######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0026141 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 795 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الحكم الجديرة بالإذاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم بعثت بالسيف بين يدي الساعة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: شروح الحديث #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0026141 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-26141 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/26141 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد القادر الأرناؤوط #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، سنة النشر: 1990م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار المأمون - دمشق #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مقدمة] # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين # الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ~~فهدى به من الضلالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينا ~~عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا. # PageV01P003 # أخرج أحمد من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " بعثت بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ~~ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم ". # PageV01P004 ### | فقوله صلى الله عليه وسلم: " بعثت بالسيف " # يعني أن الله بعثه داعيا إلى توحيده بالسيف بعد دعائه بالحجة، فمن لم ~~يستجب إلى التوحيد بالقرآن والحجة والبيان دعي بالسيف، قال الله تعالى: ~~{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ~~بالغيب ورسله إن الله قوي عزيز} . # وفي الكتب السالفة وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يبعث بقضيب الأدب، ~~وهو السيف. ووصى بعض أحبار اليهود عند موته باتباعه وقال: انه يسفك الدماء، ~~ويسبي الذراري والنساء، فلا يمنعهم ذلك منه. وروي أن المسيح عليه السلام ~~قال لبني إسرائيل في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه يسل السيف ~~فيدخلون فيه دينه طوعا وكرها ". # وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف بعد الهجرة لما صار له دار ~~وأتباع وقوة ومنعة، وقد كان يتهدد أعداءه بالسيف قبل الهجرة، وكان صلى الله ~~عليه وسلم يطوف بالبيت وأشراف قريش قد اجتمعوا بالحجر وقالوا: ما رأينا مثل ~~ما صبرنا عليه من هذا الرجل، قد سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، ~~وفرق ms01 جماعتنا، وسب آلهتنا. لقد صبرنا منه على أمر عظيم. فلما مر بهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم غمزوه ببعض القول، # PageV01P005 # فعرف ذلك في وجهه صلى الله عليه وسلم، وفعلوا ذلك به ثلاث مرات، فوقف ~~وقال: " أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح ~~". فأخذت القوم كلمته، حتى ما فيهم رجل إلا وكأنما على رأسه طير واقع، وحتى ~~أن أشدهم عليه قبل ذلك ليلقاه بأحسن ما يجد من القول، حتى انه ليقول: انصرف ~~يا أبا القاسم راشدا، فوالله ما كنت مجهولا. # وقال محمد بن كعب: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا جهل يقول: إن ~~محمدا يزعم أنكم ما بايعتموه عشتم ملوكا فإذا متم بعثتم بعد # PageV01P006 # موتكم، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن، وأنكم إن خالفتموه كان لكم ~~منه الذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون فيها، فبلغ النبي صلى ~~الله عليه وسلم قوله. فقال: " وأنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحا، وإنه لآخذهم ~~". # وقد أمر الله تعالى بالقتال في مواضع كثيرة، قال تعالى: {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} وقال: {فإذا ~~لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منا ~~بعد وإما فداء} ولهذا عوتبوا على أخذ الفداء منهم أول قتال قاتلوه يوم بدر ~~ونزل قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. تريدون ~~عرض الدنيا والله يريد الآخرة} . # وكانوا قد أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفداء من الأسارى ~~وإطلاقهم. # قال ابن عيينة: أرسل محمد صلى الله عليه وسلم بأربعة سيوف: سيف على ~~المشركين من العرب حتى يسلموا، وسيف على المشركين من # PageV01P007 # غيرهم حتى يسلموا أو يسترقوا أو يقادوا بهم، وسيف على أهل القبلة من أهل ~~البغي. # وفيما ذكر نزاع بين العلماء. فإن منهم من يجيز المفاداة والاسترقاق في ~~العرب وغيرهم، وكذلك يجيز أخذ الجزية بين الكفار جميعهم. والذي يظهر إن في ~~القرآن أربعة سيوف: سيف على ms02 المشركين حتى يسلموا أو يؤسروا، فأما منا بعد ~~وإما فداء، وسيف على المنافقين وهو سيف الزنادقة، وقد أمر الله بجهادهم ~~والإغلاظ عليهم في سورة براءة وسورة التحريم وآخر سورة الأحزاب، وسيف على ~~أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وسيف على أهل البغي، وهو المذكور في سورة ~~الحجرات. ولم يسل # PageV01P008 # صلى الله عليه وسلم هذا السيف في حياته، وإنما سله علي رضي الله عنه في ~~خلافته. وكان يقول: " أنا الذي علمت الناس قتال أهل القبلة ". # وله صلى الله عليه وسلم سيوف أخر، منها: سيفه على أهل الردة وهو الذي قال ~~فيه: " من بدل دينه فاقتلوه ". وقد سله أبو بكر الصديق رضي الله عنه من ~~بعده في خلافته على من ارتد من قبائل العرب. # ومنها سيفه على المارقين، وهم أهل البدع كالخوارج. وقد ثبت عنه الأمر ~~بقتالهم مع اختلاف العلماء في كفرهم. وقد قاتلهم علي رضي الله عنه في ~~خلافته مع قوله: " انهم ليسوا بكفار ". # وقد روي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال ~~المارقين والناكثين