######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0022720 #META# 000.BookURI :: NOAUTHOR #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 795 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795هـ) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: شروح الحديث #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0022720 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-22720 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/22720 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: جسم الفهيد الدوسري #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1406 - 1985 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة دار الأقصى - الكويت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى # ابن رجب الحنبلي # PageV01P001 # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه ثقتي # الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على محمد خاتم النبيين، وإمام ~~المتقين، ورسول رب العالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم ~~الدين. # خرج الإمام أحمد رحمه الله من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس ~~عنا رسول الله (ذات غداة في صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس، فخرج ~~رسول الله (سريعا فثوب بالصلاة وصلى وتجوز في صلاته، فلما سلم قال: " كما ~~أنتم على مصافكم ". ثم أقبل إلينا فقال: " إن سأحدثكم ما حبسني عنكم ~~الغداة: إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت، ~~فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة، فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ ~~الأعلى؟. قلت: لا أدري رب. قال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟. قلت: لا ~~أدري رب. قال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟. قلت: لا أدري رب. فرأيته ~~وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري، وتجلى لي كل شيء # PageV01P033 # وعرفت، فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟. قلت: في الكفارات ~~والدرجات. قال: وما الكفارات؟. قلت: نقل الأقدام إلى الجمعات، والجلوس في ~~المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء على الكريهات. فقال: وما الدرجات؟. ~~قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: " ~~اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر أي ~~وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك ~~وحب عمل يقربني إلى حبك ". وقال رسول الله (: " إنها حق، فادرسوها وتعلموها ~~". # PageV01P034 # وخرجه الترمذي، وقال: " حديث حسن صحيح "، قال: وسألت محمد بن إسماعيل ~~البخاري عن هذا، فقال: " هذا حديث حسن صحيح ". # قلت: وفي إسناده اختلاف، وله طرق متعددة، وفي بعضها زيادة وفي بعضها ~~نقصان، وقد ذكرت عامة أسانيده وبعض ألفاظه المختلفة في كتاب شرح الترمذي. # وفي بعض ألفاظه عند الإمام أحمد والترمذي أيضا: " المشي على الأقدام ms01 إلى ~~الجماعات " بدل " الجمعات "، وفيه أيضا عندهما بعد ذكر الكفارات زيادة: " ~~ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه "، وفيه ~~أيضا عندهما: " والدرجات: إفشاء السلام ... " بدل " لين الكلام ". # وفي بعض رواياته: " ... فعلمت ما في السماء والأرض ". ثم تلى: (وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليمون من الموقنين) . وفي رواية أخرى: " ... ~~فتجلى له ما بين السماء والأرض "، وفي رواية: " ... ما بين المشرق والمغرب ~~". # وفي بعضها زيادة في الدعاء، وهي: " ... وتتوب علي "، وفي بعضها: " إسباغ ~~الوضوء في السبرات "، وفي بعضها: " وقال: يا محمد! إذا صليت فقل: اللهم إني ~~أسألك فعل الخيرات ... " فذكره. # والمقصود هنا: شرح الحديث وما يستنبط منه من المعارف والأحكام وغير ذلك. # PageV01P037 # ففي الحديث دلالة على أن النبي (لم يكن من عادته تأخير صلاة الصبح إلى ~~قريب طلوع الشمس، وإنما كانت عادته التغليس بها، وكان أحيانا يسفر بها عند ~~انتشار الضوء على وجه الأرض، وأما تأخيرها إلى قريب طلوع الشمس فلم يكن من ~~عادته، ولهذا اعتذر عنهم في هذا الحديث. # وقد قيل: إن تأخيرها إلى هذا الإسفار الفاحش لا يجوز لغير عذر، وأنه وقت ~~ضرورة كتأخير العصر إلى بعد اصفرار الشمس، وهو قول القاضي من أصحابنا في ~~بعض كتبه، وقد أومأ إليه الإمام أحمد، وقال: " هذه صلاة مفرط، إنما الإسفار ~~أن ينتشر الضوء على الأرض ". # وفي الحديث: دلالة على أن من أخر الصلاة إلى آخر الوقت لعذر أو غيره وخاف ~~خروج الوقت في الصلاة إن طولها أن يخففها حتى يدركها كلها في الوقت. # وأما قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما طول في صلاة الفجر وقرأ ~~بالبقرة فقيل له: كادت الشمس أن تطلع! فقال: " لو طلعت لم # PageV01P038 # تجدنا غافلين ". فإن أبا بكر رضي الله عنه لم يعتمد التأخير إلى طلوع ~~الشمس ولا أن يمدها ويطيلها حتى تطلع الشمس لأنه دخل فيها يغلس، وأطال ~~القراءة وربما كان قد استغرق في تلاوته فلو طلعت الشمس حينئذ لم يضره لأنه ~~لم يكن متعمدا لذلك. وهذا يرى على ms02 أنه كان يرى صحة الصلاة لمن طلعت عليه ~~الشمس وهو في صلاته كما أمر النبي (من طلعت عليه الشمس وقد صلى ركعة من ~~الفجر أن يضيف إليها أخرى. # وفي حديث معاذ: دليل على أن من رأى رؤيا تسره فإنه يقصها على أصحابه ~~وإخوانه المحبين له، ولا سيما إن تضمنت رؤياه بشارة لهم، وتعليما لما ~~ينفعهم، وقد كان النبي (إذا صلى الفجر يقول لأصحابه: " من رأى منكم الليلة ~~رؤيا؟ ". # وفيه أيضا: أن من استثقل نومه في تهجده بالليل حتى رأى رؤيا تسره فإن في ~~ذلك بشرى له، وفي مراسيل الحسن: " إذا نام العبد وهو ساجد باهى الله به ~~الملائكة، يقول: (يا ملائكتي انظروا إلى عبدي: جسده في # PageV01P039 # طاعتي وروحه عندي) . # وفيه دلالة على شرف النبي (وتفضيله بتعليمه ما في السموات والأرض، وتجلى ~~ذلك له مما تختصم فيه الملائكة في السماء وغير ذلك، كما أري إبراهيم ملكوت ~~السموات ولأرض وقد ورد في غير حديث مرفوعا وموقوفا أنه (أعطي علم كل شيء ~~خلا مفاتيح الغيب الخمس التي اختص الله عز وجل بعلمها، وهي المذكورة في ~~قوله عز وجل: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ~~وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) ~~. # وأما وصف النبي (لربه عز وجل بما وصفه به فكل ما وصف النبي (به ربه عز ~~وجل فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق # PageV01P040 # به كما وصف الله عز وجل به نفسه مع نهي التمثيل عنه، ومن أشكل عليه فهم ~~شيء من ذلك واستبه عليه فليقل كما مدح الله تعالى به الراسخين في العلم ~~وأخبر عنهم أنه يقولون عند المتشابه: (آمنا به كل من عند ربنا) وكما قال ~~النبي (في القرآن: " وما جهلتهم منه فكلوه إلى عالمه ". خرجه الإمام أحمد ~~والنسائي وغيرهما، ولا يتكلف ما لا علم له فإنه يخشى عليه من ذلك الهلكة. # PageV01P041 # سمع ابن عباس يوما من يروي عن النبي (شيئا من هذه الأحاديث فانتفض رجل ~~استنكارا ms03 لذلك، فقال ابن عباس: " ما فرق هؤلاء؟! يجدون رقة عند محكمه، ~~ويهلكون عند متشابهه! " خرجه عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن ابن طاوس عن ~~أبيه عن ابن عباسرضي الله عنهما. # فكلما سمع المؤمنون شيئا من هذا الكلام قالوا: هذا ما أخبرنا الله ورسوله ~~(وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما) . # وفيه دلالة على أن الملأ الأعلى وهم الملائكة أو المقربون منهم يختصمون ~~فيما بينهم، ويتراجعون القول في الأعمال التي تقرب بني آدم إلى الله عز وجل ~~وتكفر بها عنهم خطاياهم، وقد أخبر الله عنهم بأنهم يستغفرون للذين آمنوا ~~ويدعون لهم. # وفي الحديث الصحيح: " إن الله إذا أحب عبدا نادى: " يا جبريل إني أحب ~~فلانا فأحبه "، فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه. ~~فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض ". # PageV01P042 # وقال أبو هريرة رضي الله عنه: " إذا مات ابن آدم قال الناس: ما خلف؟. ~~وقالت الملائكة: ما قدم؟ ". # فالملائكة يسألون عن أعمال بني آدم ولهم اعتناء بذلك واهتمام به. # وبقي الكلام على المقصود من الحديث، وهو: ذكر الكفارات والدرجات ~~والدعوات، ونعقد لكل واحدة منها فصلا منفردا. # PageV01P043 ### | الفصل الأول في ذكر الكفارات # وهي إسباغ الوضوء في الكريهات، ونقل الأقدام إلى الجمعات أو الجماعات، ~~والجلوس في المساجد بعد الصلوات. وسميت هذه كفارات لأنها تكفر الخطايا ~~والسيئات، ولذلك جاء في بعض الروايات: " من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، ~~وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه ". وهذه الخصال المذكورة الأغلب عليها تكفير ~~السيئات، ويحصل بها أيضا رفع الدرجات كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن ~~النبي (قال: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟! ~~". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: " إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا ~~إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط ". # وقد روي في هذا المعنى عن النبي (من وجوه متعددة. فهذه ثلاثة أسباب تكفر ~~بها الذنوب، ### | أحدها: الوضوء # ، وقد دل القرآن على تكفيره الذنوب في قوله ms04 عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم ~~وأرجلكم إلى الكعبين) إلى قوله: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن ~~يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) فقوله تعالى: (ليطهركم) يشمل # PageV01P045 # طهارة ظاهر البدن بالماء، وطهارة الباطن من الذنوب والخطايا، وإتمام ~~النعمة إنما يحصل بمغفرة الذنوب والخطايا وتكفيرها، كما قال تعالى لنبيه (: ~~(ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك) ، وقد استنبط ~~هذا المعنى محمد بن كعب القرظي، ويشهد له الحديث الذي خرجه الترمذي وغيره ~~عن معاذ أن النبي (سمع رجلا يدعو، يقول: اللهم إني أسألك تمام النعمة. فقال ~~له: " أتدري ما تمام النعمة؟ ". قال: دعوة دعوت بها، أرجو بها الخير. فقال ~~النبي (: " إن تمام النعمة: النجاة من النار، ودخول الجنة ". فلا تتم نعمة ~~الله على عبده إلا بتكفير سيئاته. # وقد تكاثرت النصوص عن النبي (بتكفير الخطايا بالوضوء كما في صحيح مسلم عن ~~عثمان رضي الله عنه أنه توضأ ثم قال: رأيت رسول الله (توضأ مثل وضوئي هذا ~~ثم قال: " من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى ~~المسجد نافلة ". # وفيه أيضا عن النبي (قال: " من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده ~~حتى تخرج من تحت أظفاره ". # PageV01P046 # وفيه أيضا عن أبي هريرة عن النبي (قال: " إذا توضأ العبد المسلم أو ~~المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع ~~آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يديه مع ~~الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع ~~الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب ". وفيه أيضا عن عمرو ~~بن عنبسة عن النبي (قال: " ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق ~~فينتثر إلا خرت خطاياه وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله ~~إلا خرت خطايا وجهه من ms05 أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ~~إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه ~~من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من ~~أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه ومجده بالذي هو له ~~أهل وفرغ قلبه لله إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه ". # وفي الموطأ ومسند الإمام أحمد وسنن النسائي وابن ماجة عن الصنابحي عن ~~النبي (قال: " إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا ~~استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج ~~من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت ~~أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا ~~غسل رجليه خرجت # PageV01P047 # الخطايا حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته ~~نافلة له. # وفي المسند عن أبي أمامة عن النبي (قال: " ما من مسلم يتوضأ فيغسل يديه ~~ويمضمض فاه ويتوضأ كما أمر إلا حط الله عنه ما أصاب يومئذ: ما نطق به فمه، ~~وما مس بيده، وما مشى إليه، حتى إن الخطايا تحاذر من أطرافه، ثم هو إذا مشى ~~إلى المسجد فرجل تكتب حسنة، وأخرى تمحو سيئة ". # وفيه أيضا عن النبي (قال: " أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل ~~كفيه، نزلت خطيئته من كفيه مع أول قطرة، فإذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت ~~خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة، فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه ~~وبصره مع أول قطرة، فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من ~~كل ذنب هو له، وكان من لك خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه، فإذا قام إلى الصلاة ~~رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالما ". # PageV01P048 # وفي المعنى أحاديث أخر، وفيما ذكرناه كفاية ولله الحمد والمنة. وقد وردت ~~النصوص أيضا بحصول الثواب ms06 على الوضوء، وهذا زيادة على تكفير السيئات به: # ففي صحيح مسلم عن