنما تم لك الغلبة لو كنت قادرا وكان نظرك أقوى من نظري، فأما إذا فقد ~~أصل النظر فكيف تصح المعارضة! # فإن قلت: فلو كانت المعجزة شيئا " لا يقدر عليه البشر، كإحياء الموتى ~~وأمثاله، فكيف كان ذلك أدعى إلى الانقياد قلت: هذا السؤال سبق الجواب عنه ~~في الكلام، وإن أساليب الأنبياء تقع على نهج أساليب غيرهم. # فإن قلت: فما ذكرته يدل على أن عجز العرب عن معارضته وإنما كانت لصرف ~~دواعيهم، مع ms0355 أن المعارضة كانت مقدورة لهم. # قلت: قد ذهب بعض العلماء إلى ذلك، ولكن لا أراه حقا، ويندفع السؤال ~~المذكور. وإن كان الإعجاز في القرآن بأسلوبه الخاص به، إلا أن الذين قالوا: ~~بأن المعجز فيه هو الصرفة مذهبهم أن جميع أساليبه جميعا ليس على نهج ~~أساليبهم، ولكن شاركت أساليبهم في أشياء: # منها أنه بلغتهم. # ومنها أن آحاد الكلمات قد كانوا يستعملونه في خطهم وأشعارهم، ولكن تمتاز ~~بأمور أخر، منها غرابة نظمه الخاص الذي ليس مشابها لأجزاء الشعر وأوزانه ~~وهزجه ورجزه وغير ذلك من ضروبه، فأما توالى نظمه من أوله إلى آخره، بأن ~~يأتي بالأفصح والأملح، فهذا مما وقعت فيه المشاركة، لكلامهم فبذلك امتاز ~~هذا المذهب عن مذهب من يقول: إنه كان جميعه مقدورا لهم وإنما صرفت دواعيهم ~~عن المعارضة. انتهى. # وقد سبق اختيار القاضي أنه ليس على أساليبهم البتة فيبقى السؤال بحاله. ~~PageV02P123 # تنبيه [في أن معرفة مقامات الكلام لا تدرك إلا بالذوق] ذكر ابن أبي ~~الحديد: # اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح، والرشيق ولم والرشق، والجلي والأجلى، ~~والعلى والأعلى من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق، ولا يمكن إقامة الدلالة ~~المنطقية عليه، وهو بمنزلة جاريتين: إحداهما بيضاء مشربة حمرة، ودقيقة ~~الشفتين، نقية الشعر، كحلاء العين، أسيلة الخد، دقيقة الأنف، معتدلة ~~القامة. والأخرى دونها في هذه الصفات والمحسن، لكنها أحلى في العيون ~~والقلوب منها، وأليق وأملح، ولا يدرى لأي سبب كان ذلك، لكنه بالذوق ~~والمشاهدة يعرف، ولا يمكن تعليله، وهكذا الكلام، نعم يبقى الفرق بين ~~الوصفين أن حسن الوجوه وملاحتها، وتفضيل بعضها يدركه كل من له عين صحيحة، ~~وأما الكلام فلا يعرفه إلا بالذوق، وليس كل من اشتغل بالنحو أو باللغة أو ~~بالفقه كان من أهل الذوق، وممن يصلح لانتقاد الكلام، وإنما أهل الذوق هم ~~الذين اشتغلوا بعلم البيان وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر، ~~وصارت لهم بذلك دربة وملكة تامة، فإلى أولئك ينبغي أن يرجع في معرفة ~~الكلام، وفضل بعضه على بعض. PageV02P124 # النوع التاسع والثلاثون معرفة وجوب تواتره لإخلاف أن كل ما ms0356 هو من القرآن ~~يجب أن يكون متواترا في أصله حديث وأجزائه، وأما في محله ووضعه وترتيبه، ~~فعند المحققين من علماء أهل السنة كذلك، أي يجب أن يكون متواترا، فإن العلم ~~اليقيني حاصل أن العادة قاضية بأن مثل هذا الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه الهادي للخلق إلى الحق المعجز الباقي ~~على صفحات الدهر، الذي هو أصل الدين القويم، والصراط المستقيم، فمستحيل ألا ~~يكون متواترا في ذلك كله، إذ الدواعي تتوافر على نقله على وجه التواتر، ~~وكيف لا وقد قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) والحفظ إنما ~~يتحقق بالتواتر، وقالى تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن ~~لم تفعل فما بلغت رسالته)، والبلاغ العام إنما هو بالتواتر، فما لم يتواتر ~~مما نقل آحادا يقطع بأنه ليس من القرآن. # وذهب كثير من الأصوليين إلى أن التواتر شرط في ثبوت ما هو من القرآن بحسب ~~أصله، وليس بشرط في محله ووضعه وتربيبه، بل يكثر فيها نقل الآحاد، وهو الذي ~~يقتضيه صنع الشافعي في إثبات البسملة من كل سورة. # ورد بأن الدليل السابق يقتضى التواتر في الجميع، ولأنه لو لم يشترط لجاز ~~سقوط PageV02P125 # كثير من القرآن المكرر، وثبوت كثير مما ليس بقرآن. # أما الأول فلأنا لو لم نشترط التواتر في المحل جاز ألا يتواتر كثير من ~~المتكررات الواقعة في القرآن، مثل: (فبأي آلاء ربكما تكذبان)، و (ويل يومئذ ~~للمكذبين). # وأما الثاني فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل جاز إثبات ذلك ~~البعض في الموضع بنقل الآحاد. # وقال القاضي أبو بكر في " الانتصار ": ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى ~~إثبات قرآن حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره ذلك أهل الحق، ~~وامتنعوا منه. وقال قوم من المتكلمين: إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في ~~إثبات قراءة، وأوجه وأحرف إذا كانت تلك الأوجه صوابا في اللغة العربية، وإن ~~لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وملم قرأها، بخلاف موجب رأى القياسيين، ms0357 ~~واجتهاد المجتهدين. وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه، وخطأوا من قال بذلك، وصار ~~إليه. # قال القاضي: وقد رد الله عنه طعن الطاعنين، واختلاف الضالين، وليس ~~المعتبر في العلم بصحة النقل والقطع على فنونه بأن لا يخالف فيه مخالف، ~~وإنما المعتبر في ذلك مجيئه عن قوم بهم ثبت التواتر، وتقوم الحجة، سواء ~~اتفق على نقلهم أو اختلف فيه، ولهذا لا يبطل النقل إذا ظهر واستفاض، واتفق ~~عليه إذا حدث خلاف في صحته لم يكن من قبل. # وبذلك يسقط اعتراض الملحدين في القرآن، وذلك دليل على صحة نقل القرآن ~~PageV02P126 # وحفظه وصيانته من التغيير، ونقض مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة ~~والنقص، كيف وقد قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وقوله: ~~(إن علينا جمعه وقرآنه) وأجمعت الأمة أن المراد بذلك حفظه على المكلفين ~~للعمل به وحراسته من وجوه الغلط والتخليط، وذلك وجب القطع على صحة نقل مصحف ~~الجماعة وسلامته. # فصل والمعوذتان من القرآن واستفاضتهما كاستفاضة جميع القرآن، وأما ما روي ~~عن ابن مسعود. قال القاضي أبو بكر: فلم يصح عنه أنهما ليسا بقرآن، ولا حفظ ~~عنه أنه حكمها وأسقطهما من مصحفه لعلل وتأويلات. # قال القاضي: ولا يجوز أن يضاف إلى عبد الله أو إلى أبي بن كعب، أو زيد أو ~~عثمان أو علي، أو واحد من ولده أو عترته جحد آية أو حرف من كتاب الله ~~وتغييره أو قراءته على خلاف الوجه المرسوم في مصحف الجماعة بأخبار الآحاد، ~~وأن ذلك لا يحل، ولا يسمع، بل لا تصلح إضافته إلى أدنى المؤمنين في عصرنا، ~~فضلا عن أضافته إلى رجل من PageV02P127 # الصحابة، وإن كلام القنوت المروى عن أبي بن كعب أثبته في مصحفه لم تقم ~~حجة بأنه قرآن منزل، بل هو ضرب من الدعاء، وأنه لو كان قرآنا لنقل نقل ~~القرآن وحصل العلم بصحته، وأنه يمكن أن يكون منه كلام كان قرآنا منزلا ثم ~~نسخ وأبيح الدعاء به، وخلط بكلام ليس بقرآن، ولم يصح ذلك عنه، وإنما روى ~~عنه أنه أثبته في مصحفه، ms0358 وقد ثبت في مصحفه ما ليس بقرآن، من دعاء وتأويل. # وقال النووي في شرح " المهذب " أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة ~~من القرآن، وأن من جحد منها شيئا كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل، وليس ~~بصحيح. # وقال ابن خزم في أول كتابه " المحلى ": هذا كذب على ابن مسعود موضوع، ~~وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر بن حبيش عنه، وفيها المعوذتان والفاتحة. # وقال القاضي أبو بكر بن الطيب في كتاب " التقريب ": لم ينكر عبد الله بن ~~مسعود كون المعوذتين والفاتحة من القرآن، وإنما أنكر إثباتهما في المصحف ~~وإثبات الحمد، لأنه كانت السنة عنده ألا يثبت إلا ما أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بإثباته وكتبه، ولم يجده كتب ذلك ولا سمع أمره به. # وهذا تأويل منه وليس جحدا أخبرنا لكونهما قرآنا. # وفي صحيح ابن حبان عن زر: قلنا لأبي بن كعب: إن ابن مسعود لا يكتب في ~~مصحفه المعوذتين فقال: قال لي رسول الله صلى عليه وسلم: قال لي جبريل: (قل ~~أعوذ برب الفلق) فقلتها، وقال لي: (قل أعوذ برب الناس) فقلتها، فنحن نقول ~~ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV02P128 # النوع الأربعون في بيان معاضدة السنة للقرآن اعلم أن القرآن والحديث أبدا ~~" متعاضدان على استيفاء الحق وإخراجه من مدارج الحكمة، حتى إن كل واحد ~~منهما يخصص عموم الآخر، ويبين إجماله. # ثم منه ما هو ظاهر، ومعه ما يغمض، وقد اعتنى بإفراد ذلك بالتصنيف: الإمام ~~أبو الحكم ابن برجان في كتابه المسمى " بالإرشاد " وقال: ما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم من شئ فهو في القرآن، وفيه أصله، قرب أو بعد، فهمه من فهمه، ~~وعمه عنه من عمه، قال الله تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شئ)، ألا تسمع ~~إلى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الرجم: (لأقضين بينكما بكتاب الله) ~~وليس في نص كتاب الله الرجم. # وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهما بكتاب الله، ولكن ~~الرجم فيه تعريض مجمل في قوله تعالى: ms0359 (ويدرأ عنها العذاب). # وأما تعيين الرجم من عموم ذكر العذاب، وتفسير هذا المجمل، فهو مبين بحكم ~~الرسول وبأمره به، وموجود في عموم قوله: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا) وقوله من يطع الرسول فقد أطاع الله). PageV02P129 # وهكذا حكم جميع قضائه، وحكمه على طرقه التي أتت عليه، وإنما يدرك الطالب ~~من ذلك بقدر اجتهاده وبذل وسعه، ويبلغ منه الراغب فيه حيث بلغه ربه تبارك ~~وتعالى، لأنه واهب النعم، ومقدر القسم. # وهذا البيان من العلم جليل، وحظه من اليقين جزيل، وقد نبهنا صلى الله ~~عليه وسلم على هذا المطلب في مواضع كثيرة من خطابه. # منها، حين ذكر ما أعد الله تعالى لأوليائه في الجنة فقال: (فيها ما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما اطلعتم عليه)، ثم قال: ~~(اقرأوا إن شئتم: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين). # ومنها، قالوا: يا رسول الله، ألا نتكل وندع العمل؟ فقال: (اعملوا فكل ~~ميسر لما خلق له)، ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره ~~لليسرى. # وأما من بخل واستغنى. وكذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى). # ووصف الجنة فقال: (فيها شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، ولا يقطعها) ~~ثم قال: (اقرأوا إن شئتم: (وظل ممدود)). # فأعلمهم مواضع حديثه من القرآن، ونبههم على مصداق خطابه من الكتاب، ~~ليستخرج علماء أمته معاني حديثه طلبا لليقين، ولتستبين لهم السبيل، حرصا ~~منه عليه السلام على أن يزيل عنهم الارتياب، وأن يرتقوا في الأسباب. ثم بدأ ~~رضي الله عنه بحديث (إنما الأعمال بالنيات) وقال: موضعه نصا في قوله تعالى: ~~(من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) إلى قوله: (فأولئك ~~كان سعيهم مشكورا "). PageV02P130 # ونظيرها في هود والشورى. # وموضع التصريح به قوله: (ولكن يؤاخذ كم بما كسبت قلوبكم) و (بما عقدتم ~~الأيمان). # وأما التعريض بكثير، مثل قوله: (الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ")، (من كان يريد العزة ~~فلله العزة جميعا ms0360 ")، قد علم الله عز وجل أنهم كانوا يريدون الاعتزاز، لأن ~~الانسان مجبول على طلب العزة، فمخطئ أو مصيب، فمعنى الآية والله أعلم: بلغ ~~هؤلاء المتخذين الكافرين أولياء من دون الله من ابتغاء العزة بهم، أنهم قد ~~أخطئوا مواضعها وطلبوها في غير مطلبها، فإن كانوا يصدقون أنفسهم في طلبها ~~فليوالوا يكون الله جل جلاله، وليوالوا من والاه (و لله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين). # فكان ظاهر آية النساء تعريضا " لظاهر آية المنافقين، وظاهر أية المنافقين ~~تعريضا " بنص الحديث المروى. # ومن ذلك حديث جبريل في الإيمان والإسلام، بين فيه أن الشهادة بالحق ~~والأعمال الظاهرة هي الاسلام، وأن عقد القلب على التصديق بالحق هو الإيمان، ~~وهو PageV02P131 # نص الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة في مسنده: الاسلام ظاهر والإيمان في ~~القلب موضعه من القرآن: (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا " وكرها ")، ~~وقوله: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان)، ونظائرها (وأيدهم بروح منه)، قال: ~~بنيت هاتين الصفتين على الصفات العليا صفات الله - تعالى ظهورها - من ~~الأسماء الحسنى: اسم السلام، واسم المؤمن. # ومن ذلك حديث ضمام بن ثعلبة: (أفلح إن صدق) في قوله: (ما على المحسنين من ~~سبيل). # وقوله صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله حرمه الله على النار) ~~في قوله: # (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن)، وهو مفهوم من ~~قوله: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون)، فأخبر أنهم ~~دخلوا النار من أجل استكبارهم وإبائهم من قول: (لا إله إلا الله)، مفهوم ~~هذا أنهم إذا قالوها مخلصين بها حرموا على النار. # وقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ~~ضيفه)، في قوله تعالى: (حديث ضيف إبراهيم المكرمين) وقوله: (والجار الجنب ~~والصاحب بالجنب وابن السبيل)، وهذه الأربع كلمات جمعن حسن الصحبة للخلق، ~~لأن من كف سره وأذاه، وقال خيرا " أو صمت عن الشر، وأفضل على جاره، وأكرم ~~ضيفه، فقد نجا من النار، ودخل الجنة إذا كان مؤمنا، وسبقت له الحسنى، فإن ~~PageV02P132 # العاقبة مستورة، والأمور ms0361 بخواتيمها، ولهذا قيل: لا يغرنكم صفاء الأوقات، ~~فإن تحتها غوامض الآفات. # وقوله: (رأس الكفر نحو المشرق) في قوله تعالى: (و كذلك نرى إبراهيم ملكوت ~~السماوات والأرض وليكون من الموقنين. فلما جن عليه الليل رأى...) الآية، ~~فأخبر أن الناظر في ملكوت الله لا بد له من ضروب الامتحان، وأن الهداية ~~يمنحها الله للناظر بعد التبري منها، والمعصوم من عصمه الله، قال تعالى: ~~(إني ذاهب إلى ربى سيهدين) وقال: (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله ~~وهبنا له إسحاق ويعقوب) وطلوع الكواكب نحو المشرق ومن هناك إقبالها، وذلك ~~أشرف لها وأكبر لشأنها عند المفتونين، وغروبها إدبارها، وطلوعها بين قرني ~~الشيطان من أجل ذلك ليزينها لهم، قال تعالى: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس ~~من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم)، ولما كان في مطلع النيرات من العبر ~~بطلوعها من هناك وظهورها عظمت المحنة بهن، ولما في الغروب من عدم تلك العلة ~~التي تتبين هناك [قرن] بتزيين العدو لها، وإليه أشار صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: (وتغرب بين قرني الشيطان). ولأجل ما بين معنى الإقبال والإدبار كان ~~باب التوبة مفتوحا من جهته إلى يوم تطلع الشمس منه، ألا تسمع إلى قوله ~~تعالى: (وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا ")، أي وقعت عقولهم ~~عليها، وحجبت بها عن حالتها، مع قوله: # (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر). PageV02P133 # قوله عند طلوعها: (هذا ربى)، وعند غروبها: (لا أحب الآفلين)، (لئن لم ~~يهدني ربى لأكونن من القوم الضالين) ما يبين تصديق النبي صلى الله عليه ~~وسلم في قوله: (رأس الفتنة والكفر نحو المشرق، وإن باب التوبة مفتوح من قبل ~~المغرب). # ومن ذلك بدء الوحي في قوله سبحانه: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) إلى ~~قوله: (ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده). # وقول خديجة: (والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم) وقوله تعالى: ~~(ادع لنا ربك بما عهد عندك)، وقوله: (فلولا أنه كان من المسبحين)، وفى هذا ~~بين صلى الله عليه وسلم أصحاب الغار الثلاثة، ms0362 إذ قال بعضهم لبعض: ليدع كل ~~واحد منكم بأفضل أعماله، لعل الله تعالى أن يفرج عنا. # وقول ورقة: (يا ليتني حي إذ يخرجك قومك) إلخ، وقوله تعالى: (لنخرجنك يا ~~شعيب)، وقوله تعالى: (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن ~~في ملتنا). # وكذلك قوله: (لم يأت أحد بما جئت به إلا عودي) من قوله تعالى: (كذلك ما ~~أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم ~~طاغون). # ومن ذلك حديث المعراج، مصداقه في سورة الإسراء وفى صدر سورة النجم. ~~PageV02P134 # وقوله صلى الله عليه وسلم: (رأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به) من مفهوم ~~قوله تعالى: # (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا "). # وبتصديق كلمة الله، اتبعه كونا " وملة، وهكذا حاله حيث جاءت (صدقا) و ~~(عدلا). فتطلب صدق كلماته بترداد تلاوتك لكتابه، ونظرك في مصنوعاته، فهذا ~~هو قصد سبيل المتقين، وأرفع مراتب الإيمان، قال تعالى: (فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته) وقال لزكريا: (أن الله يبشرك ~~بيحيى مصدقا " بكلمة من الله وسيدا "). ولما كان عيسى عليه السلام من أسماء ~~كلماته لم يأت يوم القيامة بذنب لطهارته وزكاته. # وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينام) في قوله: (سنة ولا نوم). # وقوله: (ولا ينبغي له أن ينام) من قوله (القيوم)، وفسره صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: (يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، ~~وعمل النهار قبل عمل الليل)، ومصداقه أيضا قوله تعالى: (قل اللهم مالك ~~الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء). # ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس كفارات لما بينهن) ~~وقال: # (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما وزيادة ثلاثة أيام)، (ورمضان إلى ~~رمضان كفارة لما بينهما) في قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) ~~فهذا رمضان بعشرة أشهر العام، ويبقى شهران داخلان في كرم الله تعالى وحسن ~~معاملته. PageV02P135 # قلت: قد جاء في حديث آخر: (وأتبعه بست من شوال فكأنما صام ms0363 الدهر)، مع ~~قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها). انتهى. # وقال في الجمعة: (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون) وكذلك قال في الصوم: (وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون)، أشار ~~إلى سر في الجمعة، وفضل عظيم، أراهما الزيارة والرؤية في الجنة، فإنها تكون ~~في يوم الجمعة. وكذلك أشار في الصيام بقوله: (إن كنتم تعلمون) إلى سر في ~~الصيام، وهو حسن عاقبته وجزيل عائدته، فنبه صلى الله عليه وسلم بقوله: # (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك). # وقوله وقد رأى أعقابهم تلوح لم يصبها الماء: (ويل للأعقاب من النار)، في ~~مفهوم (فاغسلوا)، في معنى قوله: (لتبين للناس ما نزل إليهم)، وغسل هو قدميه ~~وعمهما غسلا. # وقال: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم) مع قوله: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا " خالدا " ~~فيها وله عذاب مهين). # وقوله: (إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه وخرج من كل خطيئة نظر إليها ~~بعينيه...) الحديث، من قوله تعالى: (ولكن يريد ليطهركم) أي من ذنوبكم ~~(وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) أي ترقون في درجة الشكر فيتقبل أعمالكم ~~القبول الأعلى. PageV02P136 # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (وكان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة فله ~~الشكر، والشكر درجات). وإنما يتبين بأن يبقى من العمل بعد الكفارة فضل، وهو ~~النافلة، وهو المسمى بالباقيات الصالحات، لمن قلت ذنوبه، وكثرت صالحاته. ~~فذلك الشكر. ومن كثرت ذنوبه وقلت صالحاته فأكلتها الكفارات، فذلك المرجو له ~~دخول الجنة. ومن زادت ذنوبه فلم تقم صالحاته بكفارة ذنوبه، فذلك المخوف ~~عليه، (إلا أن يشاء ربى شيئا). # قوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم الغر المحجلون يوم القيامة) في قوله ~~تعالى: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم). # وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)، ~~وهذا كله داخل في قوله تعالى: (وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) وجاءت (لام ~~كي) ها هنا إشعارا ووعدا ms0364 وبشارة لهم بنعم أخرى واردة عليهم من الشرائع لم ~~تأت بعد، ولذلك قال يوم الإكمال في حجة الوداع: (اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي). # ومن ذلك حديث الأذان وكيفيته بقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) من قوله: # (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم) وتكرارها في قوله: # (لا إله إلا هو). # وقوله: (أشهد أن محمدا رسول الله) في قوله تعالى: (محمد رسول الله)، ~~PageV02P137 # (وما محمد إلا رسول) مع قوله: (لكن الله يشهد بما كل أنزل إليك أنزله ~~بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا "). وتكرار الشهادة للرسول في ~~معنى قوله: (وكفى بالله شهيدا ") مع قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ~~اذكروا الله ذكرا " كثيرا ") والتنبيه أول الكثرة، ولأنها عبارة شرعت ~~للإعلام، فتكرارها آكد فيما شرعت له. # وأما إسراره بهما - يعنى بالشهادتين - فمن مفهوم قوله: (واذكر ربك في ~~نفسك تضرعا " وخيفة " ودون الجهر من القول). وأما إجهاره بهما ففي قوله ~~تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) والنداء ~~الإعلام، ولا يكون إلا بنهاية الجهر. # وقوله: (حي على الصلاة في قوله: (وإذا ناديتم إلى الصلاة)، (إذا نودي ~~للصلاة). # وقوله: (حي على الفلاح) في قوله: (اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا ~~الخير لعلكم تفلحون). # وقوله: (الصلاة خير من النوم) في قوله: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)، ~~وقوله: (ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون). # وقوله: (الله أكبر، الله أكبر) من قوله: (ولتكبروا الله على ما هداكم ~~ولعلكم تشكرون). PageV02P138 # وقوله: (لا إله إلا الله) كررها وختم بها في قوله: (واذكروه كما هداكم). # (وأفضل الذكر لا إله إلا الله) فختم بما بدأ به لقوله: (هو الأول ~~والآخر). # وقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا على فإنه من صلى على واحدة صلى الله ~~عليه بها عشرا) في قوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها). # وقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم سلوا الله لي الوسيلة) في قوله: (عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما " محمودا ")، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا ~~إليه الوسيلة). # وقوله: ms0365 (حلت له شفاعتي يوم القيامة) في قوله: (من يشفع شفاعة " حسنة " ~~يكن له نصيب منها). # وقوله صلى الله عليه وسلم: (دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند ~~رأسه ملك موكل به، كلما دعا لأخيه بشئ قال الملك: آمين). # (ولك بمثله) في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) إلى أخر السورة، هذا ~~دعاء من يأتي به لنفسه ولجماعة المسلمين بظهر الغيب، تقول الملائكة في ~~السماء: (آمين) وقد قال تعالى: (ولعبدي ما سأل). # ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إن إبراهيم حرم مكة وأنا حرمت ~~المدينة). # وقوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد) يريد مكة، ثم قال: (وأنت حل بهذا ~~PageV02P139 # البلد) يمكن أن يريد به المدينة، ويكون في الآية تعريض بحرمة البلدين، ~~حيث أقسم بهما، وتكراره البلد مرتين دليل على ذلك، وجعل الإسمين لمعنيين ~~أولى من أن يكونا لمعنى واحد، وأن يستعمل الخطاب في البلدين أولى من ~~استعماله في أحدهما، بدليل وجود الحرمة فيهما. # ومن ذلك حديث الدجال. # قلت: وقع سؤال بين جماعة من الفضلاء في أنه: ما الحكمة أنه لم يذكر ~~الدجال في القرآن! وتلمحوا منه في ذلك حكما "، ثم رأيت هذا الإمام قال: إن ~~في القرآن تعريضا " بقصته في قصة السامري وقوله سبحانه: (وإن لك موعدا " لن ~~تخلفه)، وقوله في سورة الإسراء في قوله: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ~~لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا " كبيرا ". فإذا جاء وعد أولاهما)، فذكر ~~الوعد الأول، ثم ذكر الكرة التي لبني إسرائيل عليه، ثم ذكر الآخرة فقال: ~~(فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم...) الآية، ثم قال: (وإن عدتم عدنا)، ~~وفيه إشارة إلى خروج عيسى. # وكذلك هو في الآيات الأول من سورة الكهف في قوله: (وإنا لجاعلون ما عليها ~~صعيدا جرزا ")، والدجال مما على الأرض، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (من ~~قرأ الآيات من أول سورة الكهف عصمه الله من فتنة الدجال)، يريد والله أعلم: ~~من PageV02P140 # قرأها بعلم ومعرفة. وهو أيضا في المفهوم من قوله: (محمد رسول الله)، ~~(وخاتم النبيين). # ومن الأمر بمجاهدة ms0366 المشركين والمنافقين قوله صلى الله عليه وسلم: (تخرج ~~الأرض أفلاذ كبدها، ويحسر الفرات عن جبل من ذهب) في قوله تعالى: (وأخرجت ~~الأرض أثقالها)، فإن الأرض تلقى ما فيها من الذهب والفضة، حتى يكون آخر ما ~~تلقى الأموات أحياء. # ومصداقه أيضا في عموم قوله: (يخرج الخبء في السماوات والأرض)، فتوجه ~~القرآن إلى الإخبار عن اخراجها الأموات أحياء، وتوجه الحديث إلى الإخبار عن ~~اخراجها كنوزها ومعادنها. # وقوله صلى الله عليه وسلم: (حتى تعود أرض العرب مروجا) في قوله تعالى: # (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها) أتاها ~~أمرنا ليلا " أو نهارا " فجعلناها حصيدا " كأن لم تغن بالأمس...) الآية. ~~وذلك يكون عند إتمام كلمة الحق: (وإن تتولوا يستبدل قوما " غيركم) وقد ~~تولوا، وقوله: # (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) يومئذ تظهر العقبة ونلقى الأمر بجرانه، ~~وتضع الحرب أوزارها، ويكون ذلك علما " على الساعة، وآية على قرب الانقراض. # وقوله صلى الله عليه وسلم في مثل الدنيا: (إن مما أخاف عليكم ما يفتح ~~عليكم من PageV02P141 # زهرة الدنيا وزينتها) في قوله تعالى: (كلا إن الانسان ليطغى. أن رآه ~~استغنى). # وقوله: (أنما الحياة الدنيا لعب). # ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت ~~أبواب النار وصفدت الشياطين) في مفهوم قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما ~~كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) إلى أن الصوم ينتهى نفعه إلى اكتساب ~~التقوى، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة) ولا يكون ذلك إلا بضعف ~~حزب الشيطان، فتغلق عنه أبواب المعاصي، وهي أبواب جهنم، وتفتح له أبواب ~~الطاعة والقربات، وهي أبواب الجنات. # وقوله صلى الله عليه وسلم (تسحروا فإن في السحور بركة) من آثار قوله ~~تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض)، ومن بركته حضوره الذي ~~هو وصف نزوله جل وعلا إلى سماء الدنيا كل ليلة، فكأنه صلى الله عليه وسلم ~~يبتغى البركة في موضع خطاب ربه، وفى موضع حضوره أو ذكره، أو اسم من أسمائه، ~~ومن هنا وقع ms0367 التعبد باسم المبارك، واسم القدوس. # وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ~~ها هنا فقد أفطر الصائم) في قوله تعالى: (ثم أتموا الصيام إلى الليل)، ~~وقوله: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) والبركة في ~~اتباع مجارى خطابه، وإن كان الخطاب حكمه حكم إباحة، كما أن البركة في اتباع ~~السنة والاقتداء، ولهذا كان أكثر الصحابة: لا يصلون المغرب إلا على فطر، ~~وكانوا يؤخرون السحور إلى PageV02P142 # بزوغ الفجر ابتغاء البركة في ذلك، والخير الموعود به. # وقوله صلى الله عليه وسلم: (إني أبيت عند ربى يطعمني ويسقين) في معنى ~~قوله حكاية عن خليله: (والذي هو يطعمني ويسقين) والمعنى بما يفتح الله ~~لخاصته من خلقه الذين لا يطعمون، إنما غذاؤهم التسبيح والتهليل والتحميد. # وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الصعب بن جثامة: (إنا لم نرده عليك إلا ~~أنا حرم) في مفهوم قوله تعالى: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم)، والآكل راض ~~والراضي شريك. # وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث حنظلة: (لو أنكم تدومون على ما كنتم ~~عندي لصافحتكم الملائكة، ولكن ساعة وساعة) في قوله: (وإذا مس الانسان الضر ~~دعانا لجنبه أو قاعدا " أو قائما " فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ~~ضر مسه)، وقوله: (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون. ثم إذا كشف الضر عنكم إذا ~~فريق منكم بربهم يشركون) فذكر تعالى اللجأ إليه عندما يلحق الانسان الضر، ~~وهو ذكر صوري، فلو كان الذكر بينهم على الدوام، لم تفارقهم الملائكة ~~السياحون الملازمون حلق الذكر، كما قال تعالى عنهم: (يسبحون الليل والنهار ~~لا يفترون)، ولو قربوا من الملائكة هذا القرب لبدت لهم عيانا، ولأكرمهم ~~الله منه بحسن الصحبة وجميل الألفة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: (يبعث كل عبد على ما مات عليه) في قوله تعالى: ~~PageV02P143 # (سواء محياهم ومماتهم). # وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب من كان منهم ~~ثم يبعثون على أعماهم) في قوله تعالى (واتقوا فتنة ms0368 لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة "). # وقوله صلى الله عليه وسلم: (من سن في الاسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من ~~عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سن في الاسلام ~~سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) في قوله تعالى: ~~(من يشفع شفاعة " حسنة " يكن له نصيب منها، ومن يشفع شفاعة سيئة " يكن له ~~كفل منها)، ومع قوله: # (ليحملوا أوزارهم كاملة " يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم)، وقوله: (وليحملن أثقالهم وأثقالا " مع أثقالهم) مع ما جاء من نبأ ~~ابني آدم. # وقوله صلى الله عليه وسلم في جواب من سأله: أي الصدقة أعظم؟ قال: (أن ~~تصدق وأنت صحيح شحيح ولا تمهل، (حتى إذا بلغت الحلقوم...) والحديث) في قوله ~~تعالى: # (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا " وعلانية ~~" من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال). # وقوله: (اليد العليا خير من اليد السفلى) في قوله تعالى: (والله الغنى ~~وأنتم الفقراء)، وقد جاء أن اليد السفلى الآخذة، والعليا هو المعطية، ~~وشاهده قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا " حسنا "). # وقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: (من يقرض غير عديم ولا ~~PageV02P144 # ظلوم)، ووجه ذلك أن العطية من أيدينا مفتقرة إلى من يضع فيها حقا وجب ~~عليها، ويطهرها بذلك من ذنوبها وأنجاسها، ولولا اليد الآخذة ما قدر صاحب ~~المال على صدقة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يفقهه) في قوله تعالى: ~~(وإلهكم إله واحد) إلى قوله: (لآيات لقوم يعقلون)، وقوله: (انظر كيف نصرف ~~الآيات لعلهم يفقهون)، وقوله: (تحسبهم جميعا " وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم ~~لا يعقلون)، ووصف من لم يفهم عن المخلوقات بقوله: (لا تفقهون تسبيحهم)، ثم ~~أعلم سبحانه سعة مغفرته لمن في الأرض الذين لا يسبحونه ولا تفقهون تسبيح ~~المسبحين من خلقه، ثم أعلم بالعلة التي لأجلها حرموا الفقه عن ربهم، وأن ~~ذلك هو ختم عقوبة الإعراض ms0369 بقوله: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين ~~لا يؤمنون بالآخرة حجابا " مستورا ". وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه...) ~~الآية. # وبالجملة فالقرآن كله لم ينزله تعالى، إلا ليفهمه، ويعلم ويفهم، ولذلك ~~خاطب به أولى الألباب الذين يعقلون، والذين يعلمون، والذين يفقهون، والذين ~~يتفكرون، ليدبروا آياته، وليتذكر أولو الألباب. # وكذلك ما خلق الله الدنيا إلا مثالا للآخرة، فمن فقه عن ربه عز وجل مراده ~~منها، فقد أراح نفسه، وأجم فكره من هذه الجملة. # وفى هذا النوع من الفقه أفنى أولو الألباب أعمارهم، وفى تعريفه أتعبوا ~~قلوبهم، وواصلوا أفكارهم. # رزقنا الله من فضله العظيم نورا " نمشي به في الظلمات، وفرقانا نفرق به ~~بين المتشابهات! PageV02P145 # النوع الحادي والأربعون معرفة تفسيره وتأويله [معاني العبارات التي يعبر ~~بها عن الأشياء] وهو يتوقف على معرفة تفسيره وتأويله ومعناه: # قال ابن فارس: معاني العبارات التي يعتبر بها عن الأشياء، ترجع إلى ~~ثلاثة: # المعنى، والتفسير، والتأويل، وهي وإن اختلفت فالمقاصد بها متقاربة. # فأما المعنى فهو القصد والمراد، يقال: عنيت بهذا الكلام كذا، أي قصدت ~~وعمدت. # وهو مشتق من الإظهار، يقال: عنت القربة، إذا لم تحفظ الماء بل أظهرته، ~~ومنه عنون الكتاب. # وقيل: مشتق من قولهم: عنت الأرض بنبات حسن، إذا أنبتت نباتا حسنا. # قلت: وحيث قال المفسرون: (قال أصحاب العاني) فمرادهم مصنفو الكتب في ~~PageV02P146 # معاني القرآن، كالزجاج ومن قبله وغيرهم، وفى بعض كلام الواحدي: أكبر أهل ~~المعاني الفراء والزجاج وابن الأنباري، قالوا كذا كذا، ومعاني القرآن ~~للزجاج لم يصنف مثله. # وحيث أطلق المتأخرون أهل المعاني، فمرادهم بهم مصنفو العلم المشهور. # وأما التفسير في اللغة، فهو راجع إلى معنى الإظهار والكشف، وأصله في ~~اللغة من التفسرة، الذي وهي القليل من الماء الذي ينظر فيه الأطباء، فكما ~~أن الطبيب بالنظر فيه يكشف عن علة المريض، فكذلك المفسر، يكشف عن شأن الآية ~~وقصصها ومعناها، والسبب الذي أنزلت فيه، وكأنه تسمية بالمصدر، لأن مصدر ~~(فعل) جاء أيضا على (تفعلة)، نحو: جرب تجربة، وكرم تكرمة. # وقال ابن الأنباري: قول العرب: فسرت الدابة وفسرتها، ms0370 إذا ركضتها محصورة ~~لينطلق حصرها، وهو يؤول إلى الكشف أيضا. # فالتفسير كشف المغلق من المراد بلفظه، وإطلاق للمحتبس عن الفهم به، ~~ويقال: # فسرت الشئ أفسره تفسيرا، وفسرته أفسره فسرا، والمزيد من الفعلين أكثر في ~~الاستعمال، وبمصدر الثاني منها سمى أبو الفتح بن جنى كتبه الشارحة حتى ~~(الفسر). # وقال آخرون: هو مقلوب من (سفر) ومعناه أيضا الكشف، يقال: سفرت المرأة ~~سفورا، إذا ألقت خمارها عن وجهها، وهي سافرة، وأسفر الصبح أضاء، وسافر ~~فلان، وإنما بنوه على التفعيل، لأنه للتكثير، كقوله تعالى: (يذبحون ~~أبناءكم)، (وغلقت الأبواب)، فكأنه يتبع سورة بعد سورة، وآية بعد أخرى. ~~PageV02P147 # وقال ابن عباس في قوله تعالى: (وأحسن تفسيرا) أي تفصيلا. # وقال الراغب: الفسر والسفر يتقارب معناهما كتقارب لفظيهما، لكن جعل الفسر ~~لإظهار المعنى المعقول، ومنه قيل لما ينبئ عنه البول: تفسرة وسمى بها ~~قارورة الماء، وجعل السفر لإبراز الأعيان للأبصار، فقيل سفرت المرأة عن ~~وجهها، وأسفر الصبح. # وفى الاصطلاح: هو علم نزول الآية وسورتها وأقصيصها، والإشارات النازلة ~~فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، ~~وخاصها وعامتها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها. # وزاد فيها قوم فقالوا: علم حلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ~~ونهيها، وعبرها وأمثالها، وهذا الذي منع فيه القول بالرأي. # وأما التأويل فأصله في اللغة من الأول، ومعنى قولهم: ما تأويل هذا ~~الكلام؟ # أي إلام تؤول العاقبة في المراد به؟ كما قال تعالى: (يوم يأتي تأويله) أي ~~تكشف عاقبته، ويقال: آل الأمر إلى كذا، أي صار إليه، وقال تعالى: (ذلك ~~تأويل ما لم تسطع عليه صبرا "). # وأصله من المآل، وهو العاقبة والمصير، وقد أولته فآل، أي صرفته فانصرف، ~~فكأن التأويل صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني. # وإنما بنوه على التفعيل لما تقدم ذكره في التفسير. PageV02P148 # وقيل: أصله من الإيالة، وهي السياسة، فكأن المؤول للكلام يسوى الكلام، ~~ويضع المعنى فيه موضعه. # [الفرق بين التفسير والتأويل] ثم قيل: التفسير والتأويل واحد بحسب عرف ~~الاستعمال: والصحيح تغايرهما. # واختلفوا، فقيل: التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل، ورد أحد الاحتمالين ~~إلى ms0371 ما يطابق الظاهر. # قال الراغب: التفسير أعم من التأول، وأكثر استعماله في الألفاظ، وأكثر ~~استعمال التأويل في المعاني، كتأويل الرؤيا، وأكثره يستعمل في الكتب ~~الإلهية، والتفسير يستعمل في غيرها. والتفسير أكثر ما يستعمل في معاني ~~مفردات الألفاظ. # واعلم أن التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن، وبيان المراد، أعم من ~~أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر وغيره، والتفسير ~~أكثره في الجمل. # والتفسير إما أن يستعمل في غريب الألفاظ، كالبحيرة والسائبة والوصيلة، أو ~~في وجيز مبين بشرح، كقوله: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، وإما في كلام ~~مضمن لقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها، كقوله: (إيما النسئ زيادة في ~~الكفر)، وقوله: # (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها)، وأما التأويل فإنه يستعمل مرة ~~عاما، ومرة خاصا، نحو (الكفر) يستعمل تارة في الجحود المطلق، وتارة في جحود ~~PageV02P149 # البارئ خاصة، و (الإيمان) المستعمل في التصديق المطلق تارة، وفى تصديق ~~الحق تارة. وإما في لفظ مشترك بين معان مختلفة. # وقيل: التأويل كشف ما انغلق من المعنى، ولهذا قال البجلي: التفسير يتعلق ~~بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية، وهما راجعان إلى التلاوة والنظم المعجز ~~الدال على الكلام القديم القائم بذات الرب تعالى. # قال أبو نصر القشيري: ويعتبر في التفسير الاتباع والسماع، وإنما ~~الاستنباط فيما يتعلق بالتأويل، وما لا يحتمل إلا معنى " واحدا حمل عليه. ~~وما احتمل معنيين أو أكثر، فإن وضع لأشياء متماثلة كالسواد، حمل على الجنس ~~عند الإطلاق، وإن وضع لمعان مختلفة، فإن ظهر أحد المعنيين حمل على الظاهر، ~~إلا أن يقوم الدليل، وإن استويا سواء كان الاستعمال فيهما حقيقة أو مجازا، ~~أو في أحدهما حقيقة وفى الآخر مجاز كلفظه (المس) فإن تنافى الجمع فمجمل ~~يتوقف على البيان من غيره. وإن تنافيا، فقد قال قوم: يحمل على المعنيين. ~~والوجه عندنا التوقف. # وقال أبو القاسم بن حبيب النيسابوري والبغوي والكواشي وغيرهم: التأويل ~~صرف الآية إلى معنى " موافق لما قبلها وما بعدها، تحتمله الآية، غير مخالف ~~للكتاب والسنة من طريق الاستنباط. # قالوا: وهذا غير محظور على العلماء ms0372 بالتفسير، وقد رخص فيه أهل العلم، ~~وذلك مثل قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، قيل: هو الرجل يحمل ~~في الحرب على مائة رجل، وقيل: هو الذي يقنط من رحمة الله. وقيل: الذي يمسك ~~عن النفقة. وقيل: هو الذي ينفق الخبيث من ماله. وقيل: الذي يتصدق بماله ~~كله، ثم يتكفف الناس، ولكل منه مخرج ومعنى. PageV02P150 # ومثل قوله تعالى للمندوبين إلى الغزو، عند قيام النفير: (انفروا خفافا " ~~وثقالا ")، قيل: شيوخا وشبابا. وقيل: أغنياء وفقراء، وقيل: عزابا ومتأهلين، ~~وقيل: نشاطا وغير نشاط. وقيل: مرضى وأصحاء، وكلها سائغ جائز، والآية محمولة ~~عليها، لأن الشباب والعزاب والنشاط والأصحاء خفاف، وضدهم ثقال. # ومثل قوله تعالى: (ويمنعون الماعون)، قيل: الزكاة المفروضة، وقيل: # العارية، أو الماء، أو النار، أو الكلأ، أو الرفد، أو المغرفة، وكلها ~~صحيح، لأن مانع الكل آثم. # وكقوله تعالى: (الناس من يعبد الله على حرف) فسره أبو عبيد، أي لا يدوم، ~~وقال ثعلب: أي على شك. وكلاهما قريب، لأن المراد أنه غير ثابت على دينة، ~~ولا تستقيم البصيرة فيه. # وقيل: في القرآن ثلاث آيات، في كل منها مائة قول، قوله: (فاذكروني ~~أذكركم)، (وإن عدتم عدنا)، (وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان). # فهذا وأمثاله ليس محظورا على العلماء استخراجه، بل معرفة واجبة، ولهذا ~~قال تعالى: # (وابتغاء تأويله). # ولولا أن له تأويلا سائغا في اللغة لم يبينه سبحانه. والوقف على قوله: # (والراسخون). قال القاضي أبو المعالي: إنه قول الجمهور، وهو مذهب ابن ~~مسعود، PageV02P151 # وأبي بن كعب، وابن عباس،، وما نقله بعض الناس عنهم بخلاف ذلك فغلط. # فأما التأويل المخالف للآية والشرع، فمحظور لأنه تأويل الجاهلين، مثل ~~تأويل الروافض لقوله تعالى: (مرج البحرين يلتقيان) انهما على وفاطمة، (يخرج ~~منهما اللؤلؤ والمرجان) يعني الحسن والحسين رضي الله عنهما. # وكذلك قالوا في قوله تعالى: (وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل) إنه معاوية، وغير ذلك. # قال الإمام أبو القاسم محمد بن حبيب النيسابوري رحمه الله: وقد نبغ في ~~زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ms0373 ما اهتدوا إليه، لا ~~يحسنون وإن القرآن تلاوة، ولا يعرفون معنى السورة أو الآية، ما عندهم الا ~~التشنيع عند العوام، والتكثير عند الطغام، لنيل ما عندهم من الحطام، أعفوا ~~أنفسهم من الكد والطلب، وقولبهم من الفكر والتعب، لاجتماع الجهال عليهم، ~~وازدحام ذوي الأغفال لديهم، لا يكفون الناس من السؤال، ولا يأنفون عن ~~مجالسة الجهال، مفتضحون كما عند السبر والذواق، زائغون هو عن العلماء عند ~~التلاق، يصادرون الناس مصادرة السلطان، ويختطفون وسلم ما عندهم اختطاف ~~السرحان، يدرسون بالليل صفحا " ويحكونه بالنهار شرحا، إذا سئلوا غضبوا، ~~وإذا نفروا هربوا، القحة رأس مالهم، والخرق والطيش خير خصالهم، يتحلون بما ~~ليس فيهم، ويتنافسون فيما يرذلهم، الصيانة عنهم بمعزل، وهم من الخنى والجهل ~~في جوف منزل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي ~~زور) وقد قيل: PageV02P152 # من تحلى بغير ما هو فيه * فضحته شواهد الامتحان وجرى في السباق جرية سكيت ~~نفته الجياد عند الرهان قال: حكي عن بعضهم أنه سئل عن (الحاقة) فقال: ~~الحاقة: جماعة من الناس إذا صاروا في المجلس قالوا: كنا في الحاقة. وقال ~~آخر في قوله تعالى: (يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) قال: أمر الأرض ~~باخراج الماء، والسماء بصب الماء وكأنه على القلب. وعن بعضهم في قوله ~~تعالى: (الموءودة سئلت) قال: إن الله ليسألكم عن الموؤودات فيما بينكم في ~~الحياة الدنيا. # وقال آخر في قوله: (فليتنافس المتنافسون) قال: إنهم تعبوا في الدنيا، ~~فإذا دخلوا الجنة تنعموا. # قال أبو القاسم: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى ~~ابن معاذ الرازي يقول: أفواه الرجال حوانيتها، وأسنانها صنائعها، فإذا فتح ~~الرجل باب حانوته تبين العطار من البيطار، والتمار من الزمار، والله ~~المستعان على سوء الزمان، وقلة الأعوان. # فصل [في حاجة المفسر إلى الفهم والتبحر في العلوم] كتاب الله بحره عميق، ~~وفهمه دقيق، لا يصل إلى فهمة إلا من تبحر في العلوم، وعامل الله بتقواه في ~~السر والعلانية، وأجله عند مواقف الشبهات. واللطائف والحقائق لا ms0374 يفهمها فيه ~~إلا من القى السمع وهو شهيد، فالعبارات للعموم وهي للسمع، والإشارات ~~PageV02P153 # للخصوص وهي للعقل، وللطائف للأولياء وهي المشاهد، والحقائق للأنبياء، وهي ~~الاستسلام. # وللكل وصف ظاهر وباطن، وحد ومطلع، فالظاهر التلاوة، والباطن الفهم، والحد ~~إحكام الحلال والحرام، والمطلع - أي الإشراق - من الوعد والوعيد، فمن فهم ~~هذه الملاحظة بان له بسط الموازنة، وظهر له حال المعاينة. وفى صحيح ابن ~~حبان عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنزل القرآن ~~على سبعة أحرف لكل آية منه ظهر وبطن). # ثم فوائده على قدر ما يؤهل له سمعه، فمن سمعه من التالي ففائدته فيه علم ~~أحكامه، ومن سمعه كأنما يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤه على أمته ~~بموعظته وتبيان معجزته، وانشراح صدره بلطائف خطابه، ومن سمعه كأنما سمعه من ~~جبريل عليه السلام، يقرؤه على النبي صلى الله عليه وسلم، يشاهد في ذلك ~~مطالعات الغيوب، والنطق إلى ما فيه من الوعود، ومن سمع الخطاب فيه من الحق ~~فنى عنده، وامحت صفاته، وصار موصوفا بصفات التحقيق عن مشاهدة علم اليقين، ~~وعين اليقين، وحق اليقين. وقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه: # لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجها. # وقال ابن مسعود: من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن. # قال ابن سبع في " شفاء الصدور ": هذا الذي قاله أبو الدرداء وابن مسعود ~~لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر، وقد قال بعض العلماء: لكل آية ستون الف فهم، ~~وما بقي من فهمها أكثر. وقال آخر: القرآن يحوى سبعة وسبعين ألف علم ومائتي ~~علم، PageV02P154 # إذ لكل كلمة علم، ثم يتضاعف ذلك أربعة، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن، وحد ~~ومطلع. # وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله تعالى وصفاته، وفى القرآن شرح ~~ذاته وصفاته وأفعاله، فهذه الأمور تدل على أن فهم معاني القرآن مجالا " ~~رحبا، ومتسعا بالغا، وأن المنقول من ظاهر التفسير ليس ينتهي الإدراك فيه ~~بالنقل، والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير، ليتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ~~ذلك يتسع الفهم ولاستنباط، ms0375 والغرائب التي لا تفهم إلا باستماع فنون كثيرة. ~~ولا بد من الإشارة إلى جمل منها ليستدل بها على أمثالها، ويعلم انه لا يجوز ~~التهاون بحفظ التفسير الظاهر أولا، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل ~~إحكام الظاهر. # ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر، فهو كمن ادعى البلوغ ~~إلى صدر البيت قبل تجاوز الباب، فظاهر التفسير يجرى مجرى تعلم اللغة التي ~~لا بد منها للفهم، وما لا بد فيها من استماع كثير، لأن القرآن نزل بلغة ~~العرب، فما كان الرجوع فيه إلى لغتهم، فلا بد من معرفتها أو معرفة أكثرها، ~~إذ الغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق الفهم ليفتح بابه، ويستدل المريد ~~بتلك المعاني التي ذكرناها من فهم باطن علم القرآن ظاهره، على أن فهم كلام ~~الله تعالى لا غاية له، كما لا نهاية للمتكلم به، فأما الاستقصاء فلا مطمع ~~فيه للبشر، ومن لم يكن له علم وفهم وتقوى وتدبر لم يدرك من لذة القرآن ~~شيئا. # ومن أحاط بظاهر التفسير - وهو معنى الألفاظ في اللغة - لم يكف ذلك في فهم ~~حقائق المعاني، ومثاله قوله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، ~~فظاهر تفسيره واضح، وحقيقة معناه غامضة، فإنه إثبات للرمي، ونفى له، وهما ~~متضادان PageV02P155 # في الظاهر، ما لم يفهم أنه رمى من وجه، ولم يرم من جه، ومن الوجه الذي لم ~~يرم ما رماه الله عز وجل. # وكذلك قال: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم)، فإذا كانوا هم القاتلين كيف ~~يكون الله تعالى هو المعذب، وإن كان تعالى هو المعذب بتحريك أيديهم، فما ~~معنى أمرهم بالقتال! # فحقيقة هذا تستمد من بحر عظيم من علوم المكاشفات، فلا بد أن يعلم وجه ~~ارتباط الأفعال بالقدرة، وتفهم وجه ارتباط القدرة بقدره الله تعالى حتى ~~تتكشف وتتضح، فمن هذا الوجه تفاوت الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ~~ظاهر التفسير. # فصل [في أمهات مآخذ التفسير للناظر في القرآن] لطالب التفسير مآخذ كثيرة، ~~أمهاتها أربعة: # الأول: النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0376 وهذا هو الطراز الأول، لكن ~~يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع، فإنه كثير. # وإن سواد الأوراق سواد في القلب. قال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ~~ثلاث كتب ليس لها أصول: المغازي والملاحم والتفسير. قال المحققون من ~~أصحابه: ومراد أن الغالب أنها ليس لها أسانيد صحاح متصلة، وإلا فقد صح من ~~ذلك كثير. # فمن ذلك تفسير الظلم بالشرك في قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم)، PageV02P156 # وتفسير (الحساب اليسير) بالعرض، رواهما البخاري. # وتفسير (القوة) في: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) بالرمي، رواه مسلم. # وبذلك يرد تفسير مجاهد بالخيل. # وكتفسير العبادة بالدعاء، في قوله: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي). # الثاني: الأخذ بقول الصحابي فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم، كما قاله الحاكم في تفسيره. # وقال أبو الخطاب من الحنابلة: يحتمل ألا يرجع إليه إذا قلنا إن قوله ليس ~~بحجة: # والصواب الأول، لأنه من باب الرواية لا الرأي. # وقد اخرج ابن جرير عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: والذي لا إله ~~إلا هو، ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو ~~أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته. وقال أيضا: كان ~~الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعلم معانيهن، والعمل بهن. # وصدور المفسرين من الصحابة: على، ثم ابن عباس - وهو تجرد لهذا الشأن، ~~والمحفوظ عنه أكثر من المحفوظ عن علي، إلا ابن عباس كان أخذ عن علي - ~~ويتلوه عبد الله بن عمرو بن العاص، وكل ما ورد عن غيرهم من الصحابة فحسن ~~مقدم. PageV02P157 # مسألة [في الرجوع إلى أقوال التابعين، ثم ذكر طبقات المفسرين] وفى الرجوع ~~إلى قول التابعي روايتان عن أحمد، واختار ابن عقيل المنع، وحكوه عن شعبة، ~~لكن عمل المفسرين على خلافه. وقد حكوا في كتبهم أقوالهم، كالضحاك ابن ~~مزاحم، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وأبى العالية الرياحي، والحسن ~~البصري، والربيع بن انس، ومقاتل بن سليمان، وعطاء بن أبي سلمة ms0377 الخراساني، ~~ومرة الهمداني وعلي بن أبي طلحة الوالبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبى بكر ~~الأصم عبد الرحمن بن كيسان، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وعكرمة مولى ابن ~~عباس، وعطية الموفى، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن زيد بن أسلم. # فهذه تفاسير القدماء المشهورين، وغالب أقوالهم تلقوها من الصحابة، ولعل ~~اختلاف الرواية عن أحمد إنما هو فيما كان من أقوالهم وآرائهم. # ومن المبرزين في التابعين الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ثم يتلوهم عكرمة ~~والضحاك - وإن لم يلق ابن عباس، وإنما أخذ عن ابن جبير. # وأما عامر السدي فكان عامر الشعبي يطعن عليه وعلى أبي صالح لأنه كان ~~يراهما مقصرين في النظر. # وقال الحافظ أبو أحمد بن عدى في كتابه " الكامل ": للكلبي أحاديث صالحة، ~~وخاصة عن أبي صالح، وهو معروف بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه، ~~PageV02P158 # ولا أشيع فيه. وبعده مقاتل بن سليمان، إلا أن الكلبي يفضل على مقاتل، لما ~~في مقاتل من المذاهب الرديئة. ثم بعد هذه الطبقة ألفت تفاسير تجمع أقوال ~~الصحابة والتابعين، كتفسير سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن ~~الحجاج، ويزيد بن هارون، والمفضل، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وإسحاق بن ~~راهويه، وروح بن عبادة، ويحيى ابن قريش، ومالك بن سليمان الهروي، وعبد بن ~~حميد الكشي، وعبد الله بن الجراح، وهشيم بن بشير، وصالح بن محمد اليزيدي، ~~وعلي بن حجر بن إياس السعدي، ويحيى بن محمد بن عبد الله الهروي، وعلي بن ~~أبي طلحة، وابن مردويه، وسنيد، والنسائي، وغيرهم. # ووقع في مسند أحمد والبزار ومعجم الطبراني وغيرهم كثير من ذلك. # ثم إن محمد بن جرير الطبري جمع على الناس أشتات التفاسير، وقرب البعيد. # وكذلك عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي. وأما أبو بكر النقاش وأبو جعفر ~~النحاس، فكثيرا ما استدرك الناس عليهما، وعلى سننهما مكي، والمهدوي حسن ~~التأليف، وكذلك من تبعهم كابن عطية، وكلهم متقن مأجور، فجزاهم الله خيرا. # تنبيه [فيما يجب أن يلاحظ عند نقل أقوال المفسرين] يكثر في معنى الآية ~~أقوالهم واختلافهم، ويحكيه المصنفون ms0378 للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ، ويظن ~~من لا فهم عنده أن في ذلك اختلافا فيحكيه أقوالا، وليس كذلك، بل يكون كل ~~واجد منهم ذكر معنى ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك ~~القائل، أو لكونه أليق بحال السائل. وقد يكون PageV02P159 # بعضهم يخبر عن الشئ بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول ~~إلى معنى واجد غالبا، والمراد الجميع، فليتفطن لذلك، ولا يفهم من اختلاف ~~العبارات، اختلاف المرادات، كما قيل: # عباراتنا شتى وحسنك واحد * وكل إلى ذاك الجمال يشير هذا كله حيث أمكن ~~الجمع، فأما إذا لم يمكن الجمع، فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم ~~عنه إن استويا في الصحة، وإلا فالصحيح المقدم، وكثيرا ما يذكر المفسرون ~~شيئا في الآية على جهة التمثيل لما دخل في الآية، فيظن بعض الناس أنه قصر ~~الآية على ذلك ولقد بلغني عن شخص أنه أنكر على الشيخ أبي الحسن الشاذلي ~~قوله في قوله: (نأت بخير منها أو مثلها): ما ذهب الله مولى إلا أتى بخير ~~منه أو مثله. # الثالث: الأخذ بمطلق اللغة فإن القرآن نزل (بلسان عربي مبين). وقد ذكره ~~جماعة، ونص عليه أحمد بن حنبل في مواضع، لكن نقل الفضل بن زياد عنه - وقد ~~سئل عن القرآن - تمثل له رجل ببيت من الشعر، فقال: ما يعجبني. فقيل: ظاهره ~~المنع، ولهذا قال بعضهم: في جواز تفسير القرآن بمقتضى اللغة روايتان عن ~~أحمد. وقيل: الكراهة تحمل على من يصرف الآية عن ظاهرها إلى معان خارجة ~~محتملة، يدل عليها القليل من كلام العرب، ولا يوجد غالبا إلا في الشعر ~~ونحوه، ويكون المتبادر خلافها. # وروى البيهقي في شعب الإيمان عن مالك بن أنس قال: لا أوتي برجل غير عالم ~~بلغات العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا ". PageV02P160 # الرابع: التفسير بالمقتضى من معنى الكلام والمقتضب من قوة الشرع وهذا هو ~~الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس في قوله: (اللهم فقهه في ~~الدين وعلمه التأويل). # وروى البخاري رحمه الله في كتاب الجهاد في صحيحه ms0379 عن علي: هل خصكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بشئ؟ فقال: ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة أو فهم ~~يؤتاه الرجل. # وعلى هذا قال بعض أهل الذوق: للقرآن نزول وتنزل، فالنزول قد مضى، والتنزل ~~باق إلى قيام الساعة. # ومن ها هنا اختلف الصحابة في معنى الآية، فأخذ كل واحد برأيه على مقتضى ~~نظره في المقتضى. # ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل، لقوله تعالى: ~~(ولا تقف ما ليس لك به علم)، وقوله: (وأن تقولوا على الله مالا تعلمون)، ~~وقوله تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم) فأضاف البيان إليهم. # وعليه حملوا قوله صلى الله عليه وسلم (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ ~~مقعده من النار)، رواه البيهقي من طرق، من حديث ابن عباس. وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: (من تلكم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ)، أخرجه أبو داود ~~والترمذي والنسائي، وقال: # غريب من حديث ابن جندب. PageV02P161 # وقال البيهقي في " شعب الإيمان ": هذا إن صح، فإنما أراد - والله أعلم - ~~الرأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه، فمثل هذا الذي لا يجوز الحكم به في ~~النوازل، وكذلك لا يجوز تفسير القرآن به. # وأما الرأي الذي يسنده برهان فالحكم به في النوازل جائز، وهذا معنى قول ~~الصديق: # (أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي!). # وقال في " المدخل ": في هذا الحديث نظر، وإن صح فإنما أراد - والله أعلم: ~~فقد أخطأ الطريق، فسبيله أن يرجع في تفسير ألفاظه إلى أهل اللغة، وفى معرفة ~~ناسخه ومنسوخه وسبب نزوله وما يحتاج فيه إلى بيانه إلى أخبار الصحابة، ~~الذين شاهدوا تنزيله، وأدوا إلينا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~يكون تبيانا لكتاب الله، قال الله تعالى: # (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون). # فما ورد بيانه عن صاحب الشرع، ففيه كفاية عن ذكره من بعده، وما لم يرد ~~عنه بيان ففيه حينئذ فكرة أهل العلم بعده، ليستدلوا بما ورد بيانه ms0380 على ما ~~لم يرد. # قال: وقد يكون المراد به من قال فيه برأيه من غير معرفة منه بأصول العلم ~~وفروعه، فتكون موافقته للصواب - وإن وافقه من حيث لا يعرفه - غير محمودة. # وقال الإمام أبو الحسن الماوردي في نكته: قد حمل بعض المتورعة هذا الحديث ~~على ظاهره، وامتنع من أن يستنبط به معاني القرآن باجتهاده. ولو صحبتها ~~الشواهد، ولم يعارض شواهدها نص صريح. وهذا عدول عما تعبدنا من معرفته من ~~النظر في القرآن واستنباط الأحكام منه، كما قال تعالى (لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم). PageV02P162 # ولو صح ما ذهب إليه لم نعلم شئ بالاستنباط، ولما فهم الأكثر من كتاب الله ~~شيئا "، وإن صح الحديث فتأويله أن من تكلم في القرآن بمجرد رأيه ولم يعرج ~~على سوى لفظه وأصاب الحق فقد أخطأ الطريق، وإصابته اتفاق، إذ الغرض أنه ~~مجرد رأى لا شاهد له، وفى الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (القرآن ~~ذلول ذو وجوه محتملة، فاحملوه على أحسن وجوهه). # وقوله (ذلول) يحتمل وجهيه: أحدهما أنه مطيع لحامليه، ينطق بألسنتهم. ~~الثاني أنه موضح لمعانيه حتى لا تقصر عنه أفهام المجتهدين. # وقوله: (ذو وجوه) يحتمل معنيين: أحدهما أن من ألفاظه ما يحتمل وجوها " من ~~التأويل، والثاني أنه قد جمع وجوها " من الأوامر والنواهي، والترغيب و ~~الترهيب، والتحليل والتحريم. # وقوله (فاحملوه على أحسن وجوهه) يحتمل أيضا " وجهين: أحدهما الحمل على ~~أحسن معانيه. والثاني أحسن ما فيه من العزائم دون الرخص، والعفو دون ~~الانتقام، وفيه دلالة ظاهرة على جواز الاستنباط والاجتهاد في كتاب الله. # وقال أبو الليث: # النهى إنما انصرف إلى المتشابه منه، لا إلى جميعه، كما قال تعالى: (فأما ~~الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه)، لأن القرآن إنما نزل حجة على ~~الخلق، فلو لم يجز التفسير لم تكن الحجة بالغة، فإذا كان كذلك جاز لمن عرف ~~لغات العرب وشأن النزول أن يفسره، وأما من كان من المكلفين ولم يعرف وجوه ~~اللغة، فلا يجوز أن يفسره إلا بمقدار ما سمع، فيكون ذلك على وجه ms0381 الحكاية لا ~~على سبيل التفسير، فلا بأس به، ولو أنه يعلم التفسير، فأراد أن يستخرج من ~~الآية حكمة أو دليلا لحكم فلا بأس به. PageV02P163 # ولو قال: المراد من الآية كذا من غير أن سمع منه شيئا " فلا يحل، وهو ~~الذي نهى عنه. انتهى. # وقال الراغب في مقدمة تفسيره: # اختلف الناس في تفسير القرآن: هل يجوز لكل ذي علم الخوض فيه؟ فمنهم من ~~بالغ ومنع الكلام - ولو تفنن الناظر في العلوم، واتسع باعه في المعارف - ~~إلا بتوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عمن شاهد التنزيل من الصحابة ~~أو من أخذ منهم من التابعين، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (من فسر ~~القرآن برأيه فقد أخطأ)، وفى رواية: (من قال في القرآن برأيه فقد كفر). # وقيل: إن كان ذا معرفة وأدب فواسع له تفسيره، والعقلاء والأدباء فوضى في ~~معرفة الأغراض، واحتجوا بقوله تعالى: (ليدبروا آياته وليذكر أولوا الألباب) ~~[أقسام التفسير] وقد روى عبد الرزاق في تفسيره: حدثنا الثوري عن ابن عباس، ~~أنه قسم التفسير إلى أربعة أقسام: قسم تعرفه العرب في كلامها، وقسم لا يعذر ~~أحد بجهالته، يقول من الحلال والحرام، وقسم يعلمه العلماء خاصة، وقسم لا ~~يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه فهو كاذب. # وهذا تقسيم صحيح. # فأما الذي تعرفه العرب، فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك شأن اللغة ~~والإعراب. PageV02P164 # فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها، ولا يلزم ذلك ~~القارئ. ثم إن كان ما تتضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم، كفى فيه خبر ~~الواحد والاثنين والاستشهاد بالبيت والبيتين، وإن كان مما يوجب العلم لم ~~يكف ذلك، بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ، وتكثر شواهده من الشعر. # وأما الإعراب، فما كان اختلافه محيلا " للمعنى وجب على المفسر والقارئ ~~تعلمه، ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم، وليسلم القارئ من اللحن، وإن لم يكن ~~محيلا " للمعنى وجب تعلمه على القارئ ليسلم من اللحن، ولا يجب على المفسر ~~ليتوصل إلى المقصود دونه، على أن جهله نقص في حق الجميع. # إذا ms0382 تقرر ذلك، فما كان من التفسير راجعا " إلى هذا القسم فسبيل المفسر ~~التوقف فيه على ما ورد في لسان العرب، وليس لغير العالم بحقائق اللغة ~~ومفهوماتها تفسير شئ من الكتاب العزيز ولا يكفي في حقه تعلم اليسير منها، ~~فقد يكون اللفظ مشتركا " وهو يعلم أحد المعنيين. # الثاني: ما لا يعذر واحد بجهله، وهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه ~~من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنى واحدا ~~جليا لا سواه يعلم أنه مراد الله تعالى. # فهذا القسم لا يختلف حكمه، ولا يلتبس تأويله، إذ كل أحد يدرك معنى ~~التوحيد من قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)، وأنه لا شريك له في ~~إلهيته، PageV02P165 # وإن لم يعلم أن (لا) موضوعة في اللغة للنفي، و (إلا) للإثبات وأن مقتضى ~~هذه الكلمة الحصر، ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى: (وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة)، ونحوها من الأوامر طلب إدخال ماهية المأمور به في ~~الوجود، وإن لم يعلم أن صيغة (أفعل) مقتضاها الترجيح وجوبا " أو ندبا، فما ~~كان من هذا القسم لا يقدر أحد يدعي الجهل بمعاني ألفاظه، لأنها معلومة لكل ~~أحد بالضرورة. # الثالث: ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فهو ما يجرى مجرى الغيوب نحو الآي ~~المتضمنة قيام الساعة، ونزول الغيث، وما في الأرحام، وتفسير الروح، والحروف ~~المقطعة. # وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره، ولا ~~طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف من أحد ثلاثة أوجه: إما نص من التنزيل، أو بيان ~~من النبي صلى الله عليه وسلم، أو إجماع الأمة على تأويله، فإذا لم يرد فيه ~~توقيف من هذه الجهات علمنا أنه مما استأثر الله تعالى بعلمه. # والرابع: ما يرجع إلى اجتهاد العلماء، وهو الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، ~~وهو صرف اللفظ إلى ما يئول إليه، فالمفسر ناقل، والمؤول مستنبط، وذلك ~~استنباط الأحكام، وبيان المجمل، وتخصيص العموم. # وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد ~~فيه، وعلى العلماء ms0383 اعتماد الشواهد والدلائل، وليس لهم أن يعتمدوا مجرد ~~رأيهم فيه، على ما تقدم بيانه. # وكل لفظ احتمل معنيين، فهو قسمان: PageV02P166 # أحدهما: أن يكون أحدهما أظهر من الآخر، فيجب الحمل على الظاهر إلا أن ~~يقوم دليل على أن المراد هو الخفي دون الجلي فيحمل عليه. # الثاني: أن يكونا جليين والاستعمال فيهما حقيقة. وهذا على ضربين: # أحدهما: أن تختلف أصل الحقيقة فيهما، فيدور اللفظ بين معنيين، هو في ~~أحدهما حقيقة لغوية، وفى الآخر حقيقة شرعية، فالشرعية أولى إلا أن تدل ~~قرينته على إرادة اللغوية، نحو قوله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)، ~~وكذلك إذا دار بين اللغوية والعرفية، فالعرفية ولا أولى لطريانها على ~~اللغة، ولو دار بين الشرعية والعرفية، فالشرعية أولى لأن الشرع ألزم. # الضرب الثاني: لا تختلف أصل الحقيقة، بل كلا المعنيين استعمل فيهما، في ~~اللغة أو في الشرع أو العرف على حد سواء. وهذا أيضا على ضربين: # أحدهما أن يتنافيا اجتماعا، ولا يمكن إرادتهما باللفظ الواحد، كالقرء، ~~حقيقة في الحيض والطهر، فعلى المجتهد أن يجتهد في المراد منهما بالأمارات ~~الدالة عليه، فإذا وصل إليه كان هو مراد الله في حقه، وإن اجتهد مجتهد آخر ~~فأدى اجتهاده إلى المعنى الآخر كان ذلك مراد الله تعالى في حقه، لأنه نتيجة ~~اجتهاده، وما كلف به، فإن لم يترجح أحد الأمرين لتكافؤ الأمارات فقد اختلف ~~أهل العلم، فمنهم من قال يخير في الحمل على أيهما شاء، ومنهم من قال: يأخذ ~~بأعظمهما حكما. ولا يبعد اطراد وجه ثالث، وهو أن يأخذ بالأخف. # كاختلاف جواب المفتين. PageV02P167 # الضرب الثاني ألا يتنافيا اجتماعا، فيجب الحمل عليهما عند المحققين، ~~ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز والفصاحة، وأحفظ في حق المكلف، إلا أن يدل دليل ~~على إرادة أحدهما. # وهذا أيضا ضربان: # أحدهما: أن تكون دلالته مقتضية " لبطلان المعنى الآخر، فيتعين المدلول ~~عليه للإرادة. # الثاني ألا يقتضى بطلانه، وهذا اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: يثبت ~~حكم المدلول عليه ويكون مرادا، ولا يحكم بسقوط المعنى الآخر، بل يجوز أن ~~يكون مرادا ms0384 أيضا، وإن لم يدل عليه دليل من خارج لأن موجب اللفظ عليهما، ~~فاستويا في حكمه وإن ترجح أحدهما بدليل من خارج. ومنهم من قال: ما ترجح ~~بدليل من خارج أثبت حكما " من الآخر لقوته بمظاهرة حدثنا الدليل الآخر. # فهذا أصل نافع معتبر في وجوه التفسير في اللفظ المحتمل، والله أعلم. # إذا تقرر ذلك فينزل قوله صلى الله عليه وسلم: (من تكلم في القرآن بغير ~~علم فليتبوأ مقعده عن النار) على قسمين من هذه الأربعة: # أحدهما: تفسير اللفظ لاحتياج المفسر له إلى التبحر في معرفة لسان العرب. # الثاني حمل اللفظ المحتمل على أحد معنييه، لاحتياج ذلك إلى معرفة أنواع ~~من العلوم: علم العربية واللغة والتبحر فيهما، ومن علم الأصول ما يدرك به ~~حدود الأشياء، وصيغ الأمر والنهي، والخبر، والمجمل والمبين، والعموم ~~والخصوص، والظاهر والمضمر، والمحكم والمتشابه والمؤول، والحقيقة والمجاز، ~~والصريح والكناية، والمطلق والمقيد. ومن علوم الفروع ما يدرك به استنباطا، ~~والاستدلال على هذا أقل ما يحتاج إليه، ومع ذلك فهو على خطر، فعليه أن ~~يقول: يحتمل كذا ولا يجزم إلا في حكم اضطر إلى الفتوى به، فأدى اجتهاده ~~إليه، فيحرم خلافه مع تجويز خلافه عند الله. PageV02P168 # فإن قيل: فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما نزل من ~~القرآن من آية إلا ولها ظهر وبطن ولكن حرف حد، ولكل حد مطلع)، فما معنى ~~ذلك؟ # قلت: أما قوله: (ظهر وبطن) ففي تأويله أربعة أقوال: # أحدها - وهو قول الحسن - انك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقعت ~~على معناها. # الثاني - قول أبي عبيدة - إن القصص ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، ~~وباطنها عظة للآخرين. # الثالث - قول ابن مسعود رضي الله عنه - انه ما من آية إلا عمل بها قوم، ~~ولها قوم سيعملون بها. # الرابع - قاله بعض المتأخرين - إن ظاهرها لفظها، وباطنها تأويلها. # وقول أبي عبيدة أقربها. # وأما قوله (ولكل حرف حد)، ففيه تأويلان: # أحدهما: لكل حرف منتهي فيما أراد الله من معناه. # الثاني: معناه أن لكل حكم مقدارا من الثواب والعقاب. ms0385 # وأما قوله: (ولكل حد مطلع) ففيه قولان: # أحدهما: لكل غامض من المعاني والأحكام مطلع يتوصل إلى معرفته، ويوقف على ~~المراد به. # والثاني: لكل ما يستحقه من الثواب والعقاب مطلع يطلع عليه في الآخرة، ~~ويراه عند المجازاة. # وقال بعضهم: منه ما لا يعلم تأويله الا الله الواحد القهار، وذلك آجال ~~حادثة في أوقات آتية، كوقت قيام الساعة والنفخ في الصور ونزول عيسى بن مريم ~~وما أشبه ذلك PageV02P169 # لقوله: (لا يجليها لوقتها الا هو ثقلت في السماوات والأرض) ومنه ما يعلم ~~تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، وذلك إبانه غرائبه، ومعرفة ~~المسميات بأسمائها اللازمة غير المشتركة منها، والموصوفات بصفاتها الخاصة ~~دون ما سواها، فإن ذلك لا يجهله ابن أحد منهم، وذلك كسامع منهم لو سمع ~~تاليا " يتلو: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ~~ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)، لم يجهل أن معنى الفساد هو ما ينبغي ~~تركه مما هو مضرة، وأن الصلاح مما ينبغي فعله مما هو منفعة، وإن جهل الله ~~المعاني التي جعلها الله افسادا "، والمعاني التي جعلها الله إصلاحا "، ~~فأما تعليم التفسير ونقله عمن قوله حجة ففيه ثواب وأجر عظيم، كتعليم ~~الأحكام من الحلال والحرام. # تنبيه [في كلام الصوفية في تفسير القرآن] فأما كلام الصوفية في تفسير ~~القرآن، فقيل ليس تفسيرا، وإنما هي معان ومواجيد يجدونها عند التلاوة، كقول ~~بعضهم في. (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار): إن المراد ~~النفس، فأمرنا بقتال من يلينا، لأنها أقرب شئ إلينا وأقرب شئ إلى الانسان ~~نفسه. # قال ابن الصلاح في فتاويه: وقد وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي أنه ~~PageV02P170 # صنف أبو عبد الرحمن السلمي " حقائق التفسير " فإن كان اعتقد أن ذلك تفسير ~~فقد كفر. # قال: وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئا " من أمثال ذلك أنه ~~لم يذكره تفسيرا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة في القرآن العظيم، ~~فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك ms0386 الباطنية، وإنما ذلك منهم ذكر لنظير ~~ما ورد به القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير، فمن ذلك مثال النفس في الآية ~~المذكورة، فكأنه قال: أمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار، ومع ذلك فيا ~~ليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك، لما فيه من الإبهام والالتباس! انتهى. # فصل حكى الشيخ أبو حيان عن بعض من عاصره أن طالب علم التفسير مضطر إلى ~~النقل في فهم معاني تركيبه، بالإسناد إلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم، وأن ~~فهم الآيات يتوقف على ذلك ثم بالغ الشيخ في رده لأثر على السابق. # والحق ان علم التفسير، منه ما يتوقف على النقل، كسبب النزول، والنسخ، ~~وتعيين المبهم، وتبيين المجمل. ومنه ما لا يتوقف، ويكفي في تحصيله التفقه ~~على الوجه المعتبر. PageV02P171 # وكأن السبب في اصطلاح بعضهم على التفرقة بين التفسير والتأويل التمييز ~~بين المنقول والمستنبط، ليحمل على الاعتماد في المنقول، وعلى النظر في ~~المستنبط، تجويزا " له وازديادا "، وهذا من الفروع في الدين. # تنخيل لما سبق واعلم أن القرآن قسمان: أحدهما ورد تفسيره بالنقل عمن ~~يعتبر تفسيره، وقسم لم يرد. # والأول ثلاثة أنواع: إما ان يرد التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو ~~عن الصحابة أو عن رؤوس التابعين، فالأول يبحث في عن صحة السند، والثاني ~~ينظر في تفسير الصحابي، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك في ~~اعتمادهم، وإن فسره بما شاهده من الأسباب والقرائن فلا شك فيه، وحينئذ إن ~~تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن أمكن الجمع فذاك، وإن تعذر قدم ابن ~~عباس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بذلك حيث قال: (اللهم علمه ~~التأويل) وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض، لقوله صلى الله عليه وسلم ~~(أفرضكم زيد) فإن تعذر الجمع جاز للمقلد أن يأخذ بأيها شاء. وأما الثالث، ~~وهم رؤوس التابعين إذا لم يرفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا إلى أحد ~~من الصحابة، رضي الله عنهم فحيث جاز التقليد فيما سبق، فكذا هنا، وإلا وجب ~~الاجتهاد. # الثاني ما لم ms0387 يرد فيه نقل عن المفسرين، وهو قليل، وطريق التوصل إلى فهمه ~~النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق، ~~وهذا يعتنى به الراغب كثيرا " في كتاب " المفردات " فيذكر قيدا زائدا على ~~أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ، لأنه اقتنصه من السياق. PageV02P172 # فصل [فيما يجب على المفسر البداءة به] الذي يجب على المفسر البداءة به ~~العلوم اللفظية، وأول ما يجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة فتحصيل ~~معاني المفردات من ألفاظ القرآن من أوائل المعادن، لمن يريد أن يدرك ~~معانيه، وهو كتحصيل اللبن من أوائل المعادن في بناء ما يريد أن يبنيه. # قالوا: وليس ذلك في علم القرآن فقط، بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع ~~وغيره، وهو كما قالوا: إن المركب لا يعلم إلا بعد العلم بمفرداته، لأن ~~الجزء سابق على الكل في الوجود الذهني والخارجي، فنقول النظر في التفسير هو ~~بحسب أفراد الألفاظ وتراكيبها. # أما بحسب الأفراد فمن وجوه ثلاثة: # من جهة المعاني التي وضعت الألفاظ المفردة بإزائها، وهو يتعلق بعلم ~~اللغة. # ومن جهة الهيئات والصيغ الواردة على المفردات الدالة على المعاني ~~المختلفة، وهو من علم التصريف. # ومن جهة رد الفروع المأخوذة من الأصول إليها، وهو من علم الاشتقاق. # وأما بحسب التركيب فمن وجوه أربعة: # الأول: باعتبار كيفية التراكيب بحسب الإعراب ومقابله من حيث إنها مؤدية ~~أصل المعنى، وهو ما دل عليه المركب بحسب الوضع وذلك متعلق بعلم النحو. ~~PageV02P173 # الثاني: باعتبار كيفية التركيب من جهة إفادته معنى المعنى، أعني لازم أصل ~~المعنى الذي يختلف باختلاف مقتضى الحال في تراكيب البلغاء، وهو الذي يتكلف ~~بإبراز محاسنه علم المعاني. # الثالث: باعتبار طرق تأدية المقصود بحسب وضوح الدلالة وحقائقها ومراتبها، ~~وباعتبار الحقيقة والمجاز، والاستعارة والكناية والتشبيه، وهو ما يتعلق ~~بعلم البيان. # والرابع: باعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية والاستحسان ومقابلة، وهو ~~يتعلق بعلم البديع. # مسألة [في أن الإعجاز يكون في اللفظ والمعنى والملاءمة] وقد سبق لنا في ~~باب الإعجاز أن إعجاز القرآن لاشتماله على تفرد الألفاظ التي يتركب منها ms0388 ~~الكلام، مع ما تضمنه من المعاني، مع ملاءمته التي هي نظوم تأليفه. # فأما الأول: وهو معرفة الألفاظ، فهو أمر نقلي يؤخذ عن أرباب التفسير، ~~ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ قوله تعالى: (فاكهة " وأبا ")، ~~فلا يعرفه، فيراجع نفسه ويقول: ما الأب؟ ويقول: إن هذا منك تكلف. وكان ابن ~~عباس - PageV02P174 # وهو ترجمان القرآن - يقول: لا أعرف (حنانا) ولا (غسلين) ولا (الرقيم). # وأما المعاني التي تحتملها الألفاظ، فالأمر في معاناتها أشد لأنها نتائج ~~العقول. # وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر، لأنها لجام ~~الألفاظ، وزمام المعاني، وبه يتصل اجزاء الكلام، ويتسم بعضه ببعض، فتقوم له ~~صورة في النفس يتشكل بها البيان، فليس المفرد بذرب اللسان وطلاقته كافيا ~~لهذا الشأن، ولا كل من أوتى خطاب بديهة ناهضة بحمله ما لم يجمع إليها سائر ~~الشروط. # مسألة [في أن أحسن طرق التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن] قيل: أحسن طريق ~~التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فقد فصل في موضع آخر، ~~وما اختصر في مكان فإنه قد بسط في آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة، فإنها ~~شارحة للقرآن، وموضحة له، قال تعالى: (وما PageV02P175 # أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى " ورحمة " لقوم ~~يؤمنون)، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه -، ~~يعني السنة، فإن لم يوجد في السنة يرجع إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى ~~بذلك، لما شاهدوه من القرائن، ولما أعطاهم الله من الفهم العجيب، فإن لم ~~يوجد ذلك يرجع إلى النظر والاستنباط بالشرط السابق. # مسألة [فيما يحب على المفسر من التحوط في التفسير] ويجب أن يتحرى في ~~التفسير مطابقة المفسر، وأن يتحرز في ذلك من نقص المفسر عما يحتاج إليه من ~~إيضاح المعنى المفسر، أو أن يكون في ذلك المعنى زيادة لا تليق بالغرض، أو ~~أن يكون في المفسر زيغ عن المعنى المفسر وعدول عن طريقه، حتى يكون غير ~~مناسب له ولو من بعض أنحائه، بل يجتهد في أن يكون ms0389 وفقه من جميع الأنحاء ~~وعليه بمراعاة الوضع الحقيقي والمجازى، ومراعاة التأليف، وأن يوافى بين ~~المفردات وتلميح الوقائع، فعند ذلك تتفجر له ينابيع الفوائد. # ومن شواهد الإعراب قوله تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات) ولولا الإعراب ~~لما عرف الفاعل من الفعول به. # ومن شواهد النظم قوله تعالى: (واللائي لم يحضن) فإنها منتظمة مع ما قبلها ~~منقطعة عما بعدها. PageV02P176 # وقد يظهر الارتباط، وقد يشكل أمره، فمن الظاهر قوله تعالى: (هل من ~~شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده) ووجه ظهوره، ~~أنه لا يستقيم أن يكون السؤال والجواب من واحد، فتعين أن يكون قوله: (قل ~~الله) جواب سؤال، كأنهم لما سألوا، سمعوا ما قبله من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وهو: (من يبدأ الخلق ثم يعيده) أجابهم بقوله: (قل الله يبدأ ~~الخلق ثم يعيده)، فترك ذكر السؤال. # ونظيره: (قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق) مسألة في ~~النهى عن ذكر لفظ الحكاية عن الله تعالى ووجوب تجنب إطلاق الزائد على بعض ~~الحروف الواردة في القرآن وكثيرا " ما يقع في كتب التفسير (حكى الله ~~تعالى)، وينبغي تجنبه. # قال الإمام أبو نصر القشيري في كتابه " المرشد ": قال معظم أئمتنا: لا ~~يقال (كلام الله يحكى)، ولا يقال: (حكى الله) لأن الحكاية الإتيان بمثل ~~الشئ، وليس لكلامه مثل. وتساهل قوم فأطلقوا لفظ الحكاية بمعنى الإخبار، ~~وكثيرا " ما يقع في كلامهم إطلاق PageV02P177 # الزائد على بعض الحروف، ك‍ (ما) في نحو: (فبما رحمة من الله)، والكاف في ~~نحو: (ليس كمثله شئ) ونحوه. # والذي عليه المحققون تجنب هذا اللفظ في القرآن، إذ الزائد ما لا معنى له، ~~وكلام الله منزه عن ذلك. # وممن نص على منع ذلك في المتقدمين الإمام داود الظاهري، فذكر أبو عبد ~~الله أحمد بن يحيى بن سعيد الداودي في الكتاب " المرشد " له، في أصول الفقه ~~على مذهب داود الظاهري: وروى بعض أصحابنا عن أبي سليمان أنه كان يقول: ليس ~~في القرآن صلة بوجه، وذكر أبو ms0390 محمد بن داود وغيره من أصحابنا مثل ذلك، ~~والذي عليه أكثر النحويين خلاف هذا، ثم حكى عن أبي داود مثله، يزعم الصلة ~~فيها، كقوله تعالى: # (مثلا " ما بعوضة ")، وقال: إن (ما) ها هنا للتعليل، مثل: (أحبب حبيبك ~~هونا " ما). # فصل [في تقسم التأويل إلى منقاد ومستكره] التأويل ينقسم إلى منقاد ~~ومستكره: # فالأول ما لا تعرض فيه بشاعة أو استقباح، وقد يقع فيه الخلاف بين الأئمة: # إما الاشتراك في اللفظ، نحو: (لا تدركه الأبصار)، هل هو من بصر العين أو ~~القلب؟ PageV02P178 # وأما لأمر راجع إلى النظم كقوله تعالى: (إلا الذين تابوا)، هل هذا ~~الاستثناء مقصور على المعطوف وجده أو عائد إلى الجميع؟ # وأما لغموض المعنى ووجازة النظم، كقوله تعالى: (وإن عزموا الطلاق فإن ~~الله سميع عليم). # وإما لغير ذلك. # وأما المستكره فما يستبشع إذا عرض على الحجة، وذلك على أربعة أوجه: # الأول: أن يكون لفظا عاما "، فيختص ببعض ما يدخل تحته، كقوله: (وصالح ~~المؤمنين)، فحمله بعضهم على علي رضي الله عنه فقط. # والثاني: أن يلفق بين اثنين، كقول من زعم تكليف الحيوانات في قوله: (وإن ~~من أمة إلا خلا فيها نذير) مع قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم): إنهم مكلفون كما نحن. # الثالث: ما استعير فيه، كقوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) في حمله على ~~حقيقته. # الرابع: ما أشعر به باشتقاق بعيد، كما قال بعض الباطنية في البقرة إنه ~~انسان يبقر عن أسرار العلوم، وفى الهدهد إنه انسان موصوف بجودة البحث ~~والتنقيب. # والأول أكثر ما يروج على المتفقهة الذين لم يتبحروا في معرفة الأصول، ~~والثاني على المتكلم القاصر في معرفة شرائط النظم، والثالث على صاحب الحديث ~~الذي لم يتهذب في شرائط قبول الأخبار، والرابع على الأديب الذي لم يتهذب ~~بشرائط الاستعارات والاشتقاقات. PageV02P179 # فائدة [فيما نقل عن ابن عباس في تفسير بعض الآيات] روى عن ابن عباس أنه ~~سئل عن قوله تعالى: (أو خلقا " مما يكبر في صدوركم) فقال: الموت. # قال السهيلي: وهو تفسير ms0391 يحتاج لتفسير. # ورأيت لبعض المتأخرين أن مراد ابن عباس أن الموت سيفنى كما يفنى كل شئ، ~~كما جاء أنه يذبح على الصراط، فكأن المعنى: لو كنتم حجارة أو حديدا لبادر ~~إليكم الموت، ولو كنتم الموت الذي يكبر في صدوركم فلا بد لكم من الموت. ~~والله أعلم بتأويل ذلك. # قال: وبقي في نفسي من تأويل هذه الآية شئ حتى يكمل الله نعمته في فهمها. # فصل [أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر] أصل الوقوف على معاني القرآن ~~التدبر والتفكر. واعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقة، ولا يظهر ~~له أسرار العلم من غيب المعرفة وفى قلبه بدعة أو إصرار على ذنب، أو في قلبه ~~كبر أو هوى "، أو حب الدنيا، أو يكون غير متحقق الإيمان PageV02P180 # أو ضعيف التحقيق، أو معتمدا على قول مفسر ليس عنده إلا علم بظاهر، أو ~~يكون راجعا " إلى معقوله، وهذه كلها حجب وموانع، وبعضها آكد من بعض، إذا ~~كان العبد مصغيا " إلى كلام ربه، ملقى السمع وهو شهيد القلب لمعاني صفات ~~مخاطبه، ناظرا " إلى قدرته، تاركا للمعهود من علمه ومعقوله، متبرئا من حوله ~~وقوته، معظما للمتكلم، مفتقرا إلى التفهم، بحال مستقيم، وقلب سليم، وقوة ~~علم، وتمكن سمع لفهم الخطاب، وشهادة غيب الجواب، بدعاء وتضرع، وابتئاس ~~وتمسكن، وانتظار للفتح عليه من عند الفتاح العليم. وليستعن على ذلك بأن ~~تكون تلاوته على معاني الكلام وشهادة وصف المتكلم، من الوعد بالتشويق، ~~والوعيد بالتخيف، والإنذار بالتشديد، فهذا القارئ أحسن الناس صوتا " ~~بالقرآن، وفى مثل هذا قال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ~~أولئك يؤمنون به). # وهذا هو الراسخ في العلم، جعلنا الله من هذا الصنف، (والله يقول الحق وهو ~~يهدى السبيل). # فصل [في القرآن علم الأولين والآخرين] وفى القرآن علم الأولين والآخرين، ~~وما من شئ إلا ويمكن استخراجه منه لمن فهمه الله تعالى، حتى إن بعضهم ~~استنبط عمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا " وستين من قوله تعالى في سورة ~~المنافقين: (ولن يؤخر الله نفسا " إذا جاء أجلها)، فإنها ms0392 رأس ثلاث ~~PageV02P181 # وستين سورة، وعقبها بالتغابن ليظهر التغابن في فقده. # وقوله تعالى مخبرا " عن عيسى: (قال إني عبد الله آتاني الكتاب) إلى قوله: # (أبعث حيا ") ثلاث وثلاثون كلمة، وعمره ثلاث وثلاثون سنة. # وقد استنبط الناس زلزلة عام اثنين وسبعمائة من قوله تعالى: (إذا زلزلت ~~الأرض). # فإن الألف باثنين والدال بسبعمائة. # وكذلك استنبط بعض أئمة العرب فتح بيت المقدس وتخليصه من أيدي العدو في ~~أول سورة الروم بحساب الجمل، وغير ذلك. # فصل [قد يستنبط الحكم من السكوت عن الشئ] وقد يستنبط الحكم من السكوت عن ~~الشئ، كقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن...) الآية، ولم يذكر ~~الأعمام والأخوال، وهم من المحارم، وحكمهم حكم PageV02P182 # من سمى في الآية. وقد سئل الشعبي عن ذلك فقال: لئلا يضعها العم عند ابنه ~~وهو ليس بمحرم لها، وكذا الخال، فيفضي إلى الفتنة. والمعنى فيه أن كل من ~~استثنى مشترك بابنه في المحرمية إلا العم والخال. وهذا من الدلائل البليغة ~~على وجوب الاحتياط في سترهن. # ولقائل أن يقول: هذه المفسدة محتملة في أبناء بعولتهن، لاحتمال أن يذرها ~~أبو البعل عند ابنه الآخر، وهو ليس بمحرم لها، وأبو البعل ينقض: قولهم إن ~~من استثنى اشترك هو وابنه في المحرمية. # ومنه قوله تعالى: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم...) الآية، ولم ~~يذكر الأولاد، فقيل لدخولهم في قوله: (بيوتكم). # فصل في تقسيم القرآن إلى ما هو بين بنفسه وإلى ما ليس ببين ما في نفسه ~~فيحتاج إلى بيان ينقسم القرآن العظيم إلى: # ما هو بين بنفسه، بلفظ لا يحتاج إلى بيان منه ولا من غيره، وهو كثير. ~~ومنه قوله تعالى: (التائبون العابدون...) الآية. # وقوله: (إن المسلمين والمسلمات...) الآية. PageV02P183 # وقوله: (قد أفلح المؤمنون). # وقوله: واضرب لهم مثلا " أصحاب القرية) وقوله: (يا أيها الذين أوتوا ~~الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا "). # وإلى ما ليس ببين بنفسه فيحتاج إلى بيان. # وبيانه إما فيه في آية أخرى، أو في السنة، لأنها موضوعة للبيان، قال ~~تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم). # والثاني ككثير من أحكام ms0393 الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج ~~والمعاملات، والأنكحة، والجنايات، وغير ذلك، كقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم ~~حصاده)، ولم يذكر كيفية الزكاة، ولا نصابها، ولا أوقاصها، ولا شروطها، ولا ~~أحوالها، ولا من تجب عليه ممن لا تجب عليه، وكذا لم يبين عدد الصلاة ولا ~~أوقاتها. # وكقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (ولله على الناس حج البيت) ولم يبين ~~أركانه ولا شروطه، ولا ما يحل في الإحرام وما لا يحل، ولا ما يوجب الدم ولا ~~مالا يوجبه، وغير ذلك. والأول قد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إليه، ~~بما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود لما نزل: (الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم)، شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم ~~نفسه! PageV02P184 # قال. ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: (يا بني لا ~~تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)! فحمل النبي صلى الله عليه وسلم الظلم ها ~~هنا على الشرك، لمقابلته بالإيمان. واستأنس عليه بقول لقمان. # وقد يكون بيانه مضمرا " فيه، كقوله تعالى: (حتى إذا جاؤوها وفتحت ~~أبوابها)، فهذا يحتاج إلى بيان، لأن (حتى) لا بد لها من تمام، وتأويله: حتى ~~إذا جاؤوها جاؤوها وفتحت أبوابها. # ومثله: (ولو أن قرآنا " سيرت به الجبال) أي (لكان هذا القرآن)، على رأى ~~النحويين. # قال ابن فارس: ويسمى هذا عند العرب الكف. # وقد يومئ إلى المحذوف، إما متأخر كقوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره ~~للإسلام) فإنه لم يجئ له جواب في اللفظ، لكن أومأ إليه قوله: (فويل للقاسية ~~قلوبهم من ذكر الله)، وتقديره: (أفمن شرح الله صدره للإسلام) كمن قسا قلبه! # وإما متقدم كقوله تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل)، فإنه أومأ إلى ما ~~قبله: # (وإذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا " إليه)، كأنه قال: أهذا الذي هو هكذا ~~خير أم من هو قانت؟ فأضمر المبتدأ. PageV02P185 # ونظيره: (مثل الجنة التي وعد المتقون)، ومن هذه صفته (كمن هو خالد في ~~النار)! # وقد يكون بيانه واضحا " وهو أقسام: # أحدها: أن يكون عقبه، ms0394 كقوله تعالى: (الله الصمد) قال محمد بن كعب القرظي: # تفسيره: (لم يلد. ولم يولد. ولم يكن له كفوا " أحد). # وكقوله تعالى: (إن الانسان خلق هلوعا ") قال أبو العالية تفسيره: (إذا ~~مسه الشر جزوعا ". وإذا مسه الخير منوعا ") وقال ثعلب: سألني محمد بن طاهر: ~~ما الهلع؟ # فقلت: قد فسره الله تعالى. # وكقوله: (فيه آيات بينات) فسره بقوله: (مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ~~"). # وقوله: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) ومعلوم أنه لم يرد به ~~المسيح وعزيرا فنزلت الآية مطلقة، اكتفاء بالدلالة الظاهرة، على أنه لا ~~يعذبهما الله، وكان ذلك بمنزلة الاستثناء باللفظ، فلما قال المشركون: هذا ~~المسيح وعزير قد عبدا من دون الله أنزل الله: (إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون). PageV02P186 # وقوله: (يريكم البرق خوفا " وطمعا ") ففسر رؤية البرق بأنه ليس في رؤيته ~~إلا الخوف من الصواعق والطمع في الأمطار. وفيها لطيفة، وهي تقديم الخوف على ~~الطمع إذ كانت الصواعق تقع من أول برقة، ولا يحصل المطر إلا بعد تواتر ~~البرقات، فإن تواترها لا يكاد يكذب، فقدم الخوف على الطمع، ناسخا للخوف، ~~كمجئ الفرج بعد الشدة. # وكقوله: (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه...) الآية، ~~وفيها لطيفة حيث بدأ بالماشي على بطنه، فإنها سيقت لبيان القدرة، وهو أعجب ~~من الذي بعده، وكذا ما يمشي على رجلين أعجب ممن يمشي على أربع. # وكقوله تعالى: (فمما ملكت أيمانكم)، فهذا عام في المسلم والكافر، ثم بين ~~أن المراد (المؤمنات) بقوله: (من فتياتكم المؤمنات) فخرج تزوج الأمة ~~الكافرة. # وقوله تعالى: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى) فإن الأول اسم ~~منه والثاني (أفعل) تفضيل، بدليل قوله بعده: (وأضل سبيلا ")، ولهذا قرأ أبو ~~عمرو الأول بالإمالة لأنه اسم، والثاني بالتصحيح ليفرق بين ما هو اسم، وما ~~هو (أفعل) منه بالإمالة وتركها. # فإن قلت: فقد قال النحويون: (أفعل) التفضيل لا يأتي من الخلق، فلا يقال: # زيد أعمى من عمرو، لأنه لا يتفاوت! # قلت: إنما جاز ms0395 في الآية لأنه من عمى القلب، أي من كان في هذه الدنيا ~~PageV02P187 # أعمى القلب عما يرى من القدرة الإلهية، ولا يؤمن به فهو عما يغيب عنه من ~~أمر الآخرة أعمى أن يؤمن به، أي أشد عمى "، ولا شك أن عمى البصيرة متفاوت. # ومنه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة) قال: # البيهقي في " شعب الإيمان ": الأشبه أن المراد بالصبر ها هنا الصبر على ~~الشدائد، لأنه أتبع مدح الصابرين بقوله: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ~~أموات بل أحياء) إلى قوله: (وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة). # الثاني: أن يكون بيانه منفصلا عنه في السورة معه أو في غيره، كقوله ~~تعالى: # (مالك يوم الدين) وبيانه في سورة الانفطار، بقوله: (وما أدراك ما يوم ~~الدين. ثم ما أدراك ما يوم الدين. يوم لا تملك نفس لنفس شيئا " والأمر ~~يومئذ لله). # وقوله في سورتي النمل والقصص: (من جاء بالحسنة فله خير منها)، ولم يبين ~~في ليل ولا نهار، وبينه في سورة الدخان بقوله: (في ليلة مباركة) ثم بينها ~~في ليلة القدر بقوله: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) فالمباركة في الزمان، هي ~~ليلة القدر في هذه السورة، لأن الإنزال واحد، وبذلك يرد على من زعم أن ~~المباركة ليلة النصف من شعبان، وعجب كيف غفل عن ذلك. # وقد استنبط بعضهم هنا بيانا آخر، وهو أنها ليلة سبعة عشر، من قوله تعالى: ~~(وما PageV02P188 # أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) وذلك ليلة سبع عشرة من ~~رمضان وفى ذلك كلام. # وقوله تعالى: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) فسره في آية الفتح: # (أشداء على الكفار رحماء بينهم). # وقوله تعالى: (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا " ولباسهم فيها حرير. # وهدوا إلى الطيب من القول)، وقد فسره في سورة فاطر: (وقالوا الحمد لله ~~الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور). # وقوله: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ")، بين ذلك بقوله في النحل: ~~(وإذا بشر أحدهم بالأنثى). # وذكر الله الطلاق مجملا، وفسره في ms0396 سورة الطلاق. # وقال تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)، فاستثنى الأزواج وملك ~~اليمين، ثم حظر تعالى الجمع بين الأختين، وبين الأم والابنة والرابة بالآية ~~الأخرى. # ومنه قوله تعالى: (إن الله لا يهدى من هو كاذب كفار) فإن ظاهره مشكل، لأن ~~الله سبحانه قد هدى كفارا كثيرا وماتوا مسلمين، وإنما المراد: لا يهدى من ~~كان في علمه أنه قد حقت عليه كلمة العذاب، وبيانه بقوله تعالى في السور: ~~(أفمن PageV02P189 # حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار). وقوله في سورة أخرى: # (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا ~~العذاب الأليم). # ومنه قوله تعالى: (أجيب دعوة الداع إذا دعان) وكثير من الناس يدعون فلا ~~يستجاب لهم، وبيانه بقوله تعالى: (بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شاء)، فبين أن الإجابة متعلقة بالمشيئة، على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد فسر الإجابة بقوله: (مامن مسلم دعا الله بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا ~~إثم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث خصال، إما أن يعجل دعوته، وإما أن يدخرها له ~~في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها). # ومنه قوله تعالى: (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها) وكثير من الناس ~~يريد ذلك فلا يحصل له، وبيانه في قوله: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ~~ما نشاء لمن نريد)، فهو كالذي قبله متعلق بالمشيئة. # ومنه قوله تعالى: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله)، وقال في آية ~~أخرى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)، فإنه قد يستشكل ~~اجتماعهما، لأن الوجل خلاف الطمأنينة، وهذا غفلة عن المراد، لأن الاطمئنان ~~إنما يكون عن ثلج القلب وشرح الصدر بمعرفة التوحيد والعلم، وما يتبع ذلك من ~~الدرجة الرفيعة والثواب الجزيل، والوجل إنما يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن ~~الهدى، PageV02P190 # وما يستحق به الوعيد بتوجيل القلوب كذلك. وقد اجتمعا في قوله تعالى: ~~(تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ms0397 ذلك ~~هدى الله يهدى به من يشاء) لأن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم، ووثقوا ~~به، فانتفى عنهم الشك والارتياب الذي يعرض إن كان كلامهم فيمن أظهر الاسلام ~~تعوذا، فجعل لهم حكمة دون العلم الموجب لثلج الصدور وانتفاء الشك، ونظائره ~~كثيرة. # ومنه قوله تعالى في قصة لوط: (فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم ~~أحد وأمضوا حيث تؤمرون)، فلم يستثن امرأته في هذا الموضوع، وهي مستثناة في ~~في المعنى بقوله في الآية الأخرى: (فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت ~~منكم أحد إلا امرأتك) فأظهر الاستثناء في هذه الآية. # وكقوله تعالى: (إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما " قال إنا منكم وجلون)، اختصر ~~جوابه لبيانه في موضع آخر: (فقالوا سلاما " قال سلام). وكقوله: (الحر بالحر ~~والعبد بالعبد...) الآية، فإنها نزلت تفسيرا " وبيانا " لمجمل قوله: ~~(وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)، لأن هذه لما نزلت لم يفهم مرادها. # وقوله: (حرمت عليكم) هي تفسير لقوله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء...) الآية. PageV02P191 # وقوله: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب...) الآية، ~~فإن هذه الآية مجملة، لا يعلم منها من يرث من الرجال والنساء بالفرض ~~والتعصيب، ومن يرث ومن لا يرث، ثم بينه في آية أخرى بقوله: (يوصيكم الله في ~~أولادكم...) الآيات. # وكقوله: (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) فهذا، الاستثناء ~~مجمل، بينه في آية أخرى بقوله: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير). # وكقوله: (ليبلونكم الله بشئ من الصيد...) الآية، فهذا الابتلاء مجمل لا ~~يعلم أحد في الحل أم في الحرم! بينه قوله: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم...) ~~الآية. # وكقوله: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) وهذا المجمل بينه في آية أخرى بقوله: ~~(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق...) الآية. # وكقوله تعالى: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم)، قال العلماء: بيان هذا العهد ~~قوله تعالى: (لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم..) ~~الآية، فهذا عهده عز وجل، وعهدهم تمام الآية: في قوله: (لأكفرن عنكم ~~سيئاتكم...) فإذا وفوا العهد الأول أعطوا ما ms0398 وعدوا. PageV02P192 # وقوله تعالى: (ويقول الذين كفروا لست مرسلا ") يرد عليهم بقوله: # (يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين). # وقوله تعالى: (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون)، فقيل لهم: (ولو رحمناهم ~~وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون)، وقيل بل نزل بعده: # (إنا كاشفو العذاب) والتقدير: إن كشفنا العذاب تعودوا. # وقوله: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)، فرد عليهم ~~بقوله: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة). # وقوله: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن)، بيانه: # (الرحمن. علم القرآن). # وقوله: قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا) فقيل لهم: (لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله). # وقوله: (وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم)، فقيل لهم في ~~الجواب: (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم...) الآية. # ومنه: (أم يقولون نحن جميع منتصر) فقيل لهم: (ما لكم لا تناصرون). ~~PageV02P193 # ومنه: (لو أطاعونا ما قتلوا)، فرد عليهم بقوله: (لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم). # وقوله: (أم يقولون تقوله) رد عليهم بقوله: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل. ~~لأخذنا منه باليمين). # وقوله: (ما لهذا الرسول يأكل الطعام)، فقيل لهم: (وما أرسلنا قبلك من ~~المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق). # وقوله: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ") فقيل في ~~سورة أخرى: (وقرآنا " فرقناه لتقرأه على الناس على مكث) وقوله: (ولقد ~~أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا " أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون)، ~~تفسير هذا الاختصام ما قال في سورة أخرى: (قال الملأ الذين استكبروا من ~~قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا " مرسل من ربه...) ~~الآية. # وقوله تعالى: (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى الآخرة) وفسرها في موضع ~~آخر بقوله: (تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ~~التي كنتم توعدون). PageV02P194 # ومنه حكاية عن فرعون لعنه الله: (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، فرد عليه ~~في قوله: (وما أمر فرعون برشيد). # وقوله: ms0399 (يوم يبعثهم الله جميعا " فيحلفون له)، وذكر هذا الحلف في قوله: ~~(قالوا والله ربنا ما كنا مشركين). # وقوله في قصة نوح عليه السلام: (أني مغلوب فانتصر) بين في مواضع أخر: # (ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا). # وقوله: (وقالوا قلوبنا غلف) أي أوعية للعلم، فقيل لهم: (وما أوتيتم من ~~العلم قليلا "). # وجعل بعضهم من هذا قوله تعالى: (و إذ قال رب أرني أنظر إليك) قال: فإن ~~آية البقرة وهي قوله: (حتى نرى الله جهرة) تدل على أن قوله: (رب أرني) لم ~~يكن عن نفسه، وإنما أراد به مطالبة قومه، ولم يثبت في التوراة أنه سأل ~~الرؤية إلا وقت حضور قومه معه، وسؤالهم ذلك. # ومن ذلك قوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم) بينة في آية النساء بقوله: ~~(من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين). # فإن قيل: فهلا فسرها آية مريم: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~PageV02P195 # من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح...) الآية! قيل لا نسلم أولا أن هذه الآية ~~في النبيين فقط، لقوله: (وممن حملنا مع نوح)، وقوله: (وممن هدينا ~~واجتبينا)، وهذا تصريح بالأنبياء وغيرهم. كيف وقد ذكرت مريم وهي صديقة على ~~أحد القولين! ولو سلم أنها في الأنبياء خاصة، فهم بعض من أنعم الله عليهم، ~~وجعلهم في آية النساء صنفا من المنعم عليهم، فكانت آية النساء من حيث هي ~~عامة أولى بتفسير قوله: (صراط الذين أنعمت عليهم)، ولأن آية مريم ليس فيها ~~إلا الإخبار بأن الله أنعم عليهم، وذلك هو معنى قوله: (اهدنا الصراط ~~المستقيم). # والرغبة إلى الله تعالى في الثبات عليها، هي نفس الطاعة لله ولرسوله، فإن ~~العبد إذا هدي إلى الصراط المستقيم، فقد هدى إلى الطاعة المقتضية أن يكون ~~مع المنعم عليهم. # وظهر بهذا أن آية النساء أمس بتفسير سورة الحمد من الآية التي في سورة ~~مريم. # فصل [قد يكون اللفظ مقتضيا لأمر ويحمل على غيره] وقد يكون اللفظ مقتضيا " ~~لأمر ويحمل على غيره، لأنه أولى بذلك الاسم منه، وله أمثلة: # منها تفسيرهم السبع المثاني بالفاتحة مع أن ms0400 الله تعالى أخبر أن القرآن ~~كله مثاني. PageV02P196 # ومنها قوله عن أهل الكساء: (هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا)، وسياق القرآن يدل على إرادة الأزواج، وفيهن نزلت، ولا يمكن خروجهن ~~عن الآية، لكن لما أريد دخول غيرهن قيل بلفظ التذكير: (إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) فعلم أن هذه الإرادة شاملة لجميع أهل البيت: ~~الذكور والإناث. بخلاف قوله: (يا نساء النبي). ودل أن عليا وفاطمة أحق بهذا ~~الوصف من الأزواج. # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى: (هو مسجدي ~~هذا) وهو يقتضي أن ما ذكره أحق بهذا الاسم من غيره، والحصر المذكور حصر ~~الكمال، كما يقال: هذا هو العالم العدل، وإلا فلا شك أن مسجد قباء هو مؤسس ~~على التقوى، وسياق القرآن يدل على أنه مراد بالآية. # فصل [قد يكون اللفظ محتملا لمعنيين في موضع، ويعين في موضع آخر] وقد يكون ~~اللفظ محتملا لمعنيين وفى موضع آخر ما يعينه لأحدهما، كقوله تعالى في سورة ~~البقرة: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) فيحتمل أن ~~يكون السمع معطوفا على (ختم) ويحتمل الوقف على (قلوبهم) لأن الختم إنما ~~يكون على القلب، وهذا أولى، لقوله في الجاثية: (وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة). PageV02P197 # وقوله تعالى في سورة الحجر: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك ~~من الغاوين)، فالإستثناء منقطع لقوله في الإسراء: (إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان وكفى بربك وكيلا ")، ولو كان متصلا لاستثناهم، عن فلما لم يستثنهم دل ~~على أنهم لم يدخلوا. # وقوله: (وجعلنا من الماء كل شئ حي) فقد قيل: إن حياة كل شئ إنما هو ~~بالماء، قال ابن درستويه، وهذا غير جائز في العربية، لأنه لو كان المعنى ~~كذلك لم يكن (حي) مجرورا، ولكان منصوبا، وإنما (حي) صفة لشئ. ومعنى الآية: ~~خلق الخلق من الماء، ويدل له قوله في موضع آخر: (والله خلق كل دابة من ~~ماء). # ومما يحتمل قوله تعالى: (فاقذفيه في اليم فليلقه ms0401 اليم بالساحل)، فإن ~~(فليلقه) يحتمل الأمر والخبر، كأنه قال: (فاقذفيه في اليم يلقيه اليم) ~~ويحتمل أن يكون أمرا بإلقائه. # ومنه قوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيدا ")، فإنه يحتمل أن يكون خلقته ~~وحيدا فريدا من ماله وولده. وفى الآية بحث آخر، وهو أن أبا البقاء أجاز ~~فيها، وفى قوله: (وذرني والمكذبين)، أن تكون الواو عاطفة، وهو فاسد لأنه ~~يلزم منه أن يكون الله قد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتركه، وكأنه ~~قال: اتركني واترك من خلقت وحيدا، وكذلك اتركني واترك المكذبين، فيتعين أن ~~يكون PageV02P198 # المراد: خل بيني وبينهم، وهي واو (مع) كقوله: (لو تركت الناقة وفصيلها ~~لرضعها). # وقد يكون للفظ ظاهر وباطن، كقوله تعالى: (أن طهرا بيتي للطائفين)، ظاهره ~~الكعبة، وباطنه القلب، قال العلماء: ونحن نقطع أن المراد بخطاب إبراهيم ~~الكعبة، لكن العالم يتجاوز إلى القلب بطريق الاعتبار عند قوم، والأولى عند ~~آخرين، ومن باطنه إلحاق سائر المساجد به، ومن ظاهره عند قوم العبور فيه. # فصل [في ذكر الأمور التي تعين على المعنى عند الإشكال] ومما يعين على ~~المعنى عند الإشكال أمور: # أحدها: رد الكلمة لضدها، كقوله تعالى: (ولا تطع منهم آثما " أو كفورا ") ~~أي (ولا كفورا) والطريقة أن يرد النهى منه إلى الأمر، فنقول معنى: (أطع هذا ~~أو هذا): # أطع أحدهما، وعلى هذا معناه في النهى: ولا تطع واحدا منهما. # الثاني: ردها إلى نظيرها، كما في قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم)، ~~فهذا عام، وقوله: (فوق اثنتين) قول حد أحد طرفيه وأرخى الطرف الآخر إلى غير ~~نهاية، لأن أول ما فوق الثنتين الثلاث وآخره لا نهاية له. وقوله: (وإن كانت ~~PageV02P199 # واحدة) محدودة الطرفين، فالثنتان خارجتان من هذا الفصل، وأمسك الله عن ~~ذكر الثنتين وذكر الواحدة والثلاث وما فوقها. وأما قوله في الأخوات: (إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك...) الآية فذكر الواحدة ~~والاثنتين، وأمسك عن ذكر الثلاث وما فوقهن، فضمن كل واحد من الفصلين ما كف ~~عن ذكره في الآخر، فوجب حمل كل ms0402 واحد منهما فيما أمسك عنه فيه على ما ذكره ~~في غيره. # الثالث: ما يتصل بها من خبر أو شرط أو إيضاح في معنى آخر، كقوله تعالى: # (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا ")، يحتمل أن يكون معناها: من كان ~~يريد أن يعز أو تكون العزة له، لكن قوله تعالى: (فلله العزة جميعا ")، ~~يحتمل أن يكون معناها: من كان أن يعلم لمن العزة فإنها لله. # وكذلك قوله: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله)، فإنه لا دلالة فيها ~~على الحال التي هي شرط في عقوبته المعينة، وأنواع المحاربة والفساد كثيرة، ~~وإنما استفيدت الحال من الأدلة الدالة على أن القتل على من قتل ولم يأخذ ~~المال، والصلب على من جمعهما، والقطع على من أخذ المال ولم يقتل، والنفي ~~على من لم يفعل شيئا من ذلك سوى السعي في الأرض بالفساد. # الرابع: دلالة السياق، فإنها ترشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال ~~غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم ~~القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في ~~مناظراته، وانظر إلى قوله تعالى: (ذق إنك PageV02P200 # أنت العزيز الكريم) كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير!. # الخامس: ملاحظة النقل عن المعنى الأصلي، وذلك أنه قد يستعار الشئ ~~لمشابهة، ثم يستعار من المشابه لمشابه المشابه، ويتباعد عن المسمى الحقيقي ~~بدرجات، فيذهب عن الذهن الجهة المسوغة لنقله من الأول إلى الآخر، وطريق ~~معرفة ذلك بالتدريج، كقوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من ~~دون المؤمنين)، وذلك أن أصل (دون) للمكان الذي هو أنزل من مكان غيره، ومنه ~~الشئ الدون للحقير، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب، فقيل: زيد دون ~~عمرو في العلم والشرف، ثم اتسع فيه، فاستعير في كل ما يتجاوز حدا إلى حد، ~~وتخطى حكما إلى حكم آخر، كما في الآية المذكورة، والتقدير: لا تتجاوزوا ~~ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين. # وكذلك قوله تعالى: (وادعوا شهداءكم من دون الله) أي تجاوزوا الله في ~~دعائكم إلى دعاء آلهتكم، الذين تزعمون ms0403 أنهم يشهدون لكم يوم القيامة، أي لا ~~تستشهدوا بالله فإنها حجة يركن إليها العاجز عن البينات من الناس، بل ائتوا ~~ببينة تكون حجة عند الحكام. وهذا يؤذن بأنه لم يبق تشبث سوى قولهم: (الله ~~يشهد لنا عليكم) هذا إذا جعلت (من دون الله) متعلقا (بادعوا) فإن جعلته ~~متعلقا ب‍ (شهداءكم) احتمل معنيين: أحدهما أن يكون المعنى: ادعوا الذين ~~تجاوزتم في زعمكم شهادة الله، أي شهادتهم لكم يوم القيامة. والثاني على أن ~~يراد بشهدائكم آلهتكم، أي ادعوا الذين تجاوزتم في اتخاذكم ألوهية الله، إلى ~~ألوهيتهم. PageV02P201 # ويحتمل أن يكون التقدير: (من دون الله) أي من غير المؤمنين يشهدون لكم ~~أنكم آمنتم بمثله، وفى هذا إرخاء عنان الاعتماد على أن فصحاءهم تأنف نفوسهم ~~من مساجلة الحق الجلي بالباطل اللجلجي. وتعليقه بادعوا على هذا جائز. # ومنه قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية)، فإنه عطفه على قوله: (ألم تر) ~~لأنها بمعنى (هل رأيت). # السادس: معرفة النزول، وهو من أعظم المعين على فهم المعنى، وسبق منه في ~~أول الكتاب جملة، وكانت الصحابة والسلف يعتمدونه، وكان عروة بن الزبير، قد ~~فهم من قوله تعالى: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) أن السعي ليس بركن، فردت ~~عليه عائشة ذلك وقالت: لو كان كما قلت، لقال: (فلا جناح عليه ألا يطوف ~~بهما)، وثبت أنه إنما أتى بهذه الصيغة، لأنه كان وقع فزع في قلوب طائفة من ~~الناس كانوا يطوفون قبل ذلك بين الصفا والمروة للأصنام، فلما جاء الاسلام، ~~كرهوا الفعل الذي كانوا يشركون به، فرفع الله ذلك الجناح من قلوبهم، وأمرهم ~~بالطواف. رواه البخاري في صحيحه. فثبت أنها نزلت ردا على من كان يمتنع من ~~السعي. # ومن ذلك قصة مروان بن الحكم في سؤاله ابن عباس: (لئن كان كل امرئ فرح بما ~~أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون). فقال ابن عباس: هذه ~~الآيات PageV02P202 # نزلت في أهل الكتاب، ثم تلا: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه)، وتلا: (لا تحسبن الذين ms0404 يفرحون بما أتوا ويحبون ~~أن يحمدوا بما لم يفعلوا)، قال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن شئ فكتموه، وأخبروه بغيره فخرجوا، وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، ~~واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه. # وقد سبق فيه كلام في النوع الأول في معرفة سبب النزول فاستحضره. # ومن هذا ما قاله الشافعي في قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما ~~") أنه لا متمسك فيها لمالك على العموم، لأنهم سألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن أشياء فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء، وحكاه غير سعيد بن ~~جبير. # السابع: السلامة من التدافع، كقوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا ~~كافة " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين)، فإنه يحتمل أن ~~الطوائف لا تنفر من أماكنها وبواديها جملة، بل بعضهم لتحصيل التفقه بوفودهم ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا رجعوا إلى قومهم أعلموهم بما حصل ~~لهم. والفائدة في كونهم لا ينفرون جميعا " عن بلادهم حصول المصلحة في حفظ ~~من يتخلف من بعضهم ممن لا يمكن نفيره. PageV02P203 # ويحتمل أن يكون المراد بالفئة النافرة هي من تسير مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مغازيه وسراياه، والمعنى حينئذ: أنه ما كان لهم أن ينفروا ~~أجمعين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغازيه لتحصيل المصالح المتعلقة ~~ببقاء من يبقى في المدينة، والفئة النافرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تتفقه في الدين بسبب ما يؤمرون به ويسمعون منه، فإذا رجعوا إلى من بقي ~~بالمدينة أعلموهم بما حصل لهم في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم من العلم. # والاحتمالان قولان للمفسرين. # قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: والأقرب عندي هو الاحتمال الأول، ~~لأنا لو حملناه على الاحتمال الثاني لخالفه روى ظاهر قوله تعالى: (ما كان ~~لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا ~~بأنفسهم عن نفسه)، وقوله تعالى: (فانفروا ثبات أو ms0405 انفروا جميعا ") فإن ذلك ~~يقتضي إما طلب الجميع بالنفير، أو إباحته: وذلك في ظاهره يخالف النهي عن ~~نفر الجميع، وإذا تعارض محملان يلزم من من أحدهما معارضته ولا يلزم من ~~الآخر، فالثاني أولى، ولا نعني بلزوم التعارض لزوما " لا يجاب عنه، ولا ~~يتخرج على وجه مقبول، بل ما هو أعم من ذلك، فإن ما أشرنا إليه من الآيتين ~~يجاب عنه بحمل، (أو) في قوله: (أو انفروا جميعا ") على التفصيل دون ~~التخيير، كما رضيه بعض المتأخرين من النحاة، فيكون نفيرهم ثبات مما لا ~~يدعون الحاجة إلى نفيرهم فيه جميعا. # ونفيرهم جميعا فيما تدعو الحاجة إليه، ويحمل قوله: (ما كان لأهل المدينة ~~ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله) على ما إذا كان الرسول هو ~~النافر للجهاد ولم تحصل الكفاية إلا بنفير الجميع ممن يصلح للجهاد، فهذا ~~أولى من قول من يقول بالنسخ، PageV02P204 # أو ان تكون هذه الآية ناسخة لما اقتضى النفير جميعا ". # ومن المفسرين من يقول: إن منع النفير جميعا " حيث يكون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة، فليس لهم ان ينفروا جميعا " ويتركوه وحده. # والحمل أيضا على هذا التفسير الذي ذكرناه أولى من هذا، لأن اللفظ يقتضي ~~أن نفيرهم للتفقه في الدين والإنذار، ونفيرهم مع بقاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعدهم لا يناسبه التعليل بالتفقه في الدين، إذ التفقه منه صلى ~~الله عليه وسلم وتعلم الشرائع من جهته، فكيف يكون خروجهم عليه معللا للتفقه ~~في الدين! # ومنه قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) فإنه يحتمل ان يكون من باب ~~التسهيل والتخفيف، ويحتمل أن يكون من باب التشديد، بمعنى أنه ما وجدت ~~الاستطاعة فاتقوا، أي لا تبقى من الاستطاعة شئ. # وبمعنى التخفيف يرجع إلى أن المعنى: فاتقوا الله ما تيسر عليكم، أو ما ~~أمكنكم من غير عسر. # قال الشيخ تقي الدين القشيري: ويصلح معنى التخصيص قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # (إذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). # فصل [في الظاهر والمؤول] ms0406 وقد يكون اللفظ محتملا لمعنيين، وهو في أحدهما ~~أظهر، فيسمى الراجح ظاهرا، والمرجوح مؤولا. PageV02P205 # مثال المؤول قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم)، فإنه يستحيل حمل المعية ~~على القرب بالذات، فتعين صرفه عن ذلك، وحمله إما على الحفظ والرعاية، أو ~~على القدرة والعلم والرؤية، كما قال تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد). # وكقوله تعالى: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة)، فإنه يستحيل حمله على ~~الظاهر، لاستحالة أن يكون آدمي له أجنحة، فيحمل على الخضوع وحسن الخلق. # وكقوله: (وكل انسان ألزمناه طائرة في عنقه)، يستحيل أن يشد في القيامة في ~~عنق كل طائع وعاص وغيرهما طير من الطيور، فوجب حمله على التزام الكتاب في ~~الحساب لكل واحد منهم بعينه. # ومثال الظاهر قوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد)، فإن الباغي يطلق ~~على الجاهل وعلى الظالم وهو فيه أظهر وأغلب، كقوله: (ثم بغي عليه لينصرنه ~~الله). # وقوله: (ولا تقربوهن حتى يطهرن)، فيقال للانقطاع طهر، وللوضوء والغسل، ~~غير أن الثاني أظهر. # وكقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله)، فيقال: للابتداء التمام ~~والفراغ، غير أن الفراغ أظهر. # وقوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف) فيحتمل أن يكون ~~PageV02P206 # الخيار في الأجل أو بعده، والظاهر الأول، لكنه يحمل على أنه مفارقة ~~الأجل. # وقوله: (فلا جناح عليه ان يطوف بهما)، والظاهر يقتضي حمله على الاستحباب، ~~لأن قوله: (لا جناح) بمنزلة قوله: (لا بأس) وذلك لا يقتضي الوجوب، ولكن هذا ~~الظاهر متروك بل هو واجب، لأن طواف الإفاضة واجب، ولأنه ذكره بعد التطوع ~~فقال: (ومن تطوع خيرا ")، فدل على أن النهي السابق نهي عن ترك واجب، لا نهي ~~حديث عن ترك مندوب أو مستحب. # وقد يكون الكلام ظاهرا في شئ فيعدل به عن الظاهر بدليل آخر، كقوله تعالى: # (الحج أشهر معلومات)، ولأشهر اسم لثلاثة، لأنه أقل الجمع. # وكقوله تعالى: (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) فالظاهر اشتراط ثلاثة من ~~الإخوة لكن قام الدليل من خارج على أن المراد اثنان، لأنهما يحجبانها عن ~~الثلث إلى السدس. # فصل [في اشتراك ms0407 اللفظ بين حقيقتين، أو حقيقة ومجاز] قد يكون اللفظ مشتركا ~~بين حقيقتين أو حقيقة ومجاز، ويصح حمله عليهما جميعا " كقوله تعالى: (لا ~~يضار كاتب ولا شهيد) قيل: المراد (يضارر) وقيل: (يضارر) أي الكاتب والشهيد ~~لا يضارر، فيكتم الشهادة والخط، وهذا أظهر. PageV02P207 # ويحتمل أن من دعا الكاتب والشهيد لا يضارره عند فيطلبه في وقت فيه ضرر. # وكذلك قوله: (لا تضار والدة بولدها)، فعلى هذا يجوز أن يقال: أراد الله ~~بهذا اللفظ كلا المعنيين على القولين، أما إذا قلنا: بجواز استعمال المشترك ~~في معنييه فظاهر، وأما إذا قلنا بالمنع، فبأن يكون اللفظ قد خوطب به مرتين: ~~مرة أريد هذا ومرة هذا. # وقد جاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى ~~للقرآن وجوها كثيرة. رواه احمد. أي اللفظ الواحد يحتمل معاني متعددة، ولا ~~يقتصر به على ذلك المعنى، بل يعلم أنه يصلح لهذا ولهذا. # وقال ابن القشيري في مقدمة تفسيره: مالا يحتمل إلا معنى " واحدا حمل ~~عليه، وما احتمل معنيين فصاعدا بأن وضع لأشياء متماثلة، كالسواد حمل على ~~الجنس عند الإطلاق، وإن وضع لمعان مختلفة، فإن ظهر أحد المعنيين حمل على ~~الظاهر إلا أن يقوم الدليل، وإن استويا، سواء كان الاستعمال فيهما حقيقة أو ~~مجازا، أو في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجازا كلفظ العين والقرء واللمس، فإن ~~تنافى الجمع بينهما فهو مجمل، فيطلب البيان من غيره وإن لم يتناف، فقد مال ~~قوم إلى الحمل على المعنيين، والوجه التوقف فيه، لأنه ما وضع للجميع، بل ~~وضع لآحاد مسميات على البدل، وادعاء إشعاره بالجميع بعيد، نعم يجوز أن يريد ~~المتكلم به جميع المحامل ولا يستحيل ذلك عقلا، وفي مثل هذا يقال: يحتمل أن ~~يكون المراد كذا، ويحتمل أن يكون كذا. # فصل [قد ينفي الشئ وثبت باعتبارين] وقد ينفى الشئ ويثبت باعتبارين كما ~~سبق في قوله: (وما رميت إذ رميت ولكن PageV02P208 # الله رمى)، ثم أثبته لسر غامض، وهو أن الرمي الثاني غير الأول، فإن الأول ~~عني به الرمي بالرعب، والثاني ms0408 عني به بالتراب حين رمى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في وجوه أعدائه بالتراب والحصى وقال: (شاهت الوجوه) فانهزموا فأنزل ~~الله يخبره أن انهزامهم لم يكن لأجل التراب، وإنما هو بما أوقع في قلوبهم ~~من الرعب. # فصل [في الاجمال ظاهرا وأسبابه] وأما ما فيه من الاجمال في الظاهر فكثير، ~~وله أسباب. # أحدها: أن يعرض من ألفاظ مختلفه مشتركة وقعت في التركيب، كقوله تعالى: # (فأصبحت كالصريم)، قيل: معناه كالنهار مبيضة لا شئ فيها، وقيل كالليل ~~مظلمة لا شئ فيها. # وكقوله: (والليل إذا عسعس)، قيل: أقبل، وأدبر. # وكالأمة في قوله تعالى: (وجد عليه أمة ") بمعنى الجماعة، وفي قوله: (إن ~~إبراهيم كان أمة ") بمعنى الرجل الجامع للخير المقتدى به. وبمعنى الدين في ~~قوله PageV02P209 # تعالى: (إنا وجدنا آباءنا على أمة). وبمعنى الزمان في قوله تعالى: (وادكر ~~بعد أمة). # وكالذرية فإنها في الاستعمال العرفي (الأدنى)، ومنه: (ومن ذريته داود ~~وسليمان، وقد يطلق على (الأعلى) بدليل قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم...) ~~الآية، ثم قال: (ذرية) وبها يجاب عن الإشكال المشهور في قوله تعالى: (حملنا ~~ذريتهم في الفلك المشحون) على بحث فيه. # وقال مكي في قوله تعالى: (فأنا أول العابدين) أي أول من يعبد الله. # ومن قال: (الأنفين) فقوله مردود، لأنه يلزم أن يكون العبدين لأنه إنما ~~يقال: # عبد من كذا، أي أنف. # الثاني: من حذف في الكلام، كقوله: (وترغبون أن تنكحوهن) قيل معناه ترغبون ~~في نكاحهن لما 2 لهن. وقيل معناه: عن نكاحهن لزمانتهن وقلة مالهن. # والكلام يحتمل الوجهين، لأن العرب تقول: رغبت عن الشئ إذا زهدت فيه، ~~ورغبت في الشئ إذا حرصت عليه، فلما ركب الكلام تركيبا حذف معه حرف الجر ~~احتمل التأويلين جميعا. وجعل منه بعضهم قوله تعالى في سورة النساء: (فمال ~~هؤلاء القوم PageV02P210 # لا يكادون يفقهون حديثا ". ما أصابك من حسنة فمن الله)، أي يقولون: # (ما أصابك)، قال: ولولا هذا التقدير لكان مناقضا لقوله: (قل كل من عند ~~الله). # وقوله: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة ")، أي آية مبصرة "، فظلموا أنفسهم ~~بقتلها، وليس المراد ms0409 أن الناقة كانت مبصرة لا عمياء. # الثالث: من تعيين الضمير، كقوله تعالى: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح)، ~~فالضمير في (يده) يحتمل عوده على الولي وعلى الزوج، ورجح الثاني لموافقته ~~للقواعد، فإن الولي لا يجوز ان يعفو عن مال يتيمه بوجه من الوجوه، وحمل ~~الكلام المحتمل على القواعد الشرعية أولى. # فإن قيل: لو كان خطابا للأزواج لقال (إلا أن تعفو) بالخطاب، لأن صدر ~~الآية خطاب لهم بقوله: (وإن طلقتموهن)، إلى قوله: (فنصف ما فرضتم). # قلنا: هو التفات من الخطاب إلى الغيبة، وهو من أنواع البديع. # ومنه قوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)، فيحتمل ~~أن يكون الضمير الفاعلي الذي في (يرفعه) عائدا على العمل، والمعنى أن الكلم ~~الطيب - وهو التوحيد - يرفع العمل الصالح، لأنه لا تصلح الأعمال إلا مع ~~الإيمان. ويحتمل أن يكون الضمير عائدا على الكلم، ويكون معناه أن العمل ~~الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب، وكلاهما صحيح لأن الإيمان فعل وعمل ونية ~~لا يصح بعضها إلا ببعض. PageV02P211 # وقوله تعالى: (فأثرن به نقعا ". فوسطن به جمعا ")، فالهاء الأولى كناية ~~عن الحوافر وهي موريات، أي أثرن بالحوافر نقعا "، والثانية كناية عن ~~الإغارة، أي المغيرات صبحا، (فوسطن به جمعا ") جمع المشركين، فأغاروا ~~بجمعهم. # وقد صنف ابن الأنباري كتابا " في تعيين الضمائر الواقعة في القرآن في ~~مجلدين. # الرابع: من مواقع الوقف والابتداء، كقوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم)، فقوله: (الراسخون)، يحتمل أن يكون معطوفا " على ~~اسم الله تعالى، ويحتمل ان يكون ابتداء كلام. وهذا الثاني هو الظاهر ويكون ~~حذف (أما) المقابلة كقوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ)، ويؤيده آية البقرة: ~~(فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا "). # الخامس: من جهة غرابة اللفظ كقوله تعالى: (فلا تعضلوهن). # (ومن الناس من يعبد الله على حرف). # (وسيدا " وحصورا ")، وغير ذلك مما صنف فيه العلماء من كتب غريب القرآن، ~~السادس: من جهة كثرة استعماله الآن، كقوله تعالى: (أو القي السمع ms0410 وهو ~~شهيد). PageV02P212 # و (يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) بمعنى (يسمعون) ولا يقول أحد الآن: # ألقيت سمعي. # وكذا قوله: (ثاني عطفه) أي متكبرا ". # وقوله: (ألا إنهم يثنون صدورهم)، أي يسرون ما في ضمائرهم. # وكذا: (فأصبح يقلب كفيه) أي نادما ". # وكذا: (فردوا أيديهم في أفواهم) أي لم يتلقوا النعم بشكر. # السابع: من جهة التقديم والتأخير، كقوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لكان لزاما " وأجل مسمى ")، تقديره: (ولو كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان ~~لزاما) ولولا هذا التقدير لكان منصوبا كالإلزام. # وقوله تعالى: (يسألونك كأنك حفي عنها)، أي يسألونك عنها كأنك. # وقوله: (لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم. كما أخرجك ربك)، فهذا غير ~~متصل وإنما هو عائد على قوله: (قل الأنفال لله والرسول)، (كما أخرجك ربك من ~~بيتك) فصارت أنفال الغنائم لك إذا أنت راض بخروجك وهم كارهون، فاعترض بين ~~الكلام الأمر بالتقوى وغيره. # وقوله: (حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه) معناه (قد كانت ~~PageV02P213 # لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم). # الثامن: من جهة المنقول المنقلب، كقوله تعالى: (وطور سينين)، أي (طور ~~سينا) وقوله: (سلام على إلياسين) أي الناس، وقيل: (إدريس) وفي حرف ابن ~~مسعود: (إدراس). # التاسع: المكرر القاطع لوصل الكلام في الظاهر، كقوله تعالى: (وما يتبع ~~الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن) معناه يدعون من دون ~~الله شركاء إلا الظن. # وقوله تعالى: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن ~~منهم) معناه الذين استكبروا لمن آمن من الذين استضعفوا. # فصل فيما ورد فيه مبينا للإجمال اعلم أن الكتاب هو القرآن المتلو، وهو ~~إما نص، وهو مالا يحتمل إلا معنى، كقوله تعالى: (فصيام ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) وإما ظاهر، وهو ما دل على معنى مع تجويز ~~غيره. PageV02P214 # و الرافع لذلك الاحتمال قرائن لفظية ومعنوية، واللفظية تنقسم إلى متصلة ~~ومنفصلة. # أما المتصلة فنوعان: نوع يصرف اللفظ إلى غير الاحتمال الذي لولا القرينة ~~لحمل عليه، ويسمى ms0411 تخصيصا وتأويلا. ونوع يظهر به المراد من اللفظ ويسمى ~~بيانا. # فالأول كقوله تعالى: (حرم الربا)، فإنه دل على أن المراد من قوله سبحانه: # (وأحل الله البيع) البعض دون الكل الذي هو ظاهر بأصل الوضع، وبين أنه ~~ظاهر في الاحتمال الذي دلت عليه القرينة في سياق الكلام، وللشافعي رحمه ~~الله قول بإجمال البيع، لأن الربا مجمل، وهو في حكم المستثنى من البيع، ~~واستثناء المجهول من المعلوم يعود بالإجمال على أصل الكلام. والصحيح الأول، ~~فإن الربا عام في الزيادات كلها، وكون البعض غير مراد نوع تخصيص فلا تتغير ~~به دلالة الأوضاع. # ومثال النوع الثاني قوله تعالى: (من الفجر) فإنه فسر مجمل قوله تعالى: ~~(حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود)، إذ لولا (من الفجر) لبقي ~~الكلام الأول على تردده وإجماله. # وقد ورد ان بعض الصحابة كان يربط في رجله الخيط الأبيض والأسود، ولا يزال ~~يأكل ويشرب حتى يتبين له لونهما، فأنزل الله تعالى بعد ذلك (من الفجر)، ~~فعلموا أنه أراد الليل والنهار. # وأما اللفظية المنفصلة فنوعان أيضا ": تأويل وبيان. # فمثال الأول قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح روجا " ~~غيره)، فإنه دل على أن المراد بقوله تعالى: (الطلاق مرتان) الطلاق ~~PageV02P215 # الرجعى، إذا لولا هذا القرينة لكان الكل منحصرا في الطلقتين، وهذه ~~القرينة وإن كانت مذكورة في سياق ذكر الطلقتين إلا أنها جاءت في آية أخرى، ~~فلهذا جعلت من قسم المنفصلة. # ومثال الثاني قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة) فإنه دل ~~على جواز الرؤية، ويفسر به قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار)، حيث كان مترددا ~~بين نفي الرؤية أصلا " وبين نفي الإحاطة والحصر دون أصل الرؤية. # وأيضا قوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)، فإنه لما حجب ~~الفجار عن رؤيته خزيا لهم دل على إثباتها للأبرار، وارتفع به الاجمال في ~~قوله: # (لا تدركه الأبصار). # وأما القرائن المعنوية فلا تنحصر. ومن مثله قوله تعالى: (والمطلقات ~~يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، فإن صيغته صيغة الخبر، ولكن لا يمكن حمله ms0412 على ~~حقيقته، فإنهن قد لا يتربصن فيقع خبر الله بخلاف مخبره وهو محال، فوجب ~~اعتبار هذه القرينة حمل الصيغة على معنى الأمر صيانة لكلام الله تعالى عن ~~احتمال المحال. # ونظائره كثيرة فيما ورد من صيغة الخبر، والمراد بها الأمر. PageV02P216 # النوع الثاني والأربعون في وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن يأتي على ~~نحو من أربعين وجها ": # الأول خطاب العام المراد به العموم كقوله تعالى: (إن الله بكل شئ عليم). # وقوله: (إن الله لا يظلم الناس شيئا "). # وقوله: (ولا يظلم ربك أحدا "). # وقوله: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم) (هو الذي خلقكم ~~من تراب ثم من نطفة). (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا "). وهو كثير في ~~القرآن. # (يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم). # الثاني خطاب الخاص والمراد به الخصوص من قوله تعالى: (أكفرتم بعد ~~إيمانكم). PageV02P217 # (هذا ما كنزتم لأنفسكم). # (ذق إنك أنت العزيز الكريم). # (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) وقوله: (فلما قضى زيد منها ~~وطرا " زوجناكها لكيلا)، وغير ذلك الثالث خطاب الخاص والمراد به العموم ~~كقوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء)، فافتتح الخطاب بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد سائر من يملك الطلاق. # ومنه قوله تعالى: (يا أيها الني إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ~~وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات ~~خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة " مؤمنة " إن وهبت نفسها للنبي إن أراد ~~النبي أن يستنكحها خالصة " لك من دون المؤمنين). # وقال أبو بكر الصيرفي: كان ابتداء الخطاب له فلما قال في الموهوبة: ~~(خالصة " لك) علم أن ما قبلها له ولغيره وصلى الله عليه وسلم. PageV02P218 # وقوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) وجرى أبو يوسف على الظاهر ~~فقال: إن صلاة الخوف من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. # وأجاب الجمهور بأنه لم يذكر (فيهم) على أنه شرط، بل على أنه صفة حال ~~والأصل في الخطاب أن يكون لمعين. # وقد يخرج على غير معين ms0413 ليفيد العموم، كقوله تعالى: (وبشر الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أن لهم جنات)، وفائدته الإيذان بأنه خليق بأن يؤمر به كل ~~أحد ليحصل مقصوده الجميل. # وكقوله: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت)، أخرج في صورة الخطاب لما أريد ~~العموم، للقصد إلى تقطيع حالهم، وأنها تناهت في الظهور حتى امتنع خفاؤها ~~فلا تخص بها رؤية راء، بل كل من يتأتى منه الرؤية داخل في هذا الخطاب، ~~كقوله تعالى: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما " وملكا " كبيرا ")، لم يرد به ~~مخاطب معين، بل عبر بالخطاب ليحصل لكل واحد فيه مدخل، مبالغة فيما قصد الله ~~من وصف ما في ذلك المكان من النعيم والملك، ولبناء الكلام في الموضعين على ~~العموم لم يجعل ل‍: (ترى) و لا ل‍: (رأيت) مفعولا ظاهرا " ولا مقدرا ليشيع ~~ويعم. # وأما قوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم)، فقيل ~~إنه من هذا الباب، ومنعه قوم وقال: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولو ~~للتمني لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالترجي في: (لعلهم يهتدون)، لأنه ~~تجرع من PageV02P219 # عداوتهم الغصص، فجعله الله كأنه تمنى أن يراهم على تلك الحالة الفظيعة، ~~من نكس الرؤوس صما عميا ليشمت بهم. # ويجوز أن تكون: (لو) (امتناعية)، وجوابها محذوف، أي لرأيت أسوأ حال يرى. # الرابع خطاب العام والمراد الخصوص وقد اختلف العلماء في وقوع ذلك في ~~القرآن، فأنكره بعضهم، لأن الدلالة الموجبة للخصوص بمنزلة الاستثناء المتصل ~~بالجملة، كقوله تعالى: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ")، والصحيح أنه ~~واقع. # وكقوله: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) وعمومه يقتضي دخول ~~جميع الناس في اللفظين جميعا "، والمراد بعضهم، لأن القائلين غير المقول ~~لهم، والمراد بالأول نعيم بن سعيد الثقفي، والثاني أبو سفيان وأصحابه. قال ~~الفارسي: ومما يقوى أن المراد بالناس في قوله: (إن الناس قد جمعوا لكم) ~~واحد قوله: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه)، فوقعت الإشارة بقوله: (ذلكم) ~~إلى واحد بعينة، ولو كان المعنى به جمعا " لكان (إنما الشياطين) فهذه دلالة ~~ظاهرة في ms0414 اللفظ وقيل بل وضع فيه (الذين) موضع (الذي). PageV02P220 # وقوله: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) يعني عبد الله بن سلام. # وقوله: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات) قال الضحاك: وهو الأقرع بن ~~حابس. # وقوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم) لم يدخل فيه الأطفال والمجانين. # ثم التخصيص يجئ تارة في آخر الآية، كقوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن ~~نحلة ")، فهذا عام في البالغة والصغيرة عاقله أو مجنونة، ثم خص في آخرها ~~بقوله: (فأن طبن لكم عن شئ منه نفسا "...) الآية، فخصها بالعاقلة البالغة، ~~لأن من عداها عبارتها ملغاة في العفو. # ونظيره قوله: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن)، فإنه عام في البائنة والرجعية ~~ثم خصها بالرجعية بقوله: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك)، لآن البائنة لا ~~تراجع. # وتارة في أولها، كقوله تعالى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ~~")، فإن هذا خاص في الذي أعطاها الزوج. ثم قال بعد: (فإن خفتم ألا يقيما ~~حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به)، فهذا عام فيما أعطاها الزوج أو ~~غيره إذا كان ملكا " لها. # وقد يأخذ التخصيص من آية أخرى كقوله تعالى: (ومن يولهم يومئذ PageV02P221 # دبره...) الآية، فهذا عام في المقاتل كثيرا " أو قليلا " ثم قال: (إن يكن ~~منكم عشرون صابرون...) الآية. # ونظيره قوله: (حرمت عليكم الميتة) وهذا عام في جميع الميتات، ثم خصه ~~بقوله: (فكلوا مما أمسكن عليكم)، فأباح الصيد الذي يموت في فم الجارح ~~المعلم. # وخصص أيضا عمومه في آية أخرى قال: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا " ~~لكم) تقديره: (وإن كانت ميتة) فخص بهذه الآية عموم تلك. # ومثله قوله تعالى: (لا تدخلوا بيوتا " غير مسكونة فيها متاع لكم). # ونظيره قوله: (والدم) وقال في آية أخرى: (إلا أن يكون ميتة " أو دما " ~~مسفوحا ") يعني إلا الكبد والطحال، فهو حلال. # ثم هذه الآية خاصة في سورة الأنعام وهي مكية، والآية العامة في سورة ~~المائدة وهي مدينة، وقد تقدم الخاص على العام في هذا الموضع، كما تقدم في ~~النزول آية الوضوء، على أنه التيمم، وهذا ms0415 ماش على مذهب الشافعي في أن ~~العبرة بالخاص سواء تقدم أم تأخر. PageV02P222 # ومثله قوله تعالى: (وآتيتم إحداهن قنطارا "...) والآية، وهذا عام سواء ~~رضيت المرأة أم لا، ثم خصها بقوله: (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا " فكلوه)، ~~وخصها بقوله: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به). # ومثله قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن...) الآية، فهذا عام في ~~المدخول بها وغيرها، ثم خصها فقال: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن...) الآية، فخص الآيسة والصغيرة والحامل، فالآيسة ~~والصغيرة بالأشهر، والحامل بالوضع. # ونظيره قوله: (والذين يتوفون منكم...) الآية، وهذا عام في الحامل ~~والحائل، ثم خص بقوله: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن). # ونظيره قوله تعالى: (فانكحوا منه ما طاب لكم من النساء...)، الآية وهذا ~~عام في ذوات المحارم والأجنبيات، ثم خص بقوله: (حرمت عليكم أمهاتكم...) ~~الآية. # وقوله: (الزانية والزاني) عام في الحرائر والإماء، ثم خصه بقوله: (فعليهن ~~نصف ما على المحصنات من العذاب). # وقوله: (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) فإن الخلة عامة، ثم خصها بقوله: # (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين). # وكذلك قوله: (ولا شفاعة) بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. PageV02P223 # فائدة [في العموم والخصوص] قد يكون الكلامان متصلين، وقد يكون أحدهما ~~خاصا والآخر عاما، وذلك نحو قولهم لمن أعطى زيدا درهما: أعط عمرا، فإن لم ~~تفعل فما أعطيت، يريد: إن لم تعط عمرا فأنت لم تعط زيدا أيضا، وذاك غير ~~محسوب لك. # ذكره ابن فارس، وخرج عليه قوله تعالى: (بلغ ما أنزل إليك من ربك) قال: ~~فهذا خاص به. يريد هذا الأمر المحدد بلغه (فإن لم تفعل) ولم تبلغ [هذا] ~~(فما بلغت رسالته)، يريد جميع ما أرسلت به. # قلت وهو وجه حسن، وفي الآية وجوه أخر: # أحدها: أن المعنى انك إن تركت منها شيئا " كنت كمن لا يبلغ شيئا منها ~~فيكون ترك البعض محبطا للباقي. قال الراغب: وكذلك أن حكم الأنبياء عليهم ~~السلام في تكليفاتهم أشد، وليس حكمهم كحكم سائر الناس الذين يتجاوز عنهم ~~إذا خلطوا عملا صالحا ms0416 وآخر سيئا، وروى هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما. # والثاني قال الإمام فخر الدين إنه من باب قوله: # * أنا أبو النجم وشعري شعري * معناه: أن شعري قد بلغ في المتانة والفصاحة ~~إلى حد شئ قيل في نظم إنه شعري فقد PageV02P224 # انتهى مدحه إلى الغاية فيفيد تكرير المبالغة التامة في المدح من هذا ~~الوجه. وكذا جواب الشرط ها هنا، يعني به أنه لا يمكن أي يوصف ترك بعض ~~المبلغ تهديدا أعظم من أنه ترك التبليغ، فكان ذلك تنبيها على غاية التهديد ~~والوعيد. وضعف الوجه الذي قبله بأن من أتى بالبعض وترك البعض، لو قيل إنه ~~ترك الكل كان كذبا، ولو قيل: إن الخلل في ترك البعض، كالخلل في ترك الكل، ~~فإنه أيضا محال. # وفي هذا التضعيف الذي ذكره الإمام نظر، لأنه إذا كان متى أتى به غير معتد ~~به فوجده كالعدم، كقول الشاعر: # سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلا * فسيان لا ذم عليك ولا حمد أي، ولم تعط ما ~~يعد نائلا، وإلا يتكاذب البيت. # الثالث: أنه لتعظيم حرمة كتمان البعض جعله ككتمان الكل، كما في قوله ~~تعالى: # (فكأنما قتل الناس جميعا "). # الرابع: أنه وضع السبب موضع المسبب، ومعناه: إن لم تفعل ذلك [فلك] ما ~~يوجبه [كتمان الوحي كله من العذاب]. # ذكر هذا والذي قبله صاحب الكشاف. PageV02P225 # تنبيه: قال الإمام أبو بكر الرازي: وفي هذه الآية دلالة على أن كل ما كان ~~من الأحكام للناس إليه حاجة عامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغه ~~الكافة، وإنما وروده ينبغي أن يكون من طريق التواتر، نحو الوضوء من مس ~~الفرج ومن مس المرأة، ومما مست النار ونحوها، لعموم البلوى بها، فإذا لم ~~نجد ما كان فيها بهذه المنزلة واردا من طريق التواتر، علمنا أن الخبر غير ~~ثابت في الأصل. انتهى. # وهذه الدلالة ممنوعة، لأن التبليغ مطلق غير مقيد بصورة التواتر فيما تعم ~~به البلوى، فلا تثبت زيادة ذلك إلا بدليل. ومن المعلوم أن الله سبحانه لم ~~يكلف رسوله صلى الله ms0417 عليه وسلم إشاعة شئ إلى جمع يتحصل بهم القطع غير ~~القرآن، لأنه المعجز الأكبر، وطريق معرفته القطع، فأما باقي الاحكام فقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل بها إلى الآحاد والقبائل، وهي مشتملة ~~على ما تعم به البلوى قطعا ". # الخامس خطاب الجنس نحو (يا أيها الناس)، فإن المراد جنس الناس لاكل فرد، ~~وإلا فمعلوم أن غير المكلف لم يدخل تحت هذا الخطاب، وهذا يغلب في خطاب أهل ~~مكة كما سبق، ورجح الأصوليون دخول النبي صلى الله عليه وسلم في الخطاب ب‍ ~~(يا أيها الناس). وفي القرآن سورتان، أولهما (يا أيها الناس)، إحداهما في ~~النصف الأول، وهي السورة الرابعة منه، PageV02P226 # وهي سورة النساء، والثانية في النصف الثاني منه، وهي سورة الحج. والأولى ~~تشتمل على شرح المبدأ، والثانية تشتمل على شرح المعاد، فتأمل هذا الترتيب ~~ما أوقعه في البلاغة! # قال الراغب: (و (الناس) قد يذكر ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم ~~(الناس) تجوزا، وذلك إذا اعتبر معنى الانسانية، وهو وجود العقل والذكر ~~وسائر القوى المختصة به، فإن كل شئ عدم فعله المختص به لا يكاد يستحق اسمه، ~~كاليد، فإنها إذا عدمت فعلها الخاص بها، فإطلاق اليد عليها كإطلاق على يد ~~السرير، ومثله بقوله تعالى: (آمنوا كما آمن الناس) أي، كما يفعل من يوجد ~~فيه معنى الانسانية، ولم يقصد بالإنسان عينا " واحدا، بل قصد المعنى، وكذلك ~~قوله: (أم يحدون الناس) أي من وجد فيهم معنى الانسانية، أي انسان كان. # قال: (وربما قصد به النوع من حيث هو، كقوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض لفسدت الأرض)). # السادس خطاب النوع نحو: (يا بني إسرائيل)، والمراد (بنو يعقوب)، وإنما ~~صرح به للطيفة سبقت في النوع السادس وهو علم المبهمات. PageV02P227 # السابع خطاب العين نحو (يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة). # (يا نوح اهبط بسلام). # (يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا). # (يا موسى). # (يا عيسى). # ولم يقع في القرآن النداء ب‍ (يا محمد) بل، ب‍ (يا أيها النبي)، و (يا ~~أيها الرسول) تعظيما له وتبجيلا، ms0418 وتخصيصا بذلك عن سواه. # الثامن خطاب المدح نحو: (يا أيها الذين آمنوا)، وهذا وقع خطابا لأهل ~~المدينة الذين آمنوا وهاجروا، تمييزا " لهم عن أهل مكة، وقد سبق أن كل آية ~~فيها: (يا أيها الناس) PageV02P228 # لأهل مكة، وحكمه ذلك أنه يأتي بعد (يا أيها الناس) الأمر بأصل الإيمان، ~~ويأتي بعد (يا أيها الذين آمنوا) الأمر بتفاصيل الشريعة، وإن جاء بعدها ~~الأمر بالإيمان كان من قبيل الأمر بالاستصحاب. # وقوله تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعا " أيه المؤمنون)، قيل: يرد الخطاب ~~بذلك باعتبار الظاهر عند المخاطب، وهم المنافقون، فإنهم كانوا يتظاهرون ~~بالإيمان، كما قال سبحانه: (قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم). # وقد جوز الزمخشري في تفسير سرة المجادلة في قوله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا إذا ناجيتم الرسول) أن يكون خطابا " للمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم، ~~وأن يكون للمؤمنين. # ومن هذا النوع الخطاب ب‍ (يا أيها النبي) (يا أيها الرسول)، ولهذا تجد ~~الخطاب بالنبي في محل لا يليق به الرسول، وكذا عكسه، كقوله في مقام الأمر ~~بالتشريع العام: # (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك)، وفي مقام الخاص: (يا أيها ~~النبي لم تحرم ما أحل الله لك)، ومثله: (إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة ~~لك من دون المؤمنين). # وتأمل قوله: (وقد بين يدي الله ورسوله) في مقام الاقتداء بالكتاب والسنة، ~~ثم قال: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) فكأنه جمع له المقامين: # معنى النبوة والرسالة، تعديدا " للنعم في الحالين. PageV02P229 # و قريب منه في المضاف إلى الخاص: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)، ~~ولم يقل: (يا نساء الرسول) لما قصد اختصاصهن عن بقية الأمة. # وقد يعبر بالنبي في مقام التشريع العام، لكن مع قرينة إرادة التعميم، ~~كقوله: # (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء)، ولم يقل: (طلقت). # التاسع خطاب الذم نحو: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم). # (قل يا أيها الكافرون). # ولتضمنه الإهانة لم يقع في القرآن في غير هذين الموضعين. # وكثر الخطاب ب‍ (يا أيها الذين آمنوا) على المواجهة، وفي جانب الكفار ms0419 على ~~الغيبة، إعراضا عنهم، كقوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين)، ثم قال: (وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة)، فواجه بالخطاب المؤمنين، وأعرض بالخطاب عن الكافرين، ولهذا كان صلى ~~الله عليه وسلم إذا عتب على قوم قال: (ما بال رجال يفعلون كذا!)، فكنى عنهم ~~تكرما، وعبر عنهم بلفظ الغيبة إعراضا ". PageV02P230 # العاشر خطاب الكرامة نحو: (ويا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة). # وقوله: (أدخولها بسلام آمنين). # الحادي عشر خطاب الإهانة نحو قوله لإبليس: (فإنك رجيم. وإن عليك اللعنة). # وقوله: (قال اخسأوا فيها ولا تكلمون). # وقوله: (وأجلب عليهم بخيلك ورجلك). # قالوا: ليس هذا إباحة لإبليس، وإنما معناه أن ما يكون منك لا يضر عبادي، ~~كقوله: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان). # الثاني عشر خطاب التهكم وهو الاستهزاء بالمخاطب، مأخوذ من (تهكمت البئر) ~~إذا تهدمت، كقوله تعالى: # (ذق إنك أنت العزيز الكريم)، وهو خطاب لآبي جهل، لأنه قال: (ما بين ~~PageV02P231 # جبليها - يعني مكة - أعز ولا أكرم). # وقال: (فبشرهم بعذاب اليم)، جعل العذاب مبشرا به. # وقوله: (هذا نزلهم يوم الدين). # وقوله: (وأما إن كان من المكذبين الضالين. فنزل من حميم. وتصلية جحيم)، ~~والنزل لغة: هو الذي يقدم للنازل تكرمه له قبل حضور الضيافة. # وقوله تعالى: (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل ~~وسارب بالنهار. له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله). # على تفسير (المعقبات) بالحرس حول السلطان، يحفظونه - على زعمه - من أمر ~~الله، وهو تهكم، فإنه لا يحفظه من أمر الله شئ إذا جاءه. # وقوله تعالى: (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم ~~إلينا)، وهو تعالى يعلم حقيقتهم، و (يعلم ما يسرون وما يعلنون)، لا تخفى ~~عليه خافية! # وقوله تعالى: (وظل من يحموم. لا بارد ولا كريم)، وذلك لأن الظل ~~PageV02P232 # من شأنه الاسترواح واللطافة، فنفي هنا، وذلك انهم لا يستأهلون تعالى الظل ~~الكريم. # الثالث عشر خطاب الجمع بلفظ الواحد كقوله: (يا أيها الانسان إنك كادح). ms0420 # (يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم). # والمراد الجميع بدليل قوله: (إن الانسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا). # وكان الحجاج يقول في خطبته: (يا أيها الانسان، وكلكم ذلك الانسان). # وكثيرا " ما يجئ ذلك في الخبر، كقوله تعالى: (إن هؤلاء ضيفي)، ولم يقل: # (ضيوفي)، لأنه مصدر. # وقوله: (هم العدو فاحذرهم) ولم يقل الأعداء. # وقوله: (وحسن أولئك رفيقا ") أي رفقاء. # وقوله: (لا نفرق بين أحد من رسله). (فما منكم من أحد عنه حاجزين). # وفي الوصف كقوله تعالى: (و إن كنتم جنبا فاطهروا). PageV02P233 # وقوله: (والملائكة بعد ذلك ظهير). # وقوله: (فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا)، وجمعه أنجية، من المناجاة. # وقوله: (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء)، فأوقع الطفل جنسا. # قال ابن جني: وهذا باب يغلب عليه الاسم لا الصفة، نحو الشاة والبعير ~~والإنسان والملك، قال تعالى: (والملك على أرجائها). (وجاء ربك والملك صفا ~~صفا). # (إن الانسان لفي خسر). ومن مجيئه في الصفة قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم ~~على يديه)، وقوله: (وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار). # وقال: وكل واحد من هذه الصفات لا تقع هذا الموقع إلا بعد أن تجري مجرى ~~الاسم الصريح. # الرابع عشر خطاب الواحد بلفظ الجمع كقوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا ") إلى قوله: # (فذرهم في غمرتهم حتى حين) فهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده إذ ~~لا نبي معه قبله ولا بعده. PageV02P234 # وقوله: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين)، خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل قوله: (واصبر وما صبرك ~~الا بالله...) الآية. # وقوله: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى...) ~~الآية، خاطب بذلك أبا بكر الصديق لما حرم مسطحا رفده حين تكلم في حديث ~~الإفك. # وقوله: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا)، والمخاطب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أيضا "، لقوله: (قل فأتوا). # وقوله تعالى: (ففررت منكم لما خفتكم). # وجعل منه بعضهم قوله تعالى: (قل رب ارجعون) أي (أرجعني)، وإنما خاطب ~~الواحد المعظم بذلك، لأنه ms0421 يقول: نحن فعلنا، فعلى هذا الابتداء خوطبوا بما ~~في الجواب. # وقيل: (رب) استغاثة، و (ارجعون) خطاب الملائكة، فيكون التفاتا " أو جمعا ~~" لتكرار القول، كما قال: (قفا نبك). # وقال السهيلي: هو قول من حضرته الشياطين وزبانية النبي العذاب، فاختلط ~~ولا يدري ما يقول من الشطط، وقد اعتاد أمرا يقوله في الحياة، من رد الأمر ~~إلى المخلوقين. PageV02P235 # ومنه قوله تعالى: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا...) الآية. # وهذا مما لا تشريك كما فيه. # وقال المبرد في " الكامل ": لا ينبغي أن يستعمل ضمير الجمع في واحد من ~~المخلوقين على حكم الاستلزام، لأن ذلك كبر وهو، مختص به سبحانه. # ومن هذا ما حكاه الحريري في شرح " الملحة " عن بعضهم أنه منع من إطلاق ~~لفظه (نحن) على غير الله تعالى من المخلوقين، لما فيها من التعظيم، وهو ~~غريب. وحكى بعضهم خلافا في نون الجمع الواردة في كلامه سبحانه وتعالى، ~~فقيل: جاءت للعظمة يوصف بها سبحانه، وليس لمخلوق أن ينازعه فيها، فعلى هذا ~~[القول] يكره للملوك استعمالها في قولهم: (نحن نفعل كذا). وقيل في علتها: ~~إنها كانت لما كانت تصاريف أقضيته تجري على أيدي خلقه تنزلت أفعالهم منزلة ~~فعله، فلذلك ورد الكلام مورد الجمع، فعلى هذا [القول] يجوز مباشرة النون ~~لكل من لا يباشر بنفسه. # فأما قول العالم: (نحن نبين) و (نحن نشرح) فمسفوح له فيه، لأنه يخبر بنون ~~الجمع عن نفسه وأهل مقالته. PageV02P236 # وقوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم)، والمراد الإنس، ~~لأن الرسل لا تكون إلا من بني آدم. وحكى بعضهم فيه الاجماع، لكن عن الضحاك ~~ان من الجن رسولا اسمه يوسف، لقوله تعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) ~~واحتج الجمهور بقوله: (ولو جعلناه ملكا " لجعلناه رجلا ") ليحصل الاستئناس، ~~وذلك مفقود في الجن، وبقوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا "...) الآية، ~~وأجمعوا أن المراد بالاصطفاء النبوة. # وأجيب عن تمسك الضحاك بالآية بأن البعضية صادقة بكون الرسل من بني آدم، ~~ولا يلزم إثبات رسل من الجن بطريق إثبات نفر ms0422 من الجن، يستمعون القرآن من ~~رسل الإنس، ويبلغونه إلى قومهم، وينذرونهم، ويصدق على أولئك النفر - من حيث ~~إنهم رسل - الرسل. وقد سمى الله رسل عيسى بذلك حيث قال: (إذ أرسلنا إليهم ~~اثنين). # وفي تفسير القرآن لقوام السنة إسماعيل بن محمد بن الفضل الحوري قال قوم: ~~من الجن رسل، للآية. # وقال الأكثرون: الرسل من الإنس، ويحى من الجن، كقوله في قصة بلقيس: # (فناظرة بم يرجع المرسلون)، والمراد به واحد، بدليل قوله: (ارجع إليهم). ~~وفيه نظر، من جهة أنه يحتمل أن يكون الخطاب لرئيسهم، فإن العادة جارية ~~PageV02P237 # لا سيما من الملوك ألا يرسلوا واحدا وقرأ ابن مسعود: (ارجعوا إليهم)، ~~أراد الرسول ومن معه. # وقوله: (أولئك مبرأون مما يقولون) - يعني عائشة وصفوان. # وقوله تعالى: (كذبت قوم نوح المرسلين) والمراد بالمرسلين نوح، كقولك: # فلان يركب الدواب ويلبس البرود، وماله إلا دابة وبرد. قله الزمخشري. # وقوله تعالى: (إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة ") قال قتادة: هذا رجل ~~كان لا يمالئهم على ما كانوا يقولون في النبي صلى الله عليه وسلم، فسماه ~~الله سبحانه طائفة. وقال البخاري: ويسمى الرجل طائفة. # وقوله: (لا بيع فيه ولا خلال) والمراد (خلة)، بدليل الآية الأخرى، ~~والموجب للجمع مناسبة رؤوس الآي. # فائدة وأما قوله تعالى: (واجعلنا للمتقين إماما ") فجوز الفارسي فيه ~~تقديرين: # أحدهما: أن (إمام) هنا جمع، لأنه المفعول والثاني لجعل، والمعفول الأول ~~جمع، والثاني هو الأول، فوجب أن يكون جمعا، وواحدة (آم) لأنه قد سمع هذا في ~~واحده، PageV02P238 # قال تعالى: (ولا آمين البيت الحرام) فهذا جمع (آم) مسلما وقياسه على حد ~~قيام وقائم، فأما أئمة فجمع (إمام) الذي هو مقدر، على حد عنان وأعنه، وسنان ~~وأسنة، والأصل أيمة، فقلبت الفاء. # والثاني: أنه جمع الإمام، لأن المعنى (أئمة) فيكون (إمام) على هذا واحدا، ~~وجمعه أئمة [وإمام]. # وقال ابن الضائع: قيدت عن شيخنا الشلوبين فيه احتمالين غير هذين: أن يكون ~~مصدرا كالإمام، وأن يكون من الصفات المجراة مجرى المصادر في ترك التثنية ~~والجمع كحسب. ويحتمل أن يكون محمولا " على المعنى، كقولهم: ms0423 دخلنا على ~~الأمير وكسانا حلة، والمراد: كل واحد منا حلة، وكذلك هو (واجعل كل واحد منا ~~إماما). # الخامس عشر: # خطاب الواحد والجمع بلفظ الاثنين كقوله تعالى: (ألقيا في جهنم)، والمراد: ~~مالك، خازن النار. # وقال الفراء: الخطاب لخزنة النار والزبانية، وأصل ذلك أن الرفقة أدنى ما ~~تكون من ثلاثة نفر، فجرى كلام الواحد على صاحبيه. ويجوز أن يكون الخطاب ~~للملكين الموكلين، من قوله: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد). PageV02P239 # وقال أبو عثمان: لما ثنى الضمير استغنى عن أن يقول: ألق ألق، يشير إلى ~~إرادة التأكيد اللفظي. # وجعل المهدوي منه قوله تعالى: (قال قد أجيبت دعوتكما)، قال: الخطاب لموسى ~~وحده لأنه الداعي، وقيل: لهما - وكان هارون قد أمن على دعائه، والمؤمن أحد ~~الداعيين. # السادس عشر: # خطاب الاثنين بلفظ الواحد كقوله تعالى: (فمن ربكما يا موسى)، أي (ويا ~~هارون)، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه أفرد موسى عليه السلام بالنداء بمعنى التخصيص والتوقف، إذا ~~كان هو صاحب عظيم الرسالة وكريم الآيات. وذكره ابن عطية. # والثاني: لما كان هارون أفصح لسانا " منه على ما نطق به القرآن ثبت عن ~~جواب الخصم الألد. ذكره صاحب الكشاف. وانظر إلى الفرق بين الجوابين. # ومثله: (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى)، قال ابن عطية: إنما أفرده بالشقاء ~~من حيث كان المخاطب أولا والمقصود في الكلام. وقيل بل ذلك لأن الله جعل ~~PageV02P240 # الشقاء في معيشة الدنيا في حيز الرجال، ويحتمل الإغضاء عن ذكر المرأة، ~~ولهذا قيل: من الكرم ستر الحرم. # وقوله: (فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين). # ونحوه في وصف الاثنين بالجمع قوله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت ~~قلوبكما). # وقال: (هذان خصمان اختصموا)، ولم يقل: (اختصما). # وقال: (فتاب عليه)، ولم يقل: (عليهما) اكتفاء بالخبر عن أحدهما بالدلالة ~~عليه. # السابع عشر خطاب الجمع بعد الواحد كقوله تعالى: (وما تكون في شأن وما ~~تتلو منه من قرآن ولا تعلمون من عمل إلا كنا...) الآية، فجمع ثالثها، ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن الآنباري: # إنما جمع في الفعل الثالث ليدل ms0424 على أن الأمة داخلون مع الني صلى الله ~~عليه وسلم وحده، وإنما جمع تفخيما له وتعظيما، كما في قوله تعالى: ~~(أفتطعمون أن يؤمنوا لكم). # وكذلك قوله: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا " ~~واجعلوا بيوتكم قبلة " وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين) فثني في الأول، ثم ~~جمع، ثم أفرد، لأنه خوطب أولا موسى وهارون، لأنهما المتبوعان، ثم سيق ~~الخطاب عاما PageV02P241 # لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها، لأنه واجب عليهم، ثم خص موسى ~~بالبشارة تعظيما له. # الثامن عشر خطاب عين والمراد غيره كقوله: (يا أيها النبي اتق الله ولا ~~تطع الكافرين والمنافقين)، الخطاب له والمراد المؤمنون، لأنه صلى الله عليه ~~وسلم كان تقيا، وحاشاه من طاعة الكافرين والمنافقين! والدليل على ذلك قوله ~~في سياق الآية: (و اتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا ~~"). # وقوله تعالى: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب ~~من قبلك)، بدليل قوله في صدر الآية [بعدها]: (قل يا أيها الناس إن كنتم في ~~شك من ديني). # ومنهم من أجراه على حقيقته وأوله، قال أبو عمر الزاهد في " الياقوتة ": ~~سمعت الإمامين ثعلب والمبرد يقولان: معنى (فإن كنت في شك) أي قل يا محمد: ~~إن كنت في شك من القرآن فاسأل من أسلم من اليهود، إنهم أعلم به من أجل أنهم ~~أصحاب كتاب. PageV02P242 # وقوله: (عفا الله عنك لم أذنت لهم) قال ابن فورك: معناه وسع الله عنك! # على وجه الدعاء، و (لم أذنت لهم) تغليظ على المنافقين وهو في الحقيقة ~~عتاب راجع إليهم، وإن كان في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: (فإن ~~كنت في شك مما أنزلنا إليك). # وقوله: (عبس وتولى)، قيل إنه أمية، وهو الذي تولى دون الني صلى الله عليه ~~وسلم، ألا ترى أنه لم: (يقل عبست)! # وقوله: (ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين). # وقوله: (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا " لمن ~~الظالمين). # وبهذا يزول الإشكال المشهور في أنه: كيف يصح خطابه ms0425 صلى الله عليه وسلم مع ~~ثبوت عصمته عن ذلك كله؟ ويجاب أيضا بأن ذلك على سبيل الفرض، والمحال يصح ~~فرضه لغرض. # والتحقيق أن هذا ونحوه من باب خطاب العام من غير قصد شخص معين، والمعنى ~~PageV02P243 # اتفاق جميع الشرائع على ذلك. ويستراح حينئذ من إيراد هذا السؤال من أصله. # وعكس هذا أن يكون المراد عاما، والمراد الرسول قوله: (لقد أنزلنا إليكم ~~كتابا " فيه ذكركم...) بدليل قوله في سياقها: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين). # وأما قوله في سورة الأنعام: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من ~~الجاهلين) فليس من هذا الباب. # قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون التقدير: (فلا تكونن من الجاهلين) في ألا ~~تعلم أن الله لو شاء لجمعهم. ويحتمل ان يهتم بوجود كفرهم الذي قدره الله ~~وأراده. # ثم قال: ويظهر تباين ما بين قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: (فلا ~~تكونن من الجاهلين) وبين قوله عز وجل لنوح عليه السلام: (إني أعظك أن تكون ~~من الجاهلين)، وقد تقرر أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء. # وقال مكي والمهدوي: الخطاب بقوله: (فلا تكونن من الجاهلين) للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، والمراد أمته، وهذا ضعيف ولا يقتضيه اللفظ. # وقال قوم: وقر نوح عليه السلام لسنه وشبيه. # وقال قوم: جاء الحمل على النبي صلى الله عليه وسلم لقربه من الله ~~ومكانته، كما يحمل العاتب على قريبة أكثر من حمله على الأجانب. # قال: والوجه القوي عندي في الآية هو أن ذلك لم يجئ بحسب النبيين، وإنما ~~جاء بحسب الأمر من الله، ووقع النبي عنهما والعقاب فيهما. PageV02P244 # التاسع عشر خطاب الاعتبار كقوله تعالى حاكيا عن صالح لما هلك قومه: ~~(فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين)، خاطبهم بعد هلاكهم، إما لأنهم يسمعون ذلك كما فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأهل بدر وقال: (والله ما أنتم بأسمع منهم)، وإما للاعتبار ~~كقوله: (قل سيروا في الأرض فانظروا). # وقوله: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر). ms0426 # العشرون خطاب الشخص ثم العدول إلى غيره كقوله: (فإن لم يستجيبوا لكم)، ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال للكفار: (فاعلموا أنما أنزل بعلم ~~الله)، بدليل قوله: (فهل أنتم مسلمون). # وقوله: (ذلك أدنى ألا تعولوا). # قال ابن خالويه: في كتاب " المبتدأ ". PageV02P245 # الحادي والعشرون خطاب التلوين وسماه الثعلبي المتلون. كقوله تعالى: (يا ~~أيها النبي إذا طلقتم النساء). # (فمن ربكما يا موسى). وتسميه أهل المعاني الالتفات، وسنتكلم عليه إن شاء ~~الله تعالى بأقسامه. # الثاني والعشرون خطاب الجمادات خطاب من يعقل كقوله تعالى: (فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا " أو كرها " قالتا أتينا طائعين) تقديره: (طائعة). # وقيل: لما كانت ممن يقول، وهي حالة عقل، جرى الضمير في (طائعين) عليه، ~~كقولهم: (رأيتهم لي ساجدين). # وقد اختلف - أن هذه المقالة حقيقة، بأن جعل لها حياة وإدراكا يقتضي ~~نطقها، أو مجازا، بمعنى ظهر فيها من اختيار الطاعة والخضوع بمنزلة هذا ~~القول - على قولين: # قال ابن عطية: والأول أحسن، لأنه لا شئ يدفعه، والعبرة فيه أتم، والقدرة ~~فيه أظهر. PageV02P246 # ومنه قوله تعالى: (يا جبال أوبي معه)، فأمرها كما تؤمر الواحدة المخاطبة ~~المؤنثة لأن جميع مالا يعقل كذلك يؤمر. # الثالث والعشرون خطاب التهييج كقوله: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين)، ولا يدل على أن من لم يتوكل ينتفي عنهم الإيمان، بل حث لهم على ~~التوكل. # وقوله: (فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين). # وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين)، فإنه سبحانه وصفهم بالإيمان عند الخطاب ثم قال: (إن كنتم مؤمنين)، ~~فقصد حثهم على ترك الربا، وأن المؤمنين حقهم أن يفعلوا ذلك. # وقوله: (وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين). # وقوله: (إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين). # وقوله: (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى ~~الجمعان). # وهذا أحسن من قول من قال: (إن) هاهنا بمعنى: (إذ). PageV02P247 # الرابع والعشرون خطاب الإغضاب كقوله تعالى: (إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم ms0427 وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن ~~يتولهم فأولئك هم الظالمون). # وقوله: (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ~~"). # وقوله تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء " فلا تتخذوا منهم ~~أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله). # الخامس والعشرون خطاب التشجيع والتحريض وهو الحث على الاتصاف بالصفات ~~الجميلة، كقوله تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا " كأنهم ~~بنيان مرصوص)، وكفى بحث الله سبحانه تشجيعا على منازلة الأقران، ومباشرة ~~الطعان! # وقوله تعالى: (بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة آلاف من الملائكة مسومين). # وقوله تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره) وكيف لا يكون للقوم صبر والملك ~~PageV02P248 # الحق جل جلاله قد وعدهم بالمدد الكريم فقال: (وما النصر إلا من عند الله ~~العزيز الحكيم) وقوله تعالى: (فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا ~~يرجون). # وقد جاء في مقابلة هذا القسم ما يراد منه الأخذ بالحزم والتأني بالحرب ~~والاستظهار عليها بالعدة، كقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، ~~وقوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). # ونحو ذلك في الترغيب والترهيب ما جاء في قصص الأشقياء تحذيرا لما نزل من ~~العذاب، وإخبارا " للسعداء فيما صاروا إليه من الثواب. # السادس والعشرون خطاب التنفير كقوله تعالى: (ولا يغتب بعضكم بعضا " أيحب ~~أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا " فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) ~~فقد جمعت هذه الآية أوصافا " وتصويرا لما يناله المغتاب من عرض من يغتابه ~~على أفظع وجه، وفي ذلك محاسن كالاستفهام الذي معناه التقريع والتوبيخ، وجعل ~~ما هو الغاية في الكراهة موصولا بالمحبة، وإسناد الفعل إلى (أحدكم). وفيه ~~إشعار بأن أحدا لا يحب ذلك ولم يقتصر على تمثيل الاعتبار بأكل لحم الانسان ~~حتى جعله (أخا)، ولم يقتصر على لحم الأخ حتى PageV02P249 # جعله (ميتا) وهذه مبالغات عظيمة، ومنها أن المغتاب غائب وهو لا يقدر على ~~الدفع لما قيل فيه فهو كالميت. # السابع والعشرون خطاب التحنن والاستعطاف كقوله تعالى: (قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم ms0428 لا تقنطوا من رحمة الله). # الثامن والعشرون خطاب التحبيب نحو: (يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر) ~~(يا بني إنها إن تك مثقال حبة). # (يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي). # ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (يا عباس يا عم رسول الله). # التاسع والعشرون خطاب التعجيز نحو: (فأتوا بسورة من مثله). # (فليأتوا بحديث مثله). PageV02P250 # (قل فأتوا بعشر سور مثله). # (فادرءوا عن أنفسكم الموت). # وجعل منه بعضهم: (قل كونوا حجارة " أو حديدا ")، ورده ابن عطية بأن ~~التعجيز يكون حيث يقتضي بالأمر فعل مالا يقدر عليه المخاطب، وإنما معنى ~~الآية: كونوا بالتوهم والتقدير كذا. # الثلاثون التحسير والتلهف كقوله تعالى: (قل موتوا بغيظكم). # الحادي والثلاثون التكذيب نحو قوله: (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين). # (قل هلم شهداءكم الذين يشهدون). # الثاني والثلاثون خطاب التشريف وهو كل ما في القرآن العزيز مخاطبة بقل، ~~كالقلاقل. # وكقوله: (قل آمنا)، وهو تشريف منه سبحانه لهذه الأمة، بأن يخاطبها ~~PageV02P251 # بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة، إذ ليس من الفصيح أن يقول الرسول للمرسل ~~إليه: # قال لي المرسل: (قل كذا وكذا)، ولأنه لا يمكن اسقاطها، فدل على أن المراد ~~بقاؤها، ولابد لها من فائدة، فتكون أمرا من المتكلم للمتكلم بما يتكلم به ~~أمره شفاها بلا واسطة، كقولك لمن تخاطبه: افعل كذا. # الثالث والثلاثون خطاب المعدوم ويصح ذلك تبعا " لموجود، كقوله تعالى: (يا ~~بني آدم)، فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان، ولكل من بعدهم، وهو على نحو ما يجري ~~من الوصايا في خطاب الانسان لولده وولد ولده ما تناسلوا بتقوى الله وإتيان ~~طاعته. # قال الرماني في تفسيره: وإنما جاز خطاب المعدوم لأن الخطاب يكون بالإرادة ~~للمخاطب دون غيره، وأما قوله تعالى: (كن فيكون) فعند الأشاعرة أن وجود ~~العالم حصل بخطاب (كن). # وقالت: الحنفية: التكوين أزلي قائم بذات الباري سبحانه، وهو تكوين لكل ~~جزء من أجزاء العالم عند وجوده، لا أنه يوجد عند (كاف ونون). # وذهب فخر الاسلام شمس الأئمة منهم إلى أن خطاب (كن) موجود عند إيجاد كل ~~شئ، ms0429 فالحاصل عندهم في إيجاد الشئ شيئان: الإيجاد وخطاب (كن). PageV02P252 # واحتج الأشاعرة بظاهر قوله تعالى: (إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له ~~كن فيكون)، وقوله: (إنما أمره إذا أراد شيئا " أن يقول له كن فيكون) وقوله: ~~(بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا " فإنما يقول له كن فيكون) ولو حصل ~~وجود العلم بالتكوين لم يكن في خطاب (كن) فائدة عند الإيجاد. # وأجاب الحنفية بأنا نقول لموجدها ولا تستقل بالفائدة، كالمتشابه، فيقول ~~بوجود خطاب (كن) عند الإيجاد في غير تشبيه ولا تعطيل. PageV02P253 # النوع الثالث والأربعون في بيان حقيقته ومجازه لا خلاف أن كتاب الله ~~يشتمل على الحقائق، وهي كل كلام بقي على موضوعه كالآيات التي لم يتجوز ~~فيها، وهي الآيات الناطقة ظواهرها بوجود الله تعالى وتوحيده وتنزيهه، ~~والداعية إلى أسمائه وصفاته، كقوله تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو ~~عالم الغيب والشهادة...) الآية. # وقوله: (أمن خلق السماوات والأرض...)، (أمن جعل الأرض قرارا "...)، (أمن ~~يجيب المضطر إذا دعاه...)، (أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر)، (أمن يبدأ ~~الخلق ثم يعيده). # وقوله تعالى: (من يحي العظام وهي رميم). # وقوله تعالى: (أفرأيتم ما تمنون). (أفرأيتم ما تحرثون). (أفرأيتم الماء ~~الذي تشربون). (أفرأيتم النار التي تورون). # قيل: ومنه الآيات التي لم تنسخ، وهي كالآيات المحكمات،؟ والآيات ~~المشتملة، PageV02P254 # ولا تقديم فيه ولا تأخير، كقول القائل: أحمد الله على نعمائه وإحسانه، ~~وهذا أكثر الكلام، قال الله تعالى: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك وبالآخرة هم يوقنون)، وأكثر ما يأتي من الآي على هذا. # وأما المجاز فاختلف في وقوعه في القرآن، والجمهور على الوقوع، وأنكره ~~جماعة، منهم ابن القاص من الشافعية، وابن خويز منداد من المالكية. وحكى عن ~~داود الظاهري وابنه، وأبي مسلم الأصبهاني. # وشبهتهم أن المتكلم لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا إذا ضاقت به ~~الحقيقة فيستعير، وهو مستحيل على الله سبحانه. # وهذا باطل، ولو وجب خلو القرآن من المجاز لوجب خلوه من التوكيد والحذف، ~~وتثنية القصص وغيره، ولو سقط المجاز من القرآن سقط ms0430 شطر الحسن. # وقد أفرده بالصنيف الإمام أبو محمد بن عبد السلام، وجمع فأوعى. ~~PageV02P255 # وأما معناه، فقال الحاتمي: معناه طريق القول، ومأخذه مصدر (جزت مجازا) ~~كما يقال: (قمت مقاما). # قال الأصمعي: كلام العرب إنما هو مثال شبه الوحي. # [نوعا المجاز] وله سببان: أحدهما الشبه، ويسمى المجاز اللغوي وهو الذي ~~يتكلم فيه الأصولي. # والثاني الملابسة، وهذا هو الذي يتكلم فيه أهل اللسان، ويسمى المجاز ~~العقلي، وهو ان تسند الكلمة إلى غير ما هي له أصالة " بضرب من التأويل، كسب ~~زيد أباه، إذا كان سببا " فيه. # [المجاز في المركب وأقسامه] والأول مجاز في المفرد، وهذا مجاز في المركب. # ومنه قوله تعالى: (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا ")، نسبت الزيادة ~~التي هي فعل الله إلى الآيات لكونها سببا فيها. # وكذا قوله تعالى: (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم). # وقوله: (يذبح أبناءهم)، والفاعل غيره، ونسب الفعل إليه لكونه الآمر به. # وكقوله: (ينزع عنهما لباسهما)، نسب النزع الذي هو فعل الله إلى إبليس ~~PageV02P256 # لعنه الله، لأن سببه أكل الشجرة، وسبب أكلها وسوسته ومقاسمته إياهما إنه ~~لهما لمن الناصحين. # وقوله تعالى: (فما ربحت تجارتهم)، جعل التجارة الرابحة. # وقوله: (فإذا عزم الأمر)، لأن الأمر هو المعزوم عليه، بدليل: (فإذا عزمت ~~فتوكل على الله). # وقوله: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا " وأحلوا قومهم دار ~~البوار)، فنسب الإحلال الذي هو فعل الله إلى أكابرهم، لأن سببه كفرهم، وسبب ~~كفرهم أمر أكابرهم إياهم بالكفر. # وقوله تعالى: (يوما " يجعل الولدان شيبا ")، نسب الفعل إلى الظرف لوقوعه ~~فيه. # وقوله تعالى: (وأخرجت الأرض أثقالها). # وقوله: (فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى). # وقد يقال إن النزع والإحلال يعبر بهما عن فعل ما أوجبهما، فالمجاز إفرادي ~~لا إسنادي. # وقوله: (يوما " يجعل الولدان شيبا ")، يحتمل معناه: يجعل هوله، فهو من ~~مجاز الحذف. PageV02P257 # واما قوله تعالى: (في عيشة راضية) (1)، فقيل على النسب، أي ذات رضا ". # وقيل: بمعنى (مرضية)، وكلاهما مجار إفراد لا مجاز إسناد، لأن المجاز في ~~لفظ (راضية) لا في اسنادها، ولكنهم كأنهم قدروا أنهم قالوا: ms0431 رضيت عيشته، ~~فقالوا: # (عيشة راضية). # وهو على ثلاثة أقسام: # أحدها: ما طرفاه حقيقتان، نحو: أنبت المطر البقل، وقوله تعالى: (وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا ") (2)، وقوله: (وأخرجت الأرض أثقالها) ~~(3). # والثاني: مجازيان، نحو: (فما ربحت تجارتهم) (4). والثالث: ما كان أحد ~~طرفيه مجازا (5) دون الآخر، كقوله: (تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها) (6)، ~~وقوله: (حتى تضع الحرب أوزارها) (7). # قال بعضهم: ومن شرط هذا المجاز أن يكون للمسند إليه شبه بالمتروك، في ~~تعلقه بالعامل. # [المجاز الإفرادي وأقسامه] وأنواع الإفرادي في القرآن كثيرة يعجز العد عن ~~إحصائها. PageV02P258 # كقوله: (كلا إنها لظى. نزاعة " للشوى تدعو) (1) قال: الدعاء من النار ~~مجاز. # وكقوله تعالى (أم أنزلنا عليهم سلطانا "...) (2) الآية، والسلطان هنا هو ~~البرهان، أي برهانا يستدلون به (3)، فيكون صامتا ناطقا، كالدلائل المخبرة، ~~والعبرة والموعظة. # وقوله: (فأمه هاوية) (4) فاسم الأم الهاوية مجاز، أي كما أن الأم كافلة ~~لولدها وملجأ له، كذلك أيضا النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع. # وقوله: (قتل الخراصون) (5)، (قتل الانسان ما أكفره) (6) (قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون) (7)، والفعل في هذه المواضع مجاز أيضا، لأنه بمعنى أبعده الله ~~وأذله. # وقيل: قهره وغلبه وهو كثير، فلنذكر (8) أنواعه لتكون ضوابط لبقية الآيات ~~الشريفة. # الأول إيقاع المسبب موقع السبب كقوله تعالى: (قد أنزلنا عليكم لباسا ") ~~(9) وإنما نزل سببه، وهو الماء. # وكقوله: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة) (9)، ~~ولم يقل: (كما فتن أبويكم)، لأن الخروج من الجنة هو المسبب الناشئ عن ~~الفتنة، فأوقع المسبب موقع السبب، أي لا تفتتنوا بفتنة الشيطان، فأقيم فيه ~~السبب مقام المسبب، وهو سبب خاص، فإذا عدم فيعدم المسبب، فالنهي في الحقيقة ~~لبنى آدم، والمقصود عدم وقوع هذا الفعل منهم، فلما أخرج السبب من أن يوجد ~~بإيراد النهى عليه، كان أدل على امتناع النهى بطريق الأولى. PageV02P259 # وقوله تعالى: (مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار) وهم لم يدعوه ~~إلى النار، إنما دعوه إلى الكفر، بدليل قوله: (تدعونني لأكفر بالله)، لكن ~~لما كانت النار مسببة عنه أطلقها عليه. # وقوله تعالى: (فاتقوا النار) أي العناد المستلزم ms0432 للنار. # وقوله: (إنما يأكلون في بطونهم نارا ") لاستلزام أموال اليتاما إياها. # وقوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ") إنما أرد - والله أعلم - ~~الشئ الذي ينكح به، من مهر ونفقة وما لا بد للمتزوج منه. # وقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) أي لا تأكلوها بالسبب ~~الباطل الذي هو القمار. # وقوله: (والرجز فاهجر)، أي عبادة الأصنام لأن العذاب مسبب عنها. # وقوله: (وليجدوا فيكم غلطة ") أي وأغلظوا عليهم، ليجدوا ذلك، وإنما عدل ~~إلى الأمر بالوجدان تنبيها " على أنه المقصود لذاته، وأما الإغلاظ فلم يقصد ~~لذاته بل لتجدوه. # الثاني عكسه، وهو إيقاع السبب موقع المسبب كقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها). # وقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ~~PageV02P260 # سمى الجزاء الذي هو السبب سيئة واعتداء، فسمى الشئ باسم سببه وإن عبرت ~~السيئة عما ساء - أي أحزن - لم يكن من هذا الباب، لأن الإساءة تحزن في ~~الحقيقة، كالجناية. # ومنه: (ومكروا ومكر الله) تجوز بلفظ (المكر) عن عقوبته لأنه سبب لها. # ومنه قوله: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) إنما جعلت المرأتان ~~للتذكير إذا وقع الضلال لا ليقع الضلال، فلما كان الضلال سببا " للتذكير ~~أقيم مقامه. # ومنه إطلاق اسم الكتاب على الحفظ، أي المكتوب فإن الكتابة سبب له، كقوله ~~تعالى: (سنكتب ما قالوا) أي سنحفظه حتى نجازيهم عليه. # ومنه إطلاق اسم السمع على القبول، كقوله تعالى: (ما كانوا يستطيعون ~~السمع)، أي ما كانوا يستطيعون قبول ذلك والعمل به، لأن قبول الشئ مرتب على ~~سماعة ومسبب عنه، ويجوز أن يكون نفي السمع لابتغاء فائدته. # ومنه قول الشاعر: # وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها * فليس لمخضوب البنان يمين أي وفاء يمين. # ومنه إطلاق الإيمان على ما نشأ عنه من الطاعة، كقوله تعالى: (وما كان ~~الله ليضيع إيمانكم). (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) أي أفتعملون ~~ببعض التوراة - وهو فداء الأسارى - وتتركون العمل ببعض - وهو قتل إخوانهم ~~وإخراجهم من ديارهم؟ PageV02P261 # وجعل الشيخ عز الدين من الأنواع نسبة الفعل إلى سبب سببه، كقوله تعالى: # (فأخرجهما مما ms0433 كانا فيه) أي كما أخرج أبويكم فلا يخرجنكما من الجنة. ~~(ينزع عنهما لباسهما). # المخرج والنازع في الحقيقة هو الله عز وجل، وسبب ذلك أكل الشجرة، وسبب ~~أكل الشجرة وسوسة الشيطان ومقاسمته على أنه من الناصحين. وقد مثل البيانيون ~~بهذه الآية للسبب وإنما هي لسبب السبب. # وقوله: (وأحلوا قومهم دار البوار) لما أمروهم بالكفر الموجب لحلول النار ~~[نسب ذلك إليهم لأنهم أمروهم به، فالله هو المحل لدار البوار، وسبب إحلالها ~~كفرهم، وسبب كفرهم أمروا أكابرهم إياهم بالكفر الموجب لحلول النار]. # الثالث إطلاق اسم الكل على الجزء قال تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم ~~من الصواعق) أي أناملهم، وحكمة التعبير عنها بالأصابع الإشارة إلى أنهم ~~يدخلون أناملهم في آذانهم بغير المعتاد، فرارا من الشدة، فكأنهم جعلوا ~~الأصابع. # وقال تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) وليد حقيقة إلى المنكب، هذا إن ~~جعلنا (إلى) بمعنى (مع)، ولا يجب غسل جميع الوجه إذا ستره بعض الشعور ~~الكثيفة. PageV02P262 # وقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)، والمراد هو البعض الذي هو ~~الرسغ. # وقال تعالى: (ومن لم يطعمه) اي من لم يذق. # وقوله: (تعجبك أجسامهم) والمراد وجوههم، لأنه لم ير جملتهم. # ومنه قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) استشكله الإمام في تفسيره، ~~من جهة أن الجزاء إنما يكون بعد تمام الشرط والشرط أن يشهد الشهر، وهو اسم ~~لثلاثين يوما. وحاصل جوابه أنه أوقع الشهر وأراد جزاء منه، وإرادة الكل ~~باسم الجزء مجاز شهير ونقل عن علي رضي الله عنه أن المعنى من شهد أول الشهر ~~فليصم جميعه، وأن الشخص متى كا مقيما أو في البر ثم سافر، يجب عليه صوم ~~الجميع. والجمهور على أن هذا عام، مخصص بقوله: (فمن كان منكم مريضا "...) ~~الآية. ويتفرع على هذا أن من أدرك الجزء الأخير من رمضان: هل يلزمه صوم ما ~~سبق إن كان مجنونا في أوله؟ # فيه قولان: # الرابع إطلاق اسم الجزء على الكل كقوله تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه)، أي ~~ذاته. (ويبقى وجه ربك). PageV02P263 # وقوله: (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره). # وقوله: (وجوه يومئذ ms0434 خاشعة. عاملة ناصبة)، يريد الأجساد، لأن العمل والنصب ~~من صفاتها. وأما قوله: (وجوه يومئذ ناعمة)، فيجوز أن يكون من هذا، عبر ~~بالوجوه عن الرجال. ويجوز أن يكون من وصف البعض بصفة الكل لأن التنعم منسوب ~~إلى جميع الجسد. # ومنه: (وجوه يومئذ ناضرة)، فالوجه المراد به جميع ما تقع به المواجهة لا ~~الوجه وحده. # وقد اختلف في تأويل (الوجه) الذي جاء مضافا إلى الله في مواضع من القرآن، ~~فنقل ابن عطية عن الحذاق أنه راجع إلى الوجود، والعبارة عنه بالوجه مجاز، ~~إذ هو أظهر الأعضاء في المشاهدة وأجلها قدرا. وقيل - وهو الصواب - هي صفة ~~ثابتة بالسمع، زائدة على ما توجبه العقول من صفات الله تعالى. وضعفه إمام ~~الحرمين. وأما قوله تعالى: (فثم وجه الله) فالمراد الجهة التي وجهنا إليها ~~في القبلة. وقيل: المراد به الجاه، أي فثم جلال الله وعظمته. # وقوله: (فبما كسبت أيديكم). (ولا تلقوا بأيديكم) تجوز بذلك عن الجملة. # و قوله: (واضربوا منهم كل بنان)، البنان الإصبع، تجوز بها عن الأيدي ~~PageV02P264 # والأرجل، عكس قوله تعالى: (يجعلون أصابعهم). # وقوله: (فتحرير رقبة). # وقوله (سنسمه على الخرطوم)، عبر بالأنف عن الوجه. # (لأخذنا منه باليمين). # وكقوله تعالى: (فإنه آثم قلبه)، أضاف الإثم إلى القلب وإن كانت الجملة ~~كلها آثمة، من حيث كان محلا لاعتقاد الإثم والبر كما نسبت الكتابة إلى اليد ~~من حيث إنها تفعل بها في قوله تعالى: (مما كتبت أيديهم)، وإن كانت الجملة ~~كلها كاتبة ولهذا قال: (وويل لهم مما يكسبون). # وكذا قوله: (ولا تدركه الأبصار). وقيل: المعنى على حذف المضاف، لأن ~~المدرك هو الجملة دون الحاسة، فأسند الإدراك إلى الأبصار، لأنه بها يكون. # وكقوله تعالى: (ويحذركم الله نفسه)، أي إياه. # (تعلم ما في نفسي). # وجعل منه بعضهم قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم). وحكى ابن ~~فارس عن جماعة أن (من) هنا للتبعيض، لأنهم أمروا بالغض عما يحرم النظر ~~إليه. # وقوله: (قم الليل)، أي صل في الليل، لأن القيام بعض الصلاة. PageV02P265 # وكقوله: (وقرآن الفجر) (1)، أي صلاة الفجر. # ومنه (المسجد الحرام) ms0435 والمراد جميع الحرم. # وقوله: (واركعوا مع الراكعين) (2) أي المصلين. # (يخرون للأذقان سجدا ") (3)، (ويخرون للأذقان يبكون) (3)، أي الوجوه. # وقوله: (إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء) (4) فعبر ~~بالأرض والسماء عن العالم، لأن المقام الوعيد، والوعيد إنما يحصل لو بين أن ~~الله لا يخفى عليه أحوال العباد، حتى يجازيهم على كفرهم وإيمانهم، والعباد ~~وأحوالهم ليست السماء والأرض بل من العالم، فيكون المراد بالسماء والأرض ~~العالم، إطلاقا للجزء على الكل. # وقوله: (قل أذن خير لكم) (5)، قال الفارسي: جعله على المجاز (أذنا ") ~~لأجل إصغائه، قال: ولو صغرت (أذنا) هذه التي في هذه الآية، كان في لحاق ~~التاء فيها وتركها نظر. # وجعل الإمام فخر الدين قوله تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة " للناس وأمنا ~~") المراد به جميع الحرم، لا صفة الكعبة فقط، بدليل قوله: (أنا جعلنا حرما ~~" آمنا ") (7)، وقوله: (هديا " بالغ الكعبة) (8)، والمراد الحرم كله، لأنه ~~لا يذبح في الكعبة، قال: وكذلك (المسجد الحرام) في قوله: (فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم PageV02P266 # هذا) (1)، والمراد منعهم من الحج وحضور مواضع النسك. # وقيل في قوله تعالى: (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) (2)، أي نجعلها صفحة ~~" مستوية لا شقوق فيها كخف البعير، فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة، ~~كالكتابة والخياطة ونحوها من الأعمال التي يستعان فيها بالأصابع، قالوا: ~~وذكرت البنان لأنه قد ذكرت اليدان، فاختص منها ألطفها. # وجوز أبو عبيدة ورود (3) البعض وإرادة الكل، وخرج عليه قوله تعالى: # (ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون فيه) (4) أي كله، وقوله تعالى: (وإن يك صادقا " يصبكم بعض الذي ~~يعدكم) (5) وأنشد بيت لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يعتلق بعض النفوس حمامها (6) قال: والموت ~~لا يعتلق بعض النفوس دون بعض، ويقال للنية: علوق، وعلاقة. انتهى. # وهذا الذي قاله فيه أمران: # أحدهما: أنه ظن أن النبي يجب عليه أن يبين في شريعته جميع ما اختلفوا ~~فيه، وليس كذلك، بدليل سؤالهم عن الساعة وعن الروح وغيرهما مما لا يعلمه ~~إلا الله. وأما الآية PageV02P267 # الأخرى، فقال ms0436 ثعلب: إنه كان وعدهم بشئ من العذاب: عذاب الدنيا وعذاب ~~الآخرة فقال: يصبكم هذا العذاب في الدنيا، - وهو بعض الوعيد - من غير نفي ~~عذاب الآخرة. # الثاني: أنه أخطأ في فهم البيت، وإنما مراد الشاعر ببعض النفوس نفسه هو، ~~لأنها بعض النفوس حقيقة، ومعنى البيت: أنا إذا لم أرض الأمكنة أتركها إلى ~~أن أموت، أي إذا تركت شيئا " لا أعود إليه إلى أن أموت، كقول الآخر: # إذا انصرفت نفسي عن الشئ لم تكد * إليه بوجه آخر الدهر ترجع وقال ~~الزمخشري: إن صحت الرواية عن أبي عبيدة، فيدخل فيه قول المازني في مسألة ~~(العلقي): كان أجفى من أن يفقه ما أقول له. وأشار الزمخشري بذلك إلى أن أبا ~~عبيدة قال للمازني: ما أكذب النحويين! [فقلت له: لم قلت ذلك؟ قال]: يقولون: # هاء التأنيث تدخل على ألف التأنيث وإن الألف [التي] في (علقي) ملحقة [لست ~~للتأنيث]، قال: فقلت له: وما أنكرت من ذلك؟ قال سمعت رؤبة ينشد: # * فحط في علقي وفي مكور * فلم ينونها، فقلت: ما واحد العقلي؟ فقال: ~~علقاه، قال المازني: فأسفت ولم أفسر له لأنه كان أغلظ من أن يفهم مثل هذا! ~~PageV02P268 # قلت: ويحتمل قوله: (يصبكم بعض الذي يعدكم) أن الوعيد مما لا يستنكر ترك ~~جميعه، فكيف بعضه! ويدل قوله في آخر هذه السورة: (فاصبر إن وعد الله حق ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون)، وفيها تأييد لكلام ~~ثعلب أيضا ". # وقد يوصف البعض، كقوله تعالى: (يعلم خائنة الأعين) وقوله: # (ناصبة كاذبة خاطئة) الخطأ صفة الكل فوصف به الناصية، وأما الكاذبة فصفة ~~اللسان. # وقد يوصف الكل بصفة البعض كقوله: (إنا منكم وجلون)، والوجل صفة القلب. # وقوله (ولملئت منهم رعبا ")، والرعب إنما يكون في القلب. # الخامس اطلاق اسم الملزوم على اللازم كقوله تعالى: (أم أنزلنا عليهم ~~سلطانا " فهو يتكلم بما كانوا به يشركون)، أي أنزلنا برهانا " يستدلون به، ~~وهو يدلهم، سمي الدلالة (كلاما)، لأنها من لوازم الكلام. # وقوله: (صم وبكم في الظلمات) فإن الأصل (عمي) لقوله في موضع آخر: # (صم ms0437 بكم عمى)، لكن أتى بالظلمات لأنها من لوزام العمى. PageV02P269 # فإن قيل: ما الحكمة في دخول الواو هنا وفى التعبير بالظلمات عن العمى ~~بخلافه في الآية الأخرى (1). # السادس إطلاق اسم اللازم على الملزوم كقوله تعالى: (فلولا أنه كان من ~~المسبحين) (2) أي المصلين. # السابع إطلاق اسم المطلق على المقيد كقوله: (فعقروا الناقة) (3)، والعاقر ~~لها من قوم صالح قدار، لكنهم لما رضوا الفعل نزلوا منزلة الفاعل. # الثامن عكسه كقوله تعالى: (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) (4)، ~~والمراد كلمة الشهادة، وهي عدة كلمات. # التاسع إطلاق اسم الخاص وإرادة العام كقوله تعالى: (إني رسول رب ~~العالمين) (5) أي رسله. # وقال: (هم العدو فاحذرهم)، أي الأعداء. PageV02P270 # (وخضتم كالذي خاضوا) (1) أي الذين. # وقوله: (علمت نفس) (2)، أي كل نفس. # وقوله: (وجزاء سيئته سيئة مثلها) (3)، أي كل سيئة. # وقوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين)، (4) الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد الناس جميعا. # العاشر إطلاق اسم العام وإرادة الخاص كقوله تعالى: (ويستغرون لمن في ~~الأرض) (5) أي للمؤمنين، بدليل قوله في في موضع آخر: (ويستغفرون للذين ~~آمنوا) (6)، ولما خفى هذا على بعضهم زعم أن الأولى منسوخة بالثانية. # وكقوله تعالى: (كل له قانتون) (7)، أي أهل طاعته، لا الناس أجمعون، حكاه ~~الواحدي عن ابن عباس وغيره، واختاره الفراء (8). # وقوله: (كان الناس أمة " واحدة ") (9)، قيل: المراد بالناس هنا نوح ومن ~~معه في السفينة، وقيل آدم وحواء. # وقوله: (وآل عمران على العالمين) (10)، أي عالمي زمانه، ولا يصح العموم، ~~PageV02P271 # لأنه إذا فضل أحدهم على العالمين فقد فضل على سائرهم، لأنه من العالمين، ~~فإذا فضل الآخرين على العالمين فقد فضلهم أيضا على الأول، لأنه من ~~العالمين، فيصير الفاضل مفضولا، ولا يصح. # وقوله: (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) أي شئ يحكم عليه ~~بالذهاب، بدليل قوله: (فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم). # وقوله: (تدمر كل شئ بأمر ربها)، ولم تجتح هودا والمسلمين معه. # وقوله: (وأوتيت من كل شئ)، مع أنها لم تؤت لحية ولا ذكرا ". # وقوله: (فتحنا عليهم أبواب كل شىء) أي ms0438 [كل شئ] أحبوه. # وقوله: (حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ") أي مما ظنه وقدره. # وقوله حكاية عن نبيه صلى الله عليه وسلم: (وأنا أول المسلمين) وعن موسى ~~(وأنا أول المؤمنين) ولم يرد الكل، لأن الأنبياء قبله ما كانوا مسلمين ولا ~~مؤمنين. # وقال: (والشعراء يتبعهم الغاوون)، ولم يعن كل الشعراء. # وقوله: (فإن كان له إخوة)، أي أخوان فصاعدا. # وقوله: (وادخلوا الباب سجدا ") أي بابا " من أبوابها، قاله المفسرون. ~~PageV02P272 # وقوله: قالت الاعراب آمنا)، وإنما قاله فريق منهم. # (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون)، وأراد الآيات التي ~~إذا كذب بها نزل العذاب على المكذب. # وقوله: (ويستغفرون لمن في الأرض)، أي من المؤمنين. # وقوله: (ويستغفرون للذين آمنوا). # وقوله: (وكذب به قومك وهو الحق)، والمراد بعضهم، فإن منهم أفاضل المسلمين ~~والصديق وعليا رضي الله عنهما. # وقوله: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم)، فإن (الناس) الأولى ~~لو كان المراد به الاستغراق لما انتظم قوله تعالى بعد ذلك: (إن الناس)، ~~ولأن (الذين) من (الناس)، فلا يكون الثاني مستغرقا، ضرورة خروج (الذين) ~~منهم، لأنهم لم يقولوا لأنفسهم. # وقوله: (الحج أشهر معلومات) والمراد شهران وبعض الثالث. # الحادي عشر إطلاق الجمع وإرادة المثنى كقوله تعالى: (فقد صغت قلوبكما)، ~~أطلق اسم القلوب على القلبين. PageV02P273 # الثاني عشر النقصان ومنه حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، كقوله: ~~(واسأل القرية)، أي أهلها. # وقوله: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) أي على لسان رسلك. # وقالوا: (نحن أنصار الله)، أي أنصار دين الله. # وقال: (وأشربوا في قلوبهم العجل) أي حبة. # (واختار موسى قومه)، أي من قومه. قالوا: وإنما يحسن الحذف إذا كان فيه ~~زيادة مبالغة، والمحذوفات في القرآن على هذا النمط، وسيأتي الإشباع فيه وفي ~~شروطه إن شاء الله تعالى. وذهب المحققون إلى أن حذف المضاف ليس من المجاز، ~~لأنه استعمال اللفظ فيما وضع له، ولأن الكلمة المحذوفة ليست كذلك، وإنما ~~التجوز في أن ينسب إلى المضاف إليه ما كان منسوبا " إلى المضاف، كالأمثلة ~~السابقة. # الثاني عشر الزيادة كقوله ms0439 تعالى: (ليس كمثله شئ)، ذكره الأصوليون. ~~PageV02P274 # والنحويين فيها قولان: # أحدهما: أن (مثل) زائدة، والتقدير: ليس كهو شئ. # والثاني - وهو المشهور -: أن الكاف هي الزائدة، وأن (مثل) خبر ليس، ولا ~~خفاء أن القول بزيادة الحرف أسهل من القول بزيادة الاسم. # وممن قال به ابن حني والسيرافي وغيرهما، فقالوا: المعنى ليس مثله شئ، ~~والكاف زائدة، وإلا لاستحال الكلام، لأنها لو لم تكن زائدة كانت بمعنى ~~(مثل)، وإن كانت حرفا، فيكون التقدير: ليس مثل مثله شئ، وإذا قدر هذا ~~التقدير ثبت له مثل، ونفى الشبه عن مثله، وهذا محال من وجهين: # أحدهما: أن الله عز وجل لا مثل له. # والثاني: أن نفس اللفظ به محال في حق كل أحد، وذلك أنا لو قلنا: ليس مثل ~~مثل زيد، لاستحال ذلك، لأن فيه إثبات أن لزيد مثلا، وذلك يستلزم جعل زيد ~~مثلا له، لأن ما ماثل الشئ فقد ماثله ذلك الشئ. وغير جائز أن يكون زيد مثلا ~~لعمرو، وعمرو ليس مثلا " لزيد، فإذا نفينا المثل عن مثل زيد، وزيد هو مثل ~~مثله، فقد اختلفا. ولأنه يلزم منه التناقص على تقدير إثبات المثل، لإن مثل ~~المثل لا يصح نفيه ضرورة كونه مثلا لشئ وهو مثل له. # وأجيب عن الأول بأنا لا نسلم لزوم إثبات المثل، غاية ما فيه نفي مثل مثل ~~الله، وذلك يستلزم ألا يكون له مثل أصلا، ضرورة أن مثل كل شئ فذلك الشئ ~~مثله، فإذا انتفى عن شئ أن يكون مثل عمرو انتفى عن عمرو أن يكون مثله. ~~PageV02P275 # وأما الثاني فهو مبني على أن هذه العبارات يلزم منها إثبات المثل، ونحن ~~قد منعناه، بل أحلناه من العبارة. # وقيل: ليست زائدة، إما لاعتبار جواز سلب الشئ عن المعدوم، كما تسلب ~~الكتابة عن زيد وهو معدوم، أو يحمل المثل على المثل، أي الصفة، كقوله ~~تعالى: (مثل الجنة)، اي صفتها، فالتقدير: ليست كصفته شئ. # وبهذين التقديرين يحصل التخلص عن لزوم إثبات (مثل) وإن لم تكن زائدة. # وأما القائلون بأن الزائد (مثل)، وإلا لزم إثبات المثل، ففيه ms0440 نظر، ~~لاستلزام تقدير دخول الكاف على الضمير، وهو ضعيف لا يجئ إلا في الشعر. وقد ~~ذكرنا ما يخلص من لزوم إثبات المثل. # وقيل: المراد الذات والعين، كقوله: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به) وقول ~~امرئ القيس: # * على مثل ليلى يقتل المرء نفسه * فالكاف على بابها، وليس كذاك، بل ~~المراد حقيقة المثل ليكون نفيا عن الذات بطريق برهاني كسائر الكنايات. ثم ~~لا يشترط على هذا أن يكون لتلك الذات الممدوحة مثل في الخارج حصل النفي ~~عنه، بل هو من باب التخييل في الاستعارة التي يتكلم فيها البياني. # فإن قيل: إنما يكون هذا نفيا عن الذات بطريق برهاني أن لو كانت المماثلة ~~تستدعي المساواة في الصفات الذاتية وغيرها من الأفعال، فإن اتفاق الشخصيتين ~~بالذاتيات لا يستلزم اتحاد أفعالهما. PageV02P276 # قيل: ليس المراد بالمثل هنا المصطلح عليه في العلوم العقلية، بل المراد ~~من هو مثل حالة في الصفات المناسبة لما سيق الكلام له، وليس المراد من هو ~~مثل في كل شئ لأن لفظه (مثل) لا تستدعي المشابهة من كل وجه. # قال الكواشي: يجوز أن يقال: إن الكاف و (مثل) ليسا زائدتين، بل يكون ~~التمثيل هنا على سبيل الفرض، كقوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)، ~~وتقدير الكلام: لو فرضنا له مثلا لامتنع أن يشبه ذلك المثل المفروض شئ، ~~وهذا أبلغ في نفي المماثلة. # وأما قوله تعالى: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا)، فقيل: إن ~~(ما) فيه مصدرية. وهذا فيه نظر، لأن (ما) لو كانت مصدرية لم يعد إليها من ~~الصلة ضمير، وهو الهاء في (به) لأن الضمير لا يعود على الحروف، ولا يعتبر ~~اسما إلا بالصلة، والاسم لا يعود عليه ما هو صفته، إذ لا يحتاج في ذلك إلى ~~ربط. # وجوابه أن تكون (ما) موصولة، صلتها (آمنتم به). # وقيل: مزيدة، والتقدير: فإن آمنوا بالذي آمنتم به، أي بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله وجميع ما جاء به الأنبياء. # وقيل: إن (مثلا) صفة لمحذوف تقديره: فإن آمنوا بشئ مثل ما آمنتم به. وفيه ~~نظر، ms0441 لأن ما أمنوا به ليس له مثل حتى يؤمنوا بذلك المثل. PageV02P277 # وحكي الواحدي عن أكثر المفسرين في قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه ~~الله)، أن (الوجه) صلة، والمعنى: فثم الله يعلم ويرى، قال: والوجه قد ورد ~~صلة مع اسم الله كثيرا "، كقوله: (ويبقى وجه ربك)، (إنما نطعمكم لوجه ~~الله)، (كل شئ هلك إلا وجهه). # قلت: والأشبه حمله على أن المراد به الذات، كما في قوله تعالى: (بلى من ~~أسلم وجهه الله) وهو أولى من دعوى الزيادة. # ومن الزيادة دعوى أبى عبيدة (يسمعونكم إذ تدعون) إن (إذ) زائدة. # وقوله: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم). # وقوله: (وإن يك صادقا " يصبكم بعض الذي يعدكم)، وقد سبق. # الرابع عشر تسمية الشئ بما يئول إليه كقوله تعالى؟: (ولا يلدوا إلا فاجرا ~~" كفارا ")، أو اي صائرا إلى الفجور والكفر. # وقوله: (أني أراني أحمل فوق رأسي خبزا ")، أي لأن الذي تأكل الطير منه ~~إنما هو البر لا الخبز. ولم يذكر العلماء هذا من جملة الأمثلة، إنما ~~اقتصروا في التمثيل على قوله: PageV02P278 # (أعصر خمرا ")، أي عنبا، فعبر عنه لأنه آيل إلى الخمرية. وقيل: لا مجاز ~~فيه، فإن الخمر العنب بعينه، لغة لأزد عمان، نقله الفارسي في " التذكرة "، ~~عن " غريب القرآن " لابن دريد. # وقيل: اكتفى بالمسبب الذي هو الخمر، عن السبب، الذي هو العنب. قاله ابن ~~جني في " الخصائص " وقيل: ولا مجاز في الاسم بل في الفعل، وهو (أعصر)، فإنه ~~أطلق وأريد به أستخرج، وإليه ذهب ابن عزيز في غريبه. # وقوله: (حتى تنكح زوجا " غيره)، سماه زوجا " لأن العقد يئول إلى زوجية، ~~لأنها لا تنكح في حال كونه زوجا. # وقوله (فبشرناه بغلام حليم)، (وبشروه بغلام عليم) وصفة في حال البشارة ~~بما يئول إليه من العلم والحلم. # تنبيه: ليس هذا من الحال المقدرة - كما يتبادر إلى الذهن - لأن الذي ~~يقترن بالفاعل، أو المفعول إنما هو تقدير ذلك وإرادته، فيكون المعنى في ~~قوله: (فتبسم ضاحكا ") مقدار ضحكه. PageV02P279 # وكذا قوله: (وخروا له سجدا ") على قول أبي علي. وهذا حمل منه للخرور ms0442 على ~~ابتدائه، وإن حمله على انتهائه كانت الحال الملفوظ بها ناجزة غير مقدرة. # وكذلك قوله: (فادخلوها خالدين) أي ادخلوها مقدرين الخلود فيها، فإن من ~~دخل مدخلا كريما " مقدرا " ألا يخرج منه أبدا كان ذلك أتم لسروره ونعيمه، ~~ولو توهم انقطاعه لتنغص عليه النعيم الناجز مما يتوهمه من الانقطاع اللاحق. # الخامس عشر تسمية الشئ بما كان عليه كقوله تعالى: (وآتوا اليتامى ~~أموالهم)، أي الذين كانوا يتامى إذ لا يتم بعد البلوغ. وقيل: بل هم يتامى ~~حقيقة، وأما حديث: (لا يتم بعد احتلام) فهو من تعليم الشرع لا اللغة، وهو ~~غريب. # وقوله: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم)، وإذا متن لم يكن أزواجا، فسماهن بذلك ~~لأنهن كن أزواجا. # وقوله: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن)، أي الذين كانوا أزواجهن. # وكذلك: (ويذرون أزواجا ") لانقطاع الزوجية بالموت. # وقوله: (من يأت ربه مجرما ")، سماه مجرما باعتبار ما كان عليه في الدنيا ~~من الإجرام. PageV02P280 # وقوله: (هذه بضاعتنا ردت إلينا)، ولكن ما رد عليهم مالهم، وإنما كانوا قد ~~اشتروا بها الميرة، فجعلها يوسف في متاعهم، وهي له دونهم، فنسبها الله ~~إليهم، بمعنى أنها كانت لهم. # السادس عشر إطلاق اسم المحل على الحال كقوله: (فليدع ناديه). # وقوله تعالى: (وفرش مرفوعة)، أي نساؤه، بدليل قوله: (إنا أنشأناهن ~~إنشاء). # وكالتعبير باليد عن القدرة، كقوله: (بيده الملك)، ونحوه. # والتعبير بالقلب عن الفعل، كقوله: (لهم قلوب لا يفقهون بها) أي عقول. # وبالأفواه عن الألسن، كقوله: (الذين قالوا آمنا بأفواههم)، (يقولون ~~بأفواههم). # وإطلاق الألسن على اللغات، كقوله: (بلسان عربي مبين). # والتعبير بالقرية عن ساكنها، نحو: (واسأل القرية). PageV02P281 # السابع عشر إطلاق اسم الحال على المحل كقوله تعالى: (وأما الذين ابيضت ~~وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون)، أي في الجنة لأنها محل الرحمة. # وقوله: (بل مكر الليل والنهار)، أي في الليل. # وقال الحسن في قوله: (إذ يريكهم الله في منامك)، أي في عينك، واستبعده ~~الزمخشري وقدر: يعني في رؤياك. # وقوله: (رب اجعل هذا البلد آمنا ")، وصف البلد بالأمن، وهو صفة لأهله. ~~ومثله: (وهذا البلد الأمين). (إن ms0443 المتقين في مقام أمين). # وقوله: (بلدة طيبة)، وصفها بالطيب وهو صفة لهوائها. # وقد اجتمع هذا والذي قبله في قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد)، وذلك لأن أخذ الزينة غير ممكن، لأنها مصدر فيكون المراد محل الزينة، ~~ولا يجب أخذ الزينة للمسجد نفسه فيكون المراد بالمسجد الصلاة، فأطلق اسم ~~المحل على الحال وفي الزينة بالعكس. # الثامن عشر إطلاق اسم آلة الشئ عليه كقوله تعالى: (واجعل لي لسان صدق في ~~الآخرين)، أي ذكرا حسنا، PageV02P282 # أطلق اللسان وعبر به عن الذكر، لأن اللسان آية للذكر. # وقال تعالى: (تجري بأعيننا)، أي بمرأى منا، لما كانت العين آلة الرؤية. # وقوله: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)، أي بلغة قومه. # التاسع عشر إطلاق اسم الضدين على الآخر كقوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها) وهي من المبتدئ سيئة ومن الله حسنة، فحمل اللفظ على اللفظ. # وعكسه: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)، سمي الأول إحسانا " لأنه مقابل ~~لجزائه وهو الإحسان، والأول طاعة، كأنه قال: هل جزاء الطاعة إلا الثواب! # وكذلك: (ومكروا ومكر الله)، حمل اللفظ على اللفظ، فخرج الانتقام بلفظ ~~الذنب، لأن الله لا يمكر. # وأما قوله تعالى: (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون)، فهو وإن لم يتقدم ذكر مكرهم في اللفظ لكن تقدم في سياق الآية ~~قبله ما يصير إلى مكر، والمقابلة لا يشترط فيها ذكر المقابل لفظا، بل هو، ~~أوما في معناه. # وكذلك قوله: (فبشرهم بعذاب أليم)، لما قال: بشر هؤلاء بالجنة قال: # بشر هؤلاء بالعذاب، والبشارة إنما تكون في الخير لا في الشر. # وقوله: (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم)، والفعل الثاني ليس بسخرية. ~~PageV02P283 # العشرون تسمية الداعي إلى الشئ باسم الصارف عنه لما بينهما من التعلق، ~~ذكره السكاكي، وخرج عليه قوله تعالى: (ما منعك أن لا تسجد) يعني (ما دعاك ~~ألا تسجد)؟ واعتصم بذلك في عدم زيادة (لا): # وقيل: معناه: ما حماك في ألا تسجد - أي من العقوبة - أي ما جعلك في منعة ~~من عقوبة ترك ms0444 السجود. # وهذا لا يصح، أما الأول فلم يثبت في اللغة وأما الثاني فكأن تركيبه: (ما ~~يمنعك) سؤالا عما يمنعه لا بلفظ الماضي، لأنه لا تخويف بماض. # ويجاب بأن المخالفة تقتضي الأمنة، كأنه قيل: ما أمنك حتى خالفت! بيانا ~~لاغتراره وعدم رشده، وأنه إنما خالف وحاله حال من امتنع بقوته من عذاب ربه، ~~فكني عنه ب‍ (ما منعك) تهكما، لا أنه امتنع حقيقة وإنما جسر جسارة من هو في ~~منعة. # ورد أيضا بأنه أجاب ب‍ (أنا خير)، وهو لا يصلح جوابا إلا لترك السجود. # وأجيب بأنه لم يجب، ولكن عدل بذلك جواب مالا يمكن جوابه. PageV02P284 # الحادي والعشرون إقامة صيغة مقام أخرى وله صور: # فمنه (فاعل) بمعنى (مفعول)، كقوله: (لا عاصم اليوم من أمر الله)، اي لا ~~معصوم. # وقوله تعالى: (من ماء دافق) اي مدفوق. # و (في عيشه راضية)، اي مرضية بها. وقيل على النسب، اي ذات رضا "، وهو ~~مجاز إفراد لا تركيب. # وقوله: (أنا جعلنا حرما " آمنا ") أي مأمونا. # وعكسه: (إنه كان وعده مأتيا ")، أي آتيا ". # وجعل منه بعضهم قوله تعالى: (حجاجا " مستورا ") أي ساترا، وحكى الهروي في ~~" الغريب " عن أصل اللغة، (وتأويل الحجاب الطبع). # وقال السهيلي: الصحيح أنه على بابه، أي مستورا " عن العيون، ولا يحس ~~PageV02P285 # به أحد، والمعنى (مستور عنك وعنهم)، كما قال تعالى: (وما يعلم جنود ربك ~~إلا هو). # وقال الجوهري: (أي حجابا " على حجاب، والأول مستور بالثاني، يراد بذلك ~~كثافة الحجاب، لأنه جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا "). # قال أبو الفتح في كتابه " هذا القد ": وسألته - يعني الفارسي - إذا جعلت ~~فاعلا بمعنى مفعول، فعلام ترفع الضمير الذي فيه؟ أعلى حد ارتفاع الضمير في ~~اسم الفاعل أم اسم المفعول؟ فقال: إن كان بمعنى (مفعول) ارتفع الضمير فيه ~~ارتفاع الضمير في اسم الفاعل، وإن جاء على لفظ اسم الفاعل. # ومنه (فعيل) بمعنى (مفعول) كقوله (وكان الكافر على ربه ظهيرا ") أي ~~مظهورا فيه، ومنه ظهرت به فلم ألتفت إليه. # أما نحو: (فله عذاب أليم) فقال بعض النحويين: إنه بمعنى ms0445 (مؤلم) ورده ~~النحاس، بأن (مؤلما) يجوز أن يكون قد آلم ثم زال، و (أليم) أبلغ، لأنه يدل ~~على الملازمة، قال: ولهذا منع النحويون إلا سيبويه أن يعدى (فعيل). # ومنه مجئ المصدر على (فعول)، كقوله تعالى: (لمن أراد أن يذكر أو أراد ~~شكورا "). وقوله: (لا نريد منكم جزاء " ولا شكورا ")، فإنه ليس المراد ~~PageV02P286 # الجمع هنا، بل المراد: لا نريد منكم شكرا أصلا "، وهذا أبلغ في قصد ~~الإخلاص في نفي الأنواع. # وزعم السهيلي انه جمع (شكر)، وليس كذلك لفوات هذا المعنى. # ومنها إقامة الفاعل مقام المصدر، نحو: (ليس لوقعها كاذبة) أي تكذيب، ~~وإقامة المفعول مقام المصدر، نحو: (بأيكم المفتون)، أي الفتنة. # ومنه وصف الشئ بالمصدر، كقوله تعالى: (فإنهم عدو لي)، قالوا: # إنما وحده، لأنه في معنى المصدر، كأنه قال: (فإنهم عداوة). # ومجئ المصدر بمعنى المفعول، كقوله تعالى: (ولا يحيطون بشئ من علمه)، أي ~~من معلومه. # وقوله: (ذلك مبلغهم من العلم)، أي من العلوم. # وقوله: (صنع الله)، أي مصنوعه. # وقوله: (هذا رحمة من ربي)، اي مترحم، قاله الفارسي. # وكذا قوله: (فأعينوني بقوة)، أي مقوى به، ألا ترى أنه أراد منهم زبر ~~الحديد والنفخ عليها! # وقوله: (وقد خاب من حمل ظلما ")، أي مظلوما فيه. PageV02P287 # وقوله تعالى: (وجاؤوا على قميصة بدم كذب)، أي مكذوب فيه، وإلا لو كان على ~~ظاهره لأشكل، لأن الكذب من صفات الأقوال لا الأجسام. وقال الفراء: يجوز في ~~النحو (بدم كذبا) بالنصب على المصدر، لأن (جاءوا) فيه معنى (كذبوا كذبا)، ~~كما قال تعالى: (والعاديات ضبحا "). لأن (العاديات) بمعنى (الضابحات). # وعكسه: (وإنه لذو علم لما علمناه). # ومنه (فعيل) بمعنى الجمع، كقوله تعالى: (والملائكة بعد ذلك ظهير). # وقوله: (خلصوا نجيا "). # وقوله: (وحسن أولئك رفيقا "). # وشرط بعضهم أن يكون المخبر عنه جمعا، وانه لا يجئ ذلك في المثنى، ويرده ~~قوله تعالى: (اليمين وعن الشمال قعيد)، فإنه نقل الواحدي عن المبرد، وابن ~~عطية عن الفراء أن (قعيد) أسند لهما. # وقد يقع الإخبار بلفظ الفرد عن لفظ الجمع، وان أريد معناه لنكتة، كقوله ~~تعالى: # (أم يقولون ms0446 نحن جميع منتصر)، فإن سبب النزول وهو قول أبي جهل (نحن ننتصر ~~اليوم) يقضي بإعراب (منتصر) خبرا. PageV02P288 # ومنه إطلاق الخبر وإرادة الأمر، كقوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن)، ~~أي ليرضع الوالدات أولادهن. # وقوله: (يتربصن بأنفسهن) أي تتربص المتوفى عنها. # وقوله: (تزرعون سبع سنين دأبا ")، والمعنى: (ازرعوا سبع سنين)، بدليل ~~قوله: (فذروه في سنبله). # وقوله: (تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون)، معناه: آمنوا وجاهدوا، ولذلك ~~أجيب بالجزم في قوله: (يغفر لكم من ذنوبكم ويدخلكم جنات)، ولا يصح أن يكون ~~جوابا للاستفهام في قوله: (هل أدلكم)، لأن المغفرة وإدخال الجنان لا ~~يترتبان على مجرد الدلالة، قاله أبو البقاء والشيخ عز الدين. # والتحقيق ما قاله النبالي أنه جعل الدلالة على التجارة سببا لوجودها، ~~والتجارة هي الإيمان، ولذلك فسرها بقوله: (تؤمنون)، فعلم أن التجارة من جهة ~~الدلالة هي الإيمان، فالدلالة سبب الإيمان، والإيمان سبب الغفران، وسبب ~~السبب سبب. وهذا النوع فيه تأكيد، وهو من مجاز التشبيه، شبه الطلب في تأكده ~~بخبر الصادق الذي لابد PageV02P289 # من وقوعه، وإذا شبهه بالخبر الماضي كان آكد. # ومنه عكسه كقوله تعالى: (فليمدد له الرحمن مدا ") والتقدير: مده الرحمن ~~مدا. # وقوله: (اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم)، أي نحمل. # قال الكواشي: والأمر بمعنى الخبر أبلغ من الخبر لتضمنه اللزوم، نحو: إن ~~زرتنا فلنكرمك. يريدون تأكيد إيجاب الإكرام عليهم، كذا قال الشيخ عز الدين، ~~مقصوده تأكيد الخبر، لأن الأمر للإيجاب يشبه الخبر في إيجابه. # وجعل الفارسي منه قوله تعالى: (إنما أمرنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون)، قال: (كن) لفظه أمر والمراد الخبر، والتقدير: (يكون فيكون) أو على ~~أنه خبر مبتدأ محذوف، أي فهو يكون، قال: ولهذا أجمع القراء على رفع (فيكون) ~~ورفضوا فيه النصب، إلا ما روي عن ابن عامر، وسوغ النصب لكونه بصيغة الأمر ~~قال: # ولا يجوز أن يكون معطوفا على (نقول) فيجئ النصب على الفعل المنصوب، لأن ~~ذلك لا يطرد، بدليل قوله: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم ~~قال له كن فيكون)، إذ لا يستقيم هنا ms0447 العطف المذكور، لأن (قال) ماض ~~PageV02P290 # (ويكون) مضارعا، فلا يحسن عطفه عليه لاختلافهما، قلت: وهذا الذي قاله ~~الفارسي ضعيف مخالف لقواعد أهل السنة. # ومنه إطلاق الخبر وإرادة النهي، كقوله: (لا تعبدون إلا الله)، ومعناه: # (لا تعبدوا). # وقوله: (لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم)، أي لا تسفكوا ولا تخرجوا. # وقوله: (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله)، أي ولا تنفقوا. # الثاني والعشرون إطلاق الأمر وإرادة التهديد والتلوين وغير ذلك من ~~المعاني الستة عشر وما زيد عليها من أنواع المجاز، ولم يذكروه هنا في ~~أقسامه. # الثالث والعشرون لإضافة الفعل إلى ما ليس بفاعل له في الحقيقة إما على ~~التشبيه، كقوله تعالى: (جدارا " يريد أن ينقض)، فإنه شبه ميله للوقوع بشبه ~~المريد له. # وإما لأنه وقع فيه ذلك الفعل، كقوله تعالى: (الم. غلبت الروم)، فالغلبة ~~واقعة بهم من غيرهم، ثم قال: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون)، فأضاف الغلب ~~إليهم، وإنما كان كذلك، لأن الغلب وإن كان لغيرهم فهو متصل بهم لوقوعه بهم. ~~PageV02P291 # ومثله: (وآتى المال على حبه) (ويطعمون الطعام على حبه) فالحب في الظاهر ~~مضاف إلى الطعام والمال، وهو في الحقيقة لصاحبهما. # ومثله: (ولمن خاف مقام ربه جنتان)، (ذلك لمن خاف مقامي) أي مقامه بين ~~يدي. # وإما لوقوعه فيه، كقوله تعالى: (يوما " يجعل الولدان شيبا "). # وإما لأنه سببه، كقوله تعالى: (فزادتهم ايمانا "). (وذلكم ظنكم الذي ~~ظننتم بربكم أرداكم). (ينزع عنهما لباسهما). (وأحلوا قومهم دار البوار)، ~~كما تقدم في أمثلة المجاز العقلي. # وقد يقال: إن النزع والإحلال يعبر بهما عن فعل ما أوجبهما، فالمجاز ~~إفرادي لا إسنادي. # وقوله تعالى: (يوما " يجعل الولدان شيبا ")، أي يجعل هوله فهو من مجاز ~~الحذف. # الرابع والعشرون إطلاق الفعل والمراد مقاربته ومشارفته لا حقيقته كقوله ~~تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن)، أي قاربن بلوغ الأجل، أي انقضاء العدة، ~~لأن الإمساك لا يكون بعد انقضاء العدة، فيكون بلوغ الأجل تمامه، ~~PageV02P292 # كقوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فلا تعضلوهن)، أي أتمن العدة، وأردن ~~مراجعة الأزواج. ولو كانت مقاربته لم يكن للولي حكم في إزالة الرجعة، ms0448 لأنها ~~بيد الزوج، ولو كان الطلاق غير رجعي لم يكن للولي أيضا " عليها حكم قبل ~~تمام العدة، ولا تسمى عاضلا حتى يمنعها تمام العدة من المراجعة. # ومثله قوله تعالى: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون)، المعنى قارب، وبه يندفع ~~السؤال المشهور فيها، إن عند مجئ الأجل لا يتصور تقديم ولا تأخير. # وقوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت)، أي قارب حضور الموت. # وقوله تعالى: (كذلك سلكناه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به حتى يروا ~~العذاب الأليم. فيأتيهم بغتة ")، أي حتى يشارفوا الرؤية ويقاربوها. # ويحتمل أن تحمل الرؤية على حقيقتها، وذلك على أن يكون: يرونه فلا يظنونه ~~عذابا. # (وإن يروا كسفا " من السماء ساقطا " يقولوا سحاب مركوم)، ولا يظنونه ~~واقعا " بهم، وحينئذ فيكون أخذه لهم بغته بعد رؤيته. # ومن دقيق هذا النوع قوله تعالى: (ونادي نوح ربه)، المراد قارب النداء، لا ~~أوقع النداء، لدخول الفاء في (فقال) فإنه لو وقع النداء لسقطت، وكان ما ذكر ~~PageV02P293 # تفسيرا " للنداء، كقوله تعالى: (هنالك دعا زكريا ربه قال)، وقوله: (إذا ~~نادى ربه نداء " خفيا ". قال رب)، لما فسر النداء سقطت الفاء. # وذكر النجاة ان هذه الفاء تفسيريه، لأنها عطفت مفسرا على مجمل، كقوله: ~~(توضأ فغسل وجهه)، وفائدة ذلك أن نوحا " عليه السلام أراد ذلك، فرد القصد ~~إليه ولم يقع، لا عن قصد. # ومنه قوله تعالى (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية " ضعافا " خافوا ~~عليهم)، أي وليخش الذين إن شارفوا أن يتركوا، وإنما أول الترك بمشارفة ~~الترك، لأن الخطاب للأوصياء إنما يتوجه إليهم قبل الترك، لأنهم بعده أموات. # وقريب منه إطلاق الفعل وإرادة إرادته، كقوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ)، أي إذا أردت. # وقوله: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا)، أي إذا أردتم، لأن الإرادة سبب ~~القيام (إذا قضى أمرا ")، أي أراد. # (وإن حكمت فاحكم بينهم)، أي أردت الحكم. # ومثله: (وإذا حكمتم بين الناس). # (إذا ناجيتم الرسول) أي أردتم مناجاته. PageV02P294 # (إذا طلقتم النساء). # وقوله: (من يهد الله فهو المهتدي)، قال ابن عباس: من يرد الله هدايته، ms0449 ~~ولقد أحسن رضي الله عنه لئلا يتحد الشرط والجزاء. # وقوله: (وإذا قلتم فاعدلوا)، أي أردتم القول. # (والذين إذ أنفقوا لم يسرفوا)، أي أرادوا الانفاق. # وقوله تعالى: (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا) لأن الإهلاك إنما هو ~~بعد مجئ البأس، وإنما خص هذين الوقتين - أعني البيات والقيلولة - لأنها وقت ~~الغفلة والدعة، فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع. # وقوله تعالى: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها)، أي أردنا إهلاكها. # (فانتقمنا منهم فأغرقناهم)، أي فأردنا الانتقام منهم، وحكمته أنا إذا ~~أردنا أمرا " نقدر فيه إرادتنا، وإن كان خارقا للعادة. # وقال الزمخشري في قوله تعالى: (قالوا يا نوح قد جادلتنا) أي أردت جدالنا ~~وشرعت فيه، وكان الموجب لهذا التقدير خوف التكرار، لأن (جادلت) (فاعلت)، ~~وهو يعطي التكرار، أو أن المعنى: لم ترد منا غير الجدال له لا النصيحة. # قلت: وإنما عبروا عن إرادة الفعل بالفعل، لأن الفعل يوجد بقدرة الفاعل ~~وإرادته وقصده إليه، كما عبر بالفعل من القدرة على الفعل في قولهم: الانسان ~~لا يطير، والأعمى PageV02P295 # لا يبصر، أي لا يقدر على الطيران والإبصار، وإنما حمل على ذلك دون الحمل ~~على ظاهره للدلالة على جواز الصلاة بوضوء واحد، والحمل على الظاهر يوجب أن ~~من جلس يتوضأ. ثم قام إلى الصلاة يلزمه وضوء آخر، فلا يزال مشغولا بالوضوء ~~ولا يتفرغ للصلاة. # وفساده بين. # الخامس والعشرون إطلاق الأمر بالشئ للتلبس به والمراد دوامه كقوله تعالى: ~~(يا أيها الذين آمنوا آمنوا) هكذا أجاب به الزمخشري وغيره، وأصل السؤال غير ~~وارد، لأن الأمر لا يتعلق بالماضي ولا بالحال، وإنما يتعلق بالمستقبل ~~المعدوم حالة توجه الخطاب، فليس ذلك تحصيلا للحاصل بل تحصيلا للمعدوم، فلا ~~فرق بين أن يكون المخاطب حالة الخطاب على ذلك الفعل أم لا، لأن الذي هو ~~عليه عند الخطاب مثل المأمور به لا نفس المأمور به. والحاصل أن الكل مأمور ~~بالإنشاء، فالمؤمن بشئ ما سبق له أمثاله، والكافر ينشئ ما لم يسبق منه ~~أمثاله. # السادس والعشرون إطلاق اسم البشرى على المبشر به كقوله تعالى: (بشراكم ~~اليوم ms0450 جنات)، قال أبو علي الفارسي: التقدير: بشراكم دخول جنات أو خلود ~~جنات، لأن البشرى مصدر، والجنات ذات، فلا يخبر بالذات عن المعنى. ~~PageV02P296 # ونحوه إطلاق اسم المقول على القول، كقوله تعالى: (قل لو كان معه آلهة كما ~~يقولون). # ومنه: (سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ")، أي عن مدلول قولهم. # ومنه: (فبرأه الله مما قالوا)، أي من مقولهم، وهو الأدرة. # وإطلاق الاسم على المسمى، كقوله تعالى: (ما تعبدون من دونه إلا أسماء ~~سميتموها) أي مسميات. # (سبح اسم ربك الأعلى)، أي ربك. # وإطلاق اسم الكلمة على المتكلم كقوله تعالى: (لا تبديل لكلمات الله)، أي ~~لمقتضى عذاب الله، و (إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم)، ~~تجوز بالكلمة عن المسيح، لكونه تكون بها من غير أب، بدليل قوله: (وجيها " ~~في الدنيا والآخرة ومن المقربين) ولا تتصف الكلمة بذلك. # وأما قوله تعالى: (اسمه المسيح عيسى)، فإن الضمير فيه عائد إلى مدلول ~~الكلمة، والمراد بالاسم المسمى، فالمعنى: المسمى المبشر به المسيح بن مريم. ~~PageV02P297 # وإطلاق اسم اليمين على المحلوف به، كقوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة " ~~لأيمانكم)، أي لا تجعلوا يمين الله أو قسم الله مانعا لما تحلفون عليه من ~~البر والتقوى بين الناس. # إطلاق الهوى عن المهوي، ومنه: (ونهى النفس عن الهوى) أي عما تهواه من ~~المعاصي، ولا يصح نهيها عن هواها، وهو ميلها، لأنه تكليف لما لا يطاق، إلا ~~على حذف مضاف، أي نهى النفس عن اتباع الهوى. # التجوز عن المجاز بالمجاز وهو أن تجعل المجاز المأخوذ عن الحقيقة بمثابة ~~الحقيقة بالنسبة إلى مجاز آخر، فتتجوز بالمجاز الأول عن الثاني لعلاقة ~~بينهما. # مثاله قوله تعالى: (ولكن لا تواعدوهن سرا ")، فإنه مجاز عن مجاز، فإن ~~الوطء تجوز عنه بالسر، لأنه لا يقع غالبا إلا في السر وتجوز بالسر عن ~~العقد، لأنه مسبب عنه، فالصحيح للمجاز الأول الملازمة، والثاني السببية، ~~والمعنى: (لا تواعدوهن عقد نكاح). # وكذلك قوله تعالى: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله)، إن حمل على ظاهره ~~كان من مجاز المجاز، لأن قوله: ms0451 (لا إله إلا الله) مجاز عن تصديق القلب ~~بمدلول هذا اللفظ، والتعبير بلا إله إلا الله عن الوحدانية من مجاز التعبير ~~بالمقول عن المقول فيه، PageV02P298 # والأول من مجاز السببية، لأن توحيد اللسان، مسبب عن توحيد الجنان. # قلت: وهذا يسميه ابن السيد مجاز المراتب، وجعل منه قوله تعالى: (يا بني ~~آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ")، فإن المنزل عليهم ليس هو نفس اللباس، بل ~~الماء المنبت للزرع، المتخذ منه الغزل المنسوج منه اللباس. PageV02P299 # النوع الرابع والأربعون في الكنايات والتعريض في القرآن اعلم أن العرب ~~تعد الكناية من البراعة والبلاغة، وهي عندهم أبلغ من التصريح. # قال الطرطوسي: وأكثر أمثالهم الفصيحة على مجاري الكنايات، وقد ألف أبو ~~عبيد (1) وغيره كتبا في الأمثال (2)، ومنها قولهم: فلان عفيف الإزار، طاهر ~~الذيل ولم يحصن فرجه. وفي الحديث: (كان إذا دخل العشر أيقظ أهله، وشد ~~المئزر)، فكنوا عن ترك الوطء بشد المئزر، وكنى عن الجماع بالعسيلة (3)، وعن ~~النساء بالقوارير (4) لضعف قلوب النساء. ويكنون عن الزوجة بربة البيت، وعن ~~الأعمى بالمحجوب PageV02P300 # والمكفوف، وعن الأبرص بالوضاح، وبالأبرش، وغير ذلك، وهو كثير في القرآن، ~~قال الله تعالى: (و لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم) ~~(1). # والكناية عن الشئ الدلالة عليه من غير تصريح باسمه. # وهي عند أهل البيان أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا بذكره ~~باللفظ الموضوع له من اللغة، ولكن يجئ إلى المعنى هو تاليه ورديفه في ~~الوجود، فيومىء به إليه، ويجعله دليلا " عليه، فيدل على المراد من طريق ~~أولى، مثاله، قولهم: (طويل النجاد) و (كثير الرماد)، يعنون طويل القامة ~~وكثير الضيافة، فلم يذكروا المراد بلفظ الخاص به، ولكن توصلوا إليه بذكر ~~معنى آخر، هو رديفه في الوجود: لأن القامة إذا طالت طال النجاد، وإذا كثر ~~القرى كثر الرماد. # وقد اختلف في أنها حقيقة أو مجاز، فقال الطرطوسي (2) في العمدة: (قد ~~اختلف في وجود الكناية في القرآن، وهو كالخلاف في المجاز، فمن أجاز وجود ~~المجاز فيه أجاز الكناية، وهو قول الجمهور، ومن أنكر ذلك ms0452 أنكر هذا. # وقال الشيخ عز الدين: الظاهر أنها ليست بمجاز، لأنك استعملت اللفظ فيما ~~وضع له وأردت به الدلالة على غيره، ولم تخرجه عن أن يكون مستعملا فيما وضع ~~له، وهذا شبيه بدليل الخطاب، في مثل قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) (3). ~~انتهى. # [أسباب الكناية] ولها أسباب: # أحدها: التنبيه على عظم القدرة، كقوله تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس ~~واحدة) (4) كناية عن آدم. PageV02P301 # ثانيها: فطنة المخاطب، كقوله تعالى في قصة داود: (خصمان بغى بعضنا على ~~بعض)، فكنى داود يخصم على لسان ملكين تعريضا ". # وقوله في قصة النبي صلى الله عليه وسلم وزيد: (ما كان محمد أبا أحد من ~~رجالكم) أي زيد (ولكن رسول الله). # وقوله تعالى: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة)، فإنه كناية عن ~~ألا تعاندوا عند ظهور المعجزة فتمسكم هذه النار العظيمة. # وكذا قوله تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من ~~مثله). # وقوله تعالى: (جعلنا في أعناقهم أغلالا "...) (5) الآيات، فإن هذه تسلية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: لا تظن أنك مقصر في إنذارهم، فإنا نحن ~~المانعون لهم من الايمان، فقد جعلناهم حطبا " للنار، ليقوى التذاذ المؤمن ~~بالنعيم، كما لا تتبين لذة الصحيح إلا عند رؤية المريض. # ثالثها: ترك اللفظ إلى ما هو أجمل منه، كقوله تعالى: (إن هذا أخي له تسع ~~وتسعون نعجة " ولي نعجة واحدة)، فكنى بالمرأة عن النعجة كعادة العرب، أنها ~~تكنى بها عن المرأة. # وقوله: (إلا متحرفا " لقتال أو متحيزا " إلى فئة) (7)، كنى بالتحيز عن ~~الهزيمة. PageV02P302 # وقوله تعالى: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا " لن تقبل ~~توبتهم) (1)، كنى بنفي قبول التوبة عن الموت على الكفر، لأنه يرادفه. # رابعها: أن يفحش ذكره في السمع، فيكنى عنه بما لا ينبو عن الطبع، قال ~~تعالى: # (وإذا مروا باللغو مروا كراما ") (2)، أي كنوا عن لفظه، ولم يوردوه على ~~صيغته. # ومنه قوله تعالى في جواب قوم هود: (إنا لنراك في سفاهة). (قال يا قوم ليس ~~بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين)، ms0453 فكنى عن تكذيبهم بأحسن. # ومنه قوله: (لكن لا تواعدوهن سرا ") (5)، فكنى عن الجماع بالسر. # وفيه لطيفة أخرى، لأنه يكون من الآدميين في السر غالبا، ولا يسره - ما ~~عدا الآدميين - إلا الغراب. فإنه يسره، ويحكى أن بعض الأدباء أسر إلى أبي ~~على الحاتمي كلاما فقال: (ليكن عندك أخفى من سفاد الغراب، ومن الراء في ~~كلام الألثغ)، فقال: نعم يا سيدنا، ومن ليلة القدر، وعلم الغيب. # ومن عادة القرآن العظيم الكناية عن الجماع باللمس والملامسة والرفث، ~~والدخول، والنكاح، ونحوهن، قال تعالى: (فالآن باشروهن) (6)، فكنى بالمباشرة ~~عن الجماع لما فيه من النقاء البشرتين. # وقوله تعالى: (أو لامستم النساء) (7) إذ لا يخلوا الجماع من الملامسة. ~~PageV02P303 # وقوله في الكناية عنهن: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) (1)، واللباس من ~~الملابسة، وهي الاختلاط والجماع. # وكنى عنهن في موضع آخر بقوله: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم). # قوله تعالى: (وراودته التي هو في بيتها) (3)، كناية عما تطلب المرأة من ~~الرجل. # وقوله تعالى: (فلما تغشاها حملت حملا " خفيفا ") (4). # ومنه قوله تعالى في مريم وابنها: (كانا يأكلان الطعام)، (5) فكنى بأكل ~~الطعام عن البول والغائط، لأنهما منه مسببان، إذ لابد للآكل منهما، لكن ~~استقبح في المخاطب ذكر الغائط، فكنى به عنه. # فإن قيل: فقد صرح به في قوله تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط) (5). # قلنا: لأنه جاء على خطاب العرب وما يألفون، والمراد تعريفهم الأحكام فكان ~~لا بد من التصريح به، على أن الغائط أيضا كناية عن النجو، وإنما هو في ~~الأصل اسم للمكان المنخفض من الأرض، وكانوا إذا أرادوا قضاء حاجتهم أبعدوا ~~عن العيون إلى منخفض من الأرض، فسمى به لذلك، ولكنه كثر استعماله في ~~كلامهم، فصار بمنزلة التصريح. # وما ذكرنا وفي في قوله تعالى: (كانا يأكلان الطعام) هو المشهور، وأنكره ~~الجاحظ، وقال: بل الكلام على ظاهره، ويكفي في الدلالة على عدم الإلهية نفس ~~أكل PageV02P304 # الطعام، لأن الإله هو الذي لا يحتاج إلى شئ يأكله، ولأنه كما لا يجوز أن ~~يكون المعبود محدثا، كذلك لا يجوز أن يكون ms0454 طاعما، قال الخفاجي: (وهذا صحيح) ~~(1). # ويقال لهما: الكناية عن الغائط في تشنيع وبشاعة على من اتخذها آلهة، فأما ~~قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون كل الطعام ~~ويمشون في الأسواق)، فهو على حقيقته. # قال الوزير ابن هبيرة (3): وفي هذه الآية فضل العالم المتصدي للخلق على ~~الزاهد المنقطع، فإن النبي كالطبيب والطبيب يكون عند المرضى، فلو انقطع ~~عنهم هلكوا. # ومنه قوله تعالى: (فجعلهم كعصف مأكول)، كنى به عن مصيرهم إلى العذرة، فإن ~~الورق إذا أكل انتهى حاله إلى ذلك. # وقوله تعالى: (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا)، أي لفروجهم، فكنى عنها ~~بالجلود، على ما ذكره المفسرون. # فإن قيل: فقد قال الله تعالى: (والتي أحصنت فرجها)، فصرح بالفرج؟ # قلنا: أخطأ من توهم هنا الفرج الحقيقي، وإنما هو من لطيف الكنايات ~~وأحسنها، وهي كناية عن فرج القميص، أي لم يعلق ثوبها ريبة، فهي طاهرة ~~الأثواب، وفروج القميص أربعة: الكمان والأعلى والأسفل، وليس المراد غير ~~هذا، فإن القرآن أنزه معنى، PageV02P305 # وألطف إشارة وأملح (1) عبارة من أن يريد ما ذهب إليه وهم الجاهل، لا سيما ~~والنفخ من روح القدس بأمر القدوس، فأضيف القدس إلى القدوس، ونزهت القانتة ~~المطهرة عن الظن الكاذب والحدس. ذكره صاحب " التعريف والاعلام " (2). # ومنه وقوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين) (3)، يريد الزناة. # وقوله تعالى: (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) (4)، فإنه ~~كناية عن الزنا. وقيل: أراد طرح الولد على زوجها من غيره، لأن بطنها بين ~~يديها ورجليها وقت الحمل. # وقوله تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم) (5)، وإنما يوضع في الأذن ~~السبابة، فذكر الإصبع وهو الاسم العام أدبا "، لاشتقاقها من السب، ألا ~~تراهم كنوا عنها بالمسبحة، والدعاءة، وإنما يعبر بهما عنها لأنها ألفاظ ~~مستحدثة! قاله الزمخشري. # وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح " الالمام " (6): يمكن أن ~~يقال إن ذكر الإصبع هاهنا جامع لأمرين: أحدهما التنزه عن اللفظ المكروه، ~~والثاني حط منزلة الكفار عن التعبير باللفظ المحمود، والأعم يفيد المقصودين ~~معا، فأتى به وهو لفظ الإصبع، وقد جاء في الحديث الأمر بالتعبير ms0455 بالأحسن ~~مكان القبيح كما في حديث: (من سبقه الحدث في الصلاة فليأخذ بأنفه ويخرج)، ~~أمر بذلك إرشادا إلى إيهام سبب أحسن من الحدث، وهو الرعاف، وهو أدب حسن من ~~الشرع في ستر العورة وإخفاء القبيح. وقد صح نهيه عليه السلام PageV02P306 # أن يقال [لشجر العنب] (1): الكرم، وقال: (إنما الكرم الرجل المسلم)، كره ~~الشارع تسميتها بالكرم لأنها تعتصر منها أم الخبائث. # وحديث: (كان يصيب من الرأس وهو صائم)، قيل هو إشارة إلى القبلة، وليس لفظ ~~القبلة مستهجنا ". # وقوله: (إياكم وخضراء الدمن). # خامسها: تحسين اللفظ، كقوله تعالى: (بيض مكنون) (2)، فإن العرب كانت من ~~عادتهم الكناية عن حرائر النساء بالبيض، قال امرؤ القيس: # وبيضة خدر لا يرام خباؤها * تمتعت من لهو بها غير معجل (3) وقوله تعالى: ~~(و ثيابك فطهر)، ومثله قول عنترة: # فشككت بالرمح الطويل ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرم (6) سادسها: قصد ~~البلاغة، كقوله تعالى: (أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين) (7)، ~~فإنه سبحانه كنى عن النساء بأنهن ينشأن في الترفه والتزين والتشاغل ~~PageV02P307 # عن النظر في الأمور ودقيق المعاني، ولو أتى بلفظ النساء لم يشعر بذلك، ~~والمراد نفي ذلك - أعني الأنوثة - عن الملائكة، وكونهم بنات الله تعالى ~~الله عن ذلك. # وقوله: (فما أصبرهم على النار)، أي هم في التمثيل بمنزلة المتعجب منه ~~بهذا التعجب. # سابعها: قصد المبالغة في التشنيع، كقوله تعالى حكاية عن اليهود لعنهم ~~الله: (وقالت اليهود يد الله مغلولة) فإن الغل كناية عن البخل، كقوله تعالى ~~(ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك)، لأن جماعة كانوا متمولين، فكذبوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم فكف الله عنهم ما أعطاهم، وهو سبب نزولها. # وأما قوله تعالى: (غلت أيديهم) (2) فيحمل على المجاز على وجه الدعاء ~~والمطابقة للفظ، ولهذا قيل: إنهم أبخل خلق الله، والحقيقة أنهم تغل أيديهم ~~في الدنيا بالإسار، وفي الآخرة بالعذاب وإغلال النار. # وقوله: (بل يداه مبسوطتان)، كناية عن كرمه، وثنى اليد - وإن أفردت في أول ~~الآية - ليكون أبلغ في السخاء والجود. # ثامنها: التنبيه على مصيره، كقوله تعالى: (تبت يدا ms0456 أبي لهب)، أي جهنمي ~~مصيره إلى اللهب. # وكقوله: (حمالة الحطب)، أي نمامة، ومصيرها إلى أن تكون حطبا لجهنم. ~~PageV02P308 # تاسعها: قصد الاختصار، ومنه الكناية عن أفعال متعددة بلفظ (فعل)، كقوله ~~تعالى: # (ولبئس ما كانوا يفعلون)، (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به)، (فإن لم تفعلوا ~~ولن تفعلوا)، أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا. # عاشرها: أن يعمد إلى جملة ورد معناها على خلاف الظاهر، فيأخذ الخلاصة ~~منها من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة أو المجاز، فتعبر بها عن مقصودك، ~~وهذه الكناية استنبطها الزمخشري، وخرج عليها قوله تعالى: (الرحمن على العرش ~~استوى) (4)، فإنه كناية عن الملك، لأن الاستواء على السرير لا يحصل إلا مع ~~الملك، فجعلوه كناية عنه. # وكقوله تعالى: (والأرض جميعا " قبضته يوم القيامة...) (5) الآية، إنه ~~كناية عن عظمته وجلالته من غير ذهاب بالقبض واليمين إلى جهتين: حقيقة ~~ومجاز. # وقد اعترض الإمام فخر الدين على ذلك بأنها تفتح باب تأويلات الباطنية، ~~فلهم أن يقولوا: المراد من قوله: (فاخلع نعليك) (6) الاستغراق في الخدمة من ~~غير الذهاب إلى نعل وخلعه، وكذا نظائره. انتهى. # وهذا مردود لأن الكناية إنما يصار إليها عند عدم إجراء اللفظ على ظاهره، ~~كما سبق من الأمثلة، بخلاف خلع النعلين ونحوه. PageV02P309 # تنبيهان الأول: في أنه هل يشترط في الكناية قرينة كالمجاز؟ # هذا ينبني على الخلاف السابق إنها مجاز أم لا. وقال الزمخشري في قوله ~~تعالى: # (ولا ينظر إليهم) (1)، في سورة آل عمران: أنه مجاز (2) عن الاستهانة بهم، ~~والسخط عليهم، تقول: فلان لا ينظر إلى فلان، تريد نفي اعتداده به وإحسانه ~~إليه، قال: (3) وأصله فيمن يجوز عليه [النظر] (4) الكناية، لأن من اعتد ~~بالإنسان التفت إليه، وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداء ~~والإحسان، وإن لم يكن ثم نظر، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجردا " ~~لمعنى الإحسان، مجازا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر. انتهى. # وهذا بناء منه على مذهبه الفاسد في نفي الرؤية، وفيه تصريح بأن الكناية ~~مجاز، وبه صرح في قوله تعالى: (ولا ms0457 جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ~~النساء). # وصرح الشيخ عبد القادر الجرجاني (6) في " الدلائل " بأن الكناية لا بد ~~لها من قرينة. # الثاني: قيل من عادة العرب أنها لا تكنى عن الشئ بغيره، إلا إذا كان يقبح ~~PageV02P310 # ذكره، وذكروا احتمالين في قوله: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض) ~~(1). # أحدهما: أنه كنى بالإفضاء عن الإصابة. # الثاني: أنه كنى عن الخلوة. # ورجحوا الأول، لأن العرب إنما تكنى عما يقبح ذكره في اللفظ، ولا يقبح ذكر ~~الخلوة. وهذا حسن، لكنه يصلح للترجيح. # وأما دعوى كون العرب لا تكنى إلا عما يقبح ذكره فغلط، فكنوا عن القلب ~~بالثوب، كما في قوله تعالى: (وثيابك فطهر) (2)، وغير ذلك مما سبق. # [التعريض والتلويح] وأما تعريض، فقيل: إنه الدلالة على المعنى من طريق ~~المفهوم، وسمي تعريضا لأن المعنى باعتباره يفهم من عرض اللفظ، أي من جانبه، ~~ويسمى التلويح، لأن المتكلم يلوح منه للسامع ما يريده، كقوله تعالى: (بل ~~فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) (3)، لأن غرضه بقوله: ~~(فاسألوهم)، على سبيل الاستهزاء وإقامة الحجة عليهم بما عرض لهم به، من عجز ~~كبير الأصنام عن الفعل، مستدلا على ذلك بعدم إجابتهم إذا سئلوا، ولم يرد ~~بقوله: (فعله كبيرهم هذا) (3)، نسبة الفعل الصادر عنه إلى الصنم، فدلالة ~~هذا الكلام عجز كبير الأصنام عن الفعل بطريق الحقيقة. # ومن أقسامه أن يخاطب الشخص والمراد غيره، سواء كان الخطاب مع نفسه، أو مع ~~PageV02P311 # غيره، كقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك). # (ولئن اتبعت أهواءهم) (2). # (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات)، تعريضا بأن قومه أشركوا واتبعوا ~~أهواءهم، وزلوا فيما مضى من الزمان، لأن الرسول لم يقع منه ذلك، فأبرز غير ~~الحاصل في معرض الحاصل ادعاء. # وقوله: (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات)، فإن الخطاب للمؤمنين ~~والتعريض لأهل الكتاب، لأن الزلل لهم لا للمؤمنين. # فأما الآية الأولى ففيها ثلاثة أمور: مخاطبة النبي صلى الله عليه والمراد ~~غيره، وإخراج المحال عليه في صورة المشكوك والمراد غيره، واستعمال المستقبل ~~بصيغة الماضي. وأمر رابع وهو (إن) ms0458 الشرطية قد لا يراد بها إلا مجرد ~~الملازمة التي هي لازمة الشرط والجزاء، مع العلم باستحالة الشرط أو وجوبه ~~أو وقوعه. # وعلى هذا يحمل قول من لم ير من المفسرين حمل الخطاب على غيره، إذ لا يلزم ~~من فرض أمر - لابد - منه - صحة وقوعه، بل يكون في الممكن والواجب والمحال. # ومنه قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) (5)، إذا ~~جعلت شرطية لا نافية. # ومنه: (إن كنا فاعلين) (6). PageV02P312 # ومنه قوله تعالى: (ومالي لا أعبد الذي فطرني) (1)، المراد: مالكم لا ~~تعبدون، بدليل قوله: (إليه ترجعون) (1)، ولولا التعريض لكان المناسب (واليه ~~أرجع). # وكذا قوله: (أأتخذ من دونه آلهة ") (1)، والمراد: أتتخذون من دون آلهة. # (إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا " ولا ينقذون. إني إذا " ~~لفي ضلال مبين) (2)، ولذلك قيل: (آمنت بربكم فاسمعون) دون (ربي)، (وأتبعه)، ~~(فاسمعوه). # ووجه حسنه ظاهر، لأنه يتضمن إعلام السامع على صورة لا تقتضي مواجهته ~~بالخطاب المنكر، كأنك لم تعنه، وهو أعلى في محاسن الأخلاق وأقرب للقبول، ~~وأدعى للتواضع، والكلام ممن هو رب العالمين نزله بلغتهم، وتعليما للذين ~~يعقلون. # قيل: ومنه قوله تعالى: (قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون)، ~~فحصل المقصود في قالب التلطف، وكان حق الحال من حيث الظاهر، لولاه أن يقال: ~~(لا تسألون عما عملنا ولا نسأل عما تجرمون). # وكذا مثله: (وإنا أو إياكم لعلى هدى " أو في ضلال مبين)، حيث ردد الضلال ~~بينهم وبين نفسهم، والمراد: إنا على هدى وأنتم في ضلال، وإنما لم يصرح به ~~لئلا تصير هنا نكته، هو أنه خولف في هذا الخطاب بين (على)، و (في) بدخول ~~(على) على الحق، و (في) علي الباطل، لأن صاحب الحق، كأنه على فرس جواد يركض ~~به، حيث أراد، وصاحب الباطل كأنه منغمس في ظلام لا يدري أين يتوجه. # قال السكاكي: ويسمى هذا النوع الخطاب المنصف، أي لأنه يوجب أن ~~PageV02P313 # أن ينصف المخاطب إذا رجع إلى نفسه استدراجا لاستدراجه الخصم إلى الاذعان ~~والتسليم، وهو شبيه بالجدل، لأنه تصرف في ms0459 المغالطات الخطابية. # ومنه قوله تعالى: (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب) (1)، المقصود ~~التعريض بذم من ليست له هذه الخشية، وأن يعرف أنه لفرط عناده كأنه ليس له ~~أذن تسمع، ولا قلب يعقل، وأن الإنذار له كلا إنذار، وأنه قد أنذر من له هذه ~~الصفة، وليست له. # وقوله: (إنما يتذكر أولو الألباب) القصد التعريض، وأنهم لغلبه هواهم في ~~حكم من ليس له عقل. # وقوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم)، نزلت في أبي جهل لأنه قال: # (ما بين أخشبيها - أي جبليها، يعني مكة - أعز مني ولا أكرم)، وقيل: بل ~~خوطب بذلك استهزاء. # [التوجيه] وأما التوجيه، وهو ما احتمل معنيين ويؤتى به عند فطنة المخاطب، ~~كقوله تعالى حكاية عن أخت موسى عليه السلام: (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه ~~لكم وهم له ناصحون) (4)، فإن الضمير في (له) يحتمل أن يكون لموسى، وأن يكون ~~لفرعون. # قال ابن جريج: وبهذا تخلصت أخت موسى من قولهم: (إنك عرفته)، فقالت: # أردت: (ناصحون للملك)، واعترض عليه بأن هذا في لغة العرب لا في كلامها ~~المحكي PageV02P314 # وهذا مردود، فإن الحكاية مطابقة لما قالته، وإن كانت بلغة أخرى. # ونظيره جواب ابن الجوزي لمن قال له: من كان أفضل عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ # أبو بكر أم علي؟ فقال: من كانت ابنته تحته (1). # وجعل السكاكي من هذا القسم مشكلات القرآن. PageV02P315 # النوع الخامس والأربعون في أقسام معنى الكلام زعم قوم أن معاني القرآن لا ~~تنحصر، ولم (1) يتعرضوا لحصرها، وحكاية ابن السيد عن أكثر البصريين في ~~زمانه. # وقيل: قسمان (2): خبر، وغير خبر. # وقيل: عشرة: نداء، ومسالة، وأمر، وتشفع، وتعجب، وقسم، وشرط، ووضع، وشك، ~~واستفهام. # وقيل: تسعة، وأسقطوا الاستفهام لدخوله في المسألة وقيل: ثمانية، وأسقطوا ~~التشفع لدخوله في المسألة. # وقيل: سبعة، وأسقطوا الشك لأنه في قسم الخبر. # وكان أبو الحسن الأخفش يرى أنها ستة أيضا، وهي عنده: الخبر، والاستخبار، ~~والأمر، والنهي، والنداء، والتمني. # وقيل: خمسة: الخبر، والأمر والتصريح، والطلب، والنداء، وقيل غير ذلك. ~~PageV02P316 # [الخبر] الأول الخبر (1) والقصد به إفادة المخاطب وقد يشرب ms0460 مع ذلك معاني ~~أخر: # منها التعجب، قال ابن (2) فارس: وهو تفضيل الشئ على أضرابه [بوصف] (3). # وقال ابن الضائع: استعظام صفة خرج بها المتعجب منه عن نظائره، نحو: ما ~~أحسن زيدا! وأحسن به! استعظمت حسنه على حسن غيره. # وقال الزمخشري في تفسير سورة الصف (4): معنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب ~~السامعين، لأن التعجب لا يكون إلا من شئ خارج عن نظائره وأشكاله. # وقال الرماني: المطلوب في التعجب الإبهام، لأن من شأن الناس أن يتعجبوا ~~مما لا يعرف سببه، وكلما (5) استبهم السبب كان التعجب أحسن، قال: وأصل ~~التعجب إنما هو للمعنى الخفي سببه، والصيغة الدالة عليه تسمى تعجبا، يعني ~~مجازا. قال: ومن أجل الإبهام لم تعمل (نعم) إلا في الجنس من أجل التفخيم، ~~ليقع التفسير على نحو التفخيم بالإضمار قبل الذكر. # ثم قد وضعوا للتعجب صيغا من لفظه، وهي: (ما افعله) و (أفعل به)، وصيغا من ~~PageV02P317 # غير لفظه نحو (كبر) [في] نحو: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) (1)، كبر مقتا ~~") عند الله)، (كيف تكفرون بالله). # واحتج الثمانيني (4) على أنه خبر بقوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر)، تقديره: # ما أسمعهم وأبصرهم! والله سبحانه لم يتعجب بهم، ولكن دل المكلفين على أن ~~هؤلاء قد نزلوا منزلة من يتعجب منه. # وهنا مسألتان: # الأولى: قيل لا يتعجب من فعل الله، فلا يقال: (ما أعظم الله!)، لأنه ~~يئول: # (إلى شئ عظم الله) كما في غيره من صيغ التعجب، وصفات الله تعالى قديمة. ~~وقيل: # بجوازه باعتبار أنه يحب تعظيم الله بشئ من صفاته، فهو يرجع لاعتقاد ~~العباد عظمته وقدرته، وقد قال الشاعر: # ما أقدر الله أن يدني على شحط * من داره الحزن ممن داره صول والأولون ~~قالوا: هذا أعرابي جاهل بصفات الله. وقال بعض المحققين: التعجب إنما يقال ~~لتعظيم الأمر المتعجب منه، ولا يخطر بالبال أن شيئا صيره كذلك وخفي علينا، ~~فلا يمتنع حينئذ التعجب من فعل الله. # والثانية: هل يجوز إطلاق التعجب في حق الله تعالى؟ فقيل بالمنع، لأن ~~التعجب استعظام ويصحبه الجهل والله سبحانه منزه عن ذلك، وبه ms0461 جزم ابن عصفور ~~(6) في " المقرب ". PageV02P318 # قال: فإن ورد ما ظاهره ذلك صرف إلى المخاطب، كقوله: (فما أصبرهم على ~~النار) (1)، أي (2) هؤلاء يجب أن يتعجب منهم (2). # وقيل: بالجواز، لقوله: (فما أصبرهم على النار)، إن قلنا: (ما) تعجبية ثم ~~لا استفهامية، وقوله: (بل عجبت) في قراءة بعضهم بالضم. # والمختار الأول، وما وقع منه أول بالنظر إلى المخاطب، أي علمت أسباب ما ~~يتعجب منه العباد، فسمي العلم بالعجب عجبا. # وأصل الخلاف في هذه المسألة يلتف على خلاف آخر، وهو أن حقيقة التعجب، هل ~~يشترط فيه خفاء سببه فيتحيز رسول فيه المتعجب منه، أولا؟ # ولم يقع في القرآن صيغة التعجب إلا قوله: (فما أصبرهم على النار)، وقوله: # (قتل الانسان ما أكفره) (4)، (يا أيها والانسان ما أغرك) (5)، ولا في ~~قراءة من زاد الهمزة. # ثم قال المحققون: التعجب مصروف إلى المخاطب، ولهذا تلطف الزمخشري فيعبر ~~عنه بالتعجب، ومجئ التعجب من الله كمجئ الدعاء منه والترجي، وإنما هذا ~~بالنظر إلى ما تفهمه العرب، أي هؤلاء عندكم ممن يجب أن تقولوا لهم هذه. ~~وكذلك تفسير سيبويه PageV02P319 # قوله تعالى: (لعله يتذكر أو يخشى) قال: المعنى: اذهبا على رجائكما ~~وطمعكما (2) قال ابن الضائع (3): وهو حسن جدا. # قلت: وذكر سيبويه أيضا قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين) (4)، (ويل ~~للمطففين) (5)، فقال: لا [ينبغي] (6) أن تقول [إنه] (6) دعاء ها هنا، لأن ~~الكلام بذلك (7) [واللفظ به] (6) قبيح، ولكن العباد إنما كلموا (8) ~~بكلامهم، وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون، فكأنه - والله أعلم - قيل ~~لهم: (ويل للمطففين)، و (ويل ويومئذ للمكذبين)، أي هؤلاء ممن وجب هذا القول ~~لهم، لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكة، فقيل: هؤلاء ممن دخل في ~~الهلكة، ووجب لهم هذا. (9). انتهى. # منها الأمر، كقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن) (10)، (والوالدات يرضعن)، ~~فإن السياق يدل على أن الله تعالى أمر بذلك، لا أنه خبر، وإلا لزم الخلف في ~~الخبر، وسبق في المجاز. PageV02P320 # ومنها النهي، كقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) (1). # منها الوعد، كقوله: (سنريهم آياتنا في الآفاق) (2). # منها الوعيد، كقوله تعالى: (و سيعلم الذين ms0462 ظلموا أي منقلب ينقلبون). # منها الانكار والتبكيت، نحو: (ذق إنك أنت العزيز الكريم). # ومنها الدعاء، كقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) (5)، أي أعنا على ~~عبادتك. # وربما كان اللفظ خبرا والمعنى شرطا وجزاء، كقوله: (إنا كاشفوا العذاب ~~قليلا " إنكم عائدون)، فظاهره خبر، والمعنى (7): إنا إن نكشف عنكم العذاب ~~تعودوا. # ومنه قوله: (الطلاق مرتان)، المعنى: من طلق امرأته مرتين فليمسكها بعدهما ~~بمعروف، أو يسرحها بإحسان. # ومنها التمني، وكلمته الموضوعة له (ليت)، وقد تستعمل ثلاثة أحرف: # أحدها: (هل)، كقوله: (فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا)، حملت (هل) على ~~إفادة التمني لعدم التصديق بوجود شفيع في ذلك المقام، فيتولد (10) التمني. # بمعونة قرينة الحال. PageV02P321 # والثاني: (لو) سواء كانت مع (ود) كقوله تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنوا) ~~(1) بالنصب، أو لم تكن، كقوله تعالى: (لو أن بكم لي قوة)، وقوله: (لو أن ~~لنا كرة فنتبرأ منهم)، (لو أن لي كرة فأكون). # والثالث: (لعل)، كقوله تعالى: (لعل أبلغ الأسباب أسباب السماوات فاطلع)، ~~في قراءة النصب. # واختلف: هل التمني خبر ومعناه النفي، أو ليس بخبر ولهذا لا يدخله التصديق ~~والتكذيب؟ قولان عن أهل العربية، حكاهما ابن فارس في كتاب " فقه العربية " ~~(6). # والزمخشري بنى كلامه على أنه ليس بخبر، واستشكل دخول التكذيب في جوابه، ~~وفي قوله تعالى: (ليتنا نرد ولا نكذب) (7)، إلى قوله: (و إنهم لكاذبون)، ~~وأجاب بتضمنه معنى العدة فدخله التكذيب (9). PageV02P322 # وقال ابن الضائع: التمني حقيقة لا يصح فيه الكذب، وإنما يرد الكذب في ~~التمني الذي يترجح عند صاحبه وقوعه، فهو إذن وارد على ذلك الاعتقاد، الذي ~~هو ظن، وهو خبر صحيح. # قال: وليس المعنى في قوله: (وإنهم لكاذبون) أن ما تمنوا ليس بواقع، لأنه ~~ورد في معرض الذم لهم، وليس في ذلك المعنى ذم، بل التكذيب ورد على إخبارهم ~~عن أنفسهم أنهم لا يكذبون، وأنهم يؤمنون. # ومنها الترجي، والفرق بينه وبين التمني أن الترجي لا يكون إلا في ~~الممكنات، والتمني يدخل المستحيلات. # ومنها النداء، وهو طلب إقبال المدعو على الداعي بحرف مخصوص، وإنما يصحب ~~في الأكثر الأمر والنهي، ms0463 كقوله: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) (1). (يا أيها ~~النبي اتق الله). (يا عباد فاتقون) (3). (و يا قوم استغفروا ربكم). (يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) (يا أيها الذين كفروا لا ~~تعتذروا اليوم) (6). # وربما تقدمت جملة الامر جملة النداء، كقوله تعالى: (وتوبوا إلى الله ~~جميعا " أيها المؤمنون). PageV02P323 # وإذا جاءت جملة الخبر بعد النداء (1) تتبعها جملة الأمر، كما في قوله ~~تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له). # وقد تجئ معه الجمل الاستفهامية والخبرية، كقوله تعالى في الخبر: (يا عباد ~~لا خوف عليكم)، وفي الاستفهام: (يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر) (4). ~~(و يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة). (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون). (6). # (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك). # هانا فائدتان: # إحداهما: قال الزمخشري رحمه الله: كل نداء في كتاب الله يعقبه فهم في ~~الدين، إما من ناحية الأوامر والنواهي التي عقدت بها سعادة الدارين، وإما ~~مواعظ وزواجر وقصص لهذا المعنى، كل ذلك راجع إلى الدين الذي خلق الخلق ~~لأجله، وقامت السماوات والأرض به، فكان حق هذه أن تدرك بهذه الصيغة ~~البليغة. # الثانية: النداء إنما يكون للبعيد حقيقة أو حكما، وفي قوله تعالى: (و ~~ناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا) لطيفة، فإنه تعالى بين أنه كما ~~ناداه ناجاه أيضا، والنداء مخاطبة الأبعد، والمناجاة كان مخاطبة الأقرب، ~~ولأجل هذه اللطيفة أخبر سبحانه عن مخاطبة لآدم وحواء بقوله: (و قلنا يا آدم ~~أسكن أنت وزوجك الجنة)، و في PageV02P324 # موضع: (و يا آدم أسكن) (1)، ثم لما حكى عنهما ملابسة المخالفة، قال في ~~وصف خطابه لهما: (و ناداهما ربهما) (2)، فأشعر هذا اللفظ بالبعد لأجل ~~المخالفة، كما أشعر اللفظ الأول بالقرب عند السلامة منها. # وقد يستعمل النداء في غير معناه مجازا في مواضع: # الأول: الاغراء والتحذير، وقد اجتمعا في قوله تعالى: (ناقة الله ~~وسقياها)، والإغراء أمر معناه الترغيب والتحريض، ولهذا خصوا به المخاطب. # الثاني: الاختصاص، وهو كالنداء إلا أنه لا حرف فيه. # الثالث: ms0464 التنبيه، نحو: (يا ليتني مت قبل هذا) (4)، لأن حرف النداء يختص ~~بالأسماء. # وقال النحاس في قوله تعالى: (يا ويلتي) (5) نداء مضاف، والفائدة فيه أن ~~معناه: # هذا وقت حضور الويل. وقال الفارسي في قوله تعالى: (يا حسرة على العباد)، ~~(6)، معناه أنه لو كانت الحسرة مما يصح نداه لكان هذا وقتها. # وقد اختلف في أن النداء خبر أم لا، قال أبو البقاء (7) في شرح " الايضاح ~~": # ذهب الجميع إلى أن قولك: (يا زيد) ليس بخبر محتمل للتصديق والتكذيب، إنما ~~هو بمنزلة الإشارة والتصويت. # واختلفوا في قولك (8): (يا فاسق)، فالأكثرون على أنه ليس بخبر أيضا، قال ~~أبو علي PageV02P325 # الفارسي: خبر، لأنه تضمن نسبته للفسق. # ومنها الدعاء، نحو: (تبت يدا أبي لهب) (1)، وقوله: (قاتلهم الله)، (2) ~~(حصرت صدورهم)، (و يل للمطففين). # قال سيبويه: هذا دعاء، وأنكره ابن الطراوة (6) لاستحالته هنا، وجوابه أنه ~~مصروف للخلق وإعلامهم بأنهم أهل لان يدعى عليهم، كما في الرجاء وغيره مما ~~سبق. # فائد ذكر (7) الزمخشري أن الاستعطاف، نحو (تالله هل قام زيد) قسم، ~~والصحيح أنه ليس، بقسم، لكونه خبرا. # [الاستخبار، وهو الاستفهام] الثاني الاستخبار، وهو طلب خبر ما ليس عندك، ~~وهو بمعنى الاستفهام، أي طلب الفهم، ومنهم من فرق بينهما بأن الاستخبار ما ~~سبق أولا ولم يفهم حق الفهم، فإذا سألت عنه ثانيا كان استفهاما، حكاه ابن ~~فارس في " فقه العربية " (8). # ولكون الاستفهام طلب ما في الخارج أو تحصيله في الذهن لزم ألا يكون حقيقة ~~PageV02P326 # إلا إذا صدر من شاك مصدق بإمكان الاعلام، فإن غير الشاك إذا استفهم يلزم ~~تحصيل الحاصل، وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت فائدة الاستفهام. # وفي الاستفهام فوائد: # الأولى: قال بعض الأئمة: ما جاء على لفظ الاستفهام في القرآن فإنما يقع ~~في خطاب الله تعالى على معنى أن المخاطب عنده علم ذلك الإثبات أو النفي ~~حاصل، فيستفهم عنه نفسه تخبره به، إذ قد وضعه الله عندها، فالاثبات كقوله ~~تعالى: (ومن أصدق من الله حديثا ") والنفي كقوله تعالى: (هل أتى على ~~الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا " مذكورا ms0465 ") (فهل أنتم مسلمون) (3)، ~~ومعنى ذلك أنه قد حصل لكم العلم بذلك تجدونه عندكم إذا استفهمتم أنفسكم ~~عنه، فإن الرب تعالى لا يستفهم خلقه عن شئ، وإنما يستفهمهم ليقررهم ويذكرهم ~~أنهم قد علموا حق ذلك الشئ، فهذا أسلوب بديع انفرد به خطاب القرآن، وهو في ~~كلام البشر مختلف. # الثانية: الاستفهام إذا بني عليه أمر قبل ذكر الجواب فهم ترتب ذلك الأمر ~~على جوابه، أي جواب كان لأن سبقه على الجواب يشعر بأن ذلك حال من يذكر في ~~الجواب، لئلا يكون إيراده قبله عبثا، فيفيد حينئذ تعميما، نحو (من جاءك ~~فأكرمه) بالنصب، فإنه لما قال قبل ذكر جواب الاستفهام (أكرمه) علم أنه يكرم ~~من يقول المجيب: إنه جاء، أي جاء كان، وكذا حكم (من ذا جاءك أكرمه)، ~~بالجزم. PageV02P327 # الثالثة: قد يخرج الاستفهام عن حقيقته، بأن يقع ممن يعلم ويستغني عن طلب ~~الإفهام. # [أقسام الاستفهام] وهو قسمان: بمعنى الخبر، وبمعنى الانشاء: # [الاستفهام بمعنى الخبر] الأول: بمعنى الخبر، وهو ضربان: أحدهما نفي و ~~إثبات، فالوارد للنفي يسمى استفهام إنكار، والوارد للأثبات يسمى استفهام ~~تقرير، لأنه يطلب بالأول إنكار المخاطب، وبالثاني اقراره به. # [استفهام الانكار] فالأول: المعنى فيه على أن ما بعد الأداة منفي. ولذلك ~~تصحبه ما (إلا)، كقوله تعالى: # (فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) (1). # وقوله تعالى: (وهل نجازي إلا الكفور) (2). # ويعطف عليه المنفي، كقوله تعالى: (فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ~~ناصرين)، أي لا يهدي، وهو كثير. # ومنه (أفأنت تنقذ من في النار) (4)، أي لست تنقذ من في النار. # (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (5). PageV02P328 # (أفغير الله ابتغي حكما "). # وكقوله تعالى: (قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) (2). # (قالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون)، أي لا نؤمن. # وقوله: (أم له البنات ولكم البنون) (4)، أي لا يكون هذا. # وقوله تعالى: (أأنزل عليه الذكر من بيننا) (5)، أي ما أنزل. # وقوله تعالى: (أشهدوا خلقهم) (6)، أي ما شهدوا ذلك. # وقوله تعالى: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي) (7)، أي ليس ذلك إليك، كما ~~قال تعالى: (إنك لا تسمع ms0466 الموتى ولا تسمع الصم الدعاء). # وقوله تعالى: (أفعيينا بالخلق الأول) (9)، أي لم يع به. # هنا أمران: # أحدهما: أن الانكار قد يجئ لتعريف المخاطب أن ذلك المدعي ممتنع عليه، ~~وليس من قدرته، كقوله تعالى: (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي)، لأن أسماع ~~الصم لا يدعيه أحد، بل المعنى ان إسماعهم لا يمكن، لأنهم بمنزلة الصم ~~والعمي، وإنما قدم الاسم في الآية، ولم يقل: (أتسمع الصم)؟ إشارة إلى إنكار ~~موجه عن تقدير ظن منه عليه السلام أنه يختص باسماع من به صمم، وأنه ادعى ~~القدرة على ذلك، وهذا أبلغ من إنكار الفعل. PageV02P329 # وفيه دخول الاستفهام على المضارع، فإذا قلت: أتفعل؟ أو أأنت تفعل؟ احتمل ~~وجهين: # أحدهما: إنكار وجود الفعل، كقوله تعالى: (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) ~~(1)، والمعنى لسنا بمثابة من يقع منه هذا الالزام، وإن عبرنا بفعل ذلك، جل ~~الله تعالى عن ذلك، بل المعنى إنكار أصل الالزام. # والثاني: قولك لمن يركب الخطر: أتذهب في غير طريق؟ انظر لنفسك واستبصر. ~~فإذا قدمت المفعول توجه الانكار إلى كونه بمثابة أن يوقع به مثل ذلك الفعل، ~~كقوله: (قل أغير الله أتخذ وليا) (2)، وقوله: (أغير الله تدعون) (3)، ~~المعنى: أغير الله بمثابة من يتخذ وليا! # منه: (أبشرا " منا واحدا " نتبعه)، لأنهم بنوا كفرهم على أنه ليس بمثابة ~~من يتبع صيغة المستقبل، إما أن يكون للحال، نحو: (أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا) (5). أو للاستقبال، نحو: (أهم يقسمون رحمة ربك) (6). # الثاني: قد يصحب الانكار التكذيب للتعريض بأن المخاطب ادعاه وقصد تكذيبه، ~~كقوله تعالى: (أصطفى البنات على البنين) (7). (ألكم عن الذكر وله الأنثى). ~~(أ إله مع الله) (9). PageV02P330 # وسواء كان زعمهم له صريحا، مثل: (أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون) (1)، أو ~~التزاما، مثل: (أشهدوا خلقهم) (2)، فإنهم لما جزموا بذلك جزم من يشاهد خلق ~~الملائكة كانوا كمن زعم أنه شهد خلقهم. # تسمية هذا استفهام إنكار، من أنكر إذا جحد، وهو إما بمعنى (لم يكن) كقوله ~~تعالى: (أفأصفاكم)، أو بمعنى (لا يكون) نحو: (أنلزمكموها) (3). # والحاصل أن الانكار قسمان: إبطالي وحقيقي. # فإلا أن يكون ms0467 ما بعدها غير واقع، ومدعيه كاذب كما ذكرنا، والحقيقي يكون ~~ما بعدها واقع وأن فاعله ملوم، نحو: (أتعبدون ما تنحتون) (4). (أغير الله ~~تدعون) (5). (إفكا آلهة) (6). (أتأتون الذكران). (أتأخذونه بهتانا ") (8). # [استفهام التقرير] وأما الثاني، فهو استفهام التقرير، والتقرير حملك ~~المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده، قال أبو الفتح في " ~~الخاطريات " (9): ولا يستعمل ذلك بهل، وقال في قوله: PageV02P331 # * جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط * (1) و (هل) لا تقع تقريرا كما يقع غيرها ~~مما هو للاستفهام. انتهى. # وقال الكندي: (2) ذهب كثير من العلماء في قوله تعالى: (هل يسمعونكم) إلى ~~أن (هل) تشارك الهمزة في معنى التقرير والتوبيخ، إلا أني رأيت أبا علي أبي ~~ذلك، وهو معذور، فإن ذلك من قبيل الانكار. انتهى. # ونقل الشيخ أبو حيان عن سيبويه أن استفهام التقرير لا يكون بهل، إنما ~~تستعمل فيه الهمزة. ثم نقل عن بعضهم أن (هل) تأتي تقريرا، كما في قوله ~~تعالى: (هل في ذلك قسم لذي حجر). # والكلام مع التقرير موجب، ولذلك يعطف عليه صريح الموجب، ويعطف على صريح ~~الموجب. # فالأول كقوله: (ألم يجدك يتيما " فآوى. ووجدك ضالا فهدى)، وقوله: # (ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك) (6). (ألم يجعل كيدهم في تضليل). ~~PageV02P332 # الثاني: كقوله: (أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما ") (1)، على ما قرره ~~الجرجاني في النظم، حيث جعلها مثل قوله: (وجحدوا بها واستقينتها أنفسهم) ~~(2). # ويجب أن يلي الأداة الشئ الذي تقرر بها، فتقول في تقرير الفعل: (أضربت ~~زيدا؟)، والفاعل نحو: (أأنت ضربت؟)، أو المفعول (أزيدا ضربت)، كما يجب في ~~الاستفهام الحقيقي. # وقوله تعالى: (أأنت فعلت هذا بآلهتنا)، يحتمل الاستفهام الحقيقي، بأن ~~يكونوا لم يعلموا أنه الفاعل، والتقرير بأن يكونوا علموا، ولا يكون ~~استفهاما عن الفعل، ولا تقريرا له، لأنه لم يله، ولأنه أجاب بالفاعل بقوله: ~~(بل فعله كبيرهم) (4). # وجعل الزمخشري منه: (ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) (5). # وقيل: أراد التقرير بما بعد النفي لا التقرير بالنفي، والأولى أن يجعل ~~على الانكار، أي، ألم تعلم أيها المنكر للنسخ (6)! # وحقيقة استفهام التقرير ms0468 أنه استفهام إنكار، والإنكار نفي، وقد دخل على ~~المنفي ونفي المنفي إثبات. والذي يقرر عندك أن معنى التقرير الإثبات قول ~~ابن السراج: فإذا أدخلت على (ليس) ألف الاستفهام كانت تقريرا ودخلها معنى ~~الإيجاب فلم يحسن معها (أحد)، لأن (أحدا) إنما يجوز مع حقيقة النفي، لا ~~تقول: أليس أحد في الدار، لأن المعنى يؤول إلى PageV02P333 # قولك: أحد في الدار، وأحد لا تستعمل في الواجب. انتهى. # وأمثلته كثيرة، كقوله تعالى: (ألست بربكم)، أي أنا ربكم. # وقوله (أليس ذلك بقادر على أن يحي الموتى (2). # (أوليس الذي خلق السماوات والأرض). # (أليس الله بكاف عبده). # (أليس الله بعزيز ذي انتقام) (4). # (أليس في جهنم مثوى للكافرين). # (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) (6)، ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم: (أينقص الرطب إذا جف)، وقوله جرير: # * ألستم خير من ركب المطايا (7) * واعلم أن في جعلهم الآية الأولى من هذا ~~النوع إشكالا، لأنه لو خرج الكلام عن النفي لجاز أن يجاب بنعم، وقد قيل: ~~إنهم لو قالوا: (نعم) كفروا، ولما حسن دخول الباء في الخبر، ولو لم تفد ~~لفظة الهمزة استفهاما " لما استحق الجواب، إذ لا سؤال حينئذ. # والجواب يتوقف على مقدمه، وهي أن الاستفهام إذا دخل على النفي، يدخل بأحد ~~وجهين: PageV02P334 # أما أن يكون الاستفهام عن النفي: هل وجد أم لا؟ فيبقى النفي على ما كان ~~عليه، أو للتقرير كقوله: ألم أحسن إليك! وقوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك)، ~~(1) (ألم يجدك يتيما "). # فإن كان بالمعنى الأول لم يجز دخول (نعم) في جوابه إذا أردت ايجابه، بل ~~تدخل عليه (بلى). وإن كان بالمعنى الثاني - وهو التقرير - فللكلام يا حينئذ ~~لفظ و معنى، فلفظه نفي داخل عليه الاستفهام، ومعناه الإثبات، فبالنظر إلى ~~لفظه تجيبه ببلى، وبالنظر إلى معناه، وهو كونه اثباتا " تجيبه بنعم. # وقد أنكر عبد القاهر كون (3) الهمزة للإيجاب، لأن الاستفهام يخالف ~~الواجب، وقال: إنها إذا دخلت على (ما) أو (ليس) يكون تقريرا " وتحقيقا "، ~~فالتقرير كقوله تعالى: # (أ أنت قلت للناس) (4)، (أأنت فعلت هذا) (5). # واعلم أن هذا ms0469 النوع يأتي على وجوه: # الأول: مجرد الاثبات، كما ذكرنا. # الثاني: الأثبات مع الافتخار، كقوله تعالى عن فرعون: (أليس لي ملك مصر) ~~(6). PageV02P335 # الثالث: الإثبات مع التوبيخ، كقوله تعالى: (ألم تكن أرض الله واسعة) أي ~~هي واسعة، فهلا هاجرتم فيها! # الرابع: مع العتاب، كقوله تعالى: (ألم يإن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ~~لذكر الله)، قال ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه ~~الآية (3) إلا أربع سنين. وما ألطف ما عاتب الله به خير خلقه بقوله تعالى: ~~(عفا الله عنك لم أذنت لهم)، ولم يتأدب الزمخشري بأدب الله تعالى في هذه ~~الآية. # الخامس: التبكيت، كقوله تعالى: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين) (5) ~~هو تبكيت للنصارى فيما ادعوه، كذا جعل السكاكي وغيره هذه الآية من نوع ~~التقرير (6). وفيه نظر لأن ذلك لم يقع منه. # السادس: التسوية (7)، وهي الداخلة على جملة يصح حلول المصدر محلها، كقوله ~~تعالى: # (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم)، أي سواء عليهم الأنذار وعدمه، ~~مجردة للتسوية، مضمحلا عنها معنى الاستفهام. # ومعنى الاستواء فيه استواؤهما في علم المستفهم، لأنه قد علم أنه أحد ~~الأمرين كائن، PageV02P336 # إما الإنذار وإما عدمه، ولكن لا يعينه، وكلاهما معلوم بعلم غير معين. # فان قيل: الاستواء يعلم من لفظه (سواء)، لا من الهمزة، مع أنه لو علم منه ~~لزم التكرار. # قيل: هذا الاستواء غير ذلك الاستواء المستفاد من لفظه (سواء). # وحاصله أنه كان الاستفهام عن مستويين فجرد عن الاستفهام، وبقي الحديث عن ~~المستويين. ولا يكون ضرر في إدخال (سواء) عليه لتغايرهما، لأن المعنى أن ~~المستويين في العلم يستويان في عدم الإيمان. وهذا - أعني حذف مقدر ~~واستعماله فيما بقي - كثير في كلام العرب، كما في النداء، فإنه لتخصيص ~~المنادى وطلب إقباله، فيحذف قيد الطلب، ويستعمل في مطلق الاختصاص، نحو ~~(اللهم اغفر لنا أيتها العصابة)، فإنه ينسلخ عن معنى الكلمة، لأن معناه ~~مخصوص من بين سائر العصائب. # ومنه قوله تعالى: (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا) (1). # وقوله تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) (2). # (أوعضت ms0470 أم لم تكن من الواعظين) (3). # وتارة تكون التسوية مصرحا بها كما ذكرناه، وتارة لا تكون، كقوله تعالى: # (وإن أدرى أقريب أم بعيد). # السابع: التعظيم، كقوله تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه). ~~PageV02P337 # الثامن: التهويل، نحو: (الحاقة ما الحاقة) (1). # وقوله تعالى: (وما أدراك ما هيه) (2). # وقوله: (ماذا يستعجل منه المجرمون) (3)، تفخيم للعذاب الذي يستعجلونه. # التاسع: التسهيل والتخفيف، كقوله تعالى: (وماذا عليهم لو آمنوا بالله). # العاشر: التفجع، نحو: (مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ~~أحصاها "). # الحادي عشر: التكثير، نحو: (وكم من قرية أهلكناها). # الثاني عشر: الاسترشاد، نحو: (أتجعل فيها من يفسد فيها)، والظاهر أنهم ~~استفهموا مسترشدين، وإنما فرق بين العبارتين أدبا. وقيل: هي هنا للتعجب. # [الاستفهام بمعنى الانشاء] القسم الثاني: الاستفهام المراد به الانشاء، ~~وهو على ضروب: PageV02P338 # الأول: مجرد الطلب، وهو الأمر، كقوله تعالى: (أفلا تذكرون) (1)، أي ~~اذكروا. # وقوله: (وقل للذين أوتوا الكتاب والنبيين أأسلمتم) أي أسلموا. # وقوله: (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) (3) أي أحبوا. # وقوله: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله) (4)، أي قاتلوا. # وقوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن). # وقوله: (فهل أنتم منتهون) أو انتهوا، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: ~~(انتهينا). # وجعل بعضهم منه قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) (7). # وقوله تعالى: (أتصبرون) (8)، وقال ابن عطية والزمخشري: المعنى أتصبرون أم ~~لا تصبرون؟ # والجرجاني في (النظم) على حذف مضاف، أي لنعلم أتصبرون. # الثاني: النهي، كقوله تعالى: (ما غرك بربك الكريم)، أي لا يغرك. # وقوله في سورة التوبة: (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه) (10)، بدليل قوله: # (فلا تخشوا الناس). # الثالث: التحذير كقوله: (ألم نهلك الأولين)، أي قدرنا عليهم فنقدر عليكم. ~~PageV02P339 # الرابع: التذكير، كقوله تعالى: (قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه) (1). # وجعل بعضهم منه: (ألم يجدك يتيما فآوى) (2). (ألم نشرح لك صدرك) (3). # الخامس: التنبيه، وهو من أقسام الأمر، كقوله تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج ~~إبراهيم في ربه) (4). # (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) (5). # (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) (6). # (ألم تر ms0471 كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) (7)، المعنى في كل ذلك: انظر بفكرك في ~~هذه الأمور وتنبه. # وقوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة) ~~(8)، حكاه صاحب " الكافي " (9) عن الخليل، ولذلك رفع الفعل ولم ينصبه. # وجعل منه بعضهم (فأين تذهبون) (10)، للتنبيه على الضلال. # وقوله تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم) (11). PageV02P340 # السادس: الترغيب، كقوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا " حسنا ") ~~(1). # (هل أدلكم على تجارة تنجيكم). # السابع: التمني، كقوله: (فهل لنا من شفعاء) (3). # (أنى يحيى هذه الله بعد موتها) (4)، قال العزيزي (5) في تفسيره: أي كيف، ~~وما أعجب معاينة الإحياء! # الثامن: الدعاء، وهو كالنهي، إلا أنه من الأدنى إلى الأعلى، كقوله تعالى: # (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) (6). # وقوله: (أتجعل فيها من يفسد فيها) (7)، وهم لم يستفهموا، لأن الله قال: ~~(إني جاعل في الأرض خليفة) (7). # وقيل: المعنى إنك ستجعل، وشبهة أبو عبيدة (8) بقوله الرجل لغلامه وهو ~~يضربه: # الست الفاعل كذا! # وقيل: بل هو تعجب، وضعف. # وقال النحاس: الأولى ما قاله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، ولا ~~مخالف لهما: PageV02P341 # أن الله تعالى لما قال: (إني جاعل في الأرض خليفة) (1) قالوا: وما ذاك ~~الخليفة! يكون له ذرية يفسدون، ويقتل بعضهم بعضا! # وقيل: المعنى: أتجعلهم فيها أم تجعلنا، وقيل: المعنى: تجعلهم وحالنا هذه ~~أم يتغير. # التاسع والعاشر: العرض والتحضيض، والفرق بينهما: الأول طلب برفق، والثاني ~~بشق، فالأول كقوله تعالى: (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) (2)، (ألا تقاتلون ~~قوما نكثوا أيمانهم) (3). # ومن الثاني: (أن أئت القوم الظالمين. قوم فرعون ألا يتقون) (4)، المعنى ~~ائتهم وأمرهم بالاتقاء. # الحادي عشر: الاستبطاء، كقوله: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) (5)، ~~بدليل: (ويستعجلونك بالعذاب). # منه ما قال صاحب الإيضاح (7) البياني: (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله) (8). # وقال الجرجاني: في الآية تقديم وتأخير، أي (حتى يقول الرسول: ألا إن ~~PageV02P342 # نصر الله قريب، والذين آمنوا: متى نصر الله؟) وهو حسن. # الثاني عشر: الإياس، (فأين تذهبون) (1). # الثالث عشر: الإيناس، نحو: (وما تلك بيمينك يا موسى) (2). # وقال ابن ms0472 فارس: [المراد به] (3) الإفهام، فإن الله تعالى قد علم أن لها ~~أمرا قد خفي على موسى عليه السلام فأعلم من حالها ما لم يعلم (4). # وقيل: هو للتقرير، فيعرف ما في يده حتى لا ينفر إذا انقلبت حية. # الرابع عشر: التهكم والاستهزاء، (أصلاتك تأمرك) (5). # (ألا تأكلون. مالكم لا تنطقون) (6). # الخامس عشر: التحقير، كقوله تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا " ~~أهذا الذي بعث الله رسولا ") (7)، ومنه ما حكى صاحب الكتاب: من أنت زيدا، ~~على معنى من أنت تذكر زيدا! PageV02P343 # السادس عشر: التعجب، نحو: (مالي لا أرى الهدهد). # (كيف تكفرون بالله) (2). # ومنهم من جعله للتنبيه. # السابع عشر: الاستبعاد، كقوله: (أني لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين) ~~(3)، أي يستبعد ذلك منهم بعد أن جاءهم الرسول ثم تولوا. # الثامن عشر: التوبيخ، كقوله تعالى: (أفغير دين الله يبغون) (4). # (لم تقولون ما لا تفعلون) (5). # (أفتتخذونه وذريته أولياء) (6)، ولا تدخل همزة التوبيخ إلا على فعل قبيح ~~أو ما يترتب عليه فعل قبيح. # الفائدة الرابعة: قد يجتمع الاستفهام الواحد للإنكار والتقرير، كقوله: ~~(فأي الفريقين أحق بالأمن) (7)، أي ليس الكفار آمنين، والذين آمنوا أحق ~~بالآمن، ولما كان أكثر مواقع التقرير دون الانكار، فقال: (الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم...)، الآية. PageV02P344 # وقد يحتملهما، كقوله: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا "). # ويحتمل أنه استفهام تقرير، وأنه طلب منهم أن يقروا بما عندهم تقرير ذلك، ~~ولهذا قال مجاهد: التقدير (لا) فإنهم لما استفهموا استفهام تقرير بما لا ~~جواب له إلا إن يقولوا (لا) جعلوا كأنهم قالوا، وهو قول الفارسي والزمخشري. # ويحتمل أن يكون استفهام إنكار، بمعنى التوبيخ على محبتهم لأكل لحم أخيهم ~~فيكون (ميتة)، والمراد محبتهم له غيبته على سبيل المجاز، و (فكرهتموه)) ~~بمعنى الأمر، أي اكرهوه. # ويحتمل أن يكون استفهام إنكار بمعنى التكذيب، أنهم لما كانت حالهم حال من ~~يدعي محبة أكل لحم أخيه نسب ذلك إليهم، وكذبوا فيه، فيكون (فكرهتموه). # الخامسة: إذا خرج الاستفهام عن حقيقته، فإن أريد التقرير ونحوه لم يحتج ~~إلى معادل، كما في قوله تعالى: (ألم ms0473 تعلم أن الله على كل شئ قدير) (2)، فان ~~معناه التقرير. # وقال ابن عطية: ظاهره الاستفهام المحض، والمعادل على قول جماعة: (أم ~~يريدون). # وقيل (أم) منقطعة فالمعادل عندهم محذوف، أي (أم علمتم)، وهذا كله على أن ~~القصد مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة أمته، وأما إن كان هو ~~المخاطب وحده فالمعادل محذوف لا غير، وكلا القولين مروي. انتهى. # وما قاله غير ظاهر، والاستفهام هنا للتقرير فيستغنى عن المعادل، أما إذا ~~كان على حقيقته، فلا بد من تقدير المعادل، كقوله تعالى: (أفمن يتقي بوجهه ~~سوء العذاب يوم القيامة) (3)، أي، كمن ينعم في الجنة؟ PageV02P345 # وقوله تعالى: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ") (1)، أي كمن هداه الله، ~~بدليل قوله تعالى: (فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء) (1)، التقدير: ~~ذهبت نفسك عليهم حسرات، بدليل (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) (2). # وقد جاء في التنزيل موضع صرح فيه بهذا الخبر، وحذف المبتدأ، على العكس ~~مما نحن فيه، وهو قوله تعالى: (كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما " ~~فقطع أمعاءهم)، أي أكمن هو خالد في الجنة يسقى من هذه الأنهار، كمن هو خالد ~~في النار؟ على أحد الأوجه. # وجاء مصرحا بهما على الأصل في قوله تعالى: (أو من كان ميتا " فأحييناه ~~وجعلنا له نورا " يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات) (4) (أفمن كان على ~~بينة من ربه كمن زين له سوء عمله). # السادسة: استفهام الانكار لا يكون إلا على ماض، وخالف في ذلك صاحب (6) " ~~الأقصى القريب " وقال: قد يكون عن مستقبل، كقوله تعالى: (أفحكم الجاهلية ~~يبغون)، وقوله تعالى: (أليس الله بعزيز ذي انتقام) (8)، قال: أنكر أن حكم ~~الجاهلية مما يبغي لحقارته، وأنكر عليهم سلب العزة عن الله تعالى، وهو منكر ~~في الماضي والحال والاستقبال. # وهذا الذي قاله مخالف لإجماع البيانيين، ولا دليل فيما ذكره، بل ~~الاستفهام في الآيتين عن ماض ودخله الاستقبال، تغليبا لعدم اختصاص المنكر ~~بزمان. ولا يشهد له قوله PageV02P346 # تعالى: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) (1)، لأن الاستبدال - وهو ~~طلب ms0474 البدل - وقع ماضيا، ولا: (أتقتلون رجلا " أن يقول ربي الله) (2) وإن ~~كانت (أن) تخلص المضارع للاستقبال، لأنه كلام ملموح به جانب المعنى. وقد ~~ذكر ابن جني في " التنبيه " (3) أن الإعراب قد يرد خلاف ما عليه المعنى. # السابعة: هذه الأنواع من خروج الاستفهام عن حقيقته في النفي، هل تقول: إن ~~معنى الاستفهام فيه موجود، وانضم إليه معنى أخر؟ أو تجرد عن الاستفهام ~~بالكلية؟ # لا ينبغي أن يطلق أحد الأمرين، بل منه ما تجرد كما في التسوية، ومنه ما ~~يبقى، ومنه ما يحتمل ويحتمل، ويعرف ذلك بالتأمل. وكذلك الأنواع المذكورة في ~~الإثبات، وهل المراد بالتقرير الحكم بثبوته، فيكون خبرا محضا؟ أو أن المراد ~~طلب إقرار المخاطب به مع كون السائل يعلم فهو استفهام تقرير المخاطب، أي ~~يطلب أن يكون مقررا به؟ وفي كلام النحاة والبيانيين، كل من القولين، وقد ~~سبق الإشارة إليه. # الثامنة: الحروف الموضوعة للاستفهام ثلاثة: الهمزة، وهل، وأم، وأما غيرها ~~مما يستفهم به كمن، وما، ومتى، وأين، وأنى، وكيف، وكم، وأيان فأسماء ~~استفهام، استفهم بها نيابة عن الهمزة. وهي تنقسم إلى ما يختص بطلب التصديق، ~~باعتبار الواقع، كهل وأم المنقطعة، وما يختص بطلب التصور كأم المتصلة، وما ~~لا يختص كالهمزة. # [أحكام اختصت بها همزة الاستفهام] ولكون الهمزة أم الباب اختصت بأحكام ~~لفظية، ومعنوية. PageV02P347 # فمنها كون الهمزة لا يستفهم بها حتى يهجس في النفس إثبات ما يستفهم عنه، ~~بخلاف (هل) فإنه لا ترجح عنده بنفي ولا إثبات. حكاه الشيخ أبو حيان عن ~~بعضهم. # ومنها اختصاصها باستفهام التقرير، وقد سبق عن سيبويه وغيره أن التقرير لا ~~يكون بهل، والخلاف فيه. # وقال الشيخ أبو حيان: إن طلب بالاستفهام تقرير، أو توبيخ، أو إنكار، أو ~~تعجب، كان بالهمزة دون (هل)، وإن أريد الجحد كان بهل، ولا يكون بالهمزة. # ومنها أنها تستعمل لإنكار إثبات ما يقع بعدها، كقولك: أتضرب زيدا وهو ~~أخوك؟ قال تعالى: (أتقولون على الله مالا تعلمون)، ولا تقع (هل) هذا ~~الموقع. وأما قوله تعالى: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) فليس منه، لأن ms0475 هذا ~~نفي له من أصله، والممنوع من إنكار إثبات ما وقع بعدها. قاله ابن الحاجب. # ومنها أنها يقع الاسم منصوبا بعدها بتقدير ناصب، أو مرفوعا بتقدير رافع ~~يفسره ما بعده، كقولك: أزيدا ضربت؟ وأزيد قام؟ ولا تقول: (هل زيدا ضربت؟) ~~ولا (هل زيد قائم؟) إلا على ضعف. # وإن شئت فقل: ليس في أدوات الاستفهام ما إذا اجتمع بعده الاسم والفعل ~~يليه الاسم في فصيح الكلام إلا الهمزة، فتقول: أزيد قام؟ ولا تقول: هل زيد ~~قام؟ # إلا في ضرورة، بل الفصيح: هل قام زيد؟ # ومنها أنها تقع مع (أم) المتصلة، ولا تقع مع (هل)، وأما المنقطعة فتقع ~~فيهما PageV02P348 # جميعا. فإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فهذا الموضع لا تقع فيه (هل) ما لم ~~تقصد إلى المنقطعة. ذكره ابن الحاجب. # ومنها أنها تدخل على الشرط، تقول: أإن أكرمتني أكرمتك. وإن تخرج أخرج ~~معك؟ أإن تضرب أضرب؟ ولا تقول: هل إن تخرج أخرج معك؟ # ومنها جواز حذفها، كقوله تعالى: (وتلك نعمة تمنها على) (1)، وقوله تعالى: # (هذا ربي) (2)، في أحد الأقوال، وقراءة ابن محيصن: (سواء عليهم أأنذرتهم) ~~(3). # ومنها زعم ابن الطراوة أنها لا تكون أبدا إلا معادلة أو في حكمها، بخلاف ~~غيرها، فتقول: أقام زيد أم قعد؟ ويجوز ألا يذكر المعادل، لأنه معلوم من ذكر ~~الضد. # ورد عليه الصفار وقال: لا فرق بينها وبين غيرها، فإنك إذا قلت: هل قام ~~زيد؟ # فالمعنى هل قام أم لم يقم؟ لأن السائل إنما يطلب اليقين، وذلك مطرد في ~~جميع أدوات الاستفهام. قال: وأما قوله: إنه عزيز في كلامهم لا يأتون لها ~~بمعادل فخطأ، بل هو أكثر من أن يحصر، قال تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا ") (4). (أفرأيت الذي تولى) (5). (أفرأيت اللات والعزى) (6). (أفرأيت ~~الذي كفر بآياتنا). # وهو كثير جدا. PageV02P349 # ومنها تقديمها على الواو وغيرها من حروف العطف، فتقول: (أفلم أكرمك؟) (أو ~~لم أحسن إليك؟)، قال الله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم)، وقال تعالى: # (أو كلما عاهدوا عهدا ") (1)، وقال تعالى: (أثم إذا ما وقع آمنتهم به)، ~~فتقدم الهمزة على ms0476 حروف العطف: الواو، والفاء، وثم. وكان القياس تأخيرها عن ~~العاطف، فيقال: (فألم أكرمك؟)، (وألم أحسن إليك؟) كما تقدم على سائر أدوات ~~الاستفهام، نحو قوله تعالى: (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم ~~رسوله)، وقوله تعالى: (أم هل تستوي الظلمات والنور) (4)، وقوله تعالى: # (فأين تذهبون)، فلا يجوز أن يؤخر العاطف عن شئ من هذه الأدوات، لأن أدوات ~~الاستفهام جزء من جملة الاستفهام، والعاطف لا يقدم عليه جزء من المعطوف، ~~وإنما خولف هذا في الهمزة، لأنها أصل أدوات الاستفهام، فأرادوا تقديمها ~~تنبيها على أنها الأصل في الاستفهام، لأن الاستفهام له صدر الكلام. # والزمخشري اضطرب كلامه، فتارة يجعل الهمزة في مثل هذا داخلة على محذوف ~~عطف عليه الجملة التي بعدها، فيقدر بينهما فعلا محذوفا تعطف الفاء عليه ما ~~بعدها، وتارة يجعلها متقدمة على العاطف كما ذكرناه، وهو الأولى. # وقد رد عليه في الأول بأن ثم مواضع لا يمكن فيها تقدير فعل قبلها، كقوله ~~تعالى: # (أو من ينشأ في الحلية) (6)، (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق) ~~(7)، (أفمن هو قائم) (7). PageV02P350 # وقال ابن خطيب زملكا (1): الأوجه أن يقدر محذوف بعد الهمزة قبل الفاء ~~تكون الفاء عاطفة عليه، ففي مثل قوله تعالى: (أفإن مات) لو صرح به لقيل: ~~(أتؤمنون به مدة حياته فإن مات ارتددتم فتخالفوا سنن اتباع الأنبياء قبلكم ~~في ثباتهم على ملك أنبيائهم بعد موتهم)؟ وهذا مذهب الزمخشري. # فائدة زعم ابن سيدة (3) في كلامه على إثبات الجمل أن كل فعل يستفهم عنه ~~ولا يكون إلا مستقبلا ". # ورد عليه الأعلم (4)، وقال: هذا باطل، ولم يمنع أحد: (هل قام زيد أمس؟) و ~~(هل أنت قائم أمس؟)، وقد قال تعالى: (فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) فهذا كله ~~ماض غير آت. # [الشرط] الثالث: الشرط، ويتعلق به قواعد. # القاعدة الأولى: المجازاة إنما تنعقد بين جملتين: PageV02P351 # أولاهما فعلية، لتلائم الشرط، مثل قوله تعالى: (يرد الله أن يهديه)، (كنت ~~جئت بآية) (2)، (استقر مكانه) (3)، (نرينك بعض الذي نعدهم) (4). # (يأتينكم مني هدى ") (5). # وثانيهما قد تكون اسمية، وقد تكون فعلية جازمة، ms0477 وغير جازمة، أو ظرفية أو ~~شرطية، كما يقال: (فأولئك يدخلون الجنة) (6). (شرح الله صدرة للإسلام) (7). # (فأت بآية) (8). (فسوف تراني) (9). (إلينا مرجعهم) (10). (فمن تبع هداي) ~~(11). # فإذا جمع بينهما وبين الشرط اتحدتا جملة واحدة، نحو قوله: (ومن يعمل من ~~الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة)، وقوله سبحانه: # (فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للإسلام) (13)، وقوله: (إن كنت جئت ~~بآية فأت بها) (14)، وقوله: (فإن استقر مكانه فسوف تراني)، وقوله: # (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم) (16)، وقوله: ~~(فإما يأتينكم منى هدى " فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)، فالأولى من جملة ~~المجازاة تسمى شرطا "، والثانية تسمى جزاء. # ويسمى المناطقة الأول مقدما والثاني تاليا. # فإذا انحل الرباط الواصل بين طرفي المجازاة عادة الكلام جملتين كما كان. ~~PageV02P352 # فإن قيل: فمن أي أنواع الكلام تكون هذه الجملة المنتظمة من الجملتين؟ # قلنا: قال صاحب " المستوفى " (1): العبرة في هذا بالتالي، إن كان التالي ~~قبل الانتظام جازما كان هذه الشرطية جازمة - أعني خبرا محضا - ولذلك جاز أن ~~توصل بها الموصولات، كما في قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة)، وإن لم يكن جازما لم تكن جازمة، بل إن كان التالي ~~أمرا، فهي في عداد الأمر، كقوله تعالى: (إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من ~~الصادقين) (3)، وإن كانت رجاء فهي في عداد الرجاء، كقوله تعالى: (فإن استقر ~~مكانه فسوف تراني) (4)، أي فهذا التسويف بالنسبة إلى المخاطب. فإن جعلت ~~(سوف) بمعنى (أمكن) كان الكلام خبرا صرفا "، فأما الفاء التي تلحق التالي ~~معقبة فللاحتياج إليها حيث لا يمكن أن يرتبط التالي بذاته ارتباطا، وذلك إن ~~كان افتتح بغير الفعل، كقوله: (فأينما تولوا فثم وجه الله) (5) وقوله ~~سبحانه: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (6)، لأن الاسم لا يدل على ~~الزمان فيجازي به. # وكذلك الحرف إن كان مفتتحا بالأمر، كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن ~~جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا) (7) لأن الأمر لا يناسب معناه الشرط، فإن كان ~~مفتتحا " بفعل ماض ms0478 أو مستقبل ارتبط بذاته، نحو قولك: (إن جئتني أكرمتك)، ~~ونحو قوله تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم) (8)، وكذا قوله: (وإن تعدل كل ~~عدل لا يؤخذ منها) (9)، لأن PageV02P353 # هذه كالجزء من الفعل، وتخطاها العامل، وليست ك‍ (إن) في قوله تعالى: (وإن ~~تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا " ابدا ") (1). # فإن قيل: فما الوجه في قوله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) ~~(2) وقوله: (ومن عاد فينتقم الله منه) (3)؟ # قلنا: الأظهر أن يكون كل واحد منهما محمولا " على الاسم، كما أن التقدير ~~(فأنتما قد صغت قلوبكما) و (فهو ينتقم الله منه)، يدلك على هذا أن (صغت) لو ~~جعل نفسه الجزاء للزم أن يكتسب من الشرط معنى الاستقبال، وهذا غير مسوغ ~~هنا. ولو جاز لجاز أن تقول: (أنما إن تتوبا إلى الله صغت - أو فصغت ~~قلوبكما) لكن المعنى: (إن تتوبا فبعد صغو من قلوبكما) ليتصور فيه معنى ~~الاستقبال، مع بقاء دلالة الفعل على الممكن، وأن (ينتقم) لو جعل وحده جزاء ~~لم يدل على تكرار الفعل كما هو الآن، والله أعلم بما أراد. # الثانية: أصل الشرط والجزاء أن يتوفق الثاني على الأول، بمعنى أن الشرط ~~إنما يستحق جوابه بوقوعه هو في نفسه، كقولك: (إن زرتني أحسنت إليك)، ~~فالإحسان إنما استحق بالزيارة، وقولك: (إن شكرتني زرتك)، فالزيارة إنما ~~استحقت بالشكر، هذا هو القاعدة. # وقد أورد على هذا آيات كريمات: # منها قوله تعالى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك) (4)، وهم عباده، عذبهم أو ~~رحمهم. PageV02P354 # وقوله: (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) (1)، وهو العزيز الحكيم، ~~غفر لهم أو لم يغفر لهم. # وقوله: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما)، وصغوا القلوب هنا لأمر قد ~~وقع، فليس بمتوقف على ثبوته. # والجواب أن هذه في الحقيقة ليست أجوبة، وإنما جاءت عن الأجوبة المحذوفة، ~~لكونها أسبابا لها. # فقوله: (فإنهم عبادك) (1)، الجواب في الحقيقة: فتحكم فيمن يحق لك التحكم ~~فيه، وذكر العبودية التي هي سبب القدرة. # وقوله: (وإن تغفر) (1) فالجواب: فأنت متفضل عليهم، بألا تجازيهم بذنوبهم ~~فكمالك غير مفتقر إلى شئ، فإنك أنت ms0479 العزيز الحكيم. # وقال صاحب " المستوفى ": اعلم أن المجازاة لا يجب فيها أن يكون الجزاء ~~موقوفا " على الشرط أبدا، ولا أن يكون الشرط موقوفا " على الجزاء أبدا، ~~بحيث يمكن وجوده، ولا أن تكون نسبة الشرط دائما إلى الجزاء نسبة السبب إلى ~~المسبب، بل الواجب فيها أن يكون الشرط بحيث إذا فرض حاصلا " لزم مع حصوله ~~حصول الجزاء، سواء كان الجزاء قد يقع، لامن جهة وقوع الشرط، كقول الطبيب: ~~من استحم بالماء البارد احتقنت الحرارة باطن جسده، لأن احتقان الحرارة قد ~~يكون لا عن ذلك، أو لم يكن كذلك، كقولك: إن كانت الشمس طالعة كان النهار ~~موجودا ". # وسواء كان الشرط ممكنا في نفسه كالأمثلة السابقة، أو مستحيلا، كما في ~~قوله تعالى: PageV02P355 # (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) (1). # وسواء كان الشرط سببا في الجزاء ووصله إليه، كقوله تعالى: (وإن تؤمنوا ~~وتتقوا يؤتكم أجوركم) أو كان الأمر بالعكس، كقوله: (ما أصابك من حسنه فمن ~~الله) (3)، أو كان لا هذا ولا ذاك، فلا يقع إلا مجرد الدلالة على اقتران ~~أحدهما بالآخر، كقوله تعالى: (وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذن أبدا ") ~~(4) إذ لا يجوز أن تكون الدعوة سببا " للضلال ومفضية إليه، ولا أن يكون ~~الضلال مفضيا إلى الدعوة. # وقد يمكن أن يحمل على هذا قوله تعالى: (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء) ~~(5). # وعلى هذا ما يكون من باب قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح ~~مثله) (6) فإن التأويل (إن يمسسكم قرح فمع اعتبار قرح قد مسهم قبل). والله ~~أعلم بمراده. # الثالثة: أنه لا يتعلق إلا بمستقبل، فإن كان ماضي اللفظ كان مستقبل ~~المعنى، كقولك: # (إن مت على الاسلام دخلت الجنة). ثم للنجاة فيه تقديران: # أحدهما: أن الفعل يغير لفظا لا معنى فكأن الأصل: (إن تمت مسلما تدخل ~~الجنة)، فغير لفظ المضارع إلى الماضي تنزيلا " له منزلة المحقق. # والثاني: أنه تغير معنى، وأن حرف الشرط لما دخل عليه قلب معناه إلى ~~الاستقبال، وبقي لفظه على حاله. PageV02P356 # والأول أسهل، لأن تغيير اللفظ أسهل من ms0480 تغيير المعنى. # وذهب المبرد إلى فعل الشرط إذا كان لفظ (كان) بقي على حاله من المضي، لأن ~~(كان) جردت عنده للدلالة على الزمن الماضي فلم تغيرها أدوات الشرط. وقال: ~~إن (كان) مخالفة في هذا الحكم لسائر الأفعال، وجعل منه قوله تعالى: (إن كنت ~~قلته) (وإن كان قميصه) (2). # والجمهور على المنع، وتأولوا ذلك، ثم اختلفوا: # فقال ابن عصفور والشلوبين وغيرهما: إن حرف الشرط دخل على فعل مستقبل ~~محذوف، أي إن أكن كنت قلته، أي إن أكن فيما يستقبل موصوفا بأني كنت قلته ~~فقد علمته. ففعل الشرط محذوف مع هذا، وليست (كان) المذكورة بعدها هي فعل ~~الشرط. # قال ابن الضائع: وهذا تكلف لا يحتاج إليه، بل (كنت) بعد (إن) مقلوبة ~~المعنى إلى الاستقبال، ومعنى (إن كنت) (إن أكن)، فليست هذه التي بعدها هي ~~التي يراد بها الاستقبال، لا أخرى محذوفة، وأبطلوا مذهب المبرد بأن (كان) ~~بعد أداة الشرط في غير هذا الموضع قد جاءت مرادا " بها الاستقبال، كقوله ~~تعالى: (وإن كنت جنبا " فاطهروا). # وقد نبه في " التسهيل " (4) في باب الجوازم على أن فعل الشرط لا يكون إلا ~~مستقبل المعنى، واختار في (كان) مذهب الجمهور، إذ قال: ولا يكون الشرط غير ~~مستقبل المعنى بلفظ (كان) أو غيرها إلا مؤولا ". PageV02P357 # واستدرك عليه (لو) (ولما) الشرطيتين، فإن الفعل بعدهما لا يكون إلا ماضيا ~~" فتعين استثناؤه من قوله: (لا يكون إلا مستقبل المعنى). # وأما قوله تعالى: (إنا أحللنا لك أزواجك) إلى (إن وهبت) (1) فوقع فيها ~~(أحللنا) المنطوق به أو المقدر، على القولين، جواب الشرط، مع كون الإحلال ~~قديما "، فهو ماض. وجوابه أن المراد: (إن وهبت فقد حلت)، فجواب الشرط حقيقة ~~الحل المفهوم من الإحلال لا الإحلال نفسه، وهذا كما أن الظرف من قولك: (قم ~~غدا) ليس هو لفعل الأمر، بل للقيام المفهوم منه. # وقال البيانيون: يجئ فعل الشرط ماضي اللفظ لأسباب: # منها: إيهام جعل غير الحاصل كالحاصل، كقوله تعالى: (وإذا رأيت ثم رأيت ~~نعيما ") (2). # ومنها: إظهار الرغبة من المتكلم في وقوعه، كقولهم: (إن ظفرت بحسن العاقبة ms0481 ~~فذاك)، وعليه قوله تعالى: (إن أردن تحصنا ") (3)، أي امتناعا من الزنا، جئ ~~بلفظ الماضي ولم يقل (يردن) إظهارا لتوفير رضا الله، ورغبة في إرادتهن ~~التحصين. # ومنها: التعريض، بأن يخاطب واحدا ومراده غيره، كقوله تعالى: (لئن أشركت ~~ليحبطن عملك). PageV02P358 # الرابعة: جواب الشرط أصله الفعل المستقبل، وقد يقع ماضيا، لا على أنه ~~جواب في الحقيقة، نحو: (إن أكرمتك فقد أكرمتني) اكتفاء بالموجود عن ~~المعدوم. # ومثله قوله تعالى: (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) (1)، ومس القرح ~~قد وقع بهم، والمعنى: إن يؤلمكم ما نزل بكم فيؤلمهم ما وقع، فالمقصود ذكر ~~الألم الواقع لجميعهم، فوقع الشرط والجزاء على الألم. # وأما قوله تعالى: (إن كنت قلته فقد علمته) (2)، فعلى وقوع الماضي موقع ~~المستقبل فيهما، دليله قوله تعالى: (ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق)، ~~أي: (إن كنت قلته) (تكن قد علمته) وهو عدول إلى الجواب إلى ما هو أبدع منه ~~كما سبق. # وأما قوله تعالى: (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) (3)، فالمعنى - ~~والله أعلم -: (ما أنت بمصدق لنا ولو ظهرت لك براءتنا، بتفضيلك إياه ~~علينا)، وقد أتوه بدلائل كاذبة ولم يصدقهم، وقرعوه بقولهم: (إنك لفي ضلالك ~~القديم) (4)، وإجماعهم على إرادة قتله، ثم رميهم له في الجب أكبر من قولهم: ~~(ولو كنا صادقين) (3) عندك. # الخامسة: أدوات الشرط: حروف، وهي (إن)، وأسماء مضمنة معناها. # ثم منها ما ليس بظرف، كمن، وما، وأي، ومهما. وأسماء هي ظروف: أين، ~~وأينما، ومتى، وحيثما، وإذ ما. PageV02P359 # وأقواها دلالة على الشرط دلالة (إن) لبسطتها، ولهذا كانت أم الباب. # وما سواها فمركب من معنى (إن) وزيادة معه، فمن معناه كل في حكم إن، وما ~~معناه كل شئ إن، وأينما وحيثما يدلان على المكان وعلى إن، وإذ ما ومن يدلان ~~على الشرط والزمان. # وقد تدخل (ما) على (إن) وهي أبلغ في الشرط من (إن) ولذلك تتلقى بالنون ~~المبني عليها المضارع، نحو: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ) (1)، وقوله ~~تعالى: # (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) (2). # ومما ضمن معنى ms0482 الشرط (إذا)، وهي ك‍ (إن)، ويفترقان في أن (إن) تستعمل في ~~المحتمل المشكوك فيه، ولهذا يقبح: إن احمر البسر كان كذا، وإن انتصف النهار ~~آتك، وتكون (إذا) للجزم، فوقوعه، إما تحقيقا نحو: إذا أطلعت الشمس كان كذا، ~~أو اعتبارا كما سنذكره. # قال ابن الضائع: ولذلك إذا قيل: (إذا احمر البسر فأنت طالق) وقع الطلاق ~~في الحال عند مالك، لأنه شئ لابد منه، وإنما يتوقف على السبب الذي قد يكون ~~وقد لا يكون، وهذا هو الأصل فيهما. # وقد تستعمل (إن) في مقام الجزم لأسباب: # منها أن تأتي على طريقة وضع الشرطي المتصل الذي يوضع شرطه تقديرا لتبيين ~~PageV02P360 # مشروطة تحقيقا، كقوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد) (1)، وقوله تعالى: # (لو كان فيهما آلهة إلا الله) (2)، وقوله تعالى: (قل لو كان معه آلهة) ~~(3). # ومنها أن تأتي على طريق تبيين الحال، على وجه يأنس به المخاطب، وإظهارا ~~للتناصف في الكلام، كقوله تعالى: (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن ~~اهتديت فبما يوحى إلي ربي) (4). # ومنها تصوير أن المقام لا يصلح إلا بمجرد فرض الشرط، كفرض الشئ المستحيل، ~~كقوله تعالى: (ولو سمعوا ما استجابوا لكم) (5)، والضمير للأصنام. ويحتمل ~~منه ما سبق فيه قوله تعالى: (إن كان للرحمن ولد) (1). # ومنها لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب مدلول الشرط وأنه واجب الانتفاء، ~~حقيق ألا يكون، كقوله تعالى: (أفنضرب عنكم الذكر صفحا " إن كنتم قوما " ~~مسرفين)، فيمن يكسر (إن)، فاستعملت (إن) في مقام الجزم، بكونهم (مسرفين) ~~لتصور أن الإسراف ينبغي أن يكون منتفيا، فأجراه لذلك مجرى المحتمل المشكوك. # ومنها تنبيه المخاطب وتهييجه، كقوله تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا لله ان كنتم إياه تعبدون) (7)، والمعنى عبادتكم لله تستلزم شكركم ~~له، فإن كنتم ملتزمين عبادته فكلوا من رزقه واشكروه، وهذا كثيرا ما يورد في ~~الحجاج والإلزام، تقول: (إن كان لقاء الله حقا فاستعد له). # وكذا قوله تعالى: (إن كنتم بآياته مؤمنين). PageV02P361 # ومنها التغليب، كقوله تعالى: (إن كنتم في ريب من البعث) (1)، وقوله ~~تعالى: # (وإن كنتم في ريب مما ms0483 نزلنا على عبدنا) (2)، فاستعمل (إن) مع تحقق ~~الارتياب منهم، لأن الكل لم يكونوا مرتابين فغلب غير المرتابين منهم على ~~المرتابين، لأن صدور الارتياب من غير الارتياب مشكوك في كونه، فلذلك استعمل ~~(إن) على حد قوله: (إن عدنا في ملتكم) (3). # واعلم (أن) لأجل أنها لا تستعمل إلا في المعاني المحتملة كان جوابها ~~معلقا على ما يحتمل أن يكون وألا يكون، فيختار فيه أن يكون بلفظ المضارع ~~المحتمل للوقوع و عدمه، ليطابق اللفظ والمعنى، فإن عدل عن المضارع إلى ~~الماضي لم يعدل الا لنكتة، كقوله تعالى: # (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ~~وودوا لو تكفرون) (4)، فاتى الجواب مضارعا، وهو (يكونوا) وما عطف عليه، وهو ~~(يبسطوا) مضارعا أيضا "، وأنه قد عطف عليه (ودوا) بلفظ الماضي، وكان قياسه ~~المضارع، لأن المعطوف على الجواب جواب، ولكنه لما لم يحتمل ودادتهم لكفرهم ~~من الشك فيها ما يحتمله أنهم إذا ثقفوهم فقال صاروا لهم أعداء، وبسطوا ~~أيديهم إليهم بالقتل، وألسنتهم بالشتم أتى فيه يلفظ الماضي، لأن ودادتهم في ~~ذلك مقطوع بها، وكونهم أعداء وباسطي الأيدي والألسن بالسوء مشكوك، لاحتمال ~~أن يعرض ما يصدهم عنه، فلم يتحقق وقوعه. # وأما (إذا) فلما كانت في المعاني المحققة غلب لفظ الماضي معها، لكونه أدل ~~على الوقوع باعتبار لفظه في المضارع، قال تعالى: (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا ~~لنا هذه وإن PageV02P362 # تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) بلفظ الماضي مع (إذا) في جواب الحسنة ~~حيث أريد مطلق الحسنة، لا نوع منها، ولهذا عرفت تعريف العهد، ولم تنكر كما ~~نكر المراد به نوع منها في قوله تعالى: (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند ~~الله)، وكما نكر الفعل حيث أريد به نوع في قوله تعالى: (ولئن أصابكم فضل من ~~الله)، (3) وبلفظ المضارع مع (إن) في جانب السيئة وتنكيرها بقصد النوع. # وقال تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم إذا هم يقنطون) (4) لفظ الماضي مع (إذا) والمضارع مع (إن) إلا أنه ~~نكرت الرحمة ليطابق معنى ms0484 الإذاقة بقصد نوع منها، والسيئة بقصد النوع أيضا ~~". # ومن ذلك قوله تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه) (5) ~~أتى بإذا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا "، بخلاف قوله تعالى: (لا ~~يسأم الانسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط) فإنه لم يقيد مس الشر ~~هاهنا، بل أطلقه. # وكذلك قوله تعالى: (وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونأى ثنا بجانبه وإذا ~~مسه الشر كان يؤوسا ")، فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الضر له، فكان ~~الإتيان بإذا أدل على المقصود من (إن)، بخلاف قوله تعالى: (وإذا مسه الشر ~~فذو دعاء عريض) (8)، فإنه لقلة صبره وضعف احتماله في موقع الشر أعرض، ~~والحال في الدعاء، فإذا تحقق وقوعه كان يؤوسا "، وأما قوله: (إن امرؤ هلك) ~~(9) مع أن الهلاك محقق، لكن جهل وقته، فلذلك جئ (بإن). PageV02P363 # ومثله قوله تعالى: (أفإن مات أو قتل) (1)، فأتى بإن المقتضية للشك، ~~والموت أمر محقق، ولكن وقته معلوم، فأورد مورد المشكوك فيه، المتردد بين ~~الموت والقتل. # وأما قوله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) (2) مع أن ~~مشيئة الله محققه، فجاء على تعليم الناس كيف يقولون، وهم يقولون في كل شئ ~~على جهة الاتباع، لقوله تعالى: (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا ". إلا أن ~~يشاء الله) (3) فيقول الرجل في كل شئ: إن شاء الله، على مخبر به، مقطوعا أو ~~غير مقطوع، وذلك سنة متبعة. # ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون). ويحتمل ~~أن تكون للإبهام في وقت اللحوق متى يكون. # تنبيه: سكت البيانيون عما عدا (إذا) و (إن)، والحق صاحب " البسيط " (4) ~~وابن الحاجب (متى) بأن قال: لا تقول: متى طلعت الشمس؟ مما علم أنه كائن، بل ~~بقول: متى تخرج أخرج. وقال الزمخشري في الفصل بين متى وإذ: إن (متى) للوقت ~~المهم و (إذا) للمعين، لأنهما ظرفا زمان، ولابهام (متى) جزم بها دون (إذا). # السادسة: قد يعلق الشرط بفعل محال يستلزمه محال آخر، وتصدق الشرطية دون ~~PageV02P364 # مغرديها، ms0485 أما صدقها فلاستلزام المحال، وأما كذب مفرديها فلاستحالتهما. # وعليه قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) (1). # وقوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (2). # وقوله تعالى: (قل لو كان معه آلهة كما يقولون...) الآية. # وفائدة الربط بالشرط في مثل هذا أمران: أحدهما بيان استلزام إحدى ~~القضيتين للأخرى، والثاني أن اللازم منتف، فالملزوم كذلك. # وقد تبين بهذا أن الشرط يعلق به المحقق الثبوت، والممتنع الثبوت و الممكن ~~الثبوت. # السابعة: الاستفهام إذا دخل على الشرط، كقوله تعالى: (أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم) (4)، وقوله تعالى: (أفإن مت فهم الخالدون) (5)، ونظائره، فالهمزة ~~في موضعها، ودخولها على أداة الشرط. والفعل الثاني الذي هو جزاء الشرط ليس ~~جزاء للشرط، وإنما هو المستفهم عنه، والهمزة داخله عليه تقديرا، فينوي به ~~التقديم، وحينئذ فلا يكون جوابا، بل الجواب محذوف، والتقدير عنده: ~~(أأنقلبتم أعقابكم إن مات محمد؟)، لأن الغرض إنكار انقلابهم على أعقابهم ~~بعد موته. # ويقول يونس: قال كثير من النحويين، إنهم يقولون: ألف الاستفهام دخلت في ~~غير موضعها، لأن الغرض إنما هو: (أتنقلبون إن مات محمد). # وقال أبو البقاء: (قال يونس: الهمزة في مثل هذا أحقها أن تدخل على جواب ~~PageV02P365 # الشرط، تقديره: أتنقلبون [على أعقابكم] (1) إن مات محمد؟ لأن الغرض ~~التنبيه أو التوبيخ على هذا الفعل المشروط، ومذهب سيبويه الحق لوجهين: ~~أحدهما أنك لو قدمت الجواب لم يكن للفاء وجه، إذ لا يصح أن تقول: أتزورني ~~فإن زرتك، ومنه قوله: (أفإن مت فهم الخالدون) (2). والثاني أن الهمزة لها ~~صدر الكلام، و (إن) لها صدر الكلام، فقد وقعا في موضعهما، والمعنى يتم ~~بدخول الهمزة على جملة الشرط و الجواب، لأنهما كالشئ الواحد. (3) انتهى. # وقد رد النحويون على يونس بقوله: (أفإن مت فهم الخالدون) (2)، لا يجوز في ~~(فهم) أن ينوي به التقديم، لأنه يصير التقدير: (أفهم الخالدون فإن مت؟)، ~~وذلك لا يجوز، لئلا يبقى الشرط بلا جواب، إذ لا يتصور أن يكون الجواب ~~محذوفا يدل عليه ما قبله، لأن الفاء المتصلة بأن تمنعه من ذلك، ولهذا ms0486 ~~يقولون: (أنت ظالم إن فعلت)، ولا يقولون: (أنت ظالم فإن فعلت)، فدل ذلك على ~~أن أدوات الاستفهام إنما دخلت لفظا وتقديرا على جملة الشرط والجواب. # الثامنة: إذا تقدم أداة الشرط جملة تصلح أن تكون جزاء، ثم ذكر فعل الشرط ~~ولم يذكر له جواب، نحو: (أقوم إن قمت)، (وأنت طالق إن دخلت الدار)، فلا ~~تقدير عند الكوفيين، بل المقدم هو جواب، وعند البصريين دليل الجواب. # والصحيح هو الأول، لأن الفاء لا تدخل عليه، ولو كان جوابا " لدخلت، ولأنه ~~لو كان مقدما " من تأخير لما افترق المعنيان، وهما مفترقان، ففي التقدم بني ~~الكلام على الخبر PageV02P366 # ثم طرأ التوقف، وفي التأخير بني الكلام من أوله على الشرط، كذا قاله ابن ~~السراج وتابعه ابن مالك وغيره. # وتوزعا في ذلك، بل مع التقديم الكلام مبني على الشرط، كما لو قال: (له ~~على عشرة إلا درهما) فإنه لم يقر بالعشرة، ثم أنكر منها درهما، ولو كان ~~كذلك لم ينفعه الاستثناء. ثم زعم ابن السراج أن ذلك لا يقع إلا في الضرورة، ~~وهو مردود بوقوعه في القرآن، كقوله: (و اشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون). # التاسعة: إذا دخل على أداة الشرط واو الحال لم يحتج إلى جواب، نحو: أحسن ~~إلى زيد وإن كفرك، واشكره وإن أساء إليك، أي أحسن إليه كافرا " لك، واشكره ~~مسيئا " إليك. # فإن أجيب الشرط كانت الواو عاطفة، لا للحال، نحو: أحسن إليه، وإن كفرك ~~فلا تدع الإحسان إليه، واشكره وإن أساء إليك فأقم على شكره. ولو كانت الواو ~~هنا للحال لم يكن هناك جواب. # قال ابن جني: وإنما كان كذلك، لأن الحال فضله، وأصل وضع الفضلة أن تكون ~~مفردا "، كالظرف والمصدر والمفعول به، فلما كان كذلك لم يجب الشرط إذا وقع ~~موقع الحال، لأنه لو أجيب لصار جملة، والحال إنما هي فضله، فالمفرد أولى ~~بها من الجملة، والشرط وإن كان جملة فإنه يجري عندهم مجرى الآحاد، من حيث ~~كان محتاجا إلى جوابه احتياج المبتدأ إلى الخبر. PageV02P367 # العاشرة: الشرط والجزاء لابد أن يتغاير لفظا، ms0487 وقد يتحدان، فيحتاج إلى ~~التأويل، كقوله: (إلا من تاب وآمن)، والآية التي تليها: (ومن تاب وعمل ~~صالحا ") ثم قال: (فإنه يتوب إلى الله متابا ")، فقيل على حذف الفعل، أي من ~~أراد التوبة فإن التوبة معرضة له، لا يحول بينه بينها حائل. ومثله: (فإذا ~~قرأت القرآن) أي أردت. ويدل لهذا تأكيد التوبة بالمصدر. # وأما قوله تعالى: (جزاءه من وجد في رحلة فهو جزاؤه)، فقال الزمخشري: # يجوز أن يكون (جزاؤه) مبتدأ، والجملة الشرطية كما هي خبره، على إقامة ~~الظاهر مقام المضمر، والأصل، (جزاؤه من وجد في رحلة فهو هو) فوضع الجزاء ~~موضع (هو). # وقوله: (من يهد الله فهو المهتدي)، قدره ابن عباس: (من يرد الله هدايته)، ~~لئلا يتحد الشرط والجزاء. # ومثله قوله تعالى: (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) وقد سبق فيها أقوال ~~كثيرة. # وقد يتقاربان في المعنى، كقوله تعالى: (ربنا إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته) وقوله: (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز)، وقوله (ومن يبخل ~~فإنما يبخل عن نفسه). PageV02P368 # والنكتة في ذلك كله تفخيم الجزاء، والمعنى أن الجزاء هو الكامل البالغ ~~النهاية، يعني: # من يبخل في أداء ربع العشر فقد بالغ في البخل، وكان هو البخيل في ~~الحقيقة. # الحادية عشرة: في اعتراض الشرط على الشرط، وقد عدوا من ذلك آيات شريفة، ~~بعضها مستقيم، وبعضها بخلافه. # الآية الأولى: قوله تعالى: (فأما إن كان من المقربين. فروح وريحان...) ~~الآية. # قال الفارسي: قد اجتمع هنا شرطان وجواب واحد، فليس يخلو: إما أن يكون ~~جوابا " لأما، أو لإن، ولا يجوز أن يكون جوابا " لهما، لأنا لم نر شرطين ~~لهما جواب واحد، ولو كان هذا لجاز شرط واحد له جوابان، ولا يجوز أن يكون ~~جوابا " لإن دون (أما)، لأن (أما) لم تستعمل بغير جواب، فجعل جوابا " لأما، ~~فتجعل (أما) وما بعدها جوابا " لإن. # وتابعه ابن مالك في كون الجواب لأما. # وقد سبقهما إليه امام الصناعة سيبويه. ونازع بعض المتأخرين في عد هذه ~~الآية من هذا، قال: وليس من الاعتراض أن يقرن الثاني بفاء ms0488 الجواب لفظا "، ~~نحو إن تكلم زيد فإن أجاد فأحسن إليه، لأن الشرط الثاني، وجوابه جواب ~~الأول. أو يقرن بفاء الجواب تقديرا " كهذه الآية الشريفة، لأن الأصل عند ~~النجاة: (مهما يكن من شئ، فإن كان المتوفى من المقربين فجزاؤه روح)، فحذف ~~(مهما) وجملة شرطها، وأنيب عنها (أما) PageV02P369 # فصار (أما، فأن كان) مفردا " من ذلك لوجهين: أحدهما أن الجواب لا يلي ~~أداة الشرط بغير فاصل، وثانيهما أن الفاء في الأصل للعطف، فحقها أن تقع بين ~~سببين، وهما المتعاطفان، فلما أخرجوها من باب العطف، حفظوا عليها المعنى ~~الاخر، وهو التوسط، فوجب أن يقدم شئ مما في حيزها عليها اصلاحا " للفظ، ~~فقدمت جملة الشرط الثاني، لأنها كالجزاء الواحد، كما قدم المفعول في قوله ~~تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر)، فصار (فأما إن كان من المقربين. فروح)، ~~فحذفت الفاء التي في جواب (إن) لئلا يلتقي فاءان. # فتخلص أن جواب (أما) ليس محذوفا "، بل مقدما بعضه على الفاء، فلا اعتراض. # الآية الثانية: قوله تعالى عن نوح: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم ~~إن كان الله يريد أن يغويكم)، وإنما يكون من هذا لو كان (لا ينفعكم يضحي) ~~مؤخرا " بعد الشرطين، أو لازما أن يقدر كذلك، وكلا الأمرين منتف. # أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن (لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم) ~~جملة تامة، أما على مذهب الكوفيين فمن شرط مؤخر وجزاء مقدم، وأما على مذهب ~~البصريين فالمقدم دليل الجزاء، والمدلول عليه محذوف فيقدر بعد شرطه، فلم ~~يقع الشرط الثاني معترضا، لأن المراد بالمعترض ما اعترض بين الشرط وجوابه، ~~وهنا ليس كذلك، فإن على مذهب الكوفيين لا حذف، والجواب مقدم، وعلى قول ~~البصريين الحذف بين الشرطين. PageV02P370 # وهنا فائدة، وهي أنه لم عدل عن (إن نصحت) (إن أردت أن أنصح)؟ # وكأنه - والله أعلم - أدب مع الله تعالى، حيث أراد الإغواء. # وقد أحسن الزمخشري فلم يأت بلفظ الاعتراض في الآية، بل سماه مرادفا، وهو ~~صحيح، وقال: إن قوله تعالى: (إن كان الله يريد أن يغويكم)، جزاؤه ما ms0489 دل ~~عليه قوله: (ولا ينفعكم نصحي). # وجعل ابن مالك تقدير الآية: (إن أردت أن أنصح لكم) مرادا ذلك منكم، لا ~~ينفعكم نصحي، وهو يجعله من باب الاعتراض، وفيه ما ذكرنا. # الآية الثالثة: قوله تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي...) ~~الآية، وهي كالتي قبلها لتقدم الجزاء أو دليله على الشرطين، فالاحتمال فيها ~~كما قدمنا. # وقال الزمخشري: (شرط في الإحلال هبتها نفسها، وفي الهبة إرادة الاستنكاح، ~~كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت نفسها لك، وأنت تريد أن تنكحها، لأن ارادته ~~هي قبول الهبة، وما به تم). # وحاصله أن الشرط الثاني مقيد للأول. # ويحتمل أن يكون من الاعتراض، كأنه قال: إن وهبت نفسها، إن أراد النبي، ~~أحللناها، فيكون جوابا للأول، ويقدر جواب الثاني محذوفا. # الآية الرابعة: قوله تعالى: (يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن ~~كنتم PageV02P371 # مسلمين)، وغلط من جعلها من الاعتراض، لأن الشرط الأول اقترن بجوابه، ثم ~~أتى بالثاني بعد ذلك، وإذا ذكر جواب الثاني تاليا " له فأي إعتراض هنا؟ ~~لهذا قال المجوزون لهذه المسألة: إن الجواب المذكور للأول، وجواب الثاني ~~محذوف لدلالة الأول وجوابه عليه، والتقدير في الآية: (إن كنتم مسلمين فإن ~~كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا)، فحذف الجواب لدلالة السابق عليه. # الآية الخامسة: قوله تعالى: (وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم ~~أموالكم. إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا)، وكلام ابن مالك يقتضي أنها من ~~الاعتراض، وليس كذلك، بل عطف هل الشرط على فعل آخر. # الآية السادسة: قوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) إلى قوله: ~~(لعذبنا) وهذه الآية هي العمدة في هذا الباب، فالشرطان وهما (لولا)، و (لو) ~~قد اعترضا، وليس معهما إلا جوابا واحدا، وهو متأخر عنهما وهو (لعذبنا). # الآية السابعة: قوله تعالى: (إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا " الوصية) ~~وهذه تأتي على مذهب الأخفش، فإنه يزعم أن قوله تعالى: (الوصية) على تقدير ~~الفاء، أي (فالوصية)، فعلى هذا يكون مما نحن فيه. فأما إذا رفعت (الوصية) ~~ب‍ (كتب) فهي كالآيات السابقة في حذف الجوابين. PageV02P372 # تنبيه [في ms0490 ضابط اعتراض الشرط على الشرط] ذكر بعضهم ضابطا في هذه المسألة ~~فقال: إذا دخل الشرط على الشرط، فإن كان الثاني بالفاء فالجواب المذكور ~~جوابه، وهو وجوابه جواب الشرط الأول، كقوله تعالى: # (فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم). # وإن كان بغير الفاء، فإن كان الثاني متأخرا " في الوجود عن الأول، كان ~~مقدر بالفاء وتكون الفاء جواب الأول، والجواب المذكور جواب الثاني، نحو (إن ~~دخلت المسجد إن صليت فيه فلك أجر) تقديره: (فإن صليت فيه) فحذفت الفاء ~~لدلالة الكلام عليها. # وإن كان الثاني متقدما في الوجود على الأول، فهو في نية التقديم وما قبله ~~جوابه، والفاء مقدرة فيه، كقوله تعالى: (ولا ينفعكم نصحي)، تقديره: (إن ~~أراد الله أن يغويكم، فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي). # وأما إن لم يكن أحدهما متقدما في الوجود، وكان كل واحد منهما صالحا لأن ~~يكون هو المتقدم، والآخر متأخرا، كقوله تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت) كان ~~الحكم راجعا إلى التقدير والنية، فأيهما قدرته الشرط كان الآخر جوابا له. # وإن كان مقدرا " بالفاء كان المتقدم في اللفظ أو المتأخر، فإن قدرنا ~~الهبة شرطا كانت الإرادة جوابا "، ويكون التقدير: (أن وهبت نفسها للنبي فإن ~~أراد النبي أن يستنكحها. # وإن قدرنا الإرادة شرطا " كانت الهبة جزاء، وكان التقدير: إن أراد النبي ~~أن يستنكحها فإن وهبت نفسها للنبي). PageV02P373 # وعلى كلا التقديرين، فجواب الشرط الذي هو الجواب محذوف، والتقدير: (فهي ~~حلال لك). وقس عليه ما يرد عليك من هذا الباب. # فائدة [قد يسمى الشرط يمينا] قال ابن حني في كتاب " القد ": يجوز أن يسمى ~~الشرط يمينا، لأن كل واحد منهما مذكور لما بعده، وهو جملة مضمومه إلى أخرى، ~~وقد جرت الجملتان مجرى الجملة الواحدة، فمن هنا يجوز أن يسمى الشرط يمينا، ~~ألا ترى أن كل واحد منهما مذكور لما بعده! # القسم وجوابه وهما جملتان بمنزلة الشرط وجوابه، وسنتكلم عليه في الأساليب ~~إن شاء الله تعالى في باب التأكيد والقسم لفظه لفظ الخبر، ومعناه الانشاء ~~والالتزام بفعل ms0491 المحلوف عليه أو تركه، وليس باخبار عن شئ وقع أو لا يقع، ~~وإن كان لفظه المضي أو الاستقبال. وفائدته تحقق الجواب عند السامع وتأكده ~~إلى ليزول عنه التردد فيه. # [الأمر] الأمر حيث وقع في القرآن كان بغير الحرف كقوله تعالى: (وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة) (ادخلوا مساكنكم)، (اخرجوا من دياركم)، (كلوا من ~~ثمره). PageV02P374 # وجاء بالحرف في مواضع يسيرة على قراءة بعضهم: (فبذلك فلتفرحوا) ووجهه أنه ~~من باب حمل المخاطب على الغائب إلى الخطاب، فكأنه لا غائب كان ولا حاضر، ~~وذلك لأن قوله تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا) فيه خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين، وخطاب الله تعالى مع النبي للمؤمنين ~~كخطاب الله تعالى لهم، فكأنهما اتحدا في الحكم ووجود الاستماع والاتباع، ~~فصار المؤمنون كأنهم مخاطبون في المعنى، فأتى بالأم كأنه يأمر قوما غيبا، ~~وبالتاء للخطاب كأنه يأمر حضورا. ويؤيد هذا قوله تعالى في أول الآية: (يا ~~أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم...) الآية، فصار المؤمنون مخاطبين، ثم ~~قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك) ينبغي أن يكون ~~فرحهم، فصاروا مخاطبين من وجه دون وجه. # ونظيره: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) إلا أن ذلك جعل في كلمتين ~~وحالتين، وهذا في كلمة واحدة. # ومنها قوله تعالى: (اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد). # ومنها قوله تعالى: (ليقض علينا ربك). # النفي هو شطر الكلام كله، لأن الكلام إما إثبات أو نفي، وفيه قواعد: ~~PageV02P375 # الأولى: في الفرق بينه وبين الجحد، قال ابن الشجري: إن كان النافي صادقا ~~فيما قاله، سمي كلامه نفيا "، وإن كان يعلم كذب ما نفاه كان جحدا، فالنفي ~~أعم، لإن كل جحد نفي من غير عكس، فيجوز أن يسمى الجحد نفيا "، لأن النفي ~~أعم، ولا يجوز أن يسمى النفي جحدا. # فمن النفي: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم). # ومن الجحد نفي فرعون وقومه آيات موسى عليه السلام، قال الله تعالى: (فلما ~~جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين. وجحدوا بها ms0492 واستيقنتها أنفسهم ~~ظلما " وعلوا)، أي وهم يعلمون أنها من عند الله. # وكذلك إخبار الله عمن كفر من أهل الكتاب: (ما جاءنا من بشير ولا نذير) ~~فأكذبهم الله بقوله: (أنظر كيف كذبوا على أنفسهم). # وقوله: (يحلفون بالله ما قالوا)، فأكذبهم الله بقوله: (ولقد قالوا كلمة ~~الكفر). # قال: ومن العلماء من لا يفرق بينهما، والأصل ما ذكرته. # الثانية: زعم بعضهم أن من شرط صحة النفي عن الشئ صحة اتصاف المنفي عنه ~~بذلك PageV02P376 # الشئ، ومن ثم قال بعض الحنفية: إن النهي عن الشئ يقتضي الصحة، وذلك باطل، ~~بقوله تعالى: (وما الله بغافل عما يعملون)، (وما كان ربك نسيا)، (لا تأخذه ~~سنة ولا نوم)، (وهو يطعم ولا يطعم)، ونظائره. # والصواب أن انتفاء الشئ عن الشئ قد يكون لكونه لا يمكن منه عقلا "، وقد ~~يكون لكونه لا يقع منه مع إمكانه، فنفى الشئ عن الشئ لا يستلزم إمكانه. # الثالثة: المنفي ما ولى حرف النفي، فإذا قلت: (ما ضربت زيدا) كنت نافيا " ~~للفعل الذي هو ضربك إياه، وإذا قلت: (ما أنا ضربته) كنت نافيا لفاعليتك ~~للضرب. # فإن قلت: الصورتان دلتا على نفي الضرب، فما الفرق بينهما؟. # قلت. من وجهين: # أحدهما: أن الأولى نفت ضربا " خاصا، وهو ضرك إياه، ولم تدل على وقوع ضرب ~~غيرك ولا عدمه، إذا نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ولا ثبوته. والثانية نفت ~~كونك ضربته، ودلت على أن غيرك ضربه، بالمفهوم. # الثاني: أن الأولى دلت على نفي ضربك له بغير واسطة، والثانية دلت على ~~نفيه بواسطة. # وأما قوله: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به). PageV02P377 # الرابعة: إذا كان الكلام عاما ونفيته، فان تقدم حرف النفي أداة العموم، ~~كان نفيا " للعموم، وهو لا ينافي الإثبات الخاص، فإذا قلت: (لم أفعل كل ذا، ~~بل بعضه) استقام، وإن تقدم صيغه العموم على النفي فقلت: (كل ذا لم أفعله) ~~كان النفي عاما، ويناقضه الإثبات الخاص. # وحكى الإمام في " نهاية الإيجاز " عن الشيخ عبد القاهر أن نفى العموم ~~يقتضى خصوص الإثبات. فقوله: (لم أفعل كله) يقتضى أنه ms0493 فعل بعضه. قال: وليس ~~كذلك إلا عند من يقول بدليل الخطاب، بل الحق أن نفي العموم كما لا يقتضي ~~عموم النفي لا يقتضى خصوص الإثبات. # الخامسة: أدواته كثيرة، قال الخويي: وأصلها (لا) و (ما) لأن النفي إما في ~~الماضي، وإما في المستقبل، والاستقبال أكثر من الماضي أبدا، و (لا) أخف من ~~(ما)، فوضعوا الأخف للأكثر. # ثم إن النفي في الماضي إما أن يكون نفيا واحدا " مستمرا "، وإما أن يكون ~~نفيا فيه أحكام متعددة، وكذلك النفي في المستقبل، فصار النفي على أربعة ~~أقسام، واختاروا له أربع كلمات: # ما، لم، لن، لا. # وأما (إن) و (لما) فليسا بأصليين. PageV02P378 # فما و (لا) في الماضي والمستقبل متقابلان، و (لم) و (لن) في الماضي ~~والمستقبل متقابلان، و (لم) كأنه مأخوذ من (لا) (وما) نفي للاستقبال لفظا ~~"، فأخذ اللام من (لا) التي هي لنفي الأمر في المستقبل، والميم من (ما) ~~التي هي لنفي الأمر في الماضي، وجمع بينهما إشارة إلى أن في (لم) المستقبل ~~والماضي، وقدم اللام على الميم إشارة إلى أن (لا) هو أصل النفي، ولهذا ينفي ~~بها في أثناء الكلام، فيقال: (لم يفعل زيد ولا عمرو) و (لن أضرب زيدا " ولا ~~عمرا "). # أما (لما) فتركيب بعد تركيب، كأنه قال: (لم) و (ما)، لتوكيد معنى النفي ~~في الماضي، وتفيد الاستقبال أيضا "، ولهذا تفيد (لما) الاستمرار، كما قال ~~الزمخشري: إذا قلت: (ندم زيد ولم ينفعه الندم) أي حال الندم لم ينفعه وإذا ~~قلت: (ندم زيد ولما ينفعه الندم) أي حال الندم، واستمر عدم نفعه. # قلت: وقال الفارسي: إذا نفي بها الفعل اختصت بنفي الحال، ويجوز أن يتسع ~~فيها فينفي بها الحاضر، نحو: (ما قام وما قعد). # قال الخويي: والفرق بين النفي (بلم) و (ما) أن النفي (بما) كقولك: (ما ~~قام زيد) معناه أن وقت الإخبار هذا الوقت، وهو إلى الآن ما فعل، فيكون ~~النفي في الماضي، وأن النفي (بلم) كقولك: (لم يقم) تجعل المخبر نفسه بالعرض ~~متكلما في الأزمنة الماضية، ولأنه يقول في كل زمان في ms0494 تلك الأزمنة: أنا ~~أخبرك بأنه لم يقم. # وعلى هذا فتأمل السر في قوله تعالى: (لم يتخذ ولدا ") وفي موضع آخر: (ما ~~اتخذ الله من ولد)، لأن الأول في مقام طلب الذكر والتشريف به للثواب، ~~والثاني في مقام التعليم، وهو لا يفيد إلا بالنفي عن جميع الأزمنة. ~~PageV02P379 # و كذلك قوله: (ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمك بغيا ")، وقوله: # (ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ") فإن مريم كأنها قالت: إني تفكرت في أزمنة ~~وجودي ومثلتها عليه في عيني: (لم أك بغيا) فهو أبلغ في التنزيه، فلا يظن ~~ظان أنها تنفي نفيا كليا "، مع أنها نسيت بعض أزمنة وجودها، وأما هم لما ~~قالوا: (وما كانت أمك بغيا) ما كان يمكنهم أن يقولوا: نحن تصورنا كل زمان ~~من أزمنة وجود أمك، وتنفي عن كل واحد منها كونها بغيا، لأن أحدا " لا يلازم ~~غيره، فيعلم كل زمان من أزمنة وجوده، وإنما قالوا لها: إن أمك اشتهرت عند ~~الكل، حتى حكموا عليها حكما " واحدا " عاما " أنها ما بغت في شئ من أزمنة ~~وجودها. # وكذلك قوله تعالى: (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون). ~~وقوله: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا ")، فإنه سبحانه ~~لما قال: (بظلم) كان سبب حسن الهلاك قائما، وأما الظلم فكان يتوقع في كل ~~زمن الهلاك، سواء كانوا غافلين أم لا، لكن الله برحمته يمسك عنهم في كل ~~زمان وافقته غفلتهم. واما قوله: (وأهلها غافلون) وإن جد الظلم لكن لم يبق ~~سببا " مع الإصلاح، فبقي النفي العام بعدم تحقيق المقتضى في كل زمان. # وكذلك قوله: (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون)، لأنه لما لم يذكر ~~الظلم لم يتوقع الهلاك، فلم يبق متكررا " في كل زمان. # وكذلك قوله: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا " نعمة " أنعمها أبي على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم). وقوله: (وما كان الله معذبهم) ذكر عند ذكر النعمة لم ~~يكن إشارة PageV02P380 # إلى الحكم في كل زمان تذكيرا " بالنعمة، قال تعالى: (وما ms0495 كان الله ~~معذبهم) نفيا " واحدا " عاما عند ذكر العذاب، لئلا يتكرر ذكر العذاب، ~~ويتكرر ذكر النعمة لا للمنة بل للتنبيه على سعة الرحمة. # وكذلك قال تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)، وقال: # (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة) ~~وقوله تعالى: (لم يجعل له من قبل سميا ")، وقال تعالى: (ولم يجعلني جبارا " ~~شقيا ")، وقال تعالى: (لم نجعل لهم من دونها سترا ")، في جميع مواضع ما حصل ~~المذكور أمورا " لا يتوقع تجددها، وفي جميع المواضع لم يحصل توقع تجدد ~~المذكور. # فاستمسك بما ذكرنا واجعله أصلا "، فإنه من المواهب الربانية. PageV02P381 # النوع السادس والأربعون في أساليب القرآن وفنونه البليغة وهو المقصود ~~الأعظم من هذا الكتاب، وهو بيت القصيدة، وأول الجريدة، وغرة الكتيبة، ~~وواسطة القلادة، ودرة التاج، وإنسان الحدقة، على أنه قد تقدمت الإشارة ~~للكثير من ذلك. # اعلم أن هذا علم شريف المحل، عظيم المكان، قليل الطلاب، ضعيف الأصحاب، ~~ليست له عشيرة تحميه، ولا ذوو بصيرة تستقصيه، وهو أرق من الشعر، وأهول من ~~البحر، وأعجب من السحر، وكيف لا يكون! وهو المطلع على أسرار القرآن العظيم، ~~الكافل بإبراز إعجاز النظم المبين ما أودع من حسن التأليف، وبراعة التركيب، ~~وما تضمنه في الحلاوة، وجلله في رونق الطلاوة، مع سهولة كلمه وجزالتها، ~~وعذوبتها وسلاستها، ولا فرق بين ما يرجع الحسن إلى اللفظ أو المعنى. # وشذ بعضهم فزعم أن موضع صناعة البلاغة فيه إنما هو المعاني، فلم يعد ~~الأساليب البليغة، والمحاسن اللفظية. # والصحيح أن الموضوع مجموع المعاني والألفاظ إذ اللفظ مادة الكلام الذي ~~منه يتألف، ومتى أخرجت الألفاظ عن أن تكون موضوعا خرجت عن جملة الأقسام ~~المعتبرة، إذ لا يمكن أن توجد إلا بها. PageV02P382 # وها أنا القي إليك منه ما يقضي له البليغ عجبا، ويهتز به الكاتب طربا: # فمنه التوكيد بأقسامه، والحذف بأقسامه، الإيجاز، التقديم، والتأخير، ~~القلب، المدرج، الاقتصاص، التغليب، الالتفات، وضع الخبر موضع الطلب، وضع ~~الطلب موضع الخبر، وضع النداء موضع التعجب، وضع جملة القلة موضع ms0496 الكثرة، ~~تذكير المؤنث، تأنيث المذكر، التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، عكسه، ~~مشاكله اللفظ للمعنى، البحث، الإبدال، المحاذاة، قواعد في النفي والصفات، ~~اخراج الكلام مخرج الشك في اللفظ دون الحقيقة، الإعراض عن صريح الحكم، ~~الهدم، التوسع، الاستدراج التشبيه، الاستعارة، التورية، التجريد، التجنيس، ~~المقابلة، إلجام الخصم بالحجة، التقسيم، التعديد، مقابلة الجمع بالجمع، ~~قاعدة فيما ورد في القرآن مجموعا تارة ومفردا أخرى، وحكمه ذلك، قاعدة أخرى ~~في الضمائر، قاعدة في السؤال والجواب، الخطاب بالشئ عن اعتقاد المخاطب، ~~التأدب في الخطاب، تقديم ذكر الرحمة على العذاب، الخطاب بالاسم، الخطاب ~~بالفعل، قاعدة في ذكر الموصولات والظرف تارة وحذفها أخرى، قاعدة في النهي ~~ودفع التناقض عما يوهم ذلك. وملاك ذلك الإيجاز والإطناب، قال صاحب الكشاف: # كما أنه يجب على البليغ في مظان الاجمال والإيجاز أن يجمل ويوجز، فكذلك ~~الواجب عليه في موارد التفصيل ان يفصل ويشبع، وأنشد الجاحظ: # يرمون بالخطب الطوال وتارة " * وحي الملاحظ خيفة الرقباء PageV02P383 # الأسلوب الأول التأكيد والقصد منه الحمل على ما لم يقع، ليصير واقعا، ~~ولهذا لا يجوز تأكيد الماضي ولا الحاضر، لئلا يلزم تحصيل الحاصل، وإنما ~~يؤكد المستقبل، وفيه مسائل: # الأولى: جمهور الأمة على وقوعه في القرآن والسنة، وقال قوم: ليس فيهما ~~تأكيد ولا في اللغة، بل لابد أن يفيد معنى زائدا على الأول. واعترض ~~الملحدون على القرآن والسنة بما فيهما من التأكيدات، وأنه لا فائدة في ~~ذكرها، وأن من حق البلاغة في النظم إيجاز اللفظ واستيفاء المعنى، وخير ~~الكلام ما قل ودل ولا يمل، والإفادة خير من الإعادة، وظنوا أنه إنما يجئ ~~لقصور النفس عن تأدية المراد بغير تأكيد، ولهذا أنكروا وقوعه في القرآن. # وأجاب الأصحاب بأن القرآن نزل على لسان القوم وفي لسانهم التأكيد ~~والتكرار، وخطابه أكثر، بل هو عندهم معدود في الفصاحة والبراعة، ومن أنكر ~~وجوده في اللغة فهو [مكابر] إذ لولا وجوده لم يكن لتسميته تأكيدا فائدة، ~~فإن الاسم لا يوضع إلا لمسمى معلوم لا فائدة فيه، بل فوائد كثيرة كما ~~سنبينه. # الثانية: حيث وقع فهو حقيقة. وزعم ms0497 قوم أنه مجاز، لأنه لا يفيد إلا ما ~~أفاده المذكور الأول حكاه الطرطوشي في العمد ثم قال: ومن سمى التأكيد ~~مجازا؟ فيقال له: إذا كان PageV02P384 # التأكيد بلفظ الأول، نحو عجل عجل ونحوه. فإن جاز أن يكون الثاني مجازا " ~~جاز في الأول، لأنهما في لفظ واحد، وإذا بطل حمل الأول على المجاز بطل حمل ~~الثاني عليه، لأنه قبل الأول. # الثالثة: أنه خلاف الأصل، فلا يحمل اللفظ على التأكيد إلا عند تعذر حمله ~~على مدة محددة. # الرابعة: أنه يكتفي في تلك بأي معنى كان وشرط. وما قاله ضعيف، لأن ~~المفهوم من دلالة اللفظ ليس من باب الألفاظ حتى يحذو به حذو الألفاظ. # الخامسة: في تقسيمه: وهو صناعي - يتعلق باصطلاح النحاة - ومعنوي. وأقسامه ~~كثيرة، فلنذكر ما تيسر منها. # القسم الأول التوكيد الصناعي وهو قسمان: لفظي ومعنوي. فاللفظي تقرير معنى ~~الأول بلفظه أو مرادفه، فمن المرادف (فجاجا " سبلا "). (ضيقا " حرجا ") في ~~قراءة كسر الراء. (وغرابيب سود). PageV02P385 # وجعل الصفار منه قوله تعالى: (فيما إن مكناكم فيه) على القول بأن كلاهما ~~للنفي. # واللفظي يكون في الاسم النكرة بالإجماع، نحو: (قواريرا. قوارير)، وجعل ~~ابن مالك وابن عصفور [منه]: (دكا دكا)، و (صفا " صفا ")، وهو مردود لأنه ~~جاء في التفسير أن معنى (دكا " دكا ") [دكا] بعد دك، وأن الدك كرر عليها ~~حتى صار هباء منثورا، وأن معنى: (صفا " صفا ") انه تنزل ملائكة كل سماء ~~يصطفون صفا بعد صف، محدقين بالإنس والجن. وعلى هذا فليس الثاني منهما ~~تكرارا " للأول، بل المراد به التكثير، نحو جاء القوم رجلا رجلا، وعلمته ~~الحساب بابا بابا. # وقد ذكر ابن جني في قوله تعالى (إذا وقعت الواقعة) (إذا رجت) أن (رجت) ~~بدل من (وقعت)، وكررت (إذا) تأكيدا لشدة امتزاج المضاف بالمضاف إليه. # ويكون في اسم الفعل، كقوله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون). # وفي الجملة، نحو: (فان مع العسر يسرا ". إن مع العسر يسرا "). ولكون ~~PageV02P386 # الجملة الثانية للتوكيد سقطت من مصحف ابن مسعود، ومن قراءته. # والأكثر فصل الجملتين بثم، كقوله: (وما أدراك ما يوم الدين. ms0498 ثم ما ~~أدراك)، (كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون). # ويكون في المجرور، كقوله: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها) ~~والأكثر فيه اتصاله بالمذكور. # وزعم الكوفيون أنه لا يجوز الفصل بين لتوكيد المؤكد، قال الصفار في شرح ~~سيبويه: والسماع يرده، قال تعالى: (وهم بالآخرة هم كافرون) فإن (هم) ~~الثانية تأكيد للأولى. وقوله: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها). ~~وقوله: # (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) ألا ترى أن قبله: (ولما جاءهم كتاب) فأكد ~~(لما) وبينهما كلام، وأصله: (يستفتحون على الذين كفروا) فكرر للطول الذي ~~بين (لما) وجوابها. وقوله: (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا " وعظاما " ~~أنكم مخرجون) في أحد القولين، لأنه أكد (أن) بعد ما فصل. # وقوله تعالى: (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين)..... # ريب أنهم اجتمعوا في الهلاك وإن قوم موسى اجتمعوا في النجاة. # ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف: (وأتوني بأهلكم أجمعين) فلم يرد بهذا أن ~~يجتمعوا عنده، وان جاءوا واحدا " بعد واحدا "، وإنما أراد اجتماعهم في ~~المعنى إليه، وألا PageV02P387 # يتخلف منهم أحد، وهذا يعلم من السياق والقرينة. # ومن القرينة الدالة على ذلك في قصة الملائكة لفظا أن قوله (كلهم) يفيد ~~الشمول والإحاطة، فلا بد أن يفيد (أجمعون) قدرا زائدا على ذلك وهو اجتماعهم ~~في السجود، [هذا في اللفظ]، وأما المعنى فلان الملائكة لم تكن ليتخلف أحد ~~منهم عن امتثال الأمر، ولا يتأخر عنده، ولا سيما وقد وقت لهم بوقت وحد لهم ~~بحد، وهو التسوية ونفخ الروح، فلما حصل ذلك سجدوا كلهم عن آخرهم في آن واحد ~~ولم يتخلف منهم أحد، فعلى هذا يخرج كلام المبرد الزمخشري. # وما نقل عن بعض المتكلمين أن السجود لم يستعمل على الكل بدليل قوله: # (أستكبرت أم كنت من العالين) مردود، بل (العالون) المتكبرون، وفي رسائل ~~إخوان الصفاء أن العالين هم العقول العاقة التي لم تسجد، وهذا تحريف، ولم ~~يقم دليل على إثبات العقول التي تدعيها الفلاسفة. # ووقع خلاف في أن إبليس من الملائكة أم لا؟ والتحقيق أنه ليس منهم عنصرا، ms0499 ~~ففي صحيح مسلم: (خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من النار، وخلق آدم مما ~~وصف لكم)، وهو منهم حكما " لدخوله في الخطاب بالأمر بالسجود معهم، ولو كان ~~من غيرهم لم يدخل معهم. # وأما قوله: (إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين) فلم يذكر قبله (كلهم) لما ~~PageV02P388 # لم يكن المراد كل واحد واحد من الآية لم تحسن الزيادة في التأكيد، بدليل ~~الاستثناء بعده من قوله: (إلا امرأته). # ومنها قصد تحقيق المخبر به كقوله: (إني جاعل)، فأكد بإن وباسم الفاعل، مع ~~أنهم ليسوا بشاكين في الخبر. # ومثله: (إنك ميت وإنهم ميتون). # وقال حاكيا " عن نوح: (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك). # ومنها قصد إغاظة السامع بذلك الخبر، كقوله: (إنك لمن المرسلين). # ومنها الترغيب، كقوله: (فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم) (6) أكده بأربع ~~تأكيدات، وهي: إن، وضمير الفصل، والمبالغتان مع الصفتين له، ليدل على ترغيب ~~الله العبد في التوبة، فإنه إذا علم ذلك طمع في عفوة. وقوله: (لا تحزن إن ~~الله معنا). # ومنها الإعلام بأن المخبر به كله من عند المتكلم، كقوله: (فإما يأتينكم ~~مني هدى ")، دون الاقتصار على (يأتينكم هدى)، قال المفسرون: فيه إشارة إلى ~~أن الخير كله منه. # وعليه قوله: (قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور). (قد جاءكم ~~برهان من ربكم). PageV02P389 # ومنها التعريض بأمر آخر، كقوله تعالى: (رب إني ظلمت نفسي)، وقول موسى: # (رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير)، وقوله تعالى: (قال رب إني وضعتها ~~أنثى)، تعريضا بسؤال قبولها، فإنها كانت تطلب للنذر ذكرا. # تنبيهان الأول: قالوا: إنما يؤتى به للحاجة للتحرز عن ذكر مالا فائدة له، ~~فإن كان المخاطب ساذجا ألقى إليه الكلام خاليا عن التأكيد وإن كان مترددا ~~فيه حسن تقويته بمؤكد، وإن كان منكرا " وجب تأكيده. ويراعى في القوة والضعف ~~بحسب حال المنكر، كما في قوله تعالى عن رسل عيسى: (ربنا يعلم...)، الآية، ~~وذلك أن الكفار نفوا رسالتهم بثلاثة أشياء: أحدها قولهم: (ما أتم إلا بشر ~~مثلنا)، والثاني قولهم: (ما أنزل الرحمن من شئ)، والثالث ms0500 قولهم: (إن أنتم ~~إلا تكذبون)، فقوبلوا على نظيره بثلاثة أشياء: أحدها قولهم: (ربنا ~~يعلم...)، ووجه التأكيد فيه أنه في معنى قسم، والثاني قوله: (إنا إليكم ~~لمرسلون)، والثالث قوله تعالى: # (وما علينا إلا البلاغ المبين). PageV02P390 # وقد ينزل المنكر كغير المنكر وعكسه. وقد اجتمعا في قوله تعالى: (ثم إنكم ~~بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون). أكدت [الإماتة] تأكيدين وإن ~~لم ينكروا، لتنزيل المخاطبين لمناديهم يحيى في الغفلة منزلة من ينكر الموت، ~~وأكد إثبات البعث تأكيدا " واحدا " وإن كان أكثر، لأنه لما كانت أدلته ~~ظاهرة " كان جديرا بألا يتكرر ويتردد فيه، حثا لهم على النظر في أدلته ~~الواضحة. # الثاني: قال التنوخي في " أقصى القرب ": إذا قصدوا مجرد الخبر أتوا ~~بالجملة الفعلية، وإن أكدوا فبالاسمية، ثم بأن، ثم بها وباللام. وقد تؤكد ~~الفعلية بقد. # وإن احتيج بأكثر جئ بالقسم مع كل من الجملتين، وقد تؤكد الاسمية باللام ~~فقط، نحو: (لزيد قائم)، وقد تجئ مع الفعلية مضمرة بعد اللام. وحاصله أن ~~الخطاب على درجات: قام زيد، ثم لقد قام - فإنه جعل الفعلية كأنها دون ~~الاسمية - ثم إن زيدا قائم، ولزيد قائم. # [ما يلتحق بالتأكيد الصناعي] ويلتحق بالتأكيد الصناعي أمور: # أحدها: تأكيد الفعل بالمصدر، ومنه قوله تعالى: (جزاؤكم جزاء " موفورا "). ~~وقوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليما ")، (وسلموا تسليما ")، وقوله تعالى: ~~(يوم تمور السماء مورا ". وتسير الجبال سيرا ")، (وهي تمر مر السحاب)، (فد ~~كتا دكة " PageV02P391 # واحدة ")، (إذا زلزلت الأرض زلزالها)، (فيكيدوا لك كيدا "). # وهو كثير. # قالوا: وهو عوض عن تكرار الفعل مرتين، فقولك: (ضربت ضربا) بمنزلة قولك: ~~(ضربت، ضربت) ثم عدلوا عن ذلك واعتاضوا عن الجملة بالمفرد. # وليس منه قوله تعالى: (وتظنون بالله الظنونا)، بل هو جمع (ظن)، وجمع ~~لاختلاف أنواعه، قاله ابن الدهان. # ثم اختلفوا في فائدته، فقيل: إنه يرفع المجاز عن الفاعل، فإنك تقول: (ضرب ~~الأمير اللص)، ولا يكون باشر بل أمر به، فإذا قلت: (ضربا) علم أنه باشر. # وممن نص على ذلك ثعلب في " أماليه "، وابن عصفور في شرح " الجمل الصغير ~~". # والصواب ms0501 أنه إنما يرفع الوهم عن الحديث لا عن المحدث عنه، فإذا قلت: (ضرب ~~الأمير) احتمل مجازين: أحدهما إطلاق الضرب على مقدماته، والثاني إطلاق ~~الأمير على أمره، فإذا أردت رفع الأول اتيت بالمصدر، فقلت: (ضربا)، وإن ~~أردت الثاني قلت: (نفسه) أو (عينه). # ومن هذا يعلم ضعف استدلال أصحابنا على المعتزلة في إثبات كلام الله ~~لموسى، في قوله PageV02P392 # تعالى: (وكلم الله موسى تكليما ")، فإنه لما أريد كلام الله نفسه قال ~~(تكليما) ودل على وقوع الفعل حقيقة، أما تأكيد فاعله فلم يتعرض له. ولقد ~~سخف عقل من تأوله على أنه كلمة بأظفار المحن، من الكلم وهو الجرح، لأن ~~الآية مسوقة في بيان الوحي. ويحكى أنه استدل بعض علماء السنة على بعض ~~المعتزلة في إثبات التكليم حقيقة بالآية من جهة أن المجاز لا يؤكد، فسلم ~~المعتزلي له هذه القاعدة وأراد دفع الاستدلال من جهة أخرى، فادعى أن اللفظ ~~إنما هو (وكلم الله موسى) بنصب لفظ الجلالة، وجعل موسى فاعلا ب‍ (كلم) ~~وأنكر القراءة المشهورة وكابر، فقال السني: فماذا تصنع بقوله تعالى: (ولما ~~جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)!؟ فانقطع المعتزلي عند ذلك. # قال ابن الدهان: ومما يدل على أن التأكيد لا يرفع المجاز قول الشاعر: # قرعت ظنانيت الهوى يوم عالج * ويوم اللوى حتى قسرت الهوى قسرا قلت: وكذا ~~قوله: (ومكروا مكرا " ومكرنا مكرا "). # وأما قوله تعالى: (ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ")، فمفعول ~~(أسررت) محذوف، أي الدعاء والإنذار ونحوه. # فإن قلت: التأكيد ينافي الحذف، فالجواب من وجهين: PageV02P393 # أحدهما: أن المصدر لم يؤت به هنا للتأكيد وإن كان بصورته، لأن المعنى ليس ~~على ذلك، وإنما أتى به لأجل الفواصل، ولهذا لم يؤت بمصدر (أعلنت)، وهو ~~مثله. # والثاني: أن (أسر) وإن كان متعديا في الأصل، إلا أنه هنا قطع النظر عن ~~مفعوله، وجعل نسيا، كما في قولهم: (فلان يعطى ويمنع)، فصار لذلك كاللازم، ~~وحينئذ فلا منافاة بين المجئ به بالمصدر لو كان. # ثم التأكيد بالمصدر تارة يجئ من لفظ الفعل كما سبق، وتارة يجئ من مرادفه، ms0502 ~~كقوله تعالى: (إني دعوتهم جهارا ") فإن الجهار أحد نوعي الدعاء، وقوله: ~~(ليا " بألسنتهم)، فإنه منصوب بقوله: (يحرفون الكلم)، لأن (ليا ") نوع من ~~التحريف ويحتمل أن يكون منه: (أتأخذونه بهتانا ")، لأن البهتان ظلم، والأخذ ~~على نوعين: ظلم وغيره. # وزعم الزمخشري قوله: (نافلة " لك)، وضع [نافلة "] موضع، (تهجدا)، لأن ~~التهجد عبادة زائدة، فكأن التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد. PageV02P394 # وقوله: (وعد الله حقا " ومن أصدق من الله قيلا ")، قيل: كأن الأصل تكرار ~~الصدق بلفظه فاستثقل التكرار للتقارب، فعدل إلى ما يجاريه خفة "، ولتجزي ~~المصادر الثلاثة مجرى واحد، خفة ووزنا، إحرازا " للتناسب. # وأما قوله: (والله أنبتكم من الأرض نباتا ". ثم يعيدكم فيها ويخرجكم ~~إخراجا ") ففائدة (إخراجا ") أن المعاد في الأرض هو الذي يخرجكم منها ~~بعينه، دفعا " لتوهم من يتوهم أن المخرج منها أمثالهم، وأن المبعوث الأرواح ~~المجردة. # فإن قيل: هذا يبطل بقوله تعالى: (أنبتكم من الأرض نباتا ") فإنه أكد ~~بالمصدر، وليس المراد حقيقة النبات. # قلت: لا جرم حيث لم يرد الحقيقة هنا لم يؤكده بالمصدر الحقيقي القياسي، ~~بل عدل به إلى غيره، وذلك لأن مصدر أنبت (الإنبات) والنبات اسمه لا هو، كما ~~قيل في (الكلام) و (السلام): اسمان للمصدر الأصلي الذي هو (التكليم) و ~~(التسليم)، وأما قوله: (وتبتل إليه تبتيلا ") وإن لم يكن جاريا على (تبتل) ~~لكنه ضمن معنى (بتل نفسك تبتلا). # ومثله قوله: (وتعالى عما يقولون علوا " كبيرا ") قال أبو البقاء: هو موضع ~~(تعاليا ") لأنه مصدر قوله (وتعالى)، ويجوز أن يقع مصدرا " في موضع آخر من ~~معناه، وكذا قال الراغب، قال: وإنما عدل عنه لأن لفظ التفاعل من التكلف، ~~كما يكون من البشر. PageV02P395 # وأما قوله: (يوم تمور السماء مورا ". وتسير الجبال سيرا ") فقال بعضهم: ~~الجملة الفاعلية تحتمل المجاز في مفرديها جميعا " وفي كل منهما، مثاله ها ~~هنا أنه يحتمل أن المجاز في (تمور)، وأنها ما تمور، بل تكاد أو يخيل إلى ~~الناظر أنها تمور. ويحتمل أن المجاز في السماء، وأن المور الحقيقي لكأنها ~~وأهلها لشدة الأمر. # وكذلك الكلام في (وتسير الجبال سيرا ")، فإذا ms0503 رفع المجاز عن أحد جزأي ~~الجملة نفي احتماله في الآخر، فلم تحصل فائدة التأكيد. # وأجيب بهذه القاعدة: وهي أن (مورا ") في تقدير (تمور) فكأنه، قال: # (تمور السماء، تمور السماء)، و (تسير الجبال، تسير الجبال)، فأكد كلا " ~~من الجزأين بنظيره، وزال الإشكال. # وأما قوله تعالى: (إلا أن يشاء ربي شيئا ") فيحتمل أن يكون (شيئا ") من ~~تأكيد الفعل بالمصدر، كقوله: (بعت بيعا)، ويجوز أن يكون الشئ بمنزلة الأمر ~~والتبيان، والمعنى: (إلا أن يشاء ربي أمرا) أو وضع موضع المصدر. وانظر كيف ~~ذكر مفعول المشيئة. وقول البيانيين: إنه يجب حذفه إذا كان عاما. وأما قوله ~~تعالى: # (دكا " دكا ") فالمراد به التتابع، أي دكا بعد دك، وكذا قوله: (صفا " صفا ~~") أي صفا يتلوه صف، ولو اقتصر على الواحد لا يحتمل صفا واحدا. # وأما قوله تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها) فإن إضافة الزلزال إليها ~~يفيد معنى ذاتها وهو زلزالها المختص بها، المعروف منها المتوقع، كما تقول: ~~غضب زيد غضبه، وقاتل زيد قتاله، أي غضبه الذي يعرف منه، وقتاله المختص به، ~~كقوله: PageV02P396 # * أنا أبو النجم وشعري شعري * واعلم أن القاعدة في المصدر والمؤكد أن يجئ ~~اتباعا " لفعله، نحو: (وكلم الله موسى تكليما ") وقد يخرج عنها نحو قوله ~~تعالى: (وتبتل إليه تبتيلا ") وقوله تعالى: (فإني أعذبه عذابا ") وقوله ~~تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا " حسنا ") وقوله تعالى: (أنبتكم من ~~الأرض نباتا ") ولم يقل (تبتلا) و (تعذيبا) و (إقراضا ") و (إنباتا). # واختلف في ذلك على أقوال: # أحدها - أنه وضع الاسم منها موضع المصدر. # الثاني - أنه منصوب بفعل مضمر يجرى عليه المصدر، ويكون ذلك الفعل الظاهر ~~دليلا على المضمر، فالمعنى (والله أنبتكم من الأرض نباتا ") فنبتم نباتا "، ~~وهو قول المبرد، واختاره ابن خروف، وزعم أنه مذهب سيبويه، وكذا قال ابن ~~يعيش، ونازعه ابن عصفور. PageV02P397 # والثالث - أنها منصوبة بتلك الأفعال الظاهرة، وإن لم تكن جارية عليها. # والرابع - التفصيل بين أن يكون معنى الفعل غير معبر بمعنى مصدر ذلك الفعل ~~الظاهر فهو منصوب بفعل مضمر، يدل عليه ذلك الفعل الظاهر، ms0504 كقوله تعالى: ~~(والله أنبتكم من الأرض نباتا ")، أي ونبتم. وساغ إضماره لأنهم إذا أنبتوا ~~فقد نبتوا، ولا يجوز في غير ذلك أن ينصب بالظاهر، لأن الغرض من المصدر ~~تأكيد الفعل الذي نصبه، أو تبيين معناه. وإذا كان المصدر مغايرا لمعنى ~~الفعل الظاهر لم يحصل بذلك الغرض المقصود، لأن (النبات) ليس بمعنى الإنبات، ~~وإذا لم يكن بمعناه فكيف يؤكده أو يبينه! # وأما قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين)، فإنما ذكر ~~قوله: # (بدين) مع (تداينتم) يدل عليه لوجوه: # أحدها - ليعود الضمير في (فاكتبوه) عليه إذا لو لم يذكره لقال: (فاكتبوا ~~الدين)، ذكره الزمخشري، وهو ممنوع لأنه كان يمكن أن يعود على المصدر ~~المفهوم من (تداينتم) لأنه يدل على الدين. # الثاني - أن (تداينتم) مفاعلة من (الدين) ومن (الدين)، فاحتيج إلى قوله: # (بدين) ليبين أنه من (الدين) لا من (الدين). # وهذا أيضا " فيه نظر، لأن السياق يرشد إلى إرادة الدين الثالث - أن قوله: ~~(بدين) إشارة إلى امتناع بيع الدين بالدين، كما فسر قوله صلى الله ~~PageV02P398 # عليه وسلم، هو بيع الكالئ بالكالئ، ذكره الإمام فخر الدين. # وبيانه أن قوله تعالى: (تداينتم) مفاعلة من الطرفين، وهو يقتضي وجود ~~الدين من الجهتين، فلما قال (بدين) علم أنه دين واحد من الجهتين. # الرابع - أنه أتى به ليفيد أن الإشهاد مطلوب سواء كان الدين صغيرا " أو ~~كبيرا "، كما سبق نظيره في قوله تعالى: (فإن كانتا اثنتين). ويدل على هذا ~~هاهنا قوله بعد ذلك: # (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا " أو كبيرا " إلى أجله). # الخامس - أن (تداينتم) مشترك بين الاقتراض والمبايعة والمجازاة، وذكر ~~(الدين) لتمييز المراد، قال الحماسي: # ولم يبق سوى العدوان * دناهم كما دانوا ونظير هذه الآية في التصريح ~~بالمصدر مع ظهوره فيما قبله قوله تعالى: (فتقبلها ربها بقبول حسن)، وقوله ~~تعالى: (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به): # وقوله: (سأل سائل)، فيقال: ما الحكمة في التصريح بالمصدر فيهما، أو ~~بضميره مع أنه مستفاد مما قبله. # وقد يجئ التأكيد به لمعنى الجملة، كقوله تعالى: (صنع الله الذي أتقن ~~PageV02P399 # كل ms0505 شئ) فإنه تأكيد لقوله تعالى: (تحسبها جامدة " وهي تمر مر السحاب) لأن ~~ذلك صنع الله، وقوله تعالى: (وعد الله)، تأكيد لقوله: (ويومئذ يفرح ~~المؤمنون بنصر الله)، لأن هذا وعد الله. # وقوله تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا " مؤجلا ")، ~~انتصب (كتابا) على المصدر بما دل عليه السياق، تقديره (وكتب الله)، لأن ~~قوله: # (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله)، يدل على (كتب). # وقوله تعالى: (كتاب الله عليكم)، تأكيد لقوله: (حرمت عليكم...)، الآية، ~~لأن هذا مكتوب علينا، وانتصب المصدر بما دل عليه سياق الآية، فكأنه فعل، ~~تقديره (كتب الله عليكم). # وقال الكسائي: انتصب (بعليكم) على الإغراء، وقدم المنصوب. والجمهور على ~~منع التقدير. # وقوله: (صبغة الله)، تأكيد لقوله: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد ~~اهتدوا)، لأن هذا دين الله، وقيل منصوبه على الأمر. # وقوله تعالى: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، منصوبة على المصدر ~~بما دل عليه الكلام، لأن الزلفى مصدر كالرجعي، (ويقربونا) يدل على ~~(يزلفونا) فتقديره (يزلفونا زلفى). PageV02P400 # وقد يجئ التأكيد به مع حذف عاملة، كقوله: (فإما منا بعد وإما فداء)، ~~والمعنى: (فإما تمنوا منا، وإما أن تفادوا فداء) فهما مصدران منصوبان بفعل ~~مضمر. # وجعل سيبويه من المصدر المؤكد لنفسه قوله تعالى: (الذي أحسن كل شئ خلقه)، ~~لأنه إذا أحسن كل شئ فقد خلقه خلقا " حسنا، فيكون (خلقه) على معنى (خلقه ~~خلقا)، والضمير هو الله تعالى. # ويجوز أن يكون بدل اشتمال، أي أحسن خلق كل شئ. # قال الصفار: والذي قاله سيبويه. أولى الأمرين أن في هذا إضافة المصدر إلى ~~المفعول وإضافته إلى الفاعل أكثر، وأن المعنى الذي أصار إليه أبلغ في ~~الامتنان، وذلك أنه إذا قال: (أحسن كل شئ) فهو أبلغ من قولك: (أحسن خلق كل ~~شئ) لأنه قد يحسن الخلق وهو المحاولة، ولا يكون الشئ في نفسه حسنا، وإذا ~~قال: أحسن كل شئ اقتضى أن كل شئ خلقه حسن، بمعنى أنه وضع كل شئ موضعه، فهو ~~أبلغ في الامتنان. # فائدتان الأولى: هل الأولى التأكيد ms0506 بالمصدر أو الفعل؟ قال بعضهم: المصدر ~~أولى، لأنه اسم، وهو أخف من الفعل، وأيضا فلأن الفعل يحتمل الضمير فيكون ~~جملة، فيزداد ثقلا، ويحتمل أن الفعل أولى لدلالته على الاستمرار. # الثانية: حيث أكد المصدر النوعي، فالأصل فيه أن ينعت بالوصف المراد منه، ~~نحو PageV02P401 # قمت قياما " حسنا ")، (وسرحوهن سراحا " جميلا ")، وقوله: (اذكروا الله ~~ذكرا " كثيرا "). # وقد يضاف الوصف إلى المصدر فيعطي حكم المصدر، قال تعالى: (اتقوا الله حق ~~تقاته). # الثاني: الحال المؤكدة، وهي الآتية على حال واحدة، عكس المبينة، فإنها لا ~~تكون إلا منتقله، وهي لتأكيد الفعل كما سبق في المصدر المؤكد لنفسه، وسميت ~~مؤكدة لأنها نعلم قبل ذكرها، فيكون ذكرها توكيدا، لأنها معلومة من ذكر ~~صاحبها. # كقوله تعالى: (ويوم أبعث حيا "). # وقوله: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين). # (فتبسم ضاحكا " من قولها)، لأن معنى (تبسم) ضحك مسرورا. # وقوله: (وأرسلناك للناس رسولا "). # (ثم توليتم إلا قليلا " منكم وأنتم معرضون)، وذكر الإعراض للدلالة على ~~تناهي حالهم في الضلال. # ومثله: (أقررتم وأنتم تشهدون)، إذ معنى الإقرار أقرب من الشهادة، ولأن ~~الإعراض والشهادة حالان لهم عند التولي والإقرار. PageV02P402 # يقول: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد). # وقوله: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض)، فإنه حال مؤكدة لقوله: ~~(وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها)، وبهذا يزول الإشكال في أن شرط ~~الحال الانتقال، ولا يمكن ذلك هنا، فإنا نقول: ذلك شرط في غير المؤكدة ولما ~~لم يقف ابن جنى على ذلك قدر محذوفا، أي معتقدا خلودهم فيها، لأن اعتقاد ذلك ~~أمر ثابت عند غير المؤمنين، فلهذا ساغ مجيئها غير منتقله. # ومنهم من نازع في التأكيد في بعض ما سبق، لأن الحال المؤكدة مفهومها ~~مفهوم عاملها، وليس كذلك التبسم والضحك، فإنه قد يكون من غير ضحك، بدليل ~~قوله: # (تبسم تبسم الغضبان). # وكذلك التولية والإدبار في قوله تعالى: (ولى مدبرا ")، (ثم وليتم ~~مدبرين)، فإنهما بمعنيين مختلفين، فالتولية أن يولى الشئ ظهره، والإدبار أن ~~يهرب منه، فليس كل مول مدبرا، ولا كل مدبر موليا. # ونظيره قوله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى ولا ms0507 تسمع الصم الدعاء إذا ولوا ~~مدبرين)، فلو كان أصم مقبلا لم يسمع، فإذا ولي ظهره كان أبعد له من السماع، ~~فإذا أدبر مع ذلك كان أشد لبعده عن السماع. # ومن الدليل على أن التولي لا يتضمن الإدبار قوله: (فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام)، فإنه بمعنى الإقبال. PageV02P403 # وقوله: (ولم يعقب)، إشارة إلى استمراره في الهروب وعدم رجوعه، يقال: # فلان ولى إذا رجع، وكل راجع معقب، وأهل التفسير يقولون: لم يقف ولم ~~يلتفت. # وكذلك قوله: (وأرسلناك للناس رسولا ")، قيل: ليست بمؤكدة، لأن الشئ ~~المرسل قد لا يكون رسولا، كما قال تعالى: (إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم). # وقوله: (وهو الحق مصدقا ")، جعلها كثير من المعربين مؤكدة، لأن صفة الحق ~~التصديق. # قيل: ويحتمل أن يريدوا به تأكيد العامل، وأن يريدوا به تأكيد ما تضمنته ~~الجملة. # ودعوى التأكيد غير ظاهرة، لأنه يلزم من كون الشئ حقا في نفسه أن يكون ~~مصدقا لغيره، والفرض أن القرآن العزيز فيه الأمران، وهو كونه حقا وكونه ~~مصدقا لغيره من الكتب، فالظاهر أن (مصدقا) حال مبينة لا مؤكدة، ويكون ~~العامل فيها (الحق) لكونه بمعنى الثابت، وصاحب الحال الضمير الذي تحمله ~~(الحق) لتأوله بالمشتق. # وقوله: (قائما " بالقسط)، فقائما " حال مؤكدة، لأن الشاهد به لا إله إلا ~~هو قائم بالقسط، فهي لازمة مؤكدة وقد وقعت بعد الفعل والفاعل. # قال ابن أبي الربيع: ويجوز أن يكون حالا على جهة أخرى، على معنى (شهد ~~الله أنه منفرد بالربوبية وقائم بالقسط) فإنه سبحانه بالصفتين لم ينتقل ~~عنهما، فهو متصف بكل واحدة منهما في حال الاتصاف بالأخرى، وهو سبحانه لم ~~يزل بهما لأن صفاته ذاتية قديمة. PageV02P404 # فائدة [عن صاحب المفصل في وقوع الحال بعد الجملة الاسمية] قال صاحب " ~~المفصل ": لا تقع المؤكدة إلا بعد الجملة الاسمية، وهو خلاف قول أبي علي: ~~إنها تكون بعد الجملتين، محتجا بما سبق، وكذا بقوله تعالى: (ولا تسمع الصم ~~الدعاء إذا ولوا مدبرين). وقوله تعالى: (ولى مدبرا " ولم يعقب). # ف‍ (مدبرين) و (ومدبرا) حال مؤكدة لفعل التولية. # فصل في أدوات التأكيد ms0508 [مؤكدات الجمل الإسمية] الأول: التأكيد ب‍ (إن)، ~~قال تعالى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق)، وقوله تعالى: (اتقوا ربكم إن ~~زلزلة الساعة شئ عظيم)، وهي أقوى من التأكيد باللام كما قاله عبد القاهر في ~~" دلائل الاعجاز " قال: وأكثر مواقع (إن) بحكم الاستقراء هو الجواب، لكن ~~بشرط أن يكون للسائل فيه ظن بخلاف ما أنت تجيبه به، فأما أن تجعل مرد ~~الجواب أصلا فيها فلا، لأنه يؤدي إلى قولك: PageV02P405 # (صالح) في جواب: كيف زيد؟ حتى تقول: إنه صالح، ولا قائل به، بخلاف اللام ~~فإنه لا يلحظ فيها غير أصل الجواب. # وقد يجئ مع التأكيد في تقدير سؤال السائل إذا تقدمها من الكلام ما يلوح ~~نفسه للنفس، كقوله تعالى: (اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم)، أمرهم ~~بالتقوى ثم علل وجوبها مجيبا لسؤال مقدر بذكر الساعة، واصفا " لها بأهول ~~وصف، ليقرر عليه الوجوب. # وكذا قوله تعالى: (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون)، أي لا تدعني ~~في شأنهم واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك، لأنهم محكوم عليهم بالإغراق، وقد ~~جف به القلم فلا سبيل إلى كفه عنهم. # ومثله في النهي عن الدعاء لمن وجبت شقاوته قوله تعالى: (يا إبراهيم أعرض ~~عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود). # ومنه قوله تعالى: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ~~إن ربي غفور رحيم)، فإن قوله تعالى: (وما أبرئ نفسي) أورث للمخاطب حيرة: # كيف لا ينزه نفسه مع كونها مطمئنة زكية! فأزال حيرته بقوله تعالى: (إن ~~النفس لأمارة) في جميع الأشخاص (بالسوء) إلا المعصوم. # وكذا قوله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم). # واعلم أن كل جملة صدرت بإن مفيدة للتعليل وجواب سؤال مقدر، فإن الفاء ~~PageV02P406 # يصح أن تقوم فيها مقام (أن) مفيدة للتعليل، حسن تجريدها عن كونها جوابا " ~~للسؤال المقدر، كما سبق من الأمثلة. # وإن صدرت لإظهار فائدة الأولى لم يصح قيام الفاء مقامها، كقوله: (إن ~~الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون)، بعد قوله: ms0509 (لهم فيها زفير ~~وهم فيها لا يسمعون). # ومن فوائدها تحسين ضمير الشأن معها إذا فسر بالجملة الشرطية مالا يحسن ~~بدونها، كقوله: (إنه من يتق ويصبر). (أنه من يحادد الله ورسوله). (إنه من ~~عمل منكم سوءا بجهالة). (إنه لا يفلح الكافرون)، وأما حسنه بدونها في قوله ~~تعالى: (قل هو الله أحد) فلفوات الشرط. # الثاني: (أن) المفتوحة، نحو (علمت أن زيدا " قائم) وهي، حرف مؤكد ~~كالمكسورة، نص عليه النحاة. # واستشكله بعضهم قال: لأنك لو صرحت بالمصدر المنسبك منها لم يفد توكيدا، ~~ويقال: # التوكيد للمصدر المنحل لأن محلها مع ما بعدها المفرد، وبهذا يفرق بينها ~~وبين (إن) المكسورة، فإن التأكيد في المكسورة للإسناد، وهذه لأحد الطرفين. # الثالث: (كأن)، وفيها التشبيه المؤكد إن كانت بسيطة، وإن كانت مركبة من ~~PageV02P407 # كاف التشبيه و (إن)، فهي متضمنه لأن فيها ما سبق وزيادة. # قال الزمخشري: والفصل بينه وبين الأصل - أي بين قولك: (كأنه أسد)، وبين ~~(إنه كالأسد) - أنك مع كأن بان على التشبيه من أول الأمر، وثم بعد مضى صدره ~~على الإثبات. # وقال الإمام في " نهاية الإيجاز " اشترك الكاف وكأن في الدلالة على ~~التشبيه، وكأن أبلغ، وبذلك جزم حازم في " منهج البلغاء " وقال: وهي إنما ~~تستعمل حيث يقوى الشبه، حتى يكاد الرائي يشك في أن المشبه هو المشبه به أو ~~غيره، ولذلك قالت بلقيس: # (كأنه هو). # الرابع: (لكن) لتأكيد الجمل، ذكره ابن عصفور، والتنوخي في " الأقصى " ~~وقيل: للتأكيد مع الاستدراك. وقيل: للاستدراك المجرد، وهي أن يثبت لما ~~بعدها حكم يخالف ما قبلها، ومثلها (ليت) و (لعل) و (لعن) في لغة بني تميم ~~لأنهم يبدلون همزة (أن) المفتوحة عينا، وممن ذكر أنها من المؤكدات التنوخي. # الخامس: لام الابتداء نحو: (إن ربي لسميع الدعاء) وهي تفيد تأكيد مضمون ~~الجملة، ولهذا زحلقوها في باب (إن) عن صدر الجملة كراهية ابتداء الكلام ~~بمؤكدين، ولأنها تدل بجهة التأكيد، وإن تدل بجهتين: العمل والتأكيد، والدال ~~بجهتين مقدم على الدال بجهة كنظيره في الإرث وغيره. وإذا جاءت مع (إن) كان ~~بمنزلة تكرار الجملة ثلاث ms0510 مرات، لأن (إن) أفادت التكرير مرتين، فإذا دخلت ~~اللام صارت ثلاثا ". PageV02P408 # وعن الكسائي أن اللام لتوكيد الخبر (وإن) لتأكيد الاسم، وفيه تجوز، لأن ~~لتأكيد إنما هو للنسبة لا للاسم والخبر. # السادس: الفصل، وهو من مؤكدات الجملة، وقد نص سيبويه على أنه يفيد ~~التأكيد، وقال في قوله تعالى: (إن ترن أنا أقل منك مالا " وولدا ") (أنا) ~~وصف للياء في (ترن) يزيد تأكيدا وهذا صحيح، لأن المضمر يؤكد الضمير، وأما ~~تأكيد المظهر بالمضمر فلم يعهد ولهذا سماه بعضهم (دعامة)، لأنه يدعم به ~~الكلام، أي يقوى، ولهذا قالوا: لا يجاء مع التوكيد، فلا يقال: (زيد نفسه هو ~~الفاضل). ووافق على ذلك ابن الحاجب في شرح " المفصل " وخالف في أماليه ~~فقال: ضمير الفصل ليس توكيدا "، لأنه لو كان، فإما لفظيا أو معنويا، لا ~~جائز أن يكون لفظيا، لأن اللفظي إعادة اللفظ الأول كزيد زيد، أو معناه كقمت ~~[أنا]، والفصل ليس هو المسند إليه ولا معناه لأنه ليس مكنيا عن المسند ~~إليه، ولا مفسرا، ولا جائز أن يكون معنويا، لأن ألفاظه محصورة، كالنفس ~~والعين، وهذا منه نفي للتوكيد الصناعي ولبس للكلام. # وفي " البسيط " للواحدي عند قوله تعالى: (وأولئك هم المفلحون)، قال ~~سيبويه: دخل الفصل في قوله تعالى: (تجدوه عند الله هو خيرا ")، وفي قوله ~~تعالى: (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا " لهم)، ~~وفي قوله تعالى: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق)، ~~PageV02P409 # وفي قوله تعالى: (إن كان هذا هو الحق من عندك)، وذكر أن هذا بمنزلة ما في ~~قوله تعالى: (فبما رحمة). انتهى. # السابع: ضمير البيان للمذكر، والقصة للمؤنث، ويقدمونه قبل الجملة نظرا ~~لدلالته على تعظيم الأمر في نفسه، والإطناب فيه، ومن ثم قيل له الشأن: ~~والقصة، وعادتهم إذا أرادوا ذكر جملة قد يقدمون قبلها ضميرا يكون كناية عن ~~تلك الجملة، وتكون الجملة خبرا عنه، ومفسرة له، ويفعلون ذلك في مواضع ~~التفخيم، والغرض منه أن يتطلع السامع إلى الكشف عنه وطلب تفسيره، وحينئذ ~~تورد الجملة المفسرة ms0511 له. # وقد يكون لمجرد التعظيم، كقوله تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا). # وقد يفيد معه الانفراد، نحو قوله تعالى: (قل هو الله أحد) أي المنفرد ~~بالأحدية. # قال جماعة من النحاة: (هو) ضمير الشأن (والله) مبتدأ ثان (وأحد) خبر ~~المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره خبر الأول، ولم يفتقر إلى عائد لأن ~~الجملة تفسير له، ولكونها مفسرة لم يجب تقديمها عليه، وقيل: هو كناية عن ~~(الله) لأنهم سألوه أن يصف ربه فنزلت. # ومنه: (وأنه لما قام عبد الله) ويجوز تأنيثه إذا كان في الكلام مؤنث، ~~كقوله تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار)، فالهاء في (فإنها) ضمير القصة ~~(وتعمى الأبصار) في موضع رفع، خبر إن. وقوله تعالى: (أو لم يكن لهم آية أن ~~يعلمه علماء بني إسرائيل). PageV02P410 # بقراءة الياء، وأن (يعلمه) بمبتدأ، و (آية) الخبر، والهاء ضمير القصة، ~~وأنث لوجود (آية) في الكلام. # الثامن: تأكيد الضمير، ويجب أن يؤكد المتصل بالمنفصل إذا عطف عليه كقوله ~~تعالى: (اسكن أنت وزوجك الجنة)، وقوله تعالى: (اذهب أنت وربك). # وقيل: لا يجب التأكيد، بل يشترط الفاصل بينهما، بدليل قوله تعالى: (ما ~~أشركنا ولا آباؤنا)، فعطف (آباؤنا) على المضمر المرفوع، وليس هنا تأكيد بل ~~فاصل، وهو (لا). # وهذا لا حجة فيه، لأنها دخلت بعد واو العطف، والذي يقوم مقام التأكيد ~~إنما يأتي قبل واو العطف، كالآيات المتقدمة، بدليل قوله: (فاستقم كما أمرت ~~ومن تاب معك). # ومنهم من لم يشترط فاصلا، بدليل قوله: (إما أن تلقى وإما ان نكون نحن ~~الملقين)، فأكد السحر ضمير أنفسهم في الإلقاء دون ضمير موسى، حيث لم ~~يقولوا: # (إما أن تلقي أنت). # وفيه دليل على أنهم أحبوا التقديم في الإلقاء لعلمهم بأنهم يأتون بسحر ~~عظيم يقرر عظمته في أذهان الحاضرين فلا يرفعها ما يأتي بعدها على زعمهم، ~~وإنما ابتدأوا بموسى PageV02P411 # فعرضوا عليه البداءة بالإلقاء على عادة العلماء والصناع في تأدبهم مع ~~قرنائهم. ومن ثم قيل: # تأدبوا تهذبوا. # وأجيب بأنه إنما لم يؤكد في الآية لأنه استغنى عن التأكيد بالتصريح ~~بالأولية في قوله: (وإما ms0512 أن نكون أول من ألقي)، وهذا جواب بياني لا نحوي. # فإن قيل: ما وجه هذا الإطناب؟ وهلا قالوا: (إما أن تلقى وإما أن نلقى)؟. # فالجواب من وجهين: # أحدهما: لفظي، وهو المزاوجة لرؤوس الآي على سياق خواتمها، من أول السورة ~~إلى آخرها. # والثاني: معنوي، وهو أنه سبحانه أراد أن يخبر عن قوة أنفس السحرة ~~واستطالتهم عند أنفسهم على موسى، فجاء عنهم باللفظ أتم وأوفى منه في ~~إسنادهم الفعل إليه. # ذكر ذلك ابن جني في " خاطرياته " ثم أورد سؤالا " وهو: إنا نعلم أن ~~السحرة لم يكونوا أهل لسان فيذهب بهم هذا المذهب من صيغة الكلام! وأجاب بأن ~~جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرون الخالية إنما هو ~~من معروف معانيهم، وليست بحقيقة ألفاظهم، ولهذا لا يشك في أن قوله تعالى: ~~(قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا ~~بطريقتكم المثلى) أن هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم. # التاسع: تصدير الجملة بضمير مبتدأ يفيد التأكيد، ولهذا قيل بإفادة الحصر، ~~ذكره الزمخشري في مواضع من كشافه. PageV02P412 # قال في قوله تعالى: (وبالآخرة هم يوقنون) معناه الحصر، أي لا يؤمن ~~بالآخرة إلا هم. # وقال في قوله: (أم اتخذوا آلهة " من الأرض هم ينشرون) أن معناه لا ينشر ~~إلا هم، وإن المنكر عليهم ما يلزمهم حصر الألوهية فيهم. ثم خالف هذه ~~القاعدة لما خالف مذهبه الفاسد في قوله تعالى: (وما هم بخارجين من النار)، ~~فقال: هم هنا بمنزلتها في قوله: * وهو يفرشون اللبد كل طمرة * في دلالته ~~على قوة أمرهم فيما أسند إليهم، لا على الاختصاص. انتهى. # وبيانه أن مقتضى قاعدته في هذه الآية يدل على خروج المؤمنين الفساق من ~~النار، وليس هذا معتقده، فعدل عن ذلك إلى التأويل للآية بفائدة تتم له، ~~فجعل الضمير المذكور يفيد تأكيد نسبة الخلود لهم لا اختصاصه بهم، وهم عنده ~~بهذه المثابة لأن عصاة المؤمنين وإن خلدوا في النار على زعمه إلا أن الكفار ~~عنده أحق بالخلود وأدخل في استحقاقه من عصاة ms0513 المؤمنين، فتخيل في تخريج ~~الآية على قاعدة مذهبه من غير خروج عن قاعدة أهل المعاني في اقتضاء تقديم ~~الضمير الاختصاص. والجواب عن هذا أن إفادة تقديم الضمير المبتدأ للاختصاص ~~والحصر أقوى وأشهر عندهم من إفادة مجرد التمكن في الصفة، وقد نص الجرجاني ~~في " دلائل الاعجاز " على أن إفادة تقديم الفاعل على الفعل للاختصاص جليلة ~~وأما إرادة تحقيق الأمر عند السامع أنهم بهذه الصفة، وأنهم متمكنون منها ~~فليست جليلة، وإذا كان كذلك فلا يعدل عن المعنى الظاهر إلا بدليل، وليس هنا ~~ما يقتضي اخراج الكلام عن معناه الجلي، كيف وقد صحت الأحاديث وتواترت على ~~أن العصاة يخرجون من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وشفاعة غيره، ~~حتى لا يبقى فيها موحد أبدا! فهذه PageV02P413 # الآية فيها دليل لأهل السنة على انفراد الكفار بالخلود في النار ~~واختصاصهم بذلك، والسنة المتواترة موافقه، ولا دليل للمخالف سوى قاعدة ~~الحسن والقبيح العقليين وإلزامهم الله تعالى مما لا ينبغي لهم أن يلزموه من ~~عدم العفو وتحقيق العقاب والخلود الأبدي للمؤمنين في النار. # نعوذ بالله من ذلك! # فائدة [مواضع إفادة الحصر] لا تخص إفادة الحصر بتقديم الضمير المبتدأ، بل ~~هو كذلك إذا تقدم الفاعل، أو المفعول، أو الجار أو المجرور المتعلقات ~~بالفعل، ومن أمثلته قوله تعالى: (قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا) فإن ~~الإيمان لما لم يكن منحصرا في الإيمان بالله بل لابد معه من رسله وملائكته ~~وكتبه واليوم الآخر، وغيره مما يتوقف صحة الإيمان عليه بخلاف التوكل فإنه ~~لا يكون إلا على الله وحده لتفرده بالقدرة والعلم القديمين الباقيين - قدم ~~الجار والمجرور فيه ليؤذن باختصاص التوكل من العبد على الله دون غيره، لأن ~~غيره لا يملك ضرا ولا نفعا فيتوكل عليه، ولذلك قدم الظرف في قوله: # (لا فيها غلول)، ليفيد النفي عنها فقط واختصاصها بذلك، بخلاف تأخيره في: # (لا ريب فيه)، لأن نفي الريب لا يختص بالقرآن بل سائر الكتب المنزلة، ~~كذلك. PageV02P414 # العاشر: منها (هاء) التنبيه في النداء، نحو: (يا أيها)، قال سيبويه: وأما ~~الألف ms0514 والهاء اللتان لحقتا (أيا) توكيدا فكأنك كررت (يا) مرتين إذا قلت: ~~(يا أيها) وصار الاسم تنبيها. # هذا كلامه. وهو حسن جدا، وقد وقع عليه الزمخشري فقال: وكلمة التنبيه ~~المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدة تبيين معاضدة حرف النداء ومكاتفته ~~بتأكيد معناه ووقوعها عوضا مما يستحقه، أي من الإضافة. # الحادي عشر: (يا) الموضوعة للبعيد إذا نودي بها القريب الفطن قال ~~الزمخشري: إنه للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معتنى به جدا. # الثاني عشر: (الواو)، زعم الزمخشري أنها تدخل على الجملة الواقعة صفة ~~التأكيد ثبوت الصفة بالموصوف، كما تدخل على الجملة الحالية، كقوله تعالى: ~~(وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم)، وقوله تعالى: (منه سبعة وثامنهم ~~كلبهم)، والصحيح أن الجملة الموصوف بها لا تقترن بالواو، لأن الاستثناء ~~المفرغ لا يقع في الصفات بل الجملة حال من (قرية) لكونها عامة بتقديم (إلا) ~~عليها. # الثالث عشر: إما المكسورة، كقوله تعالى: (فإما يأتينكم منى هدى "، أصلها ~~(إن) الشرطية زيدت (ما) تأكيدا. وكلام الزجاج يقتضي أن سبب اللحاق نون ~~التوكيد. PageV02P415 # وقال الفارسي: الأمر بالعكس، لمشابهة فعل الشرط بدخول (ما) للتأكيد ~~بالفعل المقسم عليه من جهة أنها كالعدم في القسم لما فيها من التأكيد. ~~وجميع ما في القرآن من الشرط بعد (إما) توكيده بالنون، قال أبو البقاء: وهو ~~القياس، لأن زيادة (ما) مؤذنة بإرادة شدة التوكيد. واختلف النحاة: أتلزم ~~النون المؤكدة فعل الشرط عند وصل (إما) أم لا؟ فقال المبرد والزجاج: يلزم ~~ولا تحذف إلا ضرورة. وقال سيبويه وغيره: لا تلزم فيجوز إثباتها وحذفها، ~~ولاثبات أحسن. ويجوز حذف (ما) وإثبات النون، قال سيبويه: إن تثبت لم تقحم ~~النون، كما أنك إذا أثبت لم تجئ بما. انتهى. # وجاء السماع بعدم النون بعد (إما) كقول الشاعر: # فإما به تريني ولي لمة * فإن الحوادث أودى بها الرابع عشر: أما المفتوحة، ~~قال الزمخشري في قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم)، ~~إنها تفيد التأكيد. # الخامس عشر: ألا الاستفتاحية، كما صرح به الزمخشري، في قوله تعالى: (ألا ~~إنهم هم ms0515 المفسدون)، ويدل عليه قولهم: إنها للتحقيق، أي تحقيق الجملة بعدها، ~~وهذا معنى التأكيد، قال الزمخشري: ولكونها بهذا المنصب من التحقيق لا تكاد ~~تقع الجملة بعدها إلا مصدره بنحو ما يتلقى به القسم نحو: (ألا إن أولياء ~~الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). PageV02P416 # السادس عشر: ما النافية، نحو: ما زيد قائما أو قائم، على لغة تميم، جعل ~~سيبويه فيها معنى التوكيد، لأنه جعلها في النفي جوابا لقد في الإثبات، كما ~~أن (قد) فيها معنى التوكيد، فكذلك ما جعل جوابا لها. ذكره ابن الحاجب في ~~شرح المفصل. # السابع عشر: الباء في الخبر، نحو ما زيد بمنطلق، قال الزمخشري في كشافه ~~القديم: # هي عند البصريين لتأكيد النفي. وقال الكوفيون: قولك: ما زيد بمنطلق، جواب ~~إن زيدا " لمنطلق، (ما) بإزاء (إن) والباء بإزاء اللام، والمعنى راجع إلى ~~أنها للتأكيد، لأن اللام لتأكيد الإيجاب، فإذا كانت بإزائها كانت لتأكيد ~~النفي. # هذا كله في مؤكدات الجملة الاسمية. # [مؤكدات الجملة الفعلية] وأما مؤكدات الفعلية فأنواع: # أحدها: (قد) فإنها حرف تحقيق وهو معنى التأكيد، وإليه أشار الزمخشري في ~~قوله تعالى: (ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم) معناه [حصل له ~~الهدى] لا محالة. # وحكى الجوهري عن الخليل أنه لا يؤتي بها في شئ إلا إذا كان السامع متشوقا ~~" إلى سماعه، كقولك لمن يتشوق سماع قدوم زيد: قد قدم زيد، فإن لم يكن، لم ~~يحسن المجئ بها، بل تقول: قام زيد. # وقال بعض النحاة في قوله تعالى: (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل ~~PageV02P417 # مثل) وفي قوله تعالى: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت): قد في ~~الجملة الفعلية المجاب بها القسم مثل إن واللام في الاسمية المجاب بها في ~~إفادة التأكيد. # وتدخل على الماضي، نحو (قد أفلح من زكاها). # والمضارع، نحو: (قد نعلم إنه ليحزنك)، (قد يعلم ما أنتم عليه)، قال ~~الزمخشري: دخلت قد لتوكيد العلم. # ويرجع ذلك لتوكيد الوعيد، وبهذا يجاب عن قولهم: إنما تفيد التعليل مع ~~المضارع. # وقال ابن إبان: تفيد مع المستقبل ms0516 التعليل في وقوعه أو متعلقه، فالأولى ~~كقولك: زيد قد يفعل كذا، وليس ذلك منه بالكثير، والثاني كقوله تعالى: (قد ~~يعلم ما أنتم عليه)، المعنى والله أعلم: أقل معلوماته ما أنتم عليه. # ثانيا: السين التي للتنفيس، قال سيبويه في قوله تعالى: (فسيكفيكهم الله) ~~معنى السين أن ذلك كائن لا محالة، إن تأخر إلى حين. # وجرى عليه الزمخشري فقال في قوله تعالى: (أولئك سيرحمهم الله) السين تفيد ~~وجود الرحمة لا محالة، فهي تؤكد [الوعد، كما تؤكد] الوعيد، في قولك: ~~(سأنتقم منك يوما) يعني أنك لا تفوتني وإن تبطأت. PageV02P418 # ونحوه: (سيجعل لهم الرحمن ودا "). (ولسوف يعطيك ربك فترضى) (سوف يؤتيهم ~~أجورهم)، لكن قال في قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) معنى الجمع بين ~~حرفي التأكيد والتأخير، أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر. # وقد اعترض عليه بأن وجود الرحمة مستفاد من الفعل لا من السين، وبأن ~~الوجوب المشار إليه بقوله (لا محالة) لا إشعار للسين به. # وأجيب بوجهين: # أحدهما: أن السين موضوعه للدلالة على الوقوع مع التأخر، فإذا كان المقام ~~ليس مقام تأخير لكونه بشارة تمحضت لإفادة الوقوع، وتحقيق الوقوع يصل إلى ~~درجة الوجوب. # وفيه نظر لأن ذلك يستفاد من المقام لا من السين. # والثاني: أن السين يحصل بها ترتيب الفائدة، لأنها تفيد أمرين: الوعيد ~~والإخبار بطرقه، وأنه متراخ، فهو كالإخبار بالشئ مرتين، ولا شك أن الإخبار ~~بالشئ وتعيين طرقه مؤذن بتحققه عند المخبر به. # ثالثها: النون الشديدة، وهي بمنزلة ذكر الفعل ثلاث مرات، وبالخفيفة، فهي ~~بمنزلة ذكره مرتين. # قيل: وهذان النونان لتأكيد الفعل في مقابلة تأكيد الاسم بإن واللام، ولم ~~يقع PageV02P419 # في القرآن التأكيد بالخفيفة إلا في موضعين: (وليكونا من الصاغرين)، وقوله ~~تعالى: (لنسفعا " بالناصية). # ولما لم يتجاوز الثلاثة في تأكيد الأسماء فكذلك لم يتجاوزها في تأكيد ~~الأفعال، قال تعالى: (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ")، لم يزد على ثلاثة: ~~مهل، وأمهل، ورويدا، كلها بمعنى واحد، وهن: فعلان واسم فعل. # رابعا ": (لن)، لتأكيد النفي كأن في تأكيد الإثبات، فتقول: لا أبرح، فإذا ~~أردت تأكيد ms0517 النفي، قلت: لن أبرح. # قال سيبويه: هي جواب لمن قال: سيفعل. يعني والسين للتأكيد فجوابها كذلك. # وقال الزمخشري: (لن) تدل على استغراق النفي في الزمن المستقبل، بخلاف ~~(لا)، وكذا قال في " المفصل ": لن لتأكيد ما تعطيه، لا من نفي المستقبل. ~~وبني على ذلك مذهب الاعتزال في قوله تعالى: (لن تراني) قال: هو دليل عن نفي ~~الرؤية في الدنيا والآخرة، وهذا الاستدلال حكاه إمام الحرمين في " الشامل " ~~عن المعتزلة ورد عليهم بقوله تعالى لليهود: (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ~~ولن يتمنوه أبدا " ثم أخبر عن عامة الكفرة أنهم يتمنون الآخرة فيقولون: (يا ~~ليتها كانت القاضية)، يعني الموت. # ومنهم من قال: لا تنفي الأبد، ولكن إلى وقت، بخلاف قول المعتزلة، وأن ~~النفي (بلا) أطول من النفي (بلن)، لأن آخرها ألف، وهو حرف يطول فيه النفس، ~~فناسب طول المدة بخلاف لن PageV02P420 # ولذلك قال تعالى: (لن تراني) وهو مخصص بدار الدنيا. # وقال: (لا تدركه الأبصار)، وهو مستغرق لجميع أزمنة الدنيا والآخرة، وعلل ~~بأن الألفاظ تشاكل المعاني ولذلك اختصت لا بزيادة له مدة. # وهذا ألطف من رأى المعتزلة، ولهذا أشار ابن الزملكاني في " التبيان " ~~بقوله: # لا تنفي ما بعد، ولن تنفى ما قرب. وبحسب المذهبين أولوا الآيتين: قوله ~~تعالى: (ولن يتمنوه أبدا ")، (ولا يتمنونه أبدا "). # ووجه القول الثاني أن (لا يتمنونه) إلى جاء بعد الشرط في قوله تعالى: (إن ~~زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت)، وحرف الشرط يعم كل ~~الأزمنة، فقوبل بلا، ليعمم ما هو جواب له، أي زعموا ذلك في وقت ما قيل لهم: ~~تمنوا الموت، وأما (ولن يتمنوه)، فجاء بعد قوله: (قل إن كانت لكم الدار ~~الآخرة عند الله خالصة ")، أي إن كانت لكم الدار الآخرة فتمنوا الموت الآن، ~~استعجالا للسكون في دار الكرامة التي أعدها الله لأوليائه وأحبائه. وعلى ~~وفق هذا القول جاء قوله (لن تراني). # قلت: والحق أن لا ولن لمجرد النفي عن الأفعال المستقبلة، والتأبيد وعدمه ~~يؤخذان من دليل خارج، ومن احتج على التأبيد بقوله: (فإن لم ms0518 تفعلوا ولن ~~تفعلوا). # وبقوله: (لن يخلقوا ذبابا ")، عورض بقوله: (فلن أكلم اليوم إنسيا)، ولو ~~كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم، وبقوله: (ولن يتمنوه ابدا ")، ولو ~~كانت PageV02P421 # للتأبيد لكان ذكر الأبد تكريرا والأصل عدمه، وبقوله: (لن نبرح عليه ~~عاكفين حتى يرجع إلينا موسى)، لا يقال: هي مقيدة فلم تفد التأبيد، والكلام ~~عند الإطلاق، لأن الخصم يدعى أنها موضوعه لذلك، فلم تستعمل في غيره. وقد ~~استعملت لا للاستغراق الأبدي في قوله تعالى: (لا يقضي عليهم فيموتوا)، ~~وقوله: # (لا تأخذه سنة ولا نوم)، ولا يؤوده كان حفظهما)، وقوله: # (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط)، وغيره مما هو للتأبيد، ~~وقد استعملت فيه (لا) دون (لن)، فهذا يدل على أنها لمجرد النفي، والتأبيد ~~يستفاد من دليل آخر. # القسم الثاني الصفة وهي مخصصة إن وقعت صفة للنكرة، وموضحة للمعرفة ~~[الأسباب التي تأتي الصفة من أجلها] وتأتي لأسباب: # أحدها: لمجرد المدح والثناء، ومنه صفات الله تعالى، كقوله: (بسم الله ~~الرحمن الرحيم)، فليس ذكر الوصف هنا للتمييز لأنه ليس له مثل - تعالى الله ~~عن ذلك - PageV02P422 # حتى يوضح بالصفة. وأخذ أبو الطيب هذا المعنى فذكر أسامي بعض ممدوحه، ثم ~~قال: # أساميا " لم تزده معرفة " * وإنما لذة " ذكرناها فقوله: (لم تزده) بيان ~~أنها للإطناب والثناء، لا للتعريف والتبيين. # وقيل: إن الصفات الجارية على القديم سبحانه المراد بها التعريف، فإن تلك ~~الصفات حاصلة له، لا لمجرد الثناء، ولو كانت للثناء لكان الاختيار قطعها، ~~ومنه قوله تعالى: # (يحكم بها النبيون الذين أسلموا)، فهذا الوصف للمدح ليس غير، لأنه ليس ~~يمكن أن يكون ثمة نبيون غير مسلمين، كذا قاله الزمخشري. # قال: وأريد بها التعريض باليهود، وانهم بعداء من ملة الاسلام التي هي دين ~~الأنبياء كلهم [في القديم والحديث]، وأن اليهود بمعزل عنها. # والتحقيق أن هذه الصفة للتمييز، وقد أطلق الله وصف الاسلام على الأنبياء ~~وأتباعهم، والأصل في المدح التمييز بين الممدوح وغيره بالأوصاف الخاصة، ~~والإسلام وصف عام، فوصفهم بالإسلام، إما باعتبار الثناء عليه أو الثناء ~~عليهم بعد النبوة تعظيما وتشريفا ms0519 " له، أو باعتبار أنهم بلغوا من هذا الوصف ~~غايته، لأن معنى ذلك يرجع إلى معنى الاستسلام والطاعة الراجعين إلى تحقيق ~~معنى العبودية، التي هي أشرف أوصاف العباد، فكذلك يوصفون بها في أشرف ~~حالاتهم، وأكمل أوقاتهم. وقوله تعالى حكاية " عن إبراهيم PageV02P423 # وإسماعيل: (ربنا واجعلنا مسلمين لك) أي، مستسلمين لأمرك، لقضائك، وكذا ~~قول يوسف: (توفني مسلما ")، وكذلك قوله: (النبيون الذين أسلموا للذين ~~هادوا) تنويه بقدر الاسلام، وتنبيه على عظم أمره، فإن الصفة تعظم بعظم ~~موصوفها كما وصفت الملائكة المقربون بالإيمان في قوله: (يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به) تنويها " بقدر الإيمان، وحضا للبشر على التحلي به، ليكونوا ~~كالمقربين عليه في وصف الإيمان، حتى قيل: أوصاف الأشراف، أشرف الأوصاف. # الثاني: لزيادة البيان، كذا قاله ابن مالك، ومثله بقوله تعالى: (فآمنوا ~~بالله ورسوله النبي الأمي). # وليس ما قاله بواضح، فإن (رسول الله) كما يستعمل في نبينا صلوات الله ~~وسلامه عليه، يستعمل في غيره بطريق الوضع، وتعريفه إنما حصل بالإضافة. # فإن قال: قد كثر استعماله في نبينا صلى الله عليه وسلم، حتى إنه لم يبق ~~الذهن يتبادر إلا إليه! # قلنا: ليس هذا من وضعه بل ذلك من الاستعمال، وقد استعمل في غيره، قال ~~تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله) وفي موضع آخر: (رسل الله) وفي حق عيسى: ~~(ورسولا " إلى بني إسرائيل)، وفي حق موسى: (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا "). ~~PageV02P424 # ثم إن الصفة إنما تكون مثل الموصوف أو دونه في التعريف، وأما أن تكون ~~فوقه فلا، لأنها على كل حال تابعة والتابع دون المتبوع. # فإن قيل: كيف يصح أن يزال إبهام الشئ بما هو أبهم منه؟ # فالجواب: أن التعريف لم يقع بمجرد الصفة، وإنما حصل بمجموع الصفة ~~والموصوف، لأنهما كالشئ الواحد. # الثالث: لتعيينه للجنسية، كقوله تعالى: (وما من دابة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه)، لأن المعنى بدابة والذي سيق له الكلام الجنسية لا الإفراد، ~~بدليل قوله تعالى: (إلا أمم أمثالكم)، فجمع (أمم) محقق إرادة الجنس من ~~الوصف اللازم للجنس المذكور، وهو كون الدابة غير منفكة عن كونها في ms0520 الأرض، ~~وكون الطائر غير منفك كونه طائرا بجناحيه، لينتفي توهم الفردية، هذا معنى ~~ما أشار إليه السكاكي في " المفتاح ". # وحمل بعضهم كلامه على أنه إنما ذكر الوصف ليعلم أن المراد ليس دابة " ~~مخصوصة، وهو بعيد، لأن ذلك معلوم قطعا بدون الوصف، لأن النكرة المنفية - لا ~~سيما مع (من) الاستغراقية - قطعية. # وقال الزمخشري: إن معنى زيادة (في الأرض) و (يطير بجناحيه) يفيد زيادة ~~PageV02P425 # التعميم والإحاطة، حتى كأنه قيل: (وما من دابة من جميع ما في الأرض، وما ~~من طائر [في جو السماء] من جميع ما يطير بجناحيه [إلا أمم أمثالكم محفوظة ~~أحوالها غير مهمل أمرها]). # ويحتمل أن يقال: إن الطيران لما كان يوصف به من يعقل كالجان والملائكة، ~~فلو لم يقل: (بجناحيه) لتوهم الاقتصار على جنسها ممن يعقل، فقيل: (بجناحيه) ~~ليفيد إرادة هذا الطير المعتقد فيه عدم المعقولية بعينه. # وقيل: إن الطيران يستعمل لغة في الخفة، وشدة الإسراع في المشي، كقول ~~الحماسي: # * طاروا إليه زرافات ووحدانا * فقوله: (يطير بجناحيه) رافع لاحتمال هذا ~~المعنى. # وقيل: لو اقتصر على ذكر الطائر فقال: (وما من دابة في الأرض ولا طائر) ~~لكان ظاهر العطف يوهم: (ولا طائر في الأرض)، لأن المعطوف عليه إذا قيد بظرف ~~أو حال يقيد به المعطوف، وكان ذلك يوهم اختصاصه بطير الأرض الذي لا يطير ~~بجناحيه، كالدجاج والإوز والبط ونحوها، فلما قال: (يطير بجناحيه) زال هذا ~~الوهم، وعلم أنه ليس بطائر مقيد، إنما تقيدت به الدابة. # وأما قوله تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) مع أن المعلوم أن ~~الفساد PageV02P426 # لا يقع إلا في الأرض، قيل: في ذكرها تنبيه على أن المحل الذي فيه شأنكم ~~وتصرفكم، ومنه مادة حياتكم - وهي سترة أموالكم - جدير ألا يفسد فيه، إذا ~~محل الإصلاح لا ينبغي أن يجعل محل الإفساد. # وهذا بخلاف قوله تعالى في سورة براءة: (وما لهم في الأرض من ولي ولا ~~نصير) لأن المراد نفي النصير عنهم في جميع الأرض، فلو لم يذكر لاحتمل أن ~~يكون ذلك خاصا " ببعضها. # وأما قوله تعالى: ms0521 (ذلك قولهم بأفواهم)، وقوله تعالى: (إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا ")، وقوله تعالى: (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) ونحوها من ~~المقيد - إذ القول لا يكون إلا بالفم، والأكل إنما يكون في البطن - ففوائده ~~مختلفة: # فقيل: (بأفواهم) للتنبيه على أنه قول لا دليل عليه، بل ليس فيه إلا مجرد ~~اللسان، أي لا يعضده على حجة ولا برهان، وإنما هو لفظ فارغ من معنى تحته، ~~كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم، لا تدل على شئ مؤثر، لأن القول الدال ~~على معنى قول بالفم ومؤثر في القلب، وما لا معنى له مقول بالفم لا غير، أو ~~المراد بالقول المذهب: أي هو مذهبهم بأفواههم لا بقلوبهم، لأنه لا حجة عليه ~~توجب اعتقاده بالقلب. # وقيل: إنه رافع لتوهم إرادة حديث النفس، كما في قوله تعالى: (ويقولون في ~~أنفسهم). PageV02P427 # وقيل: لأن القول يطلق على الاعتقاد، فأفاد (بأفواههم) التنصيص على أنه ~~باللسان دون القلب، ولو لم يقيد لم يستفد هذا المعنى، ويشهد له: (إذا جاءك ~~المنافقون قالوا نشهد إنك...) الآية، فلم يكذب ألسنتهم، بل كذب ما انطوى عن ~~ضمائرهم، من خلافه. # وإنما قال: (في بطونهم نارا ")، لأنه يقال: أكل في بطنه إذا أمعن، وفي ~~بعض بطنه، إذا اقتصر، قال: # كلوا في بعض بطنكم تعفوا * فإن زمانكم زنن خميص فكأنه قيل: يأكلون ما يجر ~~- إذا امتلأت بطونهم - نارا ". # وإنما قال: (التي في الصدور)، فإنه سبحانه لما دعاهم إلى التفكير والتعقل ~~وسماع أخبار من مضى من الأمم، وكيف أهلكهم بتكذيبهم رسله ومخالفتهم لهم ~~قال: # (أولم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها) ~~قال ابن قتيبة: وهل شئ أبلغ في العظمة والعزة من هذه الآية! لأن الله تعالى ~~أراد: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم الله بالكفر ~~والعتو فيروا بيوتا خاوية قد سقطت على عروشها، وبئرا يشرب أهلها فيها قد ~~عطلت، وقصرا " بناه ملكه بالشيد خلا من السكن، وتداعى بالخراب، فيتعظوا ~~بذلك، ويخافوا من عقوبة الله، مثل الذي نزل بهم! PageV02P428 # ثم ذكر ms0522 تعالى أن أبصارهم الظاهرة لم تعم عن النظر والرؤية وإن عميت ~~قلوبهم التي في صدورهم. # وقيل: لما كانت العين قد يعني بها القلب، في نحو قوله تعالى: (الذين كانت ~~أعينهم في غطاء عن ذكري)، جاز أن يعنى بالقلب العين، فقيد القلوب بذكر ~~محلها رفعا " لتوهم إرادة غيرها. # وقيل: ذكر محل العمى الحقيقي الذي هو أولى باسم العمى من عمى البصر، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك ~~نفسه عند الغضب)، أي هذا أولى بأن يكون شديدا منه، فعمى القلب هو الحقيقي ~~لا عمى البصر، فأعمى القلب أولى أن يكون أعمى من أعمى العين، فنبه بقوله: ~~(التي في الصدور) على أن العمى الباطن في العضو الذي عليه الصدر، لا العمى ~~الظاهر في العين التي محلها الوجه. # فوائد تتعلق بالصفة الأولى [الصفة العامة لا تأتي بعد الصفة الخاصة] اعلم ~~أن الصفة العامة لا تأتي بعد الصفة الخاصة، لا تقول: هذا رجل فصيح متكلم، ~~لأن المتكلم أعم من الفصيح، إذ كل فصيح متكلم ولا عكس. # وإذا تقرر هذا أشكل قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق ~~PageV02P429 # الوعد وكان رسولا " نبيا) إذ لا يجوز أن يكون (نبيا) صفة ل‍ (رسول)، لأن ~~الني أعم من الرسول، إذ كل رسول من الآدميين نبي ولا عكس. # والجواب أن يقال: إنه حال من الضمير في (رسولا ") والعامل في الحال ما في ~~(رسول) من معنى (يرسل)، أي كان إسماعيل مرسلا في حال نبوته، وهي حال مؤكدة، ~~كقوله: # (وهو الحق مصدقا "). # الثانية تأتي الصفة لازمة لا للتقييد كقوله تعالى: (ومن يدع مع الله إلها ~~آخر لا برهان له به) قال الزمخشري: # هي كقوله: (وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ")، وهي صفة لازمة نحو ~~قوله: (يطير بجناحيه) جئ بها للتوكيد، لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن ~~يقوم عليه برهان. ويجوز أن يكون اعتراضا " بين الشرط والجزاء، كقولك: من ~~أحسن إلى زيد - لا أحق بالاحسان منه - فالله مثيبه. # وقال ms0523 الماتريدي: هذا لبيان خاصة الإشراك بالله ألا تقوم على صحته حجة، لا ~~بيان أنه نوعان، كما في قوله: (ولا طائر يطير بجناحيه) هو بيان خاصة ~~الطيران، لا أنه نوعان. PageV02P430 # وقوله: (سفها " بغير علم) والسفه لا يكون إلا عن جهل. وقيل (بغير علم) ~~بمقدار قبحه. # وقوله: (ويقتلون النبيين بغير الحق)، ولا يكون قتلهم إلا كذلك لأن معناه ~~(بغير الحق) في اعتقادهم، لأن التصريح بصفة فعلهم القبيح أبلغ في ذمهم وإن ~~كانت تلك الصفة لازمه للفعل، كما في عكسه: (قال رب احكم بالحق) لزيادة معنى ~~في التصريح بالصفة. # وقال بعضهم: ولأن قتل النبي قد يكون بحق، كقتل إبراهيم عليه السلام ولده، ~~ولو وجد لكان بحق. وقال الزمخشري: إنما قيده لأنهم لم يقتلوا ولم يفسروا في ~~الأرض، وإلا استوجبوا القتل بسبب كونه شبهة. # وإنما نصحوهم بن ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، ولو أنصفوا من أنفسهم لم ~~يذكروا وجها يوجب عندهم القتل. # وكقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)، مع أن ذلك منهى عنه ~~في غير الحج أيضا "، لكن خصص بالذكر هنا لتأكيد الأمر وخطره في الحج، وأنه ~~لو قدر جواز مثل ذلك في غير الحج لم يجز في الحج، كيف وهو لا يجوز مطلقا "! # وقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) ولم يذكر مثل ذلك في قوله تعالى: # (ثم أتموا الصيام إلى الليل)، لأن الرياء يقع في الحج كثيرا، فاعتنى فيه ~~بالأمر بالاخلاص. # وقوله تعالى: (ومن أصل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) واتباع الهوى لا ~~يكون إلا كذلك. PageV02P431 # و قيل: بل يكون الهوى في الحق، فلا يكون من هذا النوع. # وقوله تعالى: (و من أحسن من الله حكما " لقوم يوقنون)، فإن حكمه تعالى ~~حسن لمن يوقن ولمن لا يوقن، لكن لما كان القصد ظهور حسنة والاطلاع عليه ~~وصفة بذلك، لأن المؤمن هو الذي يطلع على ذلك دون الجاهل. # وقوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم)، و الكتابة لا تكون إلا ~~باليد، ففائدته مباشرتهم ذلك التحريف بأنفسهم، وذلك زيادة في ms0524 تقبيح فعلهم، ~~فإنه يقال: كتب فلان كذا وإن لم يباشره بل أمر به، كما في قول علي: (كتب ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية). # الثالثة قد تأتي الصفة بلفظ والمراد غيره كقوله تعالى: (صفراء فاقع ~~لونها)، قيل. المراد: (سوداء ناصع)، وقيل: # بل على بابها. # ومنه قوله تعالى: (كأنه جمالة صفر) قيل: كأنه أينق سنة سود، وسمي الأسود ~~من الإبل أصفر، لأنه سواد تعلوه صفرة. # الرابعة قد تجئ للتنبيه على التعميم كقوله تعالى: (كلوا من ثمره إذا ~~أثمر) مع أن المعلوم أنما يؤكل إذا أثمر، PageV02P432 # فقيل: فائدته نفي توهم توقف الإباحة على الادراك قبل والنضج بدلالته على ~~الإباحة من أول اخراج الثمرة. # وقوله تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد). # وقوله: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) فإن غير مال اليتيم ~~كذلك، لكن إنما خصه بالذكر، لأن الطمع فيه أكثر لعجزه وقلة الناصر له، ~~بخلاف ما البالغ. أو لان التخصيص بمجموع الحكمين، وهما النهي عن قربانه ~~بغير الأحسن. # وقوله: (و إذا قلتم فاعدلوا)، مع أن الفعل كذلك، وقصد به ليعلم وجوب ~~العدل في الفعل من باب أولى، كقوله: (فلا تقل لهما أف). # الخامسة قد يحتمل اللفظ كثيرا " من الأسباب السابقة وله أمثله، منها قوله ~~تعالى: (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد)، فإن ابن مالك ~~وغيره من النحويين جعلوه نعتا، قصد به مجرد التأكيد. # ولقائل أن يقول: إن (إلهين) مثنى و (الاثنان) للتثنية، فما فائدة الصفة؟ ~~وفيه وجوه: # أحدهما: قاله ابن الخباز: إن فائدتها توكيد نهي الإشراك بالله سبحانه، و ~~ذلك PageV02P433 # لأن العبرة في النهي عن اتخاذ الإلهين، إنما هو لمحض كونهما اثنين فقط، ~~ولو وصف (إلهين) بغير ذلك من الصفات، كقوله: (لا تتخذوا الهين عاجزين) ~~لأشعر بأن القادرين يجوز أن يتخذا، فمعنى التثنية شامل لجميع الصفات، ~~فسبحان من دقت حكمته في كل شئ! # ونظير هذا ما قال الأخفش في قوله: (فإن كانتا اثنتين). # الثاني: أن الوحدة تطلق ويراد بها النوعية، ومنه قوله صلى الله عليه ms0525 ~~وسلم: ((إنما نحن وبنو عبد المطلب شئ واحد)، وتطلق ويراد بها العدد، نحو ~~(إنما زيد رجل واحد)، فالتثنية باعتبارها. فلو قيل: (لا تتخذوا إلهين) فقط ~~لصح في موضوعه أن يكون نهيا عن اتخاذ جنسين آلهة، وجاز أن يتخذ من نوع واحد ~~أعداد آلهة، لأنه يطلق عليهم أنهم واحد، لا سيما وقد يتخيل أن الجنس الواحد ~~لا تتضاد الرحمن مطلوباته، فيصح، فلما قال: (اثنين) بين فيه قبح التعديد ~~للإله وأنه منزه عن العددية. وقد أومأ إليه الزمخشري بقوله: # (ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله ولم تصفه بواحد لم يحسن، وقيل لك: إنك ~~نفيت الإلهية لا الوحدانية). # الثالث: أنه لما كان النهي واقعا " على التعدد والاثنينية دون الواحد أتى ~~بلفظ الاثنين، لأن قولك: (لا تتخذ ثوبين) يحتمل النهي عنهما جميعا "، ~~ويحتمل النهي عن الاقتصار عليهما، فإذا قلت: (ثوبين اثنين) علم المخاطب أنك ~~نهيته عن التعدد والاثنينية دون الواحد، وأنك إنما أردت منه الاقتصار على ~~ثوب واحد، فتوجه النفي إلى نفس التعدد العدد، PageV02P434 # فأنى باللفظ الموضوع له، الدال عليه فكأنه قال: (لا تعدد روى الآلهة، ولا ~~تتخذ عددا " تعبده، إنما هو إله واحد). # الرابع: أن (اتخذ) هي التي تتعدى إلى مفعولين، ويكون (اثنين) مفعولهما ~~الأول و (إلهين) مفعولهما الثاني، وأصل الكلام: (لا تتخذوا اثنين إلهين) ثم ~~قدم المفعول الثاني على الأول. ويدل على التقديم والتأخير أن إلهين أخص من ~~(اثنين)، واتخاذ اثنين يقع على ما يجوز، وعلى مالا يجوز، وأما اتخاذ اثنين ~~إلهين فلا يقع إلا على ما يجوز. # وقدم (إلهين) على (اثنين) إذ المقصود بالنهي اتخاذهما إلهين، فالنهي وقع ~~على معنيين: الآلهة المتخذة، وعلى هذا فلا بد من ذكر (الاثنين) و ~~(الإلهين)، إذ هما مفعولا لاتخاذ. # قال صاحب " البسيط ": وهذا الوجه هو الجيد، ليخرج بذلك على التأكيد، وأما ~~إذا جعل (إلهين) مفعول (تخذوا) و (اثنين) صفة، فإنه أيضا " لا يخرج عن ~~الوصف إلى التأكيد، لأنه لا يستفاد من (اثنين) ما استفيد من (إلهين)، لأن ~~الأول يدل على العدد والجنس، والثاني ms0526 على مجرد الاثنينية، قال: وهذا الحكم ~~في قوله تعالى: (من كل زوجين اثنين) في دخول (اثنين) في حد الوصف، إلا إن ~~من قرأ بتنوين (كل) فإنه حذف المضاف إليه، وجعل التنوين عوضا " عنه، ~~(وزوجين) مفعول (احمل) أو (فاسلك) و (اثنين)) نعت. # و (من) يحتمل أنه متعلق بفعل الأمر، ويحتمل أن يتعلق بمحذوف، لكونه حالا ~~من نكرة تقدم عليها، والتقدير: احمل أو اسلك فيها زوجين اثنين من كل صنف. ~~ومن قرأ بإضافة (كل) احتمل وجهين: أحدهما أن تجعل: (اثنين) المفعول، والجار ~~والمجرور متعلق PageV02P435 # بفعل الأمر المحذوف كما تقدم. والثاني جعل (من) زائدة على رأي الأخفش، و ~~(كل) هي المفعول و (اثنين) صفة. # الخامس: أنه بدل، وينوي بالأول الطرح، واختاره النيلي في " شرح الحاجبية ~~" قال: # لما فيه من حسم مادة التأويل. ونظير السؤال في الآية قوله تعالى: (فإن ~~كانتا اثنتين)، فإن مروان بن سعد المهلبي سأل أبا الحسن الأخفش، فقال: ما ~~الفائدة في هذا الخبر؟ أراد مروان أن لفظ (كانتا) تفيد التثنية، فما فائدة ~~تفسيره الضمير المسمى باثنتين مع أنه لا يجوز (فإن كانتا ثلاثا) ولا فوق ~~ذلك، فلم يفصل الخبر الاسم في شئ؟ # فأجاب أبو الحسن، بأنه أفاد العدد المحض مجردا عن الصفة، أي قد كان يجوز ~~أن يقال: # (فإن كانتا صغيرتين فلهما كذا) أو (كبيرتين فلهما كذا) أو (صالحتين)) أو ~~غير ذلك من الصفات، فلما قال: (اثنتين) أفهم أن فرض الثلثين [للأختين] تعلق ~~بمجرد كونهما انثنتين فقط [على أي صفة]، وهي فائدة لا تحصل من ضمير المثنى. ~~ومعناه أنهم كانوا في الجاهلية يورثون البنين دون البنات، وكانوا يقولون: ~~لا نورث إلا من يحمل الكل وينكئ العدو، فلما جاء الاسلام بتوريث البنات ~~أعلمت الآية أن العبرة في أحد الثلثين من الميراث منوط بوجود اثنتين من ~~الأخوات، من غير اعتبار أمر زائد على العدد. # قال الحريري: و [العمري] لقد أبدع حديث مروان في استنباطه وسؤاله، وأحسن ~~أبو الحسن في كشف إشكاله! # ولقد نقل ابن الحاجب في " أماليه " هذا الجواب عن أبي علي ms0527 الفارسي - وقد ~~بينا PageV02P436 # أنه من كلام الأخفش - ثم اعترض عليه بأن اللفظ وإن كان صالحا لإطلاقه على ~~المثنى مجردا عن الصفات لا يصح إطلاقه خبرا " دالا على التجريد من الصفات، ~~وإنما يعنى باللفظ ذاته الموضوعة له، ألا ترى أنك إذا قلت: (جاءني رجل)، لا ~~يفهم إلا ذات، من غير أن يدل على تجريد عن مرض أو جنون أو عقل، فكذلك ~~(اثنتين) لا تدل إلا على مسمى (اثنتين) فقط فلم يستفد منه شئ زائد على ~~المستفاد من ضمير التثنية. ثم لو سلم صحة إطلاق اللفظ كذلك فلا يصح هاهنا، ~~إذ لو صح لجاز أن يقال: (فإن كانتا على أي صفة حصل) ولو قيل ذلك لم يصح، ~~لأن تثنية الضمير في (كانتا) عائد على الكلالة والكلالة تكون واحدا " ~~واثنين وجماعة، فإذا أخبر باثنتين حصلت به فائدة. # ثم لما كان الضمير الذي في (كانتا) العائد على الكلالة هو في معنى اثنين ~~صح أن تثنية لأن تثنيته فرع عن الإخبار باثنين، إذ لولاه لم يصح أنه لم ~~تستفد التثنية إلا من اثنين. # وقد أورد على ذلك اعتراض آخر، وهو أن هذه الآية مماثلة لقوله تعالى: ~~(يوصيكم الله في أولادكم)، ثم قال: (فإن كن نساء)، (فإن كانت واحدة) ولو ~~كان على ما ذكرتم لوجب أن يصح إطلاق الأولاد على الواحد كما في الكلالة، ~~وإلا لكان الضمير لغير مذكور! # والجواب بشئ يشمل الجميع، وهو أن الضمير قد يعود على الشئ باعتبار المعنى ~~الذي سيق إليه ونسب إلى صاحبه، فإذا قلت: إذا جاءك رجال، فإن كان واحدا ~~فافعل به كذا، وإن كان اثنين فكذا، صح إعادة الضمير باعتبار المعنيين، لأن ~~المقصود الجائي، وكأنك قلت: وإن كان الجائي من الرجال، لأنه علم من قولك: ~~(إذا جاءك) والآية سيقت لبيان PageV02P437 # الوارثين الأولاد، فكأنه قيل: (فإن كان الوارث من الأولاد)، لأنه المعنى ~~الذي سيق له الكلام، فقد دخلت (الاثنان) باعتبار هذا المعنى. # ويجوز أن تبقى الآية الأولى على ما ذكرنا ويختص هذا الجواب بهذه. # قلت: وفي هذه الآية ثلاثة أجوبة ms0528 أخر: # أحدها: أنه كلام محمول على المعنى، أي: (فإن كان من ترك اثنتين)، وهذا ~~مفيد، فأضمره عند على ما بعد، و (من) يسوغ معها ذكر الاثنين، لأنه لفظ مفرد ~~يعبر به عن الواحد والاثنين والجمع، فإذا وقع الضمير موقع (من) جرى مجراها ~~في جواز الإخبار عنها بالاثنين. # الثاني: يكون من الأشياء التي جاءت على أصولها المرفوضة، كقوله تعالى: # (استحوذ عليهم الشيطان)، وذلك أن حكم الأعداد فيما دون العشرة أن تضاف ~~إلى المعدود، كثلاثة رجال، وأربعة أبواب، فكان القياس أن يقول: اثنين رجل، ~~وواحد رجل، ولكنهم رفضوا ذلك لأنك تجد لفظه تجمع العدد والمعدود، فتغنيك عن ~~إضافة أحدهما إلى الآخر، وهو قولك: رجلان ورجل، وليس كذلك ما فوق الاثنتين، ~~ألا ترى أنك إذا قلت: ثلاثة، لم يعلم المعدود ما هو؟ وإذا قلت: رجال، لم ~~يعلم عددهم ما هو؟ فأنت مضطر إلى ذكر العدد والمعدود، فلذلك قيل: كان ~~الرجال ثلاثة ولم يقل: # كان الرجلان اثنتين، ولا الرجلان كانا اثنين، فإذا استعمل شئ من ذلك كان ~~استعمالا للشئ المرفوض، كقوله: # * ظرف عجوز فيه اثنتا حنظل * PageV02P438 # فإن قيل: كيف يحمل القرآن عليه، وإنما هو الشعر؟ # قيل: إنا وجدنا في القرآن أشياء جاءت على الأصول المرفوضة (كالمستحوذ) ~~ونظائرها. # الثالث: أن المراد (فان كانتا اثنتين فصاعدا)، فعبر بالأدنى عنه وعما ~~فوقه. # قال ابن الضائع النحوي. # قلت: ونظائرها قوله تعالى: (فإن لم يكونا رجلين) فإن الرجولية المثناة ~~فهمت من الضمير، بدليل: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم)، فالظاهر أن قوله: # (رجلين) حال لا خبر، فكأنا لمعنى: (فإن لم يوجدا حال كونهما رجلين). # ومثله قوله تعالى: (إني وضعتها أنثى)، فإن الأنوثة فهمت من قوله: # (وضعتها). # وأورد بعضهم السؤال في الأول، فقال: الضمير في (يكونا) للرجلين، لأن ~~(الشهيدين) قيدا بأنهما من الرجال، فكأن الكلام: (فإن لم يكن الرجلان ~~رجلين)، وهذا محال. # وأجاب بعضهم بما أجاب به الأخفش في آية المواريث: إن الخبر هنا أفاد ~~العدد المجرد عن الصفة. # وهذا ضعيف، إذ وضع فيه (الرجلين) موضع (الاثنين)، وهو تجوز بعيد، والذي ~~ذكره ms0529 الفارسي: المجرد منهما، الرجولية أو الأنوثية أو غيرها من الصفات، ~~فكيف يكون لفظ موضوع لصفة ما دالا على نفيها! PageV02P439 # على أن في جواب الفارسي هناك نظرا، فإنه لم يزد على أن جعل نفس السؤال ~~جوابا! # كأنه قيل: لم ذكر العدد وهو متضمن للضمير فقال: لأنه يفيد العدد المجرد، ~~فلم يزد الألفاظ تجردا. # قال: وأما من أجاب بأن (رجلين) منصوب على الحال المبينة و (كان) تامة فهو ~~أظرف من الأول، فإنه سئل عن وجه النظم، وأسلوب البلاغة ونفي مالا يليق بها ~~من الحشو، فأجاب بالإعراب، ولم يجب عن السؤال بشئ، والذي يرد عليه وهو خبر ~~يرد عليه وهو حال، وما زادنا إلا التكلف في جعله حالا. # والذي يظهر في جواب السؤال هو أن (شهيدين) لما صح أن يطلق على المرأتين ~~بمعنى (شخصين شهيدين) قيده قوله تعالى: (من رجالكم)، ثم أعاد الضمير في ~~قوله تعالى: (فإن لم يكونا) على (الشهيدين المطلقين)، وكان عودة عليهما ~~أبلغ ليكون نفي الصفة عنهما كما كان إثباتها لهما، فيكون الشرط موجبا ونفيا ~~على الشاهدين المطلقين لأن قوله: (من رجالكم)، كالشرط، كأنه قال: (إن كانا ~~رجلين)، وفي النظم على هذا الأسلوب من الارتباط وجرى الكلام على نسق واحد ~~مالا خفاء به. وأما في آية المواريث، فالظاهر أن الضمير وضع موضع الظاهر ~~اختصارا لبيان المعنى، بدليل أنه لم يتقدمه ما يدل عليه لفظا، فكأنه قال: ~~(فإن كان الوارث اثنين)، ثم وضع ضمير الاثنين موضع الوارث الذي هو جنس، لما ~~كان المراد به منه (الاثنان). وأيضا فإن الإخبار عن الوارث - وإن كان جمعا ~~- باثنين ففيه تفاوت ما، لكونه مفرد اللفظ، فكان الأليق بحسن النظم وضع ~~المضمر موضع الظاهر، ثم يجرى الخبر على من حدث عنه - وهو الوارث - فيجري ~~الكلام في طريقه، مع الإيجاز في وضع المضمر الظاهر، والسلامة من تفاوت ~~اللفظ، في الإخبار عن لفظ مفرد بمثنى. PageV02P440 # ونظير هذا - مما وقع فيه اسم موضع غيره إيجازا ثم جرى الكلام مجراه في ~~الحديث عمن هو له، وإن لم يذكر - قوله تعالى: ms0530 (وكم من قرية أهلكناها فجاءها ~~بأسنا بياتا " أو هم قائلون)، فعاد هذا الضمير والخبر على أهل القرية الذين ~~أقيمت القرية في الذكر مقامهم، فجرى الكلام مجراه مع حصول الإيجاز في وضع ~~القرية موضع أهلها، وفهم المعنى بغير كلفة، وهذه الغاية في البيان يقصد عن ~~مداها الانسان. # ومنها قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة)، قال ابن عمرون: # لما فهم منها التأكيد ظن بعضهم أنها ليست بصفة. وليس بجيد، لأنها دلالة ~~على بعض أحوال الذات، وليس في (واحدة) دلالة على نفخ، فدل على أنها ليست ~~تأكيدا ". انتهى. # وفي فائدة (واحدة) خمسة أقوال: # أحدها: التوكيد، مثل قولهم: (أمس الدابر). # الثاني: وصفها ليصح أن تقوم مقام الفاعل، لأنها مصدر والمصدر لا يقوم ~~مقام الفاعل إلا إذا وصف. ورد بان تحديدها بتاء التأنيث مصحح لقيامها مقام ~~الفاعل. # الثالث: أن الوحدة لم تعلم من (نفخة) إلا ضمنا " وتبعا "، لأن قولك: ~~(نفخة) يفهم منه أمران: النفخ والوحدة، فليست (نفخة) موضوعة للوحدة، فلذلك ~~صح وصفها. # الرابع: وصفه النفخة بواحدة لأجل [نفي] توهم الكثرة، كقوله تعالى: (وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها) فالنعمة في اللفظ واحدة وقد علق عدم الإحصاء ~~بعدها. PageV02P441 # الخامس: أتى بالوحدة ليدل على أن النفخة لا اختلاف في حقيقتها، فهي واحدة ~~بالنوع، كقوله: (وما أمرنا إلا واحدة)، أي لا اختلاف في حقيقته. # ومنها قوله تعالى: (وإلهكم إله واحد)، قيل ما فائدة (إله)؟ وهلا جاء ~~(وإلهكم واحد) وهو أوجز؟ # قيل: لو قال: (وإلهكم واحد) لكان ظاهره إخبارا عن كونه واحدا في إلهيته، ~~يعني لا إله غيره، ولم يكن إخبارا " عن توحده في ذاته، بخلاف ما إذا كرر ~~ذكر الإله، والآية إنما سيقت لإثبات أحديته في ذاته ونفي ما يقوله النصارى ~~إنه إله واحد والأقانيم ثلاثة، أي الأصول، كما أن زيدا واحدا وأعضاؤه ~~متعددة، فلما قال: (إله واحد) دل على أحدية الذات والصفة. # ولقائل أن يقول: قوله: (واحد) يحتمل الأحدية في الذات والأحدية في ~~الصفات، سواء ذكر (الإله) أولا، فلا يتم الجواب. # ومنها قوله: (ومناة الثالثة ms0531 الأخرى)، ومعلوم بقوله: (الثالثة) أنها ~~(الأخرى)، وفائدته التأكيد. ومثله على رأي الفارسي: (وأنه أهلك عادا " ~~الأولى). # وأما قوله: (فخر عليهم السقف من فوقهم)، قيل بمعنى (عن) أي خر عن كفرهم ~~بالله، كما تقول: اشتكى فلان عن دواء شربه، أي من أجل كفرهم. أو بمعنى ~~اللام، أي فخر لهم. وقيل: لأن العرب لا تستعمل لفظه (على) في مثل هذا ~~الموضع إلا في الشر والأمر المكروه، تقول: خربت على فلان ضيعته، كقوله: ~~(واتبعوا PageV02P442 # ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان)، (ويقولون على الله الكذب)، (أتقولون ~~على الله مالا تعلمون). وقيل: لأنه يقال: سقط عليه موضع كذا، إذا كان ~~يملكه، وإن لم يكن من فوقه بل تحته، فدل قوله تعالى: (من فوقهم) على ~~الفوقية الحقيقية، وما أحسن هذه المقابلة بالفوقية بما تقدم من قوله: (فأتى ~~الله بنيانهم من القواعد)! كما تقول: أخذ برجله فسقط على رأسه. # السادسة [إذا اجتمع مختلفان في الصراحة والتأويل] إذا اجتمع مختلفان في ~~الصراحة والتأويل قدم الاسم المفرد، ثم الظرف أو عديله، ثم الجملة، كقوله ~~تعالى: (اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها " في الدنيا والآخرة ومن المقربين. ~~ويكلم الناس في المهد وكهلا " ومن الصالحين)، فقوله (وجيها) حال، وكذلك (من ~~المقربين)، وقوله (يكلم) وقوله: (من الصالحين)، فهذه أربعة أحوال انتصبت عن ~~قوله: (كلمة) والحال الأولى جئ بها على الأصل اسما صريحا، والثانية في ~~تأويله، جار ومجرور، [وجئ] بها هكذا لوقوعها فاصلة في الكلام، ولو جئ بها ~~اسما صريحا لناسبت الفواصل، والثالثة جملة فعلية، والرابعة جار ومجرور. # ومنه قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه)، (قال ~~PageV02P443 # رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما)، ولما كان الظرف فيه شبه من ~~المفرد وشبه من الجملة جعل بينهما. # وقد أوجب ابن عصفور، ذلك وليس كما قال، فقد قال تعالى: (فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين) ولا يقال: إن (أذلة) بدل لأنه مشتق، ~~والبدل إنما يكون في الجوامد، كما نص عليه هو وغيره. # وأما قوله تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك)، ms0532 فقيل: إنه من تقديم الجملة ~~على المفرد، ويحتمل أن يكون (مبارك) خبرا " لمحذوف، فلا يكون من هذا الباب. # السابعة [في اجتماع التابع والمتبوع] في اجتماع التابع والمتبوع أنهم ~~يقدمون المتبوع، فيقولون: (أبيض ناصع) و (أصفر فاقع) و (أحمر قان) و (أسود ~~غربيب)، قال الله تعالى: (صفراء فاقع لونها)، والمعنى أن التبع فيه زيادة ~~الوصف، فلو قدم لكان ذكر الموصوف بعده عيبا "، إلا أن يكون لمعنى أوجب ~~تقديمه. # وقد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى: (وغرابيب سود)، وهي من الآيات التي ~~صدئت فيها الأذهان الصقيلة، وعادت بها أسنة الألسنة مفلولة، ومن جملة ~~العجائب أن شيخا " أراد أن يحتج على مدرس لما ذكر له هذا السؤال، فقال: ~~إنما ذكر السواد لأنه قد يكون في الغربان ما فيه بياض، وقد رأيته ببلاد ~~المشرق! فلم يفهم من الآية إلا أن الغرابيب هو الغراب، ولا قوة إلا بالله! ~~PageV02P444 # والذي يظهر في ذلك أن الموجب لتقديم (الغرابيب) هو تناسب الكلم وجريانها ~~على نمط متساوي التركيب، وذلك أنه لما تقدم البيض والحمر دون اتباع كان ~~الأليق بحسن النسق وترتيب النظام أن يكون (السود) كذلك، ولكنه لما كان في ~~(السود) هنا زيادة الوصف، كان الأليق في المعنى أن يتبع بما يقتضي ذلك، وهو ~~الغرابيب، فيقابل حظ اللفظ وحظ المعنى، فوفى الخطاب وكمل الغرضان جميعا، ~~ولم يطرح أحدهما الآخر، فيقع النقص من جهة الطرح، وذلك بتقديم (الغرابيب) ~~على (السود) فوقع في لفظ (الغرابيب) حظ المعنى في زيادة الوصف. وفي ذكر ~~(السود) مفردا " من الاتباع حظ اللفظ، إذا جاء مجردا " عن صورة البيض ~~والحمر، فاتسقت الألفاظ كما ينبغي، وتم المعنى كما يجب، ولم يخل بواحدة من ~~الوجهين، ولم يقتصر على (الغرابيب) وإن كانت متضمنه لمعنى (السود)، لئلا ~~تتنافر الألفاظ، فإن ضم الغربيب إلى البيض والحمر ولزها في قرن واحد: # * كابن اللبون إذا ما لز في قرن * غير مناسب لتلاؤم الألفاظ وتشاكلها، ~~وبذكر السود وقع الالتئام واتسق نسق النظام، وجاء اللفظ والمعنى في درجة ~~التمام، وهذا لعمر الله من العجائب التي ms0533 تكل دونها العقول، وتعيابها الألسن ~~لا تدري ما تقول! والحمد لله. PageV02P445 # ثم رأيت أبا القاسم السهيلي، أشار إلى معنى غريب، فنقل عن أبي حنيفة ~~الدينوري أن (الغربيب) اسم لنوع من العنب وليس بنعت، قال: ومن هذا يفهم ~~معنى الآية، و (سود) عندي بدل لا نعت، وإن كان (الغربيب) إذا أطلق لفظه ولم ~~يقيد بذكر شئ موصوف قلما يفهم منه العنب الذي هو اسمه خاصة، فمن ثم حسن ~~التقييد. # الثامنة [عند تكرار النعوت لواحد] إذا تكررت النعوت لواحدة، فتارة يترك ~~العطف، كقوله: (و لا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم)، وتارة تشترك ~~بالعطف كقوله: (سبح اسم ربك الأعلى. # الذي خلق فسوى. والذي قدر فهدى) ويشترط في ذلك اختلاف معانيها، قال ~~الزمخشري وأبو البقاء: دخول العاطف يؤذن بأن كل صفة مستقلة. انتهى. # والعطف أحسن إن تباعد معنى الصفات، نحو: (هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن)، وإلا فلا. # التاسعة فصل الجمل في مقام المدح والذم أبلغ من جعلها نمطا " واحدا " قال ~~أبو على الفارسي: إذا ذكرت صفات في معرض المدح والذم، فالأحسن أن يخالف في ~~إعرابها، لأن المقام يقتضي الإطناب، فإذا خولف في الإعراب كان المقصود ~~أكمل، لأن المعاني عند الاختلاف تتنوع وتتفنن، وعند الإيجاز تكون نوعا " ~~واحدا ". PageV02P446 # ومثله في المدح قوله: (والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ~~والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) فانتصب (المقيمين) على القطع، وهو من ~~صفة المرفوع الذي هو (المؤمنون). وقيل: بل انتصب بالعطف على قوله: (بما ~~أنزل إليك)، وهو مجرور، وكأنه قال: (يؤمنون بالذي أنزل إليك وبالمقيمين) أي ~~بإجابة المقيمين، والأول أولى، لأن الموضع للتفخيم فالأليق به إضمار الفعل، ~~حتى يكون الكلام جملة لا مفردا. # ومثله قوله تعالى: (ولكن البر من آمن بالله) إلى قوله: (والموفون بعهدهم ~~إذا عاهدوا والصابرين) نص عليه سيبويه. # وجوز السيرافي أن يحمل على قوله: (وآتى المال على حبه ذوي القربى) إلى أن ~~قال: (والصابرين)، ورده الصفار بأنه لا يعطف على الموصول قبل تمام الصلة، ~~وإن كان (والصابرين) معطوفا على (والسائلين) فهو ms0534 من صلة (من) فكذلك المعطوف ~~عليه. # والصواب أن يكون المعطوف من صلة (من)، وتكون الصلة كملت PageV02P447 # عند قوله تعالى: (وآتى الزكاة) ثم أخذ في القطع. # ومثاله في الذم: (وامرأته حمالة الحطب) بنصب (حمالة). # تنبيهان الأول: إنما يحسن القطع بشرطين: أحدهما أن يكون الموصوف معلوما ~~"، أو منزلا منزلة المخاطب لا يتصور عنده البناء على مجهول. وقولنا (أو ~~منزلا تعالى منزلة المعلوم) لابد منه وقال الزمخشري في قوله تعالى: (الذي ~~له ملك السماوات والأرض): رفع على الإبدال من (الذي نزل) أو رفع على المدح، ~~أو نصب عليه. # قال الطيبي: والإبدال أولى، لأن من حق صلة الموصول أن تكون معلومة عند ~~المخاطب، وكونه تعالى: (نزل الفرقان على عبده) لم يكن معلوما للعالمين، ~~فأبدل بقوله: (له ملك السماوات والأرض) بيانا " وتفسيرا " وتبين لك المدح. # وجوابه ما ذكرنا أن المنزل بمنزلة المعلوم منزلة المعلوم، وها هنا لقوة ~~دليله أجرى مجرى المعلوم، وجعلت صلة، نص عليه سيبويه والجمهور. # وثانيهما أن يكون الصفة للثناء والتعظيم. # وشرط بعضهم ثالثا، وهو تقدم الاتباع، حكاه ابن بابشاذ. PageV02P448 # وزيفة الأستاذ أبو جعفر بن الزبير، وقال: إنما يتم ذلك إذا كان الموصوف ~~يفتقر إلى زيادة بيان، فحينئذ يتقدم الاتباع ليستحكم العلم بالموصوف، أما ~~إذا كان معلوما " فلا يفتقر إلى زيادة بيان. قال: والأصل - فيما الصفة فيه ~~مدح أو ذم والموصوف معلوم - قطع الضمير، وهو الأفصح، ولا يشترط غير ذلك. # وقد أورد على دعوى أفصحية القطع عند ذلك إجماع القراء السبعة على الاتباع ~~في قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين)، ~~فضعفوا قراءة النصب على القطع مع حصول شرطي القطع. # وأجاب ابن الزبير بأن اختيار القطع مطرد ما لم تكن الصفة خاصة بمن جرت ~~عليه، لا يليق ولا يتصف بها سواه. ولا شك أن هذا الضرب قليل جدا "، فكذلك ~~لم يفصح سيبويه باشتراطه. فإذا كانت الصف ممن لا يشارك فيها الموصوف غيره، ~~وكانت مختصة بمن جرت عليه، فالوجه فيها الاتباع. # ونظير ذلك في صفات الله سبحانه وتعالى مما يتصف ms0535 به غيره، فلذلك لم يقطع، ~~وعليه ورد السماع لهذه الآيات الشريفة. # وكذلك قوله تعالى: (حم: تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم. غافر الذنب ~~وقابل التوب شديد العقاب. ذي الطول)، لما كان وصفه تعالى ب‍ (غافر الذنب) ~~وما بعده لا يليق بغيره، لم يكن فيه إلا الاتباع، والاتباع لا يكون إلا بعد ~~القطع، ويلزم الاتباع في الكل. # وهذا مع تكرر الصفات، وذلك من مسوغات القطع على صفة ما، وعند بعضهم من ~~غير تقييد بصفة. PageV02P449 # وأما الاتباع فيما لم يقع فيه الاختصاص من صفته تعالى فكثير، فهذا هو ~~السماع، وله وجه في القياس، وهو شبيه بالوارد في سورة والنجم، في قوله ~~تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى. # وأنه هو أمات وأحيا)، ثم قال بعد: (وأنه هو أغنى وأقنى. وأنه هو رب ~~الشعرى) فورد في هذه الجمل الأربع الفصل بالضمير المرفوع بين اسم إن ~~وخبرها، ليتحدد بمفهومه نفي الاتصاف عن غيره تعالى بهذه الأخبار، وكان ~~الكلام في قوة أن لو قيل: (وأنه هو لا غيره). # ولم يرد هذا الضمير في قوله تعالى: (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى)، ~~لأن ذلك مما لا يتعاطاه وإن أحد، لا حقيقة " ولا مجازا " ولا ادعاء، بخلاف ~~الإحياء والإماتة، فيما حكاه الله تعالى عن نمروذ. # قلت: وما ذكره في الجواب يرد عليه قوله تعالى: (التائبون العابدون...) ~~الآية، وقوله تعالى: (أن يبدله أزواجا " خيرا " منكن مسلمات...) الآيات. # ومما يرد عليه بالنسبة لأوصاف الذم قوله: (ولا تطع كل حلاف مهين هماز...) ~~الآية، قد جرت كلها على ما قبلها بالاتباع، ولم يجئ فيها القطع. # وقرأ الحسن: (عتل) بالرفع على الذم، قال الزمخشري: وهذه القراءة تقوية ~~لما يدل عليه بعد ذلك. # الثاني: قد يلتبس المنصوب على المدح بالاختصاص، وقد فرق سيبويه بينهما ~~فيما بين، PageV02P450 # والفرق أن المنصوب على المدح أن يكون المنتصب كما لفظا " يتضمن نفسه ~~مدحا، نحو (هذا زيد عاقل قومه) وفي الاختصاص لا يقتضي اللفظ ذلك، كقوله ~~تعالى: (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) فيمن نصب (أهل). # العاشرة [في وصف الجمع بالمفرد] ms0536 يوصف الجمع بالمفرد، قال تعالى: (ممن خلق ~~الأرض والسماوات العلى) فوصف الجمع بالمفرد. # وقال تعالى: (ولله الأسماء الحسنى)، فوصف (الأسماء) وهي جمع اسم بالحسنى ~~وهو مفرد، تأنيث الأحسن. # وكذلك قوله تعالى: (فما بال القرون الأولى)، فإن (الأولى) تأنيث (الأول) ~~وهو صفة لمفرد. # وإنما وصف الجمع بالمفرد، لأن اللفظ المؤنث يجوز إطلاقه على جماعة ~~المؤنث، بخلاف لفظ المذكر. وأما قوله تعالى: (وكنتم قوما " بورا ")، ~~والبور: الفاسد، فقال الرماني: هو بمعنى الجمع إلا أنه ترك جمعه في اللفظ، ~~لأنه مصدر وصف. # وقد يوصف الجمع بالجمع، ولا يوصف مفرد كل منهما بالمفرد، ومنه: (فوجد ~~فيها PageV02P451 # رجلين يقتتلان) فثنى الضمير، ولا يقال في الواحد (يقتتل). # ومنه: (وأخر متشابهات)، ولا يقال (وأخرى متشابهة). # الحادية عشر قد تدخل الواو على الجملة الواقعة صفة تأكيدا ذكره الزمخشري، ~~وجعل منه قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) قال: ~~الجملة صفة لقرية، والقياس عدم دخول الواو فيها، كما في قوله تعالى: # (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون)، وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة ~~بالموصوف. # وقد أنكره عليه ابن مالك والشيخ أبو حيان وغيرهما، والقياس مع الزمخشري، ~~لأن الصفة كالحال في المعنى. # وزعم بعضهم أنه لا يؤتى بالواو في الصفات إلا إذا تكررت النعوت، وليس ~~كذلك، ومنه قوله تعالى: (ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم)، وقوله تعالى: # (آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء " وذكرا للمتقين)، وتقول: جاءني زيد ~~والعالم. PageV02P452 # الثانية عشرة الصفة لا تقوم مقام الموصوف إلا على استكراه لأنها إنما ~~يؤتى بها للبيان والتخصيص، أو المدح والذم، وهذا في موضع الإطالة لا ~~الاختصار، فصار من باب نقص الغرض. # وقال ابن عمرون: عندي أن البيان حصل بالصفة والموصوف معا "، فحذف الموصوف ~~بنقص الغرض، ولأنه ربما أوقع لبسا، ألا ترى أن قولك: (مررت بطويل) يحتمل ~~أنه رجل أو قوس أو غير ذلك، إلا إذا ظهر أمره ظهورا " يستغنى به عن ذكره، ~~كقوله تعالى: # (وعندهم قاصرات الطرف عين). # قال السخاوي: ولا فرق في صفة النكرة بين أن يذكر معها أولا. # قال ابن ms0537 عمرون: وليس قوله بشئ. # القسم الثالث البدل والقصد به الإيضاح بعد الإبهام، وهو يفيد البيان ~~والتأكيد، أما البيان فإنك إذا قلت: (رأيت زيدا أخاك) بينت أنك تريد بزيد ~~الأخ لا غير، وأما التأكيد فلأنه PageV02P453 # على نية تكرار العامل، ألا ترى [أنك] إذا قلت: (ضربت زيدا) جاز أن تكون ~~ضربت رأسه أو يده أو جميع بدنه، فإذا قلت: (يده) فقد رفعت ذلك الإبهام، ~~فالبدل جار مجرى التأكيد، لدلالة الأولى عليه، أو المطابقة كما في بدل ~~الكل، أو التضمن كما في بدل البعض، أو الالتزام عنه كما في بدل الاشمال، إن ~~فإذا قلت: (ضربت زيدا رأسه) فكأنك قد ذكرت الرأس مرتين، مرة بالتضمن وأخرى ~~بالمطابقة، وإذا قلت: # (شربت ماء البحر بعضه) فإنه مفهوم من قولك: (شربت ماء البحر) أنك لم ~~تشربه كله فجئت بالبعض تأكيدا ". # وهذا معنى قول سيبويه: ولكنه بني الاسم تأكيدا، وجرى مجرى الصفة في ~~الإيضاح، لأنك إذا قلت: (رأيت أبا عمرو زيدا)، (ورأيت غلامك زيدا ")، ~~(ومررت برجل صالح زيد)، فمن الناس من يعرفه بأنه غلامك، أو بأنه رجل صالح، ~~ولا يعرف أنه زيد، وعلى العكس، فلما ذكرتهما أثبت باجتماعهما المقصود. # وهذا معنى قول الزمخشري: وإنما يذكر الأول لتجوز التوطئة، وليفاد ~~بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الإفراد. # وقال ابن السيد: ليس كل بدل يقصد به رفع الإشكال الذي يعرض في المبدل ~~منه، بل من البدل ما يراد به التأكيد، وإن كان ما قبله غنيا عنه، كقوله ~~تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله)، ألا ترى أنه لو لم يذكر ~~(الصراط) الثاني لم يشك أجد أن الصراط المستقيم هو صراط الله. وقد نص ~~سيبويه على أن من البدل ما الغرض منه التأكيد، ولهذا جوزوا بدل المضمر من ~~المضمر، كلقيته أباه. انتهى. PageV02P454 # والفرق بينه وبين الصفة أن البدل في تقدير تكرار العامل، وكأنه في ~~التقدير من جملتين، بدليل تكرر حرف الجر في قوله: (قال الملأ الذين ~~استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم)، وبدليل بدل النكرة من ~~المعرفة ms0538 والمظهر من المضمر، وهذا مما يمتنع في الصفة، فكما أعيدت اللام ~~الجارة في الاسم، فكذلك تكرار العامل الرافع أو الناصب في تقدير التكرار، ~~وهو إن كان كذلك فلا يخرج عن أن يكون فيه تبيين للأول كالصفة. # وقيل لأبي علي: كيف يكون البدل إيضاحا " للمبدل منه، وهو من غير جملته؟ ~~فقال: # لما لم يظهر العامل في البدل، وإنما دل عليه العامل في المبدل منه، واتصل ~~البدل بالمبدل منه في اللفظ، جاز أن يوضحه. # ومن فوائد البدل التبيين على وجه المدح فقولك: هل أدلك على أكرم الناس ~~وأفضلهم؟ فلان، أبلغ من قولك: فلان الأكرم والأفضل، بذكره مجملا ثم مفصلا. # وقال الأخفش والواحدي في بدل البعض من الكل، نحو: (ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا "): يسمى هذا بدل البيان، لأن الأول يدل على ~~العموم، ثم يؤتى بالبدل إن أريد البعض. # واعلم أن في كلام البدلين - أعني بدل البعض وبدل الاشتمال - بيانا " ~~وتخصيصا " للمبدل منه، وفائدة البدل أن ذلك الشئ يصير مذكورا مرتين: ~~إحداهما بالعموم، والثانية بالخصوص. # ومن أمثلته قوله تعالى: (إهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين). ~~PageV02P455 # (آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون). # وقوله: (لنسفعا " بالناصية. ناصية كاذبة) وفائدة الجمع بينهما أن الأولى ~~ذكرت للتخصيص على (ناصية)، والثانية على علة السفع، ليشمل بذلك ظاهر كل ~~ناصية هذه صفتها. # ويجوز بدل المعرفة من المعرفة، نحو: (الصراط المستقيم. صراط الذين). # وبدل النكرة من المعرفة، نحو: (بالناصية. ناصية كاذبة). قال ابن بعيش: # ولا يحسن بدل النكرة من المعرفة حتى توصف كالآية، لأن البيان مرتبط بهما ~~جميعا ". # والنكرة من النكرة كقوله تعالى: (إن للمتقين مفازا ". حدائق وأعنابا " ~~وكواعب أترابا ". وكأسا " دهاقا ")، فحدائق وما بعدها بدل من (مفازا "). # ومنه قوله تعالى: (وغرابيب سود)، فان (سود) بدل من (غرابيب) لأن الأصل ~~(سود غرابيب) فغرابيب في الأصل صفة لسود، ونزع الضمير منها، وأقيمت مقام ~~الموصوف، ثم أبدل منها الذي كا موصوفا، بها كقوله تعالى: (و من يبتغ غير ~~الاسلام دينا ") وقوله: (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) فهذا بدل نكرة ms0539 ~~موصوفة من أخرى موصوفة فيها بيان الأولى. # ومثل إبدال النكرة المجردة من مثلها مجردة وبدل المعرفة من النكرة: (وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله) لأن (صراط الله) مبين إلى الصراط ~~PageV02P456 # المستقيم، فإن مجئ الخاص والأخص بعد العام والأعم كثير، ولهذا المعنى قال ~~الحذاق في قوله تعالى: (ما يلفظ من قول): إنه لو عكس فقيل: (ما يقول من ~~لفظ) لم يجز، لأن القول أخص من اللفظ، لاختصاصه بالمستعمل، واللفظ يشمل ~~المهمل الذي لا معنى له. # وقد يجئ للاشتمال، والفرق بينه وبين بدل البعص، أن البدل في البعض جر في ~~الاشتمال وصفا "، كقوله: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) فإن (أذكره) ~~بمعنى (ذكره)، وهو بدل من الهاء في (أنسانيه) العائدة إلى الحوت، وتقديره: # (وما أنساني ذكره إلا الشيطان). # وقوله: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) ف‍ (قتال) بدل من (الشهر) بدل ~~الاشتمال، لأن الشهر يشتمل على القتال وعلى غيره، كما كان زيد يشتمل على ~~العقل وغيره، وهو مؤكد لأنهم لم يسألوا عن الشهر الحرام فإنهم يعلمونه، ~~وإنما سألوا عن القتال فيه، فجاء به تأكيدا ". # وقوله: (قتل أصحاب الأخدود. النار)، فالنار بدل من (الأخدود) بدل اشتمال، ~~لأنه يشتمل على النار وغيرها، والعائد محذوف تقديره: (الموقدة فيه). # ومن بدل البعض قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ") فالمستطيعون بعض الناس، لا كلهم. # وقال ابن برهان: بل هذه بدل كل من كل، واحتج بأن الله لم يكلف الحج من لا ~~يستطيعه فيكون المراد بالناس بعضهم، على حد قوله: (الذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا PageV02P457 # لكم)، في أنه لفظ عام أريد به خاص، لأن (الناس) في اللفظ الأول لو كان ~~المراد به الاستغراق لما انتظم قوله بعده: (إن الناس)، فعلى هذا هو عنده ~~مطابق لعدة المستطيعين في كميتهم، وهم بعض الناس لا جميعهم. # والصحيح ما صار عليه الجمهور، لأن باب البدل أن يكون في الثاني بيان ليس ~~في الأول، بأن يذكر الخاص بعد العام مبينا وموضحا. # ولا بد في ms0540 إبدال البعض من ضمير، كقوله: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض). (ويجعل الخبيث بعضه على بعض). # وقد يحذف لدليل، كقوله: (ولله على الناس حج البيت من استطاع)، (منهم)، ~~وهو مراد بدليل ظهوره في الآية الأخرى، وهي قوله: (وارزق أهله من الثمرات ~~من آمن منهم)، ف‍ (من آمن) بدل من (أهله)، وهم بعضهم. # وقد يأتي البدل لنقل الحكم عن مبدله، نحو: (جاء القوم أكثرهم، وأعجبني ~~زيد ثوبه). وقال ابن عصفور: ولا يصح (غلمانه). # وعدل عن البدل في قوله تعالى: (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم ~~لا يعقلون)، لأنه أريد الإخبار عنهم كلهم في الحال الثاني وهو (ولو أنهم ~~صبروا)، فلو أبدل لأوهم، بخلاف: (إنك أن تقوم خير لك) البدل أرجح. # والبدل في تقدير تكرير العامل وليس كالصفة، ولكنه في تقدير جملتين بدليل ~~تكرير حرف الجر. PageV02P458 # قد يكرر عامله إذا كان حرف جر، كقوله: (ومن النخل من طلعها قنوان دانية)، ~~ف‍ (طلعها) بدل اشتمال من (النخل) وكرر العامل فيه، وهو (من). # وقوله تعالى: (قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن ~~منهم)، (لمن آمن)، بدل بعض من كل، من (الذين استضعفوا)، لأن المؤمنين بعض ~~المستضعفين، وقد كرر اللام. # وقوله: (ولولا أن يكون الناس أمة " واحدة " لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا " من فضة)، فقوله: (لبيوتهم) بدل اشتمال من قوله: (لمن يكفر ~~بالرحمن). وجعل ابن عطية اللام الأولى للملك والثانية للاختصاص، فعلى هذا ~~يمتنع البدل لاختلاف معنى الحرفين. # وقوله تعالى: (تكون لنا عيدا " لأولنا وآخرنا)، ف‍ (لأولنا وآخرنا) بدل ~~من الضمير في (لنا)، وقد أعيد معه العامل مقصودا به التفصيل. # ومنه قراءة يعقوب: (وترى كل أمة جاثية "، كل أمة تدعى إلى كتابها)، قال ~~أبو الفتح: جاز إبدال الثانية من الأولى، لأن في الثانية ذكر سبب الجثو. # قيل: ولم يظهر عامل البدل إذا كان حرف، جر إيذانا بافتقار الثاني إلى ~~الأول، فإن حروف الجر مفتقرة، ولم يظهر الفعل، إذا لو أظهروه لانقطع الثاني ~~عن الأول بالكلية، لأن الكلام مع الفعل قائم ms0541 بنفسه. PageV02P459 # واعلم أنه لا خلاف في جواز إطهار العامل في البدل إذا كان حرف جر كالآيات ~~السابقة، فإن كان رافعا أو ناصبا " ففيه خلاف، والمجوزون احتجوا بقوله ~~تعالى: (فاتقوا الله وأطيعون. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم) فيجوز ~~أن يكون (أمدكم) الثاني بدلا من (أمدكم) الأول. وقد يكون من إبدال الجملة ~~من الجملة، وتكون الثانية صلة (الذي) كالأولى. ويجوز أن تكون الثانية شارحة ~~للأولى، كقولك: (ضربت رأس زيد قذفته بالحجر). ثم قوله تعالى: (يا قوم ~~اتبعوا المرسلين. # اتبعوا من لا يسألكم)، أبدل قوله: (اتبعوا من لا يسألكم) من قوله: # (اتبعوا المرسلين) لأنه أكثر تلطفا في اقتضاء اتباعهم. وقوله تعالى: (ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما ". يضاعف له العذاب) ف‍ (يلق) مجزوم بحذف الألف لأنه ~~جواب الشرط، ثم أبدل منه: (يضاعف له العذاب) فبين بها (الأثام) ما هو. # [تقسيم البدل باعتبار آخر] ينقسم البدل باعتبار آخر إلى بدل مفرد من ~~مفرد، وجملة، من جملة وقد سبقا، وجملة من مفرد، كقوله تعالى: (كمثل آدم ~~خلقه من تراب)، وقوله: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل إن ربك لذو مغفرة ~~وذو عقاب أليم) وجاز إسناد (يقال) إلى ما علمت فيه، كما جاز إسناد (قيل) في ~~(و إذ قيل إن وعد الله حق). # ومن إبدال الجملة من المفرد قوله تعالى: (وأسروا النجوى الذين ظلموا هل ~~هذا PageV02P460 # إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون) قال الزمخشري: هذا الكلام كله ~~في محل نصب، بدلا من (النجوى). # ويبدل الفعل من الفعل الموافق له في المعنى مع زيادة بيان: كقوله تعالى: ~~(ومن يفعل ذلك يلق أثاما ". يضاعف له العذاب...) الآية. # والرابع: بدل المفرد من الجملة، كقوله: (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من ~~القرون أنهم إليهم لا يرجعون)، ف‍ (أنهم) بدل، لأن الإهلاك وعدم الرجوع ~~بمعنى واحد. # فإن قلت: لو كان بدلا لكان معه الاستفهام. # قيل: هو بدل معنوي. # تنبيه [في تكرار البدل] وقد يكرر البدل كقوله: (إلا تنصروه فقد نصره الله ~~إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ ms0542 هما في الغار إذ يقول لصاحبه)، فقوله: ~~(إذ هما) بدل من قوله: # (إذ أخرجه الذين كفروا)، وقوله: (إذ يقول لصاحبه) بدل من: # (إذ هما في الغار). PageV02P461 # تنبيه [في إعراب كلمة (آزر) في سورة الأنعام] أعربوا (آزر) من قوله ~~تعالى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر) بدلا ". # قال ابن عبد السلام: والبدل لا يكون إلا للبيان، والأب لا يلتبس بغيره ~~فكيف حسن البدل؟ انتهى. # والجواب أن الأب يطلق على الجد، بدليل قوله: (آبائي إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب)، فقال: (آزر) لدفع توهم المجاز. # هذا كله إذا قلنا: إن (آزر) اسم أبيه لكن في " المعرب " للجواليقي ~~الزجاج: # لا خلاف أن اسم أبي إبراهيم [(تارح) والذي في القرآن يدل على أن اسمه ~~آزر] وقيل: # (آزر) ذم في لغتهم، وكأنه: (يا مخطئ) وهو من العجمي الذي وافق لفظه لفظ ~~العربي، نحو الإزار والإزرة، قال تعالى: (أخرج شطأه فآزره). # وعلى هذا فالوجه الرفع، في قراءة (آرز) القسم الرابع عطف البيان وهو ~~كالنعت في الإيضاح وإزالة الاشتراك الكائن فيه. # وشرط صاحب الكشاف فيه أن يكون وضوحه زائدا على وضوح متبوعه. PageV02P462 # ورد ما قاله بأن الشرط حصول زيادة الوضوح بسبب انضمام عطف البيان مع ~~متبوعه، لا أن الشرط كونه أوضح وأشهر من الأول، لأن من الجائز أن يحصل ~~باجتماع الثاني مع الأول زيادة وضوح لا تحصل حال انفراد كل واحد منهما، كما ~~في (خالي) أبو عبد الله زيد) مع أن اللقب أشهر، فيكون في كل واجد منهما ~~خفاء بانفراده ويرفع بالانضمام. # وقال سيبويه: جعل (يا هذا الحمد) عطف بيان مع أن اسم الإشارة أعرف من ~~المضاف إلى ذي اللام. # وقيل: يشترط ان يكون عطف البيان معرفة ". # والصحيح أنه ليس بشرط، كقولك: (لبست ثوبا جبة). # وقد أعرف الفارسي: (من شجرة مباركة زيتونه) وكذا: (فكفارته إطعام عشرة ~~مساكين)، وكذلك صاحب المفتاح في (لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو اله واحد). # فإن قلت: ما الفرق بينه وبين الصفة؟. # قلت: عطف البيان وضع ليدل على الإيضاح باسم يختص به، وإن استعمل في غير ~~الإيضاح، ms0543 كالمدح في قوله تعالى: (جعل الله الكعبة البيت الحرام) فإن (البيت ~~الحرام) عطف بيان جئ به للمدح لا للإيضاح، وأما الصفة فوضعت لتدل على معنى ~~حاصل في متبوعه، وإن كانت في بعض الصور مفيدة للإيضاح للعلم بمتبوعها من ~~غيرها. # وكقوله تعالى: (إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله)، وقوله تعالى (آيات ~~بينات مقام إبراهيم). PageV02P463 # وزعم الزمخشري في قوله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) أن (من ~~وجدكم) عطف بيان. # وهو مردود، فإن العامل إنما يعاد في البدل لا في عطف البيان. # فإن قلت: ما الفرق بينه وبين البدل؟. # قلت: قال أبو جعفر النحاس: ما علمت أحدا فرق بينهما إلا ابن كيسان، فإن ~~الفرق بينهما أن البدل يقرر الثاني في موضع الأول، وكأنك لم تذكر الأول، ~~وعطف البيان أن تقدر أنك إن ذكرت الاسم الأول لم يعرف إلا بالثاني، وإن ~~ذكرت الثاني لم يعرف إلا بالأول، فجئت بالثاني مبينا للأول، قائما له مقام ~~النعت والتوكيد. # قال: وتظهر فائدة هذا في النداء، تقول: (يا أخانا زيد أقبل)، على البدل، ~~كأنك رفعت الأول وقلت: (يا زيد أقبل)، فإن أردت عطف البيان قلت: (يا أخانا ~~زيدا أقبل). # القسم الخامس ذكر الخاص بعدم العام فيؤتى به معطوفا عليه بالواو وللتنبيه ~~على فضله، حتى كأنه ليس من جنس العام، تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة ~~التغاير في الذات، وعلى هذا بنى المتنبي قوله: # فإن تفق الأنام وأنت منهم * فإن المسك بعض دم الغزال PageV02P464 # وابن الرومي أيضا " حيث قال: # كم من أب قد علا بابن ذرا شرف * كما علت برسول الله عدنان وحكى الشيخ ~~أثير الدين عن شيخه أبي جعفر بن الزبير أنه كان يقول: إن هذا العطف يسمى ~~بالتجريد، كأنه جرد من الجملة وأفرد بالذكر تفصيلا. # وله شرطان ذكرهما ابن مالك: أحدهما كون العطف بالواو، والثاني كون ~~المعطوف ذا مزية. وحكي قولين في العام المذكور: هل يتناول الخاص المعطوف ~~عليه، أو لا يتناوله؟ # فعلى القول الأول يكون هذا نظير مسألة: (نعم الرجل زيد) على المشهور فيه، ~~وهو ms0544 الظاهر من لفظ العام، وعلى الثاني يكون عطف الخاص قرينة " دالة على ~~إرادة التخصيص في العام، وأنه لم يتناوله، وهو نظير بحث الاستثناء في نحو ~~قولك: (قام القوم إلا زيدا) من أن (زيدا) لم يدخل في القوم، وقد يتقوى هذا ~~بقوله: # يا حب ليلى لا تغير وازدد * وانم كما ينمو الخضاب في اليد وإن كان هذا ~~ليس من العطف العام. # وقد أشار الزمخشري إلى القولين في سورة الشعراء. في قوله: (في جنات ~~وعيون. # وزروع ونخل طلعها هضيم). PageV02P465 # وقد يقال: آية الشعراء إنما جاز فيها الاحتمالان من جهة أن لفظ (جنات) ~~وقع بلفظ التنكير، ولم يعم الجنس، وأما الآية السابقة فالإضافة تعم. ولا ~~ينبغي أن يجعل من هذا قوله تعالى: (فيهما فاكهة ونخل ورمان) أما على قول ~~أبي حنيفة ومحمد فواضح، لأنهما يقولان: إن النخل والرمان ليس بفاكهة، وأما ~~على قول أبي يوسف فقوله: # (فاكهة) مطلق وليس بعام. # ومن أمثلته قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)، على القول ~~بأنها إحدى الصلوات الخمس. # قلنا: إن المراد غيرها كالوتر والضحى والعيد، فليس من هذا الباب. # وقوله تعالى: (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة)، مع أن لتمسك ~~بالكتاب يشمل كل عبادة، ومنها الصلاة، لكن خصها بالذكر إظهارا " لمرتبتها ~~لكونها عماد الدين. # وقوله تعالى: (قل من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال)، فإن ~~عداوة الله راجعه إلى عداوة حزبه، فيكون جبريل كالمذكور أربع مرات، فإنه ~~اندرج تحت عموم ملائكته، وتحت عموم رسله، ثم عموم حزبه، ثم خصوصه بالتنصيص ~~عليه. # ويجوز أن يكون عومل معاملة العدد، فيكون الذكر ثلاثا، وذكرهما بعد ~~الملائكة - مع كونهما من الجنس - دليل على قصد التنويه بشرفهما. على أن ~~التفصيل PageV02P466 # إن كان بسبب الإفراد فقد عدل للملائكة مثله بسبب الإضافة، وقد يلحظ ~~شرفهما على غيرهما. # وأيضا فالخلاف السابق في أن ذكر بعض أفراد العام بعد العام، هل يدل على ~~أنه لم يدخل في العام فرارا من التكرار أو يدخل؟ # وفائدته التوكيد، وحكاه الروياني في " البحر " من كتاب الوصية، وخرج عليه ~~ما ms0545 إذا أوصي [رجل] لزيد بدينار وبثلث ماله للفقراء، وزيد فقير، فهل يجمع له ~~بين ما أوصى لديه وبين شئ من الثلث على ما أراد الوصي؟ وجهان، والأصح انه ~~لا يعطى غير الدينار، لأنه بالتقدير قطع اجتهاد الوصي. # قلت: والقول بعدم دخوله تحت اللفظ هو قول أبي علي الفارسي وتلميذه ابن ~~جني، وعلى هذا القول فلا يحسن عد هذه الآية من هذا النوع. # وأيضا فإذا اجتمع في الكلام معطوفان، هل يجعل الآخر معطوفا على الأول؟ # أو على ما يليه؟ وقع في كلام الزمخشري في مواضع من الكشاف تجويزا ~~للأمرين. # فذكر في قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج ~~الميت من الحي)، أن (مخرجا) معطوف على (فالق) لا على (يخرج)، فرارا " من ~~عطف الاسم على الفعل، وخالفه ابن مالك وأوله. # وذكر أيضا في قوله تعالى: (إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة PageV02P467 # وقضى الأمر)، على هذه القراءة أنه معطوف على (الله) لأن قضاءه قديم. # وذكر أيضا في قوله تعالى: (الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا " كثيرا " ونساء ")، حاصله أن قوله: (يا أيها الناس) إذا أريد ~~به العموم كان قوله: (و خلق منها زوجها) عطفا " على مقدر، أي أنشأها ~~وأوجدها، (وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا " كثيرا ")، يعني خلقكم من نفس ~~هذه صفتها. وإن أريد به المخاطبون بمكة كان قوله: (وخلق) عطفا على (خلقكم)، ~~وموجب ذلك الفرار من التكرار. # وعلى هذا فيجوز ان يكون (جبريل) معطوفا على لفظ الجلالة، فلا تكون الآية ~~من هذا النوع. ولو سلمنا بعطفه على (رسله) فكذلك، لكن الظاهر أن المراد ~~بالرسل من بني آدم لعطفهم على الملائكة، فليسوا منه. # وفي الآية سؤالان: # أحدهما: لم خص جبريل وميكائيل بالذكر؟ الثاني: لم قدم جبريل عليه؟ # والجواب عن الأول أنه سبحانه وتعالى خصهما بالحياة، فجبريل بالوحي الذي ~~هو حياة القلوب، وميكائيل بالرزق الذي هو حياة الأبدان، ولأنهما كانا سبب ~~النزول في تصريح اليهود بعداوتهما. # وعن الثاني: أن حياة القلوب ms0546 أعظم من حياة الأبدان، ومن ثم قيل: ~~PageV02P468 # عليك بالنفس فاستكمل فضائلها * فأنت بالنفس لا بالجسم انسان ومنه قوله ~~تعالى: (فيهما فاكهة ونخل ورمان)، وغلط بعضهم من عد هذه الآية من هذا ~~النوع، من جهة أن (فاكهة) نكرة في سياق الإثبات فلا عموم لها. # وهو غلط لأمرين: # أحدهما: أنها في سياق الإثبات، وهو مقتضى العموم، كما ذكره القاضي أبو ~~الطيب الطبري. # والثاني: أنه ليس المراد بالخاص والعام هاهنا المصطلح عليه في الأصول، بل ~~كل ما كان الأول فيه شاملا للثاني. # وهذا الجواب أحسن من الأول، لعمومه بالنسبة إلى كل مجموع يشتمل على ~~متعدد. # ولما لمح أبو حنيفة معنى العطف وهو المغايرة لم يحنث الحالف على أكل ~~الفاكهة بأكل الرمان. # ومنه قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر)، إذ الأمر والنهي من جملة الدعاء إلى الخير. # وقوله تعالى: (و الذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد)، ~~والقصد تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم، وما نزل، عليه إذ لا يتم الإيمان ~~إلا به. # وقوله: (ولهم فيها منافع ومشارب). PageV02P469 # وقوله: (ولتجدنهم ما أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا)، ففائدة ~~قوله: (ومن الذين أشركوا) مع دخولهم في عموم الناس، أن حرصهم على الحياة ~~أشد، لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث. # وقوله: (الذين يؤمنون بالغيب)، فهذا عام، (وبالآخرة لا هم يوقنون)، وإن ~~كان الإيمان بالغيب يشملها، ولكن خصها لإنكار المشركين لها في قولهم: (ما ~~هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا)، فكان في تخصيصهم بذلك مدح لهم. # وقوله: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، فعم بقوله: (خلق) جميع مخلوقاته، ثم خص ~~فقال: (خلق الانسان من علق). # وقوله تعالى: (إلا أن يكون ميتة " أو دما " مسفوحا " أو لحم خنزير)، فإنه ~~عطف (اللحم) على (الميتة) مع دخوله في عموم الميتة، لأن الميتة كل ما ليس ~~له ذكاة شرعية، والقصد به التنبيه على شدة التحريم فيه. # تنبيه ظاهر كلام الكثيرين تخصيص هذا العطف بالواو، وقد سبق عن ابن مالك ~~وآخرين مجيئه في (أو) ms0547 في قوله: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه)، مع أن ظلم ~~النفس PageV02P470 # من عمل السوء، فقيل هو بمعنى الواو، والمعنى يظلم نفسه بذلك السوء حيث ~~دساها بالمعصية. # وقوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا " أو قال أوحي إلي)، فإن ~~الوحي مخصوص بمزيد قبح من بين أنواع الافتراء، خص بالذكر تنبيها " على مزيد ~~العقاب فيه والإثم. # وقوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم)، مع أن فعل ~~الفاحشة داخل فيه. قيل: أريد به نوع من أنواع ظلم النفس، وهو الربا، أو كل ~~كبيرة، فخص بهذا الاسم تنبيها " على زيادة قبحه، وأريد بظلم النفس ما وراء ~~ذلك من الذنوب. # القسم السادس ذكر العام بعد الخاص وهذا أنكر بعض الناس وجوده، وليس ~~بصحيح. # والفائدة في هذا القسم واضحة، والاحتمالان المذكوران في العام قبله ~~ثابتان هنا أيضا ". # ومنه قوله: (إن صلاتي ونسكي): والنسك العبادة، فهو أعم من الصلاة. # وقوله: (ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب). # وقوله: (ولقد آتيناك سبعا " من المثاني والقرآن العظيم). # وقوله، إخبارا " عن نوح: (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا " ~~وللمؤمنين والمؤمنات). PageV02P471 # وقوله: (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ~~ظهير). # وجعل الزمخشري منه قوله تعالى: (ومن يدبر الأمر) بعد قوله: (قل من ~~يرزقكم). # واعلم أن هذين النوعين يقعان في الأفعال والأسماء، لكن وقوعهما في ~~الأفعال لا يأتي إلا في النفي، وأما في الإثبات فليس من هذا، الباب بل من ~~عطف المطلق على المقيد، أو المقيد على المطلق. # القسم السابع عطف أحد المترادفين على الآخر أو ما هو قريب منه في المعنى، ~~والقصد منه التأكيد وهذا إنما يجئ عند اختلاف اللفظ، وإنما يحسن بالواو، ~~ويكون في الجمل كقوله: # (أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى). # ويكثر في المفردات كقوله: (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا ~~وما استكانوا). # وقوله: (فلا يخاف ظلما " ولا هضما ")، (لا تخاف دركا " ولا تخشى). ~~PageV02P472 # وقوله: (ثم عبس وبسر). # وقوله: (إنما أشكوا ms0548 بثي وحزني إلى الله). # وقوله: (لا تبقى ولا تذر). # وقوله: (وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه). # وقوله: (لا ترى فيها عوجا " ولا أمتا ")، قال الخليل: العوج والأمت بمعنى ~~واحد. وقيل. الآمت أن يغلظ مكان ويرق مكان، قاله ابن فارس في " المقاييس " ~~وهو راجع لما قاله الخليل. # وقوله: (أنا لا نسمع سرهم ونجواهم). # وقوله: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا "). # وقوله: (إلا دعاء ونداء). # وفرق الراغب بين النداء والدعاء بأن النداء، قد يقال إذا قيل (يا) أو ~~(أيا) ونحوه من غير أن يضم إليه الاسم، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان ~~معه الاسم، نحو: # (يا فلان). # وقوله: (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا). # وقوله: (و إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض). PageV02P473 # وقوله: (لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب)، فإن (نصبا) مثل (لغب) ~~وزنا ومعنى ومصدرا. # وقوله: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)، على قول من فسر الصلاة ~~بالرحمة، والأحسن خلافه، وأن الصلاة للاعتناء وإظهار الشرف، كما قاله ~~الغزالي وغيره، وهو قدر مشترك بين الرحمة والدعاء والاستغفار، وعلى هذا فهو ~~من عطف المتغايرين. # وقال الزمخشري في قوله تعالى: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من ~~قبلك): إنهم هم المذكورون أولا، وهو من عطف الصفة على الصفة. # واعترض عليه بأن شرط عطف الصفة على الصفة تغاير الصفتين في المعنى، تقول: # (جاء زيد العالم والجواد والشجاع) أي الجامع لهذه المعاني الثلاثة ~~المتغايرة، ولا تقول: # (زيد العالم والعالم) فإنه تكرار، والآية من ذلك، لأن المعطوف عليه قوله ~~تعالى: # (الذين يؤمنون بالغيب)، والمعطوف قوله تعالى: (والذين يؤمنون بما أنزل ~~إليك)، والمنزل هو الغيب بعينه. # ويحتمل أن يقال: المعطوف عليه مطلق الغيب، والمعطوف غيب خاص، فيكون من ~~عطف الخاص على العام. # وجعل منه بعضهم قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم ~~رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير)، فإن المراد بالكتاب المنير ~~PageV02P474 # هو الزبور، ونقله عن إجماع المفسرين لما تضمنه من النعت، كما تعطف النعوت ~~بعضها على بعض، وهذا يرده تكرار الباء، فإنه يشعر ms0549 بالفصل، لأن فائدة تكرار ~~العامل بعد حرف العطف إشعار بقوة الفصل من الأول والثاني، وعدم التجوز في ~~عطف الشئ على نفسه. # والذي يظهر أنه للتأسيس، وبيانه وجوه: # أحدها أن قوله تعالى: (جاءتهم) يعود الضمير فيه على المكذبين للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وعلى الذين من قبلهم، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا ~~في المرسلين المذكورين، والكتاب المنير هو القرآن، وقوله تعالى: (ثم أخذت ~~الذين كفروا)، معطوف على قوله تعالى: (فقد كذب الذين من قبلهم)، أي كذبوا ~~ثم اخذتهم بقيام الحجة عليهم (بالبينات وبالزبر والكتاب المنير). وجاء ~~تقديم قيام الحجة عليهم قبل العطف اعتراضا " للاهتمام به، وهو من أدق وجوه ~~البلاغة. ومثله في آية آل عمران قوله تعالى: (فقد كذب رسل من قبلك)، وقوله: ~~(جاءوا) انصراف من الخطاب إلى الغيبة، كأنه قال: (جاء هؤلاء المذكورون)، ~~فيكون النبي صلى الله عليه وسلم داخلا في الضمير، وهو في موضع (جئتم ~~بالبينات) فأقام الإخبار عن الغائب مقام المخاطب، كقوله تعالى: (جرين بهم)، ~~وفيه وجه من التعجب، كأن المخاطب إذا استعظم الامر رجع إلى الغيبة ليعم ~~الإخبار به جميع الناس، وهذا موجود في الآيتين. # والثاني: أن يكون على حذف مضاف، كأنه قيل: (الكتاب المنير) يعني القرآن، ~~PageV02P475 # فيكون مثل قوله: (ومبشرا " برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد). # وهذا وجه حسن. # تنبيهات الأول: أنكر المبرد هذا النوع، ومنع عطف الشئ على مثله، إذا لا ~~فائدة فيه، وأول ما سبق باختلاف المعنيين، ولعله ممن ينكر أصل الترادف في ~~اللغة كالعسكري وغيره. # الثاني: ما ذكرناه من تخصيص هذا النوع بالواو هو المشهور، وقال ابن مالك: # وقد أنيبت (أو) عنها، كما في قوله تعالى: (نشوزا " أو إعراضا ")، (ومن ~~يكسب خطيئة " أو إثما "). # قال شيخنا: وفيه نظر، لأمكان أن يراد بالخطيئة ما وقع خطأ، وبالإثم ما ~~وقع عمدا. # قلت: ويدل له قوله تعالى قبل ذلك: (ومن يكسب إنما " فإنما يكسبه على ~~نفسه). # وجعل منه بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك ~~سميت به نفسك، ms0550 أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به ~~في علم الغيب عندك). # قلت: ما ذكره ابن مالك قد سبقه به ثعلب، فيما حكاه ابن سيده في " المحكم ~~" فقال: فقال ثعلب في قوله تعالى: (عذرا " أو نذرا "): العذر والنذر واحد. ~~PageV02P476 # قال اللحياني: وبعضهم يثقل. # وعن الفراء: أنه يجري في العطف بثم، وجعل منه قوله: (ويا قوم استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه)، قال: معناه: وتوبوا إليه، لأن التوبة الاستغفار. # وذكر بعضهم أنه قد تجرد عن العطف، وجعل منه قوله تعالى: (وغرابيب سود) ~~والغرابيب هي السود، (سبلا " فجاجا ")، (الرحمن الرحيم)، وغير ذلك. # الثالث: مما يدفع وهم التكرار في مثل هذا النوع، أن يعتقد أن مجموع ~~المترادفين يحصل معنى لا يوجد عند انفراد أحدهما، فإن التركيب يحدث معنى ~~زائدا، وإذا كانت كثرة الحروف تفيد زيادة المعنى، فكذلك كثرة الألفاظ. # القسم الثامن الإيضاح بعد الإبهام ليرى المعنى في صورتين، أو ليكون بيانه ~~بعد التشوف إليه، لأنه يكون ألذ للنفس وأشرف عندها، وأقوى لحفظها وذكرها، ~~كقوله تعالى: (وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين). ~~PageV02P477 # وقوله تعالى: (هو الله أحد) فإن وضع الضمير موضع الظاهر معناه البيان أو ~~الحديث، أو الأمر لله أحد مكفوا بها ثم فسر، وكان أوقع في النفس من الإتيان ~~به مفسرا من أول الأمر، ولذلك وجب تقديمه. وتفيد به الجملة المراد، تعظيما ~~له. # وسيأتي عكسه في وضع الظاهر موضع المضمر. # ومثله التفصيل بعد الاجمال كقوله تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا ~~عشر شهرا " في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم). # وعكسه كقوله تعالى: (ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة ~~كاملة). # وقوله تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة " وأتممناها بعشرة فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة ")، وأعاد قوله: (أربعين) وإن كان معلوما من (الثلاثين) و ~~(العشر) أنها أربعون لنفي اللبس، لأن العشر لما أتت بعد الثلاثين، التي هي ~~نص في المواعدة دخلها الاحتمال أن تكون من غير المواعدة، فأعاد ذكر ~~(الأربعين) نفيا " لهذا ms0551 الاحتمال، وليعلم أن جميع العدد للمواعدة. # وهكذا قوله تعالى: (فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة ~~كاملة) أعاد ذكر العشرة، لما كانت الواو تجئ في بعض المواضع للإباحة، ~~وقوله: # (كاملة) تحقيق لذلك وتأكيد له. # فإن قلت: فإذا كان زمن المواعدة أربعين فلم كانت (ثلاثين) ثم عشرا؟ ~~PageV02P478 # أجاب ابن عساكر في " التكميل و الإفهام " بأن العشر إنما فصل من أولئك، ~~ليتحدد قرب انقضاء المواعدة، ويكون فيه متأهبا مجتمع الرأي، حاضر الذهن، ~~لأنه لو ذكر (الأربعين) أولا لكانت متساوية، فإذا جعل العشر فيها إتماما ~~لها استشعرت النفس قرب التمام، وتجدد بذلك عزم لم يتقدم. # قال: وهذا شبيه بالتلوم الذي جعله الفقهاء في الآجال المضروبة في ~~الأحكام، ويفصلونه من أيام الأجل، ولا يجعلونها شيئا " واحدا، ولعلهم ~~استنبطوه من هذا. # فإن قلت: فلم ذكر في هذه السورة - أعني الأعراف - الثلاثين ثم العشر، ~~وقال في البقرة: (وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة ") ولم يفصل العشر منها؟ # والجواب، والله أعلم: أنه قصد في الأعراف ذكر صفة المواعدة والإخبار عن ~~كيفية وقوعها فذكر على صفتها، وفي البقرة: إنما ذكر الامتنان على بني ~~إسرائيل بما أنعم به عليهم، فذكر نعمة عليهم مجملة، فقال: (وإذ فرقنا بكم ~~البحر)، (وإذا أنجيناكم من آل فرعون). # واعلم أنه يخرج لنا مما سبق جوابان في ذكر العشرة بعد الثلاثة والسبعة، ~~إما الاجمال بعد التفصيل، وإما رفع الالتباس، ويضاف إلى ذلك أجوبه: ~~PageV02P479 # ثالثها: أنه قصد رفع ما قد يهجس في النفوس، من أن المتمتع إنما عليه صوم ~~سبعة أيام لا أكثر، ثلاثة منها في الحج، ويكمل سبعا إذا رجع. # رابعها: أن قاعدة الشريعة أن الجنسين في الكفارة لا يجب على المكفر الجمع ~~بينهما، فلا يلزم الحالف أن يطعم المساكين ويكسوهم، ولا المظاهر العتق ~~والصوم، فلما اختلف محل هذين الصومين فكانت ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع، ~~صارا باختلاف المحلين كالجنسين، والجنسان لا يجمع بينهما. وأفادت هذه ~~الزيادة - وهي قوله: (تلك عشرة كاملة) - رفع ما قد يهجس في النفوس، من أنه ~~إنما عليه ms0552 أحد النوعين: إما الثلاث وإما السبع. # الخامس: أن المقصود ذكر كمال لا ذكر العشرة، فليست العشرة مقصودة بالذات، ~~لأنها لم تذكر إلا للإعلام بأن التفصيل المتقدم عشرة، لأن ذلك من المعلوم ~~بالضرورة وإنما ذكر لتوصف سنة بالكامل الذي هو مطلوب في القصة. # السادس: أن في الكلام تقديما " وتأخيرا "، والتقدير: فصيام عشرة أيام: ~~ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجعتم، وهذا وإن كان خلاف الأصل، لكن الإشكال ~~ألجأنا إليه. # السابع: أن الكفارات في الغالب إنما تجب متتابعة ككفارات الجنايات، ولما ~~فصل هاهنا بين صوم هذه الكفارة بالإفطار قبل صومها بذكر الفدية ليعلم أنها ~~وإنما كانت منفصله فهي كالمتصلة. # فإن قلت: فكفارة اليمين لا تجب متتابعة، ومن جنس هذه الكفارة ما يجب على ~~PageV02P480 # المحرم إذا حلق ثلاث شعرات، ومن عجز عن الفدية فإنه يصوم ثلاثة أيام ولا ~~يشترط التتابع. # قلت: هي في حكم المتتابعة بالنسبة إلى الثواب، إلا أن الشرع خفف ~~بالتفريق. # ثامنها: أن السبع قد تذكر والمراد به الكثرة لا العدد، والذي فوق الستة ~~ودون الثمانية، وروى أبو عمرو بن العلاء وابن الأعرابي عن العرب: سبع الله ~~لك الأجر، أي أكثر ذلك، يريدون التضعيف. # وقال الأزهري في قوله تعالى: (إن تستغفر لهم سبعين مرة) هو جمع السبع، ~~الذي يستعمل للكثرة، وإذا كان كذلك فاحتمل أن يتوهم أن المراد بالسبع ما هو ~~أكثر من السبع، ولفظها معطوف على الثلاثة بآلة الجمع، فيفضي إلى الزيادة في ~~الكفارة على العدد المشروع، فيجب حينئذ رفع هذا الاحتمال بذكر الفذلكة، ~~وللعرب مستند قوي في إطلاق السبع والسبعة، وهي تريد الكثرة ليس هذا موضع ~~ذكره. # تاسعها: أن الثلاثة لما عطف عليها السبعة احتمل أن يأتي بعدها ثلاثة أو ~~غيرها من الأعداد، فقيد بالعشرة ليعلم أن المراد كمل، وقطع الزيادة المفضية ~~للتسلسل. # عاشرها: أن السبعة المذكورة عقب الثلاثة يحتمل أن تكون الثلاثة داخلة ~~فيها، كما في قوله: (وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام)، أي مع اليومين ~~اللذين خلق الأرض PageV02P481 # فيها، فلا بد من اعتقاد هنا التأويل ليندفع ظاهر التناقض، ms0553 فجاء التقييد ~~بالعشرة لرفع توهم التداخل. # وهذا الجواب أشار إليه الزمخشري، ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ~~ترجيحه، وردده ابن أبي الإصبع بأن احتمال التداخل لا يظن إلا بعددين ~~منفصلين لم يأت بهما جملة، فلو اقتصر على التفصيل احتمل ذلك، فالتقييد مانع ~~من هذا الاحتمال. # وهذا أعجب منه، فإن مجئ الجملة رافع لذلك الاحتمال. # الحادي عشر: أن حروف السبعة والتسعة مشتبهة، فأزيل الإشكال بقوله: (تلك ~~عشرة كاملة) لئلا يقرؤوها (تسعة)، فيصير العدد اثنى عشر. ونظير هذا قوله ~~صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا). # فائدة [في التأكيد بمائة إلا واحدا "] التأكيد بمائة إلا واحدا "، لإزالة ~~إلباس التسعة والتسعين بالسبعة والسبعين لكن مثل هذا مأمون في القرآن، لأن ~~الله حفظه. # القسم التاسع وضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التقرير، والعجب أن ~~البيانيين لم يذكروه في أقسام الإطناب. PageV02P482 # ومنه بيت الكتاب: # إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها سواقط وكان من حر وقد كان أظهرا ولو أتى ~~على وجهه لقال: (إذا الوحش ضمها). # وإنما يسأل عن حكمته إذا وقع في الجملة الواحدة، فإن كان في جملتين ~~مستقلتين كالبيت سهل الأمر، لكن الجملتين فيه كالجملة الواحدة، لأن الرافع ~~للوحش الأول فعل محذوف كما يقول البصريون، والفعل المذكور ساد مسد الفعل ~~المحذوف، حتى كأنه هو، ولهذا لا يجتمعان، وإن قدر رفع الوحش بالابتداء ~~فالكلام جملة واحدة. # ويسهل عند اختلاف اللفظين كقوله: # إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت * حبال الهوينى بالفتى أن تقطعا فاختلاف ~~لفظين ظاهرين أشبها لفظي الظاهر والمضمر في اختلاف اللفظ، وعليه قوله ~~تعالى: (ومنهم الذين يؤذون النبي) ثم قال: (والذين يؤذون رسول الله) ولم ~~يقل: (يؤذونه) مع ما في ذلك من التعظيم، فالجمع بين الوصفين، كقوله في ~~الحديث: (نبيك الذي أرسلت)، وقوله: (ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير...) ~~الآية، فإنه قد تكرر اسم الله ظاهرا " في هذه الجمل الثلاث، ولم يضمر ~~لدلالته على استقلال كل جملة منها، وأنها لم تحصل مرتبطة ببعضها ارتباط ما ~~يحتاج ms0554 فيه إلى إضمار. # وقوله: (والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان)، ~~PageV02P483 # وفيه دلالة على أن الطاغوت هو الشيطان، وحسن ذلك هنا تنبيها على تفسيره. # وقال ابن السيد: إن كان في جملتين حسن الإظهار والاضمار، لأن كل جملة ~~تقوم بنفسها، كقولك: (جاء زيد، وزيد رجل فاضل) وإن شئت قلت: (وهو رجل ~~فاضل). # وقوله: (مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته). # وإن كان في جملة واحدة قبح الإظهار، ولم يكد يوجد إلا في الشعر، كقوله: # لا أرى الموت يسبق الموت شئ * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا قال: وإذا ~~اقترن بالاسم الثاني حرف الاستفهام بمعنى التعظيم والتعجب كان المناسب ~~الإظهار، كقوله تعالى: (الحاقة ما الحاقة) و (القارعة. ما القارعة)، ~~والإضمار جائز كقوله تعالى: (فأمه هاوية. وما أدراك ما هيه). # [الخروج على خلاف الأصل وأسبابه] واعلم أن الأصل في الأسماء أن تكون ~~ظاهرة، وأصل المحدث عنه كذلك. والأصل أنه إذا ذكر ثانيا " أن يذكر مضمرا " ~~للاستغناء عنه بالظاهر السابق، كما أن الأصل في الأسماء الإعراب، وفي ~~الأفعال البناء، وإذا جرى المضارع مجرى الاسم أعرب، كقوله تعالى: # (فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون) PageV02P484 # وقوله تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين). # وقوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا "). # وللخروج على خلاف الأصل أسباب: # أحدها: قصد التعظيم كقوله تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ ~~عليم). # وقوله تعالى: (أولئك حزب الله الا إن حزب الله هم المفلحون). # وقوله تعالى: (واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون). # وقوله تعالى: (لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ")، فأعاد ذكر (الرب) ~~لما فيه من التعظيم والهضم للخضم. # وقوله تعالى: (الله أحد. الله الصمد). # (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد). # (هو الله ربي ولا أشرك بربي). # (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا "). # (بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا "). PageV02P485 # (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ms0555 مشهودا "). # (وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب). # وقوله تعالى: (الحاقة ما الحاقة)، (القارعة ما القارعة)، كان القياس - ~~لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم - (الحاقة ما هي). # ومثله: (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة. وأصاحب المشأمة ما أصاحب ~~المشأمة) تفخيما " لما ينال الفريقين من جزيل الثواب وأليم العقاب. # الثاني قصد الإهانة والتحقير كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان). # وقوله تعالى: (أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان). # وقوله: (إن الشيطان ينزع بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا "). # وقوله تعالى: (وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون). ~~PageV02P486 # وقول الشاعر: # فما للنوى لا بارك الله في النوى * وعهد النوى عند الفراق ذميم وسمع ~~الأصمعي من ينشد: # فما للنوى جد النوى قطع النوى * كذاك النوى قطاعة للقرائن فقال: لو قيض ~~لهذا البيت شاة لأتت عليه. # الثالث الاستلذاذ بذكره كقوله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) إن كان ~~(الحق) الثاني هو الأول. # وقوله: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا "). # وقوله تعالى: (وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء)، ولم يقل: # (منها) ولهذا عدل عن ذكر الأرض إلى الجنة، وإن كان المراد بالأرض الجنة، ~~ولله در القائل: # كرر على السمع منى أيها الحادي * ذكر المنازل والأطلال والنادي وقوله: # يا مطربي بحديث من سكن الغضى * هجت الهوى وقدحت في حراق كرر حديثك يا ~~مهيج لوعتي * إن الحديث عن الحبيب تلاق PageV02P487 # الرابع زيادة التقدير كقوله تعالى: (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل). # وقوله: (الله الصمد)، بعد قوله: (الله أحد)، ويدل على إرادة التقدير سبب ~~نزولها، وهو ما نقل عن ابن عباس أن قريشا " قالت: يا محمد، صف لنا ربك الذي ~~تدعوننا إليه، فنزل (الله أحد)، معناه أن الذي سألتموني وصفه هو الله ثم ~~لما أريد تقدير كونه (الله) أعيد بلفظ الظاهر دون ضميره. # وقوله: (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون). # وقوله تعالى: (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند ms0556 الله). # (يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب). # الخامس إزالة اللبس حيث يكون الضمير يوهم أنه غير المراد كقوله تعالى: ~~(قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء)، لو قال: # (تؤتيه) لأوهم أنه الأول، قاله ابن الخشاب. # وقوله تعالى: (يظنون بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء)، كرر السوء ~~PageV02P488 # لأنه [لو] قال: (عليهم دائرته) لالتبس بأن يكون الضمير عائدا إلى الله ~~تعالى. قاله الوزير المغربي في تفسيره. # ونظيره: (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد ~~قوة ضعفا ")، وتبيينه: الأول النطفة أو التراب، والثاني الوجود في الجنين ~~أو الطفل، والثالث الذي بعد الشيخوخة وهو أرذل العمر، والقوة الأولى التي ~~تجعل للطفل التحرك والاهتداء للثدي، والثانية بعد البلوغ، قاله ابن الحاجب ~~ويؤيد الغيرية التنكير. # ونحوه قوله تعالى: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا "...) الآية، ~~لو قال: (إنه) لأوهم عود الضمير إلى الفجر. # وقوله تعالى: (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها)، فلم يقل (عنها) لئلا ~~يتحد الضميران فاعلا ومفعولا، مع إن المظهر السابق لفظ النفس، فهذا أبلغ من ~~(ضرب زيد نفسه). # وكقوله تعالى: (ثم استخرجها من وعاء أخيه)، وإنما حسن إظهار الوعاء مع أن ~~الأصل (فاستخرجها منه) لتقدم ذكره، لأنه لو قيل ذلك لأوهم عود الضمير على ~~الأخ، فيصير كأن الآخ مباشر لطلب خروج الوعاء، وليس كذلك لما في المباشر من ~~الآذى [الذي] تأباه النفوس الأبية، فأعيد لفظ الظاهر لنفي هذا. PageV02P489 # وإنما لم يضمر الأخ، فيقال: (ثم استخرجها من وعائه) لأمرين: # أحدهما: أن ضمير الفاعل في (استخرجها) ليوسف عليه السلام، فلو قال: (من ~~وعائه) لتوهم أنه يوسف، لأنه أقرب مذكور فأظهر لذلك. # والثاني: أن لأخ مذكور مضاف إليه، ولم يذكر فيما تقدم مقصودا بالنسبة ~~الإخبارية، فلما احتيج إلى إعادة ما وأضيف إليه أظهره أيضا ". # وقوله تعالى: (يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال). # (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله). # السادس أن يكون القصد ms0557 تربية المهابة وإدخال الروعة في ضمير السامع بذكر ~~الاسم المقتضى لذلك، كما يقول الخليفة لمن يأمره بأمر: (أمير المؤمنين ~~يأمرك بكذا) مكان: (أنا أمرك بكذا). # ومنه قوله تعالى: (الحاقة ما الحاقة). # وقوله: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) (إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان). # وقوله: (وقال الذين في النار لخزنة جهنم)، ولم يقل: (لخزنتها). ~~PageV02P490 # السابع قصد تقوية داعية المأمور كقوله تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله ~~إن الله يحب المتوكلين)، ولم يقل (على) وحين قال: (على الله) لم يقل: (إنه ~~يحب) أو (إني أحب) تقوية لداعية المأمور بالتوكل بالتصريح باسم المتوكل ~~عليه. # وقوله تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم). # الثامن تعظيم الأمر كقوله تعالى: (أولم يرو كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ~~إن ذلك على الله يسير. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الحلق). # وقوله: (هل أتى على الناس حين من الدهر لم يكن شيئا " مذكورا ": إنا ~~خلقنا الانسان) ولم يقل (خلقناه) للتنبيه على عظم خلقه للإنسان. # وقوله: (يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا " مهيلا ")، فإنما ~~أعيد لفظ (الجبال) والقياس الإضمار لتقدم ذكرها، مثل ما ذكرنا في آلم ~~السجدة في أحد القولين، PageV02P491 # وهو قوله: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب ~~النار)، وهو أن الآيتين سيقتا للتخويف والتنبيه على عظم الأمر، فإعادة ~~الظاهر أبلغ. # وأيضا " فلو لم يذكر (الجبال) لاحتمل عود الضمير إلى الأرض. # التاسع أن يقصد التوصل بالظاهر إلى الوصف كقوله تعالى: (فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته) بعد قوله في صدر الآية: (إني ~~رسول الله إليكم جميعا ") (فآمنوا بالله ورسوله) دون (فأمنوا بالله وبي)، ~~ليتمكن من إجراء الصفات التي ذكرها: من النبي الأمي الذي يؤمن بالله، فإنه ~~لو قال: (وبي) لم يتمكن من ذلك، لأن الضمير لا يوصف ليعلم أن الذي وجب ~~الإيمان به والاتباع له هو من وصف بهذه الصفات كائنا من كان، أنا أو غيري ~~إظهارا للنصفة، وبعدا من التعصب لنفسه. # العاشر التنبيه ms0558 على علة الحكم كقوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولا غير ~~الذي قيل لهم). # وقوله: (فإن الله عدو للكافرين) أعلما أنه من كان عدوا لهؤلاء فهو كافر، ~~هذا إن خيف الإلباس لعودة للمذكورين وكذا قوله: (فإن الله) دون (فإنه). ~~PageV02P492 # وكقوله تعالى: (فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا " من السماء)، ولم يقل ~~(عليهم) لأنه ليس في الضمير ما في قوله: (الذين ظلموا) من ذكر الظلم ~~المستحق به العذاب. # وجعل منه الزمخشري قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا ~~نضيع أجر من أحسن عملا "). # وقوله تعالى: (فلعنة الله على الكافرين) والأصل (عليهم) لدلالة على أن ~~اللعنة لحقتهم لكفرهم. # ولبس من ذلك قوله تعالى: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين)، فإن العلة قد تقدمت في الشرط، وإنما فائدة ذلك إثبات منه صفة ~~أخرى زائدة. وقال الزمخشري: فائدته اشتماله على المتقين والصابرين. # ومنه قوله: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله فاستغفر لهم ~~الرسول) لأنه شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان عظيم. # وقوله: (ومن أظلم ممن أفترى على الله كذبا " أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~الظالمون)، والقياس (أنهم لا يفلحون)، ولو ذكر الظاهر لقال: (لا يفلح ~~المفترون) أو (الكاذبون) لكن صرح بالظلم تنبيها على أن علة عدم الفلاح ~~الظلم. # وقوله: (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر ~~المصلحين)، ولم يقل: (أجرهم) تنبيها " على أن صلاحهم علة لنجاتهم. # وقوله: (إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر) ولم يقل: (لنا)، لينبه ~~PageV02P493 # على أنه أهل لأن يصلى له، لأنه ربه الذي خلقه وأبدعه ورباه بنعمته. # وكقوله تعالى: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله ~~عدو للكافرين) قال الزمخشري: أراد (عدوا " لهم)، فجاء بالظاهر ليدل على أن ~~الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر، وإذا كانت عداوة ~~الأنبياء كفرا "، فما بال الملائكة وهم أشرف!. والمعنى: ومن عاداهم عاداه ~~الله وعاقبه أشد العقاب المهين. # وقد أدمج في هذا الكلام مذهبه في تفضيل الملك على النبي و إن ms0559 لم يكن ~~مقصودا فهو كما قيل: # وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى * إلى حيث يهوى القلب تهوى به الرجل ومثله ~~قول مطيع: # أمي الضريح الذي اسمى * ثم استهل على الضريح إلا ترى أنه لم يقل: (عليه) ~~لأنه باك بذكر الضريح الذي من عادته أن يبكي عليه ويحزن لذكراه. # الحادي عشر قصد العموم كقوله تعالى: (حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما ~~أهلها) ولم يقل: (استطعمهم) للإشعار بتأكيد العموم، وأنهما لم يتركا أحدا ~~من أهلها إلا استطعماه وأبى، ومع ذلك قابلهم PageV02P494 # بأحسن الجزاء وفيه التنبيه على محاسن الأخلاق، ودفع السيئة الحسنة. # وقوله تعالى: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) فإنه لو قيل: # (إنها لأمارة) لاقتضى تخصيص ذلك، فأتى بالظاهر ليدل على أن المراد ~~التعميم، مع أنه برئ من ذلك بقوله بعده: (إلا ما رحم ربي) وقوله: (إن ربي ~~غفور رحيم) ولم يقل: (إنه) إما للتعظيم وإما للاستلذاذ. # وقوله تعالى: (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا "). # وقوله تعالى: (و إنا إذا أذقنا الانسان منا رحمة فرح بها) ثم قال: (فإن ~~الانسان كفور) ولم يقل: (فإنه) مبالغة في اثبات أن هذا الجنس شأنه كفران ~~النعم. # الثاني عشر قصد الخصوص كقوله تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي)، ~~ولم يقل: (لك) لأنه لو أتى بالضمير لأخذ جوازه لغيره، كما في قوله تعالى: ~~(وبنات عمك)، فعدل عنه إلى الظاهر للتنبيه على الخصوصية وأنه ليس لغيره ~~ذلك. PageV02P495 # الثالث عشر مراعاة التجنيس ومنه: (قل أعوذ برب الناس...) السورة، ذكره ~~الشيخ عز الدين ابن عبد السلام رحمه الله. # الرابع عشر أن يتحمل ضميرا الأبد منه كقوله: (أتيا أهل قرية استطعما ~~أهلها). # الخامس عشر كونه أهم من الضمير كقوله تعالى: (أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى). وقال بعضهم: # إنما أعيد (إحداهما) لتعادل الكلم وتوازن الألفاظ في التركيب، وهو المعنى ~~في الترصيع البديعي بل هذا أبلغ من الترصيع، فإن الترصيع توازن الألفاظ من ~~حيث صيغها، وهذا من حيث تركيبها، فكأنه ترصيع معنوي، وقلما يوجد إلا ms0560 في ~~نادر من الكلام، وقد استغرب أبو الفتح ما حكى عن المتنبي في قوله: # وقد عادت الأجفان قرحى من البكا * وعادت بهارا " في الخدود الشقائق ~~PageV02P496 # قال: سألته: هل هو (قرحى) أو (قرحا) منون؟ فقال لي: (قرحا) منون، ألا ترى ~~أن بعدها (وعادت بهارا)! قال: يعني أن (بهارا): جمع بهار، وقرحى: جمع قرحة، ~~ثم أطنب في الثناء على المتنبي واستغرب فطنته لأجل هذا. # وبيان ما ذكرت في الآية أنها متضمنه لقسمين: قسم الظلال وقسم التذكير، ~~فأسند الفعل الثاني إلى ظاهر حيث أسند الأول، ولم يوصل بضمير مفصول لكون ~~الأول لازما، فأتى بالثاني على صورته من التجرد عن المفعول، ثم أتى به خبرا ~~بعد الكلام وحصول التماثل في تركيبه. # ولو قيل: إن المرفوع حرف لكان أبلغ في المعنى المذكور، ويكون الأخير بدلا ~~" أو نعتا على وجه البيان، كأنه قال: (إن كان ضلال من إحداهما كان تذكير من ~~الأخرى)، وقدم على (الأخرى) لفظ (إحداهما) ليسند الفعل الثاني إلى مثل ما ~~أسند إليه الأول لفظا ومعنى. والله أعلم. # السادس عشر كون ما يصلح للعود ولم يسق الكلام له كقوله: (رسل الله الله ~~أعلم)، وكقول الشاعر: # تبكي على زيد ولا زيد مثله * برئ من الحمى سليم الجوانح PageV02P497 # السابع عشر الإشارة إلى عدم دخول الجملة في حكم الأولى كقوله تعالى: (فإن ~~يشاء الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل) في سورة الشورى، فإن (يمح) ~~استئناف وليس عطفا " على الجواب، لأن المعلق على الشرط عدم قبل وجوده، وهذا ~~صحيح في (يختم على قلبك) وليس صحيحا في (يمح الله الباطل) لأن محو الباطل ~~ثابت، فلذلك أعيد الظاهر، وأما حذف الواو من الخط فاللفظ، وأما حذفها في ~~الوقف كقوله تعالى: (يدع الداعي) و (سندع الزبانية) فللوقف، ويؤكد ذلك وقوف ~~يعقوب عليها بالواو. # وهذا ملخص كلام عبد العزيز في كلامه على البزدوي، وفيما ذكره نزاع، وهذا ~~أنا لا نسلم أن المعلق ها هنا بالشرط هو موجود قبل الشرط، لأن الشرط هنا ~~المشيئة وليس المحو ثابتا " قبل المشيئة، فإن قيل: إن ms0561 الشرط هنا مشيئة خاصة ~~وهي مشيئة الختم، وهذا وإن كان محذوفا فهو مذكور بالقوة. شائع في كثير من ~~الأماكن، كقوله تعالى: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى)، (ولو شاء الله ما ~~أشركوا)، (ولو شاء الله ما اقتتلوا) المعنى: (ولو شاء الله جمعهم لجمعهم) و ~~(لو شاء الله عدم إيمانهم ما أشركوا) و (لو شاء الله عدم قتالهم ما ~~اقتتلوا). PageV02P498 # قيل: لا يكاد يثبت مفعول المشيئة إلا نادرا كما سيأتي في الحذف إن شاء ~~الله تعالى، وإذا ثبت هذا صح ما ادعيناه، فإن محو الله ثابت قبل مشيئة الله ~~الختم. # فإن قلت: سلمنا أن الشرط مشيئة خاصة، لكنها إنما تختص بقرينة الجواب. # والجواب: هنا شيئان، فالمعنى: إن يشأ الله الختم ومحو الباطل يختم على ~~قلبك، ويمح الباطل، وحينئذ لا يتم ما ادعاه. # وجوابه أن الشرط لا بد أن يكون غير ثابت وغير ممتنع، و لذي (ويمحو ~~الباطل) كان ثابتا فلا يصح دخوله في جواب الشرط. وهذا أحسن جدا. # بقي أن يقال: إن الجواب ليس كلا من الجملتين، بل مجموع الجملتين و ~~المجموع ومعدوم قبل وجود الشرط، وإن كان أحدهما ثابتا ". # تنبيهان الأول قد سبق أنه لا يشترط في وضع الظاهر موضع المضمر أن يكون ~~بلفظ الأول، ليشمل مثل قوله تعالى: (إنا لا نضيع أجد من أحسن عملا "). # وقوله تعالى: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل ~~عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء)، لأن إنزال الخير هنا سبب ~~للربوبية، وأعاده (بلفظ) الله لأن تخصيص الناس بالخير دون غيرهم مناسب ~~للإلهية، لأن دائرة الربوبية أوسع. # ومثله: (وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء) كما سبق. PageV02P499 # ومن فوائده: التلذذ بذكره وتعظيم المنة بالنعمة. # ومن فوائده: قصد الذم، وجعل الزمخشري قوله تعالى: (يوم ينظر المرء ما ~~قدمت يداه ويقول الكافر)، فقال: المراء هو الكافر وهو ظاهر، وضع موضع ~~الضمير لزيادة الذم. # وقال ابن عبد السلام في قوله تعالى: (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم لن ms0562 يفقد الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) إن ~~(الفاسقين) يراد بهم المنافقون، ويكون قد أقام الظاهر مقام المضمر، ~~والتصريح بصفة الفسق سبب لهم. ويجوز أن يكون المراد العموم لكل فاسق، ويدخل ~~فيه المنافقون دخولا أوليا، وكذا سائر هذه النظائر. # وليس من هذا الباب قوله تعالى: (إن تكونوا صالحين)، أي في معاملة ~~(الأبوين) فإنه كان للأوابين غفورا. # وقوله تعالى: (من كان عدوا لجبريل) إلى قوله: (فإن الله عدو للكافرين). # وكذلك كل ما فيه شرط فإن الشرط أسباب، ولا يكون الإحسان للوالدين سببا ~~لغفران الله لكل تائب، لأنه يلزم أن يثاب غير الفاعل بفعل غيره، وهو خلاف ~~الواقع. # وكذلك معاداة بعض الكفرة لا يكون سببا لمعاداة كل كافر، فتعين في هذه ~~المواضع أن يكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ليس إلا. PageV02P500 # الثاني قد مر أن سؤال وضع الظاهر موضع المضمر حقه أن يكون في الجملة ~~الواحدة، نحو: # (الحاقة ما الحاقة) فأما إذا وقع في جملتين فأمره سهل وهو أفصح من وقوعه ~~في الجملة الواحدة، لأن الكلام جملتان، فحسن فيها ما مالا يحسن في الجملة ~~الواحدة، ألا ترى إلى قوله: # لا أرى الموت يسبق الموت شئ * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا فتكرار ~~(الموت) في عجز البيت أوسع من تكراره في صدره، لأنا إذا عللنا هذا إنما ~~نقول: أعاد الظاهر موضع المضمر لما أراد من تعظيم الموت وتهويل أمره، فإذا ~~عللها مكرره في عجزه عللناه بهذا، وبأن الكلام جملتان. # إذا علمت هذا، فمثاله في الجملتين كقوله تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم ~~الله وقوله: (إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين). # وقد أشكل الإظهار هاهنا والإضمار في المثل قوله: (إلى فرعون وملئه إنهم ~~كانوا قوما فاسقين) وأجيب بأنه لما كان المراد في المدائن لوط إهلاك القرى ~~صرح في الموضعين بذكر القرية التي يحل بها الهلاك، كأنها اكتسبت الظلم معهم ~~واستحقت الهلاك معهم إذ للبقاع تأثير في الطباع، ولما كان المراد في قوم ~~فرعون إهلاكهم بصفاتهم، حيث كانوا ولم يهلك بلدهم أتى ms0563 بالضمير العائد على ~~ذواتهم، من حيث هي من غير تعرض للمكان. PageV02P501 # واعلم أنه متى طال الكلام حسن إيقاع الظاهر موضع المضمر كيلا يبقى الذهن ~~متشاغلا بسبب ما يعود عليه اللفظ فيفوته ما شرع فيه، كما إذا كان ذلك في ~~ابتداء آية أخرى، كقوله تعالى: (قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم...) الآية. # وقوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس). # وقوله: (يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس). # وقوله: (رجال لا تلهيهم تجارة). # القسم العاشر تجئ اللفظة الدالة على التكثير والمبالغة بصيغ من صيغ ~~المبالغة كفعال وفعيل وفعلان، فإنه أبلغ من (فاعل). ويجوز أن يعد هذا من ~~أنواع الاختصار، فإن أصله وضع لذلك، فإن (ضروبا) ناب عن قولك: (ضارب وضارب ~~وضارب). # [ما جاء على فعلان] أما (فعلان) فهو أبلغ من (فعيل)، ومن ثم قيل: الرحمن ~~أبلغ من الرحيم - وإن كانت صيغة (فعيل) - من جهة أن (فعلان) من أبنية ~~المبالغة، كغضبان للممتلئ غضبا، ولهذا لا يحوز علي التسمية به، وحكاه ~~الزجاج في تأليفه المفرد على البسملة. # وأما قول الشاعر اليمامة: PageV02P502 # * وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا * فهو من كفرهم وتعنتهم كذا أجاب به ~~الزمخشري. # ورده بعضهم بأن النعت لا يدفع وقوع إطلاقهم، وغايته أنه ذكر السبب الحامل ~~لهم على الإطلاق، وإنما الجواب أنهم لم يستعملوا الرحمن المعرف بالألف ~~واللام، وإنما استعملوه مضافا ومنكرا، وكلامنا إنما هو في المعرف باللام. # وأجاب ابن مالك: بأن الشاعر أراد: (لا زلت ذا رحمة)، ولم يرد بالاسم ~~المستعمل بالغلبة. # ويدل على أن العرب كانت تعرف هذا الاسم قوله تعالى: (قل أدعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى). وأما قوله: (وما الرحمن)، ~~فقال ابن العربي: إنما جهلوا الصفة دون الموصوف، ولذلك لم يقولوا: (ومن ~~الرحمن). # وذكر البرزاباذاني أنهم غلطوا في تفسير (الرحمن) حيث جعلوه بمعنى المتصف ~~بالرحمة. # قال: وإنما معناه الملك العظيم العادل، بدليل: (الملك يومئذ الحق للرحمن ~~إذا الملك يستدعي العظمة والقدرة والرحمة لخلقه، لا أنه يتوقف عليها. # (وإذا قيل ms0564 لهم اسجدوا للرحمن) وإنما يصلح السجود لمن له العظمة والقدرة، ~~و (أني أعوذ بالرحمن) ولا يعاذ إلا بالعظيم القادر على الحفظ والذب. ~~PageV02P503 # (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ")، أي وما ينبغي للعظيم القادر على كل ~~شئ المستغني عن معاونة الوالد وغيره أن يتخذ ولدا. # (الرحمن لا يملكون منه خطابا "). # (وخشعت الأصوات للرحمن). # (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن) ولا يحتاج الناس إلى حافظ ~~يحفظهم من ذي الرحمة والواسعة. # (إلا أتى الرحمن عبدا "): # (إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن). # (وربنا الرحمن المستعان). # (من خشي الرحمن بالغيب). # ولا مناسبة لمعنى الرحمة في شئ من هذه المواضع، وأما (رحيم) فهو من صفات ~~الذات، كقولهم: (كريم). # وما ذكرناه من أن (الرحمن) أبلغ ذهب إليه أبو عبيد والزمخشري وغيرهما، ~~وحكاه ابن عساكر في " التكميل والإفهام " عن الأكثرين. PageV02P504 # وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق عليه. ونصره السهيلي بأنه ورد ~~على لفظ التنبيه، والتنبيه تضعيف. وكأن البناء تضاعفت فيه الصفة. # وقال قطرب: المعنى فيهما واحد، وإنما جمع بينهما في الآية للتوكيد. # وكذلك قال ابن فورك: قال: وليس قول من زعم أن (رحيما) أبلغ [من رحمن] ~~يجيد، إذ لا فرق بينهما في المبالغة، ولو قيل (فعلان) أشد مبالغة كان أولى، ~~ولهذا خص بالله فلا يوصف به غيره، ولذلك قال بعض التابعين: الرحمن اسم ~~ممنوع، وأراد به منع الخلق أن يتسموا به، ولا وجه لهذا الكلام إلا التوكيد ~~واتباع الأول ما هو في معنى الثاني. # وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر. # وعن الخطابي استشكال هذا، وقال: لعله أرفق، كما جاء في الحديث (إن الله ~~رفيق يحب الرفق في الأمر كله). # وقال ابن الأنباري في " الزاهر ": الرحيم أبلغ من الرحمن. # ورجحه ابن عساكر بوجوه: منها أن الرحمن جاء متقدما على الرحيم، ولو كان ~~أبلغ منه لكان متأخرا " عنه، لأنهم في كلامهم إنما يخرجون من الأدنى إلى ~~الأعلى، فيقولون: # فقيه عالم، وشجاع باسل، وجواد فياض، ولا يعكسون هذا لفساد المعنى، لأنه ~~لو تقدم ms0565 الأبلغ لكان الثاني داخلا " تحته، فلم يكن لذكره معنى. # وهذا قدر ذكره الزمخشري وأجاب عنه بأنه من باب الإرداف، وأنه أردف الرحمن ~~الذي يتناول جلائل النعم وأصولها بالرحيم، ليكون كالتتمة فإن والرديف، ~~ليتناول مارق منها ولطف. PageV02P505 # وفيه ضعف لا سيما إذا قلنا: إن الرحمن علم لا صفة، وهو قول الأعلم وابن ~~مالك. # وأجاب الواحدي في " البسيط " بأنه لما كان الرحمن كالعلم - إذ لا يوصف به ~~إلا الله - قدم، لأن حكم الأعلام وغيرها من المعارف أن يبدأ بها، ثم يتبع ~~الأنكر، وما كان من التعريف أنقص. # قال: وهذا مذهب سيبويه وغيره من النحويين، فجاء هذا على منهاج كلام ~~العرب. # وأجاب الجويني بأن الرحمن للخلق، والرحيم لهم بالرزق، والخلق قبل الرزق. # ومنها أن أسماء الله تعالى إنما يقصد بها المبالغة في حقه، والنهاية في ~~صفاته وأكثر صفاته سبحانه جارية على (فعيل) كرحيم، وقدير، وعليم، وحكيم، ~~وحليم، وكريم، ولم يأت على (فعلان) إلا قليل. ولو كان (فعلان) أبلغ لكان ~~صفات الباري تعالى عليه أكثر. # قلت: وجواب هذا أن ورود (فعلان) بصيغة التكثير كان في عدم تكرار الوصف ~~به، بخلاف (فعيل) فإنه لما لم يرق في الكثرة رقته كثر في مجئ الوصف. # ومنها: أنه إن كانت المبالغة في (فعلان) من جهة موافقه لفظ التثنية - كما ~~زعم السهيلي - ففعيل من أبنية جمع الكثرة كعبيد. وكليب، ولا شك أن الجمع ~~أكثر من التثنية - وهذا أحسنها. # قال: وقول قطرب (إنهما بمعنى واحد) فاسد، لأنه لو كان كذلك لتساويا في ~~التقديم والتأخير، وهو ممتنع. PageV02P506 # تنبيهات الأول نقل عن الشيخ برهان الدين الرشيدي أن صفات الله التي هي ~~صيغة المبالغة كغفار ورحيم وغفور ومنان كلها مجاز، إذ هي موضوعه للمبالغة، ~~ولا مبالغة فيها، لأن المبالغة هي أن تثبت للشئ أكثر مما له، وصفات الله ~~متناهية في الكمال، لا يمكن المبالغة فيها، والمبالغة أيضا " تكون في صفات ~~تقبل الزيادة والنقصان، وصفات الله تعالى منزهة عن ذلك. انتهى. # وذكر هذا للشيخ ابن الحسن السبكي فاستحسنه، وقال: إنه صحيح إذا قلنا: # إنها ms0566 صفات. # فإن قلنا: أعلام زال ذلك. # قلت: والتحقيق أن صيغ المبالغة على قسمين: # أحدهما: ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل. # والثاني: بحسب تعدد المفعولات. # ولا شك أن تعددها لا يوجب للفعل زيادة، إذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة ~~متعددين. # وعلى هذا التقسيم يحب تنزيل جميع أسماء الله تعالى التي وردت على صيغة ~~المبالغة كالرحمن والغفور والتواب ونحوها، ولا يبقى إشكال حينئذ، لهذا قال ~~بعض المفسرين في حكم معنى المبالغة فيه تكرار حكمه بالنسبة إلى الشرائع. # وقال الزمخشري في سورة الحجرات: المبالغة في التواب للدلالة على كثرة من ~~PageV02P507 # يتوب إليه من عباده، [أو لأنه ما من ذنب يقترفه المقترف إلا كان معفوا ~~عنه بالتوبة]، أو لأنه بليغ في قبول التوبة، نزل صاحبها منزلة من لم يذنب ~~قط لسعة كرمه. # وقد أورد بعض الفضلاء سؤالا في قوله تعالى: (والله على كل شئ قدير)، وهو ~~أن (قديرا ") من صيغ المبالغة يستلزم الزيادة على معنى (قادر)، والزيادة ~~على معنى (قادر) محال، إذ الاتحاد من واحد لا يمكن فيه التفاضل، باعتبار كل ~~فرد فرد. # وأجيب عنه بأن المبالغة لما لم يقدر حملها على كل فرد وجب صرفها إلى ~~مجموع الأفراد التي دل السياق عليها، والمبالغة إذن بالنسبة إلى تكثير ~~التعلق لا بالنسبة إلى تكثير الوصف. # وكذلك قوله تعالى: (والله بكل شئ عليم)، يستحيل عود المبالغة إلى نفس ~~الوصف، إذ العلم بالشئ لا يصح التفاوت فيه، فيجب صرف المبالغة فيه إلى ~~المتعلق، إما لعموم كل أفراده، وإما لأن يكون المراد الشئ ولواحقه، فيكون ~~من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل. # الثاني سئل أبو علي الفارسي: هل تدخل المبالغة في صفات الله تعالى فيقال: ~~(علامة)؟ # فأجاب بالمنع، لأن الله تعالى ذم من نسب إليه الإناث لما فيه من النقص، ~~فلا يجوز إطلاق اللفظ المشعر بذلك. # حكاه الجرجاني في " شرح الإيضاح ". PageV02P508 # الثالث أنه لو جرد عن الألف واللام لم يصرف لزيادة الألف والنون في آخره ~~مع العلمية أو الصفة. # وأورد الزمخشري بأنه لا يمنع (فعلان) صفة من ms0567 الصرف إلا إذا كان مؤنثه، ~~(فعلى) كغضبان وغضبي، وما لم يكن مؤنثه (فعلى) ينصرف، كندمان وندمانة وتبعه ~~ابن عساكر بأن (رحمن) وإن لم يكن له مؤنث على (فعلى) فليس له مؤنث على ~~(فعلانة) لأنه اسم مختص بالله تعالى فلا مؤنث له من لفظه، فإذا عدم ذلك رجع ~~فيه إلى القياس، وكل ألف ونون زائدتان فهما محمولتان على منع الصرف. # قال الجويني: وهذا فيه ضعف في الظاهر، وإن كان حسنا " في الحقيقة، لأنه ~~إذا لم يشبه (غضبان) ولم يشبه (ندمان) من جهة التأنيث فلماذا ترك صرفه، مع ~~أن الأصل الصرف بل كان ينبغي أن يقال: ليس هو كغضبان، فلا يكون غير منصرف، ~~ولا يصح أن يقال: ليس هو كندمان فلا يكون منصرفا، لأن الصرف ليس بالشبه، ~~إنما هو بالأصل كما وعدم الصرف بالشبه ولم يوجد. # قلت: والتقدير الذي نقلناه عن ابن عساكر يدفع هذا عن الزمخشري، نعم أنكر ~~ابن مالك على ابن الحاجب تمثيله ب‍ (الرحمن) لزيادة الألف والنون في منع ~~الصرف، وقال: # لم يمثل به غيره، ولا ينبغي التمثيل به، فإنه اسم علم بالغلبة لله، مختص ~~به، وما كان كذلك لم يجرد من (أل) ولم يسمع مجردا إلا في النداء قليلا، مثل ~~يا رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة. PageV02P509 # قال: وقد أنكر على الشاطبي: # * تبارك رحمانا رحيما وموئلا * لأنه أراد الاسم المستعمل بالعلبة. # ولم يحضر الزمخشري هذا الجواب، فذكر أنه من تعنتهم في كفرهم كما سبق. # [ما جاء على فعيل] وأما (فعيل) فعند النحاة أنه من صيغ المبالغة ~~والتكرار، كرحيم، وسميع، وقدير، وخبير، وحفيظ، وحكيم، وحليم، وعليم، فإنه ~~محول عن (فاعل) بالنسبة، وهو إنما يكون كذلك للفاعل لا للمفعول به، بدليل ~~قولهم: قتيل وجريح، والقتل لا يتفاوت. # وقد يجئ في معنى الجمع كقوله تعالى: (وحسن أولئك رفيقا ")، وقوله: ~~(والملائكة بعد ذلك ظهير)، وقوله: (خلصوا نجيا)، وغير ذلك. # ومن المشكل: (وما كان ربك نسيا)، فإن النفي متوجه على الخبر وهو صيغة ~~مبالغة، ولا يلزم من نفي المبالغة نفي أصل الفعل، فلا يلزم نفي ms0568 أصل ~~النسيان، وهو كالسؤال الآتي في (ظلام للعبيد). # ويجاب عنه بما سيأتي من الأجوبة. ويختص هذا بجواب آخر، وهو مناسبة رؤوس ~~الآي قبله. PageV02P510 # [ما جاء على فعال] وأما فعال، فنحو: غفار، ومنان، وتواب، ووهاب، (فعال ~~لما يريد). # (علام الغيوب)، ونحو: (لكل صبار شكور)، ونحو: (نزاعة للشوى). # ومن المشكل قوله تعالى: (وما ربك بظلام للعبيد) وتقريره أنه لا يلزم من ~~نفي الظلم بصيغة المبالغة نفي أصل الظلم، والواقع نفيه، قال الله تعالى: ~~(إن الله لا يظلم الناس شيئا ")، (إن الله لا يظلم مثقال ذرة). # وقد أجيب عنه باثني عشر جوابا ": # أحدها: أن (ظلاما) وإن كان يراد به الكثرة لكنه جاء في مقابله العبيد وهو ~~جمع كثرة إذا قوبل بهم الظلم كان كثيرا. # ويرشح هذا الجواب أنه سبحانه وتعالى قال في موضع آخر: (علام الغيوب)، ~~فقابل صيغة (فعال) بالجمع، وقال في موضع آخر: (عالم الغيب) فقابل صيغة ~~(فاعل) الدالة على أصل الفعل بالواحد. # وهذا قريب من الجواب عن قوله تعالى: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا " ~~لله ولا الملائكة المقربون) حيث احتج به المعتزلة على تفضيل الملائكة على ~~الأنبياء. PageV02P511 # وجوابه أنه قابل عيسى بمفرده بمجموع الملائكة، وليس النزاع في تفضيل ~~الجمع على الواحد. # الثاني: أنه نفي الظلم الكثير، فينتفي القليل ضرورة، لأن الذي يظلم إنما ~~يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة ظلمه في حق من يجوز ~~عليه النفع كان الظلم القليل في المنفعة أكثر. # الثالث: أنه على النسب. واختاره ابن مالك، وحكاه في شرح الكافية عن ~~المحققين، أي ذا ظلم كقوله: (وليس بنبال) أي بذي نبل. أي لا ينسب إلى الظلم ~~فيكون من باب بزاز، وعطار. # الرابع: أن فعالا قد جاء غير مراد به الكثرة كقوله طرفة: # ولست بحلال التلاع مخافة " * ولكن متى يسترفد القوم أرفد لا يريد أنه يحل ~~التلاع قليلا، لأن ذلك يدفعه قوله: (يسترفد القوم أرفد)، هذا يدل على نفي ~~الحال في كل حال، لأن تمام المدح لا يصل بإيراد الكثرة. # الخامس: أن أقل القليل لو ms0569 ورد منه سبحانه - وقد جل عنه - لكان كثيرا، ~~لاستغنائه عنه كما يقال: (زلة العالم كبيرة). # ذكره الحريري في الدرة، قال: وإليه أشار المخزومي في قوله: # كفوفه الظفر تخفى من حقارتها * ومثلها في سواد العين مشهور PageV02P512 # السادس: أن نفي المجموع يصدق بنفي واحد، ويصدق بنفي كل واحد، ويعين ~~الثاني في الآية للدليل الخارجي، وهو قوله: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة). # السابع: أنه أراد: (ليس بظالم، ليس بظالم، ليس بظالم). فجعل في مقابله ~~ذلك (وما ربك بظلام). # الثامن: أنه جواب لمن قال: ظلام، والتكرار إذا ورد جوابا لكلام خاص لم ~~يكن له مفهوم كما إذا خرج مخرج الغالب. # التاسع: أنه قال: (بظلام)، لأنه قد يظن أن من يعذب غيره عذابا شديدا ظلام ~~قبل الفحص عن جرم الذنب. # العاشر: أنه لما كان صفات الله تعالى صيغة المبالغة فيها وغير المبالغة ~~سواء في الإثبات جرى النفي على ذلك. # الحادي عشر: أنه قصد التعريض بأن ثمة ظلاما للعبيد من ولاة الجور. # وأما (فعال) بالتخفيف والتشديد، نحو عجاب وكبار، قال تعالى: (إن هذا لشئ ~~عجاب)، وقال: (ومكروا مكرا " كبارا ")، قال المعري في " اللامع العزيزي ": ~~(فعيل) إذا أريد به المبالغة نقل به إلى (فعال) وإذا أريد به الزيادة شددوا ~~فقالوا: (فعال)، ذلك، من عجيب وعجاب وعجاب، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: ~~PageV02P513 # (إن هذا لشئ عجاب) بالتشديد، وقالوا: طويل و طوال وطوال، ويقال: نسب ~~قريب، وقراب، وهو أبلغ، قال الحارث بن ظالم: # وكنت إذا رأيت بني لؤي * عرفت الود والنسب القرابا [ما جاء على فعول] ~~وأما فعول، كغفور، وشكور، وودود، فمنه قوله تعالى: (إن الانسان لظلوم ~~كفار). # وقوله تعالى في نوح: (إنه كان عبدا " شكورا "). # وقد أطربني قوله تعالى: (وقليل من عبادي الشكور)، فقلت: الحمد لله الذي ~~ما قال: (الشاكر). # فإن قيل: قوله تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا " وإما كفورا ")، كيف ~~غاير بين الصفتين وجعل المبالغة من جانب الكفران؟. # قلت: هذا سأله الصاحب بن عباد للقاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي، فأجاب ~~بأن نعم الله على ms0570 عباده كثيرة، وكل شكر يأتي في مقابلتها قليل، وكل كفر ~~يأتي في مقابلتها عظيم، فجاء شكور بلفظ (فاعل) وجاء كفور بلفط (فعول) على ~~وجه المبالغة. فتهلل وجه الصاحب. # [ما جاء على فعل] وأما فعل فقوله تعالى: (وإنا لجميع حاذرون). ~~PageV02P514 # وقوله تعالى: (كذاب أشر)، قرن (فعلا) بفعال. # [ما جاء على فعل] وأما فعل فيكون صفة، كقوله تعالى: (أهلكت مالا " لبدا ~~")، اللبد: الكثير. # وقوله تعالى: (إنها لإحدى الكبر). # ويكون مصدر كهدى وتقى، ويكون معدولا عن أفعل من كذا، كقوله تعالى: # (وأخر متشابهات)، وقوله تعالى: (فعدة من أيام أخر)، كما قال: # (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة " أخرى). # [ما جاء على فعلى] وأما فعلى فيكون اسما، كالشورى والرجعي، قال الله ~~تعالى: (إن إلى ربك الرجعى)، وقال تعالى: (وكلمة الله هي العليا). # ويكون صفة كالحسنى في تأنيث الأحسن، والسوءى في تأنيث الأسوأ، قال تعالى: # (ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوءى أن كذبوا بآيات الله). # قال الفارسي: يحتمل السوء تأويلين: # أحدهما: أن يكون تأنيث (الأسوأ)، والمعنى: كان عاقبتهم خلة السوءى فتكون ~~PageV02P515 # (السوءى) على هذا خارجة من الصلة، فتنصب على الموضع، وموضع (أن) نصب، ~~فإنه مفعول له، أي كان عاقبتهم الخصلة السوءى لتكذيبهم. # الثاني: أن يكون السوءى مصدرا، مثل الرجعى، وعلى هذا فهي داخلة في الصلة، ~~ومنتصبة بأساؤوا، كقوله تعلى: (وتبتل إليه تبتيلا ")، ويكون (أن كذبوا) ~~نصبا، لأنه خبر كان. # ويجوز في إعراب (السوءى) وجه ثالث، وهو أن يكون في موضع رفع صفة ل‍ ~~(العاقبة)، وتقديرها: ثم كان عاقبتهم المذمومة التكذيب. # و (الفعلي) في هذا الباب وإن كانت في الأصل صفة، بدليل قوله تعالى: (وهم ~~بالعدوة القصوى)، وقوله تعالى: (فأراه الآية الكبرى)، فجرت صفة على ~~موصوفها، فإنها في كثير من الأمور تجرى مجرى الأسماء، كالأبطح، والأجرع، ~~والأدهم. # تم بعون الله وجميل توفيقه الجزء الثاني من كتاب البرهان في علوم القرآن ~~للامام بدر الدين الزركشي ويليه الجزء الثالث وأوله القسم الحادي عشر من ~~أقسام التوكيد: المثنى وإرادة الواحد من أساليب القرآن، وهو النوع السادس ~~والأربعون PageV02P516 # البرهان في ms0571 علوم القران للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي تحقيق ~~محمد أبو الفضل إبراهيم الجزء الثالث الطبعة الأولى 1377 ه‍ - 1958 م دار ~~أحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه PageV03P001 # [جميع الحقوق محفوظة] PageV03P002 # بسم الله الرحمن الرحيم القسم الحادي عشر المثنى وإرادة الواحد كقوله ~~تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان)، وإنما يخرج من أحدهما. # ونظيره قوله تعالى: (ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها)، ~~وإنما تخرج الحلية من " الملح "، وقد غلط في هذا المعنى أبو ذؤيب الهذلي ~~حيث قال يذكر الدرة: # فجاء بها ما شئت من لطمية * يدوم الفرات فوقها ويموج والفرات لا يدوم ~~فوقها، وإنما يدوم الأجاج. # وقال أبو علي في قوله تعالى: (على رجل من القريتين عظيم): إن ظاهر اللفظ ~~يقتضي أن يكون من مكة والطائف جميعا، ولما لم يمكن أن يكون منهما دل المعنى ~~على تقدير: " رجل من إحدى القريتين ". # وقوله تعالى: (وجعل القمر فيهن نورا) أي في إحداهن. PageV03P003 # وقوله تعالى: (نسيا حوتهما) والناسي كان يوشع، بدليل قوله لموسى: (فإني ~~نسيت الحوت)، ولكن أضيف النسيان لهما جميعا لسكوت موسى عنه. # وقوله تعالى: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) ~~والتعجيل يكون في اليوم الثاني، وقوله: (فمن تأخر فلا إثم عليه) قيل: إنه ~~من هذا أيضا، وإن موضع الإثم والتعجيل يجعل المتأخر الذي لم يقصر مثل ما ~~جعل للمقصر. # ويحتمل أن يراد: لا يقولن أحدهما لصاحبه: أنت مقصر، فيكون المعنى: لا ~~يؤثم أحدهما صاحبه. # وقوله تعالى: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس). # وقوله تعالى: (جعلا له شركاء)، أي أحدهما، على أحد القولين. # وقوله: (فإن خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) ~~فالجناح على الزوج لأنه أخذ ما أعطى، قال أبو بكر الصيرفي: المعنى: فإن خيف ~~من أحدهما ذلك جازت الفدية، وليس الشرط أن يجتمعا على عدم الإقامة. # وقوله تعالى: (ألقيا في جهنم) قيل هو خطاب للملك. وقال المبرد: ثناه على ~~" ألق "، والمعنى: ألق ألق، وكذلك القول في " قفا " وخالفه ms0572 أبو إسحاق، ~~وقال: بل هو مخاطبة للملكين. PageV03P004 # وقال الفراء في قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قال: يخاطب الانسان ~~مخاطبه بالتثنية. # وجعل منه قوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان): وقوله تعالى: # (جنتين) فقيل: جنة واحدة بدليل قوله تعالى آخر الآية: (ودخل جنته) فأفرد ~~بعد ما ثنى. # وقوله: (كلتا الجنتين آتت أكلها) فإنه ما ثنى إلا للإشعار بأن لها وجهين، ~~وأنك إذا نظرت عن يمينك ويسارك رأيت في كلتا الناحيتين ما يملأ عينيك قرة، ~~وصدرك مسرة. # وقوله تعالى: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) وإنما ~~المتخذ إلها عيسى دون مريم، فهو من باب " والنجوم الطوالع " قاله أبو ~~الحسن، وحكاه عنه ابن جنى في كتاب " القد "، وعليه حمل ابن جنى وغيره قول ~~امرئ القيس: # * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * PageV03P005 # ويؤيده قوله بعده: # * أصاح ترى برقا أريك ومضيه * وقول الفرزدق: # عشية سال المربدان كلاهما سحابة موت بالسيوف الصوارم وإنما هو مربد ~~البصرة فقط. # وقوله: " ودار لها بالرقمتين ". # وقوله: " ببطن المكتين ". # وقول جرير: # لما مررت بالديرين أرقني صوت الدجاج وقرع بالنواقيس قالوا: أراد " دير ~~الوليد "، من فثناه باعتبار ما حوله. # القسم الثاني عشر إطلاق الجمع وإرادة الواحد كقوله تعالى: (يا أيها الرسل ~~كلوا من الطيبات)، إلى قوله: (فذرهم PageV03P006 # في غمرتهم حتى حين)، قال أبو بكر الصيرفي: فهذا خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وحده، إذ لا نبي معه ولا بعده. # ومثله: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا...) الآية، وهذا مما ~~لا شريك فيه، والحكمة في التعبير بصيغة الجمع أنه لما كانت تصاريف أقضيته ~~سبحانه وتعالى تجري على أيدي خلقه نزلت أفعالهم منزلة قبول القول بمورد ~~الجمع. # وجعل منه ابن فارس قوله تعالى: (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع ~~المرسلون)، والرسول كان واحدا، بدليل قوله تعالى: (ارجع إليهم). # وفيه نظر، من جهة أنه يحتمل مخاطبة رئيسهم، فإن العادة جارية - لا سيما ~~من الملوك - ألا يرسلوا واحدا. # ومنه: (ففررت منكم لما خفتكم) وغير ذلك، وقد تقدم في وجوه المخاطبات. ms0573 # ومنه: (ينزل الملائكة بالروح من أمره) والمراد جبريل. # وقوله: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)، والمراد محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وقوله: (الذين قال لهم الناس)، والمراد بهم ابن مسعود الثقفي، وإنما ~~PageV03P007 # جاز إطلاق لفظ " الناس " على الواحد، لأنه إذا قال الواحد قولا وله أتباع ~~يقولون مثل قوله، حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل، قال الله تعالى: (وإذا ~~قتلتم نفسا فادارأتم فيها)، (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة) والقائل ذلك رؤوسهم. وقيل: المراد بالناس ركب من عبد القيس دسهم أبو ~~سفيان إلى المسلمين وضمن لهم عليه جعلا، قاله ابن عباس وابن إسحاق وغيرهما. # القسم الثالث عشر إطلاق لفظ التثنية والمراد الجمع كقوله تعالى: (ثم ارجع ~~البصر كرتين) فإنه وإن كان لفظه لفظ التثنية فهو جمع، والمعنى " كرات " لأن ~~البصر لا يحسر إلا بالجمع. # وجعل منه بعضهم قوله تعالى: (الطلاق مرتان). # القسم الرابع عشر التكرار على وجه التأكيد وهو مصدر كرر إذا ردد وأعاد، ~~هو " تفعال " بفتح التاء، وليس بقياس، بخلاف التفعيل. PageV03P008 # وقال الكوفيون: هو مصدر " فعل " والألف عوض من الياء في التفعيل. # والأول مذهب سيبويه. # وقد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة، ظنا أنه لا فائدة له، وليس كذلك ~~بل هو من محاسنها، لا سيما إذا تعلق بعضه ببعض، وذلك أن عادة العرب في ~~خطاباتها إذا أبهمت بشئ إرادة لتحقيقه وقرب وقوعه، أو قصدت الدعاء عليه، ~~كررته توكيدا، وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم، عليه أو الاجتهاد في الدعاء ~~عليه، حيث تقصد الدعاء، وإنما نزل القرآن بلسانهم، وكانت مخاطباته جارية ~~فيما بين بعضهم وبعض، وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن ~~المعارضة. وعلى ذلك يحتمل ما ورد من تكرار المواعظ والوعد والوعيد، لأن ~~الانسان مجبول من الطبائع المختلفة، وكلها داعية إلى الشهوات، ولا يقمع ذلك ~~إلا تكرار المواعظ والقوارع، قال تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر) قال في ~~" الكشاف ": أي سهلناه للادكار والاتعاظ بأن نسجناه بالمواعظ الشافية ~~وصرفنا فيه من الوعد والوعيد. ms0574 # ثم تارة يكون التكرار مرتين، كقوله: (فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر). # وقوله: (أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى). # وقوله: (لترون الجحيم. ثم لترونها عين اليقين). # وقوله: (كلا سيعلمون. ثم كلا سيعلمون). PageV03P009 # وقوله تعالى: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ~~وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله). # وقوله: (فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلافكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم). # وفائدته العظمى التقرير، وقد قيل: الكلام إذا تكرر تقرر. # وقد أخبر الله سبحانه بالسبب الذي لأجله كرر الأقاصيص والأخبار في القرآن ~~فقال: # (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون). # وقال: (وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا). # وحقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى، خشية تناسي الأول، لطول ~~العهد به. # فإن أعيد لا لتقرير المعنى السابق لم يكن منه، كقوله تعالى: (قل إني أمرت ~~أن أعبد الله مخلصا له الدين. وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل الله أعبد مخلصا له ديني. فاعبدوا ما شئتم من ~~دونه). # فأعاد قوله: (قل الله أعبد مخلصا له ديني) بعد قوله: (قل إني أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين)، لا لتقرير الأول، بل لغرض آخر، لأن معنى الأول ~~الأمر بالإخبار أنه مأمور بالعبادة لله والإخلاص له فيها، ومعنى الثاني أنه ~~يخص الله وحده دون غيره بالعبادة والإخلاص، ولذلك قدم المفعول على فعل ~~العبادة في الثاني، PageV03P010 # وأخر في الأول، لأن الكلام أولا في الفعل، وثانيا فيمن فعل لأجله الفعل. # واعلم أنه إنما يحسن سؤال الحكمة عن التكرار إذا خرج عن الأصل، أما إذا ~~وافق الأصل فلا، ولهذا لا يتجه سؤالهم: لم كرر " إياك " في قوله: (إياك ~~نعبد وإياك نستعين). # فقيل: إنما كررت للتأكيد، كما تقول: " بين زبد وبين عمرو مال ". # وقيل: إنما كررت لارتفاع أن يتوهم - إذا حذفت - أن مفعول " نستعين " ضمير ~~متصل واقع بعد الفعل، فتفوت إذ ذاك الدلالة على المعنى المقصود، بتقديم ms0575 ~~المعمول على عامله. # والتحقيق أن السؤال غير متجه، لأن هنا عاملين متغايرين، كل منهما يقتضي ~~معمولا، فإذا ذكر معمول كل واحد منهما بعده فقد جاء الكلام على أصله، ~~والحذف خلاف الأصل، فلا وجه للسؤال عن سبب ذكر ما الأصل ذكره، ولا حاجة إلى ~~تكلف الجواب عنه، وقس بذلك نظائره. # [فوائد التكرير] وله فوائد: # أحدها: التأكيد، واعلم أن التكرير أبلغ من التأكيد، لأنه وقع في تكرار ~~التأسيس، وهو أبلغ من التأكيد، فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم ~~التجوز، فلهذا قال الزمخشري في قوله تعالى: (كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف ~~تعلمون): إن الثانية تأسيس لا تأكيد، لأنه جعل الثانية أبلغ في الانشاء ~~فقال: وفي (ثم) تنبيه على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول. PageV03P011 # وكذا قوله: (وما أدراك ما يوم الدين. ثم ما أدراك ما يوم الدين)، وقوله: ~~(فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر)، يحتمل أن يكون منه، وأن يكون من ~~المتماثلين. # والحاصل أنه: هل هو إنذار تأكيد، أو إنذاران؟ فإن قلت: " سوف تعلم، ثم ~~سوف تعلم " كان أجود منه بغير عطف، لتجريه على غالب استعمال التأكيد، ولعدم ~~احتماله لتعدد المخبر به. # وأطلق بدر الدين بن مالك في شرح " الخلاصة " أن الجملة التأكيدية قد توصل ~~بعاطف، ولم تختص بثم، وإن كان ظاهر كلام والده التخصيص، وليس كذلك، فقد قال ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا ~~الله)، فإن المأمور فيهما واحد، كما قاله النحاس والزمخشري والإمام فخر ~~الدين والشيخ عز الدين، ورجحوا ذلك على احتمال أن تكون " التقوى " الأولى ~~مصروفة لشئ غير " التقوى " الثانية، مع شأن إرادته. # وقولهم: إنه تأكيد، فمرادهم تأكيد المأمور به بتكرير الانشاء، لا أنه ~~تأكيد لفظي، ولو كان تأكيدا لفظيا لما فصل بالعطف، ولما فصل بينه وبين ~~غيره: (ولتنظر نفس). # فإن قلت: " اتقوا " الثانية معطوفة على " ولتنظر ". PageV03P012 # أجيب بأنهم قد اتفقوا على أن: (وقولوا للناس حسنا)، معطوف على (لا تعبدون ~~إلا الله)، لا على قوله: (وبالوالدين إحسانا)، وهو نظير ما ms0576 نحن فيه. # وقوله تعالى: (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين)، ~~وقوله: (فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم) ويحتمل أن يكون ~~" اصطفاءين " و " ذكرين "، وهو الأقرب في الذكر، لأنه محل طلب فيه تكرار ~~الذكر. # وكقوله تعالى حكاية عن موسى: (كي نسبحك كثيرا. ونذكرك كثيرا). # وقوله: (أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب ~~النار)، كرر " أولئك ". # وكذلك قوله: (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون). # وكذا قوله: (فلما أن أراد أن يبطش بالذي...) إلى قوله: (من المصلحين)، ~~كررت " أن " في أربع مواضع تأكيدا. # وقوله: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين. وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين). # الثاني: زيادة التنبيه على ما ينفى التهمة، ليكمل تلقي الكلام بالقبول، ~~ومنه قوله PageV03P013 # تعالى: (وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه ~~الحياة الدنيا متاع) فإنه كرر فيه النداء لذلك. # * * * الثالث: إذا طال الكلام وخشي تناسى الأول أعيد ثانيا تطرية له، ~~وتجديدا لعهده، كقوله تعالى: (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا ~~من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم). # (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا...) الآية. # وقوله: (ولما جاءهم كتاب من عند الله) ثم قال:) فلما جاءهم ما عرفوا) ~~فهذا تكرار للأول، ألا ترى أن لما لا تجئ بالفاء! # ومثله: (لا تحسبن الذين يفرحون)، ثم قال: (فلا تحسبنهم). # وقوله: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم)، ثم قال: (ولو شاء الله ~~ما اقتتلوا). # ومنه قوله: (إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين). # وقوله: (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون) فقوله: ~~(إنكم) الثاني بناء على الأول، إذ كارا به خشية تناسيه. # وقوله: (وهم عن الآخرة هم غافلون). PageV03P014 # وكذلك قوله: (إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين. وفديناه ~~بذبح عظيم) إلى قوله: (كذلك نجزي المحسنين). # بغير (إنا) وفي غيره من مواضع ذكر (إنا كذلك)، ms0577 لأنه يبنى على ما سبقه في ~~هذه القصة من قوله (إنا كذلك)، فكأنه طرح فيما اكتفى بذكره أولا عن ذكره ~~ثانيا. ولأن التأكيد بالنسبة، فاعتبر اللفظ من حيث هو دون توكيده. # ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء، وهذا أسلوب غريب، وقل في القرآن وجوده، ~~وأكثر ما يكون عند تقدم مقتضيات الألفاظ، كالمبتدأ، وحروف الشرطين الواقعين ~~في الماضي والمضارع. ويستغنى عنه عند أمر محذور التناسي. # وقد يرد منه شئ يكون بناؤه بطريق الاجمال والتفصيل بأن تتقدم التفاصيل ~~والجزئيات في القرآن، فإذا خشى عليها التناسي لطول العهد بها بنى على ما ~~سبق بها بالذكر الجملي، كقوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات ~~الله وقتلهم) إلى قوله: # (وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما) فقوله " فبظلم " بيان لذكر الجملي ~~على ما سبق في القول من التفصيل، وذلك أن الظلم جملي على ما سبق من ~~التفاصيل من النقض والكفر وقتل الأنبياء، (وقولهم قلوبنا غلف) والقول على ~~مريم بالبهتان، ودعوى قتل المسيح عليه السلام، إلى ما تخلل ذلك من أسلوب ~~الاعتراض بها موضعين. وهما قوله: # (بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا)، وقوله: (وما قتلوه وما ~~صلبوه) إلى إلى قوله: (شهيدا)، وأنه لما ذكر بالبناء جملي الظلم من قوله " ~~فبظلم " لأنه يعم على كل ما تقدم وينطوي عليه، ذكر حينئذ متعلق الجملي من ~~قوله: (فبما نقضهم ميثاقهم) عقب الباء لأن العامل في الأصل حقه أن يلي ~~معموله، فقال: (فبظلم من PageV03P015 # الذين هادوا حرمنا)، هو متعلق بقوله: (فبظلم)، وقد اشتمل الظلم على كل ما ~~تقدم قبله، كما أنه أيضا اشتمل على كل ما تأخر من المحرمات الأخر التي عددت ~~بعد ما اشتملت على ذكر الشئ بالعموم والخصوص، فذكرت الجزئيات الأولى بخصوص ~~كل واحد، ثم ذكر العام المنطوي عليها، فهذا تعميم بعد تخصيص. ثم ذكرت ~~جزئيات أخر بخصوصها، فتركيب الأساليب من وجوه كثيرة في الآية، وهو التعميم ~~بعد التخصيص، ثم التخصيص بعد التعميم، ثم البناء بعد الاعتراض. # ومنه قوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) إلى قوله: ms0578 (عذابا ~~أليما)، فقوله: (ولولا رجال مؤمنون) إلى قوله: (بغير علم) هو المقتضى الأول ~~المتقدم، وقوله (لو تزيلوا) هو المقتضى الثاني وهو البناء، لأنه المذكر ~~بالمقتضى الأول الذي هو " لولا " خشية تناسيه، فهو مبنى على الأول، ثم أورد ~~مقتضاها من الجواب بقوله: (لعذبنا الذين كفروا منهم) ورودا واحدا من حيث ~~أخذا معا، كأنهما مقتضى منفرد، من حيث هما واحد بالنوع، وهو الشرط الماضي. ~~فقوله: # (لو تزيلوا) بناء على قوله: (ولولا رجال) نظر في المضارعة. وأما قوله: ~~(ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم) فيجوز أن يكون تكريرا، ويجوز أن يكون الكلام عند ~~قوله: # (وأصلحوا) ويكون الثاني بيانا لمجمل لا تكرير. # وقد جعل ابن المنير من هذا القسم قوله تعالى: (من كفر بالله من بعد ~~إيمانه) ثم قال: (من شرح بالكفر صدرا). PageV03P016 # وقوله: (ولولا رجال مؤمنون...) ثم قال: (لو تزيلوا) ونازعه العراقي لأن ~~المعاد فيهما أخص من الأول، وهذا يجئ في كثير مما ذكرنا، ولا بد أن يكون ~~وراء التكرير شئ أخص منه كما بينا. # * * * الرابع: في مقام التعظيم والتهويل، كقوله تعالى: (الحاقة. ما ~~الحاقة). (القارعة. # ما القارعة). (إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر). # وقوله: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين). # وقوله: (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة. وأصحاب المشأمة ما أصحاب ~~المشأمة). # وقوله: (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب). # * * * الخامس: في مقام الوعيد والتهديد، كقوله تعالى: (كلا سوف تعلمون. ~~ثم كلا سوف تعلمون) وذكر " ثم " في المكرر دلالة على أن الإنذار الثاني ~~أبلغ من الأول، وفيه تنبيه على تكرر ذلك مرة بعد أخرى، وإن تعاقبت عليه ~~الأزمنة لا يتطرق إليه تغيير، بل هو مستمر دائما. # * * * PageV03P017 # السادس: التعجب، كقوله تعالى: (فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر)، فأعيد ~~تعجبا من تقديره وإصابته الغرض، على حد: قاتله الله ما أشجعه! # السابع: لتعدد المتعلق، كما في قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان)، ~~فإنها وإن تعددت، فكل واحد منها متعلق بما قبله، وإن ms0579 الله تعالى خاطب بها ~~الثقلين من الإنس والجن، وعدد عليهم نعمه التي خلقها لهم، فكلما ذكر فصلا ~~من فصول النعم طلب إقرارهم واقتضاهم الشكر عليه، وهي أنواع مختلفة، وصور ~~شتى. # فان قيل: فإذا كان المعنى في تكريرها عد النعم واقتضاء الشكر عليها، فما ~~معنى قوله: (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران)؟ وأي نعمة هنا، ~~وإنما هو وعيد! # قيل: إن نعم الله فيما أنذر به وحذر من عقوباته على معاصيه ليحذروها ~~فيرتدعوا عنها، نظير أنعمه على ما وعده، وبشر من ثوابه على طاعته، ليرغبوا ~~فيها، ويحرصوا عليها، وإنما تتحقق معرفة الشئ بأن تعتبره بضده، والوعد ~~والوعيد وإن تقابلا في ذواتهما، فإنهما متقاربان في موضع النعم بالتوقيف ~~على ملاك الأمر منها، وعليه قول بعض حكماء الشعراء: # والحادثات وإن أصابك بؤسها * فهو الذي أنباك كيف نعيمها وإنما ذكرنا هذا، ~~لتعلم الحكمة في كونها زادت على ثلاثة، ولو كان عائدا لشئ واحد لما زاد على ~~ثلاثة، لأن التأكيد لا يقع به أكثر من ثلاثة. # فإن قيل: فإذا كان المراد بكل ما قبله، فليس ذلك بإطناب، بل هي ألفاظ ~~أريد بها غير ما أريد بالآخر! PageV03P018 # قلت: إن قلنا: العبرة بعموم اللفظ، فكل واحد أريد به غير ما أريد بالآخر. # وقد تكلف لتوجيه العدة التي جاءت عليها هذه الآية مكررة، قال الكرماني: # جاءت آية واحدة في هذه السورة كررت نيفا وثلاثين مرة، لأن ست عشرة راجعة ~~إلى الجنان، لأن لها ثمانية أبواب، وأربعة عشر منها راجعة إلى النعم ~~والنقم، فأعظم النقم جهنم، ولها سبعة أبواب. وجاءت سبعة في مقابلة تلك ~~الأبواب، وسبعة عقب كل نعمة ذكرها للثقلين. # وقال غيره: نبه في سبع منها على ما خلقه الله للعباد من نعم الدنيا ~~المختلفة على عدة أمهات النعم، وأفرد سبعا منها للتخويف، وإنذارا على عدة ~~أبواب المخوف منه، وفصل بين الأول والسبع الثواني بواحدة سوى فيها بين ~~الخلق كلهم فيما كتبه عليهم من الفناء، حيث اتصلت بقوله: (كل من عليها ~~فان)، فكانت خمس عشرة، أتبعت بثمانية ms0580 في وصف الجنان وأهلها على عدة ~~أبوابها، ثم بثمانية أخر في وصف الجنتين اللتين من دون الأولتين لذلك أيضا ~~فاستكملت إحدى وثلاثين. # ومن هذا النوع قوله تعالى: (ويل يومئذ للمكذبين)، في سورة المرسلات عشر ~~مرات، لأنه سبحانه ذكر قصصا مختلفة، وأتبع كل قصة بهذا القول، فصار كأنه ~~قال عقب كل قصة: ويل للمكذب بهذه القصة! وكل قصة مخالفة لصاحبتها، فأثبت ~~الويل لمن كذب بها. # ويحتمل أنه لما كان جزاء الحسنة بعشر أمثالها، جعل للكفار في مقابلة كل ~~مثل من الثواب ويل. # ومنها في سورة الشعراء قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين. PageV03P019 # وإن ربك لهو العزيز الرحيم) في ثمانية مواضع، لأجل الوعظ، فإنه قد يتأثر ~~بالتكرار من لا يتأثر بالمرة الواحدة. # وأما قوله: (إن في ذلك لآية) فذلك لظهور آيات الأنبياء عليهم السلام، ~~والعجب من تخلف من لا يتأملها مع ظهورها. # وأما مناسبة قوله: (العزيز الرحيم) فإنه تعالى نفى الإيمان عن الأكثر، ~~فدل بالمفهوم على إيمان الأقل، فكانت العزة على من لم يؤمن، والرحمة لمن ~~آمن، وهما مرتبتان كترتيب الفريقين. ويحتمل أن يكون من هذا النوع قوله ~~تعالى: (كلا سوف تعلمون. # ثم كلا سوف تعلمون...) الآية، لأن علمهم يقع أولا وثانيا على نوعين ~~مختلفين بحسب المقام، وهذا أقرب للحقيقة الوضعية وحال المعبر عنه، فإن ~~المعاملات الإلهية للطائع والعاصي متغيرة الأنواع الدنيوية، ثم البرزخية، ~~ثم الحشرية، كما أن أحوال الاستقرار بعد الجميع في الغاية، بل كل مقام من ~~هذه أنواع مختلفة، وفي " ثم " دلالة على الترقي؟ إن لم يجعل الزمان مرتبا ~~في الإنذار على التكرار، وفي المنذر به على التنويع. # ومنه تكرار: (فذوقوا عذابي ونذر)، قال الزمخشري: كرر ليجدوا عند سماع كل ~~نبأ منها اتعاظا وتنبيها، وأن كلا من تلك الأنباء مستحق باعتبار يختص به، ~~وأن يتنبهوا كيلا يغلبهم السرور والغفلة. # ومنه قوله تعالى: (قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون...) إلى آخرها ~~PageV03P020 # يحكى أن بعض الزنادقة سأل الحسن بن علي رضي الله عنه عن هذه الآية ms0581 فقال: ~~إني أجد في القرآن تكرارا، وذكر له ذلك، فأجابه الحسن بما حاصله: إن الكفار ~~قالوا: نعبد إلهك شهرا وتعبد آلهتنا شهرا، فجاء النفي متوجها إلى ذلك. ~~والمقصود أن هذه ليست من التكرار في شئ، بل هي بالحذف والاختصار أليق، وذلك ~~لأن قوله: (لا أعبد ما تعبدون)، أي لا أعبد في المستقبل ما تعبدون في ~~المستقبل، وقوله: (ولا أنا عابد ما عبدتم)، أي ولا أنا عابد في الحال ما ~~عبدتم في المستقبل، (ولا أنتم عابدون)، في الحال ما أعبد في المستقبل. # والحاصل أن القصد نفى عبادته لآلهتهم في الأزمنة الثلاثة: الحال، ~~والماضي، والاستقبال، والمذكور في الآية النفي في الحال والاستقبال، وحذف ~~الماضي من جهته ومن جهتهم، ولا بد من نفيه، لكنه حذف لدلالة الأولين عليه. # وفيه تقدير آخر، وهي أن الجملة الأولى فعلية، والثانية إسمية، وقولك: لا ~~" أفعله " و " لا أنا فاعله " أحسن من قولك: " لا أفعله "، " ولا أفعله "، ~~فالجملة الفعلية نفي لإمكانه، والاسمية نفى لاتصافه، كما في قوله تعالى: ~~(وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) (وما أنت بمسمع من في القبور). والمعنى ~~أنه تبرأ من فعله ومن الاتصاف به، وهو أبلغ في النفي، وأما المشركون فلم ~~ينتف عنهم إلا بصيغة واحدة، وهي قوله: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) في ~~الموضعين. # وفرق آخر، وهو أنه قال في نفيه الجملة الاسمية: (ولا أنا عابد ما عبدتم) ~~وقال في النفي عنهم: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) عائد في حقه بين الجملتين، ~~وقال: (لا أعبد ما تعبدون) بالمضارع، وفي الثاني: (ولا أنا عابد ما عبدتم) ~~بالماضي، فإن المضارع يدل على الدوام، بخلاف الماضي، فأفاد ذلك أن ما ~~عبدتموه ولو مرة ما أنا عابد له البتة، ففيه كمال PageV03P021 # براءته ودوامها مما عبدوه ولو مرة، بخلاف قوله: (لا أعبد ما تعبدون) فإن ~~النفي من جنس الإثبات، وكلاهما مضارع يظهران جملة ومنفردا. # ومنه تكرير الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في ثلاث آيات من سورة البقرة، ~~لأن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس: اليهود، لأنهم ms0582 لا ~~يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم. وأهل النفاق أشد إنكارا له، لأنه كان أول نسخ ~~نزل. وكفار قريش قالوا: ندم محمد على فراق ديننا فيرجع إليه كما رجع إلى ~~قبلتنا، وكانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون: يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة ~~إبراهيم وإسماعيل، وقد فارق قبلتهما وآثر عليها قبلة اليهود، وقال الله ~~تعالى حين أمره بالصلاة إلى الكعبة: (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا منهم) والاستثناء منقطع، أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا ~~يهتدون. وقال سبحانه: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) أي الذين أشركوا ~~فلا تمتر في ذلك، وقال تعالى: (وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون)، ~~أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء. # ومنه قوله تعالى: (فتول عنهم حتى حين. وأبصرهم فسوف يبصرون). # وقال صاحب " الينبوع ": لم يبلغني عن المفسرين فيه شئ. PageV03P022 # وقال المفسرون في غريب القرآن: هما في المعنى كالآيتين المتقدمتين، فكرر ~~للتأكيد وتشديد الوعيد. # ويحتمل أن يكون " الحين " في الأوليين يوم بدر، و " الحين " في هاتين يوم ~~فتح مكة. # ومن فوائد قوله تعالى في الأوليين: (وأبصرهم) وفي هاتين: (فأبصر) أن ~~الأولى بنزول العذاب بهم يوم بدر قتلا وأسرا وهزيمة ورعبا، فما تضمنت ~~التشفي بهم قيل له: # (أبصرهم)، وأما يوم الفتح فإنه اقترن بالظهور عليهم الإنعام بتأمينهم ~~والهداية إلى إيمانهم، فلم يكن وفقا للتشفي بهم، بل كان في استسلامهم، ~~وإسلامهم لعينه قرة، ولقلبه مسرة، فقيل له: (أبصر). # ويحتمل على هذا - إن شاء الله - أن يكون من فوائد قوله تعالى في هذه: ~~(فسوف يبصرون) أي يبصرون منك عليهم بالأمان، ومننا عليهم بالإيمان. # ومنه قوله تعالى: (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن). # وللتكرار [هنا] فائدتان: # إحداهما: أن التحريم قد يكون في الطرفين، ولكن يكون المانع من إحداهما، ~~كما لو ارتدت الزوجة قبل الدخول، يحرم النكاح من الطرفين، والمانع من ~~جهتهما، فذكر الله سبحانه الثانية، ليدل على أن التحريم كما هو ثابت في ~~الطرفين كذلك المانع منهما. # والثانية: أن الأولى ms0583 دلت على ثبوت التحريم في الماضي، ولهذا أتى فيها ~~بالاسم الدال على الثبوت، والثانية في المستقبل، ولهذا أتى فيها بالفعل ~~المستقبل. PageV03P023 # ومنه تكرار الإضراب. # واعلم أن " بل " إذا ذكرت بعد كلام موجب فمعناها الإضراب. # وهو إما أن يقع في كلام الخلق، ومعناه إبطال ما سبق على طريق الغلط من ~~المتكلم، أو أن الثاني أولى. # وإما أن يقع في كلام الله تعالى، وهو ضربان: # أحدهما: أن يكون ما فيها من الرد راجعا إلى العباد، كقوله تعالى: (قالوا ~~أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر). # والثاني: أن يكون إبطالا، ولكنه على أنه قد انقضى وقته، وأن الذي بعده ~~أولى بالذكر، كقوله تعالى: (بل أدارك علمهم في الآخرة). (بل هم في شك من ~~ذكرى بل لما يذوقوا عذاب). # وزعم ابن مالك في شرح " الكافية "، أن " بل " حيث وقعت في القرآن فإنها ~~للاستئناف لغرض آخر، لا لإبطال الأول، وهو مردود بما سبق، وبقوله: (وقالوا ~~اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون)، فأضرب بها عن قولهم، وأبطل ~~كذبهم. # وقوله: (بل أنتم قوم عادون)، إن أضرب بها عن حقيقة إتيانهم الذكور وترك ~~الأزواج. # ومنه قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله)، ~~PageV03P024 # فالأول للمطلقين والثاني للشهود، نحو: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ~~فلا تعضلوهن)، أولها للأزواج، وآخرها للأولياء. # ومنه تكرار الأمثال، كقوله تعالى: (وما يستوي الأعمى والبصير. ولا ~~الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور. وما يستوي الأحياء ولا الأموات). # وكذلك ضرب مثل المنافقين أول البقرة ثناه الله تعالى. # قال الزمخشري: " والثاني أبلغ من الأول لأنه أدل على فرط الحيرة، وشدة ~~الأمر وفظاعته "، قال: " ولذلك أخر، وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى ~~الأغلظ ". # ومنه تكرار القصص في القرآن، كقصة إبليس في السجود لآدم، وقصة موسى وغيره ~~من الأنبياء، قال بعضهم: ذكر الله موسى في مائة وعشرين موضعا من كتابه، قال ~~ابن العربي في " القواصم ": ذكر الله قصة نوح في خمسة وعشرين آية، وقصة ~~موسى في سبعين آية. انتهى. # وإنما كررها لفائدة خلت عنه ms0584 في الموضع الآخر وهي أمور: PageV03P025 # أحدها: أنه إذا كرر القصة زاد فيها شيئا، ألا ترى أنه ذكر الحية في عصا ~~موسى عليه السلام، وذكرها في موضع آخر ثعبانا، ففائدته أن ليس كل حية ~~ثعبانا، وهذه عادة البلغاء، أن يكرر أحدهم في آخر خطبته أو قصيدته كلمة، ~~لصفة زائدة. # الثانية: أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن ثم يعود إلى أهله، ثم يهاجر ~~بعده آخرون يحكون عنه ما نزل بعد صدور الأولين، وكان أكثر من آمن به ~~مهاجريا، فلولا تكرر القصة لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى آخرين، ~~وكذلك سائر القصص، فأراد الله سبحانه وتعالى اشتراك الجميع فيها، فيكون فيه ~~إفادة القوم، وزيادة [تأكيد وتبصرة]، لآخرين وهم الحاضرون، وعبر عن هذا ابن ~~الجوزي وغيره. # الثالثة: تسليته لقلب النبي صلى الله عليه وسلم مما اتفق للأنبياء مثله ~~مع أممهم قال تعالى: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك). # الربعة: أن إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة لا يخفى ما ~~فيه من الفصاحة. # الخامسة: أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الأحكام، فلهذا ~~كررت القصص دون الأحكام. PageV03P026 # السادسة: أن الله تعالى أنزل هذا القرآن، وعجز القوم عن الإتيان بمثل آية ~~لصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم بين وأوضح الأمر في عجزهم، بأن كرر ~~ذكر القصة في مواضع، إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأي نظم جاءوا، ~~بأي عبارة عبروا، قال ابن فارس: وهذا هو الصحيح. # السابعة: أنه لما سخر العرب بالقرآن قال: (فأتوا بسورة من مثله)، وقال في ~~موضع آخر: (فأتوا بعشر سور)، فلو ذكر قصة آدم مثلا في موضع واحد واكتفى بها ~~لقال العربي بما قال الله تعالى: (فأتوا بسورة من مثله)، (إيتونا أنتم ~~بسورة من مثله "، فأنزلها سبحانه في تعداد السور، دفعا لحجتهم من كل وجه. # الثامنة: أن القصة الواحدة من هذه القصص، كقصة موسى مع فرعون - وإن ظن ~~أنها لا تغاير الأخرى - فقد يوجد في ألفاظها زيادة ونقصان وتقديم ms0585 وتأخير، ~~وتلك حال المعاني الواقعة بحسب تلك الألفاظ، فأن كل واحدة لا بد وأن تخالف ~~نظيرتها من نوع معنى زائد فيه، لا يوقف عليه إلا منها دون غيرها، فكأن الله ~~تعالى فرق ذكر ما دار بينهما وجعله أجزاء، ثم قسم تلك الأجزاء على تارات ~~التكرار لتوجد متفرقة فيها، ولو جمعت تلك القصص في موضع واحد لأشبهت ما وجد ~~الأمر عليه من الكتب المتقدمة، من انفراد كل قصة منها بموضع، كما وقع في ~~القرآن بالنسبة ليوسف عليه السلام خاصة، فاجتمعت في هذه الخاصية، من نظم ~~القرآن عدة معان عجيبة: # منها: أن التكرار فيها مع سائر الألفاظ لم يوقع في اللفظ هجنة، ولا أحدث ~~مللا، فباين بذلك كلام المخلوقين. # ومنها: أنه ألبسها زيادة ونقصانا وتقديما وتأخيرا، ليخرج بذلك الكلام أن ~~PageV03P027 # تكون ألفاظه واحدة بأعيانها، فيكون شيئا معادا، فنزهه عن ذلك بهذه ~~التغييرات. # ومنها: أن المعاني التي اشتملت عليها القصة الواحدة من هذه القصص صارت ~~متفرقة في تارات التكرير فيجد البليغ - لما فيها من التغيير - ميلا إلى ~~سماعها، لما جبلت عليه النفوس من حب التنقل في الأشياء المتجددة التي لكل ~~منها حصة من الالتذاذ به مستأنفة. # ومنها: ظهور الأمر العجيب في اخراج صور متباينة في النظم بمعنى واحد، وقد ~~كان المشركون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم يعجبون من اتساع الأمر في ~~تكرير هذه القصص والأنباء مع تغاير أنواع النظم، وبيان وجوه التأليف، ~~فعرفهم الله سبحانه أن الأمر بما يتعجبون منه مردود إلى قدرة من لا يلحقه ~~نهاية، ولا يقع على كلامه عدد، لقوله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) وكقوله: (ولو ~~أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده...) الآية. # * * * وقال القفال في تفسيره: ذكر الله في أقاصيص بني إسرائيل وجوها من ~~المقاصد: # أحدها: الدلالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه أخبر عنها من ~~غير تعلم، وذلك لا يمكن إلا بالوحي. # الثاني: تعديد النعم ms0586 على بني إسرائيل، وما من الله على أسلافهم من ~~الكرامة والفضل، كالنجاة من آل فرعون، وفرق البحر لهم، وما أنزل عليه في ~~التيه من المن والسلوى، وتفجر الحجر، وتظليل الغمام. PageV03P028 # الثالث: إخبار الله نبيه بتقديم كفرهم وخلافهم وشقاوتهم وتعنتهم على ~~الأنبياء، فكأنه تعالى يقول: إذا كانت هذه معاملتهم مع نبيهم الذي أعزهم ~~الله به، وأنقذهم من العذاب بسببه، فغير بدع ما يعامله به أخلافهم محمدا ~~صلى الله عليه وسلم. # الرابع: تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~نزول العذاب بهم، كما نزل بأسلافهم. # * * * وهنا سؤالان: # أحدهما: ما الحكمة في عدم تكرر قصة يوسف عليه السلام، وسوقها مساقا واحدا ~~في موضع واحد، دون غيرها من القصص؟. # والجواب من وجوه: # الأول: ما فيها من تشبيب النسوة به، وتضمن الإخبار عن حال امرأة ونسوة ~~افتتن بأبدع الناس جمالا، وأرفعهم مثالا، فناسب عدم تكرارها لما فيها من ~~الإغضاء والستر عن ذلك. وقد صحح الحاكم في مستدركه حديثا مرفوعا: النهي عن ~~تعليم النساء سورة يوسف. # الثاني: أنها اختصت بحصول الفرج بعد الشدة، بخلاف غيرها من القصص، فإن ~~مآلها إلى الوبال، كقصة إبليس، وقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وغيرهم، ~~فلما اختصت هذه القصة في سائر القصص: بذلك اتفقت الدواعي على نقلها لخروجها ~~عن سمت القصص. # الثالث: قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني إنما كرر الله قصص الأنبياء، ~~وساق قصة يوسف مساقا واحدا، إشارة إلى عجز العرب، كأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لهم: PageV03P029 # إن كان من تلقاء نفسي تصديره على الفصاحة، فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت ~~في قصص سائر الأنبياء. # السؤال الثاني: أنه سبحانه وتعالى ذكر قصة قوم نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ~~ولوط، وموسى، في سورة الأعراف وهود والشعراء، ولم يذكر معهم قصة إبراهيم، ~~وإنما ذكرها في سورة الأنبياء، ومريم، والعنكبوت، والصافات. # والسر في ذلك أن تلك السور الأول ذكر الله فيها نصر رسله بإهلاك قومهم، ~~ونجاء الرسل وأتباعهم، وهذه السور لم يقتصر فيها على ذكر من أهلك من ms0587 الأمم، ~~بل كان المقصود ذكر الأنبياء وإن لم يذكر قومهم، ولهذا سميت سورة الأنبياء، ~~فذكر فيها إكرامه للأنبياء، وبدأ فيها بقصة إبراهيم، إذ كان المقصود ذكر ~~كرامته الأنبياء قبل محمد، وإبراهيم أكرمهم على الله، وهو خير البرية، وهو ~~أب أكثرهم، وليس هو أب نوح ولوط، لكن لوط من أتباعه، وأيوب من ذريته، بدليل ~~قوله تعالى في سورة الأنعام: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب). # وأما سورة العنكبوت، فإنه سبحانه وتعالى ذكر فيها امتحانه للمؤمنين، ~~ونصره لهم، وحاجتهم إلى الجهاد، وذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر، وعاقبة من ~~كذب الرسل، فذكر قصة إبراهيم، لأنها من النمط الأول. # وكذلك في سورة الصافات قال فيها: (ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين. ولقد ~~أرسلنا فيهم منذرين. فأنظر كيف كان عاقبة المنذرين)، وهذا يقتضي أنها عاقبة ~~رديئة، إما بكونهم غلبوا وذلوا، وإما بكونهم أهلكوا، ولهذا ذكر قصة إلياس ~~دون غيرها ولم يذكر إهلاك قومه، بل قال: (فكذبوهم فإنهم لمحضرون). وقد ~~PageV03P030 # روى أن الله رفع إلياس، وهذا يقتضي عذابهم في الآخرة، فإن إلياس لم يقم ~~بينهم، وإلياس المعروف بعد موسى من بني إسرائيل، وبعد موسى لم يهلك ~~المكذبين بعذاب الاستئصال، وبعد نوح لم يهلك جميع النوع، وقد بعث الله في ~~كل أمة نذيرا، والله سبحانه لم يذكر عن قوم إبراهيم أنهم أهلكوا، كما ذكر ~~ذلك عن غيرهم، بل ذكر أنهم ألقوه في النار، فجعلها بردا وسلاما، وفي هذا ~~ظهور برهانه وآياته، حيث أذلهم ونصره، (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين) ~~وهذا من جنس المجاهد [الذي يعرض عدوه، والقصص الأول من جنس المجاهد الذي] ~~قتل عدوه، وإبراهيم بعد هذا لم يقم بينهم بل هاجر وتركهم، وأولئك الرسل لم ~~يزالوا مقيمين بين أظهرهم حتى هلكوا، ولم يوجد في حق إبراهيم سبب الهلاك، ~~وهو إقامته فيهم، وانتظار العذاب النازل، وهكذا محمد صلى الله عليه وسلم مع ~~قومه، لم يقم فيهم، بل خرج عنهم حتى أظهره الله عليهم بعد ذلك، ومحمد ~~وإبراهيم أفصل الرسل، فإنهم إذا علموا حصل المقصود، وقد يتوب منهم من ms0588 تاب، ~~كما جرى لقوم يونس، فهذا - والله أعلم - هو السر في أنه سبحانه لم يذكر قصة ~~إبراهيم مع هؤلاء، لأنها ليست من جنس واقعتهم. # فإن قيل: فما وجه الخصوصية بمحمد وإبراهيم بذلك؟ # فالجواب: أما حالة إبراهيم فكانت إلى الرحمة أميل، فلم يسع في هلاك قومه ~~لا بالدعاء ولا بالمقام ودوام إقامة الحجة عليهم، وقد قال الله تعالى: ~~(وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى ~~إليهم ربهم لنهلكن الظالمين. ولنسكننكم الأرض من بعدهم)، وكان كل قوم ~~يطلبون هلاك نبيهم فعوقبوا، وقوم إبراهيم وإن أوصلوه إلى العذاب، لكن جعله ~~الله عليه بردا وسلاما، PageV03P031 # ولم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب، إذ الدنيا ليست دار الجزاء ~~العام، وإنما فيها من الجزاء ما تحصل به الحكمة والمصلحة، كما في العقوبات ~~الشرعية، فمن أرادوا عداوة [أحد] من أتباع الأنبياء ليهلكوه فعصمه الله، ~~وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه، ولم يهلك أعداءه بل أخزاهم ونصره، فهو أشبه ~~بإبراهيم عليه السلام، إذ عصمه الله من كيدهم، وأظهره حتى صارت الحرب بينهم ~~وبينه سجالا، ثم كانت له العاقبة فهو أشبه بحال محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فإن محمدا سيد الجميع، وهو خليل الله، كما أن إبراهيم عليه السلام خليله، ~~والخليلان هما أفضل الجميع، وفي طريقهما من الرأفة والرحمة ما ليس في طريق ~~غيرهما، ولم يذكر الله عن قوم إبراهيم ذنبا غير الشرك، وكذلك عن قوم نوح، ~~وأما عاد فذكر عنهم التجبر، وعمارة الدنيا، وقوم صالح ذكر عنهم الاشتغال ~~بالدنيا عن الأنبياء، وأهل مدين الظلم في الأموال مع الشرك، وقوم لوط ~~استحلال الفاحشة، ولم يذكر أنهم أقروا بالتوحيد، بخلاف سائر الأمم، وهذا ~~يدل على أنهم لم يكونوا مشركين، وإنما كان دينهم استحلال الفاحشة وتوابع ~~ذلك، وكانت عقوبتهم أشد. # وهذه الأمور تدل على حكمة الرب وعقوبته لكل قوم بما يناسبهم، ولما لم يكن ~~في قوم نوح خير يرجى غرق الجميع. والله المستعان. # * * * فتأمل هذا الفصل وعظم فوائده وتدبر حكمته، فإنه سر عظيم من أسرار ms0589 ~~القرآن العظيم، كقوله تعالى: (أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم ~~يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى)، فأعاد ذكر " ~~الأنهار " مع كل صنف، وكان يكفي أن يقال فيها: " أنهار من ماء، ومن لبن، ~~ومن خمر، ومن PageV03P032 # عسل "، لكن لما كانت الأنهار من الماء حقيقة، وفيما عدا الماء مجازا ~~للتشبيه، فلو اقتصر على ذكرها مع الماء وعطف الباقي عليه لجمع بين الحقيقة ~~والمجاز. # فإن قلت: فهلا أفرد ذكر الماء وجمع الباقي صيغة واحدة؟ قيل: لو فعل ذلك ~~لجمع بين محامل من المجاز مختلفة في صيغة واحدة، وهو قريب في المنع من الذي ~~قبله. # فائدة [في صنيعهم عند استثقال تكرار اللفظ] قد يستثقلون تكرار اللفظ ~~فيعدلون لمعناه، كقوله تعالى: (فمهل الكافرين أمهلهم رويدا)، فإنه لما أعيد ~~اللفظ غير " فعل " إلى " أفعل " فلما ثلث ترك اللفظ أصلا، فقال: " رويدا ". # وقوله تعالى: (لقد جئت شيئا نكرا)، ثم قال: (إمرا). # قال الكسائي: معناه شيئا منكرا كثير الدهاء من جهة الانكار، من قولهم: # أمر القوم إذا كثروا. # قال الفارسي: وأنا استحسن قوله هذا. # وقوله تعالى: (ارجعوا وراءكم)، قال الفارسي: (وراءكم) في موضع فعل الأمر، ~~أي تأخروا، والمعنى ارجعوا تأخروا، فهو تأكيد وليست ظرفا، لأن الظروف لا ~~يؤكد بها. # وإذا تكرر اللفظ بمرادفه جازت الإضافة، كقوله تعالى: (عذاب من رجز ~~PageV03P033 # أليم)، والقصد المبالغة، أي عذاب مضاعف، وبالعطف كقوله تعالى: (إنما أشكو ~~بثي وحزني إلى الله)، وقوله: (فاعفوا واصفحوا). # القسم الخامس عشر الزيادة في بنية الكلمة واعلم أن اللفظ إذا كان على وزن ~~من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أعلى منه، فلا بد أن يتضمن من المعنى أكثر ~~مما تضمنه أولا، لأن الألفاظ أدلة على المعاني، فإذا زيدت في الإلفاظ وجب ~~زيادة المعاني ضرورة. # ومنه قوله تعالى: (فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر)، فهو أبلغ من " قادر " ~~لدلالته على أنه قادر متمكن القدرة، لا يرد شئ عن اقتضاء قدرته، ويسمى هذا ~~قوة اللفظ لقوة المعنى. # وكقوله تعالى: (واصطبر) فإنه أبلغ من الأمر ms0590 بالصبر من " اصبر ". # وقوله: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) لأنه لما كانت السيئة ثقيلة وفيها ~~تكلف زيد في لفظ فعلها. # وقوله تعالى: (وهم يصطرخون فيها)، فإنه أبلغ من " يتصارخون ". # وقوله تعالى: (فكبكبوا فيها) ولم يقل " وكبوا " قال الزمخشري: والكبكبة ~~تكرير الكب، جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ~~ألقى PageV03P034 # في جهنم [ينكب] كبة مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها، اللهم أجرنا منها ~~خير مستجار! # وقريب من هذا قول الخليل في قول العرب: صر الجندب، وصرصر البازي، كأنهم ~~توهموا في صوت الجندب استطالة، فقالوا: صر صريرا، فمدوا وتوهموا في صوت ~~البازي تقطيعا، فقالوا: " صرصر ". # ومنه الزيادة بالتشديد أيضا، فإن " ستارا " و " غفارا " أبلغ من " ساتر " ~~و " غافر "، ولهذا قال تعالى: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا)، ومن هذا ~~رجح بعضهم معنى " الرحمن " على معنى " الرحيم، لما فيه من زيادة البناء، ~~وهو الألف والنون، وقد سبق في السادس. # ويقرب منه التضعيف - ويقال التكثير - وهو أن يؤتى بالصيغة دالة على وقوع ~~الفعل مرة بعد مرة. وشرطه أن يكون في الأفعال المتعدية قبل التضعيف، وإنما ~~جعله متعديا تضعيفه، ولهذا رد على الزمخشري في قوله تعالى: (وإن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا)، حيث جعل (نزلنا)، هنا للتضعيف. # وقد جاء التضعيف دالا على الكثرة في اللازم قليلا، نحو موت المال. # وجاء حيث لا يمكن فيه التكثير، كقوله تعالى: (لولا أنزل عليه آية من ربه) ~~(لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا). # فإن قلت: (فأمتعه قليلا) مشكل على هذه القاعدة، لأنه إذا كان " فعل " ~~للتكثير، فكيف جاء " قليلا " نعتا لمصدر " متع " وهذا وصف كثير بقليل، وإنه ~~ممنوع. PageV03P035 # قلت: وصفت بالقلة من حيث صيرورته إلى نفاد ونقص وفناء. # واعلم أن زيادة المعنى في هذا القسم مقيد بنقل صيغة الرباعي غير موضوعة ~~لمعنى، فإنه لا يراد به ما أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة، فقوله ~~تعالى: (وكلم الله موسى تكليما)، لا يدل على كثرة صدور الكلام منه، لأنه ~~غير منقول ms0591 عن ثلاثي. # وكذا قوله: (ورتل القرآن ترتيلا) يدل على كثرة القراءة على هيئة التأني ~~والتدبر. # وكذا قوله تعالى: (وما علمناه الشعر)، ليس النفي للمبالغة، بل نفي أصل ~~الفعل. # القسم السادس عشر التفسير وتفعله العرب في مواضع التعظيم، كقوله تعالى: ~~(الله لا إله الا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم)، قال البيهقي في ~~شرح الأسماء الحسنى: قرأت في تفسير الجنيدي أن قوله: (لا تأخذه سنة)، تفسير ~~للقيوم. # وقوله تعالى: (إن الانسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه الخير ~~منوعا). # وقوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر ~~عظيم) فإن هذا تفسير للوعد. PageV03P036 # وقوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم) ~~تفسير للوعد وتبيين له، لا مفعول ثان، فلم يتعد الفعل منها إلا إلى واحد. # وقوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب) ف‍ " خلقه " ~~تفسير للمثل. # وقوله تعالى: (يسومونكم سوء العذاب يذبحون)، ف‍ " يذبحون " وما بعده ~~تفسير للسوم، وهو في القرآن كثير. # قال أبو الفتح بن جنى: ومتى كانت الجملة تفسيرا لم يحسن الوقف على ما ~~قبلها دونها، لأن تفسير الشئ لاحق به، ومتمم له، وجار مجرى بعض أجزائه، ~~كالصلة من الموصول، والصفة من الموصوف. # وقد يجئ لبيان العلة والسبب، كقوله تعالى: (فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما ~~يسرون وما يعلنون)، وليس هذا من قولهم، وإلا لما حزن الرسول، وإنما يجئ به ~~لبيان السبب في أنه لا يحزنه قولهم. # وكذلك قوله: (ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا). # ولو جاءت الآيتان على حد ما جاء قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم)، لكانت " أن " مفتوحة، لكنها جاءت ~~على حد قوله... PageV03P037 # فائدة قيل: الجملة التفسيرية لا موضع لها من الإعراب. وقيل: يكون لها ~~موضع إذا كان للمفسر موضع، ويقرب منها ذكره تفصيلا، كما سبق في قوله: ~~(وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة). # ومثل: (فصيام ثلاثة أيام في الحج). # القسم ms0592 السابع عشر خروج اللفظ مخرج الغالب كقوله تعالى: (وربائبكم اللاتي ~~في حجوركم من نسائكم)، فإن الحجر ليس بقيد عند العلماء، لكن فائدة التقييد ~~تأكيد الحكم في هذه الصورة مع ثبوته عند عدمها، ولهذا قال بعده: (فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) ولم يقل: " (فإن لم تكونوا دخلتم بهن) ~~ولم يكن في حجوركم " فدل على أن الحجر خرج مخرج العادة. # واعترض بأن الحرمة إذا كانت بالمجموع فالحل يثبت بانتفاء المجموع، ~~والمجموع ينتفى بانتفاء جزئه، كما ينتفي بانتفاء كل فرد من المجموع. # وأجيب بأنه إذا نفي أحد شطري العلة كان جزء العلة ثابتا، فيعمل عملها. # فإن قيل: لما قال: (من نسائكم اللاتي دخلتم بهن)، قال في الآية بعدها: ~~PageV03P038 # (وأحل لكم ما وراء ذلكم) علم من مجموع ذلك أن الربيبة لا تحرم إذا لم ~~يدخل بأمها، فما فائدة قوله تعالى: (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح ~~عليكم)؟ # قيل: فائدته ألا يتوهم أن قيد الدخول خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط، كما ~~في الحجر المفهوم إذا خرج مخرج الغالب، فلا تقييد فيه عند الجمهور، خلافا ~~لإمام الحرمين والشيخ عز الدين بن عبد السلام والعراقي، حيث قالوا: إنه ~~ينبغي أن يكون حجة بلا خلاف إذا لم تغلب، لأن الصفة إذا كانت غالبة دلت ~~العادة عليها، فاستغنى المتكلم بالعادة عن ذكرها، فلما ذكرها مع استغنائه ~~عنها دل ذلك على أنه لم يرد الإخبار بوقوعها للحقيقة، بل ليترتب عليها نفي ~~الحكم من المسكوت، أما إذا لم تكن غالبة أمكن أن يقال: إنما ذكرها ليعرف ~~السامع أن هذه الصفة تعرض لهذه الحقيقة. # ومنه قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق). # وقوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة)، وجوزوا ~~أن الرهن لا يختص بالسفر، لكن ذكر لأن فقد الكاتب يكون فيه غالبا، فلما كان ~~السفر مظنة إعواز الكاتب والشاهد الموثوق بهما، أمر على سبيل الإرشاد بحفظ ~~مال المسافرين بأخذ الوثيقة الأخرى، وهي الرهن. # وقوله تعالى: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ms0593 إن خفتم)، والقصر ~~جائز مع أمن السفر، لأن ذلك خرج مخرج الغالب لا الشرط، وغالب أسفار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم تخل من خوف العدو. # ومنهم من جعل الخوف هنا شرطا إن حمل القصر على ترك الركوع والسجود ~~والنزول PageV03P039 # عن الدابة والاستقبال ونحوه، لا في عدد الركعات، لكن ذلك شدة خوف لا خوف، ~~وسبب النزول لا يساعده. # وكقوله تعالى: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا). # القسم الثامن عشر القسم وهو عند النحويين جملة يؤكد بها الخبر، حتى إنهم ~~جعلوا قوله تعالى: (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)، قسما وإن كان فيه ~~إخبار، إلا أنه لما جاء توكيدا للخبر سمى قسما. # ولا يكون إلا باسم معظم، كقوله: (فورب السماء والأرض إنه لحق). # وقوله: (قل أي وربي إنه لحق). # وقوله: (قل بلى وربي لتبعثن). # وقوله: (فوربك لنحشرنهم والشياطين). # وقوله: (فوربك لنسألنهم أجمعين). # وقوله: (فلا وربك لا يؤمنون). # وقوله: (فلا أقسم برب المشارق والمغارب). # فهذه سبعة مواضع أقسم الله فيها بنفسه والباقي كله أقسم بمخلوقاته. ~~PageV03P040 # كقوله: (والتين والزيتون). # (فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم). # (فلا أقسم بالخنس. الجواري الكنس). # وإنما يحسن في مقام الانكار. # فإن قيل: ما معنى القسم منه سبحانه؟ فإنه إن كان لأجل المؤمن، فالمؤمن ~~يصدق مجرد الإخبار، وإن كان لأجل الكافر فلا يفيده. # فالجواب: قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: إن الله ذكر القسم لكمال الحجة ~~وتأكيدها، وذلك أن الحكم يفصل باثنين: إما بالشهادة، وإما بالقسم، فذكر ~~تعالى في كتابه النوعين حتى لا يبقى لهم حجة. # وقوله: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون). # وعن بعض الأعراب أنه لما سمع قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون. # فورب السماء والأرض إنه لحق) صاح وقال: من الذي أغضب الجليل حتى ألجأه ~~إلى اليمين؟ قالها ثلاثا، ثم مات. # * * * فإن قيل: كيف أقسم بمخلوقاته وقد ورد النهي علينا ألا نقسم بمخلوق؟ # قيل: فيه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أنه حذف مضاف، أي " ورب الفجر " و " رب التين "، وكذلك الباقي. # والثاني: أن العرب كانت تعظم ms0594 هذه الأشياء وتقسم بها، فنزل القرآن على ما ~~يعرفون. PageV03P041 # والثالث: أن الأقسام إنما تجب بأن يقسم الرجل بما يعظمه، أو بمن يجله، ~~وهو فوقه والله تعالى ليس شئ فوقه، فأقسم تارة بنفسه، وتارة بمصنوعاته، ~~لأنها تدل على بارئ وصانع، واستحسنه ابن خالويه. # وقسمه بالنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (لعمرك) ليعرف الناس عظمته عند ~~الله، ومكانته لديه، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في " كنز اليواقيت ": ~~والقسم بالشىء لا يخرج عن وجهين: إما لفضيلة أو لمنفعة، فالفضيلة كقوله ~~تعالى: (وطور سنين وهذا البلد الأمين)، والمنفعة نحو: (والتين والزيتون). # * * * وأقسم سبحانه بثلاثة أشياء: # أحدها: بذاته، كقوله تعالى: (فورب السماء والأرض) (فوربك لنسألنهم ~~أجمعين). # والثاني: بفعله، نحو: (والسماء وما بناها. والأرض وما طحاها. ونفس وما ~~سواها). # والثالث: مفعوله، نحو: (والنجم إذا هوى)، (والطور وكتاب مسطور). # * * * وهو ينقسم باعتبار آخر إلى مظهر ومضمر: # فالمظهر كقوله تعالى: (فورب السماء والأرض) ونحوه. PageV03P042 # والمضمر على قسمين: قسم دلت عليه لام القسم، كقوله: (لتبلون هذا في ~~أموالكم وأنفسكم) وقسم دل عليه المعنى، كقوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) ~~تقديره " والله ". # وقد أقسم تعالى بطوائف من الملائكة في أول سورة الصافات، والمرسلات، ~~والنازعات. # * * * فوائد الأولى: أكثر الأقسام المحذوفة الفعل في القرآن، لا تكون إلا ~~بالواو، فإذا ذكرت الباء أتى بالفعل، كقوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم) (يحلفون بالله). ولا تجئ الباء والفعل محذوف إلا قليلا، وعليه حمل ~~بعضهم قوله: (يا بني PageV03P043 # لا تشرك بالله) وقال: الباء باء القسم، وليست متعلقه ب‍ " تشرك "، وكأنه ~~يقول: # (يا بني لا تشرك) ثم ابتدأ فقال: (بالله) لا تشرك، وحذف " لا تشرك " ~~لدلالة الكلام عليه. وكذلك قوله: (ادع لنا ربك بما عهد عندك)، قيل: إن ~~قوله: # " بما عهد " قسم، والأولى أن يقال: إنه سؤال لا قسم. # وقوله: (ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته) فتقف على (لي) ~~وتبتدئ (بحق) فتجعله قسما. # هذا مع قول النحويين: إن الواو فرع الباء، لكنه قد يكثر الفرع في ~~الاستعمال ويقل الأصل. # * * * الثانية: ms0595 قد علمت أن القسم إنما جئ به لتوكيد المقسم عليه، فتارة ~~يزيدون فيه للمبالغة في التوكيد، وتارة يحذفون منه للاختصار وللعلم ~~بالمحذوف. # فما زادوه لفظ " إي " بمعنى " نعم "، كقوله تعالى: (قل إي وربي). # وما يحذفونه فعل القسم وحرف الجر، ويكون الجواب مذكورا، كقوله تعالى: # (لقد كان لكم في رسول الله) أي " والله ". # وقوله: (لأقطعن أيديكم)، (لنسفعا بالناصية)، (ليسجنن وليكونا من ~~الصاغرين). # وقد يحذفون الجواب ويبقون القسم للعلم به، كقوله تعالى: (ص. والقرآن ~~PageV03P044 # ذي الذكر) على أحد الأقوال، أن الجواب حذف لطول الكلام، وتقديره " ~~لأعذبنهم على كفرهم ". # وقيل: الجواب: إن ذلك لحق. # ومما حذف فيه المقسم به قوله تعالى: (قالوا نشهد إنك لرسول الله)، أي ~~نحلف إنك لرسول الله، لأن الشهادة بمعنى اليمين، بدليل قوله: (أيمانهم ~~جنة). # وأما قوله تعالى: (فالحق والحق أقول)، فالأول قسم بمنزلة، " والحق " ~~وجوابه " لأملأن "، وقوله: (والحق أقول) توكيد للقسم. # وأما قوله: (والسماء ذات البروج)، ثم قال: (قتل أصحاب الأخدود) قالوا: ~~وهو جواب القسم، وأصله " لقد قتل " ثم حذف اللام وقد. # * * * الثالثة: قال الفارسي في الحجة: الألفاظ الجارية مجرى القسم ضربان: # أحدهما: ما تكون جارية كغيرها من الأخبار التي ليست بقسم، فلا تجاب ~~بجوابه، كقوله تعالى: (وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين)، (وإذ أخذنا ~~ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة)، (فيحلفون له كما يحلفون ~~لكم)، فهذا ونحوه يجوز أن يكون قسما وأن يكون حالا لخلوه من الجواب. # والثاني: ما يتعلق بجواب القسم، كقوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين ~~أوتوا PageV03P045 # الكتاب لتبيننه للناس)، (وأقسموا بالله جهد أيمانهم). # * * * الرابعة: القسم والشرط، يدخل كل منهما على الآخر، فإن تقدم القسم ~~ودخل الشرط بينه وبين الجواب كان الجواب للقسم، وأغنى عن جواب الشرط، وإن ~~عكس فبالعكس، وأيهما تصدر كان الاعتماد عليه والجواب له. # ومن تقدم القسم قوله تعالى: (لئن لم تنته لأرجمنك)، تقديره " والله لئن ~~لم تنته "، فاللام الداخلة على الشرط ليست بلام القسم، ولكنها زائدة، وتسمى ~~الموطئة للقسم ويعنون بذلك أنها مؤذنة بأن جواب القسم منتظر، أي ms0596 الشرط لا ~~يصلح أن يكون جوابا، لأن الجواب لا يكون إلا خبرا. # وليس دخولها على الشرط بواجب، بدليل حذفها في قوله تعالى: (وإن لم ينتهوا ~~عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم). # والذي يدل على الجواب للقسم لا للشرط دخول اللام فيه، وأنه ليس بمجزوم، ~~بدليل قوله تعالى: (لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ~~لا يأتون بمثله) ولو كان جواب الشرط لكان مجزوما. # وأما قوله تعالى: (ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون)، فاللام في " ~~ولئن " هي الموطئة للقسم، واللام في (لإلى الله) هي لام القسم، ولم تدخل ~~نون التوكيد على الفعل للفصل بينه وبين اللام بالجار والمجرور. والأصل " ~~لئن متم أو قتلتم لتحشرون إلى الله " فلما قدم معمول الفعل عليه حذف منه. ~~PageV03P046 # القسم التاسع عشر إبراز الكلام في صورة المستحيل على طريق المبالغة ليدل ~~على بقية جمله كقول العرب: لا أكلمك حتى يبيض القار، وحتى يشيب الغراب، ~~وكقوله تعالى: # (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط)، يعنى والجمل لا يلج في ~~السم، فهؤلاء لا يدخلون، فهو في المعنى متعلق بالحال، فالمعنى أنهم لا ~~يدخلون الجنة أصلا، وليس للغاية هنا مفهوم، ووجه التأكيد فيه كدعوى الشئ ~~ببينة، لأنه جعل ولوج الجمل في السم غاية لنفي دخولهم الجنة، وتلك غاية لا ~~توجد، فلا يزال دخولهم الجنة منتفيا. # وغالى بعض الشعراء في وصف جسمه بالنحول، فجاء بما يزيد على الآية، فقال: # ولو أن ما بي من جوى وصبابة * على جمل لم يبق في النار خالد وهذا على ~~طريقة الشعراء في اعتبار المبالغة، وإلا فمعارضات القرآن لا تجوز، كما سبق ~~التنبيه عليه. # ومنه قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف)، ~~فإن المعنى: إن كان ما سلف في الزمن السالف يمكن رجوعه فحله ثابت، لكن لا ~~يمكن رجوعه أبدا، ولا يثبت حله أبدا، وهو أبلغ في النهي المجرد. # ومنه قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين)، أي ولكن ms0597 ليس ~~له ولد، فلا أعبد سواه. PageV03P047 # وقوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما)، أي إن كان تسليم بعضهم ~~على بعض، أو تسليم الملائكة عليهم لغوا، فلا يسمعون لغوا إلا ذلك، فهو من ~~باب قوله: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب ومنه قوله تعالى: ~~(لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى)، فإن الناس استشكلوا وجه ~~الاستثناء، مع أنهم لا يذوقون فيها الموت مطلقا. ومقتضى استثنائها من النفي ~~أنهم يذوقونها في الجنة وليس كذلك. # ووجهه الزمخشري بأنه من التوكيد في الدلالة، والموتة الأولى لا يذوقونها ~~أصلا، إذ يستحيل عود ما وقع، فلا يذوقون فيها الموت أصلا، أي إن كانوا ~~يذوقون فلا يكون ذلك إلا الموتة الأولى، وإن كان إيقاع الموتة الأولى في ~~الجنة مستحيلا، فعرض بالاستثناء إلى استحالة الموت فيها. # هذا إن جعلنا الاستثناء متصلا، فإن كان منقطعا، فالمعنى: " لكن الموتة ~~الأولى قد ذاقوها ". # ويحتمل على الاتصال أن يكون المعنى فيها، أي في مقدماتها، لأن الذي يرى ~~مقامه في الجنة عند موته ينزل منزلة من هو فيها، بتأويل الذوق على معنى ~~المستحيل. # فهذه ثلاثة أوجه. # القسم الموفى العشرين الاستثناء والاستدراك ووجه التأكيد فيه أنه ثنى ~~ذكره مرتين، مرة في الجملة ومرة في التفصيل. PageV03P048 # فإذا قلت: قام القوم إلا زيدا، فكأنه كان في جملتهم، ثم خرج منهم، كقوله ~~تعالى: # (فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس)، فإن فيه معنى زائدا على ~~الاستثناء، هو تعظيم أمر الكبيرة التي أتى بها إبليس، من كونه خرق إجماع ~~الملائكة وفارق جميع الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم، ~~وهو بمثابة قولك: أمر الملك بكذا فأطاع أمره جميع الناس، من أمير ووزير إلا ~~فلانا، فإن الإخبار عن معصية الملك بهذه الصيغة، أبلغ من قولك: أمر الملك ~~فعصاه فلان. # وفي ضمن ذلك وصف الله سبحانه بالعدل فيما ضربه على إبليس من خزي الدنيا، ~~وختم عليه من عذاب الآخرة. # ومنه قوله تعالى: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) فإن في الإخبار عن ms0598 ~~المدة بهذه الصيغة تهويلا على السامع، ليشهد عذر نوح عليه السلام في الدعاء ~~على قومه. # وحكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تعظيم للمدة، ليكون أول ما يباشر ~~السمع ذكر " الألف " واختصار اللفظ، فإن لفظ القرآن أخصر من " تسعمائة ~~وخمسين عاما "، ولأن لفظ القرآن يفيد حصر العدد المذكور ولا يحتمل الزيادة ~~عليه ولا النقص. # ومنه قوله تعالى: (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) فإنه سبحانه لما علم ~~أن وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي والكافر، استثنى من حكم بخلوده في النار ~~بلفظ مطمع، حيث أثبت الاستثناء المطلق، وأكده بقوله: (إن ربك فعال لما ~~يريد)، أي أنه لا اعتراض عليه في اخراج أهل الشقاء من النار. ولما علم أن ~~أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة أكد خلودهم بعد الاستثناء بما يرفع أصل ~~الاستثناء، حيث قال: (عطاء غير PageV03P049 # مجذوذ) أي غير منقطع، ليعلم أن عطاءه لهم الجنة غير منقطع. وهذه المعاني ~~زائدة على الاستثناء اللغوي. # وقيل: وجه الاستثناء فيه الخروج من الجنة إلى منزلة أعلى كالرضوان ~~والرؤية، ويؤيده قول بعض الصحابة: # * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا * وصوبه النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل ~~الزمخشري الاستثناء الأول لخروج أهل النار إلى الزمهرير، أو إلى نوع آخر من ~~العذاب بناء على مذهبه من تخليد أهل الكبائر في النار، وجعل الاستثناء ~~الثاني دالا على نجاة أهل الكبائر من العذاب، فكأنه تصور أن الاستثناء ~~الثاني لما لم يحمل على انقطاع النعيم، لقوله تعالى: (عطاء غير مجذوذ) فكذا ~~الاستثناء الأول لا يحمل على انقطاع عذاب الجحيم لتناسب أطراف الكلام. ~~وقال: # معنى قوله: (إن ربك فعال لما يريد) عقب الاستثناء الأول في مقابلة قوله: ~~(عطاء غير مجذوذ) عقب الثاني، أن الله تعالى يفعل بأهل النار ما يريد من ~~العذاب كما يعطى لأهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له. # قيل: وما أصدق في سياق الزمخشري في هذا الموضع قول القائل: # * حفظت شيئا وغابت عنك أشياء * وذلك لأن ms0599 ظاهر الاستثناء، هو الإخراج عن ~~حكم ما قبله، ولا موجب للعدول عن PageV03P050 # الظاهر في الاستثناء الأول، فحمل على النجاة. ولما كان إنجاء المستحق ~~العذاب محل تعجب وإنكار، عقبه بقوله: (إن ربك فعال لما يريد)، أي من العذاب ~~والإنجاء منه، بفضله، ولا يتوجه عليه اعتراض أحد، يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد. # وأما الاستثناء الثاني فلما لم يكن على ظاهره، كان اخراج أهل الجنة ~~المستحقين للثواب وقطع النعيم لا يناسب إنحاء أهل النار المستحقين للعذاب، ~~فلذا عقب بقوله: # (عطاء غير مجذوذ) بيانا للمقصود. # ورعاية هذا الباب أولى من رعاية الباب الذي توهم الزمخشري، فإن حاصله ~~يرجع إلى أن الاستثناء الثاني لما لم يكن على ما هو الظاهر في باب ~~الاستثناء، ينبغي ألا يكون الاستثناء الأول أيضا على ما هو الظاهر. ولا ~~يخفى على المنصف أنه تعسف. # وأما قوله تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع) فالمعنى لا طعام لهم أصلا، ~~لأن الضريع ليس بطعام البهائم فضلا عن الإنس، وذلك كقولك: ليس لفلان ظل إلا ~~الشمس، تريد بذلك نفي الظل عنه على التوكيد، والضريع نبت ذو شوك يسمى ~~الشبرق في حال خضرته وطراوته، فإذا يبس سمى الضريع، والإبل ترعاه طريا لا ~~يابسا. # وقريب منه تأكيد المدح بما يشبه الذم، بأن يستثنى من صفة ذم منفية عن ~~الشئ صفة مدح، بتقدير دخولها فيها، كقوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغوا ولا ~~تأثيما. إلا قيلا سلاما سلاما) التأكيد فيه من وجهين: على الاتصال في ~~الاستثناء والانقطاع. # القسم الحادي والعشرون المبالغة وهي أن يكون للشئ صفة ثابتة، فتزيد في ~~التعريف بمقدار شدته أو ضعفه، فيدعى PageV03P051 # له من الزيادة في تلك الصفة ما يستبعد عند السماع، أو يحيل عقله ثبوته. # ومن أحسنها قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من ~~فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض) وهي ظلمة البحر، وظلمة الموج فوقه، وظلمة ~~السحاب فوق الموج. # وقوله تعالى: (بلغت القلوب الحناجر)، أي كادت تبلغ، لأن القلب إذا زال عن ~~موضعه مات صاحبه. ms0600 # وقيل: هو حقيقة، وإن الخوف والروع يوجب للخائف أن تنتفخ رئته، ولا يبعد ~~أن ينهض بالقلب نحو الحنجرة. ذكره الفراء وغيره. # أو أنها لما أتصل وجيبها واضطرابها بلغت الحناجر. # ورد ابن الأنباري تقدير " كادت " فإن " كاد " لا تضمر. # وقوله تعالى: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال). # وقوله تعالى: (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. # أن دعوا للرحمن ولدا). # ومنه المبالغة في الوصف بطريق التشبيه، كقوله تعالى: (إنها ترمى بشرر ~~كالقصر. # كأنه جمالة صفر). PageV03P052 # وقد يخرج الكلام مخرج الإخبار عن الأعظم الأكبر للمبالغة وهو مجاز، كقوله ~~تعالى: # (وجاء ربك والملك صفا صفا)، فجعل مجئ جلائل آياته، مجيئا له سبحانه، على ~~المبالغة. # وكقوله سبحانه: (ووجد الله عنده فوفاه حسابه)، فجعل نقله بالهلكة من دار ~~العمل إلى دار الجزاء وجدانا للمجازي. # ومنه ما جرى مجرى الحقيقة، كقوله تعالى: (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار)، ~~فإن اقتران هذه ب‍ " يكاد " صرفها إلى الحقيقة، فانقلب من الامتناع إلى ~~الإمكان. # وقد تجئ المبالغة مدمجة، كقوله تعالى: (سواء منكم من أسر القول ومن جهر ~~به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار)، فإن المبالغة في هذه الآية مدمجة ~~في المقابلة، وهي بالنسبة إلى المخاطب، لا إلى المخاطب، معناه أن علم ذلك ~~متعذر عندكم، وإلا فهو بالنسبة إليه سبحانه ليس بمبالغة. # وأما قوله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي...) الآية، فقيل: # سببها أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: كيف ~~عنفنا بهذا القول: # (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، ونحن قد أوتينا التوراة، وفيها كلام ~~الله وأحكامه، ونور وهدى! فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " التوراة ~~قليل من كثير "، ونزلت هذه الآية. PageV03P053 # وقيل: إنما نزلت (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام). # قال المفسرون: والغرض من ذلك الإعلام بكثرة كلماته، وهي في نفسها غير ~~متناهية، وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى، لأنه غاية ما يعهده ~~البشر من الكثرة. # وقال بعض المحققين: إن ما تضمنت الآية أن كلمات ms0601 الله تعالى لم تكن لتنفد، ~~ولم تقتض الآية أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور، وكما قال الخضر ~~عليه السلام: # ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ماء البحر حين ~~غمس منقاره فيها. # وعد بعضهم من هذا القبيل ما جاء من المبالغة في القرآن من الإغضاء عن ~~العيوب، والصفح عن الذنوب، والتغافل عن الزلات، والستر على أهل المروءات، ~~كقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين). # وقيل في تفسيره: أن تصل من قطعك، وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك. # وقوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن...) الآية. PageV03P054 # تنبيه تحصل مما سبق أن قصد المبالغة يستلزم في الحال الإيجاز، إما ~~بالحذف، وإما بجعل الشئ نفس الشئ، أو بتكرر لفظ يتم بتكرره التهويل ~~والتعظيم، ويقوم مقام أوصاف، كقوله تعالى: (الحاقة ما الحاقة). # وقد نص سيبويه على هذا كله في مواضع شتى من كتابه لافتراقها في أحكام. # فائدة [في اختلاف الأقوال في تقدير المبالغة في الكلام] اختلف في ~~المبالغة على أقوال: # أحدها: إنكار أن تكون من محاسن الكلام لاشتمالها على الاستحالة. # والثاني: أنها الغاية في الحسن، وأعذب الكلام ما بولغ فيه، وقد قال ~~النابغة: # لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما والثالث: ~~وهو الأصح، أنها من محاسن الكلام، ولا ينحصر الحسن فيها - فإن فضيلة الصدق ~~لا تنكر - ولو كانت معيبة لم ترد في كلام الله تعالى، ولها طريقان: # أحدهما: أن يستعمل اللفظ في غير معناه لغة، كما في الكناية والتشبيه ~~والاستعارة وغيرها، من أنواع المجاز. # والثاني: أن يشفع ما يفهم المعنى بالمعنى على وجه يقتضى زيادة، فتترادف ~~الصفات PageV03P055 # بقصد التهويل، كما في قوله تعالى: (في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من ~~فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض). # القسم الثاني والعشرون الاعتراض وأسماه قدامة: " التفاتا "، وهو أن يؤتى ~~في أثناء كلام أو كلامين متصلين معنى، بشئ يتم الغرض الأصلي بدونه، ولا ~~يفوت بفواته، فيكون فاصلا بين الكلام ms0602 والكلامين، لنكتة. # وقيل: هو إرادة وصف شيئين: الأول منهما قصدا، والثاني بطريق الانجرار، ~~وله تعلق بالأول بضرب من التأكيد. # وعند النحاة جملة صغرى تتخلل جملة كبرى، على جهة التأكيد. # وقال الشيخ عز الدين في أماليه: الجملة المعترضة تارة تكون مؤكدة، وتارة ~~تكون مشددة، لأنها إما ألا تدل على معنى زائد على ما دل عليه الكلام، بل ~~دلت عليه فقط، فهي مؤكدة. وإما أن تدل عليه وعلى معنى زائد، فهي مشددة. ~~انتهى. # وذكر النحاة مما تتميز به الجملة الاعتراضية عن الحالية كونها طلبية، ~~كقوله تعالى: PageV03P056 # (ومن يغفر الذنوب إلا الله)، فإنه معترض بين: (فاستغفروا لذنوبهم) وبين: ~~(ولم يصروا على ما فعلوا). # وله أسباب: # منها تقرير الكلام، كقولك: فلان أحسن بفلان - ونعم ما فعل. ورأى من الرأي ~~كذا - وكان صوابا. # ومنه قوله تعالى: (تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض)، (لقد علمتم) ~~اعتراض، والمراد تقرير إثبات البراءة من تهمة السرقة. # وقوله: (وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم). # (وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون)، واعترض بقوله: (وكذلك يفعلون)، ~~بين كلامها. # وقوله: (وأتوا به متشابها). # ومنها قصد التنزيه، كقوله تعالى: (ويجعلون لله البنات، سبحانه ولهم ما ~~يشتهون)، فاعتراض (سبحانه) لغرض التنزيه والتعظيم، وفيه الشناعة على من جعل ~~البنات لله. # ومنها قصد التبرك، كقوله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين). PageV03P057 # ومنها قصد التأكيد، كقوله: (فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لقسم لو تعلمون ~~عظيم). # وفيها اعتراضان، فإنه اعترض بقوله: (وإنه لقسم) بين القسم وجوابه، واعترض ~~بقوله: (لو تعلمون) بين الصفة والموصوف، والمراد تعظيم شأن ما أقسم به من ~~مواقع النجوم، وتأكيد إجلاله في النفوس، لا سيما بقوله: (لو تعلمون). # وقوله: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا. # أولئك لهم جنات عدن) ف‍ " أولئك " الخبر و " إنا لا نضيع " اعتراض. # ومنها كون الثاني بيانا للأول، كقوله تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين)، فإنه اعتراض وقع بين قوله: (فأتوهن)، وبين قوله: (نساؤكم حرث ~~لكم)، وهما متصلان ms0603 معنى، لأن الثاني بيان للأول، كأنه قيل: فأتوهن من حيث ~~يحصل منه الحرث. وفيه اعتراض بأكثر من جملة. # ومنها تخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد على أمر علق بهما، كقوله ~~تعالى: # (ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر ~~لي ولوالديك)، فاعترض بقوله: (حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين) بين ~~" ووصينا " وبين الموصي به، وفائدة ذلك إذكار الولد بما كابدته أمه من ~~المشقة في حمله وفصاله، فذكر الحمل والفصال يفيد زيادة التوصية بالأم، ~~لتحملها من المشاق والمتاعب في حمل الولد ما لا يتكلفه الوالد، ولهذا جاء ~~في الحديث التوصية بالأم ثلاثا، وبالأب مرة. PageV03P058 # ومنها زيادة الرد على الخصم، كقوله تعالى: (وإذا قتلتم نفسا فادارأتم ~~فيها...) الآية فقوله: (والله مخرج) اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. ~~وفائدته أن يقرر في أنفس المخاطبين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك الأنفس ~~لم يكن نافعا لهم في إخفائه وكتمانه، لأن الله تعالى مظهر لذلك ومخرجه، ولو ~~جاء الكلام خاليا من هذا الاعتراض لكان (وإذا قتلتم نفسا فادارأتم فيها) ~~(فقلنا اضربوه ببعضها). # وقوله: (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت ~~مفتر)، فاعترض بين " إذ " وجوابها بقوله: (والله أعلم بما ينزل)، فكأنه ~~أراد أن يجيبهم عن دعواهم فجعل الجواب اعتراضا. # وقوله: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) إلى ~~قوله: (بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون). # وقوله: (قل اللهم فاطر السماوات والأرض) إلى قوله: (وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون) اعتراض في أثناء الكلام. وهو قوله: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت) ~~الآية، وذلك لأن قوله: (فإذا مس الانسان ضر) سبب عن قوله: (وإذا ذكر الله ~~وحده اشمأزت) على معنى أنهم يشمئزون من توحيد الله تعالى، ويستبشرون بالشرك ~~الذي هو ذكر الآلهة، فإذا مس أحدهم ضر أو أصابته شدة تناقض في دعواه، فدعا ~~من اشمأز من ذكره وانقبض من توحيده ولجأ إليه دون الآلهة، فهو اعتراض بين ~~السبب والمسبب، فقيد القول بما ms0604 فيه من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بأمره ~~بذلك، وبقوله: # (أنت تحكم بين عبادك)، ثم عقبه من الوعيد العظيم أشد التأكيد وأعظمه ~~وأبلغه PageV03P059 # ولذلك كان اتصال قوله: (وإذا مس الانسان ضر دعا ربه) للسبب الواقع فيها، ~~وخلو الأول، منه من الأمر اشتراك جملة مع جملة، ومناسبة أوجبت العطف بالواو ~~الموضوعة لمطلق الجمع، كقولهم: قام زيد وعمرو. وتسبيب السبب مع ما في ظاهر ~~الآية من اشمئزازهم ليس يقتضى التجاءهم إلى الله تعالى، وإنما يقتضى ~~إعراضهم عنه من جهة أن سياق الآية يقتضى إثبات التناقض، وذلك أنك تقول: زيد ~~يؤمن بالله تعالى، فإذا مسه الضر لجأ إليه فهذا سبب ظاهر مبنى على اطراد ~~الأمر، وتقول: زيد كافر بالله، فإذا مسه ضر لجأ إليه، فتجئ بالفاء هنا ~~كالأول لغرض التزام التناقض، أو العكس، حيث أنزل الكافر كفره منزلة الإيمان ~~في فصل سبب الالتجاء، فأنت تلزمه العكس، بأنك إنما تقصد بهذا الكلام ~~الانكار والتعجب من فعله. # وقوله: (وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون) ~~بقوله: (الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل. له مقاليد السماوات والأرض) ~~اعتراض واقع في أثناء كلام متصل، وهو قوله: (وينجى الله الذين اتقوا ~~بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون)، (والذين كفروا بآيات الله أولئك ~~هم الخاسرون)، وهو على مهيع أسلوب القرآن، من ذكر الضد عقب الضد، كما قيل: # * وبضدها تتبين الأشياء * ومنها الإدلاء بالحجة، كقوله تعالى: (وما ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ~~بالبينات والزبر)، فاعترض بقوله: (فاسألوا) بين قوله: (نوحي إليهم) وبين ~~قوله: (بالبينات والزبر) إظهار لقوة الحجة عليهم. PageV03P060 # وبهذه الآية رد ابن مالك على أبي علي الفارسي قوله: إنه لا يعترض بأكثر ~~من جملة واحدة. # ورود بأن جملة الأمر دليل للجواب عند الأكثرين ونفسه عند آخرين، فهو مع ~~جملة الشرط، كالجملة الواحدة. نعم جوزوا في قوله تعالى: (متكئين على فرش ~~بطائنها من إستبرق)، أن يكون حالا من قوله: (ولمن خاف مقام ms0605 ربه جنتان)، ~~فلزم الاعتراض بسبع جمل مستقلات، إن كان: (ذواتا أفنان)، خبر مبتدأ محذوف، ~~وإلا فيكون بست جمل. # وقال الزمخشري في قوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون. أفأمن ~~أهل القرى...) الآية: إن في هذه الآية الكريمة سبع جمل معترضة: جملة الشرط، ~~و " اتقوا " و " فتحنا " و " كذبوا " و " أخذناهم " و " بما كانوا يكسبون ~~". وزعم أن (أفأمن) معطوف على (فأخذناهم بغتة)، وكذا نقله ابن مالك عن ~~الزمخشري وتبعه أبو حيان، ولم يوجد ذلك في كلام الزمخشري. # قال ابن مالك: ورد عليه من ظن أن الجملة والكلام مترادفان، قال: وإنما ~~اعترض بأربع جمل، وزعم أن من عند (ولو أن) إلى (والأرض) جملة، لأن الفائدة ~~إنما تتم بمجموعه. انتهى. # وفي القولين نظر، أما على قول ابن مالك فينبغي أن يكون بعدها ثمان جمل، ~~أحدها: PageV03P061 # (وهم لا يشعرون) وأربعة في حيز " لو " وهي (آمنوا) و (اتقوا) و " فتحنا ~~"، والمركبة مع أن وصلتها مع " ثبت " مقدرا على الخلاف في أنها فعلية أو ~~اسمية، والسادسة (ولكن كذبوا) والسابعة (فأخذناهم) والثامنة (بما كانوا ~~يكسبون). # وأما قول المعترض فلأنه كان من حقه أن يعدها ثلاث جمل، أحدها (وهم لا ~~يشعرون)، لأنها حال مرتبطة بعاملها وليست مستقلة برأسها، والثانية لو وما ~~في حيزها، جملة واحدة فعلية إن قدر: " ولو ثبت أن أهل القرى آمنوا واتقوا ~~"، أو اسمية وفعلية إن قدر: إيمانهم، واتقوا ثابتان، والثالثة: (ولكن كذبوا ~~فأخذناهم بما كانوا يكسبون)، كله جملة. # وينبغي على قواعد البيانيين أن يعدوا الكل جملة واحدة لارتباط بعضها ~~ببعض، وعلى رأي النحاة ينبغي أن يكون (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا) جملة ~~واحدة لارتباط الشرط بالجزاء لفظا، (ولكن كذبوا) ثانية أو ثالثة (فأخذناهم) ~~ثالثة أو رابعة، و (بما كانوا يكسبون) متعلق ب‍ " أخذناهم " فلا يعد ~~اعتراضا. # وقوله: (وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودي)، فهذه ثلاث جمل معترضة ~~بين (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) وبين (وقيل بعدا). # وفيه اعتراض في ms0606 اعتراض، فإن (وقضى الأمر) معترض بين (غيض الماء) وبين ~~(واستوت). # ولا مانع من وقوع الاعتراض في الاعتراض، كقوله: (وإنه لقسم لو تعلمون ~~عظيم). PageV03P062 # ومنه قوله تعالى في سورة العنكبوت ذاكرا عن إبراهيم قوله: (اعبدوا الله ~~واتقوه)، ثم اعترض تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (وإن تكذبوا ~~فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين)، وذكر آيات، إلى ~~أن قال: (فما كان جواب قومه) يعنى قوم إبراهيم، فرجع إلى الأول. # وجعل الزمخشري قوله تعالى: (فاستفتهم)، في آخر الصافات معطوفا على ~~(فاستفتهم) في أول السورة: وقال في قول بعضهم في: (نذيرا للبشر): # إنه حال من فاعل (قم) في أول هذه السورة، هذا من بدع التفاسير وهذا الذي ~~ذكره في الصافات منه. # ومن العجب دعوى بعضهم كسر همزة " إن " في قوله تعالى: (إن ذلك لحق تخاصم ~~أهل النار) على جواب القسم في قوله تعالى: (والقرآن ذي الذكر)، حكاه ~~الرماني. # فإن قيل: أين خبر " إن " في قوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر لما ~~جاءهم)؟ قيل الخبر: (أولئك ينادون من مكان بعيد). PageV03P063 # فوائد قال ابن عمرون: لا يجوز وقوع الاعتراض بين واو العطف وما دخلت ~~عليه، وقد أجازه قوم في " ثم " و " أو " فتقول: " زيد قائم ثم والله عمرو ~~". # وقوله تعالى: (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما) اعتراض بين الشرط ~~وجوابه مع أن فيه فاء والجملة مسندة ل‍ " يكن ". # قال الطيبي: سئل الزمخشري عن قوله تعالى: (فمن شاء ذكره) أهو اعتراض، ~~قال؟ لا، لأن من شرط الاعتراض أن يكون بالواو ونحوها، وأما بالفاء فلا. # وفهم صاحب " فرائد القلائد " من هذا اشتراط الواو، فقال: وقد ذكر ~~الزمخشري: # إنه كان صديقا نبيا) هذه الجملة اعتراض بين البدل وبين المبدل منه، أعني ~~" إبراهيم " و " إذ " قال: هذا معترض لأنه اعتراض بدون الواو بعيد عن الطبع ~~وعن الاستعمال، وليس كما قال فقد يأتي بالواو كما سبق في الأمثلة، وبدونها ~~كقوله سبحانه: (ولهم ما يشتهون). وقد اجتمعا في قوله: (فلا أقسم بمواقع ~~النجوم. ms0607 وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. إنه لقرآن كريم). # القسم الثالث والعشرون الاحتراس وهو أن يكون الكلام محتملا لشئ بعيد ~~فيؤتى بما يدفع ذلك الاحتمال، كقوله PageV03P064 # تعالى: (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء)، فاحترس سبحانه بقوله: # (من غير سوء) عن إمكان أن يدخل في ذلك البهق والبرص. # وقوله تعالى: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) فإنه لو اقتصر على ~~وصفهم بالذلة وهو السهولة لتوهم أن ذلك لضعفهم، فلما قيل: أعزه على ~~الكافرين) علم أنها منهم تواضع، ولهذا عدي " الذل " بعلى لتضمنه معنى ~~العطف. # وكذلك قوله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم). # وقوله تعالى: (لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) فقوله: # (وهم لا يشعرون) احتراس بين أن من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده أنهم لا ~~يحطمون نملة فما فوقها إلا بألا يشعروا بها. # وقد قيل: إنما كان تبسم سليمان سرورا بهذه الكلمة منها، ولذلك أكد التبسم ~~بالضحك، لأنهم يقولون: تبسم كتبسم الغضبان، لينبه على أن تبسمه تبسم سرور. # ومثله قوله تعالى: (فتصيبكم منهم معرة بغير علم) التفات إلى أنهم لا ~~يقصدون ضرر مسلم. # وقوله تعالى: (وقيل بعدا للقوم الظالمين)، فإنه سبحانه لما أخبر بهلاك من ~~هلك بالطوفان، عقبهم بالدعاء عليهم، ووصفهم بالظلم، ليعلم أن جميعهم كان ~~مستحقا للعذاب، PageV03P065 # احتراس من ضعف يوهم أن الهلاك بعمومه ربما شمل من لا يستحق العذاب، فلما ~~دعا على الهالكين، ووصفهم بالظلم علم استحقاقهم لما نزل بهم وحل بساحتهم، ~~مع قوله أولا: # (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون). # وأعجب احتراس وقع في القرآن قوله تعالى مخاطبا لنبيه عليه السلام: (وما ~~كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر...) الآية. # وقال حكاية عن موسى: (وناديناه من جانب الطور الأيمن)، فلما نفى سبحانه ~~عن سوله أن يكون بالمكان الذي قضى لموسى فيه الأمر عرف المكان بالغربي، ولم ~~يقل في هذا الموضع " الأيمن " كما قال: (وناديناه من جانب الطور الأيمن) ~~أدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفي عنه ms0608 كونه بالجانب الأيمن، أو ~~يسلب عنه لفظا مشتقا من اليمن، أو مشاركا لمادته، ولما أخبر عن موسى عليه ~~السلام ذكر الجانب الأيمن تشريفا لموسى، فراعى في المقامين حسن الأدب ~~معهما، تعليما للأمة وهو أصل عظيم في الأدب في الخطاب. # وقوله: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) فإنه لو اختصر لترك: (والله ~~يعلم)، لأن سياق الآية لتكذيبهم في دعوى الإخلاص في الشهادة، لكن حسن ذكره ~~رفع توهم أن التكذيب للمشهود به في نفس الأمر. # وقوله حاكيا عن يوسف عليه السلام: (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن)، ولم ~~يذكر الجب مع أن النعمة فيه أعظم لوجهين: PageV03P066 # أحدهما: لئلا يستحيي إخوته، والكريم يغضى، ولا سيما في وقت الصفاء. # والثاني: لأن السجن كان باختياره، فكان الخروج منه أعظم، بخلاف الجب. # وقوله: (تكلم الناس في المهد وكهلا)، وإنما ذكر الكهولة مع أنه لا إعجاز ~~فيه، لأنه كان في العادة، أن من يتكلم في المهد أنه لا يعيش ولا يتمادى به ~~العمر فجعل الاحتراس بقوله: (وكهلا). # ومنه قوله تعالى: (فخر عليهم السقف من فوقهم)، والسقف لا يكون إلا من ~~فوق، لأنه سبحانه رفع الاحتمال الذي يتوهم من أن السقف قد يكون من تحت ~~بالنسبة، فإن كثيرا من السقوف يكون أرضا لقوم وسقفا لآخرين، فرفع تعالى هذا ~~الاحتمال بشيئين: # وهما قوله: (عليهم)، ولفظة (خر) لأنها لا تستعمل إلا فيما هبط أو سقط من ~~العلو إلى سفل. # وقيل: إنما أكد ليعلم أنهم كانوا حالين تحته، والعرب تقول: خر علينا سقف ~~ووقع علينا حائط، فجاء بقوله: (من فوقهم)، ليخرج هذا الشك الذي في كلامهم، ~~فقال: # (من فوقهم)، أي عليهم وقع، وكانوا تحته، فهلكوا وما أفلتوا. # وقوله تعالى: (فأتوا حرثكم أنى شئتم)، لأنه لما كان يحتمل معنى " كيف " و ~~" أين " احترس بقوله: (حرثكم)، لأن الحرث لا يكون إلا حيث تنبت البذور، ~~وينبت الزرع، وهو المحل المخصوص. # وقوله: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون)، وذلك لأن ms0609 ~~الاشتراك في المصيبة يخفف منها، ويسلي عنها، فأعلم سبحانه أنه لا ينفعهم ~~ذلك. PageV03P067 # فائدة عاب قدامة على ذي الرمة قوله: # ألا يا أسلمى يا دار مي على البلى * ولا زال منهلا بجرعائك القطر فإنه لم ~~يحترس، وهلا قال كما قال طرفة: # * فسقى ديارك غير مفسدها * وأجيب بأنه قدم الدعاء بالسلامة للدار. # وقيل: لم يرد بقوله: " ولا زال منهلا " اتصال الدوام بالسقيا من غير ~~إقلاع، وإنما ذلك بمثابة من يقول: ما زال فلان يزورني، إذا كان متعاهدا له ~~بالزيارة. # القسم الرابع والعشرون التذييل مصدر " ذيل " للمبالغة، وهي لغة، جعل الشئ ~~ذيلا للآخر. واصطلاحا أن يؤتى بعد تمام الكلام بكلام مستقل في معنى الأول، ~~تحقيقا لدلالة منطوق الأول، أو مفهومه، ليكون معه كالدليل، ليظهر المعنى ~~عند من لا يفهم، ويكمل عند من فهمه. # كقوله تعالى: (ذلك جزيناهم بما كفروا)، ثم قال عز من قائل: (وهل ~~PageV03P068 # نجازي إلا الكفور)، أي هل يجازى ذلك الجزاء الذي يستحقه الكفور إلا ~~الكفور، فإن جعلنا الجزاء عاما كان الثاني مفيدا فائدة زائدة. # وقوله: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا). # وقوله: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون). # وقوله: (والذين يدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا ~~دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك ~~مثل خبير). # فقوله: (ولا ينبئك مثل خبير) تذييل لاشتماله على... # وقوله: (فاستكبروا و كانوا قوما عالين). # وقوله: (فاستكبروا و كانوا قوما مجرمين). # وجعل القاضي أبو بكر في كتابه " الإعجاز " منه قوله تعالى: (إن فرعون علا ~~في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ~~إنه كان من المفسدين). # وقوله: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما ~~كانوا خاطئين). # ويحتمل أن يكون من التعليل. # وقوله: (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)، فقوله: ~~PageV03P069 # (وكذلك)، تذييل، أي فذلك شأن الأمم مع الرسل، وقوله: (ما أرسلنا من قبلك ~~في قرية من نذير)، جعل ms0610 التذييل هنا من التفسير. # القسم الخامس والعشرون التتميم وهو أن يتم الكلام، فيلحق به ما يكمله، ~~إما مبالغة، أو احترازا، أو احتياطا. # وقيل: هو أن يأخذ في معنى فيذكره غير مشروح، وربما كان السامع لا يتأمله ~~ليعود المتكلم إليه شارحا، كقوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ~~ويتيما وأسيرا)، فالتتميم في قوله: (على حبه)، جعل الهاء كناية عن الطعام ~~مع اشتهائه. # وكذلك قوله: (وآتى المال على حبه). # وكقوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة)، فقوله: (وهو مؤمن) تتميم في غاية الحسن. # القسم السادس والعشرون الزيادة والأكثرون ينكرون إطلاق هذه العبارة في ~~كتاب الله، ويسمونه التأكيد. ومنهم من يسميه بالصلة. ومنهم من يسميه ~~المقحم. PageV03P070 # قال ابن جنى: كل حرف زيد في كلام العرب فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة ~~أخرى. # وبابها الحروف والأفعال. # كقوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم). (فبما رحمة من الله). # وقوله: (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا) قيل: (كان) هاهنا زائدة، ~~وإلا لم يكن فيه إعجاز، لأن الرجال كلهم كانوا في المهد، وانتصب (صبيا) على ~~الحال. # وقال ابن عصفور: هي في كلامهم زيدت في وسط الكلام للتأكيد، وهي مؤكدة ~~للماضي في (قالوا). # ومنه زيادة " أصبح "، قال حازم: إن كان الأمر الذي ذكر أنه فيه أصبح فيه ~~لم يكن أمسى فيه، فليست زائدة، وإلا فهي زائدة، كقوله: أصبح العسل حلوا. # وأجاب الرماني عن قوله: (فأصبحوا خاسرين)، فإن العادة أن من به علة تزاد ~~عليه بالليل يرجو الفرج عند الصباح، فاستعمل " أصبح " لأن الخسران جعل لهم ~~في الوقت الذي يرجون فيه الفرج، فليست زائدة. # وهو معنى قول غيره: إنها تأتي للدوام واستمرار الصفة، كقوله تعالى: ~~(فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم)، (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس). # وأما قوله تعالى: (ظل وجهه مسودا وهو كظيم) فهو على الأصل، لظهور الصفة ~~نهارا، والمراد الدوام أيضا، أي استقرت له الصفة نهاره. PageV03P071 # واعلم أن الزيادة واللغو من عبارة البصريين، والصلة والحشو من عبارة ~~الكوفيين، قال سيبويه ms0611 عقب قوله تعالى: (فبما نقضهم): إن " ما " لغو، لأنها ~~لم تحدث شيئا. # والأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله تعالى، فإن مراد النحويين ~~بالزائد من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى، فإن قوله: (فبما رحمة من الله ~~لنت لهم) معناه: " ما لنت لهم إلا رحمة "، وهذا قد جمع نفيا وإثباتا، ثم ~~اختصر على هذه الإرادة، وجمع فيه بين لفظي الإثبات وأداة النفي التي هي " ~~ما ". # وكذا قوله تعالى: (إنما الله إله واحد) ف‍ " إنما " هاهنا حرف تحقيق ~~وتمحيق، إن هنا للتحقيق، وما للتمحيق فاختصر، والأصل: " ما الله اثنان ~~فصاعدا، وأنه إله واحد ". # * * * وقد اختلف في وقوع الزائد في القرآن، فمنهم من أنكره، قال الطرطوسي ~~في : العمدة ": زعم المبرد وثعلب ألا صلة في القرآن، والدهماء من العلماء ~~والفقهاء والمفسرين على إثبات الصلات في القرآن، وقد وجد ذلك على وجه لا ~~يسع إنكاره فذكر كثيرا. # وقال ابن الخباز في التوجيه: وعند ابن السراج أنه ليس في كلام العرب ~~زائد، لأنه تكلم بغير فائدة، وما جاء منه حمله على التوكيد. PageV03P072 # ومنهم من جوزه وجعل وجوده كالعدم، وهو أفسد الطرق. # وقد رد على فخر الدين الرازي قوله: إن المحققين على أن المهمل لا يقع في ~~كلام الله سبحانه، فأما في قوله تعالى: (فبما رحمة من الله) فيمكن أن تكون ~~استفهامية للتعجب، والتقدير " فبأي رحمة "؟ فجعل الزائد مهملا، وليس كذلك، ~~لأن الزائد ما أتى به لغرض التقوية والتوكيد، والمهمل ما لم تضعه العرب، ~~وهو ضد المستعمل، وليس المراد من الزيادة - حيث ذكرها النحويون - إهمال ~~اللفظ، ولا كونه لغوا فتحتاج إلى التنكب عن التعبير بها إلى غيرها، فإنهم ~~إنما سموا " ما " زائدة هنا لجواز تعدى العامل قبلها إلى ما بعدها، لا ~~لأنها ليس لها معنى. # وأما ما قاله في الآية: إنها للاستفهام التعجبي، فقد انتقد عليه بأن قيل: ~~تقديره " فبأي رحمة " دليل على أنه جعل " ما " مضافة للرحمة، وأسماء ~~الاستفهام التعجبي لا يضاف منها غير " أي "، وإذا لم تصح الإضافة كان ما ~~بعدها بدلا منها، ms0612 والمبدل من اسم الاستفهام يجب معه ذكر همزة الاستفهام، ~~وليست الهمزة مذكورة، فدل على بطلان هذه الدعوى، وسنبين في فصل زيادة ~~الحروف الفائدة في إدخال " ما " هاهنا، فانظر هناك. # تنبيهات الأول: أهل الصناعة يطلقون الزائد على وجوه: منها ما يتعلق به ~~هنا وهو ما أقحم تأكيدا، نحو: (فبما رحمة من الله لنت لهم). (إن الله لا ~~يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة). (ليس كمثله شئ). PageV03P073 # ومعنى كونه زائدا أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد، فبوجوده حصل ~~فائدة التأكيد، والواضع الحكيم لا يضع الشئ إلا لفائدة. # وسئل بعض العلماء عن التوكيد بالحرف، وما معناه، إذ اسقاط كل الحرف لا ~~يخل بالمعنى؟ # فقال: هذا يعرفه أهل الطباع إذ يجدون أنفسهم بوجود الحرف على معنى زائد ~~لا يجدونه بإسقاط الحرف، قال: ومثال ذلك مثال العارف بوزن الشعر طبعا، فإذا ~~تغير البيت بزيادة أو نقص أنكره وقال: أجد في نفسي على خلاف ما أجده بإقامة ~~الوزن، فكذلك هذه الحروف تتغير نفس المطبوع عند نقصانها، ويجد نفسه ~~بزيادتها على معنى بخلاف ما يجدها بنقصانه. # * * * الثاني: حق الزيادة أن تكون في الحرف وفي الأفعال كما سبق، وأما ~~الأسماء فنص أكثر النحويين على أنها لا تزاد. ووقع في كلام كثير من ~~المفسرين الحكم عليها في بعض المواضع بالزيادة، كقول الزمخشري في قوله ~~تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا): # إن اسم الجلالة مقحم، ولا يتصور مخادعتهم لله تعالى. # * * * الثالث: حقها أن تكون آخرا وحشوا، وأما وقوعها أولا فلما فيه من ~~التناقض، إذ قضية الزيادة إمكان اطراحها، وقضية التصدير الاهتمام، ومن ثم ~~ضعف قول بعضهم بزيادة " لا " في قوله تعالى: (لا أقسم بيوم القيامة). وأبعد ~~منه قول آخر: # إنها بمعنى " إلا "، والظاهر أنها ردا لكلام تقدم في إنكار البعث، أي ليس ~~الأمر كما تقولون، ثم قال بعده: (أقسم بيوم القيامة)، وعليه فيجوز الوقف ~~على " لا " وفيه بعد. PageV03P074 # فصل [في حروف الزيادة] الزيادة إما أن تكون لتأكيد النفي، كالباء في خبر ~~ليس وما، أو للتأكيد الإيجاب، كاللام الداخلة على المبتدأ. ms0613 # وحروف الزيادة سبعة: إن، وأن، ولا، وما، ومن، والباء، واللام. بمعنى أنها ~~تأتي في بعض الموارد زائدة، لا أنها لازمة للزيادة. ثم ليس المراد حصر ~~الزوائد فيها، فقد زادوا الكاف وغيرها، بل المراد أن الأكثر في الزيادة أن ~~تكون بها. # * * * [زيادة " إن "] فأما إن الخفيفة فتطرد زيادتها مع ما النافية، كقول ~~امرئ القيس: # حلفت لها بالله حلفة فاجر * لناموا فما إن من حديث ولا صال أي فما حديث. ~~فزاد " إن " للتوكيد، قال الفراء: إن الخفيفة زائدة، فجمعوا بينها وبين ما ~~النافية، تأكيدا للنفي، فهو بمنزلة تكرارها، فهو عند الفراء من التأكيد ~~اللفظي، وعند سيبويه من التأكيد المعنوي. # وقيل: قوله تعالى: (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه): أنها زائدة. # وقيل نافية، والأصل " في الذي ما مكناكم فيه " بدليل: (مكناهم في الأرض ~~ما لم نمكن لكم)، وكأنه إنما عدل عن " ما " لئلا تتكرر فيثقل اللفظ. # ووهم ابن الحاجب، حيث زعم أنها تزاد بعد " لما " الإيجابية، وإنما تلك في ~~" أن " المفتوحة. PageV03P075 # [زيادة " أن "] وأما أن المفتوحة فتزاد بعد لما الظرفية، كقوله تعالى: ~~(ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم)، وإنما حكموا بزيادتها، لأن " لما " ظرف ~~زمان، ومعناها وجود الشئ لوجود غيره، وظروف الزمان غير المتمكنة لا تضاف ~~إلى المفرد، " وأن " المفتوحة تجعل الفعل بعدها في تأويل المفرد، فلم تبق " ~~لما " مضافة إلى الجمل، فلذلك حكموا بزيادتها. # وجعل الأخفش من زيادتها قوله تعالى: (وما لنا ألا نتوكل على الله)، (وما ~~لنا ألا نقاتل في سبيل الله). وقيل: بل هي مصدرية، والأصل " وما لنا في ألا ~~نفعل كذا "! فليست زائدة، لأنها عملت النصب في المضارع. # * * * [زيادة " ما "] وأما " ما " فتزاد بعد خمس كلمات من حروف الجر، ~~فتزاد بعد " من " و " عن " غير كافة لهما عن العمل، وتزاد بعد الكاف، ورب، ~~والباء، كافة وغير كافة أخرى. # والكافة إما أن تكف عن عمل النصب والرفع، وهي المتصلة بإن وأخواتها، نحو: # (إنما الله إله واحد). (كأنما يساقون إلى الموت). وجعلوا منها: # (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، ويحتمل ms0614 أن تكون موصولة بمعنى " الذي ~~" و " العلماء " خبر، والعائد مستتر في " يخشى "، وأطلقت " ما " على جماعة ~~العقلاء، PageV03P076 # كما في في قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانكم). # وإما أن تكف عن عمل الجر، كقوله تعالى: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) ~~وقيل: بل موصولة، أي " كالذي هو لهم آلهة ". # وغير الكافة تقع بعد الجازم، نحو: (وإما ينزعنك)، (أيا ما تدعوا). # (أينما تكونوا). # وبعد الخافض، حرفا كان، نحو: (فبما رحمة من الله). (فبما نقضهم ميثاقهم). # (عما قليل). (مما خطيئاتهم)، أو اسما، نحو: (أيما الأجلين قضيت). # وتزاد بعد أداة الشرط، جازمة كانت، نحو: (أينما تكونوا يدرككم الموت). أو ~~غير جازمة، نحو: (حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم). # وبين المتبوع وتابعه، نحو: (مثلا ما بعوضة)، قال الزجاج: ما حرف زائد ~~للتوكيد عند جميع البصريين. انتهى. # ويؤيده سقوطها في قراءة ابن مسعود. و " بعوضة " بدل. وقيل " ما " أسم ~~نكرة صفة ل‍ " مثلا "، أو بدل و " بعوضة " عطف بيان. # وقيل في قوله: (فقليلا ما يؤمنون) بأنها زائدة لمجرد تقوية الكلام، نحو: ~~PageV03P077 # (فبما رحمة) و " قليلا " في معنى النفي، أو لإفادة التقليل كما في نحو " ~~أكلت أكلا ما "، وعلى هذا فيكون: " فقليلا بعد قليل ". # * * * [زيادة " لا "] وأما " لا " فتزاد مع الواو بعد النفي، كقوله ~~تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة)، لأن " استوى " من الأفعال التي تطلب ~~اسمين أي لا تليق بفاعل واحد، نحو " اختصم "، فعلم أن " لا " زائدة. وقيل: ~~دخلت في السيئة لتحقق أنه لا تساوي الحسنة السيئة، ولا السيئة الحسنة. # وتزاد بعد " أن " المصدرية، كقوله: (لئلا يعلم أهل الكتاب)، أي ليعلم، ~~ولولا تقدير الزيادة لانعكس المعنى، فزيدت " لا " لتوكيد النفي. قاله ابن ~~جنى. # واعترضه ابن ملكون، بأنه ليس هناك نفي حتى تكون هي مؤكدة له. ورد عليه ~~السكوني بأن هنا ما معناه النفي، وهو ما وقع عليه العلم من قوله: (ألا ~~يقدرون على شئ)، ويكون هذا من وقوع النفي على العلم، والمراد ما وقع عليه ~~العلم كقوله: " ما علمت أحدا يقول ذلك إلا زيدا " فأبدلت ms0615 من الضمير الذي في ~~" يقول " ما بعد " إلا "، وإن كان البدل لا يكون إلا في النفي، فكما كان ~~النفي هنا واقعا على العلم وحكم لما وقع عليه العلم بحكمه، كذلك يكون تأكيد ~~النفي أيضا على ما وقع عليه العلم، ويحكم للعلم بحكم النفي، فيدخل عل العلم ~~توكيد النفي، والمراد تأكيد نفي ما دخل عليه العلم. PageV03P078 # وإذا كانوا قد زادوا " لا " في الموجب المعنى لما توجه عليه فعل منفى في ~~المعنى، كقوله تعالى: (ما منعك ألا تسجد)، المعنى " أن تسجد "، فزاد " لا " ~~تأكيدا للنفي المعنوي الذي تضمنه " منعك "، فكذلك تزاد " لا " في العلم ~~الموجب توكيدا للنفي الذي تضمنه الموجه عليه. # قال الشلوبين: وأما زيادة " لا " في قوله: (لئلا يعلم أهل الكتاب)، فشئ ~~متفق عليه، وقد نص عليه سيبويه، ولا يمكن أن تحمل الآية إلا على زيادة " لا ~~" فيها، لأن ما قبله من الكلام وما بعده يقتضيه. # ويدل عليه قراءة ابن عباس وعاصم والحميدي: " ليعلم أهل الكتاب " وقرأ ابن ~~مسعود وابن جبير " لكي يعلم " وهاتان القراءتان تفسير لزيادتها، وسبب ~~النزول يدل على ذلك أيضا، وهو أن المشركين كانوا يقولون: إن الأنبياء منا، ~~وكفروا مع ذلك بهم، فأنزل الله تعالى: (لئلا يعلم أهل الكتاب...) الآية. # ومنه: (ما منعك أن لا تسجد)، بدليل الآية الأخرى: (ما منعك أن تسجد)، ~~وليس المعنى: ما منعك من ترك السجود؟ فإنه ترك، فلا يستقيم التوبيخ عليه. # وقيل: ليست بزائدة من وجهين: # أحدهما: أن التقدير ما دعاك إلى ألا تسجد؟ لأن الصارف عن الشئ داع إلى ~~تركه، فيشتركان في كونهما من أسباب عدم الفعل. # الثاني: أن التقدير ما منعك من ألا تسجد. PageV03P079 # وهذا أقرب مما قبله، لأن فيه إبقاء المنع على أصله، وعدم زيادتها أولى، ~~لأن حذف حرف الجر مع " أن " كثير كثرة لا تصل إلى المجاز، والزيادة في ~~درجتها. # قالوا: وفائدة زيادتها تأكيد الإثبات، فإن وضع " لا " نفي ما دخلت عليه، ~~فهي معارضة للإثبات، ولا يخفى أن حصول الحكم مع المعارض أثبت مما إذا لم ~~يعترضه المعارض، أو ms0616 أسقط معنى ما كان من شأنه أن يسقط. # ومنه: (ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن). # قيل: وقد تزاد قبل القسم، نحو: (فلا أقسم برب المشارق والمغارب). # (فلا أقسم بمواقع النجوم). (لا أقسم بيوم القيامة)، أي أقسم بثبوتها. # وضعف في الأخيرة، بأنها وقعت صدرا، بخلاف ما قبلها، لوقوعها بين الفاء ~~ومعطوفها. # وقيل: زيدت توطئة لنفي الجواب، أي لا أقسم بيوم القيامة، فلا يتركون سدى. # ورد بقوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد...) الآيات، فإن جوابه مثبت، وهو: # (لقد خلقنا الانسان في كبد). # وقيل غير زائدة: # وقيل: هي رد لكلام قد تقدم من الكفار، فإن القرآن كله كالسورة الواحدة، ~~فيجوز أن يكون الادعاء في سورة، والرد عليهم في أخرى، فيجوز الوقف على " لا ~~" هذه. PageV03P080 # واختلف في قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به). # فقيل: زائدة ليصح المعنى، لأن المحرم الشرك. # وقيل: نافية أو ناهية. # وقيل: الكلام تم عند قوله: (حرم ربكم)، ثم ابتدأ: (عليكم ألا تشركوا به). # وقوله تعالى: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون)، فيمن فتح الهمزة، ~~فقيل " لا " زائدة، وإلا لكان عذرا للكفار. # ورده الزجاج بأنها نافية في قراءة الكسر، فيجب ذلك في قراءة الفتح. # وقيل: نافية وحذف المعطوف، أي وأنهم يؤمنون. # وقوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون). # وقيل: " لا زائدة، والمعنى: ممتنع على أهل قرية قدرنا إهلاكهم لكفرهم ~~أنهم لا يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة. # وعلى هذا ف‍ " حرام " خبر مقدم وجوبا، لأن المخبر عنه " أن وصلتها ". # وقوله تعالى: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~PageV03P081 # يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم ~~تعملون الكتاب وبما كنتم تدرسون. ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا) على قراءة من نصب (يأمركم) عطفا على (يؤتيه) ف‍ " لا " زائدة مؤكدة ~~لمعنى النفي السابق. # وقيل: عطف على (يقول)، والمعنى: ما كان لبشر أن ينصبه الله للدعاء إلى ~~عبادته وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن ms0617 يكونوا عبادا له، ويأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا. # وقيل: ليست زائدة لأنه عليه الصلاة والسلام كان ينهى قريشا عن عبادة ~~الملائكة، وأهل الكتاب عن عبادة عزير وعيسى، فلما قالوا له: أنتخذك ربا؟ ~~قيل لهم: # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة، ثم يأمر الناس بعبادته، ~~وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء. # * * * [زيادة " من "] وأما " من " فإنها تزاد في الكلام الوارد بعد نفي ~~أو شبهه، نحو: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها). (ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور). (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من ~~إله). PageV03P082 # وجوز الأخفش زيادتها مطلقا، محتجا بنحو قوله تعالى: (ولقد جاءك من نبأ ~~المرسلين). (يغفر لكم من ذنوبكم). (يحلون فيها من أساور من ذهب). (ويكفر ~~عنكم من سيئاتكم). # وأما " ما " في نحو قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم)، وقوله: ~~(فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم) " ما " في هذين الموضعين زائدة، إلا أن فيها ~~فائدة جليلة، وهي أنه لو قال: فبرحمة من الله لنت لهم، وبنقضهم، جوزنا أن ~~اللين واللعن كانا للسببين المذكورين ولغير ذلك، فلما أدخل " ما " في ~~الموضوعين قطعنا بأن اللين لم يكن إلا للرحمة، وأن اللعن لم يكن إلا لأجل ~~نقض الميثاق. # * * * [زيادة الباء] وأما الباء فتزاد في الفاعل، نحو " كفى بالله "، أي ~~كفى الله، ونحو " أحسن نزيد "! # إلا أنها في التعجب لازمة. ويجوز حذفها في فاعل (كفى بالله شهيدا)، (وكفى ~~بنا حاسبين) وإنما هو " كفى الله " و " كفينا ". # وقال الزجاج: دخلت لتضمن " كفى " معنى اكتفى، وهو حسن. # وفى المفعول، نحو: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)، لأن الفعل يتعدى ~~بنفسه، بدليل قوله: (وألقينا فيها رواسي)، ونحو: (وهزي إليك بجذع النخلة). ~~(ألم يعلم بأن الله يرى). (فليمدد بسبب إلى السماء). PageV03P083 # (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم). (فطفق مسحا بالسوق والأعناق)، أي يمسح السوق ~~مسحا. # وقيل في الأول: ضمن " تلقوا " معنى " تفضوا ". # وقيل: المعنى لا تلقوا أنفسكم بسبب أيديكم، كما يقال: لا تفسد أمرك ~~برأيك. # وقيل في ms0618 قوله تعالى: (تنبت بالدهن): إن الباء زائدة، والمراد: " تنبت ~~الدهن ". # وفى المبتدأ، وهو قليل، ومنه عند سيبويه: (بأيكم المفتون). # وقال أبو الحسن: (بأيكم) متعلق باستقرار محذوف مخبر عنه بالمفتون، ثم ~~اختلف فقيل: " المفتون " مصدر بمعنى الفتنة، وقيل: الباء ظرفية، أي في أيكم ~~الجنون. # وفى خبر المبتدأ، نحو: (جزاء سيئة بمثلها). وقال أبو الحسن: الباء زائدة، ~~بدليل قوله في موضع آخر: (وجزاء سيئة سيئة مثلها). # وفى خبر ليس، كقوله تعالى: (أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى). # (أليس الله بكاف عبده). # وقال ابن عصفور في " المقرب ": وتزاد في نادر كلام لا يقاس عليه، كقوله ~~تعالى: (بقادر على أن يحيى الموتى). انتهى. PageV03P084 # ومراده الآية التي أولها: (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ~~ولم يعي بخلقهن بقادر)، ولذا صرح به ابن أبي الربيع بعد في القراءتين. # ويدل على الزيادة الآية التي في: (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعلي لهم أجلا لا ريب فيه). # وزعم ابن النحاس أنه أراد الآية الأولى، أعني قوله: (أليس ذلك بقادر على ~~أن يحيى الموتى)، فاعتذر عنه بأنه: إنما قال ذلك - وإن كان في خبر ليس - ~~لأن " ليس " هنا بدخول الهمزة عليها لم يبق معناها من النفي، فصار الكلام ~~تقريرا ويعني بقوله: " في نادر " في القياس لا في الاستعمال. # [زيادة اللام] وأما اللام، فتزاد معترضة بين الفعل ومفعوله، كقوله: # وملكت ما بين العراق ويثرب ملكا أجار لمسلم ومعاهد وجعل منه المبرد قوله ~~تعالى: (ردف لكم)، والأكثرون على أنه ضمن (ردف) معنى: " اقترب "، كقوله: ~~(اقترب للناس حسابهم). # واختلف في قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم)، فقيل زائدة، وقيل ~~للتعليل والمفعول محذوف، أي يريد الله التبيين وليبين لكم ويهديكم، أي ~~فيجمع لكم بين الأمرين. PageV03P085 # وقال الزمخشري في قوله تعالى: (وأمرت لأن أكون أول المسلمين)، في سورة ~~الزمر: لك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في " أردت لأن أفعل "، ولا تزاد إلا ~~مع " أن " خاصة دون الاسم الصريح، كأنها زيدت عوضا من ms0619 ترك الأصل إلى ما ~~يقوم مقامه، كما أتت السين في " أسطاع " يعنى بقطع الهمزة عوضا من ترك ~~الأصل الذي هو " أطوع " والدليل على هذا مجيئه بغير لام، في قوله تعالى: ~~(وأمرت لأن أكون أول المسلمين). انتهي. # وزيادة في " أردت " لأن أفعل " لم يذكره أكثر النحويين، وإنما تعرضوا لها ~~في إعراب: (يريد الله ليبين لكم). # وتزاد لتقوية العامل الضعيف إما لتأخره، نحو: (هدى ورحمة للذين هم لربهم ~~يرهبون)، ونحو: (إن كنتم للرؤيا تعبرون). # أو لكونه فرعا في العمل، نحو: (مصدقا لما معهم)، فعال لما يريد * (نزاعة ~~للشوى). # وقيل منه: (إن هذا عدو لك ولزوجك)، وقيل: بل يتعلق بمستقر محذوف صفة ~~لعدو، وهي للاختصاص. # وقد اجتمع وهو التأخر والفرعية، في نحو: (وكنا لحكمهم شاهدين). ~~PageV03P086 # وأما قوله تعالى: (نذيرا للبشر)، فإن كان " نذيرا " بمعنى المنذر، فهو ~~مثل: (فعال لما يريد)، وإن كان بمعنى الإنذار، فاللام مثلها في: # " سقيا لزيد ". # وقد تجئ اللام للتوكيد بعد النفي، وتسمى لام الجحود، وتقع بعد " كان " ~~مثل: # (وما كان الله ليعذبهم)، وهذه اللام لتأكيد النفي، كالباء الداخلة في خبر ~~" ليس "، ومعنى قوله: " إنها للتأكيد " أنك إذا قلت: " ما كنت أضربك "، ~~بغير لام، جاز أن يكون الضرب مما يجوز كونه، فإذا قلت: " ما كنت لأضربك "، ~~فاللام جعلت بمنزلة مالا يكون أصلا. # * * * وقد تأتي مؤكدة في موضع، وتحذف في آخر لاقتضاء المقام ذلك. # ومن أمثلته قوله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة ~~تبعثون)، فإنه سبحانه أكد إثبات الموت الذي لا ريب فيه تأكيدين، وأكد إثبات ~~البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا، وكان المتبادر العكس، لأن التأكيد إنما ~~يكون حيث الانكار، لكن في النظم وجوه: # أحدها: أن البعث لما قامت البراهين القطعية عليه صار المنكر له كالمنكر ~~للبديهيات، فلم يحتج إلى تأكيد، وأما الموت فإنه - وإن أقروا به - لكن لما ~~لم يعلموا ما بعده نزلوا منزلة من لم يقر به فاحتاج إلى تأكيد ذلك، لأنه ثم ~~قد ينزل المنكر كغير المنكر إذا كان معه ما لو تأمله ارتدع ms0620 من الانكار. ~~ولما ظهر على المخاطبين من التمادي في الغفلة والإعراض عن العمل ~~PageV03P087 # لما بعده والانهماك في الدنيا، وهي من أمارات إنكار الموت، فلهذا قال: " ~~ميتون " ولم يقل: تموتون، وإنما أكد إثبات البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا، ~~لظهور أدلته المزيلة للإنكار، إذا تأملوا فيها، ولهذا قيل: " تبعثون " على ~~الأصل، وهو الاستقبال بخلاف " تموتون ". # الثاني: أن دخول اللام على " ميتون " أحق، لأنه تعالى يرد على الدهرية ~~القائلين ببقاء النوع الإنساني، خلفا عن سلف، وقد أخبر تعالى عن البعث في ~~مواضع من القرآن، وأكده وكذب منكره، كقوله: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ~~قل بلى وربي لتبعثن) قاله الشيخ تاج الدين بن الفركاح. # الثالث: أنه لما كان العطف يقتضى الاشتراك في الحكم استغنى به عن إعارة ~~لفظ اللام، وكأنه قيل: " لتبعثون " واستغنى بها في الثاني لذكرها في الأول. # الرابع: قال الزمخشري: بولغ في تأكيد الموت، تنبيها للإنسان أن يكون ~~الموت نصب عينيه، ولا يغفل عن ترقبه، فإن مآله إليه، فكأنه أكدت جملته ثلاث ~~مرات، لهذا المعنى لأن الانسان في الدنيا يسعى فيها غاية السعي، حتى كأنه ~~مخلد، ولم يؤكد جملة البعث إلا ب‍ " إن " لأنه أبرز بصورة المقطوع به الذي ~~لا يمكن فيه نزاع، ولا يقبل إنكارا. # قلت: وهذه الأجوبة من جهة المعنى وأما الصناعة فتوجب ما جاءت الآية ~~الشريفة عليه وهو حذف اللام في " تبعثون "، لأن اللام تخلص المضارع للحال، ~~فلا يجاء [به] مع يوم القيامة، لأنه مستقبل، ولأن " تبعثون " عامل في الظرف ~~المستقبل. # وأما قوله: (وأن ربك ليحكم بينهم)، فيمكن تأويلها بتقدير عامل. ~~PageV03P088 # ونظير هذا آية الواقعة، وهي قوله سبحانه: (لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم ~~تفكهون). # وقال سبحانه في الماء: (لو نشاء جعلناه أجاجا) بغير لام، والفرق بينهما ~~من أربعة أوجه: # أحدها: أن صيرورة الماء ملحا أسهل وأكثر من جعل الحرث حطاما، إذ الماء ~~العذب يمر بالأرض السبخة فيصير ملحا، فالتوعد به لا يحتاج إلى تأكيد، وهذا ~~كما أن الانسان إذا توعد عبده بالضرب بعصا ونحوه لم يحتج إلى توكيد، ms0621 وإذا ~~توعد بالقتل احتاج إلى تأكيد. # والثاني: إن جعل الحرث حطاما - قلب للمادة والصورة، وجعل الماء أجاجا ~~قلب: # للكيفية فقط، وهو أسهل وأيسر. # الثالث: أن " لو " لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى ~~تعليق الجزاء [بالشرط] أتى باللام علما على ذلك، ثم حذف الثاني للعلم بها، ~~لأن الشئ إذا علم [وشهر موقعه، وصار مألوفا ومأنوسا به) لم يبال بإسقاطه عن ~~اللفظ استغناء بمعرفة السامع] ويساوى لشهرته حذفه وإثباته، مع ما في حذفه ~~من خفة اللفظ ورشاقته، لأن تقدم ذكرها - والمسافة قصيرة يغنى عن ذكرها ~~ثانيا. # الرابع: أن اللام أدخلت في آية المطعوم، للدلالة على أنه يقدم على أمر ~~المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب، من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه ~~تبعا للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب. ذكرها والذي قبله ~~الزمخشري. # ومن ذلك حذف اللام في قوله تعالى: (يسألونك عليه عن الأنفال قل الأنفال ~~لله PageV03P089 # والرسول) وإثباتها بعد قوله: (فإن لله خمسه وللرسول...) الآية، والجواب ~~أنك إذا عطفت على مجرور... # القسم السابع والعشرون باب الاشتغال فإن الشئ إذا أضمر ثم فسر كان أفخم، ~~مما إذا لم يتقدم إضمار، ألا ترى أنك تجد اهتزازا في نحو قوله تعالى: (وإن ~~أحد من المشركين استجارك فأجره). # وفي قوله: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي). # وفى قوله: (يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما). # وفى قوله: (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) - لا تجد مثله إذا قلت: ~~وإن استجارك أحد من المشركين فأجره. وقولك: لو تملكون خزائن رحمة ربي. ~~وقولك: # يدخل من يشاء في رحمته وأعد للظالمين عذابا أليما، وقولك: هدى فريقا وأضل ~~فريقا، إذ الفعل المفسر في تقدير المذكور مرتين. # وكذا قوله تعالى: (إذا السماء انشقت)، (إذا السماء انفطرت)، ونظائره، ~~فهذه فائدة اشتغال الفعل عن المفعول بضميره. PageV03P090 # القسم الثامن والعشرون التعليل بان يذكر الشئ معللا، فإنه أبلغ من ذكره ~~بلا علة، لوجهين: # أحدهما: أن العلة المنصوصة قاضية بعموم المعلول، ولهذا اعترفت الظاهرية ~~بالقياس في العلة ms0622 المنصوصة. # الثاني: أن النفوس تنبعث إلى نقل الأحكام المعللة، بخلاف غيرها، وغالب ~~التعليل في القرآن فهو على تقدير جواب سؤال اقتضته الجملة الأولى، وهو سؤال ~~عن العلة. # ومنه: (إن النفس لأمارة بالسوء). (إن زلزلة الساعة شئ عظيم). # (إن صلاتك سكن لهم). # وتوضيح التعليل أن الفاء السببية لو وضعت مكان " إن " لحسن. # * * * والطرق الدالة على العلة أنواع: # الأول: التصريح بلفظ الحكم، كقوله تعالى: (حكمة بالغة). # وقال: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة)، والحكمة هي العلم النافع. # والعمل الصالح. # * * * PageV03P091 # الثاني: أنه فعل كذا لكذا، أو أمر بكذا لكذا، كقوله تعالى: (ذلك لتعلموا ~~أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض). # وقوله تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر ~~بينهن لتعلموا). # (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس). # (لئلا يعلم أهل الكتاب). # (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم). # (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به). # (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به)، وهو كثير. # فإن قيل: اللام فيه للعاقبة، كقوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم ~~عدوا وحزنا)، وقوله: (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة)، وإنما قلنا ذلك لأن ~~أفعال الله تعالى لا تعلل! # فالجواب أن معنى قولنا: إن أفعال الله تعالى لا تعلل، أي لا تجب، ولكنها ~~لا تخلو عن الحكمة، وقد أجاب الملائكة عن قولهم: (أتجعل فيها من يفسد فيها) ~~بقوله: # (إني أعلم مالا تعلمون). # ولو كان فعله سبحانه مجردا عن الحكم والغايات لم يسأل الملائكة عن حكمته، ~~ولم يصح الجواب بكونه يعلم ما لا يعلمون من الحكمة والمصالح، وفرق بين ~~العلم والحكمة، PageV03P092 # ولأن لام العاقبة إنما تكون في حق من يجهل العاقبة، كقوله: (فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا)، وأما من هو بكل شئ عليم فمستحيلة في حقه، ~~وإنما اللام الواردة في أحكامه وأفعاله لام الحكمة والغاية المطلوبة من ~~الحكمة. ثم قوله: # (ليكون لهم عدوا وحزنا) هو تعليل لقضاء الله بالتقاطه وتقديره لهم، فإن ~~التقاطهم له إنما كان بقضائه وقدره، وذكر فعلهم ms0623 دون قضائه، لأنه أبلغ في ~~كونه حزنا لهم وحسرة عليهم. # قاعدة تفسيرية: # حيث دخلت واو العاطف على لام التعليل فله وجهان: # أحدهما: أن يكون تعليلا معللة محذوف، كقوله تعالى: (وليبلى المؤمنين منه ~~بلاء حسنا)، فالمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ذلك. # الثاني: أن يكون معطوفا على علة أخرى، مضمرة ليظهر صحة العطف، كقوله ~~تعالى: # (وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى)، التقدير: ليستدل بها المكلف ~~على قدرته تعالى ولتجزى: وكقوله: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه) ~~التقدير: ليتصرف فيها ولنعلمه. # والفرق بين الوجهين أنه في الأول عطف جملة على جملة، وفي الثاني عطف مفرد ~~على مفرد. # وقد يحتملهما الكلام، كقوله تعالى: (ولنجعلك آية للناس)، فالتقدير على ~~الأول ولنجعله آية فعلنا ذلك، وعلى الثاني ولنبين للناس قدرتنا ولنجعله ~~آية. ويطرد الوجهان في نظائره ويرجح كل واحد بحسب المقام، وحذف المعلل ~~هاهنا أرجح، إذ لو فرض علة أخرى لم يكن بد من معلل محذوف، وليس قبلها ما ~~يصلح له. PageV03P093 # فإن قلت: لم قدر المعلل مؤخرا؟ # قلت: فائدة هذا الأسلوب هو أن يجاء بالعلة بالواو للاهتمام بشأن العلة ~~المذكورة، لأنه إما أن يقدر علة أخرى ليعطف عليها، فيكون اختصاص ذكرها ~~لكونها أهم، وإما أن يكون على تقدير معلل، فيجب أن يكون مؤخرا ليشعر تقديمه ~~بالاهتمام. # * * * الثالث: الإتيان بكى، كقوله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون ~~دولة بين الأغنياء منكم)، فعلل سبحانه قسمة الفئ بين هذه الأصناف كيلا ~~يتداوله الأغنياء دون الفقراء. # وقوله: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأنها إن ذلك على الله يسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما ~~آتاكم)، وأخبر سبحانه أنه قدر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن تبرأ ~~الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع، ثم أخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه ~~وأنه هين عليه، وحكمته البالغة التي منها ألا يحزن عباده على ما فاتهم، ms0624 ولا ~~يفرحوا بما آتاهم، فإنهم إذا علموا أن المصيبة فيه مقدرة كائنة ولا بد قد ~~كتبت قبل خلقهم هان عليهم الفائت، فلم يأسوا عليه ولم يفرحوا. # * * * الرابع: ذكر المفعول له وهو علة للفعل المعلل به، كقوله: (ونزلنا ~~عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة). PageV03P094 # ونصب ذلك على المفعول له أحسن من غيره، كما صرح به في قوله: (لتبين للناس ~~ما نزل إليهم). # وقوله: (ولأتم نعمتي علكيم ولعلكم تهتدون). # وقوله: (ولقد يسرنا القرآن للذكر)، أي لأجل الذكر، كما قال تعالى: # (فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون). # وقوله: (فالملقيات ذكرا. عذرا أو نذرا)، أي للإعذار والإنذار. # وقد يكون معلولا بعلة أخرى، كقوله تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت)، ف‍ " من الصواعق " يحتمل أن تكون فيه " من " لابتداء ~~الغاية فتتعلق بمحذوف، أي خوفا من الصواعق، ويجوز أن تكون معللة بمعنى ~~اللام كما في قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم)، أي لغم. # وعلى كلا التقديرين ف‍ " من الصواعق " في محل نصب، على أنه مفعول له، ~~والعامل فيه (يجعلون). و (حذر الموت) مفعول له أيضا فالعامل فيه (من ~~الصواعق) ف‍ " من الصواعق " علة ل‍ " يجعلون "، معلول لحذر الموت، لأن ~~المفعول الأول الذي هو " من الصواعق " يصلح جوابا لقولنا: لم يجعلون ~~أصابعهم في آذانهم؟ والمفعول الثاني الذي هو " حذر الموت " يصلح جوابا ~~لقولنا: لم يخافون من الصواعق؟ فقد ظهر ذلك. # * * * الخامس: اللام في المفعول له وتقوم مقامه الباء، نحو: (فبظلم من ~~الذين هادوا). PageV03P095 # ومن، نحو: (من أجل ذلك كتبنا). # والكاف، نحو: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم)، وقال: (فاذكروني أذكركم)، ~~وقال: (فإذ كروا الله كما علمكم)، أي لإرسالنا وتعليمنا. # * * * السادس: الإتيان بإن، كقوله تعالى: (واستغفروا الله إن الله غفور ~~رحيم). # (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم). # (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء). # (فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا). # وكقوله: (فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون)، وليس هذا من ~~قولهم، لأنه لو كان قولهم لما حزن الرسول، وإنما جئ ms0625 بالجملة لبيان العلة ~~والسبب في أنه لا يحزنه قولهم. # وكذلك قوله تعالى: (ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا) والوقف على ~~القول في هاتين الآيتين والابتداء بإن لازم. # وقد يكون علة لعلة كقوله: (إن عذابها كان غراما. إنها ساءت مستقرا ~~ومقاما) وفيها وجهان لأهل المعاني. PageV03P096 # أحدهما: أن سؤالهم لصرف العذاب معلل بأنه غرام، أي ملازم الغريم، وبأنها ~~ساءت مستقرا ومقاما. # الثاني: أن " ساءت ". تعليل لكونه غراما. # * * * السابع: أن والفعل المستقبل بعدها، تعليلا لما قبله، كقوله تعالى: ~~(أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا). # وقوله تعالى: (أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله). # وقوله: (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون)، كأنه ~~قيل: لم فاضت أعينهم من الدمع؟ قيل: للحزن، فقيل: لم حزنوا؟ فقيل: # لئلا يجدوا. # وقوله: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى). # ونظائره كثيرة. وفي ذلك طريقان: # أحدهما للكوفيين، أن المعنى لئلا يقولوا، ولئلا تقول نفس. # الثاني للبصريين، أن المفعول له محذوف، أي كراهة أن يقولوا، أو حذار أن ~~يقولوا. # فإن قيل: كيف يستقيم الطريقان في قوله: (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى)؟ فإنك إذا قدرت: " لئلا تضل إحداهما " لم يستقم عطف " فتذكر " ~~عليه، وإن قدرت " حذار أن تضل إحداهما " لم يستقم العطف أيضا، لأنه لا يصح ~~أن تكون الضلالة علة لشهادتهما. PageV03P097 # قيل: بظهور المعنى يزول الإشكال، فإن المقصود إذكار إحداهما الأخرى إذا ~~ضلت ونسيت، فلما كان الضلال سببا للإذكار جعل موضع العلة، تقول: " أعددت ~~هذه الخشبة أن تميل الحائط فأدعم بها "، فإنما أعددتها للدعم لا للميل، ~~وأعددت هذا الدواء أن أمرض فأداوى به ونحوه، هذا قول سيبويه والبصريين. # وقال الكوفيون: تقديره في " تذكر إحداهما الأخرى ": إن ضلت، فلما تقدم ~~الجزاء اتصل بما قبله، ففتحت أن. # * * * الثامن: " من أجل " في قوله تعالى: " من أجل ذلك كتبنا على بني ~~إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس) فإنه لتعليل الكتب، وعلى هذا فيجب الوقف ~~على: # (من النادمين). وظن قوم أنه تعليل لقوله: (من ms0626 النادمين)، أي من أجل قتله ~~لأخيه، وهو غلط، لأنه يشوش صحة النظم، ويخل بالفائدة. # فإن قلت: كيف يكون قتل أحد ابني آدم للآخر علة للحكم على أمة أخرى بذلك ~~الحكم؟ وإذا كان علة فكيف كان قتل نفس واحدة بمنزلة قاتل الناس كلهم؟. # قيل: إن الله - سبحانه - يجعل أقضيته وأقداره عللا لأسبابه الشرعية ~~وأمره، فجعل حكمه الكوني القدري علة لحكمة أمره الديني، لأن القتل لما كان ~~من أعلى PageV03P098 # أنواع الظلم والفساد، فخم أمره، وعظم شأنه، وجعل إثمه أعظم من إثم غيره، ~~ونزل قاتل النفس الواحدة منزلة قاتل الأنفس كلها في أصل العذاب، لا في ~~وصفه. # * * * التاسع: التعليل بلعل، كقوله تعالى: (اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون)، قيل: هو تعليل لقوله: (اعبدوا)، وقيل لقوله: # (خلقكم). # وقوله: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، حيث ~~لمح فيها معنى الرجاء رجعت إلى المخاطبين. # * * * العاشر: ذكر الحكم الكوني أو الشرعي عقب الوصف المناسب له، فتارة ~~يذكر بأن، وتارة بالفاء، وتارة يجرد. # فالأول: كقوله تعالى: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير ~~الوارثين) إلى قوله: (خاشعين). وقوله: (إن المتقين في جنات وعيون. # آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين). # والثاني: كقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما). (الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة). # والثالث: كقوله: (إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام). (إن الذين ~~PageV03P099 # آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). # * * * الحادي عشر: تعليله سبحانه عدم الحكم بوجود المانع منه، كقوله ~~تعالى: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن...) الآية. # وقوله: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض). # (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون)، أي آيات الاقتراح، ~~لا الآيات الدالة على صدق الرسل التي تأتي منه سبحانه ابتداء. # وقوله: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا في لقالوا لولا فصلت آياته). # وقوله: (لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ms0627 لقضي الأمر)، فأخبر سبحانه ~~عما يمنع من إنزال الملك عيانا بحيث يشاهدونه، وإن عنايته وحكمته بخلقه ~~اقتضت منع ذلك، بأنه لو أنزل عليه الملك ثم عاينوه ولم يؤمنوا به لعوجلوا ~~بالعقوبة، وجعل الرسول بشرا ليمكنهم التلقي عنه، والرجوع إليه. ولو جعله ~~ملكا، فإما أن يدعه على هيئته الملكية، أو يجعله على هيئة البشر، والأول ~~يمنعهم من التلقي عنه، والثاني لا يحصل مقصوده، إذ كانوا يقولون: هو بشر لا ~~ملك. # * * * الثاني عشر: اخباره عن الحكم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره، ~~كقوله: PageV03P100 # (الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء...) الآية. # وقوله: (ألم نجعل الأرض مهادا...) الآيات. # وقوله: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا...) الآية. # * * * وكما يقصدون البسط والاستيفاء، يقصدون الاجمال والإيجاز، كما قيل: # يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء وقوله: (ومن آياته ~~أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا) PageV03P101 # الأسلوب الثاني الحذف وهو لغة الإسقاط، ومنه حذفت الشعر إذا أخذت منه. # واصطلاحا اسقاط جزء الكلام أو كله لدليل. وأما قول النحويين: الحذف لغير ~~دليل، ويسمى اقتصارا، فلا تحرير فيه، لأنه لا حذف فيه بالكلية كما سنبينه ~~فيما يلتبس به الإضمار والإيجاز. # والفرق بينهما أن شرط الحذف والإيجاز أن يكون [في الحذف] ثم مقدر، نحو: # (واسأل القرية)، بخلاف الإيجاز، فإنه عبارة عن اللفظ القليل الجامع ~~للمعاني الجمة بنفسه. # والفرق بينه وبين الإضمار أن شرط المضمر بقاء أثر المقدر في اللفظ، نحو: ~~(يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما). ويعذب المنافقين). # (انتهوا خيرا لكم). أي أئتوا أمرا خيرا لكم، وهذا لا يشترط في الحذف. # ويدل على أنه لا بد في الإضمار من ملاحظة المقدر باب الاشتقاق، فإنه من ~~أضمرت الشئ: أخفيته، قال: # * سيبقى لها في مضمر القلب والحشا * PageV03P102 # وأما الحذف، فمن حذفت الشئ قطعته، وهو يشعر بالطرح، بخلاف الإضمار، ولهذا ~~قالوا: " أن " تنصب ظاهرة ومضمرة. # ورد ابن ميمون قول النحاة: إن الفاعل يحذف في باب المصدر، وقال: الصواب ~~أن يقال: يضمر ولا يحذف، لأنه عمدة ms0628 في الكلام. # وقال ابن جنى في خاطرياته: من اتصال الفاعل بالفعل أنك تضمره في لفظ إذا ~~عرفته نحو قم، ولا تحذفه كحذف المبتدأ، ولهذا لم يجز عندنا ما ذهب إليه ~~الكسائي في " ضربني، وضربت قومك ". # فصل [في أن الحذف نوع من أنواع المجاز على المشهور] المشهور أن الحذف ~~مجاز، وحكى إمام الحرمين في " التلخيص " عن بعضهم: # أن الحذف ليس بمجاز، إذ هو استعمال اللفظ في غير موضعه، والحذف ليس كذلك. # قال ابن عطية في تفسير سورة يوسف: وحذف المضاف هو عين المجاز أو معظمه، ~~وهذا مذهب سيبويه وغيره من أهل النظر، وليس كل حذف مجازا. انتهى. # وقال الزنجاني في " المعيار ": إنما يكون مجازا إذا تغير بسببه حكم، ~~PageV03P103 # فأما إذا لم يتغير به حكم، كقولك: زيد منطلق وعمرو، بحذف الخبر فلا يكون ~~مجازا إذا لم يتغير حكم ما بقي من الكلام. # والتحقيق أنه إن أريد بالمجاز استعمال اللفظ في غير موضعه فالمحذوف ليس ~~كذلك، لعدم استعماله، وإن أريد بالمجاز إسناد الفعل إلى غيره - وهو المجاز ~~العقلي - فالحذف كذلك. # فصل [في أن الحذف خلاف الأصل] والحذف خلاف الأصل، وعليه ينبني فرعان: # أحدهما: إذا دار الأمر بين الحذف وعدمه كان الحمل على عدمه أولى، لأن ~~الأصل عدم التغيير. # والثاني: إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته، كان الحمل على قلته ~~أولى. # [أوجه الكلام على الحذف] ويقع الكلام في الحذف من خمسة أوجه: في فائدته، ~~وفي أسبابه، ثم في أدلته، ثم في شروطه، ثم في أقسامه. # [فوائد الحذف] الوجه الأول في فوائده: # فمنها التفخيم والإعظام، لما فيه من الإبهام، لذهاب الذهن في كل مذهب، ~~وتشوفه إلى ما هو المراد، فيرجع قاصرا عن إدراكه، فعند ذلك يعظم شأنه، ~~ويعلو في النفس مكانه. ألا ترى أن المحذوف إذا ظهر في اللفظ زال ما كان ~~يختلج في الوهم من المراد، وخلص للمذكور! PageV03P104 # ومنها: زيادة لذة بسبب استنباط الذهن للمحذوف، وكلما كان الشعور بالمحذوف ~~أعسر، كان الالتذاذ به أشد وأحسن. # ومنها: زيادة الأجر بسبب الاجتهاد في ذلك، بخلاف ms0629 غير المحذوف، كما تقول ~~في العلة المستنبطة والمنصوصة. # ومنها: طلب الإيجاز والاختصار، وتحصيل المعنى الكثير في اللفظ القليل. # ومنها: التشجيع على الكلام، ومن ثم سماه ابن جنى: " شجاعة العربية ". # ومنها: موقعه في النفس في موقعه على الذكر، ولهذا قال شيخ الصناعتين عبد ~~القاهر الجرجاني: ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا ~~وحذفه أحسن من ذكره. # ولله در القائل: # إذا نطقت جاءت بكل مليحة * وإن سكتت جاءت بكل مليح [أسباب الحذف] الثاني ~~في أسبابه: # فمنها: مجرد الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر، نحو: الهلال ~~والله، أي هذا، فحذف المبتدأ استغناء عنه بقرينة شهادة الحال، إذ لو ذكره ~~مع ذلك لكان عبثا من القول. # ومنها: التنبيه على أن الزمان يتقاصر عن الإتيان بالمحذوف، وأن الاشتغال ~~بذكره يفضى إلى تفويت المهم، وهذه هي فائدة باب التحذير، نحو: إياك والشر، ~~والطريق، الطريق، الله الله. وباب الإغراء هو لزوم أمر يحمد به، وقد اجتمعا ~~في قوله تعالى: (ناقة الله وسقياها) على التحذير، أي احذروا ناقة الله فلا ~~تقربوها، و " سقياها "، إغراء بتقدير ألزموا ناقة الله. # ومنها التفخيم والإعظام، قال حازم في " منهاج البلغاء ": إنما يحسن الحذف ~~ما لم PageV03P105 # يشكل به المعنى، لقوة الدلالة عليه، أو يقصد به تعديد أشياء، فيكون في ~~تعدادها طول وسآمة، فيحذف ويكتفى بدلالة الحال عليه، وتترك النفس تجول في ~~الأشياء المكتفى بالحال عن ذكرها على الحال. قال: وبهذا القصد يؤثر في ~~المواضع التي يراد بها التعجب والتهويل على النفوس، ومنه قوله تعالى في وصف ~~أهل الجنة: (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها) فحذف الجواب، إذ كان وصف ما ~~يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ~~ما يشاهدونه، وتركت النفوس تقدر ما شأنه، ولا يبلغ مع ذلك كنه ما هنالك، ~~لقوله عليه الصلاة والسلام: " لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر ". # قلت: ومنه: (فغشيهم من أليم ما غشيهم) مالا يعلم كنهه إلا الله، قال ~~الزمخشري: # وهذا ms0630 من باب الاختصار ومن جوامع الكلم المتحملة مع قلتها للمعاني ~~الكثيرة. # ومنها: التخفيف، لكثرة دورانه في كلامهم، كما حذف حرف النداء، في نحو: # (يوسف أعرض عن هذا) وغيره. قال سيبويه: العرب تقول لا أدر، فيحذفون ~~الياء، والوجه " لا أدري "، لأنه رفع، وتقول: " لم أبل "، فيحذفون الألف، ~~والوجه " لم أبال ". ويقولون: " لم يك "، فيحذفون النون، كل ذلك يفعلونه ~~استخفافا لكثرته في كلامهم. # ومنها: حذف نون التثنية والجمع وأثرها باق، نحو " الضاربا زيد " والضاربو ~~زيد وقراءة من قرأ: (والمقيمي الصلاة) كأن النون ثابتة، فعلوا ذلك لاستطالة ~~الموصول PageV03P106 # في الصلة، نحو: (والليل إذا يسر) حذفت الياء للتخفيف. # ويحكى عن الأخفش أن المؤرج السدوسي سأله: [عن ذلك] فقال: لا أجيبك حتى ~~تنام على بابي ليلة، ففعل، فقال له: إن عادة العرب إذا عدلت بالشئ عن معناه ~~نقصت حروفه، والليل لما كان لا يسري، وإنما يسري فيه، نقص منه حرف، كما في ~~قوله: # (وما كانت أمك بغيا)، الأصل " بغية " فلما حول ونقل عن فاعل نقص منه حرف. ~~انتهى. # ومنها: رعاية الفاصلة، نحو: (ما ودعك ربك وما قلى). (والليل إذا يسر) ~~ونحوه. وقال الرماني: إنما حذفت الياء في الفواصل لأنها على نية الوقف، وهي ~~في ذلك كالقوافي التي لا يوقف عليها بغير ياء. # ومنها: أن يحذف صيانة له، كقوله تعالى: (قال فرعون وما رب العالمين) إلى ~~قوله: (إن كنتم تعقلون)، حذف المبتدأ في ثلاثة مواضع: قبل ذكر الرب، أي هو ~~رب السماوات. والله ربكم. والله رب المشرق، لأن موسى عليه السلام استعظم ~~حال فرعون وإقدامه على السؤال تهيبا وتفخيما، فاقتصر على ما يستدل به من ~~أفعاله الخاصة به، ليعرفه أنه ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير. # ومنها: صيانة اللسان عنه، كقوله تعالى: (صم بكم عمي)، أي هم. PageV03P107 # ومنها: كونه لا يصلح إلا له، كقوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة). (فعال ~~لما يريد). # ومنها شهرته حتى يكون ذكره وعدمه سواء، قال الزمخشري: وهو نوع من دلالة ~~الحال التي لسانها أنطق من لسان المقال، كقول رؤبة: خير، جواب من ms0631 قال: كيف ~~أصبحت؟ فحذف الجار، وعليه حمل قراءة حمزة: (تساءلون به والأرحام) لأن هذا ~~مكان شهر بتكرير الجار، فقامت الشهرة مقام الذكر. # وكذا قال الفارسي متخلصا من عدم إعادة حرف الجر في المعطوف على الضمير ~~المجرور: إنه مجرور بالجار المقدر أي و " بالأرحام " وإنما حذفت استغناء به ~~في المضمر المجرور قبله. # فأن قلت: هذا المقدر يحيل المسألة، لأنه يصير من عطف الجار والمجرور على ~~مثله! # قلت: إعادة الجار شرط لصحة العطف، لا أنه مقصود لذاته. # [أدلة الحذف] الوجه الثالث في أدلته: # ولما كان الحذف لا يجوز إلا لدليل احتيج إلى ذكر دليله. # والدليل تارة يدل على محذوف مطلق، وتارة على محذوف معين. # فمنها: أن يدل عليه العقل حيث تستحيل صحة الكلام عقلا إلا بتقدير محذوف، ~~كقوله تعالى: (واسأل القرية)، فإنه يستحيل عقلا تكلم الأمكنة إلا معجزة. # ومنها: أن تدل عليه العادة الشرعية، كقوله تعالى: (إنما حرم عليكم ~~الميتة) PageV03P108 # فإن الذات لا تتصف بالحل والحرمة شرعا، إنما هما من صفات الأفعال الواقعة ~~على الذوات، فعلم أن المحذوف التناول، ولكنه لما حذف وأقيمت الميتة مقامه ~~أسند إليها الفعل، وقطع النظر عنه، فلذلك أنث الفعل في بعض الصور، كقوله ~~تعالى: (حرمت عليكم الميتة)، وقول صاحب التلخيص: إن هذه الآية من باب دلالة ~~العقل ممنوع، لأن العقل لا يدرك محل الحل ولا الحرمة، فلهذا جعلناه من ~~دلالة العادة الشرعية. # ومنها: أن يدل العقل عليهما، أي على الحذف والتعيين، كقوله تعالى: (وجاء ~~ربك)، أي أمره أو عذابه أو ملائكته، لأن العقل دل على أصل الحذف، ولاستحالة ~~مجئ البارئ عقلا، لأن المجئ من سمات الحدوث. ودل العقل أيضا على التعيين، ~~وهو الأمر ونحوه، وكلام الزمخشري يقتضي أنه لا حذف البتة، فإنه قال: هذه ~~الآية الكريمة تمثيل، مثلت حاله سبحانه وتعالى في ذلك بحال الملك إذا حضر ~~بنفسه. # وكقوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله)، لأنه في معرض التوحيد فعدم ~~الفساد دليل على عدم تعدد الآلهة، وإنما حذف لأن انتفاء اللازم يستلزم ~~انتفاء الملزوم ضرورة، ولذلك ms0632 لم يذكر المقدمة الثانية عند استعمال الشرط ~~بلوغا لها. # ومنها: أن يدل العقل على أصل الحذف، وتدل عادة الناس على تعيين المحذوف، ~~كقوله تعالى: (فذلك الذي لمتنني فيه) فإن يوسف عليه السلام ليس ظرفا ~~للومهن، فتعين أن يكون غيره، فقد دل العقل على أصل الحذف. ثم يجوز أن يكون ~~الظرف جثة، بدليل: (شغفا حبا)، أو مراودته بدليل: (تراود فتاها)، ولكن ~~PageV03P109 # العقل لا يعين واحدا منها، بل العادة دلت على أن المحذوف هو الثاني، فإن ~~الحب لا يلام عليه صاحبه، لأنه يقهره ويغلبه، وإنما اللوم فيما للنفس فيه ~~اختيار، وهو المراودة، لقدرته على دفعها. # ومنها: أن تدل العادة على تعيين المحذوف، كقوله تعالى: (لو نعلم قتالا)، ~~أي مكان قتال، والمراد مكانا صالحا للقتال، لأنهم كانوا أخبر الناس ~~بالقتال، والعادة تمنع أن يريدوا: لو نعلم حقيقة القتال، فلذلك قدره مجاهد: ~~" مكان قتال ". # وقيل: إن تعيين المحذوف هنا من دلالة السياق لا العادة. # ومنها: أن يدل اللفظ على الحذف، والشروع في الفعل على تعيين المحذوف ~~كقوله: # (بسم الله) فإن اللفظ يدل على أن فيه حذفا، لأن حرف الجر لا بد له من ~~متعلق، ودل الشروع على تعيينه، وهو الفعل الذي جعلت التسمية في مبدئه، من ~~قراءة، أو أكل أو شرب ونحوه، ويقدر في كل موضع ما يليق، ففي القراءة: أقرأ، ~~وفي الأكل: # آكل، ونحوه. # وقد اختلف: هل يقدر الفعل أو الاسم؟ وعلى الأول فهل يقدر عام كالابتداء ~~أو خاص كما ذكرنا؟ # ومنها اللغة كضربت، فإن اللغة قاضية أن الفعل المتعدي لا بد له من مفعول، ~~نعم هي تدل على أصل الحدث لا تعيينه. وكذلك حذف المبتدأ والخبر. # ومنها: تقدم ما يدل على المحذوف وما في سياقه، كقوله: (وأبصر فسوف ~~يبصرون)، وفي موضع آخر نحو: (ما منعك أن تسجد). وفي موضع: PageV03P110 # (ألا تسجد). وكقوله: (لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ) أي هذا، بدليل ~~ظهوره في سورة إبراهيم، فقال تعالى: (هذا بلاغ للناس)، ونظائره. # ومنها اعتضاده بسبب النزول، كما في قوله تعالى: (إذا قمتم ms0633 إلى الصلاة)، ~~فإنه لا بد فيه من تقدير فقال زيد بن أسلم: أي قمتم من المضاجع - يعني ~~النوم - وقال غيره: # إنما يعني إذا قمتم محدثين. # واحتج لزيد بأن هذه الآية إنما نزلت بسبب فقدان عائشة رضي الله عنها ~~عقدها، فأخروا الرحيل إلى أن أضاء الصبح، فطلبوا الماء عند قيامهم من نومهم ~~فلم يجدوه، فأنزل الله هذه الآية. # وربما رجح من طريق النظر بأن الأحداث المذكورة بعد قوله: (إذا قمتم) ~~الأولى أن يحمل قوله (إذا قمتم) معنى غير الحدث، لما فيه من زيادة الفائدة، ~~فتكون الآية جامعة للحدث ولسبب الحدث، فإن النوم ليس بحدث بل سبب للحدث. # [شروط الحذف] الوجه الرابع في شروطه: # فمنها أن تكون في المذكور دلالة على المحذوف، إما من لفظه أو من سياقه، ~~وإلا لم يتمكن من معرفته، فيصير اللفظ مخلا بالفهم. ولئلا يصير الكلام لغزا ~~فيهجن في الفصاحة، وهو معنى قولهم: لا بد أن يكون فيما أبقى دليل على ما ~~ألقى. # وتلك الدلالة مثالية وحالية. # فالمثالية قد تحصل من إعراب اللفظ، وذلك كما إذا كان منصوبا، فيعلم أنه ~~لا بد له PageV03P111 # من ناصب، وإذا لم يكن ظاهرا لم يكن بد من أن يكون مقدرا، نحو: أهلا وسهلا ~~ومرحبا، أي وجدت أهلا وسلكت سهلا، وصادفت رحبا. ومنه قوله تعالى: # (الحمد لله) على قراءة النصب. وكذلك قوله: (واتقوا الله الذي تساءلون به ~~والأرحام) والتقدير: احمدوا الحمد، واحفظوا الأرحام، وكذلك قوله تعالى: ~~(ومن أحسن من الله صبغة). (ملة أبيكم إبراهيم). # والحالية قد تحصل من النظر إلى المعنى والنظر والعلم، فإنه لا يتم إلا ~~بمحذوف، وهذا يكون أحسن حالا من النظم الأول لزيادة عمومه، كما في قولهم: ~~فلان يحل ويربط، أي يحل الأمور ويربطها، أي ذو تصرف. # وقد تدل الصناعة النحوية على التقدير، كقولهم في: (لا أقسم بيوم القيامة) ~~إن التقدير لأنا أقسم، لأن فعل الحال لا يقسم عليه. وقوله تعالى: (تفتأ ~~تذكر يوسف)، التقدير: لا تفتأ، لأنه لو كان الجواب مثبتا لدخلت اللام ~~والنون، كقوله: # (بلى وربي لتبعثن). # وهذا ms0634 كله عند قيام دليل واحد، وقد يكون هناك أدلة يتعدد التقدير بحسبها، ~~كما في قوله تعالى: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا)، فإنه يحتمل ثلاثة ~~أمور: # أحدها: كمن لم يزين له سوء عمله، والمعنى: (أفمن زين له سوء عمله فرآه ~~PageV03P112 # حسنا) من الفريقين اللذين تقدم ذكرهما، كمن لم يزين له! ثم كأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قيل له ذلك، قال: لا، فقيل: (فإن الله يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات). # ثانيها: تقدير: ذهبت نفسك عليهم حسرات، فحذف الخبر لدلالة (فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات). # ثالثها: تقدير: " كمن هداه الله "، فحذف لدلالة: (فإن الله يضل من يشاء ~~ويهدي من يشاء). # * * * واعلم أن هذا الشرط إنما يحتاج إليه إذا كان المحذوف الجملة ~~بأسرها، نحو: (قالوا سلاما)، أي سلمنا سلاما، أو أحد ركنيها نحو: (قال سلام ~~قوم منكرون) أي " سلام عليكم أنتم قوم منكرون "، فحذف خبر الأولى ومبتدأ ~~الثانية. # وأما إذا كان المحذوف فضلة فلا يشترط لحذفه دليل، ولكن يشترط ألا يكون في ~~حذفه إخلال بالمعنى أو اللفظ، كما في حذف العائد المنصوب ونحوه. # وشرط ابن مالك في حذف الجار أيضا أمن اللبس، ومنع الحذف في نحو: رغبت في ~~أن تفعل، أو عن أن تفعل، لإشكال المراد يعد الحذف. # وأورد عليه (وترغبون أن تنكحوهن)، فحذف الحرف. # وجوابه أن النساء يشتملن على وصفين؟ وصف الرغبة فيهن وعنهن، فحذف ~~للتعميم. PageV03P113 # وشرط بعضهم في الدليل اللفظي أن يكون على وفق المحذوف. وأنكر قول الفراء ~~في قوله تعالى: (أيحسب الانسان أن لن نجمع عظامه. بلى قادرين على أن نسوي ~~بنانه) أن التقدير: بلى حسبنا قادرين، والحساب المذكور بمعنى الظن، ~~والمحذوف بمعنى العلم، إذ التردد في الإعادة كفر، فلا يكون مأمورا به. # ويجاب بأن الحساب المقدر بمعنى الجزم والاعتقاد، لا بمعنى الظن، وتقديره ~~بذلك أولى، لموافقته الملفوظ. # وقد يدل على المحذوف ذكره في مواضع أخر. # منها: وهو أقواها، كقوله: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~ربك) أي أمره، ms0635 بدليل قوله: (أو يأتي أمر ربك). # وقوله في آل عمران: (وجنة عرضها السماوات والأرض)، أي كعرض، بدليل ~~التصريح به في آية الحديد. # وفيه إيجاز بليغ، فإنه إذا كان العرض كذلك، فما ظنك بالطول! كقوله: ~~(بطائنها من إستبرق). # وقيل: إنما أراد التعظيم والسعة لأحقية العرض، كقوله: # كأن بلاد الله وهي عريضة * على الخائف المظلوم كفة حابل ومنها: ألا يكون ~~الفعل طالبا له بنفسه، فإن كان امتنع حذفه كالفاعل، ومفعول ما لم يسم ~~فاعله، واسم كان وأخواتها، وإنما لم يحذف لما في ذلك من نقض الغرض. ~~PageV03P114 # ومنها: قال أبو الفتح بن جنى: ومن حق الحذف أن يكون في الأطراف لا في ~~الوسط، لأن طرف الشيء أضعف من قلبه ووسطه، قال تعالى: (أولم يروا أنا نأتي ~~الأرض ننقصها من أطرافها)، وقال الطائي الكبير: # كانت هي الوسط الممنوع فاستلبت ما حولها الخيل حتى أصبحت طرفا فكأن ~~الطرفين سياج للوسط ومبذولان للعوارض دونه، ولذلك تجد الإعلال عند ~~التصريفيين، بالحذف منها، فحذفوا الفاء في المصادر من باب وعد، نحو العدة ~~والزنة والهبة، واللام في نحو اليد والدم والفم والأب والأخ، وقلما تجد ~~الحذف في العين لما ذكرنا، وبهذا يظهر لطف هذه اللغة العربية. # تنبيهات الأول: قد توجب صناعة النحو التقدير وإن كان المعنى غير متوقف ~~عليه، كما في قوله: # " لا إله إلا الله " فإن الخبر محذوف، وقدره النحاة ب‍ " موجود " أو " ~~لنا ". # وأنكره الإمام فخر الدين، وقال: هذا كلام لا يحتاج إلى تقدير، وتقديرهم ~~فاسد، لأن نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة، فإنها إذا انتفت مطلقة ~~كان ذلك دليلا على سلب الماهية مع القيد، وإذا انتفت مقيدة بقيد مخصوص لم ~~يلزم نفيها مع قيد آخر. # ولا معنى لهذا الانكار، فإن تقدير " في الوجود "، يستلزم نفي كل إله غير ~~الله قطعا فإن العدم لا كلام فيه، فهو في الحقيقة نفي للحقيقة مطلقة لا ~~مقيدة. ثم لا بد من تقدير خبر لاستحالة مبتدأ بلا خبر، ظاهرا أو مقدرا، ~~وإنما يقدر النحوي ليعطى القواعد حقها وإن كان المعنى ms0636 مفهوما، وتقديرهم هنا ~~أو غيره ليروا صورة التركيب من حيث PageV03P115 # اللفظ مثالا، لا من حيث المعنى، ولهم تقديران: إعرابي، وهو الذي خفي على ~~المعترض، ومعنوي وهو الذي ألزمه وهو غير لازم. # ومن المنكر في هذا أيضا قول ابن الطراوة: إن الخبر في هذا " إلا الله "، ~~وكيف يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة! # الثاني: اعتبر أبو الحسن في الحذف التدريج حيث أمكن، ولهذا قال في قوله ~~تعالى: # (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا): إن أصل الكلام: " يوم لا تجزي ~~فيه " فحذف حرف الجر، فصار " تجزيه "، ثم حذف الضمير فصار " تجزي ". # وهذا ملاطفة في الصناعة، ومذهب سيبويه أنه حذف فيه دفعة واحدة. # قال أبو الفتح في " المحتسب ": وقول أبي الحسن أوثق في النفس وآنس من أن ~~يحذف الحرفان معا في وقت واحد. # الثالث: المشهور في قوله تعالى: (فانفجرت منه)، أنه معطوف على جملة ~~محذوفة، التقدير: " فضرب فانفجرت "، ودل " انفجرت " على المحذوف، لأنه يعلم ~~من الانفجار أنه قد ضرب. # وكذا: (أن اضرب بعصاك البحر فانفلق)، إذ لا جائز أن يحصل الانفجار ~~والانفلاق دون ضرب. # وابن عصفور يقول في مثل هذا: إن حرف العطف المذكور مع المعطوف هو الذي ~~كان مع المعطوف عليه، وإن المحذوف هو المعطوف عليه، وحذف حرف العطف من ~~المعطوف، PageV03P116 # فالفاء في " انفلق " هي فاء الفعل المحذوف وهو " ضرب " فذكرت فاؤه وحذف ~~فعلها وذكر فعل " انفلق " وحذفت فاؤه ليدل المذكور على المحذوف، وهو تحيل ~~غريب. # [أقسام الحذف] الخامس في أقسامه: # الأول: الاقتطاع، وهو ذكر حرف من الكلمة وإسقاط الباقي، كقوله: # * درس المنا بمتالع فأبان * أي المنازل، وأنكر صاحب " المثل السائر " ~~ورود هذا النوع في القرآن العظيم، وليس كما قال. # وقد جعل منه بعضهم فواتح السور، لأن كل حرف منها يدل على اسم من أسماء ~~الله تعالى، كما روى ابن عباس " آلم " معناه: " أنا الله أعلم وأرى "، و " ~~المص " أنا الله أعلم وأفصل، وكذا الباقي. # وقيل في قوله: (وامسحوا برءوسكم): إن الباء هنا أول كلمة " بعض "، ثم حذف ~~الباقي، كقوله: # * قلت ms0637 لها قفي لنا قالت قاف * أي وقفت، وفي الحديث: " كفى بالسيف شا " أي ~~شاهدا. PageV03P117 # وقال الزمخشري في قوله: " من الله " في القسم: إنها " أيمن " التي تستعمل ~~في القسم، حذفت نونها. # ومن هذا الترخيم، ومنه: قراءة بعضهم: (يا مال) على لغة من ينتظر، ولما ~~سمعها بعض السلف قال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم! وأجاب بعضهم بأنهم ~~لشدة ما هم فيه عجزوا عن إتمام الكلمة. # * * * الثاني: الاكتفاء وهو أن يقتضى المقام ذكر شيئين بينهما تلازم ~~وارتباط، فيكتفى بأحدهما عن الآخر، ويخص بالارتباط العطفي غالبا، فإن ~~الارتباط خمسة أنواع: وجودي، ولزومي، وخبري، وجوابي، وعطفي. # ثم ليس المراد الاكتفاء بأحدهما كيف اتفق، بل لأن فيه نكتة تقتضي ~~الاقتصار عليه. # والعلم المشهور في مثال هذا النوع قوله تعالى: (سرابيل تقيكم الحر) أي ~~والبرد، هكذا قدروه. وأوردوا عليه سؤال الحكمة من تخصيص الحر بالذكر. ~~وأجابوا بأن الخطاب للعرب، وبلادهم حارة، والوقاية عندهم من الحر أهم، لأنه ~~أشد من البرد عندهم. # والحق أن الآية ليست من هذا القسم، فإن البرد ذكر الامتنان بوقايته قبل ~~ذلك صريحا في قوله: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها) وقوله: (وجعل لكم من ~~PageV03P118 # الجبال أكنانا)، وقوله في صدر السورة: (والأنعام خلقها لكم فيها دف ء). # فإن قيل: فما الحكمة في ذكر الوقايتين بعد قوله: (والله جعل لكم مما خلق ~~ظلالا) فإن هذه وقاية الحر، ثم قال: (وجعل لكم من الجبال أكنانا)، فهذه ~~وقاية البرد على عادة العرب؟ # قيل: لأن ما تقدم بالنسبة إلى المساكن، وهذه إلى الملابس، وقوله: (وجعل ~~لكم من الجبال أكنانا) لم يذكره السهيلي، وفيه الجوابان السابقان. # وأمثله هذا القسم كثيرة، كقوله تعالى: (وله ما سكن في الليل والنهار) ~~فإنه قيل: المراد: " وما تحرك "، وإنما آثر ذكر السكون لأنه أغلب الحالين ~~على المخلوق من الحيوان والجماد، ولأن الساكن أكثر عددا من المتحرك. أو لأن ~~كل متحرك يصير إلى السكون، ولأن السكون هو الأصل، والحركة طارئة. # وقوله: (بيدك الخير) تقديره " والشر "، إذ مصادر الأمور كلها بيده جل ~~جلاله، وإنما آثر ذكر الخير، ms0638 لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم إليه، أو لأنه ~~أكثر وجودا في العالم من الشر، ولأنه يجب في باب الأدب ألا يضاف إلى الله ~~تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " والشر ليس إليك ". # وقيل: إن الكلام إنما ورد ردا على المشركين فيما أنكروه مما وعده الله به ~~على لسان جبريل، من فتح بلاد الروم وفارس، ووعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصحابه بذلك، فلما كان الكلام في الخير خصه بالذكر باعتبار الحال. ~~PageV03P119 # وقوله: (الذين يؤمنون بالغيب) أي والشهادة، لأن الإيمان بكل منهما واجب، ~~وآثر الغيب لأنه أبدع، ولأنه يستلزم الإيمان بالشهادة من غير عكس. # ومثله: (أم يجعل له ربى أمدا. عالم الغيب)، أي والشهادة، بدليل التصريح ~~به في موضع آخر. # وقوله: (يكاد البرق يخطف أبصارهم)، فإنه سبحانه ذكر أولا الظلمات والرعد ~~والبرق، وطوى الباقي. # ومنه قوله تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر) أي والبر، وإنما آثر ذكر ~~البحر لأن ضرره أشد. # وقوله: (وما بينهما ورب المشارق)، أي والمغارب. # وقوله: (لا يسألون الناس إلحافا)، أي ولا غير إلحاف. # وقوله: (من أهل الكتاب أمة قائمة)، أي وأخرى غير قائمة. # وقوله: (ولتستبين سبيل المجرمين)، أي والمؤمنين. # وقوله: (هدى للمتقين)، أي والكافرين. قاله ابن الأنباري، ويؤيده قوله: ~~(هدى للناس). PageV03P120 # وقوله: (ولا تكونوا أول كافر به)، قيل: المعنى وآخر كافر به، فحذف ~~المعطوف لدلالة قوة الكلام، من جهة أن أول الكفر وآخره سواء، وخصت الأولوية ~~بالذكر لقبحها بالابتداء. # وقوله: (أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن)، أي ويبسطن، ~~قاله الفارسي. # وحكى في " التذكرة " عن بعض أهل التأويل في قوله تعالى: (أكاد أخفيها ~~لتجزى) أن المعنى: " أكاد أظهرها أخفيها لتجزي "، فحذف " أظهرها " لدلالة " ~~أخفيها " عليه. # قال: وعندي أن المعنى: " أزيل خفاءها "، فلا حذف. # وقوله: (لا نفرق بين أحد من رسله)، أي بين أحد وأحد. # وقوله: (لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل)، أي ومن أنفق بعده ~~وقاتل، لأن الاستواء يطلب اثنين، وحذف المعطوف لدلالة الكلام عليه، ألا ~~تراه قال بعده: (أولئك أعظم ms0639 درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا). # وقوله: (ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا)، أي ومن لا ~~يستنكف ولا يستكبر، بدليل التقسيم بعده بقوله: (فأما الذين آمنوا) (وأما ~~الذين استنكفوا). PageV03P121 # وقوله (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم)، ~~فاكتفى هنا بذكر الجهات الأربع عن الجهتين. # وقوله: (إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم)، الاكتفاء بجهتين عن ~~سائرها. # وقوله: (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل)، أي ولم تعبدني. # وقوله: (إن امرؤ هلك ليس له ولد)، أي ولا والد، بدليل أنه أوجب للأخت ~~النصف، وإنما يكون ذلك مع فقد الأب، فإن الأب يسقطها. # وقوله: (فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين) ولم يذكر ~~القسم الآخر الذي تقتضيه " أما "، إذ وضعها لتفصيل كلام مجمل، وأقل أقسامها ~~قسمان، ولا ينفك عنهما في جميع القرآن إلا في موضعين هذا أحدهما، والتقدير ~~وأما من لم يتب ولا يؤمن ولم يعمل صالحا فلا يكون من المفلحين. والثاني في ~~آل عمران: # (فأما الذين في قلوبهم زيغ) إلى قوله (إلا الله) هذا أحد القسمين، والقسم ~~الثاني ما بعده، وتقديره: وأما الراسخون في العلم فيقولون. # وقوله: (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم)، أي وفعلا غير الذي ~~أمروا به، لأنهم أمروا بشيئين: بأن يدخلوا الباب سجدا، وبأن يقولوا حطة، ~~فبدلوا القول في " حنطة " " حطة " وبدلوا الفعل بأن دخلوا يزحفون على ~~أستاههم، ولم يدخلوا ساجدين، والمعنى: إرادتنا حطة، أي حط عنا ذنوبنا. # وقوله: (وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ~~PageV03P122 # ولا الحرور)، قال ابن عطية: دخول " لا " على نية التكرار كأنه قال: ولا ~~الظلمات النور، ولا النور والظلمات، واستغنى بذكر الأوائل عن الثواني، ودل ~~بمذكور الكلام على متروكه. # وقوله: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر). # فإن قيل: ليس للفجر خيط أسود، إنما الأسود من الليل. # فأجيب: إن (من الفجر) متصل بقوله: (الخيط الأبيض) والمعنى: حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من ms0640 الفجر من الخيط الأسود من الليل، لكن حذف " من الليل " ~~لدلالة الكلام ثم عليه ولوقوع الفجر في موضعه، لأنه لا يصح أن يكون (من ~~الفجر) متعلقا بالخيط الأسود، ولو وقع (من الفجر) في موضعه متصلا بالخيط ~~الأبيض لضعفت الدلالة على المحذوف، وهو " من الليل " فحذف " من الليل " ~~للاختصار، وأخر " من الفجر " للدلالة عليه. # * * * الثالث: من هذا قسم يسمى الضمير والتمثيل، وأعني بالضمير أن يضمر ~~من القول المجاور لبيان أحد جزأيه، كقول الفقيه: النبيذ مسكر فهو حرام، ~~فإنه أضمر " وكل مسكر حرام ". # ويكون في القياس الاستثنائي، كقوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله ~~لفسدتا). # وقوله: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)، وقد شهد الحسن والعيان ~~أنهم ما انفضوا من حوله، وهي المضمرة، وانتفى عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~فظ غليط القلب. PageV03P123 # وقوله: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون)، ~~المعنى لو أفهمتهم لما أجدى فيهم التفهيم، فكيف وقد سلبوا القوة الفاهمة! ~~فعلم بذلك أنهم مع انتفاء الفهم أحق بفقد القبول والهداية. # * * * الرابع: أن يستدل بالفعل لشيئين وهو في الحقيقة لأحدهما، فيضمر ~~للآخر فعل يناسبه، كقوله تعالى: (والذين تبوءوا الدار والإيمان) أي ~~واعتقدوا الإيمان. # وقوله تعالى: (سمعوا لها تغيظا وزفيرا)، أي وشموا لها زفيرا. # وقوله تعالى: (لهدمت صوامع وبيع وصلوات)، والصلوات لا تهدم، فالتقدير: # ولتركت صلوات. # وقوله: (يطوف عليهم ولدان مخلدون) فالفاكهة ولحم الطير والحور العين لا ~~تطوف، وإنما يطاف بها. # وأما قوله تعالى: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم)، فنقل ابن فارس عن البصريين ~~أن الواو بمعنى " مع " أي شركائكم، كما يقال: لو تركت الناقة وفصيلها ~~لرضعها، أي مع فصليها. # وقال الآخرون: أجمعوا أمركم وادعوا شهداءكم، اعتبارا بقوله تعالى: ~~(وادعوا من استطعتم). # واعلم أن تقدير فعل محذوف للثاني ليصح العطف هو قول الفارسي والفراء ~~وجماعة من البصريين والكوفيين لتعذر العطف. وذهب أبو عبيدة والأصمعي ~~واليزيدي وغيرهم إلى أن ذلك من عطف المفردات، وتضمين العامل معنى ينتظم ~~المعطوف والمعطوف عليه جميعا، فيقدر PageV03P124 # آثروا الدار والإيمان، ويبقى النظر في ms0641 أنه: أيهما أولى؟ ترجيح الإضمار أو ~~التضمين؟ واختار الشيخ أبو حيان تفصيلا حسنا وهو: إن كان العامل الأول تصح ~~نسبته إلى الاسم الذي يليه حقيقة كان الثاني محمولا على الإضمار، لأنه أكثر ~~من التضمين، نحو " يجدع الله أنفه وعينيه "، أي ويفقأ عينيه، فنسبة الجدع ~~إلى الأنف حقيقة، وإن كان لا يصح فيه ذلك كان العامل مضمنا معنى ما يصح ~~نسبته إليه، لأنه لا يمكن الإضمار، كقولهم: # * علفتها تبنا وماء باردا * وجعل ابن مالك من هذا القبيل قوله تعالى: ~~(اسكن أنت وزوجك الجنة) قال: لأن فعل أمر المخاطب لا يعمل في الظاهر، فهو ~~على معنى " أسكن أنت ولتسكن زوجك "، لأن شرط المعطوف أن يكون صالحا لأن ~~يعمل فيه ما عمل في المعطوف عليه، وهذا متعذر هنا، لأنه لا يقال: " أسكن ~~زوجك ". # ومنه قوله تعالى: (لا تضار والدة بولدها ولا مولود) ولا يصح أن يكون " ~~مولود " معطوفا على " والدة " لأجل تاء المضارعة، أو للأمر، فالواجب في ذلك ~~أن تقدر مرفوعا بمقدر من جنس المذكور، أي ولا يضار مولود له. # وقوله تعالى: (والطير)، قال الفراء: التقدير: " وسخرنا له الطير " عطفا ~~على قوله: (فضلا) وقيل: هو مفعول معه، ومن رفعه فقيل: على المضمر في " آتي ~~"، PageV03P125 # وجاز ذلك لطول الكلام بقوله: (معه)، وقيل: بإضمار فعل، أي ولتؤوب معه ~~الطير. # * * * الخامس: أن يقتضى الكلام شيئين فيقتصر على أحدهما، لأنه المقصود، ~~كقوله تعالى حكاية عن فرعون: (فمن ربكما يا موسى)، ولم يقل: (وهارون) لأن ~~موسى المقصود المتحمل أعباء الرسالة، كذا قاله ابن عطية. # وغاص الزمخشري فقال: أراد أن يتم الكلام فيقول: " وهارون "، ولكنه نكل عن ~~خطاب هارون توقيا لفصاحته وحدة جوابه ووقع خطابه، إذ الفصاحة تنكل الخصم عن ~~الخصم للجدل، وتنكبه عن معارضته. # * * * السادس: أن يذكر شيئان، ثم يعود الضمير إلى أحدهما دون الآخر، ~~كقوله تعالى: # (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها)، قال الزمخشري: تقديره: إذا رأوا ~~تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة المذكور ~~عليه. # ويبقى عليه سؤال، وهو أنه: لم أوثر ms0642 ذكر التجارة؟ وهلا أوثر اللهو؟ # وجوابه ما قاله الراغب في تفسير سورة البقرة: إن التجارة لما كانت سبب ~~انفضاض الذين نزلت فيهم هذه الآية أعيد الضمير إليها. ولأنه قد تشغل ~~التجارة عن العبادة ما لا يشغله اللهو. # واختلف في مواضع: منها قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله)، فإنه سبحانه ذكر الذهب والفضة، وأعاد الضمير ~~PageV03P126 # على الفضة وحدها، لأنها أقرب المذكورين، ولأن الفضة أكثر وجودا في أيدي ~~الناس، والحاجة إليها أمس، فيكون كنزها أكثر. وقيل: أعاد الضمير على ~~المعنى، لأن المكنوز دنانير ودراهم وأموال. # ونظيره: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)، لأن الطائفة جماعة. وقيل: # من عادة العرب إذا ذكرت شيئين مشتركين في المعنى تكتفي بإعادة الضمير على ~~أحدهما استغناء بذكره عن الآخر اتكالا على فهم السامع، كقول حسان: # إن شرح الشباب والشعر الأسود * ما لم يعاص كان جنونا ولم يقل " يعاصا ". # ومنها قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها) وقد جعل ابن ~~لأنباري في كتاب " الهاءات " ضمير (لم تروها) راجعا إلى الجنود. # ونقل عن قتادة قال: هم الملائكة. والأشبه أن يأتي هنا بما سبق. # ومنها قوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين) فقيل: " ~~أحق " خبر عنهما، وسهل إفراد الضمير بعدم إفراد " أحق " وأن إرضاء الله ~~سبحانه إرضاء لرسوله. # وقيل: " أحق " خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحذف من الأول لدلالة ~~الثاني عليه. # وقيل: العكس، وإنما أفرد الضمير لئلا يجمع بين اسم الله ورسوله في ضمير ~~واحد، كما جاء في الحديث: " قل ومن يعص الله ورسوله ". قال الزمخشري: قد ~~يقصدون ذكر الشيء PageV03P127 # فيذكرون قبله ما هو سبب منه، ثم يعطفونه عليه مضافا إلى ضميره، وليس لهم ~~قصد إلى الأول كقوله: سرني زيد وحسن حاله، والمراد حسن حاله. وفائدة هذا ~~الدلالة على قوة الاختصاص بذكر المعنى، ورسول الله أحق أن يرضوه. ويدل عليه ~~ما تقدمه من قوله: # (والذين يؤذون رسول الله)، ولهذا وحد الضمير، ولم يثن. # ومنها قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ms0643 أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا ~~عنه). # ومنها قوله: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة)، فقيل: الضمير ~~للصلاة لأنها أقرب المذكورين. وقيل: أعاده على المعنى، وهو الاستعانة ~~المفهومة من استعينوا. وقيل: # المعنى على التثنية، وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه. # ومنه قوله تعالى: (ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا)، وهو نظير ~~آية الجمعة كما سبق. # وفى هاتين الآيتين لطيفتان: وهما أن الكلام لما اقتضى إعادة الضمير على ~~أحدهما أعاده في آية الجمعة على التجارة وإن كانت أبعد، ومؤنثة أيضا، لأنها ~~أجذب للقلوب عن طاعة الله من اللهو، لأن المشتغلين بالتجارة أكثر من ~~المشتغلين باللهو، أو لأنها أكثر نفعا من اللهو، أو لأنها كانت أصلا واللهو ~~تبعا، لأنه ضرب بالطبل لقدومها، كما جاء في صحيح البخاري: " أقبلت عير يوم ~~الجمعة "، وأعاده في قوله: (ومن يكسب خطيئة أو إثما) على الإثم رعاية ~~لمرتبة القرب والتذكير، فتدبر ذلك. # وأما قوله تعالى: (فبذلك فليفرحوا)، أي بذلك القول. # * * * PageV03P128 # السابع الحذف المقابلي: وهو أن يجتمع في الكلام متقابلان، فيحذف من واحد ~~منهما مقابلة، لدلالة الآخر عليه، كقوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل إن ~~افتريته فعلى إجرامي وأنا برئ مما تجرمون)، الأصل: فإن افتريته فعلى إجرامي ~~وأنتم برآء منه، وعليكم إجرامكم وأنا برئ مما تجرمون، فنسبة قوله تعالى: " ~~إجرامي "، وهو الأول إلى قوله " وعليكم إجرامكم " - وهو الثالث - كنسبة ~~قوله " وأنتم برآء منه " - وهو الثاني - إلى قوله تعالى: (وأنا برىء مما ~~تجرمون)، وهو الرابع، واكتفى من كل متناسبين بأحدهما. # ومنه قوله تعالى: (فليأتينا بآية كما أرسل الأولون)، تقديره: إن أرسل ~~فليأتنا بآية كما أرسل الأولون فأتوا بآية. # وقوله تعالى: (ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم)، تقديره كما قال ~~المفسرون: " ويعذب المنافقين إن شاء فلا يتوب عليهم، أو يتوب عليهم فلا ~~يعذبهم "، وعند ذلك يكون مطلق قوله: فلا يتوب عليهم أو يتوب عليهم مقيدا ~~بمدة الحياة الدنيا. # وقوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا ~~تطهرن فآتوهن من حيث أمركم الله)، فتقديره: لا تقربوهن ms0644 حتى يطهرن ويطهرن، ~~فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن، وهو قول مركب من أربعة أجزاء، نسبة الأول إلى ~~الثاني كنسبة الثاني إلى الرابع، ويحذف من أحدهما لدلالة الآخر عليه. # واعلم أن دلالة السياق قاطعة بهذه المحذوفات، وبهذا التقدير يعتضد القول ~~بالمنع من وطء الحائض إلا بعد الطهر والتطهر جميعا، وهو مذهب الشافعي. ~~PageV03P129 # ومنه قوله تعالى: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء)، تقديره: " ~~أدخل يدك تدخل، وأخرجها تخرج "، إلا أنه قد عرض في هذه المادة تناسب ~~بالطباق، فلذلك بقي القانون فيه، الذي هو نسبة الأول إلى الثالث، ونسبة ~~الثاني إلى الرابع على حالة الأكثرية، فلم يتغير عن موضعه، ولم يجعل ~~بالنسبة التي بين الأول والثاني، وبين الثالث والرابع وهي نسبة النظير، ~~كقوله: # وإني لتعروني لذكراك هزة * كما انتفض العصفور بلله القطر أي هزة بعد ~~انتفاضة، كما انتفض العصفور بلله القطر، ثم اهتز. كذا قاله جماعة. # وأنكره ابن الصائغ، وقال: هذا التقدير لا يحتاج إليه ولو يكون لكان خلفا، ~~وإنما أحوجهم إليه أنهم رأوا أنه لا يلزم من إدخالها خروجها، و " يخرج " ~~مجزوم على الجواب، فاحتاج أن نقدر جوابا لازما، وشرطا ملزوما، حذفا لأنهما ~~نظير ما ثبت، لكن وقع في تقدير ما لا يفيد، لأنه معلوم أنه إن أدخلها تدخل، ~~لكنه قد يقدره تقديرا بعيدا، وهو: أدخلها تدخل كما هي، وأخرجها تخرج بيضاء، ~~وهو بعد ذلك ضعيف، فيقال له: # لا يلزم في الشرط وجوابه أن يكون اللزوم بينهما ضروريا بالفعل، فإذا قيل: ~~إن جاءني زيد أكرمته، فهذا اللازم بالوضع، وليس بالضرورة، والإكرام لازم ~~للمجئ، بل لوضع المتكلم فالموضوع هنا أن الإدخال سبب في خروجها بيضاء بقدرة ~~الله تعالى، ألا ترى أنه لا يلزم من اخراجها أن تخرج بيضاء لزوما ضروريا ~~إلا بضرورة صدق الوعد. فإن قال: # لم أرد هذا، وإنما أردت أنها لا تخرج إلا حتى تخرج. قيل: هذا من المعلوم ~~الذي لا معنى للتنصيص عليه. # ومنه قوله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا)، ~~أصل الكلام: خلطوا عملا ms0645 صالحا بسئ، وآخر سيئا بصالح، لأن الخلط يستدعي ~~مخلوطا PageV03P130 # ومخلوطا به، أي تارة أطاعوا وخلطوا الطاعة بكبيرة، وتارة عصوا وتداركوا ~~المعصية بالتوبة. # وقوله: (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي...) الآية. # فإن مقتضى التقسيم اللفظي: من اتبع الهدى فلا خوف ولا حزن يلحقه وهو صاحب ~~الجنة، ومن كذب يلحقه الخوف والحزن وهو صاحب النار، فحذف من كل ما أثبت ~~نظيره في الأخرى. # قيل: ومنه قوله تعالى: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا ~~دعاء ونداء)، قال سيبويه في " باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى " ~~لم يشبهوا بالناعق، وإنما شبهوا بالمنعوق به، وإنما المعنى: ومثلكم ومثل ~~الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع إلا دعاء، ولكنه جاء على ~~سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى. انتهى. # والذي أحوجه إلى هذا التقدير، أنه لما شبه الذين كفروا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا بناه على أن الناعق بمعنى الداعي، وليس بمتعين، لجواز ألا ~~يراد به الداعي، بل الناعق من الحيوان، شبههم في تألفهم وتأتيهم بما ينعق ~~من الغنم بصاحبه، من أنهم يدعون مالا يسمع ولا يبصر ولا يفهم ما يريده، ~~فيكون ثم حذف. # وقيل: ليس من هذا النوع إلا الاكتفاء من الأول بالثالث، لنسبة بينهما، ~~وذلك أنه اكتفى بالذي ينعق - وهو الثالث المشبه به - عن المشبه، وهو ~~الكناية المضاف إليها في قوله: ومثلك، وهو الأول وأقرب إلى هذا التشبيه ~~المركب والمقابلة، وهو الذي غلط من وضعه في هذا النوع، وإنما هو من نوع ~~الاكتفاء للارتباط العطفي، على ما سلف. وقد PageV03P131 # قال الصفار: هذا الذي صار إليه سيبويه - من أنه حذف من الأول المعطوف ~~عليه، ومن الثاني المعطوف - ضعيف لا ينبغي أن يصار إليه إلا عند الضرورة، ~~لأن فيه حذفا كثيرا مع إبقاء حرف العطف، وهو الواو. ألا ترى أن ما قبلها ~~مستأنف، والأصل مثلك ومثلهم، إلا أن يدعى أن الأصل ومثلك ومثلهم، ثم حذف " ~~مثلك " والواو التي عطفت ما بعدها، وبقيت الواو الأولى. ويزعم أن الكلام ms0646 ~~ربط مع ما قبله بالواو، وليس بينهما ارتباط. # وفيه ما ترى! # وقال ابن الحجاج: عندي أنه لا حذف في الآية، والقصد تشبيه الكفار في ~~عبادتهم الأصنام بالذي ينعق بما لا يسمع، فهو تمثيل داع بداع محقق لا حذف ~~فيه، والكفار على هذا داعون، وعلى التأويل الأول مدعوون. # ونظيرها قوله تعالى: (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على ~~صراط مستقيم) فإن فيه جملتين، حذف نصف كل واحدة منهما اكتفاء بنصف الأخرى. ~~وأصل الكلام: أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ممن يمشي سويا على صراط مستقيم، ~~أمن يمشي سويا على صراط مستقيم أهدى ممن يمشي مكبا! # وإنما قلنا: إن أصله هكذا، لأن أفعل التفضيل لا بد في معناه من المفضل ~~عليه. # وهاهنا وقع السؤال عمن في نفس الأمر: هل هذا أهدى من ذلك أم ذاك أهدى من ~~هذا؟ # فلا بد من ملاحظة أربعة أمور، وليس في الآية إلا نصف إحدى الجملتين ونصف ~~الأخرى، والذي حذف من هذه مذكور في تلك، والذي حذف من تلك مذكور في هذه، ~~فحصل المقصود مع الإيجاز والفصاحة. ثم ترك أمر آخر لم يتعرض له، وهو الجواب ~~الصحيح لهذين الاستفهامين، وأيهما هو الأهدى؟ لم يذكره في الآية أصلا، ~~اعتمادا على أن العقل يقول: الذي يمشي على صراط مستقيم أهدى ممن يمشي مكبا ~~على وجهه. PageV03P132 # وهذا كقوله تعالى: (أفمن يخلق كمن لا يخلق). وقوله: (قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون). # * * * فائدة قد يحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وقد يعكس، وقد يحتمل ~~اللفظ الأمرين. # فالأول كقوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) في قراءة من رفع ~~" ملائكته "، أي إن الله يصلي، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وليس ~~عطفا عليه. # والثاني كقوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) أي ما يشاء. # وقوله: (أن الله برئ من المشركين ورسوله)، أي برئ أيضا. # وقوله: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات). # وقوله: (يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهم ثلاثة أشهر واللائي ~~لم يحضن)، أي كذلك. ms0647 # وجعل منه أبو الفتح قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر) التقدير: وأبصر بهم، ~~لكنه حذف لدلالة ما قبله عليه، حيث كان بلفظ الفضلة، وإن كان ممتنعا في ~~الفاعل. وهذا التوجيه إنما يتم إذا قلنا: إن الجار والمجرور، في " أسمع بهم ~~وأبصر " في محل الرفع: فإن قلنا في محل النصب فلا. PageV03P133 # وقوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)، ~~والتقدير خلقهن الله، فحذف " خلقهن " لقرينة تقدمت في السؤال. # وقوله: (سلام على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين)، ولم يقل " إنا كذلك " ~~اختيارا واستغناء عنه، بقوله فيما سبق: (إنا كذلك). # والثالث كقوله: (والله ورسوله أحق أن يرضوه)، فقد قيل: إن " أحق " خبر عن ~~اسم الله تعالى، وقيل بالعكس. # وأما قوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها)، فالفائدة في إعادة الجار والمجرور، أعني " بها ". لأنه ~~لو حذف من الثاني لم يحصل الربط لوجوب الضمير فيما وقع مفعولا ثانيا، أو ~~كالمفعول الثاني ل‍ " سمعتم "، ولو حذف من الأول لم يكن نصا على أن الكفر ~~يتعلق بالإثبات، لجواز أن يكون متعلق الأول غير متعلق الثاني... # * * * الثامن الاختزال، وهو الافتعال، من خزله، قطع وسطه، ثم نقل في ~~الاصطلاح إلى حذف كلمة أو أكثر. وهي إما اسم، أو فعل، أو حرف. # * * * PageV03P134 # الأول الاسم [حذف المبتدأ] فمنه حذف المبتدأ، كقوله تعالى: (ثلاثة) و ~~(خمسة)، و (سبعة)، أي هم ثلاثة، وهم خمسة، وهم سبعة. # وقوله: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة)، أي إحداهما، بدليل قوله ~~بعده: (وأخرى كافرة). # وقوله: (بلاغ فهل يهلك)، أي هذا بلاغ. # وقوله: (بل عباد مكرمون)، أي هم عباد. # وعلى هذا قال أبو علي: قوله تعالى: (بشر من ذلكم النار)، أي هي النار. # وقوله: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب. النار)، أي هو النار. # ويمكن أن يكون " النار " في الآيتين مبتدأ والخبر الجملة التي بعدها، ~~ويمكن في الثانية أن تكون النار بدلا من " سوء العذاب ". PageV03P135 # وقوله: (فقالوا ساحر كذاب)، أي هذا ساحر. # وقوله: (إلا قالوا ساحر أو ms0648 مجنون). (وقالوا أساطير الأوليين). # (وقل الحق من ربكم)، أي هذا الحق من ربكم، وليس هذا كما يظنه بعض الجهال، ~~أي قل القول الحق، فإنه لو أريد هذا لنصب " الحق "، والمراد إثبات أن ~~القرآن حق، ولهذا قال: (من ربكم)، وليس المراد هنا قول حق مطلق، بل هذا ~~المعنى مذكور في قوله: (وإذا قلتم فاعدلوا)، وقوله: (ألم يؤخذ عليهم ميثاق ~~الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق). # وقوله: (سورة أنزلناها)، أي هذه سورة. # (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها)، أي فعمله لنفسه وإساءته عليها. # وقوله: (وإن مسه الشر فيئوس قنوط) أي فهو يئوس. # (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل)، أي تقلبهم متاع، أو ~~ذاك متاع. # (وما أدراك ما الحطمة. نار الله الموقدة)، أي والحطمة نار الله. # (إنها ترمي بشرر كالقصر)، أي كل واحدة منها كالقصر، فيكون من باب قوله: ~~(فاجلدوهم ثمانين جلدة)، أي كل واحد منهم، والمحوج إلى ذلك أنه لا يجوز أن ~~يكون الشرر كله كقصر واحد، والقصر هو البيت من أدم، كان يضرب PageV03P136 # على المال، ويؤيده قوله: (جمالة صفر)، أفلا تراه كيف شبهه بالجماعة! أي ~~كل واحدة من الشرر كالجمل لجماعاته، فجماعاته إذن مثل الجمالات الصفر، ~~وكذلك الأول، شرره منه كالقصر. قاله أبو الفتح بن جنى. # وأما قوله: (ولا تقولوا ثلاثة)، فقيل 6 إن " ثلاثة " خبر مبتدأ محذوف ~~تقديره: " آلهتنا ثلاثة ". # واعترض باستلزامه إثبات الإلهية لانصراف النفي الداخل على المبتدأ أو ~~الخبر إلى المعنى المستفاد من الخبر لا إلى معنى المبتدأ، وحينئذ يقتضى نفى ~~عدة الآلهة، لا نفى وجودهم. # قيل: وهو مردود، لأن نفي كون آلهتهم ثلاثة يصدق بألا يكون للآلهة الثلاثة ~~وجود بالكلية، لأنه من السالبة المحصلة، فمعناه: ليس آلهتكم ثلاثة، وذلك ~~يصدق بألا يكون لهم آلهة، وإنما حذف إيذانا بالنهي عن مطلق العدد المفهم ~~للمساواة بوجه ما، فما ظنك بمن صرح بالشركة، كما قال تعالى: (لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله ثالث ثلاثة)، وقال سبحانه: (وما من إله إلا إله واحد)، فأفهم ~~أنه لو ms0649 وجد الإله يكون غيره معه خطأ لإفهامه مساواة ما، كقوله تعالى: (ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون)، ولزم من نفي الثلاثة لامتناع المساواة المعلومة ~~عقلا، والمدلول عليها بقوله: # (إنما الله إله واحد)، نفي الشركة مطلقا، فإن تخصيص النهي وقع في مقابلة ~~الفعل، ودليلا عليه، فإنهم كانوا يقولون في الله وعيسى وأمه: ثلاثة. ~~PageV03P137 # ونحوه في الخروج على السبب: (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة). # وقال صاحب " إسفار الصباح ": الوجه تقدير كون ثلاثة، أو " في الوجود "، ~~ثم حذف الخبر الذي هو " لنا "، أو " في الوجود " الحذف المطرد، وما دل عليه ~~توحيد لا إله إلا الله. # ثم حذف المبتدأ حذف الموصوف كالعدد، إذا كان معلوما. كقولك: عندي ثلاثة. # أي دراهم، وقد علم بقرينة قوله: (إنما الله إله واحد). # وقد عورض هذا بأن نفي وجود ثلاثة لا ينفى وجود إلهين. وأجيب بأن تقديره " ~~آلهتنا ثلاثة " يوجب ثبوت الآلهة، وتقدير " لنا آلهة " لا يوجب ثبوت إلهين. # فعورض بأنه كما لا يوجبه فلا ينفيه. # فأجيب بأنه إذا لم ينفه فقد نفاه ما بعده من قوله: (إنما الله إله واحد). # فعورض بأن ما بعده إن نفي ثبوت إلهين فكيف ثبوت آلهة! # فأجاب بأنه لا ينفيه، ولكن يناقضه، لأن تقدير آلهتنا ثلاثة يثبت وجود ~~إلهين، لانصراف النفي في الخبر عنه، بخلاف تقدير: " لنا آلهة ثلاثة "، فإنه ~~لا يثبت وجود إلهين لانصراف النفي إلى أصل الإثبات للآلهة. # وفى أجوبة هذه المقدمات نظر. # قلت: وذكر ابن جني أن الآية من حذف المضاف، أي ثالث ثلاثة لقوله في موضع ~~آخر: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة). PageV03P138 # حذف الخبر نحو: (أكلها دائم وظلها)، أي دائم. # وقوله في سورة ص بعد ذكر من اقتص ذكره من الأنبياء، فقال: (هذا ذكر) ثم ~~لما ذكر مصيرهم إلى الجنة وما أعد لهم فيها من النعيم قال: (هذا وإن ~~للطاغين لشر مآب. جهنم يصلونها فبئس المهاد. هذا) قد أشارت الآية إلى مآل ~~أمر الطاغين، ومنه يفهم الخبر. # وقوله: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ms0650 ربه) أي أهذا خير أمن ~~جعل صدره ضيقا حرجا وقسا قلبه، فحذف بدليل قوله: (فويل للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله). # وقوله تعالى: (قالوا لا ضير). # (ولو ترى إذا فزعوا فلا فوت). # وقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا) قال سيبويه: الخبر محذوف، أي فيما ~~أتلوه السارق والسارقة، وجاء (فاقطعوا) جملة أخرى. وكذا قوله: (الزانية ~~والزاني) فيما نقص لكم. # وقال غيره: السارق مبتدأ، فاقطعوا خبره، وجاز ذلك لأن الاسم عام، فإنه لا ~~يريد PageV03P139 # به سارقا مخصوصا، فصار كأسماء الشرط، تدخل الفاء في خبرها لعمومها، وإنما ~~قدر سيبويه ذلك لجعل الخبر أمرا، وإذا ثبت الإضمار فالفاء داخلة في موضعها، ~~تربط بين الجملتين. ومما يدل على أنه على الإضمار إجماع القراء على الرفع، ~~مع أن الأمر الاختيار فيه النصب. قال: وقد قرأ ناس بالنصب ارتكانا للوجه ~~القوي في العربية، ولكن أبت العامة إلا الرفع. وكذا قال في قوله تعالى: ~~(مثل الجنة التي وعد المتقون): # مثل، هنا خبر مبتدأ محذوف، أي فيما نقص عليكم مثل الجنة. وكذا قال أيضا ~~في قوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما): إنه على الإضمار. # وقد رد بأنه أي ضرورة تدعو إليه هنا؟ فإنه إنما صرنا إليه في السارق ~~ونحوه لتقدير دخول الفاء في الخبر، فاحتيج للإضمار حتى تكون الفاء على ~~بابها في الربط، وأما هذا فقد وصل بفعل هو بمنزلة: الذي يأتيك فله درهم. # وأجاب الصفار بأن الذي حمله على هذا أن الأمر دائر مع الضرورة كيف كان، ~~لأنه إذا أضمر فقد تكلف، وإن لم يضمر كان الاسم مرفوعا وبعده الأمر، فهو ~~قليل بالنظر إلى " اللذين يأتيانها " فكيفما عمل لم يخل من قبح. # وإن قدر منصوبا، وجاء القرآن بالألف على لغة من يقول " الزيدان " في جميع ~~الأحوال وقع أيضا في محذور آخر، فلهذا قدره هذا التقدير، لأن الإضمار مع ~~الرفع يتكافآن. # وقوله: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم)، الخبر محذوف، أي يعذبون. ~~ويجوز أن يكون الخبر: (أولئك ينادون من مكان بعيد)، PageV03P140 # وقوله: (لولا أنتم لكنا مؤمنين)، فأنتم مبتدأ والخبر محذوف، أي حاضرون، ms0651 ~~وهو لازم الحذف هنا. # وقوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات ~~من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)، أي حل لكم كذلك. # وأما قوله تعالى: (وقالت اليهود عزيز ابن الله)، أما على قراءة التنوين ~~فلا حذف لأنه يجعله مبتدأ، و " ابن الله " خبر، حكاية عن مقالة اليهود، ~~وأما على قراءة من لم ينون، فقيل: إنه صفة والخبر محذوف، أي عزيز ابن الله ~~إلهنا، وقيل: بل المبتدأ محذوف، أي إلهنا عزير، وابن صفة. # ورد بوجهين: # أحدهما: أنه لا يطابق: (وقالت النصارى المسيح ابن الله). # والثاني: أنه يلزم عليه أن يكون التكذيب ليس عائدا إلى البنوة، فكذب لأن ~~صدق الخبر وكذبه راجع إلى نسبة الخبر لا إلى الصفة. فلو قيل: زيد القائم ~~فقيه، فكذب، انصرف التكذيب لإسناد فقهه، لا لوصفه بالقائم. # وفيه نظر، لأن الصفة ليست إنشاء فهي خبر، إلا أنها غير تامة الإفادة، ~~فيصح تكذيبها. والأولى تقويته وأن يقال الصفة والإضافة ونحوهما في المسند ~~إليه لواحق بصورة الإفراد، أي يريد أن يصوره بهيئة خاصة، ويحكم عليه كذلك، ~~لكن لا سبيل إلى كذبها، مع أنها تصورت، فالوجه أن يقال: إن كذب الصفة ~~بإسناد مسندها إلى PageV03P141 # معدوم الثبوت. ونظير هذه المسألة في الفقه ما لو قال: والله لا أشرب ماء ~~هذا الكوز، ولا ماء فيه. # وقال بعضهم: (عزير ابن الله) خبر الجملة، أي حكى فيه لفظهم، أي قالوا هذه ~~العبارة القبيحة، وحينئذ فلا يقدر خبر ولا مبتدأ. # وقيل: " ابن الله " خبر وحذف التنوين من " عزير " للعجمة والعلمية. # وقيل: حذف تنوينه لالتقاء الساكنين، لأن الصفة مع الموصوف كشئ واحد، ~~كقراءة: (قل هو الله أحد. الله الصمد)، على إرادة التنوين، بل هنا أوضح، ~~لأنه في جملة واحدة. # وقيل: " ابن الله " نعت ولا محذوف، وكأن الله تعالى حكى أنهم ذكروا هذا ~~اللفظ إنكارا عليهم، إلا أن فيه نعتا، لأن سيبويه قال: إن قلت وضعته العرب ~~لتحكي به ما كان كلاما لا قولا. وأيضا إنه لا يطابق قوله: (وقالت النصارى ms0652 ~~المسيح ابن الله)، والظاهر أنه خبر. والقولان منقولان. # والصحيح في هذه القراءة أنه ليس الغرض إلا أن اليهود قد بلغوا في رسوخ ~~الاعتقاد في هذا الشئ إلى أن يذكرون هذا النكر، كما تقول في قوم تغالوا في ~~تعظيم صاحبهم: # أراهم اعتقدوا فيه أمرا عظيما ثابتا، يقولون: زيد الأمير! # ما يحتمل الأمرين قوله تعالى: (فصبر جميل) يحتمل حذف الخبر، أي أجمل، أو ~~حذف المبتدأ، أي فأمري صبر جميل. وهذا أولى لوجود قرينة حالية - هي قيام ~~الصبر به - دالة على PageV03P142 # المحذوف، وعدم قرينة حالية أو مقالية تدل على خصوص الخبر، وأن الكلام ~~مسوق للإخبار بحصول الصبر له واتصافه به، وحذف المبتدأ يحصل ذلك دون حذف ~~الخبر، لأن معناه أن الصبر الجميل، أجمل ممن لأن المتكلم متلبس به. # وكذلك يقوله من لم يكن وصفا له، ولأن الصبر مصدر، والمصادر معناها ~~الإخبار، فإذا حمل على حذف المبتدأ فقد أجرى على أصل معناه، من استعماله ~~خبرا، وإذا حمل على حذف الخبر فقد أخرج عن أصل معناه. # ومثاله قوله: (طاعة معروفة). أي أمثل، أو أولى لكم من هذا، أو أمركم الذي ~~يطلب منكم. # ومثله قوله: (سورة أنزلناها)، إما أن يقدر: فيما أوحينا إليك سورة، أو ~~هذه سورة. # وقد يحذفان جملة، كقوله تعالى: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم....) ~~الآية. # حذف الفاعل المشهور امتناعه إلا في ثلاثة مواضع: # أحدها: إذا بنى الفعل للمفعول. # ثانيها: في المصدر، إذا لم يذكر معه الفاعل، مظهرا يكون محذوفا، ولا يكون ~~مضمرا، نحو (أو إطعام). PageV03P143 # ثالثها: إذا لاقى الفاعل ساكنا من كلمة أخرى، كقولك للجماعة: اضرب القوم، ~~وللمخاطبة: اضرب القوم. # وجوز الكسائي حذفه مطلقا إذا ما وجد ما يدل عليه، كقوله تعالى: (كلا إذا ~~بلغت التراقي) أي بلغت الروح. # وقوله: (حتى توارت بالحجاب) أي الشمس. # (فإذا نزل بساحتهم) يعنى العذاب، لقوله قبله: (أفبعذابنا يستعجلون). # (فلما جاء سليمان) تقديره فلما جاء الرسول سليمان. # والحق أنه في المذكورات مضمر لا محذوف، وقد سبق الفرق بينهما. # * * * أما حذفه وإقامة المفعول مقامه، مع بناء الفعل للمفعول ms0653 فله أسباب: # منها العلم به، كقوله تعالى: (خلق الانسان من عجل). (وخلق الانسان ~~ضعيفا)، ونحن نعلم أن الله خالقه. # قال ابن جنى: وضابطه أن يكون الغرض إنما هو الإعلام بوقوع الفعل ~~بالمفعول، ولا غرض في إبانة الفاعل من هو. # ومنها تعظيمه، كقوله: (قضى الأمر الذي فيه تستفتيان)، إذ كان الذي قضاه ~~عظيم القدر. # وقوله: (وغيض الماء وقضي الأمر). PageV03P144 # وقوله: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك) قال الزمخشري في كشافه القديم: # هذا أدل على كبرياء المنزل وجلالة شأنه من القراءة الشاذة " أنزل " مبنيا ~~للفاعل، كما تقول: الملك أمر بكذا، ورسم بكذا، وخاصة إذا كان الفعل فعلا لا ~~يقدر عليه إلا الله، كقوله: (وقضى الأمر) قال: كأن طي ذكر الفاعل كالواجب، ~~لأمرين: # أحدهما: أنه إن تعين الفاعل وعلم أن الفعل مما لا يتولاه إلا هو وحده، ~~كان ذكره فضلا ولغوا. # والثاني: الإيذان بأنه منه، غير مشارك ولا مدافع عن الاستئثار به والتفرد ~~بإيجاده. # وأيضا فما في ذلك من مصير أن اسمه جدير بأن يصان ويرتفع به عن الابتذال ~~والامتهان. # وعن الحسن: لولا أني مأذون لي في ذكر اسمه لربأت به عن مسلك الطعام ~~والشراب. # ومنها مناسبة الفواصل، نحو: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى)، ولم يقل: ~~يجزيها. # ومنها مناسبة ما تقدمه، كقوله في سورة براءة: (رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون)، لأن قبلها: (وإذا أنزلت سورة) على ~~بناء الفعل للمفعول، فجاء قوله: (وطبع) ليناسب بالختام المطلع، بخلاف قوله ~~فيما بعدها: # (وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون)، فإنه لم يقع قبلها ما يقتضى ~~البناء، فجاءت على الأصل. PageV03P145 # حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وهو كثير، قال ابن جنى: وفي القرآن ~~منه زهاء ألف موضع. وأما أبو الحسن، فلا يقيس عليه، ثم رده بكثرة المجاز في ~~اللغة، وحذف المضاف مجاز. انتهى. # وشرط المبرد في كتاب " ما اتفق لفظه واختلف معناه " لجوازه وجود دليل على ~~المحذوف من عقل أو قرينة، نحو: (واسأل القرية)، أي أهلها، قال: ولا يجوز ~~على هذا ms0654 أن نقول: جاء زيد، وأنت تريد غلام زيد، لأن المجئ يكون له، ولا ~~دليل [في مثل هذا] على المحذوف. # وقال الزمخشري في الكشاف القديم: لا يستقيم تقدير حذف المضاف في كل موضع، ~~ولا يقدم عليه إلا بدليل واضح وفي غير ملبس، كقوله: (واسأل القرية). # وضعف بذلك قول من قدر في قوله: (وهو خادعهم)، أنه على حذف مضاف. # فإن قلت: كمالا يجوز مجيئه لا يجوز خداعه، فحين جرك إلى تقدير المضاف ~~امتناع مجيئه، فهلا جرك إلى مثله امتناع خداعه! # قلت: يجوز في اعتقاد المنافقين تصور خداعه، فكان الموضع ملبسا فلا يقدر. ~~انتهى. # فمنه قوله تعالى: (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر)، أي رحمته ويخاف ~~عذابه. PageV03P146 # (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) أي سد يأجوج ومأجوج. # (واشتعل الرأس شيبا)، أي شعر الرأس. # (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها)، أي بقراءة صلاتك، ولا تخافت بقراءتها. # (ولكن البر من آمن بالله)، أي بر من آمن بالله. # (فلما أتاها نودي) أي ناحيتها، والجهة التي هو فيها. # و (هل يسمعونكم إذ تدعون) أي هل يسمعون دعاءكم، بدليل الآية الأخرى. # (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم). # (على خوف من فرعون وملئهم)، أي من آل فرعون. # (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات)، أي ضعف عذابهما. # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق)، أي ومثل واعظ الذين كفروا كناعق ~~الأنعام. # (وأزواجه أمهاتهم)، أي مثل أمهاتهم. # (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون)، أي شكر رزقكم. وقيل: تجعلون التكذيب شكر ~~رزقكم. # وقوله: (وآتنا ما وعدتنا على رسلك)، أي على ألسنة رسلك. # وقوله: (وتخونوا أماناتكم)، أي ذوي أماناتكم، كالمودع والمعير والموكل ~~PageV03P147 # والشريك، ومن يدك في ماله أمانة لا يد ضمان، ويجوز أن لا حذف فيه، لأن " ~~خنت " من باب " أعطيت "، فيتعدى إلى مفعولين، ويقتصر على أحدهما. # وقوله: (وإلى مدين أخاهم شعيبا)، أي أهل مدين، بدليل قوله: (وما كنت ~~ثاويا في أهل مدين). # (وأسأل القرية التي كنا فيها)، أي أهل القرية، وأهل العير. # وقيل: فيه وجهان: أحدهما أن القرية يراد بها نفس الجماعة، والثاني أن ~~المراد سؤال الأبنية ms0655 نفسها، لأن المخاطب نبي صاحب معجزة. # (الحج أشهر معلومات)، ويجوز أن يقدر: الحج حج أشهر معلومات. # (وجاء ربك والملك) أي أمر ربك. # (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم)، أي حب العجل، قال الراغب: # إنه على بابه، فإن في ذكر العجل تنبيها على أنه لفرط محبتهم صار صورة ~~العجل في قلوبهم لا تمحى. # وقوله: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم)، فإرم اسم لموضع وهو في موضع جر، ~~إلا أنه منع الصرف للعلمية والتأنيث، أما العلمية فواضح، وأما التأنيث، ~~فلقوله: # (ذات العماد). # وقوله: (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) أي بسؤالها، فحذف ~~المضاف، ولم يكفروا بالسؤال، إنما كفروا بربهم المسؤول عنه، فلما كان ~~السؤال سببا للكفر فيما سألوا عنه نسب الكفر إليه على الاتساع. PageV03P148 # وقيل: الهاء عائدة على غير ما تقدم لقوة هذا الكلام، بدليل أن الفعل تعدى ~~بنفسه والأول بغيره، وإنما هذه الآية كناية عما سأل قوم موسى، وقوم عيسى من ~~الآيات، ثم كفروا، فمعنى السؤال الأول والثاني الاستفهام، ومعنى الثالث طلب ~~الشئ. # وقوله: (حرمت عليكم الميتة)، أي تناولها، لأن الأحكام لا تتعلق بالأجرام ~~إلا بتأويل الأفعال. # وقيل: إن الميتة يعبر بها عن تناولها فلا حذف، ولو كان ثم حذف لم يؤنث ~~الفعل، ولأن المركب إنما يحذف إذا كان للكلام دلالة غير الدلالة الإفرادية، ~~والمفهوم من هذا التركيب التناول من غير تقدير، فيكون اللفظ موضوعا له، ~~والمشهور في الأصول أنه من محال الحذف. # وقوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين)، ~~فهاهنا إضمار، لأن قائلا لو قال: " من عمل صالحا جعلته في جملة الصالحين " ~~لم يكن فائدة، وإنما المعنى لندخلنهم في زمرة الصالحين. # وقوله: (تجعلونه قراطيس)، أي ذا قراطيس، أو مكتوب في قراطيس، (تبدونها)، ~~أي تبدون مكتوبها. # وقوله: (وتخفون كثيرا)، ليس المعنى تخفونها إخفاء كثيرا، ولكن التقدير: # تخفون كثيرا من إنكار ذي القراطيس، أي يكتمونه فلا يظهرونه، كما قال ~~تعالى: # (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~PageV03P149 # الكتاب). ويدل له ms0656 قوله: (قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون ~~من الكتاب). # وقوله: (فسألت أودية بقدرها)، أي بقدر مياهها. # وقوله: (ولقد همت به وهم بها)، أي هم بدفعها: أي عن نفسه في هذا التأويل ~~بتنزيله يوسف صلى الله عليه وسلم عما لا يليق به، لأن الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم معصومون من الصغائر والكبائر، وعليه فينبغي الوقف على قوله: ~~(ولقد همت به). # تنبيه [في جواز حذف المضاف مع الالتفات إليه] اعلم أن المضاف إذا علم جاز ~~حذفه مع الالتفات إليه، فيعامل معاملة الملفوظ به، من عود الضمير عليه. ومع ~~اطراحه يصير الحكم في عود الضمير للقائم مقامه. # فمثال استهلاك حكمه وتناسى أمره قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه ~~موج)، فإن الضمير في (يغشاه) عائد على المضاف المحذوف بتقدير: # أو كذى ظلمات. # وقوله: (أو كصيب) أي كمثل ذوي صيب، ولهذا رجع الضمير إليه مجموعا في ~~قوله: (يجعلون أصابعهم في آذانهم)، ولو لم يراع لأفرده أيضا. PageV03P150 # وقوله: (كذبت قوم نوح)، ولولا ذلك لحذفت التاء، لأن القوم مذكر، ومنه قول ~~حسان: # يسقون من ورد البريص عليهم * بردى يصفق بالرحيق السلسل بالياء، أي ماء ~~بردى، ولو راعى المذكور لأتى بالتاء. # قالوا: وقد جاء في آية واحدة مراعاة التأنيث والمحذوف، وهي قوله تعالى: ~~(وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون) أنث الضمير في ~~(أهلكناها)، و (فجاءها)، لإعادتهما على القرية المؤنثة، وهي الثابتة، ثم ~~قال: (أو هم قائلون) فأتى بضمير من يعقل حملا على " أهلها " المحذوف. # وفى تأويل إعادة الضمير على التأنيث وجهان: أحدهما أنه لما قام مقام ~~المحذوف صارت المعاملة معه. والثاني أن يقدر في الثاني حذف المضاف، كما قدر ~~في الأول. فإذا قلت: # سألت القرية وضربتها، فمعناه: وضربت أهلها، فحذف المضاف كما حذف من الأول ~~إذ وجه الجواز قائم. # وقيل: هنا مضاف محذوف، والمعنى أهلكنا أهلها. وبياتا، حال منهم، أي ~~مبيتين و (أوهم قائلون) جملة معطوفة عليها، ومحلها النصب. # وأنكر الشلوبين مراعاة المحذوف، وأول ما سبق على أنه من ms0657 باب الحمل على ~~المعنى ونقله عن المحققين، لأن القوم جماعة ولهذا يؤنث تأنيث الجمع، نحو هي ~~الرجال، وجمع التكسير عندهم مؤنث وأسماء الجموع تجري مجراها، وعلى هذا جاء ~~التأنيث، لا على الحذف، وكذا القول في البيت. PageV03P151 # وفى قراءة بعضهم: (والله يريد الآخرة)، قد رووه " عرض الآخرة " والأحسن ~~أن يقدر ثواب الآخرة، لأن العرض لا يبقى، بخلاف الثواب. # حذف عند المضاف إليه وهو أقل استعمالا، كقوله: (كل في فلك يسبحون). # وقوله: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض). # وكذا كل ما قطع عن الإضافة، مما وجبت إضافته معنى لا لفظا، كقوله تعالى: # (لله الأمر من قبل ومن بعد)، أي من قبل ذلك ومن بعده. # حذف المضاف والمضاف إليه قد يضاف المضاف إلى مضاف، فيحذف الأول والثاني ~~ويبقى الثالث، كقوله تعالى: # (وتجعلون رزقكم) أي بدل شكر رزقكم. # وقوله: (تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت)، أي كدوران عين الذي يغشى ~~عليه من الموت. # وقيل: الرزق في الآية الأولى الحظ والنصيب، فلا حاجة إلى تقدير. وكذلك، ~~إذا قدرت في الثانية " كالذي " حالا من الهاء والميم في " أعينهم "، لأن ~~المضاف بعض فلا تقدير. PageV03P152 # وقوله: (فما أصبرهم على النار)، وقدره أبو الفتح في " المحتسب " على ~~أفعال أهل النار. # وأما قوله: (من الموت) فالتقدير من مداناة الموت أو مقاربته، ولا ينكر ~~عسره على الانسان ولكن إذا دفع إلى أمر هابه. # ومثله الآية الأخرى: (ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت). # وقوله: (فقبضت قبضة من أثر الرسول)، أي من أثر حافر فرس الرسول. # وقوله: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى)، أي من أموال كفار أهل ~~القرى. # وقوله: (فإنها من تقوى القلوب)، أي من أفعال ذوي تقوى القلوب. # وقوله: (أو كصيب من السماء...) الآية، فإن التقدير كمثل ذوي صيب، فحذف ~~المضاف والمضاف إليه، أما حذف المضاف فلقرينة عطفه على: (كمثل الذي استوقد ~~نارا) وأما المضاف إليه فلدلالة: (يجعلون أصابعهم في آذانهم) عليه فأعاد ~~الضمير عليه مجموعا، وإنما صير إلى هذا التقدير، لأن التشبيه بين صفة ~~المنافقين وصفة ms0658 ذوي الصيب، لا بين صفة المنافقين وذوي الصيب. # حذف الجار والمجرور كقوله: (خلطوا عملا صالحا)، أي بسيء (وآخر سيئا) أي ~~بصالح، PageV03P153 # وكذا بعد أفعل التفضيل، كقوله تعالى: (ولذكر الله أكبر)، أي من كل شيء. # (فإنه يعلم السر وأخفى) أي من السر، وكلام الزمخشري في المفصل يقتضي أنه ~~مما قطع فيه عن متعلقة قصدا لنفي الزيادة، نحو فلان يعطى، ليكون كالفعل ~~المتعدي. # إذا جعل قاصر للمبالغة، فعلى هذا لا يكون من الحذف، فإنه قال: أفعل ~~التفضيل له معنيان: # أحدهما أن يراد أنه زائد على المضاف إليه في الجملة التي هو وهم فيها ~~شركاء. والثاني أن يوجد مطلقا له الزيادة فيها إطلاقا، ثم يضاف للتفضيل على ~~المضاف إليه، لكن بمجرد التخصيص كما يضاف مالا تفضيل فيه، نحو قولك: الناقص ~~والأشج أعدلا بني مروان، كأنك قلت: عادلا. انتهى. # حذف الموصوف يشترط فيه أمران: # أحدهما: كون الصفة خاصة بالموصوف، حتى يحصل العلم بالموصوف، فمتى كانت ~~الصفة عامة امتنع حذف الموصوف. نص عليه سيبويه في آخر باب ترجمة " هذا باب ~~مجارى أواخر الكلم العربية ". وكذلك نص عليه أرسطاطا ليس في كتابه الخطابة. # الثاني: يعتمد على مجرد الصفة من حيث هي، لتعلق غرض السياق، كقوله تعالى: # (والله عليم بالمتقين). (والله عليم بالظالمين)، فإن الاعتماد في سياق ~~القول على مجرد الصفة لتعلق غرض القول من المدح أو الذم بها. PageV03P154 # كقوله تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف)، أي حور قاصرات. # وقوله: (ودانية عليهم ظلالها)، أي وجنة دانية. # وقوله: (وقليل من عبادي الشكور)، أي العبد الشكور. # وقوله: (هدى للمتقين)، أي القوم المتقين. # وقوله: (وحملناه على ذات ألواح ودسر)، أي سفينة ذات ألواح. # وقوله: (ذلك دين القيمة)، أي الأمة القيمة. # وقوله: (أن أعمل سابغات)، أي دروعا سابغات. # وقوله: (يا أيه الساحر)، أي يا أيها الرجل الساحر. # وقوله: (أيه المؤمنون)، أي القوم المؤمنون. # وقوله: (وعمل صالحا)، أي عملا صالحا. # حذف الصفة وأكثر ما يرد للتفخيم والتعظيم في النكرات، وكأن التنكير حينئذ ~~علم عليه، كقوله تعالى: # (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا)، أي وزنا ms0659 نافعا. # وقوله: (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، أي من جوع شديد وخوف عظيم. # وقوله: (يأهل الكتاب لستم على شيء)، أي شيء نافع. PageV03P155 # وقوله: (ما تذر من شيء)، أي سلطت عليه. # وقوله: (وأرسلناك للناس رسولا)، أي جامعا لأكمل كل صفات الرسل. # وقوله: (يأخذ كل سفينة غصبا)، أي صالحة. # وقيل: إنها قراءة ابن عباس. وفيه بحث وهو أنا لا نسلم الإضمار، بل هو عام ~~مخصوص. # وقوله: (بفاكهة كثيرة وشراب)، أي كثير، بدليل ما قبله. # ويجىء في العرف، كقوله تعالى: (الآن جئت بالحق)، أي المبين. # وقوله: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم)، أي الناس الذين ~~يعادونكم. # وقوله: (ليس من أهلك)، أي الناجين وقوله: (وكذب به قومك)، أي قومك ~~المعاندون. # ومنه: (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة)، أي من ~~أولى الضرر، (وفضل الله المجاهدين على القاعدين)، أي من غير أولى الضرر، ~~قاله بن مالك وغيره. وبهذا التقدير يزول إشكال التكرار من الآية. # وقوله تعالى (لقد لبثت فيكم عمرا من قبله) أي لم أتل عليكم فيه شيئا، ~~فحذفت الصفة أو الحال، قيل والعمر هنا أربعون سنة. # حذف المعطوف قوله تعالى: (أو لم ينظروا)، (أفلم يسيروا)، (أثم إذا ما ~~وقع)، التقدير: أعموا! أمكثوا! أكفرتم! PageV03P156 # وقوله: (ما شهدنا مهلك أهله)، أي ما شهدنا مهلك أهله ومهلكه، بدليل قوله: # (لنبيتنه وأهله)، وما روى أنهم كانوا عزموا على قتله وقتل أهله، وعلى هذا ~~فقولهم: (وإنا لصادقون) كذب في الإخبار، وأوهموا قومهم أنهم قتلوه وأهله ~~سرا ولم يشعر بهم أحد، وقالوا تلك المقالة يوهمون أنهم صادقون وهم كاذبون. # ويحتمل أن يكون من حذف المعطوف عليه، أي ما شهدنا مهلكه ومهلك أهله. # وقال بعض المتأخرين: أصله ما شهدنا مهلك أهلك بالخطاب، ثم عدل عنه إلى ~~الغيبة، فلا حذف. # وقد يحذف المعطوف مع حرف العطف، مثل: (لا يستوى منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل). # وقوله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها)، أي ~~أمرنا مترفيها، فخالفوا الأمر، ففسقوا. وبهذا التقدير يزول ms0660 الإشكال من ~~الآية، وأنه ليس الفسق مأمورا به. ويحتمل أن يكون: (أمرنا مترفيها) صفة ~~للقرية لا جوابا لقوله: (وإذا أردنا)، التقدير: وإذا أردنا أن نهلك قرية من ~~صفتها أنا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، ويكون إذا على هذا لم يأت لها جواب ~~ظاهر استغناء بالسياق، كما في قوله: # (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها). # حذف المعطوف عليه (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به)، أي ~~لو ملكه ولو افتدى به. PageV03P157 # ويجوز حذفه مع حرف العطف، كقوله: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر)، أي فأفطر فعدة. # وقوله: (أن اضرب بعصاك البحر فانفلق) التقدير: فضرب فانفلق، فحذف المعطوف ~~عليه، وهو " ضرب "، وحرف العطف وهو الفاء المتصلة ب‍ " انفلق " فصار: ~~(فانفلق) فالفاء الداخلة، على " انفلق " هي الفاء التي كانت متصلة ب‍ (ضرب) ~~وأما المتصلة ب‍ " انفلق " فمحذوفة. # كذا زعم ابن عصفور والأبذي قالوا: والذي دل على ذلك أن حرف العطف إنما ~~نوى به مشاركة الأول للثاني، فإذا حذف أحد اللفظين أعني لفظ المعطوف أو ~~المعطوف عليه - ينبغي ألا يؤتى به ليزول ما أتى به من أجله. # وقال ابن الضائع: ليس هذا من الحذف بل من إقامة المعطوف مقام المعطوف ~~عليه، لأنه سببه، ويقام السبب كثيرا مقام مسببه، وليس ما بعدها معطوفا على ~~الجواب، بل صار هو الجواب، بدليل (فانبجست) هو جواب الأمر. # حذف المبدل منه اختلفوا فيه، وخرج عليه قوله: (ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب. # هذا حلال وهذا حرام). # حذف الموصول قوله: (آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم)، أي والذي أنزل ~~إليكم، لأن الذي أنزل إلينا ليس هو الذي أنزل إلى من قبلنا، ولذلك أعيدت " ~~ما " بعد " ما " PageV03P158 # في قوله: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم). وهو ~~نظير قوله: # (آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من ~~قبل) وقوله: (ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار). # وقوله: (وما منا إلا له مقام معلوم) أي من له. # وشرط ابن مالك ms0661 في بعض كتبه لجواب الحذف كونه معطوفا على موصول آخر، ~~ويؤيده هذه الآية. قال: ولا يحذف موصول حرفي إلا " أن " كقوله تعالى: (ومن ~~آياته يريكم البرق). # حذف المخصوص في باب نعم إذا علم من سياق الكلام كقوله تعالى: (نعم العبد ~~إنه أواب) التقدير: نعم العبد أيوب، أو نعم العبد هو، لأن القصة في ذكر ~~أيوب، فإن قدرت: نعم العبد هو، لم يكن " هو " عائدا على العبد بل على أيوب. # وكذلك قوله تعالى: (ووهبنا لداود وسليمان نعم العبد) فسليمان هو المخصوص ~~الممدوح، وإنما لم يكرر لأنه تقدم منصوبا. # وكذلك قوله تعالى: (فقدرنا فنعم القادرون) أي نحن. # وقوله تعالى: (ولنعم دار المتقين)، أي الجنة، أو دارهم. # (فنعم عقبى الدار) أي عقباهم. PageV03P159 # (ونعم أجر العاملين) أي أجرهم. # وقال: (لبئس المولى ولبئس العشير) أي من ضره أقرب من نفعه. # وقال تعالى: (قل بئسما يأمركم به إيمانكم)، أي إيمانكم بما أنزل عليكم، ~~وكفركم بما وراءه. # وقد يحذف الفاعل والمخصوص كقوله تعالى: (بئس للظالمين بدلا)، أي بئس ~~البدل إبليس وذريته، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " فبها ونعمت "، أي ~~نعمت الرخصة. # حذف الضمير المنصوب المتصل يقع في أربعة أبواب: # أحدها: الصلة، كقوله تعالى: (أهذا الذي بعث الله رسولا). # الثاني: الصفة، كقوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا)، أي ~~فيه، بدليل قوله: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) ولذلك يقدر في الجمل ~~المعطوفة على الأولى، لأن حكمهن حكمها، فالتقدير: (ولا يقبل منها شفاعة ولا ~~يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون) فيه. # ثم اختلفوا، فقال الأخفش: حذفت على التدريج، أي حذف العطف فاتصل الضمير، ~~فحذف. وقال سيبويه: حذفا معا لأول وهلة. PageV03P160 # وقيل: عدى الفعل إلى الضمير أولا اتساعا، وهو قول الفارسي. # وجعل الواحدي من هذا قوله تعالى: (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا)، أي ~~منه. وقوله: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)، أي ما للظالمين منه. # وفيه نظر، أما الأولى فلأن (يغنى) جملة قد أضيف إليها اسم الزمان، وليست ~~صفة. # وقد نصوا على ms0662 أن عود ضمير إلى المضاف من الجملة التي أضيف إليها الظرف ~~غير جائز، حتى قال ابن السراج: فإن قلت: أعجبني يوم قمت فيه امتنعت ~~الإضافة، لأن الجملة حينئذ صفة، ولا يضاف موصوف إلى صفته. قال ابن مالك: ~~وهذا مما خفي على أكثر النحويين. وأما الثانية، فكأنه يريد أن (ما للظالمين ~~من حميم) صفة ليوم، المضاف إليها الأزمنة، وذلك متعذر، لأن الجملة لا تقع ~~صفة للمعرفة، والظاهر أن الجملة حال منه، ثم حذف العائد المجرور ب‍ " في "، ~~كما يحذف من الصفة. الثالث: الخبر، كقوله تعالى: (وكل وعد الله الحسنى) في ~~قراءة ابن عامر. # الرابع: الحال. # تنبيه [عن ابن الشجري في تفاوت أنواع الحذف] قال ابن الشجري: أقوى هذه ~~الأمور في الحذف الصلة، لطول الكلام فيها، لأنه أربع كلمات، نحو: جاء الذي ~~ضربت، وهو الموصول، والفعل، والفاعل، والمفعول. # ثم الصفة، لأن الموصوف قائم بنفسه، وإنما أتى بالصفة للتوضيح. ثم الخبر، ~~لانفصاله عن المبتدأ باعتبار أنه محكوم عليه. PageV03P161 # ووجه التفاوت أن الصفة رتبة متوسطة بين الصلة والخبر، لأن الموصول وصلته ~~كالكلمة الواحدة، ولهذا لا يفصل بينهما، والصفة دونها في ذلك، ولهذا يكثر ~~حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، والخبر دون ذلك، فكان الحذف آكد في الصلة ~~من الصفة، لأن هناك شيئين يدلان على الحذف، الصفة تستدعي موصوفا، والعامل ~~يستدعيه أيضا. # ويستحسن ابن مالك هذا الكلام، ولم يتكلم على الحال لرجوعه إلى الصفة. # * * * حذف المفعول وهو ضربان: # أحدهما: أن يكون مقصودا مع الحذف فينوي لدليل، ويقدر في كل موضع ما يليق ~~به، كقوله تعالى: (فعال لما يريد) أي يريده. # (فغشاها ما غشى) أي غشاها إياه. # (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر). # (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم). # (وسلام على عباده الذين اصطفى). # (أين شركائي الذين كنتم تزعمون). # وكل هذا على حذف ضمير المفعول، وهو مراد، حذف تخفيفا لطول الكلام بالصفة، ~~ولولا إرادة المفعول - وهو الضمير - لخلت الصلة من ضمير يعود على الموصول، ~~وذلك لا يجوز، PageV03P162 # وكان في حكم المنطوق به، فالدلالة عليه ms0663 من وجهين: اقتضاء الفعل له، ~~واقتضاء الصلة إذا كان العائد. # ومنه قوله تعالى: (وما عملت أيديهم) في قراءة حمزة والكسائي بغير هاء، أي ~~ما عملته، بدليل قراءة الباقين، ف‍ " ما " في موضع خفض للعطف على (ثمره). # ويجوز أن تكون " ما " نافية، والمعنى: ليأكلوا من ثمره ولم تعمله أيديهم، ~~فيكون أبلغ في الامتنان. ويقوى ذلك قوله تعالى: (أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم ~~تزرعونه أم نحن الزارعون)، وعلى هذا فلا تكون الهاء مراده، لأنها غير ~~موصولة. # وجعل بعضهم منه قوله تعالى: (ويشرب مما تشربون)، وهو فاسد، لأن " شرب " ~~يتعدى بنفسه. # والغرض حينئذ بالحذف أمور: # منها: قصد الاختصار عند قيام القرائن، والقرائن إما حالية كما في قوله ~~تعالى: (رب أرني أنظر إليك)، لظهور أن المراد: أرني ذاتك. ويحتمل أن يكون ~~هاب المواجهة بذلك، ثم براه الشوق. ويجوز أن يكون أخر ليأتي به مع الأصرح، ~~لئلا يتكرر هذا المطلوب العظيم على المواجهة إجلالا. # ومنه قوله تعالى: (على أن تأجرني)، الظاهر أنه متعد حذف مفعوله، أي ~~تأجرني نفسك. # وجعل منه السكاكي قوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر ~~PageV03P163 # الرعاء) فمن قرأ بكسر الدال من (يصدر) فإنه حذف المفعول في خمسة مواضع، ~~والأقرب أنه من الضرب الثاني كما سنبينه فيه إن شاء الله تعالى. # وقوله: (فإذا أفضتم من عرفات)، أي أنفسكم. # وقوله: (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا)، أي فذوقوا العذاب. # وقوله: (إني أسكنت من ذريتي)، أي ناسا أو فريقا. # وقوله: (فادع لنا ربك يخرج لنا) أي شيئا. # وقوله: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات)، أي غير السماوات. # وقوله: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن): على أن الدعاء بمعنى التسمية، ~~التي تتعدى إلى مفعولين، أي سموه الله، أو سموه الرحمن، أيا ما تسموه، فله ~~الأسماء الحسنى، إذ لو كان المراد بمعنى الدعاء المتعدى لواحد لزم الشرك إن ~~كان مسمى الله غير مسمى الرحمن، وعطف الشئ على نفسه إن كان ms0664 عينه. # ومنها قصد الاحتقار كقوله: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)، أي الكفار. # ومنها قصد التعميم، ولا سيما إذا كان في حيز النفي، كقوله تعالى: (وما ~~تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون). وكذا (وما كانوا مؤمنين) وكثيرا ما ~~يعترى الحذف في رؤوس الآي نحو: (لو كانوا يعلمون). # و (لقوم يشكرون). PageV03P164 # (أفلا تسمعون). # (أفلا تبصرون). # (أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون). # (إنما نحن مستهزئون). # (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون). # وكذا كل موضع كان الغرض إثبات المعنى الذي دل عليه الفعل لفاعل غير متعلق ~~بغيره. # ومنه قوله تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام)، أي كل أحد، لأن الدعوة ~~عامة والهداية خاصة. # وأما قوله تعالى: (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون)، فكال ووزن يتعديان إلى ~~مفعولين. أحدهما باللام، والتقدير: كالوا ووزنوا لهم، وحذف المفعول الثاني ~~لقصد التعميم. # وما ذكرناه من كون " هم " منصوبا في الموضع بعد حذف اللام هو الظاهر، ~~وقرره ابن الشجري في أماليه، قال: وأخطأ بعض المتأولين حيث زعم أن " هم " ~~ضمير مرفوع أكدت به الواو كالضمير في قولك: " خرجوا هم "، ف‍ " هم " على ~~هذا التأويل عائد على المطففين. # ويدل على بطلان هذا القول أمران: PageV03P165 # أحدهما: عدم ثبوت الألف في " كالوهم " و " وزنوهم "، ولو كان كما قال ~~لأثبتوها في خط المصحف، كما أثبتوها في قوله تعالى: (خرجوا من ديارهم) ~~(قالوا لنبي لهم) ونحوه. # والثاني أن تقدم ذكر " الناس " يدل على أن الضمير راجع إليهم، فالمعنى: ~~(إذا اكتالوا على الناس يستوفون) وإذا كالوا للناس أو وزنوا للناس يخسرون. # وجعل الزمخشري من حذف المفعول قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، ~~أي في المصر. وعند أبي على أن الشهر ظرف، والتقدير: فمن شهد منكم المصر في ~~الشهر. # ومنها تقدم مثله في اللفظ، كقوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت)، أي ~~ويثبت ما يشاء. # فلما كان المفعول الثاني بلفظ الأول في عمومه واحتياجه إلى الصلة جاز ~~حذفه، لدلالة ما ذكر عليه، كقوله: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم). # وقوله: (يوم ms0665 تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) أي غير السماوات. # وقوله: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل)، أي ومن أنفق من بعده ~~وقاتل، بدليل ما بعده. # وقوله: (وأبصر فسوف يبصرون) أي أبصرهم، بدليل قوله: (وأبصرهم). # وسبق عن ابن ظفر السر في ذكر المفعول في الأول وحذفه في الثاني في هذه ~~الآية الشريفة PageV03P166 # أن الأولى اقتضت نزول العذاب بهم يوم بدر، فلما تضمنت التشفي بهم قيل: ~~(أبصرهم). # وأما الثاني فالمراد بها يوم الفتح، واقترن بها مع الظهور عليهم تأمينهم ~~والدعاء إلى إيمانهم، فلم يكن وقتا للتشفي بل للبروز، فقيل له: (أبصر) ~~والمعنى: فسيبصرون منك عليهم. # وقوله: (فهل وجدتم ما وعد ربكم) أي وعدكم ربكم، فحذف لدلالة قوله قبله: ~~(ما وعدنا ربنا)، قاله الزمخشري. # وقد يقال: أطلق ذلك ليتناول كل ما وعد الله من الحساب والبعث والثواب ~~والعقاب وسائر أحوال القيامة، لأنهم كانوا يكذبون بذلك أجمع، ولأن الموعود ~~كله مما ساءهم، وما نعيم أهل الجنة إلا عذاب لهم، فأطلق لذلك ليكون من ~~الضرب الآتي. # وقوله: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية). # ومنها رعاية الفاصلة، نحو: (والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما ~~قلى) أي ما قلاك، فحذف المفعول، لأن فواصل الآي على الألف. # ويحتمل أنه للاختصار لظهور المحذوف قبله، أي أفمن شرح الله صدره للإسلام ~~كمن أقسى قلبه؟ فحذف لدلالة: (فويل للقاسية). # ومنها البيان بعد الإبهام، كما في مفعول المشيئة والإرادة، فإنهم لا ~~يكادون يذكرونه، كقوله تعالى: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم). # (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى). PageV03P167 # (ولو شاء الله لهداكم أجمعين). # (فإن يشأ الله يختم على قلبك). # (من يشاء الله يضلله). # (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها). # التقدير: لو شاء الله أن يفعل ذلك لفعل. # وشرط ابن النحويه في حذفه دخول أداة الشرط عليه، كما سبق من قوله: (فإن ~~يشأ الله يختم على قلبك). # و (لو نشاء لقلنا مثل هذا). # (من يشاء الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم). # والحكمة ms0666 في كثرة حذف مفعول المشيئة المستلزمة لمضمون الجواب لا يمكن أن ~~تكون إلا مثيلة الجواب، ولذلك كانت الإرادة كالمشيئة في جواز اطراد حذف ~~مفعولها، صرح به الزمخشري في تفسير سورة البقرة، وابن الزملكاني في ~~البرهان، والتنوخي في الأقصى، كقوله: (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم)، ~~وإنما حذفه لأن في الآية قبلها ما يدل على أنهم أمروا لكذب، وهو بزعمهم ~~إطفاء نور الله، فلو ذكر أيضا لكان PageV03P168 # كالمتكرر، فحذف وفسر بقوله: (ليطفئوا نور الله بأفواههم)، وكان في الحذف ~~تنبيه على هذا المعنى الغريب. # وينبغي أن يتمهل في تقدير مفعول المشيئة، فإنه يختلف المعنى بحسب ~~التقدير، ألا ترى إلى قوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها)، فإن ~~التقدير كما قاله عبد القاهر الجرجاني: ولو شئنا أن نؤتي كل نفس هداها ~~لآتيناها، لا يصح إلا على ذلك، لأنه إن لم يقدر هذا المفعول أدى والعياذ ~~بالله إلى أمر عظيم، وهو نفي أن يكون لله مشيئة على الإطلاق، لأن من شأن " ~~لو " أن يكون الإثبات بعدها نفيا، ألا ترى أنك إذا قلت: لو جئتني أعطيتك، ~~كان المعنى على أنه لم يكن مجئ ولا إعطاء، وأما قوله تعالى: (ولو شئنا ~~لرفعناه بها) فقدره النحويون: فلم نشأ فلم نرفعه. # وقال ابن الخباز: الصواب أن يكون التقدير " فلم نرفعه فلم نشأ "، لأن نفي ~~اللازم يوجب نفي الملزوم، فوجود الملزوم يوجب وجود اللازم، فيلزم من وجود ~~المشيئة وجود الرفع، ومن نفي الرفع نفي المشيئة، وأما نفي الملزوم فلا يوجب ~~نفي اللازم، ولا وجود اللازم وجود الملزوم. انتهى. # ويؤيده قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)، فإن المقصود ~~انتفاء وجود الآلهة لانتفاء لازمها وهو الفساد. # ويمكن توجيه كلام النحويين بأنهم جعلوا الأول شرطا للثاني، لأنهم عدوا " ~~لو " من حروف الشرط، وانتفاء الشرط يوجب انتفاء المشروط. وقد يكون الشرط ~~مساويا للمشروط، بحيث يلزم من وجوده وجود المشروط، ومن عدمه عدمه. والمقصود ~~في الآية تعليل عدم الرفع بعدم المشيئة لا العكس. PageV03P169 # وأوضح منه قوله تعالى: (ولو أن أهل القرى ms0667 آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم ~~بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)، جعل انتفاء ~~الملزوم سببا لانتفاء اللازم، لأن " كذبوا " ملزوم عدم الإيمان والتقوى، ~~فأخذهم بذلك ملزوم عدم فتح بركات السماء والأرض عليهم. والفاء في قوله ~~(فأخذناهم) للسببية، وجعل التكذيب سببا لأخذهم بكفرهم، ولعل ذلك يختلف ~~باختلاف المواد ووقوع الأفراد مع أن القول ما قاله ابن الخباز. وأما ما جاء ~~على خلافه فذلك من خصوص المادة، وذلك لا يقدح في القضية الكلية، ألا ترى ~~أنا نقول: الموجبة الكلية لا تنعكس كلية مع أنها تنعكس كلية في بعض ~~المواضع، كقولنا: كل انسان ناطق، ولا يعد ذلك مبطلا للقاعدة. # تنبيهان التنبيه الأول [متى يذكر مفعول المشيئة والإرادة] يستثنى من هذه ~~القاعدة ثلاثة أمور: أحدها ما إذا كان مفعول المشيئة عظيما أو غريبا، فإنه ~~لا يحذف، كقوله تعالى: (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء ~~سبحانه...) الآية، أراد رد قول الكفار: " اتخذ الله ولدا " بما يطابقه في ~~اللفظ، ليكون أبلغ في الرد، لأنه لو حذفه فقال: " لو أراد الله لاصطفى " لم ~~يظهر المعنى المراد، لأن الاصطفاء قد لا يكون بمعنى التبني، ولو قال: لو ~~أراد الله لاتخذ ولدا لم يكن فيه ما في إظهاره من تعظيم جرم قائله. # ومثله صاحب كتاب " القول الوجيز في استنباط علم البيان من الكتاب ~~PageV03P170 # العزيز " بقوله تعالى: (لو نشاء لقلنا مثل هذا). وقوله: (فإن يشأ الله ~~يختم على قلبك). و (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم). # وفيما ذكره نظر. # قلت: يجيء الذكر في مفعول الإرادة أيضا إذ كان كقوله تعالى: (لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا). # الثاني: إذا احتيج لعود الضمير عليه، فإنه يذكر، كقوله: (لو أردنا أن ~~نتخذ لهوا لاتخذناه)، فإنه لو حذف لم يبق للضمير ما يرجع عليه. # وقد يقال: الضمير لم يرجع عليه وإنما عاد على معمول معموله. # الثالث: أن يكون السامع منكرا لذلك، أو كالمنكر، فيقصد إلى إثباته عنده، ~~فإن لم يكن منكرا، فالحذف. # والحاصل ms0668 أن حذف مفعول " أراد " و " شاء " لا يذكر إلا لأحد هذه الثلاثة. # التنبيه الثاني [في إنكار أبي حيان للقاعدة السابقة] أنكر الشيخ أبو حيان ~~في باب عوامل الجزم من شرح " التسهيل " هذه القاعدة وقال: غلط البيانيون في ~~دعواهم لزوم حذف مفعول المشيئة، إلا فيما إذا كان مستغربا، وفي القرآن: ~~(لمن شاء منكم أن يستقيم). (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر). ولهم أن ~~يقولوا: إن المفعول هاهنا عظيم، فلهذا صرح به فلا غلط PageV03P171 # على القوم، وأما قوله تعالى: (فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا)، فإذا ~~جعلت " ماذا " بمعنى " الذي "، فمفعول " أراد " متقدم عليه، وإن جعلت " ذا ~~" وحدها بمعنى " الذي " فيكون مفعول " أراد " محذوفا، وهو ضمير " ذا " ولا ~~يجوز أن يكون " مثلا " مفعول " أراد " لأنه أحد معموليه ولكنه حال. # فصل وقد كثر حذف مفعول أشياء غير ما سبق، منها الصبر، نحو: (فاصبروا أو ~~لا تصبروا)، (اصبروا وصابروا). # وقد يذكر، نحو: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم) قال الزمخشري في تفسير ~~سورة الحجرات: قولهم: صبر عن كذا، محذوف منه المفعول، وهو النفس. # ومنها مفعول " رأى "، كقوله: (أعنده علم الغيب فهو يرى). # قال الفارسي: الوجه أن " يرى " هنا للتعدية لمفعولين، لأن رؤية الغائب لا ~~تكون إلا علما، والمعنى عليه قوله: (عالم الغيب) وذكره العلم، قال: ~~والمفعولان محذوفان، فكأنه قال: فهو يرى الغائب حاضرا، أو حذف، كما حذف في ~~قوله: (أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون)، أي تزعمونهم إياهم. PageV03P172 # وقال ابن خروف: هو من باب الحذف لدليل، لأن المعنى دال على المفعولين، أي ~~فهو يعلم ما يفعله ويعتقده حقا وصوابا، ولا فائدة في الآية مع الاقتصار، ~~لأنه لا يعلم منه المراد. وقد ذهب إليه بعض المحققين وعدل عن الصواب. # ومنها وعد يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما كأعطيت، قال ~~تعالى: # (وواعدناكم جانب الطور الأيمن)، ف‍ " جانب " مفعول ثان، ولا يكون ظرفا ~~لاختصاصه. والتقدير واعدناكم إتيانه أو مكثا فيه. # (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة). # (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) فإحدى ms0669 الطائفتين في موضع نصب، ~~بأنه المفعول الثاني، وأنها لكم، بدل منه، والتقدير: وإذ يعدكم الله ثبات ~~إحدى الطائفتين أو ملكها. # وقال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض) فلم يعد الفعل فيها إلا إلى واحد، (وليستخلفنهم) تفسير للوعد ومبين ~~له، كقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)، فالجملة ~~الثانية تبيين للوصية، لا مفعول ثان. # وأما قوله: (ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا)، (إن الله وعدكم وعد الحق) فإن ~~هذا ونحوه يحتمل أمرين: انتصاب الوعد بالمصدر، وبأنه المفعول الثاني على ~~تسمية الموعود به وعدا. # وأما قوله تعالى: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة) فمما تعدى فيه " وعد " ~~PageV03P173 # إلى اثنين، لأن " الأربعين " لو كان ظرفا لكان الوعد في جميعه، يعني من ~~حيث إنه معدود، فيلزم وقوع المظروف في كل فرد من أفراده، وليس الوعد واقعا ~~في " الأربعين " بل ولا في بعضها. # ثم قدر الواحدي وغيره محذوفا مضافا إلى " الأربعين، وجعلوه المفعول ~~الثاني، فقالوا: التقدير: وإذ واعدنا موسى انقضاء أربعين، أو تمام أربعين، ~~ثم حذف وأقيم المضاف إليه مقامه. # قال بعضهم: ولم يظهر لي وجه عدولهم عن كون " أربعين " هو نفس المفعول إلى ~~تقدير هذا المحذوف، إلا أن يقال: نفس الأربعين ليلة لا توعد، لأنها واجبة ~~الوقوع، وإنما المعنى على تعليق الوعد بابتدائها وتمامها، ليترتب على ~~الانتهاء شيء. # قلت: وقال أبو البقاء: ليس أربعين ظرفا، إذ ليس المعنى وعده في أربعين. # وقال غيره: لا يجوز أن يكون ظرفا، لأنه لم يقع الوعد في كل من أجزائه، ~~ولا في بعضه. # ومنها " اتخذ " تتعدى لواحد أو لاثنين فمن الأول قوله تعالى: (لو أردنا ~~أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا) (واتخذوا من دونه آلهة) (أم اتخذ مما يخلق ~~بنات) (يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا) ومن الثاني: (اتخذوا أيمانهم جنة) ~~(لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) (فاتخذتموهم سخريا) والثاني من المفعولين ~~هو الأول في المعنى. PageV03P174 # قال الواحدي فأما قوله تعالى: (ثم اتخذتم العجل من بعده) وقوله: # (باتخاذكم العجل) (اتخذوه وكانوا ظالمين) (إن ms0670 الذين اتخذوا العجل) ~~فالتقدير في هذا كله: اتخذوه إلها، فحذف المفعول الثاني. # والدليل على ذلك أنه لو كان على ظاهره، لكان من صاغ عجلا أو نحوه، أو ~~عمله بضرب من الأعمال، استحق الغضب من الله، لقوله: (سينالهم غضب من ربهم) ~~وفيما قاله نظر، لأن الواقع أن أولئك عبدوه، فالتقدير على هذا في المتعدي ~~لواحد أن الذين اتخذوا العجل وعبدوه، ولهذا جوز الشيخ أثير الدين في هذه ~~الآيات كلها أن تكون " اتخذ " فيها متعدية إلى واحد، قال: ويكون ثم جملة ~~محذوفة، تدل على المعنى، وتقديره: # " وعبدتموه إلها " ورجحه على القول الآخر بأنها لو كانت متعدية في هذه ~~القصة لاثنين لصرح بالثاني ولو في موضع واحد. # * * * الضرب الثاني ألا يكون المفعول مقصودا أصلا، وينزل الفعل المتعدي ~~منزلة القاصر، وذلك عند إرادة وقوع نفس الفعل فقط، وجعل المحذوف نسيا ~~منسيا، كما ينسى الفاعل عند بناء الفعل، فلا يذكر المفعول، ولا يقدر، غير ~~أنه لازم الثبوت عقلا لموضوع كل فعل متعد، لأن الفعل لا يدري تعيينه. # وبهذا يعلم أنه ليس كل ما هو لازم من موضوع الكلام مقدرا فيه، كقوله ~~تعالى: # (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا). PageV03P175 # وقوله: (كلوا واشربوا)، لأنه لم يرد الأكل من معين، وإنما أراد وقوع هذين ~~الفعلين. # وقوله: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، ويسمى المفعول حينئذ ~~مماتا. # ولما كان التحقيق أنه لا يعد هذا من المحذوف، فإنه لا حذف فيه بالكلية، ~~ولكن تبعناهم في العبارة، نحو فلان يعطى، قاصدا أنه يفعل الإعطاء. وتوجد ~~هذه الحقيقة إيهاما للمبالغة بخلاف ما يقصد فيه تعميم الفعل، نحو: هو يعطى ~~ويمنع، فإنه أعم تناولا، من قولك: يعطى الدرهم ويمنعه، والغالب أن هذا ~~يستعمل في النفي، كقوله: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون)، والآخر في الإثبات، ~~كقوله: (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون). # ومن أمثلة هذا الضرب قوله تعالى: (يحيى ويميت). # وقوله: (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر). # وقوله: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس) الخ الآية، حذف منها ~~المفعول خمس ms0671 مرات، لأنه غير مراد، وهو قوله (يسقون)، وقوله (تذودان) وقوله: # (لا نسقي حتى يصدر الرعاء) مواشيهم، (فسقى لهما) غنمهما. # وقوله: (لنخرجنك يا شعيب) قيل: لو ذكر المفعول فيها نقص المعنى، والمراد ~~PageV03P176 # أن الله تعالى له الإحياء والإماتة، وأن إلههم ليس له سمع ولا بصر، وأن ~~موسى عليه السلام وجد قوما يعانون السقي، وامرأتين تعانيان الذود، وأخبرتاه ~~أنا لا نستطيع السقي، فوجدا من موسى عليه السلام لهما السقي، ووجد من ~~أبيهما مكافأة على السقي. وهذا مما حذف لظهور المراد، وأن القصد الإعلام ~~بأنه كان من الناس في تلك الحالة سقى، ومن المرأتين ذود، وأنهما قالتا: لا ~~يكون منا سقى حتى يصدر الرعاء، وأن موسى سقى بعد ذلك، فأما أن المسقى غنم ~~أو إبل أو غيره فخارج عن المقصود، لأنه لو قيل: يذودان غنمهما لجاز أن يكون ~~الانكار لم يتوجه من موسى على الذود من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم، ~~حتى لو كان ذود إبل لم ينكره. # واعلم أنا جعلنا هذا من الضرب الثاني موافقة للزمخشري، فإنه قال: ترك ~~المفعول لأن الغرض هو الفعل لا المفعول، ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما ~~كانتا على الذياد وهم على السقي، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل. ~~وكذلك قولهما: (لا نسقي حتى يصدر الرعاء)، المقصود منه السقي لا المسقى. # وجعله السكاكي من الضرب الأول، أعني مما حذف فيه للاختصار مع الإرادة. # والأقرب قول الزمخشري، ورجح الجزري قول السكاكي أنه للاختصار، فإن الغنم ~~ليست ساقطة عن الاعتبار بالأصالة، فإن فيها ضعفا عن المزاحمة، والمرأتان ~~فيهما ضعف، فإذا انضم إلى ضعف المسقى ضعف الساقي، كان ذلك أدعى للرحمة ~~والإعانة. # وكقوله تعالى: (فأما من أعطى وأتقى). # وقوله: (وأنه هو أغنى وأقنى). PageV03P177 # وقوله: (وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيى). # وإنما ذكر المفعول في قوله: (وأنه خلق الزوجين)، لأن المراد جنس الزوجين ~~فكأنه قال: يخلق كل ذكر وكل أنثى، وكان ذكره هنا أبلغ ليدل على عموم ثبوت ~~الخلق له بالتصريح. # وليس منه قوله ms0672 تعالى: (وأصلح لي في ذريتي)، لوجود العوض من المفعول به ~~لفظا، أو هو المفعول به، وهو قوله: (في ذريتي)، ومعنى الدعاء به قصر ~~الإصلاح له على الذرية، إشعارا بعنايته بهم. # وقوله: (كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون)، أي عاقبة أمركم، لأن سياق ~~القول في التهديد والوعيد. # واعلم أن الغرض حينئذ بالحذف في هذا الضرب أشياء: # منها: البيان بعد الإبهام كما في فعل المشيئة على ما سبق، نحو: أمرته ~~فقام، أي بالقيام. وعليه قوله تعالى: (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها) أي ~~أمرناهم بالفسق، وهو مجاز عن تمكينهم وإقدارهم. # ومنها: المبالغة بترك التقييد، نحو: (هو يحيى ويميت)، وقوله: (فهم لا ~~يبصرون) ونفى الفعل غير متعلق أبلغ من نفيه متعلقا به، لأن المنفي في الأول ~~نفس الفعل، وفي الثاني متعلقة. PageV03P178 # تنبيه قد يلحظ الأمران، فيجوز الاعتباران، كقوله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) أجاز الزمخشري في حذف المفعول منه ~~الوجهين. # وكذلك في قوله في آخر سورة الحج: (وجاهدوا في الله). # حذف الحال كقوله تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم)، ~~أي قائلين سلام عليكم. # قال ابن أبي الربيع: اعلم أن العرب قد تحذف الحال إذا كانت بالفعل لدلالة ~~مصدر الفعل عليه، فتقول: قتلته صبرا، وأتيته ركضا، قال تعالى: (تزرعون سبع ~~سنين دأبا)، فدأبا يقدر بالفعل، تقديره: " تدأبون "، في موضع الحال. # قال أبو علي: لا خلاف بين سيبويه وأبي العباس في الحال المحذوف الذي ~~المصدر منصوب به، وإنما الخلاف بينهما في القياس، فسيبويه يذهب إلى السماع ~~ولا يقيس، والأخفش والمبرد يقيسان. PageV03P179 # حذف المنادى قوله تعالى: (ألا سجدوا)، على قراءة الكسائي بتخفيف " ألا " ~~على أنها تنبيه و " يا " نداء، والتقدير ألا يا هؤلاء اسجدوا لله. ويجوز أن ~~يكون " يا " تنبيها ولا منادى هناك، وجمع بينهن تأكيدا، لأن الأمر قد يحتاج ~~إلى استعطاف المأمور واستدعاء إقباله على الآمر. # وأما على قراءة الأكثر بالتشديد، فعلى أن أن الناصبة للفعل دخلت عليها لا ~~النافية، والفعل المضارع بعدها منصوب، وحذفت النون علامة ms0673 النصب، فالفعل هنا ~~معرب، وفي تلك القراءة مبني، فاعرفه. # فائدة [في حذف الياء من المنادى المضاف إلى ياء المتكلم] كثر في القرآن ~~حذف الياء من المنادى المضاف إلى ياء المتكلم، نحو يا رب، يا قوم، وعلل ذلك ~~بأن النداء باب حذف، ألا ترى أنه يحذف منه التنوين وبعض الاسم للترخيم، ~~وجاء فيه إثباتها ساكنة، كقراءة من قرأ: (يا عبادي فاتقون)، ومحركة بالفتح ~~كقراءة من قرأ: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم)، ومنقلبة عن الياء ~~في قوله تعالى: # (أن تقول نفس يا حسرتي). # حذف الشرط (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة)، أي إن قلت لهم: أقيموا ~~يقيموا. PageV03P180 # وجعل منه الزمخشري: (ولن يخلف الله وعده). # وجعل أبو حيان منه قوله تعالى: (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن ~~كنتم مؤمنين) أي إن كنتم آمنتم بما أنزل إليكم فلم تقتلون؟ وجواب " إن كنتم ~~" محذوف دل عليه ما تقدم، أي فلم فعلتم؟ وكرر الشرط وجوابه مرتين للتأكيد، ~~إلا أنه حذف الشرط من الأول وبقي جوابه، وحذف الجواب من الثاني وبقي شرطه. ~~انتهى. # وهو حسن، إلا أنه قد كان خالف الزمخشري، وأنكر قوله بحذف الشرط في: (فتاب ~~عليكم) وفي: (فانفجرت)، وقال: إن الشرط لا يحذف في غير الأجوبة، والآن قد ~~رجع إلى موافقته. # وقوله: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم ~~البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون)، تقديره إن كنتم منكرين فهذا ~~يوم البعث، أي فقد تبين بطلان إنكاركم. # وقوله: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم)، بمعنى إن افتخرتم بقتلهم فلم ~~تقتلوهم، فعدل عن الافتخار بقتلهم، فحذف لدلالة الفاعلية. # وقوله: (فالله هو الولي)، تقديره: إن أرادوا أولياء فالله هو الولي ~~بالحق، لأولى سواه. # حذف جواب الشرط قوله: (إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل PageV03P181 # على مثله فآمن واستكبرتم)، أي أفلستم ظالمين؟ بدليل قوله عقبه: (إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين) وقدره البغوي: من المحق منا ومن المبطل؟ ونقله عن ~~أكثر المفسرين. # ومن ms0674 حذف جواب الفعل: (اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم)، ~~تقديره: " فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم "، والفاء العاطفة على الجواب ~~المحذوف هي المسماة عندهم بالفاء الفصيحة. # وقال صاحب المفتاح: وانظر إلى الفاء الفصيحة في قوله تعالى: (فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم) كيف أفادت: # " ففعلتم فتاب عليكم "! # وقوله: (اضربوه ببعضها)، تقديره فضربوه فحيى (كذلك يحيى الله الموتى). # وقال صاحب الكشاف في قوله تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا ~~الحمد لله الذي فضلنا على كثير) تقديره: فعملا به وعلماه، وعرفا حق النعمة ~~فيه والفضيلة (وقالا الحمد لله). # وقال السكاكي هو إخبار عما صنع بهما وعما قالاه، حتى كأنه قيل: نحن فعلنا ~~إيتاء العلم، وهما فعلا الحمد، تعريضا لاستثارة الحمد على إيتاء العلم إلى ~~فهم السامع، مثله " قم يدعوك " بدل " قم فإنه يدعوك ". PageV03P182 # حذف الأجوبة ويكثر ذلك في جواب لو، ولولا، كقوله تعالى: (ولو ترى إذ ~~وقفوا على النار). # وقوله: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم). # وقوله: (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم). # وقوله: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم). # وقوله: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم). # وقوله: (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت)، تقديره في هذه المواضع " ~~لرأيت عجبا " أو " أمرا عظيما "، " ولرأيت سوء منقلبهم "، أو " لرأيت سوء ~~حالهم ". # والسر في حذفه في هذه المواضع أنها لما ربطت إحدى الجملتين بالأخرى حتى ~~صارا جملة واحدة، أوجب ذلك لها فضلا وطولا، فخفف بالحذف، خصوصا مع الدلالة ~~على ذلك. # قالوا: وحذف الجواب يقع في مواقع التفخيم والتعظيم، ويجوز حذفه لعلم ~~المخاطب به، وإنما يحذف لقصد المبالغة، لأن السامع مع أقصى تخيله يذهب منه ~~الذهن كل مذهب، ولو صرح بالجواب لوقف الذهن عند المصرح به فلا يكون له ذلك ~~الوقع، ومن ثم لا يحسن تقدير الجواب مخصوصا إلا بعد العلم بالسياق، كما قدر ~~بعض النحويين في قوله تعالى: # (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال...) الآية، فقال: تقديره: لكان هذا القرآن ~~PageV03P183 # وحكاه ms0675 أبو عمرو الزاهد في " الياقوتة " عن ثعلب والمبرد، وهو مردود، لأن ~~الآية ما سيقت لتفضيل القرآن، بل سيقت في معرض ذم الكفار، بدليل قوله ~~قبلها: (وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه ~~متاب)، وبعدها: (أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا) ~~فلو قدر الخبر " لما آمنوا به " لكان أشد. # ونقل الشيخ محيي الدين النووي في كتاب " رؤوس المسائل " كون الجواب " كان ~~هذا القرآن "، عن الأكثرين. وفيه ما ذكرت. # وقيل تقديره: لو قضيت أنه لا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت ورأوا ذلك، ~~لما آمنوا. # وقيل: جواب " لو " مقدم، معناه: يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنا سيرت به ~~الجبال، وهذا قول الفراء. # وقوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده ~~سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله)، محذوف، والتقدير: لنفدت هذه الأشياء وما ~~نفدت كلمات الله ويحتمل أن يكون " ما نفدت " هو الجواب مبالغة في نفي ~~النفاد، لأنه إذا كان نفي النفاد لازما على تقدير كون ما في الأرض من شجرة ~~أقلاما والبحر مدادا لكان لزومها على تقدير عدمها أولى. # وقوله تعالى: (ولو فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك). ~~PageV03P184 # فإنه قد قيل: ظاهره نفى وجود الهم منهم بإضلاله، وهو خلاف الواقع، فإنهم ~~هموا وردوا القول. # وقيل: قوله: (لهمت) ليس جواب " لو " بل هو كلام تقدم على " لو " وجوابها ~~مقول على طريق القسم، وجواب " لو " محذوف تقديره (لهمت طائفة منهم أن ~~يضلوك) لولا فضل الله عليك لأضلوك. # وقوله: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه)، أي همت بمخالطته، ~~وجواب " لولا " محذوف، أي لولا أن رأى برهان ربه لخالطها. # وقيل: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، والوقف على هذا (ولقد همت به)، ~~والمعنى أنه لم يهم بها. # ذكره أبو البقاء. والأول للزمخشري. # ولا يجوز تقديم جواب " لو " عليها لأنه في حكم الشرط، وللشرط صدر الكلام. # وقوله: (وإنا إن شاء الله لمهتدون) جواب ms0676 الشرط محذوف، يدل عليه قوله: ~~(إنا لمهتدون) أي إن شاء الله اهتدينا. وقد توسط الشرط هنا بين جزأي الجملة ~~بالجزاء، لأن التقديم على الشرط، فيكون دليل الجواب متقدما على الشرط، ~~والذي حسن تقديم الشرط عليه الاهتمام بتعليق الهداية بمشيئة الله تعالى. # وقوله تعالى: (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار)، ~~تقديره: لما استعجلوا فقالوا متى هذا الوعد. PageV03P185 # وقال الزجاج: تقديره " لعلموا صدق الوعد " لأنهم قالوا: متى هذا الوعد، ~~وجعل الله الساعة موعدهم فقال تعالى: (بل تأتيهم بغتة). # وقيل: تقديره " لما أقاموا على كفرهم ولندموا أو تابوا ". # وقوله في سورة التكاثر: (لو تعلمون علم اليقين) تقديره لما: ألهاكم ~~التكاثر). # وقيل: تقديره: لشغلكم ذلك عما أنتم فيه. # وقيل: لرجعتم عن كفركم أو لتحققتم مصداق ما تحذرونه. # وقوله: (قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون ~~شيئا) أي لا يتبعونهم. # وقوله: (قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون) تقديره: # " لآمنتم " أو " لما كفرتم " أو " لزهدتم الذي في الدنيا " أو " لتأهبتم ~~للقائنا ". # ونحوه: (وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو ~~أنهم كانوا يهتدون) أي يهتدون في الدنيا لما رأوا العذاب في الآخرة، أو لما ~~اتبعوهم. # وقوله: (لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد)، قال محمد بن إسحاق: ~~معناه لو أن لي قوة لحلت بينكم وبين المعصية. # وقوله تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت)، أي رأيت ما يعتبر به عبرة ~~عظيمة. PageV03P186 # وقوله عقب آية اللعان: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب ~~حكيم)، قال الواحدي: قال الفراء: جواب " لو محذوف لأنه معلوم المعنى، وكل ~~ما علم فإن العرب تكتفي بترك جوابه، ألا ترى أن الرجل يشتم الرجل، فيقول ~~المشتوم: # أما والله لولا أبوك... فيعلم أنك تريد: لشتمتك. # وقال المبرد: تأويله والله أعلم: لهلكتم، أو لم يبق لكم باقية، أو لم ~~يصلح أمركم، ونحوه من الوعيد الموجع، فحذف لأنه لا يشكل. # وقال الزجاج: المعنى لنال الكاذب منكم أمر عظيم، ms0677 وهذا أجود مما قدره ~~المبرد. # وكذلك " لولا " التي بعدها في قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~وأن الله رؤوف رحيم)، جوابها محذوف، وقدره بعضهم في الأولى: لافتضح فاعل ~~ذلك، وفي الثانية: لعجل عذاب فاعل ذلك، وسوغ الحذف طول الكلام بالمعطوف، ~~والطول داع للحذف. # وقوله: (ولولا أن تصبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت ~~إلينا رسولا فنتبع آياتك) جوابها محذوف، أي لولا احتجاجهم بترك الإرسال ~~إليهم لعاجلناهم بالعقوبة. # وقال مقاتل: تقديره لأصابتهم مصيبة. # وقال الزجاج: لولا ذلك لم يحتج إلى إرسال الرسول ومواترة الاحتجاج. # وقوله: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على ~~قلبها)، أي لأبدت. PageV03P187 # وقوله تعالى: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي)، تقديره: # لو تملكون، [تملكون] فأضمر " تملك " الأولى على شريطة التفسير وأبدل من ~~الضمير المتصل، الذي هو " الواو " ضمير منفصل، وهو " أنتم " لسقوط ما يتصل ~~به من الكلام، ف‍ " أنتم " فاعل الفعل المضمر، " وتملكون " تفسيره. # قال الزمخشري: هذا ما يقتضيه الإعراب، فأما ما يقتضيه علم البيان، فهو أن ~~[أنتم] تملكون فيه دلالة على الاختصاص، وأن الناس هم المختصون بالشح ~~المتتابع، وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة ~~المبتدأ والخبر. # ومن حذف الجواب قوله تعالى: (وإذ قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ~~لعلكم ترحمون)، أي أعرضوا، بدليل قوله بعده: (إلا كانوا عنها معرضين). # وقوله في قصة إبراهيم في الحجر: (فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون)، وفي ~~غيرها من السور: (قالوا سلاما) (قال سلام)، قال الكرماني: لأن هذه السورة ~~متأخرة عن الأولى، فاكتفى بما في هذه، ولو ثبت تعدد الوقائع لنزلت على ~~واقعتين. PageV03P188 # وكقوله تعالى: (إذا السماء انشقت)، قال الزمخشري: حذف الجواب، وتقديره ~~مصرح به في سورتي التكوير والانفطار، وهو قوله (علمت نفس). # وقل في (والسماء ذات البروج): الجواب محذوف، أي أنهم ملعونون، يدل عليه ~~قوله: (قتل أصحاب الأخدود). # وكقوله تعالى: (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها)، أي " حتى إذا جاؤوها وقد ~~فتحت أبوابها "، والواو ms0678 واو حال، وفي هذا ما حكى أنه اجتمع أبو علي الفارسي ~~مع أبي عبد الله الحسين بن خالويه في مجلس سيف الدولة، فسئل ابن خالويه عن ~~قوله تعالى: # (حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها) في النار بغير واو، وفي الجنة بالواو! ~~فقال ابن خالويه: هذه الواو تسمى واو الثمانية لأن العرب لا تعطف الثمانية ~~إلا بالواو، قال: # فنظر سيف الدولة إلى أبي علي، وقال: أحق هذا! فقال أبو علي: لا أقول كما ~~قال، إنما تركت الواو في النار، لأنها مغلقة، وكان مجيئهم شرطا في فتحها، ~~فقوله: (فتحت) فيه معنى الشرط، وأما قوله: (وفتحت) في الجنة، فهذه واو ~~الحال، كأنه قال: جاؤوها وهي مفتحة الأبواب، أو هذه حالها. # وهذا الذي قاله أبو علي هو الصواب، ويشهد له أمران: # أحدهما: أن العادة مطردة شاهدة في إهانة المعذبين بالسجون، من إغلاقها ~~حتى يردوا عليها، وإكرام المنعمين بإعداد فتح الأبواب لهم مبادرة واهتماما. ~~PageV03P189 # والثاني: النظير في قوله: (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب). # وللنحويين في الآية ثلاثة أقوال: # أحدهما: أن الواو زائدة، والجواب قوله " فتحت " وهؤلاء قسمان: منهم من ~~جعل هذه الواو مع أنها زائدة واو الثمانية، ومنهم من لم يثبتها. # والثاني: أن الجواب محذوف عطف عليه قوله: (وفتحت) كأنه قال " حتى إذا ~~جاؤوها [جاؤوها] وفتحت " قال الزجاج وغيره: وفي هذا حذف المعطوف وإبقاء ~~المعطوف عليه. # والثالث: أن الجواب محذوف آخر الكلام، كأنه قال بعد الفراغ: استقروا، أو ~~خلدوا، أو استووا، مما يقتضيه المقام، وليس فيه حذف معطوف. ويحتمل أن يكون ~~التقدير: إذا جاؤوها أذن لهم في دخولها وفتحت أبوابها، المجئ ليس سببا ~~مباشرا للفتح، بل الإذن في الدخول هو السبب في ذلك. # وكذلك قوله تعالى: (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا) أي رحمهم ~~ثم تاب عليهم، وهذا التأويل أحسن من القول بزيادة " ثم ". # وحذف المعطوف عليه وإبقاء المعطوف سائغ، كقوله تعالى: (فقلنا اذهبا إلى ~~القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم ms0679 تدميرا)، التقدير والله أعلم: فذهبا ~~فبلغا، فكذبا فدمرناهم، لأن المعنى يرشد إلى ذلك. # وكذا قوله تعالى: (ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم)، أي فامتثلتم، أو ~~فعلتم فتاب عليكم. PageV03P190 # وقوله: (فلما أسلما وتله للجبين)، أي رحما وسعدا وتله. وابن عطية يجعل ~~التقدير: فلما أسلما أسلما، وهو مشكل. # وقوله: (واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا)، ~~المعنى حتى إذا كان ذلك ندم الذين كفروا ولم ينفعهم، إيمانهم، لأنه من ~~الآيات والأشراط. # * * * وقد يجيء في الكلام شرطان، ويحذف جواب أحدهما اكتفاء بالآخر كقوله ~~تعالى: # (وأما إن كان من أصحاب اليمين) في الاعتراض به مجرى الظرف، لأن الشرط وإن ~~كان جملة، فإنه لما لم يقم بنفسه جرى مجرى الجزء الواحد، ولو كان عنده جملة ~~لما جاز الفصل به بين " أما " وجوابها، لأنه لا يجوز: أما زيد فمنطلق، وذهب ~~الأخفش إلى أن الفاء جواب لهما. # ونظيره: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم) فقوله: (لعذبنا) جواب للولا ولو جميعا. # واختار ابن مالك قول سيبويه أن الجواب " لأما " واستغنى به عن جواب " إن ~~" لأن الجواب لأول الشرطين المتواليين في قوله: (إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم) ونظائره. # فإذا كان أول الشرطين " أما " كانت أحق بذلك لوجهين: # أحدهما: أن جوابها إذا انفردت لا يحذف أصلا، وجواب غيرها إذا انفرد يحذف ~~كثيرا. # لدليل، وحذف ما عهد حذفه أولى من حذف ما لم يعهد. PageV03P191 # والثاني: أن " أما " قد التزم معها حذف فعل الشرط، وقامت هي مقامة، فلو ~~حذف جوابها لكان ذلك إجحافا، وإن ليست كذلك. انتهى. # والظاهر أنه لا حذف في الآية الكريمة، وإما الشرط الثاني وجوابه جواب ~~الأول، والمحذوف إنما هو أحد الفاءين. # وقال الفارسي في قوله تعالى: (قل اللهم مالك الملك...) الآية: إنه حذف ~~منه: # أعزنا ولا تذلنا. # وقال في قوله تعالى: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت ms0680 أيديهم) تقديره " ~~فكيف تجدونهم مسرورين " أو " محزونين "، ف‍ " كيف " في موضع نصب بهذا الفعل ~~المضمر، وهذا الفعل المضمر قد سد مسد جواب إذا. # حذف جواب القسم لعلم السامع المراد منه، كقوله تعالى: (والنازعات غرقا. ~~والناشطات نشطا. # والسابحات سبحا. فالسابقات سبقا. فالمدبرات أمرا. يوم ترجف الراجفة) ~~تقديره: لتبعثن ولتحاسبن، بدليل إنكارهم للبعث في قولهم: (أئنا لمردودون في ~~الحافرة). # وقيل: القسم وقع على قوله: (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى). # وكقوله تعالى: (لن نؤثرك) وحذف لدلالة الكلام السابق عليه. PageV03P192 # واختلف في جواب القسم في: (ص والقرآن ذي الذكر) فقال الزجاج: # (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار)، واستبعده الكسائي. # وقال الفراء: قد تأخر كثيرا وجرت بينهما قصص مختلفة، فلا يستقيم ذلك في ~~العربية. # وقيل: (كم أهلكنا) ومعناه: لكم أهلكنا، وما بينهما اعتراض، وحذفت اللام ~~لطول الكلام. # وقال الأخفش: (إن كل إلا كذب الرسل) والمعترض بينهما قصة واحدة. # وعن قتادة: (بل الذين كفروا في عزة وشقاق)، مثل: (ق. والقرآن المجيد. # بل عجبوا). # وقال صاحب النظم في هذا القول: معنى " بل " توكيد الأمر بعده، فصار مثل ~~أن الشديدة تثبت ما بعدها، وإن كان لها معنى آخر في نفي خبر متقدم، كأنه ~~قال: إن الذين كفروا في عزة وشقاق. # وقال أبو القاسم الزجاجي: إن النحويين قالوا: إن " بل " تقع في جواب ~~القسم كما تقع " إن " لأن المراد بها توكيد الخبر، وذلك في (ص والقرآن...) ~~الآية. وفي (ق. # والقرآن...) الآية، وهذا من طريق الاعتبار، ويصلح أن يكون بمعنى " إن " ~~لأنه سائغ في كلامهم، أو يكون " بل " جوابا للقسم، لكن لما كانت متضمنة رفع ~~خبر وإتيان خبر بعده كانت أوكد من سائر التوكيدات، فحسن وضعها موضع " إن ". ~~PageV03P193 # وقيل: الجواب محذوف، أي والقرآن المجيد، ما الأمر كما يقول هؤلاء. أو ~~الحق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال الفراء في قوله تعالى: (إذا السماء انشقت) جوابه محذوف، أي فيومئذ ~~يلاقي حسابه. # وعن قتادة أن جوابه: (وأذنت لربها وحقت) يعني أن الواو فيها بمعنى ~~السقوط، كقوله تعالى: (فلما ms0681 أسلما وتله للجبين. وناديناه)، أي ناديناه. # حذف الجملة هي أقسام: قسم هي مسببة عن المذكور، وقسم هي سبب له، وقسم ~~خارج عنهما، فالأول: كقوله تعالى: (ليحق الحق ويبطل الباطل) فإن اللام ~~الداخلة على الفعل لابد لها من متعلق، يكون سببا عن مدخول اللام، فلما لم ~~يوجد لها متعلق في الظاهر وجب تقديره ضرورة، فيقدر: فعل ما فعل ليحق الحق. # والثاني: كقوله تعالى: (فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا)، فإن الفاء، إنما ~~تدخل على شيء مسبب عن شيء، ولا مسبب إلا له سبب، فإذا وجد المسبب - ولا سبب ~~له ظاهرا - أوجب أن يقدر ضرورة، فيقدر: فضربه فانفجر. # والثالث: كقوله تعالى: (فنعم الماهدون) أي نحن هم، أو هم نحن. # وقد يكون المحذوف أكثر من جملة كقوله تعالى: (فأرسلون. يوسف...) الآية، ~~فإن التقدير: " فأرسلون إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه لذلك، فجاء ~~فقال له: PageV03P194 # يا يوسف "، وإنما قلنا: إن هذا الكل محذوف، لأن قوله: (أرسلون) يدل لا ~~محالة على المرسل إليه، فثبت أن " إلى يوسف " محذوف. ثم إنه لما طلب ~~الإرسال إلى يوسف عند العجز الحاصل للمعبرين عن تعبير رؤيا الملك دل ذلك ~~على أن المقصود من طلب الإرسال إليه استعباره الرؤيا التي عجزوا عن تعبيرها ~~ومنه قوله تعالى: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم...) الآية، فأعقب بقوله ~~حكاية عنها: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلى كتاب كريم) تقديره: فأخذ ~~الكتاب فألقاه إليهم، فرأته بلقيس، وقرأته، و (قالت) يا أيها الملأ). # وقوله: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا)، حذف يطول، تقديره: ~~فلما ولد يحيى ونشأ وترعرع قلنا: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة). # ومنه قوله تعالى حكاية عن قوم موسى: (لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا ~~موسى قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا. ألا تتبعن أفعصيت أمري). # وقوله: (فلما رآه مستقرا عنده) إلى قوله (نكروا لها عرشها). # وقوله: (أفمن شرح الله صدره للإسلام) أي كمن قسا قلبه ترك على ظلمه ~~وكفره، ودل على المحذوف قوله: (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر ms0682 الله). # ومن حذف الجملة قوله تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها) قيل: المعنى جاعل في الأرض خليفة ~~يفعل كذا وكذا، وإلا فمن أين علم الملائكة أنهم يفسدون! وباقي الكلام يدل ~~على المحذوف. # وقوله: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه)، قال PageV03P195 # الفارسي: المعنى فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة:) واتقوا الله)، عطف على ~~قوله: # " فاكرهوا " وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه، كقوله تعالى: (فانفجرت)، أي ~~فضرب فانفجرت. فقوله: (كرهتموه) كلام مستأنف، وإنما دخلت الفاء لما في ~~الكلام من معنى الجواب، لأن قوله: (أيحب أحدكم) كأنهم قالوا في جوابه: لا، ~~فقال: فكرهتموه، أي فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة. # قال ابن الشجري: وهذا التقدير بعيد، لأنه قدر المحذوف موصولا، وهو " ما " ~~المصدرية، وحذف الموصول، وإبقاء صلته ضعيف، وإنما التقدير: فهذا كرهتموه، ~~والجملة المقدرة المحذوفة ابتدائية لا أمرية، والمعنى: فهذا كرهتموه ~~والغيبة مثله، وإنما قدرها أمرية ليعطف عليها الجملة الأمرية، في قوله: ~~(واتقوا الله). # حذف القول قد كثر في القرآن العظيم حتى إنه في الإضمار بمنزلة الإظهار، ~~كقوله تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى)، أي يقولون: # ما نعبدهم إلا للقربة. # ومنه: (ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا)، أي وقلنا كلوا، أو قائلين. # وقوله: (قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا)، أي قلنا. # (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا)، أي وقلنا: خذوا. ~~PageV03P196 # (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، أي ~~وقلنا: اتخذوا. # وقوله: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا)، أي يقولان: ~~ربنا. وعليه قراءة عبد الله. # (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم)، أي فيقال لهم، لأن " أما " لا بد لها ~~في الخبر من فاء، فلما أضمر القول أضمر الفاء. # وقوله: (وعندهم قاصرات الطرف أتراب. هذا ما توعدون)، أي يقال لهم هذا. # وقوله: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم)، أي يقولون سلام. # وقوله: (وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم)، أي يقولون لهم ذلك. # وقوله، (والذين ms0683 اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم)، أي يقولون ما نعبدهم. # وقوله: (فضلتم تفكهون. إنا لمغرمون)، أي يقولون إنا لمغرمون، أي معذبون، ~~وتفكهون: تندمون. # وقوله: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا) ~~أي يقولون ربنا. PageV03P197 # وقوله: (ماذا قال ربكم قالوا الحق)، أي قالوا: قال الحق. # حذف الفعل وينقسم إلى عام وخاص: # [الخاص] فأخاص نحو " أعني " مضمرا، وينتصب المفعول به في المدح، نحو ~~(والصابرين في البأساء والضراء)، وقوله: (والمقيمين الصلاة والمؤتون ~~الزكاة)، أي أمدح. # واعلم أنه إذا كان المنعوت متعينا لم يجز تقدير ناصب نعته بأعني، نحو ~~الحمد لله الحميد، بل المقدر فيه، وفي نحوه أذكر أو أمدح، فاعرف ذلك. والذم ~~نحو قوله تعالى: (وامرأته حمالة الحطب)، في قراءة النصب، والأخفش ينصب في ~~المدح بأمدح، وفي الذم بأذم. # واعلم أن مراد المادح إبانة الممدوح من غيره، فلا بد من إبانة إعرابه عن ~~غيره، ليدل اللفظ على المعنى المقصود، ويجوز فيه النصب بتقدير أمدح، والرفع ~~على معنى " هو "، ولا يظهران لئلا يصيرا بمنزلة الخبر. # والذي لا مدح فيه فاختزال العامل فيه واجب، كاختزاله في " والله لأفعلن ~~"، إذ لو قيل: " أحلف بالله " لكان عدة لا قسما. PageV03P198 # [العام] والعام كل منصوب دل عليه الفعل لفظا، أو معنى، أو تقديرا. ويحذف ~~لأسباب: # * * * أحدها: أن يكون مفسرا، كقوله تعالى: (إذا السماء انشقت)، (وإياي ~~فارهبون). # ومنه: (أبشرا منا واحدا نتبعه). (والسماء رفعها). (إذا الشمس كورت). (وإن ~~أحد من المشركين استجارك). (وإن طائفتان) فإنه ارتفع ب‍ " اقتتل " مقدرا. # قالوا: ولا يجوز حذف الفعل مع شيء من حروف الشرط العاملة، سوى " إن " ~~لأنها الأصل. # وجعل ابن الزملكاني هذا مما هو دائر بين الحذف والذكر، فإن الفعل المفسر ~~كالمتسلط على المذكور، ولكن لا يتعين إلا بعد تقدم إبهام، ولقد يزيده ~~الإضمار إبهاما، إذا لم يكن المضمر من جنس الملفوظ به، نحو: (والظالمين أعد ~~لهم عذابا أليما). # * * * الثاني: أن يكون هناك حرف جر، نحو (بسم الله الرحمن الرحيم) فإنه ~~يفيد PageV03P199 # أن المراد: بسم الله أقرأ أو أقوم، أو ms0684 أقعد عند القراءة، وعند الشروع في ~~القيام أو القعود، أي فعل كان. # واعلم أن النحاة اتفقوا على أن " بسم الله " بعض جملة، واختلفوا. # فقال البصريون: الجملة اسمية، أي ابتدائي بسم الله. # وقال الكوفيون: الجملة فعلية، وتابعهم الزمخشري في تقدير الجملة فعلية، ~~ولكن خالفهم في موضعين: أحدهما أنهم يقدرون الفعل مقدما، وهو يقدره مؤخرا. ~~والثاني: # أنهم يقدرونه فعل البداية، وهو يقدره في كل موضع بحسبه، فإذا قال الذابح: ~~بسم الله، كان التقدير: بسم الله أذبح، وإذا قال القارئ: بسم الله، ~~فالتقدير: بسم الله أقرأ. # وما قال أجود مما قالوا: لأن مراعاة المناسبة أولى من إهمالها، ولأن اسم ~~الله أهم من الفعل، فكان أولى بالتقديم، ومما يدل على ذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " باسمك ربي وضعت جنبي "، فقدم اسم الله على الفعل المتعلق ثم الجار، وهو ~~" وضعت ". # * * * الثالث: أن يكون جوابا لسؤال وقع، كقوله تعالى: (ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله). # وقوله: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيى به الأرض من بعد موتها ~~ليقولن الله). # وقوله: (كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم) أي بل نتبع. ~~PageV03P200 # أو جوابا لسؤال مقدر، كقراءة: (يسبح له فيها بالغدو والآصال. رجال) ببناء ~~الفعل للمفعول، فإن التقدير: يسبحه رجال. # وفيه فوائد: منها الإخبار بالفعل مرتين. ومنها جعل الفضلة عمدة. # ومنها: أن الفاعل فسر بعد اليأس منه كضالة وجدها بعد اليأس، ويصح أن يكون ~~" يسبح " بدل من " يذكر " على طريقة: (سبح اسم ربك الأعلى) و " له فيها " ~~خبر مبتدأ هو " رجال ". # مثله قراءة من قرأ: (زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم)، قال ~~أبو العباس: المعنى زينه شركاؤهم، فيرفع الشركاء بفعل مضمر دل عليه " زين ~~". # ومثله قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء) إن جعلنا قوله " لله شركاء " ~~مفعولي " جعلوا "، لأن " لله " في موضع الخبر المنسوخ، وشركاء نصب في موضع ~~المبتدأ. # وعلى هذا فيحتمل وجهين: أحدهما أن يكون مفعولا بفعل محذوف دل عليه سؤال ~~مقدر، كأنه قيل: أجعلوا لله شركاء؟ قيل جعلوا الجن، ms0685 فيفيد الكلام إنكار ~~الشريك مطلقا، فدخل اعتقاد الشريك من غير الجن في إنكار دخول اتخاذه من ~~الجن. # والثاني: ذكره الزمخشري أن الجن بدل من " شركاء "، فيفيد إنكار الشريك ~~مطلقا، كما سبق، وإن جعل " لله " صلة كان " شركاء الجن " مفعولين، قدم ~~ثانيهما على أولهما، وعلى هذا فلا حذف. # فأما على الوجه الأول فقيل: (وجعلوا لله شركاء الجن)، ولم يقل: " وجعلوا ~~PageV03P201 # الجن شركاء لله " تعظيما لاسم الله تعالى، لأن شأن الله أعظم في النفوس، ~~فإذا قدم " لله " والكلام فيه يستدعي طلب المجعول له ما هو؟ فقيل: شركاء ~~وقع في غاية التشنيع، لأن النفس منتظرة لهذا المهم المعلق بهذا المعظم ~~نهاية التعظيم، فإذا علم أنه علق به هذا المستبشع في النهاية، كان أعظم ~~موقعا من العكس، لأنه إذا قيل: وجعلوا شركاء لم يعطه تشوف النفوس، لجواز أن ~~يكون: جعلوا شركاء في أموالهم وصدقاتهم أو غير ذلك. # الثالث: أن الجعل غالبا لا يتعلق بالله ويخبر به إلا وهو جعل مستقبح ~~كاذب، إذ لا يستعمل جعل الله رحمة ومشيئة وعلما، ونحوه لا سيما بالاستقراء ~~القرآني، ك‍ (ويجعلون لله البنات) (ويجعلون لله ما يكرهون) إلى غير ذلك. # الرابع: أن أصل الجعل وإن جاز إسناده إلى الله فيما إذا كان الأمر لائقا، ~~فإن بابه مهول، لأن الله تعالى قد علمنا عظيم خطره، وألا نقول فيه إلا ~~بالعلم، كقوله: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (وإن الظن لا يغنى من ~~الحق شيئا)، إلى غير ذلك، مع ما دل عليه الأدب عقلا، وكان نفس الجعل ~~مستنكرا إن لم يتبع بمجعول لائق، فإذا أتبع بمجعول غير لائق منهم ثم فسر ~~بخاص مستنكر، صار قوله: (وجعلوا لله شركاء الجن) في قوة إنكار ذلك ثلاث ~~مرات: الأول جسارتهم في أصل الجعل، الثاني في كون المجعول شركاء، الثالث في ~~أنهم شركاء جن. # الخامس: أن في تقديم " لله " إفادة تخصيصهم إياه بالشركة على الوجه ~~الثالث، دون جميع ما يعبدون، لأنه الإله الحق. # السادس: أنه جئ بكلمة " جعلوا " لا " اعتقدوا " ولا " قالوا " لأنه أدل ms0686 ~~على إثبات المعتقد، لأنه يستعمل في الخلق والإبداع. PageV03P202 # السابع: كلمة " شركاء " ولم يقل " شريكا " وفاقا لمزيد ما فتحوا من ~~اعتقادهم. # الثامن: لم يقل " جنا "، وإنما قال " الجن "، دلالة على أنهم اتخذوا الجن ~~كلها وجعلوه من حيث هو صالح لذلك، وهو أقبح من التنكير الذي وضعه للمفردات ~~المعدولة. # * * * الرابع: أن يدل عليه معنى الفعل الظاهر، كقوله تعالى: (انتهوا خيرا ~~لكم)، أي وائتوا أمرا خيرا لكم، فعند سيبويه أن " خيرا " انتصب بإضمار " ~~ائت " لأنه لما نهاه علم أنه يأمره بما هو خير، فكأنه قال: " وأتوا خيرا "، ~~لأن النهي عن الشيء أمر بضده، ولأن النهي تكليف، وتكليف العدم محال، لأنه ~~ليس مقدورا، فثبت أن متعلق التكليف أمر وجودي، ينافي المنهى عنه وهو الضد. # وحمله الكسائي على إضمار " كان " أي يكن الانتهاء خيرا لكم. ويمنعه إضمار ~~كان، ولا تضمر في كل موضع، ومن جهة المعنى إذ من ترك ما نهى عنه فقد سقط ~~عنه اللوم، وعلم أن ترك المنهي عنه خير من فعله، فلا فائدة في قوله " خيرا ~~". # وحمله الفراء على أنه صفة لمصدر محذوف، أي انتهوا انتهاء خيرا لكم. وقال: ~~إن هذا الحذف لم يأت إلا فيما كان أفعل، نحو خير لك، وأفعل. # ورد مذهبه ومذهب الكسائي بقوله تعالى: (ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا ~~لكم)، لو حمل على ما قالا لا يكون خيرا، لأن من انتهى عن التثليث وكان ~~معطلا لا يكون خيرا له. وقول سيبويه وائت خيرا يكون أمرا بالتوحيد الذي هو ~~خير. # فلله در الخليل وسيبويه، ما أطلعهما على المعاني! PageV03P203 # وقوله: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم)، إن لم يجعل مفعولا معه، أي وادعوا ~~شركاءكم، وبإظهار " ادعوا " قرأ أبي، وكذلك هو مثبت في مصحف ابن مسعود. # وقوله تعالى: (فراغ عليهم ضربا باليمين)، قال ابن الشجري: معناه مال ~~عليهم يضربهم ضربا. ويجوز نصبه على الحال، نحو أتيته مشيا، أي ماشيا. # (ثم ادعهن يأتينك سعيا) أي ساعيات. وقوله: " باليمين " إما اليد أو ~~القوة. # وجوز ابن الشجري إرادة القسم والباء للتعليل، أي لليمين التي حلفها، وهي ~~قوله ms0687 تعالى: # (لأكيدن أصنامكم). # وزعم النووي في قوله تعالى: (قل لا تقسموا طاعة معروفة)، أن التقدير ليكن ~~منكم طاعة معروفة. # * * * الخامس: أن يدل عليه العقل كقوله تعالى: (فقلنا اضرب بعصاك الحجر ~~فانفجرت)، أي فضرب فانفجرت. # وقوله: (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر. ففتحنا)، قال النحاس: التقدير ~~فنصرناه ففتحنا أبواب السماء، لأن ما ظهر من الكلام يدل على ما حذف. # وقوله: (يمده من بعده سبعة أبحر) أي يكتب بذلك كلمات الله ما نفدت، قاله ~~أبو الفتح: # وقوله: (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم). # فقوله: " ثم أحياهم " معطوف على فعل محذوف تقديره فماتوا ثم أحياهم، ولا ~~يصح PageV03P204 # عطف قوله: " ثم أحياهم " على قوله: " موتوا " لأنه أمر، وفعل الأمر لا ~~يعطف على الماضي. # وقوله: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين)، أي فاختلفوا فبعث، وحذف ~~لدلالة قوله: (ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)، وهي في قراءة عبد الله ~~كذلك. # وقيل: تقديره كان الناس أمة واحدة كفارا، فبعث الله النبيين، فاختلفوا. # والأول أوجه. # وقوله: (أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم)، فالهمزة للإنكار، والواو للعطف، ~~والمعطوف عليه محذوف تقديره: أكذبتم وعجبتم أن جاءكم. # وقوله: (قال نعم وإنكم لمن المقربين)، هو معطوف على محذوف سد مسده حرف ~~الإيجاب، كأنه قال إيجابا لقولهم: (إن لنا لأجرا)، نعم إن لكم أجرا وإنكم ~~لمن المقربين. # وقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر)، أي فأفطر فعدة، خلافا ~~للظاهرية حيث أوجبوا الفطر على المسافر أخذا من الظاهر. # وقوله: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية)، أي فحلق ففدية. # وقوله: (فقلنا اضربوه ببعضها)، قال الزمخشري: التقدير فضربوه فحيى، ~~PageV03P205 # فحذف ذلك لدلالة قوله: (كذلك يحيى الله الموتى). # وزعم ابن جنى أن التقدير في قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) ~~أن التقدير فكيف يكون إذا جئنا. # * * * السادس: أن يدل عليه ذكره في موضع آخر، كقوله: (وإذ قتلتم نفسا)، ~~قال الواحدي: هو بإضمار " اذكر "، ولهذا لم يأت لإذ بجواب. ومثله قوله ~~تعالى: # (وإلى ثمود أخاهم صالحا)، وليس شيء ms0688 قبله تراه ناصبا ل‍ " صالحا " بل علم ~~بذكر النبي والمرسل إليه أن فيه إضمار " أرسلنا ". # وقوله: (ولسليمان الريح) أي وسخرنا. # ومثله: (ونوحا إذ نادى من قبل) (وذا النون). # وكذا: (وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث)، أي واذكر. # قال: ويدل على " اذكر " في هذه الآيات قوله تعالى: (واذكروا إذ أنتم قليل ~~مستضعفون في الأرض)، (وإذ كروا إذ كنتم قليلا فكثركم). # وما قاله ظاهر، إلا أن مفعول " اذكر " يكون محذوفا أيضا تقديره: " ~~واذكروا أخالكم " ونحوه إذا كان كذا، وذلك ليكون " إذ " في موضع نصب على ~~الظرف، ولو لم يفد ذلك المحذوف لزم وقوع " إذ مفعولا به، والأصح أنها لا ~~تفارق الظرفية. # * * * PageV03P206 # السابع: المشاكلة، كحذف الفاعل في " بسم الله " لأنه موطن لا ينبغي أن ~~يتقدم فيه سوى ذكر الله، فلو ذكر الفعل وهو لا يستغني عن فاعله كان ذلك ~~مناقضا للمقصود وكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى، ليكون المبدوء به اسم ~~الله، كما تقول في الصلاة: # الله أكبر، ومعناه " من كل شئ "، ولكن لا تقول هذا المقدر ليكون اللفظ في ~~اللسان مطابقا لمقصود الجنان، وهو أن يكون في القلب ذكر الله وحده. وأيضا ~~فلأن الحذف أعم من الذكر، فإن أي فعل ذكرته كان المحذوف أعم منه، لأن ~~التسمية تشرع عند كل فعل. # الثامن: أن يكون بدلا من مصدره، كقوله تعالى: (فضرب الرقاب)، وقوله (فإما ~~منا بعد وإما فداء)، أي فإما أن تمنوا، وإما أن تفادوا. # وقد اختلف في نصب " السلام " في قوله تعالى في سورة هود: (ولقد جاءت ~~رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما) وفي الذاريات: (هل أتاك حديث ضيف ~~إبراهيم المكرمين. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما)، وفي نصبها وجهان: # أحدهما: أن يكون منصوبا بالقول، أي يذكرون قولا " سلاما " فيكون من باب: # قلت حقا وصدقا. # الثاني: أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره: فقالوا سلمنا سلاما، أي سلمنا ~~تسليما، فيكون قد حكى الجملة بعد القول، ثم حذفها واكتفى ببعضها. # والحاصل أنه هل هو منصوب بالقول، أو بكونه مصدرا لفعل محذوف؟. # ومثله قوله تعالى: (وقيل للذين ms0689 اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا)، ~~PageV03P207 # منصوب، " بقالوا " كقولك فقلت حقا، أو منصوب بفعل مضمر أي قالوا: أنزل ~~خيرا، فيكون من باب حذف الجملة المحكية وتبقية بعضها. # وأما قوله تعالى: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين) ~~فمرفوع، لأنه لا يمكن نصبه على تقدير " قالوا أساطير الأولين "، لأنهم لم ~~يكونوا يرونه من عند الله حتى يقولوا ذلك، ولا هو أيضا من باب: قلت حقا ~~وصدقا، فلم يبق إلا رفعه. # تنبيه قد يشتبه الحال في أمر المحذوف وعدمه لعدم تحصيل معنى الفعل، كما ~~قالوا في قوله تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسماء الحسنى)، فإنه قد يظن أن الدعاء فيه بمعنى النداء، فلا يقدر في ~~الكلام حذف، وليس كذلك، وإلا لزم الاشتراك إن كانا متفاوتين، أو عطف الشيء ~~على نفسه، وإنما الدعاء هنا بمعنى التسمية التي تتعدى لمفعولين، أي سموه ~~الله أو الرحمن. # وقد يشتبه في تعيين المحذوف لقيام قرينتين، كقوله تعالى: (بلى قادرين) ~~قدره سيبويه ب‍ " بلى نجمعها قادرين "، فقادرين حال وحذف الفعل لدلالة: (أن ~~لن نجمع) عليه. # وقدره الفراء " نحسب " لدلالة (أيحسب الانسان) أي بلى تحسبنا قادرين. ~~PageV03P208 # وتقدير سيبويه أولى، لأن " بلى " ليس جوابا ل‍ " يحسب " إنما هو جواب ل‍ ~~" أن لن نجمع " وقدره بعضهم: بلى نقدر قادرين. # وقيل: منصوب، لوقوعه موقع الفعل، وهو باطل، لأنه ليس من نواصب الاسم ~~وقوعه موقع الفعل. # تنبيه آخر إن الحذف على ضربين: أحدهما ألا يقام شيء مقام المحذوف كما ~~سبق. والثاني: أن يقام مقامه ما يدل عليه، كقوله تعالى: (فإن تولوا فقد ~~أبلغتكم ما أرسلت به إليكم)، ليس الإبلاغ هو الجواب لتقدمه على قولهم، ~~والتقدير: فإن تولوا فلا ملام على، لأني قد أبلغتكم. # وقوله: (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك)، فلا تحزن واصبر. # وقوله: (وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين) أي يصيبهم ما أصاب الأولين. # حذف الحرف قال أبو الفتح في " المحتسب ": أخبرنا أبو علي قال: قال أبو ~~بكر بن السراج: # حذف الحرف ليس ms0690 يقاس، وذلك لأن الحرف نائب عن الفعل بفاعله، ألا تراك إذا ~~قلت: # ما قام زيد، فقد نابت " ما " عن أنفي كما نابت " إلا " عن أستثني، وكما ~~نابت الهمزة وهل عن " أستفهم "، وكما نابت حروف العطف عن أعطف، ونحو ذلك. ~~فلو ذهبت PageV03P209 # تحذف الحرف، لكان ذلك اختصارا، واختصار المختصر إجحاف به، إلا إذا صح ~~التوجه إليه، وقد جاز في بعض الأحوال حذفه لقوة الدلالة عليه. انتهى. # فمنه الواو، تحذف لقصد البلاغة، فإن في إثباتها ما يقتضى تغاير ~~المتعاطفين، فإذا حذفت أشعر بأن الكل كالواحد: كقوله تعالى: (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت ~~البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر)، تقديره: ولا يألونكم خبالا. # وقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناعمة)، أي ووجوه. # وخرج عليه الفارسي قوله تعالى: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت ~~لا أجد ما أحملكم عليه تولوا...) الآية. وقال: تقديره: " وقلت لا أجد "، ~~فهو معطوف على قوله: " أتوك " لأن جواب " إذا " قوله: (تولوا). # ومنعه ابن الشجري في أماليه، وعلى هذا فلا موضع له من الإعراب، لأنه ~~معطوف على الصلة، والصلة لا موضع لها من الإعراب، فكذلك ما عطف عليها. # وقال الزمخشري: هي حال من الكاف في " أتوك "، و " قد " قبله مضمرة كما في ~~قوله: # (أو جاؤوكم حصرت صدورهم) أي إذا ما أتوك قائلا: لا أجد تولوا. وعلى هذا ~~فله موضع من الإعراب لأنه حال. # قال السهيلي في أماليه: ليس معنى الآية كما قالوا، لأن رفع الحرج عن ~~القوم ليس مشروطا بالبكاء عند التولي، وإنما شرطه عدم الجدة، والآية نزلت ~~في السبعة الذين سمى أبو إسحاق، ولو كان جواب " إذا أتوك " في قوله: (تولوا ~~وأعينهم تفيض) لكان من لم تفض عيناه من الدمع هو الذي حرج وأثم، وما رفع ~~الله الحرج عنهم إلا لأن الرسول PageV03P210 # لم يجد ما يحملهم عليه. وإذا عطفت " قلت لا أجد " على " أتوك " كان الحرج ~~غير مرفوع عنهم حتى يقال: (وأعينهم تفيض)، فجواب " إذا " في ms0691 قوله " لا أجد ~~"، وما بعد ذلك خبر ونبأ على هؤلاء السبعة الذين كانوا سبب نزول هذه الآية، ~~ففضيلة البكاء مخصوصة بهم، ورفع الحرج بشرط عدم الجدة عام فيهم وفي غيرهم. # وقال الواحدي في قوله تعالى: (قالوا اتخذ الله ولدا): آية البقرة في ~~مصاحف الشام بغير واو، يعني قراءة ابن عامر، لأن هذه الآية ملابسة لما ~~قبلها من قوله: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله) لأن القائلين: " اتخذ الله ~~ولدا " من جملة المتقدم ذكرهم، فيستغنى عن ذكر الواو لالتباس الجملة بما ~~قبلها، كما استغنى عنها في نحو قوله: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون) ولو كان " وهم " كان حسنا، إلا أن التباس إحدى ~~الجملتين بالأخرى وارتباطها بها أغنى عن الواو. # ومثله: (سيقولون ثلاثة رابعهم) ولم يقل: " ورابعهم " كما قال: # (وثامنهم) ولو حذف الواو منها كما حذف من التي قبلها واستغنى عن الواو ~~بالملابسة التي بينهما كان حسنا. ويمكن أن يكون حذف الواو لاستئناف الجملة، ~~ولا يعطف على ما تقدم. انتهى. # وحصل من كلامه أنه عند حذف الواو يجوز أن يلاحظ معنى العطف، ويكتفى للربط ~~بينها وبين ما قبلها بالملابسة كما ذكر. ويجوز ألا يلاحظ ذلك، فتكون الجملة ~~مستأنفة. # قال ابن عمرون: وحذف الواو في الجمل أسهل منه في المفرد، وقد كثر حذفها ~~في الجمل PageV03P211 # في الكلام المحمول بعضه على بعض، نحو قوله تعالى: (قال لو فرعون وما رب ~~العالمين. # قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. قال لمن حوله ألا ~~تستمعون. قال ربكم ورب آبائكم الأولين. قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم ~~لمجنون. قال رب المشرق والمغرب) كله محمول بعضه على بعض، والواو مزادة، ~~حذفت لاستقلال الجمل بأنفسها بخلاف المفرد، ولأنه في المفرد ربما أوقع لبسا ~~في نحو " رأيت زيدا ورجلا عاقلا "، ولو جاز حذف الواو احتمل أن يكون " رجلا ~~" بدلا بخلاف الجملة. # وقريب منه قوله تعالى: (فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون)، أي " ~~وقال ". # ومنه الفاء في جواب الشرط على رأى، وخرج ms0692 عليه قوله تعالى: (إن ترك خيرا ~~الوصية) أي فالوصية. # والفاء في العطف كقوله: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا ~~هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) تقديره " فقال أعوذ بالله "، ~~ذكره ابن الشجري في أماليه. # وقوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله) حذف حرف ~~العطف من قوله: " قال "، ولم يقل: " فقال " كما في قصة نوح، لأنه على تقدير ~~سؤال سائل قال: ما قال لهم هود؟ فقيل: قال يا قوم اعبدوا الله واتقوه. ~~PageV03P212 # ومنه حذف همزة الاستفهام، كقوله تعالى: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ~~قال هذا ربي)، أي أهذا ربي؟ # وقوله: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) أي أفمن نفسك! # وقوله: (وتلك نعمة تمنها علي) أي أو تلك نعمة؟ # وقوله: (إنك لأنت يوسف) على قراءة ابن كثير بكسر الهمزة، على خلاف في ذلك ~~جميعه. # ومنه حذف ألف ما الاستفهامية مع حرف الجر للفرق بين الاستفهامية والخبرية ~~كقوله تعالى: (فلم تقتلون أنبياء الله) (فيم أنت من ذكراها) (عم يتساءلون) ~~و (مم خلق). # ومنه حذف الياء في (والليل إذا يسر) للتخفيف ورعاية الفاصلة. # ومنه حذف حرف النداء، كقوله: (ها أنتم هؤلاء)، أي يا هؤلاء. # وقوله: (يوسف)، أي يا يوسف. # وقوله: (رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس)، أي يا رب. # ويكثر في المضاف نحو: (فاطر السماوات الذي) (ربنا أنزل علينا مائدة). # وكثر ذلك في نداء الرب سبحانه، وحكمة ذلك دلالته على التعظيم والتنزيه، ~~لأن النداء يتشرب معنى الأمر، لأن إذا قلت: يا زيد، فمعناه أدعوك يا زيد، ~~فحذفت " يا " من نداء الرب، ليزول معنى الأمر، ويتمحص التعظيم والإجلال. ~~PageV03P213 # وقال الصفار: يجوز حذف حرف النداء من المنادى، إلا إذا كان المنادى نكرة ~~مقبلا عليها، إذ لا دليل عليه، وإلا إذا كان اسم إشارة. # ومنه حذف " لو " في قوله تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ~~إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)، تقديره: لو كان معه إله ~~لذهب كل ms0693 إله بما خلق. # وقوله: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذن لارتاب ~~المبطلون)، معناه لو كان كذلك لارتاب المبطلون. # ومنه حذف " قد " في قوله تعالى: (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون)، أي وقد ~~اتبعك، لأن الماضي لا يقع موقع الحال إلا و " قد " معه ظاهرة أو مقدرة. # ومثلها: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) أي وقد كنتم. # وقوله: (أو جاؤوكم حصرت صدورهم) قيل معناه " قد حصرت " بدلالة قراءة ~~يعقوب. " حصرة صدورهم ". وقال الأخفش: الحال محذوفة، و " حصرت صدورهم " ~~صفتها، أي جاؤوكم يوما حصرت، دعاء عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم ~~طريقته قاتلهم الله. ورده أبو علي بقوله أي قاتلوا قومهم فلا يجوز أن يدعى ~~عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم، لكن بقول: اللهم ألق بأسهم بينهم. # ومنه حذف " أن " في قوله تعالى: (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا)، ~~المعنى أن يريكم. PageV03P214 # وحذف " لا " في قوله: " تالله تفتأ تذكر)، أي لا تفتأ، لأنها ملازمة ~~للنفي، ومعناها لا تبرح. # وقوله: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم)، أي لا تميد. # وقوله: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك)، أي لا تبوء. # وبهذا يزول الإشكال من الآية: (وعلى الذين يطيقونه فدية) أي لا يطيقونه، ~~على قول. # فائدة [في حذف الجار ثم إيصال الفعل إلى المجرور] كثر في القرآن حذف ~~الجار، ثم إيصال الفعل إلى المجرور به، كقوله تعالى: (واختار موسى قومه)، ~~أي من قومه. # (ورفع بعضهم درجات). # (ولا تعزموا عقدة النكاح)، أي على عقدة. # (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه)، أي يخوفكم بأوليائه، ولذلك قال: # (فلا تخافوهم). # (ويبغونها عوجا)، أي يبغون لها. PageV03P215 # (والقمر قدرناه) أي قدرنا له. # (سنعيدها سيرتها) أي على سيرتها. # فصل [فيما حذف في آية وأثبت في أخرى] من الأنواع ما حذف في آية، وأثبت في ~~أخرى، وهو قسمان: # أحدهما: أن يكون ما حذف منه محمولا على المذكور، كالمطلق في الرقبة في ~~كفارة الظهار، مقيدا بالمؤمنة في كفارة القتل. # وكقوله: (وجنة عرضها السماوات والأرض) قيدت بالتشبيه في موضع آخر. # ومنه ms0694 قوله تعالى في سورة البقرة: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل ~~من الغمام والملائكة) وقوله في سورة النحل: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة أو يأتي أمر ربك)، فإن هذه تقتضي أن الأولى على حذف مضاف. # * * * PageV03P216 # والقسم الثاني: لا يكون مرادا. فمنه قوله تعالى في سورة المؤمنين: (لكم ~~فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون)، وفي الزخرف: (لكم فيها فاكهة كثيرة منها ~~تأكلون). # وقوله في البقرة: (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) وفي سورة ~~الأعراف: (أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون). # وحكمته أنه قد اختلف الخبران في سورة البقرة، فلذلك دخل العاطف، بخلاف ~~الخبرين في الأعراف، فإنهما متفقان، لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم ~~بالبهائم واحد، فكانت الجملة الثالثة مقررة ما في الأولى فهي من العطف ~~بمعزل. # ومنه قوله تعالى في البقرة: (إن الذين كفروا سواء عليهم) وقال في يس: ~~(وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) مع العاطف، وحكمته أن ما في يس وما ~~بعده جملة معطوفة على جملة أخرى، فاحتاجت إلى العاطف. والجملة هنا ليست ~~معطوفة، فهي من العطف بمعزل. # ومنه قوله تعالى: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم) فأثبت الواو في ~~الأعراف، وحذفها في الكهف، فقال: (وإن تدعهم إلى الهدى) والفرق بينهما أن ~~الذي في الأعراف خطاب لجمع، وأصله " تدعونهم "، حذفت للجزم، والتي في الكهف ~~خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو واحد، وعلامة الجزم فيه سقوط الواو. # ومنه في آل عمران: (جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير) وفي فاطر: ~~PageV03P217 # (جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير) والفرق أن الأولى حذفت ~~الباء فيها للاختصار استغناء بالتي قبلها، والثانية وخرجت عن الأصل ~~للتوكيد، وتقدير المعنى كما تقول: مررت بك وبأخيك وبأبيك، إذا اختصرت. # ومنه قوله في قصة ثمود: (ما أنت إلا بشر مثلنا)، وفي قصة شعيب: # (وما أنت)، بالواو، والفرق أن الأولى جرى على انقطاع الكلام عند ~~النحويين، واستئناف (ما أنت)، فاستغنى عن الواو لما تقرر من الابتداء، وفي ~~الثانية جرى في العطف، وأن يكون قوله (وما أنت) ms0695 معطوفا على (إنما أنت). # ومنه قوله تعالى في سورة النحل: (ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما ~~يمكرون)، وفي سورة النمل (ولا تكن في ضيق)، بإثبات النون، وحكمته أن القصة ~~لما طالت في سورة النحل ناسب التخفيف بحذف النون، بخلافه في سورة النمل، ~~فإن الواو استئنافية، ولا تعلق لها بما قبلها. # وقوله في البقرة: (فلا تكونن من الممترين)، وفي آل عمران: (فلا تكن من ~~الممترين)، وحكمته أن الخطاب في البقرة لليهود وهم أشد جدالا. # ومنه قوله في الأعراف: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) وفي الأنعام: # (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم ~~لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا). PageV03P218 # ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: (ويقتلون النبيين بغير الحق)، وفي سورة ~~آل عمران: (بغير حق). والحكمة فيه أن الجملة في آل عمران خرجت مخرج الشرط، ~~وهو عام، فناسب أن يكون النفي بصيغة التنكير، حتى يكون عاما، وفي سورة ~~البقرة جاء عن أناس معهودين، وهو قوله تعالى: (ذلك بأنهم كانوا يكفرون ~~بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق)، فناسب أن يؤتى بالتعريف، لأن الحق ~~الذي كان يستباح به قتل الأنفس عندهم كان معروفا، كقوله تعالى: (وكتبنا ~~عليهم فيها أن النفس بالنفس)، فالحق هنا الذي تقتل به الأنفس معهود معروف، ~~بخلاف ما في سورة آل عمران. # ومنه قوله تعالى في هود حاكيا عن شعيب: (ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني ~~عامل سوف تعلمون)، وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقول لقريش: # (ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون). # ويمكن أن يقال: لما كررت مراجعته لقومه، ناسب اختصاص قصته بالاستئناف ~~الذي هو أبلغ في الإنذار والوعيد، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فكانت مدة ~~إنذاره لقومه قصيرة، فعقب عملهم على مكافأتهم بوعيدهم بالفاء، إشارة إلى ~~قرب نزول الوعيد لهم بخلاف شعيب، فإنه طالت مدته في قومه، فاستأنف لهم ذكر ~~الوعيد. # ولعل قوم شعيب سألوه السؤال المتقدم، فأجابهم بهذا الجواب، والفاء لا ~~تحسن فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم ms0696 لم يقل ذلك جوابا للسؤال، ولا يحسن ~~معه الحذف. # ومنه أنه تعالى قال في خطاب المؤمنين: (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~PageV03P219 # عذاب أليم)، إلى أن قال: (يغفر لكم ذنوبكم)، وقال في خطاب الكافرين: ~~(يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم)، (يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر ~~لكم من ذنوبكم). # قال الزمخشري في تفسير سورة إبراهيم: ما علمته جاء الخطاب هكذا في القرآن ~~إلا في خطاب الكافرين، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين، ولئلا يسوي بين ~~الفريقين في الميعاد. # واعترض الإمام فخر الدين بأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا ~~الجواب، وإن لم يحصل كان هذا الكلام فاسدا. # وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان في تفسيره: ويقال: ما فائدة الفرق في ~~الخطاب والمعنى مشترك؟ إذ الكافر إذا آمن والمؤمن إذا تاب مشتركان في ~~الغفران، وما تخيلت فيه مغفرة بعض الذنوب من الكافر إذا هو آمن، موجود في ~~المؤمن إذا تاب. # وسيأتي بسط الكلام على ذلك في آخر الكتاب. # الإيجاز وهو قسم من الحذف، ويسمى إيجاز القصر، فإن الإيجاز عندهم قسمان: ~~وجيز بلفظ، ووجيز بحذف. PageV03P220 # فالوجيز باللفظ أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من القدر المعهود ~~عادة، وسبب حسنه أنه يدل على التمكن في الفصاحة، ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم: " أوتيت جوامع الكلم ". # واللفظ لا يخلو إما أن يكون مساويا لمعناه وهو المقدر، أو أقل منه وهو ~~المقصور. # أما المقدر فكقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان...) الآية. # وقوله: (قتل الانسان ما أكفره)، وهو كثير. # وأما المقصور، فإما أن يكون نقصان لفظه عن معناه لاحتمال لفظه لمعان ~~كثيرة، أولا. # * * * الأول كاللفظ المشترك الذي له مجازان، أو حقيقة ومجاز إذا أريد ~~معانيه، كما في قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي)، فإن ~~الصلاة من الله مغايرة للصلاة من الملائكة، والحق أنه من القدر المشترك وهو ~~الاعتناء والتعظيم. # وكذلك قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات...) الآية، ~~فإن السجود في الكل يجمعه معنى واحد، ms0697 وهو الانقياد. # * * * والثاني كقوله: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين). # وقوله: (أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). PageV03P221 # وكذلك قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)، إذ معناه كبير، ولفظه يسير. # وقد نظر لقول العرب: " القتل أنفى للقتل "، وهو بنون ثم فاء، ويروي بتاء ~~ثم قاف، ويروي " أوقى ". والمعنى أنه إذا أقيم وتحقق حكمه خاف من يريد قتل ~~أحد أن يقتص منه، وقد حكاه الحوفي في تفسيره عن علي بن أبي طالب، وقال: قول ~~علي في غاية البلاغة، وقد أجمع الناس على بلاغته وفصاحته، وأبلغ منه قوله ~~تعالى: (ولكم في القصاص حياة) وقد تكلموا في وجه الأبلغية، انتهى. # وقد أشار صاحب " المثل السائر " إلى إنكار ذلك، وقال: لا نسبة بين كلام ~~الخالق عز وجل وكلام المخلوق، وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم ~~من ذلك، وهو كما قال، وكيف يقابل المعجز بغيره مفاضلة، وهو منه في مرتبة ~~العجز عن إدراكه: # وماذا يقول القائلون إذا بدا * جمال خطاب فات فهم الخلائق وجملة ما ذكروا ~~في ذلك وجوه: # أحدها أن قوله (القصاص حياة) أوجز، فإن حروفه عشرة، وحروف " القتل أنفى ~~للقتل " أربعة عشر حرفا، والتاء وألف الوصل ساقطان لفظا، وكذا التنوين ~~لتمام الكلام المقتضى للوقف. # الثاني: أن قولهم فيه كلفة بتكرير القتل، ولا تكرير في الآية. # الثالث: أن لفظ " القصاص "، فيه حروف متلائمة، لما فيه من الخروج من ~~القاف إلى الصاد، إذ القاف من حروف الاستعلاء، والصاد من حروف الاستعلاء ~~والإطباق، PageV03P222 # بخلاف الخروج من القاف إلى التاء، التي هي حرف منخفض، فهو غير ملائم، ~~وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد ~~ما دون طرف اللسان وأقصى الحلق. # الرابع: في النطق بالصاد والحاء والتاء حسن الصوت، ولا كذلك تكرير القاف ~~والفاء. # الخامس: تكرير ذلك في كلمتين متماثلتين بعد فصل طويل، وهو ثقل في الحروف ~~أو الكلمات. # السادس: الإثبات أول والنفي ثان عنه، والإثبات أشرف. # السابع: أن القصاص المبني على المساواة أوزن في المعادلة من مطلق القتل، ~~ولذلك يلزم ms0698 التخصيص، بخلاف الآية. # الثامن: الطباع أقبل للفظ " الحياة " من كلمة " القتل "، لما فيه من ~~الاختصار، وعدم تكرار الكلمة، وعدم تنافر الحروف، وعدم تكرار الحرفين، ~~وقبول الطبع للفظ " الحياة " وصحة الإطلاق. # التاسع: أن نفي القتل لا يستلزم الحياة، والآية ناصة على ثبوتها التي هي ~~الغرض المطلوب منه. # العاشر: أن قولهم لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة، وقوله: ~~(في القصاص حياة) مفهوم لأول وهلة. # الحادي عشر: أن قولهم خطأ، فإن القتل كله ليس نافيا للقتل، فإن القتل ~~العدواني لا ينفى القتل، وكذا القتل في الردة والزنا لا ينفيه، وإنما ينفيه ~~قتل خاص PageV03P223 # وهو قتل القصاص، فالذي في الآية تنصيص على المقصود، والذي في المثل لا ~~يمكن حمله على ظاهره. # الثاني عشر: فيه دلالة على ربط المقادير بالأسباب، وإن كانت الأسباب أيضا ~~بالمقادير، وكلام العرب يتضمنه، إلا أن فيه زيادة وهي الدلالة على ربط ~~الأجل في الحياة، بالسبب، لا من مجرد نفي القتل. # الثالث عشر: في تنكير " حياة " نوع تعظيم، يدل على أن في القصاص حياة ~~متطاولة، كقوله: (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) ولا كذلك المثل، فإن اللام ~~فيه للجنس، ولهذا فسروا الحياة فيها بالبقاء. # الرابع عشر: فيه بناء أفعل التفضيل من متعد، والآية سالمة منه. # الخامس عشر: أن " أفعل " في الغالب تقتضي الاشتراك، فيكون ترك القصاص ~~نافيا للقتل، ولكن القصاص أكثر نفيا، وليس الأمر كذلك، والآية سالمة من ~~هذا. # السادس عشر: أن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق ~~به، وظهرت فصاحته، بخلافه إذا تعقب كل حركة سكون، والحركات تنقطع بالسكنات. ~~نظيره: # إذا تحركت الدابة أدنى حركة، فخنست، ثم تحركت فخنست، لا يتبين انطلاقها، ~~ولا تتمكن من حركتها على ما نختاره، وهي كالمقيدة، وقولهم: " القتل أنفي ~~للقتل "، حركاته متعاقبة بالسكون بخلاف الآية. # السابع عشر: الآية اشتملت على فن بديع، وهو جعل أحد الضدين الذي هو ~~الفناء والموت محلا ومكانا لضده الذي هو الحياة، واستقرار الحياة في الموت ~~مبالغة عظيمة ذكره في الكشاف. PageV03P224 # الثامن عشر: أن ms0699 في الآية طباقا، لأن القصاص مشعر بضد الحياة، بخلاف ~~المثل. # التاسع عشر: القصاص في الأعضاء والنفوس، وقد جعل في الكل حياة، فيكون ~~جمعا بين حياة النفس والأطراف، وإن فرض قصاص بما لا حياة فيه كالسن، فإن ~~مصلحة الحياة تنقص بذهابه، ويصير كنوع آخر، وهذه اللطيفة لا يتضمنها المثل. # العشرون: أنها أكثر فائدة لتضمنه القصاص في الأعضاء، وأنه نبه على حياة ~~النفس من وجهين: من وجه به القصاص صريحا، ومن وجه القصاص في الطرف، لأن أحد ~~أحوالها أن يسرى إلى النفس فيزيلها، ولا كذلك المثل. # وقد قيل غير ذلك. # وأما زيادة (لكم) ففيها لطيفة، وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص، ~~وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم، لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم. # والحاصل أن هذا من البيان الموجز الذي لا يقترن به شيء. # * * * ومن بديع الإيجاز قوله تعالى: (قل هو الله أحد. الله الصمد...) ~~الآية، فإنها نهاية التنزيه. # وقوله: (كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم)، وهذا ببيان عجيب ~~يوجب التحذير من الاغترار بالإمهال. # وقوله: (إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين). # وقوله: (إن المتقين في مقام أمين)، وهذا من أحسن الوعد والوعيد. ~~PageV03P225 # وقوله: (فاصدع بما تؤمر)، فهذه ثلاث كلمات اشتملت على جميع ما في ~~الرسالة. # وقوله: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)، فهذه جمعت مكارم ~~الأخلاق كلها، لأن في (خذ العفو) صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وفي ~~الأمر بالمعروف تقوى الله وصلة الأرحام، وصرف اللسان عن الكذب، وفي الإعراض ~~عن الجاهلين الصبر والحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السفيه. # وقوله: (مدهامتان)، معناه مسودتان من شدة الخضرة. # وقوله: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت). # وقوله: (أخرج منها ماءها ومرعاها)، فدل بأمرين على جميع ما أخرجه من ~~الأرض قوتا ومتاعا للأنام، من العشب، والشجر، والحب، والتمر، والعصف، ~~والحطب، واللباس، والنار، والملح، لأن النار من العيدان، والملح من الماء. # وقوله: (يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل)، فدل على نفسه ~~ولطفه ووحدانيته وقدرته، وهدى للحجة عل من ms0700 ضل عنه، لأنه لو كان ظهور الثمرة ~~بالماء والتربة، لوجب في القياس ألا تختلف الطعوم والروائح، ولا يقع ~~التفاضل في الجنس الواحد إذا نبت في مغرس واحد، ولكنه صنع اللطيف الخبير. # وقوله: (لا يصدعون عنها ولا ينزفون) كيف نفى بهذين جميع عيوب الخمر، وجمع ~~بقوله: (لا ينزفون) عدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب. PageV03P226 # وقوله: (ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. # ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) فدل على فضل ~~السمع والبصر، حيث جعل مع الصم فقدان العقل، ولم يجعل مع العمي إلا فقدان ~~البصر وحده. # وقوله: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر ~~واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) كيف أمر ونهى، وأخبر ونادى، ~~ونعت وسمى، وأهلك وأبقى، وأسعد وأشقى، وقص من الأنباء ما لو شرح ما اندرج ~~في هذه الجملة من بديع اللفظ والبلاغة والإيجاز والبيان لجفت الأقلام ~~وانحسرت الأيدي. # وقوله تعالى عن النملة: (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) فجمع في هذه ~~اللفظة أحد عشر جنسا من الكلام، نادت، وكنت ونبهت وسمت، وأمرت، وقضت وحذرت، ~~وخصت، وعمت، وأشارت، وغدرت، فالنداء " يا "، والكناية " أي " والتنبيه " ها ~~"، والتسمية النمل، والأمر، " ادخلوا "، والقصص " مساكنكم " والتحذير " لا ~~يحطمنكم "، والتخصيص سليمان، والتعميم جنوده، والإشارة " وهم "، والغدر لا ~~يشعرون. فأدت خمس حقوق: حق الله، وحق رسوله، وحقها، وحق رعيتها وحق جنود ~~سليمان. فحق الله أنها استرعيت على النمل فقامت بحقهم، وحق سليمان أنها ~~نبهته على النمل، وحقها اسقاطها حق الله عن الجنود في نصحهم، وحق الجنود ~~بنصحها لهم ليدخلوا مساكنهم، وحق الجنود إعلامها إياهم وجميع الخلق أن من ~~PageV03P227 # استرعاه رعية فوجب عليه حفظها والذب عنها، وهو داخل في الخبر المشهور: " ~~كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". # ويقال: إن سليمان عليه السلام لم يضحك في عمره إلا مرة واحدة، وأخرى حين ~~أشرف على وادي النمل فرآها على كبر الثعالب، لها خراطيم وأنياب، فقال ~~رئيسهم: ادخلوا مساكنكم، فخرج كبير النمل في ms0701 عظم الجواميس، فلما نظر إليه ~~سليمان هاله، فأراه الخاتم، فخضع له، ثم قال: أهذه كلها نمل؟ فقال: إن ~~النمل لكبير، إنها ثلاثة أصناف: صنف في الجبال، وصنف في القرى، وصنف في ~~المدن. فقال سلميان عليه السلام: اعرضها علي، فقال له: قف. فبقي سليمان ~~عليه السلام تسعين يوما واقفا، يمر عليه النمل، فقال: # هل انقطعت عساكركم، فقال ملك النمل: لو وقفت إلى يوم القيامة ما انقطعت. # فذكر الجنيد أن سليمان عليه السلام قال لعظيم النمل: لم قلت للنمل: ~~ادخلوا مساكنكم؟ # أخفت عليهم من ظلمنا؟ قال: لا، ولكن خفت أن يفتتنوا بما رأوا من ملكك، ~~فيشغلهم ذلك عن طاعة الله. # وقوله: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم. قل يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة)، وهذا أشد ما يكون من الحجاج. # وقوله: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون)، وهذا أعظم ~~ما يكون من التحسير. # وقوله: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)، وهذا أشد ما يكون من ~~التنفير عن الخلة إلا على التقوى. PageV03P228 # وقوله: (أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله)، وهذا أشد ما ~~يكون من التحذير من التفريط. # وقوله: (أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة)، وهذا أشد ~~ما يكون من التبعيد. # وقوله: (اعلموا ما شئتم)، فهذا أعظم ما يكون من التخيير. # وقوله: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد. لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا ~~عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد)، وهذا أبلغ ما يكون من التذكير. # وقوله: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. # أتواصوا به بل هم قوم طاغون)، وهذا أشد ما يكون في التقريع على التمادي ~~في الباطل. # وقوله: (هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون. يطوفون بينها وبين حميم آن)، ~~وهذا أشد ما يكون من التقريع. # (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)، وهذا غاية الترهيب. # وقوله: (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون)، وهذه غاية ~~الترغيب. ms0702 PageV03P229 # وقوله: (ما أتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ~~ولعلا بعضهم على بعض). # وقوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)، وهذا أبلغ ما يكون من ~~الحجاج، وهو الأصل الذي عليه أثبتت دلالة التمانع في علم الكلام. # وقوله: (فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون)، وهذا ~~أبلغ ما يكون من الوصف بكل ما تميل إليه النفس من الشهوات، وتلذ الأعين من ~~المرئيات، ليعلم أن هذا اللفظ القليل جدا، حوى معاني كثيرة لا تنحصر عددا. # وقوله: (يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو)، وهذا أشد ما يكون من الخوف. # وقوله: (لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله). # وقوله: (إنما بغيكم على أنفسكم). # وقوله: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب). # وقوله: (هدى للمتقين). # وقوله: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع). # وقوله: (فانبذ إليهم على سواء)، معناه قابلهم بما يفعلونه معك، وعاملهم ~~مثل معاملتهم لك سواء، مع ما يدل عليه " سواء " من الأمر بالعدل. # وقوله: (وغيض الماء وقضى الأمر)، فإنه أشار به إلى انقطاع مدة الماء ~~النازل PageV03P230 # من السماء والنابع من الأرض. وقوله: (وقضى الأمر) أي هلك من قضى هلاكه، ~~ونجا من قدرت نجاته، وإنما عدل عن لفظه إلى لفظ التمثيل، لأمرين اختصار ~~اللفظ، وكون الهلاك والنجاة كانا بأمر مطاع، إذ الأمر يستدعى آمرا ومطاعا، ~~وقضاؤه يدل على قدرته. # * * * ومن أقسام الإيجاز الاقتصار على السبب الظاهر للشيء، اكتفاء بذلك ~~عن جميع الأسباب، كما يقال: فلان لا يخاف الشجعان، والمراد لا يخاف أحدا. # ومنه قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن)، ولا شك أن من فسخت النكاح ~~أيضا تتربص، لأن السبب الغالب للفراق الطلاق. # وقوله: (أو جاء أحد منكم من الغائط)، ولم يذكر النوم وغيره، لأن السبب ~~الضروري الناقض خروج الخارج: فإن النوم الناقض ليس بضروري، فذكر السبب ~~الظاهر، وعلم منه الحكم في الباقي. # ومنه قوله: (يعلم السر وأخفى)، أي وهو ما لم يقع في وهم الضمير من ~~الهواجس، ولم يخطر على القلوب ms0703 من مخيلات الوساوس. # ومنه: (إن الله وملائكته يصلون على النبي)، ونظائره. # وكذلك زيد وعمرو قائم، على القول بأن " قائم " خبر عن أحدهما، واستغنى به ~~عن خبر الآخر. # ومنها الاقتصار على المبتدأ وإقامة الشيء مقام الخبر نحو: أقائم الزيدان، ~~فإن " قائم " مبتدأ لا خبر له. # ومنها باب " علمت أنك قائم "، إذا جعلنا الجملة سادة مسد المفعولين، فإن ~~الجملة PageV03P231 # محلة لاسم واحد سد مسد اسمين مفعولين من غير حذف. # ومنه باب النائب عن الفاعل، في " ضرب زيد " ف‍ " زيد " دل على الفاعل ~~بإعطائه حكمه، وعلى المفعول بوضعه. # ومنها جميع أدوات الاستفهام والشرط، فإن " كم مالك "؟ يغنى عن عشرين أو ~~ثلاثين، و " من يقم أكرمه " يغنى عن زيد وعمرو، قاله ابن الأثير في " ~~الجامع ". # ومنه الألفاظ اللازمة للعموم، مثل أحد وديار، قاله ابن الأثير أيضا. # ومنه لفظ الجمع، فإن " الزيدين " يغنى عن زيد وزيد وزيد، وكذا التثنية ~~أصلها رجل ورجل، فحذفوا العطف والمعطوف، وأقاموا حرف الجمع والتثنية ~~مقامهما اختصارا، وصح ذلك لاتفاق الذاتين في التسمية بلفظ واحد، فإن اختلف ~~لفظ الاسمين رجعوا إلى التكرار بالعطف، نحو مررت بزيد وبكر. # ومنه باب الضمائر على ما سيأتي بيانه، في قاعدة الضمير. # ومنه لفظ " فعل " فإنه يجيء كثيرا كناية عن أفعال متعددة، قال تعالى: ~~(لبئس ما كانوا يفعلون) (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به). # (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا)، أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ولن تأتوا ~~بسورة من مثله. PageV03P232 # القول في التقديم والتأخير هو أحد أساليب البلاغة، فإنهم أتوا به دلالة ~~على تمكنهم في الفصاحة، وملكتهم في الكلام وانقياده لهم. وله في القلوب ~~أحسن موقع، وأعذب مذاق. # وقد اختلف في عدة من المجاز، فمنهم من عده منه، لأنه تقديم ما رتبته ~~التأخير، كالمفعول، وتأخير ما رتبته التقديم، كالفاعل، نقل كل واحد منهما ~~عن رتبته وحقه. # والصحيح أنه ليس منه، فإن المجاز نقل ما وضع له إلى ما لم يوضع. # ويقع الكلام فيه في فصول: # الفصل الأول [في أسباب التقديم والتأخير] الأول: في أسبابه، وهي ms0704 كثيرة: # أحدها: أن يكون أصله التقديم، ولا مقتضى للعدول عنه، كتقديم الفاعل على ~~المفعول، والمبتدأ على الخبر، وصاحب الحال عليها، نحو جاء زيد راكبا. # * * * والثاني: أن يكون في التأخير إخلال ببيان المعنى، كقوله تعالى: ~~(وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه)، فإنه لو أخر قوله: (من آل ~~فرعون)، فلا يفهم أنه منهم. # وجعل السكاكي من الأسباب كون التأخير مانعا، مثل الإخلال بالمقصود، ~~PageV03P233 # كقوله تعالى: (وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة ~~وأترفناهم في الحياة الدنيا)، بتقديم الحال أعني (من قومه) على الوصف، أعني ~~(الذين كفروا) ولو تأخر لتوهم أنه من صفة الدنيا، لأنها هاهنا اسم تفضيل، ~~من الدنو، وليست اسما، والدنو يتعدى ب‍ " من "، وحينئذ يشتبه الأمر في ~~القائلين أنهم أهم: من قومه. أم لا؟ فقدم لاشتمال التأخير على الإخلال ~~ببيان المعنى المقصود، وهو كون القائلين من قومه. وحين أمن هذا الإخلال ~~بالتأخير قال تعالى في موضع آخر من هذه السورة: (فقال الملأ الذين كفروا من ~~قومه ما هذا إلا بشر مثلكم)، بتأخير المجرور عن صفة المرفوع. # * * * الثالث: أن يكون في التأخير إخلال بالتناسب، فيقدم لمشاكلة الكلام، ~~ولرعاية الفاصلة، كقوله: (واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون)، ~~بتقديم " إياه " على " تعبدون " لمشاكلة رؤوس الآي، وكقوله: (فأوجس في نفسه ~~خيفة موسى)، فإنه لو أخر (في نفسه) عن (موسى)، فات تناسب الفواصل، لأن ~~قبله: (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)، وبعده: (إنك أنت الأعلى). # وكقوله: (وتغشى وجوههم النار)، فإن تأخير الفاعل عن المفعول لمناسبته لما ~~بعده. # وكقوله: (إن الله سريع الحساب)، وهو أشكل بما قبله، لأن قبله: # (مقرنين في الأصفاد). PageV03P234 # وجعل منه السكاكي: (آمنا برب هارون وموسى)، بتقديم (هارون) مع أن (موسى) ~~أحق بالتقديم. # * * * الرابع: لعظمة والاهتمام به، وذلك أن من عادة العرب الفصحاء، إذا ~~أخبرت عن مخبر ما - وأناطت به حكما - وقد يشركه غيره في ذلك الحكم، أو فيما ~~أخبر به عنه وقد عطفت أحدهما على الآخر بالواو المقتضية عدم الترتيب - ~~فإنهم مع ذلك إنما يبدأون بالأهم ms0705 والأولى. قال سيبويه: كأنهم يقدمون الذي ~~شأنه أهم لهم، وهم ببيانه أعني، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم. انتهى. # قال تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، فبدأ بالصلاة لأنها أهم. # وقال سبحانه: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول). # وقال تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين)، فقدم العبادة للاهتمام بها. # ومنه تقدير المحذوف في بسم الله مؤخرا. # وأوردوا: (اقرأ باسم ربك)، وأجيب بوجهين: # أحدهما: أن تقديم الفعل هناك أهم، لأنها أول سورة نزلت. # والثاني: أن (باسم ربك) متعلق ب‍ (اقرأ) الثاني، ومعنى الأول: أوجد ~~القراءة، والقصد التعميم. # * * * الخامس: أن يكون الخاطر ملتفتا إليه والهمة معقودة به، وذلك كقوله ~~تعالى: PageV03P235 # (وجعلوا لله شركاء)، بتقديم المجرور على المفعول الأول، لأن الانكار ~~متوجه إلى الجعل لله، لا إلى مطلق الجعل. # * * * السادس: أن يكون التقديم لإرادة التبكيت والتعجيب من حال المذكور، ~~كتقديم المفعول الثاني على الأول في قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن)، ~~والأصل " الجن شركاء "، وقدم، لأن المقصود التوبيخ، وتقديم الشركاء أبلغ في ~~حصوله. # ومنه قوله تعالى في سورة يس: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى)، وسنذكره. # * * * السابع: الاختصاص، وذلك بتقديم المفعول، والخبر، والظرف، والجار ~~والمجرور، ونحوها على الفعل، كقوله تعالى: (إياك نعبد)، أي نخصك بالعبادة ~~فلا نعبد غيرك. # وقوله: (إن كنتم إياه تعبدون)، أي إن كنتم تخصونه بالعبادة. # والخبر كقوله: (قال أراغب أنت عن آلهتي) وقوله: (وظنوا أنهم ما نعتهم ~~حصونهم من الله). # وأما تقديم الظرف، ففيه تفصيل، فإن كان في الإثبات دل على الاختصاص، ~~كقوله تعالى: (إن إلينا إيابهم. ثم إن علينا حسابهم)، وكذلك: (له الملك وله ~~الحمد)، فإن ذلك يفيد اختصاص ذلك بالله تعالى. وقوله: (لإلى الله تحشرون ~~PageV03P236 # أي لا إلى غيره، وقوله: (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا)، أخرت صلة الشهادة في الأول وقدمت في الثاني، لأن الغرض في الأول ~~إثبات شهادتهم على الأمم، وفي اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم. # وقوله: (وأرسلناك للناس رسولا)، أي لجميع الناس من العجم والعرب، على أن ~~التعريف للاستغراق. # وإن كان في النفي فإن تقديمه يفيد تفضيل المنفى ms0706 عنه، كما في قوله تعالى: ~~(لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون)، أي ليس في خمر الجنة ما في خمرة غيرها ~~من الغول. # وأما تأخيره فإنها تفيد النفي فقط، كما في قوله: (لا ريب فيه) فكذلك إذا ~~قلنا لا عيب في الدار، كان معناه: نفي العيب في الدار، وإذا قلنا لا في ~~الدار عيب، كان معناه: # أنها تفضل على غيرها بعدم العيب. # تنبيه ما ذكرناه من أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص، فهمه الشيخ أبو حيان ~~في كلام الزمخشري وغيره، والذي عليه محققو البيانيين أن ذلك غالب لا لازم، ~~بدليل قوله تعالى: # (كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل)، وقوله: (أفي الله شك)، إن جعلنا ما بعد ~~الظرف مبتدأ. # وقد رد صاحب " الفلك الدائر " القاعدة بالآية الأولى، وكذلك ابن الحاجب ~~والشيخ أبو حيان، وخالفوا البيانيين في ذلك، وأنت إذا علمت أنهم ~~PageV03P237 # ذكروا في ذلك قيد الغلبة سهل الأمر. نعم له شرطان: # أحدهما ألا يكون المعمول مقدما بالوضع، فإن ذلك لا يسمى تقديما حقيقة، ~~كأسماء الاستفهام، وكالمبتدأ عند من يجعله معمولا لخبره. # والثاني: ألا يكون التقديم لمصلحة التركيب، مثل: (وأما ثمود فهديناهم) ~~على قراءة النصب. # وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة، وهي قوله: (أغير الله تدعون إن ~~كنتم صادقين. بل إياه تدعون فيكشف)، التقديم في الأول قطعا ليس للاختصاص، ~~بخلاف الثاني. # الفصل الثاني في أنواعه وهي إما أن يقدم والمعنى عليه، أو يقدم وهو في ~~المعنى مؤخر، أو بالعكس. # النوع الأول ما قدم والمعنى عليه ومقتضياته كثيرة، قد يسر الله منها خمسا ~~وعشرين، ولله در ابن عبدون في قوله: # سقاك الحيا من معان سفاح * فكم لي بها من معان فصاح PageV03P238 # أحدها السبق وهو أقسام: منها السبق بالزمان والإيجاد، كقوله تعالى: (إن ~~أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي) قال ابن عطية: المراد بالذين ~~اتبعوه في زمن الفترة. # وقوله: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس)، فإن مذهب أهل السنة ~~تفضيل البشر، وإنما قدم الملك لسبقه في الوجود. # وقوله: (يا أيها النبي قل ms0707 لأزواجك وبناتك)، فإن الأزواج أسبق بالزمان، ~~لأن البنات أفضل منهن، لكونهن بضعة منه صلى الله عليه وسلم. # وقوله: (هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين). # واعلم أنه ينضم إليه مع ذلك التشريف، كقوله: (إن الله اصطفى آدم ونوحا ~~وآل إبراهيم وآل عمران). # وقوله: (ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى). # (صحف إبراهيم وموسى). # وأما قوله: (أم لم ينبأ بما في صحف موسى. وإبراهيم الذي وفى) فإنما قدم ~~ذكر موسى لوجهين: أحدهما أنه في سياق الاحتجاج عليهم بالترك وكانت صحف موسى ~~منتشرة أكثر انتشارا من صحف إبراهيم، وثانيهما مراعاة رؤوس الآي. ~~PageV03P239 # وقد ينضم إليه التحقير، كما في قوله: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، ~~تقدم اليهود لأنهم كانوا أسبق من النصارى، ولأنهم كانوا أقرب إلى المؤمنين ~~بالمجاورة. # وقد لا يلحظ هذا كقوله تعالى: (وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم) ~~وقوله: (وأنه أهلك عادا الأولى. وثمود فما أبقى). # ومن التقديم بالإيجاد تقديم السنة على النوم في قوله: (لا تأخذه سنة ولا ~~نوم) لأن العادة في البشر أن تأخذ العبد السنة قبل النوم، فجاءت العبارة ~~على حسب هذه العادة. # ذكره السهيلي وذكر معه وجها آخر، وهو أنها وردت في معرض التمدح والثناء ~~وافتقاد السنة أبلغ في التنزيه فبدئ بالأفضل، لأنه إذا استحالت عليه السنة ~~فأحرى أن يستحيل عليه النوم. # ومنه تقديم الظلمة على النور في قوله تعالى: (وجعل الظلمات والنور) فإن ~~الظلمات سابقة على النور في الإحساس، وكذلك الظلمة المعنوية سابقة على ~~النور المعنوي، قال تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة)، فانتفاء العلم ظلمة، وهو متقدم بالزمان ~~على نور الإدراكات. # ومنه تقديم الليل على النهار: (وجعلنا الليل والنهار آيتين) (سيروا فيها ~~ليالي وأياما آمنين). (بل مكر الليل والنهار). (حين تمسون وحين PageV03P240 # تصبحون)، ولذلك اختارت العرب التاريخ بالليالي دون الأيام، وإن كانت ~~الليالي مؤنثة والأيام مذكرة، وقاعدتهم تغليب المذكر إلا في التاريخ. # فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا ~~الليل سابق ms0708 النهار). # قلت: استشكل الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في قواعده بالإجماع على سبق ~~الليلة على اليوم. وأجاب بأن المعنى: تدرك القمر في سلطانه، وهو الليل، أي ~~لا تجئ الشمس في [أثناء] الليل، فقوله بعده: (ولا الليل سابق النهار وكل في ~~فلك يسبحون)، أي لا يأتي في بعض سلطان الشمس وهو النهار. وبين الجملتين ~~مقابلة. # فإن قيل: قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)، ~~مشكل على هذا، لأن الإيلاج إدخال الشيء في الشيء، وهذا البحث ينافيه. # قلت: المشهور في معنى الآية أن الله يزيد في زمن الشتاء مقدارا من ~~النهار، ومن النهار في الصيف مقدارا من الليل، وتقدير الكلام: يولج بعض ~~مقدار الليل في النهار، وبعض مقدار النهار في الليل. وعلى غير المشهور، ~~يجعل الليل في المكان الذي كان فيه النهار ويجعل النهار في المكان الذي كان ~~فيه الليل، والتقدير: يولج الليل في مكان النهار ويولج النهار في مكان ~~الليل. # ومنه تقديم المكان على الزمان في قوله: (خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات PageV03P241 # والنور)، أي الليل والنهار، وقوله: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن ~~آياتها معرضون. وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك ~~يسبحون). # وهذه مسألة مهمة قل من تعرض لها، أعني سبق المكان على الزمان، وقد صرح ~~بها الإمام أبو جعفر الطبري في أول تاريخه، واحتج على ذلك بحديث ابن عباس: ~~إن الله خلق التربة يوم السبت، وخلق الشمس والقمر، وكان ذلك كله ولا ليل ~~ولا نهار، إذ كانا إنما هما أسماء لساعات معلومة من قطع الشمس والقمر [درج ~~الفلك] وإذا كان ذلك صحيحا وأنه لا شمس ولا قمر، كان معلوما أنه لا ليل ولا ~~نهار. قال: وحديث أبي هريرة - يعنى في صحيح مسلم - صريح فيه، فإن فيه: " ~~وخلق [الله] النور يوم الأربعاء "، قال: ويعني به الشمس إن شاء الله. # والحاصل أن تأخر خلق الأيام عن بعض الأشياء المذكورة في الخبر لازم. # فإن قلت: الحديث كالمصرح بخلافه، فإنه قال: حين خلق الله التربة يوم ms0709 ~~السبت، حين خلق البرية وهي أول المخلوقات المذكورة، فلا يمكن أن يكون خلق ~~الأيام كلها متأخر عن ذلك. # قلت: قد نبه الطبري على جواب ذلك بما حاصله: أن الله تعالى سمى أسماء ~~الأيام قبل خلق التربة، وخلق الأيام كلها، ثم قدر كل يوم مقدارا، فخلق ~~التربة في مقدار يوم السبت قبل خلقه يوم السبت، وكذا الباقي. # وهذا وإن كان خلاف الظاهر لكن أوجبه ما قاله الطبري، من أنه يتعين تأخير ~~خلق الأيام لما ذكرناه من الدليل المستفاد من الخبرين. # والحاصل أن الزمان قسمان: تحقيقي وتقديري، والمذكور في الحديث التقديري. ~~PageV03P242 # ومنه قوله تعالى: (رب المشرقين ورب المغربين). (مشارق الأرض ومغاربها)، ~~ولذلك لما استغنى عن أحدهما ذكر المشرق فقط، فقال: (ورب المشارق). (إنا ~~زينا السماء الدنيا). # ومنه قوله تعالى: (الذي خلق الموت والحياة)، وقوله: (وأنه هو أمات ~~وأحيا). (وكنتم أمواتا فأحياكم). # ويمكن فيه وجوه آخر: # منها أن فيه قهرا للخلق، والمقام يقتضيه. # ومنها أن حياة الانسان كلا حياة، ومآله إلى الموت، ولا حياة إلا بعد ~~الموت. # ومنها أن الموت تقدم في الوجود، إذ الانسان قبل نفخ الروح فيه كان ميتا ~~لعدم الروح. # وهذا إن أريد بالموت عدم الوجود، بدليل: (وكنتم أمواتا فأحياكم)، وإن ~~أريد به بعد الوجود، فالناس متنازعون في الموت: هل هو أمر وجودي كالحياة ~~أولا؟ # وقيل بالوقف، فقالت الفلاسفة: الموت عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا. # والجمهور على أنه أمر وجودي يضاد الحياة، محتجين بقوله: (الذي خلق الموت ~~والحياة)، والحديث في الإتيان بالموت في صورة كبش وذبحه. # وأجيب عن الآية بأن الخلق بمعنى التقدير، ولا يجب في المقدر أن يكون ~~وجوديا، وعن الثاني بأن ذلك على طريق التمثيل، لبيان انقطاع الموت وثبوت ~~الخلود. # فإن قلنا: عدمي فالتقابل بينه وبين الحياة تقابل العدم والملكة، وعلى ~~الصحيح تقابل التضاد. وعلى القول بأنه وجودي يجب أن يقال: تقديم الموت الذي ~~هو عدم الوجود، PageV03P243 # لكونه سابقا أو معدوم الحياة، الذي هو مفارقة الروح البدني يجوز أن يكون ~~لكونه الغاية التي يساق إليها ms0710 الانسان في دار الدنيا، فهي العلة الغائبة ~~بعدم تحقيقها، لتحققه فخص العلة العامة كما وقع تأكيده في قوله: (ثم إنكم ~~بعد ذلك لميتون)، أو تزهيدا في الدار الفانية، وترغيبا فيما بعد الموت. # فإن قيل: فما وجه تقدم " الحياة " في قوله: (قال فيها تحيون وفيها ~~تموتون) وقوله: (ومحياي ومماتي لله رب العالمين)؟ # قلنا: إن كان الخطاب لآدم وحواء، فلأن حياتهما في الدنيا سبقت الموت، وإن ~~كان للخلق فالخطاب لمن هو حي يعقبه الموت، فما التقديم بالترتيب، وكذا ~~الآية بعده. # فإن قيل: فما وجه تقديم الموت على الحياة في الحكاية عن منكري البعث: (إن ~~هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا)؟ # قلت: لأجل مناسبة رؤوس الآي. # فإن قلت: فما وجه تقدم التوفي على الرفع في قوله: (إني متوفيك ورافعك ~~إلي) مع أن الرفع سابق؟ # قيل: فيه جوابان: # أحدهما: المراد بالتوفي النوم، كقوله تعالى: (يتوفاكم بالليل). # وثانيهما: أن التاء في " متوفيك " زائدة، أي موفيك عملك. # ومنها سبق إنزال، كقوله: (وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان). وقوله: (الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل). ~~PageV03P244 # وأما قوله: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل ~~إليهم)، فإنما قدم القرآن منبها له على فضيلة المنزل إليهم. # ومنها سبق وجوب، كقوله تعالى: (واركعوا واسجدوا)، وقوله: (تراهم ركعا ~~سجدا). # فإن قيل: فقد قال: (اسجدي واركعي مع الراكعين). # قيل: يحتمل أنه كان في شريعتهم السجود قبل الركوع، ويحتمل أن يراد ~~بالركوع ركوع الركعة الثانية. # وقيل: المراد ب‍ " اركعي " أشكري. # وقيل: أراد ب‍ " اسجدي " صلى وحدك، و ب‍ " اركعي " صلى في جماعة، ولذلك ~~قال: # (مع الراكعين). # ومنها سبق تنزيه، كقوله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه)، فبدأ بالرسول قبل المؤمنين، ثم ~~قال: (كل آمن بالله وملائكته)، فبدأ بالإيمان بالله، لأنه قد يحصل بدليل ~~العقل، والعقل سابق في الوجود على الشرع، ثم قال: " وملائكته " مراعاة ~~لإيمان الرسول، فإنه يتعلق بالملك الذي هو جبريل أولا، ثم بالكتاب الذي ms0711 نزل ~~به جبريل، ثم بمعرفة نفسه أنه رسول. وإنما عرف نبوة نفسه بعد معرفته بجبريل ~~عليه السلام وإيمانه، فترتب الذكر المنزل عليه بحسب ذلك، فظهرت الحكمة ~~والإعجاز، فقال: (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله)، لأن الملك هو النازل ~~بالكتاب، وإن كان الكتاب أقدم من الملك، ولكن رؤية النبي صلى الله عليه ~~وسلم للملك كانت قبل سماعه الكتاب. وأما إيماننا نحن بالعقل. آمنا بالله، ~~أي PageV03P245 # بوجوده، ولكن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عرفنا اسمه وجوب النظر ~~المؤدي إلى معرفته، فآمنا بالرسول ثم بالكتاب المنزل عليه، وبالملك النازل ~~به، فلو ترتب اللفظ على حسب إيماننا لبدأ بالرسول قبل الكتاب، ولكن إنما ~~ترتب على حسب إيمان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، الذي هو إمام ~~المؤمنين. ذكره السهيلي في أماليه. # وقال غيره: في هذا الترتيب سر لطيف، وذلك لأن النور والكمال والرحمة ~~والخير كله مضاف إلى الله تعالى، والوسائط في ذلك الملائكة، والمقابل لتلك ~~الرحمة هم الأنبياء والرسل، فلا بد أولا من أصل، وثانيا من وسائط، وثالثا ~~من حصول تلك الرحمة، ورابعا من وصولها إلى المقابل لها، والأصل المقتضى ~~للخيرات والرحمة هو الله، ومن أعظم رحمة رحم بها عباده إنزال كتبه إليهم، ~~والموصل لها هم الملائكة، والمقابل لها المنزلة عليهم هم الأنبياء، فجاء ~~الترتيب على ذلك بحسب الوقائع. # الثاني بالذات كقوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع). ونحوه (ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم)، وقوله: (سيقولون ثلاثة ~~رابعهم كلبهم) وكذلك جميع الأعداد كل مرتبة هي متقدمة على ما فوقها بالذات. # وأما قوله تعالى: (إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم ~~تتفكروا ما بصاحبكم) فوجه تقديم المثنى أن المعنى حثهم على القيام بالنصيحة ~~لله، وترك الهوى، مجتمعين متساويين أو منفردين متفكرين. ولا شك أن الأهم ~~حالة الاجتماع فبدأ بها. PageV03P246 # الثالث بالعلة والسببية كتقديم " العزيز " على " الحكيم "، لأنه عز فحكم، ~~وتقديم " العليم " على " الحكيم "، لأن الإتقان ناشئ عن العلم، وكذا أكثر ~~ما في القرآن من تقديم وصف ms0712 العلم على الحكمة: (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ~~ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم). # ويجوز أن يكون قدم وصف العلم هنا ليتصل بما يناسبه، وهو (لا علم لنا)، ~~وفي غيره من نظائره، لأنه صفات ذات فيكون من القسم قبله. # ومنه قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين)، قدمت العبادة لأنها سبب حصول ~~الإعانة. # وقوله: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)، فإن التوبة سبب الطهارة. # وكذا: (ويل لكل أفاك أثيم) لأن الإفك سبب الإثم. # وكذا: (وما يكذب به إلا كل معتد أثيم). # وقوله: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا. لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما ~~خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا) قدم إحياء الأرض، لأنه سبب إحياء الأنعام ~~والأناسي، وقدم إحياء الأنعام، لأنه مما يحيا به الناس، بأكل لحومها وشرب ~~ألبانها. PageV03P247 # وكذا كل علة مع معلولها، كقوله: (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة)، ~~قيل: قدم الأموال من باب تقديم السبب، فإنه إنما شرع النكاح عند قدرته على ~~مؤونته، فهو سبب التزويج، والتزويج سبب للتناسل، ولأن المال سبب للتنعيم ~~بالولد، وفقده سبب لشقائه. # وكذا تقديم البنات على البنين في قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من ~~النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة)، وأخر ذكر الذهب ~~والفضة عن النساء والبنين لأنهما أقوى في الشهوة الجبلية من المال، فإن ~~الطبع يحث على بذل المال، فيحصل النكاح، والنساء أقعد من الأولاد في الشهوة ~~الجبلية، والبنون أقعد من الأموال، والذهب أقعد من الفضة، والفضة أقعد من ~~الأنعام، إذ هي وسيلة إلى تحصيل النعم، فلما صدرت الآية بذكر الحب، وكان ~~المحبوب مختلف المراتب، اقتضت حكمة الترتيب أن يقدم ما هو الأهم فالأهم، في ~~رتبة المحبوبات. # وقال الزمخشري في قوله تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم)، ~~قدم الشكر على الإيمان، لأن العاقل ينظر [إلى] ما عليه من النعمة العظيمة ~~في خلقه وتعريضه للمنافع، فيشكر شكرا مبهما، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة ~~المنعم آمن به، ثم شكر شكرا متصلا فكان الشكر متقدما على الإيمان، وكأنه ~~أصل التكليف ومداره. انتهى. # وجعله ms0713 غيره من عطف الخاص على العام، لأن الإيمان من الشكر، وخص بالذكر ~~لشرفه. PageV03P248 # الرابع بالمرتبة كتقديم " سميع " على " عليم " فإنه يقتضى التخويف ~~والتهديد، فبدأ بالسميع لتعلقه بالأصوات، وإن من سمع حسك فقد يكون أقرب ~~إليك في العادة ممن يعلم، وإن كان علم الله تعلق بما ظهر وما بطن. # وكقوله: (غفور رحيم)، فإن المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة ~~قبل الغنيمة، وإنما تأخرت في آية سبأ في قوله، (الرحيم الغفور)، لأنها ~~منتظمة في سلك تعداد أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم، وهو قوله: (ما يلج في ~~الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور)، ~~فالرحمة شملتهم جميعا، والمغفرة تخص بعضا، والعموم قبل الخصوص بالرتبة. # وقوله تعالى: (هماز مشاء بنميم) فإن الهماز هو المغتاب، وذلك لا يفتقر ~~إلى شيء بخلاف النميمة. # وقوله: (يأتوك رجالا وعلى كل ضامر) فإن الغالب أن الذين يأتون رجالا من ~~مكان قريب، والذين يأتون على الضامر من البعيد. ويحتمل أن يكون من التقديم ~~بالشرف، لأن الأجر في المشي مضاعف. # وأما قوله تعالى: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) مع أن الراكب متمكن من ~~الصلاة أكثر من الماشي، فجبرا له في باب الرخصة. PageV03P249 # ومنه قوله تعالى: (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود)، فقدم ~~الطائفين لقربهم من البيت، ثم ثنى بالقائمين وهم العاكفون، لأنهم يخصون ~~موضعا بالعكوف والطواف بخلافه فكان أعم منه، والأعم قبل الأخص، ثم ثلث ~~بالركوع، لأن الركوع لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده. # ثم في هذه الآية ثلاثة أسئلة: # الأول: كيف جمع الطائفين والقائمين جمع سلامة، والركع جمع تكسير؟ والجواب ~~أن جمع السلامة أقرب إلى لفظ الفعل، فطائفون بمنزلة يطوفون، ففي لفظة إشعار ~~بصلة التطهير، وهو حدوث الطواف وتجدده، ولو قال: بالطواف لم يفد ذلك، لأن ~~لفظ المصدر يخفى ذلك، وكذا القول في القائمين، وأما الراكعون فلما سبق أنه ~~لا يلزم كونه في البيت ولا عنده، فلهذا لم يجمع جمع سلامة، إذ لا يحتاج فيه ~~إلى بيان الفعل الباعث على ms0714 التطهير، كما احتيج فيما قبله. # الثاني: كيف وصف الركع بالسجود، ولم يعطف بالواو؟ # والجواب، لأن الركع هم السجود، والشيء لا يعطف على نفسه، لأن السجود يكون ~~عبارة عن المصدر، وهو هنا عبارة عن الجمع، فلو عطف بالواو لأوهم إرادة ~~المصدر دون اسم الفاعل، لأن الراكع إن لم يسجد فليس براكع شرعا، ولو عطف ~~بالواو لأوهم أنه مستقل، كالذي قبله. # الثالث: هلا قيل: السجد كما قيل الركع، وكما جاء في آية أخرى: (تراهم ~~ركعا سجدا)، والركوع قبل السجود! والجواب أن السجود يطلق على وضع الجبهة ~~بالأرض وعلى الخشوع، فلو قال: السجد، لم يتناول إلا المعنى الظاهر، ومنه: ~~(تراهم PageV03P250 # ركعا سجدا)، وهو من رؤية العين، ورؤية العين لا تتعلق إلا بالظاهر، فقصد ~~بذلك الرمز إلى السجود المعنوي والصوري، بخلاف الركوع، فإنه ظاهر في أعمال ~~الظاهر التي يشترط فيها البيت كما في الطواف والقيام المتقدم، دون أعمال ~~القلب، فجعل السجود وصفا للركوع وتتميما له، لأن الخشوع روح الصلاة وسرها ~~الذي شرعت له. # الخامس بالداعية كتقدم الأمر بغض الأبصار على حفظ الفروج في قوله تعالى: ~~(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم)، لأن البصر داعية إلى ~~الفرج، لقوله صلى الله عليه وسلم: " العينان تزنيان والفرج يصدق ذلك أو ~~يكذبه ". # السادس التعظيم كقوله: (ومن يطع الله والرسول). # وقوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي). # (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم). # (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا). PageV03P251 # السابع الشرف وهو أنواع منها شرف الرسالة، كقوله تعالى: (وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي)، فإن الرسول أفضل من النبي، خلافا لابن عبد السلام. # وقوله: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي). (وكان رسولا نبيا). # ومنها شرف الذكورة: # كقوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات). # وقوله: (ألكم الذكر وله الأنثى). # وقوله 6 (رجالا كثيرا ونساء). # وأما تقديم الإناث في قوله تعالى: (يهب لمن يشاء إناثا)، فلجبرهن، إذ هن ~~موضع الانكسار، ولهذا جبر الذكور بالتعريف، للإشارة إلى ما فاتهم من فضيلة ~~التقديم. # ويحتمل أن تقديم الإناث، لأن المقصود ms0715 بيان أن الخلق كله بمشيئة الله ~~تعالى، لا على وفق غرض العباد. # ومنها شرف الحرية، كقوله تعالى: (الحر بالحر والعبد بالعبد)، ومن الغريب ~~حكاية بعضهم قولين في أن الحر أشرف من العبد أم لا، حكاه القرطبي، في تفسير ~~سورة النساء فلينظر فيه. PageV03P252 # ومنها شرف العقل، كقوله تعالى: (يسبح له من في السماوات والأرض والطير ~~صافات). # وقوله: (متاعا لكم ولأنعامكم). # وأما تقديم الأنعام عليهم في قوله: (تأكل منه أنعامهم وأنفسهم)، فمن باب ~~تقديم السبب، وقد سبق. # ومنها شرف الإيمان، كقوله تعالى: (وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت ~~به وطائفة لم يؤمنوا)، وكذلك تقديم المسلمين على الكافرين في كل موضع، ~~والطائع على العاصي، وأصحاب اليمين عن أصحاب الشمال. # ومنها شرف العلم، كقوله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون). # ومنها شرف الحياة، كقوله تعالى: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي). # وقوله: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات). وأما تقديم الموت في قوله ~~تعالى: (الذي خلق الموت والحياة)، فمن تقدم السبق بالوجود، وقد سبق. # ومنها شرف المعلوم، نحو: (عالم الغيب والشهادة)، فإن علم الغيبيات أشرف ~~من المشاهدات. # ومنه: (يعلم سركم وجهركم). (ويعمل ما تسرون وما تعلنون)، PageV03P253 # وأما قوله: (فإنه يعلم السر وأخفى)، أي من السر، فعن ابن عباس وغيره: # السر: ما أسررت في نفسك، وأخفى منه ما لم تحدث به نفسك، مما يكون في عد ~~علم الله فيهما سواء، ولا شك أن الآتي أبلغ، وفيه وجهان: # أحدهما: أنه أفعل تفضيل يستدعي مفضلا عليه، علم حتى يتحقق في نفسه، فيكون ~~حينئذ تقديم السر من النوع الأول. # وثانيهما: مراعاة رؤوس الآي. # ومنها شرف الإدراك، كتقديم السمع على البصر، والسميع على البصير، لأن ~~السمع أشرف على أرجح القولين عند جماعة، وقدم القلب عليهما في قوله تعالى: ~~(ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة)، لأن الحواس خدمة ~~القلب، وموصلة إليه، وهو المقصود، وأما قوله: (وختم على سمعه وقلبه)، فأخر ~~القلب فيها، لأن العناية هناك بذم المتصامين عن السماع، ومنهم الذين كانوا ms0716 ~~يجعلون القطن في آذانهم حتى لا يسمعوا، ولهذا صدرت السورة بذكرهم في قوله: ~~(ويل لكل أفاك أثيم. # يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها). # ومنها شرف المجازاة، كقوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء ~~بالسيئة). # ومنها شرف العموم، فإن العام أشرف من الخاص، كتقديم العفو على الغفور، أي ~~عفو عما لم يؤاخذنا به مما نستحقه بذنوبنا، غفور لما واخذنا به في الدنيا، ~~قبلنا ورجعنا إليه، فتقدم العفو على الغفور، لأنه أعم، وأخرت المغفرة لأنها ~~أخص. PageV03P254 # ومنها شرف الإباحة للإذن بها، كقوله تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب هذا حلال وهذا حرام)، وإنما تقديم الحرام في قوله: (فجعلتم منه حراما ~~وحلالا) فللزيادة في التشنيع عليهم، أو لأجل السياق، لأن قبله: (فكلوا مما ~~رزقكم الله حلالا طيبا). ثم (إنما حرم عليكم الميتة). # ومنها الشرف بالفضيلة، كقوله تعالى: (مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين). # وقوله: (ومنك ومن نوح). # وقوله: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم...) ~~الآية. # وقوله: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان). # (ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون). # وقوله: (رب موسى وهارون) في الأعراف والشعراء، فإن موسى استأثر باصطفائه ~~تعالى له بتكليمه، وكونه من أولى العزم. # فإن قلت: فقد جاء هارون وموسى في سورة طه بتقديم هارون؟ # قلنا: لتناسب رؤوس الآي. # ومنه تقديم جبريل على ميكائيل في قوله تعالى: (من كان عدوا لله وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكال) لأن جبريل صاحب الوحي والعلم، وميكائيل PageV03P255 # صاحب الأرزاق، والخيرات النفسانية أفضل من الخيرات الجسمانية. # ومنه تقديم المهاجرين في قوله تعالى: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار). # وقوله: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، ويدل على فضيلة ~~الهجرة قوله صلى الله عليه وسلم: " لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار "، ~~وبالآية احتج الصديق على تفضيلهم وتعيين الإمامة فيهم. # ومنه قوله: (صلوا عليه وسلموا تسليما)، فإن الصلاة أفضل من السلام. # وقوله: (وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين)، قدم القريب ~~لأن الصدقة عليه ms0717 أفضل من الأجنبي. # ومنه تقديم الوجه في قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم). # وتقديم اليمين على الشمال في نحو: (جنتان عن يمين وشمال)، (عن اليمين وعن ~~الشمال). # ومنه تقديم الأنفس على الأموال في قوله تعالى: (إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم). وأما تقديم الأموال في سورة الأنفال في قوله: ~~(وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله)، فوجه التقديم أن الجهاد يستدعي ~~تقديم إنفاق الأموال، فهو من باب السبق بالسببية. # ومنه: (محلقين رءوسكم ومقصرين)، فإن الحلق أفضل من التقصير. PageV03P256 # ومنه تقديم السماوات على الأرض كقوله: (خلق الله السماوات والأرض بالحق)، ~~وهو كثير، وكذلك كثيرا ما يقع " السماوات " بلفظ الجمع، و " الأرض " لم تقع ~~إلا مفردة. # وأما تأخيرها عنها في قوله: (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السماء)، فلأنه لما ذكر المخاطبين، وهو قوله: (ولا تعملون من عمل إلا ~~كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه)، وهو خطاب لأهل الأرض، وعملهم يكون في ~~الأرض، وهذا بخلاف الآية التي في سبأ، فإنها منتظمة في سياق علم الغيب. # وكذلك قوله: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء). # وأما تأخيرها عنها في قوله: (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات ~~مطويات بيمينه)، فلأن الآية في سياق الوعد والوعيد، وإنما هو لأهل الأرض. # وكذا قوله: (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات). # ومنه تقديم الإنس على الجن في قوله: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله...) الآية. # وقوله: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان). # وقوله: (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان). # وقوله: (وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا). PageV03P257 # وقوله: (خلق الانسان من صلصال كالفخار. وخلق الجان من مارج من نار). # وأما تقديم الجن في مواضع أخر، كقوله: (يا معشر الجن والإنس)، فلأنهم ~~أقدم في الخلق، فيكون من النوع الأول - أعني التقديم بالزمان - ولهذا لما ~~أخر في آية الحجر صرح بالقبلية بذكر الانسان، ثم قال: (والجان خلقناه من ~~قبل). ms0718 # ويجوز أن يكون في الأمثلة السالفة من باب تقديم الأعجب، لأن خلقها أغرب، ~~كقوله تعالى: (فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من ~~يمشي على أربع). # أو لأنهم أقوى أجساما، وأعظم أقداما، ولهذا قدموا في: (يا معشر الجن ~~والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض)، وفي: (وحشر ~~لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير). # ومنه تقديم السجد على الراكعين في قوله: (واسجدي واركعي مع الراكعين) ~~وسبق فيه شيء آخر. # ومنه تقديم الخيل على البغال، والبغال على الحمير في قوله تعالى: (والخيل ~~والبغال والحمير لتركبوها). # ومنه تقديم الذهب على الفضة في قوله: (والذين يكنزون الذهب والفضة). ~~PageV03P258 # فإن قلت: فهل يجوز أن يكون من تقديم المذكر على المؤنث؟ # قلت: هيهات، الذهب أيضا مؤنث، ولهذا يصغر على ذهيبة ك‍ " قدم ". # ومنه تقديم الصوف في قوله: (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها)، ولهذا احتج ~~به بعض الصوفية على اختيار لبس الصوف على غيره من الملابس، وأنه شعار ~~الملائكة في قوله: (مسومين) قيل: سيماهم يومئذ الصوف. وعن علي: الصوف ~~الأبيض، رواه أبو نعيم في مدح الصوف، وقال: إنه شعار الأنبياء. وقال ابن ~~مسعود: كانت الأنبياء قبلكم يلبسون الصوف، وفي الصحيح في موسى عليه السلام: ~~" عليه عباءة ". # ومنه تقديم الشمس على القمر في قوله تعالى: (والشمس والقمر)، وقوله: # (وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا)، ولهذا قال تعالى: (جعل الشمس ضياء والقمر ~~نورا)، والحكماء يقولون: إن نور القمر مستمد من نور الشمس، قال الشاعر: # يا مفردا بالحسن والشكل * من دل عينيك على قتلي البدر من شمس الضحى نوره ~~* والشمس من نورك تستملي وأما قوله تعالى: (ألم تروا كيف خلق الله سبع ~~سموات طباقا. وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا) فيحتمل وجهين: مناسبة ~~رؤوس الآي أو أن انتفاع أهل السماوات به أكثر، قال ابن الأنباري: يقال إن ~~القمر وجهه يضيء لأهل الشمس، PageV03P259 # وظهره إلى الأرض، ولهذا قال تعالى: (فيهن) لما كان أكثر نوره يضئ إلى أهل ~~السماء. # الثامن الغلبة والكثرة كقوله تعالى: (فمنهم ظالم لنفسه ms0719 ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله)، قدم الظالم لكثرته، ثم المقتصد، ثم السابق. # وقوله: (فمنهم شقي وسعيد). # (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة). # (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين). # وجعل منه الزمخشري: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) يعني بدليل قوله: # (وأما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) وحديث بعث النار. # (وأما قوله: (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا)، قدم ذكر العذاب ~~لكون الكلام مع اليهود الذين كفروا بعيسى وراموا قتله. # وجعل من هذا النوع قوله تعالى: (والسارق والسارقة)، لأن السرقة في الذكور ~~أكثر. # وقدم في الزنى المرأة في قوله: (الزانية والزاني) لأن الزنى فيهن أكثر. ~~وأما قوله: PageV03P260 # (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو ~~مشرك)، فقال الزمخشري: سيقت الآية التي قبلها لعقوبتهما على ما جنيا، ~~والمرأة هي المادة التي نشأت منها الخيانة، لأنها لو لم تطمع الرجل، [ولم ~~تومض له] وتمكنه لم يطمع ولم يتمكن، فلما كانت أصلا وأولا في ذلك بدأ ~~بذكرها، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح، والرجل أصل، [فيه] لأنه هو ~~الراغب والخاطب، ومنه يبدأ الطلب. # ومنه قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم)، قال ~~الزمخشري: قدم غض البصر، لأن النظر بريد الزنى، ورائد الفجور، والبلوى به ~~أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه. # ومنه تقديم الرحمة على العذاب حيث وقع في القرآن، ولهذا ورد: " إن رحمتي ~~غلبت غضبي ". # وأما تقديم التعذيب على المغفرة في آية المائدة فللسياق. # ومنه قوله تعالى: (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم)، قال ابن الحاجب في ~~أماليه: إنما قدم الأزواج لأن المقصود الإخبار أن فيهم أعداء، ووقوع ذلك في ~~الأزواج أقعد منه في الأولاد، فكان أقعد في المعنى المراد فقدم، ولذلك قدمت ~~الأموال في قوله: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة)، لأن الأموال لا تكاد ~~تفارقها الفتنة: (إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى). (أمرنا مترفيها ففسقوا ~~فيها)، وليست الأولاد في استلزام الفتنة مثلها، وكان تقدمها أولى. ~~PageV03P261 # التاسع سبق ما يقتضى تقديمه وهو دلالة السياق، كقوله ms0720 تعالى: (ولكم فيها ~~جمال حين تريحون وحين تسرحون)، لما كان إسراحها وهي خماص، وإراحتها وهي ~~بطان، قدم الإراحة لأن الجمال بها حينئذ أفخر. # وقوله: (وجعلناها وابنها آية للعالمين)، لأن السياق في ذكر مريم في قوله: # (والتي أحصنت فرجها)، ولذلك قدم الابن في غير هذا المكان، قال تعالى: ~~(وجعلنا ابن مريم وأمه آية). # وقوله: (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما)، فإنه قدم الحكم مع أن ~~العلم لا بد من سبقه للحكم، ولكن لما كان السياق في الحكم قدمه، قال تعالى: ~~(وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم ~~شاهدين) ويحتمل أن المراد بالحكم الحكمة، وبها فسر الزمخشري قوله تعالى في ~~سورة يوسف: (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما)، وأما تقديم الحكيم على ~~العليم في سورة الأنعام، فلأنه مقام تشريع الأحكام، وأما في أول سورة يوسف ~~فقدم العليم على الحكيم، لقوله في آخرها: (وعلمتني من تأويل الأحاديث). ~~PageV03P262 # ومنه تقديم المحو على الإثبات في قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت)، فإن ~~قبله: (لكل أجل كتاب). ويمكن أن يقال: ما يقع عليه المحو أقل مما يقع عليه ~~غيره، ولا سيما على قراءة تشديد " يثبت " فإنها ناصة على الكثرة، والمراد ~~به الاستمرار لا الاستئناف. # وقوله: (ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته). # ومنه قوله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا)، قدم " ~~رسلا " هنا على " من قبلك " وفي غير هذه بالعكس، لأن السياق هنا في الرسل. # ومنه قوله تعالى: (والله يقبض ويبسط)، قدم القبض لأن قبله (من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة)، وكان هذا بسطا، فلا يناسب ~~تلاوة البسط، فقدم القبض لهذا، وللترغيب في الانفاق، لأن الممتنع منه سببه ~~خوف القلة، فبين أن هذا لا ينجيه، فإن القبض مقدر ولا بد. # العاشر مراعاة اشتقاق اللفظ كقوله: (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر). # (علمت نفس ما قدمت وأخرت). # (ينبأ الانسان يومئذ بما قدم وأخر). PageV03P263 # (قل إن الأولين والآخرين لمجموعون. إلى ميقات يوم معلوم) (ثلة ms0721 من ~~الأولين. وثلة من الآخرين). # (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين). # وأما قوله: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، فقدم نفي ~~التأخير، لأنه الأصل في الكلام، وإنما ذكر التقدم مع عدم إمكان التقدم، ~~نفيا لأطراف الكلام كله. # وكقوله: (إنه هو يبدئ ويعيد). # وقوله: (كما بدأكم تعودون). # (لله الأمر من قبل ومن بعد). # (له الحمد في الأولى والآخرة). # وقوله: (هو الأول والآخر). # (في الدنيا والآخرة). # فإن قلت قد جاء: (فأخذ الله نكال الآخرة والأولى). (أم للإنسان ما تمنى. ~~فلله الآخرة والأولى). # قلت: لمناسبة رؤوس الآي. PageV03P264 # ومثله: (هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين)، ولأن الخطاب لهم، فقدموا. # الحادي عشر للحث عليه خيفة من التهاون به كتقديم تنفيذ الوصية على وفاء ~~الدين، في قوله: (من بعد وصية يوصى بها أو دين)، فإن وفاء الدين سابق على ~~الوصية، لكن قدم الوصية، لأنهم كانوا يتساهلون بتأخيرها، بخلاف الدين. # ونظيره: (يهب لمن يشاء إناثا)، قدم الإناث حثا على الإحسان إليهم. # وقال السهيلي في " النتائج ": إنما قدمت الوصية لوجهين: # أحدهما: أنها قربة إلى الله تعالى، بخلاف الدين الذي تعوذ الرسل منه، ~~فبدئ بها للفضل. # والثاني: أن الوصية للميت، والدين لغيره، ونفسك قبل نفس غيرك، تقول: هذا ~~لي وهذا لغيري، ولا تقول في فصيح الكلام هذا لغيري وهذا لي. # الثاني عشر لتحقق ما بعده واستغنائه هو عنه في تصوره كقوله: (إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات). PageV03P265 # وقوله: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا). # وقوله: (والذين عملوا السيئات ثم تابوا). # الثالث عشر الاهتمام عند المخاطب كقوله: (فحيوا بأحسن منها أو ردوها). # ونظيره قوله عليه السلام: " وأن تقرأ السلام على من عرفته ومن لم تعرفه ~~". # وقوله: (ولذي القربى واليتامى والمساكين) لفضل الصدقة على القريب. # وكقوله: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة). # وقوله: (ودية مسلمة إلى أهله)، فقدم الكفارة على الدية، وعكس في قتل ~~المعاهد حيث قال: (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة). # قال الماوردي في " الحاوي ": ووجهه ms0722 أن المسلم يرى تقديم حق الله على نفسه ~~والكافر يرى تقديم نفسه على حق الله، قال: وقال ابن أبي هريرة: إنما خالف ~~بينهما ولم يجعلهما على نسق واحد، لئلا يلحق بهما ما بينهما من قتل المؤمن ~~في دار الحرب، في قوله: (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة)، ~~فضم إليه الدية إلحاقا بأحد الطرفين، فأزال هذا الاحتمال باختلاف اللفظين. ~~PageV03P266 # وقال الفقيه نجم الدين بن الرفعة: يحتمل أن يقال: إنه لما كان الكفر يهدر ~~الدماء وهو موجود، كان الغاية ببذل الدم عند العصمة لأجل الميثاق أتم، لأنه ~~يغمض حكمه، فلذلك قدمت الدية فيه، وأخرت الكفارة، لأن حكمها قد سبق. ولما ~~كانت عصمة المسلم ثابتة، وقياس الأصول أنه لا تجب الكفارة في قتل الخطأ، ~~لأنه لا إثم فيه، خصوصا على المسلمين لرفع القلم عن الخطأ، كانت العناية ~~بذكر الكفارة فيه أتم، لأنها التي تغمض، فقدمت. # ومن هذا النوع قوله تعالى: (فأتبع سببا. حتى إذا بلغ مغرب الشمس) قيل: ~~لماذا بدأ بالمغرب قبل المشرق، وكان مسكن ذي القرنين من ناحية المشرق؟ قيل: # لقصد الاهتمام، إما لتمرد أهله وكثرة طغيانهم في ذلك الوقت، أو غير ذلك ~~مما لم ينته إلينا علمه. # ومن هذا أن تأخر المقصود بالمدح والذم أولى من تقدمه، كقوله: نعم الرجل ~~زيد، أحسن من قولك: زيد نعم الرجل، لأنهم يقدمون الأهم، وهم في هذا بذكر ~~المدح والذم أهم. # فأما تقديمه في قوله تعالى: (نعم العبد إنه أواب) فإن الممدوح هنا ب‍ " ~~نعم العبد " هو سليمان عليه السلام، وقد تقدم ذكره. وكذلك أيوب في الآية ~~الأخرى والمخصوص بالمدح في الآيتين ضمير سليمان وأيوب، وتقديره: نعم العبد ~~هو إنه أواب. # الرابع عشر للتنبيه على أنه مطلق لا مقيد كقوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء ~~الجن)، على القول بأن " الله " في موضع المفعول الثاني ل‍ " جعل " و " ~~شركاء " مفعول أول، ويكون " الجن " في كلام ثان مقدر، PageV03P267 # كأنه قيل: فمن جعلوا شركاء؟ قيل: الجن، وهذا يقتضى وقوع الانكار على ~~جعلهم " لله شركاء " على ms0723 الإطلاق، فيدخل مشركة غير الجن، ولو أخر فقيل: ~~وجعلوا الجن شركاء لله، كان الجن مفعولا أولا، وشركاء ثانيا، فتكون الشركة ~~مقيدة غير مطلقة، لأنه جرى على الجن، فيكون الانكار توجه لجعل المشاركة ~~للجن خاصة، وليس كذلك، وفيه زيادة سبقت. # الخامس عشر للتنبيه على أن السبب مرتب كقوله تعالى: (يوم يحمى عليها في ~~نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) قدم الجباه ثم الجنوب، لأن ~~مانع الصدقة في الدنيا كان يصرف وجهه أولا عن السائل، ثم ينوء بجانبه، ثم ~~يتولى بظهره. # السادس عشر التنقل وهو أنواع: إما من الأقرب إلى الأبعد، كقوله: (يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم ~~الأرض فراشا والسماء بناءا) قدم ذكر المخاطبين على من قبلهم، وقدم الأرض ~~على السماء. # وكذلك قوله: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء)، لقصد ~~الترقي. PageV03P268 # وقوله: (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم). # وأما بالعكس كقوله في أول الجاثية: (إن في السماوات والأرض لآيات ~~للمؤمنين. وفي خلقكم وما يبث من دابة). # وإما من الأعلى، كقوله: (شهد الله أنه لا إله إلا هو). # وقوله: (ما كنت تعلمها أنت ولا قومك). # وإما من الأدنى، كقوله: (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة). # وقوله: (مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة). # وقوله: (لا تأخذه سنة ولا نوم). # فإن قلت: لم لا اكتفي بنفي الأدنى، ليعلم منه نفى الأعلى بطريق الأولى؟ ~~قلت: يعلم جوابه مما سبق من التقديم بالزمان. # وكقوله: (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون...) الآية، وبهذا يتبين ~~فساد استدلال المعتزلة على تفضيل الملك على البشر بقوله: (لن يستنكف المسيح ~~أن يكون عبدا لله) فإنهم زعموا أن سياقها يقتضي الترقي من الأدنى إلى ~~الأعلى، إذ لا يحسن أن يقال: لا يستنكف فلان عن خدمتك، ولا من دونه بل ولا ~~من فوقه. # وجوابه أن هؤلاء لما عبدوا المسيح، واعتقدوا فيه الولدية لما فيه من ~~القدرة على الخوارق PageV03P269 # والمعجزات، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه ms0724 والأبرص وغيره، ولكونه خلق من ~~غير تراب. والتزهيد في الدنيا وغالب هذه الأمور هي للملائكة أتم، وهم فيها ~~أقوى، فإن كانت هذه الصفات أوجبت عبادته، فهو مع هذه الصفات لا يستنكف عن ~~عبادة الله، بل ولا من هو أكبر منه في هذه الصفات، للترقي من الأدنى إلى ~~الأعلى في المقصود، ولم يلزم منه الشرف المطلق والفضيلة على المسيح. # السابع عشر الترقي كقوله: (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون ~~بها...) الآية، فإنه سبحانه بدأ منها بالأدنى لغرض الترقي، لأن منفعة ~~الرابع أهم من منفعة الثالث، فهو أشرف منه، ومنفعة الثالث أعم من منفعة ~~الثاني، ومنفعة الثاني أعم من منفعة الأول، فهو أشرف منه. # وقد قرن السمع بالعقل ولم يقرن به البصر في قوله: (ومنهم من يستمعون إليك ~~أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ~~ولو كانوا لا يبصرون)، وما قرن بالأشرف كان أشرف، وحكى ذلك عن علي بن عيسى ~~الربعي. # قال الشيخ أبو الفتح القشيري: # فإن قيل: قد كان الأولى أن يقدم الوصف الأعلى، ثم ما دونه، حتى ينتهى إلى ~~أضعفها، لأنه إذا بدا بسلب الوصف الأعلى، ثم بسلب ما دونه، كان ذلك أبلغ في ~~الذم، PageV03P270 # لأنه لا يلزم من سلب الأعلى سلب ما دونه، كما تقول: ليس زيد بسلطان، ولا ~~وزير، ولا أمير، ولا وال. والغرض من الآية المبالغة في الذم. # قلت: ما ذكرته طريقة حسنة في علم المعاني، والمقصود من الآية طريقة أخرى، ~~وهي أنه تعالى أثبت أن الأصنام التي تعبدها الكفار أمثال الكفار، في أنها ~~مقهورة مربوبة، ثم حطها عن درجة المثلية بنفي هذه الصفات الثابتة للكفار ~~عنها. وقد علمت أن المماثلة بين الذوات المتنائية إنما تكون باعتبار الصفات ~~الجامعة بينها، إذ هي أسباب في ثبوت المماثلة بينها، وتقوى المماثلة بقوة ~~أسبابها، وتضعف بضعفها، فإذا سلب وصف ثابت لإحدى الذاتين عن الأخرى انتفى ~~وجه من المماثلة بينهما، ثم إذا سلب وصف من الأول انتفى وجه من المماثلة ~~أقوى من ms0725 الأول، ثم لا يزال يسلب أسباب المماثلة، أقواها فأقواها، حتى تنتفي ~~المماثلة كلها بهذا التدريج. وهذه الطريقة ألطف من سلب أسباب المماثلة، ~~أقواها ثم أضعفها فأضعفها. # الثامن عشر مراعاة الإفراد فإن المفرد سابق على الجمع، كقوله تعالى: ~~(المال والبنون). وقوله: (من مال وبنين)، ولهذا لما عبر عن المال بالجمع ~~أخر عن البنين في قوله: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة). PageV03P271 # ومنه تقديم الوصف بالمفرد على الوصف بالجملة، في قوله: (وقال رجل مؤمن من ~~آل فرعون يكتم إيمانه)، وقوله: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه). # التاسع عشر التحذير منه والتنفير عنه كقوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا ~~زانية أو مشركة)، قرن الزنى بالشرك وقدمه. # وقوله: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة)، ~~قدمهن في الذكر، لأن المحنة بهن أعظم من المحنة بالأولاد، وفي صحيح مسلم: ~~(ما تركت بعدي [في الناس] فتنة أضر على الرجال من النساء ". ومن الحكمة ~~العظيمة أنه بدأ بذكر النساء في الدنيا، وختم ب‍ " الحرث " وهما طرفان ~~متشابهان، وفيهما الشهوة والمعاش الدنيوي، ولما ذكر بعد ذلك ما أعده ~~للمتقين أخر ذكر الأزواج كما يجب في الترتيب الأخروي، وختم بالرضوان. وكم ~~في القرآن من مثل هذا العجب إذا حضر له الذهن، وفرغ له الفهم! # ومنه تقديم نفي الولد على نفي الوالد، في قوله: (لم يلد ولم يولد)، فإنه ~~لما وقع في الأول منازعة الكفرة وتقولهم اقتضت الرتبة بالطبع تقديمه في ~~الذكر، اعتناء به، قبل التنزيه عن الوالد الذي لم ينازع فيه أحد من الأمم. # العشرون التخويف منه كقوله تعالى: (فمنهم شقى وسعيد)، ونظائره السابقة في ~~الثامن. PageV03P272 # الحادي والعشرون التعجيب من شأنه كقوله تعالى: (وسخرنا مع داود الجبال ~~يسبحن والطير). # قال الزمخشري: قدم الجبال على الطير، لأن تسخيرها له وتسبيحها أعجب وأدل ~~على القدرة، وأدخل في الإعجاز، لأنها جماد، والطير حيوان ناطق. # قال ابن النحاس: وليس مراد الزمخشري ب‍ " ناطق " ما يراد به في حد ~~الانسان. # الثاني والعشرون كونه أدل على القدرة كقوله تعالى: ms0726 (فمنهم من يمشي على ~~بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع). # الثالث والعشرون قصد الترتيب كما في آية الوضوء، فإن إدخال المسح بين ~~الغسلين، وقطع النظر عن النظير مع مراعاة ذلك في لسانهم، دليل على قصد ~~الترتيب. PageV03P273 # وكذلك البداءة في الصفا بالسعي. ومثله الكفارة المرتبة في الظهار والقتل. # وهنا قاعدة ذكرها أصحابنا، وهي أن الكفارة المرتبة بدأ الله فيها ~~بالأغلظ، والمخيرة بدأ فيها بالأخف، كما في كفارة اليمين، ولهذا حملوا آية ~~المحاربة في قوله: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا...)، الآية على الترتيب لا التخيير، لأنه بدأ فيها بالأغلظ ~~طردا للقاعدة، خلافا لمالك حيث جعلها على التخيير. # الرابع والعشرون خفة اللفظ كما في قولهم: ربيعة ومضر، مع أن مضر أشرف ~~لكون النبي صلى الله عليه وسلم منهم، لأنهم لو قدموا مضر لتوالي حركات ~~كثيرة، وذلك يثقل، فإذا قدموا ربيعة ووقفوا على مضر، بسكون الراء، نقص ~~الثقل لقلة الحركات المتوالية. # وقد يكون تقديم الإنس على الجن من ذلك، فالإنس أخف لمكان النون والسين ~~المهموسة. # الخامس والعشرون رعاية الفواصل كتأخير الغفور في قوله: (لعفو غفور)، ~~وقوله: (وكان رسولا نبيا)، PageV03P274 # وإن كانت القاعدة في علم البيان تأخير ما هو الأبلغ، فإنه يقال: عالم ~~نحرير، وشجاع باسل، وسبق له نظائر. # وكقوله: (خذوه فغلوه. ثم الجحيم صلوه)، ولو قال: صلوه الجحيم لأفاد ~~المعنى، ولكن يفوت الجمع. # وقيل: فائدته الاختصاص. # وقوله: (إن كنتم إياه تعبدون)، فقدم " إياه " على " تعبدون " لمشاكلة ~~رؤوس الآي. # تنبيه قد يكون في كل واحد مما ذكرنا من الأمثلة سببان فأكثر للتقديم، ~~فإما أن يعتقد إرادة الكل، أو يرجح بعضها لكونه أهم في ذلك المحل. وإن كانت ~~الأخرى أهم في محل آخر. وإذا تعارضت الأسباب روعى أقواها، فإن تساوت كان ~~المتكلم بالخيار في تقديم أي الأمرين شاء. # النوع الثاني مما قدم والنية به التأخير فمنه ما يدل على ذلك الإعراب، ~~كتقديم المفعول على الفاعل في نحو قوله: (إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء)، ms0727 و (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها)، (وإذا ابتلى PageV03P275 # إبراهيم ربه). # ونحوه مما يجب في الصناعة النحوية كذلك، ولكن ذلك لقصد الحصر. # كتقديم المفعول، كقوله: (أفغير الله تأمروني أعبد). (قل الله أعبد). # وكتقديم الخبر على المبتدأ في قوله: (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) ~~ولو قال " وظنوا أن حصونهم مانعتهم " لما أشعر بزيادة وثوقهم بمنعها إياهم. # وكذا: (أراغب أنت عن آلهتي)، ولو قال: " أأنت راغب عنها "؟ ما أفادت ~~زيادة الانكار على إبراهيم. # وكذلك: (واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا)، ولم يقل: " ~~فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة "، وكان يستغنى عن الضمير، لأن هذا لا يفيد ~~اختصاص الذين كفروا بالشخوص. # ومنه ما يدل على المعنى، كقوله تعالى: (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها)، ~~قال البغوي: هذا أول القصة، وإن كانت مؤخرة في التلاوة. # وقال الواحدي: كان الاختلاف في القاتل قبل ذبح البقرة، وإنما أخر في ~~الكلام لأنه سبحانه لما قال: (إن الله يأمركم...) الآية علم المخاطبون أن ~~البقرة لا تذبح إلا للدلالة على قاتل خفيت عينه عليهم، فلما استقر علم هذا ~~في نفوسهم أتبع بقوله: # (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها) على جهة التوكيد، لا أنه عرفهم الاختلاف ~~في القاتل بعد أن دلهم على ذبح البقرة. وقيل: إنه من المؤخر الذي يراد به ~~التقدم، PageV03P276 # وتأويله: وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها فسألتم موسى فقال لكم: (إن الله ~~يأمركم أن تذبحوا بقرة). # وأما الزمخشري ففي كلامه ما يدل على أن إيرادها إنما كان يتأتى على الوجه ~~الواقع في القرآن، لمعنى حسن لطيف استخرجه وأبداه. # ومنه قوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)، وأصل الكلام: " هواه إلهه ~~" كما تقول: اتخذ الصنم معبودا، لكن قدم المفعول الثاني على الأول للعناية، ~~كما تقول: علمت منطلقا زيدا، لفضل عنايتك بانطلاقه. # ومنه قوله تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب...) الآية، أي ~~أنزله قيما ولم يجعل له عوجا. قاله جماعة منهم الواحدي. # ورده فخر الدين في تفسيره بأن قوله: (ولم يجعل له عوجا. قيما)، معناه أنه ~~كامل ms0728 في ذاته، وأن " قيما "، معناه أنه مكمل لغيره، وكونه كاملا في ذاته، ~~سابق على كونه مكملا لغيره، لأن معنى كونه " قيما " أنه قائم بمصالح الغير. ~~قال: فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح ما ذكر في الآية، وما ذكر من ~~التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه. انتهى. # وهذا فهم عجيب من الإمام، لأن القائل بالتقديم والتأخير لا يقول بأن كونه ~~غير ذي عوج متأخر عن كونه " قيما " في المعنى، وإنما الكلام في ترتيب اللفظ ~~لأجل الإعراب. # وقد يكون أحد المعنيين ثابتا قبل الآخر ويذكر بعده. # وأيضا فإن هذا البحث إنما هو على تفسير القيم بالمستقيم، فأما إذا فسر ~~بالقيام على غيره فلا نسلم أن القائل يقول بالتقديم والتأخير. # وهاهنا أمران: # * * * PageV03P277 # أحدهما: أن الأظهر جعل هذه الجملة - أعني قوله: (ولم يجعل له عوجا. قيما) ~~- من جملة صلة " الذي " وتمامها، وعلى هذا لا موضع لها من الإعراب لوجهين: ~~أحدهما أنها في حيز الصلة، لأنها معطوفة عليها. والثاني أنها اعتراض بين ~~الحال وعاملها. ويجوز في الجملة المذكورة أن يكون موضعها النصب، على أنها ~~حال من " الكتاب "، والعامل فيها " أنزل ". # قاله جماعة، وفيه نظر. # وأما قوله: " قيما " فيجوز في نصبه وجوه: # أحدها - وهو قول الأكثر - أنه منصوب على الحال من " الكتاب " والعامل فيه ~~" أنزل "، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: " الحمد لله الذي أنزل على ~~عبده الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا "، فتكون الجملة على هذا اعتراضا. # والثاني أن يكون منصوبا بفعل مقدر، وتقديره: " ولكن جعله قيما "، فيكون ~~مفعولا للفعل المقدر. # والثالث أن يكون حالا من الضمير في قوله: (ولم يجعل له عوجا)، وتكون حالا ~~مؤكدة. # واختار صاحب الكشاف أن يكون " قيما " مفعولا لفعل مقدر كما ذكرناه، لأن ~~الجملة التي قبلها عنده معطوفة على الصلة، و " قيما " من تمام الصلة، وإذا ~~كان حالا يكون فيه فصل بين بعض الصلة وتمامها، فكان الأحسن جعله معمولا ~~لمقدر. # وقال جماعة منهم ابن المنير في تفسير البحر بعد نقله كلام الزمخشري: ~~وعجيب من كونه لم يجعل الفاصل المذكور ms0729 حالا أيضا، ولا فصل، بل هما حالان ~~متواليان من شيء واحد، والتقدير: أنزل الكتاب غير معوج. PageV03P278 # وهذا القول - وهو جعل الجملة حالا - قد ذكره جماعة قبل ابن المنير. ~~والظاهر أن الزمخشري لم يرتض هذا القول، لأن جعل الجملة حالا لا يفيده ما ~~يفيد العطف، من نفي العوج عن الكتاب مطلقا، غير مقيد بالإنزال وهو المقصود. ~~فالفائدة التي هي أتم إنما تكون على تقدير استقلال الجملة. كيف والقول ~~بالتقديم والتأخير منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما! # نقله الطبري وغيره. # وقال الواحدي: هو قول جميع أهل اللغة والتفسير. والزمخشري ربما لاحظ هذا ~~المعنى، ولم يمنع جواز غير ما قال، لكن ما قال هو الأحسن. # وقال غير ابن المنير في الاعتراض على الزمخشري: إن الجملة وإن كانت ~~مستقلة فهي في حيز الصلة للعطف، فلم يقع فصل، ويؤيد ما ذكره صاحب الكشاف أن ~~بعض القراء يسكت عند قوله: " عوجا " ويفصل بينه وبين " قيما " بسكتة لطيفة، ~~وهي رواية حفص عن عاصم، وذلك يحتمل أن يكون لما ذكرنا من تقدير الفصل ~~وانقطاع الكلام عما قبله. # قال ابن المنير: وتحتمل السكتة وجها آخر، وهو أن يكون ذلك لرفع توهم أن ~~يكون " قيما " نعتا للعوج، لأن النكرة تستدعي النعت غالبا، وقد كثر في ~~كلامهم إيلاء النكرة الجامدة نعتها، كقوله: (صراطا مستقيما)، و (قرآنا ~~عربيا)، فإذا ولي النكرة الجامدة اسم مشتق نكرة ظهر فيه معنى الوصف، فربما ~~خيف اللبس في جعل " قيما " نعتا ل‍ " عوج "، فوقع اللبس بهذه السكتة. # وهذا أيضا فيه نظر، لأن ذلك إنما يتوهم فيما يصلح أن يكون وصفا، ولا يصلح ~~" قيما " أن يكون وصفا ل‍ " عوج " فإن الشيء لا يوصف بضده، لأن العوج لا ~~يكون قيما، والأولى ما ذكرناه أولا. # * * * PageV03P279 # الثاني: نقل الإمام عن بعضهم أن " قيما " بدل من قوله: " عوجا "، وهو ~~مشكل، لأنه لا يظهر له وجه. # * * * وقوله تعالى: (ولقد همت به وهم بها)، قيل: التقدير: لقد همت به ~~لولا أن رأى برهان ربه وهم بها. وهذا أحسن، لكن في تأويله قلق، ولا ms0730 يحتاج ~~إلى هذا التأويل إلا على قول من قال: إن الصغائر يجوز وقوعها منهم. # وقوله: (فضحكت، فبشرناها بإسحاق) قيل: أصله: فبشرناها بإسحاق فضحكت. ~~وقيل: ضحكت أي حاضت بعد الكبر عند البشرى، فعادت إلى عادات النساء من الحيض ~~والحمل والولادة. # وقوله: (فأردت أن أعيبها)، قدم على ما بعده، وهو مؤخر عنه في المعنى، لأن ~~ذلك يحصل للتوافق. # وقوله: (فجعله غثاء أحوى) أي أحوى غثاء، أي أخضر، يميل إلى السواد، ~~والموجب لتأخير (أحوى) رعاية الفواصل. # وقوله: (ومن يبتغ غير الاسلام دينا)، قال ابن برهان النحوي: أصله: # ومن يبتغ دينا غير الاسلام. # وقوله: (وغرابيب سود)، قال أبو عبيد: الغربيب الشديد السواد، ففي الكلام ~~تقديم وتأخير. وقال صاحب " العجائب والغرائب ": قال ابن عيسى: PageV03P280 # الغربيب الذي لونه لون الغراب، فصار كأنه غراب. قال: والغراب يكون أسود ~~وغير أسود، وعلى هذا فلا تقديم ولا تأخير فيه. # وقوله: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) على قول من يقول: إن الذكر ~~هنا القرآن. # وقوله: (حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها). # وقوله: (اقتربت الساعة وانشق القمر). # وقوله: (فكذبوه فعقروها) أي فعقروها ثم كذبوه في عقرها وفي إجابتهم. # وقوله: (ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده)، تقديره: ثم قضى أجلا وعنده أجل ~~مسمى، أي وقت مؤقت. # وقوله: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) أي الأوثان من الرجس. # (هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) أي يرهبون ربهم. # (والذين هم لفروجهم حافظون)، أي الذين هم حافظون لفروجهم. # (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) أي مخلف رسله وعده. # (بل الانسان على نفسه بصيرة)، أي بل الانسان بصير على نفسه في شهود ~~جوارحه عليه. # (خلق الانسان من عجل)، أي خلق العجل من الانسان. # (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى)، أي ولولا PageV03P281 # كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان العذاب لازما لهم. # (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل)، أي كيف مده ربك. # (وإنه لحب الخير لشديد) أي لشديد لحب الخير. # (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم) أي زين للمشركين شركاؤهم قتل ~~أولادهم، لأن ms0731 الشياطين كانوا يحسنون لهم قتل بناتهم خشية العار. # وقوله: (لعله الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته). # وقوله: (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا)، أي فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الآخرة. # وقوله: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح)، تقديره: ~~مثل الذين كفروا بربهم كرماد اشتدت به الريح. # وقوله: (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين)، أي فأنا عدو آلهتهم وأصنامهم، ~~وكل معبود يعبدونه من دون الله. # وقوله: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا)، أي فزعوا وأخذوا، فلا فوت، ~~لأن الفوت يكون بعد الأخذ. # وقوله: (هل آتاك حديث الغاشية)، يعني القيامة. (وجوه يومئذ خاشعة)، ~~PageV03P282 # وذلك يوم القيامة. ثم قال: (عاملة ناصبة)، والنصب والعمل يكونان في ~~الدنيا، فكأنه على التقديم والتأخير، معناه: وجوه عاملة ناصبة ويوم القيامة ~~خاشعة، والدليل عليه قوله: (وجوه يومئذ ناعمة). # وقوله: (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون ~~إلى الإيمان فتكفرون)، تقديره: لمقت الله إياكم في الدنيا حين دعيتم إلى ~~الإيمان فكفرتم، ومقته إياكم اليوم أكبر من مقتكم أنفسكم إذ دعيتم إلى ~~النار. # وقوله: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)، لأن ~~الفجر ليس له سواد، والتقدير: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من ~~الخيط الأسود من الليل، أي حتى يتبين لكم بياض الصبح من بقية سواد الليل. # وقوله: (ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة). # وقوله: (كأن لم تكن) منظوم بقوله: (قال قد أنعم الله على)، لأنه موضع ~~الشماتة. # وقوله: (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين)، أي اثنين إلهين، لأن اتخاذ ~~اثنين يقع على ما يجوز وما لا يجوز، و " إلهين " لا يقع إلا على ما لا ~~يجوز، ف‍ " إلهين " أخص، فكان جعله صفة أولى. PageV03P283 # النوع الثالث ما قدم في آية وأخر في أخرى فمن ذلك قوله في فاتحة الفاتحة: ~~(الحمد لله) وفي خاتمة الجاثية (فلله الحمد)، فتقديم ms0732 " الحمد " في الأول ~~جاء على الأصل، والثاني على تقدير الجواب، فكأنه قيل عند وقوع الأمر: لمن ~~الحمد؟ ومن أهله؟ فجاء الجواب على ذلك، نظيره: (لمن الملك اليوم)، ثم قال: ~~(لله الواحد القهار). # وقوله في سورة يس: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى)، قدم المجرور على ~~المرفوع، لاشتمال ما قبله من سوء معاملة أصحاب القرية الرسل، وإصرارهم على ~~تكذيبهم، فكان مظنة التتابع على مجرى العبارة، تلك القرية، ويبقى مخيلا في ~~فكره: أكانت كلها كذلك، أم كان فيها... على خلاف ذلك، بخلاف ما في سورة ~~القصص. # ومنها قوله في سورة النمل: (ولقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل)، وفي ~~سورة المؤمنين: (ولقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل)، فإن ما قبل الأولى ~~(أئذا كنا ترابا وآباؤنا)، وما قبل الثانية: (أئذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما)، فالجهة المنظور فيها هناك كون أنفسهم وآبائهم ترابا، والجهة ~~المنظور فيها هنا كونهم ترابا وعظاما، ولا شبهة أن الأولى أدخل عندهم في ~~تبعيد البعث. PageV03P284 # ومنها قوله في سورة المؤمنين: (وقال الملأ من قومه الذين كفروا)، فقدم ~~المجرور على الوصف، لأنه لو أخبر عنه - وأنت تعلم أن تمام الوصف بتمام ما ~~يدخل عليه الموصوف، وتمامه: (وأترفناهم في الحياة الدنيا) - لاحتمل أن يكون ~~من نعيم الدنيا. واشتبه الأمر في القائلين: أهم من قومه، أم لا؟ بخلاف قوله ~~في موضع آخر منها: # (فقال الملأ الذين كفروا من قومه)، فإنه جاء على الأصل. # ومنها قوله في سورة طه: (آمنا برب هارون وموسى)، تتميما على الفاصلة، ~~بخلاف قوله في سورة الشعراء: (رب موسى وهارون). # ومنها قوله: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم)، وقال في ~~سورة الإسراء: (نحن نرزقهم وإياكم)، قدم المخاطبين في الأولى دون الثانية، ~~لأن الخطاب في الأولى في الفقراء، بدليل قوله: (من إملاق)، فكان رزقهم ~~عندهم أهم من رزق أولادهم، فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، ~~والخطاب في الثانية للأغنياء، بدليل (خشية إملاق)، فإن الخشية إنما تكون ~~مما لم يقع، فكان رزق أولادهم هو المطلوب، دون رزقهم، لأنه ms0733 حاصل، فكان أهم، ~~فقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم. # ومنها ذكر الله في أواخر سورة الملائكة: (إن الله عالم غيب السماوات ~~والأرض) فقدم ذكر السماوات، لأن معلوماتها أكثر، فكان تقديمها أدل على صفة ~~العالمية، ثم قال: (قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات) فبدأ بذكر الأرض، لأنه في ~~PageV03P285 # سياق تعجيز الشركاء عن الخلق والمشاركة، وأمر الأرض في ذلك أيسر من ~~السماء بكثير، فبدأ بالأرض مبالغة في بيان عجزهم، لأن من عجز عن أيسر ~~الأمرين كان عن أعظمهما أعجز، ثم قال سبحانه: (إن الله يمسك السماوات ~~والأرض أن تزولا)، فقدم السماوات تنبيها على عظم قدرته سبحانه، لأنه خلقها ~~أكبر من خلق الأرض، كما صرح به في سور المؤمن، ومن قدر على إمساك الأعظم ~~كان على إمساك الأصغر أقدر. # فإن قلت: فهلا اكتفى من ذكر الأرض بهذا التنبيه البين، الذي لا يشك فيه ~~أحد! # قلت: أراد ذكرها مطابقة، لأنه على كل حال أظهر وأبين، فانظر أيها العاقل ~~حكمة القرآن، وما أودعه غير من البيان والتبيان، تحمد عاقبة النظر، وتنتظر ~~خير منتظر! # * * * ومن أنواعه أن يقدم اللفظ في الآية ويتأخر فيها، لقصد أن يقع ~~البداءة والختم به، للاعتناء بشأنه، وذلك كقوله تعالى 6 (يوم تبيض وجوه ~~وتسود وجوه، فأما الذين اسودت وجوههم). # وقوله: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها...) إلى قوله: (قل ما عند ~~الله خير من اللهو ومن التجارة). # وكذلك قوله: (إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون) فإنه لولا ما أسلفناه، لقيل: ما تكتمون وتبدون، لأن الوصف بعلمه ~~PageV03P286 # أمدح، كما قيل: (يعلم سركم وجهركم)، و (عالم الغيب والشهادة) (والله يعلم ~~يعلم ما تسرون وما تعلنون). # فإن قلت: فقد قال تعالى: (يعلم السر وأخفى). # قلت: لأجل تناسب رؤوس الآي. # ومنها أن يقع التقديم في موضع والتأخير في آخر، واللفظ واحد، والقصة ~~واحدة، للتفنن في الفصاحة، وإخراج الكلام على عدة أساليب، كما في قوله ~~تعالى: # (وادخلوا ms0734 الباب سجدا وقولوا حطة)، وقوله: (وقولوا حطة وادخلوا الباب ~~سجدا). # وقوله: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم)، وقوله: (وختم على سمعه وقلبه)، ~~قال الزمخشري في كشافه القديم: علم بذلك أن كلا الطريقين داخل تحت الحسن، ~~وذلك لأن العطف في المختلفين، كالتثنية في المتفقين، فلا عليك أن تقدم ~~أيهما شئت، فإنه حسن مؤد إلى الغرض. وقد قال سيبويه: ولم يجعل للرجل منزلة ~~بتقديمك إياه، بكونه أولى بها من الجائي، كأنك قلت: مررت بهما، يعني في ~~قولك: مررت برجل وجاءني، إلا أن الأحسن تقديم الأفضل، فالقلب رئيس الأعضاء، ~~والمضغة لها الشأن، ثم السمع طريق إدراك وحي الله، وكلامه الذي قامت به ~~السماوات والأرض، وسائر العلوم التي هي الحياة كلها. # قلت: وقد سبق توجيه كل موضع بما ورد فيه من الحكمة. PageV03P287 # القلب وفى كونه من أساليب البلاغة خلاف، فأنكره جماعة، منهم حازم في كتاب ~~" منهاج البلغاء " وقال: إنه مما يجب أن ينزه كتاب الله عنه، لأن العرب إن ~~صدر ذلك منهم فبقصد العبث أو التهكم أو المحاكاة أو حال اضطرار، والله منزه ~~عن ذلك. # وقبله جماعة مطلقا، بشرط عدم اللبس كما قاله المبرد في كتاب " ما اتفق ~~لفظه واختلف معناه ". # وفصل آخرون بين أن يتضمن اعتبارا لطيفا، فبليغ وإلا فلا، ولهذا قال ابن ~~الضائع: # يجوز القلب على التأويل، ثم قد يقرب التأويل فيصح في فصيح الكلام، وقد ~~يبعد فيختص بالشعر. # وهو أنواع: # أحدها قلب الإسناد وهو إن أن يشمل الإسناد إلى شيء والمراد غيره، كقوله ~~تعالى: (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة)، إن لم تجعل الباء للتعدية، لأن ظاهره ~~أن المفاتح تنوء بالعصبة، ومعناه أن العصبة تنوء بالمفاتح لثقلها، فأسند " ~~لتنوء " إلى " المفاتح "، والمراد إسناده إلى العصبة PageV03P288 # لأن الباء للحال والعصبة مستصحبة المفاتح، لا تستصحبها المفاتح. وفائدته ~~المبالغة، يجعل المفاتح كأنها مستتبعة للعصبة القوية بثقلها. # وقيل: لا قلب فيه، والمراد - والله أعلم - أن المفاتح تنوء بالعصبة، أي ~~تميلها من ثقلها. # وقد ذكر هذا الفراء وغيره. # وقال ابن عصفور: والصحيح ما ذهب إليه الفارسي أنها ms0735 بالنقل ولا قلب، ~~والفعل غير متعد، فصار متعديا بالباء، لأن " ناء " غير متعد، يقال: ناء ~~النجم، أي نهض، ويقال: # ناء، أي مال للسقوط. فإذا نقلت الفعل بالباء قلت: نؤت به، أي أنهضته ~~وأملته للسقوط، فقوله: (لتنوء بالعصبة) أي تميلها المفاتح للسقوط لثقلها. # قال: وإنما كان مذهب الفارسي أصح، لأن نقل الفعل غير المتعدي بالباء ~~مقيس، والقلب غير مقيس، فحمل الآية على ما هو مقيس أولى. # ومنه قوله تعالى: (خلق الانسان من عجل)، أي خلق العجل من الانسان. # قاله ثعلب وابن السكيت. # قال الزجاج: ويدل على ذلك: (وكان الانسان عجولا). # قال ابن جنى: والأحسن أن يكون تقديره: خلق الانسان من العجلة، لكثرة فعله ~~إياه، واعتماده له، وهو أقوى في المعنى من القلب، لأنه أمر قد اطرد واتسع، ~~فحمله على القلب يبعد في الصنعة، ويضعف المعنى. # ولما خفي هذا على بعضهم قال: إن العجل هاهنا الطين، قال: ولعمري إنه في ~~اللغة كما ذكر، غير أنه ليس المراد هنا إلا نفس العجل، ألا ترى إلى قوله ~~عقبه: (سأريكم آياتي فلا تستعجلون)، ونظيره قوله: (وكان الانسان عجولا)، ~~وخلق الانسان PageV03P289 # ضعيفا)، لأن العجلة ضرب من الضعف، لما تؤذن به الضرورة والحاجة. # وقيل في قوله: (وجاءت سكرة الموت بالحق): أي إنه من المقلوب، وأنه (وجائت ~~سكرة الحق بالموت)، وهكذا في قراءة أبي بكر. # ومثله: (لكل أجل كتاب)، قال الفراء: أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤجل. # وقيل في قوله: (وإن يردك بخير): هو من المقلوب، أي يريد بك الخير، ويقال: ~~أراده بالخير وأراد به الخير. # وجعل ابن الضائع منه: (فتلقى آدم من ربه كلمات)، قال: فآدم صلوات الله ~~على نبينا وعليه هو المتلقي للكلمات حقيقة، ويقرب أن ينسب التلقي للكلمات، ~~لأن من تلقى شيئا، أو طلب أن يتلقاه فلقيه كان الآخر أيضا قد طلب ذلك، لأنه ~~قد لقيه قال: # ولقرب هذا المعنى قرئ بالقلب. # وجعل الفارسي منه قوله تعالى: (فعميت علكيم)، أي فعميتم عليها. # وقوله: (فاختلط به نبات الأرض). # وقوله: (وقد بلغت من الكبر عتيا)، (وقد ms0736 بلغني الكبر)، أي بلغت الكبر. # وقوله: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)، وقوله: (فإنهم عدو لي PageV03P290 # إلا رب العالمين)، فإن الأصنام لا تعادي، وإنما المعنى: فإني عدو لهم، ~~مشتق من عدوت الشيء، إذا جاوزته وخلفته، وهذا لا يكون إلا فيمن له إرادة، ~~وأما " عاديته " فمفاعلة لا يكون إلا من اثنين. # وجعل منه بعضهم: (وإنه لحب الخير لشديد)، أي إن حبه للخير لشديد. # وقيل: ليس منه، لأن المقصود منه أنه لحب المال لبخيل، والشدة: البخل، أي ~~من أجل حبه للمال يبخل. # وجعل الزمخشري منه قوله تعالى: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار)، ~~كقوله: عرضت الناقة على الحوض، لأن المعروض ليس له اختيار، وإنما الاختيار ~~للمعروض عليه، فإنه قد يفعل ويريد، وعلى هذا فلا قلب في الآية، لأن الكفار ~~مقهورون فكأنهم لا اختيار لهم، والنار متصرفة فيهم، وهو كالمتاع الذي يقرب ~~منه من يعرض عليه، كما قالوا: عرضت الجارية على البيع. # وقوله: (وحرمنا عليه المراضع من قبل)، ومعلوم أن التحريم لا يقع إلا على ~~المكلف، فالمعنى: وحرمنا على المراضع أن ترضعه. ووجه تحريم إرضاعه عليهن ~~ألا يقبل إرضاعهن حتى يرد إلى أمه. # وقوله تعالى: (وما يخادعون إلا أنفسهم)، قيل: الأصل وما تخدعهم إلا ~~أنفسهم، لأن الأنفس هي المخادعة، والمسولة، قال تعالى: (بل سولت لكم ~~أنفسكم). # ورد بأن الفاعل في مثل هذا هو المفعول في المعنى، وأن التغاير في اللفظ ~~فقط، فعلى هذا يصح إسناد الفعل إلى كل منهما، ولا حاجة إلى القلب. ~~PageV03P291 # الثاني قلب المعطوف إما بأن تجعل المعطوف عليه معطوفا والمعطوف معطوفا ~~عليه، كقوله تعالى: (فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون)، حقيقته: ~~فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم، لأن نظره ما يرجعون من القول غير متأت مع ~~توليه عنهم. وما يفسر به التولي من أنه يتوارى في الكوة التي ألقى منها ~~الكتاب مجاز، والحقيقة راجحة عليه. # وقوله: (ثم دنا فتدلى)، أي تدلى فدنا، لأنه بالتدلي نال الدنو والقرب إلى ~~المنزلة الرفيعة وإلى المكانة، لا إلى المكان. # وقيل: لا قلب، والمعنى: ms0737 ثم أراد الدنو فتدلى، وفي صحيح البخاري: (فإذا ~~قرأت القرآن فاستعذ)، المعنى فإذا استعذت فأقرأ. # وقوله: (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا)، وقال صاحب الإيضاح: # لا قلب فيه، لعدم تضمنه اعتبارا لطيفا. # ورد بتضمنه المبالغة في شدة سورة البأس، يعنى هلكت بمجرد توجه الناس ~~إليها، ثم جاءها. # الثالث العكس العكس، وهو أمر لفظي، كقوله: (ما عليك من حسابهم من شيء وما ~~من حسابك عليهم من شيء). PageV03P292 # وقوله: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن). # (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن). # (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل). # الرابع المستوي وهو أن الكلمة أو الكلمات تقرأ من أولها إلى آخرها، ومن ~~آخرها إلى أولها، لا يختلف لفظها ولا معناها، كقوله: و (ربك فكبر). # (كل في فلك). # الخامس مقلوب البعض وهو أن تكون الكلمة الثانية مركبة من حروف الكلمة ~~الأولى، مع بقاء بعض حروف الكلمة الأولى، كقوله تعالى: (فرقت بين بني ~~إسرائيل)، ف‍ " بني " مركب من حروف " بين "، وهو مفرق، إلا أن الباقي بعضها ~~في الكلمتين، وهو أولها. PageV03P293 # المدرج هذا النوع سميته بهذه التسمية، بنظير المدرج من الحديث، وحقيقته ~~في أسلوب القرآن أن تجئ الكلمة إلى جنب أخرى كأنها في الظاهر معها، وهي في ~~الحقيقة غير متعلقة بها، كقوله تعالى ذاكرا عن بلقيس: (إن الملوك إذا دخلوا ~~قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون) هو من قول الله لا من ~~قول المرأة. # ومنه قوله تعالى: (الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين). انتهى قول المرأة، ثم قال يوسف عليه السلام: (ذلك ليعلم أني لم ~~أخنه بالغيب)، معناه ليعلم الملك أني لم أخنه. # ومنه: (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا)، تم الكلام، فقالت الملائكة: (هذا ~~ما وعد الرحمن وصدق المرسلون). # وقوله: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) ~~فهذه صفة لأتقياء المؤمنين، ثم قال: (يمدونهم في الغي)، فهذا يرجع إلى كفار ~~مكة تمدهم إخوانهم من الشياطين في الغي. PageV03P294 # وقوله: (يريد أن يخرجكم ms0738 من أرضكم بسحره) ثم أخبر عن فرعون متصلا: # (فماذا تأمرون). # وقوله: (هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار)، فالظاهر أن ~~الكلام كله من كلام الزبانية، والأمر ليس كذلك. # وقوله: (إذ جاء ربه بقلب سليم) من كلامه تعالى، وقال: (إلا من أتى الله ~~بقلب سليم). PageV03P295 # الترقي كقوله تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم)، (لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة). # فإن قيل: فقد ورد: (فلا يخاف ظلما ولا هضما)، والغالب أن يقدم في القليل ~~على الكثير، مع أن الظلم منع للحق من أصله، والهضم منع له من وجه كالتطفيف، ~~فكان يناسبه تقديم الهضم. # قلت: لأجل فواصل الآي، فإنه تقدم قبله: (وقد خاب من حمل ظلما)، فعدل عنه ~~في الثاني، كيلا يكون أبطأ، وقد سيقت أمثلة الترقي في أسباب التقديم. ~~PageV03P296 # الاقتصاص ذكره أبو الحسين بن فارس، وهو أن يكون كلام في سورة مقتصا من ~~كلام في سورة أخرى، أو في السورة نفسها، ومثله بقوله تعالى: (وآتيناه أجره ~~في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين)، والآخرة دار ثواب لا عمل فيها، ~~فهذا مقتص من قوله: # (ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى). # ومنه قوله تعالى: (ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين)، مأخوذ من قوله ~~تعالى: (فأولئك في العذاب محضرون). # وقوله: (ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا). # فأما قوله تعالى: (ويوم يقوم الأشهاد)، فيقال: إنها مقتصة من أربع آيات، ~~لأن الأشهاد أربعة: # الملائكة عليهم السلام في قوله: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد). # والأنبياء عليهم السلام لقوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ~~وجئنا بك على هؤلاء شهيدا). # وأمه محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس). PageV03P297 # والأعضاء لقوله: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون). # ومنه قوله تعالى: (إني أخاف عليكم يوم التناد)، وقرئت مخففة ومثقلة، فمن ~~شدد فهو من " ند " إذا نفر، وهو مقتص من قوله: (يوم يفر المرء من أخيه..) ~~الآية، ومن خفف فهو تفاعل من النداء، مقتص ms0739 من قوله تعالى: (ونادى أصحاب ~~الجنة أصحاب النار). PageV03P298 # الألغاز واللغز الطريق المنحرف، سمى به لانحرافه عن نمط ظاهر الكلام، ~~ويسمى أيضا أحجية، لأن الحجى هو العقل، وهذا النوع يقوي العقل عند التمرن ~~والارتماض، بحله والفكر فيه. # وذكر بعضهم أنه وقع في القرآن العظيم، وجعل منه ما جاء في أوائل السور من ~~الحروف المفردة والمركبة التي جهل معناها، وحارت العقول في منتهاها. # ومنه قوله تعالى في قصة إبراهيم لما سئل عن كسر الأصنام، وقيل له: أنت ~~فعلته، فقال: (بل فعله كبيرهم هذا)، قابلهم بهذه المعارضة ليقيم عليهم ~~الحجة، ويوضح لهم المحجة. # وكذلك قول نمروذ: (أنا أحيي وأميت)، أتى باثنين فقتل أحدهما، وأرسل ~~الآخر، فإن هذه مغالطة. PageV03P299 # الاستطراد وهو التعريض بعيب انسان بذكر عيب غيره، كقوله تعالى: (وسكنتم ~~في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم). # وكقوله: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود). # وقوله: (ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود). PageV03P300 # الترديد وهو أن يعلق المتكلم لفظة من الكلام ثم يردها بعينها، ويعلقها ~~بمعنى آخر كقوله: # (حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم....)، الآية، فإن الأول مضاف ~~إليه، والثاني مبتدأ. # وقوله: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا). # وقوله: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال). # وقد يحذف أحدها ويضمر، أولا يلاحظ، وإن على الخلاف في قوله تعالى: (لا ~~ريب فيه هدى للمتقين). PageV03P301 # التغليب وحقيقته إعطاء الشيء حكم غيره. وقيل ترجيح أحد المغلوبين على ~~الآخر، أو إطلاق لفظة عليهما، إجراء للمختلفين مجرى المتفقين. # وهو أنواع: # الأول تغليب المذكر كقوله تعالى: (وجمع الشمس والقمر) غلب المذكر، لأن ~~الواو جامعة، لأن لفظ الفعل مقتض، ولو أردت العطف امتنع. # وقوله: (ولو كانت من القانتين). # وقوله: (إلا امرأته كانت من الغابرين)، والأصل " من القانتات والغابرات " ~~فعدت الأنثى من المذكر بحكم التغليب. # هكذا قالوا، وهو عجيب، فإن العرب تقول: نحن من بني فلان، لا تريد إلا ~~موالاتهم، والتصويب لطريقتهم، وفي الحديث الصحيح ms0740 في الأشعريين: " هم مني ~~وأنا منهم " فقوله سبحانه: (من القانتين) ولم يقل: " من القانتات "، إيذانا ~~بأن وضعها في العباد جدا واجتهادا، وعلما وتبصرا ورفعة من الله لدرجاتها في ~~أوصاف الرجال القانتين وطريقهم. # ونظيره، ولكن بالعكس قول عقبة بن أبي معيط لأمية بن خلف لما أجمع القعود ~~PageV03P302 # عن وقعة بدر، لأنه كان شيخا فجاء بمجمرة، فقال: يا أبا علي استجمر، فإنما ~~أنت من النساء، فقال: قبحك الله وقبح ما جئت به! ثم تجهز. # ونازع بعضهم في ذلك من وجه آخر، فقال: يحتمل ألا يكون " من " للتبعيض بل ~~لابتداء الغاية، أي كانت ناشئة من القوم القانتين، لأنها من أعقاب، هارون ~~أخي موسى عليه السلام. # الثاني تغليب المتكلم على المخاطب والمخاطب على الغائب فيقال: أنا وزيد ~~فعلنا، وأنت وزيد تفعلان. ومنه قوله تعالى: (بل أنتم قوم تجهلون)، بتاء ~~الخطاب، غلب جانب " أنتم " على جانب " قوم "، والقياس أن يجئ بالياء، لأنه ~~وصف القوم، وقوم اسم غيبة، ولكن حسن آخر الخطاب، وصفا ل‍ " قوم " لوقوعه ~~خبرا عن ضمير المخاطبين. قاله ابن الشجري. # ولو قيل: إنه حال ل‍ (فتلك بيوتهم خاوية)، لأن في الضمير الخطاب معنى ~~الإشارة لملازمته لها، أو لمعناها لكان متجها وإن لم تساعده الصناعة، لكن ~~يبعده أن المراد وصفهم بجهل مستمر، لا مخصوص بحال الخطاب، ولم يقل " جاهلون ~~"، إيذانا بأنهم يتجددون عند كل مصيبة لطلب آيات جهلهم. # وقال أبو البركات بن الأنباري: ولو قيل: إنما قال: (تجهلون) بالتاء - لأن ~~" قوم " هو " أنتم " في المعنى فلذلك، قال: " تجهلون " حملا على المعنى - ~~لكان حسنا، ونظيره قوله: # * أنا الذي سمتني أمي حيدره * PageV03P303 # بالياء حملا على " أنا " لأن " الذي " هو " أنا " في المعنى. # ومنه قوله تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك)، غلب فيه جانب " أنت " ~~على جانب " من " فأسند إليه الفعل، وكان تقديره: فاستقيموا، فغلب الخطاب ~~على الغيبة، لأن حرف العطف فصل بين المسند إليهم الفعل، فصار كما ترى. قال ~~صاحب الكشاف: تقديره: فاستقم كما أمرت وليستقم كذلك من تاب معك. # وما قلنا أقل تقديرا من ms0741 هذا فاختر أيهما شئت. # وقوله تعالى: (اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم)، فأعاد الضمير بلفظ ~~الخطاب، وإن كان " من تبعك " يقتضى الغيبة، تغليبا للمخاطب وجعل الغائب ~~تبعا له، كما كان تبعا له في المعصية والعقوبة، فحسن أن يجعل تبعا له في ~~اللفظ، وهو من محاسن ارتباط اللفظ بالمعنى. # وكقوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون)، فإن الخطاب في (لعلكم) متعلق بقوله: (خلقكم) لا بقوله ~~(اعبدوا) حتى يختص بالناس المخاطبين، إذ لا معنى لقوله: " اعبدوا لعلكم ~~تتقون ". # ومنه قوله تعالى: (وما ربك بغافل عما تعملون)، فيمن قرأ بالتاء. ويجوز أن ~~يكون المراد ب‍ " ما تعملون " الخلق كلهم، والمخاطب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكل سامع أبدا، فيكون تغليبا، ولا يجوز أن يعتبر خطاب من سواه بدونه ~~من غير اعتبار التغليب، لامتنان أن يخاطب في كلام واحد اثنان أو أكثر من ~~غير عطف أو تثنية أو جمع. # ومنه قوله تعالى:... PageV03P304 # الثالث تغليب العاقل على غيره بأن يتقدم لفظ يعم من يعقل ومن لا يعقل، ~~فيطلق اللفظ المختص بالعاقل على الجميع كما تقول: " خلق الله الناس ~~والأنعام ورزقهم "، فإن لفظ " هم مختص بالعقلاء. ومنه قوله تعالى: (والله ~~خلق كل دابة من ماء)، لما تقدم لفظ الدابة، والمراد بها عموم من يعقل ومن ~~لا يعقل غلب من يعقل، فقال: (فمنهم من يمشي). # فإن قيل: هذا صحيح في " فمنهم " لأنه لمن يعقل، وهو راجع إلى الجميع، فلم ~~قال: # " من " وهو لا يقع على العام، بل خاص بالعاقل؟ # قلت: " من " هنا بعض " هم "، وهو ضمير من يعقل. # فإن قلت: فكيف يقع على بعضه لفظ ما لا يعقل؟ # قلت: من هنا قال أبو عثمان: إنه تغليب من غير عموم لفظ متقدم، فهو بمنزلة ~~من يقول: رأيت ثلاثة: زيدا وعمرا وحمارا. # وقال ابن الضائغ: هم لا تقع إلا على من يعقل، فلما أعاد الضمير على كل ~~دابة غلب من يعقل، فقال: " هم "، و " من " بعض هذا الضمير، وهو للعاقل، ~~فلزم ms0742 أن يقول " من " فلما قال: بوقوع التغليب في الضمير، صار ما يقع عليه ~~حكمه حكم العاقلين، فتمم ذلك بأن أوقع " من ". # وقوله تعالى حاكيا عن السماء والأرض (قالتا أتينا طائعين)، إنما جمعهما ~~جمع PageV03P305 # السلامة، ولم يقل " طائعين " ولا " طائعات "، لأنه أراد ائتيا بمن فيكم ~~من الخلائق طائعين، فخرجت الحال على لفظ الجمع، وغلب من يعقل من الذكور. # وقال بعض النحويين: لما أخبر عنهما أنهما يقولان كما يقول الآدميون ~~أشبهتا الذكور من بني آدم. وإنما قال: " طائعين " ولم يقل: " مطيعين " لأنه ~~من طعنا أي انقدنا، وليس من أطعنا، يقال: طاعت الناقة تطوع طوعا، إذا ~~انقادت. # وقوله تعالى: (بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون)، قيل: أوقع " ~~ما " لأنها تقع على أنواع من يعقل، لأنه إذا اجتمع من يعقل ومالا يعقل فغلب ~~مالا يعقل، كان الأمر بالعكس. ويناقضه: (كل له قانتون). # وقال الزمخشري: جاء ب‍ " ما " تحقيرا لشأنهم وتصغيرا، قال: # " له قانتون " تعظيم. # ورد عليه ابن الضائع بصحة وقوعها على الله عز وجل، قال: وهذا غاية الخطأ، ~~وقوله في دعاء الأصنام: (هل يسمعونكم إذ تدعون). # وقوله: (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا). # وأما قوله: (فظلت أعناقهم لها خاضعين)، وقوله: (في فلك يسبحون)، (لقد ~~علمت ما هؤلاء ينطقون). # (إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين). # (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها). (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) ~~PageV03P306 # لما أخبر عنها بأخبار الآدميين جرى ضميرها على حد من يعقل، وكذا البواقي. # فإن قيل: فقد غلب غير العاقل على العاقل في قوله: (ولله يسجد ما في ~~السماوات وما في الأرض من دابة) فإنه لو غلب العاقل على غير العاقل لأتى ب‍ ~~" من ". # فالجواب أن هذا الموضع غلب فيه من يعقل، وعبر عن ذلك ب‍ " ما "، لأنها ~~واقعة على أجناس من يعقل خاصة، كهذه الآية. # قوله: (لله ملك السماوات والأرض وما فيهن)، ولم يقل " ومن فيهن " قيل: ~~لأن كلمة " ما " تتناول الأجناس كلها تناولا عاما بأصل الوضع، و " من " لا ~~تتناول غير العقلاء ms0743 بأصل الوضع، فكان استعمال " ما " هنا أولى. # وقد يجتمع في لفظ واحد تغليب المخاطب على الغائب، والعقلاء على غيرهم، ~~كقوله: # (جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه)، أي خلق لكم ~~أيها الناس من جنسكم ذكورا وإناثا، وخلق الأنعام أيضا من أنفسها ذكورا ~~وإناثا، يذرؤكم، أي ينبتكم ويكثركم أيها الناس والأنعام، في هذا التدبير ~~والجعل، فهو خطاب للجميع، للناس المخاطبين وللأنعام المذكورة بلفظ الغيبة، ~~ففيه تغليب المخاطب على الغائب، وإلا لما صح ذكر الجميع - أعني الناس ~~والأنعام - بطريق الخطاب، لأن الأنعام غيب، و [فيه] تغليب العقلاء على ~~غيرهم، وإلا لما صح خطاب الجمع بلفظ " كم " المختص بالعقلاء، ففي لفظ " كم ~~" تغليبان، ولولا التغليب لكان القياس أن يقال: يذرؤكم وإياها. # هكذا قرره السكاكي والزمخشري. # ونوزعا فيه، بأن جعل الخطاب شاملا للأنعام تكلف لا حاجة إليه، لأن الغرض ~~إظهار القدرة وبيان الألطاف في حق الناس، فالخطاب مختص بهم، والمعنى: ~~يكثركم PageV03P307 # أيها الناس في التدبير حيث مكنكم من التوالد والتناسل، وهيأ لكم من ~~مصالحكم ما تحتاجون إليه في ترتيب المعاش وتدبير التوالد، وجعلها أزواجا ~~تبقى ببقائكم، وعلى هذا يكون التقدير: وجعل لكم من الأنعام أزواجا. وهذا ~~أنسب بنظم الكلام مما قرروه، وهو جعل الأنعام أنفسها أزواجا. # وقوله: (يذرؤكم فيه) أي في هذا التدبير، كأنه محل لذلك، ولم يقل " به " ~~كما قال: (ولكم في القصاص حياة)، لأنه مسوق لإظهار الاقتدار مع الوحدانية، ~~فأسقط السببية، وأثبت " في " الظرفية، وهذا وجه من إعجاز قوله تعالى: (ولكم ~~في القصاص حياة)، لأن الحياة من شأنها الاستناد إليه سبحانه لا إلى غيره، ~~فاختيرت " في " على " الباء "، لأنه مسوق لبيان الترغيب والمعنى مفهوم، ~~والقصاص مسوق للتجويز وحسن المشروعية، (وأن تعفوا أقرب للتقوى). # الرابع تغليب المتصف بالشيء على ما لم يتصف به كقوله تعالى: (وإن كنتم في ~~ريب مما نزلنا على عبدنا)، قيل: غلب غير المرتابين على المرتابين، واعترض ~~بقوله تعالى: (وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين)، وهذا خطاب ~~للكفار فقط قطعا، فهم المخاطبون أولا بذلك، ثم ms0744 " إن كنتم صادقين 2 لا يتميز ~~فيها التغليب، ثم هي شاهدة بأن المتكلم معهم يخص PageV03P308 # الجاحدين بقوله: (إن كنتم صادقين)، وإذا لم يكن الخطاب إلا فيهم، فتغليب ~~حال من لم يدخل في الخطاب، لا عهد به في مخاطبات العرب. # الخامس تغليب الأكثر على الأقل بأن ينسب إلى الجميع وصف يختص بالأكثر، ~~كقوله تعالى: (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ~~ملتنا)، أدخل شعيب عليه السلام في قوله: (لتعودن) بحكم التغليب، إذ لم يكن ~~في ملتهم أصلا حتى يعود إليها. ومثله قوله: (إن عدنا في ملتكم)، واعترض بأن ~~" عاد " بمعنى " صار " لغة معروفة، وأنشدوا: # فإن تكن الأيام أحسن مرة * إلى فقد عادت لهن ذنوب ولا حجة فيه، لجواز أن ~~يكون ضمير " الأيام " فاعل " عادت "، وإنما الشاهد في قول أمية: # تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعاد بعد أبوالا ويحتمل جوابا ~~ثالثا، وهو أن يكون قولهم لشعيب ذلك، من تعنتهم وبهتانهم وادعائهم أن شعيبا ~~كان على ملتهم، لا كما قال فرعون لموسى. وقوله: (وما يكون لنا أن نعود ~~فيها) كناية عن أتباعه لمجرد فائدتهم، وأنه صلى الله عليه وسلم إن قال ذلك ~~عن نفسه وأتباعه فقد استثنى، والمعلق بالمشيئة لا يلزم إمكانه شرعا تقديرا، ~~والاعتراف بالقدرة والرجوع لعلمه سبحانه، وأن علم العبد عصمة نفسه أدبا مع ~~ربه لا شكا. PageV03P309 # ويجوز أن يراد بالعود في ملتهم مجرد المساكنة والاختلاط، بدليل قوله: (إذ ~~نجانا الله منها). ونظيره: (ومطهرك من الذين كفروا)، ويكون ذلك إشارة إلى ~~الهجرة عنهم، وترك الإجابة لهم، لا جوابا لهم. وفيه بعد. # السادس تغليب الجنس الكثير الأفراد على فرد من غير هذا الجنس مغموز فيما ~~بينهم، بأن يطلق اسم الجنس على الجميع كقوله: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون. ~~إلا إبليس)، وأنه عد منهم، مع أنه كان من الجن، تغليبا لكونه جنيا واحدا ~~فيما بينهم. ولأن حمل الاستثناء على الاتصال هو الأصل. ويدل على كونه من ~~غير الملائكة ما رواه مسلم في صحيحه: " خلقت الملائكة من نور ms0745 والجن من ~~النار ". # وقيل: إنه كان ملكا فسلب الملكية، وأجيب عن كونه من الجن بأنه اسم لنوع ~~من الملائكة. # قال الزمخشري: كان مختلطا بهم، فحينئذ عمته الدعوة بالخلطة لا بالجنس، ~~فيكون من تغليب الأكثر. # هذا إن جعلنا الاستثناء متصلا، ولم يجعل " إلا " بمعنى " لكن ". # وقال ابن جنى في " القد ": قال أبو الحسن في قوله تعالى: (وإذ قال الله ~~يا عيسى PageV03P310 # ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله)، وإنما المتخذ ~~إلها عيسى دون أمه، فهو من باب: # * لنا قمراها والنجوم الطوالع * السابع تغليب الموجود على ما لم يوجد ~~كقوله: (بما أنزل إليك) قال الزمخشري: فإن المراد: المنزل كله، وإنما عبر ~~عنه بلفظ المضي وإن كان بعضه مترقبا، تغليبا للموجود على ما لم يوجد. # الثامن تغليب الاسلام كقوله تعالى: (ولكل درجات) قاله الزمخشري: لأن ~~الدرجات للعلو والدركات للسفل، فاستعمل الدرجات في القسمين تغليبا. # التاسع تغليب ما وقع بوجه مخصوص على ما وقع بغير هذا الوجه كقوله تعالى: ~~(ذلك بما قدمت أيديكم)، ذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال PageV03P311 # نزاول بها، فحصل الجمع بالواقع بالأيدي، تغليبا أشار إليه الزمخشري في ~~آخر آل عمران. # ويشاكله ما أنشده الغزنوي في " العامريات " لصفية بنت عبد المطلب: # فلا والعاديات غداة جمع * بأيديها إذا سطع الغبار العاشر تغليب الأشهر ~~كقوله تعالى: (يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين) أراد المشرق والمغرب، فغلب ~~المشرق، لأنه أشهر الجهتين، قاله ابن الشجري وسيأتي فيه وجه آخر. # فائدتان إحداهما: # جميع باب التغليب من المجاز، لأن اللفظ لم يستعمل فيما وضع له، ألا ترى ~~أن القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف، فإطلاقه على الذكور ~~والإناث على غير ما وضع له، وقس على هذا جميع الأمثلة السابقة. # الثانية: # الغالب من التغليب أن يراعى الأشرف كما سبق، ولهذا قالوا في تثنية الأب ~~والأم: # أبوان، وفي تثنية المشرق والمغرب: المشرقان، لأن الشرق دال على الوجود، ~~والغرب دال على العدم، والوجود لا محالة أشرف، وكذلك القمران، قال: # * لنا قمراها والنجوم الطوالع * أراد الشمس والقمر، فغلب القمر ms0746 لشرف ~~التذكير. وأما قولهم سنة العمرين، يريدون PageV03P312 # أبا بكر وعمر، قال ابن سيده في " المحكم ": إنما فعلوا ذلك إيثارا للخفة، ~~أي غلب الأخف على الأثقل، لأن لفظ " عمر " مفرد ولفظ أبي بكر مركب. # وذكر أبو عبيد في " غريب الحديث " أن ذلك للشهرة وطول المدة. # وذكر غيرهما أن المراد به عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وعلى هذا ~~فلا تغليب. # ورد بأنهم نطقوا بالعمرين قبل أن يعرفوا عمر بن عبد العزيز، فقالوا يوم ~~الجمل لعلي بن أبي طالب: سنة العمرين. PageV03P313 # الالتفات وفيه مباحث: # الأول: في حقيقته وهو نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب آخر تطرية واستدرارا ~~للسامع، وتجديدا لنشاطه، وصيانة لخاطره من الملال والضجر، بدوام الأسلوب ~~الواحد على سمعه، كما قيل: # لا يصلح النفس إن كانت مصرفة * إلا التنقل من حال إلى حال قال حازم في " ~~منهاج البلغاء ": وهم يسأمون الاستمرار على ضمير متكلم أو ضمير مخاطب، ~~فينتقلون من الخطاب إلى الغيبة. وكذلك أيضا يتلاعب المتكلم بضميره، فتارة ~~يجعله تاء على جهة الإخبار عن نفسه، وتارة يجعله كافا فيجعل نفسه مخاطبا ~~وتارة يجعله هاء، فيقيم نفسه مقام الغائب. فلذلك كان الكلام المتوالي فيه ~~ضمير المتكلم والمخاطب لا يستطاب، وإنما يحسن الانتقال من بعضها إلى بعض، ~~وهو نقل معنوي لا لفظي، وشرطه أن يكون الضمير في المتنقل إليه عائدا في نفس ~~الأمر إلى الملتف عنه، ليخرج نحو أكرم زيدا، وأحسن إليه، فضمير " أنت " ~~الذي هو " أ كرم " غير الضمير في " إليه ". # * * * واعلم أن للتكلم والخطاب والغيبة مقامات، والمشهور أن الالتفات هو ~~الانتقال من أحدها إلى الآخر بعد التعبير بالأول. PageV03P314 # وقال السكاكي: إما ذلك، وإما التعبير بأحدهما فيما حقه التعبير بغيره. # البحث الثاني: في أقسامه وهي كثيرة: # الأول الالتفات من التكلم إلى الخطاب ووجهه حث السامع وبعثه على الاستماع ~~حيث أقبل المتكلم عليه، وأنه أعطاه فضل عناية وتخصيص بالمواجهة، كقوله ~~تعالى: (ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون)، الأصل: " وإليه أرجع " ~~فالتفت من التكلم إلى الخطاب، وفائدته أنه أخرج الكلام في معرض ms0747 مناصحته ~~لنفسه، وهو يريد نصح قومه، تلطفا وإعلاما أنه يريده لهم يريده لنفسه، ثم ~~التفت إليهم لكونه في مقام تخويفهم ودعوتهم إلى الله. # وأيضا فإن قومه لما أنكروا عليه عبادته لله، أخرج الكلام معهم بحسب ~~حالهم، فاحتج عليهم بأنه يقبح منه أنه لا يعبد فاطره ومبدعه، ثم حذرهم ~~بقوله: (وإليه ترجعون). # لذا جعلوه من الالتفات، وفيه نظر لأنه، إنما يكون منه إذا كان القصد ~~الإخبار عن نفسه في كلتا الجملتين، وهاهنا ليس كذلك، لجواز أن يكون أراد ~~بقوله: (وإليه ترجعون) المخاطبين، ولم يرد نفسه، ويؤيده ضمير الجمع، ولو ~~أراد نفسه لقال: # " نرجع ". PageV03P315 # وأيضا فشرط الالتفات أن يكون في جملتين، و " فطرني " و " وإليه ترجعون " ~~كلام واحد. # وأجيب بأنه لو كان المراد بقوله: (ترجعون) ظاهره لما صح الاستفهام ~~الإنكاري، لأن رجوع العبد إلى مولاه ليس بمعنى أن يعبده غير ذلك الراجع. ~~فالمعنى: كيف أعبد من إليه رجوعي، وإنما ترك " وإليه أرجع " إلى (وإليه ~~ترجعون) لأنه داخل فيهم. # ومع ذلك أفاد فائدة حسنة، وهي أنه نبههم أنهم مثله في وجوب عبادة من إليه ~~الرجوع، فعلى هذا، الواو للحال، وعلى الأول واو العطف. # ومنه قوله: (رحمه من ربك) عدل عن قوله: " رحمة منا " إلى قوله: # (رحمة من ربك)، لما فيه من الإشعار بأن ربوبيته تقتضي رحمته، وأنه رحيم ~~بعبده، كقوله: (كلوا من رزق ربكم). # وقوله: (ادعوا ربكم)، (واعبدوا ربكم)، وهو كثير. # وقوله: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله) ولم يقل: " لنغفر لك " ~~تعليقا لهذه المغفرة التامة باسمه المتضمن لسائر أسمائه الحسنى، ولهذا علق ~~به النصر، فقال: # (وينصرك الله نصرا عزيزا). # الثاني من التكلم إلى الغيبة ووجهه أن يفهم السامع أن هذا نمط المتكلم ~~وقصده من السامع، حضر أو غاب، PageV03P316 # وأنه في كلامه ليس ممن يتلون ويتوجه، فيكون في المضمر ونحوه ذا لونين، ~~وأراد بالانتقال إلى الغيبة الإبقاء على المخاطب، من قرعه في الوجه بسهام ~~الهجر، فالغيبة أروح له، وأبقى على ماء وجهه أن يفوت، كقوله: (إنا أعطيناك ~~الكوثر. فصل لربك)، حيث ms0748 لم يقل " لنا " تحريضا على فعل الصلاة لحق ~~الربوبية. # وقوله: (فيها يفرق كل أمر حكيم. أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ~~ربك إنه هو السميع العليم). # وقوله: (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا...) إلى قوله: (فآمنوا ~~بالله ورسوله)، ولم يقل: " بي ". # وله فائدتان: إحداهما دفع التهمة عن نفسه بالعصبية لها، والثاني تنبيههم ~~على استحقاقه الاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة، من النبوة والأمية، ~~التي هي أكبر دليل على صدقه، وأنه لا يستحق الاتباع لذاته، بل لهذه ~~الخصائص. # الثالث من الخطاب إلى التكلم كقوله: (فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه ~~الحياة الدنيا. إنا آمنا بربنا)، وهذا إنما يتمشى على قول من لم يشترط أن ~~يكون المراد بالالتفات واحدا، فأما من اشترطه فلا يحسن أن يمثل به، ويمكن ~~أن يمثل بقوله تعالى: (قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون) على ~~أنه سبحانه نزل نفسه منزلة المخاطب. PageV03P317 # الرابع من الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ~~بهم)، فقد التفت عن (كنتم) إلى (جرين بهم)، وفائدة العدول عن خطابهم إلى ~~حكاية حالهم لغيرهم، لتعجبه من فعلهم وكفرهم، إذ لو استمر على خطابهم لفاتت ~~تلك الفائدة. # وقيل: لأن الخطاب أولا كان مع الناس: مؤمنهم وكافرهم، بدليل قوله: (هو ~~الذي يسيركم في البر والبحر)، فلو قال: " وجرين بكم " للزم الذم للجميع، ~~فالتفت عن الأول للإشارة إلى الاختصاص بهؤلاء الذين شأنهم ما ذكره عنهم في ~~آخر الآية، فعدل عن الخطاب العام إلى الذم الخاص ببعضهم، وهم الموصوفون بما ~~أخبر به عنهم. # وقيل: لأنهم وقت الركوب حصروا، لأنهم خافوا الهلاك وتقلب الرياح، فناداهم ~~نداء الحاضرين. ثم إن الرياح لما جرت بما تشتهي النفوس، وأمنت الهلاك لم ~~يبق حضورهم كما كان على ما هي عادة الانسان، أنه إذا أمن غاب، فلما غابوا ~~عند جريه بريح طيبة فكرهم الله بصيغة الغيبة، فقال: (وجرين بهم). # وقوله: (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون) ثم قال: يطاف عليهم) فانتقل ~~عن الخطاب إلى ms0749 الغيبة، ولو ربط بما قبله لقال: " يطاف عليكم "، لأنه مخاطب ~~لا مخبر، ثم التفت فقال: (وأنتم فيها خالدون) فكرر الالتفات. # وقوله: (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون). ~~PageV03P318 # وقوله: (وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون). # وقوله: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون. وتقطعوا أمرهم ~~بينهم)، والأصل " فقطعتم " عطفا على ما قبله، لكن عدل من الخطاب إلى ~~الغيبة، فقيل، إنه سبحانه نعى عليهم ما أفسدوه من أمر دينهم إلى قوم آخرين، ~~ووبخهم عليه قائلا: # ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله!. # وجعل منه ابن الشجري: (ما ودعك ربك وما قلى)، وقد سبق أنه على حذف ~~المفعول، فلا التفات. # الخامس من الغيبة إلى التكلم كقوله: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله). # (وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا). # (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم شيئا إدا). # وقوله: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه) وفائدته أنه لما كان ~~PageV03P319 # سوق السحاب إلى البلد إحياء للأرض بعد موتها بالمطر، دالا على القدرة ~~الباهرة، والآية العظيمة التي لا يقدر عليها غيره، عدل عن لفظ الغيبة إلى ~~التكلم، لأنه أدخل في الاختصاص، وأدل عليه وأفخم. # وفيه معنى آخر، وهو أن الأقوال المذكورة في هذه الآية، منها ما أخبر به ~~سبحانه بسببه، وهو سوق السحاب، فإنه يسوق الرياح، فتسوقه الملائكة بأمره، ~~وإحياء الأرض به بواسطة إنزاله، وسائر الأسباب التي يقتضيها حكمه وعلمه ~~وعادته سبحانه في كل هذه الأفعال أن يخبر بها بنون التعظيم، الدالة على أن ~~له جندا وخلقا قد سخرهم في ذلك، كقوله تعالى: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه)، ~~أي إذا قرأه رسولنا جبريل. وقوله: (يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ ~~رزقا). # وأما إرسال السحاب فهو سحاب يأذن في إرسالها، ولم يذكر له سببا، بخلاف ~~سوق السحاب، وإنزال المطر فإنه قد ذكر أسبابه: (أنزل من السماء ماء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها). (أمن خلق السماوات والأرض وأنزل ms0750 لكم من السماء ~~ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة). # وجعل الزمخشري منه قوله: في سورة طه: (وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به ~~أزواجا من نبات شتى). وزعم الجرجاني أن في هذه الآية التفاتا، وجعل قوله: # (وأنزل من السماء ماء) آخر كلام موسى، ثم ابتدأ الله تعالى فأخبر عن نفسه ~~بأوصافه لمعالجتها. # وأشار الزمخشري إلى أن فائدة الالتفات إلى التكلم في هذه المواضع التنبيه ~~على PageV03P320 # التخصيص بالقدرة، وأنه لا يدخل تحت قدرة واحد، وهو معنى قول غيره: إن ~~الإشارة إلى حكاية الحال واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة. ~~وكذا يفعلون لكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب، أو تهم المخاطب، ~~وإنما قال: (فتصبح الأرض مخضرة)، لإفادة بقاء المطر زمانا بعد زمان. # ومثله: (فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء ~~الدنيا بمصابيح) عدل عن الغيبة في " قضاهن " و " سواهن " إلى التكلم في ~~قوله: # (وزينا)، فقيل للاهتمام بذلك، والإخبار عن نفسه، بأنه جعل الكوكب زينة ~~السماء الدنيا، وحفظا تكذيبا لمن أنكر ذلك. # وقيل: لما كانت الأفعال المذكورة في هذه الآية نوعين: # أحدهما وجه الإخبار عنه بوقوعه في الأيام المذكورة، وهو خلق الأرض في ~~يومين، وجعل الرواسي من فوقها وإلقاء البركة فيها، وتقدير الأقوات في تمام ~~أربعة أيام، ثم الإخبار بأنه استوى إلى السماء، وأنه أتمها وأكملها سبعا في ~~يومين، فأتى في هذا النوع بضمير الغائب، عطفا على أول الكلام في قوله: (قل ~~أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين. وجعل فيها رواسي...) إلى قوله: (فقضاهن سبع سموات...) الآية. # والثاني قصد به الإخبار مطلقا، من غير قصد مدة خلقه، وهو تزيين سماء ~~الدنيا بمصابيح، وجعلها حفظا، فإنه لم يقصد بيان مدة ذلك، بخلاف ما قبله، ~~فإن نوع الأول يتضمن إيجادا لهذه المخلوقات العظيمة في هذه المدة اليسيرة، ~~وذلك من أعظم آثار قدرته. وأما تزيين PageV03P321 # السماء الدنيا بالمصابيح فليس المقصود به الإخبار عن مدة خلق النجوم، ~~فالتفت من الغيبة إلى التكلم، فقال: ms0751 (زينا). # فائدة [في تكرار الالتفات في موضع واحد] وقد تكرر الالتفات في قوله ~~تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ~~الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) في أربعة مواضع، ~~فانتقل عن الغيبة في قوله: (سبحان الذي أسرى بعبده)، إلى التكلم في قوله: ~~(باركنا حوله)، ثم عن التكلم إلى الغيبة في قوله: # (ليريه)، بالياء على قراءة الحسن، ثم عن الغيبة إلى التكلم في قوله: ~~(آياتنا) ثم عن التكلم إلى الغيبة في قوله: (إنه هو السميع البصير). # وكذلك في الفاتحة، فإن من أولها إلى قوله: (مالك يوم الدين) أسلوب غيبة، ~~ثم التفت بقوله: (أياك نعبد وإياك نستعين) إلى أسلوب خطاب في قوله: # (أنعمت عليهم)، ثم التفت إلى الغيبة بقوله: (غير المغضوب عليهم)، ولم يقل ~~" الذين غضبت " كما قال: (أنعمت عليهم). # السادس من الغيبة إلى الخطاب كقوله: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد جئتم ~~شيئا إدا)، ولم يقل: PageV03P322 # " لقد جاءوا " للدلالة على أن من قال مثل قولهم ينبغي أن يكون موبخا ~~عليه، منكرا عليه قوله، كأنه يخاطب به قوما حاضرين. # وقوله: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر)، ثم قال: (وإن منكم إلا ~~واردها). # وقوله: (وسقاهم ربهم شرابا طهورا. إن هذا كان لكم جزاء). # وقوله: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم). # وقوله: (فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم). # وقوله: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل)، ثم قال: (ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا). # وقوله: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم...) الآية. # وقوله: (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى). # وقوله: (إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين). # وقوله: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن ~~لكم). # وقوله حكاية عن الخليل: (اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم ~~PageV03P323 # تعلمون. إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا)، إلى قوله: (فما ~~كان جواب قومه). # وقوله: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك على الله بعزيز. ms0752 # وبرزوا لله جميعا). # وقوله: (واتل عليهم نبأ الذين آتيناه آياتنا فانسلخ منها) إلى قوله: ~~(فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث). # وقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ~~والله عزيز حكيم. فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح...) الآية. # وجعل بعضهم منه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا)، وهو عجيب لأن " الذين " موصول لفظه للغيبة، ولا بد له من عائد ~~وهو الضمير في " آمنوا "، فكيف يعود ضمير مخاطب على غائب! فهذا مما لا ~~يعقل. # وقوله: (مالك يوم الدين. إياك نعبد)، فقد التفت عن الغيبة وهو (مالك) إلى ~~الخطاب وهو: (إياك نعبد). # ولك أن تقول: إن كان التقدير: قولوا الحمد لله، ففيه التفاتان - أعني في ~~الكلام المأمور به: # أحدهما: في لفظ الجلالة، فإن الله تعالى حاضر، فأصله الحمد لك. # والثاني: (إياك " لمجيئه على خلاف الأسلوب السابق وإن لم يقدر: " قولوا " ~~كان في " الحمد لله " التفات عن التكلم إلى الغيبة، فإن الله سبحانه حمد ~~نفسه، ولا يكون في (إياك PageV03P324 # نعبد) التفات، لأن " قولوا " مقدرة معها قطعا، فإما أن يكون في الآية ~~التفات، أولا التفات بالكلية. # السابع بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلمه فيكون التفاتا عنه، ~~كقوله تعالى: (غير المغضوب عليهم) بعد (أنعمت)، فإن المعنى " غير الذين ~~غضبت عليهم " ذكره التنوخي في " الأقصى القريب " والخفاجي، وابن الأثير ~~وغيرهم. # واعلم أنه على رأى السكاكي تجئ الأقسام الستة في القسم الأخير، وهو ~~الانتقال التقديري. # وزعم صاحب " ضوء المصباح " أنه لم يستعمل منها إلا وضع الخطاب والغيبة ~~موضع التكلم، ووضع التكلم موضع الخطاب، ومثل الثالث بقوله: (ومالي لا أعبد ~~الذي فطرني)، مكان " ومالكم لا تعبدون الذي فطركم ". # وجعل بعضهم من الالتفات قوله تعالى: (والموفون بعهدهم) ثم قال: # (والصابرين في البأساء والضراء)، وقوله: (والمقيمين الصلاة والمؤتون ~~الزكاة). # البحث الثالث في أسبابه اعلم أن للالتفات فوائد عامة وخاصة، فمن العامة ~~التفنن والانتقال من أسلوب إلى آخر PageV03P325 # لما في ذلك من تنشيط السامع، واستجلاب صفائه، واتساع ms0753 مجاري الكلام، ~~وتسهيل الوزن والقافية. # وقال البيانيون: إن الكلام إذا جاء على أسلوب واحد وطال حسن تغيير ~~الطريقة. # ونازعهم القاضي شمس الدين بن الجوزي وقال: الظاهر أن مجرد هذا لا يكفى في ~~المناسبة، فإنا رأينا كلاما أطول في هذا، والأسلوب محفوظ، قال تعالى: (إن ~~المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات...) إلى أن ذكر عشرة أصناف، وختم ~~ب‍ (الذاكرين الله كثيرا والذاكرات)، ولم يغير الأسلوب، وإنما المناسبة أن ~~الانسان كثير التقلب، وقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبه كيف يشاء، ~~فإنه يكون غائبا فيحضر بكلمة واحدة، وآخر يكون حاضرا فيغيب، فالله تعالى ~~لما قال: (الحمد لله رب العالمين) تنبه السامع وحضر قلبه، فقال: (إياك نعبد ~~وإياك نستعين). # وأما الخاصة فتختلف باختلاف محاله ومواقع الكلام فيه على ما يقصده ~~المتكلم. # * * * فمنها قصد تعظيم شأن المخاطب، كما في: (الحمد لله رب العالمين)، ~~فإن العبد إذا افتتح حمد مولاه بقوله: " الحمد لله " الدال على اختصاصه ~~بالحمد وجد من نفسه التحرك للإقبال عليه سبحانه، فإذا انتقل إلى قوله: (رب ~~العالمين) الدال على ربوبيته لجميعهم قوى تحركه، فإذا قال: (الرحمن الرحيم) ~~الدال على أنه منعم بأنواع النعم، جليلها وحقيرها تزايد التحرك عنده، فإذا ~~وصل ل‍ (مالك يوم الدين) وهو خاتمة الصفات الدالة على أنه مالك الأمر يوم ~~الجزاء، فيتأهب قربه، وتيقن الإقبال عليه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة ~~في المهمات. PageV03P326 # وقيل: إنما اختير للحمد لفظ الغيبة، وللعبادة الخطاب، للإشارة إلى أن ~~الحمد دون العبادة في الرتبة، فإنك تحمد نظيرك ولا تعبده، إذ الانسان يحمد ~~من لا يعبده، ولا يعبد من لا يحمده، فلما كان كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه ~~مع الغيبة في الخبر فقال: " الحمد لله " ولم يقل " الحمد لك "، ولفظ ~~العبادة مع الخطاب فقال: (إياك نعبد) لينسب إلى العظيم حال المخاطبة ~~والمواجهة، على ما هو أعلى رتبة، وذلك على طريق التأدب. وعلى نحو من ذلك ~~جاء آخر السورة فقال: (الذين أنعمت عليهم) مصرحا بذكر المنعم، وإسناد ~~الإنعام إليه لفظا ولم يقل " صراط المنعم عليهم "، فلما صار إلى ذكر ms0754 الغضب ~~روى عنه لفظ الغضب في النسبة إليه لفظا، وجاء باللفظ متحرفا عن ذكر الغاضب، ~~فلم يقل " غير الذين غضبت عليهم "، تفاديا عن نسبة الغضب في اللفظ حال ~~المواجهة. # ومن هذا قوله: (الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا)، فإن التأدب في الغيبة دون ~~الخطاب. # وقيل: لأنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه بالصفات العظيمة من كونه ~~ربا للعالمين ورحمانا ورحيما، ومالكا ليوم الدين، تعلق العلم بمعلوم عظيم ~~الشأن حقيق بأن يكون معبودا دون غيره، مستعانا به، فخوطب بذلك لتميزه ~~بالصفات المذكورة، تعظيما لشأنه كله، حتى كأنه قيل: إياك، يا من هذه صفاته ~~نخص بالعبادة والاستعانة لا غيرك. # قيل: ومن لطائف التنبيه على أن مبتدأ الخلق الغيبة منهم عنه سبحانه، ~~وقصورهم عن محاضرته ومخاطبته، وقيام حجاب العظمة عليهم، فإذا عرفوه بما هو ~~له، وتوسلوا للقرب بالثناء عليه، وأقروا بالمحامد له وتعبدوا له بما يليق ~~بهم، تأهلوا لمخاطباته ومناجاته فقالوا: (إياك نعبد وإياك نستعين). ~~PageV03P327 # وفيه أنهم يبدون بين يدي كل دعاء له سبحانه ومناجاة له صفات عظمته ~~لمخاطبته على الأدب والتعظيم، لا عن الغفلة والإغفال، ولا عن اللعب ~~والاستخفاف، كمن يدعو بلا نية أو على تلعب وغفلة، وهم كثير. # ومنه أن مناجاته لا تصعد إلا إذا تطهر من أدناس الجهالة به، كما لا تسجد ~~الأعضاء إلا بعد التطهير من حدث الأجسام، ولذلك قدمت الاستعاذة على القرآن. # قال الزمخشري: وكما في قوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول)، ولم يقل " واستغفرت لهم " [وعدل عنه ~~إلى طريق الالتفات] لأن في هذا الالتفات بيان تعظيم استغفاره، وأن شفاعة من ~~اسمه الرسول بمكان. # * * * ومنها: التنبيه على ما حق الكلام أن يكون واردا عليه، كقوله تعالى: ~~(ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون)، أصل الكلام " وما لكم لا تعبدون ~~الذي فطركم " ولكنه أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه، وهو يريد ~~مناصحتهم، ليتلطف بهم، ويريهم أنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، ثم لما ~~انقضى غرضه من ذلك، قال: # (وإليه ترجعون) ms0755 ليدل على ما كان من أصل الكلام، ومقتضيا له، ثم ساقه هذا ~~المساق إلى أن قال: (آمنت بربكم فاسمعون). # * * * ومنها: أن يكون الغرض به التتميم لمعنى مقصود للمتكلم، فيأتي به ~~محافظة على تتميم PageV03P328 # ما قصد إليه من المعنى المطلوب له، كقوله: (فيها يفرق كل أمر حكيم. أمرا ~~من عندنا إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه هو السميع العليم)، أصل الكلام " ~~إنا مرسلين رحمة منا "، ولكنه وضع الظاهر موضع المضمر، للإنذار بأن ~~الربوبية تقتضي الرحمة للمربوبين، للقدرة عليهم، أو لتخصيص النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالذكر، أو الإشارة إلى أن الكتاب إنما هو إليه دون غيره، ثم ~~التفت بإعادة الضمير إلى الرب الموضوع موضع المضمر، للمعنى المقصود من ~~تتميم المعنى. # * * * ومنها: قصد المبالغة، كقوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ~~بهم) كأنه يذكر لغيرهم حالهم، ليتعجب منها ويستدعي منه الانكار والتقبيح ~~لها، إشارة منه على سبيل المبالغة إلى أن ما يعتمدونه بعد الإنجاء من البغي ~~في الأرض بغير الحق، مما ينكر ويقبح. # * * * ومنها: قصد الدلالة على الاختصاص، كقوله: (والله الذي أرسل الرياح ~~فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به) فإنه لما كان سوق السحاب إلى ~~البلد الميت وإحياء الأرض بعد موتها بالمطر دالا على القدرة الباهرة التي ~~لا يقدر عليها غيره، عدل عن لفظ الغيبة إلى التكلم، لأنه أدخل في الاختصاص ~~وأدل عليه: # " سقنا " و " أحيينا ". # * * * PageV03P329 # ومنها: قصد الاهتمام، لقوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال ~~لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين. فقضاهن سبع سموات في ~~يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير ~~العزيز العليم)، فعدل عن الغيبة في " قضاهن " " وأوحى " إلى التكلم في " ~~وزينا السماء الدنيا " للاهتمام بالإخبار عن نفسه، فإنه تعالى جعل الكواكب ~~في سماء الدنيا للزينة والحفظ، وذلك لأن طائفة اعتقدت في النجوم أنها ليست ~~في سماء الدنيا، وأنها ليست حفظا ولا رجوما، فعدل إلى التكلم والإخبار عن ~~ذلك، لكونه مهما من مهمات ms0756 الاعتقاد، ولتكذيب الفرقة المعتقدة بطلانه. # * * * ومنها: قصد التوبيخ، كقوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا. لقد ~~جئتم شيئا إدا)، عدل عن الغيبة إلى الخطاب، للدلالة على أن قائل مثل قولهم، ~~ينبغي أن يكون موبخا ومنكرا عليه، ولما أراد توبيخهم على هذا أخبر عنه ~~بالحضور، فقال: (لقد جئتم)، لأن توبيخ الحاضر أبلغ في الإهانة له. # ومنه قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون. وتقطعوا ~~أمرهم بينهم)، قال: (تقطعوا أمرهم بينهم) دون " تقطعتم أمركم بينكم "، كأنه ~~ينعى عليهم ما أفسدوه من أمر دينهم إلى قوم آخرين وتقبح عندهم ما فعلوه، ~~ويوبخهم عليه قائلا: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، فجعلوا ~~أمر دينهم به قطعا، تمثيلا لأخلاقهم في الدين. PageV03P330 # فائدة اختلف في قوله تعالى: (إن الله لا يخلف الميعاد) بعد (ربنا إنك ~~جامع الناس ليوم لا ريب فيه). # فقيل: إن الكلام تم عند قوله: (لا ريب فيه)، وهذا الذي بعده من مقول الله ~~تصديقا لهم. # وقيل: بل هو من بقية كلامهم الأول على طريقة الالتفات من الخطاب إلى ~~الغيبة، كقوله: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم). # فإن قلت: قد قال في آخر السورة: (ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف ~~الميعاد)، فلم عدل عن الخطاب هنا؟ قلت: إنما جاء الالتفات في صدر السورة، ~~لأن المقام يقتضيه، فإن الإلهية تقتضي الخير والشر لتنصف المظلومين من ~~الظالمين، فكان العدول إلى ذكر الاسم الأعظم أولى. وأما قوله تعالى في آخر ~~السورة: (إنك لا تخلف الميعاد): فذلك المقام مقام الطلب للعبد من ربه أن ~~ينعم عليه بفضله، وأن يتجاوز عن سيئاته، فلم يكن فيه ما يقتضى العدول عن ~~الأصل المستمر. # البحث الرابع في شرطه تقدم أن شرط الالتفات أن يكون الضمير في المنتقل ~~إليه عائدا في نفس الأمر إلى المنتقل عنه، وشرطه أيضا أن يكون في جملتين، ~~أي كلامين مستقلين، حتى يمتنع بين الشرط وجوابه. PageV03P331 # وفى هذا الشرط نظر، فقد وقع في القرآن مواضع، الالتفات فيها وقع في كلام ~~واحد، ms0757 وإن لم يكن بين جزأي الجملة، كقوله تعالى: (والذين كفروا بآيات الله ~~ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي). # وقوله: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم ~~آياتنا). # وقوله: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي)، بعد قوله: (أنا أحللنا لك)، ~~التقدير: إن وهبت امرأة نفسها للنبي (إنا أحللنا لك)، وجملتا الشرط والجزاء ~~كلام واحد. # وقوله: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول). # وقوله: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. لتؤمنوا بالله ورسوله)، وفيه ~~التفاتان: أحدهما بين " أرسلنا " والجلالة، والثاني بين الكاف في " أرسلناك ~~" " ورسوله " وكل منهما في كلام واحد. # وقوله: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله). # وقوله: (فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا)، وجوز الزمخشري فيه ~~أن يكون ضمير " جزاؤكم " يعود على " التابعين " على طريق الالتفات. # وقوله: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله)، على قراءة الياء. PageV03P332 # وقوله: (وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا)، قال التنوخي في " الأقصى القريب ": ~~الواو للحال. # وقوله: (وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون). # البحث الخامس أنه يقرب من الالتفات نقل الكلام إلى غيره وإنما يفعل ذلك ~~إذا ابتلي العاقل بخصم جاهل متعصب، فيجب أن يقطع الكلام معه في تلك ~~المسألة، لأنه كلما كان خوضه معه أكثر، كان بعده عن القبول أشد، فالوجه ~~حينئذ أن يقطع الكلام معه في تلك المسألة، وأن يؤخذ في كلام آخر أجنبي، ~~ويطنب فيه، بحيث ينسى الأول، فإذا اشتغل خاطره به أدرج له أثناء الكلام ~~الأجنبي مقدمة تناسب ذلك المطلب الأول، ليتمكن من انقياده. # وهذا ذكره الإمام أبو الفضل في كتاب " درة التنزيل "، وجعل منه قوله ~~تعالى: # (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود)، قال: إن قوله " واذكر " ليس ~~متصلا بما قبله، بل نقلا لهم عما هم عليه، والمقدمة المدرجة قوله: (وما ~~خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) إلى قوله: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب). # وهذا الذي قاله يخرج الآية عن الاتصال، مع أن في الاتصال وجوها مذكورة في ms0758 ~~موضعها. PageV03P333 # وألحق به الأستاذ وأبو جعفر بن الزبير قوله تعالى: (ق والقرآن المجيد. بل ~~عجبوا...) الآية، فهذا إنكار منهم للبعث واستبعاد، نحو الوارد في سورة " ص ~~"، فأعقب ذلك بما يشبه الالتفات بقوله: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها...) إلى قوله: (وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج)، فبعد العدول عن ~~مجاوبتهم، في قولهم: (ذلك رجع بعيد)، وذكر اختلافهم المسبب عن تكذيبهم، في ~~قوله: (بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج)، صرف تعالى الكلام إلى ~~نبيه والمؤمنين، فقال: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها...) إلى ~~قوله: (وأحيينا به بلدة ميتا)، وذلك حكمة تدرك مشاهدة، لا يمكنهم التوقف في ~~شيء منه ولا حفظ عنهم إنكاره، فعند تكرر هذا، قال تعالى: (كذلك الخروج). # ومما يقرب من الالتفات أيضا الانتقال من خطاب الواحد والاثنين والجمع إلى ~~خطاب آخر، وهو ستة أقسام، كما سبق تقسيم الالتفات: # أحدها: الانتقال من خطاب الواحد لخطاب الاثنين، كقوله تعالى: (أجئتنا ~~لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض). # الثاني: منه خطاب الواحد إلى خطاب الجمع: (يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء). PageV03P334 # الثالث: من الاثنين إلى الواحد، كقوله: (فمن ربكما يا موسى)، (فلا ~~يخرجنكما من الجنة فتشقى). # الرابع: من الاثنين إلى الجمع، كقوله: (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا ~~لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين)، ~~وفيه انتقال آخر من الجمع إلى الواحد، فإنه ثنى ثم جمع، ثم وحد، توسعا في ~~الكلام. وحكمة التثنية أن موسى وهارون هما اللذان يقرران قواعد النبوة، ~~ويحكمان في الشريعة، فخصهما بذلك، ثم خاطب الجميع باتخاذ البيوت قبلة ~~للعبادة، لأن الجميع مأمورون بها، ثم قال لموسى وحده: (وبشر المؤمنين)، ~~لأنه الرسول الحقيقي الذي إليه البشارة والإنذار. # الخامس: من الجمع إلى الواحد، كقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وبشر ~~المؤمنين) وقد سبق حكمته. ومن نظائره قول بعضهم في قوله تعالى: (قلنا ~~اهبطوا منها جميعا)، ثم قال: (فإما يأتينكم مني هدى)، ولم يقل " منا " مع ~~أنه للجمع أو للواحد المعظم نفسه، ms0759 وحكمته المناسبة للواقع، فالهدى لا يكون ~~إلا من الله، فناسب الخاص للخاص. # السادس: من الجمع إلى التثنية، كقوله: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم ~~أن تنفذوا...) إلى قوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان). # السابع: ذكر بعضهم من الالتفات تعقيب الكلام بجملة مستقلة ملاقية له في ~~المعنى على طريق المثل ألى الدعاء، فالأول كقوله: (وزهق الباطل إن الباطل ~~كان زهوقا)، والثاني كقوله: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم). PageV03P335 # الثامن: من الماضي إلى الأمر، كقوله: (قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم ~~عند كل مسجد وادعوه) وقوله: (وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا ~~الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور). # التاسع: من المستقبل إلى الأمر، تعظيما لحال من أجرى عليه المستقبل. ~~وبالضد من ذلك في حق من أجرى عليه الأمر، كقوله تعالى: (يا هود ما جئتنا ~~ببينة...) إلى قوله: (بريء مما تشركون)، فإنه إنما قال: (أشهد الله)، و ~~(أشهدوا) ولم يقل: " وأشهدكم " ليكون موازنا له، ولا شك أن معنى إشهاد الله ~~على البراءة صحيح في معنى يثبت التوحيد، بخلاف إشهادهم، فما هو إلا تهاون ~~بدينهم، ودلالة على قلة المبالاة به، فلذلك عدل عن لفظ الأول لاختلاف ما ~~بينهما، وجئ به على لفظ الأمر، كما تقول للرجل منكرا: اشهد على أني أحبك. # العاشر: من الماضي إلى المستقبل، نحو: (والله الذي أرسل الرياح فتثير)، ~~(فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير)، (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل ~~الله). # والحكمة في هذه أن الكفر لما كان من شأنه إذا حصل أن يستمر حكمه عبر عنه ~~بالماضي، ليفيد ذلك مع كونه نافيا أنه قد مضى عليه زمان، ولا كذلك الصد عن ~~سبيل الله، فإن حكمه إنما ثبت حال حصوله مع أن في الفعل المستقبل إشعارا ~~بالتكثير، PageV03P336 # فيشعر قوله: " ويصدون "، أنه في كل وقت بصدد ذلك، ولو قال: " وصدوا " ~~لأشعر بانقطاع صدهم. # الحادي عشر: عكسه، كقوله: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات)، ~~(ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم). # قالوا: والفائدة في الفعل الماضي إذا أخبر به عن ms0760 المستقبل الذي لم يوجد ~~أنه أبلغ وأعظم موقعا، لتنزيله منزلة الواقع. والفائدة في المستقبل إذا ~~أخبر به عن الماضي لتتبين هيئة الفعل باستحضار صورته، ليكون السامع كأنه ~~شاهد، وإنما عبر في الأمر بالتوبيخ بالماضي بعد قوله: (ينفخ) للإشعار ~~بتحقيق الوقوع وثبوته، وأنه كائن لا محالة، كقوله: # (وبرزوا لله جميعا)، والمعنى: " يبرزون "، وإنما قال: (وحشرناهم) بعد ~~(نسير) (وترى)، وهما مستقبلان، لذلك. PageV03P337 # التضمين وهو إعطاء الشيء معنى الشيء، وتارة يكون في الأسماء، وفي ~~الأفعال، وفي الحروف، فأما في الأسماء فهو أن تضمن اسما معنى اسم، لإفادة ~~معنى الاسمين جميعا، كقوله تعالى: # (حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق)، ضمن " حقيق " معنى " حريص " ~~ليفيد أنه محقوق بقول الحق وحريص عليه. # وأما الأفعال فأن تضمن فعلا معنى فعل آخر، ويكون فيه معنى الفعلين جميعا، ~~وذلك بأن يكون الفعل يتعدى بحرف، فيأتي متعديا بحرف آخر ليس من عادته ~~التعدي به، فيحتاج إما إلى تأويله أو تأويل الفعل، ليصح تعديه به. # واختلفوا أيهما أولى؟ فذهب أهل اللغة وجماعة من النحويين إلى أن التوسع ~~في الحرف وأنه واقع موقع غيره من الحروف أولى. # وذهب المحققون إلى أن التوسع في الفعل وتعديته بما لا يتعدى لتضمنه معنى ~~ما يتعدى بذلك الحرف أولى، لأن التوسع في الأفعال أكثر. # مثاله قوله تعالى: (عينا يشرب بها عباد الله)، فضمن " يشرب " معنى " يروي ~~"، لأنه لا يتعدى بالباء، فلذلك دخلت الباء، وإلا ف‍ " يشرب " يتعدى بنفسه، ~~فأريد باللفظ الشرب والري معا، فجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد. # وقيل: التجوز في الحرف، وهو الباء، فإنها بمعنى " من ". # وقيل: لا مجاز أصلا، بل العين هاهنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه ~~الماء، PageV03P338 # لا إلى الماء نفسه، نحو نزلت بعين، فصار كقوله: مكانا يشرب به. # وعلى هذا: (فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب)، قاله الراغب. # وهذا بخلاف المجاز، فإن فيه العدول عن مسماه بالكلية، ويراد به غيره، ~~كقوله: # (جدارا يريد أن ينقض)، فإنه استعمل " أراد " في معنى مقاربة السقوط، لأنه ~~من لوازم الإرادة، وإن من ms0761 أراد شيئا فقد قارب فعله، ولم يرد باللفظ هذا ~~المعنى الحقيقي الذي هو الإرادة البتة. والتضمين أيضا مجاز، لأن اللفظ لم ~~يوضع للحقيقة والمجاز معا، والجمع بينهما مجاز خاص يسمونه بالتضمين، تفرقه ~~بينه وبين المجاز المطلق. # ومن التضمين قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)، لأنه ~~لا يقال: رفثت إلى المرأة، لكن لما كان بمعنى الإفضاء ساغ ذلك. # وهكذا قوله: (هل لك إلى أن تزكى)، وإنما يقال: هل لك في كذا؟ # لكن المعنى أدعوك إلى أن تزكى. # وقوله: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده)، فجاء ب‍ " عن "، لأنه ضمن ~~التوبة معنى العفو والصفح. # وقوله: (وإذا خلوا إلى شياطينهم)، وإنما يقال: خلوت به، لكن ضمن " خلوا " ~~معنى " ذهبوا " " وانصرفوا "، وهو معادل لقوله: (لقوا)، وهذا أولى من قول ~~من قال: إن " إلى " هنا بمعنى الباء، أو بمعنى " مع ". # وقال مكي: إنما لم تأت الباء، لأنه يقال: خلوت به إذا سخرت منه، فأتى ب‍ ~~" إلى " لدفع هذا الوهم. PageV03P339 # وقوله: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم)، قيل: الصراط منصوب على المفعول به، ~~أي لألزمن لك صراطك، أو لأملكنه لهم، و " أقعد " وإن كان غير متعد ضمن معنى ~~فعل متعد. # وقوله: (ولا تعد عيناك عنهم)، ضمن " تعد " معنى " تنصرف "، فعدى ب‍ " عن ~~". قال ابن الشجري: ومن زعم أنه كان حق الكلام، " لا تعد عينيك عنهم " ~~بالنصب، لأن " تعد " متعد بنفسه فباطل، لأن عدوت وجاوزت بمعنى واحد. وأنت ~~لا تقول: جاوز فلان عينه عن فلان، ولو كانت التلاوة بنصب العين لكان اللفظ ~~يتضمنها محمولا أيضا على: لا تصرف عينك عنهم، وإذا كان كذلك، فالذي وردت به ~~التلاوة من رفع العين يئول إلى معنى النصب فيها، إذ كان " لا تعد عيناك " ~~بمنزلة " لا تنصرف "، ومعناه لا تصرف عينك عنهم، فالفعل مسند إلى العين، ~~وهو في الحقيقة موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال: (ولا تعجبك ~~أموالهم)، أسند الإعجاب إلى الأموال، والمعنى لا تعجب بأموالهم. # وقوله: (أو لتعودن في ملتنا)، ضمن معنى " لتدخلن " أو " لتصيرن "، وأما ms0762 ~~قول شعيب: (وما يكون لنا أن نعود فيها) فليس اعترافا بأنه كان فيهم، بل ~~مؤول على ما سبق. وتأويل آخر وهو أن يكون من نسبة فعل البعض إلى الجماعة، ~~أو قاله على طريق المشاكلة لكلامهم، وهذا أحسن. # وقوله: (ألا تشرك بي شيئا)، ضمن " لا تشرك " معنى " لا تعدل " والعدل: # التسوية، أي لا تسوى به شيئا. PageV03P340 # وقوله: (وأخبتوا إلى ربهم) ضمن معنى " أنابوا " فعدى بحرفه. # وقوله: (إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها) ضمن (لتبدى به) معنى ~~" تخبر به " أو " لتعلم " ليفيد الإظهار معنى الإخبار، لأن الخبر قد يقع ~~سرا غير ظاهر. # وقوله: (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا)، جوز الزمخشري نصب (مقاما)، على ~~الظرف على تضمين (يبعثك) معنى " يقيمك ". # وقوله: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم)، قال الفارسي: ومن قرأ " فأجمعوا " ~~بالقطع أراد فأجمعوا أمركم وشركاءكم، كقوله: # * متقلدا سيفا ورمحا * وقوله: (حتى إذا فزع عن قلوبهم)، قال ابن سيده: ~~عداه ب‍ " عن " لأنه في معنى كشف الفزع. # وقوله: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)، فإنه يقال: ذل له، لا ~~عليه، ولكنه هنا ضمن معنى التعطف والتحنن. # وقوله: (للذين يؤلون نسائهم) ضمن (يؤلون) معنى " يمتنعون " من وطئهن ~~بالآلية. # وقوله: (لا يسمعون إلى الملأ الأعلى)، أي لا يصغون. # (إن الذي فرض عليك القرآن)، أي أنزل. # (فيما فرض الله له)، أي أحل له. PageV03P341 # (ومطهرك من الذين كفروا) أي مميزك. # (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) أي لا يرضى. # (فاستقيموا إليه)، أي أنيبوا إليه وارجعوا. # (هلك عني سلطانيه)، أي زال. # (فليحذر الذين يخالفون عن أمره)، فإنه يقال: خالفت زيدا، من غير احتياج ~~لتعديه بالجار، وإنما جاء محمولا على " ينحرفون " أو " يزيغون ". # ومثله تعدية " رحيم " بالباء، في نحو: (وكان بالمؤمنين رحيما) حملا على " ~~رؤوف "، في نحو: (رؤوف رحيم)، ألا ترى أنك تقول: رأفت به، ولا تقول: # رحمت به، ولكن لما وافقه في المعنى تنزل منزلته في التعدية. # وقوله: (إني لما أنزلت إلى من خير فقير)، ضمن معنى " سائل ". # (الذين إذا اكتالوا على الناس)، قال الزمخشري: ضمن ms0763 معنى " تحاملوا "، ~~فعداه ب‍ " على "، والأصل فيه " من ". # تنبيهان الأول: الأكثر أن يراعى في التعدية ما ضمن منه، وهو المحذوف لا ~~المذكور، كقوله تعالى: (الرفث إلى نسائكم)، أي الإفضاء. # وقوله: (عينا يشرب بها عباد الله)، أي يروى بها، وغيره مما سبق. ~~PageV03P342 # ولم أجد مراعاة الملفوظ به إلا في موضعين: أحدهما قوله تعالى: (يقال له ~~إبراهيم)، على قول ابن الضائع أنه ضمن " يقال " معنى " ينادي " وإبراهيم " ~~نائب " عن الفاعل، وأورد على نفسه: كيف عدى باللام والنداء لا يتعدى به؟ ~~وأجاب بأنه روعى الملفوظ به، وهو القول، لأنه يقال: قلت له. # الثاني: قوله: (وحرمنا عليه المراضع من قبل)، فإنه قد يقال: كيف يتعلق ~~التكليف بالمرضع؟ فأجيب بأنه ضمن " حرم " المعنى اللغوي، وهو المنع. # فاعترض كيف عدى ب‍ " على " والمنع لا يتعدى به، فأجيب بأنه روعى صورة ~~اللفظ. # * * * الثاني: أن التضمين يطلق على غير ما سبق، قال القاضي أبو بكر في ~~كتاب " إعجاز القرآن ": هو حصول معنى فيه من غير ذكره له باسم [أو صفة] هي ~~عبارة عنه، ثم قسمه إلى قسمين: أحدهما ما يفهم من البنية، كقولك: معلوم، ~~فإنه يوجب أنه لا بد من عالم. # والثاني من معنى العبارة [من حيث لا يصح إلا به] كالصفة، فضارب يدل على ~~مضروب. # قال: والتضمين كله إيجاز، قال: وذكر أن (بسم الله الرحمن الرحيم) من باب ~~التضمين، لأنه تضمن تعليم الاستفتاح في الأمور باسمه على جهة التعظيم لله ~~تعالى، أو التبرك باسمه. # * * * وذكر ابن الأثير في كتاب " المعاني المبتدعة ": أن التضمين واقع في ~~القرآن خلافا لما أجمع عليه أهل البيان، وجعل منه قوله تعالى في الصافات: ~~(لو أن عندنا ذكرا من الأولين. لكنا عباد الله المخلصين). # * * * ويطلق التضمين أيضا على إدراج كلام الغير في أثناء الكلام لتأكيد ~~المعنى، PageV03P343 # أو لترتيب النظم، ويسمى الإبداع كإبداع الله تعالى في حكايات أقوال ~~المخلوقين، كقوله تعالى حكاية عن قول الملائكة: (قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء). # ومثل ما حكاه عن المنافقين: (قالوا إنما نحن مصلحون). # وقوله: (قالوا ms0764 أنؤمن كما آمن السفهاء). # (وقالت اليهود). # (وقالت النصارى)، ومثله في القرآن كثير. # وكذلك ما أودع في القرآن من اللغات الأعجمية. # * * * ويقرب من التضمين في إيقاع فعل موقع آخر إيقاع الظن موقع اليقين في ~~الأمور المحققة، كقوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم). # (الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة). # (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها). # (وظن داود أنما فتناه). # (وظنوا مالهم من محيص). # وشرط ابن عطية في ذلك ألا يكون متعلقة حسيا، كما تقول العرب في رجل يرى ~~حاضرا: أظن هذا إنسانا، وإنما يستعمل ذلك فيما لم يخرج إلى الحس بعد، ~~كالآيات السابقة. PageV03P344 # قال الراغب في " الذريعة ": الظن إصابة المطلوب بضرب من الأمارة متردد ~~بين يقين وشك، فيقرب تارة من طرف اليقين، وتارة من طرف الشك، فصار أهل ~~اللغة يفسرونه بهما، فمتى رئي إلى طرف اليقين أقرب استعمل معه " أن " ~~المثقلة والمخففة فيهما، كقوله تعالى: (الذين يظنون أنهم ملاقو الله) ~~(وظنوا أنه واقع بهم). # ومتى رئي إلى الشك أقرب استعمل معه " أن " التي للمعدومين من الفعل، نحو ~~ظننت أن يخرج. # قال: وإنما استعمل الظن بمعنى العلم في قوله: (الذين يظنون أنهم ملاقو ~~ربهم) لأمرين: # أحدهما: للتنبيه على أن علم أكثر الناس في الدنيا بالنسبة إلى علمهم في ~~الآخرة، كالظن في جنب العلم. # والثاني: أن العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين ~~المعنيين بقوله: # (الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا)، والظن متى كان عن أمارة قوية ~~فإنه يمدح به، ومتى كان عن تخمين لم يمدح، كما قال تعالى: (إن بعض الظن ~~إثم). # وجوز أبو الفتح في قوله: (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم) أن يكون ~~المراد بها اليقين، وأن تكون على بابها، وهو أقوى في المعنى، أي فقد يمنع ~~من هذا التوهم، فكيف عند تحقيق الأمر، فهذا أبلغ كقوله: " يكفيك من شر ~~سماعه " أي لو توهم البعث والنشور وما هناك من عظم الأمر وشدته لاجتنب ~~المعاصي، فكيف عند تحقق الأمر! وهذا أبلغ. # وقيل: آيتا ms0765 البقرة بمعنى الاعتقاد، والباقي بمعنى اليقين، والفرق بينهما ~~أن الاعتقاد يقبل التشكيك بخلاف اليقين، وإن اشتركا جميعا في وجوب الجزم ~~بهما. PageV03P345 # وكذلك قوله: (إني ظننت أني ملاق حسابيه). # وقد جاء عكسه وهو التجوز عن الظن بالعلم، كقوله تعالى: (وما شهدنا إلا ~~بما علمنا)، ولم يكن ذلك علما جازما بل اعتقادا ظنيا. # وقوله: (ولا تقف ما ليس لك به علم)، وكان يحكم بالظن وبالظاهر. # وقوله: (فإن علمتموهن مؤمنات) وإنما يحصل بالامتحان في الحكم، ووجه ~~التجوز أن بين الظن والعلم قدرا مشتركا وهو الرجحان، فتجوز بأحدهما عن ~~الآخر. PageV03P346 # وضع الخبر موضع الطلب في الأمر والنهي كقوله تعالى: (والوالدات يرضعن ~~أولادهن). # (والمطلقات يتربصن). # (سلام عليكم). # (اليوم يغفر الله لكم). # وقوله: (فكفارته إطعام عشرة مساكين...) الآية، ولهذا جعلها العلماء من ~~أمثلة الواجب: # (فلا رفث ولا فسوق) على قراءة نافع، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا. # (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) قالوا: هو خبر، وتأويله نهى، أي لا ~~تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، كقوله: (لا يمسه إلا المطهرون) وكقوله: (لا ~~تضار والدة بولدها)، على قراءة الرفع. وقيل: إنه نهى مجزوم - أعني قوله: ~~(لا يمسه) - ولكن ضمت اتباعا للضمير، كقوله صلى الله عليه وسلم: " إنا لم ~~نرده عليك إلا أنا حرم ". # وقوله: (و إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله)، ضمن " لا ~~تعبدون " معنى " لا تعبدوا " بدليل قوله بعده: (وقولوا للناس حسنا)، وبه ~~يزول الإشكال في عطف الانشاء على الخبر، لكن إن كان " حسنا " معمولا ~~لأحسنوا، فعطف PageV03P347 # " قولوا " عليه أولى لاتفاقهما لفظا ومعنى، وإن كان التقدير و " يحسنون " ~~فهو الذي قبله، والعطف على القريب أولى. وقيل: (لا تعبدون) أبلغ من صريح ~~النهي لما فيه من إيهام أن المنهي يسارع إلى الانتهاء، فهو مخبر عنه. # وكذا قوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم) في موضع " لا تسفكوا ". # وقوله في سورة الصف: (وبشر المؤمنين) عطفا على قوله: (تؤمنون بالله ~~ورسوله)، ولهذا جزم الجواب. # وقوله: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) إلى قوله: (وامتازوا ~~اليوم)، فإن ms0766 المقام يشتمل على تضمين (إن أصحاب الجنة اليوم) معنى الطلب، ~~بدليل ما قبله: (فاليوم لا تظلم نفس شيئا)، فإنه كلام وقت الحشر لوروده ~~معطوفا بالفاء، على قوله: (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون) وعام لجميع الخلق لعموم قوله: (لا تظلم نفس شيئا)، وإن الخطاب ~~الوارد بعده على سبيل الالتفات، وهو قوله: # (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون)، خطاب عام لأهل المحشر، فيكون قوله: # (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) إلى قوله: (أيها المجرمون) مقيدا ~~بهذا الخطاب لكونه تفصيلا لما أجمله: (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون)، وإن ~~التقدير أن أصحاب الجنة منكم يا أهل المحشر، ثم جاء في التفسير أن قوله ~~هذا: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) يقال لهم حين يساق بهم إلى ~~الجنة، بتنزيل ما هو للتكوين منزلة الكائن، أي إن أصحاب الجنة منكم يا أهل ~~المحشر، يؤول حالهم PageV03P348 # إلى أسعد حال، والتقدير حينئذ " فامتازوا عنكم إلى الجنة "، هكذا قرره ~~السكاكي في " المفتاح ". # قيل: وفيه نظر، لأنها إذا كانت طلبية ومعناها أمر المؤمنين بالذهاب إلى ~~الجنة، فليكن الخطاب معهم لا مع أهل المحشر. # ولهذا قال بعضهم: إن تضمين أصحاب أهل الجنة للطلب ليس المراد منه أن ~~الجملة نفسها طلبية، بل معناه أن يقدر جملة إنشائية بعدها، بخلاف قوله: ~~(وقولوا للناس حسنا). # ومنه قوله تعالى: (تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم ~~وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم)، فإنه يقال: كيف ~~جاء الجزم في جواب الخبر؟ وجوابه أنه لما كان في معنى الأمر جاز ذلك، إذ ~~المعنى: آمنوا وجاهدوا. # وقال ابن جنى: لا يكون " يغفر " جوابا ل‍ " هل أدلكم " وإن كان أبو ~~العباس قد قاله، لأن المغفرة تحصل بالإيمان لا بالدلالة. انتهى. وقد يقال ~~الدلالة: سبب السبب. # إذا علمت هذا، فإنما يجئ الأمر بلفظ الخبر الحاصل تحقيقا لثبوته، وأنه ~~مما ينبغي أن يكون واقعا ولا بد، وهذا هو المشهور. # وفيه طريقة أخرى نقلت عن القاضي أبي بكر وغيره، ms0767 وهي أن هذا خبر حقيقة غير ~~مصروف عن جهة الخبرية، ولكنه خبر عن حكم الله وشرعه ليس خبرا عن الواقع، ~~حتى يلزم ما ذكره من الإشكال، وهو احتمال عدم وقوع مخبره، فإن هذا إنما ~~يلزم الخبر عن الواقع، أما الخبر عن الحكم فلا، لأنه لا يقع خلافه أصلا. ~~PageV03P349 # وضع الطلب موضع الخبر كقوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له ~~الرحمن مدا). # وقوله: (قل أنفقوا طوعا أو كرها). # وقوله: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى). # وقوله: (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب ~~العالمين. يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم. وألق عصاك) فقوله: # (وألق) معطوف على قوله: (أن بورك) ف‍ " ألق " وإن كان إنشاء لفظا، لكنه ~~خبر معنى. والمعنى: فلما جاءها قيل بورك من في النار. وقيل: ألق. # والموجب لهذا قول النحاة إن " أن " هذه مفسرة لا تأتي إلا بعد فعل في ~~معنى القول، وإذا قيل: كتبت إليه أن أرجع، وناداني أن قم، كله بمنزلة: قلت ~~له، وقال لي قم. كذا قاله صاحب المفتاح. # وما ذكره من أن " بورك " خبرية لفظا ومعنى ممنوع، لجواز أن يكون دعاء وهو ~~إنشاء، وقد ذكر هذا التقدير الفارسي وأبو البقاء، فتكون الجملتان متفقتين ~~في معنى الانشاء، فتكون مثل (لا تعبدون إلا الله). # وقوله: (يا ليتنا نرد ولا نكذب) إلى قوله: (وإنهم لكاذبون)، فإنه يقال: ~~كيف ورد التمني على التكذيب وهو إنشاء؟ PageV03P350 # وأجاب الزمخشري أنه ضمن معنى العدة، وأجاب غيره بأنه محمول على المعنى من ~~الشرط والخبر، كأنه قيل: إن رددنا لم نكذب وآمنا. والشرط خبر، فصح ورود ~~التكذيب عليه. # وقوله: (اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم)، أي ونحن حاملون، بدليل قوله: # (وإنهم لكاذبون) والكذب إنما يرد على الخبر. # وقوله: (أسمع بهم وأبصر)، تقديره: ما أسمعهم وأبصرهم! لأن الله تعالى لم ~~يتعجب منهم، ولكنه دل المكلفين على أن هؤلاء قد نزلوا منزلة من يتعجب منه. # ومما يدل على كونه ليس أمرا حقيقيا ظهور الفاعل ms0768 الذي هو الجار والمجرور ~~في الأول، وفعل الأمر لا يبرز فاعله أبدا. # ووجه التجوز في هذا الأسلوب أن الأمر شأنه أن يكون ما فيه داعية للأمر، ~~وليس الخبر كذلك، فإذا عبر عن الخبر بلفظ الأمر أشعر ذلك بالداعية، فيكون ~~ثبوته وصدقه أقرب. هذا بالنسبة لكلام العرب لا لكلام الله، إذ يستحيل في ~~حقه سبحانه الداعية للفعل. # بقي الكلام في أيهما أبلغ؟ هذا القسم أو الذي قبله؟. # قال الكواشي في قوله تعالى: (فليمدد له الرحمن مدا)، الأمر بمعنى الخبر، ~~لتضمنه اللزوم، نحو إن زرتنا فلنكرمك، يريدون تأكيد إيجاب الإكرام عليهم. # وقال الزمخشري في قوله تعالى: (لا تعبدون إلا الله)، ورود الخبر، والمراد ~~الأمر أو النهي، أبلغ من صريح الأمر والنهي، كأنه سورع فيه إلى الامتثال ~~والخبر عنه. PageV03P351 # وقال النووي في شرح " مسلم " في باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها ~~وخالتها: وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا ~~يسوم على سوم أخيه "، هكذا هو في جميع النسخ، " ولا يسوم " بالواو " ولا ~~يخطب " بالرفع، وكلاهما لفظه لفظ الخبر، والمراد به النهى وهو أبلغ في ~~النهى، لأن خبر الشارع لا يتصور وقوع خلافه، والنهي قد يقع مخالفته، فكأن ~~المعنى: عاملوا هذا النهي معاملة خبر الحتم، ثم قال صلى الله عليه وسلم: " ~~ولا تسأل المرأة طلاق أختها " يجوز في " تسأل " الرفع والكسر، والأول على ~~الخبر الذي يراد به النهي، وهو المناسب لقوله قبله: " لا يخطب ولا يسوم "، ~~والثاني على النهى الحقيقي. انتهى. PageV03P352 # وضع النداء موضع التعجب كقوله تعالى: (يا حسرة على العباد)، قال الفراء: ~~معناه: فيا لها من حسرة! # والحسرة في اللغة أشد الندم، لأن القلب يبقى حسيرا. # وحكى أبو الحسين بن خالويه في كتاب " المبتدأ " عن البصريين أن هذه من ~~أصعب مسألة في القرآن، لأن الحسرة لا تنادي، وإنما تنادى الأشخاص، لأن ~~فائدته التنبيه، ولكن المعنى على التعجب، كقوله: يا عجبا لم فعلت! (يا ~~حسرتا على ما فرطت)، وهو أبلغ من قولك: العجب. قيل: فكأن التقدير يا عجبا ~~احضر، ms0769 يا حسرة احضري! # وقرأ الحسن: (يا حسرة العباد). # ومنهم من قال: الأصل " يا حسرتاه " ثم أسقطوا الهاء تخفيفا، ولهذا قرأ ~~عاصم (يا أسفاه على يوسف). # وقال ابن جنى في كتاب " الفسر ": معناه أنه لو كانت الحسرة مما يصح نداؤه ~~لكان هذا وقتها. # وأما قوله تعالى: (يا بشرى)، فقالوا: معنى النداء فيما لا يعقل تنبيه ~~المخاطب وتوكيد القصة، فإذا قلت: يا عجبا! فكأنك قلت: اعجبوا، فكأنه قال: # يا قوم أبشروا. # قال أبو الفتح في " الخاطريات ": وقد توضع الجملة من المبتدأ والخبر موضع ~~PageV03P353 # المفعول به، كقوله تعالى: (ولكم فيها منافع) بعد قوله: (الذي جعل لكم ~~الأنعام لتركبوا منها)، المعنى: ولتنتفعوا بها، عطفا على قوله: (لتركبوها ~~منها). # وعلى هذا قال: (ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم). وكذلك قوله: (ومنها ~~تأكلون)، أي ولتأكلوا منها. ولذلك أتى: (وعليها وعلى الفلك تحملون)، فعطف ~~الجملة من الفعل ومرفوعة على المفعول له. # ونظيره قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم)، أي ولأني ربكم ~~فاتقون، فوضع الجملة من المبتدأ والخبر موضع المفعول له. # وبهذا يبطل تعلق من تعلق على ثبوته في قوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله ~~إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله)، وقوله: # إن هذا ليس من مواضع الابتداء لجواز تقدير: وأذان بأن الله برئ، وبأن ~~رسوله كذلك. PageV03P354 # وضع جمع القلة موضع الكثرة لأن الجموع يقع بعضها موقع بعض، لاشتراكها في ~~مطلق الجمعية، كقوله تعالى: # (وهم في الغرفات آمنون)، فإن المجموع بالألف والتاء للقلة، وغرف الجنة لا ~~تحصى. # وقوله: (هم درجات عند الله)، ورتب الناس في علم الله أكثر من العشرة لا ~~محالة. # وقوله: (الله يتوفى الأنفس). # وقوله: (واستيقنتها أنفسهم)، وهو كثير. # وقيل: سبب ذلك في الآية الأولى دخول الألف واللام الجنسية، فيكون ذلك ~~تكثيرا لها، وكان دخولها على جمع القلة أولى من دخولها على جمع الكثرة، ~~إشارة إلى قلة من يكون فيها، ألا ترى أنه لا يكون فيها إلا المؤمنون! # وقد نص سبحانه على قتلهم بالإضافة إلى غيرهم في قوله تعالى: ms0770 (إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم)، فيكون التكثير الداخل في قوله: (وهم ~~في الغرفات)، لا من جهة وضع جمع القلة موضع جمع الكثرة، ولكن من جهة ما ~~اقتضته الألف واللام للجنس. # واعلم أن جموع التكسير الأربعة وجمعي التصحيح - أعني جمع التأنيث وجمع ~~التذكير - كل ذلك للقلة، أما جموع التكسير فبالوضع، وأما جمعا التصحيح، ~~فلأنهما PageV03P355 # أقرب إلى التثنية، وهي أقل العدد، فوجب أن يكون الجمع المشابه لها ~~بمنزلتها في القلة، وما عداها من الجموع فيرد تارة للقلة وتارة للكثرة بحسب ~~القرائن، قال تعالى: (الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين). ~~(هدى للمتقين). # (وأولئك هم المفلحون). (إنما نحن مصلحون). (ألا إنهم هم المفسدون). ~~(مستهزئون) (وما كانوا مهتدين). (وكنتم أمواتا). (وعلم آدم الأسماء كلها). ~~(فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين). (بسمعهم وأبصارهم). (أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم). (إذا طلقتم النساء). (ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون). (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم). (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل ~~الله أموات بل أحياء). (وبينات من الهدى). (واتقون يا أولي الألباب). ~~(باللغو في أيمانكم). (أن ينكحن أزواجهن). # (حافظوا على الصلوات). فإن قلت: ليس هذا منه، بل هي للقلة، لأنها خمس. # قلت: لو كان كذلك لما صح: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء). PageV03P356 # (فيما عرضتم به من خطبة النساء)، فالمراد منها واحد، والجواب عن أحدهما ~~الجواب عن الآخر. # وقوله تعالى: (من كل الثمرات). (إن تبدوا الصدقات)، (الصابرين والصادقين) ~~الآية: (والمؤمنين والمؤمنات) الآية ولا تحصى كثرة. # ومن شواهد مجئ جمع القلة مرادا به الكثرة قول حسان رضي الله عنه: # لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى * وأسيافنا يقطرن من نجدة دما وحكى أن ~~النابغة قال له: قد قللت جفناتك وأسيافك. # وطعن الفارسي في هذه الحكاية لوجود وضع جمع القلة موضع الكثرة فيما له ~~جمع كثرة، وفيما لا جمع له كثرة في كلامهم. وصححها بعضهم قال: يعنى أنه كان ~~ينبغي لحسان تجنب اللفظ الذي أصله أن يكون في القلة، وإن كان جائزا في ~~اللسان وضعه لقرينة إذا كان ms0771 الموضع موضع مدح، أو أنه وإن كانت القلة توضح ~~لمعنى الكثرة، لكن ليس في كل مقام. # ومن المشكل قوله تعالى: (فيضاعفه له أضعافا كثيرة) فإن " أضعافا " جمع ~~قلة فكيف جاء بعده كثرة؟ # والجواب أن جمع القلة يستعمل مرادا به الكثرة، وهذا منه. # تنبيهان الأول: إنما يسأل عن حكمة ذلك حيث كان له جمع كثرة، فإن لم يكن ~~فلا، PageV03P357 # كقوله: (أياما معدودات)، فإن " أياما " أفعال مع أنها ثلاثون، لكن ليس ~~لليوم جمع غيره، ومن ثم أفرد السمع وجمع الأبصار في قوله: (وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم) لأن " فعلا " ساكن العين صحيحها لا يجمع على " أفعال " غالبا، ~~وليس له جمع تكسير، فلما كان كذلك اكتفى بدلالة الجنس على الجمع. # وجعل بعضهم من هذا " أنفسكم " على كثرتها في القرآن، وليس كذلك، فقد جاء ~~(وإذا النفوس زوجت)، وحكمته هنا ظاهرة، لأن المراد استيعاب جميع الخلق في ~~المحشر. # ونظيره: (من كل الثمرات) لإمكان " الثمار " وليس رأس آية. # ومنه: (آيات محكمات) لإمكان " آي "، ولا يقال إنه لطلب المشاكلة فقد قال ~~تعالى بعده (وأخر متشابهات)، فدل على عدم المشاكلة لإمكان " أخريات ". # وكذلك قوله: (تجرى من تحتها الأنهار)، وليس رأس آية، ولا فيه مشاكلة، ~~لإمكان " الأنهر ". # وقد جاء أنفس للقلة، كقوله: (وأنفسنا وأنفسكم)، وقيل: المراد نفسان من ~~باب: (فقد صغت قلوبكما). # * * * الثاني: إنما يتم في المنكر أما المعرف فيستغنى بالعموم عن ذلك، ~~وبهذا يخدش في كثير مما سبق جعله من هذا النوع. وقد قال الزمخشري في قوله ~~تعالى: (من الثمرات): # إنه جمع قلة، وضع موضع جمع الكثرة، ورد عليه بأن " أل " في " الثمرات " ~~للعموم فيصير كالثمار، ولا حاجة إلى ارتكاب وضع جمع قلة موضع جمع كثرة، ~~وكذلك بيت حسان السابق فإن الجفنات معرفة ب‍ " أل " " وأسيافنا " مضاف، ~~ليعم. PageV03P358 # تذكير المؤنث يكثر في تأويله بمذكر، كقوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ~~ربه)، على تأويلها بالوعظ. # وقوله: (وأحيينا به بلدة ميتا)، على تأويل البلدة بالمكان، وإلا لقال: # " ميتة ". # وقوله: (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي)، أي الشخص أو الطالع. # وقوله: ms0772 (قد جاءتكم بينة من ربكم)، أي بيان ودليل وبرهان. # وقوله: (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا). # وإنما يترك التأنيث كما يترك في صفات المذكر، لا كما في قولهم، امرأة ~~معطار، لأن السماء بمعنى المطر، مذكر، قال: # إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وإن كانوا غضابا ويجمع على أسمية وسمى، ~~قال العجاج: # * تلفه الأرواح والسمى * وقوله: (وإذا حضر القسمة)، إلى قوله: (فارزقوهم ~~منه)، ذكر الضمير، لأنه ذهب بالقسمة إلى المقسوم. PageV03P359 # وقوله: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه)، ذهب بالأنعام ~~إلى معنى النعم، أو حمله على معنى الجمع. # وقوله: (إن رحمة الله قريب من المحسنين)، ولم يقل " قريبة " قال الجوهري: # ذكرت على معنى الإحسان. وذكر الفراء أن العرب تفرق بين النسب، والقرب من ~~المكان، فيقولون: هذه قريبتي من النسب، وقريبي من المكان، فعلوا ذلك فرقا ~~بين قرب النسب والمكان. # قال الزجاج: وهذا غلط، لأن كل ما قرب من مكان ونسب، فهو جار على ما ~~يقتضيه من التذكير والتأنيث، يريد أنك إذا أردت القرب من المكان، قلت: زيد ~~قريب من عمرو، وهند قريبة من العباس، فكذا في النسب. # وقال أبو عبيدة: ذكر " قريب " لتذكير المكان، أي مكانا قريبا. ورده ابن ~~الشجري بأنه لو صح لنصب " قريب " على الظرف. # وقال الأخفش: المراد بالرحمة هنا المطر، لأنه قد تقدم ما يقتضيه، فحمل ~~المذكر عليه. # وقال الزجاج: لأن الرحمة والغفران بمعنى واحد، وقيل: لأنها والرحم سواء. # ومنه: (وأقرب رحما)، فحملوا الخبر على المعنى، ويؤيده قوله تعالى: (هذا ~~رحمة من ربي). # وقيل: الرحمة مصدر، والمصادر كما لا تجمع لا تؤنث. # وقيل: " قريب " على وزن " فعيل " و " فعيل " يستوي فيها المذكر والمؤنث ~~حقيقيا كان أو غير حقيقي. ونظيره قوله تعالى: (وهي رميم). PageV03P360 # وقيل: من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، مع الالتفات إلى المحذوف، ~~فكأنه قال: وإن مكان رحمة الله قريب، ثم حذف المكان وأعطى الرحمة إعرابه ~~وتذكيره. # وقيل: من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، أي إن رحمة الله شيء قريب أو ~~لطيف، أو بر أو إحسان. ms0773 # وقيل: من باب إكساب المضاف حكم المضاف إليه، إذا كان صالحا للحذف ~~والاستغناء عنه بالثاني، والمشهور في هذا تأنيث المذكر لإضافته إلى مؤنث، ~~كقوله: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت * أعاليها مر الرياح النواسم فقال: " تسفهت " ~~والفاعل مذكر، لأنه اكتسب تأنيثا من الرياح، إذ الاستغناء عنه جائز، وإذا ~~كانت الإضافة على هذا تعطى المضاف تأنيثا لم يكن له، فلأن تعطيه تذكيرا لم ~~يكن له - كما في الآية الكريمة - أحق وأولى، لأن التذكير أولى والرجوع إليه ~~أسهل من الخروج عنه. # وقيل: من الاستغناء بأحد المذكورين لكون الآخر تبعا له، ومعنى من معانيه. # ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: (فظلت أعناقهم لها خاضعين)، فاستغنى عن ~~خبر الأعناق بخبر أصحابها، والأصل هنا إن رحمة الله قريب، وهو قريب من ~~المحسنين، فاستغنى بخبر المحذوف عن خبر الموجود، وسوغ ذلك ظهور المعنى. # ونظير هذه الآية الشريفة قوله تعالى: (وما يدريك لعل الساعة قريب)، قال ~~البغوي: لم يقل " قريبة " لأن تأنيثها غير حقيقي، ومجازها الوقت. ~~PageV03P361 # وقال الكسائي: إتيانها قريب. # وقيل في قوله تعالى: (بريح صرصر)، ولم يقل: " صرصرة " كما قال: # (بريح صرصر عاتية)، لأن الصرصر وصف مخصوص بالريح لا يوصف به غيرها، فأشبه ~~باب " حائض " ونحوه، بخلاف " عاتية " فإن غير الريح من الأسماء المؤنثة ~~يوصف به. # وأما قوله تعالى: (السماء منفطر به)، ففي تذكير " منفطر " خمسة أقوال: # أحدها: للفراء، أن السماء تذكر وتؤنث، فجاء " منفطر " على التذكير. # والثاني: لأبي على أنه من باب اسم الجنس الذي بينه وبين واحده التاء، ~~مفردة سماءة، واسم الجنس يذكر ويؤنث، نحو: (أعجاز نخل منقعر). # والثالث: للكسائي، أنه ذكر حملا على معنى السقف. # والرابع: لأبي على أيضا على معنى النسب، أي ذات انفطار، كقولهم: امرأة ~~مرضع، أي ذات رضاع. # والخامس: للزمخشري، أنه صفة لخبر محذوف مذكر، أي شئ منفطر. # وسأل أبو عثمان المازني بحضرة المتوكل قوما من النحويين، منهم ابن السكيت ~~وأبو بكر بن قادم عن قوله تعالى: (وما كانت أمك بغيا): كيف جاء بغيرها، ~~ونحن نقول: امرأة كريمة: إذا كانت هي ms0774 الفاعل وليست بمنزلة " القتيل " التي ~~هي بمعنى " المفعول "؟ فأجاب ابن قادم وخلط، فقال له المتوكل: أخطأت، قل يا ~~- بكر - للمازني، قال: " بغى " ليس ل‍ " فعيل " وإنما هو " فعول " والأصل ~~فيه " بغوى "، فلما التقت واو وياء، وسبقت إحداهما بالسكون أدغمت الواو في ~~الياء، فقيل: " بغى " كما تقول: امرأة PageV03P362 # صبور، بغير هاء، لأنها بمعنى صابرة، فهذا حكم " فعول " إذا عدل عن فاعله، ~~فإن عدل عن مفعوله جاء بالهاء، كما قال: # * منها اثنتان وأربعون حلوبة * بمعنى " محلوبة " حكاه التوحيدي في " ~~البصائر ". # وقال البغوي في قوله تعالى: (من يحيي العظام وهي رميم)، ولم يقل " رميمة ~~"، لأنه معدول عن فاعلة، وكلما كان معدولا عن جهته ووزنه كان مصروفا عن ~~فاعلة، كقوله: # (وما كانت أمك بغيا)، أسقط الهاء، لأنها مصروفة عن " باغية ". # وقال الشريف المرتضى في قوله تعالى: (ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم) إن الضمير في ذلك يعود للرحمة، وإنما لم يقل و " لتلك "، لأن ~~تأنيث الرحمة غير حقيقي، كقوله تعالى: (هذا رحمة من ربي) ولم يقل " هذه "، ~~على أن قوله: (إلا من رحم)، كما يدل على الرحمة يدل على " أن يرحم " ويجوز ~~رجوع الكتابة إلى قوله إلا أن يرحم، والتذكير في موضعه. # قال: ويجوز أن يكون قوله: (ولذلك خلقهم) كناية عن اجتماعهم على الإيمان، ~~وكونهم فيه أمة واحدة، ولا محالة أنه لهذا خلقهم. # ويطابق هذه الآية قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، قال: # فأما قوله: (ولا يزالون مختلفين) فمعناه الاختلاف في الدين والذهاب عن ~~الحق فيه PageV03P363 # بالهوى والشبهات. وذكر أبو مسلم بن بحر فيه معنى غريبا، فقال: معناه أن ~~خلف هؤلاء الكفار يخلف سلفهم في الكفر، لأنه سواء قولك: خلف بعضهم بعضا، ~~وقولك اختلفوا كما سواء قولك: قتل بعضهم بعضا، وقولهم: اقتتلوا. ومنه ~~قولهم: لا أفعله ما اختلف العصران، [والجديدان]، أي جاء كل واحد منهم بعد ~~الآخر. # واختلف في قوله: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه)، فقال ~~الكسائي، أي من بطون ما ذكرنا. # وقال الفراء: ذكر ms0775 لأنه ذهب إلى المعنى، يعنى معنى النعم، وقيل: الأنعام ~~تذكر وتؤنث. # وقال أبو عبيدة: أراد البعض، أي من بطون أيها كان ذا لبن. # وأنكر أبو حاتم تذكير الأنعام، لكنه أراد معنى النعم. PageV03P364 # تأنيث المذكر كقوله تعالى: (الذين يرثون الفردوس هم فيها)، فأنث " ~~الفردوس "، وهو مذكر، حملا على معنى الجنة. # وقوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)، فأنث " عشر " حيث جردت من ~~الهاء مع إضافته إلى الأمثال، وواحدها مذكر، وفيه أوجه: # أحدها: أنث لإضافة الأمثال إلى مؤنث، وهو ضمير الحسنات، والمضاف يكتسب ~~أحكام المضاف إليه، فتكون كقوله: (يلتقطه بعض السيارة). # والثاني: هو من باب مراعاة المعنى، لأن الأمثال في المعنى مؤنثة، لأن مثل ~~الحسنة حسنة لا محالة، فلما أريد توكيد الإحسان إلى المطيع، وأنه لا يضيع ~~شيء من علمه، كأن الحسنة المنتظرة واقعة، جعل التأنيث في أمثالها منبهة على ~~ذلك الوضع، وإشارة إليه، كما جعلت الهاء في قولهم: راوية وعلامة، تنبيها ~~على المعنى المؤنث المراد في أنفسهم، وهو الغاية والنهاية، ولذلك أنث المثل ~~هنا توكيدا لتصوير الحسنة في نفس المطيع، ليكون ذلك أدعى له إلى الطاعة، ~~حتى كأنه قال: " فله عشر حسنات أمثالها " حذف وأقيمت صفته مقامه، وروعي ذلك ~~المحذوف الذي هو المضاف إليه، كما يراعى المضاف في نحو قوله: (أو كظلمات في ~~بحر لجي)، أي " أو كذى ظلمات "، وراعاه في قوله: (يغشاه موج)، وهذا الوجه ~~هو الذي عول عليه الزمخشري، ولم يذكر سواه. # وأما ابن جنى فذكر في " المحتسب " الوجه الأول، وقال: فإن قلت: فهلا ~~حملته PageV03P365 # على حذف الموصوف، فكأنه قال: " فله عشر حسنات وأمثالها "؟ قيل: حذف ~~الموصوف وإقامة الموصوف مقامه ليس بمستحسن في القياس، وأكثر ما أتى في ~~الشعر، ولذلك حمل (دانية) من قوله: (ودانية عليهم ظلالها)، على أنه وصف جنة ~~أو " وجنه دانية " عطف على " جنة " من قولهم: (وجزاهم بما صبروا جنة)، لما ~~قدر حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، حتى عطف على قوله: (متكئين فيها على ~~الأرائك) فكانت حالا معطوفة على حال. # وفى " كشف المشكلات " للأصبهاني. حذف الموصوف ms0776 هو اختيار سيبويه، وإن كان ~~لا يرى حسن " ثلاثة مسلمين "، بحذف الموصوف. # وقوله تعالى حكاية عن لقمان: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة) فأنث الفعل ~~المسند ل‍ " مثقال " وهو مذكر، لكن لما أضيف إلى " حبة " اكتسب منه ~~التأنيث، فساغ تأنيث فعله. # وذكر أبو البقاء في قوله تعالى. (كل نفس ذائقة الموت) أن التأنيث في " ~~ذائقة " باعتبار معنى " كل " لأن معناها التأنيث، قال: لأن كل نفس نفوس، ~~ولو ذكر على لفظ " كل " جاز - يعنى أنه لو قيل: كل نفس ذائق، جاز. # وهو مردود، لأنه يجب اعتبار ما يضاف إليه " كل " إذا كانت نكرة، ولا يجوز ~~أن يعتبر كل. PageV03P366 # وقوله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي)، فإن الظاهر عود الضمير إلى ~~الإبداء، بدليل قوله: (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)، فذكر ~~الضمير العائد على الإخفاء، ولو قصد الصدقات لقال. " فهي "، وإنما أنث " هي ~~" والذي عاد إليه مذكر، على حذف مضاف، أي وإبداؤها نعم ما هي، كقوله: # القرية اسألها. # ومنه (سعيرا) وهو مذكر، ثم قال: (إذا رأتهم) فحمله على النار. # وأما قوله: (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن)، فقيل: ~~الضمير عائد على الآيات المتقدمة في اللفظ. # وقال البغوي: إنما قال: (خلقهن)، بالتأنيث، لأنه أجرى على طريق جمع ~~التكسير، ولم يجر على طريق التغليب للمذكر على المؤنث، لأنه فيما لا يعقل. # وقيل في قوله: (الذي خلقكم من نفس واحدة): إن المراد آدم فأنثه ردا إلى ~~النفس. وقد قرئ شاذا " من نفس واحد ". # وحكى الثعلبي في تفسيره في سورة " اقترب " بإسناده إلى المبرد، سئل عن ~~ألف مسألة، منها: ما الفرق بين قوله تعالى: (جاءتها ريح عاصف) وقوله: # (ولسليمان الريح عاصفة) وقوله: (أعجاز نخل خاوية) و (كأنهم أعجاز ~~PageV03P367 # نخل منقعر)، فقال: كل ما ورد عليك من هذا الباب، فلك أن ترده إلى اللفظ ~~تذكيرا، ولك أن ترده إلى المعنى تأنيثا، وهذا من قاعدة أن اسم الجنس تأنيثه ~~غير حقيقي، فتارة يلحظ معنى الجنس فيذكر، وتارة معنى الجماعة فيؤنث، قال ~~تعالى في ms0777 قصة شعيب: # (وأخذت الذين ظلموا الصيحة)، وفي قصة صالح: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة). ~~وقال: (إن البقر تشابه علينا)، وقرئ " تشابهت ". # وأبدى السهيلي للحذف والإثبات معنى حسنا فقال: إنما حذفت منه، لأن " ~~الصيحة " فيها بمعنى العذاب والخزي، إذ كانت منتظمة بقوله: (ومن خزي ~~يومئذ)، فقوى التذكير، بخلاف قصة شعيب، فإنه لم يذكر فيها ذلك. # وأجاب غيره: بأن الصيحة يراد بها المصدر بمعنى الصياح، فيجئ فيها ~~التذكير، فيطلق ويراد بها الوحدة من المصدر، فيكون التأنيث أحسن. # وقد أخبر سبحانه عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور، كلها ~~مفردة اللفظ: # أحدها: الرجفة. في قوله: (فأخذتهم الرجفة). # والثاني: الظلة. في قوله: (فأخذهم عذاب يوم الظلة). # والثالث: الصيحة. وجمع لهم الثلاثة، لأن الرجفة بدأت بهم فأصحروا في ~~الفضاء، خوفا من سقوط الأبنية عليهم، فضربتهم الشمس بحرها، ورفعت لهم ~~الظلة، فهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس، فنزل عليهم العذاب وفيه الصيحة، ~~فكان ذكر الصيحة مع الرجفة والظلة أحسن من ذكر الصياح، فكان ذكر التاء ~~أحسن. PageV03P368 # فإن قلت: ما الفرق بين قوله سبحانه: (فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت ~~عليه الضلالة)، وبين قوله: (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة). # قيل: الفرق بينهما من وجهين: # لفظي ومعنوي. # أما اللفظي، فهو أن الفصل بين الفعل والفاعل في قوله: (حق عليهم ~~الضلالة)، أكثر منها في قوله: (حقت عليه الضلالة)، والحذف مع كثرة الحواجز ~~أحسن. # وأما المعنوي فهو أن " من " في قوله: (ومنهم من حقت عليه الضلالة)، راجعة ~~على الجماعة، وهي مؤنثة لفظا، بدليل: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا)، ثم ~~قال: (ومنهم من حقت عليه الضلالة)، أي من تلك الأمم، ولو قال " ضلت " ~~لتعينت التاء - والكلامان واحد وإن كان معناهما واحدا - فكان إثبات التاء ~~أحسن من تركها، لأنها ثابتة فيما هو من معنى الكلام المتأخر. # وأما (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة)، فالفريق مذكر، ولو قال: # " ضلوا " لكان بغير تاء، وقوله: (حق عليهم الضلالة) في معناه، فجاء بغير ~~تاء، وهذا أسلوب لطيف من أساليب العرب، أن يدعوا ms0778 حكم اللفظ الواجب في قياس ~~لغتهم، إذا كان في مركبه كلمة لا يجب لها حكم ذلك الحكم. # تنبيه جاء عن ابن مسعود: ذكروا القرآن. ففهم منه ثعلب أن ما احتمل تأنيثه ~~وتذكيره كان تذكيره أجود. PageV03P369 # ورد بأنه يمتنع إرادة تذكير غير الحقيقي التأنيث، لكثرة ما في القرآن منه ~~بالتأنيث: # (النار وعدها الله). (والتفت الساق بالساق). (قالت لهم رسلهم). # وإذا امتنع إرادة غير الحقيقي، فالحقيقي أولى. # قالوا: ولا يستقيم إرادة أن ما احتمل التذكير والتأنيث غلب فيه التذكير، ~~لقوله تعالى: # (والنخل باسقات). (أعجاز نخل خاوية)، فأنث مع جواز التذكير، قال تعالى: ~~(أعجاز نخل منقعر)، (من الشجر الأخضر): قال فليس المراد ما فهم، بل المراد ~~الموعظة والدعاء، كما قال تعالى: (فذكر بالقرآن...) إلا أنه، حذف الجار ~~والمقصود ذكروا الناس بالقرآن، أي ابعثوهم على حفظه كيلا ينسوه. # وقال الواحدي: إن قول ابن مسعود على ما ذهب إليه ثعلب، والمراد أنه إذا ~~احتمل اللفظ التذكير والتأنيث ولم يحتج في التذكير إلى مخالفة المصحف ذكر، ~~نحو: (ولا يقبل منها شفاعة). # قال: ويدل على إرادته هذا أن أصحاب عبد الله من قراء الكوفة كحمزة ~~والكسائي ذهبوا إلى هذا فقرأوا ما كان من هذا القبيل بالتذكير، نحو: (يوم ~~يشهد عليهم ألسنتهم). وهذا في غير الحقيقي. # [ضابط التأنيث] ضابط التأنيث ضربان: # حقيقي وغيره، فالحقيقي لا يحذف التأنيث من فعله غالبا إلا أن يقع فصل، ~~نحو: PageV03P370 # قام اليوم هند، وكلما كثر الفصل حسن الحذف، والإثبات مع الحقيقي أولى ما ~~لم يكن جمعا. # وأما غير الحقيقي فالحذف فيه مع الفصل حسن، قال تعالى: (فمن جاءه موعظة)، ~~فإن كثر الفصل ازداد حسنا، ومنه: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة) ويحسن الإثبات ~~أيضا، نحو: (وأخذت الذين ظلموا الصيحة) فجمع بينهما في سورة هود. # وأشار بعضهم إلى ترجيح الحذف، واستدل عليه بأن الله تعالى قدمه عليه حيث ~~جمع بينهما في سورة واحدة. وفيما قاله نظر. PageV03P371 # التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وعكسه قد سبق منه كثير في نوع الالتفات، ~~ويغلب ذلك فيما إذا كان مدلول الفعل ms0779 من الأمور الهائلة المهددة المتوعد ~~بها، فيعدل فيه إلى لفظ الماضي تقريرا وتحقيقا لوقوعه، كقوله تعالى: # (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات). # وقوله في الزمر: (ونفخ في الصور فصعق). # وقوله: (وبرزوا لله جميعا). # وقوله: (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم)، أي نحشرهم. # وقوله: (ونادى أصحاب الأعراف رجالا). ثم تارة يجعل المتوقع فيه كالواقع، ~~فيؤتى بصيغة الماضي مرادا به المضي، تنزيلا للمتوقع منزلة ما وقع، فلا يكون ~~تعبيرا عن المستقبل بلفظ الماضي، بل جعل المستقبل ماضيا مبالغة. # ومنه: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه). (ونادى أصحاب الجنة)، ونحوه. # * * * وقد يعبر عن المستقبل بالماضي مرادا به المستقبل، فهو مجاز لفظي، ~~كقوله تعالى: PageV03P372 # (ويوم ينفخ في الصور ففزع)، فإنه لا يمكن أن يراد به المضي، لمنافاة ~~(ينفخ) الذي هو مستقبل في الواقع. وفائدة التعبير عنه بالماضي الإشارة إلى ~~استحضار التحقق، وإنه من شأنه لتحققه أن يعبر عنه بالماضي وإن لم يرد ~~معناه. والفرق بينهما أن الأول مجاز، والثاني لا مجاز فيه إلا من جهة اللفظ ~~فقط. # * * * وقوله: (وإذ قال الله يا عيسى)، أي يقول، عكسه لأن المضارع يراد به ~~الديمومة والاستمرار، كقوله: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم ~~تتلون الكتاب). # وقوله: (ثم قال له كن فيكون)، أي فكان استحضارا لصورة تكونه. # وقوله: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) أي ما تلت. # وقوله تعالى: (ولقد نعلم)، أي علمنا. # فإن قيل: كيف يتصور التقليل في علم الله؟ # قيل: المراد أنهم أقل معلوماته، ولأن المضارع هنا بمعنى الماضي ف‍ " قد " ~~فيه للتحقيق لا التقليل. # وقوله: (فلم تقتلون أنبياء الله)، أي فلم قتلتم! # وقوله: (حتى تأتيهم البينة)، أي لم يتعارفوا حتى تأتيهم. # وقوله: (منفكين)، قال مجاهد: " منتهين " وقيل: زائلين من الدنيا. ~~PageV03P373 # وقال الأزهري: ليس هو من باب " ما انفك " و " ما زال " إنما هو من انفكاك ~~الشيء إذا نفصل عنه. # وقوله: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم)، ~~المعنى: فلم عذب آباءكم بالمسخ والقتل؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ms0780 ~~يؤمر بأن يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد، لأن الجاحد يقول: إني لا أعذب، لكن ~~احتج عليهم بما قد كان. # وقوله: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة). # فعدل عن لفظ " أصبحت " إلى " تصبح "، قصدا للمبالغة في تحقيق اخضرار ~~الأرض لأهميته، إذ هو المقصود بالإنزال. # فإن قلت: كيف قال النحاة: إنه يجب نصب الفعل المقرون بالفاء إذا وقع في ~~جواب الاستفهام، كقوله: (فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا) و " فتصبح " هنا ~~مرفوع؟ # قلت: لوجوه: # أحدها: أن شرط الفاء المقتضية للنصب أن تكون سببية، وهنا ليست كذلك، بل ~~هي للاستئناف، لأن الرؤية ليست سببا للإصباح. # الثاني: أن شرط النصب أن ينسبك من الفاء وما قبلها شرط وجزاء، وهنا ليس ~~كذلك، لأنه لو قيل: إن تر أن الله أنزل ماء تصبح، لم يصح، لأن إصباح الأرض ~~حاصل، سواء رئي أم لا. # فإن قيل: شاع في كلامهم إلغاء فعل الرؤية، كما في قوله: " ولا تزال - ~~تراها - ظالمة " PageV03P374 # أي ولا تزال ظالمة، وحينئذ فالمعنى منصب إلى الإنزال لا إلى الرؤية، ولا ~~شك أنه يصح أن يقال: " إن أنزل تصبح "، فقد انعقد الشرط والجزاء. # قلت: إلغاء فعل الرؤية في كلامهم جائز لا واجب، فمن أين لنا ما يقتضي ~~تعيين حمل الآية عليه؟ # الثالث: إن همزة الاستفهام إذا دخلت على موجب تقلبه إلى النفي، كقوله ~~تعالى: # (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين)، وإذا دخلت على نفي تقلبه إلى ~~الإيجاب، فالهمزة في الآية للتقرير، فلما انتقل الكلام من النفي إلى ~~الإيجاب لم ينتصب الفعل، لأن شرط النفي كون السابق منفيا محضا: ذكره ~~العزيزي في " البرهان ". # ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة السجدة: (أولم يروا أنا نسوق الماء ~~إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا). # الرابع: أنه لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض لأن معناه إثبات الاخضرار، ~~فكان ينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك: ألم تر أني ~~أنعمت فتشكر! إن نصبت فأنت ناف لشكره، شاك تفريصه، وإن رفعت فأنت مثبت ms0781 ~~لشكره. ذكر هذا الزمخشري في الكشاف، قال: وهذا ومثاله مما يجب أن يرغب له ~~من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله. # وقال ابن الخباز: النصب يفسد المعنى، لأن رؤية المخاطب الماء الذي أنزله ~~الله ليس سببا للاخضرار، وإنما الماء نفسه هو سبب الاخضرار. # ومنه قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ~~ميت)، PageV03P375 # فقال: " تثير " مضارعا، وما قبله وما بعده ماضيا، مبالغة في تحقيق إثارة ~~الرياح السحاب للسامعين وتقدير تصوره في أذهانهم. # فإن قيل: أهم الأفعال المذكورة في الآية إحياء الموتى، وقد ذكر بلفظ ~~الماضي، وما ذكرته يقتضي أولوية ذكره بلفظ المضارع، إذ هو أهم، وإثارة ~~السحاب سبب أعيد على قريب. # قيل: لا نسلم بأهمية إحياء الأرض بعد موتها، فالمقدمات المذكورة أهمها ~~وأدلها على القدرة أعجبها وأبعدها عن قدرة البشر، وإثارة السحاب أعجبها، ~~فكان أولى بالتخصيص بالمضارع، وإنما قال: إن إثارة السحاب أعجب لأن سببها ~~أخفى، من حيث إنا نعلم بالفعل أن نزول الماء سبب في اخضرار الأرض، وإثارة ~~السحاب وسوقه سبب نزول الماء. # فلو خلينا وظاهر العقل لم نقل: إن الرياح سببها، لعدم إحساسنا بمادة ~~السحاب وجهته. # ومن لواحق ذلك العدول عن المستقبل إلى اسم المفعول، لتضمنه معنى الماضي، ~~كقوله: (يوم مجموع له الناس)، تقريرا للجمع فيه، وأنه لا بد أن يكون معادا ~~للناس، مضروبا لجميعهم، وإن شئت فوازن بينه وبين قوله: (يوم يجمعكم ليوم ~~الجمع) لتعرف صحة هذا المعنى. # فإن قلت: الماضي أدل على المقصود من اسم المفعول، فلم عدل عنه إلى ما ~~دلالته أضعف؟ قلت: لتحصل المناسبة بين " مجموع " و " مشهور " في استواء ~~شأنهما طلبا للتعديل في العبارة. # ومنه العدول عن المستقبل إلى اسم الفاعل، كقوله تعالى: (وإن الدين ~~لواقع)، فإن اسم الفاعل ليس حقيقة في الاستقبال، بل في الحال. PageV03P376 # مشاكلة اللفظ للفظ هي قسمان: أحدهما - وهو الأكثر - المشاكلة بالثاني ~~للأول، نحو " أخذه ما قدم وما حدث ". وقوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم ~~وأرجلكم)، على مذهب الجمهور وأن الجر للجوار: (والنجم والشجر يسجدان. ~~والسماء رفعها). ms0782 # وقد تقع المشاكلة بالأول للثاني كما في قراءة إبراهيم بن أبي عبيلة: ~~(الحمد لله) بكسر الدال، وهي أفصح من ضم اللام للدال. PageV03P377 # مشاكلة اللفظ للمعنى ومتى كان اللفظ جزلا كان المعنى كذلك، ومنه قوله ~~تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب)، ولم يقل من " طين " ~~كما أخبر به سبحانه في غير موضع: (إني خالق بشرا من طين) إنما عدل عن الطين ~~الذي هو مجموع الماء والتراب إلى ذكر مجرد التراب لمعنى لطيف، وذلك أنه ~~أدنى العنصرين وأكثفهما، لما كان المقصود مقابلة من ادعى في المسيح الإلهية ~~أتى بما يصغر أمر خلقه عند من ادعى ذلك، فلهذا كان الإتيان بلفظ التراب أمس ~~في المعنى من غيره من العناصر، ولما أراد سبحانه الامتنان على بني إسرائيل ~~أخبرهم أن يخلق لهم من الطين كهيئة الطير، تعظيما لأمر ما يخلقه بإذنه، إذ ~~كان المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه ليعظموا قدر النعمة به. # ومنه قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء) فإنه سبحانه إنما اقتصر على ~~ذكر الماء دون بقية العناصر، لأنه أتى بصيغة الاستغراق، وليس في العناصر ~~الأربع ما يعم جميع المخلوقات إلا الماء، ليدخل الحيوان البحري فيها. # ومنه قوله تعالى: (تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين)، ~~فإنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها، فإن " والله " و " ~~بالله " أكثر استعمالا وأعرف من " تالله " لما كان الفعل الذي جاور القسم ~~أغرب الصيغ التي في بابه، فإن " كان " وأخواتها أكثر استعمالا من " تفتأ "، ~~وأعرف عند العامة، ولذلك أتى بعدها بأغرب ألفاظ الهلاك بالنسبة، وهي لفظة " ~~حرض "، PageV03P378 # ولما أراد غير ذلك قال: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم)، لما كانت جميع ~~الألفاظ مستعملة. # ومنه قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار)، فإنه ~~سبحانه لما نهى عن الركون إلى الظالمين، وهو الميل إليهم والاعتماد عليهم، ~~وكان دون ذلك مشاركتهم في الظلم، أخبر أن العقاب على ذلك دون العقاب على ~~الظلم، وهو مس النار الذي هو دون الإحراق والاضطرام، ms0783 وإن كان المس قد يطلق ~~ويراد به الإشعار بالعذاب. # ومنه قوله تعالى: (لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ~~لأقتلك)، فإنه نشأ في الآية سؤال، وهو أن الترتيب في الجمل الفعلية تقديم ~~الفعل وتعقيبه بالفاعل، ثم بالمفعول، فإن كان في الكلام مفعولان: أحدهما ~~يعدى وصول الفعل إليه بالحرف، والآخر بنفسه، قدم ما تعدى إليه الفعل بنفسه، ~~وعلى ذلك جاء قوله تعالى: # (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم). # إذا ثبت هذا، فقد يقال: كيف توخى حسن الترتيب في عجز الآية دون صدرها؟ # والجواب أن حسن الترتيب منع منه في صدر الآية مانع أقوى، وهو مخافة أن ~~يتوالى ثلاثة أحرف متقاربات المخرج، فيثقل الكلام بسبب ذلك، فإنه لو قيل " ~~لئن بسطت يدك إلى " والطاء والتاء متقاربة المخرج، فلذلك حسن تقديم المفعول ~~الذي تعدى الفعل إليه بالحرف على الفعل الذي تعدى إليه بنفسه، ولما أمن هذا ~~المحذور في عجز الآية لما اقتضته البلاغة من الإتيان باسم الفاعل موضع ~~الجملة الفعلية، لتضمنه معنى الفعل الذي تصح به المقابلة، جاء الكلام على ~~ترتيبه، من تقديم المفعول الذي تعدى الفعل إليه بنفسه، على PageV03P379 # المفعول الذي يعدى إليه بحرف الجر. وهذا أمر يرجع إلى تحسين اللفظ، وأما ~~المعنى فعلى نظم الآية، لأنه لما كان الأول حريصا على التعدي على الغير قدم ~~المتعدى على الآلة، فقال: إلى يدك، ولما كان الثاني غير حريص على ذلك، لأنه ~~نفاه عنه، قدم الآلة فقال: # " يدي إليك "، ويدل لهذا أنه عبر عن الأول بالفعل وفي الثاني بالاسم. # ويؤيد ذلك أيضا قوله في سورة الممتحنة: (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ~~ويبسطوا إليكم أيديهم)، لأنه لما نسبهم للتعدي الزائد قدم ذكر المبسوط ~~إليهم على الآلة، وذلك الجواب السابق لا يمكن في هذه الآية. # ومثله قوله: (ليجزى الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى)، ~~مقتضى الصناعة أن يؤتى بالتجنيس للازدواج في صدر الآية، كما أتى به في ~~عجزها، لكن منعه توخى الأدب والتهذيب في نظم الكلام، وذلك أنه لما كان ms0784 ~~الضمير الذي في " يجزي " عائدا على الله سبحانه، وجب أن يعدل عن لفظ المعنى ~~الخاص إلى رديفه، حتى لا تنسب السيئة إليه سبحانه، فقال في موضع السيئة: " ~~بما عملوا "، فعوض عن تجنيس المزاوجة بالإرداف لما فيه من الأدب مع الله، ~~بخلاف قوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)، فإن هذا المحذور منه مفقود، فجرى ~~الكلام على مقتضى الصناعة. # ومنه قوله تعالى: (وأنه هو رب الشعرى)، فإنه سبحانه خص الشعري بالذكر دون ~~غيرها من النجوم، وهو رب كل شيء، لأن العرب ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبي ~~كبشة عبد الشعري، ودعا خلقا إلى عبادتها. # وقوله: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)، ولم يقل: " ~~لا تعلمون " لما في الفقه من الزيادة على العلم. PageV03P380 # وقوله حكاية عن إبراهيم: (يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن) فإنه ~~لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه، حيث لم يصرح فيه بأن العذاب لاحق ~~له، ولكنه قال: (إني أخاف) فذكر الخوف والمس، وذكر العذاب ونكره ولم يصفه ~~بأنه يقصد التهويل بل قصد استعطافه، ولهذا ذكر " الرحمن " ولم يذكر " ~~المنتقم " ولا " الجبار " على، حد قوله: # فما يوجع الحرمان من كف حارم * كما يوجع الحرمان من كف رازق ومنه قوله ~~تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به ~~يستهزئون)، فإنه قد يقال: ما الحكمة في التعبير بالسخرية دون الاستهزاء؟ # وهلا قيل: " فحاق بالذين استهزؤا بهم " ليطابق ما قبله؟ # والجواب أن الاستهزاء هو إسماع الإساءة، والسخرية قد تكون في النفس ولهذا ~~يقولون: سخرت منه كما يقولون: عجبت منه، ولا يقال: تجنب ذلك لما في ذلك من ~~تكرار الاستهزاء ثلاث مرات، لأنه قد كرر السخرية ثلاثا في قوله تعالى: (إن ~~تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون)، وإنما لم يقل: " نستهزئ بكم " لأن ~~الاستهزاء ليس من فعل الأنبياء. # وأما قوله: (الله يستهزئ بهم) فالعرب تسمى الجزاء على الفعل باسم الفعل، ~~كقوله: (نسوا الله فنسيهم)، وهو مجاز حسن، وأما الاستهزاء الذي ms0785 نحن بصدده ~~فهو استهزاء حقيقة، لا يرضى به إلا جاهل. # ثم قال سبحانه: (فحاق بالذين سخروا منهم)، أي حاق بهم من الله الوعيد ~~PageV03P381 # البالغ لهم على ألسنة الرسل ما كانوا به يستهزئون بألسنتهم، فنزلت كل ~~كلمة منزلتها. # وقوله: (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) ولم يذكر الكعبة، لأن ~~البعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حرج عليه، بخلاف القريب، ~~ولما خص الرسول بالخطاب تعظيما وإيجابا لشرعته عمم تصريحا بعموم الحكم، ~~وتأكيدا لأمر القبلة. # قاعدة إذا اجتمع الحمل على اللفظ والمعنى، بدئ باللفظ ثم بالمعنى، هذا هو ~~الجادة في القرآن، كقوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا)، أفرد أولا ~~باعتبار اللفظ، ثم جمع ثانيا باعتبار المعنى، فقال: (وما هم بمؤمنين) فعاد ~~الضمير مجموعا، كقوله تعالى: # (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار)، فعاد ~~الضمير من " يدخله " مفردا على لفظ " من "، ثم قال: " خالدين " وهو حال من ~~الضمير. # وقوله: (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم). # وقوله: (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا). # وقوله: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله...) إلى قوله: (فلما آتاهم ~~من فضله بخلوا به). # وقد يجرى الكلام على أوله في الإفراد، كقوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك ~~PageV03P382 # قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام...) ~~الآيتين، فكرر فيها ثمانية ضمائر، كلها عائد على لفظ " من "، ولم يرجع منها ~~شيء على معناها، مع أن المعنى على الكثرة. # وقد يقتصر على معناها في الجميع، كقوله تعالى في سورة يونس: (ومنهم من ~~يستمعون إليك). وما ذكرنا من البداءة باللفظ عند الاجتماع هو الكثير، قال ~~الشيخ علم الدين العراقي: ولم يجئ في القرآن البداءة بالحمل على المعنى إلا ~~في موضع واحد، وهو قوله تعالى: (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة ~~لذكورنا ومحرم على أزواجنا) فأنث " خالصة " حملا على معنى " ما "، ثم راعى ~~اللفظ فذكر، وقال: # (ومحرم على أزواجنا). # واعترض بعض الفضلاء وقال: إنما ms0786 يتم ما قاله من البداءة بالحمل على المعنى ~~في ذلك، إذا كان الضمير الذي في الصلة التي في بطون هذه الأنعام يقدر ~~مؤنثا، أما إذا قدر مذكرا فالبداءة إنما هو بالحمل على اللفظ. # وأجيب بأن اعتبار اللفظ والمعنى أمر يرجع إلى الأمور التقديرية، لأن ~~اعتبار الأمرين أو أحدهما إنما يظهر في اللفظ، وإذا كان كذلك صدق أنه إنما ~~بدئ في الآية بالحمل على المعنى، فيتم كلام العراقي. # ونقل الشيخ أبو حيان في تفسيره عن ابن عصفور: أن الكوفيين لا يجيزون ~~الجمع بين الجملتين إلا بفاصل بينهما، ولم يعتبر البصريون الفاصل، قال: ولم ~~يرد السماع إلا بالفاصل، كما ذهب إليه الكوفيون. ونازعه الشيخ أثير الدين ~~بقوله تعالى: (وقالوا لن يدخل PageV03P383 # الجنة إلا من كان هودا أو نصارى)، وقال: ألا تراه كيف جمع بين الجملتين ~~دون فصل! انتهى. # والذي ذكره ابن عصفور في شرح " المقرب " له: شرط الكوفيون في جواز اعتبار ~~اللفظ بعد اعتبار المعنى الفصل، فيجوزون: من يقومون اليوم وينظر في أمرنا ~~إخوتنا، ولا يجوزون: من يقومون وينظر في أمرنا إخوتنا، لعدم الفصل، وإنما ~~ورد السماع بالفصل. انتهى. # وهذا يقتضى أن الكوفيين لا يشترطون الفصل عند اجتماع الجملتين إلا أن ~~يقدم اعتبار المعنى ويؤخر اعتبار اللفظ كما في قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) إنما بدئ فيه بالحمل على اللفظ. # وقال ابن الحاجب: إذا حمل على اللفظ جاز الحمل بعده على المعنى، وإذا حمل ~~على المعنى ضعف الحمل بعده على اللفظ، لأن المعنى أقوى، فلا يبعد الرجوع ~~إليه بعد اعتبار اللفظ، ويضعف بعد اعتبار المعنى القوي الرجوع إلى الأضعف. # وهذا معترض بأن الاستقراء دل على أن اعتبار اللفظ أكثر من اعتبار المعنى، ~~وكثرة موارده تدل على قوله، وأما العود إلى اللفظ بعد اعتبار المعنى فقد ~~ورد به التنزيل، كما ورد باعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ، فثبت أنه يجوز ~~الحمل على كل واحد منهما، بعد الآخر من غير ضعف. # وأما قوله تعالى: (ومن يقنت منكن لله ms0787 ورسوله وتعمل صالحا) فقرأه الجماعة ~~بتذكير " يقنت " حملا على لفظ " من " في التذكير " وتعمل " بالتأنيث، حملا ~~على معناها، لأنها للمؤنث. وقرأ حمزة والكسائي " يعمل " بالتذكير فيهما ~~حملا على لفظها PageV03P384 # رعاية للمناسبة في المتعاطفين. وتوجيه الجماعة أنه لما تقدم على الثاني ~~صريح التأنيث في " منكن " حسن الحمل على المعنى. # وقال أبو الفتح في " المحتسب ": لا يجوز مراجعة اللفظ بعد انصرافه عنه ~~إلى المعنى: # وقد يورد عليه قوله: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين. # وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) ثم قال: (حتى إذا جاءنا)، ~~فقد راجع اللفظ بعد الانصراف عنه إلى المعنى، إلا أن يقال: إن الضمير في " ~~جاء " يرجع إلى الكافر لدلالة السياق عليه، لا إلى " من ". # ومنه الفرق بين " أسقى " و " سقى " بغير همز، لما لا كلفة معه في السقيا، ~~ومنه قوله تعالى: # (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) فأخبر أن السقيا في الآخرة لا يقع فيها كلفة، ~~بل جميع ما يقع فيها من الملاذ يقع فرصة وعفوا، بخلاف " أسقى " بالهمزة، ~~فإنه لا بد فيه من الكلفة بالنسبة للمخاطبين، كقوله تعالى: (وأسقيناكم ماء ~~فراتا)، (لأسقيناهم ماء غدقا)، لأن الإسقاء في الدنيا لا يخلو من الكلفة ~~أبدا. # ومنه قوله تعالى: (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل ~~شيء موزون)، قال أبو سلمة محمد بن بحر الأصبهاني في تفسيره: إنما خص ~~الموزون بالذكر دون المكيل، لأمرين: # أحدهما: أن غاية المكيل ينتهى إلى الموزون، لأن سائر المكيلات إذا صارت ~~قطعا دخلت في باب الموزون وخرجت عن المكيل، فكان الوزن أعم من المكيل. # والثاني: أن في الموزون معنى المكيل، لأن الوزن هو طلب مساواة الشيء ~~بالشيء PageV03P385 # ومقايسته وتعديله به، وهذا المعنى ثابت في المكيل، فخص الوزن بالذكر ~~لاشتماله على معنى المكيل. # وقال الشريف المرتضى في " الغرر ": هذا خلاف المقصود، بل المراد بالموزون ~~القدر الواقع بحسب الحاجة، فلا يكون ناقصا عنها ولا زائدا عليها زيادة ~~مضرة. # ومنه قوله تعالى: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما)، فذكر في ms0788 مدة اللبث ~~السنة، وفي الانفصال العام، للإشارة إلى أنه كان في شدائد في مدته كلها، ~~إلا خمسين عاما قد جاءه الفرج والغوث، فإن السنة تستعمل غالبا في موضع ~~الجدب، ولهذا سموا شدة القحط سنة. # قال السهيلي: ويجوز أن يكون الله سبحانه قد علم أن عمره كان ألفا، إلا أن ~~الخمسين منها كانت أعواما، فيكون عمره ألف سنة ينقص منها ما بين السنين ~~الشمسية والقمرية في الخمسين خاصة، لأن الخمسين عاما بحسب الأهلة أقل من ~~خمسين سنة شمسية، بنحو عام ونصف. # وابن علي هذا المعنى قوله: (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) وقوله: # (ألف سنة مما تعدون)، فإنه كلام ورد في موضع التكثير والتتميم بمدة ذلك ~~اليوم، والسنة أطول من العام. PageV03P386 # النحت نحو الحوقلة والبسملة، جعله ابن الزملكاني من نظوم القرآن، ومثله ~~بقوله: (وكفى بالله شهيدا)، قال: وكفى، من كفتيه الشيء، ولم يجئ للعرب ~~كفتيه بالشيء، فجعل بين الفعلين الفعل المذكور، وهو متعد، وخص من الفعل ~~اللازم وهو اكتفيت به، بالباء، وكذلك انتصب " شهيدا " على التمييز أو ~~الحال، كأنه قيل: كفى بالله فاكتف به، فاجتمع فيه الخبر والأمر. ~~PageV03P387 # الإبدال من كلامهم إبدال الحروف، وإقامة بعضها مقام بعض، يقولون: مدحه ~~ومدهه، وهو كثير، ألف فيه المصنفون، وجعل منه ابن فارس قوله تعالى: (فانفلق ~~فكان كل فرق كالطود العظيم)، فقال: فالراء واللام متعاقبان، كما تقول ~~العرب: # فلق الصبح وفرقه. قال: وذكر عن الخليل - ولم أسمعه سماعا - أنه قال في ~~قوله تعالى: # (فجاسوا خلال الديار)، إنما أراد " فحاسوا " فقامت الجيم مقام الحاء. # قال ابن فارس: وما أحسب الخليل قال هذا، ولا أحقه عنه. # قلت: ذكر ابن جنى في " المحتسب ": أنها قراءة أبو السمال، وقال: قال أبو ~~زيد - أو غيره - قلت له: إنما هو " فجاسوا "، فقال: حاسوا وجاسوا واحد. ~~وهذا يدل على أن بعض القراء يتخير بلا رواية، ولذلك نظائر. انتهى. # وهذا الذي قاله ابن جنى غير مستقيم، ولا يحل لأحد أن يقرأ إلا بالرواية. ~~وقوله: # " إنهما بمعنى واحد " لا يوجب القراءة بغير الرواية ms0789 كما ظنه أبو الفتح ~~وقائل ذلك، والقارئ به هو أبو السوار الغنوي لا أبو السمال فاعلم ذلك. كذلك ~~أسنده الحافظ أبو عمرو الداني، فقال: حدثنا المازني، قال: سألت أبا السوار ~~الغنوي، فقرأ: " فحاسوا " بالحاء غير الجيم، فقلت: إنما هو " فجاسوا " قال: ~~حاسوا وجاسوا واحد، يعنى أن اللفظين بمعنى واحد، وإن كان أراد أن القراءة ~~بذلك تجوز في الصلاة، والغرض كما جازت بالأولى، فقد غلط في ذلك وأساء. ~~PageV03P388 # وزعم الفارسي في تذكرته في قوله: (إني أحببت حب الخير)، أنه بمعنى حب ~~الخيل، وسميت الخيل خيرا لما يتصل بها من العز والمنعة، كما روى: " الخيل ~~معقود بنواصيها الخير "، وحينئذ فالمصدر مضاف إلى المفعول به. # وقيل في قوله تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقح): إن أصله " ملاقح "، لأنه ~~يقال: ألقحت الريح السحاب، أي جمعته، وكل هذا تفسير معنى، وإلا فالواجب صون ~~القرآن أن يقال فيه مثل ذلك. # وذكر أبو عبيدة في قوله: (إلا مكاء وتصدية)، معناه " تصدده "، فأخرج ~~الدال الثانية ياء لكسرة الدال الأولى، كما حكاه صاحب " الترقيص ". # وحكى عن أبي رياش في قول امرئ القيس: # * فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي * معناه " تنسلل " فأخرج اللام الثانية ~~[ياء] لكسرة اللام الأولى، ومثله قول الآخر: # وإني لأستنعي سعيد وما بي نعسة * لعل خيالا منك يلقى خياليا أراد أستنعس، ~~فأخرج السين ياء. # وقال الفارسي في " التذكرة ": قرأ أبو الحسن - أو من قرأ له - قوله تعالى ~~فيما حكى عن يعقوب في القلب والإبدال: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد)، " غير ~~PageV03P389 # عائد "، واستحسنه الفارسي ألا يعود إليه كما يعود في حال السعة من العشاء ~~إلى الغذاء. # وقيل في قوله تعالى: (وخرفوا له بنين وبنات): إن خرقه واخترقه، وخلقه، ~~واختلقه، بمعنى: هو قول أهل الكتابين في المسيح وعزير، وقول قريش في ~~الملائكة. # وجوز الزمخشري كونه من خرق الثوب، إذا شقه، أي أنهم اشتقوا له بنين ~~وبنات. PageV03P390 # المحاذاة ذكره ابن فارس، وحقيقته أن يؤتى باللفظ على وزن الآخر لأجل ~~انضمامه إليه، وإن كان لا يجوز فيه ذلك لو استعمل منفردا، كقولهم: أتيته ms0790 ~~الغدايا والعشايا، فقالوا: الغدايا، لانضمامها إلى العشايا. # قيل: ومن هذا كتابه المصحف، كتبوا: (والليل إذا سجى) بالياء، وهو من ذوات ~~الواو، لما قرن بغيره مما يكتب بالياء. # ومنه قوله تعالى: (لسلطهم) فاللام التي في (لسلطهم) جواب (لو). # ثم قال: (فلقاتلوكم) فهذه حوذيت بتلك اللام، وإلا فالمعنى: لسلطهم عليكم ~~فقاتلوكم. # ومثله: لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه) فهما لاما قسم - ثم قال: # (أو ليأتيني)، فليس ذا موضع قسم، لأنه عذر للهدهد، فلم يكن ليقسم على ~~الهدهد أن يأتي بعذر، لكنه لما جاء به على أثر ما يجوز فيه القسم أجراه ~~مجراه. PageV03P391 # ومنه الجزاء عن الفعل بمثل لفظه نحو: (إنما نحن مستهزئون. الله يستهزئ ~~بهم) أي يجازيهم جزاء الاستهزاء. # وقوله: (ومكروا ومكر الله) (فيسخرون منهم سخر الله منهم). # (وجزاء سيئة سيئة مثلها). PageV03P392 # قواعد في النفي قد تقدم في شرح معاني الكلام جمل من قواعده، ونذكر هاهنا ~~زيادات. # اعلم أن نفي الذات الموصوفة قد يكون نفيا للصفة دون الذات، وقد يكون نفيا ~~للذات. وانتفاء النهي عن الذات الموصوفة قد يكون نهيا عن الذات، وقد يكون ~~نهيا عن الصفة دون الذوات، قال الله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق)، فإنه نهى عن القتل بغير الحق. وقال: (ولا تقتلوا أولادكم ~~من إملاق). # ومن الثاني قوله: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم)، (ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون) أي فلا يكون موتكم إلا على حال كونكم ميتين على الاسلام، فالنهي في ~~الحقيقة على خلاف حال الاسلام، كقول القائل: لا تصل إلا وأنت خاشع، فإنه ~~ليس نهيا عن الصلاة، بل عن ترك الخشوع. # وقوله: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى...) الآية. # وقد ذكروا أن النفي بحسب ما يتسلط عليه يكون أربعة أقسام: # الأول: بنفي المسند نحو، ما قام زيد بل قعد، ومنه قوله تعالى: (لا يسألون ~~الناس إلحافا) فالمراد نفي السؤال من أصله، لأنهم متعففون، ويلزم من نفيه ~~نفى الإلحاف. PageV03P393 # الثاني: أن ينفى المسند إليه، فينتفي المسند، نحو ما قام زيد إذا كان زيد ~~غير موجود، لأنه يلزم ms0791 من عدم زيد نفي القيام. ومنه قوله تعالى: (فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين)، أي لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم. # ومنه قول الشاعر: # * على لاحب لا يهتدي لمناره * أي: على طريق لا منار له، فيهتدي به، ولم ~~يكن مراده أن يثبت المنار فينتفى الاهتداء به. # الثالث: أن ينفى المتعلق دون المسند والمسند إليه، نحو ما ضربت زيدا بل ~~عمرا. # الرابع: أن ينفى قيد المسند إليه أو المتعلق، نحو ما جاءني رجل كاتب بل ~~شاعر، وما رأيت رجلا كاتبا بل شاعرا، فلما كان النفي قد ينصب على المسند ~~وقد ينصب على المسند إليه أو المتعلق، وقد ينصب على القيد احتمل في قولنا: ~~ما رأيت رجلا كاتبا أن يكون المنفى هو القيد، فيفيد الكلام رؤية غير ~~الكاتب، وهو احتمال مرجوح، ولا يكون المنفى المسند، أي الفعل، بمعنى أنه لم ~~يقع منه رؤية عليه، لا على رجل ولا على غيره، وهو في المرجوحية كالذي قبله. ~~PageV03P394 # نفى الشيء رأسا لأنه عدم كمال وصفه أو لانتفاء ثمرته، كقوله تعالى في صفة ~~أهل النار: (لا يموت فيها ولا يحيى) فنفى عنه الموت، لأنه ليس بموت صريح، ~~ونفى عنه الحياة، لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة، كقوله تعالى: وترى ~~الناس سكارى وما هم بسكارى) أي ما هم بسكارى مشروب، ولكن سكارى فزع. # وقوله: (لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون)، وهم قد نطقوا بقولهم: # (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا)، ولكنهم لما نطقوا بما لم ينفع ~~فكأنهم لم ينطقوا. # وقوله: (لهم قلوب لا يفقهون بها). # وقوله: (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير). # ومنه قوله: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا ~~يبصرون)، فإن المعتزلة احتجوا على نفى الرؤية، لأن النظر لا يستلزم ~~الإبصار، ولا يلزم من قوله: (إلى ربها ناظرة) إبصار. # وهذا وهم، لأن الرؤية تقال على أمرين: أحدهما الحسبان والثاني العلم، ~~والآية من المعنى الأول، أي تحسبهم ينظرون إليك، لأن لهم أعينا مصنوعة ~~بأجفانها وسوادها، يحسب الانسان أنها تنظر إليه ms0792 بإقبالها عليه، وليست تبصر ~~شيئا. PageV03P395 # ومنه: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم). # ومنه قوله تعالى: (ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ~~ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون)، فإنه وصفهم أولا بالعلم على سبيل ~~التوكيد القسمي، ثم نفاه أخيرا عنهم لعدم جريهم على موجب العلم، كذا قاله ~~السكاكي وغيره. # وقد يقال: لم يتوارد النفي والإثبات على محل واحد، لأن المثبت أولا نفس ~~العلم، والمنفي إجراء العمل بمقتضاه. ويحتمل حذف المفعولين أو اختلاف أصحاب ~~الضميرين. # قال: ونظيره في النفي والإثبات قوله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى). # قلت: المنفي أولا التأثير، والمثبت ثانيا نفس الفعل. # ومن هذه القاعدة يزول الإشكال في قوله: (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) ~~والمعنى: إن لم تفعل بمقتضى ما بلغت فأنت في حكم غير المبلغ، كقولك لطالب ~~العلم: إن لم تعمل بما علمت فأنت لم تعلم شيئا، أي في حكم من لم يعلم. # * * * ومنه نفي الشيء مقيدا والمراد نفيه مطلقا، وهذا من أساليب العرب ~~يقصدون به المبالغة في النفي وتأكيده، كقولهم: فلان لا يرجى خيره، ليس ~~المراد أن فيه خيرا لا يرجى، وإنما غرضهم أنه لا خير فيه على وجه من ~~الوجوه. # ومنه: (ويقتلون النبيين بغير حق)، فإنه يدل [على] أن قتلهم لا يكون إلا ~~بغير حق، ثم وصف القتل بما لا بد أن يكون من الصفة، وهي وقوعه على خلاف ~~الحق. PageV03P396 # وكذلك قوله: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به)، إنها وصف لهذا ~~الدعاء، وأنه لا يكون إلا عن غير برهان. # وقوله: (ولا تكونوا أول كافر به)، تغليظ وتأكيد في تحذيرهم الكفر. # وقوله: (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا)، لأن كل ثمن لها لا يكون إلا ~~قليلا، فصار نفى الثمن القليل نفيا لكل ثمن. # وقوله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا)، فإن ظاهره نفي الإلحاف في ~~المسألة، والحقيقة نفي المسألة البتة، وعليه أكثر المفسرين، بدليل قوله: ~~(يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف)، ومن لا يسأل لا يلحف قطعا، ضرورة ms0793 أن نفي ~~الأعم يستلزم نفي الأخص. # ومثله قوله: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)، ليس المراد نفي الشفيع ~~بقيد الطاعة، بل نفيه مطلقا، وإنما قيده بذلك لوجوه: # أحدها: أنه تنكيل بالكفار، لأن أحدا لا يشفع إلا بإذنه، وإذا شفع يشفع، ~~لكن الشفاعة مختصة بالمؤمنين، فكان نفى الشفيع المطاع تنبيها على حصوله ~~لأضدادهم، كقولك لمن يناظر شخصا ذا صديق نافع: لقد حدثت صديقا نافعا، وإنما ~~تريد التنويه بما حصل لغيره، لأن له صديقا ولم ينفع. # الثاني: أن الوصف اللازم للموصوف ليس بلازم أن يكون للتقييد، بل يدل ~~لأغراض من تحسينه أو تقبيحه، نحو: له مال يتمتع به، وقوله تعالى: (وما ~~آتيناهم من كتب يدرسونها) (ولهم عذاب أليم). PageV03P397 # الثالث: قد يكون الشفيع غير مطاع في بعض الشفاعات، وقد ورد في بعض الحديث ~~ما يوهم صورة الشفاعة من غير إجابة، كحديث الخليل مع والده يوم القيامة، ~~وإنما دل على التلازم دليل الشرع. # وقوله: (ولم يكن له ولي من الذل) أي من خوف الذل، فنفي الولي لانتفاء خوف ~~الذل، فإن اتخاذ الولي فرع عن خوف الذل وسبب عنه. # وقوله: (لا تأخذه سنة ولا نوم)، نفى الغلبة، والمراد نفي أصل النوم ~~والسنة عن ذاته، ففي الآية التصريح بنفي النوم وقوعا وجوازا، أما وقوعا ~~فبقوله: (لا تأخذه سنة ولا نوم)، وأما جوازا فبقوله: (القيوم)، وقد جمعهما ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ". # وقوله: (قل أتنبئون الله بما لا يعلم)، أي بما لا وجود له، لأنه لو وجد ~~لعلمه بوجود الوجوب، تعلق علم الله بكل معلوم. # وقوله تعالى: (لن تقبل توبتهم)، على قول من نفى القبول لانتفاء سببه، وهو ~~التوبة، لا يوجد توبة فيوجد قبول. # وعكسه: (وما وجدنا لأكثرهم من عهد)، فإنه نفى لوجدان العهد، لانتفاء ~~سببه، وهو الوفاء بالعهد. # وقوله: (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله ~~بها من سلطان)، أي من حجة، أي لا حجة عليها، فيستحيل إذن أن ينزل بها ms0794 حجة. ~~PageV03P398 # ونظيره من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: " الدجال أعور والله ليس بأعور ~~"، أي بذي جوارح كوامل بتخيل جوارح له نواقص. # ونظيره قوله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن ~~تنفد كلمات ربي) ليس المراد أن كلمات الله تنفد بعد نفاد البحر، بل لا تنفد ~~أبدا، لا قبل نفاد البحر ولا بعده. وحاصل الكلام: لنفد البحر ولا تنفد ~~كلمات ربي. # ووقع في شعر جرير قوله: # فيا لك يوما خيره قبل شره * تغيب واشيه وأقصر عاذله قال الأصمعي: أنشدته ~~كذلك لخلف الأحمر، فقال: أصلحه: # * فيا لك يوما خيره دون شره * فإنه لا خير لخير بعده شر، وما زال العلماء ~~يصلحون أشعار العرب، قال الأصمعي: # فقلت: والله لا أرويه أبدا إلا كما أوصيتني. PageV03P399 # نقل ابن رشيق هذه الحكاية في " العمدة " وصوبها. # قال ابن المنير: ووقع لي أن الأصمعي وخلف الأحمر وابن رشيق أخطئوا جميعا ~~وأصاب جرير وحده، لأنه لم يرد إلا فيا لك يوم خير لا شر فيه، وأطلق " قبل " ~~للنفي كما قلناها، في قوله تعالى: (لنفد البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي)، ~~وقوله تعالى: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) وقوله: (أم لهم ~~أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون)، فإن ظاهره نفي هذه الجوارح، والحقيقة ~~توجب نفي الآية عمن يكون له فضلا عمن لا يكون له. # وقوله: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم)، فالمراد لا ذاك ~~ولا علمك به، أي كلاهما غير ثابت. # وقوله: (بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا)، أي شركاء لا ثبوت لها ~~أصلا، ولا أنزل الله بإشراكها حجة، أي تلك، وإنزال الحجة كلاهما منتف. # وقوله: (أتنبئون الله بما لا يعلم)، أي ما لا ثبوت لها له ولا علم الله ~~متعلقا به، نفيا للملزوم وهو النيابة بنفي لازمه، وهو وجوب كونه معلوما ~~للعالم بالذات، لو كان له ثبوت، بأي اعتبار كان. # وقوله: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم) ~~PageV03P400 # أصله ms0795 لن يتوبوا فلن يكون لهم قبول توبة، فأوثر الإلحاق ذهابا إلى انتفاء ~~الملزوم بانتفاء اللازم، وهو قبول التوبة الواجب في حكمه تعالى وتقدس. # وقوله 6 (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا)، معلوم أنه لا ~~إكراه على الفاحشة لمن لا يريد تحصنا، لأنها نزلت فيمن يفعل ذلك. # ونظيره: (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة)، وأكل الربا منهى عنه قليلا ~~وكثيرا، لكنها نزلت على سبب، وهو فعلهم ذلك، ولأنه مقام تشنيع عليهم، وهو ~~بالكثير أليق. # وقوله: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ~~مشركين...) الآية، المعنى آمنا بالله دون الأصنام وسائر ما يدعى إليه ~~دونها، إلا أنهم نفوا الإيمان بالملائكة والرسل والكتب المنزلة والدار ~~الآخرة والأحكام الشرعية، ولهذا أنه لما رد بقوله: (فلم يك ينفعهم إيمانهم ~~لما رأوا بأسنا)، بعد إثباته إيمانهم، لأنه ضروري لا اختياري، أوجب ألا ~~يكون الكلام مسوقا لنفي أمور، يراعي فيها الحصر والتقييد، كقوله: (قل هو ~~الرحمن آمنا به وعليه توكلنا)، فإنه لم يقدم المفعول في " آمنا " حيث لم ~~يرد ذلك المعنى، فركب تركيبا يوهم إفراد الإيمان بالرحمن عن سائر ما يلزم ~~من الإيمان. # وقوله: (يتكبرون في الأرض بغير الحق)، فقيل من هذا الباب، فهي صفة لازمة، ~~وقيل التكبر قد يكون بحق، وهو التنزه عن الفواحش والدنايا والتباعد من ~~فعلها. # وأما قوله: (والإثم والبغي بغير الحق)، فإن أريد بالبغي الظلم كان قوله: # (بغير الحق) تأكيدا، وإن أريد به الطلب كان قيدا. PageV03P401 # قاعدة اعلم أن نفي العام يدل على نفي الخاص، وثبوته لا يدل على ثبوته، ~~وثبوت الخاص يدل على ثبوت العام، ولا يدل نفيه على نفيه، ولا شك أن زيادة ~~المفهوم من اللفظ توجب الالتذاذ به، فلذلك كان نفي العام أحسن من نفي ~~الخاص، وإثبات الخاص أحسن من إثبات العام. # * * * فالأول: كقوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم)، ولم يقل: " بضوئهم " بعد قوله (أضاءت) لأن النور ~~أعم من الضوء، إذ يقال على القليل والكثير، وإنما يقال ms0796 الضوء على النور ~~الكثير، ولذلك قال تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا)، ففي الضوء ~~دلالة على الزيادة، فهو أخص من النور، وعدمه لا يوجب عدم الضوء، لاستلزام ~~عدم العام عدم الخاص، فهو أبلغ من الأول، والغرض إزالة النور عنهم أصلا، ~~ألا ترى ذكره بعده: # (وتركهم في ظلمات). # وهاهنا دقيقة، وهي أنه قال: (ذهب الله بنورهم)، ولم يقل: " أذهب نورهم " ~~لأن الإذهاب بالشيء إشعار له بمنع عودته، بخلاف الذهاب، إذ يفهم من الكثير ~~استصحابه في الذهاب، ومقتضى منعه من الرجوع. # ومنه قوله تعالى: (يا قوم ليس بي ضلالة)، ولم يقل: " ضلال "، كما قالوا: ~~PageV03P402 # (إنا لنراك في ضلال)، لأن نفي الواحد يلزم منه نفي الجنس البتة. # وقال الزمخشري: لأن الضلالة أخص من الضلال، فكان أبلغ في نفي الضلال عنه، ~~فكأنه قال: ليس به شيء من الضلال، كما لو قيل [لك] لك تمرة؟ # فقلت: ما لي تمرة. # ونازعه ابن المنير وقال: تعليله نفيها أبلغ [من نفي الضلال] لأنها أخص ~~[منه] وهذا غير مستقيم، فإن نفي الأعم أخص من نفي الأخص، ونفي الأخص أعم من ~~نفي الأعم، فلا يستلزمه لأن الأعم لا يستلزم الأخص. فإذا قلت: هذا ليس ~~بإنسان لم يلزم سلب الحيوانية عنه، وإذا قلت: هذا ليس بحيوان، لم يكن ~~إنسانا، والحق أن يقال: الضلالة أدنى من الضلال [وأقل]، لأنها لا تطلق إلا ~~على الفعلة [الواحدة] منه، والضلال يصلح للقليل والكثير، ونفي الأدنى أبلغ ~~من نفي الأعلى لامن جهة كونه أخص، بل من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. # * * * والثاني: كقوله تعالى: (وجنة عرضها السماوات والأرض)، ولم يقل " ~~طولها "، لأن العرض أخص، إذ كل ماله عرض فله طول، ولا ينعكس. وأيضا إذا كان ~~للشيء صفة يغني ذكرها عن ذكر صفة أخرى، تدل عليها كان الاقتصار عليها أولى ~~من ذكرها، لأن ذكرها كالتكرار، وهو ممل، وإذا ذكرت فالأولى تأخير الدلالة ~~على الأخرى، حتى لا تكون المؤخرة قد تقدمت الدلالة عليها. PageV03P403 # وقد يخل بذلك مقصود آخر كما في قوله: (وكان رسولا نبيا) لأجل السجع ms0797 وإذا ~~كان ثبوت شيء أو نفيه يدل على ثبوت آخر أو نفيه، كان الأولى الاقتصار على ~~الدال على الآخر، فإن ذكر فالأولى تأخير الدال. # وقد يخل بذلك لمقصود آخر، كما في قوله تعالى: (مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) وعلى قياس ما قلنا ينبغي الاقتصار على صغيرة، ~~وإن ذكرت الكبيرة منها فلتذكر أولا. # وكذلك قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) وعلى ذلك القياس يكفي " ~~لهما أف " أو يقول " ولا تنهرهما " فلا تقل لهما أف "، وإنما عدل عن ذلك ~~للاهتمام بالنهي عن التأفيف، والعناية بالنهي، حتى كأنه قال: نهى عنه ~~مرتين: مرة بالمفهوم، وأخرى بالمنطوق. # وكذلك قوله تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم) فإن النوم غشية ثقيلة تقع على ~~القلب تمنعه معرفة الأشياء، والسنة مما يتقدمه من النعاس، فلم يكتف بقوله: ~~(لا تأخذه سنة)، دون ذكر النوم، لئلا يتوهم أن السنة إنما لم تأخذه لضعفها، ~~ويتوهم أن النوم قد يأخذه لقوته، فجمع بينهما لنفي التوهمين، أو السنة في ~~الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب، تلخيصه هو منزه عن جميع ~~المفترات، ثم أكد نفي السنة والنوم بقوله: (له ما في السماوات وما في ~~الأرض) لأنه خلقهما بما فيهما، والمشاركة إنما تقع فيما فيهما، ومن يكن له ~~ما فيهما، فمحال نومه ومشاركته، إذ لو وجد شيء من ذلك لفسدتا بما فيهما. # وأيضا فإنه يلزم من نفي السنة نفي النوم أنه لم يقل: لا ينام، وإنما قال: ~~(لا تأخذه) PageV03P404 # يعنى لا تغلبه، فكأنه يقول: لا يغلبه القليل ولا الكثير من النوم. والأخذ ~~في اللغة بمعنى القهر والغلبة، ومنه سمى الأسير: مأخوذا وأخيذا. وزيدت " لا ~~" في قوله: (ولا نوم) لنفيهما عنه بكل حال، ولولاها لاحتمل أن يقال: لا ~~تأخذه سنة ولا نوم في حال واحدة، وإذا ذكرت صفات فإن كانت للمدح فالأولى ~~الانتقال فيها من الأدنى إلى الأعلى، ليكون المدح متزايدا بتزايد الكلام، ~~فيقولون: فقيه عالم، وشجاع باسل، وجواد فياض، ولا يعكسون هذا لفساد المعنى، ~~لأنه لو تقدم ms0798 الأبلغ لكان الثاني داخلا تحته، فلم يكن لذكره معنى، ولا يوصف ~~بالعالم بعد الوصف بالعلام. # وقد اختلف الأدباء في الوصف بالفاضل والكامل: أيهما أبلغ على ثلاثة ~~أقوال: # ثالثهما أنهما سواء. # قال الأقليشي: والحق أنك مهما نظرت إلى شخص، فوجدته مع شرف العقل والنفس ~~كريم الأخلاق والسجايا، معتدل الأفعال وصفته بالكمال، وإن وجدته وصل إلى ~~هذه الرتب بالكسب والمجاهدة وإماطة الرذائل وصفته بالفضل، وهذا يقتضي أنهما ~~متضادان، فلا يوصف الشخص الواحد بهما ألا بتجوز. # وقال ابن عبد السلام في قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة) إنما قدم ~~الغيب مع أن علم المغيبات أشرف من المشاهدات، والتمدح به أعظم، وعلم البيان ~~يقتضي تأخير الأمدح. وأجاب بأن المشاهدات له أكثر من الغائب عنا، والعلم ~~يشرف بكثرة متعلقاته، فكان تأخير الشهادة أولى. # وقوله الشيخ: إن المشاهدات له أكثر فيه نظر، بل في غيبه ما لا يحصى ~~(ويخلق PageV03P405 # مالا تعلمون)، وإنما الجواب أن الانتقال للأمدح ترق، فالمقصود هنا بيان ~~أن الغيب والشهادة في علمه سواء، فنزل الترقي في اللفظ منزلة ترق في ~~المعنى، لإفادة استوائهما في علمه تعالى. ويوضحه قوله تعالى: (سواء منكم من ~~أسر القول ومن جهر به) فصرح بالاستواء. # هذا كله في الصفات، وأما الموصوفات فعلى العكس من ذلك، فإنك تبدأ ~~بالأفضل، فتقول: قام الأمير ونائبه وكاتبه، قال تعالى: (والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها...) الآية، فقدم الخيل لأنها أحمد وأفضل من البغال، وقدم ~~البغال على الحمير لذلك أيضا. # فإن قلت: قاعدة الصفات منقوضة بالقاعدة الأخرى، وهي أنهم يقدمون الأهم ~~فالأهم في كلامهم كما نص عليه سيبويه وغيره. # وقال الشاعر: # أبي دهرنا إسعافنا في نفوسنا * وأسعفنا فيمن نحب ونكرم فقلت له نعماك ~~فيهم أتمها * ودع أمرنا إن المهم المقدم قلت: المراد بقوله: " فقدم الأهم ~~فالأهم " فيما إذا كانا شيئين متغايرين مقصودين، وأحدهما أهم من الآخر، ~~فإنه يقدم، وأما تأخر الأمدح في الصفات فذلك فيما إذا كانتا صفتين لشيء ~~واحد، فلو أخرنا الأمدح لكان تقديم الأول نوعا من العبث. # هذا كله في صفات المدح، فإن كانت للذم ms0799 فقد قالوا: ينبغي الابتداء بالأشد ~~ذما، كقوله تعالى: (من الشيطان الرجيم)، قال ابن النفيس: في كتاب ~~PageV03P406 # " طريق الفصاحة ": وهو عندي مشكل، ولم يذكر توجيهه. # وقال حازم في " منهاجه ": يبدأ في الحسن بما ظهور الحسن فيه أوضح، وما ~~النفس بتقديمه أعني، ويبدأ في الذم بما ظهور القبح فيه أوضح، والنفس ~~بالالتفات إليه أعني، ويتنقل في الشيء إلى ما يليه من المزية في ذلك، ويكون ~~بمنزلة المصور الذي يصور أولا ما حل من رسوم تخطيط الشيء، ثم ينتقل إلى ~~الأدق فالأدق. # فائدة نفى الاستطاعة قد يراد به نفي الامتناع، أو عدم إمكان وقوع الفعل ~~مع إمكانه، نحو هل تستطيع أن تكلمني؟ بمعنى هل تفعل ذلك وأنت تعلم أنه قادر ~~على الفعل؟ # وقد حمل قوله تعالى حكاية عن الحواريين: (هل يستطيع ربك) على المعنى ~~الأول، أي هل يجيبنا إليه؟ أو هل يفعل ربك؟ وقد علموا أن الله قادر على ~~الإنزال، وأن عيسى قادر على السؤال، وإنما استفهموا هل هنا صارف أو مانع؟. # وقوله: (فلا يستطيعون توصية). (فلا يستطيعون ردها). (فما اسطاعوا أن ~~يظهروه وما استطاعوا له نقبا. # وقد يراد به الوقوع بمشقة وكلفة كقوله تعالى: (لن تستطيع معي صبرا). ~~PageV03P407 # فائدة قوله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)، قالوا: المجاز يصح ~~نفيه بخلاف الحقيقة، لا يقال للأسد ليس بشجاع. # وأجيب بأن المراد بالرمي هنا المرتب عليه، وهو وصوله إلى الكفار، فالوارد ~~عليه السلب هنا مجاز لا حقيقة، والتقدير: وما رميت خلقا إذ رميت كسبا، أو ~~ما رميت انتهاء إذ رميت ابتداء، وما رميت مجازا إذ رميت حقيقة. PageV03P408 # اخراج الكلام مخرج الشك في اللفظ دون الحقيقة لضرب من المسامحة وحسم ~~العناد كقوله: (وإنا أو إياكم لعلي هدى أو في ضلال مبين)، وهو يعلم أنه على ~~الهدى، وأنهم على الضلال، لكنه أخرج الكلام مخرج الشك، تقاضيا ومسامحة، ولا ~~شك عنده ولا ارتياب. # وقوله: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين). # ونحوه 6 (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) أورده ms0800 ~~على طريق الاستفهام، والمعنى: هل يتوقع منكم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم ~~عليهم لما تبين لكم من المشاهد ولاح منكم في المخايل: (أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم) تهالكا على الدنيا؟ # وإنما أورد الكلام في الآية على طريق سوق غير المعلوم سياق غيره، ليؤديهم ~~التأمل في التوقع عمن يتصف بذلك إلى ما يجب أن يكون مسببا عنه من أولئك ~~الذين أصمهم الله وأعمى أبصارهم فيلزمهم به على ألطف وجه، إبقاء عليهم من ~~أن يفاجئهم به، وتأليفا لقلوبهم، ولذلك التفت عن الخطاب إلى الغيبة، تفاديا ~~عن مواجهتهم بذلك. # وقد يخرج الواجب في صورة الممكن، كقوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا). # (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده). PageV03P409 # و (عسى ربكم أن يرحمكم). # (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم). # وقد يخرج الإطلاق في صورة التقييد كقوله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط). # ومنه قوله تعالى حاكيا عن شعيب: (وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء ~~الله ربنا) فالمعنى لا يكون أبدا من حيث علقه بمشيئة الله، لما كان معلوما ~~أنه يشاؤه، إذ يستحيل ذلك على الأنبياء، وكل أمر قد علق بما لا يكون فقد ~~نفى كونه على أبعد الوجوه. # وقال قطرب: في الكلام تقديم وتأخير، والاستثناء من الكفار لا من شعيب، ~~والمعنى: لنخرجنك يا شعيب، والذين آمنوا معك من قريتنا، إلا أن يشاء الله ~~أن تعودوا في ملتهم. ثم قال تعالى حاكيا عن شعيب: (وما يكون لنا أن نعود ~~فيها)، على كل حال. # وقيل الهاء عائدة إلى القرية، لا إلى الله. PageV03P410 # الإعراض عن صريح الحكم كقوله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله)، أعرض عن ذكر مقدار الجزاء ~~والثواب، وذكر ما هو معلوم مشترك بين جميع أعمال البشر، تفخيما لمقدار ~~الجزاء، لما فيه من إبهام المقدار، وتنزيلا له منزلة ما هو غير محتاج إلى ~~بيانه، على حد " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله "، أعرض عن ms0801 ذكر الجزاء إلى ~~إعادة الشرط، تنبيها على عظم ما ينال، وتفخيما لبيان ما أتى به من العمل، ~~فصار السكوت عن مرتبة الثواب أبلغ من ذكرها. # وكقوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن ~~عملا)، وهذه الآية تتضمن الرجوع والبقاء والجمع، ألا تراه كيف رجع بعد ذكره ~~المبتدأ الذي هو الذين عن ذكر خبره إلى الشروع في كلام آخر، فبنى مبتدأ على ~~مبتدأ وجمع؟ والمعنى قوله: (إنا لا نضيع) من خبر المبتدأ الأول، وتقديره: ~~إنا لا نضيع أجرهم، لأنا لا نضيع أجر من أحسن عملا. PageV03P411 # الهدم وهو أن يأتي الغير بكلام يتضمن معنى، فتأتي بضده، فإنك قد هدمت ما ~~بناه المتكلم الأول، كقوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه) هدمه بقوله: (ما اتخذ الله من ولد)، وبقوله: (والله لا يحب ~~الظالمين)، وبقوله: (فلم يعذبكم بذنوبكم)، تقديره إن كنتم صادقين في ~~دعواكم. # ومنه: (وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله) هدمه ~~بقوله: (ذلك قولهم بأفواههم)، وقوله: (ما اتخذ الله من ولد). # ومنه: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله) هدمه بقوله: # (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)، أي في دعواهم الشهادة. PageV03P412 # التوسع منه الاستدلال بالنظر في الملكوت، كقوله تعالى: (إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها وبث فيها ~~من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم ~~يعقلون). # ويكثر ذلك في تقديرات العقائد الإلهية: لتتمكن في النفوس، كقوله: (أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيى الموتى)، وذلك بعد ذكر النطفة وتقلبها في مراتب ~~الوجود، وتطورات الخلقة. # وكقوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون). # ومنه التوسع في ترادف الصفات، كقوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه ~~موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ms0802 إذا أخرج يده لم يكد ~~يراها)، فإنه لو أريد اختصاره لكان: (أو كظلمات في بحر لجي) مظلم. # ومنه التوسع في الذم كقوله تعالى: (ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء ~~بنميم) إلى قوله: (على الخرطوم). PageV03P413 # التشبيه اتفق الأدباء على شرفه في أنواع البلاغة، وأنه إذا جاء في أعقاب ~~المعاني أفادها كمالا، وكساها حلة وجمالا، قال المبرد في " الكامل ": هو ~~جار في كلام العرب حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يبعد. # وقد صنف فيه أبو القاسم بن البنداري البغدادي كتاب " الجمان في تشبيهات ~~القرآن ". # [مباحث التشبيه] وفيه مباحث: # الأول في تعريفه وهو إلحاق شيء بذي وصف في وصفه. # وقيل: أن تثبت للمشبه حكما من أحكام المشبه به. # وقيل: الدلالة على اشتراك شيئين في وصف هو من أوصاف الشيء الواحد، كالطيب ~~في المسك، والضياء في الشمس، والنور في القمر. وهو حكم إضافي لا يرد إلا ~~بين الشيئين بخلاف الاستعارة. PageV03P414 # الثاني في الغرض منه وهو تأنيس النفس بإخراجها من خفي إلى جلي، وإدنائه ~~البعيد من القريب، ليفيد بيانا. # وقيل: الكشف عن المعنى المقصود مع الاختصار، فإنك إذا قلت: زيد أسد، كان ~~الغرض بيان حال زيد، وأنه متصف بقوة البطش والشجاعة وغير ذلك، إلا أنا لم ~~نجد شيئا يدل عليه سوى جعلنا إياه شبيها بالأسد، حيث كانت هذه الصفات مختصة ~~به، فصار هذا أبين وأبلغ من قولنا: زيد شهم شجاع قوى البطش ونحوه. # الثالث في أنه حقيقة أو مجاز والمحققون على أنه حقيقة، قال الزنجاني في " ~~المعيار ": التشبيه ليس بمجاز، لأنه معنى من المعاني، وله ألفاظ تدل عليه ~~وضعا، فليس فيه نقل اللفظ عن موضوعه، وإنما هو توطئة لمن سلك سبيل ~~الاستعارة والتمثيل، لأنه كالأصل لهما، وهما كالفرع له. # والذي يقع منه في حيز المجاز عند البيانيين هو الذي يجئ على حد ~~الاستعارة. # وتوسط الشيخ عز الدين، فقال: إن كان بحرف فهو حقيقة، أو بحذفه فمجاز، ~~بناء على أن الحذف من باب المجاز. PageV03P415 # الرابع في أدواته وهي أسماء، وأفعال، وحروف. # فالأسماء: مثل، ms0803 وشبه، ونحوهما، قال تعالى: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة ~~الدنيا كمثل ريح فيها صر). (مثل الفريقين كالأعمى). (وأتوا به متشابها) (إن ~~البقر تشابه علينا). # والأفعال كقوله: (يحسبه الظمآن ماء). (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى). # والحروف إما بسيطة كالكاف، نحو: (كرما اشتدت به الريح) (كدأب آل فرعون) ~~وإما مركبة، كقوله تعالى: (كان رؤوس الشياطين). # الخامس في أقسامه وهو ينقسم باعتبارات: # الأول أنه إما أن يشبه بحرف، أولا. # * * * وتشبيه الحرف ضربان: # أحدهما: يدخل عليه حرف التشبيه فقط، كقوله تعالى: (مثل نوره كمشكاة). # وقوله: (وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام). PageV03P416 # (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان). # (خلق الانسان من صلصال كالفخار). # (وحور عين. كأمثال اللؤلؤ المكنون). # (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض). # وثانيها: (أن يضاف إلى حرف التشبيه حرف مؤكد، ليكون ذلك علما على قوة ~~التشبيه وتأكيده، كقوله تعالى: (كأنهن الياقوت والمرجان). # (كأنهن بيض مكنون). # (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة). # (تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر). # (كأنهم أعجاز نخل خاوية). # فإن قيل: كيف استرسل أهل الجنة وقوله: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا ~~قالوا هذا الذي رزقنا من قبل)، ولا شك أنه ليس به، واحترزت بلقيس فقالت: # (كأنه هو)، ولم تقل: هو هو؟ # قيل: أهل الجنة وثقوا بأن الغرض مفهوم، وأن أحدا لا يعتقد في الحاضر أنه ~~عين المستهلك الماضي، وأما بلقيس فالتبس عليها الأمر، وظنت أنه يشبهه، ~~PageV03P417 # لأنها بنت على العادة، وهو أن السرير لا ينتقل من إقليم إلى آخر في طرفة ~~عين. # * * * وأما التشبيه بغير حرف، فيقصد به المبالغة، تنزيلا للثاني منزلة ~~الأول تجوزا، كقوله: # (وأزواجه أمهاتهم). # وقوله: (وسراجا منيرا). # وقوله: (وجنة عرضها السماوات والأرض). # وكذلك: (تمر مر السحاب). # وجعل الفارسي منه قوله تعالى: (قواريرا. قواريرا من فضة)، أي كأنها في ~~بياضها من فضة، فهو على التشبيه، لا على أن القوارير من فضة، بدليل قوله: ~~(بكأس من معين. بيضاء)، فقوله: (بيضاء) مثل قوله: (من فضة). # تنبيهان الأول: هذا القسم يشبه الاستعارة في بعض المواضع، والفرق بينهما ~~- كما قاله حازم ms0804 وغيره - أن الاستعارة، وإن كان فيها معنى التشبيه، فتقدير ~~حرف التشبيه لا يجوز فيها، والتشبيه بغير حرف على خلاف ذلك، لأن تقدير حرف ~~التشبيه واجب فيه. # وقال الرماني في قوله تعالى: (وآتينا ثمود الناقة مبصرة)، أي تبصر، لأنه ~~لا يجوز تقدير حرف التشبيه فيها. PageV03P418 # وقد اختلف البيانيون في نحو قوله تعالى: (صم بكم عمي)، إنه تشبيه بليغ أو ~~استعارة؟ والمحققون - كما قاله الزمخشري - على الأول، قال: لأن المستعار له ~~مذكور - وهم المنافقون -، أي مذكور في تقدير الآية، والاستعارة لا يذكر ~~فيها المستعار له، ويجعل الكلام خلوا عنه، بحيث يصلح لأن يراد به المنقول ~~عنه و [المنقول] إليه، لولا القرينة، ومن ثم ترى المفلقين السحرة [منهم ~~كأنهم] يتناسون التشبيه ويضربون عنه صفحا. # وقال السكاكي: لأن من شرط الاستعارة إمكان حمل الكلام على الحقيقة في ~~الظاهر، وتناسي التشبيه، وزيد أسد لا يمكن كونه حقيقة، فلا يجوز أن يكون ~~استعارة. # * * * الثاني: قد يترك التشبيه لفظا ويراد معنى، إذ لو لم يرد معنى ولم ~~يكن منويا، كان استعارة. # مثاله قوله تعالى: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر)، فهذا تشبيه لا استعارة، لذكر الطرفين: الخيط الأسود، وهو ما يمتد ~~معه من غسق الليل شبيها بخيط أسود وأبيض، وبينا بقوله: (من الفجر) والفجر - ~~وإن كان بيانا للخيط الأبيض - لكن لما كان أحدهما بيانا للآخر لدلالته ~~عليه، اكتفى به عنه، ولولا البيان كان من باب الاستعارة، كما أن قولك: رأيت ~~أسدا، استعارة، فإذا زدت " من فلان " صار تشبيها، وأما أنه لم زيد (من ~~الفجر) حتى صار تشبيها؟ وهلا اقتصر به PageV03P419 # على الاستعارة التي هي أبلغ! فلأن شرط الاستعارة أن يدل عليه الحال، ولو ~~لم يذكر (من الفجر) لم يعلم أن الخيطين مستعاران من " بدا الفجر "، فصار ~~تشبيها. # التقسيم الثاني ينقسم باعتبار طرفيه إلى أربعة أقسام، لأنهما: # إما حسيان، كقوله تعالى: (حتى عاد كالعرجون القديم)، وقوله: (كأنهم أعجاز ~~نخل منقعر). # أو عقليان، كقوله تعالى: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد ms0805 ~~قسوة). # وإما تشبيه المعقول بالمحسوس، كقوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون ~~الله أولياء كمثل العنكبوت)، وقوله: (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح)، وقوله: (كمثل الحمار يحمل أسفارا)، لأن حملهم التوراة ليس ~~كالحمل على العاتق، إنما هو القيام بما فيها. # وأما عكسه فمنعه الإمام، لأن العقل مستفاد من الحس، ولذلك قيل: من فقد ~~حسا فقد فقد علما، وإذا كان المحسوس أصلا للمعقول فتشبيهه به يستلزم جعل ~~الأصل فرعا والفرع أصلا، وهو غير جائز. PageV03P420 # وأجازه غيره كقوله: # وكأن النجوم بين دجاه * سنن لاح بينهن ابتداع * * * وينقسم باعتبار آخر ~~إلى خمسة أقسام: # الأول: قد يشبه ما تقع عليه الحاسة بما لا تقع، اعتمادا على معرفة النقيض ~~والضد، فإن إدراكهما أبلغ من إدراك الحاسة، كقوله تعالى: (كأنه رؤوس ~~الشياطين)، فشبه بما لا نشك أنه منكر قبيح، لما حصل في نفوس الناس من بشاعة ~~صور الشياطين، وإن لم ترها عيانا. # الثاني: عكسه، كقوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب)، أخرج مالا يحس ~~- وهو الإيمان - إلى ما يحس - وهو السراب - والمعنى الجامع بطلان التوهم ~~بين شدة الحاجة وعظم الفاقة. # الثالث: اخراج ما لم تجر العادة به إلى ما جرت به، نحو: (وإذ نتقنا الجبل ~~فوقهم كأنه ظلة)، والجامع بينهما الانتفاع بالصورة. وكذا قوله: (إنما مثل ~~الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء)، والجامع البهجة والزينة، ثم ~~الهلاك، وفيه العبرة. # الرابع: اخراج ما لا يعرف بالبديهة، إلى ما يعرف بها، كقوله: (وجنة عرضها ~~السماوات والأرض)، الجامع العظم، وفائدته التشويق إلى الجنة بحسن الصفة. ~~PageV03P421 # الخامس: اخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ماله قوة فيها، كقوله: (وله ~~الجوار المنشآت في البحر كالأعلام)، والجامع فيهما العظم، والفائدة البيان ~~عن القدرة على تسخير الأجسام العظام في أعظم ما يكون من الماء. # وعلى هذه الأوجه تجري تشبيهات القرآن. # التقسيم الثالث ينقسم إلى مفرد ومركب: # والمركب أن ينزع من أمور مجموع بعضها إلى بعض، كقوله تعالى: (كمثل الحمار ~~يحمل أسفارا)، فالتشبيه مركب من أحوال الحمار، وذلك هو حمل الأسفار ms0806 التي هي ~~أوعية العلم، وخزائن ثمرة العقول، ثم لا يحسن ما فيها، ولا يفرق بينها وبين ~~سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء، فليس له مما يحمل حظ سوى أنه يثقل ~~عليه ويتعبه. # وقوله: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا). # وقوله: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء)، قال ~~بعضهم: شبه الدنيا بالماء، ووجه الشبه أمران: أحدهما أن الماء إذا أخذت منه ~~فوق حاجتك تضررت، وإن أخذت قدر الحاجة انتفعت به، فكذلك الدنيا. وثانيهما ~~أن الماء إذا أطبقت كفك عليه لتحفظه لم يحصل فيه شيء، فكذلك الدنيا، وليس ~~المراد تشبيهها بالماء وحده، بل المراد تشبيهه بهجة الدنيا في قلة البقاء ~~والدوام بأنيق النبات الذي يصير بعد تلك البهجة والغضاضة والطراوة إلى ما ~~ذكر. PageV03P422 # ومن تشبيه المفرد بالمركب قوله: (مثل نوره كمشكاة)، فإنه سبحانه أراد ~~تشبيه نوره الذي يلقيه في قلب المؤمن، ثم مثله بمصباح، ثم لم يقنع بكل ~~مصباح، بل بمصباح اجتمعت فيه أسباب الإضاءة، بوضعه في مشكاة، وهي الطاقة ~~غير النافذة، وكونها لا تنفذ، لتكون أجمع للتبصر، وقد جعل فيها مصباح في ~~داخل زجاجة، فيه الكوكب الدري في صفائها، ودهن المصباح من أصفى الأدهان ~~وأقواها وقودا، لأنه من زيت شجر في أوسط الزجاج لا شرقية ولا غربية، فلا ~~تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار بل تصيبها أعدل إصابة. # وهذا مثل ضربه الله للمؤمن، ثم ضرب للكافر مثلين: أحدهما: (كسراب بقيعة)، ~~والثاني: (كظلمات في بحر لجي) شبه في الأول ما يعلمه من لا يقدر الإيمان ~~المعتبر بالأعمال التي يحسبها بقيعة، ثم يخيب أمله، بسراب يراه الكافر ~~بالساهرة، وقد غلبه عطش يوم القيامة، فيجيئه فلا يجده ماء، ويجد زبانية ~~الله عنده، فيأخذونه فيلقونه إلى جهنم. # البحث السادس ينتظم قواعد تتعلق بالتشبيه الأولى: قد تشبه أشياء بأشياء، ~~ثم تارة يصرح بذكر المشبهات، كقوله تعالى: PageV03P423 # (وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ)، ~~وتارة لا يصرح به بل يجئ مطويا على سنن الاستعارة، ms0807 كقوله: (وما يستوي ~~البحران هذا عذاب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج)، (ضرب الله مثلا رجلا فيه ~~شركاء متشاكسون....) الآية. # قال الزمخشري: والذي عليه علماء البيان أن التمثيلين جميعا من جملة ~~التمثيلات المركبة لا المفردة، بيانه أن العرب تأخذ أشياء فرادى [معزولا ~~بعضها من بعض، لم يأخذ هذا بحجزة ذاك] فتشبهها بنظائرها كما ذكرنا، وتشبه ~~كيفية حاصلة من مجموع أشياء تضامت حتى صارت شيئا واحدا بأخرى، كقوله تعالى: ~~(مثل الذين حملوا التوراة...) الآية. # ونظائره من حيث اجتمعت تشبيهات، كما في تمثيل الله حال المنافقين أول ~~سورة البقرة، قال الزمخشري: وأبلغه الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة، وشدة ~~الأمر وفظاعته، ولذلك أخر، قال: وهم يتدرجون في نحو هذا، من الأهون إلى ~~الأغلظ. # * * * الثانية: أعلى مراتب التشبيه في الأبلغية ترك وجه الشبه وأداته، ~~نحو زيد أسد، أما ترك وجهه وحده، فكقوله: زيد كالأسد، وأما ترك أداته ~~وحدها، فكقوله زيد الأسد شدة. # وفى كلام صاحب " المفتاح " إشارة إلى أن ترك وجه الشبه أبلغ من ترك ~~أداته، قال: لعموم وجه الشبه. PageV03P424 # وخالفه صاحب " ضوء المصباح " لأنه إذا عم واحتمل التعدد، ولم تبق دلالته ~~على ما به الاشتراك دلالة منطوق بل دلالة مفهوم، فيحتمل أن يكون ما به ~~الاشتراك صفة ذم لا مدح، وهو غير لازم في ترك الأداة، إلا أن يقال: يلزم ~~مثله من تركها، لأن قرينة ترك الأداة، تصرف إرادة المدح دون الذم. # وذكرهما كقولك: زيد كالأسد شدة. # * * * الثالثة: قد تدخل الأداة على شيء وليس هو عين المشبه، ولكنه ملتبس ~~به، واعتمد على فهم المخاطب، كما قال تعالى: (كونوا أنصار الله كما قال ~~عيسى ابن مريم...) الآية، المراد: كونوا أنصار الله خالصين في الانقياد، ~~كشأن مخاطبي عيسى إذ قالوا. # ومما دل على السياق قوله تعالى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة)، وفيه ~~زيادة، وهو تشبيه الخارق بالمعتاد. # * * * الرابعة: إذا كانت فائدته، إنما هي تقريب الشبه في فهم السامع ~~وإيضاحه له، فحقه أن يكون وجه الشبه في المشبه به أتم، والقصد التنبيه ~~بالأدنى على ms0808 الأعلى، مثل قياس النحوي، ولا سيما إذا كان الدنو جدا أو العلو ~~جدا، وعليه بني المعري قوله: # ظلمناك في تشبيه صدغيك بالمسك * وقاعدة التشبيه نقصان ما يحكى وقول آخر: # كالبحر والكاف أني ضفت زائدة * فيه فلا تظننها كاف تشبيه PageV03P425 # وأما قوله تعالى: (مثل نوره كمشكاة) فيمكن أن يكون المشبه به أقوى، لكونه ~~في الذهن أوضح، إذ الإحاطة به أتم. # وأما قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم)، فهو من تشبيه الغريب ~~بالأغرب، لأن خلق آدم من خلق عيسى ليكون أقطع للخصم، وأوقع في النفس. وفيه ~~دليل على جواز القياس، وهو رد فرع إلى أصل لشبه ما، لأن عيسى رد إلى آدم ~~لشبه بينهما، والمعنى أن آدم خلق من تراب ولم يكن له أب ولا أم، فكذلك خلق ~~عيسى من غير أب. # وقوله: (كأنهم خشب مسندة) شبههم بالخشب، لأنه لا روح فيها، وبالمسندة ~~لأنه لا انتفاع بالخشب في حال تسنيده. # * * * الخامسة: الأصل دخول أداة التشبيه على المشبه به، وهو الكامل، ~~كقولك: # ليس الفضة كالذهب، وليس العبد كالحر، وقد تدخل على المشبه لأسباب: # منها وضوح الحال، كقوله تعالى: (وليس الذكر كالأنثى)، فإن الأصل وليس ~~الأنثى كالذكر، وإنما عدل عن الأصل، لأن معنى: (وليس الذكر) الذي طلبت ~~(كالأنثى) التي وهبت لها، لأن الأنثى أفضل منه. وقيل: لمراعاة الفواصل، لأن ~~قبله: (إني وضعتها أنثى). # ووهم ابن الزملكاني في " البرهان " حيث زعم أن هذا من التشبيه المقلوب، ~~وليس كذلك لما ذكرنا من المعنى. PageV03P426 # وقيل: لما كان جعل الفرع أصلا والأصل فرعا في التشبيه في حالة الإثبات ~~يقتضى المبالغة في التشبيه، كقولهم: القمر كوجه زيد، والبحر ككفيه، كان جعل ~~الأصل فرعا والفرح أصلا في كماله الذي يقتضى نفي المبالغة في المشابهة، لا ~~نفي المشابهة، وذلك هو المقصود هنا، لأن المشابهة واقعة بين الذكر والأنثى ~~في أعم الأوصاف وأغلبها، ولهذا يقاد أحدهما بالآخر. # ومنها قصد المبالغة، فيقلب التشبيه، ويجعل المشبه هو الأصل ويسمى تشبيه ~~العكس، لاشتماله على جعل المشبه مشبها به، والمشبه به مشبها، كقوله ms0809 تعالى: ~~(قالوا إنما البيع مثل الربا) كان الأصل أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع، ~~لأن الكلام في الربا لا في البيع، لكن عدلوا عن ذلك وتجرأوا، إذ جعلوا ~~الربا أصلا ملحقا به البيع في الجواز، وأنه الخليق بالحل. # ويحتمل أن يكون المراد إلزام الاسلام، فيحرم البيع قياسا على الربا، ~~لاشتماله على الفضل طردا لأصلهم، وهو في المعنى نقض على علة التحريم، ~~ويؤيده قوله تعالى: # (وأحل الله البيع وحرم الربا)، وفيه إشارة إلى أن الواجب اتباع أحكام ~~الله واقتفاؤها من غير تعرض لإجرائها على قانون واحد، وأن الأسرار الإلهية ~~كثيرا ما تخفى، وهو أعلم بمصالح عباده فيسلم له عنان الانقياد، وأنهم جعلوا ~~ذلك من باب إلزام الجدلي، وجاء الجواب بفك الملازمة، وأن الحكمة فرقت ~~بينهما. وفيه إبطال القياس في مقابلة النص. # ومنه قوله تعالى: (أفمن يخلق كمن لا يخلق)، فإن الظاهر العكس، لأن ~~PageV03P427 # الخطاب لعبدة الأوثان، وسموها آلهة تشبيها بالله سبحانه، وقد جعلوا غير ~~الخالق، مثل الخالق فخولف في خطابهم، لأنهم بالغوا في عبادتهم وغلوا، حتى ~~صارت عندهم أصلا في العبادة، والخالق سبحانه فرعا، فجاء الإشكال على وفق ~~ذلك. # والظاهر أنهم لما قاسوا غير الخالق خوطبوا بأشد الإلزامين، وهو تنقيص ~~المقدس لا تقديس الناقص. # قال السكاكي: وعندي أن المراد ب‍ " من لا يخلق " الحي القادر من الخلق ~~تعريضا بإنكار تشبيه الأصنام بالله تعالى من طريق الأولى. وجعل منه قوله ~~تعالى: # (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) بدل " هواه إلهه "، فإنه جعل المفعول الأول ~~ثانيا والثاني أولا، للتنبيه على أن الهوى أقوى وأوثق عنده من إلاهه. # ومنه قوله تعالى: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين). # وقوله: (أم نجعل المتقين كالفجار)، فإن بعضهم أورد أن أصل التشبيه أن ~~يشبه الأدنى بالأعلى فيقال: " أفتجعل المجرمين كالمسلمين، والفجار كالمتقين ~~" فلم خولفت القاعدة!. # ويقال: فيه وجهان: # أحدهما: أن الكفار كانوا يقولون: نحن نسود في الآخرة، كما نسود في الدنيا ~~ويكونون أتباعا لنا، فكما أعزنا الله في هذه الدار يعزنا في الآخرة، فجاء ~~الجواب على معتقدهم أنهم أعلى، وغيرهم أدنى. # الثاني: ms0810 لما قيل قبل الآية: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ~~ذلك PageV03P428 # ظن الذين كفروا)، أي يظنون أن الأمر يهمل، وأن لا حشر ولا نشر، أم لم ~~يظنوا ذلك ولكن يظنون أنا نجعل المؤمنين كالمجرمين، والمتقين كالفجار. # * * * السادسة: أن التشبيه في الذم يشبه الأعلى بالأدنى، لأن الذم مقام ~~الأدنى، والأعلى ظاهر عليه فيشبه به في السلب، ومنه قوله: (يا نساء النبي ~~لستن كأحد من النساء)، أي في النزول لا في العلو. # ومنه: (أم نجعل المتقين كالفجار) أي في سوء الحال، وإذا كان في المدح ~~يشبه الأدنى بالأعلى فيقال: تراب كالمسك وحصى كالياقوت، وفي الذم مسك ~~كالتراب وياقوت كالزجاج. # * * * السابعة: قد يدخل التشبيه على لفظ وهو محذوف لامتناع ذلك، لأنه ~~بسبب المحذوف كقوله تعالى: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع). # فإن التقدير: ومثل واعظ الذين كفروا، فالمشبه الواعظ، والمقصود تشبيه حال ~~الواعظ منهم بالناعق للأغنام، وهي لا تعقل معنى دعائه وإنما تسمع صوته ولا ~~تفهم غرضه، وإنما وقع التشبيه على الغنم التي ينعق بها الراعي، ويمد صوته ~~إليها، وفيه وجوه: # أحدها: أن المعنى: مثل الذين كفروا كمثل الغنم لا تفهم نداء الناعق، ~~فأضاف المثل إلى الناعق، وهو في المعنى للمنعوق به، على القلب. # ثانيها: ومثل الذين كفروا ومثلنا ومثلك، كمثل الذي ينعق، أي مثلهم في ~~الإعراض PageV03P429 # ومثلنا في الدعاء والإرشاد، كمثل الناعق بالغنم، فحذف المثل الثاني ~~اكتفاء بالأول، كقوله: # (سرابيل تقيكم الحر). # وثالثها: أن المعنى: ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام - وهي لا تعقل ~~ولا تسمع - كمثل الذي ينعق بما لا يسمع، وعلى هذا فالنداء والدعاء منتصبان ~~ب‍ " ينعق " و " لا " توكيد للكلام، ومعناها الإلغاء. # رابعها: أن المعنى ومثل الذين كفروا في دعائهم الأصنام وعبادتهم لها ~~واسترزاقهم إياها، كمثال الراعي الذي ينعق بغنمه ويناديها، فهي تسمع نداء ~~ولا تفهم معنى كلامه، فيشبه من يدعوه الكفار من المعبودات من دون الله ~~بالغنم من حيث لا تعقل الخطاب. # وهذا قريب من الذي قبله، ويفترقان في أن الأول يقتضي ضرب المثل ms0811 بما لا ~~يسمع الدعاء والنداء جملة، ويجب صرفه إلى غير الغنم، وهذا يقتضي ضرب المثل ~~بما لا يسمع الدعاء والنداء جملة، وإن لم يفهمهما، والأصنام - من حيث كانت ~~لا تسمع الدعاء جملة - يجب أن يكون داعيها وناديها أسوأ حالا من منادى ~~الغنم. ذكر ذلك الشريف المرتضى في كتاب " غرر الفوائد ". # ومنه قوله تعالى: (كمثل ريح فيها صر...) الآية، وإنما وقع التشبيه على ~~الحرث الذي أهلكته الريح، قيل فيه إضمار، أي مثل إهلاك ما ينفقون كمثل ~~إهلاك ريح. # قال ثعلب: فيه تقديم وتأخير، أي كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم أصابته ريح ~~فيها صر فأهلكته. PageV03P430 # وأما قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله)، فإن التقدير: كما يحب المؤمنون الله، قال: وحذف الفاعل، لأنه غير ~~ملتبس. # واعترض عليه بأنه لا حاجة لذلك، فإن المعنى حاصل بتقديره مبنيا للفاعل. # وأجيب بأنه تقدير معنى، لكن محافظة على اللفظ فلا يقدر الفاعل، إذ الفاعل ~~في باب المصدر فضلة، فلذلك جعله كذلك في التقدير. PageV03P431 # الاستعارة هي من أنواع البلاغة، وهي كثيرة في القرآن، ومنهم من أنكره، ~~بناء على إنكار المجاز في القرآن، والاستعارة مجاز، وقد سبق تقديره. ومنع ~~القاضي عبد الوهاب المالكي إطلاق لفظ الاستعارة فيه، لأن فيها إيهاما ~~للحاجة، وهكذا كما منع بعضهم لفظي القرآن مخلوق، وهو لا ينكر وقوع المجاز، ~~والاستعارة فيه إنما توقف على إذن الشرع. # ولا شك أن المجوزين للإطلاق شرطوا عدم الإبهام، وقد يمنعون الإبهام ~~المذكور لأنه في الاصطلاح اسم لأعلى مراتب الفصاحة. # وقال الطرطوسي: إن أطلق المسلمون الاستعارة فيه أطلقناها وإن امتنعوا ~~امتنعنا، ويكون هذا من قبيل أن الله تعالى عالم، والعلم هو العقل، ثم لا ~~نصفه به لعدم التوقيف. انتهى. # والمشهور تجويز الإطلاق. # [مباحث الاستعارة] ثم فيها مباحث: # الأول وهي " استفعال "، من العارية، ثم نقلت إلى نوع من التخييل لقصد ~~المبالغة PageV03P432 # في التخييل والتشبيه مع الإيجاز، نحو لقيت أسدا، وتعنى به الشجاع. # وحقيقتها أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف ms0812 بها، وحكمة ~~ذلك إظهار الخفي وإيضاح الظاهر الذي ليس بجلي، أو بحصول المبالغة أو ~~للمجموع. # فمثال إظهار الخفي قوله تعالى: (وإنه في أم الكتاب)، فإن حقيقته أنه في ~~أصل الكتاب، فاستعير لفظ " الأم " للأصل، لأن الأولاد تنشأ من الأم، كما ~~تنشأ الفروع من الأصول. وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئي حتى يصير مرئيا، ~~فينتقل السامع من حد السماع إلى حد العيان، وذلك أبلغ في البيان. # ومثال إيضاح ما ليس بجلي ليصير جليا، قوله تعالى: (واخفض لهما جناح ~~الذل)، لأن المراد أمر الولد بالذل لوالديه رحمة، فاستعير للولد أولا جانب، ~~ثم للجانب جناح، وتقدير الاستعارة القريبة: واخفض لهما جانب الذل، أي اخفض ~~جانبك ذلا. # وحكمة الاستعارة في هذا جعل ما ليس بمرئي مرئيا، لأجل حسن البيان، ولما ~~كان المراد خفض جانب الولد للوالدين، بحيث لا يبقى الولد من الذل لهما ~~والاستكانة مركبا، احتيج من الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى، فاستعير ~~الجناح، لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجناح، لأن من ميل جانبه ~~إلى جهة السفل أدنى ميل، صدق عليه أنه خفض جانبه، والمراد خفض يلصق الجنب ~~بالإبط، ولا يحصل ذلك إلا بخفض الجناح كالطائر، وأما قول أبي تمام: # لا تسقني ماء الملام فإنني * صب قد استعذبت ماء بكائي فيقال: إنه أرسل ~~إليه قارورة، وقال: ابعث إلى فيها شيئا من ماء الملام، فأرسل PageV03P433 # أبو تمام: أن ابعث لي ريشة من جناح الذل أبعث إليك من ماء الملام. # وهذا لا يصح له تعلق به، والفرق بين التشبيهين ظاهر، لأنه ليس جعل الجناح ~~للذل كجعل الماء للملام، فإن الجناح للذل مناسب، فإن الطائر إذا وهي وتعب ~~بسط جناحه وألقى نفسه إلى الأرض. وللإنسان أيضا جناح، فإن يديه جناحاه، ~~وإذا خضع واستكان يطأطئ من رأسه، وخفض من بين يديه، فحسن عند ذلك جعل ~~الجناح للذل، وصار شبها مناسبا. وأما ماء الملام فليس كذلك في مناسبة ~~التشبيه، فلذلك استهجن منه. على أنه قد يقال: إن الاستعارة التخييلية فيه ~~تابعة للاستعارة بالكناية، ms0813 فإن تشبيه الملام بظرف الشراب لاشتماله على ما ~~يكرهه الشارب لمرارته، ثم استعار الملام له كمائه، ثم يخرج منه شيء يشبه ~~بالماء، فالاستعارة في اسم الماء. # الثاني في أنها قسم من أقسام المجاز، لاستعمال اللفظ في غير ما وضع له. # وقال الإمام فخر الدين: ليس بمجاز لعدم النقل. وفي الحقيقة هي تشبيه ~~محذوف الأداة لفظا وتقديرا، ولهذا حدها بعضهم بادعاء معنى الحقيقة في ~~الشيء، مبالغة في " التشبيه، كقولهم: انشقت عصاهم، إذا تفرقوا، وذلك للعصا ~~لا للقوم، ويقولون: كشفت الحرب عن ساق. # ويفترقان في أن التشبيه إذا ذكرت معه الأداة فلا خفاء أنه تشبيه، وإن ~~حذفت فهذا يلتبس بالاستعارة، فإذا ذكرت المشبه كقولك: زيد الأسد فهذا تشبيه ~~بليغ، كقوله تعالى: (صم بكم عمي)، وإن لم يذكر المشبه به فهو استعارة، ~~كقوله: # لدى أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم PageV03P434 # فهذه استعارة نقلت لها وصف الشجاع، إلى عبارة صالحة للأسد، لولا قرينة ~~السلاح لشككت: هل أراد الرجل الشجاع أو الأسد الضاري؟ # الثالث لا بد فيها من ثلاثة أشياء أصول: مستعار، ومستعار منه، وهو اللفظ، ~~ومستعار له وهو المعنى، ففي قوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا) المستعار ~~الاشتعال، والمستعار منه النار، والمستعار له الشيب، والجامع بين المستعار ~~منه والمستعار له مشابهة ضوء النهار لبياض الشيب. # وفائدة ذلك وحكمته وصف ما هو أخفى بالنسبة إلى ما هو أظهر. وأصل الكلام ~~أن يقال: واشتعل شيب الرأس، وإنما قلب للمبالغة لأنه يستفاد منه عموم الشيب ~~لجميع الرأس، ولو جاء الكلام على وجهه لم يفد ذلك العموم. ولا يخفى أنه ~~أبلغ من قولك: كثر الشيب في الرأس، وإن كان ذلك حقيقة المعنى، والحق أن ~~المعنى يعار، أولا ثم بواسطته يعار اللفظ، ولا تحسن الاستعارة إلا حيث كان ~~الشبه مقررا بينهما ظاهرا، وإلا فلا بد من التصريح بالشبه، فلو قلت: رأيت ~~نخلة أو خامة وأنت تريد مؤمنا إشارة إلى قوله: " مثل المؤمن كمثل النخلة " ~~أو " الخامة " لكنت كالملغز. # ومن أحسن الاستعارة قوله تعالى: (والصبح إذا تنفس)، وحقيقته ms0814 " بدأ ~~انتشاره "، و " تنفس " أبلغ، فإن ظهور الأنوار في المشرق من أشعة الشمس ~~قليلا قليلا، بينه وبين اخراج النفس مشاركة شديدة. PageV03P435 # وقوله: (الليل نسلخ منه النهار) لأن انسلاخ الشيء عن الشيء أن يبرأ منه، ~~ويزول عنه حالا فحالا، كذلك انفصال الليل عن النهار، والانسلاخ أبلغ من ~~الانفصال لما فيه من زيادة البيان. # وقوله: (أحاط بهم سرادقها). # (سنسمه على الخرطوم). # وقوله 6 (كأنهم حمر مستنفرة)، ويقولون للرجل المذموم: إنما هو حمار. # وقوله: (والتفت الساق بالساق). # (أئنا لمردودون في الحافرة)، أي في الخلق الجديد. # (بل ران على قلوبهم). # (خلقنا الانسان في كبد). # (لنسفعا بالناصية). # (وامرأته حمالة الحطب). # (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين). # (ويتخطف الناس من حولهم). PageV03P436 # ألم تر أنهم في كل واد يهيمون). # (ألا إنما طائرهم عند الله)، والمراد حفظهم وما يحصل لهم. # وقوله تعالى: (أقم الصلاة)، أي أتمها كما أمرت. # (إن ربك أحاط بالناس)، أي عصمك منهم، رواه شعبة عن أبي وجاء عن الحسن. # (وإنه في أم الكتاب). # (وعنده مفاتيح الغيب). # (ولما سكت عن موسى الغضب). # (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة). # (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)، فالدمغ والقذف مستعار. # (فضربنا على آذانهم)، يريد لا إحساس بها، من غير صمم. # وقوله: (فاصدع بما تؤمر)، فإنه أبلغ من " بلغ "، وإن كان بمعناه، لأن ~~تأثير الصدع أبلغ من تأثير التبليغ، فقد لا يؤثر التبليغ، والصدع يؤثر ~~جزما. PageV03P437 # الرابع تنقسم إلى مرشحة - وهي أحسنها - وهي أن تنظر إلى جانب المستعار ~~وتراعيه، كقوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت ~~تجارتهم)، فإن المستعار منه الذي هو الشراء هو المراعي هنا، وهو الذي رشح ~~لفظتي الربح والتجارة للاستعارة، لما بينهما من الملاءمة. # وإلى تجريدية، وهي أن تنظر إلى جانب المستعار له، ثم تأتي بما يناسبه ~~ويلائمه، كقوله تعالى: (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف)، فالمستعار ~~اللباس، والمستعار له الجوع، فمجرد الاستعارة، بذكر لفظ الأداة المناسبة ~~للمستعار له وهو الجوع، لا المستعار وهو اللباس، ولو أراد ترشيحها لقال: ~~وكساها ms0815 لباس الجوع. وفي هذه الآية مراعاة المستعار له، الذي هو المعنى، وهو ~~الجوع والخوف، لأن ألمهما يذاق ولا يلبس. # وقد تجئ ملاحظة المستعار الذي هو اللفظ، كقوله تعالى: (وامرأته حمالة ~~الحطب)، إذا حملنا الحطب على النميمة، فاعتبر اللفظ فقال: " حمالة " ولم ~~يقل: " راوية " فيلاحظ المعنى. # وأما الاستعارة بالكناية فهي ألا يصرح بذكر المستعار، بل تذكر بعض لوازمه ~~تنبيها به عليه، كقوله: شجاع يفترس أقرانه، وعالم يغترف منه الناس، تنبيها ~~على أن الشجاع أسد والعالم بحر. # ومنه المجاز العقلي كله عند السكاكي. PageV03P438 # ومن أقسامها - وهو دقيق - أن يسكت عن ذكر المستعار ثم يومي إليه بذكر شيء ~~من توابعه وروادفه، تنبيها عليه، فيقول: شجاع يفترس أقرانه، فنبهت ~~بالافتراس على أنك قد استعرت له الأسد. # ومنه قوله تعالى: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه)، فنبه بالنقض ~~الذي هو من توابع الحبل وروادفه، على أنه قد استعار للعهد الحبل لما فيه من ~~باب الوصلة بين المتعاهدين. # ومنها قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا)، ~~لأن حقيقته " عملنا " لكن (قدمنا) أبلغ، لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة ~~القادم من سفره، لأنه من أجل إمهالهم السابق عاملهم، كما يفعل الغائب عنهم ~~إذا قدم فرآهم على خلاف ما أمر به. وفي هذا تحذير من الاغترار بالإمهال. # وقوله: (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية)، لأن حقيقة " طغى " علا، ~~والاستعارة أبلغ، لأن " طغى "، علا قاهرا. # وكذلك: (بريح صرصر عاتية)، لأن لأن حقيقة " عاتية " شديدة، والعتو أبلغ، ~~لأنه شدة فيها تمرد. # وقوله: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك...)، الآية، وحقيقته: لا تمنع ما ~~تملك كل المنع، والاستعارة أبلغ، لأنه جعل منع النائل بمنزلة غل اليدين إلى ~~العنق، وحال الغلول أظهر. PageV03P439 # وقوله تعالى: (وأخرجت الأرض أثقالها)، قيل: أخرجت ما فيها من الكنوز. # وقيل: يحيى به الموتى، وأنها أخرجت موتاها، فسمى الموتى ثقلا تشبيها ~~بالحمل الذي يكون في البطن، لأن الحمل يسمى ثقلا، قال تعالى: (فلما أثقلت). # ومنها: جعل الشيء للشيء وليس له من طريق الادعاء ms0816 والإحاطة به نافعة في ~~آيات الصفات، كقوله تعالى: (تجرى بأعيننا). # وقوله: (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه). # ويسمى التخييل: قال الزمخشري: ولا تجد بابا في علم البيان أدق ولا أعون ~~في تعاطى المشبهات منه، وأما قوله تعالى: (كأنه رؤوس الشياطين) قال الفراء: ~~فيه ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه جعل طلعها رؤوس الشياطين في القبح. # والثاني: أن العرب تسمى بعض الحيات شيطانا، وهو ذو القرن. # والثالث: أنه شوك قبيح المنظر، يسمى رؤوس الشياطين. # فعلى الأول يكون تخييلا، وعلى الثاني يكون تشبيها مختصا. # تقسيم آخر الاستعارة فرع التشبيه، فأنواعها كأنواعه خمسة: # * * * PageV03P440 # الأول: استعارة حسي لحسي بوجه لحسي، كقوله تعالى: (واشتعل الرأس شيبا)، ~~فإن المستعار منه هو النار، والمستعار له هو الشيب، والوجه هو الانبساط، ~~فالطرفان حسيان والوجه أيضا حسي، وهو استعارة بالكناية، لأنه ذكر التشبيه، ~~وذكر المشبه وذكر المشبه به مع لازم من لوازم المشبه به، وهو الاشتعال. # وقوله: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض)، أصل الموج حركة المياه، ~~فاستعمل في حركتهم على سبيل الاستعارة. # * * * الثاني: حسي لحسي بوجه عقلي، كقوله تعالى: (أرسلنا عليهم الريح ~~العقيم) فالمستعار له الريح والمستعار منه المرأة، وهما حسيان، والوجه ~~المنع من ظهور النتيجة، والأثر وهو عقلي وهو أيضا استعارة بالكناية. # قال في الإيضاح: وفيه نظر، لأن العقيم صفة للمرأة لا اسم لها، ولهذا جعل ~~صفة للريح، لا اسما. والحق أن المستعار منه ما في المرأة من الصفة التي ~~تمنع من الحبل والمستعار له ما في الريح من الصفة التي تمنع من إنشاء مطر ~~وإلقاح شجر [والجامع لهما ما ذكر]. # وهو مندفع بالعناية، لأن المراد من قوله: " المستعار منه " المرأة التي ~~عبر عنها بالعقيم، ذكرها السكاكي بلفظ ما صدق عليه. # ومنه قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار)، المستعار له ظلمة ~~النهار من ظلمة الليل، والمستعار منه ظهور المسلوخ عند جلدته، والجامع عقلي ~~وهو ترتب أحدهما على الآخر. PageV03P441 # وقوله: (فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس)، أصل الحصيد النبات والجامع ~~الهلاك، وهو أمر عقلي. # * * * الثالث: معقول ms0817 لمعقول، كقوله تعالى: (من بعثنا من مرقدنا)، فالرقاد ~~مستعار للموت، وهما أمران معقولان، والوجه عدم ظهور الأفعال، وهو عقلي، ~~والاستعارة تصريحية لكون المشبه به مذكورا. # وقوله: (ولما سكت عن موسى الغضب)، المستعار السكوت، والمستعار له الغضب، ~~والمستعار منه الساكت، وهذه ألطف الاستعارات، لأنها استعارة معقول لمعقول، ~~لمشاركته في أمر معقول. # * * * الرابع: محسوس لمعقول، كقوله تعالى: (مستهم البأساء والضراء)، أصل ~~التماس في الأجسام، فاستعير لمقاساة الشدة، وكون المستعار منه حسيا، ~~والمستعار له عقليا، وكونها تصريحية ظاهر، والوجه اللحوق وهو عقلي. # وقوله: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه) فالقذف والدمغ مستعاران. # وقوله: (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس). # وقوله: (فنبذوه وراء ظهورهم). PageV03P442 # وقوله: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم) وكل خوض ذكره الله ~~في القرآن فلفظه مستعار من الخوض في الماء. # وقوله: (فاصدع بما تؤمر) استعارة لبيانه عما أوحى إليه، كظهور ماء في ~~الزجاجة عند انصداعها. # وقوله: (أفمن أسس بنيانه)، البنيان مستعار وأصله للحيطان. # وقوله: (ويبغونها عوجا) العوج مستعار. # وقوله: (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) وكل ما في القرآن من الظلمات ~~والنور مستعار. # وقوله: (فجعلناه هباء منثورا). # (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون)، الوادي مستعار، وكذلك الهيمان، وهو على ~~غاية الإيضاح. # (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك). # * * * الخامس: استعارة معقول لمحسوس: (إنا لما طغى الماء) المستعار منه ~~التكبر، والمستعار له الماء، والجامع الاستعلاء المفرط. # وقوله: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية)، العتو هاهنا مستعار. ~~PageV03P443 # وقوله: (تكاد تميز من الغيظ) فلفظ الغيظ مستعار. # وقوله: (وجعلنا آية النهار مبصرة) فهو أفصح من مضيئة. # (حتى تضع الحرب أوزارها). # ومنها الاستعارة بلفظين، كقوله تعالى: (قوارير من فضة)، يعني تلك الأواني ~~ليس من الزجاج، ولا من الفضة، بل في صفاء القارورة وبياض الفضة. وقد سبق عن ~~الفارسي جعله من التشبيه. # ومثله: (فصب عليهم ربك سوطا عذاب)، ينبئ عن الدوام والسوط ينبي عن ~~الإيلام، فيكون المراد - والله أعلم - تعذيبهم عذابا دائما مؤلما. ~~PageV03P444 # التورية وتسمى الإيهام والتخييل والمغالطة والتوجيه، ms0818 وهي أن يتكلم ~~المتكلم بلفظ مشترك بين معنيين: قريب وبعيد، ويريد المعنى البعيد، يوهم ~~السامع أنه أراد القريب، مثاله قوله تعالى: (والنجم والشجر يسجدان)، أراد ~~بالنجم النبات الذي لا ساق له، والسامع يتوهم أنه أراد الكوكب، لا سيما مع ~~تأكيد الإيهام بذكر الشمس والقمر. # وقوله: (وهو قائم يصلي في المحراب) والمراد المعرفة. # وقوله: (وجوه يومئذ ناعمة)، أراد بها في نعمة وكرامة، والسامع يتوهم أنه ~~أراد من النعومة. # وقوله: (والسماء بنيناها بأيد) أراد بالأيد القوة الخارجة. # وقوله: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون)، أي مقرطون تجعل في آذانهم القرطة، ~~والحلق الذي في الأذن يسمى قرطا وخلدة، والسامع يتوهم أنه من الخلود. # وقوله: (ويدخلهم الجنة عرفها لهم)، أي علمهم منازلهم فيها، أو يوهم إرادة ~~العرف، الذي هو الطيب. # وقوله: (وما علمتم من الجوارح مكلبين). # وقوله: (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات) فذكر " رضوان " مع " الجنات ~~" مما يوهم إرادة خازن الجنات. PageV03P445 # وكان الأنصار يقولون: (راعنا)، ي أرعنا سمعنا وانظر إلينا والكفار ~~يقولونها " فاعل " من الرعونة. وقال أبو جعفر: هي بالعبرانية، فلما عوتبوا ~~قالوا: إنما نقول مثل ما يقول المسلمون، فنهي المسلمون عنها. # وقوله: (وهو الذي ينزل الغيث من بعدما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي ~~الحميد) فقوله (الولي) هو من أسماء الله، ومعناه الولي لعباده بالرحمة ~~والمغفرة، وقوله: # (الحميد) يحتمل أن يكون من " حامد " لعباده المطيعين، أو " محمود " في ~~السراء والضراء، وعلى هذا فالضمير راجع إلى الله سبحانه. ويحتمل أن يكون ~~الولي من أسماء المطر، وهو مطر الربيع، والحميد بمعنى المحمود، وعلى هذا ~~فالضمير عائد على الغيث. # وقوله: (اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه)، فإن لفظة " ربك " رشحت ~~لفظة " ربه "، لأن يكون تورية، إذ يحتمل أنه أراد بها الإله سبحانه والملك، ~~فلو اقتصر على قوله: (فأنساه الشيطان ذكر ربه)، ولم تدل لفظة " ربه " إلا ~~على الإله فلما تقدمت لفظة " ربك " احتمل المعنيين. # تنبيه [في الفرق بين التورية والاستخدام] كثيرا تلتبس التورية ~~بالاستخدام، والفرق بينهما أن التورية استعمال المعنيين في اللفظ وإهمال ~~الآخر، وفي الاستخدام استعمالهما ms0819 معا بقرينتين. PageV03P446 # وحاصله أن المشترك إن استعمل في مفهومين معا فهو الاستخدام، وإن أريد ~~أحدهما مع لمح الآخر باطنا فهو التورية. # ومثال الاستخدام قوله تعالى: (لكل أجل كتاب. يمحو الله ما يشاء ويثبت)، ~~فإن لفظة " كتاب " يراد بها الأمد المحتوم والمكتوب، وقد توسطت بين لفظتين، ~~فاستخدمت أحد مفهوميها، وهو الأمد واستخدمت " يمحو " المفهوم الآخر، وهو ~~المكتوب. # وقوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل)، فإن الصلاة تحتمل إرادة نفس الصلاة، وتحتمل إرادة ~~موضعها فقوله: (حتى تعلموا) استخدمت إرادة نفس الصلاة، وقوله: (إلا عابري ~~سبيل)، استخدمت إرادة موضعها. PageV03P447 # التجريد وهو أن تعتقد أن في الشيء من نفسه معنى آخر، كأنه مباين له، ~~فتخرج ذلك إلى ألفاظه بما اعتقدت ذلك، كقولهم: لئن لقيت زيدا لتلقين معه ~~الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر. فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسدا وبحرا ~~وهو عينه هو الأسد والبحر، لا أن هناك شيئا منفصلا عنه، كقوله تعالى: (إن ~~في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لألي الألباب)، فظاهر ~~هذا أن في العالم من نفسه آيات، وهو عينه ونفسه تلك الآيات. # وكقوله تعالى: (واعلم أن الله عزيز حكيم)، وإنما هذا ناب عن قوله: # " واعلم أني عزيز حكيم ". # ومنه قوله تعالى: (إن في ذلك لذكري لمن كان له قلب). # وقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). # وقوله: (لهم فيها دار الخلد)، ليس المعنى أن الجنة فيها دار خلد وغير دار ~~خلد، بل كلها دار خلد، فكأنك لما قلت:، في الجنة دار الخلد اعتقدت أن الجنة ~~منطوية على دار نعيم ودار أكل وشرب وخلد، فجردت منها هذا الواحد، كقوله: # * وفي الله إن لم تنصفوا حكم عدل * وقوله: (يخرج الحي من الميت ومخرج ~~الميت من الحي)، على أحد PageV03P448 # التأويلات في الآية عن ابن مسعود: هي النطفة تخرج من الرجل ميتة، وهو حي، ~~ويخرج الرجل منها حيا وهي ميتة، قال ابن عطية: في تفسيره هذه الآية: إن ~~لفظة الإخراج ms0820 في تنقل النطفة حتى تكون رجلا، إنما هو عبارة عن تغيير الحال، ~~كما تقول في صبي جيد البنية: # يخرج من هذا رجل قوي. # وقد يحتمل قوله: (ومخرج الميت من الحي)، أي الحيوان كله ميتة، ثم يحييه ~~قال: وهو معنى التجريد. # وذكر الزمخشري أن عمرو بن عبيد قرأ في قوله تعالى: (فكانت وردة كالدهان)، ~~بالرفع، بمعنى حصلت منها [سماء] وردة، قال: وهو من التجريد. # وقرأ على وابن عباس في سورة مريم: (يرثني وارث من آل يعقوب)، قال ابن ~~جنى: هذا هو التجريد، وذلك أنه يريد: وهب لي من لدنك وليا يرثني منه وارث ~~من آل يعقوب، وهو الوارث نفسه، فكأنه جرد منه وارثا. PageV03P449 # التجنيس وهو إما تام بأن تتساوى حروف الكلمتين، كقوله تعالى: (ويوم تقوم ~~الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة). # (ولقد أرسلنا فيهم منذرين. فانظر كيف كان عاقبة المنذرين)، وفي ذلك رد ~~على من قال: ليس منه في القرآن غير الآية الأولى. # وإما بزيادة في إحدى الكلمتين، كقوله تعالى: (والتقت الساق بالساق. إلي ~~ربك يومئذ المساق). # وإما لاحق، بأن يختلف أحد الحرفين، كقوله: (وإنه على ذلك لشهيد. وإنه لحب ~~الخير لشديد). # (وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة). # (وهم ينهون عنه وينأون عنه). # (بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون). # وقوله: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف). # وإما في الخط، وهو أن تشتبها في الخط لا اللفظ، كقوله تعالى: (وهم يحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا). PageV03P450 # وقوله: (والذي يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين). # وإما في السمع لقرب أحد المخرجين من الآخر، كقوله تعالى: (وجوه يومئذ ~~ناضرة. إلى ربها ناظرة). # تنبيهات الأول: نازع ابن أبي الحديد في الآية الأولى وقال: عندي أنه ليس ~~بتجنيس أصلا، وأن الساعة في الموضعين بمعنى واحد، والتجنيس أن يتفق اللفظ ~~ويختلف المعنى، وألا تكون إحداهما حقيقة والأخرى مجازا، بل تكونا حقيقتين، ~~وإن زمان القيامة - وإن طال - لكنه عند الله تعالى في حكم الساعة الواحدة، ~~لأن قدرته لا يعجزها أمر، ولا يطول عندها زمان، ms0821 فيكون إطلاق لفظة " الساعة ~~" على أحد الموضعين حقيقة، وعلى الآخر مجازا، وذلك يخرج الكلام من التجنيس، ~~كما لو قلت: ركبت حمارا، ولقيت حمارا، وأردت بالثاني البليد. وأيضا لا يجوز ~~أن يكون المراد بالساعة الساعة الأولى خاصة، وزمان البعث، فيكون لفظ الساعة ~~مستعملا في الموضعين حقيقة بمعنى واحد، فيخرج عن التجنيس. # * * * الثاني: يقرب منه الاقتضاب، وهو أن تكون الكلمات يجمعها أصل واحد ~~في اللغة، كقوله تعالى: (فأقم وجهك للدين القيم). # وقوله: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات). # وقوله: (فروح وريحان). PageV03P451 # وقوله: (وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو ~~دعاء عريض). # (قال إني لعملكم من القالين). # (وجنى الجنتين دان). # (يا أسفى على يوسف). # (تتقلب فيه القلوب والأبصار). # (إني وجهت وجهي). # (اثاقلتم إلى الأرض). # * * * الثالث: اعلم أن الجناس من المحاسن اللفظية لا المعنوية، ولهذا ~~تركوه عند قوة المعنى يتركه، ولذلك مثالان: # أحدهما قوله: (أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين)، فذكر الرازي في تفسيره ~~أن الكاتب الملقب بالرشيدي، قال: لو قيل: " أتدعون بعلا وتدعون أحسن ~~الخالقين " [أوهم أنه أحسن، لأنه كان] تحصل به رعاية معنى التجنيس أيضا، مع ~~كونه موازنا ل‍ " تذرون ". # وأجاب الرازي: بأن فصاحة القرآن ليس لأجل رعاية هذه التكلفات، بل لأجل ~~قوة المعاني وجزالة الألفاظ. # وقال بعضهم: مراعاة المعاني أولى من مراعاة الألفاظ، فلو كان " أتدعون " ~~PageV03P452 # " وتدعون " كما قال هذا القائل لوقع الإلباس على القارئ فيجعلهما بمعنى ~~واحد تصحيفا منه، وحينئذ فينخرم اللفظ، إذا قرأ و " تدعون " الثانية بسكون ~~الدال، لا سيما وخط المصحف الإمام لا ضبط [فيه] ولا نقط. # قال: ومما صحف من القرآن بسبب ذلك وليس بقراءة قوله تعالى: (قال عذابي ~~أصيب به من أشاء) بالسين المهملة. # وقوله: (إلا عن موعدة وعدها إياه) بالباء الموحدة. # وقوله: (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) بالعين المهملة. # وقرأ ابن عباس " من فرعون " على الاستفهام. # قلت: وأجاب الجويني عن هذا بما يمكن أن يتخلص منه: أن " يذر " أخص من " ~~يدع " وذلك لأن الأول، بمعنى ترك الشيء اعتناء به، بشهادة الاشتقاق، نحو ms0822 ~~الإيداع، فإنه عبارة عن ترك الوديعة مع الاعتناء بحالها، ولهذا يختار لها ~~من هو مؤتمن عليها، ومن ذلك الدعة بمعنى الراحة. وأما " تذر " فمعناها ~~الترك مطلقا، والترك مع الإعراض والرفض الكلي، ولا شك أن السياق إنما يناسب ~~هذا دون الأول، فأريد هنا تبشيع حالهم في الإعراض عن ربهم، وأنهم بلغوا ~~الغاية في الإعراض. # قلت: ويؤيده قول الراغب: يقال: فلا يذر الشيء أي يقذفه لقلة الاعتداد به. # والوذرة قطعة من اللحم [وتسميتها بذلك] لقلة الاعتداد به، نحو قولهم [فيم ~~لا يعتد به]: هو لحم على وضم، قال تعالى: (أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما ~~كان يعبد آباؤنا). وقال تعالى: # (ويذرك وآلهتك). (فذرهم وما يفترون) (وذروا ما بقي من الربا) PageV03P453 # وإنما قال (يذرون) ولم يقل " يتركون " و " يخلفون " لذلك. انتهى. # وعن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني أنه أجاب عن هذا السؤال بأن التجنيس ~~تحسين، وإنما يستعمل في مقام الوعد والإحسان، وهذا مقام تهويل، والقصد فيه ~~المعنى، فلم يكن لمراعاة اللفظة فائدة. # وفيه نظر، فإنه ورد في قوله: (ويوم تقوم الساعة). # المثال الثاني: قوله تعالى: (وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) قال: # معناه: وما أنت مصدق لنا، فيقال: ما الحكمة في العدول عن الجناس، وهلا ~~قيل: # " وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين "، فإنه يؤدي معنى الأول مع زيادة ~~رعاية التجنيس اللفظي؟ # والجواب أن في " مؤمن لنا " من المعنى ما ليس في " مصدق "، وذلك أنك إذا ~~قلت: # " مصدق لي " فمعناه. قال لي: صدقت، وأما " مؤمن " فمعناه مع التصديق ~~إعطاء الأمن، ومقصودهم التصديق وزيادة، وهو طلب الأمن، فلهذا عدل إليه. # فتأمل هذه اللطائف الغريبة والأسرار العجيبة فإنه نوع من الإعجاز! # فائدة قال الخفاجي: إذا دخل التجنيس نفي عد طباقا، كقوله تعالى: (قل هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، لأن " الذين لا يعلمون " هم ~~الجاهلون، قال: # وفي هذا يختلط التجنيس بالطباق. PageV03P454 # الطباق هو أن يجمع بين متضادين مع مراعاة التقابل، كالبياض والسواد، ~~والليل والنهار، وهو قسمان: لفظي ومعنوي، كقوله تعالى: (فليضحكوا قليلا ~~وليبكوا ms0823 كثيرا)، طابق بين الضحك والبكاء، والقليل والكثير. # ومثله: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم). # (وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا). # (وتحسبهم أيقاظا وهم رقود). # (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار). # وقوله تعالى: (تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء...) الآية. # (وما يستوي الأعمى والبصير. ولا الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور. # وما يستوي الأحياء ولا الأموات). # ثم إذا شرط فيهما شرط وجب أن يشترط في ضديهما ضد ذلك الشرط، كقوله تعالى: ~~(فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى...) الآية، لما جعل التيسير PageV03P455 # مشتركا بين الإعطاء والتقى والتصديق، وجعل ضده وهو التعسير مشتركا بين ~~أضداد تلك الأمور، وهي المنع والاستغناء والتكذيب. # ومنه: (في جنة عالية. قطوفها دانية)، قابل بين العلو والدنو. # وقوله: (فيها سرر مرفوعة. وأكواب موضوعة). # وقوله: (ومن لم رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من ~~فضله)، فذكر الليل والنهار وهما ضدان، تم قابلهما بضدين وهما الحركة ~~والسكون على الترتيب، ثم عبر عن الحركة بلفظ " الإرداف " فاستلزم الكلام ~~ضربا من المحاسن زائدا على المبالغة، وعدل عن لفظ الحركة إلى لفظ " ابتغاء ~~الفضل " لكون الحركة تكون للمصلحة دون المفسدة، وهي تسير إلى الإعانة ~~بالقوة وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل، وسلامة الحس، وإضافة الظرف ~~إلى تلك الحركة المخصوصة واقعة فيه، ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المأرب. # * * * ومن الطباق المعنوي قوله تعالى: (إن أنتم إلا تكذبون. قالوا ربنا ~~يعلم إنا إليكم لمرسلون)، معناه: ربنا يعلم إنا لصادقون. # وقوله: (الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء)، قال أبو علي في " الحجة ~~": لما كان البناء رفعا للمبنى قوبل بالفراش الذي هو على خلاف البناء، ومن ~~ثم وقع البناء على ما فيه ارتفاع في نصيبه إن لم يكن مدرا. # * * * PageV03P456 # ومنه نوع يسمى الطباق الخفي، كقوله تعالى: (مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ~~نارا)، لأن الغرق من صفات الماء فكأنه جمع بين الماء في النار والنار، قال ~~ابن منقذ: وهي أخفى مطابقة في ms0824 القرآن. # قلت: ومنه قوله تعالى: (من الشجر الأخضر نارا)، فكأنه جمع بين الأخصر ~~والأحمر، وهذا أيضا فيه تدبيج بديعي. # ومنه: (ولكم في القصاص حياة)، لأن معنى القصاص القتل، فصار القتل سبب ~~الحياة. # قال ابن المعتز، وهذا من أملح الطباق وأخفاه. # وقوله تعالى في الزخرف: (وظل وجهه مسودا)، لأن " ظل " لا تستعمل إلا ~~نهارا، فإذا لمح مع ذكر السواد كأنه طباق يذكر البياض مع السواد. # وقوله: (ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار). ~~PageV03P457 # المقابلة [مباحث المقابلة] وفيها مباحث: # الأول: في حقيقتها وهي ذكر الشيء مع ما يوازيه في بعض صفاته، ويخالفه في ~~بعضها، وهي من باب " المفاعلة "، كالمقابلة والمضاربة، وهي قريبة من ~~الطباق، والفرق بينهما من وجهين: # الأول: أن الطباق لا يكون إلا بين الضدين غالبا، والمقابلة تكون لأكثر من ~~ذلك غالبا. # والثاني: لا يكون الطباق إلا بالأضداد، والمقابلة بالأضداد وغيرها، ولهذا ~~جعل ابن الأثير الطباق أحد أنواع المقابلة. # الثاني: في أنواعها وهي ثلاثة: نظيري، ونقيضي، وخلافي. والخلافي أتمها في ~~التشكيك، وألزمها بالتأويل، والنقيضي ثانيها، والنظيري ثالثها. # وذكر الشيخ أبو الفضل يوسف بن محمد النحوي القلعي أن القرآن كله وارد ~~عليها بظهور نكته الحكمية العلمية، من الكائنات والزمانيات والوسائط ~~الروحانيات، والأوائل الإلهيات، حيث اتحدت من حيث تعددت، واتصلت من حيث ~~انفصلت، وأنها قد ترد على شكل المربع تارة، وشكل المسدس أخرى، وعلى شكل ~~PageV03P458 # المثلث، إلى غير ذلك من التشكيلات العجيبة، والترتيبات البديعة، ثم أورد ~~أمثلة من ذلك. # مثال مقابلة النظيرين، مقابلة السنة والنوم في قوله تعالى: (لا تأخذه سنة ~~ولا نوم) لأنهما جميعا من باب الرقاد المقابل باليقظة. # وقوله: (وتحسبهم أيقاظا وهم رقود)، وهذه هي مقابلة النقيضين أيضا، ثم ~~السنة والنوم بانفرادهما متقابلان في باب النظيرين ومجموعهما يقابلان ~~النقيض الذي هو اليقظة. # ومثال مقابلة الخلافين، مقابلة الشر بالرشد في قوله تعالى: (وأنا لا ندري ~~أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) فقابل الشر بالرشد، وهما ~~خلافيان، وضد الرشد الغي، وضد الشر الخير، والخير الذي يخرجه لفظ ms0825 الشر ضمنا ~~نظير الرشد قطعا، والغي الذي يخرجه لفظ الرشد ضمنا نظير الشر قطعا، فقد حصل ~~من هذا الشكل أربعة ألفاظ: # نطقان وضمنان، فكان بهما رباعيان. # وهذا الشكل الرباعي يقع في تفسيره على وجوه، فقد يرد وبعضه مفسر، مثل ما ~~ذكرناه، وقد يرد وكله مفسر، كقوله تعالى: (فلا صدق ولا صلى. ولكن كذب ~~وتولى) فقابل " صدق " ب‍ " كذب " " وصلى " الذي هو أقبل ب‍ " تولى ". # وقوله: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما سلاما)، اللغو ~~في الحيثية المنكرة والتأثيم في الحيثية الناكرة، واللغو منشأ المنكر ومبدأ ~~درجاته، والتأثيم منشأ التكبر ومبدأ درجاته، فلا نكير إلا بعد منكر، ولا ~~اعتقاد إنكار إلا بعد إعتقاد تأثيم، ومنشأ اللغو في أول طرف المكروهات ~~وآخره في طرف المحظورات ومبدأ التأثيم. # ومن ذلك أيضا قوله تعالى: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك) فقابل الإفساد بالتسبيح والحمد، وسفك الدماء ~~بالتقديس، PageV03P459 # فالتسبيح بالحمد إذن ينفي الفساد، والتقديس ينفي سفك الدماء، والتسبيح ~~شريعة للإصلاح، والتقديس شريعة حقن الدماء، وشريعة التقديس أشرف من شريعة ~~التسبيح، فإن التسبيح بالحمد للإصلاح لا للفساد، وسفك الدماء للتسبيح لا ~~للتقديس، وهذا شكل مربع، من أرضى وهو الإفساد وسفك الدماء، وسمائي وهو ~~التسبيح والتقديس، والأرضي ذو فصلين، والسمائي ذو فصلين، ووقع النفس من ~~الطرفين المتوسطين، فالطرفان الإفساد في الطرف الأول، والتقديس في الطرف ~~الآخر، والوسطان آخر الأرض، وأول السماء، فالأول متشرف على الآتي والآخر ~~ملفت إلى الماضي: # وكم في كتاب الله من كل موجز * يدور على المعنى وعنه يماصع لقد جمع الاسم ~~المحامد كلها * مقاسيمها مجموعة والمشايع وهذا القدر الذي ذكره هذا الحبر ~~مرمى عظيم، يوصل إلى أمور غير متجاسر عليها، كما في آية الكرسي وغيرها. # * * * وقسم بعضهم المقابلة إلى أربع: # أحدها: أن يأتي بكل واحد من المقدمات مع قرينة من الثواني، كقوله تعالى: ~~(وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا). # والثانية: أو يأتي بجميع الثواني مرتبة من أولها، كما قال تعالى: (ومن ~~رحمته جعل لكم الليل والنهار ms0826 لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله). # وكذلك: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). PageV03P460 # الثالث: أن يأتي بجميع المقدمات ثم بجمع الثواني مرتبة من آخرها، ويسمى ~~رد العجز على الصدر، كقوله تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ~~اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما ~~الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون). # الرابع: أن يأتي بجميع المقدمات ثم بجميع الثواني مختلطة غير مرتبة، ~~ويسمى اللف، كقوله تعالى: (وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى ~~نصر الله ألا إن نصر الله قريب) فنسبة قوله: (متى نصر الله) إلى قوله: ~~(والذين آمنوا)، كنسبة قوله: (يقول الرسول) إلى: (ألا إن نصر الله قريب)، ~~لأن القولين المتباينين يصدران عن متباينين. # وكما قال تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ~~ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من ~~الظالمين) فنسبة قوله: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه) إلى قوله: (فتكون من الظالمين) كنسبة قوله: (ما عليك من حسابهم من ~~شيء وما من حسابك عليهم) إلى قوله: (فتطردهم) فجمع المقدمين التاليين ~~بالالتفات. # * * * وجعل بعضهم من أقسام التقابل مقابلة الشيء بمثله وهو ضربان: # مقابل في اللفظ دون المعنى كقوله تعالى: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا). ~~PageV03P461 # ومقابل في المعنى دون اللفظ، كقوله تعالى: (قل إن ضللت فإنما أضل على ~~نفسي وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربي)، فإنه لو كان التقابل هنا من جهة ~~اللفظ، لكان التقدير: " وإن اهتديت، فإنما اهتديت لها ". # وبيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى، أن النفس كل ما هو عليها لها، فهو ~~أعني أن كل ما هو وبال عليها وصار لها فهو بسببها ومنها، لأنها أمارة ~~بالسوء، وكل ما هو مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه إياها، وهذا حكم لكل ~~مكلف، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسند إلى نفسه، ms0827 لأنه إذا ~~دخل تحته مع علو محله كان غيره أولى به. # ومن هذا الضرب قوله تعالى: (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون)، فإنه لم يدع التقابل في قوله: # (ليسكنوا فيه والنهار مبصرا)، لأن القياس يقتضى أن يكون " والنهار ~~لتبصروا فيه "، وإنما هو مراعي من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، لأن معنى " ~~مبصرا " تبصرون فيه طرق التقلب في الحاجات. # * * * واعلم أن في تقابل المعاني بابا عظيما يحتاج إلى فضل تأمل، وهو ~~يتصل غالبا بالفواصل، كقوله تعالى: (إنما نحن مصلحون) إلى قوله (لا ~~يشعرون). # وقوله: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس) إلى قوله: (لا يعلمون). # فانظر فاصلة الثانية (يعلمون) والتي قبلها) يشعرون) لأن أمر الديانة ~~والوقوف على أن المؤمنين: يجتمعون وهم مطيعون يحتاج إلى نظر واستدلال، حتى ~~يكسب الناظر PageV03P462 # المعرفة والعلم، وإنما النفاق - وما فيه من الفتنة والفساد - أمر دنيوي ~~مبني على العادات معلوم عند الناس، فلذلك قال فيه (يعلمون). # وأيضا فإنه لما ذكر السفه في الآية الأخرى - وهو جهل - كان ذكر العلم ~~طباقا، وعلى هذا تجئ فواصل القرآن، وقد سبق في بابه. # * * * ومن المقابلة قوله تعالى: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا)، فتقدم اقتران الوعد بالفقر والأمر بالفحشاء، ~~ثم قوبل بشيء واحد وهو الوعد، فأوهم الإخلال بالثاني، وليس كذلك، وإنما لما ~~كان الفضل مقابلا للفقر، والمغفرة مقابلة للأمر بالفحشاء، لأن الفحشاء توجب ~~العقوبة، والمغفرة تقابل العقوبة، استغنى بذكر المقابل عن ذكر مقابله، لأن ~~ذكر أحدهما ملزوم ذكر الآخر. PageV03P463 # تقسيم من مقابلة اثنين باثنين: (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا). # ومن مقابلة أربعة بأربعة: (فأما من أعطى واتقى...) الآية. # ومن مقابله خمس بخمس قوله تعالى: (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما ~~بعوضة فما فوقها)، للدلالة على الحقير والكبير، وهو من الطباق الخفي، ~~الثاني: (فأما الذين آمنوا) و (أما الذين كفروا)، الثالث: (يضل) و (يهدي) ~~به، الرابع (ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه)، الخامس (يقطعون) و (أن يوصل). ms0828 # ومن مقابلة ست بست: قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك ~~متاع الحياة الدنيا)، ثم قال تعالى: (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا ~~عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة PageV03P464 # ورضوان من الله)، قابل الجنات والأنهار والخلد والأزواج والتطهير ~~والرضوان بإزاء النساء في الدنيا، وختم بالحرث، وهما طرفان متشابهان، ~~وفيهما الشهوة والمعاش الدنياوي، وأخر ذكر الأزواج كما يجب في الترتيب ~~الأخروي، وختم بالرضوان. # فائدة قد يجئ نظم الكلام على غير صورة المقابلة في الظاهر، وإذا تؤمل كان ~~من أكمل المقابلات، ولذلك أمثلة: # ومنها قوله تعالى: (إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ~~ولا تضحى) فقابل الجوع بالعري، والظمأ بالضحى، والواقف مع الظاهر ربما يحيل ~~أن الجوع يقابل بالظمأ، والعري بالضحى. # والمدقق يرى هذا الكلام في أعلى مراتب الفصاحة، لأن الجوع ألم الباطن ~~والضحى موجب لحرارة الظاهر، فاقتضت الآية جميع نفى الآفات ظاهرا وباطنا، ~~وقابل الخلو بالخلو، والاحتراق بالاحتراق. وهاهنا موضع الحكاية المشهورة ~~بين المتنبي وسيف الدولة، لما أنشده: # وقفت وما في الموت شك لواقف * كأنك في جفن الردى وهو نائم PageV03P465 # ومنها قوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع)، فإنه ~~يتبادر فيه سؤال، وهو أنه لم لا قيل: " مثل الفريقين كالأعمى والبصير، ~~والأصم والسميع "، لتكون المقابلة في لفظ " الأعمى " وضده بالبصير، وفي لفظ ~~" الأصم " وضده السميع! # والجواب أنه يقال: لما ذكر انسداد العين أتبعه بانسداد السمع، وبضد ذلك ~~لما ذكر انفتاح البصر أعقبه بانفتاح السمع، فما تضمنته الآية الكريمة هو ~~الأنسب في المقابلة والأتم في الإعجاز. PageV03P466 # رد العجز على الصدر وعكسه (خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا ~~تستعجلون). # (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما). # العكس وهو أن يقدم في الكلام جزء ثم يؤخر، كقوله تعالى: (لا هن حل لهم ~~ولا هم يحلون لهن) وقدره الزمخشري، أي لا حل بين المؤمن والمشرك، والآية ~~صرحت بنفي الحل من ms0829 الجهتين، فقد يستدل بها من قال: إن الكفار مخاطبون ~~بالفروع. # ومثله قوله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم) أي ~~ذبائحكم، وهذه رخصة للمسلمين. PageV03P467 # إلجام الخصم بالحجة وهو الاحتجاج على المعنى المقصود بحجة عقلية، تقطع ~~المعاند له فيه. والعجب من ابن المعتز في بديعه، حيث أنكر وجود هذا النوع ~~في القرآن، وهو من أساليبه. # ومنه قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) ثم قال النحاة: # إن الثاني امتنع لأجل امتناع الأول، وخالفهم ابن الحاجب وقال: الممتنع ~~الأول لأجل امتناع الثاني، فالتعدد منتف لأجل امتناع الفساد. # وقوله: (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة). # وقوله: (أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم). # وقوله حكاية عن الخليل: (وحاجة قومه) إلى قوله: (وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه). # وقوله: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)، المعنى أن الأهون ~~أدخل في الإمكان من غيره، وقد أمكن هو، فالإعادة أدخل في الإمكان من بدء ~~الخلق. # وقوله تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق...) الآية، وهذه حجة عقلية، تقديرها أنه لو كان خالقان لاستبد كل ~~منهما بخلقه، فكان الذي يقدر عليه أحدهما لا يقدر عليه الآخر، ويؤدي إلى ~~تناهى PageV03P468 # مقدوراتهما، وذلك يبطل الإلهية، فوجب أن يكون الإله واحدا، ثم زاد في ~~الحجاج فقال: (ولعلا بعضهم على بعض)، أي ولغلب بعضهم بعضا في المراد، ولو ~~أراد أحدهما إحياء جسم والآخر إماتته لم يصح ارتفاع مرادهما، لأن رفع ~~النقيضين محال، ولا وقوعهما للتضاد، فنفى وقوع أحدهما دون الآخر، وهو ~~المغلوب، وهذه تسمى دلالة التمانع، وهي كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: (إذن ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا). # وقوله: (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم). # وقوله: (أفرأيتم ما تمنون. أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) فبين أنا لم ~~نخلق المنى لتعذره علينا، فوجب أن يكون الخالق غيرنا. # * * * ومنه نوع منطقي وهو استنتاج النتيجة من مقدمتين، وذلك من أول سورة ~~الحج ms0830 إلى قوله: (وأن الله يبعث من في القبور)، فنطق على خمس نتائج من عشر ~~مقدمات، فالمقدمات من أول السورة: (وأنبتت فيها من كل زوج بهيج)، والنتائج ~~من قوله: (ذلك بأن الله هو الحق) إلى قوله: (وأن الله يبعث من في القبور). # وتفصيل ترتيب المقدمات والنتائج أن يقال: أخبر الله أن زلزلة الساعة شيء ~~عظيم، وخبره هو الحق، ومن أخبر عن الغيب بالحق فهو حق بأنه هو الحق، وأنه ~~يأتي بالساعة PageV03P469 # على تلك الصفات، ولا يعلم صدق الخبر إلا بإحياء الموتى، ليدركوا ذلك، ومن ~~يأتي بالساعة يحيى الموتى، فهو يحيي الموتى. وأخبر أنه يجعل الناس من هول ~~الساعة سكارى لشدة العذاب، ولا يقدر على عموم الناس لشدة العذاب إلا من هو ~~على كل شيء قدير، فإنه على كل شيء قدير. وأخبر أن الساعة يجازي فيها من ~~يجادل في الله بغير علم، ولا بد من مجازاته، ولا يجازي حتى تكون الساعة ~~آتية، ولا تأتي الساعة حتى يبعث من في القبور، فهو يبعث من في القبور. ~~والله ينزل الماء على الأرض الهامدة فتنبت من كل زوج بهيج، والقادر على ~~إحياء الأرض بعد موتها يبعث من في القبور. # ومن قوله تعالى: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن ~~سبيل الله لهم عذاب شديد) مقدمتان ونتيجة، لأن اتباع الهوى يوجب الضلال، ~~والضلال يوجب سوء العذاب، فأنتج أن اتباع الهوى يوجب سوء العذاب. # وقوله: (فلما أفل قال لا أحب الآفلين)، أي القمر أفل، وربي فليس بآفل، ~~فالقمر ليس بربي، أثبته بقياس اقتراني جلى من الشكل الثاني، واحتج بالتعبير ~~على الحدوث، والحدوث على المحدث. PageV03P470 # التقسيم وليس المراد به القسمة العقلية التي يتكلم عليها المتكلم، لأنها ~~قد تقتضي أشياء مستحيلة كقولهم: الجواهر لا تخلو إما أن تكون مجتمعة أو ~~متفرقة، أو لا مفترقة ولا مجتمعة، أو مجتمعة ومفترقة معا، أو بعضها مجتمع ~~وبعضها مفترق، فإن هذه القسمة صحيحة عقلا، لكن بعضها يستحيل وجوده، وهو ~~استيفاء المتكلم أقسام الشيء، بحيث لا يغادر شيئا وهو آلة ms0831 الحصر ومظنة ~~الإحاطة بالشيء، كقوله تعالى: (فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ~~بالخيرات بإذن الله) فإنه لا يخلو العالم جميعا من هذه الأقسام الثلاثة، ~~إما ظالم نفسه، وإما سابق مبادر إلى الخيرات، وإما مقتصد فيها، وهذا من ~~أوضح التقسيمات وأكملها. # ومثله قوله: (وكنتم أزواجا ثلاثة. فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة. # وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة. والسابقون السابقون)، وهذه الآية ~~مماثلة في المعنى للتي قبلها، وأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم، وأصحاب ~~الميمنة هم المقتصدون، والسابقون هم السابقون بالخيرات. # وكذلك قوله تعالى: (له ما بين أيدينا وما خلفنا) الآية، فاستوفى أقسام ~~الزمان ولا رابع لها. # وقوله: (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه) إلى قوله (ما ~~يشاء)، وهو في القرآن كثير، وخصوصا في سورة براءة. # ومنه قوله تعالى: (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا)، وليس في رؤية البرق ~~إلا الخوف من الصواعق والطمع في الأمطار، ولا ثالث لهما. PageV03P471 # وقوله: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض ~~وعشيا وحين تظهرون)، فاستوفت أقسام الأوقات، من طرفي كل يوم ووسطه مع ~~المطابقة والمقابلة. # وقوله: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم)، فلم يترك سبحانه ~~قسما من أقسام الهيئات. # ومثله آية يونس: (وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما). # لكن وقع بين ترتيب الآيتين مغايرة أوجبتها المبالغة، وذلك أن المراد ~~بالذكر في الأولى الصلاة فيجب فيها تقديم القيام، ثم عند العجز القعود، ثم ~~الاضطجاع، وهذه بخلاف الضر، فإنه يجب فيها تقديم الاضطجاع، وإذا زال بعض ~~الضر قعد المضطجع، وإذا زال كل الضر قام القاعد، فدعا لتتم الصحة، وتكمل ~~القوة. # فإن قلت: هذا التأويل لا يتم إلا إذا كانت الواو عاطفة، فإنها تحصل في ~~الكلام حسن اتساق، وائتلاف الألفاظ مع المعاني، وقد عدل عنها إلى " أو " ~~التي سقط معها ذلك. # قلت: يأتي التضرع على أقسام، فإن منه ما يتضرع المضرور عند وروده، ومنه ~~ما يقعده، ومنه ما يأتي وصاحبه قائم لا يبلغ به شيئا، والدعاء ms0832 عنده أولى من ~~التضرع، فإن الصبر والجزع عند الصدمة الأولى، فوجب العدول عن الواو، لتوخي ~~الصدق في الخبر، والكلام بالائتلاف، ويحصل النسق، والخبر بذلك التأويل ~~الأول عن شخص واحد، وبالثاني عن أشخاص فغلب الكثرة، فوجب الإتيان ب‍ " أو " ~~وابتدأ بالشخص الذي تضرع لأن، خبره أشد فهو أشد تضرعا، فوجب تقديم ذكره، ثم ~~القاعد، ثم القائم، فحصل حسن الترتيب وائتلاف الألفاظ ومعانيها. ~~PageV03P472 # وقوله: (يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا ويجعل من يشاء عقيما)، قسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام ~~اشتمل عليها الوجود، لأنه سبحانه إما أن يفرد العبد بهبة الإناث، أو بهبة ~~الذكور، أو يجمعهما له، أو لا يهب شيئا. وقد جاءت الأقسام في هذه الآية ~~لينتقل منها إلى أعلى منها، وهي هبة الذكور فيه، ثم انتقل إلى أعلى منها ~~وهي هبتهما جميعا، وجاءت كل أقسام العطية بلفظ الهبة، وأفرد معنى الحرمان ~~بالتأخير، وقال فيه (يجعل) فعدل عن لفظ الهبة للتغاير بين المعاني، كقوله: ~~(أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون. لو نشاء لجعلناه ~~حطاما)، فذكر امتداد إنمائه بلفظ الزرع، ومعنى الحرمان بلفظ الجعل. # وقيل: إنما بدأ سبحانه بالإناث لوجوه غير ما سبق. # أحدها: جبرا لهن، لأجل استثقال الأبوين لمكانهن. # الثاني: أن سياق الكلام أنه فاعل لما يشاء، لا ما يشاء الأبوان، فإن ~~الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالبا، وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء، ~~فبدأ بذكر الصنف الذي يشاؤه ولا يريده الأبوان غالبا. # الثالث: أنه قدم ذكر ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا ~~يئدوهن، أي هذا النوع الحقير عندكم مقدم عندي في الذكر. # الرابع: قدمهن لضعفهن، وعند العجز والضعف تكون العناية أتم. # وقيل: لينقله من الغم إلى الفرج. # وتأمل كيف عرف سبحانه الذكور بعد تنكير، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم، وجبر ~~نقص المتأخر بالتعريف فإن التعريف تنويه. PageV03P473 # وهذا أحسن مما ذكره الواحدي أنه عرف الذكور لأجل الفاصلة. # ولما ذكر الصنفين معا قدم الذكور، فأعطى لكل من الجنسين حقه ms0833 من التقديم ~~والتأخير. والله أعلم بما أراد. # بقي سؤال آخر، وهو أنه عطف الثاني والرابع بالواو، والثالث ب‍ " أو " ~~ولعله، لأن هبة كل من الإناث والذكور قد لا يقترن بها، فكأنه وهب لهذا ~~الصنف وحده أو مع غيره فلذلك تعينت " أو ". فتأمل لطائف القرآن وبدائعه! # ومن هذا التقسيم أخذ بعض العلماء أن الخنثى لا وجود له، لأنه ليس واحدا ~~من المذكورين، ولا حجة فيه، لأنه مقام امتنان، والمنة بغير الخنثى أحسن ~~وأعظم. أو لأنه باعتبار ما في نفس الأمر، والخنثى لا يخرج عن أحدهما. ~~PageV03P474 # التعديد هي إيقاع الألفاظ المبددة على سياق واحد، وأكثر ما يؤخذ في ~~الصفات، ومقتضاها ألا يعطف بعضها على بعض لاتحاد محلها ويجريها مجرى الوصف ~~في الصدق على ما صدق، ولذلك يقل عطف بعض صفات الله على بعض في التنزيل، ~~وذلك كقوله: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وقوله: (الخالق البارئ ~~المصور). # وقوله: (الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار). # وإنما عطف قوله: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن)، لأنها أسماء متضادة ~~المعاني في موضوعها، فوقع الوهم بالعطف عمن يستبعد ذلك في ذات واحدة، لأن ~~الشيء الواحد لا يكون ظاهرا باطنا من وجه، وكان العطف فيه أحسن. ولذلك عطف ~~" الناهون " على " الآمرون "، " وأبكارا " على " ثيبات " من قوله: ~~(التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله). # وقوله: (أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ~~ثيبات وأبكارا)، فجاء العطف لأنه لا يمكن اجتماعهما في محل واحد بخلاف ما ~~قبله. # وقوله: (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول)، إنما عطف ~~PageV03P475 # فيه بعضا ولم يعطف بعضا، لأن " غافرا " و " قابلا " يشعران بحدوث المغفرة ~~والقبول، وهما من صفات الأفعال وفعله في غيره لا في نفسه، فدخل العطف ~~للمغايرة لتنزلهما منزلة الجملتين، تنبيها على أنه سبحانه يفعل هذا ويفعل ~~هذا. وأما شديد العقاب فصفة مشبهة، وهي تشعر بالدوام والاستمرار، فتدل على ~~القوة، ويشبه ذلك صفات الذات. # وقوله: (ذي الطول)، المراد به ذاته، فترك العطف ms0834 لاتحاد المعنى. # وقد جاء قليلا في غير الصفات، كقوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات ~~والمؤمنين والمؤمنات...) الآية، قال الزمخشري: العطف الأول كقوله: (ثيبات ~~وأبكارا)، في أنهما جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لم يكن بد من توسيط ~~العاطف بينهما، وأما العطف الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع، ~~فكان معناه: # أن الجامعين والجامعات لهذه الصفات أعد لهم مغفرة. انتهى. # وقال بعضهم: الصفات المتعاطفة إن علم أن موصوفها واحد من كل وجه، كقوله: # (غافر الذنب وقابل التوب)، فإن الموصوف " الله "، وإما في النوع كقوله: # (ثيبات وأبكارا) فإن الموصوف الأزواج، وقوله: (الآمرون بالمعروف والناهون ~~عن المنكر)، فإن الموصوف النوع الجامع للصفات المتقدمة. وإن لم يعلم أن ~~موصوفها واحد من جهة وضع اللفظ. فإن دل دليل على أنه من عطف الصفات اتبع ~~كهذه الآية، فإن هذه الأعداد لمن جمع الطاعات العشر، لا لمن انفرد بواحدة ~~منها، إذ الاسلام والإيمان كل منهما شرط في الآخر، وكلاهما شرط في حصول ~~الأجر على البواقي، ومن كان مسلما مؤمنا فله أجره، ولكن ليس هذا الأجر ~~العظيم الذي أعده الله في هذه الآية PageV03P476 # الكريمة، وقرن به إعداد المغفرة زائدا على المغفرة، فلخصوص هذه الآية جعل ~~الزمخشري ذلك من عطف الصفات، والموصوف واحد، فلو لم يكن كذلك واحتمل تقدير ~~موصوف مع كل صفة وعدمه حمل على التقدير، فإن ظاهر العطف التغاير. ولا يقال: ~~الأصل عدم التقدير، لأن الظاهر يقدم على رعاية ذلك الأصل. # ومثاله قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين...) الآية، ولو كان ~~من عطف الصفات لم يستحق الصدقة إلا من جميع الصفات الثمان، ولذلك إذا وقف ~~على الفقهاء والنحاة والفقراء استحق من فيه إحدى الصفات. # تم بعون الله وجميل توفيقه الجزء الثالث من كتاب البرهان في علوم القرآن ~~للإمام بدر الدين الزركشي ويليه الجزء الرابع وأوله: مقابلة الجمع بالجمع، ~~وهو أحد أساليب القرآن المندرجة تحت النوع السادس والأربعين. PageV03P477 # البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي تحقيق ~~محمد أبو الفضل إبراهيم الجزء الرابع الطبعة ms0835 الأولى 1377 ه‍ - 1958 م دار ~~احياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه PageV04P001 # جميع الحقوق محفوظة " 1378 ه‍ - 1958 م " PageV04P002 # بسم الله الرحمن الرحيم مقابلة الجمع بالجمع * تارة يقتضى مقابلة كل فرد ~~من هذا بكل فرد من هذا، كقوله تعالى: * (فاستبقوا الخيرات) *، * (وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة) *، * (حافظوا على الصلوات) *; فإن الصلاة والزكاة في ~~معنى الجمع، فيقتضى اللفظ ضرورة أن كل واحد مأمور بجميع الصلوات وبالاستباق ~~إلى كل خير، كما يقال: لبس القوم ثيابهم، وركبوا دوابهم. # وقوله تعالى: * (وأعتدت لهن متكأ) * أي لكل واحدة منهن. # وقوله: * (أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر) *، لأنه لا يجوز أن يتذكر ~~جميع المخاطبين بهذا القول في مدة وعمر واحد. # وقوله: * (إنها ترمى بشرر كالقصر) *،، أي كل واحدة من هذا الشرر كالقصر، ~~والقصر: البيت من أدم، كان يضرب على الماء إذا نزلوا به، ولا يجوز أن يكون ~~الشرر كله كقصر واحد; لأنه مناف للوعيد، فإن المعنى تعظيم الشرر; أي كل ~~واحد من هذا الشرر كالقصر. ويؤكده قوله بعده: * (كأنه جمالات صفر) *، هذه ~~فشبه بالجماعة، أي فكل واحدة من هذا الشرر كالجمل فجماعته، إذ الجمالات ~~الصفر كذلك الأول; كل شررة منه كالقصر. قاله ابن جنى. # وقوله: * (واستغيثوا ثيابهم) *. PageV04P003 # وقوله: * (وآمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله) *; فإن كل واحد من المؤمنين آمن بكل واحد من ~~الملائكة والكتب والرسل. # وقوله * (حرمت عليكم أمهاتكم...) * الآية; فإنه لم يحرم على كل واحد من ~~المخاطبين جميع أمهات المخاطبين، وإنما حرم على كل واحد أمه وبنته. # وكذا قوله: * (ولكم نصف ما ترك أزواجكم) *; فإنه ليس لجميع الأزواج نصف ~~ما ترك جميع النساء; وإنما لكل واحد نصف ما تركت زوجه فقط. # وكذا قوله: * (يوصيكم الله في أولادكم) *. # وقوله: * (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم) *; ~~إنما معناه اتبع كل واحد ذريته، وليس معناه أن كل واحد من الذرية اتبع كل ~~واحد من الآباء. # وقوله: * (والوالدات يرضعن أولادهن) *، أي كل واحدة ترضع ولدها. # وكقوله تعالى: ms0836 * (فاقتلوا المشركين) * فإن مقابلة الجمع أفادت المكنة لكل ~~واحد من المسلمين قتل من وجد من المشركين. # وقوله: * (يوم تشهد عليهم ألسنتهم) *. # وأما قوله تعالى: * (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم ~~وأرجلكم إلى الكعبين) *، فذكر " المرافق " بلفظ الجمع، والكعبين بلفظ ~~التثنية; PageV04P004 # لأن مقابلة الجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد; ولكل يد مرفق، فصحت ~~المقابلة. # ولو قيل " إلى الكعاب " فهم منه أن الواجب....; فإن لكل رجل كعبا واحدا، ~~فذكر الكعبين بلفظ التثنية، ليتناول الكعبين من كل رجل. # فإن قيل: فعلى هذا يلزم ألا يجب إلا غسل يد واحدة ورجل واحدة؟ # قلنا: صدنا عنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم والإجماع. # * * * وتارة يقتضى مقابلة ثبوت الجمع لكل واحد من آحاد المحكوم عليه، ~~كقوله تعالى: # * (فاجلدوا ثمانين جلدة) *. # وجعل منه الشيخ عز الدين: * (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم ~~جنات تجرى من تحتها الأنهار) *. # * * * وتارة يحتمل الأمرين فيفتقر ذلك إلى دليل يعين أحدهما. # * * * أما مقابلة الجمع بالمفرد، فالغالب أنه لا يقتضى تعميم المفرد، وقد ~~يقتضيه بحسب عموم الجمع المقابل له، كما في قوله تعالى: * (وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين) *، المعنى كل واحد لكل يوم طعام مسكين. # وقوله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة) * إنما هو على كل واحد منهم ذلك. PageV04P005 # قاعدة فيما ورد في القرآن مجموعا ومفردا، والحكم في ذلك فمنه أنه حيث ورد ~~ذكر " الأرض " في القرآن فإنها مفردة، كقوله تعالى: * (خلق سبع سماوات ومن ~~الأرض مثلهن) *، وحكمته أنها بمنزلة السفل والتحت، ولكن وصف بها هذا المكان ~~المحسوس، فجرت مجرى امرأة زور، وضيف; فلا معنى لجمعهما كما لا يجمع الفوق ~~والتحت، والعلو والسفل; فإن قصد المخبر إلى جزء من هذه الأرض الموطوءة وعين ~~قطعة محدودة منها خرجت عن معنى السفل الذي هو في مقابلة العلو، فجاز أن ~~تثنى إذا ضممت إليها جزءا آخر. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " طوقه من سبع ~~أرضين " فجمعها لما اعتمد الكلام على ذات الأرض، وأثبتها على التفصيل ~~والتعيين ms0837 لآحادها، دون الوصف بكونها تحت أو سفل في مقابلة علو، وأما جمع ~~السماوات، فإن المقصود بها ذاتها دون معنى الوصف، فلهذا جمعت جمع سلامة; ~~لأن العدد قليل، وجمع القليل أولى به، بخلاف الأرض; فإن المقصود بها معنى ~~التحت والسفل، دون الذات والعدد. # وحيث أريد بها الذات والعدد أتى بلفظ يدل على التعدد، كقوله تعالى: * ~~(ومن الأرض مثلهن) *. # وأيضا فإن الأرض لا نسبة إليها إلى السماوات وسعتها، بل هي بالنسبة إليها ~~كحصاة في صحراء، فهي وإن تعددت، كالواحد القليل; فاختير لها اسم الجنس. # وأيضا فالأرض هي دار الدنيا التي يحيى بالنسبة إلى الآخرة، كما يدخل ~~الإنسان إصبعه في اليم، فما يلعق بها هو مثال الدنيا; والله تعالى لم يذكر ~~الدنيا إلا مقللا لها. PageV04P006 # وأما السماوات فليست من الدنيا على أحد القولين، فإذا أريد الوصف الشامل ~~للسموات; وهو معنى العلو والفوق أفردته كالأرض; بدليل قوله تعالى: * ~~(أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) *. * (أم أمنتم من في السماء أن ~~يرسل عليكم حاصبا) * فأفرد هنا لما كان المراد الوصف الشامل وليس المراد ~~سماء معينة. # وكذا قوله: * (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) *، ~~بخلاف قوله في سبأ: * (عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا ~~في الأرض) *، فإن قبلها ذكر الله سبحانه سعة علمه، وأن له ما في السماوات ~~وما في الأرض، فاقتضى السياق أن يذكر سعة علمه، وتعلقه بمعلومات ملكه; وهو ~~السماوات كلها والأرض. # ولما لم يكن في سورة يونس ما يقتضى ذلك أفردها إرادة للجنس. # وقال السهيلي: لأن المخاطبين بالإفراد مقرون بأن الرزق ينزل من السحاب ~~وهو سماء، ولهذا قال في آخر الآية: * (فسيقولون الله) *، وهم لا يقرون بما ~~نزل من فوق ذلك من الرحمة والرحمن وغيرها، ولهذا قال في آية سبأ: * (قل ~~الله) *، أو أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا القول ليعلم بحقيقته. # وكذا قوله: * (وهو الله في السماوات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم) * ~~PageV04P007 # فإنها جاءت مجموعة لتعلق الظرف بما في ms0838 اسم الله تبارك وتعالى من معنى ~~الإلهية; فالمعنى: # هو الإله المعبود في كل واحدة من السماوات، فذكر الجمع هنا أحسن. ولما ~~خفى هذا المعنى على بعض المجسمة قال بالوقف على قوله: * (في السماوات) *، ~~ثم يبتدئ بقوله: # * (وفى الأرض) *. # وتأمل كيف جاءت مفردة في قوله: * (فو رب السماء والأرض إنه لحق) *، أراد ~~لهذين الجنسين، أي رب كل ما علا وسفل. # وجاءت مجموعة في قوله: * (سبح لله ما في السماوات والأرض) * في جميع ~~السور; لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم، وتباين ~~مراتبهم; لم يكن بد من جمع محلهم. # ونظير هذا جمعها في قوله: * (وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون) *. # وقوله: * (تسبح له السماوات السبع) *، أي تسبح بذواتها وأنفسها على ~~اختلاف عددها، ولهذا صرح بالعدد بقوله: * (السبع) *. # وتأمل كيف جاءت مفردة في قوله: * (وفى السماء رزقكم وما توعدون) *، ف‍ " ~~الرزق " المطر، وما " توعدون " الجنة، وكلاهما في هذه الجهة; لأنها في كل ~~واحدة واحدة من السماوات، فكان لفظ الإفراد أليق. # وجاءت مجموعة في قوله: * (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله) * لما كان المراد نفى علم الغيب عن كل من هو في واحدة واحدة من ~~السماوات أتى بها مجموعة، PageV04P008 # ولم يجئ في سياق الإخبار بنزول الماء منها إلا مفردة حيث وقعت، لما لم ~~يكن المراد نزوله من ذاتها; بل المراد الوصف. # فإن قيل: فهل يظهر فرق بين قوله تعالى في سورة يونس: * (قل من يرزقكم من ~~السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار) *، وبين قوله في سورة سبأ: * (قل ~~من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله) *؟ # قيل: السياق في كل منهما مرشد إلى الفرق; فإن الآيات التي في يونس سيقت ~~للاحتجاج عليهم بما أقروا به من كونه تعالى هو رازقهم، ومالك أسماعهم ~~وأبصارهم، ومدبر أمورهم; بأن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي; ~~فلما كانوا مقرين بهذا كله، حسن الاحتجاج به عليهم; إذ فاعل هذا هو الله ~~الذي لا إله غيره، ms0839 فكيف تعبدون معه غيره! ولهذا قال بعده: * (فسيقولون ~~الله) *، أي هم يقرون به ولا يجحدونه، والمخاطبون المحتج عليهم بهذه الآية ~~إنما كانوا مقرين بنزول الرزق مقبل هذه السماء التي يشاهدونها، ولم يكونوا ~~مقرين ولا عالمين بنزول الرزق من سماء إلى سماء حتى ينتهى إليهم، فأفردت ~~لفظة " السماء " هنا لذلك. # وأما الآية التي في سبأ; فإنه لم ينتظم لها ذكر إقرارهم بما ينزل من ~~السماء، ولهذا أمر رسوله بأن يجيب، وأن يذكر عنهم أنهم هم المجيبون، فقال: ~~* (قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله) *، ولم يقل: * (فسيقولون ~~الله) *، أي الله وحده الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه ومنافعه من ~~السماوات * * * ومنها ذكر الرياح في القرآن جمعا ومفردة، فحيث ذكرت في سياق ~~الرحمة جاءت PageV04P009 # مجموعة، كقوله تعالى: * (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا) *. # * (وأرسلنا الرياح لواقع) *. # * (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات) *. # وحيث ذكرت في سياق العذاب أتت مفردة، كقوله تعالى: * (فأرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا في أيام نحسات) *. # * (فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها) *. # * (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية) *. # * (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح) *. # * (وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) *. # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " ~~والمعنى فيه أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والماهيات والمنافع، وإذا هاجت ~~منها ريح أثير لها من مقابلها ما يكسر سورتها، فينشأ من بينهما ريح لطيفة، ~~تنفع الحيوان والنبات. وكانت في الرحمة رياحا، وأما في العذاب فإنها تأتى ~~من وجه واحد، ولا معارض ولا دافع; ولهذا وصفها الله بالعقيم فقال: * (وفى ~~عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) *، أي تعقم ما مرت به. # وقد اطردت هذه القاعدة إلا في مواضع يسيرة لحكمة. # فمنها قوله سبحانه في سورة يونس: * (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى ~~إذا PageV04P010 # كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف) *، فذكر ~~ريح الرحمة بلفظ الإفراد لوجهين: # أحدهما: لفظي، وهو المقابلة، فإنه ذكر ما يقابلها ريح العذاب، وهي ms0840 لا ~~تكون إلا مفردة، ورب شئ يجوز في المقابلة ولا يجوز استقلالا; نحو: * ~~(ومكروا ومكر الله) *. # الثاني: معنوي، وهو أن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا ~~باختلافها; فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد; فإن اختلفت ~~عليها الرياح وتصادمت كان سبب الهلاك والغرق. فالمطلوب هناك ريح واحدة، ~~ولهذا أكد هذا المعنى، فوصفها بالطيب دفعا لتوهم أن تكون عاصفة، بل هي ريح ~~يفرح بطيبها. # ومنها قوله تعالى: * (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره) *، وهذا ~~أورده ابن المنير في كتابه على الزمخشري قال: الريح رحمة ونعمة، وسكونها ~~شدة على أصحاب السفن. # قال الشيخ علم الدين العراقي: وكذا جاء في القراءات السبع: * (والله الذي ~~أرسل الريح) *، * (وهو الذي يرسل الريح) *، والمراد به الذي ينشر السحاب. ~~PageV04P011 # ومن ذلك جمع الظلمات والنور: * (الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) ~~*، ولذلك جمع سبيل الباطل، وأفرد سبيل الحق، كقوله: * (وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) *. # والجواب في ذلك كله، أن طريق الحق واحد، وأما الباطل فطرقه متشعبة ~~متعددة، ولما كانت الظلم بمنزلة طريق الباطل، والنور بمنزلة طريق الجنة، بل ~~هما هما، أفرد النور وجمع الظلمات; ولهذا وحد الولي، فقال: * (الله ولى ~~الذين آمنوا) * لأنه الواحد الأحد، وجمع أولياء الكفار لتعددهم، وجمع ~~الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها، ووحد النور وهو دين الحق. # * * * ومن ذلك أفرد اليمين والشمال في قوله: * (عن اليمين وعن الشمال ~~عزين) *، وجمعها في قوله: * (وعن أيمانهم وعن شمائلهم) * ولا سؤال فيه، ~~إنما السؤال في جمع أحدهما وإفراد الآخر، كقوله تعالى: * (يتفيأ ظلاله عن ~~اليمين والشمائل سجدا لله) *، قال الفراء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ~~ذوات الظلمة، وإذا جمع ذهب إلى كلها، والحكمة في تخصيص اليمين بالإفراد ما ~~سبق; فإنه لما كانت اليمين جهة الخير والصلاح، وأهلها هم الناجون أفردت، ~~ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب ms0841 الشمال جمعت في قوله: * (عن ~~اليمين والشمائل) *. PageV04P012 # وفيه وجوه أخر: # أحدها: أن اليمين مقصود به الجمع أيضا، فإن الألف واللام لو فيه للجنس، ~~فقام العموم مقام الجمع. قاله ابن عطية. # الثاني: أن اليمين فعيل، وهو مخصوص بالمبالغة، فسدت مبالغته جمعه، كما سد ~~مسد الشبه قوله: * (عن اليمين وعن الشمال قعيد) *، قاله ابن بابشاذ. # الثالث: أن الظل حين ينشأ أول النهار يكون في غاية الطول، ثم يبدو كذلك ~~ظلا واحدا من جهة اليمين; ثم يأخذ في النقصان، وإذا أخذ في جهة الشمال فإنه ~~يتزايد شيئا فشيئا، والثاني فيه غير الأول، فكلما زاد فيه شيئا فهو غير ما ~~كان قبله، فصار كل جزء منه ظل، فحسن جمع الشمائل في مقابلة تعدد الظلال. ~~قاله الرماني وغيره. # قال ابن بابشاذ: وإنما يصح هذا; إذا كانا متوجهين نحو القبلة. # الرابع: أن اليمين يجمع على أيمن وأيمان; فهو من أبنية جمع القلة غالبا، ~~والشمال يجمع على شمائل وهو جمع كثرة، والموطن موطن تكثير ومبالغة، فعدل عن ~~جمع اليمين إلى الألف واللام الدالة على قصد التكثير. قاله السهيلي. # وأما إفرادها في قوله: * (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال) * فلأن المراد ~~أهل هذه الجهة ومصيرهم إلى جهة واحدة، هي جهة أهل الشمال مستقر أهل النار، ~~فإنها من جهة أهل الشمال فلا يحسن مجيئها مجموعة. # وإما إفرادهما في قوله: * (عن اليمين وعن الشمال قعيد) * فإن لكل عبد ~~قعيدا، واحدا عن يمينه وآخر شماله، يحصيان عليه الخير والشر، فلا معنى ~~للجمع بينهما، وهذا بخلاف قوله تعالى ذاكرا عن إبليس: * (ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم ومن خلفهم PageV04P013 # وعن أيمانهم وعن شمائلهم) * فإن الجمع هناك يقابله كثير مما يريد ~~إغوائهم، فجمع لمقابلة الجملة بالجملة المقتضى لتوزيع الأفراد على الأفراد. # * * * ومنها، حيث وقع في القرآن ذكر الجنة فإنها تجئ تارة مجموعة، وتارة ~~غير مجموعة، والنار لم تقع إلا مفردة، وفى ذلك وجهان: # أحدهما: لما كانت الجنات مختلفة الأنواع، حسن جمعها وإفرادها، ولما كانت ~~النار واحدة أفردت باعتبار الجنس، ونظيره قوله تعالى: * (بأكواب وأباريق ~~وكأس ms0842 من معين) *، لم يقل " وكؤوس " لما سنذكره. # الثاني: أنه لما كانت النار تعذيبا، والجنة رحمة ناسب جمع الرحمة وإفراد ~~العذاب، نظير جمع الريح في الرحمة، وإفرادها في العذاب. # وأيضا فالنار دار حبس والغاضب يجمع جماعة من المحبوسين في موضع واحد; ~~أنكد لعيشهم، والكريم لا يترك ضيفه; ولا سيما إذا كان للدوام; إلا في دار ~~مفردة مهيأة له وحده، فالنار لكل مذنب، ولكل مطيع جنة، فجمع الجنان ولم ~~يجمع النار. # * * * ومنها: جمع " الآيات " في موضع وإفرادها في آخر، فحيث جمعت فلجمع ~~الدلائل، وحيث وحدت فلوحدانية المدلول عليه; لما يخرج عن ذلك، ولهذا قال في ~~الحجر: * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) * ثم قال: * (إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين) *، فلما ذكر صفة المؤمنين بالوحدانية، وحد الآية; وليس لها نظير ~~إلا في العنكبوت وهو قوله: # * (خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية) *. PageV04P014 # ومنها مجئ المشرق والمغرب في القرآن تارة بالجمع، وأخرى بالتثنية، وأخرى ~~بالإفراد، لاختصاص كل مقام بما يقتضيه. # فالأول كقوله: * (فلا أقسم برب المشارق والمغارب) *. # والثاني كقوله: * (رب المشرقين ورب المغربين) *. # والثالث قوله: * (رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو) * فحيث جمع كان ~~المراد نفى المشرق والمغرب، وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وارتفاعها; ~~فإنها تبتدئ صاعدة، حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها; فهذا مشرق صعودها ~~وارتفاعها; وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء، فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا ~~واحدا، ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا، ومقابلهما مغربا. # وقيل: هو إخبار عن الحركات الفلكية، متحركة بحركات متداركة، لا تنضبط ~~لخطة ولا تدخل تحت قياس; لأن معنى الحركة انتقال الشئ من مكان إلى آخر، ~~وهذه صفة الأفلاك، قال تعالى: * (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر...) *، ~~الآية، فهذا وجه اختلاف هذه الألفاظ بالإفراد والتثنية والجمع، وقد أجرى ~~الله العادة إن القمر يطلع في كل ليلة من مطلع غير الذي طلع فيه بالأمس، ~~وكذلك الغروب، فهي من أول فصل الصيف في تلك المطالع والمغارب; إلى إن تنتهي ~~إلى مطلع الاعتدال، ومغربه عند أول فصل الخريف، ثم ms0843 تأخذ جنوبا في كل يوم في ~~مطلع ومغرب، إلى أن تنتهي إلى آخر مثلها الذي يقدر الله لها عند أول فصل ~~الشتاء، ثم ترجع كذلك إلى أن تنتهي إلى مطلع الاعتدال الربيعي ومغربه، ~~وهكذا أبدا. فحيث أفرد الله له لفظ المشرق والمغرب، أراد به الجهة نفسها ~~التي تشتمل الواحدة على تلك المطالع جميعها، والأخرى على تلك المغارب من ~~غير نظر إلى تعددها; وحيث جئ بلفظ الجمع المراد به PageV04P015 # كل فرد منها بالنسبة إلى تعدد تلك المطالع والمغارب، وهي في كل جهة مائة ~~وثمانون يوما، وحيث كان بلفظ التثنية، فالمراد بأحدهما الجهة التي تأخذ ~~منها الشمس من مطلع الاعتدال إلى آخر المطالع والمغارب الجنوبية، وبهذا ~~الاعتبار مشرقان ومغربان. # وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع منه، فأبدى فيه بعض المتأخرين معاني ~~لطيفة، فقال: # أما ما ورد مثنى في سورة الرحمن، فلأن سياق السورة سياق المزدوجين. # الثاني: فإنه سبحانه أولا ذكر نوعي الإيجاد; وهما الخلق والتعليم، ثم ذكر ~~سراجي العالم ومظهر نوره، وهما الشمس والقمر، ثم ذكر نوعي النبات; فإن منه ~~ما هو على ساق، ومنه ما انبسط على وجه الأرض، وهما النجم والشجر. ثم ذكر ~~نوعي السماء المرفوعة والأرض، ثم أخبر أنه رفع هذه ووضع هذه، ووسط بينهما ~~ذكر الميزان، ثم ذكر العدل والظلم في الميزان، فأمر بالعدل، ونهى عن الظلم، ~~ثم ذكر نوعي الخارج من الأرض، وهما الجنوب، ثم ذكر نوعي المكلفين، وهما نوع ~~الإنسان والجان، ثم ذكر نوعي المشرق والمغرب، ثم ذكر بعد ذلك البحر من ~~الملح والعذب، فلهذا حسن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة. # وإنما أفردا في سورة المزمل لما تقدم من ذكر الليل والنهار، فإنه سبحانه ~~أمر نبيه بقيام الليل، ثم أخبر أنه له في النهار سبحا طويلا; فلما تقدم ذكر ~~الليل والنهار، تممه بذكر المشرق والمغرب، اللذين هما مظهر الليل والنهار، ~~فكان ورود هما منفردين في هذا السياق، أحسن من التثنية والجمع; لأن ظهور ~~الليل والنهار فيهما واحد. # وإنما جمعا في سورة المعارج في قوله: ms0844 * (فلا أقسم برب المشارق والمغارب ~~PageV04P016 # إنا لقادرون. على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين) *، لأنه لما كان ~~هذا القسم في سعة مشارق ربوبيته، وإحاطة قدرته، والمقسم عليه إذهاب هؤلاء، ~~والإتيان بخير منهم ذكر المشارق والمغارب; لتضمنها انتقال الشمس التي في ~~أحد آياته العظيمة، ونقله سبحانه لها، وتصريفها كل يوم في مشرق ومغرب، فمن ~~فعل هذا كيف يعجزه أن يبدل هؤلاء، وينقل إلى أمكنتهم خيرا منهم! # وأيضا فإن تأثير مشارق الشمس ومغاربها في اختلاف أحوال النبات والحيوان ~~أمر مشهود، وقد جعله الله بحكمته سببا لتبدل أجسام النبات وأحوال الحيوانات ~~وانتقالها، من حال إلى حال، ومن برد إلى حر، وصيف وشتاء، وغير ذلك بسبب ~~اختلاف مشارق الأرض ومغاربها، فكيف لا يقدر مع ما يشهدون من ذلك على تبديل ~~من هو خير! # وأكد هذا المعنى بقوله: * (وما نحن بمسبوقين) *، فلا يليق بهذا الموضع ~~سوى لفظ الجمع وأما جمعهما في سورة الصافات في قوله: * (ورب المشارق) *، ~~لما جاءت مع جملة المربوبات المتعددة، وهي السماوات والأرض وما بينهما، ~~وكان الأحسن مجيئها مجموعة، لتنتظم مع ما تقدم من الجمع والتعدد. # ثم تأمل كيف اقتصر على المشارق دون المغارب، لاقتضاء الحال ذلك، فإن ~~المشارق مظهر الأنوار، وأسباب لانتشار الحيوان وحياته، وتصرفه في معاشه ~~وانبساطه، فهو إنشاء شهود، فقدمه بين يدي... على مبدأ البعث، فكان الاقتصار ~~على ذكر المشارق PageV04P017 # ها هنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب; فتأمل هذه المعاني الكاملة، ~~والآيات الفاضلة، التي ترقص القلوب لها طربا، وتسيل الأفهام منها رهبا! # * * * وحيث ورد البار مجموعا في صفة الآدميين قيل " أبرار "، كقوله: * ~~(إن الأبرار لفي نعيم) *، وقال في صفة الملائكة: * (بررة) *، قال الراغب: ~~فخص الملائكة بها، من حيث أنه أبلغ من " أبرار " جمع " بر " وأبرار جمع " ~~بار "، [وبر أبلغ من بار]، كما أن عدلا أبلغ من عادل. # وهذا بناء على رواية في تفضيل الملائكة على البشر. # * * * ومنها أن الأخ يطلق على أخي النسب، وأخي الصداقة والدين، ويفترقان ~~في الجمع، فيقال في النسب إخوة وفى الصداقة إخوان، كما قيل: ms0845 * (إخوانا على ~~سرر متقابلين) *. # وقال: * (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) *، قال جماعة من أهل اللغة، منهم ~~ابن فارس، وحكاه أبو حاتم عن أهل البصرة، ثم رده بأنه يقال للأصدقاء ~~والنسب: إخوة وإخوان، قال تعالى: * (إنما المؤمنون إخوة) *، لم يعن النسب. # وقال: * (أو بيوت إخوانكم) *. # وهذا في النسب، ونظيره قوله: * (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن) *، إلى ~~قوله: * (أو بنى أخواتهن) *، وهذا هو الصواب. واشتقاق اللفظين من تأخيت ~~PageV04P018 # الشئ، فسمى الأخوان أخوين; لأن كل واحد منهما يتأخى ما تأخاه الآخر، أي ~~يقصده. # قال ابن السكيت: ويقال أخوة، بضم الهمزة. # ومنها إفراد العم والخال. # * * * ومنها إفراد السمع وجمع البصر، كقوله تعالى: * (ختم الله على ~~قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم) *، لأن السمع غلب عليه المصدرية; فأفرد، ~~بخلاف البصر، فإنه اشتهر في الجارحة، وإذا أردت المصدر قلت: أبصر إبصارا، ~~ولهذا لما استعمل الحاسة جمعه بقوله: * (يجعلون أصابعهم في آذانهم) *، ~~وقال: * (وفى آذاننا وقر) *. # وقيل: في الكلام حذف مضاف، أي على حواس سمعهم. # وقيل: لأن متعلق السمع الأصوات، وهي حقيقة واحدة، ومتعلق البصر الألوان ~~والأكوان، وهي حقائق مختلفة، فأشار في كل منهما إلى متعلقه. # ويحتمل أن يكون البصر الذي هو نور العين معنى يتعدد بتعدد المقلتين، ولا ~~كذلك السمع، فإنه معنى واحد، ولهذا إذا غطيت إحدى العينين ينتقل نورها إلى ~~الأخرى، بخلاف السمع، فإنه ينقص بنقصان أحدهما. # * * * وقال الزمخشري في قوله تعالى: * (فيه ظلمات ورعد وبرق) *: أجرى ~~الرعد والبرق على أصلهما مصدرين، فأفردهما دون الظلمات، يقال: رعدت السماء ~~رعدا، PageV04P019 # وبرقت برقا، والحق أن الرعد والبرق مصدران، فأفردهما. أو هما مسببان عن ~~سبب لا يختلف، بخلاف الظلمة، فإن أسبابها متعددة. # * * * ومنها، حيث ذكر الكأس في القرآن كان مفردا، ولم يجمع في قوله ~~تعالى: # * (بأكواب وأباريق وكأس) *، ولم يقل: " وكؤوس "، لأن الكأس إناء فيه ~~شراب، فإن لم يكن فيه شراب فليس بكأس، بل قدح، والقدح إذا جعل فيه الشراب ~~فالاعتبار للشراب، لا لإنائه، لأن المقصود هو المشروب، والظرف اتخذ للآلة، ~~ولولا الشراب والحاجة إلى شربه لما اتخذا، ms0846 والقدح مصنوع والشراب جنس، فلو ~~قال: # " كؤوس " لكان اعتبر حال القدح والقدح تبع، ولما لم يجمع اعتبر حال ~~الشراب، وهو أصل، واعتبار الأصل أولى. فانظر كيف اختار الأحسن من الألفاظ! # وكثير من الفصحاء قالوا: دارت الكؤوس، ومال الرؤوس; فدعاهم السجع إلى ~~اختيار غير الأحسن، فلم يدخل كلامهم في حد الفصاحة، والذي يدل على ما ذكرنا ~~أن الله تعالى لما ذكر الكأس واعتبر الأصل، قال: * (كأس من معين) *، فذكر ~~الشراب. # وحيث ذكر المصنوع، ولم يكن في اللفظ دلالة على الشراب جمع فقال: * ~~(وأكواب وأباريق) *، ثم ذكر ما يتخذ منه فقال: * (من فضة) *. # * * * ومنها إفراد " الصديق "، وجمع " الشافعين "، في قوله تعالى: * (فما ~~لنا من شافعين. # ولا صديق حميم) *، وحكمته كثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق، قال ~~الزمخشري: PageV04P020 # ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم، نهضت جماعة وافرة من أهل بلده ~~بشفاعته رحمة له، وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة! وأما الصديق فأعز من بيض ~~الأنوق. وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق، فقال: اسم لا معنى له. # ويجوز أن يريد بالصديق الجمع. # * * * وقال السهيلي في،، الروض الأنف،،: إذا قلت: عبيد ونخيل، فهو اسم ~~يتناول الصغير والكبير من ذلك الجنس; قال الله تعالى: * (وزرع ونخيل) *، ~~وقال: * (وما ربك بظلام للعبيد) *; وحين ذكر المخاطبين منهم قال: " العباد ~~"، ولذلك قال حين ذكر التمر من النخيل: * (والنخل باسقات) *، و * (أعجاز ~~نخل منقعر) *، فتأمل الفرق بين الجمعين في حكم البلاغة، واختيار الكلام! # وأما في مذهب اللغة، فلم يفرقوا هذا التفريق، ولا نبهوا على هذا المعنى ~~الدقيق. # * * * ومنها اختلاف الجمعين في قوله تعالى: * (أيود أحدكم أن تكون له ~~جنة) * إلى قوله: * (وله ذرية ضعفاء) *. # وقال: * (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا) *. # فأما وجه التفرقة بين الجمع في الموضعين، وكذلك قوله: * (ولا يبدين ~~زينتهن إلا لبعولتهن) * إلى قوله: * (أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى ~~إخوانهن) * PageV04P021 # فخالف بين الجمعين في الأبناء. وفى سورة الأحزاب: * (ولا أبناء إخوانهن) ~~*. # ومنه قوله تعالى: * (أنبتت سبع سنابل) *، وفى موضع آخر: ms0847 * (وسبع سنبلات) ~~*، فالمعدود واحد. # وقد اختلف تفسيره، فالأول جاء بصيغة جمع الكثرة، والثاني بجمع القلة. # وقد قيل في توجيهه: إن آية البقرة سيقت في بيان المضاعفة والزيادة، فناسب ~~صيغة جمع الكثرة، وآية يوسف لحظ فيها. وهو قليل، فأتى بجمع القلة; ليصدق ~~اللفظ المعنى. # تنبيه جمع التكسير يشمل أولى العلم وغيرهم، وجمع السلامة يختص في أصل ~~الوضع بأولى العلم، وإن وجد في غيرهم فبحكم الإلحاق والتشبيه، كقوله: * ~~(إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) *، وعلى هذا ~~فأشرف الجمعين جمع السلامة، وما يجمع جمع التكسير من مذكر غير العاقل قد ~~يتبع بالصفة المفردة مؤنثة بالتاء، كما يفعل بالخبر، تقول: حقوق معقودة، ~~وأعمال محسوبة، قال تعالى: * (فيها سرر مرفوعة. وأكواب موضوعة. ونمارق ~~مصفوفة. وزرابي مبثوثة) *. # وقال تعالى: * (أياما معدودة) *. # وقد يجمع بالألف والتاء في غير المفرد وإن لم يكثر، إلا أنه فصيح، ومنه: ~~* (واذكروا الله في أيام معدودات) *. PageV04P022 # قاعدة نحوية نون ضمير الجمع في جمع العاقلات، سواء القلة كالهندات، أو ~~الكثرة كالهنود، فتقول: الهندات يقمن، والهنود يقمن، قال تعالى: * ~~(والوالدات يرضعن) *، * (والمطلقات يتربصن) *; هذا هو الأكثر. # وقد جاء في القرآن بالإفراد، قال تعالى: * (وأزواج مطهرة) *، ولم يقل: # " مطهرات ". # وأما جمع غير العاقل ففيه تفصيل: # إن كان للكثرة أتيت بضميره مفردا، فقلت: الجذوع انكسرت، وإن كان للقلة، ~~أتيت جمعا. # وقد اجتمعا في قوله: * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب ~~الله) *، إلى أن قال: * (. منها أربعة حرم) *، فالضمير في " منها " يعود ~~إلى " الاثني عشر "، وهو جمع كثرة، ولم يقل " منهن "، ثم قال سبحانه: * ~~(فلا تظلموا فيهن أنفكسم) *، فهذا عائد إلى الأربعة، وهو جمع قلة. # فإن قيل: فما السر في هذا حيث كان يؤتى مع الكثرة بضمير المفرد، ومع ~~القلة بضمير الجمع؟ وهي عكس؟ # قلنا: ذكر الفراء له سرا لطيفا، فقال: لما كان المميز مع جمع الكثرة ~~واحدا، وحد الضمير لأنه من أحد عشر يصير مميزه واحد، وهو أندرهم، وأما جمع ~~القلة فمميزه جمع، لأنك تقول: ثلاثة دراهم، أربعة ms0848 دراهم، وهكذا إلى العشر ~~تمييزه جمع، فلهذا أعاد الضمير باعتبار المميز جمعا وإفرادا، ومن هذا قوله ~~سبحانه: * (سبعة أبحر) *، فأتى بجمع القلة ولم يقل: # " بحور " لتناسب نظم الكلام; وهذا هو الاختيار في إضافة العدد إلى جمع ~~القلة، PageV04P023 # قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) *، فأضاف الثلاثة ~~إلى القروء، وهو جمع كثرة، ولم يضفها إلى الأقراء التي هي جمع قلة. قال ~~الحريري: # المعنى: لتتربص كل واحدة منهن ثلاثة أقراء، فلما أسند إلى جماعتهن ثلاثة ~~- والواجب على كل فرد منهن ثلاثة - أتى بلفظ " قروء " لتدل على الكثرة ~~المرادة، والمعنى الملموح. # قاعدة في الضمائر وقد صنف ابن الأنباري في بيان الضمائر الواقعة في ~~القرآن مجلدين - وفيه مباحث: # * * * الأول: للعدول إلى الضمائر أسباب: # منها - وهو أصل وصفها - للاختصار، ولهذا قام قوله تعالى: * (وأعد الله ~~لهم مغفرة وأجرا عظيما) *، مقام خمسة وعشرين لو أتى بها مظهرة. # وكذا قوله تعالى: * (قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) *، نقل ابن عطية عن ~~مكي، أنه ليس في كتاب الله آية اشتملت على ضمائر أكثر منها، وهي مشتملة على ~~خمسة وعشرين ضميرا. وقد قيل: في آية الكرسي أحد وعشرون اسما; ما بين ضمير ~~وظاهر. # ومنها، الفخامة بشأن صاحبه; حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه، ~~ويكتفى عن اسمه الصريح بذكر شئ من صفاته، كقوله تعالى: * (إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر) *، يعنى القرآن، وقوله: * (فإنه نزله على قلبك) *. ومنه ضمير ~~الشأن PageV04P024 # ومنها التحقير، كقوله تعالى: * (إنه لكم عدو مبين) *، يعنى الشيطان. # وقوله: * (إنه يراكم وهو وقبيله من حيث لا ترونهم) *. # * (إنه ظن أن لن يحور) *. # * * * الثاني: الأصل أن يقدم ما يدل عليه الضمير، بدليل الأكثرية وعدم ~~التكليف، ومن ثم ورد قوله تعالى: * (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه) *، وتقدم المفعول الثاني في قوله: * (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ~~شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم) *، فأخر المفعول الأول ليعود الضمير الأول ~~عليه لقربه. # وقد قسم النحويون ضمير الغيبة إلى أقسام: # أحدها - وهو الأصل، أن يعود إلى شئ سبق ذكره في اللفظ بالمطابقة، ms0849 نحو * ~~(وعصى آدم ربه فغوى) *. # * (ونادى نوح ابنه) *. # * (إذا أخرج يده لم يكد يراها) *. # وقوله: * (يستمعون القران فلما حضروه) *. # الثاني: أن يعود على مذكور في سياق الكلام، مؤخر في اللفظ مقدم في النية، ~~كقوله تعالى: * (فأوجس في نفسه خيفة) *. PageV04P025 # قوله: * (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) *. # وقوله: * (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) *. # الثالث: أن يدل اللفظ على صاحب الضمير بالتضمن، كقوله تعالى: * (اعدلوا ~~هو أقرب للتقوى) *، فإنه عائد على " العدل " المفهوم من " اعدلوا ". # وقوله: * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) *، فالضمير ~~يرجع للأكل لدلالة " تأكلوا ". # وقوله: * (وإذا حضر القسمة) * إلى قوله: * (فارزقوهم منه) * أي المقسوم، ~~لدلالة القسمة عليه. ويحتمل أن يعود على ما تركه الوالدان والأقربون; لأنه ~~مذكور، وإن كان بعيدا. # الرابع: أن يدل عليه بالالتزام، كإضمار النفس في قوله تعالى: * (فلولا ~~إذا بلغت الحلقوم) *، * (كلا إذا بلغت التراقي) *، أضمر النفس لدلالة ذكر ~~الحلقوم والتراقي عليها. # وقوله: * (حتى توارت بالحجاب) *، يعنى الشمس. # وقيل: بل سبق ما يدل عليها، وهو العشى; لأن العشى ما بين زوال الشمس ~~وغروبها، والمعنى إذ عرض عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب. # وقيل: فاعل " توارت " ضمير " الصافنات " ذكره ابن مالك، وابن العربي في ~~،، المفتوحات،،. ويرجحه أن اتفاق الضمائر أولى من تخالفها، وسنذكره في ~~الثامن. PageV04P026 # وكذا قوله: * (فأثرن به نقعا. فوسطن به جمعا) *، قيل: الضمير لمكان " ~~الإغارة " بدلالة " والعاديات " عليه، فهذه الأفعال إنما تكون لمكان. # وقوله: * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) *، أضمر القرآن; لأن الإنزال يدل ~~عليه. # وقوله: * (فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) *، ~~ف‍ " عفى " يستلزم " عافيا " إذ أغنى ذلك عن ذكره، وأعيد الهاء من * (إليه) ~~* عليه. # الخامس: أن يدل عليه السياق فيضمر، ثقة بفهم السامع، كإضمار " الأرض " في ~~قوله: # * (ما ترك على ظهرها من دابة) *، وقوله: * (كل من عليها فان) *. # وجعل ابن مالك الضمير للدنيا، وقال: وإن لم يقدم لها ذكر، لكن تقدم ذكر ~~بعضها، والبعض يدل على الكل. # وقوله تعالى: * (مستكبرين ms0850 به سامرا تهجرون) *، يعنى القرآن أو المسجد ~~الحرام. # وقوله: * (قال هي راودتني عن نفسي) *. # * (يا أبت استأجره) *. # * (ولأبويه لكل واحد منهما السدس) *، الضمير يعود على الميت، وإن لم ~~يتقدم له ذكر، إلا أنه لما قال: * (يوصيكم الله في أولادكم) * علم أن ثم ~~ميتا يعود الضمير عليه. # وقوله: * (وإذا حضر القسمة) * ثم قال: * (فارزقوهم منه) *; أي من ~~الموروث، وهذا وجه آخر غير ما سبق. PageV04P027 # وقوله: * (وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها) * ولم يقل " اتخذه " ردا ~~للضمير إلى " شيئا "، لأنه لم يقتصر على الاستهزاء بما يسمع من آيات الله; ~~بل كان إذا سمع بعض آيات الله استهزأ بجميعها. # وقيل: " شيئا " بمعنى الآية; لأن بعض الآيات آية. # وقد يعود الضمير على الصاحب المسكوت عنه لاستحضاره بالمذكور وعدم صلاحيته ~~له، كقوله: * (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان) *، فأعاد ~~الضمير للأيدي لأنها تصاحب الأعناق في الأغلال، وأغنى ذكر الأغلال عن ~~ذكرها. # ومثله قوله تعالى: * (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره) *، أي من عمر ~~غير المعمر، فأعيد الضمير على غير المعمر; لان ذكر المعمر يدل عليه ~~لتقابلهما، فكان يصاحبه الاستحضار الذهني. # وقد يعود الضمير على بعض ما تقدم، كقوله تعالى: * (فإن كن نساء) *، بعد ~~قوله: # * (يوصيكم الله في أولادكم) *. # وقوله: * (وبعولتهن أحق بردهن) *; فإنه عائد على المطلقات; مع أن هذا خاص ~~بالرجعي، وهل يقتضى ذلك تخصيص الأول؟ فيه خلاف أصولي. وقوله: # * (ولا ينفقونها في سبيل الله) *; فإن الفضة بعض المذكور، فأغنى ذكرها عن ~~ذكر الجميع; حتى كأنه قال: * (والذين يكنزون) *، أصناف ما يكنز. # وقد يعود على اللفظ الأول دون معناه، كقوله تعالى: * (وما يعمر من معمر ~~ولا ينقص من عمره) *، وقد سبق فيه وجه آخر. PageV04P028 # * (ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه) *، على أحد ~~الأقوال. # ومما يتخرج عليه: * (وبعولتهن أحق بردهن) *، ويستراح من إلزام تخصيص ~~الأول. # وقد يعود على المعنى، كقوله في آية الكلالة: * (فإن كانتا اثنتين) *، ولم ~~يتقدم لفظ مثنى يعود عليه الضمير من " كانتا "، قال الأخفش: إنما ms0851 يثنى، لأن ~~الكلام لم يقع على الواحد والاثنين والجمع، فثنى الضمير الراجع إليها، حملا ~~على المعنى، كما يعود الضمير معا في " من " حملا على معناها. # وقال الفارسي: إنما جازت من حيث كان يفيد العدد، مجردا من الصغير ~~والكبير. # السادس: ألا يعود على مذكور، ولا معلوم بالسياق أو غيره وهو الضمير ~~المجهول الذي يلزمه التفسير بجملة أو مفرد، فالمفرد في نعم وبئس، والجملة ~~ضمير الشأن والقصة، نحو، هو زيد منطلق، وكقوله تعالى: * (قل هو الله أحد) ~~*، أي الشأن الله أحد. # وقوله: * (لكنا هو الله ربى) *. # وقوله: * (أنا الله) *. # وقوله: * (فإنها لا تعمى الأبصار) *. # وقد يكون مؤنثا إذا كان عائده مؤنثا، كقوله تعالى: * (إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا) *، وأما قوله تعالى: * (إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم) * فذكر ~~PageV04P029 # الضمير مع اشتمال الجملة على جهنم وهي مؤنثة، لأنها في حكم الفضلة، إذا ~~المعنى: من يأت ربه مجرما يجز جهنم. # (تنبيه): والفرق بينه وبين ضمير الفصل أن الفصل يكون على لفظ الغائب ~~والمتكلم والمخاطب، قال تعالى: * (هذا هو الحق) *. * (كنت أنت الرقيب) *. * ~~(إن ترن أنا أقل منك مالا) *، ويكون له محل من الإعراب، وضمير الشأن يكون ~~إلا غائبا ويكون مرفوع المحل ومنصوبه، قال تعالى: * (قل هو الله أحد) *. * ~~(وأنه لما قام عبد الله) *. # * * * البحث الثالث: قد يعود على لفظ شئ، والمراد به الجنس من ذلك الشئ، ~~كقوله تعالى: * (وأتوا به متشابها) *; فان الضمير في " به " يرجع إلى ~~المرزوق في الدارين جميعا; لأن قوله: * (هذا الذي رزقنا من قبل) * مشتمل ~~على ذكر ما رزقوه في الدارين. # قال الزمخشري: ونظيره: * (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما) * أي ~~بجنس الفقير والغنى، لدلالة قوله: * (غنيا أو فقيرا) * على الجنسين، ولو ~~رجع إلى المتكلم به لوحده. # * * * البحث الرابع: قد يذكر شيئان ويعا الضمير على أحدهما، ثم الغالب ~~كونه للثاني، كقوله تعالى: * (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة) *، ~~فأعاد الضمير للصلاة لأنها أقرب. PageV04P030 # وقوله: * (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل) * والأصل: # " قدرهما " لكن اكتفى ms0852 برجوع الضمير للقمر لوجهين: قربه من الضمير، وكونه ~~هو الذي يعلم به الشهور، ويكون به حسابها. # وقوله: * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) *، ~~أعاد الضمير على الفضة لقربها. # ويجوز أن يكون إلى المكنوز، وهو يشملها. # قوله: * (والله ورسوله أحق أن يرضوه) *، أراد يرضوهما، فخص الرسول ~~بالعائد، لأنه هو داعي العباد إلى الله، وحجته عليهم، والمخاطب لهم شفاها ~~بأمره ونهيه، وذكر الله تعالى في الآية تعظيما، والمعنى تام بذكر الرسول ~~وحده، كما قال تعالى: * (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم) *، فذكر ~~الله تعظيما، والمعنى تام بذكر رسوله. # ومثله قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا ~~عنه) *. # وجعل منه ابن الأنباري: * (ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا) * ~~أعاد الضمير للإثم، لقربه، ويجوز رجوعه إلى الخطيئة والإثم على لفظها، ~~بتأويل: ومن يكسب إثما ثم يرم به. # وقال ابن الأنباري: ولم يؤثر الأول بالعائد في القرآن كله إلا في موضع ~~واحد، وهو قوله تعالى: * (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) *، أو ~~معناه " إليهما "، فخص التجارة بالعائد، لأنها كانت سبب الانفضاض عنه، وهو ~~يخطب. # قال: فأما كلام العرب فإنها تارة تؤثر الثاني بالعائد وتارة الأول، ~~فتقول: إن عبدك وجاريتك عاقلة، وإن عبدك وجاريتك عاقل. PageV04P031 # قلت: ليس من هذا قوله تعالى: * (وإذا رأو تجارة أو لهوا انفضوا إليها) *. # وقوله: * (ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا) *، لأن الإخبار عن ~~أحدهما لوجود لفظه، أو هي لإثبات أحد المذكورين، فمن جعله نظير هذا فلم ~~يصب، إلا أن يدعى أن " أو " بمعنى الواو. # وفى هاتين الآيتين لطيفة، وهي أن الكلام لما اقتضى إعادة الضمير على ~~أحدهما، أعاده في الآية الأولى على التجارة، وإن كانت أبعد، ومؤنثة، لأنها ~~أجذب لقلوب العباد عن طاعة الله من اللهو، بدليل أن المشتغلين بها أكثر من ~~اللهو، ولأنها أكثر نفعا من اللهو. أو لأنها كانت أصلا واللهو تبعا، لأنه ~~ضرب بالطبل لقدومها على ما عرف من تفسير الآية وأعاده في ms0853 الآية الثانية على ~~الإثم، رعاية لمرتبة القرب والتذكر. # * * * الخامس: قد يذكر شيئان، ويعود الضمير جمعا; لأن الاثنين جمع في ~~المعنى، كقوله تعالى: * (وكنا لحكمهم شاهدين) *، يعنى حكم سليمان وداود. # وقوله: * (أولئك مبرؤون مما يقولون) *، فأوقع " أولئك " وهو جمع، على ~~عائشة وصفوان بن المعطل. # * * * البحث السادس: قد يثنى الضمير ويعود على أحد المذكورين، كقوله ~~تعالى: * (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) *، قالوا: وإنما يخرج من أحدهما. # وقوله: * (ونسيا حوتهما) * وإنما نسيه الفتى. PageV04P032 # السابع: قد يجئ الضمير متصلا بشئ وهو لغيره، كقوله تعالى: * (ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين) *، يعنى آدم، ثم قال: * (ثم جعلناه نطفة) *; فهذا ~~لولده، لأن آدم لم يخلق من نطفة. # ومنه قوله تعالى: * (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) *، قيل: # نزلت في ابن حذافة حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: من أبى؟ قال: ~~حذافة، فكان نسبه، فساءه ذلك، فنزلت: * (لا تسألوا عن أشياء) *. وقيل: نزلت ~~في الحج، حين قالوا: أفي كل عام مرة؟ ثم قال: * (وإن تسألوا عنها) *. يريد: ~~إن تسألوا عن أشياء أخر من أمر دينكم، بكم إلى علمها حاجة تبد لكم، ثم قال: ~~* (قد سألها قوم من قبلكم) *، أي طلبها، والسؤال عنها طلب، فليست الهاء ~~راجعة لأشياء متقدمة، بل لأشياء أخر مفهومة من قوله: * (تسألوا عن أشياء) * ~~ويدل على ما ذكرنا أنه لو كان الضمير عائدا على أشياء مذكورة لتعدى إليها ~~ب‍ " عن " لا بنفسه، ولكنه مفعول مطلق لا مفعول به. # وقوله تعالى: * (هو سماكم المسلمين من قبل) *، يتبادر إلى الذهن إن ~~الضمير في قوله: * (* (هو) *) * عائد لإبراهيم، لأنه أقرب المذكورين، وهو ~~مشكل لا يستقيم، لأن الضمير في قوله: * (وفى هذا) * راجع للقرآن، وهو لم ~~يكن في زمن إبراهيم، ولا هو قاله. # والصواب أن الضمير راجع إلى الله سبحانه، يعنى * (سماكم المسلمين من قبل) ~~* يعنى في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلكم، وفى هذا الكتاب الذي أنزل ~~عليكم، وهو القرآن. # والمعنى: جاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم، وهو سماكم المسلمين من ~~قبل، وفى هذا ms0854 الكتاب لتكونوا. أي سماكم وجعلكم مسلمين لتشهدوا على الناس ~~يوم القيامة. # وقوله: * (ملة أبيكم إبراهيم) *، منصوب بتقدير " اتبعوا " لأن هذا ~~PageV04P033 # الناصب نصبه قوله: * (جاهدوا في الله حق جهاده) *، لأن الجهاد من ملة ~~إبراهيم. # وفى سورة يس موضعان، توهم فيهما كثير من الناس: # أحدهما قوله: * (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون) *، فقد ~~يتوهم أن الضمير في " هم " راجع إلى الليل والنهار، بناء على أن أقل الجمع ~~اثنان، وهو فاسد لوجهين: أحدهما أن النهار ليس مظلما، والثاني أن كون أقل ~~الجمع اثنان مذهب مرجوح، إنما الضمير راجع إلى الكفار الذين يحتج عليهم ~~بالآيات، * (ومظلمون) *: داخلو الظلام، كقولك: " مصبحون " و " ممسون " إذا ~~دخلوا في هذه الأشياء. # والثاني قوله تعالى: * (أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن ~~يخلق مثلهم) *، يظن بعضهم أن معناه مثل السماوات والأرض، وهو فاسد لوجهين: # أحدهما أنهم أنكروا إعادة السماوات والأرض حتى يدل على إنكارهم إعادتهما ~~بابتدائهما; وإنما أنكروا إعادة أنفسهم، فكان الضمير راجعا إليهم، ليتحقق ~~حصول الجواب لهم والرد عليهم. # الثاني لتبين المراد في قوله: * (ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيى ~~الموتى) *. # فإن قيل: إنما أثبت قدرته على إعادة مثلهم لا على إعادتهم أنفسهم، فلا ~~دلالة فيه عليهم! # قلنا: المراد بمثلهم " هم " كما في قوله: * (ليس كمثله شئ) *، وقولهم: ~~مثلي لا يفعل كذا، أي أنا. وبدليل الآية الأخرى. # وقوله: * (والعمل الصالح يرفعه) *، قد يتوهم عوده على الله، وليس كذلك، ~~PageV04P034 # وإلا لنصب " العمل "، كما تقول: قام زيد وعمرا يضربه; وإنما الفاعل في " ~~يرفعه " عائد إلى العمل، والهاء للكلم. # قال الفارسي في،، التذكرة،،: المنصوب في * (يرفعه) * عائد للكلم; لأن ~~الكلم جمع كلمة، قال: كلم كالشجر، في أنه قد وصف بالمفرد في قوله: * (من ~~الشجر الأخضر) *، وكذلك وصف الكلم بالطيب، ولو كان الضمير المنصوب في * ~~(يرفعه) * عائدا إلى " العمل " لكان منصوبا في هذا الوجه. وما جاء التنزيل ~~عليه، من نحو: # * (والظالمين أعد لهم عذابا أليما) *. والضمير المرفوع في * (يرفعه) * ~~عائد إلى العمل، فلذلك ارتفع العمل، ولم ms0855 يحمل على قوله: * (يصعد) *، ويضمر ~~له فعل ناصب، كما أضمرت لقوله: # * (والظالمين) *، والمعنى: يرفع العمل الصالح الكلم الطيب، ومعنى " يرفع ~~العمل " أنه لا يحبط ثوابه فيرفع لصاحبه، ويثاب عليه، وليس كالعمل السئ ~~الذي يقع معه الإحباط، فلا يرفع إلى الله سبحانه. # * * * الثامن: إذا اجتمع ضمائر، فحيث أمكن عودها لواحد فهو أولى من عودها ~~لمختلف; ولهذا لما جور بعضهم في قوله تعالى: * (أن اقذفيه في التابوت...) * ~~الخ أن الضمير في * (فاقذفيه في اليم) * للتابوت وما بعده، وما قبله لموسى ~~عابه الزمخشري، وجعله تنافرا ومخرجا للقرآن عن إعجازه، فقال: والضمائر كلها ~~راجعة إلى موسى ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت، فيه هجنة لما يؤدى ~~إليه من تنافر النظر. # فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل! ~~PageV04P035 # قلت: ما ضرك لو جعلت المقذوف والملقى إلى الساحل هو موسى في جوف التابوت ~~حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر قال عليك النظم الذي هو قوام إعجاز القرآن، ~~[والقانون الذي وقع عليه التحدي] وعن مراعاته أهم ما يجب على المفسر. انتهى ~~ولا مزيد على حسنه. # وقال في قوله: * (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه) *: # الضمائر لله عز وجل، والمراد بتعزيز الله تعزيز دينه ورسوله ومن فرق ~~الضمائر فقد أبعد. # أي فقد قيل إنها للرسول إلا الأخير; لكن قد يقتضى المعنى التخالف، كما في ~~قوله تعالى: # * (ولا تستفت فيهم منهم أحدا) *، الهاء والميم في " فيهم " لأصحاب الكهف، ~~والهاء والميم في " منهم " لليهود. قاله ثعلب والمبرد. # وقوله تعالى: * (والذين هم بربهم لا يشركون) * بعد قوله: * (إنما سلطانه) ~~*. # وقوله: * (وما بلغوا معشار ما آتيناهم) *. # وقوله: * (وعمروها أكثر مما عمروها) *، أي عمروا الأرض الذين كانوا قبل ~~قريش، أكثر مما عمرتها قريش. # وقوله تعالى: * (إلا تنصروه فقد نصره الله...) * الآية فيها اثنا عشر ~~ضميرا، خمسة للنبي صلى الله عليه وسلم وله.... والثالث ضمير * (في الغار) ~~*، لأنه يتعلق باستقرار محذوف، PageV04P036 # فيحتمل ضميرا، والرابع * (صاحبه) *، والخامس * (لا تحزن) *، والسادس * ~~(معنا) *، والسابع في * (عليه) * على قول الأكثر فيما نقله السهيلي; لأن ~~السكينة ms0856 على النبي صلى الله عليه وسلم دائما لأنه كان قد علم أنه لا يضره ~~شئ، إذا كان خروجه بأمر الله وأما قوله: * (ثم أنزل الله سكينته على رسوله) ~~*، فالسكينة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، لأنه خاف على ~~المسلمين ولم يخف على نفسه، فنزلت عليه السكينة من أجلهم لا من أجله. # وأما قوله تعالى: * (فأنساه الشيطان ذكر ربه) *، قيل: الضميران عائدان ~~على يوسف، قال للناجي: ذكر الملك بأمري. # ورجح ابن السيد هذا لقوله تعالى: * (وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة) ~~* أي بعد حين. # وفى قراءة ابن عامر بعد " أمة " بالتخفيف، أي نسيان; وإلا لم يكن ليذكر ~~تذكر الفتى بعد النسيان. والذكر على هذا يحتمل وجهين: أن يكون بمعنى ~~التذكير، ويكون مصدر ذكرته ذكرا، فالتقدير: فأنساه الشيطان ذكره عند ربه، ~~فأضاف الذكر إلى الرب، وهو في الحقيقة مضاف إلى ضمير يوسف، وجاز ذلك ~~لملاءمته بينهما. # وقد يخالف بين الضمائر حذرا من التنافر، كقوله تعالى: * (منها أربعة حرم) ~~*، كما عاد الضمير على " الاثني عشر "، ثم قال: * (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) ~~*، لما أعاد على " أربعة " وهو جمع قلة. # وجوز بعضهم عوده على " الاثني عشر " أيضا، بل هو الصواب، لأنه لا يجوز أن ~~ينهى عن الظلم في الأربعة ويبيح الظلم في الثمانية; بل ترك الظلم في الكل ~~واجب. PageV04P037 # قلت: لكن يجوز التنصيص على أفضلية الحرم، فإن الظلم قبيح مطلقا، وفيهن ~~أقبح، فالظاهر الأول. # * * * التاسع: قد يسد مسد الضمير أمور: # منها الإشارة، كما في قوله تعالى: * (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك ~~كان عنه مسؤولا) *. # ومنها الألف واللام، كقوله تعالى: * (فأما من طغى. وآثر الحياة الدنيا. ~~فإن الجحيم هي المأوى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن ~~الجنة هي المأوى) *. # وقوله: * (نجب دعوتك ونتبع الرسل) *، أي رسلك. # وقوله: * (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) *، أصل ~~الكلام " أجره وصبره " ولما كان " المحسنون " جنسا، و " من يتق ويصبر " ~~واحد تحته، أغنى عمومه من عود الضمير إليه. ms0857 # وقول الكوفيين: الألف واللام عوض من الضمير. # قال ابن مالك: وعليه يحمل قوله * (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب) * وزعم ~~الزمخشري أن الأبواب بدل من المستكن في " مفتحة ". # وهذا تكلف، وجب أن تكون " الأبواب " مرتفعة بمفتحة المذكور، أو بمثله ~~مقدرا. # وقد صح أن مفتحة صالح للعمل في الأبواب، فلا حاجة إلى إبدال أيضا. ~~PageV04P038 # ومنها الاسم الظاهر، بأن يكون المقام يقتضى الإضمار فيعدل عنه إلى ~~الظاهر، وقد سبق الكلام عليه في أبواب التأكيد. # * * * العاشر: الأصل في الضمير عوده إلى أقرب مذكور، ولنا أصل آخر، وهو ~~أنه إذا جاء مضاف ومضاف إليه، وذكر بعدهما ضمير عاد إلى المضاف; لأنه ~~المحدث عنه دون المضاف إليه، نحو لقيت غلام زيد فأكرمته; فالضمير للغلام. ~~ومنه قوله تعالى: * (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) *. # وعند التعارض راعى ابن حزم والماوردي الأصل الأول، فقالا: إن الضمير في ~~قوله: # * (أو لحم خنزير فإنه رجس) *، يعود على الخنزير دون لحمه، لقربه. وقواه ~~بعض المتأخرين، لأن الضمير للمضاف دون المضاف إليه بأصل مطرد، فقد يعود إلى ~~المضاف إليه، كقوله تعالى: * (واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون) *. # وكذا الصفة، فإنها كما في قوله تعالى: * (إني أرى سبع بقرات سمان) *. # وللجمهور أن يقولوا: وكذا عوده للأقرب ليس بمطرد، فقد يخرج عن الأصل ~~لدليل، وإذا تعارض الأصلان تساقطا، ونظر في الترجيح من خارج. بل قد يقال: ~~عوده إلى ما فيه العمل بهما أولى كما يقوله الماوردي: إن الضمير يعود إلى ~~الخنزير، لأن اللحم موجود فيه. # وأما قوله تعالى: * (فظلت أعناقهم لها خاضعين) *، فأخبر ف‍ " خاضعين " عن ~~المضاف إليه، ولو أخبر عن المضاف لقال: " خاضعة ". # وأما قوله تعالى: * (فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا) *، فقد عاد ~~PageV04P039 # الضمير في قول المحققين للمضاف إليه وهو موسى، والظن بفرعون، وكأنه لما ~~رأى نفسه قد غلط في الإقرار بالإلهية من قوله * (إله موسى) * استدرك ذلك ~~بقوله هذا. # * * * الحادي عشر: إذا عطف ب‍ " أو " وجب إفراد الضمير، نحو إن جاء زيد ~~أو عمرو فأكرمه; لأن " أو " لأحد الشيئين، ms0858 فأما قوله تعالى: * (إن يكن غنيا ~~أو فقيرا فالله أولى بهما) * فقيل. إن " أو " بمعنى الواو. وقيل: بل المعنى ~~إن " يكن الخصمان "، فعاد الضمير على المعنى. # وقيل: للتنويع لا للعطف، وعكس هذا إذ عطف بالواو وجب تثنية الضمير. # فأما قوله تعالى: * (والله ورسوله أحق أن يرضوه) *، فقد سبق الكلام عليه. # فائدة قوله: * (إلا عشية أو ضحاها) *، أي " ضحى يومها " فدل بالجزء على ~~الكل. # قال الشيخ عز الدين: وإنما أضاف الضحى إلى نهار العشية; لأنه لو أطلقها ~~من غير إضافة لم يحسن الترديد ب‍ " أو "، لأن عشية كل نهار من الظهر إلى ~~الغروب، وهو نصف النهار، وضحاها مقدار ربعه مثلا، وهو مقدار نصف العشية; ~~فلما أضافه إلى نهارها، علم تقاربهما، فحسن الترديد. لإفادته الترديد بين ~~اللبث الطويل والقصير، ولو أطلقه لجاز أن يتوهم عشية نهار قصير، وضحى يوم ~~طويل، فتساوى ذلك الضحى بالعشية فلا يحسن الترديد بينهما. PageV04P040 # فإن قيل: كيف يجمع بين قوله: * (لم يلبثوا إلا ساعة من نهار) *، وهو ~~الجزء اليسير من الزمان، وبين الضحى والعشية؟ وكيف حسن الترديد؟ # فالجواب، أن هذا الحساب يختلف باختلاف الناس، فمنهم من يعتقده طويلا، ~~ومنهم من يحسبه قصيرا، قال تعالى: * (يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا) *، ~~ثم قال: # * (إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما) *. # وقد يكون بحسب شدة الأمر وخفته، و " لبثتم " يحتمل أن يكون في الدنيا، ~~ويحتمل أن يكون في البرزخ; والأول أظهر. # فائدة وقد يتجوز بحذف الضمير للعلم به، كقوله: * (أهذا الذي بعث الله ~~رسولا) *، أي بعثه، وهو كثير. # ومنه قوله: * (والذين يتوفون منكم) * إلى قوله: * (يتربصن) * إذا جعلناه ~~الخبر، فالأصل " يتربصن أزواجهن " فوضع الضمير موضع الأزواج لتقدم ذكرهن، ~~فأغنى عن الضمير. # فائدة المضمر لا يكون إلا بعد الظاهر لفظا أو مرتبة أو لفظا ومرتبة، ولا ~~يكون قبل الظاهر لفظا ومرتبة، إلا في أبواب ضمير الشأن والقصة، كما سبق، ~~وباب نعم وبئس، كقوله تعالى: # * (فنعما هي) * و * (ساء مثلا) *، والضمير في " ربه رجلا " وباب الإعمال، ~~إذا أعملت PageV04P041 # الثاني والأول يطلب ms0859 عمدة، فمذهب سيبويه أنك تضمر في الأول، فتقول: ضربوني ~~وضربت الزيدين. # فائدة الضمير لا يعود إلا على مشاهد محسوس، فأما قوله تعالى: * (إذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون) *، فضمير " له " عائد على الأمر، وهو إذ ذاك ~~غير موجود، فتأويله أنه لما كان سابقا في علم الله كونه، كان بمنزلة ~~المشاهد الموجود، فصح عود الضمير إليه. # وقيل: بل يرجع للقضاء; لدلالة " قضى " عليه، واللام للتعليل بمعنى " من ~~أجل "، كقوله تعالى: * (وإنه لحب الخير لشديد) * أي من أجل حبه. # قاعدة فيما يتعلق بالسؤال والجواب الأصل في الجواب أن يكون مطابقا ~~للسؤال، إذا كان السؤال متوجها، وقد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال، ~~تنبيها على أنه كان من حق السؤال أن يكون كذلك، ويسميه السكاكي الأسلوب ~~الحكيم. # وقد يجئ الجواب أعم من السؤال للحاجة إليه في السؤال وأغفله المتكلم. # وقد يجئ أنقص لضرورة الحال. PageV04P042 # مثال ما عدل عنه قوله تعالى: * (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج) * فعدل عن الجواب لما قالوا: ما بال الهلال يبدو رقيقا مثل الخيط، ~~ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يمتلئ ويستوى، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما ~~بدأ؟ فأجيبوا بما أجيبوا، به لينتهوا على أن الأهم ما تركوا السؤال عنه. # وكقوله تعالى: * (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل) * سألوا عما ينفقون، فأجيبوا ~~ببيان المصرف; تنزيلا لسؤالهم منزلة سؤال غيره، لينبه على ما ذكرنا، ولأنه ~~قد تضمن قوله: # * (قل ما أنفقتم من خير) * بيان ما ينفقونه وهو خير، ثم زيدوا على الجواب ~~بيان المصرف. # ونظيره: * (وما تلك بيمينك يا موسى) *، فيكون طابق وزاد. نعم روى عن ابن ~~عباس أنه قال: جاء عمرو بن الجموح، وهو شيخ كبير له مال عظيم، فقال: ماذا ~~أنفق من أموالنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت، فعلى هذا ليست الآية مما نحن فيه، لأن ~~السائل لم يتعلق بغير ما يطلب، بل أجيب ببعض ما سأل عنه. # وقال ابن القشيري: السؤال الأول كان سؤالا عن النفقة ms0860 إلى من تصرف، ودل ~~عليه الجواب، والجواب يخرج على وفق السؤال; وأما هذا السؤال الثاني فعن قدر ~~الإنفاق، ودل عليه الجواب أيضا. # ومن ذلك أجوبة موسى عليه السلام لفرعون حيث قال فرعون: * (وما رب ~~العالمين. # قال رب السماوات والأرض وما بينهما) *، لأن " ما " سؤال عن الماهية أو عن ~~الجنس، ولما كان هذا السؤال خطأ; لأن المسؤول عنه ليس ترى ماهيته فتبين، ~~ولا جنس له PageV04P043 # فيذكر، عدل الكليم عن مقصود السائل إلى الجواب بما يعرف الصواب عند كيفية ~~الخطاب; ولا يستحق الجريان معه، فأجابه بالوصف المنبه، عن الظن المؤدى ~~لمعرفته، لكنه لما لم يطابق السؤال عنه فرعون لجهله، واعتقد الجواب خطأ * ~~(قال لمن حوله ألا تستمعون) *، فأجابه الكليم بجواب يعم الجميع، ويتضمن ~~الإبطال لعين ما يعتقدونه من ربوبية فرعون لهم بقوله: * (وربكم ورب آبائكم ~~الأولين) *، فأجاب بالأغلظ، وهو ذكر الربوبية لكل ما هو من عالمهم نصا. ~~ولما لم يرهم موسى عليه السلام تفطنوا غلظ عليهم في الثالثة، بقوله: * (إن ~~كنتم تعقلون) * فكأنه شك في حصول عقلهم. # فإن قيل: قوله تعالى: * (يسألونك عن الشهر الحرام) * ولم يقل: " عن قتال ~~في الشهر الحرام "، لأنهم لم يسألوا إلا من أجل القتال فيه، فكان ذكره ~~أولى! # وقيل: لم يقع السؤال إلا بعد القتال; فكان الاهتمام بالسؤال عن هذا ~~الشهر: هل أبيح فيه القتال؟ وأعاده بلفظ الظاهر، ولم يقل: " هو كبير " ~~ليعلم حكم قتال وقع في الشهر الحرام. # وقد يعدل عن الجواب إذا كان السائل قصده التعنت، كقوله تعالى: * ~~(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى) * فذكر صاحب الإيضاح في خلق ~~الإنسان: إن اليهود إنما سألوا تعجيزا وتغليظا، إذا كان الروح يقال ~~بالاشتراك على روح الإنسان وجبريل وملك آخر، يقال له الروح، وصنف من ~~الملائكة والقرآن وعيسى، فقصد اليهود أن يسألوه، فبأي يسمى أجابهم قالوا: ~~ليس هو، فجاءهم الجواب مجملا، فكان هذا الإجمال كيدا يرسل به كيدهم. ~~PageV04P044 # وقيل: إنما سألوا عن الروح: هل هي محدثة مخلوقة أم ليست كذلك؟ فأجابهم، ~~بأنها من أمر الله; وهو ms0861 جواب صحيح، لأنه لا فرق بين أن يقول في الجواب ذلك، ~~أو يقول: " من أمر ربى "، لأنه إنما أراد أنها من فعله وخلقه. # وقيل: أنهم سألوه عن الروح الذي هو في القرآن، فقد سمى الله القرآن روحا ~~في مواضع من الكتاب، وحينئذ فوقع الجواب موقعه; لأنه قال: لهم الروح الذي ~~هو القرآن من أمر ربى، ومما أنزله الله على نبيه، يجعله دلالة وعلما على ~~صدقه وليس [من] فعل المخلوقين ولا مما يدخل في إمكانهم. # وحكاه الشريف المرتضى في،، الغرر،، عن الحسن البصري، قال: ويقويه قوله ~~بعد هذه الآية: * (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به ~~علينا وكيلا) *، فكأنه قال تعالى: إن القرآن من أمر ربى ولو شاء لرفعه. # ومثال الزيادة في الجواب، قوله تعالى: * (وما تلك بيمينك يا موسى. قال هي ~~عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولى فيها مآرب أخرى) * فإنه عليه ~~السلام، فهم أن السؤال يعقبه أمر عظيم يحدثه الله في العصا، فينبغي أن ينبه ~~لصفاتها، حتى يظهر له التفاوت بين الحالين. # وكذا قوله: * (ما تعبدون. قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين) * وحسنه ~~إظهار الابتهاج بعبادتها والاستمرار على مواظبتها، ليزداد غيظ السائل. # وقوله تعالى: * (الله ينجيكم منها ومن كل كرب) * بعد قوله: * (قل من ~~ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا...) * الآية، ولولا قصد بسط ~~الكلام ليشاكل ما تقدم، لقال " ينجيكم الله ". PageV04P045 # ومثال النقصان منه قوله تعالى ذاكرا عن مشركي مكة: * (وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا أئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما ~~يكون لي إن أبدله من تلقاء نفسي) *، أي ائت بقرآن ليس فيه سب آلهتنا، أو ~~بدله بأن تجعل مكان آية العذاب آية الرحمة، وليس فيه ذكر آلهتنا، فأمره ~~الله أن يجيبهم على التبديل، وطوى الجواب عن الاختراع، قال الزمخشري: لأن ~~التبديل في إمكان البشر، بخلاف الاختراع، فإنه ليس في المقدور، فطوى ذكره، ~~للتنبيه على أنه سؤال محال. # وذكر غيره أن التبديل قريب من الاختراع، ms0862 فلهذا اقتصر على جواب واحد لهما. # وخطر لي أنه لما كان التبديل أسهل من الاختراع، وقد نفى إمكان التبديل، ~~كان الاختراع غير مقدور عليه من طريق أولى. # فائدة قيل: أصل الجواب أن يعاد فيه نفس سؤال السائل، ليكون وفق السائل، ~~قال الله تعالى: * (أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف) *، و " أنا " في جوابه ~~عليه السلام هو " أنت " في سؤالهم. # قال: * (أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا) *، فهذا أصله، ثم ~~إنهم أتوا عوض ذلك محذوف الجوب اختصارا; وتركا للتكرار. # وقد يحذف السؤال ثقة بفهم السامع بتقديره، كقوله تعالى: * (قل هل من ~~PageV04P046 # شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده) *، فإنه لا ~~يستقيم أن يكون السؤال والجواب من واحد، فتعين أن يكون * (قل الله) * جواب ~~سؤال، كأنهم سألوا لما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو * (من ~~يبدأ الخلق ثم يعيده) *، فأجابهم الله عز وجل: * (قل الله يبدأ الخلق ثم ~~يعيده) *، فترك ذكر السؤال. # ونظيره قوله تعالى: * (هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى ~~للحق) *. # قاعدة الأصل: في الجواب أن يكون مشاكلا للسؤال، فإن كان جملة اسمية ~~فينبغي أن يكون الجواب كذلك، ويجئ ذلك في الجواب المقدر أيضا; إلا أن ابن ~~مالك قال في قولك " من قرأ " فتقول: زيد، فإنه من باب حذف الفعل، على جعل ~~الجواب جملة فعلية. # قال: وإنما قدرته كذلك، لا مبتدأ، مع احتماله، جريا على عادتهم في ~~الأجوبة إذا قصدوا تمامها، قال تعالى: * (من يحيى العظام وهي رميم. قل ~~يحييها الذي أنشأها) *. # ومثله: * (ليقولن خلقهن العزيز العليم) *، * (قل أحل لكم الطيبات) *، ~~فلما أتى بالجملة الفعلية، مع فوات مشاكلة السؤال، علم أن تقدير الفعل أولا ~~أولى. انتهى. # ومما رجح به أيضا تقدير الفعل أنه حيث صرح بالجزء الأخير، صرح بالفعل، ~~PageV04P047 # والتشاكل ليس واجبا; بل اللائق كون زيد فاعلا، أي قرأ زيد أو خبرا، أي ~~القارئ زيد، لا مبتدأ، لأنه مجهول. # بقى أن يقال في الأولى: التصريح بالفعل أو حذفه؟ ms0863 وهل يختلف المعنى في ~~ذلك؟ # والجواب: قال ابن يعيش التصريح بالفعل أجود. # وليس كما زعم بل الأكثر الحذف، وأما قوله تعالى: * (أحل لكم الطيبات) * * ~~(ليقولن خلقهن العزيز العليم) *، * (قل يحييها الذي أنشأها) *، فكان الشيخ ~~شهاب الدين بن المرحل رحمه الله يجعله من باب * (يسألونك عن الأهلة قل هي ~~مواقيت للناس والحج) *، من أنهم أجيبوا بغير ما سألوا لنكتة. # وفيه نظر. وأما المعنى فلا شك أنه يختلف، فإنه إذا قيل: من جاء؟ فقلت: ~~جاء زيد، احتمل أن يكون جوابا وأن يكون كلاما مبتدأ. ولو قلت: " زيد "، كان ~~نصا في أنه جواب، وفى العموم الذي دلت عليه " من "، وكأنك قلت: الذي جاء ~~زيد، فيفيد الحصر. وهاتان الفائدتان، إنما حصلتا من الحذف. # ومنه قوله تعالى: * (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) *; إذ التقدير: ~~الملك لله الواحد، فحذف المبتدأ من الجواب، إذ المعنى: لا ملك إلا لله. # ومن الحذف قوله تعالى: * (لمن الأرض ومن فيها) *، * (لمن ما في السماوات ~~والأرض) *، * (قل من يرزقكم من السماوات والأرض) *. # ومن الإثبات قوله تعالى: * (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) *. ~~PageV04P048 # ولعله للتنصيص على الإحياء الذي أنكروه: * (قل من رب السماوات السبع) *، ~~وقوله: * (خلقهن العزيز العليم) *، لأن ظاهر أمرهم أنهم كانوا معطلة ~~ودهرية، فأريد التنصيص على اعترافهم بأنها مخلوقة. # وقوله: * (نبأني العليم الخبير) *، لأنها استغربت حصول النبأ الذي أسرته. # * * * وقال ابن الزملكاني في،، البرهان،،: أطلق النحويون القول بأن " ~~زيدا " فاعل، إذا قلت: " زيد " في جواب " من قام؟ " على تقدير: قام زيد، ~~والذي يوجبه جماعة علم البيان، أنه مبتدأ لوجهين: # أولهما: أنه مطابق للجملة التي هي جواب الجملة المسؤول بها في الاسمية، ~~كما وقع التطابق، في قوله تعالى: * (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا ~~خيرا) * في الجملة الفعلية، وإنما لم يقطع التطابق في قوله تعالى: * (ماذا ~~أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين) *، لأنهم لو طبقوا لكانوا مقرين بالإنزال، ~~وهم من الإذعان به على تفاوت. # الثاني: أن اللبس لم يقع عند السائل إلا فيمن فعل الفعل، فوجب أن يقدم ~~الفاعل في ms0864 المعنى، لأنه متعلق بغرض السائل، وأما الفعل فمعلوم عنده، ولا ~~حاجة إلى السؤال عنه، فحري أن يقع في الأخرى التي هي محل التكملات ~~والفضلات. # وكذلك: أزيد قام أم عمرو؟ فالوجه في جوابه أن تقول: زيد، قام أو عمرو ~~قام. # وقد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام في ~~جواب: PageV04P049 # * (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا) *; فإن ~~السؤال وقع عن الفاعل; لا عن الفعل، ومع ذلك صدر الجواب بالفعل، مع أنهم لم ~~يستفهموه عن كسر الأصنام، بل كان عن الشخص الكاسر لها! # والجواب أن ما بعد " بل " ليس بجواب للهمزة، فإن " بل " لا يصلح أن يصدر ~~بها الكلام، ولأن جواب الهمزة بنعم أو بلى. فالوجه أن يجعل إخبارا مستأنفا، ~~والجواب المحقق مقدر، دل عليه سياق الكلام، ولو صرح به لقال: " ما فعلته بل ~~فعله كبيرهم "، وإنما اخترنا تقدير الجملة الفعلية على الجملة المعطوفة ~~عليها في ذلك. # فإن قلت: يلزم على ما ذكرت أن يكون الخلف واقعا في الجملتين: المعطوف ~~عليها. # المقدرة، والمعطوفة الملفوظ بها بعد " بل "! # قلت: وإنه لازم، على أن يكون التقدير: ما أنا فعلته بل فعله كبيرهم هذا، ~~مع زيادته بالخلف عما أفادته الجملة الأولى لو من التعريض، إذ منطوقها نفى ~~الفعل عن إبراهيم عليه السلام، ومفهومها إثبات حصول التكسير من غيره. # فإن قلت: ولابد من ذكر ما يكون مخلصا عن الخلف على كل حال. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن في التعريض مخلصا عن الكذب، ولم يكن قصده عليه السلام أن ينسب ~~الفعل الصادر منه إلى الصنم حقيقة، بل قصده إثبات الفعل لنفسه على طريق ~~التعريض، ليحصل غرضه من التبكيت، وهو في ذلك مثبت معترف لنفسه بالفعل; وليس ~~هذا من الكذب في شئ. # والثاني: إنه غضب من تلك الأصنام، غيرة لله تعالى; ولما كانوا لأكبرها ~~أشد تعظيما، كان منه أشد غضبا، فحمله ذلك على تكسيرها، وذلك كله حامل للقوم ~~على الأنفة PageV04P050 # أن يعبدوه، فضلا عن أن يخصوه بزيادة التعظيم، ومنبه ms0865 لهم على أن المتكسرة ~~متمكن فيها الضعف والعجز، منادى عليها بالفناء، منسلخة عن ربقة الدفع، فضلا ~~عن إيصال الضرر والنفع. وما هذا سبيله حقيق أن ينظر إليه بعين التحقير لا ~~التوقير، والفعل ينسب إلى الحامل عليه، كما ينسب إلى الفاعل والمفعول ~~والمصدر والزمان والمكان والسبب، إذ للفعل بهذه الأمور تعلقات وملابسات، ~~يصح الإسناد إليها على وجه الاستعارة. # الثالث: أنه لما رأى عليه السلام منهم بادرة تعظيم الأكبر، لكونه أكمل من ~~باقي الأصنام، وعلم أن ما هذا شأنه، يصان أن يشترك معه من دونه في التبجيل ~~والتكبير، حمله ذلك على تكسيرها، منبها لهم على أن الله أغير، وعلى تمحيق ~~سعيد الأكبر أقدر. # وحري أن يخص بالعبادة; فلما كان الكبير هو الحامل على تكسير الصغير، صحت ~~النسبة إليه، على ما سلف. ولما تبين لهم الحق رجعوا إلى أنفسهم، فقالوا: ~~إنكم أنتم الظالمون، إذ وضعتم العبادة بغير موضعها. # وذكر الشيخ عبد القاهر أن السؤال إذا كان ملفوظا به، فالأكثر قد ترك ~~الفعل في الجواب والاقتصار على الاسم وحده. وإن كان مضمرا، فوجب التصريح ~~بالفعل لضعف الدلالة عليه، فتعين أن يلفظ به. # مشكل بقوله تعالى: * (يسبح له فيها بالغدو والآصال. رجال) *. # فيمن قرأها بفتح الباء، كأن قيل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال ونظيره ضرب ~~زيد وعمرو، على بناء " ضرب " للمفعول، نعم الأولى ذكر الفعل لما ذكر، وعليه ~~يخرج كل ما ورد في القرآن من لفظ " قال " مفصولا، غير منطوق به، نحو: # * (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين. إذا دخلوا عليه فقالوا سلاما. قال ~~PageV04P051 # سلام...) *، كأنه قيل: فما قال لهم؟ * (قال ألا تأكلون) * ولذلك قالوا: " ~~لا تخف ". # هذه السياقة تخرج قصة موسى عليه السلام في قوله: * (قال فرعون وما رب ~~العالمين. قال رب السماوات والأرض) * إلى قوله: * (إن كنت من الصادقين) *. # وعلى هذا كل كلام جاء فيه لفظة " قال " هذا المجئ، غير أنه يكون في بعض ~~المواضع أوضح، كقوله تعالى: * (إنا أرسلنا إلى قوم) *، فإنه لا يخفى أنه ~~جواب لقوله: # * (فما خطبكم أيها المرسلون) *. # ومثله: ms0866 * (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون) * إلى قوله: # * (اتبعوا من لا يسألكم أجرا) *. # فائدة [في أن أقل الأمم سؤالا أمة محمد عليه السلام] عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال: ما كان قوم أقل سؤالا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~سألوه عن أربعة عشر حرفا، فأجيبوا. # قال الإمام: ثمانية منها في البقرة: * (وإذا سألك عبادي عنى) *، * ~~(يسألونك عن PageV04P052 # الأهلة) *، والباقي ستة فيها، والتاسعة: * (يسألونك ماذا أحل لهم) * في ~~المائدة. # والعاشرة: * (يسألونك عن الأنفال) *. # الحادي عشر في بني إسرائيل: * (ويسألونك عن الروح) *. # الثاني عشر في الكهف: * (ويسألونك عن ذي القرنين) *. # الثالث عشر في طه: * (ويسألونك عن الجبال) *. # الرابع عشر في النازعات: * (يسألونك عن الساعة) *. # ولهذه المسألة ترتيب: اثنان منها في شرح المبدأ، كقوله تعالى: * (وإذا ~~سألك عبادي عنى) * فإنه سؤال عن الذات، وقوله: * (عن الأهلة) *، سؤال عن ~~الصفة. # واثنان في الآخر في شرح المعاد، وقوله: * (ويسألونك عن الجبال) * وقوله: # * (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) *. # ونظير هذا أنه ورد في القرآن سورتان، أولهما: * (يا أيها الناس) * في ~~النصف PageV04P053 # الأول، وهو السورة الرابعة، وهي سورة النساء. والثانية في النصف الثاني، ~~وهي سورة الحج، ثم * (يا أيها الناس) * الذي في الأول، يشتمل على شرح ~~المبدأ، والذي في الثاني يشتمل على شرح حال. # فإن قيل: كيف جاء * (يسألونك) * ثلاث مرات بغير واو: * (يسألونك عن ~~الأهلة) * * (يسألونك عن الشهر الحرام) *، * (يسألونك عن الخمر والميسر) * ~~ثم جاء ثلاث مرات بالواو: * (ويسألونك ماذا ينفقون) *، * (ويسألونك عن ~~اليتامى) *، * (ويسألونك عن المحيض) *؟ # قلنا: لأن سؤالهم عن الحوادث; الأول وقع متفرقا عن الحوادث، والآخر وقع ~~في وقت واحد، فجئ بحرف الجمع دلالة على ذلك. # فإن قيل: كيف جاء: * (وإذ سألك عبادي عنى فإني قريب) *، وعادة السؤال يجئ ~~جوابه في القرآن ب‍ " قل " نحو: * (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج) * ونظائره؟ # قيل: حذفت للإشارة إلى أن العبد في حالة الدعاء، مستغن عن الواسطة، وهو ~~دليل على أنه أشرف المقامات، فإن الله سبحانه لم يجعل بينه ms0867 وبين الداعي ~~واسطة، وفى غير حالة الدعاء تجئ الواسطة. PageV04P054 # الخطاب بالشئ عن اعتقاد المخاطب دون ما في نفس الأمر كقوله سبحانه ~~وتعالى: * (أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون) *، وقعت إضافة الشريك إلى الله ~~سبحانه على ما كانوا يقولون; لأن القديم سبحانه أثبته. # وقوله: * (من الناس من يتخذ من دون الله أندادا) *. # وقوله: * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) *. # وقوله: * (لأنت الحليم الرشيد) *، أي بزعمك واعتقادك. # وقوله: * (يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) *. # وقوله: * (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) *. # وقوله: * (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) *. # وقوله: * (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب) *، أي أنكم لو ~~علمتم قساوة قلوبكم، لقلتم إنها كالحجارة، أو أنها فوقها في القسوة، ولو ~~علمتم سرعة الساعة لعلمتم أنه في سرعة الوقوع، كلمح البصر أو هو أقرب ~~عندكم. # وأرسلنا إلى قوم هم من الكثرة بحيث لو رأيتموهم لشككتم، وقلتم: مائة ألف ~~أو يزيدون عليها. PageV04P055 # جعل منه بعضهم قوله تعالى: * (قال رب إن قومي كذبون) *، ونحوه مما كان ~~عند المتكلم، لأنه لا يكون خلافه، فإنه كان على طمع ألا يكون منهم تكذيب. # وقوله تعالى: * (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) *، أي ~~بالنسبة إلى ما يعتاده المخلوقون في أن الإعادة عندهم أهون من البداءة، ~~لأنه أهون بالنسبة إليه سبحانه، فيكون البعث أهون عليه عندكم من الإنشاء. # وحكى الإمام الرازي في مناقب الشافعي قال: معنى الآية " في العبرة عندكم ~~"; لأنه لما قال للعدم: " كن " فخرج تاما كاملا بعينيه وأذنيه وسمعه وبصره ~~ومفاصله، فهذا في العبرة أشد من أن يقول لشئ قد كان: " عد إلى ما كنت عليه ~~"، فالمراد من الآية: # وهو أهون عليه بحسب عبرتكم; لا أن شيئا يكون على الله أهون من شئ آخر. # وقيل: الضمير في * (عليه) * يعود للخلق، لأنه يصاح بهم صيحة فيقومون، وهو ~~أهون من أن يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا، إلى أن يصيروا رجالا ونساء. # وقوله: * (يا أيها الساحر) *، أي يا أيها العالم الكامل; وإنما قالوا هذه ~~تعظيما ms0868 وتوقيرا منهم له; لأن السحر عندهم كان عظيما وصنعة ممدوحة. # وقيل: معناه يا أيها الذي غلبنا بسحره، كقول العرب; خاصمته فخصمته، أي ~~غلبته بالخصومة، ويحتمل أنهم أرادوا تعييب موسى عليه السلام بالسحر، ولم ~~ينافسهم في مخاطبتهم به، رجاء أن يؤمنوا. # وقوله تعالى: * (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) *، جئ ب‍ " إن " التي للشك ~~وهو واجب، دون " إذ " التي للوجوب، سوقا للكلام على حسب حسبانهم أن ~~PageV04P056 # معارضته فيها للتهكم، كما يقوله الواثق بغلبته على من يعاديه: " إن غلبتك ~~"، وهو يعلم أنه غالبه تهكما به. # وقوله تعالى: * (أفمن يخلق كمن لا يخلق) *، والمراد ب‍ " من لا يخلق " ~~الأصنام، وكان أصله كما لا يخلق، لأن " ما " لمن لا يعقل بخلاف " من "، لكن ~~خاطبهم على معتقدهم; لأنهم سموها آلهة، وعبدوها فأجروها مجرى أولى العلم، ~~كقوله للأصنام: * (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد...) * الآية، أجرى عليهم ~~ضمير أولى العقل. كذا قيل. # ويرد عليه أنه إذا كان معتقدهم خطأ وضلالة، فالحكم يقتضى ألا ينزعوا عنه ~~ويقلعوا، لا أن يبقوا عليه; إلا أن يقال: الغرض من الخطاب الإيهام، ولو ~~خاطبهم على خلاف معتقدهم فقال: " كما لا يخلق "، لاعتقدوا تعالى أن المراد ~~به غير الأصنام من الجماد. # وكذا ما ورد من الخطاب بعسى ولعل; فإنها على بابها في الترجي والتوقع، ~~ولكنه راجع إلى المخاطبين، قال الخليل وسيبويه في قوله تعالى: * (فقولا له ~~قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) *: اذهبا إلى رجائكما وطمعكما، لعله يتذكر ~~عندكما، فأما الله تعالى فهو عالم بعاقبة أمره، وما يؤول إليه; لأنه يعلم ~~الشئ قبل أن يكون. وهذا أحسن من قول الفراء: إنها تعليلة، أي كي يتذكر، لما ~~فيه من إخراج اللفظ عن موضعه. # ومنه التعجب الواقع في كلام الله، نحو: * (فما أصبرهم على النار) *، أي ~~هم أهل أن يتعجب منهم، ومن طول تمكنهم في النار. PageV04P057 # ونحوه: * (قتل الإنسان ما أكفره) * و * (أبصر به وأسمع) *. # ومنه قوله تعالى في نعيم أهل الجنة وشقاء أهل النار: * (خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض) *، مع أنهما لا ms0869 يزولان، لكن التقييد بالسماء والأرض، ~~جرت عادة العرب إذا قصدوا الدوام أن يعلقوا بهما فجاء الخطاب على ذلك. # تنبيه [في التهكم] يقرب من هذا التهكم، وهو إخراج الكلام على ضد مقتضى ~~الحال، كقوله تعالى: # * (ذق إنك أنت العزيز الكريم) *. # وجعل بعضهم منه قوله تعالى: * (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله) *، مع العلم بأنه لا يحفظ من أمره الله شئ. PageV04P058 # التأدب في الخطاب بإضافة الخير إلى الله وأن الكل بيده، كقوله تعالى: * ~~(أنعمت عليهم) *، ثم قال: * (غير المغضوب عليهم) *، ولم يقل: غير الذين ~~غضبت عليهم. # وقوله: * (بيدك الخير) *، ولم يقل: " والشر "، وأن كانا جميعا بيده; لكن ~~الخير يضاف إلى الله تعالى إرادة محبة ورضا، والشر يضاف إليه إلا إلى ~~مفعولاته; لأنه لا يضاف إلى صفاته ولا أفعاله، بل كلها كما لا نقص فيه. ~~وهذا معنى قوله: " والشر ليس إليك "; وهو أولى من تفسير من فسره: لا يتقرب ~~به إليك. # وتأمل قوله: * (فصرف عنه كيدهن) * فأضافه إلى نفسه، حيث صرفه، ولما ذكر ~~السجن أضافه إليهم فقال: * (ليسجننه حتى حين) * وإن كان سبحانه هو الذي سبب ~~السجن له، وأضاف ما منه الرحمة إليه، وما منه الشدة إليهم. # ومنه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: * (وإذا مرضت فهو يشفين) ~~* ولم يقل: " أمرضني ". # وتأمل جواب الخضر عليه السلام عما فعله، حيث قال في إعابة كما السفينة: * ~~(فأردت) * وقال في الغلام: * (فأردنا) * وفى إقامة الجدار: * (فأراد ربك) ~~*. PageV04P059 # قال الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور في كتاب،، فك الأزرار عن عنق ~~الأسرار،،: لما أراد ذكر العيب للسفينة نسبه لنفسه أدبا مع الربوبية، فقال: # " فأردت " ولما كان قتل الغلام مشترك الحكم بين المحمود والمذموم، استتبع ~~نفسه مع الحق، فقال في الإخبار بنون الاستتباع، ليكون المحمود من الفعل - ~~وهو راحة أبويه المؤمنين من كفره - عائدا على الحق سبحانه، والمذموم ظاهرا ~~- وهو قتل الغلام بغير حق - عائدا عليه. وفى إقامة الجدار كان خيرا محضا، ~~فنسبه للحق فقال: * (فأراد ربك) *، ثم بين أن الجميع من ms0870 حيث العلم التوحيدي ~~من الحق، بقوله: * (وما فعلته عن أمري) *. # وقال ابن عطية: إنما أفرد أولا في الإرادة لأنها لفظ غيب، وتأدب بأن لم ~~يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه، كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله: * ~~(وإذا مرضت فهو يشفين) *، فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله، وأسند المرض إلى ~~نفسه، إذ هو معنى نقص ومعابة، وليس من جنس النعم المتقدمة. # وهذا النوع مطرد في فصاحة القرآن كثيرا، ألا ترى إلى تقديم فعل البشر في ~~قوله تعالى: # * (فلما زاغوا عنه أزاغ الله قلوبهم) *! وتقديم فعل الله في قوله تعالى: ~~* (ثم تاب عليهم ليتوبوا) *; وإنما قال الخضر في الثانية: * (فأردنا) *، ~~لأنه قد رواه الله وأصحابه الصالحون، وتكلم فيه في معنى الخشية على ~~الوالدين، وتمنى التبديل لهما; وإنما أسند الإرادة في الثالثة إلى الله ~~تعالى لأنها أمر مستأنف في الزمن الطويل، غيب من الغيوب، فحسن إفراد هذا ~~الموضع بذكر الله تعالى: # ومثله قول مؤمني الجن: * (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ~~PageV04P060 # أم أراد بهم ربهم رشدا) *، فحذف الفاعل في إرادة الشر تأدبا مع الله، ~~وأضافوا إرادة الرشد إليه. # وقريب من هذا قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام، في خطابه لما اجتمع ~~أبوه وإخوته: * (إذ أخرجني من السجن) *، ولم يقل: " من الجب " مع أن الخروج ~~منه أعظم من الخروج من السجن. # وإنما آثر ذكر السجن لوجهين ذكرهما ابن عطية: # أحدهما: أن في ذكر الجب تجديد فعل إخوته، وتقريعهم بذلك، وتجديد تلك ~~الغوائل. # والثاني: أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، والنعمة هنا ~~أوضح. انتهى وأيضا ولأن بين الحالين بونا من ثلاثة أوجه: قصر المدة في الجب ~~وطولها في السجن، وأن الجب كان في حال صغره، ولا يعقل فيها المصيبة، ولا ~~تؤثر في النفس كتأثيرها في حال الكبر. والثالث أن أمر الجب كان بغيا وظلما ~~لأجل الحسد، وأمر السجن كان لعقوبة أمر ديني هو منزه عنه، وكان أمكن في ~~نفسه. والله أعلم بمراده. # ومثله قوله تعالى: * (أحل لكم ms0871 ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) *، وقال: # * (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم) *، فحذف الفاعل عند ذكر ~~الرفث وهو الجماع، وصرح به عند إحلال العقد. # وقال تعالى: * (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله ~~به) *، فحذف الفاعل عند ذكر هذه الأمور. PageV04P061 # وقال: * (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين ~~إحسانا) *. # وقال: * (وأحل الله البيع وحرم الربا) * ونظائر ذلك كثيرة في القرآن. # وقال السهيلي في كتاب الأعلام في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: ~~* (وناديناه من جانب الطور الأيمن) * وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: * ~~(وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر) *، والمكان المشار إليه ~~واحد، قال: ووجه الفرق بين الخطابين أن الأيمن إما مشتق من اليمن، وهو ~~البركة، أو مشارك له في المادة، فلما حكاه عن موسى في سياق الإثبات أتى ~~بلفظه، ولما خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم في سياق النفي عدل إلى لفظ " ~~الغربي "، لئلا يخاطبه، فيسلب عنه فيه لفظا مشتقا من اليمن أو مشاركا في ~~المادة، رفقا بهم في الخطاب، وإكراما لهما. هذا حاصل ما ذكره بمعناه موضح. # وهو أصل عظيم في الأدب في الخطاب. # وقال أيضا في الكتاب المذكور في قوله تعالى: * (وذا النون إذ ذهب ~~مغاضبا...) * الآية أضافه هنا إلى " النون " وهو الحوت، وقال في سورة ~~القلم: * (ولا تكن كصاحب الحوت) *، وسماه هنا " ذا النون " والمعنى واحد، ~~ولكن بين اللفظين تفاوت كبير في حسن الإشارة إلى الحالين، وتنزيل الكلام في ~~الموضوعين، فإنه حين ذكره في موضع الثناء عليه، قال * (ذا النون) *، ولم ~~يقل " صاحب الحوت " ولفظ النون أشرف لوجود هذا الاسم في حروف الهجاء، في ~~أوائل السور، نحو * (ن والقلم) * [وقد قيل: إن هذا قسم بالنون والقلم، وإن ~~لم يكن قسما، فقد عظمه بعطف المقسم به عليه، وهو القلم، وهذا PageV04P062 # الاشتراك يشرف هذا الاسم وليس في الاسم] وليس في اللفظ الآخر [وهوه ~~الحوت] ما يشرفه. # فالتفت إلى تنزيل الكلام في الآيتين يلح لك ms0872 ما أشرت إليه في هذا، فإن ~~التدبر لإعجاز القرآن واجب مفترض. # الشيخ أبو محمد المرجاني في قوله تعالى: * (سننظر أصدقت أم كنت من ~~الكاذبين) *، خاطبه بمقدمة الصدق مواجهة، ولم يقدم الكذب، لأنه متى أمكن ~~حمل الخبر على الصدق لا يعدل عنه، ومتى كان يحتمل ويحتمل، قدم الصدق; ثم لم ~~يواجهه بالكذب، بل أدمجه في جملة الكذابين، أدبا في الخطاب. # ومثله: * (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه ~~قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) *. # وكذا قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون: * (وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك ~~صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم) *. # هذان المثالان من باب إرخاء العنان للخصم، ليدخل في المقصود بالطف موعود. # قاعدة [في ذكر الرحمة والعذاب في القرآن] من أساليب القرآن: حيث ذكر ~~الرحمة والعذاب، أن يبدأ بذكر الرحمة، كقوله PageV04P063 # تعالى: * (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) *، * (إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب ~~أليم) * وعلى هذا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: * ~~(إن رحمتي سبقت غضبي) *. # وقد خرج عن هذه القاعدة مواضع اقتضت الحكمة فيها تقديم ذكر العذاب ترهيبا ~~وزجرا: # منها: قوله في سورة المائدة: * (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ~~يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شئ قدير) *، لأنها وردت في ذكر ~~قطاع الطريق والمحاربين والسراق، فكان المناسب تقديم ذكر العذاب; لهذا ختم ~~آية السرقة ب‍ " عزيز حكيم "، وفيه الحكاية المشهورة، وختمها بالقدرة ~~مبالغة في الترهيب، لأن من توعده قادر على إنفاذ الوعيد، كما قاله الفقهاء ~~في الإكراه على الكلام ونحوه. # . منها: قوله في سورة العنكبوت: * (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه ~~تقلبون) *، لأنها في سياق حكاية إنذار إبراهيم لقومه. # . مثلها: * (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله ~~يسير. PageV04P064 # قل سيروا) * إلى قوله: * (إن الله على كل شئ قدير) *، وبعدها: * (بمعجزين ~~في الأرض ولا في السماء ومالكم من دون الله من ولى ولا ms0873 نصير) *. # ومنها في آخر الأنعام، قوله: * (إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم) *، ~~لأن سورة الأنعام كلها مناظرة للكفار ووعيد لهم، خصوصا وفى آخرها قبل هذه ~~الآيات بيسير: * (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ...) * ~~الآية، وهو تهديد ووعيد إلى قوله: * (قل أغير الله أبغي ربا...) * الآية، ~~وهو تقريع للكفار وإفساد لدينهم إلى قوله: * (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) ~~*، فكان المناسب تقديم ذكر العقاب ترهيبا للكفار، وزجرا لهم عن الكفر ~~والتفرق، وزجرا للخلائق عن الجور في الأحكام. # ونحو ذلك في أواخر الأعراف: * (إن ربك لسريع العقاب وأنه لغفور رحيم) *; ~~لأنها في سياق ذكر معصية أصحاب السبت وتعذيبه إياهم، فتقديم العذاب مناسب. # والفرق بين هذه الآية وآية الأنعام، حيث أتى هنا باللام، فقال: * (لسريع ~~العقاب) * دون هناك، إن اللام تفيد التوكيد، فأفادت هنا تأكيد سرعة العقاب; ~~لأن العقاب المذكور هنا عقاب عاجل، وهو عقاب بني إسرائيل بالذل والنقمة ~~وأداء الجزية بعد المسخ، لأنه في سيقا قوله: * (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم ~~إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) *، فتأكيد السرعة أفاد بيان التعجيل ~~وهو مناسب، بخلاف العقاب المذكور في سورة الأنعام، فإنه آجل، بدليل قوله: * ~~(ثم إلى ربكم مرجعكم PageV04P065 # فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) *، فاكتفى فيه بتأكيد " إن ". ولما اختصت ~~آية الأعراف بزيادة العذاب عاجلا اختصت بزيادة التأكيد لفظا ب‍ " إن " ~~وجميع ما في القرآن على هذا اللفظ يناسبه التقديم والتأخير، وعليه دليلان: ~~أحدهما: تفصيلي، وهو الاستقراء، فانظر أي آية شئت تجد فيها مناسبا لذلك، ~~والثاني: إجمالي وهو أن القرآن كلام أحكم الحكماء، فيجب أن يكون على مقتضى ~~الحكمة; فوجب اعتباره كذلك. وهذان دليلان عامان في مضمون هذه الفائدة ~~وغيرها. # وأما قوله تعالى: * (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة) *، ولم يقل: # " ذو عقوبة شديدة "، لأنه إنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله في ~~الاجتراء على معصيته; وذلك أبلغ في التهديد، معناه: لا تغتروا بسعة رحمة ~~الله، فإنه مع ذلك لا يرد عذابه. # ومثله قوله تعالى: * (يا ms0874 أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن) *، وقد ~~سبقت. # فائدة في الفرق بين الخطاب بالاسم والفعل وأن الفعل يدل على التجدد ~~والحدوث، والاسم على الاستقرار والثبوت، ولا يحسن وضع أحدهما موضع الآخر. # فمنه قوله تعالى: * (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) *، لو قيل " يبسط " لم ~~يؤد PageV04P066 # الغرض; لأنه لم يؤذن بمزاولة الكلب البسط، وأنه يتجدد له شئ بعد شئ ف‍ " ~~باسط " أشعر بثبوت الصفة. # وقوله: * (هل من خالق غير الله يرزقكم) *، لو قيل " رازقكم " لفات ما ~~أفاده الفعل من تجدد الرزق شيئا بعد شئ; ولهذا جاءت الحال في صورة المضارع، ~~مع أن العامل الذي يفيده ماض، كقولك: جاء زيد يضرب، وفى التنزيل: * (وجاءوا ~~أباهم عشاء يبكون) *، إذ المراد أن يريد صورة ما هم عليه وقت المجئ وأنهم ~~آخذون في البكاء يجددونه شيئا بعد شئ، وهذا هو سر الإعراض عن اسم الفاعل ~~والمفعول، إلى صريح الفعل والمصدر. # ومن هذا يعرف لم قيل: * (الذين ينفقون) *، ولم يقل " المنفقين " في غير ~~موضع؟ # وقيل كثيرا: " المؤمنون " و " المتقون "; لأن حقيقة النفقة أمر فعلى شأنه ~~الانقطاع والتجدد، بخلاف الإيمان فإن له حقيقة تقوم بالقلب يدوم مقتضاها، ~~وإن غفل عنها، وكذلك التقوى والإسلام، والصبر والشكر، والهدى والضلال، ~~والعمى والبصر، فمعناها، أو معنى وصف الجارحة; كل هذه لها مسميات حقيقية أو ~~مجازية تستمر، وآثار تتجدد وتنقطع، فجاءت بالاستعمالين; إلا أن لكل محل ما ~~يليق به، فحيث يراد تجدد حقائقها أو آثارها فالأفعال، وحيث يراد ثبوت ~~الاتصاف بها فالأسماء. وربما بولغ في الفعل فجاء تارة بالصيغة الاسمية، ~~كالمجاهدين والمهاجرين والمؤمنين; لأنه للشأن والصفة، هذا مع أن لها في ~~القلوب أصولا، وله ببعض معانيها التصاق قوى هذا التركيب، إذ القلب فيه جهاد ~~الخواطر الرديئة، والأخلاق الدنيئة، وعقد على فعل المهاجرة، كما فيه عقد ~~على الوفاء بالعهد. وحيث يستمر المعاهد عليه إلى غير ذلك. PageV04P067 # وانظر هنا إلى لطيفة; وهو أن ما كان من شأنه ألا يفعل إلا مجازاة، وليس ~~من شأنه أن يذكر الاتصاف به، لم يأت إلا في تراكيب الأفعال، ms0875 كقوله تعالى: * ~~(ويضل الله الظالمين) *، وقال: * (وإن الله لهاد الذين آمنوا) *: * (لكل ~~قوم هاد) *. # وأما قوله تعالى: * (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) *، فإن ~~الإهلاك نوع اقتدار بين، مع أن جنسه مقضى به على الكل; عالين وسافلين; لا ~~كالضلال الذي جرى مجرى العصيان. # ومنه قوله تعالى: * (تذكروا فإذا هم مبصرون) *، لأن البصر صفة لازمة ~~للمتقى، وعين الشيطان ربما حجبت، فإذا تذكر رأى المذكور، ولو قيل: " يبصرون ~~"، لأنبأ عن تجدد واكتساب فعل لا عود صفة. # وقوله: * (الذي خلقني فهو يهدين) *، أتى بالماضي في " خلق " لأن خلقه ~~مفروغ منه، وأتى بالفاء دون الواو، لأنه كالجواب; إذ من صور المنى، قادر ~~على أن يصيره ذا هدى; وهو للحصر، لأنهم كانوا يزعمون أن آلهتهم تهديهم، ثم ~~قال: * (والذي هو يطعمني ويسقين) *، فأتى بالمضارع لبيان تجدد الإطعام ~~والسقيا، وجاءت الواو دون الفاء، لأنهم كانوا لا يفرقون بين المطعم ~~والساقي، ويعلمون أنهما من مكان واحد، وإن كانوا يعلمون أنه من إله، وأتى ~~ب‍ " هو " لرفع ذلك، ودخلت الفاء في * (يشفين) *، لأنه جواب، ولم يقل: " ~~إذا مرضت فهو يشفين " إذ يفوت ما هو موضوع لإفادة PageV04P068 # التعقيب، ويذهب الضمير المعطى معنى الحصر، ولم يكونوا منكرين الموت من ~~الله، وإنما أنكروا البعث، فدخلت " ثم " لتراخى ما بين الإماتة والإحياء. # وقوله تعالى: * (أدعوتموهم أم أنتم صامتون) * لأن الفعل الماضي يحتمل هذا ~~الحكم دائما ووقتا دون وقت، فلما قال: * (أم أنتم صامتون) *، أي سكوتكم ~~عنهم أبدا ودعاؤكم إياهم واحد، لأن " صامتون " فيه مراعاة للفواصل، فهو ~~أفصح، وللتمكين من تطريفه ذلك بحرف المد واللين، وهو للطبع أنسب من صمتهم، ~~وصلا ووقفا. # وفيه وجه آخر، وهو أن أحد القسمين موازن للآخر، فيدل على أن المعنى: " ~~أنتم داعون لهم دائما أم أنتم صامتون ". # فإن قيل: لم لا يعكس؟ # قلنا: لأن الموصوف الحاضر والمستقبل، لا الماضي; لأن قبله: * (وأن تدعوهم ~~إلى الهدى لا يتبعوكم) *، والكلام بآخره، فالحكم به قد يرجح. # وقوله تعالى: * (أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين) *، ولم يقل: # " أم لعبت "; لأن العاقل ms0876 لا يمكن أن يلعب بمثل ما جاء به ظاهرا، وإنما ~~يكون ذلك أحد رجلين; إما محق وإما مستمر على لهو الصبا وغى الشباب، فيكون ~~اللعب من شأنه حتى يصدر عنه مثل ذلك، ولو قال: " أم لعبت " لم يعط هذا. # وقوله تعالى حاكيا عن المنافقين: * (آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين) *، يريدون أحدثنا الإيمان، وأعرضنا كان عن الكفر، ليروح ذلك خلافا ~~منهم، كما أخبر تعالى عنهم في قوله: * (يخادعون الله والذين آمنوا) *. ~~PageV04P069 # وجاءت الاسمية في الرد عليهم بقوله: * (وما هم بمؤمنين) * لأنه أبلغ من ~~نفى الفعل، إذ يقتضى إخراج أنفسهم وذواتهم عن أن يكونوا طائفة من طوائف ~~المؤمنين، وينطوي تحته على سبيل القطع نفى بما أثبتوا لأنفسهم من الدعوى ~~الكاذبة، على طريقة: # * (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها) *، مبالغة في ~~تكذيبهم، ولذلك أجيبوا بالباء، وكلامهم في هذا - كما قيل: * خلى من المعنى ~~ولكن مفرقع *. # وإذا قيل: " أنا مؤمن " أبلغ من " آمن " ونفى الأبلغ لا يستلزم نفى ما ~~دونه: # وما حقيقة إخراج ذواتهم من جنس المؤمنين لم يرجع في البيان إلا على عى ~~أترويج، ولكن ذم الله تعالى طائفة تقول " آمنا "، وهي حالة القول ليست ~~بمؤمنة، بيانا لأن هذا القول إنما صدر عنها ادعاء، بحضور الإيمان حالة ~~القول والانتظام بذلك في سلك المتصفين بهذه الصفة، وهم ليسوا كذلك; فإذا ~~ذمهم الله شمل الذم أن يكونوا آمنوا يوما ثم تخلوا، وأن يكونوا ما أمنوا قط ~~من طريق الأولى والتعميم فقط، وأعلم به أن ذلك حكم من ادعى هذا الدعوى على ~~هذه الحال، وبين أن هذا القول إنما قصدوا به التمويه، بقوله: # * (يخادعون الله والذين آمنوا) * ولو قال: وما آمنوا، لم يفد إلا نفيه ~~عنهم في الماضي، ولم يفد ذمهم إن كانوا آمنوا ثم ارتدوا; وهذا أفاد نفيه في ~~الحال وذمهم بكل حال، ولأن ما فيه " مؤمنين " أحسن من " آمنوا " لوجود ~~التمكين بالمد; والوقف عقبه على حرف له موقف. # وأما قوله تعالى: * (وما هم منها بمخرجين) *، دون " يخرجون " فقيل ما ms0877 ~~سبق. وقيل استوى هنا " يخرجون " و " خارجين " في إفادة المعنى، واختير ~~الاسم لخفته وأصالته. PageV04P070 # وكذلك قوله تعالى: * (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى ~~شياطينهم) * يخبرون عن أنفسهم بالثبات على الإيمان بهم. # ومنه قوله تعالى: * (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) *، قال ~~الإمام فخر الدين الرازي: لأن الاعتناء بشأن إخراج الحي من الميت لما كان ~~أشد أتى بالمضارع، ليدل على التجدد، كما في قوله تعالى: * (الله يستهزئ ~~بهم) *. # تنبيه مضمر الفعل كمظهره في إفادة الحدوث، ومن هذه القاعدة قالوا: إن ~~سلام الخليل عليه السلام أبلغ من سلام الملائكة، حيث قال: * (قالوا سلاما ~~قال سلام) *: فإن نصب * (سلاما) * إنما يكون على إرادة الفعل، أي سلمنا ~~سلاما، وهذه العبارة مؤذنة بحدوث التسليم منهم، إذ الفعل تأخر عن وجود ~~الفاعل، بخلاف سلام إبراهيم، فإنه مرتفع بالابتداء، فاقتضى الثبوت على ~~الإطلاق، وهو أولى بما يعرض له الثبوت، فكأنه قصد أن يحييهم بأحسن مما حيوه ~~به، اقتداء بقوله تعالى: * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) ~~*. # وذكروا فيه أوجها أخرى تليق بقاعدة الفلاسفة في تفضيل الملائكة على ~~البشر، وهو أن السلام دعاء بالسلامة من كل نقص، وكمال البشر تدريجي، فناسب ~~الفعل، وكمال الملائكة مقارن لوجودها على الدوام، فكان أحق بالاسم الدال ~~على الثبوت. # قيل: وهو غلط، لأن الفعل المنشأ هو تسليمهم، أما السلام المدعو به فليس ~~في موضوعه تعرض لتدرج، وسلامة أيضا منشأ فعل، ولا يتعرض للتدريج، غير أن ~~سلامة لم يدل بوضعه PageV04P071 # اللغوي وقوع إنشائه، ثم لو كان هذا المعنى معتبرا لشرع السلام بيننا ~~بالنصب دون الرفع. # تنبيه هذا الذي ذكرناه من دلالة الاسم على الثبوت، والفعل على التجدد ~~والحدوث; هو المشهور عند البيانيين; وأنكر أبو المطرف بن عميرة في كتاب،، ~~التمويهات على كتاب التبيان،، لابن الزملكاني، قال: هذا الرأي غريب، ولا ~~مستند له نعلمه، إلا أن يكون قد سمع أن في مقوله: أن يفعل وأن ينفعل هذا ~~المعنى من التجدد، فظن أنه الفعل القسيم للأسماء، فغلط. ثم قوله: ms0878 الاسم ~~يثبت المعنى للشئ عجيب، وأكثر الأسماء دلالتها على معانيها فقط، وإنما ذاك ~~في الأسماء المشتقة; عليه ثم كيف يفعل بقوله تعالى: * (ثم إنكم بعد ذلك ~~لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) *، وقوله في هذه السورة بعينها: * (إن ~~الذين هم من خشية ربهم مشفقون. والذين هم بآيات ربهم يؤمنون) *؟ # وقال ابن المنير: طريقة العرب تدبيج الكلام وتلوينه ومجئ الفعلية تارة، ~~والاسمية أخرى، من غير تكلف لما ذكروه، وقد رأينا الجملة الفعلية تصدر من ~~الأقوياء الخلص، اعتمادا على أن المقصود الحاصل بدون التأكيد، كقوله تعالى: ~~* (ربنا آمنا) *، ولا شئ بعد * (آمن الرسول) *، وقد جاء التأكيد في كلام ~~المنافقين فقال: نحن * (إنما نحن مصلحون) *. PageV04P072 # قاعدة [في قوله تعالى: من في السماوات والأرض ونحوها] جاء في التنزيل في ~~موضع: * (من في السماوات والأرض) *، وفى موضع * (من في السماوات ومن في ~~الأرض) *. # والأول: جاء في تسعة مواضع. أحدها في الرحمن: * (من في السماوات والأرض) ~~*. # والثاني: في أربع مواضع. أولها في يونس: * (ألا إن لله من في السماوات ~~ومن في الأرض) *. # وجاء قوله تعالى: * (ما في السماوات والأرض) * في أحد عشر موضعا، أولها ~~في البقرة: # * (سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون) *. # وجاء قوله: * (ما في السماوات وما في الأرض) * في ثمانية وعشرين موضعا، ~~أولها في آية الكرسي. # قال بعضهم: وتأملت هذه المواضع، فوجدت أنه حيث قصد التنصيص على الإفراد ~~ذكر الموصول والظرف، ألا ترى إلى المقصود في سورة يونس، من نفى الشركاء ~~الذين اتخذوهم في الأرض، وإلى المقصود في آية الكرسي في إحاطة الملك. ~~PageV04P073 # وحيث قصد أمر آخر لم يذكر الموصول، إلا مرة واحدة إشارة إلى قصد الجنس ~~واللاهتمام بما هو المقصود في تلك الآية، ألا ترى إلى سورة الرحمن المقصود ~~منها علو قدرة الله وعلمه، وشأنه وكونه سئولا، ولم يقصد إفراد السائلين. # فتأمل هذا الموضع! # قاعدة [في قوله تعالى: " فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا " ونحوها] قد ~~يكون نحو هذا اللفظ في القرآن، كقوله تعالى: * (ومن أظلم ممن افترى ms0879 على ~~الله كذبا) * * (فمن أظلم ممن كذب على الله) * * (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ~~ربه ثم أعرض عنها) * * (ومن أظلم ممن منع مساجد الله...) * إلى غير ذلك. # والمفسرون على أن هذا الاستفهام معناه النفي فحينئذ، فهو خبر، وإذا كان ~~خبرا فتوهم بعض الناس أنه إذا أخذت هذه الآيات على ظواهرها أدى إلى ~~التناقض، لأنه يقال: # لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، ~~ولا أحد أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها. # واختلف المفسرون في الجواب عن هذا السؤال على طرق: # * * * أحدها: تخصيص كل واحد في هذه المواضع بمعنى صلته، فكأنه قال: لا ~~أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد من المفترين أظلم ممن ~~افترى على الله PageV04P074 # كذبا، وكذلك باقيها، وإذا تخصص بالصلات زال عنه التناقض. # * * * الثاني: أن التخصيص بالنسبة إلى السبق لما لم يسبق أحد إلى مثله، ~~حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكا طريقتهم، وهذا يئول معناه إلى ~~السبق في المانعية، والافترائية. # * * * الثالث: - وادعى الشيخ أبو حيان الصواب - ونفى الأظلمية لا يستدعى ~~نفى الظالمية، لأن نفى المقيد لا يدل على نفى المطلق، فلو قلت: ما في الدار ~~رجل ظريف، لم يدل ذلك على نفى مطلق رجل، وإذا لم يدل على نفى الظالمية لم ~~يلزم التناقض لأن فيها إثبات التسوية في الأظلمية، وإذا ثبتت التسوية في ~~الأظلمية لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر، لأنهم يتساوون في ~~الأظلمية، وصار المعنى: لا أحد أظلم ممن افترى وممن كذب ونحوها، ولا إشكال ~~في تساوى هؤلاء في الأظلمية ولا يدل على أن أحد هؤلاء أظلم من الآخر، كما ~~أنك إذا قلت: لا أحد أفقه [من زيد وعمر وخالد، لا يدل على أن أحدهم أفقه من ~~الآخر، بل نفى أن يكون أحدهم أفقه] منهم. # لا يقال: إن من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ولم ~~يفتر على الله كذبا أقل ظلما ممن جمع بينهما، فلا يكون ms0880 مساويا في الأظلمية! ~~لأنا نقول: هذه الآيات كلها إنما هي في الكفار، فهم متساوون في الأظلمية ~~وإن اختلفت طرق الأظلمية، فهي كلها صائرة إلى الكفر، وهو شئ واحد، لا يمكن ~~فيه الزيادة بالنسبة لإفراد من PageV04P075 # اتصف به، وإنما تمكن الزيادة في الظلم بالنسبة، لهم وللعصاة المؤمنين، ~~بجامع ما اشتركوا فيه من المخالفة، فتقول: الكافر أظلم من المؤمن، وتقول: ~~لا أحد أظلم من الكافر; ومعناه أن ظلم الكافر يزيد على ظلم غيره. انتهى. # وقال بعض مشايخنا: لم يدع القائل نفى الظالمية، فيقيم الشيخ الدليل على ~~ثبوتها، وإنما دعواه أن " ومن أظلم ممن منع مثلا " والغرض أن الأظلمية ~~ثابتة لغير ما اتصف بهذا الوصف، وإذا كان كذلك حصل التعارض، ولابد من الجمع ~~بينهما. وطريقه التخصيص فيتعين القول به. # وقول الشيخ: إن المعنى " لا أحد أظلم ممن منع وممن ذكر " صحيح، ولكن لم ~~يستفد ذلك إلا من جهة التخصيص، لأن الأفراد المنفى عنها الأظلمية في آية، ~~وأثبتت لبعضها الأظلمية أيضا في آية أخرى، وهكذا بالنسبة إلى بقية الآيات ~~الوارد فيها ذلك. # وكلام الشيخ يقتضى أن ذلك استفيد لا بطريق التخصيص، بل بطريق أن الآيات ~~المتضمنة لهذا الحكم في آية واحدة. وإذا تقرر ذلك، علمت أن كل آية خصت ~~بأخرى، ولا حاجة إلى القول بالتخصيص بالصلات، ولا بالسبق. # * * * الرابع: طريقة بعض المتأخرين، فقال متى قدرنا: " لا أحد أظلم "، ~~لزم أحد الأمرين: إما استواء الكل في الظلم، وأن المقصود نفى الأظلمية من ~~غير المذكور، لا إثبات الأظلمية له، وهو خلاف المتبادر إلى الذهن، أما أن ~~كل واحد أظلم في ذلك النوع. وكلا الأمرين إنما لزم من جعل مدلولها إثبات ~~الأظلمية للمذكور حقيقة، أو نفيها من غيره. # وهنا معنى ثالث، وهو أمكن في المعنى وسالم عن الاعتراض، وهو الوقوف مع ~~مدلول PageV04P076 # اللفظ من الاستفهام، والمقصود به أن هذا الأمر عظيم فظيع، قصدنا ~~بالاستفهام عنه تخييل أنه لا شئ فوقه، لامتلاء قلب المستفهم عنه بعظمته ~~امتلاء يمنعه من ترجيح غيره، فكأنه مضطر إلى أن يقول: لا أحد ms0881 أظلم; وتكون ~~دلالته على ذلك استعارة لا حقيقة، فلا يرد كون غيره أظلم منه إن فرض. ~~وكثيرا ما يستعمل هذا في الكلام إذا قصد به التهويل، فيقال أي شئ أعظم من ~~هذا إذا قصد إفراط عظمته؟ ولو قيل للمتكلم بذلك: أنت قلت إنه أعظم الأشياء، ~~لأبى ذلك. فليفهم هذا المعنى، فإن الكلام ينتظم معه والمعنى عليه. # قاعدة [في الجحد بين الكلامين] قوله تعالى: * (وما جعلناهم جسدا لا ~~يأكلون الطعام) *، قال صاحب ،، الياقوتة،،: قال ثعلب والمبرد جميعا: العر ب ~~إذا جاءت بين الكلامين بجحدين، كان الكلام إخبارا، فمعناه إنما جعلناهم ~~جسدا لا يأكلون الطعام. ومثله: ما سمعت منك ولا أقبل منك مالا. وإذا كان في ~~أول الكلام جحد كان الكلام مجحودا جحدا حقيقيا، نحو " ما زيد بخارج "، فإذا ~~جمعت بين جحدين في أول الكلام كان أحدهما زائدا، كقوله: ما ما قمت يريد: " ~~ما قمت "، ومثله ما إن قمت، وعليه قوله تعالى: * (فيما إن مكنا كم فيه) *، ~~في أحد الأقوال. PageV04P077 # قاعدة في ألفاظ يظن بها الترادف وليست منه ولهذا وزعت بحسب المقامات فلا ~~يقوم مرادفها فيما استعمل فيه مقام الآخر، فعلى المفسر مراعاة الاستعمالات ~~والقطع بعدم الترادف ما أمكن; فإن للتركيب معنى غير معنى الإفراد، ولهذا ~~منع كثير من الأصوليين وقوع أحد المترادفين موقع الآخر في التركيب; وإن ~~اتفقوا على جوازه في الإفراد. # فمن ذلك " الخوف " و " الخشية "، لا يكاد اللغوي يفرق بينهما، ولا شك أن ~~الخشية أعلى من الخوف، وهي أشد الخوف، فإنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية ~~إذا كانت يابسة وذلك فوات بالكلية; والخوف من قولهم: ناقة خوفاء; إذا كان ~~بها داء، وذلك نقص وليس بفوات; ومن ثمة خصت الخشية بالله تعالى في قوله ~~سبحانه: * (ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) *. # وفرق بينهما أيضا، بأن الخشية تكون من عظم المخشى، وإن كان الخاشي قويا، ~~والخوف يكون من ضعف الخائف، وإن كان المخوف أمرا يسيرا، ويدل على ذلك أن ~~الخاء والشين والياء في تقاليبها تدل على العظمة; قالوا: شيخ للسيد الكبير، ~~والخيش ms0882 لما عظم من الكتان، والخاء والواو والفاء الله في تقاليبها تدل على ~~الضعف، وانظر إلى الخوف لما فيه من ضعف القوة، وقال تعالى: * (ويخشون ربهم ~~ويخافون سوء الحساب) *، فإن الخوف من الله لعظمته، يخشاه كل أحد كيف كانت ~~حاله، وسوء الحساب ربما لا يخافه من كان عالما بالحساب، وحاسب نفسه قبل أن ~~يحاسب. PageV04P078 # وقال تعالى: * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) *، وقال لموسى: # * (لا تخف) *، أي لا يكون عندك من ضعف نفسك ما تخاف منه من فرعون. # فإن قيل: ورد: * (يخافون ربهم) *؟ # قيل: الخاشي من الله بالنسبة إلى عظمة الله ضعيف، فيصح أن يقول " يخشى ~~ربه " لعظمته، ويخاف ربه، أي لضعفه بالنسبة إلى الله تعالى. # وفيه لطيفة، وهي أن الله تعالى لما ذكر الملائكة وهم أقوياء ذكر صفتهم ~~بين يديه، فقال: * (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) *، فبين أنهم ~~عند الله ضعفاء، ولما ذكر المؤمنين من الناس وهم ضعفاء لا حاجة إلى بيان ~~ضعفهم، ذكر ما يدل على عظمة الله تعالى، فقال: * (يخشون ربهم) *، ولما ذكر ~~ضعف الملائكة بالنسبة إلى قوة الله تعالى قال: * (ربهم من فوقهم) *، ~~والمراد فوقية بالعظمة. # * * * ومن ذلك الشح والبخل، والشح هو البخل الشديد; وفرق العسكري بين ~~البخل والضن، بأن الضن أصله أن يكون بالعواري والبخل بالهيئات، ولهذا يقال: ~~هو ضنين بعلمه، ولا يقال: هو بخيل، لأن العلم أشبه بالعارية منه بالهيئة; ~~لأن الواهب إذا وهب شيئا خرج عن ملكه بخلاف العارية، ولهذا قال تعالى: * ~~(وما هو على الغيب بضنين) *، ولم يقل ب‍ * (بخيل) *. # * * * PageV04P079 # ومن ذلك الغبطة والمنافسة، كلاهما محمود، قال تعالى: * (وفى ذلك فليتنافس ~~المتنافسون) *، وقال صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في اثنتين "، وأراد ~~الغبطة، وهي تمنى مثل ماله من غير أن يغتم لنيل غيره; فإن انضم إلى ذلك ~~الجد والتشمير إلى مثله أو خير منه، فهو منافسة. # وقريب منها الحسد والحقد، فالحسد تمنى زوال النعمة من مستحقها، وربما كان ~~مع سعى في إزالتها، كذا ذكر الغزالي هذا القيد أعني الاستحقاق، وهو ms0883 يقتضى ~~أن تمنى زوالها عمن لا يستحقها لا يكون حسدا. # * * * ومن ذلك " السبيل " و " الطريق "، وقد كثر استعمال السبيل في ~~القرآن; حتى أنه وقع في الربع الأول منه في بضع وخمسين موضعا، أولها قوله ~~تعالى: * (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله) *، ولم يقع ذكر الطريق مرادا ~~به الخير إلا مقترنا بوصف أو بإضافة، مما يخلصه لذلك، كقوله تعالى: * (إلى ~~الحق والى طريق مستقيم) *. # * * * ومن ذلك " جاء " و " أتى " يستويان في الماضي، " ويأتي " أخف من " ~~يجئ " وكذا في الأمر و " جيئوا بمثله " أثقل من " فأتوا بمثله " ولم يذكر ~~الله إلا " يأتي " و " يأتون " وفى الأمر " فأت " " فأتنا " " فأتوا " لأن ~~إسكان الهمزة ثقيل لتحريك حروف المد واللين، تقول " جئ " أثقل من " ائت ". # وأما في الماضي ففيه لطيفة، وهي أن " جاء " يقال في الجواهر والأعيان، " ~~وأتى " في المعاني والأزمان، وفى مقابلتها: ذهب ومضى، يقال ذهب في الأعيان، ~~ومضى في الأزمان، ولهذا يقال: حكم فلان ماض، ولا يقال: ذاهب; لأن الحكم ليس ~~من الأعيان. PageV04P080 # وقال: * (ذهب الله بنورهم) *، ولم يقل " مضى " لأنه يضرب له المثل ~~بالمعاني المفتقرة إلى الحال، ويضرب له المثل بالأعيان القائمة بأنفسها; ~~فذكر الله " جاء " في موضع الأعيان في الماضي، " وأتى " في موضع المعاني ~~والأزمان. # وانظر قوله تعالى: * (ولمن جاء به حمل بعير) *; لأن الصواع عين. * (ولما ~~جاءهم كتاب) * لأنه عين، وقال: * (وجئ يومئذ بجهنم) * لأنها عين. # وأما قوله تعالى: * (فإذا جاء أجلهم) *، فلأن الأجل كالمشاهد، ولهذا ~~يقال: # حضرته الوفا وحضره الموت. وقال تعالى: * (بل جئناك بما كانوا فيه يمترون) ~~*، أي العذاب لأنه مرئي يشاهدونه، وقال: * (وأتيناك بالحق وأنا لصادقون) *، ~~حيث لم يكن الحق مرئيا. # فإن قيل: فقد قال تعالى: * (أتاها أمرنا ليلا أو نهارا) *، وقال: * (ولما ~~جاء أمرنا) *، فجعل الأمر آتيا وجائيا. # قلنا: هذا يؤيد ما ذكرناه; فإنه لما قال: * (جاء) * وهم ممن يرى الأشياء، ~~قال: * (جاء) * أي عيانا، ولما كان الزرع لا يبصر ولا يرى، قال: * (أتاها) ~~*،. ويؤيد: هذا أن " جاء " يعدى بالهمزة، ويقال: أجاءه، قال تعالى: * ~~(فأجاءها المخاض ms0884 إلى جذع النخلة) *، ولم يرد " أتاه " بمعنى " ائت " من ~~الإتيان، لأن المعنى لا استقلال له، حتى يأتي بنفسه. # * * * ومن ذلك " الخطف " و " التخطف " لا يفرق الأديب بينهما، والله ~~تعالى فرق PageV04P081 # بينهما، فتقول: * (خطف) * بالكسر لما تكرر، ويكون من شأن الخاطف الخطف، و ~~" خطف " بالفتح حيث يقع الخطف من غير من يكون من شأنه الخطف بكلفة، وهو ~~أبعد من " خطف " بالفتح، فإنه يكون لمن اتفق له على تكلف، ولم يكن متوقعا ~~منه. ويدل عليه أن " فعل " بالكسر لا يتكرر، كعلم وسمع و " فعل " لا يشترط ~~فيه ذلك، كقتل وضرب، قال تعالى: * (إلا من خطف الخطفة) * فإن شغل الشيطان ~~ذلك، وقال: # * (فتخطفه الطير) * لأن من شأنه ذلك. # وقال: * (تخافون أن يتخطفكم الناس) * فإن الناس لا تخطف الناس إلا على ~~تكلف. # وقال: * (ويتخطف الناس من حولهم) *. # وقال: * (يكاد البرق يخطف أبصارهم) *، لأن البرق يخاف منه خطف البصر إذا ~~قوى. # * * * ومن ذلك " مد " و " أمد " قال: الراغب أكثر جاء الإمداد في ~~المحبوب: # * (وأمددناهم بفاكهة) * * (ظل ممدود) *، والمد في المكروه: * (ونمد له من ~~العذاب مدا) *. # * * * ومن ذلك " سقى " و " أسقى " وقد سبق. ومن ذلك " عمل " و " فعل " ~~والفرق بينهما أن PageV04P082 # العمل أخص من الفعل، كل عمل فعل ولا ينعكس; ولهذا جعل النجاة الفعل في ~~مقابلة الاسم; لأنه أعم، والعمل من الفعل ما كان مع امتداد; لأنه " فعل " ~~وباب " فعل " لما تكرر. # وقد اعتبره الله تعالى، فقال: * (يعملون له ما يشاء) *، حيث كان فعلهم ~~بزمان. # وقال: * (ويفعلون ما يؤمرون) *، حيث يأتون بما يؤمرون في طرفة عين، ~~فينقلون المدن بأسرع من أن يقوم القائم من مكانه. # وقال تعالى: * (مما عملت أيدينا) *، * (وما عملته أيديهم) * فإن خلق ~~الأنعام والثمار والزروع بامتداد، وقال: * (كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) *، * ~~(ألم تر كيف فعل ربك بعاد) *، * (وتبين لكم كيف فعلنا بهم) *، فإنها ~~إهلاكات أهل وقعت من غير بطء. # وقال: * (وعملوا الصالحات) *، حيث كان المقصود المثابرة عليها، لا ~~الإتيان بها مرة. # وقال: * (وافعلوا الخير) *، بمعنى سارعوا. كما قال: * (فاستبقوا الخيرات) ~~*. # وقال: * (والذين ms0885 هم للزكاة فاعلون) *; أي يأتون بها على سرعة من غير توان ~~في دفع حاجة الفقير، فهذا هو الفصاحة في اختيار الأحسن في كل موضع. # * * * ومن ذلك " القعود " و " الجلوس ". إن القعود لا يكون معه لبثة، ~~حديث والجلوس PageV04P083 # لا يعتبر فيه ذلك; ولهذا تقول: " قواعد البيت "، ولا تقول: " جوالسه "; ~~لأن مقصودك ما فيه ثبات; والقاف والعين والدال كيف تقلبت دلت على اللبث; ~~والقعدة بقاء على حالة، والدقعاء للتراب الكثير الذي يبقى في مسيل الماء ~~وله لبث طويل; وأما الجيم واللام والسين فهي للحركة، منه السجل للكتاب يطوى ~~له ولا يثبت عنده، ولهذا قالوا في قعد: يقعد بضم الوسط، وقالوا: جلس يجلس ~~بكسره; فاختاروا الثقيل لما هو أثبت. # إذا ثبت هذا فنقول: قال الله تعالى: * (مقاعد للقتال) * فإن الثبات هو ~~المقصود. # وقال: * (اقعدوا مع القاعدين) *، أي لا زوال لكم، ولا حركة عليكم بعد ~~هذا. وقال: # * (في مقعد صدق) * ولم يقل " مجلس " إذ لا زوال عنه. # وقال: * (إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس) *، إشارة إلى أنه يجلس فيه ~~زمانا يسيرا ليس بمقعد; فإذا طلب منكم التفسح فافسحوا، لأنه لا كلفة فيه ~~لقصره، ولهذا لا يقال: قعيد الملوك، وإنما يقال: جليسهم، لأن مجالسه الملوك ~~يستحب فيها التخفيف; والقعيدة للمرأة; لأنها تلبث في مكانها. # * * * ومن ذلك " التمام " و " الكمال "، وقد اجتمعا في قوله تعالى: * ~~(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) *، والعطف يقتضى المغايرة. ~~فقيل: الإتمام لإزالة نقصان الأصل، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام ~~الأصل; ولهذا كان قوله تعالى: * (تلك عشرة كاملة) *; أحسن من " تامة " فإن ~~التمام من العدد قد علم; وإنما بقى احتمال نقص في صفاتها. PageV04P084 # وقيل " تم " يشعر بحصول نقص قبله، و " كمل " لا يشعر بذلك; ومن هذا ~~قولهم: # رجل كامل، إذا جمع خصال الخير، ورجل تام إذا كان غير ناقص الطول. # وقال العسكري: الكمال اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به، والتمام اسم للجزء ~~الذي يتم به الموصوف; ولهذا يقولون: القافية تمام البيت، ولا يقولون كماله، ~~ويقولون: # البيت بكماله. # * * * ذلك الضياء والنور. # فائدة ms0886 [عن الجويني في الفرق بين الإتيان والإعطاء] قال الجويني: لا يكاد ~~اللغويون يفرقون بين الإعطاء والإتيان، وظهر لي بينهما فرق انبنى عليه ~~بلاغة في كتاب الله، وهو أن الإتيان أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله، لأن ~~الإعطاء له مطاوع، يقال: أعطاني فعطوت، ولا يقال في الإتيان أتاني فأتيت، ~~وإنما يقال: أتاني فأخذت، [و] الفعل الذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله من ~~الذي لا مطاوع له; لأنك تقول: قطعته فانقطع، فيدل على أن فعل الفاعل كان ~~موقوفا على قبول المحل، لولاه لما ثبت المفعول; ولهذا يصح: قطعته فما ~~انقطع، ولا يصح فيما لا مطاوع له ذلك، فلا يجوز أن يقال: ضربته فانضرب أو ~~ما انضرب، ولا قتلته فانقتل أو ما انقتل; لأن هذه الأفعال إذا صدرت من ~~الفاعل ثبت لها المفعول في المحل، والفاعل مستقل بالأفعال التي لا مطاوع ~~لها; فالإيتاء إذن أقوى من الإعطاء. PageV04P085 # قال: وقد تفكرت في مواضع من القرآن، فوجدت ذلك مراعى، قال الله تعالى في ~~الملك: * (تؤتى الملك من تشاء) * لأن الملك شئ عظيم لا يعطيه إلا من له ~~قوة; ولأن الملك في الملك أثبت من الملك في المالك; فإن الملك لا يخرج ~~الملك من يده، وأما المالك فيخرجه بالبيع والهبة. # وقال تعالى: * (يؤتى الحكمة) * لأن الحكمة إذا ثبتت في المحل دامت. # وقال: * (آتيناك سبعا من المثاني) *، لعظم القرآن وشأنه. # وقال: * (إنا أعطيناك الكوثر) * لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته ~~يردون على الحوض ورود النازل على الماء، ويرتحلون إلى منازل العز والأنهار ~~الجارية في الجنان، والحوض للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته عند عطش الأكباد ~~قبل الوصول إلى المقام الكريم، فقال فيه: * (إنا أعطيناك) *، لأنه يترك ذلك ~~عن قرب، وينتقل إلى ما هو أعظم منه. # وقال: * (أعطى كل شئ خلقه) *، لأن من الأشياء ماله وجود في زمان واحد ~~بلفظ الإعطاء، وقال: * (ولسوف يعطيك ربك فترضى) *، لأنه تعالى بعد ما يرضى ~~النبي صلى الله عليه وسلم يزيده وينتقل به من كل الرضا إلى أعظم ما كان ms0887 ~~يرجو منه، لا بل حال أمته كذلك، فقوله: * (يعطيك ربك) * فيه بشارة. # وقال: * (حتى يعطوا الجزية عن يد) * لأنها موقوفة على قبول منا، وهم ~~PageV04P086 # لا يؤتون إيتاء عن طيب قلب، وإنما هو عن كره، إشارة إلى أن المؤمن ينبغي ~~أن يكون إعطاؤه للزكاة بقوة، لا يكون كإعطاء الجزية. # فانظر إلى هذه اللطيفة الموقفة على سر من أسرار الكتاب!. # قاعدة في التعريف والتنكير اعلم أن لكل واحد منهما مقاما لا يليق بالآخر. # * * * فأما التعريف فله أسباب: # الأول: الإشارة إلى معهود خارجي، كقوله تعالى: * (بكل ساحر عليم. # فجمع السحرة) *، على قراءة الأعمش فإنه أشير بالسحرة إلى " ساحر " مذكور. # وقوله: * (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا. فعصى فرعون الرسول) *. # وأغرب ابن الخشاب فجعلها للجنس، فقال: لأن من عصى رسولا فقد عصى سائر ~~الرسل. # ومنهم من لا يشترط تقدم ذكره، وجعل منه قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم ~~آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) *، لأنهم كانوا يعتقدون ~~أن الناس الذين آمنوا سفهاء. PageV04P087 # وقوله: * (وليس الذكر كالأنثى) * أي الذكر الذي طلبته كالأنثى التي وهبت ~~لها، وإنما جعل هذا للخارجي لمعنى الذكر في قولها: * (نذرت لك ما في بطني ~~محررا) *، ومعنى الأنثى في قولها: * (إني وضعتها أنثى) *. # الثاني: لمعهود ذهني، أي في ذهن مخاطبك، كقوله تعالى: * (إذ هما في ~~الغار) *، * (إذ يبايعونك تحت الشجرة) *، وإما حضوري; نحو: * (اليوم أكملت ~~لكم دينكم) *، فإنها نزلت يوم عرفة. # الثالث: الجنس، وهي فيه على أقسام: أحدها أن يقصد المبالغة في الخبر، ~~فيقصر جنس المعنى على المخبر عنه; نحو زيد الرجل، أي الكامل في الرجولية. ~~وجعل سيبويه صفات الله تعالى كلها من ذلك. # وثانيها: أن يقصره على وجه الحقيقة لا المبالغة، ويسمى تعريف الماهية، ~~نحو: # * (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة) *. وقوله: * (وجعلنا من ~~الماء كل شئ حي) *، أي جعلنا مبتدأ كل حي هذا الجنس، الذي هو الماء. # وقال بعضهم: المراد بالحقيقة ثبوت الحقيقة الكلية الموجودة في الخارج، لا ~~الشاملة لأفراد الجنس، نحو: الرجل خير من المرأة، لا يريدون امرأة ms0888 بعينها، ~~وإنما المراد: هذا الجنس خير من ذلك الجنس; من حيث هو، وإن كان يتفق في بعض ~~أفراد النساء من هو خير من بعض أفراد الرجال، بسبب عوارض. # وهذا معنى قول ابن بابشاذ: إن تعريف العهد لما ثبت في الأعيان، وتعريف ~~الجنس لما ثبت في الأذهان; لان التفضيل في الجنس راجع إلى الصورتين ~~الكليتين في الذهن; PageV04P088 # إذ لا معنى للتفضيل في الصورة الذهنية، وإنما أضاف إلى الذهن لأن تلك ~~الحقيقة التي ذكرناها; وإن كانت موجودة في الخارج; لاشتمال الأفراد ~~الخارجية عليها، ولكنها كلها مطابقة للصورة الذهنية التي لتلك الحقيقة، ~~ولهذا تسمى الكلية الطبيعية. # الرابع: أن يقصد بها الحقيقة، باعتبار كلية ذلك المعنى، وتعرف بأنها التي ~~إذا نزعت حسن أن يخلفها " كل " وتفيد معناها الذي وضعت له حقيقة; ويلزم من ~~ذلك الدلالة على شمول الأفراد، وهي الاستغراقية، ويظهر أثره في صحة ~~الاستثناء منه، مع كونه بلفظ الفرد، نحو: * (إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين ~~آمنوا) *، وفى صحة وصفه بالجمع نحو: # * (أو الطفل الذين لم يظهروا) *. # قال صاحب،، ضوء المصباح،،: سواء أكان الشمول باعتبار الجنس، كالرجل ~~والمرأة، أو باعتبار النوع كالسارق والسارقة، ويفرق بينهما، بأن ما دخلت ~~عليه من أجل فعله فيزول عنه الاسم بزوال الفعل، فهي للنوع. وما دخلت عليه ~~من أجل وصفه فلا يزول عنه الاسم أبدا. هذا كله إذا دخلت على مفرد، نحو: * ~~(إلى عالم الغيب والشهادة) * * (وخلق الإنسان ضعيفا) * * (إن الإنسان لفي ~~خسر) * خلافا للإمام فخر الدين ومن تبعه في قولهم: إن المفرد المحلى بالألف ~~واللام لا يعم، ولنا الاستثناء في قوله تعالى: # * (أو الطفل الذين لم يظهروا) *، وليس في قوله: * (والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما) * دلالة على العموم، كما زعم صاحب الكشاف. # فإن قلت: فإذا لم يكن السارق عاما، فبماذا تقطع يد كل سارق من لدن سرق ~~رداء صفوان إلى انقضاء العالم. PageV04P089 # قيل: لأن المراد منه الجنس; أي نفس الحقيقة; والمعنى أن المتصف بصفة ~~السرقة تقطع يده، وهو صادق على كل سارق; لأن الحقيقة كما توجد مع الواحد ms0889 ~~توجد مع المتعدد أيضا; فإن دخلت على جمع; فاختلف العلماء: هل سلبته معنى ~~الجمع، ويصير للجنس ويحمل على أقله، وهو الواجد لئلا يجتمع على الكلمة ~~عمومان؟ أو معنى الجمع باق معها؟ # مذهب الحنفية الأول، وقضية مذهبنا الثاني، ولهذا اشترطوا ثلاثة من كل صنف ~~في الزكاة إلا العاملين. ويلزم الحنفية ألا يصح منه الاستثناء ولا يخصصه، ~~وقد قال تعالى: # * (فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس) *، وقال: * (فاقتلوا المشركين) ~~*، إلى قوله: * (حتى يعطوا الجزية) * وقد حققته في باب العموم من ،، بحر ~~الأصول،،. # ثم الأكثر في نعتها وغيرها موافقة اللفظ، كقوله تعالى: * (والجار ذي ~~القربى والجار الجنب) *، وقوله: * (لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى. ~~وسيجنبها الأتقى. # الذي يؤتى ماله يتزكى) *. # وتجئ موافقة معنى لا لفظا على قلة، كقوله: * (أو الطفل الذين لم يظهروا ~~على عورات النساء) *. # * * * وأما التنكير، فله أسباب: PageV04P090 # الأول: إرادة الوحدة، نحو: * (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) *. # الثاني: إرادة النوع، كقوله: * (هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب) * أي نوع ~~من الذكر. # * (وعلى أبصارهم غشاوة) *; وهي التعامي عن آيات الله الظاهرة لكل مبصر; ~~ويجوز أن يكون للتعظيم وجريا في قوله تعالى: * (والله خلق كل دابة من ماء) ~~*، * (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) *; لأنهم لم يحرصوا على أصل الحياة ~~حتى تعرف، بل على الازدياد من نوع; وإن كان الزائد أقل شئ ينطلق عليه اسم ~~الحياة. # الثالث: التعظيم كقوله تعالى: * (فأذنوا بحرب من الله ورسوله) *; أي بحرب ~~وأي حرب. # وكقوله: * (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) *، أي لا يوقف على حقيقته. # وجعل منه السكاكي قوله تعالى: * (إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن) *، ~~والظاهر من قول الزمخشري خلافه; وهذا لم يصرح بأن العذاب لاحق به، بل قال: ~~* (يمسك) *، وذكر الخوف وذكر اسم الرحمن; ولم يقل: " المنتقم "، وذلك يدل ~~على أنه لم يرد التعظيم. # وقوله: * (أن لهم جنات) *. # فإن قلت: لم لم ينكر " الأنهار " في قوله: * (من تحتها الأنهار) *؟ ~~PageV04P091 # قلت: لا غرض في عظم الأنهار وسعتها، بخلاف الجنات. # ومنه: * (سلام على إبراهيم) *; * (وسلام ms0890 على يوم ولد) *. # . إنما لم ينكر " سلام عيسى " في قوله: * (والسلام على يوم ولدت) *; فإنه ~~في قصة دعائه، الرمز إلى ما اشتق منه اسم الله تعالى، والسلام: اسم من ~~أسمائه، مشتق من السلامة، وكل اسم ناديته به متعرض لما يشتق منه ذلك الاسم; ~~نحو: يا غفور يا رحيم. # الرابع: التكثير; نحو " إن له لإبلا "، وجعل منه الزمخشري قوله تعالى: * ~~(إن لنا لأجرا) * أي أجرا وافرا جزيلا، ليقابل المأجور عنه من الغلبة على ~~مثل موسى عليه السلام; فإنه لا يقابل بعد الغلبة عليه بأجر; إلا وهو عديم ~~النظير في الكثرة. # وقد أفاد التكثير والتعظيم معا قوله تعالى: * (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل) ~~*; أي رسل عظام ذوو عدد كثير، وذلك لأنه وقع عوضا عن قوله: " فلا تحزن ~~وتصبر " وهو يدل على عظم الأمر وتكاثر العدد. # الخامس: التحقير، كقوله تعالى: * (من أي شئ خلقه) *; قال الزمخشري: # أي من شئ حقير مهين، ثم بينه بقوله * (من نطفة خلقه) *. # وكقوله تعالى: * (إن نظن إلا ظنا) * أي لا يعبأ به، وإلا لاتبعوه، لأن ~~ذلك ديدنهم * (إن يتبعون إلا الظن) *. # السادس: التقليل، كقوله تعالى: * (ورضوان من الله أكبر) *; أي رضوان ~~PageV04P092 # قليل من بحار رضوان الله الذي لا يتناهى، أكبر من الجنات; لأن رضا المولى ~~رأس كل سعادة. # وقوله تعالى: * (فيه شفاء للناس) *; إذا المعنى أنه يحصل فيه أصل الشفاء ~~في جملة صور، ويجوز أن يكون للتعظيم. # وعد صاحب الكشاف منه: * (أسرى بعبده ليلا) *، أي بعض الليل. # وفيه نظر; لأن التقليل عبارة عن تقليل الجنس إلى فرد من أفراده لا ببعض ~~فرد إلى جزء من أجزائه. # تنبيه هذه الأمور إنما تعلم من القرائن والسياق، كما فهم التعظيم في قوله ~~تعالى: * (لأي يوم أجلت) *; من قوله بعده: * (ليوم الفصل. وما أدراك ما يوم ~~الفصل) *. # وكما فهم التحقير من قوله: * (من أي شئ خلقه) *; من قوله من بعده: * (من ~~نطفة خلقه) *. # قاعدة [فيما إذا ذكر الاسم مرتين] إذا ذكر الاسم مرتين فله أربعة أحوال; ~~لأنه إما أن يكونا معرفتين، أو ms0891 نكرتين; أو الثاني معرفة والأول نكرة، أو ~~عكسه. # * * * PageV04P093 # فالأول: أن يكونا معرفتين، والثاني فيه هو الأول غالبا، حملا له على ~~المعهود الذي هو الأصل في اللام أو الإضافة، ك‍ " العسر " في قوله: * (فإن ~~مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا) *; ولذلك ورد: " لن يغلب عسر يسرين "، ~~قال التنوخي: إنما كان مع العسر واحدا; لأن اللام طبيعة لا ثاني لها، بمعنى ~~أن الجنس هي والكلي لا يوصف بوحدة ولا تعدد. # وقوله: * (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون) *. # وقوله: * (فاعبد الله مخلصا له الدين. ألا لله الدين الخالص) *. # وقوله: * (وقهم السيئات ومن تق السيئات) *. # وقوله: * (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار. اليوم تجزى كل نفس ما كسبت ~~لا ظلم اليوم) *. # وقوله: * (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون) *. # وقوله: * (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر) *. # وقوله: * (اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين) *. # وهذه القاعدة ليست مطردة، وهي منقوضة بآيات كثيرة، كقوله تعالى: * (هل ~~جزاء الإحسان إلا الإحسان) *، فإنهما معرفتان وهما غيران; فإن الأول هو ~~العمل، والثاني الثواب. PageV04P094 # وقوله تعالى: * (أن النفس بالنفس) * أي القاتلة والمقتولة. # وقوله: * (الحر بالحر) *. # وقوله: * (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) *. # وقوله: * (إنا خلقنا الإنسان) *. # وقوله: * (أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه) *. # وقوله: * (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به) *. # وقوله: * (قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء) *. # فالملك الذي يؤتيه الله للعبد لا يمكن أن يكون نفس ملكه، فقد اختلفا وهما ~~معرفتان، لكن يصدق أنه إياه باعتبار الاشتراك في الاسم، كما صرح بنحوه في ~~قوله تعالى: # * (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) *، فقد أعاد الضمير في المنفصل ~~المستغرق باعتبار أصل الفضل. # ونظيرها قوله تعالى: * (أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا) *. # وقوله: * (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن ~~نشأ نخسف بهم الأرض) *. # فالأول عام والثاني خاص. # وقوله: * (لخلق السماوات والأرض ms0892 أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون) *. PageV04P095 # * (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) *. # وقوله: * (قال فالحق والحق أقول) *. # فالأول نصب على القسم والثاني نصب ب‍ " أقول ". # وهذا بخلاف قوله: * (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل) *. # وأما قوله: * (أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) *; فالأولى معرفة ~~بالضمير والثانية عامة، والأولى خاصة، فالأول داخل في الثاني. # وكذا قوله: * (عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله) *. # وقوله: * (برب العالمين. رب موسى وهارون) *. # وقوله: * (أبلغ الأسباب. أسباب السماوات) *. # وقوله: * (سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) *. # وقوله: * (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) *، ثم قال: * (فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه) *، فهما وإن اختلفا يكون الأول خاصا والثاني عاما متفقان ~~بالجنس. # وكذلك: * (إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا) *. # ولذلك استبدل بها على أن الأصل إلغاء الظن مطلقا. PageV04P096 # وأما قوله تعالى: * (فجاءته إحداهما تمشى على استحياء) * بعد قوله: * ~~(قالت إحداهما) * يحتمل أن تكون الأولى هي الثانية وألا تكون. # ونظيرها قوله تعالى: * (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) *. # فإن كانت " إحداهما " الثانية مفعولا، فالاسم الأول هو الثاني على قاعدة ~~المعرفتين، وإن كانت فاعلا فهما واحد باعتبار الجنس. وأكثر النحاة على أن ~~الإعراب إذا لم يظهر في واحد من الاسمين تعين كون الأول فاعلا، خلافا لما ~~قاله الزجاج في قوله تعالى: # * (فما زالت تلك دعواهم) *. # وقوله: * (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما ~~هو من الكتاب) *، فالكتاب الأول ما كتبوه بأيديهم، ثم كرره بقوله: * (فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) *. والكتاب الثاني التوراة، والثالث جنس كتب ~~الله تعالى، أي ما هو من شئ في كتب الله تعالى وكلامه قاله الراغب. # * * * الثاني: أن يكونا نكرتين، فالثاني غير الأول، وإلا لكان المناسب هو ~~التعريف; بناء على كونه معهودا سابقا. قالوا: والمعنى في هذا والذي قبله أن ~~النكرة تستغرق الجنس، والمعرفة تتناول البعض; فيكون داخلا في الكل، سواء ~~قدم أو أخر. # والمشهور ms0893 في تمثيل هذا القسم " اليسر ": في قوله تعالى: * (فإن مع العسر ~~يسرا. # إن مع العسر يسرا) *. PageV04P097 # وقد قيل إن تنكير " يسرا " للتعميم، وتعريف " اليسر " للعهد الذي كانوا ~~عليه يؤكده سبب النزول، أو الجنس الذي يعرفه كل أحد، ليكون " اليسر " ~~الثاني مغايرا للأول، بخلاف العسر. والتحقيق أن الجملة الثانية هنا تأكيد ~~للأولى لتقديرها في النفس، وتمكينها من القلب، ولأنها تكرير صريح لها، ولا ~~تدل على تعدد اليسر، كما لا يدل قولنا: # وإن مع زيد كتابا، إن مع زيد كتابا، على أن معه كتابين، فالأصح كما إن ~~هذا تأكيد. # وقوله تعالى: * (الذي خلقكم من ضعف...) * الآية، فإن كلا من المذكور غير ~~الآخر، فالضعف الأول النطفة أو التراب، والثاني الضعف الموجود في الطفل ~~والجنين، والثالث في الشيخوخة. والقوة الأولى التي تجعل للطفل حركة وهداية ~~لاستدعاء اللبن، والدفع عن نفسه بالبكاء، والثانية بعد البلوغ قال ابن ~~الحاجب في قوله تعالى: * (غدوها شهر ورواحها شهر) *: الفائدة في إعادة لفظ ~~" شهر " الإعلام بمقدار زمن الغدو وزمن الرواح، والألفاظ التي تأتى مبينة ~~للمقادير لا يحسن فيها الإضمار. # واعلم أنه ينبغي أن يأتي في هذا القسم الخلاف الأصولي، في نحو: " صل ~~ركعتين، صل ركعتين " هل يكون أمرين بمأمورين والثاني تأسيس، أولا؟ وفيه ~~قولان. # وقد نقضوا هذا القسم بقوله تعالى: * (وهو الذي في السماء إله وفى الأرض ~~إله) * فإن فيه نكرتين; والثاني هو الأول. وأجاب الطيبي، بأنه من باب ~~التكرير وإناطة أمر زائد. PageV04P098 # وهذه القاعدة فيما إذا لم يقصد التكرير، وهذه الآية من قصد التكرير. ويدل ~~عليه تكرير ذكر الرب فيما قبله من قوله: * (سبحان رب السماوات والأرض رب ~~العرش) *. # وأجاب غيره بأن " إله " بمعنى معبود، والاسم المشتق إنما يقصد به ما ~~تضمنه من الصفة، فأنت إذا قلت: زيد ضارب عمرو، ضارب بكر، لا يتخيل أن ~~الثاني هو الأول، وإن أخبر بهما عن ذات واحدة; فإن المذكور حقيقة إنما هو ~~المضروبان لا الضاربان، ولا شك أن الضميرين مختلفان. # ومنها قوله تعالى: * (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ms0894 فيه ~~كبير) * الثاني هو الأول. # وأجيب بأن أحدهما محكى من كلام السائل، والثاني من كلام النبي صلى الله ~~عليه وسلم; وإنما الكلام في وقوعهما من متكلم واحد. # ومنها قوله تعالى: * (فباءوا بغضب على غضب) *. # ومنها: * (ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جاءنا نذير) *. # ومنها: وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل ~~آية...) *. # الثالث: أن يكون الأول نكرة والثاني معرفة، فهو كالقسم الأول، يكون ~~الثاني فيه هو الأول، كقوله تعالى: * (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا. فعصى ~~فرعون الرسول) *. PageV04P099 # وقوله: * (فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى) *. # وقوله: * (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل) *. # وقوله: * (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله) *. وهذا منتقض بقوله: ~~* (لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق) *. # وقوله: * (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما والصلح خير) *، فإنهم استدلوا ~~بها على استحباب كل صلح، فالأول داخل في الثاني وليس بجنسه. # وكذلك: * (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق شيئا) *. # وقوله: * (ويؤت كل ذي فضل فضله) * الفضل الأول العمل، والثاني الثواب. # وكذلك: * (ويزدكم قوة إلى قوتكم) *. # وكذلك: * (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) *. # وكذلك: * (زدناهم عذابا فوق العذاب) * تعريفه إن المزيد غير المزيد عليه. # وكذلك: * (كتاب أنزلناه إليك) * وقوله: * (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا ~~الكتاب) *. # * * * الرابع: عكسه فلا يطلق القول به، بل يتوقف على القرائن، فتارة تقوم ~~قرينة على التغاير، PageV04P100 # كقوله تعالى: * (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة) *. # وكذلك قوله: * (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا) *. # وقوله: * (ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى) *، قال ~~الزمخشري: المراد بالهدى جميع ما آتاه من الدين والمعجزات والشرائع، والهدى ~~والإرشاد. # وتارة تقوم قرينة على الاتحاد; كقوله تعالى: * (ولقد ضربنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا. عربيا) *. # وقوله: * (وإذا صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن) * إلى قوله: # * (إنا سمعنا كتابا) *. # وأما قوله تعالى في ms0895 سورة البقرة: * (بالمعروف) *. # وقوله أيضا: * (من معروف) * فهو من إعادة النكرة معرفة، لأن * (من معروف) ~~* وإن كان في التلاوة متأخرا عن * (بالمعروف) *، فهو في الإنزال متقدم ~~عليه. # * * * قواعد تتعلق بالعطف القاعدة الأولى ينقسم باعتبار إلى عطف المفرد ~~على مثله، وعطف الجمل. PageV04P101 # فأما عطف المفرد ففائدته تحصيل مشاركة الثاني للأول في الإعراب، ليعلم ~~أنه مثل الأول في فاعليته أو مفعوليته; ليتصل الكلام بعضه ببعض، أو حكم خاص ~~دون غيره، كما في قوله تعالى: * (فامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) *، ~~فمن قرأ بالنصب عطفا على " الوجوه " كانت " الأرجل " مغسولة، ومن قرأ بالجر ~~عطفا على " الرؤوس " كانت ممسوحة، لكن خولف ذلك لعارض يرجح. ولا بد في هذا ~~من ملاحظة المشاكلة بين المتعاطفين، فتقول: جاءني زيد وعمرو، لأنهما ~~معرفتان، ولو قلت: جاء زيد ورجل، لم يستقم لكون المعطوف نكرة، نعم إن تخصص ~~فقلت: ورجل آخر، جاز. # ولذا قال صاحب،، المستوفى،، من النحويين: وأما عطف الجملة، فإن كانت ~~الأولى لا محل لها من الإعراب فكما سبق، لأنها تحل محل المفرد; نحو مررت ~~برجل خلقه حسن، وخلقه قبيح. وإن كان لا محل لها، نحو زيد أخوك وعمرو صاحبك، ~~ففائدة العطف الاشتراك في مقتضى الحرف العاطف، فإن كان العطف بغير الواو ~~ظهر له فائدة من التعقيب كالفاء، أو الترتيب ك‍ " ثم "، أو نفى الحكم عن ~~الباقي ك‍ " لا ". # وأما الواو فلا تفيد شيئا هنا غير المشاركة في الإعراب. # وقيل: بل تفيد أنهما كالنظيرين والشريكين; بحيث إذا علم السامع حال الأول ~~عساه أن يعرف حال الثاني. ومن ثمة صار بعض الأصوليين إلى أن القران في ~~اللفظ يوجب القران في الحكم، ومن ها هنا شرط البيانيون التناسب بين الجمل ~~لتظهر الفائدة، حتى إنهم منعوا عطف الإنشاء على الخبر وعكسه. # ونقله الصفار في شرح سيبويه عن سيبويه; ألا ترى إلى قوله: يقبح عندهم أن ~~يدخلوا الكلام الواجب في موضع المنفى، فيصيروا قد ضموا إلى الأول ما ليس ~~بمعناه. انتهى. # ولهذا منع الناس من " الواو "; في " بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله ms0896 ~~على محمد " لأن الأولى PageV04P102 # خبرية والثانية طلبية، وجوزه ابن الطراوة; لأنهما يجتمعان في التبرك. # وخالفهم كثير من النحويين، كابن خروف والصفار وابن عمرو، وقالوا: يعطف ~~الأمر على الخبر، والنهى على الأمر والخبر، قال تعالى: * (يا أيها الرسول ~~بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من ~~الناس) *، فعطف خبرا على جملة شرط، وقال وجملة الشرط على الأمر. # وقال تعالى: * (وأمرت أن أكون من المسلمين) *. # * (وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين) *، فعطف نهيا على ~~خبر. # ومثله: * (يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين) *. # قالوا: * (وتعطف الجملة على الجملة، ولا اشتراك بينهما، كما قال تعالى: * ~~(وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) *، على قولنا بالوقف على " ~~الله " وأنه سبحانه اختص به. # وقال: * (وأولئك هم الفاسقون) * فإنه علة تامة بخبرها، فلا يوجب العطف ~~المشاركة فيما تتم به الجملتان الأوليان، وهو الشرط الذي تضمنه قوله تعالى: ~~* (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا) *، كقولك إن دخلت الدار فأنت طالق، ~~وفلانة طالق، لا يتعلق طلاق الثانية بالشرط، وعلى هذا يختص الاستثناء به ~~ولا يرجع لما تقدمه، ويبقى المحدود في القذف غير مقبول الشهادة بعد التوبة ~~كما كان قبلها. # ومنه قوله تعالى: * (فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل) *; ~~فإنه PageV04P103 # علة تامة معطوفة على ما قبلها، غير داخل تحت الشرط. ولو دخلت كان ختم ~~القلب ومحو الباطل متعلقين بالشرط، والمتعلق بالشرط معدوم قبل وجوده، وقد ~~عدم ختم القلب ووجد محو الباطل، فعلمنا أنه خارج عن الشرط، وإنما سقطت ~~الواو في الخط، واللفظ ليس للجزم، بل سقوطه من اللفظ لالتقاء الساكنين، وفى ~~الخط اتباعا للفظ، كسقوطه في قوله تعالى: # * (ويدع الإنسان) *، وقوله: * (سندع الزبانية) *، ولهذا وقف عليه يعقوب ~~بالواو نظرا للأصل; وإن وقف عليه غيره بغير واو اتباعا للخط. # والدليل على أنها ابتداء إعادة الاسم في قوله: * (ويمح الله) * ولو كانت ~~معطوفة على ما قبلها لقيل " ويمح الباطل "، ومثله: * (لكم ونقر في الأرحام ~~ما نشاء) ms0897 *. # وقوله: * (ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء) *. # وقوله: * (قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم وريشا ولباس التقوى) *، ~~وغير ذلك. # قلت: وكثير من هذا لا يرد عليهم; فإن كلامهم في الواو العاطفة، وأما * ~~(ونقر في الأرحام) * وما بعده فهي للاستئناف; إذ لو كانت للعطف لانتصب " ~~نقر "، وجزم و " يتوب " وكذلك في * (والراسخون) * للاستئناف، * (ويمح الله) ~~*. # وقال البيانيون: للجملة ثلاثة أحوال: # فالأول: أن يكون ما قبلها بمنزلة الصفة من الموصوف، والتأكيد من المؤكد، ~~فلا يدخلها عطف لشد الامتزاج; كقوله تعالى: * (ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه) ~~*. PageV04P104 # وقوله: * (ختم الله على قلوبهم) * مع قوله: * (لا يؤمنون) *. # وكذلك: * (يخادعون الله) * مع قوله: * (وما هم بمؤمنين) *; فإن المخادعة ~~ليست شيئا غير قولهم: * (آمنا) * من غير اتصافهم. # وقوله: * (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) *; وذلك لأن معنى قولهم * (إنا معكم) * ~~أنا لم نؤمن، وقوله: # * (إنما نحن مستهزئون) * خبر لهذا المعنى بعينه. # وقوله: * (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه ~~وقرا) *. # وقوله: * (ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم) *; فإن كونه " ملكا " ينفى ~~كونه " بشرا "; فهي مؤكدة للأولى. # وقوله: * (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) *. # وقوله: * (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى) *. # وقوله: * (إن زلزلة الساعة شئ عظيم) *; فإنها مؤكدة لقوله: * (يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم) *. # وقوله: * (إن صلاتك سكن لهم) *; فإنها بيان للأمر بالصلاة. PageV04P105 # وقوله: * (إن المتقين في مقام أمين) *; بعد قوله: * (إن هذا ما كنتم به ~~تمترون) *. # وقوله: * (إن الذين آمنوا وعلموا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) ~~*; إذا جعلت * (إنا لا نضيع) * خبرا; إذ الخبر لا يعطف على المبتدأ. # وقوله: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) *; بعد قوله: # * (لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون) *. # والثانية: أن يغاير ما قبلها، وليس بينهما نوع ارتباط بوجه، فلا عطف ~~أيضا; إذ شرط العطف المشاكلة; ms0898 وهو مفقود، وذلك قوله تعالى: * (إن الذين ~~كفروا سواء عليهم) * بعد قوله: * (وأولئك هم المفلحون) *. # فإن قيل: إذا كان حكم هذه الحالة والتي قبلها واحدا أدى إلى الإلباس; ~~فإنه إذا لم يعطف التبس حالة المطابقة بحالة المغايرة; وهلا عطفت الحالة ~~الأولى بالحالة الثانية؟ فإن ترك العطف يوهم المطابقة، والعطف يوهم عدمها، ~~فلما اختير الأول دون الثاني; مع أنه لم يخل عن إلباس؟ # قيل: العاطف يوهم الملابسة بوجه قريب أو بعيد، بخلاف سقوط العاطف; فإنه ~~وإن أوهم المطابقة; إلا أن أمره واضح; فبأدنى نظر يعلم، فزال الإلباس. # الحال الثالثة: أن يغاير ما قبلها; لكن بينهما نوع ارتباط، وهذه التي ~~يتوسطها العاطف; كقوله: * (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) *. # وقوله: * (أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون) *. PageV04P106 # فإن قلت: لم سقط العطف من * (أولئك كالأنعام بل هم أضل) *، ولم يسقط من * ~~(هم المفلحون) *؟ # قلت: لأن الغفلة شأن الأنعام; فالجملة الثانية كأنها هي الجملة الأولى. # فإن قلت: لم سقط في قوله: * (الله يستهزئ بهم) *؟ # قلت: لأن الثانية كالمسؤول عنها، فنزل تقدير السؤال منزلة صريحه. # الحال الرابعة: أن يكون بتقدير الاستئناف، كأن قائلا قال: لم كان كذا؟ ~~فقيل: # كذا; فهاهنا لا عطف أيضا، كقوله تعالى: * (وجاءوا أباهم عشاء يبكون. ~~قالوا: # يا أبانا) *. # وقوله: * (فلما جاء السحرة لفرعون قالوا أئن لنا لأجرا) *، التقدير: فما ~~قالوا أو فعلوا؟ فأجيب هذا التقدير بقوله: " قالوا ". # * * * القاعدة الثانية ينقسم باعتبار عطف الاسم على مثله، والفعل على ~~الفعل إلى أقسام: # الأول عطف الاسم على الاسم، وشرط ابن عمرون صاحبه ابن مالك فيه أن يصح أن ~~يسند أحدهما إلى ما أسند إلى الآخر; ولهذا منع أن يكون * (وزوجك) * في * ~~(أسكن أنت وزوجك) *، معطوفا على الضمير المستكن في " أنت "، وجعله من عطف ~~الجمل; بمعنى أنه مرفوع بفعل محذوف، أي ولتسكن زوجك. # ونظيره قوله تعالى: * (لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى) *; لأن من حق ~~المعطوف حلوله محل المعطوف عليه، ولا يصح حلول " زوجك ms0899 " محل الضمير، لأن ~~فاعل PageV04P107 # الأمر الواحد المذكر، نحو " قم "، لا يكون إلا ضميرا مستترا، فكيف يصح ~~وقوع الظاهر موقع المضمر الذي قبله! # ورد عليه الشيخ أثير الدين أبو حيان، بأنه لا خلاف في صحة " تقوم هند ~~وزيد "، ولا يصح مباشرة " زيد " ل‍ " تقوم " لتأنيثه. # الثاني: عطف الفعل على الفعل; قال ابن عمرون وغيره: يشترط فيه اتفاق ~~زمانهما; فإن خالف رد إلى الاتفاق بالتأويل، لا سيما إذا كان لا يلبس، ~~وكانت مغايرة الصيغ اتساعا; قال الله تعالى: * (والذين يمسكون بالكتاب ~~وأقاموا الصلاة) *، فعطف الماضي على المضارع; لأنها من صلة " الذين " وهو ~~يضارع الشرط لإيهامه، والماضي في الشرط في حكم المستقبل، فقد تغايرت الصيغ ~~في هذا كما ترى، واللبس مأمون; ولا نظر في الجمل إلى اتفاق المعاني; لأن كل ~~جملة مستقلة بنفسها. انتهى. # ومثله قوله تعالى: * (إن شاء جعل لك خيرا من ذلك) *، ثم قال: * (ويجعل لك ~~قصورا) *. # وقوله: * (ويوم نسير الجبال) *، ثم قال: * (وحشرناهم) *. # وقال صاحب،، المستوفى،،: لا يتمشى عطف الفعل على الفعل إلا في المضارع; ~~منصوبا كان، كقوله تعالى: * (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين ~~آمنوا إيمانا) *، أو مجزوما كقوله: * (يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل ~~مسمى) *. # فإن قيل: كيف حكمتم بأن العاطف مختص بالمضارع، وهم يقولون: قام زيد وقعد ~~PageV04P108 # بكر; وعلى هذا قوله تعالى: * (إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا ~~من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا) * فيه عطف الماضي على الماضي، وعطف ~~الدعاء على الدعاء! # فالجواب، أن المراد بالعطف هنا أن تكون لفظتان، تتبع الثانية منهما ~~الأولى في إعرابها، وإذا كانت اللفظة غير معربة، فكيف يصح فيها التبعية؟ ~~فصح أن هذه الألفاظ لا يصح أن يقال: إنها معطوفة على ما قبلها العطف الذي ~~نقصده الآن. وإن صح أن يقال معطوفة العطف الذي ليس للاتباع، بل يكون عطف ~~الجملة على الجملة من حيث هما جملتان; والجملة من حيث هي لا مدخل لها في ~~الإعراب; إلا أن تحل محل الفرد; وظهر أنه يصح وقوع العطف عليه ms0900 وعدمه ~~باعتبارين. # * * * الثالث: عطف الفعل على الاسم، والاسم على الفعل، وقد اختلف فيه; ~~فمنهم من منعه; والصحيح الجواز إذا كان مقدرا بالفعل، كقوله تعالى: * ~~(صافات ويقبضن) *، وقوله: * (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله) *. # واحتج الزمخشري بهذا على أن اسم الفاعل حمله، على معنى المصدقين الذين ~~تصدقوا. # قال ابن عمرون: ويدل لعطف الاسمية على الفعلية قوله تعالى: * (فاختلف ~~الأحزاب PageV04P109 # من بينهم فويل للذين كفروا) * فعطف * (فويل للذين كفروا) * وهي جملة ~~اسمية على * (فاختلف) *، وهي فعلية، بالفاء. # وقال تعالى: * (وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) *. # وقال تعالى: * (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية. فأما من أوتى كتابه ~~بيمينه) *. # قال: وإذن جاز عطف الاسمية على الفعلية ب‍ " أم " في قوله تعالى: * (سواء ~~عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) * إذا لوضع للمعادلة. # وقيل: إنه أوقع الاسمية موقع الفعلية، نظرا إلى المعنى: " أصمتم " فما ~~المانع هنا؟ # وجعل ابن مالك قوله تعالى: * (ومخرج الميت من الحي) * عطفا على * (يخرج) ~~* لأن الاسم في تأويل الفعل. # والتحقيق ما قاله الزمخشري أنه عطف على: * (فالق الحب والنوى) *، ولا يصح ~~أن يكون عطفا على * (يخرج) *، لأنه ليس تفسيرا لقوله: * (فالق الحب) *، ~~فيعطف على تفسيره، بل هو قسيم له. # القاعدة الثالثة ينقسم باعتبار المعطوف إلى أقسام: عطف على اللفظ، وعطف ~~على الموضع، وعطف على التوهم. # فالأول أن يكون باعتبار عمل موجود في المعطوف عليه; فهو العطف على اللفظ، ~~نحو: ليس زيد بقائم ولا ذاهب، وهو الأصل. PageV04P110 # والثاني: أن يكون باعتبار عمل لم يوجد في المعطوف; إلا أنه مقدر الوجود ~~لوجود طالبه; فهو العطف على الموضع، نحو، ليس زيد بقائم ولا ذاهبا; بنصب " ~~ذاهبا " عطفا على موضع " قائم " لأنه خبر ليس. # ومن أمثلته قوله تعالى: * (واتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة) *; ~~بأن يكون " يوم القيامة " معطوفا على محل " هذه ". ذكره الفارسي. # وقوله: * (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون) *; في ~~قراءة الجزم أنه بالعطف على محل * (فلا هادي له) *. # وجعل الزمخشري وأبو البقاء منه قوله تعالى: * (لينذر الذين ظلموا وبشرى) ms0901 ~~*، إن " بشرى " في محل نصب بالعطف على محل " لينذر " لأنه مفعول له. # قوله في ذلك; لأن شرطة في ذلك أن يكون الموضع بحق الأصالة والمحل ليس هنا ~~كذلك; لأن الأصل هو الجر في المفعول له; وإنما النصب ناشئ عن إسقاط الخافض. # وجوز الزمخشري أيضا في قوله تعالى: * (وجعل الليل سكنا والشمس) *، كون ~~الشمس معطوفا على محل " الليل ". # والثالث: أن يكون باعتبار عمل لم يوجد هو ولا طالبه، هو العطف على ~~التوهم، نحو ليس زيد قائما ولا ذاهب، بجر " ذاهب "، وهو معطوف على خبر " ~~ليس " المنصوب باعتبار جره بالباء، ولو دخلت عليه فالجر على مفقود، وعامله ~~وهو الباء مفقود أيضا; إلا أنه متوهم الوجود لكثرة دخوله في خبر ليس; فلما ~~توهم وجوده صح اعتبار مثله; وهذا قليل من كلامهم. # وقيل: إنه لم يجئ إلا في الشعر; لكن جوزه الخليل وسيبويه في القرآن، ~~وعليه PageV04P111 # خرجا قوله تعالى: * (فأصدق وأكن من الصالحين) *; كأنه قيل: " أصدق وأكن ~~". # وقيل: هو من العطف على الموضع; أي محل " أصدق ". # والتحقيق قول سيبويه: هو على توهم أن الفاء لم ينطق بها. # واعلم أن بعضهم قد شنع القول بهذا في القرآن على النحويين، وقال: كيف ~~يجوز التوهم في القرآن! # وهذا جهل منه بمرادهم; فإنه ليس المراد بالتوهم الغلط; بل تنزيل الموجود ~~منه منزلة المعدوم; كالفاء في قوله تعالى: * (فأصدق) * ليبنى على ذلك ما ~~يقصد من الإعراب. # وجعل منه الزمخشري قوله تعالى: * (ومن وراء إسحاق يعقوب) *، فيمن فتح ~~الباء، كأنه قيل: " ووهبنا له إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب " على طريقة: # ... ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب... # وقد يجئ اسم آخر، وهو العطف على المعنى; كقوله تعالى: * (ألم تر إلى الذي ~~حاج إبراهيم في ربه) *; ثم قال: * (أو كالذي) *، عطف المجرور بالكاف على ~~المجرور ب‍ " إلى " حملا على المعنى; لأن قوله: " إلى الذي " في معنى: " ~~أرأيت كالذي ". # وقال بعضهم في قوله تعالى: * (وحفظا من كل شيطان) *; إنه عطف على معنى ~~PageV04P112 # * (إنا زينا السماء الدنيا) *; وهو أنا خلقنا الكواكب في السماء الدنيا ~~زينة ms0902 للسماء الدنيا. # وفى قوله تعالى: * (لعلى أبلغ الأسباب. أسباب السماوات فاطلع) *، على ~~قراءة النصب: إنه عطف معنى * (لعلى أبلغ) *، وهو " لعلى أن أبلغ "; فإن خبر ~~" لعل " يقترن ب‍ " أن " كثيرا. # * * * القاعدة الرابعة الأصل في العطف التغاير; وقد يعطف الشئ على نفسه ~~في مقام التأكيد، وقد سبق إفراده بنوع في فصول التأكيد. # * * * القاعدة الخامسة يجوز في الحكاية عن المخاطبين إذا طالت: قال زيد، ~~قال عمرو، من غير أن تأتى بالواو وبالفاء; وعلى هذا قوله تعالى: * (إذ قال ~~إبراهيم ربى الذي يحيي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب....) * الآية. # وقوله تعالى: * (قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السماوات والأرض) *، ~~ونظائرها. # وإنما حسن ذلك للاستغناء عن حرف العطف; من حيث أن المتقدم من القولين ~~PageV04P113 # يستدعى التأخر منهما; فلهذا كان الكلام مبنيا على الانفصال، وكان كل واحد ~~من هذه الأقوال مستأنفا ظاهرا; وإن كان الذهن يلائم بينهما. # * * * القاعدة السادسة كان على المضمر; إن كان منفصلا مرفوعا; فلا يجوز ~~من غير فاصل تأكيد أو غيره; كقوله تعالى: * (إنه يراكم هو وقبيله) *. # * (فاذهب أنت وربك فقاتلا) *. # * (أسكن أنت وزوجك الجنة) * عند الجمهور; خلافا لابن مالك في جعله من عطف ~~الجمل، بتقدير: " ولتسكن زوجك ". # وقوله: * (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) *. # * (يدخلونها ومن صلح) *. # * (فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن) *. # وجعل الزمخشري منه: * (أئنا لمبعوثون. أو آباؤنا) * فيمن قرأ بفتح الواو; ~~وجعل الفصل بالهمزة. # ورد بأن الاستفهام لا يدخل على المفردات. # وجعل الفارسي منه * (ما أشركنا ولا آباؤنا) *، وأعرب ابن الدهان * (ولا ~~آباؤنا) * مبتدأ خبره * (أشركوا) * مقدرا. PageV04P114 # وأجاز الكوفيون العطف من غير فاصل، كقوله تعالى: * (والذين هادوا ~~والصابئون) *. # فأما قوله تعالى: * (فاستوى. وهو بالأفق الأعلى) *، فقال الفارسي: * ~~(وهو) * مبتدأ، وليس معطوفا على ضمير * (فاستوى) *، وإن كان مجرورا فلا ~~يجوز من غير تكرار الجار فيه; نحو مررت به وبزيد; كقوله تعالى: * (عليه ~~وعلى الفلك تحملون) *، * (فقال لها وللأرض) *، * (جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون) *. # وأما ms0903 قوله: * (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) *، فإن جعلنا ~~* (ومن نوح) * معطوفا على * (منك) * فالإعادة لازمة، وإن جعل معطوفا على * ~~(النبيين) * فجائزة. # وقال الكوفيون: لا تلزم الإعادة، محتجين بآيات: # الأولى: قراءة حمزة: * (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) *، بالجر ~~عطفا على الضمير في * (به) *. # فإن قيل: ليس الخفض على العطف; وإنما هو على القسم، وجوابه: * (إن الله ~~كان عليكم رقيبا) *. # قلنا: رده الزجاج بالنهي عن الحلف بغير الله، وهو عجيب; فإن ذلك على ~~المخلوقين. # الثانية: قوله تعالى: * (لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين) *، * (ومن ~~لستم) * أو لها المانعون كابن الدهان بتقدير: " ويرزق من لستم "، والزجاج ~~بتقدير: " أغنى من لستم ". قال أبو البقاء: لأن المعنى: " أغناكم لا وأغنى ~~من لستم "، وقدم أنها نصب PageV04P115 # ب‍ * (جعلنا) *، قال: والمراد ب‍ " من " العبيد والإماء والبهائم فإنها ~~مخلوقة لمنافعها. # الثالثة: قوله تعالى: * (وكفر به والمسجد الحرام) * وليس من هذا الباب، ~~لأن * (المسجد) * معطوف على * (سبيل الله) * في قوله: * (وصدوا عن سبيل ~~الله) *. ويدل لذلك أنه صرح بنسبة الصد إلى المسجد في قوله: * (أن صدوكم عن ~~المسجد الحرام) *. # وهذا الوجه حسن، لولا ما يلزم منه الفصل بين * (صد) * و * (المسجد) * ~~بقوله: # * (وكفر) *، وهو أجنبي. # ولا يحسن أن يقال: إنه معطوف على * (الشهر) *، لأنهم لم يسألوا عنه، ولا ~~على * (سبيل) *; لأنه إذ ذاك من تتمة المصدر، ولا يعطف على المصدر قبل ~~تمامه. # الرابعة: قوله تعالى: * (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك) * قالوا: ~~الواو عاطفة ل‍ " من " على الكاف المجرورة، والتقدير: حسبك من اتبعك. # ورد بأن الواو للمصاحبة، و " من " في محل نصب عطف على الموضع; كقوله: # * فحسبك والضحاك سيف مهند * الخامسة: قوله تعالى: * (كذكركم آباءكم أو ~~أشد ذكرا) *; كما تقول: كذكر قريش آباءهم، أو قوم أشد منهم ذكرا. # لكن هذا عطف على الضمير المخفوض; وذلك لا يجوز على قراءة حمزة. ~~PageV04P116 # وقد خالفه الجمهور وجعلوه مجرورا عطفا على * (ذكركم) * المجرور بكاف ~~التشبيه، تقديره: " أو كذكركم أشد " فجعل للذكر ذكرا مجازا; وهو قول ~~الزجاج; وتابعه ms0904 ابن عطية وأبو البقاء وغيرهما. # ومما اختلف فيه العطف على عاملين، نحو ليس زيد بقائم ولا قاعد عمرو; على ~~أن يكون " ولا قاعد " معطوفا على " قائم "، و " عمرو " على " زيد ". منعه ~~الجمهور وأجازه الأخفش، محتجا بقوله تعالى: * (واختلاف الليل والنهار) *، ~~ثم قال: * (آيات) * بالنصب عطفا على قوله: * (لآيات) * المنصوب ب‍ " أن " ~~في أول الكلام، و * (اختلاف الليل والنهار) * مجرور بالعطف على * ~~(السماوات) *، المجرور بحرف الجر الذي هو " في " فقد وجد العطف على عاملين. ~~وأجيب بجعل * (آيات) * تأكيد ل‍ " آيات " الأولى. # * * * القواعد في العدد القاعدة الأولى في اسم الفاعل المشتق من العدد، ~~له استعمالان: # أحدهما: أن يراد به واحد من ذلك العدد; فهذا يضاف للعدد الموافق له، نحو ~~رابع أربعة; وخامس خمسة، وليس فيه إلا الإضافة خلافا لثعلب; فإنه أجاز. ~~ثالث ثلاثة بالتنوين، قال تعالى. * (ثاني اثنين) * وهذا لا يجوز إطلاقه في ~~حق الله تعالى، PageV04P117 # ولهذا قال تعالى: * (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) *. # الثاني: أن يكون بمعنى التصيير، وهذا يضاف إلى العدد المخالف له في ~~اللفظ; بشرط أن يكون أنقص منه بواحد; كقولك: ثالث اثنين، ورابع ثلاثة، ~~وخامس أربعة، كقوله تعالى: * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم) *، أي يصيرهم بعلمه وإحاطته أربعة وخمسة. # فإن قيل: كيف بدأ بالثلاث، وهلا جاء: " ما يكون من نجوى واحد إلا هو ~~ثانية، ولا اثنين إلا هو ثالثهم "؟ قيل: لأنه سبحانه لما علم أن بعض عباده ~~كفر بهذا اللفظ، وادعى أنه ثالث ثلاثة، فلو قال: ما يكون من نجوى واحد إلا ~~هو ثانيه، لثارت ضلالة من كفر بالله وجعله ثانيا، وقال: وهذا قول الله ~~هكذا. ولو قال: ولا اثنين إلا هو ثالثهم، لتمسك به الكفار، فعدل سبحانه عن ~~هذا لأجل ذلك، ثم قال: * (ولا أدنى من ذلك ولا أكثر) *، فذكر هذين المعنيين ~~بالتلويح لا بالتصريح، فدخل تحته مالا يتناهى، وهذا من بعض إعجاز القرآن. # القاعدة الثانية حق ما يضاف إليه العدد من الثلاثة إلى العشرة أن ms0905 يكون ~~اسم جنس أو اسم جمع، وحينئذ فيجر ب‍ " من " نحو * (فخذ أربعة من الطير) *. # ويجوز إضافته، نحو: * (تسعة رهط) *. # وإن كان غيرهما من الجموع، أضيف إليه الجمع على مثال جمع القلة من ~~التكسير، وعلته أن المضاف موضوع للقلة، فتلزم إضافته إلى جمع قلة، طلبا ~~لمناسبة المضاف إليه PageV04P118 # المضاف في القلة; لأن المفسر على حسب المفسر، فتقول: ثلاثة أفلس وأربعة ~~أعبد، قال تعالى: * (من بعده سبعة أبحر) *. # وقد استشكل على هذه القاعدة قوله تعالى: * (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) ~~*، فإن، " قروء " جمع كثرة، وقد أضيف إلى الثلاثة، ولو جاء على هذه القاعدة ~~لقال " أقراء ". # والجواب من أوجه: # أحدها: أنه أوثر جمع الكثرة هنا; لأن بناء القلة شاذ، فإنه جمع " قرء " ~~بفتح القاف، وجمع " فعل " على " أفعال " شاذ، فجمعوه على " فعول " إيثارا ~~للفصيح، فأشبه ما ليس له إلا جمع كثرة; فإنه يضاف إليه، كثلاثة دراهم. ذكره ~~ابن مالك. # والثاني: أن القلة بالنسبة إلى كل واجد من المطلقات; وإنما أضاف جمع ~~الكثرة نظرا إلى كثرة المتربصات; لأن كل واحدة تتربص ثلاثة. حكاه في،، ~~البسيط،، عن أهل المعاني. # الثالث: أنه على حذف مضاف، أي ثلاثة أقراء قروء. # الرابع: أن الإضافة نعت في تقدير الانفصال; لأنه بمعنى " من " التي ~~للتبعيض، أي ثلاثة أقراء من قروء. # كما أجاز المبرد " ثلاثة حمير " و " ثلاثة كلاب "; على إرادة " من " أي ~~من حمير ومن كلاب. # القاعدة الثالثة ألفاظ العدد نصوص، ولهذا لا يدخلها تأكيد; لأنه لدفع ~~المجاز، في اطلاق الكل PageV04P119 # وإرادة البعض; وهو منتف في العدد. وقد أورد على ذلك آيات شريفة. # الأولى: قوله تعالى: * (تلك عشرة كاملة) *، والجواب أن التأكيد هنا ليس ~~لدفع نقصان أصل العدد، بل لدفع نقصان الصفة، لأن الغالب في البدل أن يكون ~~دون المبدل منه; معناه أن الفاقد للهدى لا ينقص من أجره شئ. # الثانية: قوله تعالى: * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) * ولو كانت ~~ألفاظ العدد نصوصا لما دخلها الاستثناء; إنما يكون عاما. والجواب أن التجوز ~~قد يدخل في الألف، فإنها تذكر ms0906 في سياق المبالغة، للتكثير، والاستثناء رفع ~~ذلك. # الثالثة: قوله تعالى: * (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين) *، وقد سبق في ~~باب التأكيد الجواب عنه. # الرابعة: قوله تعالى * (إن تستغفر لهم سبعين مرة) *. وقوله * (سبعون ~~ذراعا) *، قالوا: المراد بها الكثرة، وخصوص السبعين ليس مرادا; وهذا مجاز. # وكذا قوله تعالى: * (ثم ارجع البصر كرتين) *، قيل المراد: المراجعة من ~~غير حصر، وجئ بلفظ التثنية، تنبيها على أصل الكثرة، وهو مجاز. PageV04P120 # [أحكام الألفاظ يكثر دورانها في القرآن] [لفظ " فعل "] من ذلك لفظ " فعل ~~" كثيرا ما يجئ كناية عن أفعال متعدده; وفائدته الاختصار; كقوله تعالى: * ~~(لبئس ما كانوا يفعلون) *. # * (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به) *. # وقوله: * (فإن لم تفعلوا) *، أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ولن تأتوا ~~بسورة من مثله. # وحيث أطلقت في كلام الله، فهي محمولة على الوعيد الشديد، كقوله تعالى: * ~~(ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) *. # * (وتبين لكم كيف فعلنا بهم) *. # * * * [لفظ " كان "] من ذلك الإخبار عن ذات الله أو صفاته ب‍ " كان ". # وقد اختلف النحاة وغيرهم في أنها تدل على الانقطاع، على مذاهب: # أحدها: أنها تفيد الانقطاع; لأنها فعل يشعر بالتجدد. PageV04P121 # والثاني: لا تفيده; بل تقتضي الدوام والاستمرار، وبه جزم ابن معط في ~~ألفيته; حيث قال: # * وكان للماضي الذي ما انعطفا * وقال الراغب في قوله تعالى: * (وكان ~~الشيطان لربه كفورا) *: نبه بقوله: # " كان " على أنه لم يزل منذ أوجد منطويا على الكفر. # الثالث: أنه عبارة عن وجود الشئ في زمان ماض على سبيل الإبهام; وليس فيه ~~دليل على عدم سابق، ولا على انقطاع طارئ، ومنه قوله تعالى: * (وكان الله ~~غفورا رحيما) *، قاله الزمخشري في قوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس) *. # وذكر ابن عطية في سورة الفتح أنها حيث وقعت في صفات الله فهي مسلوبة ~~الدلالة على الزمان. # والصواب من هذه المقالات مقالة الزمخشري، وأنها تفيد اقتران معنى الجملة ~~التي تليها بالزمن الماضي لا غير، ولا دلالة لها نفسها على انقطاع ذلك ~~المعنى ولا بقائه; بل إن أفاد الكلام شيئا من ms0907 ذلك كان لدليل آخر. # إذا علمت هذا فقد وقع في القرآن إخبار الله تعالى عن صفاته الذاتية ~~وغيرها بلفظ " كان " كثيرا، نحو: * (وكان الله سميعا عليما) *. * (واسعا ~~حكيما) *. PageV04P122 # * (غفورا رحيما) *. * (توابا رحيما) *. * (وكنا بكل شئ عالمين) *. # * (وكنا لحكمهم شاهدين) *. # فحيث وقع الإخبار " بكان " عن صفة ذاتية; فالمراد الإخبار عن وجودها، ~~وأنها لم تفارق ذاته; ولهذا يقررها بعضهم بما زال; فرارا مما يسبق إلى ~~الوهم، إن كان يفيد انقطاع المخبرية بين عن الوجود لقولهم: دخل في خبر كان. ~~قالوا: فكان وما زال مجازان، يستعمل أحدهما في معنى الآخر مجازا بالقرينة. ~~وهو تكلف لا حاجة إليه، وإنما معناها ما ذكرناه من أزلية الصفة، ثم تستفيد ~~بقاءها في الحال وفيما لا يزال بالأدلة العقلية، وباستصحاب الحال. # وعلى هذا التقدير سؤالان: # أحدهما: إن البارئ سبحانه وصفاته موجودة قبل الزمان والمكان، فكيف تدل " ~~كان " الزمانية على أزلية صفاته; وهي موجودة قبل الزمان؟ # وثانيهما: مدلول " كان " اقتران مضمون الجملة بالزمان اقترانا مطلقا، فما ~~الدليل على استغراقه الزمان؟ # والجواب عن الأول أن الزمان نوعان: # حقيقي وهو مرور الليل والنهار، أو مقدار حركة الفلك على ما قيل فيه. # وتقديري وهو ما قبل ذلك وما بعده، كما في قوله تعالى: * (ولهم رزقهم فيها ~~بكرة وعشيا) *، ولا بكرة هنا ولا عشيا; وإنما هو زمان تقديري فرضي. # وكذلك قوله: * (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام) *، ~~PageV04P123 # من أن الأيام الحقيقية لا توجد إلا بوجود السماوات والأرض والشمس والقمر; ~~وإنما الإشارة إلى أيام تقديرية. # وعن الثاني أن " كان " لما دلت على اقتران مضمون الجملة بالزمان، لم يكن ~~بعض أفراد الأزمنة بأولى بذلك من بعض، فإما ألا يتعلق مضمونها بزمان فيعطل، ~~أو يعلق بعضها ببعض، وهو ترجيح بلا مرجح; أو يتعلق بكل زمان، وهو المطلوب. # وحيث وقع الإخبار بها عن صفة فعلية، فالمراد تارة الإخبار عن قدرته عليها ~~في الأزل، نحو كان الله خالقا ورازقا ومحييا ومميتا، وتارة تحقيق نسبته ~~إليه، نحو: * (وكنا فاعلين) *. وتارة ابتداء الفعل وإنشاؤه; نحو: * (وكنا ~~نحن الوارثين) ms0908 *; فإن الإرث إنما يكون بعد موت المورث، والله سبحانه مالك ~~كل شئ على الحقيقة، من قبل ومن بعد. # وحيث أخبر بها عن صفات الآدميين فالمراد التنبيه على أنها فيهم غريزة ~~وطبيعة مركوزة في نفسه، نحو: * (وكان الإنسان عجولا) *. * (إنه كان ظلوما ~~جهولا) *. # ويدل عليه قوله: * (إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه ~~الخير منوعا) *، أي خلق على هذه الصفة، وهي مقدرة أو بالقوة، ثم تخرج إلى ~~الفعل. # وحيث أخبر بها عن أفعالهم دلت على اقتران مضمون الجملة بالزمان، نحو: * ~~(إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) *. PageV04P124 # ومن هذا الباب الحكاية عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ " كان يصوم " و ~~" كنا نفعل ". وهو عند أكثر الفقهاء والأصوليين يفيد الدوام; فإن عارضه ما ~~يقتضى عدم الدوام مثل أن يروى: " كان يمسح مرة " ثم نقل " أنه يمسح ثلاثا " ~~فهذا من باب تخصيص العموم، وإن روى النفي والإثبات تعارضا. # وقال الصفار في شرح سيبويه: إذا استعملت للدلالة على الماضي فهل تقتضي ~~الدوام والاتصال أولا؟ مسالة خلاف; وذلك أنك إذا قلت: كان زيد قائما فهل هو ~~الآن قائم؟ # الصحيح أنه ليس كذلك، هذا هو المفهوم ضرورة; وإنما حملهم على جعلها ~~للدوام ما ورد من مثل قوله تعالى: * (وكان الله غفورا رحيما) *، وقوله: * ~~(ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة) * وهذا عندنا يتخرج على أنه جواب لمن ~~سأل: هل كان الله غفورا رحيما؟ # وأما الآية الثانية، فالمعنى أي قد كان عندكم فاحشة وكنتم تعتقدون فيه ~~ذلك، فتركه يسهل عليكم. # قال ابن الشجري،، في أماليه،،: اختلف في " كان " في نحو قوله: * (وكان ~~الله عزيزا حكيما) *، على قولين: # أحدهما: أنها بمعنى " لم يزل " كأن القوم شاهدوا عزا وحكمه ومغفرة ورحمة، ~~فقيل لهم: لم يزل الله كذلك، قال: وهذا قول سيبويه. # والثاني: أنها تدل على وقوع الفعل فيما مضى من الزمان; فإذا كان فعلا ~~متطاولا لم يدل دلالة قاطعة على أنه زال وانقطع، كقولك: كان فلان صديقي، لا ~~يدل هذا على أن صداقته قد زالت; بل يجوز بقاؤها، ms0909 ويجوز زوالها. PageV04P125 # فمن الأول: قوله تعالى: * (إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) *، لأن ~~عداوتهم باقية. # ومن الثاني: قوله تعالى: * (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم) *. # وقال بعضهم: يدل على أن خبرها كان موجودا في الزمن الماضي، وأما في الزمن ~~الحاضر فقد يكون باقيا مستمرا، وقد يكون منقطعا، فالأول كقوله تعالى: * ~~(وكان الله غفورا رحيما) * وكذا سائر صفاته; لأنها باقية مستمرة. # قال السيرافي: قد يرجع الانقطاع بالنسبة للمغفور لهم والمرحومين; يكون ~~بمعنى أنهم انقرضوا فلم يبق من يغفر له، ولا من يرحم فتنقطع المغفرة ~~والرحمة. # وكذا: * (وكان الله عليما حكيما) *، ومعناه الانقطاع فيما وقع عليه العلم ~~والحكمة، لا نفس العلم والحكمة. # وفيه نظر. # قال ابن بري ما معناه: إن " كان " تدل على تقديم الوصف وقدمه، وما ثبت ~~قدمه استحال عدمه; وهو كلام حسن. # منصور بن فلاح اليمنى في كتاب،، الكافي،،: قد تدل على الدوام بحسب ~~القرائن، كقوله: * (وكان الله غفورا رحيما) *. * (وكان الله سميعا بصيرا) ~~*. # * (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) *، دلت على الدوام المتصف ~~بتلك الصفات ودوام التعبد بالصفات. وقد تدل على الانقطاع، نحو: كان هذا ~~الفقير غنيا، وكان لي مال. PageV04P126 # وقال أبو بكر الرازي: كان في القرآن على خمسة أوجه: # بمعنى الأزل والأبد، كقوله تعالى: * (وكان الله عليما حكيما) *. # وبمعنى المضي المنقطع، كقوله: * (وكان في المدينة تسعة رهط) *; وهو الأصل ~~في معاني " كان "، كما تقول: كان زيد صالحا أو فقيرا أو مريضا أو نحوه. # وبمعنى الحال، كقوله تعالى: * (كنتم خير أمة) *، وقوله: * (إن الصلاة ~~كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) *. # وبمعنى الاستقبال، كقوله تعالى: * (ويخافون يوما كان شره مستطيرا) *. # وبمعنى " صار "، كقوله: * (وكان من الكافرين) *. # مسألة [في حكم كان إذا وقعت بعد " إن "] كان فعل ماض، وإذا وقعت بعد " إن ~~" كانت في المعنى للاستقبال. # وقال المبرد: تبقى على المضي لتجردها، للدلالة على الزمان فلا يغيرها ~~أداة الشرط، قال تعالى: * (إن كنت قلته) * * (إن كان قميصه) *. # وهذا ضعيف لبنائه على أنها للزمان وحده، والحق خلافه; بل تدل على الحدث ~~والزمان ms0910 كغيرها من الأفعال. # وقد استعملت مع " إن " للاستقبال، قال تعالى: * (إن كنتم صادقين) *. # وأما: * (إن كنت قلته) *، فتأوله ابن السراج على تقدير " إن أكن قلته "، ~~وكذا * (إن كان قميصه) * " إن يكن قميصه ". PageV04P127 # مسألة [في نفى " كان " وأخواتها] إذا نفيت " كان " وأخواتها، فهي كغيرها ~~من الأفعال. وزعم ابن الطراوة أنها إذا نفيت كان اسمها مثبتا والخبر منفيا، ~~قال: لأن النفي إنما يتسلط على الخبر، كقوله تعالى: # * (ما كان حجتهم إلا أن قالوا) *، فالقول مثبت والحجة هي المنفية; وما ~~ذهب إليه غير لازم، إذ قد قرئ * (ما كان حجتهم) * بالرفع على أنه اسم كان، ~~ولكن تأوله على أن " كان " ملغاة، أي زائدة، تقديره: " ما حجتهم إلا ". # وهذا إن ساغ له هاهنا فلا يسوغ له تأويل قوله تعالى: * (ثم لم تكن فتنتهم ~~إلا أن قالوا) * فإنه قرئ بالرفع ولا يمكن أن تكون هنا ملغاة. # * * * [لفظ " جعل "] ومن ذلك " جعل " وهي أحد الأفعال المشتركة; التي هي ~~أمهات أحداث; وهي: # فعل، وعمل، وجعل، وطفق، وأنشأ، وأقبل. وأعمها " فعل " يقع على القول ~~والهم وغيرهما: * (ويفعلون ما يؤمرون) *. # ودونه " عمل " لأنه يعم النية والهم والعزم والقول: * (وقدمنا إلى ما ~~عملوا من عمل) *، أي من صلاة وصدقة وجهاد. # ولجعل أحوال: PageV04P128 # أحدها: بمعنى " سمى " كقوله تعالى: * (الذين جعلوا القرآن عضين) *، أي ~~سموه كذبا، وقوله: * (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) * على ~~قول ويشهد له قوله تعالى: * (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة ~~تسمية الأنثى) * الثاني: بمعنى المقاربة، مثل كاد وطفق، لكنها تفيد ملابسة ~~الفعل والشروع فيه، تقول: # جعل يقول، وجعل يفعل كذا; إذا شرع فيه. # الثالث: بمعنى الخلق والاختراع، فتعدى لواحد، كقوله تعالى: * (وجعل ~~الظلمات والنور) *، أي خلقهما. # فإن قيل: ما الفرق بين الجعل والخلق؟ # قيل: إن الخلق فيه معنى التقدير، وفى الجعل معنى التصيير، كإنشاء شئ من ~~شئ، أو تصيير شئ شيئا. أو نقله من مكان، ويتعدى لمفعول واحد; لأنه لا يتعلق ~~إلا من واحد، وهو المخلوق. # وأيضا، فالخلق يكون عن عدم سابق; حيث لا يتقدم ms0911 مادة لا سبب محسوس، والجعل ~~يتوقف على موجود مغاير للمجعول، يكون منه المجعول أو عنه، كالمادة والسبب. ~~ولا يرد في القرآن العظيم لفظ " جعل " في الأكثر مرادا به الخلق; إلا حيث ~~يكون قبله ما يكون عنه أو منه، أو شيئا فيه محسوسا عنه، يكون ذلك المخلوق ~~الثاني، بخلاف " خلق " فإن العبارة تقع كثيرا به عما لم يتقدم وجوده وجود ~~مغاير، يكون عنه هذا الثاني، قال الله تعالى: # * (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور *) وإنما ~~الظلمات والنور عن أجرام توجد بوجودها، وتعدم بعدمها. # وقال تعالى: * (وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي) *. PageV04P129 # وقال: * (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) *. # وقال سبحانه في سورة الأعراف: * (وجعل منها زوجها) *. # وفى سورة النساء: * (وخلق منها زوجها) *; فهو يدل على أنهما قد يستعملان ~~استعمال المترادفين. # الرابع: بمعنى النقل من حال إلى حال والتصيير، فيتعدى إلى مفعولين; إما ~~حسا كقوله تعالى: * (الذي جعل لكم الأرض فراشا) * * (والله جعل لكم الأرض ~~بساطا) * * (فجعلهم جذاذا) * * (وجعلنا أئمة) * * (وجعلناكم أكثر نفيرا) * ~~* (أجعل الآلهة إلها واحدا) * * (وجاعل الملائكة رسلا) *. # ونحو قوله: * (اجعل هذا البلد آمنا) *، وقوله: * (وجعلنا الليل لباسا) *، ~~لأنه يتعلق بشيئين: المنقول وهو الليل; والمنقول إليه وهو اللباس. # وأبين منه قوله تعالى: * (وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا) *، * (جعلنا ~~عاليها سافلها) *، * (وجعلنا نومكم سباتا) *. # والمعاش في قوله: * (وجعلنا النهار معاشا) * اسم زمان، لكون الثاني هو ~~الأول. # ويجوز أن يكون مصدر لمعنى المعيش. # * (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) *، ومعناه صيرناه، لأن مريم إنما صارت مع ~~ولدها عليه السلام لما خلق من جسدها لا من أب، فصار عند ذلك آية للعالمين. ~~ومحال أنه PageV04P130 # يريد: " خلقناهما " لأن مريم لم تخلق في حين خلق ولدها; بل كانت موجودة ~~قبله، ومحال تعلق القدرة بجعل الموجود موجودا في حال بقائه. # فأما قوله تعالى: * (إنا جعلناه قرآنا عربيا) *; فهو من هذا الباب على ~~جهة الاتساع، أي صيرناه يقرأ بلسان عربي، لأن غير القرآن ما هو عبري ~~وسرياني; ولأن معاني القرآن في الكتب ms0912 السالفة، بدليل قوله تعالى: * (وإنه ~~لفي زبر الأولين) *، * (إن هذا لفي الصحف الأولى) *. # وبهذا احتج من أجاز القراءة بالفارسية، قال: لأنه ليس في زبر الأولين من ~~القرآن إلا المعنى، والفارسية تؤدى المعنى. وإذا عرف هذا، فكأنه نقل المعنى ~~من لفظ القرآن فصيره عربيا. # وأخطأ الزمخشري حيث جعله بالخلق; وهو مردود صناعة ومعنى. أما الصناعة، ~~فلأنه يتعدى لمفعولين، ولو كان بمعنى الخلق لم يتعد إلا إلى واحد، وتعديته ~~لمفعولين - وإن احتمل هذا المعنى - لكن بجواز إرادة التسمية أو التصيير على ~~ما سبق. وأما المعنى فلو كان بمعنى " خلقنا التلاوة العربية " فباطل; لأنه ~~ليس الخلاف في حدوث ما يقوم بألسنتنا; وإنما الخلاف في أن كلام الله الذي ~~هو أمره ونهيه وخبره; فعندنا أنه صفة من صفات ذاته، وهو قديم. # وقالت القدرية: إنه صفة فعل أوجده بعد عدمه، وأحدثه لنفسه، فصار عند ~~حدوثه متكلما بعد أن لم يكن، فظهر أن الآية على تأويله ليس فيها تضمن ~~لعقيدته الباطلة. # وقال الآمدي في،، أبكار الأفكار،،: الجعل فيه بمعنى التسوية، كقوله ~~تعالى: # * (الذين جعلوا القرآن عضين) *، أي يسمونه كذبا. PageV04P131 # قال: ويحتمل أن الجعل على بابه، والمراد القرآن بمعنى القراءة دون ~~مدلولها، فإن القرآن قد يطلق بمعنى القراءة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ~~" ما أذن الله لشئ أذنه لنبي يتغنى في " القرآن " أي بالقراءة. # قال بعضهم: قاعدة العرب في الجعل أن يتعدى لواحد، وتارة يتعدى لاثنين; ~~فإن تعدى لواحد لم يكن إلا بمعنى الخلق، وأما إذا تعدى لاثنين فيجئ بمعنى ~~الخلق، كقوله تعالى: * (وجعلنا الليل والنهار آيتين) *، وبمعنى التسمية: * ~~(وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) *، * (الذين جعلوا القرآن ~~عضين) *. # ويجئ بمعنى التصيير، كقوله تعالى: * (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) *، أي ~~صيرنا هما. # * * * إذا علمت هذا فإذن ثبت أن الجعل المتعدى لاثنين ليس نصا في الخلق، ~~بل يحتمل الخلق وغيره ولم يكن في الآية تعلق للقدرية على خلق القرآن، لأن ~~الدليل لابد أن يكون قطعيا لا احتمال فيه. ويجوز أن يكون بمعنى الخلق على ~~معنى: جعلنا ms0913 التلاوة عربية. # قلت: وهذا يمنع إطلاقه; وإن جوزنا حدوث الألفاظ، لأنها لم تأت عن السلف، ~~بل نقول: القرآن غير مخلوق على الإطلاق. # الخامس: بمعنى الاعتقاد، كقوله تعالى: * (وجعلوا لله شركاء الجن) *، * ~~(ويجعلون لله ما يكرهون) *. PageV04P132 # وكذلك قوله تعالى: * (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) *، أي ~~اعتقدوهم إناثا. # ويجوز أن يكون كما قبله; ووجه النقل فيه هو أن الملائكة في نفس الأمر ~~ليسوا إناثا، فهؤلاء الكفار نقلوهم باعتقادهم; فصيروهم في الوجود الذهني ~~إناثا. # ومنهم من جعلها بمعنى التسمية، كقوله تعالى: * (فلا تجعلوا لله أندادا ~~وأنتم تعلمون) *، أي لا تسموها أندادا وأنتم تعلمون; أي لا تسموها أندادا ~~ولا تعتقدوها; لأنهم ما سموها حتى اعتقدوها. # وكذلك: * (الذين جعلوا القرآن عضين) *، أي سموه وجزءوه أجزاء، فجعلوا ~~بعضه شعرا، وبعضه سحرا، وبعضه أساطير الأولين. # وقال الزجاج في: * (وجعلوا الملائكة) *، إنها بمعنى... # وقوله: * (أجعلتم سقاية الحاج) *، أي اعتقدتم هذا مثل هذا. # فأما قوله: * (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض) ~~*، فالنقل والتصيير راجعان إلى الحال، أي لا تجعل حال هؤلاء مثل حال هؤلاء، ~~ولا تنقلها إليها. # وكذلك قوله: * (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه) *، أي اعتقدوا له شركاء. # السادس: بمعنى الحكم بالشئ على الشئ، يكون في الحق والباطل. # فالحق، كقوله: * (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) *. PageV04P133 # والباطل، كقوله: * (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث...) * الآية. # وبمعنى أوجب، كقوله تعالى: * (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) * أي ~~أوجبنا الاستقبال إليها. # وكقوله: * (ما جعل الله من بحيرة) *، * (وما جعلنا القبلة التي كنت ~~عليها) * ومعنى " كنت عليها " أي أنت عليها، كقوله: * (كنتم خير أمة أخرجت ~~للناس) * أي أنتم. # السابع: ذكره الفارسي، بمعنى " ألقى " فيتعدى لمفعولين: أحدهما بنفسه ~~والآخر بحرف الجر، كما في قولك: جعلت متاعك بعضه فوق بعض. # ومثله قوله: * (وجعل فيها رواسي) *. # ومنه قوله تعالى: * (ويجعل الخبيث ببعضه على بعض) *، و " بعضه " بدل من ~~الخبيث. # وقوله: " على بعض " أي فوق بعض. # ومثله قوله: * (وجعل فيها رواسي) *، أي ألقى، بدليل قوله في الآية الأخرى ~~التي علل ms0914 فيها المراد بخلق الجبال، وأبان إنعامه، فقال: * (وألقى في الأرض ~~رواسي أن تميد بكم) *. # فائدة قوله تعالى: * (وجعلنا الليل والنهار آيتين) *، قيل: كيف يستعمل ~~لفظ " الجعل " PageV04P134 # هنا مع أن المجعول عنه ينبغي أن يتحقق قبل الجعل، مع صفة المجعول، كقولك: ~~" جعلت زيدا قائما " فهو قبل ذلك كان متصفا بضد القيام، وهنا لم يوجد " ~~الجعل " إلا على هذه الصفة، فكيف يصح استعمال الجعل فيه؟ # والجواب أن الليل جوهر قام به السواد، والنهار جوهر قام به النور، وكذلك ~~الشمس جسم قام به ضوء، والأجسام والجواهر متقدمة على الأعراض بالذات، ~~والعرب تراعى مثل هذا، نقل الفراء أنهم قالوا: أحسنت إليك فكسوتك; فجعلوا ~~الإحسان متقدما على الكسوة; بدليل العطف بالفاء، وليس ذلك إلا تقدم ذاتي، ~~لأن الإحسان في الخارج هو نفس الكسوة. # ولك أن تقول: لا نسلم أن الإحسان نفس الكسوة; بل معنى يقوم بالنفس ينشأ ~~عنه الكسوة. # حسب يتعدى لمفعولين. وحيث جاء بعدها أن والفعل، كقوله تعالى: * (أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة) *، * (أم حسبتم أن تتركوا) * ونظائره، فمذهب سيبويه أنها ~~سادة مسد المفعولين، ومذهب المبرد أنها سادة مسد المفعول الواحد، والثاني ~~عنده مقدر. # ويشهد لسيبويه أن العرب لم يسمع من كلامهم نطق بما ادعاه من التصريح ~~بهما، ولو كان كما ذكره لنطقوا حتى به ولو مرة. PageV04P135 # كاد وللنحويين فيها أربعة مذاهب: # أحدها: أن إثباتها إثبات ونفيها نفى، كغيرها من الأفعال. # والثاني: أنها تفيد الدلالة على وقوع الفعل بعسر، وهو مذهب ابن جنى. # والثالث: أن إثباتها نفى ونفيها إثبات، فإذا قيل: " كاد يفعل " فمعناه ~~أنه لم يفعله، بدليل قوله: * (وإن كادوا ليفتنوك) *، وإذا قيل " لم يكد ~~يفعل " فمعناه أنه فعله، بدليل قوله: * (وما كادوا يفعلون) *. # والرابع: التفصيل في النفي بين المضارع والماضي، فنفى المضارع نفى، ونفى ~~الماضي إثبات، بدليل: * (فذبحوها وما كادوا يفعلون) *، وقوله: * (لم يكد ~~يراها) *، مع أنه لم ير شيئا، وهذا حكاه ابن أبي الربيع في،، شرح الجمل،، ~~وقال: إنه الصحيح. # والمختار هو الأول; وذلك، لأن معناها المقاربة، فمعنى " كاد يفعل " قارب ms0915 ~~الفعل، ومعنى " ما كاد يفعل " لم يقاربه، فخبرها منفى دائما. # أما إذا كانت منفية فواضح، لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل اقتضى عقلا عدم ~~حصوله، ويدل له قوله تعالى: * (إذا أخرج يده لم يكد يراها) *، ولهذا كان ~~أبلغ من قوله: " لم يرها " لأن من لم ير قد يقارب الرؤية. # وأما إذا كانت المقاربة منفية، فلأن الأخبار بقرب الشئ يقتضى عرفا عدم ~~حصوله، وإلا لم يتجه الإخبار بقربه; فأما قوله تعالى: * (فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون) *; PageV04P136 # فإنها منفية مع إثبات الفعل لهم في قوله: * (فذبحوها) *. # ووجهه أيضا إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا أولا بعداء من ~~ذبحها، بدليل ما ذكر الله عنهم من تعنتهم. وحصول الفعل إنما فهمناه من دليل ~~آخر، وهو قوله: # * (فذبحوها) *. # والأقرب أن يقال: إن النفي وارد على الإثبات، والمعنى هنا: " وما كادوا ~~يفعلون الذبح قبل ذلك " لأنهم قالوا: * (أتتخذنا هزوا) * وغير ذلك من ~~التشديد. # وأما قوله تعالى: * (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) * ~~فالمعنى على النفي، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يركن إليهم لا قليلا ولا ~~كثيرا، من جهة أن " لولا " الامتناعية تقتضي ذلك، وأنه امتنع مقاربة الركون ~~القليل لأجل وجود التثبيت، لينتفي الكثير من طريق الأولى. # وتأمل كيف جاء " كاد " المقتضية المقاربة للفعل، بقدر الظاهرة للتقليل، ~~كل ذلك تعظيما لشأن النبي صلى الله عليه وسلم، وما جبلت عليه نفسه الزكية ~~من كونه لا يكاد يركن إليهم شيئا قليلا، للتثبيت مع ما جبلت عليه. # هكذا ينبغي أن يفهم معنى هذه الآية، خلافا لما وقع في كتب التفسير من ابن ~~عطية وغيره، فهم عن هذا لمعنى اللطيف بمعزل. # وحكى الشريف الرضى في كتاب،، الغرر،، ثلاثة أقوال في قوله تعالى: # * (لم يكد يراها) *. # الأول: أنها دالة على الرؤية بعسر، أي رآها بعد عسر وبطء لتكاثف الظلم. ~~PageV04P137 # والثاني: أنها زائدة، والكلام على النفي المحض، ونقله عن أكثر المفسرين، ~~أي لم يرها أصلا، لأن الله تعالى قال: * (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج ~~من فوقه موج ms0916 من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض) *، كان مقتضى هذه الظلمات ~~تحول بين العين وبين النظر إلى البدن وسائر المناظر. # والثالث: أنها بمعنى " أراد " من قوله: * (كدنا ليوسف) *، أي لم يرد أن ~~يراها. # * * * وذكر غيره أن التقدير: إذا أخرج يده ممتحنا لبصره لم يكد يخرجها، و ~~" يراها " صفة للظلمات، تقديره، ظلمات بعضها فوق بعض يراها. # وأما قوله تعالى: * (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى) *، فيحتمل أن ~~المعنى: أريد أخفيها، لكي تجزى كل نفس بسعيها. # ويجوز أن تكون زائدة، أي أخفيها لتجزى. # وقيل: تم الكلام عند قوله: * (آتية أكاد) *، والمعنى: أكاد آتي بها، ثم ~~ابتدأ بقوله: * (أخفيها لتجزى) *. # وقرأ سعيد بن جبير: * (أكاد أخفيها) * بفتح الألف، أي أظهرها، يقال: ~~أخفيت الشئ إذا سترته وإذا أظهرته. # وقراءة الضم تحتمل الأمرين، وقراءة الفتح لا تحتمل غير الإظهار; ومعنى ~~سترتها لأجل الجزاء، لأنه إذا أخفى وقته قويت الدواعي على التأهب لها خوف ~~المجئ بغتة. PageV04P138 # وأما قوله تعالى: * (يكاد زيتها يضئ) *، فلم يثبت للزيت الضوء، وإنما ~~أثبت له المقاربة من الضوء قبل أن تمسه النار، ثم أثبت النور بقوله: * (نور ~~على نور) *، فيؤخذ منه أن النور دون الضوء لا نفسه. # فإن قلت: ظاهره أن المراد: يكاد يضئ; مسته النار أولم تمسه، فيعطى ذلك ~~أنه مع أن مساس النار لا يضئ، هو ولكن يقارب الإضاءة، لكن الواقع أنه عند ~~المساس يضئ قطعا! # أجيب: بأن الواو ليست عاطفة، وإنما هي للحال، أي يكاد يضئ والحال أنه لم ~~تمسه نار، فيفهم منه أنها لو مسته لأضاء قطعا. # قاعدة [في مجئ كاد بمعنى أراد] تجئ كاد بمعنى أراد، ومنه: * (كذلك كدنا ~~ليوسف) * * (أكاد أخفيها) *. # وعكسه، كقوله تعالى: * (جدارا يريد أن ينقض) * أي يكاد. # قاعدة [فعل المطاوعة] فعل المطاوعة هو الواقع مسببا عن سبب اقتضاه، نحو ~~كسرته فانكسر. قال ابن مالك في شرح،، الخلاصة،،: هو الدال على قبول مفعول ~~لأثر الفاعل; ومعنى ذلك أن الفعل المطاوع، بكسر الواو، يدل على أن المفعول ~~لقولك: كسرت الشئ يدل على مفعول معالجتك في ms0917 إيصال الفعل إلى المفعول، فإذا ~~قلت: فانكسر، علم أنه قبل PageV04P139 # الفعل، وإذا قلت: لم ينكسر على أنه لم يقبله. وأما المطاوع، بفتح الواو، ~~فيدل على معالجة الفاعل في إيصال فعله إلى المفعول، ولا يدل على أن المفعول ~~قبل الفعل أو لم يقبله. # وذكر الزمخشري وغيره أن المطاوع والمطاوع، لابد وأن يشتركا في أصل ~~المعنى، والفرق بينهما إنما هو من جهة التأثر والتأثير، كالكسر والانكسار، ~~إذ لا معنى للمطاوعة إلا حصول فعل عن فعل، فالثاني مطاوع; لأنه طاوع الأول، ~~والأول مطاوع، لأنه طاوعه الثاني، فيكون المطاوع لازما للمطاوع ومرتبا ~~عليه. # وقد استشكل هذا بقوله تعالى: * (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى) *، فأثبت " الهدى " بدون " الاهتداء ". # وقوله: " أمرته فلم يأتمر " فأثبت الأمر بدون الائتمار. وأيضا فاشتراط ~~الموافقة في أصل المعنى منقوض بقوله: " أمرته فأتمر "، أي امتثل، فإن ~~الامتثال خلاف الطلب. # وأجيب بأنه ليس المراد: ب‍ * (هديناهم فاستحبوا العمى) * العمى الحقيقي، ~~بل أوصلنا إليهم أسباب الهداية، من بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يلزم ~~وجود الاهتداء. # وأما الأمر فيقتضيه لغة ألا يثبت إلا بالامتثال والائتمار. # وقال المطرزي في،، المغرب،،: الائتمار من الأضداد، وعليه قول شيخنا في،، ~~الأساس،،: يقال: أمرته فائتمر، وأبى أن يأتمر، أي أمرته فاستبد برأيه ولم ~~يمتثل، والمراد بالمؤتمر الممتثل. ويقال: علمته فلم يتعلم; لأن التعليم فعل ~~صالح لأن يترتب عليه حصول العلم لإيجاده. PageV04P140 # كذا قاله الإمام فخر الدين، ومنعه بعضهم. # وقال الشيخ علاء الدين الباجي لو لم يصح: علمته فما تعلم، لما صح علمته ~~فعلم; لأنه إذا كان التعليم يقتضى إيجاد العلم وهو علة فيه، فمعلوله - وهو ~~التعلم - يوجد معه; بناء على أن العلة مع المعلول، والفاء في قولنا: " ~~فتعلم " تقتضي تعقب العلم. وإن قلنا: المعلول يتأخر، فلا فائدة في " فتعلم ~~" لأن التعلم قد فهم من " علمته " فوضح أنه لو صح " علمته فما تعلم " لكان ~~إما ألا يصح علمته فتعلم، بناء على أن العلة مع المعلول، أو لا تكون في ~~قولنا: " فتعلم " فائدة بتأخر المعلول. # فإن قيل: قد ms0918 منعوا " كسرته فما انكسر " فما وجه صحة قولهم: " علمته فما ~~تعلم "؟ # قيل: فرق بعضهم بينهما; بأن العلم في القلب من الله يتوقف على أمر من ~~المعلم ومن المتعلم، وكان علمه موضوعا للجزاء الذي من المعلم فقط، لعدم ~~إمكان فعل من المخلوق يحصل به العلم، ولا بد بخلاف الكسر، فإن أثره لا ~~واسطة بينه وبين الانكسار. # واعلم أن الأصل في الفعل المطاوعة أن يعطف عليه بالفاء، تقول: دعوته ~~فأجاب، وأعطيته فأخذ، ولا تقولها بالواو; لأن المراد إفادة السببية، وهو لا ~~يكون في الغالب إلا بالفاء، كقوله: * (من يهد الله فهو المهتدى) *. # ويجوز عطفه بالواو، كقوله: * (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه) *. # وكقوله: * (فاستجبنا له ونجيناه) *. # وفى موضع آخر: * (فاستجبنا له فنجيناه) *. PageV04P141 # وزعم ابن جنى في كتاب،، الخصائص،، أنه لا يجوز فعل المطاوعة إلا بالفاء. # وأجاب عن قوله تعالى: * (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) * بأن " أغفل ~~" في الآية بمعنى وجدناه غافلا، لا جعلناه يغفل، وإلا لقيل: " فاتبع هواه " ~~بالفاء; لأنه يكون مطاوعا. # وفى كلامه نظر; لأنا نقول: ليس اتباع الهوى مطاوعا ل‍ " أغفلنا " بل ~~المطاوع ل‍ " أغفلنا "، غفل. # فإن قيل: إنه من لازم الغفلة اتباع الهوى، والمسبب عن السبب سبب قيل: لا ~~نسلم أن اتباع الهوى مسبب عن الغفلة، بل قد يغفل عن الذكر ولا يتبع الهوى، ~~ويكون المانع له منه غفلة أخرى عنه. # واعلم أن الحامل لأبي الفتح على هذا الكلام اعتقاده الاعتزالي إذا أن ~~معصية العبد لا تنسب إلى الله تعالى; وأنها مسببة له، فلهذا جعل " أفعل " ~~هنا بمعنى " وجد " لا بمعنى التعدية خاصة. وقد بينا ضعف كلامه، وأن المطاوع ~~لا يجب عطفه بالفاء. # وقال الزمخشري في قوله تعالى: * (ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا ~~الحمد لله) *: # هذا موضع الفاء، كما يقال: أعطيته فشكر، ومنعته فصبر; وإنما عطف بالواو ~~للإشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما [إيتاء] العلم، [فأضمر ذلك ثم عطف ~~عليه بالتحميد] كأنه قال: فعملا به وعلماه، وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، ms0919 ~~وقالا الحمد لله. # وقال السكاكي: يحتمل عندي أنه تعالى أخبر عما صنع بهما، وعما قالا; كأنه ~~قال: # نحن فعلنا إيتاء العلم، وهما فعلا الحمد، من غير بيان ترتبه عليه اعتمادا ~~على فهم السامع، كقولك: " قم يدعوك " بدل " قم فإنه يدعوك ". PageV04P142 # وأما قوله تعالى: * (واتقوا الله ويعلمكم الله) *; فظن بعض الناس أن ~~التقوى سبب التعليم، والمحققون على منع ذلك; لأنه لم يربط الفعل الثاني ~~بالأول ربط الجزاء بالشرط، فلم يقل: " واتقوا الله يعلمكم " ولا قال: " ~~فيعلمكم الله "، وإنما أتى بواو العطف، وليس فيه ما يقتضى أن الأول سبب ~~للثاني، وإنما غايته الاقتران والتلازم، كما يقال: زرني وأزورك، فقال وسلم ~~علينا ونسلم عليك، ونحوه مما يقتضى اقتران الفعلين والتعارض من الطرفين، ~~كما لو قال [عبد] لسيده: أعتقني ولك على ألف، أو قالت: # المرأة لزوجها: طلقني ولك ألف; فإن ذلك بمنزلة قولها: بألف أو على ألف. ~~وحينئذ فيكون متى علم الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك. # نظير الآية قوله تعالى: * (فاعبده وتوكل عليه) *. # وقوله عقيب ذكر الغيبة: * (واتقوا الله إن الله تواب رحيم) *، ووجه هذا ~~الختام التنبيه على التوبة من الاغتياب، وهو من الظلم. # هاهنا بحث، وهو أن الأئمة اختلفوا في أن العلم هل يستدعى مطاوعة أم لا؟ # على قولين: # أحدهما: نعم، بدليل قوله تعالى: * (من يهد الله فهو المهتدى) * فأخبر عن ~~كل من هداه الله بأنه يهتدى. وأما قوله: * (وأما ثمود فهديناهم) *، فليس ~~منه لأن المراد بالهداية فيه الدعوة، بدليل: * (فاستحبوا العمى على الهدى) ~~*. # والثاني: لا يدل على المطاوعة، بدليل قوله: * (وما نرسل بالآيات إلا ~~تخويفا) *. # وقوله: * (ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا) *، لأن التخويف حصل، ولم ~~يحصل PageV04P143 # للكفار خوف نافع يصرفهم إلى الإيمان; فإنه المطاوع للتخويف المراد بالآية ~~الكريمة، وعلى الأول تكون الفاء للتعقيب في الزمان، ويكون: " أخرجته فما ~~خرج " حقيقة. # فائدة [في قوله تعالى: " إنما أنت منذر من يخشاها "] قالوا في قوله: * ~~(إنما أنت منذر من يخشاها) *: إن التقدير " منذر إنذارا نافعا من يخشاها ". # قال الشيخ عز الدين: ms0920 ولا حاجة إلى هذا، لأن فعل وأفعل، إذا لم يترتب عليه ~~مطاوعة، كخوف وعلم وشبهه لا يكون حقيقة; لأن " خوف " إذا لم يحصل الخوف، و ~~" علم " إذا ليحصل العلم كان مجازا، و " منذر من يخشاها " يترتب عليه أثره، ~~وهو الخشية، فيكون حقيقة لمن يخشاها، فإذا ليس منذرا من لم يخش، لأنه لم ~~يترتب عليه أثر. فعلى هذا: * (إنما أنت منذر) * فيه جمع بين الحقيقة ~~والمجاز لترتب أثره عليه، بالنسبة إلى " من يخشى " دون " من لم يخش ". # احتمال الفعل للجزم والنصب فمنه قوله تعالى: * (ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين) *، يحتمل أن يكون ما بعد الفاء مجزوما، ويحتمل أن يكون ~~منصوبا، وإذا كان مجزوما كان داخلا في النهى، فيكون قد نهى عن الظلم، كما ~~نهى عن قربان الشجرة، فكأنه قال: " لا تقربا هذه الشجرة فلا تكونا من ~~الظالمين ". PageV04P144 # ومنه قوله تعالى: * (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق) *، فإنه ~~يحتمل أن يكون " تكتموا " مجزوما; فهو مشترك مع الأول في حرف النهى; ~~والتقدير: # لا تلبسوا ولا تكتموا، أي لا تفعلوا هذا، كما في قولك: لا تأكل السمك ~~وتشرب اللبن، بالجزم. أي لا تفعل واحدا من هذين. ويحتمل أن يكون منصوبا، ~~والتقدير: # لا تجمعوا بين هذين، ويكون مثل لا تأكل السمك وتشرب اللبن، والمعنى: لا ~~تجمعوا بين هذين الفعلين القبيحين، كما تقول لمن لقيته: أما كفاك أحدهما ~~حتى جمعت بينهما! # وليس في هذا إباحة أحدهما. والأول أظهر. # وقوله: * (ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) *، أي ما لم يكن أحد ~~الأمرين: المس أو الفرض المستلزم; لعدم كل منهما، أي لا هذا ولا هذا; فإن ~~وجد أحدهما فعليكم الجناح، وهو المهر أو نصف المفروض، و " تفرضوا " مجزوم ~~عطفا على " تمسوهن ". # وقيل: نصب، و " أو " بمعنى " إلا أن ". # والصحيح الأول; ولا يجوز تقدير " لم " بعد " أو " لفساد المعنى، إذ يؤول ~~إلى رفع الجناح عند عدم المس مع الفرض وعدمه. وعند عدم الفرض مع المس ~~وعدمه. وليس كذلك; ولا يقدر فيما انتفى أحدهما، للزوم نفى الجناح ms0921 عند نفى ~~أحدهما ووجود الآخر، فلا بد من المحافظة على أحدهما على الإبهام وانسحاب ~~حكم " لم " عليه. # نظيره: * (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) *. # وقوله: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام) *: ~~PageV04P145 # وقوله تعالى: * (إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين) *، والوجه الجزم، ويجوز النصب. # وقوله تعالى: * (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله...) * ~~الآية. # وقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ~~ولا تعضلوهن) *. # وقوله: * (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) *. # وقوله: * (فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة) *. # وقوله في آل عمران: * (يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين) *. # وقوله في الأعراف: * (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) *. # وقوله في الأنفال: * (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ~~وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) *. # وقوله في سورة التوبة: * (وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ~~ويتولوا) *. # وقوله: * (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول ~~الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) *. # وقوله في سورة يونس: * (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) *; يجوز أن ~~يكون معطوفا على: * (ليضلوا عن سبيلك) * فيكون منصوبا، ويجوز أن يكون ~~منصوبا بالفاء PageV04P146 # على جواب الدعاء، وأن يكون مجزوما، لأنه دعاء. # قوله في سورة يوسف: * (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ~~وتكونوا من بعده) *. # وقوله: * (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) ~~*. # قوله في سورة هود: * (ثم فصلت من لدن حكيم خبير. ألا تعبدوا) * أي " بأن ~~لا تعبدوا " فيكون منصوبا; ويجوز جزمه لأنه نهى. # قوله في سورة النحل: * (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ~~ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم) * يجوز عطف، " وتذوقوا " على " تتخذوا " ~~أو " فتزل " قبل دخول الفاء، فيكون مجزوما. # وقوله في سورة الإسراء: * (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) *، أي بألا ~~تعبدوا، أو على نهى. # وفيها: * (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) *. # قوله في سورة الكهف: ms0922 * (إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم) *. # وقوله في الحج: * (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله) *، يجوز أن يكون ~~لام كي أو لام الأمر، وفائدة هذا تظهر في جواز الوقف. # وقوله: * (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا) *، فيمن كسر ~~اللامات. PageV04P147 # وقوله في النمل: * (ألا تعلوا على وائتوني مسلمين) *، أي بإن، أو نهى. # وقوله في العنكبوت: * (ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا) *. # وفى فاطر: * (أولم يسيروا في الأرض فينظروا) *. # وفى يس: * (ليأكلوا من ثمره) *، هل هي لام كي، أو لام الأمر؟ # وفى المؤمن: * (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا) *. # وفى فصلت: * (تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا) *. # وفى الأحقاف: * (ألا تعبدوا إلا الله) *. # وفى القتال: * (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا) *. # ويدل على جواز النصب ظهوره في مثله، * (فتكون لهم قلوب) *. # وقوله: * (فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم) *. # وقوله: * (ألا تطغوا في الميزان) * أي لئلا. أو مجزوم. # وقوله: * (إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء) *. # وقوله: * (هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون) *، فإن * (يعتذرون) ~~* داخل مع الأول في النفي عند سيبويه، بدليل قوله: * (هذا يوم لا ينطقون) ~~*، فإن كان النطق قد نفى عنهم في ذلك اليوم فالاعتذار نطق، فينبغي أن يكون ~~منفيا معطوفا على قوله: PageV04P148 # * (ولا يؤذن لهم) *، ولو حمل على إضمار المبتدأ، - أي فهم يعتذرون - لجاز ~~على أن يكون المعنى في * (لا ينطقون) * أنهم وإن نطقوا فمنطقهم كلا نطق; ~~لأنه لم يقع الموقع الذي أرادوه، كقولهم: تكلمت ولم تتكلم. # وقوله: * (فلو أن لنا كرة) *، وعلى الأول يكون هذا قولا في أنفسهم من غير ~~نطق. # وقوله تعالى: * (ولكن ليطمئن قلبي) *، يجوز أن يكون لام كي، والفعل ~~منصوب، أو لام الأمر، والفعل مجزوم. # وقوله: * (أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض) *، فالظاهر أنه منصوب، ~~ويجوز أن يكون مجزوما، واللام زائدة، ومن نصب * (ويذرك) * عطفه على * ~~(ليفسدوا) *. # رأى إن كانت بصرية تعدت لواحد، أو علمية تعدت لاثنين; وحيث وقع بعد ~~البصرية منصوبا كان الأول مفعولها، والثاني حالا. # ومما يحتمل الأمرين قوله تعالى: * (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) ms0923 *، ~~فإن كانت بصرية كان " الناس " مفعولا و " سكارى " حالا، وإن كانت علمية ~~فهما مفعولا ها. # وكذلك قوله تعالى: * (وترى كل أمة جاثية) *. # وقوله: * (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة) *، ~~PageV04P149 # فهذه الجملة - أعني قوله: * (وجوههم مسودة) * - في موضع نصب، إما على ~~الحال إن كانت بصرية، أو مفعول ثان إن كانت قلبية. # واعلم أنه قد وقع في القرآن: * (ألم يروا كم أهلكنا) *، في بعض المواضع ~~بغير واو كما في الأنعام، وفى بعضها بالواو، وفى بعضها بالفاء * (أفلم يروا ~~وهذه الكلمة تأتى على وجهين: # أحدهما: أن تتصل بما كان الاعتبار فيه بالمشاهدة، فيذكر بالألف والواو، ~~ولتدل الألف على الاستفهام، والواو، على عطف جملة على جملة قبلها. وكذلك ~~الفاء; لكنها أشد اتصالا مما قبلها. # والثاني: أن يتصل بما الاعتبار فيه بالاستدلال، فاقتصر على الألف دون ~~الواو والفاء، ليجري مجرى الاستئناف. # ولا ينتقض هذا الأصل بقوله في النحل: * (ألم يروا إلى الطير) *، لاتصالها ~~بقوله: * (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم) * وسبيلها الاعتبار بالاستدلال، ~~فبنى عليه * (ألم يروا إلى الطير) *. # وأما " أرأيت " فبمعنى " أخبرني " ولا يذكر بعدها إلا الشرط; وبعده ~~الاستفهام، على التقديم والتأخير; كقوله تعالى: * (قل أرأيتم إن أخذ الله ~~سمعكم...) * الآية، قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا) *. PageV04P150 # وقوله تعالى: * (أرأيت الذي يكذب بالدين) *. # وأما " رأيت " الواقعة في كلام الفقهاء، فهي كذلك، قال ابن خروف: إلا ~~أنهم يلجئون فيها، وجوابها: أرأيت إن كان كذا وكذا؟ كيف يكون كذا؟ # بمعنى عدم الشرط. ثم الاستفهام بعده على نمط الآيات الشريفة، وهي معلقة ~~عن العمل بما بعدها من الآيات الكريمة، وكذلك الرؤية كيف تصرفت. # وأما قوله تعالى: * (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) *، فدخلها معنى التعجب، ~~كأنه قيل: ألم تعجب إلى كذا! فتعدت ب‍ " إلى " كأنه: ألم تنظر، ودخلت " إلى ~~" بمعنى التعجب، وعلق الفعل على جملة الاستفهام; وليست ببدل من " الرب " ~~تعالى; لأن الحرف لا يعلق. # وأما " أرأيتك " فقد وقعت هذه اللفظة في سورة الأنعام في موضعين وغيرها، ~~وليس لها في العربية نظير; لأنه جمع ms0924 فيها بين علامتي خطاب، وهما التاء ~~والكاف، والتاء اسم بخلاف الكاف; فإنها عند البصريين حرف يفيد الخطاب، ~~والجمع بينهما يدل على أن ذلك تنبيها على مبناها عليه من مرتبة، وهو ذكر ~~الاستبعاد بالهلاك، وليس فيما سواها ما يدل على ذلك، فاكتفى بخطاب واحد. # قال أبو جعفر بن الزبير: الإتيان بأداة الخطاب بعد الضمير المفيد لذلك ~~تأكيد PageV04P151 # باستحكام غفلته; كما تحرك النائم باليد، والمفرط الغفلة باليد واللسان; ~~ولهذا حذفت الكاف في آية يونس; لأنه لم يتقدم قبلها ذكر صمم ولا بكم يوجب ~~تأكيد الخطاب، وقد تقدم قبلها قوله: * (قل من يرزقكم من السماء والأرض. أم ~~من يملك السمع والأبصار) * إلى ما بعدهن، فحصل تحريكهم وتنبيههم بما لم يبق ~~بعده إلا التذكير بعذابهم. انتهى. # وقال ابن فارس في قوله تعالى: * (أرأيتك هذا الذي كرمت على) * قال: # البصريون: هذه الكاف [زائدة، زيدت لمعنى المخاطبة، قال محمد بن يزيد: ~~وكذلك رويدك زيدا، قال: والدليل على ذلك أنك إذا قلت: أرأيتك زيدا، فإنما ~~هي أرأيت زيدا؟ لأن الكاف] لو كانت اسما استحال أن تعدى " أرأيت " إلى ~~مفعولين، والثاني هو الأول. يريد قولهم. " أرأيت زيدا قائما " لا يعدى إلى ~~" رأيت " إلا إلى مفعول هو " زيد " ومفعول آخر هو " قائم "; فالأول هو ~~الثاني. # وقال غيره: من جعل الأداة المؤكد بها الخطاب في " أرأيتكم " ضمير لم ~~يلزمه اعتراض بتعدي فعل الضمير المتصل إلى مضمره المتصل; لأن ذلك جائز في ~~باب الظن، وفى فعلين من غير باب ظننت; وهما " فقدت " و " عدمت "، وكذلك ~~تعدى فعل الظاهر إلى مضمره المتصل جائز في الأفعال المذكورة; والآيات ~~المذكورة من باب الظن، لأن المراد ب‍ " رأيت " رؤية القلب، فهي من ~~المستثنى; وإنما الممتنع مطلقا تعدى PageV04P152 # فعل المضمر المتصل إلى ظاهره، فلا اختلاف في منع هذا من كل الأفعال. # وأما من جرد أداة الخطاب المؤكد بها للحرفية - وهو قول الجمهور - فلا ~~كلام في ذلك. # وقد اختلف في موضع الكاف من هذا اللفظ على أقوال: # قال سيبويه: لا موضع لها. # وقال السكاكي: موضعها نصب. # وقال ms0925 الفراء: رفع. # * * * إذا علمت هذا، فلها موضعان: أحدهما أن تكون بمعنى " أخبرني " فلا ~~تقع إلا على اسم مفرد أو جملة شرط، كقوله: * (أرأيت إن أخذ الله سمعكم ~~وأبصاركم...) * الآية، ولا يقع الشرط; إلا ماضيا، لأن ما بعده ليس بجواب ~~له، وإنما هو معلق ب‍ " أرأيتك "، وجواب الشرط; إما محذوف للعلم به، وإما ~~للاستفهام مع عامله. وإذا ثنى هذا أو جمع لحقت بالتثنية والجمع الكاف، ~~وكانت التاء مفردة بكل حال. # قال السيرافي: يجوز أن يكون إفرادهم للتاء، استغناء بتثنية الكاف وجمعها، ~~لأنها للخطاب، وإنما فعلوا ذلك للفرق بين " أرأيت " بمعنى " أخبرني " ~~وغيرها إذا كانت بمعنى " علمت ". # والثاني: تكون فيه بمعنى " انتبه " كقولك: أرأيت زيدا فإني أحبه، أي ~~انتبه له; فإني أحبه; ولا يلزمه الاستفهام. # * * * PageV04P153 # وقد يحذف الكلام الذي هو جواب للعلم به فلا يذكر، كقوله تعالى: * (يا قوم ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم ~~إلى ما أنها كم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله) ~~*، فلم يأت بجواب. # وأتى في موضع آخر بالجواب ولم يأت بالشرط، قال تعالى: * (أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن ~~يهديه) * ف‍ " من " الأول بمنزلة " الذي ". # تنبيه قال سيبويه: لا يجوز إلغاء " أرأيت " كما يلغى: علمت أزيد عندك أم ~~عمرو؟ # ولا يجوز هذا في " أرأيت " ولا بد من النصب إذا قلت: " أرأيت زيد أبو من ~~هو "؟ قال: # لأن دخول معنى " أخبرني " فيها لا يجعلها بمنزلة أخبرني في جميع أحوالها. # قال السهيلي: وظاهر القرآن يقتضى خلاف قوله، وذلك أنها في القرآن ملغاة، ~~لأن الاستفهام مطلوبها، وعليه وقع قوله: * (أرأيت إن كذب وتولى. ألم يعلم) ~~*، وقوله * (ألم يعلم) *، استفهام، وعليه وقعت " أرأيت " وكذلك " أرأيتم " ~~و " أرأيتكم " في الأنعام، والاستفهام واقع بعدها. # ونحو: * (هل يهلك إلا القوم الظالمون) * و * (الفاسقون) *. PageV04P154 # وهذا هو الذي منع سيبويه في " أرأيت " و " أرأيتك " ولا يقال: " أرأيتك ~~أبو من أنت ms0926 "؟ قال: لكن الذي قال سيبويه صحيح، لكن إذا ولى الاستفهام " ~~أرأيت " ولم يكن لها مفعول سوى الجملة. # وأما في هذه المواضع التي في التنزيل فليست الجملة المستفهم عنها هي ~~مفعول " أرأيت "، ولم يكن لها مفعول محذوف يدل عليه الشرط، ولا بد من الشرط ~~بعدها في هذه الصورة، لأن المعنى " أرأيتم صنيعكم إن كان كذا وكذا "؟ كما ~~تقول: " أرأيت إن لقيت العدو أتقاتل أم لا؟ "; تقديره: أرأيت رأيك وصنعك إن ~~لقيت العدو؟ فحذف الشرط وهو " إن " دال على ذلك المحذوف، ومرتبط به، ~~والجملة المستفهم عنها كلام مستأنف منقطع; إلا أن فيها زيادة بيان لما ~~يستفهم عنه، ولو زال الشرط ووليها الاستفهام لقبح، كما قال سيبويه وغيره في ~~" علمت "، وهل " علمت "، وهل " رأيت " وإنما يتجه مع " أرأيت " خاصة، وهي ~~التي دخلها معنى " أخبرني ". # علم العرفانية لا تتعلق إلا بالمعاني; نحو: * (لا تعلمون شيئا) *. # فأما نحو قوله تعالى: * (لا تعلمهم نحن نعلمهم) *، وقوله: * (فليعلمن ~~الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) * فالتقدير " لا تعلم خبرهم نحن نعلم ~~خبرهم "، فليعلمن الله صدق الذين صدقوا وليعلمن الله نفاق المنافقين "، ~~فحذف المضاف. # وذكر ابن مالك أنها تختص باليقين، وذكر غيره أنها تستعمل في الظن أيضا، ~~بدليل قوله: * (فإن علمتموهن مؤمنات) *. # وله أن يقول: العلم على حقيقيته. والمراد بالإيمان التصديق اللساني. ~~PageV04P155 # ظن أصلها للاعتقاد الراجح، كقوله تعالى: * (إن ظنا أن يقيما) *. # وقد تستعمل بمعنى اليقين; لأن الظن فيه طرف من اليقين، لولاه كان جهلا، ~~كقوله تعالى: * (يظنون أنهم ملاقو ربهم) *، * (إني ظننت أنى ملاق) *، * ~~(وظن أنه الفراق) *، * (ألا يظن أولئك) *، وللفرق بينهما في القرآن ضابطان: # أحدهما: أنه حيث وجد الظن محمودا مثابا عليه، فهو اليقين، وحيث وجد ~~مذموما متوعدا بالعقاب عليه، فهو الشك. # الثاني: أن كل ظن يتصل بعده " إن " الخفيفة فهو شك، كقوله: * (إن ظنا أن ~~يقيما حدود الله) *. وقوله: * (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول) *. # وكل ظن يتصل به " إن " المشددة، فالمراد به اليقين، كقوله: * (إني ظننت ~~أنى ملاق حسابيه) *، * (وظن أنه الفراق) *. # والمعنى فيه أن المشددة ms0927 للتأكيد، فدخلت على اليقين، وأن الخفيفة بخلافها، ~~فدخلت في الشك. # مثال الأول، قوله سبحانه: * (وعلم أن فيكم ضعفا) * ذكر ب‍ " أن " وقوله: # * (فاعلم أنه لا اله إلا الله) *. # ومثال الثاني: * (وحسبوا ألا تكون فتنة) *، والحسبان الشك. # فإن قيل: يرد على هذا الضابط قوله تعالى: * (وظنوا أن لا ملجأ من الله ~~إلا إليه) *. PageV04P156 # قيل: لأنها اتصلت بالفعل. # فتمسك بهذا الضابط، فإنه من أسرار القرآن! # ثم رأيت الراغب قال في تفسير سورة البقرة: # الظن أعم ألفاظ الشك واليقين، وهو اسم لما حصل عن أمارة، فمتى قويت أدت ~~إلى العلم، ومتى ضعفت جدا لم تتجاوز حد الوهم، وأنه متى قوى استعمل فيه " ~~أن " المشددة و " أن " المخففة منها، ومتى ضعف استعمل معه " إن " المختصة ~~بالمعدومين من الفعل، نحو ظننت أن أخرج وأن يخرج، فالظن إذا كان بالمعنى ~~الأول محمود، وإذا كان بالمعنى الثاني فمذموم. # فمن الأول: * (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) *. # ومن الثاني: * (إن هم إلا يظنون) *، وقوله: * (وإن الظن لا يغنى من الحق ~~شيئا) *. # فائدة لا يجوز الاقتصار في باب " ظن " على أحد المفعولين; إلا أن يكون ~~بمنزلة أنهم قالوا: # قوله تعالى: * (وما هو على الغيب بضنين) *، قرأ الحرميان وابن كثير ~~بالظاء، وهو " فعيل " بمعنى " مفعول " والضمير هو المفعول الذي لم يسم ~~فاعله، وقرأه الباقون بالضاد، وهو بمعنى فاعل، وفيه ضمير هو فاعله، ~~والمعنى: " بخيل على الغيب " فلا يمنعه كما تفعله الكهان، والمعنى على ~~القراءة: الأولى ليس بمتهم على الغيب; لأنه الصادق. # وأما قوله: * (وتظنون بالله الظنونا) * فإنها بمنزلتها في قولك: " نزلت ~~بزيد " فالمعنى ظني به. PageV04P157 # شعر ومنه شعر، بمعنى " علم " ومصدره " شعرة " بكسر الشين، كالفطنة، ~~وقالوا: ليت شعري، فحذفوا التاء مع الإضافة للكثرة. قال الفارسي: وكأنه ~~مأخوذ من الشعار، وهو ما يلي الجسد، فكأن شعرت به، علمته علم حسن، فهو نوع ~~من العلم، ولهذا لم يوصف به الله. # وقوله تعالى في صفة الكفار: * (وهم لا يشعرون) *، أبلغ في الذم للبعد عن ~~الفهم من وصفهم بأنهم لا يعلمون، فإن البهيمة قد تشعر ms0928 بحيث كانت تحس، ~~فكأنهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم. # وعلى هذا قال تعالى: * (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل ~~أحياء) *، إلى قوله: * (ولكن لا تشعرون) * ولم يقل " لا تعلمون " لأن ~~المؤمنين إذا أخبرهم الله تعالى بأنهم أحياء، علموا أنهم أحياء، فلا يجوز ~~أن ينفى عنهم العلم ولكن يجوز أن يقال: # * (لا تشعرون) *، لأنه ليس كل ما علموه يشعرون به، كما أنه ليس كل ما ~~علموه يحسونه بحواسهم، فلما كانوا لا يعلمون بحواسهم حياتهم، وأنهم علموها ~~بإخبار الله، وجب أن يقال: * (لا يشعرون) *، دون " لا يعلمون ". # عسى ولعل من الله تعالى واجبتان، وإن كانتا رجاء وطمعا في كلام ~~المخلوقين، لأن الخلق هم الذين يعرض لهم الشكوك والظنون، والبارئ منزه عن ~~ذلك. # والوجه في استعمال هذه الألفاظ أن الأمور الممكنة لما كان الخلق يشكون ~~فيها PageV04P158 # ولا يقطعون على الكائن منها، وكان الله يعلم الكائن منها على الصحة صارت ~~لها نسبتان: # نسبة إلى الله تعالى، تسمى نسبة قطع ويقين، ونسبة إلى المخلوق، وتسمى ~~نسبة شك وظن، فصارت هذه الألفاظ لذلك ترد تارة بلفظ القطع بحسب ما هي عليه ~~عند الله، كقوله: * (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) *. # وتارة بلفظ الشك بحسب ما هي عليه عند المخلوقين، كقوله: * (فعسى الله أن ~~يأتي بالفتح أو أمر من عنده) *، * (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) *. # وقوله: * (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) *، وقد علم الله حين ~~أرسلهما ما يفضى إليه حال فرعون، لكن ورد اللفظ بصورة ما يختلج في نفس موسى ~~وهارون من الرجاء والطمع; فكأنه قال: انهضا لا إليه وقولا في نفوسكما، لعله ~~يتذكر أو يخشى. # ولما كان القرآن قد نزل بلغة العرب جاء على مذاهبهم في ذلك، والعرب قد ~~تخرج الكلام المتيقن في صورة المشكوك; لأغراض، فتقول: لا تتعرض لما يسخطني، ~~فلعلك إن تفعل ذلك ستندم; وإنما مراده أنه يندم لا محالة، ولكنه أخرجه مخرج ~~الشك تحريرا للمعنى، ومبالغة فيه; أي أن هذا الأمر لو كان مشكوكا فيه لم ms0929 ~~يجب أن تتعرض له; فكيف وهو كائن لا شك فيه! # وبنحو من هذا فسر الزجاج قوله تعالى: * (ربما يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين) *. # وأما قوله: * (لعلى أبلغ الأسباب) *، فاطلاعه إلى الإله مستحيل، فبجهله ~~اعتقد في المستحيل الإمكان; لأنه يعتقد في الإله الجسمية والمكان. ~~PageV04P159 # ونص ابن الدهان في لعل جواز استعماله في المستحيل، محتجا بقوله: " لعل ~~زمانا تولى يعود ". # وقال أيضا: كل ما وقع في القرآن من " عسى " فاعلها الله تعالى، فهي ~~واجبة. # وقال قوم: إلا في موضعين، قال تعالى: * (عسى ربه إن طلقكن) *، ولم يطلقهن ~~ولم يبدل بهن. # وقوله: * (عسى ربكم أن يرحمكم) *، وهذه في بنى النضير، وقد سباهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقتلهم وأبادهم. # وقال أيضا: وهذا عندي متأول، لأن الأول تقديره: " إن طلقكن يبدله " وما ~~فعل، فهذا شرط يقع فيه الجزاء ولم يفعله، والثاني تقديره: " إن عدتم رحمكم ~~"، وهم أصروا، وعسى على بابها. # قال: وعسى ماضي اللفظ والمعنى: لأنه طمع، وذلك حصل في شئ مستقبل. # وقال قوم: ماضي اللفظ مستقبل في المعنى، لأنه أخبر عن طمع، يريد أن يقع. # * * * واعلم أن عسى تستعمل في القرآن على وجهين: # أحدهما: ترفع اسما صريحا ويؤتى بعده بخبر، ويلزم كونه فعلا مضارعا، نحو ~~عسى زيد أن يقوم، فلا يجوز " قائما " لأن اسم الفاعل لا يدل على الزمان ~~الماضي، قال الله تعالى: * (فعسى الله أن يأتي بالفتح) * فيكون " أن والفعل ~~" في موضع نصب، ب‍ " عسى ". PageV04P160 # وقال الكوفيون: في موضع رفع بدل. # ورد بأنه لا يجوز تركه، ويجوز تقديمه عليه. # الثاني: أن يكون المرفوع بها " أن والفعل "، وهو عسى أن يقوم زيد، فلا ~~يفتقر هنا إلى منصوب. # ونظيره: * (وحسبوا ألا تكون فتنة) *. # ومنه قوله تعالى: * (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) * لا يجوز رفع " ربك ~~" ب‍ " عسى " لئلا يلزم الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي، وهو " ربك "، ~~لأن " مقاما محمودا " منصوب ب‍ " يبعثك ". # وكذلك كقوله: * (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) *، لأن الضميرين ~~متصلان ب‍ " تكرهوا " و " تحبوا "، فلا يكون في " عسى ms0930 " ضمير. # اتخذ قال تعالى: * (لو شئت لاتخذت عليه أجرا) *. قال الفارسي: ولا أعلم " ~~تخذت " يتعدى إلا إلى واحد. # وقيل: أصل " اتخذت " " تخذت "، فأما " اتخذت " فعلى ثلاثة أضرب: # أحدها: ما يتعدى به إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: * (يا ليتني اتخذت مع ~~الرسول سبيلا) *. # * (أم اتخذ مما يخلق بنات) *. # * (واتخذ من دونه آلهة) *. PageV04P161 # * (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا) *. # * (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) *. # والثاني: ما يتعدى لمفعولين، والثاني منهما الأول في المعنى. # وهما إما مذكوران، كقوله تعالى: * (اتخذوا أيمانهم جنة) *. # وقال: * (لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء) *. # * (فاتخذتموهم سخريا) *. # وأما مع حذف الأول، كقوله: * (فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله ~~قربانا آلهة) *، فمفعول " اتخذوا " الأول الضمير المحذوف الراجع إلى الذين، ~~والثاني " آلهة " و " قربانا " على الحال. # قال الكواشي: ولو نصب " قربانا " مفعولا ثانيا و " آلهته " بدلا منه فسد ~~المعنى. # وإما مع حذف الثاني كقوله: * (اتخذتم العجل) *. # * (باتخاذكم العجل) *. # * (اتخذوا وكانوا ظالمين) *. # * (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا) * تقديره في الجميع: # اتخذوه آلهة; لأن نفس اقتناء العجل لا يلحقه الوعيد الشديد، فيتعين تقدير ~~آلهة. # الثالث: ما يجوز فيه الأمران، كقوله تعالى: * (واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى) *. PageV04P162 # فإن جوزنا زيادة " من " في الإيجاب كان من المتعدى لاثنين، وإن منعنا كان ~~لواحد. # ونظيره " جعلت "، قال: * (وجعل الظلمات والنور) *، أي خلقهما. # فإذا تعدى لمفعولين كان الثاني الأول في المعنى، كقوله: * (واجعلوا ~~بيوتكم قبلة) *، * (وجعلنا أئمة يدعون إلى النار) *، * (وجعلنا منهم أئمة ~~يهدون بأمرنا) *. # أخذ تجئ بمعنى " غصب "، ومنه: " من أخذ قيد شبر من أرض طوق من سبع أرضين ~~". # وبمعنى " عاقب "، كقوله تعالى: * (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد) *. # * (أخذنا أهلها بالبأساء والضراء) *. # * (وأخذ الذين ظلموا الصيحة) *. # * (وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس) *. # * (فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر) *. # * (ولو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب) *. # * (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا) *. PageV04P163 # و * (لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) *. # * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) *. # وتجئ للمقاربة، قالوا: أخذ ms0931 يفعل كذا، كما قالوا: جعل يقول، وكرب يقول. # وتجئ قبل القسم، كقوله تعالى: * (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه) *. # * (وإذ أخذنا ميثاقكم) *. # وبمعنى " اعمل "، كقوله تعالى: * (خذوا ما آتيناكم بقوة) *، أي اعملوا ~~بما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتهم عنه بجد واجتهاد. # سأل عمرو تتعدى لمفعولين، كأعطى، ويجوز الاقتصار على أحدهما. # ثم قد تتعدى بغير حرف، كقوله تعالى: * (واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما ~~أنفقوا) *. # * (فاسألوا أهل) *. # وقد تتعدى بالحرف; إما بالباء كقوله: * (سأل سائل بعذاب واقع) *. # وإما ب‍ " من "، كقولك: سل عن زيد. وكذا: * (واسألهم عن القرية) *. # والمتعدية لمفعولين ثلاثة أضرب. # أحدها: أن تكون بمنزلة " أعطيت " كقولك: سألت زيدا بعد عمرو حقا، أي ~~استعطيته، أو سألته أن يفعل ذلك. PageV04P164 # والثاني: بمنزلة: اخترت الرجال زيدا، كقوله تعالى: * (ولا يسأل حميم ~~حميما) *، أي عن حميم لذهوله عنه. # والثالث: أن يقع موقع الثاني منهما استفهام، كقوله تعالى: * (سل بني ~~إسرائيل كم آتيناهم) *. # * (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) ~~*. # وأما قوله تعالى: * (سأل سائل بعذاب واقع) *، فالمعنى: سأل سائل النبي ~~صلى الله عليه وسلم أو المسلمين بعذاب واقع، فذكر المفعول الأول، وسؤالهم ~~عن العذاب إنما هو استعجالهم له كاستبعادهم لوقوعه، ولردهم ما يوعدون به ~~منه. # وعلى هذا: * (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات) ~~*. # وأما قوله تعالى: * (واسألوا الله من فضله) *، فيجوز أن تكون " من " فيه ~~موضوع المفعول الثاني، وأن يكون المفعول الثاني محذوفا، والصفة قائمة ~~مقامه. # وأما قوله تعالى: * (يسألونك كأنك حفى عنها) * فيحتمل أن " عنها " متعلقة ~~بالسؤال، كأنه: يسألونك عنها كأنك حفى عنها، فحذف الجار والمجرور، فحسن ذلك ~~لطول الكلام. ويجوز أن يكون * (عنها) * بمنزلة " بها "، وتتصل بالحفاوة. # وعد ولم يتعدى لمفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما كأعطيته، وليس كظننت، ~~قال PageV04P165 # تعالى: * (وواعدناكم جانب الطور الأيمن) *، ف‍ " جانب " مفعول ثان، ولا ~~يكون ظرفا لاختصاصه، أي وعدناكم إتيانه، أو مكثا فيه. # وقوله تعالى: * (وعد الله مغانم كثيرة تأخذونها) *، فالغنيمة تكون الغنم. ms0932 # فإن قلت: الغنم حدث لا يؤخذ; إنما يقع الأخذ على الأعيان دون المعاني! # قلت: يجوز أن يكون سمى باسم المصدر، كالخلق والمخلوق، أو يقدر محذوف، أي ~~تمليك مغانم. # فأما قوله تعالى: * (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة) *، ~~وقوله: * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم) * فإن ~~الفعل لم يتعد فيه إلى مفعول ثان; ولكن قوله: * (ليستخلفنهم) * ولهم * ~~(مغفرة) * تفسير للوعد، كما أن قوله: * (للذكر مثل حظ الأنثيين) * تبيين ~~للوصية في قوله: * (يوصيكم الله في أولادكم) *. # وأما قوله تعالى: * (ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا) * * (إن الله وعدكم وعد ~~الحق) *، فيحتمل انتصاب الواحد بالمصدر، أو بأنه المفعول الثاني، وسمى ~~الموعود به الوعد، كالمخلوق الخلق. # وأما قوله تعالى: * (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) *، و * ~~(إحدى) * في موضع نصب مفعول ثان، و * (أنها لكم) * بدل منه، أي إتيان إحدى ~~الطائفتين أو تمليكه، والطائفتان العير والنصر. # وأما قوله: * (أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم) * فمن قدر في أن الثانية ~~البدل، PageV04P166 # فينبغي أن يقدر محذوفا، ليتم الكلام، فيصح البدل، والتقدير: أيعدكم إرادة ~~أنكم إذا متم، ليكون اسم الزمان خبرا عن الحدث، ومن قدر في الثانية البدل ~~لم يحتج إلى ذلك. # وأما قوله: * (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه) ~~*، فالجملة في موضع جر صفة للنكرة، وقد عاد الضمير فيها إلى الموصوف، ~~والفعل متعد إلى واحد. # وأما قوله تعالى: * (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) *، فلا يجوز أن يكون " ~~ثلاثين " ظرفا، لأن الوعد ليس في كلها بل في بعضها، فيكون مفعولا ثانيا. # ود قال أبو مسلم الأصبهاني بمعنى " تمنى " يستعمل معها " لو " و " أن "، ~~وربما جمع بينهما نحو: ودوا لو أن فعل، ومصدره الودادة، والاسم منه ود. وقد ~~يتداخلان في الاسم والمصدر. # وقال الراغب: إذا كان " ود " بمعنى أحب لا يجوز إدخال " لو " فيه أبدا. # وقال على بن عيسى: إذا كان بمعنى " تمنى " صلح للمضي والحال والاستقبال، ~~وإذا كان بمعنى المحبة لم يصلح للماضي; لأن الإرادة هي استدعاء الفعل، وإذا ~~كان للماضي ms0933 لم يجز " أن "، وإذا كان للحال أو للاستقبال جاز " أن " و " لو ~~". # وفيما قاله نظر، لأن " أن " توصل بالماضي; نحو سرني أن قمت. PageV04P167 # قلت: فكان الأحسن الرد عليه بكلامه، وهو أنه جوز إذا كان بمعنى الحال ~~دخول " أن " وهي للمستقبل، فقد خرجت عن موضعها. # أفعل التفضيل فيه قواعد: # * * * الأولى: إذا أضيف إلى جنسه لم يكن بعضه، كقولك زيد أشجع الأسود ~~وأجود السحب، فيصير المعنى زيد أشجع من الأسود، وأجود من السحب; وعليه قوله ~~تعالى: # * (خير الرازقين) *، و * (أحكم الحاكمين) *، و * (أحسن الخالقين) *. # أي خير من كل من تسمى برازق، وأحكم من كل من تسمى بحاكم. كذا قاله أبو ~~القاسم السعدي. # قال الشيخ أثير الدين: الذي تقرر عن الشيوخ أن " أفعل " هذه لا تضاف إلا ~~ويكون المضاف بعض المضاف إليه، فلا يقال هذا الفرس أسبق الحمير; لأنه ليس ~~بعض الحمير; وعلى هذا بنى البصريون منع " زيد أفضل إخوته "، وأجازوا " أفضل ~~الإخوة "، إلا إذا أخرجت عن معناها; فإنه قد يجوز ذلك عن بعضهم. # * * * الثانية: إذا ذكر بعد " أفعل " جنسه، وواحد من آحاد جنسه، وجب ~~إضافته إليه، كقولك: زيد أحسن الرجال، وأحسن رجل قال تعالى.... # وإذا ذكر بعد ما هو من متعلقاته، وجب نصبه على التمييز، نحو زيد أحسن ~~وجها، وأغزر علما. PageV04P168 # وقد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى: * (أو أشد خشية) *، وقوله: * (أزكى ~~طعاما) *، فقد أضيف إلى غير جنسه، وانتصب. # وقد تأول العلماء هذا حتى رجعوا به إلى جعل " أشد " لغير الخشية، فقال ~~الزمخشري معنى: * (يخشون الناس كخشية الله) *، أي مثل أهل خشية الله، أو ~~مثل قوم أشد خشية من أهل خشية الله. # قال ابن الحاجب: وعلى مثل هذا يحمل ما خالف هذه القاعدة. # * * * الثالثة: الأصل فيه الأفضلية على ما أضيف إليه; وأشكل على ذلك قوله ~~تعالى: * (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها) *، لأن معناه: ما من آية ~~من التسع إلا وهي أكبر من كل واحدة منها، فاضلة ومفضولة، في حالة واحدة. # وأجاب الزمخشري بأن الغرض وصفهن بالكبر من ms0934 غير تفاوت فيه، وكذلك العادة ~~في الأشياء التي تتفاوت في الفضل التفاوت اليسير، أن تختلف [آراء] الناس في ~~تفضيلها، وربما اختلف آراء الواحد، فيها كقول الحماسي: # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم * مثل النجوم التي يهدى بها الساري وأجاب ~~ابن الحاجب، بأن المراد الأعلى أكبر من أختها عندهم، وقت حصولها، لأن ~~لمشاهدة الآية في النفس أثر عظيما ليس للغائب عنها. # * * * الرابعة: قالوا: لا ينبنى من العاهات، فلا يقال: ما أعور هذه ~~الفرس! وأما قوله تعالى: PageV04P169 # * (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى) *، ففيه وجهان: # أحدهما: أنه من عمى القلب الذي يتولد من الضلالة، وهو ما يقبل الزيادة ~~والنقص، لا من عمى البصر الذي يحجب المرئيات عنه. # وقد صرح ببيان هذا المعنى قوله تعالى: * (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور) * وعلى هذا فالأول اسم فاعل. # والثاني: أفعل تفضيل، من فقد البصيرة. # والثاني أنه من عمى العين، والمعنى: من كان في هذه أعمى من الكفار; فإنه ~~يحشر أعمى. فلا يكون " أفعل تفضيل ". # ومنهم من حمل الأول على عمى القلب، والثاني على فقد البصيرة، وإليه ذهب ~~أبو عمرو، فأمال الأول وترك الإمالة في الثاني; لما كان اسما، والاسم أبعد ~~من الإمالة. # * * * الخامسة: يكثر حذف المفضول إذا دل عليه دليل، وكان " أفعل " خبرا، ~~كقوله تعالى: * (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) *. # * (ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا) *. # * (والله أعلم بما وضعت) *. # * (وما تخفى صدورهم أكبر) *. # * (إنما عند الله هو خير لكم) *. # * (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) *. # * (أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا) *. PageV04P170 # * (فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا) *. # وقد يحذف المفضول و " أفعل " ليس بخبر، كقوله تعالى: * (فإنه يعلم السر ~~وأخفى) *. # * * * السادسة: قد يجئ مجردا من معنى التفضيل، فيكون للتفضيل لا ~~للأفضلية. # ثم هو تارة يجئ مؤولا باسم الفاعل، كقوله تعالى: * (هو أعلم بكم إذا ~~أنشأكم من الأرض) *. # ومؤولا بصفة مشبهة، كقوله تعالى: * (وهو أهون عليه) *. # ف‍ " أعلم " هاهنا بمعنى ms0935 " عالم بكم "، إذ لا مشارك لله تعالى في علمه ~~بذلك، " وأهون عليه " بمعنى هين، إذ لا تفاوت في نسبة المقدورات إلى قدرته ~~تعالى. # وقوله تعالى: * (أفمن يلقى في النار خير) *. # وقوله: * (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا) *. # أو لفظا لا معنى، كقوله تعالى: * (نحن أعلم بما يستمعون به) *. # و * (نحن أعلم بما يقولون) *. # وأما قوله تعالى: * (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه) * فمعناه: الضرر ~~بعبادته; أقرب من النفع بها. # فإن قيل: كيف قال: * (أقرب من نفعه) *، ولا نفع من قبله البتة؟. # قيل: لما كان في قوله: * (لمن ضره أقرب من نفعه) * تبعيد لنفعه، والعرب ~~تقول PageV04P171 # لما لم يصح في اعتقادهم: هذا بعيد - جاز الإخبار ب‍ " بعد " نفع الوثن، ~~والشاهد له قوله تعالى: حكاية عنهم: * (أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد) ~~*. # * * * السابعة: " أفعل " في الكلام على ثلاثة أضرب: # مضاف، كقوله تعالى: * (أليس الله بأحكم الحاكمين) *. # ومعرف بالام، نحو: * (سبح اسم ربك الأعلى) * و * (ليخرجن الأعز منها ~~الأذل) *. # وخال منهما. ويلزم اتصاله ب‍ " من " التي لابتداء الغاية جارة للمفضل ~~عليه، كقوله تعالى: * (أنا أكثر منك مالا) *. # وقد يستغنى بتقديرها عن ذكرها، كقوله تعالى: * (وأعز نفرا) *. # ويكثر ذلك إذا كان أفعل التفضيل خبرا، كقوله: * (والآخرة خير وأبقى) *. # وحيث أضيف إنما يضاف إلى جمع معرف، نحو " أحكم الحاكمين "، ولا يجوز " ~~زيد أفضل رجل " ولا " أفضل رجال "، لأنه لا فائدة فيه، لأن كل شخص لا بد أن ~~يكون جماعة يفضلها، وإنما الفائدة في أن تقول: " أفضل الرجال ". # فأما قوله تعالى: * (ثم رددناه أسفل سافلين) * فجوابه أنه غير مضاف إليه ~~تقديرا، بل المضاف إليه محذوف، وقامت صفته مقامه، وكأنه قال: " أسفل قوم ~~سافلين ". # ولا خلاف أنه يضاف إلى اسم الجمع معرفا ومنكرا، نحو أفضل الناس والقوم، ~~وأفضل ناس أفضل قوم. # فإن قيل: لم أجازوا تنكير هذا ولم يجيزوا ذلك في الجمع؟ PageV04P172 # قلت: لأن " أفضل القوم " ليس من ألفاظ الجموع، بل من الألفاظ المفردة ~~فخففوه بترك الألف واللام الثانية، إذا كان " أفعل " بالألف واللام أو ms0936 ~~مضافا جاز تثنيته وجمعه، قال تعالى: * (وأتبعك الأرذلون) * و * (بالأخسرين ~~أعمالا) *. # وقال في المفرد: * (إذ انبعث أشقاها) *. # وقال في الجمع: * (أكابر مجرميها) *، و * (إلا الذين هم أراذلنا) *. # وتقول في المؤنث " هذه الفضلى "، قال تعالى: * (إنها لإحدى الكبر) *. # * (فأولئك لهم الدرجات العلى) *. # وحكم " فعلى " حكم " أفعل " لا يستعمل بغير " من " إلا مضافا أو معرفا ~~بأل. # وأما قوله: * (وأخر متشابهات) *، فقالوا: إنه على تقدير " من " أي وأخر ~~منها متشابهات. # تنبيه لفظ " سواء " سواء أصله بمعنى الاستواء، وليس له اسم يجرى عليه، ~~يقال: استوى استواء، وساواه مساواة لا غير; فإذا وقع صفة كان بمعنى مستو، ~~ولهذا تقول: هما سواء، هم سواء، كما تقول: هما عدل، وهم عدل; والسواء ~~التام، ومنه درهم سواء، أي تام. # ومنه قوله تعالى: * (في أربعة أيام سواء) *، أي مستويات. ومن نصب فعلى ~~PageV04P173 # المصدر، أي استوت استواء، كذا قال سيبويه. وجوز غيره أن يكون حالا من ~~النكرة. # ويجئ السواء بمعنى الوسط، كقوله تعالى: * (إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) * ~~أي عدل، وهو الحق. # قال ابن أبي الربيع: وسواء لا يرفع الظاهر إلا إذا كان معطوفا على المضمر ~~في سواء وهو مرفوع بسواء، وهو مما جاز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف ~~عليه. # * * * PageV04P174 # النوع السابع والأربعون في الكلام على المفردات من الأدوات والبحث عن ~~معاني الحروف; مما يحتاج إليه المفسر لاختلاف مدلولها ولهذا توزع الكلام ~~على حسب مواقعها، وترجح استعمالها في بعض المحال على بعض، بحسب مقتضى ~~الحال. # كما في قوله تعالى: * (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) *، ~~فاستعملت " على " في جانب الحق، و " في " في جانب الباطل; لأن صاحب الحق ~~كأنه مستعل يرقب نظره كيف شاء، ظاهرة له الأشياء، وصاحب الباطل كأنه منغمس ~~في ظلام، ولا يدرى أين توجه! # وكما في قوله تعالى: * (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر ~~أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه) *، فعطف هذه الجمل الثلاث بالفاء، ثم ~~لما انقطع نظام الترتيب عطف بالواو، فقال تعالى: * (وليتلطف) *، إذ لم يكن ~~التلطف مترتبا على ms0937 الإتيان بالطعام، كما كان الإتيان منه مرتبا على التوجه ~~في طلبه. # والتوجه في طلبه مترتبا على قطع الجدال في المسألة عن مدة اللبث، بتسليم ~~العلم له سبحانه. # وكما في قوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء...) * الآية; فعدل عن اللام ~~PageV04P175 # إلى " في " في الأربعة الأخيرة، إيذانا بأنهم أكثر استحقاقا للتصدق عليهم ~~ممن سبق ذكره باللام; لأن " في " للوعاء، فنبه باستعمالها على أنهم أحقاء ~~بأن يجعلوا مظنة لوضع الصدقات فيهم: كما يوضع الشئ في وعائه مستقرا فيه. ~~وفى تكرير حرف الظرف داخلا على " سبيل الله " دليل على ترجيحه على الرقاب ~~والغارمين. # قال الفارسي: وإنما قال: * (وفى الرقاب) *، ولم يقل " والرقاب " ليدل على ~~أن العبد لا يملك. # وفيه نظر; بل ما ذكرناه من الحكمة فيه أقرب وكما في قوله تعالى: * (وقد ~~أحسن بي) *، فإنه يقال: أحسن بي وإلى; وهي مختلفة المعاني وأليقها منه ~~بيوسف عليه السلام " بي "، لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد الغاية التي صار ~~إليها. # وكما في قوله تعالى: * (ولأصلبنكم في جذوع النخل) *، ولم يقل " على " كما ~~ظن بعضهم; لأن " على " للاستعلاء، والمصلوب لا يجعل على رؤوس النخل; وإنما ~~يصلب في وسطها، فكانت " في " أحسن من " على ". # وقال: * (كل من عليها فان) *، ولم يقل " في الأرض "; لأن عند الفناء ليس ~~هناك حال القرار والتمكين. # وقال: * (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) * وقال: * (لا تمش في ~~الأرض مرحا) *، وما قال " على الأرض "; وذلك لما وصف العباد بين أنهم لم ~~يوطنوا أنفسهم في الدنيا; وإنما هم عليها مستوقرون. ولما أرشده ونهاه عن ~~فعل التبختر، قال: لا تمش فيها مرحا، بل أمش عليها هونا. PageV04P176 # وقال تعالى: * (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) *. # وقال ابن عباس: الحمد الله الذي قال: * (عن صلاتهم ساهون) *، ولم يقل " ~~في صلاتهم ". # وقال صاحب الكشاف في قوله تعالى: * (ومن بيننا وبينكم حجاب) *: # فلو سقطت " من " جاز كون الحجاب في الوسط، وإن تباعدت. وإذا أتيت ب‍ " من ~~" أفادت أن الحجاب ابتداء من أول ما ينطلق عليه " من "، وانتهى إلى غايته، ~~فكأن الحجاب ms0938 قد ملأ ما بينك وبينه. # وقال: كرر الجار في قوله: * (وعلى سمعهم) * ليكون أدل على شدة الختم في ~~الموضعين، حين استجد له تعدية أخرى. # وهذا كثير لا يمكن إحصاؤه; والمعين عليه معاني المفردات، فلنذكر مهمات ~~مطالبها على وجه الاختصار. PageV04P177 # الهمزة أصلها الاستفهام، وهو طلب الإفهام. وتأتي لطلب التصور والتصديق، ~~بخلاف " هل " فإنها للتصور خاصة. والهمزة أغلب دورانا، ولذلك كانت أم ~~الباب. # واختصت بدخولها على الواو، نحو: * (أو كلما عاهدوا) *. # وعلى الفاء، نحو: * (أفأمن أهل القرى) *. # وعلى ثم، نحو: * (أثم إذا ما وقع) *. # و " هل " أظهر في الاختصاص بالفعل من الهمزة، وأما قوله تعالى: * (فهل ~~أنتم شاكرون) *، * (فهل أنتم منتهون) *، و * (فهل أنتم مسلمون) *; فذلك ~~لتأكيد الطلب للأوصاف الثلاثة; حيث أن الجملة الإسمية أدل على حصول المطلوب ~~وثبوته; وهو أدل على طلبه من " فهل تشكرون " " وهل تسلمون " لإفادة التجدد. # واعلم أنه يعدل بالهمزة عن أصلها، فيتجوز بها عن النفي والإيجاب ~~والتقدير، وغير ذلك المعاني السالفة في بحث الاستفهام مشروحة، فانظره فيه. # مسالة [في دخول الهمزة على " رأيت "] وإذا دخلت على " رأيت " امتنع أن ~~تكون من رؤية البصر أو القلب، وصارت بمعنى " أخبرني "، كقولك: " أرأيتك غير ~~زيدا ما صنع "؟ في المعنى تعدى بحرف، وفى اللفظ تعدى بنفسه. PageV04P178 # ومنه قوله تعالى: * (أفرأيت الذي كفر بآياتنا) * * (أرأيت الذي ينهى. ~~عبدا إذا صلى) * * (أرأيت الذي يكذب بالدين) *. # مسألة [في دخول الهمزة على " لم "] وإذا دخلت على " لم " أفادت معنيين: # أحدهما: التنبيه والتذكير، نحو: * (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) *. # والثاني: التعجب من الأمر العظيم، كقولك: ألم تر إلى فلان يقول كذا، ~~ويعمل كذا! # على طريق التعجب منه. وكيف كان فهي تحذير. PageV04P179 # أم حرف عطف نائب عن تكرير الاسم والفعل، نحو، أزيد عندك أم عمرو؟ # وقيل: إنما تشرك بين المتعاطفين كما تشرك بينهما " أو ". # وقيل: فيها معنى العطف. وهي استفهام كالألف; إلا أنها لا تكون في أول ~~الكلام لأجل معنى العطف. # وقيل: هي " أو " أبدلت [الميم] من الواو، ليحول إلى معنى، يريد إلى معنى ~~" أو ms0939 ". # وهي قسمان: متصلة ومنفصلة: # فالمتصلة هي الواقعة في العطف والوارد بعدها وقبلها كلام واحد، والمراد ~~بها الاستفهام عن التعيين; فلهذا يقدر بأي. وشرطها أن تتقدمها همزة ~~الاستفهام، ويكون ما بعدها مفردا، أو في تقديره. # والمنفصلة ما فقد فيها الشرطان أو أحدهما، وتقدر ب‍ " بل " والهمزة. # ثم اختلف النحاة في كيفية تقدير المنفصلة على ثلاث مذاهب، حكاها الصفار: # أحدها: أنها تقدر بهما وهي بمعناهما، فتفيد الإضراب عما قبلها على سبيل ~~التحول والانتقال ك‍ " بل "، والاستفهام عما بعدها. ومن ثم لا يجوز أن ~~تستفهم مبتدئا كلامك ب‍ " أم ". # ولا تكون إلا بعد كلام، لإفادتها الإضراب، كما تقدم. # قال أبو الفتح: والفارق بينها وبين " بل " أن ما بعد " بل " منفى، وما ~~بعد " أم " مشكوك فيه. # والثاني: أنها بمنزلة " بل " خاصة، والاستفهام محذوف بعدها، وليست مفيدة ~~الاستفهام، وهو قول الفراء في،، معاني القرآن،،. PageV04P180 # والثالث: أنها بمعنى الهمزة، والإضراب مفهوم من أخذك في كلام آخر وترك ~~الأول. # قال الصفار: فأما الأول فباطل; لأن الحرف لا يعطى في حيز واحد أكثر من ~~معنى واحد، فيبقى الترجيح بين المذهبين. وينبغي أن يرجح الأخير; لأنه ثبت ~~من كلامهم: # إنها لإبل أم شاء. # ويلزم على القول الثاني حذف همزة الاستفهام في الكلام; وهو من مواضع ~~الضرورة. قال: والصحيح أنها لا تخلو عن الاستفهام; وكذلك قال سيبويه. ~~انتهى. # * * * واعلم أن المتصلة يصير معها الاسمان بمنزلة " أي "، ويكون ما ذكر ~~خبرا عن " أي "، فإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فالمعنى: أيهما عندك؟ والظرف ~~خبر لهما. # ثم المتصلة تكون في عطف المفرد على مثله، نحو أزيد عندك أم عمرو؟ كقوله ~~تعالى: * (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) *، أي أي المعبودين ~~خير؟ وفى عطف الجملة على الجملة المتأولتين بالمفرد، نحو: * (أأنتم أنشأتم ~~شجرتها أم نحن المنشئون) * أي الحال هذه أم هذه؟ # والمنقطعة إنما تكون على عطف الجمل، وهي في الخبر والاستفهام بمثابة " بل ~~" والهمزة، ومعناها في القرآن التوبيخ، كما كان في الهمزة، كقوله تعالى: * ~~(أم اتخذ مما يخلق بنات) *، أي بل أتخذ؟ ms0940 لأن الذي قبلها خبر، والمراد بها ~~التوبيخ لمن قال ذلك، وجرى على كلام العباد. # وقوله: * (ألم. تنزيل الكتاب لا ريب فيه) * ثم قال: * (أم يقولون ~~PageV04P181 # افتراه) *، تقديره: بل أيقولون؟ كذا جعلها سيبويه منقطعة، لأنها بعد ~~الخبر. # ثم وجه اعتراضا: كيف يستفهم الله عن قولهم هذا وأجيب بأنه جاء في كلام ~~العرب; يريد أن في كلامهم يكون المستفهم محققا للشئ لكن يورده بالنظر إلى ~~المخاطب، كقوله: # * (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) * وقد علم الله أنه لا يتذكر ~~ولا يخشى; لكنه أراد: " لعله يفعل ذلك في رجائكما ". # وقوله: * (أم اتخذ مما يخلق بنات) *، تقديره: بل أتخذ؟ بهمزة منقطعة ~~للإنكار. # وقد تكون بمعنى " بل " من غير استفهام، كقوله تعالى: * (خلق السماوات ~~والأرض) * وما بعدها في سورة النمل. # قال ابن طاهر: ولا يمتنع عندي إذا كانت بمعنى " بل " أن تكون عاطفة، ~~كقوله تعالى: * (أم يقولون شاعر) *، وقوله: * (أم كان من الغائبين) *. # وقال البغوي في قوله: * (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) * بمعنى " بل " ~~وليس بحرف عطف، على قول أكثر المفسرين. # وقال الفراء وقوم من أهل المعاني: الوقف على قوله " أم "، وحينئذ تم ~~الكلام، وفى الآية إضمار، والأصل * (أفلا تبصرون) * أم تبصرون؟ ثم ابتدأ ~~فقال: # * (أنا خير) *. # قلت: فعلى الأول تكون منقطعة، وعلى الثاني متصلة وفيها قول ثالث، قال أبو ~~زيد: أنها زائدة، وإن التقدير: أفلا تبصرون أنا خير منه. # والمشهور أنها منقطعة، لأنه لا يسألهم عن استواء علمه في الأول والثاني; ~~لأنه إنما أدركه PageV04P182 # الشك في تبصرهم بعد ما مضى كلامه على التقرير، وهو مثبت وجواب السؤال " ~~بلى "، فلما أدركه الشك في تبصرهم، قال: * (أنا خير) *. # وسأل ابن طاهر شيخه أبا القاسم بن الرماك: لم لم يجعل سيبويه أم متصله؟ ~~أي " أفلا " تبصرون أم تبصرون " أي أي هذين كان منكم؟ فلم يحر جوابا، وغضب ~~وبقى جمعة لا يقرر حتى استعطفه. # والجواب من وجهين: أحدهما أنه ظن أنهم لا يبصرون، فاستفهم عن ذلك، ثم ظن ~~أنهم يبصرون، لأنه معنى قوله: ms0941 * (أم أنا خير من) *، فأضرب عن الأول ~~واستفهم، وكذلك: أزيد عندك أم لا؟. # والثاني: أنه لو كان الإبصار وعدمه متعادلين لم يكن للبدء بالنفي معنى، ~~فلا يصح إلا أن تكون منقطعة. # وقد تحتمل المتصلة والمنقطعة، كما قال في قوله تعالى: * (أم تريدون كيدا) ~~*. # قال الواحدي: إن شئت جعلت قبله استفهاما رد عليه، وهو قوله: * (ألم تعلم) ~~* وإن شئت منقطعة عما قبلها مستأنفا بها الاستفهام، فيكون استفهاما متوسطا ~~في اللفظ، مبتدأ في المعنى، كقوله تعالى: * (أليس لي ملك مصر...) * الآية، ~~ثم قال: * (أم أنا خير) *. انتهى. # والتحقيق ما قاله أبو البقاء: إنها هاهنا منقطعة; إذ ليس في الكلام همزة ~~تقع موقعها، وموقع " أم " " أيهما " والهمزة في قوله: * (ألم تعلم) *، ليست ~~من " أم " في شئ، والتقدير: # بل أتريدون أن تسألوا؟ فخرج ب‍ " أم " من كلام إلى آخر. PageV04P183 # وقد تكون بمعنى " أو " كما في قوله تعالى: * (أأمنتم من في السماء أن ~~يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور. أم أمنتم) *. # وقوله: * (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا ~~تجدوا لكم وكيلا. أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى) *. # ومعنى ألف الاستفهام عند أبي عبيد، كقوله تعالى: * (أم تريدون أن تسألوا ~~رسولكم) * أي تريدون؟ # وقوله: * (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) *. # وقوله: * (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) *، أي أيحسدون؟ # وقوله: * (مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار. اتخذناهم سخريا أم ~~زاغت عنهم الأبصار) *، أي أزاغت عنهم الأبصار؟ # وقوله: * (أم له البنات ولكم البنون) *، أي أله! # * (أم تسألهم أجرا) * أي أتسألهم أجرا؟ # وقوله: * (أم حسبت أن أصحاب الكهف) *، قيل: أي أظننت هذا؟ ومن عجائب ربك ~~ما هو أعجب من قصة أصحاب الكهف! # وقيل: بمعنى ألف الاستفهام، كأنه قال: أحسبت؟ وحسبت بمعنى الأمر، كما ~~تقول لمن تخاطبه: أعلمت أن زيدا خرج بمعنى الأمر، أي اعلم أن زيد خرج، فعلى ~~هذا التدريج يكون معنى الآية: اعلم يا محمد، أن أصحاب الكهف والرقيم. ~~PageV04P184 # وقال أبو البقاء في قوله تعالى: * (أم ms0942 اتخذ مما يخلق البنات) * تقديره بل ~~" أتخذ! " بهمزة مقطوعة على الإنكار، ولو جعلناه همزة وصل لصار إثباتا. ~~تعالى الله عن ذلك! ولو كانت " أم " المنقطعة بمعنى " بل " وحدها دون ~~الهمزة وما بعد " بل " متحقق، فيصير ذلك في الآية متحققا، تعالى الله عن ~~ذلك! # مسألة [في ضرورة تقدم الاستفهام على " أم "] " أم " لا بد أن يتقدمها ~~استفهام أو ما في معناه. والذي في معناه التسوية; فإن الذي يستفهم، استوى ~~عنده الطرفان; ولهذا يسأل، وكذا المسؤول استوى عنه الأمران. # فإذا ثبت هذا; فإن المعادلة تقع بين مفردين وبين جملتين، والجملتان ~~يكونان اسميتين وفعليتين; ولا يجوز أن يعادل بين اسمية وفعلية; إلا أن تكون ~~الاسمية بمعنى الفعلية، أو الفعلية بمعنى الاسمية، كقوله تعالى: * (سواء ~~عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) * أي أم صمتم. # وقوله: * (أفلا تبصرون. أم أنا خير) *; لأنهم إذا قالوا له: أنت خير، ~~كانوا عنده بصراء، فكأنه قال: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء؟ # قال الصفار: إذا كانت الجملتان موجبتين قدمت أيهما شئت، وإن كانت إحداهما ~~منفية أخرتها، فقلت: أقام زيد أم لم يقم؟ ولا يجوز: ألم يقم، أم لا؟ ولا ~~سواء على ألم تقم أم قمت! لأنهم يقولون: سواء على أقمت أم لا؟ يريدون: أم ~~لم تقم؟ فيحذفون لدلالة الأول، فلا يجوز هذا: سواء على أم قمت؟ لأنه حذف من ~~غير دليل، فحملت سائر المواضع المنفية على هذا. PageV04P185 # قال: فإنه لا بد أن يتقدمها الاستفهام أو التسوية، بخلاف " أو " فإنه ~~يتقدمها كل كلام إلا التسوية، فلا تقول: سواء على قمت وقد أو قعدت; لأن ~~الواحد لا يكون " سواء ". # مسألة قال الصفار: ينبغي أن يعلم أن السؤال ب‍ " أو " غير السؤال ب‍ " أم ~~". # فإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فجواب هذا: زيد أو عمرو؟ وجواب " أو " نعم، ~~أو لا. ولو قلت في جواب الأول: نعم، أو لا، كان محالا، لأنك مدع أن أحدهما ~~عنده. # فإن قلت: وهل يجوز أن تقول: زيد أو عمرو؟ في جواب: أقام زيد أو عمرو؟ # قلت: يكون تطوعا بما ms0943 لا يلزم، ولا قياس يمنعه. # وقال الزمخشري وابن الحاجب: وضع " أم " للعلم بأحد الأمرين، بخلاف " أو " ~~فأنت مع " أم " عالم بأن أحدهما عنده، مستفهم عن التعيين، ومع " أو " ~~مستفهم عن واحد منهما، على حسب ما كان في الخبر، فإذا قلت: أزيد عندك أو ~~عمرو؟ فمعناه: هل واحد منهما عندك؟ ومن ثم كان جوابه ب‍ " نعم " أو لا ~~مستقيما، ولم يكن ذلك مستقيما في " أم " لأن السؤال عن التعيين. ~~PageV04P186 # إذن نوعان: # الأول: أن تدل على إنشاء السببية والشرط; بحيث لا يفهم الارتباط من ~~غيرها، نحو " أزورك " فتقول: " إذن أكرمك "، وهي في هذا الوجه عاملة تدخل ~~على الجملة الفعلية فتنصب المضارع المستقبل; إذا صدرت، ولم تفصل، ولم يكن ~~الفعل حالا. # والثاني: أن تكون مؤكدة لجواب ارتبط بمقدم، أو منبهة على سبب حصل في ~~الحال. # وهي في الحال غير عاملة; لأن المؤكدات لا يعتمد عليها، والعامل يعتمد ~~عليه، نحو " إن " تأتني إذن آتك "، " والله إذن لأفعلن "، ألا ترى أنها لو ~~سقطت لفهم الارتباط. # وتدخل هذه على الاسمية، نحو أزورك فتقول: إذن أنا أكرمك. # ويجوز توسطها وتأخرها. # ومن هذا قوله تعالى: * (ولئن اتبعت أهواءهم من بعدك ما جاءك من العلم إنك ~~إذا لمن الظالمين) *، فهي مؤكدة للجواب، وتربطه بما تقدم. # وذكر بعض المتأخرين لها معنى ثالثا; وهي أن تكون مركبة من " إذ " التي هي ~~ظرف زمن ماض ومن جملة بعدها تحقيقا أو تقديرا، لكن حذفت الجملة تخفيفا، ~~وأبدل التنوين منها، كما في قولهم " حينئذ ":. # وليست هذه الناصبة المضارع; لأن تلك تختص به، وكذلك ما عملت فيه، ولا ~~يعمل إلا ما يختص، وهذه لا تختص به، بل تدخل على الماضي نحو: * (وإذا ~~لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما) *، و * (إذا لأمسكتم خشية الإنفاق) *، و * ~~(إذا لأذقناك) *. PageV04P187 # وعلى الاسم، نحو: إن كنت ظالما فإذن حكمك في ماض، وقوله تعالى: * (وإنكم ~~إذا لمن المقربين) *. # ورام بعض النحويين جعلها فيه بمعنى " بعد ". # * * * واعلم أن هذا المعنى لم يذكره النحاة، لكنه قياس قولهم: إنه قد ~~تحذف الجملة المضاف إليها " إذ ms0944 ". ويعوض عنها التنوين كيومئذ، ولم يذكروا ~~حذف الجملة من " إذا " وتعويض التنوين عنها. # وقال الشيخ أبو حيان: في،، التذكرة،،: ذكر لي علم الدين القمتي، أن ~~القاضي تقى الدين بن رزين، كان يذهب إلى أن " إذن " عوض من الجملة ~~المحذوفة. وليس هذا بقول نحوي. انتهى. # وقال القاضي ابن الجويني: وأنا أظن أنه يجوز أن تقول لمن قال: أنا آتيك: ~~" إذن أكرمك " بالرفع، على معنى " إذا أتيتني أكرمك " فحذف " أتيتني " وعوض ~~التنوين عن الجملة، فسقطت الألف لالتقاء الساكنين. # وقال: ولا يقدح في ذلك اتفاق النحاة، على أن الفعل في مثل هذا المثال ~~منصوب ب‍ " إذن "; لأنهم يريدون بذلك ما إذا كانت حرفا ناصبا للفعل، ولا ~~ينفى ذلك رفع الفعل بعده، إذا أريد به " إذ " الزمانية معوضا عن جملته ~~التنوين، كما أن منهم من يجزم ما بعدها، نحو: من يزرني أكرمه. يريدون بذلك ~~الشرطية، ولا يمنع مع ذلك الرفع بها إذا أريد الموصولة، نحو: من يزورني ~~أكرمه. # قيل: ولولا قول النحاة: إنه لا يعمل إلا ما يختص، وإن " إذن " عاملة في ~~المضارع لقيل: إن " إذن " في الموضعين واحدة، وإن معناها تقييد ما بعدها ~~بزمن أو حال; لأن PageV04P188 # معنى قولهم: أنا أزورك، فيقول السامع: إذن أكرمك، وهو بمعنى قوله: أنا ~~أكرمك زمن أو حال أو عند زيارتك لي. # ثم عند سيبويه معناها الجواب; فلا يجوز أن تقول: " إذن يقوم زيد " ~~ابتداء، من غير أن تجيب به أحدا. # وأما قوله تعالى: * (فعلتها إذا وأنا من الضالين) *، على أنه لجواب مقدر، ~~وأنه أجاب بذلك قوله: * (وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين) *، أي ~~بأنعمنا، فأجاب: لم أفعل ذلك كفرا للنعمة كما زعمت، بل فعلتها وأنا غير ~~عارف بأن الوكزة تقضى، بدليل قراءة بعضهم: * (وأنا من الجاهلين) *. ~~PageV04P189 # إذا نوعان: ظرف ومفاجأة. # فالتي للمفاجأة: خرجت فإذا السبع. # وتجئ اسما وحرفا، فإذا كانت اسما كانت ظرف مكان، وإذا كانت حرفا كانت من ~~حروف المعاني الدالة على المفاجأة; كما أن الهمزة تدل على الاستفهام. فإذا ~~قلت: # خرجت فإذا زيد، فلك ms0945 أن تقدر " إذا " ظرف مكان، ولك أن تقدرها حرفا; فإن ~~قدرتها حرفا كان الخبر محذوفا، والتقدير " موجود "، وإن قدرتها ظرفا كان ~~الخبر، وقد تقدم; كما تقول: عندي زيد، فتخبر بظرف المكان عن الجثة، ~~والمعنى: حيث خرجت فهناك زيد. # ولا يجوز أن يكون في هذه الحالة ظرف زمان، لامتناع وقوع الزمان خبرا عن ~~الجثة، وإذا امتنع أن تكون للزمان تعين أن تكون مكانا. وقد اجتمعا في قوله ~~تعالى: * (فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون) *، فإذا الأولى ~~ظرفية، والثانية مفاجأة. وتجئ ظرف زمان، وحق زمانها أن يكون مستقبلا، * ~~(إذا جاء نصر الله والفتح) *. # وقد تستعمل للماضي من الزمان، ك‍ " إذ " كما في قوله تعالى: * (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض) ~~*، لأن " قالوا " ماض " فيستحيل أن يكون زمانه مستقبلا. # ومثله قوله تعالى: * (إذا أتوا على وادي النمل) * * (إذا جاءوك ~~PageV04P190 # يجادلونك) *، * (إذا بلغ بين السدين) * * (حتى إذا ساوى بين الصدفين) * * ~~(حتى إذا جعله نارا) *، * (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) * لأن ~~الانفضاض واقع في الماضي. # وتجئ للحال، كقوله تعالى: * (والنجم إذا هوى) *، * (والليل إذا يغشى. # والنهار إذا تجلى) *; والتقدير: والنجم هاويا، والليل غاشيا، والنهار ~~متجليا، ف‍ " إذا " ظرف زمان، والعامل فيه استقرار محذوف في موضع نصب على ~~الحال، والعامل فيها " أقسم " المحذوف. # وقد استشكل الزمخشري تقدير العامل في ذلك، وأوضحه الشيخ أثير الدين، ~~فقال: إذا ظرف مستقبل، ولا جائز أن يكون العامل فيه فعل القسم المحذوف، لأن ~~" أقسم " إنشائي فهو في الحال، وإذا لما يستقبل فيأبى أن يعمل الحال في ~~المستقبل; لاختلاف زمان العامل والمعمول. ولا جائز أن يكون ثم مضاف أقيم ~~المقسم به مقامه، أي وطلوع النجوم، ومجئ الليل; لأنه معمول لذلك الفعل، ~~فالطلوع حال، ولا يعمل في المستقبل، ضرورة أن زمان العامل زمان المعمول. ~~ولا جائز أن يعمل فيه نفس المقسم به، لأنه ليس من قبيل ما يعمل، ولا جائز ~~أن يقدر محذوف قبل الظرف، ويكون قد عمل فيه، ms0946 فيكون ذلك العامل في موضع ~~الحال، وتقديره: والنجم كائنا إذا هوى، والليل كائنا إذا يغشى، لأنه يلزم " ~~كائنا " ألا يكون منصوبا بعامل، إذ لا يصح ألا يكون معمولا لشئ مما فرضناه ~~أن يكون عاملا. # فيكون المقسم به جثة، وظروف الزمان لا تكون أحوالا عن الجثث، كما لا تكون ~~أخبارا لهن. PageV04P191 # فأما الوجه الأول فهو الذي ذكره أبو البقاء، قال في قوله تعالى: * ~~(والنجم إذا هوى) *: العامل في الظرف فعل القسم المحذوف، تقديره: أقسم ~~بالنجم وقت هويه. # وما ذكره الشيخ عليه من الأشكال فقد يجاب عنه بوجهين: # أحدهما: أن الزمانين لما اشتركا في الوقوع المحقق نزلا منزلة الزمان ~~الواحد; ولهذا يصح عطف أحدهما على الآخر، كقوله تعالى: * (إن شاء جعل لك ~~خيرا من ذلك) *، ثم قال: * (ويجعل) *. # وهو قريب من جواب الفارسي، لما سأله أبو الفتح عن قوله تعالى: * (ولن ~~ينفعكم اليوم إذ ظلمتم) * مستشكلا إبدال " إذ " من " اليوم " فقال: " اليوم ~~" حال و " ظلمتم " في الماضي، فقال: إن الدنيا والآخرة متصلتان، وإنهما في ~~حكم الله تعالى سواء فكأن " اليوم " ماض، وكأن " إذ " مستقبله. # والثاني: أنه على ظاهره، ولا يلزم ما ذكر، لأن الحال كما تأتى مقارنة، ~~تأتى مقدرة، وهي أن تقدر المستقبل مقارنا، فتكون أطلقت ما بالفعل على ما ~~بالقوة مجازا، وجعلت المستقبل حاضرا، كقوله تعالى: * (فادخلوها خالدين) *. # وأما الوجه الثاني; فيمكن أن يقال: يجوز تقديره، وهو العامل، ولا يلزم ما ~~قال من اختلاف الزمانين; لأنه يجوز الآن أن يقسم بطلوع النجم في، المستقبل ~~ويجوز أن يقسم بالشئ الذي سيوجد. # وأما الوجه الأخير، فهو الذي ذكره ابن الحاجب في شرح،، المفصل،، فقال: ~~إذا PageV04P192 # ثبت أنها لمجرد الظرفية، فليست متعلقة بفعل القسم، لأنه يصير المعنى: ~~أقسم في هذا الوقت، فهي إذن في موضع الحال من الليل. انتهى. # وقد وقع في محذور آخر; وهو أن الليل عبارة عن الزمان المعروف، فإذا جعلت ~~" إذا " معمولة لفعل هو حال من الليل، لزم وقوع الزمان في الزمان، وهو ~~محال. # وقوله: " يلزم ألا يكون له عامل ". # قلنا: ms0947 بل له عامل، وهو فعل القسم، ولا يضر كونه إنشاء لما ذكرنا أنها حال ~~مقدرة. # وأما الشبهة الأخيرة فقد سألها أبو الفتح، فقال: كيف جاز لظرف الزمان هنا ~~أن يكون حالا من الجثة، وقد علم امتناع كونه صلة له وصفة وخبرا! # وأجاب بأنها جرت مجرى الوقت الذي يؤخر ويقدم. وهي أيضا بعيدة لا تنالها ~~أيدينا، ولا يحيط علمنا بها في حال نصبها، إحاطتنا بما يقرب منها، فجرت ~~لذلك مجرى المعدوم. # فإن قيل: كيف جاز لظرف الزمان أن يكون حالا من النجم؟ # وأجاب: بأن مثل هذا يجوز في الحال، من حيث كان فضلة. انتهى. # وقد يقال: ولئن سلمنا الامتناع في الحال أيضا، فيكون على حذف مضاف، أي ~~وحضور الليل، وتجعله حالا من الحضور لا من الجثة. # والتحقيق - وبه يرتفع الإشكال في هذه المسألة - أن يدعى أن " إذا " كما ~~تجرد عن الشرطية كذلك تجرد عن الظرفية، فهي في هذه الآية الشريفة لمجرد ~~الوقت من دون تعلق بالشئ تعلق الظرفية الصناعية، وهي مجرورة المحل هاهنا ~~لكونها بدلا عن الليل، كما جرت ب‍ " حتى " في قوله: * (حتى إذا جاءوها) *. ~~والتقدير: أقسم بالليل وقت PageV04P193 # غشيانه، أي أقسم بوقت غشيان الليل، وهذا واضح. # فإن قلت: هل صار أحد إلى تجردها عن الظرفية والشرطية معا؟ # قلت: نعم نص عليه في،، التسهيل،، فقال: وقد تفارقها الظرفية، مفعولا بها، ~~أو مجرورة بحتى، أو مبتدأ. # وعلم مما ذكرنا زيادة رابع، وهو البدلية. # فائدة وتستعمل أيضا للاستمرار، كقوله: * (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا) *. # وقوله: * (لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض) ~~*، فهذا فيما مضى، لكن دخلت " إذا " لتدل على أن هذا شأنهم أبدا ومستمر ~~فيما سيأتي، كما في قوله: # وندمان فيه يزيد الكاس طيبا * سقيت إذا تغورت النجوم ثم فيه مسائل: # * * * الأولى: المفاجأة عبارة عن موافقة الشئ في حال أنت فيها، قال ~~تعالى: * ( فألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان مبين) *، وقوله: * (وإن تصبهم ~~سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) *. # قالوا: ولا تقع بعد " إذا " المفاجأة إلا ms0948 الجملة الاسمية، وبعد " إذ " ~~إلا الفعل الماضي. PageV04P194 # ومذهب المبرد - وتبعه أكثر المتأخرين - أن المفاجأة نقلها إلى المكان عن ~~الزمان، ومعنى الآية موافقة الثعبان لإلقاء موسى العصا في المكان. وكذلك ~~قولهم: خرجت فإذا السبع، أي فإذا موافقة السبع، وعلى هذا لا يكون مضافا إلى ~~الجملة بعدها. # * * * الثانية: الظرفية ضربان: ظرف محض، وظرف مضمن معنى الشرط. # فالأول: نحو قولك: راحة المؤمن إذا دخل الجنة. # ومنه قوله تعالى: * (والليل إذا يغشى) *. # ومنه " إذا كنت على راضية " و " إذا كنت على غضبى " لأنه لو كان فيها ~~معنى الشرط، لكان جوابها معنى ما تقدم، ويصير التقدير في الأول " إذا يغشى ~~أقسم " فيفسد المعنى، أو يصير القسم متعلقا على شرط، لا مطلقا فيؤدى إلى أن ~~يكون القسم غير حاصل الآن; وإنما يحصل إذا وجد شرطه، وليس المعنى عليه، بل ~~على حصول القسم الآن من غير تقييد. وكذا حكم: * (والنجم إذا هوى) * * ~~(والليل إذا يسر) *. # ومما يتمحض للظرفية العارية من الشرط قوله: * (والذين إذا أصابهم البغى ~~هم ينتصرون) *، لأنه لو كان فيها معنى الشرط لوجبت الفاء في جوابها. # والضرب الثاني: يقتضى شرطا وجوابا، ولهذا تقع الفاء بعدها على حد وقوعها ~~بعد " إذ " كقوله تعالى: * (إذا لقيتم فئة فاثبتوا) *، وكذا كثر وقوع الفعل ~~بعد ماضي اللفظ مستقبل المعنى، نحو: إذا جئتني أكرمتك. # ومنه: " إذا قلت لصاحبك انصت فقد لغوت " و وتختص المضمنة معنى الشرط ~~بالفعل، ومذهب سيبويه أنها لا تضاف إلا إلى جملة PageV04P195 # فعلية، ولهذا إذا وقع بعدها اسم قدر بينه وبينها فعل، محافظة على أصلها; ~~فإن كان الاسم مرفوعا كان فاعل ذلك الفعل المقدر، كقوله تعالى: * (إذا ~~السماء انشقت) *، وإن كان منصوبا كان مفعولا والفاعل فيه أيضا ذلك المقدر، ~~كقوله: # * ابن أبي موسى بلالا بلغته * والتقدير: إذا بلغت. # ومنهم من منع اختصاصها بالفعل، لجواز: " إذا زيد ضربته ". # وعلى هذا فالمرفوع بعدها مبتدأ، وهو قول الكوفيين، واختاره ابن مالك. # وعلى القولين فمحل الجملة بعدها الجر بالإضافة، والفاعل فيها جوابها. ~~وقيل: ليست مضافة والعامل فيها الفعل الذي يليها، لا ms0949 جوابها. # تنبيه: مما يفرق فيه بين المفاجأة والمجازاة، أن " إذا " التي للمفاجأة ~~لا يبتدأ بها، كقوله: * (إذا هم يقنطون) *، والتي بمعنى المجازاة يبتدأ ~~بها، نص عليه سيبويه، فقال في الأولى: إذا جواب، بمنزلة الفاء، وإنما صارت ~~جوابا بمنزلة الفاء، لأنه لا يبدأ بها كما لا يبدأ بالفاء. # قال ابن النحاس: ولكن قد عورض سيبويه بأن الفاء قد تدخل عليها، فكيف تكون ~~عوضا منها؟ # والجواب أنها إنما تدخل توكيدا، وأما قوله تعالى: * (وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات ما كان حجتهم) *، فيحتمل أنها متمحضة الظرفية لعدم الفاء في ~~جوابها PageV04P196 # مع " ما " ويحتمل أن يكون " ما " جواب قسم مقدر، لا جواب الشرط، فلذلك لم ~~يجئ بالفاء. # * * * الثالثة: جوز ابن مالك أن تجئ لا ظرفا ولا شرطا، وهي الداخلة عليها ~~" حتى " الجارة، كقوله تعالى: * (حتى إذا جاءوها) *. أو الواقعة مفعولا، ~~كقوله عليه السلام: # " إني لأعلم إذا كنت على راضية ". وكما جاز تجردها عن الشرط جاز تجردها ~~عن الظرف. # وتحصل أنها تارة ظرف لما يستقبل وفيها معنى الشرط، نحو: * (إذا طلقتم ~~النساء) *، وتارة ظرف مستقبل، نحو: * (ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج ~~حيا) *، وتارة ظرف غير مستقبل، نحو: * (إذا ما أتوك لتحملهم) * وتارة لا ~~ظرف ولا شرط، وتارة لا تكون اسم زمان، وهي المفاجأة. # * * * الرابعة: أصل " إذا " الظرفية لما يستقبل من الزمان; كما أن " إذا ~~" لما مضى منه، ثم يتوسع فيها، فتستعمل في الفعل المستمر في الأحوال كلها: ~~الحاضرة والماضية والمستقبلة: فهي في ذلك شقيقة الفعل المستقبل الذي هو ~~يفعل حيث يفعل به نحو ذلك. قالوا: إذا استعطى فلان أعطى، وإذا استنصر نصر، ~~كما قالوا: فلان يعطى الراغب، وينصر المستغيث، من غير قصد إلى تخصيص وقت ~~دون وقت. قاله الزمخشري في كشافه القديم. # * * * الخامسة: تجاب الشرطية بثلاثة أشياء: PageV04P197 # أحدها: الفعل، نحو إذا جئتني أكرمتك. # وثانيها: الفاء، نحو إذا جئتني فأنا أكرمك. # وثالثها: إذا المكانية; قال تعالى: * (ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا ~~أنتم تخرجون) *، وقوله: * (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون) ms0950 ~~*. # وما قبلها إما جوابها، نحو إذا جئتني أكرمتك، أو ما دل عليه جوابها، ~~كقوله تعالى: * (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ) *. والمعنى: ~~فإذا نفخ في الصور تقاطعوا، ودل عليه قوله: * (فلا أنساب) *. # وكذا قوله: * (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين) * وإنما احتيج ~~لهذا التقدير; لأن ما بعد " ما " النافية في مثل هذا الموضع لا يعمل فيه ما ~~قبلها. # وأيضا فإن " بشرى " مصدر، والمصدر لا يتقدم عليه ما كان في صلته. # ومن ذلك قوله: * (إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون) *، فالعامل ~~في " إذا " الأولى ما دل عليه * (إذا أنتم تخرجون) *، والتقدير " خرجتم ". # ولا يجوز أن يعمل فيه " تخرجون " لامتناع أن يعمل ما بعد " إذا " ~~المكانية فيما قبلها، وحكمها في ذلك حكم الفاء. # ومنه قوله تعالى: * (فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير) *، ~~فالعامل في " إذا " ما دل عليه قوله: * (فذلك يومئذ يوم عسير) *، والتقدير: ~~فإذا نقر في الناقور صعب الأمر. # وقوله: * (هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم) *، فالعامل PageV04P198 # في " إذا " ما دل عليه قوله تعالى: * (إنكم لفي خلق جديد) * من معنى " ~~بعثتم " أو " مبعوثون ". # فإن قيل: أيجوز نصب " إذا " بقوله " جديد " لأن المعنى عليه؟ # قيل: لا يجوز، لامتناع أن يعمل ما بعد " إن " فيما قبلها; وهذا يسمى ~~مجاوبة الإعراب، والمعنى للشئ الواحد. وكان أبو على الفارسي يلم به كثيرا; ~~وذلك أنه يوجد في المنظوم والمنثور. # والمعنى يدعو إلى أمر، والإعراب يمنع منه; وقد سبق بيانه في نوع ما يتعلق ~~بالإعراب. # * * * السادسة: " إذا " توافق " إن " في بعض الأحكام، وتخالفها في بعض: # فأما الموافقة; فهي أن كل واحد منهما يطلب شرطا وجزاء، نحو، إذا قمت قمت، ~~وإذا زرتني أكرمتك. # وكل واحدة منهما تطلب الفعل، فإن وقع الاسم بعد واحدة منهما قدر له فعل ~~يرفعه يفسره الظاهر; مثاله [في إن] قوله تعالى: * (وإن امرأة خافت) *، * ~~(إن امرؤ هلك) *، وقوله: * (وإن أحد من المشركين استجارك) *. ومثاله في " ~~إذا " قوله تعالى: * (إذا السماء انشقت) *، * (إذا الشمس كورت) * وما بعدها ms0951 ~~في السورة من النظائر، وكذا قوله: * (إذا السماء انفطرت) * وما بعدها من ~~النظائر و * (إذا هذا وقعت الواقعة) *. # وأما الأحكام التي تخالفها ففي مواضع: PageV04P199 # الأول: ألا تدخل إلا على مشكوك; نحو إن جئتني أكرمتك، ولا يجوز: إن طلعت ~~الشمس آتيك، لأن طلوع الشمس متيقن. ثم إن كان المتيقن الوقوع مبهم الوقت، ~~جاز; كقوله تعالى: * (أفإن مت) *، ونظائره. # وأما " إذا " فظاهر كلام النحاة، يشعر بأنها لا تدخل إلا على المتيقن وما ~~في معناه; نحو إذا طلعت الشمس فأتني. # وقوله: # * إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * وقوله: # * إذا طلعت شمس النهار فسلمى * وذلك لكونها للزمن المعين بالإضافة على ~~مذهب الأكثر ولم يجزموا بها في الاختيار لعدم إبهامها، كالشروط، ولذلك وردت ~~شروط القرآن بها، كقوله: * (إذا الشمس كورت) * ونظائرها السابقة، لكونها ~~متحققة الوقوع. # وأما قوله تعالى: * (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا) *، فقد أشكل دخولها ~~على غير الواقع. # وأجيب بأن التبديل محتمل وجهين: # أحدهما: إعادتهم في الآخرة، لأنهم أنكروا البعث. PageV04P200 # والثاني: إهلاكهم في الدنيا وتبديل أمثالهم; فيكون كقوله: * (إن يشأ ~~يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين) *، فإن كان المراد في الدنيا، وجب أن يجعل ~~هذا بمعنى " إن " الشرطية; لأن هذا شئ لم يكن، فهي مكان " إن "، لأن الشرط ~~يمكن أن يكون وألا يكون، ألا ترى إلى ظهورها في قوله تعالى: * (إن يشأ ~~يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين) *، * (إن نشأ نخسف بهم الأرض) *، وإنما ~~أجاز ل‍ " إذا " أن تقع موقع " إن " لما بينهما من التداخل والتشابه. # وقال ابن الجويني: الذي أظنه أنه يجوز دخولها على المتيقن والمشكوك، ~~لأنها ظرف وشرط، فبالنظر إلى الشرط تدخل على المشكوك، ك‍ " إن "، وبالنظر ~~إلى الظرف تدخل على المتيقن كسائر الظروف. # وإنما اشترط فيما تدخل عليه إن " أن " يكون مشكوكا فيه; لأنها تفيد الحث ~~على الفعل المشروط لاستحقاق الجزاء، ويمتنع فيه لامتناع الجزاء، وإنما يحث ~~على فعل ما يجوز ألا يقع، أما ما لابد من وقوعه فلا يحث عليه. وإنما امتنع ~~دخول " إذا " على المشكوك إذا لحظت فيها الظرفية، لأن المعنى ms0952 حينئذ التزام ~~الجزاء في زمان وجود الشرط، والتزام الشئ في زمان لا يعلم وجود شرط فيه ليس ~~بالتزام. ولما كان الفعل بعد " إن " مجزوما به يستعمل فيه ما ينبئ عن ~~تحققه، فيغلب لفظ الماضي، كقوله: # * (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة) *، فجئ ب‍ " إذا " ~~في جانب الحسنة، وب‍ " إن " في جانب السيئة; لأن المراد بالحسنة جنس ~~الحسنة، ولهذا عرفت، وحصول الحسنة المطلقة مقطوع به، فاقتضت البلاغة ~~التعبير ب‍ " إذا " وجئ ب‍ " إن " في جانب السيئة، لأنها نادرة بالنسبة إلى ~~الحسنة المطلقة، كالمرض بالنسبة إلى الصحة، والخوف بالنسبة إلى الأمن. ~~PageV04P201 # ومنه قوله تعالى في سورة الروم: * (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن ~~تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) *. # وقوله: * (فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون. وإن كانوا من ~~قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين) *. # وأما قوله تعالى: * (فإذا مس الإنسان ضر) *، بلفظ " إذا " مع " الضر " ~~فقال السكاكي: نظر في ذلك إلى لفظ المس، وتنكير " الضر " المفيد للتعليل ~~ليستقيم التوبيخ، وإلى الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضرر، وللتنبيه على أن ~~مس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء، حقه أن يكون في حكم المقطوع به. # وأما قوله تعالى: * (وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض) * بعد قوله: * (وإذا ~~أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه) *، أي أعرض عن الشكر، وذهب بنفسه ~~وتكبر. والذي تقتضيه البلاغة أن يكون الضمير للمعرض المتكبر لا المطلق ~~الإنسان، ويكون لفظ " إذا " للتنبيه على أن مثل هذا المعرض المتكبر يكون ~~ابتلاؤه بالشر مقطوعا. # الثاني: من الأحكام المخالفة أن المشروط ب‍ " إن " إذا كان عدما لم يمتنع ~~الجزاء في الحال; حتى يتحقق اليأس من وجوده، ولو كان العدم مشروطا ب‍ " إذا ~~" وقع الجزاء في الحال; مثل: إن لم أطلقك فأنت طالق، لم تطلق إلا في آخر ~~العمر. وإذا قال: إذا لم أطلقك فأنت طالق، تطلق في الحال; لأن معناه: أنت ~~طالق في زمان عدم تطليقي لك، فأي زمان تخلف عن التطليق ms0953 يقع فيه الطلاق. ~~وقوله: " إن لم أطلقك " تعليق للطلاق على امتناع الطلاق، ولا يتحقق ذلك إلا ~~بموته غير مطلق. # الثالث: أن " إن " تجزم الفعل المضارع إذا دخلت عليه، و " إذا " لا ~~تجزمه; لم لأنها لا تتمحض شرطا، بل فيها معنى التزام الجزاء في وقت الشرط، ~~من غير وجوب أن يكون معللا بالشرط. PageV04P202 # وقد جاء الجزم بها إذا أريد بها معنى " إن " وأعرض عما فيها من معنى ~~الزمان، كقوله: # * وإذا تصبك خصاصة فتجمل * الرابع: أن " إذا " هل تفيد التكرار والعموم؟ # فيه قولان، حكاهما ابن عصفور: # أحدهما: " نعم "، فإذا قلت: إذا قام زيد قام عمرو، أفادت أنه كلما قام ~~زيد قام عمرو. # والثاني: لا يلزم. # قال: والصحيح أن المراد بها العموم كسائر أسماء الشرط، وأما " إن " ففيها ~~كلام عن ابن جنى يأتي في باب " إن ". # الخامس: أنك تقول: أقوم إذا قام زيد، فيقتضى أن قيامك مرتبط بقيامه لا ~~يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، بل يعاقبه على الاتصال، بخلاف: أقوم إن قام زيد; ~~فيقتضى أن قيامك بعد قيامه. وقد يكون عقبه وقد يتأخر عنه. # فالحاصل أن التقييد بالاستقبال دون اقتضاء مباعدة، بخلاف " إذا ". ذكره ~~أبو جعفر ابن الزبير في كتابه ملاك التأويل. # * * * السابعة: قيل: قد تأتى زائدة، كقوله * (إذا السماء انشقت) *; ~~تقديره: انشقت السماء، كما قال: * (اقتربت الساعة) *، * (أتى أمر الله) *. # ورد هذا بأن الجواب مضمر. PageV04P203 # ويحوز مجيئها بمعنى " إذا " وجعل منه ابن مالك قوله تعالى: * (وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا) *. # ورد بفوات المعنى، لأن " إذا " تفيد أن هذا حالهم المستمر، بخلاف " إذا " ~~فإنها لا تعطى ذلك وقولهم: " إذا فعلت كذا "، فيكون على ثلاثة أضرب: # أحدها: يكون المأمور به قبل الفعل، تقول: إذا أتيت الباب، فالبس أحسن ~~الثياب، ومنه قوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) *، * ~~(فإذا قرأت القرآن فاستعذ) *. # الثاني: أن يكون مع الفعل، كقولك: إذا قرأت فترسل. # الثالث: أن يكون بعده، كقوله تعالى: * (وإذا حللتم فاصطادوا) *، * (إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا) *. # فائدة من الأسئلة الحسنة، في قوله تعالى: ms0954 * (كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا ~~أظلم عليهم قاموا) * أنه يقال: لم أتى قبل " أضاء " ب‍ " كلما ". # وقبل " أظلم " ب‍ " إذا "؟ وما وجه المناسبة في ذلك؟ # وفيه وجوه: الأول أن تكرار الإضاءة يستلزم تكرار الإظلام، فكان تنويع ~~الكلام أعذب. PageV04P204 # الثاني: أن مراتب الإضاءة مختلفة متنوعة، فذكر " كلما " تنبيها على ظهور ~~التعدد وقوته لوجوده بالصورة والنوعية، والإظلام نوع واحد فلم يؤت بصيغة ~~التكرار لضعف التعدد فيه، بعدم ظهوره بالنوعية، وإن حصل بالصورة. # الثالث: قاله الزمخشري، وفيه تكلف - أنهم لما اشتد حرصهم على الضوء ~~المستفاد من النور، كانوا كلما حدث لهم نور تجدد لهم باعث الضوء فيه، لا ~~يمنعهم من ذلك تقدم فقده واختفاؤه منهم، وأما التوقف بالظلام فهو نوع واحد. # وهذا قريب من الجواب الثاني، لكنه بمادة أخرى. ويفترقان بأن جواب ~~الزمخشري يرجع التكرار فيه إلى جواب " كلما " لا إلى مشروطها الذي يليها ~~ويباشرها، فطلب تكراره - وهو الأولى في مدلول التكرار، والجواب المتقدم ~~يرجع إلى تكرار مشروطها، يتبعه الجواب من حيث هو ملزومه، وتكرره فرع تكرر ~~الأول. # الرابع: أن إضاءة البرق منسوبة إليه وإظلامه ليس منسوبا إليه، لأن إضاءته ~~هي لمعانه، والظلام أمر يحدث عن اختفائه; فتظلم الأماكن كظلام الأجرام ~~الكثائف، فأتى بأداة التكرار عند الفعل المتكرر من البرق، وبالأداة التي لا ~~تقتضي التكرار عند الفعل الذي ليس متكررا منه، ولا صادرا عنه. # الخامس: ذكره ابن المنير - إن المراد بإضاءة البرق الحياة، وبالظلام ~~الموت، فالمنافق تمر حاله في حياته بصورة الإيمان، لأنها دار مبنية على ~~الظاهر، فإذا صار إلى الموت رفعت له أعماله، وتحقق مقامه، فتستقيم " كلما " ~~في الحياة، و " إذا " في الممات، وهكذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~اللهم أحيني ما دامت الحياة خير لي، وأمتني إذا كانت الوفاة خيرا لي " ~~فاستعمل مع الحياة لفظ التكرار والدوام، واستعمل مع لفظ الوفاة لفظ ~~الاختصار والتقييد. PageV04P205 # قيل: إن ذلك لأحد معنيين: إما لأن الحياة مأثورة لازدياد العمل الصالح ~~الذي الهمم العالية معقودة به، فعرض بالاستكثار منه، والدوام عليه، ونبه ~~على أن ms0955 الموت لا يتمنى، ولكن إذا نزل وقته رضى به. وإما لأن الحياة يتكرر ~~زمانها، وأما الموت مرة واحدة. # وجواب آخر، أن الكلام في الأنوار هو الأصل المستمر، وأما خفقان البرق في ~~أثناء ذلك فعوارض تتصل بالحدوث والتكرار، فناسب الإتيان فيها " بكلما " وفى ~~تلك ب‍ " إذا " والله أعلم. # -،، * * * *،، - PageV04P206 # إذ ظرف لماضي الزمان، يضاف للجملتين، كقوله تعالى: * (واذكروا إذ أنتم ~~قليل) *، وتقول: أيدك الله إذ فعلت؟ # وأما قوله تعالى: * (ولو ترى إذ وقفوا على النار) * ف‍ " ترى " مستقبل، و ~~" إذ " ظرف للماضي، وإنما كان كذلك لأن الشئ كائن، وإن لم يكن بعد; وذلك ~~عند الله قد كان; لأن علمه به سابق، وقضاءه به نافذ; فهو كائن لا محالة. # قيل: المعنى: ولو ترى ندمهم وخزيهم في ذلك اليوم بعد وقوفهم على النار ف‍ ~~" إذا " ظرف ماض، لكن بالإضافة إلى ندمهم الواقع بعد المعاينة، فقد صار وقت ~~التوقف ماضيا بالإضافة إلى ما بعده، والذي بعده هو مفعول " ترى ". # وأجاز بعضهم مجيئها مفعولا به، كقوله: * (واذكروا إذ أنتم قليل) *، ومنعه ~~آخرون، وجعلوا المفعول محذوفا، و " إذ " ظرف، عامله ذلك المحذوف، والتقدير ~~* (واذكروا نعمة الله عليكم) * إذا، واذكروا حالكم. # ونحو قوله: * (إذ قال الله يا عيسى) *، قيل: قال له ذلك لما رفعه إليه. # وتكون بمعنى " حين " كقوله: * (ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه) *، أي حين تفيضون فيه. # وحرف تعليل، نحو: * (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم) * * (وإذ لم يهتدوا به) ~~*. # وقيل: تأتى ظرفا لما يستقبل بمعنى " إذا "، وخرج عليه بعض ما سبق. # وكذا قوله: * (فسوف يعلمون. إذ الأغلال في أعناقهم) * وأنكره السهيلي; ~~لأن " إذا " لا يجئ بعدها المضارع مع النفي. PageV04P207 # وقد تجئ بعد القسم، كقوله: * (والليل إذا يسر) * لانعدام معنى الشرطية ~~فيه. # وقيل: تجئ زائدة، نحو: * (وإذ قال ربك للملائكة) *. وقيل هي فيه بمعنى " ~~قد ". # وقد تجئ بمعنى " أن "، حكاه السهيلي في،، الروض،، عن نص سيبويه في كتابه، ~~قال: ويشهد له قوله تعالى: * (بعد إذ أنتم مسلمون) *. # وعليه يحمل قوله تعالى: * (ولن ms0956 ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون) *. قال: وغفل الفارسي عما في الكتاب من هذا، وجعل الفعل المستقبل ~~الذي بعد " أن " عاملا في الظرف الماضي، فصار بمنزلة من يقول: سآتيك اليوم ~~أمس. # قال: وليت شعري ما تقول في قوله تعالى: * (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا ~~إفك قديم) *، فإن جوز وقوع الفعل في الظرف الماضي على أصله، فكيف يعمل ما ~~بعد الفاء فيما قبلها; لا سيما مع السين وهو قبيح أن تقول: غدا سآتيك! فكيف ~~إن قلت: غدا فسآتيك! فكيف إن رددت على هذا وقلت: أمس فسآتيك وإذا على أصله ~~بمعنى أمس. # تنبيه [في وقوع " إذ " بعد " واذكر "] وقعت " إذ " بعد " واذكر " فالمراد ~~به الأمر بالنظر إلى ما اشتمل عليه ذلك الزمان، لغرابة ما وقع فيه، فهو ~~جدير بأن ينظر فيه. وقد أشار إلى هذا الزمخشري في قوله تعالى: * (واذكر في ~~الكتاب مريم إذ انتبذت) *. # وقوله: * (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا. إذ قال لأبيه) *، ~~ونظائره. PageV04P208 # أو تقع في الخبر والطلب; فأما في الخبر فلها فيه معان: # الأول: الشك، نحو قام زيد أو عمرو. # الثاني: الإبهام، وهو إخفاء الأمر على السامع مع العلم به، كقوله تعالى: ~~* (وإنا أو إياكم لعلى هدى) *. # وقوله: * (أتاها أمرنا ليلا أو نهارا) *، يريد: إذا أخذت الأرض زخرفها، ~~وأخذ أهلها الأمن، أتاها أمرنا وهم لا يعلمون. أي فجأة; فهذا إبهام; لأن ~~الشك محال على الله تعالى. # وقوله: * (إلى مائة ألف أو يزيدون) *. # فإن قلت: " يزيدون " فعل، ولا يصح عطفه على المجرور ب‍ " إلى "، فإن حرف ~~الجر لا يصح تقديره على الفعل، ولذلك لا يجوز: مررت بقائم ويقعد، على ~~تأويل: # " قائم وقاعد ". # قلت: " يزيدون " خبر مبتدأ محذوف في محل رفع، والتقدير " أوهم يزيدون ". # قاله ابن جنى في،، المحتسب،،. # وجاز عطف الاسمية على الفعلية ب‍ " أو " لاشتراكهما في مطلق الجملة. # فإن قلت: فكيف تكون " أو " هنا لأحد الشيئين، والزيادة لا تنفك عن المزيد ~~عليه؟ PageV04P209 # قلت: الأمر كذلك، ولهذا قدروا في المبتدأ ضمير المائة ألف، والتقدير: ms0957 ~~وأرسلناك إلى مائة ألف معها زيادة. ويحتمل أن تكون على بابها للشك، وهو ~~بالنسبة إلى المخاطب، أي لو رأيتموهم لعلمتم أنهم مائة ألف أو يزيدون. # الثالث: التنويع، كقوله تعالى: * (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) *، أي أن ~~قلوبهم تارة تزداد قسوة، وتارة ترد إلى قسوتها الأولى، فجئ ب‍ " أو " ~~لاختلاف أحوال قلوبهم. # الرابع: التفصيل، كقوله: * (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى) *، أي قالت اليهود: لا يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى: ~~لن يدخل الجنة إلا الذين هم نصارى. وكذلك قوله: * (كونوا هودا أو نصارى) *. # الخامس: للإضراب ك‍ " بل "، كقوله: * (كلمح البصر أو هو أقرب) *، و * ~~(مأة ألف أو يزيدون) * على حد قوله: * (قاب قوسين أو أدنى) *. # السادس: بمعنى الواو، كقوله: * (فالملقيات ذكرا. عذرا أو نذرا) *. # * (لعله ما يتذكر أو يخشى) *. # لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا) *. # * * * وأما في الطلب فلها معان: # الأول: الإباحة، نحو تعلم فقها أو نحوا، كقوله تعالى: * (ولا على أنفسكم ~~أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم...) * الآية. # وكذلك قوله: * (كالحجارة أو أشد قسوة) *، يعنى إن شبهت قلوبهم بالحجارة ~~فصواب، أو بما هو أشد فصواب. PageV04P210 # وقوله: * (كمثل الذي استوقد نارا) *، * (أو كصيب) * والمعنى أن التمثيل ~~مباح في المنافقين إن شبهتموهن بأي النوعين. # قوله: * (لعله يتذكر أو يخشى) * إباحة لإيقاع أحد الأمرين. # الثاني: التخيير، نحو خذ هذا الثوب أو ذاك، ومنه قوله تعالى: * (فإن ~~استطعت أن تبتغى نفقا في الأرض أو سلما في السماء...) * الآية; فتقديره: " ~~فافعل "; كأنه خير على تقدير الاستطاعة أن يختار أحد الأمرين; لأن الجمع ~~بينهما غير ممكن. # والفرق بينهما أن التخيير فيما أصله المنع; ثم يرد الأمر بأحدهما; لا على ~~التعيين، ويمتنع الجمع بينهما. وأما الإباحة فأن يكون كل منهما مباحا ويطلب ~~الإتيان بأحدهما; ولا يمتنع من الجمع بينهما; وإنما يذكر ب‍ " أو " لئلا ~~يوهم بأن الجمع بينهما هو الواجب لو ذكرت الواو; ولهذا مثل النحاة الإباحة ~~بقوله تعالى: * (فكفارته إطعام عشرة مساكين...) * وقوله: * (ففدية من صيام ~~أو صدقة ms0958 أو نسك) *; لأن المراد به الأمر بأحدهما رفقا بالمكلف; فلو أتى ~~بالجمع لم يمنع منه; بل يكون أفضل. # وأما تمثيل الأصوليين بآيتي الكفارة والفدية للتخيير مع إمكان الجمع; فقد ~~أجاب عنه صاحب،، البسيط،، بأنه إنما قال يمتنع الجمع بينهما في المحظور; ~~لأن أحدهما ينصرف إليه الأمر، والآخر يبقى محظورا لا يجوز له فعله; ولا ~~يمتنع في خصال الكفارة; لأنه يأتي بما عدا الواجب تبرعا; ولا يمنع من ~~التبرع. # * * * واعلم أنه إذا ورد النهى عن الإباحة جاز عن صرفه إلى مجموعهما; وهو ~~ما كان يجوز فعله; أو إلى أحدهما وهو ما تقتضيه " أو ". PageV04P211 # وأما قوله تعالى: * (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) *; فليس المراد منه ~~النهى عن إطاعة أحدهما دون الآخر; بل النهى عن طاعتهما مفردين أو مجتمعين، ~~وإنما ذكرت " أو " لئلا يتوهم أن النهى عن طاعة من اجتمع فيه الوصفان. # وقال ابن الحاجب: استشكل قوم وقوع " أو " في النهى في هذه الآية، فإنه لو ~~انتهى عن أحدهما لم يتمثل، ولا يعد ممتثلا; إلا بالانتهاء عنهما جميعا! # فقيل: أنها بمعنى " الواو " والأولى أنها على بابها; إنما جاء التعيين ~~فيها من القرينة، لأن المعنى قبل وجود النهى: " تطيع آثما أو كفورا " أي ~~واحدا منهما; فإذا جاء النهى ورد على ما كان ثابتا في المعنى; فيصير ~~المعنى: " ولا تطع واحدا منهما "، فيجئ التعميم فيهما من جهة النهى الداخل; ~~وهي على بابها فيما ذكرناه، لأنه لا يحصل الانتهاء عن أحدهما حتى ينتهى ~~عنهما; بخلاف الإثبات; فإنه قد يفعل أحدهما دون الآخر. # قال: فهذا معنى دقيق، يعلم منه أن " أو " في الآية على بابها، وأن ~~التعميم لم يجئ منها; وإنما جاء من جهة المضموم إليها. انتهى. # ومن هذا وإن كان خبرا - قوله تعالى: * (من بعد وصية يوصى بها أو دين) *; ~~لأن الميراث لا يكون إلا بعد إنفاذ الوصية والدين; وجد أحدهما أو وجدا معا. # وقال أبو البقاء في،، اللباب،،: إن اتصلت بالنهي وجب اجتناب الأمرين عند ~~النحويين; كقوله تعالى: * (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) ms0959 *، ولو جمع بينهما ~~لفعل المنهى عنه مرتين; لأن كل واحد منهما أحدهما. # وقال في موضع آخر: مذهب سيبويه أن " أو " في النهى نقيضية " أو " في ~~الإباحة; PageV04P212 # فقولك: جالس الحسن اوب ابن سيرين إذن في مجالستهما ومجالسة من شاء منهما، ~~فضده في النهى " لا تطع منهم آثما أو كفورا "، أي لا تطع هذا ولا هذا; ~~والمعنى لا تطع أحدهما، ومن أطاع منهما كان أحدهما; فمن ها هنا كان نهيا عن ~~كل واحد منهما، ولو جاء بالواو في الموضعين أو أحدهما لأوهم الجمع. # وقيل: " أو " بمعنى الواو; لأنه لو انتهى عن أحدهما لم يعد ممتثلا ~~بالانتهاء عنهما جميعا. # قال الخطيبي: والأولى أنها على بابها; وإنما جاء التعميم فيها من النهى ~~الذي فيه معنى النفي، والنكرة في هذه سياق النفي تعم; لأن المعنى قبل وجود ~~النهى: " تطيع آثما أو كفورا "، أي واحدا منهما، فالتعميم فيهما; فإذا جاء ~~النهى ورد على ما كان ثابتا; فالمعنى: لا تطع واحدا منهما فسمى التعميم ~~فيهما من جهة النهى، وهي على بابها فيما ذكرناه; لأنه لا يحصل الانتهاء عن ~~أحدهما; حتى ينتهى عنهما; بخلاف الإثبات; فإنه قد ينتهى عن أحدهما دون ~~الآخر. # تنبيهان الأول: روى البيهقي في سننه في باب الفدية بغير النعم، عن ابن ~~جريج، قال كل شئ في القرآن فيه " أو " للتخيير، إلا قوله تعالى: * (أن ~~يقتلوا أو يصلبوا) *، ليس بمخير فيهما. # قال الشافعي: وبهذا أقول. # * * * والثاني: من أجل أن مبناها على عدم التشريك، أعاد الضمير إلى ~~مفرديها بالأفراد; PageV04P213 # بخلاف الواو; وأما قوله تعالى: * (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما) ~~*، فقد قيل: إن " أو " بمعنى الواو; ولهذا قال: * (بهما) *، ولو كانت لأحد ~~الشيئين لقيل " به ". # وقيل: على بابها، ومعنى * (غنيا أو فقيرا) *: إن يكن الخصمان غنيين أو ~~فقيرين، أو منهما، أي الخصمين على أي حال كان; لأن ذلك ذكر عقيب قوله: * ~~(كونوا قوامين بالقسط شهداء لله) * يشير للحاكم والشاهد، وذلك يتعلق ~~باثنين. # وقيل: الأولوية المحكوم بها ثابته للمفردين معا، نحو: جاءني زيد أو عمرو ms0960 ~~ورأيتهما، فالضمير راجع إلى الغنى والفقير المعلومين من وجوه الكلام; فصار ~~كأنه قيل: فالله أولى بالغنى والفقير. # ويستعمل ذلك المذكور وغيره; ولو قيل: " فالله أولى به "، لم يشمله، ولأنه ~~لما لم يخرج المخلوقون عن الغنى والفقر، صار المعنى: افعلوا ذلك، لأن الله ~~أولى ممن خلق; ولو قيل: # أولى به، لعاد إليه من حيث الشهادة فقط. PageV04P214 # إن المكسورة الخفية ترد لمعان: # الأول: الشرطية، وهو الكثير، نحو: * (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) *. # * (وإن ينتهوا يغفر لهم) *. # ثم الأصل في عدم جزم المتكلم بوقوع الشرط، كقوله: * (إن كنت قلته فقد ~~علمته) *، وعيسى جازم بعدم وقوع قوله. # وقد تدخل على المتيقن وجوده إذا أبهم زمانه، كقوله: * (أفإن مت فهم ~~الخالدون) *. # وقد تدخل على المستحيل، نحو: * (إن كان للرحمن ولد) *. # ومن أحكامها أنها للاستقبال، وأنها تخلص الفعل له وأن كان ماضيا، كقولك: # إن أكرمتني أكرمتك، ومعناه إن تكرمني. وأما قولهم: إن أكرمتني اليوم فقد ~~أكرمتك أمس، وقوله: * (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت) *، فقيل: معنى " ~~أكرمتني اليوم " يكون سبب للإخبار بذلك، وإن ثبت كان قميصه قد من قبل يكون ~~سببا للإخبار بذلك. # قاله ابن الحاجب. وهي عكس " لو " فإنها للماضي، وإن دخلت على المضارع. # مسألة إن دخلت " إن " على لم يكن الجزم ب‍ " لم " لا بها، كقوله تعالى: * ~~(وإن لم ينتهوا) * PageV04P215 # * (فإن لم تفعلوا) *، وإن دخلت على " لا " كان الجزم بها لا ب‍ " لا "، ~~كقوله تعالى: # * (وإلا تغفر لي) *. # والفرق بينهما أن " لم " عامل يلزم معموله، ولا يفرق بينهما بشئ، و " إن ~~" يجوز أن يفرق بينهما وبين معمولها معمول معمولها، نحو: إن زيدا يضرب ~~أضربه. # وتدخل أيضا على الماضي فلا تعمل في لفظه، ولا تفارق العمل، وأما " لا " ~~فليست عاملة في الفعل، فأضيف العمل إلى " إن ". # * * * الثاني: بمنزلة " لا " وتدخل على الجملة الاسمية، كقوله في ~~الأنعام: * (إن هي إلا حياتنا الدنيا) *، بدليل " ما " في الجاثية: * (ما ~~هي إلا حياتنا الدنيا) *. # وقوله: * (إن أنت إلا نذير) *. # * (إن الكافرون إلا في غرور) *. # * (إن كل نفس ms0961 لما عليها حافظ) *. # * (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم) *. # * (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا) *. # * (إن نحن إلا بشر مثلكم) *. # * (إن أنتم إلا بشر مثلنا) *. # وعلى الجملة الفعلية، نحو: * (إن أردنا إلا الحسنى) *. PageV04P216 # * (إن يقولون إلا كذبا) *. # * (إن يدعون من دونه إلا إناثا) *. # * (إن لبثتم إلا قليلا) *. # * (إن كانت إلا صيحة واحدة) *. # * (بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) *. # وزعم بعضهم أن شرط النافية مجئ " إلا " في خبرها، كهذه الآيات، أو " لما ~~" التي بمعناها، كقراءة بعضهم: * (إن كل نفس لما عليها حافظ) *، بتشديد ~~الميم، أي ما كل كان نفس إلا عليها حافظ. # * (وإن كل لما جميع لدينا محضرون) *. # * (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا) *. # ورد بقوله: * (وإن أدرى لعله فتنة لكم) *. # * (وإن أدرى أقريب أم بعيد) *. # * (إن عندكم من سلطان) *. # * (بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) *. # وأما قوله: * (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به) *، فالتقدير: وإن أحد من ~~أهل الكتاب. PageV04P217 # وأما قوله: * (ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) *، فالأولى شرطية ~~والثانية نافية، جواب للقسم الذي أذنت به اللام الداخلة على الأولى، وجواب ~~الشرط محذوف وجوبا. # واختلف في قوله: * (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه) *، فقال الزمخشري ~~وابن الشجري: إن نافية، أي فيما ما مكناكم فيه، إلا أن " إن " أحسن في ~~اللفظ لما في مجامعة مثلها من التكرار المستبشع، ومثله يتجنب. قالا: ويدل ~~على النفي قوله تعالى: # * (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم) ~~*. # وحكى الزمخشري أنها زائدة، قال: والأول أفخم. # وقال ابن عطية: " ما " بمعنى " الذي " و " إن " نافيه وقعت مكان " ما " ~~فيختلف اللفظ، ولا تتصل ما ب‍ " ما "، والمعنى: لقد أعطيناهم من القوة ~~والغنى ما لم نعطكم، ونالهم بسبب كفرهم هذا العقاب، فأنتم أحرى بذلك إذا ~~كفرتم. # وقيل: إن شرطية، والجواب محذوف، أي الذي إن مكناكم فيه طغيتم. # وقال: وهذا مطرح في التأويل. # وعن قطرب أنها بمعنى " قد " حكاه ابن الشجري ويحتمل النكرة ms0962 الموصوفة. # واعلم أن بعضهم أنكر مجئ النافية، وقال في الآيات السابقة إن " ما " ~~محذوفة والتقدير: " ما إن الكافرون إلا في غرور "، " ما إن تدعون "، " ما ~~إن أدرى " ونظائرها، كما قال الشاعر: PageV04P218 # وما إن طبنا حبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا فحذفت " ما " اختصارا كما ~~حذف " لا " في * (تالله تفتأ) *. # * * * الثالث: مخففة من الثقيلة، فتعمل في اسمها وخبرها، ويلزم خبرها ~~اللام، كقوله تعالى: # * (وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم) *. # ويكثر إهمالها، نحو: * (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا) *. # * (وإن كل لما جميع لدينا محضرون) *. # * (إن كل نفس لما عليها حافظ) *; في قراءة من خفف " لما " أي أنه كل نفس ~~لعليها حافظ. # * * * الرابع: للتعليل بمعنى " إذ " عند الكوفيين، كقوله: * (وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين) *، قال بعضهم: لم يخبرهم بعلوهم إلا بعد أن كانوا ~~مؤمنين. # وقوله: * (اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين) *. # قال بعضهم: لو كانت للخبر لكان الخطاب لغير المؤمنين. # وكذا: * (وإن كنتم في ريب) * ونحوه; مما الفعل فيه محقق الوقوع; ~~والبصريون يمنعون ذلك، وهو التحقيق، كالمعنى مع " إذا ". # وأجابوا عن دخولها في هذه المواطن لنكتة، وهي أنه من باب خطاب التهييج، ~~نحو: إن كنت ولدى فأطعمني. PageV04P219 # وأما قوله: * (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) *، فالاستثناء مع ~~تحقق الدخول تأدبا بأدب الله في المشيئة. والاستثناء من الداخلين; لا من ~~الرؤيا; لأنه كان بين الرؤيا وتصديقها سنة، ومات بينهما خلق كثير، فكأنه ~~قال: كلكم إن شاء الله. # * * * الخامس: بمعنى " لقد " في قوله: * (إن كنا عن عبادتكم لغافلين) *، ~~أي لقد كنا. # * (إن كان وعد ربنا لمفعولا) *. # * (وتالله إن كدت لتردين) *. # * (تالله إن كنا لفي ضلال مبين) *. # فائدة ادعى ابن جنى في كتاب،، القد،، أن " إن " الشرطية تفيد معنى ~~التكثير لما كان فيه هذا الشياع والعموم; لأنه شائع في كل مرة. ويدل لذلك ~~دخولها على " أحد " التي لا يستعمل إلا في النفي العام، كقوله تعالى: * ~~(وإن أحد من المشركين استجارك) *; لأنه ليس في واحد يقتصر عليه، فلذلك ادخل ~~عليه " أحد ms0963 "، الذي لا يستعمل في الإيجاب. # قال: يجوز أن تكون " أحد " هنا ليست التي للعموم، بل بمنزلة " أحد " من ~~PageV04P220 # " أحد وعشرين " ونحوه، إلا أنه دخله معنى العموم، لأجل " إن " كما في ~~قوله: * (وإن امرأة) * * (إن امرؤ) *. # تنبيه قيل: قد وقع في القرآن الكريم " إن " بصيغة الشرط، وهو غير مراد، ~~في مواضع: # * (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) *. # وقوله: * (واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون) *. # وقوله: * (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) *. # وقوله: * (أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) *. # وقوله: * (إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر) *. # قد يقال: أما الأولى فيمتنع النهى عن إرادة التحصن، فإنهن إذا لم يردن ~~التحصن يردن البغاء، والإكراه على المراد ممتنع. # وقيل: إنها بمعنى " إذا " لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن ~~التحصن، أو هو شرط مقحم، لأن ذكر الإكراه يدل عليه، لأنهن لا يكرهنهن لأنه ~~إلا عند إرادة التحصين. # وفائدة إيجابه المبالغة في النهى عن الإكراه; فالمعنى: إن أردن العفة ~~فالمولى أحق بإرادة ذلك. PageV04P221 # وأما الرابعة فهو يشعر بالإتمام. ولا نسلم أن الأصل الإتمام، وقد قالت ~~عائشة رضي الله عنها " فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيدت صلاة ~~الحضر ". # وأما البواقي فظاهر الشرط ممتنع فيه، بدليل التعجب المذكور، لكنه لا يمنع ~~مخالفة الظاهر لعارض. PageV04P222 # أن المفتوحة الهمزة، الساكنة النون ترد لمعان: # الأول: حرفا مصدريا ناصبا للفعل المضارع، وتقع معه في موقع المبتدأ، ~~والفاعل، والمفعول، والمضاف إليه. # فالمبتدأ، يكون في موضع رفع، نحو: * (أن تصوموا خير لكم) *. # * (وأن تصبروا خير لكم) *، * (وأن يستعففن خير لهن) *. # * (وأن تعفوا أقرب للتقوى) *. # والفاعل، كقوله تعالى: * (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا) *. # * (أكان للناس عجبا أن أوحينا) *. # * (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا) *، في قراءة من نصب " جواب ". # وتقع معه موقع المفعول به، فيكون في موضع نصب، نحو: * (وما كان هذا ~~القرآن أن يفترى) *. # * (يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) *. # * (فأردت أن أعيبها) *. PageV04P223 # * (وأمرت لأن أكون) *. # وقوله: * (فإن استطعت أن ms0964 تبتغى) *. # * (يريد الله أن يخفف عنكم) *. # * (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر) *، معناه " بأن أنذر "، فلما حذفت ~~الباء تعدى الفعل فنصب. # ومنه في أحد القولين: * (إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله) *; نصب على ~~البدل من قوله: * (ما أمرتني به) *. # والمضاف إليه، فيكون في موضع جر كقوله: * (قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم) *، * (قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا) * أي من قبل إتيانك. # وإنما لم ينصب في قوله تعالى: * (أكان للناس عجبا أن أوحينا) *، وإن كان ~~المعنى: لوحينا لأن الفعل بعدها لم يكن مستحقا للأعراب، ولا يستعمل إلا أن ~~تعمل فيه العوامل. # وقد يعرض ل‍ " إن " هذه حذف حرف الجر، كقوله تعالى * (ألم أحسب الناس أن ~~تتركوا أن يقولوا) *، أي بأن يقولوا، كما قدرت في قوله تعالى: * (وبشر ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم) *، أي بأن لهم. ومذهب سيبويه أنها في ~~موضع نصب، ونفاها الخليل على أصل الجر. # وتقع بعد " عسى "، فتكون مع صلتها في تأويل مصدر منصوب، إن كانت ناقصة; ~~نحو عسى زيد أن يقوم. PageV04P224 # ومثله: * (عسى ربكم أن يرحمكم) * وتكون في تأويل مصدر مرفوع إن كانت ~~تامة، كقولك: عسى أن ينطلق زيد، ومثله: * (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا) *. # * * * الثاني: مخففة من الثقيلة، فتقع بعد فعل اليقين وما في معناه، ~~ويكون اسمها ضمير الشأن، وتقع بعدها الجملة خبرا عنها، نحو * (أفلا يرون ~~ألا يرجع إليهم قولا) *. # * (علم أن سيكون منكم مرضى) *. # * (وحسبوا ألا تكون فتنة) *. # * (وأن عسى أن يكون) * * (أن لو استقاموا) *. # * (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) *. # وجعل ابن الشجري منه: * (وناديناه أن يا إبراهيم) *، أي أنه يا إبراهيم. # * * * الثالث: مفسرة بمنزلة " أي " التي لتفسير ما قبلها، بثلاثة شروط: ~~تمام ما قبلها من الجملة، وعدم تعلقها بما بعدها، وأن يكون الفعل الذي ~~تفسره في معنى القول، كقوله تعالى: * (وناديناه أن يا إبراهيم) *، * ~~(فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا) *، * (وأن طهرا بيتي) * PageV04P225 # قال ابن الشجري: تكون هذه في الأمر خاصة، ms0965 وإنما شرط مجيئها بعد كلام تام، ~~لأنها تفسير ولا موضع لها من الإعراب; لأنها حرف يعبر به عن المعنى. # وخرج بالأول * (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) *; لأن الكلام لم ~~يتم، فإن ما قبلها مبتدأ وهي في موضع الخبر; ولا يمكن أن تكون ناصبة، لوقوع ~~الاسم بعدها بمقتضى أنها المخففة من الثقيلة. # وأما قوله تعالى: * (وانطلق الملأ منهم أن امشوا) *; فقيل: إنها مفسرة، ~~لإن الانطلاق متضمن لمعنى القول. # وقال الخليل: يريدون أنهم انطلقوا في الكلام بهذا، وهو امشوا، أي أكثروا ~~يقال: أمشى الرجل ومشى، إذا كثرت ماشيته، فهو لا يريد: انطلقوا بالمشي الذي ~~هو انتقال; إنما يريد: قالوا هذا. # وقيل: عبارة عن الأخذ في القول فيكون بمنزلة صريحه، وأن مفسرة. # وقيل مصدرية. # فإن قيل: قد جاءت بعد صريح القول، كقوله تعالى: * (ما قلت لهم إلا ما ~~أمرتني به أن اعبدوا الله) *. # قلنا: لا دلالة فيه، لاحتمال أنها مصدرية. # وقال الصفار: لا تتصور المصدرية هنا بمعنى " إلا عبادة الله "، لأن القول ~~لا يقع بعده المفرد; إلا أن يكون هو المقول بنفسه، أو يكون في معنى المقول، ~~نحو: قلت خبرا وشعرا، لأنهما في معنى الكلام، أو يقول: قلت " زيدا "، أي ~~هذا اللفظ، وهذا لا يمكن في الآية; لأنهم لم يقولوا هذه العبارة، فثبت أنها ~~تفسيرية، أي اعبدوا الله. PageV04P226 # وقال السيرافي: ليست " أن " تفسيرا للقول، بل للأمر، لأن فيه معنى القول، ~~فلو كان " ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله " لم يجز لذكر القول. # * * * الرابع: زائدة، وتكون بعد " لما " التوقيتية، كقوله تعالى في سورة ~~العنكبوت: * (ولما أن جاءت رسلنا لوطا...) * بدليل قوله في سورة هود: * ~~(ولما جاءت رسلنا لوطا) *، فجاء فيها على الأصل. # وأما قوله: * (فلما أن جاء البشير) *، فجئ ب‍ " أن " ولم يأت على الأصل ~~من الحذف; لأنه لما كان مجئ البشير إلى يعقوب عليه السلام بعد طول الحزن ~~وتباعد المدة، ناسب ذلك زيادة " أن "، لما في مقتضى وصفها من التراخي. # وذهب الأخفش إلى أنها قد تنصب الفعل، وهي مزيدة، كقوله ms0966 تعالى: * (وما لنا ~~ألا نقاتل في سبيل الله) *، * (وما لكم ألا تنفقوا) * " وأن " في الآيتين ~~زائدة بدليل: # * (وما لنا لا نؤمن بالله) *. # * * * الخامس: شرطية في قول الكوفيين، كقوله: * (أن تضل إحداهما فتذكر) ~~*، قالوا: ولذلك دخلت الفاء. # * * * السادس: نافية بمعنى " لا " في قوله تعالى: * (قل إن الهدى هدى ~~الله أن يؤتى أحد) *، أي لا يؤتى أحد. والصحيح أنها مصدرية. PageV04P227 # وزعم المبرد أن " يؤتى " متصل بقوله: * (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) ~~*، واللام زائدة. # وقيل: إن " يؤتى " في موضع رفع، أي أن الهدى أن يؤتى. # * * * السابع: التعليل، بمنزلة " لئلا " كقوله تعالى: * (يبين الله لكم ~~أن تضلوا) *. # وقال البصريون: على حذف مضاف، أي كراهة أن تضلوا. # وكذا قوله: * (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) *. # وقوله: * (أن تقول نفس يا حسرتى) *. # * * * الثامن: بمعنى " إذ " مع الماضي، كقوله: * (بل عجبوا أن جاءهم) *. # وقيل: بل المعنى " لأن جاءهم "، أي من أجله. # قيل: ومع المضارع، كقوله: * (أن تؤمنوا بالله ربكم) *، أي إذا آمنتم. ~~والصحيح أنها مصدرية. # وأجاز الزمخشري أن تقع " أن " مثل " ما " في نيابتها عن ظرف الزمان، وجعل ~~منه قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله ~~الملك) *، وقوله: # * (إلا أن يصدقوا) *. # ورد بأن استعمالها للتعليل مجمع عليه، وهو لائق في هاتين الآيتين، ~~والتقدير " لأن آتاه " و " لئلا يصدقوا ". PageV04P228 # إن المكسورة المشددة لها ثلاثة أوجه: # أحدها: للتأكيد، نحو: * (إن الله كان عليما حكيما) *. # وللتعليل، أثبته ابن جنى من النحاة، وكذا أهل البيان، وسبق بيانه في نوع ~~التعليل من قسم التأكيد. # وبمعنى " نعم " في قوله تعالى: * (إن هذان لساحران) * فيمن شدد النون. # قال أبو إسحاق: عرضت هذا على محمد بن يزيد، وإسماعيل بن إسحاق، فرضياه. # وقال ابن برهان: كأنهم أجمعوا بعد التنازع على قذف النبيين بالسحر، صلى ~~الله عليهما! # وعبارة غيره: هي بمعنى " أجل " وإن لم يتقدم سؤال عن سحرهم، فقد تقدم: * ~~(أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك) * فتكون على هذا القول مصروفة إلى تصديق ~~ألسنتهم فيما ادعوه من السحر. ms0967 # واستضعفه الفارسي بدخول اللام في خبر المبتدأ، وهو لا يجوز إلا في ضرورة. # فإن قدرت مبتدأ محذوفا - أي فهما ساحران - فمردود; لأن التأكيد لا يليق ~~به الحذف. # وقيل: دخلت اللام في خبر المبتدأ مراعاة للفظ، أو لما كانت تدخل معها في ~~الخبرية. # وقيل: جاء على لغة بنى الحارث، في استعمال المثنى بالألف مطلقا. ~~PageV04P229 # أن المفتوحة المشددة تجئ للتأكيد كالمكسورة. واستشكله بعضهم، لأنك لو ~~صرحت يقول بالمصدر المنسبك منها لم تفد توكيدا. وهو ضعيف لما علم من الفرق ~~بين " أن والفعل " والمصدر. # وقال في المفصل: إن وأن تؤكدان مضمون الجملة: إلا أن المكسورة الجملة ~~معها على استقلالها بفائدتها، [والمفتوحة تقلبها إلى حكم المفرد]. # قال ابن الحاجب: لأن وضع " إن " تأكيد للجملة من غير تغيير لمعناها، فوجب ~~أن تستقل بالفائدة بعد دخولها، وأما المفتوحة فوضعها وضع الموصولات، في أن ~~الجملة معها كالجملة مع الموصول; فلذلك صارت مع جملتها في حكم الخبر، ~~فاحتاجت إلى جزء آخر ليستقل معها بالكلام، فتقول: إن زيدا قائم، وتسكت. ~~وتقول: أعجبني أن زيدا قائم، فلا تجد بدا من هذا الجزء الذي معها، لكونها ~~صارت في حكم الجزء الواحد، إذ معناه: أعجبني قيام زيد، ولا يستقل بالفائدة ~~ما لم ينضم إليه جزء آخر، فكذلك المفتوحة مع جملتها. ولذلك وقعت فاعلة ~~ومفعولة ومضافا إليها، وغير ذلك مما تقع فيه المفردات. # ومن وجوه الفرق بينهما أنه لا تصدر بالمفتوحة الجملة كما تصدر بالمكسورة، ~~لأنها لو صدرت لوقعت مبتدأ، والمبتدأ معرض لدخول " إن " فيؤدى إلى ~~اجتماعهما. # . لأنها قد تكون بمعنى " لعل "، كما في قوله تعالى: * (وما يشعركم أنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون) * وتلك لها صدر الكلام، فقصدوا إلى أن تكون هذه مخالفة ~~لتلك في الوضع. PageV04P230 # إنما لقصر الصفة على الموصوف، أو الموصوف على الصفة، وهي للحصر عند ~~جماعة، كالنفي والاستثناء. # وفرق البيانيون بينهما، فقالوا: الأصل أن يكون ما يستعمل له " إنما " مما ~~يعلمه المخاطب ولا ينكره، كقولك: إنما هو أخو ك، وإنما هو صاحبك القديم; ~~لمن يعلم ذلك ويقر به. وما يستعمل ms0968 له النفي والاستثناء، على العكس، فأصله ~~أن يكون مما يجهله المخاطب وينكره، نحو: * (وما من اله إلا الله) *. # ثم إنه قد ينزل المعلوم منزلة المجهول لاعتبار مناسب، فيستعمل له النفي ~~والاستثناء، نحو: * (وما محمد إلا رسول...) * الآية، ونحو: * (إن أنتم إلا ~~بشر مثلنا) * والرسل ما كانوا على دفع البشرية عن أنفسهم وادعاء الملائكية; ~~لكن الكفار كانوا يعتقدون أن الله لا يرسل إلا الملائكة، وجعلوا أنهم ~~بادعائهم النبوة ينفون عن أنفسهم البشرية، فأخرج الكلام مخرج ما يعتقدون، ~~وأخرج الجواب أيضا مخرج ما قالوا، حكاية لقولهم، كما يحكى المجادل كلام ~~خصمه، ثم يكر عليه بالإبطال، كأنه قيل: الأمر كما زعمتم أننا بشر، ولكن ليس ~~الأمر كما زعمتم من اختصاص الملائكة بالرسالة، فإن الله يبعث من الملائكة ~~رسلا ومن الناس. # وقد ينزل المجهول منزلة المعلوم لادعاء المتكلم ظهوره، فيستعمل له " إنما ~~"، كقوله تعالى: * (إنما نحن مصلحون) *، فإن كونهم مصلحين منتف فهو مجهول، ~~بمعنى أنه لم يعلم بينهم صلاح، فقد نسبوا الإصلاح إلى أنفسهم، وادعوا أنهم ~~كذلك ظاهر جلى، ولذلك جاء الرد عليهم مؤكدا من وجوه. PageV04P231 # إلى لانتهاء الغايات، وهي مقابلة " من ". ثم لا يخلوا أن يقترن بها قرينة ~~تدل على أن ما بعدها داخل فيما قبلها، أو غير داخل. وإن لم يقترن بها قرينة ~~تدل على أن ما بعدها داخل فيما قبلها أو غير داخل، فيصار إليه قطعا، وإن لم ~~يقترن بها. # واختلف في دخول ما بعدها في حكم ما قبلها على مذاهب: # أحدها: لا تدخل إلا مجازا، لأنها تدل على غاية الشئ ونهايته التي هي حده، ~~وما بعد الحد لا يدخل في المحدود; ولهذا لم يدخل شئ من الليل في الصوم في ~~قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) *. # الثاني: عكسه، أي أنه يدخل ولا يخرج إلا مجازا، بدليل آية الوضوء. # والثالث: أنها مشتركة فيهما لوجود الدخول وعدمه. # والرابع: إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها أو جزءا كالمرافق، دخل، وإلا ~~فلا. # والحق أنه لا يطلق، فقد يدخل نحو: * (وأيديكم إلى ms0969 المرافق) *، وقد لا ~~يدخل نحو: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) *. # وقيل في آية المرافق: إنها على بابها، وذلك أن المرفق هو الموضع الذي ~~يتكئ الإنسان عليه في رأس العضد وذلك هو المفصل وفريقه، فإن فيدخل فيه مفصل ~~الذراع، ولا يجب في الغسل أكثر منه. # وقيل: " إلى " تدل على وجوب الغسل إلى المرافق، ولا ينبغي وجوب غسل ~~المرفق; PageV04P232 # لأن الحد لا يدخل في المحدود، ولا ينفيه التحديد، كقولك: سرت إلى الكوفة، ~~فلا يقتضى دخولها ولا ينفيه، كذلك المرافق; إلا أن غسله ثبت بالسنة. # ومنشأ الخلاف في آية الوضوء أن " إلى " حرف مشترك، يكون للغاية والمعية، ~~واليد تطلق في كلام العرب على ثلاثة معان: على الكفين فقط، وعلى الكف ~~والذراع والعضد، فمن جعل " إلى " بمعنى " مع " وفهم من اليد مجموع الثلاثة، ~~أوجب دخوله في الغسل، ومن فهم من " إلى " الغاية، ومن اليد ما دون المرفق ~~لم يدخلها في الغسل. # قال الآمدي: ويلزم من جعلها بمعنى " مع " أن يوجب غسلها إلى المنكب، لأن ~~العرب تسمية يدا. # وقد تأتى بمعنى " مع " كقوله: * (من أنصاري إلى الله) *. # * (ويزدكم قوة إلى قوتكم) *. # * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) *. # * (وأيديكم إلى المرافق) *. # * (وإذا خلوا إلى شياطينهم) *. # قيل: ترجع إلى الانتهاء، والمعنى في الأول: من يضيف نصرته إلى نصرة الله؟ # وموضعها حال، أي من أنصاري مضافا إلى الله؟. # والمعنى في الأخرى: ولا تضيفوا أموالكم إلى أموالهم، وكنى عنه بالأكل كما ~~قال: # * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * أي لا تأخذوا. # وقد تأتى للتبيين، قال ابن مالك: وهي المعلقة في تعجب أو تفضيل بحب أو ~~بغض. PageV04P233 # مبينة لفاعلية مصحوبها، كقوله تعالى: * (قال رب السجن أحب إلى) *. # ولموافقة اللام كقوله: * (والأمر إليك) *. وقيل: للانتهاء، وأصله والأمر ~~إليك. # وكقوله: * (ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم) * وموافقة " في " في قوله ~~تعالى: * (هل لك إلى أن تزكى) *، وقيل: المعنى: بل أدعوك إلى أن تزكى. # وزائدة، كقراءة بعضهم: * (فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم) * بفتح ~~الواو. # وقيل: ضمن " تهوى " معنى " تميل " تنبيه من الغريب أن " إلى ms0970 " قد تستعمل ~~اسما، فيقال: انصرفت من إليك، كما يقال: # غدوت من عليك. حكاه ابن عصفور في شرح أبيات الإيضاح عن ابن الأنباري. # ولم يقف الشيخ ابن حيان على هذا فقال في تفسيره في قوله: * (وهزي إليك ~~بجذع النخلة) * وقوله: * (واضمم إليك جناحك) *: إلى حرف جر بالإجماع ~~وظاهرها، أنها متعلقة ب‍ " هزى ". # وكيف يكون ذلك مع القاعدة المشهورة، أن الفعل لا يتعدى إلى ضمير متصل. # وقد يرفع المتصل وهما لمدلول واحد، فلا تقول: ضربتني ولا ضربتك إلا في ~~باب ظن، والضمير المجرور عندهم بالحرف كالمنصوب المستقل، فلا تقول: هززت ~~إلى، ولا هززت إليك. PageV04P234 # ألا بالفتح والتخفيف تأتى للاستفتاح، وفائدته التنبيه على تحقيق ما ~~بعدها، ولذلك قل وقوع الجمل بعدها إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم، نحو: ~~* (ألا إنهم هم المفسدون) *. # * (ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم إلا إنه بكل شئ محيط) *. # * (ألا لعنة الله على الظالمين) * * (ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعد ~~لثمود) *. # * (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم) *. # * (ألا حين يستغشون ثيابهم) *. # وتأتي مركبة من كلمتين: همزة الاستفهام ولا النافية. # والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا، كقوله تعالى: * (قوم فرعون ~~ألا يتقون) *. # وقوله: * (قال ألا تأكلون) *. # والتقدير أنهم ليسوا بمتقين، وليسوا بآكلين. # وللعرض وهو طلب بلين، نحو: * (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) *. # * (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم) *. PageV04P235 # ألا بالفتح والتشديد حرف تحضيض، مركبة من " أن " الناصبة و " لا " ~~النافية، كقوله تعالى: * (ألا تعلوا على) *، * (ألا يسجدوا لله) *. # ثم قيل: المشددة أصل والمخففة فرع. قيل بالعكس. # وقيل: الهمزة بدل من الهاء، وبالعكس، حكاه ابن هشام الخضراوي في حاشية ~~سيبويه. # إلا ترد لمعان: # الأول: الاستثناء. وينقسم إلى متصل، وهو ما كان المستثنى من جنس المستثنى ~~منه، نحو جاء القوم إلا زيدا. وإلى منقطع وهو ما كان من غير جنسه. # وتقدر ب‍ " لكن "، كقوله: * (لست عليهم بمصيطر. إلا من تولى وكفر) *. # و * (قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء) *. # وقوله: * (إلا الذين آمنوا) * في سورة الانشقاق. ms0971 # و * (إلا من تولى وكفر) *، في آخر الغاشية. PageV04P236 # وكذلك: * (إلا من ارتضى من رسول) *، ودخول الفاء في: * (فإنه يسلك) * ~~دليل انقطاعه، ولو كان متصلا لتم الكلام عند قوله: " رسول ". # وقوله: * (إلا تذكره لمن يخشى) *. ويجوز أن تكون * (تذكرة) * بدلا من * ~~(لتشقى) *، وهو منصوب ب‍ " أنزلنا " تقديره: ما أنزلنا عليك القرآن إلا ~~تذكرة. # وقوله: * (وما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) *، ~~فابتغاء وجه ربه ليس من جنس النعم التي تجزى. # وقوله: * (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) *. ~~فقولهم: # * (ربنا الله) * ليس بحق يوجب إخراجهم. # وقوله: * (لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر) *، لا حرج ~~عليهم في قعودهم; وإنما كان منقطعا; لأن القاعد عن ضرر - وإن كانت له نية ~~الجهاد - ليس مستويا في الأجر مع المجاهد، لأن الأجر على حسب العمل، ~~والمجاهد يعمل ببدنه وقلبه، والقاعد بقلبه. # وقوله: * (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس) *، إذ لو ~~كان متصلا لكان المعنى: فهل آمنت قرية إلا قوم يونس، فلا يؤمنون! فيكون طلب ~~الإيمان من خلاف قوم يونس، وذلك باطل، لأن الله تعالى يطلب من كل شخص ~~الإيمان، فدل على أن المعنى: لكن قوم يونس. PageV04P237 # وقال الزجاج: يمكن اتصاله، لأن قوله: * (فلولا) * في المعنى نفى، فإن ~~الخطاب لما يقع منه الإيمان، وذلك إذا كان الكلام نفيا، كان ما بعد " إلا " ~~يوجب إنكاره. # قال: ما من قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس. # وقد رد عليه الآمدي بأن جعل " إلا " منقطعة عما قبلها لغة فصيحة، وإن كان ~~جعلها متصلة أكثر، وحمل الكلام على المعنى ليس بقياس. # ومنه قوله تعالى: * (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) *، فإن " من ~~رحم " بمعنى المرحوم ليس من جنس العاصمين; وإنما هو معصوم، فدل على أنها ~~بمعنى " لكن ". # فإن قيل: يمكن اتصاله على أن * (من رحم) * بمعنى " الراحم " أي الذي ~~يرحم، فيكون الثاني من جنس الأول. # قيل: حمل هذه القراءة على القراءة الأخرى، أعني قراءة * (رحم) ms0972 * بضم ~~الراء، حتى يتفق معنى القراءتين. # * * * الثاني: بمعنى " بل " كقوله تعالى: * (طه. ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى. # إلا تذكرة...) *، أي بل تذكرة. # * * * الثالث: عاطفة بمعنى " الواو " في التشريك، كقوله تعالى: * (لئلا ~~يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا) *، معناه " ولا الذين ظلموا ". # وقوله: * (إني لا يخاف لدى المرسلون. إلا من ظلم) *، أي ومن ظلم. تأولها ~~الجمهور على الاستثناء المنقطع. # * * * PageV04P238 # الرابع: بمعنى " غير " إذا كانت صفة. ويعرب الاسم بعد " إلا " إعراب " ~~غير " كقوله تعالى: * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) *، وليست هنا ~~للاستثناء، وإلا لكان التقدير: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا، ~~وهو باطل. # ومثله قوله تعالى: * (ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) *، فلو كان استثناء ~~لكان من غير الجنس; لأن " أنفسهم " ليس شهودا على الزنا; لأن الشهداء على ~~الزنا يعتبر فيهم العدد، ولا يسقط الزنا المشهود به بيمين المشهود عليه. # وإذا جعل وصفا فقد أمن فيه مخالفة الجنس ف‍ " إلا " هي بمنزلة " غير " لا ~~بمعنى الاستثناء; لأن الاستثناء إما من جنس المستثنى منه أو من غير جنسه. ~~ومن توهم في صفة الله واحدا من الأمرين فقد أبطل. # قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني: هذا توهم منه، وخاطر خطر من غير أصل; ~~ويلزم عليه أن تكون " إلا " في قوله تعالى: * (فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين) *، وقوله: # * (ضل من تدعون إلا إياه) * استثناء، وأن تكون بمنزلة " غير " وذلك لا ~~يقوله أحد; لأن " إلا " إذا كانت صفة، كان إعراب الاسم الواقع بعدها إعراب ~~الموصوف بها، وكان تابعا له في الرفع والنصب والجر. # وقال: والاسم بعد " إلا " في الآيتين منصوب كما ترى، وليس قبل " إلا " في ~~واحد منهما منصوب بإلا. # واعلم أنه يوصف بما بعد " إلا "، سواء كان استثناء منقطعا أو متصلا. قال ~~المبرد والجرمى في قوله تعالى: * (إلا قليلا ممن أنجينا منهم) *، لو قرئ ~~بالرفع " قليل " على الصفة لكان حسنا والاستثناء منقطع. PageV04P239 # الخامس: بمعنى " بدل " وجعل ابن الضائع منه قوله تعالى: * (لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا) *، أي " بدل ms0973 الله " أي عوض الله; وبه يخرج على ~~الإشكال المشهور في الاستثناء، وفى الوصف ب‍ " إلا " من جهة المفهوم. # بقى أن يقال: إن ابن مالك جعلها في الآية صفة، وأنها للتأكيد لا للتخصيص، ~~لأنه لو قيل: لو كان فيهما آلهة فسدتا، لصح; لأن الفساد مرتب على تعدد ~~الآلهة. # فيقال: ما فائدة الوصف المقتضى ها هنا للتأكيد؟ وجوابه أن " آلهة " تدل ~~على الجنس، أو على الجمع، فلو اقتصر عليه لتوهم أن الفساد مرتب على الجنس ~~من حيث هو، فأتى بقوله: * (إلا الله) * ليدل على أن الفساد مرتب على ~~التعدد. وهذا نظير قولهم في: * (إلهين اثنين) *، أن الوصف هنا مخصص لا ~~مؤكد، لأن * (إلهين) * يدل على الجنسية وعلى التثنية، فلو اقتصر عليه لم ~~يفهم النهى عن أحدهما، فأتى ب‍ " اثنين " ليدل على أن النهى عن الاثنين على ~~ما سبق. # * * * السادس: للحصر إذا تقدمها نفى: # إما صريح، كقوله تعالى: * (وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون) *. # أو مقدر، كقوله تعالى: * (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) *، فإن " إلا " ~~ما دخلت بعد لفظ الإيجاب إلا لتأويل ما سبق إلا بالنفي، أي فإنها لا تسهل، ~~وهو معنى " كبيرة "، وأما لأن الكلام صادق معها، أي وإنها لكبيرة على كل ~~أحد إلا على الخاشعين، بخلاف ضربت إلا زيدا، فإنه لا يصدق. # * * * PageV04P240 # السابع: مركبة من " إن " الشرطية، و " لا " النافية، ووقعت في عدة مواقع ~~من القرآن. # نحو: * (إلا هذا تنصروه فقد نصره الله) *. # * (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض) *. # * (إلا تنفروا يعذبكم) *. # * (. إلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) *. # * (وإلا تصرف عنى كيدهن) *. # ولأجل الشبه الصوري غلط بعضهم فقال في " إلا تفعلوه ": إن الاستثناء ~~منقطع أو متصل. # وعجبت من أن ابن مالك في شرح،، التسهيل،، حيث عدها في أقسام " إلا "، ~~لكنه في،، شرح الكافية،، قال في باب الاستثناء: لا حاجة للاحتراز عنها. ~~فائدة قال الرماني في تفسيره: معنى " إلا ": اللازم لها الاختصاص بالشئ دون ~~غيره، فإذا قلت: جاءني القوم إلا زيدا، فقد اختصصت زيدا بأنه لم يجئ، وإذا ~~قلت: ms0974 ما جاءني إلا زيد، فقد اختصصته بالمجئ. وإذا قلت: ما جاءني زيد إلا ~~راكبا، فقد اختصصت هذه الحال دون غيرها، من المشي والعدو ونحوه. ~~PageV04P241 # أما المفتوحة الهمزة المشددة الميم كلمة فيها معنى الشرط، بدليل لزوم ~~الفاء في جوابها. # وقدرها سيبويه ب‍ " مهما " وفائدتها في الكلام، أنها تكسبه فضل تأكيد، ~~تقول: # زيد ذاهب; فإذا قصدت أنه لا محالة ذاهب، قلت: أما زيد فذاهب. ولهذا قال ~~سيبويه: # مهما يكن من شئ فزيد ذاهب. # وفى إيرادها في قوله تعالى: * (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ~~ربهم) * إحماد عظيم للمؤمنين، ونعى على الكافرين لرميهم بالكلمة الحمقاء. # والاسم الواقع بعدها، إن كان مرفوعا فهو مبتدأ، كقوله: * (أما السفينة ~~فكانت لمساكين) *، * (أما الغلام) *، * (أما الجدار) *. # وإن كان منصوبا، فالناصب له ما بعد الفاء على الأصح، كقوله تعالى: * ~~(فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر) *. # وقرئ: * (وأما ثمود فهديناهم) *، بالرفع والنصب، فالرفع بالابتداء ~~لاشتغال الفعل عنهم بضميرهم. # وتذكر لتفصيل ما أجمله المخاطب. وللاقتصار حدثنا على بعض ما ادعى. # فالأول، كقوله تعالى: * (فأما الذين شقوا ففي النار) *، * (وأما الذين ~~سعدوا PageV04P242 # ففي الجنة) *، فهذا تفصيل لما جمع في قوله تعالى: * (ذلك يوم مجموع له ~~الناس) *، وبيان أحكام الشقي والسعيد. # والثاني: كما لو قيل: زيد عالم شجاع كريم; فيقال: أما زيد فعالم، أي لا ~~يثبت له بما ادعى سوى العلم. # واختلف في تعدد الأقسام بها، فقيل: أنه لازم، وحمل قوله تعالى: * ~~(والراسخون في العلم) * على معنى " وأما الراسخون "، ليحصل بذلك التعدد ~~بعدها، وقطعه عن قوله: # * (ما يعلم تأويله إلا الله) *. # ومنهم من قال: إنه غير لازم، بل قد يذكر فيها قسم واحد. ولا ينافي ذلك أن ~~تكون للتفصيل ما في نفس المتكلم، كقوله تعالى: * (فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ) *. # حكى القولين ابن جمعة الموصلي في شرح،، الدرة،، وصحح الأول. # والأقرب الثاني، والتقدير في الآية: " وأما غيرهم فيؤمنون به ويكلون ~~معناه إلى ربهم " ودل عليه: * (والراسخون...) * الآية. # قال بعضهم: وهذا المعنى هو المشار إليه في آية البقرة: * (فأما الذين ms0975 ~~آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا) *، إلى قوله: * (وما يضل ~~به إلا الفاسقين) *. # وهذا حكاه ابن قتيبة عن بعض المتقدمين، قال: فالفاسقون ها هنا هم الذين ~~في قلوبهم زيغ، وهم الضالون بالتمثيل. ثم خالفه فقال: وأنت إذا جعلت ~~المتبعين المتشابه بالتأويل المنافقين في اليهود المحرفين له دون المؤمنين، ~~كما قال الله تعالى: * (في قلوبهم زيغ) * PageV04P243 # أي غير الإسلام، وضح لك الأمر وصح ما قلناه من معرفة الراسخين بالمتشابه، ~~وعلى هذا فالوقف على: * (والراسخون في العمل) *. # وأما قوله تعالى: * (وأما إن كان من أصحاب اليمين. فسلام لك) *، فقيل: # الفاء جواب " أما "، يكون الشرط لا جواب له، وقد سد جواب " أما " مسد ~~جواب الشرط. # وقيل: بل جواب الشرط، والشرط وجوابه سد مسد جواب " أما ". # وتجئ أيضا مركبة من " أم " المنقطعة و " ما " الاستفهامية، وأدغمت الميم ~~في الميم، كقوله تعالى: * (أم ماذا كنتم تعملون) *. # -،، * * * *،، - PageV04P244 # إما المكسورة المشددة نحو اشتر لي، إما لحما وإما لبنا. # وكقوله تعالى: * (إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا) *. # * (إما أن تلقى وإما أن نكون) *. # * (فإما منا بعد وإما فداء) * وانتصب " منا " و " فداء " على المصدر، أي ~~من " مننتم " و " فاديتم ". # وقال صاحب " الأزهية ": حكها في هذا القسم التكرير، ولا تكرير إذا كان في ~~الكلام عوض من تكريرها، تقول: إما تقول الحق وإلا فاسكت، و " إلا " بمعنى " ~~إما ". # وبمعنى الإبهام، نحو: * (إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) *. # * (إما العذاب وإما الساعة) *. # * (أما شاكرا وإما كفورا) *. # وتكون بمعنى الشرطية، مركبة من " إن " الشرطية و " ما " الزائدة، وهذه لا ~~تكرر. # والأكثر في جوابها نون التوكيد، نحو: * (فإما ترين من البشر أحدا) *. ~~PageV04P245 # * (قل رب إما تريني ما يوعدون) *. # * (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم) *. # * (وإما تخافن من قوم خيانة) *. # وإنما دخلت معها نون التوكيد للفرق بينها وبين التي للتخيير. # واختلف في قوله تعالى: * (إما شاكرا وإما كفورا) *، فقال البصريون: # للتخيير، فانتصاب " شاكرا " و " كفورا " على الحال. # وقيل: التخيير هنا راجع إلى إخبار الله بأنه يفعل ما يشاء. # وقيل: حال ms0976 مقيدة، أي إما أن تجد عندهما الشكر، فهو علامة السعادة، أو ~~الكفر فهو علامة الشقاوة، فعلى هذا تكون للتفصيل. # وأجاز الكوفيون أن تكون ها هنا شرطية، أي إن شكر وإن كفر. # قال مكي: وهذا ممنوع، لأن الشرطية لا تدخل على الأسماء إلا أن تضمر بعد " ~~أن " فعلا كقوله تعالى: * (وإن أحد من المشركين استجارك) *، ولا يجب إضماره ~~هنا، لأنه يلزم رفع " شاكر " بذلك الفعل. # ورد عليه ابن الشجري، بأن النحويين يضمرون بعد " إن " الشرطية فعلا يفسره ~~ما بعده، من لفظه فيرتفع الاسم بعد أن يكون فاعلا لذلك المضمر; كقوله ~~تعالى: * (إن امرؤ هلك) *، * (وإن امرأة خافت) *، كذلك يضمرون بعده أفعالا ~~تنصب الاسم، بأنه مفعول به، كقولك: إن زيدا أكرمته نفعك، أي إن أكرمت. # أل تقدمت بأقسامها في قاعدة التنكير والتعريف. PageV04P246 # الأن اسم الوقت الحاضر بالحقيقة. وقد تستعمل في غيره مجازا. # وقال قوم: هي حد للزمانين، أي ظرف للماضي وظرف للمستقبل. وقد يتجوز بها ~~عما قرب من الماضي وما يقرب من المستقبل. حكاه أبو البقاء في،، اللباب،،. # وقال ابن مالك: لوقت حضر جميعه، كوقت فعل الإنشاء حال النطق به، أو ~~ببعضه، كقوله تعالى: * (فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا) *، * (الآن خفف ~~الله عنكم) *. # وهذا سبقه إليه الفارسي، فقال: " الآن " يراد به الوقت الحاضر، ثم قد ~~تتسع فيه العرب فتقول: أنا الآن أنظر في العلم، وليس الغرض أنه في ذلك ~~الوقت اليسير يفعل ذلك، ولكن الغرض أنه في وقته ذلك، وما أتى بعده، كما ~~تقول: أنا اليوم خارج، تريد به اليوم الذي عقب الليلة. # قال ابن مالك: وظرفيته غالبة، لا لازمة. PageV04P247 # أف صوت يستعمل عند التكره والتضجر، واختلف في قوله تعالى: * (فلا تقل ~~لهما أف) * فقيل: اسم لفعل الأمر، أي كفا، أو اتركا. # وقيل: اسم لفعل ماض، أي كرهت وتضجرت. حكاهما أبو البقاء. # وحكى غيره ثالثا; أنه اسم لفعل مضارع، أي اتضجر منكما. # وأما قوله تعالى في سورة الأنبياء: * (أف لكم) *، فأحال أبو البقاء على ~~ما سبق في الإسراء، وقضيته تساوى ms0977 المعنيين. # وقال العزيزي في،، غريبه،، في هذه: أي تلفا لكم، فغاير بينهما، وهو ~~الظاهر. # وفسر صاحب،، الصحاح،، أف، بمعنى " قذرا ". PageV04P248 # أنى مشتركة بين الاستفهام والشرط، ففي الشرط تكون بمعنى " أين "، نحو أنى ~~يقم زيد يقم عمرو. # وتأتي بمعنى " كيف " كقوله تعالى: * (أنى يحيى هذه الله بعد موتها) *. # * (فأنى لهم) *، * (أنى يؤفكون) *. # * (فأتوا حرثكم أنى شئتم) *، أي كيف شئتم، مقبلة ومدبرة. # وقال الضحاك: متى شئتم. ويرده سبب نزول الآية. # وقال بعضهم: من أي جهة شئتم، وهو طبق سبب النزول. # وتجئ بمعنى " من أين " نحو: * (أنى لك هذا) *. # وقوله: * (أنى يكون لي ولد) *. # * (أنى يكون لي غلام) *. # قال ابن فارس: والأجود أن يقال في هذا أيضا " كيف ": وقال ابن قتيبة ~~المعنيان متقاربان. # وقرئ شاذا: * (أنى صببنا الماء صبا) * أي " من أين "، فيكون الوقف عند ~~قوله * (إلى طعامه) *. PageV04P249 # وتكون بمعنى " متى " كقوله تعالى: * (أنى يحيى هذه الله بعد موتها) *. # وقوله: * (قلتم أنى هذا) *، ويحتمل أن يكون معناه " من أين ". # والحاصل أنها للسؤال عن الحال وعن المكان. # قال الفراء: أنى مشاكلة لمعنى " أين " إلا أن " أين " للموضع خاصة، " ~~وأنى " تصلح لغير ذلك. # وقال ابن الدهان: فيها معنى يزيد على " أين "، لأنه لو قال: أين لك هذا؟ ~~كان يقصر عن معنى " أنى لك "، لأن معنى " أنى لك " " من أين لك "، فإن ~~معناه مع حرف الجر، لأنه يرى أنه وقع في الجواب، كذلك قوله: * (هو من عند ~~الله) *، ولم يقل: # هو عند الله. وجواب " أنى لك " غير جواب " من أين لك "، هذا فاعرفه. ~~PageV04P250 # أيان في الكشاف في آخر سورة الأعراف. قيل اشتقاقه: من " أي " " فعلان "، ~~منه لأن معناه، أي وقت، وأي فعل، من أويت إليه، لأن البعض آو إلى الكل، ~~متساند إليه. وهو بعيد. # وقيل: أصله: أي أوان. # وقال السكاكي: جاء " أيان " بفتح الهمزة وكسرها، وكسر همزتها يمنع من أن ~~يكون أصلها أي أوان، كما قال بعضهم، حذفت الهمزة من " أوان " والياء ~~الثانية من أي فبعد قلب الواو واللام ياء أدغمت الياء الساكنة فيها. وجعلت ~~الكلمتان ms0978 واحدة. # وهي في الأزمان، بمنزلة " متى " إلا أن " متى " أشهر منها، وفى " أيان " ~~تعظيم. # ولا تستعمل إلا في موضع التفخيم، بخلاف " متى "، قال تعالى: * (أيان ~~مرساها) * * (أيان يبعثون) *، * (أيان يوم الدين) *، * (أيان يوم القيامة) ~~*. # وقال صاحب،، البسيط،،: إنها تستعمل في الاستفهام عن الشئ المعظم أمره. # قال: وسكت الجمهور عن كونها شرطا. # وذكر بعض المتأخرين مجيئها، لدلالتها بمنزلة " متى "، ولكن لم يسمع ذلك. # أي حرف جواب بمعنى " نعم "، كقوله تعالى: * (ويستنبئونك أحق هو قل أي ~~وربى إنه لحق) *، ولا يأتي قبل النهى صلة لها. PageV04P251 # حرف الباء أصله للإلصاق، ومعناه اختلاط الشئ بالشئ، ويكون حقيقة، وهو ~~الأكثر، نحو: # " به داء " ومجازا ك‍ " مررت به "، إذ معناه: جعلت مروري ملصقا بمكان ~~قريب منه، لا به، فهو وارد على الاتساع. # وقد جعلوا منه قوله تعالى: * (وامسحوا برؤسكم) *. # * * * وقد تأتى زائدة: # إما مع الخبر; نحو: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) *. # وإما مع الفاعل، نحو: * (وكفى بالله شهيدا) * ف‍ " الله " فاعل و " شهيدا ~~" نصب على الحال أو التمييز، والباء زائدة، ودخلت لتأكيد الاتصال، أي ~~لتأكيد شدة ارتباط الفعل بالفاعل، لأن الفعل يطلب فاعله طلبا لا بد منه، ~~والباء توصل الأول إلى الثاني، فكأن الفعل يصل إلى الفاعل، وزادته الباء ~~اتصالا. # قال ابن الشجري: فعلوا ذلك; إيذانا بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من ~~غيره في عظم المنزلة، فضوعف لفظها ليضاعف معناها. # وقيل: دخلت الباء لتدل على المعنى; لأن المعنى: اكتفوا بالله. # وقيل: الفاعل مقدر، والتقدير كفى الاكتفاء بالله، فحذف المصدر وبقى ~~معموله دالا عليه. PageV04P252 # وفيه نظر، لأن الباء إذا سقطت ارتفع اسم الله على الفاعلية، كقوله: # * كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا * وإما مع المفعول، كقوله تعالى: * ~~(ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) *. # وقوله: * (تلقون إليهم بالمودة) *، أي تبذلونها لهم. # وقوله: * (اقرأ باسم ربك الذي خلق) *. # وقوله: * (بأيكم المفتون) *; جعلت " المفتون " اسم مفعول لا مصدرا، ~~كالمعقول والمعسور والميسور. # وقوله: * (عينا يشرب بها عباد الله) *. # * (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) *. # * (تنبت بالدهن) *. # وقوله: * (فامسحوا برؤسكم) *، ونحوه. # والجمهور على أنها لا ms0979 تجئ زائدة، وأنه إنما يجوز الحكم بزيادتها إذا تأدى ~~المعنى المقصود بوجودها وحالة عدمها على السواء، وليس كذلك هذه الأمثلة، ~~فإن معنى: # * (وكفى بالله شهيدا) *، كما هي في: أحسن بزيد! ومعنى من * (امسحوا ~~برؤوسكم) *: # اجعلوا المسح ملاصقا برؤسكم، وكذا * (بوجوهكم) *، أشار إلى مباشرة العضو ~~بالمسح، وإنما لم يحسن في آية الغسل " فاغسلوا بوجوهكم " لدلالة الغسل على ~~المباشرة، وهذا كما تتعين المباشرة في قولك: " أمسكت به " وتحتملها في " ~~أمسكته ". # وأما قوله: * (ولا تلقوا بأيديكم) *، فحذف المفعول للاختصار. PageV04P253 # وأما * (تلقون إليهم بالمودة) * فمعناه: تلقون إليهم النصيحة بالمودة. # وقال النحاس: معناه تخبرونهم بما يخبر به الرجل أهل مودته. # وقال السهيلي: ضمن * (تلقون) * معنى " ترمون "، من الرمي بالشئ، يقال: # ألقى زيد إلى بكذا، أي رمى به; وفى الآية إنما هو إلقاء بكتاب أو برسالة، ~~فعبر عنه بالمودة، لأنه من أفعال أهل المودة، فلهذا جئ بالباء. # وأما قوله: * (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) *، فليست زائدة، وإلا للحق ~~الفعل قبلها علامة التأنيث، لأنه للنفس، وهو مما يغلب تأنيثه. # وجوز في الفعل وجهان: أحدهما أن تكون " كان " مقدرة بعد " كفى " ويكون " ~~بنفسك " صفة له قائمة مقامه. # والثاني: أنه مضمر يفسره المنصوب بعده، أعني " حسيبا "، كقولك: نعم رجلا ~~زيد. # * * * وتجئ للتعدية، وهي القائمة مقام الهمزة في إيصال الفعل اللازم إلى ~~المفعول به، نحو: # * (ولو شاء الله لذهب بسمعهم) *، أي أذهب. # كما قال: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) *. # ولهذا لا يجمع بينهما، فهما متعاقبتان; وأما قوله تعالى * (أسرى بعبده) ~~*، فقيل " أسرى " و " سرى " بمعنى، كسقى وأسقى، والهمزة ليست للتعدية، ~~وإنما المعدى الباء في " بعبده ". # وزعم ابن عطية أن مفعول " أسرى " محذوف، وأن التعدية بالهمزة، أي أسرى ~~الليلة بعبده. PageV04P254 # ومذهب الجمهور أنها بمعنى الهمزة، لا تقتضي مشاركة الفاعل للمفعول. # وذهب المبرد والسهيلي أنها تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في الفعل بخلاف ~~الهمزة. # ورد بقوله تعالى: * (ذهب الله بنورهم) *، * (ولو شاء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم) *، ألا ترى أن الله لا يذهب مع سمعهم، فالمعنى: لأذهب سمعهم. # وقال الصفار: وهذا ms0980 لا يلزم، لأنه يحتمل أن يكون فاعل " ذهب " البرق، ~~ويحتمل أن يكون الله تعالى، ويكون الذهاب على صفة تليق به سبحانه، كما قال: # * (وجاء ربك) *. # قال: وإنما الذي يبطل مذهبه قول الشاعر: # ديار التي كانت ونحن على منى * تحل بنا لولا نجاء الركائب أي تجعلنا ~~حلالا، لا محرمين، وليست الديار داخلة معهم في ذلك. # واعلم أنه لكون الباء بمعنى الهمزة، لا يجمع بينهما، فإن قلت: كيف جاء * ~~(تنبت بالدهن) * والهمزة في " أنبت " للنقل؟ # قلت: لهم في الانفصال عنه ثلاثة أوجه: # أحدها: أن تكون الباء زائدة. # والثاني: أنها باء الحال، كأنه قال: تنبت ثمرها وفيه الدهن، أي وفيهما ~~الدهن، والمعنى: # تنبت الشجرة بالدهن، أي ما هو موجود منه، وتختلط به القوة بنبتها، على ~~موقع المنة، ولطيف القدرة، وهداية إلى استخراج صبغة الآكلين. # والثالث: أن " نبت " و " أنبت " بمعنى. # * * * PageV04P255 # وللاستعانة، وهي الدالة على آلة الفعل، نحو كتبت بالقلم، ومنه في أشهر ~~الوجهين: # * (بسم الله الرحمن الرحيم) *. # * * * وللتعليل بمنزلة اللام، كقوله: * (إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم ~~العجل) *. # * (فبظلم من الذين هادوا) *. # * (فكلا أخذنا بذنبه) *. # * * * وللمصاحبة بمنزلة " مع "، وتسمى باء الحال، كقوله تعالى: * (قد ~~جاءكم الرسول بالحق) * أي مع الحق أو محقا. # * (يا نوح اهبط بسلام منا) *. # * * * وللظرفية بمنزلة " في ". # وتكون مع المعرفة، نحو: * (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل) *. # * (وبالأسحار هم يستغفرون) *. # ومع النكرة، نحو: * (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) * * (نجينا هم ~~بسحر) *. # قال أبو الفتح في،، التنبيه،،: وتوهم بعضهم أنها لا تقع إلا مع المعرفة، ~~نحو: كنا بالبصرة، وأقمنا بالمدينة. PageV04P256 # وهو محجوج بقول الشماخ: # وهن وقوف ينتظرن قضاءه * بضاحي غداة أمره وهو ضامز أي في ضاحي وهي نكرة. # * * * وللمجاوزة ك‍ " عن " نحو: * (فاسأل به خبيرا) *. # * (سأل سائل بعذاب واقع) *. # * (ويوم تشقق السماء بالغمام) *، أي عن الغمام. # * (بين أيديهم وبأيمانهم) *، أي وعن أيمانهم. # * * * وللاستعلاء، كعلى: * (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار) *، أي ~~على قنطار، كما قال: * (هل آمنكم عليه) *. # ونحو: * (وإذا مروا بهم يتغامزون) *، أي عليهم، كما قال: * (وإنكم لتمرون ~~عليهم مصبحين) *. # * * * وللتبعيض ms0981 ك‍ " من "، نحو: * (يشرب بها عباد الله) *، أي منها وخرج ~~عليه: # * (وامسحوا برؤسكم) *. # والصحيح أنها باء الاستعانة، فإن " مسح " يتعدى إلى مفعول، وهو المزال ~~عنه، وإلى آخر بحرف الجر وهو المزيل; فيكون التقدير: " فامسحوا أيديكم ~~برءوسكم ". PageV04P257 # بل حرف إضراب عن الأول، وإثبات للثاني; يتلوه جملة ومفرد. # فالأول الإضراب فيه، إما بمعنى ترك الأول والرجوع عنه بإبطاله، وتسمى حرف ~~ابتداء، كقوله تعالى: * (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون) * ~~أي بل هم عباد. وكذا: * (أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق) *. # وإما الانتقال من حديث إلى حديث آخر، والخروج من قصة إلى قصة; من غير ~~رجوع عن الأول; وهي في هذه الحالة عاطفة، كما قاله الصفار، كقوله تعالى: * ~~(ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) *. # * (بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا) *. # وقوله: * (أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك) *; انتقل من القصة الأولى ~~إلى ما هو أهم منها. # * (وما يشعرون أيان يبعثون. بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها ~~بل هم منها عمون) * ليست للانتقال، بل هم متصفون بهذه الصفات. # وقوله: * (وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون) *. # وفى موضع: * (بل أنتم قوم تجهلون) *. PageV04P258 # وفى موضع: * (بل أنتم قوم مسرفون) *; والمراد تعديد خطاياهم، واتصافهم ~~بهذه الصفات، وبل لم ينو ما أضافه إليهم، من إتيان الذكور والإعراض عن ~~الإناث، بل استدرك بها بيان عدوانهم; وخرج من تلك القصة إلى هذه الآية. # وزعم صاحب،، البسيط،، وابن مالك أنها لا تقع في القرآن إلا بهذا المعنى; ~~وليست كذلك لما سبق، وكذا قال ابن الحاجب في شرح،، المفصل،، إبطال ما للأول ~~وإثباته للثاني، إن كان في الإثبات، نحو جاء زيد بل عمرو; فهو من باب ~~الغلط; فلا يقع مثله في القرآن، ولا في كلام فصيح. وإن كان ما في النفي ~~نحو: ما جاءني زيد بل عمرو. ويجوز أن يكون من باب الغلط، يكون عمرو غير ~~جاء، ويجوز أن يكون مثبتا لعمرو المجئ، فلا يكون غلطا. ms0982 انتهى. # ومنه أيضا: * (قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى. بل تؤثرون الحياة ~~الدنيا) *. # وقوله: * (ولدينا كتاب ينطق بالحق وهو لا يظلمون. بل قلوبهم في غمرة) *. # وقوله: * (ص والقرآن ذي الذكر. بل الذين كفروا في عزة وشقاق) *، ترك ~~الكلام الأول، وأخذ ب‍ " بل " في كلام ثان، ثم قال حكاية عن المشركين: # * (أأنزل عليه الذكر من بيننا) *، ثم قال: * (بل هم في شك من ذكرى) *، ثم ~~ترك الكلام الأول، وأخذ ب‍ " بل " في كلام آخر، فقال: * (بل لما يذوقوا ~~عذاب) *. PageV04P259 # والثاني - أعني ما يتلوها مفرد - فهي عاطفة. ثم إن تقدمها إثبات نحو: ~~اضرب زيدا بل عمرا، وأقام زيد بل عمرو، فقال النحاة: هي تجعل ما قبلها ~~كالمسكوت عنه، فلا يحكم عليه بشئ، ويثبت ما بعدها. وإن تقدمها نفى أو نهى، ~~فهي لتقرير ما قبلها على حاله. وجعل ضده لما بعدها، نحو ما قام زيد بل ~~عمرو، ولا يقم زيد بل عمرو. # ووافق المبرد على ما ذكرنا، غير أنه أجاز مع ذلك أن تكون ناقلة مع النهى ~~أو النفي إلى ما بعدها. # وحاصل الخلاف أنه إذا وقع قبلها النفي هل تنفى الفعل أو توجبه؟. # -،، * * * *،، - PageV04P260 # بلى لها موضعان: # أحدهما: أن تكون ردا لنفى يقع قبلها، كقوله تعالى: * (ما كنا نعمل من سوء ~~بلى إن الله عليم) *، أي عملتم السوء. # وقوله: * (لا يبعث الله من يموت بلى) *. # وقوله: * (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) * ثم قال: * (بلى) ~~*، أي عليهم سبيل. # * * * والثاني: أن تقع جوابا لاستفهام، دخل عليه نفى حقيقة، فيصير معناها ~~التصديق لما قبلها، كقولك: " ألم أكن صديقك! " " ألم أحسن إليك! " فتقول: " ~~بلى " أي كنت صديقي. # ومنه قوله تعالى: * (ألم يأتكم نذير. قالوا بلى قد جاءنا نذير) *. # ومنه: * (ألست بربكم قالوا بلى) *، أي أنت ربنا. فهي في هذا الأصل تصديق ~~لما قبلها، وفى الأول رد لما قبلها وتكذيب. # وقوله: * (ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى) *، أي كنتم معنا. ويجوز أن ~~يقرن النفي بالاستفهام مطلقا، أعم من الحقيقي والمجازي، فالحقيقي كقوله: * ~~(أم ms0983 يحسبون PageV04P261 # أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى) * * (أيحسب الانسان أن لن نجمع عظامه. ~~بلى) *. # ثم قال الجمهور: التقدير بل نحييها قادرين; لأن الحساب إنما يقع من ~~الإنسان على نفى جمع العظام، و " بلى " إثبات فعل النفي، فينبغي أن يكون ~~الجمع بعدها مذكورا على سبيل الإيجاب. # وقال الفراء: التقدير فلنحيها قادرين، لدلالة " أيحسب " عليه، وهو ضعيف; ~~لأنه عدول عن مجئ الجواب، على نمط السؤال. # والمجازي كقوله تعالى: * (ألست بربكم قالوا بلى) *، فإن الاستفهام هنا ~~ليس على حقيقته، بل هو للتقرير، لكنهم أجروا النفي مع التقرير مجرى النفي ~~المجرد في رده ب‍ " بلى ". # وكذلك قال ابن عباس: لو قالوا: نعم لكفروا. ووجهه أن " نعم " تصديق لما ~~بعد الهمزة، نفيا كان أو إثباتا. # ونازع السهيلي وغيره في المحكى عن ابن عباس من وجه أن الاستفهام التقريري ~~إثبات قطعا، وحينئذ فنعم في الإيجاب تصديق له، فهلا أجيب بما أجيب به ~~الإيجاب! # فإن قولك: ألم أعطك درهما! بمنزلة أعطيتك. # والجواب من أوجه: # أحدها: ذكره الصفار، أن المقرر قد يوافقه المقرر فيما يدعيه وقد لا. فلو ~~قيل في جواب: ألم أعطك! " نعم " لم يدر: هل أراد: نعم لم تعطني، فيكون ~~مخالفا للمقرر، أو نعم أعطيتني فيكون موافقا. فلما كان يلتبس أجابوه على ~~اللفظ، ولم يلتفتوا إلى المعنى. PageV04P262 # تنبيهات الأول: ما ذكرنا من كون " بلى " إنما يجاب بها النفي، هو الأصل، ~~وأما قوله تعالى: * (بلى قد جاءتك آياتي) *، فإنه لم يتقدمها نفى لفظا لكنه ~~مقدر; فإن معنى * (لو أن الله هداني) * ما هداني، فلذلك أجيب ب‍ " بلى " ~~التي هي جواب النفي المعنوي، ولذلك حققه بقوله: * (قد جاءتك آياتي) * وهي ~~من أعظم الهدايات. # ومثله * (بلى قادرين) *، فإنه سبق نفى، وهو * (أن لن نجمع عظامه) *، ~~فجاءت الآية على جهة التوبيخ لهم في اعتقادهم أن الله لا يجمع عظامهم، فرد ~~عليهم بقوله: * (بلى قادرين) *. # وقال ابن عطية: حق " بلى " أن تجئ بعد نفى عليه تقرير. وهذا القيد الذي ~~ذكره في النفي لم يذكره غيره، وأطلق النحويون أنها جواب النفي. # وقال ms0984 الشيخ أثير الدين: حقها أن تدخل على النفي، ثم حمل التقرير على ~~النفي، ولذلك لم يحمله عليه بعض العرب، وأجابه بنعم. # وسأل الزمخشري: هلا قرن الجواب بما هو جواب له، وهو قوله: * (أن الله ~~هداني) *، [ولم يفصل بينهما بآية؟] وأجاب بأنه إن تقدم على إحدى القرائن ~~الثلاث فرق بينهن وبين النظم، فلم يحسن، وإن تأخرت القرينة الوسطى نقض ~~الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ثم التعليل بفقد الهداية ثم تمنى ~~الرجعة; فكان الصواب ما جاء عليه، وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ~~ونظمها. ثم أجاب عما اقتضى الجواب من بينها. PageV04P263 # * * * الثاني: اعلم أنك متى رأيت " بلى " أو " نعم " بعد كلام يتعلق بها ~~تعلق الجواب، وليس قبلها ما يصلح أن يكون جوابا له، فاعلم أن هناك سؤالا ~~مقدرا، لفظه لفظ الجواب، ولكنه اختصر وطوى ذكره، علما بالمعنى، كقوله ~~تعالى: * (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه) *، فقال ~~المجيب: " بلى "، ويعاد السؤال في الجواب. # وكذا قوله: * (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) *، ليست " بلى " فيه ~~جوابا لشئ قبلها، بل ما قبلها دال على ما هي جواب له، والتقدير: ليس من كسب ~~سيئة وأحاطت به خطيئته خالدا في النار أو يخلد في النار، فجوابه الحق " بلى ~~". # وقد يكتفى بذكر بعض الجواب دالا على باقيه، كما قال تعالى: * (بلى ~~قادرين) *، أي بلى نجمعها قادرين، فذكر الجملة بمثابة ذكر الجزاء من ~~الجملة، وكاف عنها. # * * * الثالث: من القواعد النافعة أن الجواب إما أن يكون لملفوظ قبل به ~~أو مقدر. # فإن كان لمقدر، فالجواب بالكلام; كقولك لمن تقدره مستفهما عن قيام زيد: ~~قام زيد، أو لم يقم زيد، ولا يجوز أن تقول " نعم " ولا " لا " لأنه لا يعلم ~~ما يعنى بذلك; وإن كان الجواب للملفوظ به; فإن أردت التصديق قلت: نعم، وفى ~~تكذيبه " بلى "، فتقول في جواب من قال: أما قام زيد؟ " نعم " إذا صدقته، و ~~" بلى " إذا كذبته. # وكذلك إذا أدخلت أداة الاستفهام على النفي، ولم ترد التقرير، بل ms0985 أبقيت ~~الكلام PageV04P264 # على نفيه، فتقول في تصديق النفي: " نعم " وفى تكذيبه " بلى " نحو ألم يقم ~~زيد؟ فتقول في تصديق النفي: " نعم " وفى تكذيبه " بلى ". # * * * الرابع: يجوز الإثبات والحذف بعد " بلى "; فالإثبات كقوله تعالى: * ~~(ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير) *. # وقوله: * (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربى لتأتينكم) *. # ومن الحذف قوله تعالى: * (بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين. بلى إن ~~تصبروا) *، فالفعل المحذوف بعد " بلى " في هذا الموضع " يكفيكم " أي بلى ~~يكفيكم أن تصبروا. # وقوله: * (أولم تؤمن قال بلى) *، أي قد آمنت. # وقوله: * (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) *، ثم قال: " بلى "، ~~أي تمسسكم أكثر من ذلك. # وقوله: * (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) *، ثم قال: ~~بلى، أي يدخله غيرهم. # وقوله: * (ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى) *. # وقد تحذف " بلى " وما بعدها، كقوله تعالى: * (قال ألم أقل لك إنك لن ~~تستطيع معي صبرا) *، أي بلى قلت لي. PageV04P265 # ثم للترتيب مع التراخي، وأما قوله: * (لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) ~~*، والهداية سابقة على ذلك، فالمراد " ثم دام على الهداية " بدليل قوله: * ~~(وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا) *. # قد تأتى لترتيب الأخبار، لا لترتيب المخبر عنه، كقوله تعالى: * (فإلينا ~~مرجعهم ثم الله شهيد) *. # وقوله: * (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) *. # وتقول: زيد عالم كريم، ثم هو شجاع. # قال ابن بري: قد تجئ " ثم " كثيرا لتفاوت ما بين رتبتين في قصد المتكلم ~~فيه تفاوت ما بين مرتبتي الفعل مع السكوت عن تفاوت رتبتي الفاعل، كقوله ~~تعالى: * ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون) *، ف‍ " ثم " هنا لتفاوت رتب الخلق والجعل من ~~رتبة العدل، مع السكوت عن وصف العادلين. # ومثله قوله تعالى: * (فلا اقتحم العقبة) *، إلى قوله: * (ثم كان من الذين ~~آمنوا) *، دخلت لبيان تفاوت رتبة الفك والإطعام، من رتبة الإيمان، إلا أن ~~فيها زيادة تعرض لوصف المؤمنين بقوله: * (وتواصوا بالصبر. وتواصوا ~~بالمرحمة) *. # وذكر غيره في ms0986 قوله تعالى: * (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) *: أن " ثم " ~~PageV04P266 # دخلت لبعد ما بين الكفر وخلق السماوات والأرض. # وعلى ذلك جرى الزمخشري في مواضع كثيرة من الكشاف، كقوله تعالى: * (لغفار ~~لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) *. # وقوله: * (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) *، قال: كلمة التراخي ~~دلت على تباين المنزلتين; دلالتها على تباين الوقتين، في " جاءني زيد ثم ~~عمرو - أعني أن منزلة الاستقامة على الخبر مباينة لمنزلة أهل الخير نفسه; ~~لأنها أعلى منها وأفضل. # ومنه قوله تعالى: * (إنه فكر وقدر. فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر) * إن ~~قلت: ما معنى " ثم الداخلة " في تكرير الدعاء؟ قلت: الدلالة على أن الكرة ~~الثانية من الدعاء أبلغ من الأولى) *. # وقوله: * (ثم كان من الذين آمنوا) *، قال: جاء ب‍ " ثم " لتراخي الإيمان ~~وتباعده في الرتبة والفضيلة على العتق والصدقة، لا في الوقت، لأن الإيمان ~~هو السابق المقدم على غيره. # وقال الزمخشري في قوله تعالى: * (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ~~حنيفا) *: إن " ثم " [هذه] فيها من تعظيم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإجلال محله والإيذان بأنه أولى وأشرف ما أوتى خليل الله [إبراهيم من ~~الكرامة، وأجل ما أوتى من النعمة أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم] في ~~ملته. # واعلم أنه بهذا التقدير يندفع الاعتراض بأن " ثم " قد تخرج عن الترتيب ~~والمهلة وتصير كالواو; لأنه إنما يتم على أنها تقتضي الترتيب الزماني ~~لزوما، أما إذا قلنا: إنها ترد PageV04P267 # لقصد التفاوت والتراخي عن الزمان لم يحتج إلى الانفصال عن شئ مما ذكر من ~~هذه الآيات الشريفة، لا أن تقول: إن " ثم " قد تكون بمعنى الواو. # والحاصل أنها للتراخي في الزمان، وهو المعبر عنه بالمهلة، وتكون للتباين ~~في الصفات وغيرها من غير قصد مهلة زمانية، بل ليعلم موقع ما يعطف بها ~~وحاله، وأنه لو انفرد لكان كافيا فيما قصد فيه، ولم يقصد في هذا ترتيب ~~زماني، بل تعظيم الحال فيما عطف عليه وتوقعه، وتحريك النفوس لاعتباره. # وقيل: تأتى للتعجب، نحو: * (الذين كفروا ms0987 بربهم يعدلون) *. # وقوله: * (ثم يطمع أن أزيد. كلا) *. # وقيل: بمعنى واو العطف، كقوله: * (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد) *، أي هو ~~شهيد. # وقوله: * (ثم إن علينا بيانه) *. # والصواب أنها على بابها لما سبق قبله. # وقوله: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا) *، وقد أمر ~~الله الملائكة بالسجود قبل خلقنا، فالمعنى: وصورناكم. # وقيل على بابها، والمعنى ابتدأنا خلقكم; لأن الله تعالى خلق آدم من تراب ~~ثم صوره وابتدأ خلق الإنسان من نطفة ثم صوره. # وأما قوله: * (خلقكم من طين ثم قضى أجلا) *، وقد كان قضى الأجل، فمعناه: ~~أخبركم أنى خلقته من طين، ثم أخبركم أنى قضيت الأجل، [كما تقول: كلمتك ~~اليوم ثم كلمتك أمس، أي أنى أخبرك بذاك، ثم أخبرك بهذا] وهذا يكون في ~~الجمل، PageV04P268 # فأما عطف المفردات فلا تكون إلا للترتيب. قاله ابن فارس. # قيل: وتأتي زائدة، كقوله تعالى: * (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) * إلى ~~قوله: # * (ثم تاب عليهم) *، لأن " تاب " جواب " إذا " من قوله: * (حتى إذا ضاقت) ~~*. # وتأتي للاستئناف، كقوله تعالى: * (وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ~~ينصرون) *. # فإن قيل: ما المانع من الجزم على العطف؟ # فالجواب، أنه عدل به عن حكم الجزاء، إلى حكم الإخبار ابتداء، كأنه قال: ~~ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. # فإن قيل: أي فرق بين رفعة وجزمه في المعنى؟ # قيل: لو جزم لكان نفى النصر مقيدا بمقاتلتهم كتوليهم، وحين رفع كان النصر ~~وعدا مطلقا، كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم أنى أخبركم عنها، وأبشركم بها بعد ~~التولية أنهم مخذولون، منعت عنهم النصرة والقوة، ثم لا ينهضون بعدها بنجاح، ~~ولا يستقيم لهم أمر. # واعلم أنها وإن كانت حرف استئناف، ففيها معنى العطف وهو عطف الخبر على ~~جملة الشرط والجزاء، كأنه قال: أخبركم أنهم يقاتلونكم فيهزموا، ثم أخبركم ~~أنهم لا ينصرون. # فإن قيل: ما معنى التراخي في " ثم "؟ PageV04P269 # قيل: التراخي في الرتبة، لأن الأخبار التي تتسلط عليهم أعظم من الإخبار ~~بتوليهم الأدبار، وكقوله تعالى: * (ألم نهلك الأولين. ثم نتبعهم الآخرين) ~~*. # ثم المفتوحة ظرف للبعيد بمعنى هنالك، قال تعالى: * (وإذا ms0988 رأيت ثم رأيت) ~~*. # وقرئ: * (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد) *، أي هنالك الله شهيد، بدليل: # * (هنالك الولاية لله الحق) *. # وقال الطبري في قوله: * (أثم إذا ما وقع آمنتم به) *، معناه: أهنالك، ~~وليست " ثم " العاطفة. وهذا وهم اشتبه عليه المضمومة بالمفتوحة. ~~PageV04P270 # حاشا اسم يأتي بمعنى التنزيه، كقوله تعالى: * (حاش لله) *، بدليل قول ~~بعضهم: # " حاشا لله " بالتنوين، كما قيل: * (براءة من الله) * من كذا، أي حاشا ~~لله بالتنوين كقولهم: رعيا لزيد. # وقراءة ابن مسعود * (حاشا الله) * بالإضافة، فهذا مثل سبحان الله، ومعاذ ~~الله. # وقيل: بمعنى جانب يوسف المعصية لأجل الله، وهذا لا يتأتى في: * (حاش لله ~~ما هذا بشرا) *. # قال الفارسي: وهو فاعل، من الحشا الذي هو الناحية، أي صار في ناحية، أي ~~بعد مما رمى به وتنحى عنه فلم يغشه ولم يلابسه. # فإن قلت: إذا قلنا باسمية " حاشا "، فما وجه ترك التنوين في قراءة ~~الجماعة وهي غير مضافة؟ # قلت: قال ابن مالك: والوجه أن تكون " حاشى " المشبهة بحاشى الذي هو حرف، ~~وأنه شابهه لفظا ومعنى، فجرى مجراه في البناء. PageV04P271 # حتى ك‍ " إلى " لكن يفترقان; في أن ما بعد " حتى " يدخل في حكم ما قبلها ~~قطعا، كقولك: قام القوم حتى زيد; ف‍ " زيد " هاهنا دخل في القيام، ولا يلزم ~~ذلك في قام القوم إلى زيد. ولهذا قال سيبويه: إن " حتى " تجرى مجرى الواو " ~~وثم " في التشريك. # ومن الدليل على دخول ما بعدها فيما قبلها; قوله صلى الله عليه وسلم: " كل ~~شئ بقضاء وقدر حتى العجز والكيس ". # وقوله: " أريت كل شئ حتى الجنة والنار ". # وقال الكواشي في تفسيره: الفرق بينهما أن " حتى " تختص بالغاية المضروبة، ~~ومن ثم جاز: أكلت السمكة حتى رأسها، وامتنع " حتى نصفها " أو " ثلثها " ~~وإلى عامة في كل غاية. انتهى. # ثم الغاية تجئ عاطفة; وهي للغاية كيف وقعت; إما في الشرف، كجاء القوم حتى ~~رئيسهم، أو الضعة، نحو أسنت الفصال حتى القرعى. # أو تكون جملة من القول على حال هو آخر الأحوال المفروضة أو المتوهمة، ~~بحسب ذلك الشأن; إما في الشدة; ms0989 نحو: * (وزلزلوا حتى يقول) * إذا أريد حكاية ~~الحال; ولولا ذلك لم تعطف الجملة الحالية، على الجملة الماضية. فإن أريد ~~الاستقبال لزم النصب. # وإما في الرخاء، نحو شربت الإبل حتى يجئ البعير يجر بطنه، على الحكاية. ~~PageV04P272 # ولانتهاء الغاية، نحو: * (حتى مطلع الفجر) *، * (حتى يبلغ الكتاب أجله) ~~*. # والتعليل، وعلامتها أن تحسن في موضعها " كي " نحو: " حتى تغيظ ذا الحسد ~~"; ومنه قوله تعالى: * (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين) *. # ويحتملها: * (حتى تفئ) *. # وقوله: * (ولا يزالوا يقاتلونكم حتى يردوكم) *. # * (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا) *. # قيل: وللاستثناء، كقوله تعالى: * (وما يعلمان من أحد حتى يقولا) *; ~~والظاهر أنها للغاية. # وحرف ابتداء; أي تبتدأ به الجملة الاسمية أو الفعلية، كقوله تعالى: * ~~(حتى يقول الرسول) * في قراء نافع. # وكذا الداخلة على " إذا "، في نحو: * (حتى إذا فشلتم) * ونظائره، والجواب ~~محذوف. PageV04P273 # ظرف مكان. قال الأخفش: وللزمان، وهي مبنية على الضم تشبيها بالغايات، فإن ~~الإضافة إلى الجملة كلا إضافة، ولهذا قال الزجاج في قوله تعالى: * (من حيث ~~لا ترونهم) *: # ما بعد " حيث " صلة لها وليست بمضافة إليه; يريد أنها ليست مضافة للجملة ~~بعدها، فصارت كالصلة لها، أي كالزيادة. # وفهم الفارسي أنه أراد أنها موصولة، فرد عليه. # ومن العرب من يعرب " حيث "، قراءة بعضهم: * (من حيث لا يعلمون) *، بالكسر ~~تحتملها. وتحتمل البناء على الكسر. وقد ذكروا الوجهين في قراءة: # * (الله أعلم حيث يجعل رسالاته) * بفتح الثاء. # والمشهور أنها ظرف لا يتصرف. # وجوز الفارسي وغيره في هذه الآية كونها مفعولا به على السعة، قالوا: ولا ~~تكون ظرفا، لأنه تعالى لا يكون في مكان أعلم منه في مكان. # وإذا كانت مفعولا لم يعمل فيها " أعلم " لأن " أعلم "; لا يعمل في ~~المفعول به، فيقدر لها فعل. # واختار الشيخ أثير الدين أنها باقية على ظرفيتها مجازا. وفيه نظر. ~~PageV04P274 # دون نقيض " فوق "، ولها معان: # أحدها: من ظروف المكان المبهم; لاحتمالها الجهات الست. # وقيل: هي ظرف يدل على السفل في المكان أو المنزلة، كقولك: زيد دون عمرو. # وقال سيبويه: وأما " دون " فتقصير ms0990 عن الغاية. # قال الصفار: لا يريد الغاية على الإطلاق، بل الغاية التي تكون بعدها، ~~فإذا قلت: # أنا دونك في العلم، معناه: أنا مقصر عنك، وهو ظرف مكان متجوز فيه، أي أنا ~~في موضع من العلم لا يبلغ موضعك. ونظيره: فلان فوقك في العلم. # * * * الثاني: اسم، نحو: * (من دونه) *. # * * * الثالث: صفة، نحو: هذا الشئ دون، أي ردئ، فيجرى بوجوه الإعراب. # وقد تكون صفة لا بمعنى ردئ، ولكن على معناه من الظرفية; نحو: رأيت رجلا ~~دونك. # ثم قد يحذف هذا الموصوف وتقام الصفة مقامه; وحينئذ فللعرب فيه لغتان: ~~أحدهما: # إعرابها كإعراب الموصوف وجريها بوجوه الإعراب، والثانية: إبقاؤها على ~~أصلها من PageV04P275 # الظرفية، وعليها جاء قوله: * (ومنا دون ذلك) *، قرئ بالرفع والنصب. # وقال الزمخشري: معناه: أدنى مكان من الشئ. # * * * ومنه الدون للحقير، ويستعمل للتفاوت في الحال، نحو: زيد دون عمرو، ~~أي في الشرف والعلم، واتسع فيه، فاستعمل في تجاوز حد إلى حد، نحو قوله ~~تعالى: * (أولياء من دون المؤمنين) *، أي لا يتجاوزون ولاية المؤمنين إلى ~~ولاية الكافرين. # وقيل: إنه مشتق من " دون " فعل، يقال: دان يدون دونا، وأدين إدانة; ~~والمعنى على الحقارة والتقريب. وهذا دون ذلك، أي قريب منه. ودون الكتب إذا ~~جمعها; لأن جمع الأشياء إدناء بعضها من بعض وتقليل المسافة بينها، ودونك ~~هذا، أصله خذه من دونك، أي من أدنى منك فاختصر. # -،، * * * *،، - PageV04P276 # ذو وذات بمعنى صاحب، ومنه قوله تعالى: * (ذو العرش المجيد) *، وقوله: * ~~(ذواتا أفنان) *. ولا يستعمل إلا مضافا، ولا يضاف إلى صفة، ولا إلى ضمير. # وإنما وضعت وصلة إلى وصف الأشخاص بالأجناس، كما أن " الذي " وضعت وصلة ~~إلى وصل المعارف بالجمل، وسبب ذلك أن الوصف إنما يراد به التوضيح والتخصيص، ~~والأجناس أعم من الأشخاص فلا يتصور تخصيصها لها; فإنك إذا قلت: مررت برجل ~~علم، أو مال، أو فضل; ونحوه لم يعقل; ما لم يقصد به المبالغة; فإذا قلت: ~~بذى علم، صح الوصف، وأفاد التخصيص; ولذلك كانت الصفة تابعة للموصوف في ~~إعرابه ومعناه. # وأما قراءة ابن مسعود: * (وفوق كل ذي عالم عليم) ms0991 *، فقيل: " العالم " هنا ~~مصدر، كالصالح والباطل، وكأنه قال: * (وفوق كل ذي علم) *; فالقراءتان في ~~المعنى سواء. # وقيل: " ذي " زائدة. # وقيل: من إضافة المسمى إلى الاسم، أي وفوق كل ذي شخص يسمى عالما، أو يقال ~~له عالم عليم. # ولا يضاف إلى ضمير الأشخاص، ولهذا لحنوا قول بعضهم: " صلى الله على محمد ~~وذويه ". PageV04P277 # واختلفوا هل تضاف " ذو " إلى ضمير الأجناس، فمنعه الأكثرون. والظاهر ~~الجواز; لأن ضمير الجنس هو الجنس في المعنى. # وعن ابن بري أنها تضاف إلى ما يضاف إليه صاحب، لأنها رديفته; وأنه لا ~~يمتنع إضافتها للضمير إلا إذا كانت وصلة، وإلا فلا يمتنع. # وقال المطرزي في،، المغرب،،: ذو بمعنى الصاحب تقتضي شيئين: موصوفا ومضافا ~~إليه; تقول: جاءني رجل ذو مال، بالواو في الرفع، وبالألف في النصب، بالياء ~~في الجر، ومنه: ذو بطن خارجة، أي جنينها، وألقت الدجاجة ذا بطنها، أي باضت ~~أو سلحت. وتقول للمؤنث: امرأة ذات، مال وللبنتين ذواتا مال، وللجماعة ذوات ~~مال. # قال: هذا أصل الكلمة، ثم اقتطعوا عنها مقتضاها; وأجروها مجرى الأسماء ~~التامة المستقلة، غير المقتضية لما سواها، فقالوا: ذات متميزة، وذات قديمة ~~ومحدثة، ونسبوا إليها كما هي من غير تغيير علامة التأنيث، فقالوا: الصفات ~~الذاتية، واستعملوها استعمال النفس والشئ. # وعن أبي سعيد - يعنى السيرافي - كل شئ ذات، وكل ذات شئ. # وحكى صاحب،، التكملة،، قول العرب: جعل ما بيننا في ذاته، وعليه قول أبى ~~تمام: # * يضرب في ذات الإله فيوجع * قال شيخنا - يعنى الزمخشري: إن صح هذا، ~~فالكلمة عربية، وقد استمر المتكلمون في استعمالها، وأما قوله: * (عليم بذات ~~الصدور) *، وقوله: " فلان قليل ذات اليد "، PageV04P278 # فمن الأول، والمعنى الإقلال، لمصاحبة اليد. وقولهم: " أصلح الله ذات بينه ~~"، و " ذو اليد أحق ". انتهى. # وقال السهيلي: والإضافة ل‍ " ذي " أشرف من الإضافة لصاحب، لأن: قولك: " ~~ذو " يضاف إلى التابع، و " صاحب " يضاف إلى المتبوع، تقول: أبو هريرة صاحب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تقول: النبي صاحب أبي هريرة إلا على جهة ما، ~~وأما " ذو " فإنك تقول فيها: ذو المال، وذو ms0992 العرش، فتجد الاسم الأول متبوعا ~~غير تابع، ولذلك سميت أقيال حمير بالأذواء، نحو: قولهم: ذو جدن، ذو يزن، في ~~الإسلام أيضا: # ذو العين، وذو الشهادتين، وذو السماكين، وذو اليدين; هذا كله تفخيم للشئ، ~~وليس ذلك في لفظة " صاحب " وبنى على هذا الفرق أنه سبحانه قال في سورة ~~الأنبياء: # * (وذا النون) *، فأضافه إلى " النون " وهو الحوت، وقال في سورة القلم: * ~~(ولا تكن كصاحب الحوت) *، قال: والمعنى واحد، لكن بين اللفظين تفاوت كبير ~~في حسن الإشارة إلى الحالتين، وتنزيل الكلام في الموضعين، فإنه ذكر في موضع ~~الثناء عليه ذو النون، ولم يقل صاحب النون، لأن الإضافة ب‍ " ذي " أشرف من ~~صاحب، ولفظ النون أشرف من الحوت، لوجود هذا الاسم في حروف الهجاء أوائل ~~السور، وليس في اللفظ الآخر ما يشرفه لذلك. إلى تنزيل الكلام في الآيتين ~~يلح لك ما أشرنا إليه في هذا الغرض; فإن التدبر لإعجاز القرآن واجب مفترض. # وقوله تعالى: * (وأصلحوا ذات بينكم) * أي الحال بينكم، وأزيلوا المشاجرة. # وتكون للإرادة والنية، كقوله: * (عليم بذات الصدور) *، أي السرائر. ~~PageV04P279 # رويد تصغير " رود " وهو المهل، قال تعالى: * (أمهلهم رويدا) *، أي قليلا. # قال ابن قتيبة: وإذا لم يتقدمها " أمهلهم "; كانت بمعنى " مهلا " ولا ~~يتكلم بها إلا مصغرا مأمورا بها. # ربما لا يكون الفعل بعدها إلا ماضيا; لأن دخول " ما " لا يزيلها عن ~~موضعها في اللغة، فأما قوله تعالى: * (ربما يود الذين كفروا) *، فقيل على ~~إضمار " كان " تقديره " ربما كان يود الذين كفروا ". # السين حرف استقبال. قيل: وتأتي للاستمرار، كقوله تعالى: * (ستجدون آخرين) ~~*. # وقوله: * (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم) *; لأن ذلك إنما ~~نزل بعد قولهم: * (ما ولاهم) *، فجاءت السين إعلاما بالاستمرار لا ~~بالاستقبال. # قال الزمخشري: أفادت السين وجود الرحمة لا محالة، فهي تؤكد الوعد كما ~~تؤكد الوعيد إذا قلت: سأنتقم منك. PageV04P280 # ومثله قول سيبويه في قوله: * (فسيكفيكهم الله) *: معنى السين أن ذلك كائن ~~لا محالة، وإن تأخرت إلى حين. # وقال الطيبي: مراد الزمخشري أن السين في الإثبات مقابلة " إن " في النفي; ~~وهذا ms0993 مردود; لأنه لو أراد ذلك لم يقل: السين توكيد للوعد، بل كانت حينئذ ~~توكيدا للموعود به، كما أن " لو " تفيد تأكيد النفي بها. # وتأتي زائدة، كقوله تعالى: * (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده) * أي تجيبون. # وقوله: * (ويستجيب الذين آمنوا) *. PageV04P281 # سوف حرف يدل على التأخير والتنفيس، وزمانه أبعد من زمان السين; لما فيها ~~من إرادة التسويف. # ومنه قيل: فلان يسوف فلانا، قال تعالى: * (وسوف تسألون) *. # وقال: * (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم) *، فقرب القول. # وممن صرح بالتفاوت بينهما الزمخشري وابن الخشاب في شرح الجمل، وابن يعيش ~~وابن أبان وابن بابشاذ، وابن عصفور وغيرهم. # ومنع ابن مالك كون التراخي في " سوف " أكثر، بأن الماضي والمستقبل ~~متقابلان، والماضي لا يقصد به إلا مطلق المضي دون تعرض لقرب الزمان أو ~~بعده، فكذا المستقبل، ليجري المتقابلان على سنن واحد، ولأنهما قد استعملا ~~في الوقت الواحد. وقال تعالى في سورة: # * (عم يتساءلون) *: * (كلا سيعلمون. ثم كلا سيعلمون) *. وفى سورة ~~التكاثر: # * (كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون) *. # وقوله: * (سوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما) *. # قلت: ولا بد من دليل على أن قوله تعالى: * (وسوف يؤت الله المؤمنين) *، ~~وقوله: # * (فسيدخلهم في رحمة منه وفضل) * معبرا به عن معنى واحد. # ولمانع أن يمنعه مستندا إلى أن الله تعالى وعد المؤمنين أحوال خير في ~~الدنيا والآخرة، فجاز أن يكون ما قرن بالسين لما في الدنيا، وما قرن بسوف ~~لما في الآخرة. ولا يخفى خروج PageV04P282 # قوله: * (كلا سيعلمون) *، وقوله: * (كلا سوف تعلمون) * عن دعواه; لأن ~~الوعد والوعيد مع " سوف " لا إسكان فيه، ومع السين للمبالغة وقصد تقريب ~~الوقوع، بخلاف سيقوم زيد، وسوف يقوم; مما القصد فيه الإخبار المجرد. # وفرق ابن بابشاذ أيضا بينهما، بأن " سوف " تستعمل كثيرا في الوعيد ~~والتهديد، وقد تستعمل في الوعد. # مثال الوعيد: * (وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا) *، و * (كلا ~~سيعلمون) *. # وأمثالها في الوعد: * (ولسوف يعطيك ربك فترضى) * فأما قوله تعالى: # * (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) *، لتضمنه الوعد والوعيد جميعا، ~~فالوعد لأجل المؤمنين والمحبين، والوعيد ms0994 لما تضمنت من جواب المرتدين بكونهم ~~أعزة عليهم وعلى جميع الكافرين. # والأكثر في السين الوعد، وتأتي للوعيد. # مثال الوعد: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) *. # ومثال الوعيد: * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) *. PageV04P283 # على للاستعلاء حقيقة، نحو: * (وعليها وعلى الفلك تحملون) *. # أو مجازا، نحو: * (ولهم على ذنب) *. # * (فضلنا بعضهم على بعض) *. # وأما قوله: * (وتوكل على الحي الذي لا يموت) *، فهي بمعنى الإضافة ~~والإسناد، أي أضفت توكلي وأسندته إلى الله تعالى; لا إلى الاستعلاء; فإنها ~~لا تفيده هاهنا. # وللمصاحبة، كقوله: * (آتي المال على حبه) *. # * (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) *. # وتأتي للتعليل، نحو: * (لتكبروا الله على ما هداكم) * أي لهدايته إياكم. # قال بعضهم: وإذا ذكرت النعمة في الغالب مع الحمد لم تقترن ب‍ " على "، ~~نحو: * (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض) * * (الحمد لله فاطر السماوات ~~والأرض) *، وإذا أريدت فقال النعمة أتى ب‍ " على "، ففي الحديث: كان إذا ~~رأى ما يكره قال الحمد لله على كل حال. ثم أورد هذه الآية. # وأجاب بأن العلو هنا رفع الصوت بالتكبير. # وتجئ للظرفية، نحو: * (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) *. ~~PageV04P284 # ونحو: * (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) *، أي في ملك سليمان، ~~أو في زمن سليمان، أي زمن ملكه. # ويحتمل أن " تتلوا " ضمن معنى " تقول "، فتكون بمنزلة * (ولو تقول علينا) ~~*. # وبمعنى " من " كقوله تعالى: * (اكتالوا على الناس) *. # وحمل عليه قوله: * (من الذين استحق عليهم الأوليان) * أي منهم. # وقوله: * (كان على ربك حتما مقضيا) * أي كان الورود حتما مقضيا من ربك. # وبمعنى عند نحو: * (ولهم على ذنب) *، أي عندي والباء، نحو: * (حقيق على ~~أن لا أقول) * وفى قراءة أبى رضي الله عنه: بالباء. # تنبيه حيث وردت في حق الله تعالى; فإن كانت في جانب الفضل كان معناه ~~الوقوع وتأكيده، كقوله: * (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) *. # وقوله: * (ثم إن علينا حسابهم) *. PageV04P285 # عن تقتضي مجاوزة ما أضيف إليه نحو غيره وتعديه عنه، تقول: أطعمته عن جوع، ~~أي أزلت عنه الجوع، ورميت عن القوس; ms0995 أي طرحت السهم عنها. وقولك: أخذت العلم ~~عن فلان، مجاز، لأن علمه لم ينتقل عنه; ووجه المجاز أنك لما تلقيته منه صار ~~كالمنتقل إليك عن محله، وكذلك قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره) *، لأنهم إذا خالفوا هذا أمره بعدوا عنه وتجاوزوه. # قال أبو محمد البصري: عن تستعمل أعم من " على " لأنه يستعمل في الجهات ~~الست، وكذلك وقع موقع " على " في قوله: # * إذا رضيت على بنو قشير * ولو قلت: أطعمته من جوع، وكسوته على عرى، لم ~~يصح. # * * * وتجئ للبدل، نحو: * (واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا) *. # وللاستعلاء، نحو: * (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) *. # وقوله: * (إني أحببت حب الخير عن ذكر ربى) *، أي قدمته عليه. # وقيل: على بابها، أي منصرفا عن ذكر ربى. # وحكى الرماني عن أبي عبيدة أن " أحببت "، من أحب البعير إحبابا; إذا برك ~~فلم يقم، ف‍ " عن " متعلقة باعتبار معناه التضمين، أي تثبطت عن ذكر ربى، ~~وعلى هذا ف‍ " حب الخير " مفعول لأجله. # * * * PageV04P286 # وللتعليل، نحو: * (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة) *. # * (وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك) *. # * * * وبمعنى " بعد " نحو: * (عما قليل ليصبحن نادمين) *. # * (يحرفون الكلم عن مواضعه) *، بدليل أن في مكان آخر " من بعد مواضعه ". # * (لتركبن طبقا عن طبق) *. # * * * وبمعنى " من " نحو * (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) *. # * (أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا) *، بدليل: * (فتقبل من أحدهما ~~ولم يتقبل من الآخر) *. # * * * وبمعنى " الباء " نحو: * (وما ينطق عن الهوى) *. وقيل: على ~~حقيقتها، أي: وما يصدر قوله عن هوى. وقيل: للمجاوزة; لأن نطقه متباعد عن ~~الهوى، متجاوز عنه. # وفيه نظر، لأنها إذا كانت بمعنى الباء، نفى عنه النطق في حال كونه متلبسا ~~بالهوى، وهو صحيح، وإذا كانت على بابها نفى عنه التعلق حال كونه مجاوزا عن ~~الهوى، فيلزم أن يكون النطق حال كونه متلبسا بالهوى. وهو فاسد. PageV04P287 # عسى للترجي في المحبوب، والإشفاق في المكروه. وقد اجتمعا في قوله تعالى: ~~* (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر ms0996 لكم) *. # قال ابن فارس: وتأتي للقرب والدنو، كقوله تعالى: * (قل عسى أن يكون ردف ~~لكم) *، قال: وقال الكسائي: كل ما في القرآن من " عسى " على وجه الخبر فهو ~~موحد، نحو: * (عسى أن يكونوا خير منهم) *، * (وعسى أن تكرهوا شيئا) *، ووحد ~~على " عسى الأمر أن يكون كذا ". # وما كان على الاستفهام فهو يجمع، كقوله تعالى: * (فهل عسيتم إن توليتم) ~~*. # قال أبو عبيدة معناه: هل عدوتم ذلك؟ هل جزتموه؟ # وروى البيهقي في سننه عن ابن عباس، قال: كل " عسى " في القرآن فهي واجبة. # وقال الشافعي: يقال: عسى من الله واجبة. # وحكى ابن الأنباري عن بعض المفسرين أن " عسى " في جميع القرآن واجبة، إلا ~~في موضعين في سورة بني إسرائيل: # * (عسى ربكم أن يرحمكم) *، يعنى بنى النضير، فما رحمهم الله، بل قاتلهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوقع عليهم العقوبة. PageV04P288 # وفى سورة التحريم: * (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن) *، ~~ولازمنه حتى محمد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعمم بعضهم القاعدة، وأبطل الاستثناء، لأن تقديره أن يكون على شرط، أي في ~~وقت من الأوقات، فلما زال الشرط وانقضى الوقت، وجب عليكم العذاب، فعلى هذا ~~لم تخرج عن بابها الذي هو الإيجاب. # وكذا قوله: * (عسى ربه إن طلقكن) * تقديره: واجب أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن، أي لبت طلاقكن، ولم يبت طلاقهن، فلا يجب التبديل. # وقال صاحب،، الكشاف،، في سورة التحريم: * (عسى ربه) * إطماع من الله ~~تعالى لعباده. وفيه وجهان: أحدهما أن يكون على ما جرت به عادة الجبابرة من ~~الإجابة ب‍ " لعل " وعسى، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت. والثاني أن تجئ ~~تعليما للعباد وجوب الترجيح بين الخوف والرجاء. PageV04P289 # عند ظرف مكان بمعنى " لدن " إلا أن " عند " معربة، وكان القياس بناءها ~~لافتقارها إلى ما تضاف إليه، ك‍ " لدن " وإذ، ولكن أعربوا " عند " لأنهم ~~توسعوا فيها، فأوقعوها على ما هو ملك الشخص، حضره أو غاب عنه، بخلاف " لدن ~~" فإنه لا يقال: # لدن فلان; إلا إذا كان بحضرة القائل، ف‍ " عند ms0997 " بهذا الاعتبار أعم من " ~~لدن "; ويستأنس له بقوله: * (آتيناه كان رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما) *، أي من العلم الخاص بنا، وهو علم الغيب. # وقوله: * (وهب لنا من لدنك رحمة) *، الظاهر أنها بمعنى " عندك "; وكأنها ~~أعم من " لدن " لما ذكرنا، فهي أعم " من بين يدي "; لاختصاص هذه بجهة " ~~أمام "; فإن من حقيقتها الكون من جهتي مسامتة البدن. # وتفيد معنى القرب. # وقد تجئ بمعنى " وراء " و " أمام "، إذا تضمنت معنى " قبل " ك‍ " بين يدي ~~الساعة ". # وقد تجئ " وراء " بمعنى " لدى " المضمن معنى " أمام "، كقوله تعالى: * ~~(وكان ورائهم ملك) *. # * (من ورائه جهنم) *. PageV04P290 # * (ويكفرون بما وراءه) *. # وقوله: * (من وراء جدر) *، ويتناول الحالين بالتضايف. # وقد يطلق لتضمنه معنى الطواعية وترك الاختيار مع المخاطب، كقوله تعالى: # * (ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله) *، من النهى عن التقديم، أو التقدم ~~على وجه المبادرة بالرأي والقول، أي لا تقدموا القول، أو لا تقدموا بالقول ~~بين يدي قول الله. وعلى هذا يكون المعنى بقوله: * (بين يدي الله ورسوله) * ~~املاء بالمعنى. # وإذا ثبت أن " عند " و " لدى " للقرب، فتارة يكون حقيقيا، كقوله: * (ولقد ~~رآه نزلة أخرى. عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى) *. # * (وألفيا سيدها لدى الباب) *. # وتارة مجازا، إما قرب المنزلة والزلفى، كقوله: * (بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون. # * (إن الذين عند ربك) * وعلى هذا قيل: الملائكة المقربون. # أو قرب التشريف، كقوله: * (رب ابن لي عند ك بيتا في الجنة) *، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وهزلي وجدي، كذلك عندي "، أي ~~في دائرتي; إشارة لأحوال أمته; وإلا فقد ثبتت له العصمة. # وتارة بمعنى الفضل; ومنه: * (فإن أتممت عشرا فمن عندك) *، أي من فضلك ~~وإحسانك. # وتارة يراد به الحكم، كقوله: * (فأولئك عند الله هم الكاذبون) *. ~~PageV04P291 # * (وهو عند الله عظيم) * أي في حكمه تعالى. # وقوله: * (إن كان هذا هو الحق من عندك) * أي في حكمك. وقيل بحذف " عند " ~~في الكلام; وهي مرادة للإيجاز كقوله تعالى: * (الحق من ربك) *. # * (رسول من الله) *. # * (عذاب من الرحمن) *، أي من عند الرحمن; ms0998 لظهور: * (قد جائكم من الله ~~نور) *. # وقد تكون " عند " للحضور، نحو: * (فلما رآه مستقرا عنده) *. # وقد يكون الحضور والقرب معنويين، نحو: * (قال الذي عنده علم من الكتاب) ~~*. # ويجوز: وأنزل عندك. # -،، * * * *،، - PageV04P292 # غير متى حسن موضعها " لا " كانت حالا، ومتى حسن موضعها " إلا " كانت ~~استثناء. # ويجوز أن تقع صفة لمعرفة، إذا كان مضافها إلى ضد الموصوف، بشرط أن يكون ~~له ضد واحد، نحو مررت بالرجل الصادق غير الكاذب; لأنه حينئذ يتعرف. # ومنه قوله تعالى: * (الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) *، فإن الغضب ~~ضد النعمة، والأول هم المؤمنون والثاني هم الكفار. # وأورد عليه قوله تعالى: * (نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل) *، فإنه أضيف ~~إلى الذين كانوا يعملون، وهو ضد الصالح كأنه قيل: " الصالح ". # وأجيب بأن الذين كانوا يعملون بعض الصالح فلم يتمحض فيهما. PageV04P293 # الفاء ترد عاطفة، وللسببية، وجزاء، وزائدة. # الأول: العاطفة; ومعناها التعقيب، نحو قام زيد فعمرو; أي أن قيامه بعده ~~بلا مهلة. والتعقيب في كل شئ بحسبه; نحو: * (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما ~~مما كانا فيه) * وأما قوله تعالى: * (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ~~بياتا) *، والبأس في الوجود قبل الهلاك - وبها احتج الفراء على أن ما بعد ~~الفاء يكون سابقا - ففيه عشرة أوجه: # أحدها: أنه حذف السبب وأبقى المسبب; أي أردنا إهلاكها. # الثاني: أن الهلاك على نوعين: استئصال، [وبغير استئصال]، والمعنى: وكم ~~قرية أهلكناها بغير استئصال للجميع، فجاءها بأسنا باستئصال الجميع. # الثالث: أنه لما كان مجئ البأس مجهولا للناس، والهلاك معلوم لهم، وذكره ~~عقب الهلاك، وإن كان سابقا; لأنه لا يتضح إلا بالهلاك. # الرابع: * (أن المعنى قاربنا إهلاكها; فجاءها بأسنا; فأهلكناها. # الخامس: أنه على التقديم والتأخير; أي جاءها بأسنا فأهلكناها. # السادس: أن الهلاك ومجئ البأس، لما تقاربا في المعنى، جاز تقديم أحدهما ~~على الآخر. PageV04P294 # السابع: أن معنى: * (فجاءها) * أنه لما شوهد الهلاك، علم مجئ البأس، وحكم ~~به من باب الاستدلال بوجود الأثر على المؤثر. # الثامن: أنها عاطفة للمفصل على المجمل; كقوله تعالى: * (إنا أنشأناهن ~~إنشاء. # فجعلناهن أبكارا. عربا) *. # التاسع: أنها للترتيب الذكرى. ms0999 # العاشر... # * * * وتجئ للمهلة ك‍ " ثم "، كقوله تعالى: * (ثم خلقنا النطفة علقة ~~فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما) *; ولا شك أن ~~بينها وسائط. # وكقوله: * (والذي أخرج المرعى. فجعله غثاء أحوى) *، فإن بين الإخراج ~~والغثاء وسائط. # وجعل منه ابن مالك قوله تعالى: * (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ~~فتصبح الأرض مخضرة) *. وتؤولت على أن " تصبح " معطوف على محذوف تقديره " ~~أتينا به فطال النبت، فتصبح ". # وقيل: بل هي للتعقيب، والتعقيب على ما بعد في العادة، تعقيبا لا على سبيل ~~المضيافة، فرب سنين بعد الثاني عقب الأول في العادة; وإن كان بينهما أزمان ~~كثيرة، كقوله: # * (ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا) *. قاله ابن الحاجب. # وقيل: بل للتعقيب الحقيقي على بابها; وذلك لأن أسباب الاخضرار عند ~~زمانها; PageV04P295 # فإذا تكاملت أصبحت مخضرة بغير مهلة، والمضارع بمعنى الماضي يصح عطفه على ~~الماضي، وإنما لم ينصب على جواب الاستفهام لوجهين: # أحدهما: أنه بمعنى التقرير، أي قد رأيت; فلا يكون له جواب; لأنه خبر. # والثاني: أنه إنما ينصب ما بعد الفاء; إذا كان الأول سببا له، ورؤيته ~~لإنزال الماء ليست سببا لاخضرار الأرض; إنما السبب هو إنزال الماء; ولذلك ~~عطف عليه. # وأما قوله تعالى: * (فإذا قرأت القرآن فاستعذ) *، * (إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا) *، فالتقدير: فإذا أردت; فاكتفى بالسبب عن المسبب. # ونظيره: * (إن اضرب بعصاك الحجر) *، أي فضرب فانفجرت. # وأما قوله: * (ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما) *، فقيل: الفاء في * (فخلقنا العلقة) *، وفى * ~~(فكسونا) * بمعنى " ثم " لتراخي معطوفها. # وقال صاحب،، البسيط،،: طول المدة وقصرها بالنسبة إلى وقوع الفعل فيهما; ~~فإن كان الفعل يقتضى زمنا طويلا طالت المهلة; وإن كان في التحقيق وجود ~~الثاني عقيب الأول بلا مهلة; وأن كان الفعل يقتضى زمنا قصيرا ظهر التعقيب ~~بين الفعلين; فالآية واردة على التقدير الأول; فلا ينافي معنى الفاء. # والحاصل أن المهلة بين الثاني والأول بالنسبة إلى زمن الفعل; وأما ~~بالنسبة إلى الفعل فوجود الثاني عقب الأول من غير مهلة بينهما، هذا ms1000 كله في ~~سورة المؤمنين. PageV04P296 # وقال في سورة الحج: * (ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة) * فعطف الكل ب‍ ~~" ثم "، ولهذا قال لبعضهم: ثم لملاحظة أول زمن المعطوف عليه، والفاء ~~لملاحظة آخره; وبهذا يزول سؤال أن المخبر عنه واحد وهو مع أحدهما بالفاء ~~وهي للتعقيب، وفى الأخرى بثم وهي المهلة، وهما متناقضان. # وقد أورد الشيخ عز الدين هذا السؤال في قوله: * (ثم إلى ربكم مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم تعملون) *، وفى أخرى: * (ثم ينبئكم) *. # وأجاب بأن أول ما تحاسب أمة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الأمم بعدهم، ~~فتحمل الفاء على أول المحاسبين; ويكون من باب نسبة الفعل إلى الجماعة إذا ~~صدر عن بعضهم; كقوله تعالى: * (وقتلهم الأنبياء بغير حق) *، ويحمل " ثم " ~~على تمام الحساب. # فإن قيل: حساب الأولين متراخ عن البعث، فكيف يحسن الفاء؟ فيعود السؤال. # قلنا: نص الفارسي في،، الإيضاح،، على أن " ثم " أشد تراخيا من " الفاء "، ~~فدل على أن الفاء لها تراخ، وكذا ذكر غيره من المتقدمين، ولم يدع أنها ~~للتعقيب إلا المتأخرون. انتهى. # وتجئ لتفاوت ما بين رتبتين; كقوله: * (والصافات صفا فالزاجرات زجرا. ~~فالتاليات ذكرا) * تحتمل الفاء فيه التفاوت رتبة الصف من الزجر ورتبة الزجر ~~من التلاوة، ويحتمل تفاوت رتبة الجنس الصاف من رتبة الجنس الزاجر; بالنسبة ~~إلى صفهم وزجرهم، ورتبة الجنس الزاجر من الجنس التالي بالنسبة إلى زجره ~~وتلاوته. # وقال الزمخشري: للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال: # أحدها: أنها تدل على ترتيب معانيها في الوجود، كقوله: PageV04P297 # يا لهف زيابة للحارث * فالصابح فالغانم فالآيب أي الذي أصبح فغنم فآب. # الثاني: أن تدل على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه; نحو قولك: خذ ~~الأكمل فالأفضل، واعمل الأحسن فالأجمل. # الثالث: أنها تدل على ترتيب موصوفاتها; فإنها في ذلك، نحو " رحم الله ~~المحلقين فالمقصرين ". # * * * النوع الثاني: لمجرد السببية والربط، نحو: * (إنا أعطيناك الكوثر ~~فصل) *، ولا يجوز أن تكون عاطفة; فإنه لا يعطف الخبر على الإنشاء، وعكسه ~~عكسها بمجرد العطف فيما سبق، من نحو: * (غثاء أحوى) *. # وقد تأتى لهما، نحو: * (فو ms1001 كزه موسى فقضى عليه) *، * (فتلقى آدم من ربه ~~كلمات فتاب عليه) *، * (لآكلون من شجر من زقوم. فمالئون منها البطون. # فشاربون عليه من الحميم. فشاربون شرب الهيم) *. # وأما قوله تعالى: * (فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) *، ~~فهذه ثلاث فاءات; وهذا هو الغالب على الفاء المتوسطة بين الجمل المتعاطفة. # وقال بعضهم: إذا ترتب الجواب بالفاء، فتارة يتسبب عن الأول، وتارة يقام ~~مقام ما تسبب عن الأول. # مثال الجاري على طريق السببية: * (سنقرئك فلا تنسى) *، * (فآمنوا ~~فمتعناهم PageV04P298 # إلى حين) *، * (فكذبوه فأنجيناه) *. # ومثال الثاني: * (ما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا) *، * (وجعلنا لهم سمعا ~~وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم) *. # * * * والنوع الثالث: الجزائية، والفاء تلزم في جواب الشرط إذا لم يكن ~~فعلا خبريا، أعني ماضيا ومضارعا، فإن كان فعلا خبريا امتنع دخول الفاء، ~~فيحتاج إلى بيان ثلاثة أمور: # العلة، وتعاقب الفعل الخبري والفاء. # والجواب عن اجتماعهما في قوله تعالى: * (ومن جاء بالسيئة فكبت) *. وقوله: # * (فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا) *. وقراءة حمزة: * (إن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) *. # وعن ارتفاعهما في قوله تعالى: * (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم ~~يقنطون) * وفى قول الشاعر: # * من يفعل الحسنات الله يشكرها * والجواب عن الأول، وهو السؤال عن علة ~~تعاقب الفعل والفاء; أن الجواب هو جملة تامة; يجوز استقلالها فلا بد من شئ ~~يدل على ارتباطها بالشرط، وكونها جوابا له; فإذا كانت الجملة فعلية صالحة ~~لأن تكون جزاء، اكتفى بدلالة الحال على كونها جوابا; لأن الشرط يقتضى ~~جوابا، وهذه الجملة تصلح جوابا ولم يؤت بغيرها; فلزم كونها جوابا. وإذا ~~تعقبت الجواب امتنع دخول الفاء للاستغناء عنها، فإن كانت الجملة غير فعلية ~~لم تكن صالحة PageV04P299 # للجواب بنفسها; لأن الشرط إنما يقتضى فعلين: شرطا وجزاء; فما ليس من ~~مقتضيات أداة الشرط; حتى يدل اقتضاؤها على أنه الجزاء، فلا بد من رابطة، ~~فجعلوا الفاء رابطة; لأنها للتعقيب; فيدل تعقيبها الشرط بتلك الجملة; على ~~أنها الجزاء، فهذا هو السبب في تعاقب الفعل والفاء في باب الجزاء. # والجواب عن الثاني: هو ms1002 أن اجتماع الفعل والفاء في الآيتين غير مبطل ~~للمدعى بتعاقبهما من أن المدعى تعاقبهما، إذا كان الفعل صالحا لأن يجازى ~~به; وهو إذا ما كان صالحا للاستقبال; لإن الجزاء لا يكون إلا مستقبلا. # وقوله: " صدقت " و " كذبت " المراد بالفعل في الآية المضي; فلم يصح أن ~~يكون جوابا فوجبت الفاء. # فإن قيل: فلم سقطت " الفاء " في قوله: * (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) *؟ # قلنا عنه ثلاثة أجوبة: # أحدها: أن " إذا " في الآية ليست شرطا، بل لمجرد الزمان; والتقدير: ~~والذين هم ينتصرون زمان إصابة البغى لهم. # الثاني: أن " هم " زائدة للتوكيد. # الثالث: أن الفاء حسن حذفها كون الفعل ماضيا. # بالأول يجاب عن قوله تعالى: * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان ~~حجتهم إلا أن قالوا) *. PageV04P300 # والجواب عن الثالث أن الفعل والفاء أيضا من قوله: * (وإن تصبهم سيئة بما ~~قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) *، فهو أن " إذا " قامت مقام الفاء، وسدت ~~مسدها، لحصول الربط بها، كما يحصل بالفاء; وذلك لأن " إذا " للمفاجأة، وفى ~~المفاجأة معنى التعقيب. # وأما الأخفش، فإنه جوز حذف الفاء حيث يوجب سيبويه دخولها، واحتج بقوله ~~تعالى: * (وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون) *. # وبقراءة من قرأ: * (وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم) *، في قراءة ~~نافع وابن عامر. # ولا حجة فيه، لأن الأول يجوز أن يكون جواب قسم، والتقدير: والله إن ~~أطعمتموهم; فتكون * (إنكم لمشركون) * جوابا للقسم; والجزاء محذوف سد جواب ~~القسم مسده. # . أما الثانية; فلأن " ما " فيه موصولة لا شرطية، فلم يجز دخول الفاء في ~~خبرها. # * * * والرابع: الزائدة، كقوله تعالى: * (فليذوقوه حميم) *، والخبر " ~~حميم " وما بينهما معترض. # وجعل منه الأخفش: * (فذلك الذي يدع اليتيم) *. # وقال سيبويه: هي جواب لشرط مقدر أي إن أردت عليه فذلك. # وقوله * (فصل لربك وانحر) * بين على قول PageV04P301 # في لمعان كثيرة: # للظرفية: # ثم تارة يكون الظرف والمظروف حسيين، نحو زيد في الدار; ومنه: * (إن ~~المتقين في ظلال وعيون) *، * (فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) *، * (وادخلني ~~برحمتك في عبادك الصالحين) *، * (أولئك الذين حق عليهم القول في أمم) *. # وتارة يكونان معنويين; نحو ms1003 رغبت في العلم، ومنه: * (ولكم في القصاص حياة) ~~*، وتارة يكون المظروف جسما، نحو: * (إنا لنراك في ضلال مبين) *. # وتارة يكون الظرف جسما، نحو: * (في قلوبهم مرض) *. # والأول حقيقة، والرابع أقرب المجازات إلى الحقيقة. # وتجئ بمعنى " مع "، نحو: * (في تسع آيات) *، * (فادخلي في عبادي) *، على ~~قول. # وبمعنى " عند "، نحو: * (ولبثت فينا من عمرك سنين) *. # وللتعليل: * (فذالكن الذي لمتنني فيه) *. # * * * PageV04P302 # وبمعنى " على " كقوله تعالى: * (إذا كنتم في الفلك) *; بدليل قوله: * ~~(فإذا استويت أنت ومن ومعك على الفلك) *، وقوله: * (ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل) * لما في الكلام من معنى الاستعلاء. # وقيل: ظرفية; لأن الجذع للمصلوب بمنزلة القبر للمقبور; فلذلك جاز أن ~~يقال: في. # وقيل: إنما آثر لفظة " في " للإشعار بسهولة صلبهم; لأن " على " تدل على ~~نبو يحتاج فيه إلى تحرك إلى فوق. # وبمعنى " إلى " نحو: * (فتهاجروا فيها) *. # * (فردوا أيديهم في أفواههم) *. # وبمعنى " من ": * (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا) *. # * * * وللمقايسة وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق، كقوله تعالى: * ~~(فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) *. # وللتوكيد، كقوله تعالى: * (اركبوا فيها) *. # * * * وبمعنى بعد: * (وفصاله في عامين) * أي بعد عامين. PageV04P303 # وبمعنى " عن "، كقوله: * (فهو في الآخرة أعمى) *، قيل لما نزلت: * (ولقد ~~كرمنا بني آدم) *، لم يسمعوا ولم يصدقوا; فنزل: * (ومن كان في هذه أعمى فهو ~~في الآخرة أعمى) * أي عن النعيم الذي قلناه، ووصفناه في الدنيا، فهو في ~~نعيم الآخرة أعمى إذ لم يصدق. PageV04P304 # قد تدخل على الماضي المتصرف، وعلى المضارع; بشرط تجرده عن الجازم والناصب ~~وحرف التنفيس. # وتأتي لخمس معان: التوقع، والتقريب، والتقليل، والتكثير، والتحقيق. # * * * فأما التوقع فهو نقيض " ما " التي للنفي. وتدخل على الفعل المضارع، ~~نحو: قد يخرج زيد، تدل على أن الخروج متوقع; أي منتظر. وأما مع الماضي فلا ~~يتحقق الوقوع بمعنى الانتظار; لأن الفعل قد وقع، وذلك ينافي كونه منتظرا، ~~ولذلك استشكل بعضهم كونها للتوقع مع الماضي; ولكن معنى التوقع فيه أن " قد ~~" تدل على أنه كان متوقعا منتظرا، ثم صار ماضيا; ولذلك تستعمل في الأشياء ~~المترقبة. # قال الخليل: إن ms1004 قولك: قد قعد، كلام لقول ينتظرون الخبر. ومنه قول المؤذن: ~~قد قامت الصلاة; لأن الجماعة منتظرون. # وظاهر كلام ابن مالك في،، تسهيله،، أنها لم تدخل على المتوقع لإفادة كونه ~~متوقعا، بل لتقريبه من الحال. انتهى. # ولا يبعد أن يقال: إنها حينئذ تفيد المعنيين. # واعلم أنه ليس من الوجه الابتداء بها إلا أن تكون جوابا لمتوقع، كقوله ~~تعالى: # * (قد أفلح المؤمنون) *; لأن القوم توقعوا علم حالهم عند الله. ~~PageV04P305 # وكذلك قوله: * (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) *; لأنها كانت ~~تتوقع إجابة الله تعالى لدعائها. # * * * وأما التقريب; فإنها ترد للدلالة عليه مع الماضي فقد، فتدخل ~~لتقريبه من الحال; ولذلك تلزم " قد " مع الماضي إذا وقع حالا، كقوله تعالى: ~~* (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) * وأما ما ورد دون " قد " فقوله تعالى: * ~~(هذه بضاعتنا ردت إلينا) *، ف‍ " قد " فيه مقدرة; هذا مذهب المبرد والفراء ~~وغيرهما. # وقيل: لا يقدر قبله قد. # قال ابن عصفور: إن جواب القسم بالماضي المتصرف المثبت، إن كان قريبا من ~~زمن الحال دخلت عليه " قد واللام " نحو: والله لقد قام زيد; وإن كان بعيدا ~~لم تدخل، نحو: والله لقام زيد. # وكلام الزمخشري يدل على أن " قد " مع الماضي في جواب القسم للتوقع، قال ~~في الكشاف عند قوله: * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه) * في سورة الأعراف. # فإن قلت: مالهم لا يكادون ينطقون باللام إلا مع " قد " وقل عندهم مثل ~~قوله: # حلفت لها بالله حلفة فاجر * لناموا فما إن حديث ولا صال قلت: إنما كان ~~كذلك; لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي ~~جوابها; فكانت مظنة لمعنى التوقع; الذي هو معنى " قد " عند استماع المخاطب ~~كلمة القسم. PageV04P306 # وقال ابن الخباز: إذا دخلت " قد " على الماضي أثرت فيه معنيين: تقريبه من ~~زمن الحال، وجعله خبرا منتظرا; فإذا قلت: قد ركب الأمير، فهو كلام لقوم ~~ينتظرون حديثك. # هذا تفسير الخليل. انتهى. # وظاهر أنها تفيد المعنيين معا في الفعل الواحد. # ولا يقال: إن معنى التقريب ينافي معنى التوقع; لأن ms1005 المراد به ما تقدم ~~تفسيره. # وكلام الزمخشري في،، المفصل،، يدل على أن التقريب لا ينفك عن معنى ~~التوقع. # * * * وأما التقليل، فإنها ترد له مع المضارع، إما لتقليل وقوع الفعل ~~نحو: قد يجود البخيل وقد يصدق الكذوب. أو للتقليل لمتعلق، كقوله تعالى: * ~~(قد يعلم ما أنتم عليه) *، أي ما هم عليه هو أقل معلوماته سبحانه. # وقال الزمخشري: هي للتأكيد، وقال: إن " قد " إن دخلت على المضارع كانت ~~بمعنى " ربما "، فوافقت " ربما " في خروجها إلى معنى التكثر; والمعنى: إن ~~جميع السماوات والأرض مختصا به خلقا وملكا وعلما، فكيف يخفى عليه أحوال ~~المنافقين! # قال في سورة الصف: * (لم تؤذونني وقد تعلمون أنى رسول الله إليكم) *: قد ~~معناها التوكيد، كأنه قال: تعلمون علما يقينا لا شبهة لكم فيه. # ونص ابن مالك على أنها كانت للتقليل صرفت المضارع إلى الماضي. # وقد نازع بعض المتأخرين في أن " قد " تفيد التقليل، مع أنه مشهور ونص ~~عليه الجمهور، فقال: قد تدل على توقع الفعل عمن أسند إليه، وتقليل المعنى ~~لم يستفد من " قد " بل لو قيل: البخيل يجود والكذوب يصدق، فهم منه التقليل; ~~لأن الحكم على من شأنه PageV04P307 # البخل بالجود، وعلى من شأنه الكذب بالصدق، إن لم يحمل ذلك على صدور ذلك ~~قليلا، كان الكلام كذبا; لأن آخره يدفع أوله. # * * * وأما التكثير فهو معنى غريب; وله من التوجيه نصيب، وقد ذكره جماعة ~~من المتأخرين. # وجعل منه الزمخشري: * (قد نرى تقلب وجهك في السماء) *. # وجعلها غيره للتحقيق. # وقال ابن مالك: إن المضارع هنا بمعنى الماضي، أي قد رأينا. # * * * وأما التحقيق فترد لتحقيق وقوع المتعلق مع المضارع والماضي، لكنه ~~قد يرد والمراد به المضي، كما في قوله تعالى: * (قد نرى تقلب وجهك في ~~السماء) *. # * (قد نعلم أنه ليحزنك) *. # * (قد يعلم ما أنتم عليه) *. # وقال الراغب: إن دخلت على الماضي اجتمعت لكل فعل متجدد، نحو: * (قد من ~~الله علينا) *. # * (قد كان لكم آية) *. # * (لقد رضى الله عن المؤمنين) *. # * (لقد تاب الله) *. PageV04P308 # لهذا لا تستعمل في أوصاف الله، لا يقال: " قد كان ms1006 الله غفورا رحيما ". # فأما قوله: * (أن سيكون منكم مرضى) *، فهو متأول للمرضى في المعنى; كما ~~أن النفي في قولك: ما علم الله زيد يخرج، هو للخروج، وتقديره: وما يخرج زيد ~~فيما علم الله. وإن دخلت على المضارع فذلك لفعل يكون في حاله، نحو: * (قد ~~يعلم الله الذين يتسللون منكم) *، أي قد يتسللون فيما علم الله. # -،، * * * *،، - PageV04P309 # الكاف للتشبيه، نحو: * (وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام) * وهو ~~كثير. # وللتعليل، كقوله تعالى: * (كما أرسلنا فيكم رسولا) *، قال الأخفش: أي ~~لأجل إرسالي أي فيكم رسولا منكم، فاذكروني. # وهو ظاهر في قوله تعالى: * (واذكروه كما هداكم) *. # وجعل ابن برهان النحوي منه قوله تعالى: * (ويكأنه لا يفلح الكافرون) *. # وللتوكيد: * (أو كالذي مر على قرية) *. # وقوله: * (ليس كمثله شئ) *، أي ليس شئ مثله; وإلا لزم إثبات المثل. # قال ابن جنى: وإنما زيدت لتوكيد نفى المثل; لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة ~~الجملة ثانيا. # وقال غيره: الكاف زائدة; لئلا يلزم إثبات المثل لله تعالى; وهو محال، ~~لأنها تفيد نفى المثل عن مثله، لا عنه، لأنه لولا الحكم بزيادتها لأدى إلى ~~محال آخر; وهو أنه إذا لم يكن مثل شئ لزم ألا يكون شيئا; لأن مثل المثل ~~مثله. # قيل: المراد مثل الشئ ذاته وحقيقته، كما يقال: مثلي لا يفعل كذا، أي أنا ~~لا أفعل; وعلى هذا لا تكون زائدة. # وقال ابن فورك: هي غير زائدة، والمعنى ليس مثل مثله شئ، وإذا نفيت ~~التماثل عن الفعل، فلا مثل لله على الحقيقة. # قال صاحب المستوفى. ولتأكيد الوجود، كقوله تعالى: * (قل رب ارحمهما كما ~~ربياني صغيرا) *، أي أن تربيتهما لي قد وجدت، كذلك أوجد رحمتك لهما يا رب. ~~PageV04P310 # كان تأتى للمضي، وللتوكيد، وبمعنى القدرة كقوله: * (ما كان لكم أن تنبتوا ~~شجرها) *، أي ما قدرتم. # وبمعنى " ينبغي " كقوله: * (ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) *، أي لم ينبغ ~~لنا. # وتكون زائدة، كقوله تعالى: * (وما علمي بما كانوا يعملون) *، أي بما ~~يعملون; لأنه قد كان عالما ما علموه من إيمانهم به. # قد سبقت في مباحث الأفعال. ms1007 # كأن للتشبيه المؤكد; ولهذا جاء * (كأنه هو) *، دون غيرها من أدوات ~~التشبيه. # ولليقين، كما في قوله تعالى: * (ويكأن الله يبسط الرزق) *، على ما سيأتي. # وقد تخفف، قال تعالى: * (كأن لم يدعنا إلى ضر مسه) *. # كأين بمعنى " كم " للتكثير; لأنها كناية عن العدد، قال تعالى: * (وكأين ~~من قرية عتت عن أمر ربها ورسله) *. وفيها قراءتان: " كائن " على وزن " قائل ~~" و " بائع " " وكأين " بتشديد الياء. PageV04P311 # قال ابن فارس: سمعت بعض أهل القرية يقول: ما أعلم كلمة تثبت فيها النون ~~خطا غيره هذه. # كاد بمعنى قارب، وسبقت في مباحث الأفعال. # -،، * * * *،، - PageV04P312 # كلا قال سيبويه: حرف ردع وزجر. # قال الصفار: إنها تكون اسما للرد، إما لرد ما قبلها، وإما لرد ما بعدها، ~~كقوله تعالى: * (كلا سوف تعلمون. ثم كلا سوف تعلمون) *، هي رد لما قبلها; ~~لأنه لما قال: * (ألهاكم التكاثر. حتى زرتم المقابر) *، كان إخبارا بأنهم ~~لا يعلمون الآخرة ولا يصدقون بها، فقال: * (سوف تعلمون) *، فلا يحسن الوقف ~~عليها هنا إلا لتبيين ما بعدها، ولو لم يفتقر لما بعدها لجاز الوقف. # وقوله: * (يحسب أن ماله أخلده. كلا) *، هي رد لما قبلها; فالوقف عليها ~~حسن. انتهى. # وقال ابن الحاجب: شرطه أن يتقدم ما يرد بها ما في غرض المتكلم; سواء كان ~~من كلام غير المتكلم على سبيل الحكاية أو الإنكار، أو من كلام غيره. # كقوله تعالى: * (كلا) * بعد قوله: * (يقول الإنسان يومئذ أين المفر) *. # كقوله تعالى: * (قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا) *. # وكقولك: أنا أهين العالم! كلا. انتهى. PageV04P313 # هي نقيض " أي " في الإثبات، كقوله: * (كلا لا تطعه) *. # وقوله: * (أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا. كلا) *. # وقوله: * (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا. كلا) *. # وتكون بمعنى " حقا " صلة لليمين، كقوله: * (كلا والقمر) *. # * (كلا إذا دكت الأرض دكا دكا) *. # وقوله: * (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) *، * (كلا إن كتاب الفجار ~~لفي سجين) *، * (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين) *. # وأما قوله: * (يحسب أن ماله أخلده. كلا) *، فيحتمل الأمرين. # * * * قد اختلف القراء في الوقف عليها. # فمنهم ms1008 من يقف عليها أينما وقعت، وغلب عليها معنى الزجر. # ومنهم من يقف دونها أينما وقعت; ويبتدئ بها، وغلب عليها معنى الزجر. # ومنهم من يقف دونها أينما وقعت، ويبتدئ بها، وغلب عليها أن تكون لتحقيق ~~ما بعدها. # ومنهم من نظر إلى المعنيين، فيقف عليها إذا كانت بمعنى الردع، ويبتدئ بها ~~إذا كانت بمعنى التحقيق. وهو أولى. PageV04P314 # ونقل ابن فارس عن بعضهم أن " ذلك " و " هذا " نقيضان [ل‍ " لا "، وأن " ~~كذلك " نقيض] ل‍ " كلا "، كقوله تعالى: * (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم) ~~* على معنى: ذلك كما قلنا وكما فعلنا. # ومثله: * (هذا وإن للطاغين لشر مآب) *. # قال: ويدل على هذا المعنى دخول الواو بعد قوله: " ذلك " و " هذا " لأن ما ~~بعد الواو يكون معطوفا على ما قبله بها وإن كان مضمرا. وقال تعالى: * (وقال ~~الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) *، ثم قال: * (كذلك) * أي ~~كذلك فعلنا ونفعله من التنزيل، وهو كثير. # وقيل: إنها إذا كانت بمعنى " لا " فإنها تدخل على جملة محذوفة، فيها نفى ~~لما قبلها، والتقدير: ليس الأمر كذلك; وهي على هذا حرف دال على هذا المعنى، ~~ولا تستعمل عند خلاف النحويين بهذا المعنى إلا في الوقف عليها، ويكون زجرا ~~وردا أو إنكارا لما قبلها; وهذا مذهب الخليل وسيبويه والأخفش والمبرد ~~والزجاج وغيرهم; لأن فيها معنى التهديد والوعيد; ولذلك لم تقع في القرآن ~~إلا في سورة مكية، لأن التهديد والوعيد أكثر ما نزل بمكة; لأن أكثر عتو ~~المشركين وتجبرهم بمكة، فإذا رأيت سورة فيها " كلا "، فأعلم أنها مكية. # وتكون " كلا " بمعنى " حقا " عند الكسائي، فيبتدأ بها لتأكيد ما بعدها، ~~فتكون في موضع المصدر، ويكون موضعها نصبا على المصدر، والعامل محذوف، أي ~~أحق ذلك حقا. PageV04P315 # لا تستعمل بهذا المعنى عند حذاق النحويين; إلا إذا ابتدئ بها لتأكيد ما ~~بعدها. # وتكون بمعنى " ألا " فيستفتح بها الكلام، وهي على هذا حرف. وهذا مذهب أبي ~~حاتم; واستدل على أنها للاستفتاح أنه روى أن جبريل نزل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم بخمس آيات من ms1009 سورة العلق، ولما قال: * (علم الإنسان ما لم يعلم) ~~*، طوى النمط. فهو وقف صحيح، ثم لما نزل بعد ذلك: * (إن الإنسان ليطغى) *، ~~فدل على أن الابتداء ب‍ " كلا " من طريق الوحي، فهي في الابتداء بمعنى " ~~ألا " عنده. # فقد حصل ل‍ " كلا " معاني النفي في الوقف عليها، و " حقا " و " ألا " في ~~الابتداء بها. # وجميع " كلا " في القرآن ثلاثة وثلاثون موضعا، في خمس عشرة سورة، ليس في ~~النصف الأول من ذلك شئ. # وقوله تعالى: * (كلا إنها كلمة هو قائلها) *، على معنى " ألا "، واختار ~~قوم جعلها بمعنى حقا. وهو بعيد لأنه يلزم فتح " إن " بعدها ولم يقرأ به ~~أحد. PageV04P316 # كل اسم وضع لضم أجزاء الشئ على جهة الإحاطة; من حيث كان لفظه مأخوذا من ~~لفظ " الإكليل " و " الكلة " و " الكلالة "; مما هو للإحاطة بالشئ، وذلك ~~ضربان: # أحدهما انضمام لذات الشئ وأحواله المختصة به، وتفيد معنى التمام، كقوله ~~تعالى: * (ولا تبسطها كل البسط) *، أي بسطا تاما. # * (فلا تميلوا كل الميل) *، ونحوه. # الثاني انضمام الذوات; وهو المفيد للاستغراق. # ثم إن دخل على منكر أوجب عموم أفراد المضاف إليه، أو على معرف أوجب عموم ~~أجزاء ما دخل عليه. # وهو ملازم للأسماء، ولا يدخل على الأفعال. # وأما قوله تعالى: * (وكل أتوه داخرين) *، فالتنوين بدل من المضاف، أي كل ~~واحد. # وهو لازم للإضافة معنى، ولا يلزم إضافته لفظا إلا إذا وقع تأكيدا أو ~~نعتا، وإضافته منوية عند تجرده منها. # يضاف تارة إلى الجمع المعرف، نحو كل القوم. ومثله اسم الجنس، نحو: * (كل ~~الطعام كان حلا لبني إسرائيل) *، وتارة إلى ضميره نحو: * (وكلهم آتيه يوم ~~PageV04P317 # القيامة فردا) *، * (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) *، * (ليظهره على الدين ~~كله) *. # وإلى نكرة مفردة، نحو: * (وكل إنسان ألزمناه طائره) *، * (والله بكل شئ ~~عليم) *، * (كل نفس بما كسبت رهينة) *. # وربما خلا من الإضافة لفظا وينوى فيه، نحو: * (كل في فلك يسبحون) * * ~~(وكل أتوه داخرين) *، * (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) *، * (كلا هدينا) *، ~~* (كل من الصابرين) *، * (كلا ضربنا له الأمثال) *. # هل تنوينه حينئذ عوض أو تنوين صرف؟ ms1010 قولان. # قال أبو الفتح: وتقديمها أحسن من تأخيرها; لأن التقدير: " كلهم "، فلو ~~أخرت لباشرت العوامل، مع أنها في المعنى منزلة منزلة ما لا يباشره، فلما ~~تقدمت أشبهت المرتفعة بالابتداء; في أن كلا منهما لم يل عاملا في اللفظ، ~~وأما " كل " المؤكد بها فلازمة للإضافة. # وتحصل لها ثلاثة أحوال: # مؤكدة، ومبتدأ بها مضافة، ومقطوعة عن الإضافة. # فأما المؤكدة فالأصل فيها أن تكون توكيدا للجملة، أو ما هو في حكم الجملة ~~مما يتبعض، لأن موضوعها الإحاطة كما سبق. # وأما المضافة غير المؤكدة، فالأصل فيها أن تضاف إلى النكرة الشائعة في ~~الجنس لأجل PageV04P318 # معنى الإحاطة، وهو إنما ما يطلب جنسا يحيط به، فإن أضفته إلى جملة معرفة ~~نحو كل إخوتك ذاهب، قبح إلا في الابتداء، إلا أنه إذا كان مبتدأ وكان خبره ~~مفردا، تنبيها على أن أصله الإضافة للنكرة لشيوعها. # فإن لم يكن مبتدأ وأضفته إلى جملة معرفة، نحو: ضربت كل إخوتك، وضربت كل ~~القوم، لم يكن في الحسن بمنزلة ما قبله، لأنك لم تضفه إلى جنس، ولا معك في ~~الكلام خبر مفرد يدل على معنى إضافته إلى جنس معرف بالألف واللام حسن ذلك، ~~كقوله تعالى: * (فأخرجنا به من كل الثمرات) *، لأن الألف واللام للجنس، ولو ~~كانت للعهد لم يحسن، لمنافاتها معنى الإحاطة. # ويجوز أن يؤتى بالكلام على أصله، فتؤكد الكلام ب‍ " كل " فتقول: خذ من ~~الثمرات كلها. # فإن قيل: فإذا استوى الأمران في قوله: كل من كل الثمرات، وكل من الثمرات ~~كلها، فما الحكمة في اختصاص أحد الجائزين في نظم القرآن دون الآخر؟ # قال السهيلي في،، النتائج،،: له حكمة، وهو أن " من " في الآية لبيان ~~الجنس لا للتبعيض، والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف، وإنما يريد ~~الثمرات أنفسها، لأنه أخرج منها شيئا، وأدخل " من " لبيان الجنس كله. ولو ~~قال: " أخرجنا به من الثمرات كلها " لقيل: أي شئ أخرج منها؟ وذهب التوهم ~~إلى أن المجرور في موضع ظرف وأن مفعول * (أخرجنا) * فيما بعد، وهذا يتوهم ~~مع تقدم " كل " لعلم المخاطبين أن ms1011 " كلا " PageV04P319 # إذا تقدمت اقتضت الإحاطة بالجنس، وإذا تأخرت اقتضت الإحاطة بالمؤكد ~~بتمامه; جنسا شائعا كان أو معهودا. # وأما قوله تعالى: * (كلي من كل الثمرات) *، ولم يقل " من الثمرات كلها " ~~ففيه الحكمة السابقة، وتزيد فائدة، وهي أنه قد تقدمها في النظم: * (ومن ~~ثمرات النخيل والأعناب...) * الآية. # فلو قال بعدها. " ثم كلي من الثمرات كلها " لأوهم أنها للعهد المذكور ~~قبله; فكان الابتداء ب‍ " كل " أحضر للمعنى، وأجمع للجنس، وأرفع للبس. # وأما المقطوع عن الإضافة، فقال السهيلي: حقها أن تكون مبتدأة مخبرا عنها، ~~أو مبتدأة منصوبة بفعل بعدها لا قبلها، أو مجرورة يتعلق خافضها بما بعدها، ~~كقولك: # كلا ضربت وبكل مررت. فلا بد من مذكورين قبلها، لأنه إن لم يذكر قبلها ~~جملة، ولا أضيفت إلى جملة، بطل معنى الإحاطة فيها، ولم يعقل لها معنى. # * * * واعلم أن لفظ " كل " لأفراد التذكير، ومعناه بحسب ما يضاف إليه، ~~والأحوال ثلاثة: # فالأول أن يضاف إلى نكرة فيجب مراعاة معناها، فلذلك جاء الضمير مفردا ~~مذكرا في قوله تعالى: * (وكل شئ فعلوه في الزبر) *، * (وكل إنسان ألزمناه) ~~* ومفردا مؤنثا في قوله: * (كل نفس بما كسبت رهينة) *، * (كل نفس ذائقة ~~الموت) *، PageV04P320 # مجموعا مذكرا في قوله: * (كل حزب بما لديهم فرحون) *، في معنى الجمع; ~~لأنه اسم جمع. # وما ذكرناه من وجوب مراعاة المعنى مع النكرة دون لفظ " كل " قد أوردوا ~~عليه نحو قوله تعالى: * (وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه) *، وقوله: * (وعلى ~~كل ضامر يأتين) *، وقوله: * (وحفظا من كل شيطان مارد. لا يسمعون إلى الملأ ~~الأعلى) *. # أجيب بأن الجمع في الأولى باعتبار " الأمة ". # وكذلك في الثانية فإن الضامر اسم جمع; كالجامل والباقر. # وكذلك في الثالثة; إنما عاد الضمير إلى الجمع المستفاد من الكلام، فلا ~~يلزم عوده إلى " كل ". # وزعم الشيخ أثير الدين في تفسيره: * (ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله) ~~*، ثم قال: * (أولئك لهم عذاب مهين) *، أنه مما روعي فيه المعنى بهذا ~~اللفظ. # وليس كذلك; فإن الضمير لم يعد إلى " كل " بل على " الأفاكين " الدالة ~~عليه * (كل أفاك) *. # وأيضا فهاتان جملتان ms1012 والكلام في الجملة الواحدة. # * * * الثاني: أن تضاف إلى معرفة، فيجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها، ~~سواء كانت الإضافة لفظا، نحو: * (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) *، فراعى ~~لفظ " كل ". # ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: " كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته " ولم ~~يقل: راعون ولا مسؤولون. PageV04P321 # أو معنى; نحو: * (فكلا أخذنا بذنبه) *، فراعى لفظها، وقال: * (وكل أتوه ~~داخرين) *، فراعى المعنى. # وقد اجتمع مراعاة اللفظ والمعنى في قوله تعالى: * (إن كل من في السماوات ~~والأرض إلا آتي الرحمن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة ~~فردا) *; هذا إذا جعلنا " من " موصولة، فإن جعلناها نكرة موصوفة، خرجت من ~~هذا القسم إلى الأول. # * * * الثالث: أن تقطع عن الإضافة لفظا، فيجوز مراعاة لفظها ومراعاة ~~معناها. # فمن الأول: * (كل آمن بالله) *، * (قل كل يعمل على شاكلته) *، * (إن كل ~~إلا كذب الرسل) *، ولم يقل: " كذبوا "، * (فكلا أخذنا بذنبه) *. # ومن الثاني: * (وكل كانوا ظالمين) *، * (كل في فلك يسبحون) *، * (كل له ~~قانتون) *، * (وكل أتوه داخرين) * قال أبو الفتح: وعلته أن أحد الجمعين ~~عندهم كان عن صاحبه; فإن لفظ " كل " للأفراد ومعناها الجمع، وهذا يدل على ~~أنهم قدروا المضاف إليه المحذوف في الموضعين جمعا، فتارة روعي كما إذا صرح ~~به، وتارة روعي لفظ " كل "، وتكون حالة الحذف مخالفة لحال الإثبات. ~~PageV04P322 # قيل: ولو قال قائل: حيث أفرد يقدر الحذف مفردا، وحيث جمع يقدر جمعا، ~~فيقدر في قوله: * (فكلا أخذنا بذنبه) * " كل واحد "، ويقدر في قوله: * (وكل ~~أتوه داخرين) * " كل نوع مما سبق " لكان موافقا إذا أضيف لفظا إلى نكرة. # وما ذكروه يقتضى أن تقديره: وكلهم أتوه، وكلا التقديرين سائغ، والمراد ~~الجمع. # ويتعين في قوله تعالى: * (كل في فلك يسبحون) *، أن كلا من الشمس والقمر ~~والليل والنهار لا يصح وصفه بالجمع. وقد قدر الزمخشري: * (كل يعمل على ~~شاكلته) *: # كل أحد، وهو يساعد ما ذكرناه. # وما ذكرناه في هذه الحالة هو المشهور. # وقال السهيلي في،، نتاج الفكر،،: إذا قطعت " كل " عن الإضافة فيجب أن ~~يكون خبرها جمعا; لأنها أسم في معنى الجمع، تقول: ms1013 كل ذاهبون; إذا تقدم ذكر ~~قوم. وأجاب عن إفراد الخبر في الآيات السابقة; بأن فيها قرينة تقتضي تحسين ~~المعنى بهذا اللفظ دون غيره. # أما قوله: * (كل يعمل على شاكلته) *، فلأن قبلها ذكر فريقين مختلفين، ~~مؤمنين وظالمين، فلو جمعهم في الأخبار وقال: كل يعملون، لبطل معنى ~~الاختلاف، وكان لفظ الإفراد أدل على المراد، والمعنى: كل فريق يعمل على ~~شاكلته. # وأما قوله: * (إن كل إلا كذب الرسل) *، فلأنه ذكر قرونا وأمما، وختم ~~ذكرهم بقوم تبع، فلو قال: كل كذبوا، لعاد إلى أقرب مذكور، فكان يتوهم أن ~~الأخبار عن قوم تبع خاصة، فلما قال: * (إن كل إلا كذب) *، علم أنه يريد كل ~~فريق منهم كذب، لأن إفراد الخبر عن " كل " حيث وقع إنما يدل على هذا ~~المعنى. PageV04P323 # مسألة وتتصل " ما " ب‍ " كل " نحو: * (كلما رزقوا منها) *، وهي مصدرية، ~~لكنها نائبة بصلتها عن ظرف زمان، كما ينوب عنه المصدر الصريح، والمعنى: # كل وقت. # وهذه تسمى " ما " المصدرية الظرفية، أي النائبة عن الظرف، لا أنها ظرف في ~~نفسها، ف‍ " كل " من " كلما " منصوب على الظرفية لإضافته إلى شئ هو قائم ~~مقام الظرف. # ثم ذكر الفقهاء والأصوليون أن " كلما " للتكرار. قال الشيخ أبو حيان: ~~وإنما ذلك من عموم " ما " لأن الظرفية مراد بها العموم، فإذا قلت: أصحبك ما ~~ذر لله شارق، فإنما تريد العموم، ف‍ " كل " أكدت العموم الذي أفادته " ما " ~~الظرفية; لا أن لفظ " كلما " وضع للتكرار كما يدل عليه كلامهم، وإنما جاءت ~~" كل " توكيدا للعموم المستفاد من " ما " الظرفية. انتهى. # وقوله: إن التكرار من عموم " ما " ممنوع; فإن " ما " المصدرية لا عموم ~~لها، ولا يلزم من نيابتها عن الظرف دلالتها على العموم; وإن استفيد عموم في ~~مثل هذا الكلام فليس من " ما " إنما هو من التركيب نفسه. # وذكر بعض الأصوليين أنها إذا وصلت " ما " صارت أداة لتكرار الأفعال ~~وعمومها قصدي، وفى الأسماء ضمني. قال تعالى: * (كلما نضجت جلودهم) *، وإذا ~~جردت من لفظ " ما "، انعكس الحكم وصارت عامة في الأسماء قصدا، وفى الأفعال ~~ضمنا. PageV04P324 # ويظهر ms1014 الفرق بينهما في قوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق تطلق كل امرأة ~~يتزوجها، وتكون عامة في جميع النساء لدخولها على الاسم وهو قصدي. ولو تزوج ~~امرأة ثم تزوجها مرة أخرى لم تطلق في الثانية لعدم عمومها قصدا في الأسماء. ~~ولو قال: كلما تزوجت امرأة فهي طالق فتزوج امرأة مرارا طلقت في كل مرة ~~لاقتضائها عموم الأفعال قصدا، وهو التزوج. # مسألة ويأتي " كل " صفة، ذكره سيبويه في باب النعت قال: ومن الصفة أنت ~~الرجل كل الرجل; ومررت بالرجل كل الرجل. # قال الصفار: هذا يكون عند قصد التأكيد والمبالغة، فإن قولك: " الرجل " ~~معناه الكامل، ومعنى " كل الرجل " أي هو الرجل، لعظمته قد قام مقام الجنس، ~~كما تقول: # أكلت شاة كل شاة. وإليه أشار بقوله صلى الله عليه وسلم: " كل الصيد في ~~جوف الفرا " أي أن من صاده فقد صاد جميع الصيد لقيامه مقامه لعظمته، قال: ~~وهذا إنما يجوز إذا سبقها ما فيه رائحة الصفة كما ذكرنا، فلو كان جامدا لم ~~يجز، نحو: مررت بعبد الله، كل الرجل. # لا يفهم من " عبد الله " شئ. PageV04P325 # كلا وكلتا هما توكيد الاثنين; وفيهما معنى الإحاطة; ولهذا قال الراغب: هي ~~في التثنية ككل في الجمع، ومفرد اللفظ مثنى المعنى; عبر عنه مرة بلفظه، ~~ومرة بلفظ الاثنين، اعتبارا بمعناه; قال تعالى: * (إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما) *. # قلت: لا خلاف أن معناها التثنية. واختلف في لفظها، فقال البصريون: مفرد، ~~وقال الكوفيون: تثنية. # والصحيح الأول; بدليل عود الضمير إليها مفردا في قوله: * (كلتا الجنتين ~~آتت) *; فالإخبار عن " كلتا " بالمفرد دليل على أنها مفرد; إذ لو كان مثنى ~~لقال: # " آتتا "، ودليل إضافتها إلى المثنى في قوله: * (أحدهما أو كلاهما) *، ~~ولو كان مثنى لم يجز إضافته إلى التثنية; لأنه لا يجوز إضافة الشئ إلى ~~نفسه. والفصيح مراعاة اللفظ; لأنه الذي ورد به القرآن; فيقال: كلا الرجلين ~~خرج، وكلتا المرأتين حضرت. # وقد نازع بعض المتأخرين وقال: ليس معناه التثنية على الإطلاق كما ذكره ~~النحاة، ولو كان كذلك لكثرة مراعاة المعنى; كما ms1015 كثرت مراعاته في " من " و " ~~ما " الموصولتين; لكن أكثر ما جاء في لسان العرب عود الضمير مفردا; * (كلتا ~~الجنتين آتت) *، وما جاء فيه مراعاة المعنى في غاية القلة. # قال: فالصواب أن معناها مفرد صالح لكل من الأمرين المضاف إليهما. وأما ~~مراعاة التثنية فيه فعلى سبيل التوسع; ووجه التوسع أن كل فرد في جانب ~~الثبوت معه غيره; PageV04P326 # فجاءت التثنية بهذا الاعتبار; فالإفراد فيه مراعاة المعنى واللفظ، ~~والتثنية مراعاة المعنى من بعض الوجوه. # فائدة وقع في شعر أبى تمام " كلا الآفاق "، وخطأه المعرى; لأن " كلا " ~~يستعمل في الاثنين لا الجمع. # قال: ولم يأت في المسموع: كلا القوم، ولا كلا الأصحاب; وإنما يقال: كلا ~~الرجلين ونحوه; فإن أخذ من الكلأ; من قولك: كلأت الشئ إذا رعيته وحفظته، ~~فالمعنى يصح; إلا أن المتكلم يقصر; وهي ممدودة. PageV04P327 # كم نكرة لا تتعرف; لأنها مبهمة في العدد، ك‍ " أين " في الأمكنة، و " متى ~~" في الأزمنة، و " كيف " في الأحوال. # وقول سيبويه: كم أرضك جريبا؟ " كم " مبتدأ، و " أرضك " مبنى عليه; مجاز ~~ليس بحقيقة; وإنما " أرضك " مبتدأ، و " كم " الخبر، مثل كيف زيد؟. # وهي قسمان: # استفهامية تحتاج إلى جواب; بمعنى: أي عدد؟، فينصب ما بعدها، نحو: كم رجلا ~~ضربت؟ # وخبرية لا تحتاج إلى جواب; بمعنى: عدد كثير، فيجر ما بعدها; نحو: كم عبد ~~ملكت. # وقد تدخل عليها " من "، كقوله: * (كم من قرية أهلكناها) * * (وكم قصمنا ~~من قرية) *. # ليست الاستفهامية أصلا للخبرية; خلافا للزمخشري حيث ادعى ذلك في سورة " ~~يس " عند الكلام على: * (ألم يروا كم أهلكنا) *. # لم تستعمل الخبرية غالبا إلا في مقام الافتخار والمباهاة; لأن معناها ~~التكثير; PageV04P328 # ولهذا ميزت بما يميز العدد الكثير; وهو مائة وألف; فكما إن " مائة " تميز ~~بواحد مجرور; فكذلك " كم ". # واعلم أن " كم " مفردة اللفظ، ومعناها الجمع; فيجوز في ضميرها الأمران ~~بالاعتبارين، قال تعالى: * (وكم من ملك في السماوات) * ثم قال: * (لا تغنى ~~شفاعتهم) *، فأتى به جمعا. وقال: * (كم من قرية أهلكناها) *، ثم قال: * (أو ~~هم قائلون) *. # -،، * * * *،، - PageV04P329 # كيف استفهام عن حال الشئ لا ms1016 عن ذاته; كما أن " ما " سؤال عن حقيقته، و " ~~من " عن مشخصاته; ولهذا لا يجوز أن يقال في " الله " " كيف ". # وهي مع ذلك منزلة منزلة الظرف; فإذا قلت: كيف زيد؟ كان " زيد " مبتدأ، و ~~" كيف " في محل الخبر، والتقدير. على أي حال زيد؟ # هذا أصلها في الوضع; لكن قد تعرض لها معان تفهم من سياق الكلام، أو من ~~قرينة الحال; مثل معنى التنبيه والاعتبار وغيرهما. # وقال بعضهم: لها ثلاثة أوجه: # أحدها: سؤال محض عن حال; نحو كيف زيد؟ # ثانيها: حال لا سؤال معه، كقولك: لأكرمنك كيف أنت، أي على أي حال كنت. # ثالثها: معنى التعجب. # وعلى هذين تفسير قوله تعالى: * (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم) ~~*. قال الراغب في تفسيره: كيف هنا استخبار لا استفهام; والفرق بينهما إن ~~الاستخبار قد يكون تنبيها للمخاطب وتوبيخا; ولا يقتضى عدم المستخبر، ~~والاستفهام بخلاف ذلك. # وقال في " المفردات ": كل ما أخبر الله بلفظ " كيف " عن نفسه فهو إخبار ~~على طريق التنبيه للمخاطب أو توبيخ; نحو: * (كيف تكفرون) *. PageV04P330 # * (كيف يهدى الله قوما) *. # * (كيف يكون للمشركين عهد) *. # * (انظر كيف ضربوا لك الأمثال) *. # * (فانظروا كيف بدأ الخلق) *. # * (أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده) *. # قال غيره: قد تأتى للنفي والإنكار، كقوله: * (كيف يكون للمشركين عهد عند ~~الله وعند رسوله) *. * (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم) *. # ولتضمنها معنى الجحد شاع أن يقع بعدها " إلا "، كقوله: * (إلا الذين ~~عاهدتم) *. # وللتوبيخ، كقوله: * (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله) *، * (كيف ~~تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم) *. # وللتحذير، كقوله: * (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم) *. # وللتنبيه والاعتبار; كقوله: * (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض) *. # وللتأكيد وتحقيق ما قبلها; كقوله: * (وانظر إلى العظام كيف ننشزها) *. ~~PageV04P331 # وقوله: * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) *، فإنه توكيد لما تقدم وتحقيق ~~لما بعده; على تأويل: إن الله لا يظلم الناس شيئا في الدنيا فكيف في ~~الآخرة! # وللتعظيم والتهويل: * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) *، أي فكيف حالهم ~~إذا جئنا! وقول النبي صلى الله ms1017 عليه وسلم لعبد الله بن عمرو: " كيف بك إذا ~~بقيت في حثالة من الناس "! # وقيل: وتجئ مصدرا، كقوله تعالى: * (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) *، * ~~(فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها) *. # وتأتي ظرفا في قول سيبويه; وهي عنده في قوله: * (كيف تكفرون) * منصوبة ~~على التشبيه بالظرف، أي في حال تكفرون. وعلى الحال عند الأخفش، أي على حال ~~تكفرون. # وجعل منه بعضهم قوله: * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) *; فإن شئت قدرت ~~بعدها اسما، وجعلتها خبرا، أي كيف صنعكم أو حالكم؟ وإن شئت قدرت بعدها ~~فعلا، تقديره: كيف تصنعون؟ # وأثبت بعضهم لها الشرط; كقوله تعالى: * (ينفق كيف يشاء) *، * (يصوركم في ~~الأرحام كيف يشاء) *، * (فيبسطه في السماء كيف يشاء) *. # وجوابه في ذلك محذوف; لدلالة ما قبلها. PageV04P332 # ومراد هذا القائل، الشرط المعنوي; وهو إنما يفيد الربط فقط; أي ربط جملة ~~بأخرى كأداة الشرط، لا اللفظي، وإلا لجزم الفعل. # وعن الكوفيين أنها تجزم، نحو كيف تكن أكن. # وقد يحذف الفعل بعدها، قال تعالى: * (كيف وإن يظهروا عليكم) *، أي كيف ~~توالونهم! # -،، * * * *،، - PageV04P333 # اللام قسمان: إما أن تكون عاملة، أو غير عاملة. # القسم الأول غير العاملة وتجئ لعشرة معان: معرفة، ودالة على البعد، ~~ومخففة، وموجبة، ومؤكدة، ومتممة، وموجهة، ومسبوقة والمؤذنة، والموطئة. # * * * فالمعرفة: التي معها ألف الوصل، عند من يجعل المعرفة اللام وحدها، ~~وينسب لسيبويه. وذهب الخليل إلى أنه ثنائي، وهمزته همزة قطع، وصلت لكثرة ~~الاستعمال. # وتنقسم المعرفة إلى عهدية واستغراقية، وقد سبقا في قاعدة التنكير ~~والتعريف. وزاد قوم طلب الصلة، وجعل منه: * (ركبا في السفينة) *، * (فأكله ~~الذئب) *. # وللإضمار، * (فإن الجحيم هي المأوى) *، ولا خلاف أن الإضمار بعدها مراد; ~~وإنما اختلفوا في تقديره; فعند الكوفيين: " هي مأواه " وعند البصريين: " هي ~~المأوى له. # واللام في التعريف مرققة إلا في اسم الله فيجب تفخيمها; إذا كان قبلها ~~ضمة أو فتحة، وهي في الأسماء تفخيم الجرس، وفى المعنى توقير المسمى ~~وتعظيمه، سبحانه! PageV04P334 # والدالة على البعد الداخلة على أسماء الإشارة; إعلاما بالبعد أو توكيدا ~~له، على ms1018 الخلاف فيه. # * * * والمخففة التي يجوز معها تخفيف " إن " المشددة; نحو: * (إن كل نفس ~~لما عليها حافظ) *. # وتسمى لام الابتداء، والفارقة; لأنها تفرق بينها وبين إن النافية. # والمخففة هي التي تحقق الخبر مع المبتدأ; كقوله تعالى: * (ولمن صبر وغفر) ~~*، * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) *. # * * * والموجبة: بمعنى " إلا " عند الكوفيين، كقوله تعالى: * (وإن كل لما ~~جميع لدينا محضرون) *، * (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا) *، أي، ما ~~كل، فجعلوا: " إن " بمعنى " ما "، واللام بمعنى " إلا " في الإيجاب. # وقرأ الكسائي: * (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) *، بالرفع والمراد: # " وما كان مكرهم إلا لتزول منه ". # * * * والمؤكدة; وهي الزائدة أول الكلام; وتقع في موضعين: # أحدهما: المبتدأ; وتسمى لام الابتداء; فيؤذن بأنه المحكوم; قال تعالى: * ~~(لمسجد PageV04P335 # أسس على التقوى) *، * (ليوسف وأخوه أحب) *، * (لأنتم أشد رهبة) *. # ثانيهما: في باب " إن "، على اسمها إذا تأخر; نحو * (إن في ذلك لعبرة) *. # وعلى خبرها، نحو: * (إن ربك لبالمرصاد) *، * (إن إبراهيم لحليم أواه) *، ~~* (إن بطش ربك لشديد) *. # ف‍ " إن " في هذا توكيد لما يليها; واللام لتوكيد الخبر. # وكذا في " أن " المفتوحة، كقراءة سعيد * (إلا أنهم ليأكلون) *، بفتح ~~الهمزة; فإنه ألغى اللام; لأنها لا تدخل إلا على " إن " المكسورة، أو على ~~ما يتصل بالخبر إذا تقدم عليه; نحو: * (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) *، ~~فإن تقديره: " ليعمهون في سكرتهم ". # واختلف في اللام في قوله: * (لمن ضره) *; فقيل هي مؤخرة، والمعنى: يدعو ~~لمن ضره أقرب من نفعه. # وجاز تقديمها وإيلاؤها المفعول; لأنها لام التوكيد واليمين; فحقها أن تقع ~~صدر الكلام. # واعترض بأن اللام في صلة " من " فتقدمها على الموصول ممتنع. وأجاب ~~الزمخشري بأنها حرف لا يفيد غير التوكيد; وليست بعاملة، ك‍ " من " المؤكدة، ~~في نحو: ما جاءني من أحد، دخولها وخروجها سواء; ولهذا جاز تقديمها. # ويجوز ألا تكون هنا موصولة; بل نكرة; ولهذا قال الكسائي: اللام في غير ~~PageV04P336 # موضعها; و " من " في موضع نصب ب‍ " يدعو "، والتقدير: " يدعو من ضره أقرب ~~من نفعه "، أي يدعو إلها ضره أقرب من نفعه. # قال المبرد: يدعو في ms1019 موضع الحال، والمعنى في ذلك هو الضلال البعيد في حال ~~دعائه إياه، وقوله: * (لمن) * مستأنف مرفوع بالابتداء، وقوله: * (ضره أقرب ~~من نفعه) * في صلته، و * (لبئس المولى) * خبره. # وهذا يستقيم لو كان في موضع * (يدعو) *، " يدعى "، لكن مجيئه بصيغة فعل ~~الفاعل، وليس فيه ضميره يبعده. # * * * والمتمة، كقوله تعالى: * (إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) *، * ~~(إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) *; فاللام هنا لتتميم الكلام. # قال الزمخشري: " إذن " دالة على أن ما بعدها جواب وجزاء. # * * * والموجهة، في جواب " لولا " كقوله تعالى: * (ولولا أن ثبتناك لقد ~~كدت تركن إليهم) *; فاللام في * (لقد) * توجه للتثبيت. # * * * والمسبوقة في جواب " لو "; كقوله تعالى: * (لو نشاء لجعلناه حطاما) ~~*; أي تفيد تأخره لأشد العقوبة; كقوله تعالى: * (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ~~وأزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها ~~حصيدا كأن لم تغن بالأمس) *. PageV04P337 # وهذا بخلاف قوله: * (لو نشاء جعلناه أجاجا) * بغير لام; فإنه يفيد ~~التعجيل; أي جعلناه أجاجا لوقته. # * * * والمؤذنة: الداخلة على أداة الشرط بعد تقدم القسم لفظا أو تقديرا، ~~لتؤذن أن الجواب له، لا للشرط، أو للإيذان بأن ما بعدها مبنى على قسم ~~قبلها. # وتسمى الموطئة; لأنها وطأت الجواب للقسم، أي مهدته. # وقول المعربين: إنها موطئة للقسم فيه تجوز; وإنما هي موطئة لجوابه، ~~كقوله: # * (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن ~~الأدبار) *، وليست جوابا للقسم; وإنما الجواب ما يأتي بعد الشرط. ويجمع هذه ~~الأربعة المتأخرة; قولك: لام الجواب. # وقد اجتمعا في قوله تعالى: * (كلا لئن لم ينته لنسفعا) *، فاللام في " ~~لئن " مؤذنة، وقوله: * (نسفعا) * جواب القسم المقدر; تقديره: والله لنسفعن. # ومن جواب القسم قوله: * (ولقد آتينا موسى الكتاب) *. وزعم الشيخ أثير ~~الدين في تفسيره أنها لام التوكيد; وليس كما قال; وقد قال الواحدي في،، ~~البسيط،،: # إنها لام القسم، ولا يجوز أن تكون لام ابتداء; لأن لام الابتداء لا تلحق ~~إلا الأسماء، وما يكون بمنزلتها كالمضارع. PageV04P338 # القسم الثاني العاملة وهي على ثلاثة أقسام: جارة، وناصبة، وجازمة. # * * * الأولى: ms1020 الجارة، وتأتي لمعان: # للملك الحقيقي; كقوله تعالى: * (إن الأرض لله) *، * (ألم تعلم أن لله له ~~ملك السماوات والأرض) *، * (ولله جنود السماوات والأرض) *. # والتمليك، نحو: وهبت لزيد دينارا; ومنه: * (ووهبنا لهم من رحمتنا) *. # والاختصاص، ومعناها أنها تدل على أن بين الأول والثاني، نسبة باعتبار ما ~~دل عليه متعلقة; نحو: هذا صديق لزيد، وأخ له; ومنه: الجنة للمؤمنين. # وللتخصيص، ومنه: * (إن وهبت نفسها للنبي) *. # وللاستحقاق، كقوله تعالى: * (ويل للمطففين) *، * (لهم اللعنة ولهم سوء ~~الدار) *. # والفرق بينه وبين الملك; أن الملك لما حصل وثبت، وهذا لم يحصل بعد; ولكن ~~هو في حكم الحاصل، من حيث ما قد استحق. قاله الراغب. PageV04P339 # وللولاية، كقوله: * (لله الأمر من قبل ومن بعد) *. # ويجوز أن تجمع هذه الثلاثة، كقولك: الحمد لله; لأنه يستحق الحمد، ووليه، ~~والمخصوص به; فكأنه يقول: الحمد لي وإلى. # وللتعليل; وهي التي يصلح موضعها " من أجل "، كقوله تعالى: * (وإنه لحب ~~الخير لشديد) *; أي من أجل حب الخير. # وقوله: * (لإيلاف قريش) *; وهي متعلقة بقوله: * (فليعبدوا) *، أو بقوله: # * (فجعلهم كعصف مأكول) *; ولهذا كانتا في مصحف أبى سورة واحدة. # وضعف بأن جعلهم كعصف مأكول; إنما هو لكفرهم وتجرئهم على البيت. # وقيل: متعلق بمحذوف، أي " اعجبوا ". # وقوله: * (سقناه لبلد ميت) *، أي لأجل بلد ميت; بدليل: * (فأنزلنا به ~~الماء) *. # هذا قول الزمخشري; وهو أولى من قول غيره إنها بمعنى " إلى ". # وقوله: * (ولا تكن للخائنين خصيما) *; أي لا تخاصم الناس لأجل الخائنين. # قال الراغب: ومعناه كمعنى: * (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم) *، ~~وليست كالتي في قولك: لا تكن لله خصيما، لدخولها على المفعول; أي لا تكن ~~خصيم الله. # وبمعنى " إلى " كقوله: * (وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى) * بدليل ~~قوله: * (ويؤخركم إلى أجل مسمى) *. PageV04P340 # وقوله: * (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) *. # * (الحمد لله الذي هدانا لهذا) *. # * (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان) *. # وقوله: * (بأن ربك أوحى لها) *، بدليل: * (وأوحى ربك إلى النحل) *. # وزيفه الراغب لأن الوحي للنحل، جعل ذلك له للتسخير والإلهام، وليس كالوحي ~~الموحى إلى الأنبياء; فاللام على جعل ذلك ms1021 الشئ له بالتسخير. # وبمعنى " على "، نحو: * (ويخرون للأذقان) *. # * (فلما أسلما وتله للجبين) *. # وقوله: * (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) *; أي فعليها; لأن ~~السيئة على الإنسان لا له; بدليل قوله تعالى: * (فعلي اجرامي) *. # وقوله: * (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها) *، وقوله: * (ذلك لمن لم ~~يكن أهله حاضري المسجد الحرام) *، أي من لم يكن. # وقوله: * (لهم اللعنة ولهم سوء الدار) *. # وبمعنى " في " كقوله: * (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) *، * (يا ~~ليتني قدمت لحياتي) *. PageV04P341 # * (لا يجليها لوقتها إلا هو) *. # وبمعنى " بعد "، نحو: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) *. وقال ابن أبان: ~~الظاهر أنها للتعليل. # وبمعنى " عن " مع القول، كقوله تعالى: * (وقال الذين كفروا للذين آمنوا ~~لو كان خيرا ما سبقونا) * أي عن الذين آمنوا، وليس المعنى خطابهم بذلك، ~~وإلا لقيل: # " سبقتمونا ". وقيل لام التعليل، وقيل للتبليغ، والتفت عن الخطاب إلى ~~الغيبة. # وكقوله: * (قالت أخراهم لأولاهم) *، وأما قوله: * (قالت أولاهم لأخراهم) ~~*; فاللام للتبليغ; كذلك قسمها ابن مالك، كقوله تعالى: * (ألم أقل لك) *. # وغيره يسميها لام التبليغ، فإن عرف من غاب عن القول حقيقة أو حكما، ~~فللتعليل نحو: * (وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا) *، * (ولا أقول للذين تزدري ~~أعينكم) *. # وذكره ابن مالك وغيره ضابطا في اللام المتعلقة بالقول; وهو إن دخلت على ~~مخاطبة القائل; فهي لتعدية القول للمقول له، نحو: * (وقولوا لهم قولا ~~معروفا) *. # * (وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا) *. # وقوله: * (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا) *. PageV04P342 # وقوله: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب) *. # وقوله: * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا. إلا أن يشاء الله) *. # وهو كثير. # وبمعنى " أن " المفتوحة الساكنة. قاله الهروي: وجعل منه: # * (يريدون ليطفئوا نور الله) *. # * (يريد الله ليبين لكم) *. # * (وأمرنا لنسلم لرب العالمين) *. # وهذه اللام لا تكون إلا بعد " أردت "، و " أمرت "، وذلك لأنهما يطلبان ~~المستقبل، ولا يصلحان في الماضي، فلهذا جعل معهما بمعنى " أن "; وبذلك صرح ~~صاحب ،، الكشاف،، في تفسير سورة الصف، فقال: * (يريدون ليطفئوا نور الله) ~~*، [أصله: يريدون أن يطفئوا]، كما جاء في سورة براءة. # وللتعدية; وهي التي تعدى العامل إذا عجز، نحو: * (إن كنتم ms1022 للرؤيا تعبرون) ~~*، فاللام فيه للتعدية; لأن الفعل يضعف بتقديم المفعول عليه. # وسماها ابن الأنباري: آلة الفعل، وذكر أن البصريين يسمونها لام الإضافة; ~~كقوله تعالى: * (أن اشكر لي ولوالديك) *، * (أن أنصح لكم) *. # وقال الراغب: التعدية ضربان: تارة لتقوية الفعل، ولا يجوز حذفه، نحو: * ~~(وتله للجبين) *، وتارة يحذف، نحو: * (يريد الله ليبين لكم) *، * (فمن يرد ~~الله PageV04P343 # أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله) *، فأثبت في موضع وحذف في ~~موضع. انتهى. # وللتبيين; كقوله تعالى: * (وقالت هيت لك) *; أي أقبل وتعال أقول لك. # وذكر ابن الأنباري أن اللام المكسورة تجئ جوابا للقسم، كقوله تعالى: * ~~(لله ما في السماوات وما في الأرض ليجزى) *، والمعنى " ليجزين " بفتح اللام ~~والتوكيد بالنون، فلما حذف النون أقام المكسورة مقام المفتوحة. # وهذا ضعيف، وذكر مثله عن أبي حاتم. # ويحتمل أن يكون قبلها فعل مقدر; أي آمنوا ليجزى * * * الثاني: الناصبة ~~على قول الكوفيين في موضعين: لام كي ولام الجحود. # ولام الجحود هي الواقعة بعد الجحد; أي النفي; كقوله: * (ما كان الله ليذر ~~المؤمنين) *، * (وما كان الله ليعذبهم) *; * (لم يكن الله ليغفر لهم) *. # وضابطها أنها لو سقطت تم الكلام بدونها; وإنما ذكرت توكيدا لنفى الكون; ~~بخلاف لام كي. # قال الزجاج: اللام في قوله: * (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) *، ~~لأنه لام كي; لأن لام الجحود إذا سقطت لم يختل الكلام; ولو سقطت اللام من ~~الآية بطل PageV04P344 # المعنى. ولأنه يجوز إظهار " أن " بعد لام " كي "، ولا يجوز بعد لام ~~الجحود; لأنها في كلامهم نفى للفعل المستقبل; فالسين بإزائها، فلم يظهر ~~بعدها ما لا يكون بعدها، كقوله تعالى: * (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) ~~*، فجاء بلام الجحد حيث كانت نفيا لأمر متوقع مخوف في المستقبل، ثم قال: * ~~(ما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) * فجاء باسم الفاعل الذي لا يختص بزمان; ~~حيث أراد نفى العذاب بالمستغفرين على العموم في الأحوال. # ومثله: * (وما كان ربك ليهلك القرى) *، ثم قال: * (وما كنا مهلكي القرى) ~~*. # ومثال لام " كي " و " كي " مضمرة معها، قوله تعالى: * (لينذر ms1023 بأسا) *، * ~~(لنثبت به فؤادك) *، * (لنصرف عنه السوء) *، * (ليبين لهم الذي يختلفون فيه ~~وليعلم) *. # وقوله: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء) *، يريد: # " كي تكونوا ". # وقوله: * (لتكون لمن خلفك آية) *. # وقد تجئ معها " كي " نحو: * (لكيلا يعلم بعد علم شيئا) *، * (لكيلا يكون ~~على المؤمنين حرج) *، * (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) *. PageV04P345 # وربما جاءت " كي " بلا لام، كقوله: * (كي لا يكون دولة بين الأغنياء) * ~~وفى معناه الصيرورة، كقوله تعالى: * (ليكون لهم عدوا وحزنا) *، * (وما خلقت ~~الجن والإنس إلا ليعبدون) *. # وتسمى لام العاقبة; فإن من المعلوم أنهم لم يلتقطوه لذلك; بل لضده، بدليل ~~قوله: # * (عسى أن ينفعنا أو تتخذه ولدا) *. # وحكى ابن قتيبة عن بعضهم أن علامتها جواز تقدير الفاء موضعها; وهو يقتضى ~~أنها لام التعليل; لكن الفرق بينها وبين لام التعليل التي في نحو قوله: * ~~(لنحيي به بلدة ميتا) *، أن لام التعليل تدخل على ما هو غرض لفاعل الفعل، ~~ويكون مرتبا على الفعل وليس في لام الصيرورة إلا الترتب فقط. # وقال الزمخشري في تفسير سورة المدثر: أفادت اللام نفس العلة والسبب، ولا ~~يجب في العلة أن تكون غرضا; ألا ترى إلى قولك: خرجت من البلد مخافة الشر، ~~فقد جعلت المخافة علة لخروجك، وما هي بغرضك. # ونقل ابن فورك عن الأشعري: أن كل لام نسبها الله إلى نفسه; فهي للعاقبة ~~والصيرورة دون التعليل; لاستحالة الغرض. # واستشكله الشيخ عز الدين بقوله: * (كي لا يكون دولة) *، وقوله: # * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله) *، فقد صرح فيه بالتعليل. ولا ~~مانع من ذلك; إذ هو على وجه التفضل. PageV04P346 # وأقول: ما جعلوه للعاقبة هو راجع للتعليل; فإن التقاطهم أفضى إلى عداوته; ~~وذلك يوجب صدق الإخبار بكون الالتقاط للعداوة; لأن ما أفضى إلى الشئ يكون ~~علة، وليس من شرطه أن يكون نصب العلة صادرا عمن نسب الفعل إليه لفظا; بل ~~جاز أن يكون ذلك راجعا إلى من ينسب الفعل إليه خلقا; كما تقول: جاء الغيث ~~لإخراج الأزهار، وطلعت الشمس لإنضاج الثمار، فإن الفعل يضاف إلى الشمس ~~والغيث. # وكذلك التقاط ms1024 آل فرعون موسى; فإن الله قدره لحكمته، وجعله علة لعداوته، ~~لإفضائه إليه بواسطة حفظه وصيانته; كما في مجئ الغيث بالنسبة إلى إخراج ~~الأزهار. # وإليه يشير الزمخشري أيضا: التحقيق أنها لام العلة، وأن التعليل بها وارد ~~على طريق المجاز دون الحقيقة; لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط كونه لهم ~~عدوا وحزنا; بل المحبة والتبني; غير أن ذلك لما إن نتيجة التقاطهم له ~~وثمرته; شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله [وهو الإكرام الذي هو ~~نتيجة المجئ]، فاللام مستعارة لما يشبه التعليل. # وقال ابن خالويه في كتاب،، المبتدأ،، في النحو: فأما قوله تعالى: * ~~(فالتقطه آل فرعون ليكون) *، فهي لام " كي " عند الكوفيين، ولام الصيرورة ~~عند البصريين، والتقدير: فصار عاقبة أمرهم إلى ذلك; لأنهم لم يلتقطوه لكي ~~يكون عدوا. انتهى. # وجوز ابن الدهان في الآية وجها غريبا: على التقديم والتأخير، أي فالتقط ~~آل فرعون، و * (عدوا وحزنا) * حال من الهاء في: * (ليكون لهم) *; أي ~~ليتملكوه. PageV04P347 # قال: ويجوز أن يكون التقدير: فالتقطه آل فرعون; لكراهة أن يكون لهم عدوا ~~وحزنا. # وأما قوله: * (ليغفر لك الله) *، فحكى الهروي عن أبي حاتم أن اللام جواب ~~القسم، والمعنى: ليغفرن الله لك; فلما حذفت النون كسرت اللام، وإعمالها ~~إعمال " كي "; وليس المعنى: فتحنا لك لكي يغفر الله لك; فلم يكن الفتح سببا ~~للمغفرة. # قال وأنكره ثعلب، وقال: هي لام " كي "، ومعناه: لكي يجتمع لك مع المغفرة ~~تمام النعمة، فلما انضم إلى المغفرة شئ حادث واقع، حسن معه " كي ". # وكذلك قوله: * (ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) *. # وأما قوله تعالى: * (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك) *، فقال الفراء: لام كي. # وقال قطرب والأخفش: لم يؤتوا المال ليضلوا، ولكن لما كان عاقبة أمرهم ~~الضلال كانوا كأنهم أوتوها، لذلك فهي لام العاقبة. # هذا كله على مذهب الكوفيين، وأما البصريون فالنصب عندهم بإضمار " أن "، ~~وهما جارتان للمصدر; واللام الجارة هي لام الإضافة. # واعلم أن الناصبة للمضارع تجئ لأسباب: # منها القصد والإرادة; إما في الإثبات، ms1025 نحو: * (لتنذر أم القرى) *، أو ~~النفي نحو: * (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم) *، فهو على ~~تقدير حذف المضاف; أي لنعلم ملائكتنا وأولياؤنا. PageV04P348 # ويجوز أن يكون تعالى خاطب الخلق بما يشاكل طريقتهم في معرفة البواطن ~~والظواهر على قدر فهم المخاطب. # وقد تقع موقع " أن "، وإن كانت غير معلولة لها في المعنى، وذلك إن كان ~~الكلام متضمنا لمعنى القصد والإرادة، نحو: * (وأمرنا لنسلم لرب العالمين) ~~*، * (إنما يريد الله ليعذبهم بها) *. # ومنها العاقبة على ما سبق. # * * * الثالث: الجازمة; وهي الموضوعة للطلب، وتسمى لام الأمر; وتدخل على ~~المضارع لتؤذن أنه مطلوب للمتكلم; وشرطها أن يكون الفعل الفاعل المخاطب; ~~فيقولون: # لتضرب أنت، ومنه قراءة بعضهم: * (فبذلك فلتفرحوا) *. # ووصفها أن تكون مكسورة إذا ابتدى بها; نحو: * (لينفق ذو سعة من سعته) * * ~~(ليستأذنكم) *. # وتسكن بعد الواو والفاء; نحو: * (فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي) *. # * (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) *. # ويجوز الوجهان بعد " ثم " كقوله تعالى: * (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا ~~نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق) *، قرى في السبع بتسكين * (ليقضوا) * ~~وبتحريكه. # وتجئ لمعان: # منها: التكليف; كقوله تعالى: * (لينفق ذو سعة من سعة) *. PageV04P349 # ومنها أمر المكلف نفسه; كقوله تعالى: * (ولنحمل خطاياكم) *. # والابتهال، وهو الدعاء، نحو: * (ليقض علينا ربك) *. # والتهديد نحو: * (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) *. # والخبر، نحو: * (من كان في الضلال فليمدد له الرحمن مدا) *، أي يمد. # ويحتمله: * (ولنحمل) *، أي ونحمل. # ويجوز حذفها ورفع الفعل، ومنه قوله: * (تؤمنون بالله ورسوله) *، ويدل على ~~أنه للطلب، قوله تعالى بعد: * (نغفر لكم) * مجزوما; فلولا أنه طلب لم يصح ~~الجزم; لأنه ليس ثم وجه سواه. PageV04P350 # لا على ستة أوجه: # أحدهما: أن تكون للنفي: وتدخل على الأسماء والأفعال. # فالداخلة على الأسماء تكون عاملة وغير عاملة. # فالعاملة قسمان: # تارة تعمل عمل " إن "، وهي النافية للجنس، وهي تنفى ما أوجبته " إن "، ~~فلذلك تشبه بها في الأعمال، نحو: * (لا تثريب عليكم) *، * (لا مقام لكم) *، ~~* (لا جرم أن لهم النار) *. # ويكثر حذف خبرها إذا علم، نحو: * (لا ضير) *، * (فلا فوت) *. وتارة تعمل ~~عمل " ليس ". # وزعم الزمخشري في،، ms1026 المفصل،، أنها غير عاملة. # وكذا قال الحريري في،، الدرة،،: إنها لا تأتى إلا لنفى الوحدة. # قال ابن بري: وليس بصحيح; بل يجوز أن يريد منه العموم، كما في النصب، ~~وعليه قال: " لا ناقة لي في هذا ولا جمل "، يعنى فإنه نفى الجنس لما عطف. # وكذلك قولك: " لا رجل في الدار ولا امرأة "، تفيد نفى الجنس; لأن العطف ~~أفهم للعموم. PageV04P351 # وممن نص على ذلك أبو البقاء في،، المحصل،،. ويؤيده قوله تعالى: # * (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) *، قرئ بالرفع والنصب فيهما، والمعنى ~~فيهما واحد. # وقال ابن الحاجب: ما قاله الزمخشري لا يستقيم، ولا خلاف عند أصحاب الفهم ~~أنه يستفاد العموم منه، كما في المبنية على الفتح، وإن كانت المبنية أقوى ~~في الدلالة عليه; إما لكونه نصا أو لكونه أقوى ظهورا، وسبب العموم أنها ~~نكرة في سياق النفي فتعم. # وقال ابن مالك في،، التحفة،،: قد تكون المشبه ب‍ " ليس " نافية للجنس، ~~ويفرق فيها بين إرادة الجنس وغيره بالقرائن. هذا كله في العاملة. # وأما غير العاملة; فيرفع الاسم بعدها بالابتداء إذا لم يرد نفى العموم، ~~ويلزم التكرار. # ثم تارة تكون نكرة، كقوله: * (لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون) *. # * (لا بيع فيه ولا خلال) *. # وتارة تكون معرفة كقوله: * (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) *. # ولذلك يجب تكرارها إذا وليها نعت نحو: * (زيتونة لا شرقية ولا غربية) *، ~~وقوله تعالى: * (لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث) *. # فإن قيل: لم لم تكررها وقد أوجبوا تكرارها في الصفات؟ # وجوابه أنه من الكلام المحمول على المعنى، والتقدير: لا تثير الأرض، ولا ~~ساقية للحرث، أي لا تثير ولا تسقى. PageV04P352 # وقال الراغب: هي في هذه الحالة تدخل في المتضادين، ويراد بها إثبات ~~الأمرين بهما جميعا، نحو: زيد ليس بمقيم ولا ظاعن، أي تارة يكون كذا، وتارة ~~يكون كذا. وقد يراد إثبات حالة بينهما; نحو: زيد ليس بأبيض ولا أسود. # ومنها قوله تعالى: * (لا شرقية ولا غربية) *، قيل: معناه أنها شرقية ~~وغربية. # وقيل: معناه مصونة عن الإفراط والتفريط، ms1027 وأما الداخلة على الأفعال; فتارة ~~تكون لنفى الأفعال المستقبلة، كقوله تعالى: * (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم) ~~*; لأنه جزاء، فلا يكون إلا مستقبلا. # ومثله: * (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم) *. # وقد ينفى المضارع مرادا به نفى الدوام، كقوله تعالى: * (لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض) *. # وقد يكون للحال، كقوله: * (لا أقسم بيوم القيامة) *. * (فلا أقسم برب ~~المشارق) *، * (فلا أقسم بمواقع النجوم) *، * (فلا وربك لا يؤمنون) *. # وقوله: * (ومالكم لا تقاتلون) *. يصح أن تكون في موضع الحال، أي مالكم ~~غير مقاتلين. # وقيل: ينفى بها الحاضر على التشبيه ب‍ " ما "، كقولك في جواب من قال: " ~~زيد يكتب الآن ": لا يكتب. # والنفي بها يتناول فعل المتكلم، نحو: لا أخرج اليوم ولا أسافر غدا. ومنه ~~قوله تعالى: PageV04P353 # * (قل لا أسألكم عليه أجرا) *. # وفعل المخاطب، كقولك: إنك لا تزورنا، ومنه قوله تعالى: * (سنقرئك فلا ~~تنسى) *، * (فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) *. # وتدخل على الماضي في القسم والدعاء، نحو: الله لا صليت، ونحو: لا ضاق ~~صدرك. # وفى غيرها نحو: * (فلا صدق ولا صلى) *. # والأكثر تكرارها، وقد جاءت غير مكررة في قوله تعالى: * (فلا اقتحم ~~العقبة) *. # قال الزمخشري: لكنها مكررة في المعنى; لأن المعنى: لا فك رقبة، ولا أطعم ~~مسكينا، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك؟ وقيل: إنه دعاء، أي أنه يستحق ~~أن يدعى عليه بأن يفعل خيرا. # وقد يراد الدعاء في المستقبل والماضي، كقولك: لا فض الله فاك. وقوله: # " لا يبعدن قومي ". # * * * الثانية: أن تكون للنهي، ينهى بها الحاضر والغائب، نحو: لا تقم ولا ~~يقم. وقال تعالى: * (لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء) *. # * (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) *. # * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا. إلا أن يشاء الله) *. # * (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا) *. # * (لا يسخر قوم من قوم) *. PageV04P354 # * (ولا تنابزوا بالألقاب) *. # * (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان) *. # * (ولا يحطمنكم سليمان) *. # وتخلص المضارع للاستقبال، نحو: * (لا تخافي ولا تحزني) *. # وترد للدعاء، نحو: * (لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ms1028 *، ولذلك قال ~~بعضهم: # " لا الطلبية " ليشمل النهى وغيره. # وقد تحتمل النفي والنهى، كقوله تعالى: * (ألا تعبدوا إلا الله) *، * ~~(ومالكم لا تقاتلون) *. # * * * الثالثة: أن تكون جوابية، أي رد في الجواب، مناقض ل‍ " نعم " أو ~~بلى، فإذا قال مقررا: ألم أحسن إليك؟ قلت: لا، أو بلى، وإذا قال مستفهما: ~~هل زيد عندك؟ # قلت: لا أو نعم، قال تعالى: * (ألست بربكم قالوا بلى) *، * (فهل وجدتم ما ~~وعد ربكم حقا قالوا نعم) *. # * * * الرابعة: أن تكون بمعنى " لم "، ولذلك اختصت بالدخول على الماضي، ~~نحو: # * (فلا صدق ولا صلى) *، أي لم يصدق ولم يصلى. # ومثله: * (فلا اقتحم العقبة) *. PageV04P355 # الخامسة: أن تكون عاطفة تشرك ما بعدها في إعراب ما قبلها، وتعطف بعد ~~الإيجاب، نحو يقوم زيد لا عمرو. وبعد الأمر، نحو اضرب زيدا لا عمرا، وتنفى ~~عن الثاني ما ثبت للأول، نحو: خرج زيد لا بكر. # فإن قلت: ما قام زيد ولا بكر، فالعطف للواو دونها، لأنها أم حروف العطف. # * * * السادسة: أن تكون زائدة، في مواضع: # الأول: بعد حرف العطف المتقدم عليه النفي أو النهى فتجئ مؤكدة له، كقولك: # ما جاءني زيد ولا عمرو، وقوله تعالى: * (وما أموالكم ولا أولادكم) *. # * (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام) *. # وقوله: * (ولا الضالين) *. # قال أبو عبيدة: وقيل: إنما دخلت هنا مزيلة لتوهم أن " الضالين " هم " ~~المغضوب عليهم "، والعرب تنعت الواو، وتقول: مررت بالظريف والعاقل، فدخلت ~~لإزالة التوهم. # وقيل: لئلا يتوهم عطف " الضالين " على " الذين ". # ومثال النهى قوله تعالى: * (لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا ~~الهدى ولا القلائد) *، ف‍ " لا " زائدة، وليست بعاطفة; لأنها إنما يعطف بها ~~في غير النهى وإنما دخلت هنا لنفى احتمال أن يكون المقصود نفى مجيئها ~~جميعا، تأكيدا للظاهر من اللفظ، ونفيا للاحتمال الآخر، فإنه يفيد النفي عن ~~كل واحد منها نصا، ولو لم يأت ب‍ " لا " لجاز أن يكون النفي عنهما على جهة ~~الاجتماع ولكنه خلاف الظاهر; فلذلك كان يقول ببقاء الزيادة أولى، لبقاء ~~الكلام بإثباتها على حالة عند عدمها، ms1029 وإن كانت دلالته عند مجيئها أقوى. ~~PageV04P356 # وأما قوله تعالى: * (ولا تستوى الحسنة ولا السيئة) *، فمن قال: المراد أن ~~الحسنة لا تساوى السيئة، ف‍ " لا " عنده زائدة، ومن قال: إن جنس الحسنة لا ~~يستوى إفراده، وجنس السيئة يستوى إفراده - وهو الظاهر من سياق الآية - ~~فليست زائدة، والواو عاطفة جملة على جملة، وقد سبق فيها مزيد كلام في بحث ~~الزيادة. # وأما قوله تعالى: * (وما يستوى الأعمى والبصير...) * الآية، فالأولى ~~والثانية غير زائدة، والثالثة والرابعة والخامسة زوائد. # وقال ابن الشجري: قد تجئ مؤكدة للنفي في غير موضعها الذي تستحقه، كقوله ~~تعالى: * (وما يستوى الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا ~~المسئ) *، لأنك لا تقول: ما يستوى زيد ولا عمرو، ولا تقول: ما يستوى زيد، ~~فتقتصر على واحد. # ومثله: * (ولا الظلمات ولا النور. ولا الظل ولا الحرور) *، * (وحرام على ~~قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) *. # وقال غيره: " لا " هاهنا صلة; لأن المساواة لا تكون إلا بين شيئين، ~~فالمعنى: # ولا الظلمات والنور، حتى تقع المساواة بين شيئين، كما قال تعالى: * (وما ~~يستوى الأعمى والبصير) *، ولو قلت: ما يستوى زيد ولا عمرو لم يجز إلا على ~~زيادة " لا ". # الثاني: بعد " أن " المصدرية الناصبة للفعل المضارع، كقوله تعالى: * (ما ~~منعك ألا تسجد) *. # وقيل: إنما زيدت توكيدا للنفي المعنوي الذي تضمنته: * (منعك) *، بدليل ~~الآية الأخرى: * (ما منعك أن تسجد) *. PageV04P357 # وقال ابن السيد: إنما دخلت لما يقتضيه معنى المنع لا يحتمل حقيقة اللفظ; ~~لأن المانع من الشئ بأمر الممنوع، بألا يفعل، مهما كان المنع في تأويل ~~الأمر بترك الفعل، والحمل على تركه أجراه مجراها. # ومن هنا قوله تعالى: * (لئلا يعلم أهل الكتاب) * أي لئن لم، لأن المعنى ~~يتم بذلك. # وقيل: ليست زائدة والمعنى عليها. # وهذا كما تكون محذوفة لفظا مرادة معنى، كقوله تعالى: * (يبين الله لكم أن ~~تضلوا) *، المعنى ألا تضلوا; لأن البيان إنما يقع لأجل ألا تضلوا. # وقيل: على حذف مضاف، أي كراهة أن تضلوا. # وأما السيرافي فجعلها على بابها، حيث جاءت، زعم أن الإنسان إذا فعل شيئا ~~لأمر ms1030 ما، قد يكون فعله لضده، فإذا قلت: جئت لقيام زيد، فإن المعنى أن المجئ ~~وقع لأجل القيام، وهل هو لأن يقع أو لئلا يقع؟ محتمل، فمن جاء للقيام، فقد ~~جاء لعدم القيام، ومن جاء لعدم القيام فقد جاء للقيام; برهان ذلك أنك إذا ~~نصصت على مقصودك، فقلت: جئت لأن يقع، أو أردت إن يقع، فقد جئت لعدم القيام، ~~أي لأن يقع عدم القيام، وهو - أعني عدم الوقوع - طلب وقوعه. # وإن قلت: وقصدي ألا يقع القيام، ولهذا جئت، فقد جئت لأن يقع عدم القيام، ~~فيتصور أن تقول: جئت للقيام، تعنى به عدم القيام. # وكذلك قوله تعالى: * (يبين الله لكم أن تضلوا) * أي يبين الضلال، أي لأجل ~~الضلال يقع البيان: هل هو لوقوعه أو عدمه؟ المعنى: يبين ذلك. PageV04P358 # وكذلك قوله تعالى: * (لئلا يعلم) * أي فعل الله هذا لعدم علمهم: هل وقع ~~أم لا؟ # وإذا علموا أنهم لا يقدرون على شئ من فضل الله، يبين لهم أنهم لا يعلمون، ~~فقوله: # * (لئلا يعلم) * باق على معناه، ليس فيه زيادة. # الثالث: قبل قسم، كقوله: * (لا أقسم بيوم القيامة) *، المعنى أقسم، بدليل ~~قراءة ابن كثير: * (لأقسم) * وهي قراءة قويمة لا يضعفها عدم نون التوكيد مع ~~اللام; لأن المراد بأقسم فعل الحال، ولا تلزم النون مع اللام. # وقيل إنها غير زائدة، بل هي نافية. # وقيل: على بابها، ونفى بها كلاما تقدم منهم، كأنه قال: ليس الأمر كما ~~قلتم من إنكار القيامة، ف‍ " لا أقسم " جواب لما حكى من جحدهم البعث، كما ~~كان قوله: * (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) * جوابا لقوله: * (يا أيها الذي نزل ~~عليه الذكر إنك لمجنون) *، لأن القرآن يجرى مجرى السورة الواحدة. # وهذا أولى من دعوى الزيادة، لأنها تقتضي الإلغاء، وكونها صدر الكلام ~~يقتضى الاعتناء بها، وهما متنافيان. # قال ابن الشجري: وليست " لا " في قوله: * (فلا أقسم بمواقع النجوم) *، ~~وقوله: * (فلا أقسم برب المشارق) *. ونحوه بمنزلتها في قوله: * (لا أقسم ~~بيوم القيامة) *، كما زعم بعضهم; لأنها ليست في أول السورة لمجيئها بعد ~~الفاء، PageV04P359 # والفاء عاطفة ms1031 كلمة على كلمة، تخرجها عن كونها بمنزلتها في: * (لا أقسم ~~بيوم القيامة) *، فهي إذن زائدة للتوكيد. # وأجاز الخارزنجي في: * (لا أقسم بيوم القيامة) *، كون " لا " فيه بمعنى ~~الاستثناء، فحذفت الهمزة وبقيت " لا ". # وجعل الزمخشري " لا " في قوله تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون) *، مزيدة ~~لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في: * (لئلا يعلم) *، لتأكيد وجوب العلم، * ~~(لا يؤمنون) * جواب القسم، ثم قال: # فإن قلت: هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر " لا " في * (لا يؤمنون) *؟ # وأجاب بأنه يمنع من ذلك استواء النفي والإثبات فيه، وذلك قوله: * (فلا ~~أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون. إنه لقول رسول كريم) *. انتهى. # وقد يقال: هب أنه لا يتأتى في آية الواقعة، فما المانع من تأتيه في ~~النساء؟ إلا أن يقال: # استقر بآية الواقعة أنها تزاد لتأكيد معنى القسم فقط، ولم يثبت زيادتها ~~متظاهرة لها في الجواب. # * * * السابعة: تكون اسما في قول الكوفيين، أطلق بعضهم نقله عنهم. # وقيل: إن ما قالوه، إذا دخلت على نكرة، وكان حرف الجر داخلا عليها، نحو ~~غضبت من لا شئ، وجئت بلا مال، وجعلوها بمنزلة " غير ". # وكلام ابن الحاجب يقتضى أنه أعم من ذلك، فإنه قال: جعلوا " لا " بمعنى " ~~غير " PageV04P360 # لأنه يتعذر فيها الإعراب، فوجب أن يكون إعرابها على ما هو من تتمتها، وهو ~~ما بعدها، كقولك: جائني رجل لا عالم ولا عاقل. # ومنه قوله تعالى: * (لا فارض ولا بكر) *، * (وظل من يحموم. لا بارد ولا ~~كريم) *، وقوله: * (لا مقطوعة ولا ممنوعة) *. # -،، * * * *،، - PageV04P361 # لات قال سيبويه: " لات " مشبهة ب‍ " ليس " في بعض المواضع، ولم تتمكن ~~تمكنها، ولم يستعملوها إلا مضمرا فيها; لأنها ك‍ " ليس " في المخاطبة، ~~والإخبار عن غائب، ألا ترى أنك تقول: ليست وليسوا، وعبد الله ليس ذاهبا، ~~فتبنى عليها، ولات فيها ذلك، قال تعالى: * (لات حين مناص) *، أي ليس حين ~~مهرب. # وكان بعضهم يرفع " حين " لأنها عنده بمنزلة " ليس " والنصب بها الوجه. # لا جرم جاءت في القرآن في خمسة مواضع متلوة بأن واسمها، ولم يجئ بعدها ~~فعل. # الأول: في هود، وثلاثة في النحل، ms1032 والخامس في غافر، وفيه فسرها الزمخشري. # وذكر اللغويون والمفسرون في معناها أقوالا: # أحدها: أن " لا " نافية ردا للكلام المتقدم، و " جرم " فعل معناه حق، و " ~~أن " مع ما في حيزها فاعل، أي حق، ووجب بطلان دعوته. وهذا مذهب الخليل ~~وسيبويه والأخفش، فقوله تعالى: * (لا جرم) *، معناه أنه رد على الكفار ~~وتحقيق لخسرانهم. PageV04P362 # الثاني: أن " لا " زائدة و " جرم " معناه كسب، أي كسب عملهم الندامة، وما ~~في خبرها على هذا القول في موضع نصب، وعلى الأول في موضع رفع. # الثالث: لا جرم، كلمتان ركبتا وصار معناهما حقا، وأكثر المفسرين يقتصر ~~على ذلك. # الرابع: أن معناها " لا بد " وأن الواقعة بعدها في موضع نصب، بإسقاط ~~الخافض. # لو على خمسة أوجه: # أحدها: الامتناعية; هذا واختلف في حقيقتها، فقال سيبويه: هي حرف لما كان ~~سيقع لوقوع غيره. # ومعناه كما قال الصفار: أنك إذا قلت: لو قام زيد قام عمرو، دلت على أن ~~قيام عمرو كان يقع لو وقع من زيد. وأما أنه إذا امتنع قيام زيد، هل يمتنع ~~قيام عمرو أو يقع القيام من عمرو بسبب آخر؟ فمسكوت عنه لم يتعرض له اللفظ. # وقال غيره: هي لتعليق ما امتنع بامتناع غيره. # وقال ابن مالك: هي حرف شرط يقتضى امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه. # وهي تسمى امتناعية شرطية، ومثاله قوله تعالى: * (ولو شئنا لرفعناه بها) ~~*، دلت على أمرين: # أحدهما: أن مشيئة الله لرفعه منتفية، ورفعه منتف; إذ لا سبب لرفعه إلا ~~المشيئة. # الثاني: استلزام مشيئة الرفع للرفع; إذ المشيئة سبب والرفع مسبب; وهذا ~~بخلاف: PageV04P363 # " لو لم يخف الله لم يعصه "; إذ لا يلزم من انتفاء " لم يخف " انتفاء " ~~لم يعص " حتى يكون خاف وعصى; لأن انتفاء العصيان له سببان: خوف العقاب ~~والإجلال، وهو أعلى; والمراد أن صهيبا لو قدر خلوه عن الخوف لم يعص ~~للإجلال; كيف والخوف حاصل! # ومن فسرها بالامتناع اختلفوا، فقال الأكثرون إن الجزاء - وهو الثاني - ~~امتنع لامتناع الشرط - وهو الأول - فامتنع الثاني وهو الرفع، لامتناع ~~الأول; وهو المشيئة. # قال ابن الحاجب ومن ms1033 تبعه كابن جمعة الموصلي وابن خطيب زملكا: امتنع الأول ~~لامتناع الثاني، قالوا: لأن امتناع الشرط لا يستلزم امتناع الجزاء، لجواز ~~إقامة شرط آخر مقامه; وأما امتناع الجزاء فيستلزم امتناع الشرط مطلقا. # وذكروا أن لها مع شرطها وجوابها أربعة أحوال: # أحدها: أن تتجرد من النفي، نحو: لو جئتني لأكرمتك; وتدل حينئذ على انتفاء ~~الأمرين، وسموها حرف وجوب لوجوب; ومنه قوله تعالى: * (ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) *. # * (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) *. # وقوله: * (أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين) *، أي ما هداني ~~بدليل قوله بعده: * (بلى قد جاءتك آياتي) *; لأن " بلى " جواب للنفي. # ثانيها: إذا اقترن بها حرف النفي، تسمى حرف امتناع لامتناع، نحو: لو لم ~~تكرمني لم أكرمك، فيقتضى ثبوتهما لأنهما للامتناع; فإذا اقترن بهما حرف ~~نفى، سلب عنهما الامتناع، فحصل الثبوت; لأن سلب السلب إيجاب. # ثالثها: أن يقترن حرف النفي بشرطها دون جوابها، وهي حرف امتناع لوجوب، ~~نحو: لو تكرمني أكرمتك; ومعناه عند الجمهور انتفاء الجزاء وثبوت الشرط. ~~PageV04P364 # رابعها: عكسه وهو حرف وجوب لامتناع، نحو: لو جئتني لم أكرمك، فيقتضى ثبوت ~~الجزاء وانتفاء الشرط، ومنه قوله تعالى: * (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي ~~وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) *. # واعلم أن تفسير سيبويه لها مطرد في جميع مواردها، ألا ترى أن مفهوم الآية ~~عدم نفاد كلمات الله مع فرض شجر الأرض أقلاما والبحر ممدودا بسبعة أبحر ~~مدادا، ولا يلزم ألا يقع عدم نفاد الكلمات إذا لم يجعل الشجر أقلاما والبحر ~~مدادا. # وكذا في " نعم العبد صهيب " فإن مفهومه أن عدم العصيان كان يقع عند عدم ~~الخوف، ولا يلزم ألا يقع عدم العصيان إلا عند الخوف، وهكذا الباقي. # وأما تفسير من فسرها بأنها حرف امتناع لامتناع، وذكر لها هذه الأحوال ~~الأربعة فلا يطرد، وذلك لتخلف هذا المعنى في بعض الموارد; وهو كل موضوع دل ~~الدليل فيه على أن الثاني ثابت مطلقا; إذ لو كان منفيا لكان النفاد حاصلا، ~~والعقل يجزم بأن الكلمات إذا ms1034 لم تنفد مع كثرة هذه الأمور فلأن تنفد مع ~~قلتها وعدم بعضها أولى. # وكذا قوله تعالى: * (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا ~~عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا) *. # وكذا قوله: * (ولو أسمعهم لتولوا) *، فإن التولي عند عدم الإسماع أولى. # وأما قوله: " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " فنفى العصيان ~~ثابت، إذ لو انتفى نفى العصيان لزم وجوده; وهو خلاف ما يقتضيه سياق الكلام ~~في المدح. PageV04P365 # ولما لم يطرد لهم هذا التفسير مع اعتقادهم صحته، اختلفوا في تخريجها على ~~طرق: # الأول: دعوى أنها في مثل هذه المواضع - أعني الثابت فيها الثاني دائما - ~~إنما جاءت لمجرد الدلالة على ارتباط الثاني بالأول، لا للدلالة على ~~الامتناع، وضابطها ما يقصد به الدلالة على مجرد الارتباط دون امتناع كل ~~موضع قصد فيه ثبوت شئ على كل حال، فيربط ذلك الشئ بوجود أحد النقيضين ~~لوجوده دائما، ثم لا يذكر إذ ذاك إلا النقيض الذي يلزم من وجود ذلك الشئ، ~~على تقدير وجود النقيض الآخر، فعدم النفاد في الآية الكريمة واقع على تقدير ~~كون ما في الأرض من شجرة أقلام، وكون البحر مد من سبعة أبحر، فعدم النفاد ~~على تقدير انتفاء كون هذين الأمرين أولى. وكذا عدم عصيان صهيب واقع على ~~تقدير عدم خوفه، فعدم عصيانه على تقدير وجود الخوف أولى. وعلى هذا يتقرر ~~جميع ما يرد عليك من هذا الباب. # والتحقيق أنها تفيد امتناع الشرط كما سبق من الآيات الشريفة. وتحصل أنها ~~تدل على أمرين: # أحدهما: امتناع شرطها، والآخر بكونه مستلزما لجوابها، ولا يدل على امتناع ~~الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته; فإذا قلت: لو قام زيد لقام عمرو، فقيام زيد ~~محكوم بانتفائه فيما مضى، وبكونه مستلزما ثبوته لثبوت قيام عمرو، وهل لقيام ~~عمرو وقت آخر غير اللازم عن قيام، أو ليس له؟ لا يعرض في الكلام لذلك; ولكن ~~الأكثر كون الثاني والأول غير واقعين. # وقد سلب الإمام فخر الدين الدلالة على الامتناع مطلقا، وجعلها لمجرد ~~الربط، واحتج بقوله تعالى: ms1035 * (ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم ~~لتولوا) *، قال: PageV04P366 # فلو أفادت " لو " انتفاء الشئ لانتفاء غيره، لزم التناقض; لأن قوله: * ~~(ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم) *، يقتضى أنه ما علم فيهم خيرا وما ~~أسمعهم، وقوله: * (ولو أسمعهم لتولوا) *، يفيد أنه تعالى ما أسمعهم ولا ~~تولوا; لكن عدم التولي خير، فيلزم أن يكون وما علم فيهم خيرا. # قال: فعلمنا أن كلمة " لو " لا تفيد إلا الربط. هذا كلامه. # وقد يمنع قوله: " إن عدم التولي خير "; فإن الخير إنما هو عدم التولي، ~~بتقدير حصول الإسماع، والفرض أن الإسماع لم يحصل، فلا يكون عدم التولي على ~~الإطلاق خيرا، بل عدم التولي المرتب على الإسماع. # الطريق الثاني: أن قولهم: لامتناع الشئ لامتناع غيره، معناه أن ما كان ~~جوابا لها كان يقع لوقوع الأول، فلما امتنع الأول امتنع أن يكون الثاني ~~واقعا لوقوعه، فإن وقع فلأمر آخر; وذلك لا ينكر فيها; ألا ترى أنك إذا قلت: ~~لو قام زيد قام عمرو، دل ذلك على امتناع قيام عمرو الذي كان يقع منه لو وقع ~~قيام زيد، لا على امتناع قيام عمرو لسبب آخر. وكذلك " لو لم يخف الله لم ~~يعصه "، امتنع عدم العصيان الذي كان سيقع عند عدم الخوف لو وقع، ولا يلزم ~~امتناع عدم العصيان عند وجود الخوف. # الثالث: أن تحمل " لو " فيما جاء من ذلك; على أنها محذوفة الجواب فيكون ~~قوله: # * (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) * معناه، لو كان هذا لتكسرت ~~الأشجار، وفنى المداد، ويكون قوله: * (ما نفدت) * مستأنف، أو على حذف حرف ~~العطف، أي وما نفدت. # الرابع: أن تحمل " لو " في هذه المواضع على التي بمعنى " إن "، قال أبو ~~العباس: لو أصلها في الكلام أن تدل على وقوع الشئ لوقوع غيره، تقول: لو ~~جئتني لأعطيتك، ولو كان زيد هناك لضربتك، ثم تتسع فتصير في معنى " إن " ~~الواقعة للجزاء، تقول: أنت لا PageV04P367 # تكرمني ولو أكرمتك، تريد " وإن "، قال تعالى: * (وما أنت بمؤمن لنا ولو ~~كنا صادقين) *. # وقوله: * (فلن يقبل من ms1036 أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به) *، تأويله عند ~~أهل اللغة: لا يقبل أن يتبرر به وهو مقيم على الكفر، ولا يقبل وإن افتدى ~~به. # فإن قيل: كيف يسوغ هذا في قوله: * (ولو أن ما في الأرض) *، فإن " إن " ~~الشرطية لا يليها إلا الفعل، " وإن " المشددة مع ما عملت فيه اسم; فإذا ~~كانت " لو " بمنزلة " إن " فينبغي ألا تليها. # أجاب الصفار، بأنه قد يلي " أن " الاسم في اللفظ. فأجاز ذلك في " إن " ~~نفسها فأولى أن يجوز في " لو " المحمولة عليها، وكما جاز ذلك في " لو " قبل ~~خروجها إلى الشرط; مع أنها من الحروف الطالبة للأفعال. # قال: والدليل على إن " لو " في الآيتين السابقين بمعنى " إن " أن الماضي ~~بعدها في موضع المستقبل، " ولو " الامتناعية تصرف معنى المستقبل إلى ~~الماضي، فإن المعنى " وإن يفتد به ". # واعلم أن ما ذكرناه من أنها تقتضي امتناع ما يليها أشكل عليه قوله تعالى: ~~* (ولو كنا صادقين) *; فإنهم لم يقروا بالكذب. # وأجيب بوجهين: أحدهما أنها بمعنى " إن "، والثاني قاله الزمخشري أنه على ~~الفرض; أي ولو كنا من أهل الصدق عندك. # وقال الزمخشري فيما أفرده على سورة الحجرات: " لو " تدخل على جملتين ~~فعليتين، تعلق ما بينهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط; ولما لم تكن مخلصة ~~للشرط كإن ولا عاملة مثلها، PageV04P368 # وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقا; من حيث إفادتها في مضموني جملتها، أن ~~الثاني امتنع لامتناع الأول; وذلك أن تكسو الناس فيقال لك: هلا كسوت زيدا! ~~فتقول: لو جاءني زيد لكسوته; افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علما على ~~التعليق، فزيدت اللام، ولم تفتقر إلى مثل ذلك " إن " لعملها في فعلها، ~~وخلوصها للشرط. # ويتعلق ب‍ " لو " الامتناعية مسائل: # الأولى: إنها كالشرطية في اختصاصها بالفعل، فلا يليها إلا فعل أو معمول ~~فعل يفسره ظاهر بعده، كقوله تعالى: * (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى) ~~*، حذف الفعل فانفصل الضمير. # انفردت " لو " بمباشرة " أن "، كقوله تعالى: * (ولو أنهم صبروا حتى تخرج ~~إليهم) *، وهو كثير. # واختلف في موضع " أن " بعد " لو "، فقال سيبويه: ms1037 في موضع رفع بالابتداء، ~~واختلف عنه في الخبر، فقيل محذوف، وقيل لا يحتاج إليه. # وقال الكوفيون: فاعل بفعل مقدر تقديره: " ولو ثبت أنهم "، وهو أقيس لبقاء ~~الاختصاص. # الثانية: قال الزمخشري: يجب كون خبر " أن " الواقعة بعد " لو " فعلا; ~~ليكون عوضا عن الفعل المحذوف. # وقال أبو حيان: هو وهم، وخطأ فاحش، قال الله تبارك وتعالى: * (ولو أن ما ~~في الأرض من شجرة أقلام) *. وكذا رده ابن الحاجب وغيره بالآية، وقالوا: ~~إنما ذاك في الخبر المشتق، لا الجامد كالذي في الآية. PageV04P369 # وأيد بعضهم كلام الزمخشري، بأنه إنما جاء من حيث إن قوله: * (والبحر ~~يمده) *، لما التبس بالعطف بقوله: * (ما في الأرض من شجرة أقلام) * صار خبر ~~الجملة المعطوفة، وهو * (يمده) * أبى خبر الجملة المعطوف عليها لالتباسها ~~بها. # قال الشيخ في،، المغنى،،: وقد وجدت آية في التنزيل وقع فيها الخبر مشتقا ~~ولم يتنبه لها الزمخشري، كما لم يتنبه لآية لقمان، ولا ابن الحاجب وإلا ~~لمنع ذلك. # قلت: وهذا عجيب، فإن " لو " في الآية للتمني، والكلام في الامتناعية، بل ~~أعجب من ذلك كله أن مقالة الزمخشري سبقه إليها السيرافي، وهذا الاستدراك ~~وما استدرك به منقول قديما في شرح،، الإيضاح،، لابن الخباز; لكن في غير ~~مظنته; فقال في باب إن وأخواتها: # قال السيرافي: تقول لو أن زيدا أقام لأكرمته، ولا تجوز: لو أن زيدا حاضر ~~لأكرمته; لأنك لم تلفظ بفعل يسد مسد ذلك الفعل. # هذا كلامهم، وقد قال الله تعالى: * (وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بأدون ~~في الأعراب) *، فأوقع خبرها صفة. ولهم أن يفرقوا بأن هذه للتمني، فأجريت ~~مجرى " ليت " كما تقول: ليتهم بأدون. انتهى كلامه. # تنبيه ذكر الزمخشري بعد كلامه السابق في سورة الحجرات سؤالا، وهو: ما ~~الفرق بين قولك: # لو جاءني زيد لكسوته، ونظيره قوله تعالى: * (لو أراد الله أن يتخذ ولدا ~~لاصطفى) * وبين قوله: لو زيد جاءني لكسوته، ومنه قوله تعالى: * (قل لو أنتم ~~تملكون خزائن PageV04P370 # رحمة ربى) *، وبين قوله: لو أن زيدا جاءني لكسوته، ومنه قوله تعالى: * ~~(ولو أنهم صبروا) ms1038 *. # وأجاب بأن القصد في الأول أن الفعلين، تعليق أحدهما بصاحبه لا غير، من ~~غير تعرض لمعنى زائد على التعليق الساذج على الوجه الذي بينته، وهو المعنى ~~في الآية الأولى; لأن الغرض نفى أن يتخذ الرحمن ولدا، وبيان تعاليه عن ذلك، ~~وليس لأداء هذا الغرض إلا تجديد الفعلين للتعلق; دون أمر زائد عليه، وأما ~~في الثاني فقد انضم إلى التعليق بأحد معنيين; إما نفى الشك أو الشبهة، وأن ~~المذكور الذي هو زيد مكسو لا محالة لو وجد منه المجئ ولم يمتنع، وإما بيان ~~أنه هو المختص بذلك دون غيره. وقوله تعالى: # * (قل لو أنتم تملكون) * محتمل المعنيين جميعا، أعني أنهم لا محالة ~~يمسكون، وأنهم المخصوصون بالإمساك لو ملكوا، إشارة إلى أن الإله الذي هو ~~مالكها، وهو الله الذي وسعت رحمته كل شئ لا يمسك. # فإن قلت: " لو " لا تدخل إلا على فعل، و " أنتم " ليس بمرفوع بالابتداء، ~~ولكن ب‍ " تملك " مضمرا، وحينئذ فلا فرق بين " لو تملكون " وبين " لو أنتم ~~تملكون " لمكان القصد إلى الفعل في الموضعين دون الاسم; وإنما يسوغ هذا ~~الفرق لو ارتفع بالابتداء. # قلت: التقدير وإن كان على ذلك، إلا أنه لما كان تمثيلا لا يتكلم به، ينزل ~~الاسم في الظاهر منزلة الشئ تقدم لأنه أهم، بدليل " لو ذات سوار لطمتني "، ~~في ظهور قصدهم إلى الاسم، لكنه أهم فيما ساقه المثل لأجله. # وكذا قوله: * (وإن أحد من المشركين استجارك) *، وإن كان " أحد " مرفوعا ~~بفعل مضمر في التقدير. PageV04P371 # وأما في الثالث، ففيه ما في الثاني مع زيادة التأكيد الذي تعطيه " أن " ~~وفيه إشعار بأن زيدا كان حقه أن يجئ، وأنه بتركه المجئ قد أغفل حظه. فتأمل ~~هذه الفروق، وقس عليها نظائر التراكيب في القرآن العزيز، فإنها لا تخرج عن ~~واحد من الثلاثة. # الثالثة: الأكثر في جوابها المثبت، اللام المفتوحة; للدلالة على أن ما ~~دخلت عليه هو اللازم لما دخلت عليه " لو "، قال تعالى: * (لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا) *، ففي اللام إشعار بأن الثانية لازمة للأولى. # وقوله: * (لو ms1039 نشاء لجعلناه حطاما) * ويجوز حذفها: * (لو نشاء جعلناه ~~أجاجا) *. # الرابعة: يجوز حذف جوابها للعلم به. وللتعظيم، كقوله تعالى: * (ولو أن لي ~~بكم قوة) *، وقوله: * (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) *، وهو كثير، سبق في ~~باب الحذف على ما فيه من البحث، وأما قوله: * (ولو أن ما في الأرض من شجرة ~~أقلام) * فيحتمل أن يكون جواب " لو " محذوفا والتقدير لنفدت هذه الأشياء، ~~وما نفدت كلمات الله، وأن يكون ما * (نفدت) * هو الجواب مبالغة في نفى ~~النفاد; لأنه إذا كان نفى النفاد لازما على تقدير كون ما في الأرض من شجرة ~~أقلاما والبحر مدادا كان لزومه على تقدير عدمها أولى. # وقيل: تقدر هي وجوابها ظاهرا، كقوله تعالى: * (ما اتخذ الله من ولد وما ~~كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق) *، تقديره: ولو كان معه آلهة إذا ~~لذهب كل إله. # وقوله: * (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب ~~المبطلون) *، أي ولو يكون وخططت، إذن لارتاب. PageV04P372 # الوجه الثاني: من أوجه " لو " أن تكون شرطية، وعلامتها أن يصلح موضعها " ~~إن " المكسورة، وإنما أقيمت مقامها; لأن في كل واحدة منهما معنى الشرط، وهي ~~مثلها فيليها المستقبل، كقوله تعالى: * (ولو أعجبك حسنهن) *، * (ولو نشاء ~~لطمسنا) *. # وإن كان ماضيا لفظا صرفه للاستقبال، كقوله: * (ولو كره المشركون) *. # ومنه قوله تعالى: * (ولو كنا صادقين) *، وقوله: * (وليخش الذين لو تركوا ~~من خلفهم) *، * (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به) *، ~~ونظائره. # قالوا: ولولا أنها بمعنى الشرط لما اقتضت جوابا; لأنه لا بد لها من جواب ~~ظاهر أو مضمر، وقد قال المبرد في،، الكامل،،: إن تأويله عند أهل اللغة: لا ~~يقبل منه أن يفتدى به وهو مقيم على الكفر، ولا يقبل إن افتدى به. # قالوا: وجوابها يكون ماضيا لفظا كما سبق، وقوله تعالى: * (ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم) *، ومعنى; ويكون باللام غالبا، نحو: * (ولو شاء الله لذهب ~~بسمعهم) *. # وقد يحذف نحو: * (لو نشاء جعلناه أجاجا) *، ولا يحذف غالبا إلا في صلة، ~~نحو: ms1040 # * (وليخش الذين لو تركوا....) *، الآية. # * * * الثالث: لو المصدرية، وعلامتها أن يصلح موضعها " أن " المفتوحة، ~~كقوله تعالى: * (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) *. PageV04P373 # وقوله: * (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم) *. # * (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم) *. # * (يود المجرم لو يفتدى) *، أي الافتداء. # ولم يذكر الجمهور مصدرية " لو " وتأولوا الآيات الشريفة على حذف مفعول " ~~يود " وحذف جواب " لو "، أي يود أحدهم طول العمر لو يعمر ألف سنة ليسر ~~بذلك. # وأشكل قول الأولين بدخولها على " أن " المصدرية، في نحو قوله تعالى: * ~~(تود لو أن بينها وبينه) *، والحرف المصدري لا يدخل على مثله! # وأجيب: بأنها إنما دخلت على فعل محذوف مقدر تقديره " يود لو ثبت أن بينها ~~" فانتفت مباشرة الحرف المصدري لمثله. # وأورد ابن مالك السؤال في: * (فلو أن لنا كرة) * حديث وأجاب بهذا، وبأن ~~هذا من باب توكيد عند اللفظ بمرادفه، نحو: * (فجاجا سبلا) *. # وفى كلا الوجهين نظر، أما الأول وهو دخول " لو " على " ثبت " مقدرا، إنما ~~هو مذهب المبرد، وهو لا يراه فكيف يقرره في الجواب! # وأما الثاني، فليست هنا مصدرية بل للتمني كما سيأتي. ولو سلم فإنه يلزم ~~ذلك وصل " لو " بجملة اسمية مؤكدة ب‍ " أن ". وقد نص ابن مالك وغيره; على ~~أن صلتها لا بد أن تكون فعلية بماض أو مضارع. # قال ابن مالك: وأكثر وقوع هذه بعد " ود " أو " يود " أو ما في معناهما من ~~مفهم تمن. وبهذا يعلم غلط من عدها حرف تمن، لو صح ذلك لم يجمع بينها وبين ~~فعل تمن، كما لا يجمع بين ليت وفعل تمن. PageV04P374 # الرابع: لو التي للتمني، وعلامتها أن يصح موضعها " ليت "، نحو: لو تأتينا ~~فتحدثنا، كما تقول: # ليتك تأتينا فتحدثنا، ومنه قوله تعالى: * (فلو أن لنا كرة) *، ولهذا نصب، ~~فيكون في جوابها; لأنها أفهمت التمني، كما انتصب * (فأفوز) *، في جواب " ~~ليت ": * (يا ليتني كنت معهم) *. # * * * وذكر بعضهم قسما آخر وهو التعليل كقوله: * (ولو على أنفسكم) *. # -،، * * * *،، - PageV04P375 # لولا مركبة عند سيبويه من " لو " و " لا "، حكاه الصفار. والصحيح أنها ~~بسيطة. ms1041 # ومن التركيب ما يغير، ومنه ما لا يغير، فمما لا يغير " لولا ". ومما ~~يتغير بالتركيب " حبذا " صارت للمدح والثناء، وانفصل " ذا " عن أن يكون ~~مثنى أو مجموعا أو مؤنثا، وصار بلفظ واحد لهذه الأشياء; وكذلك " هلا " زال ~~عنها الاستفهام جملة. # ثم هي على أربعة أضرب: # * * * الأول حرف امتناع لوجوب، وبعضهم يقول: لوجود، بالدال. # قيل: ويلزم على عبارة سيبويه في " لو " أن تقول حرف لما سيقع، لانتفاء ما ~~قبله. # وقال صاحب،، رصف المباني،،: الصحيح أن تفسيرها بحسب الجمل التي تدخل ~~عليها; فإن كانت الجملتان بعدها موجبتين، فهي حرف امتناع لوجوب; نحو: لولا ~~زيد لأحسنت إليك; فالإحسان امتنع لوجود زيد، وإن كانتا منفيتين، فحرف وجود ~~لامتناع، نحو: لولا عدم زيد لأحسنت إليك. انتهى. # ويلزم في خبرها الحذف، ويستغنى بجوابها عن الخبر. والأكثر في جوابها ~~المثبت اللام، نحو: * (لولا أنتم لكنا مؤمنين) *، * (فلولا أنه كان من ~~المسبحين. للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) *. # وقد يحذف للعلم به، كقوله تعالى: * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن ~~الله تواب حكيم) *. PageV04P376 # وقد قيل: في قوله تعالى: * (وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) *، لهم بها، ~~لكنه امتنع همه بها لوجود رؤية برهان ربه، فلم يحصل منه هم البتة، كقولك: ~~لولا زيد لأكرمتك; المعنى أن الأكرام ممتنع لوجود زيد; وبه يتخلص من ~~الإشكال الذي يورد: # وهو كيف يليق به الهم! # وأما جوابها إذا كان منفيا فجاء القرآن بالحذف، نحو: * (ما زكى منكم من ~~أحدا أبدا) *. # وهو يرد قول ابن عصفور أن المنفى ب‍ " ما " الأحسن باللام. # * * * الثاني: التحضيض، فتختص بالمضارع، نحو: * (لولا تستغفرون الله) *. # * (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار) *. # * (لولا أخرتني إلى أجل قريب) *. # والتوبيخ والتنديم، فتختص بالماضي، نحو: * (لولا جاءوا عليه بأربعة ~~شهداء) *. # * (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا) *. # وفى كل من القسمين تختص بالفعل; لأن التحضيض والتوبيخ لا يردان إلا على ~~الفعل; هذا هو الأصل. # وقد جوزوا فيها إذا وقع الماضي بعدها أن يكون تحضيضا أيضا; وهو حينئذ ~~يكون قرينة صارفة للماضي عن المضي إلى الاستقبال، فقالوا ms1042 في قوله تعالى: * ~~(فلولا نفر من كل PageV04P377 # فرقة منهم طائفة) *، يجوز بقاء " نفر " على معناه في المضي، فيكون " لولا ~~" توبيخا. ويجوز أن يراد به الاستقبال، فيكون تحضيضا. # قالوا: وقد تفصل من الفعل بإذ وإذا معمولين له، وبجملة شرطية معترضة. # فالأول: * (ولولا إذ سمعتموه قلتم) * * (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا) *. # الثاني والثالث: نحو: * (فلولا إذا بلغت الحلقوم. وأنتم حينئذ تنظرون. # ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون. فلولا إن كنتم غير مدينين. # ترجعونها إن كنتم صادقين) *، المعنى: فهلا ترجعون للروح إذا بلغت الحلقوم ~~إن كنتم مؤمنين; وحالتكم أنكم شاهدون ذلك، ونحن أقرب إلى المحتضر منكم ~~بعلمنا، أو بالملائكة، ولكنكم لا تشاهدون ذلك. ولولا الثانية تكرار للأولى. # * * * الثالث: للاستفهام بمعنى هل، نحو: * (لولا أخرتني إلى أجل قريب) *. # * (لولا أنزل عليه ملك) *. # قاله الهروي: ولم يذكره الجمهور; والظاهر أن الأولى للعرض، والثانية مثل: ~~* (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) *. # * * * الرابع: للنفي بمعنى " لم " نحو قوله تعالى: * (فلولا كانت قرية ~~آمنت) *، أي لم تكن. # * (فلولا كان من القرون من قبلكم) *، أي فلم يكن. ذكره ابن فارس في ~~كتاب،، فقه العربية،، والهروي في،، الأزهية،،. PageV04P378 # والظاهر أن المراد " فهلا "، ويؤيده أنها في مصحف أبى * (فهلا كانت قرية) ~~*، نعم، يلزم من ذلك الذي ذكراه معنى المضي، لأن اقتران التوبيخ بالماضي ~~يشعر بانتفائه وقال ابن الشجري: هذا يخالف أصح الإعرابين; لأن المستثنى بعد ~~النفي يقوى فيه البدل، ويجوز فيه النصب، ولم يأت في الآيتين إلا النصب، أي ~~فدل على أن الكلام موجب، وجوابه ما ذكرنا، من أن فيه معنى النفي. # وجعل ابن فارس منه: * (لولا يأتون عليهم بسلطان بين) *، المعنى: اتخذوا ~~من دون الله آلهة ولا يأتون عليه بسلطان. # ونقل ابن برجان في تفسيره في أواخر سورة هود، عن الخليل، أن جميع ما في ~~القرآن من " لولا " فهي بمعنى " هلا " إلا قوله في سورة الصافات: * (فلولا ~~أنه كان من المسبحين. للبث) *; لأن جوابها بخلاف غيرها. # وفيه نظر لما سبق. # لوما هي قريب من " لولا "، كقوله تعالى: * (لوما تأتينا بالملائكة) ms1043 *، ~~قال ابن فارس: هي بمعنى " هلا ". PageV04P379 # لم نفى للمضارع وقبله ماضيا، وتجزمه، نحو: * (لم يلد ولم يولد) *. # ومن العرب من ينصب بها، وعليه قراءة: * (ألم نشرح) *، بفتح الحاء: # وخرجت على أن الفعل مؤكد بالنون الخفيفة، ففتح لها ما قبلها، ثم حذفت ~~ونويت PageV04P380 # لما على ثلاثة أوجه: # أحدها: تدخل على المضارع، فتجزمه وتقبله ماضيا، ك‍ " لم "، نحو: * (ولما ~~يعلم الله الذين جاهدوا منكم) *، * (بل لما يذوقوا عذاب) *، أي لم يذوقوه: ~~* (ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم) *. # لكنها تفارق " لم " من جهات: # أحدها: أن " لم " لنفى فعل، و " لما " لنفى " قد فعل "، فالمنفي بها آكد. ~~قال الزمخشري في،، الفائق،،: لما مركبة من " لم " و " ما " هي نقيضة " قد " ~~وتنفى ما تثبته من الخبر المنتظر. # وهذا أخذه من أبى الفتح، فإنه قال: أصل " لما " " لم " زيدت عليها " ما ~~"، فصارت نفيا، تقول: قام زيد، فيقول المجيب بالنفي: لم يقم; فإن قلت: قد ~~قام، قلت: لما يقم; لما زاد في الإثبات " قد " زاد في النفي " ما "، إلا ~~أنهم لما ركبوا " لم " مع " ما " حدث لها معنى ولفظ، أما المعنى فإنها صارت ~~في بعض المواضع ظرفا، فقالوا: لما قمت قام زيد، أي وقت قيامك قام زيد. وأما ~~اللفظ، فلأنه يجوز الوقف عليها دون مجزومها، نحو جئتك ولما. # أي ولما تجئ. انتهى. # ويخرج من كلامه ثلاثة فروق: ما ذكرناه أولا، وكونها قد تقع اسما هو ظرف، ~~وأنه يجوز الوقف عليها دون المنفى، بخلاف " لم ". PageV04P381 # ورابها: يجئ اتصال منفيها بالحال، والمنفي بلم لا يلزم فيه ذلك، بل قد ~~يكون منقطعا، نحو: * (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) ~~*، وقد يكون متصلا نحو: * (ولم أكن بدعائك رب شقيا) *. # وخامسها: أن الفعل بعد " لما " يجوز حذفه اختيارا. # سادسها: أن " لم " تصاحب وأدوات الشرط بخلاف، " لما " فلا يقال: " إن لما ~~يقم "، وفى التنزيل * (وإن لم تفعل) *، * (وإن لم ينتهوا) *. # سابعها: أن منفى " لما " متوقع ثبوته، بخلاف منفى " لم " ألا ترى أن ~~معنى: * (بل لما يذوقوا عذاب) ms1044 *; أنهم لم يذوقوه إلى الآن، وأن ذوقهم له ~~متوقع. # قال الزمخشري في قوله تعالى: * (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) *: ما في " ~~لما " من معنى التوقع دال على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد. # وأنكر الشيخ أبو حيان دلالة " لما " على التوقع، فكيف يتوهم أنه يقع بعد. # وأجاب بعضهم بأن " لما " ليست لنفى المتوقع حيث يستبعد توقعه; وإنما هي ~~لنفى الفعل المتوقع، كما أن " قد " لإثبات الفعل المتوقع; وهذا معنى قول ~~النحويين: إنها موافقة ل‍ " قد فعل ": أي يجاب بها في النفي حيث يجاب ب‍ " ~~قد " في الإثبات; ولهذا قال ابن السراج: # جاءت " لما "، بعد فعل، يقول القائل: " لما يفعل "، فتقول: قد فعل. # * * * PageV04P382 # الوجه الثاني: أن تدخل على ماض; فهي حرف لوجود، أو وجوب لوجوب، فيقتضى ~~وقوع الأمرين جميعا; عكس " لو " نحو: لما جاءني زيد أكرمته. # وقال ابن السراج والفارسي: ظرف بمعنى " حين ". # ورده ابن عصفور بقوله: * (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا) * قال: لأن ~~الهلاك لم يقع حين ظلموا; بل كان بين الظلم والهلاك إرسال الرسل وإنذارهم ~~إياهم; وبعد ذلك وقع الإهلاك، فليست بمعنى " حين "; وهذا الرد لا يحسن إلا ~~إذا قدرنا الإهلاك أول ما ابتدا الظلم; وليس كذلك، بل قوله: * (ظلموا) * في ~~معنى " استداموا الظلم " أي وقع الإهلاك لهم حين ظلمهم; أي في حين ~~استدامتهم الظلم، وهم متلبسون به. # ومن أمثلتها قوله تعالى: * (فلما نجاكم إلى البر أعرضتم) *. # وقوله: * (ولما ورد ماء مدين) *. # * (ولما جاءت رسلنا لوطا) *. # * (إلا قوم يونس لما آمنوا) *. # * (فلما أحسوا بأسنا) *. # وأما جوابها فقد يجئ ظاهرا كما ذكرنا، قد يكون جملة اسمية مقرونة بالفاء; ~~نحو: # * (فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد) *. # أو مقرونة بما النافية، كقوله: * (فلما جاءهم نذير ما زادهم) *. # وبإذ المفاجئة، نحو: * (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون) *. ~~PageV04P383 # * (ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون) *. # * (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) *. # * (فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون) *. # وبهذا رد على من زعم أنها ظرف بمعنى " حين " فإن " ما " النافية ms1045 " وإذا " ~~الفجائية لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما; فانتفى أن يكون ظرفا. # وقد يكون مضارعا، كقوله: * (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى ~~يجادلنا) * وهو بمعنى الماضي، أي جادلنا. # وقد يحذف، كقوله: * (فمنهم مقتصد) *، قال بعضهم: التقدير انقسموا قسمين، ~~منهم مقتصد، ومنهم غير ذلك، لكن الحق أن * (مقتصد) * هو الجواب; هو الذي ~~ذكره ابن مالك، ونوزع في ذلك من جهة أن خبرها مقرون بالفاء يحتاج لدليل. # وقوله: * (لو أن لي بكم قوة) *; جوابه محذوف; أي لمنعتكم. # وأما قوله عز وجل: * (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا ~~من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) *. # قيل جواب " لما " الأولى " لما " الثانية; وجوابها ورد باقترانه. # وقيل: * (كفروا به) * جواب لهما; لأن الثانية تكرير للأولى. # وقيل: جواب الأولى محذوف، أي أنكروه. # واختلف في قوله تعالى: * (فلما أضاءت ما حوله) *، فقيل: الجواب * (ذهب ~~الله) *. وقيل: محذوف استطالة للكلام مع أمن اللبس، أي حمدت. PageV04P384 # وكذلك قوله: * (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه) *: قيل الجواب قوله: # * (وأوحينا إليه) *، على جعل الواو زائدة. # وقيل: الجواب محذوف، أي أنجيناه وحفظناه. # وقوله: * (فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا) *، قيل: # الجواب * (وجاءته) * فقال على زيادة الواو. # وقيل: الجوا ب محذوف، أي أخذ يجادلنا. # وقيل: * (يجادلنا) * مؤول ب‍ " جادلنا ". # وكذلك قوله: * (فلما أسلما وتله للجبين) *، أي أجزل له الثواب وتله. # وأما قوله: * (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) *، فما تقدم من ~~قوله: # * (وجعلنا) * يسد مسد الجواب، لا أنه الجواب; لأن الجواب لا يقدم عليها. # وكذا قوله: * (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا) *، فما تقدم من قوله: # * (أهلكناهم) *، يسد مسد الجواب، لا أنه الجواب، لأن الجواب لا يقدم ~~عليها. # وقوله: * (فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا) *; فإنما وقع جوابها ~~بالنفي; لأن التقدير: فلما جاءهم نذير زادهم نفورا، أو ازداد نفورهم. # تنبيه: يختلف المعنى بين تجردها من " أن " ودخولها عليها; وذلك أن من ~~شأنها أن تدل على أن الفعل الذي هو ناصبها ms1046 قد تعلق بعقب الفعل الذي هو ~~خافضته من غير مهلة; وإذا انفتحت " أن " بعدها أكدت هذا المعنى وشددته، ~~وذكره الزمخشري في كشافه القديم قال: ونراه مبنيا في قوله تعالى: * (ولما ~~أن جاءت رسلنا لوطا...) * الآية، كأنه قال: لما أبصرهم لحقته المساءة، وضيق ~~الذرع في بديهة الأمر وغرته. PageV04P385 # الوجه الثالث: حرف استثناء، كقوله تعالى: * (إن كل نفس لما عليها حافظ) * ~~على قراءة تشديد الميم. # وقوله: * (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا) *. # لما المخففة مركبة من حرفين: اللام وما النافية. وسيبويه يجعل " ما " ~~زائدة، والفارسي يجعل اللام; وسيأتي في حرف الميم. # -،، * * * *،، - PageV04P386 # لن صيغة مرتجلة للنفي في قول سيبويه، ومركبة عند الخليل من " لا " و " أن ~~". # واعترض بتقديم المفعول عليها، نحو: زيدا لن أضرب. # وجوابه: يجوز في المركبات ما لا يجوز في البسائط. # وكان ينبغي أن تكون جازمة، وقد قيل به; إلا أن الأكثر النصب. # وعلى كل قول; فهي لنفى الفعل في المستقبل; لأنها في النفي نقيضة السين ~~وسوف وأن في الإثبات; فإذا قلت: سأفعل أو سوف أفعل كان نقيضه " لن أفعل ". # وهي في نفى الاستقبال آكد من " لا "، وقوله تعالى: * (فلن أبرح الأرض) * ~~آكد من قوله: * (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين) *. # وليس معناها النفي على التأييد; خلافا لصاحب،، الأنموذج،، بل إن النفي ~~مستمر في المستقبل; إلا أن يطرأ ما يزيله، فهي لنفى المستقبل " ولم " لنفى ~~الماضي، و " ما " لنفى الحال. # ومن خواصها أنها تنفى ما قرب، ولا يمتد ثنا معنى النفي فيها كامتداد ~~معناها، وقد جاء في قوله تعالى: * (ولا يتمنونه أبدا) * بحرف " لا " في ~~الموضع الذي اقترن به حرف الشرط بالفعل، فصار من صيغ العموم يعم الأزمنة، ~~كأنه يقول: متى زعموا ذلك لوقت من الأوقات. وقيل لهم: تمنوا الموت، فلا ~~يتمنونه. # وقال في البقرة: * (ولن يتمنوه) *، فقصر من صيغة النفي، لأن قوله تعالى: ~~PageV04P387 # * (قل إن كانت لكم الدار الآخرة) *، وليست " لن " مع " كان " من صيغ ~~العموم; لأن " كان " لا تدخل على حدث; وإنما هي داخلة على المبتدأ والخبر، ~~عبارة ms1047 عن قصر الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث; كأنه يقول: إن كان قد وجب لكم ~~الدار الآخرة، فتمنوا الموت، ثم قال في الجواب: * (ولن يتمنوه) *، فانتظم ~~معنى الآيتين. # وأما التأبيد فلا يدل على الدوام، تقول: زيد يصوم أبدا، ويصلى أبدا; ~~وبهذا يبطل تعلق المعتزلة بأن " لن " تدل على امتناع الرؤية; ولو نفى ب‍ " ~~لا " لكان لهم فيه متعلق; إذ لم يخص بالكتاب أو بالسنة، وأما الإدراك الذي ~~نفى ب‍ " لا " فلا يمنع من الرؤية; لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أنكم ~~ترون ربكم "، ولم يقل: " تدركون ربكم "، والعرب تنفى المظنون ب‍ " لن " ~~والمشكوك ب‍ " لا ". # وممن صرح بأن التأبيد عبارة عن الزمن الطويل لا عن الذي لا ينقطع ابن ~~الخشاب. # وقد سبق مزيد كلام فيها في فصل التأبيد وأدواته. # قيل: وقد تأتى للدعاء كما أتت " لا " لذلك، ومنه قوله تعالى: * (قال رب ~~بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين) *. # ومنعه آخرون، لأن فعل الدعاء لا يسند إلى المتكلم; بل إلى المخاطب ~~والغائب، نحو: # يا رب لا عذبت فلانا! ونحوه: # لا عذب الله عمرا. PageV04P388 # لكن للاستدراك مخففة ومثقلة; وحقيقته رفع مفهوم الكلام السابق، تقول: ما ~~زيد شجاع ولكنه غير كريم، فرفعت ب‍ " لكن " ما أفهمه الوصف بالشجاعة من ~~ثبوت الكرم له، لكونهما كالمتضايفين; فإن رفعنا ما أفاده منطوق الكلام ~~السابق فذاك استثناء; وموقع الاستدراك بين متنافيين بوجه ما; فلا يجوز ~~وقوعها بين متوافقين، وقوله تعالى: * (ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم ~~في الأمر ولكن الله سلم) *، لكونه جاء في سياق " لو "، " ولو " تدل على ~~امتناع الشئ لامتناع غيره; فدل على أن الرؤية ممتنعة في المعنى; فلما قيل: # * (ولكن الله سلم) * علم إثبات ما فهم إثباته أولا وهو سبب التسليم; وهو ~~نفى الرؤية، فعلم أن المعنى: ولكن الله ما أراكهم كثيرا ليسلمكم، فحذف ~~السبب وأقيم المسبب مقامه. # قال ابن الحاجب: الفرق بين " بل " و " لكن "; وإن اتفقا في أن الحكم ~~للثاني; أن " لكن " وضعها على مخالفة ما بعدهما لما قبلهما، ولا يستقيم ~~تقديره ms1048 إلا مثبتا لامتناع تقدير النفي في المفرد; وإذا كان مثبتا وجب أن ~~يكون ما قبله نفيا، كقولك: # ما جاءني زيد لكن عمرو; ولو قلت: جاءني زيد لكن عمرو، لم يجز لما ذكرنا. ~~وأما بل فللإضراب مطلقا، موجبا كان الأول أو منفيا. # وإذا ثقلت فهي من أخوات " إن " تنصب الاسم وترفع الخبر; ولا يليها الفعل. # وأما وقوع المرفوع بعدها في قوله تعالى: * (لكنا هو الله ربى) *، و " هو ~~" ضمير الرفع، فجوابه أنها هنا ليست المثقلة بل هي المخففة; والتقدير: لكن ~~أنا هو الله ربى; PageV04P389 # ولهذا تكتب في المصاحف بالألف، ويوقف عليها بها; إلا أنهم ألقوا حركة ~~الهمزة على النون; فالتقت النونان، فأدغمت الأولى في الثانية، وموضع " أنا ~~" رفع بالابتداء، وهو مبتدأ ثان و " الله " مبتدأ ثالث، و " ربى " خبر ~~المبتدأ الثالث، والمبتدأ الثالث وخبره خبر الثاني والثاني هو خبر الأول، ~~والراجع إلى الأول الياء. # ثم المخففة قد تكون مخففة من الثقيلة، فهي عاملة، وقد تكون غير عاملة، ~~فيقع بعدها المفرد، نحو: ما قام زيد لكن عمرو، فتكون عاطفة على الصحيح، وإن ~~وقع بعدها جملة كانت حرف ابتداء. # وقال صاحب،، البسيط،، إذا وقع بعدها جملة; فهل هي للعطف، أو حرف ابتداء. # قولان; كقوله تعالى: * (لكن الله يشهد) *. # قال: ونظير فائدة الخلاف في جواز الوقف على ما قبلها; فعلى العطف لا ~~يجوز، وعلى كونها حرف ابتداء يجوز. # قال: وإذا دخل عليها الواو انتقل العطف إليها، وتجردت للاستدراك. # وقال الكسائي: المختار عند العرب تشديد النون إذا اقترنت بالواو، ~~وتخفيفها إذا لم تقترن بها; وعلى هذا جاء أكثر القرآن العزيز، كقوله تعالى: ~~* (ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) *. # * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) *. # * (لكن الله يشهد) *. # * (لكن الرسول) *. PageV04P390 # * (لكن الذين اتقوا) * * (لكن الظالمون اليوم) *. # وعلل الفراء ذلك بأنها مخففة تكون عاطفة فلا تحتاج إلى واو معها ك‍ " بل ~~"، فإذا كان قبلها واو لم تشبه " بل " لأن " بل " لا تدخل عليها الواو، ~~وأما إذا كانت مشددة فإنها تعمل عمل " إن " ولا تكون عاطفة. # وقد اختلف القراء في * (ما ms1049 كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله) ~~*، فأكثرهم على تخفيفها ونصب " رسول " باضمار " كان " أو بالعطف على " أبا ~~أحد ". والأول أليق، لكن ليست عاطفة لأجل الواو، فالأليق لها أن تدخل على ~~الجمل ك‍ " بل " العاطفة. # وقرأ أبو عمرو بتشديدها على أنها عاملة، وحذف خبرها; أي ولكن رسول الله ~~هو، أي محمد. PageV04P391 # لعل تجئ لمعان: # الأول للترجي في المحبوب، نحو: لعل الله يغفر لنا، وللإشفاق في المكروه، ~~نحو: لعل الله يغفر للعاصي. ثم وردت في كلام من يستحيل عليه الوصفان، لأن ~~الترجي للجهل بالعاقبة وهو محال على الله وكذلك الخوف والإشفاق. # فمنهم من صرفها إلى المخاطبين. قال سيبويه في قوله تعالى: * (لعله يتذكر ~~أو يخشى) *، معناه: كونا على رجاء كما في ذكرهما، يعنى أنه كلام منظور فيه ~~إلى جانب موسى وهارون عليهما السلام; لأنهما لم يكونا جازمين بعدم إيمان ~~فرعون. # وأما استعمالهما في الخوف; ففي قوله تعالى: * (لعل الساعة قريب) *، فإن ~~الساعة مخوفة في حق المؤمنين، بدليل قوله: * (والذين آمنوا مشفقون منها) *. # وفى هذا رد على الزمخشري حيث أنكر أن تكون هذه الآية من هذا القبيل. # فإن قلت: ما معنى قولهم: " لعل من الله واجبة "؟ هل ذلك من شأن المحبوب، ~~أو مطلقا؟ وإذا كانت في المحبوب فهل ذلك إخراج لها عن وضع الترجي إلى وضع ~~الخبر، فيكون مجازا أم لا؟ # قلت: ليس إخراجا لها عن وضعها; وذلك أنهم لما رأوها من الكريم للمخاطبين ~~في ذلك المحبوب تعريض بالوعد، وقد علم أن الكريم لا يعرض بأن يفعل إلا بعد ~~التصميم عليه، فجرى الخطاب الإلهي مجرى خطاب عظماء الملوك من الخلق. وقوله: ~~* (يا أيها الناس اعبدوا PageV04P392 # ربكم..) * الآية إلى * (تتقون) *، إطماع المؤمن بأن يبلغ بإيمانه درجة ~~التقوى العالية، لأنه بالإيمان يفتتحها وبالإيمان يختتمها، ومن ثم قال مالك ~~وأبو حنيفة: الشرع ملزم. # وقد قال الزمخشري: وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، لكنه ~~كريم رحيم، إذا أطمع فعل ما يطمع لا محالة، فجرى إطماعه له مجرى وعده، ~~فلهذا قيل: # إنها ms1050 من الله واجبة. # وهذا فيه رائحة الاعتزال في الإيجاب العقلي، وإنما يحسن الإطماع دون ~~التحقيق. # كيلا يتكل العباد، كقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله ~~توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم) *. # قال الراغب: " لعل " طمع وإشفاق. # وذكر بعض المفسرين أن " لعل " من الله واجبة، وفسر في كثير من المواضع ب‍ ~~" لا " وقالوا: إن الطمع والإشفاق لا يصح على الله تعالى. # وقال: ولعل - وإن كان طمعا - فإن ذلك يقتضى في كلامهم تارة طمع المخاطب، ~~وتارة طمع المخاطب، وتارة طمع غيرهما، فقوله تعالى: * (لعلنا نتبع السحرة) ~~* فذلك طمع منهم في فرعون. # وفى قوله: * (لعله يتذكر أو يخشى) *، إطماع موسى وهارون، ومعناه: قولا له ~~قولا لينا راجيين أن يتذكر أو يخشى. # وقوله: * (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك) *، أي تظن بك الناس. # وعليه قوله تعالى: * (لعلك باخع نفسك) *، وقوله: * (واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون) *، أي راجين الفلاح. PageV04P393 # كما قال: * (يرجون رحمة الله) *. # وزعم بعضهم بأنها لا تكون للترجي إلا في الممكن، لأنه انتطار، ولا ينتظر ~~إلا في ممكن; فأما قوله تعالى: * (لعلى أبلغ الأسباب...) * الآية، فاطلاع ~~فرعون إلى الإله مستحيل، وبجهله اعتقد إمكانه، لأنه يعتقد في الإله الجسمية ~~والمكان تعالى الله عن ذلك! # * * * الثاني للتعليل، كقوله تعالى: * (فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) *. # * (وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون) *، أي كي. # وجعل منه ثعلب: * (لعله يتذكر) *، أي " كي "، حكاه عنه صاحب ،، المحكم،،. # * * * الثالث: الاستفهام، كقوله تعالى: * (لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا) *. # * (وما يدريك لعله يزكى) *. # * * * وحكى البغوي في تفسيره عن الواقدي أن جميع ما في القرآن من " لعل " ~~فإنها للتعليل، إلا قوله: * (لعلكم تخلدون) *، فإنها للتشبيه. # وكونها للتشبيه غريب لم يذكره النحاة، ووقع في صحيح البخاري في قوله: # * (لعلكم تخلدون) * أن " لعل " للتشبيه. PageV04P394 # وذكر غيره أنها للرجاء المحض; وهو بالنسبة إليهم واعلم أن الترجي والتمني ~~من باب الإنشاء، كيف يتعلقان بالماضي! # وقد وقع خبر " ليت " ماضيا في قوله: * (يا ليتني مت قبل هذا) *. # وممن نص على منع وقوع الماضي خبرا للعل ms1051 الرماني. # * * * PageV04P395 # ليس فعل معناه نفى مضمون الجملة في الحال، إذا قلت: ليس زيدا قائما، نفيت ~~قيامه في حالك هذه. وإن قلت: ليس زيد قائما غدا لم يستقم، ولهذا لم يتصرف ~~فيكون فيها مستقبلا. # هذا قول الأكثرين; وبعضهم يقول: إنها لنفى مضمون الجملة عموما. # وقيل مطلقا; حالا كان أو غيره. وقواه ابن الحاجب. # ورد الأول بقوله تعالى: * (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم) *; وهذا نفى ~~لكون العذاب مصروفا عنهم يوم القيامة، فهو نفى في المستقبل; وعلى هذين ~~القولين يصح " ليس إلا الله "; وعلى الأول يحتاج إلى تأويل، وهو أنه قد ~~ينفى عن الحال بالقرينة، نحو ليس خلق الله مثله. # وهل هو لنفى الجنس أو الوحدة؟ لم أر من تعرض لذلك غير ابن مالك في كتاب ~~،، شواهد التوضيح،، فقال في قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس صلاة أثقل على ~~المنافقين " ففيه شاهد على استعمال " ليس " للنفي العام المستغرق به للجنس; ~~وهو مما يغفل عنه. # ونظيره قوله تعالى: * (ليس لهم طعام إلا من ضريع) * لدن بمعنى " عند "، ~~وهي أخص منها لدلالتها على ابتدائها به، نحو: أقمت عنده من لدن PageV04P396 # الشمس إلى غروبها. فتوضح نهاية الفعل وهي أبلغ من " عند "، قال تعالى: * ~~(قد بلغت من لدني عذرا) *. # * (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا) *. # * (من لدن حكيم عليم) *. # * (فهب لي من لدنك وليا) *. # وقد سبق الفرق بينهما في عند. # وقد تحذف نونها، قال تعالى: * (وألفيا سيدها لدى الباب) *. # * (هذا ما لدى عتيد) *. # -،، * * * *،، - PageV04P397 # ما تكون على اثنى عشر وجها: ستة منها أسماء، وستة حروف. # [ما الاسمية] فالاسمية ضربان: معرفة ونكرة; لأنه إذا حسن موضعها " الذي " ~~فهي معرفة، أو " شئ " فهي نكرة; وإن حسنا معا جاز الأمران، كقوله تعالى: * ~~(ويغفر ما دون ذلك) * و * (هذا ما لدى عتيد) *. # والنكرة ضربان: ضرب يلزم الصفة، وضرب لا يلزمه، والذي يلزمه الاستفهامية ~~والشرطية والتعجب، وما عداها تكون منه نكرة، فلا بد لها من صفة تلزمها. # * * * فالأول من الستة: الأسماء الخبرية، وهي الموصولة، ويستوى فيها ~~التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية ms1052 والجمع، كقوله تعالى: * (ما عندكم ~~ينفد وما عند الله باق) *، وقوله: # * (بما أنزل إليك) * * (ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض) *. # فإن كان المراد بها لمذكر كانت للتذكير، بمعنى " الذي "، وإن كان المراد ~~بها المؤنث كانت للتأنيث بمعنى " التي ". # وقال السهيلي: كذا يقول النحويون، إنها بمعنى " الذي " مطلقا، وليس كذلك، ~~بل بينهما تخالف في المعنى وبعض الأحكام. # أما المعنى; فلأن " ما " اسم مبهم في غاية الإبهام; حتى إنه يقع على ~~المعدوم، نحو: # " إن الله عالم بما كان وبما لم يكن ". PageV04P398 # وأما في الأحكام فإنها لا تكون نعتا لما قبلها، ولا منعوتة، لأن صلتها ~~تغنيها عن النعت ولا تثني عليه ولا تجمع. انتهى. # ثم لفظها مفرد ومعناها الجمع، ويجوز مراعاتها في الضمير. # ونحوه من مراعاة المعنى: * (ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم) ~~*، ثم قال: * (هؤلاء شفعاؤنا) *، لما أراد الجمع. # وكذا قوله: * (ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقا من السماوات ~~والأرض شيئا ولا يستطيعون) *. # ومن مراعاة اللفظ: * (قل بئسما يأمركم به إيمانكم) *. # وأصلها أن تكون لغير العاقل، كقوله تعالى: * (ما عندكم ينفد) *. # وقد تقع على من يعقل عند اختلاطه بمالا يعقل تغليبا، كقوله تعالى: * ~~(أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض) *، وقوله: * (إنكم وما تعبدون من ~~دون الله...) *، الآية، بدليل نزول الآية بعدها مخصصة: * (إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى) *. # قالوا: وقد تأتى لأنواع من يعقل، كقوله تعالى: * (فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء) *، أي الأبكار إن شئتم أو الثيبات. # ولا تكون لأشخاص من يعقل على الصحيح; لأنها اسم مبهم يقع على جميع ~~الأجناس، فلا يصح وقوعها إلا على جنس. PageV04P399 # ومنهم من جوزه، محتجا بقوله تعالى: * (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) *، ~~والمراد آدم. # وقوله: * (والسماء وما بناها) *. # وقوله: * (ولا أنتم عابدون ما أعبد) *، أي الله. # فأما الأولى فقيل إنها مصدرية. وقال السهيلي: بل إنها وردت في معرض ~~التوبيخ على امتناعه من السجود، وليستحق هذا من حيث كان السجود لما يعقل، ~~ولكن لعلة أخرى، وهي المعصية والتكبر; ms1053 فكأنه يقول: لم عصيتني وتكبرت ما على ~~ما خلقته وشرفته؟ فلو قال: ما منعك أن تسجد لمن؟ كان استفهاما مجردا من ~~توبيخ، ولتوهم أنه وجب السجود له من حيث كان يعقل، أو لعلة موجودة فيه أو ~~لذاته; وليس كذلك. # وأما آية السماء; فلأن القسم تعظيم للمقسم به من حيث ما في خلقها من ~~العظمة والآيات، فثبت لهذا القسم بالتعظيم كائنا ما كان. وفيه إيحاء إلى ~~قدرته تعالى على إيجاد هذا الأمر العظيم، بخلاف قوله: " من " لأنه كان يكون ~~المعنى مقصورا على ذاته دون أفعاله. ومن هذا يظهر غلط من جعلها بتأويل ~~المصدر. # وأما * (ما أعبد) * فهي على بابها; لأنها واقعة على معبوده عليه السلام ~~على الإطلاق; لأن الكفار كانوا يظنون أنهم يعبدون الله وهم جاهلون به، ~~فكأنه قال: أنتم لا تعبدون معبودي. # ووجه آخر، وهو أنهم كانوا يحسدونه ويقصدون مخالفته كائنا من كان معبوده، ~~فلا يصح في اللفظ إلا لفظة " ما " لإبهامها ومطابقتها لغرض أو لازدواج ~~الكلام; لأن معبودهم لا يعقل، وكرر الفعل على بنية المستقبل حيث أخبر عن ~~نفسه، إيماء إلى عصمة الله له عن PageV04P400 # الزيغ والتبديل، وكرره بلفظ حين أخبر عنهم بأنهم يعبدون أهواءهم، ويتبعون ~~شهواتهم; بفرض أن يعبدوا اليوم مالا يعبدونه غدا. # وهاهنا ضابط حسن الفرق بين الخبرية والاستفهامية، وهو أن " ما " إذا جاءت ~~قبل " ليس " أو " لم " أو " لا "، أو بعد " إلا "، فإنها تكون خبرية، ~~كقوله: * (ما ليس لي بحق) *، * (ما لم يعلم) *، * (ما لا تعلمون) *، * (إلا ~~ما علمتنا) *، وشبهه. # وكذلك إذا جاءت بعد حرف الجر، نحو: " ربما " و " عما " و " فيما " ~~ونظائرها; إلا لا بعد كاف التشبيه. # وربما كانت مصدرا بعد الباء، نحو: * (بما كانوا يظلمون) *، * (بما كانوا ~~يكذبون) *، * (بما تعملون) *. # وإن وقعت بين فعلين سابقهما علم أو دراية أو نظر، جاز فيها الخبر ~~والاستفهام، كقوله: # تعالى: * (وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) *. # * (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون) *، * (وإنك لتعلم ما نريد) *. # * (هل علمتم ما فعلتم) *. # * (وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم) *. # * (ولتنظر ms1054 نفس ما قدمت) *. # * * * PageV04P401 # الثاني: الشرطية، ولها صدر الكلام، ويعمل فيها ما بعدها من الفعل، نحو: ~~ما تصنع أصنع، وفى التنزيل: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) *. # * (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) *. # * (وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم) *. # * (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) *. # * (وما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها) *. # ف‍ " ما " في هذه المواضع في موضع نصب بوقوع الفعل عليها. # * * * الثالث: الاستفهامية، بمعنى " أي شئ "، ولها صدر الكلام كالشرط، ~~ويسأل بها عن أعيان ما لا يعقل وأجناسه وصفاته، عن أجناس العقلاء وأنواعهم ~~وصفاتهم، قال تعالى: * (ما هي) *، و * (ما لونها) *، * (وما تلك بيمينك يا ~~موسى) *. # قال الخليل في قوله تعالى: * (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ) *: # ما: استفهام، أي أي شئ تدعون من دون الله؟ # ومثال مجيئها لصفات من يعلم قوله تعالى: * (وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا) ~~*، ونظيرها - لكن في الموصولة - * (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) *. ~~PageV04P402 # وجوز بعض النحويين أن يسأل بها عن أعيان من يعقل أيضا. حكاه الراغب; فإن ~~كان مأخذه قوله تعالى عن فرعون: * (وما رب العالمين) *، فإنما هو سؤال عن ~~الصفة; لأن الرب هو المالك والملك صفة، ولهذا أجابه موسى بالصفات. ويحتمل ~~أن " ما " سؤال عن ماهية الشئ، ولا يمكن ذلك في حق الله تعالى، فأجابه موسى ~~تنبيها على صواب السؤال. # ثم فيه مسألتان: إحداهما في إعرابها; وهو بحسب الاسم المستفهم عنه، فإن ~~كانت هي المستفهم عنها كانت في موضع رفع بالابتداء، نحو قوله تعالى: * (ما ~~لونها *) و * (ما هي) * * (ما أصابك من حسنة فمن الله) *. # وإن كان ما بعدها هو المسؤول عنه، كانت في موضع الخبر، كقوله: * (وما ~~الرحمن) * وقوله: * (ما القارعة) * * (ما الحاقة) *. # الثانية: في حذف ألفها; ويكثر في حالة الخفض، قصدوا مشاكلة اللفظ للمعنى، ~~فحذفوا الألف كما أسقطوا الصلة، ولم يحذفوا في حال النصب والرفع، كيلا تبقى ~~الكلمة على حرف واحد، فإذا اتصل بها حرف الجر أو مضاف اعتمدت ms1055 عليه; لأن ~~الخافض والمخفوض بمنزلة الكلمة الواحدة، كقوله تعالى: * (فيم أنت من ~~ذكراها) *، * (ولم تحرم ما أحل الله لك) *، * (فبم تبشرون) *، و * (عم ~~يتساءلون) *. # وأما قوله: * (يا ليت قومي يعلمون. بما غفر لي ربى) *، فقال المفسرون: ~~معنا بأي شئ غفر لي، فجعلوا " ما " استفهاما. وقال الكسائي: معناه بمغفرة ~~ربى، فجعلها مصدرية. # قال الهروي: إثبات الألف في " ما " بمعنى الاستفهام مع اتصالها بحرف الجر ~~لغة، وأما قوله: * (فبما أغويتني لأقعدن لهم) *، فقيل: إنها للاستفهام، أي ~~بأي شئ PageV04P403 # أغويتني؟ ثم ابتدأ * (لأقعدن لهم) *. وقيل مصدرية والباء متعلقة بفعل ~~القسم المحذوف، أي فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدن، أي بسبب إغوائك أقسم. # ويجوز أن تكون الباء للقسم، أي فأقسم بإغوائك لأقعدن، وإنما أقسم ~~بالإغواء لأنه كان مكلفا، والتكليف من أفعال الله، لكونه تعريفا لسعادة ~~الأبد، وكان جديرا أن يقسم به. # فإن قيل: تعلقها ب‍ * (لأقعدن) *، قيل يصد عنه لام القسم، ألا ترى أنك لا ~~تقول: والله لا بزيد لأمرن. # * * * والرابع: التعجبية، كقوله تعالى: * (فما أصبرهم على النار) *. # * (قتل الإنسان ما أكفره) *. # ولا ثالث لهما في القرآن إلا في قراءة سعيد بن جبير: * (ما أغرك بربك ~~الكريم) *. # وتكون في موضع رفع بالابتداء و " ما " خبر، وهو قريب مما قبله; لأن ~~الاستفهام والتعجب بينهما تلازم; لأنك إذا تعجبت من شئ فبالحري أن تسأل ~~عنه. # * * * والخامس: نكرة بمعنى " شئ "، ويلزمها النعت، كقولك: رأيت ما معجبا ~~لك، وفى التنزيل: * (بعوضة فما فوقها) *، * (إن الله نعما يعظكم به) * أي ~~نعم شيئا يعظكم به. PageV04P404 # والسادس: نكرة بغير صفة ولا صلة، كالتعجب، وموضعها نصب على التمييز، ~~كقوله: * (وإن تبدوا الصدقات فنعما هي) *، أي فنعم شيئا هي، كما تقول: نعم ~~رجلا زيد، أي نعم الرجل رجلا زيد، ثم قام " ما " مقام الشئ. # فائدة: قال بعضهم: وقد تجئ " ما " مضمرة، كقوله تعالى: * (وإذا رأيت ثم ~~رأيت) * أي ما ثم. # وقوله: * (هذا فراق بيني وبينك) * أي ما بيني. # * (لقد تقطع بينكم) *، أي ما بينكم. # [ما الحرفية] وأما الحرفية فستة: # الأول النافية، ولها صدر الكلام. ms1056 وقد تدخل على الأسماء والأفعال، ففي ~~الأسماء ك‍ " ليس " ترفع وتنصب في لغة أهل الحجاز، ووقع في القرآن في ثلاثة ~~مواضع: # قال تعالى: * (ما هذا بشرا) *. # قال تعالى: * (ما هن أمهاتهم) * أو على قراءة كسر التاء. وقوله: # * (فما منكم من أحد عنه حاجزين) *. # وعلى الأفعال فلا تعمل، وتدخل على الماضي بمعنى " لم " نحو ما خرج، أي لم ~~يخرج. # وقوله تعالى: * (فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) *. # وعلى المضارع لنفى الحال، بمعنى " لا "، نحو ما يخرج زيد، أي لا يخرج، ~~نفيت أن يكون منه خروج في الحال. PageV04P405 # ومنهم من يسميه جحدا، وأنكره بعضهم. وسبق الفرق بين الجحد والنفي في ~~الكلام على قاعدة المنفى. # وقال ابن الحاجب: هي لنفى الحال في اللغتين الحجازية والتميمية، نحو: ما ~~زيد منطلقا ومنطلق; ولهذا جعلها سيبويه في النفي جوابا ل‍ " قد " في ~~الإثبات; ولا ريب أن " قد " للتقريب من الحال، فلذلك جعل جوابا لها في ~~النفي. # قال: ويجوز أن تستعمل للنفي في الماضي والمستقبل عند قيام القرائن، قال ~~تعالى حكاية عن الكفار: * (وما نحن بمنشرين) *، * (وما نحن بمبعوثين) *. # وفى الماضي، نحو: * (ما جاءنا من بشير ولا نذير) *، فإنه ورد للتعليل، ~~على معنى كراهة أن يقولوا عند إقامة الحجة عليهم: ما جاءنا في الدنيا من ~~بشير ولا نذير; وهذا للماضي المحقق، وأمثال ذلك كثير. # قال: ثم إن سيبويه جعل فيها معنى التوكيد; لأنها جرت موضع " قد " في ~~النفي، فكما أن " قد " فيها معنى التأكيد، فكذلك ما جعل جوابا لها. # وهنا ضابط; وهو إذا ما أتت بعدها " إلا " في القرآن; فهي من نفى " إلا في ~~ثلاثة عشر موضعا ": # أولها: في البقرة قوله تعالى: * (مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا) *. # الثاني: * (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون) *. # الثالث: في النساء قوله: * (لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين) *. # الرابع: * (ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) *. PageV04P406 # الخامس في المائدة: * (وما أكل السبع إلا ما ذكيتم) *. # السادس في الأنعام: * (ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى ms1057 شيئا) *. ~~السابع: * (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا) *. # الثامن والتاسع: في هود * (ما دامت السماوات والأرض إلا) *، في موضعين، ~~أحدهما: في ذكر أهل النار، والثاني: في ذكر أهل الجنة. # العاشر والحادي عشر: في يوسف: * (فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا) *، ~~وفيها: * (ما قدمت لهن إلا) *. # الثاني عشر: في الكهف * (وما يعبدون إلا الله) *، على خلاف فيها. # الثالث عشر: * (وما بينهما إلا بالحق) * حيث كان. # * * * والثاني: المصدرية، وهي قسمان: وقتية وغير وقتية. # فالوقتية هي التي تقدر بمصدر نائب عن الظرف الزمان، كقوله تعالى: * ~~(خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) *، وقوله: * (إلا ما دمت عليه ~~قائما) *، و * (ما دمتم حرما) *، أي مدة دوام السماوات والأرض، ووقت دوام ~~قيامكم وإحرامكم، وتسمى ظرفية أيضا. # وغير الوقتية هي التي تقدر مع الفعل، نحو بلغني ما صنعت، أي صنعك، قال ~~تعالى: # * (وبما كانوا يكذبون) * أي بتكذيبهم، أو بكذبهم على القرآن. PageV04P407 # وقوله: * (ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) * وقوله: * (كما آمن الناس) * و * ~~(أرسلنا فيكم رسولا) * و * (بئسما اشتروا) * أي كإيمان الناس، وكإرسال ~~الرسل، وبئس اشتراؤهم. # وكلما أتت بعد كاف التشبيه أو " بئس " فهي مصدرية على خلاف فيه، وصاحب ~~الكتاب يجعلها حرفا، والأخفش يجعلها اسما. وعلى كلا القولين لا يعود عليها ~~من صلتها شئ. # * * * والثالث: الكافة للعامل عن عمله، وهو ما يقع بين ناصب ومنصوب، أو ~~جار ومجرور، أو رافع ومرفوع. # فالأول: كقوله تعالى: * (إنما الله إله واحد) *، * (إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء) *، * (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) *. # والثاني: كقوله: ربما رجل أكرمته، وقوله: * (ربما يود الذين كفروا) *. # والثالث: كقولك: قلما تقولين، وطالما تشتكين. # * * * والرابع: المسلطة، وهي التي تجعل اللفظ متسلطا بالعمل بعد أن لم ~~يكن عاملا; نحو " ما " في " إذ ما " و " حيثما "; لأنهما لا يعملان ~~بمجردهما في الشرط، ويعملان عند دخولها عليها. # * * * والخامس: أن تكون مغيرة للحرف عن حاله، كقوله في " لو ": لوما، ~~غيرتها إلى معنى " هلا "، قال تعالى: * (لو ما تأتينا) *. PageV04P408 # والسادس: المؤكد اللفظ ويسميه بعضهم صلة، وبعضهم زائدة، والأول أولى، ~~لأنه ms1058 ليس في القرآن حرف إلا وله معنى. ويتصل بها الاسم والفعل، وتقع أبدا ~~حشوا أو آخرا، ولا تقع ابتداء، وإذا وقعت حشوا فلا تقع، إلا بين الشيئين ~~المتلازمين; وهو مما يؤكد زيادتها لإقحامها بين ما هو كالشئ الواحد. # نحو: * (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا) *. # * (أينما تكونوا يدرككم الموت) *. # وكذا قوله تعالى: * (أينما تولوا فثم وجه الله) *. # * (أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) *. # * (فبما رحمة من الله لنت لهم) *. # * (فبما نقضهم ميثاقهم) *. # * (عما قليل) *. # * (أيما الأجلين قضيت) *. # * (مما خطيئاتهم) *. # وجعل منه سيبويه في باب الحروف الخمسة قوله تعالى: * (إن كل نفس لما ~~عليها حافظ) *، قال: فجعلها زائدة. # وأجاز الفارسي زيادة اللام، والمعنى: إن كل نفس ما عليها حافظ. ~~PageV04P409 # ثم قال سيبويه: وقال تعالى: * (وإن كل لما جميع) *، إنما هو: لجميع، و " ~~ما " لغو. # قال الصفار: والذي دعاه إلى أن يجعلها لغوا ولم يجعلها موصولا; لأن بعدها ~~مفرد، فيكون من باب: * (تماما على الذين أحسن) *. # فإن قيل: فهلا جعلها في * (لما عليها حافظ) * موصولة لأن بعدها الظرف؟ # قلنا: منع من ذلك وقوع " ما " على آحاد من يعقل، ألا ترى كل نفس! وهذا ~~يمنع في الآيتين من الصلة. # انتهى. وكان ينبغي أن يتجنب عبارة اللغو. # -،، * * * *،، - PageV04P410 # من لا تكون إلا اسما لوقوعها فاعلة ومفعولة ومبتدأة، ولها أربعة اقسام ~~متفق عليها: # الموصولة، والاستفهامية، والشرطية، والنكرة الموصوفة. # * * * فالموصولة كقوله تعالى: * (من في السماوات والأرض ومن عنده لا ~~يستكبرون) *. # * (ولله يسجد من في السماوات والأرض) *. # * * * والاستفهامية، وهي التي أشربت معنى النفي، ومنه: * (ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله) * و * (ومن يقنط من رحمة الله إلا الضالون) *. # ولا يتقيد جواز ذلك بأن يتقدمها الواو، خلافا لابن مالك في،، التسهيل،،، ~~بدليل * (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) *. # * * * والشرطية، كقوله تعالى: * (من عمل صالحا فلنفسه) *. # و * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) *. # * * * والنكرة الموصوفة، كقوله: * (ومن الناس من يقول) *، أي فريق يقول. ~~PageV04P411 # وقيل: موصولة، وضعفة أبو البقاء بأن " الذي " يتناول أقواما بأعيانهم، ~~والمعنى هاهنا على الإيهام. # وتوسط الزمخشري فقال: ms1059 إن كانت " أل " للجنس فنكرة، أو للعهد فموصولة; ~~وكأنه قصد مناسبة الجنس للجنس، والعهد للعهد، لكنه ليس بلازم، بل يجوز أن ~~تكون للجنس ومن موصولة، وللعهد ومن نكرة. # ثم الموصولة قد توصف بالمفرد وبالجملة، وفى التنزيل: * (كل من عليها فان) ~~*; في أحد الوجهين، أي كل شخص مستقر عليها. # قالوا: وأصلها أن تكون لمن يعقل، وإن استعملت في غيره فعلى المجاز. # هذه عبارة القدماء، وعدل جماعة إلى قولهم: " من يعلم " لإطلاقها على ~~الباري، كما في قوله تعالى: * (قل من رب السماوات والأرض قل الله) *، وهو ~~سبحانه يوصف بالعلم لا بالعقل، لعدم الإذن فيه. # وضيق سيبويه العبارة فقال: هي للأناسي. # فأورد عليه أنها تكون للملك، كقوله تعالى: * (ألم تر أن الله يسجد له من ~~في السماوات) * فكان حقه أن يأتي بلفظ يعم الجميع، بأن يقول " لأولى العلم ~~". # وأجيب بأن هذا يقل فيها، فاقتصر على الأناسي للغلبة. # وإذا أطلقت على ما لا يعقل; فإما لأنه عومل معاملة من يعقل، وإما ~~لاختلاطه به. # فمن الأول قوله تعالى: * (أفمن يخلق كمن لا يخلق) *، والذي لا يخلق ~~المراد به الأصنام; لأن الخطاب مع العرب لكنه لما عوملت بالعبادة عبر عنها ~~ب‍ " من "، بالنسبة إلى اعتقاد المخاطب. ويجوز أن يكون المراد ب‍ " من " لا ~~يخلق العموم الشامل لكل ما عبد من دون PageV04P412 # الله من العاقلين وغيرهم، فيكون مجئ " من " هنا للتغليب الذي اقتضاه ~~الاختلاط في قوله تعالى: * (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على ~~بطنه...) * الآية، فعبر بها عمن يمشى على بطنه، وهم الحيات، وعمن يمشى على ~~أربع وهم البهائم، لاختلاطهم مع من يعقل في صدر الآية; لأن عموم الآية يشمل ~~العقلاء وغيرهم، فغلب على الجميع حكم العاقل. # -،، * * * *،، - PageV04P413 # فائدة قيل: إنما كان " من " لمن يعقل و " ما " لما لا يعقل; لأن مواضع " ~~ما " في الكلام أكثر من مواضع " من " وما لا يعقل أكثر ممن يعقل، فأعطوا ما ~~كثرت مواضعه للكثير، وأعطوا ما قلت مواضعه للقليل، وهو من يعقل، للمشاكلة ~~والمجانسة. # تنبيه ذكر الأبياري في ms1060 شرح،، البرهان،، أن اختصاص " من " بالعاقل و " ما ~~" بغيره مخصوص بالموصولتين، أما الشرطية فليست من هذا القبيل; لأن الشرط ~~يستدعى الفعل ولا يدخل على الأسماء. # تنبيه وقد سبق في قاعدة مراعاة اللفظ والمعنى بيان حكم " من " في ذلك، ~~وقوله تعالى: # * (إلا من كان هودا أو نصارى) * فجعل اسم " كان " مفردا حملا على لفظ " ~~من "، وخبرها، جمعا حملا على معناها، ولو حمل الاسم والخبر على اللفظ معا ~~لقال " إلا من كان يهوديا أو نصرانيا "; ولو حملهما على معناها لقال: " إلا ~~من كانوا هودا أو نصارى " فصارت الآية الشريفة بمنزلة قولك: لا يدخل الدار ~~إلا من كان عاقلين، وهذه المسألة منعها ابن السراج وغيره، وقالوا: لا يجوز ~~أن يحمل الاسم والخبر معا على اللفظ، فيقال: " إلا من كان عاقلا "، أو ~~يحملا معا على المعنى فيقال: إلا من كانوا عاقلين "، وقد جاء القرآن بخلاف ~~قولهم. PageV04P414 # من حرف يأتي لبضعة عشر معنى: # الأول: ابتداء الغاية، إذا كان في مقابلتها " إلى " التي للانتهاء. # وذلك إما في اللفظ، نحو سرت من البصرة إلى الكوفة، وقوله تعالى: * (من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) *. # وإما في المعنى; نحو زيد أفضل من عمرو; لأن معناه زيادة الفضل على عمرو، ~~وانتهاؤه في الزيادة إلى زيد. # ويكون في المكان اتفاقا، نحو: من المسجد الحرام. # وما نزل منزلته، نحو من فلان، ومنه: * (إنه من سليمان) * وقوله: ضربت من ~~الصغير إلى الكبير، إذا أردت البداءة من الصغير والنهاية بالكبير. # وفى الزمان عند الكوفيين، كقوله تعالى: * (من أول يوم) *. # وقوله: * (لله الأمر من قبل ومن بعد) *. فإن " قبل " و " بعد " ظرفا ~~زمان. # وتأوله مخالفوهم على حذف مضاف، أي من تأسيس أول يوم، ف‍ " من " داخلة في ~~التقدير على التأسيس، وهو مصدر، وأما " قبل " و " بعد " فليستا ظرفين في ~~الأصل، وإنما هما صفتان. # * * * الثاني: الغاية، وهي التي تدخل على فعل هو محل لابتداء الغاية ~~وانتهائه معا، نحو PageV04P415 # أخذت من التابوت، فالتابوت محل ابتداء الأخذ وانتهائه. وكذلك أخذته من ~~زيد، ف‍ " زيد " محل الابتداء الأخذ وانتهائه ms1061 كذلك. # قاله الصفار: وغاير قيله وبين ما قبله، قال: وزعم بعضهم أنها تكون ~~لانتهاء الغاية، نحو قولك: رأيت الهلال من داري من خلل السحاب، فابتداء ~~الرؤية وقع من الدار، وانتهاؤها من خلل السحاب، وكذلك: شممت الريحان من ~~داري من الطريق، فابتداء الشم من الدار وانتهاؤه إلى الطريق. # قال: وهذا لا حجة فيه، بل هما لابتداء الغاية، فالأولى لابتداء الغاية في ~~حق الفاعل، والثانية لابتداء الغاية في حق المفعول، ونظيره كتاب أبى عبيدة ~~بن الجراح إلى عمر بالشام، وأبو عبيدة لم يكن وقت كتبه إلى عمر بالشام، بل ~~الذي كان في الشام عمر، فقوله " بالشام " ظرف للفعل بالنسبة إلى المفعول. # قال: وزعم ابن الطراوة أنها إذا كانت لابتداء الغاية في الزمان لزمها إلى ~~الانتهاء فأجاز: سرت من يوم الجمعة إلى يوم الأحد; لأنك لو لم تذكر لم يدر ~~إلى أين انتهى السير. # قال الصفار: وهذا الذي قاله غير محفوظ من كلامهم، وإذا أرادت العرب هذا ~~أنت فيه بمذ ومنذ، ويكون الانتهاء إلى زمن الإخبار. # * * * الثالث: التبعيض، ولها علامتان: أن يقع موقعها وأن يعم ما قبلها ما ~~بعدها إذا حذفت كقوله تعالى: * (حتى تنفقوا مما تحبون) *، ولهذا في مصحف ~~ابن مسعود: # " بعض ما تحبون ". # وقوله: * (منهم من كلم الله) *. PageV04P416 # وقوله: * (إني أسكنت من ذريتي) *; فإنه كان نزل ببعض ذريته. # * * * الرابع: بيان الجنس. وقيل: إنها لا تنفك عنه مطلقا، حكاه التراس; ~~ولها علامتان: # أن يصح وضع " الذي " موضعها، وأن يصح وقوعها صفة لما قبلها. # وقيل: هي أن تذكر شيئا تحته أجناس، والمراد أحدها، فإذا أردت واحدا منها ~~بينته، كقوله تعالى: * (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) *، وغيرها، فلما اقتصر ~~عليه لم يعلم المراد، فلما صرح بذكر الأوثان علم أنها المراد من الجنس. ~~وقرنت ب‍ " من " للبيان; فلذلك قيل: إنها للجنس، وأما اجتناب غيرها فمستفاد ~~من دليل آخر، والتقدير: واجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، أي اجتنبوا الرجس ~~الوثني، فهي راجعة إلى معنى الصفة. # وهي بعكس التي للتبعيض; فإن تلك يكون ما قبلها بعضا مما بعدها. فإذا ms1062 قلت: ~~أخذت درهما من الدراهم كان الدرهم بعض الدراهم. وهذه ما بعدها بعض مما ~~قبلها، ألا ترى أن الأوثان بعض الرجس. # ومنه قوله تعالى: * (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) *، أي ~~الذين هم أنتم; لأن الخطاب للمؤمنين، فلهذا لم يتصور فيها التبعيض. # وقد اجتمعت المعاني الثلاثة في قوله تعالى: * (وينزل من السماء من جبال ~~فيما من برد) *، ف‍ " من " الأولى لابتداء الغاية، أي ابتداء الإنزال من ~~السماء، والثانية للتبعيض; أي بعض جبال منها، والثالثة لبيان الجنس، لأن ~~الجبال تكون بردا وغير برد. # ونظيرها: * (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل ~~عليكم من خير من ربكم) *، فالأولى للبيان; لأن الكافرين نوعان: كتابيون ~~PageV04P417 # ومشركون، والثانية: مزيدة لدخولها على نكرة منفية، والثالثة: لابتداء ~~الغاية. # وقوله: * (تجرى من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب) *; ~~فالأولى: لابتداء الغاية، والثانية: لبيان الجنس، أو زائدة، بدليل قوله: * ~~(وحلوا أساور) *، والثالثة: لبيان الجنس أو التبعيض. # وقد أنكر القوم من متأخري المغاربة بيان الجنس، وقالوا: هي في الآية ~~الشريفة لابتداء الغاية; لأن الرجس جامع للأوثان وغيرها. فإذا قيل " من ~~الأوثان "، فمعناه الابتداء من هذا الصنف، لأن الرجس ليس هو ذاتها، ف‍ " من ~~" في هذه الآية كهي في أخذته من التابوت. # وقيل: للتبعيض; لأن الرجس منها هو عبارتها. واختاره ابن أبي الربيع، ~~ويؤيده قوله: # * (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها) *. # وأما قوله * (منكم) * فهي للتبعيض، ويقدر الخطاب عاما للمؤمنين وغيرهم. # وأما قوله: * (من جبال) * فهو بدل من السماء، لأن السماء مشتملة على جبال ~~البرد، فكأنه قال " وينزل من برد في السماء "، وهو من قبيل ما أعيد فيه ~~العامل مع البدل، كقوله: * (للذين استضعفوا لمن آمن منهم) *. # وأما قوله: * (ويلبسون ثيابا خضرا من سندس) *، ففي موضع الصفة، فهي ~~للتبعيض. # وكثيرا ما تقع بعد ما ومهما، لإفراط إبهامهما، نحو: * (ما يفتح الله ~~للناس من رحمة) *، * (ما ننسخ من آية) *، * (مهما تأتينا به من آية) *، وهي ~~ومخفوضها في موضع نصب على الحال. PageV04P418 # وقد تقع بعد غيرهما: * (يحلون ms1063 فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضر من ~~سندس وإستبرق) * الشاهد في غير الأولى، فإن تلك للابتداء: سعيد وقيل زائدة. # * * * الخامس: التعليل، ويقدر بلام، نحو: * (مما خطيئاتهم أغرقوا) *، ~~وقوله: # * (أطعمهم من جوع) * أي من أجل الجوع. # ورده الأبذي بأن الذي فهم منه العلة إنما هو لأجل المراد، وإنما هي ~~للابتداء، أي ابتداء الإطعام من أجل الجوع. # * * * السادس: البدل من حيث العوض عنه، فهو كالسبب في حصول العوض; فكأنه ~~منه أتى، نحو قوله تعالى: * (لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون) *، لأن ~~الملائكة لا تكون من الإنس. # وقوله: * (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) *، أي بدلا من الآخرة، ~~ومحلها مع مجرورها النصب على الحال. # وقوله: * (لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا) *، أي بدل ~~طاعة الله أو رحمة الله. # وقوله: * (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن) *، أي بدل الرحمن. ~~PageV04P419 # السابع: بمعنى " على " نحو: * (ونصرناه من القوم) * أي على القوم. وقيل: ~~على التضمين، أي منعناه منهم بالنصر. # * * * الثامن: بمعنى " عن "، نحو: * (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) ~~*، * (يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا) *، وقيل: هي للابتداء فيهما. # وقوله: * (أطعمهم من جوع) *; فقد أشار سيبويه إلى أن " من " هنا تؤدى ~~معنى " عن ". # وقيل: هي بمنزلة اللام للعلة، أي لأجل الجوع. وليس بشئ، فإن الذي فهم منه ~~العلة إنما هو " أجل " لا " من ". # واختار الصفار أنها لابتداء الغاية. # * * * التاسع: بمعنى الباء، نحو: * (ينظرون من طرف خفى) *; حكاه البغوي ~~عن يونس. وقيل: إنما قال: * (من طرف) * لأنه لا يصح عنه، وإنما نظره ~~ببعضها. # وجعل منه ابن أبان: * (يحفظونه من أمر الله) *، أي بأمر الله. # وقوله: * (من كل أمر. سلام) *. # * * * العاشر: بمعنى " في " نحو: * (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) *. ~~PageV04P420 # * (أروني ماذا خلقوا من الأرض) *. # وقيل: لبيان الجنس. # * * * الحادي عشر: بمعنى " عند " نحو: * (لن تغنى عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله) *: قال أبو عبيد: وقيل إنها للبدل. # * * * الثاني عشر: بمعنى الفصل، وهي الداخلة بين المتضادين، نحو: * ~~(والله يعلم المفسد من المصلح) *، * (حتى ms1064 يميز الخبيث من الطيب) *. # * * * الثالث عشر: الزائدة، ولها شرطان عند البصريين: أن تدخل على نكرة، ~~وأن يكون الكلام نفيا، نحو ما كان من رجل. أو نهيا، نحو لا تضرب من رجل. أو ~~استفهاما، نحو هل جاءك من رجل؟ # وأجرى بعضهم الشرط مجرى النفي، نحو: إن قام رجل قام عمرو. # وقال الصفار: الصحيح المنع. # ولها في النفي معنيان: # أحدهما: أن تكون للتنصيص على العموم، وهي الداخلة على مالا يفيد العموم، ~~نحو: ما جاءني من رجل; فإنه قبل دخولها يحتمل نفى الجنس ونفى الوحدة; فإذا ~~دخلت " من " تعين نفى الجنس، وعليه قوله تعالى: * (وما من إله إلا إله ~~واحد) *، PageV04P421 # * (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) *. # * (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) *. # وثانيهما: لتوكيد العموم، وهي الداخلة على الصيغة المستعملة في العموم، ~~نحو ما جاءني من أحد، أو من ديار; لأنك لو أسقطت " من " لبقى العموم على ~~حاله; لأن " أحدا " لا يستعمل إلا للعموم في النفي. # وما ذكرناه من تغاير المعنيين خلاف ما نص عليه سيبويه من تساويهما. # قال الصفار: وهو الصحيح عندي; وأنها مؤكدة في الموضعين، فإنها لم تدخل ~~على: # " جاءني رجل " إلا وهو يراد به " ما جاءني أحد "، لأنه قد ثبت فيها تأكيد ~~الاستغراق مع " أحد "، ولم يثبت لها الاستغراق، فيحمل هذا عليه، فلهذا كان ~~مذهب سيبويه أولى. # قال: وأشار إلى أن المؤكدة ترجع لمعنى التبعيض، فإذا قلت: " ما جاءني من ~~رجل " فكأنه قال: " ما أتاني بعض هذا الجنس ولا كله "، وكذا " ما أتاني من ~~أحد "، أي بعض من الأحدين. انتهى. # وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: نص سيبويه على أنها نص في العموم، قال: ~~فإذا قلت: ما أتاني رجل، فإنه يحتمل ثلاثة معان: # أحدها: أن تريد أنه ما أتاك من رجل واحد، بل أكثر من واحد. # الثاني: أن تريد ما أتاك من رجل في قوته ونفاذه، بل أتاك الضعفاء. # والثالث: أن تريد ما أتاك رجل واحد، ولا أكثر من ذلك. PageV04P422 # فإن قلت: ما أتاني من رجل، كان نفيا لذلك ms1065 كله، قال: هذا معنى كلامه. # والحاصل أن " من " في سياق النفي تعم وتستغرق. # ويلتحق بالنفي الاستفهام، كقوله تعالى: * (هل ترى من فطور) *. # وجوز الأخفش زيادتها في الإثبات، كقوله: * (يغفر لكم من ذنوبكم) *، ~~والمراد الجميع، بدليل: * (إن الله يغفر الذنوب جميعا) *، فوجب حمل الأول ~~على الزيادة دفعا للتعارض. # وقد نوزع في ذلك، بأنه إنما يقع التعارض لو كانتا في حق قبيل واحد، وليس ~~كذلك، فإن الآية التي فيها " من " لقوم نوح، والأخرى لهذه الأمة. # فإن قيل: فإذا غفر للبعض كان البعض الآخر معاقبا عليه، فلا يحصل كمال ~~الترغيب في الإيمان، إلا بغفران الجميع. # وأيضا: فكيف يحسن التبعيض فيها، مع أن الإسلام يجب ما قبله، فيصح قول ~~الأخفش، فالجواب من وجوه: # أحدها: أن المراد بغفران بعض الذنوب في الدنيا، لأن إغراق قوم نوح عذاب ~~لهم، وذلك إنما كان في الدنيا مضافا إلى عذاب الآخرة، فلو آمنوا لغفر لهم ~~من الذنوب ما استحقوا به الإغراق في الدنيا، وأما غفران الذنب بالإيمان في ~~الآخرة فمعلوم. # والثاني: أن الكافر إذا آمن فقد بقى عليه ذنوب وهي مظالم العباد، فثبت ~~التبعيض بالنسبة للكافر. # الثالث: أن قوله: * (ذنوبكم) * يشمل الماضية والمستقبلة، فإن الإضافة ~~تفيد PageV04P423 # العموم، فقيل " من " لتفيد أن المغفور الماضي، وعدم إطماعهم في غفران ~~المستقبل بمجرد الإسلام حتى يجتنبوا المنهيات. # وقيل: إنها لابتداء الغاية وهو حسن، لقوله: * (يغفر لهم ما قد سلف) *، ~~وسيبويه يقدر في نحو ذلك مفعولا محذوفا، أي يغفر لكم بعضا من ذنوبكم محافظة ~~على معنى التبعيض. # وقيل: بل الحذف للتفخيم، والتقدير: " يغفر لكم من ذنوبكم ما لو كشف لكم ~~عن كنهه لاستعظمتم ذلك "، والشئ إذا أرادوا تفخيمه أبهموه، كقوله: * ~~(فيغشيهم من اليم ما غشيهم) *، أي أمر عظيم. # وقال الصفار: " من " للتبعيض على بابها، وذلك أن " غفر " تتعدى لمفعولين: # أحدهما: باللام، فالأخفش يجعل المفعول المصرح " الذنوب " وهو المفعول ~~الثاني، فتكون " من " زائدة، ونحن نجعل المفعول محذوفا، وقامت " من ذنوبكم ~~" مقامه، أي جملة من ذنوبكم، وذلك أن المغفور لهم بالإسلام ما اكتسبوه في ~~حال الكفر ms1066 لا حال الإسلام، والذي اكتسبوه في حال الكفر بعض ذنوبهم لا ~~جميعها. # وأما قوله في آية الصدقة: * (ويكفر عنكم من سيئاتكم) * فللتبعيض، لأن أخذ ~~الصدقة لا يمحو كل السيئات. # ومما احتج به الأخفش أيضا قوله تعالى: * (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) ~~*، أي أبصارهم، وقوله: * (ولهم فيها من كل الثمرات) *، أي كل الثمرات. # وقوله: * (ولقد جاءك من نبأ المرسلين) *. PageV04P424 # وهذا ضعيف أيضا، بل هي في الأول للتبعيض، لإن النظر قد يكون عن تعمد وغير ~~تعمد، والنهى إنما يقع على نظر العمد فقط، ولهذا عطف عليه قوله: * (ويحفظوا ~~فروجهم) *، من غير إعادة " من "، لأن حفظ الفروج واجب مطلقا، ولأنه يمكن ~~التحرز منه، ولا يمكن في النظر لجواز وقوعه اتفاقا، وقد يباح للخطبة ~~وللتعليم ونحوهما. # وأما الثانية; فإن الله وعد أهل الجنة أن يكون لهم فيها كل نوع من أجناس ~~الثمار مقدار ما يحتاجون إليه وزيادة، ولم يجعل جميع الذي خلقه الله من ~~الثمار عندهم; بل عند كل منهم من الثمرات ما يكفيه، وزيادة على كفايته، ~~وليس المعنى على أن جميع الجنس عندهم حتى لم تبق معه بقية; لأن في ذلك وصف ~~ما عند الله بالتناهي. # وأما الثالثة: فللتبعيض، بدليل قوله: * (ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ~~ورسلا لم نقصصهم عليك) *. # * * * لطيفة: إنها حيث وقعت في خطاب المؤمنين لم تذكر، كقوله في سورة ~~الصف: # * (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم) * إلى قوله: * (يغفر ~~لكم ذنوبكم) *. # وقوله في سورة الأحزاب: * (أيها الذين آمنوا اتقوا الله) * إلى قوله: # * (ويغفر لكم ذنوبكم) *. # وقال في خطاب الكفار في سورة نوح: * (يغفر لكم من ذنوبكم) *. # وفى سورة الأحقاف: * (يا قومنا أجيبوا داعي الله آمنوا به يغفر لكم من ~~PageV04P425 # ذنوبكم) *، وما ذاك إلا للتفرقة بين الخطابين، لئلا يسوى بين الفريقين في ~~الوعد، ولهذا إنه في سورة نوح والأحقاف وعدهم مغفرة بعض الذنوب بشرط ~~الإيمان، لا مطلقا، وهو غفران ما بينه وبينهم، لا مظالم العباد. # * * * الرابع عشر الملابسة، كقوله تعالى: * (المنافقون والمنافقات بعضهم ~~من بعض) *، أي يلابس ms1067 بعضهم بعضا ويواليه، وليس المعنى على النسل والولادة; ~~لأنه قد يكون من نسل المنافق مؤمن وعكسه. # ونظيره قوله تعالى: * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) *. # وكذا قوله: * (ذرية بعضها من بعض) *. # كما يتبرأ الكفار، كقوله: * (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا) *. # فأما قوله: * (والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض) *، أي بعضكم يلابس بعضا ~~ويواليه في ظاهر الحكم، من حيث يشملكم الإسلام. # -،، * * * *،، - PageV04P426 # مع للمصاحبة بين أمرين لا يقع بينهما مصاحبة واشتراك إلا في حكم يجمع ~~بينهما، ولذلك لا تكون الواو التي بمعنى " مع " إلا بعد فعل لفظا أو ~~تقديرا، لتصح المعية. # وكمال معنى المعية الاجتماع في الأمر الذي به الاشتراك دون زمانه. # فالأول يكثر في أفعال الجوارح والعلاج، نحو: دخلت مع زيد، وانطلقت مع ~~عمرو، وقمنا معا، ومنه قوله تعالى: * (ودخل معه السجن فتيان) *، * (أرسله ~~معنا غدا) * * (فأرسل معنا أخانا) *، * (لن أرسله معكم) *. # والثاني يكثر في الأفعال المعنوية، نحو آمنت مع المؤمنين وتبت مع ~~التائبين، وفهمت المسألة مع من فهمها، ومنه قوله تعالى: * (يا مريم اقنتي ~~لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) *. # وقوله: * (وكونوا مع الصادقين) *. * (وقيل ادخلا النار مع الداخلين) *. # * (إنني معكما أسمع وأرى) *. # * (إن معي ربى سيهدين) *. * ( لا تحزن إن الله معنا) *، أي بالعناية ~~والحفظ. # * (يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه) *، يعنى الذين شاركوه في ~~الإيمان، وهو الذي وقع فيه الاجتماع والاشتراك من الأحوال والمذاهب. ~~PageV04P427 # وقد ذكروا الاحتمالين المذكورين في قوله تعالى: * (واتبعوا النور الذي ~~أنزل معه) *، قيل: إنه من باب المعية في الاشتراك، فتمامه الاجتماع في ~~الزمان على حذف مضاف; إما أن يكون تقديره أنزل مع نبوته، وإما أن يكون ~~التقدير مع اتباعه. # وقيل: لأنه فيما وقع به الاشتراك دون الزمان، وتقديره: واتبعوا معه ~~النور. # وقد تكون المصاحبة في الاشتراك بين المفعول وبين المضاف، كقوله: شممت ~~طيبا مع زيد. # ويجوز أن يكون منه قوله تعالى: * (إنك لن تستطيع معي صبرا) *، نقل ذلك ~~أبو الفتح القشيري في شرح،، الإلمام،، عن بعضهم، ثم قال: وقد ورد في الشعر ~~استعمال ms1068 " مع " في معنى ينبغي أن يتأمل ليلحق بأحد الأقسام وهو قوله: # يقوم مع الرمح الردينى قامة * ويقصر عنه طول كل نجاد * * * وقال الراغب: ~~مع تقتضي الاجتماع، إما في المكان، نحو: هما معا في الدار، أو في الزمان، ~~نحو: ولدا معا، أو في المعنى كالمتضايقين; نحو: الأخ والأب، فإن أحدهما صار ~~أخا للآخر في حال ما صار الآخر أخاه، وإما في الشرف والرتبة، نحو: هما معا ~~في العلو، وتقتضي " مع " النصرة والمضاف إليه لفظ " مع " هو المنصور، نحو: ~~قوله تعالى: * (لا تحزن إن الله معنا) *. # * (إن الله مع الذين اتقوا) *. # * (وهو معكم أينما كنتم) *، * (واعلموا أن الله مع المتقين) *، * (إن معي ~~ربى سيهدين) *. انتهى. PageV04P428 # وقال ابن مالك: إن " معا " إذا أفردت تساوى " جميعا " معنى. # ورد عليه الشيخ أبو حيان بأن بينهما فرقا. قال ثعلب: إذا قلت: قام زيد ~~وعمرو جميعا احتمل أن يكون القيام في وقتين، وأن يكون في واحد، وإذا قلت: ~~قام زيد وعمرو معا; فلا يكون إلا في وقت واحد. # والتحقيق ما سبق. # ويكون بمعنى النصرة والمعونة والحضور، كقوله: * (إنني معكما) *، أي ناصر ~~كما. # * (إن الله مع الذين اتقوا) * أي معينهم. # * (وهو معكم أينما كنتم) *، أي عالم بكم ومشاهدكم; فكأنه حاضر معهم; وهو ~~ظرف زمان عند الأكثرين، إذا قلت: كان زيد مع عمرو، أي زمن مجئ عمرو، ثم حذف ~~الزمن والمجئ وقامت " مع " مقامهما. # -،، * * * *،، - PageV04P429 # النون للتأكيد، وهي إن كانت خفيفة كانت بمنزلة تأكيد الفعل مرتين، أو ~~شديد فمنزلة تأكيده ثلاثا، وأما قوله تعالى: * (ليسجنن وليكونا من ~~الصاغرين) *، من حيث أكدت السجن بالشدة دون ما بعده إعظاما. # ولم يقع التأكيد بالخفيفة في القرآن إلا في موضعين: هذا، وقوله: * ~~(لنسفعا بالناصية) *. # وفى القواعد أنها إذا دخلت على فعل الجماعة الذكور كان ما قبلها مضموما، ~~نحو: يا رجال اضربن زيدا، ومنه وقوله تعالى: * (لتؤمنن به ولتنصرنه) *، ~~فأما قوله تعالى: # * (لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل) *، فإنما جاء ~~قبلها مفتوحا، لأنها دخلت على فعل الجماعة المتكلمين، وهو بمنزلة الواحد، ms1069 ~~ولا تلحقه واو الجماعة، لأن الجماعة إذا أخبروا عن أنفسهم قالوا: نحن نقوم، ~~ليكون فعلهم كفعل الواحد، والرجل الرئيس إذا أخبر عن نفسه قال كقولهم، فلما ~~دخلت النون هذا الفعل مرة أخرى بنى آخره معها على الفتح لما كان لا يلحقه ~~واو الجمع، وإنما يضمون ما قبل النون في الأفعال التي تكون للجماعة، ~~ويلحقها واو الجمع التي هي ضميرهم، وذلك أن واو الجمع يكون ما قبلها ~~مضموما، نحو قولك: يضربون، فإذا دخلت النون حذفت نون الإعراب لدخولها، وحذف ~~الواو لسكونها وسكون النون، وبقى ما قبل الواو مضموما، ليدل عليه. # ومثله: * (لنكونن من الخاسرين) *. # فإن كان ما قبل الواو مفتوحا لم يحذفها، ولكنها تحركها لالتقاء الساكنين; ~~نحو اخشون زيدا. PageV04P430 # الهاء تكون ضميرا للغائب، وتستعمل في موضع الجر والنصب، نحو: * (قال له ~~صاحبه وهو يحاوره) *. وتكون لبيان السكت. وتلحق وقفا لبيان الحركة، وإنما ~~تلحق بحركة بناء، لا تشبه حركة الإعراب، نحو: * (ما هيه) *، وكالهاء في * ~~(كتابيه) *، و * (حسابيه) *، و * (سلطانيه) *، و * (ماليه) *. # وكان حقها أن تحذف وصلا وتثبت وقفا، وإنما أجرى الوصل مجرى الوقف، أو وصل ~~بنية الوقف في: * (كتابيه) * و * (حسابيه) * اتفاقا، فأثبتت الهاء كذا عند ~~الجميع القراء إلا حمزة; فإنه حذف الهاء من هذه الكلم الثلاث، وأثبتها ~~وقفا. أعني في " ماليه " و " سلطانيه " و " ماهيه " في القارعة; لأنها في ~~الوقف يحتاج إليها لتحصين حركة الموقوف عليه، وفى الوصل يستغنى عنه. # فإن قيل: فلم لا يفعل ذلك في " كتابيه " و " حسابيه "؟ قيل: إنه جمع بين ~~اللغتين. PageV04P431 # ها كلمة تستعمل على ضربين: # أحدهما: أن تكون اسما سمى به الفعل. # وثانيهما: للتنبيه، ولها موضعان: # أحدهما: أن تلحق الأسماء المبهمة المفردة، نحو: هذا وتتنزل منزلة حرف من ~~الكلمة، ولهذا يدخل حرف الجر عليه، كقوله تعالى: * (ومن هؤلاء من يؤمن به) ~~*. # ويفصل به بين المضاف والمضاف إليه، كقوله: * (لمثل هذا فليعمل العاملون) ~~*. # الثاني: أن تدخل على الجملة، كقوله: * (ها أنتم أولاء تحبونهم) *. # * (ها أنتم جادلتم عنهم) *. # ويدل على دخول حرف التنبيه على الجملة، أنه لا ms1070 يخلوا إما أن يقدر به ~~الدخول على الاسم المفرد، أو الجملة; لا يجوز الأول، لأن المبهم في الآيتين ~~دخل عليهما حرف الإشارة; فعلم أن دخولها إنما هو الجملة. ذكره أبو على. # -،، * * * *،، - PageV04P432 # هل للاستفهام، قيل: ولا يكون المستفهم معها إلا فيما لا ظن له فيه البتة; ~~بخلاف الهمزة، فإنه لا بد أن يكون معه إثبات. فإذا قلت: أعندك زيد؟ فقد هجس ~~في نفسك أنه عندك فأردت أن تستثبته; بخلاف " هل ". حكاه ابن الدهان. # وقد سبق فروق في الكلام على معنى الاستفهام. # وقد تأتى بمعنى " قد " كقوله تعالى: * (وهل أتاك حديث موسى) *، * (هل ~~أتاك حديث الغاشية) *، * (هل أتى على الإنسان) *. # وذكر بعضهم أن " هل " تأتى للتقرير والإثبات، كقوله تعالى: * (هل في ذلك ~~قسم لذي حجر) *، أي في ذلك قسم. وكذا قوله: * (هل أتى على الإنسان) *، على ~~القول بأن المراد آدم، فإنه توبيخ لمن ادعى ذلك. # وتأتي بمعنى " ما " كقوله: * (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام) *. # وبمعنى " ألا " كقوله: * (هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا) *. # وبمعنى الأمر، نحو: * (فهل أنتم منتهون) *. # وبمعنى السؤال: * (هل من مزيد) *. PageV04P433 # وبمعنى التمني: * (هل في ذلك قسم لذي حجر) *. # وبمعنى " أدعوك "، نحو: * (هل لك إلى أن تزكى) *; فالجار والمجرور متعلق ~~به. # هيهات لتبعيد الشئ; ومنه * (هيهات هيهات لما توعدون) *، قال الزجاج: ~~البعد لما توعدون. وقيل: وهذا غلط من الزجاج أوقعه فيه اللام; فإن تقديره: ~~بعد الأمر لما توعدون. # أي لأجله. # -،، * * * *،، - PageV04P434 # الواو [الواو العاملة] حرف يكون عاملا وغير عامل. # فالعامل قسمان: جار وناصب. # فالجار واو القسم، نحو: * (والله ربنا ما كنا مشركين) *. # وواو " رب " على قول كوفي. والصحيح أن الجر ب‍ " رب " المحذوفة لا ~~بالواو. # والناصب ثنتان: واو " مع " فتنصب المفعول معه عند قوم، والصحيح أنه منصوب ~~بما قبل الواو من فعل أو شبهه بواسطة الواو. # والواو التي ينتصب المضارع بعدها في موضعين: في الأجوبة الثمانية، وأن ~~يعطف بها الفعل على المصدر، على قول كوفي. # والصحيح أن الواو فيه عاطفة والفعل منصوب بأن مضمرة. # ولها قسم آخر ms1071 عند الكوفيين; تسمى واو الصرف، ومعناها: أن الفعل كان يقتضى ~~إعرابا فصرفته الواو عنه إلى النصب، كقوله تعالى: * (أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء) * على قراءة النصب. # [الواو غير العاملة] وأما غير العاملة فلها معان: # * * * PageV04P435 # الأول: وهو أصلها - العاطفة تشرك في الإعراب والحكم. وهي لمطلق الجمع على ~~الصحيح، ولا تدل على أن الثاني بعد الأول، بل قد يكون كذلك، وقد يكون قبله ~~وقد يكون معه، فمن الأول: * (إذا زلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض ~~أثقالها) *; فإن الإخراج متأخر عن الزلزال; وذلك معلوم من قضية الوجود لا ~~من الواو. # ومن الثاني: * (واسجدي واركعي مع الراكعين) *، والركوع قبل السجود، ولم ~~ينقل أن شرعهم كان مخالفا لشرعنا في ذلك. # وقوله تعالى مخبرا عن منكري البعث: * (ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا) * أي نحيا ونموت. # وقوله: * (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام) *، والأيام هنا قبل ~~الليالي، إذ لو كانت الليالي قبل الأيام كانت الأيام مساوية لليالي وأقل. # قال الصفار: ولو كان على ظاهره لقال: " سبع ليال وستة أيام "، أو " سبعة ~~أيام "، وأما " ثمانية " فلا يصح على جعل الواو للترتيب. # * * * فائدة: وقوله تعالى: * (ذرني ومن خلقت وحيدا) *، * (وذرني ~~والمكذبين) * أجاز أبو البقاء كون الواو عاطفة، وهو فاسد; لأنه يلزم فيه أن ~~يكون الله تعالى أمر نبيه عليه السلام أن يتركه، وكأنه قال: اتركني واترك ~~من خلقت وحيدا، وكذلك: اتركني واترك المكذبين، فتعين أن يكون المراد: خل ~~بيني وبينهم، وهو واو " مع " كقولك: # لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها. # * * * PageV04P436 # الثاني: واو الاستئناف، وتسمى واو القطع والابتداء; وهي التي يكون بعدها ~~جملة غير متعلقة بما قبلها في المعنى، ولا مشاركة في الإعراب، ويكون بعدها ~~الجملتان. # فالاسمية، كقوله تعالى: * (ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده) *. # والفعلية، كقوله: * (لنبين لكم ونقر في الأرحام) * * (هل تعلم له سميا. # ويقول الإنسان) * والظاهر أنها الواو العاطفة; لكنها تعطف الجمل التي لا ~~محل لها من الإعراب لمجرد الربط; وإنما سميت واو الاستئناف لئلا يتوهم أن ~~ما بعدها من المفردات معطوف على ما قبلها. ms1072 # * * * الثالث: واو الحال الداخلة على الجملة الاسمية; وهي عندهم مغنية عن ~~ضمير صاحبها، كقوله تعالى: * (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى ~~طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) *. # وقوله: * (لئن أكله الذئب ونحن عصبة) *. # وقوله: * (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) ~~*. # وقد يجتمعان نحو: * (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) *. # * (وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) *. PageV04P437 # * (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) *. # * (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) *. # * (لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون) *. # * (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) *. # * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه) *. # * (أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شئ) *. # * (أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر) *. # * * * الرابع: للإباحة، نحو جالس الحسن وابن سيرين; لأنك أمرت بمجالستهما ~~معا. # قال: وعلى هذا أخذ مالك: قوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين...) * الآية. # * * * الخامس: واو الثمانية، والعرب تدخل الواو بعد السبعة إيذانا بتمام ~~العدد; فإن السبعة عندهم هي العقد التام كالعشر عندنا، فيأتون فيه بحرف ~~العطف الدال على المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فتقول: خمسة، ستة، ~~سبعة، وثمانية، فيزيدون الواو إذا بلغوا الثمانية. PageV04P438 # حكاه البغوي عن عبد الله بن جابر عن أبي بكر بن عبدوس، ويدل عليه قوله ~~تعالى: # * (سبع ليال وثمانية أيام) *. # ونقل عن ابن خالويه وغيره، ومثلوه بقوله تعالى: * (وثامنهم كلبهم) * بعد ~~ما ذكر العدد مرتين بغير واوا. # وقوله تعالى في صفة الجنة: * (وفتحت أبوابها) *، بالواو لأنها ثمانية، ~~وقال تعالى في صفة النار: * (فتحت أبوابها) *، بغير الواو لأنها سبعة، وفعل ~~ذلك فرقا بينهما. # وقوله: * (والناهون عن المنكر) *، بعد ما ذكر قبلها من الصفات بغير واو. # وقيل: دخلت فيه إعلاما بأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر في حال أمره ~~بالمعروف فهما حقيقتان متلازمتان. # وليس قوله: * (ثيبات وأبكارا) * من هذا القبيل، خلافا لبعضهم; لأن الواو ~~لو أسقطت منه لاستحال المعنى، لتناقض الصفتين. # ولم يثبت المحققون واو الثمانية، وأولوا ما سبق على العطف أو واو الحال، ms1073 ~~وإن دخلت في آية الجنة، لبيان أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفت في الأول ~~لأنها كانت مغلقة قبل مجيئهم. # وقيل: زيدت في صفة الجنة علامة لزيادة رحمة الله على غضبه وعقوبته، وفيها ~~زيادة كلام سبق في مباحث الحذف. # وزعم بعضهم أنها لا تأتى في الصفات إلا إذا تكررت النعوت، وليس كذلك ~~PageV04P439 # بل يجوز دخولها من غير تكرار، قال تعالى: * (ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم) ~~*. # وقال: * (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين) *. # وتقول: جاءني زيد والعالم. # * * * السادس: الزيادة للتأكيد، كقوله تعالى: * (إلا ولها كتاب معلوم) *، ~~بدليل الآية الأخرى. # قال الزمخشري: دخلت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، الدالة على أن ~~اتصافه بها أمر ثابت مستقر. # وضابطه أن تدخل على جملة صفة للنكرة، نحو جاءني رجل ومعه ثوب آخر، وكذا * ~~(وثامنهم كلبهم) *. # وقال الشيخ جمال الدين بن مالك في باب الاستثناء من شرح،، التسهيل،،، ~~وتابعه الشيخ أثير الدين: إن الزمخشري تفرد بهذا القول; وليس كذلك; فقد ذكر ~~الأزهري في،، الأزهرية،،; فقال: وتأتي الواو للتأكيد، نحو: ما رأيت رجلا ~~إلا وعليه ثوب حسن. وفى القرآن منه: * (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ~~معلوم) *، وقال: # * (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون) *. انتهى. # وأجازه أبو البقاء أيضا في الآية، وفى قوله تعالى: * (وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم) *، فقال: يجوز أن تكون الجملة في موضع نصب صفة ل‍ " شئ " ~~وساغ دخول الواو، لما كانت صورة الجملة هنا كصورتها إذا كانت حالا. ~~PageV04P440 # وأجاز أيضا في قوله تعالى: * (على قرية وهي خاوية) *، فقال: الجملة في ~~موضع جر صفة ل‍ " قرية ". # وأما قوله: * (فاضرب به ولا تحنث) *، فقيل: الواو زائدة، ويحتمل أن يكون ~~مجزوما جواب الأمر، بتقدير: أضرب به ولا تحنث. # ويتحمل أن يكون نهيا. # قال ابن فارس: والأول أجود. # وكذلك قوله: * (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه) *، قيل: # الواو زائدة. # وقيل: ولنعلمه فعلنا ذلك. # كذلك: * (وحفظا من كل شيطان) * أي وحفظا فعلنا ذلك. # وقيل في قوله: * (وفتحت أبوابها) *: إنها زائدة للتأكيد، والصحيح أنها ~~عاطفة، ms1074 وجواب " إذا " محذوف، أي سعدوا وأدخلوا. # وقيل: وليعلم فعلنا ذلك، وكذلك: * (وحفظا من كل شيطان) * أي وحفظا فعلنا ~~ذلك. PageV04P441 # وقيل في قوله: * (فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن يا إبراهيم) *، أي ~~ناديناه. والصحيح أنها عاطفة، والتقدير: عرف صبره وناديناه: * (وكذلك نرى ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) *. # وقوله: * (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين) *. # وقوله: * (وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم) * أي لنعلم. # وقوله: * (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به) *. # وزعم الأخفش أن " إذا " من قوله تعالى: * (إذا السماء أنشقت) *، أو مبتدأ ~~وخبرها " إذا " في قوله: * (وإذا الأرض مدت) *، والواو زائدة، والمعنى أن ~~وقت انشقاق السماء هو وقت مد الأرض وانشقاقها، واستبعده أبو البقاء; ~~لوجهين: # أحدهما: أن الخبر محط الفائدة، ولا فائدة في إعلامنا بأن الوقت الانشقاق ~~في وقت المد، بل الغرض من الآية عظم الأمر يوم القيامة. # والثاني: بأن زيادة الواو تغلب في القياس والاستعمال. # * * * وقد تحذف كثيرا من الجمل، كقوله تعالى: * (ولا على الذين إذا ما ~~أتوك لتحملهم قلت) *، أي " وقلت "، والجواب قوله تعالى: * (تولوا) *. # وقوله: * (يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون) *. # وفى قول أكثر: * (قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السماوات والأرض...) ~~* الآية. # وقوله: إنهم كانوا قبل ذلك مترفين. وكانوا يصرون على الحنث العظيم) *. ~~PageV04P442 # ويكأن قال الكسائي كلمة تندم وتعجب، قال تعالى: * (ويكأن الله يبسط ~~الرزق) *، * (ويكأن لا يفلح الكافرون) *. # وقيل: إنه صوت لا يقصد به الإخبار عن التندم. ويحتمل أنه اسم فعل مسماه " ~~ندمت " أو " تعجبت ". # وقال الصفار: قال المفسرون معناه: ألم تر، فإن أرادوا به تفسير المعنى ~~فمسلم، وإن أرادوا تفسير الإعراب فلم يثبت ذلك. # وقيل بمعنى " ويلك "، فكان ينبغي كسر " إن ". # وقيل " وي " تنبيه، وكأن للتشبيه وهو الذي نص عليه سيبويه. # ومنهم من جعل كأن زائدة لا تفيد تشبيها.... ولم يثبت، فلم يبق إلا أنها ~~للتشبيه، الأمر يشبه هذا، بل هو كذا. # قلت: عن هذا اعتذر سيبويه، فقال: المعنى على أن القوم انتبهوا فتكلموا ms1075 ~~على قدر علمهم، أو نبهوا، فقيل لهم: أما يشبه أن يكون ذا عندكم هكذا! # وهذا بديع جدا كأنهم لم يحققوا هذا الأمر، فلم يكن عندهم إلا ظن، فقالوا ~~نشبه أن يكون الأمر كذا، ونهوا. ثم قيل لهم: يشبه أن يكون الأمر هكذا على ~~وجه التقرير انتهى. # وقال صاحب،، البسيط،، كأنه على مذهب البصريين، لا يراد به التشبيه بل ~~القطع واليقين PageV04P443 # وعلى مذهب الكوفيين يحتمل أن تكون الكاف حرفا للخطاب; لأنه إذا كان اسم ~~فعل لم يضف. # وذهب بعضهم إلى أنه بكماله اسم. # وذهب الكسائي إلى أن أصله " ويلك " فحذفت اللام وفتحت على مذهبه، أن باسم ~~الفعل قبلها. # وأما الوقف فأبو عمرو ويعقوب يقفا على الكاف على موافقة مذهب الكوفيين، ~~والكسائي يقف على الياء; وهو مذهب البصريين; وهذا يدل على أنهم لم يأخذوا ~~قراءتهم من نحوهم، وإنما أخذوها نقلا، وإن خالف مذهبهم في النحو ولم ~~يكتبوها منفصلة، لأنه لما كثر بها الكلام وصلت. # ويل قال الأصمعي: " ويل " تقبيح، قال تعالى: * (ولكم الويل مما تصفون) *. # وقد توضع موضع التحسر والتفجع منه، كقوله: * (يا ويلتنا) *، * (يا ويلتى ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) *. PageV04P444 # يا لنداء البعيد حقيقة أو حكما، ومنه قول الداعي: يا الله; * (وهو أقرب ~~إليه من حبل الوريد) *، استصغار لنفسه، واستبعادا لها من مظان الزلفى. # وقد ينادى بها القريب إذا كان ساهيا أو غافلا، تنزيلا لهما منزلة البعيد. # وقد ينادى بها القريب الذي ليس بساه ولا غافل; إذا كان الخطاب المرتب على ~~النداء في محل الاعتناء بشأن المنادى. # وقد تحذف، نحو: * (يوسف أعرض عن هذا) *. * (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه ~~زينة) * * (قال ابن أم) *. # وقد قيل في قوله تعالى: * (أمن هو قانت آناء الليل) * في قراءة تخفيف " ~~من ": # إن الهمزة فيه للنداء; أي يا صاحب هذه الصفات. # قال ابن فارس: تأتى للتأسف والتلهف; نحو: * (ألا يسجدوا) *. وقيل ~~للتنبيه. # قال: وللتلذذ; نحو: # * يا بردها على الفؤاد لو تقف * * * * * وهذا مع التوفيق كاف فحصلا * * * ~~* PageV04P445 # في آخر النسخة المنقول منها ما مثاله: # تمت النسخة ms1076 المباركة بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه، ونسأل الله ~~العظيم، رب العرش العظيم أن يجعله خالصا لوجهه الكريم مقربا بالفوز في جنات ~~النعيم، وذلك في اليوم المبارك السعيد، رابع عشر شهر شعبان الفرد، من شهور ~~سنة تسع وسبعين وثمانمائة من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة ~~والسلام، والحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~الطيبين الطاهرين. # وغفر الله لنا ولكم ولجميع المسلمين والحمد الله رب العالمين. # وإن تجد عيبا فسد الخللا * فجل من لا فيه عيب وعلا# PageV04P446 #####ENDNOTES# ms1077