والقاسطين. وقد حرق علي طائفة من الزنادقة، فصوب ابن ~~عباس قتلهم، وأنكر تحريقهم بالنار. فقال علي: " ويح ابن عباس، لبحاث عن ~~الهنات ". ### | قوله صلى الله عليه وسلم: " بين يدي الساعة " # يعني أمامها، ومراده أنه بعث قدام الساعة قريبا منها. # PageV01P009 # ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم الحاشر، والعاقب كما صح عنه صلى الله عليه ~~وسلم انه قال: " أنا محمد وأحمد، والماحي، الذي يمحو الله بي الكفر، ~~والحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، والعاقب الذي ليس بعدي نبي ". # وقد جعل الله انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة كما يقول تعالى: ~~{اقتربت الساعة وانشق القمر} وكان انشقاقه بمكة قبل الهجرة. # وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بعثت أنا والساعة كهاتين " وأشار ~~بإصبعيه؛ السبابة والوسطى، خرجاه في الصحيحين. # PageV01P010 # وخرج الإمام أحمد من حديث بريدة: " بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت ~~لتسبقني ". وللترمذي: " بعثت في نفس الساعة فسبقتها كما سبقت هذه لهذه - ~~لإصبعيه السبابة ms03 والوسطى - ليس بينهما إصبع أخرى " والصحيح أنه يدل من ذلك ~~على القرب من الساعة. # وكان قتادة يشير إلى أن المراد بينه وبين الساعة كمقدار فضل السبابة على ~~الوسطى، وقد قيل: إن بينهما من الفضل مقدار نصف سبع، وأخذ من هذا ان بقاء ~~أمته ألف سنة، وهو سبع الدنيا. وقد رجح ذلك ابن الجوزي والسهيلي وقال: إن ~~لم يصح فيه الحديث المرفوع فقد صح عن ابن عباس وغيره، وهو عند أهل الكتاب ~~كذلك. # PageV01P011 # ومما يدل على أن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة أنه أخبر ~~عن خروج الدجال في حديث الجساسة. ### | قوله صلى الله عليه وسلم: " حتى يعبد الله وحده لا شريك له " # هذا هو المقصود الأعظم من بعثته صلى الله عليه وسلم بل من بعثة الرسل من ~~قبله كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت} بل هذا هو المقصود من خلق الخلق وإيجادهم كما قال تعالى: ~~{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} فما خلقهم إلا ليأمرهم بعبادته، وأخذ ~~عليهم العهد لما استخرجهم من صلب آدم على ذلك كما قال تعالى: {وإذ أخذ ربك ~~من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى، ~~شهدنا} الآية. # وقد تكاثرت الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة في تفسير الآية أنه تعالى ~~استنطقهم حينئذ، فأقروا كلهم بوحدانيته، وأشهدهم على أنفسهم وأشهد عليهم ~~أباهم آدم والملائكة. # PageV01P012 # ثم انه تعالى انه هداهم في كل زمان بإرسال رسله وإنزال الكتب يذكرهم ~~بالعهد الأول، ويجدد عليهم العهد والميثاق على أن يوحدوه ويعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا، وأشار في خطاب آدم وحواء عند هبوطهما من الجنة إلى هذا ~~المعنى في قوله تعالى: {قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى، فمن ~~تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون} ، وفي سورة ms04 طه نحو هذا. فما وفى بنو آدم كلهم ~~بهذا العهد المأخوذ عليهم، بل نقضه أكثرهم وأشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا، فبعث الله الرسل تجدد ذلك العهد الأول، وتدعوا إلى تجديد الإقرار ~~بالوحدانية. # فكان أول رسول بعث إلى أهل الأرض يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك ~~نوح عليه السلام، فإن الشرك قد فشا في الأرض من بني آدم قبل نوح فلبث في ~~قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله وإلى عبادته وحده لا شريك له، ~~كما ذكر سبحانه في سورة نوح عنه أنه قال لقومه: {اعبدوا الله واتقوه ~~وأطيعون} # PageV01P013 # وأخبر في موضع آخر عنه أنه قال لهم: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ~~فما استجاب له إلا قليل منهم وأكثرهم أصروا على الشرك {وقالوا لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} فلما أصروا على كفرهم ~~أغرقهم الله ونجا نوح ومن آمن معه {وما آمن معه إلا قليل} . # ثم إن الله تعالى بعث إبراهيم خليله عليه السلام فدعا إلى توحيد الله ~~وعبادته وحده لا شريك له، وناظر على ذلك أحسن مناظرة، وأبطل شبه المشركين ~~بالبراهين الواضحة، وكسر أصنام قومه حتى جعلهم جذاذا فأرادوا تحريقه فأنجاه ~~الله من النار وجعلها عليه بردا وسلاما، ووهب الله له إسماعيل وإسحاق، فجعل ~~عامة الأنبياء من ذرية إسحاق، فإن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، وأنبياء بني ~~إسرائيل كلهم من ذرية يعقوب، كيوسف وموسى وداود وسليمان عليهم السلام. ~~وآخرهم المسيح بن مريم عليه السلام: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به، أن ~~اعبدوا الله ربي وربكم} . # ثم طبق الشرك الأرض بعد المسيح. فإن قومه الذين ادعوا اتباعه بالإيمان به ~~أشركوا غاية الشرك فجعلوا المسيح هو الله أو ابن الله، وجعلوا أمه ثالث ~~ثلاثة. # PageV01P014 # وأما اليهود فإنهم وإن تبرأوا من الشرك، فالشرك فيهم موجود، فإنه كان ~~فيهم من عبد العجل في حياة موسى عليه السلام وقال فيه: انه الله، وان موسى ~~نسي ربه وذهب يطلبه، ولا شرك أعظم من ms05 هذا. وطائفة قالوا: العزير ابن الله، ~~وهذا من أعظم الشرك. وأكثرهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ~~فأحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم ~~إياهم، لأن من أطاع مخلوقا في معصية الخالق واعتقد جواز طاعته أو وجوبها ~~فقد أشرك بهذا الاعتبار، حيث جعل التحليل والتحريم لغير الله. # وأما المجوس فشركهم ظاهر، فإنهم يقولون بإلهين قديمين: # (أحدهما) : نور. # (والآخر) : ظلمة. # فالنور خالق الخير، والظلمة خالق الشر، وكانوا يعبدون النيران. # وأما العرب والهند وغيرهم من الأمم فكانوا أظهر الناس شركا