عمر رضي الله عنه عن النبي (قال: " من توضأ فأحسن ~~الوضوء ثم قال: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله "، فتحت ~~له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء ". # وفيه أيضا: عن أبي هريرة عن النبي (: " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ ~~الوضوء ". # وفيه أيضا: عن أبي هريرة عن النبي (قال: " أنتم الغر المحجلون يوم ~~القيامة من إسباغ الوضوء ". # وخرجه البخاري، ولفظه: " إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار ~~الوضوء ". # PageV01P049 # واعلم أن حديث معاذ بن جبل في المنام إنما فيه ذكر إسباغ الوضوء على ~~الكريهات، وكذا في حديث أبي هريرة المبدوء بذكره في هذا الفصل، فها هنا ~~أمران: أحدهما: إسباغ الوضوء، وهو إتمامه وإبلاغه مواضعه الشرعية كالثوب ~~السابغ المغطي للبدن كله، وفي مسند الزار عن عثمان مرفوعا: " من توضأ فأسبغ ~~الوضوء غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ". وإسناده لا بأس به، وأخرجه ابن ~~عاصم من وجه آخر عن عثمان. # وخرج النسائي وابن ماجة من حديث أبي مالك الأشعري عن النبي (قال: " إسباغ ~~الوضوء شطر الإيمان "، وخرجه مسلم، ولفظه: " الطهور شطر الإيمان ". # وثانيهما: أن يكون إسباغه على الكريهات، والمراد أن يكون على حالة تكره ~~النفس فيها الوضوء، وقد فسر بحال نزول المصائب فإن النفس حينئذ تطلب الجزع ~~فالاشتغال عنه بالصبر والمبادرة إلى الوضوء والصلاة من علامة الإيمان كما ~~قال عز وجل: (استعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) وقال ~~تعالى (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر # PageV01P050 # والصلاة إن الله مع الصابرين) ، والوضوء مفتاح الصلاة، وقد يطفأ به حرارة ~~القلب الناشئة عن ألم المصائب، كما يؤمر من غضب بإطفاء غضبه بالوضوء. # وفسرت الكريهات بالبرد الشديد، ويشهد له أن في بعض روايات حديث معاذ: " ~~... إسباغ الوضوء على السبرات "، والسبرة: شدة البرد، ولا ريب أن إسباغ ~~الوضوء في شدة البرد يشق على النفس وتتألم به، وكل ما يؤلم النفس ويشق ~~عليها فإنه كفارة للذنوب ms07 وإن لم يكن للإنسان فيه صنع ولا تسبب كالمرض ونحوه ~~كما دلت النصوص الكثيرة على ذلك. # وأما إن كان ناشئا عن فعل هو طاعة لله فإنه يكتب لصاحبه به أجر، وترفع به ~~درجاته كالألم الحاصل للمجاهد في سبيل الله تعالى، قال الله عز وجل: (ذلك ~~بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ ~~الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين) ، وكذلك ألم الجوع والعطش الذي يحصل للصائم، فكذا التألم ~~بإسباغ الوضوء في البرد. ويجب الصبر على الألم بذلك، فإن حصل به رضى فذلك ~~مقام خواص العارفين المحبين، وينشأ الرضى بذلك عن ملاحظة أمور: أحدها: تذكر ~~فضل الوضوء من حطه الخطايا، ورفعه للدرجات وحصول الغرة والتحجيل به، وبلوغ ~~الحلية في الجنة إلى حيث يبلغ، وهذا كما انكسر ظفر بعض الصالحات من عثرة ~~عثرتها فضحكت وقالت: أنساني حلاوة # PageV01P051 # ثوابه مرارة وجعه. وقال بعض العارفين: من لم يعرف ثواب الأعمال ثقلت عليه ~~في جميع الأحوال. # الثاني: تذكر ما أعده الله عز وجل لمن عصاه بالبرد والزمهرير، فإن شدة ~~برد الدنيا يذكر بزمهرير جهنم، وفي الحديث الصحيح: " إن أشد ما تجدون من ~~البرد من زمهرير جهنم "، فملاحظة هذا الألم الموعود يهون الإحساس بألم برد ~~الماء كما روي عن زبيد اليامي أنه قام ليلة للتهجد، وكان البرد شديدا، فلما ~~أدخل يده في الإناء وجد شدة برده فذكر زمهرير جهنم فلم يشعر ببرد الماء بعد ~~ذلك، وبقيت يده في الماء حتى أصبح، فقالت له جاريته: مالك لم تصل الليلة ~~كما كنت تصلي؟!. فقال: إن لما وجدت شدة برد الماء ذكرت زمهرير جهنم فما ~~شعرت به حتى أصبحت، فلا تخبري بهذا أحدا ما دمت حيا. # الثالث: ملاحظة جلال من أمر بالوضوء، ومطالعة عظمته وكبريائه، وتذكر ~~التهيؤ للقيام بين يديه ومناجاته في الصلاة فذلك يهون كل ألم ينال العبد في ~~طلب مرضاته من برد الماء وغيره، وربما لم يشعر بالماء ms08 بالكلية كما قال بعض ~~العارفين: بالمعرفة هانت على العاملين العبادة. # قال سعيد بن عامر: بلغني إن إبراهيم الخليل (كان إذا توضأ سمع لعظامه ~~قعقعة. وكان علي بن الحسين إذا توضأ اصفر، فيقال له: ما هذا الذي يعتريك ~~عند الوضوء؟!. فيقول أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم له؟. # وكان منصور بن زاذان إذا فرغ من وضوئه يبكي حتى يرتفع صوته، فقيل له: ما ~~شأنك؟! فقال: وأي شيء أعظم من شأني، إني أريد أن أقوم بين # PageV01P052 # يدي من لا تأخذه سنة ولا نوم، فلعله يرضى عني. وكان عطاء السليمي إذا فرغ ~~من وضوئه ارتعد وانتفض وبكى بكاء شديدا، فقيل له في ذلك، فقال: إني أريد أن ~~أتقدم إلى أمر عظيم: إني أريد أن أقوم بين يدي الله عز وجل. # الرابع: استحضار اطلاع الله عز وجل على عبده في حال العمل له، وتحمل ~~المشاق لأجله، فمن تيقن أن البلاء بعين من يحبه هان عليه الألم كما أشار ~~تعالى إلى ذلك بقوله عز وجل لنبيه (: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) ، ~~وقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: (لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى) ~~، وقال (: " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك ". قال أبو ~~سليمان: قرأت في بعض الكتب: يقول الله عز وجل: " بعيني ما تحمل المتحملون ~~من أجلي وكابد المتكبدون في طلب مرضاتي، فكيف بهم وقد صاروا في جواري، ~~وتبحبحوا في رياض خلدي؟ فهنالك فليبشر المصفون لله أعمالهم بالمنظر العجيب ~~من الحبيب القريب، أترون أني أضيع لهم عملا؟ فكيف وأنا أجود على المولين ~~عني، فكيف بالمقبلين علي؟! ". # فإسباغ الوضوء في البرد لا سيما في الليل يطلع الله عليه، ويرضى به، ~~ويباهي به الملائكة، فاستحضار ذلك يهون ألم برد الماء، وفي المسند وصحيح ~~ابن حبان عن عقبة بن عامر عن النبي (قال: " رجلان من أمتي يقوم أحدهما من ~~الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عقد فيتوضأ، فإذا وضأ يديه # PageV01P053 # انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح برأسه انحلت عقدة، وإذا ms09 ~~وضأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الرب عز وجل للذي وراء الحجاب: انظروا إلى ~~عبدي هذا يعالج نفسه يسألني، ما سألني عبدي هذا فهو له ... " وذكر بقية ~~الحديث. # وروى عطية عن أبي سعيد عن النبي (: " إن الله يضحك إلى ثلاثة نفر: رجل ~~قام من جوف الليل فأحسن الطهور ... " وذكر الحديث. وكان بعض السلف له ورد ~~بالليل ففتر عنه، فهتف به هاتف: بعين الله في الليل لما يصنع خدامه، إذا ~~قاموا وحثتهم على الخدمة أحكامه. # الخامس: الاستغراق من أمر بمحبة هذه الطاعة، وأنه يرضى بها ويحبها كما ~~قال تعالى (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) ، فمن امتلأ قلبه من محبة ~~الله عز وجل أحب ما يحبه وإن شق على النفس وتألمت به، كما يقال: المحبة ~~تهون الأثقال. وقال بعض السلف في مرضه: أحبه إلي أحبه إليه؟ # PageV01P054 # وكما قيل: " فما الجرح إذا أرضاكم ألم " وكما قيل أيضا: # في حبكم يهون ما قد ألقى ... يسعد بالنعيم من لا يشقى # من خدم من يحب تلذذ بشقائه في خدمته. وقال بعضهم: القلب المحب لله يحب ~~النصب له. وقال عبد الصمد: أوجد لهم في عذابه عذوبة. # إسباغ الوضوء على المكاره من علامات المحبين كما في كتاب الزهد للإمام ~~أحمد عن عطاء بن يسار قال: " قال موسى عليه السلام: يارب! من أهلك الذين هم ~~أهلك، الذين تظلهم في ظل عرشك!. قال: هم البرية أيديهم، الطاهرة قلوبهم، ~~الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذكرت ذكروا بي، وإذا ذكروا ذكرت بذكرهم، ~~الذين يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى ~~أوكارها، ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا ~~استحلت كما يغضب النمر إذا حرب ". # وقد يخرق الله العادة لبعض المحبين له فلا يجد ألم برد الماء، كما كان ~~بعض السلف قد دعا الله أن يهون عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء ~~وله بخار، وربما سلب بعض الإحساس في الحر والبرد مطلقا، وكان علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه قد دعا له النبي صلى ms10 الله عليه وسلم أن يذهب الله # PageV01P055 # عنه الحر والبرد، فكان يلبس في الصيف لباس الشتاء، وفي الشتاء لباس ~~الصيف، وقال النبي (فيه: " إنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ". # ورأى أبو سليمان الداراني في طريق الحج في شدة برد الشتاء شيخا عليه ~~أخلاق رثة وهو يرشح عرقا، فسأله عن حاله، فقال: إنما الحر والبرد خلقان لله ~~عز وجل، فإن أمرهما أن يغشيان أصاباني، وإن أمرهما أن يتركاني تركاني. ~~وقال: أنا في هذه البرية منذ ثلاثين سنة يلبسني في البرد فيحا من محبته، ~~ويلبسني في الصيف بردا من محبته. وقيل لآخر وعليه خرقتان في برد شديد: لو ~~استترت في موضع يكنك من البرد! ... فأنشد: # ويحسن ظني أنني في فنائه ... وهل أحد في كنه يجد البردا؟. ### | " السبب الثاني من مكفرات الذنوب ": المشي على الأقدام إلى الجماعات وإلى الجمعات، # ولا سيما إن توضأ الرجل في بيته ثم خرج إلى المسجد لا يريد بخروجه إلا ~~الصلاة فيه كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (قال: " ~~صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفا، ~~وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم ~~يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل ~~الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: " اللهم صلي # PageV01P056 # عليه، اللهم ارحمه "، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة ". # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي (قال: " من تطهر في بيته ثم مشى إلى ~~بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه: إحداهما تحط ~~خطيئة، والأخرى ترفع درجة ". # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي (قال: " كل خطوة تمشيها إلى الصلاة ~~صدقة ". # وفي المسند وصحيح ابن حبان عن عقبة بن عامر عن النبي (قال: " إذا تطهر ~~الرجل ثم أتى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتباه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد ~~عشر حسنات ". # وفيهما أيضا عن عبد ms11 الله بن عمرو عن النبي (قال: " من راح إلى مسجد جماعة ~~فخطوتاه: خطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب حسنة ذاهبا وراجعا ". # PageV01P057 # وفي سنن أبي داود عن أبي أمامة عن النبي (قال: " من خرج من بيته متطهرا ~~إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم ". # وفيه أيضا عن رجل من الأنصار عن النبي (قال: " من توضأ فأحسن الوضوء ثم ~~خرج إلى الصلاة، لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له بها حسنة، ولم يضع ~~قدمه اليسرى إلا حط الله عنه بها خطيئة، فليقرب أو ليبعد، فإن أتى المسجد ~~فصلى في جماعة غفر له ". # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا. # فالمشي إلى الجمعات له مزيد فضل، لا سيما إن كان بعد الاغتسال، كما في ~~السنن عن أبي أوس عن النبي (قال: " من غسل يوم الجمعة # PageV01P058 # واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع ولم يلغ، ~~كان له بكل خطوة أجر سنة: صيامها وقيامها ". # وكلما بعد المكان الذي يمشي منه إلى المسجد كان المشي منه أفضل لكثرة ~~الخطا، وفي صحيح مسلم عن جابر قال: كانت دارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن ~~نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول الله (وقال: " إن لكم بكل خطوة ~~حسنة ". # وفي صحيح البخاري عن أنس أن النبي (قال: " يا بني سلمة! ألا تحسبون ~~آثاركم؟! ". وفي الصحيحين عن أبي موسى أن النبي (قال: " إن أعظم الناس أجرا ~~في الصلاة: أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم ". # ومع هذا فنفس الدار القريبة من المسجد أفضل من الدار البعيدة عنه، لكن ~~المشي من الدار البعيدة أفضل، ففي المسند عن حذيفة عن # PageV01P059 # النبي (قال: " فضل الدار القريبة من المسجد على الدار البعيدة الشاسعة ~~كفضل الغازي على القاعد " وإسناده منقطع. # والمشي إلى المسجد أفضل من الركوب كما تقدم في حديث أوس في الجمع، ولهذا ~~جاء في حديث معاذ ذكر المشي على الأقدام، وكان النبي (لا يخرج إلى الصلاة ~~إلا ماشيا حتى العيد يخرج إلى المصلى ماشيا، فإن الآتي للمسجد زائر لله، ~~والزيارة على الأقدام أقرب إلى ms12 الخضوع والتذلل كما قيل: # لو جئتكم زائرا أسعى على بصري ... لم أد حقا وأي الحق أديت؟! # وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي (قال: " من غدا إلى المسجد أو ~~راح أعد الله له منزلا في الجنة كلما غدا أو راح ". والنزل: هو ما يعد ~~للزائر عند قدومه. وفي الطبراني من حديث سلمان مرفوعا: " من توضأ في بيته ~~فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد فهو زائر الله تعالى، وحق على المزور أن يكرم ~~الزائر ". # PageV01P060 # وفي صحيح مسلم عن أبي بن كعب قال: كان رجل لا أعلم رجلا أبعد من المسجد ~~منه، وكان لا تخطئه صلاة في المسجد، قال: فقيل له أو قلت له: لو اشتريت ~~حمارا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء. فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب ~~المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. ~~فقال رسول الله (: " قد جمع الله لك ذلك كله ". # وكلما شق المشي إلى