يعبدون الله، ~~وآلهة كثيرة ويزعمون أنها تقرب إلى الله زلفى. # فلما طبق الشرك أقطار الأرض، واستطار شرره في الآفاق من المشرق إلى ~~المغرب بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحنفية المحضة والتوحيد الخالص ~~دين إبراهيم عليه السلام، وأمره أن يدعو الخلق كلهم إلى توحيد الله وعبادته ~~وحده لا شريك له، فكان يدعو الناس سرا إلى ذلك نحوا من ثلاث سنين، # PageV01P015 # فاستجاب له طائفة من الناس، ثم أمر بإعلان الدعوة وإظهارها، وقيل له: ~~{فاصدع بما تؤمر} فدعا إلى الله وإلى توحيده وعبادته وحده لا شريك له جهرا، ~~وأعلن الدعوة، وذم الآلهة التي تعبد من دون الله، وذم من عبدها وأخبر أنه ~~من أهل النار، فثار عليه المشركون، واجتهدوا في إيصال الأذى إليه وإلى ~~اتباعه، وفي إطفاء نور الله الذي بعثه به، وهو لا يزداد إلا إعلانا بالدعوة ~~وتصميما على إظهارها وإشهارها والنداء بها في مجامع الناس. # وكان يخرج بنفسه في مواسم الحج إلى من يقدم إلى مكة من قبائل العرب فيعرض ~~نفسه عليهم، ويدعوهم إلى التوحيد، وهم لا يستجيبون له، بل يردون عليه قوله ~~ويسمعونه ما يكره، وربما نالوه بالأذى، وبقي عشر سنين على ذلك يقول: " من ~~يمنعني حتى أؤدي رسالات ربي؟ ". # وكان يشق أسواقهم بالمواسم وهم مزدحمون بها كسوق ذي المجاز، ينادي: " يا ~~أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا " ووراءه أبو # PageV01P016 # لهب يؤذيه ويرد عليه وينهى الناس عن اتباعه. # واجتمع المشركون مرة عند عمه أبي ms06 طالب يشكونه إليه ويقولون: شتم آلهتنا ~~وسفه أحلامنا وسب آباءنا، فمره فليكف عن آلهتنا. فقال أبو طالب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: أجب فيما سألوه. فقال: " أنا أدعوهم إلى خير من ذلك: أن ~~يتكلموا كلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم ". فقال أبو جهل " ~~نعطيكها وعشر أمثالها، قال: " تقولون لا إله إلا الله ". فنفروا عنه ذلك ~~وتفرقوا وهم يقولون: {أجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب} وفي رواية ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمه: " يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر ~~في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ". # PageV01P017 # قال صلى الله عليه وسلم: " لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في ~~الله وما أوذي أحد، ولقد أتت علي ثلاثون - من بين يوم وليلة - ومالي طعام ~~يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال ". # وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم قال: " ما أوذي أحد في الله ما أوذيت ~~". # كان العدو يجهد له نيل الأذى، والصديق يلوم على هذا الاحتمال إذا كان ~~كذا، والمحبة تقول: حبذا هذا الشقاء إذا كان في رضى الحبيب والدعوة إلى ~~التوحيد، حبذا. # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم # أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم # ثم إن أبا طالب لما توفي وتوفيت بعده خديجة اشتد المشركون # PageV01P018 # على رسول الله صلى الله عله وسلم حتى اضطروه إلى أن خرج من مكة إلى ~~الطائف، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فلم يجيبوه وقابلوه بغاية ~~الأذى وأمروه بالخروج من أرضهم، وأغروا به سفاءهم، فاصطفوا له صفين وجعلوا ~~يرمونه بالحجارة حتى أدموه، فخرج معه مولاه زيد بن حارثة فلم يمكنه دخول ~~مكة إلا بجوار وطلب من جماعة من رؤساء قريش أن يجيروه حتى يدخل مكة فلم ~~يفعلوا حتى أجاره المطعم بن عدي، فدخل في جواره، وعاد إلى ما كان عليه من ~~الدعاء إلى توحيد الله وعبادته. # وكان ms07 يقف بالموسم على القبائل فيقول لهم قبيلة قبيلة: " يا بني فلان إني ~~رسول الله إليكم: يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا " وأبو لهب خلفة ~~يقول: لا تطيعوه. وكان النبي صلى الله عله وسلم ينادي: " من يؤويني؟ من ~~ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ " فلا يجيبه أحد حتى بعث له الأنصار ~~بالمدينة فبايعوه. # هذا كله وهو صابر على الدعوة إلى الله عز وجل على هذا الوجه، # PageV01P019 # راض بما يحصل له فيها من الأذى، منشرح الصدر بذلك، غير متضجر منه ولا ~~جزع. كان إذا اشتكى أحد من أصحابه يقول: " إني عبد الله ولن يضيعني ". # صرت لهم عبيدا ... وما للعبد أن يعترضا # من لمريض لا يرى ... إلا الطبيب الممرضا؟ # وفي الصحيح عن عائشة قالت: قلت، يا رسول الله، هل مر عليك يوم أشد من يوم ~~احد؟ فقال: " لقد لقيت من قومك ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ~~ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على ~~وجهي، فلم أفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بساحبة قد ~~أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، ~~وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال ~~فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك ~~الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك وما شئت، إن شئت أن أطبق ~~الاخشبين عليهم، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: " بل أرجو أن يخرج ~~الله من أصلابهم من يعبد اله وحده لا يشرك به شيئا ". # ما مقصود الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يعبد الله ولا يشرك به شيء، ~~وما يبالي - إذا حصل ذلك - ما أصابه في الدعوة إليه، إذا وحد معبوده، حصل ~~مقصوده، إذا عبد محبوبه، حصل مطلوبه، إذا ذكر ربه، رضي قلبه، وأما جسمه فما ~~يبالي أصابه في سبيل ربه ما يؤلمه، أو يلائمه. # إذا ms08 كان سركم ما قد بليت به ... فما لحرج إذا أرضاكم ألم # وحسب سلطان الهوى أنه ... يولف فيه كل ما يؤلم # وكان كلما آذاه الأعداء إذا دعاهم إلى مولاهم رجع إلى مولاه فتسلى بعلمه ~~ونظره إليه وقربه منه، واشتغل بمناجاته، وذكره ودعائه وخدمته، فنسي كل ما ~~أصابه من الألم من اجله، وقد أمره الله بذلك في القرآن في مواضع كثيرة نحو ~~قوله تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن ~~الليل فسبحه وأدبار السجود} وقوله: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب} # PageV01P020 # وقوله: {ولقد نعلك انك ليضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من ~~الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} . # وكان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة لأن الصلاة صلة، ~~وكان يقول: " وجعلت قرة عيني في الصلاة ". # سروري من الدهر لقياكم ... ودار سلامي مغناكم # وأنتم منتهى أملي ما حييت ... وما طاب عيشي لولاكم # إذا ازدحمت في فؤادي الهموم ... أروح قلبي بذكراكم # فلا تنسوا العهد فيما مضى ... فلسنا مدى الدهر ننساكم # فلم يزل صلى الله عليه وسلم يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له حتى ظهر ~~دين الله وأعلن ذكره وتوحيده في المشارق والمغارب، وصارت كلمة الله هي ~~العليا، ودينه هو الظاهر، وتوحيده هو الشائع، وصار الدين كله لله، والطاعة ~~كلها لله، ودخل # PageV01P021 # الناس في دين الله أفواجا. فجعل ذلك علامة اقتراب اجله وأمر حينئذ ~~بالتهيؤ للقاء الله والنقلة إلى دار البقاء. # وكان المعنى أن قد حصل المقصود من إرسالك، وظهر توحيدي في أقطار الأرض ~~وزال منها ظلام الشرك، وحصلت عبادتي وحدي لا شريك لي، وصار الدين كله لي، ~~فأنا أستدعيك إلى جواري لأجزيك أعظم الجزاء: {وللآخرة خير لك من الأولى ~~ولسوف يعطيك ربك فترضى} . # وفي صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة: " ولن أقبضه حتى أقيم به الملة ~~العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله وأفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، ~~وقلوبا غلفا ". # وكان صلى الله عليه وسلم إنما يقاتل ms09 على دخول الناس في التوحيد كما قال: ~~" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني ~~دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى ". # PageV01P022 # وكان إذا بعث سرية للغزو يوصي أميرهم بأن يدعو عدوه عند لقائهم إلى ~~التوحيد، وكذلك أمر علي ابن أبي طالب حين بعثه لقتال أهل خيبر. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا بعث بعثا قال " تألفوا الناس ~~وتأنوا بهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل بيت ولا مدر ~~ولا وبر إلا أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلى من أن تأتوني بنسائهم وأولادهم ~~وتقتلوا رجالهم ". ### | قوله صلى الله عليه وسلم: " وجعل رزقي تحت ظل رمحي " # إشارة إلى ان الله لم يبعثه بالسعي في طلب الدنيا، ولا بجمعها واكتنازها، ~~ولا الاجتهاد في السعي في أسبابها وإنما بعثه داعيا إلى توحيده # PageV01P023 # بالسيف، ومن لازم ذلك أن يقتل أعداءه الممتنعين عن قبول التوحيد، ويستبيح ~~دماءهم وأموالهم، ويسبي نساءهم وذراريهم، فيكون رزقه مما أفاء الله من ~~أموال أعدائه، فإن المال إنما خلقه الله لبني آدم ليستعينوا به على طاعته ~~وعبادته، فمن استعان به على الكفر بالله والشرك به سلط الله عليه رسول ~~واتباعه فانتزعوه منه وأعادوه إلى من هو أولى به من أهل عبادة الله وتوحيده ~~وطاعته، ولهذا يسمى الفيء لرجوعه إلى من كان أحق به ولأجله خلق. # وكان في القرآن المنسوخ: {إنما أنزلنا المال لاقام الصلاة وإيتاء الزكاة} ~~. # فأهل التوحيد والطاعة لله أحق بالمال من أهل الكفر به والشرك، فانتزع ~~أموالهم، وجعل رزق رسوله من هذا المال لأنه أحل الأموال كما قال تعالى ~~{فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} وهذا مما خص الله به محمدا صلى الله عليه ~~وسلم وأمته فإنه أحل لهم الغنائم. # وقد قيل: ان الذي خصت بحله هذه الأمة هو الغنيمة المأخوذة بالقتال دون ~~الفيء، والمأخوذ بغير قتال فإنه كان حلا مباحا لمن قبلنا وهو الذي جعل رزق ~~رسوله منه، وإنما كان أحل من غيره لوجوده: ms10 # (منها) انه انتزاع مال لا يستحقه لئلا يستعين به على معصية الله والشرك ~~به، فإذا انتزعه ممن لا يستعين به على غير طاعته وتوحيده # PageV01P024 # والدعوة إلى عبادته كان ذلك أحب الأموال إلى الله وأطيب وجوده اكتسابها ~~عنده. # (ومنها) انه كان صلى الله عليه وسلم إنما كان يجاهد لتكون كلمة الله هي ~~العليا، ودينه هو الظاهر لا لأجل الغنيمة فيحصل له الرزق تبعا لعبادته ~~وجهاده في الله، فلا يكون فرغ وقتا من أوقاته لطلب الرزق محضا، وإنما عبد ~~الله في جميع أوقاته وحده فيها وأخلص له، فجعل الله له رزقه ميسرا في ضمن ~~ذلك من غير أن يقصده ولا يسعى إليه. وجاء في حديث مرسل أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال: " أنا رسول الرحمة، وأنا رسول الملحمة، إن الله بعثني بالجهاد ~~ولم يبعثني بالزرع ". وخرج البغوي في معجمه حديثا مرسلا: " إن الله بعثني ~~بالهدى ودين الحق ولم يجعلني زراعا ولا تاجرا، ولا سخابا بالاسواق، وجعل ~~رزقي تحت ظل رمحي ". # PageV01P025 # وإنما ذكر الرمح ولم يذكر السيف لئلا يقال: انه صلى الله عليه وسلم يرتزق ~~من مال الغنيمة: إنما كان يرزق مما أفاءه الله عليه من خيبر. # والفيء ما هرب أهله منه خوفا وتركوه، بخلاف الغنيمة فإنها مأخوذة بالقتال ~~بالسيف، وذكر الرمح أقرب إلى حصول الفيء لأن الرمح يراه العدو من بعد فيهرب ~~فيكون هرب العدو من ظل الرمح، والمأخوذة به هو مال الفيء، ومنه كان رزق ~~النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف الغنيمة فإنها تحصل من قتال السيف. والله ~~تعالى أعلم. # وقال عمر بن عبد العزيز: إن الله تعالى بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا، ~~فكان صلى الله عليه وسلم شغله بطاعة الله والدعوة إلى التوحيد، وما يحصل في ~~خلال