المسجد كان أفضل، ولهذا فضل المشي إلى صلاة العشاء ~~وصلاة الصبح، وعدل بقيام الليل كله كما في صحيح مسلم عن عثمان عن النبي ~~(قال: " من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في ~~جماعة فكأنما صلى الليل كله ". # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي (قال: " أثقل صلاة على المنافقين: ~~صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبوا ". وإنما ~~ثقلت هاتان الصلاتان على المنافقين لأن المنافق لا ينشط للصلاة إلا إذا رآه ~~الناس كما قال تعالى: (وإذا قاموآ إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون الناس ولا ~~يذكرون الله إلا قليلا) وصلاة العشاء والصبح يقعان في ظلمة، فلا ينشط للمشي ~~إليهما إلا كل مخلص يكتفي برؤية الله عز وجل وحده لعلمه به. # PageV01P061 # وثواب المشي إلى الصلاة في الظلم: النور التام في ظلم يوم القيامة كما في ~~سنن أبي داود والترمذي عن بريدة عن النبي (قال: " بشر المشائين في الظلم ~~إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة " وخرجه ابن ماجه من حديث سهل ms13 بن ~~سعد، وقد روي من وجه كثيرة. # PageV01P062 # وفي بعضها زيادة: " يفزع الناس ولا يفزعون ". قال النخعي: وكانوا يرون أن ~~المشي في الليلة الظلماء إلى الصلاة موجبة. يعني توجب المغفرة. وروينا عن ~~الحسن قال: أهل التوحيد في النار لا يقيدون، فيقول الخزنة بعضهم لبعض: ما ~~بال هؤلاء لا يقيدون وهؤلاء يقيدون؟! فيناديهم مناد: إن هؤلاء كانوا يمشون ~~في ظلم الليل إلى المساجد. # كما أن مواضع السجود عن عصاة الموحدين في النار لا تأكلها النار، فكذلك ~~الأقدام التي تمشي إلى المساجد في الظلم لا تقيد في النار، ولا يسوي في ~~العذاب بين من خدمه وبين من لم يخدمه وإن عذبه: # ومن كان في سخطه محسنا ... فكيف يكون إذا ما رضي؟! # لما كانت الصلاة صلة بين العبد وربه، ومناجاة تظهر فيها آثار تجليه لقلوب ~~العارفين وقربه، شرع قبل الدخول فيها الطهارة، فإنه لا يصلح للوقوف بين يدي ~~الله عز وجل والخلوة بمناجاته إلا طاهر، فأما المتلوث بالأوساخ الظاهرة ~~والباطنة فلا يصلح للقرب، فشرع الله عز وجل للمصلي غسل أعضائه بالماء، ورتب ~~عليها طهارة الذنوب وتكفيرها، حتى يجتمع لمن يريد المناجاة طهارة ظاهره ~~وباطنه، ثم شرع المشي إلى المساجد، وفيه أيضا # PageV01P064 # تكفير الخطايا حتى تكمل طهارة الذنوب إن بقي منها شيء بعد الوضوء، حتى لا ~~يقف العبد في مقام المناجاة إلا بعد كمال طهارة ظاهره وباطنه من درن ~~الأوساخ والذنوب، ولهذا شرع له تجديد التوبة والاستغفار عقيب كل وضوء حتى ~~تكمل طهارة ذنوبه كما خرج النسائي من حديث أبي سعيد مرفوعا وموقوفا: " من ~~توضأ فأسبغ الوضوء، ثم قال عند فراغه من وضوئه: " سبحانك اللهم وبحمدك، ~~استغفرك وأتوب إليك " ختم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش فلم يكسر إلى يوم ~~القيامة ". # ومتى اجتهد العبد على تكميل طهارته ومشيه إلى المسجد ولم يقو ذلك على ~~تكفير ذنوبه فإن الصلاة يكمل بها التكفير، كما في الصحيحين عن أبي # PageV01P065 # هريرة عن النبي (قال: " أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم ~~خمس مرات، هل يبقى من درنه ms14 شيء؟ ". قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: " ~~فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا ". وإن قوي الوضوء وحده على ~~تكفير الخطايا فالمشي إلى المسجد والصلاة بعده تكون زيادة حسنات، وهذا هو ~~المراد من قول النبي (في حديث عثمان والصنابحي: " ... وكان مشيه إلى المسجد ~~وصلاته نافلة "، وقد سبق ذكر الحديثين. # واعلم أن جمهور العلماء على أن هذه الأسباب كلها إنما تكفر الصغائر دون ~~الكبائر، وقد استدل بذلك عطاء وغيره من السلف في الوضوء، وقال سلمان ~~الفارسي رضي الله عنه: الوضوء يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد ~~يكفر أكثر من ذلك، والصلاة تكفر أكثر من ذلك. خرجه محمد بن نصر المروزي. # ويدل على أن الكبائر لا تكفر بذلك ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ~~(قال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما ~~بينهن إذا اجتنبت الكبائر ". # وفي صحيح مسلم عن عثمان عن النبي (قال: " ما من امرئ مسلم تحضره صلاة ~~مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها وسجودها إلا كانت كفارة لما قبلها من ~~الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله ". # فانظر إلى كم تيسر لك أسباب تكفير الخطايا لعلك تطهر منها قبل # PageV01P066 # الموت فتلقاه طاهرا، فتصلح لمجاورته في دار السلام، وأنت تأبى إلا أن ~~تموت على خبث الذنوب فتحتاج إلى تطهيرها في كير جهنم. يا هذا! أما علمت أنه ~~لا يصلح لقربنا إلا طاهر؟! فإن أردت قربنا ومناجاتنا اليوم فطهر ظاهرك ~~وباطنك لتصلح لذلك، وإن أردت قربنا ومناجاتنا غدا فطهر قلبك من سوانا لتصلح ~~لمجاورتنا (يوم لا ينفع مال ولا بنون " إلا من أتى الله بقلب سليم) ، القلب ~~السليم الذي ليس فيه غير محبة الله، ومحبة يحبه الله، إن الله طيب لا يقبل ~~إلا طيبا، فما كل أحد يصلح لمجاورة الله تعالى غدا، ولا كل أحد يصلح ~~لمناجاة الله اليوم، ولا على كل الحالات تحسن المناجاة: # الناس من الهوى على أصناف ... هذا نقض العهد وهذا وافي # هيهات من الكدور تبغي الصافي ... ما يصلح للحضرة قلب ms15 جافي ### | السبب الثالث من مكفرات الذنوب ": الجلوس في المساجد بعد الصلوات # ، والمراد بهذا الجلوس انتظار صلاة أخرى كما في حديث أبي هريرة: " ... ~~وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط ". فجعل هذا من ~~الرباط في سبيل الله عز وجل، وهذا أفضل من الجلوس قبل الصلاة لانتظارها، ~~فإن الجالس لانتظار الصلاة ليؤديها ثم يذهب تقصر مدة انتظاره، بخلاف من صلى ~~صلاة ثم جلس ينتظر أخرى فإن مدته تطول، فإن كان كلما صلى صلاة جلس ينتظر ما ~~بعدها استغرق عمره بالطاعة، وكان ذلك بمنزلة الرباط في سبيل الله عز وجل. # وفي المسند وسنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو قال: صليت مع رسول الله ~~(المغرب، فرجع من رجع، وعقب من عقب، فجاء رسول الله (مسرعا قد حفزه النفس، ~~وقد حسر عن ركبته فقال: " أبشروا! هذا ربكم قد فتح عليكم بابا من أبواب ~~السماء يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى # PageV01P067 # عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى ". # وفي المسند عن أبي هريرة عن النبي (قال: " منتظر الصلاة بعد الصلاة كفارس ~~اشتد به فرسه في سبيل الله على كشحه، تصلي عليه ملائكة الله ما لم يحدث أو ~~يقوم، وهو في الرباط الأكبر ". # ويدخل في قوله: " والجلوس في المساجد بعد الصلوات ": الجلوس للذكر ~~والقراءة وسماع العلم وتعليمه ونحو ذلك، لا سيما بعد صلاة الصبح حتى تطلع ~~الشمس، فإن النصوص قد وردت بفضل ذلك، وهو شبيه بمن جلس # PageV01P068 # ينتظر صلاة أخرى، لأنه قد قضى ما جاء المسجد لأجله من الصلاة وجلس ينتظر ~~طاعة أخرى. # وفي الصحيح عن النبي (قال: " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى ~~يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم ~~الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ". # وأما الجالس قبل الصلاة في المسجد لانتظار تلك الصلاة خاصة فهو في صلاة ~~حتى يصلي، وفي الصحيحين عن أنس عن النبي (أنه لما أخر صلاة العشاء الآخرة ~~ثم خرج فصلى بهم: قال لهم: " إنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم ms16 الصلاة ". # وفيهما أيضا عن أبي هريرة عن النبي (قال: " الملائكة تصلي عل أحدكم ما ~~دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. ولا يزال أحدكم في ~~صلاة ما كانت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة ". وفي ~~رواية لمسلم: " ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه ". # وهذا يدل على أن المراد بالحدث: حدث اللسان ونحوه، وفسره أبو هريرة بحدث ~~الفرج، وقيل إنه يشمل الحدثين. # وفي المسند عن عقبة بن عامر عن النبي (قال: " القاعد يرعى الصلاة ~~كالقانت، ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إليه ". وفي رواية ~~له: " فإذا صلى في المسجد ثم قعد فيه كان كالصائم # PageV01P069 # القانت حتى يرجع ". وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. # وبالجملة فالجلوس في المسجد للطاعات له فضل عظيم، وفي حديث أبي هريرة عن ~~النبي (قال: " لا يوطن رجل المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله عز وجل ~~كما يتبشبش أهل الغائب إذا قدم عليهم غائبهم ". # وروى دراج عن أبي الهيثم عن أبي سع عن النبي (قال: " من ألف المسجد ألفه ~~الله ". وقال سعيد بن المسيب: من جلس في المسجد فإنما يجالس الله عز وجل ~~وصح عن النبي (أنه عد من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ~~ظله: " رجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود ". # وإنما كان ملازمة المسجد مكفرا للذنوب لأن فيه مجاهدة للنفس، وكفا لها عن ~~أهوائها فإنها لا تميل إلا إلى الإنتشار في الأرض لابتغاء الكسب أو لمجالسة ~~الناس ومحادثتهم أو للتنزه في الدور الأنيقة والمساكن الحسنة ومواطن النزه # PageV01P070 # ونحو ذلك، فمن حبس نفسه في المساجد على الطاعة فهو مرابط لها في سبيل ~~الله، مخالف لهواها وذلك من أفضل أنواع الصبر والجهاد. # وهذا الجنس أعني ما يؤلم النفس ويخالف هواها فيه كفارة للذنوب وإن كان لا ~~صنع فيه للعبد كالمرض ونحوه، فكيف بما كان حاصلا عن فعل العبد واختياره إذا ~~قصد به التقرب إلى الله عز وجل؟! فإن ms17 هذا من نوع الجهاد في سبيل الله الذي ~~يقتضي تكفير الذنوب كلها. # ولهذا المعنى كان المشي إلى المساجد كفارة للذنوب أيضا، وهو نوع من ~~الجهاد في سبيل الله أيضا، كما خرجه الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي ~~(: " الغدو والرواح إلى المساجد من الجهاد في سبيل الله عز وجل ". # كان زياد مولى ابن عباس أحد العباد الصالحين، وكان يلازم مسجد المدينة، ~~فسمعوه يوما يعاتب نفسه ويقول لها: " أين تريدين أن تذهبي؟! إلى أحسن من ~~هذا المسجد!! تريدين أن تبصري دار فلان ودار فلان! ". # لما كانت المساجد في الأرض بيوت الله أضافها الله إلى نفسه تشريفا لها، ~~وتعلقت قلوب المحبين لله عز وجل بها، لنسبتها إلى محبوبهم، وانقطعت إلى ~~ملازمتها لإظهار ذكره فيها (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح ~~له فيها بالغدو والأصال " رجال لا تلهيهم تجارة ولا # PageV01P071 # بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه ~~القلوب والأبصار) . # أين يذهب المحبون عن بيوت مولاهم؟! قلوب المحبين ببيوت محبوبهم متعلقة، ~~وأقدام العابدين إلى بيوت معبودهم مترددة: # يا حبذا العرعر النجدي والبان ... ودار قوم بأكناف الحمى بانوا # وأطيب الأرض ما للقلب فيه هوى ... سم الخياط مع المحبوب ميدان # لا يذكر الرمل إلا حن مغترب ... له بذي الرمل أوطار وأوطان # يهفو إلى البان من قلبي نوازعه ... وما بي البان بل من داره البان # PageV01P072 ### | الفصل الثاني في ذكر الدرجات المذكورة في حديث معاذ # وهي ثلاث، ### | أحدها: إطعام الطعام # ، وقد جعله الله في كتابه من الأسباب الموجبة للجنة ونعيمها، قال الله عز ~~وجل: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " إنما نطعمكم لوجه ~~الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا " إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا " ~~فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا " وجزاهم بما صبروا جنة ~~وحريرا " متكئين فيها على الأرآئك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا " ودانية ~~عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا " ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت ~~قواريرا " قواريرا من فضة قدروها ms18 تقديرا " ويسقون فيها كأسا كان مزاجها ~~زنجبيلا " عينا فيها تسمى سلسبيلا ") إلى قوله (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) . ~~فوصف فاكهتهم وشرابهم جزاء لإطعامهم الطعام، وفي الترمذي من حديث أبي سعيد ~~الخدري عن النبي (قال: " أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله من ثمار ~~الجنة، ومن سقى مؤمنا على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم ". # PageV01P073 # وفي المسند والترمذي عن علي عن النبي (قال: " إن في الجنة غرفا يرى ~~ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها ". قالوا: لمن هي يا رسول الله؟. قال: ~~" لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وصلى بالليل والناس نيام ". # وفي حديث عبد الله بن سلام الذي خرجه أهل السنن أنه سمع النبي (أول قدومه ~~المدينة يقول: " أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، ~~وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ". # PageV01P074 # وفي حديث عبادة عن النبي (أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟. قال: " إيمان بالله ~~وجهاد في سبيله وحج مبرور، وأهون من ذلك: إطعام الطعام، ولين الكلام ". ~~خرجه الإمام أحمد. وفي حديث هانئ بن يزيد أن رجلا قال: يا رسول الله! دلني ~~على عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟. قال: " تطعم الطعام، وتفشي ~~السلام ". وفي حديث حذيفة عن النبي (قال: " من ختم له بإطعام مسكين دخل ~~الجنة ". # وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو أن رجلا قال: يا رسول الله! أي ~~الإسلام خير؟. قال: " تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ~~". وفي حديث صهيب عن النبي (قال: " خيركم من أطعم الطعام ". # PageV01P075 # فإطعام الطعام يوجب دخول الجنة، ويباعد من النار وينجي منها كما قال ~~تعالى: (فلا اقتحم العقبة " ومآ أدراك ما العقبة " فك رقبة " أو إطعام في ~~يوم ذي مسغبة " يتيما ذا مقربة " أو مسكينا ذا متربة ") . وفي هذا الحديث ~~الصحيح عن النبي (: " اتقوا النار ولو بشق تمرة ". # وكان أبو موسى الأشعري يقول لولده: " اذكروا صاحب الرغيف ". ثم ذكر أن ~~رجلا من بني إسرائيل عبد الله سبعين سنة، ثم إن الشيطان حسن في عينيه امرأة ~~فأقام معها سبعة ms19 أيام، ثم خرج هاربا فأقام مع مساكين فتصدق عليه برغيف كان ~~بعض أولئك المساكين يريده، فآثره به ثم مات، فوزن عبادته بالسبعة الأيام ~~التي مع المرأة فرجحت الأيام السبعة بعبادته، ثوم وزن الرغيف بالسبعة ~~الأيام فرجح بها. # ويتأكد إطعام الطعام للجائع وللجيران خصوصا، وفي الصحيح عن # PageV01P076 # أبي موسى الأشعري عن النبي (قال: " أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا ~~العاني ". وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي (قال له: " يا أبا ذر! إذا ~~طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعهد جيرانك ". وفي المسند وصحيح الحاكم عن عمر عن ~~النبي (قال: " أيما أهل عرضه أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئت منهم ذمة الله ~~عز وجل ". وقال (: " لا يشبع المؤمن دون جاره ". وفي صحيح الحاكم عن ابن ~~عباس عن النبي (قال: " ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع ". وفي رواية: " ما ~~آمن من بات شبعانا، وجاره طاويا ". # PageV01P077 # فأفضل أنواع إطعام الطعام: الإيثار مع الحاجة كما وصفه الله تعالى بذلك ~~الأنصار رضي الله عنهم فقال: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) ، وقد ~~صح أن سبب نزولها أن رجلا منهم أخذ ضيفا من عند النبي (يضيفه، فلم يجد عنده ~~إلا قوت صبيانه، فاحتال هو وامرأته حتى نوما صبيانهما، وقام إلى السراج ~~كأنه يصلحه فأطفأه، ثم جلس مع الضيف يريه أنه يأكل معه ولم يأكل، فلما غدا ~~على رسول الله (قال له: " عجب الله من صنيعكما الليلة ". ونزلت الآية. # وكان كثير من السلف يؤثر بفطوره وهو صائم ويصبح صائما، منهم: عبد الله بن ~~عمررضي الله عنهما وداود الطائي، وعبد العزيز بن سليمان، ومالك بن دينار، ~~وأحمد بن حنبل وغيرهم. وكان ابن عمر لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، ~~وربما علم أن أهله قد ردوهم عنه فلم يفطر في تلك الليلة. # ومنهم من كان لا يأكل إلا مع ضيف له، قال أبو السوار العدوي: كان # PageV01P078 # رجال من بني عدي يصلون في هذا المسجد، ما أفطر أحد منهم على طعام قط ~~وحده، إن وجد من يأكل معه أكل، وإلا أخرج ms20 طعامه إلى المسجد فأكله مع الناس، ~~وأكل الناس معه. # وكان منهم من يطعم إخوانه الطعام وهو صائم، ويجلس يخدمهم ويروحهم منهم ~~الحسن وابن المبارك، وكان ابن المبارك ربما يشتهي الشيء فلا يصنعه إلا لضيف ~~ينزل به فيأكله مع ضيفه، وكان كثير منهم يفضل إطعام الإخوان على الصدقة على ~~المساكين، وقد روي في هذا المعنى مرفوعا من حديث أنس بإسناد ضعيف، ولا سيما ~~إن كان الإخوان لا يجدون مثل ذلك الطعام. كان بعضهم يعمل الأطعمة الفاخرة ~~ثم يطعمها إخوانه الفقراء، ويقول: إنهم لا يجدونها. وبعضهم يصنع له طعاما ~~ولا يأكل، ويقول: إني لا أشتهيه، وإنما صنعته لأجلكم. وبعضهم اتخذ حلاوة ~~فأطعمها المعتوه، فقال له أهله: إن هذا لا يدري!. فقال: لكن الله يدري. # واشتهى الربيع بن خيثم حلواء، فلما صنعت له دعا بالفقراء فأكلوا، فقال له ~~أهله: أتعبتنا ولم تأكل!. غفال: ومن أكله غيري!. وقال آخر منهم وجرى له نحو ~~من ذلك: إذا أكلته كان في الحش، وإذا أطعمته كان عند الله مذخورا. وروي عن ~~علي قال: لأن أجمع أناسا من إخواني على صاع من طعام، أحب إلي من أن أدخل ~~سوقكم هذا فأبتاع نسمة فأعتقها. وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: لأن أدعو ~~عشرة من أصحابي فأطعمهم طعاما يشتهونه أحب إلي من أن أعتق عشرة من ولد ~~إسماعيل. # أأصف الإيثار لمن يبخل بأداء الحقوق الواجبة عليه؟! أأطلب الشجاعة # PageV01P079 # من الجبان، وأستشهد على رؤية الهلال من هو من جملة العميان؟! كم بين من ~~قيل فيه: (فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به) وبين من قيل فيه: (ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) .؟! بيننا وبين القوم كما بين لبيقظة والنوم: # لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد # فيا من يطمع في علو الدرجات من غير عمل صالح هيهات هيهات! (أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) : # نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل ### | الثاني من الدرجات ": لين الكلام # ، وفي رواية: " إفشاء السلام ms21 ". وهو داخل في لين الكلام، وقد قال الله عز ~~وجل: (وقولوا للناس حسنا) ، وقال تعالى: (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) ~~، وقال تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم " وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم) ، وقال ~~تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن) ، وقال تعالى: (ولا تجادلوآ أهل الكتاب إلا ~~بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) ، ولما قال النبي (: " الحج المبرور ~~ليس له جزاء إلا الجنة " قالوا له: وما الحج المبرور يا رسول الله؟ قال: " ~~إطعام الطعام، ولين الكلام ". خرجه الإمام أحمد، وقد تقدم في ذكر # PageV01P080 # إطعام الطعام أحاديث أخر في طيب الكلام، وفي حديث الصحيح عن النبي (: " ~~والكلمة الطيبة صدقة "، وفيه أيضا: " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد ~~فبكلمة طيبة ". # وأما إفشاء السلام فمن موجبات الجنة، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن ~~النبي (قال: " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى ~~تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم ". ~~وخرج أبو داود من حديث أبي أمامة عن النبي (قال: " إن أولى الناس بالله من ~~بدأهم بالسلام ". ويروى من حديث ابن مسعود مرفوعا وموقوفا: " إذا مر الرجل ~~بالقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم بالسلام، ~~وإن لم يردوا عليه رد عليه ملأ خير منهم وأطيب ". # PageV01P081 # وقد روي من حديث عمران بن حصين وغيره أن رجلا دخل على النبي (فقال: ~~السلام عليكم. فقال النبي (: " عشر "، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة ~~الله. فقال رسول الله (: " عشرون "، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته. فقال رسول الله (: " ثلاثون ". خرجه الترمذي وغيره، وخرجه ~~أبو داود، وزاد: ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ~~ومغفرته. فقال النبي (: " أربعون " ثم قال: " هكذا تكون الفضائل ". # وقد سبق حديث: " أن تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " وفي حديث ابن ~~مسعود مرفوعا: " من أشراط الساعة: السلام ms22 بالمعرفة ". خرجه الإمام أحمد. # PageV01P082 # وإنما جمع بين إطعام الطعام ولين الكلام ليكمل بذلك الإحسان إلى الخلق ~~بالقول والفعل، فلا يتم الإحسان بإطعام الطعام إلا بلين الكلام وإفشاء ~~السلام، فإن أساء بالقول بطل الإحسان بالفعل من الإطعام وغيره كما قال ~~تعالى: (يآ أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) ، وربما كان ~~معاملة الناس بالقول الحسن أحب إليهم من الإحسان بإعطاء المال كما قال ~~لقمان لابنه: يا بني! لتكن كلمتك طيبة، ووجهك منبسطا، تكن أحب إلى الناس ~~ممن يعطيهم الذهب والفضة. وقد كان النبي (يلين القول لمن يشهد له بالشر ~~فينتفي بذلك شره، وكان (لا يواجه أحدا بما يكره في وجهه ولم يكن (فاحشا ولا ~~متفحشا. # وروي عن ابن عمر أنه كان ينشد: # بني إن البر شيء هين ... :وجه طليق وكلام لين # ولبعضهم: # خذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين # ولن في الكلام لكل الأنام ... فمستحسن من ذوي الجاه لين # وقد وصف الله عز وجل في كتابه أهل الجنة بمعاملة الخلق بالإحسان بالمال ~~واحتمال الأذى، فقال تعالى: (وسارعوآ إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات ~~والأرض أعدت للمتقين " الذين ينفقون في السرآء والضرآء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) فالإنفاق في السراء والضراء يقتضي ~~غاية الإحسان بالمال من الكثرة والقلة، وكظم الغيظ والعفو عن الناس يقتضي ~~عدم المقابلة على السيئة من قول وفعل، وذلك يتضمن إلانة القول، واجتناب ~~الفحش والإغلاظ في المقال ولو كان مباحا، وهذا نهاية الإحسان، فلهذا قال ~~تعالى: (والله يحب المحسنين) . # PageV01P083 # ومن هذا قول بعضهم وقد سئل عن حسن الخلق، فقال: بذل الندى وكف الأذى. ~~وهذا الوصف المذكور في القرآن أكمل من هذا، لأنه وصفهم ببذل الندى، واحتمال ~~الأذى. وحسن الخلق يبلغ به العبد درجات المجتهدين في العبادة، كما قال ~~النبي (: " إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم النهار، القائم الليل ". ~~ورؤي بعض السلف في المنام فسئل عن بعض إخوانه الصالحين، فقال: وأين ذلك؟! ~~رفع في الجنة بحسن خلقه. # ومما يندب إلى إلانة القول ms23 فيه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ~~يكون برفق كما قال تعالى في حق الكفار: (وجادلهم بالتي هي أحسن) ، قال بعض ~~السلف: ما أغضبت أحدا فقبل منك. وكان أصحاب ابن مسعود إذا رأوا قوما على ما ~~يكره يقولون لهم: مهلا مهلا بارك الله فيكم. ورأى بعض التابعين رجلا واقفا ~~مع امرأة فقال لهما: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما. ودعي الحسن إلى ~~دعوة، فجيء بآنية فضة فيها حلواء، فأخذ الحسن الحلواء فقلبها على رغيف وأكل ~~منها، فقال بعض من حضر: هذا نهي في سكون. # ورأى الفضيل رجلا يعبث في صلاته فزبره، فقال له الرجل: يا هذا! # PageV01P084 # ينبغي لمن يقوم لله أن يكون ذليلا، فبكى الفضيل، وقال له: صدقت. قال شعيب ~~بن حرب: ربما مر سفيان الثوري بقوم يلعبون الشطرنج، فيقول: ما يصنع هؤلاء؟ ~~فيقال له: يا أبا عبد الله ينظرون في كتاب. فيطأطيء رأسه ويمضي، وإنما يريد ~~بذلك ليعلم أنه قد أنكر. وقال سفيان: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر ~~إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، ~~عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى. وقال الإمام أحمد: الناس ~~يحتاجون إلى مداراة ورفق في الأمر بالمعروف بلا غلظة إلا رجلا معلنا بالفسق ~~فإنه لا حرمة له. # وكان كثير من السلف لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا سرا فيما ~~بينه وبين من يأمره وينهاه. وقالت أم الدرداء: من وعظ أخاه سرا فقد زانه، ~~ومن وعظه علانية فقد شانه. # وكذلك مقابلة الأذى بإلانة القول كما قال تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن) ، ~~وقال تعالى: (ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار) ، قال بعض ~~السلف: هو الرجل يسبه الرجل فيقول له: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت ~~كاذبا فغفر الله لك. قال رجل لسالم بن عبد الله وقد زحمت راحلته راحلته في ~~سفر: ما أراك إلا رجل سوء. فقال له سالم: ما أراك أبعدت. # وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا ms24 مرائي!. قال: متى عرفت اسمي؟! ما عرفه ~~أحد من أهل البصرة غيرك. ومر بعضهم على صبيان يلعبون بجوز، # PageV01P085 # فوطئ على بعض الجوز بغير اختياره فكسره، فقال له الصبي: يا شيخ النار! ~~فجلس الشيخ يبكي ويقول: ما عرفني غيره. ومر بعضهم مع أصحابه في طريق فرموا ~~عليهم رمادا، فقال الشيخ لأصحابه: من يستحق النار فصالحوه على الرماد؟! ~~يعني فهو رابح. # ورأى جندب إبراهيم بن أدهم خارج البلد فسأله عن العمران، فأشار له إلى ~~القبور، فضرب رأسه ومضى، فقيل له إنه إبراهيم بن أدهم! فرجع يعتذر إليه، ~~فقال له إبراهيم: الرأي الذي يحتاج إلى اعتذارك تركته ببلخ. ومر به جندي ~~آخر وهو ينظر بستانا لقوم بأجرة، فسأله أن يناوله شيئا فلم يفعل وقال: إن ~~أصحابه لم يأذنوا لي في ذلك. فضرب رأسه، فجعل إبراهيم يطأطئ رأسه وهو يقول: ~~اضرب رأسا طالما عصا الله. # من أجلك قد جعلت خدي أرضا ... للشامت والحسود حتى ترضى ### | الثالث من الدرجات ": الصلاة بالليل والناس نيام # فالصلاة بالليل من موجبات الجنة كما سبق ذكره في غير حديث، وقد دل عليه ~~قول الله عز وجل: (إن المتقين في جنات وعيون " آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم ~~كانوا قبل ذلك محسنين " كانوا قليلا من الليل ما يهجعون " وبالأسحار هم ~~يستغفرون " وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) ، فوصفهم بالتيقظ بالليل، ~~والاستغفار بالأسحار، وبالإنفاق من أموالهم. # وكان بعض السلف نائما فأتاه آت في منامه فقال له: قم فصل، أما علمت أن ~~مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل، هم خزانها هم خزانها. # PageV01P086 # وقيام الليل يوجب علو الدرجات في الجنة، قال الله تعالى لنبيه (: (ومن ~~الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) ، فجعل جزاءه على ~~التهجد بالقرآن بالليل أن يبعثه المقام المحمود، وهو أعلى درجاته (. # قال عون بن عبد الله: " إن الله يدخل الجنة أقواما فيعطيهم حتى يملوا، ~~وفوقهم ناس في الدرجات العلى، فلما نظروا إليهم عرفوهم، فقالوا: ربنا ~~إخواننا كنا معهم، فبم فضلتهم علينا؟ فيقول: هيهات هيهات! إنهم كانوا ~~يجوعون حين تشبعون، ms25 ويظمئون حين تروون، ويقومون حين تنامون، ويشخصون حين ~~تخفضون ". # ويوجب أيضا نعيم الجنة ما لم يطلع عليه العباد في الدنيا، قال الله عز ~~وجل: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ~~" فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون) . وفي ~~الصحيح عن النبي (قال: " يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. اقرءوا إن شئتم: (فلا تعلم ~~نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) ". قال بعض السلف: ~~أخفوا لله العمل فأخفى الله لهم الجزاء، فلو قدموا عليه لأقر تلك الأعين ~~عنده. # ومما يجزي به المتهجدين في الليل: كثرة الأزواج من الحور العين في الجنة، ~~فإن المتهجد قد ترك لذة النوم ولذة التمتع بأزواجه طلبا لما عند الله عز ~~وجل، فعوضه الله تعالى خيرا مما تركه وهو الحور العين في الجنة، ومن هنا ~~قال بعض السلف: طول التهجد مهور الحور العين في الجنة. وكان بعض السلف يحيي ~~الليل بالصلاة ففتر عن ذلك، فأتاه آت في منامه فقال له: قد # PageV01P087 # كنت يا فلان تدأب في الخطبة، فما الذي قصر بك عن ذلك؟. قال: وما ذلك؟. ~~قال: كنت تقوم من الليل، أو ما علمت أن المتهجد إذا قام إلى التهجد قالت ~~الملائكة: قد قام الخاطب إلى خطبته؟! ورأى بعضهم في منامه امرأة لا تشبه ~~نساء الدنيا فقال لها: من أنت؟ قالت: حوراء أمة الله. فقال لها: زوجيني ~~نفسك. قالت: اخطبني إلى سيدي وامهرني. قال: وما مهرك؟ قالت: طول التهجد. # نام بعض المتهجدين ذات ليلة فرأى في منامه حوراء تنشد: # أتخطب مثلي وعني تنام ... ونوم المحبين عنا حرام # لأنا خلقنا لكل امرئ ... كثير الصلاة براه الصيام # وكان لبعض السلف ورد من الليل فنام عنه ليلة، فرأى في منامه جارية كأن ~~وجهها القمر ومعها رق فيه كتاب، فقالت: أتقرأ؟.قال: نعم. فأعطته إياه ففتحه ~~فإذا فيه مكتوب: # أألهتك لذة نومة عن خير ms26 عيش ... مع الخيرات في غرف الجنان # تعيش مخلدا لا موت فيه ... وتنعم في الجنان مع الحسان # تيقظ من منامك إن خيرا ... من النوم التهجد بالقرآن # PageV01P088 # فاستيقظ، قال: فوالله ما ذكرتها إلا ذهب عني النوم. # كان بعض الصالحين له ورد فنام عنه، فوقف عليه فتى في منامه فقال له بصوت ~~محزون: # تيقظ لساعات من الليل يا فتى ... لعلك تحظى في الجنان بحورها # فتنعم في دار يدوم نعيمها ... محمد فيها والخليل يزورها # فقم فتيقظ ساعة بعد ساعة ... عساك توفي ما بقى من مهورها # كان بعض السلف الصالحين كثير التعبد، وبكى شوقا إلى الله ستين سنة، فرأى ~~في منامه كأنه على ضفة نهر يجري بالمسك، حافتاه شجر لؤلؤ ونبت من قضبان ~~الذهب، فإذا بجوار مزينات يقلن بصوت واحد: # ذرانا إله الناس رب محمد ... لقوم على الأقدام بالليل قوم # يناجون رب العالمين إلهم ... وتسري هموم القوم والناس نوم # فقال: بخ بخ لهؤلاء! من هم؟! لقد أقر الله أعينهم بكن. فقلن: أوما ~~تعرفهم؟! قال: لا. فقلن: بلا هؤلاء المتهجدون أصحاب القرآن والسهر. # وكان بعض الصالحين ربما نام في تهجده فتوقظه الحوراء في منامه فيستيقظ ~~بإيقاظها، وروي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: ذهب بي النوم ذات ليلة في ~~صلاتي، فإذا بها يعني: الحوراء تنبهني وتقول: يا أبا سليمان! أترقد وأنا ~~أربي لك في الخدر منذ خمسمائة سنة؟!. وفي رواية عنه أنه نام ليلة في سجوده ~~قال: فإذا بها ركضتني برجلها وقالت: حبيبي أترقد عيناك والملك يقظان ينظر ~~إلى المتهجدين في تهجدهم؟ بؤسا لعين آثرت لذة نوم على مناجاة العزيز، قم ~~فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضهم بعضا، فما هذا الرقاد يا حبيبي وقرة ~~عيني؟ # PageV01P089 # أترقد عيناك وأنا أربي لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟ فوثب فزعا من ~~توبيخها له، قال: وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي. # وكان أبو سليمان يقول: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، ~~ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال يزيد الرقاشي لحبيب العجمي: ~~ما أعلم شيئا ms27 أقر لعيون العابدين في الدنيا من التهجد في ظلمة الليل، وما ~~أعلم شيئا من نعيم الجنان وسرورها ألذ عند العابدين ولا أقر لعيونهم من ~~النظر إلى ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلى لهم الكريم. فصاح ~~حبيب عند ذلك وخر مغشيا عليه. # وكان السري يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلام الليل. وقال أبو سليمان: إذا ~~جن الليل وخلا كل جبيب بحبيبه، افترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على ~~خدودهم، أشرف الجليل جل جلاله فنادى؛ يا جبريل! بعيني من تلذذ بكلامي، ~~واستروح إلى مناجاتي، ناد فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء؟! عل رأيتم حبيبا ~~يعذب أحباءه؟ أم كيف يجمل بي أن أعذب قوما إذا جنهم الليل تملقوني؟ فبي ~~حلفت إذا قدموا علي يوم القيامة لأكشفن لهم عن وجهي ينظرون إلي وأنظر ~~إليهم. # وسئل الحسن: لم كان المتهجدون أحسن الناس وجوها؟ قال: لإنهم خلوا بالرحمن ~~فألبسهم نورا من نوره. رأت امرأة من الصالحات في منامها كأن حللا قد فرقت ~~على أهل مسجد محمد بن جحادة، فلما انتهى الذي يفرقها إليه دعا بسفط مختوم ~~فأخرج منه حلة صفراء، قالت: فلم يقم لها بصري، # PageV01P090 # فكساه إياها، وقال: هذه لك بطول السهر. قالت: فوالله لقد كنت أراهتعني: ~~محمد بن جحادة بعد ذلك فأتخايلها عليه. تعني تلك الحلة. # قال كرز بن وبرة: بلغني أن كعبا قال: إن الملائكة ينظرون من السماء إلى ~~الذين يتهجدون بالليل كما تنظرون أنتم إلى نجوم السماء. # يا نفس فاز الصالحون بالتقى ... وأبصروا الحق وقلبي قد عمي # يا حسنهم والليل قد جنهم ... ونورهم يفوق نور الأنجم # ترنموا بالذكر في ليلهم ... فعيشهم قد طاب بالترنم # قلوبهم للذكر قد تفرغت ... دموعهم كلؤلؤ منظم # أسحارهم بهم لهم قد أشرقت ... وخلع الغفران خير القسم # في بعض الآثار يقول الله عز وجل كل ليلة: يا جبريل أقم فلانا وأنم فلانا. ~~قام بعض الصالحين في ليلة باردة، وكان عليه خلقان رثة فضربه البرد فبكى، ~~فسمع هاتفا يقول: أقمناك وأنمناهم، ثم تبكي!. # تنبهوا يا أهل وادي المنحنى ... كم ms28 ذا الكرى، هب نسيم وجدي # كم بين خال وجو وساهر ... وراقد وكاتم ومبدي # قيل لابن مسعود: ما نستطيع قيام الليل. قال: أبعدتكم ذنوبكم. # وقيل للحسن: أعجزنا قيام الليل. قال: قيدتكم خطاياكم. إنما يؤهل الملوك ~~للخلوة ومخاطبتهم من يخلص في ودادهم ومعاملتهم، فأما من كان من أهل ~~مخالفتهم فلا يرضونه لذلك: # الليل لي ولأحبابي أحادثهم ... قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا # لهم قلوب بإسرار لها ملئت ... على ودادي وإرشادي لهم طبعوا # قد أثمرت شجرات الفهم عندهم ... فما جنوا إذ جنوا مما به ارتفعوا # سروا فما وهنوا عجزا وما ضعفوا ... وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا # PageV01P091 ### | الفصل الثالث في ذكر الدعوات المذكورة في هذا الحديث # وهي: " اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن ~~تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، وأسألك حبك، ~~وحب من يحبك، وحب العمل الذي يبلغني حبك ". فقال النبي (: " تعلموهن ~~وادرسوهن فإنهن حق ". # هذا دعاء عظيم من أجمع الأدعية وأكملها، فقوله (: " أسألك فعل الخيرات ~~وترك المنكرات ". يتضمن طلب كل خير وترك كل شر، فإن الخيرات تجمع كل ما ~~يحبه الله تعالى ويقرب منه من الأعمال والأقوال من الواجبات والمستحبات، ~~والمنكرات تشمل كل ما يكرهه الله تعالى ويباعد منه من الأقوال والأعمال، ~~فمن حصل له هذا المطلوب حصل له خير الدنيا والآخرة، وقد كان النبي (يستحب ~~مثل هذه الأدعية الجامعة، قالت عائشة: كان النبي (يعجبه الجوامع من الدعاء، ~~ويدع ما بين ذلك. خرجه أبو داود. # وقوله: " حب المساكين ". هذا قد يقال أنه من جملة فعل الخيرات، وأفرده ~~بالذكر لشرفه وقوة الاهتمام به، كما أفرد أيضا ذكر حب الله تعالى وحب من ~~يحبه وحب عمل يبلغه إلى حبه، وذلك أصل فعل الخيرات كلها، وقد يقال أنه طلب ~~من الله عز وجل أن يرزقه أعمال الطاعات بالجوارح وترك المنكرات بالجوارح، ~~وأن يرزقه ما يوجب له ذلك، وهو حبه وحب من يحبه وحب عمل # PageV01P093 # يبلغه حبه، فهذه المحبة بالقلب موجبة لفعل الخيرات بالجوارح ولترك ~~المنكرات بالجوارح، وسأل الله ms29 تعالى أن يرزقه المحبة فيه. فقد تضمن هذا ~~الدعاء سؤال حب الله عز وجل وحب أحبابه وحب الأعمال التي تقرب من حبه والحب ~~فيه، وذلك مقتض فعل الخيرات كلها. وتضمن ترك المنكرات والسلامة من الفتن، ~~وذلك يتضمن اجتناب الشر كله، فجمع هذا الدعاء طلب خير الدنيا، وتضمن سؤال ~~المغفرة والرحمة، وذلك يجمع خير الآخرة كله، فجمع هذا الدعاء خير الدنيا ~~والآخرة. # والمقصود أن حب المساكين أصل الحب في الله تعالى، لأن المساكين ليس عندهم ~~من الدنيا ما يوجب محبتهم لأجله، فلا يحبون إلا لله عز وجل و " الحب في ~~الله من أوثق عرى الإيمان "، و " من علامات ذوي حلاوة الإيمان "، وهو " ~~صريح الإيمان "، وهو " أفضل الإيمان "، وهذا كله مروي عن النبي (أنه وصف به ~~الحب في الله تعالى، وروي عن ابن عباس أنه قال: " به تنال # PageV01P094 # ولاية الله، وبه يوجد طعم الإيمان ". # وحب المساكين قد وصى به النبي (غير واحد من أصحابه، قال أبو ذر: أوصاني ~~رسول الله (أن أحب المساكين، وأن أدنو منهم. خرجه الإمام أحمد، وخرج ~~الترمذي عن عائشة أن النبي (قال لها: " يا عائشة! أحبي المساكين وقربيهم ~~فإن الله يقربك يوم القيامة ". # ويروى أن داود عليه السلام كان يجالس المساكين، ويقول: يا رب مسكين بين ~~مساكين. ولم يزل السلف الصالح يوصون بحبح المساكين، كتب سفيان الثوري إلى ~~بعض إخوانه: " عليك بالفقراء والمساكين والدنو منهم، فإن رسول الله (كان ~~يسأل ربه حب المساكين ". # وحب المساكين مستلزم لإخلاص العمل لله تعالى، والإخلاص هو أساس الأعمال ~~الذي لا تثبت الأعمال إلا عليه، فإن حب المساكين يقتضي إسداء النفع إليهم ~~بما يمكن من منافع الدين والدنيا، فإذا حصل إسداء النفع إليهم حبا لهم ~~والإحسان إليهم كان هذا العمل خالصا، وقد دل القرآن على # PageV01P095 # ذلك، قال عز وجل: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا) الإنسان: 8،9،وقال عز وجل: ~~(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم ms30 ~~من شيء وما من حسابك عليهم من شيء مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا) الكهف: 28. # قال سعد بن أبي وقاص: نزلت هذه الآية في ستة: في وفي ابن مسعود وصهيب ~~وعمار والمقداد وبلال، قالت قريش لرسول الله (: إنا لا نرضى أن نكون أتباعا ~~لهم فاطردهم عنك. فأنزل الله عز وجل: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه) الآية. # وقال خباب بن الأرت في هذه الآية: جاء الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ~~فوجدوا رسول الله (مع صهيب وعمار وبلال وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من ~~المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي (حقروهم، فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد ~~أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك ~~فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا ~~نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: نعم. قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا. قال: ~~فدعا بصحيفة، ودعا عليا ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبريل عليه السلام ~~فقال: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من ~~حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين) ثم ~~ذكر الأقرع بن حابس وعيينة # PageV01P096 # ابن حصين فقال: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوآ أهؤلاء من الله عليهم من ~~بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين) النعام: 53 ثم قال: (وإذا جآءك الذين ~~يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) الأنعام: 54. ~~قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبتيه، وكان رسول الله (يجلس معنا ~~فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله عز وجل: (واصبر نفسك مع الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم) ولا تجالس ~~الأشراف، (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) الكهف: 28 يعني: عيينة ~~والأقرع. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي (فإذا بلغنا الساعة التي يقوم قمنا ~~وتركناه حتى يقوم. خرجه ms31 ابن ماجه وغيره. # وكان النبي (يعود المرضى من مساكين أهل المدينة ويشيع جنائزهم، " وكان لا ~~يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين حتى يقضي حاجتهما "، وعلى هذا الهدي كان ~~أصحابه من بعده والتابعون لهم بإحسان. # وروي عن أبي هريرة قال: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس إليهم، ~~ويحدثهم ويحدثونه، وكان النبي (يكنيه: أبا # PageV01P097 # المساكين. وفي رواية: أنه كان يطعمهم، وربما أخرج لهم عكة فيها العسل ~~فشقوها ولعقوها. # وكانت زينب بنت خزيمة أم المؤمنين تسمى أم المساكين لكثرة إحسانها إليهم، ~~وقد توفيت في حياة النبي (. وقال ضرار بن مرة في وصف علي بن أبي طالب في ~~أيام خلافته: كان يعظم أهل الدين، ويحب المساكين. ومر ابنه الحسن رضي الله ~~عنهما على مساكين يأكلون، فدعوه فأجابهم وأكل معهم، وتلا: (إنه لا يحب ~~المستكبرين) النحل: 23 ثم دعاهم إلى منزله فأطعمهم وأكرمهم. وكان ابن عمر ~~لا يأكل غالبا إلا مع المساكين، ويقول: لعل بعض هؤلاء أن يكون ملكا يوم ~~القيامة. # وجاء مسكين أعمى إلى ابن مسعود وقد ازدحم الناس عنده فناداه: يا أبا عبد ~~الرحمن! آويت أرباب الخز واليمنية وأقصيتني لأجل أني مسكين. فقال له: أدنه. ~~فلم يزل يدنيه حتى أجلسه بجانبه أو بقربه. وكان مطرف بن عبد الله يلبس ~~الثياب الحسنة ثم يأتي المساكين ويجالسهم. وكان سفيان الثوري يعظم المساكين ~~ويجفو أهل الدنيا، فكان الفقراء في مجلسه هم الأغنياء، والأغنياء هم ~~الفقراء. وقال سليمان التيمي: كنا إذا طلبنا علية أصحابنا وجدناهم عند ~~الفقراء والمساكين. وقال الفضيل: من أراد عز الآخرة فليكن مجلسه مع ~~المساكين. # ومن فضائل المساكين أنهم أكثر أهل الجنة كما قال النبي (: " قمت # PageV01P098 # على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين " وقال (: " تحاجت الجنة ~~والنار، فقالت الجنة: لا يدخلني إلا الضعفاء والمساكين " وسئل النبي (عن ~~أهل الجنة، فقال: " كل ضعيف متضعف ". # وهم أول الناس دخولا كما صح عنه (: " أن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى ~~الجنة بأربعين عاما ". وفي رواية: " أنهم يدخلون الجنة بنصف يوم، وهو ~~خمسمائة سنة ". # وهم أول الناس ms32 إجازة على الصراط كما صح عنه (أنه سئل: من أول الناس غجازة ~~على الصراط؟ فقال: " فقراء المهاجرين ". # وهم أول الناس ورودا الحوض كما قال (: " أول الناس ورودا عليه: فقراء ~~المهاجرين، الدنس الثياب والشعث رؤوسا، الذين لا ينكحون # PageV01P099 # المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد ". # وهم أتباع الرسل كما أخبر الله تعالى عن نوح عليه السلام أن قومه عيروه ~~باتباع الضعفاء له فقالوا: (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) الشعراء: 111، وكذلك ~~قال هرقل لأبي سفيان لما سأله النبي (: وهل يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ ~~فقال: بل ضعفاءهم. قال هرقل: هم اتباع الرسل. # وهم أفضل من الأغنياء عند كثير من العلماء أو أكثرهم، وقد دل # PageV01P100 # على ذلك أدلة كثيرة، منها قول النبي (حين مر به الغني والمسكين في ~~المسجد: " هذا يعني: المسكين خير من ملء الأرض من مثل هذا يعني: الغني ". ~~وقد خرجه البخاري وغيره. # ومنهم من لو أقسم على الله لأبره كما في الصحيح عن النبي (أنه قال في أهل ~~الجنة: " كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره ". وفي رواية: " أشعث ذو ~~طمرين "، وفي رواية خرجها ابن ماجة: " أنهم ملوك الجنة "، وفي الحديث ~~المشهور: " رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره " ~~خرجه الحاكم وغيره. # PageV01P101 # رب ذي طمرين نضو ... يأمن العالم شره # لا يرى إلا غنيا ... وهو لا يملك ذره # ثم لو أقسم في شيء ... على الله أبره # قال ابن مسعود: كونوا جدد القلوب، خلقان الثياب، سرج الليل، مصابيح ~~الظلام، تعرفون في أهل السماء، وتخفون على أهل الأرض. # طوبى لعبد بحبل الله معتصمه ... على صراط سوي ثابت قدمه # رث اللباس جديد القلب مستتر ... في الأرض مشتهر فوق السما وسمه # ما زال يستحقر الأولى بهمته ... حتى ترقى إلى الأخرى به هممه # فداك أعظم من التاج متكئا ... على النمارق محتفا به خدمه # واعلم أن محبة المساكين لها فوائد كثيرة، منها: أنها توجب إخلاص العمل ~~لله عز وجل، لأن الإحسان إليهم لمحبتهم لا يكون إلا لله عز وجل، لأن نفعهم ~~لا يرجى غالبا. ms33 فأما من أحسن إليهم ليمدح بذلك فمل أحسن إليهم حبا لهم بل ~~حبا لأهل الدنيا، وطلبا لمدحهم له بحب المساكين. # PageV01P102 # ومنها: أنها تزيل الكبر، فإن المستكبر لا يرضى مجالسة المساكين كما سبق ~~عن رؤساء قريش والأعراب ومن حذا حذوهم من هذه الأمة ممن تشبه بهم، حتى إن ~~بعض علماء السوء كان لا يشهد الصلاة في جماعة خشية أن تزاحمه المساكين في ~~الصف. # ويمتنع بسبب هذا الكبر خير كثير جدا، فإن مجالسة الذكر والعلم يقع فيها ~~كثيرا مجالسة المساكين، فإنهم أكثر هذه المجالس، فيمتنع المتكبر من هذه ~~المجالس بتكبره، وربما كان المسموع منه الذكر والعلم من جملة المساكين، ~~فيأنف أهل الكبر من التردد إلى مجلسه كذلك يفوتهم خير كثير. وقد أخبر الله ~~تعالى عن المشركين أنهم قالوا: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم) الزخرف: 31 يشيرون إلى عظماء مكة والطائف كعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة ~~ونحوهما من صناديد قريش وثقيف ذوي الأموال والشرف فيهم ممن كان أكثر مالا ~~من محمد (وأعظم رياسة عندهم، ورد عليهم سبحانه بأنه يقسم رحمته كما يشاء، ~~وأنه كما رفع درجات بعضهم على بعض في الدنيا فكذلك يرفعها في الآخرة، وأن ~~رحمته بالنبوة والعلم والإيمان خير مما يجمعونه من الأموال التي تفنى، فهو ~~يخص بهذه الرحمة الدينية من يشاء ويرفعه على أهل النعم الدنيوية، وقد خص ~~محمدا (بما لم يشركه غيره من هذه النعم كما قال تعالى: (وأنزل الله عليك ~~الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) النساء: ~~113. # وقد كان علي بن الحسين يجلس في مجلس زيد بن أسلم فيعاتب على ذلك فيقول: ~~إنما يجلس المرء حيث يكون له فيه نفع. أو كما قال: يشير إلى أنه ينتفع ~~بسماع ما لم يسمعه من العلم والحكمة، وزيد بن أسلم أبوه مولى لعمر، وعلي بن ~~الحسين سيد بني هاشم وشريفهم. # PageV01P103 # ولما اجتمع الزهري وأبو حازم الزاهد بالمدينة عند بعض بني أمية لما حج ~~وسمع الزهري كلام أبي حازم وحكمته أعجبه ذلك، ms34 وقال: هو جاري منذ كذا وكذا، ~~وما جالسته وما عرفت أن هذا عنده!. فقال له أبو حازم: أجل إني من المساكين، ~~ولو كنت من الأغنياء لعرفتني فوبخه بذلك. وفي رواية عنه أنه قال له: لو ~~أحببت الله أحببتني، ولكنك نسيت الله فنسيتني. يشير إلى أن من أحب الله ~~تعالى أحب المساكين من أهل العلم والحكمة لأجل محبته لله تعالى، ومن غفل عن ~~الله تعالى غفل عن أوليائه من المساكين فلم يرفع بهم رأسا، ولم ينتفع بما ~~اختصهم الله عز وجل به من الحكمة والعلوم النافعة التي لا توجد عند غيرهم ~~من أهل الدنيا. # وقد كان علماء السلف يأخذون العلم عن أهله والغالب عليهم المسكنة وعدم ~~المال والرفعة في الدنيا، ويدعون أهل الرياسات والولايات فلا يأخذون عنهم ~~ما عندهم من العلم بالكلية. # ومنها: أنه يوجب صلاح القلب وخشوعه، وفي المسند عن أبي هريرة أن رجلا شكى ~~إلى رسول الله (قسوة قلبه، فقال له: " إن أحببت أن يلين قلبك فأطعم المسكين ~~وامسح رأس اليتيم ". # PageV01P104 # ومنها: أن مجالسة المساكين توجب رضى من يجالسهم برزق الله عز وجل، وتعظم ~~عنده نعمة الله عز وجل عليه بنظره في الدنيا إلى من دونه. ومجالسة الأغنياء ~~توجي السخط بالرزق، ومد العين إلى زينتهم وما هم فيه، وقد نهى الله عز وجل ~~نبيه (عن ذلك فقال تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ~~زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) طه: 131، وقال النبي ~~(: " انظروا إلى من دونكم ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا ~~نعمة الله عليكم ". قال أبو ذر: أوصاني رسول الله (أن أنظر إلى من دوني ولا ~~أنظر إلى من فوقي، وأوصاني أن أحب المساكين وأن أدنو منهم. # وكان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يجالس الأغنياء فلا يزال في غم، ~~لأنه لا يزال يرى من هو أحسن منه لباسا ومركبا ومسكنا ومطعما، فتركهم وجالس ~~المساكين فاستراح من ذلك. # وقد روي عن النبي (أنه نهى عائشة ms35 من مخالطة الأغنياء. # PageV01P105 # وقال عمر: إياكم والدخول على أهل السعة فإنه مسخطة للرزق. # واعلم أن المسكين إذا أطلق يراد به غالبا من لا مال له يكفيه، فإن الحاجة ~~توجب السكون والتواضع، بخلاف الغني فإنه يوجب الطغيان، ولهذا ذم الفقير ~~المختال وعظم وعيده لأنه عصى بما ينافي فقره، وهو الاختيال والزهو والكبر. # ولما كان المسكين عند الإطلاق لا ينصرف إلا إلى من لا كفاية له من المال ~~وصى الله تعالى بإيثار المساكين وإطعامهم الطعام، ومدح من يطعمهم، وذم من ~~لا يحض على إطعامهم، وجعل لهم حقا في أموال الصدقات والفئ وخمس الغنائم ~~وحضور قسمة الأموال. # وهؤلاء المساكين على قسمين: أحدهما: من هو محتاج في الباطن وقد أظهر ~~حاجته للناس، والثاني: من يكتم حاجته ويظهر للناس أنه غني فهذا أشرف ~~القسمين، وقد مدح الله عز وجل هذا في قوله تعالى: (للفقرآء الذين أحصروا في ~~سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف ~~تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا) البقرة: 273، وقال النبي (: " ليس ~~المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن ~~المسكين من لا يجد ما يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه ". وقال بعضهم: هذا ~~المحروم المذكور في قوله عز وجل: (للسآئل والمحروم) الذاريات: 19، فأخبر ~~النبي (أن من كتم حاجته فلم يفطن له أحق باسم المسكين من الذي أظهر حاجته ~~بالسؤال، وأنه # PageV01P106 # أحق بالبر منه، وهذا يدل على أنهم كانوا لا يعرفون من المساكين إلا من ~~أظهر حاجته بالسؤال، وبهذا فرق طائفة من العلماء بين الفقير والمسكين، ~~فقالوا: من أظهر حاجته فهو مسكين، ومن كتمها فهو فقير. وفي كلام الإمام ~~أحمد إيماء إلى ذلك، وإن كان المشهور عنه أن التفريق بينهما بكثرة الحاجة ~~وقلتها كقول كثير من الفقهاء، وهذا حيث جمع بين ذكر الفقير والمسكين كما في ~~آية الصدقات، وأما إن أفرد أحد الاسمين دخل فيه الآخر عند الأكثرين. # وقد كان كثير من السلف يكتم حاجته ويظهر الغنى تعففا وتكرما، منهم: ~~إبراهيم النخعي كان يلبس ثيابا حسناء، ms36 ويخرج إلى الناس وهم يرون أنه تحل له ~~الميتة من الحاجة. # وكان بعض الصالحين يلبس الثياب الجميلة وفي كمه مفتاح دار كبيرة ولا مأوى ~~له إلا المساجد، وكان آخر لا يلبس جبة في الشتاء لفقره، ويقول: بي علة ~~تمنعني من لبس المحشو. وإنما يعني به الفقر شعر: # أن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود # وكان بعكس هؤلاء من يلبس ثياب المساكين مع الغنى تواضعا لله عز وجل، ~~وبعدا من الكبر كما كان يفعله الخلفاء الراشدون الأربعة وبعدهم عمر بن عبد ~~العزيز، وكذلك كان جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن ~~عمرو بن العاص وغيرهما رضي الله عنهم، وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ~~كان ينشد: # PageV01P107 # إذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إلى ملك في زي مسكين # ذاك الذي حسنت في الناس سيرته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين # وكان علي رضي الله عنه يعاتب على لباسه فيقول: هو أبعد من الكبر، وأجدر ~~أن يقتدي بي المسلم. وعوتب عمر بن عبد العزيز على ذلك فقال: إن أفضل القصد ~~عند الجدة. يعني: أفضل ما اقتصد الرجل في لباسه مع قدرته ووجدانه. # وفي سنن أبي داود وغيره عن النبي (أنه قال: " البذاذة من الإيمان " يعني: ~~التقشف. وفي الترمذي عن النبي (: " من ترك اللباس تواضعا لله عز وجل وهو ~~يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق # PageV01P108 # حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها ". وخرجه أبو داود من وجه آخر ~~ولفظه: " من ترك ثوب جمال أحسبه قال: تواضعا كساه الله حلة الكرامة ". # وإنما يذم من ترك اللباس مع قدرته عليه بخلا على نفسه، أو كتمانا لنعمة ~~الله عز وجل، وفي هذا جاء الحديث المشهور: " إن الله إذا أنعم على عبد نعمة ~~أحب أن يرى أثر نعمته على عبده ". ومن لبس لباسا حسنا إظهارا لنعمة الله ~~ولم يفعله اختيالا كان حسنا. # PageV01P109 # وكان كثير من الصحابة والتابعين يلبسون لباسا حسنا، منهم: ابن عباس، ~~والحسن البصري. وقد صح ms37 عن النبي (أنه سئل عن الرجل يحب أن يكون لباسه حسنا ~~ونعله حسنا؟ قال: " ليس ذلك بالكبر، إنما الكبر بطر الحق وغمط الناس ". ~~يعني: التكبر عن قبول الحق والانقياد له، واحتقار الناس وازدراءهم فهذا هو ~~الكبر، فأما مجرد اللباس الحسن الخالي عن الخيلاء فليس بكبر، واحتقار الناس ~~مع رثاثة اللباس كبر. وقد روي عن النبي (أنه كان ماشيا في طريق، وهناك أمة ~~سوداء، فقال لها رجل: الطريق! الطريق! للنبي (. فقالت: الطريق يمنة ويسرة!. ~~فقال النبي (: " دعوها فإنها جبارة ". خرجه النسائي وغيره، وفي رواية ~~للطبراني وغيره: قالوا: يا رسول الله! إنها. يعني: مسكينة. قال: " إن ذاك ~~في قلبها ". يعني أن الكبر في قلبها وإن كان لباسها لباس المساكين. وقال # PageV01P110 # الحسن إن قوما جعلوا التواضع في لباسهم والكبر في صدورهم، إن أحدهم أشد ~~كبرا بمدرعته من صاحب السرير بسريره، وصاحب المنبر بمنبره. قال أحمد ابن ~~أبي الحواري: قال لي سليمان بن أبي سليمان وكان يعدل بأبيه: أي شيء أرادوا ~~بثياب الصوف؟. قلت: التواضع. قال: وما يتكبر أحدهم إلا إذا لبس الصوف!. # وقال أبو سليمان: يكون ظاهرك قطنيا وباطنك صوفيا. قال أبو الحسين بن ~~بشار: صوف قلبك، والبس القوهي على القوهي. يعني: رفيع الثياب. فمتى أظهر ~~الإنسان لباس المساكين لدعوى الصلاح ليشتهر بذلك عند الناس كان ذلك كبرا ~~ورياء، ومن هنا ترك كثير من السلف المخلصين اللباس المختص بالفقراء ~~والصالحين، وقالوا: إنه شهرة. ولما قدم سيار أبو الحكم البصرة لزيارة مالك ~~بن دينار لبس ثيابا حسنة ثم دخل المسجد فصلى صلاة حسنة، فرآه مالك ولم ~~يعرفه فقال له: يا شيخ! إني أرغب بك عن هذه الثياب مع هذه الصلاة. فقال له: ~~يا مالك! ثيابي هذه تضعني عندك أم ترفعني؟! قال: بل تضعك. فقال: نعم الثوب ~~ثوب يضع صاحبه عند الناس، ولكن انظر يا مالك لعل ثوبيك هذين يعني: الصوف ~~أنزلاك عند الناس ما لم ينزلاك من الله. فبكى مالك وقام إليه واعتنقه، وقال ~~له: أنشدك الله أنت سيار أبو الحكم؟ قال: نعم. # فلهذا ms38 كره من كره من السلف كابن سيرين وغيره لباس الصوف حيث صار شعار ~~الزاهدين، فيكون لباسه إشهارا للنفس، وإظهارا للزهد، وأما النبي (فكان يلبس ~~ما وجد، فتارة يلبس لباس الأغنياء من حلل اليمن وثياب الشام ونحوها، وتارة ~~يلبس لباس المساكين فيلبس جبة من صوف أحيانا، وأحيانا يتزر بعباءة ويهيئ ~~إبل الصدقة، يعني أنه يطلبها بيده ويصلحها كما يفعل أرباب الإبل بها، ولم ~~يبعث الله نبيا من أهل الكبر، وإنما بعث من لا كبر # PageV01P111 # عنده، ولا يتكبر عن معالجة الأشياء التي يأنف منها المتكبرون كرعاية ~~الإبل والغنم، وإجارة نفسه عند الحاجة إلى الاكتساب. ومن أعطاه الله منهم ~~ملكا فإنه لم يزل دأبه تواضعا لله عز وجل كداود وسليمان ومحمد. صلى الله ~~عليهم وسلم تسليما كثيرا. # وقد يطلق اسم المسكين ويراد به من استكان قلبه لله عز وجل، وانكسر له ~~وتواضع لجلاله وكبريائه وعظمته وخشيته ومحبته ومهابته، وعلى هذا المعنى حمل ~~بعضهم الحديث المروي عن النبي (أنه قال: " اللهم أحييني مسكينا، وأمتني ~~مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين ". خرجه الترمذي من حديث أنس، وخرجه ابن ~~ماجه من حديث ابن عباس، وفي حمله على ذلك نظر لأن في تمام حديثيهما ما يدل ~~على أن المراد به المساكين من # PageV01P112 # المال، لأنه ذكر سبقهم الأغنياء إلى الجنة، مع أن في إسناد الحديثين ~~ضعفا. # وقد خير النبي (بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا، فأشار إليه جبريل ~~أن تواضع. فقال: " بل عبدا رسولا ". وكان بعد ذلك لا يأكل متكئا، ويقول: " ~~آكل كما يأكل العبد. وأجلس كما يجلس العبد ". قال الحسن: قال رسول الله (: ~~" فأعطاني الله لذلك أن جعلني شيد ولد آدم، وأول شافع، وأول مشفع، وأول من ~~تنشق عنه الأرض ". وصح عنه # PageV01P113 # (أنه قال: " إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله ". فأشرف أسمائه: عبد ~~الله، ولهذا سمي بهذا الاسم في القرآن في أفخر مقاماته، فلما حقق (عبوديته ~~لربه حصلت له السيادة على جميع الخلق. # كان كثير من العارفين في مناجاته لربه: كفى بي فخرا أني لك ms39 عبد، وكفى بي ~~شرفا أنك لي رب. وكان بعضهم يقول: كلما ذكرت أنه ربي وأنا عبده حصل لي من ~~السرور ما يصلح به بدني: # شرف النفوس دخولها في رقهم ... والعبد يحوي الفخر بالمتملك # وكان أبو زيد البسطامي ينشد: # يا ليتني صرت شيئا ... من غير شيء أعد # أصبحت للكل مولى ... لأنني لك عبد # فمن انكسر قلبه لله عز وجل واستكان وخشع وتواضع جبره الله عز وجل، ورفعه ~~بقدر ذلك، وفي الأثر المشهور: أن الله عز وجل قال لموسى على نبينا وعليه ~~السلام حين سأله: أين أجدك؟. قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، فإني أدنو ~~منهم كل يوم باعا ولولا ذلك لانهدموا. وروي عن عبد الله بن سلام أنه فسره، ~~فقال: هم المنكسرة قلوبهم بحب الله عن حب غيره. وفي الحديث المشهور ~~المرفوع: " إن الله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له، فإذا تجلى لقلوب ~~العارفين عظمة الله وجلاله وكبرياؤه اندكت # PageV01P114 # قلوبهم من هيبته، وخشعت وانكسرت من محبته ومخافته ". # شعر: # مساكين أهل الحب حتى قبورهم ... عليها تراب الذل بين المقابر # فالمسكين في الحقيقة من استكان قلبه لربه وخشع من خشيته ومحبته، ولا يكون ~~المسكين ممدوحا بدون هذه الصفة، فإن من لم يخشع قلبه مع فقره وحاجته فهو ~~جبار كتلك الأمة السوداء التي قال فيها النبي (: " إنها جبارة ". وهو إما ~~عائل مستكبر أو فقير مختال، وكلاهما لا ينظر اله إليه يوم القيامة، فالمؤمن ~~من يستكين قلبه لربه ويخشع له ويتواضع، ويظهر مسكنته وفاقته إليه في الشدة ~~والرخاء، أما في حالة الرخاء فإظهار الشكر، وأما في حال الشدة فإظهار الذل ~~والعبودية والفاقة والحاجة إلى كشف الضر، قال تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب ~~فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) المؤمنون: 76، فذم من لا يستكين لربه عند ~~الشدة، وكان النبي (يخرج عند الاستسقاء متواضعا متخشعا متمسكنا. وحبس لمطرف ~~بن عبد الله قريب له فلبس خلقان ثيابه، وأخذ بيده قصبة، وقال: أتمسكن لربي ~~لعله يشفعني فيه. # ومما يشرع فيه التمسكن لله عز وجل حال الصلاة كما في حديث ms40 الفضل بن عباس ~~عن النبي (قال: " الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع، وتضرع، ~~وتمسكن، وتقنع يديك يقول: ترفعهما، # PageV01P115 # ويقول: يا رب ثلاثا، فمن لم يفعل ذلك فهي خداج ". خرجه الترمذي وغيره. # وكذلك يشرع إظهار المسكنة في الدعاء، وخرج الطبراني من حديث ابن عباس ~~قال: رأيت النبي (يدعو بعرفة، ويداه إلى صدره كاستطعام المسكين. ومن حديثه ~~أيضا أن النبي (قال في دعائه عشية عرفة: " أنا البائس الفقير، المستغيث ~~المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل ~~إليه ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير ". # وكان بعض السلف يجلس بالليل مطرقا رأسه، ويمد يديه وهو ساكت # PageV01P116 # كحال المسكين المستعطي. وقال طاوس: دخل علي بن الحسين الحجر ليلة فصلى، ~~فسمعته يقول في سجوده: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك ~~بفنائك. قال طاوس: فحفظتهن، فما دعت بهن في كرب إلا فرج عني. وكان بعض ~~العباد قد حج ثمانين حجة على قدميه، فبينما هو في الطواف وهو يقول: يا ~~حبيبي! يا حبيبي!. فهتف هاتف: ليس ترضى أن تكون مسكينا حتى تكون حبيبا! ~~فكان بعد ذلك يقول: مسكينك مسكينك. # شعر لابن تيمية رحمه الله: # أنا الفقير إلى رب السموات ... أنا المسيكين في مجموع حالاتي # أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن جاءها من عنده يأتي # قوله (: " وأن تغفر لي وترحمني ": المغفرة والرحمة يجمعان خير الآخرة ~~كله، لأن المغفرة ستر الذنب مع وقاية شره، وقد قيل: إنه لا تجتمع المغفرة ~~مع عقوبة عليه، ولذلك سمي المغفر مغفرا، لأنه يستر الرأس ويقيه الأذى، وهذا ~~بخلاف العفو، فإنه يكون تارة قبل العقوبة وتارة بعدها. # وأما الرحمة فهي دخول الجنة وعلو درجاتها، وجميع ما في الجنة من النعيم ~~بالمخلوقات، ومن رضى الله عز وجل وقربه ومشاهدته وزيارته فإنه من رحمة الله ~~تعالى، وفي الحديث الصحيح: " إن الله عز وجل يقول للجنة: أنت رحمتي أرحم بك ~~من أشاء من عبادي ". فكل ما في الجنة فهو من رحمة الله عز وجل، وإنما تنال ~~برحمته لا بالعمل كما ms41 قال (: " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ". قالوا: ولا ~~أنت يا رسول الله؟!. قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # PageV01P117 # قوله (: " وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ": المقصود من هذا ~~الدعاء سلامة العبد من فتن الدنيا مدة حياته، فإن قدر الله عز وجل على ~~عباده فتنة قبض عبده إليه قبل وقوعها، وهذا من أهم الأدعية فإن المؤمن إذا ~~عاش سليما من الفتن ثم قبضه الله تعالى إليه قبل وقوعها وحصول الناس فيها ~~كان في ذلك نجاة له من الشر كله، وقد أمر النبي (أصحابه أن يتعوذوا بالله ~~من الفتن ما ظهر وما بطن. وفي حديث آخر: " وجنبنا الفواحش والفتن ما ظهر ~~منها وما بطن ". وكان يخص بعض الفتن العظيمة بالذكر، فكان يتعوذ بالله في ~~صلاته من أربع، ويأمر بالتعوذ منها: " أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب ~~القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال ". # ففتنة المحيا تدخل فيها فتن الدين والدنيا كلها، كالكفر والبدع والفسوق ~~والعصيان. وفتنة الممات يدخل فيها سوء الخاتمة وفتنة الملكين في القبر، فإن ~~الناس يفتنون في قبورهم مثل أو قريبا من فتنة الدجال. ثم خص فتنة الدجال ~~بالذكر لعظم موقعها، فإنه لم يكن في الدنيا فتنة قبل يوم القيامة أعظم ~~منها، وكلما قرب الزمان من الساعة كثرت الفتن. # وفي حديث معاوية عن النبي (أنه قال: " إنه لم يبق من الدنيا إلا # PageV01P118 # بلاء وفتنة ". وقد أخبر النبي (عن الفتن التي كقطع الليل المظلم، يصبح ~~الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من ~~الدنيا. # وكان أول هذه الفتن ما حدث بعد عمر رضي الله عنه، ونشأ من تلم قتل عثمان ~~رضي الله عنه، وما ترتب عليه من إراقة الدماء وتفرق القلوب وظهور فتن الدين ~~كبدع الخوارج المارقين من الدين وإظهارهم ما أظهروا، ثم ظهور بدع أهل القدر ~~والرفض ونحوهم، وهذه هي الفتن التي تموج كموج البحر المذكورة في حديث حذيفة ~~المشهور حين سأله عنها عمر، وكان حذيفة رضي ms42 الله عنه من أكثر الناس سؤالا ~~للنبي (عن الفتن خوفا من الوقوع فيها. ولما حضره الموت قال: حبيب جاء على ~~فاقة، لا أفلح من ندم! الحمد لله الذي سبق بي الفتنة! قادتها وعلوجها. وكان ~~موته قبل قتل عثمان رضي الله عنه بنحو من أربعين يوما، وقيل: بل مات بعد ~~قتل عثمان. وكان في تلك الأيام رجل من الصحابة نائما، فآتاه آت في منامه ~~فقال له: قم! فاسأل الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، ~~فقام فتوضأ وصلى، ثم اشتكى ومات بعد قليل. # PageV01P119 # وقد روي عن النبي (أنه قال لرجل: " إذا مت أنا وأبو بكر وعمر وعثمان فإن ~~استطعت أن تموت فمت "، وهذا إشارة إلى هذه الفتن التي وقعت بمقتل عثمان رضي ~~الله عنه. # والدعاء بالموت خشية الفتنة في الدين جائز، وقد دعا به الصحابة والصالحون ~~بعدهم، ولما حج عمر رضي الله عنه آخر حجة حجها استلقى بالأبطح ثم رفع يديه ~~وقال: اللهم إنه قد كبرت سني، ورق عظمي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير ~~مضيع ولا مفتون. ثم رجع إلى المدينة فما انسلخ الشهر حتى قتل رضي الله عنه. # ودعا علي ربه أن يريحه من رعيته حيث سئم منهم فقتل عن قريب. ودعت زينب ~~بنت جحش لما جاءها عطاء عمر من المال فاستكثرته وقالت: اللهم لا يدركني ~~عطاء لعمر بعدها. فماتت قبل العطاء الثاني. ولما ضجر عمر بن العزيز من ~~رعيته حيث ثقل عليهم قيامه فيهم بالحق طلب من رجل كان معروفا بإجابة الدعوة ~~أن يدعو له بالموت، فدعا له ولنفسه بالموت # PageV01P120 # فماتا. ودعي طائفة من السلف الصالح إلى ولاية القضاء، فاستمهلوا ثلاثة ~~أيام فدعوا لأنفسهم بالموت فماتوا. # واطلع على حال بعض الصالحين ومعاملاته التي كانت سرا بينه وبين ربه، فدعا ~~الله أن يقبضه إليه خوفا من فتنة الاشتهار فمات. فإن الشهرة بالخير فتنة ~~كما جاء في الحديث: " كفى بالمرء فتنة أن يشار إليه بالأصابع، فإنها فتنة ~~". # وكان سفيان الثوري يتمنى الموت كثيرا فسئل عن ذلك، فقال: ما ms43 يدريني! لعلي ~~أدخل في بدعة، لعلي أدخل فيما لا يحل لي، لعلي أدخل في فتنة، أكون قد مت ~~فسبقت هذا. # واعلم أن الإنسان لا يخلو من فتنة، قال ابن مسعود: لا يقل أحدكم: # PageV01P121 # أعوذ بالله من الفتن، ولكن ليقل: أعوذ بالله من مضلات الفتن. ثم تلا قوله ~~تعالى: (إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة) التغابن: 15. يشير إلى أنه لا يستعاذ ~~من المال والولد وهما فتنة، وفي المسند أن النبي (أمر أم سلمة أن تقول: " ~~اللهم رب محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما ~~أبقيتني ". # وقد جعل النبي (النساء والأموال فتنة، ففي الصحيح عنه (قال: " ما تركت ~~بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ". وفيه أيضا أنه (قال: " والله ما ~~الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان ~~قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم ". # وفي صحيح مسلم عنه (قال: " اتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت ~~في النساء ". وفي الترمذي أنه (قال: " لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال ". ~~وقد قال الله عز وجل: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) ~~الفرقان: 20، فالرجل فتنة للمرأة، والمرأة فتنة للرجل، والغني فتنة للفقير، ~~والفقير فتنة للغني، والفاجر فتنة للبر، # PageV01P122 # والبر فتنة للفاجر، والكافر فتنة للمؤمن، والمؤمن فتنة للكافر كما قال ~~تعالى: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوآ من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين) الأنعام: 53، وقال عز وجل: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) ~~الأنبياء: 35، فجعل كل ما يصيب الإنسان من شر أو خير فتنة، يعني أنه محنة ~~يمتحن بها، فإن أصيب بخير امتحن به شكره، وإن أصيب بشر امتحن به صبره. ~~وفتنة السراء أشد من فتنة الضراء، وقال عبد الرحمن بن عوفرضي الله عنه: ~~بلينا بفتنة الضراء فصبرنا، وبلينا بفتنة السراء فلم نصبر. وقال بعضهم: ~~فتنة الضراء يصبر عليها البر والفاجر، ولا يصبر على فتنة السراء إلا صديق. # ولما ابتلي الإمام أحمد بفتنة الضراء صبر ولم يجزع، وقال: كانت زيادة في ~~إيماني. ms44 فلما ابتلي بفتنة السراء جزع وتمنى الموت صباحا ومساءا، وخشي أن ~~يكون نقصا في دينه. ثم أن المؤمن لا بد أن يفتن بشيء من الفتن المؤلمة ~~الشاقة عليه ليمتحن إيمانه كما قال الله تعالى: (ألم " أحسب الناس أن ~~يتركوآ أن يقولوآ آمنآ وهم لا يفتنون " ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن ~~الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ") العنكبوت: 13، ولكن الله يلطف بعباده ~~المؤمنين