ذلك من الأموال من الفيء والغنائم يحصل تبعا لا قصدا أصليا، ولهذا ذم ~~من ترك الجهاد واشتغل عنه باكتساب الأموال. وفي # PageV01P026 # ذلك نزل قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} لما عزم الأنصار ~~على ترك الجهاد والاشتغال بإصلاح أموالهم وأراضيهم. # وفي الحديث ms11 الذي خرجه أبو داود وغيره: " إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم ~~أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه الله من رقابكم ~~حتى تراجعوا دينكم " ولهذا كره الصحابة رضي الله عنهم الدخول في أرض الخراج ~~للزراعة فإنها تشغل عن الجهاد. # وقال مكحول: إن المسلمين لما قدموا الشام ذكر لهم زرع الحولة، فزرعوا ~~فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه # PageV01P027 # فبعث إلى زرعهم وقد ابيض وأردك فحرقه بالنار، ثم كتب إليهم: إن الله جعل ~~أرزاق هذه الأمة في أسنة رماحها، وتحت أزجتها، فإذا زرعوا كانوا كالناس. ~~خرجه أسد بن موسى. # وروي البيضاوي بإسناد له عن عمر انه كتب: من زرع زرعا واتبع أذناب البقر ~~ورضي بذلك وأقر به جعلت عليه الجزية. # وقيل لبعضهم لو اتخذت مزرعة للعيال؟ فقال: والله ما جئنا زراعين، ولكن ~~جئنا لنقتل أهل الزرع ونأكل زرعهم. # فأكمل حالات المؤمن أن يكون اشتغاله بطاعة الله والجهاد في سبيله، ~~والدعوة إلى طاعته لا يطلب بذلك الدنيا، ويأخذ من مال الفيء قدر الكفاية، ~~كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ لأهله قوت سنة من مال الفيء ثم يقسم ~~باقيه، وربما رأي محتاجا بعد ذلك فيقسم عليه قوت أهله بلا شيء. # وكذلك من يشتغل بالعلم، لأنه أحد نوعي الجهاد فيكون اشتغاله بالعلم ~~للجهاد في سبيل الله والدعوة إليه، فليأخذ من أموال الفيء أو الوقوف على ~~العلم قدر الكفاية ليتقوى على جهاده، ولا ينبغي أن يأخذ أكثر من كفايته من ~~ذلك. # PageV01P028 # وقد نص أحمد على أن مال بيت المال كالخراج لا يؤخذ منه أكثر من الكفاية، ~~فمال الوقف أضيق. # ومن أشتغل بطاعة الله فقد تكفل الله برزقه، كما في حديث زيد بن ثابت ~~المرفوع: " من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه، ~~ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، ~~وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ". خرجه الإمام أحمد وابن ماجة. # وخرجه الترمذي من حديث انس موفوعا: ms12 " إن الله يقول: يا آدم تفرغ لعبادتي ~~أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلا، ولم أسد فقرك ". # PageV01P029 # وخرج ابن ماجة من حديث ابن مسعود مرفوعا: " من جعل الهموم هما واحدا هم ~~آخرته كفاه الله هم ديناه، من تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال ~~الله في أي أوديتها هلك ". وفي الآثار الإسرائيلية يقول الله: " يا دنيا ~~اخدمي من خدمني، واتعبي من خدمك ". ### | قوله صلى الله عليه وسلم: " وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري " # هذا يدل على أن العز الرفعة في الدنيا والآخرة بمتابعة أمر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لامتثال متابعة أمر الله، قال تعالى: {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} وقال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} وقال تعالى: {من ~~كان يريد العزة فلله العزة جميعا} . # PageV01P030 # وفي بعض الآثار يقول الله تعالى: " أنا العزيز فمن أراد العز فليطع ~~العزيز ". قال الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ، فالذلة والصغار ~~يحصل بمخالفة أمر الله ورسوله. ومخالفة الرسول على قسمين: # (أحدهما) مخالفة من لا يعتقد طاعة أمره كمخالفة الكفار، وأهل الكتاب ~~الذين لا يرون طاعة الرسول، فهم تحت الذلة والصغار، ولهذا أمر الله بقتال ~~أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وعلى اليهود الذلة والمسكنة ~~لأن كفرهم بالرسول كفر عناد. # (والثاني) من اعتقد طاعته ثم يخالف أمره بالمعاصي التي يعتقد أنها معصية ~~فله نصيب من الذلة والصغار، وقال الحسن: إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت ~~بهم البراذين فإن ذل المعصية في رقابهم، أبى الله أن يذل إلا من عصاه، # PageV01P031 # كان الإمام أحمد يدعو: اللهم أعزنا بالطاعة ولا تذلنا بالمعصية. # وقال أبو العتاهية: # ألا إنما التقوى هي العز والكرم ... وحبك للدنيا هو الذل والسقم # وليس على عبد تقي نقيصة ... إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم # فأهل هذا النوع خالفوا الرسول من أجل داعي الشهوات. # (والنوع الثاني) من خالف أمره من أجل الشبهات وهم أهل الأهواء والبدع، ~~فكلهم لهم نصيب من الذلة والصغار بحسب مخالفتهم لأوامره، ms13 # PageV01P032 # قال تعالى: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين} . # وأهل الأهواء والبدع كلهم مفترون على الله، وبدعتهم تتغلظ بحسب كثرة ~~افترائهم عليه، وقد جعل الله من حرم ما أحله الله وحلل ما حرمه الله مفتريا ~~عليه الكذب، فمن قال على الله ما لا يعلم فقد افترى عليه الكذب، ومن نسب ~~إليه ما لا يجوز نسبته إليه من تمثيل أو تعطيل، أو كذب بأقداره فقد افترى ~~على الله الكذب. # وقد قال الله عز وجل {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم} . وقال سفيان: الفتنة أن يطبع الله على قلوبهم. # فلهذا تغلظت عقوبة المبتدع على عقوبة العاصي لأن المبتدع مفتر على الله ~~مخالف لأمر رسوله لأجل هواه. # فأما مخالفة بعض أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم خطأ من غير عمد، مع ~~الاجتهاد على متابعته، فهذا يقع كثيرا من أعيان الأمة من علمائها وصلحائها، ~~ولا إثم فيه، بل صاحبه إذا اجتهد فله أجر على اجتهاده، وخطأه موضوع عنه، ~~ومع هذا فلا يمنع ذلك من علم أمر الرسول، # PageV01P033 # نصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين، ولا