في هذه الفتن، ويصبرهم عليها ويثبتهم فيها، ولا يلقيهم في فتنة ~~مهلكة مضلة تذهب بدينهم، بل تمر عليهم الفتن وهم منها في عافية. # وأخرج ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر مرفوعا: " إن لله ضنائن من عباده ~~يغذوهم في رحمته، ويحييهم في عافية، ويتوفاهم إلى جنته، أولئك الذين تمر ~~عليهم الفتن كقطع الليل المظلم، وهم منها في عافية ". # PageV01P123 # والفتن الصغار التي يبتلى بها المرء في أهله وماله وولده وجاره تكفرها ~~الطاعات من الصلاة والصيام والصدقة كذا جاء في حديث حذيفة، وروي عنه أنه ~~سأل النبي (، قال: إن في لساني ذربا، وإن عامة ذلك على أهلي. فقال له: " ~~أين أنت من الإستغفار؟! ". # وأما الفتن المضلة التي يخشى منها فساد الدين فهي التي يستعاذ منها، ~~ويسأل الموت قبلها، فمن مات قبل وقوعه في شيء من هذه الفتن فقد حفظه الله ~~تعالى وحماه، وفي المسند عن محمود بن لبيد عن النبي (قال: " اثنتان يكرههما ~~ابن آدم: يكره الموت، والموت خير للمؤمن من الفتن، ويكره قلة المال، وقلة ~~المال أقل للحساب ". # PageV01P124 # قوله (: " وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يبلغني حبك ". هذا ~~الدعاء يجمع كل خير، فإن الأفعال الاختيارية من العباد إنما تنشأ عن محبة ~~وإرادة، فإن كانت محبة الله ثابتة في قلب العبد نشأت عنها حركات الجوارح ~~فكانت بحسب ما يحبه الله ويرتضيه، فأحب ما يحبه الله عز وجل من الأعمال ~~والأقوال كلها، ففعل حينئذ الخيرات كلها وترك المنكرات كلها، وأحب من يحبه ~~الله من خلقه، وهذا الدعاء كانت الأنبياء عليهم السلام يدعون به كما في ~~الترمذي عن النبي (أن ms45 داود عليه السلام كان يقول: " اللهم إني أسألك حبك، ~~وحب من يحبك، وحب عمل يبلغني إلى حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي ~~وأهلي ومن الماء البارد ". وفيه أيضا أن النبي (كان يدعو: " اللهم ارزقني ~~حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يبلغني إلى حبك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله ~~قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب ". وفي ~~حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا وغيره أن النبي (كان يقول: " اللهم اجعل حبك ~~أحب الأشياء إلي، وخشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق ~~إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم فأقرر عيني من عبادتك ". # ومن كان همه طلب محبة الله عز وجل أعطاه الله فوق ما يريده من الدنيا ~~تبعا، قال بعض السلف: لما توفي داود عليه السلام أرسل الله عز # PageV01P125 # وجل إلى سليمان عليه السلام: ألك حاجة تسألني إياها؟. فقال سليمان: أسأل ~~الله أن يجعل قلبي يحبه كما كان قلب أبي داود يحبه، وأن يجعل قلبي يخشاه ~~كما كان قلب أبي داود يخشاه. فشكر الله له ذلك وأعطاه ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعده. # ومحبة الله تعالى على درجتين: إحداهما: واجبة، وهي المحبة التي توجب ~~للعبد محبة ما يحبه الله من الواجبات، وكراهة ما يكرهه من المحرمات، فإن ~~المحبة التامة تقتضي الموافقة لمن يحبه في محبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه ~~خصوصا فيما يحبه ويكرهه من المحب نفسه فلا تصح المحبة بدون فعل ما يحبه ~~المحبوب من محبة، وكراهة ما يكرهه المحبوب من محبة. وسئل بعض العارفين عن ~~المحبة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال. وأنشد: # ولو قلت لي: مت. مت سمعا وطاعة ... وقلت لداعي الموت: أهلا ومرحبا # وأنشد بعضهم: # تعصى الإله وتزعم حبه ... هذا لعمري في القياس شنيع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع # ومتى أخل العبد ببعض الواجبات، أو ارتكب بعض المحرمات فمحبته لربه غير ~~تامة، فالواجب عليه المبادرة بالتوبة، والاجتهاد في تكميل ms46 المحبة المفضية ~~لفعل الواجبات كلها واجتناب المحرمات كلها، وهذا معنى قول النبي # PageV01P126 # (: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". فإن الإيمان الكامل يقتضي ~~محبة ما يحبه الله، وكراهة ما يكرهه الله عز وجل والعمل بمقتضى ذلك، فلا ~~يرتكب أحد شيئا من المحرمات أو يخل بشيء من الواجبات إلا لتقديم هوى النفس ~~المقتضي لارتكاب ذلك على محبة الله تعالى المقتضية لخلافه. # الدرجة الثانية من المحبة: درجة المقربين، وهي أن يمتلئ القلب بمحبة الله ~~تعالى حتى توجب له محبة النوافل، والاجتهاد فيها، وكراهة المكروهات، ~~والانكفاف عنها، والرضا بالأقضية والأقدار المؤلمة للنفوس لصدورها عن ~~المحبوب، كما قال عامر بن قيس: أحببت الله حبا هون علي كل مصيبة، ورضاني ~~بكل بلية، فلا أبالي مع حبي إياه على ما أصبحت عليه ولا على ما أمسيت. وقال ~~عمر بن عبد العزيز لما مات ولده الصالح: إن الله أحب قبضه، وإني أعوذ بالله ~~أن يكون لي محبة في شيء من الأمور يخالف محبة الله. وكان يقول: إذا أصبحت ~~فمالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر.. # يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم # إن كان سركم ما قد بليت به ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم # وحسب سلطان الهوى أن يلذ فيه كل ما يؤلم. # كان عمار بن ياسر رضي الله عنه يقول: اللهم لو أعلم أنه أرضى لك عني أن ~~أرمي بنفسي من هذا الجبل فأتردى فأسقط فعلت، ولو أعلم أنه أرضى لك أن أوقد ~~نارا عظيمة فأقع فيها فعلت، ولو أعلم أنه أرضى لك عني أن ألقي نفسي في ~~الماء فأغرق نفسي فعلت، ولا أقول هذا إلا وأريد وجهك، وأنا أرجو # PageV01P127 # أن لا تخيبني وأنا أريد وجهك. # وقتل لبعض الصحابة ولدان في الجهاد، فعزاه الناس فيهما فبكى وقال: ما ~~أبكي لفقدهما، إنما أبكاني كيف كان رضاهما عن الله حيث أخذتهما السيوف. ~~وكان بعض العارفين يطوف بالبيت، فهجمت القرامطة على ms47 الناس فقتلوهم في ~~الطواف، فوصلوا إليه فلم يقطع الطواف حتى سقط من ضرب السيوف صريعا وأنشد: # ترى المحبين صرعى في ديارهم ... كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا # أقل ثمن المحبة بذل الروح: # بدم المحب يباع وصلهم ... فمن ذا الذي يبتاع بالثمن # قال بعض العارفين: إن كنت تسمح ببذل روحك في هذه الطريق، وإلا فلا تشتغل ~~بالترهات: # خاطر بروحك في هوانا واسترح ... إن شئت تحظى بالمحل الأعظم # لا يشغلنك شاغل عن وصلنا ... وانهض على قدم الرجاء وقدم # ولما كانت محبة الله عز وجل لها لوازم، وهي محبة ما يحبه الله عز وجل من ~~الأشخاص والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك، سأل النبي (الله تعالى مع محبته ~~محبة شيئين آخرين، أحدهما: محبة من يحب ما يحبه الله تعالى، فإن من أحب ~~الله أحب أحباءه فيه ووالاهم، وأبغض أعداءه # PageV01P128 # وعاداهم كما قال النبي (: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن ~~يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله ... ~~" الحديث. # وأعظم من تجب محبته في الله تعالى أنبياؤه ورسله، وأعظمهم نبيه محمد ~~(الذي افترض الله على الخلق كلهم متابعته، وجعل متابعته علامة لصحة محبته ~~كما قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم) آل عمران: 31، وتوعد من قدم محبة شيء من المخلوقين على محبته ومحبة ~~رسوله ومحبة الجهاد في سبيله في قوله تعالى: (قل إن كان آبآؤكم وأبنآؤكم ~~وإخوآنكم وأزوآجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ~~ترضونهآ أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا) التوبة: 24. # ووصف المحبين له باللين للمؤمنين: من الرأفة بهم والرحمة والمحبة لهم، ~~والشدة على الكافرين: من البغض لهم والجهاد في سبيله، فقال تعالى: (فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لآئم) المائدة: 54. # والثاني: محبة ما يحبه الله تعالى من الأعمال وبها يبلغ إلى حبه، وفي هذا ~~إشارة إلى أن درجة المحبة لله ms48 تعالى إنما تنال بطاعته وبفعل ما يحبه، فإذا ~~امتثل العبد لأوامر مولاه وفعل ما يحبه أحبه الله تعالى ورقاه إلى درجة ~~محبته كما في الحديث الإلهي الذي خرجه البخاري: " وما تقرب إلي عبدي بمثل ~~أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عندي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ". فأفضل ~~ما تستجلب به محبة الله عز وجل فعل الواجبات، وترك المحرمات، ولهذا جعل ~~النبي (من علامات وجدان حلاوة الإيمان أن يكره أن يرجع إلى # PageV01P129 # الكفر كما يكره أن يلقى في النار. وسئل ذو النون: متى أحب ربي؟. قال: إذا ~~كان ما يكرهه عندك أمر من الصبر. ثم بعد ذلك الاجتهاد في نوافل الطاعات، ~~وترك دقائق المكروهات والمشتبهات. # ومن أعظم ما تحصل به محبة الله تعالى من النوافل: تلاوة القرآن، وخصوصا ~~مع التدبر، قال ابن مسعود: لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فمن أحب ~~القرآن فهو يحب الله ورسوله. ولهذا قال النبي (لمن قال: إني أحب سورة (قل ~~هو الله أحد) لأنها صفة الرحمن. فقال: " أخبروه أن الله يحبه ". وقال أبو ~~سلمة بن عبد الرحمن: لما قدم النبي (المدينة خطب، فقال في خطبته: " إن أحسن ~~الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد ~~الكفر، واختاره على ما سواه من الأحاديث، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من ~~أحب الله، وأحبوا الله من كل قلوبكم ". # وكان بعضهم يكثر تلاوة القرآن ثم فتر عن ذلك فرأى في المنام قائلا يقول ~~له: # إن كنت تزعم حبي ... فلم جفوت كتابي # أما تدبرت ما في ... ه من لطيف عتابي # فاستيقظ وعاد إلى تلاوته. ### | ومن الأعمال التي توصل إلى محبة الله تعالى # وهي من أعظم علامات المحبين: كثرة ذكر الله عز وجل بالقلب واللسان، قال ~~بعضهم: ما أدمن أحد ذكر الله إلا وأفاد منه محبة الله تعالى. وقال ذو ~~النون: من أدمن ذكر الله # PageV01P130 # قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه. وقال بعض التابعين: علامة حب الله ~~كثرة ذكره، فإنك لن تحب شيئا إلا ms49 أكثرت ذكره. وقال فتح الموصلي: المحب لله ~~لا يجد مع حب الله للدنيا لذة، ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عين. المحبون إن ~~نطقوا نطقوا بالذكر، وإن سكتوا اشتغلوا بالفكر: # فإن نطقت فلم ألفظ بغيركم ... وإن سكت فأنتم عند إضماري # ومن علامات المحبين لله وهو ما يحصل به المحبة أيضا حب الخلوة بمناجاة ~~الله تعالى، وخصوصا في ظلمة الليل: # الليل لي ولأحبابي أسامرهم ... قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا # قال الفضيل: يقول الله عز وجل: كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام ~~عني، أليس كل حبيب يجب الخلوة بحبيبه، ها أنا مطلع على أحبابي إذا جنهم ~~الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم، ومثلت نفسي بين أعينهم، فخاطبوني على ~~المشاهدة، وكلموني على حضوري، غدا أقر عين أحبابي في جنتي: # تنام عيناك وتشكو الهوى ... لو كنت صبا لم تكن نائما # قلوب المحبين جمرة تحت فحمة الليل، كلما هب عليها نسيم السحر التهبت، ~~وأنشد: # يذكرني مر النسيم عهودكم ... فأزداد شوقا كلما هبت الريح # أراني إذا ما أظلم الليل أشرقت ... بقلبي من نار الغرام مصابيح # كلما جن الغاسق حن العاشق: # لو أنك أبصرت أهل الهوى ... إذا غابت الأنجم الطلع # فهذا ينوح على ذنبه ... وهذا يصلي وذا يركع # PageV01P131 # من لم يكن له مثل تقواهم لم يدر ما الذي أبكاهم، ومن لم يشاهد جمال يوسف ~~لم يدر ما الذي آلم قلب يعقوب. وسئل السري السقطي عن حاله فأنشد: # من لم يبت والحب حشو فؤاده ... لم يدر كيف تفتت الأكباد # أين رجال الليل؟! أين ابن أدهم والفضيل! ذهب الأبطال وبقي كل بطال، يا من ~~رضي من الزهد بالزي، ومن الفقر بالاسم، ومن التصوف بالصوف، ومن التسبيح ~~بالسبح، أين فضل " الفضيل "؟! أين جد " الجنيد "؟! أين سر " السري "؟! أين ~~بشر " بشر "؟! أين همة " ابن أدهم "؟! ويحك إن لم تقدر على معرفة " معروف " ~~فاندب على ربع " رابعة " وأنشد: # هاتيك ربوعهم وفيها كانوا ... بانوا عنها فليتهم ما بانوا # ناديت وفي حشاشتي نيران: ... يا دار متى تحول السكان؟! # يا من كان له قلب ms50 فانقلب، يا من كان له وقت مع الله فذهب، قيام الأسحار ~~يستوحش لك، صيام النهار يسأل عنك، ليالي الوصال تعاتبك على انقطاعك: # تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا ... وأظهرتم الهجران ما هكذا كنا # وأقسمتم أن لا تحولوا عن الهوى ... فقد وحياة حلتم وما حلنا # ليالي كنا نجتني من ثماركم ... فقلبي إلى تلك الليالي لقد حنا # إخواني! مجالس الذكر شراب المحبين، وترياق المذنبين (قد علم كل أناس ~~مشربهم) البقرة: 60، مجالس الذكر مآتم الأحزان، فهذا يبكي لذنوبه، وهذا ~~يندب لعيوبه، وهذا يتأسف على فوات مطلوبه، وهذا يتلهف لإعراض محبوبه، وهذا ~~يبوح بوجده، وهذا ينوح على فقده، وأنشد: # PageV01P132 # ما أذكر عيشنا الذي قد سلفا ... إلا وجف القلب وكم قد وجفا # واها لزماننا الذي كان صفا ... بل واأسفا لفقده واأسفا # غيره: # يا ليتنا بزمزم والحجر ... يا جيرتنا قبيل يوم النفر # فهل يعود ما مضى من عمري ... ما كنت أدري يا ليتني لا أدري # كأني أرى الخلع خلعت على المقبولين، كأني أرى الملائكة تصافح التائبين، ~~تعالوا نبكي على المطرودين: # ما زلت دهرا للقا متعرضا ... ولطالما قد كنت عنا معرضا # جانبتنا دهرا فلما لم تجد ... عوضا سوانا صرت تبكي ما مضى # لو كنت لازمت الوقوف ببابنا ... للبست من إحساننا خلع الرضا # لكن تركت حقوقنا وهجرتنا ... فلذاك ضاق عليك متسع الفضا # تم بحمد الله وحسن توفيقه. PageV01P133 ms51