يمنع ذلك من عظمة من خالف أمره ~~خطأ، وهب ان هذا المخالف عظيم له قدر وجلالة، وهو محبوب للمؤمنين إلا أن حق ~~الرسول مقدم على حقه وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم. # فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول وعرفه أن يبينه للأمة وينصح لهم، ~~ويأمرهم باتباع أمره وإن خالف ذلك رأي عظيم الأمة، فإن أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أحق أن يعظم ويقتدى به من رأي معظم قد خالف أمره في بعض الأشياء ~~خطأ. # ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم من العلماء على كل من خالف سنة صحيحة، ~~وربما أغلظوا في الرد - لا بغضا له بل هو محبوب عندهم، معظم في نفوسهم - ~~لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليهم، وأمره فوق كل أمر مخلوق. فإذا ~~تعارض أمر الرسول وأمر غيره فأمر الرسول صلى الله ms14 عليه وسلم أولى ان يقدم ~~ويتبع، ولا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره وإن كان مغفورا له، بل ذلك ~~المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره إذا ظهر أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بخلافه، بل يرضى بمخالفة أمره ومتابعة أمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إذا ظهر أمره بخلافه. كما أوصى الشافعي: إذا صح الحديث في خلاف قوله؛ ~~أن يتبع الحديث ويترك قوله. وكان يقول: " ما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ، ~~وما ناظرت أحدا فباليت أظهر الحق على لسانه أو على لساني ". لأن تناظرهم ~~كان لظهور أمر الله ورسوله لا لظهور نفوسهم والانتصار لها. # PageV01P034 # وكذلك المشايخ والعارفون كانوا يوصون بقبول الحق من كل من قال الحق؛ ~~صغيرا كان أو كبيرا وينقادون لقوله. # وقيل لحاتم الأصم: أنت رجل عيي لا تفصح، وما ناظرت أحدا إلا قطعته، فبأي ~~شيء تغلب خصمك؟ قال: بثلاث: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ ~~لساني عن أن أقول له ما يسوءه. فذكر ذلك للإمام أحمد فقال: ما كان أعقله من ~~رجل. # وقد روي عن الإمام أحمد أنه قيل له: أن عبد الوهاب الوارق ينكر كذا وكذا، ~~فقال: لا نزال بخير ما دام فينا من ينكر. ومن هذا الباب قول عمر لمن قال له ~~اتق الله يا أمير المؤمنين فقال: " لا خير فيكم إن لم تقولها لنا، ولا خير ~~فينا إذا لم نقبلها منكم ". وردت عليه امرأة قولته فرجع إليها وقال: " رجل ~~أخطأ وامرأة أصابت ". # PageV01P035 # فلا يزال الناس بخير ما كان فيهم الحق وتبيين أوامر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم التي يخطئ من خالفها وإن معذورا مجتهدا مغفورا له، ولهذا مما خص الله ~~به الأمة لحفظ دينها الذي بعث الله ورسوله صلى الله عليه وسلم - أن لا ~~تجتمع على ضلالة بخلاف الأمم السالفة. # فههنا أمران (أحدهما) : أن من خالف أمر الرسول في شيء خطأ مع اجتهاده في ~~طاعته ومتابعة أوامره فإنه مغفور له لا ينقص درجته بذلك، (والثاني) : أنه ~~لا يمنعنا تعظيمه ومحبته ms15 من تبين مخالفة قوله لأمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، ونصيحة الأمة بتبيين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم. ونفس ذلك الرجل ~~المحبوب المعظم لو علم ان قوله مخالف لأمر الرسول فإنه يجب من يبين للأمة ~~ذلك ويرشدهم إلى أمر الرسول، ويردهم عن قوله في نفسه، وهذه النكتة تخفى على ~~كثير من الجهال لأسباب. # وظنهم أن الرد على معظم من عالم وصالح تنقص به، وليس كذلك، وبسبب الغفلة ~~عن ذلك تبدل دين أهل الكتاب فإنهم اتبعوا زلات علمائهم، وأعرضوا عما جاءت ~~به أنبياءهم، حتى تبدل دينهم واتخذوا أحبارهم ورهبانهم # PageV01P036 # أربابا من دون الله. فأحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، ~~فكانت تلك عبادتهم إياهم. فكان كلما كان فيهم رئيس كبير معظم مطاع عند ~~الملوك قبل منه كل ما قال، وتحمل الملوك الناس على قوله. وليس فيهم من يرد ~~قوله، ولا يبين مخالفته للدين. # وهذه الأمة عصمها الله عن الاجتماع على ضلالة، فلا بد أن يكون فيها من ~~يبين أمر الله ورسوله، ولو اجتهدت الملوك على جمع الأمة خلافه لم يتم لهم ~~أمرهم. كما جرى مع المأمون والمعتصم والواثق، حيث اجتهدوا على إظهار القول ~~بخلق القرآن وقتلوا الناس وضربوهم وحبسوهم على ذلك، وأجابهم العلماء تقية ~~وخوفا، فأقام الله إمام المسلمين في وقتهم أحمد بم حنبل، فرد باطلهم حتى ~~اضمحل أمرهم، وصار الحق هو الظاهر في جميع بلاد الإسلام والسنة، ولم يكن ~~الإمام أحمد يحابي أحدا في مخالفة شيء من أمر الرسول وإن دق. ولو عظم ~~مخالفة في نفوس الخلق. فقد تكلم في بعض أعيان مشايخ العلم والدين لمسئلة ~~أخطأها، فحمل أمره حتى لما # PageV01P037 # مات لم يصل عليه إلا نحو أربعة أنفس، وكان كلما تكلم في أحد سقط، لأن ~~كلامه تعظيم لأمر الله ورسوله لا هوى نفسه. # ولقد كان بشر الحافي يقول لمن سأله عن مرضه: احمد الله إليكم، بي كذا ~~وكذا. فقيل للإمام أحمد، وقالوا: هو يبدأ بالحمد قبل أن يصف مرضه، فقال ~~أحمد: سلوه عمن أخذ هذا؟ - يعني إن كان ms16 هذا لم ينقل عن السلف فلا يقبل منه ~~- فقال بشر: عندي فيه أثر، ثم روى بإسناده عن بعض السلف قال: " من بدأ ~~بالحمد قبل الشكوى لم تكتب عليه شكوى ". فبلغ الإمام أحمد فقبل قوله. # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد ". فأمر الله ورسوله بالرد على من خالف أمر الله ورسوله، ~~والرد على من خالف # PageV01P038 # أمر الله ورسوله لا يتلقى إلا عمن عرف ما جاء به الرسول وخبره خبرة تامة. ~~قال بعض الأئمة: لا يؤخذ العلم إلا عمن عرف بالطلب. # وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم نوعان: أمر ظاهر بعمل الجوارح، كالصلاة ~~والصيام والحج والجهاد ونحو ذلك. وأمر باطن تقوم به القلوب، كالإيمان بالله ~~ومعرفته ومحبته وخشيته وإجلاله وتعظيمه والرضا بقضائه والصبر على بلائه. ~~فهذا كله لا يؤخذ إلا ممن عرف الكتاب والسنة، ومن لم يقرأ القرآن ويكتب ~~الحديث لا يقتدى به في علمنا، فمن تكلم على شيء من هذا مع جهله بما جاء على ~~الرسول فهو داخل فيمن يفتري على الله الكذب، وفيمن يقول الله على ما لا ~~يعلم، فإن كان مع ذلك لا يقبل الحق ممن ينكر عليه باطله لمعرفته ما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بل ينتقص به وقال: أنا وارث حال الرسول والعلماء ~~وارثون علمه، فقد جمع هذا بين افتراء الكذب على الله، والتكذيب بالحق لما ~~جاء به {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين} فإن هذا متكبر على الحق والانقياد له، منقاد لهواه وجهله، ضال ~~مضل، وإنما يرث حال الرسول من علم حاله، ثم اتبعه، فإن من لا علم له بحاله ~~فمن اين يكون وارثه؟ # PageV01P039 # ومثل هذا لم يكن ظهر في زمن السلف الصالح حتى يجاهدوا فيه حق الجهاد ~~وإنما ظهر في زمن قل فيه العلم وكثر فيه الجهل، ومع هذا فلا بد أن يقيم ~~الله من يبين للأمة ضلاله، وله نصيب من الذل ms17 والصغار بحسب مخالفته لأمر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. # يا لله العجب، لو ادعى معرفة صناعة من صنائع الدنيا - ولم يعرفه الناس ~~بها، ولا شاهدوا عنده آلاتها - لكذبوه في دعواه ولم يأمنوه على أموالهم، ~~ولم يمكنوه أن يعمل فيها ما يدعيه من تلك الصناعة، فكيف بمن يدعي معرفة أمر ~~الرسول وما شوهد قط يكتب علم الرسول ولا يجالس أهله ولا يدارسه؟ فلله العجب ~~كيف يقبل أهل العقل دعواه، ويحكمونه في أديانهم، يفسدها بدعواه الكاذبة؟ # إن كنت تنوح يا حمام البان ... للبين، فأين شاهد الأحزان؟ # أجفانك للدموع أم أجفاني ... لا يقبل مدع بلا برهان # ومن أعظم ما حصل به الذل من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ترك ما ~~كان عليه من جهاد أعداء الله فمن سلك سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم عز، ~~ومن ترك الجهاد مع قدرته عليه ذل. وقد سبق حديث: " إذا تبايعتم بالعينة ~~واتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا ~~ينزعه من رقابكم حتى تراجعوا دينكم ". ورأى النبي صلى الله عليه وسلم سكة ~~الحرث فقال: " ما دخلت دار قوم إلا # PageV01P040 # دخلها الذل ". فمن ترك ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد ~~مع قدرته واشتغل عنه بتحصيل الدنيا من وجوهها المباحة حصل له من الذل فكيف ~~إذا اشتغل عن الجهاد بجمع الدنيا من وجوهها المحرمة؟ ### | قوله صلى الله عليه وسلم: " ومن تشبه بقوم فهو منهم " # هذا يدل على أمرين: # (أحدهما) التشبه بأهل الشر مثل أهل الكفر والفسوق والعصيان وقد وبخ الله ~~من تشبه بهم في شيء من قبائحهم فقال تعالى: {فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع ~~الذين من قبلكم وخضتم كالذي خاضوا} . # وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه بالمشركين وأهل الكتاب، فنهى ~~عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وعلل بأنه: " حينئذ يسجد لها الكفار ~~". فيصير السجود في ذلك الوقت تشبها في الصورة # PageV01P041 # الظاهرة،. وقال صلى الله عليه وسلم: " إن اليهود والنصارى لا يصبغون ~~فخالفوهم " وفي رواية ms18 عنه صلى الله عليه وسلم: " غيروا الشيب ولا تشبهوا ~~اليهود ". وقال صلى الله عليه وسلم: " خالفوا المشركين، اعفوا الشوارب ~~واحفوا اللحى " وفي رواية: " جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس ". # PageV01P042 # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة في النعال مخالفة لأهل الكتاب. ~~وروي عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: " ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا ~~باليهود والنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالكف " خرجه الترمذي. ونهى عن ~~التشبه بهم في أعيادهم وقال عبد الله بن عمر: " من أقام بأرض المشركين يصنع ~~نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر يوم القيامة معهم ". وقال الإمام ~~أحمد: " أكره حلق القفا، وهو من فعل المجوس، ومن تشبه بهم فهو منهم. # فالتشبه بالمشركين والمغضوب عليهم والضالين من أهل الكتاب منهي عنه ولا ~~بد من وقوعه في هذه الأمة كما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ~~حيث قال: " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع حتى لو دخلوا حجر ~~ضب لدخلتموه " قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟ ". # PageV01P043 # قال ابن عيينة: كان يقال من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد ~~من عبادنا ففيه شبه من النصارى. # ووجه هذا أن الله ذم علماء اليهود بأكل السحت، واكل الأموال بالباطل ~~والصد عن سبيل الله، وبقتل النبيين بغير حق، وبقتل الذين يأمرون بالقسط من ~~الناس، وبالتكبر عن الحق وتركه عمدا خوفا من زوال المأكل والرياسات وبالحسد ~~وبقسوة القلب، وبكتمان الحق، وتلبيس الحق بالباطل، وكل هذه الخصال توجد في ~~علماء السوء من أهل البدع ونحوهم. ولهذا تشبهت الرافضة باليهود في نحو من ~~سبعين خصلة. # وأما النصارى فذمهم الله بالجهل والضلالة، وباللغو في الدين بغير الحق، ~~ورفع المخلوق إلى درجة لا يستحقها، حتى يدعى فيه الإلهية. واتباع الكبراء ~~في التحليل والتحريم. وكل هذا يجد في جهال المسلمين المنتسبين إلى العبادة ~~من هذه الأمة. # فمنهم من يعبد بالجهل بغير علم، بل يذم العلم وأهله، ومنهم من يغلو في ~~بعض الشيوخ فيدعي فيه الحلول، ومن يدعي ms19 الحلول المطلق والاتحاد، ومنهم من ~~يغلو فيمن يعتقده من الشيوخ كما يغلو النصارى في رهبانهم ويعتقدون ان لهم ~~أن يغلو في الدين ما شاؤوا، وأن من رضي عنه غفر له، ولا يبالي بما عمل من ~~عمل، وأن محبتهم لا يضر معها ذنب. # وقد كان الشيوخ العارفون ينهون عن صحبة الأشرار، وأن ينقطع # PageV01P044 # العبد عن الله بصحبته الأخيار، فمن صحب الأخيار بمجرد التعظيم لهم والغلو ~~فيهم زائدا غلوا عن الحد وعلق قلبه بهم فقد انقطع عن الله بهم، وإنما ~~المراد من صحبة الأخيار أن يوصلوا من صحبهم إلى الله ويسلكوا طريقه ويعلموه ~~دينه. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أهله وأصحابه على التمسك بالطاعة ~~ويقول: " اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا " وقال لأهله: ~~" إن أوليائي منكم المتقون يوم القيامة، لا يأتي الناس بالأعمال وتأتون ~~بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون: يا محمد. فأقول: قد بلغت ". ولما ~~سأله ربيعة الأسلمي مرافقته في الجنة قال " فأعني على نفسك بكثرة السجود ". # فإنما يراد من صحبة الأخيار إصلاح الأعمال والأحوال والاقتداء # PageV01P045 # بهم في ذلك، والانتقال من الغفلة إلى اليقظة، ومن البطالة إلى العمل، ومن ~~التخليط إلى التكسب والقول والفعل إلى الورع، ومعرفة النفس وآفاتها ~~واحتقارها، فأما من صحبهم وافتخر بصحبتهم وادعى بذلك الدعاوى العريضة وهو ~~مصر على غفلته وكسله وبطالته فهو منقطع عن الله من حيث ظن الوصول إليه، ~~كذلك المبالغة في تعظيم الشيوخ وتنزيلهم منزلة الأنبياء هو المنهي عنه. # وقد كان عمر وغيره من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم يكرهون أن يطلب ~~الدعاء منهم ويقولون " أأنبياء نحن؟ " فدل على أن هذه المنزلة لا تنبغي إلا ~~للأنبياء عليهم السلام، وكذلك التبرك بالآثار فإنما كان يفعله الصحابة رضي ~~الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم ببعض ~~ولا يفعله التابعون مع الصحابة، مع علو قدرهم. # فدل على أن هذا لا يفعل إلا مع النبي صلى الله عليه وسلم مثل التبرك ~~بوضوئه وفضلاته وشعره وشرب فضل شرابه ms20 وطعامه. # وفي الجملة فهذه الأشياء فتنة للمعظم وللمعظم لما يخشى عليه من الغلو ~~المدخل في البدعة، وربما يترقى إلى نوع من الشرك. كل هذا إنما جاء من ~~التشبه بأهل الكتاب والمشركين الذي نهيت عنه هذه الأمة. وفي الحديث الذي في ~~السنن: " ان من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، والسلطان المقسط، وحامل ~~القرآن غير الغالي فيه # PageV01P046 # والجافي عنه ". فالغلو من صفات النصارى، والجفاء من صفات اليهود، والقصد ~~هو المأمور به. # وقد كان السلف الصالح ينهون عن تعظيمهم غاية النهي كأنس الثوري وأحمد. ~~وكان أحمد يقول: من أنا حتى تجيئون إلى؟ اذهبوا اكتبوا الحديث، وكان إذا ~~سئل عن شيء، يقول: سلوا العلماء. وإذا سئل عن شيء من الورع يقول: أنا لا ~~يحل لي أن أتكلم في الورع، لو كان بشر حيا تكلم في هذا. # وسئل مرة عن الإخلاص فقال: اذهب إلى الزهاد، إي شيء نحن تجيء إلينا؟ وجاء ~~إليه رجل فمسح يده ثيابه ومسح بهما وجهه، فغضب الإمام أحمد وأنكر ذلك أشد ~~الإنكار وقال: عمن أخذتم هذا الأمر؟ # (الثاني) التشبه بأهل الخير والتقوى والإيمان والطاعة فهذا حسن مندوب ~~إليه، ولهذا يشرع الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله ~~وحركاته وسكناته وآدابه وأخلاقه. وذلك مقتضى المحبة الصحيحة، فإن المرء مع ~~من أحب، ولا بد من مشاركته في أصل عمله وان قصر المحب عن درجته. # PageV01P047 # قال الحسن لا تغتر بقولك: المرء مع من أحب، ان من أحب قوما اتبع آثارهم، ~~ولن تلحق الأبرار حتى تتبع آثارهم، وتأخذ بهديهم، وتقتدي بسنتهم، وتمسي ~~وتصبح وأنت على مناهجهم، حريصا أن تكون منهم، وتسلك سبيلهم، وتأخذ طريقتهم، ~~وإن كنت مقصرا في العمل. فإن ملاك الأمر أم تكون على استقامة. أما رأيت ~~اليهود والنصارى وأهل الأهواء الردية يحبون أنبياءهم وليسوا معهم لأنهم ~~خالفوهم في القول والعمل وسلكوا غير طريقهم فصار موردهم النار؟ نعوذ بالله ~~من النار. كان يونس بن عبيد ينشد: # فإنك من يعجبك لا تك مثله ... إذا أنت لم تصنع كما كان يصنع # وجاء في ms21 الحديث: " ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ". # فمن أحب أهل الخير وتشبه بهم جهده فإنه يلحق بهم كما في الحديث المشهور: ~~" من حفظ أربعين حديثا حشر يوم القيامة في زمرة # PageV01P048 # العلماء ". ومن أحب أهل الطاعة والذكر - على وجه السنة - وجالسهم يغفر له ~~معهم وإن لم يكن منهم " فإنهم القوم لا يشقى جليسهم ". # فأما التشبه بأهل الخير في الظاهر، والباطن لا يشبههم فهو بعيد منهم، ~~وإنما القصد بالتشبيه أن يقال عن المتشبه بهم انه منهم وليس منهم من خصال ~~النفاق كما قال بعض السلف: " استعيذوا بالله من خشوع النفاق ان يرى الجسد ~~خاشعا، والقلب ليس بخاشع ". # كان السلف يجتهدون في أعمال الخير ويعدون أنفسهم من المقصرين المذنبين، ~~ونحن مع إساءتنا نعد أنفسنا من المحسنين. # PageV01P049 # كان مالك بن دينار يقول: إذا ذكر الصالحون " أف، أف لي، وتوقف ". وقال ~~أيوب: " إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل ". وقال يونس بن عبيد: " أعد مائة ~~خصلة من خصال الخير ليس منها في واحدة ". وقال محمد بن واسع: " لو ان ~~للذنوب رائحة لم يستطع أحد أن يجلس معي ". # يا من إذا تشبه بالصالحين فهو عنهم متباعد، وإذا تشبه بالمذنبين فحاله ~~وحالهم واحد، يا من يسمع ما يلين الجوامد وطرفه جامد، وقلبه أقسى من ~~الجلامد، يا من يرد قلبه عن التقوى، كيف ينفع الضرب البارد في حديد بارد؟ # PageV01P050 # يا نفس أنى تؤفكين؟ ... حتى متى لا ترعوين؟ # حتى متى، لا تعقلينا ... وتسمعينا وتبصرينا؟ # يا نفس إن لم تصلحي ... فتشبهي بالصالحينا # آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسلميا ~~كثيرا إلى يوم الدين. # وافق الفراغ من نسخه يوم الأربعاء لتسع مضت من ربيع الثاني من شهور سنة ~~1299 وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم. PageV01P051 ms22